######OpenITI# #META# ad: 99999 #META# الناشر: دار البشير #META# ndata: كتاب الع877ED754له وحده. #META# auth: الرقام البصري #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: العفو والاعتذار ¶ المؤلف: أبو الحسن محمد بن عمران العبدي المعروف بالرقام البصري صاحب ابن دريد ¶ المحقق: الدكتور عبد القدوس أبو صالح ¶ الناشر: دار البشير ¶ الطبعة: الثالثة 1414 هـ - 1993 م ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] ¶ مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: أبو الحسن محمد بن عمران العبدي المعروف بالرقام البصري صاحب ابن دريد #META# higrid: ؟؟؟؟ #META# Lng: الرقام البصري #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 2 #META# الكتاب: العفو والاعتذار #META# مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] #META# authno: 3771 #META# cat: الرقاق والآداب والأذكار #META# authinf: أبو الحسن محمد بن عمران العبدي المعروف بالرقام البصري ¶ صاحب ابن دريد #META# bkid: 33734 #META# المحقق: الدكتور عبد القدوس أبو صالح #META# ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 578 #META# bk: العفو والاعتذار #META# bkord: 7965 #META# archive: 23 #META# iso: العفو والاعتذار #META# comp: 1 #META# الطبعة: الثالثة 1414 هـ - 1993 م #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# ### | AUTO الجزء الأول من كتاب العفو والاعتذار تأليف أبي الحسن محمد بن ~~محمد بن عمران البصري PageV01P025 ### || AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # (1) باب العفو والاعتذار # قال الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد بن عمران البصري: اعلم أن العفو من ~~الله عز وجل عن العباد تجافيه [.. .. .. .. ..] وهو من العباد ستر بعضهم ~~على بعض. يقال: ((عافى الله فلانا)) أي: أعفى الله فلانا. كما يقال: ~~((قاتله الله)) أي: قتله الله. ومعنى ((أعفاه الله)) أي جعل له استطاعة ~~يعفو بها، أي: يلبس بها العافية وأصل PageV01P027 ~~((الاعتذار)) من ((عذرت الدابة))، و((عذرته)) أي: جعلت/ له عذارا يحجزه عن ~~الشراد. # فقولهم: ((اعتذر الرجل فعذرته)) أي: احتجز بالقول وغيره مما قذف به من ~~الجناية، ((فعذرته)) أي: جعلت له بقبول ذلك منه حاجزا بينه وبين العقوبة أو ~~العتب عليه. يقال: ((عذرته أعذره عذرا ومعذرة وعذرة وعذرى)) قال الشاعر: PageV01P028 # قالت هنيدة لما جئت زائرها ... هلا رميت ببعض الأسهم السود PageV01P029 ~~لله درك إني قد رميتهم ... لكن حددت ولا عذرى لمحدود # ويقال في المثل: ((العذرة طرف البخل)) أي: الاعتذار. وفي المثل: ((أبى ~~الحقين العذرة)) يضرب للرجل يعتذر/ بأن ليس عنده وهو عنده. وأصله أن رجلا ~~ضاف قوما، وقد حقنوا لبنا لهم، فاعتذروا إليه، وقالوا: ليس عندنا ما نقريك. ~~فقال: أبى الحقين العذرة، أي: اللبن الذي حقنتموه يأبى اعتذاركم إلي ألا ~~شيء عندكم. يقال: ((اعتذرت من الذنب)) و((تعذرت منه)) بمعنى واحد. وقال ~~الشماخ يصف ناقة: # كأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد الشباب حاولت أن تعذرا PageV01P030 ~~أي: تعتذر. وقال آخر في مثله: # كأن يديها حين يقلق غرضها ... يدا نصف غيرى تعذر من جرم # أي: تعتذر. وقولهم: ((تعذر علي الأمر)) و((تعذرت/ الحاجة)) من هذا، أي: ~~احتجز أن يقضى. ويقال: إن البكر من النساء سميت ((عذراء)) لأنها متعذرة ~~الإتيان. ويقال: سميت ((عذراء)) لأنها بعذرتها بعد. و((العذرة)): الحاجز من ~~اللحم والدم الذي يشد مسلكها. يقال: ((فلان أبو عذرة فلانة وأبو عذرها)) ~~إذا كان هو افتضها، ففرج تلك العذرة. وأكثر ما يقال: ((عذراء)) للبكر التي ~~قد بلغت مبلغ النكاح، ألا ms001 ترى قول النابغة: PageV01P031 # فنكحن أبكارا وهن بإمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار # أي: البلوغ الذي يكن به عذارى. وإنما يصف نساء/ سبين، فنكحن غصبا قبل أن ~~يظن لهن أنهن عذارى. ويقال: ((الإعذار)) -ها هنا-: الختان. يقال: ((أعذرت ~~الغلام)) إذا ختنته. فمن زعم أن ((الإعذار)) في بيت النابغة: الختان رواه: # *فنكحن أبكارا وهن بآمة* # أي: بعيب، لأنهن غير مطهرات. و((الآمة)) بهمزة ممدودة، وهي -ها هنا- ~~العيب. قال عبيد: # مهلا أبيت اللعن مهلا ... إن فيما قلت آمة # ومن روى: ((بإمة)) مشددة الميم بهمزة واحدة مكسورة فإنه أراد: النعمة. PageV01P032 # يقال: ((أعذرت الجارية والغلام إعذارا)) إذا قطعت ذلك منهما./ ويقال للطعام ~~الذي يعمل في الختان: ((الإعذار)) قال الراجز: # كل الطعام تشتهي ربيعة ... الخرس والإعذار والنقيعة # ويقال للأتراب من الناس: ((هم عذار عام واحد)). ويسمى سقوط الحنك الأعلى ~~على الأسفل حتى يحجز اللهاة أن يسوغ في الحلق طعام أو شراب: ((العذرة)) وهو ~~الداء الذي يعالج منه النساء الصبيان برفع لهواتهم بالإصبع. وقد نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال لأم قيس بنت محصن: ((لا تعذبن أولادكن ~~بالدغر)) أي: برفع PageV01P033 ~~اللهاة، وأمرها أن تدخن الصبي بالعود الهندي. يقال: ((عذرت/ الصبي أعذره ~~عذرا)) إذا رفعت عذرته بإصبعك، قال جرير: # غمز اين مرة يا فرزدق كينها ... غمز الطبيب نغانغ المعذور # ((النغانغ)): لحم اللهاة، واحدها ((نغنغ)). و((العذرة)) خصلة الشعر التي ~~بين معرفة الدابة وناصيته من هذا لأنها حد حاجز بين شيئين، قال العجاج: # *ينفضن أفنان السبيب والعذر* PageV01P034 # ويقال لفناء الدار: ((عذرة)). قال الحطيئة يهجو قومه: # لعمري لقد جربتكم فوجدتكم ... قباح الوجوه منتني العذرات # / يريد منتني الأفنية بما يطرحون فيها من الأقذار. وقال كثير: # إذا سلف منا مضى لسبيله ... حمى عذرات الدار من يتخلف # وفي الحديث: ((اليهود أنتن خلق الله عذرة)) يريد أفنية. وإنما سمي ما ~~يخرج من الإنسان: ((عذرة)) من هذا، أنهم كانوا يطرحونه بأفنية الدور، فسمي ~~باسم الموضع الذي يلقى فيه، كما سميت المزادة التي يحمل فيها الماء ~~((راوية)). وإنما ((الراوية)): الجمل الذي يحمل مزادة الماء فسميت باسم الجمل. ms002 # و((العذارة)): القطعة المستطيلة من الأرض، قيل لها/: ((عذار)) كأنها حاجز ~~بين شيئين، ويجمع ((عذر)). وينشد أصحاب المعاني أبياتا لا أدري لمن هي؟.. فيها: PageV01P035 # عذبوا شمسهم يومهم ... بتباريح فآبت في عذر # يريد: أن هؤلاء القوم أثاروا الغبار فطمسوا به عين الشمس يومهم أجمع، ~~فكأن الشمس لكثرة الغبار المتكاثف الذي قد غطاها ((آبت في عذر)) أي: قطع من ~~الأرض مستطيلة، فكأنها معذبة بسترهم إياها. و((عذارا دجلة)): جانباها ~~اللذان يحجزان الماء فيها أن يفيض على وجه الأرض. # و((العاذر)): ميسم من مياسم الإبل، قال الفرزدق: # وكم من قلوص قد تمششت نقيها ... إليك بها في موضع الرحل عاذر PageV01P036 ~~وإنما سمي هذا الميسم ((عاذرا)) أن بني الأب يكون ميسم أبيهم واحدا ما لم ~~يقتسموها، فإذا وقعت القسمة قال أحدهم لصاحبه: ((أعذر عني))، أي: سم ميسما ~~يعرف به إبلي من إبلك. فكأن قول بعضهم لبعض: ((أعذر عني)): اجعل لنفسك ~~علامة تكون حجازا بين إبلي وإبلك. ويجمع ((عاذر))هنا على ((عواذير))، قال ~~أبو وجزة السعدي: # إذ الحي والحوم الميسر وسطنا ... وإذ نحن في حال من العيش صالح # وذو حلق يقضي العواذير بينه ... يلوح بأخطار عظام اللقائح # / فقوله: ((يقضي العواذير بينه))، أي: يعرف كل إنسان إبله، فتحجزه عن إبل ~~أخيه.. يدل على ما فسرت من اشتقاقه. قال الآخر -وأحسبه محدثا-: PageV01P037 # فخذ القليل من البخيل وذمه ... إن البخيل بما أتى معذور # ((معذور ها هنا: موسوم السمة التي تسمى ((عاذرا))، لا يريد: ((معذور)) من ~~العذر. ويقال: إن ((معذورا)) ها هنا من ((عذار الدابة)). ويسمى موضع العذار ~~من الدابة: ((المعذر))، قال امرؤ القيس: # حر المعذر أشرفت حجباته ... ينضو السوابق زاهق فرد # وموضع العذار من الدابة من الإنسان يقال له: ((العذار))./ يقال: ((غلام ~~معذر)) إذا نبت الشعر على عذاره. # ويجوز أن يكون سمي ذلك الموضع ((عذارا)) لأنه حد للشعر لا يتجاوزه، قال ~~الشاعر -وهو جرير-: # أجدك لا يصحو الفؤاد المعلل ... وقد لاح من شيب عذار ومسحل PageV01P038 ~~و((العذرة)): عذرة الجوزاء، وهي خمسة كواكب بيض أسفل من الشعرى العبور في ~~المجرة تقابل سهيلا، سميت ((عذرة)) -فيما ms003 أرى- لأنها آخر كواكب، قال ~~الساجع: ((إذا طلعت العذرة، لم يبق بعمان بسرة، إلا رطبة أو تمرة)). ويقال ~~للجوزاء: ((العذراء)) بما فيها من الكواكب/ التي يقال لها: ((عذرة ~~الجوزاء))، كما يقال: ((فتاة عذراء)) إذا كانت بعذرتها، ويقال: سميت ~~الجوزاء ((العذراء)) لأنها في صورة إنسان على كرسي، وعليه تاج. قال الشاعر ~~يصف ديارا خربت بنوء العقرب وبنوء الجوزاء.. برياح نوء هذه، وأمطار نوء تلك: # كساهن أري القلب أهداب ثوبه ... ولم تدع العذراء فيهن معلما # ((الأري)): عسل النحل، يقال: ((أرت النحل تأري أريا)). PageV01P039 # وقال بعض اللصوص يذكر تعفيتها الآثار: # جزى العذراء عنا الله خيرا ... كما أغنت عن الحبل الجذيم # هذا لص كان يخاف أن يقص أثره فكان يجر خلفه/ حبلا مقطعا ليعفي أثره، فلما ~~طلعت الجوزاء استغنى بتعفية نوئها الآثار عن الحبل. ويقال: أراد الحبل الذي ~~يصعد به النخل، يقول: هي تنثر الرطب بشدة الريح في نوئها، فتغني عن ارتقاء ~~النخل بالحبل. PageV01P040 # ويقال: ((عذرت في الأمر -إذا لم يبالغ فيه- تعذيرا، فأنا معذر)). وفي ~~القرآن: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم}. و((أعذرت في الأمر)) إذا ~~أتيت فيه ما يكون لك به عذر، وإن لم تبلغ كل إرادتك. وقد قرئ ((المعذرون)) ~~بالتخفيف./ وفي الحديث: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم))، أي: إذا ~~نزل بهم بلاء يعلمون أنهم قد استحقوه بسوء فعلهم، ولم يقولوا: لم نعذر ولم ~~ننذر، أي: يعذرون الذي يعذبهم. # ويقال: ((أعذرت إلى فلان في كذا)) إذا تقدمت إليه على جهة PageV01P041 ~~النهي والزجر فعذر، أي قبل نهيي وزجري، فالزاجر هو ((المعذر)) والمزجور هو ~~((العاذر)). قال الأخطل: # فإن تك حرب ابني نزار تواضعت ... فقد عذرتنا في كلاب وفي كعب # وقال جرير: # أعذرت في طلب النوال إليكم ... لو كان من ملك النوال ينيل # ((أعذرت)) أي: بلغت عذرا في طلبي النوال إليكم وإن لم تنيلوا. # وإذا قلت أعذرت إلى الرجل بمعنى زجرته، فقبل زجري قلت: ((هو عاذر ~~وعذيري)). مخرجه: أسمعته فهو سامع وسميع، وأعلمته فهو عالم وعليم. وكذلك ~~((عذيرك)): الذي قد وعى نهيك وزجرك له إذا ms004 أعذرت إليه. قال عمرو بن معد يكرب: PageV01P042 # أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد # كأنه قال: إنه منهيك، أو ازجر مزجورك، وهو ((العذير)) على ما بينت من ~~اشتقاقه. وقال ذو الإصبع العدواني: # عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض # وجرى: ((عذيرك من فلان، وعذيري من فلان)) في كلامهم نصبا مجرى المثل ~~المبني، ويقال: إن نصبه على معنى المصدر مثل قولهم: رويدك، وقوله: (فضرب ~~الرقاب)، ومعناه: التوجع لمن توده من تركه قبول نهيك وزجرك له حين تنهاه ~~إذا أعذرت إليه. PageV01P043 # فأما قول العجاج: # *جاري لا تستنكري عذيري* # فإنه يريد: حالي التي أنا فيها، وهو يرجع إلى تأويل الأول. وكذلك قول عدي ~~بن زيد: # إن ربي لولا تداركه الملك وأهل العراق ساء العذير # والأفصح في هذا أن يقال: ((عذيري من فلان)). كذا جاءت هذه اللفظة، وسمعت ~~عن فصحاء العرب، لا كما يقول من لا معرفة له باللغة: ((من عذيري من فلان، ~~يا من عذيري منه)). قال: PageV01P044 # عذيري من سعد بن زيد وجندع ... كما تركاني بين هرشى وودان # وقال حارثة بن بدر الغداني: # عذيري من أخ إن أدن شبرا ... يزدني من مباعدة ذراعا # ونحو: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)) قول الأخطل: PageV01P045 # وما تركت أسيافنا حين جردت ... لأعدائنا قيس بن عيلان من عذر # يقول: حين أوقعنا بهم لم نأتهم ختلا، ولا طرقناهم ليلا فيكون لهم عذر، ~~يقولون: لو علمنا لم يوقع بنا، بل لقيناهم مجاهرة وهم يعلمون. # وهذا مثل قول الآخر: # إذا نصبنا لقوم لا ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع # وقد قيل في بيت الأخطل غير هذا، يقول: قتلنا منهم ولم يقتلوا منا فيكون ~~لهم بذلك عذر إذا/ فاخرناهم. # فأما قول حاتم الطائي: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر PageV01P046 ~~ف ((عذر)) ها هنا جمع ((عذور)). ويقال: ((رجل عذور)) إذا كان ضيقا سيئ ~~الأخلاق، كأنه يحتجز بسوء الخلق أن يسأل ما عنده. قال متمم ابن نويرة يرثي أخاه: # لا يضمر الفحشاء تحت ثيابه ... حلو حلال ms005 المال غير عذور # وقال آخر: # إذا نزل الأضياف كان عذورا ... على الأهل حتى تستقل مراجله # ويقال: ((اعتذر المنزل)) إذا خلا من أهله وما فيه، وتنكر. قال ابن أحمر: PageV01P047 # .. .. فقد جعلت أطلال إلفك بالودكاء تعتذر # وقال المخبل السعدي: # لم تعتذر منها مدافع ذي ... ضال ولا عقب ولا الزخم # أي: لم تنكر لبعد الأنس منها فيكون تنكرها حاجزا للملم بها والمقيم فيها. # فهذا الذي من هذه الألفاظ على اختلاف معانيها في الظاهر ورجوعها كلها إلى ~~معنى يدل على ما بينت لك أن أصل ((الاعتذار)) PageV01P048 ~~وما جانسه في اللفظ -وإن باينه في ظاهر المعنى- مشتق من ((عذار الدابة أو ~~عذرة/ الدار)) أي: فناؤها الحاجز بينها وبين غيرها. # ويجوز أن تكون هذه الألفاظ التي بينت أنها ترجع إلى معنى واحد بعضها مشتق ~~من بعض ليس فيها لفظة هي أولى أن تكون أصل الاشتقاق من صاحبتها. وليس يكاد ~~أن يكون الاعتذار من الرجل إلى صاحبه إلا وهو بريء من الذنب الذي قرف به. ~~ألا تسمع إلى قول أمية بن أبي الصلت حين احتضر: ((لا بريء فأعتذر، ولا PageV01P049 ~~قوي فأنتصر)) فأخبر أن الاعتذار لا يكون إلا للبريء، وكذلك قول ابن ~~الدمينة: # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به حيرة حتى يقال: مريب # وهذا الاشتقاق كاف بحمد الله. أعاذنا الله وإياك من ظلمة الشك وجلا ~~قلوبنا بنور اليقين، إنه على كل شيء قدير. PageV01P050 ### || AUTO (2) باب تورية الملوك عن ذنوب ذوي الجنايات محبة للعفو لهم عنها # حدثني سوار بن أبي شراعة قال: حدثني الرياشي قال: حدثنا إبراهيم بن بشار ~~الرمادي عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: سمعت أبا سعيد الأعمى يحدث عن ~~عطاء بن أبي رباح، عن أبي أيوب الأنصاري أنه رحل إلى مصر إلى عقبة بن عامر ~~الجهني يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى مصر ~~مسلمة بن مخلد. PageV01P051 # فلما قدم أبو أيوب مصر أخبر مسلمة بن مخلد بقدومه، ms006 فخرج إليه فاستقبله ~~إكراما له، لأنه صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصافحه، وقال: ~~ما جاء بك أبا أيوب؟ قال: أرسل معي من يدلني/ على منزل عقبة بن عامر ~~الجهني، فأرسل معه من يدله، فلما أخبر عقبة بقدوم أبي أيوب بادر فخرج إليه، ~~إكراما له، وصافحه، وسلم عليه، وعانقه وقال:ما جاء بك أبا أيوب؟ قال حديث ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه منه غيري وغيرك! ~~قال: ما هو؟ قال: في الستر على المؤمن. قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: ((من ستر على أخيه المؤمن خزية في الدنيا ستر الله عليه ~~يوم القيامة قال: ثم انثنى أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعا، فما أدركته ~~جائزة/ مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر. PageV01P052 # زيادة: أملى علينا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي قال: حدثنا عيسى ~~بن إبراهيم الغافقي -ويعرف بابن مثرود- قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن ~~جريج قال: سمعت أبا سعيد الأعمى يحدث عن عطاء بن أبي رباح عن أبي أيوب ~~الأنصاري، فذكر نحوه. # حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سعيد البهراني قال: حدثنا سهل بن ~~الأزهر قال: حدثنا أبو الخطاب قال: حدثنا مالك بن سعيد قال: حدثنا الأعمش ~~عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من ~~ستر على مسلم عورة ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على مسلم يسر الله ~~عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن ~~أبطأ به PageV01P053 ~~عمله لم يسرع به نسبه ومن نفس عن نفس كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة، ومن أقال مسلما عثرته أقاله الله عثرته يوم القيامة)). إلى هنا ~~الزيادة. # وحدثني سوار قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا عكرمة ~~بن عمار عن شداد بن عبد الله عن أبي أمامة -وكان من أصحاب الصفة- قال: ~~((بينما/ أنا قاعد مع ms007 رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد جاءه رجل ~~فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، ! فسكت عنه رسول الله، ثم قال: ~~يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، ثلاث مرار. وأقيمت PageV01P054 ~~الصلاة، فلما انصرف اتبعه الرجل. قال أبو أمامة: فاتبعته أنظر ما يرد عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه ~~علي. فقال له: ألست حين خرجت من بيتك قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى، ~~قال: وشهدت الصلاة؟ قال: نعم. قال: إن الله قد غفر لك حدك)). # حدثنا أبو عمران موسى بن زكريا التستري قال: حدثنا سليمان بن حرب عن جرير ~~عن يعلى بن حكيم عن أبيه عن ابن عباس قال: ((أتى ماعز بن مالك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله إني زنيت قال: لعلك لمست أو مسست أو ~~غمزت؟ قال: لا، بل زنيت فأعادها عليه ثلاثا، فلما كان في الرابعة رجمه. # حدثنا أبو عمران قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا القاسم بن PageV01P055 ~~الحكم عن التوزي عن علي بن الأقمر عن يزيد بن أبي كبشة أن أبا الدرداء أتي ~~بامرأة سرقت، فقال: سرقت؟.. قولي: لا!.. # حدثنا الجوهري عن/ ابن شبة قال: حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا شريك عن ~~جابر عن داود بن سليمان عن مولى لأبي مسعود البدري أن أبا مسعود أتي برجل ~~سرق بعيرا فقال: قل: وجدته فقال: وجدته، فخلى سبيله!.. # حدثني أبي قال: حدثني السجستاني قال: حدثنا الأصمعي قال: جاؤوا زيادا ~~بلص، وعنده جماعة فيهم الأحنف، فانتهروه، PageV01P056 ~~وقالوا: اصدق الأمير. فقال الأحنف: إن الصدق أحيانا معجزة فأعجب ذلك زيادا، ~~وقال: جزاك الله خيرا. # حدثني أبي عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبيه قال: قال أبو العاج: يا بن ~~أصمع! والله لئن أقررت لألزمنك، أي:لا تقر. # حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وحدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي عن ~~الزبير بن بكار عن عمه -دخل حديث بعضهم في بعض- قالا: شبب عبد الرحمن بن ~~حسان ms008 بن ثابت الأنصاري بأخت معاوية، فغضب يزيد ابنه، فدخل على معاوية فقال: ~~يا أمير PageV01P057 ~~المؤمنين! أقتل عبد الرحمن بن حسان؟ قال: ولم؟ قال: إنه شبب بعمتي. قال: ~~وما قال؟ قال: قال: # طال ليلي وبت كالمحزون ... واعترتني الهموم في جيرون # قال: يا بني! ما علينا من طول ليلته وحزنه؟ قال: فإنه يقول: # ولذاك اغتربت بالشام حتى ... ظن قومي مرجمات الظنون # قال: يا بني! ما علينا من ظن أهله؟ قال: فإنه يقول: # وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ... ميزت من جوهر مكنون PageV01P058 ~~قال: صدق يا بني! هي كذلك. قال: فإنه يقول: # وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون # قال: صدق يا بني! هي كذلك. قال: فإنه يقول: # ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء ... تمشي في مرمر مسنون # قال: لا, ولا كل هذا. ثم ضحك وقال: وما قال أيضا قال: قال: # قبة من مراجل ضربوها ... عند حد الشتاء في قيطون # عن يساري إذا دخلت من الباب ... وإن كنت خارجا عن يميني # تجعل الند والألوة والمسك صلاء ... لها على الكانون PageV01P059 ~~وقباب قد أشرجت وبيوت ... نطقت بالريحان والزرجون # فقال معاوية: يا بني! ليس يجب القتل في هذا, والعقوبة تغريه فيزيد, ولكنا ~~[نكفه] بالتجاوز عنه والصلة له. # فلما رأى يزيد أن معاوية غير معاقب لعبد الرحمن عمل في هجاء الأنصار, كما ~~شبب صاحبهم بعمته. فبعث إلى كعب بن جعيل التغلبي فقال له: اهج الأنصار, ~~فقال له كعب: أرادي أنت بعد الإسلام إلى الكفر/ أأهجو قوما آووا رسول الله ~~ونصروه؟ ولكني أدلك على غلام منا كافر ماهر يقال له: غياث بن غوث, لو مزج بشر PageV01P060 ~~لسانه ماء البحر لمزجه، يعني الأخطل، فوجه يزيد إلى الأخطل، فأمره بهجاء ~~الأنصار فقال: # لعن الإله من اليهود عصابة ... بالجزع بين حلاحل وصرار # قوم إذا هدر العصير رأيتهم ... حمرا عيونهم من المصطار # ذهبت قريش بالسماحة والندى ... واللؤم تحت عمائم الأنصار # فذروا المعالي لستم من أهلها ... وخذوا مساحيكم بني النجار # إن الفوارس يعرفون ظهوركم ... أولاد كل مسحج أكار PageV01P061 ~~وإذا نسبت ابن الفريعة ms009 خلته ... كالجحش بين حمارة وحمار # يعني: حسان، وفيها يمدح يزيد: # وترى عليه إذا العيون شزرنه ... سيما الحليم ورهبة الجبار # فغضب النعمان بن بشير الأنصاري حين بلغه، فدخل على معاوية، فأنشد: PageV01P062 # معاوي إلا تعطنا الحق تعترف ... لحى الأزد مشدودا عليها العمائم # أيشتمنا عبد الأراقم ضلة ... فماذا الذي تجدي عليك الأراقم # فمالي ثأر غير قطع لسانه ... فدونك من ترضيه عنك الدراهم # وإلا فبزي لأمة تبعية ... مواريث آباء وأبيض صارم # قال: ثم حسر عن عمامته فقال: هل ترى لؤما؟ قال/ له معاوية: ما أرى إلا ~~كرما وخيرا. قال: فإن الأخطل زعم أن اللؤم تحت عمائم الأنصار، وأنشده ~~البيت.. فقال: هو لك. فذهب الأخطل إلى يزيد بن معاوية فقال: أمرتني بهجائهم ~~حتى إذا هجوتهم وهبني أبوك لهم، فقال PageV01P063 ~~له يزيد: فاهجني حتى يصير لي فيك نصيب فأعفو عنك فإنهم يعفون. فقال: # اسلم سلمت أبا خالد ... وحياك ربك بالعنقز PageV01P064 ~~أكلت الدجاج فأفنيته ... فهل في الخنانيص من مغمز # فدينك حقا كدين الحمار بل أنت أكفر من هرمز # فقال له يزيد: ويحك لم أرك تبلغ بي هذا! جعلتني نصرانيا/ قال: ثم شكاه ~~إلى أبيه, فقال: هو لك مع القوم, فلما اجتمعوا لقطع لسانه وهب يزيد, ~~واستحيوا فوهبوا, فقال يزيد في ذلك: # دعا الأخطل الملهوف بالبشر دعوة ... فإني مجيب جئت لما دعانيا # فدافع عنه مدفع الخصم مشهدي ... وألسنة الواشين عنه لسانيا PageV01P065 ~~وقال الأخطل يمدح يزيد, ويذكر تخليصه إياه من النعمان بن بشير: # أبا خالد دافعت عني عظيمة ... وأدركت لحمي قبل أن يتبددا # وأطفأت عني نار نعمان بعدما ... أعد لأمر فاجر وتجردا # ولما رأى النعمان دوني ابن حرة ... طوى الكشح إذ لم يستطعني وعردا # فبات نجيا في دمشق لحية ... إذا عض لم ينم السليم وأقصدا PageV01P066 ~~ودافعت عني يوم جلق معشرا ... وهما ينسيني الشراب المهودا # فلولا يزيد ابن الملوك وسيبه ... تجللت حدبارا من الشر أنكدا # فأقسمت لا أنسى يزيد وسيبه ... غداة السيالى ما أساغ وزودا # وما وجدت فيها قريش لأمرها ... أعف وأوفى من أبيك وأجلدا # وأورى بزنديه ولو كان غيره ms010 ... غداة اختلاف الرأي أكبى وأصلدا PageV01P067 ~~وكان الأخطل لا يزال يشكر يزيد على فعلته, وربما اعتد على بني أمية, وامتن ~~بأنه هجا عنهم الأنصار. فمن شكره لهم: # لألجأتني قريش خائفا وجلا ... ومولتني قريش بعد إقتاري # المنعمون بني حرب وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري # بهم تكشف عن أحيائهم ظلم ... حتى ترفع عن سمع وإبصار # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار PageV01P068 ~~ومن اعتداده عليهم قوله: # بني أمية قد ناضلت دونكم ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا # دافعت عنكم بني النجار قد علمت ... عليا معد وكانوا طالما هدروا # وفي الشعر: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # حشد على الحق عيافو الخنا أنف ... إذا ألمت بهم مكروهة صبروا PageV01P069 ~~وفيه: # إن الضغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعر يكمن حينا ثم ينتشر # ويقال: إن معاوية إنما وجه تشبيب عبد الرحمن بن حسان برملة إلى أجمل ~~جهاته اتباعا لمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه -حين صرف هجاء النجاشي ~~وهجاء الحطيئة للزبرقان إلى أحسن وجوهه إيثارا للعفو. فإنه يروى أن بني ~~العجلان استعدوه على PageV01P070 ~~النجاشي فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا, فقال: ما قال؟ قالوا: قال: # إذا الله عادى أهل لؤم ودقة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # فقال عمر: ما أرى بأسا! الله لا يعادي مسلما. قالوا: فإنه يقول: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل PageV01P071 ~~قال: وددت لو أن آل الخطاب كانوا كذا. قالوا: فإنه يقول: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # قال: هو أصفى للماء, وأقل للزحام. قالوا: فإنه يقول: # وما سمي العجلان إلا بقوله ... خذ القعب فاحلب أيها العبد واعجل # قال: خادم القوم سيدهم. # وكذلك قال للزبرقان حين استعداه على الحطيئة فقال: هجاني, فقال: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فقال: ما أراه قال بأسا, جعلك طاعما كاسيا. فقال الزبرقان: أو ما في PageV01P072 ~~إلا أن أن أطعم وأكتسي./ ثم سأل حسان, فقال: ما هجاه ولكن سلح ms011 عليه. قلت ~~أنا: وعمر رضي الله عنه أعلم من حسان بما في هذا البيت من الهجاء, وإنما ~~تساهى عنه إرادة للعفو والتغبيب عن الجاني, ولكي لا تجب عليه عقوبة, ولا ~~يلحق المهجو سبة. # وخبر الزبرقان والحطيئة قد كتبته في باب العفو عن جرائم الهاجين للأشراف ~~مستقصى. # فمن تورية عمر -رحمه الله- عن الذنوب ما يروى عنه في أمر المغيرة بن شعبة. # حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا ~~الحكم بن موسى النسائي, / قال: حدثنا يحيى بن حمزة قاضي دمشق عن إسحق بن ~~أبي فروة عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أنه حدثه عن مصعب بن سعد قال: انطلق PageV01P073 ~~أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع وزياد أخوهم فبينما هم يختلفون إلى المغيرة بن ~~شعبة, وكانوا ذوي حصاة في الرأي وكانوا لا يحجبون عنه, فدخل عليه أبو بكرة ~~ونافع وابن معبد وزياد فوجدوه في ثياب امرأة. فقدم أبو بكرة ونافع وابن ~~معبد نحو عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا لنشهد على المغيرة لوجدناه بين PageV01P074 ~~رجلي امرأة, فتقدم أبو بكرة فقال:/ أرأيته؟ قال: نعم! والله لكأني أنظر إلى ~~تشريم جدري بفخذيها فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر. فقال: لم آل أن أثبت ~~ما يخزيك الله به. قال عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج ~~الميل في المكحلة. قال: نعم أشهد على ذاك. قال: اذهب مغيرة ذهب ربعك. ثم ~~دعا نافعا فقال: علام تشهد؟ قال: على مثل شهادة صاحبي أبي بكرة قال: لا.. ~~حتى تشهد أنه يلج فيها ولوج الميل في المكحلة. قال: نعم. قال: اذهب PageV01P075 ~~عنك مغيرة ذهب نصفك. ثم دعا ابن معبد فقال: علام تشهد؟ قال: على مثل/ شهادة ~~صاحبي. قال: علي بن أبي طالب عليه السلام: اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة ~~أرباعك. # قال: وذهب المغيرة يبكي إلى المهاجرين حتى بكوا وبكى إلى أزواج النبي ~~-صلى الله عليه- حتى بكين معه, وحتى لا يجالس هؤلاء الثلاثة من أهل المدينة أحد. # قال: ثم كتب ms012 عمر إلى زياد فقدم على عمر, فلما رآه جلس له في المسجد, ~~واجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار. قال المغيرة: ومعي كلمة قد رفعتها ~~لأحلم القوم. قال: فلما رآه عمر مقبلا قال: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على ~~لسانه رجلا من المهاجرين. قال PageV01P076 ~~المغيرة: وقمت إليه فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس. وقلت:/ يا زياد! اذكر ~~الله ومواقف يوم القيامة, فإن الله وكتابه ورسله وأمير المؤمنين قد حقنوا ~~دمي إلا أن تجاوز إلى ما لم تر ما رأيت, فلا يحملك سوء منظر رأيته أن تجاوز ~~إلى ما لم تر ما رأيت. فوالله لو كنت بين بطنها وبطني ما رأيت أين سلك ذكري ~~منها. قال: فدفقت عيناه واحمر وجهه ثم قال: يا أمير المؤمنين! أما أن أحق ~~ما يحق القوم فليس ذلك عندي, ولكني رأيت مجلسا قبيحا, وسمعت نفسا حثيثا. ~~قال: قم إليهم فاضربهم, فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين, ثم استتاب نافعا ~~وابن معبد فتابا, واستتاب أبا بكرة, فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي؟ ~~قال: أجل. قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. # حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا علي بن ~~محمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي قال: PageV01P077 # كانت أم جميل بنت عمرو التي رمي بها المغيرة بن شعبة تختلف إلى المغيرة في ~~حوائجها فيقضيها لها, ووافت عمر بالمدينة والمغيرة بها, فقال عمر: أتعرف ~~هذه؟ قال: نعم, هذه أم كلثوم بنت علي فقال: أتجاهل علي, والله ما أظن أبا ~~بكرة كذب, وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء. # وقال حسان بن ثابت يهجو المغيرة: # لو أن اللؤم ينسب كان عبدا ... قبيح الوجه أعور من ثقيف # تركت الدين والإسلام لما ... بدت لك غدوة ذات النصيف PageV01P078 ~~وراجعت الصبا وذكرت لهوا ... من القينات والغمز اللطيف # قال أبو الحسن: وإنما آثر عمر -رحمه الله- العفو عن المغيرة على إقامة ~~الحد عليه اتباعا لقول رسول الله -صلى الله عليه-: ((تجاوزوا لذوي الهيئات ~~عن عثراتهم, ms013 والذي نفسي بيده إن أحدهم ليعثر ويده في يد الله)) ولقوله صلى ~~الله عليه: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات)). PageV01P079 # والتجافي عن الذنوب مذهب الأئمة والملوك السالفة./ حدثنا ابن الجوهري قال: ~~حدثنا ابن شبة قال: حدثنا عباد بن قادم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن ~~السائب عن زاذان أن رجلين أتيا عليا -صلوات الله عليه- برجل زعما أنه سرق. ~~فقال الرجل: إني والله ما سرقت يا أمير المؤمنين! ولو كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حيا ما قطعني. قال: فكأنه صدقه فقال للشاهدين: لأفحصن عن ~~هذا الأمر, ولأنظرن, فإن كنتما كاذبين لأفعلن. # ثم قام فأخذ الدرة فضرب الناس حتى ماجوا, ثم جاء فقعد, وذهب الرجلان فقال ~~علي -صلوات الله عليه- قم فاذهب/ حيث شئت. # روى المدائني قال: بينا أبرهة بن الصباح الكندي عند PageV01P080 ~~عبد العزيز بن مروان بمصر إذ أتي عبد العزيز بفتية من أهل البيوتات قد ~~أخذوا على شراب لهم. فأمر عبد العزيز أن يضربوا بالسياط فقال له أبرهة: ~~نشدتك الله أيها الأمير أن تفضح, مثل هؤلاء الفتيان في مصرنا. فقال عبد ~~العزيز: إن الحق في هؤلاء وفي غيرهم واحد. فقال أبرهة: يا غلام اصبب من ~~شرابهم في القدح وأرنيه. فصب, وناوله, ثم شربه فقال: أصلح الله الأمير ما ~~نشرب في بيوتنا على غدائنا وعشائنا إلا من هذا, فقال/ عبد العزيز: أطلقوهم. # فلما خرج أبرهة قيل له: أشربت الخمر؟ فقال: الله يعلم أني ما شربتها ~~صحيحا, ولا تعالجت بها سقيما, ولكني كرهت أن يفضح مثل هؤلاء الفتيان ببلد ~~أنا فيه. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: حدثنا هشام بن محمد عن ~~أبي مسكين قال: كانت فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار بن بغيض لها ضيافة ~~وسؤود, وأولادها يقال لهم: الكملة PageV01P081 ~~فنزل بها رجل من العرب، فأطعمته، وسقته وفرشت له. فلما كان في بعض الليل لم ~~يهجها إلا أخذه برجلها، فركضته/ برجلها. وقالت: ويلك ما بالك؟ قال: ما بالي ~~والله إنك أطمعت، وسقيت، وفرشت، فأردت أن أنال منك. فقالت: ms014 قم يا أحمق، ~~فاتك فقام وقال في نفسه: لا بد من أن تمتنع أولا. ثم دنا، فأخذ برجلها، ~~فقالت: ويلك ما بالك؟ قال: هو ذاك. فقالت لجواريها: خذنه، فأخذنه، فشددنه ~~كتافا حتى أصبح. # فلما أصبحت -وكان بنوها حولها مطنبون، وكان كل واحد منهم إذا دعته أقبل ~~وفي يده السيف- بعثت إلى عمارة، وهو أكبرهم فقالت: ما تقول في رجل ضاف أمك ~~الليلة، فأطعمته، وسقته، وفرشت له، ثم راودها عن نفسها؟/ فوثب إلى الرجل ~~مغضبا فقال: أقتله، فقالت: انصرف، فلم يراجعها الكلام، وانصرف. # ثم بعثت إلى قيس فقالت له مثل مقالتها لعمارة، فقال مثل مقالة PageV01P082 ~~عمارة، فقالت انصرف. ثم بعثت إلى المثنى فقالت له مثل مقالتها لأخويه فرد ~~مثل مقالتهما فقالت: انصرف. # ثم بعثت إلى الربيع -وكان أصغرهم- فقالت له مثل مقالتها لإخوته، فقال: ~~والله إنك لتعلمين الرأي فيه! فقالت: وما الرأي فيه؟ قال: الرأي -والله- أن ~~يكسى، ويحمل، ويكرم. والله لو أصبح قتيلا لقالت العرب: فجر بأمهم فقتلوه. ~~والله ما لنا أخت ولا بنت عم قريبة. قالت: فدتك أمك، أنت والله الكامل. قم ~~إليه فاكسه، واحمله، وخل سبيله، ففعل. ثم خرج به حتى أبرزه من الحي فقال: ~~اذهب يا ملمان! فأخبر العرب بما رأيته من فاطمة بنت الخرشب. ويقال: إن ~~الربيع لما أخبر بذلك قال: عاذ بحقو أمي، لا يضار الليلة. # حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو داود ~~قال: حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن محمد PageV01P083 ~~ابن عبد الرحمن عن زبيد بن الصلت قال: سمعت أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- ~~يقول لو أخذت سارقا لأحببت أن يستره الله. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا ابن ~~طهمان عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن يزيد عن محمد ابن عبد الرحمن بن ~~ثوبان قال: قال أبو بكر: لو لم أجد إلا ثوبي لسارق أوزان أو شارب خمر ~~لسترته. # حدثنا الجوهري عن ابن شبة قال: ضم المنصور إلى ms015 سوار بن عبد الله صلاة ~~البصرة مع القضاء، فكان أميرا قاضيا، فقال الشاعر: PageV01P084 # فمن كان لا يرضى أميرا فإننا ... رضينا بسوار أميرا وقاضيا # قال: فحدثني عبد الله بن سوار قال: كان أبي يغدو من داره، فيصلي الغداة ~~بأهل المسجد الجامع ثم يقيم في دار الإمارة، فيصلي الصلوات بالناس، حتى إذا ~~صلى العتمة جاء إلى منزله، فبات فيه، ثم يغدو بغلس. # قال: فغدا يوما معه خادمه حيان، فلما كان في زقاق الأزرق إذا هو برجل ~~يغشى امرأة، فلما غشيهما وثب الرجل يسعى، وسعى حيان في أثره يطلبه ليأخذه، ~~فصاح أبي، ورده، وقال: ما لك وله؟ لعل المرأة امرأته، لعلها أمة لقوم قد ~~شغلوها عنه، فهو لا يقدر عليها إلا في هذا الوقت. # حدثنا أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن العتبي عن أبي إبراهيم قال: لما بعث ~~أبو بكر -رحمه الله- يزيد بن أبي سفيان إلى الشام خرج PageV01P085 ~~معه يشيعه، وجعل يوصيه. فكان في وصيته له أن قال له: يا يزيد لا تجن في ~~عقوبة، ولا تسرعن إليها وأنت تستغني بغيرها، واقبل من الناس علانيتهم، ~~وكلهم إلى الله في سرائرهم، ولا تحسسن عسكرك فتفضحه، ولا تهمله فتفسده، ~~وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. # ومن كلام أبي بكر هذا أخذ عتبة بن أبي سفيان قوله في خطبته بمصر، وقد ~~أرجف أهلها بموت معاوية، / ثم جاء الخبر بسلامته. فخطبهم عتبة، وقال في ~~خطبته: ((اعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم. فأصلحوا لنا ما ظهر ~~نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا لنا خيرا وإن أسررتم شرا، فإنكم حاصدون ~~ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل، وبه نستعين)). PageV01P086 # ونحو هذا الكلام قول علي بن أبي طالب -صلوات الله عليه- بعد مقتل عثمان ~~-رحمه الله-: إن الله أدب هذه الأمة بأدبين: السيف والسوط، فلا هوادة فيهما ~~عند الإمام. فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم. من ~~أبدى صفحته للحق هلك./ قد كانت أمور ملتم علي فيها ميلة لم تكونوا عندي ~~فيها محمودين ولا مصيبين. والله أن لو أشاء لقلت: ms016 ((عفا الله عما سلف)). # ومن علي صلوات الله عليه أخذ زياد بن أبيه قوله في خطبته التي تسمى ~~البتراء فإنه قال: ((وقد كانت بيني وبين أقوام منكم PageV01P087 ~~أشياء جعلتها دبر أذني, وتحت قدمي. فمن كان منكم محسنا فليزدد, ومن كان ~~مسيئا فلينزع. إني لو علمت أن أحدكم قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا, ~~ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته. فإذا فعل لم/ أناظره. فأعينوا على ~~أنفسكم, وأتنفوا أموركم. # ونحو هذا قول بعض ملوك فارس: إني إنما أملك الأجساد لا النيات, وأحكم ~~بالعدل لا بالرضى, وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. # وهذا شبيه بقول الشاعر:* # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # خير الخليلين من أغضى لصاحبه ... ولو أراد انتصارا منه لانتصرا # ونحوه قول الحسن بن رجاء في المأمون -ويروى PageV01P088 ~~للعكوك-. # صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما # وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما # وفي الحديث المرفوع: ((من لم يقبل من معتذر صادقا كان أو كاذبا لم يرد ~~علي الحوض)). PageV01P089 # وكان يقال: أعجل الذنوب عقوبة الغدر واليمين الكاذبة ورد التائب وهو يرجو ~~العفو خائبا. # ومن إيثار الملوك العفو على العقوبة والستر على الجاني ما حدثناه الجوهري ~~قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا صالح بن عمير عن داود عن الشعبي عن ~~أنس قال: كنا محاصرين تستر, فارتد نفر من بكر بن وائل, أربعة أو ستة فقتلوا ~~في القتال. # فلما قدمنا على عمر بفتح تستر قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟. فأعرضت ~~آخذ في حديث غيره. فقال: ما فعل النفر من بكر ابن وائل؟ قلت: قتلوا في ~~القتال. قال: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي مما على الأرض من صفراء أو ~~بيضاء. قلت: ما كان سبيلهم إلا القتل. قال: كنت أدعوهم إلى أن يدخلوا إلى ~~الباب الذي خرجوا منه, ms017 وإلا استودعتهم السجن. PageV01P090 # زيادة: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قراءة عليه وأنا أسمع, قال: حدثنا إبراهيم ~~بن أبي داود قال: حدثنا عمرو بن عون قال: حدثنا هشيم عن داود بن أبي هند عن ~~الشعبي قال: حدثنا أنس بن مالك قال: لما فتحنا تستر بعثني أبو موسى إلى عمر. # فلما دخلت عليه قال: ما فعل مجينة وأصحابه؟ وكانوا قد ارتدوا عن الإسلام, ~~ولحقوا بالمشركين, فقتلهم المسلمون. فأخذت به في حديث آخر, فقال: ما فعل ~~النفر البكريون؟ قلت: يا أمير المؤمنين! إنهم ارتدوا عن الإسلام, ولحقوا ~~بالمشركين فقتلوا. فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي من كذا وكذا. ~~قلت: يا أمير المؤمنين! ما كان سبيلهم لو أخذتهم سلما إلا القتل.. .. قوم ~~ارتدوا عن الإسلام, ولحقوا بالمشركين. فقال: لو أخذتهم سلما لعرضت عليهم ~~الباب الذي خرجوا منه, فإن رجعوا وإلا استودعتهم السجن. # حدثنا الجوهري عن ابن شبة قال: حدثنا بشر بن عمرو/ قال: حدثنا مالك بن ~~أنس عن عبد الرحمن بن عبد الغفار عن أبيه قال: # قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى الأشعري فسأله عن PageV01P091 ~~الناس فأخبره. ثم قال: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم! رجل كفر بعد إسلامه، ~~قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال: فهلا حبستموه ثلاثا، ~~وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله. اللهم لم ~~أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. # زيادة حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا يونس بن/ عبد الأعلى قال: حدثنا ~~عبد الله بن وهب قال: وحدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال: # لما افتتح سعد وأبو موسى تستر أرسل أبو موسى رسولا إلى عمر، فذكر حديثا ~~طويلا. قال: ثم أقبل عمر على الرسول فقال: هل كانت عندكم مغربة خبر؟ قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين! أخذنا رجلا من العرب كفر بعد إسلامه قال عمر: فما ~~صنعتم به؟ قال: قدمناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا أدخلتموه بيتا، ثم ~~طينتم عليه ثم رميتم إليه برغيف ثلاثة أيام ms018 فلعله أن يتوب أو يراجع أمر ~~الله. اللهم إني/ لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. PageV01P092 # ويروى أن المأمون أتي بمرتد عن الإسلام إلى النصرانية فقال له: أخبرنا عن ~~الشيء الذي أوحشك عن ديننا بعد أنسك واستيحاشك مما كنت عليه، فإن وجدت ~~عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأك الشفاء، ونبا بك عن دائك الدواء كنت ~~قد أعذرت، ولم ترجع على نفسك بلائمة. فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، ~~وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهادك، ~~ولم تفرط في الدخول في باب الحزم. # قال المرتد: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم. قال المأمون: لنا ~~اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان والإقامة وتكبير الجنائز والتشهد ~~وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات ووجوه الفتيا، وهذا ليس ~~باختلاف، إنما هو تخيير وسعة وتخفيف من المحنة. فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم ~~يخطئ، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يخطئ. ولا يتعايرون ولا يتعاتبون بذلك. # والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، PageV01P093 ~~وتأويل الحديث مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر./ فإن ~~كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت له هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ ~~لجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله،كما يكون متفقا على تنزيله، ولا ~~يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ~~ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويلها من لفظها. ولو شاء الله أن ينزل ~~كتبه، ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا تحتاج إلى تفسير لفعل. ولكنا لم نر ~~شيئا من أمر الدين والدنيا وقع على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك سقطت ~~المحنة والبلوى، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل. وليس على هذا ~~بنى الله أمر الدنيا. # فقال المرتد: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن ~~المسيح عبد الله، وأنك أمير المؤمنين حقا. # قال أبو الحسن: ومن تورية الرؤساء عن الذنوب إيثارا للعفو عن جناتها ~~والستر عليهم ما فعله ms019 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر خالد بن ~~الوليد وبنى جذيمة، وما امتثله بعده أبو بكر في شأن خالد في قتله مالك بن ~~نويرة. فإنه حدثنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي قال: حدثنا العباس بن ~~بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن الزهري، وعيسى بن يزيد عن عبد الله بن ~~أبي بكر بن محمد بن PageV01P094 ~~عمر بن حزم الأنصاري، قال أبو عبد الله: وحدثنا مهدي بن سابق عن أبي يقظان ~~أن نفرا من قريش مروا في الجاهلية ببني جذيمة بن عامر بن مرة بن عبد مناة ~~بن كنانة، فيهم الفاكه بن المغيرة وعوف بن عبد عوف أبو عبد الرحمن بن عوف ~~وعفان بن أبي العاص أبو عثمان بن عفان، وكان معهم رجل من ثقيف. فلما وردوا ~~الماء سألهم رجل من بني جذيمة: من أنتم؟ قالوا: نفر من قريش ومعنا رجل من ~~ثقيف. قال: فإن ثقيفا قتلت أخي/ فوالله لأقتلنه. قالوا: إذن نحول بينك ~~وبينه. فاستغاث قومه فجاؤوه، فقاتلهم القرشيون دون الثقفي حتى قتل القرشيون ~~ومعهم الثقفي. # فلما فتح الله على رسوله مكة سرح خالد بن الوليد إلى بني PageV01P095 ~~جذيمة بن عامر فصبحهم على ماء يقال له: الغميصاء. فلما أحسوا خالدا ركبوا ~~الخيل، وحملوا السلاح، فلحقهم خالد، فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن عباد الله ~~المسلمون، قال: فاستأسروا. ما لي أراكم قد حملتم السلاح، وحملتم الظعن. ~~فقال له رجل منهم - يقال له: خذام لا نستأسر، فإنه ليس بعد/ الأسر إلا القتل. # قال عبد الله بن [أبي] حدرد الأسلمي: فاتبعنا ظعائنهم حتى إذا شارفناهن ~~كر علينا غلام أمرد منهم، له ذؤابة بين كتفيه، إذا ما هبت فيها الريح ضربت ~~خديه يمينا وشمالا، على فرس له عري معه قناة، ليس فيها سنانها. قال: فرمى ~~بنفسه، وأنشأ يقول: # أرخين أطراف الذيول واربعن ... مشي حييات كأن لم يفزعن # إن تمنع اليوم نساء تمنعن PageV01P096 ~~قال: ثم رمى بنفسه، فأفرجنا له، فمر يهوي به فرسه حتى وقف موقفه. فقلنا: ما ~~تنظرون بهذا؟ شدوا عليه شدة ms020 رجل واحد. قال: فشددنا عليه، فقتلناه، واتبعنا ~~الظعن. فلما شارفناهن كر علينا منهم غلام أمرد، له ذؤابة كذؤابة الأول، على ~~فرس له عري، ومعه قناة، ليس فيها سنانها، وهو يقول: # ما إن أظن خادرا ذا لبدة ... يزأر بين أيكة ووهدة # يختل شبان الرجال وحده ... بأصدق الغداة مني نجدة # قال: فرمى بنفسه، فأفرجنا له، فمر يهوي به فرسه، ثم كر راجعا، فأفرجنا له ~~حتى وقف موقفه. فقلنا: ما تنظرون بهذا؟ شدوا عليه، فشددنا عليه شدة رجل ~~واحد فقتلناه، ثم اتبعنا الظعن. فلما شارفناهن كر علينا غلام كالأول ~~والثاني، له/ ذؤابة بين كتفيه، على فرس عري، معه قناة، ليس فيها سنانها، ~~فأنشأ يقول: PageV01P097 # قد علمت بيضاء تلهي العرسا ... لا تملأ اللحيين منها نهسا # لأضربن اليوم ضربا وعسا ... ضرب المحلين مخاضا قعسا # ثم رمانا بنفسه, وأفرجنا له, ومضى يهوي به فرسه, ثم كر علينا حتى وقف ~~موقفه, قال: فشددنا عليه, فقتلناه, ثم اتبعنا الظعن, حتى إذا شارفناهن كر ~~علينا غلام كالأول والثاني والثالث, على فرس له عري, معه قناة ليس فيها ~~سنانها, وهو يقول: # قد علمت بيضاء صفراء الأصل ... كالظبية العيساء تعطو في الجبل # أن سوف أحميها بأطراف الأسل PageV01P098 ~~قال: ثم رمى بنفسه, فمر تهوي به فرسه, فأفرجنا له, ثم كر راجعا حتى وقف ~~موقفه, فشددنا عليه, فقتلناه, واتبعنا الظعن, حتى إذا شارفناهن, خرج إلينا ~~غلام معه قناة, ليس فيها سنانها, ففعل كفعل الذين قبله, وفعلنا به مثل ذلك, ~~ثم حملنا عليه فأخذناه أسيرا, فقال: لا عليكم أن تبلغوا بي الظعن, ثم ~~افعلوا ما شئتم. قال قلنا: ما علينا أن نفعل. فأقبلنا به, وإذا جارية تشرف ~~من حداجة لها. فلما نظر إليها قال: اسلمي حبيش, على نكد العيش. قالت: وأنت ~~فاسلم عشرا, وسبعا وترا, / وثمانيا تترى. فقال: PageV01P099 # لا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق # أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى أمير بالحبيب المفارق # ألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق # ألم أك قد ms021 طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو أدركتكم بالخرانق # قالت: بلى! فقال: # فإني لا ضيعت سرا أمانة ... ولا راق عيني بعدك اليوم رائق PageV01P100 ~~قال: فقدمناه, فضربنا عنقه, وتراخينا عنه, فرمت الجارية بنفسها من حداجتها, ~~فأكبت عليه ترشفه. فطال ذلك منها, وسرحنا رسولا يعلم علمها, فأقبل, فرفعها ~~عنه فإذا هي ميتة. # قال: ونادى منادي خالد: ليدفف كل رجل منكم على أسيره. قال: فأما عبد الله ~~بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة فأبيا أن ينفذا لأمر خالد, فطالت مراجعته ~~ومراجعة سالم, فنهمه خالد فجلس, ونهم عبد الله بن عمر فجلس, وأبيا أن ينفذا ~~لشيء من أمره. # وأقبل الصريخ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ~~قتلت بنو جذيمة بن عامر. قال: ومن قتلهم؟ قال: خالد بن الوليد, قال: أفما ~~أنكر عليه أحد؟ قال: بلى, قام إليه رجل أبيض PageV01P101 ~~فنهمه خالد فجلس فقام عمر فقال: يا رسول الله!/ أنا أخبرك عن الرجلين, أما ~~الأول فسالم مولى أبي حذيفة, وأما الثاني فعبد الله ابني. قال: صدقت. # وأقبل خالد حتى دخل المدينة، فقال له رسول الله: يا خالد! ما دعاك إلى ~~هذا؟ قال: يا رسول الله! آيات سمعتهن، أنزلن عليك قال: وما هن؟ قال: قول ~~الله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور ~~قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم}. وجاءني ابن أم أصرم فقال لي: إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - PageV01P102 ~~يأمرك أن تقاتل. فقال عبد الرحمن لخالد: إنما ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة. ~~قال: إي والله وبأبيك. فقال عبد الرحمن: أنا قتلت قاتل أبي خالد بن هشام ~~رجلا من بني جذيمة. # قال فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - صلى الله ~~عليه - ودفع إليه أحمالا ثلاثة، وقال: انطلق فدهم. # قال علي: فقدمت عليهم فقلت: هل لكم أن تقبلوا هذا الحمل بما أصيب منكم من ~~القتلى والجرحى، وتحلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ [قالوا: نعم]. قلت: ~~هل لكم أن تقبلوا الثاني لما دخلكم من الجزع والفزع؟ ms022 قالوا: نعم. قلت: وهل ~~لكم أن تقبلوا الحمل الثالث، وتحلوا رسول الله مما علم ومما لم يعلم؟ ~~قالوا: نعم. قال: ودفعته إليهم، ثم قدمت على رسول الله فقلت: يا رسول الله! ~~جعلت أديهم حتى إني لأدي ميلغ الكلب، وفضلت فضلة، فقلت: هل لكم أن تحلوا PageV01P103 ~~رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مما علم ومما لم يعلم؟ قال: أقلتها لهم؟ ~~قلت: نعم قال: هي أحب إلي من حمر النعم. # قال أبو الحسن: وإنما تجافى أبو بكر -رحمه الله- عن خالد بن الوليد حين ~~قتل مالك بن نويرة, وقد أشار عليه عمر بن الخطاب -رحمه الله- بأن يقيده به, ~~وشهد عنده أبو قتادة الأنصاري بإسلام مالك تورية من أبي بكر -رحمه الله- عن ~~ذنب خالد واتباعا لرسول الله - صلى الله عليه - في التجافي عنه حين قتل بني جذيمة. # حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا الحزامي قال: ~~حدثنا ابن وهب قال: حدثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: مضى خالد حتى دنا ~~من حي من بني تميم, فيهم PageV01P104 ~~مالك بن نويرة, وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه على صدقات ~~قومه. فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمسك مالك الصدقة, فبعث ~~إليهم خالد سرية, فيهم أبو قتادة الأنصاري, فساروا يومهم حتى انتهوا إلى ~~محلة الحي حين طفلت الشمس للغروب فخرج مالك في رهطه, ومعه السلاح,/ فقال: ~~من أنتم؟ ومن أين جئتم؟ فقالوا: نحن عباد الله المسلمون. فزعم أبو قتادة أن ~~مالكا قال: وأنا عبد الله المسلم. فقالوا: فضعوا السلاح. فوضعه في اثني عشر ~~رجلا. فلما وضعوا السلاح ربطه أمير تلك السرية, وانطلق بهم أسارى, وساق ~~معهم السبي حتى أتى بهم خالدا. فحدث أبو قتادة خالدا أن لهم أمانا, وأنهم ~~قد أذعنوا بالإسلام, فخالف أبا قتادة جماعة السرية, وأخبروه أنه لم يكن لهم ~~أمان, وأنهم أخذوه قسرا, فأمر بهم خالد فقتلوا, وقسم السبي. # فركب أبو قتادة فرسه إلى أبي بكر. فلما قدم عليه قال: تعلم يا أبا بكر/ ms023 ~~أنه قد كان لمالك عقد, وادعى إسلاما, وقد نهيت عنه خالدا, فترك قولي, وأخذ ~~شهادة الأعراب الذين بغيتهم الغنائم, فقام عمر فقال: يا أبا بكر! إن في سيف ~~خالد رهقا, وإن هذا إن PageV01P105 ~~يكن حقا فعليك أن تقيده فسكت أبو بكر، رحمه الله. # وقدم متمم بن نويرة أخو مالك، فأنشد عمر مندبة ندب بها أخاه، وناشده في ~~دم أخيه وسبيهم، فرد أبو بكر السبي، وقال لعمر: ليس على خالد ما تقول فيه، ~~إنه تأول فأخطأ. # قال: ويقال: إن عمر لما أكثر على أبي بكر في قتل خالد قال أبو بكر: أفعل ~~بخالد ما/ فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتلى بني جذيمة. وطلب ~~أخو مالك قتل خالد، فأبى عليه أبو بكر -رحمه الله- وأعطاه دية مالك كما ~~أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني جذيمة ديات قتلاهم، فأبى متمم ~~أن يقبل الدية. ويقال: إن الشعر الذي أنشد متمم بن نويرة أبا بكر وعمر ~~-رحمها الله- يرثي أخاه به قوله: # أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بذمة لم يغدر PageV01P106 ~~نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتيلك ابن الأزور # لا يضمر الفحشاء تحت ثيابه ... حلو حلال المال غير عذور # وروى المبرد: ((حلو شمائله عفيف المئزر))./ ((العذور)): الضيق النفس، ~~السيء الخلق، كأنه يتعذور كل شيء من جهته، وأكثر ذلك في الطعام. # فلنعم حشو الدرع أنت وحاسرا ... ولنعم مأوى الطارق المتنور # فقال أبو بكر رحمه الله: والله ما أنا دعوته، ولا قتلته. PageV01P107 # حدثنا أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلام قال: قد أكثر الناس في خالد ومالك ~~الاختلاف إلا أن الذي استقر عندي أن عمر -رحمه الله- أنكر قتله، وقام على ~~خالد فيه، وأغلظ له، وأن أبا بكر -رحمه الله- صفح عن خالد، وقبل تأوله. # وكان مالك قدم على النبي/ - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدم عليه من ~~أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه من بني يربوع. فلما قبض النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - اضطرب فيها، فلم يحمد أمره، وفرق ما في يديه ms024 من إبل ~~الصدقة. فكلمه الأقرع بن حابس المجاشعي. والقعقاع بن معبد بن زرارة فقالا: ~~إن لهذا الأمر قائما وطالبا، فلا تعجل بتفرقة ما في يديك، فقال: PageV01P108 # أراني الله بالنعم المندى ... ببرقة رحرحان وقد أراني # تمشى يا بن عوذة في تميم ... وصاحبك الأقيرع تلحياني # حميت جميعها بالسيف صلتا ... فلم ترعش يداي ولا جناني # وقال أيضا: # وقلت: خذوا أموالكم غير خائف ... ولا ناظر فيما يجيء من الغد # فإن قام بالأمر المخوف قائم ... منعنا وقلنا: الدين دين محمد PageV01P109 ~~فطرق خالد مالكا وقومه على ماء لهم يقال له: البعوضة, فذعرهم, فأخذوا ~~السلاح, فكان في حجة خالد [عليهم] أنه أنظرهم إلى وقت الأذان, فلم يسمع ~~أذانا. وبنو تميم تقول: إنه لما هجم عليهم خالد قال: ما أنتم؟ قالوا: نحن ~~المسلمون. قال: ونحن المسلمون. قال: فما بال السلاح؟ قالوا: ذعرتمونا. قال: ~~فضعوا السلاح. # والمجمع عليه أن خالدا حاوره, وراده, وأن/ مالكا سمح بالصلاة, والتوى ~~بالزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا, لا تقبل واحدة من ~~[دون] الأخرى. قال: قد كان يقول ذلك صاحبكم. قال: وما تراه لك صاحبا! والله ~~لقد هممت أن أضرب عنقك. ثم تجادلا, فقال له خالد: إني أقتلك. قال: وبذا ~~أمرك صاحبك؟ قال: وهذه بعد؟ والله لأقتلنك. PageV01P110 # فيقول من عذر مالكا أنه أراد القرشية وتأول خالد غير ذلك, أنه إنكار منه ~~للنبوة. وتقول بنو مخزوم ومن يعذر خالدا في قتل مالك: إن عمرو بن العاص قال ~~لخالد, وقد كان لقيه وهو منصرف من عمان, / وكان النبي - صلى الله عليه - ~~وجهه إليها إلى ابن الجلندى, فقال لخالد: يا أبا سليمان! إن رأت عينك مالكا ~~فلا تزايله حتى تقتله. # وكان خالد يحتج على مالك بأشعاره التي كتبنا. وكلم أبو قتادة خالدا في ~~ذلك كلاما شديدا فلم يقبله, فآلى يمينا أن لا يسير تحت راية أميرها خالد ~~أبدا. وقال له عبد الله بن عمر وهو في القوم PageV01P111 ~~يومئذ: يا خالد! أبعد شهادة أبي قتادة, فأعرض عنه, ثم عاوده فقال: يا أبا ~~عبد الرحمن! اسكت ms025 عن هذا فإني أعلم ما لا تعلم. وأمر ضرار بن الأزور بضرب ~~عنقه ففعل. # قال ابن سلام: ومن أحسن ما سمعت من/ عذر خالد أن عمر قال لمتمم بن نويرة: ~~ما بلغ من جزعك على أخيك؟ قال: بكيت عليه بعيني الصحيحة حتى نفد ماؤها, ~~فأسعدتها أختها الذاهبة فقال عمر: لو كنت شاعرا لقلت في أخي -يعني زيد بن ~~الخطاب, وكان قتل يوم اليمامة- أجود مما قلت في أخيك. قال: يا أمير ~~المؤمنين! لو كان أخي أصيب مصاب أخيك ما بكيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عنه ~~بأحسن مما عزيتني. # قال أبو الحسن: ومن يعذر خالدا في قتله مالكا يستشهد على ذلك بحديث ضرار ~~بن الأزور الأسدي, وهو الذي ضرب عنق مالك بأمر خالد. فإنه حدثني أبي عن/ ~~أبي حاتم قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثني عبد العزيز بن عمران ~~قال: حدثنا ماجد بن PageV01P112 ~~مروان الأسدي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ضرار بن الأزور قال: قدمت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم , فوقفت بين يديه, فقلت: يا رسول الله! أنشد؟ ~~قال: أنشد فقلت: # جعلت القداح وعزف القيان والخمر تصلية وابتهالا # وكري المحبر في غمرة ... على المشركين أريد القتالا PageV01P113 ~~فيا رب لا أغبنن بيعتي ... فقد بعت أهلي ومالي بدالا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم , ربح البيع, ربح البيع. قالوا فرسول الله ~~لا يقول: ربح البيع لمن يقتل مسلما بغير حق. # حدثني أبو عمران بن الجراح عن أبي العباس ثعلب قال: ((تصلية)): من ~~الصلاة. و((الابتهال)): من الدعاء. يقال: ((صليت صلاة وتصلية)). وأنشد أول ~~هذا الشعر: # تقول جميلة مزقتنا ... وصرعت أهلك شتى شلالا # وقد صحت الرواية من غير وجه أن خالدا لما قتل مالكا وتزوج امرأته بعد ~~فراغه من قتال أهل الردة قدم المدينة, فأتى المسجد وعليه ثياب عليها صدأ ~~الحديد معتجرا بعمامة قد غرز فيها ثلاثة أسهم. فلما رآه عمر قال له: أرياء ~~يا عدو نفسه, وقد عدوت على PageV01P114 ~~امرئ من المسلمين فقتلته, ثم وثبت على امرأته؟!.. والله ليرمينك بأحجاره, ms026 ~~يعني أبا بكر./ ثم انتزع الأسهم من عمامته, فكسرها, لا يكلمه, ولا يظن إلا ~~أن رأي أبي بكر على مثل رأيه. # فدخل إلى أبي بكر, وجلس عمر في المسجد, فاعتذر إلى أبي بكر رحمه الله ~~فعذره, وقبل منه. ثم خرج وعمر جالس في المسجد فقال: هلم إلي يا بن هنت. ~~فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه. # ولما تزوج خالد بامرأة مالك بعد قتله قال حسان بن ثابت: # من مبلغ الصديق قولا كأنه ... إذا بث بين المسلمين المبارد # يظل يناجي عرسه في فراشها ... وهام لها مبثوثة وسواعد # إذا أبصر الأنصار صد بوجهه ... وتلقى لأعمام العروس الوسائد PageV01P115 ~~فكتب أبو بكر إلى خالد يعاتبه, وقال له: إنك لطيب النفس حين تزوج النساء ~~وعندك ثلاث عشرة مائة قتيل من المسلمين. # وقال أعرابي لابن عم له: سأتخطى ذنبك إلى عذرك, وإن كنت من أحدهما على ~~يقين ومن الآخر على شك ليتم المعروف مني إليك, وتقوم الحجة لي عليك. # وفي مثله: كتب رجل إلى آخر: إنك تحسن مجاورتك للنعمة, واستدامتك لها, ~~واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب, واستعمال الصفح لعلمك بما في عاقبته من ~~جميل عادة الله عندك./ تستقبل العذر على معرفتك بشناعة الذنب, وتقيل العثرة ~~وإن لم تكن على يقين من صدق النية, وتدفع السيئة بالتي هي أحسن. # ولأبي دهبل. # ما زلت في العفو للذنوب وإطلاق لعان بغله غلق PageV01P116 ~~حتى تمنى الجناة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق # حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة قال: قدم معاوية المدينة ~~سنة تسع وخمسين, فعزل مروان بن الحكم, وحجبه, ثم إذن له, فقال مروان: يا ~~أمير المؤمنين! لم عزلتني وحجبتني؟ قال: عزلتك أني رأيتك تخطرفت فوق قدر ما ~~أردت/ بك. وشكت رملة بنت أمير المؤمنين أنك ضلعت عليها مع زوجها عمرو بن ~~عثمان أن كان أقرب إليك منها بأب, وظننت أن ذلك لشيء تسره في نفسك, وتصنع ~~له, وحجبتك لأني أردت أن أغضب عليك لئلا تغضب علي. PageV01P117 # قال: أما ما زعمت ms027 أني تخطرفت فوق ما أردت بي, فوالله لو جهدت ما بلغت الذي ~~أردت بي. وأما رملة فإنها أرادت أن تأخذ بقدر فضلها على زوجها, فعلمت أن ~~ذلك فراق بينهما, فقصرتها على الحق, فلم تره يلزمها. والله لقد بذلت العدل ~~بالحجاز حتى من نفسي, فكيف أضلع على بنت أمير المؤمنين؟ قال معاوية: ما ~~أراك إلا صادقا, فدع هذا اليوم فليذهب بعتابه, فإن لك يوما لا عتاب فيه. ~~فانصرف ولا تخفين علي شيئا يكون بحضرتك. # فقام مروان, فرأى رجلا في ناحية الدار معانقا جارية, فرجع فقال: يا أمير ~~المؤمنين! حصن دارك, فإن هذه الفحول إذا هبت هجمت. قال: كأنك رأيت شيئا ~~أنكرته! قال: نعم! رأيت في ناحية الدار رجلا معانقا امرأة. وقد قلت لي: لا ~~تخفين علي شيئا بحضرتك. قال: ليس بهذا أمرناك, ولا عليه أدرناك. إن الملوك ~~يجمعون من كل حسن وحسنة, / فيكفونهم المؤونة, فيكون من ذلك ما لا تعلمون. ~~والفارغ ملتمس شغلا. فإن كنت رأيت حرة تصونها أو حرا تمنعه كان في ذلك PageV01P118 ~~نكير. قال: والله ما رأيت ذلك. قال: فاله عنه, فإن من اجتمع عمده تقعقع. ~~وعسى أن ننظر في بعض ما ذكرت. PageV01P119 ### || AUTO (3) باب العفو عن ذوي الجنايات استصلاحا لهم ومداراة لعشائرهم # حدثنا مغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا الزبير/ بن بكار قال: حدثني عمي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا بني المصطلق بالمريسيع, وهو ماء ~~لبني المصطلق, فهزمهم الله, وسبى في غزوته جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار, ~~فقسم لها, وكانت من نسائه, قال: وزعم بعض بني المصطلق أن أباها طلبها ~~فأفداها من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم خطبها رسول الله, فزوجه إياها. PageV01P121 # فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قتالهم, وردت واردة الناس, ~~فازدحموا على الماء, فاقتتل رجلان من المسلمين أحدهما أجير لعمر بن الخطاب, ~~من غفار, يقال له: جهجاه بن مسعود/ والآخر من جهينة حليف لبني عوف, من ~~الخزرج. فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار, وصرخ جهجاه بالمهاجرين. # فغضب عبد ms028 الله بن أبي بن سلول, وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم, وهو ~~يومئذ حديث السن. فقال عبد الله: أقد فعلوها؟ أقد كاثرونا ونافرونا في ~~بلادنا؟! والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك ~~يأكلك. أما PageV01P122 ~~والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ثم أقبل على من حضر ~~من قومه فقال: هذا ما فعلتموه بأنفسكم, أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم/ ~~أموالكم. أما والله لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى دار غيركم. # فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما سمع منه, ~~وعنده عمر بن الخطاب, فقال: يا رسول الله مر به عباد ابن بشر فليضرب عنقه. ~~فقال عليه السلام: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟.. لا, ~~ولكن أذن بالرحيل.. [وذلك] في ساعة لم يكن رسول الله يرتحل فيها. # وبلغ الخبر عبد الله فجاء إلى رسول الله, فحلف أنه ما قال PageV01P123 ~~ما أبلغه زيد. فقال من حضر: يا رسول الله! لعل الغلام أوهم في حديثه, ولم ~~يفهم ما قال, حدبا على/ عبد الله وردا عنه. # فلما استقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منزله لقيه أسيد بن ~~حضير, فحياه بتحية النبوة وقال: يا رسول الله! لقد ارتحلت في ساعة, ما كنت ~~ترتحل فيها. فقال: أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟! قال: وما قال؟ قال: زعم أنه ~~إن دخل المدينة ليخرجن الأعز الأذل منها. فقال: فأنت والله -يا رسول الله- ~~مخرجه إن شئت.. لأنك العزيز وهو الذليل. ثم قال: يا رسول الله! ارفق به. ~~لقد كان الذي أكرمنا الله به قدومك علينا, وإن قومه لينظمون له [الخرز] ~~ليتوجوه به. وإنه ليرى أنك قد سلبته ملكا. فلما أنزل الله سورة/ ~~((المنافقين)) قال رسول الله لزيد بن أرقم: وفى الله بأذنه. PageV01P124 # وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله فقال: بلغني أنك أردت قتل ~~عبد الله بن أبي فيما بلغك. فإن كنت فاعلا فأمرني به فأنا أحمل إليك ms029 رأسه. ~~فوالله لقد علمت الخزرج أنه لم يكن فيها رجل أبر بوالده مني, وإني أخشى إن ~~أمرت غيري بقتله ألا تطيب نفسي أن تنظر إلى قاتل أبي يمشي على الأرض ~~فأقتله, فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال له رسول الله: بل ~~نترفق به, ونحسن صحبته ما بقي فينا. فكان عبد الله بن أبي بعد ذلك إذا ~~أحدث/ الحدث لامه قومه وعنفوه. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: كيف ترى يا عمر؟! أما والله ~~لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. ~~فقال عمر: قد علمت أن أمرك أعظم بركة من أمري. PageV01P125 # وقال حسان بن ثابت يهجو المهاجرين! # أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد # يرمون بالقول سرا في مهادنة ... تهددا لي كأني لست من أحد # قد ثكلت أمه من كنت صاحبه ... وكان منتشبا في برثن الأسد # ما للقتيل الذي أعدو فأقتله ... من دية فيه أعطيها ولا قود PageV01P126 ~~ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد # يوما بأغلب مني حين تبصرني ... أفري من الغيظ فري العارض البرد # أما قريش فإني لست تاركها ... حتى ينيبوا من الغيات للرشد # ويتركوا اللات والعزى بمنزلة ... ويسجدوا كلهم للواحد الصمد # أبلغ بني بأني قد تركت لهم ... من خير ما يترك الآباء للولد PageV01P127 ~~الدار واسطة والنخل شارعة ... والبيض يرفلن في القسي كالبرد # فقال صلى الله عليه وسلم : يا حسان! نفست علي إسلام قومي؟.. فأغضبه ~~كلامه, فغدا صفوان بن المعطل السلمي على حسان فضربه بالسيف, وقال صفوان: # تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر PageV01P128 ~~قال: فوثب قومه على صفوان, فحبسوه, ثم جاؤوا سعد بن عبادة فذكروا له ما فعل ~~حسان وفعلوا. فقال: أشاورتم رسول الله في ذلك؟ قالوا: لا! فقعد إلى الأرض ~~وقال: وا انقطاع ظهراه! تأخذون بأيديكم ورسول الله بين ظهرانيكم. ودعا ~~بصفوان, فأتي به, فكساه وحلاه, فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من ~~كساك كساه الله. ms030 # وقال حسان: احملوني إلى رسول الله أترضاه, ففعلوا, فأعرض عنه رسول الله, ~~فانصرفوا به. ثم قال لهم: عودوا بي إلى رسول الله. فقالوا: قد جئناه/ بك ~~مرتين, كل ذلك يعرض عنك, فلا نبرمه بك. فقال: احملوني إليه هذه المرة ~~وحدها, ففعلوا وأعرض عنه رسول الله. فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ~~احفظ قولي: PageV01P129 # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # قال: فرضي عنه رسول الله, ووهب له سيرين أخت مارية أم إبراهيم بن رسول ~~الله. فولدت لحسان عبد الرحمن بن حسان, فكان عبد الرحمن ابن خالة إبراهيم ~~بن رسول الله. # قال: وحدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: ~~حدثنا المدائني قال: لما ارتدت العرب ارتد عمرو بن معد يكرب في بني زبيد. ~~فوجه إليهم أبو بكر خالد بن سعيد بن العاص فهزمهم, وأخذ عمرا أسيرا, فقال ~~له عمرو: استبقني لعلي أصيب في الإسلام عملا يغسل عني ذنبي. فاستبقاه, ~~وأطلق له ماله, فاتبعه عمرو فقال: سلني حاجة. قال: لا حاجة لي إليك. PageV01P130 # قال: علي ذاك. قال: أما إذ أبيت فسيفك الصمصامة قال: لا سبيل إلى ذلك. قال: ~~فبارك الله لك فيه. # قال: فرجع عمرو، فرأته امرأته كئيبا، فقالت له: ما لك؟ فأخبرها. فقالت: ~~ثكلتك أمك! أسرك رجل، واستبقى مالك، وامتن عليك، وأطلقك ومالك بعد أن كنت ~~له فيئا ومالك فيئا، فاتبعته تعرض عليه الحاجة، فأبى أن يسألها، فلم تدعه ~~حتى سألك بعض ما وهبه لك من مالك فمنعته؟!.. اتبعه فادفعه إليه. فاتبعه ~~مغذا حتى دفعه إليه وقال: # فارقني ببطن الجو سيفي ... على الصمصامة الذكر السلام PageV01P131 ~~خليل لم أخنه ولم يخني ... ولكن المواهب للكرام # حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا إبراهيم بن ~~المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: بعث أبو ~~بكر/ المهاجر بن أبي أمية قبل النجير، وبه مقاولة أهل اليمن ورؤوسهم، ~~وكانوا ms031 قد PageV01P132 ~~أسلموا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصدقهم. فسألهم المهاجر ~~الصدقة، فمنعوها منه. فمنع المهاجر قلة من معه أن يقاتلهم، فتحصن، وكتب إلى ~~أبي بكر يستمده. # فبعث إليه أبو بكر جيشا أمر عليهم عكرمة بن أبي جهل مددا للمهاجر. فلما ~~قدموا عليه زحف إليهم فهزمهم الله، وقتل رؤوسهم, وأخذ رجالا من أشرافهم، ~~فأقبل بهم، منهم الأشعث بن قيس الكندي وكثير بن الصلت الكندي فأطلقهم أبو ~~بكر، وأنكح الأشعث أخته. PageV01P133 # قال: ويروى أن المهاجر حاصرهم حتى تحصنوا بالنجير. فلما عضهم الحصار قال ~~الأشعث بن قيس: اجعلوا لعشرة منا الأمان حتى ننزل إليكم. ففعلوا، فعد عشرة، ~~ولم يعد نفسه، فأخذ أسيرا، فقدم به على أبي بكر، فقال أبو بكر: الحمد لله ~~الذي أمكن منك بلا عهد ولا ميثاق، أنا قاتلك. قال: أفلا خيرا من ذلك؟ قال: ~~وما هو؟ قال: تستعين بي على حربك، وتزوجني أختك. قال: ففعل أبو بكر، صفح ~~عنه، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، وكانت عمياء، فولدت للأشعث محمدا. # وقال امرؤ القيس بن عابس/ الكندي في ارتداد الأشعث: PageV01P134 # ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وخص به سراة المسلمينا # فلست مبدلا بالله ربا ... ولا مستبدلا بالحق دينا # شأمتم قومكم وشأمتمونا ... وغابركم كأشأم غابرينا # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه ~~عن ابن إسحاق أن أبا بكر بعث خالد ابن الوليد إلى اليمامة، وأوعب معه ~~الناس.فلما كان خالد ببعض PageV01P135 ~~الطريق أصابت مقدمة خيله خيلا لأهل اليمامة، فيهم مجاعة بن مرارة وهو سيد ~~أهل اليمامة، كانوا خرجوا في طلب/ رجل من بني نمير، كان أصاب لهم دما. ~~فهجمت عليهم مقدمة خيل لخالد، وهم نيام، بأيديهم أعنة خيولهم. فنزلوا إليهم ~~فأوثقوهم. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل اليمامة. قالوا: فلا مرحبا بكم ولا أهلا. # فلما نزل خالد أتي بهم فقال: يا أهل اليمامة! ما تقولون؟ قالوا: منا نبي ~~ومنكم نبي.. حتى إذا بقي منهم رجل، وبقي مجاعة، فأقيم الرجل لتضرب عنقه، ~~فقال له: يا ms032 خالد! إن كنت تريد بهذه القرية غدا خيرا أو شرا، فاستبق هذا ~~الرجل، يعني مجاعة، فضرب عنق الرجل، وأوثق مجاعة في الحديد، وألقاه إلى أم ~~تميم/ امرأة خالد. PageV01P136 # ومضى خالد حتى ضرب عسكره بقرية من اليمامة يقال لها: إباض. فلما تهيأ ~~للقتال خرجت بنو حنيفة، وفيهم رحال بن عنفوة، وهو الذي شهد لمسيلمة الكذاب ~~أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مسيلمة شريكي في النبوة، وفيهم ~~محكم اليمامة. فلما أخذ الناس مصافهم، وخالد مشرف على PageV01P137 ~~سرير رأى البارقة في حنيفة. فقال: أبشروا يا معشر قريش! فقد كفاكم الله ~~عدوكم، واختلفوا بينهم. فنظر مجاعة فقال: كلا! والله ما اختلفوا، ولكنها ~~الهندوانيات خشوا تحطمها، فأبرزوها للشمس حتى/ تلين متونها. فكان كما قال مجاعة. # ثم اقتتل الناس، فكان أول قتيل رحال بن عنفوة. واقتتل الناس قتالا شديدا ~~حتى عظمت المصيبة في المسلمين، وقتل أشراف الناس، حتى انحاز خالد والمسلمون ~~عن عسكرهم، ودخلته بنو حنيفة، فشقوا فسطاطه بأسيافهم. ودخل رجل منهم بالسيف ~~على أم تميم فألقى مجاعة عليها رداءه وقال: أنا لها جار، فنعمت الحرة والله ~~ما علمت، عليكم بالرجال. ثم إن فئة من المسلمين فاءت إلى عسكرهم، فدخلوا ~~على مجاعة ليقتلوه، فقالت أم تميم: أنا له جارة، فتركوه. # حدثني أبي قال: حدثني السجستاني قال: حدثنا وهب بن PageV01P138 ~~جرير قال: حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن ~~معاوية لما حضرته الوفاة دعا يزيد ابنه فقال: إن لك من أهل المدينة يوما، ~~فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة المري، فإنه رجل قد عرفنا نصيحته. # فلما ملك يزيد ووفد إليه وفد من أهل من أهل المدينة كان فيمن وفد عليه ~~عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفا فاضلا سيدا عابدا، ومعه ثمانية ~~بنين له، فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى كل رجل من بنيه عشرة آلاف درهم سوى ~~كسوتهم وحملانهم. # فلما قدم عبد الله بن حنظلة المدينة أتاه الناس فقالوا: PageV01P139 # ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند رجل، والله لو ms033 لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته ~~بهم. قالوا: فقد بلغنا أنه أجارك، وأعطاك. قال: قد فعل، وما قبلت ذلك إلا ~~لأتقوى به عليه. # قال: وحضض الناس، فبايعوه، وأخرجوا بني أمية من المدينة، وأخرجوا مروان ~~بن الحكم وعثمان بن [أبي سفيان]، وكان الأمير، فنزل بنو أمية حيفاء. وكتب ~~مروان إلى يزيد بالذي كان من رأي القوم. فلما جاءه الكتاب أمر بقبة فضربت ~~خارجا من قصره. وقطع البعوث على/ أهل الشام مع مسلم بن عقبة المري. ولم ~~تنصرم ثالثة حتى فرغ. ثم أصبح في اليوم الرابع، فعرض عليه الكتائب. وقد كان ~~بلغه أن ابن الزبير يسميه السكير. قال: فجعلت تمر به الكتائب، فجعل يقول: PageV01P140 # أبلغ أبا بكر إذا الجيش انبرى ... ثم أتى الجمع على وادي القرى # سبعون ألفا مثل آساد الشرى ... أجمع نشوان من القوم ترى # قال: وكان أهل المدينة قد بعثوا إلى كل ماء بينهم وبين الشام ومصر, فصبوا ~~فيه القطران, وعوروه. فأرسل الله عليهم السماء, فلم يستقوا بدلو حتى وردوا ~~المدينة. فخرج إليهم بجموع لم ير مثلها. فلما رآهم أهل الشام هابوهم, ~~وكرهوا قتالهم, ومسلم وجع, شديد الوجع. فأمر بسريره, وهو عليه, فقدم حتى ~~وضع بين الصفين, وأمر مناديا فنادى: قاتلوا عني أو دعوا. # فبينا الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة, قد ~~أقحم عليهم بنو حارثة أهل الشام, فانهزم الناس. PageV01P141 # فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل الناس, فدخلوا المدينة, وهزم الناس, ~~وعبد الله بن حنظلة مستند إلى بعض بنيه, يغط نوما, فنبهه ابنه. فلما فتح ~~عينيه, فرأى ما صنع/ الناس أمر أكبر بنيه, فتقدم حتى قتل. فلم يزل يقدم ~~بنيه واحدا فواحدا حتى أتى على آخرهم, ثم كسر جفن سيفه, وقاتل حتى قتل. # ودخل مسلم إلى المدينة, فدعا الناس إلى بيعة يزيد, على أنهم خول ليزيد بن ~~معاوية, يحكم في دمائهم وأموالهم وأهاليهم بما شاء, حتى أتي بعبد الله بن ~~زمعة وكان صديقا ليزيد بن معاوية وصفيا له فقال: بايع على أنك خول ms034 لأمير ~~المؤمنين, يحكم في دمك ومالك. فقال: أبايعك على أني ابن عم أمير المؤمنين ~~يحكم في دمي وأهلي. قال: اضربا عنقه. فوثب مروان, فضمه إليه PageV01P142 ~~وقال:/ نبايعك على ما أحببت. قال: لا والله, لا أقبلها أبدا. وقال: إن تنحى ~~وإلا فاقتلوهما جميعا. فتركه مروان, وضربت عنق ابن زمعة. # ثم أتي بعلي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب, فأمر بضرب عنقه, فقامت ~~كندة فقالت: والله لا تقتل ابن أختنا. وسألوه العفو عنه, فعفا عنه, فذلك ~~قول علي بن عبد الله يفخر بخؤولته في كندة, وأنهم استنقذوه من مسلم يوم الحرة: # أبي العباس قرم بني معد ... وأخوالي الكرام بنو وليعة PageV01P143 ~~هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسلم وبني اللكيعة # أراد بي التي لا خير فيها ... فحالت دونه أيد منيعة # هم ملكوا بني أسد وأودا ... وقيسا والعمائر من ربيعة # وكندة معدن للملك قدما ... يزين فعالهم كرم الدسيعة # قال: وحدثني أبي عن أبي حاتم قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن ~~إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~المدينة وادعته يهود كلها, PageV01P144 ~~وكتبوا فيما بينهم كتابا, فألحق كل قوم بحلفائهم, وشرط عليهم شروطا, ألا ~~يظاهروا علينا عدوا أبدا. فلما رأت بنو قينقاع ما أكرم الله به رسوله يوم ~~بدر من قهره/ من قهر من أشراف قريش قتلا وأسرا حسدوه فقالوا: يا محمد! لا ~~يغرك من نفسك أن نلت من قومك ما نلت, فإنهم قوم لا علم لهم بالحرب. أما ~~والله لو حاربناك لعلمت أن حربنا ليست كحربهم, وأنا نحن الناس. # فكان بنو قينقاع أول من نقض الشرط بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فلما رأى رسول الله ذلك سار إليهم فحاصرهم في حصونهم, فقذف الله في ~~قلوبهم الرعب, فنزلوا على حكم رسول الله. فجاء عبد الله بن أبي بن سلول ~~فقال: يا محمد! أحسن إلي في موالي, فلم يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم , / فتبعه حتى أدركه, ms035 فأدخل يده في جيب درعه من خلفه, فأمسك بها, ~~فالتفت إليه رسول الله فقال: ويلك! أرسلني. فقال: لا والله حتى تحسن إلي في ~~موالي, أربعمائة حاسر, وثلاثمائة دارع, قد منعوني من الأحمر والأسود, تريد ~~أن يحصدوا في غداة واحدة! إني والله امرؤ PageV01P145 ~~أخاف الدوائر قال: فغضب رسول الله حتى رأوا لوجهه ظللا, ثم قال: ويلك! ~~أرسلني. قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلي فيهم. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : هم لك. فأجلاهم رسول الله وأخذ أموالهم. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن وهب بن جرير عن ابن إسحاق عن رجاله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم / لما توفي, وارتدت العرب كان فيمن ارتد ~~طليحة بن خويلد الأسدي, فإنه ادعى النبوة, وسجع أسجاعا كثيرة, وذكر أن ~~جبريل يأتيه, فتبعته أسد وغطفان, ورئيس غطفان عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ~~الفزاري. فصدق طليحة, واتبعه. PageV01P146 # وكان طليحة يقول لمن اتبعه من أهل الردة: إن الله لا يصنع بتعفيركم وجوهكم ~~وفتح أدباركم شيئا. فاذكروا الله أعفة كراما قياما, فإني أشهد أن الصريح ~~تحت الرغوة. وكان مما سجع لهم به, فابتلى به الناس أنه أصابه وأصحابه عطش ~~في منزل هم فيه، فقال فيما سجع: اركبوا علالا -يعني/ فرسه- فاضربوه أميالا ~~تجدوا بلالا. ففعلوا فوجدوا ماء. # فبعث إليه أبو بكر خالد بن الوليد لمحاربته، فقصده خالد. فلما دنا منه ~~ومن أصحابه بعث عكاشة بن محصن الأسدي وثابت بن الأقوم أخا بني النجار طليعة ~~أمامه. وخرج طليحة بن خويلد PageV01P147 ~~وأخوه سلمة أيضا طليعة. فالتقى طليحة بن خويلد وسلمة وعكاشة وثابت. فافترد ~~طليحة عكاشة وسلمة ثابتا فأما سلمة فلم يلبث ثابتا أن قتله. وصرخ طليحة: يا ~~سلمة أعنى على الرجل فإنه قاتلي. فاكتنفا عكاشة حتى قتلاه، ثم كرا راجعين ~~إلى من وراءهما من الناس. # وأقبل خالد والمسلمون، / فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم ينقر بطنه الطير ~~قتيلا. فعظم ذلك على المسلمين، وراعهم، ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا ~~عكاشة بن محصن قتيلا. ms036 فثقل القوم على المطي كما وصف واصفهم حتى ما تكاد ~~ترفع أخفافها. # ومضى خالد حتى نزل على طيء في جبليهم سلمى وأجأ، وضرب هناك عسكره، وانضم ~~إليه المسلمون من تلك القبائل، PageV01P148 ~~ثم سار إلى طليحة، وهو على ماء يقال له: قطن. فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا ~~شديدا، وقاتل عيينة بن حصن بن حذيفة في سبعمائة من فزارة قتالا شديدا، ~~وطليحة ملتف بكساء له بفناء بيت له/ من شعر، ويتنبى لهم، زعم، والناس ~~يقتتلون. # فلما هر عيينة الحرب، وضرسه القتال مر على طليحة فقال: هل جاءك جبريل ~~بعد؟ فقال: لا! فرجع يقاتل حتى إذا ضرسه القتال وهرته الحرب كر عليه فقال: ~~لا أبا لك هل جاءك جبريل بعد؟ قال: لا والله. قال: يقول عيينة بن حصن: حلفا ~~حتى متى؟! قد والله تلفنا. قال: ثم رجع فقاتل، حتى إذا بلغ كر عليه فقال: ~~هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم! قال: فما قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رجاء ~~كرجاه، وحديثا لا تنساه. فقال PageV01P149 ~~عيينة: علم الله أن سيكون لك حديث لا تنساه. يا بني فزارة هكذا/ فانصرفوا، ~~هذا والله كذاب. فانصرفوا. # وانهزم الناس، فغشوا طليحة يقولون: ما تأمرنا؟ وقد كان أعد فرسه عنده، ~~وأعد لامرأته النوار بعيرا. فلما غشوه يقولون: بماذا تأمرنا؟ وثب على فرسه، ~~وحمل امرأته ثم نجا، وقال: من استطاع منكم فليفعل كما فعلت، ثم مضى نحو الشام. # فلما أوقع الله بهم ما أوقع أقبلت القبائل التي ارتدت يقولون: ندخل فيما ~~خرجنا منه، ونؤمن بالله وبرسوله، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا. # وجعل خالد يأخذ عليهم العهد أن عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ~~ورسوله، ولتقيمن الصلاة، وتؤتون الزكاة. حتى إذا فرغ من ذاك أوثق عيينة بن ~~حصن وقرة بن هبيرة فيمن ارتد وبعث بهما إلى أبي بكر، فأدخلا إلى المدينة، ~~وكل واحد منهما يده PageV01P150 ~~مجموعة إلى عنقه. وجعل غلمان أهل المدينة ينخسون عيينة بن حصن بالجريد، وهو ~~مثل الجمل، ويقولون له: أكفرت بالله بعد إيمانك؟ وهو يقول: ما كنت آمنت ms037 ~~بالله قط فتجافى أبو بكر رضي الله عنه وعن دمه، وعفا عنه، وخلى سبيله. # وأما قرة بن هبيرة فذكر له أن له إسلاما لم يفارقه، وقال: قد كان عمرو بن ~~العاص مر بي فأنزلته، وأكرمته. وقد كان رسول الله - عليه السلام -/ بعث ~~عمرو بن العاص إلى عمان. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع عمرو ~~حتى مر على قرة بن هبيرة، وهو في قومه، فأنزله، ونحر له، وأكرمه، ثم خلا ~~قرة بعمرو فقال: يا عمرو إنكم معاشر قريش إن أنتم كففتم عن أموال الناس، ~~وتركتموها لهم -يريد الصدقة- فقمن أن يسمع الناس لكم ويطيعوا. وإن أنتم ~~أبيتم إلا أخذ أموالهم فإني والله ما أرى العرب مقرة لكم، ولا صابرة عليه ~~حتى ينازعوكم أمركم، فيطلبوا ما في أيديكم. فقال له عمرو: أبالعرب تخوفنا؟ ~~موعدك جعس أمك. فإني أقسم بالله لأوطئنه عليك. PageV01P151 # ومضى عمرو حتى قدم على أبي بكر بالذي سمع من قرة. فلما أتي بقرة أسيرا دعا ~~أبو بكر عمرا، فسأله عن الخبر، وقال: ما تعلم من أمر هذا؟ فقص عليه الخبر، ~~حتى إذا انتهى إلى ما قال له في أمر أموال الصدقة قال له قرة: حسبك رحمك ~~الله. قال: لا والله حتى أبلغ لخليفة رسول الله كل ما قلت لي. فبلغه له، ~~وتجافى أبو بكر عنه، وحقن دمه. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا المدائني قال لما سار ~~عبد الملك بن مروان لمحاربة مصعب بن الزبير كتب إلى رؤساء أصحاب مصعب/ ~~يدعوهم إلى نفسه، ويضمن لهم الولاية. فكلهم أجابه، وشرط عليه ولاية أصبهان. ~~وكان ممن أجاب عبد الملك إلى خذلان مصعب حجار بن أبجر والغضبان بن القبعثرى ~~وعتاب بن ورقاء PageV01P152 ~~الرياحي وقطن بن عبد الله الحارثي ومحمد بن عمير بن عطارد. وكتب إلى ~~إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى نفسه، ويضمن له ولاية العراق. # فأقبل إبراهيم بكتاب عبد الملك إلى مصعب مختوما لم يقرأه، فدفعه إليه، ~~فقال له مصعب: ما فيه؟ قال: ما قرأته. فقرأه مصعب، فإذا ms038 فيه يدعوه إلى ~~نفسه، ويجعل له ولاية العراق. فقال لمصعب: إنه والله ما كان من أحد آيس/ ~~منه مني. ولقد كتب إلى أصحابك كلهم PageV01P153 ~~كما كتب إلي فأطعني فيهم، واضرب أعناقهم. قال: إذن لا تناصحنا عشائرهم. ~~قال: فأوقرهم حديدا، وابعث بهم إلى أبيض كسرى فاحبسهم هناك، ووكل بهم من إن ~~غلبت ضرب أعناقهم، وإن غلبت مننت بهم على عشائرهم. فقال: يا أبا النعمان! ~~إنا عن ذلك لفي شغل. رحم الله أبا بحر إن كان ليحذرني غدر أهل العراق, ~~وكأنه كان ينظر إلى ما نحن عليه. # ويروى أن معاوية بن أبي سفيان أمر بعقوبة روح بن زنباع فقال روح: يا أمير ~~المؤمنين! أنشدك الله أن تضع مني خسيسة/ أنت رفعتها, أو تنقض مني مرة أنت ~~أبرمتها, أو PageV01P154 ~~تشمت بي عدوا أنت وقمته, وإلا أتى حلمك على جهلي وإساءتي. قال معاوية: خليا ~~عنه, وقال: # إذا الله سنى عقد أمر تيسرا # حدثني أبي قال: حدثنا السجستاني قال: حدثنا المدائني, قال: لما اعتزم أبو ~~مسلم على خلع أبي جعفر, وتوجه إلى PageV01P155 ~~خراسان جرت بينهم مكاتبات. وكان آخر ما كتب إليه أبو مسلم كتابا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # ((أما بعد! فإني كنت اتخذت أخاك إماما ودليلا/ على ما افترض الله على ~~خلقه. وكان في ظني بأفضل محل من العلم لقرابته من رسول الله, ففتح لي ~~الفتنة, واستجهلني في القرآن يحرفه عن مواضعه طمعا في قليل من الدنيا زائل, ~~قد نعاه الله إلى أهله, ومثل لي الضلالة في صورة الهدى, وأمرني أن أجرد ~~السيف, فأقتل في الظنة, وأقدم على الشبهة, وأرفع الرحمة, ولا أقبل العذر. ~~فسقم عندي البريء, ولم يبرأ عندي السقيم, ووترت أهل الدين والدنيا في ~~طاعتكم, وتوطيد سلطانكم, حتى عرفكم من كان PageV01P156 ~~يجهلكم, وأوطأت غيركم من قومكم الذل, وركبتهم بالإثم والعدوان. ثم إن الله ~~برحمته تداركني/ منه بالندم, واستنقذني منه بالتوبة. فإن يعف ويصفح فإنه ~~كان للأوابين غفورا)). # فأجابه المنصور: # ((أما بعد أيها المجرم الطاغي! فإن أخي -رحمه الله- كان إمام هدى, يدعو ~~إلى ms039 الله على بينة من أمره, فأوضح السبيل, وحملك منها على المنهج الذي عليه ~~أتى الكتاب. فلو بأخي الإمام الرضي اقتديت, وإلى أمره انتهيت, ما كنت عن ~~الحق حائدا, وعن السلطان موليا, ولا كنت للشيطان وليا. ولكنك -قد يعلمه ~~الله- ما كنت لنا في طاعة يوما واحدا, وما زلت منذ انتحلت ولايتنا تهوي بك ~~الريح في مكان سحيق. لا يسنح لك أمران إلا كنت لأسدهما تاركا, ولأغواهما ~~موافقا. تقتل على الغضب, وتعفو عند الرضا, وتبطش بالسيف بطش الجبارين, ~~وتحكم بالجور حكم المفسدين في PageV01P157 ~~الأرض غير المصلحين. فأوجب الله عليك الثلاث الموجبات من قوله في الكتاب ~~الحكيم: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}.. و{أولئك هم ~~الظالمون}.. و{أولئك هم الفاسقون}. فجمعهن الله فيك يا أفسق الفاسقين وأظلم ~~الظالمين وأكفر الكافرين! فعش رويدا يبلغ الكتاب أجله. # وأمير المؤمنين يشهد الله وملائكته/ المقربين وصالح المؤمنين أنه وأخاه ~~العباس وأخانا من قبلنا أبا إسحق برآء إلى الله منك يا بن وشيكة فيما ~~اقترفت من الإثم, واجترحت من السيئات. PageV01P158 # ومن قبل ما برئ والدي الإمام أبو عبد الله رضوان الله عليه من إمامك اللعين ~~خداش المرتد عن الدين فحقت عليه لعنته, فأدركه الله بها في العاجلة, وله ~~العذاب الأكبر في الآخرة, وطالما أشبهت خداشا وأشبهك.. .. مثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله, والله لا يهدي القوم ~~الظالمين. # وبعد, فإن خبر ما قبلي أني قد وليت موسى بن كعب/ PageV01P159 ~~خراسان, وأمرته بالمقام بنيسابور فإن أنت أردت خراسان لقيك من دونها بمن ~~معه من قوادي وشيعتي, وأنا موجه للقائك أقواما: الحسن بن قحطبة وخازم بن ~~خزيمة وستعلم يا بن وشيكة إذا سرحتك الأسنة وأحيط بك من بين يديك ومن خلفك ~~أي امرئ تكون. فأجمع أمرك وكيدك غير موفق ولا سديد, والله حسب أمير ~~المؤمنين)). # قال: فلما قرأ أبو مسلم الكتاب انخزل ظهره وألقى بيده, وعلم أنه لا ~~خراسان له ولا عراق. فشاور أبا نصر مالك بن PageV01P160 ~~الهيثم وأبا إسحاق صاحب حرسه, فقال لهما: ms040 ما الرأي؟! هذا موسى بن كعب لنا ~~من دون خراسان, وهذه رماح أبي جعفر وسيوفه من خلفنا. وقد أنكرت من أثق به ~~من أهل عسكري. # فقال له أبو نصر: هذا رجل يضغن عليك أمورا متقدمة, منها ما كان منك إليه ~~مقدمه عليك نيسابور, ثم زدت في ذلك, ثم في صحبتك إياه إلى مكة, وأشد من ذلك ~~الذي فعلت مقدمك الأنبار عند وفاة أبي العباس. # فلو كنت إذ هذا بلاؤك عنده ملت إلى بني علي كان ذلك PageV01P161 ~~أقرب إلى الحزم، أو أنك إذ لم تفعل هذا قبلت توليته إياك خراسان والشام، / ~~وغزوت الصائفة ومدت بك وبه الأيام والشهور وأنت في فسحة من رأيك، ووجهت إلى ~~المدينة رجلا فاجتلبت من بني فاطمة، ونصبته إماما، واستملت به قلوب أهل ~~خراسان وأهل العراق، ورميت أبا جعفر بنظيره، فكنت على طريق من التدبير. ~~أتطمع أن تحارب أبا جعفر، وعساكره بحلوان وهو بالمدائن خليفة مجتمع عليه، ~~ثم تقوم له؟ لبئس ما ظننت. # فقال أبو مسلم: يا أبا نصر! كل الذي ذكرت أعرفه، فما الرأي لنا يومنا ~~هذا؟ قال: الرأي ضيق، وأمرك منتشر. ولكني أقول على الاضطرار أرى أن تكتب ~~إلى الحريش بن سليمان/ عاملك على PageV01P162 ~~فسا وأبا ورد يسير بأصحابه حتى ينزل نيسابور قبل أن يسير إليها موسى بن ~~كعب، وتكتب إلى أبي داود أن يستخلف على بلخ، ويشخص بمن قبله من القواد ~~والأجناد حتى يأتي نيسابور، فيضم إليه الحريش، ويحارب موسى بن كعب، ونتوجه ~~نحن حتى نلقى موسى. فما أحسبه إلا سيضعف عنا. # فقال له أبو مسلم: قد أحسنت المشورة يا أبا نصر! ولكني أخاف تثاقل أبي ~~داود والحريش عن الشخوص. قال: فها هنا رأي آخر. قال: وما هو؟ قال: تنفذ إلى ~~الري فتتقوى بما جمعت فيها من الأموال وآلة الحرب والعدة، ثم تتقحم على ~~المصمغان صاحب PageV01P163 ~~دباوند، فإنه ليست له بنا يدان. فإذا صارت إلينا معاقله امتنعنا بها، ثم ~~نناهض أصبهبذ طبرستان فإن أدركتنا آجالنا كان ذلك بأيدي أمة من أمم الشرك، ~~وإن ظفرنا ms041 صرنا إلى مملكة وعز. قال أبو مسلم: هذا رأي إن وافقنا عليه من ~~معنا من القواد. فقال له أبو نصر: فما دعاك إلى أن تخلع أبا جعفر، ولست على ~~ثقة من أبي داود والحريش، ولا على ثقة ممن في عسكرك؟! أنا أستودعك الله من ~~قتيل، وأتوجه إلى الري، فإن عاملك ابن عمي نصر بن عبد الحميد، وهو لك شيعة، ~~ولأبي جعفر حرب، / وهو متخوف من أبي جعفر مثل الذي تتخوف. فأرجو أن يجتمع ~~رأيي ورأيه على هذا PageV01P164 ~~الأمر الذي أشرت به عليك من غزو دباوند وطبرستان، وأستنجد عشيرتي بالري ~~وقزوين. # قال أبو مسلم: فما تقول أنت يا أبا إسحاق؟ قال: أرى أن توجهني إلى أبي ~~جعفر حتى أسأله لك الأمان، فأقدم به عليك! فإنك منه على إحدى منزلتين: إما ~~صفح عنك، وإما عاجلك وأنت على شعبة من عزك من قبل أن ترى المذلة والصغار من ~~أهل عسكرك. فإما صرت في أيديهم أسيرا وإما قتيلا، يركضون برأسك إلى ~~المدائن. # قال أبو نصر مالك:/ يا أبا إسحاق أما إنه سيعمل برأيك، فإن أمره مدبر. ~~وودع أبا مسلم متوجها إلى الري، وزهير بن التركي مولى خزاعة وال على همذان. # فلما صار مالك إلى همذان سأله زهير أن يتغدى عنده، ففعل فوثب عليه، ~~فقيده، وجاء إبراهيم بن عوف في جماعة PageV01P165 ~~ليتخلص مالكا، فأشرف عليه وعلى أصحابه من المدينة زهير فقال: والله لئن ~~شهرتم سيفا، أو رميتم بنشابة لأرمين إليكم برأسه! ليس عليه بأس، والذي أريد ~~به خير لكم وله. وإنما أريد توجيهه إلى المنصور. ولو قد صار إليه لعفا عنه ~~واستصلحه. # واعتزم أبو مسلم على رأي/ أبي إسحاق، فكتب لنفسه أمانا توثق فيه، ووجه به ~~أبا إسحاق، فقدم به المدائن، ولقي أبا جعفر فقال: قد جعلت له هذا الأمان، ~~ورد أبا إسحاق إليه وأبا مالك بن أسيد بن عبد الله فقدم أبو إسحاق وأبو ~~مالك، فأبلغه أبو مالك عن أبي جعفر ما قاله، وأبرز له الأمان. فقال: يا أبا ~~مالك! ما لي في هذا ms042 الأمان من حاجة، فاردده إلى أمير المؤمنين، وأنا شاخص ~~معك.. .. وشخص إلى أبي جعفر، فقتله. # فلما قتل أبو مسلم، وبعث زهير بمالك بن الهيثم إلى المنصور، وكان عليه ~~شديد الغيظ لمشورته على أبي مسلم بما أشار به من محاربة أبي جعفر، فلما ~~أدخل/ عليه، ولا يشك إلا أنه قاتله، قال له يا مالك! كان أبو مسلم استشارك ~~في القدوم علي فمنعته من PageV01P166 ~~ذلك؟ وأشرت عليه بمحاربتي! قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: وكيف ذاك؟ قال: ~~لأني سمعت أخاك إبراهيم الإمام يحدث عن أبيه محمد بن علي قال: لا يزال ~~الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره!.. .. وكنت له أمس كذاك، وأنا اليوم ~~لك كما كنت له.. .. فعفا عنه، ولم ير منه بعد ذلك إلا خيرا. # قال أبو الحسن: ونحوه في العفو للاستصلاح ما حدثنيه أبي عن أبي حاتم عن ~~المدائني قال: لما توفي/ السفاح، وأخذ عيسى بن علي البيعة على الناس لأبي ~~جعفر، ثم لعيسى بن موسى بعده. وكان لا يمر به أحد ممن يأخذ عليه البيعة من ~~قواد أهل خراسان وغيرهم إلا أخذ البيعة لهما عليه، ثم مسح يده على يده ~~وقبلها، حتى PageV01P167 ~~مر سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي، وكان سلم مدة أيام أبي العباس يجول في ~~البادية خوفا من أبي العباس، لأن سلما كان مرواني الرأي، وكان من أشد قواد ~~الدولة، فقدم الأنبار قبل موت السفاح بأيام بأمان بعث به إليه أبو العباس. # فلما بايع سلم بن قتيبة، ومسح يده على يد عيسى انصرف عنه، / ولم يقبلها ~~-وكان الناس في تلك الأيام لا يعرفون تقبيل اليد! إنما هو شيء جاء به أهل ~~خراسان- فاستنكر ذلك عيسى بن علي، وأخذ بثوبه، وقال له: من أنت؟ قال: أنا ~~سلم بن قتيبة بن مسلم. فقال عيسى بن علي: المبغض لدولتنا، المرواني الرأي ~~والهوى، الغاش لأمير المؤمنين ولدولته. فقال سلم: ألا أدلك على من هو أغش ~~لأمير المؤمنين ولدولته مني؟!.. من يزعم أنه مع أمير المؤمنين وفي حيزه، ~~وهو ثاني عنقه ms043 إلى أخيه، ويقدم رجلا، ويؤخر أخرى. ويقول: أيهما ظفر كنت ~~معه. قال: وانتزع ثوبه من يده، وانصرف. # ولقيه زياد بن عبد الله القشيري ومعن بن زائدة وغيرهما PageV01P168 ~~من أشراف العرب، فقالوا: ما لنا ولك؟ وما أردت إلينا؟.. لو كان هذا الرجل ~~ركبك بمكروه، ماذا كان عندنا من النكير؟!.. قال: إني والله ما عملت ما قلته ~~له! ولقد كان أظلم ما بيني وبينه حتى ما أبصره!.. وكتب بذلك إلى المنصور، ~~وحكي له الأمر على وجهه، فتجافى المنصور عن سلم، وكان ذلك الذي أحدث له ~~المنزلة عنده. # قال: ومثله ما حدثني به أبي قال: حدثنا السجستاني قال: حدثنا محمد بن عبد ~~الله الأسدي قال: حدثنا أبو الخطاب/ قال: لما قدم يزيد بن هانئ برأس مروان ~~بن محمد على أبي العباس جلس له مجلسا عاما مشهورا. فدخل يزيد بالرأس، فوضعه ~~بين يديه، فقال أبو العباس لجلسائه: هل فيكم أحد يثبت هذا الرأس؟ PageV01P169 # فقام سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة فأكب عليه ساعة، فتأمله طويلا، ثم قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين! هذا رأس خليفتنا بالأمس، رحمة الله عليه! وعاد إلى ~~مجلسه. فأطرق أبو العباس يفكر ساعة، ثم قام، فدخل، وتفرق الناس. # وانصرف سعيد إلى منزله. فاجتمع إليه أهله وولده وأهل بيته، فقطعوه ملامة، ~~وقالوا: ماذا أردت إلى هذا؟!../ أشطت بدمائنا فقال: اسكتوا قبحكم الله! ~~ألستم أصحابي بحران أشرتم علي بالتخلف عنه، ففعلت من ذلك غير فعل أهل ~~الوفاء والشكر، وما كان ذلك حق مروان علي، وما كان يغسل عني عار تلك إلا ~~هذه، والموت لا بد منه، وإنما أنا شيخ، هامة اليوم أو غد، فإن نجوت من ~~القتل فما أقربني من الموت. PageV01P170 # فلم يزالوا يتوقعون رسل أبي العباس أن تأتيهم في يومه, فلم يأتيهم أحد. ~~فقالوا: يطرقه من الليل, فيضرب عنقه, فأصبح فلم يأته رسول, فغدا على سليمان ~~بن مجالد فلما نظر إليه قال: أبشر يا بن جعدة بجميل رأي/ أمير المؤمنين!إنه ~~ذكر في هذه الليلة ما كان منك بالأمس فقال: أما والله ms044 ما أخرج ذلك إلا ~~القول منه بالوفاء, وله أقرب قرابة بنا, وهو لنا أشكر إن أحسنا إليه. # وإنما قيل: مروان الجعدي لأنه منسوب إلى عمرو بن جعدة بن هبيرة بن أبي ~~وهب المخزومي, فقيل: مروان الجعدي, لأن ابن جعدة كان كالمؤدب له والمجالس ~~له, وأم جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي أم هانئ بنت أبي طالب. فلذلك ~~قال أبو العباس: له منا أقرب قرابة, يريد قرابة أم هانئ بنت أبي طالب. # تم الباب PageV01P171 ### || AUTO (4) باب تلطف الجناة في الحيلة لطلب العفو # حدثني أبو الحسن محمد بن محمد بن عمران بن موسى البصري العبدي قال: حدثنا ~~أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة قال: أخذ المختار بن أبي عبيد سراقة بن ~~مرداس البارقي في يوم جبانة السبيع, فقدم إليه في الأسرى, فأمر بضرب عنقه فقال: PageV01P173 # امنن علي اليوم يا خير معد ... وخير من لبى وصلى وسجد # وخير من حل بشحر والجند # فعفا عنه المختار, ثم خرج مع إسحاق بن الأشعث عليه, فأخذ أسيرا, فقال: ~~ألم أعف عنك؟! أما والله لأقتلنك. فقال: إن أبي خبرني أن الشآم سيفتح لك ~~حتى تهدم مدينة دمشق حجرا حجرا وأنا معك, فوالله لا تقتلني, ثم أنشده: # ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا # خرجنا لا نرى الضعفاء شيئا ... فكان خروجنا بطرا وحينا PageV01P174 ~~تراهم في مصفهم قليلا ... وهم مثل الدبى لما التقينا # فأسجح إذ قدرت فلو قدرنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا # تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا # لقينا منهم ضربا طلخفا ... وطعنا بالقنا حين التقينا # نصرت على عدوك كل يوم ... بكل كتيبة تنعي حسينا # كنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا # فخلى سبيله. ثم خرج إسحاق وخرج معه سراقة, فأخذ أسيرا, PageV01P175 ~~فقال له المختار: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله! فقال سراقة: ما ~~هؤلاء الذين أخذوني, فأين الذين أخذوني؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا ~~قوما عليهم ثياب بيض, على خيل بلق, بين السماء والأرض. فقال المختار: ms045 خلوا ~~سبيله يخبر الناس. فقال سراقة: # ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهما مصمتات # أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات # كفرت بدينكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات PageV01P176 ~~وفي بعض كتب فارس أن كسرى قال لريوسف المغني حين قتل فلهوذ, حين فاقه في ~~الغناء, وكان تلميذه: كنت أستريح منه إليك, ومنك إليه, فأذهب شطر تمتعي ~~حسدك ونغل صدرك! ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة, فقال: أيها الملك! إذا ~~قتلت أنا شطر طربك, وأبطلته, وقتلت أنت شطره الآخر, أليس تكون جنايتك على ~~طربك كجنايتي عليه؟ قال كسرى: دعوه! ما دله على هذا الكلام إلا ما جعل له ~~من مدة البقاء. # حدثنا ابن زكويه عن مهدي بن سابق قال: حجت PageV01P177 ~~الخيزران, فلما اجتازت بالكوفة تلقاها أبو دلامة الشاعر، فوقف تحت قبتها، ~~وقال: يا سيدتاه! عبدك أبو دلامة يسألك أن تنقذيه من امرأة قد أكلت كدي, ~~وأطالت جهدي! قد مل جلدي جلدها, حتى تمنيت فقدها! فأبدليني منها بجارية. ~~فوعدته إذا رجعت من الحج أن تفعل. فلما رجعت رفع إليها رقاعا, يذكرها ~~بوعدها, ويسألها إنجازه, فتغافلت عنه حتى احتال في رقعة, أوصلتها له أم ~~عبيدة, وهي حاضنة الخلفاء. وفي الرقعة: # أبلغي سيدتي بالله يا أم عبيدة # أنها أرشدها الله وإن كانت رشيدة # وعدتني قبل أن تخرج للحج وليدة PageV01P178 ~~فتأنيت وأرسلت بعشرين قصيدة # كلما أخلفت أخلفت لها أخرى جديدة # ليس في بيتي لتمهيد فراشي من قعيدة # غير لفاء عجوز ... ساقها مثل الجريدة # وجهها أقبح من نون طري في عصيدة # [ما حياة مع أنثى ... مثل عرسي بسعيدة] # فضحكت الخيزران, وبعثت إليه بجارية بحليها وجهازها. فوصلت الجارية إلى ~~منزل أبي دلامة, وليس هو فيه. فرآها ابنه, فوطئها. فلما جاء أبو دلامة, ~~ودنا من الجارية منعته, وأعلمته أن ابنه قد وطئها!.. فنتف لحيته, وخرق ~~ثيابه, ودخل إلى المهدي فقال: يا أمير المؤمنين! أعدني على الفاسق, / ابني ~~دلامة. وخبره الخبر, فاغتاظ PageV01P179 ~~المهدي, وأحضر دلامة, ودعا بسيف ونطع, وقال: يا عدو الله! ما حملك على أن ms046 ~~دخلت في مساءة أبيك؟! وأمر بضرب عنقه. قال: يا أمير المؤمنين! فاسمع عذري. ~~قال: لا عذر لك في ارتكاب فاحشة سؤت بها أباك. قال: يا أمير المؤمنين! ~~فاسمع, فإن كان عذرا وإلا فأمير المؤمنين من وراء أمره. قال: هات! قال: هذا ~~الشيخ أقل الناس كلهم حياء, هو منذ أربعين سنة.. .. عجوزي.. .. أنا جاريته ~~ساعة واحدة, فانظر ما يصنع بي!.. فضحك المهدي وقال: قبحك الله! وقال لأبي ~~دلامة: دعها, / وأنا أعوضك خيرا منها. قال: لا والله يا أمير المؤمنين إلا ~~أن تصيرها في موضع لا يصل إليها الفاجر!.. وأمر له بجارية ودار ينزلها. # وروى المدائني أن عبد الله بن علي أتي بأسير من أصحاب مروان, فأمر بضرب ~~عنقه. فلما رفع السيف ليضرب به ضرط PageV01P180 ~~الأسير, فوقع السيف بين يدي الغلام, ونفرت دابة عبد الله, فضحك, وقال: أنت ~~عتيق استك! فاذهب حيث شئت. فالتفت إليه وقال: أصلح الله الأمير, رأيت ضرطة ~~قط أنجت من الموت غير هذه؟!.. قال: لا! قال: هذا والله الإدبار. قال: وكيف ~~ذاك؟! قال: ما ظنك بنا, وكنا ندفع الموت/ بأسنتنا فلا يندفع, فصرنا اليوم ~~ندفعه بأستاهنا فيندفع. # وروي أن مصعب بن الزبير أتي بأسير من أصحاب المختار, فأمر بضرب عنقه, ~~فقال: أيها الأمير! ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ~~ووجهك هذا الذي يستضاء به, فأتعلق بأطرافك وأقول: أي رب! سل مصعبا فيم ~~قتلني؟ قال: أطلقوه. قال: أيها الأمير! اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. ~~قال: أعطوه مئة ألف درهم. قال: بأبي أنت وأمي اشهد أن لابن قيس الرقيات ~~منها خمسين ألفا قال: ولم؟ قال: لقوله: PageV01P181 # إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء فضحك مصعب, وقال: أنت موضع ~~للصنيعة, وأمره بلزومه, فلم يزل معه حتى قتل. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا أبو جعفر الخزاز عن الهيثم بن ~~عدي عن عبد الله بن عياش عن أبيه قال: كنت واقفا على رأس الحجاج يوم دجيل, ~~وقد أتي بالأسرى من ms047 أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث, وهم أربعة آلاف ~~وثمانمائة. فقتل طويلا, حتى قدم إليه رجل من بني تميم فقال: يا حجاج! ~~كافئني ببلائي عندك قال: ويحك! وما بلاؤك عندي؟ قال: # قام ابن أم الأشعث بسجستان, فما ترك شرا يقال في أحد ولا قبيحا إلا قاله/ ~~فيك -وكان الذي بيننا وبينك أجل من السباب- حتى ذكر أبويك, فقمت إليه, ~~فقلت: أيها الرجل! أما الحجاج فأنت PageV01P182 ~~وهو، افعل ما بدا لك، وأما أبواه فوالله ما فيهما أبنة ولا وصمة لقادح، ~~فاكفف عنهما. قال: ومن يشهد لك بذلك؟ فانبرى رجل من الأسرى، من بجيلة، قال: ~~أشهد لسمعته يقول ذلك. قال: خلوا عنهما جميعا. # قال الأصمعي: خلي عنه وعن شاهدين. قال ابن عياش: فقيل للشاهد بعد: هل كنت ~~سمعت شيئا؟ قال: لا! ولكن رأيت موضعا رجوت فيه العافية والفرج. # ويقال -وليس في الخبر. الذي رويناه-: إن الحجاج/ قال للشاهد: فلم لم ترد ~~عني كما رد هذا؟ قال: أتريد الحق؟ قال: نعم! قال: لبغضي لك. فقال: خلوا ~~عنهما! هذا لرده عنا، وهذا لصدقه إيانا. # قال ابن عياش: ثم قتل طويلا، ثم قدم إليه رجل، زعمت كندة أنه منهم، وزعمت ~~بجيلة أنه منهم، وزعمت تميم أنه منهم. PageV01P183 # فقال: يا حجاج! لا جزاك الله عن السنة والقرآن خيرا! قال: وكيف؟ ولم ذاك؟ ~~قال: والله ما أخذت فينا بقول الله: {فإذا لقيم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء}./ فنحن الذين ~~كفروا! فوالله ما مننت ولا فديت فالتفت الحجاج إلى جلسائه فقال: ما له ~~قاتله الله؟! ثم قال: أف لهذه الجيف! أين كانوا عن كلمة هذا الرجل منذ ~~اليوم؟ أما كان فيكم من يتلو هذه الآية حتى تلاها هذا المنافق؟ خلوا سبيل ~~من بقي!.. فخلي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم نحو من ألف وثمانمائة لقول ذلك الرجل. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا المدائني قال: لما كان ~~في آخر أيام دير الجماجم، والحجاج يحارب ابن الأشعث، حملت ms048 على الحجاج أربع ~~كتائب من بني تميم، كتيبة بعد كتيبة حتى/ مزقوا فسطاطه، وظهر الخلل في ~~مصافه، فهم آل مسمع PageV01P184 ~~أن يستأمنوا إلى ابن الأشعث. فلما انقضت الحرب، وظهر الحجاج حبس مسمع بن ~~مالك بن مسمع. فكتب إليه عبد الملك: قد كان في بلاء مالك بن مسمع ما يعفي ~~على إساءة إن كانت من ابنه مسمع، فإذا أتاك كتابي فأخرجه من حبسك، ووله ~~سجستان. فقال عتبان بن أصيلة الشيباني في حبس مسمع يتهدد عبد الملك بن مروان: # أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح -لو يرعى- إليه قريب # فإنك إن لم ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب PageV01P185 ~~أتذكر إذ ثارت عليك عجاجة ... بمسكن والكلبي ثم غريب # غداة قتلنا مصعبا يوم شارفت ... به الحرب والتفت عليه شعوب # قتلنا عمير بن الحباب فلم يؤب ... إلى فل قيس والإياب حبيب # فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب # وكيف يرجى صلحنا وابن مالك ... ينوء بأقياد عليه رقيب PageV01P186 ~~فجاز بنعمى وأكرمن سراتنا ... لعل أمورا بعد ذاك تنوب # فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وحرب ومنكم هاشم وحبيب # فمنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب # ومنا سنان الموت وابن عويمر ... وسبرة فانظر أي ذاك تعيب PageV01P187 ~~.. هؤلاء الذين عددهم كلهم خوارج./ فطلبه عبد الملك, فهرب إلى أمية بن عبد ~~الله بن خالد بن أسيد, فاستأمن له عبد الملك فآمنه. فلما دخل عليه قال له: ~~أنت القائل: # ومنا سويد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب # فقال: ما قلت كذا, إنما قلت: # *ومنا أمير المؤمنين شبيب* # معناه: ومنا يا أمير المؤمنين شبيب. فعفا عنه. # ومثل هذا في قلب اللفظة التي تخاف إلى ضد معناها طلبا للعفو ما حدثنا به ~~عبد الله بن محمد عن العباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: ~~هجا أبو علاقة السكسكي عامر بن PageV01P188 ~~مسعود الجمحي, فاستعدى/ عليه زيادا فقال: أيها الأمير! هجاني, فقال: # وكيف أرجي ثروها ونماءها ... وقد قام فيها خصية الكلب عامر # فقال أبو ms049 علاقة: ما قلت كذا! إنما قلت: # وإني لأرجو ثروها ونماءها ... وقد قام فيها يأخذ الحق عامر # فقال زياد لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ فقال رجل منهم: أشهد لكنت حاضرا ~~عمر بن الخطاب, وقد جاءه الزبرقان بن بدر, وقد أعلق يده في شعر الحطيئة, ~~فقال: يا أمير المؤمنين! هجاني فقال: PageV01P189 # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فقال لحسان: ما تقول؟ قال: سلح عليه! فقال عمر/ للزبرقان: قد وهبت لك ~~لسانه, فانطلق به ليقطعه. وعارضت قيس الزبرقان يسألونه, فقالوا: أبا شذرة! ~~أصهارك وجيرانك, فهبه لنا.. فوهبه لهم. # قال: وكان زياد يحب أن يسمع الحديث عن عمر فيأخذ به, فقال: هودا نسمع, ~~وإنما هي السنة. قم, قد وهبت لك لسانه. فانطلق عامر بأبي علاقة ليقطع ~~لسانه, وعارضته اليمن, فقالوا: جيرانك وإخوانك, فهبه لنا.. فقال: هو لكم. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا أبو بكر الهذلي قال: ~~لما ادعى معاوية زيادا دخل مروان بن الحكم على معاوية فقال: ألا تكفيني ~~سفيهنا هذا؟ قال: ومن هو؟ قال: عبد الرحمن بن الحكم. قال: قد عرفت -يا أمير ~~المؤمنين- أن عبد الرحمن لا يطلق. PageV01P190 # قال: أما والله! لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطلق. يا غلام! أنشد ما قال ~~عبد الرحمن فقال: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فقد ضاقت بما يأتي اليدان # أتغضب أن يقال: أبوك عف ... وترضى أن يقال: أبوك زان # فأقسم أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان PageV01P191 ~~وأقسم أنها ولدت زيادا ... وصخر من سمية غير دان # ثم قال معاوية: والله لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا، ويعتذر إليه. وأقبلت ~~قريش على عبد الرحمن حتى أتى/ زيادا فقال: أنت الذي بلغني عنك ما قلت؟ قال: ~~لا! ولكني الذي أقول: # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فقد ظفرت بما جنت اليدان # حلفت برب مكة والمطايا ... ورب العرش حقا والقران PageV01P192 ~~لأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من وسطى بناني # أراك أخا وعما وابن عم ... فلا أدري بغيب ما تراني # فقال ms050 له زياد: أراك شاعرا مترفا صنع اللسان، يصوغ لك ما تقول ساخطا ~~ومسخوطا عليك. اكتب يا غلام برضاي عنه إلى معاوية، فكتب: ((أما بعد! فإنه ~~صار إلي ابن عم حبيب قريب من بعد/ طول سيئاته، وتتابع عثراته، فأقلته ~~الذنوب، وغفرت له العيوب، وكنت في ذلك كقول الأول: # إذا ما مسيء قام بالعذر لم أكن ... بذي صمم عنه ولا متغافل # وأمر له بمئة ألف. فلما قدم بالكتاب على معاوية رضي عنه، وأحسن صلته. # ومثل هذا في تلطف الشعراء في العذر طلبا للعفو ما حدثناه الغلابي PageV01P193 ~~قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا علي بن محمد قال: لما مدح ابن هرمة ~~المنصور أمر له بألفي درهم، فاستقلها، فبلغ أبا جعفر فغضب وقال: أما يرضى ~~أن حقنت دمه، وقد استوجب أن/ أقتله؟ ورددت عليه ماله، وقد استحق تلفه؟ ~~وأقررته، وقد استأهل الطرد؟ وقربته وهو حقيق بالبعد؟! أو ليس هو القائل في ~~عبد الواحد بن سليمان ابن عبد الملك: # إذا قيل من عند ريب الزمان ... لمقتر فهر ومحتاجها PageV01P194 ~~ومن يعجل الخيل يوم الوغاء ... بإلجامها قبل إسراجها # أشارت نساء بني مالك ... إليك به دون أزواجها # ثم أحضر ابن هرمة فقال: يا بن اللخناء! ألست القائل؟!.. وأنشد الأبيات. ~~فقال: يا أمير المؤمنين! فإني قلت أحسن من هذا. قال: هاته. فقال: # إذا قيل: أي فتى تعلمون ... أهش إلى الطعن بالذابل # وأضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل PageV01P195 ~~أشارت إليه أكف العباد ... إشارة غرقى إلى الساحل # فقال المنصور: أما هذا فمسترق من ذاك, وأما نحن فلا نكافئ إلا بالتي هي أحسن. # ويروى أن أبا نواس دخل يوما على محمد الأمين فقال: ما تصنع عندي يا كلب! ~~وأنت تقول: # إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور # فقال: يا أمير المؤمنين! وأنا أقول فيك: # إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني PageV01P196 ~~وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني # وإنما ارتجلها أبو نواس, ولم يكن قالها. فسكن الأمين ms051 ورضي عنه.. # وفي مثله ما يروى عن علي بن جبلة أنه دخل على حميد الطوسي فقال: يا عاض! ~~لم جئتني وأنت تقول في أبي دلف: # إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره PageV01P197 ~~.. وأمر بوجئ رقبته وإخراجه, فقال في وقته: فإني قد قلت في الأمير. قال: ~~وما قلت؟ قال: قلت: # إنما الدنيا حميد ... وعطاياه الجسام # فإذا ولى حميد ... فعلى الدنيا السلام # .. فرضي عنه حميد وأدناه, وأمر له بجائزة. # ونحو هذا ما حدثنا به الجوهري عن ابن شبة عن أبي عبيدة:/ أن الفرزدق لما ~~هجا خالد بن عبد الله القسري أمر مالك بن PageV01P198 ~~المنذر بن الجارود -وهو خليفته على البصرة- بطلب الفرزدق وقتله. فاحتال ~~مالك حتى وقع الفرزدق في يده. فلما قيل له: قد أتي بالفرزدق احمرت عيناه, ~~وانتفخت أوداجه, وانتضى سيفه. فلما مثل الفرزدق بين يديه, ومالك في تلك ~~الحال, أنشأ يقول, وهو يرتعد: # أقول لنفسي حين غصت بريقها ... ألا ليت شعري ما لها عند مالك # لها عنده أن يرجع الله روحها ... إليها وتنجو من عظام المهالك # وأنت ابن جباري ربيعة أدركا ... بك الشمس والخضراء ذات الحبائك PageV01P199 ~~.. فسكن غضب مالك، وأغمد سيفه، وأمر بحبس الفرزدق، وكتب فيه إلى خالد. وخبر ~~الفرزدق قد كتبته بتمامه في باب العفو عن الشعراء الهاجين للأشراف. # ومن لطيف الحيلة في طلب العفو ما حدثناه أحمد بن إسماعيل القيسي عن عبد ~~الله بن شبيب قال: حدثنا أحمد بن محمد المهدي قال: لما أفضت الخلافة إلى ~~أبي العباس السفاح دخل عليه أبو نخيلة الراجز، فقال: يا أمير المؤمنين! ~~شاعرك وعبدك، وقد قلت فيك شعرا، فأذن لي في إنشاده. فقال: يا عدو الله! ~~ألست القائل في مسلمة ابن عبد الملك: PageV01P200 # أمسلم إني يا بن كل خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض # شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أودعته نعمة يقضي # وأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض القوم أنبه من بعض # .. ثم أمر بإخراجه. فقال: يا أمير ms052 المؤمنين! فإني قد قلت: # إنا انتظرنا قبلها أباكا ... ثم انتظرنا بعده أخاكا # ثم انتظرناك لها إياكا ... فكل ما قلت له سواكا # زور فقد أذهب هذا ذاكا PageV01P201 ~~.. فرضي عنه، وأمر بصلته. # حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد المهلبي عن أبيه عن الحسين بن الضحاك قال: ~~دخل ابن البواب الشاعر مولى المنصور على المأمون لينشده، فقال: يا عدو ~~الله! ألست القائل: # أعيني جودا وابكيا لي محمدا ... ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا # ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا غريبا مطردا # .. فقال: يا أمير المؤمنين! بل أنا الذي أقول فيك: # أيبخل فرد الحسن، فرد صفاته ... علي وقد أفردته بهوى فرد PageV01P202 ~~رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد # أعيذك أن تقسو علي وقد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد # ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد # .. فقال المأمون: واحدة بواحدة, ولم يصله بشيء. # حدثني أبو الحسن البرمكي جحظة عن حماد بن إسحاق الموصلي عن أبيه عن ~~معاوية بن بكر عن/ ثقيف بن عياش المروي من أهل [ذي] المروة أن أباه حمل ~~جواري له إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك, فدخل عليه, وعنده عبد الجبار ~~أخوه, وكان حسن الشعر, فيه لين. فأمر جارية منهن أن تغني صوتا, وأمرها ~~الوليد أن PageV01P203 ~~تغني صوتا. فلم تسمع ما قال الوليد, وغنت الصوت الذي قال عبد الجبار, فغضب ~~الوليد بن يزيد, واحمر وجهه, فعرفت الجارية الشر في وجهه, فقطعت الصوت, ~~وغنت الوليد بن يزيد: # أيها العاتب الذي خاف هجري ... وبعادي وما تعمدت ذاكا # أترى أنني بغيرك صب ... جعل الله من تظن فداكا # ولو أن الذي عتبت عليه ... خير الناس واحدا ما عداكا # فارض عني جعلت نعليك إني ... والعظيم الجليل أهوى رضاكا PageV01P204 ~~.. فالتفت الوليد بن يزيد إلى أبي فقال: بكم هذه الجارية؟ فقال: بثلاثين ~~ألف درهم. قال: ادفعوها إليه. فدفع إليه المال, ولم يشتر من الجواري غيرها. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال: حدثني يحيى ابن محمد ~~بن طلحة ms053 بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: اجتمعت شعراء الأمصار ~~بباب المنصور, ومعهم المستهل بن الكميت فأذن لهم, فأنشدوه. فكلما فرغ شاعر ~~من إنشاده نسبه, / وأمر أبا الخصيب بإثبات اسمه. فلما انتسب له ابن الكميت ~~قال: يا ابن اللخناء! تقف أمامي وأبوك الذي يقول: # الآن صرت إلى أمية والأمور لها مصاير PageV01P205 ~~.. فقال: يا أمير المؤمنين! إن القوم أخافوه لمودته لكم, وميله إليكم, فقال ~~ذلك ليحقن, ويدفع عن مهجته. قال: وأي عذر له, وقد مدح بني هاشم فجعلنا في ~~ذلك كبعضهم؟ وقد علم أنا رؤساؤهم وأعلاهم, فأمسك عن العباس, ولم يذكرنا إلا ~~في بيت واحد: # وأبو الفضل إن ذكرت له الإفضال فهو الشفاء للأسقام # .. فقال: يا أمير المؤمنين! لا عذر له في ذلك! والله تبارك/ وتعالى يقول: ~~{ولا تزر وازرة وزر أخرى} وقد شفع هذا البيت ببيت آخر. قال: هيها, هبلتك ~~أمك. قال: إنه قال: # صدق الناس في حنين بضرب ... شاب منه مفارق القمقام PageV01P206 ~~.. فقال: يا أبا الخصيب! أثبت اسمه في الصحابة، وأعطه عشرة آلاف درهم. # هذا البيت إنما ألحقه المستهل بن الكميت في شعر أبيه بعد طلبا للتخلص من ~~المنصور، فألحق، وليس هو فيما قاله الكميت في ابتدائها. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال: قدم عبد الملك بن ~~مروان مكة، فدخل عليه عمر بن أبي ربيعة، فقال عبد الملك: لا حياك الله ~~فاسقا خبيثا! قال: بئست تحية ابن العم على بعد الدار ونأي المزار. قال: يا ~~فاسق! ألست القائل: # ولولا أن تفندني قريش ... مقال الناصح الأدنى الشفيق # لقلت إذا التقينا: قبليني ... ولو كنا على ظهر الطريق PageV01P207 ~~.. أو لست القائل: # نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرج عارم # فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # .. يا فاسق! ما كان لك في نساء قريش غنى عن أن تشبب بنساء بني عبد مناف؟! ~~قال: يا أمير المؤمنين! فإني ms054 أقول فيها: # طلبن الهوى حتى إذا ما أصبنه ... نزعن وهن المسلمات الكرائم # فاستحيا عبد الملك، ونكس رأسه، وقال: أما إن كان كذا فقد عفونا عن جرمك. PageV01P208 # حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة عن المدائني قال: كان قطبة ~~بن زياد يرى رأي الخوارج, فطلبه الحجاج حتى وجده. فلما أتي به قال له: من ~~أنت؟ قال: قطبة. قال: وما قطبة؟ قال: قطبة من قطب الدين, ورجل من المسلمين, ~~لا يطلب بذحل, ولا يوجد عليه عيب. قال الحجاج: فأنت إذن! ما تقول في عثمان ~~وعلي؟ فقال: # هما ختنا خير الأنام ومن له ... على الناس فضل بين يا بن يوسف # ومن عاش في الدنيا حميدا فعاله ... ومات فقيدا سيدا غير مقرف # .. قال الحجاج: إني لم أسألك عن ختنهما عليه السلام.. إني سألتك عنهما, فقال: # خليلاي عاشا برهة مع محمد ... فمات ولما يسخطاه ابن يوسف PageV01P209 ~~فلا تسألني عنهما بعد هذه ... فإني لم أعرفهما بالتكلف # .. قال الحجاج: إني إنما أسألك عن أمرهما. قال: لم أدركهما, ولا علم لي ~~بهما إلا كعلم الأمير, فهل يشك فيهما الأمير؟ قال: لا.! قال: وأنا لا أشك ~~فيهما. قال: فتقول فيهما على ذلك ماذا؟ قال: لا أعدو فيهما -والله- قولك. ~~فقال: لله درك يا قطبة! لقد/ اعتصمت بمعتصم! خلوا سبيله. فخرج على الناس, ~~فقيل له: ويحك! كيف نجوت من الحجاج؟ فقال: # نجوت من الحجاج أني مجرب ... بصير بأحناء الأمور الأوائل # أراد بي الحجاج يا قوم عضلة ... وكنت امرءا طبا به غير جاهل # خذ القصد يا حجاج وابغ فريسة ... سواي فإني عالم بالدواخل PageV01P210 ~~وقد قال ناس من تميم وغيرهم ... نجا ابن زياد من يدي غير غافل # فقلت: بحمد الله والصبر أفلتت ... حشاشة نفسي من شتيم صلاصل # خبعثنة في ساعديه تفاوت ... كريه المحيا قرنه غير وائل # متى تر عيناه امرءا متعديا ... يصر لحمه للخامعات الجيائل # جماعة الضباع. و((الجيل)). الضبع الكثيرة الشعر. PageV01P211 # ومن لطيف الاعتذار ما حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن ~~الهيثم بن عدي قال: حدثنا ms055 ابن عبد العزيز الأسلع قال: بلغ عبد الملك أن ~~الحجاج بن يوسف قد شمت بموت خالد بن عبد الله بن أسيد, فكتب إليه: # ((أما بعد فإن الحال قد تركك حيران, لا تعرف خيرا من شر, ولا عقوقا من ~~بر! وقد عرفت حمقك وعداوتك لقريش. وقد بلغني سرورك بموت خالد بن عبد الله ~~بن أسيد. وأيم الله إن في بني أبيه لخلفا صالحا, والسلام)). # فكتب إليه الحجاج: # ((يا أمير المؤمنين! كيف أشمت بخالد, وأحب موته/ وقد عرفت أنه لم يسبق ~~أجله, وأن ليس له إلا عمله؟.. وكيف أكون لقريش مبغضا, وبهم بلغت فوق ~~الأمنية؟ ولقد أفك من قال ذلك, ولكني رجل لا أخن على الموتى خنين النساء, ~~وإنما لهم عندي الترحم والاستغفار)). PageV01P212 # ثم كتب إليه بأبيات لطارق بن ديسق اليربوعي: # سيأكلنا الدهر الذي ليس فائتا ... حبائله غر ولا مهتر قحر # وما منهما إلا سيأكل رزقه ... وفاء وإن أشجاه في عيشه الدهر # وما موت من قد مات قبلي بنافعي ... ولا ضائري عيش الذي أنسأ العمر # حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: PageV01P213 # كان يحيى بن خالد بن برمك قد رقي إليه عن حجر/ بن سليمان الكاتب الحراني ~~أمور, فكان عليه لها مغيظا. فلما وجه الرشيد يحيى بن خالد إلى حران ليقتل ~~من هناك من الزنادقة ضاق بحجر منزله, فكتب إلى يحيى: # ((أما بعد! فإنك لما حللت بأرضنا, وقرب مزارك منا اعتلج بقلبي أمران: ~~أحدهما الاستتار منك, وخفض الشخص في عسكرك, وأما الآخر فالإصحار لك, والرضا ~~بحكومتك. فاعتلى الرجاء لعفوك الخوف من بادرتك. وعلمت أني لم أعجزك فيما ~~مضى من سالف الأيام, ولأنت أعظم شأنا من الذي لم تعد قدرته الحيرة إذ يقول ~~له النابغة: PageV01P214 # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # فأنا أسألك مسألة يعظم الله عليها أجرك, ويجزل بها ذخرك, وأسألك بحق نعم ~~الله عليك إلا بللت ريقي بعفوك, وفرجت الضيقة التي لزمتني بعطفك)). # .. فكتب يحيى إليه بالأمان له والعفو عنه!.. # حدثنا الغلابي قال: ms056 حدثنا مهدي بن سابق قال: كتب إبراهيم بن المهدي إلى ~~المأمون: # ((يا أمير المؤمنين! ولي الثأر محكم في القصاص, ((والعفو أقرب للتقوى)): ~~ومن ساقه الاعتذار بما مد له من أسباب الرجاء PageV01P215 ~~[و] السلامة أمكن عادية الدهر من نفسه. وقد جعلك الله فوق/ كل ذي ذنب, كما ~~جعل كل ذي قدر دونك. فإن غفرت فبفضلك, وإن أخذت فبحقك)). # فوقع إليه المأمون في كتابه: ((القدرة تذهب الحفيظة, والندم توبة, ~~وبينهما عفو الله, وهو أفضل ما يسأل)). # قال: ولما أخذ المأمون إبراهيم بن المهدي استشار المعتصم والعباس بن ~~المأمون في قتله, فأشارا به. فقال إبراهيم: أما أن يكونا قد نصحا لك [في ~~عظم] الخلافة, وما جرت به عادة السياسة فقد فعلا, ولكنك تأبى أن تستجلب ~~النصر إلا من حيث عودك الله. # وكان في اعتذاره إليه أن قال له: # إنه وإن/ بلغ بي جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله PageV01P216 ~~يبلغاني عفوه. ولي بعدهما شفعة الإقرار بالذنب, وحق الأبوة بعد الأب. # فقال المأمون: # لو لم يكن في حق سببك حق الصفح عن جرمك لبلغك ما أملت حسن تنصلك, ولطيف توصلك. # وكان إبراهيم بعد ذلك يقول: والله ما عفا عني المأمون صلة لرحمي, ولا ~~محبة لاستحيائي, ولا قضاء لحق عمومتي! ولكنه قامت له سوق في العفو كره أن ~~يفسدها بي. # وقال إبراهيم في اعتذاره: # هبني أسأت وما أسأت بلى أسأت ... أقركي يزداد طولك طولا PageV01P217 ~~إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بجرمي عفوك المأمولا # وقال يشكر له: # رددت مالي ولم تمنن علي به ... وقبل ردك مالي ما حقنت دمي # فأبت منك وقد ألبستني نعما ... هي الحياتان: من موت ومن عدم # فلو بذلت دمي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي # ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم PageV01P218 ~~قرأت على أبي حفص السلمي قال: أخبرنا حماد بن إسحاق الموصلي عن أبيه قال: ~~غضب يحيى بن خالد بن ms057 برمك على أبي شبابة في شيء بلغه عنه، فجفاه، واطرحه، ~~فكتب إليه: # ((الأصيد الجواد، / الواري الزناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، ~~اللباب الحلاحل.. من المستكين المستجير، البائس الضرير: فإني أحمد الله ~~العزيز القدير إليك وإلى الصغير والكبير بالرحمة العامة، والبركة التامة، ~~أما بعد: فاغنم، واسلم، واعلم -إن كنت [لا]/ تعلم- أن من يرحم يرحم، ومن ~~يحرم يحرم، ومن يعدل يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم. وقد سبق إلي تغضبك ~~علي، واطراحك لي، وغفلتك عني بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أبيت ولا أرقد! ~~فلست بذي حياة صحيح، ولا بميت مستريح. فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك/ ~~عليك، ولذلك قلت: PageV01P219 # أسرعت بي حثا إليك خطائي ... فأناخت بمذنب ذي رجاء # راغب راهب إليك يرجي ... منك عفوا عنه وفضل عطاء # ولعمري ما من أصر ومن تاب مقرا بذنبه بسواء # فإن رأيت -أراك الله ما تحب، وأبقاك في خير- ألا تزهد فيما ترى من تضرعي ~~وتخشعي، وتذللي وتضعفي فإن ذلك مني ليس سجية ولا طبيعة، ولا وجه تصيد ولا ~~تخدع، لكنه تذلل وتخشع وتضرع من غير ضارع ولا خاشع، ولا مهين لمن لا يستحق ~~ذلك.. إلا أن التضرع إليه عز ورفعة، وشرف ومنعة/ وأنت المأمول لهذا، وأنا ~~الآمل، ولذلك أقول: # لا يزهدنك في أسير ضارع ... يبغي رضاك لفضل عزك خاشع PageV01P220 ~~فإليك فاشفع لي بفضلك إنني ... أصبحت ما لي غيره من شافع # واجبر كسيرا أنت كنت كسوته ... بالعفو منك وفضل حلم واسع # فأنا الغداة سليم سخط فارقني ... من سم سخط ما يداوى ناقع # إلا بحلمك إنه لدواؤه ... واحتل برفقك في وجوه منافعي # لا تفسدن جميلة أسديتها ... بالمنع إن الحر ليس بمانع # واربب أياديك الجميلة عندنا ... بزيادة منها وحسن تتابع # .. فأنا أسألك راغبا إليك أن تحضرني إليك، وتقعدني بين يديك، وتعرفني ~~ذنوبي، وتلزمني عيوبي./ فإن يك ذنبي فيك، فعلي أن أرضيك، ثم أعطيك من العهد ~~ألا أعود إليه آخر الأبد. وإن يكن إلى نفسي بسوء رعيتي لها، وجرمي عندها ~~أعفك ونفسي من ذلك، ثم PageV01P221 ~~ارجع إلى ما ms058 هو أزين في نفسك ثم يكون لك علي ميثاق إخراجك إياي من الجهل، ~~وجودك علي بالبذل أخذا منك بالفضل. وأنا أعيذك بالله أن تكون ممن إذا ~~استرحم قسا، وإذا استكين له عسا، وإذا استعطف جسا. ولذلك أقول: # يحيى تدارك بالرضا رجلا ... أزرى عليه بسخطك المزري # قلق النهار وليله أرق ... باتت عليه همومه تسري # وكذاك يأرق ليله رجل ... قد أسلمته بلابل الصدر # وتقسمته أموره فرقا ... واستمكنت منه يد الدهر # فسطت عليه سطوة جمزى ... وعلته عن حنق وعن قسر PageV01P222 ~~من ذا الذي تهدا جوارحه ... والليث يوعده أبو الأجر # لا ألفين لديك مطرحا ... يحيى بن خالد والتمس عذري # فلئن فعلت لأجزين به ... ولئن أبيت ليجملن صبري # .. فانظر -جعلت فداك- بعين رأفتك، لا بعين نقمتك فيما رغبت إلى الله ثم ~~إليك، واعتمدت فيه عليك بجميل رأيك، وحسن صنع الله لك من عواقب الصفح ~~والعفو، فإني راض بحسن نظرك، شاكر لجميل/ أثرك. أحسن الله توفيقك وتسديدك ~~وإرشادك)). # فكتب إليه خالد بالرضا عنه، وحضر فأحسن جائزته وصلته، ولم يزل عنده أثيرا مكرما. # ومن الاحتيال في طلب العفو رجاء للنجاة من القتل: PageV01P223 # حدثنا الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال: ~~حدثنا سفيان عن عاصم عن أنس بن مالك أن عمر ابن الخطاب -رحمه الله- قال ~~للهرمزان: تكلم! قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: كلام حي. فأمر عمر بقتله، ~~فقال: قد آمنتني! فتركه عمر. # ويقال: إن الهرمزان لما دخل على عمر دعاه إلى الإسلام، / فقال: لا أدع ~~ديني. قال: إذن أقتلك. قال: فإني عطشان فاسقني. فدعا له بشربة ماء، فأتى ~~بماء في قدح من عيدان. فقال: لو مت عطشا لم أشرب في هذا! فدعا له بقدح ~~قوارير فأخذه فرفعه إلى فيه، PageV01P224 ~~ويده ترعد. فقال: ما ليدك ترعد؟! فقال: خوفا من أن تقتلني قبل أن أشربه. ~~قال: لست بقاتلك حتى تشربه. فأرسل القدح من يده فانكسر. فقال: إيتوه بغيره, ~~فإنا لا نجمع عليه القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء يومي هذا! قال: ~~إني ms059 قاتلك. قال: ما أنت بقاتلي وقد آمنتني حتى أشربه. فقال: كذبت. فقال أنس ~~بن مالك: بلى يا أمير المؤمنين! والله لقد قلت له:/ لا أقتلك حتى تشربه. ~~وقال من حضر: قد قلت ذلك له يا أمير المؤمنين!! فشق ذلك على عمر, وأمره ~~بالمقام بالمدينة, فأقام, وأسلم. # ويقال: إنه أدخل على عمر, وعليه لباسه من الديباج, وعلى رأسه تاجه, مكللا ~~بالجوهر, وعليه سواران وخاتم ذهب. فجعل الوفد يسألون عن عمر, ويطؤون أثره, ~~والهرمزان يعجب, ويقول: أما لملككم هذا مجلس معلوم, يأتيه فيه الناس ولا ~~حجاب؟ قالوا: لا! ولكنه يخرج وحده, فيطوف في الأسواق والطرق. فلم يزالوا ~~يطلبونه حتى هجموا عليه وحده في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ./ فجعل ~~الهرمزان يعجب من عمر وهيبته, والناس يعجبون من الهرمزان ولباسه. فلما رآه PageV01P225 ~~عمر أفف به، وقال: أعوذ بالله من النار. ثم استعبر فبكى وقال: الحمد لله ~~الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه. قالوا: يا أمير المؤمنين! هذا ملك الأهواز. ~~قال: والله لا أكلمه حتى ينزع ما عليه. فأمر بما عليه فنزع، وألبس ثيابا ~~غيرها، وكلمه عمر رحمه الله. # ومثله: روى الهيثم بن عدي قال: لما قتل شبيب الخارجي عتاب بن ورقاء ~~الرياحي، وفل عسكره اتبع المنهزمين، فأدرك شبيب رجلا من أصحاب عتاب، فلما ~~أحس به نزل عن فرسه، ونزع/ ثيابه/ وطرح نفسه في الفرات، فجاء شبيب فوقف ~~عليه، وهو في الماء، فقال: اخرج إلي. قال: إني أخاف أن تقتلني قبل أن ألبس ~~ثيابي. قال له: فأنت آمن إلى أن تلبس ثيابك. فقال: والله لا ألبسها أبدا! ~~وانصرف عنه شبيب. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم السجستاني قال: حدثنا PageV01P226 ~~أبو جعفر الخزاز عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن أبيه قال: شهدت الحجاج ~~يوم دجيل. وأتي بالأسرى من أصحاب بن الأشعث، وهم أربعة آلاف وثمانمائة ~~أسير، كلهم من أهل الكوفة وأهل البصرة. # وكان أول خلق الله قدم إليه الفضيل بن بزوان، وكان شريفا من/ الموالي. ~~فقال: يا فضيل! قال: نعم. قال: ألم ms060 أكرمك؟ قال: بل أهنتني، فقال: ألم ~~أستعملك؟ قال: بل استعبدتني. قال: أما والله لأقتلنك. قال: إذن أخاصمك في ~~دمي. [فقال: إذن أخصمك لا أم لك] قال: الحكم يومئذ بيد غيرك. قال: أراك ~~معدا لا أم لك للجواب. # ويقال: إنه قال له: والله لا تذوق البارد أبدا. قال: والله إني لأرجو أن ~~أسبقك إليه. قال: قدماه. قال: فضربت عنقه، ثم قتل PageV01P227 ~~طويلا، ثم قدم الطفيل بن الحكم الطائي فقال: أطفيل! قال: نعم. قال: ألم ~~تقدم العراق أعرابيا، لا يفرض لمثلك ففرضت لك؟ قال: بلى. قال: وزدت في ~~عطاياك؟ قال: بلى. قال: وأوفدتك، ولا/ يوفد مثلك؟ قال: بلى. قال: وعرفتك ~~على قومك، ولا يعرف مثلك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: أبا محمد! إن ~~رأيت أن تأذن لي فألحق بأهلي فافعل. قال الحجاج: أمن شوق بك إليهم؟ قال: ~~نعم! فالتفت الحجاج إلى جلسائه فقال: ما كنت أرى البائس بلغ به الضعف ما ~~أرى.. فخلى سبيله. قال ابن عياش: كان من أمرد الناس وأدهاهم. # قال الأصمعي: قدم إليه أعرابي، فقال له: ألم تأتني أعرابيا منقطعا، لا ~~ديوان لك؟ قال: بلى. قال: ففعلت بك، وفعلت. قال: قد فعلت. قال: فإن عفوت ~~عنك/ فيك خير؟ قال: لا! قال: وكيف ويحك؟ قال: لأني قدمت، وليس لي ديوان ~~ففعلت بي، ورفعت أمري، PageV01P228 ~~ثم خرجت عليك. فدلني على ذلك عقلي ورأيي، وهما معي لا يفارقاني. فقال ~~الحجاج: هو خير الخبثاء، خلوه!.. # قال ابن عياش: ثم قتل طويلا، ثم قدم إليه عامر بن المخيمر التميمي. وكان ~~الحجاج يحب قتله، وكان الرجل إذا أقر عنده بالنفاق خلى سبيله. فلما رآه ~~الحجاج قال: هذا شيخ لا يقر على نفسه بالنفاق اليوم. فقال عامر: أعن نفسي ~~تخادعني؟ بلى والله، ما فارقتك والله إلا مشركا فقال: خليا عنه. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي اليقظان قال: لما عرض الحجاج أسرى ~~ابن الأشعث قدم إليه عمرو بن عمير الكندي. وهو الذي يقول له الهيثم بن ~~الأسود النخعي في أمر PageV01P229 ~~حجر بن ms061 الأدبر الكندي: # ألا من عذيري من عمير ومن عمرو ... يلومانني أن راب دهر على حجر # وما كان ذنبي أن زياد أصابه ... وأصحابه يوما بقاصمة الظهر # فلما مروا بعمرو على الحجاج قال له: أيا بن أبي قرة! عاديت ابن PageV01P230 ~~الأشعث ستين سنة، ثم خرجت معه؟! فقال: أصلح الله الأمير! ما خرجت معه إلا ~~مخافة سفهه. قال: صدقت. وخلى سبيله!.. # حدثني أبي قال: حدثنا السجستاني، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: حدثني عبيد ~~الله بن إسحاق الطلحي، قال: لما أخذ المنصور الناس بظنة محمد بن عبد الله ~~بن حسن. وقتل من قتل ممن كان يقال: إنه يعلم علما من محمد، أتي برجل من أهل ~~المدينة، فقيل له: إنه يعلم من محمد علما . فلما أدخل على المنصور سأله، ~~وتهدده. فقال: يا أمير المؤمنين! إن كان يعلم من علمه شيئا، فسلط الله عليه ~~خيثم بن غزال! فقال المنصور: ومن خيثم بن غزال؟!.. قالوا: رجل من أهل ~~المدينة من بني غفار، كان يلي شرطة المدينة، وكان صليبا. قال: اطلبوه لي ~~حتى أعيده على الشرط. فقيل له: قد اختلط اليوم، وخرف، فأمر المنصور بتخلية الرجل. # حدثني أبي قال: حدثنا السجستاني قال: حدثنا أبو عبيدة قال: PageV01P231 # حدثنا عبد الرحمن بن راشد قال: بينما حميد بن عبد الرحمن بن عوف جالسا في ~~المسجد مع قوم يذكرون ما صنع المنصور من تفتيش بيوت في طلب محمد بن عبد ~~الله قال حميد: قبحه الله ما أعظم عرته! والتفت فإذا رجل يسمع منه ما يقول، ~~ويكتب بجميعه. فنظر حميد فإذا هو اشرأب له، فبرك حميد فضرب الحصى بيده ضربا ~~شديدا، وصوت بفيه، يشبه بالكير، ثم التفت إلى الرجل فقال له: هذا الماخوري ~~لزم المجلس من كذا وكذا سنة. فقال/ القوم: مجنون رحمك الله! فانصرف عنه الرجل. # حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا الزبير بن بكار عن عمه قال: ~~لما قال إبراهيم بن هرمة في أيام خرج محمد بن عبد الله: PageV01P232 # فمهما ألام على حبهم ... فإني أحب بني فاطمة # بني بنت من ms062 جاء بالمحكمات والدين والسنة القائمة # تناشدها الناس، وكتمها ابن هرمة خوفا من المنصور، فلقيه رجل فقال له: من ~~يقول هذا؟ وأنشده البيتين، فقال ابن هرمة: من أعضه الله.. .. أمه! فقال له ~~ابنه لما ولى الرجل: يا أبه! ألست قائل البيتين؟ قال: بلى قال:/ فلم شتمت ~~نفسك؟ فقال: يا بني! أليس يعض الرجل.. .. أمه خير له من أن يأخذه الحسن بن ~~قحطبة فيقطع ظهره بالسياط؟.. # حدثنا أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: حدثني سماعة بن أسود ~~الأسدي قال: لما طلب المنصور محمد بن عبد الله استخفى، وخرج عن المدينة، ~~وجعل يتنزل في أحياء العرب، ويأتي أخواله من غطفان، فلا يأتي أحدا منهم إلا ~~نحر له وأكرمه. # فلما خرج المنصور حاجا أرسل إلى جماعة من غطفان فأتي بهم، PageV01P233 ~~وقد أرسل سماعة بن الأسود بابن له يحض/ على الغطفانيين، ويغري المنصور بهم، ~~ويخبر أن ابنه كان فيهم. وقال لابنه: قف بباب أمير المؤمنين وناد: نصيحة، ~~فإنك ستدخل، فأنشده هذه الأبيات، ففعل فلما دخل أنشد: # بني حسن إن الوقوف عليكم ... ببطن منى إن رمتموه عسير # تصيدك عقفان الوبار وقد ترى ... مكان أب يشكو الكبول كبير # فدع عنك عقفان الضلال وذكرها ... وسر حيث أدركت الملوك تسير # تلاق الذي ما مخدر شابك الشبا ... له حول أكناف الغريف زئير PageV01P234 ~~بأشجع منه مقدما عند موطن ... تكاد قلوب القوم منه تطير # فوقرت في نفس المنصور، وأدخل الغطفانيون إليه، / فقال: لا أنعم الله بكم ~~عينا! ينزل بكم محمد بن عبد الله، فتشتملون عليه؟! فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين! إنه ليمر بنا رجال من قريش ممن نعرف وممن لا نعرف، فنرى علينا من ~~الحق إكرامهم، وما عرفنا محمد بن عبد الله في الناس. قال: فما لكم لما كتب ~~إليكم عاملي يأمركم بطلبه لم تفعلوا؟ قالوا: والله ما درينا أين اتجه. قال: ~~يا أعداء الله! أيضل أحدكم الناب الجعماء، والبكر الأجرب، فلا يزال يتبعه، ~~ويقتفي أثره حتى يرده من حضر موت، ويخفى عليكم أمر محمد بن عبد الله؟!.. ~~وغضب واستشاط ms063 وأمر بحبسهم، فقال شيخ منهم: أتكلم يا أمير المؤمنين؟/ قال: ~~نعم! تكلم. قال: يهمني أمر بكري ونابي، ولا يهمني أمر محمد بن عبد الله. ~~فسكن المنصور وأمر بتخليتهم. # حدثني أبو الحسن البرمكي جحظة قال: حدثني أبو هفان قال: لما أنشد الرشيد ~~قول أبي نواس في الخصيب: PageV01P235 # منحتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب # ولا تثبوا وثب الغواة فإنكم ... على ظهر حامي الظهر غير ركوب # رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكول لحيات البلاد شروب # فإن يك باقي إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب # .. غضب وأمر بإحضار أبي نواس وقال: يا بن اللخناء! أنت المستخف بعصا موسى ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ تقول: # فإن يك باقي إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب PageV01P236 ~~وقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك وكان على شرطته -: لا يأوي في عسكري من ~~ليلته. فقال أبو نواس: يا أمير المؤمنين! فأجل ثمود. فضحك الرشيد وقال: ~~أجله ثلاثا، ثم أقره. # حدثنا أبو خليفة قال محمد بن سلام: حدثنا أبو الغراف قال: لما أتت ~~الخلافة سليمان بن عبد الملك أتته وهو بالسبع فكتب إلى عامله على الأردن أن ~~يبعث إليه بعدي بن الرقاع في وثاق، PageV01P237 ~~فوجهه إليه. فلما دخل عليه قال: إن كنت لكارها لولايتي. قال: وكيف ذاك يا ~~أمير المؤمنين؟! قال:/ حين تقول في مديحك الوليد: # عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا # فقال ابن الرقاع: والله ما هكذا قلت يا أمير المؤمنين! ولكني قلت: # عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقدهم ... أو أن نكون لراع بعدهم تبعا # قال: أفكذاك؟ قال: نعم. قال: فكوا حديده، وردوه على موكبه إلى أهله. ~~وإنما كان خص بتلك المدحة الوليد. # قال: وحدثني أبي عن أبي حاتم قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المخزومي قال: ~~ذكروا أن عبد الملك بن مروان أتي بأعرابي قد شرب الخمر/ وحكم. فقال: ممن ~~أنت؟ فقال: أما أسرتي ففي يلب وأنا مولاك. قال: فأي موالي أنت؟ قال: من ~~موالي عثمان. ms064 قال: ومتى شربت؟ ومتى سكرت؟ فأنشأ الأعرابي يقول: PageV01P238 # شربت مع الجوزاء كأسا روية ... وأخرى مع الشعرى أوان استقلت # مشعشعة كانت قريش تصونها ... فلما استحلوا قتل عثمان حلت # فقال عبد الملك: ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن معرفتك بالوقت أم من ثبات ~~عقلك مع السكر؟ وأمر بتخليته. PageV01P239 ### || AUTO (5) باب خطأ المنطق بحضرة الملوك ومن عفي عنه # قال محمد بن محمد بن عمران البصري: حدثني أبي قال: حدثني أبو حاتم ~~السجستاني عن أبي عبيدة قال: خبرني أخي معاذ بن المثنى عن حماد الراوية عن ~~سماك بن حرب عن عبيد راوية الأعشى قال: كان ظاهر الحيرة يسمى خد العذراء في ~~الجاهلية, وكان ينبت الشيح والقيصوم والأقحوان وأنواع نبات البر الطيبة. ~~فخرج النعمان بن المنذر إليه يوما يتصيد فرأى قطعا من الرمل تسمى PageV01P241 ~~الشقائق, وقد أنبت ضربا من النبت يسمى الشقر, وهو الذي يسمى اليوم شقائق ~~النعمان. فقال النعمان واستحسن النبت: انظروا فمن نزع من هذه الشقائق نورة ~~واحدة فانزعوا كتفيه./ فتحاماها الناس, فسميت شقائق النعمان. # وانفرد النعمان من أصحابه, فهبط واديا فإذا شيخ حوله غنيمات, وهو جالس ~~يخصف نعلا, فوقف عليه النعمان فقال: يا شيخ! ما تصنع هاهنا. فقال: خرج ~~النعمان يتصيد فتهارب الناس منه! فهبطت هذه الوهدة, فنتجت الشاء وسلأت ~~السمن, وقعدت أخصف نعلي هذه. فقال النعمان: إن رأيت النعمان تعرفه؟ قال: ~~أنا أعرف الناس به, أليس ابن سلمى, والله لربما وضعت يدي على كعثبها كأنه ~~ضب جاثم. قال: فاستطار النعمان غضبا, وحسر عن رأسه, فبدت خرزات الملك, ~~وتلاحق به أصحابه فحيوه بتحية/ الملك, فأسقط في يد الشيخ. وقال له النعمان: ~~أعد مقالتك يا شيخ! فقال: أيها الملك إنك PageV01P242 ~~والله ما رأيت شيخا أحمق, ولا أوضع, ولا ألأم, ولا أعض.. .. أمه من شيخ بين ~~يديك. فضحك النعمان وخلى عنه, فقال الشيخ: # تعفو الملوك عن العظيم من الذنوب لفضلها # ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها # إلا ليعرف فضلها ... وتخاف شدة نكلها # حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن هشام ms065 بن سليمان قال: خرج ~~الحجاج من مكة يريد المدينة/ فتفرد من أصحابه حتى صار إلى بستان لآل منبه, ~~فيه مولى لهم شيخ أسود. فقال له الحجاج: لمن هذا البستان؟ فقال: لآل منبه. ~~قال: ما يقول أهل المدينة في أميرهم؟ قال: أي الأمراء تعني؟ قال: الحجاج بن ~~يوسف. قال: لعنه الله! ابن بياع اللبص بالطائف. قال: ويلك ولم تلعنه؟ قال: ~~لأنه قتل عبد الله بن الزبير, وأحرق الكعبة, وأحل الحرم. قال: وطلعت خيل ~~الحجاج فقال له الحجاج: كأنك لم تعلم أني الحجاج؟ PageV01P243 # فقال الشيخ: وكأنك لم تعلم أني أبو ثور مولى آل منبه أصرع في كل شهر مرتين, ~~واليوم من أيامي. فضحك الحجاج وانصرف عنه. # وأخبرنا الجوهري عن ابن شبة قال: خرج الحجاج يوما إلى ظهر الكوفة, ثم ~~أقبل راجعا, فانفرد من أصحابه, فأتى على أعرابي فوقف عليه فقال: ممن الرجل؟ ~~فقال: من ربيعة. قال: أي الناس خير؟ قال: قريش, منهم النبوة وعليهم نزل ~~الكتاب, أطعموا من جوع وأومنوا من خوف قال: ثم من؟ قال: هذا الحي من ~~الأنصار, آووا ونصروا ووقوا شح أنفسهم. قال: ثم من؟ قال: هذا الحي من ~~ربيعة, يطعمون الطعام, ويضربون الهام. قال: فما تقول في ثقيف؟ قال: على من ~~ذكرت لعنة الله, منهم الكذاب المختار, ومنهم الحجاج المبير. # وتلاحقت الخيل, فعلم الأعرابي أنه قد وقع. فجعل يلاحظ الحجاج بشق عينه, ~~ثم طفر وانطلق يطير. فقال الحجاج: علي به PageV01P244 ~~ألحقونيه في العمر, فلحقوه فقال للذي أخذه: أتراه قاتلي فأعهد. قال: أخاف ~~والله ذاك فاعهد إن كنت عاهدا. قال: والله إن ورائي لكرشا منثورة وقال ~~الحجاج لحاجبه: لا تدعن ثقفيا إلا أحضرته, ثم أذن له. فلما رآه قال: اضربوا ~~عنقه فقال: نشدتك الله في حق الصحبة. فقال: ردوه فرد فقال: هي نفسك إن ~~غادرت حرفا مما قلت لي. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. قال: فسأله حتى إذا/ ~~بلغ ثقيف قال: على من ذكرت لعنة الله, فقال الثقفيون جميعا: بل عليك لعنة ~~الله. فقال: إني لأحتمل, وعزيز علي ms066 أن أحتمل. فقال الحجاج: إن أخذتك بعد ~~ثالثة قتلتك. قال: لا ولا بعد ساعة. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال:حدثني الوليد بن هشام قال: خرج ~~خالد بن عبد الله القسري يوما يتصيد. فانفرد من أصحابه, فإذا هو بأعرابي ~~ومعه عجوز على أتان. فقال له خالد: ممن الرجل؟ قال: من أهل المآثر والمفاخر ~~والحسب الباهر. قال: فأنت PageV01P245 ~~إذن من مضر، فمن أيها أنت؟ قال: من المطاعنين على الخيول، / والمعانقين عند ~~النزول. قال: فأنت إذا من بني عامر. فمن أيها أنت؟ قال: من الطالبين ~~بالثار، والمانعين الجار. قال: فأنت إذن من بني كلاب. فمن أيها أنت؟ قال: ~~من أهل الوفادة والقيادة. قال: فأنت إذا من الجعافر فمن أيها أنت؟ قال: من ~~بدورها وشموسها، وليوثها في خيسها قال: فأنت إذن من بني الأحوص. فما أقدمك ~~هذه البلاد؟ قال: تتابع السنين وقلة رفد الرافدين قال: فمن أردت بها؟ قال: ~~أميركم هذا الذي ترفعه إمرته، وتحطه أسرته. قال: فما أردت منه إذ كان كذاك؟ ~~قال: أردت كثرة دراهمه لا كرم أبوته. قال:/ فما أحسبك إلا قلت فيه شعرا، ~~فأنشدناه. قال: يا أم جحش أنشديه. قالت: هيه الآن! كم تسومنا مدح اللئيم ~~ذلا وقلا! قال: إنه لا بد منه فأنشديه فأنشدته: # إليك ابن عبد الله بالحمد أرقلت ... بنا البيد عيس كالقسي سواهم PageV01P246 ~~عليهن بيض من ذؤابة عامر ... حدتها سنون مجحفات مشائم # يزرن امرءا يعطي على الحمد ماله ... يهون عليه للثناء الدراهم # فإن يعطنا شيئا فهذا ثناؤنا ... وإن تكن الأخرى فما ثم لائم # فقال خالد: ما أعجبك في شعرك! تزعم أنك جئت على العيس، وأنت على أتان ~~هزيل. فقال: ما تكلف ابن عمك من مدح اللئيم أشد عليه من الكذب في الشعر. ~~قال: أفتعرف المسائل لك؟ قال: لا. قال: فأنا خالد، وأنا مغنيك وغير مكافيك ~~قال: يا أم جحش! اصرفي PageV01P247 ~~الأتان راجعة. فقال خالد: إني غير مؤاخذك، وأنا أغنيك. قال: لا والله لا ~~رزأت رجلا أسمعته قذعا دينارا ولا درهما. فقال خالد: بمثل صبر الشيخ ms067 أدرك ~~آباؤه من الشرف ما أدركوا. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي قال: لما ~~بنى أبو العباس السفاح مدينته بالأنبار طاف بعبد الله بن حسن بن حسن فيها ~~فأراه ما اتخذ لنفسه، وما اتخذ لأهل بيته وقواده/ وجنده تمثل عبد الله وهو ~~يطوف فيها: # ألم تر حوشبا أمسى يبني ... بناء نفعه لبني بقيلة PageV01P248 ~~يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يطرق كل ليلة # فتغير وجه أبي العباس، وعرف عبد الله ما فيه، فاعتذر إليه وتنصل وحلف له ~~بالله ما أراده ولا أنشده متعمدا لمعناه، ولكنه جاء على لسانه وهو ساه عن ~~معناه، فقبل أبو العباس ذلك منه ظاهرا، وأبطن غيره. فخرج عبد الله بن حسن ~~فأتى أبا جعفر فأعلمه خطأه، وسأله أن يكلم أبا العباس ويعذره عنده. فركب ~~أبو جعفر إلى أبي العباس/ فكلمه فيه، فقال أبو العباس: إن معاوية كان يقول: ~~ما من الناس أحد إلا وأنا أستطيع أن أرضيه إلا الحاسد، فإنما رضاه أن تزول ~~نعمتي!.. وصدق معاوية.. هؤلاء بنو عمنا بنو علي - صلوات الله عليه - وقد ~~وصلت أرحامهم وبررتهم لقرابتهم، وآثرتهم بالإحسان لحرمتهم وحقهم، وقضيت ~~ذمامهم فما أقنعهم ذلك ولا أرضاهم، ولا أوصلت إلى بني أبي شيئا إلا وقد ~~أوصلت إليهم مثله أو نحوه. وإنه ليرد علي من كثيرهم PageV01P249 ~~قوارص ترمضني فأطرحها ولا أحفلها برا به وصلة له. وإنما يعرفون مغبة الحسد ~~وسوء عاقبته لو قد فقدوا شخصي، وأفضت أمورهم إليك يا أبا جعفر. # حدثني أبي قال: حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: بينا سلم ابن قتيبة يساير ~~أبا عمرو بن العلاء في طريق مكة في ليلة قمراء قال سلم: يا أبا عمرو! ~~أنشدنا فأنشده للفرزدق: # تحن بزوراء المدينة ناقتي ... حنين عجول تبتغي البورائم PageV01P250 ~~.. فمر في إنشادها وهو ساه عما فيها من هجاء قتيبة حتى إذا بلغ إلى قوله: # أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم # وما منهما إلا بعثنا برأسه ... إلى الشام فوق الشاحجات الرواجم # عرف ms068 أبو عمرو ما عليه في ذلك فسكت. فقال سلم:/ إيها أبا عمرو! اضرب بها ~~وجوهنا في سواد الليل.. ولم يتنكر له. PageV01P251 # حدثني أبو محمد بن حمدون النديم قال: حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي عن أبيه ~~قال: حدثني علي بن هشام عن الحسن بن مصعب قال: لما أخذ أبو مسلم على عبد ~~الله بن علي بن عبد الله بن العباس بالمخنق أرق عبد الله في ليلة من ~~الليالي التي ضاق أمره فيها, فقال لخادمه سراح: ادع لي أخي عبد الصمد بن ~~علي فجاءه فقال: يا بن أم! أما ترى ما نحن فيه؟ ما أحسبني إلا أشقاها. ~~فقال: يا أمير المؤمنين! أتقول هذا وأنت ابن بيت الإسلام, وابن قواعد مكة/ ~~وبطائحها, تميس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين العباس بن عبد ~~المطلب؟! PageV01P252 # .. قال: يا أخي! إني قتلت أهل الأرض ولم أترك عربيا ولا عجميا إلا أبرته ~~وها أنذا كالأسير بين يدي هذا العبد -يعني أبا مسلم- فوددت أني أتيح له ~~الظفر علي وحملني إلى ابن أخي, فوالله لحكومته في بالجور أحب إلي من حكومة ~~هذا العبد في بالعدل. فقال له: لو رمت ما عند أبي مجرم لعلك أن تستميله. ~~فتبسم وقال: أي أخي! هذا وقت ذاك؟ والله لو سألته اليوم دم شاة ما أجابني ~~إليه, كان يطمع في هذا أول الأمر. قلت: فعندك حيلة؟/ قال: نعم, وإن جاوزت ~~ما ألقيه إليك أهلكتني ونفسك, فاكتمه جوارحك الباطنة فضلا عن غيرك.. أن ~~تنطلق إلى سليمان بن علي بالبصرة, فأظننا إن صرنا إليه كنا في مثل أوكارنا ~~التي نهضنا منها, وفي جوار السموأل بن عادياء ملك الحصن. فقلت: أفترى أبا ~~جعفر إن رام سليمان أن يسلمنا؟ قال: لا! هو يموت دوننا. قلت: خار الله ~~لأمير المؤمنين, وهيأ PageV01P253 ~~له الرشاد. ثم دعا خصيا له فقال: أخرج إلي نواقيس -قينة كانت له- فقال: هات ~~ما عندك, فوالله إني لأدفع بك كل غم, وأرى في وجهك السرور فغنت: # بني هاشم كيف الهوادة بيننا ... وعند علي درعه ونجائبه # هم ms069 قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه PageV01P254 ~~الشعر للوليد بن أبي معيط في علي عليه السلام, يذكر أنه قتل عثمان ويوبخه ~~بأنه سلبه. # فلما سمع الشعر أكربه وغمه وقال: أما كان لك في الشعر والألحان فسحة ~~وسعة؟ قالت: والله يا أمير المؤمنين لقد أرتج علي كل غناء سواه, وكل شعر ~~غيره. فأسبل عينه يبكي وقال: إن أبا العباس قتلني من بين الخلق, وذلك أنه ~~ضمن لي إن قتلت مروان يعهد إلي, فلما قتلته عهد إلى أخيه, والله يأخذه بدمي ~~وعهدي./ ثم قال: غني فغنت: # أأهجر ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذا لصبور # عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكما علي تجور PageV01P255 ~~فسري عنه بعض ما كان, وقال: أحسنت والله! أعيدي علي هذا الصوت. فأعادته ~~فرأيت في وجهه السرور فقلت: يا أمير المؤمنين ما أبعد حالك هذه من حالك ~~آنفا!.. قال: يا بن أم! إن الدنيا محشوة آفات ومصائب. فإذا أتاك منها سرور ~~مقدار لحظة فاغتنمه. والله لكأني بنفسي غدا بين هؤلاء العلجة, فإن لم أدفع ~~ما أخاف بما ترى تعجلت المكروه./ ثم قال: غني, فغنت: # وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت # وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العثار استقلت # فلما فرغت انهملت دموعه. فقلت: سبحان الله ما أعجب ما أرى منك يا أمير ~~المؤمنين! قال: أي أخي! ذهبت والله دنياي إلا أن يأتيني PageV01P256 ~~موت عبد الله بن محمد وذهبت والله آخرتي وقد قتلت مائتي ألف إلا أن يتفضل ~~الله علي. ثم قال: أقول لك شيئا؟ وأحسبك ستوصمني فيه. قلت: أعاذك الله من ~~ذلك يا أمير المؤمنين! قال: والله ما أبالي ما أكلت من خشن ولين, وما أبالي ~~ما لبست/ من غليظ وحسن. وما الدنيا إلا صحة البدن والنظر إلى هذا الوجه ~~الحسن -يعني نواقيس- فليتهم خلوني وإياها بالكفاية, وعلى ملكهم الدبار, ~~وعلي إن طلبته. # قال: قلت: وهذه والله من فضائلك! ما رأيت أحدا ذم الغناء إلا كان منقوصا, ~~ولا ms070 قدم على الباه مطعما أو مشربا إلا كان شرها. قال: كذا كان أبوك علي ~~يقول, وكذا كان جد أبيك العباس يقول في الجاهلية, وكذا نحن أهل البيت, ~~وأحسبهم غلطوا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حين رووا أنه قال: ~~حبب إلي النساء والطيب, وإنما هو النساء والسماع! فضحك عبد الصمد. PageV01P257 # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا محمد بن راشد الخناق قال: حدثني إبراهيم بن ~~المهدي قال: كنت نازلا مع المخلوع في مدينة المنصور أبي جعفر في قصره بباب ~~الذهب لما حصره طاهر بن الحسين. فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من ~~الضيق الذي هو فيه, فصار إلى قصر في قرن الصراة أسفل من قصر الخلد في جوف ~~الليل, ثم أرسل إلي فصرت إليه فقال لي: يا إبراهيم! أما ترى طيب هذه ~~الليلة, وحسن هذا القمر في السماء -وصورة نوره في الماء؟! ونحن حينئذ على ~~شاطئ دجلة- فهل لك في الشراب؟ فقلت: شأنك جعلني الله فداك. فدعا برطل/ من ~~نبيذ فشربه, ثم إني سقيت مثله, فابتدأت أغنيه من غير أن يأذن لي لما أعلم ~~من سوء خلقه بما أعلم أنه يحب أن يسمعه. فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ ~~قلت: ما أحوجني إلى ذلك! قال: فدعا بجارية من جواريه مقدمة عنده, يقال PageV01P258 ~~لها: ضعف. قال: فتطيرت من اسمها للحال التي هو عليها. فلما صارت بين يديه ~~قال لها: غني. فغنت بشعر للنابغة الجعدي: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فاشتد عليه ما غنت به, وتطير منه, وقال لها: غني غير هذا. فغنت: # أبكى فراقهم عيني وأرقني ... إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يغدو عليهم صرف دهرهم ... حتى تفانوا وصرف الدهر عداء PageV01P259 ~~فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حتى أؤوب وما في مقلتي ماء # فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء غير هذا؟ فقالت: يا سيدي! ما ~~قصدت إلا ما ظننت أنك تحب أن تسمعه, وما أردت ما تكرهه, وما هو إلا شيء ~~جاءني. ثم أخذت ms071 في غناء آخر فغنت: # أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك # ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك # إلا بنقل السلطان عن ملك ... عات يحب الدنيا إلى ملك # وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك PageV01P260 ~~فقال لها: قومي عليك غضب الله. وكان له قدح من بلور حسن جدا، كان يسميه ~~محمدا من حبه إياه موضوعا بين يديه، فعثرت بالقدح فكسرته، فقال إبراهيم: ~~ولم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا في مجلسنا ذلك ما نكره. فقال لي: ~~ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاء من هذه الجارية؟ ثم ما كان من كسر القدح؟ ~~ما أظن أمرنا إلا قد قرب. فقلت: بل يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، ويديم ~~دولتك، ويكبت عدوك. فلم يتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة يقول: {قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان} فقال: يا إبراهيم! سمعت ما سمعت؟ قلت: لا والله ~~ما سمعت شيئا. وقد كنت سمعت الذي سمع فقال لي: تسمع حسنا. فدنوت من الشط ~~فلم أر شيئا، ثم عاودنا الحديث فعاودنا القول، ثم قمت عن مجلسه مغيرا، فركب ~~فرجع إلى موضعه بالمدينة فلما كان بعد هذه الليلة بليلتين حدث من قتله ما ~~حدث، وذلك يوم الأحد لست خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة. # حدثنا أبو محمد بن حمدون النديم قال: حدثنا حماد بن إسحاق PageV01P261 ~~عن أبيه قال: حدثني أبو دلف العجلي قال: حدثني أبي عن/ عاصم بن يونس العجلي ~~قال: قدمت على أبي مسلم بمرو، فلما بصر بي من بعيد قام عن مهاده حتى مشى ~~خطا في صحن داره، ثم ضمني إليه، ووضع يده على بطني وظهري ملتزما لي، ورمى ~~الناس بأبصارهم نحوي. وكان هذا من فعله بدعا لا يعرف، ثم أخذ بيدي وأقبلنا ~~نحو مجلسه، فجلس وجلست، وأقبل علي بجوارحه كلها مسائلا ومستمعا، وحضر طعامه ~~فجعل يلقمني بيده، وأمر بمنزل قريب من منزله على نهر ماشان ففرغ لي ونجد ~~ومهد، فملت إليه بعد أن طعمت. # فلما اطمأنت بي ms072 الدار دس إلي رجلا من خاصة أصحابه/ وقال له: وانسه وضاحكه ~~ونادمه. فإذا اطمأن إليك وأنس بك فاسأله عن PageV01P262 ~~حاله عندي وما الذي رفعها حتى أظهرت له ما أظهرت من بره وإكرامه، وهذا ما ~~لا يطمع فيه أحد. ففعل الرجل ما قاله له. فلما توانسا سأله عما دسه إليه ~~فقال: إني كنت قهرمانا له، أمينا عنده، فكان يخلفني في عياله إذا غاب عنهم ~~بأصبهان فأقوم بأمورهم حتى يقدم، فاختبر مني عفافا ووفاء. فأدى الرجل إلى ~~أبي مسلم ما سمع من عاصم، فلم يقنعه ذلك حتى دس إليه آخر، ففعل كما فعل، ~~وأجاب كما أجاب الأول. وكان عاصم/ أدهى من حل بسهل أو جبل، فلما أتاه ~~الثاني بما أتاه الأول دس إليه ثالثا، فقال له كما قال للأولين. # فلما صح لأبي مسلم خبره أعد مجلسا خاصا، وكان عاصم صاحب غزل وغناء وقيان. ~~فأمر أبو مسلم بقينة كانت لنصر بن سيار وكان نصر سماها: إشعال، لأنها كانت ~~إذا غنت أضرمت في القلب النار، وكانت هذه الجارية عند ابن الكرماني قبل نصر حين PageV01P263 ~~قتل ابن الكرماني، وصارت إلى أبي مسلم بعد، ثم لما قتل أبو مسلم صارت إلى ~~أبي جعفر المنصور، وهي أم جعفر بن أبي جعفر: فأحضر أبو مسلم هذه الجارية، ~~وأحضر عاصما. # فلما/ دخل عليه قال أبو مسلم لغلام له تركي على رأسه: تنح عني حتى لا ~~أراك. فخرج، فقال أبو مسلم لعاصم: أبيت إلا كرما. قال: يا بن اللخناء! أردت ~~أن أخبر أنك كنت لي خادما فتثب علي فتقتلني! فضحك أبو مسلم، فقال عاصم: ~~أسألك بالله لو لم أقلب المعنى ما كنت فاعلا؟ قال أبو مسلم: الله يعلم أني ~~كنت قدرت موضع خشبتك أين أصلبك؟! قال: فما هذا جزائي منك. قال: يا هذا ومن ~~جازيته بجزائه؟ أتراني وضعت سيفي حتى لم يبق بر ولا فاجر. ثم قال للجارية: ~~هات! فغنت بشعر كثير: # وكنت لبين الحاجبية حاذرا ... فلم ينج نفسي ما لفراق حذار PageV01P264 ~~وما ذلك الهجران إلا تجنبا ... وحبك - مما ساءكم ms073 وحذار # فأصبحت مما يحدث الدهر للفتى ... أرى أنه لؤم علي وعار # فانتفض وقال: يا عاصم! قتلت والله الذي لا إله إلا هو. قال عاصم: فانتفضت ~~وقلت: أعيذك بالله أن تحرك بهذا أو نحوه شفتيك. وكيف تقول هذا وما على ظهر ~~الأرض أعز منك؟ فقال: نعتني هذه الزانية، فجاءت بما سمعت. يا غلام! ادفع ~~هذه إلى أبي حميد. فدفعت إليه، فكان أبو حميد يضن بها عن الشمس حتى أهداها ~~إلى أبي جعفر # ثم قال: يا عاصم! إني في بني العباس كما قال ابن النصرانية/ خالد بن عبد ~~الله القسري ليوسف بن عمر حين قدم عليه العراق واليا ففعل به ما فعل من ~~العذاب. فجاؤوا بخالد يوما فأقاموه PageV01P265 ~~نصب عينيه فقال له: يا يوسف! إن القوم الذين أنعموا عليك هذه النعمة التي ~~أصبحت تمرغ في ظلها قد أنعموا علي قبلك. فاحذر أن تسلك بي سبيلا تمتحن غدا ~~بمثله. فلما حل بيوسف ما حل قال: قاتل الله ابن النصرانية ما كان أثقب ~~رأيه! قال عاصم: فلما قتل أبو مسلم قلت: لله أبوك ما كان أثقب رأيك!,, # حدثني أحمد بن إسماعيل القيسي قال: حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: كان ~~خليلان الأموي من ولد خالد بن/ عبد الله ابن أسيد يتغنى، وكان يرى ذلك ~~زائدا في الفتوة، وكان سريا واسع النعمة، فحضر يوما مجلس عقبة بن سلم ~~الهنائي وكان PageV01P266 ~~عقبة جبارا عاتيا، وهو الذي يقال له في المثل: ((أجرأ من قاتل عقبة)). فلما ~~طعما وخلوا نظر خليلان إلى عود موضوع في جانب البيت، فعلم أنه عرض له به ~~فأخذه فغنى: # يا بنة الأزدي قلبي كئيب ... مستهام عندها ما يؤوب # ولقد لاموا فقلت دعوني ... إن من تلحون فيه حبيب # فجعل وجه عقبة يتغير، وخليلان في سهو عما فيه عقبة، يرى أنه محسن، ثم فطن ~~لتغيير وجهه فعلم/ أنه لما تغنى به لأن عقبة من الأزد. فقطع الصوت وجعل مكانه: # ألا هزئت بنا قرشية يهتز موكبها # رأت لي شيبة في الرأس مني ما أغيبها # فقالت أبن ms074 قيس ذا ... ولون الشيب يعجبها PageV01P267 ~~فسري عن عقبة. فلما انقضى الصوت وضع العود من يده، ووكد على نفسه اليمين ~~ألا يتغنى عند من يجوز عليه أمره أبدا. # وإنما تغنى خليلان بالصوت الثاني لأن التشبيب بامرأة من قومه من قريش ~~يستل سخيمة عقبة، إذ كان المعنى الأول الذي أغضبه هو تشبيب بامرأة من الأزد ~~من رهط عقبة. # ويروى أن بعض المغنين تغنى بحضرة الرشيد بشعر مدح به علي ابن ريطة، وهو ~~علي بن المهدي، وتغنى المغني على جهل: # قال لعلي: أيا فتى العرب ... وخير نام وخير منتسب # أعلاك جداك يا علي إذا ... قصر جد في ذروة النسب # .. فأمر الرشيد بأن يفتش عن المغني، فإن كان لا يدري PageV01P268 ~~فيمن قيل الشعر عفا عنه، وإلا ضرب ألف سوط. ففتش عنه فإذا هو لا يدري فيمن ~~قيل، فعفا عنه. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد ~~قال: كنا في مدعاة فيها النعمان/ بن بشير الأنصاري، فاندفع طويس المخنث ~~يتغنى بشعر قيس بن الخطيم يشبب فيه بعمرة بنت رواحة أم النعمان: PageV01P269 # أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شانها # فأومى القوم إلى طويس وقالوا له: اسكت فإنها أمه. فقال النعمان: ما قال ~~بأسا، إنما قال: # وعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها # ويروى أن مخارقا تغنى بحضرة المأمون بشعر مسكين الدارمي يمدح معاوية بن ~~أبي سفيان على سهو من مخارق: # إذا المنبر الغربي خلى مكانه ... فإن أمير المؤمنين.. .. # ثم ذكر ما فيه وكره أن يقول: يزيد. فقال:.. مخارق./ فضحك المأمون وقال: ~~أحسنت! أما والله لو قلت يا بن الخبيثة: ((يزيد)) لضربت عنقك. PageV01P270 # وأول هذا الشعر: # إليك أمير المؤمنين رحلتها ... تثير القطا ليلا وهن هجود # على الطائر الميمون والجد صاعد ... لكل أناس طائر وجدود # ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر ... ومروان أو ماذا يقول سعيد # بني خلفاء الله مهلا فإنما ... يبوئها الرحمن حيث يريد PageV01P271 ~~إذا المنبر الغربي خلى مكانه ... فإن أمير المؤمنين يزيد # حدثنا الجوهري عن عمر بن شبة ms075 قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: أتت امرأة من ~~بني قشير خالد بن عبد الله القسري فمثلت بين يديه فقالت: # إليك يا بن السادة الأماجد ... يعمد في الحاجات كل عامد # أشبهت يا خالد خير والد ... أشبهت عبد الله ذا المحامد # فالناس بين صادر ووارد ... مثل حجيج البيت نحو خالد # ليس طريف المجد مثل التالد PageV01P272 ~~فقال لها خالد: من أنت؟ فقالت: امرأة أكب عليها الزمان فلم يدع لها سبدا ~~ولا لبدا, ولا صافنا ولا عاهنا. قال: فقال: فهل لك أن يتزوجك الأمير؟ ~~فقالت: إني والله لئن كنت فقدت نسبا ما فقدت حسبا, وما كنت لأتزوج دعيا, ~~وإن كان ثريا غنيا. فضحك خالد ووصلها. # حدثني أبي عن أبي حاتم عن أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني قال: دخل ~~حاجب المهلب بن أبي صفرة عليه فقال: أصلح الله الأمير! بالباب رجل من ~~الأزد, يذكر أنه مدح الأمير ويستأذن. فقال: ويحك أنا أعرف حماقة شعراء ~~الأزد فهاته. فلما مثل بين يديه قال: PageV01P273 # نعم أمير الرفقة المهلب ... ينقض بالقوم انقضاض الكوكب # ابيض وضاح كتيس الحلب # فضحك المهلب وقال للحاجب: قد قلت لك فلم تدعني حتى جبهتني في وجهي أني ~~تيس! وأمر له بصلة. # ومن القول بحضرة الملوك ما يروى عن/ أبي النجم العجلي أنه دخل على هشام ~~بن عبد الملك فأنشده أرجوزته اللامية: # الحمد لله الوهوب المجزل PageV01P274 ~~فجعل هشام يصفق بيديه استحسانا لها حتى بلغ إلى قوله في صفة الشمس: # صفراء قد كادت ولما تفعل ... فهي في الأفق كعين الأحول # وكان هشام أحول, فسها أبو النجم عن حوله لما انبسط في الإنشاد. فغضب هشام ~~وأمر بطرده وإخراجه. فأمل أبو النجم رجعته فكان يأوي المساجد. فأرق هشام ~~ليلة فقال لحاجبه: أبغني رجلا عربيا فصيحا يجاذبني وينشدني, فطلب له ما ~~طلب, / فوقف على أبي النجم. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ ~~قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك؟ -يريد: على من كنت نازلا؟- ~~قال: رجلين كلبيا وتغلبيا, أتغدى عند أحدهما, وأتعشى عند الآخر. ms076 قال: مالك ~~من الولد؟ قال: ابنتان. قال: أزوجتهما؟ PageV01P275 # قال: زوجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها؟ قال: قلت لها ليلة أهديتها: # سبي الحماة وابهتي عليها ... فإن أتت فازدلفي إليها # ثم اقرعي بالود مرفقيها ... وركبتيها وابخصي عينيها # لا تخبري الدهر بذاك ابنيها # قال: فما أوصيتها بشيء غير هذا؟ قال: بلى قلت: # أوصيت من برة قلبا حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا PageV01P276 ~~لا تعدمي نهكا لها وضرا ... والحي عميهم بشر طرا # حتى يروا حلو الحياة مرا ... وإن حلوك ذهبا ودرا # قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال: ما أنا مثل يعقوب, ولا ولدي مثل ~~ولد يعقوب. قال: فما حال الأخرى؟ قال: قد درجت في بيوت الحي, ونفعتنا في ~~الحاجة والرسالة. قال: فما قلت فيها؟ قال: قلت: # كأن ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان # الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان PageV01P277 ~~وقصة قد شيطتها النيران ... تلك التي يذعر منها الشيطان # فقال هشام: يا غلام! ما فعلت تلك الدنانير التي أمرتك بقبضها؟ قال: هي ~~عندي ووزنها خمسمائة دينار. قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ~~ظلامة مكان الخيطين. # ومثل هذا ما حدثني ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال: دخلت يوما على ~~الرشيد, وكنت قد غبت عنه أياما فقال: يا أصمعي! من أين؟ فقلت: يا أمير ~~المؤمنين! ما ألاقتني أرض حتى رأيتك. فسكت, فلما تفرق من عنده قال: يا ~~أصمعي ادن مني/ فدنوت فقال: ما معنى ألاقتني؟ قلت: أمسكتني. فلما خرجت إذا ~~جعفر بن يحيى فقال لي: يا كلب! ما حملك على أن PageV01P278 ~~تخاطب أمير المؤمنين في مجلس العامة بما يحتاج إلى تفسير؟ أما والله لولا ~~حرمتك به لضربت عنقك. إياك أن تعود إلى مثلها. # ويروى أن الكسائي غلط بحضرة المأمون وهو على شراب فاستدرك خطأه, فقال ~~يعتذر إلى المأمون, ويحيل الذنب على السكر: # أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو # سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السكر والصحو # ولا سيما إذ كنت ms077 عند خليفة ... ومن لا يجوز عنده الطيش واللغو # فإن تعف عني ألف خطوي واسعا ... وإن لم يكن عفو فقد قصر الخطو # فتغمد المأمون خطأه وعفا عنه. PageV01P279 # حدثني عبدان بن محمد عن العباس بن هشام عن الهيثم بن عدي قال: كان امرؤ ~~القيس بن حجر الكندي يأتي الأبطح في كل سنة، ومعه قينتاه هروفرتنى، وهما ~~عبسيتان، فيضرب قبة أدم. وينادم فتيان قريش. وكان فيمن ينادم فتى من قريش ~~عارم الطرف. فكان يساور إحدى القينتين، ويرفع الكأس ليشربها، ويستترها من ~~امرئ القيس، ففطن له، فاستوى جالسا، وقال: # ومقيم درء ناظره ... قبل أن يفوته بصره # ليس ندماني أخو نزق ... عارم في مجلس نظره # ربما نادمت مورطه ... في ذرا أهوية أشره PageV01P280 ~~فقام الفتى، فقال: # نعمت صباحا أقلني العثار ... فلست أعود إلى مثله # فإن تعف يا بن الملوك الكرام ... فقد يرتجى العفو من أهله # فعفا عنه. # ويروى أن أبا مسلم صاحب الدولة بينا هو يخاطب بعض قواده إذ حمي القائد ~~فقال له: يا لقيط!.. فنكس أبو مسلم رأسه، فندم القائد، وعلم أنه قد أخطأ. ~~فقال: أيها الأمير! أقلني عثرتي فوالله ما انبسطت حتى بسطتني، ولا نطقت حتى ~~أنطقتني. فهب لي ما فرط مني. فقال أبو مسلم: قد فعلت. قال: أيها الأمير! ~~إني أحب أن أستوثق لنفسي، فقال أبو مسلم: سبحان الله!.. كنت تسيء وأحسن، ~~فلما أحسنت أتظنني أسيء؟!.. PageV01P281 # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا إبراهيم بن عمير عن الأصمعي قال: مر الحجاج بن ~~يوسف في بعض عمله متنكرا، فرأى أعرابيا فقال: كيف عاملكم؟ قال: شر عامل. ~~قال: أفلا ترفعون ذلك إلى من هو فوقه؟ قال: هو شر منه. قال: فتنمر الحجاج، ~~ولحق به الناس/ فقال: عليكم بالأعرابي خذوه. فلما قعد الحجاج دعا به، فلما ~~نظر إليه الأعرابي عرفه فقال له: إن رأيت أن يكون ذلك الأمر مستورا فافعل! ~~فضحك الحجاج وأطلقه. # حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا محمد ابن سلام قال: ~~قدم الراعي عبيد بن الحصين على عبد الملك ابن مروان يشكو إليه ms078 المصدقين، ~~ويذكر أنهم حافوا في أخذ صدقات الناس فأنشده قصيدته: PageV01P282 # ما بال دفك بالفراش مذيلا ... أقذى بعينك أم أردت رحيلا # حتى انتهى إلى قوله: # إني حلفت على يمين برة ... لا أكذب اليوم الخليفة قيلا # ما إن أتيت أبا خبيب وافدا ... يوما أريد لبيعتي تبديلا # ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغي الهدى فيزيدني تضليلا # إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... لم يفعلوا مما أمرت فتيلا PageV01P283 ~~أخذوا العريف فقطعوا حيزومه ... بالأصبحية قائما مغلولا # حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... نحضا ولا لفؤاده معقولا # جاؤوا بصكهم وأحدب أسأرت ... منه السياط يراعة إجفيلا # فلئن بقيت لأدعون برحلة ... تدع الفرائض بالشريف قليلا PageV01P284 ~~فقال عبد الملك: إلى أين لا أم لك؟ قال: من مصدق إلى مصدق ومن عامل إلى ~~عامل حتى يأتي الموت. قال: أما لو قلت غير ذلك لضربت عنقك. وظن عبد الملك ~~أنه يتهدده وأنه يرحل إلى بعض من يصلح للخلافة. فرجع الراعي ولم يقض حاجة ~~لغضب عبد الملك عليه لموضع البيت الأخير. فلما كان في العام المقبل قدم ~~عليه فأنشده قصيدته: # بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا ... فلا تمالك عن أرض لها قصدوا # حتى انتهى إلى اعتذاره وشكواه: PageV01P285 # إني وإياك والشكوى التي قصرت ... خطوي ونأيك والوجد الذي أجد # كالماء والظالع الصديان مورده ... هو الشفاء له والري لو يرد # إلى قوله في الشكوى: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # واختل ذو المال، والمثرون قد بقيت ... على التلاتل من أمولهم عقد PageV01P286 ~~فإن رفعت بهم رأسا نعشتهم ... وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا # فأقبل عليه عبد الملك فقال: أراك العام أعقل منك عام أول. ثم أقبل على ~~ولده فقال: أحسنوا إلى الشيخ فإن له بنا حرمة وعلينا حقا، وقضى حوائجه. PageV01P287 ### || AUTO (6) باب العفو عن الهراب والمنفيين وردهم إلى أوطانهم بالشفاعة ~~لهم وبالاعتذار منهم # حدثنا أبو الحسن قال: حدثنا أبي عن أبي حاتم قال:/ حدثنا وهب بن جرير بن ~~حازم [عن أبيه] عن محمد بن إسحاق قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms079 مكة عهد إلى المسلمين أن يقتلوا جماعة من المشركين منهم عكرمة بن أبي ~~جهل وصفوان بن أمية. # فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ممن كان نذر دمه PageV01P289 ~~هربا إلى جدة ليركبا منها إلى اليمن. فقال عمير بن وهب الجمحي يا رسول ~~الله! إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر ~~فآمنه. قال: هو آمن. قال: يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك. فأعطاه ~~عليه السلام عمامته التي دخل فيها مكة, فخرج حتى أدركه بجدة./ فقال: يا ~~صفوان! أذكرك الله في نفسك أن تهلكها. وهذا أمان رسول الله قد جئت به. قال: ~~ويلك اغرب عني فلا تكلمني. فقال: مهلا فداك أبي وأمي, هو ابن عمك, عزه عزك, ~~وشرفه شرفك, وملكه ملكك قال: إني أخافه على نفسي قال: هو أجل من ذلك وأكرم. ~~فرجع به عمير, فلما وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال صفوان: ~~إن هذا يزعم أنك آمنتني! قال: صدق. قال: فاجعلني بالخيار شهرين. قال: أنت ~~بالخيار أربعة أشهر. # وأما عكرمة بن أبي جهل فإنه كانت عنده أم حكيم/ بنت الحارث بن هشام. وقد ~~كانت أسلمت فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P290 ~~فاستأمنته لعكرمة فآمنه, فلحقته باليمن حتى جاءت به, فأقرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على نكاحها الأول. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن ~~إسحاق قال: حدثني [عبد الله بن] الفضل بن العباس بن الربيعة عن سليمان بن ~~يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن ~~الخيار في زمن معاوية غازيين. فلما قفلنا مررنا بحمص، وكان وحشي بها قد ~~سكنها. فقال لي عبيد الله بن عدي: هل لك أن نأتي/ وحشيا فنسأله عن قتل حمزة؟ # فخرجنا نريده, فسألنا عنه فقيل لنا: إنكما ستجدانه/ بفناء داره على طنفسة ~~له. قال: وهو رجل قد غلبت عليه الخمر. فإن تجداه ms080 PageV01P291 ~~صاحيا تجدا رجلا عربيا [وتجدا عنده بعض ما تريدان, وتصيبا عنده ما شئتما من ~~حديث تسألانه عنه] وإن تجداه وبه بعض ما يكون به فانصرفا عنه. فأتيناه, ~~فإذا نحن بشيخ كبير أسود مثل البغاث على طنفسة بفناء داره, وإذا هو صاح لا ~~بأس به, فسلمنا عليه فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي فقال: ابن لعدي بن ~~الخيار أنت؟ قال: نعم. فقال: أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية ~~التي أرضعتك بذي طوى وهي على بعير لها, فإني أخذتك/ بعرصتك فناولتها إياك ~~فلمعت لي قدماك, فما هو إلا أن وقفت علي فعرفتك. فقلنا له: أتيناك لتحدثنا ~~كيف كان قتل حمزة. فقال: أما سأحدثكما PageV01P292 ~~ما حدثت به رسول الله صلى الله عليه وسلم . # كنت عبدا لجبير بن مطعم, وكان عمه طعيمة بن عدي قتل يوم بدر, فقال لي: إن ~~قتلت حمزة عم محمد فأنت حر! وكنت صاحب حربة أقذف بها ما أكاد أخطئ. فخرجت ~~مع الناس وإنما حاجتي حمزة حتى نزلنا بعينين. # فلما التقى الناس أخذت حربتي, وخرجت أنظر حمزة حتى رأيته في عرض الناس, ~~وهو مثل الجمل/ الأورق يهذ الناس هذا PageV01P293 ~~بسيفه ما يليق شيئا. فوالله إني لأتهيأ له قد استترت بأصل شجرة إذ تقدم ~~إليه سباع بن عبد العزى الخزاعي. فلما رآه حمزة قال: هلم إلي يا بن المقطعة ~~البظور, ثم ضربه, فوالله لكأنما أخطأ رأسه, فما رأيت شيئا كان أسرع من سقوط ~~رأسه, فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته, فخرجت من ~~بين رجليه, فوقع الرجل, فذهب ليقوم فغلبته, فتركته وإياها, فلما مات قمت ~~فأخذت حربتي, ثم رجعت إلى العسكر, فقعدت فيه, ولم يكن لي حاجة/ بغيره, فلما ~~قدمنا مكة أعتقت. # فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف. فلما خرج ~~وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا ضاقت علي PageV01P294 ~~الأرض بما رحبت, وقلت: ألحق بالشام أو اليمن أو ببعض البلاد. فوالله إني ~~لفي ذلك من ms081 همي إذ قال لي رجل: ويحك إن محمدا لن يقتل أحدا دخل في دينه. ~~فخرجت حتى قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلم يرعه إلا ~~وأنا قائم على رأسه أشهد شهادة الحق. قال: أوحشي؟! قلت: نعم. قال: فاجلس ~~فحدثني كيف قتلت حمزة/ فجلست فحدثته كما حدثتكما, فقال: ويحك غيب عني وجهك ~~فلا أراك. فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان حتى قبض الله رسوله. # فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة, خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة, ~~فلما التقى الناس نظرت إلى مسيلمة وفي يده السيف, فوالله ما أعرفه, وإذا ~~رجل من الأنصار يريده من ناحيته الأخرى, فكلانا يتهيأ له, حتى إذا أمكنني ~~رفعت عليه حربتي فوقعت فيه, وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف, فربك أعلم ~~أينا قتله؟ فإن كنت أنا PageV01P295 ~~قتلته فقد قتلت خير الناس بعد/ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شر الناس. # حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم ~~قال: حدثني أبي عن هشام بن سليمان بن عبد الملك بن نوفل بن مساحق قال: كان ~~أربعة إخوة على عهد عمر بن الخطاب ضرب عليهم البعث فخرجوا وأوصوا بعيالهم ~~جارا من بني سليم يقال له: جعدة, وخلفوا عند نسائهم أخا لهم صغيرا. فكان ~~جعدة يكثر الدخول عليهن, ويكثر محادثتهن, ويأمرهن فيعقلن أرجلهن, ويحجلن ~~معقلات. فاتهمه الغلام, واشتد عليه ما كان يعاين من أمره وأمرهن, فمكث ~~يقاسي ذلك حينا. # فلما عيل صبره/, وأمر عليه دهره كتب كتابا إلى أخوته يعلمهم ذلك, وأتى به ~~عمر بن الخطاب, فوضعه في كتبه, ووجه به مع PageV01P296 ~~البريد, وكذلك كان عمر يفعل بالغزاة وأهلهم في إيصال كتبهم وإنهاء أخبارهم ~~إليهم في الشهر والشهرين. فلما وصل الكتاب إلى الفتية أرمضهم ذلك وساء ~~ظنهم، وأقلقهم، ودخل منهم كل مدخل، وأرادوا أن يخلوا بمركزهم فتخوفوا سخط ~~عمر، وكرهوا أن يكتبوا إليه مفسرا فيذيع ذلك فيفتضحوا، فأجمعوا أن يكتبوا ~~إلى عمر بأبيات شعر يكنون فيها عن ذكر ms082 النساء فكتبوا: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري # أمير المؤمنين وأنت عدل ... رضى للمسلمين من الخيار # ألوف بالرعية خير وال ... أمين حازم حامي الذمار PageV01P297 ~~غيور لا يقر بأمر وكس ... لغاز نازح نائي المزار # قلائصنا هداك الله إنا ... حبسنا عنكم زمن الغوار # فما قلص تركن معقلات ... قفا سلع بمختلف التجار # قلائص من بني جشم بن بكر ... وأسلم أو جهينة أو غفار PageV01P298 ~~يعقلهن جعدة شيظميا ... فبئس معقل الذود الظؤار # وختموا الكتاب وكتبوا عنوانه إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين. فلما قرأ ~~عمر/ الكتاب اشتد غمه، وسأل بعض جلسائه عن جعدة السلمي فعرفه فقال: علي به ~~الساعة. فلما أتي به، فنظر إليه داخلا من باب المسجد عليه جبة خز ومطرف خز، ~~وقد رجل جمته ودهنها، يرفل في ثيابه قال: هذا جعدة الفاجر؟ قالوا: نعم. ~~قال: جاد PageV01P299 ~~ما نعتك أصحابك! مزقوا عليه ثيابه. وأمر بجز شعره وعاقبه عقوبة شديدة، ~~ونفاه من المدينة، فمكث حينا، ثم إن جعدة كتب إلى عمر: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... أما من رجعة لك في طريد # فترحمني هداك الله إني ... أبيت الليل في علز شديد # أراعي النجم مكتئبا كأني ... أسير مفرد في عرض بيد # وما أنا بالبريء براة عذر ... ولا بالقاطع الحبل الشريد # ولكن بين ذلك بين بين ... فما أنا بالقريب ولا البعيد PageV01P300 ~~فغبب إن في التغبيب سترا ... ولا تقطع بمر الحق عودي # فإن الحق محمله ثقيل ... وفي إمضائه قطع الوريد # أكل الدهر جعدة مستحق ... لأنواع الشتيمة والوعيد # وفي الإنصاف رحمة من طردتم ... ولو كان الطريد من اليهود # فرق له عمر وأمره أن يرجع إلى المدينة. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي عن الجارود ~~بن أبي سبرة قال: بينا/ عمر بن الخطاب يطوف بالمدينة ذات ليلة إذ سمع امرأة PageV01P301 ~~تنشد: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج # إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل ... تضيء صورته في الحالك الداجي # نعم الفتى في سواد الليل ms083 تطرقه ... لبائس أو لملهوف ومحتاج # فأصبح عمر فدعا بنصر فسيره إلى البصرة، فأنزله مجاشع بن PageV01P302 ~~مسعود عليه، فبينا هو عنده إذ تناول عودا فكتب به في الأرض لامرأة مجاشع، ~~وناولها العود فكتبت تحت كتابه، فوثب مجاشع إلى جفنة فكبها على الكتابين ~~وجلس عليها، وأرسل/ إلى كاتبه فقرأ الكتابين، فكان كتاب نصر: ((أنا والله ~~أحبك حبا لو كان تحتك لأقلك، أو فوقك لأظلك)). وكان كتابها: ((وأنا والله ~~كذاك)) فكتب مجاشع إلى عمر: ((أما بعد! فإنك سيرت نصرا من قبلك، وإنه فعل ~~كذا وكذا..)). فكتب إليه عمر أن أقره قبلك وأغزه. # قال الهذلي: فلما سير نصر قالت المرأة التي سمع عمر شعرها # قل للأمير الذي تخشى بوادره ... ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج PageV01P303 ~~إني منيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساج # إن الهوى زمه التقوى فحبسه ... حتى أقر بإلجام وإسراج # فقال عمر: الله أكبر. وكتب نصر إلى عمر من البصرة. # لعمري لئن شردتني وطردتني ... وما لي ذنب إن ذا لحرام # أأن غنت الذلفاء يوما بمنية ... وبعض أماني النساء غرام PageV01P304 ~~ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء فما لي في الندى كلام # فأصبحت منفيا على غير ريبة ... وقد كان لي بالمكتين مقام # فيحجزها عما ظننت صلاتها ... وحال لها في قومها وصيام # ويحجزني عما ظننت تورعي ... وآباء صدق سالفون كرام # إمام الهدى لا تلحق الظن مسلما ... له حرمة معروفة وذمام # حدثنا الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا المدائني عن علي بن مجاهد ~~عن ابن إسحاق عن الشعبي/ قال: بينا سعيد ابن العاص جالس بالكوفة وهو ~~أميرها, وعنده القراء أصحاب PageV01P305 ~~البرانس, وهم يأكلون تمرا وزبدا إذ قال سعيد: السواد بستان لقريش فما شئنا ~~أخذنا وما شئنا تركنا. فقال عبد الرحمن بن خنيس الأسدي -وكان على شرط ~~سعيد-: صدق الأمير! فوثب عليه القراء يضربونه وقالوا: يا عدو الله! يقول ~~الباطل وتصدقه؟! فقال سعيد: اخرجوا من منزلي, اخرجوا. # فلما أصبحوا أتوا المسجد فداروا على الحلق فقالوا: إن أميركم هذا الصبي ~~السفيه زعم أن ms084 السواد بستان لقومه وله, وهو فيئنا ومركز رماحنا, فلا والله ~~ما على هذا بايعنا/, ولا عليه أسلمنا. # فكتب سعيد إلى عثمان: ((إن قبلي قوما يدعون القراء وهم السفهاء, وثبوا ~~على صاحب شرطتي فضربوه, واستخفوا بي.. منهم PageV01P306 ~~عمرو بن زرارة وكميل بن زياد ومالك بن الحارث الأشتر وحرقوص بن زهير وشريح ~~بن أوفى ويزيد بن المكفف وزيد وصعصعة ابنا صوحان)). # فكتب عثمان إليهم يأمرهم أن يخرجوا إلى الشام, ويغزوا مغازيهم. PageV01P307 # وكتب إلى سعيد: ((قد كفيتك الذين ذكرت, فأقرئهم كتابي فإنهم لن يخالفوا إن ~~شاء الله. واتق الله وأحسن السيرة)) # فأقرأهم الكتاب فخرجوا إلى دمشق, فأكرمهم معاوية وقال لهم: إنكم قدمتم/ ~~إلى بلد لا يعرف أهله إلا الطاعة, فلا تجادلوهم فتدخلوا الشك في قلوبهم. ~~فقال له الأشتر: إن الله قد أخذ على العلماء في علمهم ميثاقا أن يبينوه ~~للناس ولا يكتموه, فإن سألنا سائل عن شيء نعلمه لم نكتمه. فقال: قد خفت أن ~~تكونوا مرصدين للفتنة فاتقوا الله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءتهم البينات} فقال عمرو بن زرارة: نحن الذين هدى الله. فأمر ~~معاوية بحبسهما. # فقال زيد بن صوحان: إن الذين أشخصونا إليك لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوه، ~~فأحسن جوارنا فإن كنا ظالمين فنستغفر الله وإن كنا مظلومين فنسأل الله ~~العافية، فقال معاوية: إني لأحسبك امرءا صالحا، وإن أحببت أن آذن لك فترجع ~~إلى مصرك، وأكتب إلى أمير PageV01P308 ~~المؤمنين بإذنك. قال: فبحسبي أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد. فأذن له، فلما ~~أراد الشخوص كلمه في الأشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما، فأقاموا بدمشق لا ~~يرون أمرا يكرهونه. # قال المدائني: فذكر عبد الأعلى بن سليمان بن يونس بن أبي إسحاق أن قوما ~~من نساك أهل الكوفة كتبوا إلى عثمان -منهم عبد الله بن الطفيل العامري وحجر ~~بن عدي الكندي وزياد ابن خصفة التيمي وعمرو بن الحمق الخزاعي وسليمان بن PageV01P309 ~~صرد وزيد بن حصن الطائي وكعب بن عبدة/ النهدي, ولم يسم واحد منهم نفسه إلا ~~كعب بن عبدة-: ((أن سعيدا ms085 كثر على قوم عندك من أهل الورع والدين والفضل ~~فحملك من أمرهم على ما لا يحل لك. وإنا نذكرك الله في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ! فإنك قد بسطت فيها يدك, وحملت بني أبيك على رقابها. وقد خفنا ~~أن يكون فساد هذه الأمة على يدك, فإن لك ناصرا ظالما, وناقما عليك مظلوما. ~~فمتى نقم الناصر تباين الفريقان فاختلفت الأمة. فاتق الله! فإنك إمامنا ما ~~أطعت الله واستقمت)). وبعثوا بالكتاب مع أبي ربيعة العنزي, فقال له عثمان: ~~من كتب هذا الكتاب؟ قال: صلحاء أهل المصر/ وأشرافهم. قال: سمهم لي. قال: ما ~~أسمي إلا من سمى نفسه. PageV01P310 # فكتب عثمان إلى سعيد بن العاص: ((أن اضرب كعب بن عبدة عشرين سوطا, وحول ~~ديوانه إلى الري)) فضربه وسيره إلى الري. فقال كعب: # أترجو اعتذاري يا بن أروى ورجعتي ... عن الحق قدما, غال حلمك غول PageV01P311 ~~وإن دعائي كل يوم وليلة ... عليك بما أسديته لطويل # وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل # فبلغ عثمان شعره, فكتب إلى سعيد يقول: ((قد خفت أن أكون احتملت في أمر ~~ابن [ذي] الحبكة حوبة, فابعث إليه من يقدمه عليك ثم احمله إلي))./ فبعث ~~سعيد بكير بن حمران, وهو الذي كان أشخصه, فلما قدم به عليه أشخصه إلى عثمان ~~إلى المدينة فقال له عثمان: يا أخا بني نهد! إن كان لكم علي حق فإن لي ~~عليكم حقا. قد كانت مني طيرة, فكتبت إلى سعيد أن يضربك عشرين سوطا. فإن ~~أحببت أن تقتص مني فاقتص. قال: أقتص. فخلع عثمان PageV01P312 ~~قميصه وأعطاه السوط وقعد بين يديه. فقال: قد عفوت يا أمير المؤمنين! وتركه ~~فلما قدم الكوفة لامه بعض قومه وقالوا: ما منعك أن تقتص منه؟ قال: سبحان ~~الله! والي المسلمين أقادني من نفسه, ولو شاء لم يفعل. # تم الجزء بحمد الله تعالى وحسن توفيقه # يتلوه في الذي يليه إن شاء الله تعالى: حدثني ابن دريد عن أبي حاتم.. .. PageV01P313 ### | AUTO الجزء الثاني من كتاب العفو والاعتذار تأليف أبي الحسن محمد ms086 بن ~~محمد بن عمران البصري PageV02P317 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # حدثني ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة, وحدثنا أبو خليفة عن ابن سلام, ~~وحدثنا الجوهري عن ابن شبة عن المدائني.. دخل حديث بعضهم في بعض. قالوا: ~~كان سبب هرب الفرزدق من زياد وتنقله إلى البادية ثم إلى الكوفة ثم إلى ~~المدينة أن الفرزدق هجا وهو صبي بني فقيم, فشكوه إلى أبيه, ولم يكن سمع ~~للفرزدق قبل ذلك شعر فقال: أهميم يقول الشعر؟! هو أوغد من ذاك. # وكان الشعر الذي هجاهم به أن بني فقيم خرجوا ينازعون في PageV02P319 ~~ركي لهم, فرجع/ خصومهم وقد حكم لهم به, ورجعوا وقد اشتروا قدورا مروا بها ~~في طريقهم, فقال الفرزدق: # أآب الوفد وفد بني فقيم ... بآلم ما يؤوب به الوفود # أتونا بالقدور معدليها ... وصار الجد للجد السعيد # وهذا أول شعر قاله الفرزدق. # وكان يتعهد ماشية أبيه, فأخذ الذئب شاة منها فلامه أبوه فقال: PageV02P320 # يلوم على أن خالط الذئب ضأنه ... فألوى بكبش وهو في الرعي راتع # وقد مر حول قبل ذاك وأشهر ... مررن عليه وهو ظمآن جائع # فلما رأى الإقدام حزما وأنه ... أخو العجز من سدت عليه المطالع PageV02P321 ~~أغار على خوف فصادف غرة ... فلاقى الذي كانت عليه المطامع # وما كنت مذياعا ولكن همتي ... سوى الرعي مفطوما وإذ أنا يافع # أبيت أسوم الناس كل عظيمة ... إذا وطئت للمكثرين المضاجع # فسمعه أبوه ينشدها فقال: إني لأحسبك صاحب بني فقيم!.. # واستعدت بنو فقيم عليه زيادا وقالوا: غلام من بني غالب هجانا. فطلبه PageV02P322 ~~زياد فهرب, ثم قدم البصرة بإبل لأبيه يبيعها ويمتار له, فباعها وجعل يصرر ~~أثمانها. فقال له رجل: لشدما تصر عليها! أما والله لو أنه رجل أعرفه ما صر ~~عليها. فقال: ومن هو؟ قال: غالب بن صعصعة!.. فنثرها الفرزدق وأنهبها/ ~~الناس, فصاح به صائح: ألق رداءك يابن غالب! فألقاه. ثم صيح به: ألق قميصك! ~~فألقاه. وقال الناس: جاهلية!.. # فبلغ خبره زيادا فأرسل الخيل في طلبه, فأردفه رجل من بني الهجيم على فرس, ~~فسبق قبل مجيئهم, فأخذ زياد ms087 عميه: ذهلا والزحاف ابني صعصعة, فحبسهما, ثم ~~كلم فيهما فأطلقهما, وقدم الفرزدق على أبيه. فكانت في نفس زياد مع ما سبق ~~من شكوى بني فقيم له. # ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن PageV02P323 ~~قتادة والحتات بن يزيد على معاوية, فأعطاهم مائة ألف مائة ألف إلا الحتات ~~فإنه أعطاه سبعين, فكلمه, فأتمها له مائة, فأقام ليأخذها فمات, فحبسها ~~معاوية فقال الفرزدق: # أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثا فيحتاز التراث أقاربه # فلو كان إذ كنا وللكف بسطة ... لصمم عضب فيك ماض مضاربه # فازداد زياد حنقا, وطلبه, فهرب, واستجار بعيسى بن خصيلة PageV02P324 ~~السلمي فحمله على ناقة وأخرجه من البصرة ليلا فخرج وهو يقول: # حباني بها البهزي نفسي فداؤه ... ومن يك مولاه فليس بواحد # نمته النواصي من سليم إلى العلا ... وأعراق صدق بين نصر وخالد # وبلغ زيادا خروجه من البصرة, فبعث علي/ بن زهدم في طلبه إلى كاظمة, فرجع ~~ولم يجده. فقال الفرزدق: PageV02P325 # فإنك لو لاقيتني يابن زهدم ... لأبت شعاعيا على غير تمثال # وجعل الفرزدق يجول في البادية, يميل بين رأييه على من ينزل ومن يستجير, ~~فذلك قوله: # لقد ميلت بين المسير فلم تجد ... لعورتها كالحي بكر بن وائل # أعف وأوفى ذمة يعقدونها ... لجار إذا ساوى الذرى بالكواهل PageV02P326 ~~وسارت إلى الأحفار خمسا فأصبحت ... مكان الثريا من يد المتناول # فما ضرها إذ صادفت في بيوتها ... بني الحصن ما كان اختلاف القبائل # ثم خرج إلى الكوفة, فكان زياد إذا نزل الكوفة نزل هو البصرة, وإذا نزل ~~زياد البصرة نزل الكوفة/ فبلغ ذلك زيادا فكتب إلى عامله على الكوفة: ((إن ~~الفرزدق فحل الوحش يرعى القفار, فإذا ورد عليه الماء ذعر, ففارقها إلى أرض ~~أخرى, فابلغ في طلبه حتى تظفر به)). PageV02P327 # قال الفرزدق: فطلبت حتى لفظني الناس وحتى ما يجيرني أحد. فحملني أخوالي بنو ~~ضبة على بعيرين, وبعثوا معي مقاعسا, أحد بني تيم اللات بن ثعلبة يدلني. ~~قال: فخرجنا في الليل لا نرى شخصا إلا خفناه, ولزمنا شخص لا يفارقنا, ثم ~~تقدمنا فجثم على متن ms088 الطريق, وإذا هو الأسد! فنزلنا عن ناقتينا, وأخذت ~~قوسي, فأقبل عليه مقاعس فقال: أبا الحارث! أتدري/ ممن فررنا إليك؟.. من ~~زياد.فأحصب بذنبه حتى غشينا غبار. قال: فهممت أن أرميه فكفني عنه صاحبي ~~وقال: لا تهجه, فإنه إن أصبح ذهب. فأقمنا وأقام حتى انفتق عمود الصبح، ثم ~~ولى فذهب، فقال الفرزذق: # ما كنت أحسبني جبانا بعدما ... لاقيت ليلة جانب الأحفار PageV02P328 ~~ليثا كأن على يديه رحالة ... ششن البراثن موجد الأظفار # لما سمعت له هماهم أجهشت ... نفسي إلي وقلت: أين فراري # فربطت جروتها وقلت لها: اصبري ... وشددت في ضيق المقام إزاري # فلأنت أهون من زياد جانبا ... فاذهب إليك مخرم السفار PageV02P329 ~~فأنشد شبث بن ربعي زيادا هذه الأبيات فرق له وقال: لو أتاني لأعطيته وآمنته ~~وعفوت عنه, فبلغ ذلك الفرزدق فقال قصيدته: # تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا ... تذكر شوقا ليس ناسيه عصرا # تذكر ظمياء التي ليس ناسيا ... وإن كان أدنى عهدها حججا عشرا # وما مغزل بالغور غور تهامة ... ترعى أراكا من مخارمها نظرا PageV02P330 ~~من الأدم حوراء المدامع ترتعي ... إلى رشأ طفل تخال به فترا # بأحسن من ظمياء يوم لقيتها ... ولا مزنة صابت غمامتها قصرا # وكم دونها من عاطف في صريمة ... وأعداء سوء ينذرون دمي نذرا # إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها ... وعيدي وقالت: لا تقولوا له هجرا # دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لآتيه ما ضاق ذو حسب وفرا PageV02P331 ~~وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد يرى بهم فقرا # قعود لدى الأبواب: طالب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجة بكرا # فلما خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا # نميت إلى حرف أضر بنقيها ... سرى الليل واستعراضنا البلد القفرا # يؤم بها الموماة من لا يرى له ... لدى ابن أبي سفيان جاها ولا عذرا PageV02P332 ~~فلا تعجلاني صاحبي فربما ... سبقت بورد الماء غادية كدرا # وخرج إلى المدينة. قال الفرزدق: فقدمت المدينة وأميرها سعيد ابن العاص ~~وهو في جنازة قد شيعها، فتبعته، فوجدته قاعدا والميت يدفن، وكعب/ بن جعيل ~~في الصف، والحطيئة وراء الصف، فتقدمت فقمت ms089 بين يديه فقلت: هذا مقام العائذ ~~من رجل لم يصب دما ولا مالا. قال: قد أجرت إن لم تكن أصبت دما ولا مالا. ~~ومن أنت؟ قلت: همام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيت على الأمير، فإن أذن لي ~~أسمعته ثنائي. قال: هات! فأنشدته: # وكوم تنعم الأضياف عينا ... وتصبح في مباركها ثقالا PageV02P333 ~~كأن فصالها حبش جعاد ... تخال على مناكبها جفالا # أرقت فلم أنم ليلا طويلا ... أراقب هل أرى النسرين زالا # وأرقني نوائب من أمور ... علي ولم يكن أمري عيالا # وكان قرى الأمور إذا اعترتني ... زماعا لا أريد به زيالا PageV02P334 ~~فقال لي الذي يعنيه شأني ... نصيحة قوله سرا وعالى # عليك بني أمية فاستجرهم ... وخذ منهم لما تخشى حبالا # فإن بني أمية في قريش ... بنوا لبيوتهم عمدا طوالا # فوجهت القلوص إلى سعيد ... إذاما الشاة في الأرطاة قالا # إليك فررت منك ومن زياد ... ولم أعلم دمي لكما حلالا PageV02P335 ~~ولكني هجوت وقد هجتني ... معاشر قد رضخت لهم سجالا # فإن كان الهجاء يحل قتلي ... فقد قلنا لشاعرهم وقالا # ترى الشم الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا # قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا # ضروبا للقوانس غير هد ... إذا خطرت مسومة رعالا PageV02P336 ~~فقال مروان: قعودا ينظرون إلى سعيد. فقال: كلا والله إنك لقائم يا أبا عبد ~~الملك. فقال كعب بن جعيل: هذه الرؤيا التي رأيت البارحة فقال سعيد: وما ~~رأيت؟ قال: رأيت كأني أمشي في سكة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قترة في ~~جحر، فكأنه أراد أن يتناولني فاتقيته. # وقام الحطيئة فشق ما بين رجلين حتى تجاوز إلي فقال: قل ما شئت فقد أدركت ~~من مضى، ولا يدركك من بقي! فقال سعيد: هذا والله الشعر لا ما نعال به منذ ~~اليوم، ثم قال/ الحطيئة: هل كانت أنجدت أمك؟ يريد الحطيئة أن أمك إن كانت ~~دخلت نجدا فإني واقعتها فأنت ابني! فوجد الفرزدق جيد الجواب فطنا فقال: لا ~~ولكن أبي! وأراد الفرزدق أن أبي واقع أم الحطيئة فهو أخوه. # فلم يزل الفرزدق مرة ms090 بمكة ومرة بالمدينة وقال: PageV02P337 # ألا من مبلغ عني زيادا ... مغلغلة يخب بها البريد # بأني قد فررت إلى سعيد ... ولا يسطاع ما يحمي سعيد # فررت إليه من ليث هزبر ... تفادى من فريسته الأسود # فإن شئت انتسبت إلى النصارى ... وناسبني وناسبت اليهود # وإن شئت انتسبت إلى فقيم ... وناسبني وناسبت القرود PageV02P338 ~~وأبغضهم إلي بنو فقيم ... ولكني سأفعل ما تريد # وقال يتضرع إلى زياد ويستعطفه: # وعيد أتاني من زياد فلم أنم ... وسيل اللوى دوني فهضب التهايم # فبت كأني مشعر خيبرية ... سرت في عظامي أو سمام الأراقم PageV02P339 ~~زياد بن صخر لو أظنك تاركي ... وبالظن قد جسمتني غير ظالم # لقد جاحفت مني العراق قصيدة ... رجوم من الأقصى رؤوس المخارم # رأيتك من تغضب عليه من امرئ ... وإن كان ذا رهط يبت غير نائم # أغر إذا أغبر اللئام تخايلت ... يداه بسيل المفعم المتراكم # نمتك العرانين الطوال ولا أرى ... لسعيك إلا حامدا غير لائم PageV02P340 ~~فإلا تداركني من الله نعمة ... ومن آل حرب ألق طير الأشائم # ألم يأته أني تخلل ناقتي ... بنعمان أطراف الأراك النواعم # محبسة ترعى الأراك وربها ... بمكة يلقى عائذا بالمحارم # فدعني أكن ما عشت دهري حمامة ... من القاطنات البيت غير الروائم # فعيره أبو العطاف بهذا البيت. وذلك أن الفرزدق لما هجا بكر بن وائل قال: PageV02P341 # تصرم مني ود بكر بن وائل ... وما خلت عني ودهم يتصرم # قوارض تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم # قال أبو العطاف يجيبه ويمتن عليه بأن بكر بن وائل أجارته حين طلبه زياد ~~حتى تمنى أنه يكون حمامة: # لعمري لئن كان الفرزدق عاتبا ... وأحدث صرما، للفرزدق ألوم PageV02P342 ~~لقد وسطتك الدار بكر بن وائل ... وضمتك للأحشاء إذ أنت مجرم # ليالي تمنى أن تكون حمامة ... بمكة يؤويك الستار المحرم # فإن تنأ عنا لا تضرنا وإن تقم ... تجدنا على العهد الذي كنت تعلم PageV02P343 ~~وكان الفرزدق يأتي الفتيان بالمدينة فقال: # إذا شئت غناني من العاج قاصف ... على معصم ريان لم يتخدد # لبيضاء من أهل المدينة لم تعش ... ببؤس ولم تتبع حمولة مجحد # وقامت تخشيني زيادا وأجفلت ms091 ... حوالي في مرط يمان ومجسد PageV02P344 ~~فقلت: دعيني من زياد فإنني ... أرى الموت طلاعا على كل مرصد # فلم يزل الفرزدق مرة بمكة ومرة بالمدينة، فلما عزل سعيد، وولي مروان بن ~~الحكم، وكان مغيظا على الفرزدق لقوله: # قياما ينظرون إلي سعيد ... كأنهم يرون به هلالا # فقال له مروان: قل: قعودا.. .. فقال: لا والله إنك لقائم يا أبا عبد ~~الملك. وقد كان الفرزدق قال في امرأة من أهل المدينة: # لعمري لئن أصبحت في السير قاصدا ... لقد كان يحلولي لعيني جائره PageV02P345 ~~كأن على ذي الطنء عينا بصيرة ... بمسمعه أو منظر هو ناظره # يحاذر حتى يحسب الناس كلهم ... من الخوف لا تخفى عليهم سرائره # يقول فيها: # هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره PageV02P346 ~~فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعرن بنا ... وأقبلت في أعجاز ليل أبادره # أحاذر بوابين أن يشعروا بنا ... وأحمر من ساج تصر مسامره # وبلغت هذه الأبيات مروان فأخرجه من المدينة وأجله ثلاثا، وكتب إليه: # قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس PageV02P347 ~~ودع المدينة إنها مرهوبة ... واعمد لأيلة أو لبيت المقدس # فأجابه الفرزدق: # مروان إن مطيتي محبوسة ... تخشى الحباء وربها لم يبؤس # وأتيتني بصحيفة مختومة ... أخشى علي بها حباء النقرس # ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكداء مثل صحيفة المتلمس PageV02P348 ~~فلما طرده مروان من المدينة ضاقت به الأرض، وقد كان قال لما مات زياد: # أبلغ زيادا إذا ما جئت مصرعه ... أن الحمامة قد طارت من الحرم # طارت فما زال تنميها قوادمها ... حتى استغاثت إلى الأنهار والأجم # قال: وكان مسكين الدارمي قد رثى زيادا فقال: PageV02P349 # رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا زياد # فقال الفرزدق يجيبه ويهجو زيادا: # أمسكين أبكى الله عينيك إنما ... جرى في ضلال دمعها إذ تحدرا # بكيت امرءا من أهل ميسان فاجرا ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا # أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبي بالصرائم أعفرا PageV02P350 ~~فبلغت عبيد الله بن زياد فطلبه. وأقبل الفرزدق فدخل ms092 البصرة حين لفظته ~~البلاد، وقد وليها عبيد الله/ بن زياد، فأرسل إليه عبيد الله فأتي به فوقف ~~بين يديه فقال: أهجوت زيادا؟ فقال: معاذ الله أيها الأمير! ولكني قلت ~~-وأنشده الرائية حتى بلغ إلى قوله-: # يؤم بها الموماة من لا يرى له ... لدى ابن أبي سفيان جاها ولا عذرا # فقال: لقد خفت خوفا شديدا! قال: أجل. ومثل أبي المغيرة خيف. وقد مدحتك ~~أفأنشدك؟ قال: هات. فقال: PageV02P351 # وقفت بأعلى ذي سدير مطيتي ... أميل في مروان وابن زياد # فقلت: اعمدي منه لأزهر ينتمي ... على طول أطناب وطول عماد # فقالت: عبيد الله خيرهما أبا ... وأدناهما بيتا لكل جواد # فما ظلمت ألا تعادل بامرئ ... له أبطن البطحاء غير صداد PageV02P352 ~~فضلت قريشا غير جدك وابنه ... سماحة أخلاق وطول نجاد # رأيتك أحكمت الأمور ولم تكن ... كمرتحل أمرا بغير عتاد # فأدناه عبيد الله ولم يزل عنده أثيرا حتى أوفده إلى معاوية. فأقام ~~بالكوفة عند عبد الرحمن بن أم الحكم ابن أخت معاوية، وكان على الكوفة، وترك ~~الوفادة. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد عن عوانة ~~قال: وجد الحجاج على العديل بن الفرخ في شيء بلغه عنه فتخوفه، فهرب منه ~~وقال في هربه: PageV02P353 # أخوف بالحجاج حتى كأنما ... تحرك عظم في الفؤاد مهيض # ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي اليعملات عريض # مهامه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدي الغاسلات رحيض # فطلبه الحجاج فيقال: إنه لحق ببلاد الروم، فكتب الحجاج إلى قيصر: ((والله ~~لئن لم تبعث به لأغزينك جيشا أوله عندك وآخره PageV02P354 ~~عندي)). فطلب حتى أخذ وأتي به الحجاج. فلما دخل عليه قال: # هاك يدي ضاقت بي الأرض كلها ... وإن كنت قد طوفت كل مكان # فقال: يا عدو الله! ألست القائل: # ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي الناعجات عريض # فقال: بل أنا الذي أقول: # فلو كنت في سلمى وحر شعابها ... لكان لحجاج علي سبيل PageV02P355 ~~صفي أمير المؤمنين وخدنه ... لكل إمام صاحب وخليل # بنى قبة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد ms093 الضلال رسول # فخلى سبيله. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد بن عوانة ~~قال: كان الأقيبل القيني في جيش الحجاج أيام حاصر عبد الله بن الزبير بمكة ~~فقال يهجوه: # لم أر جيشا غر بالأمس قبلنا ... ولم أر جيشا قبلنا غر بالأمس PageV02P356 ~~عمدنا لبيت الله نهدم سوره ... بأحجار نار كالولائد في العرس # دلفنا له يوم الثلاثاء من منى ... بجمع كصدر الفيل ليس بذي رأس # فإلا تجرنا من ثقيف وملكها ... نصل لأيام النواقيس والقس # فبلغ ذلك الحجاج فطلبه وقال: من أتى به فله ديته! فاستجار بقبر مروان وقال: # إني استجرت بقبر ليس يخفرني ... ولن أعوذ بقبر بعد مروان PageV02P357 ~~فبلغ ذلك عبد الملك فقال: قد أجرتك، ولا والله لا أجرت به أحدا بعدك. فأنشأ يقول: # وددت مخافة الحجاج أني ... بكابل في است شيطان رجيم # فكتب له عبد الملك بأمانه إلى الحجاج فرمى به ورجع إلى بلاد قومه، وأنشأ يقول: # لقد علمت وخير القول أصدقه ... أن انطلاقي إلى الحجاج تعذير PageV02P358 ~~إن امرءا قال في الحجاج يشتمه ... ونابه من دماء القوم ممطور # ثم اغتدى عامدا للشر يطلبه ... بعد الجهالة عندي اليوم مغرور # مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصحائف حيات مناكير # فبلغت الحجاج فكتب إليه بأمانه والعفو عنه. # حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا محمد ابن سلام الجمحي ~~قال: حدثني أبي عمن حدثه -أحسبه قال: عن الزهري-: قال: كان الشاعر الأحوص ~~ينسب بنساء أهل المدينة PageV02P359 ~~فتأذوا به، وكان معبد وغيره من المغنين يتغنون في شعره، فشكاه قومه فبلغ ~~ذلك سليمان بن عبد الملك فكتب إلى عامله على المدينة أن يضربه مائة سوط ~~ويقيمه على البلس، ثم/ يسيره إلى دهلك. ففعل ذلك به فثوى بها سلطان سليمان ~~وعمر بن عبد العزيز. فأتى رجال من الأنصار عمر بن عبد العزيز فسألوه أن ~~يرده إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد عرفت نسبه وموضعه من ~~قومه، وقد أخرج إلى أرض الشرك، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول ms094 الله صلى ~~الله عليه وسلم . فقال عمر: من الذي يقول: PageV02P360 # وما هو إلا أن أراها فجأة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب # قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول: # الله بيني وبين قيمها ... يفر مني بها وأتبع # قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول: # أدور، ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور # قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول: PageV02P361 # سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر # قالوا: الأحوص. قال: إنه يومئذ عنها لمشغول. والله لا أرده ما كان لي ~~سلطان. فمكث هناك صدرا، فذلك قوله: # إني على ما قد علمت محسد ... أنمي على البغضاء والشنآن PageV02P362 ~~ما من مصيبة نكبة أمنى بها ... إلا تشرفني وتعظم شاني # وتزول حين تزول عن متخمط ... تخشى بوادره على الأقران # إني إذا خفي اللئام وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان # وقال يخاطب عمر: PageV02P363 # وكيف ترى للنوم طعما ولذة ... وجارك أمسى أعلقته الحبائل # فمن يك أمسى سائلا عن شماتة ... ليشمت بي أو شامتا غير سائل # فقد عجمت مني الحوادث ماجدا ... صبورا على عضاء تلك الزلازل # إذا سر لم يفرح وليس لنكبة ... ألمت به بالخاشع المتضائل PageV02P364 ~~ومن قوله -في غير هذه الرواية- يخاطب عمر: # ألست أبا حفص هديت مخبري ... أفي الله أن أقصى ويدنى ابن أسلما # وكنا ذوي قربى إليك فأصبحت ... قرابتنا ثديا أجد مصرما # وكنت وما أملت منك كبارق ... لوى قطره من بعد ما كان غيما PageV02P365 ~~وقد كنت أرجى الناس عندي مودة ... ليالي كان العلم ظنا مرجما # أعدك حرزا إن خشيت ظلامة ... ومالا ثريا حين أحمل مغرما # تدارك بعتبى عاتبا ذا قرابة ... طوى الغيظ لم يفتح بسخط لكم فما # ثم استخلف يزيد بن عبد الملك، فبينا يزيد ليلة على سطح وجاريته حبابة ~~تغنيه بشعر الأحوص إذ قال يزيد: من يقول هذا الشعر؟ قالت: لا أدري وعيشك. ~~وقد كان ذهب من الليل شطره فقال: ابعثوا إلى الزهري، فعسى أن يكون عنده علم ~~من ذاك. PageV02P366 # فأتي الزهري فقرع بابه فخرج/ فزعا حتى أتى يزيد. فلما صعد إليه ms095 قال: لا ~~ترع. لم ندعك إلا لخير. اجلس، فجلس فقال: من يقول هذا الشعر؟ قال: الأحوص. ~~قال ما فعل؟ قال: قد طال حبسه بدهلك. قال: عجبت لعمر بن عبد العزيز كيف ~~أغفله؟ فأمر بالكتاب بتخلية سبيله، وأمر له بأربعمائة دينار. فأقبل الزهري ~~من ليلته إلى ناس من الأنصار فبشرهم بتخلية سبيل الأحوص، وقدم عليه فأجازه ~~وأحسن إليه. # وهذا الخبر الصحيح في أمر الأحوص أنه كان طول أيام عمر بن عبد العزيز ~~منفيا بدهلك./ وقد روى بعض نقلة الأخبار أنه وفد على عمر بن عبد العزيز مع ~~كثير ونصيب، وذلك باطل. وإنما الصداقة بين عمر والأحوص أيام إمارة عمر على ~~المدينة. فلما ولي الخلافة لم يتراءيا. PageV02P367 # حدثني أبي قال: حدثني السجستاني قال: حدثنا أبو عبيدة قال: لما هزم يزيد بن ~~المهلب عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بمنعرج ~~هراة، وكان عبد الرحمن مع ابن الأشعث لحق بكابل فاستجار شاه كابل فأجاره، ~~ثم إن عبد الرحمن لم يثق بشاه كابل، ففارقه، ودخل أرض القشمير من أرض الهند ~~فبعث/ الحجاج إليه من يأتي به، ومات عبد الرحمن، وكان معه ابناه الفضل ~~والقاسم وخلق كثير من فلول ابن الأشعث، PageV02P368 ~~فلقيت رسل الحجاج ابنيه فقدموا بهما، وبلغ خبرهما ابني عمهما الفضل وعبيد ~~الله ابني الفضل بن العباس، فخشيا إن قدم بهما على الحجاج أن يضرب ~~أعناقهما، فدخلا على عمر بن عبد العزيز -وهو أمير المدينة- فكلماه فيهما, ~~فكتب فيهما إلى عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك -وأمه ليلى بنت عبد ~~العزيز- يسأله أن يكلم أباه في الصفح عنهما, وجعل كتابه: ((لعبد العزيز/ بن ~~الوليد من عمر بن عبد العزيز. أما بعد! فإن عبد الرحمن بن العباس كان ممن ~~غلب عليه درك الشقاء بخروجه مع ابن الأشعث, فهرب حتى لحق بالسند فهلك, وإن ~~رسل الحجاج أخذوا ابنيه غلامين حدثي السن, فإن يقدم بهما على الحجاج يضرب ~~أعناقهما. فكتبت إليك أحضك بكتابي لتعمل في أمرهما, فيكون لك بهما عند ~~العرب وعند بني عبد ms096 مناف خاصة يد, فشمر ولا آلونك, ولو كتبت لأخيك لشمر)). # فانطلق الهاشميان حتى لقيا عبد العزيز, فدفعا/ الكتاب إليه. فلما قرأ ~~العنوان مبدأ باسمه قبل اسم عمر قال: مرحبا بكما وبمن بعث بكما. ثم أتى ~~أباه, فقرأ عليه الكتاب فقال له الوليد: أبدأ بك خالك؟ قال: نعم. قال: ~~والله ما أعلم رجلا في العرب له خال إلا وخالك أفضل من PageV02P369 ~~خاله!.. ثم كتب له إلى الحجاج في ابني عبد الرحمن, ويشدد عليه, ويأمره أن ~~لا يؤذيهما, وأن يخلي سبيلهما, وأعطاهما عشرة آلاف دينار. فسارا حتى قدما ~~على الحجاج, فدفعا إليه الكتاب, وقدم عليه بالفتيين بعد ذلك فخلى سبيلهما. # وبقيت تلك الفلول/ الهراب بالسند مدة أيام الوليد. فلما جلس سليمان, ~~وأخرج من كان في سجن الحجاج وآمن الناس الهاربين من الحجاج في جميع آفاق ~~الأرض قال الفرزدق يذكر تلك الفلول, ويخبرهم أن الحجاج قد هلك وأمنت ~~البلاد: # لئن نفر الحجاج آل معتب ... لقوا دولة كان العدو يدالها PageV02P370 ~~لقد أمست الأحياء منكم أذلة ... وفي النار موتاهم كلوحا سبالها # وكان إذا قيل اتق الله حلقت ... به عزة ما يستطاع جدالها # ألكني إلى من كان بالهند منهم ... وبالصين ألواحا عليها جلالها # هلم إلى الإسلام والعدل عندنا ... فقد مات عن أرض العراق خبالها # فتراجع أولئك الهراب كلهم إلى أوطانهم. PageV02P371 ### || AUTO (7) باب العفو عن ذوي الجرائم بالشفاعات # حدثني الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبيد الله المعروف بابن عائشة قال: ~~حدثني أبي قال: لما كان يوم فتح مكة لجأ الحارث بن هشام إلى منزل أم هانئ ~~بنت أبي طالب, واستجار بها فأجارته, فدخل عليها أخوها علي بن أبي طالب عليه ~~السلام فأخبرته الخبر, فأخذ السيف ليقتله. فقالت أم هانئ: يابن أمي! قد ~~أجرته. فلم PageV02P373 ~~يلتفت إلى قولها، فوثبت، فقبضت على يده، وقالت: والله لا تقتله، وقد أجرته. ~~فلم يقدر على أن يرفع قدمه من الأرض، وجعل يتلفت منها فلا يقدر. # فدخل النبي صلى الله عليه وسلم إليها فتبسم، فقالت أم هانئ للنبي عليه ~~السلام : ألا ترى يا ms097 رسول الله؟! إني أجرت رجلا، فأراد أن يقتله. فقال رسول ~~الله: يا أم هانئ! قد أجرنا من أجرت، ولا تغضبي عليا، فإن الله يغضب لغضبه، ~~أطلقي عنه. فأطلقت عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي! غلبتك ~~امرأة؟.. فقال: يا رسول الله! ما قدرت أن أرفع قدمي/ من الأرض! فضحك النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال: لو أن أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا وهب بن جرير عن أبيه عن ابن ~~إسحاق قال: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عهد إلى المسلمين ~~أن يقتلوا نفرا سماهم، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن ~~لؤي، وعبد الله PageV02P374 ~~ابن غالب أحد بني تيم بن غالب، والحويرث بن وهب بن عبد قصي، ومقيس بن صبابة ~~الليثي وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية وقينتا ابن خطل فرتنى وصاحبتها، ~~وسارة مولاة لبني المطلب. PageV02P375 # فأما عبد الله بن سعد ففر إلى عثمان بن عفان فغيبه، وكان أخاه من الرضاعة، ~~حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمنه له، فسكت رسول الله ~~حتى كلمه عثمان فيه مرتين أو ثلاثا، فقال: قد آمنته. فلما ولى به قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : لقد سكت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل ~~من الأنصار: فهلا أومأت إلينا يا رسول الله! فقال: إن النبي لا يقتل ~~بالإيماء. # حدثنا أبو معاذ عبدان بن محمد قال: حدثنا/ العباس بن هشام عن الهيثم بن ~~عدي قال: أغارت طيئ على النعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفني، فقتلوا ابنا ~~له، وكان الحارث إذا غضب حلف ليقتلن وليسبين الذراري. فحلف ليقتلن من العرب ~~أهل بيت على دم واحد. فخرج يريد طيئا، فأصاب من بني عدي بن أخزم سبعين ~~رجلا، رئيسهم وهم بن عمرو، وهم من رهط حاتم الطائي، وحاتم يومئذ PageV02P376 ~~بالحيرة عند النعمان بن المنذر، فأصابتهم مقدمات خيله. فلما قدم حاتم ~~الجبلين جعلت ms098 المرأة تأتيه بالصبي من ولدها/ فتقول: يا حاتم! أسر أبو هذا. ~~فلم يلبث إلا ليلة حتى سار إلى النعمان ومعه ملحان بن حارثة، وكان لا يسافر ~~إلا وهو معه. فامتدح النعمان فقال: # ألا إنني قد هاجني الليلة الذكر ... وما ذاك من حب النساء ولا الأشر # ولكنه مما أصاب عشيرتي ... وقومي بأقران حواليهم الصير PageV02P377 ~~فيا ليت خير الناس حيا وميتا ... يقول لنا خيرا ويمضي الذي ائتمر # فإن كان شرا فالعزاء فإننا ... على وقعات الدهر من مثلها صبر # سقى الله رب الناس سحا وديمة ... جنوب السراة من مآب إلى زغر # بلاد امرئ لا يعرف الذم بيته ... له الشرف الصافي ولا يطعم الكدر # تذكرت من وهم بن عمرو جلادة ... وجرأة مقدام إذا صارخ بكر PageV02P378 ~~فأبشر وقر العين منك فإنني ... أتيت كريما لا ضعيفا ولا حصر # فدخل حاتم على النعمان فأنشده، فأعجب به، فاستوهبهم منه، فوهب له بني ~~امرئ القيس بن عدي، ثم أمر له بطعام وخمر فقال ملحان: أتشرب الخمر وقومك في ~~الأغلال؟! قم إليه فسله فيهم، فدخل عليه حاتم فقال: # أتبع بني عبد شمس أمر إخوتهم ... نفسي فداؤك إن ضروا وإن نفعوا # لا تجعلنا -أبيت اللعن- ضاحية ... كمعشر صلموا الآذان أو جدعوا PageV02P379 ~~أو كالجناح إذا سلت قوادمه ... صار الجناح لفضل الريش يتبع # فأطلق له بني عبد شمس بن عدي بن أخزم، وبقي قيس/ بن جحدر، وهو جد الطرماح ~~بن حكيم الطائي، فقال النعمان: أبقي أحد من أصحابك؟ فقال حاتم: # فككت عديا كلها من إسارها ... فأفضل وشفعني بقيس بن جحدر # أبوه أبي والأمهات أمهاتنا ... فأنعم فدتك اليوم نفسي ومعشري # فوهبه له!.. PageV02P380 # حدثنا الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حبس الحجاج عيينة ابن أسماء بن ~~خارجة في بعض ما كان يحبس له أهل العراق، وكان عدوا لعوف القوافي الشاعر، ~~فلما بلغ عوفا حبس عيينة وهو بالشام, قام إلى عبد الملك بن مروان، فلم يزل ~~يكلمه، ويعمل في أمر عيينة حتى أخذ منه/ كتابا إلى الحجاج بتخلية سبيله، ~~فبعث بالكتاب إلى عيينة، وكتب إليه مع الكتاب ms099 شعرا قاله في ذلك وهو: # لما أتاني عن عيينة أنه ... عان عليه تظاهر الأقياد PageV02P381 ~~خبر أتاني عن عيينة مفظع ... كادت تقطع دونه الأكباد # محضت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد # وذكرت: أي فتى يقوم مقامه ... بالرفد حين تقاصر الأرفاد PageV02P382 ~~أم من يهين لنا كرائم ماله ... ولنا إذا عدنا إليه معاد # ورى الأخباريون أن هند بنت أسماء بن خارجة كانت تحت الحجاج وأنه اشتاق ~~ذات ليلة إلى حديث أخيها مالك بن أسماء، وكان الحجاج قد حبسه بمال عظيم، ~~فأرسل إليه فأخرج من السجن، وأدخل عليه في قيوده وهند عنده، فجعل يحدثه، ثم ~~إن مالكا استسقى ماء فأتي بماء، فنظر إليه الحجاج فقال: لا والله لا تشرب ~~إلا من ماء أهل السجن!.. فأتي به، وكان الحجاج يأمر فيخلط لأهل PageV02P383 ~~السجن في الماء الرماد والملح. ثم إن الحجاج قال لهند: قومي إلى أخيك قالت: ~~لا أقوم إليه والأمير ساخط عليه. فأقبل الحجاج على مالك فقال: والله ما ~~علمت أنك للخائن أمانته، اللئيم حسبه، الزاني فرجه. قال مالك: إن أذن ~~الأمير تكلمت. قال: تكلم!.. # قال: أما قول الأمير: الزاني فرجه، فوالله/ لأنا أحقر عند الله، وأصغر في ~~عين الأمير من أن يجب لله علي حد فلا تقيمه علي. وأما قوله اللئيم حسبه، ~~فوالله لو علم الأمير مكان رجل أشرف مني لصاهر إليه. وأما قوله: الخائن ~~أمانته، فوالله لقد ولاني الأمير فوفرت، فأخذني بما أخذني، فبعت ما وراء ~~ظهري. ولو ملكت الدنيا بأسرها لافتديت بها من مثل هذا الكلام. # قال: فنهض الحجاج وقال: شأنك بأخيك. قال: فوثبت هند إلى مالك فأكبت عليه، ~~ودعت الجواري فنزعن عنه الحديد، وأمرت به إلى الحمام وكسته، وانصرف فلبث ~~أياما، ثم دخل على الحجاج وبين يديه عهود، فيها عهد ملك على أصبهان، فقال ~~له: خذ هذا وامض إلى عملك. قال مالك: فأخذته ونهضت!.. وهي ولايته التي عزل ~~عنها، وبلغ ما بلغ من الشر. PageV02P384 # حدثني الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا حيان بن معاوية عن الهيثم بن ~~عدي ms100 عن ابن عياش عن أبيه قال: إنا لوقوف مع عبد الملك بن مروان، وهو يحارب ~~مصعب بن الزبير إذ دنا منه زياد بن عمرو فقال: يا أمير المؤمنين! إن ~~إسماعيل بن طلحة كان لي جار صدق، قلما أرادني مصعب بسوء إلا/ دفعه عني، فإن ~~رأيت أن تهب لي جرمه، وتؤمنه على دمه. قال: هو آمن. # فمضى زياد -وكان ضخما- على ضخم حتى صار بين الصفين فقال: أين أبو البختري ~~إسماعيل بن طلحة؟ فخرج إليه فقال: إني أريد أن أذكر لك شيئا. فدنا حتى ~~اختلفت أعناق دوابهما. وكان الناس ينتطقون بالحواشي المحشوة، فوضع زياد يده ~~في منطقة إسماعيل PageV02P385 ~~ثم اقتلعه عن سرجه وكان نحيفا، فقال: أنشدك الله يا أبا المغيرة! فإن هذا ~~ليس بالوفاء لمصعب. فقال: هذا والله أحب إلي لك من أن أراك غدا مقتولا. # حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي قال: حدثني علي بن ~~محمد عن مسلمة بن محارب وأبي إسحاق المالكي قال: أصاب النعمان بن المنذر ~~أسارى من بني تميم، فركب إليه وفودهم وفيهم أكثم بن صيفي حتى انتهوا إلى ~~النجف فلما علوه أناخ بن صيفي بعيره، ثم خلع قميصه وقال لأصحابه: كيف ~~رأيتم؟ قالوا: رأينا ما ساءنا. قال: فإن قلبي بضعة من جسدي، وما أظنه إلا ~~قد نحل كما نحل سائر جسدي! فلا تتكلن علي في حيلة ولا في منطق. فأقاموا ~~بالحيرة نصف حول. فلما أن قضى القوم حوائجهم/ ولم يبق إلا اليسير قام أكثم ~~فأخذ بحلقة الباب فنادى: PageV02P386 # يا حمل بن مالك بن أهبان ... هل تبلغن ما أقول النعمان # إن الطعام كان عيش الإنسان ... أهلكنا بالحبس بعد الحرمان # من بين عان جائع وعريان ... وذاك من شر قرى للضيفان # فقال النعمان: تفحشنا أبو حيدة! ايذنوا لهم. فلما دخلوا عليه قال: مرحبا ~~بكم، سلوا حوائجكم إلا الأسارى عندي. فسألوه القوم حوائجهم، وأبى صيفي أن ~~يسأله شيئا فقال النعمان: وما يمنعك من الطلب؟ قال: قد علم قومي أني ~~أكثرهم/ مالا، وقد جئنا في أمر نهيتنا عن طلبه ms101 والكلام فيه. فقال النعمان: ~~ما أراهم إلا سيغيثون وتجدب! ففعل ذلك ثلاثا يقول مثل مقاله الأول. PageV02P387 # ثم أتاه في اليوم الرابع فقال: أبيت اللعن. قد علم قومي أني أكثرهم مالا، ~~ولم أسأل أحدا قط شيئا لأن المسألة من الضعف، وقد تجوع الحرة ولا تأكل ~~ثدييها. وإن من سلك الجدد أمن العثار، ولم يجر سالك قصد، ولم يعي قاصد ~~للحق. ومن تشدد أنفر، ومن تراخى تألف، والسرو التغافل، وأحسن القول أوجزه، ~~وخير الفقه ما حضرت به، والمروءة مطالبة للطبيعة./ فاصبر لطالب حق على خلاف ~~هوى. قال النعمان: حاجتك؟ قال: ناقتك برحلها وخلعتك وكل مكروب بالحيرة ~~والقطقطانة ممن عرفني. قال: ذلك لك !.. فركب ناقة النعمان في خلعته، ثم ~~نادى أهل السجن فقال: إن النعمان PageV02P388 ~~قد جعل لي من عرفني، ثم أخرجهم فعرضهم، فلم يسأله عن أحد إلا سماه، وفعل ~~مثل ذلك بالحيرة فأطلقهم له، وأنشأ أكثم يقول: # ثوينا القطقطانة نصف حول ... وبالغمرين حولا ما نريم # وأيقن أهلنا أن قد هلكنا ... فقد دعي الكواهن والقسيم # حدثنا الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: كان عبيد الله/ بن زياد بارا بأمه ~~مرجانة، ربما ركب إليها في مركبه فيتعشى عندها في الناس، ثم يقسم ما بقي من ~~طعامها على جيرانها، فأخذ طفيل بن عثمان في ظنة الخوارج، فقال يستشفع ~~مرجانة، كان يقال لها أم عبيد الله PageV02P389 ~~العالية، لأنها علت على أم عبيد الله بن عامر بن كريز: # يا أم عبد الله يا خير شافع ... لذي كربة نائي المحل غريب # نأى عنه أهلوه وأوحش منهم ... وغودر في كبل أجش صخوب # فيا بن أبي سفيان لا تسمعن بي ... مقالة محال أحص كذوب # فخلى سبيله. # حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن ~~المهلبي/ قال: حدثني عمي قال: كان عبد الله بن معاوية PageV02P390 ~~ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب خرج بناحية الجبل، فغلب على أصبهان والري ~~وفارس، ومعه جماعة من بني هاشم، منهم عبد الله ابن علي بن عبد الله بن ~~العباس. ms102 فتوجه أبو جعفر المنصور يريده، فمر بالروابي، وإذا نوبخت في قصره، ~~فسأل عنه وأخبر أنه عالم بالنجوم، فدخل عليه أبو جعفر فقال: انظر في النجوم ~~في أمري وفي وجهي هذا. فقال له: من أنت؟ فانتسب له فحسب فقال: إن كان أمر ~~النجوم حقا فإنك ستلي الخلافة، وأما وجهك هذا فينالك فيه مكروه. # فلحق/ بعبد الله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر فولاه إيذج فبلغ سليمان بن ~~حبيب بن المهلب، وهو بالأهواز، فأخذه فحبسه وضربه، وأراد ضرب عنقه فمنعه ~~سفيان بن معاوية بن يزيد ابن المهلب وقال: إنما أذاتنا من بني أمية! أفتريد ~~أن يكون لبني هاشم فينا دم؟ PageV02P391 # فلحق أبو جعفر بعبد الله بن عمر بن عبد العزيز بالبصرة فكان عنده متواريا، ~~فلما أفضت الخلافة إلى بني العباس، بينا أبو العباس السفاح يوما يخطب قام ~~إليه السيد الحميري، وأنشده قصيدته التي يقول فيها: # دونكموها يا بني هاشم ... فجددوا ميراثها الطامسا # دونكموها فالبسوا تاجها ... لا تعدموا منكم لها لابسا # خلافة الله وسلطانه ... ومنبر كان لكم دارسا PageV02P392 ~~قد ساسها قبلكم ساسة ... لم يتركوا رطبا ولا يابسا # لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا # والملك لو شوور في ساسة ... ما اختار إلا منكم سائسا # لم يبق عبد الله بالشام من ... آل أبي العاص امرءا عاطسا # فلست من أن تملكوها إلى ... هبوط عيسى منكم آيسا # فأمر له بمائة ألف دينار وقال: سل حوائجك/ فقال: يا أمير المؤمنين! ترضى ~~عن سليمان بن حبيب وتكتب عهده على الأهواز. قال: قد رضينا عنه، وأمر أن ~~يكتب عهده على الأهواز. ويقال: أن هذا السبب الذي اتصل به نوبخت وأهله ~~بالمنصور وولده وبه أيضا قلد المنصور سفيان بن معاوية وارتفعت منزلته عنده. # أخبرني ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي PageV02P393 ~~عمرو بن العلاء قال: بعث الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام خيلا فأغارت ~~على مضر وربيعة، فغنموا وسبوا وأسروا وانصرفوا. فخرج قوم من/ الحيين جميعا ~~في وفد أسراهم، وكان فيمن خرج علقمة بن ms103 عبدة وكان يدعى الفحل وكان له أخ ~~يقال له: شأس، قد أسرته غسان، فقدم مع أصحابه وقد امتدح الحارث بن أبي شمر. # وكان علقمة في دهره من أحسن الناس غناء وأجودهم جرما. وكان دميما شديد ~~السواد، فكان إذا أتى الحاجب ليستأذن له، لم يلتفت إليه لدمامته وسواده، ~~فشكا ذلك إلى رجل من غسان، فقال له: إنك قد مدحت الملك بمديح لم يمدح ~~بمثله، فأت فلانة الطحانة مولاة آل PageV02P394 ~~فلان جار الملك فروها الشعر الذي مدحته به، فإنها تغني على طحينها بالليل، ~~فيسمع لها الملك، فلعله إذا سمع شعرك نبهته بذلك عليك. فأتى علقمة الطحانة ~~فوصلها وخبرها بحاله وسألها أن تأخذ شعره فتغني به الملك في الوقت الذي ~~يسمع لها فيه، فأخذت الشعر فقال لها علقمة: غني حتى أسمع. فغنته فلم يعجبه ~~غناؤها، وغنى هو، فلما سمعته قالت: لا والله ما سمعت بمثل هذا الغناء من ~~أحد من الناس! فإن شئت فأتني إذا أسحرت حتى تدير الرحا، وتغني به، فإنه حري ~~أن يصير إلى ما تريد. قال لها: نعم. فلما أسحر أتاها فأدار الرحا ثم تغنى: # طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد دونها وخطوب PageV02P395 ~~إلى قوله: # إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب # إلى قوله: # وأنت أمرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب # فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب PageV02P396 ~~وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب # فلما سمعه الملك طرب طربا شديدا وقال لهم:/ ما هذا صوت فلانة الطحانة، ~~فاعلموا لي علم هذا الصوت. فأتوه فسألوه عن حاله فأخبرهم. فأتوا الملك ~~فقالوا: هذا علقمة الفحل قدم في فداء أخ له. قال: فعودوا إليه، وقولوا له: ~~لا يقطع صوته عنا إلى الغداة، فإذا أصبح فليأتنا. فلم يزل يكرر ذلك الشعر ~~إلى الغداة. فلما أصبح أتى الحاجب، فأذن له، فدخل إلى الملك وعنده جماعة ~~أصحابه فأنشده الشعر، فلما بلغ إلى قوله: # *وحق ms104 لشأس من نداك ذنوب* # قال: إي والله وأذنبة. فأطلق له أخاه وأجاره وحمله وكساه. # وهذا في حديث يوم عين أباغ، يوم/ قتل الحارث بن أبي شمر الغساني ملك ~~الشام المنذر بن ماء السماء ملك العراق. وكان PageV02P397 ~~من حديثه كما حدثني ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن ابن الكلبي ~~عن أبي مسكين قال: كان المنذر بن ماء السماء -وأمه امرأة من النمر بن قاسط ~~يقال لها: ماء السماء، وكان قد طال ملكه، وهو ابن النعمان الأكبر- جمع جيشا ~~عظيما من معد كلها، فأعطى فيهم وأحسن العطايا غير أنه لم يكن معه من غطفان ~~أحد، وكانت بنو أسد مع حصن بن حذيفة بن بدر، فقالوا له: إن المنذر قد قسم ~~في الناس وأعطى مالا كثيرا فترى أن نغزو معه فإنا نرى أنه سيظهر على الشام. ~~فقال لهم حصن: بئس الوالي والحليف أنا لكم إن أمرتكم إلا بما آمر به نفسي، ~~لا آمركم بذلك، فعصوه وغزوا مع المنذر. # فخرج المنذر يسير بمن معه من الناس حتى أتى عين أباغ. وبلغ أمره الحارث ~~بن أبي شمر، وأخبر بمن قد أتاه من الناس فعمد إلى ثمانين غلاما من غسان ~~فألبسهم الثياب، وفيهم غلمان لهم ذوائب PageV02P398 ~~فأرسلهم إلى المنذر وقالوا: نحن وفد وهذه الهدية تأتيك, والحارث مذعن لك ~~بالإتاوة أي: الخراج. وقد كان الحارث دعا الغلمان حين أرسلهم/ فأوصاهم ~~وأخبرهم أن المنذر إنما غزا يريد أخواتهم وأمهاتهم وقال لهم: إذا سمعتم ~~الصيحة فشدوا على من يليكم من وراء الناس. # فلما قدم الغلمة على المنذر ومعهم كسوة حسنة بعث بها الحارث إليه أعجبه ~~جمالهم والكسوة فقال لمن حوله من أصحابه: ما ظنكم بنسوة نجلن من ترون؟! ~~فكان ذلك شحذا للغلمان فصدقوا قول الحارث. وأقبل الحارث بن أبي شمر يسير ~~بالناس, وقد استرسل المنذر إلى ما جاء به الغلمة والكتاب الذي جاءه من طاعة ~~الحارث, ولم يشك أنه الحق. وانتشر الناس في الرعي وفي حوائجهم. وكان ~~الحارث/ أعرج, وكان يظاهر بين درعين, ويتقلد سيفين: أحدهما مخذم ms105 والآخر ~~رسوب. وكان معه كتيبتان, يقال لإحداهما: PageV02P399 # الملحاء والأخرى: الشهباء وقد قال رجل من بني تغلب كان معه: # هبلتك أمك إن تسلسل بحرهم ... زبدا غواربه وبحرك ساجم # أو تضرب الملحاء يوما كله ... ضربا يعرد باليمين القائم PageV02P400 ~~فأقبل الحارث وعلى مقدمته ابنه النعمان بن الحارث فحمل على الناس حتى انتهى ~~إليهم, وشد الغلمان من ناحية العسكر, وثبت من كان مع المنذر يوما إلى ~~الليل, وإنما يقاتله في ذلك اليوم الكتيبة الشهباء/ وحدها, ثم راحت الملحاء ~~حين غابت الشمس. وكان المنذر قد جعل على ميمنته فروة بن مسعود بن عامر بن ~~أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان, وعلى ميسرته قيس بن عامر عم فروة بن مسعود, ~~فقتل فروة من أول الليل فمر به المنذر وهو قتيل, فسأل عنه فأخبر بقتله ~~فقال: كريم صادف مصرعه. وقتل قيس بن مسعود من آخر الليل, وثبت المنذر فقاتل ~~بمن معه, فبينا هو يذمر الناس عرف صوته رجل من بني حنيفة, يقال له شمر بن ~~عمرو, فطعنه تحت إبطه فقتله, وأصبح الناس يؤخذون في كل ناحية وأصيب/ من بني ~~أسد ناس كثير, وأصيب من بني تميم تسعون رجلا منهم شأس بن عبدة. PageV02P401 # وأقبل الحارث راجعا وأخذ رأس المنذر فجعله في طست من ذهب وسجى عليه, ثم ~~قال: من أخبرني عنه فله ما احتكم! فجعل الناس يخبرونه, ولا يصدقونه, حتى ~~دخل عليه الحنفي فقال: أنا قتلته, فاكتم علي فإن قومي في دينه, عرفته وهو ~~يذمر الناس, فبرقت لي برقة تحت إبطه, فقتلته. فقال: صدقت. # فلما تراجع الناس ركب نابغة بني ذبيان يطلب أسرى بني أسد, فدخل على ~~النعمان بن الحارث بن أبي شمر, وهو الذي ولي القتال/ فطلب إليه في بني أسد, ~~وشفع إليه بمن قدر عليه من غسان. وجعل ناس من كلب وبهراء يقولون للملك: إن ~~حصن بن حذيفة قد أهلكنا, وأنه قد كان يرى أنه لا يطلق, وإنما بعث بني أسد, ~~وذخر قومه فلا يطلقهم, حتى احتمل النعمان ذلك في نفسه. # وجعل النابغة يطوف فيمن يرجو ms106 عونه من غسان حتى أطلق له نيفا وثمانين رجلا ~~من أسارى بني أسد, ففي ذلك يقول النابغة يمدح PageV02P402 ~~الذين أعانوه من غسان على الملك وابنه حتى أطلقا له من أراد من أسارى بني أسد: # لله عينا من رأى مثل فتية ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا # وأعظم أحلاما وأكثر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # غداة غدوا فيهم ملوك وسوقة ... يصونون بالإفضال أبيض بارعا # متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... ولا الضيف ممنوعا ولا الجار ضائعا # فوفد عليه علقمة بن عبدة يطلب في أخيه وأسرى بني تميم, وأنشده قصيدته: # *طحا بك قلب في الحسان طروب* PageV02P403 # فلما انتهى إلى قوله: # به جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب # قال: قد أتعبت يابن عبدة المطي! أنشدني قولك: # *.. ورأس المرء معموم* # فأنشده: # هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # حتى انتهى إلى قوله: PageV02P404 # وكل حصن وإن طالت سلامته ... وإن تأثل فيه العز مهدوم # وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم # ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشؤوم # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم PageV02P405 ~~فلما فرغ قال له: يا علقمة! اختر من الحباء والكسوة وإطلاق أخيك وأحتبس ~~الأسرى من قومك عندي, أو أطلقهم ولا حباء لك عندي ولا كسوة. فقال أيها ~~الملك! أبيت اللعن. أدخل إلى قومي فأعرفهم فدخل إليهم وهم في القد, فقال: ~~إن الملك إن أطلقكم حباكم وكساكم, فإن صيرتم لي جميع ما يصل إليكم منه ~~كلمته فيكم!.. فجعلوا له ذلك فأطلقهم الملك, وحباه, وكساه, وحبا جميع ~~الأسرى وكساهم. # حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن ~~محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: حدثني بديح ~~مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: أتى عبد الله بن قيس الرقيات منزل ~~عبد الله ابن جعفر فقال: استأذن لي عليه. فدخلت فوجدته نائما, فكرهت أن PageV02P406 ~~يرجع ms107 ولم يدخل فقلت/ لجارية له: أيقظيه فقالت: لا أفعل، فإن شئت فأيقظه ~~أنت. فجئت فوضعت وجهي بين قدميه، ثم نبحت نباح الكلب الهرم. فقال: ويلك ما ~~لك؟! قلت: جعلت فداك.. عبد الله بن قيس الرقيات بالباب، كرهت أن يرجع حتى ~~يدخل عليك. قال: أحسنت ليدخل. فدخل فأنشده: # تقدت بي الشهباء نحو ابن جعفر ... سواء عليها ليلها ونهارها # فوالله لولا أن تزور ابن جعفر ... لكان قليلا في دمشق قرارها # أتيناك نثني بالذي أنت أهله ... عليك كما أثنى على الروض جارها # فقال: يا بديح! أجر على الشهباء وصاحبها ما يصلحها./ وقال لجاريته: هاتي ~~ما عندك. فجاءت بظبية فيها دنانير فقال: اعدد PageV02P407 ~~يا بديح وارفع صوتك فعددت حتى بلغت مائة. وأنا أطرب بصوت لي حسن، ثم قطعت ~~لأنظر ما يقول، فقال: ما هذا بحين يقطع هذا الصوت يا بديح! فعددت حتى بلغت ~~سبعمائة، ونفضت الظبية فاستقلها، وقال للجارية: إيتيني بمطرف من مطارفي، ~~فأتته فبسطه بين يديه على البساط، ثم قال: إيتيني بكذا وكذا ثوب من خز، ~~وكذا من وشي، فطرح في المطرف حتى ما تلتقي أطرافه، ثم قال: اذهبوا بهذا إلى ~~منزل عبد الله. فقال عبد الله: إن أمير المؤمنين سخط/ علي، وحبس عطائي عني ~~في شعر قلته، فكلمه فليرض عني. فركب إليه فقال: يا أمير المؤمنين! رجل ~~عتبتم عليه، ومنعتموه عطاءه، فارض عنه، واردد إليه عطاءه. قال: نعم! إن لم ~~يكن ابن الرقيات. قال: وما له يا أمير المؤمنين؟ قال: أولم يبلغك قوله: # كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقلية العذراء PageV02P408 ~~وقال لأهل الشام: يا أهل الشام! أتعرفون؟ هذا هو الذي يقول: وأنشد البيت.. ~~فنادوا: يا أمير المؤمنين!.. من كل جانب: إيذن لنا نتطهر بدمه. فقال: إني ~~وهبته لأبي جعفر عبد الله بن جعفر. فقال ابن قيس: وأنا أقول فيك يا أمير ~~المؤمنين: # إلى الفنيق الذي أبوه أبو العاص عليه الوقار والحجب # يعتقد التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # ما نقموا ms108 من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا # وأنهم معدن الملوك فلا ... تصلح إلا عليهم العرب # فقال: قد آمنتك، وعفوت عنك. ولكن والله لا تأخذ مع الناس درهما أبدا. PageV02P409 # ويقال إن عبد الملك قال له: أما مصعب بن الزبير فتقول فيه: # إنما مصعب شهاب من الله تجلت ... عن وجهه الظلماء # وأما أنا فتقول لي: # يعتقد التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # وكان هوى ابن قيس الرقيات مع مصعب بن الزبير، فكان عبد الملك عليه مغيظا ~~لذلك. فلما استأمن له عبد الله بن جعفر آمنه، ولم يكن يطيق أن يراه فانقطع ~~ابن الرقيات إلى عبد العزيز بن مروان، فكان ذلك أغيظ لعبد الملك عليه، وكان ~~لا يزال يغري به عبد العزيز. # فمن ذلك ما حدثنا به ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن PageV02P410 ~~الضحاك عن هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال: لما حبس عبد الملك/ بن ~~مروان عمرو بن سعيد دخل عليه البيت الذي حبسه فيه ومعه السيف ليضرب عنقه ~~أخذ عمرو رجل عبد الملك يقبلها، وسأله بالرحم. فقال عبد الملك: أبا عثمان! ~~أما والله لو أعلم أنه يصلح ما بيننا لوقيتك ولو بدم النواظر، ولكنه قلما ~~اجتمع فحلان في شول، فصلح الذي بينهما. وأقيمت الصلاة فخرج عبد الملك يصلي، ~~وقال لأخيه عبد العزيز: اقتله إلى أن أصلي بالناس، فسأله عمرو بالرحم فكف ~~عنه. فلما رجع عبد الملك قال له: لم لم تقتله؟ قال سألني بالرحم. قال: لا، ~~ولكن أشبهت أمك الأعرابية. وأخذ عبد الملك/ السيف ودنا من عمرو، وهو يتمثل: PageV02P411 # يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث يقول الهامة اسقوني # فلما قتله جعل يمسح الدم من السيف ويقول: # أدنيته مني ليحسن ظنه ... وأصول صولة حازم مستمكن # غضبا ومحمية لديني إنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن # وغضب عبد العزيز لتعيير عبد الملك إياه بأمه، وأمه ليلى بنت زبان ابن ~~الأصبغ الكلبية، فحلف ألا يعطي شاعرا مدحه بأبيه حتى يمدحه بأمه، فقال ابن ~~قيس الرقيات: PageV02P412 # أمك بيضاء من قضاعة ms109 في البيت الذي يستظل في طنبه # يخلفك البيض من بنيك كما ... يخلف عود النضار في شعبه # ليسوا من الخروع الضعاف ولا ... أشباه عيدانه ولا غربه # فأمر له بخمسمائة دينار، فقال أيضا: # أعنى ابن ليلى عبد العزيز بباب اليون تغدو أجفانه رذما PageV02P413 ~~مل أصبغيات في الفوارع لا ... يحملن فوق الكواهل الحزما # يلتفت الناس حول منبره ... إذا عمود البرية انهدما # فاغتاظ عبد الملك على ابن قيس فقال لعبد العزيز: ما بال ابن الرقيات يذكر ~~أمك في الشعر، كأنه ليس لك بأبيك شرف؟!.. فذكر عبد العزيز ذلك لابن الرقيات ~~فقال له: إنما حسدك. ووالله لأقولن قصيدة/، ولأذكرن فيها أمه وقطينها، ثم ~~ليرضين.. . احضر غدا. فلما كان من الغد استأذن على عبد الملك، فلما دخل ~~أنشأ يقول: # أنت ابن منبطح البطاح كديها فكدائها PageV02P414 ~~ولبطن عائشة التي ... فرعت أروم نسائها # ولدت أغر مهذبا ... كالشمس حين ضيائها # في ليلة لا عيب في ... سحرائها وعشائها # ثم أتم كلمته. فلما خرج عبد العزيز قال له ابن الرقيات: كيف رأيت؟!.. .. # ومن ذلك ما حدثني به أبي قال: حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا أبو جعفر الخزاز ~~عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن PageV02P415 ~~أشياخه قالوا كان عبد العزيز بن مروان رجلا صدوقا لا/ يقول قولا إلا وفى ~~به، وكان مع ذلك شديد الإقدام، وكان ولي عهد عبد الملك، جعله مروان بعده ~~فكتب إلى الحجاج: ((أما بعد فإن أهل العراق كانوا شيعة لبني أمية، فما زلت ~~بخرقك ونكدك وقلة عقلك وضعف سياستك حتى صاروا إلبا عليهم. وأيم الله لئن ~~بقيت لك وصار هذا الأمر إلي لأنزلنك حيث أنزلت نفسك)). # فخافه الحجاج على نفسه لإقدامه، وأراد التقرب إلى الوليد بن عبد الملك ~~ودفع عبد العزيز عن نفسه، فقال يوما لجلسائه دلوني على رجل حسن العقل شديد ~~الجانب. فقيل له: عمران بن عصام العنزي./فدعا به فأخبره بما رأى في البيعة ~~للوليد بعد عبد العزيز، وقال: انطلق إلى أمير المؤمنين بكتبي في ذلك، وكلمه ~~فيه، وقل فيه شعرا. PageV02P416 # وكان عمران من شعراء أهل ms110 زمانه. قال: وكتب إلى عبد الملك يدعوه إلى العقد ~~للوليد بعد عبد العزيز ويعلمه أنه إن لم يفعل لم ينظر للوليد أحد بعده. ~~قال: فقال عمران: أصلح الله الأمير أسس لي أسا أقول عليه. فقال له الحجاج: ~~إن العوان لا تعلم الخمرة. فخرج عمران حتى قدم على عبد الملك، فلما قرأ كتب ~~الحجاج قال: أدخلوا عمران رسول الحجاج. فلما دخل عليه قال يا عمران! قال: ~~لبيك/ قال: ما تقول فيما كتب به الحجاج فأنشأ يقول: # أمير المؤمنين إليك أهدي ... على الشحط التحية والسلاما # أجبني في بنيك يكن جوابي ... لهم أكرومة ولنا نظاما # فلو أن الوليد أطعت فيه ... جمعت له الحزامة والذماما PageV02P417 ~~شبيهك, حول قبته قريش ... به تستمطر العرب الغماما # ومثلك في التقى لم يصب يوما ... لدن ألقى القلائد والشباما # فإن تؤثر أخاك بها فإنا ... وجدك ما نطيق لك اهتضاما # ونخشى إن جعلت الملك فيهم ... سحابا أن تعود لنا جهاما PageV02P418 ~~فلا يك ما حلبت غدا لقوم ... وبعد غد بنوك هم العيامى # فلو أنى تخطاني عصام ... بذلك ما عذرت به عصاما # فقال عبد الملك: أوما كنت عاذر أبيك لو كان الأمر في يده؟ قال: ما كنت ~~أعذره. قال: ويحك وكيف وقد ذلت به الألسن, واضطرب به الصوت, وسارت به ~~الركبان؟!.. .. قال: وليجة -يا أمير المؤمنين- بينك وبين أخيك. قال: ليس ~~إلى ذلك سبيل. ثم كتب إلى الحجاج أن هذا مما لا سبيل إليه. # فلما قدم عمران على الحجاج قال: ما صنعت؟ قال: نفخت في غير فحم. قال: أما ~~إنها قد وقعت في السويداء من قلبه. PageV02P419 # قال: وكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: ((قد عرفت حال الوليد في فضله وأدبه/ ~~وموضعه من قلبي, فإن رأيت أن تجعل له ولاية العهد من بعدك فافعل)). # فكتب إليه عبد العزيز: ((قد فهمت كتابك -يا أمير المؤمنين- في الوليد، ~~وما ذكرت من فضله وأدبه وموضعه من قلبك، وسألتني أن أجعل له ولاية العهد ~~بعدي فاعلم -يا أمير المؤمنين- أنا نجد بأبنائنا كما تجد بابنك، وإن أمير ~~المؤمنين مروان كان عقد ms111 لي ولك في يوم واحد، وقدمك علي للسن، فإن رأيت ألا ~~يأتي أجل الوفاة علي أو عليك إلا وأنت لحقي عارف، وبأبي بار، ولي واصل، ~~فوالله ما أدري ما بقائي وبقاؤك؟..)./ فلما قرأ عبد الملك كتابه بكى، ثم ~~قال: صدق والله! ما أدري ما بقائي وبقاؤه؟ وإن يرد الله أمرا يكن. قال: ~~فوالله ما بقي عبد العزيز بعد ذلك إلا سنة أو سبعة أشهر حتى مات. فدعا عبد ~~الملك الوليد وسليمان فعقد لهما في يوم واحد. # وكان ابن قيس الرقيات عند عبد العزيز بن مروان بمصر في الوقت الذي كتب ~~إليه عبد الملك يسأله العقد للوليد بعده. فقال ابن الرقيات في ذلك: PageV02P420 # يخلفك البيض من بنيك كما ... يخلف عود النضار من شعبه # ليسوا من الخروع الضعاف ولا ... أشباه عيدانه ولا غربه # نحن على بيعة الرسول التي ... أعطيت في عجمه وفي عربه # فأمر له عبد العزيز بجائزة حسنة, وبلغ هذا الشعر عبد الملك فقال: لقد دخل ~~ابن قيس مدخلا ضيقا, وشتمه, وتهدده, وقال: ليس هذا بأعجب من قوله: # كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء # .. ولا بأعجب من قوله: PageV02P421 # على بيعة الإسلام بايعن مصعبا ... كراديس من خيل وجمعا ضباركا # تدارك أخرانا ونمضي أمامنا ... ونتبع ميمون النقيبة ناسكا # إذا فرغت أظفاره من كتيبة ... أمال على الأخرى السيوف البواتكا # / أراد: إذا فرغت أظفاره من المختار وأصحابه أمال على الأخرى أي: على عبد الملك. # فبلغ ابن الرقيات تهدد عبد الملك له فقال يعرض ببخر عبد الملك: PageV02P422 # بشر الظبي والغراب بسعدى ... مرحبا بالذي يقول الغراب # لا أشم الريحان إلا بعيني ... كرما إنما يشم الكلاب # يعرض بعبد الملك أنه متغير الفم. وكان عبد الملك تؤذيه رائحة فيه, فكان ~~أبدا في يده تفاحة أو ريحانة أو طيب. # قال أبو الحسن: وإنما ذكرت هذين الخبرين, وليسا من باب العفو والاعتذار ~~لأخبر عن الأسباب التي كان عبد الملك بن مروان/ لها متغيظا على ابن ~~الرقيات, وكان يصفح عنه ms112 لموضع عبد الله بن جعفر, وأنه قد آمنه بمسألته ثم ~~لموضع أخيه عبد العزيز. # نرجع إلى باب العفو عن ذوي الجرائم بالشفاعات, حدثنا ابن دريد قال: حدثنا ~~أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان المنذر بن امرئ القيس اللخمي يدعى محرقا, ~~وذلك أنه لقي بكر بن وائل بأوارة وعلى بكر حارثة بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل PageV02P423 ~~ابن شيبان, فهزمت بكر, فحلف المنذر ليذبحنهم على رأس أوارة حتى يبلغ الدم ~~الحضيض! فقام إليه مالك بن عمرو بن ضبيعة/ بن عجل, وكان رضيع المنذر فقال: ~~أنشدك بإلهك فإنما تفسد أهلك. قال: فكيف أصنع بيميني. قال تصب الماء على ~~الدم حتى يبلغ الحضيض ففعل ذلك فسمي مالك الوصاف. فولده إلى اليوم يقال ~~لهم: بنو الوصاف, لا يعرفون بغيره. # وجمع المنذر أسارى بكر في حظائر, فأراد أن يضرم عليهم النار, وكذلك كان ~~يفعل فقام إليه أبو حوط الحظائر النميري فكلمه فيهم فشفعه فخلى سبيلهم, ~~فسمي: أبا حوط الحظائر, ليس يعرف إلا بذلك. وسمي المنذر محرقا لتحريقه ~~الأسرى. فقال بعض شعراء النمر بن قاسط: # أناس أبو حوط الحظائر منهم ... ومن ربع المرباع في سالف الدهر PageV02P424 ~~وقال شاعر آخر يمدحهم: # هم نصرونا كل يوم كريهة ... وهم أنقذوا بكرا من النار والحطب # حدثني سوار بن أبي شراعة قال: حدثنا الرياشي قال: حدثني هشام بن عمرو بن ~~خالد البجلي قال: قدم رجل من ثمالة بأهله على عبد الله بن الصمة في عشرين ~~فارسا من بني عامر، فكانوا في جوار عبد الله حتى قتل، واشتغل دريد بن الصمة ~~أخوه بتلك الحرب سنتين، فأغارت عليهم خثعم ورئيس القوم أنس بن مدرك الخثعمي ~~وهم خلوف، فاستاقوا نعم الثمالي وأهله/ وماله والفرسان من عامر، فلم يستطع ~~أنس النفوذ بهم لحرب كانت بينه وبين قومه، فجعلهم عند يزيد بن عبد الله بن ~~عبد المدان، فقدم دريد PageV02P425 ~~لانقضاء الحولين، فبيناهم ذات ليلة مخيلة، وخرج النساء المغيبات، إذا هو ~~بالشيخ الثمالي يتغنى: # كساك دريد الدهر ثوب خزاية ... وقنعك الحامي حقيقته أنس # دع الخيل ms113 والسمر الطوال لخثعم ... فما أنت والرمح الطويل وما الفرس # وما أنت والغزو المقرب للعدى ... وهمك سوق العود والدلو والمرس # فلو كان عبد الله حيا لجاره ... لما أصبحت إبلي بنجران تحتبس PageV02P426 ~~وكنت عبد الله حي ولا أرى ... أبالي بحمد الله من قام أو جلس # فأصبحت مكسور الجناح لفقده ... وهل من نكير بعد حولين يلتمس # / فقال دريد: يا قوم! ألا يا اسمعوا! فاجتمعوا إليه فقالوا: ما أمرك؟ وما ~~شأنك؟ قال: العجب للثمالي وما أصابه والفرسان من عامر. فقالوا أنت على خير ~~إنه لم يصل بما أصاب، وقد خلف جميع ما استاق من النساء والنعم عند يزيد بن ~~عبد الله بن عبد المدان، ولك عنده أياد ونعم، هو لك شاكر يحب مكافأتك، ~~فاخرج إليه. قال: ليس يراني، ولكن أجهز إليه راكبا فأنظر بما يرجع. فقالوا: ~~الرأي أصبت. فجهز إليه راكبا بأبيات: # بني الديان ردوا مال جاري ... وأسرى من ثمالة في غلال PageV02P427 ~~فأنتم أهل عائدة وفضل ... وأيد في حوادثكم طوال # متى ما تمنعوا شيئا فليست ... حبائل أخذه غير السؤال # حذا عبد المدان لكم نعالا ... مخصرة الصدور على مثال # بني الديان إن بني زياد ... هم أهل المكارم والفعال # فأبلوا يا بني الديان خيرا ... أبوء لكم به أخرى الليالي # فلما قدم عليه قال: مرحبا بك وبمن أرسلك. ارجع إليه فقل له: فليقدم على ~~ما أحب. فقدم ليلا فاعترض بعض تلك البيوت, فلما أصبح توجه يريد يزيد, فلما ~~دفع إليه رحب به يزيد وحياه ثم جلس فقال دريد: أبا البصير ما لنعمكم قليلة, ~~ونيرانكم متفرقة, وسرحكم يأتي معتما, / وصبيانكم يتضاغون من غير جوع, !.. .. # قال: أما قلة نعمنا ففي نعم هوازن ما يكفينا, وأما تفرق نيراننا فمن ~~الغيرة, وأما إعتام سرحنا ففينا المغيبة والأرملة فتخرج PageV02P428 ~~لا يراها أحد حتى يأتي سرحها, وأما تضاغي صبياننا من غير جوع, فإننا نبدأ ~~بالخيل قبل العيال. فبيناهم كذلك إذ طلع ثلاثة فرسان يقدمهم شيخ فقال: # أتتك السلامة فارع النعم ... ولا تقل الدهر إلا نعم # فقال دريد: ما هؤلاء يا أبا البصير؟ قال: ms114 هؤلاء نبعثهم ينفضون الأرض فإذا ~~أمنا الغارة سرحنا النعم. قال دريد: ما ظلمت العرب إذ جعلتكم جمرة مذحج!../ ~~فلم يسأله شيئا إلا أعطاه, فقال دريد: # مدحت يزيد بن عبد المدان ... فأكرم به من فتى يمتدح # إذا المدح زان الملوك الكرام ... فإن يزيد يزين المدح PageV02P429 ~~ورد النساء بأطهارهن ... ولو كان غير يزيد فضح # وفك الرجال، وكل امرئ ... إذا أصلح الله يوما صلح # فقلت له بعد عتق النساء ... وفك الرجال ورد المنح # هبن لي فوارس من عامر ... فأكرم بمنحته إذ منح # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: بعث باذام عامل كسرى ~~على اليمن إلى كسرى أبرويز بن هرمز بعير من اليمن، تحمل الطيب وطرائف/ ~~اليمن. فلما صارت ببلاد بني تميم أغاروا عليها، فانتهبوا ما فيها، ولم ~~يدعوا على رجل ممن كان مع العير من الأساورة خرقة. فلجأ أولئك الأساورة إلى ~~هوذة بن علي PageV02P430 ~~الحنفي فكساهم، وأحسن إليهم، وحملهم، وزودهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى ~~فكلمه، وكان هوذة رجلا جميلا، فأخبره الخبر، وقص عليه الذي كان، فدعا كسرى ~~بعقد در فعقده على رأسه، وكساه قباء ديباج في كسوة كثيرة، وسأله عن ماله ~~ومعيشته فأخبره هوذة أنهم في عيش رغد وقصور ونخل ومزارع، وأخبره أنهم يغزون ~~المغازي فيصيبون. # / قال كسرى: ما ولدك؟ قال: عشرة، قال: أيهم أحب إليك؟ قال: غائبهم حتى ~~يقدم، وصغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ. قال كسرى: الرأي الذي أخرج هذا ~~منك حملك على طلب الوسيلة عندي! ودعا كسرى جوانبوذان بن درستويه وهو الذي ~~يقال له المكعبر فأرسله مع هوذة. وقال لهوذة: إن رأيت القوم الذين صنعوا ~~هذا تعرفهم؟ قال: نعم. قال: أمن قومك هم؟ قال: الذي بيننا وبينهم بعيد. PageV02P431 # قال: أصلح هم لك؟ قال: بيننا حسى الموت قال: قد أدركت بعض حاجتك. سر مع ~~رسولي فاشف. # / وأمره أن يبني مدينة بهجر، يكون فيها عامله، فإن كان من العرب غدر بهم ~~كانت لهم حصنا إلى أن يأتيهم غياث من كسرى، وبعث معه من فارس الفعلة فبنوا ms115 ~~بالبحرين الحصن الذي يقال له: المشقر. # ثم نادوا في أرض العرب أن الملك قد أمر أن يقسم في العرب، فانصبت عليه ~~بنو تميم، وقامت الرجال بالسلاح. فكلما دخل رجل أخذوا سلاحه، وانتهوا به ~~إلى هوذة فيضرب عنقه. وكان إذا أتي برجل بينه وبين هوذة معرفة قال للمكعبر: ~~هذا من قومي فيجلس. # وكان في بني سعد رجل من بني عبس يقال له: وهب بن عبيد فجاء معهم ليأخذ/ ~~من القسم، فأدخل قبله رجل فأخذ سلاحه، وعلى باب المشقر سلسلة تجمع البابين، ~~فلما رآهم وهب العبسي PageV02P432 ~~تؤخذ أسلحتهم قال: ويلكم! أين يذهب بعقولكم؟ فوالله ما بعد السلب إلا ~~القتل. وضرب السلسلة بالسيف فقطعها فانفتح الباب, فدخل فإذا هو بالقتلى, ~~فهرب وهرب الناس, وأطلق هوذة يومئذ مائة من بني تميم. فقال العبسي في ذلك: # ألم تر أن المرء ينكر ضيمه ... وإن كان ذا ذنب وفي ضيق محصر # ألا هل أتى قومي على النأي أنني ... حميت ذماري يوم باب المشقر # ضربت عميد القوم بالسيف ضربة ... تفرج عنها كل باب مضبر # / وهو اليوم الذي يقال له: يوم الصفقة. # وقال الأعشى يذكر هوذة وما صنع: PageV02P433 # من ير هوذة يسجد غير متئب ... إذا تعمم فوق التاج أو وضعا # له أكاليل بالياقوت زينها ... صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا # وكل زوج من الديباج يلبسه ... أبو ثمامة محبوا بذاك معا # سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا # وسط المشقر في غبراء مظلمة ... لا يستطعيون بعد الضر منتفعا PageV02P434 ~~فقال للملك أطلق منهم مائة ... رسلا من القول مخفوضا وما رفعا # ففك عن مائة منهم وثاقهم ... فأصبحوا كلهم من غله خلعا # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن المدائني/ قال: لما آمن المنصور عبد ~~الله بن علي وقدم عليه قال عبد الجبار بن عبد الرحمن لأبي جعفر: يا أمير ~~المؤمنين, هذا عبد الله بن علي عطفت عليه أمير المؤمنين الرحم, ووسعه عفوه. ~~فما بال هؤلاء النفر من قواده الذين أوتارنا قبلهم ودماء إخواننا في ~~رقابهم؟!.. والله -يا أمير المؤمنين- لو ms116 لم يقتلوا من شيعتك إلا رجلا ~~واحدا, وهو محمد بن صول PageV02P435 ~~وقتلوا به ما كانوا به بواء, ولا كان في ذلك شفاء غليل صدورنا, فعلام ~~نستبقي هؤلاء؟!.. وكان محمد بن صول أخا عبد الجبار ابن عبد الرحمن لأمه. ~~فقال أبو جعفر: يا عبد الجبار! أنت تريد أن يمضغ لك الخبز!../ ففهمها عبد ~~الجبار عنه وانصرف, وأمر مولى له يقال له: نزكاش -ويكنى أبا مقاتل- أن يحضر ~~خفاف بن منصور ونصير بن المحتفز. فأحضرهما, ودعا بفأس وأمره أن PageV02P436 ~~يجزرهما به, فقطعهما أعضاء. وقال للمسيب بن زهير: خذ إليك حياش بن حبيب ~~فأتى به من محبسه فبات عنده ليلة, وأصبح فأبرزه للقتل, وأحاطت به أمة من ~~الناس ينظرون إلى مقتله. # ومر عيسى بن علي يريد دار أمير المؤمنين, فسال عن الجماعة فقالوا: حياش ~~بن حبيب قد أبرز لتضرب عنقه, فعدل عيسى عنان دابته إلى المسيب, فلما رآه ~~المسيب نهض إليه, فقال له عيسى: يا أبا مسلم! هل لك في صنيعة عند حياش وعند ~~عشيرته؟ قال المسيب: ما أرغبني في ذلك لو وجدت إليه سبيلا!..قال عيسى فأخر ~~قتله بمقدار ما ألقى أمير المؤمنين. قال: فإني أفعل. ونفذ عيسى فلقي PageV02P437 ~~أبا جعفر فقال: يا أمير المؤمنين! لقد لقيت في طريقي إليك منظرا هائلا ما ~~رأيت مثله! قال: وما رأيت يا أبا العباس؟ قال: رأيت حياش بن حبيب عريانا, ~~وقد أحدقت به أمة من الناس ليقتل, فإن رأيت -يا أمير المؤمنين- أن تمن عليه ~~وتهب لي دمه. قال: فإني قد فعلت يا أبا العباس. فخرج عيسى مبادرا, فقال ~~لبعض من معه: النجاء ركضا إلى المسيب فأعلمه الخبر. ثم إن عيسى/ مر بالمسيب ~~فجزاه خيرا وانطلق معه بحياش إلى منزله وكساه ووصله وحمله. # قال: فحدثني رجل من ولد حياش أن إسحاق بن عيسى قال له: يابن حياش! هل ~~تعرفون نعمتنا عليكم؟ قلت: لا والله! فقص عليه هذه القصة. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن وهب بن جرير عن أبيه قال: PageV02P438 # لما قتل مصعب بن الزبير المختار بن ms117 أبي عبيد تحصن أصحابه الذين بقوا في قصر ~~الكوفة، وطلبوا الأمان، فأبوا أن يؤمنوهم إلا أن ينزلوا على حكم مصعب، وهم ~~ستة آلاف وثمانمائة رجل، خمسة آلاف من الموالي والعبيد، وألف وثمانمائة من العرب. # فقال/ بجير بن فلان المذحجي: أيا مصعب! إنا أهل ملتك وعلى قبلتك، ولسنا ~~من الترك ولا الديلم، لم يعد أن صنعنا كما صنع أهل البصرة، اقتتلوا ثم ~~اجتمعوا فاصطلحوا، فدعنا فلنصطلح فيما بيننا، أو قدمنا إلى أهل الشام، فإن ~~ظهرنا عليهم كان ذلك لك، وإن ظهروا علينا لم يظهروا حتى نوقذهم لك. # فقال مصعب لأصحابه: ما ترون؟ فإن هؤلاء قد صاروا من شيعتي فاعرضوا علي. ~~ثم قال للمهلب: ما ترى؟ قال العفو، ثم قال للأحنف: ما ترى قال: العفو، فوثب ~~عبيد الله بن الحر الجعفي من غير أن يستشيره، وقد كان أتى المصعب فبايعه، / ~~فقال: أصلحك الله. أما من كان العرب فخل سبيله، PageV02P439 ~~فإنهم إن يكونوا قد أصابوا منا فقد أصبنا منهم، وليس بنا غنى عنهم في ~~بعوثنا. وأما هؤلاء العبيد فإنما هم لأراملنا وأيتامنا فارددهم علينا نردهم ~~إلى أعمالهم. وأما هؤلاء الموالي فقدمهم فاضرب أعناقهم، قد بدأ كفرهم وقل ~~شكرهم، ولست آمنهم أن يغيروا هذا الدين. # وأصغى المصعب إلى العفو، فوثب أهل الكوفة وقالوا: دماؤنا ترقرق في ~~أجوافهم، ثم تخلي سبيلهم؟! اخترنا أو إياهم. فقدمهم فضرب أعناقهم، فكانت ~~أعظم مقتلة كانت في الإسلام/ وكان الذي قتل منهم صبرا ستة آلاف. فلما رأى ~~ذلك عبيد الله بن الحر خرج PageV02P440 ~~مراغما لمصعب، فجعل يغير في عمل العراق، فلم يزل مصعب يحتال عليه حتى وقع ~~بيده، فأمر به إلى السجن بعد أن ناله بشيء من ضرب وقيده، فأنشأ يقول: # أيرجو ابن الزبير ليوم نصري ... بعاقبة ولم أنصر حسينا # وكان تخلفي عنه تبابا ... وتركي نصره غبنا وحينا # ولو أني أواسيه بنفسي ... أصبت فضيلة وقررت عينا # فقل: أين الزيادة والعطايا ... وما منيتنا كذبا ومينا # قتلت عبيدنا سفها وجهلا ... كمتخذ به زلفى لدينا # قتلت جهالة ألفي صريح ... كريم الجد كالمرعي علينا ms118 PageV02P441 ~~أطعت مقالة الأحداث فينا ... فلم تصب الرشاد وما اعتدينا # فإن لم تبك ملحمة وقتلى ... كما قتلتنا وكما بكينا # وإن لم نأكل الأجعال غصبا ... وما يجبى إليك وما جبينا # فلا طفنا بمكة في حجيج ... ولا زرنا المقام ولا سعينا # وقال أيضا: # من مبلغ الفتيان أن أخاهم ... أتى دونه باب شديد وحاجبه PageV02P442 ~~بمنزلة ما كان يرضى بمثلها ... إذا قام غنته كبول تجاذبه # وكان من نية مصعب أن يضرب عنقه، فلم يزل به الأحنف بن قيس يكلمه فيه حتى ~~أخرجه، فلبث/ دهرا. # ثم لقي الأحنف، وهو واقف في ظل قصر بني بقيلة بظاهر الحيرة، فسلم عليه ~~والأحنف لا يعرفه. فقال: من أنت؟ قال: أو ما تعرفني؟، أنا طليقك عبيد الله ~~بن الحر قال: فهلا شكرتنا بما صنعنا بك، فأهديت إلينا هدية؟.. وهو يضاحكه، ~~فقال والله ما يمنعني أن أهدي إليك إلا أنك رجل لا تأكل إلا الحلال، وأنا ~~رجل لا آكل إلا الحرام، فكرهت أن أخلط حرامي بحلالك، ولكن سأشكرك شكرا لا ~~أجد لك غيره، أضربك بسيفي هذا فأقتلك، فيدخلك الله الجنة بقتلي إياك، ~~ويدخلني النار. فضحك/ الأحنف وقال: سبحان الله، سبحان الله. # قال أبو الحسن: عبيد الله بن الحر أحد الفتاك المشهورين، وكان PageV02P443 ~~قد أشجى مصعبا وجميع ولاة العراق بغاراته في السواد، يزعم أنه يطلب قتلة ~~الحسين عليه السلام، فكان يقتل البريء والسقيم. # ويروى أن الأحنف كلم مصعب بن الزبير في قوم حبسهم فقال: أصلح الله ~~الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق ~~فالعفو يسعهم. فخلى سبيلهم. # ويروى أن الرشيد حبس العتابي في أمر سخط عليه، فأقام في الحبس سنة، / ~~فطلب فيه خالد بن يزيد بن مريد فأطلقه، فكتب العتابي إلى خالد يشكر له: PageV02P444 # ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... قد زال عني لطيف الفكر من حيلي # فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي PageV02P445 ### || AUTO (8) باب من هرب من ملك مخافة أن يقتله، ثم أتاه مقرا بذنبه ~~فعفا عنه # حدثنا أبو ms119 خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: ~~حدثنا سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد ~~بن/ المسيب أن بجير بن زهير بن أبي سلمى أسلم، فكتب إليه أخوه كعب: PageV02P447 # ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا # سقيت بكأس عند آل محمد ... فأنهلك المأمون منها وعلكا # فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا # على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولا ألفيت فيه أخا لكا PageV02P448 ~~فأجابه بجير.. رواه الأثرم عن أبي عبيدة: # من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم # إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إن كان النجاء وتسلم # لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار إلا طاهر القلب مسلم # فدين زهير، وهو لا شيء غيره، ... ودين أبي سلمى علي محرم # فبلغ شعره هذا رسول الله فتوعده ونذر دمه، فكتب بجير إلى كعب يخبره أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجلا ممن كان PageV02P449 ~~يهجوه، ولم يبق من الشعراء الذين كانوا يؤذونه إلا ابن الزبعرى وهبيرة بن ~~أبي وهب المخزومي، وقد هربا، ((فإن كانت لك في نفسك حاجة فاقدم عليه، فإنه ~~لا يقتل أحدا أتاه تائبا، فإن لم تفعل فانج بنفسك)). # فلما ورد عليه الكتاب ضاقت/ عليه الأرض برحبها، وأرجف به من كان بحضرته ~~من عدوه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى أبا بكر رحمه الله، ~~فلما صلى الصبح أتاه به وهو ملتثم بعمامته. فقال أبو بكر: يا رسول الله! ~~رجل يبايعك على الإسلام. فبسط رسول الله يده، فحسر كعب عن وجهه فقال: بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله! [هذا] مكان العائذ بك، أنا كعب بن زهير. فتجهمته ~~الأنصار، وغلظت عليه لما ذكر به رسول الله، ولانت له قريش وأحبوا إسلامه PageV02P450 ~~فآمنه رسول الله صلى الله عليه، فأنشده مدحته التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم ms120 يشف مكبول # حتى انتهى إلى قوله: # وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول # فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول # كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول PageV02P451 ~~نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول # إلى قوله: # في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا: زولوا # زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل # لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل PageV02P452 ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى من عنده من قريش، كأنه يومئ ~~إليهم أن اسمعوا.. حتى قال: # يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل # يعرض بالأنصار لغلظتهم -كانت- عليه. فأنكرت [قريش] ما قال، وقالوا: ما ~~مدحتنا إذ هجوتهم، ولم يقبلوا منه، فقال: # من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالح الأنصار PageV02P453 ~~الباذلين نفوسهم لنبيهم ... يوم الهياج وسطوة الجبار # يتطهرون كأنه نسك لهم ... بدماء من علقوا من الكفار # صدموا عليا يوم بدر صدمة ... ذلت لوقعتها جميع نزار # أراد [بني علي بن مسعود، وهم بنو كنانة] فكساه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم / بردة اشتراها منه بعد معاوية بمال عظيم، يقال: عشرة آلاف درهم، فهي ~~البردة التي يلبسها الخلفاء في العيدين إلى اليوم PageV02P454 ~~حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام ابن محمد عن أبيه ~~عن أبي صالح عن ابن عباس قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مالك بن ~~عوف النصري بعد حنين فقالوا: بالطائف. فقال: أبلغوه إن أتاني مسلما رددت ~~عليه أهله، وأعطيته إبلا مائة. فخاف مالك أن تعلم به ثقيف فيحبسوه, فأعد ~~راحلة على ستة أميال من الطائف، ثم قعد على فرسه حين أمسى، حتى أتى راحلته/ ~~فقعد عليها حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة فقال مالك بن عوف: PageV02P455 # ما إن رأيت ولا سمعت بواحد ... في الناس كلهم كمثل محمد # أوفى ms121 وأعطى للجزيل إذا انتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد # وإذا الكتيبة جردت أنيابها ... بالمشرفي وضرب كل مهند # فكأنه ليث لدى أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد # فرد عليه السلام عليه أهله وماله، وأعطاه إبلا مائة، واستعمله على من ~~أسلم من أهل تلك الناحية. PageV02P456 # حدثنا أبو خليفة عن ابن سلام قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مكة هرب عبد الله بن الزبعرى/ حتى أتى نجران. وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد نذر دمه لأنه كان هجاه صلى الله عليه وسلم فقال حسان بن ثابت: # لا تعدمن رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذ ذميم # وكان سبب الشعر الذي قاله ابن الزبعرى أن المسلمين لما أصيبوا يوم أحد ~~قال يهجو الأنصار: # يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل # .. يقول فيها: PageV02P457 # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # حين حطت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل # وجزيناهم ببدر مثلها ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل # .. وفيها يقول: # والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل PageV02P458 ~~فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ممن كان نذر دمه ضاقت بابن ~~الزبعرى الأرض فأتى رسول الله فأسلم، وقال: # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور # إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور # آمن اللحم والعظام بما قلت فنفسي الفدى وأنت النذير PageV02P459 ~~وقال يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الصفح عنه: # منع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الظلام بهيم # لما أتاني أن أحمد لامني ... فيه فبت كأنني محموم # يا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم # إني لمعتذر إليك من الذي ... سديت إذ أنا في الضلال أهيم PageV02P460 ~~أيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم وتأمرني به مخزوم # وأمد أسباب الردى ويمدني ... أمر الغواة وأمرهم مشؤوم # فالآن آمن بالنبي محمد ... قلب، ومخطئ هديه محروم # مضت العداوة وانصرت أسبابها ... ودعت أواصر بيننا وحلوم PageV02P461 ~~فاغفر فدى لك والداي كلاهما ms122 ... وارحم فإنك راحم مرحوم # فعفا له صلى الله عليه وسلم عن جرمه وآمنه. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا محمد بن عبد الله عن عطاء بن مصعب قال: حدثنا ~~أبو محرز الحكم بن عبد الكريم عن محمد بن إسحاق قال: كان فيما حدث عبيد بن ~~شرية الجرهمي معاوية بن أبي سفيان من أخبار العرب أن قال: كان النعمان بن ~~المنذر الأكبر ابن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر ملك الحيرة. وكان شديد ~~السلطان كبير العظمة، وهو الذي بنى الخورنق، بناه لبهرام جور PageV02P462 ~~ابن يزدجرد الخشن، وكان يزدجرد دفع ابنه بهرام حين ولد له إلى النعمان هذا، ~~فتربى عنده في بلاد العرب، وهو الذي بنى دسكرة الملك. # وكان من شدة سلطان النعمان/ أنه أحب أن يعرف هيبته عند الناس، فعمد إلى ~~كبش، فجعل في عنقه مدية وسفودا وزندا، وجعل على ظهره حزمة من حطب، ثم خلاه ~~لينظر ما قدره عند الناس، وكيف هيبتهم له؟ وقال: لا يعرض له أحد إلا قتلته. ~~فكان يجول في أحياء العرب لا يعرض له أحد، إذ مر الكبش برجل من بني يشكر، ~~يقال له: أرقم بن علباء، وكان على شراب له مع فتية من قومه، وكان مع ذلك ~~كاهنا. فلما نظر إلى الكبش وإلى سمنه قال: كبش يحمل حتفه بأظلافه، قد حان ~~منه الموت عند اختلافه، فما الذي يمنع من انتسافه؟!.. لافى غنم راع، ولا ~~معه/ أمان من السباع، أساغب فيشبع أم خائف فيمنع؟!.. فظن أنه يكلمه، وأنه ~~شيطان. فلما رآه لا يكلمه وثب عليه فذبحه بالمدية التي كانت معلقة عليه، ~~وأورى نارا PageV02P463 ~~بتلك الزناد، وشواه بذلك الحطب على ذلك السفود، ثم أقبل يأكل مع ندمائه ~~لحما لم يأكل مثله سمنا. # وبلغ قومه ذلك فخبروه بحال الكبش وقصته، وندموه، وقالوا له: أنت مهلكنا، ~~ومهلك نفسك إن بلغ النعمان الخبر. فانطلق هاربا، وبلغ النعمان الخبر، فكثر ~~تعجبه من جرأته عليه، وأمر بطلبه، فأعياه، فأمر بالكف عنه. فلما علم/ أن ~~الملك قد أمر بالكف عنه تلطف حتى ms123 دخل على النعمان مسلما. فلما سلم قال له ~~النعمان: من أنت؟ قال: أنا أرقم ابن علباء. قال: صاحب الكبش؟ قال: نعم. ~~وكان النعمان إذا دخل عليه رجل من قبل نفسه، وتحرم بالسلام عليه عفا عنه، ~~وإن كان عظيم الجرم. فقال له النعمان: كيف صنعت يا أرقم؟ قال: أبيت اللعن، ~~مربي كبش حالك السواد، فقلت: إليك يا كبش من الإبعاد، إن تكن حافيا تنعل، ~~أو مرملا تمتع بزاد. فلم يحر إلي هنالك شيئا من جواب، ولم يناد، وساقه إلى ~~حتفه ما جاء يحمله بظلفه، فإن أك ظالما بقرفه، فأنت أولى الناس بعطفه. فأمر ~~به ليقتل، فقال أرقم: إن أذن الملك يسمع شعرا قلته، فأذن له في إنشاده، ~~فأنشده قوله: PageV02P464 # أيا ندمي على الشباب ويا ندم ... ندمت وبان اليوم مني بغير ذم # وإذ لمتي مثل الجناح أثيثة ... أرجلها بالمسك سوداء كالحمم # وإذ إخوتي حولي، وإذ أنا يافع ... وإذ لا أطيع العاذلات من الصمم # ألا بكرت عرسي علي تلومني ... وتزعم فيما رابني أن من ظلم PageV02P465 ~~فقلت لها: إلا تناهي فإنني ... أخو الفتك حتى تقرعي السن من ندم # وكنت متى ما ألق كبشا ببلدة ... على خلوة أشبع كريما من القرم # تمشى كأن لا حي في الأرض غيره ... ويعلو خراطيم الجراثيم والأكم # تمشى كأن لا حي بالواد غيره ... ولا خلق أعلى منه كعبا وإن عظم # فأصبح في الكور المعلق رأسه ... وأكرعه للنسر والذئب والرخم # وقال صحابي إنك اليوم كائن ... علينا كما كان القدار على إرم PageV02P466 ~~له ألية لم تعد عن شط ناقة ... إذا ما مشى فيها ترجرج والتطم # فغادرته من بعد ما كاد صاحبي ... من الجهد يغشاه ظلال من الوحم # فلما اعتلجنا ساعة فصرعته ... وقلت له: أنت الذليل فلا تقم # وقلت: كلوا من لحمه وتفرقوا ... لشأنكم واللحم يلقى على الوضم # فأي مليك من معد علمته ... يعاقب حرا ذا جلال وذا كرم PageV02P467 ~~على ذبح كبش لم يجده ببلدة ... ولا وسط أنعام رتاع ولا غنم # أخوف بالنعمان حتى كأنني ... قتلت له خالا كريما أو ابن عم # ويسعى ms124 إليه الموسرون ذوو الغنى ... ويهوي إليه المستكين من العدم # فإن يد الجبار ليست بضيقة ... ولكن سماء تقطر الوبل والديم # فعفا عنه الملك وأمر بتخليته. # حدثنا مغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: PageV02P468 # حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال: كان ~~عبد الله بن الحجاج التغلبي ممن أسرف من قيس مع ابن الزبير على عبد الملك ~~بن مروان. فلما قتل ابن الزبير جاء عبد الله بن الحجاج إلى عبد الملك ليلا ~~وهو يعشي الناس فقال: # منع القرار فجئت نحوك هاربا ... جيش يجر ومقنب يتلمع # فقال عبد الملك: أي الأخابث أنت؟ فقال: # ارحم أصيبيتي هديت فإنهم ... حجل تدرج بالشرية جوع # فقال عبد الملك: أجاع الله بطونهم, فأنت أجعتهم, فقال: # مال لهم مما تظن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع # فقال عبد الملك: أظنه كسب سوء, فقال: PageV02P469 # أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع # فقال عبد الملك: إلى النار, فقال: # ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم ... عني فألبسني فثوبك أوسع # قال: فرمى إليه عبد الملك بمطرف خز كان عليه./ فقال: آكل يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: كل. فأكل ثم قال: أمنت ورب الكعبة, فقال عبد الملك: كن من ~~شئت إلا عبد الله بن الحجاج. قال: فأنا عبد الله ابن الحجاج, وقد أكلت ~~طعامك, ولبست ثوبك, فأي خوف علي؟.. فآمنه عبد الملك وعفا عنه. # حدثنا مغيرة قال: حدثنا الزبير قال: حدثنا عمي مصعب قال: هجا ورد بن عاصم ~~المبرسم الحسن بن زيد, وهو إذ ذاك أمير الحجاز, فقال: PageV02P470 # له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل # وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لأهله وهو الرسول # فغضب الحسن, وأمر بطلبه فهرب. فلما ضاقت عليه الأرض لم يشعر الحسن إلا ~~وورد قائم على رأسه, فأنشده: # ستأتي عذرتي حسن بن زيد ... وتشهد لي بصفين القبور # قبور لو بأحمد أو علي ... يلوذ مجيرها حفظ المجير PageV02P471 ~~هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير # فاستخف الحسن كرمه، ms125 فقام عن مجلسه، وبسط رداءه، وأجلسه عليه، وعفا عنه، ~~وأحسن صلته. # حدثنا الجوهري، وحدثني أبو عبد الله الأطروش قالا: حدثنا ابن شبة قال: ~~حدثنا أحمد بن معاوية قال: حدثنا الهيثم بن عدي عن مجالد وابن عياش عن/ ~~الشعبي قال: لما انهزم ابن الأشعث ضاقت بي الأرض، وكرهت ترك عيالي وولدي، ~~فلقيت يزيد بن أبي مسلم حاجب الحجاج، وكان لي صديقا، وكانت الصداقة تنفع ~~عنده، فقلت: قد عرفت الحال بيني وبينك، وقد صرنا إلى ما ترى. PageV02P472 # فقال: أبا عمرو! إن الحجاج لا يكذب، ولا ينبح، ولا يعاوى. ولكن قم بين ~~يديه، وأقرر بذنبك، واستشهدني على ما شئت. # قال: فوالله ما شعر إلا وأنا قائم بين يديه، فقال: أعامر؟ قلت: نعم أصلح ~~الله الأمير. قال: ألم أقدم العراق فأحسنت إليك، وأدنيتك، ووفدتك إلى أمير ~~المؤمنين واستشرتك؟!/ قلت: بلى. قال: فأين كنت من هذه الفتنة؟ قلت: ~~استشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، وأحزن بنا المنزل، وأوحش الجناب وفقدنا ~~الإخوان، وشملتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، وهذا ~~يزيد بن أبي مسلم قد كان يعرف عذري، وكنت أكتب إليه، فقال يزيد: صدق أصلح ~~الله الأمير، قد كان يكتب إلي بعذره، ويخبرني بحاله. فقال الحجاج: هذا ~~الآمن ضربنا بسيفه، ثم جاءنا بالأكاذيب.. كان وكان.. ثم قال لي: انصرف إلى ~~أهلك راشدا. # ثم وجهني إلى المفضل بن المهلب بخراسان فعرضت الناس، PageV02P473 ~~فلما رجعت قال لي: كيف/ رأيت أهل العراق؟ قلت: رأيتهم بقعا. قال: وما ~~البقع؟! قلت: رأيت في ثوب الرجل رقاعا غير متشابهات. فقال: # لقد قتلت بني بكر بربهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد # يا بن أبي مسلم! مر لهم بعطاءين.. ثم وجهني إلى المفضل ثانية، فأمر لي ~~بألف حريرة كيمخاز. فأعطيت بكل حريرة مائة درهم. فجعلت أصرف تلك الدراهم.. ~~لفلان كذا ولفلان كذا، وأفعل كذا.. إذ قدم علينا قتيبة بن مسلم، فأخذ ~~المفضل فحبسه، وقبض على كل شيء له. وقبض الألف الحريرة فيما قبض. فقلت: أبا ~~حفص! قد PageV02P474 ~~علمت رأيي ومودتي، قال: أما ms126 الألف الحريرة فوالله/ ما هي لك عندي. قلت: ~~فاكفني هدايا الحي. قال: لك مائة حريرة!.. فقبضتها. # حدثني أبو محمد الأطروش قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني الباهلي عن ~~مجالد، وابن عياش عن الشعبي مثله. # حدثني أبو محمد حمدون النديم عن أبيه أحمد بن حمدون بن إسماعيل النديم ~~قال: هجا أبو الهول الفضل بن يحيى بن خالد، فطلبه الفضل، فهرب عنه برهة من ~~الدهر، ثم لم يشعر الفضل إلا وأبو الهول قائم على رأسه، فقال: أأبو الهول؟ ~~قال: نعم. قال: ويلك بأي وجه تلقاني وقد هجوتني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ~~ربي، وذنوبي إليه أكبر من ذنوبي/ إليك، على أني أقول فيك أيها الأمير: PageV02P475 # وكيف ينام الليل ملق وساده ... على مدرج يعتاده الأسد الورد # كساني وعيد الفضل ثوبا من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد # فكن راضيا لا تبتغي منه غيره ... وشأنك فيما كنت عودتنا بعد # فاستدناه الفضل وقال: قد عفونا عنك. وأمر له بجائزة سنية، وقال: نعود إلى ~~ما كنا عودناك من الإحسان يا أبا الهول!.. # حدثنا الجوهري عن ابن شبة قال: أخبرنا المدائني قال: كان فيمن خرج على ~~الحجاج مع ابن الأشعث يوسف بن عبد الله بن أبي العاص الثقفي. فلما انهزم ~~ابن الأشعث يوم الجماجم هرب PageV02P476 ~~يوسف، ثم لم يشعر الحجاج إلا به ماثلا بين يديه، وأهله آيسون منه. فلما رآه ~~الحجاج قال: ثكلتك أمك. قال: وأبي مع أمي. قال: أين أقلتك الأرض بعدي؟ قال: ~~ما قمت بعدك مقاما أوسع من مقامي هذا. إن الله استعملك علينا.. فأبينا فأبى ~~علينا فآمنه وعفا عنه. # حدثنا أبو الفياض سوار بن أبي شراعة قال: حدثنا الرياشي قال: طلب إبراهيم ~~بن عربي والي اليمامة فروة بن حميضة الأسدي، بجناية، فهرب منه، فجعل يجول ~~في البوادي حينا، ثم لم يشعر إبراهيم إلا وفروة قائما/ على رأسه، فأنشأ يقول: # إليك أبا إسحاق جابت بنا الفلا ... حراجيج أمثال السرائح ذبل PageV02P477 ~~إليك هاربنا منك إذ لم يكن لنا ... إذا ما هربنا منك في الأرض ms127 موئل # فما بركت إلا قليلا بروكها ... وما هي إلا في حراك تعقل # أعوذ بجديك الكريمين أن أرى ... إلى السجن أو أمر الفضيحة أعتل # وأن تشمت الأعداء بي حين أقبلت ... عيونهم من أيمنات وأشمل # فإن كنت مقتولا فيا ليت أنني ... بكفيك إن لم يعفني الله أقتل # لتحرز لحمي أن يضيع، وميتة ... بكفيك من موت بغيرك أجمل # ..فآمنه، وعفا عنه، وخلع عليه. # حدثني أبي قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، وحدثنا/ الجوهري عن ابن شبة ~~عن غير واحد من رجاله بأسانيد مختلفة، PageV02P478 ~~قالوا: لما فرغ علي بن أبي طالب عليه السلام من حرب الجمل سار إلى الكوفة، ~~واستخلف عبد الله بن العباس على البصرة وزيادا على بيت مالها والديوان. # ثم إن عبد الله بن عباس خرج إلى علي عليه السلام حتى شهد معه صفين، ~~واستخلف عبد الله بن عباس أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، ثم لحق أبو الأسود ~~بعد ذلك بعلي عليه السلام فشهد معه صفين، واستخلف زيادا على الصلاة مع ما ~~كان عليه، فبعث معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عامر الحضرمي. وهو حليف ~~بني أمية/ وابن أختهم، أمه أرنب ابنة كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، ~~وأمره أن يبطن بالبصرة، ويدعو إليه شيعته، فإن قوي على البصرة أخذها له. PageV02P479 # فأقبل حتى نزل دار سنيبل. ودعا إلى معاوية، فاتبعه ناس كثير، فيهم ذراع بن ~~بدر أخو حارثة بن بدر وعبد الله بن خازم السلمي، فهرب زياد من دار الإمارة، ~~ومعه نحو خمسين رجلا من شيعته، فيهم جرير بن شريس أبو أبي حاضر الأسيدي حتى ~~أتى صبرة بن شيمان الحداني، فأنجاه صبرة. فلما كانت الجمعة أخرجه إلى مسجد ~~الحدان، فصلى بهم وخطب. وكان يصلي بهم الصلوات، ويصنع الطعام في مسجد ~~الحدان، فيأكلون. # فكتب إلى علي بن أبي طالب بالخبر.. .. ويستمده، فبعث PageV02P480 ~~إليهم أعين بن ضبيعة المجاشعي, فقدم البصرة لقتالهم, فقاتلهم, فلم يقو ~~عليهم, وظفروا به, فلجأ إلى صبرة بن شيمان, وبه جراح فمات. ويقال: طرقه نفر ~~من الخوارج, ms128 فضربه أحدهم فأبان يده, ووثب أعين, فركب فرسه عريا, وهو عريان ~~يجري به فمات. # فيقال: إن ذلك لحقه بدعوة عائشة عليه, وذلك أنه قام يوم الجمل: لقد رأيت ~~صاحبتكم حميراء. فبلغ قوله عائشة, فقالت: اللهم اهتك ستره واقتله بدار مضيعة. # وقال بعض الشعراء: # ودعا أعين وقد شرعت فيه العوالي فغادروه عقيرا PageV02P481 ~~وكتب زياد إلى علي عليه السلام بمقتل أعين, فوجه جارية بن قدامة السعدي ~~وشريك بن الأعور الحارثي, وقال: كن يا شريك في قومك, وأنت يا جارية في ~~قومك. فأما شريك فأقام, وأما جارية فسار فيمن اتبعه إلى ابن الحضرمي, وهو ~~في دار سنيبل, فحصرهم, وأغلقوا الباب على أنفسهم, وهم يومئذ أربعون رجلا, ~~فيهم عبد الله بن خازم السلمي.فجاءت أمه عجلى, وكانت حبشية,/ فنادت ابنها ~~وقالت: انزل, فقال: لا أنزل. قالت: إني والله ألقي خماري. قال: وإن ~~ألقيتيه، فألقت خمارها وقالت: انزل. قال: لا أنزل. قالت: إني والله أتعرى، ~~فقال له ابن الحضرمي: انزل إليها، فنزل. PageV02P482 # ودعا جارية بالبواري وأطنان القصب, وأضرم فيها النيران, فاحترقت الدار بمن ~~فيها, ولم ينج إلا عبد الله بن خازم, واحترق ابن الحضرمي وذراع بن بدر ~~والأربعون الرجال الذين كانوا فيها, فقالت أم عبد الله بن خازم تمتن على ~~ابنها, وأنها نجته من أن يحترق: # الله نجاك فشكرا شكرا ... من حر نيران سعرن سعرا # وعطف أم لم تجدك برا ... لو كنت تجزيها بشفع وترا # لم تلق في دنياك عيشا مرا # وقال حارثة بن بدر يرثي أخاه ذراعا: # إذا داعي الحمام دعا هديلا ... خلال الأيك ذكرني ذراعا # فداك أخ إذا ما زاد خيرا ... أصر وزاده ذاك امتناعا PageV02P483 ~~وقال أيضا يرثيه: # شيب رأسي قبل حين مشيبه ... رعود المنايا حولنا وبروقها # رأيت المنايا بادئات وعودا ... إلى دارنا سهلا إلينا طريقها # وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرة لا نذوقها # لنا نبعة كانت تقينا فروعها ... فقد ذهبت إلا قليلا عروقها # وقد قسمت نفسي فريقين: منهما ... فريق مع الموتى, وعندي فريقها # فعيني إن أنفذتما الدمعة فاسجما ... دما.. .. خير خلان المصافي ms129 صديقها PageV02P484 ~~ولا تنسيا ذكر ابن بدر أصابه ... بكور المنايا عدوها وطروقها # وبينا تقول النفس أفعل في غد ... كذا أو كذا فاستعلقتها علوقها # وعيرت العرب حارثة بن بدر باحتراق أخيه, فكانت تقول: # يا حر كفي على ذراع ... على أخي حارثة المضاع # وقال الأبيرد الرياحي يهجوه باحتراق أخيه, ويعيره بأنه قعد عن الطلب بثأره: PageV02P485 # أحارث عاود شربك الخمر إنني ... رأيت زيادا عنك أصبح جافيا # ومثلك من أولاد عقرب فاسق ... رمينا به جحما من النار حاميا # أخذناه قسرا والرماح تنوشه ... جهارا فأدرجنا عليه البواريا # فحمي حارثة فعدا على رجل من أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه, ~~فقتله, وخرج يخيف السبيل, ويفسد في الأرض, فطلبه علي عليه السلام, ثم إنه ~~تاب فأتى أشراف الكوفة فخبرهم بتوبته, واستشفع بهم إلى علي عليه السلام ~~فقيل له: إيت PageV02P486 ~~سعيد بن قيس. فأتى سعيدا, فانطلق إلى علي عليه السلام فقال له: يا أمير ~~المؤمنين! اقرأ هذه الآية: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله..} فقرأها ~~حتى أتمها, فقال له سعيد: إلا من؟..قال: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} فقال: يا أمير المؤمنين! من تاب من قبل ~~أن تقدروا عليه تصنعون به شيئا؟ قال: لا. قال: فإن حارثة بن بدر تاب ورجع. ~~قال: أين هو؟ قال: عندي. قال: أرسل إليه. فأرسل إليه, فقال: يا أمير ~~المؤمنين! إني قد تبت, وعلم ذلك قومي. قال: أكذلك؟ قال: نعم. قال: فقد ~~أمنت. قال: يا أمير المؤمنين! إني لست من أهل البلد. وإنما أنا من أهل ~~البصرة, ولا يعلمون بتوبتي, فكتب له: ((بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد ~~الله علي أمير المؤمنين إلى عماله.. من لقي حارثة بن بدر, فإنه قد تاب فلا ~~يعرضن له إلا بخير)). # وقال حارثة يمدح سعيدا: PageV02P487 # الله يجزي سعيدا خير نافلة ... أعني سعيد بن قيس رب همدان # أنقذني من شفا غبراء مظلمة ... لولا شفاعته ألبست أكفاني # قالت تميم بن مر: لا نخاطبه ... وقد أبت ذاكم قيس بن عيلان # فساغ في ms130 الحلق ريق كنت أجرضه ... وأظهر الله سري بعد كتماني # إني تداركني عف شمائله ... آباؤه حين ينمي خير قحطان # وقال: # ألا أبلغن همدان حيث لقيتها ... سلاما, ولا يسلم عدو يعيبها PageV02P488 ~~ونبئتها تخشى الإله وتتقي ... مآثم ما يتلو الكتاب خطيبها # ولما خرج شيعه سعيد بقومه حتى بلغ النهر، فقال: # لقد سررت غداة النهر إذ طلعت ... شيوخ همدان، فيها المجد والخير # يقودهم ملك جزل مواهبه ... جنابه الدهر يضحي وهو ممطور PageV02P489 ### || AUTO (9) باب تكرم الأشراف في العفو عن الأسرى وغيرهم من ذوي ~~الجنايات # حدثني محمد بن الحسن بن حماد البلغي قال: حدثنا محمد بن الحسن التسنيمي ~~عن ابن الكلبي عن أبيه قال: أغار عمرو بن كلثوم التغلبي على حي من بني سعد ~~بن زيد مناة بن تميم، فأصاب فيهم. وكان فيمن أصاب/ الأحمر بن جندل الشاعر، ~~ثم مر من فوره حتى أغار على بني قيس بن ثعلبة، فملأ يده منهم، فأصاب أسارى ~~وسبيا، ثم سار حتى أتى بني حنيفة بن لجيم PageV02P491 ~~باليمامة، فكان أول من أتاه من بني حنيفة بنو سحيم، عليهم يزيد ابن عمرو بن ~~بشر. فلما رآهم عمرو بن كلثوم قال: # من عال بعد هذه فلا اجتبر ... ولا سقى ماء ولا رعى شجر # بنو لجيم وجعاسيس مضر ... بجانب الدو يدهدون الفكر # فانتهى إليه يزيد بن عمرو بن بشر، فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، ولم تخلص ~~الطعنة إلى مقتله، ثم أسره. وكان يزيد رجلا PageV02P492 ~~شديدا جسيما، فشده/ بالقد، وقال: أنت الذي تقول: # متى تعقد قرينتنا بحبل ... نجذ الحبل أو نقص القرينا # أما إني سأقرنك بناقتي هذه، ثم أطردكما جميعا!.. فنادى عمرو: يالربيعة! ~~أمثلة؟!.. فاجتمعت بنو لجيم إليه فنهوه، ولم يكن يريد به ذلك، ثم سار حتى ~~انتهى إلى حجر -وهي قصبة اليمامة- فأنزله قصرا من قصورها، وضرب عليه قبة، ~~ونحر له، وسقاه، وحمله على بعير!.. فتغنى عمرو بن كلثوم حين أخذت منه الخمر: PageV02P493 # أأزمع صحبتي سحرا زيالا ... ولم أزمع ببين منك هالا # / ولم أر مثل هالة في معد ... يشبه حسنها إلا الهلالا # ألا أبلغ ms131 بني جشم بن بكر ... وتغلب كلها خبرا جلالا # فإن الماجد البطل ابن عمرو ... غداة نطاع قد صدق القتالا # جزى الله الأجل يزيد خيرا ... ولقاه المسرة والجمالا PageV02P494 ~~فمن عليه، وأطلقه بغير فداء! # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا مطرف بن عبد ~~الله الكناني عن ابن دأب أن عبد الملك بن مروان جهز جيشا إلى أفريقية، ~~فبينا هو يعرض الناس إذ مر به فتى شاب جميل على فرس رائع كريم، فنظر إليه ~~عبد الملك/ وكان مديد القامة أيد الخلق، فقال له: أتغزو إلى أفريقية على ~~عطائك هذا، وهو ثلاثون دينارا؟!.. قال: نعم. قال عبد الملك: فأين أنت عن ~~قول ابن إساف الأنصاري: # اعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا PageV02P495 ~~حتى تصادف ملكا أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا # قال: فعرف الفتى ما عنى عبد الملك فقبض عطاءه، وخرج يقطع الطريق. فلم يزل ~~على ذلك حتى قطع على مال لعبد الملك قدم به من العراق، فبعث الخيل في طلبه، ~~فأخذ، وأتي به وهو لا يعرفه، فأمر به أن تضرب عنقه، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! أخلني/ أكلمك فإن لي قصة، فأخلاه، فقال: أنا الفتى الذي قلت لي ~~كذا وكذا، وأنشده البيتين، فذكر الحديث، فخلى سبيله. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا العتبي عن أبيه قال: كان مالك ابن الريب يصيب ~~الطريق، فبلغه أن بشر بن مروان جاد في طلبه، فقال: PageV02P496 # لو كنتم تعرفون الود قلت لكم ... يا آل مروان جاري منكم الحكم # نحن الذين إذا نابت مجللة ... قلتم لنا: إننا منكم لتعتصموا # حتى إذا ما انجلت عنا عمايتها ... كنا كجرم فلا إل ولا رحم # فلم يزل يطلبه حتى أتي به، فرأى لسانا وبيانا وظرفا، فقال: ويحك! والله ~~إني لأرى فيك ما أرى في رجل!../ وإني لأنفس بك على الموت، فما يحملك على ~~قطع الطريق؟!.. قال: العجز عن مكافأة الإخوان. قال: أفرأيت إن عفوت عنك، ~~وأغنيتك أتعف؟.. قال: PageV02P497 # إي والله عفة ما عفها أبو ذر ms132 قط. قال: فعفا عنه، وأعطاه، وأغناه، وأفضل ~~عليه. فلما مات بشر عاد إلى قطع الطريق. # حدثنا أحمد بن العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا علي بن ~~محمد عن سعيد بن خالد بن عبد الله بن الحسن قال: قال مروان وهو أمير على ~~المدينة: ما رأيت رجلا أكرم عفوا من علي بن أبي طالب صلوات الله عليه! ~~التقينا يوم/ الجمل، فتناوشنا مليا من النهار، ثم حمل بعضنا على بعض. فلما ~~انهزم الناس نادى منادي علي عليه السلام: لا تجيزوا على جريح، ولا تتبعوا ~~موليا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.. فدخلت دارا، ~~فكنت فيها، فلما قدمت عائشة تحولت إليها، ثم أرسلت إلى الحسن بن علي وابن ~~جعفر فأخذا لي أمانا. # ويقال: إن عليا لما أتي بمروان سبه، وقال: ألم تبايعني بعد قتل PageV02P498 ~~عثمان؟ فقال مروان: والله ما أبالي ما أتاني به الدهر.. كانت لي ثلاث أنفس، ~~أعزها علي عثمان، قتلته، والثانية عيشي وقوام وجهي، / أخذته، وبقي أهونهن ~~علي، فما أبالي متى أتيت عليها؟.. فقال علي عليه السلام: أما عثمان فإني لم ~~أقتله، وأما مالك فمن أخذه؟ قال: أعوانك. قال: خذه حيث عرفته، فلا حاجة لنا ~~به، ولا حاجة لنا بنفسك. ولتحملن لواء ضلالة بعدما تشيب ذراعك. # حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا أبو زيد يوسف بن يزيد قال: حدثنا سعيد ~~بن منصور قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه ~~علي بن الحسين صلوات الله عليه أن مروان قال وهو أمير المدينة يومئذ: ما ~~رأيت أحدا كان أحسن غلبة من/ أبيك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه! ألا ~~أحدثك عن غلبته إيانا يوم الجمل؟.. قلت: الأمير أعلم. PageV02P499 # قال: لما التقينا يوم الجمل تواقفنا، ثم حمل بعضنا على بعض، فلم يلبث أهل ~~البصرة أن انهزموا، فصرخ صارخ لعلي -عليه السلام-: لا تقتلن مدبرا، ولا ~~تذففوا على جريح. ومن أغلق داره عليه فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن. ms133 وقد ~~كنت دخلت دار فلان، ثم أرسلت إلى الحسن والحسين ابني علي عليهم السلام، ~~وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر عليهم السلام، فكلموه، فقال: هو آمن، ~~فليتوجه حيث شاء. قال: فقلت: لا والله حتى/ أبايعه، فبايعته، ثم قال: اذهب ~~حيث شئت!.. # حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا أنس ~~بن عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه بنحوه. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو عاصم النبيل قال: ~~صرع محمد بن علي بن أبي طالب -صلوات الله عليه- مروان بن الحكم يوم الجمل، ~~وقعد على صدره. فلما وفد إلى PageV02P500 ~~عبد الملك بن مروان قال له: أتذكر يوم جلست على صدر مروان؟ قال: عفوا يا ~~أمير المؤمنين! قال: أما والله ما ذكرت لك ذلك وأنا أريد أن أكافئك/ به، ~~ولكن أردت أن تعلم أني قد علمت. # حدثني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: أسر ~~حنظلة بن عمار من بني شريب بن ربيعة ابن عجل في يوم الوقيط -وكان لبني عجل ~~على بني تميم- جويرية بن بدر من بني عبد الله بن دارم، فلم يزل في الوثاق ~~حتى رآهم ذات يوم وقد قعدوا يشربون، فرفع عقيرته يتغنى: # وقائلة: ما غاله لا يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل # وقد علقتني والحوادث جمة ... مخالب قوم لا لئام ولا عزل PageV02P501 ~~لعلهم أن يمطروني بنائل ... كما صاب ماء المزن في البلد المحل # فقد ينعش الله الفتى بعد عثرة ... وتصطنع النعمى سراة بني عجل # فلما سمعوه أطلقوه بغير فداء!.. # وروى أبو عبيدة أن الصمة بن الحارث بن ربيعة من بني معاوية ابن بكر بن ~~هوازن أغار على بني زبيد، فسبى ريحانة بنت معد يكرب أخت عمرو بن معد يكرب ~~فنادته ليستنقذها، فذلك قوله: PageV02P502 # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع # براني حب من لا أستطيع ... ومن هو للذي أهوى منوع # وكل محرش في حب سلمى ... يعل بعيبها أفلي مطيع # إذا ms134 لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # / فأولدها عبد الله ودريدا ابني الصمة فأغار بعد ذلك PageV02P503 ~~بحين عمرو بن معد يكرب على بني جشم، فأسره عبد الله ابن الصمة، فمن عليه، ~~وأطلقه بغير فداء، فقال عمرو: # من والإحسان من عاداته ... وثنته الرحم من أم نزور # ذاك عبد الله في بيت العلا ... ما لعبد الله في قيس نظير # أسد يرفل في الحرب إذا ... كبت الخيل لنابيه صرير # حدثنا البلغي عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: أسر زفر بن PageV02P504 ~~الحارث الكلابي القطامي الشاعر في بعض حروب قيس وتغلب، فجعل فرسان قيس/ ~~يتفلتون إلى القطامي ليقتلوه، فتخلصه زفر، ومن عليه، ووهب له مائة ناقة، ~~وأطلقه، فقال يمدحه: # من مبلغ زفر القيسي مدحته ... عن القطامي قولا غير إفناد # إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي # مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرض مني مقتل باد PageV02P505 ~~ولست أنسى مقام الورد تحبسه ... بيني وبين حفيف العائد الغادي # إذ الفوارس من قيس بشكتهم ... حولي شهود، وما قومي بأشهاد # فإن قدرت على يوم جزيت به ... والله يجعل أقواما بمرصاد # فقال زفر: لا قدر الله لك ذلك اليوم. # ومن هذه القصيدة: # / ما للكواعب ودعن الحياة كما ... ودعنني واتخذن الشيب ميعادي PageV02P506 ~~أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد # إذ باطلي لم تقشع جاهليته ... عني ولم يترك الخلان تقوادي # يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه باد # فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي # حدثني أبي عن أبي حاتم عن أبي جعفر أحمد بن الحارث الخزاز عن الهيثم بن ~~عدي عن ابن عياش عن أبيه قال: لما انهزم ابن الأشعث يوم دجيل هرب عبد الله ~~بن إسحاق بن الأشعث إلى البصرة، ثم خرج منها يريد عبد العزيز بن مروان بمصر، PageV02P507 ~~وكان/ ابن خالته. أم عبد العزيز ليلى بنة زبان بن الأصبغ الكلبية، وأم عبد ~~الله بن إسحاق البيضاء بنت زبان بن الأصبغ. قال: وخرج معه عمر ms135 بن عبد الله ~~بن يزيد الخطمي وغوث بن مسعود الكلبي وفطيس الجهني. # وكان عبد الملك كتب إلى الأطراف والمياه ألا ينكروا أحدا مر بهم إلا ~~أخذوه. فمر عبد الله بن إسحاق وأصحابه بماء لبني القين بن جسر، يقال له: ~~أبير، فأنكروهم حين رأوا بزتهم، ووجدوا روائح المسك منهم، فقالوا: ممن ~~أنتم؟ قالوا: تجار. قالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد مصر. قالوا: ما للتجار ~~يفوح منهم ريح المسك؟ وما لهم/ ولباس الخز؟!.. فأخذوهم، فشدوهم وثاقا، ثم ~~قدموا بهم على عبد الملك وهو بحمص، فأمر بسرير له عظيم، فوضع في مرج حمص. # وكان عبد الملك رجلا آدم، تحسن عليه الصفرة، فخرج PageV02P508 ~~وعليه جبة صفراء، وعمامة صفراء، وكساء خز أصفر، ودفعت إليه خيزرانة صفراء، ~~ثم قال: علي بهم، فقدم إليه عبد الله بن إسحاق، وعليه جبة خز وعمامة خز، ~~فقال: أعبد الله! قال: نعم. قال: ألم أقدم العراق وأنت في ستمائة من ~~العطاء، فألحقتك في ألفين؟ قال: بلى. قال: وحملتك على دابة من دواب رحلي؟ ~~قال: بلى. قال: وأمرت بشر بن مروان/ أن يثبتك في صحابته، ويجري عليك في ~~خاصته، ففعل، ثم شخصت إلى الشام، فبلغني أنه عتب عليك في بعض ما يعتب ~~الوالي على رعيته، ما علمت أنك أحمق من أهل بيت حمق ولؤم!.. فكتبك في بعث ~~إلى أصفهان، فكتبت إليه أعزم عليه أن يعفيك من البعث، ويعيدك إلى صحابته، ~~ويجري عليك في خاصته، ففعل؟!.. قال: بلى. قال: ثم أخذت رسولي بالكوفة، ~~فقطعت يده ورجله، وصلبته منكوسا؟ قال: بلى. قال: ثم جئتني ينفج منك ريح ~~المسك، تسحب جباب الخز، لذيلك إعصار، ترجو عندي الهوادة والهدنة!.. ثم قال: PageV02P509 # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل # أذكر بالبقيا على من أصابه ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل # أنختم علينا كلكل الحرب مرة ... فنحن منيخوها عليكم بكلكل # فلا يدعني قومي لزيد بن مالك ... لئن لم أعجل ضربة أو أعجل # قم يا أبا العباس -لرجل من الألهان من الحرس- فاضرب عنقه، ودع عليه من ~~ثيابه ما ms136 يواري عورته. فلما ولى جعل يصيح، PageV02P510 ~~فقال عبد الملك: ما يقول؟ قال: زعم أن له أمانا!.. قال.. ممن؟ قال: من عبد ~~العزيز بن مروان. قال: كذب، لم يؤمنه عبد العزيز، وما لعبد العزيز يجير ~~علينا؟.. ولو فعل ما أجرناه. قال: فقدمه فضرب عنقه. # / ثم أتي بغوث بن مسعود الكلبي، فقال: أغوث! قال: نعم. قال: ألم يأت بك ~~ابن زبان، يزعم أنك عبده، فقلت: إني أرى جلدة عربية، ولسانا عربيا، وهو ابن ~~عم خير لك من عبد. فاشتريتك منه، فألحقتك عربيا، وفرضت لك في أربعين ~~دينارا، ثم وجهت إلى الوليد بن عبد الملك إلى الصائفة، فأمرته أن يجعلك من ~~بشرائه فقدمت علي، فزدتك في عطائك، وأحسنت إليك؟ قال: بلى. قال: ثم واليت ~~عدوي علي، ثم أتيتني -لا أم لك- تطلب العذر!.. يا أبا العباس، قم إليه، ~~فاضرب عنقه، واترك عليه من ثيابه ما يواريه. فقدمه، فضربت/ عنقه. # ثم أتي بعمر بن عبد الله بن يزيد، وكان صهر عبد الله بن إسحاق، فقال: من ~~أنت؟ قال: أنا عمر بن عبد الله بن يزيد PageV02P511 ~~الخطمي. قال: قبيلة سيئة والله ما علمت. قال: يا أمير المؤمنين! أنشدك الله ~~ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار قال: وما وصيته فيهم؟ قال: أن ~~يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم. فقال: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم .. خليا سبيله!.. # ثم أتي بفطيس الجهني فقال: أفطيس! قال: نعم. قال: ويلك ما لك ولهؤلاء؟! ~~فقال: يا أمير المؤمنين! كان وكان.. قال: ويلك إنما أنت حمال قوم ودليلهم، ~~/ فما لك ولهؤلاء القوم؟!.. قال: ومعه بني له، فجعل يقول: يا أبتاه.. يا ~~أبتاه فقال عبد الملك: من هذا الصبي؟ قال: ابني يا أمير المؤمنين، قال: ~~فرحم عبد الملك الصبي، وقال له: أتحب أن أهبه لك؟ قال: نعم. قال: فهو لك.. ~~خليا سبيله.. فخلي!. # حدثني عبدان بن محمد قال: حدثنا العباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي ~~عن أبيه قال: خرج زيد الخيل يطلب PageV02P512 ~~نعمة له في بني ms137 بدر، فبينا هو عندهم أغار عليهم عامر ابن الطفيل، فاستاق ~~نعمهم وسبى امرأة وسار. فلما ظن أنه قد أعجزهم نزل، فقسم مرباعه/ ووضع رأسه ~~في حجر المرأة فقال لها: ما ظنك بقومك؟ قالت: ظني بهم أنهم يلحقونك ~~فيستنقذوني. فحطأ بيده ظهرها، أي ضرب على ظهرها، وقال: ما تقول استها شيئا. # وجاء صريخ بني بدر، فقال لزيد: ما كنا قط أحوج إلى نعمتك منا اليوم. ~~فاركب معنا. فركب معهم، واتبعوا عامرا، فلحقوه ورأسه في حجر المرأة، فقام، ~~فركب، وكان أول من لحقه زيد الخيل، فقال له: استأسر. فقال له: من أنت؟ قال: ~~أحد بني فزارة. قال: PageV02P513 # ما أنت من الفلج أفواها. قال: فأنا رجل من بني أسد. قال: لا والله ما أنت ~~من المكلئزين على ظهور/ الخيل. قال له: فأنا زيد الخيل. وكان زيد الخيل ~~جميلا جسيما طوالا, إذا ركب الفرس الجسام خطت رجلاه في الأرض لطول باديه. ~~فقال: الآن صدقت. فاستأسر، وارتد زيد كل ما أخذ منهم وقال لعامر: والله لا ~~أطلقك أو يسأل فيك علقمة بن علاثة وكان ابن عمه وعدوه- فقال: نشدتك الله إن ~~حكمته في، وهذه ناصيتي لك PageV02P514 ~~فاجززها، وامنن علي!.. فتكرم زيد، فأطلقه بغير فداء، وذلك قوله: # إنا لتكثر في قيس وقائعنا ... وفي تميم وهذا الحي من أسد # وعامر بن طفيل قد نحوت له ... صدر القناة بماض غير ذي أود # حدثني ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: حدثنا الحارث بن ~~مصرف أو غيره من أصحابنا في زمن أبي جعفر قال: لما كان في يوم سلى وساجر ~~طرد شقيق بن PageV02P515 ~~جزء بن رياح الباهلي حكيم بن ضرار الضبي. فلما أدركه ليأسره قال له: اربع ~~علي يا بن البروك. فقال شقيق: الذي بيننا أجل من السباب. فقال: معذرة إلى ~~الله، لو علمت لها اسما غيره ما دعوتها إلا به. فقال: اذهب بسلام!.. وقصر ~~عنه حتى نجا. # و((البروك)): التي تزوج وقد أدرك ابنها وتحرك. قال الأصمعي: واستشهد شقيق ~~يوم اليرموك، وهو الذي يقول: # / أرى أم بشر دمعها ms138 قد تحدرا ... بكاء على بشر وما كان أصبرا # إذا نحن سرنا خمس عشرة ليلة ... وراء الجساس من مدافع قيصرا PageV02P516 ~~وقال في يوم ساجر وسلى: # أقر العين ما لاقوا بسلى ... وروضة ساجر ذات العرار # تقصد في متونهم العوالي ... وتمضي السمهرية في انئطار # وأفلت من أسنتنا حكيم ... جريضا مثل إفلات الحمار PageV02P517 ~~وعاد عليه أن الخيل كانت ... طرائق بين منقية ووار # ولما أن رأيت أبا جدير ... صريع القوم حق به حذاري # ولم أك تاركا ثأرا عليه ... ولم يك نافعي إلا اثئاري # تركت الطير حائمة عليه ... كما عطف النساء على دوار PageV02P518 ~~/قال: وأدرك حكيم الإسلام حتى وفد على معاوية، فقال له معاوية: أي يوم مر ~~بك أشد؟ قال: يوم طردني شقيق بن جزء قال: فأي يوم مر بك أحب إليك؟ قال: يوم ~~هداني الله للإسلام. # ومثله ما حدثني به أبي عن أبي حاتم قال: حدثنا أبو اليقظان قال: لما دخل ~~الحجاج الكوفة بعد وقعة دير الجماجم فعرض أهلها، أتي بأم عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث ابنة سعيد ابن يزيد بن قيس بن مرت الهمذاني، فقال لها: أخذت ~~مال الله، وجعلته تحت ذيلك! فقال عنبسة أصلح الله الأمير، كأنه خشي أن ~~يقول: تحت استك! فقال:/ ما كنت لأقول هذا. PageV02P519 # وأما الأصمعي فذكر أنه قال للشرطي: قل لها: أخذت مال الله، وجعلته تحت ~~ذيلك! قال: فقال الشرطي: تحت استك!.. فقال الحجاج، واستحيا: سبحان الله! ~~سبحان الله!.. ما هكذا قلت، خلوا سبيلها. # ومثله.. روى أبو عبيدة أن تغلب في آخر البسوس، بعد ما قتل مهلهل أغارت ~~على بكر، ورئيسهم كثيف بن حيي فهزمتهم بكر، فلحق بكثيف مالك بن كومة. فلما ~~رآه كثيف، وكان رجلا أيدا شديد الخلق، انقحم عن الفرس، ورمى رمحه، ورجا أن ~~ينزل إليه مالك بن كومة، فيغلبه بشدة بطشه وقوته، وكان/ مالك قليل اللحم، ~~وكان من أشد بكر نجدة وبأسا، فقال مالك لكثيف: PageV02P520 # أرجوت أن أنزل إليك فتحنيني بشدة بطشك؟ استأسر!.. وسوى له الرمح، فأدركهما ~~عمرو بن الزبان، فوثب على كثيف، فأسره. فقال ms139 مالك بن كومة: أسيري. وقال ~~عمرو بن الزبان: أسيري!.. فحكما كثيفا في ذلك، فقال كثيف: لولا مالك ألفيت ~~في أهلي، ولولا عمرو لم أأسر. فغضب عمرو، فلطم وجه كثيف. فقال: أتلطمني ~~وأنا أسير في أيديكم؟!.. لله علي ألا أحل له حلالا، ولا أحرم حراما حتى ~~أنزل بك وبأهل بيتك فاقرة، كما لطمتني. # وغضب من ذلك/ مالك غضبا شديدا، ثم قال مالك لعمرو بن الزبان: بعني نصيبك ~~منه بمائة ناقة، فباعه، فأعتقه مالك للطمة عمرو إياه. فقال كثيف: يا مالك ~~أما وربي لا أذوق خمرا، ولا أطعم لحما، ولا أقرب امرأة، ولا أغسل رأسي حتى ~~أدرك ما صنع بي عمرو ابن الزبان، وقال في لطمة عمرو إياه: # حلفت بما لبى له كل محرم ... له لمة حفت من الشعر الجثل PageV02P521 ~~يمينا أرى من آل زبان وابرا ... فيفلت منى دون قاطعة الحبل # جزاء بما أسدى إلي أخوهم ... ليعلم أن الحلم أزكى من الجهل # ((الوابر)): الواحد، وهذا في حديث طويل ليس هذا موضعه./ وفي هذا الخبر ~~السبب الذي ضرب له المثل، فقيل: أشأم من خوتعة، و((جاء بالدهيم)) إذا جاء ~~بالأمر العظيم.. وإنما أخذت من الخبر معنى التكرم في العفو. PageV02P522 # حدثني أبي عن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن عبيدة عن ابن عياش قال: كان عبد ~~الله بن أمية بن عبد الله بن [خالد بن] أسيد بن أبي العيص بن أمية مع ابن ~~الأشعث يوم الراوية، وكان ممن لحق بعبد الملك هاربا من الحجاج، فآمنه عبد ~~الملك. فقدم الحجاج وافدا على عبد الملك، فمر بعبد الله بن أمية في ~~المقصورة، فقال: أروغا كروغ الثعلب؟ فقال: أنت المرء يراغ منه، ويخشى/ ~~جانبه. فعاتبه الحجاج فيما كان منه فقال: # إذا نزوات الحب أحدثن بيننا ... عتابا تراضينا وعاد العواطف PageV02P523 ~~قال: فدخل الحجاج على عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين. هرب الناس مني ~~يوم الراوية، وفر ابن عمك هذا، وهو ما علمت ضعيف، فرأيته في المقصورة، ~~فعاتبته فقال: # إذا نزوات الحب أحدثن بيننا ... عتابا تراضينا وعاد العواطف # فلم يمنعني ms140 أن أقول له: إنما يتمثل بهذا المخنثون رجاء.. إلا أني رجوت أن ~~يقولها لك حين لم أردها عليه لتعلم ضعفه. فقال عبد الملك: قد والله تمثل ~~بهذا البيت عندي. # حدثنا البلغي عن محمد بن الحسن/ التسنيمي عن ابن الكلبي قال: شبب [محمد ~~بن] عبد الله بن نمير الثقفي بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، فقال: PageV02P524 # تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوة خفرات # يخبئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات # مررن بفخ ثم رحن إلى منى ... يلبين للرحمن مؤتجرات # ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات # دعت نسوة شم العرانين بدنا ... نواعم لا شعثا ولا غبرات PageV02P525 ~~فأدنين لما قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسي والحبرات # أعان الذي فوق السماوات عرشه ... أوانس بالبطحاء معتمرات # فطلبه الحجاج, فهرب منه, ثم أتي به. فلما وقف بين يديه قال: # / هاك يدي ضاقت بي الأرض كلها ... وإن كنت قد طوفت كل مكان # فلو كنت بالعنقاء أو بعماية ... لخلتك إلا أن تصد تراني PageV02P526 ~~وقال: أيها الأمير إن قلت إلا خيرا, إنما قلت: # يخبئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات # فعفا عنه, وقال: أخبرني عن قولك: # فلما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات # كم كنتم يومئذ قال: كنت على حمار, وصاحب لي على أتان هزيل, فضحك الحجاج. # حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدثنا محمد بن عبيد الله عن عطاء بن ~~مصعب قال: أخبرنا أبو محرز الحكم بن/ عبد الكريم عن محمد بن إسحاق قال: كان ~~فيما حدث عبيد بن شرية الجرهمي معاوية بن أبي سفيان من أخبار العرب أن قال: PageV02P527 # كان للنعمان بن المنذر الأكبر يومان في السنة: يوم نعيم ويوم بؤس. وكان إذا ~~جلس مجلسه بالغريين في يوم نعماه خلع على أول طالع يطلع عليه. # وكان بدء سبب ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد بن خزيمة, يقال لأحدهما ~~خالد بن فضلة بن الأشتر, والآخر مسعود بن كلدة بن عمرو, فأرسل إليهما ms141 ليلا ~~فمازحاه بشيء غضب منه, وكان شاربا فقام إليهما بالسيف, فقتلهما, ونام. فلما ~~أفاق من السكر رآهما/ صريعين لم يحملا من الموضع الذي قتلهما فيه, فجزع ~~وقال: من فعل هذا؟ فأخبر أنه قتلهما, فندم على فعله, وجلس عند رأسيهما ~~ثلاثة أيام يبكي عليهما. وقال يخاطبهما: # خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما PageV02P528 ~~جرى اليوم بين المخ والعظم منكما ... كأن الذي يسقي المدام سقاكما # أما ترحماني أنني صرت مفردا ... وأني مشتاق إلى أن أراكما # أناديكما بالصوت مني صبابة ... فما تسمعان الصوت ممن دعاكما # ثم أمر بدفنهما, وأن يبنى عليهما طربالان عظيمان -أي صومعتان- فبنيا, ~~وهما الغريان اللذان بظاهر الكوفة, / وجعل مثل ذلك اليوم الذي قتلهما فيه ~~من كل سنة يوم بؤس, لا يأكل فيه ولا يشرب, ولا يسأله أحد حاجة إلا رده, ولا ~~يلقى فيه أحدا إلا قتله! وجعل اليوم الذي يليه يوم نعيم, لا يقدم عليه أحد ~~أو يدخل عليه إلا أعطاه, وحباه, وأكرمه, حتى كان يتناول الوحش في المفاوز ~~والطير. فما أدرك منها في يوم بؤساه أمر بذبحه على الغريين. # فلم يزل على تلك الحال حتى قدم عليه عبيد بن الأبرص, وقد امتدحه بمديح ~~له, فوافقه في يوم بؤسه, وكان النعمان به عارفا. PageV02P529 # فلما نظر إليه قال: يا عبيد. أما علمت أنك أخطأت, / وسفكت دمك؟,.. قال: وما ~~ذاك؟ أبيت اللعن. قال: قدمت علي في يوم بؤسي. فقال: أبيت اللعن. أتتك بحائن ~~رجلاه, وأجل قد بلغ أناه. فرق له الملك, وكره مكانه, وقال: أنشدني يا عبيد: # *أقفر من أهله ملحوب* # فإنه يعجبني من قولك! فقال عبيد: # أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد # عنت له منية ركود ... والمرء يقظان وما يكيد # لريب دهر بطشه شديد # فقال له النعمان: أنشدنيها. قال: أبيت اللعن. حال الجريض PageV02P530 ~~دون القريض. فقال بعض القوم: أنشد/ الملك. قال: من قائل مقتول؟! قال الرجل: ~~نعم. وما أشد جزعك من الموت يا عبيد! فقال عبيد: لا يرحل رحلك من ليس معك ~~فقال النعمان: لو كنت ms142 عافيا عن أحد في هذا اليوم لعفوت عنك. فاختر خصلة من ~~ثلاث. قال: وما هن؟ قال: لا أقتلك بسيف, ولا أطعنك برمح, ولا أضربك بسوط, ~~ولكن أفصدك فإن شئت من الأبجل, وإن شئت من الأكحل, وإن شئت من الوريد. فقال ~~عبيد: خيرتني خصالا كسحابات عاد, روادهن شر رواد, وحاديهن شر حاد, ولا خير ~~فيهن لمرتاد. فإن كنت لا بد قاتلي PageV02P531 ~~فاسقني من الراح, / فإذا نامت له مفاصلي, وذهلت له ذواهلي, فشأنك وما تريد ~~من مقاتلي. فأمر له بحاجته من الشراب, فأنشأ عبيد يقول: # بلغ بني وأعمامهم ... بأن المنايا هي الواردة # فأقسم إن مت ما ضرني ... وإن عشت ما كنت في واحدة # لها مدة كنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصدة # فلما أخذت فيه الخمر أنشأ يقول: PageV02P532 # مهلا أبيت اللعن مهلا إن فيما قلت آمة # في كل واد بين يثرب والقصور إلى اليمامة # شهب ومنعفر وصوت محرق وصراخ هامة # / عيت بنو أسد كما ... عيت ببيضتها الحمامة PageV02P533 ~~جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامة # أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة # ذلوا وأعطوك القيا ... دكما الأسير من الخزامة # بالذل منها نلتها ... ولطرفها منك استدامة # فأمر بذبحه!.. # ثم إن النعمان خرج في يوم من أيامه متصيدا, فأصابته السماء, وسلت عنه ~~خيله, فبدت له أبيات لطيء, فقصد بيتا منها, وقد أصابه قر وجوع شديد, فخرج ~~إليه صاحب المنزل, وهو شيخ كبير, PageV02P534 ~~يقال له: عامر بن معاوية, فعرض عليه/ المنزل, فنزل. فلما وجد الطائي ريح ~~الطيب, ونظر إلى هيئته ظن أنه من خاصة الملك, فنزع ثيابه يجففها, وأدخل ~~فرسه مظلة له, وذبح عنزا كانت له, فشوى له منها, وطبخ, وطعم النعمان من ذلك ~~اللحم, وأقام عنده بقية يومه وليلته, حتى إذا أصبح انبثت الخيل في طلبه من ~~كل ناحية. فلما نظر إليه النعمان أمره أن يخرج الفرس فيدخلها بالعراء وشد ~~عليه ثيابه, وأبصر الناس الفرس, فعرفوها, فأتوه, فجزع الطائي من ذلك, فقال ~~له النعمان: أفرخ روعك! ظفرت يداك. أنا النعمان بن المنذر! فابسط مناك, ~~فلقد ms143 أكرمت/ مثواي, فلأكرمن مثواك, فإذا بدا لك فاقدم علي. # فأقام الطائي في رحله ما شاء الله, ثم تهيأ, فقدم عليه, فوافقه في يوم ~~بؤسه. فلما أشرف على مجلس النعمان ابتدرته الرجال, فانطلق PageV02P535 ~~به ليذبح، فنادى: أبيت اللعن، أنا الطائي المنزول بي.. فأمر به فردوه حتى ~~أقيم بين يديه، فصافحه، وساءله، وقال: يا أخا طيء ما وجدت يوما تأتيني به ~~إلا اليوم؟! قال: أبيت اللعن: وما اليوم؟ قال: اليوم يوم بؤساي، فسلني كل ~~شيء تريد خلا نفسك! قال: أبيت اللعن، فأي شيء بعد نفسي أبتغي؟!.. قال: لا ~~سبيل إلى ذلك.. قال: فأجلني ثلاثا أبلغ فيهن/ إلى أهلي، فأكتب وصيتي، واجعل ~~ذبيحتك اليوم غيري. قال: أقم لي بذلك ضمينا. قال: ما لي في هذه البلاد أحد ~~أعرفه، ولا الدار داري. قال النعمان: لا بد من ذلك. وقد سمع الطائي الناس ~~يقولون: قراد بن الأجدع اللخمي، وكانت له منزلة من النعمان، فقام الطائي فقال: # يا قراد بن جديع ... هل من الموت محالة PageV02P536 ~~يا أبا كل مضاف ... يا أخا من لا أخا له # يا أخا النعمان فك اليوم عبدا قد أنى له # طالما عالج كرب الموت لا ينعم باله # فقام قراد، فقال: أيها الملك، خل سبيله، وأنا الضامن عنه. فإن أتاك وإلا ~~فدمي بدمه! فخلى عنه، فمضى. فلما كان اليوم الثالث أبطأ الطائي حتى انقضى/ ~~النهار، فأمر النعمان باللخمي ليذبح، وأقام رجلا ينظر اطلاع الطائي. فلما ~~كادت الشمس تجب أضجع اللخمي ليذبح، فقام عياله يضجون، ويبكون. فبيناهم كذلك ~~إذ طلع عليهم الطائي، فأقبل الرجل الذي كان يطالعه يلوي بثوبه، وبصر به ~~الناس، فأعلم بذلك النعمان، فأمر بتخلية اللخمي، وأقبل الطائي وهو يقول: PageV02P537 # ألا ليت شعري عن قراد بن أجدعا ... أحي فيفدى أم قتيل فأبخعا # فلما بلغ النعمان بعث إليهما، فأحضرهما، وعجب من وفائهما وصنيع الطائي، ~~ومن جرأة اللخمي على ضمانه حتى إذ دنوا منه قال: ما رأيت أكرم منكما! وما ~~أنا بكائن شر الثلاثة، فأمر بهما، فخلي سبيلهما، وأمر لكل واحد منهما بمائة ~~ناقة، ms144 ثم قال للطائي: دلني -لا أبا لك- على دين هو دلك على الوفاء. فوصف له ~~دين النصرانية، فتنصر النعمان يومئذ، وعطل الغريين، وأبطل يوم بؤسه، وأخذ ~~بقول الطائي. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب قال: حدثنا أبو عبيدة ~~قال: أتي الحجاج بقوم ممن كان خرج عليه، فأمر بهم، فضربت أعناقهم، وأقيمت ~~الصلاة، وقد بقي من القوم رجل واحد فقال لقتيبة بن مسلم: انصرف به معك حتى ~~تغدو به علي. قال/ قتيبة: فخرجت والرجل معي. فلما كان في بعض الطريق قال ~~لي: هل لك في خير؟ قلت: وما ذاك؟ قال: إني والله ما خرجت على المسلمين قط, ~~ولا استجزت قتالهم, ولكني ابتليت بما ترى, وعندي PageV02P538 ~~ودائع وأموال, فهل لك أن تخلي سبيلي, وتأذن لي حتى آتي أهلي, فأرد على كل ~~ذي حق حقه, وأوصي؟.. ولك الله راع كفيل أني أرجع إليك, حتى أضع يدي في يدك. ~~قال قتيبة: فتعجبت منه, وتضاحكت بقوله. قال: فمضينا هنيهة, ثم أعاد القول, ~~فقال: يا هذا إني أجعل الله على أن أعود إليك. قال قتيبة: فوالله ما ملكت ~~أن قلت: اذهب!.. # فلما/ توارى عني شخصه أسقط في يدي, فقلت: ماذا صنعت؟!.. قال: فأتيت أهلي, ~~فسألوني عن شأني فأخبرتهم, فقالوا: لقد اجترأت على الحجاج!.. فبتنا بأطول ~~ليلة. فلما كان عند أذان الغداء إذا ضارب يضرب الباب, فخرجت فإذا أنا ~~بالرجل! فقلت: أرجعت؟ فقال: سبحان الله! جعلت الله لك علي, ولا أرجع؟! ~~فقلت: أما والله لئن استطعت لأنفعنك. # قال: فانطلقت حتى أجلسته على باب الحجاج, ودخلت, فلما رآني قال: يا قتيبة ~~أين أسيرنا؟ قلت: أصلح الله الأمير, هو بالباب, وقد كانت لي وله قصة عجيبة! ~~قال: وما هي؟ فحدثته بالحديث, فأرسل إليه, فدخل, فقال:/ يا قتيبة, أتحب أن ~~أهبه لك؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير. قال: هو لك, انصرف به معك. فلما خرجت ~~خرج معي. فلما صرت بباب الدار, قلت: خذ أي الطريقين شئت. قال: فرفع بصره ~~إلى السماء, ثم قال: اللهم لك الحمد. ثم ms145 انصرف, وما كلمني بكلمة, PageV02P539 ~~ولا قال لي: أحسنت ولا أسأت.قال: فقلت في نفسي: مجنون والله!.. فلما كان ~~اليوم الثالث جاءني فقال: يا هذا, جزاك الله عني خيرا. إني والله ما ذهب ~~علي ما صنعت, ولكني كرهت أن أشرك في حمد الله أحدا. # حدثني الجوهري قال: حدثنا ابن شبة قال: حدثنا خلاد/ بن يزيد الباهلي قال: ~~حبس عبيد الله بن زياد فيمن حبس من الخوارج مرداس بن أدية. فكان السجان يرى ~~عبادته واجتهاده, فكان يأذن له بالليل ينصرف إلى منزله. فإذا طلع الفجر ~~أتاه حتى يدخل السجن. # وكان صديق لمرداس يسامر ابن زياد, فذكر ابن زياد الخوارج ليلة, فاعتزم ~~على قتلهم إذا أصبح. فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس, فأخبرهم, وقال: ~~أرسلوا إلى أبي بلال في السجن فليعهد, فإنه PageV02P540 ~~مقتول. فسمع ذلك مرداس, وبلغ الخبر السجان فبات بليلة سوء إشفاقا من أن ~~يعلم الخبر مرداس فلا يرجع. فلما كان في/ الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به ~~قد طلع. فقال له السجان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: ثم ~~غدوت؟!.. قال: ثم غدوت, ولم يكن جزاؤك مع إحسانك إلي أن تعاقب بسببي. # وأصبح عبيد الله فجعل يقتل الخوارج, ثم دعا بمرداس بن أدية. فلما أحضر ~~وثب السجان, وكان ظئرا لعبيد الله, فأخذ بقدمه, وقال: هبه لي. وقص عليه ~~قصته, فوهبه له, وأطلقه. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: حدثنا الهيثم بن عدي ~~عن ابن عياش قال: وفد أسماء بن خارجة إلى عبد الملك بن مروان, وكتب الحجاج ~~إلى/ عبد الملك يخبره عن أخلاقه وكرمه وسعة يده وبسطها في ماله وإعطائه من ~~سأله. فقال عبد الملك: يا أسماء, إن الحجاج كتب يخبر عنك بخصال, لو كانت في ~~بشر بن مروان أو الوليد بن أمير المؤمنين كان أحب إلى أمير المؤمنين من حمر PageV02P541 ~~النعم. فقال: وما لهم لا يكون ذلك فيهم! فوالله لهم أشرف من أسماء بيتا, ~~وأكثر خصبا, وأطيب ثرى, وأحمد قرى, وأقدم عزا, وأرفع ms146 بناء. # قال عبد الملك: حدثني عن بعض هناتك, فقال: يا أمير المؤمنين, إن الرجل ~~إذا حدث عن نفسه وهصه حديثه, وإذا حدث عنه غيره رفعه. قال: لست من أولئك,/ ~~فحدثني. # قال: يا أمير المؤمنين, صحبني رجل في سفر, وكان محداثا فكها, فأعجبني ~~حديثه. وطالت أيام سفرنا, وكان مع غلام لي مال أعددناه للسفر ولبعث المؤن, ~~فكان ذلك المال لا يفارق وسط غلامي. فلما دنا الرجل من قومه, وكان بينه ~~وبينهم ليلة خرج الغلام في بعض الليل لبعض حوائجه, فتبعه الرجل على فرسه, ~~حتى إذا أمكنه رضخ رأسه بجلمود كان أعده, وأخذ ما كان في وسطه من المال, PageV02P542 ~~فنذر به بعض من كان معنا, فأنذروا به أصحابه, فخرجوا, فأدركوا الرجل, ~~فجاؤوا به, فأمرت ألا يعرض له, وقلت: كذبتم/ عليه, ما كان ليقتله, ويأخذ ~~ماله, وقد تحرم بنا. قالوا: هذا الغلام, وهذا المال معه, وهذه ثيابه مضرجة ~~بالدم. قلت: كذبتم, لعل المال مال الرجل, ولعله رأى إنسانا تعرض له, فلم ~~يقدر على عونه حتى قتله. قالوا: فادع به, فسائله. فقلت: لا أرى له وجها. قد ~~قرفتموه بالباطل, خلوا عن الرجل يمضي لطيته! فخلوا عنه, فبعث إلينا أني ~~نسيت حقيبتي في رحلي, فوجهوا بها إلي.. فأبوا أن يفعلوا حتى توعدتهم, ~~فدفعوها إلى رسوله!.. # فعجب عبد الملك وقال: كم كان المال؟ قال: ألف وسبعمائة دينار. قال له عبد ~~الملك:/ أنت أكرم العرب غير مدافع ولا مشكوك فيك! أفما كان عندكم ما ~~تنفقون؟ قال: يا أمير المؤمنين, أصبحنا وما في رحالنا إلا كسر خبز يابس ~~وسويق, فكان زادنا إلى أن هبطنا. # ويروى أن الأحنف بن قيس قال: كنا نختلف إلى قيس PageV02P543 ~~ابن عاصم, نتعلم منه الحلم, كما نتعلم الفقه. فبينا نحن ذات يوم عنده, وهو ~~جالس بفنائه, محتب بكسائه, إذا جماعة قد أقبلت, وفيهم مقتول ومكتوف, ~~فقالوا: يا أبا علي, هذا ابنك قتله ابن أخيك. فما حل حبوته, ولا تكلم حتى ~~قضى تسبيحه, ثم أقبل على ابن أخيه, فقال: قتلت ابن عمك, وقللت عددك, / لا ms147 ~~يبعد الله غيرك! ثم أقبل على ابن له آخر, فقال: قم يا بني, فاحلل كتاف ابن ~~عمك, وسق إلى أم أخيك مائة من الإبل دية ابنها, فإنها غريبة فينا, وأنشأ يقول: # إني امرؤ لا شائن حسبي ... دنس يغيره ولا أفن PageV02P544 ~~من منقر في بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن # خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفة لسن # لا يفطنون لسر جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن # ومثله: يروى أن رجلا قتل ابن أخيه ابنه, فأتي به ليقيده منه. فلما كتف ~~له, ومدت رقبته, وهز السيف ليضرب عنقه ارتعدت يداه, / فرمى السيف, وخلى ~~عنه, وأنشأ يقول: # أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد PageV02P545 ~~كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # ويروى أن الحسن مر برجل, يقاد منه, فقال لولي المقتول: يا عبد الله, إنك ~~ما تدري لعل هذا قتل وليك, وهو لا يريد قتله, وأنت تقتله متعمدا, فانظر ~~لنفسك, فقال: تركته لله. # حدثني ابن دريد قال: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: حدثني ~~رجل من العرب قال: انهزمنا من قطري والخوارج, فأدركني رجل على فرس, فسمعت ~~حسا منكرا خلفي فالتفت فإذا قطري! فيئست من الحياة, وأيقنت بالموت. فلما ~~عرف الذي بي قال: أوجع خاصرتها, واشدد عنانها, قطع الله يدك. ففعلت, فنجوت. PageV02P546 # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا هشام بن محمد عن ~~عوانة قال: خطبنا عيينة بن النهاس العجلي. فقال: ما أعجب هذا من قول الله ~~في كتابه: # ليس حي على المنون بباق ... غير وجه المهيمن الخلاق # فقلت له: أصلح الله الأمير! ليس هذا في كتاب الله, هذا من قول عدي بن ~~زيد. قال: ما أحسن والله ما قال!../ قال: فلما نزل عن المنبر, وصلى, وجلس ~~للناس أتي بامرأة من الخوارج, فقال: يا عدوة الله, ما حملك على الخروج؟ أما ~~سمعت الله يقول: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول # قالت: حملني على الخروج سوء معرفتك بكتاب الله. ms148 قال: فأمر PageV02P547 ~~بقتلها أو تتوب. فلما برزت لتقتل قيل لها: تتوبين؟.. فأنشأت تقول: # أأترك دين آبائي وقومي ... وأتبع ملة المتضاللينا # وأزعم أنهم كانوا غواة ... أبى قلبي بهذا أن يدينا # قال: فسأل عنها, فأخبر أنها من ربيعة, فخلى سبيلها. # / ويروى أن رجلا من الزهاد مر في دجلة بغداد في زورق. فلما رأى بناء ~~المأمون وإيوانه صاح: واعمراه! فسمعه المأمون, فدعا به, فقال له: ما قلت؟ ~~قال: رأيت بناء الأكاسرة, فقلت ما سمعت. فقال المأمون: أرأيت لو تحولت من ~~هذه المدينة إلى إيوان كسرى والمدائن, هل كان لك أن تعيب نزولي هناك؟ قال: ~~لا. قال: فأراك إنما عبت إسرافي في النفقة قال: نعم. قال: فلو وهبت قيمة هذا PageV02P548 ~~البناء لرجل, أكنت تعيب ذلك؟ قال: لا. قال: ولو بنى ذلك الرجل بما كنت أهب ~~له بناء كنت تصيح به كما صحت بي؟/ قال: لا. قال: فأراك إنما قصدتني بخاصتي ~~في نفسي, لا لعلة هي في غيري, ثم قال: هذا البناء ضرب من مكائدنا بنيناه ~~لنزين به المملكة, ونرهب العدو, كما نتخذ الجيوش, ونعد الكراع والسلاح, وما ~~بنا إلى أكثره حاجة. فلا تعودن فتمسك عقوبتي, فإن الحفيظة ربما صرفت ذا ~~الرأي إلى هواه, فاستعماه. # حدثني أبي عن أبي حاتم قال: حدثني خلف بن المثنى الحداني عن يونس بن حبيب ~~النحوي قال: كنت في النظار أيام خروج يزيد ابن المهلب بالبصرة, وقد سار إلى ~~عدي بن أرطاة, وعدي الأمير. فلما صار يسوق/ الرقيق وقف وقفة, وجعل أصحابه ~~يأتون بالرؤوس من بني تميم ومن أصحاب عدي إذ أتي بأسير من بني تميم, PageV02P549 ~~فقال: أصلح الله الأمير, إن الديوان استكرهني, ووالله ما أحببت قتالك. فقال ~~يزيد: لعلنا إن مننا عليك أن تعود؟ قال: لا والله. فأمر بتخلية سبيله, وقد ~~كان سلب لما أخذ. فلما انطلق تذمم يزيد من قوله: لعلك إن خليناك أن تعود؟.. ~~فأرسل في إثره, فرده, فظن الناس أنه يقتله. فلما رد قال له يزيد: إنا قلنا ~~لك: لعلنا إن مننا عليك أن تعود؟ فقلت: ms149 لا.. فقد أذنا لك في العود, فإن ~~عدت/ فعيد بك صنعنا بك كما صنعناه, وأمر بسلبه, فرد عليه. # قال: وكان يونس يحدث بهذا الحديث إذا غضب على بني تميم. # ويروى عن الجاحظ أنه قال: ما رأيت قلبا أجمع من محمد ابن البعيث, وقد وقف ~~السياف على رأسه ليضرب عنقه, فقال له المتوكل: يا محمد, ما حملك على ما ~~صنعت؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين. وإن لي بك لظنين, أولاهما بك أسبقهما ~~إلى قلبي, وأنشأ يقول: PageV02P550 # أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى, والعفو في الله أجمل # وما أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل # تضاءل ذنبي عند عفوك قلة ... فمن بعفو منك, فالعفو أفضل # فقال: كفوا عنه. ثم قدم ابن الديواني, فلما أمر بضرب عنقه قال: سبحان ~~الله! يعفى عن الرأس, ويقطع الذنب؟ فأطلقه. # وروى نقلة الأخبار أن محمدا الأمين بينما هو يدور في قصره إذ بصر بشاب ~~حسن الوجه, قد خرج من بعض دور الحرم, فأمر به, فجرد للسياط, فقال وهو يجلد: # ولقد ذكرتك والسياط تنوشني ... عند الإمام وساعدي مغلول PageV02P551 ~~ولقد ذكرتك والحتوف شواهد ... والسيف عند ذوائبي مسلول # .. .. فلما سمعه الأمين أمر بتخليته. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا العتبي قال: حدثني رجل من تميم عن بعض أهله ~~قال: كنت عند المهاجر بن عبد الله والي اليمامة, فأتاه أعرابي قد كان ~~معروفا بالسرق, فقال له: أخبرني عن بعض هناتك وعجائبك. # قال: إنها لكثيرة, ومن أعجبها أنه كان لي بعير لا يسبق, وكانت لي خيل لا ~~تلحق. فكنت لا أخرج فأرجع خائبا. فخرجت يوما فاحترشت ضبا, فعلقته على قتبي, ~~ومررت بحواء سري PageV02P552 ~~ليس فيه غير عجوز, فقلت: أحر بهذا الحواء أن يكون له خير من غنم وإبل. فلما ~~أمسيت إذا إبل مائة, فيها شيخ عظيم البطن, مبدن اللحم, / ومعه عبد أسود ~~وغد. فلما رآني رحب بي, ثم قام إلى ناقة, فاحتلبها, وناولني العلبة, فشربت ~~ما يشرب الرجل, فتناول الباقي, فضرب به جبهته, ثم احتلب تسع آنق, فشرب ms150 ~~ألبانهن, ثم نحر حوارا, فطبخه, وأكله, حتى ألقى عظامه بيضا, وحثا كومة من ~~بطحاء, ثم توسدها, وغط غطيط البكر. # فقلت: هذه والله الغنيمة الباردة! وقمت إلى فحل إبله, فخطمته, ثم قرنته ~~إلى بعيري, وصحت به فاتبعني, واتبعته الإبل إربابا به, فصارت خلفي كأنها ~~حبل ممدود. فخرجت أبادر ثنية, بيني وبينها مسيرة ليلة للمسرع. # فلم أزل أضرب بعيري/ بيدي مرة, وأقرعه برجلي أخرى حتى طلع الفجر, فأبصرت ~~الثنية, وإذا عليها سواد. فلما دنوت إذا بالشيخ PageV02P553 ~~قاعد, قد سبقني إليها, وقوسه في حجره, فقال: أضيفنا! قلت: نعم. قال: أتسخو ~~نفسك عن هذه الإبل؟ قلت: لا. فأخرج سهما، كأن نصله لسان كلب، ثم قال: أترى ~~هذا السهم؟ أبصره بين أذني الضب. ثم رماه، فصدع عظمه عن دماغه، ثم قال: ما ~~تقول؟ قلت: أنا على رأيي الأول. قال: فانظر هذا السهم الثاني في فقرة ظهره ~~الوسطى، ثم رمى به، كأنما قدره بيده، ثم وضعه بأصبعه. ثم قال: رأيت؟ قلت: ~~إني أحب أن أستثبت./ قال: فانظر هذا الثالث في عكرة أذنه، والرابع -والله- ~~في بطنك، ثم رماه، فلم يخطئ العكرة. فقلت: أنزل آمنا؟ قال: نعم. فنزلت، ~~فدفعت إليه خطام فحله، ثم قلت له: هذه إبلك لم تذهب منها وبرة!.. وأنا ~~أنتظر متى يرميني بسهم ينظم به قلبي. # فلما تنحيت قال: أقبل. فأقبلت -والله- خوفا من شره، لا طمعا في خيره، ~~فقال لي: يا هذا، ما أحسبك الليلة جشمت ما جشمت إلا من حاجة. فقلت: أجل. ~~قال: فاقرن من هذه الإبل بعيرين، PageV02P554 ~~فامض لطيتك! قلت: أما والله حتى أخبرك عن نفسك، ثم قلت: والله ما رأيت ~~أعرابيا/ أشد ضرسا، ولا أعدى رجلا، ولا أرمى يدا، ولا أكرم عفوا، ولا أسخى ~~نفسا منك!.. # حدثني ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان خالد بن جعفر ~~بن كلاب نديما للنعمان، وكان قد قتل زهير ابن جذيمة العبسي، فبينا هو ذات ~~يوم عند النعمان، وقد دعا بزبد وتمر، وهما يأكلان منه دخل عليه الحارث بن ~~ظالم، فقال النعمان: ms151 ادن يا حارث، فدنا، فقال خالد: من هذا أبيت اللعن؟ ~~قال: هذا سيد قومه وفارسهم الحارث بن ظالم. قال خالد: أما إن لي عنده يدا. ~~قال الحارث: وما تلك اليد؟ قال: قتلت سيد قومك، فجعلتك سيدهم/ بعده، PageV02P555 ~~يعني قتله زهير بن جذيمة. قال الحارث: أما إني سأشكمك شكم ذلك، أي: أجزيك ~~بتلك اليد. ثم أخذه الزمع. وأرعدت يده، فأخذ يعبث بالتمر. فقال خالد: أيتهن ~~تريد؟ فأناولكها. قال له الحارث: أيتهن تهمك؟ فأدعها. وجعل خالد يأكل، ~~ويطرح النوى بين يدي الحارث تحت النطع. فلما رفع قال خالد: أيها الملك، ألا ~~ترى ما أكثر ما أكل الحارث،.. أكل مثل جميع ما أكل القوم!.. يعبث به، فقال ~~الحارث: أما أنا فطرحت نوى ما أكلت، وأما أنت فبنواه أكلته. وقام مغضبا، ~~فقال النعمان: يا خالد ما/ أردت إلى هذا؟ قد عرفت فتكه وسفهه. فقال: أبيت ~~اللعن: وما تخوف علي منه؟ فوالله لو كنت نائما ما أيقظني.. # فانصرف خالد، فدخل قبة له من أدم بعد هدأة من الليل، وكان على بابها أخ ~~له يحرسه. فلما نوم الناس خرج الحارث حتى أتى القبة من آخرها، ثم دخل، ~~فقتله. فقال عمرو بن الإطنابة، وكان فارسا شجاعا، يعير الحارث أنه اغتر ~~خالدا نائما، فقتله: PageV02P556 # عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المروق ريا # إن فينا القيان يعزفن بالدف ... لفتياننا وعشيا رضيا # يتناهين في النعيم ويصببن ... خلال القرون مسكا ذكيا # أبلغ الحارث بن ظالم الموعد ... والناذر النذور عليا # إنما تقتل النيام ولا تقتل من ... كان ذا سلاح كميا # ومعي شكتي معابل كالجمر ... وأعددت صارما مشرفيا # وكان عمرو قد حلف ألا يدعوه رجل بليل إلا أجابه، ولم يسأله عن اسمه، ~~فأتاه الحارث ليلا، فخرج إليه، وقال: ما تريد؟ قال: أعني PageV02P557 ~~على إبل بني فلان، وهي منك غير بعيد، فإنها غنيمة باردة. فدعا عمرو بفرسه، ~~وأراد أن يركب حاسرا، فقال: البس سلاحك، فإني لا آمن امتناع القوم منك. ~~فاستلأم، وخرجا/ جميعا، حتى إذا برزا قال له الحارث: أنا أبو ليلى، فخذ ~~حذرك يا ms152 عمرو، فقال له عمرو: فامنن علي، فجز ناصيته، وخلى سبيله، وقال ~~الحارث: # عللاني بلذتي قينتيا ... قبل أن تبكي العيون عليا # قبل أن تبكر العواذل إني ... كنت قدما لأمرهن عصيا # ما أبالي إذا اصطبحت ثلاثا ... أرشيدا دعوتني أم غويا PageV02P558 ~~غير أن لا أسر لله إثما ... في حياتي ولا أخون صفيا # بلغتني مقالة المرء عمرو ... بلغتني وكان ذاك بذيا # فخرجنا لموعد فالتقينا ... فوجدناه ذا سلاح كميا # غير ما نائم يروع بالقتل معدا قد انتضى مشرفيا # فرجعنا بالمن منا عليه ... بعد من قد كان منا بديا # وروى الأخباريون أن الحجاج لما ظفر بعامر بن حطان PageV02P559 ~~الصفري أمر بضرب عنقه, وقام السياف على رأسه, فقال الحجاج للسياف من شدة ~~حنقه على عامر: اضرب عنق ابن الفاعلة. فرفع عامر رأسه, وقال: بئس ما أدبك ~~أهلك يا حجاج, أبعد الموت غاية أستبقيك لها؟ ما الذي آمنك من أن أراجعك ~~بمثل ما ابتدأتني به من السب؟!.. فاستحيا الحجاج, ونكس رأسه, ثم رفعه, ~~فقال: أفيك موضع للصنيعة؟ قال: نعم. فدعا له بفرس بسرجه ونفقة, وقال: امض/ ~~لشأنك. فلما صار إلى قومه قالوا: عد لقتال الفاسق, والله أطلقك لا هو, ~~فقال: هيهات, غل يدا مطلقها, وارتهن رقبة معتقها, وأنشأ يقول: PageV02P560 # أأقاتل الحجاج عن ملوكته ... بيد تقر بأنها مولاته # إني إذا لأخو الدناءة والذي ... عفت على عرفانه جهلاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته # أأقول: جرت علي؟ لا, إني إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته # تالله لاكدت الأمير بآلة ... وجوارحي وسلاحها آلاته PageV02P561 ~~أأكيده وعلي سخطة خالقي ... وعليه رحمة ربه وصلاته # إني لمخذول إذا ومغادر ... للحين تنجل صفحتي أسلاته # / لأشد من قتل الكفور بكفره ... نار تسوء للفحها حالاته # وتحدث الأكفاء أن صنائعا ... غرست لديه فحنظلت نخلاته # أبت الحزامة أن أبيت مصعرا ... خدي وخيل الحق منتعلاته # وحلفت ما طبي بجبن إنني ... فيكم لمطرق مفصل وعلاته PageV02P562 ~~أأكع عن علل القتال وقد حلت ... قبل الورود على فمي نهلاته # فإليكم عني فإني مفلت ... هيهات لا يخزى به إفلاته # ويروى أن رجلا ms153 من أوس بن تغلب، يقال له: تميم بن جميل، خرج على الرشيد، ~~فوجه إليه الرشيد العساكر، فأخذ أسيرا، فأمر بضرب عنقه، وكان وسيما قسيما ~~جميلا، فأحب الرشيد [أن] ينظر أين جنانه وبيانه من/ حسن جسمه، فقال: تكلم ~~يا تميم بعذر إن كان لك، أو أدل بحجة. فرفع رأسه، وقال: الحمد لله {الذي PageV02P563 ~~أحسن كل شيء خلقه.. .. } الآية. يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، ~~وتميت الأفئدة. وأيم الله لقد ساء الظن، وعظم الجرم، ولم يبق إلا عفوك أو ~~انتقامك، ثم أنشأ يقول: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفت # وأكثر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله مفلت # وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت # يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يهز علي السيف فيه وأسكت PageV02P564 ~~/ وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء موقت # ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا # فإن عشت عاشوا خافضين بغبظة ... أذود الأذى عنهم وإن مت موتوا # فكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت PageV02P565 ### || AUTO (10) باب العفو عمن نوي قتله اضطرارا # حدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد عن أبيه ~~قال: أخذ الحجاج بن يوسف/ محمد بن الحنفية بعد ما قتل عبد الله بن الزبير، ~~فقال: بايع أمير المؤمنين عبد الملك. قال: إذا اجتمع عليه الناس كنت ~~كأحدهم، فقال: والله لأقتلنك. قال: أولا تدري؟ قال: وما لا أدري؟!.. قال: ~~حدثني أبي أن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة، في كل لحظة ثلاثمائة ~~وستون قضية.. فلعله أن يكفينيك يا حجاج في قضية من قضاياه. قال: فانتفض ~~الحجاج، وقال: قد لحظك الله، فانطلق حيث شئت!.. # وكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، ووافق ذلك كتاب ملك الروم إلى عبد ~~الملك، يتوعده، فكتب إليه بهذا الكلام, فكتب إليه ملك الروم: PageV02P567 # هذا كلام/ ما أنت بأبي عذره! هذا ms154 كلام لم يخرج إلا من نبي أو من أهل بيت ~~نبوة!.. # حدثنا عبدان بن محمد قال: حدثنا العباس بن هشام بن محمد الكلبي عن الهيثم ~~بن عدي عن ابن عياش قال: سمعت رزاما مولى خالد بن عبد الله القسري يحدث ~~محمد بن خالد قال: لما أخذ المنصور آل أبي طالب في ظنة محمد بن عبد الله بن ~~حسن بن حسن ابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم, وكان حمل من المدينة عبد ~~الله بن الحسن وإخوته وآله إلى بغداد, فقتلهم, وماتوا في الحبوس. قال رزام: ~~فوجهني في حمل جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن [علي] بن أبي طالب/ صلوات ~~الله عليهم, فحملته. PageV02P568 # فلما شارفنا النجف نزل عن راحلته, فتوضأ, فأسبغ الوضوء, ثم استقبل القبلة, ~~فصلى ركعتين, ثم سمعته يقول بعقب الصلاة: اللهم بك أستفتح وأستنجح, وبمحمد ~~نبيك عليه السلام أتوسل. اللهم إني أسألك بخيرك من خيره, وأعوذ بخيرك من ~~شره. اللهم إني أدرأ بك في نحره, وأعوذ بك من شره. اللهم سهل من أمري حزنه, ~~وذلل لي صعبه, وهون علي شديده, وارزقني من الخير أكثر مما أرجو, واصرف عني ~~من الشر أكثر مما أخاف. ثم قام, فركب. # فلما صرنا على باب المنصور, وقيل:/ جعفر بن محمد! وقد خيف عليه منه, فما ~~هو إلا أن سمع به [حتى] أمر بالأبواب, ففتحت, والستور فرفعت, وخرج المنصور ~~يستقبله إلى صحن الدار, فعانقه, وأخذ بيده يمشي معه إلى صدر فراشه, وقد جعل ~~يده على صدره, وحنا عليه, فأجلسه معه على فراشه, ثم قال: يا أبا عبد الله, ~~قد علمت PageV02P569 ~~صلتي لهذين الرجلين -يعني محمدا وإبراهيم ابني عبد الله- وعطفي عليهما ~~تألفا لهما وصلة لأرحامهما, وقد خشيت أن يكون قطع ما بيننا بسببهما, وقد ~~قيل لي: إنك تعرف أين هما؟ فعرفني ذلك. # فقال: يا أمير المؤمنين, ما زلت مائلا معك, محبا لدولتك, حاطبا في حبلك, ~~داعيا إليك, / وقد كنت أنهاهما عن فعلهما, وأقبح لهما أمرهما. فلما لم ~~يسمعا لي لم أكن منهما في ms155 شيء. قال: صدقت.. إلا أنك تعلم أني أعلم أنك تعلم ~~موضعهما. فقال: يا أمير المؤمنين, ألا أتلو عليك آية من كتاب الله فيها علم ~~ما انتهى إلي منهما, وترضى بذلك مني؟!.. قال: حسبي بذلك منك. قال: قال الله ~~عز وجل: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم, ولئن قوتلوا لا ينصرونهم, ولئن نصروهم ~~ليولن الأدبار, ثم لا ينصرون}. قال: فخر المنصور ساجدا, وقال: حسبي بهذا. ~~ورد جعفر إلى أهله مكرما. PageV02P570 # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة/ قال: حدثنا عبيد الله ابن جناد قال: ~~حدثنا عطاء بن مسلم قال: سمع الحجاج أذان سويد ابن غفلة حين زالت الشمس، ~~فقال لعنبسة بن سعيد: قد كنا نرى أنا قد فرغنا من هذا القرن. وأرسل إلى ~~سويد، وكان عريف قومه ومؤذنهم وإمامهم، فقال: ما هذه الصلاة؟ قال: هكذا ~~صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم أكن لأدعها. فقال الحجاج لعنبسة: ما ~~ترى؟ قال: أرى أنك إن قتلته الآن قيل: قتله على الصلاة، ولكن اعرضه على ~~البراءة من علي فإنه لا يتبرأ. وألقاها الله في مسامع سويد، وقال له ~~الحجاج: انصرف!.. # فلما كان/ من الغد أمر الحجاج مناديا، فنادى في العرفاء أن احضروا لأخذ ~~العطاء فقال سويد لابنته: ما كنت فاعلة إذا أنا مت فاصنعيه. قالت: ولم؟ ~~فأخبرها، فقالت له: وما عليك أن تعطيه بلسانك ما يعلم الله أن قلبك له ~~منكر؟ قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: PageV02P571 # إنكم ستدعون إلى البراءة مني فلا تفعلوا، فإني على دين نبيكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم .. وما كنت لأبتغي الحياة بسب أصحاب محمد. ثم لبس ثيابه ~~كالأكفان، وتحنط، ومضى إلى الحجاج. فلما رآه قال: ما أرانا إلا قد جشمناك ~~أيها الشيخ. ثم دعا بغالية فغلف بها لحيته، وأمر له بعطائه/، وانصرف!.. ~~ودخل عنبسة فقال: ما صنعت بسويد؟! فقال: لا سبيل إلى سويد، ما شبهتني وإياه ~~حين رأيته إلا بنار، صب عليها ماء!.. # حدثنا مغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثني إبراهيم بن رباح قال: سمعت عبد ~~الله بن ms156 محمد بن زبير، وكان أبوه من خاصة الرشيد، وذلك أنه كان صاحب رقيق ~~بالمدينة، فابتاع منه الرشيد عدة جوار، صرن أمهات أولاد. وكان الفضل بن ~~الربيع يأنس إليه.. قال: فحدثني عبد الله بن محمد عن أبيه قال: دخلت مع ~~الفضل بن الربيع، فرأيت PageV02P572 ~~يحيى بن عبد الله بن حسن بين يديه، والرشيد يقرعه بأشياء يعتد بها/ عليه، ~~وفي كمه كتب. فجعل يدخل يده، فيستخرج الكتاب، ثم يناوله الرشيد، ويأخذ طرفه ~~بيمينه، ويقول: أقرأ هذا يا أمير المؤمنين. فإذا أتى عليه أدخل يحيى يده في ~~كمه، وأخرج آخر، ففعل مثل ذلك، وأعلم أن تلك الكتب حجج واعتذارات، فأنشدت: # عمدا أتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا # فأقبل الرشيد علي، فقال: تلقنه، وتؤيده، وتؤازره؟! فقلت: لا والله يا ~~أمير المؤمنين، ما أنا هكذا، ولا كنت هكذا قط، ولكنه فعل شيئا أذكرني هذا الشعر. PageV02P573 # فلما فرغ يحيى من إخراج تلك الكتب من كمه، وقرأها الرشيد، أقبل الرشيد على ~~يحيى فقال: دعني من هذا. أيما أحسن وجها، أنا أم أنت؟ فقال له يحيى: أنت ~~والله يا أمير المؤمنين أحسن وجها مني، وأتم قامة، وأجمل خلقة، وما أنا منك ~~في هذا بشيء. # فقال: فدع هذا. أيما أسخى، أنا أم أنت؟ فقال له يحيى: أجبتك يا أمير ~~المؤمنين في الأولى بما قد علمه الله، وعلمه كل مستمع وناظر, فأما هذه فأنا ~~رجل أهتم بأمر معاشي أكثر السنة تأتي علي, وأتقوت بما يصير إلي على حسب ~~الضيقة والسعة, وأنت يجبى إليك خراج الأرض. والله ما أدري ما أجيب به في ~~هذا؟ قال: بلى, لتجيبنني, وما بهذا عليك خفاء./ قال يحيى: قد والله صدقتك ~~يا أمير المؤمنين: ما أدري كيف ذاك؟ # قال: فدع ذا. أينا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه [وسلم]؟ قال: يا ~~أمير المؤمنين, الطينة واحدة, والنسب واحد, وأنا أسألك لما أعفيتني من ~~الجواب في هذا. فحلف بالعتق والطلاق والصدقة PageV02P574 ~~لا يعفيه. فقال: يا أمير المؤمنين, ليس من يمين إلا ولها كفارة, ms157 وأنا أسأل ~~أمير المؤمنين بحق الله وحق رسوله وبقرابته منه لما أعفاني. قال: قد حلفت.. ~~هبني أحتال لكفارة اليمين في المال والرقيق, فكيف الحيلة في الطلاق وبيع ~~أمهات الأولاد؟ قال يحيى: إن في نظر أمير المؤمنين وتفضله/ ما يصلح هذا. ~~قال: لا والله, لا أعفيتك. # قال: أما إذ كان ذاك فنشدتك الله لو بعث فينا رسول الله أفكان له أن ~~يتزوج فيكم؟ قال: نعم. قال: أفكان له أن يتزوج فينا؟ قال: لا. قال: فهذه!.. ~~فوثب الرشيد عنه, وقام إلى غير مجلسه, وخرجنا والفضل بن الربيع ساكت ينفخ. ~~ثم قال لي: أسمعت أعجب مما كنا فيه قط؟!.. يقول ليحيى: أينا أحسن وجها؟ ~~وأينا أسخى نفسا؟ وأينا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه؟!.. والله لوددت ~~أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملك. # حدثنا المغيرة قال: حدثني إبراهيم بن رياح قال: حدثنا إسحاق ابن عيسى بن ~~علي بن عبد الله بن العباس/ قال: شهدت يحيى بن عبد الله بن حسن وعبد الله ~~بن مصعب بن ثابت الزبيري PageV02P575 ~~عند الرشيد, فرأيت عبد الله بن مصعب يقبل على يحيى بن عبد الله بالغلظة ~~والمكروه والتقريع بكل سوء, ولا يجيبه يحيى بحرف, ويقبل على الرشيد فيقول: ~~يا أمير المؤمنين, أما ما قال في كذا فالحجة فيه كذا.. إلى أن قال له ~~الزبيري: وسعيتم علينا في دولتنا. فأقبل عليه يحيى برفق وكلام كالخفي, ~~فقال: ومن أنتم؟! فرأيت الرشيد, وقد كاد الضحك يغلبه, فرفع رأسه إلى السقف, ~~فما زال يجيله حتى سكن ذلك عنه. # فلما رأى ذلك يحيى بن عبد الله قال للرشيد: يا أمير المؤمنين, / إن عداوة ~~هذا لي عداوته لك, وكذلك كانت من أبيه فيك وفي. فاذكر فعل ابن الزبير في ~~الشعب بمكة, غير أنه قوي على سبي, PageV02P576 ~~وعجز عنك, والعداوة واحدة. وكيف يقول هذا؟ وهو الله الخارج مع أخي محمد بن ~~عبد الله على جدك المنصور, والقائل في ذلك: # قل للمشنأ والمقصى داره ... شلت يداك, أظلها مهديها # فلتدهمنك غارة جرارة ... علوية يحتثها حسنيها # فأقبل ms158 الرشيد على عبد الله بن مصعب فقال: ما تقول فيما يقول؟ قال: لا ~~والله يا أمير المؤمنين, ما كان ذا, ولكنه يبهتني, ويكذب علي. فقال له: ~~أفتحلف؟ فابتدأ/ الزبيري يحلف بأيمان البيعة, فقال له يحيى: لا تكثر, ولا ~~تهول بهذه اليمين. فإن كنت صادقا فقل كما أقول لك, قل: إن كنت كاذبا فيما ~~دفعت به مما حكيت عني فوكلني الله إلى حولي وقوتي, وأنا بريء من حول الله ~~وقوته!.. فوقف الزبيري عندها, فقال له الرشيد: ما يقفك؟ هذا طيلساني علي, ~~وهذه قلنسوتي, ولو استحلفت على ملكهما لحلفت. فإن كنت صادقا فاحلف, وإن كنت ~~كاذبا فأمسك. فعرف الزبيري الشر, PageV02P577 ~~ورآه الفضل بن الربيع, وكان له فيه هوى, فحلف, فضرب يحيى بن عبد الله بكفه ~~بين كتفي الزبيري وقال: لا تحلف والله بعدها أبدا. # قال إبراهيم بن رياح: فسمعت من لا أحصي من أهل بغداد يقولون: لما مات عبد ~~الله بن مصعب دفنه الفضل بن الربيع, فلما كاد الناس ينصرفون عن قبره, إذا ~~هدة, وكأن القبر خسف به, وسطع الغبار, فصاح الفضل بأصحابه, فأكثروا من ~~السقائين, فما زالوا يصبون الماء والتراب عليه حتى سكن, وسوي الطين عليه!.. ~~ولم يلبث عبد الله بن مصعب بعد يمينه إلا ستة أيام أو خمسة, حتى مرض ومات. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا عبد الله ابن محمد بن ~~عبد الله بن سالم قال: حدثنا/ شريك قال: حدثني حاجب الحجاج قال: دخلت ~~بالحسن البصري على الحجاج حين بنى مدينة واسط في خلافة عبد الملك. قال: ~~فنظر إلى المدينة, فقال: إن السلطان ليرون في أنفسهم عبرا, ويرى فيهم عبر, يشيدون PageV02P578 ~~البنيان, ثم يجمعون إليهم ذبان الطمع, ثم يقولون لهم: انظروا!.. فقد نظرنا ~~يا أفسق الفاسقين. أما أهل السماء فمقتوك, وأما أهل الأرض فغروك. قال: ثم ~~دخل على الحجاج, فلم يهجه حتى انصرف!.. # قال: فأقبل الحجاج على أهل الشام فقال: يا أهل الشام, إن عبيد أهل العراق ~~أسمعني ما أسمعني, ثم خرج سالما! ثم قال: ردوه. ms159 وأمر بسيف فشهر, ونطع فبسط, ~~/ فقال: ادنه, ادنه حتى أجلسه على رجل فراشه, ثم قال: ما تقول في عثمان ~~وعلي؟ وهو يريد أن يجد إليه سبيلا. قال: أقول قول خير مني لمن هو شر منك! ~~قال: ومن هو خير منك؟ قال: موسى عليه السلام. قال: ومن هو شر مني؟ قال: ~~فرعون, حين سأله فقال: (فما بال PageV02P579 ~~القرون الأولى. قال: علمها عند ربي في كتاب, لا يضل ربي, ولا ينسى). قال: ~~فصرفه, ولم يهجه!.. # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: حدثنا عبد الله بن ~~محمد الهدادي عن أبيه قال: قال الحجاج ليزيد ابن أبي مسلم: أرسل إلى الحسن ~~فأتني به./ قال: فبعث إليه, فجاء الحسن, فدخل والحجاج متكئ في مجلس له, ~~ويزيد ابن أبي مسلم عند رجليه. فقال له يزيد: إن الأمير يريد أن يدفع إلى ~~التجار, إلى كل رجل منهم ألف درهم, على أن يؤدوا إليه عند رأس الحول ذه ~~دوازده.. فما ترى؟ قال الحسن: وما ذه دوازده؟ قال: العشرة باثني عشر. قال: ~~ذلك محض الربا. قال يزيد: لا تفسد على الأمير عمله. فقال الحسن: يابن أبي ~~مسلم, إن الله لم يجعل هذا الدين هوى للملوك وأتباعها. # قال: فاستوى الحجاج جالسا, فقال: ما تقول في أبي تراب؟ قال: ومن أبو ~~تراب؟ قال: علي بن أبي طالب./ قال: أقول: إن الله جعله من المهتدين. قال: ~~هات بما تقول برهانا. قال: قال الله PageV02P580 ~~في كتابه: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها..} إلى قوله: {وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله}.. فكان علي أول من هدى الله مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم . قال: يقول الحجاج: رأي عراقي. قال: يقول الحسن: هو ما أقول لك. ~~قال الحسن: فلما سلمني الله منه ذكرت عفو الله. # حدثني الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك قال: حدثنا هشام بن محمد عن ~~عوانة بن الحكم قال: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف، فقال: إيها يا ~~أنس، / يوما مع علي، ويوما ms160 مع ابن الزبير، ويوما مع ابن الأشعث؟!.. أما ~~والله لأستأصلنك، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة! فقال أنس: من PageV02P581 ~~يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، سك الله سمعك. قال أنس: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، والله لولا الصبية لما باليت أي ميتة مت. # ثم خرج من عنده، وكتب إلى عبد الملك بن مروان: # ((من أنس بن مالك خادم رسول الله إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد فإن ~~الحجاج قال لي هجرا، وأسمعني نكرا، ولم أك لذلك منه ولا منك أهلا، فخذ على ~~يديه، واعل عليه، فإني أمت إليك بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله))./ # فلما قرأ عبد الملك كتابه استشاط غضبا، وصفق عجبا، وأعظم ذلك من ~~الحجاج!.. فبعث إلى إسماعيل بن أبي المهاجر، وكان PageV02P582 ~~صديقا للحجاج، فقال: دونك كتابي هذين، فخذهما، واركب البريد إلى العراق، ~~فابدأ بأنس بن مالك، فادفع إليه كتابه، وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا ~~حمزة، قد كتبت إلى الملعون الحجاج، وأمرته يكن لك أطوع من يديك. وكان في ~~الكتاب: # ((بسم الله الرحمن الرحيم.. من عبد الملك بن مروان إلى أنس ابن مالك. أما ~~بعد فقد قرأت كتابك, وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك، ولا ~~أمرته/ بالإساءة إليك. فإن يعد إلى مثلها فاكتب إلي أنزل به عقوبتي، وأحسن ~~لك معونتي، والسلام عليك ورحمة الله)). # فلما قرأ أنس الكتاب، وأخبر بالرسالة قال: جزى الله أمير المؤمنين عني ~~خيرا، وكافأه بالجنة، هذا كان ظني به ورجائي فيه. فقال إسماعيل: يا أبا ~~حمزة، إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه من غنى، ولا بأهل بيتك ~~وولدك. ولو جعل في جامعة، ودفع إليك لقدر على أن يضر وينفع، فصافه وداره. ~~قال: أفعل إن شاء الله!.. .. # قال: ثم إن إسماعيل أتى الحجاج، فلما نظر إليه قال: مرحبا PageV02P583 ~~برجل أوده، وقد كنت أحب لقاءه./ قال إسماعيل: وأنا قد كنت أحب لقاءك بغير ~~ما لاقيتك به. قال: وما الذي لاقيتني به؟! قال: هذا كتاب ms161 أمير المؤمنين، ~~وهو من أشد الناس عليك عتبا. قال: فاستوى الحجاج مرعوبا، وأخذ كتاب عبد ~~الملك، فجعل يقرؤه مرة، وينظر إليه أخرى، فلما فرغ منه قال: امرر بنا إلى ~~أبي حمزة لنترضاه، ونعتذر إليه. فقال: لا تعجل. قال: وكيف لا أعجل، وقد ~~أتيتني بمعضلة؟!. ثم رمى بالكتاب إليه، فكان فيه: # ((من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى الحجاج بن يوسف.. أما بعد ~~فإنك عبد قن طمت بك الأمور، فعلوت فيها، وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت/ ~~داهية إدا، وأردت أن تروزني، فإن سوغتكها نصبت قدما، وإن لم أفعل رجعت ~~القهقرى! فلعنك الله أخفش العينين منقوص الجاعرتين PageV02P584 ~~أنسيت -يا بن المستفرمة بعجم الزبيب- مكاسب آبائك بالطائف، حفرهم الآبار ~~ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل؟!.. والله لأغمزنك غمز الليث الثعلب.. ~~وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم تقبل له إحسانا، ~~ولم تجاوز له عن إساءة جرأة منك على الرب سبحانه، واستخفافا بالعهد. # أما والله لو أن اليهود والنصارى رأوا رجلا خدم عزيرا أو عيسى ابن مريم/ ~~لعظمته، وشرفته، وكرمته. وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خدمه ثماني سنين، وأطلعه على سره، وهو بعد بقية من بقايا أصحابه، فإذا ~~أتاك كتابي هذا فكن له أطوع من خفه ونعله، وإلا أتاك مني سهم مثكل بحتف ~~قاض، ((ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون)).. PageV02P585 # قال: فأتياه، فترضياه، وما عرف لعبد الملك مكرمة أكرم منها. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا الحسين الأحول قال: ~~حدثني حسين بن علي عن مجمع بن يحيى الأنصاري قال: دخل عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى على الحجاج، فقال: يا أهل الشام، إذا أردتم رجلا يشتم أمير المؤمنين ~~عثمان فدونكم هذا. # فقال عبد الرحمن: معاذ الله، أصلح الله الأمير! إنه ليمنعني من ذلك ثلاث ~~آيات من كتاب الله. قال: وما هن؟ قال: قال الله جل وعز: {للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم..} إلى قوله: {أولئك هم الصادقون}.. فكان عثمان ~~منهم. وقال تعالى: ms162 {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم} PageV02P586 ~~[إلى قوله]: {فأولئك هم المفلحون} فكان أبي منهم. وقال الله: {والذين جاؤوا ~~من بعدهم..} إلى قوله: {.. رؤوف رحيم} فأنا منهم. قال: صدقت!.. # حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا الوليد/ بن العباس المنصوري قال: ~~حدثنا محمد بن أصبغ بن الفرج قال: حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن عائش قال: ~~حدثنا أبو فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أتيت الحجاج لأسلم عليه. ~~فلما رآني أمشي بين السماطين التفت إلى أهل الشام, فقال: إن أردتم أن ~~تنظروا إلى رجل, دم عثمان في ثوبه فانظروا هذا المقبل! فقربت منه, فقلت له: ~~إن عثمان كان من الذين قال الله [فيهم]: {للفقراء PageV02P587 ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم..} الآية. وأبي من الذين قال الله ~~[فيهم]: {والذين تبوؤا الدار والإيمان..} الآية. وأنا من الذين قال الله ~~[فيهم]: {والذين جاؤوا من بعدهم..} الآية. قال لي: انصرف, فانصرفت!.. # حدثني أبو معاذ عبدان بن محمد قال: حدثنا العباس بن هشام بن محمد قال: ~~حدثنا الهيثم بن عدي قال: كان الذي أتى عبد الملك بن مروان برأس مصعب بن ~~الزبير -حين قتله زيادة بن قدامة- عبيد الله بن زياد بن ظبيان: # نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا وليس علينا قتلهم بمحرم PageV02P588 ~~فكان ابن ظبيان يقول: ندمت ألا أكون ضربت رأس عبد الملك حين سجد, فأكون قد ~~قتلت ملكي العرب, وتركتها تضطرب بأسيافها. فبلغ قوله عبد الملك, فكان عليه ~~حنقا, يسيء حجابه, فاستأذن عليه يوما, فقال:/ إنا والله ما نكره سخط من ~~رضاه في الجور. فإن يك لك طاعة علينا فيما أحببت, فإن لنا العدل عليك فيما ~~وليت. ولست مستكملا طاعتنا إلا بعدلك فينا, فآثر طاعة الله على هواك تسلم ~~لك طاعتنا, وتخلص لك نياتنا, ولا تبغ الفساد في الأرض, إن الله بعملك بصير, ~~وإليه تصير. # فغضب عبد الملك وقال: لولا أن خير الأمور مغبة, وأحمدها عاقبة, وأفضلها ~~أجرا العفو عما كان بعد القدرة لضربت عنقك. فقال ابنه: يا أمير المؤمنين, ~~لم تستبقي من لم يعرف ms163 لك من رادع الهيبة وجلالة الخلافة وواجب الطاعة ما/ ~~عرفه لك المسلمون؟. فقال عبد الملك: ما تكلمت بكلام أصيل لبيب ولا هديت لأمر PageV02P589 ~~رشيد مصيب, وإن مثلك لكما قال حسان بن ثابت: # ترى الناس أخلاطا جميعا وإنهم ... على ذاك شتى والهوى متفرق # ترى المرء إن جالسته ذا صناعة ... وسائر ما فيه سوى ذاك أحمق # وتلقى أصيل اللب ليس صناعه ... بمخرج ما في قلبه حين ينطق # حدثنا ابن زكويه قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن هشام بن ~~سليمان قال: حدثني من شهد أبا العباس السفاح, وقد حضره جماعة الطالبيين ~~وبنو العباس, فذكروا جمع الأموال, وأنها تشرف الوضيع, / وتحسن القبيح, وتعز ~~الذليل. # فقال عبد الله بن حسن: يا أمير المؤمنين, سمعت بألف PageV02P590 ~~ألف درهم, وما رأيتها مجتمعة قط. فقال أبو العباس: فأنا أجيئك بها, حتى ~~تراها مجتمعة في ملكك. فقام عبد الله بن حسن, فشكر أبا العباس على بره به ~~وبولد أبيه وصلته لهم. فدعا أبو العباس صالح ابن الهيثم فأمره أن يحمل ~~المال إليه. فلما قبضه, وصار في ملكه استأذن أبا العباس في الخروج إلى ~~المدينة, فأذن له, ودفع إليه مالا, وأمره أن يقسمه على بني هاشم بالمدينة, ~~ويزوج بعضهم من بعض, ودفع إليه حليا من ذهب وجوهرا, وأمره أن يضعه/ عند ثقة ~~من أهل المدينة لنساء بني هاشم, يزينون به عرائسهم, ويتحملون به في حقوقهم. ~~فلما قدم المدينة امتثل ما أمره به, فكان لا يشهد مجلسا من مجالس بني هاشم, ~~ولا يمر به إلا سمعهم يدعون لأبي العباس, ويقرظونه, فساءه ذلك لما كان يريض ~~ابنه له. # فخرج يوما ومعه جعفر بن محمد وعلي بن حسن وإبراهيم ابن حسن، فمروا بمجلس ~~من مجالس بني هاشم- فسمعهم يقرظون أبا العباس، ويدعون له، فقال: هؤلاء أحمق ~~دواب الله، يشكرون PageV02P591 ~~رجلا، ويدعون له على أن أعطاهم بعض حقوقهم، وذهب بأكثرها! # فكتب بكلامه إلى أبي العباس، فكتب إلى أبي جعفر/ وإلى سليمان بن علي ~~وعيسى بن علي وإسماعيل بن علي يعرفهم ذلك، وقرأ ms164 عليهم الكتاب، وقال: سمعت ~~أبا عبد الله محمد بن علي رضوان الله عليه يقول: أعداء النعمة المصونة ~~بالمروءة بنو عم السوء، إن ظهر لهم البر كفروه، وإن رأوا خيرا كتموه، وإن ~~رأوا شرا أذاعوه، وإن بلغهم قبيح أظهروه!.. هذا شيخ بني أبي طالب وكبيرهم ~~عبد الله بن حسن، قد خفت أن أكون أسخطت الله فيما أعطيته، وأعطيت ولد أبيه ~~من ماله الذي خولنيه برا بهم وصلة لأرحامهم. وهو يزعم أني قد ذهبت بحقه ~~وحقوقهم. # فقال سليمان بن علي: يا أمير المؤمنين، إن جبريل/ لما نزل على PageV02P592 ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} قال النبي لجبريل عليهما السلام: ما هذا؟ قال جبريل صلى الله ~~عليه: إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. وأولى ~~الناس بالانتهاء إلى أمر الله وأحقهم بأدب رسول الله أنت يا أمير المؤمنين ~~لقرابتك من رسول الله ومكانك من خلافة الله، فصله لقرابته وإن قطع، واعف ~~عنه لحقه وإن ظلم. # وقال عيسى بن علي: إن أبا محمد علي بن عبد الله رحمه الله ذكر لجماعة بني ~~هاشم إكرام عبد الملك له وبره به، / فقال علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب: ما أزين بالشريف شكر ما يولى. فقال علي بن عبد الله: من كتم المعروف ~~فقد كفر، ويجب على الشريف أن يشكر من أنعم عليه بفضل بيان لسانه ومذخور ~~جوهر كلامه، وينعم على من شكر بما نالته قدرته، وبلغه حويله لأن PageV02P593 ~~النعم لا زوال لها إذا شكرت، ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر زيادة في ~~النعم، وأمان من الغير، وعبد الله بن حسن يكتم المعروف، ولا يقوم بشكر ما ~~أولي، ولا يحفل ما يجب عليه من الشكر، ولا يخاف عاقبة تركه. # فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، كانت العرب تقول:/ استتمام الصنيعة أشر ~~من ابتدائها، ورب المعروف أوجب من اصطناعه. فاستتم صنيعتك -يا أمير ~~المؤمنين- ورب معروفك عند قرابتك ولحمتك بالصفح عن ذنوبهم وجرائمهم ليجزل ms165 ~~الله به ثوابك، ويحسن عليه مآبك. # فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إن أباه علي بن أبي طالب صلوات الله ~~عليه- قال للذين بايعوه، وهو يطلب هذا الأمر الذي أعطاكه الله: النار ~~بالنار تطفأ، والحديد بالحديد يفلح، ومن لا PageV02P594 ~~يصلحه الخير يصلحه الشر فاحمله -يا أمير المؤمنين- على أدب أبيه، ولا تتركه ~~يمرح في أعنة القطيعة والعقوق. # فقال أبو العباس: من تشدد أنفر، ومن لان تألف، والتغافل من فعل/ الكرام، ~~وتمثل قول الأعشى: # يغضي على العوراء لولا الحلم غيرها انتصاره # والعلم بالأمر الذي ... تشري أكابره صغاره # فيقيل قائلها وقد ... أبدى مقاتله عثاره # .. بل أعفو عنه، وأتغمد سيئته، وأصل رحمه.. ثم بعث إليه بمائتي ألف درهم ~~وثلاثمائة ألف درهم لولد أبيه!.. PageV02P595 # حدثنا الجوهري عن ابن شبة قال: استعمل الحجاج خالد ابن عتاب بن ورقاء ~~الرياحي على الري، وكانت أمه أم ولد. فكتب إليه الحجاج يلخن أمه، ويقول له: ~~يا بن ميثاء، أنت الذي هربت عن أبيك حتى قتل. وكان خالد قد آلى يمينا ألا ~~يسمع أحد أمه إلا رد عليه. فكتب إليه خالد: ((كتبت إلي/ تلخن أمي، وتزعم ~~أني فررت عن أبي حتى قتل. ولعمري لقد فررت عنه بعد أن قتل، وحين لم أجد لي ~~مقاتلا. ولكن أخبرني عنك يا بن اللخناء -ويقال: كتب إليه: يا بن المستفرمة ~~بعجم الزبيب- حين فررت أنت PageV02P596 ~~وأبوك يوم الحرة على جمل ثفال: أيكما كان أمام صاحبه؟!)). # فقرأ الحجاج الكتاب، فقال صدق: # أنا الذي فررت يوم الحرة ... ثم ثنيت كرة بفرة # والشيخ لا يفر إلا مرة PageV02P597 ~~ثم طلبه فهرب إلى الشام، وسلم بيت المال لم يرزأ/ منه شيئا. وكتب فيه ~~الحجاج إلى عبد الملك. # وقدم خالد الشام، فسأل عن وزراء عبد الملك، فدل على روح ابن زنباع، فأتاه ~~حين طفلت الشمس، فقال: إني جئتك مستجيرا. قال: قد أجرتك إن لم تكن خالد بن ~~عتاب. قال: فأنا -والله- خالد بن عتاب! فتغير لونه، وقال: نشدتك الله إلا ~~خرجت عني، فإني لا آمن عبد الملك. قال: أنظرني تغرب الشمس. فجعل روح ms166 ~~يراعيها حتى خرج، فأتى زفر بن الحارث الكلابي، فقال: قد جئتك مستجيرا. قال: ~~قد أجرتك. قال: فإني خالد بن عتاب. قال: وإن كنت خالدا. # فلما أصبح/ زفر دعا ابنين له، فتهادى بينهما. وقد كان PageV02P598 ~~أسن، فدخل على عبد الملك، وقد كان أذن للناس. فلما رآه دعا له بكرسي، فوضع ~~عند رأسه، فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني قد أجرت عليك رجلا فأجره. ~~قال: قد أجرته إلا أن يكون خالدا. قال: فهو -والله- خالد. قال: لا ولا ~~كرامة. فقال زفر لابنيه: انهضا بي!.. فأخذا بيده. # فلما ولى قال: يا عبد الملك، أما والله لو تعلم أن يدي تطيق حمل القناة ~~ورأس الجواد لأجرت من أجرت. فضحك عبد الملك وقال: يا أبا الهذيل، قد أجرنا ~~من أجرت، ولا أرينه. وأرسل إلى خالد بألفي درهم، فأخذها، ودفع إلى رسوله ~~أربعة آلاف. # حدثنا الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو عبيدة وأحمد بن حاتم ~~عن محمد بن حازم قال: حدثنا عمرو بن المهاجر عن إبراهيم بن محمد بن سعد عن ~~أبيه قال: أتي سعد بأبي PageV02P599 ~~محجن يوم القادسية، وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة، ~~فلم يخرج يومئذ إلى الناس، فصعدوا به إلى العذيب لينظر إلى الناس، واستعمل ~~على الخيل خالد بن عرفطة. فلما التقى الناس قال أبو محجن: # كفى حزنا أن ترجم الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا على وثاقيا PageV02P600 ~~إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع من دوني تصم المناديا # وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدا لا أخا ليا # وقد شف جسمي أنني كل شارق ... أعالج كبلا مصمتا قد برانيا # قعودي عن الحرب العوان وقد غدت ... وإعمال غيري يوم ذاك العواليا # فلله دري يوم أترك موثقا ... ويذهل عني أسرتي ورجاليا # قال: فقال لامرأة سعد خصفة: أطلقيني، ولك الله علي إن سلمني أن أرجع حتى ~~أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم PageV02P601 ~~مني. فخلته، فوثب على فرس لسعد، يقال لها: البلقاء، ثم أخذ رمحا، ثم خرج، ~~فجعل لا ms167 يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم. وجعل الناس يقولون: هذا ملك! ~~لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الصبر صبر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ~~وأنى وأبو محجن في القيد؟!.. # فلما/ هزم العدو، ورجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت ابنة خصفة ~~سعدا بذلك، وما كان من أمره. فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلا، أبلى ~~الله المسلمين على يديه ما أبلى، وخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها ~~إذ كان يقوم علي الحد، وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني، فلا والله لا أشربها ~~أبدا!.. PageV02P602 # وروي أن أبا محجن لما هزم الله المشركين على يديه كر مسرعا إلى محبسه، ~~فرأته امرأته، فظنت أنه منهزم، فقالت: # من فارس كره الطعان يعيرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر # فقال أبو محجن يجيبها: # إن الكرام على الجياد مبيتهم ... فذري الرماح لأهلها وتعطري PageV02P603 ~~وقال أبو محجن لما ترك شرب الخمر: # إن كانت الخمر قد عزت وقد حرمت ... وحال من دونها الإسلام والحرج # فقد أباكرها ريا فأشربها ... صرفا وأطرب أحيانا فأمتزج # وقد تقوم على رأسي منعمة ... فيها إذا رجعت من صوتها غنج # ترفع الصوت أحيانا وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الهزج # تم الكتاب، وبتمامه تم الجزء الثاني من كتاب العفو والاعتذار بمشيئة الله ~~تعالى والحمد لله وحده. PageV02P604 ms168