######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0095590 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (المتوفى: 333هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 333 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: 10 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0095590 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-95590 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/95590 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. مجدي باسلوم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1426 هـ - 2005 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### |EDITOR| # PageV00P000 # * [تفسير الماتريدي (تأويلات أهل السنة)] # المؤلف: محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي (المتوفى: 333ه) # المحقق: د. مجدي باسلوم # الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان # الطبعة: الأولى، 1426 ه - 2005 م # عدد الأجزاء: 10 # أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # * مقدمة التحقيق # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وجعله قيما ~~لا عوج فيه مستقيما، ودعا إلى اتباعه، والسير على منهاجه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل: (وننزل من القرآن ما ~~هو شفاء ورحمة للمؤمنين). # وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى ~~الأمانة، وعلم الأمة القرآن، وقال: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (1)، ~~فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: # فالتفسير من أجل العلوم قدرا، وأعلاها شرفا وذكرا، وأعظمها أجرا، وأسناها ~~منقبة، يملأ العيون نورا، والقلوب سرورا، والصدور انشراحا، ويفيد الأمور ~~اتساعا وانفتاحا، لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزه، ولا يبلى على طول الزمان ~~عزه، به تتعلق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم؛ لذا كان أولى بالالتفات ~~إليه، وأجدر بالاعتماد عليه؛ وكيف لا؟ وهو يتعلق بتفسير أعظم كتاب، وأضبط ~~كتاب، وأهدى كتاب؛ القرآن الكريم الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد (42). # ولقد قام سلفنا الصالح من كبار العلماء العاملين بجهود عظيمة في مجال ~~تفسير القرآن الكريم، فعبدوا طرقه، ويسروا صعبه، وبينوا مسائله، راجين ~~مرضاة الله، طالبين رضاه، ملتمسين عفوه ومغفرته. # ومما لا شك فيهه أن دراسة التراث التفسيري متمثلا في تحقيق أمهات كتب ~~التفسير، والعناية بها، والاطلاع عليها - يسهم كل ذلك بحظ وافر في التعرف ~~على كتاب الله العظيم، وتفهم آياته، ومعرفة تعاليمه؛ مما ييسر العمل به. ~~أضف إلى ذلك: التعرف على هذا التراث الضخم، والثروة التفسيرية الهائلة ~~الكاشفة عن جهود علمائنا الأجلاء في خدمة القرآن الكويم. # لكل هذا آثرنا تحقيق ms0001 كتاب " تأويلات أهل السنة " لأبي منصور الماتريدي؛ ~~وذلك لأهمية هذا الكتاب في استخلاص مسائل العقيدة من آي الذكر الحكيم، ~~وأيضا لأن هذا PageV01P003 # الكتاب غير معروف عند كثير من الناس رغم أهميته، ومؤلفه أيضا عالم فذ ~~يحتاج من المحققين والدارسين الالتفات إليه، ومن ثم حاولنا أن نسهم بجهد ~~متواضع بتحقيق هذا الكتاب؛ للوصول إلى هدفنا المنشود. # ويشتمل تحقيق الكتاب على: مقدمة وتمهيد، وبابين، وخاتمة، وفهارس مفصلة. # فأما المقدمة فتشتمل على: المنهج المتبع في تحقيق الكتاب. # وأما التمهيد فيشتمل على: # أولا: التعريف بعصر الماتريدي من الناحية: السياسية، والاجتماعية، ~~والاقتصادية، والفكرية، والعلمية، والثقافية. # ثانيا: التعريف بالماتريدي: مولده ونشأته، ونسبه، ووفاته. # ثالثا: التعريف بشيوخ الماتريدي وتلاميذه. # رابعا: قيمة الماتريدي العلمية من خلال بيان أبرز مصنفاته. # خامسا: منزلة تفسير " تأويلات أهل السنة " بين مصنفات الماتريدي. # الباب الأول: القسم الدراسي، ويشتمل على عدة فصول: # الفصل الأول: نشأة التفسير وتطوره. # الفصل الثاني: المدارس التفسيرية. # الفصل الثالث: المناهج التفسيرية القديمة والحديثة. # الفصل الرابع: انتماء الماتريدي التفسيري. # الفصل الخامس: بذور التجديد في تفسير الماتريدي. # الفصل السادس: منهج الماتريدي في التفسير. # الفصل السابع: تأثر الماتريدي بمن سبقوه من خلال تفسيره: # - في التفسير. # - في العقيدة. # - في الفقه. # - في علوم اللغة. # الفصل الثامن: تأثير الماتريدي فيمن جاءوا بعده إلى العصر الحاضر من خلال ~~تفسيره. # PageV01P004 # - في التفسير. # - في العقيدة. # - في الفقه. # - في علوم اللغة. # الفصل التاسع: القضايا العلمية التي تناولها الماتريدي في تفسيره. # - القضايا العقدية والكلامية. # - القضايا الفقهية. # - القضايا اللغوية والبلاغية. # الباب الثاني: القسم التحقيقي. # * وعملي فيه على النحو التالي # * 1 - # نسخ المخطوط مع الالتزام بالإملاء والترقيم الحديث. # * 2 - # مقابلة النسخة التي ستكون أصلا بالنسخ الخطية الأخرى للكتاب مع إثبات ~~الفروق في هامش الكتاب. # * 3 - # ضبط النص وسد ما فيه من خلل. # * 4 - # تشكيل الأحاديث النبوية تشكيلا حرفيا. # * 5 - # تشكيل الكلمات الغريبة في النص. # * 6 - # وضع الآيات التي يفسرها المؤلف وضعا إجماليا في بداية التفسير مع ترقيمها ~~هكذا: قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم ms0002 يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم ~~سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3). # * 7 - # ترقيم الآيات القرآنية المستشهد بها في تفسير الآية مع تخريجها. # * 8 - # تخريج الأحاديث النبوية واتبعنا فيها المنهج التالي: # أولا: إذا كان الحديث في الكتب التسعة قمت بتخريجه منها، مع بيان الحكم ~~على الحديث. # PageV01P005 # ثانيا: إذا لم يكن الحديث في البخاري ومسلم أشرت إلى الحديث من حيث الصحة ~~والضعف نقلا عن أئمة هذا الفن. # ثالثا: إذا لم يكن الحديث في الكتب التسعة خرجته من باقي كتب السنة مع ~~بيان الصحة والضعف. # * 9 - # تخريج الآثار وعزوها إلى مظانها مع بيان الراجح منها. # * 15 - # توثيق الأقوال والنقول الواردة في الكتاب. # * 11 - # توضيح الغريب بالرجوع إلى كتب اللغة وغريب الحديث وغريب القرآن. # * 12 - # تراجم الأعلام الوادة في الكتاب مع توثيق الترجمة بمصدرين أو أكثر. # * 13 - # التعريف بالأماكن والقبائل والبلدان. # * 14 - # شرح المصطلحات الفقهية والأصولية الواردة في الكتاب، مع بيان الاصطلاحات ~~المشهورة في كل فن. # * 15 - # الرجوع إلى كتب الناسخ والمنسوخ وتوثيق ما يحتاج إلى توثيق. # * 16 - # الرجوع إلى كتب معاني القرآن. # * 17 - # الرجوع إلى كتب البلاغة. # * 18 - # الرجوع إلى كتب القراءات المتواترة والشاذة وتوثيق القراءات الواردة في ~~النص مع ضبطها. # * 19 - # التعليق على بعض المسائل الفقهية، مع بيان الراجح من المرجوح، وأدلة كل ~~فريق مع الترجيح. # * 20 - # التعليق على بعض المسائل الأصولية، وبيان أدلة كل فريق، مع التوثيق. # * 21 - # التعليق على بعض المسائل العقائدية وبيان مذهب السلف الصالح. # * 22 - # تتبع الدخيل الموجود في تفسير المؤلف، مع بيان وجه ضعفه. # وبهذا نكون قد وضعنا القارئ على بينة من المنهج المتبع في تحقيق الكتاب. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV01P006 # * الباب الأول # عصر الماتريدي # ويشتمل على الفصول الآتية: # * الفصل الأول: قيام الدولة العباسية. # الفصل الثاني: أبرز الأحداث السياسية في الدولة العباسية. # الفصل الثالث: ظاهرة الدولة المستقلة في الشرق الإسلامي. # الفصل الرابع: نظام الحكم في الدولة العباسية. # الفصل ms0003 الخامس: الحالة الاجتماعية في عصر الماتريدي. # الفصل السادس: الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي. # PageV01P007 # * الفصل الأول # قيام الدولة العباسية # تمخضت الأحداث المتلاحقة التي اعتورت المسلمين منذ عهد الشهيد عثمان - ~~رضي الله عنه - عن مذاهب سياسية عدة، كان أعظمها خطرا في التاريخ السياسي ~~للدولتين الأموية والعباسية الحزب الشيعي، فهو أقدم الأحزاب الإسلامية على ~~الإطلاق، حيث ظهر في آخر عصر عثمان، ونما واشتد عوده منذ عهد علي بن أبي ~~طالب، وغدا ذا أثر كبير في توجيه مسار الحياة السياسية في الدولة ~~الإسلامية. # وقد أجمع الشيعة على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة المختار من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنه أفضل الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين. # كما رأى الشيعة في مبايعة أبي بكر وعمر وعثمان بالخلافة افتئاتا على حق ~~علي في الخلافة، كما ساءهم جدا أن يستوي معاوية على كرسيها، وعدوا ذلك جورا ~~وظلما حاق بعلي وآله ولابد من رفعه. # وتباينت مواقف الشيعة من علي، واختلفت آراؤهم فيه، فالمقتصدون منهم قدموه ~~على جميع الصحابة دون تكفير أحد منهم، ودون السمو به إلى مرتبة النبوة، أما ~~المغالون فرفعوه إلى درجة النبوة والتقديس. # على أن المغالين والمقتصدين جمع بينهم الإيمان بحق علي وبنيه في الخلافة، ~~وعملوا منذ بداية العصر الأموي على تحويل الخلافة إلى البيت العلوي. # وبعد أن استشهد الحسين في كربلاء، انتشر التشيع في أنحاء الدولة ~~الإسلامية ونادى فريق الشيعة بعلي زين العابدين بن الحسين بن علي إماما، ~~وعرف هؤلاء بالشيعة الإمامية، بينما قام فريق آخر يتزعمه المختار بن عبيد ~~الثقفي، وقائد حرسه أبو عمرو بن كيسان -وكان من موالي الفرس- بالدعوة لمحمد ~~بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية - نسبة إلى أمه خولة بنت قيس بن جعفر ~~الحنفي- مؤلفا فرقة من غلاة الشيعة نسبت إلى المختار بن عبيد الثقفي مرة ~~وعرفت بالمختارية، وإلى صاحب شرطته وحرسه مرة ثانية # PageV01P009 # وعرفت بالكيسانية، وإلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية مرة ثالثة، ~~وعرفت بالهاشمية. # وإذا كان محمد بن الحنفية زاهدا في الخلافة معرضا عنها، بدليل ms0004 أنه بايع ~~عبد الملك ابن مروان راضيا، فإن ولده أبا هاشم عبد الله رأى أن لآل علي حقا ~~فيها؛ فجعل يسعى للدعوة سرا إلى الخلافة. # وأحس سليمان بن عبد الملك بما يدبره أبو هاشم، وبتطلعه إلى الخلافة لا ~~سيما بعد أن آنس منه علما واسعا وذكاء متقدا، فأرسل من دس له السم عند ~~عودته من الشام، فلما أحس أبو هاشم بدنو أجله آثر أن يتوجه إلى الحميمة ~~للإقامة لدى علي بن عبد الله ابن عباس، فعرفه حاله وأعلمه أن الخلافة صائرة ~~إلى ولده، وأعلمه كيف يصنع ثم مات عنده. # ولا ريب أن أبا هاشم قد أبلغ شيعته ودعاته قبل وفاته أن أمر الخلافة ~~مصروف إلى محمد بن علي العباسي، وأمرهم بطاعته والإذعان له. # وكذلك فإن أبا هاشم قد أمد محمد بن علي بأسماء الدعاة للشيعة في الكوفة ~~وخراسان وسلمه كتبا إليهم حتى يطمئنوا له. # " وعلى أساس هذه الوصية ورث محمد بن علي العباسي حق الكيسانية في ~~الإمامة، فما كاد أبو هاشم يموت حتى قصده الشيعة وبايعوه ثم عادوا إلى ~~مراكزهم، وبدءوا في نشر الدعوة لمحمد بن علي العباسي عن طريق الدعاة ". # وخليق بنا أن نتساءل: لماذا عدل أبو هاشم عن أهل بيته من العلويين، وحول ~~حقهم في الخلافة إلى بني عمه من العباسيين؟ # يقول د / حسن إبراهيم حسن: " لكي نجيب على هذا السؤال نرجع إلى الوراء ~~قليلا فنقول: إنه منذ وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لم يرشح ~~المسلمون للخلافة أحدا من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب وأولاده، ولم تتجه ~~الأنظار إلى العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته؛ لأنه لم ~~يكن من السابقين إلى الإسلام؛ ومن ثم لم يرشح للخلافة هو ولا أولاده من ~~بعده، وقد # PageV01P010 # قيل: إن أبا سفيان جاء العباس بعد بيعة أبي بكر فقال له: ابسط يدك ~~أبايعك، فأبى العباس. وكانت العلاقة بين بني -هاشم علويين وعباسيين- تقوم ~~على الود والصفاء، وكان البيتان متحدين على العدو المشترك من بني أمية، إلى ~~أن انتقل ms0005 حق الإمامة من العلويين إلى العباسيين بنزول أبي هاشم بن محمد ابن ~~الحنفية. # ويظهر أن العباسيين كانوا في أواخر القرن الأول الهجري أكثر كفاية ونشاطا ~~في الناحية السياسية من العلويين، وأكثر تطلعا منهم إلى النفوذ والسلطان. # وقد قيل: إن أبا هاشم إنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بين أفراد البيت العلوي ~~من يستطيع النهوض بأعباء إمامة المسلمين، أضف إلى ذلك اختلاف اعتقاد الشيعة ~~الكيسانية (أنصار أبي هاشم) عن اعتقاد الشيعة الإمامية (أنصار أولاد ~~فاطمة). # على أن هناك مسألة جديرة بالملاحظة، وهي أن نزول أبي هاشم بن محمد ابن ~~الحنفية عن حقه في الخلافة لا يمكن أن يعتبر نزولا من العلويين جميعا؛ لأن ~~فريقا كبيرا منهم ظل متمسكا بعقائد الشيعة الإمامية بدليل قيامهم في وجه ~~العباسيين بعد قيام دولتهم ". # * تنظيم الدعوة العباسية: # أدرك محمد بن علي بن عبد الله العباسي أن تحويل الدعوة إلى الخلافة من ~~البيت العلوي إلى البيت العباسي على هذا النحو المفاجئ قد يقضي على الدعوة ~~قضاء لا قيام لها بعده، فآثر أن يمهد لذلك بتهيئة النفوس والعقول، بأن ~~اختار لدعوته شعارا تتستر وراءه، ويضمن انضمام العباسيين والعلويين جميعا ~~إليه، وهو " الرضا من آل محمد "، ويقصد به أي شخص من آل البيت النبوي يتفق ~~عليه في الوقت المناسب؛ درءا وتقية لما قد يصيب الدعوة من أخطار إذا ما ~~اكتشفت السلطات الأموية سرها، وفي الوقت نفسه كسبا لأنصار جدد من شيعة فارس ~~الذين كانوا يميلون -سواء عن إيمان عقائدي راسخ أو بدافع من الشعور القومي- ~~للعلويين، وزيادة في تعمية الأمر على الأمويين والعلويين وتجنبا لإثارة ~~الشبهات في نواياه الحقيقية. # * مراكز الدعوة العباسية: # اتخذ محمد بن علي العباسي الكوفة وخراسان مركزين لنشر الدعوة العباسية ~~وبث مبادئها وأهدافها، أما الكوفة فلأنها مهد التشيع ومستقر أنصار آل ~~البيت، وأما خراسان # PageV01P011 # فلما كان يعانيه الموالي الفرس من عسف الأمويين وجورهم، بالإضافة إلى ~~اعتقادهم في نظرية الحق الملكي المقدس التي سادت الفكر الفارسي منذ أمد ~~بعيد. # يقول الإمام محمد بن علي العباسي مصورا طبيعة الأمصار ms0006 الإسلامية ونوع ~~الأهواء والأفكار السائدة بها آنذاك: " أما الكوفة فشيعة علي، وأما البصرة ~~فعثمانية تدين بالكف، وأما الجزيرة فحرورية، وأعراب لأعلاج، ومسلمون في ~~أخلاق النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون غير معاوية وطاعة بني أمية، وأما ~~مكة والمدينة فقد غلب عليهم أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان فإن هناك ~~العدد الكثير والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها ~~الأهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم يقدح فيها فساد، وهم جند لهم أبدان وأجسام ~~ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجسام ~~منكرة، وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق. # ولم يكد القرن الهجري الأول ينتهي حتى انطلقت الدعوة السرية للبيت ~~العباسي من الحميمة وأخذ محمد بن علي العباسي يوجه الدعاة في الآفاق فكان ~~للعراق دعاة على التوالي هم: ميسرة العبدي (102) - (105 ه)، وبكير بن ماهان ~~(105) - (127 ه) ثم أبو سلمة الخلال (127 - 132 ه). كما وجه الدعاة إلى ~~خراسان وكان أولهم أبو عكرمة السراج. # " ويلي طبقة الدعاة في المرتبة طائفة النقباء الذين يأتمرون بأمرهم، ~~ويجهلون إمام الوقت، وكان لكل داعية اثنا عشر نقيبا، ولكل نقيب سبعون عاملا ~~يديرون الوحدات المتفرعة، ويشرفون على الخلايا السرية المنبثة في مختلف ~~الأقاليم، وكان الدعاة والنقباء يتميزون بإخلاصهم الشديد للدعوة وتفانيهم ~~في خدمتها، كما كانوا يتصفون ببعد النظر والقدرة على فهم تقسيمات الناس، ~~وتمييز عناصرهم؛ تمهيدا لاجتذابهم إلى دعوتهم، وبالبراعة في التخفي ~~والتنكر، مع حظ كبير من الثقافة والعلوم الدينية واللغوية ". # * نجاح الدعوة في العراق: # لعب بكير بن ماهان الذي ولي أمر الدعوة العباسية في العراق دورا كبيرا في ~~تاريخ الدعوة العباسية على مدار اثنين وعشرين عاما، وإليه يرجع الفضل في ~~تنظيم الدعوة في # PageV01P012 # إطار من السرية الشديدة والحيطة الحذرة. # ثم خلفه أبو سلمة الخلال وكان سمحا كريما فصيحا عالما بالأخبار والأشعار ~~والسير والجدل والتفسير، وقد نهض بأمر الدعوة في طورها العسكري العنيف. # ودرج المؤرخون على تقسيم الدعوة العباسية إلى طورين متعاقبين مرت بهما. # أما الأولى: فتبدأ ms0007 مع مطلع القرن الثاني الهجري وتنتهي بانضمام أبي مسلم ~~الخراساني إليها، ولم تصطنع الدعوة العباسية في هذا الطور أسلوب العنف ~~والشدة، وإنما جنحت إلى الدعوة السلمية التي امتازت بشيء غير قليل من ~~السرية والكتمان؛ إذ كان الدعاة يجوبون البلاد الإسلامية متظاهرين بالتجارة ~~أو أداء فريضة الحج. # أما الطور الثاني: فيبدأ بانضمام أبي مسلم الخراساني إلى الدعوة ~~العباسية، وهو الطور الذي نشبت فيه الحروب بين بني أمية وبني عباس، والتي ~~أفضت إلى زوال السيادة الأموية وقيام الدولة العباسية. # * الدعوة في خراسان: # لقيت الدعوة العباسية في خراسان شيئا غير قليل من العنت والمحن إبان ~~ولاية أسد بن عبد الله القسري، على الرغم مما حرص عليه الدعاة من إضفاء ~~السرية عليها. # ولم يكتب للدعوة في خراسان الذيوع والانتشار إلا بعد وفاة أسد بن عبد ~~الله سنة 120 ه، وعمد الدعاة في خراسان إلى جملة مبادئ وشعارات، وجدوا أن ~~إذاعتها وترديدها جدير بأن يجذب العرب والموالي الفرس جميعا إلى الدعوة ~~العباسية كتحقيق مبدأ المساواة الذي كانت تتستر وراءه نزعات متباينة، والذي ~~أيده جماعات كبيرة من الشعوبيين العجم؛ لأنه يحقق لهم مكاسب تهدف إلى إحياء ~~المجد الفارسي القديم، كما أيده آخرون من العرب على أساس تسوية الموالي ~~بالعرب؛ استنادا إلى مبدأ الفقهاء في # PageV01P013 # الإصلاح ومحاربة الظلم والتعسف، كذلك طالب الدعاة بالدعوة إلى الإصلاح، ~~ويقصد به الدعوة إلى الكتاب والسنة. وقد أدت هذه الشعارات إلى ازدياد عدد ~~المؤيدين للدعوة في خراسان للرضا من آل محمد، وانتشارها في بلاد فارس ~~وخراسان وخوارزم وبلاد ما وراء النهر ". # * سقوط الدولة الأموية: # توفي الإمام محمد بن علي بن عبد الله حامل لواء الدعوة العباسية سنة 125 ~~ه بعد أن أوصى بالأمر من بعده لابنه إبراهيم. # وفي عهد إبراهيم دخلت الدعوة العباسية طور الصدام الحربي مع الأمويين، ~~وقيض لها شخصيتان بارزتان يرجع إليهما الفضل الأكبر في نجاح الدعوة ~~العباسية، هما: أبو سلمة الخلال الذي تولى رئاسة الدعوة خلفا لبكير بن ~~ماهان، وأبو مسلم الخراساني الذي قاد الجيوش العباسية إلى النصر والقضاء ms0008 ~~على الدولة الأموية. # إذ لم تدم السرية التي أسبغها العباسيون على دعوتهم، بل أميط عنها اللثام ~~في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية (127 - 132 ه) حيث وقع على رسالة ~~لإبراهيم الإمام إلى أبي مسلم الخراساني، فقبض مروان على إبراهيم، وسجنه ثم ~~قتله. # وكان إبراهيم قد عهد إلى أخيه أبي العباس السفاح وأوصاه بمواصلة الدعوة ~~والمسير إلى الكوفة، فلما قتل إبراهيم الإمام سار رسوله إلى الحميمة وسلم ~~وصيته إلى أبي العباس الذي توجه إلى الكوفة ومعه كبار بني هاشم من ولد ~~العباس، وفيهم أخوه أبو جعفر المنصور حيث أنزلهم أبو سلمة الخلال داعي ~~الدعاة في دار لأحد أتباعه وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة، وحاول أن يصرف ~~الأمر إلى آل علي بن أبي طالب عندما بلغه نبأ وفاة إبراهيم الإمام ولكنه ~~أخفق في هذه المحاولة، واضطر إلى مبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة. # ولم يستطع والي الكوفة آنذاك محمد بن خالد بن عبد الله القسري مواجهة ~~العباسيين # PageV01P014 # والقضاء على دعوتهم في الكوفة؛ فاضطر إلى تسليمها والإذعان لأصحاب الدولة ~~الجديدة. # وفي الجامع الأموي بويع لأبي العباس بالخلافة في الثاني عشر من شهر ربيع ~~الأول سنة 132 ه. # ثم خطب خطبة مدح فيها آل البيت وقرر حق العباسيين في الخلافة، ثم سب ~~الأمويين الذين استأثروا بالأمر دون أهله وذويه، ثم أثنى على أهل الكوفة ~~قائلا: " يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم ~~تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا، ~~وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في ~~أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير ". # ثم خرج العباس بعد الخطبة إلى معسكر أبي سلمة حيث أقام شهرا، ثم ارتحل من ~~هناك، فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة. # وعلى هذا النحو خرجت الدولة العباسية إلى الوجود السياسي الإسلامي، وقضي ~~على الأمويين قضاء سوف نعرف طرفا منه في الفصل القادم. # * * * # PageV01P015 # * الفصل الثاني # * أبرز الأحداث السياسية في الدولة العباسية حتى ms0009 دخول البويهيين بغداد # إن الناظر في تاريخ الدولة العباسية منذ قيامها وحتى سقوطها يجده مشحونا ~~بأحداث جسام يحتاج درسها واستيعابها مجلدات تند عن الحصر. # لذلك آثرنا أن نجتزئ في هذا الفصل ببعض هذه الأحداث التي نرى أنها تهب ~~القارئ الكريم تصورا عاما عن الدولة العباسية من الناحية السياسية. # * القضاء على الأمويين واستئصال شأفتهم: # لم يكد لواء الخلافة يتحول إلى أبي العباس السفاح حتى عمد إلى الانتقام ~~من بني أمية جزاء ابتزازهم الخلافة، واستئثارهم بها دون أهلها من آل البيت، ~~وعقابا لهم على إيذاء العلويين والعباسيين جميعا. # وذهب نفر من المؤرخين إلى أن سياسة العباسيين تلك إن هي إلا امتداد ~~للعداء المستحكمة حلقاته بين بني أمية وبني هاشم منذ الجاهلية، وهو عداء لم ~~تنجح مبادئ الإسلام في العدل والإخاء والمساواة في استئصال جذوره من النفوس ~~والضمائر، بل لعل الإسلام زاده شدة وضراوة؛ نظرا لما كان بينهما من منافسة ~~قوية على الظفر بمنصب الخلافة. # ومهما يكن من أمر فقد بالغ أبو العباس السفاح في التنكيل ببني أمية وافتن ~~في إنزال ألوان الأذى وضروب القتل بهم، فقتل عبد الله بن علي عم السفاح ~~ثلاثمائة من بني أمية منهم: إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ويزيد بن عبد ~~الملك، وعبد الجبار بن يزيد ابن عبد الملك، ومروان بن محمد آخر خلفاء بني ~~أمية. # وروي عن أبي العباس السفاح أنه لما أتي برأس مروان بن محمد ووضع بين ~~يديه، سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه فقال: الحمد لله الذي لم يبق ثأري ~~قبلك وقبل رهطك، الحمد لله الذي أظفرني بك وأظهرني عليك، ثم قال: ما أبالي ~~متى طرقني الموت؛ فقد قتلت بالحسين وبني أبيه من بني أمية مائتين، وأحرقت ~~شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، وقتلت مروان بأخي إبراهيم، وتمثل بقول ~~الشاعر: # PageV01P016 # لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني # ثم حول وجهه إلى القبلة فأطال السجود، ثم جلس وقد أسفر وجهه، وتمثل بقول ~~العباس بن عبد المطلب من أبيات له: # أبى ms0010 قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما # تورثن من أشياخ صدق تقربوا ... بهن إلى يوم الوغى فتقدما # إذا خالطت هام الرجال تركتها ... كبيض نعام في الوغى متحطما # والحق أن الشعراء قد أذكوا لدى بني العباس نيران العداوة ضد بني أمية، ~~وزادوها اشتعالا، فروي أن السفاح كان جالسا في مجلس الخلافة، وعنده سليمان ~~بن هشام بن عبد الملك، وقد أكرمه السفاح، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: # لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا # فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ، ثم دخل السفاح وأخذ سليمان فقتل. # وقد أسرف العباسيون في التنكيل بالأمويين إسرافا لا يراعي للموت حقا ولا ~~يعرف له جلاله وحرمته، فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان، فلم يجدوا فيه إلا ~~خيطا مثل الهباء، ونبشوا قبر يزيد بن معاوية، فوجدوا فيه حطاما كأنه ~~الرماد. # ولم تكن سياسة الانتقام التي اصطنعها أبو العباس السفاح ضرورة طارئة ~~ألجأه إليها إشباع روحه النزاعة إلى الانتقام، أو تثبيت أركان دولته ~~الناشئة، بل كانت سياسة مضطردة توشك أن تسم العصر العباسي الأول كله ~~بميسمها؛ يقول ابن دأب - وقد كان من خواص الخليفة الهادي: " دعاني الخليفة ~~الهادي في وقت من الليل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله، فدخلت إليه، ~~فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي وقدامه جزء ينظر فيه، فقال لي: يا عيسى، ~~قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني أرقت في هذه الليلة وتداعت إلي ~~الخواطر واشتملت علي الهموم وهاج لي ما جرت إليه بني أمية من بني حرب وبني ~~مروان في سفك دمائنا، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن علي قد قتل ~~منهم على نهر أبي فطرس فلانا وفلانا، حتى أتيت على تسمية من قتل منهم، وهذا ~~عبد الصمد بن علي قد # PageV01P017 # قتل منهم بالحجاز في وقت واحد نحو ما قتل عبد الله بن علي. . . ". # قال ابن دأب: فسر والله الهادي. # الصعوبات التي واجهت أبا ms0011 جعفر المنصور في سبيل إرساء دعائم الدولة ~~العباسية وتثبيت أركانها: # توفي أبو العباس السفاح سنة 136 ه بعد أن عهد بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر ~~المنصور على أن يليه في ولاية العهد عيسى بن موسى بن محمد العباسي. # وقد أنفق أبو جعفر سني خلافته في تثبيث دعائم الملك العباسي وتوطيد أركان ~~الخلافة الجديدة، وأبدى من الحزم والفطنة والكفاية ما هو خليق بعظماء ~~الرجال، حتى عده المؤرخون بحق المؤسس الحقيقي للدولة العباسية؛ إذ استطاع ~~أبو جعفر بفضل ما أتيح له من مواهب سياسية جماعها الحزم والشجاعة وسداد ~~الرأي أن يقضي على الأخطار المحدقة بالدولة العباسية في طورها الباكر، ولا ~~غرو فهو على حد قول السيوطي: # " فحل بني عباس هيبة وشجاعة وحزما، ورأيا وجبروتا، جماعا للمال تاركا ~~اللهو واللعب، كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النفس قتل ~~خلقا كثيرا حتى استقام ملكه ". # وقد تمثلت هذه الأخطار التي واجهت أبا جعفر فيما يلي: # * 1 - # ثورة عبد الله بن علي العباسي. # * 2 - # تضخم نفوذ أبي مسلم الخراساني وإدلاله على الخلفاء العباسيين. # * 3 - # ثورات العلويين. # أولا: ثورة عبد الله بن علي العباسي: # أبي عبد الله بن علي العباسي أن يبايع أبا جعفر المنصور، ورأى أنه أحق ~~بالخلافة من ابن أخيه، فادعى أن أبا العباس لما أراد توجيه الجند لقتال ~~مروان بن محمد قال لهم: " من انتدب منكم للمسير إليه فهو ولي عهدي، وإنه لم ~~ينتدب لهذا الأمر أحدا غيري "، فبايعه الجند والقواد بالخلافة. ولم تكد هذه ~~الأخبار تنتهي إلى مسامع أبي جعفر حتى وجه إليه أبا مسلم الخراساني الذي ~~قال له: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله، فإن عامة جنده من # PageV01P018 # أهل خراسان وهم لا يعصونني. # وتمكن أبو مسلم الخراساني من إلحاق الهزيمة بجند عبد الله بن علي في بلاد ~~الشام، وفر عبد الله من ميدان القتال حتى وصل إلى البصرة، واختفى عند أخيه ~~سليمان بن علي، وكان قد وليها من قبل المنصور، واستولى أبو مسلم على ما في ~~معسكر عبد الله ms0012 من مال وعتاد. # وثمة خطآن وقع فيهما عبد الله بن علي تسببا في هزيمته: # أولهما: احتياله على قتل حميد بن قحطبة، والذي كان يعد من أعظم قواد ~~الدولة العباسية، وكان قد انضم إلى عبد الله، فلما وقف على مؤامرته للفتك ~~به انضم إلى أبي مسلم الخراساني. # ثانيهما: قتله من كان في جيشه من الخراسانيين، مما أضعف قوته وأثار حفيظة ~~من بقي معه من الجند، فلم يخلصوا له ولدعوته. # وذكر الطبري أن عبد الله بن علي بايع أبا جعفر المنصور سنة 138 ه حين كان ~~أخوه سليمان لا يزال على ولاية البصرة، وأن سليمان لما عزل اختفى عبد الله ~~خوفا على حياته، ثم ألح المنصور على سليمان بن علي وعيسى بن موسى بإحضار ~~عبد الله وأعطاهما الأمان على ألا يسيء إليه، ولكنه أمر بحبسه، وقتل بعض ~~أصحابه، ثم قتله سنة 149 ه بعد أن حبسه تسع سنوات. # وهكذا قضى أبو جعفر على فتنة كانت خليقة أن تعصف بالدولة العباسية في ~~مهدها، أو على أقل تقدير تفرق بين أفراد البيت العباسي وتشتت شمله. # * القضاء على أبي مسلم الخراساني: # لعل من نافلة القول أن نذكر ما أنفقه أبو مسلم الخراساني من مجهود كبير ~~في سبيل الدعوة العباسية، وإخراجها