######OpenITI# #META# المؤلف: ابن عَبْدوس الجَهْشَيَاري #META# bkid: 35858 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الوزراء والكتاب ¶ المؤلف: ابن عَبْدوس الجَهْشَيَاري ¶ مستخرج من موقع: (مكتبة العرب) مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ¶ http://www.maktabatalarab.com/Pages/default.aspx ¶ ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع ¶ أعده للشاملة: سيد بن محمد ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: ابن عبدوس الجهشياري #META# Lng: ابن عبدوس الجهشياري #META# max: 365 #META# bk: الوزراء والكتاب #META# authinf: ابن عَبْدوس الجَهْشَيَاري #META# ndata: الكتاب :87164E4Cلله خاشع #META# bkord: 9994 #META# archive: 25 #META# الكتاب: الوزراء والكتاب #META# authno: 3927 #META# ad: 99999 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# مستخرج من موقع: (مكتبة العرب) مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم #META# higrid: معاصر #META# cat: التراجم والطبقات - مرقم آليا #META# أعده للشاملة: سيد بن محمد #META# iso: الوزراء والكتاب #META# digitization_comments: ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META# Source: http://www.maktabatalarab.com/Pages/default.aspx #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري في كتابه المصنف في أخبار ~~الوزراء والكتاب: # روى عن كعب الأحبار إنه قال: # أول من وضع الكتاب السرياني وسائر الكتب آدم عليه السلام قبل موته بثلاث ~~مائة سنة، ثم كتبها في الطين، ثم طبخه. فلما انقضى ما كان أصاب الأرض من ~~الغرق، وجد كل قوم كتابهم فكتبوه، فكان إسماعيل وجد كتاب العرب. # وروي: أن إدريس أول من خط بالقلم بعد آدم. # وروي: أن أول من وضع الكتاب بالعربية إسماعيل بن إبراهيم، وكان أول من ~~نطق بالعربية، فوضع الكتاب على لفظه ومنطقه. # وروي في خبر آخر: أن أول من كتب بالعربية ثلاثة رهط من بولان، يقال ~~لأحدهم: مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر ابن جدرة. # وروي أيضا: أن أول من كتب بالعربية من العرب حرب بن أمية ابن عبد شمس. # وكان أول من رتب طبقات الناس، وصنف طبقات الكتاب، وبين منازلهم جمشيد بن ~~أونجهان. # وكان لهراسب بن فنوخا بن كيمنش أول من دون الدواوين، وحضر الأعمال ~~والحسبانات، وانتخب الجنود، وجد في عمارة الأرضين، وجباية الخراج لأرزاق ~~الجيش، وبنى مدينة بلخ. # اخبرني عبد الواحد بن محمد إنه سمع محمد بن واضح يقول: # رأيت بأصبهان كتبا قديمة للأكاسرة إلى عمالهم في الخراج والعمارة، ~~صدورها، إذا كان الكتاب إلى جماعة: خلدتم، وإذا كان إلى واحد: خلدت. ثم ~~يذكر بعد ذلك ما يريد. # وكان للأكاسرة أربعة خواتيم، فكان على خاتم الحرب والشرط: الإنارة، وعلى ~~خاتم الخراج والعمارة: التأييد، وعلى خاتم البريد: الوحاء، وعلى خاتم ~~المظالم: العدل. # وكان لملوك فارس ديوانان، أحدهما: ديوان الخراج، والآخر ديوان النفقات. ~~فكان كل ما يرد ديوان الخراج، وكل ما ينفق ويخرج في جيش أو غيره ففي ديوان ~~النفقات. # وكان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة، ممن في خدمتهم، لبسة لا ~~يلبسها أحد PageV01P001 ### | CHECK [2] # ممن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى الملك عرف بلبسته صناعته، ~~والطبقة التي هو فيها. # فكان الكتاب جميعا في ms001 الحضر يلبسون لبستهم المعهودة، فإذا سافر الملك ~~تزيوا بزي المقاتلة. # وكانت ملوك فارس جميعا تغلظ على من زور أو نقش خاتما على خاتم الملك، ~~وتلحقه من العقوبة بأهل الجنايات العظائم. # وكانت ملوك فارس تسمي كتاب الرسائل تراجمة الملوك، وكانوا يقولون لهم: لا ~~تحملكم الرغبة في تخفيف الكلام على حذف معانيه، وترك ترتيبه والإبلاغ فيه، ~~وتوهين حججه. # وكان الرسم جاريا في أيام الفرس، أن يجتمع أحداث الكتاب ومن نشأ منهم ~~بباب الملك، متعرضين للأعمال، فيأمر الملك رؤساء كتابه بامتحانهم، والتفتيش ~~عن عقولهم، فمن رضي منهم عرض عليه اسمه، وأمر بملازمة الباب، ليستعان به، ~~ثم أمر الملك بضمهم إلى العمال، وتصريفهم في الأعمال، وتنقلهم على قدر ~~آثارهم وكفاياتهم من الحال إلى الحال، حتى ينتهي بكل واحد منهم إلى ما ~~يستحقه من المنزلة. ولم يكن يهيأ لأحد، ممن عرفه الملك وعرض عليه اسمه، أن ~~يتصرف مع أحد من الناس إلا عن أمر الملك وإذنه. # وكانت الملوك تقدم الكتاب، وتعرف فضل صناعة الكتابة، وتحظى أهلها، لما ~~يجمعونه من فضل الرأي إلى الصناعة، وتقول: هم نظام الأمور، وكمال الملك، ~~وبهاء السلطان، وهم الألسنة الناطقة عن الملوك، وخزان أموالهم، وأمناؤهم ~~على رعيتهم وبلادهم. # وكان ملوك فارس إذا أنفذوا جيشا أنفذوا معه وجها من وجوه كتابهم، وأمروا ~~صاحب الجيش ألا يحل ولا يرتحل إلا برأيه، يبغون بذلك فضل رأى الكتاب وحزمه. ~~ثم يقول الملك للكاتب المندوب للنفوذ معه: # قد علمت أن الأساورة سباع الإنس، وأنه لا عقوبة عليهم إلا في خلع يد من ~~طاعة، أو فشل عن لقاء، أو هرب عن عدو، وما سوى ذلك فلا لوم عليهم فيه، ~~وعليك أعتمد في تدبير هذا الجيش. فينفذ الكاتب مدبرا له، فإذا احتاج إلى ~~مكاتبة بإعذار أو إنذار، أو إخبار أو استخبار، كتب فيه عن صاحب الجيش. PageV01P002 # وكان ملوك فارس، قبل أنوشروان، يقاسمون الناس على ثمارهم وغلاتهم، فكان ~~أكثر ما PageV01P003 ### | CHECK [3] # يأخذونه الثلث، وأقله السدس، ويأخذون فيما بين ذلك على قدر الشرب والربع. ~~فأمر قباد بن فيروز بمساحة الأرض، ms002 وعدد النخيل والشجر، وإحصاء الجماجم، ~~وعزم على وضع وضائع الخراج، فهلك قبل تمام ذلك. # ولما ملك أنو شروان استتم المساحة والعدد وأحصى الجماجم، ثم جلس مجلسا ~~عاما، وأمر كتابه بإحصاء جمل ذلك ففعلوا، فخاطب الناس بما رآه من ذلك، من ~~وضع الخراج على جربان ما مسح من الأرض، وعلى ما عده من الشجر والنخل، وما ~~أحصى من الناس، وأن يجبى ذلك في ثلاثة أنجم في كل أربعة أشهر الثلث، ~~واستشارهم، فلم يشر أحد منهم بشيء، فأعد القول ثلاث مرات والناس صموت. فقام ~~رجل من عرض الناس، فقال: أيها الملك، أتضع الخراج الباقي على الإنسان ~~الفاني، وعلى كبد تموت، وعلى زرع يجف، ونهر يذهب، وعين تغور؟ فقال كسرى: يا ~~ذا الكلفة المشئوم، من أي طبقات الناس أنت؟ فقال: أنا رجل من الكتاب، فقال ~~كسرى لكتابه: اضربوه بالدوى حتى يموت. فضربه الكتاب تبريا إلى كسرى من ~~رأيه، حتى مات، وقالوا: نحن راضون بما صنع الملك. فصنفت الوضائع على أصناف ~~الغلات والنخل والشجر. PageV01P004 # ووجدت في عهد لسابور بن أردشير فصلا يخاطب فيه ابنه، يقول: وزيرك يكون ~~مقبول القول عندك، قوى المنزلة لديك، يمنعه مكانه منك، وما يثق به من لطافة ~~منزلته عندك من الخنوع لأحد، أو الضراعة إلى أحد، أو المداهنة لأحد في شيء ~~مما تحت يديه، لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك، والمنابذة لمن أراد ~~غشك، وانتقاصك حقك، وإن أورد عليك رأيا يخالفك، ولا يوافق الصواب عندك، فلا ~~تجبه جبة الظنين، ولا ترده عليه بالتجهم، فيفت في عضده ذلك، ويقبضه عن ~~ابثاثك كل رأى يلوح صوابه، بل اقبل ما رضيت من رأيه، وعرفه ما تخوفت من ضرر ~~الرأي الذي انصرفت عنه، لينتفعوا بأدبك فيما يستقبلون النظر فيه. واحذر كل ~~الحذر من أن تنزل بهذه المنزلة سواه، ممن يطيف بك من خاصتك وخدمك، وأن تسهل ~~منهم السبيل إلى الانبساط بالنطق عندك، والإفاضة في أمور رعيتك ومملكتك، ~~فانه لا يوثق بصحة آرائهم، ولا يؤمن الانتشار فيما أفضى من السر إليهم. # ومن هذا العهد ms003 فصل، قال فيه: # وأعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج، ودروره بعمارة البلاد، وبلوغ الغاية في ~~ذلك يكون PageV01P005 ### | CHECK [4] # باستصلاح أهله، بالعدل عليهم والمعونة لهم، فإن بعض الأمور لبعض سبب، ~~وعوام الناس لخواصهم عدة، وبكل صنف منهم إلى الآخر حاجة، فاختر لذلك أفضل ~~من تقدر عليه من كتابك. وليكونوا من أهل البصر والعفاف والكفاية، وأسند إلى ~~كل امرئ منهم شقصا يضطلع به، ويمكنه الفراغ منه. فإن اطلعت على أن أحدا ~~منهم خان أو تعدى، فنكل به، وبالغ في عقوبته. واحذر أن تستعمل على الأرض ~~الكثير خراجها إلا البعيد الصوت، العظيم شرف المنزلة. ولا تولين أحدا من ~~قادة جندك، الذين اتخذتهم عدة الحرب، وجنة من الأعداء، # خراجا، فلعلك أن تهجم من بعضهم على خيانة للأموال، وتضييع للعمل، فإن ~~سوغته المال، وأغضيت له على التضييع، كان ذلك هلاكا للمال، وإضرارا ~~بالرعية، وداعية إلى فساد غيره، وان أنت كافأته على فعله استفسدته، وأذهبت ~~بهاءه، وأضغنت صدره، وهذا أمر توقيه حزم، والإقدام عليه خرق، والتقصير فيه ~~عجز. ثم اعلم إنه إذا تطعم جمع الأموال من غير الجهة التي تعود أخذها منها، ~~اشتد ركوبه إلى الدنيا، وصار طلبه الأموال من غير الوجه الذي قرب به، وأعطى ~~عليه. وليس شيء أفسد لسائر العمال والكتاب، ولا أدعى إلى خراب أماناتهم، ~~وهلاك ما تحت أيديهم، من جهالة الملك، وقلة معرفته بحالاتهم، وتركه مكافأة ~~المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأكثر الفحص عن عمال الخراج وسيرهم ~~وآثارهم، واختر لذلك العيون الموثوق بهم. واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ ~~بعض أرضه وضياعه إلى خاصة الملك وبطانته، لأحد أمرين، أنت حرى بكراهتهما: ~~أما لامتناع من جور العمال، وظلم الولاة، فتلك منزلة يظهر بها سوء أثر ~~العمال، وضعف الملك، وإخلاله بما تحت يده، وأما لدفع ما يلزمهم من الحق ~~والكسر له، فهذه خلة يفسد بها أدب الرعية، وتنتقض الملك، فاحذر ذلك، وعاقب ~~الملجئين والملجأ إليهم. PageV01P006 # وفصل من كتاب لأردشير يخاطب به وزراءه: اعلموا أنكم إن هممتم ألا تستعينوا ~~إلا بمن تكاملت فيه الخصال الرضية، ms004 وأحرز المذاهب المحمودة، فقد رمتم شيئا ~~عسيرا غير موجود. فاكتفوا من دين المرء وورعه، بأن يكون للكبائر والفواحش ~~مجتنبا، ومن الإصرار على العسف والظلم مستوحشا، ومن أمانته وعفافه، أن يكون ~~عما يعرض له من الطمع، وأمر في دخوله ظاهر نقص أو ضرر، ومن غنائه ونفاذه أن ~~يكون بالعمل الذي تستعينون PageV01P007 ### | CHECK [5] # به فيه مضطلعا، وأن لا يضيع لكم فيما يلي من أموركم حقا. واعلموا أن لكم ~~أعمالا يكفيكموها من دونكم، وأعمالا لا يضطلع بها سواكم، فاعرفوا حدود ذلك، ~~ولا تتكلفوا ما يكفيكموه من تحت أيديكم، ولا تكلفوا ما يجب عليكم النظر فيه ~~من سواكم، فإن حدث لكم فراغ بعد قضائكم ما عليكم، فاستعينوا بالتودع ~~والراحة على ساعات الشغل. # وكان كشتاسب يقول للكتاب: # الزموا العفاف، وأدوا الأمانة في كل ما يفوض إليكم، واجمعوا على غزائزكم ~~وعقولكم سماع الأدب، واستعملوا ما استفدتم من الأدب بما طبعت عليه عقولكم، ~~وليكن اجتباؤكم بالقسط والمعدلة، ولا تزينوا لنا ما لا تليق بنا الأحدوثة ~~به، والإيثار له. # ولما ملك أبرويز بن هرمز جمع رعيته وخطب عليهم خطبة، قال في فصل منها ~~يخاطب وزيره: # اكتم السر، وأصدق الحديث، وأجهد في النصيحة، واحترس بالحذر، فعلي ألا ~~أعجل عليك حتى أستأني، ولا أقبل عليك حتى أستيقن، ولا أطمع فيك فأغتالك. # وحكي أن الجور كثر الجور كثر في أيام الملك أنوشروان، فقال له موبذان موبذ: # أيها الملك، أني سمعت فقهاءنا يقولون: إنه متى لم يغمر العدل الجور في ~~بلدة، ابتلى أهلها بعدو يغزوهم، وخيف تتابع الآفات عليهم، وقد خفنا ذلك ~~بشيء قد فشا من جور أسبابك. # فنظر أنوشروان في ذلك، فاستقر عنده أن ظلما وجورا قد جرى، فصلب ثمانين ~~رجلا منهم، من الكتاب خمسون رجلا، ومن العمال والأمناء ثلاثون رجلا. # وكانت الاكاسرة بعد أنوشروان تقول لأهل الخراج: # من كره منكم الأداء إلى العمال، فهذا بيت مالنا فأدوا اليه. فلم يكن عامل ~~يبسط يده إلى ظلم أحد، خوفا من عدول الرعية إلى بيت المال بأداء الخراج، ~~فيستدل بذلك على مذهبه. # ولم ms005 يكن يركب الهماليج في أيام الفرس إلا الملك والكاتب والقاضي. PageV01P008 # وكان أرسطاطاليس أدب الاسكندر، فلما نشأ الاسكندر وعلا، وعرف من أرسطاطاليس ~~ما عرفه من عرفه من الحكمة، كان شبه الوزير له، وكان يعتمد عليه في الرأي ~~والمشورة. فكتب إليه يخبره إنه قد كثر في خواصه وعسكره قوم ليس يأمنهم على ~~نفسه، لما يرى من بعد هممهم وشجعانهم، وشذوذ آلتهم، وليس يرى لهم عقولا تفي ~~بهذه الفضائل التي فيهم PageV01P009 ### | CHECK [6] # بقدر هممهم. # فكتب إليه أرسطاطاليس: # فهمت ما ذكرت عن القوم الذين ذكرت. فأما هممهم، فمن الوفاء بعد الهمة، ~~وأما ما ذكرت من شجاعتهم مع نقص عقولهم، فمن كانت هذه حاله فرفهه في ~~المعيشة، واخصصه بحسان النساء، فإن رفاهة العيش توهي العزم، وان حب النساء ~~يحبب السلامة، ويباعد من ركوب المخاطرة، وليكن خلقك حسنا، تستدع به صفو ~~النيات، وإخلاص المقالات، ولا تتناول من لذيذ العيش مالا يمكن أوساط أصحابك ~~مثله، فليس مع الاستئثار محبة، ولا مع المؤاساة بغضة. # وأوصى أبرويز ابنه شيرويه وصية طولية، قال في فصل منها: # وليكن من تختاره لوزارتك أمرا كان متضعا فرفعته، وذا شرف كان مهتضما ~~فاصطنعته، ولا تجعله امرأ أصبته بعقوبة فاتضع عنها، ولا امرأ أطاعك بعد ما ~~أذللته، ولا أحدا يقع في خلده أن إزالة سلطانك خير له، وأدعى إلى ثبوته، ~~وإياك أن تستعمل ضرعا غمرا، ولا كبيرا مدبرا، قد أخذ الدهر من عقله، كما ~~أخذت السن من جسمه. # وكانت الفرس تقول: # للوزير على الملك، وللكاتب على الصاحب، ثلاث خصال: رفع الحجاب عنه، ~~واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السر إليه. # وفي كتاب من كتب الهند: # إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة من الناس، فليصرعه ~~الملك، فإن لم يفعل، فليعلم إنه المصروع. # ومما استحسنه من شدة التحرز ما حكي في كتاب من كتب الهند: أنه أهدى إلى ~~بعض ملوكهم حلى وكسوة، وبحضرته امرأتان من نسائه، ووزير من وزرائه. فخير ~~إحدى امرأتيه بين اللباس والحلية، فنظرت المرأة إلى الوزير كالمستشيرة له، ~~فغمزها بإحدى عينيه على أخذ ms006 الكسوة، ولحظة الملك، فعدلت عما أشار به من ~~الكسوة، واختارت الحلي، لئلا يفطن الملك للغمزة، ومكث الوزير أربعين سنة ~~كاسرا عينه، ليظن الملك أنها عادة وخلقه. PageV01P010 ### | CHECK [7] # واستشار سابور ذو الأكتاف وزيرين كانا له، في أمر من أموره، فقال له ~~أحدهما: # لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا، فإنه أموت للسر، وأحزم في ~~الرأي، وأدعى إلى السلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، لأن الواحد رهن بما ~~أفضى إليه، وهو أحرى ألا يظهره، رهبة للملك، ورغبة إليه، وإذا كان عند ~~اثنين فظهر، دخلت على الملك الشبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن ~~عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم، وإن ~~عفا عنهما، عفا عن واحد لا ذنب له، وعن الآخر والحجة عليه. # وروي أن داود أول من قال: أما بعد، وهو فصل الخطاب. # وروي أن أول من قال: أما بعد قس بن ساعدة. # أسماء من ثبت على كتابة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانا يكتبان الوحي، فإن غابا كتبه أبي بن ~~كعب، وزيد بن ثابت. # وكان خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتبان بين يديه في ~~حوائجه. # وكان المغيرة بن شعبة، والحصين بن نمير يكتبان مابين الناس. # وكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث والعلاء بن عقبة يكتبان بين القوم ~~في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. # وكان زيد بن ثابت يكتب إلى الملوك مع ما كان يكتبه من الوحي. وروي عنه ~~إنه قال: كنت أكتب لرسول الله يوما، فقام لحاجة فقال لي: # ضع القلم على أذنك، فانه أذكر للمملى، وأقضى للحاجة. # وروي أن معيقيب بن أبي فاطمة، حليف بني أسد، كان يكتب مغانم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وكان حنظلة بن الربيع بن المرقع بن صيفي، ابن أخي أكثم بن # صيفي الأسدي، خليفة كل كاتب النبي إذا غاب عن عمله، فغلب عليه اسم ~~الكاتب. وكان يضع عنده خاتمة، وقال له: ms007 الزمني، واذكرني بكل شيء لثالثة. ~~فكان لا يأتي على مال ولا PageV01P011 ### | CHECK [8] # طعام ثلاثة أيام إلا أذكره، فلا يبيت رسول الله وعنده شيء منه. # ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة يوم فتح مكة، فقال ~~لحنظلة: الحق خالدا فقل له: لا تقتلن ذرية ولا عسيفا. ومات حنظلة بمدينة ~~الرها، فقالت فيه امرأته: # يا عجب الدهر لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب # إن تسأليني اليوم ما شفني ... أخبرك قولا ليس بالكاذب # أن سواد الرأس أودى به ... وجدي على حنظلة الكاتب # وكان عبد الله سعد بن أبى سرح يكتب له، ثم ارتد ولحق بالمشركين، فقال: إن ~~محمدا ليكتب بما شئت. فسمع بذلك رجل من الأنصار، فحلف بالله إن أمكنه منه ~~ليضربنه ضربة بالسيف. فلما كان يوم فتح مكة جاء به عثمان، وكان بينهما ~~رضاع، فقال: يا رسول الله، هذا عبد الله قد أقبل تائبا، والأنصاري يطيف به ~~ومعه سيفه، فأعاد عليه عثمان القول، فمد رسول الله يده فبايعه، وقال ~~للأنصاري: لقد تلومتك أن توفي بنذرك، فقال: # هلا أومضت إلى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لي أن أومض. # وروي عن الشعبي: # أن رسول الله كتب أربعة كتب، في الأول: باسمك اللهم، فنزلت هود وفيها: ~~{بسم الله مجراها ومرساها}. وكتب في الثاني: بسم الله، فنزلت بنو إسرائيل ~~وفيها: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}. فكتب في الثالث: بسم الله الرحمن. ~~ثم نزلت سورة النمل وفيها: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم}، ~~فكتب في الرابع: بسم الله الرحمن الرحيم. # أيام أبي بكر # رضي الله عنه # وكان يكتب لأبي بكر عثمان بن عفان وزيد بن ثابت. # وروي أن عبد الله بن الأرقم كتب له، وأن حنظلة بن الربيع كتب له أيضا. # أيام عمر بن الخطاب # رضي الله عنه # وكان يكتب لعمر زيد بن ثابت. وكتب له عبد الله بن الأرقم. وكتب له على ~~ديوان الكوفة PageV01P012 ### | CHECK [9] # أبو الكوفة أبو جبيرة بن الضحاك الأنصاري. # وكان عمر يقول لكاتبه، ويكتب ms008 إلى عماله: # إن القوة على العمل ألا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إن فعلتم ذلك تداكت ~~عليكم الأعمال، فلا تدرون بأيها تبتدون، وأيها تأخذون. # وكان عمر أول من دون الدواوين من العرب في الإسلام، وكان السبب في ذلك، ~~أن أبا هريرة قدم عليه من البحرين ومعه مال، فلقي عمر، فقال له عمر: ماذا ~~جئت به؟ قال خمس مائة ألف درهم، فقال عمر: أتدري ما تقول! قال: نعم، مائة ~~ألف درهم، ومائة ألف درهم، ومائة ألف درهم، ومائة ألف درهم، فقال عمر: أطيب ~~هو؟ قال: لا أدري. فصعد عمر المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أيها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه كيلا، وإن شئتم أن نعد ~~عدا. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ~~ديوانا لهم. قال: دونوا الدواوين. # ولما أمر عمر الفيرزان حضره وقد بعث بعثا له، فقال له: هذا البعث قد ~~أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل وأخل بمكانه فما يدرى صاحبك. وأشار ~~عليه بالديوان، وفسره له وشرحه، فوضع عمر الديوان. # ولما استكتب أبو موسى زياد ابن أبيه، كتب إليه عمر يستقدمه. # فاستخلف زيادا على عمله، فلما قدم عليه عمن استخلفه، فأعلمه إنه استخلف ~~زيادا، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه ضابط لما ولى، خليق بكل خير. # وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، والاستخلاف على العمل. فاستخلف زياد عمران ~~بن حصين، وقدم عليه. فقال عمر، لئن كان أبو موسى استخلف حدثا لقد استخلف ~~الحدث كهلا، ثم دعا بزياد، فقال له: ينبغي أن تكتب إلى خليفتك بما يجب أن ~~يعمل به. فكتب إليه كتابا، ودفعه إلى عمر، فنظر فيه ثم قال: أعد، فكتب ~~غيره، فقال له: أعد، فكتب الثالث، فقال عمر: لقد بلغ ما أدرت في الأول، ~~ولكني ظننت إنه قد روى فيه، ثم بلغ في الثاني ما أردت أن أضع منه، لئلا ~~يدخله العجب فيهلك. PageV01P013 # ولما رفع ضبة بن محصن العنزي والمتظلمون على أبي موسى ظلاماتهم إلى عمر، ~~وشكوه، قالوا: ms009 وزيره له غلام ختار، ومائدة، وله برذون. PageV01P014 ### | CHECK [10] # ولما استحضر عمر زيادا، قال زياد: فأتيته وعلى ثياب كتان، وعلى خفان ~~ساذجان، وفي يده مخصرة على رأسها حديد، فغمزها في خفي حتى خرقه وأدمى رجلي، ~~فلما كان من الغد، رجعت إليه في خفين غليظين، وعلى ثوبان من قطن، فلما رآني ~~قال: هكذا يا زياد! هكذا يا زياد! ثم قال لي: بكم أخذت هذين الخفين؟ قلت ~~بواف - يريد درهما وافيا - فأعطاني درهما وقال: اشتر لي مثلهما. # قال: وكان عمر يملى على كاتب بين يديه، فكتب الكاتب غير ما قال عمر، فقال ~~له زياد: يا أمير المؤمنين، قد كتب غير ما قلت. فنظر في الكتاب، فكان كما ~~قال زياد، فقال عمر: أني علمت هذا؟ قال: رأيت رجع فيك وخطه، فرأيت ما أحارت ~~كفه غير ما رجعت به شفتيك. # وكتب عمر إلى أبي موسى يأمره بحفر نهر لأهل البصرة، فحفر لهم النهر ~~المعروف بنهر الأبلة. # وروى أن عمر وهب لزياد عند وصوله إليه ألف درهم، ثم تذكرها بعد، فقال: ~~ضاع ألف أخذه زياد. فلما دخل عليه قال له: ما فعل ألفك؟ قال اشتريت به ~~عبيدا وأعتقته، فقال: ما ضاع ألفك. # ثم قال له: يا زياد، هل أنت حامل كتابي إلى أبي موسى في عزلك عن كتابه؟ ~~قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إن لم يكن ذلك عن سخط، قال: ليس عن سخط، ولكني ~~أكره أن أحمل فضل عقلك على الرعية. # وكان عمر أول من قرر التأريخ من الهجرة، لأن أبا موسى كتب إليه: إنه ~~يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ - وكانت العرب تؤرخ بعام الفيل - فجمع عمر ~~الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ بمبعث النبي، وقال بعضهم بمهاجره، فقال ~~عمر: لا، بل بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مهاجره فرق بين الحق ~~والباطل. وكان ذلك في سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة. # ولما أجمعوا على ذلك قالوا: بأي الشهور نبدأ؟ فقال بعضهم: من شهر رمضان؟ ~~فقال عمر: بل من المحرم، فهو منصرف ms010 الناس من حجهم، وهو شهر حرام، فأجمعوا ~~على المحرم. # وروي في خبر شاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ورد المدينة ~~مهاجرا من مكة PageV01P015 ### | CHECK [11] # يوم الاثنين. لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ستة أربع من حين ~~نبئ، أمر بالتاريخ، والأول أثبت وأصح. # وكان أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان، يكتب ليحيى بن الحكم بن أبى العاص، # وهو والي المدينة، فغلا السعر بالمدينة، فقال بعض ظرفائهم: # ألم يحزنك أن السعر غال ... لقول أبى الزناد أيا غلام # فلو عاش الأنام بلا كلام ... لقلنا بعدها حرم الكلام # أيام عثمان # رضي الله عنه # وكان يكتب لعثمان بن عفان، مروان بن الحكم. وكان عبد الملك بن مروان يكتب ~~له على ديوان المدينة، وأبو جبيرة الأنصاري على ديوان الكوفة. وكان عبد ~~الله بن الأرقم بن عبد يغوث، أحد كتاب النبي، يتقلد له يبت المال. وكان أبو ~~غطفان بن عوف بن سعد بن دينار، من بني دهمان، من قيس عيلان، يكتب له أيضا. ~~وكان يكتب له أهيب مولاه، وحمران بن أبان مولاه. # ولما قصد المصريون في الدفعة الأولى عثمان بن عفان وجه إليهم بجابر بن ~~عبد الله، حتى ردهم. # وروى عن جابر إنه قال: إن المصريين لما صاروا بأيلة راجعين عن عثمان، مر ~~بهم راكب أنكروا شأنه، فأخذوه، فإذا هو غلام لعثمان على جمل له معروف، وكان ~~عثمان يحج عليه، ففتشوه فوجدوا معه قصبة من رصاص، فيها صحيفة عليها خاتم ~~عثمان، ففتحوا الصحيفة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى عبد الله بن سعد، عامله ~~على مصر، فيه: إذا قدم عليك فلان وفلان وفلان، فاضرب أعناقهم، وفلان وفلان ~~وفلان فاقطع أيديهم وأرجلهم، فسمى الذين كانوا ساروا إلى عثمان، وانصرفوا ~~عنه من أهل مصر. # فكروا راجعين حين وقفوا على ذلك، فأقرءوا الكتاب أصحاب رسول الله. فعاتب ~~قوم عثمان على ذلك، فقال: أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فخاتمي، ولا ~~والله ما أمرت بذلك - وكان بخط مروان بن الحكم - فقال القوم: إن كنت كاذبا ~~فلا ms011 إمامة لك، وإن كنت صادقا PageV01P016 ### | CHECK [12] # فليس يجوز أن يكون إماما من كان بهذه المنزلة من الغفلة، حتى يقدم عليه ~~كاتبه بهذا الأمر العظيم. # أيام علي بن أبي طالب # رضي الله عنه # وكان يكتب لعلي سعيد بن نمران الهمداني، وكان عبد الله بن جعفر يكتب له ~~أيضا. وروي أن عبد الله بن جبير كتب له. وكان عبيد الله بن أبي رافع يكتب له. # وحكي عن عبيد الله هذا إنه قال: # كنت بين يدي علي بن أبي طالب، فقال: عبد الله، ألق دواتك، وأطل شباة ~~قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف. # ولما قدم على البصرة استتر عنه زياد، فلقيه عبد الرحمن بن أبي بكرة، فقال ~~له: يا أصلع، أين عمك؟ فقال: أدلك عليه على أن تؤمنه، فأدخله عليه في دار ~~أمه. فقال له علي: أين ما عندك من المال؟ فقال: عندي على حاله، فقال: مثلك ~~فليؤتمن. ثم أقبل مع علي، فقال لأصحابه: أتاكم ابن بجدتها. فلما سار عن ~~البصرة استعمله على الخراج والديوان، وقال له: أحفظ ما استكفيتك. # أيام معاوية بن أبي سفيان # وكان يكتب لمعاوية على الرسائل عبيد الله بن أوس الغساني، وكان يكتب له ~~على ديوان الخراج سرجون بن منصور الرومي. # وكان لمعاوية كاتب، يقال له: عبد الرحمن بن دراج - وكان له أخ، يقال له: ~~عبيد الله بن دراج، وكانا مولييه - فقلده الخراج بالعراق، عن تقليده ~~المغيرة الحرب بها، وطالب أهل السودان أن يهدوا له في النوروز والمهرجان، ~~ففعلوا، فبلغ ذلك عشرة آلاف ألف درهم في سنة. # وكان عمرو بن سعيد بن العاص يكتب على ديوان الجند. # وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم، وكان سبب ذلك: إنه كتب لعمرو بن ~~الزبير بمائة ألف درهم إلى زياد، وهو عامله على العراق، ففض عمرو الكتاب ~~وجعلها مائتي ألف PageV01P017 ### | CHECK [13] # درهم، فلما رفع زياد حسابه، قال معاوية: ما كتبت له إلا بمائة ألف درهم، ~~وكتب إلى زياد بذلك، وأمره أن يأخذ المائة الألف منه، فحسبه بها. فاتخذ ~~معاوية ديوان الخاتم، ms012 وقلده عبد الله ابن محمد الحميري، وكان قاضيا. # وكانت العرب إذا كتبت إلى أحد، شريفا كان أو مشروفا، بدأ الكاتب بنفسه ~~إلى المكتوب إليه، وكتب: من فلان إلى فلان. # وقد حكي أن العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: # من العلاء بن الحضرمي إلى محمد رسول الله، وكان عامله على البحرين. وعلى ~~ذلك جرى الأمر إلى أيام معاوية، فأراد عبد الله بن عمر أن يكتب إليه، لما ~~استجمع عليه، في حاجة، فأشار ولده أن يبدأ به في الكتاب، فكتب: إلى معاوية ~~بن أبي سفيان، من عبد الله بن عمر. # وكان زياد يجلس في كل يوم للنظر في أسباب عمله إلا يوم الجمعة. # وخلا يوما يملي على كاتبه أسرارا له، وبحضرته عبيد الله ابنه، فنعس ~~زيادا، فقام ينام، فقال: لعبيد الله: تعهد هذا، لا تغير شيئا مما رسمته له، ~~فعرضت لعبيد الله حاجة إلى البول، واشتد ذلك به، فكره أن ينبه أباه، وكره ~~أن يقوم عن الكاتب، فشد إبهاميه بخيط وختمهما، وقام لحاجته. فاستيقظ زياد ~~قبل عودة عبيد الله، فلما نظر إلى الكاتب: سأله عن خبره، فخبره، فأحمد ذلك ~~من فعل عبيد الله. # وذكر أن زيادا دخل يوما ديوانه، فوجد فيه كتابا، وفيه: ثلاثة دنان، فقال: ~~من كتب هذا؟ فقيل: هذا الفتى، فقال: أخرجوه من ديواننا لئلا يفسده، وامح ~~هذا واكتب: آدن. # وكان يكتب لزياد على الخراج زاذا نفروخ، ويكتب له على الرسائل عبد الله ~~بن أبي بكرة، وجبير بن حية، وكان يكتب له أيضا مرداس مولاه. # وتوفي زياد يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر رمضان من سنة ثلاث وخمسين. PageV01P018 # وقد روى أن سليمان بن سعيد، مولى الحسين، كتب لمعاوية، وأن سليمان المشجعي، ~~من قضاعة، كتب له على فلسطين. فكتب إلى سليمان هذا: اتخذ لي ضياعا، ولا تكن ~~بالداروم المجذاب، ولا بقيسارية المغراق، واتخذها بمجاري السحاب. فاتخذ له ~~البطنان من كورة عسقلان. PageV01P019 ### | CHECK [14] # وكتب له على بعض دواوينه عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمي. ms013 # وروي أن حبيب بن عبد الملك بن مروان كتب له على ديوان المدينة. وكان يكتب ~~له على ديوان خراج حمص ابن أوثال النصراني، وله بحمص قصر يعرف به. # وكان عبد الرحمن بن الوليد عاملا على حمص، فطالت إمرته، فخافه معاوية أنم ~~يبايع له أهل الشام بالخلافة، لما كان عندهم من آثار أبيه، خالد بن الوليد، ~~ولقائه عن المسلمين في أرض الروم، فدس إليه ابن أوثال من سقاه سما فمات. ~~فجلس المهاجر بن خالد بن الوليد مع عروة بن الزبير بالمدينة، فقال عروة ~~للمهاجر: هذا ابن أوثال يفخر بقتل عبد الرحمن. فخرج المهاجر من فوره حتى ~~أتى دمشق، فسأل عن ابن أوثال، فأخبر إنه من كتاب معاوية، فوقف ناحية حتى ~~خرج من ديوانه، فلما رآه المهاجر قال له: إن لي إليك حاجة، فاعدل معي، فعدل ~~معه إلى زقاق يعرف بزقاق عطاف بدمشق، وكان معه سيف، فعلاه به فقتله. فأخذه ~~معاوية فحبسه سنة، ثم خلاه. # وأهدى زياد إلى معاوية هدايا كثيرة، وكان فيها عقد جوهر نفيس، فأعجب به ~~معاوية، فلما رأى ذلك زياد، قال له: يا أمير المؤمنين، دوخت لك العراق، ~~وجبيت لك برها وبحرها، وغثها وسمينها، وحملت إليك لبها وقشورها. فقال له ~~يزيد: لئن فعلت ذلك لقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى عز قريش، ومن عبيد إلى أبي ~~سفيان، ومن القلم إلى المنابر! وما أمكنك ما اعتددت به إلا بنا، فقال له ~~معاوية: حسبك! وريت بك زنادي! # ولم تزل العرب تفضل السيف على القلم، وفي ذلك يقول سليط بن جرير ابن لبيد ~~بن عتبة بن خالد بن عبد عمرو النمرى: # أتحقرني ولست لذاك أهلا ... وتدني الأصغرين من الخوان # جهابذة وكتابا وليسوا ... بفرسان الكريهة والطعان # ستعرفني وتذكرني إذا ما ... تلاقي الحلقتان من البطان PageV01P020 ~~ومن هذا المعنى سرق أبو عبادة، الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملال بن ~~جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن حشم بن أبي حارثة ابن جدي بن تدول بن ~~بحتر بن عتود بن عنز بن ms014 سلامان بن ثعل ابن عمرو بن الغوث بن طيء، البحتري قوله: # تعنو له وزراء الملك راغمة ... وعادة السيف أن يستعبد القلما PageV01P021 ### | CHECK [15] # تعنو: تخضع، ومنه قول الله عز وجل: وعنت الوجوه للحي القيوم . # قال عمر بن شبه: حدثنا المعافي بن نعيم، قال: # وقفت أنا ومعبد بن طوق على مجلس لبني العنبر، أنا على ناقة، وهو على ~~حمار، فقاموا إلينا، فبدءوا بي، فسلموا علي، ثم انكفئوا على معبد، فقبض يده ~~عنهم، وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير من قبل الكبير، وبالمولى على ~~العربي، فأسكتوا. فنبرى هن منهم له، فقال: بدأنا بالكتاب قبل الأمي، ~~وبالمهاجر قبل الأعرابي، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار. # وقلد معاوية عبد الرحمن بن زياد خراسان سنة ثمان وخمسين، وكان ضعيفا ~~سخيا. وفيه يقول زياد بن عمرو العتكي: # سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا # وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... وأحسن ثم عدت له فعادا # مرارا لا أعود إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا # ولم يزل عليها إلى أن ولي يزيد، وقتل الحسين عليه السلام، فاستخلف على ~~عمله قيس بن الهيثم. وأقبل إلى يزيد، فأنكر قدومه، ثم رضي عنه، وسأله عما ~~حصل له، فاعترف بعشرين ألف ألف درهم، فسوغه إياها. # وكان معه من العروض أكثر منها: فقال يوما لأسطفانوس كاتبه: ويحك يا ~~أسطفانوس! انى لأعجب كيف يجيئني النوم وهذا المال عندي فقال له: وكم مبلغه؟ ~~قال: إني قدرت ما عندي لمائة سنة، في كل يوم ألف درهم، لا أحتاج منه إلى ~~شرى رقيق ولا كراع، ولا عرض من العروض، فقال له أسطفانوس: أنلم الله عينك ~~أيها الأمير، لا تعجب من نومك وهذا المال عندك، ولكن أعجب من نومك إذا ذهب ~~ثم نمت. # فذهب ذلك كله: أودع بعضه فذهب، وجحد بعضه، وسرة، أسبابه بعضه، فآل إلى ~~أمره إلى أن باع فضة مصحفه. وكان يركب حمارا صغيرا تنال رجله الأرض، فلقيه ~~مالك بن دينار، فقال له: ما فعل المال الذي قلت فيه ما قلت؟ قال: كل شيء ~~هالك إلا وجهه، ms015 يا أبا يحيى. # أيام يزيد بن معاوية PageV01P022 ### | CHECK [16] # وكان يكتب ليزيد بن معاوية عبيد الله بن أوس الغساني كاتب معاوية. # ويكتب له على ديوان الخراج سرجون بن منصور. # ولما اتصل بيزيد مصير الحسين، رضي الله عنه، إلى الكوفة، كره ذلك وشق ~~عليه، فشاور سرجون بن منصور فيمن يولى العراق، ليقاوم الحسين، فقال له ~~سرجون: عبيد الله بن زياد - وكان يزيد كارها له - فقال: لا خير فيه، فسم لي ~~غيره، قال: أرأيت لو كان معاوية حيا فأشار به عليك أكنت قابلا؟ قال: نعم، ~~فأخرج إليه عهدا من معاوية لعبيد الله بولاية الكوفة، وعليه خاتمه، وقال ~~له: هذا عندي، ولم يمنعني من إخبارك به من أول الأمر إلا علمي ببعضك لعبيد ~~الله، فقال له: فأنفذ إليه، وكان عبيد الله يتقلد البصرة مع مسلم بن عمرو ~~الباهلي. # وكتب معه عن يزيد إليه: # أما بعد. فإن الممدوح مسبوب يوما ما، وان المسبوب ممدوح يوما ما، وقد ~~انتميت إلى منصب كما قال الأول: # رفعت فجاورت السحاب وفوقه ... فمالك إلا مرقب الشمس مرقب # وقد ابتلي بحسين زمانك دون الأزمان، وبلدك دون البلدان، ونكبت به من بين ~~العمال، فأما تعتق أو تعود عبدا، كما يعبد العبد، والسلام. # وقلد يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، وكان يكتب له أسطفانوس كاتب ~~أخيه عبد الرحمن. # أيام معاوية بن يزيد بن معاوية # وكان يكتب لمعاوية بن يزيد: الريان بن مسلم، ويكتب له على الديوان سرجون ~~بن منصور النصراني. # أيام مروان بن الحكم # وكان يكتب لمروان سفيان الأحوال، ويكتب له على الديوان سرجون ابن منصور ~~النصراني، وقد روي: إنه كتب له أبو الزعيزعة. PageV01P023 ### | CHECK [17] # أيام عبد الملك بن مروان # وكان يكتب لعبد الملك قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعي، ويكنى: ~~أبا إسحاق، وكان خاصا به، وبلغ من لطافة محله منه أن كان يقرأ الكتب ~~الواردة على عبد الملك قبل أن يقرأها عبد الملك. # وكان مروان بن الحكم قد عهد إلى أبنه عبد العزيز بعد عبد الملك، فهم عبد ~~الملك، ms016 لما تمكن واستقام أمره بخلعه والعهد لابنيه: الوليد وسليمان، فنهاه ~~عن ذلك قبيصة بن ذؤيب، وقال له: لعل الموت يأتي عليه فيستريح منه، فقلده ~~مصر. فورد الكتاب في جمادي الأولى سنة خمس وثمانين بوفاته، فقرأ قبيصة ~~الكتاب قبل عبد الملك، على عادته في أمثاله، فعزاه بأخيه عبد العزيز. فولى ~~عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك مصر، وعقد لابنيه الوليد وسليمان ~~العهد بعده، وكتب إلى البلدان بذلك، فبايعوا. # وكان يكتب لعبد العزيز بن مروان يناس بن خمايا، من أهل الرها، وكان غالبا ~~عليه، وبنى له عبد العزيز قصرا على باب الجامع بالفسطاط. فلما ورد عبد ~~الملك خبر وفاة عبد العزيز وجه الضحاك بن عبد الرحمن إلى مصر، وقال: لتصر ~~إلى يناس، كاتب عبد العزيز، فاقسم ماله بينك وبينه. قال الضحاك: فصرت إليه ~~فقاسمته، فكان أكثر ما قاسمته عليه النحاس، الذي كان يعمل بأرض الروم، خلا ~~الحلي والجوهر، فأنى لم أقاسمه عليهما، وقلت: أمير المؤمنين يقاسمك على ~~هذا. وحملت جميعه إلى عبد الملك، فلما وضعته بين يديه، جعل يقلبه بقضيب كان ~~في يده، فمر به عقد فأخذه، ثم قال ليناس: دونك هذا الحلي، فأخذه. فلما ~~انصرفت قلت: لقد أحسن أمير المؤمنين في مقاسمتك، فقال لي: لحبة من ذلك ~~العقد خير من جميع ما ترك. # وكان يكتب لعبد الملك على ديوان الرسائل أبو الزعيزعة مولاه، فقال له عبد ~~الملك يوما: يا أبا الزعيزعة، هل اتخمت قط؟ قال: لا، قال: فكيف؟ قال: لأنا ~~طبخنا أنضجنا، واذا مضغنا دققنا، ولا نكظ المعدة، ولا نخليها. PageV01P024 # وكان زفر بن الحارث بحضرة عبد الملك، وبحضرته أبو الزعيزعة، بعد أن اجتمع ~~عليه، فقال زفر لعبد الملك: الحمد لله الذي نصرك على كره من كره! فقال أبو ~~الزعيزعة: ما كره ذلك إلا كافر، فقال له زفر: كذبت! قال الله لنبيه محمد: ~~{كما أخرجك ربك من بيتك بالحق PageV01P025 ### | CHECK [18] # وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} أمؤمنين سماهم أم كفارا؟ فغضب عبد الملك، ~~فقال زفر: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو قلت: ms017 الحمد لله الذي نصرك، فقد كنت ~~مسرورا بذلك؟ أما كنت تمقتني، ويمقتني الله عز وجل، وأنا أقاتلك تسع سنين! ~~فقال: صدقت! # وكان يكتب لعبد الملك أيضا، روح بن زنباغ الجذامي، ويكنى روح: أبا زرعة. ~~وكان عبد الملك كثيرا يقول: أن روح بن زنباغ شامي الطاعة، عراقي الحظ، ~~حجازي الفقه، فارسي الكتابة. # وكان معاوية هم بروح هذا، فقال له: لا تشمتن بي عدوا أنت وقمته، ولا ~~تسوئن بي صديقا أنت سررته، ولا تهد من منى ركنا أنت بنيته، هلا أتى حلمك ~~وإحسانك على جهلى؟ فأمسك عنه، وأنشد: # إذا الله سنى عقد شيء تيسرا # وكان عبد الملك بن مروان قلد أخاه بشرا العراق، وضم إليه روح ابن زنباغ. ~~فلما وصل بشر إلى العراق أغرى بالشراب، فثقل عليه مكان روح بن زنباغ، فقال: ~~من يحتال لي فيه؟ فقال سراقة البارقي: أنا. ثم صار سراقة إلى دهليز روح، ~~فكتب على الحائط: # يا روح، من لدنانير مجرشة ... إذا نعاك لأهل المغرب الناعي! # إن الخليفة قد شالت نعامته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباغ! # وكتب فوقه: قال بعض شعراء الجن. فلما وقف روح على ذلك، غدا على بشر، ~~فاستأذنه في الرجوع إلى الشام، فجعل بشر يحبسه ويسأله أن يقيم، فأبى، فأذن ~~له، فشخص، فلما دخل على عبد الملك قال: الحمد لله على سلامتك يا أمير ~~المؤمنين! قال: وما ذاك؟ فأخبر الخبر، فقال له: سخر منك بشر وأهل العراق ~~لما ثقلت عليهم، فاحتالوا في الراحة منك. # ثم كتب لعبد الملك ربيعة الجرشي، فلما عزم على تقليد الوليد العهد، شاوره ~~وقال له: إني قد عملت على توليته شيئا من النواحي أولا، فإذا مرت له مدة ~~قلدته، فقال: أمهلني سنة، فأبى عليه، فقال له: يا أمير المؤمنين، انك لو ~~بعثت الوليد يقسم الأموال بين الناس ما رضوا عنه، فكيف ببعثه جابيا، إن ~~احتاط ذم، وان رفق عجز! ولكن وله المعاون والصوائف يكن ذلك له شرفا وذكرا. PageV01P026 # ويشبه هذا شيئا ما حكي عن أبي العباس الطوسي مع أبي جعفر المنصور، ms018 وذلك أن PageV01P027 ### | CHECK [19] # المنصور قال له، ولعيسى بن علي، والعباس بن محمد، وغيرهم من خواصه: أني ~~قد عزمت على تقليد المهدي السواد وكور دجلة. فاستصوب جميعهم رأيه خلا ~~الطوسي، فإنه استخلاه، ثم قال له: أرأيت إن سلك المهدي غير سيرتك، واستعمل ~~التسهيل، أترضى بذلك؟ قال: لا والله، قال: فأنت تريد أن تحببه إلى الرعية، ~~وتقليدك إياه يبغضه إليهم، لا سيما ما قرب منك. ولكن يتولى هذه الولاية ~~عيسى بن موسى، وتجعل المهدي الناظر في ظلامات الناس، وتأمره يأخذه ~~بإنصافهم. فضحك منه حتى فحص برجليه. # ومات قبيصة بن ذؤيب، فولى مكانه عمرو بن الحارث الفهمي، مولى بني عامر بن ~~لؤي، فمات عمرو، فقلد جناحا، مولاه، ديوان الخاتم، واقتصر على باقي كتابه. # ولم يزل بالكوفة والبصرة ديوانان: أحداهما بالعربية، لإحصاء الناس ~~وأعطياتهم، وهذا الذي كان عمر قد رسمه، والآخر لوجه الأموال، بالفارسية. ~~وكان بالشام مثل ذلك، أحدهما بالرومية، والآخر بالعربية. فجرى الأمر على ~~ذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان. # فلما قلد الحجاج العراق، كان يكتب له صالح بن عبد الرحمن، ويكنى: أبا ~~الوليد. وكان يتقلد ديوان الفارسية إذ ذاك زاذان فروخ، فخلفه عليه صالح بن ~~عبد الرحمن، فخف على قلب الحجاج، وخص به، فقال لزاذان فروخ: إني قد خففت ~~على قلب الحجاج، ولست آمن أن أزيلك عن محلك لتقديمه إياي، وأنت رئيسي، فقال ~~زاذان فروخ: لا تفعل، فانه أحوج إلى منى إليه، قال: فكيف ذلك؟ قال: لا يجد ~~من يكفيه الحساب، فقال صالح: إني لو شئت حولته بالعربية، قال: فحول منه ~~سطرا، فحول منه شيئا كثيرا. فقال فروخ لأصحابه: التمسوا مكسبا غير هذا. ~~وأمر الحجاج صالحا بنقل الدواوين إلى العربية في سنة ثمان وسبعين. PageV01P028 # وكان عامة كتاب العراق تلامذة صالح، فمنهم: المغيرة بن أبي قرة، كتب ليزيد ~~بن المهلب، ومنهم قحذم بن أبي سليم، وشيبة بن أيمن، كاتبا يوسف بن عمر، ~~ومنهم المغيرة وسعيد، ابنا عطية، وكان سعيد يكتب لعمر بن هبيرة، ومنهم: ~~مروان بن اياس، كتب لخالد القسري، وغيرهم. # وقال ms019 الحجاج بوما لصالح إني فكرت فيك، فوجدت مالك ودمك حلالا لي، وإنني ~~غير آثم إن تناولتهما، فقال له صالح: أن أغلظ ما في الأمر - أعز الله ~~الأمير - أن هذا القول بعد PageV01P029 ### | CHECK [20] # الفكر، فضحك منه ولم يقل له شيئا. # وكان الحجاج لما قدم العراق ثقل أمره على أهل البلاد، فاجتمع الدهاقين ~~إلى جميل بن بصبهري، وكان حازما مقدما، فشكوا إليه ما يتخوفون من شر ~~الحجاج، فقال لهم: خبروني: أين مولده؟ فقالوا له: الحجاز، قال: ضعيف معجب، ~~فأين منشؤه؟ قالوا: الشام - قال: ذاك شر، ثم قال: ما أحسن حالكم إذا لم ~~تبتلوا معه بكاتب منكم، يعني من أهل بابل. فابتلوا بزاذان فروخ، وكان أعور ~~شريرا. وضرب لهم جميل المثل المشهور: إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين شجر، ~~فقال بعض الشجر لبعض: ما ألقي هذا هنا لخير، فقالت لهم شجرة عادية: إن لم ~~يدخل في أست هذا عود منكن فلا تخفنه. # وكان يتقلد ديوان الشام بالرومية، لعبد الملك ولمن تقدمه، سرجون ابن ~~منصور النصراني، فأمره عبد الملك يوما بشيء، فتثاقل عنه، وتوانى فيه، فعاد ~~لطلبه، وحثه فيه، فرأى منه تفريطا وتقصيرا، فقال عبد الملك لأبى ثابت، ~~سليمان بن سعد الحشني - وكان يتقلد له ديوان الرسائل - أما ترى ادلال سرجون ~~علينا؟ وأحسبه قد رأى أن ضرورتنا إليه والى صناعته، أفما عندك حيلة؟ قال: ~~لو شئت لحولت الحساب إلى العربية، قال: فافعل، فحوله. فرد إليه عبد الملك ~~جميع دواوين الشام. # وحكي إنه كان لعبد الملك كاتب نصراني من أوساط كتابه، يقال له: شمعل، ~~وأنه أنكر عليه شيئا فحذفه بمخصرة كانت في يده، أصابت رجله فأثرت فيها، ~~فرأى شمعل جماعة من أسباب عبد الملك ممن يعاديه، وقد ظهر فيهم السرور، ~~فأنشأ يقول: # أمن ضربة بالرجل مني تهافتت ... عداتي ولا عيب لا علي ولا نكر # وان أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر PageV01P030 ~~ولما قلد الحجاج عبيد الله بن المخارب الفلوجتين، قال لما وردها: أهاهنا ~~دهقان يعاش برأيه؟ فقيل له: جميل بن بصبهري، ms020 فأحضره وشاوره، فقال جميل: ~~أقدمت لرضا ربك، أم لرضا من قلدك، أم لرضا نفسك؟ فقال: ما استشرتك إلا لرضا ~~الجميع، فقال: أحفظ عني خلالا: لا يختلف حلمك على رعيتك، وليكن حلمك على ~~الشريف والوضيع سواء، ولا تتخذن حاجبا، ليرد عليك الوارد من أهل عملك على ~~ثقة من الوصول إليك، وأطل الجلوس لأهل عملك يتهيبك عمالك، ولا تقبل الهدية، ~~فإن صاحبها لا يرضى بثلاثين ضعفا لها، فإذا PageV01P031 ### | CHECK [21] # فعلت ذلك فاسلخ جلودهم من قرونهم إلى أقدامهم. # قال: فعملت بوصيته، فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم. # ولما هزم يزيد بن المهلب، وهو يتقلد خراسان من قبل الحجاج، عبد الرحمن بن ~~العباس بن ربيعة بن الحارث، عند محاربته إياه، أمر يحيى بن يعمر العدواني، ~~وكان يكتب له الرسائل، أن يكتب إلى الحجاج بالفتح، فكتب يحيى بن يعمر: إنا ~~لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت ~~طائفة برءوس الجبال، وعرائر الأودية، وأهضام الغيطان، وأثناء الأنهار، ~~فبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضه فقال الحجاج: من يكتب ليزيد بن ~~المهلب؟ فقيل له: يحيى بن يعمر فكتب إلى يزيد يأمره بحمله إليه على البريد، ~~فقدم إليه، فرأى أفصح إنسان. فقال له: أين ولدت؟ قال: بالأهواز، فقال: من ~~أين هذه الفصاحة؟ فقال: حفظت كلام أبي، وكان فصيحا، فقال له الحجاج: أخبرني ~~هل يلحن بن سعيد؟ قال: نعم، كثيرا، قال: ففلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني ~~عني، هل ألحن؟ قال: لا، أنت أفصح الناس، قال: لتخبرني، قال: إنك تلحن لحنا ~~خفيا، تزيد حرفا أو تنقص حرفا، وتجعل إن في موضع أن، قال: قد أجلتك ثلاثا، ~~فإن وجدتك بعد ثلاثة بالعراق قتلتك. فرجع إلى خراسان. # وقال الحجاج يوما لبعض كتابه: ما يقول الناس في؟ فاستعفاه، فلم يعفه. ~~قال: يقولون: إنك ظلوم، غشوم، قتال، عسوف، كذاب. قال: كل ما قالوا فقد ~~صدقوا فيه، إلا الكذب، فو الله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين أهله! PageV01P032 # وكان يزيد بن أبي مسلم - واسم أبي مسلم: دينار - من موالى ثقيف، وليس مولى ms021 ~~عتاقة، وكان أخا الحجاج من الرضاعة، يتقلد للحجاج ديوان الرسائل، وكنيته ~~أبو العلاء، وكان الحجاج يجري له في كل شهر ثلاث مئة درهم، يعطي امرأته ~~منها خمسين درهما، وينفق في ثمن اللحم خمسة وأربعين درهما، وينفق باقيها في ~~ثمن الدقيق وباقي نفقته، فإن فضل منها شيء ابتاع به ماء وسقاه المساكين، ~~وربما ابتاع قطفا ففرقها فيهم، وهو مع ذلك يقتل الحلق للحجاج. وحكي أن ~~الحجاج عادة من علة، فوجد بين يديه كانونا من الطين، ومنارة من خشب. فقال ~~له: يا أبا العلاء، ما أرى رزقك يكفيك. قال: إن كانت ثلاث مئة لا تكفيني، ~~فثلاثون ألفا لا تكفيني. PageV01P033 ### | CHECK [22] # ولما حضرت الحجاج الوفاة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين استخلف يزيد بن أبي ~~مسلم على خراج العراق، فأقام تسعة أشهر. # وحكي إنه سمع من قبر الحجاج صوت، فصير إلى يزيد بن أبي مسلم، فعرف ذلك، ~~فركب في أهل الشام حتى انتهى إلى قبره فتسمع، فلما سمع الصوت قال: يرحمك ~~الله يا أبا محمد، لا تدع القراءة حيا ولا ميتا! ثم ركب. وهذا يشبه ما روي ~~عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص: # أن معاوية مر بسعد في طريق مكة بعد صلاة الصبح، ومعه أهل الشام، فوقف على ~~سعد في طريق مكة، فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال معاوية لأهل الشام: ~~أتدرون من هذا؟ هذا سعد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم حتى ~~تطلع الشمس. فبلغ سعدا ذلك، فقال: ما كان ذلك مني والله على ما قال، ولكني ~~كرهت أن أكلمه. # وبلغ عبد الملك بن مروان أن بعض كتابه قبل هدية، فقال له: أقبلت هدية منذ ~~وليتك؟ فقال: أمورك مستقيمة، والأموال دارة، والعمال محمودون، وخراجك موفر، ~~فقال له: أخبرني عما سألتك عنه؟ فقال: نعم، قد قبلت، فقال: والله إن كنت ~~قبلت هدية لا تنوى مكافأة المهدي لها انك لئيم دني، وان كنت قبلتها تستكفي ~~رجلا لم تكن تستكفيه لولاها، انك لخائن، وان كنت نويت تعويض المهدي عن ~~هديته، ms022 وألا تخون له أمانة، ولا تلثم له دينا، فلقد قبلت ما بسط عليك لسان ~~معامليك، وأطمع فيك سائر مجاوريك، وسلبك هيبة سلطانك، وما في من أتى أمرا ~~لم يخل فيه من لوم أو دناءة أو خيانة أو جهل، مصطنع. وصرفه عن عمله. # وكان يكتب لمصعب بن الزبير على الخراج سار زاذ، صاحب باذين. ويكتب له على ~~الرسائل عبد الله بن أبي فروة، ويكنى عبد الله: أبا عبد الله، وهو جد ~~الربيع مولى المنصور. PageV01P034 # وكان عبد الله، وعبد الملك، ومصعب، في حداثتهم أخلاء، لا يكادون يفترقون، ~~وكان إذا اكتسى عبد الملك كسوة اكتسى الأخوان مثلها، فاكتسى عبد الملك حلة ~~واكتسى ابن فروة مثلها، وبقى مصعب لا يجد ما يكتسي به، وكان أقلهم شيئا. ~~فذكر ابن أبي فروة ذلك لأبيه، فكساه مثل حلتيهما على يدي ابنه، فلما ولى ~~مصعب العراق استكتب ابن فروة. فكان عنده PageV01P035 ### | CHECK [23] # يوما إذ أتى مصعب بعقد جوهر، قد أصيب في بعض بلاد العجم لبعض ملوكهم، لا ~~يدري ما قيمته، فجعل مصعب يقلبه ويعجب منه، ثم قال لابن أبي فروة يا عبد ~~الله، أيسرك أن أهبه لك؟ قال: نعم والله أيها الأمير، إن ذلك ليسرني. فدفعه ~~إليه، فرآه قد سر به سرورا شديدا، فقال مصعب: والله لأنا بالحلة يوم ~~كسوتنيها أشد سرورا منك بهذا الآن. وكان العقد سبب غنى ابن أبي فروة وغنى عقبه. # وذكر مصعب الزبيري إنه وجد عامل خراسان كنزا، وفيه نخلة كانت لكسرى، ~~مصنوعة من الذهب، عثاكيلها من لؤلؤ وجوهر، وياقوت أحمر وأخضر، فحملها إلى ~~مصعب بن الزبير. فجمع المقومين لها لما وردت عليه، فقوموها بألفي ألف ~~دينار. فقال: إلى من أدفعها؟ فقيل: إلى نسائك وأهلك، فقال: لا، بل إلى رجل ~~قدم عندنا يدا، وأولانا جميلا، ادعوا عبد الله بن أبي فروة، فدفعها إليه، ~~فلما قتل مصعب كاتب ابن أبي فروة عبد الملك، وبذل له مالا، فسلم منه بماله، ~~وكان أيسر أهل المدينة. واسم أبي فروة كيسان، مولى الحارث الحفار، مولى ~~عثمان بن عفان. # وكان ms023 محمد بن عبد الله بن أبي فروة نبيلا ظريفا، فذكر مصعب الزبيري: إنه ~~كتب إلى جارية له كان لها من قبله موضع، وكان مقيما في بستان: # إن لي عند نفحة بستا ... ن من الورد أو من الياسمينا # نظرة والتفاتة لك أرجو ... أن تكوني حللت فيما يلينا # وقد روى لعبد الله أبيات شعر، وهي: # ولما أتينا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا حسن المكان وطيبه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا PageV01P036 ~~واجتاز مصعب الزبيري بالمدينة فلم ينزلها، لعزيمة كانت من عبد الله عليه، ~~لشيء أنكره، ألا يعرج عليها، وأن ينزل البيداء. فالتقى عبد الله ابن جعفر ~~وعاصم بن عمر في صبيحة تلك الليلة، فقال عبد الله بن جعفر لعاصم: أما ترى ~~ما صنع بنا هذا الفتى حيث فر منا ولم يعرج علينا؟ وخرجا إليه. فأقبل مصعب ~~عليهما، فقال: كأني بكما وقد التقيتما فقلتما: استخف بنا هذا الفتى وطوانا، ~~ولم تعلما عذري، إن أمير المؤمنين عزم على أن أنزل البيداء، ولست أعصيه، ثم ~~قال لعاصم: يا أبا عمر، احتكم. فعدد أشياء، من رقيق وغنم PageV01P037 ### | CHECK [24] # وأثاث، فقال: ليس هذا عندنا حاضرا، ولكن لك قيمته. فقوم ستة عشر ألف ~~دينار، فأمر له بها. ثم أقبل على عبد الله بن جعفر فقال: يا أبا جعفر، لك ~~ضعفها، فقال: وما لك لا تحكمني؟ قال: لعلمي بتخففك، قال: والله لو فعلت ~~لخرجت مما ترى صفرا! فلما انصرفا قال عبد الله لعاصم: هل رأيت مثل هذا ~~الفتى: أعقل، وأكرم، وأحلم؟ وذكر محمد بن سلام عن أبي اليقظان: # أن كاتبا كان لمصعب بن الزبير كتب: من المصعب، فقال مصعب: ما هاتان ~~الزائدتان؟ يعنى: الألف واللام. # أيام الوليد بن عبد الملك # وكان يكتب للوليد القعقاع بن خليد العبسي. وكان الوليد أول من كتب من ~~الخلفاء في الطوامير، وأمر بأن تعظم كتبه ويجلل الخط الذي يكاتب به. وكان ~~يقول: تكون كتبي والكتب إلى خلاف كتب الناس بعضهم إلى بعض. وكان يكتب له ~~على ديوان الخراج سليمان بن سعد ms024 الخشني، وعلى ديوان الخاتم، شعيب الصابي، ~~مولاه، ويكتب له على المستغلات بدمشق: نفيع بن ذؤيب، مولاه، واسمه مكتوب في ~~لوح في سوق السراجين بدمشق. # أيام سليمان بن عبد الملك # وكان يكتب لسليمان سليم بن نعيم الحميري. وورد عليه كتاب مسلمة يذكر ~~دخوله بلاد الروم. وأنه بلغ ما لم يبلغه أحد، فقال لكاتبه: وقع عليه: ذاك ~~بالله لا بمسلمة. وكان يكتب لسليمان على ديوان الرسائل الليث بن أبي رقية ~~وعلى ديوان الخاتم نعيم بن سلامة. # وكان رجل من أهل فلسطين، يعرف بابن بطريق، يكتب له، فأشار عليه ببناء ~~الرملة. وكان السبب في ذلك أن ابن بطريق سأل أهل لد حائرا كان في الكنيسة، ~~أن يعطوه إياه يبنى فيه منزلا، فأبوا عليه، فقال لهم: والله لأخربنها، يعني ~~الكنيسة. ثم قال سليمان: إن أمير المؤمنين عبد الملك بنى في مسجد بيت ~~المقدس، على هذه الصخرة قبة، فعرف ذلك له، وإن الوليد بنى مسجد دمشق، فعرف ~~له ذلك، وإن بنيت مسجدا ومدينة نقلت الناس إلى المدينة، فبنى مدينة الرملة ~~ومسجدها، فكان ذلك سبب خراب لد. ولما عزم سليمان بن عبد PageV01P038 ### | CHECK [25] # الملك على بناء مسجد الرملة أراد أن ينقل عمد كنيسة جورجيس إليه، ~~فاستمهله البطرك، وكتب إلى بلاد الروم، فورد الجواب عليه: أن دله على مغارة ~~بالقرب من الداروم، فإن فيها باقي العمد التي بنيت منها الكنيسة، فدله. ~~فاستخرج سليمان العمد، فبنى بها المسجد، وبقيت كنيسة جورجيس. # وكان يكتب على النفقات وبيوت الأموال والخزائن والرقيق عبد الله ابن عمرو ~~بن الحارث. # ولما تولى سليمان الخلافة صرف يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، عن العراق، ~~حربه وخراجه، في سنة ست وتسعين، وقلد الحرب يزيد ابن المهلب، وكان قلده ~~الحرب والصلاة والخراج، فكره يزيد تقلد الخراج، لإخراب الحجاج العراق، وخاف ~~إن عسف أهله بالمطالبة أن يذموه، وإن قصر في العسف أن ينقص ما يستخرجه عما ~~استخرجه الحجاج. فاستعفى يزيد بن المهلب سليمان من الخراج، وأشار عليه ~~بصالح ابن عبد الرحمن الكاتب، ففعل سليمان ذلك. # ثم قلد ms025 سليمان يزيد خراسان مضافة إلى العراق في سنة ثمان وتسعين، فعمد ~~لجرجان، وكانت منيعة، وكان كل من يتقلد خراسان يتحاماها، وألح عليها، ~~ففتحها. # وكان يكتب ليزيد بن المهلب، المغيرة بن أبي قرة، مولى سدوس فكتب يزيد ~~يخبره بفتح جرجان، ويعظم عنده الأمر وموقع النعمة في ذلك، ويعرفه إنه قد ~~حصل في يده من المال، مما أفاء الله على المسلمين، بعد أن صار إلى كل ذي حق ~~حقه، من الفيء ومن الغنيمة، ستة آلاف ألف درهم، فقال له المغيرة كاتبه: لا ~~تكتب بتسمية مال، ودعه مجملا، ولعل أمير المؤمنين إذا لم يعرف مبلغه أن ~~يسمح به لك، وإذا عرفه استكبره وأمر بحمله، وإن أمسك عنك فيه بقي ذكر المال ~~مخلدا في الديوان، وإن ولى وال بعدك أخذك به، وإن كان ممن يتحامل عليك لم ~~يرض منك بأضعافه. فأبى يزيد قبول ذلك، وأمضى الكتاب به، فورد على سليمان في ~~أول سنة تسع وتسعين، وتوفي في صفر منها قبل أن يأمر في المال بشيء. PageV01P039 # وقلد الخلافة عمر بن عبد العزيز، فصرف يزيد بن المهلب: فلما صار إليه، سأله ~~عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، فقال له: كنت من سليمان ~~بالمكان الذي PageV01P040 ### | CHECK [26] # رأيت، وإنما كتبت إليه لأسمع الناس به، وقد علمت إنه لم يكن ليأخذني بشيء ~~مما سمعت به، ولا بأمر أكرهه، فقال عمر: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق ~~الله، وأد الأمانة فيما قبلك من المال، فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني ~~تركها، وأمر بحبسه. فلم يزل في الحبس إلى أن حضرت عمر بن عبد العزيز ~~الوفاة، فهرب يزيد من محبسه في سنة إحدى ومائة، لأنه كان يخاف يزيد بن عبد ~~الملك، وكان سليمان ولاه العهد بعد عمر بن عبد العزيز، فأداه ذلك إلى ~~المخالفة على يزيد ابن عبد الملك، وخلعه إياه، حتى سرح إليه الجيوش مع أخيه ~~مسلمة ابن عبد الملك، فقتل يزيد وأكثر آل المهلب. # وكان ليزيد بن المهلب خاصة بسليمان، وكان يجلس على سريره، فإذا ms026 جاء ~~سليمان تنحى يزيد بن المهلب عنه، وإن جاء يزيد بن المهلب وسليمان على ~~السرير جلس معه. # وحكي أن سليمان بن عبد الملك قال ليزيد بن أبي مسلم: أترى صاحبك بلغ ~~قعرها أم هو يهوي به؟ فقال: لا تقل ذاك يا أمير المؤمنين، فإنه والي وليك، ~~وأخاف عدوك، وجعل نفسه لك جنة، ودينه لك وقاية، وإنه يوم القيامة لعن يمين ~~أبيك، ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت. PageV01P041 # وكان سليمان ولى رجلا من موالى معاوية، يقال له، أسامة بن زيد، من أهل ~~دمشق، وكان كاتبا نبيلا، الخراج بمصر. فبلغه أن عمر بن عبد العزيز يقرصه، ~~ويغمص عليه في سيرته. فقدم أسامة بن زيد على سليمان بمال اجتمع عنده، ~~ووافقه على ما احتاج إليه، وعمل على الرجوع إلى عمله، وتوخى وقتا يكون فيه ~~عمر عند سليمان. فلما بلغه حضوره مجلسه استأذن عليه، فلما وصل إليه، قال ~~له: يا أمير المؤمنين، إني ما جئتك حتى نهكت الرعية وجهدت، فإن رأيت أن ~~ترفق بها، وترفه عنها، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها، وصلاح ~~معايشها، فافعل، فإنه يستدرك ذلك في العام المقبل، فقال له سليمان: هبلتك ~~أمك، احلب الدر، فإذا انقطع الدم والنجا. فخرج أسامة بن زيد، فوقف لعمر بن ~~عبد العزيز حتى خرج، فركب ثم سار معه، وقال له: إنه بلغني يا أبا حفص، أنك ~~تلومني وتذمني، وقد سمعت اليوم ما كان من مقالتي لابن عمك، وما رد على، ~~وعرفت عذري، فقال عمر: سمعت والله كلام رجل لا يغني عنك شيئا! # فلما توفي سليمان كتب عمر، وهو على قبره، بعزل أسامة بن زيد، وبعزل يزيد بن أبي PageV01P042 ### | CHECK [27] # مسلم، فاغتابه الناس وقالوا: هذا الحرص، ألا صبر حتى يدفن الرجل! فقال ~~لما بلغه ذلك: إني والله خفت الله عز وجل، واستحييته أن أقرهما يحكمان في ~~أمور الناس طرفة عين وقد وليت أمورهم. # أيام عمر بن عبد العزيز # وكان يكتب لعمر الليث بن أبي رقية، مولى أم الحكم بنت أبي سفيان. وكتب له ~~أيضا ms027 رجاء بن حيوة، وخص به. وكان من كتابه إسماعيل بن أبي حكيم، مولى ~~الزبير. وكان يكتب له ديوان الخراج سليمان بن سعد الحشني. # وكان عمر بن عبد العزيز يأمر كتابه بجمع الخط كراهية استعمال الطوامير، ~~فكانت كتبه إنما هي شبر أو نحوه. فروى عن عبد الله أبي بكر بن حزم: أن أباه ~~كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله قراطيس، فكتب إليه عمر: أن دقق القلم، ~~وأوجز الكتاب، فإنه أسرع للفهم. وكتب إلى عامل آخر، كتب إليه يطلب منه ~~قراطيس، ويشكو قلتها عنده: أن دقق قلمك، وأقلل كلامك، تكتف بما عندك من ~~القراطيس. # وقال ميمون بن مهران: قال عمر بن عبد العزيز - وقد كان قلده الخراج ~~بالجزيرة، وبيت المال بحران -: يا ميمون، دع أربع خصال: لا تدخلن على سلطان ~~أبدا ما أمكنك، وإن قلت آمره بالمعروف، وأنها عن المنكر، ولا تخلون بامرأة ~~أبدا، وإن قلت أعلمها القرآن، ولا تكلمن بكلام تريد أن تعتذر منه، ولا ~~تطلبن المعروف أبدا إلى من لا يضعه في أقاربه. # وقلد عمر بن عبد العزيز عمر بن ميمون بن مهران الجزيرة. # وكان عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أحص ~~المخنثين بالمدينة. فصجف الكاتب، فقال: اخص. فجمع كل من قدر عليه منهم، ~~فخصاهم جميعا. # وكان من كتابه الصباح بن المثنى، فروى أبو صالح عبد الله ابن صالح، كاتب ~~الليث بن سعد، رسالة كتبها الصباح هذا عن عمر ابن عبد العزيز، إلى عياض بن ~~عبد الله، ثم قال في آخرها: وكتب الصباح بن المثنى يوم الخميس لأربع خلون ~~من ذي الحجة سنة تسع وتسعين. # وكان الصباح من جلة كتاب عمر وعليتهم. PageV01P043 # وقال عمر بن عبد العزيز لعمر بن الوليد بن عبد الملك: أمك بنانة أمة ~~للسكون، كانت PageV01P044 ### | CHECK [28] # تدخل حوانيت حمص لما الله أعلم به، فاشتراها دينار بن دينار - يعني كاتب ~~عبد الملك ومولاه - من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس ~~المحمول! وبئس الجنين! والله لهممت أن أبيعك وأجعل ms028 ثمنك في بيت مال ~~المسلمين، فإن لكل مسلم فيك حقا. # وذكر ابن أبي الزناد عن أبيه: # أنه كان يكتب لعمر بن عبد العزيز، وأنه كان يكتب إلى عبد الحميد بن عبد ~~الرحمن بن زيد بن الخطاب في المظالم فيراجعه، وكان عبد الحميد عامله على ~~الكوفة. قال: فأملى عليه يوما كتابا إليه، قال فيه: إنه يخيل إلي أني لو ~~كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة، لكتبت إلي: أضأن أم ماعز؟ فإن كتبت إليك ~~بإحداهما، كتبت إلى: أصغير أم كبير؟ فإن كتبت إليك بإحداهما، كتبت إل: أذكر ~~أم أنثى؟ فإذا أتاك كتابي هذا في مظلمة، فاعمل به ولا تراجعني، والسلام. # وسأل عمر بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، فقيل له: إنه ~~غزا الصائفة، فأمر بالكتاب إليه برده، وقال: لا أستنصر بجيش هو فيهم، فرده ~~من الدرب. # أيام يزيد بن عبد الملك # وكان يكتب ليزيد قبل الخلافة رجل، يقال له: يزيد بن عبد الله. ثم استكتب ~~أسامة بن زيد السليحي. وأعاد يزيد بن عبد الملك سليمان ابن سعد إلى ~~الدواوين، وكان عفيفا بصناعته، وكان عمر بن عبد العزيز صرفه عن ديوان ~~الخراج. PageV01P045 # وقد كان أسامة بن زيد يتولى خرج مصر للوليد بن عبد الملك، وهو الذي ينسب ~~إليه قصر أسامة. ولما أفضت الخلافة إلى يزيد ابن عبد الملك طلب أسامة بن ~~زيد، فقال سليمان بن سعد الخشني ليزيد ابن عبد الله: لم بعث أمير المؤمنين ~~إلى أسامة بن زيد؟ فقال: لا أدري، قال: أفتدري ما مثلك ومثل أسامة؟ قال: ~~لا، قال: مثلك ومثله مثل حية كانت في ماء وطين وبرد، فإن رفعت رأسها وقع ~~عليها حافر دابة، وإن بقيت ماتت بردا، فمر بها رجل، فقالت: أدخلني في كمك ~~حتى أدفأ ثم أخرج، فأدخلها. فلما دفئت قال لها: أخرجني، فقالت: إني ما دخلت ~~في هذا المدخل قط فخرجت حتى أنقر نقرة، إما أن تسلم منها، وإما أن تموت، ~~ووالله لئن دخل أسامة لينقرنك نقرة إما أن تسلم معها وإما أن ms029 تموت. # قال عمر بن شبة حدثني بعض أصحابنا عن الوضاح بن خيثمة قال: أمرني عمر بن عبد PageV01P046 ### | CHECK [29] # العزيز بإخراج قوم من السجن، فأخرجتهم وتركت يزيد بن أبي مسلم، كاتب ~~الحجاج، فحقد ذلك علي ونذر دمي. # فإني بإفريقية، إذ قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم صارفا لمحمد بن يزيد، ~~مولى الأنصار، من قبل يزيد بن عبد الملك، بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، ~~فهربت منه، وعلم بمكاني، فأمر بطلبي، فطفر بي، وصير بي إليه. فلما رآني قال ~~لي: لطالما سألت الله أن يمكنني منك! فقال وضاح: وأنا، لطالما سألت الله أن ~~يعيذني منك! قال: فو الله ما أعاذك مني، والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، ~~والله لو سابقني ملك الموت إليك لسبقته. ثم دعا بالسيف والنطع، فأتى بهما، ~~وأمر بالوضاح، فأقيم في النطع وكتف، وقام وراءه رجل بسيف، وأقيمت الصلاة، ~~فخرج إليها، فلما سجد أخذته السيوف، ودخل إلى الوضاح من قطع كتافه وخلى ~~سبيله، وقال: انطلق راشدا. # وكان سبب قتل بن أبي مسلم، إنه أجمع أن يصنع بأهل إفريقية ما صنع الحجاج ~~بأهل العراق، من رده من من الله عليه بالإسلام إلى بلده ورستاقه، وأخذهم ~~بالخراج، فقتلوه وأعادوا محمد بن يزيد، مولى الأنصار، وكان محبوسا في يده، ~~وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك يقولون: إنهم لم يخلعوا يدا من الطاعة، ولكن ~~يزيد بن أبي مسلم سامهم ما لا يرضى الله به ولا المسلمون، فقتلناه، وأعدنا ~~عاملك محمد بن يزيد. # فكتب إليهم يزيد بن عبد الملك: إني لم أرض بما صنع يزيد بن أبي مسلم. ~~وأقر محمد بن يزيد على إفريقية، وكان ذلك في سنة اثنتين ومائة. PageV01P047 # وقلد يزيد بن عبد الملك عمر بن هبيرة العراق، فلما صار ابن هبيرة إلى ~~العراق عزم على الجباية، فخاف مكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد ابن عبد ~~الملك، فقال لكاتبه عبدة العنبري: هل إلى صالح من سبيل؟ قال: لا والله ما ~~أعرف إليه سبيلا إلا أن تظلمه، فقال: وكيف لي بظلمه؟ قال: كان ms030 رفع إلى يزيد ~~بن المهلب ست مئة ألف درهم، ولم يأخذ منه بها براءة. فكتب ابن هبيرة إلى ~~يزيد بن عبد الملك: إن بي إلى صالح حاجة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يوجهه ~~إلى فعل. فدعا يزيد بصالح فأخبره، فقال: والله ما به إلى حاجة، ولقد تركت ~~العراق ولو أتاه أبكم أكمه عرف ما فيه، فأنفذه إليه. فلما وصل إلى ابن ~~هبيرة أمر به فعذب، فكان كلما عذب بضرب من العذاب، قال: هذا القصاص، قد كنت أعذب PageV01P048 ### | CHECK [30] # الناس بمثل هذا، حتى عذب بضرب منه، كان يدعى الفزارية، كان إياس بن ~~معاوية دل ابن هبيرة عليه، فقال صالح: هذا ما لم أعذب به. فلما ألح ابن ~~هبيرة على صالح بالعذاب، جاء جبلة بن عبد الرحمن، وجبهان ابن محرز، ~~والنعمان السكسكي، فقالوا: نحن نضمن صالحا وما عليه، فقال لهم الكاتب: ~~أحضروا المال، فقالوا: قبل الليل. فدخل الكاتب على ابن هبيرة فأعلمه، فلم ~~يخرج إليهم حتى أمسوا وانصرفوا، وأصبح صالح ميتا. # أيام هشام بن عبد الملك # وكان يكتب لهشام سعيد بن الوليد بن عمرو بن جبلة الأبرش الكلبي، ويكنى ~~أبا مجاشع، وكان غالبا عليه. # ولما توفي يزيد بن عبد الملك، وأفضى الأمر إلى هشام، أتاه الخبر وهو في ~~ضيعة له ومعه جماعة من أصحابه، فيهم سعيد بن الوليد الكلبي، فلما قرأ ~~الكتاب سجد من كان معه من أصحابه خلا سعيد، فإنه لم يسجد، فقال له هشام: يا ~~سعيد، لم لم تسجد كما سجد أصحابك؟ فقال: علام أسجد، أعلى أن كنت معي فطرت، ~~فصرت في السماء! قال له: فإن طيرناك معنا؟ قال: الآن طاب السجود. # وكان هشام يعتم، فقام سعيد ليسوي عمامته، فقال له هشام: مه، فإنا لا نتخذ ~~الإخوان خولا. # ولما شخص عمر بن هبيرة إلى هشام تكلم بكلام استحسنه هشام، ثم أقبل على ~~سعيد فقال: ما مات من خلف مثل هذا، قال: فقال له سعيد: ليس هناك يا أمير ~~المؤمنين، أما تراه يرشح جبينه بضيق صدره؟ فقال عمر ابن هبيرة: ما ms031 لذلك ~~رشحت يا سعيد، ولكن لجلوسك ولست بأهل. وكان سعيد يحب أن يفسد حال عمر بن ~~هبيرة عند هشام. PageV01P049 # وكان ابن هبيرة يسير إذا ركب هشام بالبعد منه، وكان هشام معجبا بالخيل، ~~فاتخذ سعيد عدة خيل جياد وأضمرها، وأمر المجرين لها أن يعارضوا هشاما إذا ~~ركب، فإن سألهم قالوا: إنها لابن هبيرة. فركب هشام يوما فعورض بالخيل، فنظر ~~إلى قطعة من خيل حسنة، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لابن هبيرة، فاستشاط غضبا ~~وقال: واعجباه، اختان ما اختان، ثم قدم، فو الله ما رضيت عنه بعد، ثم هو ~~يباريني في الخيل، علي بابن هبيرة. فدعى به من جانب الموكب، فجاء مسرعا، ~~فقال: ما هذه يا عمر؟ ولمن هي؟ ورأى الغضب في وجهه، فعلم إنه قد كيد، فقال: ~~خيل لك يا أمير المؤمنين، علمت عجبك بها، وأنا عالم بجيادها، PageV01P050 ### | CHECK [31] # فاخترتها وطلبتها من مظانها، فمر بقبضها، فأمر بقبضها. وكان ذلك سبب ~~إقباله عليه. ولم يهيأ لسعيد أن يتكلم، وإنما ظن أن هشاما يغضب ولا يسأل، ~~فتتم الحيلة على عمر، فانعكست الحيلة عليه حيلة له. # وتقلد إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب ديوان الصدقة لهشام، وتقلد أيضا ضياعه ~~بالأردن، واسمه مكتوب بالفسيفساء، على قصر من قصور الصباح بعكاء، مما جرى ~~على يدي إسحاق بن قبيصة. # وكان من كتابه تاذرى بن أسطين النصراني، فقلده ديوان حمص. # وكان جنادة بن أبي خالد يكتب لهشام على الطرز، واسمه موجود على الثياب ~~الهاشمية. وتقلد خالد بن عبد الله القسري العراق. # وحكي أن هشاما أقطع، قبل أن تفضي إليه الخلافة، أرضا يقال لها: دورين، ~~فأرسل في قبضها، فإذا هي خراب، فقال لذويد، كاتب كان بالشام: ويحك! كيف ~~الحيلة؟ فقال: ما تجعل لي؟ فقال: أربع مائة دينار، فكتب: دورين وقراها ثم ~~أمضاها في الدواوين، فأخذ هشام # شيئا كثيرا. فلما ولى هشام دخل عليه ذويد، فقال له هشام: دورين وقراها! ~~والله لا تلي لي ولاية أبدا! وأخرجه إلى الشام. # وكان في ديوان العراق مع محمد بن المنتشر، ابن أخي مسروق ابن الأجدع، ms032 من ~~كتابه، رجل يقال له: حسان النبطي. فكتب هشام يأمر أن لا يستعان بذمي، فقيل ~~لحسان في ذلك، فأسلم على يدي محمد بن المنتشر، ثم كتب لسعيد بن عمرو الجرشي ~~على خراسان، ثم عاد إلى العراق بعد صروف سعيد. PageV01P051 # وكان قد تقبل ضياع هشام بنهر الرمان رجل يقال له: فروخ، ويمنى: أبا المثنى، ~~فثقل على خالد أمره، فقال لحسان: اخرج إلى أمير المؤمنين، وزد على فروخ في ~~الضياع ألف ألف درهم، على أن تستوفي حدودها فوجه هشام مع حسان رجلين من ~~صلحاء أهل الشام، حتى حاز الضياع واستوفى حدودها. فصار حسان أثقل على خالد ~~من فروخ، فجعل يؤذيه ويضر به، فقال له: لا تفسدني، فإني صنيعتك، فأبى إلا ~~الإضرار به. فبثق حسان البثوق على الضياع، وخرج إلى هشام فقال: إن خالدا ~~بثق البثوق على ضياعك، فوجه هشام ناظرا ينظر إليها، وأقام حسان ينتظر ~~عودته، فقال في بعض الأيام لخادم من خدم هشام: PageV01P052 ### | CHECK [32] # هل لك في ألفي دينار على أن تتكلم بكلمة حيث يسمعها أمير المؤمنين؟ قال: ~~عجل على الألفين وأقول ما شئت، فعجلها له، وقال له: بك صبيا من صبيانه، ~~فإذا بكى فقل له: اسكت، فكأنك في صلفك وعزتك ابن خالد القسري لما بلغت غلثه ~~ثلاثة عشر ألف ألف درهم. ففعل الخادم، وسمعها هشام فأضب عليها. فدخل عليه ~~حسان بعد ذلك، فقال له: أدن مني، فدنا منه، فقال: كم غلة خالد؟ فقال: ثلاثة ~~عشر ألف ألف درهم، فقال له: فكيف لم تخبرني بذلك؟ فقال له: وهل سألتني؟ ~~فوقرت في نفس هشام حتى عزله. # ولما أراد هشام صرف خالد بن عبد الله، وكان بحضرته رسول يوسف بن عمر، قد ~~ورد عليه من اليمن، وهو يتقلدها له، فدعا به وقال: إن صاحبك لمتعد طوره، ~~يسأل فوق قدره، وأمر بتخريق ثيابه وضربه أسواطا، وقال له: الحق بصاحبك، فعل ~~الله به وفعل! ودعا بسالم الكاتب على ديوان الرسائل، فقال له: اكتب إلى ~~يوسف بن عمر، بشيء أمره به، واعرض الكتاب علي. فمضى سالم ms033 ليكتب ما أمر به، ~~وخلا هشام، فكتب كتابا لطيفا إلى يوسف، وفيه: سر إلى العراق، فقد وليتك، ~~وإياك أن يعلم بك أحد، واشفني من ابن النصرانية وعماله. وأمسكه في يده، ~~وحضر سالم بالكتاب الذي كتبه، فعرضه عليه، واغتفله فجعل الكتاب الصغير في ~~طيه وختمه، ودفعه إلى الربيع، وقال له: ادفعه إلى رسول يوسف. فلما وصل ~~الرسول إلى يوسف، قال: ما وراءك؟ قال: الشر، أمير المؤمنين ساخط عليك، وقد ~~أمر بتخريق ثيابي وضربي، ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب صاحب الديوان. ففض ~~الكتاب وقرأه، فلما انتهى إلى آخره، وقف على الكتاب الصغير بخط هشام، ~~فاستخلف ابنه الصلت بن يوسف، وسار إلى العراق. PageV01P053 # وكان يخلف سالما الكاتب على ديوان الرسائل، بشير بن أبي دلجة، وكان فطنا، ~~فلما وقف على ما كان من هشام. قال: هذه حيلة، قد ولى يوسف العراق، فكتب إلى ~~عياض، وكان وادا له: قد بعثوا إليك بالثوب اليماني، فإذا أتاك فالبسه، ~~وأحمد الله عليه، وأعلم طارقا بذلك. فعرف عياض طارقا - وهو ابن أبي زياد - ~~ذلك، وكان عامل خالد على الكوفة وما يليها. ثم ندم بشير على ما كتب به، ~~فكتب إلى عياض: إن القوم قد بدا لهم في البعثة إليك بالثوب اليماني. فعرف ~~أيضا عياض طارقا بذلك، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن صاحبك ندم، ~~وخاف أن يظهر أمره. وركب من ساعته إلى خالد، فخبره الخبر، فقال PageV01P054 ### | CHECK [33] # له: فما ترى؟ قال: أرى تركب من ساعتك إلى أمير المؤمنين، فإنه إذا رآك ~~استحيا منك، وزال شيء إن كان في نفسه عليك، فام يقبل ذلك، فقال له: أفتأذن ~~لي أن أصير إلى حضرته، وأضمن له جميع مال هذه السنة؟ قال: وما مبلغ ذلك؟ ~~قال: مئة ألف ألف درهم. وآتيك بعهدك، فقال له: ومن أين هذه؟ والله ما أملك ~~عشرة آلاف درهم، فقال له: أنا أتحمل وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم - ~~وكان سعيد بن راشد يتقلد له الفرات - ومن الزينبي وأبان بن الوليد عشرين ~~ألف ألف درهم، ونفرق ms034 الباقي على باقي العمال، فقال له: إني إذا للئيم، أن ~~أسوغ قوما شيئا ثم أرجع عليهم به، فقال له: إنما نقيك ونقي أنفسنا ببعض ~~أموالنا، ونقي النعمة عليك وعلينا فيك، ونستأنف طلب الدنيا خير من أن نطالب ~~بالأموال وقد حصلت عند تجار أهل الكوفة، فيتقاعسون عنا، ويتربصون بنا، ~~فنقتل وتذهب أنفسنا، وتجعل الأموال لهم يأكلونها. فأبى، فودعه، فودعه وبكى، ~~وقال: هذا آخر العهد بك! ووافاهم يوسف، فمات طارق في العذاب، ولقي خالد ~~وجميع عماله كل شيء، ومات منهم في العذاب بشر كثير، وكان منهم داود بن عمرو ~~بن سعيد، على ديوان الرسائل. وكان مبلغ ما استخرجه منه ومنهم تسعين الف ألف درهم. # وكان يكتب ليوسف بن عمر على الخراج قحذم بن أبي سليم ابن ذكوان، مولى أبي ~~بكرة، ويكتب له على الرسائل رشدين مولاه، وكان يكتب له أيضا زياد بن عبد ~~الرحمن، مولى ثقيف. PageV01P055 # وكان هشام قد حظر على يوسف بن عمر تعذيب خالد أو نيله في نفسه بمكروه، فشق ~~ذلك عليه، فوجه بكاتبه قحذم بن أبي سليم إلى هشام، فقال له: احتل في إذنه ~~في تعذيب خالد. فصار قحذم إلى حضرة هشام، وجد في إذنه في تعذيب خالد، فلم ~~يأذن له، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن خالدا يقول مالا يتكلم به، قال: ~~وما هو؟ قال: لا يقال، وخرج. فأتبعه خديجا خادمه، فقال: ما الذي يقوله ~~خالد؟ قال: ماله عنده اسم إلا الأحول، فأخبره بذلك. فكتب إلى يوسف بالبسط ~~عليه، فعذبه يوما واحدا، ثم جاءه كتابه بتخلية سبيله، فخلاه، فخرج إلى الشام. # وذكر المدائني أن بعض كتاب يوسف بن عمر تأخر عن حضور ديوانه يوما، فدعا ~~به، فسأله عن تأخيره، فعرفه أن ضرسه ضرب عليه، فقلع له ضرسين. وقال يوسف يوما PageV01P056 ### | CHECK [34] # لقحذم بن أبي سليم: من أين هذا النفط؟ قال: أصلح الله الأمير! أما الأسود ~~فإنه يحمل من أذربيجان، وأما الأبيض فإنه يحمل من رامهرمز، فقال له: يا بن ~~اللخناء، من سألك عن الأسود، والله لتوسعني صمتا، أو ms035 لأوسعنك جلدا! # وكان قحذم يعيب صالح بن عبد الرحمن لتعظيمه ابنه، واعتماده في الأمور ~~عليه، فصنع قحذم بابنه عمر مثل ما عاب، وكان يقول: ما أعلم أحدا يضبط أمر ~~العراق بعدي إلا ابني عمر. فولى ابنه أمره، فصانع وأصاب مالا وسلاحا، فقال ~~يوسف لقحذم يوما: يا قحذم، اكفني ابنك ونحه عنك. فقال زياد بن عبد الرحمن ~~ليوسف بن عمر: إن هشاما قد أعجب بقحذم، ولست آمن أن يوليه العراق، فوقرت في ~~نفس يوسف، فكتب إلى هشام يستأذنه في الوفادة، فأذن له، وأمره أن يولى الحكم ~~بن أبي الصلت الحرب، ويولى الخراج قحذما، فقال له زياد بن عبد الرحمن: هذا ~~ما أخبرتك به. فترك يوسف الوفادة، وعزل قحذما، وحبس ابنه عمر وعذبه، وقال ~~لقحذم: اخرج عني، فقال له: خل ابني، علام تحبسه! فقال: عليه مئة وخمسون ألف ~~درهم، قال: فهي علي، فأخرجه وابعث به إلى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن ~~بشير بواسط، مع حرس من قبلك، فإذا حملت إليه هذا المال خلى سبيله، ففعل. ~~وقدم قحذم ورسل يوسف على عبد الصمد، فقال له عبد الصمد: جئني بكفلاء ~~بالمال، فجاءه، فخلاه، فانحدر إلى البصرة. وجاء كتاب يوسف إلى عبد الصمد: ~~احبس قحذما، وإن كان قد مضى فاطلبه أشد الطلب. فاتصل ذلك بقحذم، فهرب إلى ~~مكة، فأقام بها ثلاث سنين. ومات هشام، فكتب يوسف إلى الوليد: إن قحذما ~~بمكة، وسأله الأمر بطلبه وحمله إليه. فكتب الوليد إلى يوسف بن محمد بن يوسف ~~يأمره بطلبه وحمله إلى يوسف بن عمر، فطلبه يوسف بن محمد، فلما صار في يده ~~تلطف له، وقال: أترضى، وأنت خال أمير المؤمنين، بإمرة الحجاز ويوسف بن عمر ~~على العراق؟ فقال: قد وعدني أمير المؤمنين أن يولينيها. PageV01P057 # فرغبه فيها، وحثه على طلبها، فقال له: أيم الله، لئن وليت لأولينك أمري ~~كله، ومع هذا إني لا أوجهك إلى يوسف حتى أراجع أمير المؤمنين فيك. فأقام ~~قبله، فراجع الوليد فيه، فلم يعد الجواب حتى قتل الوليد. # وقلد هشام أشرس بن عبد ms036 الله السلمي خراسان. وكان يكتب لأشرس رجل من أهل ~~السواد، يقال له: عميرة، ويكنى: أبا أمية. PageV01P058 ### | CHECK [35] # ولما مات أسد بن عبد الله، أخو خالد بن عبد الله، بخراسان، وكان تولاها ~~بعد أشرس، اختار هشام نصر بن سيار بن أبي رافع ابن ربيعة الليثي لتقليده ~~خراسان. فكتب عهده، وأنفذه إليه. وكان أسد لما حضرت وفاته استخلف جعفر بن ~~حنظلة، فعرض جعفر على نصر بن سيار أن يوليه بخارى، فشاور نصر بن سيار ~~البختري بن مجاهد، مولى بني شيبان في قبولها، فأشار عليه ألا يقبلها، وقال ~~له: شيخ مضر بخراسان، وكأنك بعهدك قد حال على خراسان كلها. فلما ولي نصر بن ~~سيار استكتب البختري بن مجاهد، وكان وصول العهد إلى نصر في رجب من سنة ~~عشرين ومائة. # ولم يزل البختري على كتابة نصر إلى أن هرب نصر من خراسان، فوجه أبو مسلم ~~بعمرو بن أعين، حتى قبض على البختري بن مجاهد، فحبسه ثم قتله. # وكان أكثر كتاب خراسان إذ ذاك مجوس، وكانت الحسبانات بالفارسية، فكتب ~~يوسف بن عمر، وكان يتقلد العراق في سنة أربع وعشرين ومائة، إلى نصر بن سيار ~~كتابا أنفذه مع رجل يعرف بسليمان الطيار، يأمره ألا يستعين بأحد من أهل ~~الشرك في أعماله وكتابته. # وكان أول من نقل الكتابة من الفارسية إلى العربية بخراسان إسحاق بن طليق ~~الكاتب، رجل من بني نهشل، كان مع نصر بن سيار، فخص به. وولد لإسحاق ابن ~~فسماه نصرا، وقال: # سميت نصرا بنصر ثم قلت له ... أخدم سميك يا نصر بن سيار # أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك # وكان يكتب للوليد بكير بن الشماخ، ويكتب له على ديوان الرسائل سالم مولى ~~بن عبد الملك. ثم كتب له ابنه عبد الله ابن سالم. وكان من كتابه عبد الأعلى ~~بن أبي عمرو. # وكان يكتب له على خاص أمره ويلزم حضرته عمرو بن عتبة، فقال له يوما، يا ~~أمير المؤمنين، إنك تلطفني بالأنس، وأنا أكفت ذلك بالهيبة لك، وأراك تأمر ~~بأشياء أخافها عليك، أفأسكت مطيعا ms037 أم أقول مشفقا؟ فقال: كل مقبول منك، ولله ~~فينا علم، ونحن صائرون إليه. ونعود فنقول: فقتل الوليد بعد أيام يسيرة. PageV01P059 # وكان يكتب له على ديوان الجند عبد الملك بن محمد بن الحجاج ابن يوسف، وكان ~~على الخاتم بيهس بن زميل، وكان يكتب للوليد ابن يزيد قبل الخلافة عياض بن مسلم. PageV01P060 ### | CHECK [36] # أيام يزيد بن الوليد الناقص # وكان يكتب ليزيد بن الوليد عبد الله بن نعيم. وكان عمرو بن الحارث، مولى ~~بني جمح، يتولى له ديوان الخاتم، فقال عمرو بن الحارث لبعض ولد عبد الملك: ~~كنت متى شئت أن تجد من يعد وينجز وجدته، فقد أعياني من يعد ولا ينجز. فلما ~~مضت من هذا القول سنون، قال عمرو: كنت متى شئت وجدت من يقول ولا يفعل، ~~فصرنا إلى زمان من فيه لا يقول ولا يفعل. # وكان يتقلد له ديوان الرسائل ثابت بن سليمان بن سعد الخشني. وكان يتقلد ~~له الخراج والخاتم الصغير النضر بن عمرو، من أهل اليمن. وكان يتقلد الخاتم ~~الكبير قطن، مولاه. # وكان برد بن سنان أشار على يزيد بن الوليد أن يعهد، فقال: إني لا أعرف من ~~يصلح، فهل تعرف أحدا؟ فقال له: أمير المؤمنين أعلم بأهل بيته، فقال: أما إن ~~أهل العراق يحبون هذا حبا شديدا، لمكان أبيه - يعني عبد الله بن عمر بن عبد ~~العزيز - وإن أهل الشام ليذكرونه ويفضلونه. قال برد: فقال لي: فادع دواة ~~وقرطاسا، فدعوت بهما، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وأغمي عليه، ~~ودخل قطن مولاه، وكان يتقلد مع ديوان الخاتم حجابته، فسأل عن الدواة ~~والقرطاس، فقلت: إن أمير المؤمنين أراد أن يعهد. فولى ثم رجع، وقد أفاق ~~يزيد، فقال لا أصلح الله أمير المؤمنين، أنا رسول من وراء هذا الباب، ~~يناشدونك الله في دمائهم، ويسألونك بالله لما وليت أمرهم إبراهيم بن ~~الوليد. فقطب ثم نظر إليه وقال بيده على جبينه: أنا أولي أمرهم إبراهيم! ~~قالها مرات، ثم أغمي عليه. فخرج قطن فقعد في البيت الذي كان فيه، فكتب ~~كتابا على لسان ms038 يزيد بتولية إبراهيم، ثم خرج بالكتاب، وقرأه على الناس، ~~فبايع أهل الشام إبراهيم، خلا أهل حمص، فإنهم كاتبوا مروان بن محمد، ~~وامتنعوا من بيعة إبراهيم، ووقعت الفتنة. # وكان منصور بن جمهور على العراق، ثم صرف بعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، ~~وكان يكتب لعبد الله بن عمر المغيرة بن عطية. # أيام إبراهيم بن الوليد PageV01P061 ~~وكان يكتب لإبراهيم إبراهيم بن أبي جمعة، ويتقلد له ديوان فلسطين ثابت بن نعيم PageV01P062 ### | CHECK [37] # الجذامي. # أيام مروان بن محمد الجعدي # وكان يكتب لمروان عبد الحميد بن يحيى، مولى العلاء بن وهب العامري، من ~~عامر بن لؤي. وكان من كتابه أيضا مصعب بن ربيع الخثعمي. وكان مروان أول من ~~أمر أن يحلى الجند. # وكان عبد الحميد بن يحيى قال لمروان، حين رأى علو أمر بني العباس: اتهمني ~~يا أمير المؤمنين فيك؟ قال: لا، فقال له: أرأيت إبراهيم بن محمد ابن علي، ~~أليس ابن عمك؟ قال: بلى، قال: فإني أرى أموره تنبغ عليك، فأنكحه وأنكح ~~إليه، فإن ظهر، كنت قد أعلقت بينك وبينه شيئا، وإن كفيته لم تشن بصهره، ~~فقال: ويحك! والله لو علمته صاحب الأمر لسبقت إليه، ولكن ليس هو بصاحبه، ~~فقال له: وما يضرك من ذلك وهو من القوم الذين تعلم أن الأمر منتقل إليهم لا ~~محالة، ومن الصواب أن تعلق بينك وبينهم شيئا، فقال: والله إني لأعلم أن ~~الرأي فيما تقول، ولكني أكره أن أطلب النصر بأحراح النساء. # وكتب عبد الحميد إلى أهله وأقاربه عند هزيمة مروان من فلسطين، وهو آخر ~~حرب ومرافقة كانت له، وكانوا ينزلون بالقرب من الرقة، بموضع يعرف بالحمراء، ~~يعزيهم عن نفسه: PageV01P063 # أما بعد، فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقساما ~~مختلفة بين أهلها، فمن درت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها، سكن إليها، ورضي ~~بها، ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها وتوطأته بثقلها، قلاها نافرا ~~عنها، وذمها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا منها، وقد كانت الدنيا أذاقتنا من ~~حلاوتها، وأرضعتنا من درها أفاويق استحلبناها، ثم شمست منا نافرة، ms039 وأعرضت ~~عنا متنكرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وأمر حلوها، وخشن لينها، فمرقتنا ~~عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان، فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة، قد أخذت كل ~~ما أعطت، وتباعدت مثل ما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبا، وبالجذل هما، وبالأمن ~~خوفا، وبالعز ذلا، وبالجدة حاجة، وبالسراء ضراء، وبالحياة موتا. لا ترحم من ~~استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن ~~الأحياء. # وقال في فصل آخر منه: PageV01P064 ### | CHECK [38] # وكتبت إليكم والأيام تزيدنا منكم بعدا، وإليكم صبابة ووجدا، فإن تتم ~~البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من ~~أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار والصغار، والذل شر دار، وألأم جار، ~~يائسين من روح الطمع وفسحة الرجاء. نسأل الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، أن ~~يهب لنا ولكم ألفة جامعة، في دار آمنة، تجمع سلامة الأديان والأبدان، فإنه ~~رب العالمين، وأرحم الراحمين. # وجدت بخط ميمون بن هارون لعبد الحميد كتابا كتبه إلى الكتاب، أطال فيه، ~~إلا إنه أجاد، فلم أستجز إسقاط بعضه، وكتبت جميعه على طوله، لأن الكاتب لا ~~يستغني عن مثله، وهو: PageV01P065 # أما بعد، حفظكم الله يا أهل هذه الصناعة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله ~~جل وعز جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين. صلوات الله عليهم أجمعين، ومن ~~بعد الملوك المكرمين، سوقا، وصرفهم في صنوف الصناعات التي سبب منها معاشهم، ~~فجعلكم معشر الكتاب في أشرفها صناعة، أهل الأدب والمروءة، والحلم والروية، ~~وذوي الأخطار والهمم وسعة الذرع في الأفضال والصلة، بكم ينتظم الملك، ~~وتستقيم للملوك أمورهم، وبتدبيركم وسياستكم يصلح الله سلطانهم ويجتمع فيهم، ~~وتعمر بلادهم. يحتاج إليكم الملك في عظيم ملكه، والوالي في القدر السني ~~والدني من ولايته، لا يستغني عنكم منهم أحد، ولا يوجد كاف إلا منكم، ~~فموقعكم منهم موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، ~~وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون. أنتم إذا آلت الأمور ~~إلى موئلها، وصارت إلى محاصلها، ثقاتهم دون أهليهم وأولادهم وقراباتهم ~~ونصحائهم، فأمتعكم الله بما ms040 خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم سربال ~~النعمة عليكم. وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى استخراج خلال الخير ~~المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة، منكم أيها الكتاب، إن كنتم على ~~ما سبق به الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه ~~الذي يثق به في مهمات أموره، إلى أن يكون حليما في موضع الحلم، فقيها في ~~موضع الحكم، مقداما في موضع الإقدام، ومحجما في موضع الإحجام، لينا في موضع ~~اللين، شديدا في موضع الشدة، مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، ~~وفيا عند الشدائد، عالما بما يأتي ويذر، ويضع الأمور في مواضعها. قد نظر في ~~كل صنف من صنوف العلم فأحكمه، فإن لم يحكمه شدا منه شدوا يكتفي به، يكاد PageV01P066 ### | CHECK [39] # يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ~~ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل أمر عدته، ويهيئ لكل أمر أهبته، فنافسوا، ~~معشر الكتاب، في صنوف العلم والأدب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب ~~الله عز وجل، والفرائض، ثم العربية، فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخط، ~~فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب ~~والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم. ولا ~~يضعفن نظركم في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج منكم، وارغبوا بأنفسكم عن ~~المطامع، سنيها ودنيها، ومساوي الأمور ومحاقرها، فإنها مذلة للرقاب، مفسدة ~~للكتاب. ونزهوا صناعتكم، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة، وما فيه أهل ~~الدناءة والجهالة، وإياكم والكبر والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة بغير إحنة. ~~وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصلوا عليها، فإنها شيم أهل الفضل ~~والنبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، حتى ترجع ~~إليه حاله، وإن أقعد الكبر أحدكم عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه ~~وشاوروه، واستظهروا بفضل رأيه وتجربته وقديم معرفته. وليكن الرجل منكم، على ~~من اصطنعه واستظهر ليوم حاجته إليه، أحدب وأحوط منه على أخيه وولده، فإن ~~عرضت في العمل محمدة فليضفها إلى صاحبه، ms041 وإن عرضت مذمة فليحملها من دونه ~~وليحذر السقطة والذلة والملال عند تغير الحال، فإن العيب إليكم، معشر ~~الكتاب، أسرع منه إلى المرأة، وهو لكم أشد منه لها، فقد علمتم أن الرجل ~~منكم قد يصفى الرجل، إذا صحبه في بدء أمره، من وفائه وشكره، واحتماله ~~وصبره، ونصيحته وكتمان سره، وعفافه وتدبيره، بما هو حرى أن يحققه بفعاله، ~~في غير حين الحاجة إلى ذلك منه، فابذلوا، وفقكم الله، ذلك من أنفسكم في حال ~~الرخاء والشدة، والحرمان والمواساة، والإحسان والإساءة، والغضب والرضا، ~~والسراء والضراء. PageV01P067 # فنعمت السمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة. فإذا ولى الرجل ~~منكم، وصير إليه من أمور خلق الله وعباده أمر فليراقب الله تعالى ذكره، ~~وليؤثر طاعته فيه، وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عباد ~~الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعباده، ثم ليكن بالحق حاكما، وللأشراف مكرما ~~ومداريا، وللفئ موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وليكن في مجلسه ~~متواضعا حلتما لينا، وفي استجلاب خراجه واستقصاء حقوقه رفيقا. وإذا PageV01P068 ### | CHECK [40] # صحب أحدكم الرجل فليستشف خلائقه، كما يستشف الثوب، يشتريه لنفسه، فإذا ~~عرف حسنها وقبيحها، أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عمالا ~~يوافقه من القبح، بألطف حيلة، وأحسن مداراة ورفقة. فقد عرفتم أن سائس ~~البهيمة، إذا كان حاذقا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا ~~اتقاها من قبل رجلها، وإن كانت جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإذا كانت شموسا ~~توقاها من ناحية يدها، وإن خاف منها عضاضا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت ~~حرونا لم يلاحها، وتتبع هواها في طريقها، وإن استمرت عطفها، فيسلس له ~~قيادها. ومن هذا الوصف من سائس البهيمة، ورفق سياسته دليل وأدب لمن ساس ~~الناس وعاملهم، وخدمهم وصحبهم. # والكاتب بفضل رأيه، وشرف صناعته، ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوره ~~ويناظره، ويفهم عنه ويخاف سطوته، أولى بالرفق بصاحبه، ومداراته وتقويم ~~أوده، من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف خطأ ولا صوابا. إلا ~~بقدر ما يصيرها إليه سائسها أو صاحبها الراكب لها. فأدقوا - يرحمكم ms042 الله - ~~النظر، وأعملوا فيه الروية والفكر، تأمنوا ممن صحبتموه، بإذن الله، النبوة ~~والاستثقال والجفوة، ويصيروا منكم إلى الموافقة، وتصيروا منهم إلى المواساة ~~والشفقة، إن شاء الله. PageV01P069 # ولا يجوزن الرجل منكم، في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه ~~وخدمه وغير ذلك من فنون أمره، قدر صناعته، فإنكم، مع ما فضلكم الله به من ~~شرف صناعتكم، خدم، لا تحتملون في خدمتكم على التقصير، وخزان وحفظة، لا ~~يحتمل منكم التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما عددت ~~عليكم. فنعم العون عونكم على صيانة دينكم، وحفظ أمانتكم، وصلاح معاشكم. ~~واحذروا متالف السرف، وسوء عاقبة الترف، فإنهما يعقبان الفقر، ويذلان ~~الرقاب، ويفضحان أهلهما، ولاسيما الكتاب، والأمور أشباه، وبعضها دليل على ~~بعض، فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من ~~مسالك التدبير أوضحها محجة، وأرجحها حجة، وأحمدها عاقبة، واعلموا أن ~~للتدبير آفة وضدا، وأنهما لا يجتمعان في أحد أبدا، هو الوصف الشاغل لصاحبه ~~على إنقاذ عمله ورويته، فليقصد الرجل منكم في مجلس تدبيره قصد الكافي في ~~منطقه، وليقصد في كلامه، وليوجز في ابتدائه، وليأخذ بمجامع حججه حجته، فإن ~~ذلك مصلحة لعقله، ومجمة PageV01P070 ### | CHECK [41] # لذهنه، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وإن لم يكن الإكثار عادة، ثم وضع موضعه ~~في ابتداء كتاب أو جواب عند الحاجة فلا بأس. ولا يدعون الرجل منكم صنع ~~الله، تعالى ذكره، له في أمره، وتأييده إياه بتوفيقه، إلى العجب المضر ~~بدينه، وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظان، أو قال قائل: إن ذلك الصنع لفضل ~~حيلته، وأصالة رأيه، وحسن تدبيره، كان متعرضا لأن يكله الله إلى نفسه، ~~فيصير منها إلى غير كاف ولا يقل أحد منكم إنه آدب وأعقل وأحمل لعبء التدبير ~~والعمل من أخيه في صناعته، فإن أعقل الرجلين، عند ذوي الألباب، القائل: إن ~~صاحبه أعقل منه، وأحمقهما الذي يرى إنه أعقل من صاحبه، لعجب هذا بنفسه، ~~ونبذ ذاك العجب وراء ظهره، إذ كان الآفة العظمى من آفات عقله، ولكن قد يلزم ~~الرجل أن يعرف فضل نعمة ms043 الله عليه من غير عجب برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا ~~تكابر على أخيه وكفئه، ويشكر الله ويحمده بالتواضع لعظمته. وأنا أقول في ~~آخر كتابي هذا ما سبق به المثل: من يلزم الصحة يلزمه العمل، وهو جوهر هذا ~~الكتاب وغرة كلامه. بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل، فلذلك جعلته آخره، ~~وختمته به. # تولانا الله وإياكم معشر الكتاب بما يتولى به من سبق علمه في سعادته ~~وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله. # ولما قوى أمر بني العباس وظهر، قال مروان لعبد الحميد: إنا نجد في الكتب ~~أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيضطر إليك هؤلاء القوم، يعني ولد ~~العباس، فصر إليهم، فإني أرجو أن تتمكن منهم فتنفعني في مخلفي. وفي كثير من ~~أسبابي، فقال له: وكيف لي بأن يعلم الناس جميعا أن هذا من رأيك، وكلهم ~~يقول: إني غدرت وصرت إلى عدوك، وأنشد: # أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره! # وأنشد أيضا: # فذنبي ظاهر لا عيب فيه ... للأئمة وعذري بالمغيب PageV01P071 ~~فلما سمع ذلك مروان علم إنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: الذي أمرتني به ~~أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، ولك علي الصير معك إلى أن يفتح الله عليك، ~~أو أقتل معك. # ولما قتل عامر بن إسماعيل المسلمي مروان، ظفر بعبد الحميد كاتبه، فعرض ~~عليه رءوس القتلى، لأنه قتل في ستة أو سبعة من خواصه، وكانوا معه، فعرفه ~~رأسه، وخمل عبد PageV01P072 ### | CHECK [42] # الحميد إلى أبي العباس فسلمه إلى عبد الجبار ابن عبد الرحمن، فكان يحمى ~~طستا ويضعه على رأسه، فلم يزل يفعل به ذلك حتى قتله. ووجدت بخط أبي على ~~أحمد بن إسماعيل: حدثني العباس بن جعفر الأصبهاني، قال: # طلب عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وكان صديقا لابن المقفع، ففاجأهما الطلب ~~وهما في بيت، فقال الذين دخلوا عليهما: أيكما عبد الحميد؟ فقال كل واحد ~~منهما: أنا، خوفا من أن ينال صاحبه بمكروه، وخاف عبد الحميد أن يسرعوا إلى ~~ابن المقفع، فقال: ms044 ترفقوا، فإن في علامات، ووكلوا بنا بعضكم، ويمضي بعض ~~يذكر تلك العلامات لمن وجه بكم، ففعل ذلك، وأخذ عبد الحميد. # وكان يكتب لعمر بن إسماعيل الحسين بن محمد القاسم النخعي. # وكان عبد الحميد يقول: أكرموه الكتاب، فإن الله عز وجل أجرى أرزاق العباد ~~على أيديهم. # وكان يكتب لمروان على النفقات زياد بن أبي الورد الأشجعي، واسمه مكتوب ~~على ميناء صور وميناء عكاء: ما أمر بإصلاحه أمير المؤمنين مروان وجرى على ~~يد زياد بن أبي الورد. وذكر علي بن سراج المحدث: إنه رأى على بيت مال ~~بأذربيجان: مما أمر به عبد الله المنصور، أمير المؤمنين، وجرى على يد زياد ~~بن أبي الورد، لأنه تقلد أيضا للمنصور. # وذكر مخلد بن محمد بن الحارث، وكان من كتاب مروان إلى أن قتل مروان، ثم ~~اتصل بعبد الله بن علي: إنه حضر مجلس عبد الله يوما، فسأله عن مروان وقال ~~له: حدثني عنه، فقال له: إنه قال لي يوم الوقعة: أحزر لي القوم، فقلت: إني ~~صاحب قلم ولست بصاحب حرب، فأخذ يمنة ويسرة ونظر، ثم قال لي: هم اثنا عشر ~~ألفا، فجلس عبد الله وكان متكئا، ثم قال: لله دره! ما أحصى الديوان يومئذ ~~فضلا عن اثني عشر ألفا. PageV01P073 # وأهدى عامل لمروان غلاما أسود، فقال لعبد الحميد: اكتب إليه فاذمم فعله. ~~فكتب إليه عبد الحميد: لو وجدت لونا شرا من السواد وعددا أقل من الواحد، ~~لأهديته. وهذا مأخوذ من قول أعرابي، قيل له: مالك من الولد؟ فقال: قليل ~~خبيث، فقيل له: ما معناك في هذا؟ فقال: لا أقل من واحد، ولا أخبث من بنت. # وأنشد لعبد الحميد: PageV01P074 ### | CHECK [43] # ترحل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالزائل # فويلي من الخلف النازل! ... ولهفي على السلف الراحل! # أبكى على ذا وأبكى لذا ... بكاء المولهة الثاكل # تبكي من ابن لها قاطع ... وتبكي على ابن لها واصل # فليست تقتر من عبرة ... لها في الضمير ومن هامل # تقضت غوايات سكر الصبا ... ورد التقي عنن الباطل # وكان أبو جعفر المنصور كثيرا ما ms045 يقول بعد إفضاء الأمر إلى بني العباس: ~~غلبنا بنو مروان بثلاثة أشياء: بالحجاج، وبعبد الحميد بن يحيى الكاتب، ~~والمؤذن البعلبكي. # وساير عبد الحميد يوما مروان على دابة قد طالت مدتها في ملكه، فقال له ~~مروان، قد طالت صحبة هذه الدابة لك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من بركة ~~الدابة طول صحبتها، وقلة علفها، فقال له، فكيف سيرها؟ فقال همها أمامها، ~~وسوطها عنانها، وما ضربت قط إلا ظلما. # وقيل لعبد الحميد بن يحيى: ما الذي مكنك من البلاغة، وخرجك فيها؟ فقال: ~~حفظ كلام الأصلع، يعني أمير المؤمنين عليا. # وحكي أن عبد الحميد مر بإبراهيم بن جبلة، وهو يكتب خطا رديا، فقال له: ~~أتحب أن يجود خطك؟ قال: نعم، فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرف قطتك ~~وأيمنها. قال إبراهيم: ففعلت ذلك فجاد خطي. # وحكي عن إبراهيم بن العباس إنه قال: ما تمنيت كلام أحد أن يكون لي إلا ~~كلام عبد الحميد، حيث يقول في رسالة له: الناس أصناف مختلفون، وأطوار ~~متباينون، منهم علق مضنة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا يبتاع. وقال عبد ~~الحميد: العلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤة الحكمة. # وكان لعبد الحميد عقب يسكنون مصر، ولم يكن في أوائلهم من له نباهة، فلما ~~صار أحمد بن طولون إلى نواحي مصر، اتصل به أربعة نفر من ولده، ويعرفون ببني ~~المهاجر، وكانوا يكتبون قبله للحسين الخادم، المعروف بعرق الموت. واستكتب ~~أحمد بن طولون منهم الحسن بن محمد بن أبي المهاجر - وكان علي بن محمد أخوه ~~أسن منه - واستعان PageV01P075 ### | CHECK [44] # أحمد بن طولون أيضا بأخويهما، وكانا يكنيان بأبي القاسم، وأبي عيسى، ~~وخصوا جميعا بأحمد بن طولون، وغلبوا عليه، واستحكمت ثقته بهم. وكانوا من ~~أنصب الناس، وأشدهم انحرافا عن بني هاشم. # قال يوسف بن إبراهيم صاحب إبراهيم بن المهدي: سمعت إبراهيم بن المهدي ~~يقول لعلي بن محمد أبي المهاجر، وقد فخر بذكره جده، وذكر تقدمه في صناعته ~~وفضله وأدبه وبلاغته: إن عبد الحميد كان من أشام كاتب على وجه الأرض، لأنه ~~لما تقلد ms046 وزارة مروان لم يقتصر شؤمه على إتلافه فقط، حتى أزال دولة بني ~~مروان جملة، ولم يكتف في مروان إلا بالقتل. # قال أحمد بن محمد، المكنى بابن نصر، المعروف بابن الأعجمي: إن الحسن بن ~~محمد لم يزل على كتابة أحمد بن طولون إلى أن مات، وإن خمارويه نكبه بعد ~~أبيه وحبسه. فحدثتني جارية كانت للحسن بن محمد، يقال لها نبات: أن خمارويه ~~أمر بإحضارها وإحضار جميع جواري الحسن، وكانت فيهن جارية له، تدعى: بدعة، ~~وكان يتحظاها، وأنه طالبها بأن تغنيه فامتنعت، فدعا بخادم يقال له: سوار، ~~فأسر إليه شيئا، وغاب غيبة، وعاد ومعه رأس الحسن بن محمد، فوضعه في حجرها، ~~فلما رأته صرخت، وصرخنا جميعا، فأمر بإخراجنا من حضرته. # وكان يكتب لإبراهيم الإمام، على الدعاة، بكر بن ماهان، ويكنى أبا هاشم، ~~وكان زوج ابنته من أبي سلمة حفص بن سليمان، مولى بني الحارث ابن كعب، ويعرف ~~بأبي سلمة الخلال. # وقيل في نسبته: إنه نسب إلى الخل. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: # إنه نسب إلى خلل السيوف، وهي الجفون. وذكر أن العرب تسمي من يعلمها ~~الخلال: واستشهد بقول الشاعر: # أخلق الدهر بجو طللا ... مثل ما أخلق سيف خللا PageV01P076 ~~ولما حضرت أبا هاشم الوفاة كتب إلى إبراهيم الإمام يخبره: إنه كتب في أول ~~يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنه قد استخلف حفص بن ~~سليمان. فكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بأمر أصحابه، وكتب إلى أهل ~~خراسان: إنه قد أسند أمرهم إليه. ومضى أبو سلمة إلى خراسان، فقبلوا أمره، ~~ودفعوا إليه خمس أموالهم، ونفقات الشيعة. PageV01P077 ### | CHECK [45] # وكان المتولي لمكاتبة الإمام عن الدعاة، والقيم بقراءة كتبه إليهم بمحضر ~~جماعتهم، طلحة بن رزيق أخو مصعب بن رزيق، جد طاهر ابن الحسين، ويكنى طلحة: ~~أبا منصور. # وكان مهلهل بن صفوان مولى امرأة كانت لعلي بن عبد الله بن العباس، تخدم ~~إبراهيم الإمام في الحبس، وتكتب له كتبه، فلم تزل معه إلى أن قتل مروان ~~إبراهيم. # ولما هزم ابن هبيرة وقصد واسط، ودخل حميد ms047 والحسن ابنا قحطبة إلى الكوفة، ~~لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، أظهروا أبا سلمة، ~~وسلموا إليه الرياسة، وسموه وزير آل محمد، ودبر الأمور، وأظهر الإمامة ~~الهاشمية، ولم يسم الخليفة. # وكان أبو مسلم يكاتبه: للأمير حفص بن سليمان، وزير آل محمد، من عبد ~~الرحمن بن مسلم، أمير آل محمد. وكان أبو مسلم لما أظهر الدعوة بخراسان وغلب ~~عليه من البلاد، قلد كتابة الدواوين بحضرته وبيت المال أبا صالح كامل بن ~~مظفر، وقلد كتابة الرسائل أسلم ابن صبيح. PageV01P078 # وكان إبراهيم عند حبس مروان إياه خاف على أهل بيته، فولى أبا العباس عهده، ~~وعقد الخلافة له من بعده، وأمره بالمسير إلى الكوفة إلى أبي سلمة، وأمر أهل ~~بيته أن يسيروا معه، ويسمعوا له ويطيعوا، ونعى إليهم نفسه، فسار أبو العباس ~~عبد الله بن محمد، ومعه أبو جعفر أخوه، وداود وعبد الله، عماه، وعيسى بن ~~موسى بن محمد بن علي، وموسى بن داود بن علي، ويحيى بن جعفر بن تمام بن ~~العباس، ومعهم جماعة من مواليهم، فلما شارفوا الكوفة وجه أبو العباس ~~بإبراهيم بن سلمة إلى أبي سلمة يخبره، فأنكر أبو سلمة مقدمهم وقال: خاطروا ~~بأنفسهم وعجلوا، فليقيموا بقصر مقاتل - وهو على مرحلتين من الكوفة - حتى ~~ننظر في أمرنا. فرجع إليهم إبراهيم بذلك، فكتبوا إليه: إنا في برية ولا ~~نأمن قصد جيوش الشام إيانا، لأنهم بهيت، على ثلاث مراحل منا، وسألوه الإذن ~~لهم في الدخول إلى الكوفة، ليتحرزوا بها. فأذن لهم على كره، وأنزلهم في بني ~~أود، في دار الوليد بن سعد الجمال، مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحوا من ~~شهرين، من جميع القواد والشيعة. . وعسكر أبي سلمة بحمام أعين، فأقام بها، ~~وفرق عماله على السهل والجبل، وصارت الدواوين بحضرته، والكتب تنفذ منه، ~~وترد عليه. # وكان أبو سلمة يطعم أصحابه غداء وعشاء. وكان يتأنق في السلاح والدواب، ~~ولا يتأنق في PageV01P079 ### | CHECK [46] # ثوبه وكان فصيح اللسان، عالما بالأخبار والأشعار والجدل وتفسير القرآن، ~~حاضر الحجة كثير الجد. # وكان لما صح عنده موت ms048 إبراهيم الإمام لقى رجالا من شيعة علي، رضوان الله ~~عليه، فناظرهم على نقل الأمر إلى ولد علي، وكتب إلى ثلاثة نفر ليعقد الأمر ~~لأحدهم، وهم: جعفر بن محمد، وعبد الله بن حسن، وعمر بن علي بن الحسن، ودفع ~~الكتب إلى رجل، وأمره أن يلقى جعفرا بديا، فإن قبل ما كتب به مزق الكتابين، ~~وإن لم يقبل لقي عبد الله ابن حسن، فإن قبل مزق الكتاب الثالث، وإن لم يقبل ~~لقي عمر ابن علي. # فقدم الرسول المدينة، فأوصل كتاب جعفر بن محمد إليه، فأحرقه في السراج ~~ولم يقرأه، وقال: الجواب ما رأيت. # فلقي عبد الله بن الحسن، فقبل الكتاب، فحذره جعفر بن محمد، فلم يحذر، ~~وأشار عليه أن لا يفعل، وأعلمه أن أهل خراسان ليسوا بشيعة، وأن أبا سلمة ~~مخدوع مقتول. PageV01P080 # وارتاب أهل خراسان بأبي سلمة وتكلموا، وقالوا: يا أبا سلمة، مالك خرجنا من ~~قعر خراسان، ولا إليك دعونا، وما أنت لنا بإمام! فهم في ذلك معه، إذ خرج ~~محمد بن إبراهيم الحميري - ويكنى: أبا حميد السمرقندي - يريد الكناسة، فلقي ~~سابقا الخوارزمي، وهو غلام كانوا أهدوه لإبراهيم الإمام، فسأله أبو حميد عن ~~الخبر، فأخبره، وصار إلى أبي العباس وأهل بينه، فأما دخل أبو حميد عليهم، ~~سأل عن إبراهيم الإمام، فخبر بوفاته، فعزاهم عنه، وسألهم عن ابن الحارثية، ~~فأشاروا إلى أبي العباس، فسلم عليه بالخلافة، وقبل يده ورجله وبايعه. ~~وسألهم عن سبب مقامهم هناك، فأعلموه أن أبا سلمة أنزلهم تلك الدار نحوا من ~~شهرين، وأعلم أبا الجهم، وموسى ابن كعب، ومحمد بن صول، وسلم بن محمد، ونهار ~~بن حصن، وصاروا إلى أبي العباس، ومعهم أصحابهم في السلاح، فبايعوه. وأمر ~~أبو الجهم أبا حميد أن يحجب الناس، وبلغ الخبر أبا سلمة، فركب في أصحابه ~~فأغلق الباب دونه، فاستفتح أصحاب أبي سلمة الباب، وقالوا: وزير آل محمد، ~~فأسمعوه بعض ما يكره، فقال أبو حميد افتحوا له حتى يريه الله ما يرغم أنفه، ~~فدخل فاستقبل القبلة، فسجد ثم سلم، وقبل يد أبي العباس وقدميه، وبدأ ms049 في ~~الاعتذار. فقال له أبو العباس: عذرناك يا أبا سلمة، غير مفند، وحقك لدينا ~~معظم، وسابقتك في دولتنا مشكورة وزلتك مغفورة، انصرف إلى PageV01P081 ### | CHECK [47] # معسكرك لا يدخله خلل. فانصرف إلى معسكره بحمام أعين. # وكانت مدة تقليد أبي سلمة الأمور منفردا بها، إلى أن ظهر أمر الشيعة، ~~شهرين ونصفا. # وكان خالد بن برمك في عسكر قحطبة يتقلد خراج كل ما افتتحه قحطبة من ~~الكور، وتقلد الغنائم وقسمها بين الجند، فكان يقال: إنه ما أحد من أهل ~~خراسان إلا ولخالد عليه يد ومنة، لأنه قسط الخراج، فأحسن فيه إلى أهله. ~~وكان مع قحطبة حيث قتل ابن ضبارة، فغلط برأسه، فوجه قحطبة إلى أبي مسلم ~~بغير رأس ابن ضبارة، ثم عرف رأسه بنقش خاتمه، فأراد قحطبة أن يوجه به، ~~فمنعه خالد بن برمك بصحة رأيه. وقال: إن فعلت ذلك أبطلت الأول والثاني. # وكان لخالد، فيما ذكر عبد الملك بن صالح، وحكاه أيضا صالح، صاحب المصلى ~~في يوم ابن ضبارة، رأى وفطنة استحسنا، وهو أن خالد ابن برمك كان على سطح من ~~سطوح قرية، قد نزلوها مع قحطبة بن شبيب، وهم يتغدون، حتى أقبلت أقاطع الوحش ~~من الظباء والبقر، فخالطت العسكر، فقال خالد لقحطبة: يا أيها الأمير، قد ~~أتينا، فمر من ينادي بالسلاح، فعجب قحطبة منه، فقال: لا تتشاغل بكلامي وأمر ~~بالنداء، فنادى بالسلاح، وأظلهم ابن ضبارة في عسكره، وكان من أمرهم ما كان. ~~فلما انقضت الحرب سئل عن السبب فيما قاله، فقال: رأيت الوحوش قد خالطت ~~العسكر، ومن حكمها أن تنفر عنه، فعلمت: أنها لم تخاطه إلا لشيء وراءها أعظم ~~مما دخلت فيه. # أيام أبي العباس السفاح # ولما عقدت البيعة لأبي العباس، وحضر خالد بن برمك لمبايعته، فرأى فصاحته، ~~توهمه من العرب، فقال له: ممن الرجل؟ فقال له: مولاك خالد بن برمك، وقص ~~عليه قصته، وقال: أنا كما قال الكميت ابن زيد: # فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب # فأعجب به أبو العباس، وأقره على المكان يتقلد من ms050 الغنائم، وجعل إليه بعد ~~ذلك ديوان الخراج، وديوان الجند، وكثر فيه حامده، وحسن أثره. PageV01P082 # وكان سبيل ما يثبت في الدواوين أن يثبت في الصحف، فكان خالد أول من جعله في ~~دفاتر، فخص بأبي العباس، وحل محل الوزير. ودفع أبو العباس ابنته ريطة إلى ~~خالد بن PageV01P083 ### | CHECK [48] # برمك، حتى أرضعتها زوجته أم خالد بنت يزيد، بلبان بنت لخالد، تدعى أم ~~يحيى، وأرضعت أم سلمة زوجة أبي العباس أم يحيى، بنت خالد، بلبان ابنتها ~~ريطة، فقال أبو العباس يوما لخالد بن برمك لم ترض يا بن برمك حتى ~~استعبدتني! فوجم من ذلك، وقال: أنا أمير المؤمنين، فقال له: ريطة وأم يحيى ~~في فراش واحد، فتكشفتا، فرددت عليهما اللحاف، فقبل يده، وشكر له، ولم يزل ~~على منزلته عنده إلى أن توفي أبو العباس. # وورد على أبي العباس أبو جعفر منصرفا من خراسان في جمادى الأولى سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائة، وكان وجهه إليها لأخذ البيعة على أبي مسلم وأصحابه، ~~فأخذها ورجع. # وكان أبو العباس هم بأبي سلمة، فقال له داود بن علي: لا آمن عليك أبا ~~مسلم إن فعلت أن يستوحش، ولكن اكتب إليه، فعرفه ما كان من أبي سلمة، فكتب ~~أبو العباس إلى أبي مسلم يعلمه ما كان من أمر أبي سلمة في الكتاب إلى من ~~كتب إليه من ولد علي، وما كان أجمعه من صرف الدعوة إليهم. فوجه أبو مسلم ~~بالمرار بن أنس الضبي لقتل أبي سلمة، فلما وافاه أمر أبو العباس، قبل قتله ~~بثلاثة أيام، مناديا ينادي بالكوفة: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة. ~~ثم دعاه قبل مقتله بيوم، فخلع عليه، وكان يسمر عنده، فخرج ليلته تلك يريد ~~الانصراف إلى منزله، وقد كمن له المرار بن أنس، وأسيد بن عبد الله، فقتلاه، ~~وأغلقت أبواب المدينة، فقيل لأبي العباس: إن أبا سلمة قتله الخوارج، فقال: ~~لليدين وللفم. وقتل في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة. PageV01P084 # وقلد أبو العباس عمارة بن حمزة بن ميمون، من ولد أبي لبابة، مولى عبد الله ~~بن ms051 العباس، ضياع مروان وآل مروان. وكان عمارة سخيا سريا، جليل القدر، رفيع ~~النفس، كثير المحاسن، وكان أبو العباس يعرف عمارة بن حمزة بالكبر، وعلو ~~القدر، وشدة التنزه، فجرى بين أبي العباس وبين أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة ~~المخزومية زوجته، يوما كلام فاخرته فيه بأهلها، فقال لها أبو العباس: أنا ~~أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من موالي ليس في أهلك مثله، ثم أمر بإحضار ~~عمارة ابن حمزة على الحال التي يكون عليها، فأتاه الرسول في الحضور. فاجتهد ~~في تغيير زيه، فلم يدعه، فجاء به إلى أبي العباس وأم سلمة خلف الستر، وإذا ~~عمارة في ثياب ممسكه قد لط لحيته بالغالية حتى قامت، واستر شعره، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، ما كنت أحب أن تراني على مثل هذه الحال، فرمى إليه PageV01P085 ### | CHECK [49] # بمدهن كان بين يديه، فيه غالية، فقال، يا أمير المؤمنين: أترى لها من ~~لحيتي موضعا! وأخرجت إليه أم سلمة عقدا كان لها، قيمته جليلة، وقالت ~~للخادم: تعلمه أني أهديته إليه. فأخذه عمارة بيده، وشكر أبا العباس، ووضعه ~~بين يديه ونهض، فقالت أم سلمة لأبي العباس: إنما أنسيه، فقال أبو العباس ~~للخادم: الحقه به، وقل له: هذا لك، فلم خلفته؟ فأتبعه الخادم، فلما أدى ~~إليه الرسالة قال له: إن كنت صادقا فهو لك، وانصرف الخادم بالعقد، وعرف أبا ~~العباس بما جرى، وامتنع من رده على أم سلمة، وقال لها: قد وهبه لي، فلم تزل ~~إلى أن اشترته منه بعشرة ألف دينار. # وكان عمارة بن حمزة يقول: يخبز في داري كل يوم ألفا رغيف، يؤكل منها ألف ~~وتسع مئة وتسعة وتسعون رغيفا حلالا، وآكل رغيفا واحدا حراما، وأستغفر الله. # وكان يقول: ما أعجب قول الناس: فلان رب الدار! إنما هو كلب الدار. PageV01P086 # وكان الماء زاد في أيام الرشيد، وكان الرشيد غائبا في بعض متصيداته، ويحيى ~~بن خالد مقيم ببغداد، فركب يحيى ومعه القواد، ليفرقهم على المواضع المخوفة ~~من الماء يحفظونها، ففرق القواد، وأمر بإحكام المسنيات، وصار إلى الدور، ~~فوقف ينظر إلى ms052 قوة الماء وكثرته، فقال قوم: ما رأينا مثل هذا المد! فقال ~~يحيى بن خالد: قد رأيت مثله في سنه من السنين، كان أبو العباس خالد وجهني ~~فيها إلى عمارة بن حمزة، في أمر رجل كان يعنى به من أهل خراسان، وكانت له ~~ضياع بالري، فورد عليه كتابه يعلمه أن ضياعه تحيفت فخربت، وأن نعمته قد ~~نقصت، وأن حاله قد تغيرت، وأن صلاح أمره في تأخير بخراجه لسنة، وكان مبلغه ~~مائتي ألف درهم، ليتقوى به على عمارة ضيعته، ويؤديه في السنة المستقبلة. ~~فلما قرأ كتابه غمه وبلغ منه، وكان بعقب ما ألزمه أبو جعفر من المال الذي ~~خرج عليه، فخرج به عن كل ما يملكه، واستعان بجميع إخوانه فيه، فقال لي: يا ~~بني، من ها هنا يفزع إليه في أمر هذا الرجل؟ فقلت: لا أدري، فقال: بلى، ~~عمارة بن حمزة، فصر إليه وعرفه حال الرجل، فصرت إليه وقد مدت دجلة، وكان ~~ينزل الجانب الغربي، فدخلت عليه وهو مضطجع على فراشه، فأعلمته ذلك، فقال: ~~قف لي غدا بباب الجسر، ولم يزد على ذلك. فنهضت ثقيل الرجلين، وعدت إلى أبي ~~العباس بالخبر، فقال: يا بني: تلك سجيته، فإذا أصبحت فاغده لموعده، فغدوت ~~فوقفت بباب الجسر، وقد جاءت دجلة في تلك الليلة بمد PageV01P087 ### | CHECK [50] # عجيب قطع الجسور، وانتظم الناس من الجانبين جميعا ينظرون إلى زيادة ~~الماء. فبينا أنا واقف، أقبل زورق والموج يخفيه مرة ويظهره أخرى، والناس ~~يقولون: غرق غرق! نجا نجا! حتى دنا من الشط، فإذا عمارة بن حمزة وملاح معه ~~في الزورق، وقد خلف دوابه وغلمانه في الموضع الذي ركب منه، فلما رأيته نبل ~~في عيني، وملأ صدري، فنزلت، فعدوت إليه، وقلت. جعلت فداك! أفي مثل هذا ~~اليوم! وأخذت بيده. فقال: أكنت أعدك وأخلف، يا ابن أخي، اطلب لي برذونا ~~أتكاراه، فقلت له: فاركب برذوني، قال: فأي شيء تركب؟ قلت: برذون الغلام. ~~فقال: هات، فقدمت إليه برذوني فركبه، وركبت برذون غلامي، وتوجه يريد أبا ~~عبيد الله، وهو إذ ذاك على الخراج، والمهدي ms053 ببغداد خليفة للمنصور، والمنصور ~~في بعض أسفاره، قال: فلما طلع على حاجب أبي عبيد الله، دخل بين يديه إلى ~~نصف الدار، ودخلت معه، فلما رآه أبو عبيد الله قام من مجلسه، وأجلسه فيه، ~~وجلس بين يديه، فأعلمه عمارة حال الرجل، وسأله إسقاط خراجه، وهو مائتا ألف ~~درهم، وإسلافه من بيت المال مائتي ألف درهم، يردها في العام المقبل. فقال ~~له أبو عبيد الله: هذا لا يمكنني، ولكني أواخره بخراجه إلى العام المقبل، ~~فقال: لست أقبل غير ما سألت، فقال أبو عبيد الله: فاقنع بدون هذا، لتوجد لي ~~سبيل إلى قضاء الحاجة، فأبى عمارة، وتلوم أبو عبيد الله قليلا، فنهض عمارة، ~~فأخذ أبو عبيد الله بكمه وقال: فإني أتحمل ذلك من مالي، فعاد لمجلسه، وكتب ~~أبو عبيد الله إلى عامل الخراج بإسقاط خراج الرجل لسنته، والاحتساب به على ~~أبي عبيد الله، وإسلافه مائتي ألف درهم، ترجع منه في العام المقبل. فأخذت ~~الكتاب وخرجنا، فقلت: لو أقمت عند أخيك ولم تعبر في هذا المد؟ فقال: لست ~~أجد بدا من العبور، فصرت معه إلى الموضع، ووقفت حتى عبر. PageV01P088 # وكان أبو الجهم بن عطية ينوب عن أبي مسلم بحضرة أبي العباس ويخلفه، فثقلت ~~وطأة أبي مسلم على أبي العباس، وكثر خلافه إياه، ورده لأمره، فقال أبو ~~العباس لأبي الجهم: اكتب إليه، وأشر عليه بالاستئذان في الدوم علينا، ~~لتجديد العهد بنا. فكتب إليه أبو الجهم بذلك، فقبل رأيه. وكتب مستأذنا، ~~فمنعه أبو العباس، وقال له: خراسان لا تحتمل مفارقتك لها، وخروجك عنها، ~~وتركه شهرا. ثم قال لأبي الجهم: أعد الكتاب بمثل ذلك، فأعده، فكتب أبو مسلم ~~مستأذنا، فمنعه وأجابه: إن خروج أمير المؤمنين إليك أسهل من الإذن لك، PageV01P089 ### | CHECK [51] # وإخلائك ما قد أصلحه الله بك، ثم تركه شهرا. وقال لأبي الجهم: أعد ~~الكتاب، وأشر عليه بأن يذكر شدة شوقه، ومحبته لمشاهدة نعمة الله عندنا، ~~وعنده فينا، ففعل، وكتب أبو مسلم بنحو ما كتب به أبو الجهم إليه، فأجابه ~~أبو العباس بالإذن. واستخلف أبا صالح كامل ms054 بن مظفر على الخراج والدواوين، ~~وفرق أعمال الحرب على جماعة، وقدم على أبي العباس فلقيه، ثم استأذن في ~~الحج، فأذن له. # وكان أبو العباس شكا إلى خالد، وهو يتقلد دواوينه، اهتمامه بهيبة الجند ~~أبا مسلم، فأشار عليه أن يأمره بعرضهم، وإسقاط من لم يكن من أهل خراسان ~~منهم، ففعل ذلك. فجلس أبو مسلم للعرض، فأسقط في أول بشرا كثيرا، ثم جلس في ~~اليوم الثاني، فأسقط أيضا بشرا كثيرا، ثم جلس في اليوم الثالث، فدعا بالناس ~~فلم يقم أحد، فدعا ثانية فلم يقم أحد، ودعا ثالثة فلم يقم أحد، فقام إليه ~~رجل فقال: علام تسقط الناس أيها الرجل منذ ثلاث؟ فقال: أسقط من لم يكن من ~~أهل خراسان، قال: فابدأ بنفسك، فإنك من أهل أصبهان، وقد دخلت في أهل ~~خراسان. فوثب أبو مسلم عن مجلسه، وقال: هذا أمر أحكم بليل: وحسبك من شر ~~سماعه، وفطن لما أريد به، وبلغ الخبر أبا العباس، فسره. # وكان داود بن علي يتقلد الكوفة وأعمالها، فدفع طريح بن إسماعيل إلى كاتبه ~~رقعة إلى داود في حاجة له إليه، متقاضيا لها، فقال له: هذه حاجتك مع حاجة ~~فلان من الأشراف، فقال: # تخل بحاجتي واشدد قواها ... فقد أمست بمنزلة الضياع # إذا راضعتها بلبان أخرى ... أضر بها مشاركة الرضاع # ودونك فاغتنم شكري وشعري ... وإياكم مكاشفة القناع # فأفرد رقعته، وقضى حاجته. # أيام المنصور PageV01P090 ~~وكان يكتب لأبي جعفر المنصور عبد الملك بن حميد، مولى حاتم ابن النعمان ~~الباهلي، من أهل حران، وكان كاتبا متقدما، فجلس في يوم من أيام عطلته ~~بحران، ويحيى بن نزملة الصفري، وعبيد الله بن النعمان، مولى ثقيف، ورجلان ~~آخران تحت شجرة تين، وذلك بعد انقضاء أمر بني أمية، ومصير الأمر إلى بني ~~العباس، فقالوا: لو أصبنا رجلا له سلطان انقطعنا إليه، وكنا في خدمته، ~~يرزقنا رزقا نعود به على عيالنا، فقال بعضهم: عسى الله عز PageV01P091 ### | CHECK [52] # وجل أن يسبب ذلك لنا أو لبعضنا فيفضل علينا. فتواقفوا بينهم ألا يصيب رجل ~~منهم سلطانا إلا آسى أصحابه. وطلب المنصور ms055 كاتبا، فوصف له عبد الملك بن ~~حميد. فأمر بإحضاره، فأحضر، فقلده كتابته ودواوينه، وتذكر عبد الملك أصحابه ~~فأخضرهم، وقلدهم الأعمال فأثروا، وحسنت أحوالهم، وكانوا إذ ذاك يعرفون ~~بأصحاب التينة. # وهو الذي أمره أبو جعفر، وقد أنشد أبو دلامة أبياته التي يقول فيها: # هبت تعاتبني من بعد رقدتها ... أم الدلامة لما هاجها الجزع # قالت تبغ لنا نخلا ومزدرعا ... كما لجيراننا نخل ومزدرع # خادع خليفتنا عنها بمسألة ... إن الخليفة للسؤال ينخدع # أن يقطعه خمس مائة جريب عامرة، وخمس مئة جريب غامرة، فقال: أبو دلامة: ~~أما العامر فقد عرفته، فما الغامر؟ فقال: الذي لا يدركه الماء ولا يسقى إلا ~~بالمئونة والكلفة، فقال أبو دلامة: فاشهد يا أمير المؤمنين ومن حضر، أني قد ~~أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد كلها. فضحك المنصور، وقال: اجعلها ~~يا عبد الملك عامرة كلها، فقال أبو دلامة لأبي جعفر: أتأذن لي في تقبيل ~~يدك، فلم يفعل ومنعه، فقال: ما منعني شيئا هو أقل على عيالي ضررا من هذا. PageV01P092 # وكانت لعبد الملك بن حميد منزلة من أبي جعفر خاصية عنده، وكان عبد الملك ~~ربما تثاقل عنه وتعلل عليه، فاستثقل المنصور ذلك منه مع استصلاحه له، ~~وسكونه إليه، وأمره باتخاذ من ينوب عنه إذا غاب عن حضرته، فاتخذ أبا أيوب ~~المورياني، وهو فتى حدث، من قرية من قرى الأهواز، يقال لها: المويان، واسمه ~~سليمان بن مخلد، ويكنى مخلد أبا سليمان، وكان ظريفا خفيفا على القلب، ~~متأتيا لما يريده منه أبو جعفر، وقد كان أخذ من كل شيء طرفا، وكان يقول: ~~ليس من شيء إلا وقد نظرت فيه، إلا الفقه، فلم أنظر فيه قط، وقد نظرت في ~~الكيمياء والطب والنجوم والحساب والسحر، وكانت له بأبي جعفر حرمة رعاها له، ~~فخف على قلبه. واعتل عبد الملك من نقرس كان به، فلزم منزله، فلم يزل أمر ~~أبي أيوب يعلو، ومحله من رأى أبي جعفر يزيد حتى قلده وزارته، وفوض إليه ~~أمره كله، وكان له أخ يقال له: خالد، وابنا أخ يقال لهما: ms056 مخلد ومسعود، ~~وكانا ظريفين جميلين، فنالا من الدنيا ونعيمها حظا جسيما. وقلد المنصور أبا ~~أيوب الدواوين مع الوزارة، وغلب عليه غلبة PageV01P093 ### | CHECK [53] # شديدة، وصرف أهله جميعا في الأعمال، حتى قالت العامة: إنه قد سحر أبا ~~جعفر، واتخذ دهنا بمسحه على وجهه إذا أراد الدخول عليه، وضربت المثل بدهن ~~أبي أيوب. # وبلغ من خصيصاء أبي أيوب بأبي جعفر أن أم سليمان الطلحية اتخذت لأبي جعفر ~~مجلسا في الصيف، وجعلت فيه الرياحين والثلج وسائر الطيب. فلما صار إليها ~~أعجب ببرده وحسنه، ثم قال لها: ما أنتفع بما أنا فيه! قالت: ولم يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: إنه ليس معي فيحدثني ويؤنسني، قالت: يا أمير المؤمنين، إنما ~~هيأته لسرورك، فتبعث إليه، فبعث إليه فحضر، فقال له: يا أبا أيوب، لما رأيت ~~طيب هذا الموضع ولذته، لم أنتفع به حتى تكون معي فيه. فدعا له وأقام معه. PageV01P094 # والذي كان بين أبي أيوب وبين أبي جعفر حتى رعاه له، ولما استخلفه عبد الملك ~~بن حميد غلب عليه، إنه لما غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن ~~أبي طالب، في أيام مروان على أصبهان، وبعض فارس وبعض الأهواز، وفد إليه ~~الهاشميون أجمعون من بني علي، رضوان الله عليه، ومن بني العباس وغيرهما، ~~فاستعان بهم في أعماله، وقلد أبا جعفر المنصور كورة إيذج. فأخذ أبو جعفر ~~المال وحمله بسفاتج على يدي عبد الرحمن ابن عمر إلى البصرة، ولم يحمل إلى ~~ابن معاوية شيئا، ثم صار أبو جعفر إلى الأهواز قاصدا البصرة، وكان سليمان ~~بن حبيب بن المهلب عليها من قبل مروان، قد وضع الأرصاد على كل من يمر من ~~عمال ابن معاوية، فمر برصده أبو جعفر، فأخذ وأتى به سليمان بن حبيب، وكان ~~أبو أيوب المورياني يكتب له، فقال له لما دخل عليه: هات المال الذي أختنته، ~~فقال: لا مال عندي، فدعا له بالسياط، فقال أبو أيوب: أيها الأمير، توقف عن ~~ضربه، فإن الخلافة إن بقيت في بني أمية فلن يسوغ لك ضرب رجل ms057 من بني عبد ~~مناف، وإن صار الملك إلى بني هشام لم تكن لك بلاد الإسلام بلادا، فلم يقبل ~~منه، وضرب أبا جعفر اثنين وأربعين سوطا. فلما اتصل ضربه إياه قام إليه أبو ~~أيوب، فألقى نفسه عليه، ولم يزل يسأله حتى أمسك عن ضربه، وأمر بحبسه. ~~فتحركت المضربة لضرب أبي جعفر وحبسه، وتجمعوا وصاروا إلى الحبس فكسروه، ~~وأطلقوا أبا جعفر. وخرج أبو جعفر حتى قدم البصرة، ورعى لأبي أيوب ما كان ~~منه، وكان يتذكره ويشكره، ولم يزل أبو أيوب بالأهواز إلى أن ظهر أمر بني ~~العباس. PageV01P095 ### | CHECK [54] # وكان يكتب لسليمان بن حبيب في أيام مروان على الخراج ماجسبس ابن بهرام بن ~~مردانشاه بن زاذان فروخ الأعور، كاتب عبد الله بن زياد، وكان زاذان فروخ من ~~أحفظ رجل، وكان غالبا على عبد الله بن زياد. وذكر آل زياد أن الحريق وقع في ~~الديوان بالبصرة فاحترق بأسره، وبالبصرة يومئذ من المقاتلة والذرية ثمانون ~~ألفا، فكتبهم زاذان فروخ عن ظهر قلب جميعا، لم يغلط، بأحد إلا بامرأة من ~~بني سليم، أنمى اسمها. PageV01P096 # وكان أبو جعفر لما صرف خالد بن برمك عن الديوان، وقلده أبا أيوب. قلد خالدا ~~فارس، فأقام بها خالد سنين، وأبو أيوب يسعى عليه، ويخص أبا جعفر على ~~مكروهه، ويسعى به ليسقطه من عينه، لأنه كان يعرف ما فيه من الفضل ويتخوفه ~~على محله، وأن يرده أبو جعفر إلى الديوان الذي كان يتقلده. فلما كثر ذلك ~~على أبي جعفر، صرف خالدا عن فارس ونكبه، وألزمه ثلاثة آلاف ألف درهم، ولم ~~يكن عنده إلا سبع مئة ألف درهم، فصدقه عن ذلك، فلم يصدقه وأمر بمطالبته ~~بالمال. فأسعفه صالح صاحب المصلى بخمسين ألف دينار، وأسعفه مبارك التركي ~~بألف ألف درهم، ووجهت الخيزان بجوهر قيمته ألف ألف درهم، ومائتا ألف درهم، ~~رعاية للرضاع بين الفضل ابنه وبين هارون ابنها. واتصل ذلك بأبي جعفر فتحقق ~~عنده قوله إنه لا يملك إلا ما حكى، فصفح له عن المال، فشق ذلك على أبى ~~أيوب، وأحضر بعض الجهابذة ودفع ms058 إليه مالا، وأمره أن يعترف إنه لخالد، ودس ~~إلى أبي جعفر من سعى بالمال، فأحضر الجهبذ، فسأل عن المال فاعترف به، فأحضر ~~خالدا فسأله عن ذلك، فحلف بالله إنه لم يجمع مالا قط، ولا ذخره ولا يعرف ~~هذا الجهبذ، ودعا إلى كشف الحال، فتركه أبو جعفر بحضرته، وأحضر النصراني، ~~فقال له: أتعرف خالدا إن رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أعرفه إن رأيته ~~فالتفت إلى خالد وقال: قد أظهر الله براءتك. وهذا مال أصبناه بسببك، ثم قال ~~للنصراني: هذا الجالس خالد، فكيف لم تعرفه؟ قال: الأمان يا أمير المؤمنين، ~~وأخبره الخبر، فكان لا يقبل من أبي أيوب بعد ذلك شيئا في خالد. # ولما بنى بعد ذلك أبو جعفر مدينة السلام قسمها أرباعا، فجعل الربع الأول ~~منها إلى أبي أيوب وزيره، والربع الثاني إلى عبد الملك بن حميد كاتبه، ~~ولعبد الملك قطيعة وربض يعرف بعبد الملك بن الملك بن حميد في الجانب ~~الغربي، والربعين الآخرين إلى الربيع، PageV01P097 ### | CHECK [55] # وإلى سليمان بن مجالد، ونقل إليها الخزائن والدواوين وبيوت الأموال في ~~سنة ست وأربعين ومائة. # وكان لأبي أيوب كاتب يقال له محمد بن الوليد، مولى لهشام بن عبد الملك، ~~أو لمروان بن محمد، وكان خاصا به غالبا عليه، وكان أبو جعفر ولى طريفا ~~مولاه، بريد مصر والشام والجزيرة، وكان محمد بن الوليد شرها حريصا على أخذ ~~الرشي، فكتب إلى طريف على لسان أبي أيوب بحمل مئة ألف دينار إليه، فحملها ~~ولم يعلم أبو أيوب بها، وكان لأبي جعفر مولى يقال له مطر، كان أبو أيوب ~~ابتاعه من حميد الصيرفي، وأهداه إليه، فأعتقه أبو جعفر، فكان ابو أيوب ~~يعتني به، فأشار على أبي جعفر بصرف طريف وتقليد مطر، ففعل ذلك، وأمره ~~بمحاسبة طريف، فحاسبه وضيق عليه. فأحفظه ذلك على أبي أيوب من جهة ما قد كان ~~حمله، وعنده إنه قد وصل إلى أبي أيوب، ومن عنايته بمطر، فلما صار إلى أبي ~~جعفر أخرج الكتاب الذي كان كتبه إليه محمد بن الوليد عن أبي أيوب، ms059 فدفعه ~~إليه، فلما وقف عليه دفعه إلى أبي أيوب، فقال له: هذا خط كاتبي وخاتمي، ولا ~~علم لي بشيء من أمره، فقال له أبو جعفر: هذا أشد الأمرين، أن تكون مئة ألف ~~دينار تؤخذ ولا يعلم علمها، ثم خرج من حضرته، ودعا محمد بن الوليد فسأله، ~~فقال: نعم، هذا كتابي، وأنت أمرتني به، وكابره وبهته، وكره أبو أيوب ~~مراجعته، لئلا يسعى به، فوكل به وحبسه، وحظر عليه أن يصل إليه أحد ينقل عنه ~~أو ينقل إليه شيئا، لئلا يسعى به. وكان أبو جعفر خارجا إلى قرميسين، فلما ~~خرج عن الكوفة ونزل حمام عمر، قال له أبو أيوب: إن كاتبي هذا قد جنى هذه ~~الجناية، وهو مولى لبني أمية، ولست أثق به، وقد أقدم على ما أقدم عليه، ~~فقال له: اقتل ابن الخبيثة، فدعا له أبو أيوب بالمسور البربري، فقال له: ~~انطلق فاقتل محمد بن الوليد. PageV01P098 # فلما قدم المسور ودعا بمحمد، قال: يا مسور، خذ هذا القرطاس فأعطه أمير ~~المؤمنين، فإنه إن وقف عليه قلدك مكان أبي أيوب، فقال له: يا ابن الخبيثة، ~~أتأمرني أن أرفع على أبي أيوب! فأخذ القرطاس منه، وضرب عنقه، وصار بالقرطاس ~~إلى أبي أيوب، فوجد فيه كل عظيمة من أمره، فتتبع أموال محمد بن الوليد، حتى ~~أدى منها إلى أبي جعفر مئة الألف الدينار، ووقر ذلك عليه في نفس أبي جعفر. # وكان حبيب بن عبد الله بن رغبان مولى حبيب بن سلمة الفهري، يتقلد الإعطاء لأبي PageV01P099 ### | CHECK [56] # جعفر، وإليه ينسب مسجد ابن رغبان بمدينة السلام. ومن ولده الشاعر المعروف ~~بديك الجن، وله أشعار مختارة، ومن جيدها قصيدته في إبراهيم بن مدبر الكاتب، ~~وهي التي يقول فيها: # ما المطايا إلا المنايا وما ... فرق شيء تفريقها الأحبابا # ودخل على أبي جعفر حبيب بن عبد الله بن رغبان الكاتب يوما في شهر رمضان، ~~فقال له: أتعطش يا بن رغبان؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما سحورك؟ ~~قال: فرخ، أو دجاجة، أو لحم بارد من طبيخ أو شواء، قال: ms060 هذا الذي يعطشك، ~~تسحر بم يتسحر به أمير المؤمنين، انظر إلى كعكات من هذا الكعك الشامي، ~~فاجعله في قدح، واغمره بالماء من أول الليل، فإذا كان في السحر تجده قد ~~مات، فاشربه، فإنه طعام يعصم، وشراب يروي. # قال أبو العباس ثعلب: حدثني محمد بن سلام الجمحي قال: حدثنا خلاد بن ~~يزيد، قال: # كنا يوما جلوسا عند أبي أيوب في مجلسه، فأتاه رسول أبي جعفر. فامتقع لونه ~~وتغير، ومضى إليه ثم رجع، فقال له بعض أصحابه في ذلك، فقال: سأضرب لكم مثلا ~~تقوله العامة، وهو أن البازي قال للديك: ما شيء أقل وفاء منك، لأن أهلك ~~أخذوك في بيضة فحضنوك، وخرجت على أيديهم، فأطعموك في أكفهم، ونشأت بينهم، ~~حتى إذا كبرت جعلت لا يدنو واحد منهم منك إلا طرت يمنة ويسرة، وصحت وصوت، ~~وأنا أخذت من الجبال كبيرا، فعلموني وألفوني، ثم يخلون عني، فآخذ صيدي وأجئ ~~إلى صاحبي، فقال له الديك: لو رأيت في سفافيدهم من البراة مثل الذي رأيت ~~فيها من الديكة كنت شرا مني! ولكنكم لو كنتم تعلمون ما أعلمه لم تتعجبوا من ~~خوفي مع ما ترون من تمكني. # ولما خالف عبد الله بن علي على أبي جعفر، وادعى الخلافة لنفسه، أنفذ أبو ~~جعفر أبا مسلم لقتاله، فتلقاه عبد الصمد بن علي بالموصل، فكان أول قتيل قتل ~~بينهما أبو غالب، كاتب عبد الله بن علي، فاستدل بذلك من جهة الفأل على ~~انحلال أمره. PageV01P100 # فلما هرب عبد الله منهزما من أبي مسلم، وقصد أخويه سليمان وعيسى وهما ~~بالبصرة، دخلها مستترا. وكاتب سليمان وعيسى أبا جعفر في أن يؤمنه، فأنفذ ~~سليمان كاتبه عمر بن أبي حليمة في ذلك، واستقر الأمر على إعطائه الأمان. ~~فأنفذ أبو جعفر سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، وأمره بضغطهم والتضييق ~~عليهم، حتى يشخصوا بعبد الله بن علي إلى PageV01P101 ### | CHECK [57] # حضرته. # وكان ابن المقفع يكتب لعيسى بن علي، فأمره عيسى بعمل نسخة للأمان لعبد ~~الله، فعملها ووكدها من كل تأويل يجوز أن يقع عليه فيها، وترددت ms061 بين أبي ~~جعفر وبينهم في النسخة كتب إلى أن استقرت على ما أرادوا من الاحتياط، ولم ~~يتهيأ لأبي جعفر إيقاع حيلة فيها لفرط احتياط ابن المقفع. وكان الذي شق على ~~أبي جعفر أن قال في النسخة: يوقع بخطه في أسفل الأمان: وإن أنا نلت عبد ~~الله بن علي، أو أحدا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير، أو أوصلت ~~إلى أحد منهم ضررا سرا أو علانية، على الوجوه والأسباب كلها، تصريحا أو ~~كناية أو بحيلة من الحيل، فأنا نفي من محمد بن علي بن عبد الله، ومولود ~~لغير رشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي في ~~رقاب المسلمين، ولا عهد ولا ذمة، وقد وجب عليهم الخروج من طاعتي، وإعانة من ~~ناوأني من جميع الخلق، ولا موالاة بيني وبين أحد من المسلمين، وهو. متبرئ ~~من الحول والقوة، ومدع، إن كان، إنه كافر بجميع الأديان، ولقي ربه على غير ~~دين ولا شريعة، محرم المأكل والمشرب والمناكح والمركب والرق والملك والملبس ~~على الوجوه والأسباب كلها، وكتبت بخطي، ولا نية لي سواه، ولا يقبل الله مني ~~إلا إياه، والوفاء به. فقال أبو جعفر: إذا وقعت عيني عليه، فهذا الأمان له ~~صحيح: لأني لا آمن أن أعطيه إياه قبل رؤيتي له، فيسير في البلاد، ويسعى علي ~~بالفساد، وتهيأت له الحيلة عليه من هذه الجهة، فقال: من يكتب له هذا ~~الأمان؟ فقيل: ابن المقفع، كاتب عيسى بن علي، فقال أبو جعفر: فما أحد ~~يكفينيه؟ PageV01P102 # وكان سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب يضطغن على ابن المقفع أشياء كثيرة، ~~منها: إنه كان يهزأ به، ويسأله عن الشيء بعد الشيء، فإذا أجاب قال له: ~~أخطأت، ويضحك. فلما كثر ذلك على سفيان غضب فافترى عليه، فقال له ابن ~~المقفع: يا بن المغتلمة: والله ما اكتفت أمك برجال أهل العراق حتى تعدتهم ~~إلى أهل الشام. وكانت أم سفيان بن معاوية ميسون بنت المغيرة بن المهلب، ~~وكان تزوجها القاسم بن عبد الرحمن بن عضاه ms062 الأشعري. # ومنها: أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز كان استعمل سفيان بن معاوية على ~~نيسابور، وكان عليها قبله المسيح بن الحواري، وكان ابن المقفع يكتب للمسيح، ~~ولما قرب سفيان من PageV01P103 ### | CHECK [58] # المسيح أرسل إليه المسيح: إن شئت أعطيتك خمس مئة ألف درهم، وتنصرف عني، ~~وإن شئت أعطني خمس مئة ألف أخليك والعمل، فقال سفيان: لا أعطيك شيئا، ولا ~~أقبل منك شيئا، فسفر بينهما ابن المقفع، واحتال على سفيان، ودافعه وعلله ~~حتى استعد المسيح، وكاتب الأكراد وجميع أطرافه، وقوى أمره، فلما استظهر ~~امتنع على سفيان، وقال له: انصرف فليس لك عندي شيء. فأبى سفيان أن ينصرف ~~واقتتلا، فضرب سفيان المسيح، فأطار عمامته، ولم يصل السيف إليه، وضرب ~~المسيح سفيان فكسر ترقوته، وانهزم إلى دورق، فحقد ذلك أيضا على ابن المقفع. PageV01P104 # فلما قال أبو جعفر ما قال، كتب به أبو الخصيب إلى سفيان، فعمل على قتله إذا ~~أمكنه ذلك. فقال عيسى بن علي يوما لابن المقفع: صر إلى سفيان فقل له كذا ~~وكذا، فقال له: وجه معي إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فإني لا آمن ~~سفيان، فقال: كلا، انطلق إليه ولا تخف، فإنه لم يكن ليعرض لك وهو يعلم ~~مكانك مني. فقال ابن المقفع لإبراهيم بن جبلة: انطلق بنا إلى سفيان نبلغه ~~رسالة الأمير، ونسلم عليه، فإني لم آته منذ قدمنا، وأخاف أن يظن بي موجدة ~~وعداوة. فمضيا، فجلسا على باب الديوان، وجاء عمر بن جميل فجلس إليهما، فخرج ~~غلام لسفيان، فنظر إليهم، ثم رجع ثم عاد، فسار عمر بن جميل، وقال له: يقول ~~لك الأمير: ادخل الديوان فاجلس فيه، فإذا انتصف النهار فمر بي، فقام فدخل ~~الديوان، وجاء الآذن فأذن لإبراهيم بن جبلة فدخل، ثم خرج فأذن لابن المقفع، ~~فلما دخل عدل به إلى مقصورة أخرى فيها شيرويه الملاديسي، وعتاب المحمدي، ~~فأخذاه فشداه كتافا، فقال إبراهيم لسفيان: إيذن لابن المقفع، فقال للآذن: ~~إيذن له. فخرج الآذن ثم رجع فقال: قد انصرف، فقال سفيان لإبراهيم: هو أعظم ~~كبرا من ms063 أن يقيم وقد أذنت لك قبله، ما أشك في إنه قد غضب، ثم قام سفيان ~~وقال لإبراهيم: لا تبرح، ودخل المقصور التي فيها ابن المقفع، فقال له لما ~~رآه ابن المقفع: وقعت والله! فقال: أنشدك الله، فقال: أمي مغتلمة كما ذكرت، ~~إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد قط، وأمر بتنور فسجر ثم أمرها فقطعا منه ~~عضوا، ثم ألقاه في التنور وهو يراه، فلم يزل يقطعه عضوا فعضوا ويلقيه في ~~التنور وهو يراه، إلى أن قطعه أعضاء، ثم أحرقه وهو يقول: # والله يا بن الزنديقة لأحرقنك بنار الدنيا قبل نار الآخرة. فلما فرغ منه ~~رجع إلى إبراهيم، PageV01P105 ### | CHECK [59] # فحدثه ساعة، ثم خرج إبراهيم، فقال له غلام ابن المقفع: ما فعل مولاي؟ ~~قال: ما رأيته، قال: بلى، قد دخل بعدك، فقال: ما رأيته، ورام الرجوع إلى ~~سفيان فحجب، وانصرف وانصرف معه غلام ابن المقفع، وهو يصيح ويبكي، ويقول: ~~قتل سفيان مولاي! # فدخل إبراهيم على عيسى بن علي، ومعه غلام ابن المقفع يبكي، فقال عيسى ~~لإبراهيم: ما هذا؟ فخبره الخبر على جهته، فقال له عيسى: ارجع فقل له: خل عن ~~ابن المقفع إن لم تكن قتلته، وإن كنت قتلته فو الله لأطلبنك بدمه، ولا أدع ~~جهدا. فصار إلى سفيان، وأبلغه ما قال عيسى، فقال: ما رأيته، ودعا بعمر بن ~~جميل من الديوان. فقال عمر: فدخلت عليه وهو متغير، على خلاف ما كنت أعرف من ~~انبساطه، فقال لي: ألا تعجب من ابن عمك، يأتيني برسالة عيسى بكذا وكذا، ~~فقلت: لا ذنب له فيما قال، إنما أرسل برسالة فأدها، فقال لي: صدقت، فما ~~الرأي عندك؟ قال: فقلت: ليس لمكذوب رأي، ولا أدري ما أشير به عليك، إلا أن ~~تصدقني، إن كنت تقدر على ابن المقفع، فلي رأي، وإن كنت لا تقدر عليه فلي ~~رأي آخر، فقال: فإنه لايرى أبدا، فقلت في نفسي: أحمق بك! لم أستطيع أن تغيب ~~علي، فتقول: أشر علي بالأمرين جميعا، إن قدر عليه، وإن لم يقدر عليه! ثم ~~قلت ms064 له: إن عيسى لا يقدر لك على مضرة هاهنا، لأنك الوالي، ولكنه سيكلم أمير ~~المؤمنين بالكوفة، وليس أحد أخوف عليك من أبي أيوب سليمان بن أبي سليمان ~~الكاتب، فإنه إن عاونه ضرك، وإن كف عنك رجوت أن لا ينال عيسى منك ما يريد، ~~فاكتب إلى أبي موسى ابن أبي الزرقاء تعلمه أن عيسى بن علي اتهمك من أمر ابن ~~المقفع بما لا علم لك به، وتسأله أن يدفع عند أمير المؤمنين، وأكتب أنا ~~أيضا إليه، فقال: نعم ما رأيت، وأمر قوما فنادوا في الطرق: إن سفيان بن ~~معاوية قتل ابن المقفع. PageV01P106 # ووجه بنو علي إلى المنجاب بن أبي عيينة ليرتهنوه بابن المقفع، فمنعه سفيان ~~من إتيانهم، فصاروا إلى المنصور، فكلمه عيسى في ابن المقفع، وقال: قتله ~~سفيان بن معاوية. فأنفذ المنصور أبا الخصيب، وقال له: ائتني بسفيان أو بابن ~~المقفع، وكتب إليه: يا بن أبي سفيان، قد وجهت إليك بأبي الخصيب بن روقاء، ~~فإن كان ابن المقفع حيا فادفعه إليه، وأنت على عملك، وإن لم تدفعه إليه، ~~فقد أمرته بعزلك وبحملك، فقال سفيان: ما أقدر عليه. فقيده أبو الخصيب ~~وحمله. وخرج مع سفيان رجال من أهل بيته، فأشار عليهم رجل أن يلقوا أبا ~~أيوب، فيكلموه كلاما خشنا، يرهب معه منهم، ويتخوف PageV01P107 ### | CHECK [60] # ناحيتهم، وأن لا يسرفوا عليه فيحفظوه، ولا يضعفوا في مخاطبته فيطمعوه، ~~ففعلوا ذلك، وقال له سفيان: أنا أعلم أني إن سلمت فبك أسلم، وإن عطبت فو ~~الله إني وأهل بيتي نعلم أني بك عطبت، وبرأيك أقتل، فارتاع أبو أيوب وقال: ~~أنا! قال: نعم، لأنك تقدر على أن تدفع عني، فقال: لست أدع القيام بأمرك، ~~وقد ألقى إلي موسى بن أبي الزرقاء طرفا من عذرك، وكسر ذلك أبا أيوب عن نصرة ~~عيسى، وعيث من أمر سفيان، ودفع عنه، وأمسك عيسى عن الكلام في أمر ابن ~~المقفع، وأطلق أبو جعفر سفيان، وعاد رأيه له. # وكان حماد عجرد مولى لبني أسد بن عامر، وكان نبيلا شاعرا من كتاب ~~الرسائل، وقد كتب ms065 ليحيى بن محمد بن صول بالموصل، ثم لعقبة بن سلم بالبحرين، ~~وكان صديقا لابن المقفع، فذكر حماد أن الذي قتل ابن المقفع: أن أبا جعفر ~~قال يوما لأبي أيوب، وقد أنكر عليه شيئا: كأنك تحسب أني لا أعرف موضع أكتب ~~الخلق، وهو ابن المقفع مولاي. فلم يزل أبو أيوب خائفا له، يسعى ويدب في ~~أمره حتى قتله. # وكان ابن المقفع من أهل جور، من فارس، وكان سريا سخيا، يطعم الطعام، ~~ويتسع على كل من احتاج إليه. وكان يكتب لدواوين عمر ابن هبيرة على كرمان، ~~فأفاد معه مالا، وكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين ~~الخمس مئة إلى الألفين في كل شهر. PageV01P108 # وكانت بين ابن المقفع وبين عمارة بن حمزة مودة، فأنكر أبو جعفر على عمارة ~~في وقت من الأوقات شيئا، ونقله إلى الكوفة، وكان ابن المقفع إذ ذاك بها، ~~فكان يأتيه فيزوره، فبينا هو ذات يوم عنده، ورد على عمارة كتاب وكيله ~~بالبصرة، يعلمه أن ضيعة مجاورة لضيعته تباع، وأن ضيعته لا تصلح إن ملكها ~~غيره، وأن أهلها قد بذلوا له ثلاثين ألف درهم، وأنه إن لم يبتعها فالوجه أن ~~يبيع ضيعته، فقرأ عمارة الكتاب وقال: ما أعجب هذا! وكيلنا يشير علينا ~~بالابتياع، مع الإضافة والإملاق، ونحن إلى البيع أحوج! وكتب إلى وكيله ببيع ~~ضيعته والانصراف إليه، وسمع ابن المقفع الكلام، وانصرف إلى منزله، وأخذ ~~سفتجة إلى الوكيل بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه على لسان عمارة: إني قد كنت ~~كتبت إليك ببيع ضيعتي، ثم حضرني المال، وقد أنفذت إليك سفتجة، فابتع الضيعة ~~المجاورة، ولا تبع ضيعتي، وأقم بمكانك، وأنفذ الكتاب بالابتياع إلي، ووجه ~~الكتاب إليه مع رسول قاصد، PageV01P109 ### | CHECK [61] # فورد على الوكيل وقد باع الضيعة، ففسخ البيع، وابتاع الضيعة المجاورة، ~~وكتب إلى عمارة يذكر الأمر، وأنه قد صارت لك ضيعة نفيسة. فلما قرأ عمارة ~~الكتاب أكثر التعجب، ولم يعرف السبب، وسأل عمن حضر عند ورود كتاب الوكيل، ~~فقيل له: ابن المقفع، فعلم إنه من فعله، فلما ms066 صار إليه بعد أيام وتحدثا، ~~قال عمارة: بعثت بتلك الثلاثين ألف درهم إلى الوكيل، وكنا إليها ها هنا ~~أحوج، قال: فإن عندنا فضلا، وبعث إليه بثلاثين ألفا أخرى. # وحكي أن سفيان لما أمر بتقطيع ابن المقفع وطرحه في التنور، قال له: والله ~~إنك لتقتلني، فتقتل بقتلى ألف نفس، ولو قتل مئة مثلك ما وفوا بواحد، ثم قال: # إذا ما مات مثلي مات شخص ... يموت بموته خلق كثير # وأنت تموت وحدك ليس يدري ... بموتك لا الصغير ولا الكبير # وكان غسان بن عبد الحميد، كاتب سليمان بن علي، يقول لخادمه: إذا قلت لك ~~خوض لنا سويقا فخثره، فإن الرجل لا يستحيي أن يزداد ماء يرققه به، ويستحيي ~~أن يزداد سويقا يخثره به. # ولما أقبل أبو مسلم من الدسكرة يريد المدائن، وعمل أبو جعفر على قتله، ~~دعا أبا أيوب المورياني، فقال له: يا سليمان، شاور سلم بن قتيبة في أمره، ~~فشاور، فقال سلم: أرى أن يتجاوز له ويصفح عن ذنبه. فأخبر أبو أيوب أبا جعفر ~~بذلك، فقال له أبو جعفر: عاوده وأعلمه أني أمرتك أن تشاوره، فعاوده فأعلمه ~~ذلك، فقال له سلم: قل له: لا يصلح سيفان في غمد، ثم تلا: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا}. # وكان فيما خاطب به أبو مسلم أبا جعفر في كتاب كتبه إليه قبل أن يجمع ~~الرجوع: إنا كنا نروي عن ملوك آل ساسان: أن أخوف ما يكون الوزراء ما سكنت ~~الدهماء، فأنا نافر من قربك، حريص على الوفاء بعهدك، حرى بالسمع والطاعة ~~لك، غير أنها من بعيد، حيث تقارنها السلامة. في كلام طويل. PageV01P110 # قال أبو أيوب: ولما قرب أبو مسلم من المدائن، دخلت على أبي جعفر بين العصر ~~والمغرب، وهو في خباء شعر، على مصلى، وبين يديه كتاب من أبي مسلم، فلما ~~رآني رمى بالكتاب إلي، فقال لي: اقرأه يا سليمان، فقرأته، ثم قال لي: والله ~~لئن ملأت عيني منه لأقتلنه، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، طلبت ~~الكتابة، حتى إذا بلغت غايتها، ms067 PageV01P111 ### | CHECK [62] # وصرت كاتبا للخليفة، وقع بين الناس هذا التخليط، والله ما أرانا نسلم، ~~وما أحسب أصحاب أبي مسلم يرضون إن قتل أن يدعوا هذا على الأرض، ولا أحدا من ~~أسبابه، ثم انصرفت متفكرا، وامتنع علي النوم ليلتي تلك، ثم خطر ببالي أن ~~الرجل أن إن قدم آمنا كان أسهل لما يراد منه إن قدم نافرا مستوحشا، فأحضرت ~~سلمة ابن سعيد بن جابر، ووعدته أن أوليه كسكر، وأطعمته في إحسان كثير، ~~وأمرته أن يأتي أبا مسلم، ويعرفه أن أمير المؤمنين قد عزم على أن يوليه ما ~~وراء بابه، ويريح نفسه ويتودع، وقلت له: تسأله أن يجعل أمرك مما يسأل فيه ~~إذا لقيه. فصار سلمة إلى أبي مسلم فعرفه ذلك، فظنه حقا وقصر في التحرز ~~والتأهب، واسترسل، وورد غارا، فكان من أمره ما كان. # ولما قتل المنصور أبا مسلم دخل عليه أبو الجهم بن عطية، فلما رآه مقتولا ~~قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال أبو أيوب: فخفت المنصور عليه، فقلت ~~له: مالك يا أبا الجهم! أشرت بقتله حين خالف، حتى إذا قتل قلت هذه المقالة! ~~قال: فنبهت رجلا عاقلا، فتكلم بكلام أصلح ما جاء منه. # وكان يتقلد لأبي جعفر بيت المال الفرج بن فضالة التنوخي، وقد كان عمل ~~لعبد الملك، فسمعه رشيد الخادم يخطئ أبا جعفر في قتل أبي مسلم، ومعاجلته ~~إياه، فنقل كلامه إليه، فتغيظ عليه ودعا به، فسأله عن ذلك، فأقر به؟ فقال ~~له: كيف لم تخطئ صاحبك في قتله عمرو بن سعيد معاجلا له، فقال: لأنه قتل ~~عمرا في قصره بعد أن أحاطت به جدرانه، وأغلقت دونه أبوابه، وحوله اثنا عشر ~~ألفا من عبيده ومواليه، وقتلت أنت أبا مسلم وأنت في خرق من الأرض، وكل من ~~حولك له، ومنه، وإليه. PageV01P112 # وطلب أبو جعفر الربيع يوما فلم يجده، فلما دخل عليه سأله عن خبره، فقال: ~~كنت عند سليمان الكاتب، يعني أبا أيوب، فقال: ومن رأيت عنده؟ قال: عبد الله ~~بن مروان بن محمد، وقد طلب منه حاجة فقضاها، وقام ms068 عبد الله فقبل رأس ~~سليمان. وكان أبو جعفر متكئا، فاستوى جالسا، وقال: يا ربيع، قبل عبد الله ~~رأس سليمان؟ فقال: نعم، فقال: الحمد لله! وخر ساجدا، فأطال، ثم قال لي: يا ~~ربيع، أتدري أي نعمة جدد الله عند أمير المؤمنين في هذا الوقت؟ قال: لا ~~اعلم، أسأل الله أن يجدد عنده النعم، ويواليها، ويزيد فيها، وكشف عن ساقه، ~~فإذا فيها أثر بين، ثم قال لي: إني بدمشق في أيام مروان إذ رأيت للناس حركة، PageV01P113 ### | CHECK [63] # فقلت: ما هذا؟ فقيل لي: عبد الله ابن أمير المؤمنين يركب، وما ركب قبل ~~ذلك، وقد أمر الجند بالزينة، وانجفل الناس للنظر، فخرجت فيمن خرج، فازدحم ~~الناس على بعض الطرق زحمة شديدة، وكانت دابتي صعبة، فسقطت عنها، وانكسرت ~~ساقي، وغشيني الناس، فمكثت دهرا عليلا، وها هو اليوم يقبل رأس كاتبي، ~~فالحمد لله على نعمه، وحسن إدالته! # وكان لسوار، القاضي بالبصرة من قبل أبي جعفر، كاتبان، رزق أحدهما أربعون ~~درهما، ورزق الآخر عشرون درهما. فكتب إليه سوار يسأله السوية بينهما، فنقص ~~صاحب الأربعين عشرة دراهم، وزادها صاحب العشرين، وإنما أراد سوار أن يلحق ~~صاحب العشرين بصاحب الأربعين. PageV01P114 # وقعد المنصور يوما في الخضراء، فبينا هو مشرف على الصراة نظر إلى صياد قد ~~ألقى شبكته، فأخرج سمكة عظيمة، فقال: المنصور لبعض مواليه: اخرج إلى ~~المسيب، فأمره أن يوكل بالصياد من يدور معه، فإذا باع السمكة قبض على ~~مشتريها، وصار به إلينا، ففعل المسيب ذلك. فلقي الصياد رجل نصراني، ~~فابتاعها منه بثلاثين درهما، فلما دفع إليه الثمن وأخذ السمكة منه، قبض ~~عليه العون، فأتى به المسيب، فأدخله إلى أبي جعفر، فقال له: من أنت؟ قال: ~~رجل من أهل الذمة، قال: بكم ابتعت هذه السمكة؟ فقال: بثلاثين درهما، قال: ~~وكم عيالك؟ قال: ليس لي عيال، فقال: فأنت بإذنك تشتري مثل هذه السمكة ~~بثلاثين درهما! كم عندك من المال؟ قال: ما عندي شيء، قال: يا مسيب، خذه ~~إليك، فإن أقر بجميع ما عنده، وإلا فمثل به، فأقر بعشرة آلاف درهم، فقال: ms069 ~~كلا، إنها أكثر، فأقر بثلاثين ألف درهم، وأحل دمه إن وقف على أكثر منها، ~~وقال له: من أين جمعت هذا المال؟ فقال: وأنا آمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: ~~أنت آمن على نفسك إن صدقت، قال: كنت جارا لأبي أيوب سليمان ابن أبي سليمان ~~كاتبك، فولاني جهبذة بعض نواحي الأهواز، فأصبت هذا المال، فقال المنصور: ~~الله أكبر! هذا مالنا اختنته، وأمر المسيب بحمل المال إلى بيت المال، وأطلق الرجل. # وكان أبو دلامة تأخر عن حضور باب أبي جعفر أياما، ثم حضر، فأمر بإلزامه ~~القصر، وألا ييرح منه، ويصلى فيه الأولى والعصر معه في مسجده، ووكل به ~~لذلك، فمر به أبو PageV01P115 ### | CHECK [64] # أيوب المورياني، وهو إذ اك وزير لأبي جعفر، فقام إليه أبو دلامة، ودفع ~~إليه رقعة مختومة، وقال: هذه ظلامة إلى أمير المؤمنين، فتوصلها، أعزك الله، ~~بخاتمها، فأخذها أبو أيوب، فلما وصل إلى جعفر أوصلها إليه، فقرأها، فإذا فيها: # ألم تر يا هذا الإمام الذي أنا ... بمسجده والقصر، مالي وللقصر! # أصلي به الأولى مع العصر صاغرا ... فويلي من الأولى وويلي من العصر # ويحبسني عن مجلس أستلذه ... أعلل فيه بالسماع وبالخمر # ووالله مالي نية في صلاتكم ... ولا البر والإحسان والخير من أمري # وما ضره - والله يصلح حاله - ... لو أن خطايا العالمين على ظهري # فضحك المنصور، وأمر بإحضاره، فلما حضر قال: هذه قصتك؟ فقال: قد رفعت إلى ~~أبي أيوب رقعة مختومة أشكر فيها أمير المؤمنين، إذا أعانني على لزوم المسجد ~~الذي أمر الله بلزومه، والذي كتبها ابني دلامة، فقال أبو جعفر: فاقرأها، ~~قال ما أحسن أن أقرأ - وعلم إنه إنما أراد أن يقر بكتابه لها، فيضربه الحد ~~على ذكره شرب الخمر - فلما رآه يحيد، قال له: يا خبيث، أما لو أقررت لضربتك ~~الحد، وقد أعفيتك من لزوم المسجد، فقال أبو دلامة: أو كنت ضاربي يا أمير ~~المؤمنين لو أقررت؟ قال: نعم، فقال: مع قول الله عز وجل: وأنهم يقولون مالا ~~يفعلون ، فضحك منه، وأعجبه انتزاعه، ووصله. # وورد على أبي جعفر من محمد بن ms070 عبد الله بن حسن كتاب أغلظ له فيه، فقال له ~~أبو أيوب: دعني أجبه عنه، فقال له: يا سليمان، ليس ذلك إليك، إذا نحن ~~تقارعنا عن الأحساب فدعني وإياها. PageV01P116 # وكان أبان بن صدقة يكتب لأبي أيوب، فسعى به إلى أبي جعفر، وكان السبب في ~~ذلك إنه كان على أمر أبي أيوب كله، فحسده مخلد، ابن أخي أبي أيوب، فرفع ~~عليه سعاية إلى أبي جعفر بمائة ألف دينار، فأمر المنصور بأخذه بها. فأدخل ~~أبان بن صدقة بيتا، وطين عليه بابه، ثم ندم مخلد على ما فعله، ولامه عمه ~~أبو أيوب لما وقف على ما كان منه، فقال مخلد: أنا أؤدي عنه عشرة آلاف ~~دينار، وقال أبو أيوب: وأنا أؤدي عنه كذا، وقال مسعود: وأنا أودي عنه كذا. ~~فتوزعها الموريانيون بينهم، وأخرجوا أبانا من الحبس، فخرج وفي نفسه ما ~~فيها. فكان بأتي أبا أيوب فيقيم عنده نهاره كله، فإذا كان الليل انصرف ومعه PageV01P117 ### | CHECK [65] # غلمان أبي أيوب، فإذا انصرفوا وعلم أنهم قد وصلوا إلى منازلهم، خرج حتى ~~أتى الربيع، فيسعى بأبي أيوب، ويكتب له أخباره وأمواله، فيوصل الربيع ذلك ~~إلى المنصور، فيقول المنصور: من أين هذا؟ فيقول: من أبان بن صدقة. وبلغ أبا ~~أيوب، فقال لأبان في ذلك فقال: كذبوك، فقال له: قد جاءني اليقين أنك تأتي ~~الربيع كل ليلة، فإن كان مخلد رفع عليك، فقد تخلصتك، فلماذا تريد قتلي؟ ~~فقال: إن مخلدا أراد قتلي، فقال له أبو أيوب: فعلتها، أخرج فلا تقربني، ~~فقال: أتى الله، ثم لا أعود إليك. وخرج حتى أتى الربيع، وكاشف أبا أيوب. # وكان عمرو بن عبيد دخل على المنصور، فوعظه موعظة طويلة مشهورة، فبكى ~~المنصور وتوجع واستغفر ربه، وعرض على عمرو معونته، فأبى وخرج من حضرته، ~~فلقيه أبو أيوب، فقال له: يا أبا عثمان، أظنك قد ردعت هذا الرجل؟ فقال: ~~نعم، وقد حضضته على أهل الكوفة، وأهل البصرة، فإن استطعت أن تعين بخير ~~فافعل، وكفى بأمة شرا أن تكون أنت المدبر لأمرها. PageV01P118 # ولما ورد على أبي جعفر ms071 خبر خلع أهل إفريقية، اعتزم على الشخوص إلى قنسرين ~~ليقيم فيها، ويوجه الأمداد منها، فكتم تدبيره، وأظهر إنه يسافر إلى ناحية ~~لم يذكرها، ولم يبينها، وأمر أصحابه بالاستعداد، ولم يعرفهم القصد، فاجتمع ~~أبو أيوب وعبد الملك والربيع، فتذاكروا ذلك، ورجموا الظنون، فلم يصيبوا ~~شيئا، ولم يقدموا على مسألته، فقال عبد الملك: فأنا أعلم لكم ذلك، فإذا أذن ~~فتأخروا عني ساعة حتى أكلمه، فلما أذن دخل عبد الملك، فلما استقر به المجلس ~~قال: يا أمير المؤمنين، قد تهيأنا للمسير، وفرغنا من كل ما نحتاج إليه، ~~وبقى علينا ما نستأجر من الظهر، وما ندري كيف نتكاراه؟ ولا علام نواقف ~~المؤاجرين لنا فيه؟ فقال له أبو جعفر: يا بن الخبيثة، جلست الساعة وفلان ~~وفلان، فقلتم كذا، وجرى بينكم كذا، فقلت لهم كذا، حتى رد عليه خبر المجلس، ~~حدسا منه وفطنة، اخرج يا بن الخبيثة، فأكثر مياومة، كل يوم بألف، فأما أن ~~أعلمك فلا، ولا كرامة. # ورخصت الأسعار في أيام أبي جعفر، فسولت لأبي أيوب نفسه أن يشتري طعام ~~سواد الكوفة وسواد البصرة، وطمع في الربح، ففعل ذلك. فكتب المنصور عليه ~~كتابا بذلك، وخلده الدواوين، وكان يطالبه بالمال وقتا بعد وقت، فتحمل منه ~~الشيء بعد الشيء، وتتابع PageV01P119 ### | CHECK [66] # الرخص عليه، وأرهقه المنصور بالمطالبة بالمال. وكان المنصور يحب ابنا له، ~~يقال له: صالح، ويرق عليه، وكان أقطع أولاده جميعا قطائع خلاه، وكان يقول: ~~ابني هذا المسكين لا شيء له! فلقب بصالح المسكين، فقال له أبو أيوب: يا ~~أمير المؤمنين، قد أصبت ضيعة تقرب من الأهواز، وتشرب من دجلة، وتغيض فيها، ~~وهي بلد واسع، وقد دثرت رسومها، وانطمست أنهارها، فإن أقطعته إياها، وأطلقت ~~له ثلاث مئة ألف درهم نستخرجها له، فلا تلبث إلا يسيرا حتى تغل جملة وافرة. ~~فأقطع المنصور صالحا تلك الضيعة، وأمر له بالمال، فأخذه أبو أيوب، فأدى ~~صدرا من خسارته في الطعام، وجاءت السنة، فحمل أبو أيوب عشرين ألف درهم إلى ~~أبي جعفر، وقال: هذه غلة الضيعة، فسر المنصور بذلك، وأمر أن يتخذ ms072 لصالح بيت المال. # حدثني عبد الواحد بن محمد قال: حدثني أبو العيناء، قال: # جاء رجل من أهل الأهواز إلى أبي أيوب، وهو وزير، فقال له: إن ضيعتي ~~بالأهواز قد حمل علي فيها العمال، فإن رأى الوزير أن يعيرني اسمه أجعله ~~عليها، وأحمل إليه في كل سنة مئة ألف درهم؟ فقال: قد وهبت لك اسمي، فافعل ~~ما بدا لك، وخرج الرجل. وحال الحول، فأحضر الرجل المال، ودخل على أبي أيوب ~~وهو لا يعرفه، فجلس إلى أن خف الناس، ثم دنا منه وقص عليه قصته، وأعلمه إنه ~~قد انتفع باسمه، وأنه قد حمل المال، فأمر بإحضاره، فأدخل، ووضع بين يديه، ~~ونهض الرجل شاكرا داعيا. واندفع أبو أيوب يبكي، فقال له أهله ومن حضر: ما ~~رأينا موضع سرور وفرح عقب ببكاء وحزن غير هذا! فقال لهم: ويحكم! إن شيئا ~~بلغ هذا من إقباله، كيف يكون إدباره؟ قال: فما بعد بين الوقت وبين نكبته. PageV01P120 # ثم سعى إلى أبي جعفر بالضيعة التي اتخذها لصالح، وعرف أن أبا أيوب أخذ ~~المال لنفسه، وغره من هذه الناحية. فعزم أبو جعفر على الخروج بنفسه إلى ~~الناحية ليعاينها: فلما تجهز للشخوص، كتب أبو أيوب إلى وكلائه أن يبنوا على ~~دجلة في طريق الضيعة، على طريق أبي جعفر، قرى من اللبن والقصب، وأن يغرسوا ~~نخلا وسدرا وكل ما تهيأ أن يحسن به، ويرى ظاهره، ليراها أبو جعفر عامرة ~~الظاهر. فلما فعلوا ذلك وشخص أبو جعفر، فرأى الموضع، وقد كان أبو أيوب عند ~~القرية منها أرسل من سكر دجيل الأهواز والمسرقان PageV01P121 ### | CHECK [67] # حتى فاضا على الضيعة فغرقاها، ثم غاض إلى دجلة، فأرسل أبو جعفر من سكر ~~الماء، وأعاده إلى جهته، وأقام أربعين يوما ينتظر جفاف الأرض، ثم ركب وقف ~~على الضيعة، وتبين كذب أبي أيوب، وانصرف ولم يقل شيئا، إلى أن عاد إلى ~~بغداد، فأوقع به. # وكان أبو جعفر مدة مقامه بالأهواز منتظرا لجفاف أرض الضيعة، اشتهى سمكا ~~طريا، قال له أبو أيوب: يا أمير المؤمنين، أنت تعلم أني أهوازي سمكي، ms073 ولنا ~~عجائز يحسن صنعة السمك، فإن رأيت أن تأذن لي فأهيئه لك، فأظهر أبو جعفر ~~التقبل لذلك من قوله، وأذن له في اتخاذه، فمضى لذلك. قال الربيع: فنهض أبو ~~جعفر عن مجلسه، ودعاني، فقال لي: يا ربيع، اصبب علي الماء حتى أغسل وجهي، ~~فبينا أنا أصب عليه، إذا رسل أبي أيوب قد دخلوا عليه بشيء كثير من السلال، ~~فيها ضروب من خبز الماء والرقاق وخبز الأرز، وصنوف السمك، قد اتخذ ضروبا من ~~الصنعة الحارة والباردة، فقلت له: أنت يا أمير المؤمنين تعلم أني غير ~~مستبطئ لسليمان، وإنه منى لعلي صداقة ومودة، ولكن أمير المؤمنين آثر عندي ~~من نفسي، وقد علم سليمان ما يريده أمير المؤمنين به، فهل يأمن أمير ~~المؤمنين أن يكون قد دس له في هذا الطعام شيئا؟ فقال لي: بارك الله عليك يا ~~ربيع، وأحسن جزاءك، إنه ما دخل رأسي ما يأتي من عند سليمان من الألطاف شيء ~~منذ كذا كذا من الدهر، فلا يسمعن منك هذا بعد، ودعا بغير ذلك الطعام، فأكل ~~منه، وانصرف إلى بغداد، وأظهر السخط على أبي أيوب في سنة ثلاث وخمسين ومائة. PageV01P122 # فحكي إنه قال له: يا خوزي، أكنت آمنا من أن يطلع أمير المؤمنين على خيانتك ~~فيكون جزاؤك في العاجل إراقة دمك، واستباحة نعمتك، وفي الآجل حلول دار ~~الفاسقين، ومأوى الظالمين الناكثين؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن للتهم ~~فلتات ترجع بالندم، ولك من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل السياسة، وشرف ~~القرابة، فأقلني، قال: لا يسعني مع عظيم جرمك، وجليل ذنبك، إقالتك، ولا ~~العفو عنك، لأنك اقترفت الموبق، وما لا يسع معه عفو، وحبسه وحبس أخاه خالدا ~~وبني أخيه، وهم: # مسعود وسعيد ومخلد ومحمد، ولم يكن لمحمد حظ من أمرهم. فقال خالد لبنيه: ~~أما أنتم فقد أخذتم بحظ من الدنيا، وهذا البائس لا ذنب له، ولم يكن له حظ، ~~فقال له مخلد - وكان ينظر في النجوم -: لابد أن نقتل كلنا، فإن كان محمد ~~ابنك، فلا تأمن من قتله، وإن لم يكن ms074 PageV01P123 ### | CHECK [68] # ابنك فليس عليه بأس. ثم طولبوا بالأموال، وعذبوا وضيق عليهم، فطلب كل من ~~كان لهم عنده شيء، فأخذ، وضغط أبو أيوب بالمطالبة بالمال، فمات هو وأخوه في ~~أول سنة أربع وخمسين ومائة، وأمر المنصور بقتل بني أخيه، فقتلوا. فقال بعض ~~الشعراء أبياتا، منها: # فاتق الله وأرض بالقصد حظا ... وتباعد عن موبقات الذنوب # قد رأيت الذي أذالت ونالت ... وقعة الدهر من أبي أيوب PageV01P124 ~~ومما يحكى أيضا إنه عاد بالضرر على أبي أيوب، ما ذكر أبو العيناء قال: ~~الناس يكثرون في سبب قتل أبي أيوب، والذي عندنا: أن المنصور لما كان مستترا ~~بالأهواز نزل على بعض الدهاقين، فاستتر عنده، فأكرمه الدهقان بجميع ما يقدر ~~عليه، حتى أخدمه ابنته، وكانت في غاية الجمال، فقال له أبو جعفر: لست أستحل ~~استخدامها والخلوة بها وهي جارية حرة، فزوجنيها، فزوجه إياها، فعلقت منه. ~~وأراد أبو جعفر الخروج إلى البصرة، فودعهم، ودفع إلى الجارية قميصه وخاتمه، ~~وقال: إن ولدت فاحتفظي بولدك، فمتى سمعت إنه قد قام في الناس رجل يقال له: ~~عبد الله بن محمد، يكنى أبا جعفر، فصيري إليه بولدك، وبهذا القميص والخاتم، ~~فإنه يعرف حقك، ويحسن الصنع إليك، وفارقهم. فولدت ابنا، ونشأ الغلام وترعرع ~~فكان يلعب مع أترابه، وملك أبو جعفر، فعير الغلام أترابه بأنه لا يعرف له ~~أب، فدخل إلى أمه حزينا كئيبا، فسألته عن حاله، فذكر لها ما قال أترابه، ~~فقالت: بلى، والله إن لك أبا فوق الناس! قال لها: ومن هو؟ قالت: القائم ~~بالملك، قال: فهذا أبي وأنا على هذه الحال! هل من شيء يعرفني به؟ فأخرجت ~~القميص والخاتم. وشخص الفتى، فصار إلى الربيع، فقال له: نصيحة، قال: هاتها، ~~قال: لا أقولها إلا لأمير المؤمنين، فأعلم المنصور الخبر، فأدخله إليه، ~~فقال: هات نصيحتك، فقال: أخلني، فنحى من عنده، وبقى الربيع، فقال: هات، ~~قال: لا، إلا أن يتنحى، فنحاه، وقال: هات، قال: أنا ابنك، قال: ما علامة ~~ذلك؟ فأخرج القميص والخاتم فعرفهما المنصور، وقال له: ما منعك أن تقول هذا ~~ظاهرا، قال: ms075 خفت أن تجحد، فتكون سبة آخر الدهر. فضمه إليه وقبله، وقال: أنت ~~لآن ابني حقا، ودعا المورياني، فقال: يكون هذا عندك، وما كنت تفعله بولدي ~~لو كان لي عندك فافعله به. وتقدم إلى الربيع في أن يسقط الإذن عنه، وأمره ~~بالبكور إليه في كل يوم والرواح، إلى أن يظهر أمره، فإن له فيه تدبيرا. PageV01P125 # فضمه المورياني إليه، وأخلى له منزلا، وأوسع له من كل شيء، PageV01P126 ### | CHECK [69] # فكان يغدو ويروح إلى المنصور، وخص به جدا. وكان الفتى في غاية من العقل ~~والكمال، وكان المنصور يخلو معه، فيسأله المورياني عما يجري بينهما، فلا ~~يخبره، فيقول له: إن أمير المؤمنين لا يكتمني شيئا، فيقول له: فما حاجتك ~~إلى ما عندي إذن! فحسده المورياني، واستوحش منه، وثقل عليه مكانه، فأطعمه ~~سما فمات، وصار إلى المنصور، فأعلمه إنه مات فجأة، ثم ولى، فقال المنصور: ~~قتلته! قتلني الله إن لم أقتلك به! فلم يلبث بعده أن فعل به ما فعل. # ولما غضب أبو جعفر على أبي أيوب وحبسه، ذكر صالح بن سليمان إنه سيقتله ~~وجميع أسبابه، لأنه سمعه يتحدث أن ملكا من الملوك كان يساير وزيرا له، ~~فضربت دابة الوزير رجل الملك، فغضب، وأمر بقطع رجل الوزير، فقطعت، ثم ندم، ~~فأمر بمعالجته حتى برأ، ثم قال الملك في نفسه: هذا لا يحبني أبدا، وقد قطعت ~~رجله فقتله، ثم قال: وأهل هذا الوزير لا يحبونني أبدا، وقد قتلته، فقتلهم ~~جميعا. فعلمت إنه سيفعل ذلك في المورياني، ففعله، وما عدا ظني. # والضيعة التي أشار بها المورياني على أبي جعفر لصالح هي المعروفة ~~بالسبيطية من أعمال البصرة، وكان أبو جعفر تقدم إلى بعض المهندسين بتصويرها ~~له، فصورها، وعرض الصورة عليه فاستحسنها، فقال له: سل حاجتك، فقال: إني أجد ~~في فمي علة، وقد أضرت بأسناني، وحاجتي أن يأذن أمير المؤمنين في تقبيل يده، ~~فلعل الله أن يهب لي العافية، فقال له أبو جعفر: على أن ذاك، إن أذنت لك، ~~فيه عوض من الجائزة، فأما أن أجمعهما لك فلا، فقال له: ms076 والله لو لم يبق في ~~فمي حاكة وعلمت أن تقبيل يدك يرد ما آثرثه على الجائزة، فضحك منه ووصله. PageV01P127 # وكان زياد بن عبيد الله الحارثي يتقلد لأبي جعفر الحرمين، ثم صرفه بمحمد بن ~~خالد بن عبد الله القسري، ثم صرف محمد بن خالد برياح ابن عثمان في سنة أربع ~~وأربعين ومائة، وكان رزام، ويكنى أبا بشير، مولى خالد بن عبد الله، يكتب ~~لمحمد بن خالد، فحبس رياح محمد بن خالد، وحبس رزاما كاتبه، فكان يضرب رزاما ~~في كل يوم خمسة عشر سوطا، ويطالبه أن يسعى بصاحبه، حتى صار جسمه كالقرحة، ~~فأحضره يوما ليضربه، فلم يجد فيه موضعا للضرب، فضربه على كفه، فلما بلغ به ~~ما بلغ، أحضر رزام كتابا يوهمه أن PageV01P128 ### | CHECK [70] # فيه رفائع على محمد بن خالد، فجمع رياح الناس، فلما اجتمعوا قال لهم: ~~أيها الناس، إن الأمير أمرني أن أرفع على محمد ابن خالد، وقد أحضرت كتابا ~~كل ما فيه باطل، وقد صدقت عما عندي، فأمر بضربه مئة سوط وحبس. فلم يزل ~~محبوسا حتى غلب على المدينة محمد ابن عبد الله بن حسن، فقتل رياح بن عثمان، ~~وأطلق محمد ابن خالد ورزاما كاتبه. # ولما نكب أبو جعفر أبا أيوب في سنة ثلاث وخمسين ومائة، قلد الخاتم الفضل ~~بن سليمان الطوسي، وقلد كتابة الرسائل والسر أبان بن صدقة وقلد ضياعه صاعدا مولاه. # وفي صاعد ومطر موليي أبي جعفر يقول أبو الأسد الأعرابي: # وسائل عن حماري كيف حالهما ... سلني فعندي حقيقة الخبر # لا خير في صاعد فتطلبه ... والخير يأتيك من يدي مطر # وأي خير يأتيك من رجل ... ليس لأنثى يدعى ولا ذكر # ليس له غير نفسه نسب ... كأنه آدم أبو البشر # وقلد ديوان خراج البصرة ونواحيها عمارة بن حمزة، وقلد ديوان خراج الكوفة ~~وأرضها عمرو بن كيلغ، في سنة خمس وخمسين ومائة، ثم صرفه عنه وقلده ثابت بن ~~موسى، وحبس عمرو بن كيلغ. واستخلف ثابت محمد بن جميل، لمصاهرة كانت بينه ~~وبينه، وأمره بالعرض على المنصور إذا لم يحضر، فخف ms077 على قلب المنصور، فأقامه ~~معه مقام ثابت. وكان ثابت يقول، إذا مر به محمد بن جميل: فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا . وكان محمد بن جميل في غاية الخرق والخفة. PageV01P129 # وقلد الربيع مولاه نفقاته والعرض عليه، وهو الربيع بن يونس بن محمد بن أبي ~~فروة، واسم أبي فروة كيسان، مولى الحارث الحفار، مولى عثمان بن عفان. وكان ~~يونس بن محمد شاريا شاطرا بالمدينة، فعلق أمة لقوم بالمدينة، فوقع عليها، ~~فجاءت بالربيع واستعبد، ولم يكن للربيع خال فيبتاعه، فابتاعه زياد بن عبد ~~الله الحارثي، خال أبي العباس، وأهداه إليه فخدمه وخف على قلبه، ثم خدم أبا ~~جعفر بعده، فخص به، ولما عزم المنصور على تقليد الربيع العرض عليه قال: ~~اجلس في بيتك حتى يأتيك رسولي، فاغتم لذلك، فصار إليه الرسول بدراعة ~~وطيلسان وشاشية، فقال له: البس هذا واركب بهذا الزي، فركب، فأمر PageV01P130 ### | CHECK [71] # الفراش أن يطرح له مرفقه تحت البساط، تقصيرا به عن منزلة المهدي وعيسى ~~ابن علي، لأنه كان يطرح لهما مرفقتين ظاهرتين. فلما وصل إليه قال له: قد ~~وليتك الوزارة والعرض، ووليت ابنك الفضل الحجابة. فدخل عليه الربيع يوما ~~والفضل يمشي خلفه، فأخذ الربيع بيده وقال: إن الحاجب لا يمشي خلف إنسان، ~~فقال له المنصور: بلى يا ربيع، هذا معك أنت وحدك. # وكانت أرزاق الكتاب والعمال في زمان أبي جعفر، للرؤساء ثلاث مئة درهم ~~للرجل، ونحو ذلك، وكذلك كانت في أيام بني أمية، وعلى ذلك جرت إلى أيام ~~المأمون، فإن الفضل بن سهل وسع الجاري. # ولما أنفذ المنصور المهدي إلى الري ضم إليه أبا عبيد الله معاوية بن عبيد ~~الله ابن يسار، مولى عبد الله بن عضاه الأشعري، من أهل فلسطين. وكان عبيد ~~الله بن يسار أبوه يكتب لصاحب المعونة بالأردن أيام بني أمية، فروى الزبير ~~عن مبارك الطبري، قال: سمعت المنصور يقول للمهدي حين أنفذه إلى الري: يا ~~أبا عبد الله، لا تبرم أمرا حتى تفكر، فإن فكرة العاقل مرآة تريه حسنه وسيئه. # قال: وسمعته يقول له: ms078 يا أبا عبد الله، إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، ~~والسلطان لا يصلحه إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، ~~وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. # وقال: سمعته يقول: يا أبا عبد الله، استدم النعمة بالشكر، والقدرة ~~بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع، ولا تنس مع نصيبك من الدنيا ~~نصيبك من رحمة الله. PageV01P131 # وروى أن عيسى بن موسى لما أجاب المنصور إلى أن يخلع نفسه من التقدم في ~~ولاية العهد، وأن يقدم المهدي على نفسه، أمره أبو جعفر أن يخرج إلى الناس، ~~فيخاطبهم بذلك. فخرج ومعه أبو عبيد الله كاتب المهدي، فدخلا المقصورة في ~~المسجد الجامع، فقال عيسى: إني قد سلمت ولاية العهد للمهدي محمد بن أمير ~~المؤمنين، وقدمته على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أيها الأمير، ~~ولكن قل لحقه وصدقه، وأخبر بما رغبت فيه وأعطيت، فقال: نعم، قد بعت نصيبي ~~من تقدمي في الولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين، لابنه محمد المهدي ~~أمين المؤمنين بعده بعشرة آلاف ألف درهم، وألف ألف درهم لابني فلان PageV01P132 ### | CHECK [72] # وابني فلان وابني فلان وفلانة - امرأة سماها من نسائه - بطيب نفس مني، ~~ورغبت في تصييرها إليه، لأنه أولى بالتقدم فيها، وأحق وأقوم عليها، وأقوى ~~على القيام بها مني، وكان ذلك في سنة ست وأربعين ومائة. # قال: فكان بعض المجان من أهل الكوفة إذا مر بهم عيسى بن موسى قالوا: هذا ~~الذي كان غدا فصار بعد غد. # وكان أبو جعفر لما شخص المهدي إلى الري أذن لأبي عبيد الله كاتبه في ~~الإنفاق والتصرف في بيت المال، فأقام بالري مع المهدي مدة طويلة، وأنفق ~~أموالا عظيمة، فلما انصرف المهدي إلى الحضرة، طالب المنصور أبا عبيد الله ~~برفع الحساب بما جرى على يده، فقامت قيامته، واشتد همه، فلقيه خالد بن ~~برمك، وكان صحيح العقل، سديد الرأي، فقال: أنت ترشح نفسك لتدبير الخلافة ~~وقد حيرك هذا الأمر الصغير فقال: فما الرأي عندك؟ قال: يصير المهدي إلى ~~أبيه وعليه سيفه وسواده، فإذا مثل بين ms079 يديه نزع سيفه، فرمى به، وقال له: يا ~~أمير المؤمنين، أنت ترشحني لهذا الأمر، وتروي أني المهدي الذي بعدك في ~~الناس، ثم تكشف كاتبي عما أجريته على يده، ونفذه بأمري وبتوقيعاتي، فلعلك ~~تنكر شيئا، فيقول الناس: إنه كشف عن خيانة. فصار أبو عبيد الله إلى المهدي، ~~فطالبه بذلك، ففعل، فأمسك أبو جعفر عنه. PageV01P133 # وقال أبو جعفر للمهدي يوما: قد عزمت على أن أوليك الأمر، وأرده إليك، فقد ~~كبرت وعجزت عن مباشرة الأعمال والنظر فيها، وأحببت الراحة والدعة، فخرج ~~المهدي إلى أبي عبيد الله مستبشرا بذلك، وعرفه ما عرضه عليه أبو جعفر، فقال ~~له أبو عبيد الله: اتق الله ولا تظهر لأمير المؤمنين قبولا لما ذاكرك به، ~~وإذا عاودك فقل له: لا والله لا أتعرض لهذا الأمر ما أبقى الله أمير ~~المؤمنين، ولا أنهض له ولا أغره من نفسي! فإنه إنما سبرك بما عرض عليك. ~~فلما دخل المهدي على أبي جعفر قال له: يا أبا عبد الله هل فكرت فيما قلته ~~لك، أو شاورت أحدا فيه؟ فقال: ما بي قوة على ذلك، ويبقى الله أمير ~~المؤمنين، ويمتعنا بحياته، وما أحب أن أغر من نفسي! فقال له: سبحان الله! ~~من صدك عنه؟ ومن ناظرت فيه؟ وكرر عليه القول، وأعاد المهدي عليه جوابا ~~واحدا، فقال له: فمن شاورت في هذا الأمر؟ فقال له: شاورت معاوية، قال: فأي ~~شيء قال لك؟ قال: فعرفه ما قال له، فأطرق PageV01P134 ### | CHECK [73] # هنيهة ثم قال: علي بمعاوية. فلما دخل عليه قال له: ما هذا الذي ناظرك فيه ~~أبو عبد الله، وكيف رأيت أن لا يقبل؟ قال: أصدقك وأنا آمن؟ فقال له: هات، ~~ولم لا تصدقني؟ فقال له: إنه والله ما عرضت عليه ما عرضته وأنت تريد أن ~~توليه، وإنما أردت أن تختبر عقله، وما كنت لتطيب نفسا بترك ما أنت فيه، ~~فقال له: وكيف توهمت ذلك؟ قال لأني سمعتك تقول: إني أستيقظ، بالليل فأدعو ~~بالكتب، فأضعها بين يدي، وأدعو بالجارية فآمرها أن تمرخ ظهري بالدهن، فتفعل ~~ذلك، وأنا ms080 مقبل على كتبي وتدبيري، والنظر في أموري، فعلمت أنك لا تدع شيئا ~~يكون موقعه منك هذا الموقع، وتؤثر به غيرك، فقال: ما كنت أرى أن أحدا يتفقد ~~ما تفقدته، وقد أصبت الرأي وأحسنت، بارك الله عليك. # وكان المنصور ضم رجلا يقال له: فضيل بن عمران، من أهل الكوفة، إلى جعفر ~~ابنه يكتب له، ويقوم بأمره. بمنزلة أبي عبيد الله مع المهدي، وكانت لجعفر ~~حاضنة تعرف بأم عبيدة، فثقل عليها مكان فضيل، فسعت به إلى أبي جعفر، وادعت ~~عنده أنه يلعب بجعفر. فبعث المنصور بالريان مولاه، وهارون بن غزوان، مولى ~~عثمان بن نهيك، إلى فضيل، وأمرهما بقتله، وكتب لهما منشورا بذلك، فصاروا ~~إليه فقتلاه. وكان الفضيل دينا عفيفا، فقيل للمنصور في ذلك، وأنه أبرأ ~~الناس مما قرف به، وأبعدهم منه، فوجه رسولا، وجعل له عشرة آلاف درهم إن ~~أدركه قبل أن يقتل، فصار إليه فوجده قد قتل ولم يجف دمه. واتصل خبر قتله ~~بجعفر بن أبي جعفر، فطلب الريان، فلما جيء به إليه، قال له: ويلك! ما يقول ~~أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف مسلم، بغير جرم ولا خيانة! فقال الريان: هو ~~أمير المؤمنين يفعل ما يشاء، هو أعلم بما صنع. فقال له: يا ماص بظر أمه! ~~أكلمك بكلام الخاصة، وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله، فألقوه في دجلة. ~~قال: فأخذوا والله برجلي، فقلت: أكلمك، فقال: دعوه، فقلت: PageV01P135 # أبوك إنما يسأل عن فضيل بن عمران وحده! ومتى يسأل عنه وقد قتل عمه عبد الله ~~بن علي، وقتل عبد الله بن حسن، وقتل غيره من أولاد رسول الله ظلما، وقتل ~~أهل الدنيا ممن لا يحصى ولا يعد! وهو، قبل أن يسأل عن فضيل، جوذابة تحت خصى ~~فرعون! فضحك وقال: دعوه إلى لعنة الله! فأفلت منه. # ولما حج المنصور بعد تقليده المهدي العهد، وتقديمه إياه على عيسى ابن ~~موسى، دفع عبد PageV01P136 ### | CHECK [74] # الله عمه إلى عيسى، وأمره سرا بقتله، وكان يونس ابن أبي فروة يكتب لعيسى ~~بن موسى، فدعا عيسى بيونس، وقد كان عزم ms081 على قتل عبد الله بن علي، فخبره ~~الخبر، فقال: نشدتك الله أن تفعل، فإنه يريد أن يقتلك ويقتله، لأنه أمرك ~~بقتله سرا، ويجحدك إياه في العلانية، ولكن استره حيث لا يطلع عليه أحد، فإن ~~طلبه منك علانية دفعته إليه، وإياك أن ترده سرا أبدا، بعد أن يظهر حصوله في ~~يدك. قال: ففعل عيسى ذلك، وانصرف أبو جعفر من حجه، وعنده أن عيسى قد أنفذه ~~أمره في عبد الله، فدس على عمومته من يشير عليهم بمسألته في عبد الله، ~~ففعلوا ذلك، فدعا بعيسى بن موسى، فسأله عن عبد الله بن علي، فقال له، فيما ~~بينه وبينه: ألم تأمرني بقتله؟ فقال: معاذ الله! ما أمرتك بقتله، إنما ~~أمرتك أن يكون في منزلك! قال: قد أمرتني بقتله، قال: كذبت! ثم أقبل على ~~عمومته، فقال: قد أقر بقتله، وقد كذب علي، وادعى أني أمرته، فشأنكم به، ~~فوثبوا عليه. فلما رأى صورة أمره، صدق أبا جعفر عن الحال، وأحضره إياه. ~~فكان عيسى يشكر ليونس بن أبي فروة ذلك مدة عمره. # وكان لعيسى بن موسى ابن يقال له العباس، من أكابر ولده، وقد تقلد الكوفة ~~من قبل عيسى، وكان يكتب له رجل يقال له معاوية. فذكر علان الوراق السعوي: ~~أن رجلا من بني أسد اختدع معاوية، رغبة في جاهه وميراثه، حتى انتمى إلى بني ~~أسد، فتوفي الأسدي الذي غره، فخاف معاوية أن يموت هو، فيرثه قوم كانوا ~~نفوه، وأنكروا عليه دعوته فيهم. وكانت لمعاوية جارية صقلية جاءت بابن من ~~غلام له، كان يقال له منارة، فادعى حينئذ معاوية منارة أنه منه، ونسبه إلى ~~نفسه فيما بعد، وسماه محمدا، ثم مات معاوية وانتمى محمد إليه، واكتنى بأبي ~~عبد الله، ونظر في النسب، وكان ينبر بالأبنة، ويتهم بالزندقة، وقد هجاه قوم ~~من أهل الكوفة هجاء كثيرا، فمن ذلك أن بني أسد يعرفون بالكوفة بالتطفيل، ~~فهجوه بأنه يتظاهر بالتطفيل ليصح نسبه، فقال بعض الغنويين: PageV01P137 # والله لو طفلت يا بن استها ... سبعين عاما لم تكن من أسد # فارحل إلى الجبة ms082 من مصرنا ... وأطلب أبا في غير هذا البلد # يعني بالجبة: الجبة والبداة، طسوجين من سواد الكوفة. # وكان يكتب لعبد الله بن علي يوسف بن صبيح، مولى بني عجل، من ساكني سواد ~~الكوفة. فذكر القاسم بن يوسف بن صبيح أن أباه حدثه: PageV01P138 ### | CHECK [75] # أن عبد الله بن علي لما استتر عند أخيه سليمان بالبصرة، وعلم أنه لا وزر ~~له من أبي جعفر، قال: فلم أستتر، وقصدت أصحابنا الكتاب، فصرت في ديوان أبي ~~جعفر، وأجرى لي في كل شهر عشرة دراهم، فبكرت يوما إلى الديوان قبل فتح ~~بابه. ولم يحضر أحد من الكتاب، فإني لجالس. عليه، إذا أنا بخادم لأبي جعفر ~~يتلمح الباب، فلم ير غيري، فقال لي: أجب أمير المؤمنين، فأسقط في يدي، ~~وخشيت الموت، فقلت: إن أمير المؤمنين لم يردني، قال: وكيف؟ فقلت: لأني لست ~~ممن يكتب بين يديه. فهم بالانصراف عني، ثم بدا له، فأخذني وأدخلني، حتى إذا ~~صرت دون الستر، وكل بي ودخل، فلم يلبث أن خرج، فقال لي: ادخل، فدخلت، فلما ~~صرت إلى باب الإيوان، قال لي الربيع: سلم على أمير المؤمنين، فشممت رائحة ~~الحياة، فسلمت، فأدناني وأمرني بالجلوس، ثم رمى إلي بربع قرطاس، وقال لي: ~~اكتب وقارب بين الحروف، وفرج بين السطور، واجمع خطك، ولا تسرف في القرطاس، ~~وكانت معي دواة شامية، فتوقفت عن إخراجها، فقال لي: كأني بك يا يوسف، وأنت ~~تقول في نفسك: أنا بالأمس في ديوان الكوفة أكتب لبني أمية، ثم مع عبد الله ~~بن علي، وأخرج الساعة دواة سامية! إنك إنما كنت في ديوان الكوفة تحت يد ~~غيري، وكنت مع عبد الله بن علي، لي ومعي، والدوى الشامية أدب جميل، ومن ~~أدوات الكتاب، ونحن أحق بها، قال: فأخرجها، فكتبت وهو يملي علي، فلما فرغت ~~من الكتاب، أمر به فأترب. وأصلح، وقال: دعه، وكل العنوان إلي، ثم قال لي: ~~كم رزقك يا يوسف في ديواننا؟ فقلت عشرة دراهم، فقال لي: قد زادك أمير ~~المؤمنين عشرة دراهم، رعاية لحرمتك بعبد الله بن علي، ومثوبة ms083 على طاعتك، ~~ونقاء ساحتك، وأشهد أنك لو استخفيت باستخفائه لأخرجتك ولو من جحرة النمل، ~~ثم زايلت بين أعضائك، قال: فدعوت له، ثم خرجت مسرورا بالسلامة. # وتوفي عبد الملك بن حميد، كاتب أبي جعفر في آخر سنة أربع وخمسين ومائة. PageV01P139 # وكان ملك الروم أنفذ إلى أبي جعفر رسولا، فورد عليه عند فراغه من الجانبين ~~من مدينة السلام، وأمر أبو جعفر عمارة بن حمزة أن يركب معه إلى المهدي، وهو ~~نازل بالرصافة، فلما صار إلى الجسر رأى الرسول من عليه من الزمني والسؤال، ~~فقال لترجمانه: قل لهذا، يعني عمارة بن حمزة: إني أرى عندكم قوما يسألون، ~~وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم PageV01P140 ### | CHECK [76] # هؤلاء، ويكفيهم مئونتهم وعيالاتهم، فقال له عمارة: إن الأموال لا تسعهم، ~~ومضى إلى المهدي، وعاد إلى أبي جعفر، فخبره عمارة بذلك، فقال له أبو جعفر: ~~كذبت! ليس الأمر على ما ذكرت، والأموال واسعة، ولكن العذر ما أنا ذاكره له، ~~فأحضرنيه، فأحضره، فقال له: قد بلغني ما قلته لصاحبنا، وما قاله لك، وكذب، ~~لأن الأموال واسعة، ولكن أمير المؤمنين يكره أن يستأثر على أحد من رعيته، ~~وأهل سلطانه بشيء من حظ، أو فضل في دنيا أو آخرة، وأحب أمير المؤمنين أن ~~يشركوه في ثواب السؤال والزمني، وأن يسألوهم من ذوات أيديهم، ومما أعطاهم ~~الله عز وجل من الرزق، ليكون ذلك نجاة لهم في آخرتهم، وتمحيصا لذنوبهم، ~~فقال الرومي: الحق ما قاله أمير المؤمنين. # وكانت نخوة عمارة وتيهه يتواصفان ويستسرفان، فأراد أبو جعفر أن يعبث به، ~~فخرج يوما من عنده. فأمر بعض الخدم أن يقطع حمائل سيفه، لينظر أيأخذه أم ~~يتركه؟ ففعل ذلك، فسقط السيف، فمضى عمارة لوجهه، ولم يلتفت إليه، وكان ~~المثل يضرب بتيهه، فيقال: أتيه من عمارة. # وكان عمارة إذا أخطأ يمضي على خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ~~ساعة واحدة! الخطأ أهون علي من هذا. وله شعر صالح، فمن ذلك. # لا تشكون دهرا صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم # هبك الإمام أكنت منتفعا ... بغضارة ms084 الدنيا مع السقم؟ # قال محمد بن يزداد: # قلد المنصور عمارة بن حمزة الخراج بكور دجلة والأهواز، وكور فارس، وتوفي ~~المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة وعمارة يتقلد ذلك. # وقلد المنصور حمادا التركي تعديل السواد، وأمره أن ينزل الأنبار ولا يدع ~~أحدا من أهل الذمة يكتب لأحد من العمال على المسلمين إلا قطع يده، فأخذ ~~حماد ما هويه الواسطي، جد سليمان بن وهب، فقطع يده. PageV01P141 # وأنكر أبو جعفر على محمد بن جميل شيئا، فأمر ببطحه، فقام بحجته، وأزال ما ~~ادعى عليه، فأمر بإقامته، ثم لحظ سراويله، فإذا هو كتان، فأنكر ذلك إنكارا ~~شديدا، وأمر به فبطح، وضربه خمس عشرة درة، وقال: هذا جزاؤك على سوء اختيارك ~~في لبس مثل هذا PageV01P142 ### | CHECK [77] # السراويل، فلا تعاوده. وكان محمد بن جميل يتقلد ديوان الخراج، ولما قلد ~~أبو جعفر الربيع العرض عليه، حسن مذهبه، وآثر الخيرية، حتى عرف بذلك. # وكان أبو جعفر إذا أراد بإنسان خيرا، أمر بتسليمه إلى الربيع، وإذا أراد ~~بإنسان شرا أمر بتسليمه إلى المسيب. فكتب العامل بفلسطين يذكر أن بعض أهلها ~~وثب عليه، واستغوى جماعة منهم، فعاث في العمل. فكتب إليه المنصور: دمك ~~مرتهن إن لم توجه به. فصمد له العامل، وأخذ ووجه به. فلما مثل بين يديه، ~~قال: أنت المتوثب على عامل أمير المؤمنين؟ لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى ~~على عظمك! فقال: وكان شيخا كبيرا، بصوت ضئيل: # أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم؟ # فقال: يا ربيع، ما يقول؟ قال: يقول: # العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف # فقال المنصور: يا ربيع، قد عفوت عنه، فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن إليه. # وهذا الشعر لعبد بني الحسحاس، وكان مولاه اتهمه بابنته، فعزم على قتله، ~~فقال هذا الشعر، وأوله: # أمن سمية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف # كأنها حين تبكي ما تكلمني ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف # لا تبك عينك إن الدهر ذو غير ... فيه تفرق ذي إلف ومألوف # العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل ms085 عذابك عني اليوم مصروف PageV01P143 ~~ولما استوزر المنصور الربيع ترك أن يسأله حاجة تخفيفا، فقال له المنصور ~~يوما: قد انقبضت عن مسألتي حوائجك، حتى أوحشتني، فقال: ما تركت ذاك! أني ~~وجدت لها موضعا غير أمير المؤمنين! ولكني ملت إلى التخفيف، قال: فاعرض علي ~~ما تحب من حوائجك، قال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن تحب الفضل ابني، قال: ~~ويحك! إن المحبة لا تقع ابتداء، وإنما تقع بأسباب، فقال: قد أوجدك الله ~~السبيل إليها، قال: وما ذاك؟ قال: تنعم عليه، فإذا أنعمت عليه أحبك، فإذا ~~أحبك أحببته، قال: فقد والله حببته إلى قبل أن يقع من هذا شيء، ولكن كيف ~~اخترت له المحبة من بين سائر الأشياء؟ قال: لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير ~~إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته، وكانت حاجاته عندك مقضية، وذنوبه PageV01P144 ### | CHECK [78] # عندك مغفورة. # وكان أبو جعفر قلد خالد بن برمك الري وطبرستان ودنباوند، فأقام بها سبع ~~سنين، وكان مقام خالد بطبرستان، وخلف ابنه يحيى بالري، فلما وجه أبو جعفر ~~المهدي إلى الري خدمه يحيى، وخف على قلبه، وولدت الخيزران هارون بن المهدي ~~في سنة تسع وأربعين ومائة، وكان الفضل ابن يحيى بن خالد قد ولد قبل ذلك ~~بسنة، فأرضعت الخيزران الفضل، وأرضعت زبيدة بنت منير، أم الفضل، هارون: ~~فتأكدت حرمة يحيى، واتصل سببه. # وذكر الحارث بن أبي أسامة في كتابه المعروف بكتاب الخلفاء في أخبار ~~المنصور: أن الخبر اتصل به: أن أحداثا من الكتاب يزورون في ديوان داره، ~~فأمر بإحضارهم، وتقدم بتأديبهم، فقال واحد منهم، وهو يضرب: # أطال الله عمرك في صلاح ... وعز يا أمير المؤمنينا # بعفوك أستجير، فإن تجرني ... فإنك عصمة للعالمينا # ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا # فأمر بتخليتهم، ووصل الفتى وأحسن إليه. # وكان أبو جعفر يتعتب على أبي الجهم بن عطية، وزير أبي العباس، فلما ~~استخلف أبو جعفر، دخل أبو الجهم يوما، فطاوله حتى عطش، ثم عاد له بسويق من ~~سويق الموز، وقد كان سمه، فشربه، فلما وصل إلى جوفه تمخض جوفه وأحس بالموت، ~~فوثب ms086 مسرعا، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟ قال: إلى حيث بعثتني. ~~فلما وصل إلى منزله مات. # وكان المنصور قلد عبد الوهاب بن إبراهيم فلسطين، فعسف أهلها، وكان ~~إبراهيم بن أبي عبلة، كاتب هشام، مقيما بها. فاستحضره المنصور، فلما وصل ~~إليه قال له: ابن أبي عبلة؟ ما وراءك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأت ~~عهود الخلفاء الذين من ولد عبد الملك إليك، فما سمعت عهدا قط أجمع من عهده ~~قرأه علينا عبد الوهاب منك، ثم عمد إلى جميع ما أمرته به فاجتنبه، وما ~~نهيته من شيء فارتكبه. PageV01P145 # وكان ابن مجير من أهل فلسطين قد حضر مع ابن أبي عبلة، ووصل إلى المنصور، ~~فقال: ما وراءك يا بن مجير؟ فأخرج له طائرا من كمه، قد نتفه حتى لم يبق ~~عليه ريشة واحدة، فقال له: فارقت البلد، يا أمير المؤمنين، وقد نتفه ابن ~~أخيك، حتى تركه كما تركت هذا PageV01P146 ### | CHECK [79] # الطائر، فأظهر إنكارا شديدا، وعزله. # وكان يتقلد للمنصور قضاء المدينة محمد بن عمران الطلحي، ويكتب له نمير ~~الشيباني المديني، فلما قدم المنصور حاجا استعدى عليه الجمالون. فدعا محمد ~~بن عمران بنمير كاتبه، وقال: اكتب إلى المنصور في الحضور معهم أو إنصافهم، ~~فكتب ثم ختم الكتاب، وقال له: والله لا مضى به غيرك، فمضى به، ودفعه إلى ~~الربيع، واعتذر إليه، فقال له: لا عليك، ودخل بالكتاب ثم خرج، فقال للناس: ~~أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا ~~أعلمن أحدا يقوم إذا خرجت ولا يكلمني. ثم خرج المنصور، والمسيب بين يديه، ~~والربيع ونمير كاتب محمد بن عمران خلفه، وهو في مئزر ورداء، فلم يقم له ~~أحد، فبدأ بالقبر، فسلم عليه، ثم قال للربيع: إني أخشى إن رآني ابن عمران ~~أن يدخله قلبه هيبة، فيتحول عن مجلسه، وبالله لئن فعل، لا ولى لي ولاية ~~أبدا. ثم صار إلى محمد ابن عمران، وكان متكئا، أطلق رداءه على عاتقه، ثم ~~احتبى ودعا بالخصوم، ثم دعا بالجمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين، ms087 فادعى ~~القوم، وساء له، فقضى عليه لهم، وأمره بإنصافهم، وانصرف أبو جعفر. فأمر ~~الربيع بإحضار محمد بن عمران، فلما دخل عليه، قال: جزاك الله عن دينك وعن ~~بيتك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء! وأمر له بعشرة آلاف دينار. # ووقف أبو جعفر على كثرة القراطيس في خزائنه، فدعا بصالح، صاحب المصلى، ~~فقال له: إني أمرت بإخراج حاصل القراطيس في خزائننا، فوجدته شيئا كثيرا ~~جدا، فتول بيعه، وإن لم تعط بكل طومار إلا دانقا، فإن تحصيل ثمنه أصلح منه. ~~قال صالح: وكان الطومار في ذلك الوقت بدرهم، فانصرفت من حضرته على هذا، ~~فلما كان في الغد دعاني، فدخلت عليه: فقال لي: فكرت في كتبنا، وأنها قد جرت ~~في القراطيس، وليس يؤمن حادث بمصر، فتنقطع القراطيس عنا بسببه، فنحتاج إلى ~~أن نكتب فيما لم نعوده عمالنا، فدع القراطيس استظهارا على حالها. PageV01P147 # ولهذه العلة كانت الفرس تكتب في الجاود والرق، وتقول: لا نكتب في شيء ليس ~~في بلادنا. # قال جعفر بن أحمد النهرواني الكاتب: حدثني محمد بن الفضل الكاتب قال: ~~حدثني كاتب PageV01P148 ### | CHECK [80] # كان للمنصور يتقلد النفقات في أيامه، ذهب على اسمه، قال: # وقف المنصور يوما من الأيام نهارا على سرب في داره، فيه قنديل معلق، وكان ~~الموضع، بين المضيء والمظلم، فكان تعليق القنديل إنما يقع استظهارا، فأمر ~~بأن يطفأ، وقال: لا يعاود هذا المصباح إلى هذا الموضع إلا في وقت الحاجة من ~~الليل، أو من آخر النهار. قال: فلما رأيت ذلك من تفقده، قلت في نفسي: إذا ~~كان يتفقد هذا المقدار التافه، فهو لغيره أشد تفقدا، فنظرت إلى فضول ~~موائده، فبعتها، فاجتمع لي من ذلك مال شهر، جملة وافرة صالحة، ونظرت في ~~أشياء غير ذلك، ففعلت فيها مثل هذا الفعل، فلما كان من رأس الشهر عرضت عليه ~~ما وفرته، فسألني عن سببه؟ فقلت: إن آمنتني شرحت لك الخبر، فآمنني، فصدقته ~~عن الصورة، فقال: ما الذي كنتم تصنعونه بما يفضل من هذه الموائد في كل يوم؟ ~~فقلت: كان يأكله خدمك وغلمانك وحشمك، وما ms088 فضل بعد ذلك عنهم تصدق به على ~~الفقراء والمساكين، فقال: هذا لم يكن يضيع منه شيء، فأجر الأمر على ما كان ~~جاريا عليه فيه، وليس سبيل القنديل سبيل ذلك في ذلك الموضع، لأن ذلك الموضع ~~الذي كان فيه كان مضيئا بالنهار، وكان الزيت يذهب ضياعا، ولا وجه للتضييع ~~في شيء وإن قل. # وحكي أنه ثقل على كتاب المنصور تفقده الأعمال، ومراعاته لها، فقالوا ~~لمتطببه: لو زينت له شرب النبيذ حتى يتشاغل عنا، لأعظمت المنة عندنا، ~~فوعدهم بذلك، ولم يزل يقول له في الوقت بعد الوقت، لو سخنت يا أمير ~~المؤمنين معدتك لأصلحت جسمك، ونفذ طعامك. فيقول: بماذا؟ فيقول: بشراب ~~العسل. فلما ألح عليه بذلك استدعى شيئا منه، فشربه في اليوم الأول، ~~فاستطابه، فعاد له في اليوم الثاني، وازداد منه، فخدره، ثم عاوده في اليوم ~~الثالث، فأبطأ عن صلاة الظهر والعصر والعشاء، فلما كان من غد دعا بما عنده ~~من الشراب فهراقه، ثم قال: ما ينبغي لمثلي أن يشرب شيئا يشغله. # أيام المهدي PageV01P149 ~~ولما تقلد المهدي الخلافة قلد أبا عبيد الله وزارته ودواوينه في سنة تسع ~~وخمسين ومائة. وكان من كتاب أبي عبيد الله عبيد الله بن عمران مولى مذحج، ~~ويزيد الأحول أبو أحمد بن أبي خالد، ومحمد بن سعيد بن عقبة، قلده الخراج ~~بمصر، وغيرهم. # قال أبو الحسن المدائني: وفد عبيد الله بن الحسن الهاشمي على المهدي ~~معزيا عن PageV01P150 ### | CHECK [81] # المنصور، ومهنئا بالخلافة، فتكلم بكلام كان قد أعده، أعجب الناس به ~~واستحسنوه، فبلغه ذلك، فقال لشبيب بن شيبة: إني والله ما التفت إلى هؤلاء، ~~ولكن سل أبا عبيد الله عما تكلمت به، فسأله شبيب، فقال له: ما أحسن ما ~~تكلم! ولكنه لم يتعد بكلامه أن أخذ مواعظ الحسن، ورسائل غيلان، فلقح بينهما ~~كلاما. فأخبر شبيب عبيد الله بذلك، فقال: لله أبوه! فو الله ما أخطأ حرفا، ~~ولا تجاوزت ما قال. # قال ابن أبي سعيد الوراق: حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه: أن زفر ~~بن عاصم عند تقلده المدينة أوفد ms089 إلى المهدي عبد الله بن مصعب الزبيري، ~~وإبراهيم بن سعد الزهري، وسعيد بن سلم المجاشعي، فلما وصلوا إلى بابه قصدوا ~~أبا عبيد الله وزيره، متوسلين به في إيصالهم، وذكر أمورهم للمهدي، فتجهمهم ~~وأبى عليهم، وأغلظ القول لهم، وجبههم بالرد، وقال لهم: ما لكم عندنا شيء، ~~فقال له عبد الله بن مصعب، وكان أحدث القوم سنا: إذا والله نكون كما قال ~~خفاف بن ندبة السلمي: # إذا تلعات بطن الحشرج أمست ... جديبات المسارح والمراح # تهادى الريح إذ خرهن شهبا ... ونودي في المجالس بالقداح # وجدت لجارنا كرما وكنا ... سوى ظن اللئيم بمستراح # إذا ما أجدبوا حمدوا وأبدت ... لنا الضراء عن أدم صحاح # فاتصل خبرهم بالمهدي، فأنكر على أبي عبيد الله، ودعاهم فوصلهم، وأحسن ~~إليهم في حوائجهم. # وكان أبو عبيد الله يقول: إني لأشكر حسن اللحظة، ولين اللفظة. # وذكر أن رجلا اعتذر إلى أبي عبيد الله فأطال، فقال له: ما رأيت عذرا هو ~~أشبه باستئناف ذنب من هذا. # وكان أبو عبيد الله يقول: اليأس حر، والرجاء عبد. PageV01P151 # وكان أهل الخراج يعذبون بصنوف من العذاب، من السباع والزنابير والسنانير، ~~وكان محمد بن مسلم خاصا بالمهدي، فلما تقلد الخلافة، ووجد أهل الخراج ~~يعذبون، شاور محمد بن مسلم فيهم، فقال له محمد: يا أمير المؤمنين، هذا موقف ~~له ما بعده، وهم غرماء المسلمين، فالواجب أن يطالبوا مطالبة الغرماء. فتقدم ~~إلى أبي عبيد الله بالكتاب إلى جميع PageV01P152 ### | CHECK [82] # العمال برفع العذاب عن أهل الخراج. # وفسد ما بين أبي عبيد الله وبين خالد بن برمك، بعد شدة التصافي، فاتصل ~~بخالد أن أبا عبيد الله يقول: إنه يتخوفه على سر كان أسره إليه. فركب خالد: ~~حتى أتى باب أبي عبيد الله، فلما رآه غلمانه أعظموا ذلك، وتبادروا بين ~~يديه، وخرج إليه أبو عبيد الله وهو متعجب، فقال له خالد: بلغني عنك كذا ~~وكذا، وما اتخذت مودتك عدة لعداوتك، وعلي وعلي، وحلف أيمانا مغلظة أن لو ~~قطعت إربا إربا ما ذكرت ذلك تعريضا ولا تصريحا، وعلي وعلي إن اطلعت من أمرك ms090 ~~على شيء من هذه الحال، فأبقيت عليك، فلا تظنن بي ضرعا إليك، ولا رغبة فيما ~~لديك، وانصرف. فدعا بيحيى ابنه، فقال له: امض إلى أبي عبيد الله فقل له: كل ~~امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر، وكل ملك لي صدقة، إن دخلت لك منزلا، ولا ~~كلمتك أبدا! فدفعه يحيى عن ذلك، فلم يندفع. فصار يحيى إلى أبي عبيد الله، ~~فأدى إليه الرسالة، فشق ذلك عليه، وقال له، فالقني أنت في حاجاته وحاجاتك، ~~فكان يحيى يلقاه، فيكرمه ويقضي حوائجه. # فقال يوما لخالد: ما حداك يا سيدي، ما حداك على ما كان منك في أمر أبي ~~عبيد الله؟ فقال: يا بني، هذا رجل مكين من صاحبه، وقد وقع في نفسه علينا ~~شيء، ولم آمن أن يرقى إليه شيء عنا لا أصل له، فيقبله ويصدقه، فأردت أن ~~أظهر ما بيننا وبينه، فإن ادعى علينا شيئا حمله على ما عرفه بيننا. # وركب أبو عبيد الله يوما فوقف له الناس، وكان فيمن وقف يحيى بن خالد، في ~~جماعة منهم مالك بن الهيثم، ومعاذ بن مسلم، فلما طلع أبو عبيد الله رمزا ~~بأنفسهم عن دوابهم، ووقف يحيى على ظهر دابته، فلما رآه أبو عبيد الله أعرض ~~عنه، وأقبل بطرفه على عرف دابته، ولم يلتفت إلى يحيى. قال: فلما رأيت ذلك ~~حركت إليه حتى لحقته، فقلت: يا أبا عبيد الله، أبقاك الله! قد علمت أنك ~~أنكرت ما كان مني، وقلما أعطى أحد نفسه هذه الذلة، فوجد عنده بعد ذلك خير. PageV01P153 # وتحدث شريك القاضي عند أبي عبيد الله يوما بحديث في تحليل النبيذ، فقال ~~عافية القاضي، وكان حاضرا: ما سمعنا بهذا الحديث، فقال شريك: وما يضر عالما ~~أن جهل جاهل. PageV01P154 ### | CHECK [83] # وذكر أبو سهل الرازي القاضي عن منصور بن أبي مزاحم، قال: # كنت عند أبي عبيد الله، وحسن بن حسن عنده، وشريك حاضر، فقال أبو عبيد ~~الله لشريك: حدثنا في النبيذ، فحدثه بحديث همام عن عمر ابن الخطاب فيه، ~~فقال حسن: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، ms091 إن هذا إلا اختلاق! فقال شريك: ~~أجل، شغلك عنه جلوسك على الطنافس، في صدور المجالس، وعرفناه بسعينا فيه. ~~فاستزاده أبو عبيد الله، فقال: لا أعرض الحديث للكذب. # وذكر عبد الأعلى بن عبد الله محمد بن صفوان الجمحي: # أنه حمل دينا في عسكر المهدي، قال: فركب المهدي يوما بين أبي عبيد الله ~~وعمر بن بزيع، وأنا وراءه في موكبه على برذون قطوف، فقال المهدي: # ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله: قول امرئ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # فقال المهدي: هذا أعرابي قح، فقال عمر بن بزيع، قول كثير: # أريد لأنسى ذكرها، فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل # فقال المهدي: ما هذا بشيء، وماله أن ينسى ذكرها حتى تمثل له فقلت له: # حاجتك عندي يا أمير المؤمنين، فقال: ألحقني، فقلت: لإلحاق بي مع دابتي، ~~فقال: احملوه على دابة، فقلت: هذا أول الفتح، وحملت عليها، فلحقته، فقال: ~~ما عندك؟ فقلت: قول الأحوص: # إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحم التلاقي بيننا زادني سقما # فقال: أحسنت والله، اقضوا دينه. # وكان في صحابة المهدي رجل يعرف بالثقفي البصري، وكان أبو عبيد الله له ~~مستثقلا، وكان محبا لأن يضع منه. فتكلم الثقفي يوما فلحن، فقال له أبو عبيد ~~الله: أتجالس أمير المؤمنين بالملحون من الكلام؟ أما كان يجب عليك أن تقوم ~~من لسانك! فقال له الثقفي: إنما يحتاج إلى استعمال الإعراب في جميع الكلام، ~~يا أبا عبيد الله، المعلمون، لينفقوا عند من ألتمسهم لتعليم ولده، يعرض ~~بأبي عبيد الله، لأنه كان معلما في أول أمره. فضحك المهدي حتى غطى وجهه. PageV01P155 ### | CHECK [84] # ولما حال الحول على المهدي في الخلافة، تقدم إلى أبي عبيد الله بمناظرة ~~عيسى بن موسى، على أن يخلع نفسه من ولاية العهد، فناظره وقال له: إن ~~المنصور قدم المهدي عليك وعوضك، فإن أخرجت نفسك من هذا الأمر عوضك المهدي ~~ما هو أنفع لك، وأبقى عليك، وإن أبيت استحل منك المحظور، بمعصيتك وخلافك ~~أمره، وقد لزمتك طاعته، ms092 ووجب عليك القبول منه. فسارع إلى الإجابة إلى خلع ~~نفسه، فعوض عشرة آلاف ألف درهم، وكتب أبو عبيد الله عن المهدي بذلك، ~~وبتقليد الهادي موسى العهد إلى الآفاق، فقال بعض الشعراء: # كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاة وكرم # خلع الملك وأضحى لابسا ... ثوب لوم لا ترى منه القدم # ولما حج المهدي بعد عقد البيعة لموسى خلفه ببغداد خليفة له، وضم يزيد بن ~~المنصور خال المهدي مدبرا لأمره، وقلد كتابته ووزارته أبان بن صدقة، وذلك ~~في سنة ستين ومائة، وقلد عمر بن بزيع دواوين الأزمة. في سنة اثنتين وستين ~~ومائة. وقد قيل: إن المهدي أول من أحدثها. # قال عبد الله بن ربيع: سمعت مجاهدا الشاعر يقول: # خرج المهدي متنزها ومعه عمر بن بزيع، فانقطعا عن المعسكر في طلب الصيد، ~~فأصاب المهدي جوع، فقال لعمر بن بزيع: ويحك! هل من شيء؟ قال: ما من شيء، ~~قال: فإني أرى كوخا، وأظنها مبقلة، فقصدا قصده، فإذا نبطى في كوخ، وإذا ~~مبقلة، فسلما عليه، فرد السلام، فقال: هل عندك شيء نأكل؟ قال: عندي ربيثاء ~~وخبز شعير. فقال له المهدي: إن كان عندك زيت فقد كمل، قال: نعم، قال: ~~وكراث؟ قال: نعم، وعندي تمر، وعدا نحو المبقلة، فجاء ببقل وكراث وبصل، ~~فأكلا أكلا كثيرا وشبعا، فقال المهدي لعمر بن بزيع: قل في هذا شعرا، وكان ~~يعرف بقرض الشعر، فقال: # إن من بطعم الربيثاء بالزيت ... وخبز الشعير والكراث # لحقيق بصفعة أو بثنتين ... لسوء الصنع أو بثلاث # فقال المهدي: بئس ما قلت! ليس هكذا، ولكن: # لحقيق ببدرة أو بثنتين ... لحسن الصنيع أو بثلاث PageV01P156 ### | CHECK [85] # ولحق بهما العسكر والخزائن، فأمر للنبطي بثلاث بدر. # وحكي عن عمارة بن حمزة أنه دخل يوما على المهدي فأعظمه، فلما قام قال له ~~رجال من أهل المدينة، من القرشين: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي أعظمته ~~هذا الإعظام كله؟ فقال: عمارة بن حمزة، مولاي، فسمع عمارة كلامه، فرجع ~~إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، جعلتني كبعض خبازيك وفراشيك، أفلا قلت: ~~عمارة بن ms093 حمزة بن ميمون، مولى عبد الله بن عباس، ليعرف الناس مكاني! # وبلغ موسى بن المهدي حال بنت لعمارة جميلة، فراسلها، فقالت لأبيها ذلك، ~~فقال: ابعثي إليه في المصير إليك، وأعلميه أنك تقدرين على إيصاله إليك في ~~موضع يخفى أثره، فأرسلت إليه بذلك، وحمل موسى على المصير نفسه، فأدخلته ~~حجرة، قد فرشت وأعدت له، فلما صار إليها، دخل عليه عمارة، فقال: السلام ~~عليك أيها الأمير، ماذا تصنع ها هنا؟ اتخذناك ولي عهد فينا، أو فحلا في ~~نسائنا! ثم أمر به فبطح في موضعه، فضربه عشرين درة خفيفة، وردوه إلى منزله. ~~فحقد الهادي عليه ذلك، فلما ولي الخلافة، دس إليه رجلا يدعى عليه أنه غصبه ~~الضيعة المعروفة بالبيضاء بالكوفة، وكانت قيمتها ألف ألف درهم. فبينا ~~الهادي، ذات يوم قد جلس للمظالم وعمارة بحضرته، وثب الرجل، فتظلم منه. فقال ~~الهادي لعمارة: ما تقول فيما ادعاه الرجل؟ فقال: إن كانت الضيعة لي فهي له، ~~وإن كانت له فهي له، ووثب فانصرف عن المجلس. PageV01P157 # وهذا شيء يشبه حكاية عن غيلان بن خرشة الضبي، أحد أصحاب أبي موسى الأشعري، ~~وكان غيلان أسكن رجلا دارا له بالبصرة، ثم أراد إخراجه عنها، فنازعه ~~الساكن، وكانت لغيلان منزلة من أبي موسى. فإنه يوما لجالس إلى جنبه، إذ دخل ~~الساكن، فقال: أصلح الله الأمير، إن غيلان أسكنني دارا، وهو يريد إخراجي ~~منها، ومن قصتي وقصته كيت وكيت. فأقبل أبو موسى على غيلان، فقال: أبينك ~~وبينه منازعة؟ فقال: نعم، هذا رجل أسكنته، ثم ذهب يقص قصته، فقال له أبو ~~موسى: رويدك، انتقل فاجلس مع خصمك، فقال له غيلان: ما هو إلا هذا؟ فقال أبو ~~موسى: ما هو إلا هذا! فقال: فاشهد أن الدار له. وأحفظه ذلك على أبي موسى، ~~فشخص حتى قدم المدينة على عثمان، فدخل عليه في يوم اجتمعت فيه بنو أمية على ~~مأدبة لهم، وعليه عمامته وثياب سفره، فلما رآه قال له: من أنت؟ قال رجل PageV01P158 ### | CHECK [86] # شطير الدار، بعيد النسب، ثم حسر عمامته عن وجهه، وقال: أنا غيلان ms094 بن ~~خرشة، أيا معشر بني أمية، أما فيكم صغير تستنشيءونه؟ أما فيكم فقير ~~تنعشونه، أما فيكم ضعيف تجبرونه؟ إلى كم يأكل البصرة هذا الأشعري! فوقرت في ~~قلوب القوم، وكانت سبب عزل عثمان أبا موسى، فعزله وولى ابن عامر، وهو عبد ~~الله بن عامر بن كرز ابن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس، في سنة تسع وعشرين، وهو ~~ابن خمس وعشرين سنة. # وقلد المهدي عمارة بن حمزة الخراج بالبصرة، فكتب إليه يسأله أن يضم ~~الأحداث إلى الخراج، ففعل ذلك، وقلده الأحداث مضافة إلى الخراج، وكان عمارة ~~أعور دميما، وكرهه أهل البصرة، لتيهه وكبره، فرفعوا إلى المهدي عليه أنه ~~اختان مالا كثيرا، فسأله المهدي عن ذلك، فقال: والله يا أمير المؤمنين، أن ~~لو كانت هذه الأموال التي يذكرونها في جانب بيتي، ما نظرت إليها، فقال: ~~أشهد إنك لصادق، ولم يراجعه فيها. # ودخل على المهدي صالح بن عبد الجليل، وكان ناسكا مفوها، فوعظه، وأبكاه ~~طويلا، وذكر سيرة العمرين، فأجابه المهدي بفساد الزمان، وتغير أهله، وما ~~حدث لهم من العادات، وذكر له جماعة من أصحابه، ومالهم من الأحوال والنعمة، ~~وذكر فيهم عمارة بن حمزة، فقال: وقد بلغني أن له ألف دواج بوبر، سوى مالا ~~وبر فيه، وسوى غيرها من الأصناف. # وحكي أن المهدي قال لعمارة بن حمزة: أبغني نديما ظريفا، فسمى له والبة بن ~~الحباب، وكان شاعرا أديبا ماجنا، ويكنى والبة أبا أسامة، فدعا به المهدي، ~~فأنشده يوما: # قولا لعمرو لا تكن ناسيا ... وسقني الخمرة من كاسيا # واردد على الهيثم مثل الذي ... هجت به ويحك وسواسيا # وقل لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا # ونم على صدرك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسيا # فقال المهدي: أتريد أن تنكحنا؟ لا أم لك! PageV01P159 # وأغزى المهدي ابنه هارون الصائفة. في سنة ثلاث وستين ومئة وأنفذ معه خالد ~~بن برمك، وقلد كتابته ونفقاته وتدبير أمر عسكره يحيى بن خالد، ففتح عليهم، ~~وحسن أثر يحيى فيما قام به، وأحمد فعله، وتدبيره إياه. ثم أمر المهدي أبا ~~عبيد الله ms095 بأخذ البيعة بالعهد لهارون بعد موسى، واستحلاف الناس عليها، فحضر ~~دار العامة أبو عبيد الله ومعه أبو العباس PageV01P160 ### | CHECK [87] # الطوسي، صاحب الحرس، حتى أخذ البيعة على الناس، وهم مسارعون إليها، ~~ومتباشرون بها، وكتب إلى جميع الآفاق بذلك، وعرض الكتب على المهدي، وعرفه ~~الخبر، فشكر الله، وسر به، وقلد المهدي هارون المغرب كله، من الأنبار إلى ~~إفريقية، وأمر كاتبه خالدا بتولي ذلك كله وتدبيره، فقام به. وكان يكتب ~~ليحيى بن خالد إسماعيل بن صبيح، وكان خالد بن برمك سخيا جليلا، سريا نبيلا، ~~كثير الإحسان. # قال الجاحظ: وحدثني ثمامة قال: # كان أصحابنا يقولون، لم يكن يرى لجليس خالد دار إلا وخالد بناها له، ولا ~~ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا ولد إلا وخالد ابتاع أمه إن كانت أمة، أو ~~أدى مهرها إن كانت حرة، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها، إما من نتاجه، أو ~~من غير نتاجه. وكان خالد أول من سمى المستميحين، ومن يقصد العمال لطلب البر ~~الزوار، وكانوا يسمون قبل ذلك السؤال، فقال خالد: أنا أستقبح لهم هذا الاسم ~~وفيهم الأحرار والأشراف. وفي ذلك يقول بعض زواره: # حذا خالد في جوده حذو برمك ... فجود له مستطرف وأثيل # وكان بنو الإعدام يدعون قبله ... باسم على الإعدام فيه دليل # يسمون بالسؤال في كل موطن ... وإن كان فيهم تافه وجليل # فسماهم الزوار سترا عليهم ... فأستاره في المجتدين سدول # وأحب المهدي يوما أن يسمع خبر يوم ابن ضبارة، صاحب مروان، وهزيمته، فقيل ~~له: أعلم الناس بذلك خالد بن برمك، لأنه كان شاهدا. فأمر بإحضاره، فلما وصل ~~إليه، سأله عن ذلك، فقال له: إنا لما صافنا القوم يا أمير المؤمنين، خفقت ~~ألويتنا بالنصر، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وهبت ريح الغلبة، فما كان إلا ~~كلا ولا، حتى انجلى الأمر لنا بالنصر، ولله الحمد والشكر. فقال له المهدي: ~~أحسنت وأوجزت. PageV01P161 # وكان المهدي أنفذ خالدا إلى فارس عاملا عليها، واستخلف خالد ابنه يحيى، ~~فقسط الخراج على أهلها، ووضع عنهم خراج الشجر، وكانوا يلزمون له خراجا ~~ثقيلا، وأكثر ms096 خالد الصلات والجوائز والإحسان إلى كافة الناس وخاصتهم، فشغب ~~الجند عليه، فضرب عنق قائد منهم، يدعى شاكرا التركي، قرابة لفرج خادم ~~المهدي، فكثر فرج فيه عند المهدي، ونسبه إلى المعصية، فغضب المهدي وحبسه، ~~وألزمه مالا جليلا، ونجمه عليه، فكان يؤدي PageV01P162 ### | CHECK [88] # في كل يوم جمعة ألف ألف درهم، وشفعت الخيزران في أمره، بالرضاع الذي كان ~~بين هارون ابنها وبين الفضل بن يحيى، فرضي عنه، ورده إلى منزلته. # ولما انصرف هارون من الغزاة التي نفذ فيها في سنة ثلاث وستين ومائة، توفي ~~خالد، فوجه إليه المهدي بكفن وحنوط، وصلى عليه هارون. # ولم يزل أبو عبيد الله في خلافة المهدي إلى سنة ثلاث وستين ومائة مستقيم ~~الأمر، ثم سعى عليه الربيع، وحمل المهدي على مكارهه، فصرفه في سنة ثلاث. ~~وكان السبب في ذلك أن الربيع كان يحسن خلافة أبي عبيد الله، بحضرة أبي جعفر ~~عند غيبته مع المهدي بالري، ويكاتبه بما يحتاج إليه، وينبهه على ما يصلحه، ~~ويكف عنه من يريد غيبه والقدح في محله، أو ذكره بخلاف الجميل، فلما انصرف ~~الربيع من الحج، بعد موت أبي جعفر، وقد قام ببيعة المهدي القيام المشهور، ~~قصد بابه، بادئا به قبل المهدي، فقال له الفضل: يا سيدي، تترك أمير ~~المؤمنين، وتترك أهلك، وتأتي أبا عبيد الله! فقال: يا بني، هو صاحب الرجل، ~~فليس ينبغي أن نعامله كما كنا نعامله، ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره، ~~من النصرة له والمعاونة. فلما وصل إلى الباب وقف عليه، وقد كان وقت المغرب ~~إلى وقت عشاء الآخرة، ثم خرج الحاجب، فقال: ادخل، فثنى رجله لينزل، وثنى ~~الفضل رجله معه، فقال الحاجب: إنما استأذنت لك وحدك يا أبا الفضل، فقال له: ~~ارجع فأعلمه أن الفضل معي، ثم أقبل على الفضل فقال: هذا من ذاك. ثم خرج ~~الآذن، فأذن لهما جميعا، فدخلا وأبو عبيد الله في صدر مجلسه على مصلى قد ~~اتكأ على وسادة، فلم يقيم إليه، ولا استوى جالسا، ولا ألقى إليه شيئا يجلس ~~عليه، وتركه على ms097 البساط، وجعل يسائله عن سفره ومسيره وحاله، والربيع يتوقع ~~أن يسأله عما كان منه في أمر المهدي، وتجديده بيعته، فأعرض أبو عبيد الله ~~عن ذلك، فذهب الربيع ليبتدئه بذكره، فقال: قد بلغنا نبؤكم، فقام الربيع ~~لينصرف، فقال أبو عبيد الله: لا أرى الدروب إلا وقد أغلقت، فلو أقمت. PageV01P163 # فقال له الربيع: لا أرى الدروب تغلق دوني. فقال: بلى، قد أغلقت. وظن الربيع ~~أنه يريد أن يستريح من تعب مسيره، ثم يسأله فيما بعد، فقال: فأقيم إذا، ~~فقال أبو عبيد الله: يا غلام، هيئ لأبي الفضل موضعا في منزل محمد، يعني ~~ابنه، فلما رأى أنه يريد به الخروج من داره، قال: فليس يغلق دوني درب، وقصد ~~منزله منصرفا. وأقبل على ابنه الفضل، فقال: يا بني، أنت PageV01P164 ### | CHECK [89] # أحمق. قال: وما حمقي؟ قال: تقول لي: كان ينبغي ألا تجئ، وإذا جئت وحجبك ~~أن لا تقيم منتظرا، ولما دخلت فلم يقم إليك أن ترجع، ولا تكلمه! لم يكن ~~الصواب غير ما فعلته كله، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لأخلقن جاهي، ~~ولأنفقن مالي، حتى أبلغ مكروه أبي عبيد الله. ثم جعل يضرب ظهرا لبطن، ~~ويضطرب يمينا وشمالا، فلا يجد مساغا، ثم ذكر القشيري، وكان أبو عبيد الله ~~أساء به وحجبه، فاستحضره وقال: قد علمت ما ركبك به أبو عبيد الله، فهل عندك ~~في أمره حيلة؟ قال له: ليس بجاهل في صناعته، وإنه لأحذق الناس، وما هو ~~بظنين فيما يتقلده، لأنه أعف الناس، حتى لو كان بنات المهدي في حجره لكان ~~لهن موضعا، وليس بمتهم بانحراف عن هذه الدولة، لأنه ليس يؤتي من ذلك، ولبس ~~يتهم في دينه، لأن عقده وثيق، ولكن هذا كله يجتمع لك في ابنه، فقام الربيع، ~~فقبل عينه، وما زال يدس إلى المهدي من يخبره عبد الله بن أبي عبيد الله. ~~وكان المهدي قد جد في طلب الزنادقة، وغلظ في أمرهم، فقدم عليه بجماعة منهم، ~~في سنة ست وستين ومائة، وأحضر معهم وضاح الشروي، وعبد الله بن أبي عبيد ms098 ~~الله، وكان أخذه بمكة، فأدخل على المهدي، فقال: أزنديق أنت؟ قال نعم - وممن ~~يعتقد الزندقة قوم يرون أن جحد ما يدينون به محظور، وأن التقية غير جائزة، ~~وقد دل هذا الخبر على أن عبد الله بن أبي عبيد الله منهم - فقال له المهدي: ~~اقرأ، فقرأ: تباركت وعالموك بعظم الخلق. فأشار الربيع على المهدي بمطالبة ~~أبيه بقتله، فقال المهدي لأبي عبيد الله: PageV01P165 # اضرب عنقه، فتنحى، كأنه يريد أن يفعل ذلك، فارتعد فقال له العباس بن محمد: ~~يا أمير المؤمنين: شيخ كبير، وله حرمة، ويكفيك غيره ما أردته منه. وأبو ~~عبيد الله يقول لابنه: ما بهذا أدبتك، ولقد علمتك كتاب الله عز وجل! فأمر ~~المهدي عبد الله بن أبي العباس الطوسي، وكان يخلف أباه على الحرس، بقتله، ~~فلما تنحى ليقتل صاح: يا أمير المؤمنين، التوبة. فتغافل عنه المهدي، فقال: ~~عافية بن يزيد القاضي. إنه يعرض بالتوبة يا أمير المؤمنين، فأقبل عليه ~~المهدي، وقال: والله ما الله أردت بذلك، انزعوا عمامته، وجئوا في عنقه. فما ~~زال يدفع ويوجأ في عنقه حتى أخرج، وأمضى عبد الله بن أبي العباس ما أمر به ~~من قتله، فقثل ودفن، ولم يستقبل به القبلة. # وأحضر في جملة من أحضر من الزنادقة ابن لأبي أيوب، سليمان بن أيوب المكي، فأقر PageV01P166 ### | CHECK [90] # بالزندقة وتاب، فقبل المهدي توبته، وأمر بإطلاقه. وذلك في سنة ست وستين ومائة. # ولما قتل المهدي عبد الله بن أبي عبيد الله، قال الربيع لبعض خدم المهدي: ~~لك علي ثلاثة آلاف دينار، إن فعلت شيئا لا يضرك، قال له: وما هو؟ قال: إذا ~~دخل أبو عبيد الله إلى المهدي، فصار بحضرته، قبضت على سيفه، ومشيت إلى ~~جانبه، فسينكر ذلك عليك أمير المؤمنين، فتقول: يا أمير المؤمنين، قتلت ابنه ~~بالأمس، فكيف آمنه عليك أن يخلو بك ومعه سيفه اليوم! ففعل ذلك الخادم، فكان ~~ذلك مما أوحش المهدي من أبي عبيد الله. # ومات أبان بن صدقة في سنة سبع وستين ومائة، وهو على رسائل موسى بن المهدي ~~بجر جان، عند ms099 نفوذه إلى الري. PageV01P167 # وكان المهدي لما أفضت الخلافة إليه أمر بإطلاق من في السجون، فأطلق منهم ~~يعقوب بن داود بن طهمان، وكان يعقوب كاتب إبراهيم بن عبد الله ابن حسن بن ~~حسن، وكان المنصور حبسه في المطبق، وكان داود بن طهمان وأخوته كتابا لنصر ~~بن سيار، ولما مات داود نشأ ولده علي ويعقوب أهل أدب وفن، وافتنان في صنوف ~~العلوم، وكان علي بن داود كتب لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، وصحبه يعقوب بن ~~داود، ولم يزالا معه إلى أن قتل إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فظفر بيعقوب ~~بن داود، فحبسه أبو جعفر في المطبق، في سنة أربع وأربعين ومائة، وكان الحسن ~~بن إبراهيم ابن عبد الله معه في المطبق، فسعى به يعقوب إلى المهدي، وذكر ~~أنه قد عمل سربا يهرب منه، فبعث المهدي، فوجد السرب، فنقله إلى نصير ~~الوصيف، فاحتيل له في الهرب، فهرب من يده، لأن جماعة من الزيدية احتالت في ~~هربه، وصاروا به إلى مدينة الرسول، فتقدم المهدي إلى يعقوب بطلبه، فضمن له ~~ذلك، واستأذنه في رفع النصائح إليه، فأذن له، فداخله بذلك السبب، وتثاقل ~~أبو عبيد الله وأدل، وتمالأ يعقوب والربيع على أبي عبيد الله، فجعلت حال ~~يعقوب تزيد، وحال أبي عبيد الله تنقص، إلى أن سمى المهدي يعقوب أخا في الله ~~ووزيرا، وأخرج بذلك توقيعات تثبت في الدواوين، ففي ذلك يقول سلم الخاسر: # قل للإمام الذي جاءت خلافته ... تهدي إليه بحق غير مردود # نعم المعين على التقوى أعنت به ... أخوك في الله يعقوب بن داود # وحج المهدي سنة ستين ومائة، ويعقوب بن داود معه، فأخذ منه أمانا للحسن بن ~~عبد الله بن PageV01P168 ### | CHECK [91] # حسن، وأحضره إياه، فأحسن إليه المهدي، ووصله بمال، وأقطعه مالا من ~~الصوافي بالحجاز، وأحمد فعل يعقوب في ذلك. # وشكي إلى المهدي في حجته هذه بعض عماله، وسئل عزله، فلم يفعل، فلما صار ~~ببعض الطريق ورد عليه خبر وفاته، فقال: يا يعقوب، عزله من هو أقوى على عزله منا. # ثم صرف المهدي ms100 أبا عبيد الله عن وزارته في سنة ثلاث وستين ومائة، واقتصر ~~به على ديوان الرسائل، وكان يصل إليه على رسمه، وغلب على أمره كله ووزارته ~~يعقوب بن داود، وجد المهدي في طلب الزنادقة، وقلد عمر الكلواذاني طلبهم، ~~فظفر بجماعة منهم، وظفر فيهم بيزيد بن الفيض، كاتب المنصور، فأقر بالزندقة، ~~فحبس، وهرب من الحبس، فلم يقدر عليه. ثم عزل المهدي أبا عبيد الله عن ديوان ~~الرسائل في سنة سبع وستين ومائة، وقلده الربيع، فاستخلف الربيع عليه سعيد ~~بن واقد، وكان أبو عبيد الله يصل إلى المهدي على مرتبته، رعاية لحرمته. # ومن حسن كلام أبي عبيد الله ما رواه عمرو بن بحر الجاحظ: # التماس السلامة بالسكوت، أولى من التماس الحظ بالكلام، وقمع نخوة الشرف، ~~أشد من قمع بطر الغنى، والصبر على حقوق النعمة، أصعب من الصبر على ألم ~~الحاجة، وذل الفقر، قاهر لعز الصبر، كما أن عز الغنى، مانع من الانصراف، ~~إلا لمن كان في غريزته فضل كرم، وفي أعراقه مناسبة لعلو الهمة. # وتفرد يعقوب بتدبير الأمور كلها. وتوفي عمر بن داود أخو يعقوب. وكان سبب ~~ذلك أنه خرج متنزها، ومعه جماعة من أهله وأقاربه، ومعه سفرة وفواكه، فقدمت ~~إليه سلة فيها عنب، فأخذ منها حبتين، فألقاهما في فيه، فاعترضتا في حلقه، ~~فلم تنزلا ولم تصعدا حتى مات، فرثاه ابن أخيه داود بن علي بن داود: # غدا صحيحا مع الأحياء مغتبطا ... والآن ميتا بقربي أهله عمر # فاحتل قبرا لدى قبر أبوه به ... يعلوهما نضبد الأحجار والمدر # فما بقاؤك يا داد بعدهما ... فاحذر حذار امرئ قد شفه الذعر # وراقب الله واعلم أن طاعته ... هي النجاة إذا ما حوسب البشر PageV01P169 ~~فذكر عبد الله بن يعقوب بن داود أن سفيان بن عيينة صار إليهم معزيا، فكانت ~~تعزيته أن PageV01P170 ### | CHECK [92] # أنشد بيتا لعمران بن حطان: # كيف أعزيك والأحداث مقبلة ... فيها لكل امرئ من نفسه شغل # وكان عبد الله بن يعقوب بن داود أحد الأدباء والشعراء، وله ابنان يقولان ~~الشعر، يقال لأحدهما: محمد، والآخر عبيد الله، فمن ms101 قول محمد ابن عبد الله ~~بن يعقوب: # وزع المشيب شراستي وعرامي ... ومرى الجفون بمسبل سجام # ولقد حرصت بأن أوارى شخصه ... عن مقلتي فرمت صعب المرام # وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدم ... صبغي ودامت صبغة الأيام # لا تبعدن شبيبة ذيالة ... فارقتها في سالف الأيام # ما كان ما استصحبت من أيامها ... إلا كبعض طوارق الأحلام # ومن قول عبيد الله بن عبد الله بن يعقوب: # سأصير حرا لم يضق عنه صبره ... وإن كان قد ضاقت عليه مذاهبه # فإن الغمام الغر يخلف حالها ... وإن الحسام العضب تنبو مضاربه # وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير أن أباه حدثه: # أن بشار بن برد هجا صالح بن داود أخا يعقوب حين ولي، فقال: # هم حملوا فوق المنابر صالحا ... أخاك فضجت من أخيك المنابر # فبلغ يعقوب بن داود هجاؤه، فدخل على المهدي، فقال له: يا أمير المؤمنين، ~~إن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين، قال: وما قال؟ فقال: يعفني ~~أمير المؤمنين من إنشاده ذلك، فأبى عليه، وراجعه، ولم يزل به إلى أن أنشده: # خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان # أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران # فقال له: وجه في حمله، فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه، فيعفو عنه، ~~فوجه إليه من ألفاه في البطائح، وقيل: لم يغرق في البطائح، ولكن قتله في طريقه. # ولما استقام أمر يعقوب أرسل إلى الزيدية جميعا، فأتى بهم من كل ناحية، ~~فولاهم أمور الخلافة، في الشرق والغرب، وكان هذا مما عتب به عليه. # وكان أبو عبيد الله يضبط أمور المهدي، ويشير عليه بالاقتصاد، وحفظ ~~الأموال، وكان أبو PageV01P171 ### | CHECK [93] # جعفر خلف في بيوت الأموال عند وفاته تسع مئة ألف ألف درهم، وستين ألف ألف ~~درهم، فلما صرف المهدي أبا عبيد الله عن وزارته، وقلدها يعقوب، زين له ~~هواه، فأنفق المال، وأكب على اللذات والشرب وسماع الغناء، ففي ذلك يقول بشار: # بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا ... خليفة الله ms102 بين الزق والعود # وذكر المفضل العمري: # أن المهدي حج في بعض السنين، فمر بميل وعليه مكتوب، فوقف فقرأه. وإذا هو: # لله درك يا مهدي من رجل ... لولا اتخاذك يعقوب بن داود # فقال لمن معه: اكتب تحته: على رغم أنف الكاتب هذا، وتعسا لجده. فلما ~~انصرف وقف على الميل، فقلنا لم يقف عليه إلا لشيء قد علق بقلبه من ذلك ~~الشعر، وكان كذلك، لأنه أوقع بيعقوب بعد قليل، وكثرت الأقوال في يعقوب، ~~ووجد أعداؤه مقالا فيه، فقالوا، وذكروا للمهدي خروجه على المنصور مع ~~إبراهيم بن الحسن، وعرفه بعض خدمه أنه سمع يعقوب وهو يقول: بنى هذا الرجل ~~متنزها أنفق عليه خمسين ألف ألف درهم، من أموال المسلمين، وكان القائل لهذا ~~القول أحمد بن إسماعيل، صهر يعقوب بن داود، وكان المهدي بنى عيسا باذ. # وأراد المهدي أمرا، فقال له يعقوب: هذا يا أمير المؤمنين السرف! فقال: ~~ويلك! وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف! ويلك يا يعقوب! لولا الإسراف لم يعرف ~~المقتر من المكثر. # قال محمد بن عبد الله النوفلي، قال لي أبي: قال لي يعقوب: كان المهدي لا ~~يشرب النبيذ إلا تحرجا، ولكنه كان لا يشتهيه، وكان أصحابه بن بزيع والمعلى ~~مولاه ومواليه يشربون عنده، بحيث يراهم، قال: وكنت أعظه في سقيهم النبيذ، ~~وفي السماع، وكان يقول: هذا عبد الله بن جعفر. قال: قلت، ليس هذا من ~~حسناته، لو أن رجلا سمع كل يوم، هل كان ذلك يزيده قربة من الله عز وجل أو بعدا. PageV01P172 # وكان يعقوب قد ضجر بموضعه، وتاب إلى الله مما هوفيه، واستقاله، وقدم النية ~~في ترك موضعه، فكان يقول: والله يا أمير المؤمنين لشربة خمر أشربها أتوب ~~إلى الله منها أحب PageV01P173 ### | CHECK [94] # إلى مما أنا فيه، وإني لأركب إليك فأتمنى يدا خاطئة تصيبني فأعفني، وول ~~من شيءت. فإني أحب أن أسلم عليك أنا وولدي، ووالله إني لأتقرع في الليل منذ ~~وليتني أمور المسلمين، وليس دنياك بعوض من آخرتي. # قال: فكان المهدي يقول له: اللهم غفرا! اللهم أصلح قلبه. ms103 # ثم أراد المهدي أن يمتحنه في ميله إلى العلوية، فدعا به يوما وهو في مجلس ~~فرشه موردة، وعليه ثياب موردة، وعلى رأسه جارية عليها ثياب موردة، وهو مشرف ~~على بستان، فيه شجر قد صنوف الأورادا، فقال له: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا ~~هذا! قال: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به، وهنأه إياه، فقال ~~له: جميع ما فيه لك، وهذه الجارية لك، ليتم سرورك، وقد أمرت لك بمئة ألف ~~درهم، ففرقها في بعض شأنك، فدعا بما يجب، وقال له: لي إليك حاجة، فقام ~~قائما، وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا القول إلا لموجدة، وأنا أستعيذ ~~بالله من سخطك، فقال له: أحب أن تضمن لي قضاءها، فقال: السمع والطاعة، فقال ~~له: والله، فقال: والله ثلاثا، فقال له ضع يدك على رأسي واحلف به، ففعل ~~ذلك، فلما استوثق منه، قال له: هذا فلان بن فلان، رجل من العلوية، أحب أن ~~تكفيني مئونته، وتريحني منه، فخذه إليك، فحوله إليه، وحمل الجارية وما كان ~~في المجلس والمال، فلشدة سروره بالجارية، جعلها في مجلس تقرب منه، ليصل ~~إليها، ووجه فأحضر العلوي، فوجده لبيبا فهما، فقال له: ويحك يا يعقوب! تلقى ~~الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة رضي الله عنها بنت محمد صلى الله عليه ~~وسلم! فقال له يعقوب: يا هذا، أفيك خير؟ قال: إن فعلت بي خيرا شكرت، ودعوت ~~لك واستغفرت لك، فقال له: خذ هذا المال، وخذ أي طريق شيءت، فقال له: طريق ~~كذا وكذا آمن لي، فقال له: امض مصاحبا. PageV01P174 # وسمعت الجارية الكلام كله، فوجهت إلى المهدي مع بعض خدمه به، فوجه المهدي، ~~فشحن الطريق، حتى ظفر بالعلوي وبالمال، ثم وجه إلى يعقوب فأحضره، فلما رآه ~~قال له: ما حال الرجل؟ قال: قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قال: نعم، قال: ~~والله، قال: والله، قال: فضع يدك على رأسي، فوضع يده على رأسه، وحلف له به، ~~فقال يا غلام، أخرج إلينا من في هذا البيت. ففتح بابه عن العلوي والمال ~~بعينه، ms104 فبقى يعقوب متميزا، وامتنع الكلام عليه، فما درى ما يقول، فقال له ~~المهدي: لقد حل لي دمك، ولو آثرت إراقته لأرقته، ولكن احبسوه في PageV01P175 ### | CHECK [95] # المطبق، فحبسه في مطبق اتخذه له. وأمر بأن يطوى خبره عنه، وعن كل أحد. ~~فأقام فيه من أيام المهدي سنتين وشهورا، وجميع أيام الهادي، وخمس سنين ~~وشهرين من أيام الرشيد. ثم ذكر يحيى بن خالد الرشيد بأمره، وشفع إليه فيه، ~~فأمره بإخراجه، فأخرج وقد ذهب بصره، فأحسن إليه الرشيد، ورد إليه ماله، ~~واختار المقام بمكة، فأذن له في ذلك، فأقام بها حتى مات في سنة سبع وثمانين ومائة. # وليعقوب بن داود شعر صالح، ومنه ما قاله عند مقامه بمكة، أنشده جرير بن ~~أبي داود، قال: أنشدني سعيد ليعقوب: # طلق الدنيا ثلاثا ... واطلب زوجا سواها # إنها زوجة سوء ... لا تبالي من أتاها # وأنشد له أيضا: # قليل الهم، لا ولد يموت ... ولا مال تحاذره يفوت # رضي البال، ليس له عيال ... سليم من رزيت ومن بليت # قضى وطر الصبا، وأفاد علما ... فهمته التفكر والسكوت # وأكثرهم من يمشي عليها ... إذا فتشتهم، خلق وقوت # وحكي أن المهدي قال ليعقوب وقد دخل إليه: يا يعقوب، قال: لبيك يا أمير ~~المؤمنين، تلبية مكروب بغضبك! فقال: ألم أرفع من ذكرك وأنت خامل، وأعل من ~~قدرك وأنت غافل، وألبسك من نعم الله ما لم أجد لك بحمله يدين من الشكر؟ ~~فكيف رأيت الله أظهر عليك، ورد كيدك إليك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان ~~ذلك بعلمك فتصديق معترف ومذنب، وإن كان بما كسبته نمائم الباغين، فعائذ ~~بفضلك، فقال: والله لألبسنك من الموت قميصا لا يخلق الدهر جديده، يا غلام، ~~المطبق. فولى وهو يقول: المودة رحم، والوفاء كرم، وأنت بهما جدير. # قال ميمون بن هارون: أخبرني أبو الحسن عمرو بن خلف الباهلي: أن يعقوب بن ~~داود لما أطلق، سأل عن جماعة من إخوانه وأصحابه، فخبر بوفاتهم، فقال: # لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد # فما إن تزال دار حي قد أخلقت ... وقبر لميت بالفناء ms105 جديد PageV01P176 ### | CHECK [96] # هم جيرة الأحياء: أما محلهم ... فدان، وأما الملتقى فبعيد # وكان المهدي وهب لابن يعقوب بن داود جارية، فدخل عليه في غد اليوم الذي ~~حولت فيه إليه. فقال: كيف الجارية يا فلان؟ فقال: ما وضعت بين الأرض وبيني ~~أوطأ منها، حاشا سامع. فأقبل المهدي على أبيه فقال: تراه أينا يعنى؟ فقال ~~له يعقوب: يا أمير المؤمنين، الأحمق يحفظ من كل شيء إلا من نفسه. # وأمر المهدي بعزل أصحاب يعقوب جميعا من الأعمال، في الشرق والغرب، وأن ~~يحبس جميع أهل بيته وأقاربه، فقال أبو الشيص: # أبلغ إمام الهدى أن لست مصطنعا ... للنائبات كيعقوب بن داود # أمسى يقيك بنفس قد حباك بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود # نصبت للناس يعقوبا فقومهم ... كما الثقاف مقيم كل تأويد # لو تبتغي مثله في الناس كلهم ... طلبت ما ليس في الدنيا بموجود # وقال أبو حنش حصين بن قيس، وكان يصحب يعقوب ويخدمه: # يعقوب لا تبعد وجنبت الردى ... فلأبكين زمانك الرطب الثرى # وأرى رجالا ينهشونك بعد ما ... أغنيتهم من فاقة كل الغنى # لو أن خيرك كان شرا كله ... عند الذين عدوا عليك لما عدا # واستوزر المهدي بعد يعقوب بن داود الفيض بن أبي صالح، واسم أبي صالح ~~شيرويه، وكان سخيا سريا، كثير الإفضال، واسع الحال، وكان متكبرا متجبرا ~~مترفعا، فحكي أنه دخل على الرشيد، فمد يده ليقبلها. فلم ينكب عليها، ورفعها ~~إلى فيه، فقبلها، فقال الرشيد: لولا لؤمه وحمقه لقتلته. وفيه يقول بعض ~~الشعراء: # صيرت ودك إذ ظفرت به ... بيني وبين نوائب الدهر # وذكر يعقوب بن إسحاق الكندي أنه سمع يحيى بن خالد، وذكر الفيض ابن أبي ~~صالح، فقال: كان يعلم الناس الكرم. # وكان يحيى يهضم نفسه إذا استكثر شيء يكون منه من الجود، ويقول: فكيف لو ~~رأيتم الفيض بن أبي صالح! وقال أبو الأسد التميمي، واسمه نباتة من بني ~~حمان، يمدح الفيض بن أبي صالح: PageV01P177 ### | CHECK [97] # ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر # أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ms106 ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر # مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر # كأن وفود الفيض حين تحملوا ... إلى الفيض لافوا عنده ليلة القدر # وحدثنا ولد علي بن الحسين عنه: أن الفيض بن أبي صالح، وأحمد بن الجنيد، ~~وجماعة من الكتاب والعمال، خرجوا من دار الخليفة، منصرفين إلى منازلهم في ~~يوم وحل، فتقدم الفيض، وتلاه أحمد بن الجنيد، فنضح دابة الفيض على ثياب ~~أحمد بن الجنيد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله مسايرة بغيضة. ولا ~~أدري بأي حق وجب لك التقدم علينا، فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء، ووجه إليه ~~عند مصيره إلى منزله بمائة تخت، وفي كل تخت قميص وسراويل ومبطنة وطيلسان ~~وعمامة أو شاشية، وقال لرسوله: قل له: وجب لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا، ~~نوجه به إليك عوضا مما أفسدناه من ثيابك، فإن كان لك مثله فلك التقدم ~~علينا، وإلا فنحن أحق بالتقدم منك. PageV01P178 # وحدثنا ولد علي بن الحسين عنه: أن داود كاتب أم جعفر حبس وكيلا لها، وجب ~~عليه من حساب رفعه، عن ضياع تقلدها من ضياعها، مائتا ألف درهم، فكتب الوكيل ~~إلى عيسى بن داود، وسهل بن الصباح المدائني، وكانا صديقين له، يسألهما ~~مسألة داود في أمره، فركبا إليه، فلقيهما الفيض في طريقهما، فسألهما عن ~~مقصدهما، فخبراه به، فقال: أتحبان أن أساعدكما؟ فقالا: نعم، فصار معهما إلى ~~داود، فكلموه، فكتب إلى أم جعفر بخبرهم، وما قصدوا له، فوقعت في الرقعة: ~~إنه لا سبيل إلى إطلاقه إلا بأداء المال، فأقرأهم داود الرقعة، واعتذر ~~إليهم، فعزم عيسى على القيام، فقال له الفيض بن أبي صالح: كأنا إنما جئنا ~~لنؤكد حبس الرجل! لا والله، ولكنا نؤدي المال عنه، ثم أخذ الدواة وكتب إلى ~~وكيله في حمل المال عن الرجل، كتابا دفعه إلى داود كاتب أم جعفر، وقال له: ~~قد أزحنا علتك في المال، فادفع إلينا صاحبنا، فكتب إلى أم جعفر بالخبر، ~~فوقعت أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه ms107 كتابه، وادفع إليه ~~الرجل، وأمره ألا يعاود إلى ما كان منه، ولم يكن الفيض يعرف الرجل، وإنما ~~ساعد عيسى وسهلا. # ووجدت بخط ميمون بن هارون: أن الفيض بن أبي صالح أولى رجلا عرفا فشكره، ثم PageV01P179 ### | CHECK [98] # كتب إليه الرجل يسأله حاجة، فوقع على رقعته: أنت طالب ملغم، وأنا دافع ~~مغرم، فإن تشكر ما مضى، فستعذر فيما بقى. # وقلد المهدي علي بن يقطين الأزمة على عمر بن بزيع، وتضعضعت حال عمر بن ~~بزيع، وذلك في سنة ثمان وستين ومائة، فصار علي زماما على الأزمة، وأحسب أن ~~من ذكر أن المهدي أول من أحدث الأزمة إنما أراد أزمة على الأزمة. # وكان يقطين من وجوه الدعاة. # وكان أبو الوزير عمر بن مطرف يتقلد للمهدي ديوان الخراج، فاتصل بالمهدي ~~أن أبا الوزير احتجم في يوم الخميس في ديوانه، فأمر أن يجعل يوم الخميس ~~للكتاب يستريحون فيه، وينظرون في أمورهم، ولا يحضرون الدواوين، ويوم الجمعة ~~للصلاة والعبادة، فلم يزل الأمر جاريا على ذلك، إلى أن كتب الفضل بن مروان ~~للمعتصم، فأزال ذلك الرسم، وأخذ الكتاب بالحضور يوم الخميس. # أيام موسى الهادي # وكانت وفاة المهدي والهادي مقيم بجرجان، وهارون مع المهدي في عسكره، ~~فأنفذ هارون نصيرا مولاه على دواب البريد إلى الهادي بالخبر، وأنفذ معه ~~القضيب والبردة والخاتم، وقفل إلى العراق، وقد كان الربيع بأمر البيعة ~~ببغداد، إلى أن ورد موسى الهادي على دواب البريد، ولا يعلم خليفة ركب دواب ~~البريد غيره، فورد معه من كتابه عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى، ومحمد بن ~~جميل، وقلد الربيع وزارته أموره، وما كان عمر بن بزيع يتولاه دواوين ~~الأزمة. # وقلد محمد بن جميل ديوان خراج العراقين، وولى عبيد الله بن زياد ابن أبي ~~ليلى ديوان خراج الشام وما يليها، وولى عمر بن بزيع ديوان الرسائل. وقلد ~~علي بن عيسى بن ماهان ديوان الجند، إلى ماكان يتولاه من حجابته، ثم صرف ~~الربيع عن الوزارة، وقلدها إبراهيم بن ذكوان الحراني الأعور، وأقر الربيع ~~على دواوين الأزمة، فلم يزل عليها ms108 إلى أن توفي في سنة تسع وستين ومئة، ~~وكانت وفاته وسنه ثمان وخمسون سنة، وصلى عليه الرشيد وهو ولى عهد، وقلد ~~موسى ديوان الأزمة إبراهيم بن ذكوان الحراني أيضا. PageV01P180 # وكان إبراهيم خاصا بالمهدي، فلما أنفذ المهدي موسى إلى جرجان، أنفذ معه ~~إبراهيم PageV01P181 ### | CHECK [99] # الحراني، فخص بموسى، ولطف موقعه منه، واتصل بالمهدي عنه أشياء، يزيد فيها ~~عليه أعداؤه ويكثرون، فكتب إلى موسى في حمله إليه، فضن به، ودافع عنه، ~~وتعلل في حمله، فكتب: إن لم تحمله خلعتك من العهد، وأسقطت منزلتك، ونلتك ~~بكل ما تكره. فلم يجد موسى بدا من حمله، فحمله مع بعض خدمه مكرما مرفها، ~~وقال له: إذا دنوت من محل المهدي فقيده، واحمله في محمل بغير وطاء، وأدخله ~~إليه بهذه الصورة، فامتثل الخادم ما أمره به في ذلك. واتفق أن ورد العسكر ~~والمهدي يريد الركوب، وهو إذ ذاك بالرد والدار، فبصر بالموكب، فسأل عنه، ~~فقيل: خادم موسى ومعه إبراهيم الحراني، فقال: وما حاجتنا إلى الصيد، وهل ~~صيد أطيب من صيد إبراهيم؟ علي به، قال إبراهيم فأدنيت منه وهو على ظهر ~~فرسه، فقال: إبراهيم! والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، ثم والله لأقتلنك، ~~امض به يا خادم المضرب إلى أن أنصرف، فصار بي إلى المضرب، وقد يئست من ~~نفسي، ففزعت إلى الله جل وعز والدعاء والصلاة، وانصرف المهدي، فأكل من ~~اللوزينج المسموم، المشهور خبره، فمات من وقته، ويقال من الكمثرى، وتخلصت. # وقلد إبراهيم الحراني إسماعيل بن صبيح ديوان زمام الشام وما يليها، ~~بشفاعة يحيى بن خالد إليه، لأن إسماعيل كان كاتبه، فأحب أن يضعه بموضع ~~يستعلم منه ما يريد، فرفع إلى موسى الخبر أن يحيى شفع إلى إبراهيم الحراني، ~~حتى استكتب إسماعيل، فهو ينقل الأخبار، فيؤديها إلى هارون، وكان إسماعيل بن ~~صبيح يكتب قبل يحيى لأبي عبيد الله، وعرف يحيى بالخبر، فبادر بالمشورة على ~~إسماعيل بالخروج إلى حران، فخرج إليها، واستخلف إبراهيم يحيى بن سليمان على ~~جميع الأزمة، فلما خاطبه موسى بسببه، أعلمه أنه بحران. # وتوفي عبيد الله بن زياد ms109 بن أبي ليلى في سنة تسع وستين ومائة، فقلده عمله ~~محمد بن جميل إلى ما كان يتقلد، وأمر موسى يحيى بن خالد أن يقوم بأمر هارون ~~أخيه، وأقره على كتابته وعلى تدبير الأعمال التي كانت إليه. PageV01P182 # وكان ليقطين بن موسى كاتب من أهل النهروان، يعرف بأزدانقاذار، ويكنى أبا ~~خالد. فحكى الجاحظ في كتاب البيان والتبيي أن لكنة أزدانقاذار كانت لكنة ~~نبطية قبيحة، وأنه أمل على كاتب له: والهاصل ألف كر فكتبها الكاتب بالهاء ~~على لفظه، فأنكر ذلك، فلم يفهم عنه PageV01P183 ### | CHECK [100] # الكاتب، فلما رأى اجتماعهما على الجهل. قال: أنت لا تهسن تكتب، وأنا لا ~~أهسن أملي، فاكتب: الحاصل ألف كر، فكتبها بالجيم معجمة. # وحكي أن الهادي سخط على بعض كتابه، ولم يسم لنا الكاتب، فجعل يقرعه ~~بذنوبه، ويتهدده ويتوعده، فقال له الرجل: يا ير المؤمنين، إن اعتذاري فيما ~~تقر عني به رد عليك، وإقراري بما بلغك يوجب ذنبا علي لم أجنه، ولكني أقول: # فإن كنت ترجو في العقوبة رحمة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر # فصفح عنه، وأحسن إليه. # ثم تنكر موسى لهارون الرشيد، وعمل على خلعه، وتقليد ابنه جعفر ابن موسى، ~~وهو طفل، فعزم هارون على إجابته، فمنعه يحيى بن خالد، فبذل له موسى الهنى ~~والمرى من أعمال الرقة، فقال هارون ليحيى: إذا نزلت على الهنى والمرى وخلوت ~~بابنة عمي، يعني أم جعفر، وكان يجد بها وجدا شديدا، فما أريد شيئا. فقال ~~يحيى: إنها الخلافة، ولعل ما تقدر أنه يبقى لك لا يبقى، ولم يزل به حتى ~~ثبته. فدعا موسى يوما بيحيى، فلما دخل عليه أكرمه، ورفق به، فقال له: أنت ~~الذي يقول فيك القائل: # لو يمس البخيل راحة يحيى ... أسمحت كفه ببذل النوال PageV01P184 ~~فقال له: تلك راحتك يا أمير المؤمنين، وقبل يده ورجليه، فأمر له بإقطاع، ~~ووصله بعشرين ألف دينار، ثم ناظره في خلع هارون، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين، إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان، هانت عليهم أيمانهم، وجرأتهم ~~على حل العقود التي تعقد عليهم، ولو ms110 تركت الأمر في بيعة أخيك بحاله، وبويع ~~لجعفر من بعده، كان ذلك أوكد لبيعته، فقال له: صدقت ونصحت. وأنا أنظر في ~~هذا، ثم صرفه. ثم لم تطب نفسه، فدعا بيحيى فحبسه، فتلطف في أن يدعو به ~~ويخليه، ففعل ذلك، فلما خلا به قال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان ما ~~نعوذ بالله منه قبل بلوغ جعفر، وقد خلعت هارون، هل تتم الخلافة لمن لم يبلغ ~~الحلم؟ قال: لا، قال: فدع هذا الأمر حتى يبلغ جعفر، فإذا بلغنا الله ذلك، ~~فعلى أن آخذ بيد هارون حتى يبايعه عفوا، والله والله يا أمير المؤمنين، ~~فإنك إن فعلت هذا، وحدث ما نعوذ منه، وثب على هذا الأمر أكابر أهلك، وخرج ~~الأمر عن ولد أبيك، ووالله لو لم يعقد المهدي لهارون، لوجب أن تعقد له، ~~ليكون في بني أبيك، فشكر منه هذا القول، وأطلقه. PageV01P185 ### | CHECK [101] # وأصيب إبراهيم الحراني بابن له، فجزع عليه، فعزاه موسى الهادي عنه، فقال ~~له سرك وهو بلية وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة. # ورأى رجل من الموالي في أيام الهادي - ويحيى بن خالد على غاية من الخوف ~~والوجل منه بسبب هارون - ليحيى رؤيا سارة، فشاور أباه في تعريفه إياها، ~~فأشار عليه ألا يفعل، فعصى أباه، وقصد يحيى، فاستأذن عليه، فقص الرؤيا، ~~قال: فلما فرغت من الرؤيا، قال: يا بني، ما أحسن بالرجل أن يلتمس الرزق من ~~أحسن الوجوه! وأقبح به أن يلتمس الرزق بهذا وما أشبهه! قال: فخرجت من عنده ~~وقد سقط وجهي، فأتيت أبي فأعلمته الخبر، فقال لي: بعدا وسحقا! نصحت لك فلم تقبل. PageV01P186 # قال: وأقبلت أنا وأبي نشتمه ونسبه، فلم يمض إلا مديدة يسيرة، حتى أفضى ~~الأمر إلى الرشيد، وبلغ يحيى ما بلغ، قال: فبينا أنا واقف يوما مر بي ~~موكبه، فبصر بي، فوجه فأحضرني، فدخلت إليه وهو على كرسي لم ينزع ثياب ~~ركوبه، فقال لي: أين غبت عنا؟ فقلت له: أصلحك الله، ما لقيت منك ما يدعو ~~إلى إتيانك! فقال: ويحك: إنك أتيتنا ونحن في حال نتخوف الجدران ms111 أن تسئ بنا، ~~والإخوان فيها أن يحتالوا علينا، فلم يكن الرأي إلا ما أجبناك به، وما ~~فارقتنا العناية بك، والإيجاب لحقك، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، وكتب إلى ~~سليمان بن راشد، وكان عامله بأرمينية، فأمر له ببغال خلع، قال: فصرت أنا ~~وأبي وجميع أهلي ندعو له، بدلا مما كنا نشتمه، وقصدت سليمان بن راشد وقد ~~قدم إليه يحيى الخبر، فتلقاني بقائد من قواده في جماعة من الجند، فلما وصلت ~~إليه، وجه إلي ببغال ودواب وتخوت ثياب، ثم غدوت إلى سليمان، فقال: قد كتب ~~إلى أبو علي أعزه الله بحالك عنده، وهاهنا بشرى، وبشرى من أجل أعمالنا، فإن ~~شيءت أن تخرج إليها فاخرج، وإن شئت فهاهنا من يبذل عنها خمس مئة ألف درهم، ~~قال: فقلت تعجل ما يبذل هاهنا أحب إلي، وخرجت من عنده، فلم ألبث أن وجه إلي ~~من وفاني المال، ووهب لي سليمان من ماله خمسين ألف درهم، فقبضت المال، ~~وانصرفت إلى حضرة يحيى، فوجهت إليه ببعض تلك الطرف، فأبى أن يقبلها، وتبسم ~~في وجهي، وقال: إنا لم نوجهك لننتفع بك، وإنما وجهناك لننفعك، وقد وفر الله ~~عليك مالك، وسيتصل معروفنا عندك، فألزمنا. قال: فلزمته، فلم تفرق الأيام ~~بيننا حتى كسبت به عشرين ألف درهم. # وذكر ابن دأب، وكان خاصا بموسى: أنه دخل عليه يوما، وهو على فراش، قال: فجلس PageV01P187 ### | CHECK [102] # وعليه قميص، محلولة أزراره، محمرة عيناه، فعلمت أنه كان أحيا ليلته، ~~فسلمت، فرد السلام، وأمرني بالجلوس، ثم قال: هل تروي في السقي شيئا؟ قلت: ~~نعم يا أمير المؤمنين، كان إخوة من بني كنانة يسبئون الخمر من الشام، ~~وينتجعونها ويجتمعون عليها، فمات أحدهم فدفنوه، فكانوا يجتمعون حول قبره ~~ويشربون، ويصبون على قبره قدحه، فقال واحد منهم: # لا تصرد هامه من شربها ... اسقه الخمر وإن كان قبر # اسق أوصالا وهاما وصدى ... ناشغا يبشغ مثل المنهمر # كان حيا فهوى فيمن هوى ... كل عود ذو فنون ينكسر # فقال: أحسنت، وأمر لي بثلاثين ألف دينار، ووقع إلى إبراهيم بن ذكوان ~~الحراني، فصرت ms112 إلى إبراهيم، فأوصلت إليه التوقيع، فأكثر التعجب، فقلت: ما ~~يعجبك من هذا؟ أتضع أمير المؤمنين أن يصل بمثلها؟ قال: لا. # قلت: أفتضعني عن أن استحق مثلها؟ قال: لا، فهل لك في عشرة آلاف دينار. ~~ولم أنقصك؟ هل غبنته فأنقصك الربح؟ لا، والله ما آخذ إلا ما أمر لي به، ~~وتراجعنا الكلام ببعض الغلظة، فخرقت التوقيع وقلت: والله لا ذكرت ذلك حتى ~~يذكره، فو الله ما ذكره، ولا أحدث شيئا، ومات، فذهب المال مني. # ذكر مخارق عن إبراهيم الموصلي: أنه كان مع الهادي يوما، وهو يتصيد، ~~وانقطع الوتر، فاغتم لذلك، وتطير منه، وضجر، فنزل عمر بن بزيع، وكان إذ ذاك ~~يكتب له، فوقف بين يديه، ثم قبل الأرض، وحمد الله، فقال له موسى: أي موقف ~~حمد هذا؟ فقال: الحمد لله على أن كانت العين بالقوس، ولم تكن بأمير ~~المؤمنين، فسرى عنه، وحسن موقع ما كان من عمر، ووصله. # وكان الهادي يشتهي سماع قصيدة ابن قيس الرقيات التي أولها: # عادله من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب # ويستحسن رويها، ويحب أن يمدح بمثلها، فقال عمر بن بزيع لسلم الخاسر ذلك، ~~وأمره أن يقول في نحوها شيئا يمدحه به، ويصفه فيه، فقال سلم: # يممت موسى الإمام مرتغبا ... أرجو نداه والخير مطلب PageV01P188 ### | CHECK [103] # فرع قريش عزا ومكرمة ... وأعظم الناس حين ينتسب # لولا هداكم وفضل أولكم ... لم تدر ماأصل دينها العرب # فعرضها عمر بن بزيع على الهادي، فاستحسنها، ووصله بثلاث مئة ألف درهم، ~~فقال: إنما وفرت صلته للبيت الأخير. # وكان المهدي وهب للرشيد خاتما نفيسا، له قيمة جليلة، فلما استخلف موسى، ~~وانحرف عن هارون، لامتناعه من خلع نفسه، طلب الخاتم منه، فدفعه عنه، فأحضر ~~يحيى بن خالد، فقال له: إن لم يحضرني الخاتم قتلتك، وكان فظا قاسيا غير ~~مأمون على وفاء بوعد، فصار إلى هارون وهو في قصره بالخلد، فأشار عليه أن ~~يدفع الخاتم إليه، وتلطف له، ورفق به، فأقام على الامتناع، وألح يحيى، ~~وعرفه ما توعده به، فقال له: فأنا أصير به إليه، وركب من ms113 الخلد، يريد عيسا ~~باذ، وموسى مقيم بها، فلما صار إلى الجسر، وتوسط دجلة، رمى الخاتم فيها، ~~وانصرف، فقال: يفعل الآن ما يشاء، فبلغ ذلك موسى، فاغتاظ عليه، وعلم أنه لا ~~ذنب ليحيى، وأنه قد اجتهد وناصح، فلم يطعه هارون، ولم يعرض له. # ولما توفي موسى واستخلف هارون، ركب وفي يده خاتم لا قدر له، فلما صار إلى ~~الموضع الذي رمى بذلك الخاتم فيه، رمى بالخاتم الذي كان معه، ووقف مكانه، ~~وأمر بإحضاره الغاصة، فلم يزالوا يطلبون حتى وجد الخاتم الأول سليما، وكان ~~يتختم به، وتفاءل بوجوده، وكان أحب خواتيمه إليه، وكان أكثر ما يلبس منها هو. PageV01P189 # ثم حرك موسى، واجتمع إليه جماعة من القواد، منهم المعرف بأبي هريرة القائد، ~~واسمه محمد بن فروخ، ومنهم يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك وعلي بن يقطين، ~~فطالبوا بأن يخلع هارون، ويبايع جعفرا ابنه، تقربا إليه، ورغبة فيما يصل ~~إليهم من الإعطاء، وكان يحيى يعلله ويدافعه، واعتل موسى علته التي مات ~~فيها، فدعا يحيى ليلة من الليالي، وقال له: قد أفسدت علي أخي، والله ~~لأقتلنك، فقال إبراهيم بن ذكوان الحراني: يا أمير المؤمنين، ليحيى عندي ~~أياد، أحب أن أكافئه عليها، فأحب أن تهبه لي الليلة، فقال: وما الدرك في ~~هذا، وأنا على قتله، قال: فتهبه لي الليلة وتحييه فيها، وأنت في غد أعلم. ~~فأجابه إلى ذلك وأمر بحبسه. قال: يحيى: فحبست وقد أيقنت بالموت، ويئست من ~~نفسي، فأنا مفكر في ليلتي، ما يجيئني الغمض، حتى سمعت صوت القفل، فقدرت أن ~~الحراني لما انصرف، PageV01P190 ### | CHECK [104] # دعاني موسى ليقتلني، فإذا بخادم يقول لي: السيدة تريدك، فأتيت الخيزران، ~~فقالت لي: إن هذا الرجل قد مات، ونحن نساء، فادخل فأصلح من أمره، فدخلت، ~~فإذا بأمة العزيز تبكي عند رأسه وهو ميت، فغمضته، وانطلقت إلى الخلد أريد ~~الرشيد، فلما وصلت إلى داره وجدته نائما، وتلقاني خادم، فقال: ولدت مراجل ~~غلاما، فأتيت الرشيد، فأنبهته، فسر لي لما رآني، وقال: ما الخبر؟ فقلت له: ~~لتهنئك الخلافة، وغلام من مراجل، وكان ms114 عبد الله المأمون وكانت ليلة مات ~~فيها خليفة، وولي فيها خليفة، وولد خليفة، وذلك في سنة سبعين ومائة. ودعا ~~يحيى بيوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب، فأمره أن يكتب بالخبر إلى الآفاق، ~~ففعل ذلك. # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قال لي الهادي يوما: غنني جنسا من الغناء ~~أطرب له. ولك حكمك. فغناه: # وإني لتعروني لذكراك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر # قال: أحسنت والله، وضرب بيده إلى جيب دراعته، فحطه ذراعا، وقال له: زدني، فغناه: # فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # فضرب بيده إلى جيب دراعته، فحطها ذراعا آخر. وقال: والله زدني. فغناه: # هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر # فقال: أحسنت والله. وحط جميع دراعته، وقال لي حكمك، لله أبوك وأمك. فما ~~تريد؟ فقلت له: أريد عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه، حتى صارتا ~~كأنهما جمرتان، وقال لي: يا بن اللخناء، أردت أن تشهرني بهذا المجلس، فيقول ~~الناس: أطربه فحكمه، فتجعلني سمرا وحديثا، ثم أحضر إبراهيم بن ذكوان، فلما ~~حضر، قال: يا إبراهيم، خذ بيد هذا الجاهل، فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ ~~كل ما فيه فخله وإياه، فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار. # أيام هارون الرشيد PageV01P191 ~~ولما تقلد هارون الخلافة دعا يحيى بن خالد، وكان يخاطبه بالأبوة، وعلى ذلك ~~أجراه في خلافته، فقال له: يا أبة، أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك، ~~وحسن تدبيرك، وقد قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم بما ترى، ~~واستعمل من شيءت، واعزل من PageV01P192 ### | CHECK [105] # رأيت، وافرض من رأيت، وأسقط من رأيت، فإني غير ناظر معك في شيء. فكان ~~يحيى وابناه الفضل وجعفر يجلسون للناس جلوسا عاما في كل يوم، إلى انتصاف ~~النهار، ينظرون في أمور الناس وحوائجهم، لا يحجب أحد، ولا يلقى لهم ستر. ~~وقام يحيى بالأمور، وكان يعرض على الخيزران، ويورد ويصدر عن أمرها، واحتفر ~~القاطول، واستخرج نهرا سماه أبا الحيل، وأنفق عليه عشرين ألف ألف درهم، ~~وقلد ثابت بن ms115 موسى ديوان العراقين وخراج الشام، وأمر بإجراء القمح على أهل ~~الحرمين، وتقدم بحمله من مصر إليهم، وأجرى على المهاجرين والأنصار، وعلى ~~وجوه أهل الأمصار، وعلى أهل الدين والآداب والمروءات، واتخذ كتاتيب ~~لليتامى. وكانت الدواوين كلها إلى يحيى بن خالد مع الوزارة، سوى ديوان ~~الخاتم، فإنه كان إلى أبي العباس الطوسي. وكان يحيى أول من أمر من الوزراء، ~~وكان أول من زاد في الكتب: وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله، وأنشأ في ~~ذلك كتابا، وذكر فيه فضل الأنبياء عليهم السلام. # وكان الرشيد ساخطا على إبراهيم بن ذكوان الحراني، فحبسه وقبض أمواله، ~~فحبسه يحيى في داره، وكفه عنه، وتلطف إلى أن استكتبه لمحمد بن سليمان ابن ~~أبي جعفر، وكان يلي البصرة، فأشخصه. # وأمرت الخيزران أن يقتل من كان تسرع إلى خلع الرشيد، ودعا إلى بيعة جعفر ~~بن الهادي، فقال لها يحيى: أو خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: يرمي بهم في ~~نحور الأعداء، فإن دفعوا عن أنفسهم كان لهم في الدفع عنها شغل، وإن أصابهم ~~العدو كنت قد استرحت منهم، فأذنت له في ذلك، فتخلص القوم جميعا. PageV01P193 # وكانت الكتب التي تنفذ من ديوان الخراج تؤرخ باسم يحيى بن خالد، ولم تكن ~~تنفذ إلا عن الخليفة، وكان أبو العباس الطوسي يتعقد في ختم الكتب، فشكا ~~يحيى إلى الرشيد تأخر الكتب، فأمره أن يكاتب العمال عن نفسه، وأمر كاتبه أن ~~يكتب عنه في المهم، وأن يؤرخ الكتب باسم الكاتب. قال الفضل بن مروان: وأحسب ~~الكاتب كان منصور بن زياد، وقرب يحيى ابن خالد منصور بن زياد هذا واختصه، ~~حتى كان الناس ربما توسلوا به في حوائجهم. # وكان من كتابه يوسف بن سليمان، وأبو صالح يحيى بن عبد الرحمن، ويحيى بن ~~سليمان، PageV01P194 ### | CHECK [106] # ومحمد بن أعين، وعبد الله بن عبدة. # وحكي أن أصحاب الحوائج كانوا يكثرون القعود على دكان، على باب يحيى بن ~~خالد، وكان يحيى إذا رآهم وقف عليهم، ولقيهم ببشر وطلاقة، وأنه خرج يوما ~~مبكرا، فلم ير منهم أحدا، فأنشد متمثلا: ms116 # وليس أخو الحاجات من بات نائما ... ولكن أخوها من يبيت على وجل # وكان يحيى بن خالد يقول: العجب للسلطان كيف يحسن، ولو أساء كل الإساءة ~~لوجد من يزكيه، ويشهد بأنه محسن. # وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل، فقال في ~~كتابه: شكري لك على إخراجي مما أحب الخروج منه، شكر من نال الدخول فيه بك. # وطالب يحيى أبا عبيد الله معاوية بن عبد الله وزير المهدي بالدخول في ~~جملته، ومشاركته في نعمته، وقلده ديوان الرسائل، وديوان الخاتم، وديوان ~~الزمام، فأبى ذلك، وقال: قد كبرت سني، ولا حاجة لي إلى العمل، فتركه وقال: ~~هذا يظن أن الأمور لا تتم إلا به!. # وفي يحيى يقول مروان بن أبي حفصة: # إذا بلغتنا العيس يحيى بن خالد ... أخذنا بحبل اليسر وانقطع العسر # سمت نحوه الأبصار منا ودونه ... مفاوز تغتال النياق بها السفر # فإن نشكر النعمى التي عمنا بها ... فحق علينا ما بقينا له الشكر # وفيه يقول أبو قابوس عمر بن سليمان الحيري: # رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد # ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد # وكان يحيى يقول لولده: لابد لكم من كتاب وعمال وأعوان، فاستعينوا ~~بالأشراف، وإياكم وسفلة الناس، فإن النعمة على الأشراف أبقى وهي بهم أحسن، ~~والمعروف عندهم أشهر، والشكر منهم أكثر. # وكان ليحيى ابن يقال له إبراهيم، وكان جميلا، وكان يقال له لجماله دينار ~~آل برمك، فتوفي وسنه تسع عشرة سنة، ووجد عليه يحيى، واغتم به، فقال أبو ~~المنذر العروضي: # ما أرى حامليه حين أقلوا ... نعشه للثواء أو للقاء PageV01P195 ### | CHECK [107] # فليقل فيك باكياتك ماشين ... صباحا وعند كل مساء # لا يعنفن في المقال ولكن ... مسعدات بذاك غير خفاء # كل حي رهن المنون ولكن ... ليس من مات منهم بسواء # وكان يحيى أحضر مؤدب ابنه هذا، ومن كان ضم إليه من كتابه وأصحابه، فقال ~~لهم: ما حال إبراهيم؟ قالوا قد بلغ من الأدب كذا، ونظر في كذا، وقد ms117 اتخذنا ~~له من الضياع كذا، وبلغت غلته كذا، قال: ما عن هذا سألت، إنما سألت: هل ~~اتخذتم له في أعناق الرجال مننا، وحببتموه إلى الناس؟ قالوا: لا، قال: فبئس ~~العشراء أنتم! وهو إلى هذا أحوج مما فعلتم، وتقدم بحمل خمس مئة ألف درهم، ~~وأمر بتفريقها في الناس. PageV01P196 # حدثني عبد الواحد بن محمد، قال حدثني ميمون بن هارون قال: حدثني إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي، عن أبيه، قال: كتب إلي وكيلي في الضيعة الفلانية، في أمر ~~ضيعة كانت تجاور ضيعتي تباع: قد انقطع أمرها على أربعة آلاف دينار، وقد ~~سألت صاحبها الانتظار علي إلى ورود جواب كتابي، فإن أنت وجهت بالمال، وإلا ~~خرجت الضيعة عن يدك، وورد علي الكتاب في الليلة التي صبحتها نوبتي في بيتي، ~~وكانت نوبة يحيى بن خالد في بيته، إلا أنه كانت عاداتي ألا أبرح في ذلك ~~اليوم من بيتي، وورد علي ما أسهرني، لأن المال لم يكن معي، ولم أكن أقدر ~~على احتياله في ذلك الوقت القريب. فضربت الأرض ظهرا لبطن، فلم أجد غير ~~يحيى، فركبت إليه، واستأذن لي الحاجب، فدخلت وفي يده المسواك، فلما رآني سر ~~وابتهج، وقال: أحسنت والله، أحسنت والله، اليوم نوبتي ونوبتك، فنأخذ في ~~أمرنا، لا يدخل معنا غيرنا. فقلت: يا سيدي، الحمد لله الذي وفقني لمحبتك، ~~ولكني والله بكرت لغير ذاك. قال: وما هو؟ قلت: كتب إلي وكيلي البارحة بكذا ~~وكذا، ولا والله إن أقدر على المال، وبكرت أسألك استسلافه لي من بعض ~~المعاملين، لترده من تحت يدك في رزقي، قال: دعنا الآن من هذا، وهات يا غلام ~~ما حضر. فجئ بالطعام، فأكلنا وأنا كأنني آكل لحمي، ثم رفع وجئ بالشراب، ~~وأنا في فكري، فلما كان وقت العصر وأنا قد يئست، وعلمت أن الحيلة قد قلت، ~~وأني أحتاج أن أحضر في غد الدار، قال لي: إبراهيم، أعندك صبية تغني؟ قلت: ~~لا والله يا سيدي، قال: ولا لبعض الجواري والأهل؟ قلت: لا، ثم ذكرت صبية ~~لبعض أمهات أولادي، ما وضعت يدها على العود، ms118 إلا أنها مطبوعة، ولها حليق، PageV01P197 ### | CHECK [108] # فقلت: صبية ريض، وليست بشيء، ووصفتها له، وحقرتها عنده. قال: لا تبال، هو ~~ذا يبكر إليك من يطليها منك، فإياك وإياك أن تنقصها من مائة ألف دينار. ~~قلت: يا سيدي، إنما قيمتها مئتا دينار. وقال لي: لو أنها تساوي درهما لا ~~تنقصها من مائة ألف دينار، وإياك وإياك أن تنقص من ذلك شيئا، قال: فقلت في ~~نفسي: هذا رجل قد غلب عليه النبيذ، ولم يكن لحاجتي عنده موضع، فهو يسخر ~~مني، فانصرفت مكروبا، وغلب علي السهر إلى وقت الصبح، فهومت قليلا، ثم قمت ~~للصلاة، وقد كنت استظهرت بأن ابتعت الصبية عند منصرفي من مولاتها بمائتي ~~دينار، وقلت للغلام لما صليت: هو ذا أنام، فكل من جاء فاصرفه عني، إلا أن ~~يجيء رجل من قصته كذا، وقد كان يحيى وصفه، فأنبهني له، ويئست من الضيعة، ~~وأخرجتها عن قلبي، فما طلعت الشمس جدا حتى أنبهني الغلام، وقال: قد جاء ~~الرجل، فأذنت له، وطلب الجارية، فأخرجتها، وساومني، فاستمت مئة ألف دينار، ~~فاستكثر ذلك، وأعطاني ثلاثين ألف دينار، وأنا لست أصدق، ثم لم يزل يزيدني ~~حتى بلغ خمسين ألف دينار، فقلت: أحضر المال، فقال: ها هو ذا، فحمله إلي، ~~وتسلم الجارية، فحللت المال، فأخرجت أربعة آلاف دينار، ووجهت بها إلى ~~الوكيل، وتركته على جملته، وقلت: لا بد للرجل من أن يرجع يسترده، ويرد ~~الجارية، ولكن نحصل ثمن الضيعة، ويقع النظر فيه، وركبت إلى دار السلطان، ~~فأقمت إلى الليل، وانصرفت، فسألت عن الرجل، فقيل لي لم يرجع، فحمدت الله، ~~وبكرت إلى يحيى فشكرته، فلما رآني قال: هات حديثك، فحدثته، فقال: إنا لله! ~~أي شيء عملت؟ ذهبت منك خمسون ألف دينار! ثم أسر إلى الغلام، فمضى وجاء ومعه ~~الجارية، فقال: أتعرف هذه؟ فقلت: نعم يا سيدي، هذه التي من الله عز وجل بك ~~علي في أمرها، فقال: خذها، وهو ذا يجيئك من يطلبها، فلا تنقصها من خمسين ~~ألف دينار، فأخذت بيدها، وجاءني من يطلبها، فبعتها منه بثلاثين ألف دينار، ~~وعدت ms119 إلى يحيى، فسألني وخبرته، فلامني أيضا PageV01P198 ~~وشكرته، وقلت استحييت من الله أن آخذ أكثر من هذا، فأخرج الجارية ومعها ~~كسوة وطيب، بألوف دنانير، وقال: قد تبركت لك بها، فاتخذها لنفسك، ففعلت، ~~فهي والله أم طياب ولدي. قال: وقلت: ما قصة هؤلاء مع هذه الجارية؟ قال: ~~ويحك! أما الأول فخليفة صاحب مصر، وهو مقيم على بابي منذ سنة، يسألني مسألة ~~أمير المؤمنين في حاجة بمائة ألف دينار، وأنا لا أسأله، فلما شكوت إلي ما PageV01P199 ### | CHECK [109] # شكوت، قلت له: صبية عند إبراهيم، اشترها لي منه، ولو أبيت عليه إلى مئة ~~ألف دينار لوزنها لك، ولكنك ضيعت، وأما الثاني فخليفة صاحب فارس، وقصته قصة ~~الأول. فدعوت له، وشكرته وانصرفت. # وحكى يحيى بن خاقان قال: كنت يوما عند يحيى بن خالد، وبحضرته ابنه الفضل، ~~إذ دخل قوم مسلمون، ودخل فيهم أحمد بن يزيد المعروف بابن أبي خالد، فسلم ~~وخرج، فقال يحيى لابنه الفضل: لي في أمر هذا الرجل خبر، فإذا فرغنا من ~~شغلنا فأذكرني لأعرفكه، ثم فرغ من عمله، وغسل يده، ودعا بطعامه، فلما أكل ~~صدرا منه، أذكره الفضل ما كان وعده أن يخبره به، فقال له: نعم. كانت العطلة ~~قد بلغت من أبى رحمة الله ومني، وتوالت المحن علينا، وأخفقنا حتى لم نهتد ~~إلى ما ننفقه، فلبست ثيابي لأركب، وأتنسم الأخبار، وأتفرج، فقالت لي أهلي: ~~أراك على نية الركوب، قلت: نعم، قالت: فاعلم أن هؤلاء الصبيان باتوا ~~البارحة بأسوأ حال، وإني ما زلت أعللهم بما لا علالة فيه، وما أصبحت ولهم ~~شيء، ولا لدابتك علف، ولا لك ما تأكله، إذا انصرفت، فينبغي أن يكون ركوبك ~~وطلبك بحسب هذه الحال. PageV01P200 # ففزعت قلبي، وقطعتني عن الحركة، ورميت بطرفي، فلم أر شيئا أمد إليه يدا، ~~ورميت بوهمي، فلم يقع إلا على منديل طبري، كان بعض الداريين أهداه لي، فقلت ~~لأهلي: ما فعل المنديل الطبري، الذي كان أهدى إلينا؟ قالت: ها هو ذا، ~~فأحضرته، فأخذته وخرجت إلى الغلام، وهو مع دابتي، فأمرته بإدخال الدابة، ~~وقلت له: اخرج ms120 إلى الشارع، فبع هذا المنديل، وأقبل بثمنه، فمضى وعاد من ~~ساعته، فقال: خرجت إلى البقال الذي يعاملنا، وعنده رجل يصرف دراهم، فأعطاني ~~اثني عشر درهما صحاحا، ورأى صاحبنا البقال أن أبيعه منه بشرط، وقد حضرت ~~الدراهم، فإن أمضيت البيع، وإلا أخرجت المنديل إلى سوق قنطرة البردان، ~~فاستقصيت فيه وبعته، فأمرته بإمضاء البيع، لحاجتي إلى الغلام، والحال التي ~~عليها الصبيان، وما حدثتني به المرأة، وأمرته أن يشتري علفا للدابة، وما ~~يحتاج إليه الصبيان في ذلك اليوم، وركبت لا أدري أين أقصد، فأنا في الشارع ~~إذا أنا بين يدي أبي هذا، وهو خارج من درب، ومعه موكب ضخم، وهو يكتب يومئذ ~~لأبي عبيد الله كاتب المهدي، فملت إليه، ورميت نفسي عليه، وقلت: قد تناهت ~~العطلة بأخيك وبي إلى مالا نهاية وراءه، وإلى ما أجلك عن ذكره مع ما توجبه ~~لنا، فأنا أقصر قولا ولا أطيله، PageV01P201 ### | CHECK [110] # علي وعلي إن لم تكن قصتي في يومي كيت كيت، وقصصت الخبر، وخبر المنديل، ~~وهو مستمع لذلك، ماض على سيره، حتى بلغ مقصده، وانصرفت عنه، ولم يقل لي ~~حرفا، فانصرفت منكسف البال منكسرا، منكرا على نفسي إسرافي في الشكوى، ~~واطلاعي إياه على ما أطلعته عليه من أمري، فقلت: ما زدت على أن هجوت نفسي، ~~وقللتها في عينه، من غير نفع، ولو صبرت لأتي الله بما هو أهله. PageV01P202 # قال: ووافيت إلى منزلي على حال أنكرتها أهلي، من الفكر، فقالت لي ما حالك؟ ~~وما قصتك؟ فقلت لها: جنيت اليوم جناية كنت عنها غنيا، فقالت لي: وما هي؟ ~~قلت: لقيت يزيد الأحول الكاتب، فقلت له: كيت وكيت، فمضى، فلم يجبني بحرف، ~~فذممت نفسي على خنوعها وبثها حالها إلى من لا ينفعها، قال: فأقبلت علي ~~توبخني وتقول: ما حملك على ما فعلت، وأن أظهرت للرجل من ذلك ما أظهرت! فإن ~~أقل ما في ذلك ألا يأتمنك على شيء، فإن من تناهت به الحال إلى مثل ما ذكرت ~~كان غير مأمون على ما يؤتمن عليه، ويجعل إليه، فنالني من توبيخها وعذلها ms121 ~~أضعاف ما نالني أولا، وأصبحنا في اليوم الثاني، فوجهت أحد ثوبي، فبيعا، ~~وتبلغنا به ذلك اليوم وفي اليوم الثالث، فلما كان في اليوم الرابع، وقد ~~ضاقت نفسي، وغلبني الفكر، وعاتبتني على ذلك أهلي، وقالت لي: أنا خائفة عليك ~~مما أرى الوسواس، فيكون ما نحتاج إليه لعلاجك، أضعاف ما نحتاج إليه ~~لمئونتنا، فسهل عليك، فإن الله الصانع، فركبت في ذلك اليوم لا أدري أين ~~أقصد، إلا أنني أؤم الجسر، ثم أنصرف، لأبلي عذرا في الطلب عند أهلي، فلما ~~صرت إلى قنطرة البردان، لقيني لاق، فقال: قد رأيت في يومنا هذا من يطلبك، ~~ثم لم ألبث أن لقيني من خبرني بمثل ذلك، فقصدت الدار، لأعرف الخبر، فلقيني ~~بالقرب منها رسول، فقال لي: أبو خالد يطلبك، وإياك أردت، فدخلت الدار ~~والرسول معي، فألفينا أبا خالد داخلا، فقال لي حاجبه: أمرنا بإحضارك، وأن ~~ننتظره إلى أن يخرج، فأقمت، وخرج مع الزوال، ومع غلامه كتب كثيرة، فقال له: ~~قد حضر يحيى، فقال: هاته، فقمت ودنوت منه، فقال لي: يا بني أخي، شكوت إلي ~~بالأمس شكوى لم يكن ينفع في جوابها إلا الفعل، إذ كانت الحال قد تأدت إلى ~~ما تأدت إليه، ثم أمر بإحضار أبي جميل وزاهر، تاجرين كانا يبيعان الطعام، ~~فأتى بهما، فقال: قد علمتما أني بايعتكما البارحة بثلاثين ألف كر، على أن ~~ابن أخي هذا شريككما فيها بالسعر. PageV01P203 # ثم التفت إلي فقال: لك من هذه الأكرار PageV01P204 ### | CHECK [111] # عشرة آلاف كر، فإن دفعا إليك ثلاثين ألف دينار ربحك، وآثرت أن تخرج ~~إليهما من حصتك، فعلت، وإن آثرت أن تقيم على هذا الابتياع، فعلت، فتنحينا ~~ناحية، فتناظرنا، فقال لي التاجر: أنت رجل شريف وابن شريف، وليست التجارة ~~من شأنك، ومتى أقمت على هذا الابتياع احتجت إلى كفاة وأعوان، ولكن خذ منا ~~ثلاثين ألف دينار، وخلنا والطعام، فقلت: قد فعلت. فقمنا إلى أبي خالد، ~~فقلت: قالا لي: كذا وكذا، وأجبتهما إلى أخذ المال، فقال: صواب، لو أقمت ~~معها احتجت إلى تعب، ولزمتك مؤن، وكان ذلك أربح ms122 لك، ولكن هذا أروح، فخذ ~~المال، وتبلغ به، وألزمنا، فإنا لا نقصر في كل ما يمكننا في أمرك، فخرجت ~~فأخذت من الرجلين المال، ثلاثين ألف دينار، وما بين ذلك وبين بيع المنديل ~~إلا أربعة أيام، فصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، وقلت له: جعلني الله فداك! ~~تأمر في المال بأمرك. فقال: نعم، أنا أحكم عليك في هذا المال بما حكم به ~~أبو خالد على التاجرين، أي أن لي الثلث، فحملت إليه عشرة آلاف دينار، ~~واشتريت بعشرة آلاف دينار عقدة، ولم أزل أنفق الباقي إلى أن أداني إلى هذه ~~الحال، وإنما حدثتك يا بني هذا، لتعرف للرجل حقه. # فقلت ليحيى بن خاقان: فما كان من يحيى إلى أحمد بن أبي خالد؟ فقال: مازال ~~وولده على غاية البر له والتحريك، حتى نال ما نال من الوزارة، بذلك الأساس ~~الذي أسسوه. # وكانت وفاة أبي خالد يزيد الأحول في سنة ثمان وستين ومائة. # قال إسحاق بن سعد: حدثني أبو حفص عن العتابي قال: # كنت أنا ومنصور بن زياد عند يحيى بن خالد، ويحيى يتحدث، قال: والخدم ~~يعبثون ويترامون بالبطيخ، حتى جاءت بطيخة فأصابت وجهه، فو الله ما تحرك ولا ~~غضب، فقال له منصور: أصلحك الله! لو نهي هؤلاء، وأخيفوا حتى لا يجترئوا على ~~مثل هذا! فقال: اللهم غفرا، نحن نحب أن نؤمن من بعد عنا، فكيف نخيف من كان ~~على بساطنا. # وقلد الرشيد حجابته محمد بن خالد بن برمك في سنة اثنتين وسبعين ومائة. PageV01P205 # وعرض ليحيى بن خالد رجل من أهل الشام، من بني أمية، فترجل له، فرأى شيخا ~~وسيما، له رواء وهيئة، فلما عاد إلى مجلسه دعا به، وسأله عن سببه ونسبه، ~~فأخبره أنه رجل من بني أمية، وأن مسألته التي إليها يقصد وصوله إلى أمير ~~المؤمنين، فقال له يحيى: الصدق أولى بي، وأمير المؤمنين يستثقل هذا النسب، ~~فانظر ما تلتمسه منه، فألقه إلي، فإن تكن PageV01P206 ### | CHECK [112] # مظلمة رددتها، وإن تكن صلة بذلناها، وما بين ذلك من الحوائج فغير معتذر ~~إليك من شيء منها، ms123 فقال الرجل: الذي سألت ما سمعت أيها الوزير، وإني لأعلم ~~أنكم يا آل برمك معادن الخير، فإن سهل أن تذكرني له، فإن أذن فهو ما أردت، ~~وإن رد فقد قضيت أيها الوزير ما عليك، وأوجبت علي شكرك أخرى الليالي ~~الغوابر. فذكره يحيى للرشيد، وخبره بما دار بينهما، فأمره بإيصاله إليه، ~~فلما وقعت عين الأموي عليه في الكلام، فأذن له، فتكلم وأحسن وأبلغ، ثم أنشد: # يا أمين الله إني قائل ... قول ذي رأى ودين وأدب # لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل على كل العرب # عبد شمس كان يتلوها هاشما ... وهما بعد لأم ولأب # فصلوا الأرحام منا إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب # فأحسن الرد عليه ووصله، وأجرى له رزقا في بلده، ورده إليه. PageV01P207 # وحدثنا ولد علي بن الحسين عنه، قال: حدثني علي بن الجنيد قال: كانت بيني ~~وبين يحيى بن خالد مودة وأنس، فكنت أعرض عليه الرقاع في الحوائج، فكثرت ~~رقاع الناس عندي، واتصل شغله، فقصدته يوما، وقلت له: يا سيدي قد كثرت ~~الرقاع، وامتلأ خفي وكمي، فإنما تطولت بالنظر فيها، وإما رددتها. فقال لي: ~~أقم عندي حتى أفعل ما سألت. فأقمت عنده، وجمعت الرقاع في خفي، وأكلنا ~~وغسلنا أيدينا، وقمنا إلى النوم، واستحييت من إذكاره إياها، ويئست من ~~عرضها، لأنني قد علمت أننا نقوم، فنتشاغل بالشرب، فنمت، ودعا هو بالرقاع من ~~خفي، فوقع في جميعها، وردها إليه، ونام وانتبه. فدخلت إليه في مجلس الشرب، ~~وقد أعدت آلته فيه، فلم أستجز ذكر الرقاع له، وشربت وانصرفت بالعشي، فبكر ~~إلى أصحاب الرقاع، لما وقفوا على إقامتي عنده، فاعتذرت إليهم، وضاق صدري ~~بهم، فدعوت بالرقاع لأميزها، وأخففت منها ما ليس بمهم، فوجدت التوقيعات في ~~جميعها، فلم تكن لي همة إلا تفريقها، والركوب إليه لشكره، فلما رأيته قلت: ~~يا سيدي، قد تفضلت وقضيت حاجتي، فلم علقت قلبي، ولم تعرفني حتى يتكامل ~~سروري؟ فقال لي: سبحان الله! أردت مني أن أمن عليك بأن أخبرك ما لم يكن ~~يجوز أن يخفى عنك. # وكان خالد بن برمك ms124 ينزل باب الشماسية، في الموضع المعروف بسويقة خالد، ~~وهي إقطاع PageV01P208 ### | CHECK [113] # من المهدي، وبنى يحيى بن خالد قصرا يعرف بقصر الطين، ثم بنى فيه الفضل بن ~~يحيى وجعفر بن يحيى قصرين، كانا يعرفان بهما. # وكان يحيى بن خالد يميل إلى الفضل، والرشيد يميل إلى جعفر، فكان الرشيد ~~يقول ليحيى كثيرا: أنت للفضل، وأنا لجعفر، وغلب جعفر على الرشيد غلبة ~~شديدة، حتى صار لا يقدم عليه أحدا، وأنس به كل الأنس، وأنزله بالخلد، ~~بالقرب من قصره، وتباعد ما بين الفضل وجعفر، لأن الفضل كان يلتمس من جعفر ~~أن يعطيه بعد اختصاص الرشيد إياه من نفسه، مثل ما كان يعطيه قبل ذلك، فخرجا ~~إلى أن صار أحدهما يسبع الآخر. # وكان جعفر أوصل الأصمعي إلى الرشيد، فقال له الرشيد يوما: أخبرني: من أم ~~فلان؟ لإنسان من العرب. فقال له الأصمعي، على الخبير سقطت يا أمير ~~المؤمنين، فقال الفضل: أسقط الله أنفك وعينيك! أهكذا تخاطب الخلفاء! وإنما ~~أراد بذلك مساءة جعفر، والقصد له. # وقلد يحيى بن خالد الفضل بن الربيع ديوان النفقات في سنة اثنتين وسبعين ~~ومائة. وفي هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن علي بن ~~أبي طالب بالديلم، وقوى أمره، فشق ذلك على الرشيد، وأنهض إليه الفضل بن ~~يحيى في خمسين ألفا، وأنهض معه وجوه القواد، وولاه كور الجبل في سنة ست ~~وسبعين ومائة، وفيه يقول أبو قابوس الحيري: # رأى الله تفضيل ابن يحيى بن خالد ... ففضله والله بالناس أعلم # له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم # فيمطر يوم الجود من كفه الغنى ... ويمطر يوم البؤس من كفه الدم PageV01P209 ~~فجعل الفضل محمد بن منصور بن زياد خليفته بباب الرشيد، ومضى نحو الديلم، ~~وواصل كتبه إلى يحيى بن عبد الله ورسله، بالرفق والاستمالة، والتحذير، ~~والترغيب، والترهيب، وبسط الأمل، إلى أن أجاب يحيى إلى الصلح والخروج على ~~أمان أخذه له بخط الرشيد، أنفذ نسخته إلى الفضل، فكتب بذلك إلى الرشيد، ~~فسره، وحسن موقعه منه، وكتب ms125 الأمان ليحيى، وأشهد على نفسه القضاة، وأنفذه ~~إلى الفضل، وقدم عليه بيحيى بن عبد الله، فقدم به إلى الرشيد معه، فلقيه ~~بكل ما أحب، وأسنى جائزته وأكثره بره وعطاءه، وأنزله منزلا سريا، وأبر ~~الفضل بن يحيى، وشكر فعله. PageV01P210 ### | CHECK [114] # ثم ولى الرشيد جعفرا المغرب كله، من الأنبار إلى إفريقية، في سنة ست ~~وسبعين ومائة، وقلد الفضل المشرق كله، من النهروان إلى أقصى بلاد الترك، ~~فأقام جعفر بحضرة الرشيد، وشخص الفضل إلى عمله في سنة ثمان وسبعين ومائة، ~~وودعه الرشيد والأشراف والوجوه، وساروا معه، فوصل وأعطى وأفضل. # ومدحه مروان بن أبي حفصة يوم سار فقال: # إذا أم طفل راعها جوع طفلها ... غذته بذكر الفضل فاستعصم الطفل # ليحيا بك الإسلام إنك عزه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل # فوصله بمائة ألف درهم، وحمله وكساه، ووهب له جارية يقال لها: طيفور كاسية ~~حالية، فقيل إنه حصل له سبع مئة ألف درهم ما بين ورق وعروض. # وجدت بخط أبي عبد الله محمد بن داود: حدثني غسان بن ذكوان: قال حدثني رجل ~~رأيته عند قبيصة المهلبي في سنة أربعين ومائة، قال: أنشدني إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي لنفسه، في الفضل بن يحيى، وأخبرني أنه قال هذا الشعر، وعمل ~~فيه لحنا، وغناه به، وأنه أمر له بشيء ذهب عني مبلغه: # وقائل قال لي لما رأى زمني ... يبري عظامي بري القدح بالسفن # هل كان بينكما فيما مضى ترة ... فصار يبغيك بالأوتار والإحن # لو كان بيني وبين الفضل معرفة ... فضل ابن يحيى لأعداني على الزمن # هو الفتى الماجد الميمون طائره ... والمشتري الحمد بالغالي من الثمن PageV01P211 ~~ولما صار الفضل إلى خراسان أزال سيرة الجور، وبنى الحياض والمساجد ~~والرباطات، وأحرق دفاتر البقايا، وزاد الجند والقواد، ووصل الزوار والكتاب ~~في سنة تسع وسبعين ومئة بعشرة آلاف ألف درهم، وأمر بهدم البيت المعروف ~~بالنوبهار، فلم يقدر على هدمه لوثاقته، وعظم المئونة عليه، فهدم منه قطعة، ~~وبنى فيها مسجدا، واستخلف عمر ابن جميل على خراسان، وانصرف في آخر هذه ~~السنة إلى العراق، فتلقاه الرشيد ببستان ms126 أبي جعفر لما ورد، وجمع له الناس ~~وأكرمه غاية الإكرام، وأمر الرشيد الشعراء بمدحه، والخطباء بذكر فضله، فكثر ~~المادحون له، فأمر بفضل بن يحيى أحمد بن سيار الجرجاني أن يميز أشعار ~~الشعراء، ويعطيهم على قدر استحقاقاتهم، فمشى داود بن رزين، ومسلم بن ~~الوليد، PageV01P212 ### | CHECK [115] # وأبان اللاحقي، وأشجع السلمي، وجماعة من الشعراء، إليه، فسألوه أن يضع من ~~شعر أبي نواس، ولا يلحقه بنظرائه منهم، وتحملوا عليه بغالب بن السعدي، وكان ~~يتعشقه، فلما عرض أبو نواس شعره على الجرجاني رمى به، وقال: هذا لا يستحق ~~قائله درهمين، فهجاه أبو نواس فقال: # بما أهجوك لا أدري ... لساني فيك لا يجري # إذا فكرت في قدرك ... أشفقت على شعري # واتصل الخبر بالفضل، فوصل أبا نواس وأرضاه، وصرف الجرجاني عن تمييز الشعر. # وكان شخص مع الفضل إبراهيم بن جبريل على شرطه، فوجهه إلى كابل، فافتتحها ~~وأفاد مالا عظيما، ثم ولاه سجستان، فوصل إليه سبعة آلاف ألف درهم، وحصل في ~~يده من خراجها أربعة آلاف ألف درهم، وانصرف إلى العراق، فلحق به إبراهيم بن ~~جبريل، وبنى داره في البغيين، وسأل الفضل أن يزوره ليزيد نعمته عليه، وأعد ~~له من كل صنف، وأحضر الأربعة آلاف ألف الدرهم، فلما حضر الفضل وتغذى، عرض ~~عليه ما أعد له، وذكر له حال المال، فأبى أن يقبل منه شيئا، وقال له، لم ~~آتك لأسلبك، فقال: أيها الأمير، نعمتك علي ظاهرة متظاهرة، فقال له: ولك ~~عندي مزيد، ولم يزل يسأله أن يكرمه بقبول شيء منه، فقبل سوطا سجزيا، وقال ~~هذا يصلح للفرسان، فذكر له أمر المال، فقال: أما لك بيت يسعه! ووهبه له. # وكان أبو الهول الحميري هجا الفضل بن يحيى، ثم أتاه فيما بعد راغبا، فقال ~~له الفضل: ويلك! بأي وجه تلقاني؟ فقال له: بالوجه الذي ألقى به الله عز وجل ~~وذنوبي إليه أكثر وأعظم، فضحك ووصله. # وكان محمد بن الرشيد في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، وكان يكتب لمحمد على ~~الزمام محمد بن يحيى بن خالد، ثم صرف الرشيد جعفر ms127 بن محمد بن الأشعث، وجعل ~~محمدا في حجر الفضل بن يحيى، وأسكنه معه في قصره المعروف بالخلد، وضم إليه ~~أعماله ودواوينه، وشخص إلى الرقة. وأنفذ الفضل مع الرشيد محمد بن منصور بن ~~زياد يخلفه بحضرة الرشيد. # وذكر محمد بن الحسن بن مصعب: أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان فرق فيهم PageV01P213 ### | CHECK [116] # - قد ذكرناها - وأخذ البيعة لمحمد بالعهد بعد الرشيد وسماه الأمين، فبايع ~~الناس له. # وفسدت نية جعفر بن محمد بن الأشعث ليحيى بن خالد، وأضب عداوته، مع عظيم ~~إحسانه إليه. # وكان يحيى بن خالد يقول أبدا: ما أريد الدنيا إلا لثلاثة: جعفر بن محمد ~~ابن الأشعث، وعلي بن عيسى بن يزدانيروذ، ومنصور بن زياد، وكلهم انقلب عليه، ~~وأساء به، فلقي يحيى وأسبابه منهم ما يكرهون. # ولوزير العروضي شعر يهجو به محمد بن الأشعث مكلم الذئب الخزاعي، وهو: # تهتم علينا بأن الذئب كلمكم ... فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا # فكيف لو كلم الليث الهصور إذا ... تركتم الناس مأكولا ومشروبا # هذا السويدي ما يسوى إتاوته ... يكلم الفيل تصعيدا وتصويبا # ويروي: هذا السبيدي ما تخشى معرته فضربه محمد بن الأشعث ثلاث مئة سوط. # وكان لجعفر بن محمد بن الأشعث ابن يقال له العباس، شاعر كاتب ظريف. # وكان الحسن بن البحباح البلخي، كاتب الفضل بن يحيى، ويكنى أبا علي، شاعرا ~~أديبا، وكان أخوه الفضل بن البحباح الحاجب، وكان الحسن قد خدم المهدي ~~وموسى، وتقلد في أيام مصر، وخدم بعده الرشيد، وفارق عند توسط أيام البرامكة ~~السلطان، وتخلى من الدنيا وجاور بمكة، فكتب إليه أبو يعقوب الخريمي قصيدته ~~الطويلة، التي يقول فيها: # ألا بكرت لبني عليه تعاتبه ... تحدثه طورا وطورا تلاعبه # وأكب على سماع الحديث، وكان لازم سفيان بن عيينة، ولزم معه حاتم، وحسين ~~بن ثابت، وخاقان، وأكثروا السماع منه، حتى لم يكن فيه للعامة فضل عنهم، ~~فقال محمد بن مناذر، وأسمع سفيان: # بعمرو وبالزهري والزمر الألى ... بهم ثبتت رجلاك عند المقاوم # جعلت طوال الدهر يوما لثابت ... ويوما لخاقان، ويوما لحاتم # وللحسن البحباح يوما، ms128 وبعده ... خصصت حسينا دون أهل المواسم # نظرت وطال الفكر فيك فلم تكن ... تدير الرحا إلا لأخذ الدراهم # فعدل سفيان عنهم إلى العامة. PageV01P214 ### | CHECK [117] # وكان الفضل لا يشرب النبيذ ويقول: لو علمت أن الماء ينقص مروءتي ما شربته أبدا. # وركب الفضل يوما من منزله بالخلد، يريد منزله بالشماسية، فتلقاه فتى من ~~الأبناء مملك، ومعه جماعة من الناس ركبان، قد تحملوا لإملاكه، فلما رآه نزل ~~فقبل يده، ولم يكن يعرفه، فسأله عن نسبه فعرفه، فسأل عن مبلغ الصداق، فعرف ~~أنه أربعة آلاف درهم، فقال الفضل لقهرمانه: أعطه أربعة آلاف درهم لزوجته، ~~وأربعة آلاف درهم ثمن منزل يسكنه، وأربعة آلاف درهم للنفقة على وليمته، ~~وأربعة آلاف درهم يستعين بها على العقد الذي عقده على نفسه. # ومدح بعض الشعراء الفضل، فقال: # ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء # فاستجيد البيت واستحسن، وعيب بأنه بيت مفرد، فقال أبو العذافر ورد بن سعد العمي: # علم المفحمين أن ينطقوا الأشعار ... منا والباخلين السخاء PageV01P215 ~~وكان ركب محمد بن إبراهيم الإمام دين، فركب إلى الفضل ابن يحيى، ومعه حق ~~فيه جوهر، فقال له: قصرت بنا غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا، وتزايدت ~~مئونتنا، ولزمنا دين احتجنا لأدائه إلى ألف ألف درهم، فكرهت بذل وجهي ~~للتجار، وإذالة عرضي بينهم، ولك من يعطيك منهم، ومعي رهن ثقة بذلك، فإن ~~رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه، وحمل المال إلينا، فدعا الفضل بالحق، فرأى ما ~~فيه، وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم، ثم قال له: نجح الحاجة أن تقيم في منزلك ~~عندنا اليوم، فقال له: إن في المقام علي مشقة، فقال: ما يشق عليك من ذلك؟ ~~إن رأيت أن تلبس شيئا من ثيابنا دعوت به، وإلا أمرت بإحضار ثياب من منزلك، ~~فأقام ونهض الفضل، فدعا بوكيله، وأمره أن يحمل المال ويسلمه إلى خادم محمد ~~بن إبراهيم، وتسليم الحق الذي فيه الجوهر بخاتمه، وأخذ خطه بذلك، ففعل ~~الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب، وليس عنده شيء من الخبر. ثم أنصرف ~~إلى منزله فرأى ms129 المال، وأحضره الخادم الحق، فغدا على الفضل ليشكره، فوجده ~~قد سبقه بالركوب إلى دار الرشيد، فوقف منتظرا له، فقيل: قد خرج من الباب ~~الآخر، فاتبعه فوجده قد دخل إليه، فوقف ينتظره، فقيل له: قد خرج من الباب ~~الآخر قاصدا منزله، فانصرف عنه، فلما وصل منزله وجه الفضل إليه ألف ألف ~~درهم أخر، فغدا عليه فشكره وأطال، فأعلمه أنه بات PageV01P216 ### | CHECK [118] # ليلته، وقد طالت عليه غما بما شكاه، إلى أن لقي الرشيد فأعلمه حاله، فأمر ~~بالتقدير له، ولم يزل يماسكه إلى أن تقرر الأمر معه على ألف ألف درهم، وأنه ~~ذكر أنه لم يصلك بمثلها قط، ولا زادك على عشرين ألف دينار، فشكرته وسألته ~~أن يصك بها صكا بخطه، ويجعلني الرسول، فقال له محمد: صدق أمير المؤمنين، ~~إنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار، وهذا فإنما تهيأ بك، ولك، وعلى ~~يديك، وما أقدر على شيء أقضى به حقك، ولا على شكر أجازي به معروفك، غير أنه ~~علي وعلي ، وحلف أيمانا مؤكدة، إن وقفت على باب أحد سواك، ولا سألته حاجة ~~أبدا، ولو سففت التراب. فكان لا يركب إلى غير الفضل، إلى أن حدث من أمرهم ~~ما حدث، فكان لا يركب إلى غير دار الخليفة، ويعود إلى منزله، فعوتب بعد ~~تقضي أيامهم في ترك إتيان الفضل بن الربيع، فقال: والله لو عمرت ألف عام، ~~ثم مصصت الثماد، ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيى، ولا سألته حاجة حتى ~~ألقى الله جل وعز، فلم يزل على ذلك حتى مات. # قال عبد الله بن ياسين، حدثني أبي، قال: كنا عند الفضل بن يحيى، فخضنا في ~~الشعر، فإذا هو من أروى الناس له، وأجودهم طبعا فيه، فقلت له: أصلحك الله! ~~لو قلت شيئا من الشعر، فإنه يزيد في الذكر، وينبه، فقال: هيهات! شيطان ~~الشعر أخبث من أن أسلطه على عقلي. PageV01P217 # وكان الفضل شديد الكبر، فعوتب على ذلك، فقال: هيهات! هذا شيء حملت عليه ~~نفسي، لما رأيته من عمارة بن حمزة، فإن أبى ms130 كان تضمن فارس من المهدي، فحل ~~عليه ألفا ألف درهم، فأخرج ذلك كاتب الديوان، فأمر المهدي أبا عون عبد الله ~~بن يزيد بمطالبته، فقال له: إن أدى يحيى المال قبل أن تغرب الشمس من يومنا ~~هذا، وإلا فأتني برأسه، وكان متغضبا عليه، وكانت حيلتنا لا تبلغ عشر المال، ~~فقال: يا بني، إن كانت لنا حيلة، فمن قبل عمارة بن حمزة، وإلا فأنا ميت، ~~فامض إليه. فمضيت إليه، فلم يعرني الطرف، ثم تقدم من ساعته بحمل المال ~~إلينا، فحمل، فلما مضى له شهران جمعنا المال! فقال لي أبي: امض إلى الشريف ~~الحر الكريم، فصرت به إليه، فلما عرفته خبر المال غضب وقال: أكنت قسطارا ~~لأبيك، فقلت: لا، ولكنك أحييته ومننت عليه، وهذا المال قد استغنى عنه، ~~فقال: هو لك، فعدت إلى أبي، فقال: لا، والله، ما تطيب نفسي لك به، ولكن لك ~~منه مائتا ألف درهم، PageV01P218 ### | CHECK [119] # فتشبهت به، حتى صار خلقا لا تهيأ لي مفارقته. # قال الواقدي: دخل الفضل بن يحيى بن خالد على أبيه يتبختر في مشيته، وأنا ~~عنده، فكره ذلك منه، فقال لي يحيى: يا أبا عبد الله، أتدري ما بقى الحكيم ~~في طرسه؟ قلت: لا، قال: بقى الحكيم في طرسه أن البخل والجهل مع التواضع ~~أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها حسنة غطت على عيبين ~~عظيمين! ويا لها سيئة غطت على حسنتين كبيرتين! ثم أومأ إليه بالجلوس. # قال أبو النجم القائد أحد الدعاة: قلت لإبراهيم الموصلي: صف لي ولد يحيى ~~بن خالد، فقال لي: أما الفضل فيرضيك بفعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما ~~محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد. # وكان يكتب ليحيى بن خالد عبد الله بن سوار بن ميمون، قال: فدعاني يحيى ~~يوما، فقال لي: اجلس فاكتب، فقلت ليس معي دواة، فقال لي: أرأيت صاحب صناعة ~~تفارقه آلته! وأغلظ لي في حرف أراد به حضي على الأدب، ثم دعا بدواة، فكتبت ~~بين يديه كتابا إلى الفضل، في شيء ms131 من أموره، فظن أني متثاقل عن الكتاب بسبب ~~تلك المخاطبة، فأراد إزالة ذلك، فقال لي: أعليك دين؟ قلت: نعم، قال: كم؟ ~~قلت: ثلاث مئة ألف درهم، فأخذ الكتاب فوقع فيه بخطه: # وكلكم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه # إن عبد الله يذكر أن عليه دينا يخرجه منه ثلاث مائة ألف درهم، فقبل أن ~~تضع كتابي من يدك، فأقسمت عليك لما حملت ذلك إلى منزله من أحضر مال قبلك، ~~إن شاء الله. قال: فحملها الفضل إلي وما أعرف لها سببا غير تلك الكلمة. # وهذا الشعر لبشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، كتبه إلى عمه، وأوله: # جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه # وكلكم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه # فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تنوب، فإن الدهر جم نوائبه # أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه PageV01P219 ~~ومما يشبه خير عبد الله بن سوار هذا، ما حدثني عبد الواحد بن محمد الحصيني قال: PageV01P220 ### | CHECK [120] # حدثني عبد الله بن محمد بن أحمد بن المدبر، قال: سمعت جدي أحمد بن المدبر يقول: # كنت أتقلد مجلس الأسكدار في ديوان الخراج، وكانت نفسي تنازعني على أشياء ~~لم تكن تنالها، وكنت أرفع نفسي عن التعرض لكسب الحسيس، فلما خرج المأمون ~~إلى بلاد الروم، سألني جعفر الخياط الخروج معه، لأكتب بين يديه، ففعلت على ~~كره من أبي لذلك، وجهد ألا أخرج فلم أطعه، فدفع إلى بعض إخوانه الذين يثق ~~بهم، من حيث لا أعلم، خمسة آلاف درهم، وقال له: تكون هذه الدراهم معك من ~~حيث لا يعلم بها أحد، فإن اختلت حاله، أو رأيت به خصاصة، عرضت عليه القرض، ~~وأسلفته حسب ما تراه صوابا، على حسب ما تشاهد من حاله، قال: فكنت يوما بين ~~يدي جعفر أعمل، حتى دخلت عريب الكبيرة إليه، وكنت قد اكتملت، فنظرت إلي، ~~فأطالت النظر، وكنت غلاما، فقالت لجعفر: من أين لك هذا الطير المراري؟ ~~فاستحييت ms132 وخجلت ونهضت، وخرجت عريب، فدعاني جعفر، فقال: لعل ما كلمتك به هذه ~~العيارة قد غمك. وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وما كنت رأيتها مجتمعة قط في ~~ملكي، فخرجت وما أعقل فرحا، فاستبدلت بدابتي، واشتريت بغلا يركبه غلامي ~~خلفي، فلما كان بعد أيام لقيني ذلك الصديق، الذي كان أودعه أبي الدراهم، ~~فسألني عن خبري ورأى أثر حسن حال، فشرحت له أمري، فخبرني بخبر المال الذي ~~دفعه إليه أبي، وقال: ما لمكانه الآن عندي وجه، فوجه به إلي، فرأيت حين ~~جاءني أني في ذلك العسكر أجل من المأمون، وكان ذلك أول مال اعتقدته، ثم ~~أتانا الله بما نحن فيه، ولم يكن لذلك سبب غير كلمة عريب. # وكان يحيى بن خالد يقول: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ~~ثلاث استخفاف بالمودة. # وكان يحيى يقول: الناس يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، ~~ويتحدثون بأحسن ما يحفظون. # وكان يحيى يقول: رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله، وأصدق شاهدا ~~على عيبه لك، ومعتقده فيك، من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة. PageV01P221 # وكان يقول: الكريم إذا تقرأ تواضع، واللئيم إذا تقرأ تكبر، والخسيس إذا ~~أيسر تجبر. # وكان يقول: مطلك الغريم، أحسن من مطلك الكريم، لأن الغريم لا يسلف إلا من فضل، PageV01P222 ### | CHECK [121] # والكريم لا يطلب إلا من جهد. # وقيل ليحيى بن خالد: ألا تؤدب غلمانك؟ قال: هم أمناؤنا على أنفسنا، فإذا ~~أخفناهم فكيف نأمنهم؟ # وكان يقول: البلاغة أن تكلم كل قوم بما يفهمون. # وكان يقول لكتابه: إن استطعتم أن تكون كتبكم كالتوقيعات اختصارا، ~~فافعلوا. # وكان يقول: لست ترى أحدا تكبر في إمارة إلا وقد دل على أن الذي نال فوق ~~قدره، ولست ترى أحدا تواضع في إمارة وهو في نفسه أكبر مما نال في سلطانه. # وكان يحيى يقول: لا أرحام بين الملوك وبين أحد. # وكان يقول: لو كلف الله العباد الجزع دون الصبر، كان قد كلفهم أشد ~~المعنيين على القلوب. فجعل بعض الشعراء هذا في شعر، فقال: # فلو جعل الإله الحزن فرضا ... كما ms133 افترض التصبر في الخطوب # لكان الحزن فيها غير شك ... أشد المعنيين على القلوب # وهذا خلاف قول القائل، من إنشاد الزبير بن بكار: # فقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذا لغليلى # قال أبو القاسم بن المعتمر الزهري: كنت أسير مع يحيى بن خالد وهو بين ~~ابنيه الفضل وجعفر، فإذا أبو الينبغي العباس بن طرخان واقف على الطريق، ~~فناداني: يا زهري، يا زهري، فاستشرفت له، فقال: # صحبت البرامك عشرا ولا ... وبيتي كراء وخبزي شرا # قال: فسمعه يحيى، فالتفت إلي الفضل وجعفر، فقال: أف لهذا العقل، أبو ~~الينبغي ممن يحاسب. فلما كان من الغد جاءني أبو الينبغي، فقلت له: ويحك! ما ~~هذا الذي عرضت له نفسك بالأمس؟ فقال: اسكت. ما هو إلا أن انصرفت إلى منزلي، ~~حتى جاءتني من قبل الفضل بدرة، ومن قبل جعفر بدرة، ووهب لي كل واحد منهما ~~دارا، وأجرى لي من مطبخه ما يكفيني. # وكان يحيى بن خالد يقول: الدالة تفسد الحرمة القديمة، وتضر بالمحبة ~~المتأكدة. وكان يقول: أنا مخير في الإحسان إلى من أحسن، ومرتهن بالإحسان ~~إلى من أحسنت إليه، لأني PageV01P223 ### | CHECK [122] # إذا لم أستتم إحسانا فقد أهدرته. وكان يقول: ما وقع غبار موكبي على لحية ~~رجل قط، إلا أوجبت له على نفسي حفظه، وألزمتها حقه. # وكان ليحيى قبل الوزارة حاجب، يقال له سماعة، فلما تقلد الوزارة رأى بعض ~~إخوانه أن سماعة يقل عن حجابته، فقال له: لو اتخذت حاجبا غيره، فقال: كلا! ~~هذا يعرف إخواني القدماء. # وقع يحيى إلى رجل ظن به تغيرا عليه: ينبغي أن تكون على يقين أني بك ضنين: ~~أريدك ما أردتني، إن نبوت عني ما كان ذلك بي وبك جميلا، فإن وقعت المقادير ~~بخلاف ذلك، لم أعد ما يجب، والذي هاجني على الكتاب إليك أن أبا نوح معروف ~~بن راشد سألني أن أبوح لك بما عندي، والله يعلم أني ما تبدلت، ولا حلت عن ~~عهد، جمعنا الله وإياك على طاعته، ومحبة خليفته، بجوده وقدرته. # وقال يحيى لجعفر ابنه: يا بني ms134 انتق من كل علم شيئا، فغنه من جهل شيئا ~~عاداه، وأنا أكره أن تكون عدوا لشيء من الأدب. # وكان يحيى أنكر على إبراهيم بن شبابة الشاعر شيئا، فكتب إليه رسالة طويلة ~~مشهورة وكتب في آخرها: # أسرعت بي إليك مني خطيئاتي ... فجاءت بمذنب ذي رجاء # راهب راغب إليك يرجى ... منك عفوا عنه وفضل عطاء # ولعمري ما من أصر ومن تاب ... مقرا بذنبه بسواء # فعفا عن جرمه ورضي عنه. # وكان يحيى إذا رأى من الرشيد شيئا ينكره لم يستقبله بالإنكار، وضرب له ~~أمثالا، وحكي له عن الملوك والخلفاء ما يوجب مفاقة ما أنكره، ويقول: في ~~النهي إغراء، وهو من الخلفاء أحرى، فإنك وإن لم تقصد إغراءه، إذا نهيته ~~أغريته. # قال عبد الصمد بن علي: ما رأيت أكرم من يحيى نفسا، ولا أحلم منه، جعل على ~~نفسه أن لا يكافئ أحدا بسوء، فوفى، فقال أبو الحجناء نصيب الأصغر: # عند الملوك مضرة ومنافع ... ورأى البرامك لا تضر وتنفع # إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النبات بها، وطاب المزرع PageV01P224 ### | CHECK [123] # وإذا جهلت من امرئ أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع # وأخذ أبو الحجناء نصيب بيته الآخر من سلم الخاسر، حيث يقول: # لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد عن الخبر # قال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا ~~بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة. # ودخل محمد بن زيدان على الفضل بن يحيى، فقال له: من الذي يقول: # سأرسل بيتا قد وسمت جبينه ... يقطع أعناق البيوت الشوارد # أقام الندى والجود في كل منزل ... أقام به الفضل بن يحيى بن خالد؟ # فقال له: سلم الخاسر، فقال: لا تسمه خاسرا، وسمه سلما الرابح، وأمر له ~~بألف دينار. # ثم غلب سلم على الفضل بن يحيى، وكثرت فيه مدائحه، وعظم إحسان الفضل إليه، ~~حتى قال فيه أبو العتاهية: # إنما الفضل لسلم وحده ... ليس فيه لسوى سلم درك # وكان الرشيد يسمي جعفرا أخي، ويدخله معه في ثوبه، وقلده بريد الآفاق ودور ~~الضرب والطرز في ms135 جميع الكور. # وكان جعفر بليغا كاتبا، وكان إذا وقع نسخت توقيعاته، وتدورست بلاغاته. ~~فحكى علي بن عيسى بن يزدانيروذ أنه جلس للمظالم، فوقع في ألف قصة ونيف، ثم ~~أخرجت فعرضت على العمال والقضاة والكتاب وكتاب الدواوين، فما وجد فيها شيء ~~مكرر، ولا شيء يخالف الحق. # قال ثمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدو والتمهل ~~والجزالة والحلاوة، وإفهاما يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق ~~يستغني بمنطقته عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن ~~الإعادة. وفيه تقول عنان جارية الناطفي: # بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على الناس الأمور # وصدر فيه للهم اتساع ... إذا ضاقت من الهم الصدور # وأحزم ما يكون الدهر رأيا ... إذا عجز المشاور والمشير PageV01P225 ### | CHECK [124] # ودفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل، ورجاء فسيح، فوقع ~~على ظهرها: # هذا يمت بحرمة الأمل، وهي أقرب الوسائل، وأثبت الوصائل، فليعجل له من ~~ثمرة ذلك عشرون ألف درهم، وليمتحن ببعض الكفاية، فإن وجدت عنده فقد ضم إلى ~~حقه حقا، وإلى حرمته حرمة، وإن قصر عن ذلك فعلينا معوله، وإلينا موئله، وفي ~~مالنا سعة له. ورفع رجل إلى جعفر قصة يسأله الاستعانة به، وكان يعرفه ~~ويخبره، فوقع: # قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر # وكان جعفر بن يحيى يقول: الخط سمط الحكمة، به تفصل شذورها، وينظم ~~منثورهما. ووقع على كتاب لعلي بن عيسى بن ماهان، وقد كتب إليه رقعة معتذرا ~~من أشياء بلغته عنه: # كأنا وقد كنا صديقا مصافيا ... تباعد بينانا فدام إلى الحشر # ووقع على كتاب آخر لعلي بن عيسى: حبب إلينا الوفاء الذي أبغضته، وبغض ~~الغدر الذي أحببته، فما جزاء الأيام أن تحسن ظنك بها، وقد رأيت غدراتها ~~ووقعاتها عيانا وإخبارا، والسلام. ووقع على رقعة لمحبوس: العدوان أوبقه، ~~والتوبة تطلقه. # وكان الأصمعي يألف جعفر بن يحيى ويخص به، وله فيه مديح كثير، وحكايات ~~توصف، وتقريظ وتفضيل، فمن شعره فيه: # إذا قيل: من للندى والعلى ... من الناس؟ قيل: الفتى جعفر ms136 # وما إن مدحت فتى قبله ... ولكن بنو برمك جوهر # وقال يوما جعفر لخادم له: أحمل معنا ألف دينار، فإني أريد أن أمر ~~بالأصمعي، فإذا حدثني وأضحكني، فضع الكيس في حجره، ثم صار إليه ومعه أنس بن ~~أبي شيخ، فحدثه الأصمعي بكل شيء، فلم يضحك، وانصرف، فقال له أنس: إنه قد ~~أضحكك بجهده، فلم تضحك، وليس عادتك رد شيء قد أمرت بإخراجه من بيت مالك. ~~فقال له جعفر: ويلك! قد وصلنا هذا بخمس مئة ألف درهم، ولم أدخل له بيتا قبل ~~هذه الدفعة، ورأيت حبه مكسورا، وعليه برنكان منجرد، وتحته مصلى وسخ، وكل ما ~~عنده رث، وأنا أرى أن لسان النعمة أنطق من لسانه، وأن ظهور الصنيعة أمدح ~~وأهجى من مديحه وهجائه، فعلام أعطيه PageV01P226 ### | CHECK [125] # الأموال، إذا لم تظهر الصنيعة عنده، ولم تنطق النعمة بالشكر عنه؟ ثم أنشد ~~بيت نصيب: # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وكان الأصمعي هجا البرامكة فيما بعد، وكفر نعمتهم، فقال عند نكبتهم: # إذا ذكر الشرك في مجلس ... أضاءت وجوه بني برمك # ولو تليت بينهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك # وكان الرشيد قد أحب الغزو، وكان من رسمه أن يحج سنة ويغزو سنة، وكان يلبس ~~دراعة قد كتب من خلفها حاج، ومن قدامها غاز، فطلب نقفور الهدنة على أن يؤدي ~~إليه عن كل حالم ممن عنده من الروم دينارا، سواه وسوى ابنه، فأبى الرشيد ~~ذلك، ثم تراضيا على الصلح، وأشار عليه يحيى بن خالد بقبوله إياه فصالحه ~~وهادنه، فانصرف عنه، ولما صار بالرقة نكث نقفور وغدر، فكره يحيى بن خالد أن ~~يعرف الرشيد ذلك فيغتم له، ويرجع باللوم عليه، لما كان من مشورته عليه ~~بمصالحته، فأمر عبد الله بن محمد الشاعر، المعروف بالمكي، أن يقول في ذلك ~~شعرا، وينشده الرشيد، فقال: # نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير # فقال الرشيد ليحيى: قد علمت أنك احتلت في إسماعي هذا الخبر على لسان ~~المكي، ونهض ms137 نحو الروم، فافتتح هرقلة. # وأحب الرشيد تقليد جعفر الخاتم، وكان إلى الفضل، فقال ليحيى بن سليمان: ~~أريد أن أوقع بهذا توقيعا لا يجري مجرى العزل للفضل، فكتب عنه إلى يحيى بن ~~خالد: إن أمير المؤمنين رأى أن ينقل خاتم الخلافة من يمينك إلى شمالك. # ورد الرشيد إلى هرثمة بن أعين الحرس، وكان إلى جعفر، فقال له جعفر: ما ~~انتقلت عني نعمة صارت إليك. PageV01P227 # وأمر الرشيد جعفرا أن يتخذ خيلا يجريها في الحلبة، فأجرى جعفر يوما خيله ~~بالرقة، فسبقت خيل الرشيد، فغضب الرشيد، فقال العباس ابن محمد الهاشمي ~~لجعفر: يا أبا الفضل، ما أحسن الشكر، وادعاه للمزيد! من أين لك هذا الفرس ~~السابق؟ فقال له: أمه من خيلك. فقال: والله لأرضينك، ثم أقبل على الرشيد، ~~فقال: كنت، يا أمير المؤمنين، مع أمير PageV01P228 ### | CHECK [126] # المؤمنين أبي العباس، ونحن في المدائن، وقد أرسلت الخيل فبينا نحن ننظر ~~طلع فرس سابق، قد حصل في الغبار، فما ترى علامته، فقال عيسى بن علي: لي، ~~وقال غيره: لي، ثم طلع آخر على تلك الصفة، ثم طلع ثالث على تلك الصفة، ~~فنظروا فإذا هي لخالد بن برمك، وقد أخذ قصبات السبق، فقال خالد: يا أمير ~~المؤمنين، من يقبضها؟ فقال: هي لنا عندك، فإنك عدة من عددنا، فسرى عن ~~الرشيد، وزال الغضب عنه. # وهاجت بالشام عصبية في سنة ثمانين ومائة، فقال الرشيد لجعفر: إما أن تخرج ~~أنت إليها، وإما أن أخرج أنا. قال: فشخص جعفر من الرقة، يريد الشام، يشيعه ~~الرشيد، وخرج معه جميع من بحضرته من الوجوه والأشراف، وفيهم عبد الملك بن ~~بن صالح، فلما ودعه قال له جعفر: اذكر حاجتك، فقال له: حاجتي - أعز الله ~~الأمير - أن تكون لي كما قال الشاعر: # وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب # فقال جعفر: بل أكون كما قال الآخر: # وإذا الواشي أتى يسعى بها ... نفع الواشي بما جاء يضر # ثم سار جعفر إلى الشام فأصلحها، وظفر بجماعة ممن سعى بالفساد، وشرد ~~آخرين، حتى استقامت أمورها أحسن ms138 استقامة. وله خطبة خطبها وهي: # الحمد لله الذي لم يمنعه غناه عن الخلق من العائدة عليهم، ولم تمنعه ~~إساءتهم من الرحمة لهم، دعاهم من طاعته لما ينجيهم، وذادهم من معصيته عما ~~يرديهم، كلفهم من العمل دون طاقتهم، وأعطاهم من النعم فوق كفايتهم، فهم ~~فيما حملوا مخفف عنهم، وفيما خولوا موسع عليهم، وصلى الله على محمد نبي ~~الرحمة، والمبعوث إلى كافة الأمة، وعلى أهل بيته الطاهرين، وسلم تسليما. PageV01P229 # أما بعد، فإني أوصيكم بالألفة، وأحذركم الفرقة، وآمركم بالاجتماع، وأنهاكم ~~عن الاختلاف، قال الله جل وعز: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} فأمر ~~بالجماعة في أول الآية، ثم لم ينقص حتى نهى فيها عن الفرقة، توكيدا للحجة، ~~وقطعا للمعذرة. إن الفرقة تنشيء بينكم إحنا، يطلب بها بعضكم بعضا، وإن ~~الجماعة: تعقد بينكم ذمما، يحمي بها بعضكم بعضا، حتى يكون المكاثر لواحدكم ~~كالمكاثر لجماعتكم، فمتى يطمع عدو فيكم إذا كانت النائبة تعمكم؟ إن غفل ~~بعضكم حرسه بقيتكم، وإن غربت طائفة منكم منعها تألفكم. إنه لم PageV01P230 ### | CHECK [127] # يجتمع ضعفاء قط إلا قووا حتى يمتنعوا، ولم يفترق أقوياء قط إلا ضعفوا حتى ~~يخضعوا، واجتماع الضعيفين قوة، وافتراق القويين مهانة تمكن منهما، غافل ~~الجماعة لا تضره غفلته، لكثرة من يحفظه، ومتيقظ الفرقة لا ينفعه تيقظه، ~~لكثرة من يطلبه، وصاحب الجماعة يدرك أرشه في الخدش والشجة، وصاحب الفرقة ~~يذهب حقه في النفس والحرمة. # وفي جعفر يقول مسلم بن الوليد، في قصيدة طويلة: # استفسد الدهر أقواما فأصلحهم ... محمل نكبات الدهر محتمل # به تعارفت الأحياء وأتلفت ... إذ ألفتهم إلى معروفه السبل # كأنه قمر أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر أو عارض هطل # قال الجاحظ: دخل أبو قابوس النصراني الحيري وكان منقطعا إلى البرامكة على ~~جعفر بن يحيى في يوم بارد، فتبين عليه جعفر أثر البرد، فألقى إليه مطرف خز، ~~كان شراه جملة كبيرة، وانصرف أبو قابوس، فحضره عيد لهم، فالتمس في ثيابه ما ~~يشاكل ذلك المطرف فلم يجده، فقالت له ابنته: لو كتب إلى جعفر فعرفته حالك، ~~لوجه إليك ما ms139 تلبسه مع هذا، فكتب إليه: # أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا ... رأيت مباهاة لنا في الكنائس # فلو كان هذا المطرف الخز جبة ... لباهيت أصحابي به في المجالس # فلا بد لي من جبة من جبابكم ... ومن طيلسان من جياد الطيالس # ومن ثوب قوهي وثوب غلالة ... ولا بأس لو أتبعت ذاك بخامس # إذا تمت الأثواب في العيد خمسة ... كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس # لعمرك ما أفرطت فيما سألته ... ولا كنت لو أفرطت فيه بيائس # وذاك لأن الشعر يزداد جدة ... إذا ما البلى أبلى جديد الملابس # فوجه إلى أبي قابوس من كل صنف ذكره عشر قطع. # ولم تزل كتب الملوك والرؤساء تجري في التوقيعات على أن يوقع الرئيس في ~~القصة بما يجب فيها، ويذكر المعاني التي يأمر بها، ولم يكن للكتاب في ذلك ~~الأمر شيء أكثر من أن يكتبوا تلك الجملة من التوقيع ألفاظا تشرحها ويقرب من ~~العامة فهمها، ولا تخرجها عن معنى قصد الرئيس، إلى أيام الرشيد، فإن ~~المتظلمين كثروا على باب جعفر، وتأخر جلوسه PageV01P231 ### | CHECK [128] # أياما، ثم جلس، وكانت القصص قد كثرت، فنفض أكثرها، وجاءه رسول الرشيد ~~يأمره بالمصير إليه، فقال للرسول: قل له: يا سيدي، الساعة أجئ ونظر فيما ~~بقى، فجاءه الرسول ثانية يستحثه، وكان في القصص قصة طويلة، دقيقة الخط ~~رديئته، فوافاه الرسول وهي في يده، وأعجله أن يستتمها، وكان يحتاج في فهمها ~~إلى مدة، وكره، وقد نظر إليها في يده، أن تطرح فيما لم ينظر فيه، فوقع على ~~ظهرها: يعمل في ذلك بما يعمل في مثله على سنن الحق وقصده، وجهة الإنصاف ~~وسبيله إن شاء الله . فورد على الكتاب من ذلك ما لم يرد مثله، وامتثلوه، ثم ~~صار ذلك رسما للرؤساء. # وكان المأمون في حجر محمد بن خالد بن برمك، فنقله الرشيد إلى حجر جعفر، ~~فأشار على الرشيد ببيعته للعهد بعد محمد، وقام بالأمر حتى عقده له، وشخص به ~~معه من الرقة إلى مدينة السلام، حتى أكد البيعة له، وأخذ الأيمان على بني ~~هاشم والوجوه بها، وكاتب ms140 العمال في جميع النواحي بذلك، ثم انصرف إلى الرقة. # وضع أبان بن عبد الحميد بن لاحق، مولى الرقاشيين، كتاب كليلة ودمنة شعرا، ~~وأهداه إلى جعفر، فوهب له مئة ألف درهم، وقد ذكر محمد بن داود في طبقات ~~الشعراء: أن يحيى بن خالد اشتهى حفظ كتاب كليلة ودمنة، فقلبه له أبان شعرا، ~~ليسهل عليه حفظه، وذكر أنه أربعة عشر ألف بيت. # وكان أبان خاصا بجعفر وبيحيى بن خالد، وكان يحيى قلده ديوان الشعر، فكان ~~الشعراء يرفعون إليه أشعارهم في البرامكة، فيسقط ما يرى إسقاطه، ويعرض ما ~~يرى عرضه، فأسقط مرة شعر أبي نواس فيما أسقط فقال فيه: # صحفت أمك إذ سمتك ... في المهد أبانا # قد علمنا ما أرادت ... لم ترد إلا أتانا # صيرت باء مكان التاء ... والله أعانا # قطع الله وشيكا ... من مسميك اللسانا PageV01P232 ~~وذكر إسحاق الموصلي: أن جعفر بن يحيى استبطأه في زيارته، وشكاه إلى يحيى ~~والده، وكان شديد الحجاب، قال: فاعتذرت إليه وقلت: إني ما أخل بحضور دارك، ~~ولكن نافذا خادمك يحجبني، فقال لي وهو يمازحني: إذا حجبك فنكه، قال: فقصدته ~~يوما بعد ذلك، PageV01P233 ### | CHECK [129] # فعاود نافذ حجابتي، فكتبت إليه: # جعلت فداءك من كل سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا # يحولون بيني وبين السلام ... فما إن أسلم إلا اختلاسا # وأنفذت رأيك في نافذ ... فما زاده ذاك إلا شماسا # فلما وصلت رقعتي إليه ضحك، وأمر بإزالة الحجاب عني، وكثرت عنده. # وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: قال لي إبراهيم بن المهدي: خلا جعفر ~~بن يحيى في منزله يوما، وحضر ندماؤه، وكنت فيهم، فتضمخ بالخلوق، ولبس ~~الحرير، وفعل بنا مثل ذلك، وتقدم إلى الحاجب بحفظ الباب إلا من عبد الملك ~~بن نجران كاتبه، فوقع في أذن الحاجب عبد الملك، ومضى صدر من النهار، وبلغ ~~عبد الملك بن صالح مقام جعفر في منزله، فركب إليه، فوجه الحاجب إلى جعفر: ~~قد حضر عبد الملك، فقال: يؤذن له، وهو يظنه ابن نجران، فدخل عبد الملك بن ~~صالح في سواده ورصافيته، فلما رآه جعفر اسود ms141 وجهه، ورآنا على حالنا، وكان ~~عبد الملك لا يشرب النبيذ، وكان ذلك سبب موجدة الرشيد عليه، لأنه كان يلتمس ~~ندامة فيأبى عليه، فوقف عبد الملك على ما رأى من جعفر، فدعا غلامه، فناوله ~~سواده وقلنسوته، وأقبل حتى وقف على باب المجلس الذي نحن فيه، فسلم وقال: ~~افعلوا بنا ما فعلتم بأنفسكم، فدنا منه خادم، فألبسه حريرة، وجاء فجلس، ~~ودعا بطعام فأكل، ودعا بنبيذ، فأتوه برطل فشربه، وقال لجعفر: والله ما ~~شربته قبل اليوم، فليخفف عني، فدعا له برطلية جعلت بين يديه، وجعل كلما فعل ~~من ذلك شيئا سرى عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له جعفر: سل حاجتك، فما ~~تحيط مقدرتي بمكافأة ما كان منك، فقال: إن في قلب أمير المؤمنين هنة، ~~فتسأله الرضا عني، فقال: قد رضي عنك أمير المؤمنين، قال وعلي أربعة آلاف ~~ألف درهم تقضى عني، قال: إنها لعندي حاضرة، ولكن أجعلها من مال أمير ~~المؤمنين، فإنها أنبل لك، وأحب إليك، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أشد ظهره ~~بصهر من أولاد الخلافة، قال: قد زوجه أمير المؤمنين الغالية، قال: وأحب أن ~~يخفق لواء على رأسه، قال: قد ولاه مصر. PageV01P234 # وانصرف عبد الملك ونحن نتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير ~~استئذان، وقلنا: لعله أن يجاب إلى ما سأل من الحوائج، فكيف بالتزويج؟ هل ~~يطلق لجعفر أن يغره؟ فلما كان من الغد، وقفنا على باب الرشيد، ودخل PageV01P235 ### | CHECK [130] # جعفر، فلم يلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وإبراهيم بن عبد ~~الملك، وخرج إبراهيم وقد خلع عليه وزوج، وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، ~~وخرج جعفر، فأشار إلينا بإتباعه إلى منزله، فلما صرنا إليه، قال: تعلقت ~~قلوبكم بأول الحديث من أمر عبد الملك، فأحببتم علم آخره، وإني لما دخلت على ~~أمير المؤمنين، فقمت بين يديه، ابتدأت القصة كيف كانت، من أولها إلى آخرها، ~~فجعل يقول: أحسن والله! حتى إذا أتممت خبره، قال: ما صنعت به؟ فأخبرته بما ~~سأل، فجعل يقول في ذلك: أحسنت! أحسنت!. # قال ms142 مخارق: # غدوت يوما على إبراهيم بن ميمون الموصلي، وكان يوم دجن طيب، فأصبت بين ~~يديه قدورا تغرغر، وأباريق تزهر، وهو كالمهموم، فسألته عن حاله، فقال: لي ~~ضيعة، وإلى جانبها ضيعة يبلغ ثمنها مائتي ألف درهم، وإن دخلتها يد غيري ~~أفسد على ضيعتي، وما أقول إن ثمنها ليس يمكنني، ولكني لست أسمح بإخراج كل ~~ما في يدي. قال: فأمسكت عنه، واستتممت يومي عنده، وغدوت على يحيى بن خالد ~~فلقيته، فسألني عن خبري في أمس يومي، فخبرته الخبر فأضحكه. قال مخارق: ~~فانصرفت إلى إبراهيم لأعرفه الخبر، فوجدت المال قد سبق إليه، فقلت له: اشتر ~~الآن الضيعة، فقال: لكل جديد لذة، وهذا مال جديد، ولست أحب إخراجه، قال: ~~فحدثت جعفرا بالخبر كله فأضحكه، وبعث بالمال إليه. قال: فصرت إليه، فقلت ~~له: اشتر الآن الضيعة، فقال: العجلة من عمل الشيطان، دعني استمتع بهذا ~~المال مدة. وصرت إلى الفضل بن يحيى، فحدثته، فابتاع الضيعة، ووزن ثمنها، ~~ووجه إليه بمثل الثمن، ووجه إليه بالصك. # وكان جعفر طويل العنق، وهو أول من عرض الجربانات، وحشاها بالقطن، وما زال ~~الناس ينسبونها إلى ابن برمك، يقولون: جربانات برمكية. وفيه يقول أبو نواس: # ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول # وأول هذه الأبيات: # قالوا امتدحت فماذا اعتضت قلت لهم ... خرق النعال وإخلاق السراويل PageV01P236 ~~قالوا: فسم لنا هذا، فقلت لهم ... وصفي له يعدل التفسير في القيل # ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول PageV01P237 ### | CHECK [131] # وله فيه: # لقد غرني من جعفر حسن بابه ... ولم أدر أن اللوم حشو إهابه # ولست وإن بالغت في مدح جعفر ... بأول إنسان خرى في ثيابه # وفي جعفر يقول أشجع السلمي يمدحه: # يحب الملوك ندى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع # وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع # وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا بجمع # وحكي أن المأمون قال يوما لمحمد بن عباد المهلبي: بلغني أن فيك سرفا؟ ~~فقال: يا أمير المؤمنين، البخل مع الوجود سوء ظن بالله عز وجل، وإني لأهم ~~بالإمساك، ms143 فأذكر قول أشجع في جعفر بن يحيى، وذكر هذه الأبيات، فأمر له ~~بمائة ألف دينار، فقال له: استعن بها على مروءتك. # وحكي أن الرشيد قام عن مجلسه يريد الدخول إلى بعض حجر قصره، وأن جعفرا ~~أسرع فرفع له الستر، وأن الرشيد جعل يتأمل عنقه تأملا شديدا، فرآه جعفر وهو ~~يتأمل، فقال له: ما متأمل أمير المؤمنين؟ قال: حسن عنقك، وحسن موقع الجربان ~~منه، فقال له: لا والله، ما تأملت إلا موضع سيفك فيه، فقال له: أعيذك بالله ~~من هذا القول، وأعتنقه وقبله، ثم قال للفضل بن الربيع: قاتل الله جعفرا! ~~وذكر له هذا الخبر، وقال: ما تأملت عنقه إلا لموضع السيف منها. # وتنازع الفضل بن الربيع وجعفر بن يحيى يوما بحضرة الرشيد، فقال جعفر ~~للفضل: يا لقيط، فقال له: اشهد يا أمير المؤمنين، فقال جعفر للرشيد: تراه ~~عند من يقيمك هذا الجاهل شاهدا يا أمير المؤمنين، وأنت حاكم الحكام! # قال إسحاق بن سعد القطربلي: أخبرنا عمر بن فرج، قال: انصرف مع عمرو بن ~~مسعدة يوما من الشماسية، والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة، فلما صرنا ~~بإزاء قصر جعفر، قال عمرو: يا أبا حفص، سرت أنا وجعفر يوما كمسيرنا هذا، ~~فلما نظر إلى البناء قال لي: يا أبا الفضل، والله إني لأعلم أنه ليس من ~~بناء مثلي، ولكن قلت: إن بقى لي فهو قصر جعفر، وإن شره السلطان في وقت من ~~الأوقات فهو قصر جعفر، وإن مضت عليه الأيام PageV01P238 ### | CHECK [132] # فهو قصر جعفر، ويبقى اسمه وذكره، ولعله أن يمر به بعض من لنا عنده إحسان ~~فيترحم علينا. قال عمرو: فو الله لكأن جعفرا كان ينظر إلى ما آلت إليه ~~الحال فيه. # وحكي أن السبب كان في بناء هذا القصر أن متظلما من أهل أصيهان تظلم إلى ~~يحيى بن خالد من عامله بها، فقال له: إنه ظلمني وأساء معاملتي، وأخذ مالا ~~يجب له مني، وهدم شرفي، فقال يحيى: قد عرفت جميع ما تظلمت خلا قولك هدم ~~شرفي ففسر لي ذلك، فقال ms144 له المتظلم: أنا من بني رجل كان بنى القصر المهدوم، ~~وكان ينسب إليه، وكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته، وعلم أني من ولد ~~الباني له، عرف بذلك قديم نعمتي، وجلالة أولي. فاستحسن ذلك يحيى منه، وقال ~~للفضل وجعفر: لا شيء أبقى ذكرا من البناء، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرا، ~~فاتخذ جعفر قصره، وكذلك الفضل، وأمر يحيى بإنفاذ مستحث مع المتظلم، يطالب ~~العامل بإعادة بناء قصره، وإنصافه من ظلامته. # وحكي أن جعفرا لما عزم على الانتقال إلى قصره هذا، جمع المنجمين لاختيار ~~وقت لينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على ~~حمار من الموضع الذي كان ينزله إلى قصره، والطرق خالية، والناس ساكنون، ~~فلما سار إلى سوق يحيى رأى رجلا قائما وهو يقول: # تدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد # فاستوحش ووقف، ودعا بالرجل، فقال له: أعد ما قلت، فأعاده، فقال له: ما ~~أردت بهذا؟ قال والله ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض لي، وجاء ~~على لساني في هذا الوقت. فأمر له بدنانير، ومضى وقد تنغص عليه سروره. PageV01P239 # وكان موسى بن عيسى الهاشمي يتقلد للرشيد مصر، وكثر التظلم منه، واتصلت ~~السعايات به، وقيل إنه قد استكثر من العبيد والعدة، فقال الرشيد ليحيى: ~~اطلب لي رجلا كاتبا عفيفا، يكمل لمصر، ويستر خبره، فلا يعلم موسى بن عيسى ~~به حتى يفاجئه، قال: قد وجدته، قال: من هو؟ قال عمر بن مهران - وكان عمر ~~يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها قط، وكان رجلا أحول من عينيه، مشوه الخلق، ~~خسيس - اللباس، فأمر بإحضاره، قال عمر بن مهران: فلقيت يحيى بن خالد، ~~فعرفني ما جرى، وراح بي إلى دار الرشيد، فلما صلى المغرب دعاني، فوصلت إليه ~~وهو خال، وبين يديه يحيى بن خالد، فاستدناني، ونحى PageV01P240 ### | CHECK [133_2] # الغلمان، وأعلمني ما ندبني إليه، وأمرني أن أستر خبري، حتى أفاجئ موسى بن ~~عيسى، فأستلم العمل منه، فأعلمته أنه لا يقرأ لي ذكرا في كتب أصحاب الأخبار ~~حتى أوافي ms145 مصر. ثم كتب لي كتابا بخطه إلى موسى بن عيسى بالتسليم، وودعت ~~يحيى، وعدت إلى منزلي، فخرجت منه من غد بكرا على بغلة، ومعي غلام أسود، ~~يقال له أبو درة، على بغل استأجرته، معه خرج فيه قميص ومبطنة وطيلسان ~~وشاشية وخف ومفرش صغير، واكتريت لثلاثة من أصحابي أثق بهم، ثلاثة أبغل ~~مياومة، وأظهرت أنني وجهت ناظرا في أمور بعض العمال، حتى بلغت الأنبار، ثم ~~تجاوزتها بلدا بلدا، كلما وردت بلدا توهم من معي أني قصدته، وليس يعرف خبري ~~أحد من أهل البلدان ألتي أمر بها في نزولي ونفوذي، حتى وافيت الفسطاط، ~~فنزلت جنانا وخرجت منه وحدي في زي متظلم أو تاجر، فدخلت دار الإمارة وديوان ~~البلد وبيت المال، وسألت وبحثت عن الأخبار، وجلست مع المتظلمين وغيرهم، ~~فمكثت ثلاثة أيام أفعل ذلك، حتى عرفت جميع ما احتجت إليه، فلما نام الناس ~~في ليلة اليوم الرابع دعوت أصحابي، فقلت للذي أردت استكتابه على الديوان: ~~قد رأيت مصر، وقد استكتبتك على الديوان، فبكر إليه، فاجلس فيه، فإذا سمعت ~~الحركة فاقبض على الكاتب، ووكل به وبالكتاب والأعمال، ولا يخرج من الديوان ~~أحد حتى أوافيك، ودعوت بآخر، فقلدته بيت المال، وأمرته بمثل ذلك، وكان بيت ~~المال في دار الإمارة، وقلدت الآخر عملا من الأعمال بالحضرة، وأمرتهم أن ~~يبكروا، ولا يظهروا أنفسهم حتى يسمعوا الحركة، وبكرت فلبست ثيابي، ووضعت ~~الشاشية على رأسي، ومضيت إلى دار الإمارة، فأذن موسى للناس إذنا عاما، ~~فدخلت فيمن دخل، فإذا موسى على فرش، والقواد وقوف عن يمينه وشماله، والناس ~~يدخلون فيسلمون ويخرجون، وأنا جالس بحيث يراني، وحاجبه ساعة بساعة يقيمني ~~ويقول لي: تكلم بحاجتك، فأعتل عليه، حتى خف الناس، فدنوت منه، وأخرجت إليه ~~كتاب الرشيد، فقبله، ووضعه على عينه، ثم قرأه، PageV01P241 ~~فامتقع لونه، وقال: السمع والطاعة، تقرئ أبا حفص السلام، وتقول له: ينبغي ~~أن تقيم بموضعك، حتى نعد لك منزلا يشبهك، ويخرج غدا أصحابنا يستقبلونك، ~~فتدخل مدخل مثلك، قال: فقلت له: أنا أعزك الله عمر بن مهران، وقد أمرني ~~أمير المؤمنين ms146 بإقامتك للناس، وإنصاف المظلوم منك، وأنا فاعل ذلك، فمن أوضح ~~ظلامته، ووجب له عليك حق، غرمته عنك من PageV01P242 ### | CHECK [134_2] # مالي، ومن وجدته كاذبا عاملته بحسب ما يستحقه، فقال لي موسى: أنت عمر بن ~~مهران؟ قلت: نعم، فقال: لعن الله فرعون حيث يقول: {أليس لي ملك مصر!} ~~واضطرب الصوت في الدار، فقبض كاتبي على الديوان، وصاحبي الآخر على بيت ~~المال، وختما عليهما، ووردت عليه رقاع أصحاب أخباره بذلك، فنزل عن فرشه، ~~وقال: لا إله إلا الله، هكذا تقوم الساعة! ما ظننت أن أحدا بلغ من الحزم ~~والحيلة ما بلغت، قد تسلمت الأعمال وأنت في مجلسي! # ثم نهضت إلى الديوان، فقطعت أمور المتظلمين منه، وأزلت ظلاماتهم وقطعتها، ~~وأحسنت إلى موسى بن عيسى، وانصرفت من مصر على بلغتي التي دخلتها عليها، ~~ومعي غلامي الأسود، ولم أزد على ذلك شيئا، وكان ذلك في سنة ست وسبعين ومائة. # وكان بمصر قوم يدافعون بالخراج، ويكسرون بعضه، فأحضر عمر أشدهم مدافعة ~~وإلطاطا، فطالبه، فاستمهله مدة فأمهله، ثم طالبه ثانية، فاستمهله، فأمهله ~~مدة، ثم فعل ذلك في الثالثة، فلما حل الأجل دافعه أيضا، فحلف بأيمان مؤكدة ~~أنه لا يستأديه إلا في بيت المال بمدينة السلام، ثم أشخصه إلى الرشيد، وكتب ~~إليه بخبره، فبذل له الرجل أداء المال، فأبى عليه أن يقبضه منه، وأقام على ~~ألا يؤديه إلا في بيت المال، فخاف الناس جميعا منه مثل ذلك، وسارعوا إلى ~~الأداء، فلم ينكسر له، ولا تخلف درهم واحد. PageV01P243 # وحكي أنه قال لغلامه أبي درة. وقد أهدى له أهل مصر هدايا كثيرة، لا تقبل ~~منها إلا ما يدخل في جراب، لا تقبل حيوانا، فقبل من هدايا الناس الثياب ~~والطيب والعين والورق، وجعل يعزل كل هدية على حدتها، ويكتب عليها اسم ~~صاحبها، وجد في استخراج مال مصر، فزجا منه نجمان، وتأخر النجم الثالث، وثلج ~~أصحابه، فجمعهم وقال لهم: إني قد حفظت عليكم ما أهديتموه إلي، وأمر بإحضاره ~~وإحضار الجهبذ، فما كان من عين أو ورق أجزأه عمن أهداه إليه، وما كان ms147 من ~~ثوب أو غيره باعه وأخذ ثمنه، حتى استغرق الهدايا كلها، ونظر فيما بقى بعد ~~ذلك، فطالب به، فسارع الناس إلى الأداء، فيقال إنه عقد جماعة من غير أن ~~يبقى فيها درهم، ولم يعهد ذلك من قبله. # وكتب عمر بن مهران إلى الخيزران بما كان منه، وأكثر الاعتداد، فكتبت ~~إليه: قد وصل كتابك تذكر وتذكر، ولا تستكثرن شيئا يكون منك، واستدم أحسن ما ~~أنت عليه يدم أحسن ما PageV01P244 ### | CHECK [135_2] # عندي لك، واعلم أنه قل شيء لم يزد إلا نقص، والنقصان يمحق الكثير، كما ~~ينمي على الزيادة القليل. # وكان عمر بن مهران، وهو يكتب للخيزران، في ديوانها في بعض الأيام، فحضر ~~الهيثم بن مطهر الفأفاء الشاعر بابها، فوقف على دابته ينتظر الإذن، فبعث ~~إليه عمر: انزل عن دابتك، فقد جاء في الحديث الكراهة لهذا، فقال: أنا رجل ~~أعرج، وإن خرج من أنتظره خفت أن يفوتني ولا أدركه، فبعث إليه: إن نزلت وإلا ~~أنزلناك، فقال: هو حبس في سبيل الله إن أقضمته شعيرا شهرا إن أنزلتني عنه، ~~فأيما خير له: كد ساعة، أو جوع شهر؟ فقال: هذا شيطان، وكف عنه. # وكان عمر بن مهران يأمر الوكلاء والعمال الذين يعملون معه أن يكتبوا على ~~الرشوم التي يرشمون بها الطعام: اللهم أحفظه ممن يحفظه. # ثم حج الرشيد، وحج معه ابناه محمد وعبد الله، وحج معه يحيى والفضل وجعفر، ~~فلما صار بالمدينة جلس ومعه يحيى، فأعطى أهلها العطاء، ثم جلس محمد بعده ~~ومعه الفضل بن يحيى، فأعطاهم العطاء، ثم جلس بعده عبد الله ومعه جعفر، ~~فأعطاهم العطاء، فأعطوا في تلك السنة ثلاثة أعطية، فكان أهل المدينة يسمون ~~ذلك العام عام الثلاثة الأعطية، ولم يروا مثل ذلك قط إلا في أيام البرامكة. # وكان جعفر بن يحيى طالب محمدا لما حلف المأمون في البيت الحرام أن يقول: ~~خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات. فحكى الفضل ابن الربيع، فيما حدث ~~ميمون بن هارون، أن محمدا قال في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا ms148 أبا ~~العباس، هو ذا أجد من نفسي أن أمري لا يتم، فقال له: ولم ذاك أعز الله ~~الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت له: سبحان الله! أفي هذا ~~الموضع! فقال لي: هو ما قلت لك. وفرغ الرشيد من توكيد ما قصد له من بيعة ~~ابنيه، وأخذ الأيمان لكل واحد منهما على صاحبه، وعلى الناس لهما. PageV01P245 # قال موسى بن يحيى: فخرج أبي إلى الطواف وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلق ~~بأستار الكعبة، ويردد هذا الدعاء: اللهم إن ذنوبي جمة لا يحصيها غيرك، ولا ~~يعرفها سواك، اللهم إن كنت معاقبي فاجعل عقوبتي في هذه الدنيا، وإن أحاط ~~ذاك بسمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ مني رضاك. PageV01P246 ### | CHECK [136_2] # وعلق الرشيد الكتب في البيت الحرام، وانصرف، فنزل الأنبار، ودعا الرشيد ~~صالحا صاحب المصلى حين تنكر للبرامكة، فقال له: اخرج إلى منصور بن زياد فقل ~~له: قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم، فاحملها إلي في يومك هذا، فإن هو ~~دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس من يومك هذا، وإلا فاحمل رأسه إلي، وإياك ~~ومراجعتي في شيء من أمره. قال صالح: فخرجت إلى منصور، وهو في الدار، فعرفته ~~الخبر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي! ثم حلف أنه لا ~~يعرف موضع ثلاث مئة ألف درهم، فكيف عشرة آلاف ألف درهم، فقال له صالح: خذ ~~في عملك، فقال له: امض بي إلى منزلي، حتى أوصي وأتقدم في أمري. فمضى، فما ~~هو إلا أن دخل، حتى ارتفع الصراخ من منازله وحجر نسائه، فأوصى وخرج وما فيه ~~لحم ولا دم، فقال لصالح: امض بنا إلى أبي علي يحيى بن خالد، لعل الله أن ~~يأتينا بفرج من جهته، فمضى معه، فدخل على يحيى وهو يبكي، فقال يحيى: ما ~~وراءك؟ فقص عليه القصة، فقلق يحيى بأمره، وأطرق مفكرا، ثم دعا خازنه، فقال ~~له: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف درهم، قال: أحضرني مفاتيحها فأحضرها، ~~ثم وجه إلى الفضل: إنك أعلمتني أن ms149 عندك، فداك أبوك، ألفى ألف درهم، قدرت أن ~~تشتري بها ضيعة، وقد أصبت لك ضيعة يبقى ذكرها وشكرها، وتحمد ثمرتها فوجه ~~إلينا بالمال، فوجه به. ثم قال للرسول: امض إلى جعفر، فقل له: ابعث إلي، ~~فداك أبوك، ألف ألف درهم، لحق لزمني، فوجه إليه، فقال لصالح: هذه ثمانية ~~آلاف ألف درهم، ثم أطرق إطراقة لأنه لم يكن بقى عنده شيء، ثم رفع رأسه إلى ~~خادم على رأسه، وقال: امض إلى دنانير، فقل لها: وجهي إلي بالعقد الذي كان ~~أمير المؤمنين وهبك إياه. فجاء به، فإذا عقد كعظم الذراع. فقال لصالح: ~~اشتريت هذا لأمير المؤمنين بمائة ألف وعشرين ألف دينار، فوهبه لدنانير، وقد ~~حسبناه عليك بألفي ألف درهم، وهذا تمام المال، فانصرف وخل عن صاحبنا. PageV01P247 # قال صالح: فأخذت، ذلك ورددت منصورا معي، فلما صرنا بالباب أنشد منصور ~~متمثلا: # فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # فقال صالح: ما على ظهر الأرض كلها رجل هو أنبل من رجل خرجنا من عنده، ولا ~~سمعت بمثله فيمن مضى، ولا يكون مثله فيمن بقى، ولا على ظهر الأرض رجل أخبث PageV01P248 ### | CHECK [137_2] # سريرة، ولا أردأ طبعا من هذا النبطي، إذ لم يشكر من أحياه. قال: وصرت إلى ~~الرشيد فقصصت عليه قصة المال، وطويت عنه ما قال منصور بن زياد، لأني خفت إن ~~سمعه أن يقتله، فقال لي الرشيد: أما إني قد علمت أنه إن نجا لم ينج إلا ~~بأهل هذا البيت. وقال: اقبض المال، واردد العقد على دنانير، فإني لم أكن ~~لأهب هبة وترجع إلي. قال صالح: فلم أطب نفسا بترك تعريف يحيى ما قاله ~~منصور، فقلت لما رأيته، بعد أن أطنبت في شكره، ووصف ما كان منه: ولقد أنعمت ~~على غير شاكر، قابل أكرم فعل بألأم قول، قال: وكيف ذاك؟ فأخبرته بما قال ~~وما كان منه، فجعل والله يطلب له المعاذير. ويقول: يا أبا علي، إن المنخوب ~~القلب ربما سبقه لسان بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حال عظيم، فقلت: ~~والله ms150 ما أدري من أي أمريك أعجب! أمن الأول أم من الثاني؟ ولكني أعلم أن ~~الدهر لا يخلف مثلك أبدا؟ # وكان أبو الشمقمق صار إلى منصور بن زياد يسأله أن يبره، وكان منصور ضيقا ~~بخيلا، فوهب له عشرة الدراهم، وبلغ الخبر محمد بن منصور، فأرسل إليه محمد ~~بمائة درهم، وأمره بالعودة إليه ليبره، فأخذها وقام وهو يقول: # لولا ابن منصور وإفضاله ... سلحت في لحية منصور # فبلغ ذلك محمدا فقال: إنما خفنا هذا، وما أفلتنا منه. # وكان جعفر يساعد الرشيد على كل شيء، وكان يحيى يعتب على جعفر من دخوله مع ~~الرشيد فيما يدخله فيه، ويتخوف عليه من عاقبته، فذكر أن يحيى كتب إلى جعفر ~~يوما في شيء عتب عليه منه من هذا الجنس: PageV01P249 # إني إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك، وإن كنت أخشى أن تكون ~~التي لا شروى لها. وقال يحيى لهارون غير مرة: يا أمير المؤمنين، إني أكره ~~مداخل جعفر، ولست آمن أن ترجع العاقبة علي في ذلك منك، فلو أعفيته، واقتصرت ~~على ما يتولاه من جسيم أعمالك، لكان أحب إلي، وأولى بتفضلك، وآمن عليه ~~عندي، فقال له الرشيد: ليس بك هذا، ولكن بك أن تقدم عليه الفضل. وكان الفضل ~~لا يشرب النبيذ، فظن الرشيد أنه يتيه عليه، فكان يعتب عليه. # حدثني أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص، قال: حدثني أبي، قال حدثني بختيشوع بن PageV01P250 ### | CHECK [138_2] # جبريل، قال: حدثني أبي، وكان صنيعة البرامكة: أنه دخل على الرشيد يوما ~~وهو جالس على بساط، على مشرعة باب خراسان، فيما بين الخلد والفرات، وأم ~~جعفر من وراء ستر، فقال لي: قد وجدت أم جعفر شيئا، فأشر عليها بما تعمل به، ~~قال: فبينا أنا أنظر في ذلك ارتفعت صيحة عظيمة، فسأل عنها، فقيل له: يحيى ~~بن خالد ينظر في أمور المتظلمين، فقال: بارك الله عليه، وأحسن جزاءه، فقد ~~خفف عني، وحمل الثقل دوني، وناب منابي، وذكره بجميل، ففعلت مثل ذلك أم ~~جعفر، ولم تدع شيئا يذكره أحد من جميل ms151 إلا ذكرته به. فامتلأت سرورا، وقلت ~~في ذلك ما أمكنني، وخرجت مبادرا إلى يحيى بن خالد، فخبرته بذلك، فسر به. ~~ومضت مدة، ثم جاءني رسول الرشيد يوما، فصرت إليه، فوجدته جالسا في ذلك ~~المجلس بعينه، وأم جعفر من وراء الستر أيضا، والفضل بن الربيع بين يديه، ~~وقد وجدت أم جعفر شيئا، فأمرني بتأمل علتها، والمشورة بما أراه عليها، فإني ~~لفي ذلك إذ ارتفعت ضجة شديدة، فقال الرشيد: ما هذا؟ فقيل: يحيى بن خالد ~~ينظر في أمور المتظلمين، فقال: فعل الله به وفعل! يذمه ويسبه، استبد ~~بالأمور دوني، وأمضاها على غير رأيي، وعمل بما أحبه دون محبتي، وتكلمت أم ~~جعفر بنحو من كلامه وثلبته أكثر ما يثلب به أحد. PageV01P251 # فورد علي من ذلك ما أقام وأقعد، ثم أقبل علي الرشيد، فقال لي: يا جبريل، ~~إنه لم يسمع كلامي غيرك وغير الفضل، وليس الفضل ممن يحكي شيئا منه، وعلي ~~وعلي لئن تجاوزك لأتلفن نفسك، قال: فتبرأت عنده من ذكره، وأكبرت الإقدام ~~على حكاية شيء منه، ومما يجري في مجلسه، وانصرفت، فلم أصبر، وقلت: والله إن ~~تلفت نفسي في الوفاء لم أبال، وصرت إلى يحيى، فعرفته ما جرى، فقال لي: ~~أتذكر وقد جئتني في يوم كذا من شهر كذا، وأنا في هذا الموضع، فحكيت لي عن ~~أمير المؤمنين الإحماد والثناء، والشكر والدعاء، وعن أم جعفر مثل ذلك؟ ~~فقلت: نعم، وعجبت من حفظه الوقت، فقال لي: إنه لم يكن مني في هذه الحال ~~التي ذمني فيها شيء لم يكن مني في ذلك الوقت الذي أحمدني فيه، ولكن المدة ~~إذا آذنت بالانقضاء جعلت المحاسن مساوئ، ومن أراد أن يتجنى قدر، نسأله حسن ~~الاختيار. # وكان جبريل بن بختيشوع صنيعة البرامكة، وكان يقول للمأمون كثيرا: # هذه النعمة لم أفدها منك ولا من أبيك، هذه أفدتها من يحيى بن خالد وولده. PageV01P252 ### | CHECK [139_2] # وصرف الرشيد الفضل بن يحيى عن الأعمال التي كان يتقلدها أولا، ثم ظهر من ~~الرشيد في سنة ثلاث وثمانين ومائة سخط على الفضل بن يحيى، ms152 فشخص إليه إلى ~~الرقة، ومعه أمه زبيدة بنت منير، فرضي عنه، وأقره مع الأمين لحضانته، ولم ~~يرد إليه شيئا من أعماله. # ولما أحس يحيى من الرشيد بالتغير، ركب إلى صديق له من الهاشميين فشاوره ~~في أمره، فقال: إن أمير المؤمنين قد أحب جمع المال، وقد كثر ولده، فأحب أن ~~يعتقد لهم الضياع، وقد كثر على أصحابك عنده، فلو نظرت إلى ما في أيديهم من ~~ضياع وأموال، فجعلتها لولد أمير المؤمنين، وتقربت بها إليه، رجوت لك ~~السلامة ولهم في ذلك من مكروهه، فقال يحيى: يا أخي، جعلني الله فداك، لأن ~~تزول عني النعمة أحب إلي من أن أزيلها عن قوم كنت سببا لهم. # ودخل يحيى على الرشيد لما ابتدأت حاله في الفساد، وهو خال، فرجع، فعرف ~~خبره، فقال لبعض الخدم: الحق يحيى فقل له: خنتني فاتهمتني، فقال للرسول: ~~تقول له: يا أمير المؤمنين، إذا انقضت المدة كان الحتف في الحيلة، ووالله ~~ما انصرفت عن خلوتك إلا تخفيفا عنك. وهذا كلام لعلي بن أبي طالب، كرم الله ~~مثواه: إذا نقضت المدة كان الهلاك في العدة. وسرق هذا المعنى ابن الرومي فقال: # غلط الطبيب علي غلطة مورد ... عجزت محالته عن الإصدار # والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار PageV01P253 ~~وكان الرشيد بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان قلد علي بن عيسى ابن ماهان، ~~لتكثير وقع عنده على الفضل في الأقوال، فقتل علي بن عيسى وجوه أهل خراسان ~~وملوكها، وجمع أموالا جليلة، فحمل إلى الرشيد ألف بدرة معمولة من ألوان ~~الحرير، وفيها عشرة آلاف آلف درهم، فلما وصلت إليه سر بها، وأحضر يحيى بن ~~خالد، فقال له: يا أبة، أين كان الفضل عن هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن ~~خراسان سبيلها أن تحمل إليها الأموال، ولا تحمل منها، والفضل أصلح نيات ~~رؤسائها، واستجلب طاعتهم، وعلي ابن عيسى قتل صناديد أهل خراسان وطراخنتها، ~~وحمل أموالهم، ولو فصدت لدرب من دروب الصيارف بالكرخ، لوجدت فيه أضعاف هذه، ~~وسينفق أمير المؤمنين مكان كل درهم منها PageV01P254 ### | CHECK ms153 [140_2] # عشرة، فثقل هذا القول منه على الرشيد، فلما انتقض أمر خراسان، وخرج رافع ~~بن الليث، واحتاج إلى النهوض إليها بنفسه، حتى صار إلى طوس جعل يتذكر هذا ~~الحديث، ويقول: صدقني والله يحيى ونصح لي فلم أقبل منه، والله لقد أنفقت ~~مئة ألف ألف وما بلغت شيئا. # وذكرت بهذا الحديث ما حكي عن عبد الملك بن مروان في أمر الحجاج: وذلك أنه ~~كان الحجاج حمل إلى عبد الملك هدية ومالا عظيما كثيرا، وهو بحمص، فأبرز ~~سريره وجمع الناس، وكان فيمن حضر خالد وأمية، ابنا عبد الله بن أسيد، فلما ~~نظر إلى الهدية والمال قال: هذه والله الأمانة والحزم والنصيحة، ثم أشار ~~إلى خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال: إني استعملت هذا على البصرة، ~~فاستعمل كل فاسق، فجبى عشرة، واختان تسعة، ورفع إلي هذا درهما، فدفع إلي ~~هذا من الدرهم سدسا، واستعملت هذا - يعني أخاه - على خراسان وسجستان، فبعث ~~إلي بمفتاح من ذهب، زعم أنه مفتاح مدينة، وفيل وبرذونين حطمين، واستعملت ~~الحجاج، ففعل كذا، فإذا استعملتكم ضيعتم، وإذا عزلتكم قلتم: قطع أرحامنا، ~~قال: فأراح خالد إراحة الفرس، ثم قال: استعملتني على البصرة وأهلها رجلان: ~~مطيع مناصح، ومخالف مشايح، فأما المطيع فإني جزيته بطاعته، فازداد رغبة، ~~وأما المخالف فإني داويت عداوته، واستللت ضغينته، وحشوت صدره ودا، وعلمت ~~أني متى أصلح الرجال أجب الأموال، واستعملت الحجاج فجنى لك المال، وكنز ~~العداوة في قلوب الرجال، فكأنك بالعداوة التي كنزها قد ثارت وأنفقت ~~الأموال، ولا مال ولا رجال، فسكت عبد الملك. فلما كان هيج الجماجم جلس عبد ~~الملك على باب ذي الأكارع ومعه خالد يندب الناس إلى الفريضة، ويتأمل خالدا ~~ويذكر قوله ويضحك. PageV01P255 # وأمر الرشيد يحيى بن خالد بالتقدم في هدم إيوان كسرى، فقال: لا تهدم بناء ~~دل على فخامة شأن بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه، قال: هذا من ميلك إلى ~~المجوس، لابد من هدمه. فقدر للنفقة على هدمه شيء استكثره الرشيد، وأمر بترك ~~هدمه، فقال له يحيى: لم يكن ينبغي لك ms154 أن تأمر بهدمه، وإذ قد أمرت فليس يحسن ~~بك أن تظهر عجزا عن هدم بناء بناه عدوك، فلم يقبل قوله ولم يهدمه. # وكان الفضل بن سهل بن زاذانفروخ من قرية من السيب الأعلى، تعرف ~~بصابرنيتا، وكان له عم يدعى يزيد بن زاذانفروخ، فتوكل يزيد بجارية لعاصم بن ~~صبيح، مولى داود بن PageV01P256 ### | CHECK [141_2] # علي السيب، وكان ليزيد ولأهله بالسيب ضيعة وبيت، فأحسن القيام بهما، وبما ~~توكل فيه، ووفر ماله، وحظي عند صاحبته حظوة شديدة، فاتهمه عاصم لما رأى من ~~إفراط حظوته، فدعا به وهو سكران، فضربه ضربة بالسيف مات منها، ووكل بضيعته ~~ومنزله. فصار سهل بن زاذانفروخ أخوه إلى باب يحيى بن خالد متظلما من عاصم ~~بن صبيح في أمر ضيعته ومنزله، ومطالبا بدم أخيه، وهو مجوسي بعد، فاتصل ~~بسلام بن الفرج، مولى يحيى ابن خالد، معتصما به، ومستعينا بيده على ظلامته، ~~فحماه وأنفذ معه مولى له، يقال له مرشد الديلمي في جماعة، حتى انتزع الضيعة ~~والمنزل من يدي وكيل عاصم، وأقر ذلك في يدي سهل، وحاط ولده وأسبابه، وأسلم ~~سهل ابن زاذانفروخ على يدي سلام، وتظلم عاصم بن صبيح إلى يحيى بن خالد من ~~سلام، فدعا به، وأنكر عليه، فاقتص عليه القصة، وأحضره سهلا حتى قام بحجته، ~~فتبين أن الحق له، فعاونه عليه، وكف عاصما عنه. ولم يزل سلام يذب عنه، ~~ويقوم بأمر ضيعته، وسهل يخدمه ويلزمه، حتى خالط أسباب البرامكة، فأحضر ~~ابنيه الفضل والحسن، فاتصل الفضل ابن سهل بالفضل بن جعفر وتقلد قهرمته، ~~واتصل الحسن بن سهل بالعباس بن الفضل بن يحيى وخدماهما، وعرفهما يحيى بن ~~خالد، ورعى لهما ولايتهما، وكان يحافظ على يسير الخدمة، فنقل الفضل بن سهل ~~ليحيى كتابا من الفارسية إلى العربية، فأعجب بفهمه، وبجودة عبارته، فقال ~~له: إني أراك ذكيا، وستبلغ مبلغا رفيعا، فأسلم حتى أجد السبيل إلى إدخالك ~~في أمورنا، والإحسان إليك، فقال: نعم، أصلح الله الوزير، أسلم على يديك، ~~فقال له يحيى: لا، ولكن أضعك موضعا تنال به حظا من دنيانا، ودعا ms155 بسلام ~~مولاه، فقال: خذ بيد هذا الفتى، وامض به إلى جعفر، وقل له يدخله إلى ~~المأمون، وكان في حجر جعفر، حتى يسلم على يديه، فأدخله جعفر إلى المأمون، ~~فأسلم على يديه، فوصله وأحسن إليه، وأجرى عليه رزقا مع حشمه، ولم يزل ~~ملازما للفضل بن جعفر حتى أصيب البرامكة، فلزم المأمون. PageV01P257 # ووجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل نطاحة: أن جعفر بن يحيى لما عزم على ~~استخدام الفضل بن سهل للمأمون، قرظه يحيى بن خالد بحضرة الرشيد، فقال له ~~الرشيد: أوصله إلي. فلما وصل إليه أدركته حيرة فسكت، فنظر الرشيد إلى يحيى ~~نظرة منكر لاختياره، فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين، إن أعدل الشواهد على ~~فراهة المملوك أن PageV01P258 ### | CHECK [142_2] # تملك قلبه هيبة سيده، فقال له الرشيد: لئن كنت سكت لتصوغ هذا الكلام، لقد ~~أحسنت، ولئن كان بديهة لهو أحسن وأحسن. ولم يسأله بعد ذلك عن شيء إلا أجابه ~~بما يصدق تقريظ يحيى له. # وذكر الفضل بن مروان أنه كان بالبردان، وكان معه إسحاق ابن سورين، قال: ~~فمر بنا الفضل بن جعفر بن يحيى بن خالد على فرس عرى، وعليه جبة وشى، وهو ~~بغير سراويل، ولا خف، وبيده سيف مشهر، وخلفه مجوسي طويل العنق، فوقف ~~المجوسي علينا، فاستسقى ماء، فأتى بماء في كوز خزف أخضر، فقال المجوسي ~~إنكارا للكوز الخزف: أوشك أن تذهب الدهقنة حتى لا يبق لشيء منها أثر! أين ~~الفضة؟ فقال له إسحاق: حظرها الإسلام، قال: فأين الزجاج؟ قال: # منع منه غلظ الهواء، فأخذ الكوز، فشربه، ثم قال له إسحاق: أما ترى إلى ~~صاحبكم هذا ما يصنع بنفسه؟ فقال: اجتمع له سكر الشباب، وسكر الشراب، وسكر ~~السلطان، وسكر الجدة، وسكر السخاء، ومضى يتبعه، فسألنا عنه، فقيل: هذا ~~الفضل بن سهل كاتبه. # وقد حكي مثل هذا الكلام عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في آل مروان، ~~حدث علي بن عيسى، قال: كنا بالشراة، وكنا نرى ما فيه آل مروان من دنياهم، ~~فنذكر ذلك لأخينا محمد بن علي، ms156 فيعزينا عنه، ويقول: إذا اجتمع سكر الشباب ~~وسكر السلطان وسكر المال لم يبق من القلب شيء. # وذكر أبو العلاء المذاري أنه سمع الفضل بن سهل يقول: قال لي يحيى بن ~~خالد: في كل أربعين سنة يحدث رجل يجدد الله به دولة، وأنت عندي منهم. # وكان عمر بن مساور الكاتب في ناحية البرامكة، وكان في ناحية الفضل بن ~~الربيع أولا، وكان يتقلد بعض أعمال أهواز، فقال فيه أبو الشمقمق: # أنا بالأهواز جار لعمر ... لعظيم زعموا ضخم الخطر # لا يرى منه علينا أثر ... لا يكون الجود إلا بأثر # إن تكن ورقك عنا عجزت ... يا أبا حفص فجد لي بحجر # يكسر الجوز به صبياننا ... وإذا ما حضر اللوز كسر # وصرف الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن حجابته، وقلدها الفضل ابن الربيع، في سنة PageV01P259 ### | CHECK [143_2] # تسع وسبعين ومائة. # وكان يحيى ولى رجلا بعض أعمال الخراج، فدخل به إلى الرشيد ليراه ويوصيه، ~~فقال ليحيى بن خالد ولجعفر ولده: أوصياه. قال له يحيى: وفر واعمر، وقال له ~~جعفر: أنصف وانتصف، وقال له الرشيد: أعدل وأحسن. # حدثني عبد الواحد بن محمد، قال: كان العتابي يقول بالاعتزال، فاتصل ذلك ~~بالرشيد، وكثر عليه في أمره، فأمر فيه بأمر عظيم، فهرب إلى اليمن، فكان ~~مقيما بها، فاحتال يحيى بن خالد إلى أن أسمع الرشيد شيئا من رسائله وخطبه، ~~فاستحسن الرشيد ذلك، وسأل عن الكلام لمن هو؟ فقال: هذا للعتابي، ولو حضر ~~حتى يسمع منه الأمين والمأمون هذا الكلام، ويصنع لهما خطبا، لكان ذلك أصلح، ~~فأمر بإحضاره، فأخذ الأمان له. فاتصل الخبر بالعتابي، فقال: # مازلت في سكرات الموت مطرحا ... قد غاب عني وجوه الأمر من حيلي # فلم تزل دائبا تسعى لتنقذني ... حتى استللت حياتي من يدي أجلي # وكان منصور النمري الشاعر مدح الرشيد بقصيدة طويلة، قال فيها: # إن أخلف القطر لم تخلف مخايله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع # وكان شكا قبل إنشاده هذا البيت إلى كلثوم بن عمرو العتابي عسر الولادة ~~على زوجته، فلما أنشد هذا البيت قال له ms157 العتابي: اكتب على فرج زوجتك هارون ~~فذكر هذا النمري الرشيد، فأمر بضرب عنق العتابي، حتى شفع فيه يحيى بن خالد، ~~واستوهب دمه، فصفح له عنه. # وذكر أبو الفضل بن عبد الحميد: # أن الرشيد أمر لحمدونة بإقطاع غلته مئة ألف درهم، وألف ألف درهم صلة، ~~فصار كاتبها بالتوقيع إلى ديوان الضياع. ففارقهم على بر دافعهم عنه، ولم يف ~~لهم بحمله، فزاد بعضهم في التوقيع عند موضع الواو من وألف ألف درهم ألفا، ~~فصارت أو ألف ألف درهم، فذكر الكاتب ذلك لحمدونة، فشكته إلى الرشيد، فقال ~~لها: أحسب أن كاتبك هذا الجاهل لم يبر الكتاب، وأعاد التوقيع، وأمرها أن ~~تبر الكتاب بما يرضيهم. PageV01P260 # ولم يزل جعفر بن يحيى مع الرشيد في حاله في الأنس والانبساط، إلى أن ركب في ~~يوم جمعة مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة إلى الصيد، وجعفر يسايره خاليا، وانصرف PageV01P261 ### | CHECK [144_2] # ممسيا إلى القصر الذي كان ينزله بالأنبار، وهو معه، فضمه إليه، وقال له: ~~لولا أني أريد الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك، فصار جعفر إلى منزله، ~~وواصل الرشيد الرسل إليه بالألطاف إلى وجه السحر، ثم هجم عليه مسرور الخادم ~~ومعه سالم وابن عصمة، فحمل وضربت عنقه، وأتى الرشيد برأسه، وكانت سنه سبعا ~~وثلاثين سنة، وأنفذ الرشيد جثته إلى مدينة السلام، مع هرثمة بن أعين ومسرور ~~وسلام الخادمين، فقطعت بنصفين، وصلبتا على الجسرين، ونصب رأسه بمدينة ~~السلام، وحبس الفضل ومحمد وموسى بنو يحيى، ووكل سلام الأبرش بباب يحيى، ولم ~~يعرض الرشيد لمحمد بن خالد، ولا لأحد من أسبابه. # وذكر أن مسرورا لما هجم على جعفر بن يحيى، وعرفه ما أمر به في أمره، قال ~~له: يا أبا هاشم: الحرمة والمودة، فقال: ما لي في أمرك حيلة، فقال جعفر: ~~هذه خمسون ألف دينار اقبضها، واحملني معك غير مقتول، وأعلم أمير المؤمنين ~~أنك قد امتثلت ما أمرك به، فإن أمسك عنك تركتني حتى يسألك عني، فتعلمه أنك ~~أشفقت من قتلي خوفا من أن يكون أمر به من عمل النبيذ، أو ms158 بادرة يندم عليها، ~~فاستظهر بتركي، وتمضي بعد ذلك ما يأمرك به، وإن تكن الأخرى فأنت من المال ~~في حل وسعة، ففعل ذلك مسرور، وحمله إلى مضرب الرشيد بالعمر، فوكل به فيه، ~~واستظهر بأن قيده، ثم دخل إلى الرشيد وهو جالس على كرسي ينتظره، فلما رآه ~~قال: ما فعلت؟ قال: امتثلت ما أمر به أمير المؤمنين، قال: فأين رأسه يا بن ~~الفاعلة؟ فرجع مسرور يعدو حتى أخذ رأسه في بريكة قبائه، فألقاه بين يديه، ~~وحملت جثته والقيد فيها، وصلب وهو في رجليه. PageV01P262 # قال سلام الأبرش: لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت، وهتكت الستور، وجمعت ~~المتاع، قال لي غير متغير ولا مضطرب: يا أبا سلمة، هكذا تقوم الساعة! ثم ~~بلغه قتل جعفر، فقال: الحمد لله، فإني بفضل ربي واثق، وبالخيرة منه عالم، ~~ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد، وما يغفر الله ~~أكثر، ولله الحمد على كل حال. # وأنفذ الرشيد مسرورا والحسن الخادمين، وأبا صالح يحيى بن عبد الرحمن ~~الكاتب، وإبراهيم بن حميد الكاتب، فقبض مالهم وعقاراتهم وضياعهم بالعراق، ~~وكانت مدتهم في الوزارة سبع عشرة سنة. # وذكر مسرور: أنه دخل على جعفر في الليلة التي قتله فيها، وبين يديه أبو ~~زكار الأعمى PageV01P263 ### | CHECK [145_2] # المغني وهو يغني: # عداني أن أزورك غير بغض ... مقامك بين مصفحة شداد # فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي # فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له والله من ذاك، قد والله طرقك، فأجاب ~~أمير المؤمنين، قال فدعني حتى أوصي، فتركته حتى أوصى بما أراد، وأعتق ~~مماليكه، وأتتني رسل أمير المؤمنين تستحثني لحمله. # فقال الرقاشي: # ألان استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي # فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وقطع الفيافي فدفدا بعد فدفد # وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود # وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي # ودونك سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند # وقال فيه أيضا: # أما والله لولا خوف ms159 واش ... وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام # وما أبصرت قبلك يابن يحيى ... حساما قده السيف الحسام # على المعروف والدنيا جميعا ... بدولة آل برمك السلام # وقال الآخر: # يا بني برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبلة # كانت الدنيا عروسا بكم ... فهي الآن ثكول أرملة # ويروى: اليوم # وحكي أن الرشيد قال للسندي بن شاهك، وكان يلي الجسرين ببغداد، إذا كان ~~بعد سنة من يومك هذا، فوكل بدور البرامكة وأسبابهم سرا. قال السندي: فلما ~~كان في ذلك الوقت، وكان الرشيد بعمر الأنبار، ومعه جعفر، وكلت بدورهم سرا، ~~على خوف مني ووجل، أن يبدو للرشيد في الرأي، وأن يتصل خبر توكيلي بهم، ~~فيكون سبب هلاكي، فظللت يومي مهموما، PageV01P264 ### | CHECK [146_2] # فلما أمسيت أقمت ليلتي في المجلس بالجسر في الجانب الشرقي، أتوقع خبرا ~~يرد علي من الرشيد، ووكلت من يراعي رسولا أو كتابا يرد من الرشيد، فلما كان ~~في السحر وافى فرانق ينعر على بغل، تحته خرج فيه جثة جعفر مقطوعة نصفين، ~~وكتاب الرشيد إلي بصلب كل نصف على أحد الجسرين، ففعلت ذلك. # فلما كان بعد سنة من ذلك، خرج الرشيد فجلس في مجلس الجسر الشرقي، وأحرق ~~جثة جعفر، وكان قد قدم من اليمن بالهيضم، وكان قد خرج بها، وبأسراء معه، ~~فقدمهم فضرب أعناقهم بين يديه، وكان أخرهم عديلا للهيضم، فلما تقدم السياف ~~لضرب عنقه قال: قل لأمير المؤمنين: إن عندي نصيحة، قال السندي: فوقف السياف ~~عن ضرب عنقه، وأخبرني بما قال، فأتيته وقلت: ما نصيحتك؟ قال أعلم أمير ~~المؤمنين أني الحفصي - وهو أبو عبد الله الذي كان يغني للمتوكل - وأني أحذق ~~الناس بغناء المعزفة وضربها، ولم تكن المعزفة عرفت بالعراق قبل ذلك. قال ~~السندي: فأعلمت الرشيد. قال: فأمره بالإمساك عنه واستبقائه، ثم دعا به من ~~يومه وقد جلس للشرب، فغناه فأطربه، فوهب له ثلاثين ألف درهم، وصيره في جملة ~~المغنين الذين يحضرون مجلسه. # وحكي عن الأصمعي قال: # لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلا، فراعني، وأعجلني الرسل، ~~فزادوا ms160 في وجلي، فصرت إليه، فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس، فجلست، ~~ثم قال: # لو أن جعفر أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمر ملجم # ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يرجو اللحاق به العقاب القشعم # لكنه لما تقارب يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم # ثم قال لي: الحق بأهلك. فنهضت ولم أحر جوابا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه ~~معنى، إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه. PageV01P265 # قال ميمون: حدثني عبيد الله بن سليمان بن وهب، قال: حدثني إسحاق بن منصور ~~قال: قال لي محمد بن الحصين الأهوازي: كنا مع جعفر بن يحيى بالرقة فنحن بين ~~يديه، وهو يأمر وينهي، إذ خلا بأنس بن أبي شيخ ناحية، ونحن نراه، فأدخل ~~صاحب الشرطة رجلا من أهل الذمة، فوقفه من بعيد، ودنا من جعفر، فقال له: قد ~~أحضرت الرجل الذي أمرت PageV01P266 ### | CHECK [147_2] # بإحضاره، قال: فقطع ما كان فيه مع أنس، والتفت ينظر إليه. قال: وكان ~~الرشيد قد أمر أهل الذمة بتغيير اللباس والركوب، ثم قال له وهو رافع صوته: ~~ما اسمك؟ قال: فلان بن فلان، قال: أبو من؟ قال: أبو فلان، قال: أنت ~~الحرباني؟ قال: نعم، قال: الرقعة التي رقعتها رقعتك؟ قال: نعم، قال: وما ~~فيها عنك وأنت تقوله؟ قال: نعم، قال: فأطرق جعفر ساعة ثم التفت إلى صاحب ~~الشرطة، فقال له: خذه إليك، فإن أمير المؤمنين أمرك بقتله وبصلبه، فارتعنا ~~لذلك القول، ولم نعرف الرجل، ولا الذي في رقعته. قال: فأخذ صاحب الشرطة ~~بيده، فقال له أنس بن أبي شيخ: اصلبه على أطول عود بالرقة، قال: فالتفت ~~إليه الحرباني فقال: إن شاء على أطول عود، وإن شاء على أقصره، ليس والله ~~يركبه بعدي غيرك. قال: فعجبنا من صرامته، ومن ذلك القول، وذهب به فقتل ~~وصلب. قال: فانتقلنا من موضع إلى موضع، ومن بلد إلى بلد، وكان بين هذا ~~القول وبين الحادث على البرامكة ثلاث سنين أو نحوها، فقتل جعفر بن يحيى ~~بالأنبار، وحملت جثته إلى بغداد، فصلبت على الجسرين قطعتين، فلما ms161 دخل ~~الرشيد الرقة قال لهم: ما فعل الحرباني الذي كان قال لجعفر ما قال، وما ~~فعلت خشبته؟ فقيل له: الخشبة على حالها، وجسم الحرباني على حاله، إلا أنه ~~قد بلى وبقى منه العظام، فقال: أنزلوه من الخشبة واصلبوا جثة أنس عليها. ~~فرأيت أنسا على تلك الخشبة ولم تعرف قصة الحرباني ولا ما كان من أمره، ~~وعجبنا من انتهاء الخبر في ذلك إلى الرشيد، وما قال الحرباني لجعفر، وصحة قوله. PageV01P267 # حدثنا محمد بن يحيى المروزي، قال: حدثنا أبو عثمان عمرو بن بحر، قال: كان ~~أنس بن أبي شيخ يكتب لجعفر بن يحيى، وكان زكيا فهما، نقي الألفاظ، جيد ~~المعاني، حسن البلاغة، فقتل مع جعفر بن يحيى. حدثنا محمد بن سعد عن أبيه ~~قال: حدثني الخزيمي، قال: كنت يوما عند الفضل بن يحيى، فدخل أنس فتحدث، ~~وأنشد، وتملح، وأندر، فأحسن في جميع ذلك، والفضل ينظر إليه ما ينبض منه ~~عرق، فأمسكت لإمساكه، فلما قام قلت: من هذا، جعلت فداك؟ فقال: هذا أنس عشيق ~~صديقك أبي الفضل، وما أدرى ما أعجبه منه إلا القدر المتيح ذلك. ثم كنت بعد ~~ذلك عند جعفر بن يحيى، فدخل سعيد ابن وهب الشاعر، فتحدث، وأنشد، وتملح، ~~وروى، وأتى بكل شيء حسن، وجعفر ينظر إليه ما ينبض له عرق، فلما قام قلت: ~~جعلت فداك من هذا؟ قال: عشيق صديقك أبي العباس، هذا سعيد بن PageV01P268 ### | CHECK [148] # وهب، فما أدري ما أعجبه منه لولا القدر الذي أتاح له ذلك، وكنت أعرف ~~الناس بأنس وبسعيد ولكني تجاهلت. # وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: أن رجلا دخل على أنس بن أبي شيخ، ~~ورأسه على مرفقه، والحجام يأخذ من شعره، قال: فقلت له: ما يحملك على هذا؟ ~~فقال لي: الكسل، قال: فقلت له: إن لقمان قال لابنه: إياك والكسل، إياك ~~والضجر، قال: ذاك والله لأنه لم يعرف لذة الكسل والفسولة. ومما حفظ من كلام ~~أنس: إن الله جل ثناؤه جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى ~~الدنيا عوضا، فيأخذ ما يأخذ ms162 مما يعطى، ويبتلي ما يبتلي به ليجزي. # وأقيم لولد يحيى ما يحتاجون إليه من مطعم ومشرب وملبس، ولم يقيد أحد ~~منهم، وقيد جميع كتابهم وقهارمتهم وحاشيتهم وأسبابهم، ولم يحبس يحيى، وبقى ~~في منزله موكلا به، ثم وجه إليه الرشيد يخبره: أي موضع شئت فأقم به، فوجه ~~إليه: إن كنت راضيا عني فأحب المواضع إلي أن أقيم فيه مكة أو بعض الثغور، ~~وإن لم ترض عني فلست أبرح من موضعي أو ترضى عني. وكان الرشيد كتب ليحيى ~~كتابا بخطه، يحلف له فيه بأيمان مغلظة: أن لا يبدأه بسوء، ولا يناله بمكروه ~~في نفسه، ولا في شيء من ماله وحاله، وأشهد بذلك على نفسه جميع أهله، ووجوه ~~قواده وأصحابه، فدفع يحيى الكتاب إلى الفضل ولده، وأمره بحفظه، فكان عنده ~~إلى أن أخذ من خزائنه، ولم يوجد ليحيى بن خالد إلا خمسة آلاف دينار، وللفضل ~~إلا أربعين ألف درهم، ولم يوجد لموسى شيء، ولا لجعفر شيء، ووجد لمحمد بن ~~يحيى سبع مائة ألف درهم. # وقد ذكر الحارث بن أبي أسامة في كتاب أخبار الخلفاء: # أنه وجد لجعفر بن يحيى بركة في داره التي في سويقة جعفر، فيها أربعة آلاف ~~دينار، ووزن كل دينار مئة دينار ودينار، وعلى كل دينار من أحد جانبيه: # وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر # ومن الجانب الآخر: # يزيد على مئة واحدا ... إذا ناله معسر ييسر PageV01P269 ~~ورأت دنانير، جارية يحيى بن خالد، بعد تقضى الأمر عنهم، وتقضي أيامهم، ~~جماعة من PageV01P270 ### | CHECK [149] # أصاغر أولادهم يلاعبون صبيان العامة، وقد خالطوهم، فقالت: # كأنهم وبنو الغوغاء حولهم ... در ومشخلب في الأرض منثور # قال ميمون بن هارون: قيل لعاتبة أم جعفر بن يحيى، بعد نكبتهم، وهي ~~بالكوفة في يوم أضحى: ما أعجب ما رأيت؟ فقالت: لقد رأيتني في مثل هذا اليوم ~~وعلى رأسي مئة وصيفة لبوس كل واحدة منهن وحليها خلاف لبوس الأخرى وحليها، ~~وأنا في يومي هذا أشتهي لحما، فما أقدر عليه. # وكان محمد بن يحيى بخيلا. فصحبه المختم الراسي الشاعر، ms163 بعد أن كان يصحب ~~محمد بن منصور بن زياد، الذي كان يلقبه الرشيد فتى العسكر، وكان كريما، ~~فأفاد معه مئة ألف درهم، فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى ابن خالد، فأنفقها ~~معه، ولم يتعوض منها شيئا. فقال: # أمحمد لولا النبي محمد ... وشرائع الإسلام والإيمان # ما كان فيك لغاسل من مغسل ... يا طاهرا في السر إلا وعلان # شتان بين محمد ومحمد ... حتى أمات وميت أحياني # فصبحت حيا في عطايا ميت ... وبقيت مشتملا على الخسران # وكان محمد بن يحيى قبيح البخل، فدخل يوما أبو الحارث جمير على يحيى ابن ~~خالد، وكان يألف محمدا، فقال له يحيى: يا أبا الحارث، صف مائدة محمد، قال: ~~هي فتر في فتر، وصحافه منقورة من حب الخشخاش، وبين نديمه وبين الرغيف نقدة ~~جوزة، قال: فمن يحضره؟ قال: الكرام الكاتبون، قال: فمن يأكل معه؟ قال: ~~الذباب. فقال: سوءة له، أنت خاص به وثوبك مخرق! قال: والله ما أقدر على ~~إبرة أخيطه بها، ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا، ثم ~~جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي يضمنان له عنه إبرة، ويسألانه ~~إعارته إياها، ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبره، ما فعل. # قال الفضل بن مروان حدثني مسرور الكبير، قال: PageV01P271 # دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى، وقد خرج من مرقده وهو يريد ~~الخلاء، فلما رآني أمر بكرسي فطرح له، وجلس عليه، ثم قال: إني سائلك عن ~~أمر، فلا تطول علي، فإني أريد التطهر، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه، ~~فقلت له: يسأل أمير المؤمنين PageV01P272 ### | CHECK [150] # عما أحب، فقال: أخبرني عما وجدته للبرامكة من المال والجوهر، فقلت له: ما ~~وجدت لهم شيئا من ذلك، قال: وكيف وقد نهبوا مالي، وذهبوا بخزائني! فقلت: ~~أنفقوا في المكارم، وأصبت لهم جوهرا لا يشبه أمثالهم، قال لي: فما يقول ~~الناس فينا وفيهم؟ فقلت: الله الله في أمري، فقال لي: مالك؟ فقلت: الصدق ~~يغضبك - وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كل شيء يسألنا ~~عنه، ms164 فخفت أن أصدقه فلا يعجبه، لأني كنت صدقته عن شيء من أمر الحرم، فغضب ~~علي، وحجبني أربعين يوما، فأذكرته بذلك، فقال: كان ذلك مني غلظا، ولن أعود ~~لمثلها - فقلت له: يقول الناس: إنك لم تف لهم، وإنك طمعت في أموالهم، قال: ~~فأي شيء حصلت منها؟ فقلت: ضياعهم، هي مال، قال: البس سيفك وأحضرني يحيى بن ~~خالد، فأقمه وراء الستر. PageV01P273 # فأحضرته، ثم خرج الرشيد من الخلاء، فقال لي: اخرج إليه، فقل له: ما حملك ~~على أن حملت إلى يحيى بن عبد الله بالديلم مائتي ألف دينار؟ فقلت له ذلك، ~~فقال: قل له: أليس قد صفحت عن هذا؟ فقال لي: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ فقلت ~~له ذاك، فقال: أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد الله، فيظفر به الفضل بعد ~~قوته، فيكون أحضى له عندك، فقال: قل له: فما يؤمنك أن تقوى شوكته، فيقتل ~~الفضل ويقتلني؟ وما حملك على أن أنفذت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع ~~غلامك رياح سبعين ألف دينار؟ فقلت له ذاك، ثم قال: قل له: أنت تعلم موقع ~~عيالي مني، فطلب منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم، وقد كان ورد من مال فارس ~~ستة آلاف ألف درهم، فقلت لي: إن أخذت منها درهما واحدا لهذا الشأن ذهبت ~~هيبتك، فأمسكت، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمس مئة ألف درهم، ففرقتها في ~~عمالك، فاحتلت أنا بقرض تولاه يونس، ما فرقته فيهم، ثم قال: قل له كذا، حتى ~~عدد أربعة عشر شيئا، ثم أمرني برده إلى محبسه، وقال: يا مسرور: يقول الناس: ~~إني ما وفيت! فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أحب أن تستجهلني، قال: وكيف؟ قلت: ~~كيف لي بأن يعلم الناس مثل علمي! لبودي أنهم علموا ذاك، على أني أعلم أنه ~~لو نودي فيهم دهرا من الدهور، ما قبلوه. # ووجه الرشيد في طلب الأموال، وضيق على البرامكة جميعا، وأساء إليهم، وضرب ~~الفضل بن يحيى مائتي سوط، تولاها مسرور الخادم، فقال له الفضل: أنت تعلم يا ~~أبا هاشم أني ms165 كنت أقي عرضي بمالي، فكيف أقي مالي بنفسي في هذا الوقت؟ والله ~~ما عندي شيء، ولو PageV01P274 ### | CHECK [151] # كان عندي ما سترته، ولا وريت عنه. فلم يوجد عندهم شيء غير ما أخذ. وأشفى ~~الفضل من ضرب السوط على أمر عظيم، فأمر يحيى بعض أسبابه أن يطلب من يعالجه، ~~فالتمس رجلا ممن قد حبس وعوقب من الشطار، فوجد رجلا منهم، فجاء به وقد غير ~~زيه، كأنه بعض حاشيتهم، ثم ابتدأ يعالجه، فلقي مكروها شديدا من ألم العلاج، ~~ثم صلح وعوفي، فقال الفضل بن يحيى لقهرمانه: ما عندنا شيء نكافئ هذا الرجل، ~~فصر إلى يحيى بن معاذ، فسله عشرة آلاف درهم، فادفعها ليه، فصار قهرمانه إلى ~~يحيى، فأعطاه المال، وصار به إلى الرجل، فلما رآه انتهز وصاح به، وقال له: ~~أنا في هذا الحد! فرجع إلى الفضل فأخبره، فظن أنه استقلها، فأمره أن يستزيد ~~يحيى عشرة آلاف درهم، ففعل، وصار بالمال إلى الفتى، فأعاد انتهاره، ثم قال: ~~لو جئتني بما يملكه الخليفة ما قبلته منك، أنا ممن يأخذ على معروف أجرا! ثم ~~شخص الرشيد إلى الرقة، وشخص يحيى بن خالد معه وهو مطلق، وحمل ولده جميعا، ~~موكلا بهم إبراهيم بن حميد المروزي، فلما وصلوا إلى الرقة، وجه الرشيد إلى ~~يحيى: أقم حيث أحببت، فوجه إليه: إني أحب أن أقيم مع ولدي، فوجه إليه: ~~أترضى بالحبس؟ فذكر له أنه يرضى، فحبسه معهم، ووسع عليهم، وأطلق لهم وصول ~~ولدهم وحرمهم إليهم، ووصل أم الفضل ابن يحيى بثلاث مائة ألف درهم، ووجه ~~إليها ثيابا مرتفعة، وكان أحيانا يوسع عليهم، وأحيانا يضيق عليهم، على حسب ~~ما يرقى إليه أعداؤهم، ويمسكون عنهم. # وحكي أن ابنة ليحيى بن خالد دخلت عليه الحبس، فقالت له: عندي مويل قد ~~سلم، فأي شيء ترى أن أصنع به؟ فقال لها: شاوري مقبل الأمر من كان، ثم اعملي ~~برأيه، فإني مدبر، والمدبر مدبر الرأي، ولن أشير عليك بشيء، فتعرفي فيه خيرا. # وحكي أن يحيى بن خالد اشتهى في وقت من الأوقات في محبسه وهو ms166 مضيق عليه، ~~سكباجة، فلم يطلق له اتخاذها إلا بمشقة، فلما فرغ منها سقطت القدر من يدي ~~المتخذ لها، فانكسرت، فقال يحيى يخاطب الدنيا: PageV01P275 # قطعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حل ومن ترحال # ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فحططت عن ظهر المطي رحالي # فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي ... يا دار كل تشتت وزيال PageV01P276 ### | CHECK [152] # والآن صار لي الزمان مؤدبا ... فغدا وراح علي بالأمثال # وذكر أحمد بن خلاد، قال: حدثني غزوان بن إسماعيل، قال: # لما حبس يحيى بن خالد مع الفضل ولده، وضيق عليهما، ومنعا من الناس، ومنع ~~الناس منهما، كتب الموكل بهما في بعض الأوقات: إني سمعتهما يضحكان ضحكا ~~مفرطا جدا، فوجه الرشيد مسرورا يستعلم ذلك، ومم هو؟ فأتاهما مسرور وقال: ما ~~هذا الضحك المفرط الذي بلغ أمير المؤمنين، فأحفظه وقال: ما هذا إلا استخفاف ~~بغضبي، فازدادا ضحكا، فقال مسرور: ليس هذا بصواب، لأني أتخوف عليكما من ~~عاقبتة أعظم مما أنتما فيه، فما القصة والسبب الذي حداكما على ما انتهى إلى ~~أمير المؤمنين عنكما؟ وما الذي أرى منكما؟ فقالا: اشتهينا سكباجا، فاحتلنا ~~في شرى اللحم، ثم احتلنا في القدر والخل، حتى إذا وصل جميع ذلك لنا، وفرغنا ~~من طبخها وأحكمناها، ذهب الفضل لينزلها، فسقط أسفلها، فوقع علينا الضحك ~~والتعجب مما كنا فيه، ومما صرنا إليه. فذهب مسرور الخادم إلى الرشيد، ~~فأعلمه بالقصة، فبكى وقال: احمل إليهما مائدة في كل يوم، وأذن لرجل ممن ~~يأنسان به أن يدخل عليهما، فيحدثهما، فقال لهما مسرور ذلك، وسألهما عمن ~~يختارانه، فاختارا سعيد بن وهب الشاعر، وكان لهما خادما، فأذن له في الدخول ~~عليهما. فكان يصير إليهما في كل يوم، فيتغدى معهما، ويحدثهما وينصرف. PageV01P277 # ثم إن الرشيد بعث مسرورا يوما، فقال له: انظر ما يصنعان، فدخل مسرور بغتة، ~~فوجد يحيى قاعدا، والفضل ساجدا، فقال له: يا أخي، يا حبيبي، فلم يجبه، فدنا ~~منه، فإذا هو نائم يغط، فرجع إلى الرشيد فأخبره، فقال: أي شيء كان عليه؟ ~~قال: كان عليه طمر قد سمل، قال: خذ ذاك الدواج ms167 السمور، فاطرحه عليه ولا ~~تنبهه، ففعل مسرور ذلك وانصرف، فلما أحس الفضل بالدفء انتبه، فقال لأبيه: ~~يا أبت، ما هذا الدواج؟ قال: يا بني، جاء مسرور وهتف بك، فلم تجبه، ورأى ما ~~عليك، فذهب إلى الرشيد، فأخبره بذلك، فرق قلبه لك، فوجه معه بهذا الدواج، ~~وإني لأرجو أن يكون سبب الرضا عنا، والفرج لنا. وصار إليهما سعيد بن وهب، ~~فسأل عن خبر الدواج، فأعلماه فسر وقال: أرجو أن يكون سبب الرضا. فبينا سعيد ~~يحادثهما، سمع الفضل هاتفا يذكر خشفا معه ليبيعه، فذكر بذلك بعض من كان ~~يحظيه، فأظهر اغتماما وقلقا وجزعا شديدا، ففطن سعيد بحاله، وسأله، فأعرض عن PageV01P278 ### | CHECK [153] # إخباره، وقال له: ما تحفظ مما يشبه ما تراه من الأحاديث والأخبار ~~والأشعار التي رويت؟ فقال: قول مجنون بني عامر: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منا ... فهيج أطراب الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلي طائرا كان في صدري # فقال: أحسنت، خذ الدواج فهو لك، فأبى أن يفعل ذلك، وطالبه الفضل بأخذه، ~~فقال: ما أصنع به إذا أخذته والسجان لا يدعني أخرجه؟ فأرسل إلى السجان ~~يسأله إطلاق إخراجه له، فقال: لابد لي من إعلان مسرور بذلك، لأني لا آمن أن ~~يتأدى إليه، وكتب إليه الخبر، وكتب بالخبر إلى مسرور، فأنهى ذلك إلى ~~الرشيد، ففكر مليا، ثم قال: ما وهبناه له ونحن نريد أن نرتجعه منه، فليهبه ~~لمن يشاء، فأخذ سعيد الدواج، ثم نهض، فقال له الفضل: بقى عليه مالا آمنه، ~~قال: وما هو؟ قال: الخوف أن يسأل عن السبب الذي له أعطيتك الدواج، فإن ذكرت ~~القصة على جهتها، كان في ذلك ما لا آمن مكروهه، ولكن سبب لذلك سببا من بعض ~~أشعارك وأخبارك وملحك، وأدر ذلك بيني وبينك، فأينا سئل عن السبب خبر به، ~~فلم يختلف الخبران، قلت: والله ما أدري ما أحدثك به، قال: هات ما أمكنك، ~~قال: قلت: كان لي باب صغير إلى داري لا يدخل منه إلا المرد، وكان لي خادم ~~موكل بذلك الباب، ms168 فأتاني يوما، فزعم أن إنسانا ألحى بالباب يستأذن، فقلت: ~~يا هذا، أمرتك بالاستئذان لمثل هذا؟ # فقال: إني قد عرفته السنة، فأبى إلا الاستئذان له، وزعم أنه ممن كان يدخل ~~من هذا الباب، فقمت فاطلعت، فإذا هو حريف كان لي قد غاب غيبة، فاتصلت لحيته ~~فيها، وجاء لعادته، فرجعت إلى مجلسي، وكتبت إليه: # قل لمن رام بجهل ... مدخل الظبي الغرير # بعد ما علق في خديه ... مخلاة الشعير # ليته يدخل إن جاء ... من الباب الكبير PageV01P279 ~~ووجهت بالرقعة إليه، فلما قرأها ضحك، وجاء إلى الباب الكبير، فاستأذن، ~~فأذنت له. فقال الفضل: أحسنت والله وملحت، وقام فكتب الأبيات على الحائط، ~~وخرج سعيد، فعرج له رسل الرشيد، فأخذوه فأدخلوه عليه، فلما سلم قال له: يا ~~سعيد، بأي شيء حدثت الفضل، وأي شيء أنشدته حتى أعطاك الدواج؟ قلت: أو ~~تعفيني يا أمير المؤمنين، فإنه شيء كان PageV01P280 ### | CHECK [154] # في الحداثة؟ قال لابد أن تخبرني، قلت: فيؤمنني أمير المؤمنين، فإني والله ~~ما أنا على ذلك اليوم، ولقد وقرتني السن، ونزهتني عنه، قال: لك الأمان. ~~فحدثته الحديث، وأنشدته الشعر، فضحك حتى بدت نواجذه، وأمر لي بثلاثين ألف درهم. # وكتب يحيى بن خالد إلى صديق له وهو في السجن، وقد كتب إليه يسأله عن ~~حاله، فوقع في كتابه: أفضل الناس حالا في النعمة من استدام مقيمها بالشكر، ~~واسترجع فائتها بالصبر. # وكتب أيضا إلى أخيه محمد من الحبس: أنكرت صديقي، وعرفت عدوي. واحتاج يحيى ~~إلى شيء، فقيل له: لو كتبت إلى صديقك فلان؟ قال: دعوه يكن صديقا. # قال إسماعيل بن صبيح: # كنت يوما بين يدي يحيى بن خالد، فدخل عليه جعفر، فلما رآه أشاح بوجهه ~~عنه، وتكره رؤيته، فلما انصرفت قلت له: أطال الله بقاءك! تفعل هذا بابنك ~~وحاله عند الرشيد حاله، لا يقدم عليه ولدا ولا وليا! فقال: إليك عني أيها ~~الرجل، قال: فو الله لا يكون هلاك أهل هذا البيت إلا بسبه. فلما كان بعد ~~مدة من ذلك دخل عليه أيضا جعفر وأنا بحضرته، ففعل به مثل فعله الأول، ms169 فأعدت ~~عليه القول، فقال لي: أدن مني الدواة، فأدنيتها، فكتب كلمات يسيرة في رقعة، ~~وختمها ودفعها إلي، وقال لي: لتكن عندك، فإذا دخلت سنة سبع وثمانين ومضى ~~المحرم، فانظر فيها، فلما كان في صفر أوقع الرشيد بهم، فنظرت فيها، فكان ~~الوقت الذي ذكره. # قال إسماعيل بن صبيح: وكان يحيى بن خالد أعلم الناس بالنجوم. # ومما حكي من سعي الفضل بن الربيع على البرامكة، ما حكاه محمد بن داود بن ~~الجراح في كتابه المسمى كتاب الوزراء، عن محمد بن إبراهيم مولى خديجة بنت ~~الرشيد، عن أبيه، وذكر أنه حضر ذلك، قال: PageV01P281 # نادم الفضل بن الربيع الرشيد، وخص به، فقال لجعفر: قلد الفضل بريد ناحية ~~يأخذ رزقها، ويستعين به على خدمتي، فقال له جعفر، بسلاسة خلقه: اختر، فقال ~~الموصل وديار ربيعة، فأمر أن تكتب كتبه عليها، فراح بها إلى أبيه، فلما ~~عرضها عليه، وعرفه حال الفضل وخصوصيته، غضب يحيى وقال: هذه ناحية إلى أخيك، ~~وقد صرفناه عن أرمينية ونصرفه عن هذه! وكان ولى خراج أرمينية وحربها وصرف ~~عنها، فقال: ما كنت لأفعل! فقال: PageV01P282 ### | CHECK [155] # فالموصل، فقال: لا والله، فكره جعفر إغضاب أبيه، ودافع الفضل، وقرب عليه ~~المواعيد. وكان البرامكة قد فارقوا الرشيد على شيء يطلقونه له من المال ~~للحوادث، سوى نفقاته وما يحتاج إليه هو وعياله، فعزم على الفصد، فقال ~~لجعفر: يا أخي أنا على الفصد وأريد التشاغل بالنساء، فكم تبعث إلي لما ~~أهيئه لهن؟! قال: ما شاء أمير المؤمنين؛ قال: عشرة آلاف درهم؛ قال: وأين ~~المال؟ ولكن خمسة آلاف درهم؛ قال: فهاتها، فبعث بها إليه؛ ثم قال لجلسائه ~~وقد اقتصد: أي شيء تهدون إلى؟ فقال كل واحد منهم: قد أعددت كذا وكذا، ~~واحتال الفضل بن الربيع في التخلص إلى منزله، فرهن حقه من قطيعة الربيع، ~~وهو العشر، على مائة ألف درهم عند عون الجوهري الحري؛ فقال: إني أريد أن ~~أهديها إلى الخليفة، فصيرها جددا ضربا، في عشرين بدرة ديباج، مختمة بفضة، ~~وكان عون يحفظ للربيع يدا، فقال للفضل: أصابت نفسك عن ms170 جميع نعمتك في هدية ~~اليوم؟ فأعلمه أن له عند الرشيد مواعيد؛ فقال له عون: فإن عندي خادمين ~~مملوكين روميين، أحدهما ناقد، والآخر وزان، جميلي الصورة مراهقين وقد ~~وهبتهما لك، وأحضره تابوت آبنوس محلى بالفضة، فصير البدور فيه مع الطيارات ~~والموازين والصنجات، وأقفله بقفل فضة، وغشاه بديباج، وكسى الغلامين ~~الديباج، وألبسهما المناطق والمناديل المصرية، ووجه بهما وبالتابوت مع من ~~يحمله إلى دار الندماء، فلما ثنى الرشيد الدم قال: اعرضوا علي هداياكم، ~~فقدمت هدية يحيى وجعفر والفضل بن يحيى، من فاكهة ومشام، وما أشبه ذلك، وعرض ~~عيسى بن جعفر وغيره هداياهم، فقال للفضل بن الربيع: أين هديتك يا عباسي؟ ~~وبذلك كان يدعوه؛ قال: أحضرها يا أمير المؤمنين، فقال: تجده قد ابتاع هدية ~~بخمسين درهما، فقال للفراشين: احملوها، فحملوها شيئا راع الرشيد لما رآه، ~~وكشفوا عن التابوت فاستحسنه، ثم حضر الغلامان، ففتح أحدهما القفل، فأخرج ~~الموازين والأوزان، وأخرج الآخر البدور، ففتح بدرة، واستوفى وزنها PageV01P283 ~~وختمها، فلم يدر الرشيد ما يستحسن، من جلالة الهدية، واستطير فرحا، وأمر ~~بحمل المال، وإدخال الغلامين إلى دار النساء، ليفرقا المال على ما يأمرهما ~~به، وقال للفضل: ويلك يا عباسي! من أين لك هذا؟ قال: سيعرفه أمير المؤمنين، ~~قال: لتقولن، قال: بعت حقي من قطيعة الربيع لأسرك، لما رأيتك قد فصدت وأنت ~~مغموم، قال: والله لأسرنك، وقام فدخل. وانصرف جعفر يجر رجليه إلى أبيه، ~~فحدثه الحديث، فكتب كتب PageV01P284 ### | CHECK [156] # الفضل على بريد الموصل وديار ربيعة وديار مضر وختمها، وبعث بها إليه ~~فردها، وقال: لا حاجة بي إليها، ولم يزل يحمل الرشيد عليهم، حتى أوقع بهم. # وحكي عن الفضل بن الربيع أنه قال: صرت إلى يحيى بن خالد فسألته حاجه، ~~فتقاعد علي فيها، فقمت وأنا أقول: # عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور # فتقضي لبانات وتشفى حسائك ... وتحدث من الأمور أمور # قال: فقال: نعم يحدث الله من بعد الأمور أمورا، أقسمت عليك يا أبا العباس ~~لترجعن، وهذه الحاجة على في مالي إلى أن أكلم الخليفة. قال: فما بت ms171 حتى ~~وافتني. # وحكي عن الفضل بن الربيع أنه مشى على مسناة جعفر بن يحيى، التي كان ~~يبنيها بباب الشماسية، ومعه إنسان يأنس به، فركل آجرة برجله، فرمى بها إلى ~~دجلة، ثم قال لصاحبه: كيف رأيت؟ فقال له الرجل: وأي شيء في هذا الضرر حتى ~~تفعله؟ فقال له الفضل: أفترى فيه منفعة له يا حبيبي؟ # وذكرت بهذا الفعل والقول حكايتين متضادتين عن رجلين ليسا من أهل عصر ~~الفضل بن الربيع، ولكن الشيء يذكر بمثله، فأما إحداهما، فإن محمد ابن أحمد ~~بن حبيش، كاتب ابن بسطام قال: حدثني أبي قال: كنت أساير نجاح بن سلمة وإلى ~~جانبه رجل من نظرائه كان يعاديه، قال: فوصلنا إلى وحل في الطريق، فتأخر ~~نجاح، حتى تقدمه الرجل، ثم أسرع السير في الوحل، حتى ملأ دراعته، ثم أقبل ~~علي فقال: كيف رأيته؟ فقلت: يا سيدي، وأي شيء في هذا حتى تسر به؟ فقال: إذا ~~كان لك عدو فلا تستقل له قليل الشيء، ولا تستكثر له كثيرة. PageV01P285 # والأخرى: فإنه كان بين أحمد بن المدبر وبين علي بن عيسى بن يزدانيروذ عداوة ~~مشهورة، وكانت لعلي مقاطعة يكتب له بها من الدواوين في كل سنة، فلما حضر ~~وقت الكتاب، وأحمد يتقلد الديوان، قال علي ابن عيسى لصاحبه: ادخل الديوان ~~سرا، واغرم غرما، حتى تأخذ الكتاب بالمقاطعة، ولا يراك أحمد فيبطلها؛ ففعل ~~ذلك صاحبه واجتهد في ستر الأمر، وانتهى الخبر إلى أحمد بن مدبر قبل فراغه، ~~فدعا به، وأنكر عليه مساترته له، ودعا بالكتاب، حتى انتسخوا الكتاب بحضرته، ~~وعلموا عليه، ودفعه إليه؛ فأفاض الرجل PageV01P286 ### | CHECK [157] # في شكره وكثر، وقال له: تقول له: أظننت أرضى فيك بالمحقرات، وأقتصر علي ~~أن أعترض عليك في مقاطعتك؟ هيهات! الأمر بيني وبينك أعظم من ذلك، ليس بيني ~~وبينك إلا الدم. # وقال عبد الله بن سليمان: # إذا أراد الله عز وجل هلاك قوم وزوال نعمتهم، جعل لذاك أسبابا، فمن أسباب ~~زوال أمر البرامكة تقصيرهم بالفضل بن الربيع، وقصدهم محمد ابن جميل. # ولما نكب يحيى كتب إلى الرشيد: ms172 إن كان الذنب يا أمير المؤمنين خاصا، فلا ~~تعم بالعقوبة، فإن لي سلامة البري: ومودة الولي. فوقع في حاشية كتابه: قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان. # وقال موسى بن نصير الوصيف: حدثني أبي قال: غدوت على يحيى بن خالد في آخر ~~أمرهم، أريد عيادته من علة كان يشكوها، فوجدت في دهليزه بغلا مسرجا، فدخلت ~~إليه وكان يأنس بي، ويفضي إلي بسر. فوجدته مفكرا مهموما، ورأيته متشاغلا ~~بحساب النجوم، وهو ينظر فيه، قال: فقلت له: إني لما رأيت البغل مسرجا سرني، ~~لأني قدرت انصراف العلة، وإن عزمك الركوب، فقد غمني ما أراه من همك. قال: ~~فقال لي: لهذا البغل قصة، وذاك أني رأيت البارحة في النوم كأنني راكبه، حتى ~~وافيت رأس الجسر من الجانب الشرقي، فوقفت، فإذا أنا بصائح يصيح من الجانب الآخر: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # قال: فضربت بيدي فوق قربوس السرج وقلت: # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # قال: فانتبهت، فلم أشك أنا أردنا بذلك المعنى، فلجأت إلى أخذ الطالع، ~~فأخذته، وضربت الأمر ظهرا لبطن، فوقفت على أنه لا بد من انقضاء مدتنا، ~~وزوال أمرنا. قال: فما كاد يفرغ من كلامه حتى دخل مسرور الخادم ومعه جؤنة ~~مغطاه، وفيها رأس جعفر، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: كيف رأيت نقمة ~~الله من الفاجر؟ فقال يحيى: قل له يا أمير المؤمنين، أرى أنك أفسدت عليه ~~دنياه، وأفسد عليك دينك. PageV01P287 # وقال محمد بن إسحاق: لما قتل جعفر قيل ليحيى: قتل الرشيد ابنك، فقال: كذلك ~~يقتل ابنه، فقيل: قد أمر بتخريب ديارك، فقال: كذلك تخرب دياره. PageV01P288 ### | CHECK [158] # وحكي أن هذا القول من يحيى اتصل بالرشيد، فسأل عنه مسرورا، فجحده إياه، ~~إلى أن أقسم عليه، فحكاه له، فقال له: قد والله خفت قوله، لأنه ما قال لي ~~شيئا قط إلا رأيته. # وقال عبيد الله بن يحيى بن خاقان: سألت مسرورا الكبير في أيام المتوكل، ~~وكان قد عمر إليها، ومات فيها، عن سبب قتل ms173 الرشيد لجعفر، وإيقاعه ~~بالبرامكة، فقال: كأنك تريد ما تقوله العامة فيما ادعوه من أمر المرأة، ~~وأمر المجامر التي اتخذها للبخور في الكعبة؟ فقلت له: ما أردت غيره، فقال: ~~لا والله، ما لشيء من هذا أصل، ولكنه من ملل موالينا وحسدهم. # ولما نكب الرشيد البرامكة قال: أريد أن استعمل قوما لم يعملوا معهم؟ فقيل ~~له: لا تجد أحدا لم يكن يخدمهم. فاختار أشف من وقع في نفسه من عيون ~~أصحابهم، فقلد محمد بن أبان خراج الأهواز وضياعها، وقلد علي ابن عيسى بن ~~يزدانيروذ خراج فارس وضياعها، وولى الفيض بن أبي الفيض الكسكري خراج كسكر ~~وضياعها، وولى الخصيب بن عبد الحميد مصر وضياعها. # وفي الخصيب يقول أبو نواس الحسن بن هانئ: # أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلا كما بحر # لا تقعدا بي عن مدى أملي ... شيئا فما لكما به عذر # ويحق لي إذ صرت بينكما ... ألا يحل بساحتي ضر # ويروى: فقر. PageV01P289 # وذكر محمد بن العباس اليزيدي أن ابن أخي الأصمعي حدثه قال: كتب الخصيب إلى ~~أبي نواس يستزيره، وكان خاصا به، فخرج إليه، وخرج في وقت خروجه جماعة من ~~الشعراء لامتداح الخصيب، ولم يعرفوا خبر خروج أبي نواس، حتى اجتمعوا ~~بالرقة، فقال بعضهم لبعض: هذا أبو نواس يمضي إلى الخصيب، ولا فضل فيه لأحد ~~معه، فارجعوا عن قرب، وبلغ أبا نواس ما عملوا عليه من الرجوع، فصار إليهم ~~مسلما، ثم قال لهم: قد بلغني ما عزمتم عليه من الرجوع، فلا تفعلوا وامضوا ~~حتى نصطحب، فإني والله لا أبدأ إلا بكم، فشكروه، وسكنوا إلى قوله، ومضوا ~~حتى قدموا. واتصل خبر أبي نواس بالخصيب، فجلس له جلوسا عاما في مجلس جليل، ~~ودخل إليه والشعراء في دهليزه، فسلم عليه، وقال: # يا أيهذا الملك المؤمل ... قد استزرت عصبة فأقبلوا PageV01P290 ### | CHECK [159] # وعصبة لم تستزرهم طفلوا ... رجوك في تطفيلهم وأملوا # وللرجاء حرمة لا تجهل ... فافعل كما كنت قديما تفعل # فاستحسن الخصيب قوله وكل من حضره، وقال له الخصيب: من شريكك؟ فعرفه أبو ~~نواس خبر الشعراء، فقال: اجلس فقدر ms174 لهم صلاتهم، على حسب مقاديرهم في نفسك، ~~فقدر أبو نواس لهم صلاتهم، وعرضها عليه، فوقع بإطلاقها، فأطلقت من وقتها، ~~وقال له: اخرج ففرقها عليهم، من يومك، واصرفهم، ففعل ذلك، وعاد إليه. # وله فيه: # يا بنتي أبشري بميرة مصر ... وتمني وأسرفي في الأماني # أنا في ذمة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف زمان # قد علقنا من الخصيب حبالا ... أمنتنا طوارق الحدثان # لا تخافي علي غول الليالي ... فمكاني من الخصيب مكاني # وكان يكتب للخصيب أبو عبد الحميد بن داود البلاذري، المؤلف لكتاب البلدان ~~وغيره من الكتب، وله أشعار حسان. وقلد الرشيد أبا صالح بن عبد الرحمن ديوان ~~الخراج بمدينة السلام. # قال أبو العباس بن الفرات: حدثنا هارون بن مسلم، قال: دخل الرشيد على أم ~~جعفر، فقال لها: قد تهتك كاتبك سعدان فاعز ليه، قالت: وبأي شيء تهتك؟ قال: ~~بالمرافق والرشا، حتى قال فيه الشاعر: # صب في قنديل سعدان ... مع التسليم زيتا # وقناديل بنيه ... قبل أن تحفى الكميتا # فقالت له: وقد قال الشاعر في كاتبك أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن: أشنع من ~~هذا، فقال: وما قال؟ قالت: قال: # قنديل سعدان على ضوئه ... فرج لقنديل أبي صالح # تراه في مجلسه أخوصا ... من لمحه للدرهم اللائح # فقال لها: كذب على كاتبي وكاتبك. # قال هارون بن مسلم: بلغني أنها قالت هذا الشعر في تلك الساعة. PageV01P291 ### | CHECK [160] # ولما صرف سليمان بن عمران عبد الله بن عبدة عن ديوان الخراج، واتصل خبره ~~بعبد الله، وأمر ببغلته فشدت، وأخذ فلما من دواته، فصيره على أذنه، فلما ~~قيل له: إن سليمان قد صرفك عن الديوان، رمى بالقلم وقام. فسئل عن سبب ما ~~فعله، فقال: أحببت أن يكون هذا سنة في ولاة الدواوين: إذا صرفوا لم يكن ~~عليهم إلا وضع القلم فقط. # وقال الرشيد يوما للفضل بن الربيع في كلام جرى: كذبت، فقال له: وجه ~~الكذوب لا يقابلك، ولسانه لا يخاطبك. # ووجه إسماعيل بن صبيح إلى سعيد بن هزيم برذونا، وكتب إليه: لين المرفوع، ~~وطئ الموضوع، حسن المجموع. # وقلد الرشيد ms175 إسماعيل بن صبيح ديوان الخراج، ثم ديوان الرسائل. # قال سليمان بن أبي شيخ: حدثني يحيى بن المغيرة، عن إسماعيل بن أبي حنيفة، ~~عن أبي بكر بن عياش، قال: # قدم هارون الرشيد الكوفة فأرسل إلي أن أحدث المأمون، فحدثته نيفا وأربعين ~~حديثا، فلما فرغت منها قال لي رجل كان بحضرته: أتحب يا أبا بكر أن أعيد ~~عليك ما حدثت به؟ قلت: نعم، فأعاد جميعه، ما أسقط حرفا، فقال له أبو بكر: ~~من أنت؟ فقال المأمون: هذا إسماعيل بن صبيح، قال: فقلت لإسماعيل بن صبيح: ~~القوم كانوا أعلم بك حيث وضعوك هذا الموضع. # ثم ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسر على ما فرط منه في ~~أمرهم، وخاطب جماعة من خواصه بأنه لو وثق بصفاء النية منهم لأعادهم إلى ~~حالهم. وكان كثيرا ما يقول: حملونا على نصحائنا وكفاتنا، وأوهمونا أنهم ~~يقومون مقامهم، فلما صرنا إلى ما أرادوا منا، لم يغنوا عنا شيئا، وينشد: # أقلوا علينا لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا PageV01P292 ~~وكان الحسن بن عيسى يكتب لعمرو بن مسعدة، ولما حمل البرامكة إلى الرقة، ~~استقبل الحسن بن عيسى يحيى بن خالد وهو يسير، وكان لهم عنده معروف. قال ~~الحسن: فلما بصرت به وتأملني، قلت: لا يراني الله أمنعه من نفسي في هذا ~~الوقت شيئا كنت أبذله له قبل ذلك اليوم، فنزلت عن دابتي مترجلا له، فصاح ~~بي: إياك إياك! فلم ألتفت إلى زجره، PageV01P293 ### | CHECK [161] # ودنوت منه، فسلمت عليه، فقال لي: اسمع مني، وافهم عني: إن هذا الأمر لو ~~بقى فيمن كان قبلنا لم يصل إلينا، ولو بقى فينا لم يصل إلى من بعدنا، ولابد ~~للأعمال من تصرف، وللأمور من تنقل، وقد كنا قبل اليوم دواء فأصبحنا داء، ~~فلا تعد. قال: فكنت أراه بعد ذلك كثيرا من سفره، فلا أفعل ما أنكره علي. # وذكر الكرماني. أن الفضل بن يحيى نقل من محبس كان فيه إلى محبس آخر، فوقف ~~له بعض العامة، فدعا عليه، وأنه اضطرب من ms176 ذلك اضطرابا لم ير مضطربا قبله ~~مثله في شيء من حوادث النكبة، وأنه قال لبعض من كان معه: أحب أن تلقى هذا ~~الرجل، وتسأله عما دعاه إلى ما كان منه؟ وهل لحقه من بعض أسبابنا، على غير ~~علم منا، ظلم فنتلافى ما خلا؟ فصار رسوله إليه، وسأله عما دعاه إلى ما كان ~~منه، وهل لحقه ما يوجبه؟ قال: فقال: لا والله، ما لحقني ما أوجب ذلك، ولكن ~~قيل لي: إن هؤلاء كلهم زنادقة. فلما عاد الرسول إليه بذلك قال: قد والله ~~سريت عني، وفرجت ما بي، وأزلت ما لحقني، ثم أنشد: # غير ما طالبين ذحلا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا # وهذا البيت من قصيدة لأبي زبيد الطائي يمدح بها الوليد بن عقبة، عامل ~~عثمان على الكوفة، أولها: # من يرى العير لابن أروى على ظهر ... والمروري حداتهن عجال # وفيها يقول: # أصبح البيت قد تبدل بالحي ... وجودها كأتها الأقتال # غير ما طالبين ذحلا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا # من يخنك الصفاء أو يتبدل ... أو يزل مثل ما تزول الظلال # فاعلمن أنني أخوك أخو الصد ... ق على العهد أو تزول الجبال # لست ما عشت ذاخرا عنك شيئا ... أبدا ما أقل نعلا قبال # فلعمر الإله لو كان للسيف ... مصال أو للسان مقال # ما تناسيتك الصفاء ولا الود ... ولا حال دونك الأشغال # فلك النصر باللسان وبالكف ... إذا كان لليدين محيال # وذكر أحمد بن داود بن بسطام عن أبيه، وكان يخلف الفضل بن الربيع: أنه نقل ~~الفضل بن PageV01P294 ### | CHECK [162] # يحيى من محبسه إلى محبس، فأصاب في ثني مصلاه رقعة فيها: # إن العزاء على ما ناب صاحبه ... في راحة من عناء النفس والتعب # والصبر خير معين يستعان به ... على الزمان ومن ذا فيه لم يصب # لو لم تكن هذه الدنيا لها دول ... بين البرية بالآفات والعطب # إذا صفت لأناس قبلنا وبهم ... كانت تليق ذوي الأخطار والحسب # ولم تنلها وفيما قد ذكرت أسى ... وعبرة لذوي الألباب والأدب # ألستم مثل من قد كان قبلكم ... فارضوا وإن أسخطتكم ms177 نوبة العقب # نضو الحوادث نضو ليس ينفعه ... شيء سوى الصبر من كد ومن تعب # والله ما أسفي إلا لواحدة ... ألا أكون تقدمت المنون أبي # فكان يؤجر في ثكلي ويتبعني ... دعاؤه لي دعاء الوالد الحدب # قال: فسألت السجان عنها؟ فقال: قالها البارحة لما أتيته بالمصباح. # وذكر عيسى بن يزدانيروذ، وكان أحد كتابه، قال: دعاني الرشيد وأخلاني ~~وأدناني جدا جدا، ثم سألني عن حال جعفر، وهل وقفت على أنه أراد غدرا به، أو ~~حيلة لقتله؟ قال: فحلفت له أيمانا أكررها أني ما عرفت هذا منه قط، ولا ~~وجدته حائدا عن طاعة، ولا مقصرا في موالاة، ولا تاركا معاداة من ظن به ~~انحرافا عنه، وموالاة من وثق بموالاته، قال: فاستعادني اليمين ثلاثا، فلما ~~كررتها بكى وقال: يا أسفي عليك يا جعفر! # قال: ثم أمر برد ما لي علي، وتقليدي ما كنت أتقلده أيام جعفر، وهو ~~الطراز، وقال لي: قد جعلت الفضل بن الربيع بيني وبينك، فالقه. # وكان عيسى بن يزدانيروذ أول من لبس شاشية من الكتاب، وكان سبب ذلك أنه ~~احتاج إلى لبس القباء والسيف، من أجل ما يتقلده من نفقات الخاصة، فلبس شاشية. PageV01P295 # ثم توفي يحيى بن خالد حتف أنفه في الحبس بالرقة، بعد انصراف الرشيد من الري ~~بثلاثة أيام، في المحرم سنة تسعين ومائة، وسنة أربع وستون سنة، فجأة من غير ~~علة تقدمت، وصلى عليه ولده، فاغتم الرشيد غما شديدا، وقال: اليوم مات أعقل ~~الناس وأكملهم، ثم وجه إلى ولده: هل أوصى بشيء، أو تقدم في شيء؟ فقالوا: ما ~~عرفنا شيئا من ذلك، بلى، وجدنا كتابا كتبه وختمه ووضعه تحت رأسه، فوجه ~~الرشيد بمن أخذه، وصار به إليه، فكان فيه: PageV01P296 ### | CHECK [163] # قد تقدم الخصم، والمدعي عليه في الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بينة. ودفن ~~بالرافقة على شاطئ الفرات، وبنى على قبره بناء عال. # ثم توفي الفضل بن يحيى من علة نالته من رطوبة في شقه ولسانه، ثم تزايدت ~~عليه إلى أن مات في يوم السبت لخمس خلون من المحرم، سنة ثلاث ms178 وتسعين ومائة: ~~قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وكانت سنة خمسا وأربعين سنة، وصلى عليه أكثر ~~الناس، واشتد الجزع من الخاصة والعامة عليه، واغتم عليه جميع من عرفه، وكثر ~~التضاغط والتزاحم في جنازته، ودفن إلى جنب قبر أبيه. فقال بعض الشعراء: # ليس نبكي عليكم يا بني برمك ... أن زال ملككم فتقضى # بل نبكيكم لنا ولأنا ... لم نر الخير بعدكم حل أرضا # وحضر الفضل بن الربيع بعد نكبتهم جنازة حمدونة بن علي، فذكر البرامكة، ~~فأطراهم وقرظهم ووصفهم، ثم قال: كنا نعتب عليهم، فقد صرنا نتمناهم، ونبكي ~~عليهم. ثم أنشد متمثلا: # عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على سلم # وهذا الشعر لحنظلة بن عرادة، وكان صاحب سلم بن زياد إلى خراسان، في أيام ~~يزيد بن معاوية، فعتب عليه في شيء، فأعتبه منه، ثم لقي ما كره ممن قام ~~مقامه، لما انصرف سلم عن خراسان، فقال هذا الشعر. # وكان كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر متصلا بالبرامكة، فلقي الرشيد بعد قتل ~~جعفر، فقال به: ما أحدثت بعدي يا عتابي؟ فارتحل أبياتا، وأنشده إياها، وهي: # تلوم على تركي الغنى باهلية ... ذوي الدهر عنها كل طرف وتالد # رأت حولها النسوان يرفلن في الكسى ... مقلدة أجيادها بالقلائد # وفيها يقول: # أسرك أني نلت ما نال جعفر ... من المال أو ما نال يحيى بن خالد # وأن أمير المؤمنين أغصني ... مغصهما بالباترات البوارد # دعيني تجئني ميتتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد # فإن رفيعات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود PageV01P297 ### | CHECK [164] # وكان يكتب لعبد الله بن صالح قمامة بن أبي يزيد، مولى سليمان بن علي، ~~وكان يكتب لأبيه صالح بن علي قبله، ولقمامة رسائل مشهورة، وبلاغة مذكورة، ~~وقدم في الدولة، وكان جده من اتبع من صار من الحميمة إلى الكوفة من بني ~~هاشم، من أول الدولة، فسعى قمامة بعبد الملك بن صالح إلى الرشيد، وأعلمه ~~أنه على أن يمكر به، واغتر عبد الرحمن بن عبد الملك، حتى شهد معه على أبيه ~~بذلك، فأحضر الرشيد عبد الملك، فخاطبه في ذلك، ms179 وأعلمه شهادة ابنه عليه بما ~~شهد به، وكان عبد الملك فصيحا بليغا راجحا ذا هيئة، فقال له: أعطاك ما ليس ~~في عقده، فلعله لا يبهتني بما لم يعرفه مني. فأمر الرشيد بإحضاره، فلما حضر ~~قال له: تكلم غير هائب ولا خائف، فقال له: أقول: إنه عازم على الخلاف عليك، ~~والغدر بك، فقال له عبد الملك، وكيف لا يكذب علي بظهر الغيب من يبهتني في ~~وجهي، ويكابرني! فقال له الرشيد: هذا ابنك عبد الرحمن يشهد عليك، فقال له ~~عبد الملك؛ هو بين أن يكون مأمورا، أو عاقا مجنونا، فإن كان مأمورا فهو ~~معذور، وإن كان عاقا فهو فاجر كافر، خبر الله بعداوته، وحذر من فتنته، ~~فأغلظ له الرشيد، وقال له: ما أنت منا. # وكانت أم عبد الملك بن صالح لمروان بن محمد، فلما قتل مروان بمصر أخذ ~~صالح بن علي جاريته أم عبد الملك، فولدته منه، فبعض الناس يقول: إنها كانت ~~حاملا من مروان، فأراد الرشيد بقوله: لست منا هذا، فقال عبد الملك: ما ~~أبالي لأي الفحلين كنت، ألصالح بن علي أم لمروان بن محمد؟ فحبسه، فلم يزل ~~في حبسه إلى أن مات الرشيد، فأطلقه محمد، وأحسن إليه. # قال إسحاق بن سعد: حدثني عبد الله بن مخلد - وكان مخلد بواب ديوان الخراج ~~ببغداد إلى أن مات -، وكان يتزيا بزي الكتاب، وكان يقف على رأس موسى بن عبد ~~الملك أذا جلس للمظالم، فذكر ميمون ابن هارون: PageV01P298 # أنه كان ينادي: من له حاجة؟ ويرفع بذلك صوته، ثم يخفضه ويقول خفيا: لا ~~يقضى، وأنه حدث بذلك موسى وهو يمازحه ويضاحكه فأحضره وضربه ثلاثين مقرعة. # قال مخلد: كان إنسان يقال له: صلت، منقطعا إلى منصور بن بسام، وكان يحسن ~~إليه، وينظر له، وطالت أيامه في خدمته إلى أن استبطأ منصورا في وقت من ~~الأوقات، وكان منصور فيه مضيقا، لم يمكنه بره، فاحتال صلت بقوم من أعداء ~~منصور، حتى أوصلوه PageV01P299 ### | CHECK [165] # إلى الرشيد، فأعلمه أن منصورا وأصحابه أخذوا من أمواله عشرين ألف ألف ~~درهم، وأنها في ms180 منازلهم، فقال له الرشيد: إن كنت صادقا أحسنا إليك، وإن كنت ~~كاذبا صلبناك حيا ثلاثة أيام. فشرط ذلك على نفسه، ووجه الرشيد سرا برشيد ~~الخادم وإخشيد ومسرور وعدة من الخدم، إلى منازل آل بسام جميعا ببغداد، وأمر ~~حين وجه الخدم إلى منازلهم بحبس منصور بن بسام، ونصر بن منصور، والحسن بن ~~بسام، المعروف بأبي الحسين، وفرق بينهم. وصار الخدم إلى منازلهم ففتشوها، ~~فلم يجدوا فيها مالا، وكان لأبي الحسين عند امرأته خمسة آلاف دينار في ~~قمقم، فلما هجم الخدم عليهم رمت به جاريتها في بئر ماء، فلما أراد الخدم ~~الانصراف سألت المرأة جاريتها عن القمقم، فأعلمتها أنها طرحته في البئر، ~~فخافت أن يكون زوجها قد أقر بالمال، فإذا لم يوجد توهم أنهم احتالوا لستر ~~سائر أموالهم، فأرسلت إلى الخادم، فأخبرته بما فعلت الجارية، فاستخرج ~~القمقم من البئر، وحمله معه، فلما صار الخدم إلى الرشيد أخبروه أنهم لم ~~يجدوا مالا، ووصف له أحدهم خبر المرأة والجارية والقمقم، وقد كان استحلف ~~منصورا ونصرا وأبا الحسين على أموالهم، فخلفوا أنه لا مال عندهم، غير أبي ~~الحسين، فإنه ذكر له أن عند امرأته خمسة آلاف دينار، فأمر لمنصور عند رجوع ~~الخدم بخمسين ألف درهم، ولأبي الحسين بثلاثين ألف درهم، ولنصر بعشرين ألف ~~درهم، ورد القمقم على أبي الحسين، وصلب صلتا بباب الجسر ثلاثة أيام، ينزل ~~به في كل وقت صلاة، ويرد إلى الخشبة. # وأمر الرشيد في سنة ثمان وثمانين ومائة، بعد نكبة البرامكة بسنة، إسماعيل ~~بن صبيح أن يكتب إلى جميع العمال بما عقد بين ولده: محمد وعبد الله والقاسم ~~من العهد، وأخذه عليهم من الأيمان، فكتب في ذلك كتابا مشهورا قال في آخره: ~~وكتب إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ثمان وثمانين ومائة. # وكان يكتب للقاسم بن الرشيد قمامة بن أبي يزيد، كاتب عبد الملك ابن صالح. PageV01P300 # وتوفي عمرو بن مطرف بمكة، وصلى عليه الرشيد، وقال: يرحمك الله، فو الله ما ~~عرض لك أمران: أحدهما لله، والآخر لك، ms181 إلا اخترت ما هو لله على ما هو لك. # ولما انقضى أمر البرامكة، وحصل التدبير في أيام الرشيد على ما بيناه، ~~اختلت الأمور، وقصد الفضل بن الربيع لحفظ خدمة الرشيد في حضرته، وأضاع ما ~~وراء بابه. وذكر PageV01P301 ### | CHECK [166] # الفضل بن مروان: أن أمور البريد والأخبار في أيام الرشيد كانت مهملة، وأن ~~مسرورا الخادم كان يتقلد البريد والخرائط! ويخلفه عليه ثابت الخادم. قال: ~~فحدثني ثابت: أن الرشيد توفي وعندهم أربعة آلاف خريطة لم تفض. # وكان للرشيد خادم، يقال له: سعيد الخفتاني، وكان خادما جليلا، وكان من ~~خاصته بالرشيد ومحله منه، أنه أمر العمال أن يقبلوا كتبه، وينفذوا أمره في ~~مائة ألف درهم. # ولما شخص الرشيد إلى خراسان، لانتقاضها برافع بن الليث بن نصر ابن سيار، ~~خلف محمدا ببغداد، وجعل معه يحيى بن سليم الكاتب، يكتب له ويدبره أموره، ~~وشخص معه إسماعيل بن صبيح، وكان يتقلد ديوان الرسائل، وديوان الصوافي، ~~وديوان السر، وشخص معه أيوب بن أبي سمير يعرض عليه، وكان الفضل بن الربيع ~~أيضا يعرض عليه، وكان يكتب للفضل عبد الله ابن نعيم الكاتب، وأشخص معه ~~المأمون، وعلى كتابته وأمره كله الفضل ابن سهل، وكان الرشيد قلده خراسان ~~وجرجان وطبرستان والري وما يضاف إليها، وكان الرشيد قد عزم على تخليفه، وأن ~~لا يشخص معه، فقال الفضل بن سهل للمأمون: لا تقبل، وسله أن يشخصك معه، فإنه ~~عليل وغير مأمون إن يحدث عليه حادث أن يثب عليك أخوك فيخلعك، وأمه زبيدة، ~~وأخواله من هاشم، فسأله إشخاصه معه، فأبى عليه، فقال له: إني أريد خدمتك في ~~هذه العلة، ولست أسأل حاجة، ولا أحملك مئونة، وأذن له، فسار معه. # وذكر مخلد بن أبان قال: PageV01P302 # كنت أكتب لمنصور بن زياد، فشخص منصور مع الر شيد، واستخلف بالحضرة ابنه ~~محمد بن منصور، وكان محمد سخيا سريا، وكان الرشيد يسميه فتى العسكر. قال: ~~فأمراني بحفظ الأموال، والمقام معه على السواد، بحضرة محمد الأمين ببغداد، ~~فكتب مع محمد بن منصور، وعمل على تزويج ابنة زياد بن محمد بن ms182 منصور، فسأل ~~محمدا الأمين أن يزوره في أصحابه وقواده وكتابه، من غير أن يقدم في هذا ~~قولا إلي، فأجابه محمد الأمين، ثم دعاني فخبرني الخبر، فقلت له: هذا أمر ~~علينا فيه غلط، ونحتاج إلى مال جليل، فقال: قد وقع هذا ولا حيلة في أبطاله، ~~وكان موضع بابه يضيق عن عشر دواب، فقلت له: فإن لم تنظر في المال والنفقة ~~فمن أين لنا رحبة تقوم فيها دواب الناس؟ فقال: لا، والله ما أدري، والتدبير ~~والأمر إليك، ففكرت في إحسانهم إلى جيرانهم، فخرجت إلى مسجد على بابه، PageV01P303 ### | CHECK [167] # فجمعتهم وأعلمتهم ما عزم عليه محمد بن منصور، من أمر ابنه واسترارته ~~الأمين محمدا، وأنه لا رحبة له، وسألتهم تفريغ منازلهم، وإعارتنا إياها ~~جمعة، أو عشرة أيام، حتى نهدمها، ثم نبنيها إذا استغنينا عنها أحسن بناء ~~وأحكمه. قال: فقلت هذا القول، وأنا متخوف أن يجيبوني ما لا أحب؛ فقالوا ~~جميعا بلسان واحد: نعم، وكرامة مسرة، غدا نفرغها. فشكرت ذلك لهم، وقاموا من ~~حضرتي، وأخذوا في تفريغ منازلهم، وكان أكثرها باللبن والأخصاص، فهدمناها، ~~وجعلنا كأنها رحبة، وأتانا الأمين، فأنفقنا أموالا جليلة، وكانت الغوالي في ~~تيغارات فضة، وأكثر الشمع من عنبر في طساس ذهب، ثم انقضى العرس، فبنيت ~~للجيران منازلهم بالجص والآجر. # وفي محمد بن منصور يقول أشجع السلمي: # على باب ابن منصور ... علامات من النبل # جماعات وحسب الباب ... فضلا كثرة الأهل # وفيه يقول الخريمي: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور يسير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مذكور كثير # وقال محمد بن يوسف للخريمي: ما بال مديحك منصور بن زياد خيرا من مراثيه؟ ~~فقال الخريمي: لأن المدح للرجاء، والمراثي للوفاء، وبينهما بون بعيد. # قال الفضل بن محمد بن منصور بن زياد: أتيت عبد الله بن العباس العلوي في ~~حاجة لبعض جيراننا، بعد وفاة أبي، وكانت بينه وبيني مودة وثقت بها، ثم قلت ~~له: جئت في حاجة إن سهل قضاؤها أعظم الأمير بها المنة، وإن تعذر فالأمير ~~معذور، فقال لي: يا حبيبي، إذا كنت ms183 معذورا فلم جئتني؟ احفظ عني: إذا أوجبت ~~على نفسك أن تنهض لرجل في حاجة، فأغضب بها وأرض، وإلا فالزم منزلك. # وكان عبد الله بن مالك ولى خراج طساسيج خرجان في أيام الرشيد، وكان يكتب ~~له حماد بن يعقوب، وكان لعمرو الأعجمي هناك ضيعة، فقال عمرو لليمان بن ~~مسلمة كاتبه: لو صرت إلى حماد بن يعقوب، كاتب عبد الله ابن مالك، فسألته أن ~~يكلم صاحبه في وضع شيء من خراجنا عنا، وأديت إليه رسالة مني في ذلك؟ فصار ~~اليمان إلى باب حماد، فقدم PageV01P304 ### | CHECK [168] # إليه غلام أسود بغلة قد ألجمها على رأسها، فلما ركب قرعت سلسلة الرسن ~~حديدة اللجام، فآذاه صوته، فقال: يا غلام، أليس قد تقدمت إليك ألا تلجم ~~البغلة على رسنها، ثم عدل إلى بعض المساجد فنزل، وخلع الغلام الرسن، وأعاد ~~اللجام، وحمل الرسن معه، فقلت في نفسي: ما عند هذا خير؟ كم ترى هذا يسمح أن ~~يتحمل لصاحبي من الخراج؟ قال: ثم قلت أكلمه على كل حال إذ قد صرت إليه، ~~فكلمته، فقطع علي الكلام، وقال: إذا استقر بنا المجلس، فسل حاجتك، ثم صار ~~إلى دار صاحبه، ثم إلى ديوانه، فجلس على بارية ونظر في أعماله، ونفذ أموره ~~إلى نصف النهار، ثم ركب، وأمرني بالركوب، ففعلت، فلما بلغنا باب منزله دقه ~~الغلام، فخرجت جارية خلاسية، ففتحته، ودخل فأذن لي، فدخلت، وهو في بيت ~~مرشوش، وفيه حصير ومساور جلود، وجئ بماء فغسل يديه، وأمرني بغسل يدي، ثم ~~جاءته الجارية بمائدة، عليها رغفان، وبقل، وخل، وملح، وأتته سكباج، فأكلنا ~~منها، حتى لم يبق منها شيء، ثم قال: يا جارية، هي طيبة فزيدينا منها، ~~فزادتنا، ثم أتت بلون آخر، فتناولنا منه، ثم رفعت المائدة، وغسلنا أيدينا، ~~ثم قال: هات الآن حاجتك، فأديت إليه رسالة صاحبي، فقال: وكم خراجه؟ فقلت: ~~ثمانية عشر ألف درهم، فدعا بالدواة والقرطاس، وكتب إلى عامله بترك العرض ~~للوكيل، وأعطاه روزا بها للاحتساب بها في أرزاقه، ثم قال: وكم خراجك أنت في ~~نفسك؟ فقلت: قد حملت أصلحك الله ms184 على نفسك، وما كنت لأكلفك شيئا لي، قال: ~~إذا لا أعطيك الكتاب في أمر صاحبك؛ فقلت له، بعد أن حادثته ساعة: ثمانية ~~آلاف درهم، فكتب لي أيضا باحتمالها. PageV01P305 # وكان الرشيد حج بعد نكبة البرامكة، والمدبر لأمره الفضل بن الربيع، فلما ~~صار بمكة رأى في الحجر رجلا له هيئة وسمت يصلي، فقال للفضل: يا عباسي، جئني ~~بهذا الرجل، فقصده الفضل وهو قائم في صلاته، فانتظر انفتاله من الصلاة، ~~فأطالها، فجذب ثوبه الفضل، وقال له: أجب أمير المؤمنين، فخفف الرجل صلاته، ~~وقال له: ما لي ولأمير المؤمنين! فقال: # هو ما ترى وتسمع. فقام وهو يتهادى في مشيته من الكبر. قال: فلما أتبت به ~~الرشيد عرفته خبره، فدعا به لما فرغ من طوافه، فلما رآه قال له: من الرجل؟ ~~فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الأنساب تمنع من الاكتساب، فقال له: ~~لتخبرني، قال: فأذكر نسبي آمنا؟ فأمنه، فانتسب PageV01P306 ### | CHECK [169] # إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب، فقذفت له في قلب الرشيد رحمة، ثم قال ~~له: إن أمير المؤمنين قد قدر عندك، لما رأى من سمتك، إصابة الرأي، فما عندك ~~فيما كان من أمير المؤمنين من العهد الذي عهده إلى ولاة العهد؟ فاستعفاه من ~~الجواب، فلم يعفه، وقال له: أنت آمن، فقل بكل لسانك كل ما عندك، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، رأيتك قد أخذت ثلاثة أسياف مشحوذة، فجعلتها في غمد واحد، ~~فانظر ما يكون بينها، فأطرق الرشيد مليا، ثم قال للفضل بن الربيع: يا فضل، ~~أعطه ثلاث مائة دينار، واجعلها دارة عليه في كل شهر باقي عمر أمير ~~المؤمنين. # وحضر ديوان الخراج في أيام الرشيد شيخ من قدماء الكتاب، ومعه توقيع ~~الرشيد بقضاء دين عليه، فعنى الكتاب به، وزجوا كتابه، فقال لهم: أحفظوا عنا ~~ثلاثا: الجوار نسب، والمودة نسب، والصناعة نسب. # وكان فرج الزخجي مملوكا لحمدونة بنت الرشيد، وهي المعروفة بحمدونة بنت ~~غصص، ولحق ولاؤه بالرشيد، وكان زياد أبوه من سبى معن بن زائدة، وكان فرج ~~سبى معه عند غزو معن الرخج. # قال عمر ms185 بن فرج قال: حدثني أبي، قال: # كنت مع أبي زياد في عسكر معن، في جملة من سباه من الرخج، وكان قد سبى ~~شيئا كثيرا، وغنم غنائم جليلة، فنزل وعسكر وحطت الأثقال، ونزعت السروج عن ~~الدواب، فبينا هم كذلك أبصروا غبارا ساطعا، وظنوا أنه الطلب، فأمر معن بقتل ~~الأسرى، فقتلوا نحوا من أربعة آلاف؛ قال: فأخذني أبي، فجعلني تحت الأكف، ~~وقام في وجهي، وقال: لعلك إن قتلت أنا تسلم أنت، فنظروا، فإذا هي حمير وحش، ~~والغبار لها، وقد قتل بسببها أربعة آلاف. # ونظر أعرابي إلى نبل قصر فرج الرخجي، فقال: # لعمرك ما طول البناء بنافع ... إذا كان فرع الوالدين قصيرا PageV01P307 ~~وكان الرشيد قلد فرجا الرخجي الأهواز، فكثر عليه عنده، واتصلت السعايات به، ~~وتظلمت رعيته منه، وادعى عليه أنه قد اقتطع مالا كثيرا من مال البلد، فصرفه ~~بمخلد بن أبان الأنباري، في سنة اثنتين وتسعين ومائة. وحدث للرشيد سفر، ~~فشخص، وأمر فرجا PageV01P308 ### | CHECK [170] # بالخروج معه، فلما صار ببعض المنازل دعا به، فقال مطهر بن سعيد كاتب فرج: ~~فلما أمره بإحضاره حضر وأنا معه، ولسنا نشك في إيقاعه به، وإزالته نعمته، ~~فوقفت بباب مضرب الرشيد، فدخل فرج إليه، فبينا أنا أتوقع خروجه على حال ~~يكرهها، خرج وعليه الخلع، فتضاعفت النعمة عندي، وأكثرت الشكر لله جل وعز ~~على السلام، وسرت معه حتى وصلت إلى منزله، فلما خلا سألته عن خبره؟ فقال: ~~دخلت إليه ووجهه إلى المغرب، وظهره إلي، فلما أحس بي شتمني أقبح شتيمة، ~~وتوعدني أشد توعد، وقال لي: يا بن الفاعلة، رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك ~~فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت وفعلت، والله لأفعلن بك ولأفعلن، فلما سكت قلت ~~له: القول كما قال سيدي، وأكثر منه في إنعامه علي، وحلفت بأيمان البيعة أني ~~قد نصحت وشكرت الصنيعة ووفرت، وما سرقت ولا خنت، ووالله لأصدقنك عن أمري: ~~عمرت البلاد، واستقصيت حقوقك من غير ظلم، ووفرت أمولك، وفعلت ما يفعله ~~المناصح لسيده، وكنت إذا كان وقت بيع الغلات جمعت التجار، فإذا تقررت ~~العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي ms186 مع التجار فيه حصة، فربما ربحت، وربما وضعت، ~~إلى أن اجتمع لي من ذلك ومن غيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم، فاتخذت ~~أزجا كبيرا، عقد بالجص والآجر، كأنه مجلس، وجعلت بين يديه موضعا أقعد فيه، ~~وعببت البدور شيئا بعد شيء في الأزج، ثم سددته، وهو بحاله، ما أشك أن ~~العنكبوت قد نسجت على ما فيه، فخذها، وحول وجهك إلى عبدك، وكررت القول ~~والحلف على صدقي، فقال لي: بارك الله لك في مالك! فارجع إلى عملك ودار رعيتك. # حدثنا علي بن أبي عون قال: حدثني الفضل بن مروان. PageV01P309 # أن الرشيد صرف عبد الله بن عمرو عن ديوان الخراج بسليمان بن راشد، وأمره ~~بالاستقصاء عليه. فجلس سليمان بن راشد في مجلسه، ودعا بعبد الله ابن عمر، ~~فجلس بين يديه، فقبل أن يناظره بشيء دخل الفضل بن يونس على سليمان، فسلم ~~عليه، فأوسع له سليمان إلى جانبه، فالتفت الفضل بن يونس إلى سليمان بن ~~راشد، فقال له: يا أبا أيوب، أوسع مجلسك، وأومأ إلى موضع عبد الله بن عمر، ~~فقال له سليمان: ما أردت بهذا؟ فقال له: إن المجلس الذي جلس هذا فيه اليوم، ~~ستجلس أنت فيه غدا، فمن ثم قلت: أوسع مجلسك، فحلف سليمان أنه لا يحاسب عبد ~~الله بن عمر، ولا ينظر له في أمر. PageV01P310 ### | CHECK [171] # ولما صار الرشيد بطوس، واشتدت علته، اتصل خبره بمحمد الأمين، فوجه ببكر ~~بن المعتمر، وجعل له في كل يوم ألف دينار، ودفع إليه كتابا إلى الفضل بن ~~الربيع، وإسماعيل بن صبيح وغيرها، يأمرها بالقفول إلى مدينة السلام إن حدثت ~~بالرشيد حادثة؛ وكان الرشيد قد جدد الشهادة للمأمون بجميع ما في عسكره، من ~~مال وأثاث وخرثي ورقيق وكراع، وأمر بإقرار الجميع معه، وتسليمه إليه، إن ~~حدثت به حادثة. فلما ترك بكر بن المعتمر عسكر الرشيد، وكانت معه كتب ظاهرة ~~بعيادته، وكتب باطنة إلى القوم بالقفول، والاحتياط على ما في العسكر، واتصل ~~خبر الكتب الباطنة بالرشيد، وأمر بإحضاره ومطالبته بالكتب، فجحدها. # قال عبد الله بن ms187 عبد الله بن طاهر: فحدثني محمد بن منصور بن زياد قال: ~~حدثني أبي، قال: PageV01P311 # كنت مع الرشيد بطوس في علته التي مات فيها، وقد ورد بكر بن المعتمر بالكتب، ~~والمأمون حينئذ بمرو، وقد ظفر بأخي رافع بن الليث، وأحضر في ذلك اليوم ومعه ~~قرابة له، فحبسا، فخلع الرشيد على بكر، وصرفه إلى منزله، ثم أمر بإحضاره ~~ومطالبته بالكتب، فجحدها، ودافع عنها، فأمر بحبسه. قال: ثم جلس الرشيد ~~جلوسا عاما في مضرب خز أسود، استدارته أربع مائة ذراع، وفي أركانه أربع ~~قباب مغشاة بخز أسود وهو جالس في فازة خز سوداء، في وسط المضرب، والعمد ~~كلها سود، وعليه جبة سوداء خز بغير قميص، وعليها فنك قد استشعره، لشدة ما ~~هو فيه من البرد والعلة، وفوقها دراعة خز سوداء مبطنة بفنك، وعلى رأسه ~~قلنسوة طويلة، وعمامة خز سوداء، وطيلسان أسود، وسيف بحمائل، وتحته أحد عشر ~~فراشا خزا أسود، والوسائد والمخادع وسائر ما يقرب منه خز أسود، وهو لما به، ~~وخلف المسند خادم يمسكه بيده، لئلا يميل، والفضل بن الربيع جالس بين يديه، ~~فقال للفضل: مر بكرا بإحضار ما معه من الكتب السرية، فأنكرها وقال: ما معي ~~إلا الكتب التي أوصلتها، فقال الرشيد للفضل: توعده، وأعلمه أنه إن لم يفعل ~~بلغت منه غاية المكروه، فأقام بكر على الإنكار والجحود، فسمعته يقول للخادم ~~بصوت خفي: قل للفضل: قنبوه، فنحى بكر، وجئ بالقنب، فقنب من قرنه إلى قدمه، ~~قال بكر: فأيقنت بالموت، ويئست من نفسي، وعملت على الاعتراف، فإني على ذلك ~~حتى أمر بإحضار PageV01P312 ### | CHECK [172] # مروان أخي رافع، وقرابته الذي كان معه، فأحضر، فقال له الرشيد: أيتوهم ~~رافع أنه يغلبني، والله الذي لا إله إلا هو، لو كان معه عدد نجوم السماء ~~لتلقطتهم واحدا واحدا، حتى أقتلهم عن آخرهم، فقال مروان: الله الله في يا ~~أمير المؤمنين، فإن الله أعلم وأهل خراسان جميعا أني مازلت بريئا من أخي، ~~ومما هو عليه منذ عشرين سنة، وإني لأشير عليه بلزوم الطاعة،، وترك ما هو ~~بسبيله، فلا يقبل، ms188 وإنني لملازم لمسجدي وصلاتي ومنزلي، فاتق الله في، وفي ~~هذا الرجل، فقال له قرابته: قطع الله لسانك! إنا والله منذ كذا وكذا ندعو ~~بالشهادة، فلما رزقناها على يدي شر خلقه، أخذت في الاعتذار. فاغتاظ الرشيد ~~من ذلك، وقال: علي بجزارين، فقال له قرابة مروان، افعل ما شئت، فإنا نرجو ~~أن يرزق الله الشهادة، ونقف نحن وأنت بين يدي الله عز وجل في أقرب مدة، ~~فتعلم كيف يكون حالك، فنحيا، وأمر القوم بتفصيلهم عضوا عضوا، فو الله ما ~~فرغ منهما حتى توفي الرشيد. قال بكر: فأنا أتوقع خروج نفسي، حتى أتاني غلام ~~لأبي العتاهية قد بعث به إلى مولاه، وكتب في راحته شيئا، فقرأته، فإذا هو: # هي الأيام والغير ... وأمر الله ينتظر # أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر # فوثقت بالله عز وجل، ولم أفهم معناه، ثم سمعت ناعية، وإذ بالفضل ابن ~~الربيع قد أقبل يريدني، فلما قرب مني قال: حلوا عن أبي خليدة، فقلت: ليس ~~هذا وقتا تكنيني فيه، فدعا بخلع، فخلعت علي، ثم قال لي: أعظم الله أجرك في ~~أمير المؤمنين، وأخذ بيدي، فأدخلني بيتا وهو مسجى فيه، وكشف عن وجهه، فلما ~~رأيته ميتا، قال لي: هات الكتب التي معك، فأحضرت صندوقا للمطبخ، قد نقبت ~~قوائمه، وجعلت الكتب فيها، وجعل الجلد فوقها، فشق الجلد، وكسرت القوائم، ~~وسلم بكر الكتب إلى أصحابها، وأخذ الأجوبة وانصرف. PageV01P313 # وكان فيما كتب به محمد إلى المأمون، في كتاب طويل، فصل قال فيه: واضمم إلى ~~الميمون بن الميمون الفضل بن الربيع ولد أمير المؤمنين رحمه الله وحرمه ~~وأهله، وأمره بالمسير معهم، فيمن معه من رابطته وجنده. وفي فصل آخر منه: ~~وإياك أن تنفذ رأيا، أو تبرم أمرا، إلا برأي شيخك، وثقة آبائك، الفضل بن ~~الربيع، وأقر الخدم على ما في أيديهم من الأموال والخزائن والسلاح، ولا ~~تخرجن منهم عن ضمن ما يلي، إلى أن تقدم علي به، PageV01P314 ### | CHECK [173] # وإن أمرت لأهل عسرك بعطاء أو رزق، فليكن الفضل بن الربيع المتولي ~~لإعطائهم، على دفاتر يتخذها لنفسه، ms189 بمحضر من أصحاب الدواوين، فإن الفضل بن ~~الربيع لم يزل يتقلد مثل ذلك عند مهمات الأمور. وأنفذ إلي عند وصول كتابي ~~هذا إسماعيل بن صبيح وبكر بن المعتمر، على مركبها من دواب البريد. # وتوفي الرشيد في جمادى الآخرة من سنة اثنتين وتسعين ومائة، وعلى نفقاته ~~وتدبير أموره الفضل بن الربيع، وعلى ديوان الرسائل وديوان السر وديوان ~~الضياع وديوان الصوافي إسماعيل بن صبيح، وعلى ديوان الجند ابن الشخير ~~الهذلي وعبد الله بن عبدة الطائي، وعلى ديوان الخراج بالسواد، سليمان بن ~~عمران، وعلى ديوان خراج الشام ومصر وإفريقية والموصل وأرمينية وأذربيجان ~~والمدينة ومكة واليمن، علي بن صالح، وعلى ديوان خراج الجزيرة محمد بن ~~إسماعيل بن صبيح. PageV01P315 # وجد الفضل بن الربيع في المسير بالعسكر بجميع ما فيه، ولم يعرج على ~~المأمون، ولا التفت إليه. فلما اتصل الخبر بالمأمون هم بأن يلحقهم في ألفي ~~فارس خيل جريدة، فقال له الفضل بن سهل: إن فعلت هذا لم آمن أن يقبضوا عليك، ~~ويجعلوك هدية إلى محمد، ولكن تقيم وتكتب إليهم كتابا، وتوجه إليهم رسولا، ~~يذكرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذرهم الغدر والحنث. فقبل ذلك المأمون، ~~ووجه بسهل بن صاعد، وكان على قهرمته، وكان عاقلا حازما، وبنوفل الخادم مولى ~~الهادي، وكتب معهما، فلحقا الفضل بن الربيع والعسكر بنيسابور، فلم يقبلوا ~~منهما، ولا التفتوا إليهما، فانصرفا بالخبر إلى المأمون، فقال له الفضل بن ~~سهل: هؤلاء أعداء قد استرحت منهم، وبعدوا عنك، ولكن افهم عني شيئا أقوله: ~~إن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها في أيام أبي جعفر، فخرج عليه المقنع ~~يطالب بدم أبي مسلم، فتضعضع العسكر لخروجه، ثم خرج بعده يوسف البرم وهو ~~كافر، فقامت عليه القيامة، ثم خرج بعده أستاذ سيس يدعو إلى الكفر، فشخص ~~إليه المهدي من الري إلى نيسابور، ثم هذا بالأمس كيف رأيت الناس لما ورد ~~عليهم خلع رافع بن الليث؟ فقال: رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا، قال: فكيف ~~بك وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم، كيف يكون اضطراب أهل بغداد؟ ~~اصبر قليلا وأنا ms190 أنضمن لك الخلافة، فقال له المأمون: قد فعلت، ووالله ~~لأشكرنك. PageV01P316 ### | CHECK [174] # ولما أجمع المأمون على المقام بخراسان، قال له الفضل بن سهل: إن هؤلاء ~~الرؤساء كعبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وغيرهما أنفع لك مني، لما قد شهر ~~وتقدم من رياستهم، وما عندهم من القوة على الحرب، فدعني أكن خادما لك، حتى ~~تصير لي محبتك، وتجعل إليهم ظاهر الأمر، فقال له: افعل ما رأيت، فلقيهم ~~الفضل بن سهل في منازلهم، وذكرهم البيعة، وما يجب من الوفاء بها. قال: فكنت ~~كأني آتيهم بجيفة على طبق لا يحل أكلها، فيدفعني بعضهم، ويقول بعضهم: ومن ~~يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ فعرف المأمون ذلك، فقال له: فقم أنت بالأمر، ~~فقال له الفضل: قد قرأت القرآن، وفهمت أمر الدين، والرأي أن تجمع الفقهاء، ~~وتدعوهم إلى الحق، والعمل به، وإحياء السنة، وأن تقعد على اللبود، وأن ~~تواصل النظر في المظالم، وتكرم القواد والملوك، وأبناء الملوك، ففعل ذلك، ~~وكان يقول للتميمي: نقيمك مقام موسى بن كعب، ويقول للربعي: نقيمك مقام أبي ~~داود، ويقول لليماني: نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم، وحط عن خراسان ربع ~~الخراج، فكانوا يقولون: ابن أختنا وابن عم رسول الله. ولما رأى رافع بن ~~الليث سيرة المأمون انقاد له، ودخل في طاعته، في سنة أربع وتسعين ومائة، ~~فأعطاه الأمان، فصار إليه، فأكرمه، وخص به. PageV01P317 # ولما خص الفضل بن سهل بالمأمون، وتبين نجابته، ودلته النجوم على أنه يلي ~~الخلافة، طالبه بأن يكتب له رقعة بخطه، فكتب له رقعة نسختها: جعلت لله على ~~نفسي إن استرعاني أمور المؤمنين، وقلدني خلافته في خلقه، العمل فيهم بكتابه ~~وسنة رسوله، محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أسفك دما عمدا إلا ما أحلته ~~حدود، وسفكته فروضه، وأن لا أنال من أحد من المخلوقين مالا ولا أثاثا غصبا، ~~ولا بحيلة تحرم على المسلمين، ولا أعمل في شيء من الأحكام بهواي، ولا ~~بغضبي، إلا ما كان منهما في الله عز وجل وله، وجعلت ذلك كله عهدا مؤكدا على ~~أن أفي به، ms191 رغبة في زيادته إياي، ورهبة من مساءلته لي عنه، فإنه جل وعز ~~يقول: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا}، فإن حلت أو غيرت كنت للعن ~~مستحقا، وللنكال متعرضا: وأعوذ بالله من سخطه، وأرغب إليه في المعونة لي ~~على طاعته، والحؤول بيني وبين معصيته، في عافية لي ولجماعة المسلمين، وأن ~~يسهل لي ما يحب ويرضى في جميع أموري، إنه قريب مجيب، وعلى ما يشاء قدير. # وكتبت بخطي. PageV01P318 ### | CHECK [175] # وكان يونس بن الربيع يحجب المأمون، وهو ولي العهد، فدعا يونس يوما أبا ~~محمد اليزيدي، فأقام عنده، فصار إليه الفضل بن سهل، فتحدثا وتفاوضا، فقال ~~له اليزيدي في بعض قوله: إن الأمير جميل الرأي فيك، مستخف لك، حامد لخدمتك، ~~وإني لأرجو أن يبلغك الله مبلغا تتمكن منه معه، وتملك ألف ألف درهم. ~~فاستشرى الفضل غضبا، ثم قال له: ما هذا الكلام؟ أهاهنا موجدة؟ أهاهنا حقد! ~~أهاهنا حقد! أهاهنا ما يوجب هذا! فقال له: ما أنكرت حتى أخرجك إلى هذا، مع ~~مودتي لك، وميلي إليك؟ فقال له: تقول لي: تملك ألف ألف درهم؟ قال: فما ~~أنكرت، وما الذي تريد؟ قال: والله ما صحبت هذا الأمير لأكسب معه مالا قل أو ~~كثر، وإن همتي لتتجاوز كل ما يجوز أن يملك، قال: فلما صحبته أخرج خاتمه من ~~يده، ثم قال: ليجوز طابع هذا في الشرق والغرب، لهذا خدمته، ولهذا صحبته. ~~فما طالت المدة حتى بلغ الأمل. # وكان الفضل والحسن ابنا سهل، والمأمون ولي عهد، عند بعض الخدم المتقلدين ~~للأعمال في أيام الرشيد، وأنه دخل على الخادم فتى كان يلي له شيئا، فلما ~~رآه ضحك، ثم قال له: هذه مشية تعلمتها بعدك، فانظر: أهي أحسن أم ما كنت ~~أمشي، حتى أنتقل عنها؟ ثم غير مشيته، وجاء فجلس، فأتى برعونات كثيرة، فلم ~~يزل الخادم يحتال له، حي خرج، ثم قال لهما: إن بعض الناس يحب أن يظهر خاصية ~~ليست له، فلما خرجا من عنده، قال الحسن للفضل: تعذب نفسك ثلاثين سنة من ذي ~~قبل، بالصيانة والمروءة وطلب الأدب، ms192 ومثل هذا يلي الأعمال! فقال له الفضل: ~~لو حمل هذا، وضربت أسته بالدرة، خرج منه عون صدق. إن الناس جميعا لو حملوا ~~على الصلاح صلحوا، ولكنهم يموتون من قلة التفقد، والترك بغير أدب. # وحكي أن الفضل بن سهل ولى إنسانا شيئا، فأساء فيه، فأمر بحمله، فضرب أسته ~~بالدرة، ثم قال له: قد أدبتك بهذا، فإن صلحت وإلا اطرحناك. PageV01P319 # وجدت في كتاب عمله أبو الفضل محمد بن أحمد عبد الحميد الكاتب، في أخبار ~~خلفاء بني العباس، بخط أبي الفضل، يقول: # أنفذ إلي أبو القاسم جعفر بن محمد بن حفص رقعة، أنسخها من دواوين الخراج: ~~الكاتب، ذكر فيها أن أبا الوزير عمر بن مطرف الكاتب من أهل مرو، وأنه كان ~~يتقلد ديوان PageV01P320 ### | CHECK [176] # المشرق للمهدي، وهو ولي عهد، ثم كتب له في خلافته، ولموسى ولهارون، وأنه ~~عمل في أيام الرشيد تقديرا عرضه على يحيى بن خالد، لما يحمل إلى بيت المال ~~بالحضرة من جميع النواحي، من المال والأمتعة، ونسخته: # - أثمان غلات السواد # ثمانون ألف ألف، وسبع مائة ألف، وثمانون ألف درهم. # - أبواب المال بالسواد # أربعة عشر ألف ألف، وثماني مائة ألف درهم. # الحلل النجرانية: مائتا حلة. # الطين للختم: مائتان وأربعون رطلا. # - كسكر # أحد عشر ألف ألف، وست مائة ألف درهم. # - كور دجلة # عشرون ألف ألف، وثماني مائة ألف درهم. # - حلوان # أربعة آلاف ألف، وثماني مائة ألف درهم. # - الأهواز # خمسة وعشرون ألف ألف درهم. # السكر: ثلاثون ألف رطل: # - فارس # سبعة وعشرون ألف ألف درهم. # ماء الزبيب الأسود: عشرون ألف رطل. # الرمان والسفرجل: مائتا ألف وخمسون ألفا. # ماء الورد: ثلاثون ألف قارورة. # الأنبجات: خمسة عشر ألف رطل. # الطين السيرافي: خمسون ألف رطل. PageV01P321 ### | CHECK [177] # الزبيب - بالكر الهاشمي: ثلاثة أكرار. # - كرمان # أربعة آلاف ألف ومائتا ألف درهم. # المتاع اليمني والخبيصي: خمس مائة ثوب. # التمر: عشرون ألف رطل. # الكمون: مائة رطل. # - مكران # أربع مائة ألف درهم. # - السند وما يليها # أحد عشر ألف ألف، وخمس مائة ألف درهم. # الطعام بالقفيز الكيرخ: ألف ألف قفير. # الفيلة: ثلاثة فيلة. # الثياب ms193 الحبشية: ألفا ثوب. # الفوط: أربعة آلاف فوطة. # العود الهندي: مائة وخمسون منا. # ومن سائر أصناف العود: مائة وخمسون منا. # النعال: ألفا زوج، وذلك سوى القرنفل والجوز بوا. # - سجستان # أربعة آلاف ألف، وست مائة ألف درهم. # الثياب المعينة: ثلاث مائة ثوب. # الفانيذ: عشرون ألف رطل. # - خراسان # ثمانية وعشرون ألف ألف درهم. # نقر الفضة، الأمناء: ألفا نقرة. # البراذين: أربعة آلاف برذون. PageV01P322 ### | CHECK [178] # الرقيق: ألف رأس. # المتاع: سبعة وعشرون ألف ثوب. # الإهليلج: ثلاث مائة رطل. # - جرجان # اثنا عشر ألف ألف درهم. # الإبريسم: ألف منا. # - قومس # ألف ألف، وخمس مائة ألف درهم. # نقر الفضة: الأمناء: ألف نقرة. # الأكسية: سبعون كساء. # الرمان: أربعون ألف رمانة. # - طبرستان، والرويان، ودنباوند # ستة آلاف ألف، وثلاث مائة ألف درهم. # الفرش الطبري، ست مائة قطعة. # الأكسية: مائتا كساء. # الثياب: خمس مائة ثوب. # المناديل: ثلاث مائة منديل. # الجامات: ست مائة جام. # - الري # اثنا عشر ألف درهم. # الرمان: مائة ألف ألف رمانة. # الخوخ: ألف رطل. # - أصفهان # سوى خمتش ورساتيق عيسى راديس # أحد عشر ألف ألف درهم. PageV01P323 ### | CHECK [179] # العسل: عشرون ألف رطل. # الشمع: عشرون ألف رطل. # - همذان ودستبي # أحد عشر ألف ألف، وثماني مائة ألف درهم. # الرب والرمانين: ألف منا. # العسل الأروندي: عشرون ألف رطل. # - ماهي البصرة والكوفة # عشرون ألف ألف وسبع مائة ألف درهم. # - شهرزور وما يليها # أربعة وعشرون ألف ألف درهم. # - الموصل ما يليها # أربعة وعشرون ألف ألف درهم. # العسل الأبيض: عشرون ألف رطل. # - الجزيرة، والديارات، والفرات # أربعة وثلاثون ألف ألف درهم. # - أذربيجان # أربعة آلاف ألف درهم. # - موقان وكرخ # ثلاث مائة ألف درهم. # - جيلان # من الرقيق: مائة رأس. # البز والطيلسان: # من العسل: اثنا عشر زقا. # ومن البزاة: عشرة بزاة. # ومن الأكسية: عشرون كساء. PageV01P324 ### | CHECK [180] # - أرمينية # ثلاثة عشر ألف ألف درهم. # البسط المحفورة: عشرون بساطا. # الرقم: خمس مائة وثمانون قطعة. # المالح المنبوذ ما هي: عشرة آلاف رطل. # الطريخ: عشرة آلاف رطل. # اليزاة: ثلاثون بازيا. # البغال: مئتا بغل. # - قنسرون والعواصم # أربعة مائة ألف وتسعون ألف دينار. # - حمص # ثلاث مائة ألف وعشرون ألف دينار. ms194 # الزبيب: ألف راحلة. # - دمشق # أربعة مائة ألف وعشرون ألف دينار. # - الأردن # ستة وتسعون ألف دينار. # - فلسطين # ثلاث مائة ألف وعشرون آلاف دينار. # ومن جميع أجناد الشام من الزبيب: ثلاث مائة ألف رطل. # - مصر # سوى تنيس ودمياط والأشمون - فإن هذه وقفت للنفقات. # ألف ألف، وتسع مائة وعشرون ألف دينار. # - برقة # ألف ألف درهم. PageV01P325 ### | CHECK [181] # - إفريقية # ثلاثة عشر ألف ألف درهم. # من البسط: مائة وعشرون بساطا. # - اليمن # سوى الثياب ثماني مائة ألف، وسبعون ألف دينار. # - مكة والمدينة # ثلاث مائة ألف دينار. # فذلك العين، خمسة آلاف ألف دينار، قيمتها حساب اثنين وعشرين درهما ~~بدينار: مائة ألف ألف، وخمسة وعشرون ألف ألف، وخمس مئة، واثنان وثلاثون ألف درهم. # الورق: أربع مائة ألف ألف، وأربعة آلاف ألف، وسبع مائة ألف، وثمانية آلاف ~~درهم. يكون الورق - مع قيمة العين - خمس مائة ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، ~~وثلاث مائة ألف، واثني عشر ألف درهم. # أيام محمد الأمين # ولما أفضى الأمر إلى محمد الأمين قلد يحيى بن سليم ديوان الرسائل وقلد ~~العباس بن الفضل بن الربيع حجابته، وقلد الفضل بن الربيع العرض عليه، وقلد ~~بكر بن المعتمر ديوان الخاتم. # وكان يكتب للفضل بن الربيع موسى بن عيسى بن يزدانيروذ، وداود ابن بسطام، ~~وعبد الله بن أبي نعيم. # وكان الفضل ينزل في الشارع الأعظم، بإزاء درب السقائين، وكان لما عزم على ~~بناء منزله هذا وهب له الرشيد من مال الأهواز خمسة وثلاثين ألف ألف درهم، ~~معونة له على بنائه. # ولما استقر أمر محمد الأمين، وحصل ما ورد به عليه الفضل بن الربيع من ~~العسكر بما فيه، كتب إلى المأمون يسأله التجافي له عن بعض الأعمال بخراسان، ~~وأن يطلق له إنفاذ رجل يتقلد البريد من قبله، ليكاتبه بأخباره، فشق ذلك على ~~المأمون، ودعا الفضل بن سهل فشاوره، فقال له: إن لك من شيعتك وأهل ولايتك ~~بطانة، وفي مشاورتهم تأنيس لهم، وفي PageV01P326 ### | CHECK [182] # قطع الأمر دونهم وحشة، وظهور قلة ثقة بهم، فشاورهم. فأحضرهم، فأشاروا ~~عليه جميعا بإجابته إلى ما سأل، فقال ms195 الحسن بن سهل: هل تعلمون أن محمدا ~~تجاوز إلى طلب ما ليس له بحق؟ قالوا: نعم، ونحتمل ذاك، لما نخاف من ضرر ~~منعه، قال: وهل تثقون بكفه بعد إعطائه ذلك، وألا يتجاوز بالطلب إلى غيره؟ ~~قالوا: لا، ولكننا نرجو السلامة، قال: فإن تجاوز إلى مسألة أخرى، أليس قد ~~تعجلنا الوهن بما أعطيناه. ووافق الفضل بن سهل الحسن في ذلك الرأي، فقال في ~~كلام طويل: ليس النصر بالكثرة والقلة، وجرح الموت أيسر من جرح الضيم والذل، ~~فقال المأمون: بإيثار حب الدعة صار من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنياه ~~وآخرته، وكتب يمنعه من ذلك ويدفعه عنه. # ثم تقدم المأمون إلى الفضل بن سهل أن يكتب إلى محمد بالبعثة إليه بحرمه ~~وولده، وكان له ببغداد ابنان من أم عيسى بنت موسى الهادي، نزولا معها في ~~قصر المأمون، وبمائة ألف دينار، كان الرشيد أوصى له بها من بيت المال، ~~فأجابه بأنه قد صرف المال في أمور المسلمين، فيما هو أولى مما أوصى به ~~الرشيد، وأن حرمه وولده يجرون عنده مجرى حرمه وولده، وأنه لا يرى تعريضهم ~~لما عرضهم له من مشقة السفر، وغرر الطريق، وأنه إذا رأى لذلك وجها أذن له ~~فيه، فاستحكمت وحشة المأمون، وعلم مذهب محمد فيه، وأخذ في أهبة التحرز منه. # ولما استوثق الآمر لمحمد، زين له الفضل بن الربيع خلع المأمون، وكان ~~يخافه إن أفضى الأمر إليه، وعاون الفضل على ذلك علي بن عيسى بن ماهان، فكتب ~~إلى جميع العمال بالدعاء لموسى بن محمد بعد الخليفة، وخلع المأمون، وبلغ ~~المأمون ذلك، وما أحدثه لموسى ابنه بعده من أمر الخطبة. PageV01P327 # وندب الفضل بن سهل طاهر بن الحسين للشخوص إلى الري، ورآه متثاقلا، فقال له: ~~ما أمنيتك؟ قال: أمنيتي أن أخطب على منبر فوسنج، ويكون في صندوق مائة ألف ~~درهم، فولاه فوسنج، وأمر له بمئة ألف درهم، وتركه أياما، ثم دعاه إلى ~~الشخوص، فأجابه، فقال الفضل: إذا نال الرجل المنى، خاض الدماء. # وكان الحسين بن مصعب بفوسنج، فلما قدم إلى ms196 حضرة المأمون، وعرف خبر ابنه ~~طاهر، أنكر تعرضه لما تعرض له، فقال: الفتن لا يتعرض فيها إلا كل خامل، لا ~~أصل له ولا PageV01P328 ### | CHECK [183] # نباهة، ليذكر فيها، أو يعطب فلا يبالي، وأنت فلك قديم مؤثل؛ فقال له: لم ~~يذهب علي ما قلت، ولكني خفت إن لم اقبل ما دعيت، أن يقلد الأمر غيري وأضم ~~إليه، فلأن أكون متبوعا، أفضل من أكون تابعا. # قال عبيد الله بن الحسن بن سهل سمعت أبي يقول: لما انتهى إلى الفضل بن ~~سهل خير علي بن عيسى، وخروجه من العراق، أمر القواد كلهم بجميع أولادهم، ~~فأتى الحسين بن مصعب بطاهر، فلما رأى طاهرا أعرض عن غيره، وكان أعور كريه ~~الوجه مشمرا، وجعل يقول: هو هو، ثم عقد له على الري، فرمى الحسين بن مصعب ~~نفسه بين يديه، واستعفاه من إنفاذه، وقال له: إني لم أقل هذا إشفاقا عليه، ~~ولكن خوفا من أن يحدث عليك حادثة يعسر تلافيها، فو الله لقد كنت أراه في ~~ولاية علي بن عيسى خراسان، وإنه ليقف بين يديه في جملة خلق كثير، وفرائضه ~~ترعد منه، ولعله أن ينظر إليه بتلك العين، فقال له الفضل بن سهل: أمسك، فقد ~~عقدت له عقدا لا ينقض نيفا وستين سنة. # ولما عزم محمد على مكاتبة المأمون بأن ينزل له عن بعض أعماله، تقدم إلى ~~إسماعيل بن صبيح أن يكتب إليه في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إن مسألتك له ~~الصفح عن بعض ما في يديه توكيد للظن، وتقوية للتهمة، ومدعاة للحذر، ولكن ~~نكتب إليه وتعرفه حاجتك إليه، وشوقك إلى قربه، وإيثارك الاستعانة برأيه ~~ومشورته، وتسأله القدوم عليك، فإن ذلك أحرى أن لا يوحشه، فقال: اكتب بذلك؛ ~~فكتب به، فلم يلتف إليه المأمون، ولا أجابه عنه. # ثم ألح الفضل بن الربيع على محمد في خلع المأمون، وقوى عزمه فيه، وأعانه ~~عليه علي بن عيسى، فبايع لابنه موسى بالعهد بعده، وسماه الناطق بالحق، وخلع ~~المأمون والقاسم؛ وكتب الفضل بن الربيع عنه بذلك، وبالنهى عن الدعاء لهما ~~على ms197 المنابر، وأحضر عبد الله بن محمد أحد الحجبة، وسأله التلطف في أخذ ~~الكتابين اللذان كان الرشيد علقهما في بيت الله الحرام بالبيعة، ففعل ذلك، ~~وسرقهما وصار بهما إليه، فدفعهما الفضل إلى محمد فمزقهما. PageV01P329 # وسارت الركبان في الآفاق بغدر محمد، وبحسن سيرة المأمون، فاستوحش الناس ~~منه، وانحرفوا عنه، وسكنوا إلى المأمون، ومالوا إليه. # وكان محمد لما أجمع على خلع المأمون شاور يحيى بن سليمان في ذلك، فقال ~~له: وكيف PageV01P330 ### | CHECK [184] # بذلك يا أمير المؤمنين مع ما وكده الرشيد من بيعته، وتوثق في عهده عند ~~خاصته وعامته؟ فقال له محمد: إن ذلك كان فلتة وخطأ من رأي الرشيد، شبه عليه ~~فيه جعفر بن يحيى بسحره، فغرس لنا غرس مكروه، لا ينفعنا ما نحن فيه إلا ~~بقطعه، وأنت رجل مهذار، ولست بذي رأي مصبب. والرأي إلى الشيخ الموفق، ~~والوزير الناصح، قم فالحق بمدادك وأقلامك، يعني محمدا بهذا القول الفضل بن ~~الربيع. # وكان بكر بن المعتمر يعاون الفضل على رأيه عند محمد في مساءة المأمون. ~~قال يوسف بن محمد شاعر طاهر بن الحسين أبياتا منها: # أضاع الخلافة غش الوزير ... وحمق الأمير وجهل المشير # فبكر مشير وفضل وزير ... يريدان ما فيه حتف الأمير # ومن يؤثر الفسق يخذل به ... وتنفر عنه بنات الضمير # لواط الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه بغاء الوزير # فهذا ينيك وهذا يناك ... كذاك لعمري اختلاف الأمور # فلو يستعفان هذا بذا ... لكانا بعرضة أمر ستير # وجهز محمد علي بن عيسى في سنة خمس وتسعين ومائة، فكان من أمره ما كان، ~~فلما ورد خبر قتله، أشار الفضل بن الربيع على محمد بقبض ضياع المأمون وماله ~~ببغداد والسواد، فأذن له في ذلك، ففعل. # ولما قتل طاهر بن الحسين علي بن عيسى، دعا بكتابه ليكتب إلى الفضل ابن ~~سهل بخبره، فلم يكن في الكاتب فضل، لإفراط الجزع، وشدة الزمع بما شاهده، ~~فكتب طاهر إلى الفضل بيده، وكانت عادته أن يخاطبه بالإمرة، فأسقط ذلك وكتب: ~~أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي بن ms198 ~~عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، وعسكره تحت يدي، والحمد لله رب العالمين. ~~فلما وصل الكتاب إلى الفضل أنكره، حتى وقف على ما تضمن؛ فقال: حق له، ونهض ~~فدخل على المأمون، فسلم عليه بأمير المؤمنين. # وقيل: إن الخريطة سارت، وبين الموضع وبين مرو نحو من مائتين وخمسين ~~فرسخا، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، فوردت يوم الأحد. ثم أمر محمد ~~الفضل بعد قتل علي بن PageV01P331 ### | CHECK [185] # عيسى بتجهيز عبد الرحمن الأبناوي، فجهزه وشخص، وكان من أمره وقتله ما كان. # ثم دعا الفضل بن الربيع بأسد بن يزيد بن مزيد، قال: فدخلت عليه وهو في ~~صحن داره، وهو يقول: ينام نوم الظربان، وينتبه انتباه الذئب، همه بطنه، لا ~~ينكر زوال نعمة، ولا يروى في إمضاء رأي، قد شغله كأسه ولهوه عن مصلحته، ~~والأيام توضع في هلاكه. ثم أقبل علي، فقال لي: إنما نحن وأنت يا أبا الحارث ~~شعب من أصل؛ إن قوى قوينا، وإن ضعف ضعفنا، وإن هذا الرجل قد ألقى بيده ~~إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويخلد إلى الرؤيا، وهو يتوقع الظفر، ~~ويتمنى عقب الأيام، والحتف أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد خشيت ~~والله أن نهلك لهلاكه، ونعطب بعطبه، وقد فزعت إليك في لقاء هذا الرجل ~~لأمرين، أحدهما: صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثاني: يمن نقيبتك، وشدة بأسك، ~~والاقتصاد رأس النصيحة. فاشتط عليه أسد فيما التمسه من الأموال، والعتاد، ~~والرجال، والسلاح؛ فصار به إلى محمد، وعرفه ذلك، فغضب، وأمر بحبسه. # وكان الفضل بن الربيع يقول: # مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكي، فإذا أردت أن تقول: كيف أصبح ~~الأمير؟ فقل: صبح الله الأمير بالكرامة؛ وإذا أردت أن تقول كيف يجد الأمير ~~نفسه؟ فقل: أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فإن المسألة توجب الجواب، ~~فإن لم يجبك اشتد عليك، وإن أجابك اشتد عليه. # وأهدى أبو العتاهية إلى الفضل نعلا، وكتب إليه: # نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد # لو كنت أقدر أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي # وكان ms199 أبو نواس ينادم محمدا، ويخص به، وله فيه أشعار كثيرة، ومعه أخبار ~~مشهورة، فقال الفضل بن سهل يزري على محمد به، ويعيبه باحتماله إياه: وكيف ~~لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه ما لا ينكره عليه؟ وهو: # ألا سقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر PageV01P332 ~~فبلغ ذلك محمدا، فأمر بإحضار أبي نواس، فأحضره وعنده سليمان بن أبي جعفر، ~~وقد كان اتصل بمحمد عنه أنه قال: PageV01P333 ### | CHECK [186] # وقد زادني أتيها على الناس أنني ... أراني أغناهم وإن كنت ذا عسر # ولو لم أنل فضلا لكانت صيانتي ... فمن عن جميع الناس حسبي من الفخر # فلا يطمعن في ذاك مني طامع ... ولا صاحب التاج المحجب في القصر # وهذه الأبيات من قصيدة له جيدة، وأولها: # ومستعبد إخوانه بتراثه ... لبست له كبرا أبر على الكبر # وبلغه أنه قال: # اسقنيها يا ذفافه ... مزة الطعم سلافه # ذل عندي من جفاها ... لرجاء ومخافه # مثل ما ذلت وضاعت ... بعد هارون الخلافه # فلما دخل عليه، قال له: يا عاض بظر أمه! شحمة العاهرة، وشتمه أقبح شتم، ~~أنت تتكسب بشعرك أوساخ أيدي جميع الناس، ثم تقول: # ولا صاحب التاج المحجب في القصر # فقال له سليمان بن أبي جعفر: وهو والله يا أمير المؤمنين من كبار ~~الثنوية، فقال له: أيشهد عليه بهذا أحد؟ فاستشهد سليمان جماعة، شهد بعضهم ~~أنه وضع قدحا في يوم مطر، حتى قطر فيه من المطر قطر كثير، وقال بعد شربه ~~إياه: يزعمون أن مع كل قطرة ملكا، فكم تراني قد شربت من الملائكة؟ فوجه به ~~إلى الفضل بن الربيع، وأمره بحبسه مع قوم كانوا يتهمون بالزندقة؛ فقال في ~~حبسه أبياتا منها: # لا العذر يقبل لي فتقبل توبتي ... فيهم ولا يرضون حلف يميني # أما الأمين فلست أرجو دفعه ... عني فمن لي اليوم بالمأمون؟ # فبلغت أبياته المأمون، فقال: والله لئن لحقته لأغنينه غنى لا يؤمله؛ فمات ~~قبل دخول المأمون مدينة السلام. # وكان للفضل بن الربيع خال يستعرض أهل السجون ويتعهدهم، فدخل إلى الحبس ~~الذي هو ms200 فيه، ولم يكن يعرفه، فقال له: يا هذا، أنت زنديق؟ فقال له أبو ~~نواس: معاذ الله؛ فقال له: فلعلك ممن يعبد الكبش؟ فقال له: أنا آكل الكبش ~~بصوفه؛ فقال له: فلعلك تعبد الشمس؟ فقال له: إني أتجنب القعود فيها بغضا ~~لها؛ فقال: فبأي جرم حبست؟ فقال: لأني أنام خلف PageV01P334 ### | CHECK [187] # الناس؛ فقال له: ليس الأمر كذلك؛ قال: والله لقد صدقتك؛ فجاء إلى الفضل، ~~فقال له: يا هذا، لا تحسنون جوار نعم الله بحبس الناس بغير جرم؛ فقال: وما ~~ذاك؟ فخبره الخبر، فضحك منه، وعرف محمدا الخبر، وشفع إليه فيه، فأمر ~~باستحلافه أن لا يشرب ولا يفسق، ففعل ذلك، فأطلقه، فقال فيه: # ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس أولاها # نام الكرام على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها # قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله # فعفوت عني عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها # وله أيضا فيه، وفي توبته: # أنت يا بن الربيع علمتني الخير وعودتنيه والخير عاده وعتب الفضل بن ~~الربيع على إبراهيم بن شبابة الشاعر في شيء، فكتب إليه: # إن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فالحظ بجرمي عفوك المأمولا # هبني ظلمت وما ظلمت بلى ظلمت ... أقر كي يزداد مجدك طولا # ووجدت بخط ميمون بن هارون: حدثني إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثني الفضل بن ~~الربيع، قال: كنت أقرأ كتابا، وإلى جانبي رجل من أهل المدينة، فجعل ينظر في ~~كتابي، فقلت له: ما تصنع؟ ويحك! فقال: حدثت أنه من اطلع في كتابه أخيه بغير ~~أمره، فإنما يطلع في النار - ولنا أشياخ قد تقدموا، فقلت: لعلي أن أرى بعضهم. PageV01P335 # ولما أفضت الخلافة إلى محمد الأمين أطلق محمدا وموسى ابني يحيى بن خالد من ~~الحبس بالرقة، ووصل جماعة آل برمك: الرجال والنساء، وأحسن إليهم، ولم ~~يتصرفوا معه، فلما ضاق أمر محمد، وحبسه الحسين بن علي بن عيسى، وأحاط هرثمة ~~بالمدينة، شخص العباس بن الفضل ابن يحيى، وأحمد بن محمد بن يحيى إلى الفضل ~~بن سهل، فلما وصلا إليه برهما، ms201 وأكرمهما أشد إكرام، وأوصلهما إلى المأمون، ~~ولم يزل قائما حتى قبلا يده، والمأمون يقول له: اجلس يا ذا الرياستين ولا ~~تقم؛ فيقول: يا أمير المؤمنين، إن لهما علي حقا أرجو أن أقضيه بك، ثم أمر ~~بالخلع عليهما وحملانهما، وأجرى عليهما أنزالا واسعة، وكتب إلى محمد بن ~~يحيى يستدعي مصيره إليه، ويشير عليه بالدخول في جملة المأمون؛ PageV01P336 ### | CHECK [188] # فلما وصل الكتاب إلى محمد بن يحيى، بادر بالخروج إلى طاهر، لمكانه من ~~اصطناع الفضل بن سهل، فبره طاهر وأكرمه، وأقام موسى بن يحيى مع محمد، وفارق ~~الكتابة إلى السيف، فناصح له، وقاتل دونه، وبذل نفسه في الدفع عنه، ولم ~~يفارقه حتى قتل، وانضم إلى هرثمة، واجتمع معه على حرب أبي السرايا، وخاض ~~تلك الفتن المشهورة؛ فلما ورد المأمون العراق صار إليه، فبره وأكرمه وقدمه، ~~وانبسط إليه في المشورة والرأي، حتى غلب عليه. # وكان الأمين لاعب الفضل بن الربيع بالنرد، ورهنا خواتيمهما على شيء اتفقا ~~عليه، على أن يحضره المقمور منهما، فقمر محمد الفضل، فصار خاتمه في يده، ~~وكان نقش فصه: الفضل بن الربيع، ونهض ليبول وهو معه، فدعا بنقاش، فكتب تحت ~~السطر الذي فيه الكتاب في الفص: ينكح، فصار يقرأ: الفضل بن الربيع ينكح، ثم ~~عاد إلى مجلسه، وأحضر الفضل فكاك الخاتم، فدفعه إليه، فلما كان بعد عشرة ~~أيام، دعا بالفضل، وعاود ملاعبته بالنرد، وأخذ الخاتم منه، فتأمله، وسأله ~~عن نقشه، فقال له: اسمي واسم أبي، فقال له: أرى عليه شيئا آخر سوى ذلك، ~~ودفع الخاتم إليه، فتأمله، فلما رأى ما أحدث في خاتمه، لم يتمالك أن قال: ~~{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، هذا خاتم وزيرك، يختم به ~~على جميع الآفاق منذ عشرة أيام، وممن كاتبته أخوك الذي يظهر أنك لست موضعا ~~للخلافة، ويجمع خلعك - والله ما بقيت من هتك نفسك عند أوليائك، والمنافقين ~~لك، والمطرحين ببغضك شيئا إلا وقد أتيته، وما يضر ذلك الفضل ولا الربيع، ~~والله المستعان فم زاد محمد على الضحك شيئا. # وفي الفضل ms202 بن الربيع يقول إسماعيل القراطيسي: # لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي # لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع # وكان الفضل بن الربيع وعد زبير بن دحمان المقام عنده، فدخل زبير إلى ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسأله أن يقيم عنده؛ فقال له: إني قد وعدت أبا ~~العباس الفضل بن الربيع بالمقام عنده، فقال إسحاق: PageV01P337 # أقم يا أبا العوام ويحك نشرب ... ونلهو مع اللاهين يوما ونطرب PageV01P338 ### | CHECK [189] # إذا ما رأيت اليوم قد بان خيره ... فخذه بشكر، واترك الفضل يغضب # فأقام عند، وأخل بالفضل بن الربيع. # وعزم الأمين يوما على الاصطباح، وأحضر ندماءه والمغنين، وصفت الموائد، ~~فلما ابتدأ ليأكل، دخل عليه إسماعيل بن صبيح، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا ~~هو اليوم الذي وعدتني فيه أن تنظر في أعمال الخراج والضياع وجماعات العمال، ~~وقد اجتمعت علي أعمال، منذ سنة لم تنظر في شيء منها، ولم تأمر فيها، وفي ~~هذا دخول خلل في الأعمال؛ فقال له محمد: إن اصطباحي لا يحول بيني وبين ~~النظر، وفي مجلسي من لا أنقبض عنه، من عمي وبني عمي وإخوتي، وهم أهل هذه ~~النعمة، التي يجب أن تحاط، فأحضر ما تريد عرضه، فاعرضه علي وأنا آكل، ~~لأتقدم إليك فيه بما تحتاج إليه، إلى أن يرفع الطعام، ثم أتم النظر فيما ~~يبقى، ولا أسمع سماعا أو أبرم الباقي، وأفرغ منه. فحضر كتاب الدواوين بأكثر ~~ما في دواوينهم، وأقبل إسماعيل بن صبيح يقرأ عليهم، ومحمد يأمر وينهى بأحسن ~~أمر ونهي وأشده، وربما شاور من حوله في الشيء بعد الشيء، وكلما وفع في شيء ~~وضع بالقرب من إسماعيل ابن صبيح، ورفعت الموائد، ودعا بالنبيذ، وكان لا ~~يشرب في القدح أقل من رطل واحد في تتميم العمل، ثم دعا بخادم له، فناجاه ~~بشيء أسره إليه، فمضى ثم عاد، فلما رآه نهض واستنهض سليم بن علي، وإبراهيم ~~بن المهدي، فما مشوا عشر أذرع، حتى أقبل جماعة من النفاطين، فضربوا تلك ~~الكتب والأعمال بالنار، وكان الفضل بن الربيع حاضرا، فلحق محمدا وقد شق ~~ثوبه، ms203 وهو يقول: الله والله أعدل من أن يرضى أن يكون مدبرا أمور أمة نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم من هذه أفعاله! ومحمد يضحك، ولا ينكر على الفضل قوله. # وفي إسماعيل بن صبيح يقول أبو نواس ويخاطب الأمين: # ألست أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما من خلافك مائق # فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك، ولم يسلم عليك منافق # أعيذك بالرحمن من شر كاتب ... له قلم زان، وآخر سارق # وفيه يقول أيضا: PageV01P339 # خبز إسماعيل كالوشي ... إذا ما أنشق يرفى PageV01P340 ### | CHECK [190] # إن رفاءك هذا ... أحذق الأمة كفا # عجبا من أثر الصنعة ... فيه كيف تخفى! # أحكم الصنعة حتى ... لا يرى مطعن إشفى # وله في الماء أيضا ... فطنة أبدع ظرفا # يمزح المالح بالعذب ... لكي يزداد ضعفا # وهو لا يشرب منه ... مثل ما يشرب صرفا # وكان صبيح أبو إسماعيل مولى عتاقة لسالم الأفطس، ولما أعتق سالم الأفطس ~~صبيحا، جعله قيما لمسجد حران؛ وكان سالم الأفطس مولى عتاقة لبني أمية. # وكان أبو الخطاب محمد بن الخطاب بن يزيد بن عبد الرحمن، لسان الحسن بن ~~سهل عند المأمون، وخطبته بحضرته بفضله ومعاذيره، وكان قصد طاهر بن الحسين، ~~وطاهر بالجزيرة، فأكرمه وبره، وسرحه إلى الفضل بن سهل، فر في طريقه بخالد ~~بن يزيد بن متى الكاتب، وكان يتقلد الموصل من قبل طاهر بعد قتل المخلوع، ~~وقد شرع يزيد بن متى في قتال قوم من العرب بغير أمر طاهر، فأنكر عليه ذلك، ~~ونفذ إلى الحسن بن سهل، واتصل خبر قتال يزيد العرب بطاهر، فوقع إليه: # أقذر بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور # وصرفه. # ولما رأى الفضل بن الربيع قوة أمر المأمون، واتصال ضعف محمد وتخليطه، ~~وانفلال الناس عنه، وتمزق الأموال التي كانت في يده، استتر في رجب من سنة ~~ست وتسعين ومائة، وتمم استتاره إلى أن غلب على بغداد محمد بن أبي خالد، ~~وحارب الحسن بن سهل، وغلبه على ما بينها وبين واسط، فاستأمنه الفضل بن ~~الربيع وظهر، ولم يزل ظاهرا إلى أن غلب إبراهيم بن المهدي ms204 على الأمر، وتسمى ~~بالخلافة، فصار إليه، فرسمه بحجابته، فكان فتيان آل ربيع يقومون بها، ليرفع ~~الفضل عنها؛ ثم اختل أمر إبراهيم، واتصلت الأخبار بإجماع المأمون ورود ~~العراق، فعاد الفضل إلى استتاره. # وتقلد موسى بن أبي الزرقاء فارس، فاستكتب على بن أبي كبير الكوفي، وكان ~~شاعرا ظريفا صاحب شراب ولهو، فشرط عليه ألا يأتيه في يوم جمعة، فاحتاج موسى إلى PageV01P341 ### | CHECK [191] # حضوره في يوم الجمعة لأمر طرقه، فوجه إليه فأحضره، فحضر وهو شارب، فقال ~~له: ويحك! ماذا تشرب؟ قال: أقرب ما أحل الله، مما حرم الله. فهل شربت - ~~أصلحك الله - شرابا قط، حتى لانت أعطافك، وسخت نفسك، وحبب إليك جلساؤك؟ ~~قال: لا والله، قال: فهل خرجت في صيد فبادرت أصحابك إلى طريدتك، ووثبت عن ~~دابتك، وتوليت ذبحها بيدك؟ قال: لا والله؛ قال: فهل عشقت حتى راسلت وكاتبت، ~~ووعدت وتوقعت؟ قال: لا والله؛ قال: فو الله ما ذقت لذة العيش قط، ولا تفلح أبدا. # ولما استر الفضل بن الربيع صار زهير بن المسيب إلى داره في شارع الميدان، ~~فسكنها رعاية لحرمته، ولحقوق كانت بينه وبين الفضل، وأراد بما فعله حفظها ~~عليه. فلما صار فيها أقام في حجرة منها كانت تعرف بدار الذهب، وأقر حرم ~~الفضل وخدمه وأسبابه في مواضعهم منها، ودعا بسليم خادم الفضل، فقال له: إني ~~إنما سكنت هذه الدار، لكيلا يسمع فيها أحد، ولا يجترئ على دخولها، ولأصون ~~من فيها من أسباب أبي العباس، ودفع إليه عشرة آلاف دينار، وقال: أنفقها على ~~عيال أبي العباس، فإنما أنا حافظ لهم ولهذه الدار؛ فشكر الفضل له ذلك، وأمر ~~برد الدنانير عليه؛ فلما ورد المأمون العراق أسكنها القاسم بن الرشيد، فلم ~~يزل فيها إلى أن ظهر الفضل، فنقله عنها، وسلمها إليه. # أيام المأمون # ولما قتل طاهر محمدا المخلوع، أنفذ رأسه إلى المأمون؛ فقال الفضل ابن ~~سهل: ما فعل بنا طاهر؟ سل علينا سيوف الناس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به ~~أسيرا، فبعث به عقيرا!. PageV01P342 # وذكر علي بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد ms205 أدخله ذو الرياستين على ترس ~~بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد، ثم أمره المأمون أن ينشئ كتابا عن طاهر ~~بخبره، ليقرأه على الناس؛ فكتب عدة كتب لم يرضها واستطالها، فكتب أحمد بن ~~يوسف في ذلك كتابا نسخته: أما بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين ~~في النسب واللحمة، فقد فرق حكم الكتاب والسنة بينه وبينه في الولاية ~~والحرمة، لمفارقته عصمة الدين،، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، يقول ~~الله عز وجل فيما أقتص علينا من نبأ نوح: {يا نوح إنه ليس من اهلك، إنه عمل ~~غير صالح}، ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات ~~الله؛ وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وردأه ردء نكثه، وأحصد PageV01P343 ### | CHECK [192] # لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من وعده؛ فالحمد لله الراجع ~~إلى أمير المؤمنين معلوم حقه، الكائد له من خير عهده، ونقض عقده، حتى رد ~~الله به الألفة بعد فرقتها، وأحيا به الأعلام بعد دروسها، وجمع به الأمة ~~بعد فرقتها، والسلام. # فلما عرض النسخة على ذي الرياستين رجع نظره فيها، ثم قال لأحمد بن يوسف: ~~ما أنصفناك! وأمر له بصلات وكسي وكراع وغير ذلك، وقال له: # إذا كان فاقعد في الديوان، وليقعد جميع الكتاب بين يديك، واكتب إلى ~~الآفاق. # ولما استقامت الأمور للمأمون رد التدبير إلى ذي الرياستين، وأمضاها على ~~رأيه، وكتب إلى طاهر وهرثمة بتسليم ما في أيديهما من العمل إلى علي ابن أبي ~~سعيد، ابن خالة الفضل بن سهل، وكان يعرف بذي القلمين. # وكان علي بن أبي سعيد كريما متكبرا، قليل الضحك؛ وذكر الأصمعي أنه اجتهد ~~في أن يضحكه فما ضحك إلا مرة متبسما، قال: ولقد أضحكت الرشيد ويحيى بن خالد ~~فمن دونهما، قال: وأمر لي مرة بطيلسان، فلما ألقاه الغلام علي، لزمت الذي ~~كان علي بيدي جميعا، فقال لغلامه: ألبسه فوقه، فألقاه فوق طيلساني، فمسسته ~~بيدي، فقال لي: كأنك تسترقه؟ قلت: نعم. فأمر لي بطيلسان أصفق منه، فلما ذهب ~~الغلام ليلقيه ms206 علي، أمسكت الطيلسانين الأولين بيدي، فقال للغلام: ألبسه ~~فوقهما، فألقاه علي، فقمت وعلي ثلاثة طيالسة، فتبسم حينئذ، وأمر لي بعشرة ~~آلاف درهم. # ثم قلد المأمون الحسن بن سهل خلافته، وأنفذه إلى العراق، فلما خرج من ~~حضرته خرج معه مودعا له، فلما بلغ غاية المشيع قال له: اذكر يا أبا محمد ~~حاجة إن كانت لك؛ فقال له: نعم يا أمير المؤمنين، أحفظ علي من قلبك مالا ~~أستطيع حفظه إلا بك. # ولقب المأمون الفضل بن سهل ذا الرياستين. ومعنى ذلك رياسة الحرب، ورياسة ~~التدبير، وعقد له على سنان ذي شعبتين، وأعطاه مع العقد علما قد كتب عليه ~~لقبه، فحمل العقد علي بن هشام، وحمل العلم نعيم بن حازم. PageV01P344 # وكان الفضل يؤمر مع الوزارة، وهو أول وزير لقب، وأول وزير اجتمع له اللقب ~~والتأمير. # وذكر عيسى بن محمد بن حميد أنه رأى توقيعا بخط المأمون للفضل ابن سهل: PageV01P345 ### | CHECK [193] # أغنيت يا فضل بن سهل بمعاونتك إياي على طاعة الله، وإقامة سلطاني، فرأيت ~~أن أغنيك، وسبقت الناس من الحاضر كان لي، والغائب كان عني، فأحببت أن أسبق ~~إلى الكتاب لك بخطي، بما رأيته على نفسي، وأنا أسأل الله تمامه، فإن حولي ~~وقوتي ومقدرتي وقبض وبسطي به، لا شريك له؛ وقد أقطعتك السيب بأرض العراق، ~~على حيازة تميم مولى أمير المؤمنين، عطاء لك ولعقبك، لما أنت عليه من ~~النزاهة عن أموال رعيتي، ولما قمت به من حق الله وحقي، فلم تأخذك في لومة ~~لائم، ولم تراقب ذا سلطان ولا غيره، وقد جعلت لك بعد ذلك مرتبة من يقول في ~~كل شيء فيسمع منه، ولا تتقدمك مرتبة أحد ما لزمت ما أمرتك به، من العمل لله ~~ولنبيه، والقيام بصلاح دولة أنت ولي بقيامها، وجعلت ذلك كله لك بشهادة ~~الله، وجعلته لك كفيلا على عهدي، وكتبت بخطي سنة ست وتسعين ومائة. # وكان ذو الرياستين يقول لكتابه: # قاربوا بين الحروف، لئلا يسافر البصر سفرا بعيدا في حروف قليلة. # قال الفضل بن مروان: قال لي المأمون: جهدت بالفضل بن ms207 سهل الجهد كله أن ~~أزوجه بعض بناتي، فأبى، وقال: لو صلبتني ما فعلته. # وكان الفضل بن سهل سخيا سريا، نبيل النفس، كثير الإفضال، يذهب مذاهب ~~البرامكة في ذلك، وكان غليظ العقوبة إذا عاقب، مقدما إذا أنكر، حسن الرجوع ~~إذا استعطف، وكان حسن البلاغة، مستقلا بما يحتاج إليه من حل محله. وحكي أنه ~~كان ربما أنكر على بعض أصحابه شيئا، فإذا تقرب إليه بخدمة، أو بمناولة شيء، ~~أو بملازمة، زال ما في نفسه. # وكان إذا سأله أحد حاجة يقول: أكره أن أقول: نعم، فأكون ضامنا، أو أقول: ~~لا، فأكون مؤيسا، ولكن ننظر ويسهل الله، ولا ينصرف أحد من عنده إلا وهو ~~راض. وكان مهذارا مكثارا، يشير بيده إذا تكلم، ويجب أن يتصل كلامه، وكان ~~يأخذ اللقمة بيده ويبدأ بكلام، فلا يقطعه حتى تبرد. PageV01P346 # وكان الفضل يقول: عجبت لمن يرجو من فوقه، كيف يمنع من دونه. وكان يقول: إذا ~~أعطيت الرجل شيئا فقطعه عليه، فإنه لا يسألك حاجة حتى يستنفذ ذلك، ويقطع به دهرا. # ووقع الفضل إلى خزيمة بن حازم: الأمور بتمامها، والأعمال بخواتيمها، ~~والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية جرى الجواد، وهناك كشفت الخبرة قناع ~~الشك، فحمد السابق، وذم PageV01P347 ### | CHECK [194] # الساقط. # وكتب صاحب المقاطعة بهمذان إلى الفضل يذكر أن كاتب المتولي للبريد بهذه ~~الكورة، ذكر أن صاحبه اقتطع مالا جليلا من مال السلطان، وأنه يصحح ذلك ~~عليه، وأنه وكل به وبصاحبه، ليصحح ما رفعه، فوقع على كتابه: قبول السعاية ~~شر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، ومن قبل ما نهى الله ~~عنه، كان بعيدا منه، وحقيقا ألا يقبل قوله، فانف هذا الكتاب، فإنه لم يرع ~~ما كان يجب أن يرعاه من حقوق صاحبه، وحرمة خدمته. # وكان الفضل يبغض السعاة ويقصيهم، وإذا أتاه ساع قال له: إن صدقتنا ~~أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك. # ويشبه هذا ما ذكر عن الوليد بن عبد الملك أنه قال لمتنصح أتاه يستخليه: ~~إن كانت نصيحتك لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة بنا إليها فقال له: ms208 ~~جار لي أخل ببعثه. فقال له: أما أنت فتخبرنا أنك جار سوء، فإن شئت أن ننظر، ~~فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، فقال: بل ~~تتاركني. # وكان الفضل قد حرم النبيذ، وحظر شربه، وأمر بعقوبة شاربه. # قال أبو الحسن بن أبي عباد: # كان في جوارنا رجل من آل حماد البربري، مشهور بالخطارة والفسق، فأتلف ~~ماله في هذا الباب، حتى أفلس، فكان يقول لمجنونه في مجلسه: زيدونا قحابا. ~~فلما لم يبق له شيء أظهر الزهد رياء، وأظهر رفض ما كان فيه، وشخص إلى ذي ~~الرياستين، فانصرف إلينا وهو من أحسن الناس حالا في دينه وذات يده؛ فسألته ~~عن ذلك، فقال: أتبت ذا الرياستين، فأقمت ببابه على ما كنت أظهرته من ~~الرياء، فلم ألبث أن سعى بي إليه وكيل له: أنني متصنع. فدعاني، فقال: يا ~~هذا، قد فعلت فعلا إن كان على صحة من نيتك، فالحمد لله، وإلا يكن، فقد ~~ينبغي أن تعرف مقدار الباطل من الحق؛ قال: فنفعني كلامه، فصححت التوبة، ~~ورزق الله منه فضلا كثيرا. PageV01P348 # ولما استقام الأمر للمأمون جلس مجلسا عاما، فحمد الله، وذكر ما أولاه، وعدد ~~نعمه، في كلام طويل؛ فقال له الفضل بن سهل: إنه لم يكن أحد مع أمر الله ~~ولزوم أدبه، فأخلفه ما تقدم الله به من وعده؛ قال: لئن شكرتم لأزيدنكم ، ~~فمتى كنت يا أمير المؤمنين موجبا PageV01P349 ### | CHECK [195] # شكره، لم تجد خلفا فيما وعد من فضله وزيادته. فقال الحسن بن سهل: مما حفظ ~~يا أمير المؤمنين عن العالمين قولهم: لا تخافوا الله مع الإحسان، على ~~أنفسكم، وخافوا أنفسكم على التقصير الموجب لحلول العقوبة بكم. # وكان يكتب لطاهر بن الحسين رجل يعرف بعيسى بن عبد الرحمن، فأنفذه إلى ~~الفضل بن سهل، وطاهر مقيم بالجزيرة، والفضل بخراسان، وقد كان الشغب الذي ~~حدث بينهما ظهر، فأنفذ طاهر عيسى هذا يظهر الاعتذار، ويستبقي مخاطبته إياه، ~~فورد عسكر المأمون بمرو، وكثير ممن بها من الوجوه عاتب على الفضل؛ فحضره ~~وبحضرته عبد الله بن مالك الخزاعي، ms209 وهو أشدهم عتبا، فكلمه بكلام كثير، أغلظ ~~له به، وعرض له بكل ما يكرهه، ثم قال بعقبه: فلولا أني رسول مأمون ما قلت ~~ما قلته؛ فقال له الفضل: أفما خشيت في تحمل مثل هذه الرسالة القتل؟ فقال ~~عيسى: ما شككت في القتل، ولكني ميلت بين أن آبى على صاحبي تحملها، وبين أن ~~أقبلها، فرأيت أني إن لم أتحملها عجل لي القتل، وحصلت لي مذمة المخالفة، ~~وإن قبلتها كنت قد شكرت نعمته، وأطعت أمره، وعشت بينه وبين الأمين أعزه ~~الله المسافة التي عشتها، ثم لعلي أن أكون قد وردت من فضل الأمير وعفوه ~~وحلمه على ما أرجو ألا أبعد عنه؛ فقال له الفضل: لو أطعت فيك النصحاء ~~لاسترحت منك، ولم تكلمني في مجلس أمير المؤمنين ودار الخلافة بما كلمتني ~~به؛ فقال له عيسى: وما رأى النصحاء أعز الله الأمير؟ فقال له الفضل: أن كنت ~~أضرب عنقك قبل أن تصل إلي، وأرد رأسك في مخلاة إلى صاحبك، فأكون قد قطعت ~~يده ولسانه. فقال له عيسى: أنا يده ولسانه؟! والله لو أن صاحبي أخرج يده من ~~مضربه لوجد حوله سبعين، بل سبع مئة، بل سبعة آلاف، كلهم أغنى وأجزأ وأكفى ~~مني، ومن أنا فيمن قد عضده الله به، وأعطاه من كفاته. فبلغ هذا الكلام من ~~الفضل كل مبلغ. PageV01P350 # وكان عيسى كاتب طاهر لما دخل مجلس الفضل نزع قلنسوته، وجعلها إلى جانبه، ثم ~~فعل ذلك مرارا، فقال نعيم بن حازم ليعقوب بن عبد الله، وكان يعقوب آلفا ~~لعيسى: إن أبا العباس - يعني عيسى - إذا جلس في مجلس الأمير - يعني الفضل - ~~رفع قلنسوته عن رأسه، وهذا استخفاف منه بالأمير، قد أنكره الناس، وتكلموا ~~فيه، فأعلمه ذاك، ليمسك عنه فيما يستقبل، فإنه إن عاود دنوت منه، ورددتها ~~على رأسه بعنف وإنكار؛ فقال يعقوب PageV01P351 ### | CHECK [196] # لعيسى ذلك؛ فقال له؛ بأي شيء رددت عليه؟ قال: قلت له: إنه محرور، ولعله ~~قد استأذن الأمير في ذلك، أن كان لا يجهل ما يأتي ويذر: فقال: والله ما بي ~~أني محرور، ms210 وما استأذنت، ولكني أريد أن يعلم الفضل أولا، ثم من حوله، أنه ~~أهون علي وأدق في عيني ما دام صاحبي - أعزه الله حيا - من هذه الشعرة - ~~وقلع شعرة من عرف دابته - ومن فوق نعيم، فضلا عن نعيم، أشد تهيبا للإقدام ~~علي بشيء أنكره، فلا يدخلك من قولهم شيء، وعرف نعيم بن حازم ما قلته. # وحكي أن المأمون قال للفضل بن سهل: قد كان لأخي رأي لو عمل به لظفر بنا؛ ~~فقال الفضل: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: لو كنت إلى أهل خراسان وطبرستان ~~ودنباوند أنه قد وهب لهم الخراج لسنة، لم نخل نحن من إحدى حالين: إما رددنا ~~فعله، ولم نلتفت إليه، فعصانا أهل هذه البلدان، وانفسدت نياتهم، فانقطعوا ~~عن معاونتنا؛ وإما قبلناه وأنفذناه، فلم نجد مالا نعطي منه من معنا، وتفرق ~~جندنا، ووهي أمرنا، فقال الفضل: الحمد لله الذي ستر هذا الرأي عنه وعن ~~نصحائه. # ودخل القاسم بن يسار الكاتب على الفضل بن سهل عند تقلده الوزارة وتلقبه، ~~فأنشده: # يا أبا العباس إني ناصح ... لك والنصح لذي الود كبير # لا تعدن ليوم صالح ... إن إخوانك في الخير كثير # وليكن للشر ما أعددتهم ... إن يوم الشر يوم قمطير # هذه السوق التي أملتها ... يا أبا العباس والعمر قصير PageV01P352 ~~وكان إبراهيم بن المهدي يتقلد البصرة من قبل المأمون، وكاتبه إبراهيم ابن ~~نوح بن أبي نوح. وكان المأمون جد في تجديد العهد لعلي بن موسى ابن جعفر، ~~وتقدم إلى الفضل بأخذ البيعة على الناس، والكتاب إلى الأقاليم في إبطال لبس ~~السواد، وكتب الفضل بن سهل إلى الحسن يعلمه ذلك، ويأمره بطرح لبس السواد، ~~وأن يلبس الخضرة، ويجعل الأعلام والقلانس خضرا، ويطالب الناس بذلك، ويكاتب ~~فيه جميع عماله. فكتب الحسن إلى عيسى ابن أبي خالد بذلك، فدعا عيسى أهل ~~بغداد، وعرفهم ما كتب به الحسن، فبعض أجاب، وبعض امتنع، ودب الهاشميون ~~بعضهم إلى بعض، وخلعوا المأمون، وعقدوا الأمر لإبراهيم بن المهدي في يوم ~~الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين، وكان ms211 القيم بأمره PageV01P353 ### | CHECK [197] # عيسى بن محمد بن أبي خالد، فكان من أمره ما كان. # وكان المأمون قد قال للفضل: ينبغي أن تحضر نعيم بن حازم، فإنه وجه من ~~الوجوه، وله سابقة وجلالة ورياسة، فتناظره فيما أجمعناه من هذا الأمر؛ ~~فأحضره الفضل بحضرة المأمون، وعرفه بما عزم عليه، ورغبة فيه، وذكره ما يلزم ~~من الانقياد له، فأبى ذلك نعيم، وذكر ما كان منه، ومن سلفه في نصرة الدولة ~~الهاشمية، وما وصلوا إليه بها من العز والأمن، والثروة والجاه، وما بلغوه ~~فيها من الحماية، وبذل المهجة، ومقارعة الأعداء، وأنه لا يقبل الضيم، ولا ~~يسمح بطاعة من كان يسفك دمه، ويدفعه عما يلتمسه، ويقارعه دونه، فكلمه الفضل ~~في ذلك، وخلط له لينا وغلظة. PageV01P354 # فقال له نعيم: إنك إنما تريد أن تزيل الملك عن بني العباس إلى ولد علي، ثم ~~تحتال عليهم، فتصير الملك كسرويا، ولولا أنك أردت ذلك لما عدلت عن لبسة علي ~~وولده، وهي البياض، إلى الخضرة، وهي لباس كسرى والمجوس، ثم أقبل على ~~المأمون، فقال: الله الله يا أمير المؤمنين، لا يخدعنك عن دينك وملكك، فإن ~~أهل خراسان لا يجيبون إلى بيعة رجل تقطر سيوفهم من دمه، فقال له المأمون: ~~انصرف، ولم يظهر له غضبا، وأقبل على الفضل، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن ~~يخرج هذا عن خراسان، فلا خير في مقامه معنا، فقال له: أفلا أقتله؟ فقال له: ~~يا أمير المؤمنين، إنك قتلت بالأمس هرثمة، وقدره في الناس قدره، وأظهرت ~~موته، وقد تيقن الناس قتلك إياه وضربت عنق يحيى بن عامر صبرا، وأمرت بحمل ~~عبد الله بن مالك، وضربت أسته كما يضرب الصبيان، والخوف إن قتلت هذا أن ~~يكون لأهل خراسان في أمره حركة، ولكنا نوجهه في عدة قليلة، ونأمره بمحاربة ~~ابن شكلة، ونكتب إلى كل عامل يجتاز به بترك إزاحة علله، وقلة الالتفاف ~~إليه، فقال: إني أكره أن يصير إلى ابن شكلة، فقال له: ذلك أهون علي في ~~أمره، فقال له: افعل، ففعل ذلك، فصار نعيم بن حازم ms212 إلى ابن شكلة، ولم يزل ~~معه إلى أن استتر إبراهيم، ثم ظفر به، وصير به إلى الحسن بن سهل. فذكر محمد ~~بن الجهم أن نعيما أدخل حافيا حاسرا، وقد كان الحسن جلس مجلسا عاما، فلما ~~وقف بين يديه أقبل يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الهواء، ذنبي ~~أعظم من الماء! فقال له الحسن: على رسلك، فقد تقدمت منك طاعة، وكان آخر ~~أمرك إلى توبة، وليس للذنب بينهما مذهب، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو ~~أمير المؤمنين عنك في PageV01P355 ### | CHECK [198] # العفو، وقد أقالك الله، وعفا عنك. # وحكى ثمامة: # أن الناس اجتمعوا جميعا: القواد، والقضاة، والفقهاء، ووجوه العامة، وجلس ~~الفضل على فرش مرتفعة فلما وصلوا إليه قام فخطب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ~~ابتدأ في الوقيعة في عبد الله بن مالك، وذكر أنه كان يدعي علي الرشيد في ~~حكايته دخول بيوت القيان، وهو كاذب في ذلك، وهو الذي كان يأتي المواخير ~~والدساكر، لا يرفع عن ذلك نفسه، ولا يأنف من فجره، ولا يصون قدره. قال ~~ثمامة: ثم أقبل علي فقال: وإن أبا معن ليعلم ذلك، ويعرف ما أقول. فتركت ~~تشييع قوله بالتصديق، وأطرقت إلى الأرض، ودخلتني العصبية لعبد الله بن ~~مالك، للعربية أولا، ثم لنفسه أخرى؛ ثم عاد إلى أن يهتر عبد الله، ويتوسع ~~في الدعاوي عليه؛ ثم أقبل علي وقال: وإن ثمامة ليعلم ذلك؛ فأطرقت وأمسكت، ~~وإنما كان يريد مني أن أشيع كلامه بالتصديق. فلما رأى إعراضي عن مساعدته ~~ترك الإقبال علي، وأخذ في خطبته، حتى فرغ من أربه في عبد الله بن مالك. ~~فلما تفرق الناس وانصرفت علمت أني قد وقعت، وتعرضت لموجدة الفضل، وهو ~~الوزير، وحالي عنده حالي، فلما وصلت إلى منزلي جاءني بعض إخواني، ممن كان ~~في ناحية الفضل، فأخبرني أن يحيى ابن عبد الله وغيره قالوا: ماذا صنعت يا ~~أبا معن؟ يخاطبك فتعرض عنه مرة بعد أخرى؟ قال فقلت: أنا والله أحق بالموجدة ~~عليه، أعزه الله، لأنه قام في مثل ذلك المجمع، وقد حضره ms213 كل شريف ومشروف، ~~ولم يستشهد بي في خطبته، وما أجراه من كلامه، إلا في موضع ريبة، أو ذكر ~~دسكرة، أو منزل مقين أو مقينة، والله ما أقدر أن أشهد بذلك إلا أن أكون ~~للقوم تاليا. قال صدقت، والله يا أبا معن، بئس الموضع وضعك! ورجع إليه ~~بكلامي. فقال: صدق والله، ثمامة أحق بالمعتبة منا عليه، واندفعت عني ~~موجدته، وما كنت أردت إلا ما دخلني من الحمية لعبد الله ابن مالك. PageV01P356 # وكان سبب ضرب المأمون عبد الله بن مالك، على ما حكاه فرج السلامي، قال: ~~حضرت يوما المأمون بخراسان، وقد جلس في إيوانه، وأسبل سترا رقيقا في وجهه، ~~وأمر بإحضار قاضي خراسان. فأحضر، وأذن له، وأجلس في مجلس أمر به؛ فتقدم ~~الفضل بن سهل مستعديا على عبد الله بن مالك، فقال القاضي للفضل: ما تدعي؟ ~~قال: شتم أمي؛ قال: وأمك PageV01P357 ### | CHECK [199] # باقية؟ قال: نعم؛ قال: فالحق لها إن كنت صادقا، فلتحضر وتطالب بحقها، أو ~~توكلك، ويشهد عندي شاهدان أعرفهما بتوكيلهما إياك بطلب حقها. فنهض الفضل عن ~~مجلسه، ثم عاد بهارون بن نعيم والرستمي، فشهدا عنده أن أمه قد وكلته بطلب ~~حقها. فقل القاضي لعبد الله بن مالك: ما تقول؟ فأنكر ما ادعاه الفضل عليه؛ ~~فقال للفضل: ألك بينة؟ قال: نعم، ونهض من مجلسه، ثم عاد ومعه هارون ~~والرستمي، فشهدا له بما ادعى على عبد الله؛ فقال له الفضل: خذ لي بحقي؛ ~~فقال له القاضي: ليس بمثل شهادة هذين تباح ظهور المسلمين، فاغتاظ الفضل من ~~قوله، وصاح المأمون من وراء الستر: احكم له بشهادتهما. فقال: أما أنا فما ~~أبيح ظهر رجل مسلم بشهادة هذين، ولا أحكم بقولهما، وأنت الإمام، إن رأيت أن ~~تحكم له فافعل. فأمر المأمون بالقاضي فسحب حتى أخرج من الدار، ثم أمر بعبد ~~الله ابن مالك فحمل على ظهر رجل، وأمر بضربه. وصار القاضي إلى منزله، ولم ~~يعاود القضاء، وامتنع، فولى المأمون غيره. PageV01P358 # قال هارون اليتيم: حضرت هرثمة بن أعين، وقد قدم مرو إلى المأمون مغاضبا لذي ~~الرياستين، وكان ms214 ذو الرياستين يجلس على كرسي مجنح، ويحمل فيه إذا أراد ~~الدخول على المأمون، فلا يزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، فإذا وقعت ~~وضع الكرسي، ونزل عنه، فمشى، وحمل الكرسي، حتى يوضع بين يدي المأمون، ثم ~~يسلم ذو الرياستين، ويعود فيقعد عليه؛ وكان فيمن يحمل الكرسي سعيد بن مسلم، ~~ويحيى بن معاذ. قال: وإنما ذهب ذو الرياستين في ذلك إلى مذهب الأكاسرة، فإن ~~وزيرا من وزرائها كان يحمل في مثل ذلك الكرسي، ويقعد بين أيديها عليه، ~~ويتولى حمله اثنا عشر رجلا من أولاد الملوك؛ فدخل هرثمة في أصحابه دار ~~المأمون، فوجد ذا الرياستين جالسا على الكرسي في الدار، والمأمون في دار ~~أخرى، فلما انتهى إلى موضعه قعد، ولم يسلم على ذي الرياستين، وفي يدي ذي ~~الرياستين كتاب يكتبه، وهو مقبل عليه، فلما فرغ منه التفت إلى هرثمة، فقال: ~~مرحبا وأهلا وسهلا يا أبا حاتم، أسعدك الله بمقدمك، وعظم بركته عليك؛ فلم ~~يرد عليه هرثمة، ثم قال: إني قد عرفت أمير المؤمنين - أعزه الله - خبرك وأن ~~ما حملت نفسك عليه من الدخول بغير إذن لغير معصية منك، وصرفت ذلك إلى أحسن ~~الجهات، فقبل ذلك، ورجع عما سبق إلى قلبه منه؛ فلم يكلمه هرثمة. ثم قال ذو ~~الرياستين، فدخل إلى المأمون، PageV01P359 ### | CHECK [200] # ثم خرج وقال: يا أبا حاتم، قد عرفت أمير المؤمنين مكانك، والحال التي أنت ~~عليها من العلة، وأنه لا يمكنك الوصول إليه إلا على الحال التي وصلت عليها ~~إلينا؛ فلم يكلمه؛ ثم أذن له المأمون، فدخل عليه، فبره وأقبل عليه، وأمر ~~بأن يطرح له كرسي إلى جانبه، وأقبل عليه يوجهه يحدثه ويسائله، ويدعوه ~~بكنيته؛ ودخل ذو الرياستين، فطرح كرسيه، وقعد عليه. قال: فقال المأمون: يا ~~أبا حاتم، ما كان لتجشمك هذا السفر مع علتك معنى؛ فقال: بلى، يا أمير ~~المؤمنين، تجشمه لأقضى حق الله علي في طاعتك، وأنبهك على أمرك، وأقول ~~بالتنصح لك؛ فقال: يا أبا حاتم، ليست بك حاجة إلى هذا وأنت تعب، فانصرف إلى ~~منزلك، قال: كلا، يا ms215 أمير المؤمنين، ما تجشمت طول السفر لانصرفت إلى منزلي؛ ~~قال: بلى، يا أبا حاتم، أحب أن تنصرف إلى منزلك، وتدع ذكر مالا نحتاج إليه، ~~وما أنت عنه غني؛ قال: لا، يا أمير المؤمنين، أو أقضى الحق علي في نصحك، ~~لأني لا آمن أن يحدث علي في هذه الساعة حادثة، فألقى ربي مقصرا في حق ~~إمامي، ثم التفت وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت هذا المجوسي - ~~يعني ذا الرياستين - في هذا المجلس، على كرسي، ثم قال: يا أمير المؤمنين: ~~ما لمسرور وسلام يحبسان بغير ذنب، ويأخذ هذا المجوسي أموالهما وأمتعتهما، ~~فيبيعها ويمزقها! قال له: يا هرثمة، وترك الكنية، أمنعك عن ذكر ما لا تحتاج ~~إليه، وغضب المأمون؛ فقال: لا والله، أو يدفع إلينا هذا المجوسي، فننزل به ~~ما يستحقه؛ فقال له ذو الرياستين: وما أنت وهذا يا علج!؟ خذوا برجله وجروه؛ ~~فتبادر الناس إلى هرثمة، وأخذوا برجله، وجروه من بين يدي المأمون، وحبس ~~ثمانية أيام، وقتل، ثم أخرج في اليوم الثامن ميتا في لبادة. قال: ودخل على ~~المأمون محمد بن سعيد بن عامر أحد قواد هرثمة، فقال: السلام عليك يا أمير ~~المنافقين؛ فوثب إليه ذو الرياستين فضربه بسيفه حتى قتله. PageV01P360 # وكان فيمن حضر مجلس ذي الرياستين قبل دخول هرثمة إلى المأمون، أحمد بن أبي ~~خالد، فقام وقال: يا أيها الأمير - يعني ذا الرياستين - إن سيوفنا قد ظمئت ~~إلى دم هذا العاصي الخائن الخانع، وبسط لسانه في هرثمة، ونال منه أيضا ~~بحضرة المأمون. # ولما دخل الرستمي على الفضل بن سهل بعد معصيته، قال له الفضل: إن كنا نرى ~~العفو عمن لم يتقدم بحسنة في طاعتنا، ولم يأل جهدا في مخالفتنا، فأنت ~~بالعفو أولى، لتقدم PageV01P361 ### | CHECK [201] # طاعتك، وأنك لم تغرق في مخالفتنا، ولعل حادث ذنبك يذهب طرفا من دالتك، ~~ويحدث زيادة في حبك ومناصحتك. # حدث الحسن بن محمد قرابة الفضل بن سهل قال: حدثني عبد الله بن بشر، قرابة ~~الفضل، وكان يخصه ويؤنسه: # أن الفضل كان إذا دخل من السيب إلى ms216 مدينة السلام لحوائجه، نزل على رجل ~~فامي، يقال له خذابوذ، وكان يخدمه هو وزوجته وولده، ويقوم بحوائجه، وأنه ~~مكث بذلك زمانا، ثم تهيأ من أمر الفضل ما تهيأ، وتغيرت حال الفامي، وتنكر ~~الزمان له، فذكر الفضل وما صار إليه، ومكانه بخراسان، فتحمل المشقة في ~~قصده، على ظلع وتمحل لنفقته، فقصد عبد الله بن بشر. قال عبد الله: فلما ~~رأيته سررت به، وسألته عن حاله، وأنكرت عليه تأخره، مع حرمته وحقوقه، وأمرت ~~له بثياب، وأصلحت شأنه، وكان ذلك بعقب ورود فتح بغداد، وابتداء صلاح الأمور ~~وانتظامها، فدخلت على الفضل وقد دعا بطعامه، وحضر مؤاكلوه، من أهله ~~وجلسائه، قال: فلما ابتدأ بالأكل قلت: أليس تعرف الشيخ الفامي الذي كنا ~~ننزل عليه ببغداد؟ قال لي: سبحان الله! تقول لي: تعرفه! إنما ينبغي أن ~~تسألني عن اسم امرأته وصبيانه، وكيف يمكنني أن أنساه وله من الحق علينا ما ~~قد علمته! وكيف ذكرته البائس؟ أظن إنسانا أخبرك بموته؟ فقلت له: كلا، بل هو ~~والله في منزلي. فلما سمع كلامي استطير فرحا، ثم قال: جيئوني به الساعة، ثم ~~رفع يده، وقال: لا نأكل والله لقمه حتى تجيء به. قال: فحين نظر إليه، تطاول ~~له، وقال: أبا فلان! وأوسع له فيما بينه وبينه، ثم أقبل عليه إقباله على أخ ~~شقيق، ثم قال له: يا هذا، ما حبسك عنا طول هذه المدة؟ فاعتذر إليه، وذكر ~~محنا أتت عليه، ثم قبل يسأله عن واحدة واحدة من بناته، وعن كل شيء كان ~~يعهده، فقال: ما بقي لي بعدك ولد ولا أهل ولا مال، ولا تحملت إليك إلا ببيع ~~شيء من أثاث بقى لي، فاستتم غذاءه وهو كالمشغول عنه، فرحا بخذابوذ، ثم أمر ~~له بثياب من ثيابه. PageV01P362 # قال: وكان التجار ببغداد قد أنفذوا وكلاءهم ورسلهم إلى الفضل بن سهل، ~~ليناظروه عنهم في غلات السواد، وأعطوه عطايا لم يجبهم إليها، فقال لي: قد ~~علمت ما دار اليوم بيني وبين وكلاء تجار السواد، وأني تأبيت قبول ما بذلوه، ~~فأحضرهم، وأمض البيع لهم، على ms217 أن لخذابوذ معهم شركة في البيع. قال: ففعلت ~~ذلك، فقال لخذابوذ: كأني بك الآن وقد PageV01P363 ### | CHECK [202] # خرجت إليهم الساعة، فهولوا عليك، وقالوا: تحتاج إلى إنفاذ وكلائك معنا، ~~وأن تسلفهم، وتطلق لهم نفقات، ويبذلون لك ربحك في سهمك مائة ألف درهم، فلا ~~تقبل منهم أقل من خمسين ألف دينار، قال له: نعم، وخرج وهم ينتظروه، فقالوا ~~له ما خبرهم به الفضل، ومضوا في السوم إلى أن أجابوه إلى خمسين ألف دينار، ~~ودفعوا إليه المال من وقته، ومضوا بكتب التسليم، ودخل خذابوذ يشكر الفضل، ~~فأنكر ذلك وأكبره، وأعلمه أنه إن تنازل له عن شظر ملكه كان حقيقا به، ~~لمنزلته عنده وأقام خذابوذ لا يفارق الفضل بن سهل، ولا يأكل ولا يشرب إلا معه. # وحدثني عبد الله الأنباري، عن أبي الفتح قال: كنت في دار ذي الرياستين. # وفي الفضل يقول التميمي الشاعر، وهو عبد الله بن أيوب: # لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا إلا لفضل صنائع # ترى عظماء الناس للفضل خشعا ... إذا ما دنا والفضل لله خاشع PageV01P364 ms218