من رحم الظلم والاضطهاد إلى نور الخلافة ~~والملك، وحسن بلائه في الحروب التي خاضها العباسيون ضد الأمويين، فذاك أمر ~~يحتاج بسط القول فيه وإقامة الأدلة والشواهد عليه صفحات كثيرة تضيق عنها ~~هذه الدراسة الموجزة. # وأحسب أن أبا جعفر المنصور قد أدرك أن رسوخ قدمه في الملك والحكم منوط ~~بالقضاء على أبي مسلم الخراساني الذي مثل نفوذه المتزايد وإعجابه بما قدم ~~للدولة # PageV01P019 # العباسية وإدلاله على رجالها خطرا كبيرا جديرا بأن يحيل الخلافة العباسية ~~ألعوبة في يد أبي مسلم يحولها كيف شاء. # والحق أن روح العداء بين أبي جعفر المنصور وأبي مسلم الخراساني قديمة، ~~تسبق من غير شك ولاية المنصور للخلافة العباسية. # وهو عداء قد تلون في أكثر جوانبه بالمنافسة والتسابق في مضمار السياسة، ~~ثم غدا حقدا ms0013 خالصا وكرها مستحكما. # ولا مراء في أن تصرفات أبي مسلم الخراساني قد أوغرت صدر المنصور عليه، ~~وحملته على أن يتربص به الدوائر ويغتنم الفرصة تسنح كي يتخلص منه. ولا بأس ~~أن نذكر طرفا من العداوة بين الرجلين حتى يتبين القارئ صدق كلامنا: # - تقدم أبي مسلم الخراساني على المنصور في طريق الحج، وعدم انتظاره إياه ~~في طريق العودة عندما بلغه نبأ وفاة أبي العباس السفاح. # - بعد وفاة السفاح أرسل أبو مسلم إلى المنصور رسالة يعزيه فيها دون أن ~~يهنئه بالخلافة. # - كان المنصور قد أمر الحسن بن قحطبة، والي الجزيرة، أن يلحق بأبي مسلم ~~عند توجهه لمقاتلة عبد الله بن علي في الشام، فكتب ابن قحطبة إلى وزير ~~المنصور يقول: " إني قد رأيت بأبي مسلم أنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين ~~فيقرأه ثم يلقي الكتاب من يده إلى مالك بن الهيثم، فيقرأه ويضحكان استهزاء ~~". # - تجرأ أبو مسلم وقتل سليمان بن كثير الخزاعي أحد شيوخ الدعوة العباسية ~~دون استشارة الخليفة. # - تحديه لأمر المنصور عندما صرفه عن ولاية خراسان وولاه الشام ومصر ~~وقوله: " هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي "، واستمراره في السير إلى ~~خراسان. # - تقديمه لاسمه على اسم الخليفة في رسائله. # PageV01P020 # - ادعى أبو مسلم أنه ينتسب إلى سليط بن عبد الله بن عباس. # وهكذا اجتمعت لدى أبي جعفر المنصور الأدلة المقنعة للفتك بأبي مسلم، وطفق ~~يدبر أمر اغتياله، فولى هشام بن عمر العقيلي مكان أبي مسلم، فانصرف أبو ~~مسلم، وأقبل يريد خراسان مغاضبا لأبي جعفر؛ حتى يثير أهل خراسان عليه ويجعل ~~العباسيين دائما في قبضة يده، فمر بالمدائن، وأبو جعفر ينزل برومية على ~~مقربة منها، فلم يسع إلى لقائه، ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان، فسير إليه ~~المنصور نفرا من أصحابه فلحقوه وعظموا عليه الخطب، وحذروه عاقبة البغي ~~ونصحوه بالرجوع إلى المنصور، فأقبل إلى العراق وقدم على أبي جعفر، فأمر ~~الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، فدخل على المنصور فقبل يده، وأمره ~~المنصور بأن ينصرف ويروح نفسه ويدخل الحمام، فانصرف، فلما كان الغد دعا ~~المنصور عددا ms0014 من الحرس وأمرهم بالجلوس وراء الرواق فإذا صفق بيديه وثبوا ~~على أبي مسلم فقتلوه، ثم أرسل إلى أبي مسلم يستدعيه، ثم أخذ يعاتبه على ~~مخالفته له، فلما طال عتاب المنصور قال أبو مسلم: " لا يقال هذا لي بعد ~~بلائي وما كان مني ". # فقال له المنصور: " يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، ~~إنما عملت في دولتنا وبريحنا، فلو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا "، فأخذ أبو ~~مسلم بيده يقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور: " ما رأيتك اليوم، والله ~~ما زدتني إلا غضبا "، قال أبو مسلم: " دع هذا فقد أصبحت ما أخاف إلا الله ~~تعالى "، فغضب المنصور وشتمه، ثم صفق بيده على الأخرى، فخرج عليه الحرس ~~فأخذوه بسيوفهم حتى قتلوه، وتم ذلك في شعبان سنة مائة وستة وثلاثين هجرية. # ثم خطب المنصور في الناس بعد أن قتله فقال: " أيها الناس، لا تخرجوا عن ~~أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإن من أسر غش إمامه ~~أظهر الله سريرته في فلتات لسانه وسقطات أفعاله، وأبداها الله لإمامه الذي ~~بادر بإعزاز دينه به وإعلاء حقه بفلجه، إنا لم نبخسكم حقوقكم، ولم نبخس ~~الدين حقه عليكم، وإن أبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنه من نكث بيعتنا فقد ~~أباح لنا دمه، ثم نكث بيعته هو، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ~~ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه ". # ثم اضطرب أصحاب أبي مسلم بعد قتله، ففرقت فيهم الأموال، فأمسكوا رغبة ~~ورهبة. # PageV01P021 # ويرى الدكتور حسن إبراهيم حسن أن أبا جعفر المنصور كان مدفوعا إلى ذلك ~~بما كان بينه وبين أبي مسلم من حزازات شخصية قديمة، وقد زاد أبو مسلم النار ~~اشتعالا بتماديه في زهوه وإعجابه بنفسه وإسرافه في قتل النفوس البريئة بغير ~~شفقة ولا رحمة. # كما يرى د/ حسن أن إخلاص أبي مسلم وتفانيه في نصرة العباسيين أمر لم يقم ~~الدليل بعد على إضعافه أو دحضه. # ومهما يكن من أمر فقد كان القضاء على أبي مسلم ضرورة ألجأ ms0015 المنصور إليها ~~سطوة أبي مسلم وازدياد نفوذه، مع ما ينطوي عليه ذلك من مناوأة له وتهديد ~~لحكمه. # ثورات العلويين: محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم: # أشرنا من قبل إلى أن الدعوة العباسية قد رفعت شعار: " الرضا من آل محمد " ~~حتى تأمن مناوأة العلويين لهم، وخروجهم عليهم إن هم كشفوا عن نواياهم ~~الحقيقية في الاستئثار بمنصب الخلافة، " فلما ظفر العباسيون بالخلافة ~~وأقاموا دولتهم على أنقاض دولة بني أمية، لم يرق ذلك في نظر العلويين ولم ~~تطب بذلك نفوسهم، على الرغم من أن الجميع من أولاد هاشم، وعلى الرغم من ~~كونهم يدا واحدة على بني أمية، واشتراكهم في العمل على إزالة دولتهم؛ إذ ~~أدركوا أن العباسيين قد خدعوهم واستأثروا بالخلافة دونهم مع أنهم أحق بها ~~منهم، فنابذوهم العداء ونظروا إليهم كما كانوا ينظرون إلى الأمويين من قبل، ~~فظلوا يناضلون ويكافحون ابتغاء الوصول إلى حقهم في الخلافة ". # ولا تمر سنوات كثيرة من عمر الخلافة العباسية حتى يخرج على أبي جعفر ~~المنصور محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~المعروف بالنفس الزكية وأخوه إبراهيم. # ولم تنجح محاولات العباسيين في استرضاء العلويين من القول اللين حتى ~~العطاء الجزيل؛ فقد كان النفس الزكية يرى أنه أحق بالخلافة وأن أبا جعفر ~~المنصور قد اغتصبها واستأثر بها من دونه، فامتنع في أول الأمر عن مبايعة ~~السفاح ثم تخلف هو وأخوه إبراهيم عن بيعة المنصور، فلم يجد المنصور بدا من ~~العمل على التخلص منهما حتى يستقيم له أمر الملك. # وكان أن عهد المنصور بولاية المدينة إلى رباح بن عثمان بن حيان ابن عم ~~مسلمة بن # PageV01P022 # عقبة قائد الحرة في عهد يزيد بن معاوية، فقدم عثمان المدينة سنة 141 ه ~~وخطب أهلها خطبة سداها ولحمتها التهديد والتخويف، فكان مما قال فيها: " يا ~~أهل المدينة أنا الأفعى ابن الأفعى عثمان بن حيان وابن عم مسلمة بن عقبة، ~~المبيد خضراءكم المفني رجالكم، والله لأدعنها بلقعا لا ينبح فيها كلب ". # بيد أن أهل المدينة قد هوت ms0016 أفئدتهم إلى محمد النفس الزكية، وتدفقت نفوسهم ~~حماسة لآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يحفلوا بتهديد عثمان، ~~بل أغلظوا له القول وهموا بالفتك به. # فكتب إليهم المنصور قائلا: " يا أهل المدينة، فإن واليكم كتب إلي يذكر ~~غشكم وخلافكم وسوء رأيكم واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين، وأمير ~~المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنتهوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفا، وليقطعن البر ~~والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد الأرحام ". # ولم يزحزح كتاب المنصور أهل المدينة عن موقفهم، بل لعله زادهم إصرارا على ~~الانتصار للعلويين، فقبض عامله على عبد الله بن الحسن أبي محمد النفس ~~الزكية وإخوته وذوي قرباه. # بيد أن عبد الله لم يكن بالرجل الذي تلين قناته، بل كان يعتقد في أحقية ~~ابنه بالخلافة دون المنصور والسفاح من قبله. فطلب إلى ابنه أن يواصل مناجزة ~~العباسيين، وألا يحفل بما يعوقه في سبيل الحق من صعوبات. # واشتد إيذاء المنصور لأشياع النفس الزكية، وعظم البلاء النازل بهم حتى ~~اضطروا محمدا إلى الخروج، ولما تتهيأ الظروف بعد لخروجه وذلك في سنة 145 ه، ~~وقد شجعه على ذلك ظنه إجماع الناس على نصرته وشدة ميلهم إليه، وتلك الفتوى ~~التي أفتى بها الإمام مالك بن أنس؛ حيث أفتى بجواز نقض بيعة المنصور حين ~~قال لأهل المدينة: " إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ". # PageV01P023 # خرج محمد النفس الزكية في مائتين وخمسين من أصحابه، فتوجه إلى السجن ~~وأطلق سراح من فيه، ثم قبض على عامل أبي جعفر المنصور في المدينة وأمر ~~بحبسه. # وفي الوقت الذي خرج فيه النفس الزكية في المدينة كان أخوه إبراهيم يدعو ~~له في البصرة ويأخذ من أهلها البيعة له. # والحق أن أبا منصور لم يدع وسيلة تمكنه من الظهور على خصمه إلا اصطنعها، ~~فكانت سياسته تجاه هذه الثورة مزيجا من الحزم والدهاء، وقد ندب المنصور ابن ~~عمه وولي عهده عيسى بن موسى للقضاء على النفس الزكية، فنهض بما أمر به خير ~~نهوض لاسيما وقد تفرق عن النفس الزكية جل أنصاره وشيعته، ms0017 فبقي في نفر قليل ~~من خاصته، لم يغنه في مواجهة جيش مدرب منظم كجيش عيسى بن موسى، وقتل النفس ~~الزكية واحتز رأسه وذلك في رمضان سنة 145 ه. # وبعد أن فرغ عيسى من النفس الزكية في المدينة أمره المنصور بالتوجه إلى ~~العراق للقضاء على أخيه إبراهيم، وكان قد تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ~~ودارت رحى الحرب وحمي وطيسها في باخمري بين الكوفة وواسط، وانجلى غبارها عن ~~هزيمة إبراهيم وجنده، ولم يزل يناضل العباسيين في فئة قليلة حتى قتل فاحتز ~~ابن قحطبة رأسه. # وهكذا استطاع المنصور بما أتيح له من حزم وذكاء أن يقضي على أول ثورة ~~يحمل لواءها العلويون، فوطد دعائم خلافته ومكن لها من البقاء والاستمرار. # * أبرز الأحداث السياسية في عهد الخليفة المهدي: # ولي الخلافة العباسية بعد أبي جعفر المنصور ابنه المهدي، ولبث في منصب # PageV01P024 # الخلافة عشر سنوات (158 - 169 ه)، وامتازت ولايته بالاعتدال والرفق ~~بالرعية، بعد أن أرهقها المنصور إبان خلافته من أمرها عسرا، " فرد الأموال ~~التي صادرها أبوه إلى أهلها، وأطلق العلويين الذين حبسهم أبوه، وعفا عنهم ~~وأجرى عليهم الأرزاق ". # * ومن الثورات والفتن التي وقعت في عهد المهدي: # خرج عبد السلام بن هاشم من الخوارج في الجزيرة، واشتدت شوكته وكثرت شيعته ~~وأنصاره فعاث في الأرض فسادا، فأرسل إليه المهدي عدة قواد هزم بعضهم، لكنه ~~في النهاية هزم وفر إلى قنسرين حتى قتل بها. # كما خرج عبد الله بن مروان الأموي ببلاد الشام، فأرسل إليه المهدي من ~~هزمه وأسره، فحبسمه المهدي ثم عفا عنه وأجزل له العطاء. # بيد أن أكثر هذه الثورات أهمية وأعظمها خطرا على سياسة الدولة واستقرار ~~المجتمع، تلك التي حمل لواءها الزنادقة، فقد أذاعوا في المجتمع مبادئ فاسدة ~~تخالف أصول الإسلام أشد المخالفة، وهي مبادئ تقوم على نوع من الديمقراطية ~~الفاسدة التي تبيح المحرمات وتعبث بالآداب الاجتماعية والزوجية المرعية، ~~وتعرض الحياة السياسية والدينية للخطر. # والحق أن المهدي قد اشتد على الزنادقة ونكل بهم وحمى المجتمع من فسادهم ~~وانحلالهم، وقد حذا ابنه الهادي من بعده نفس ms0018 السياسة التي لزمها أبوه تجاه ~~الزنادقة، فتعقبهم وقتل من ظفر به منهم. # * هارون الرشيد: (170 - 193 ه): # إن عصر هارون الرشيد يعد -بحق- العصر الذهبي للخلافة العباسية؛ إذ بلغت ~~أوج # PageV01P025 # عظمتها وذروة قوتها في ميادين السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة جميعا. # لقد كانت الدولة الإسلامية في تلك الفترة الدولة الكبرى والأولى والأقوى ~~في العالم كله، وقد ازداد اختلاط عناصر السكان فيها بعضهم ببعض، وظهرت في ~~الحياة العامة أخصب النزعات الاجتماعية والفكرية والدينية على صعيد واحد. . ~~وزادت في الوقت نفسه أعداد المسلمين في الدولة مقابل الأديان الأخرى، وغدا ~~المسلمون بصورة عامة أكثر من نصف السكان. # وبلغ اقتصاد الدولة ذروة قوته وازدهاره، حتى بلغت الأموال في خزائن ~~الرشيد ما يقرب من 72 مليون دينار، عدا الضريبة العينية التي كانت تؤخذ مما ~~تنتجه الأرض من الحبوب، وحق للرشيد أن يخاطب السحابة قائلا: # اذهبي حيث شئت يأتيني خراجك. # ومع ذلك، فإن عهد هارون الرشيد لم يخل من الفتن والأزمات: # فقد خرج في زمنه يحيى بن عبد الله بن الحسن العلوي ب " الديلم " يدعو ~~لنفسه، فقويت شوكته، والتف حوله الشيعة، فبعث إليه الرشيد، ففت في عضده، ~~فطلب الصلح من الرشيد، فصالحه، ثم أمنه، ثم حبسه حتى مات. # وخرج الوليد بن مطرف الشاري وحقق انتصارات على جيوش الرشيد، وأفسد في ~~الأرض، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فهزم الوليد وقتله. # وفي عهد الرشيد لم تكف حركات البربر في إفريقية؛ رغبة في الخروج عن الحكم ~~العباسي، ولكن الرشيد بعث إليهم هرثمة بن أعين فقضى على هذه الحركات، وعمل ~~الرشيد على قيام دولة الأغالبة لصد هجمات البربر والوقوف في وجه دولة ~~الأدارسة، لكن # PageV01P026 # ما لبثت هذه الدولة أن استقلت عن الدولة العباسية. # وفي مصر ثار أهل الحوف مرتين: الأولى سنة 178 ه، فأرسل الرشيد هرثمة بن ~~أعين فأخمدهم. والثانية سنة 189 ه بقيادة أبي النداء الذي خرج في مائة ألف ~~رجل، وكان في أيلة، وأفسد مفسدة عظيمة، فأرسل إليه الرشيد جيشا، وأرسل والي ~~مصر جيشا آخر، فانهزم أبو النداء، ms0019 فأعلن أهل الحوف الإذعان والطاعة لما ~~رأوه من انهزام قائدهم. # ولما ولي الأمين الخلافة وقع الخلاف بينه وبين أخيه المأمون، ووقع بينهما ~~القتال، خاصة عندما خلع الأمين أخاه المأمون وعهد بالأمر لابنه موسى، فدار ~~القتال، وحاصر طاهر بن الحسين قائد جيش المأمون بغداد أربعة عشر شهرا وقطع ~~عنها الأقوات، حتى وقع الناس في عنت شديد، وانتصر طاهر، وقتل الأمين، وتمت ~~البيعة للمأمون سنة مائة وثمانية وتسعين. # وقيل: إن الأمين كان غير مهتم بشئون دولته؛ حيث كان يحب اللهو والمجون، ~~ومن ثم كثرت الفتن في عهده، وازدادت الثورات، فاشتعلت نار الفتنة في الشام، ~~فقام علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، يدعو لنفسه، فعظم أمره، ~~واشتد خطره حتى احتل دمشق، وكاد يستقر له الأمر لولا النزاع الذي وقع بين ~~اليمنيين والمضريين من أتباعه، وبعث الأمين جيشا يعيد الاستقرار إلى بلاد ~~الشام، لكنه لم يفعل شيئا، ومن ثم بقيت بلاد الشام في اضطراب وقلاقل قيل: ~~سنتين، أو أكثر. # وفي ولاية المأمون: كان خروج بعض العلويين، فخرج عليه أبو السرايا سنة ~~199 ه بالكوفة، وأوقع بجيوش الحسن بن سهل، ولم يستطع المأمون إخماد حركته ~~إلا بعد عناء شديد؛ فقد هزمه هرثمة بن أعين. # وأراد المأمون استمالة العلويين فعين ولي عهده منهم، فولى علي بن موسى ~~الكاظم وخلع أخاه القاسم من ولاية العهد، فاستثار بذلك حفيظة العباسيين ~~وثاروا عليه في عدة مناطق. # PageV01P027 # كما شق عصا الطاعة نصر بن شبث الذي كان يتعصب للأمين؛ فبعث له المأمون من ~~يقاتله، واستمرت المناوشات بينهم خمس سنين، طلب بعدها نصر الأمان. # كما ثار المصريون، فبعث لهم عبد الله بن طاهر؛ لإخماد الثورة، فاستولى ~~على الفسطاط، وأقر الأمن، وأصلح البلاد. # ومن أخطر الأحداث التي ظهرت في عهد المأمون فتنة القول بخلق القرآن، فقد ~~أمر بامتحان القضاة والمحدثين في الولآيات، وابتلي الإمام أحمد بن حنبل ~~فيها ابتلاء شديدا. # ولما تولى المعتصم وقعت في عهده أحداث كثيرة، ففي عهده أغار الزط على ~~الدولة العباسية، واستولوا على طريق البصرة، ms0020 فحالوا دون وصول المئونة ~~والأقوات إلى بغداد، فقاتلهم وأرغمهم على طلب الأمان، وكثر في عهده الترك ~~وازداد نفوذهم. # وقد أغار الروم على بلاد الإسلام، فاستغاث الناس بالمعتصم، وكان ذلك في ~~سنة 223 ه؛ فسير إليهم المعتصم جيشا، وخرج على رأسه، فحارب الروم وهزمهم، ~~وفتح حصونا كثيرة، وفتح عمورية. # وفي هذا يقول الشاعر العباسي أبو تمام: # يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفلا معسولة الحلب # أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب # وقبل وفاة المعتصم: خرج المبرقع اليماني الذي أشعل نار الفتنة ب " فلسطين ~~"، فأرسل إليه المعتصم رجاء بن أيوب، فلم يقدر على المبرقع الذي تجمع حوله ~~الفلاحون، فانتظر حتى ذهب عنه الفلاحون إلى زراعتهم، وبقي المبرقع في نفر ~~قليل، فأغار عليه رجاء وأنزل به الهزيمة هو ومن معه. # وتوفي المعتصم وتولى الواثق بالله سنة 227 ه، وسار الواثق على سيرة أبيه ~~المعتصم، فاعتمد على الأتراك الذين شغلوا أعلى المناصب في كل ولايات ~~الدولة. # PageV01P028 # ولم يمكث الواثق في الخلافة كثيرا فقد توفي سنة 232 ه، وتولى بعده ~~المتوكل. # الخلافة العباسية مذ وليها المتوكل حتى سيطرة البويهيين عليها، أهم ~~الأحداث السياسية: # غدا مقررا بين المؤرخين أن عهد الخليفة المتوكل العباسي يعتبر بدء عصر ~~انحلال الخلافة العباسية الذي انتهى بسقوطها تحت أقدام التتار سنة 656 ه. # ويسير على الباحث الوقوف على علة هذا الضعف المطبق الذي اتسم به تاريخ ~~الخلافة العباسية مذ وليها المتوكل الذي كانت ولايته حدا يفرق بين عهدين من ~~زمانها، كان الأول منهما عهد ازدهار واستقرار وقوة بينما كان الثاني على ~~النقيض من ذلك. # وهذه العلة إنما هي اعتماد العباسيين على الفرس ثم على الأتراك وإيثارهم ~~إياهم بالمناصب المدنية والعسكرية على العرب الذين كانوا مادة الإسلام ~~وقوام الدولة الإسلامية فضعفت عصبتهم وانحطت منزلتهم وانصرفت قلوبهم عن ~~تأييد الدولة. # وكان اعتماد العباسيين على العنصر التركي منذ عهد المعتصم (218 - 227 ه) ~~إرهاصا ببدء عصر جديد في تاريخ الدولة العباسية محرف بعصر نفوذ الأتراك ~~يبدأ بولاية المتوكل ms0021 وينتهي بدخول البويهيين بغداد (232 - 334 ه). # وقد استبد الأتراك بمقاليد الأمور وتغلغل نفوذهم في الدولة بحيث أصبح ~~الخليفة العباسي " مسلوب السلطة مهيض الجانب ضعيف الإرادة ". # ولم يتورع الأتراك عن قتل الخلفاء العباسيين الذين وقفوا ضد أطماعهم ~~واستبدادهم فدبروا مؤامرة لاغتيال الخليفة المتوكل " 247 ه " اشترك فيها ~~ابنه المنتصر الذي طوعت له نفسه قتل أبيه، فذاق وبال أمره، فلم يمكث في ~~الخلافة ستة أشهر إلا وقد أغرى الأتراك طبيبه ابن طيفور بقتله وأعطوه ~~ثلاثين ألف دينار، ففصده بريشة مسمومة سنة 248 ه. # PageV01P029 # ومنذ ذلك التاريخ غدت تولية الخلفاء وعزلهم منوطة بإرادة الأتراك، فقد ~~كانوا يعملون على تولية الخلافة من يطمئنون إليه من أمراء البيت العباسي، ~~وما أدق عبارة الفخري صاحب الآداب السلطانية في بيان هذه الحالة التي آل ~~إليها أمر خلفاء بني العباس حيث قال: " كان الأتراك منذ قتل المتوكل قد ~~استولوا على المملكة واستضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير إن ~~شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه وإن شاءوا قتلوه ". # ونتج عن ضعف الخلافة العباسية استقلال أكثر الولايات الإسلامية في مشرق ~~الدولة ومغربها، فانفرد الطولونيون بحكم مصر (254 - 292 ه) ثم الإخشيديون ~~(323 - 358 ه) وأخيرا الفاطميون (358 - 567 ه). # أما في المشرق فقد قامت الدولة الطاهرية (205 - 259 ه) في خراسان، ومنهم ~~انتقلت السلطة إلى أسرة جديدة هي الدولة الصفارية (254 - 295 ه) التي قامت ~~على يد يعقوب ابن الليث الصفار، والدولة السامانية (266 - 389 ه) التي ~~تفرعت عنها الدولة الغزنوية (351 - 582 ه). # * البويهيون: # وإزاء استبداد الأتراك بشئون الدولة تطلع الخلفاء العباسيون إلى قوة ~~جديدة تقيل الخلافة من عثرتها وتستأصل شأفة الأتراك، فوجدوا في دولة بني ~~بويه الفتية ضالتهم، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار. # برز البويهيون إلى رحاب التاريخ الإسلامي في مطلع القرن الرابع الهجري ~~وسرعان ما ترقوا في معارج القوة والنفوذ، فدانت لعلي بن بويه بلاد فارس ~~بالطاعة (323 ه) وانتزع من الخليفة الراضي العباسي اعترافا بسلطانه. # وتوجوا انتصاراتهم بدخول بغداد حاضرة الخلافة العباسية عام 334 ه ms0022 في عهد ~~أحمد ابن بويه (334 - 356 ه) فقابله الخليفة المستكفي واحتفى به وخلع عليه ~~ولقبه معز الدولة، ولقب أخاه عليا عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن ~~الدولة، وضرب ألقابهم على السكة، ولقب المستكفي إمام الحق وضرب ذلك على ~~السكة، على أن البويهيين استأثروا بالسلطة دون الخلفاء كما صنع أسلافهم من ~~الترك. # PageV01P030 # فعمل معز الدولة على توطيد مركزه وتقوية نفوذه في بلاد العراق التي أذعنت ~~لحكمه إذعانا كاملا، ولم يلبث أن استبد بالسلطان دون الخليفة وعمل على ~~إضعاف الخلافة العباسية وفكر في القضاء عليها وإقامة خلافة شيعية على ~~أنقاضها، " ولكنه عدل عن هذه السياسة لما قد يتعرض له سلطانه من خطر بسبب ~~وجود خلافة علوية يطيعها الجند، ويعترف بها الديلم، ويكونون أداة في يد ~~الخليفة يستغلها لمصلحته متى شاء ". # وبلغ من إهانة معز الدولة البويهي للخلافة العباسية وانتقاصه من قدر ~~خلفائها أن قبض على الخليفة المستكفي وسمل عينيه وحبسه إلى أن مات، وأجلس ~~المطيع (334 - 363 ه) على كرسي الخلافة وحدد له راتبا مائة دينار في اليوم، ~~ثم قطع ذلك الراتب وحدد له إقطاعات يسيرة يعيش منها كما عين له كاتبا يتصرف ~~في شئونها. # ثورة البساسيري: ذروة الضعف العباسي، ودخول السلاجقة بغداد: # بلغ ضعف الخلافة العباسية غايته وعجزها منتهاه في عهد الخليفة القائم ~~بأمر الله العباسي الذي تحقق من خيانة البساسيري ذي الميول الشيعية، وتأكد ~~من مكاتبته الخلافة الفاطمية في مصر. # فطلب إلى الملك الرحيم البويهي إبعاده عن العراق، فسار البساسيري إلى ~~الرحبة بلد نور الدولة لمصاهرة بينهما، وعندئذ أدرك القائم بأمر الله أن ~~نجم البويهيين قد أفل وأنهم أمسوا عاجزين عن حماية الخلافة العباسية ودرء ~~خطر البساسيري عنها، وأنه لا مناص من الاستعانة بالسلاجقة الذين طوى ملكهم ~~بلاد الفرس والجزيرة وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من بغداد. # وكان أن أرسل طغرلبك إلى الخليفة العباسي القائم رسولا يبالغ في إظهار ~~الطاعة والعبودية، فانتهز الخليفة ذلك وأمر بقطع الخطبة للملك الرحيم، ~~والخطبة لطغرلبك بجوامع بغداد في رمضان سنة 447 ه " ثم ms0023 أرسل طغرلبك يستأذن ~~الخليفة العباسي في دخول بغداد، فأذن له فوصل إلى النهروان، وخرج الوزير ~~إلى لقائه في موكب عظيم من القضاة والنقباء والأشراف والشهود والخدم وأعيان ~~الدولة، وصحبه أعيان الأمراء من عسكر الرحيم ". # PageV01P031 # واستغل البساسيري خروج طغرلبك من العراق وانشغاله بحصار الموصل ونصيبين ~~فكاتب إبراهيم ينال أخا طغرلبك وأخذ يعده ويمنيه ويطمعه في ملك أخيه حتى ~~أصغى إليه وحالف أخاه، فترك الموصل إلى الري، فتقدم البساسيري إلى الموصل ~~وحاصرها وتمكن من إخضاعها سنة 450 ه وتهيأ لدخول بغداد، أما طغرلبك فقد ~~انصرف إلى القضاء على عصيان أخيه إبراهيم ينال وتمكن من الظفر به وقتله ~~بالقرب من الري سنة 450 ه. # وكان إبراهيم قد خرج على طغرلبك فعفا عنه، وإنما قتله في هذه المرة لأنه ~~علم أن جميع ما جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم يعف عنه. # قدم البساسيري بغداد سنة 450 ه بالرايات المصرية، وعليها ألقاب المستنصر ~~صاحب مصر، وجرى القتال بينه وبين الخليفة القائم الذي انضم إليه نفر من أهل ~~السنة وقاتلوا معه، بيد أن الخليفة لم يقو على صد البساسيري عن دار الخلافة ~~فاستولى عليها بعد قتال دام شهرا، وأقيمت الخطبة للمستنصر الفاطمي وزيد في ~~الآذان: حي على خير العمل. # ثم قبض البساسيري على الخليفة وحمله إلى مدينة عانة حيث حبسه بها. # ولما فرغ السلطان طغرلبك من أمر أخيه إبراهيم ينال، عمل على إعادة ~~الخليفة إلى بغداد، فكتب إلى قريش بن بدران يأمره أن يعيد الخليفة إلى داره ~~ويتوعده إن لم يفعل ذلك، فكتب قريش إلى مهارش بن مجلي يخبره بذلك، فتولى ~~مهارش أمر إعادة الخليفة إلى بغداد. # ثم جهز طغرلبك جيشا لقتال البساسيري الذي لحق بواسط يتهيأ لقتال السلاجقة ~~ليمنعه من الدخول إلى بلاد الشام، فظفر به جيش طغرلبك فقتل وحملت رأسه إلى ~~بغداد. # وهكذا كانت فتنة البساسيري -كما ذكر ابن الأثير- أهم الأسباب التي حملت ~~الخلافة العباسية على الاستعانة بالسلاجقة لتخليصهم من استبداد البويهيين ~~ذوي الميول الشيعية والتي مثل البساسيري شكلا من أشكالها. # PageV01P032 # * الفصل الثالث ms0024 # ظاهرة الدول المستقلة في الشرق الإسلامي # تميز تاريخ الدولة العباسية بظاهرة فريدة لم يشهدها تاريخ الخلافتين ~~الراشدة والأموية، وهي ظاهرة الدول المستقلة في المشرق والمغرب جميعا. # وإذا كان ظهور النزعات الاستقلالية في العالم الإسلامي يرجع إلى أواخر ~~العصر الأموي، فإن هذه الظاهرة قد اتسعت على نحو كبير منذ مطلع الدولة ~~العباسية، فقامت الدولة الأموية بالأندلس (138 - 397 ه) على يد عبد الرحمن ~~الداخل، وأسس إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي دولة الأدارسة في ~~المغرب الأقصى (172 - 311 ه) وقامت دولة الأغالبة في تونس (184 - 269 ه) ~~على يد إبراهيم بن الأغلب، وفي مصر ظهر الطولونيون (254 - 292 ه) ثم ~~الإخشيديون (323 - 358 ه) ثم الخلافة الفاطمية (358 - 567 ه). # أما في الشرق فثمة دول استطاعت الاستقلال عن الدولة العباسية، فقد قامت ~~الدولة الطاهرية في خراسان -نسبة إلى طاهر بن الحسين (205 - 259 ه) - وعلى ~~أنقاضها نشأت الدولة الصفارية (254 - 290 ه) على يد يعقوب بن الليث الصفار، ~~كما ظهرت الدولة السامانية (266 - 389 ه). # ونستطيع أن نرد أسباب هذ الظاهرة -وهي نشأة الدول المستقلة- إلى تضخم ~~نفوذ الأتراك في الدولة العباسية، واستبدادهم بتصريف الشئون السياسية دون ~~الخلفاء، فأحدث الأتراك كثيرا من القلاقل والاضطرابات، وغدت الدولة ~~العباسية مسرحا للفوضى والاضطرابات السياسية، الأمر الذي ترتب عليه ضعف ~~السلطة المركزية في بغداد وما ارتبط به من استقلال أكثر الولايات ~~الإسلامية. # وثمة أمر آخر هو أن انحسار نفوذ العرب والفرس وضعف مكانتهم وهوان شأنهم ~~في الدولة العباسية، دفعهم دفعا إلى الاستقلال ببعض بلدان الدولة العباسية ~~في المشرق الإسلامي، قكانت الدولتان: الصفارية والسامانية. # وهاتان الدولتان تقع في إطارهما مدينة سمرقند التي ولد فيها الماتريدي؛ ~~ولذلك # PageV01P033 # سنتعرض لكل واحدة منهما بشيء من التفصيل. # * أولا: الدولة الصفارية (254 - 290 ه): # قامت الدولة الصفارية على أنقاض الدولة الطاهرية ويرجع تأسيسها إلى يعقوب ~~بن الليث الصفار (254 - 265 ه)، الذي اتخذ من سجستان مركزا لانطلاقها. وتقع ~~سجستان في أقصى الشرق من إيران وتسمى أيضا " نيمروز " وهي ms0025 كلمة فارسية تعني ~~" نصف يوم " أي أنها بخيراتها وثرواتها تساوي نصف ما تطلع عليه الشمس، وهذا ~~على سبيل المبالغة لا الحقيقة. # وقد انضم يعقوب إلى أحد قادة المطوعة ويدعى صالح بن النضر في ثورته على ~~والي سجستان إبراهيم القوسي؛ لظلمه واستبداده، فتمكنوا من خلعه والاستيلاء ~~على سجستان سنة 237 ه. # والمطوعة جماعات عسكرية تعمل على حماية سجستان وفارس وكرمان من الفوضى ~~التي تعرضت لها إثر ثورات الخوارج. # لم يكن صالح بن النضر أحسن حالا من الوالي السابق من قبل الطاهريين، فبغى ~~على الرعية ولم يسر فيهم سيرة العدل التي كانوا يرجونها منه، فشكوه إلى ~~يعقوب وأغروه بأن يتولى عليهم بدلا منه، فاستجاب لهم واستطاع أن يتخلص من ~~صالح بن النضر، وأخذ يعمل على توطيد ملكه وتدعيم مركزه بالقضاء على ~~المتمردين والمنشقين عليه، فحارب الخوارج الذين رفضوا الدخول في طاعته وقتل ~~كثيرا منهم حتى كاد أن يفنيهم، وأذاع أنه يحارب الخوارج عن أمر الخليفة ~~العباسي. # ولم يكتف يعقوب بحكم سجستان بل مد نفوذه إلى بوشنج وهراة وما والاها، ~~واحتل نيسابور التي كان يحكمها الطاهريون، وضم إليه بلاد فارس وخراسان، ~~وكرمان، والسند، وطبرستان، والري، وقزوين وأذربيجان وجنديسابور، والأهواز، ~~حتى لقد هدد بغداد نفسها سنة 257 ه، فأسس بذلك ملكا عريضا في شرق الدولة ~~الإسلامية. # PageV01P034 # والحق أن الملكات السياسية والمواهب الشخصية التي اتسم بها يعقوب بن ~~الليث هي التي أتاحت له ما حقق من نجاح كبير في تأسيس دولته الجديدة، فقد ~~امتاز باليقظة وحسن التدبير، والتفكير العميق في عواقب الأمور ونتائجها، ~~والقدرة على اختيار رجاله وإعداد جيوشه الإعداد السليم؛ فلا عجب أن قال عنه ~~المسعودي: " كانت سياسة يعقوب لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها ممن ~~سلف من الملوك من الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف، وحسن ~~انقيادهم لأمره، واستقامتهم على طاعته؛ لما قد شملهم من إحسانه، وغمرهم من ~~بره، وملأ قلوبهم من هيبته ". # لا ريب أن الخلافة العباسية أوجست خيفة من يعقوب بن الليث الصفار، ورأت ~~في اتساع ملكه ms0026 تهديدا خطيرا لنفوذها، وكسرا للقاعدة التي جرت عليها في ~~تولية حكام الأطراف بناء على تفويض منها، فاعتبرت يعقوب متمردا، وجمع ~~الخليفة الحجاج القادمين من المشرق من خراسان والري وطبرستان وجرجان سنة ~~261 ه وأعلمهم أنه لم يفوض يعقوب، وأن دخوله خراسان وقضاءه على الطاهريين ~~لم يكن بأمره، ورد يعقوب على ذلك بمزيد من التحدي وقصد إقليم فارس فاستولى ~~عليه سنة 261 ه. # وبدأ يعقوب يفكر في الاستيلاء على بغداد فتحرك صوبها سنة 262 ه، مستغلا ~~انشغال الخلافة العباسية بالقضاء على ثورة الزنج، فرأت الخلافة استمالته ~~وإرضاءه ريثما تفرغ من أمر الزنج، فأبي يعقوب مهادنة العباسيين وقال: إنه ~~لا يرضيه إلا أن يسير إلى باب المعتمد. # والتقت جيوش العباسيين بجيش يعقوب في قرية " اصطر بند " على مقربة من ~~واسط في رجب سنة 262 ه، وكان الخليفة العباسي المعتمد يقود الجيش بنفسه، ~~ومعه أخوه طلحة في القلب. # وانجلى غبار المعركة عن هزيمة منكرة للصفار وجنده، وغنم جند الخليفة ~~معسكره وتراجع يعقوب في فلوله، وتوفي بعد ذلك بقليل في سنة 265 ه. # خلف يعقوب بن الليث أخوه عمرو بن الليث، فبادر إلى استرضاء العباسيين # PageV01P035 # ومهادنتهم، فوثق به الخلفاء العباسيون حتى عهدوا إليه بولاية شرطة بغداد ~~بالإضافة إلى حكم ولايات خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان، فقوي ~~نفوذه واستقر ملكه. # وقد اتبع عمرو بن الليث نظاما دقيقا في مراقبة عماله وقواده، ورتب موارد ~~دولته وعمل على تنميتها وزيادتها. # ولم يقنع عمرو بما استقام له من ملك ونفوذ على كثير من الولايات ~~والممالك، فطمع في بلاد ما وراء النهر التي كانت تحت حكم الدولة السامانية. # والحق أن الخلافة العباسية هي التي أغرت عمرو بحرب السامانيين؛ إذ أرسلت ~~إليه تفويضا بحكم بلاد ما وراء النهر، وفي الوقت نفسه كتبت إلى الأمير ~~إسماعيل بن أحمد الساماني سرا تدعوه إلى حرب الصفار وتعده بتوليته على ما ~~تحت يديه من بلاد. # ويقول ابن الفقيه موضحا هذه الخطة: " كتب المعتضد إلى الصفار يأمره أن ~~يطلب إسماعيل بن أحمد، وأنه قد ms0027 ولاه عمله، وكتب إلى إسماعيل بمثل ذلك ". # وكان أن رفض الأمير إسماعيل الساماني تسليم بلاد ما وراء النهر، وكتب إلى ~~عمرو بن الليث قائلا: " إنك قد وليت دنيا عريضة، وأنا في يدي ما وراء ~~النهر، وأنا في ثغر، فاقنع بما في يدك، واتركني مقيما بهذا الثغر ". # وأسفر الصراع بين الجانبين عن هزيمة عمرو بن الليث الصفار ووقوعه في ~~الأسر سنة 287 ه، وعامله الأمير الساماني معاملة كريمة، وخيره بين البقاء ~~عنده أو إرساله إلى الخليفة فاختار السير إلى المعتضد، ولكن الخليفة أمر أن ~~يشهر به ويلقى في السجن ثم قتله سنة 289 ه. # وقد تولى إمارة الدولة الصفارية -بعد عمرو بن الليث- طاهر بن محمد بن ~~عمرو بن الليث وكان صغيرا لاهيا عابثا، فغلب عليه السبكري -غلام عمرو بن ~~الليث- فاستبد # PageV01P036 # بالسلطة دونه، ولم يكن لهذا الأمير الصغير حول ولا طول، بل إن السبكري ~~قبض عليه وعلى أخيه يعقوب، وأرسل بهما إلى بغداد سنة 296 ه، وبذلك خلا له ~~حكم الدولة الصفارية. # ولم تكد الأمور تستقيم للسبكري حتى سار إليه الليث بن علي بن الليث وهزمه ~~وطرده من فارس، وذلك سنة 297 ه، فاستنجد السبكري بالخليفة فسير جيشا إلى ~~الليث أوقع به الهزيمة، وعاد السبكري إلى ولاية الدولة الصفارية، لكنه تمرد ~~على الخلافة العباسية، ورفض أداء الأموال إليها، فعملت على التخلص منه، ~~فانتزعت منه فارس سنة 298 ه، فلجأ إلى سجستان، فسار إليه الأمير أحمد بن ~~إسماعيل الساماني، فاستولى على سجستان وقبض على السبكري وعلى محمد بن علي ~~بن الليث الصفار وبعث بهما إلى بغداد سنة 298 ه، وبذلك قضي على الدولة ~~الصفارية قضاء لا قيام لها بعده. # ويسعنا -بعد هذا العرض الموجز- أن نرجع سقوط الدولة الصفارية إلى سببين ~~اثنين: # الأول: جهود الدولة العباسية وحرصها على التخلص منها. # الثاني: الهزائم المتكررة التي ألمت بجيوشها، هذا بالإضافة إلى تمرد ~~قوادها، وما ترتب على ذلك من ضعف للدولة وانهيارها في النهاية. # * الدولة السامانية # قامت الدولة السامانية في " منطقة ما وراء النهر "، وتشمل جغرافيا ~~المناطق ms0028 الواقعة على جانبي نهر جيحون مباشرة وإلى الشمال منه قليلا، وينتسب ~~سكان هذه الأقاليم إلى الجنس الفارسي، الآري -لغة ودما وثقافة- أما المناطق ~~التي تقع إلى أقصى الشمال والشرق، فهي مناطق خاصة بالترك، وهم عنصر آخر ~~يعرف بالعنصر الطوراني، وتسمى بلادهم تركستان. # ويرتبط هذا الإقليم بخراسان وسجستان جغرافيا وسياسيا؛ ولذلك اعتبر ~~المقدسي هذه الأقاليم الثلاثة إقليما واحدا أسماه بالمشرق. # ويشمل إقليم ما وراء النهر عدة كور منها: بخارى وأشروسنة والشاش وفرغانة ~~وكش # PageV01P037 # ونسف والصغانيان والختل وخوارزم والترمذ. # أما الدولة السامانية فتنتسب إلى أسرة فارسية عريقة في المجد يرجع أصلها ~~إلى بهران ابن جور. # ودخلت هذه الأسرة في الإسلام في العهد الأموي، في ولاية خالد القسري الذي ~~كان مهتما بأبناء الأسر الفارسية العريقة، وأدنى إليه سامان وأكرمه، فأسلم ~~على يديه وولاه بلخ، فلما رزقه الله بولده سماه أسدا تيمنا باسم هذا الوالي ~~الكريم. # وظهر أبناء سامان الأربعة على مسرح الأحداث السياسية في عهد الخليفة ~~المأمون فولي نوح بن أسد سمرقند في سنة 204 ه، وأحمد بن أسد فرغانة، ويحيى ~~بن أسد الشاش وأشروسنة، وإلياس بن أسد هراة، ولما ولي طاهر بن الحسين بلاد ~~خراسان أقرهم في هذه الأعمال. # واشتهر من أبناء أحمد بن أسد إسماعيل ونصر. فخلف نصر أباه على سمرقند وما ~~يليها من قبل الطاهريين حتى ولاه الخليفة العباسي المعتمد بلاد ما وراء ~~النهر سنة 261 ه. # ومن ثم تأسست الدولة السامانية، وولى نصر أخاه إسماعيل على بخارى. # ولم يلبث العداء أن أنشب أظفاره بين الأخوين إسماعيل ونصر، وكان إسماعيل ~~-كما مر- ينوب عن أخيه في حكم بخارى، فآنس منه نصر طمعا في المال واستئثارا ~~بالسلطة، فوقعت حروب بين الأخوين انتهت بانتصار إسماعيل سنة 275 ه، ولكنه ~~أبدى إيثارا وتعظيما كبيرا لأخيه، فترجل عن جواده، وقبل ركابه وقال: إني ~~مقر بأني أخطأت والذنب كله ذنبي، فبكى نصر لوفاء أخيه ورجع إلى سمرقند ~~تاركا إياه نائبا عنه في بخارى. # وآل أمر الدولة السامانية بعد وفاة نصر بن أحمد الساماني إلى أخيه ~~إسماعيل بن ms0029 أحمد سنة 279 ه، ويمكننا أن نعتبر إسماعيل المؤسس الحقيقي ~~للدولة السامانية، ففي عهده ظهرت الدولة بمظهر القوة، وقامت بدور كبير في ~~إزالة الدولة الصفارية. # واستطاع إسماعيل بفضل كفايته السياسية والحربية أن يخضع لسلطانه بلاد ما ~~وراء # PageV01P038 # النهر كلها، ونجح في أن يضم إلى دولته خراسان وبعض المناطق الإيرانية ~~الأخرى، واتخذ من بخارى عاصمة لدولته. # وقد وصف ابن الأثير إسماعيل بن أحمد الساماني فقال: " إنه كان خيرا يحب ~~أهل العلم والدين، ويكرمهم ". # وقال في موضع آخر: " إنه كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته، حليما. ~~وحكي عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب يؤدبه، فمر به الأمير إسماعيل يوما، ~~والمؤدب لا يعلم به، فسمعه وهو يسب ابنه ويقول له: لا بارك الله فيك ولا ~~فيمن ولدك، فدخل إليه، فقال له: يا هذا، نحن لم نذنب ذنبا لتسبنا فهل ترى ~~أن تعفينا من سبك، وتخص المذنب بشتمك وذمك؟ فارتاع المؤدب، فخرج إسماعيل من ~~عنده وأمر له بصلة جزاء لخوفه منه ". # * علاقة السامانيين بالخلافة: # تختلف الدولة السامانية في علاقتها بالخلافة العباسية عن الدولة الصفارية ~~إلى حد كبير؛ فالصفاريون لم يعترفوا بسلطان الخليفة العباسي عليهم وتمردوا ~~على نفوذه الروحي، بل سعوا إلى الاستيلاء على بغداد نفسها. # أما الدولة السامانية فنعمت بالاستقلال في ظل الولاء الإسمي للخلافة ~~العباسية، بعد أن أثبتت تجربة الصفاريين فشل الحركات المناوئة للخلافة ~~المتحدية لسلطانها، وتأكد أن الخلافة -حتى في أحلك ظروفها- كانت تتمتع ~~بنفوذ روحي لا يستهان به، وأنها قادرة على تحريك الأحداث والإسهام فيها ~~بالتدخل المباشر أو بالاستعانة بحلفائها. فوعى السامانيون هذا الدرس، ~~واعترفوا بالنفوذ الروحي للخلافة، ورفعوا راية الجهاد في الثغور، وأبدوا ~~تعاونا مخلصا مع الخلافة في مواجهة أعدائها. # ومن أمارات هذا الولاء الذي أبداه السامانيون للخلافة العباسية: # - تمسكهم بالمذهب السني الذي تدين به الدولة العباسية، ورفضهم إقامة ~~علاقات مع الفاطميين عندما حاولوا استمالتهم إليهم. # - كما أقام السامانيون الخطبة للعباسيين ونقشوا أسماءهم على السكة، ~~وحرصوا على إكساب حكمهم صفة شرعية بالحصول على تفويض منهم. # PageV01P039 # وفي المقابل بدأت الخلافة العباسية ms0030 تثق في السامانيين وتطمئن إلى صدق ~~ولائهم، فاتخذت منهم أنصارا لها في المشرق خلفا للطاهريين، وقد أشرنا قبل ~~قليل إلى نجاح التحالف " العباسي الساماني " في القضاء على الدولة الصفارية ~~التي هددت العباسيين تهديدا مباشرا. # كما أدى السامانيون دورا آخر لصالح الخلافة العباسية، وهو التصدي للزيدية ~~في طبرستان، وتمكنوا من إسقاط دولة الحسن بن زيد سنة 287 ه، ونجحوا في ~~استمالة القائد الديلمي أسفار بن شيرويه فتخلى عن ولائه للزيدية، وانضم ~~إليهم، وتكفل بإسقاط الدولة الزيدية الثانية سنة 316 ه. # وكانت بخارى حاضرة الدولة السامانية في عهد الأمير إسماعيل، فقد شيدت ~~فيها القصور المنيفة، والمنشآت الكبيرة، والمدارس الدينية، ووفد عليها ~~العلماء من كل حدب وصوب؛ لما وجدوه من التشجيع والحفاوة. # وقد حكم إسماعيل أكثر من ثلاثين سنة، سار فيها سيرة حسنة في الرعية، ~~فأرسى قواعد العدل والإحسان؛ ولذلك كان لا يتهاون مع عماله إذا ظلموا ~~الرعية. # وكانت خراسان تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم عاصمته نيسابور، وقسم عاصمته ~~مرو، وثالث عاصمته هراة، والأخير عاصمته بلخ. # وأما بلاد ما وراء النهر فكانت تنقسم خمسة أقسام: # الأول: الصغد، ولها عاصمتان هما بخارى وسمرقند. # والثاني: خوارزم. # والثالثة صغانيان. # والرابع: فرغانة. # والخامس: الشاش. # وقد كان لعمال إسماعيل على هذه الولايات سلطات واسعة. # وقد توفي الأمير إسماعيل عام 295 ه، وبعد وفاته بدأت الدولة السامانية في ~~الضعف والانحلال، وكان ذلك لعدة عوامل: # PageV01P040 # أولها: انقسام البيت الساماني على نفسه طمعا في السيادة. # ثانيها: رجال الدولة السامانية الذين كانت لهم مطامع خاصة، فسعوا إلى ~~تحقيق هذه المطامع على حساب الدولة. # ثالثها: ضعف أمراء آل سامان حتى أصبحوا ألعوبة في أيدي كبار رجال الدولة. # وترتب على ضعف الدولة السامانية ازدياد نفوذ الترك الذين كانوا مجرد خدم ~~وأتباع، فتمكنوا من القضاء على الدولة السامانية وبسطوا نفوذهم كذلك على ~~كثير من البلدان الإسلامية. # وبرغم ضعف الدولة السامانية بعد الأمير إسماعيل، فإنها ظلت قائمة حتى ~~منتصف القرن الرابع الهجري، فقد تولى الأمير أحمد بن إسماعيل الحكم بعد ~~أبيه، وحاول المحافظة على ملك الدولة ms0031 السامانية قدر جهده، لكنه لم يستطع ~~تخليص طبرستان من الأمير الحسن بن علي الزيدي الملقب بالأطرش الذي تغلب ~~عليها وعلى بلاد الديلم، وهدى الله على يديه نفرا كثيرا ممن لم يدخلوا ~~الإسلام من أهل تلك البلاد، فالتفوا حوله، وطردوا والي السامانيين من ~~بلادهم. # وتوفي أحمد بن إسماعيل سنة 301 ه إثر مؤامرة دبرت له، وولي من بعده ابنه ~~نصر، وكان صغيرا فتنافس أمراء البيت الساماني على الوصول إلى الحكم، فشق ~~عليه عمه إسحاق بن أحمد عصا الطاعة، فاستقل بسمرقند، واستقل أبو صالح منصور ~~بن إسحاق في نيسابور، ولكن نصرا عاجلهم وقضى على ثورتهم. كما هزم العلويين ~~الذين زاد خطرهم في طبرستان وقتل قائدهم، فاستطاع الأمير نصر بسبب هذه ~~الانتصارات استعادة نفوذ الدولة السامانية على بلاد ما وراء النهر. # وتوفي الأمير نصر، فبدأ الانهيار الكامل للدولة السامانية، فاستقل ~~الأمراء، كل بجهة معينة، فواجه الأمير نوح بن نصر الذي خلف والده مصاعب ~~كثيرة، منها خروج أبي إسحاق أحمد في بخارى، وأبو علي الأصفهاني في نيسابور. # وأخطر ما واجهه غزو ركن الدولة البويهي لبلاد الري واستيلاؤه عليها، ولكن ~~القائد الساماني أبا علي طرد منها البويهيين، لكنه انقلب على سادته واستقل ~~بها، بل طمع في # PageV01P041 # إقليم خراسان. ومن ثم بدأ انحسار النفوذ الساماني فما عاد يتجاوز بلاد ما ~~وراء النهر. # ومع ازدياد نفوذ البويهيين وضعف أمراء الدولة السامانية ازداد الانحسار، ~~فألقى الأمراء السامانيون بأنفسهم في أحضان الدولة الغزنوية الناشئة، حتى ~~آل أمر دولتهم جميعه إلى هذه الدولة، فسقطت بذلك الدولة السامانية بعدما ~~حكمت بلاد ما وراء النهر وما جاورها قرابة قرن ونصف. # على أنه ينبغي أن نسجل للدولة السامانية عدة أمور تعد في ميزان فضائل هذه ~~الدولة وأمرائها: # أولها: أن الحضارة الإسلامية ازدهرت في عهد الدولة السامانية؛ حتى كانت ~~بخارى، وسمرقند، وبلخ تحت حكمهم منارات للعلوم الدينية، يفد إليها الطلاب ~~من كل حدب وصوب. # ثانيها: انتشار الرخاء في عهدهم، واتباعهم سبيل الحق في حكمهم؛ حتى مدحهم ~~المقدسي الذي رحل إلى بلادهم، فقال: إنهم أحسن ms0032 سيرة، وهذا فضلا عما عرف ~~عنهم من إجلال للعلم وأهله، فقد كان من رسومهم ألا يكلفوا أهل العلم تقبيل ~~الأرض بين أيديهم. # وقال في وصف أهل خراسان في العهد الساماني: إنهم من أشد الناس تمسكا ~~بالحق، وهم بالخير والشر أعلم. # كما أقر بعلمهم الكثير، وحفظهم العجيب، واستقرار الأمور في خراسان، ~~وانتشار الرخاء فيها. # ثالثها: عدم قصر عنايتهم على العلوم الدينية، بل اهتم أمراء الدولة ~~السامانية بالعلوم الطبيعية والأدبية، فقد نبغ علماء وشعراء في بلاط هذه ~~الدولة، فنبغ الرودكي، أول شاعر غنائي في فارس، ومؤسس الملحمة التعليمية ~~التي تعد من أخصب فروع الأدب الفارسي. # وابن سينا الفيلسوف الطبيب الذي بدأ يظهر إنتاجه في عصر منصور بن نوح ~~الساماني 350 ه وبخاصة كتابه القانون في الطب. # PageV01P042 # ونسجل أيضا في هذا المقام أن الماتريدي صاحب التفسير المحقق بين أيدينا ~~عاش في سمرقند، ويمكننا القول: إنه عاش عمره كله في ظل الدولة السامانية، ~~وما من شك في أنه تأثر بأحداثها، ونعم بخيرها، واستقرارها الفكري والعلمي، ~~برغم ما حصل فيها من أحداث سياسية مضطربة في بعض المراحل، فكان ذلك من ~~عوامل نبوغه في العلوم الدينية المختلفة، كما سنعرف في الباب الثاني من هذه ~~الدراسة. # * * * # PageV01P043 # * الفصل الرابع # نظام الحكم في الدولة العباسية # يقصد بنظام الحكم: أجهزة الدولة المختلفة التي تصرف أمورها، وتدبر ~~شئونها، وتكون بمثابة حلقة الوصل بين الرعية وبين الحكام، وذلك حتى تنضبط ~~حركة الحياة ويتمكن الناس من القيام بالوظائف المنوطة بهم على نحو تتحقق به ~~خلافة الإنسان في الأرض على الوجه المرضي. # والحديث عن نظام الحكم في أي عصر من عصور التاريخ ذو شعب ثلاث: # * 1 - # النظام السياسي. # * 2 - # النظام الإداري. # * 3 - # النظام القضائي. # ولإعطاء القارئ صورة عن نظام الحكم في الدولة العباسية في الفترة محل ~~الدراسة نعرض لهذه الأنظمة الثلاثة في شيء من الإيجاز: # * أولا: النظام السياسي: # ويتمثل هذا النظام فيما يلي: # أ - الخلافة: # عرف صاحب الأحكام السلطانية الخلافة بقوله: " الإمامة موضوعة لخلافة ~~النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ". # كما عرفها ابن خلدون ms0033 بأنها " حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في ~~مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند ~~الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في ~~حراسة الدين وسياسة الدنيا به ". # ومن البين أن التعريفين ينطويان على معنى الجمع بين السلطتين الدينية ~~والدنيوية. # PageV01P044 # وقد كانت الخلافة في الدولة العباسية وراثية، تنتقل من الآباء إلى ~~الأبناء. # والخلفاء العباسيون يقتفون في ذلك أثر الأمويين الذين ابتدعوا مبدأ توريث ~~الخلافة، بعد أن كانت شورى يتداولها المسلمون فيما بينهم دون قصرها على بيت ~~دون بيت أو أسرة دون أسرة. # وامتاز نظام الحكم في العصر العباسي الأول بغلبة النزعة الاستبدادية ~~عليه، فالخليفة العباسي يملك السلطات كلها في يده، على الرغم من أن أصحاب ~~الدواوين أو البارزين من أصحاب البيت العباسي كانوا بمثابة مستشارين غير ~~رسميين. # ودرج الخلفاء العباسيون على نظام تولية العهد أكثر من واحد، فقد عهد ~~السفاح بالخلافة إلى أخيه أبي جعفر المنصور ثم إلى أخيه عيسى بن موسى، ~~وكذلك فإن المهدي عهد بالخلافة إلى ولديه الهادي ثم لهارون الرشيد، وأما ~~هارون الرشيد فولى عهده أولاده الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، وقسم ~~البلاد بينهم. # ولا ريب أن هذا النظام في ولاية العهد قد أثمر العداوة والبغضاء بين ~~أبناء البيت العباسي بدافع المنافسة والرغبة في الظفر بمنصب الخلافة. # وقد آل أمر الخلافة العباسية منذ عهد المتوكل " 232 - 247 ه " إلى حالة ~~من الوهن والضعف، بسبب ازدياد نفوذ الأتراك ثم البويهيين والسلاجقة، وغدا ~~الخلفاء العباسيون ألعوبة في يد هؤلاء، وهو ما أشرنا إليه في المبحث الثاني ~~من هذه الدراسة. # وعلى الرغم من ضعف الخلافة في عصر إمرة الأمراء وبني بويه، فقد استمر ~~الخلفاء العباسيون يولون العهد أبناءهم، غير أن الأتراك والبويهيين من ~~بعدهم كانوا لا يحفلون بهذا النظام إذ كان لا يتفق مع مصالحهم. # ب - الوزارة: # اقتبس العباسيون نظام الوزارة من الفرس، والحق أن الوزارة كاختصاص ومهام ~~ولقب قد استحدثت في العصر العباسي، وإن عرفت كاختصاص فقط دون اللقب في ~~العصر ms0034 الأموي، فكان عبد الحميد بن يحيى بن سعيد كاتب مروان بن محمد يقوم في ~~الخلافة مقام الوزير من حيث تقريب الخليفة له واعتماده عليه في المشورة ~~والرأي. # PageV01P045 # ولم تتضح مهام الوزارة وأعمال الوزير في صدر الدولة العباسية، ولكنها لم ~~تلبث أن تحددت وصيغت الصياغة النهائية في أواخر العهد العباسي. # وكان أكثر وزراء الدولة العباسية من الفرس أو الترك، واشتهر من وزراء ~~العصر الأول البرامكة وبنو سهل، ومن وزراء العصر الثاني بنو الفرات وبنو ~~وهب وبنو الجراح. # وأرهبت قوة الدولة العباسية وحزم خلفائها الوزراء، فلم يستبدوا بأمر دون ~~الخليفة، ولم ينفردوا برأي دون الرجوع إليه، بل كان الواحد منهم يتجنب أن ~~يسمى وزيرا بعد أن مات أبو الجهم على يد المنصور، فكان خالد بن برمك يعمل ~~عمل الوزراء ويأبى أن يسمى وزيرا على الرغم من منزلته عند الخلفاء. # ولم يتردد الخلفاء العباسيون الأوائل في البطش بأي وزير يرون في تضخم ~~نفوذه خطرا على كرسي الخلافة، ومقتل أبي سلمة الخلال على يد السفاح، وأبي ~~الجهم على يد المنصور، ونكبة البرامكة في عهد الرشيد أمثلة صادقة على قوة ~~الخلافة، وتضاؤل نفوذ الوزراء إلى جوار الخلفاء. # ولقد عرف العصر العباسي شكلين من أشكال الوزارة: # الأول: وزارة تنفيذ: وهي التي تقتصر مهمة الوزير فيها على تنفيذ أوامر ~~الخليفة وعدم التصرف في شئون الدولة من تلقاء نفسه. # الثاني: وزارة تفويض: وهي أن يكل الخليفة الوزارة إلى شخص يثق فيه، ويفوض ~~إليه النظر في أمور الدولة والتصرف في شئونها دون الرجوع إليه. # ومن أشهر وزراء التفويض: آل برمك وآل سهل والفضل بن الربيع. # ولما ضعفت الخلافة العباسية ودب الوهن في أوصالها، تزايد نفوذ الوزراء ~~وتعاظم خطرهم، وقويت المنافسة على كرسي الوزارة. # ولم يكد البويهيون يستولون على بغداد سنة 334 ه حتى استبدوا بالسلطة دون ~~الخلفاء العباسيين وقضوا على نفوذ الوزراء وحلوا محلهم، ولكنهم اتخذوا ~~لأنفسهم وزراء اشتهر بعضهم كأبي الفضل محمد بن العميد وزير ركن الدولة بن ~~بويه. # PageV01P046 # ج - الكتابة: # اقتضى تطور منصب الوزارة وتشعب أعماله استحداث ms0035 نظام جديد يعاون موظفوه ~~الوزير في الإشراف على الدواوين وإدارة شئونها، وهو نظام الكتابة. # ووجد في هذا العصر كاتب للرسائل، وكاتب للخراج، وكاتب للجند، وكاتب ~~للشرطة. # ومهمة كاتب الرسائل: إذاعة المراسيم والبراءات وتحرير الرسائل السياسية ~~وختمها بخاتم الخلافة بعد اعتمادها من الخليفة، ومراجعة الرسائل الرسمية ~~ووضعها في الصيغة النهائية وختمها بخاتمه، كما كان يجلس مع الخليفة في مجلس ~~القضاء للنظر في المظالم وختم الأحكام بخاتم الخليفة. # واشتهر من كتاب الدولة العباسية: يحيى بن خالد البرمكي، والفضل بن الربيع ~~والفضل بن سهل والحسن بن سهل، وأحمد بن يوسف ومحمد بن عبد الملك بن الزيات. # د - الحجابة: # استحدث الأمويون وظيفة سياسية جديدة في بلاطهم هي الحجابة، ومهمة الحاجب: ~~حجب الخليفة عن الناس، وتنظيم دخول الرعية عليه وفقا لمنازلهم الاجتماعية، ~~ومراتبهم في الدولة. # ولعل الأمويين قد خافوا على أنفسهم من الرعية بعد حادثة الخوارج مع علي ~~ومعاوية وعمرو بن العاص. # وقد حذا العباسيون حذو الأمويين في اتخاذ الحجاب، بيد أن مرتبة الحاجب قد ~~ارتقت وزادت مكانته في بلاط العباسيين، فأصبح يستشار في كثير من أمور ~~الدولة، ويستبد بالنفوذ دون الوزير ويلزم أصحاب الدواوين بالرجوع إليه. # * ثانيا: النظام الإداري: # أ - تعيين الولاة: # امتاز النظام الإداري في العصر العباسي الأول بالمركزية التي غدا معها ~~ولاة الأقاليم # PageV01P047 # مجرد عمال لا ولاة ينفردون بالسلطة المطلقة، وهو ما يفرق بين النظام ~~الإداري العباسي والأموي، حيث كان ولاة الدولة الأموية يتمتعون بنفوذ كبير ~~وسلطة لا يغلها استبداد الخليفة، فلا غرو أن اقتصرت وظيفة الوالي في بداية ~~تاريخ الدولة العباسية على الصلاة وقيادة الجند. # ودرج الخلفاء العباسيون على اختيار العمال أو الولاة من بيت أفراد البيت ~~العباسي أو من بين كبار القادة، " غير أن هؤلاء وأولئك آثروا البقاء في ~~بغداد أو في سامراء، وأنابوا عنهم نوابا يحكمون هذه الولايات باسمهم. ولم ~~يكن هذا التقليد شديد الخطر على الدولة العباسية وهي في قوتها، على أنه لما ~~ضعفت السلطة المركزية ساءت الحالة في هذه الولايات، وجنح بعض نواب الولاة ~~إلى الاستقلال، فظهرت ms0036 في مصر الدولتان الطولونية والإخشيدية، وظهرت في ~~المشرق الدول: الطاهرية، والصفارية والسامانية ". # ب - الدواوين: # كلمة الديوان كلمة فارسية تعني السجل يكتب فيه ما يختص بشئون الإدارة. ثم ~~أصبحت تدل على المكان الذي يعمل فيه الكتاب على اختلاف مهامهم. # وتشبه الدواوين في نظامها وأعمالها الوزارات في العصر الحاضر. # وأول من دون الدواوين في الدولة الإسلامية هو عبد الملك بن مروان. ثم ~~كثرت الدواوين في العصر العباسي لتنظيم شئون الدولة، ومنها: ديوان الخراج، ~~وديوان الجند، وديوان الموالي والغلمان، وديوان البريد، وديوان زمام ~~النفقات، وديوان الدية، وديوان الرسائل، وديوان الحوائج، وديوان المنح، ~~وديوان الأكرة للإشراف على الترع والجسور وشئون الري. # ويرجع الفضل في تنظيم إدارة الدواوين في العصر العباسي الأول إلى خالد بن ~~برمك، كما يرجع الفضل في إنشاء ديوان الزمام إلى المهدي لجمع ضرائب العراق، ~~وهو أول من أحدث هذا الديوان. # PageV01P048 # ج - البريد: # أولى الخلفاء العباسيون نظام البريد عناية كبيرة وحفاوة بالغة تتلاءم مع ~~ما عسى أن يقدمه صاحب البريد من معلومات عن الأمصار والولاة، فهو بمثابة ~~جهاز المخابرات في الدول الحديثة. # وكان لديوان البريد محطات على طول الطريق، وظل الحمام الزاجل مستخدما في ~~نقل الرسائل حتى عهد الخليفة المعتصم. # وكان البريد خاصا بأعمال الدولة لا لنقل رسائل الجمهور، ومن ثم كان مصلحة ~~من مصالح الدولة الخاصة، فكان صاحب البريد يراقب العمال، ويتجسس على ~~الأعداء، ويقوم بالأعمال التي يقوم بها رئيس قلم المخابرات في وزارة الدفاع ~~الآن، وكانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل الأخبار إلى الخليفة من ~~عماله في الأقاليم، ثم توسعوا فيه حتى جعلوا صاحبه عينا للخليفة ينقل ~~أوامره إلى ولاته كما ينقل أخبار ولاته إليه. # * 4 - # الشرطة: # اعتمد الخلقاء على الشرطة في حفظ الأمن، ونشر الاستقرار والضرب على أيدي ~~المجرمين والمفسدين. # وألحقت الشرطة في أول الأمر بالقضاء؛ لأنها تقوم على تنفيذ الأحكام ~~القضائية وصاحبها يتولى إقامة الحدود، ثم لم تلبث أن غدت نظاما مستقلا. # وكان صاحب الشرطة يختار من علية القوم وذوي العصبية والناس؛ حتى يكون ~~قادرا على ضبط ms0037 المجرمين وإقامة الحدود، وتنفيذ العقوبات. # وصاحب الشرطة يختار له مساعدين يأتمرون بأمره ويصدرون عن رأيه. # * ثالثا: النظام القضائي: # ويشتمل على: القضاة، والنظر في المظالم، والحسبة. # أ - القضاة: # عرف منصب القضاء في الدولة الإسلامية منذ عصر الخلفاء الراشدين والدولة ~~الأموية. وكان القاضي يصدر في أحكامه عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم عن رأيه # PageV01P049 # واجتهاده. # فلما كانت الدولة العباسية، وتقررت المذاهب الفقهية المختلفة، غدا كل قاض ~~يصدر في أحكامه عن مذهب منها، ويعول في الفصل بين الناس عليه. كما استحدثت ~~الدولة العباسية منصب " قاضي القضاة "، وأول من تلقب بهذا اللقب أبو يوسف ~~في عهد هارون الرشيد. # وكان القضاة في العصر العباسي ينظرون في القضايا المدنية والدعاوى ~~والأوقاف، وتنصيب الأوصياء، وأحيانا المظالم والقصاص وبيت المال. # ب - النظر في المظالم: # ويختص صاحب المظالم بالنظر في القضايا التي عجز القضاة عن الفصل فيها، ~~وكان يتولى النظر في المظالم -أحيانا- الخلفاء أنفسهم، فكان بعض خلفاء بني ~~العباس يجلس لهذا الأمر؛ ليحكم في المظالم. # كما كان يرأس محكمة المظالم -إن لم يكن رئيسها هو الخليفة- الوالي أو من ~~ينوب عنه. # وكان صاحب المظالم يعين للناس يوما يقصدونه فيه، أو أسبوعا كاملا يفرغ ~~لهم فيه. # وتنعقد محكمة المظالم في الأعم الأغلب في المسجد، وكان يحضرها خمس جماعات ~~لابد من حضورهم هم: # أ - جماعة الحماة أو الأعوان: ومهمتهم التغلب على من يلجأ إلى العنف أو ~~يحاول الفرار. # ب - جماعة الحكام: ومهمتهم الإحاطة بما يصدر من الأحكام لرد الحقوق إلى ~~أهلها، والعلم بما يجري بين الخصموم. # ج - جماعة الفقهاء: الذين يرجع إليهم صاحب المظالم فيما أشكل عليه. # د - جماعة الكتاب: ويقومون بتدوين أقوال الخصوم. # ه - الشهود. # ويختلف اختصاص صاحب المظالم عن اختصاص القاضي في عدة أمور: # أولها: صاحب المظالم ينظر في القضايا التي يقيمها الأفراد على الولاة ~~وعمال # PageV01P050 # الخراج. # ثانيها: صاحب المظالم ينظر في القضايا التي يعجز عنها القاضي. # ثالثها: صاحب المظالم يحكم في القضايا التي تتعلق بإقامة العبادات كالحج ~~والأعياد والجمع والجهاد. # ج - الحسبة: # وضع الخليفة الراشد ms0038 عمر بن الخطاب نظام الحسبة في الإسلام، ويعني هذا ~~النظام: النظر فيما يتعلق بالنظام العام من أمور تقتضي الفصل فيها على وجه ~~السرعة. # ومن وظائف المحتسب أنه: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحافظ على ~~الآداب العامة، ويشرف على نظام السوق، ويستوفي الديون ويراقب المكاييل ~~والموازين تجنبا للتطفيف، ويعاقب العابثين. . . إلخ. # بيد أن مصطلح الحسبة لم يستخدم أو يتداول في العصر العباسي بالرغم من ~~تطبيق مفهومه. # * * * # PageV01P051 # * الفصل الخامس # الحالة الاجتماعية في عصر الماتريدي # لا مرية في أن الأوضاع الاجتماعية في عصر من العصور تؤثر تأثيرا كبيرا في ~~أفراد المجتمع عامتهم وخاصتهم على السواء، ولعل أكثر الطبقات الاجتماعية ~~تأثرا بهذه الأوضاع هم العلماء؛ فهم أكثر اتصالا بحياة الناس وأشد اهتماما ~~بشئونهم ورغبة في معرفة مشاكلهم والقضاء عليها. # ومرادنا من دراسة الحالة الاجتماعية: بيان طبقات المجتمع من حيث: الجنس، ~~والدين، وما يربط هذه الطبقات بعضها ببعض من صلات وأواصر دينية أو اقتصادية ~~أو اجتماعية. # كما تعني دراسة الأوضاع الاجتماعية عناية فائقة بمظاهر الحياة في ~~المجتمع. # وتنتظم دراستنا للحالة الاجتماعية للفترة التاريخية التي نحن بصددها ~~مبحثين اثنين هما: # المبحث الأول: سكان الدولة العباسية. # المبحث الثاني: مظاهر الحياة الاجتماعية. # * * * # PageV01P052 # * المبحث الأول # عناصر السكان في الدولة العباسية في عصر الماتريدي # تنوع سكان الدولة العباسية تنوعا كبيرا، واختلفت عناصرهم وطبقاتهم أشد ما ~~يكون الاختلاف، وانصهرت جميعها في بوتقة المجتمع العربي الإسلامي في العصر ~~العباسي. # وهذه العناصر هي: # * 1 - # العنصر العربي: # وقد أفاضت الدولة الأموية على العرب تميزا في المكانة الاجتماعية ~~والاقتصادية، حيث آثرتهم بالمناصب السياسية وقصرتها عليهم، ونظرت بعين ~~الازدراء للعناصر الأخرى، وحرمتها من المشاركة السياسية الفاعلة. # أما الدولة العباسية فقامت على أكتاف الموالي من الفرس، وبرزت إلى الوجود ~~بفضل مناصرتهم وتأييدهم، فلا غرو أن قدمهم العباسيون وآثروهم بالمناصب ~~وأجروا عليهم الأعطيات السخية، وفي المقابل تأخر العرب وصارت منزلتهم دون ~~منزلة الفرس بكثير، وحسبك دليلا على صحة ذلك أن المعتصم " 218 - 225 ه " ~~أخرج العرب من ديوان العطاء. # ولقد عبر الجاحظ عن هذه الحالة في عبارة موجزة ms0039 فقال: # " دولة بني العباس أعجمية خراسانية، ودولة بني مروان عربية أعرابية ". # * 2 - # العنصر الفارسي: # وقد أشرنا قبل قليل إلى تميز مكانة الفرس لدى الخلفاء العباسيين، فأسندوا ~~إليهم المناصب الهامة، واعتمدوا عليهم اعتمادا كبيرا في تصريف شئون دولتهم. # وتخبرنا المصادر التاريخية أن أول من استعملهم هو الخليفة أبو جعفر ~~المنصور، فاستن بسنته في استعمالهم الخلفاء العباسيون من بعده حتى بلغ ~~نفوذهم ذروته في عهد هارون الرشيد، فكان مدبر أمر دولته آل برمك وأصولهم ~~ساسانية. # وكذلك انتصر المأمون للفرس وأدناهم إليه واعتمد عليهم في حرب أخيه ~~الأمين، فلما انتصر على أخيه وآل أمر الملك إليه بفضل نصرة الفرس له قربهم ~~أكثر، فازدادوا نفوذا وتدخلا في شئون الخلافة العباسية. # PageV01P053 # * 3 - # العنصر التركي: # ازداد نفوذ الفرس في الدولة العباسية، وأصبحوا يمثلون خطرا كبيرا على ~~سلطة الخلفاء العباسيين، فلم يجد العباسيون مناصا من الاعتماد على عنصر ~~جديد يثقون في ولائه ومناصرته لهم، فاستعان المعتصم بالعنصر التركي وأدخله ~~إلى المجتمع العباسي. غير أن هذا العنصر استبد بالأمور دون الخلفاء منذ عصر ~~المتوكل " 232 - 247 ه "، وغدا الترك أصحاب السلطان الحقيقي في الدولة، ~~والخلفاء ألعوبة في أيديهم. # * 4 - # المولدون: # نشأ نتيجة الاختلاط بين العناصر السابقة عنصر جديد لم يكن موجودا من قبل، ~~وهذا العنصر هو المولدون، وكان لهؤلاء مميزات وصفات مختلفة في أجسامهم ~~وعقولهم وأفكارهم، وأثر لا ينكر في الحياة الاجتماعية والعلمية. # * 5 - # اليهود والنصارى: # وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا قلة في المجتمع العباسي إلا أنهم تمتعوا ~~بكافة الحقوق في ظل التسامح الديني الذي دعا إليه الإسلام، فكانوا يقيمون ~~شعائرهم الدينية في حرية كاملة، ويعيشون في طوائف منفصلة عن بعضها مختلطين ~~مع المسلمين، فلم يكن لهم في المدن الإسلامية أحياء مخصصة إلا إذا آثروا ~~الحياة في أحياء خاصة بهم، فتتكون تلقائيا لهم أحياء خاصة. # طبقة الرقيق: # كثرت هذه الطبقة في المجتمع العباسي كثرة ظاهرة، فنشأت أسواق خاصة بهم في ~~بغداد، وامتلأت قصور الخلفاء والأغنياء والحكام بالجواري. كما عني ~~العباسيون بتهذيبهن وتعليمهن ضروبا من الفنون لا سيما ms0040 الشعر والغناء. # ونعم الرقيق في ظل الدولة العباسية بكافة حقوق المواطنة التي كان يتمتع ~~بها سائر طبقات المجتمع من الأحرار، وحسبك دليلا على صدق ما نقول أن كثيرا ~~من أمهات الخلفاء العباسيين كن من الرقيق. # وكان ذلك بفضل ما أرساه الإسلام من مبادئ العدل والمساواة دون تمييز بين ~~عربي وعجمي أو حر وعبد، فالكل سواء في الحقوق الإنسانية. # PageV01P054 # هذا عن العناصر السكانية في المجتمع العباسي عامة أما بلاد وراء النهر ~~-مسقط رأس الماتريدي- فإن غالبية السكان فيها كانوا من الفرس والترك، وثمة ~~طوائف عربية استوطنت هذه البلاد على أثر الفتوحات الإسلامية، فاندمجوا مع ~~سكان البلاد الأصليين، الذين دخل منهم في الإسلام من دخل، وبقي منهم على ~~دينه بقي، متمتعا في ظل الإسلام بكافة الحقوق الإنسانية. # * * * # PageV01P055 # * المبحث الثاني # مظاهر الحياة الاجتماعية # امتازت الحياة الاجتماعية في عصر الماتريدي بمظاهر عدة، لعل أبرزها: # - ظهور حركة الشعوبية. # - ظاهرة الزندقة. # - غلبة اللهو والترف على المجتمع. # * أولا: الشعوبية: # نشأت ظاهرة الشعوبية كنتيجة طبيعية للصدام السياسي والحضاري بين العرب ~~والموالي، فتعصب العرب لجنسهم واحتقروا الموالي، وتعصب الموالي -الفرس ~~والترك- لأرومتهم، ورأي الفرس أنهم ذوو سابقة في الحضارة والمدنية وأن ~~العرب طارئون على هذه الحضارة. # وغلبت هذه النزعة من العصبية على الدولة العباسية وأذكى نيرانها مساندة ~~العباسيين للموالي وتقديمهم إياهم على العرب. # وبلغت الشعوبية ذروة خطورتها في القرن الثالث الهجري، حيث نشط الفرس في ~~الهجوم على العرب والتفتيش عن مثالبهم، وتجريدهم من كل ميزة وفضيلة، وربما ~~ساعد على ذلك أن الخلفاء العباسيين لم يتعصبوا للعرب كجنس بقدر ما تعصبوا ~~للإسلام كدين يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات، ولا يرى للعرب فضلا على ~~سائر الأجناس إلا بالتقوى. # وثمة نزعات ثلاث تألفت ظاهرة الشعوبية من مجموعها: # النزعة الأولى: وتذهب إلى أن العرب خير الأمم؛ لأنهم ظلوا ينعمون ~~بالاستقلال والحرية، بالرغم من أنهم كانوا يتاخمون أكبر دولتين: الفرس ~~والروم، كما أنهم يتمتعون بصفات أخلاقية امتازوا بها عن غيرهم، كالكرم ~~والوفاء والنجدة، بالإضافة إلى أن الإسلام -وهذا هو العامل الأهم- نزل ~~بأرضهم، ورسول الله - صلى ms0041 الله عليه وسلم - منهم، وهم حاملو لواء دعوته إلى ~~الناس، فكل من أسلم ففي عنقه للعرب منة لا تقدر. # النزعة الثانية: ترى أن العرب ليسوا بأفضل الأمم، فالأمم كلها متساوية، ~~يؤيد ذلك قول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). # PageV01P056 # ويمثل هذه النزعة وينتصر لها العلماء والصالحون من العرب العجم جميعا. # النزعة الثالثة: يؤمن أصحاب هذه النزعة بأفضلية العجم على العرب، ويفندون ~~الحجج التي ارتكز عليها أصحاب النزعة الأولى في تفضيل العرب، فيقولون: إن ~~الإسلام ليس دينا عربيا أنزله الله لهداية العرب وحدهم، بل هو دين عام ~~للناس أجمعين، ودعوته موجهة لكل الأجناس، وليس للعرب ما يمتازون به عن ~~غيرهم. # وما افتخروا به من سجايا كريمة وشيم نبيلة كالكرم والوفاء والنجدة ~~وغيرها، ليست قصرا عليهم بل يشاركهم فيها سائر الأمم. # وقد أطلقت الشعوبية على هذه النزعة الأخيرة حتى غدت مرادفة لها، فصنف ~~العجم كتبا في مثالب العرب ومناقب العجم، بل تجرأ الشعوبيون فوضعوا ~~الأحاديث ونسبوها زورا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، إثباتا لفضيلة العجم. # * ثانيا: الزندقة: # لعل من الأسباب التي أدت إلى شيوع الزندقة وقوة تيارها في العصر العباسي: ~~نشاط الحركة العلمية العقلية في هذا العصر؛ إذ لم يقتصر البحث على العلوم ~~الدينية النقلية من جمع أحاديث وتفسير للقرآن، واستنباط للأحكام الشرعية، ~~بل تعداها إلى دراسة المنطق والكلام والفلسفة وغيرها من العلوم التي تثير ~~في النفس والعقل من الحيرة والشك أكثر مما تثبت فيهما من الإيمان واليقين. # وكذلك فإن كثيرا من الفرس ساءهم ألا يحققوا ما يطمحون إليه من مطامع، ~~ورأوا أن الإسلام ما دام قويا، فلن يتحقق لهم ما يرنون إليه؛ ولذلك عملوا ~~على هدم الإسلام من داخله عن طريق نشر المبادئ المانوية والزرادشتية ~~والمزدكية، فكان ذلك عاملا مباشرا أسهم في ذيوع الزندقة وانتشار أفكارها ~~الهدامة. # وتعني الزندقة اعتناق الإسلام ظاهرا، واعتناق أديان الفرس باطنا، وخاصة ~~مذهب ماني، وإنما أظهروا الإسلام رغبة في إفساده وهدم تعاليمه، أو ms0042 لنيل ~~الجاه والظفر بالسلطان. # واجتهد الخلفاء العباسيون في تعقب الزنادقة ومحاكمتهم، كما شجعوا ~~المتكلمين وأهل الجدل على تأليف الكتب للرد على الزنادقة، وأمر الخلفاء ~~بمناظرتهم واستتابتهم، فإن تابوا وإلا قتلوا. # PageV01P057 # وأوصى الخليفة المهدي ابنه وولي عهده موسى الهادي - إذا آل إليه أمر ~~الخلافة من بعده- بتعقبهم والقضاء عليهم. # واستحدث هارون الرشيد وظيفة جديدة سمى صاحبها ب " صاحب الزنادقة " مهمته ~~امتحان كل من يتهم بالزندقة ومحاكمته إن ثبتت عليه التهمة. # وذكر الطبري والمسعودي أن المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة في البصرة، ~~فبعث إليهم، وامتحنهم واحدا واحدا، وأظهر لهم صورة ماني، وأمرهم أن يتفلوا ~~عليها ويبرءوا منها، فلما أبوا أمر بهم فقتلوا. # وثمة نزعة إيمانية صادقة ظهرت كرد فعل لنزعة الإلحاد والزندقة، حيث كثر ~~العلماء المؤمنون الذين وقفوا حياتهم على خدمة الدين، والتمسك بآدابه ~~ومبادئه. وفي الحق أن هذه النزعة الإيمانية كانت هي الغالبة على المجتمع ~~العباسي؛ إذ كان الزنادقة قلة إذا قيسوا بالمؤمنين الأتقياء. # * ثالثا: حياة الترف واللهو: # تدفقت الثروة وعم الرخاء في الدولة العباسية، فانغمس كثير من الخلفاء ~~والأمراء في حياة الترف والمجون، بل أصبح الترف سمة امتازت بها حياة كثير ~~من الناس في هذا العصر، وقد تجلت مظاهر الترف واللهو في عدة أمور أبرزها: # أ - القصور المنيفة التي شيدت على أحسن طراز، فقد كانت قصور الأمراء ~~والخلفاء مضرب الأمثال في رونقها وبهائها، وفخامة بنائها واتساعها، ~~والحدائق التي تحيط بها. # ب - شاع الغناء في هذا العصر، وكثر المغنون، حيث حفلت قصور الأمراء ~~بالمغنين من الجواري، واشتهر من المغنين عدد غير قليل لعل أبرزهم إبراهيم ~~بن إسحاق الموصلي. # وحذا الأمراء والوزارء حذو خلفاء الدولة العباسية في الانغماس في حياة ~~اللهو والترف، وقد أوجدت هذه الحالة جماعة متطوعة تنكر على الفساق ببغداد، ~~وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأثمرت حياة اللهو كذلك حياة مقابلة لها ~~هي حياة الزهد التي سلكها بعض الناس. # * * * # PageV01P058 # * الفصل السادس # الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي # كان الإسلام محور الحركة العلمية وأساسها الأول حتى أواخر العصر الأموي، ~~فالعلوم التي ms0043 يتدارسها المسلمون ويعنون بتدوينها وجمع مسائلها علوم دينية ~~مادتها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وغايتها خدمة ~~الإسلام ودعم أصوله وأركانه. # فمبنى الفقه على الكتاب والسنة الصحيحة، ومدار الحديث على أقوال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأفعاله المأثورة عنه، وأساس التاريخ سيرة النبي ~~وغزواته. # أما العلوم الدنيوية: كالطب والكيمياء فحظ المسلمين من الاشتغال بها ~~قليل، واهتمامهم بها ضعيف، وأكثر من برعوا فيها واهتموا بها من غير ~~المسلمين. # أما الدولة العباسية فمعلوم لكل أحد أن الحركة العلمية نشطت في عصرها ~~نشاطا كبيرا، وتنازعت العلوم الدينية والعلوم العقلية اهتمام المسلمين ~~وعنايتهم، فكثر التدوين والتصنيف ورتبت مسائل العلوم، وميز كل علم عن غيره ~~واستقل بموضوعه ومنهجه، واستحدثت علوم جديدة كعلم التفسير والحديث وأصول ~~الفقه، وعني المسلمون بترجمة العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق والرياضيات ~~والطبيعة والكيمياء عن اليونان والهند. # فلا غرو أن أثرى هذا النشاط الحركة العلمية في عصر الدولة العباسية -عصر ~~الماتريدي- ثراء عظيما، حتى عد هذا العصر بحق العصر الذهبي للحضارة ~~الإسلامية القائمة على العلم الديني والدنيوي على سواء. # ويمكننا أن نتلمس ملامح الحركة العلمية ونقف على آثارها ونتائجها ببيان ~~أهم العلوم التي دونت في القرنين الثالث والرابع الهجريين. # * العلوم المدونة في القرنين الثالث والرابع الهجريين # وعني المسلمون منذ مطلع القرن الثالث الهجري بتدوين العلوم وجمع مسائلها ~~وترتيب أبوابها، واتسعت دائرة اهتمامهم العلمي لتشمل إلى جانب العلوم ~~الدينية العلوم العقلية، وفيما يلي نعرض بإيجاز لأبرز هذه العلوم: # * 1 - # علم القراءات: # القراءات: جمع قراءة، وهي في اللغة: مصدر سماعي لقرأ، وفي الاصطلاح: مذهب # PageV01P059 # يذهب إلى إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع ~~اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في ~~نطق هيئتها. # ونستطيع أن نقول: إن الدافع وراء اهتمام المسلمين بهذا العلم والتصنيف ~~فيه خشية جماعة القراء من أن تتأثر قراءة القرآن باللكنة الأعجمية لا سيما ~~بعد دخول الفرس في الإسلام أفواجا، ومن ثم اهتم هؤلاء بضبط القراءات ~~القرآنية وجعلوها علما كسائر العلوم. # وبرز ms0044 في علم القراءات رجال كثيرون، من أشهرهم: # * 1 - # عبد الله بن عامر بدمشق، توفي 118 ه. # * 2 - # عبد الله بن كثير بمكة (توفي: 120 ه). # * 3 - # أبو بكر عاصم بن أبي النجود بالكوفة، توفي 128 ه. # * 4 - # حمزة بن حبيب الزيات بالكوفة، توفي 156 ه. # * 5 - # أبو عمر بن العلاء المازني بالبصرة (توفي: 164 ه). # * 6 - # نافع بن أبي نافع بالمدينة (ت: 167 ه)، وأخذ عنه أبو سعيد عثمان بن سعيد ~~المصري الملقب بورش (توفي 197 ه)، وهو الذي يقرأ له أهل المغرب. # * 7 - # أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي بالكوفة، توفي 189 ه. # وهؤلاء هم المعروفون بالقراء السبعة الذين فاقوا غيرهم في الإتقان ~~والضبط، ويليهم في الشهرة: # * 8 - # أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، توفي 130 ه. # * 9 - # يعقوب بن إسحاق الحضرمي، توفي 205 ه. # * 10 - # خلف بن هشام البزار توفي 229 ه. # وقراءات ما عدا هؤلاء العشرة قراءات شاذة. # والحق أن أول من تتبع وجوه القراءات، وتقصى أنواع الشاذ منها، وبحث ~~أسانيدها وميز فيها الصحيح من الموضوع هارون بن موسى القاري، (ت: 179 ه). ~~أما أول من صنف في القراءات فهو أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 244 ه). # وخليق بنا أن نسجل في هذا المقام الملاحظة التالية، وهي أن أكثر القراء ~~وأشهرهم وأبرز من دونوا في علم القراءات قد ظهروا في العصر العباسي، وفي ~~الفترة التاريخية التي # PageV01P060 # نحن بصددها تحديدا، عصر الماتريدي. # ولا ريب أن تدوين القراءات وتأصيل مسائلها عامل مهم أورث حركة التشريع ~~الإسلامي شيئا غير قليل من القوة والازدهار. # * 2 - # علم التفسير: # سيأتي بمشيئة الله تعالى الكلام عن بيان مفهوم علم التفسير عند الحديث عن ~~التفسير ومناهج المفسرين وكذلك سيأتي الحديث عن نشأة علم التفسير وتطوره، ~~إلا أننا نقول هاهنا في عجالة سريعة إن علم التفسير نشأ في أول أمره فرعا ~~من فروع الحديث، حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسر القرآن لأصحابه ~~ويبين لهم معانيه الخافية عنهم، ثم عني الصحابة من بعده بتفسير ms0045 القرآن، ~~وأثرت عنهم آراء كثيرة في التفسير وأقوال كانت أساسا صالحا قامت عليه ~~المدارس التفسيرية فيما بعد. # وقد تطور علم التفسير في عصر التابعين، فجاءت طبقة جمعت الأقوال ~~التفسيرية المأثورة عن الصحابة والتابعين، شأنهم في ذلك شأن المحدثين، كما ~~رحل بعض العلماء لجمع روايات التفسير من الأمصار المختلفة. # ولم يلبث علم التفسير أن انفصل عن علم الحديث، في العصر العباسي، وقام ~~المفسرون بترتيب الروايات التفسيرية وفق ترتيب السور والآيات، ويذكر ابن ~~النديم: أن عمر بن بكير كان من أصحاب الفراء صاحب كتاب " معاني القرآن " ~~المتوفى سنة 207 ه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن ~~الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني ~~فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه، فقام ~~الفراء بذلك فوضع كتابا في التفسير. # ثم وضع ابن جرير الطبري بعد ذلك تفسيرا، عماده الروايات التفسيرية ~~المأثورة عن الصحابة والتابعين، بيد أنه أضاف إلى تفسيره شيئا من التفسير ~~بالرأي. # فمنذ ذلك التاريخ غدا القرآن الكريم معينا خصبا لكثير من العلوم، فعلماء ~~النحو اعتمدوا عليه في استنباط القواعد النحوية، وألفوا كتبا في إعراب ~~المشكل من آياته، وعني أهل اللغة بتفسير مفرداته وشرح معانيه، كما عول عليه ~~الفقهاء في بناء آرائهم وتأسيس مذاهبهم الفقهية، وصنفت كتب في تفسير آيات ~~الأحكام، وأخذ العلماء يفسرون القرآن، # PageV01P061 # كل بما يتفق مع رأيه، حتى علماء الكلام أولوا بعض الصفات بما يتفق مع ~~آرائهم. # * 3 - # الحديث وعلومه: # علم الحديث هو علم يشتمل على أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله ~~وتقريراته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. # ولم يدون الحديث النبوي الشريف تدوينا منظما إلا منذ مطلع القرن الثاني ~~الهجري وقبل هذا التاريخ كان الصحابة يكتبون منه ما استقامت لهم سبل ~~الكتابة وتيسرت أسبابها، غير أن تدوينهم كان تدوينا خلا من النظام ~~والترتيب. # ومن أشهر من كتب الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن ~~عمرو بن ms0046 العاص، حتى قال فيه أبو هريرة: " ما من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أحد أكثر مني حديثا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان ~~يكتب ولا أكتب ". # ثم رأى عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن يجمع حديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جمعا منظما ويدونه تدوينا مستوعبا، فكتب إلى عامله على ~~المدينة أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم: " أن انظر ما كان من حديث رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وسننه فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ~~". # ومنذ ذلك التاريخ بدأت عناية المسلمين بتدوين الحديث تقوى وتشتد، وبرز في ~~ميدان جمع الأحاديث أسماء كثيرة نذكرها بكل إجلال وتقدير، وتوزع هؤلاء على ~~الأمصار الإسلامية المختلفة: # ففي مكة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى سنة 150 ه. # وفي المدينة محمد بن إسحاق المتوفى سنة 151 ه، ومالك بن أنس المتوفى سنة ~~179 ه. # وبالبصرة الربيع بن صبيح المتوفى سنة 160 ه وحماد بن سلمة المتوفى سنة ~~176 ه. # وفي الكوفة سفيان الثوري المتوفى سنة 161 ه. # وفي الشام الأوزاعي المتوفى سنة 157 ه. # PageV01P062 # وفي اليمن معمر بن راشد المتوفى سنة 153 ه. # وفي خراسان عبد الله بن المبارك المتوفى سنة 181 ه. # وبمصر الليث بن سعد المتوفى سنة 175 ه. # وكانت طريقتهم في التدوين تعتمد على وحدة الموضوع في أبواب منفصلة يحتوي ~~كل باب على الأحاديث المتعلقة بالموضوع الواحد، فجمعت أحاديث الصلاة في ~~باب، والزكاة في باب آخر، وهكذا. # ومن أشهر هذه المصنفات موطأ الإمام مالك. # ثم جاءت طبقة أخرى من علماء الحديث انتهجت نهجا آخر، فكتبت السنة على ~~طريقة المسانيد، وأساسها وحدة الراوي وإن اختلف الموضوع، ومن أشهر المسانيد ~~مسند الإمام أحمد. # وفي القرن الثالث الهجري جاءت طبقة أخرى، وجدت أمامها ثروة عظيمة من ~~الأحاديث، فاتبعت أسلوب الانتقاء والاختيار، فألفت ما عرف بالصحاح، وأفردت ~~الحديث عن غيره من فتاوى الصحابة وأقوالهم، وفي طليعة كتب الصحاح: صحيح ~~البخاري المتوفى سنة ms0047 256 ه، وصحيح مسلم المتوفي سنة 261 ه، وحذا حذو ~~البخاري ومسلم الإمام أبو داود المتوفى سنة 275 ه، وأبو عيسى الترمذي ~~المتوفى سنة 279 ه، وابن ماجه المتوفى سنة 303 ه وغيرهم. # ووجد بجانب المحدثين فريق من العلماء توفروا على نقد رواة الحديث، وجرح ~~بعضهم وتعديل البعض الآخر، وعرفوا بعلماء الجرح والتعديل. # قال الذهبي: أول من زكى وجرح من التابعين -وإن كان قد وقع ذلك قبلهم- ~~الشعبي وابن سيرين؛ حفظ عنهما توثيق أناس وتضعيف آخرين. # وذلك لأن الصحابة كانوا عدولا، وكبار التابعين الآخذين عنهم كانوا ثقات، ~~ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف ~~إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب. # فلما مضى القرن الأول، وجاء القرن الثاني، كان من أوساط التابعين جماعة ~~من الضعفاء الذين كان ضعفهم من قبل تحملهم وضبطهم، فتراهم يرفعون الموقوف، ~~ويرسلون كثيرا، ولهم غلط كأبي هارون العبدي. # PageV01P063 # فلما كان آخر عصر التابعين -وهو حدود الخمسين ومائة- تكلم في التوثيق ~~والتضعيف أئمة. # وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى بن سعيد ~~القطان، ثم أحمد وابن معين. # قال السيوطي: يعني أنه أول من تصدى لذلك، وإلا فقد سبقهم من الصحابة ~~والتابعين من علمت. # وألف في الجرح والتعديل أئمة في الحديث. # منهم من ألف في الضعاف كالبخاري والنسائي والعقيلي والدارقطني وغيرهم. # ومنهم من ألف في الثقات كابن حبان. # ومنهم من ألف فيهما كالبخاري وابن أبي خيثمة، وابن أبي حاتم. # ومن أشهر علماء الجرح والتعديل: يحيى بن سعيد القطان المتوفى سنة 189 ه، ~~وعبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة 198 ه، ويحيى بن معين المتوفى سنة 233 ه، ~~وأحمد بن حنبل المتوفى 241 ه. # * 4 - # علم الفقه: # علم الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها ~~التفصيلية. # ظهرت فكرة كتابة بعض الأحكام الفقهية منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعصر الخلافة الراشدة، غير أننا لا نستطيع أن نقول: إن علم الفقه ظهر في ~~هذه المرحلة من تاريخ ms0048 الإسلام؛ لأن هذه الكتابات -وإن سلمنا بوجودها- لا ~~تمثل ظاهرة عامة جديرة بأن تؤسس علما مهما كعلم الفقه؛ له أصوله وقواعده، ~~وغاية الأمر أن هذه الكتابات دليل على أن مسائل علم الفقه شغلت المسلمين ~~منذ طور مبكر، وأنها كذلك إرهاص مؤذن لنشأة علم الفقه في مرحلة تالية، وإن ~~كانت هي بذاتها لا تمثل علما ولا ترقى إلى رتبته، كما نفهم نحن مصطلح العلم ~~من ضرورة أن يتاح له منهج في الدرس ومادة مجموعة ومسائل مرتبة وعلماء ~~يتوفرون عليه. # إن فكرة التدوين الفقهي المنظم وليدة القرن الثاني الهجري، حيث تدلنا ~~المصادر # PageV01P064 # التاريخية على أن فقهاء المدينة قاموا بجمع فتاوى ابن عمر وعائشة وابن ~~عباس ومن بعدهم من كبار التابعين الذين ظهروا بالمدينة. # وكذلك جمع فقهاء العراق فتاوى عبد الله بن مسعود، وقضايا علي بن أبي طالب ~~وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة. # وقد وضعت بعض المؤلفات الفقهية في هذا العصر، فقد ألف أبو حنيفة (الفقه ~~الأكبر) وإبراهيم النخعي (فتاوى الشيوخ وآراؤهم)، وغيرهما. # وكانت هذه المؤلفات تجمع بين الفقه والحديث. # وهناك من ألف من الفقه مجردا عن الحديث: كمحمد بن الحسن في كتبه الستة ~~التي جمع فيها مسائل الأصول في مذهب إمامه أبي حنيفة وهي: المبسوط، والجامع ~~الصغير، والجامع الكبير، والزيادات، والسير الصغير، والسير الكبير، ومثل: ~~المدونة التي رواها سحنون عن ابن القاسم عن الإمام مالك. # وبجانب هذين النوعين من التدوين وجد تدوين المسائل الفقهيهة مصحوبا ~~بأدلتها من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، مثل كتاب الأم الذي رواه ~~الربيع عن الإمام الشافعي. # واستمر الفقه في التطور والازدهار حتى أصبح علما قائما على سوقه. # * 5 - # علم أصول الفقه: # لم يكن استنباط الأحكام في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدر ~~الإسلام بحاجة إلى أكثر من الرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~حيانه وإلى أصحابه بعد مماته، ولكن لما بعدت الشقة بين الناس والعهد النبوي ~~احتاج المسلمون إلى وضع العلوم وتأسيس مناهجها، ومن هذه العلوم أصول الففه. # وقد أخذ الإمام الشافعي على ms0049 عاتقه مهمة جمع قواعد علم أصول الفقه ~~المبثوثة في بطون الكتب، والموجودة في سنة النبي وآثار الصحابة، ومن قبل ~~ذلك وبعده من القرآن الكريم. # والسبب الذي دفع الشافعي إلى كتابة علم أصول الفقه هو ما ذكره ابن خلدون ~~حينما # PageV01P065 # قال: " لما وجد -أي الشافعي- الخلاف والنزاع مستمرا بين فقهاء الحجاز ~~وفقهاء العراق، أو بين أهل الحديث وأهل الرأي، ووجد أن أهل الرأي على جانب ~~من قوة البحث والنظر، وأنهم أصحاب حجاج ولسن، وأهل جدال وشغب، وأنهم قد ~~أسرفوا في الطعن على أهل الحديث وأئمتهم، والحط من قدرهم وقيمتهم، والرد ~~على رأيهم ومذهبهم، ووجد كذلك أن جمهرة المحدثين، وبخاصة من كان موجودا في ~~العراق منهم على شيء غير يسير من الخمول والكسل، وضعف البحث والنظر، وفساد ~~الاستدلال والجدل، وأنهم غير قادرين -القدرة التامة- على الانتصار لمذاهبهم ~~والدفاع عن آرائهم، والرد على خصومهم، والصمود في وجوههم؛ بسبب عدم الإدراك ~~الصحيح لمباحث أصول الفقه، وسوء التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والعام ~~والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وما إلى ذلك من المباحث. # لما وجد الأمر كذلك وأدرك حقيقة ما هنالك. . وضع مؤلفا جامعا في أصول ~~الفقه، يعين على فهم حقائقه، وإدراك دقائقه، ويكون القدرة على الاستدلال ~~بأدلة الشرع، وبيان كيفية إثباتها ". # وقد تتابع العلماء بعد الشافعي في تدوين مسائل هذا العلم، من هؤلاء ~~الإمام أحمد بن حنبل الذي ألف كتاب " الناسخ والمنسوخ ". # * 6 - # تدوين علم النحو واللغة: # كان لاتساع الفتوحات الإسلامية، ودخول الكثير من العجم في الإسلام، ~~واختلاطهم بالعرب - الأثر البالغ على الملكة اللسانية العربية، فبدأ اللحن ~~يتسرب إلى اللسان العربي، فخاف العلماء أن يتعرض القرآن الكريم للتحريف أو ~~ينغلق فهمه على الناس، ومن ثم بادروا إلى وضع القواعد الضابطة للسان العربي ~~من الانحراف وهو ما اصطلح على تسميته ب " علم النحو ". # وقيل: إن أبا الأسود الدؤلي هو أول من اشتغل بعلم النحو. # وقيل: إنه تعلم أصوله عن الإمام علي، وأن سبب التفكير في وضعه هو تسرب ~~اللحن إلى القرآن الكريم، ومن ثم، وضع علم النحو. # وكانت ms0050 مدرسة البصرة هي أولى المدارس النحوية نشأة وأسبقها ظهورا، تلتها ~~مدرسة # PageV01P066 # الكوفة، وقد ألف تلاميذ المدرستين تآليف كثيرة، وتتابع الناس يكتبون في ~~هذا العلم؛ حتى انتهى الأمر إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد، ~~فهذب الصناعة، وكمل أبوابها، وأخذ عنه سيبويه، فكمل تفاريعها، واستكثر من ~~أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور. # وممن كتب في هذا الفن: الأصمعي، وأبو عبيدة، وأبو عمرو بن العلاء، وجميع ~~من ذكرت من علماء البصرة، ومن أشهر علماء الكوفة الذين كتبوا في هذا الفن: ~~الكسائي والفراء. # وكما تسرب اللحن إلى تركيب الجملة تسرب أيضا إلى الألفاظ، فاستعمل كثير ~~من كلام العرب في غير موضعه، ومن ثم وجدت الحاجة إلى معاجم تحفظ المفردات ~~اللغوية، حتى لا تندرس، فيترتب على ذلك جهل بالقرآن والحديث. # ولذلك شمر علماء اللغة عن سواعدهم، وبدءوا يجمعون الكلمات العربية، ~~ويحددون معانيها، فرحلوا إلى البادية واستقوا اللغة من منابعها الأولى، كما ~~أخذوا عن عرب البدو الذين وفدوا إلى الحضر، وكان من أهم مصادرهم: القرآن ~~الكريم، والشعر العربي الجاهلي والإسلامي الموثوق به. # وقد تم جمع اللغة على مراحل ثلاث: # المرحلة الأولى: جمع المفردات كيفما اتفق. # المرحلة الثانية: جمعت فيها الكلمات المتقاربة نوعا من التقارب، أو ما ~~لها موضع واحد. # المرحلة الثالثة: جمع المعاجم، وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري حين ~~وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي منهج كتاب العين الذي حصر فيه مركبات حروف ~~المعجم كلها من الثنائي، والثلاثي، والرباعي، والخماسي، ورتب أبوابه على ~~حروف المعجم بالترتيب المتعارف عليه، واعتمد فيه على ترتيب المخارج، فبدأ ~~بحروف الحلق ثم ما بعده حتى وصل إلى الحروف الشفوية، وجعل أحرف العلة آخرا، ~~وبدأ من حروف الحلق بالعين؛ ولذلك سمى كتابه ب " العين ". # PageV01P067 # وفي القرن الثالث الهجري انتشرت المعاجم الواسعة التي سار فيها أصحابها ~~على طريقة الخليل بن أحمد من حيث ترتيب حروف المعجم على المخارج الصوتية ~~والابتداء بحروف الحلق، ثم انتشرت المعاجم بعد ذلك في القرون التالية ~~مصطنعة مناهج جديدة أكثر تيسيرا، وموجود بين أيدينا الكثير منها الآن. # * 7 ms0051 - # الأدب: # تطور الأدب كثيرا في العصر العباسي، وبخاصة الشعر؛ حيث وجد شعراء مجددون ~~في معاني القصيدة وديباجتها كأبي تمام؛ مما أدى إلى وجود نهضة أدبية وشعرية ~~يمكن أن يقال عنها: إنها فاقت العصور السابقة. # ولم ينل الأدب العناية في جمعه وتأليفه مثلما نالت اللغة، فقد كان جمع ~~الأدب والشعر في العصور الإسلامية الأولى قائما على الانتقاء والاختيار لا ~~الاستقصاء والشمولية؛ ولعل السبب في ذلك أنه لا يستطيع فرد أو أفراد أن ~~يقوموا بذلك. # وقد دون عدد من الكتب في الأدب ونقده في العصر العباسي؛ ككتابي أدب ~~الكاتب، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين ~~للجاحظ، والنوادر لأبي علي القالي، وتعتبر هذه الكتب أركانا في الأدب ~~وعلومه. # * 8 - # التاريخ والجغرافيا: # كان الاعتماد في التاريخ -في بادئ الأمر- على السماع، فكان العرب ~~يتناقلون أخبارهم وسير أجدادهم شفويا، ولكن لما جاء القرن الثاني الهجري ~~أخذ البحث في التاريخ وتدوينه يأخذ جانبا من اهتمام العلماء، وانصرف اهتمام ~~المؤرخين في أول الأمر إلى السيرة النبوية، فكتب ابن إسحاق سيرة الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في منتصف القرن الثاني الهجري، وفي أواخر ~~هذا القرن وضع هشام بن محمد الكلبي والواقدي كثيرا من المصنفات والرسائل ~~التاريخية شملت العصور المختلفة، ثم جاء ابن هشام أواخر هذا القرن وبداية ~~القرن الثالث فكتب سيرته الشهيرة المتناقلة بين الناس. # وفي القرن الثالث تطور التاريخ تطورا كبيرا، فوجدت المصنفات الكبيرة، ~~واتسعت # PageV01P068 # مادته باتساع حوادث الدولة الإسلامية، فوجدت مؤلفات في الحوادث، ومؤلفات ~~في الأنساب، ومؤلفات في تاريخ الأمم والملوك، ومؤلفات في تاريخ الأديان: ~~كاليهودية، والنصرانية، ومؤلفات في التراجم. # ومن أشهر المؤلفات في القرن الثالث: كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد ~~المتوفي سنة 230 ه، وكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة المتوفي سنة 276 ه، ~~وكتاب فتوح البلدان للبلازدي المتوفي سنة 279 ه، وكتاب الأخبار الطوال لأبي ~~حنيفة الدينوري المتوفي سنة 282 ه، وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري ~~المتوفي سنة 310 ه. # ومعنى هذا أن القرن الثالث الهجري شهد نهضة في علم التاريخ ms0052 لم تشهدها ~~القرون السابقة وربما القرون اللاحقة؛ حيث الاعتماد على هذه المصنفات ~~والمؤلفات في الغالب الأعم. # أما في مجال الجغرافيا فقد بدأ التدوين فيه متأخرا عن التاريخ، ويعتبر ~~أبو القاسم عبيد الله بن خرداذبة الذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث ~~الهجري، وهو فارسي الأصل - يعتبر من أقدم علماء الجغرافيا، وقد ألف كتاب: ~~المسالك والممالك. ثم تلاه اليعقوبي المتوفي سنة 282 ه، وألف في ذلك كتاب: ~~البلدان. # * 9 - # علم الطب: # كان لاختلاط العرب بالعجم أثر في تنمية المعارف، وبخاصة بعد عملية ~~الترجمة التي ازدهرت في عصر الخليفة المأمون، ومن العلوم التي نقلها ~~المسلمون عن الأمم الأخرى بفضل حركة الترجمة، علم الطب، فنبغ عدد غير قليل ~~من الأطباء في عصر الرشيد، والمأمون، والمعتصم، وبخاصة عصر الواثق، وكانت ~~مهنة الطلب يزاولها في بداية الأمر غير المسلمين من اليهود والنصارى ~~وغيرهم، فاشتهر عصر الرشيد بختيشوع المتوفى سنة 244 ه، وفي عهد المعتصم ~~يحيى بن ماسويه المتوفى سنة 242 ه. # وفي عهد الواثق بدأ التأليف الفعلي لعلم الطب، فقد طلب من حنين بن إسحاق ~~المتوفي سنة 270 ه وضع كتاب في الطب، فألف كتابا ذكر فيه الفرق بين الغذاء ~~والدواء وغيرها من المسائل الطبية. ثم بدأت المصنفات تترى بعد ذلك، وبنيت ~~المستشفيات في بغداد وغيرها. # PageV01P069 # * الباب الثاني # ترجمة الماتريدي # ويشتمل على عدة فصول: # * الفصل الأول: اسمه ولقبه وكنيته ونسبه ومولده ووفاته. # الفصل الثاني: البيئة التي نشأ فيها الماتريدي. # الفصل الثالث: شيوخه وأقرانه وتلاميذه. # الفصل الرابع: قيمة الماتريدي العلمية. # PageV01P071 # * الفصل الأول # اسمه ولقبه وكنيته ونسبه ومولده ووفاته # اسمه وكنيته: # الماتريدي هو: محمد بن محمد بن محمود بن محمد أبو منصور الماتريدي. # وأصل نسبته: ماتريت أو ماتريد وهي محلة من سمرقند، وأحيانا تضاف نسبته ~~إلى سمرقند، فيقال: أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، ~~وكنيته: أبو منصور. # ألقابه: # لقب الماتريدي بألقاب كثيرة نذكر منها: " إمام الهدى "، و " إمام ~~المتكلمين "، و " مصحح عقائد المسلمين "، و " رئيس أهل السنة "، وهي ألقاب ~~تومئ إلى ما له ms0053 من مكانة مرموقة في نفوس مؤرخيه على قلتهم، كما تدل على ~~منزلته العلمية الممتازة بين أصحابه. # نسبه: # قيل: إن نسب الماتريدي يرجع إلى أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، ~~وهذه النسبة تشريف له، ودليل على علو قدر أسرته وشرف نسبه؛ إذ إنها تنتهى ~~إلى أبي أيوب الأنصاري، وهو الذي نزل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين هاجر إلى المدينة. # لهذا يذكره البياضي فيقول: الإمام أبو منصور محمد بن محمد بن محمود ~~الماتريدي الأنصاري. # وترجح هذه النسبة لدينا؛ لأن أحد شيوخ الماتريدي وهو أبو نصر العياضي من ~~نسل ابن عبادة الأنصاري، وكذلك جاء في كتاب السمعاني أن أم القاضي الإمام ~~أبي الحسن # PageV01P073 # علي بن الحسن وهو من سلالة أبي أيوب الأنصاري كانت بنت الإمام أبي منصور ~~الماتريدي، ولا شك أن شرفاء العرب كانوا يراعون الكفاءة في الزواج في ~~البلاد النائية. # والحقيقة أن كتب التراجم لا تعطينا شيئا عن أسرة الماتريدي غير ما ذكره ~~الدكتور خليف في مقدمة تحقيق كتاب التوحيد للماتريدي، فقد ذكر أن الأستاذ " ~~تربتون " ذهب إلى أن مؤلف كتاب " نقض المبتدعة عن السواد الأعظم على طريقة ~~الإمام أبي حنيفة " - هو أبو القاسم إسحاق بن محمد الماتريدي (342 ه) وربما ~~يكون شقيق الماتريدي، وأنه تتلمذ على يد الإمام المانريدي، ولا يستبعد ~~الدكتور خليف أن يكون تتلمذ على يده، لكنه يستبعد أن يكون شقيقه، ويرى أن ~~المقصود هو القاضي أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحكيم ~~السمرقندي. # ولعل الذي ذهب إليه الدكتور خليف هو الأقرب إلى الصواب؛ إذ إن المؤرخين ~~لا يذكرون شيئا عن هذه القرابة، ولا يعني مجرد الاشتراك في النسبة ~~(الماتريدي) أنهما شقيقان؛ لأنها نسبة إلى الموطن وليست إلى العائلة أو ~~القبيلة، ولقد عرف أكثر من شخص بالماتريدي، مثل القاضي الماتريدي الحسين ~~الذي كان رفيقا لأبي شجاع وإليه انتهت رئاسة أصحاب الإمام. # إذن فالباحث عن أسرة الماتريدي يجد صعوبة بالغة، وقد لا يهتدي إلى شيء ذي ~~قيمة؛ نظرا لإهمال المصادر التاريخية لذلك وسكوتها ms0054 عنه. # مولده: # لم تذكر المصادر التاريخية شيئا نطمئن إليه عن تاريخ مولد الماتريدي، ~~ولكن نستطيع أن نتلمس مولده في العقد الرابع من القرن الثالث الهجري، وعلى ~~وجه التحديد في عهد المتوكل (232 - 247 ه)، وبهذا يكون مولده متقدما على ~~مولد أبي الحسن الأشعري ببضع وعشرين سنة على الأقل؛ إذ ولد الأشعري سنة 260 ~~ه، وقيل: سنة 270 ه. # ويرجح كون مولده في عهد المتوكل أن هناك شيخين من شيوخه هما: محمد بن # PageV01P074 # مقاتل الرازي، ونصير بن يحيى البلخي، مات الأول منهما سنة 248 ه، وتوفي ~~الثاني سنة 268 ه؛ أضف إلى هذا أن من أقرانه من توفي سنة 268 ه وهو محمد بن ~~عبد الله بن المغيرة بن عمرو الأزدي. # ويعني هذا أن الماتريدي قد ولد قبل عام 248 ه بوقت يسمح له بتلقي العلم ~~عن شيخه الذي مات في تلك السنة. # ومن خلال ما سبق يمكننا القول: إن الماتريدي قد يكون ولد في العقد الرابع ~~من القرن الثالث الهجري، أي ما بين سنة 233 ه وحتى سنة 240 ه؛ لأنه كما سبق ~~أن قررنا منذ قليل -اعتمادا على رواية وفيات الأعيان- أنه ولد قبل الأشعري ~~ببضع وعشرين سنة، وقيل في إحدى الروايات: إن الأشعري ولد سنة 260 ه، وبضم ~~هذه الرواية إلى الرواية الأخرى التي ذكرت أن وفاة شيخه محمد بن مقاتل كانت ~~سنة 248 ه يتبين لنا صحة ما ذهبنا إليه، فقد يكون سنه على أقصى تقدير يوم ~~وفاة شيخه خمسة عشر عاما، وعلى أدنى تقدير ثماني سنوات، ولا يعقل أن يكون ~~الماتريدي قد بدأ في تلقي العلم قبل الثامنة من عمره؛ لأنه وقتها يكون ~~صغيرا جدا، وعلى فرض صحة ذلك فإنه لا يكون على أيدي الشيوخ الكبار أمثال ~~الشيخ محمد بن مقاتل، بل يكون على أيدي شيوخ صغار؛ حيث يبدأ الطفل في حفظ ~~القرآن الكريم أولا، وشيئا من الحديث والشعر العربي، وعلى أقصى تقدير بعض ~~مبادئ العلوم. # وفاة الماتريدي وضريحه: # اتفقت معظم كتب التراجم على أن الماتريدي توفي ms0055 سنة ثلاث وثلاثين ~~وثلاثمائة بعد الهجرة، بينما ذكر صاحب كشف الظنون أنه توفي سنة اثنتين ~~وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ويقطع بهذا بعض المؤرخين المحدثين، أما طاش ~~كبرى زاده فيذكر أنه مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ولكن الصحيح ~~المشهور هو الأول وهو ما أجمع عليه أصحاب الطبقات، وهو سنة ثلاث وثلاثين ~~وثلاثمائة. # PageV01P075 # * الفصل الثاني # البيئة التي نشأ فيها الماتريدي # عرفنا في الفصل السابق أن الماتريدي قد يكون ولد في العقد الرابع من ~~القرن الثالث الهجري، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، ومعنى ~~هذا أن الماتريدي عاش في الفترة ما بين أواخر النصف الأول من القرن الثالث ~~والنصف الأول من القرن الرابع، وكان ذلك في مدينة سمرقند التي تقع في إطار ~~الدولة السامانية، والتي أشرنا إلى طرف من تاريخها في الفصل الثالث من ~~الباب الأول، وقد رأينا أن نتمم ذلك بهذه الدراسة الموجزة لمدينة سمرقند ~~التي نشأ فيها الماتريدي. # تاريخ سمرقند: # وسمرقند -بفتح السين والميم- ويقال لها: سمران: بلد معروف مشهور، قيل: ~~إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر. # قال أبو عون: سمرقند في الإقليم الرابع، طولها تسع وثمانون درجة ونصف، ~~وعرضها ست وثلاثون درجة ونصف. # وقال الأزهري: بناها شمر أبو كرب، فسميت شمر كنت، فعربت فقيل: سمرقند. # وقيل: إن سمرقند من بناء الإسكندر، واستدارة حائطها اثنا عشر فرسخا، ~~وفيها بساتين ومزارع وأرجاء، ولها اثنا عشر بابا، من الباب إلى الباب فرسخ، ~~وعلى السور آزاج، وأبرجة للحرب، والأبواب الاثنا عشر من حديد، وبين كل ~~بابين منزل للنواب، فإذا جزت المزارع صرت إلى الربض، وفيه أبنية وأسواق. # صفة سمرقند: # وأيا من كان الذي بني مدينة سمرقند، فإنها مدينة عظيمة، من أعظم مدن ~~أوزبكستان في الاتحاد السوفيتي سابقا، وهي بلد ثري جليل عتيق، ومصر بهي ~~رشيق، رضي كثير الرقيق، وماء غزير بنهر عميق، بناء قوي سني وثيق، ودرس كثير ~~لأهل الفريق، وعيش هنيء إليها الطريق، وحمل المتاع من كل فج عميق، وعلوم ~~كثيرة وصدر نفيق، وخيل ورجال ومال دقيق، ذو رساتيق ms0056 جليلة ومدن نفيسة وأشجار ~~وأنهار، وتجار، في الصيف # PageV01P076 # جنة، أهل جماعة وسنة، ومعروف وصدقة، وحزم وهمة، غير أن في أهلها وهوائها ~~بردا، جفاة مع الغرباء، بلية في الشتاء، يشغبون على الأمراء، وفيهم نفخ ~~وعجب ومراء، جيدة الجواري ردية الغلمان. # وليس غريبا أن تكون سمرقند بهذا الوصف، فقد ذكر أنس بن مالك - رضي الله ~~عنه - أن مدينة خلف نهر جيحون تدعى سمرقند، ثم قال: لا تقولوا: سمرقند، ~~ولكن قولوا: المدينة المحفوظة، فقال أناس: يا أبا حمزة ما حفظها؟ فقال: ~~أخبرني حبيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مدينة بخراسان خلف النهر ~~تدعى المحفوظة، لها أبواب على كل باب منها خمسة آلاف ملك يحفظونها يسبحون ~~ويهللون، وفوق المدينة خمسة آلاف ملك يبسطون أجنحتهم على أن يحفظوا أهلها، ~~ومن فوقهم ملك له ألف رأس وألف فم وألف لسان ينادي: يا دائم، يا دائم، يا ~~الله يا صمد، احفظ هذه المدينة، وخلف المدينة روضة من رياض الجنة وخارج ~~المدينة ماء حلو عذب، من شرب منه شرب من ماء الجنة، ومن اغتسل فيه خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخارج المدينة على ثلاث فراسخ ملائكة يطوفون يحرسون ~~رساتيقها، ويدعون الله بالذكر لهم، وخلف هؤلاء الملائكة واد فيه حيات وحية ~~تخرج على صفة الآدميين، تنادي يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، ارحم هذه ~~المدينة المحفوظة، ومن تعبد فيها ليلة تقبل الله منه عبادة سبعين سنة، ومن ~~صام فيها يوما فكأنما صام الدهر، ومن أطعم فيها مسكينا لا يدخل منزله فقر ~~أبدا، ومن مات في هذه المدينة فكأنما مات في السماء السابعة ويحشر يوم ~~القيامة مع الملائكة في الجنة. # وزاد حذيفة بن اليمان في رواية: ومن خلفها قرية يقال لها: قطوان يبعث ~~منها سبعون ألف شهيد كل شهيد منهم في سبعين من أهل بيته. # وهذا الحديث في كتاب الأفانين للسمعاني، بيد أني لم أعثر له على إسناد ~~ولم أجده في كتب الحديث المعتمدة. # وللحق فقد كثر الواصفون لسمرقند حتى لقد استهوت الشعراء واستحفزت ~~قريحتهم، منهم أحد ظرفاء ms0057 العراق الذي كتب: # وليس اختياري سمرقند محلة ... ودار مقام لا اختيار ولا رضا # PageV01P077 # ولكن قلبي حل فيها فعاقني ... وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا # وإني لممن يرقب الدهر راجيا ... ليوم سرور غير مغرى بما مضى # وقال البستي: # للناس في أخراهم جنة ... وجنة الدنيا سمرقند # يا من يسوي أرض بلخ بها ... هل يستوي الحنظل والقند # دخول الإسلام سمرقند: # وأول من دخل سمرقند من المسلمين وفتحها هو سعيد بن عثمان عندما ولي ~~خراسان من جهة معاوية سنة خمس وخمسين من الهجرة، فقد عبر النهر ونزل عليها ~~محاصرا، لكنه تركها، ومن ثم قال يزيد بن مفرغ يمدح سعيد بن عثمان وكان قد ~~فتحها: # لهفي على الأمر الذي ... كانت عواقبه الندامه # تركي سعيدا ذا الندى ... والبيت ترفعه الدعامه # فتحت سمرقند له ... وبنى بعرصتها خيامه # وتبعت عبد بني علا ... ج تلك أشراط القيامه # وفي سنة سبع وثمانين من الهجرة عبر قتيبة بن مسلم الباهلي النهر وغزا ~~بخارى والشاش ونزل على سمرقند، وهي غزوته الأولى، ثم غزا ما وراء النهر عدة ~~غزوات في سنين سبع، وصالح أهلها على أن له ما في بيوت النيران وحلية ~~الأصنام، فأخرجت إليه الأصنام وأمر بتحريقها، فقال سدنتها: إن فيها أصناما ~~من أحرقها هلك، فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، وأخذ شعلة نار وأحرقها، ~~فاضطرمت، فوجد بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب خمسين ألف مثقال. # ويمكن أن نقول: إن الماتريدي عاش في عصر الدولة السامانية التي وليت ~~سمرقند ما بين 261 - 389 ه، وكان ملوكها أحسن الملوك سيرة وإجلالا للعلم ~~وأهله كما أشرنا من قبل. # لقد نشأ الماتريدي في هذه المدينة التي تتمتع بخصائص ومميزات، سواء من ~~ناحية طبيعتها، أو أهلها، أو حتى حكامها، وهذه أمور تساعد على تحصيل العلم ~~والبروز فيه، # PageV01P078 # وقد استفاد الماتريدي من مميزات نشأته في هذه البيئة فبرز في علوم شتى، ~~أهمها: العقيدة، والتفسير فكان واحد عصره إمام دهره. # موقع سمرقند الجغرافي وحدودها: # تقع سمرقند في القارة الآسيوية، وكانت عاصمة لبلاد الصغد فيما وراء ~~النهر، وتقع خلف نهر ms0058 جيحون على الضفة الجنوبية منه، وتقع بخارى على الضفاف ~~السفلى من هذا النهر، ويتبع سمرقند مدن: كرمانة، ودبوسية، وأشروسنة، ~~والشاس، وتخسانجكث. # ولها حصن استدارة حائطه اثنا عشر فرسخا في أعلاه أبرجة للحرب، وكان لها ~~أربعة أبواب: باب مما يلي المشرق يعرف بباب الصين، مرتفع من جهة الأرض، ~~ينزل إليه بدرج مطل على وادي الصغد، وباب مما يلي المغرب ويعرف بباب ~~النوبهار، وباب مما يلي الشمال يعرف بباب بخارى، وباب مما يلي الجنوب يعرف ~~بباب كش. # سمرقند إداريا: # خضعت سمرقند بعد الفتح الإسلامي لحكم الدولة الأموية، ولما سقطت الدولة ~~الأموية صارت إلى الدولة العباسية، حتى جاء عصر الدويلات، فتبادلت عليها ~~ممالك عدة، حتى خضعت لحكم السلاجقة كسائر بلاد ما وراء النهر، ثم خضعت ~~للمغول حتى أجلتها الروس بعد غزوها عام 1875 م، فأصبحت خاضعة من الناحية ~~الإدارية للاتحاد السوفيتي سابقا، وهي الآن أصبحت تابعة لجمهورية ~~أوزبكستان. # الحركة الثقافية في سمرقند: # تمتعت سمرقند بمكانة علمية وثقافية مرموقة، فقد خرج منها علماء أفذاذ في ~~تاريخ الإسلام، كانت لهم بصمتهم الواضحة في الفكر الإسلامي، بل والإنساني، ~~من أمثال: البخاري، ومسلم، وأبي زيد الدبوسي، وآل البزدوي، والكاساني، وعبد ~~الله النسفي، وأبي الحسن الكرخي، والجصاص الرازي، وأبي بكر الشاشي وغيرهم ~~من قادة الفكر الإسلامي، ممن لا يتسع المقام لذكرهم. # هذه هي البيئة التي نشأ فيها الماتريدي، وهي بيئة -من غير شك- تساعد على ~~مدارسة العلم وتحصيله والنبوغ فيه، ولقد كان لها أكبر الأثر في نبوغ صاحبنا ~~الماتريدي. # PageV01P079 # * الفصل الثالث # شيوخه وتلاميذه وأقرانه # أولا: شيوخه: # إن المصادر التي تحدثت عن هذا الإمام في تلقيه للعلوم والمعارف إنما ~~تحدثت عن الصلة القوية بمدرسة الرأي، تلك المدرسة التي تتصل حلقاتها ~~وتأثرها بالإمام المبجل أبي حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي ~~المولود سنة ثمانين في حياة بعض الصحابة، تلقى علومه على عطاء بن أبي رباح ~~والشعبي والأعرج وابن دينار وخلق كثير، قال فيه الإمام الشافعي: الناس في ~~الفقه عيال على أبي حنيفة، وقال علي بن عاصم: لو وزن علم ms0059 الإمام أبي حنيفة ~~بعلم أهل زمانه لرجح عليهم، وتوفي شهيدا سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة. # ولقد تتلمذ الشيخ أبو منصور الماتريدي على يد علماء كبار، ذكرت منهم كتب ~~التراجم أربعة علماء يحتلون مكانة بارزة بين أعلام الفقه الحنفي وبين علماء ~~زمانهم وهم: # * 1 - # أبو نصر العياضي: # أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن ~~يحيى ابن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الفقيه السمرقندي. # قال في الجواهر المضية عن أبي منصور الماتريدي: تخرج بأبي نصر العياضي، ~~وأبو نصر العياضي ينتسب إلى الأنصار الذين ينتسب إليهم الماتريدي، وهو من ~~أهل العلم والجهاد، لم يكن يضاهيه لعلمه وورعه وجلادته وشهامته أحد، استشهد ~~وخلف أربعين رجلا من أصحابه كانوا من أقران الماتريدي، وله ولدان فقيهان ~~فاضلان: أبو بكر محمد، وأبو أحمد. # PageV01P080 # وذكره أبو المعين النسفي ب في كتابه " التبصرة " قائلا: كان أبو نصر ~~العياضي يحرص أشد الحرص على جهاد أعداء الله الكفرة، وكان من أشجع أهل ~~زمانه وأربطهم جأشا وأشدهم شكيمة، وكان في العلم بحرا لا يدرك قعره، أما في ~~الفروع والأصول فلا يدانيه غيره، ومن نظر في كتابه المصنف، في مسألة ~~الصفات، وما أتى فيه من الدلائل على صحة قول أهل الحق وبطلان قول المعتزلة ~~عرف تبحره في ذلك. # وقال أبو القاسم الحكيم السمرقندي: ما أتى الفقيه أبا نصر العياضي أحد من ~~أهل البدع والأهواء، وأولى الجدال والمراء في الدين بآية من القرآن يحتج ~~بها عليه لمذهبه - إلا تلقاها أبونصر العياضي مبتدئا بما يفحمه ويقطعه. # وقد تفقه أبو نصر العياضي على الإمام أبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، ~~تلميذ سليمان بن موسى الجوزجاني، وتفقه عليه جماعة منهم ولداه. # * 2 - # أبو بكر أحمد الجوزجاني: # الجوزجاني من رجال القرن الثالث الهجري، روى عنه أبو منصور الماتريدي، ~~وقد تتلمذ أبو بكر أحمد الجوزجاني على أبي سليمان الجوزجاني، وكان في أنواع ~~العلوم في الذروة العالية، ومن مصنفاته: (الفروق)، و (التمييز)، و (التوبة) ~~وغيرها. # * 3 - # محمد بن ms0060 مقاتل الرازي: # محمد بن مقاتل هو قاضي الري، روي عن أبي مطيع، وقال الذهبي: إنه حدث عن ~~وكيع وطبقته. # وقيل: تفقه على أبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. # * 4 - # نصير بن يحيى البلخي: # وقد تفقه على الإمام أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وأبي مطيع ~~الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي. # ونظرة عامة إلى شيوخ الماتريدي تبين لنا أنهم جميعا يرجعون في علمهم إلى ~~الإمام أبي حنيفة، فأبو بكر الجوزجاني ونصير البلخي تفقها على الإمام ~~سليمان بن موسى بن # PageV01P081 # سليمان الجوزجاني الذي تفقه بدوره على أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ~~تلميذي أبي حنيفة، كما أن محمد بن مقاتل الرازي ونصيرا البلخي قد تفقها على ~~الإمامين: أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص بن سلم ~~السمرقندي اللذين تفقها على الإمام أبي حنيفة، وأخذ محمد بن مقاتل أيضا عن ~~محمد بن الحسن. # ويدلنا ذلك على أن أساتذة الماتريدي وشيوخه يتبعون في الفقه مذهب أبي ~~حنيفة، ومن ثم فهو يعتبر متخرجا من مدرسة أبي حنيفة وعلى يد أعلام المذهب ~~الحنفي، ولا أدل على ذلك من أنه كان يتبع المذهب الحنفي في الفقه، وبلغ فيه ~~شأوا عظيما بين أقرانه. # وفيما يلي نبين في عجالة أبرز الصلات بين أبي حنيفة والماتريدي، وهي صلات ~~علمية ومذهبية وكلامية. # وأول هذه الصلات ما نراه عند الماتريدي من آراء أبي حنيفة الكلامية، فقد ~~كان لأبي حنيفة آراء كلامية، فلقد روي عنه في علم الكلام موقفان: # الأول: يروى أن أبا حنيفة نظر في علم الكلام في مبدأ طلبه للعلم، وبلغ في ~~معرفة أصوله ومذاهبه مبلغا عظيما حتى غدا يشار إليه بالبنان، فمضى عليه زمن ~~يخاصم عنه ويناضل؛ حتى دخل البصرة؛ لأن أكثر الفرق بها، وأخذ ينازع تلك ~~الفرق؛ لأنه كان يعد الكلام أرفع العلوم وأفضلها؛ لكونه في أصول الدين. # أما الموقف الثاني: فيتمثل في انصراف الإمام أبي حنيفة عن الكلام ~~وانشغاله بالفقه الذي ذاع صيته فيه، واشتهر به، ولقد ذكر عنه ms0061 أنه نهى عن ~~الخوض في علم الكلام والاشتغال به، وأنه ذكر أن الصحابة والتابعين لم ~~يكونوا يشتغلون بعلم الكلام مع أنهم عليه أقدر وبه أعرف، بل نهوا عنه أشد ~~النهي، ولم يخوضوا إلا في الشرائع وأبواب الفقه وتعليم الناس، ومن ثم انصرف ~~أبو حنيفة عن الكلام إلى الفقه. # ويمكن القول: إن الماتريدي قد استفاد من آراء أبي حنيفة الكلامية التي ~~دونها في رسائله: كالفقه الأكبر، والفقه الأوسط، والعالم والمتعلم، ورسالته ~~إلى أبي مسلم، وهي رسائل صغيرة، اشتملت -وخاصة رسالة الفقه الأكبر- على ~~بيان عقيدة أهل التوحيد، وما يصح الاعتقاد عليه، وبعض الأدلة لبعض القضايا ~~الكلامية، ونفي الإرجاء. # PageV01P082 # ولا يغيب عنا في هذا المقام مناظرات أبي حنيفة مع المخالفين في العقيدة. # ولما انصرف أبو حنيفة إلى الفقه استفاد منه الماتريدي أيضا، غير أن هناك ~~قضايا كلامية كثيرة نشبت ولم يبد أبو حنيفة فيها رأيا أو جاءت بعد عصره، ~~فخاض فيها الماتريدي ونقد آراء المخالفين، وعالج قضايا لم تكن موجودة مثل ~~قضية المعرفة، كما كتب بحثا تفصيليا عن الصفات وإثبات التوحيد، واستخدام ~~العقل في ذلك، كذلك كان علم الكلام غير مقبول عند أهل السنة قبل الماتريدي، ~~فجاء الماتريدي وأسس منه علما قائما على سوقه يلقى تأييدا ويجد قبولا لدى ~~علماء أهل السنة. # وخلاصة القول: إنه إذا كان يرجع لأبي حنيفة الفضل في القيام بأول محاولة ~~لإقامة مذهب كلامي على اعتقاد أهل السنة، فإن للماتريدي فضل إقامة مذهب ~~متكامل أيده بالحجة والبرهان للتعبير عن اعتقاد أهل السنة، ولكن يبقى ~~الماتريدي منتسبا إلى أبي حنيفة ومدرسته. # ثانيا: تلاميذه: # قد تتلمذ على يد الشيخ أبي منصور الماتريدي كثيرون، صاروا شيوخا وعلماء ~~كبارا، وأسهموا في نهضة الحياة الفكرية والثقافية والعلمية في العالم ~~الإسلامي. # ومن هؤلاء الذين تخرجوا بأبي منصور الماتريدي: # * 1 - # إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد، أبو القاسم القاضي الحكيم ~~السمرقندي. # قال عنه أبو سعد السمعاني: روى عن عبد الله بن سهل الزاهد، وعمرو بن عاصم ~~المروزي، وتفقه بأبي منصور الماتريدي. # وقد تولى ms0062 إسحاق قضاء سمرقند أياما طويلة، وحمدت سيرته، ولقب ب " الحكيم ~~"؛ لكثرة حكمته ومواعظه. # وروي عنه عبد الكريم بن محمد الفقيه السمرقندي في جماعة. # وقد توفي - رحمه الله - في شهر المحرم يوم عاشوراء، سنة اثنتين وأربعين ~~وثلاثمائة # PageV01P083 # بسمرقند، ودفن بها. # وذكر صاحب الطبقات السنية آخر يسمى إسحاق بن محمد أبو القاسم المعروف ب " ~~الحكيم السمرقندي "، ثم قال: أخذ عن الماتريدي الفقه والكلام، ثم قال: ذكره ~~في الجواهر، وقال: أظنه الذي قبله. # والراجح أنهما شخص واحد؛ لأمرين: # الأول: تطابق الاسمين. # الثاني: أن الشيخ المأخوذ عنه في كلتا الحالتين هو الماتريدي. # وقد جمع صاحب الفوائد البهية في ترجمة الحكيم السمرقندي بين ما ورد فيها ~~في الجواهر المضية وما جاء في الطبقات. # * 2 - # عبد الكريم بن موسى بن عيسى أبو محمد الفقيه البزدوي النسفي. قال عنه في ~~الطبقات: تفقه على الإمام أبي منصور الماتريدي، وسمع من منصور أبي طلحة ~~البزدوي صاحب البخاري، وبالبصرة من أبي علي اللؤلؤي، وحدث، وكان زاهدا ~~مفتيا، روي عنه أهل سمرقند. # وقد توفي - رحمه الله - في شهر رمضان سنة تسعين وثلاثمائة. # * 3 - # أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري: # قال عنه في الجواهر: صاحب أبي القاسم إسحاق بن محمد المعروف ب " الحكيم ~~"، وأستاذهما أبو منصور الماتريدي، وعنه أخذ علم الكلام والفقه. ولم نعرف ~~له سنة وفاة. # ثالثا - أقرانه: # ومن أقران الماتريدي الذين صاحبوه في أثناء رحلته لطلب العلم وزاملوه: # * 1 - # علي بن سعيد، أبو الحسن الرستغفني، وهو من كبار مشايخ سمرقند، ومن # PageV01P084 # أصحاب الماتريدي الكبار، وله ذكر في الفقه والأصول في كتب أهل الطبقات، ~~وهو منسوب إلى إحدى قرى سمرقند. # ولعلي بن سعيد عدة مؤلفات، منها: " إرشاد المهتدي "، و " الزوائد ~~والفوائد ". # وقد وقع خلاف بينه وبين الماتريدي حول مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة ~~الحق: فهو عند أبي منصور يكون مخطئا في الاجتهاد، وعند أبي الحسن يكون ~~مصيبا فيه. # * 2 - # محمد بن أسلم بن مسلمة بن عبد الله بن المغيرة بن عمرو بن عوف الأزدي، ~~وكنيته: أبو عبد الله، ولي ms0063 قضاء سمرقند في أيام نصر بن أحمد بن أسد بن ~~سامان الكبير. # وقد توفي في شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستين ومائتين. # * 3 - # محمد بن اليمان، وكنيته: أبو بكر، الملقب بالسمرقندي الإمام، قال عنه في ~~الجواهر: من طبقة الماتريدي. صاحب كتاب " معالم الدين "، وله كتاب " الرد ~~على الكرامية ". # ومن خلال دراسة شيوخ الماتريدي وتلاميذه وأقرانه نتبين أن بيئة الماتريدي ~~كانت غاصة بالعلماء الكبار من ذوي القدر والسبق، كما يتضح لنا طبيعة الحياة ~~العلمية والفكرية والثقافية الحافلة التي كان يعيشها هذا العالم الجليل أبو ~~منصور الماتريدي، ومدى ما بلغته من نضج وازدهار. # * * * # PageV01P085 # * الفصل الرابع # قيمة الماتريدي العلمية # تبين لنا مما سبق أن الماتريدي تعلم على أيدي علماء كبار ينتسبون إلى أبي ~~حنيفة، وأنه قد استفاد من آراء أبي حنيفة الكلامية، ولكنه لم يكن مجرد شارح ~~ومفصل لطريقة أبي حنيفة، بل كان مبتكرا، له منهجه الخاص به ومذهبه المغاير ~~للمذاهب الكلامية الشائعة آنذاك، ومن ثم فإن علم الكلام استوى على سوقه على ~~يد الماتريدي. # ولكي نتعرف قيمة الماتريدي العلمية لابد أن نعرض لأمرين: # أولا: مصنفاته: # لم يكن الماتريدي متكلما فحسب، بل كان فقيها مفسرا، ولعل أبرز ما يدل على ~~علمه الواسع تلك الآثار والمصنفات الجليلة التي خلفها لنا، وهي على النحو ~~الآتي: # * 1 - # مصنفاته في التفسير والتأويل: # وفي هذا المجال ذكرت له كتب الطبقات كتابا يسمى: " تأويلات أهل السنة " ~~ذكره بهذا العنوان صاحب كتاب كشف الظنون وهو الكتاب الذي نقدم له ونقوم ~~بتحقيقه. # وقد عنونت له نسخة كوبريلي ب " تأويلات أبي منصور الماتريدي في التفسير ~~"، ويقول السمرقندي في مقدمة شرح هذا الكتاب: كتاب التأويلات المنسوب إلى ~~الشيخ إمام الملة أبي منصور محمد بن أحمد الماتريدي السمرقندي. # وذكره أصحاب التراجم والطبقات تحت عنوان " تأويلات القرآن "، وتحمله نسخ ~~موجودة في تركيا وألمانيا ودمشق والمدينة المنورة وطشقند والمتحف ~~البريطاني. # وذكر صاحب كشف الظنون كتابا آخر يحمل عنوان: (تأويلات الماتريدية في بيان ~~أصول أهل السنة وأصول التوحيد)، جاء في وصفه له أنه أخذه عنه أصحابه ~~المبرزون ms0064 تلقفا؛ ولهذا كان أسهل تناولا من كتبه، جمعه الشيخ الإمام علاء ~~الدين محمد بن أحمد ابن أبي أحمد السمرقندي صاحب " تحفة الفقهاء " في ~~ثمانية مجلدات. # PageV01P086 # وعلى هذا فكتاب (تأويلات أهل السنة) غير كتاب (تأويلات الماتريدية) عند ~~حاجي خليفة صاحب كشف الظنون. # وبمراجعة بعض نسخ التأويلات المنسوبة للماتريدي تبين لنا: # * 1 - # أن نسخة دار الكتب المصرية التي تحمل عنوان (تأويلات أهل السنة) ينقص ~~منها الورقة الأولى، ولكن الثانية توافق ما يقابلها من نسخة كوبريلي. # * 2 - # أن نسخة مكتبة علي باشا كاملة غير أنها لا تذكر شيئا عن المؤلف، وتحمل ~~اسم (تأويلات القرآن)، وتبين من المراجعة أن نسختي دار الكتب المصرية ونسخة ~~مكتبة علي باشا مأخوذتان عن كتاب واحد، والخلاف فقط في التسمية. # ويتضح من هذا أن هاتين النسختين هما كتاب واحد، فالاختلاف بينهما لا يعدو ~~الاختلاف في الاسم، وهو للماتريدي. # أما (تأويلات الماتريدية) الذي ذكره صاحب كشف الظنون، وذكر أن تلامذته ~~تلقفوه عنه، فهو على ما ذكر حتى وإن أسند في بعض نسخه إلى الماتريدي؛ لأنه ~~أسهل تناولا من كتبه المصنفة، كما يؤكد ذلك مراجعة نسخة دار الكتب المصرية ~~على الجزء الأول من نسخة (تأويلات الماتريدية). # أما ما ذكره الشيخ علاء الدين في مقدمته من أن الكتاب المسمى ب (تأويلات ~~القرآن أو تأويلات أهل السنة) ليس مما صنفه الماتريدي بنفسه وإنما أخذه عنه ~~أصحابه تلقفا، فهذا يخالف ما ذكرناه سابقا، ويخالف ما يقرره الواقع، وما ~~تكشفه الموازنة بين أسلوب الكتاب وكتاب التوحيد الذي اتفق المؤرخون جميعا ~~على أنه من تأليف الماتريدي، أضف إلى هذا أن وحدة المنهج ووحدة الأسلوب ~~تكشفان عن أن الكتاب من عمل واحد لا جماعة. # وعلى هذا فكتاب (تأويلات أهل السنة) الذي نقوم بتحقيقه هو لأبي منصور ~~الماتريدي السمرقندي. # * 2 - # مصنفاته في علم الكلام: # صنف الماتريدي - رحمه الله - عدة كتب في مجال علم الكلام ذكرتها المصادر، # PageV01P087 # منها: # - كتاب: (التوحيد) مخطوط بمكتبة جامعة كامبردج، رقم 398، 3651 وقد طبع ~~بمطبعة الجامعة بتحقيق الدكتور/ خليف. # - كتاب: (المقالات) مخطوط في مكتبة كيرولو ms0065 باستانبول، رقم 856، وهناك ~~نسخة ناقصة منه بمكتبة إيمنينول باستانبول. أيضا. # - كتاب: (الرد على القرامطة). # - كتاب: (بيان وهم المعتزلة). # - كتاب: (رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي). # - كتاب: (رد أوائل الأدلة للكعبي). # - كتاب: (رد وعيد الفساق للكعبي). # - كتاب: (رد تهذيب الجدل للكعبي). # - كتاب: (رد الإمامة لبعض الروافض). # ولقد زاد بروكلمان كتاب (الأصول) في قائمة كتب الماتريدي، وذكر أنه لمؤلف ~~مجهول، وذكر أيضا أن كتابي (التوحيد) و (المقالات) هما كتاب واحد، بيد أنه ~~أشار في الهامش إلى أنهما كتابان مستقلان في فهارس المرتضى. # ولم يحفظ لنا الزمان من هذه الكتب سوى كتاب (التوحيد) وكتاب (المقالات)، ~~وكتاب (التوحيد) صحيح النسبة إلى الماتريدي، ذكرته كل كتب التراجم قديما ~~وحديثا. # * 3 - # مصنفاته في الفقه وأصوله: # ذكرت كتب الطبقات للماتريدي في هذا المجال كتابين: كتاب (الجدل)، وكتاب ~~(مآخذ الشرائع). # وهذان الكتابان لهما أهميتهما ومكانتهما في أصول الفقه بين أتباع المذهب ~~الحنفي، فيذكر الإمام علاء الدين الحنفي في ميزان الأصول: أن تصانيف ~~أصحابنا قسمان: # قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان؛ لصدوره ممن جمع الأصول والفروع، مثل # PageV01P088 # (مآخذ الشرائع) وكتاب (الجدل) للماتريدي ونحوهما. # وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني وحسن الترتيب، ويذكر الإمام علاء ~~الدين أنه قد هجر القسم الأول؛ لقصور الهمم والتواني، واشتهر القسم الآخر. # ولم يقع لنا شيء من هذين المؤلفين، غير أن بعض كتب الأصول قد نقلت عنهما، ~~فقد جاء في كتاب كشف الأسرار على أصول البزدوي في أثناء الحديث عن خبر ~~الواحد إذا خالف عموم الكتاب أو ظاهره، وبيان الآراء في صحة تخصيص هذا ~~العموم به: " وعند العراقيين من مشايخنا والقاضي والإمام أبي زيد ومن تابعه ~~من المتأخرين: لما أفادت عمومات الكتاب وظواهره، اليقين كالنصوص، والخصوصات ~~لا يجوز تخصيصها ومعارضتها به. فأما من جعلها ظنية من مشايخنا مثل الشيخ ~~أبي منصور ومن تابعه من مشايخ سمرقند، فيحتمل أن يجوز تخصيصها بها. # وجاء في بدائع الصنائع في أثناء استنباط أوقات الصلوات الخمس من قوله ~~تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات ~~والأرض ms0066 وعشيا وحين تظهرون (18): " قال الشيخ أبو منصور الماتريدي ~~السمرقندي: إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات الخمس، ولو كانت أفهامهم ~~مثل أفهام أهل زماننا، لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور ". # * 4 - # كتب أخرى: # ذكر فؤاد سركين أن للماتريدي رسالة فيما لا يجوز الوقف فيه في القرآن، ~~وهي رسالة صغيرة الحجم، موداعة بدار الكتب المصرية برقم 384 قراءات. وعدد ~~صفحاتها خمس، وتدور حول بيان المواضع التي لا يجوز الوقف عليها في قراءة ~~القرآن، وفيما لو تعمد الواقف عليها الوقف بأنه يكفر، ولو وقف ساهيا فسدت ~~صلاته، وقد بينها الماتريدي -إن صحت نسبتها إليه- في اثنين وخمسين موضعا في ~~القرآن. # وهذه الرسالة لم يذكرها أحد للماتريدي سوى سزكين، ومع هذا فلا يستبعد أن ~~تكون له؛ لأن الماتريدي كان دائم الاهتمام بالقرآن وتأويله وبيان أحكامه. # PageV01P089 # وذكر له بروكلمان أيضا كتاب (مقتطفات في الوعظ)، ولم يذكره للماتريدي أحد ~~سوى بروكلمان فيما نعلم من كتب الطبقات. # * 5 - # كتب نسبت إلى الماتريدي: # ومن الكتب المنسوبة إلى الماتريدي: # * 1 - # كتاب: " شرح الفقه الأكبر " وهو مطبوع في حيدر آباد سنة 1365 ه، ذكره ~~فيننسك، وذكر أنه راجع بعض النسخ المخطوطة لهذا الشرح فلم يجد فيها التصريح ~~بنسبته إلى الماتريدي، ورجح أن السبب في هذه النسبة وقوع بعض أقوال ~~الماتريدي فيه، وأيد هذا الشيخ أبو زهرة في كتابه عن أبي حنيفة، واستند في ~~ذلك إلى الخلاف مع آراء الأشعرية، والمذهب الأشعري لم يتم إلا بعد الجيل ~~الذي تلا وفاة الأشعري. ومن ثم يترجح أن نسبة هذا الشرح إلى الماتريدي نسبة ~~غير صحيحة. # * 2 - # كتاب العقيدة، ومنه نسخة بدار الكتب المصرية مخطوطة تحت رقم (147) تيمور ~~عقائد، وينفي نسبته للماتريدي السبب السابق نفسه في نفي نسبة كتاب (شرح ~~الفقه الأكبر) إليه؛ إذ اشتمل الكتاب على الخلاف بين الأشعرية والماتريدية. # * 3 - # كتاب (شرح الإبانة)، وهي نسبة غير صحيحة؛ لافتقارها إلى السند، كذلك لم ~~نر أحدا نسب هذا الكتاب إلى الماتريدي من أصحاب كتب الطبقات، سواء القدماء ~~أو المحدثون، كذلك لم يرد أن كتاب ms0067 (الإبانة للأشعري) وصل إلى بلاد ما وراء ~~النهر في عصر الماتريدي. # إذن فنسبة الشيخ مصطفى عبد الرازق هذا الكتاب إلى الماتريدي غير صحيحة. # وهذه الكتب التي ذكرتها كلها مخطوطة باستثناء كتاب التوحيد، بل إن معظم ~~هذه الكتب مفقود. # ثانيا: ثناء العلماء على الماتريدي: # ليس غريبا -بعد هذا كله- أن يثني العلماء على الماتريدي ثناء عظيما، ولقد ~~رأينا كيف لقبوه بألقاب هو لها أهل، فقد لقبوه -كما ذكرنا- بإمام الهدى، ~~وإمام المتكلمين، ومصحح عقائد المسلمين وغيرها. # PageV01P090 # ولن نحصي ما أثنى عليه به العلماء، ومن ثم نقتطف بعض الومضات الكاشفة عن ~~تقدير العلماء له والمبرزة لمكانته العالية عندهم. # ففي الفواكه الدواني يأتي الماتريدي وأبو الحسن الأشعري على رأس علماء ~~أهل السنة، فيقول: " كذلك عند أهل السنة وإمامهم أبي الحسن الأشعري وأبي ~~منصور الماتريدي ". # قال صاحب النشر الطيب على شرح الشيخ الطيب الوزاني عند كلامه عن ~~الماتريدي: " وكان معاصرا للأشعري، وسبقه إلى نصرة أهل السنة ". # والفرقة الناجية -كما يرى بعض العلماء- هم الأشاعرة مع الماتريدية الذين ~~تابعوا في الأصول علم الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي. # ويراه بعضهم رئيس مشايخ سمرقند، قال صاحب كشف الأسرار: " وهو مذهب مشايخ ~~سمرقند، رئيسهم الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمهم الله ". # وقال عنه التميمي: إنه قد فاق الأقران وتجمل به الزمان، وشاعت مؤلفاته، ~~وسارت مصنفاته، واتفق الموافق والمخالف على علو قدره وعظمة محله، فإنه كان ~~من كبار العلماء الأعلام الذين بعلمهم يقتدى وبنورهم يهتدي. # قال التفتازاني: إن المشهور من أهل السنة في ديار خراسان والعراق والشام ~~وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري، أول من خالف أبا علي ~~الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة. # وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي، وهو محمد ~~بن محمد، كان يلقب بإمام الهدى. # ويقول أبو معين النسفي في التبصرة: ولو لم يكن في الحنفية إلا الإمام أبو ~~منصور الماتريدي الذي غاص في بحور العلم، واستخرج دررها وأتى حجج الدين، ~~فزين # PageV01P091 # بفصاحته، وغزارة علومه، وجودة قريحته غررها، حتى أمر الشيخ أبو القاسم ms0068 ~~الحكيم السمرقندي أن يكتب على قبره حين توفي: هذا قبر من حاز العلوم ~~بأنفاسه واستنفد الوسع في نشره وأقياسه، فحمدت في الدين آثاره. . . اجتمع ~~عنده وحده من أنواع العلوم الملية والحكمية ما يجتمع في العادات الجارية في ~~كثير من المبرزين المحصلين؛ ولهذا كان أستاذه أبو نصر العياضي لا يتكلم في ~~مجالسه ما لم يحضر، وكان كل من رآه من بعيد نظر إليه نظر المتعجب وقال: ~~(وربك يخلق ما يشاء ويختار). # ويذكر أيضا أنهم قالوا في تقديره: كان من أكابر الأئمة وأوتاد الملة. # وقال الكفوي في ترجمته: إمام المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين، نصره الله ~~بالصراط المستقيم، فصار في نصرة الدين القويم، صنف التصانيف الجليلة، ورد ~~أقوال أصحاب العقائد الباطلة. # قال صاحب الروضة البهية: اعلم أن مدار جميع عقائد أهل السنة والجماعة على ~~كلام قطبين: أحدهما: الإمام أبو الحسن الأشعري، والثاني: الإمام أبو منصور ~~الماتريدي، فكل من اتبع واحدا منها اهتدى وسلم من الزيغ والفساد في عقيدته. # وقال العلامة الدردير: واشتهر الأشاعرة بهذا الاسم -أي أهل السنة- في ~~ديار خراسان والعراق والحجاز والشام وأكثر الأقطار. وأما ديار ما وراء ~~النهر فالمشهور فيها بهذا الاسم هو أبو منصور الماتريدي وأتباعه المعرفون ~~بالماتريدية، وكلام الفريقين على هدى ونور. # وفي مفتاح السعادة: إن رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان: ~~أحدهما: حنفي، والآخر: شافعي، أما الحنفي: فهو أبو منصور محمد بن محمد بن ~~محمود الماتريدي إمام الهدى. . . وأما الآخر الشافعي: فهو شيخ السنة ورئيس ~~الجماعة إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي ~~في حفظ عقائد المسلمين أبو الحسن الأشعري البصري. # ويرى الشيخ محمد زاهد الكوثري: أنه إذا أطلق أهل السنة فالمراد بهم ~~الأشاعرة # PageV01P092 # والماتريدية، وعند التحقيق، والاستقراء ثلاث طوائف: # الأولى: أهل الحديث ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية من الكتاب، والسنة، ~~والإجماع. # الثانية: أهل النظر العقلي وهم الأشعرية، والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو ~~الحسن الأشعري وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي. # الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية ومبادئهم هي مبادئ أهل النظر ~~والحديث في البداية، والكشف ms0069 والإلهام في النهاية. # وقد ذكر العلامة البغدادي: أن أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي ~~والحديث، وأخرج من هؤلاء الحشوية الذين يشترون لهو الحديث، ومن أهل السنة ~~فقهاء هذين الفريقين -الرأي والحديث- وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث. # ويقول الزبيدي عن الماتريدي في شرحه على الإحياء: وحاصل ما ذكروه أنه كان ~~إماما جليلا مناضلا عن الدين مجليا لعقائد أهل السنة، قطع المعتزلة وذوي ~~البدع في مناظراتهم، وخصمهم في محاوراتهم حتى أسكتهم. # وقال عنه صاحب إشارات المرام العلامة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي -من ~~علماء القرن الحادي عشر الهجري-: " وحقق الأصول في كتبه بقواطع الأدلة، ~~وأتقن التفاريع بلوامع البراهين اليقينية ". # فالماتريدي على هذا محقق مدقق، قال الكوثري يصف تدقيقه وتحقيقه: إلى أن ~~جاء إمام أهل السنة فيما وراء النهر أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي ~~المعروف بإمام الهدى، فتفرغ لتحقيق مسائلها وتدقيق دلائلها، فأرضى بمؤلفاته ~~جانبي العقل والنقل في آن واحد. # يدلنا هذا كله على مكانة الماتريدي العالية، وقدمه الراسخة في العلم، ~~وذيوع شهرته، ومحبة العلماء له، واقتدائهم به، وأخذهم عنه، فرحم الله - ~~تعالى - الشيخ الماتريدي لقاء ما قدمه للعقيدة الإسلامية الصحيحة من جهود ~~مشكورة في الذب عنها، ودحض شبه المغرضين حولها. # PageV01P093 # * الباب الثالث # الفرق والمذاهب الإسلامية # ويشتمل على الفصلين الآتيين: # * الفصل الأول: الفرق السياسية. # الفصل الثاني: المذاهب الاعتقادية. # PageV01P095 # * الفصل الأول # الفرق السياسية # * السياق التاريخي لنشأة الفرق الإسلامية: # إن الحديث عن الفرق الإسلامية ومذاهبها السياسية وآرائها العقدية يمت ~~بأوثق الأسباب للأحداث السياسية التي ألمت بالمجتمع الإسلامي منذ وفاة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولما شجر بين المسلمين من وجوه الخلاف حول ~~بعض المسائل التي طرأت بعد رحيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم ~~مسألة نشب فيها الخلاف ووقع التخاصم والنزاع بسببها بين المسلمين هي مسألة ~~الإمامة أو الخلافة العظمى، بحيث يصح لنا أن نزعم أن مدار الخلاف بين ~~المسلمين وما انبنى عليه من ظهور الفرق المتباينة في الأصول تباينها في ~~الفروع - على الإمامة. # ومن الحق أن نقرر أن الفرق التي نزعت في أول ms0070 أمرها منزعا سياسيا، وخرجت ~~إلى الوجود من رحم الأحداث السياسية نفسها، لم تلبث أن صارت لها آراء في ~~الأصول الاعتقادية والفروع الفقهية جميعا، على نحو مثلت معه هذه الآراء ~~مذاهب مستقلة لعلها أبقى أثرا وأعظم خطرا في التاريخ من المعتقدات السياسية ~~التي غدت مسائل تاريخية لا يعول عليها كثيرا ولا يلتفت إليها إلا قليلا في ~~واقعنا المعاصر. # ولا غرو في أن ترتبط المذاهب السياسية بالنظريات العقدية في ظل شريعة لا ~~تفصل بين الدين والسياسة فصلا قاطعا، على غرار الشرائع الأخرى، فالدين -في ~~شريعة الإسلام- لب السياسة وقوامها، ووظيفة السياسة منوطة بحماية الإسلام ~~والذود عن أصوله المقررة، وحراسته من عبث العابثين وهجوم المغرضين، وذلك ما ~~سبق إلى الالتفات إليه ابن خلدون حين عرف الخلافة بأنها: " حمل الكافة على ~~مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال ~~الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة ~~خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا ". # وثمة أمر آخر نود الإلماح إليه والتنويه به، وهو أن الخلاف بين الفرق ~~الإسلامية لم يمس ركنا من أركان الإسلام، أو أصلا من أصوله الثابتة التي ~~نقلت إلينا بالتواتر فغدت # PageV01P097 # معلومة من الدين بالضرورة لا يسع مسلما إنكارها أو التشكيك فيها، " فلم ~~يكن الاختلاف في وحدانية الله تعالى وشهادة أن محمدا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا في أن القرآن نزل من عند الله القدير، وأنه معجزة النبي ~~الكبرى، ولا في أنه يروى بطريق متواتر نقلته الأجيال الإسلامية كلها جيلا ~~بعد جيل، ولا في أصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم، ولا في ~~طريق أداء هذه التكليفات، وإنما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان ولا ~~الأصول العامة ". # وغني عن البيان أن شيئا من الخلاف بين المسلمين لم يقع إبان عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " فقد كان المسلمون على منهاج واحد في أصول ~~الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا ". # ولا غرابة في ذلك؛ إذ كان الرسول - صلى الله ms0071 عليه وسلم - يوضح للصحابة ما ~~تشابه عليهم من مسائل الدين، ويجيب عما يطرح عليه من أسئلة جوابا يلقي في ~~ضمير السائل برد اليقين ويقطع من نفسه وعقله دواعي الحيرة والاضطراب. # ويوشك الإجماع أن ينعقد على أن أول خلاف حقيقي واجه الجماعة الإسلامية ~~ظهر بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو خلافهم حول الإمامة، حيث ~~سارع الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة للنظر في أمر الإمامة وتعيين ~~من يخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما يوار التراب بعد جسده ~~الطاهر، وأذعنت الأنصار إلى البيعة لسعد بن عبادة سيد الخزرج غير مدافع، ~~ولم يرتب الأنصار في أن الإمامة حق لهم، ولا ينبغي أن تخرج عنهم إلى ~~إخوانهم المهاجرين، ولم يعدموا من الأدلة الواضحة والبراهين المفحمة -في ~~نظرهم- ما يسوقونه بين يدي رأيهم ذاك، " فإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~لبث في قومه في مكة نحو ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام، فما آمن منهم ~~إلا قليل، ولا منعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأذى ولا أعزوا ~~الدين، فلما هاجر من مكة إلى المدينة نصره الأنصار وآمنوا به وأعزوا دينه ~~ومنعوه وصحبه ممن أراد بهم سوءا وكانوا معه على عدوه حتى خضعت له جزيرة ~~العرب، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض، وبهم قرير العين، فهم ~~أولى الناس أن يخلفوه ". # بيد أن " نظرية الأنصار " تلك وجدت إنكارا ومعارضة من المهاجرين؛ إذ لم ~~يكد خبر السقيفة ينتهي إلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حتى قصدا نحو ~~مجتمع الأنصار في # PageV01P098 # نفر من المهاجرين، لإبداء الرأي في أمر الخلافة، فأعلمهم أبو بكر أن ~~الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " الإمامة في قريش " وأن العرب لا تذعن بالطاعة إلا لهم، كما أنهم عشيرة ~~الرسول وذوو رحمه، فهم أول من آمن به، واحتملوا في سبيل نصرته من العنت ~~والمشقة شيئا كثيرا يسوغ لهم أن يرثوا الأمر من بعده. # وكما كان الأنصار أول من أعز ms0072 الإسلام وانتصر له، كانوا أول من حماه شر ~~الفتنة، وعواقب الخلاف، فأذعنوا لإخوانهم المهاجرين منقادين، ورجعوا إلى ~~الحق طائعين " بعد # PageV01P099 # أن قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وبعد أن جرد الحباب بن المنذر ~~سيفه وقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، من يبارزني؟ وبعد أن قام قيس ~~بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال. ثم ~~بايعوا أبا بكر رضوان الله عليه، واجتمعوا على إمامته، واتفقوا على خلافته، ~~وانقادوا لطاعته ". # وثمة نظرية ثالثة ذهب بعض الباحثين إلى أن لها وجودا ظاهرا آنذاك، وهي أن ~~تكون الخلافة في بيت النبي، وأولى الناس من قرابة النبي وأمسهم رحما به هو ~~علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقدمته في الإسلام وسابقته في الذود عنه ~~معروفة ذائعة، ومكانه من النبي مكانه، فهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة، ووالد ~~سبطيه الحسن والحسين، وجهاده وفضله وعلمه لا ينكر. # على هذا النحو رأى القائلون بهذه النظرية أن بيت بني هاشم أحق بالخلافة ~~من سواه، وروي في ذلك أن عليا سأل عما حدث في سقيفة بني ساعدة فقال: ماذا ~~قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~علي: " احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ". # يريد أن المهاجرين احتجوا بأنهم من شجرة النبي فأولى بالاحتجاج من يجمعهم ~~والنبي أنهم من ثمرة قريش وهم قرابته. # ومهما يكن من أمر فقد آل أمر الخلافة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ~~- وكانت بيعته بيعة حرة؛ إذ توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون أن ~~يحدد من يخلفه في هذا الأمر، وخلا الكتاب من النص عليه أو تعيينه، " صحيح ~~أنه قد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر بأن يؤم المسلمين ~~في الصلاة أثناء مرضه الذي مات فيه، وفهم البعض أن الصحابة قد اختاروه لهذا ~~وقالوا: قد اختاره الرسول لأمر ديننا، فأولى أن نختاره لأمر دنيانا، ولكن ~~هذا لا يعد عهدا، وإن كان في جملته يشير إلى فضل ms0073 أبي بكر ومقامه بين ~~الصحابة؛ إذ لو كان عهدا لاستشهد به في السقيفة وحسم النزاع ". # ثم عهد أبو بكر -لما أحس بدنو أجله وخاف على المسلمين شر الفتنة وعاقبة ~~الخلاف # PageV01P100 # - بالإمامة لعمر على سبيل الترشيح. # وسكن الخلاف ونامت الفتنة في خلافة الشيخين أبي بكر وعمر؛ لأنهما أخذا ~~نفسيهما بالعدل الشامل المطلق في دقيق الأمور وجليلها، وانتصف كل واحد ~~منهما من نفسه قبل أن ينتصف من رعيته، وبلغا من العدل والمساواة بين الناس ~~مبلغا أرهق من أتى بعدهما إذا رغب أن يحذو حذوهما ولا يخالف سيرتهما. # كما شغل المسلمون آنذاك بقمع المرتدين في داخل الجزيرة العربية، وبالجهاد ~~وفتح الأمصار خارجها لنشر الإسلام وإعلان التوحيد، فغدا المسلمون كما كانوا ~~في العهد النبوي على منهاج واحد ورأي واحد أتاح للدولة أن تزدهر في فترة ~~قصيرة من عمر الحضارة الإنسانية. # * الفتنة الكبرى في عهد عثمان وعلي ونشأة الأحزاب السياسية: # ولي الخلافة عثمان بن عفان بعد مقتل عمر بن الخطاب - رضوان الله عليهما - ~~بعد أن أعطى المواثيق والعهود بالنصح للأمة، والالتزام بسنة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. # ورضي المسلمون على خلافة عثمان في ست السنين الأولى، ثم نقموا منه أمورا ~~رأوا أنه خالف فيها عن سيرة الشيخين وانحرف عن سنة النبي الكريم. # واستحال الإنكار الهادئ والاعتراض الناصح سخطا عارما عم الأمصار ~~المختلفة، وثورة عنيفة عمد المنخرطون فيها إلى خلع الخليفة عثمان رضي الله ~~عنه. # وأفضت الثورة المسلحة إلى مقتل عثمان - رضي الله عنه -، بعد أن حوصر في ~~داره أربعين يوما منع خلالها من إمامة المسلمين في الصلاة. # وقد فتح مقتل عثمان على المسلمين باب الفتنة واسعا، وأذكى نيران الخلاف ~~بينهم من جديد، وأورث القلوب والضمائر ضغنا وسوء ظن كان خليقا بأن يعصف ~~بالوحدة الإسلامية ويقوض أركانها في هذا الطور الباكر. # ولم يستطع علي بن أبي، طالب -الذي بويع بالخلافة من أغلبية المسلمين- أن ~~يرأب صدع الخلاف وينتاش المسلمين من هوة الفتنة السحيقة التي تردوا فيها. # PageV01P101 # وكان من أشد المعارضين لعلي طلحة ms0074 بن عبيد الله والزبير بن العوام ومعاوية ~~بن أبي سفيان؛ إذ رأوا أنه قعد عن نصرة عثمان، وكان في استطاعته رد الناس ~~عنه، وكان من حجة بعضهم أنه -وقد بويع- يجب عليه أن يقتص من قتلة عثمان، ~~ويقول كل من طلحة والزبير: إنه أولى بالمطالبة بدم عثمان؛ لأنه من الستة ~~الذين انتخبهم عمر للشورى، ومن السابقين للإسلام، ويقول معاوية: إنه أولى ~~الناس رحما بعثمان، وأقوى أهل بيته على المطالبة بدمه. # يقول أبو الحسن الأشعري: " ثم بويع علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - ~~فاختلف الناس في أمره، فمن بين منكر لإمامته، ومن بين قاعد عنه، ومن بين ~~قائل بإمامته معتقد لخلافته، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم ". # وأما طلحة والزبير فقتلا يوم الجمل، وبقي معاوية وحده حاملا لواء ~~المعارضة لخلافة علي بن أبي طالب، مستعصما بالشام مطمئنا إلى إخلاص أهله ~~وصدق ولائهم. # لم يجد علي بن أبي طالب مفرا من قتال معاوية بن أبي سفيان للقضاء على ~~خطره ورد المسلمين إلى ما كانوا عليه من وحدة وتماسك، فقاتله في صفين وكاد ~~النصر يتم له لولا أن عمد معاوية إلى خدعة التحكيم، " فقال لعمرو بن العاص: ~~ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت؟ قال: بلى، ~~قال: فما المخرج؟ قال له عمرو بن العاص: فلي عليك ألا تخرج مصر من يدي ما ~~بقيت؟ قال: لك ذلك، ولك به عهد الله وميثاقه، قال: مر بالمصاحف فترفع، ثم ~~يقول أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم، البقية ~~البقية، فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه، وإن خالفك خالفه أصحابه ~~"، وكان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ~~حجاب رقيق، فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن ~~العاص، ففعلوا ذلك، فاضطرب أهل العراق على علي - رضوان الله عليه - وأبوا ~~عليه # PageV01P102 # إلا التحكيم، وأن يبعث علي حكما ويبعث معاوية حكما، فأجابهم علي إلى ذلك ~~بعد ms0075 امتناع أهل العراق عليه ألا يجيبهم إليه، فلما أجاب علي إلى ذلك بعث ~~معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكما، وبعث علي وأهل العراق أبا موسى ~~حكما، وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، ومن هاهنا بدأ أمر الخلاف بين ~~المسلمين يزداد تشعبا، وبدأت الفرق المختلفة في الظهور، كالتالي: # * أولا: الخوراج # بينا في هذا العرض السابق لأحداث النزاع بين علي ومعاوية أن أصحاب علي من ~~أهل العراق قد حملوه حملا على إجابة معاوية إلى التحكيم حين أمر بالمصاحف ~~فرفعت على أسنة الرماح، وقال أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق، كتاب ~~الله بيننا وبينكم، وذلك على الرغم من أن عليا - كرم الله وجهه - بين لهم ~~ما ينطوي عليه نداء معاوية بتحكيم كتاب الله من مكر وخديعة، فأبوا إلا ~~التحكيم. # فلما وقف هؤلاء على خدعة التحكيم وأدركوا مرماه البعيد الذي أراده ~~معاوية، رفضوا التحكيم وطلبوا إلى علي أن ينقض ما أعطاه للحكمين -أبي موسى ~~الأشعري وعمرو بن العاص- من العهد والميثاق؛ لأن حكم الله في الأمر واضح ~~جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق، وليس يصح هذا ~~الشك؛ لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون -بلا شك- أن الحق في جانبهم. ~~وهذه المعاني المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة الآتية: " لا حكم ~~إلا لله " فسرت الجملة سير البرق إلى من يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها ~~الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة. # وذهبت الخوارج إلى إكفار علي إذ قبل التحكيم، وطلبوا إليه أن يقر بما باء ~~به من إثم ثم يتوب ويرجع إلى قتال أهل البغي؛ وإلا تخلوا عنه وصاروا من ~~عدوه بعد أن كانوا من شيعته. # فأبى علي إلا الوفاء بما أعطى من عهود ومواثيق، ثم كيف يقر على نفسه ~~بالكفر ولم يشرك بالله شيئا مذ آمن، وهبه أخطأ في قبول التحكيم -مع الأخذ ~~بعين الاعتبار أنه قبله مضطرا لا مختارا - فلا يعدو أن يكون مجتهدا أخطأ ~~فله أجر واحد، وإن كان قد أصاب فله أجران، ولا يستقيم لذي عقل إكفار ~~المجتهد المخطئ. ms0076 # PageV01P103 # جماع رأي الخوراج وما جمعهم من مبادئ: # لم تلبث آراء الخوراج السياسية أن تحددت، وأخذت شكل نظرية يسع الدارسين ~~ومؤرخي الفرق إضافتها إلى النظريات السياسية الإسلامية، ولا ريب أن مناظرات ~~رؤسائهم ومجادلاتهم لخصومهم كابن عباس، وعلي بن أبي طالب وابن زياد وعبد ~~الله بن الزبير قد أسهمت بشكل ملحوظ في بلورة موقفهم السياسي وتحديد ~~معالمه. # ومعلوم أن الخوراج لم يكونوا نحلة واحدة متفقة آراؤها وأنظارها إلى مسائل ~~السياسة والعقيدة، بل تفرقوا أحزابا شتى ومذاهب متعارضة، بيد أن ثمة مبدأين ~~عامين يجمعان بين فرقهم المتباينة، هما: # - القول بإكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي ~~بتحكيم الحكمين. # - أما المبدأ العام الثاني: فهو وجوب الخروج على الإمام الجائر. # وقد ذكر الكعبي في مقالاته أن مما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها ~~الإكفار بارتكاب الذنوب، بيد أن عبد القاهر البغدادي ذهب إلى أن رأي الكعبي ~~منابذ للصواب، وأنه قد أخطأ في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي ~~الذنوب منهم، واحتج البغدادي بأن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب ~~الحدود من موافقيهم، وقد قال قوم من الخوارج: إن التكفير إنما يكون بالذنوب ~~التي ليس فيها وعيد مخصوص، فأما الذنب الذي فيه حد أو وعيد في القرآن، فلا ~~يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه، مثل تسميته زانيا وسارقا، ونحو ذلك. # وقد قالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافر نعمة وليس فيه كفر ~~دين. # يقول عبد القاهر البغدادي: وفي هذا بيان خطأ الكعبي في حكايته عن جميع ~~الخوراج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم. # وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا أبو الحسن - رحمه ~~الله - من تكفيرهم عليا وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبهما أو صوب ~~أحدهما أو رضي بالتحكيم. # PageV01P104 # ومهما يكن من أمر فإن ما ذهب إليه الخوارج من تكفير لأقطاب الصحابة ~~وأعلامهم قد دفع المسلمين إلى البحث في ماهية الكفر والإيمان؟ وتمييز ~~الحدود الفارقة بين المعصية والكفر والفسوق، والتماس العلاقة بين الإيمان ~~وبين العمل، إلى آخر هذه المسائل ms0077 اللاهوتية التي ترتب عليها نشأة كثير من ~~الفرق الدينية. # ومن بين المبادئ التي أذاعها الخوارج في المجتمع الإسلامي أن الخلافة ~~ليست حقا مقصورا قريش دون سائر العرب، بل يتولاها من تحققت فيه شروطها من ~~الكفاية والعدل والبيعة الحرة، وخالفوا في ذلك ما ذهب إليه أهل السنة ~~والجماعة من اشتراط القرشية إعمالا لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~الأئمة من قريش ". # ورأى الخوارج أن عدم اشتراط القرشية ينسجم مع ما جاء به الإسلام من مبادئ ~~العدل والمساواة بين الناس دونما نظر إلى لون أو جنس، فمناط المفاضلة بين ~~الناس التقوى والعمل الصالح. # * فرق الخوارج: # الخوارج عشرون فرقة، ذكرها البغدادي صاحب الفرق بين الفرق وهي: المحكمة ~~الأولى، والأزارقة، والنجدات، والصفرية، ثم العجاردة المفترقة فرقا منها: ~~الحازمية، والشعيبية، والمعلومية، والمجهولية، وأصحاب طاعة لا يراد الله ~~تعالى بها، والصلتية، والأخنسية، والشبيبية، والشيبانية، والمعبدية، ~~والرشيدية، والمكرمية، والحمزية، والشمراخية، والإبراهيمية، والواقفة، ~~والإباضية. # والإباضية منهم افترقت فرقا معظمها فريقان: حفصية وحارثية. # وليس من وكدنا في هذا المقام -وهو مقام إيجاز واختصار وليس مقام بسط ~~وتطويل- أن نستوعب آراء هذه الفرق جميعها، وإنما نجتزئ بذكر فرق خمسة منها، ~~رأى الباحثون قبلنا أنها أشهر فرق الخوارج، وهي: # - المحكمة الأولى. # PageV01P105 # - الأزارقة. # - النجدات. # - الصفرية. # - الإباضية. # * أولا: المحكمة الأولى: # وهم من خرج على علي - رضي الله عنه - حين قبل التحكيم، ويقال لهم: محكمة، ~~وشراة، وسموا محكمة؛ لقولهم: " لا حكم إلا لله "، وأما تسميتهم بالشراة ~~فمحمولة على قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)، ~~فكانوا يقولون: شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي: بعناها بالجنة. # يقول عبد القاهر البغدادي: " واختلفوا في أول من تشرى منهم، فقيل: عروة ~~بن حدير أخو مرداس الخارجي، وقيل: أولهم يزيد بن عاصم المحاربي، وقيل: رجل ~~من ربيعة من بني يشكر، كان مع علي بصفين، فلما رأى اتفاق الفريقين على ~~الحكمين استوى على فرسه وحمل على أصحاب معاوية وقتل منهم رجلا، وحمل على ~~أصحاب علي وقتل منهم رجلا، ثم نادى بأعلى صوته، ألا إني قد خلعت عليا ~~ومعاوية، ms0078 وبرئت من حكمهما ثم قاتل أصحاب علي حتى قتله قوم من همدان ". # ومهما يكن من أمر فقد انحاز الخوارج بعد صفين إلى حروراء، وهم يومئذ اثنا ~~عشر ألفا، وزعيمهم يومئذ عبد الله بن الكواء وشبث بن ربعي، فخرج إليهم علي ~~بن أبي طالب يناظرهم فوضحت حجته عليهم، فلم يسع بعض الخوارج إلا الإذعان ~~للحق، فانضموا إلى علي وكان منهم ابن الكواء نفسه، وخرج الباقون إلى ~~النهروان وأمروا على أنفسهم رجلين، أحدهما: عبد الله بن وهب الراسبي، ~~والآخر: حرقوص بن زهير المعروف بذي الثدية. # فلما رأى علي انحراف الخوارج عن سماحة الإسلام ومحاولتهم فرض آرائهم على ~~الناس بالقوة والبطش وليس بالجدال بالتي هي أحسن، عمد إليهم في أربعة آلاف ~~من أصحابه، وناظرهم مرة أخرى، وبين لهم وجه الحق فيما نقموا منه، فاستمال ~~منهم يومئذ ثمانية آلاف، ولم يبق إلا أربعة آلاف أبوا إلا قتال علي وأمروا ~~عليهم -كما ذكرنا- # PageV01P106 # عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي. # والتقى الجمعان في النهروان، وظهر علي وصحبه على الخوارج، وقتل عبد الله ~~بن وهب، وذو الثدية، ولم يفلت من الخوارج في هذا اليوم إلا تسعة أنفس: # صار منهم رجلان إلى سجستان، ومن أتباعهما خوارج سجستان، ورجلان إلى ~~اليمن، ومن أتباعهما إباضية اليمن، ورجلان صارا إلى عمان، ومن أتباعهما ~~خوارج عمان، ورجلان إلى ناحية الجزيرة، ومن أتباعهما كان خوارج الجزيرة، ~~ورجل منهم صار إلى تل موزن. # * خلاصة رأي المحكمة الأولى: # ذهب المحكمة الأولى -كسائر الخوارج- إلى إكفار علي وعثمان، وأصحاب الجمل ~~وصفين، ومعاوية وصحبه، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم. # ومن آرائهم كذلك إكفار كل ذي ذنب ومعصية، والقول بخلوده في النار. # * ثانيا: الأزارقة: # تنسب هذه الفرقة إلى نافع بن الأزرق الحنفي، وهم أقوى فرق الخوارج بأسا ~~وأعزها نفرا، يقول البغدادي: " ولم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد ~~منهم شوكة ". # وقد بايع الأزارقة نافع بن الأزرق وسموه أمير المؤمنين، ولم يلبث أن انضم ~~إليهم خوارج عمان واليمامة فصاروا أكثر من عشرين ألفا. # وقد هدد الخوارج الأزارقة ms0079 الدولة الإسلامية تهديدا كبيرا، حيث استولوا ~~على الأهواز وما وراءها من أرض فارس، ثم بسطوا نفوذهم على كرمان وجبوا ~~خراجها، فحاربهم عبد الله بن الحارث عامل عبد الله بن الزبير على البصرة، ~~ومنيت الجيوش التي وجهها لقتالهم بهزائم منكرة، فعهد عبد الله بن الزبير ~~إلى المهلب بن أبي صفرة بقتالهم، فهزمهم عند الأهواز وقتل نافع بن الأزرق، ~~فبايعت الأزارقة بعده عبيد الله بن مأمون التميمي فقتل، ثم بايعوا قطري بن ~~الفجاءة وسموه أمير المؤمنين، " فقاتلهم المهلب حروبا كانت سجالا، وانهزمت ~~الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس، وجعلوها دار هجرتهم، وثبت المهلب ~~وبنوه وأتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة، بعضها في أيام عبد الله بن # PageV01P107 # الزبير، وباقيها في زمان خلافة عبد الملك بن مروان وولاية الحجاج على ~~العراق ". # وكان المهلب قبل الواقعة يثير خلافهم، فتحتدم المناقشة بينهم احتداما ~~شديدا، ثم يلقاهم وهم على هذا الخلاف؛ ولذا أخذ شأن الخوارج يضعف في عهد ~~قطري بن الفجاءة؛ لاختلافهم فرقا من جهة، ولأثر هذا الاختلاف في مواقفهم في ~~ميدان القتال من جهة ثانية، وتألب المسلمين عليهم من جهة ثالثة، وغلظتهم في ~~معاملة مخالفيهم من جهة رابعة. # وقد توالت هزائمهم على يد المهلب ومن جاء بعده من قواد الأمويين حتى ~~انتهى أمرهم. # * خلاصة المبادئ التي اعتنقها الأزارقة: # أجمل عبد القاهر البغدادي مبادئ الأزارقة في مسائل أربعة: # أولا: قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، وكانت المحكمة الأولى ~~يقولون: إنهم كفرة لا مشركون. # ثانيا: قولهم: إن القعدة -ممن كان على رأيهم- عن الهجرة إليهم مشركون وإن ~~كانوا على رأيهم. # ثالثا: أنهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادعى أنه منهم: أن يدفع ~~إليه أسير من مخالفيهم ويأمروه بقتله، فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم، ~~وإن لم يقتله قالوا: هذا منافق ومشرك وقتلوه. # رابعا: استباحوا قتل نساء مخالفيهم، وقتل أطفالهم، وزعموا أن الأطفال ~~مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار. # ومن آرائهم كذلك: أن مرتكب الكبيرة والمعصية كافر مخلد في النار، وأن دار ~~مخالفيهم ms0080 دار كفر، كما يكفرون -كسائر الخوارج- عليا في التحكيم، والحكمين ~~أبا موسى وعمرو بن العاص. # PageV01P108 # ومن الآراء الفقهية التي انفرد بها الأزارقة: # أنهم ينكرون حد الرجم على الزاني المحصن، وحجتهم في ذلك أن القرآن لم ينص ~~على ذلك، فيهملون بذلك السنة الصحيحة في رجم الزاني المحصن. # كما يرون أن حد القذف لا يثبت إلا لمن يقذف محصنة بالزنى، ولا يثبت على ~~من يقذف المحصنين من الرجال؛ لأنهم أخذوا بظاهر النص (والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4). فلم يذكر حد قذف المحصنين من الرجال. # * ثالثا: النجدات: # وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، والسبب في ظهور هذه الفرقة أن بعض ~~الخوارج الأزارقة قد نقموا من رئيسهم نافع بن الأزرق براءته من القعدة عنه ~~بعد أن كانوا على رأيه وإكفاره إياهم، وأنه استحل قتل أطفال مخالفيه ~~ونسائهم؛ ففارق نافعا جماعة من أتباعه منهم أبو فديك وعطية الحنفي، وراشد ~~الطويل وغيرهم، وذهبوا إلى اليمامة، وبايعوا بها نجدة بن عامر وأكفروا من ~~قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم، كما أكفروا من قال بإمامة نافع. # ومن المسائل التي خالف فيها النجدات الأزارقة استحلالهم دماء أهل الذمة، ~~وأما الأزارقة فذهبوا إلى تحريم دمائهم احتراما لذمتهم التي دخلوا بها في ~~أمان أهل الإسلام. # وقال النجدات بعدم وجوب نصب الإمام، من ناحية الشرع، وأن إقامة إمام ~~واجبة وجوبا مصلحيا، فإذا أقام المسلمون حدود الدين والتزموا أحكام الشريعة ~~وتناصفوا فيما بينهم، فليس ثمة حاجة إلى وجود خليفة أو إمام. # وقد ابتدع النجدات مبدأ جديدا لم يكن معروفا عند الخوارج آنذاك، وهو مبدأ ~~التقية ومعناه: " أن يظهر الخارجي أنه جماعي؛ حقنا لدمه، ومنعا للاعتداء ~~عليه، ويخفي عقيدته حتى يحين الوقت المناسب لإظهارها ". # PageV01P109 # وقد تولى نجدة أصحاب الحدود ممن هم على مثل رأيه، وقال: لعل الله يعذبهم ~~بذنوبهم في غير نار جهنم ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار يدخلها من خالفه ~~في دينه. # وزعم النجدات كذلك أن من نظر ms0081 نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة ثم أصر عليها ~~فهو مشرك، وأن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم. # فمناط الشرك في ارتكاب المعصية صغيرة كانت أو كبيرة إنما هو الإصرار ~~عليها، فمن أصر على صغيرة فهو مشرك، ومن لم يصر على كبيرة فهو مسلم، وإن ~~شاب إسلامه شيء من نقص، يلحقه بأهل المعصية. # ومن بدع نجدة وضلالاته أنه أسقط حد الخمر. # وجماع مذهب النجدات أن الدين أمران: # أحدهما: معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم. # والثاني: الإقرار بما جاء من عند الله جملة. # وما سوى ذلك من التحريم والتحليل وسائر الشرائع، فإن الناس يعذرون ~~بجهلها، وأنه لا يأثم المجتهد إذا أخطأ. # ولم يلبث النجدات أن ثاروا على رئيسهم نجدة وخرجوا عليه لأمور نقموها ~~منه، وقد تشعبوا لهذا إلى ثلاث فرق: # * 1 - # فرقة صارت مع عطية بن الأسود الحنفي إلى سجستان، وتبعهم خوارج سجستان؛ ~~ولهذا قيل لخوارج سجستان في ذلك الوقت: عطوية. # * 2 - # وفرقة صارت مع أبي فديك حربا على نجدة، وهم الذين قتلوا نجدة. # * 3 - # وفرقة عذروا نجدة في أحداثه وأقاموا على إمامته. # * رابعا: الصفرية: # تنسب هذه الفرقة من الخوارج إلى زياد بن الأصفر، وقد اختلف الخوارج ~~الصفرية في # PageV01P110 # الحكم على مرتكب الكبيرة، وتباينت آراؤهم في ذلك أشد التباين: # فمنهم من ذهب إلى الحكم عليه بالشرك، شأنهم في ذلك شأن الأزارقة. # وزعم بعضهم أن الذنب الموضوع له حد لا نتجاوز تسمية الله فيه من أنه زان ~~أو سارق أو قاذف وليس صاحبه كافرا ولا مشركا، أما الذنب الذي لم تقرر له ~~الشريعة حدا كترك الصلاة والصوم فهو كفر وصاحبه كافر. # وثمة من الصفرية من رأى أن صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى ~~الوالي فيحده. # ولم ير الصفرية -خلافا للأزارقة- فتل أطفال مخالفيهم وسبي نسائهم، كما ~~أنهم لا يوافقون الأزارقة فيما ذهبوا إليه من عذاب الأطفال. # ومن أئمة الصفرية: عمران بن حطان السدوسي، وأبو بلال مرداس الخارجي. # فأما أبو بلال مرداس، فقد خرج في ms0082 أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على ~~عبيد الله ابن زياد، فأرسل إليه عبيد الله من قتله. # فلما قتل مرداس اتخذت الصفرية عمران بن حطان إماما، وهو الذي رثى مرداسا ~~بقصائد يقول في بعضها: # أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس # وكان عمران بن حطان هذا ناسكا شاعرا شديدا في مذهب الصفرية وبلغ من خبثه ~~في بغض علي - رضي الله عنه - أنه رثى عبد الرحمن بن ملجم، وقال في ضربه ~~عليا: # يا ضربة من منيب ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا # قال عبد القاهر: وقد أجبناه عن شعره هذا بقولنا: # يا ضربة من كفور ما استفاد بها ... إلا الجزاء بما يصليه نيرانا # إني لألعنه دينا وألعن من ... يرجو له أبدا عفوا وغفرانا # ذاك الشقي لأشقى الناس كلهم ... أخفهم عند رب الناس ميزانا # PageV01P111 # ويقول الإمام محمد أبو زهرة في شأن هذه الفرقة: " ومن أخبار الذين تولوا ~~أمر هذه الطائفة من الخوارج نتبين أنها لا ترى إباحة دماء المسلمين، ولا ~~ترى أن دار المخالفين دار حرب، ولا ترى جواز سبي النساء والذرية، بل لا ترى ~~قتال أحد غير معسكر السلطان ". # * خامسا: الإباضية: # وإمام هذه الفرقة عبد الله بن إباض، به تعرف وإليه تنسب، وقد افترقت إلى ~~فرق أربعة، بيد أن ثمة مبادئ مشتركة تجمع بينها وتسوغ للباحث ردها إلى أصل ~~واحد أو فرقة واحدة، ومنها: # القول بأن مخالفيهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين، ولكنهم كفار، وكفرهم كفر ~~نعمة لا كفر اعتقاد؛ وذلك لأنهم لم يكفروا بالله، ولكنهم قصروا في جنب الله ~~تعالى. # وصحح الإباضية مناكحة مخالفيهم والتوارث بينهم، وأجازوا شهادتهم. # وذهب الإباضية إلى أن دماء مخالفيهم حرام، وإن أسروا ذلك في أنفسهم ولم ~~يعلنوه. # واستحل الإباضية من غنائم المسلمين الخيل والسلاح، وسواهما من أدوات ~~الحرب وأسباب القوة، دون الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابهما عند ~~الغنيمة. # ويقول الإمام محمد أبو زهرة عن الإباضية: " وهم أكثر الخوارج ms0083 اعتدالا، ~~وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو؛ ولذلك ~~بقوا، ولهم فقه جيد، وفيهم علماء ممتازون، ويقيم طوائف منهم في بعض واحات ~~الصحراء الغربية، وبعض آخر في بلاد الزنجبار، ولهم آراء فقهية، وقد اقتبست ~~القوانين المصرية في المواريث بعض آرائهم، وذلك في الميراث بولاء العتاقة، ~~فإن القانون المصري أخره عن كل الورثة حتى عن الرد على أحد الزوجين، مع أن ~~المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية ويسبق الرد على أصحاب ~~الفروض الأقارب ". # * ثانيا: الشيعة # نشأ المذهب الشيعي -كما ألمحنا إلى ذلك آنفا- كنتيجة مباشرة لإشكالية ~~الإمامة التي # PageV01P112 # أورثت الجماعة الإسلامية شيئا غير قليل من الفرقة والاختلاف، ومزقتهم ~~شيعا وأحزابا متصارعة. # ولم يكن لدى أعضاء هذا الحزب في مبدأ ظهوره تصور محدد أو فكرة واضحة عن ~~نظرية الإمامة، غاية الأمر أن ثمة من المسلمين من رأى أن عليا أحق بالخلافة ~~من سائر أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، وأنه أولى قرابته بها، فيذكر ابن ~~أبي الحديد شارح نهج البلاغة أن من الصحابة من فضلوا عليا، وذهبوا إلى ~~القول بأن الخلافة حق له، منهم: عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر ~~الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وأبو ~~أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبو الهيثم بن التيهان، ~~والعباس بن عبد المطلب وبنوه، وبنو هاشم كافة. # تلك هي الفكرة المبدئية التي قام على أساسها مذهب الشيعة، ثم تطورت هذه ~~الفكرة نتيجة عوامل متباينة إلى نظرية لها أصول محددة وقواعد مجمع عليها من ~~جانب الشيعة. # وأول هذه العوامل: الشعور العاطفي الذي خامر نفوس أكثر المسلمين بسبب ~~الاضطهاد الذي وقع على آل بيت النبي عامة، وآل علي خاصة، والأحداث المحزنة ~~التي تعاقبت على علي وآله، ونستطيع أن نلتمس هذه الأحداث في " مصرع علي على ~~يد الخوارج، ثم في التياث (1) الأمر على ابنه الحسن، وتخاذل الناس عن نصرته ~~حتى اضطر إلى التسليم، ثم في موته في ظروف مريبة غامضة يرى شيعته أنها من ~~تدبير أعدائه، ms0084 فبموته ضاع الأمل الذي كان باقيا في أن حقه ربما كان سيعود ~~إليه بعد وفاة معاوية. ثم في قسوة زياد -الذي ألحقه معاوية بنسبه- على رجال ~~الشيعة واضطهاده لهم، وإرساله حجر بن عدي -من زعمائهم ومن أشراف العرب ومن ~~خير الناس تقوى وعبادة، وأبطال فتح نهاوند- إلى الشام ليقتل؛ وذلك لاتهامه ~~بأنه كان يعمل لإحداث ثورة في الكوفة، ثم في تقرير معاوية العهد لابنه ~~يزيد، فأغلق الباب نهائيا على أي أمل في عودة أبناء علي إلى الخلافة. # وأخيرا وهذه هي الطامة الكبرى والفاجعة التي حفرت في قلوب الشيعة وقلوب ~~المسلمين آثارا عميقة من الحزن واللوعة، لا يمكن أن يمحوها الزمن: ألا وهي ~~مقتل الحسين. كل هذه الأحداث أو المآسي المتتابعة هي التي كونت فرقة الشيعة ~~ودفعتهم إلى إنتاج آرائهم، وأعطتهم هذه القوة التي جعلت منهم أكبر هيئة في ~~المعترك السياسي الديني، PageV01P113 # ومكنتهم من أن يصيروا الحزب الخالد الذي لا يزال باقيا بتمام قوته ووجوده ~~إلى اليوم ". # إذن فقد أسهمت هذه الأحداث المفجعة في تكوين فرقة الشيعة وفي إنتاج ~~آرائها في السياسة ثم في العقيدة، وبين أن هذا العامل التاريخي يستند على ~~الشعور والوجدان أكثر مما يقوم على البرهان والحجة. # وثمة عامل آخر ساعد بشكل كبير على قوة التيار الشيعي، ومنحه ذيوعا ~~وانتشارا، وتأثيرا في الحياة السياسية، ألا وهو انضمام الموالي الفرس إلى ~~الحركة الشيعية. # والحق أن فكرة الشيعة عن الخلافة وما ذهبوا إليه من ضرورة تخصيصها بعلي ~~وبنيه لاءمت إلى حد كبير نظرية الحق الملكي المقدس التي اعتنقها الفرس؛ ~~يقول الأستاذ دوزي موضحا حقيقة هذا العامل: " إن الشيعة فرقة فارسية في ~~حقيقتها وجوهرها. . . إن الفارسي لم يكن يستطيع أن يتصور أن يوجد خليفة ~~بالانتخاب، فهذه الفكرة غير معهودة له وغير معقولة، وإنما المبدأ الوحيد ~~الذي يمكنه أن يفهمه هو مبدأ الوراثة، وكل الذي كان هو في حاجة إليه، وقد ~~تغيرت بيئته واعتنق دينا جديدا، هو أن ينقل ولاءه ويحول وجهة شعوره من ~~أفراد أسرة مقدسة إلى أخرى. فليس من المبالغة إذن في ms0085 شيء -وإن كان الدافع ~~ونوع العاطفة ولا شك مختلفين وكان حدوث العملية غير شعوري- أن يقال: إن " ~~البيت النبوي "، وقد مثله آل علي، قد حل في قلوب الفرس واعتبارهم محل بيت ~~آل ساسان ". # ويسعنا أن نضيف سببا آخر يفسر لنا انضمام الفرس إلى الشيعة وهو دفاعهم ~~عما رأوه حقا لعلي وبنيه، وهو اضطهاد الأمويين للموالي والذي أورثهم شعورا ~~مؤلما بانخفاض مستواهم المعيشي، وتدني مكانتهم الاجتماعية عن العرب. # نتج عن العوامل السابقة مجتمعة تطور الفكرة الشيعية وتبلور ملامحها، وغدا ~~للشيعة رأي محدد في الإمامة ذكره ابن خلدون فقال: " إن الإمامة ليست من ~~المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم، بل هي ~~ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها ولا تفويضها إلى الأمة، ~~بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وإن عليا ~~- رضي الله عنه - هو الذي عينه صلوات الله # PageV01P114 # وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها ~~جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد ~~عن تأويلاتهم الفاسدة ". # * أبرز فرق الشيعة: # يطلق مصطلح الشيعة على فرق عدة منها المتطرف ومنها المقتصد، عد منها ~~البغدادي عشرين فرقة اعتبرها معدودة في فرق الأمة، وما سوى هذه الفرق ~~العشرين، فليسوا من فرق الإسلام وإن كانوا منتسبين إليه. # ونكتفي هاهنا بذكر أبرز فرق الشيعة: # * الزيدية: # تنسب هذه الفرقة إلى زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان زيد ~~قد خرج على هشام بن عبد الملك بالكوفة فقتل وصلب، ويقول المسعودي في سبب ~~خروجه: # كان زيد دخل على هشام، فلما مثل بين يديه لم ير موضعا يجلس فيه فجلس حيث ~~انتهى به المجلس، وقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله ولا ~~يصغر دون تقوى الله، فقال هشام: اسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في ~~الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك جوابا إن أحببت ~~أجبتك به، وإن أحببت سكت عنه، ms0086 فقال هشام: بل أجب قال: إن الأمهات لا يقعدن ~~بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأم إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن ~~يبعثه الله نبيا، وجعله الله للعرب أبا، فأخرج من صلبه خير البشر محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وابن علي، وقام وهو ~~يقول: # شرده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد # منخرق الكمين يشكو الجوى ... تنكثه أطراف مرو حداد # PageV01P115 # قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد # إن يحدث الله له دولة ... يترك آثار العدا كالرماد # فمضى إلى الكوفة وخرج عنها، ومعه القراء والأشراف، فلما قامت الحرب انهزم ~~عنه أصحابه، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتل بهم أشد قتال وهو يقول متمثلا: # أذل الحياة وعز الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # فإن كان لابد من واحد ... فسيري إلى الموت سيرا جميلا # وانتهى الأمر بقتله. # والحق أن الزيدية أقرب فرق الشيعة إلى الجماعة الإسلامية وأكثرها ~~اعتدالا؛ فهي لم ترفع الأئمة إلى مرتبة النبوة، بل لم ترفعهم إلى مرتبة ~~تقاربها بل اعتبروهم كسائر الناس، ولكنهم أفضل الناس بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والزيدية لا يؤمنون بأن الإمام الذي أوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قد عينه بالاسم والشخص، بل عرفه بالوصف، وأن الأوصاف التي عرفت تجعل ~~الإمام عليا - رضي الله عنه - هو الإمام من بعده؛ لأن هذه الأوصاف لم تتحقق ~~في أحد بمقدار تحققها فيه. وهذه الأوصاف توجب أن يكون هاشميا ورعا تقيا، ~~عالما سخيا، يخرج داعيا لنفسه، ومن بعد علي يشترط أن يكون فاطميا أي من ~~ذرية السيدة فاطمة رضي الله عنها. # * الإمامية: # وهم يجعلون الإمام بعد علي زين العابدين محمد الباقر لا زيد بن علي، وأهم ~~فرقهم الاثنا عشرية والإسماعيلية. # والاثنا عشرية هي الفرقة التي تقول باثنى عشر إماما، هم: علي المرتضى، ~~والحسن المجتبى، والحسين الشهيد، وعلي زين العابدين السجاد، ومحمد الباقر، ~~وجعفر الصادق، وموسى الكاظم، وعلي الرضا، ومحمد النقي، وعلي التقي، والحسن ~~العسكري الزكي، ومحمد المهدي ms0087 الذي اختبأ واختفى سنة 260 ه وما يزال مستورا ~~حتى يظهر في آخر الزمان؛ ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا. # PageV01P116 # أما الإسماعيلية فساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وزعموا أن الإمام بعده ~~ابنه إسماعيل، وإليه تنسب هذه الفرقة. # وافترقت الإسماعيلية فرقتين: # - فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت ~~إسماعيل في حياة أبيه. # - وفرقة قال: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن ~~جعفرا نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا ~~أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل. # وقد نشأ ذلك المذهب بالعراق كغيره من مذاهب الشيعة، واضطهد كما اضطهد ~~غيره، وقد فر المعتنقون له بتأثير الاضطهاد إلى فارس وخراسان، وما وراء ذلك ~~من الأقاليم الإسلامية كالهند والتركستان، وهناك خالط مذهبهم بعض آراء من ~~عقائد الفرس القديمة، والأفكار الهندية، وتحت تأثير ذلك انحرف كثيرون منهم ~~فقام فيهم ذوو أهواء؛ ولذلك حمل اسم الإسماعيلية طوائف كثيرة، بعضهم لم ~~يخرجوا عن دائرة الإسلام، وبعضهم انحرفوا بما انتحلوا من نحل لا يتفق ما ~~اشتملت عليه مع المقرر الثابت من الأحكام الإسلامية، وقد سموا الباطنية أو ~~الباطنيين؛ وذلك لاتجاههم إلى الاستخفاء عن الناس، الذي كان وليد الاضطهاد ~~أولا، ثم صار حالة نفسية عند طوائف منهم. # ومن الآراء الشاذة التي قال بها الإسماعيلية الباطنية: # - زعمهم أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل ~~طلبا للزعامة بدعوة النبوة والإمامة. # - تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا يورث تضليلا، فزعموا أن معنى ~~الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته وإدمان خدمته، والمراد بالصوم الإمساك ~~عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير ~~عهد وميثاق. # وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: ~~(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، وحملوا اليقين على معرفة التأويل. # PageV01P117 # كما زعموا أن تكاليف الدين وشعائره ليست إلا للعامة ولا يلزم الخاصة أن ~~يعملوا بها. # ويقول البغدادي موضحا خطر ms0088 الباطنية: " اعلموا -أسعدكم الله- أن ضرر ~~الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس، بل أعظم ~~من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي ~~يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور ~~دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره؛ لأن فتنة ~~الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يوما، وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل ~~والقطر. # الكيسانية والراوندية: # سميت الكيسانية بذلك نسبة إلى كيسان رئيس جند المختار ابن عبيد الله ~~الثقفي الذي خرج ودعا إلى محمد بن الحنفية. # ومنهم من يزعم أن محمد بن الحنفية لا يزال حيا بجبال رضوى. # ومنهم من قال: إن الإمام بعد ابن الحنفية ابنه عبد الله بن محمد أبو هاشم ~~الذي أوصى لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالإمامة، ومن ثم انتقلت ~~الإمامة من أبناء علي إلى أبناء العباس. # ومن الكيسانية نشأت الراوندية، حيث أوصى محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس إلى ابنه إبراهيم، وإبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس السفاح مؤسس ~~الدولة العباسية. # والراوندية فرقة تشيعت للعباسيين ولم تكتف بمدح العباس بل أنكروا على أبي ~~بكر وعثمان أن تقلدوا الخلافة مع وجود العباس، وأنه ما كان يجوز لأحد أن ~~يتولاها إلا العباس وعلي؛ لأن العباس أذن له فيها. # بل ذهبوا إلى أبعد من هذا حينما قال بعضهم بالتناسخ، أي: حلول روح آدم في ~~زعيم لهم، وروح جبريل في آخر. # PageV01P118 # * ثالثا: المرجئة # يوشك إجماع المؤرخين والمهتمين بعلم الكلام أن ينعقد على أن ظهور المرجئة ~~كفرقة لها قسماتها الفكرية المميزة وآراؤها العقدية المغايرة للمألوف آنذاك ~~- قد ارتبط ارتباطا مباشرا بمغالاة الخوارج في تكفير مخالفيهم، والنظر إلى ~~مرتكب الكبيرة على أنه كافر، تخرجه ذنوبه من دائرة الإيمان والإسلام جميعا، ~~واعتبار العمل جزءا من إيمان صاحبه، وأن الفصل بينهما فصل بين مرتبطين ~~ضرورة. # وعلى العكس من معتقد الخوارج، ذهبت المرجئة إلى أن الإيمان عقد بالقلب، ~~وإن أعلن الكفر بلسانه ms0089 بلا تقية وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية ~~في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل ~~الإيمان عند الله عز وجل وولي لله عز وجل، من أهل الجنة. # ولما كان الإيمان عند المرجئة غير مرتبط بعمل الجوارح قال مقاتل بن ~~سليمان -وكان من كبار المرجئة-: لا يضر مع الإيمان سيئة جلت أو قلت أصلا، ~~ولا ينفع مع الشرك حسنة أصلا. # وذهب عبد القاهر البغدادي إلى أن سبب تسميتهم بالمرجئة من الإرجاء بمعنى ~~التأخير؛ لأنهم أخروا العمل عن الإيمان، بيد أن الراجح لدينا فيما يتصل ~~بأمر التسمية، أنهم سموا بذلك؛ لأنهم يرجئون الحكم على صاحب الكبيرة إلى ~~يوم الدين، ويفوضون أمره إلى ربه. # ونحسب أن هذا الرأي يستقيم مع الملابسات التاريخية التي واكبت نشأة ~~المرجئة في المجتمع الإسلامي، فهم قد ظهروا في عصر غلبت عليه نزعة تكفير ~~الخصوم، أو على أقل تقدير نسبتهم إلى الفسوق والعصيان والمخالفة عن أوامر ~~الله، أما الخوارج فيكفرون عثمان وعليا والقائلين بالتحكيم، وثمة من الشيعة ~~من يكفر أبا بكر وعمر وعثمان، والفريقان جميعا -الشيعة والخوارج- يكفرون ~~الأمويين ويعدونهم مغتصبين للخلافة، # PageV01P119 # والأمويون يقاتلون الجميع ويرون أنهم ضالون مضلون، " فظهرت المرجئة تسالم ~~الجميع، ولا تكفر طائفة منهم، وتقول: إن الفرق الثلاث: الخوارج والشيعة ~~والأمويين مؤمنون، وبعضهم مخطئ وبعضهم مصيب، ولسنا نستطيع أن نعين المصيب، ~~فلنترك أمرهم جميعا إلى الله، ومن هؤلاء بنو أمية، فهم يشهدون أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، فليسوا إذن كفارا ولا مشركين، بل مسلمين ~~نرجىء أمرهم إلى الله الذي يعرف سرائر الناس ويحاسبهم عليها ". # والحق أن هذه الفرقة قد وجدت لنفسها من مواقف بعض الصحابة تجاه الفتنة ~~مستندا دعمت به وجهة نظرها، بل يصح لنا أن نعتبر مواقف هؤلاء الصحابة ~~البذرة الأولى التي نبتت منها المرجئة، وتفصيل ذلك أن ثمة من الصحابة فئة ~~لما رأوا الفتنة محدقة بالمسلمين، ومقالة الكفر فاشية بين الناس جارية على ~~ألسنتهم يرمون بها كل أحد مهما علا قدره وتميزت مكانته -: اعتصمت ms0090 هذه الفئة ~~من الصحابة بالصمت، وأحجمت عن الانخراط في الفتنة، وتمسكت بحديث أبي بكرة ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ستكون فتن: القاعد فيها خير من ~~الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له ~~إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق ~~بأرضه، فقال رجل: يا رسول الله، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع ~~النجاة ". # ومن الصحابة الذين امتنعوا عن المشاركة في الفتنة عملا بحديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: سعد ابن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو بكرة راوي ~~الحديث وعمران بن الحصين، وروي أن سعد بن أبي وقاص كان يقول إذا سئل ~~القتال: " لا أقاتل حتى تأتوني بسيف يقول: هذا مؤمن وهذا كافر ". # " وبهذا أرجئوا الحكم في أي الطائفتين أحق، وفوضوا أمورهم إلى الله ~~سبحانه وتعالى. وقد قال النووي في ذلك: " إن القضايا كانت بين الصحابة ~~مشبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم ~~يقاتلوا، ولم يتيقنوا # PageV01P120 # الصواب ". # إن الحقيقة التي ينبغي التنويه بها والإشارة إليها في هذا المقام، أن ~~فرقة المرجئة على الرغم من خروجها من رحم الأحداث السياسية، فإنها مذهب ~~ديني فلسفي، موضوعه البحث عن حقيقة الإيمان وعلاقة العمل به، وكانت الغاية ~~التي تهدف إليها -أصلا- الامتناع عن التسرع في إصدار الأحكام على أعمال ~~الصحابة والتابعين، ولا سيما تلك التي صدرت في خلال المنازعات التي وقعت ~~بينهم، فنظرة هذا المذهب إذن كانت إلى الماضي، وكان حكمه على أعمال ~~تاريخية. # وقد صور ثابت قطنة -شاعر المرجئة- عقيدة الإرجاء خير تصوير في قصيدة له، ~~نجتزئ منها بهذه الأبيات: # يا هند فاستمعي لي إن لسيرتنا ... أن نعبد الله لم نشرك به أحدا # نرجي الأمور إذا كانت مشبهة ... ونصدق القول فيمن جار أو عندا # المسلمون على الإسلام كلهم ... والمشركون استووا في دينهم قددا # ولا أرى ms0091 أن ذنبا بالغ أحدا ... م الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا # * بدع المرجئة وضلالهم: # إن تحرج المرجئة من الحكم على أعمال الصحابة، وتأثمهم من تكفير صاحب ~~الكبيرة يحمد لهم من غير مماراة، وهم في ذلك لا يخالفون المسلمين من حيث ~~تفويض أمر مرتكب الكبيرة إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء تغمده برحمته ~~وأدخله الجنة. # بيد أن المرجئة المتأخرين قد بالغوا في فصل الإيمان عن العمل، فأتوا بدعا ~~وضلالات تخرجهم من دائرة الإسلام أصلا، فزعموا -كما أشرنا في صدر الحديث ~~عنهم- أنه لا يضر مع الإيمان ذنب جل أو صغر، كما لا يجدي مع الشرك والكفر ~~طاعة، فالإيمان في القلب واللسان، وهو المعرفة بالله تعالى، والمحبة ~~والخضوع له بالقلب. # PageV01P121 # وزعم أبو الحسين الصالحي أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا ~~الإيمان به وهو معرفته، والإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة. # بل إن بعضهم زعم أن لو قال قائل: أعلم أن الله قد حرم أكل الخنزير ولا ~~أدري هل الخنزير الذي حرمه هو هذه الشاة أو غيرها، كان مؤمنا. # ولو قال: أعلم أنه قد فرض الحج إلى الكعبة، غير أني لا أدري أين الكعبة ~~ولعلها بالهند كان مؤمنا، ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء ~~الإيمان لا أنه شاك في هذه الأمور، فإن عاقلا لا يستجيز عقله أن يشك في أن ~~الكعبة إلى أي جهة هي، وأن الفرق بين الشاة والخنزير ظاهر. # على هذا النحو هون المرجئة من شأن العمل، وجعلوا الإيمان مجرد التصديق ~~القلبي، وإن دل عمل الجوارح على خلافه. # فلا غرو أن أطمع هذا المذهب الفساق في عفو الله، واتخذوا من أقوال ~~المرجئة ذريعة يبررون بها آثامهم، حتى غدا الإرجاء دين المستهترين وعقيدة ~~المذنبين، وقد أثر عن زيد ابن علي بن الحسن أنه قال: " أبرأ من المرجئة ~~الذين أطمعوا الفساق في عفو الله ". # والخلاصة أن المرجئة ينقسمون إلى قسمين: # قسم: توقف في الحكم على أعمال الصحابة، وتحرج من تصويب مواقفهم أو ~~تخطئتها. # والقسم الثاني: منكر لأن ms0092 يكون العمل جزءا من الإيمان، وأن عفو الله يسع ~~الصالحين والمذنبين جميعا، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع ~~الشرك طاعة. # * * * # PageV01P122 # * الفصل الثاني # المذاهب الاعتقادية # * توطئة: # امتاز الإسلام بعقيدته الواضحة الصافية، التي تخاطب العقل والوجدان ~~جميعا، وتسلك في سبيل إقناع الناس بها طريقا وسطا بين المنطق والعاطفة لا ~~تجد فيه أمتا ولا عوجا، ولسنا نقصد بالمنطق ذلك العلم الذي تقررت أصوله ~~وتحددت قواعده لدى اليونان، واتسم بغير قليل من الغموض والتعقيد، وإنما ~~نريد به لفت العقول المستقيمة إلى ما يغص به الكون الفسيح من أعلام واضحة ~~وأدلة مقنعة على وجود الله وقدرته ووحدانيته، والتي لا تملك هذه العقول ~~أمامها إلا الإذعان والتسليم؛ قال تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض)، وقال كذلك: (وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون (21) والحق أن الآيات التي تؤدي هذا المعنى وتلفت إليه في ~~القرآن الكريم أكثر من أن تحصى. # ولا ريب أن وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين يميط ~~اللثام لصحابته عما التبس عليهم من مسائل العقيدة، ويجيب عما يضطرب في ~~نفوسهم وضمائرهم من أمور مشكلة قد اشتبهت عليهم - قد عصم المسلمين من ~~التردي في هوة الخلاف والجدل الذي ينفي من القلوب يقين الاعتقاد، ويبث فيها ~~بذور الشك والارتياب. # وتدلنا الآثار الصحيحة أن شيئا من التفكير في أصول الدين والنظر في بعض ~~مسائله قد مس عقول نفر من الصحابة مسا رفيقا، وإن لم يمعنوا النظر أو ~~يوغلوا في الدرس، فقد روي أن أحد الصحابة حين أخبرهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن كل إنسان قد كتب مقعده من النار أو الجنة قال: ففيم العمل إذن ~~يا رسول الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ~~". # وروي أيضا عن أبي ذر الغفاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أخبره ~~بأن من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، سأله أبو ذر بقوله: وإن ~~زنى وإن سرق؟ فقال - صلى الله عليه وسلم ms0093 -: " وإن زنى وإن سرق ". # PageV01P123 # ومن الواضح أن السؤال الأول كان يتصل بالقدر ومشكلة التكليف، والثاني ~~يتصل بحكم صاحب الكبيرة. # ولم تكن هذه التساؤلات من جانب الصحابة للرسول الكريم عن رغبة في الجدال ~~المذموم وإثارة للشبهات التي يأباها الإسلام، بل كانت صادرة -هي وغيرها- عن ~~رغبة صادقة ونزعة مخلصة في فهم الدين وتدبر مراميه، حتى يكون حظ الاقتناع ~~العقلي في الإيمان به أوفر من حظ الجهل والتقليد. # فإذا كان هذا هو حال المؤمنين الصادقين في طرح الأسئلة على النبي فيما ~~يتصل بالقدر وصلتها بالعقيدة بينة، فإن ثمة من المشركين من أثاروا هذه ~~المسألة لا يريدون بها إلا الفتنة، فقال الله فيهم: (هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ~~أولو الألباب (7). # وقد اتخذ أولئك من القول بالقدر ذريعة تسوغ لهم الإشراك بالله؛ قال ~~تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148). # ومهما يكن من أمر هؤلاء المشركين، فإن العقيدة الإسلامية على عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - اتسمت بما أشرنا إليه قبل قليل من القوة والوضوح ~~والصفاء، وما كان لشبه المشركين أن تزعزع الإيمان بها أو اليقين فيها، لا ~~سيما وقد التزم المسلمون المنهج السديد في النظر إلى العقائد وأصول الدين، ~~وهو منهج يقوم على التسليم بما ورد في كتاب الله دون المماراة فيه أو ~~تأويله، وتفويض أمر المتشابه إلى الله سبحانه وتعالى، وحسبك شاهدا على صدق ~~مقالتنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بوجوب الإيمان بالقدر ~~ونهى عن الخوض فيه؛ " لأن الخوض فيه مضلة للأفهام ومزلة للأقدام، وحيرة ~~للعقول في مضطرب من المذاهب ms0094 والآراء، وذلك يدفع إلى الفرقة والانقسام، ولأن ~~إثارة الجدل فيه إثارة في أمر ليس في سلطان المجادل الإقناع به، وليس بيد ~~أحد من الأدلة العقلية ما يحسم به الخلاف، ويقطع # PageV01P124 # في الموضوع ". # فلا غرو أن كان المسلمون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد ~~وفاته بقليل على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر ~~نفاقا على حد تعبير البغدادي. # ويسعنا أن نضيف إلى ما سلف أن المسلمين في عهد أبي بكر الصديق قد شغلوا ~~بقمع المرتدين، وفتح الأمصار والأقاليم لنشر الدعوة الإسلامية وبثها في ~~الآفاق، فصرفوا إلى الدعوة نفسها أكثر مما عنوا بالنظر فيها والجدال حولها. # بيد أن الفتح نفسه وما ترتب عليه من اتساع رقعة الإسلام كان عاملا من ~~عوامل الاختلاف حول العقائد الإسلامية، وسببا أصيلا من أسباب الشقاق الفكري ~~الذي صار معلما بارزا من معالم الحياة الإسلامية حتى الآن، على نحو ما سوف ~~نشير إليه بعد قليل. # نعم المسلمون بتلك الحالة التي أشرنا إليها من الاستقرار الديني والهدوء ~~الفكري مدة خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب وشطرا من خلافة عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنهم أجمعين - وعرف الاختلاف طريقه إلى المسلمين منذ عهد عثمان ~~نفسه، وكان مقتله ذروة هذا الاختلاف الذي تجاوز المناقشات الفكرية ~~والحوارات الهادئة إلى المناجزة العنيفة في ميادين القتال وساحات الوغى، ~~ونشأ من هذه وتلك فرق سياسية اصطرعت حول " مبدأ الخلافة "، وأدلى كل منها ~~بما يحسبه صوابا في ميدان السياسة، وهي: الشيعة والخوارج ثم المرجئة ويمكن ~~أن يضاف إليها الحزب الأموي " وهذه الأحزاب وإن كانت في الواقع سياسية، إلا ~~أنها لم تتخذ الشكل السياسي البحت، بل اصطبغت بصبغة دينية قوية، وصار كل ~~حزب سياسي فرقة دينية، وصار الذين يقتتلون سياسيا يقتتلون دينيا، ولكل حزب ~~أدلته الدينية التي يؤيد بها رأيه، وأخذ كل حزب يؤول في القرآن حسبما يوافق ~~نزعته ورأيه ". # وأثارت هذه الفرق مسألة مرتكب الكبيرة، واحتدم النزاع فيما بينها حول ~~نسبته إلى الكفر أو الإيمان، وهل هو كافر ms0095 مخلد في النار أم مؤمن يدخله الله ~~برحمته الجنة، " ولقد ساقهم الخلاف في هذه المسألة إلى الخلاف في تعريف ~~الكفر والإيمان والكبائر والصغائر ونحو ذلك، وتكون من كل منهم فرق لها ~~آراؤها في الأصول والفروع مما كان أساسا فيما بعد لعلم الكلام ". # PageV01P125 # * الصدام الفكري بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى: # لم يكد القرن الأول الهجري ينتهي حتى كان المسلمون قد ضموا إلى دولتهم ~~أقطارا شاسعة متباينة في الدين والعقيدة تباينها في نمط الحياة وطريقة ~~العيش، ففتحت بلاد العراق وفارس وما وراءهما، والشام ومصر وما يليهما، ~~وأوغل المسلمون في الفتح فعبروا المحيط الأطلسي إلى أوربا ومدوا نفوذهم إلى ~~الأندلس. # والحق أن حركة الفتوحات هذه قد امتد تأثيرها ليشمل إلى الجوانب السياسية ~~والاقتصادية الدين والعقائد وما يرتبط بهما من شئون الفكر وألوان الثقافة، ~~وذاك أمر ما نعلم أن أحدا من الدارسين أو الباحثين قد شكك فيه أو غض الطرف ~~عنه، بل جل الباحثين الذين ينظر إليهم بعين الاحترام والاعتبار قد أرجعوا ~~نشأة علم الكلام والتفكير الفلسفي في الإسلام إلى هذا السبب، بالإضافة إلى ~~أسباب أخرى أشرنا إلى بعضها وقد نشير فيما بعد إلى بعضها الآخر، ولا غرابة ~~في ذلك إذا نحن علمنا أن هذه البلاد المفتوحة لها عقائدها ودياناتها ~~وثقافاتها المختلفة فتجد النصرانية في مصر والشام والعراق وإفريقية، وتطل ~~عليك اليهودية من العراق وشمال الحجاز، ولو قد مددت ببصرك إلى فارس وما ~~وراء النهر لرأيت الزرادشتية والمانوية والمزدكية، وتستطيع أن تقف في غير ~~ما صعوبة ومشقة على الفلسفة اليونانية منبثة في ثنايا هذه الأقطار. # إذا علمت ذلك كله -وما نحسب ذلك أمرا عسيرا- فإنك لا محالة تتبين أثر هذه ~~الثقافات المختلفة والديانات المتباينة في العقيدة الإسلامية، ومدى ما ~~أسهمت به في تطورها عما كانت عليه في العهد الأول، وما أضافته إلى البحث ~~الديني والإسلامي من مسائل وأفكار لم يكن للمسلمين عهد بها ولا تفكير فيها، ~~ودونك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة: # تحدث اليهود في النسخ ولم يجيزوا القول به، فالشريعة عندهم ابتدأت بموسى ~~وتمت ms0096 به، واهتموا بمسائل الذات والصفات إذ وجدوا في توراتهم ما يدعو إلى ~~ذلك من النزول عند طور سيناء انتقالا، والاستواء على العرش استقرارا، وجواز ~~الرؤية وغير ذلك. # كما ناقش اليهود فكرة القدر وانقسموا حولها إلى فريقين: فريق يرى الجبر ~~والاستسلام، وفريق يرى القدرة والاختيار. # وقال اليهود بالرجعة، فزعموا أن هارون مات وسيرجع، ومنهم من قال: غاب ~~وسيرجع. # PageV01P126 # أما النصارى ففي ثقافتهم الدينية مسائل يدلنا النظر في علم الكلام أن ~~المسلمين قد تأثروا بها مثل مسألة الحشر، وهل يكون للأبدان والأرواح أو ~~للأرواح فقط، وهل صفات الله زائدة عن ذات الله أو هو هي، وهل ينزل المسيح ~~قبل يوم القيامة أو لا ينزل، وحرية الإنسان في إرادته أو القدر إلى غير ذلك ~~مما ظهر الخلاف فيه بين فرق المسلمين. # وإلى المانوية والمزدكية والزرادشتية يرجع الأثر الأكبر في كثير من ~~الأفكار المنحرفة التي عرفتها الثقافة الإسلامية: كالتناسخ والحلول ~~والاتحاد. # " وكان الفرس ينظرون إلى ملوكهم نظرة إلهية وكانوا يعتقدون أن الله ~~اصطفاهم للحكم بين الناس، وخصهم بالسيادة، وأنهم ظل الله في أرضه. . . وهذه ~~النظرة تأثر بها الشيعة في علي وأبنائه واعتقادهم أنهم أحق بالخلافة دون ~~سواهم ". # ولا أحسبني في حاجة إلى إقامة الأدلة والتماس البراهين على انتقال هذه ~~الأفكار وغيرها إلى العقيدة الإسلامية، وأثرها في نشأة علم الكلام نفسه عند ~~المسلمين، فنظرة سريعة في مصنفات هذا العلم تدلك على هذا في وضوح وجلاء، ~~ولسنا حين نقرر ذلك بدعا بين الباحثين الذين سبقوا إلى مثل رأينا حتى غدا ~~محل إجماعهم ولقي من القبول والتأييد أكثر مما صادف من الإنكار والمعارضة. # إن انتقال مسائل العقائد الدينية لدى الأمم التي أسلفت ذكرها أمر فرضه ~~واقع حياة المجتمع الإسلامي نفسه الذي كان مسرحا لديانات مختلفة، دعت ~~تعاليم الإسلام إلى احترامها وعدم جدال أصحابها إلا بالتي هي أحسن، ونهى ~~المسلمين عن فرض دينهم على مخالفيهم؛ قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي) " وبتقرير الإسلام لهذا المبدأ أصبح للكثيرين من أهل ~~هذه الديانات أن يقيموا ms0097 بين المسلمين على عقائدهم القديمة، في نظير مبلغ من ~~المال يدفعه القادر منهم لأجل حمايته والدفاع عنه، وتمتعه بما يتمتع به ~~المسلمون من حقوق، بل لقد طمع بعضهم في أن يحولوا بعض المسلمين إلى ~~دياناتهم بينما كان المسلمون؛ من جانبهم جاهدين في نشر الدعوة الإسلامية ~~ورفع رايتها، وكان يقوم بهذه المهمة علماء مبرزون في العواصم الكبرى ~~للأقطار التي فتحها المسلمون؛ فثار بذلك خلاف بين المسلمين وبين أهل هذه ~~الديانات كان سببا في تبادل الأفكار بين الفريقين ". # PageV01P127 # ويسعنا أن نضيف إلى ذلك أن ثمة من أهل هذه الديانات من أسلم بلسانه ولم ~~يطمئن قلبه للإسلام؛ رغبة في الكيد له والطعن فيه، بل إن من أسلم منهم ~~صادقا مزج -عن غير قصد الإساءة- بين العقيدة الإسلامية، وما درج عليه من ~~عقائد دينه القديم، فأسهم بغير شك في تطوير العقيدة الإسلامية، وتغييرها. # أمست العقيدة الإسلامية -لما أسلفنا من أسباب- مفتقرة إلى من ينافح عنها ~~ضد خصومها من أهل الديانات الأخرى، الذين طمسوا معالمها أو كادوا، وشوهوا ~~صفاءها ونقاءها، بما ألصقوه بها من آراء غريبة عنها وأفكار مناقصة لها، بل ~~إن حاجة العقيدة الإسلامية إلى من يدافع عنها فاقت حاجتها لمن يدعو لها ~~ويروج لمبادئها. # ودعت الظروف الفكرية التي أحاطت بالمسلمين آنذاك إلى أن يتسلح من ندبوا ~~أنفسهم للدفاع عن العقيدة الإسلامية بأسلحة الخصوم نفسها وهي المنطق ~~والفلسفة وأدوات الحجاج العقلي والصراع الجدلي؛ إذ كان من أهل الديانات ~~المناوئة للإسلام من حذق الفلسفة اليونانية واصطنع أدواتها في تقرير عقائده ~~والدعوة لها، " وهكذا خاض المسلمون منذ عصر الأمويين في العقائد بمنهج جدلي ~~عقلي غير ملتزمين بمنهج الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أدى هذا الاتجاه إلى ~~اختلاف المسلمين ووجود الفرق المختلفة التي حاولت كل منها أن تظهر رأيها ~~على أنه الصورة الحقيقية للعقيدة الإسلامية الصحيحة عن طريق جذب النصوص ~~الشرعية إلى رأيها الخاص، وقد وجدوا في المتشابه مجالا لذلك، فأخذوا يؤولون ~~ويخرجون النصوص تخريجا يجعلها سندا لهم ". # وننناول الحديث عن أهم هذه الفرق فيما يلي: # * أولا: المعتزلة # أشرنا ms0098 آنفا إلى أن العقيدة الإسلامية قد مست حاجتها إلى من ينافح عنها، ~~ويدحض شبه الطاعنين فيها من أهل الديانات الأخرى، وأن من يقوم بهذه المهمة ~~ينبغي عليه أن يقف على أدوات الحجاج العقلي ووسائل الجدل التي أتقنها ~~الخصوم، وهي المنطق والفلسفة، والحق أن المعتزلة قد قاموا بهذه المهمة خير ~~قيام، وأسهموا في ميدان الدفاع عن الإسلام وتبيين عقائده والاستدلال لها ~~استدلالا عقليا ممتازا - ما يحمد لهم، ويذكر في كفة حسناتهم بغير قليل من ~~الإكبار والاحترام، " فالمعتزلة تعد من أوائل الفرق الكلامية التي نظرت في ~~العقائد وأيدتها بالبراهين العقلية، وخاضت في الجدل والكلام، وبرعت في # PageV01P128 # مناظرة الخصوم وإفحامهم ". # وينتظم حديثنا عن هذه الفرقة الكلامية عدة محاور: # * أولا: النشأة وسبب التسمية. # * ثانيا: مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة. # ثالثا: منهج المعتزلة في درس العقائد. # رابعا: الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة. # أولا: النشأة وسبب التسمية: # تنسب هذه الفرقة -كما هو مقرر معلوم- إلى واصل بن عطاء (80 - 131 ه) الذي ~~كان تلميذا للحسن البصري أشهر علماء زمانه وأبرزهم. # وثمة خلاف شجر بين الدارسين حول سبب تسمية هذه الفرقة للمعتزلة، أثمر -أي ~~هذا الخلاف- ثلاثة آراء متباينة لا بأس من ذكرها، ثم نختار من بينها ما ~~نراه صوابا. # أما الرأي الأول: فيذكره الشهرستاني صاحب الملل والنحل، حيث روى أن رجلا ~~دخل على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدين: لقد ظهرت في زماننا جماعة ~~يكفرون أصحاب الكبائر وهم الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة ~~عندهم لا تضر مع الإيمان؛ لأن العمل عندهم ليس ركنا من الإيمان، فلا يضر مع ~~الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا ~~في ذلك اعتقادا؟ ففكر الحسن في هذه المسألة وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء ~~-الذي كان حاضرا مجلس الحسن البصري-: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن ~~مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا مؤمن ولا كافر، ~~ثم قام واعتزل مجلس الحسن إلى مكان آخر من المسجد، فلما ms0099 رآه الحسن وبعض ~~أصحابه قال: # اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو وأصحابه معتزلة. # والرأي الثاني حكاه المسعودي في مروج الذهب حيث قال: سموا بذلك؛ لأنهم ~~قالوا باعتزال صاحب الكبيرة، فيكون الاعتزال وصفا لمرتكب الكبيرة في الأصل، ~~وسميت به الفرقة؛ لأنها جعلت مرتكب الكبيرة يعتزل المؤمنين والكافرين. # PageV01P129 # أما الرأي الثالث: فقد ذكره البغدادي حين قال: سموا بذلك؛ لأنهم اعتزلوا ~~قول الأمة، فالخوارج كانوا يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، والمرجئة ~~يقولون: إنه مؤمن، والحسن البصري -وهو ممثل علماء التابعين آنذاك- يرى أنه ~~فاسق وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام. # والذي نميل إليه ونأخذ به هو الرأي الثالث؛ " لأن التسمية فيه تكون ~~متعلقة بالجوهر وهو الآراء، لا بالعرض وهو انتقال واصل ومن معه من حلقة من ~~المسجد إلى حلقة أخرى؛ إذ إن هذا الانتقال الحسي ليس بالأمر الهام ذي الخطر ~~الذي من شأنه أن تسمى بسببه فرقة هامة كالمعتزلة ". # ومهما يكن من أمر فقد نشأت المعتزلة على يد واصل بن عطاء وفي ذلك يقول ~~طاش كبرى زاده: " وأول ما ظهر مذهب الاعتزال وشاع إنما ظهر من واصل بن ~~عطاء، أخذ الاعتزال عن الإمام أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية الذي ~~قيل: إنه كان أول من أحدث مذهب الاعتزال واخترعه هو وأخوه الإمام الحسن بن ~~محمد ابن الحنفية. . . ولكن ظهر واشتهر الاعتزال من واصل بن عطاء أبي حذيفة ~~المعروف بالغزال ". # وقدر لهذه الفرقة أن تملأ العالم وتشغل الناس، يؤمن بعقائدها الخلفاء ~~وأهل السياسة، فقد اعتقد آراءهم المأمون وحمل الناس عليها حملا، وامتحنهم ~~بها امتحانا، وتبعه المعتصم والواثق، فلما جاء المتوكل ناهض المعتزلة وأمر ~~الناس بترك النظر والمباحثة والجدال، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار ~~السنة والجماعة، بيد أن المتوكل لم يستطع أن يقضي على آراء المعتزلة ولم ~~يتمكن من اقتلاع أفكارهم من المجتمع الإسلامي، بل ظلت هذه الآراء والأفكار ~~باقية بعده، وبالرغم من العبث بتراثهم وإتلاف كتبهم، فإن آراءهم لا تزال ~~باقية حتى اليوم. # * ثانيا: مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة: # أشرنا فيما سبق إلى نشأة ms0100 الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء، فعدت ~~البصرة لذلك المركز الأول للمعتزلة والمدرسة الرائدة لهم. # PageV01P130 # بيد أن ثمة مركزا آخر ازدهر فيه الفكر الاعتزالي وغدا بمثابة المدرسة ~~الثانية للمعتزلة، ألا وهو " بغداد ". # والحق أننا لا نعرف على وجه اليقين تاريخ ظهور هذه المدرسة، وإن كان ~~الراجح لدينا أن هذا التاريخ لا يرجع إلى قبل عهد الرشيد، حيث ازدهرت بغداد ~~نفسها من الناحية العلمية منذ عهد الرشيد الذي أولى العلم عناية فائقة ~~وأنزل العلماء في دولته مكانا رفيعا، وبلغت مدرسة المعتزلة في بغداد أوج ~~ازدهارها وذروة نفوذها منذ عهد المأمون الذي تبنى الآراء الاعتزالية وحمل ~~الناس على الإيمان بها، وكانت سنة 218 ه سنة المحنة التي ابتلي فيها ~~المسلمون في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية، وطلب المأمون منهم أن يقروا ~~بخلق القرآن، وبحرية إرادة الإنسان وباستحالة رؤية الباري، ومن لم يفعل ذلك ~~حكم بكفره، ولم تقبل شهادته. # على هذا النحو كانت مدرسة البصرة الاعتزالية أسبق إلى الوجود الفكري ~~الإسلامي من مدرسة بغداد، وكانت الأخيرة بمثابة فرع للأولى. # وثمة فروق دقيقة نستطيع أن نتبينها بين المدرستين: # - أولها: أن مدرسة البصرة كانت أكثر نزوعا إلى الاستقلال الفكري من مدرسة ~~بغداد. # - ثانيها: أن شيوخ مدرسة بغداد كانوا أكثر اتصالا بالحياة السياسية ~~والعلمية من علماء مدرسة البصرة الذين كانوا منغمسين في بحوثهم العلمية ~~مكتفين بتفكيرهم الهادئ في العقائد الإسلامية. # ولا غرابة في ذلك، حيث إن بغداد هي حاضرة الخلافة العباسية ومركز الحكم، ~~ولخلفائها اتصال بالمعتزلة وإعجاب بآرائهم وحدب على شيوخهم. # - وثمة أمر ثالث يفرق بين المدرستين هو " أن مدرسة بغداد عرفت بالتعمق في ~~البحث والانتفاع بالآراء الفلسفية إلى أقصى حد؛ لشدة حركة الترجمة في ~~بغداد، فمثلا نرى ثمامة ابن أشرس يذهب إلى أن العالم برز من الله؛ لأن ~~طبيعة الله من شأنها الإيجاد بالطبع، ولا يمكن أن يتخلف ذلك، ولا شك أن هذا ~~الرأي يؤدي إلى القول بقدم العالم؛ لأن طبيعة الله لا تتغير، وثمامة في هذا ~~الرأي متأثر بآراء أرسطو في قدم العالم ". # PageV01P131 # على ms0101 هذا النحو كان تأثر معتزلي بغداد بالفلسفة اليونانية عظيما، ولقد ~~مزجوا هذه الفلسفة بدرس العقائد الإسلامية، على نحو ما سنعرف عند حديثنا عن ~~منهج المعتزلة. # وقد افترقت المعتزلة إلى اثنتين وعشرين فرقة وهي: الواصلية، والعمروية، ~~والهذلية، والنظامية، والأسوارية، والمعمرية، والإسكافية، والجعفرية، ~~والبشرية، والمرداوية، والهاشمية، والثمامية، والجاحظية، والخابطية، ~~والحمارية، والخياطية، وأصحاب صالح قبة، والمريسية، والشحامية، والكعبية، ~~والجبائية، والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم الجبائي. # فهذه -كما يذكر البغدادي- ثنتان وعشرون فرقة، فرقتان منها من جملة فرق ~~الغلاة في الكفر، وهما: الخابطية والحمارية، وعشرون منها قدرية محضة. # على أن ثمة أصولا مشتركة تؤلف بين هذه الفرق المختلفة، درج الباحثون على ~~نعتها بالأصول الخمسة، ونرجئ الحديث عنها بعد أن نلم بمنهج المعتزلة في درس ~~العقائد. # * ثالثا: منهج المعتزلة في درس العقائد: # أشرنا فيما سبق إلى أن للسلف - رضوان الله عليهم - طريقة في فهم العقيدة ~~تنهض على ساق من النصوص -القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة- وساق من ~~المعرفة العميقة باللغة العربية والفقه الواسع بأسرارها، ولم يكونوا ~~ينحرفون قليلا أو كثيرا عن هذا المنهج الذي أرسى دعائمه الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإذا ما اشتبه عليهم أمر من أمور العقيدة توقفوا فيه وفوضوا ~~أمره إلى الحق تبارك وتعالى. # ولسنا في حاجة إلى أن نقرر أن السلف الصالح قدموا النقل على العقل، وكانت ~~مهمة العقل لديهم مقصورة على فهم النصوص دون تأويل، فلا غرو أن كان العقل ~~تابعا للنقل أو النص أو الوحي، سمه ما شئت. # PageV01P132 # أما المعتزلة فقد خالفوا هذا المنهج، حيث اعتدوا بالعقل اعتدادا كبيرا، ~~فارتادوا بالمسلمين في فهم العقائد ودرسها طريقا جديدة لم يألفها المسلمون ~~ولا كان لهم عهد بها من قبل. # بيد أن ذلك لا يعني أنهم أهملوا النقل أو أنكروا حجيته، بل كان منهجهم ~~يعتمد على المنقول والمعقول جميعا، وقد أشار إلى ذلك الإسفراييني وذكر أنهم ~~أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف وجمعوا بين المعقول والمنقول، وأقاموا سياجا ~~قويا من البراهين والحجج المنطقية للدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين ~~لها والمعترضين عليها. # ولقد عزا الشهرستاني ms0102 هذه النزعة العقلية التي امتاز بها المعتزلة إلى ~~تأثرهم بالفلسفة اليونانية، وإدمانهم النظر في المترجم منها إلى العربية. # ويقول أحد الباحثين معلقا على ذلك: # " وقد ظهر أثر هذا التأثر بوضوح في آرائهم وأدلتهم ومقدمات براهينهم وقد ~~دفعهم إلى ذلك أمران: # الأول: أنهم وجدوا فيها -أي في الفلسفة اليونانية- ما يرضي منهجهم العقلي ~~وشغفهم الفكري، وجعلوا فيها مرانا عقليا جعلهم يلحمون الحجة بالحجة. # الثاني: أن الفلاسفة وغيرهم لما هاجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هؤلاء ~~للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا الكثير منها ~~ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم ". # وإذا كان المعتزلة يجمعون في درسهم للعقائد الدينية بين العقل والنقل، ~~فإنهم يقدمون العقل ويتخذونه أساس المعرفة الأول، ويرونه قادرا على معرفة ~~كل شيء ما خلا الذات الإلهية، فلا غرو أن عولوا عليه في النظر في العقائد ~~وأمور السياسة والعلوم المختلفة كالحديث والفقه والأصول. # وهم بذلك يختلفون عن الأشاعرة والماتريدية اختلافا كبيرا حيث يقدم هؤلاء ~~الدليل النقلي على الدليل العقلي، ويرون العقل مجرد أداة لفهم النصوص ~~واستنباط الأحكام # PageV01P133 # منها. # ولقد حمل هذا المنهج الاعتزالي أحد المشتغلين بالفكر الفلسفي في الإسلام ~~إلى التصريح بأن المعتزلي لم يكن يأبه أن تكون النصوص الدينية متوافقة مع ~~أصوله الفلسفية أو غير متوافقة، وأن كل ما يرمي إليه هو دعم الأصل العقلي ~~الذي وصل إليه. # كان المعتزلة يرون أن العقل أصل والسمع -أي النقل- فرع، ولا يجوز تقديم ~~الفرع على الأصل، ومن هنا كان تقديمهم العقل على النقل. # ويتمثل النقل لدى المعتزلة في ثلاثة أدلة: الكتاب، والخبر المجمع عليه، ~~والإجماع، " وقد عولوا جميعا في بحوثهم على القرآن، أما الحديث فقد اختلفوا ~~في موقفهم منه، فواصل لم يقبل منه إلا المتواتر أو المشهور، وعمرو بن عبيد ~~شكك في الرواية والرواة، وأبو الهذيل العلاف يرفض المتواتر، وبلغت هذه ~~النزعة أوجها عند النظام الذي أنكر بعض الأحاديث، ورفض الإجماع، ولكن هذه ~~النزعة قد خفت ومالت إلى الاعتدال عند المتأخرين من المعتزلة، وخاصة القاضي ~~عبد الجبار وتلاميذه الذين اعتدوا بالحديث ". # وللدليل النقلي ms0103 عند المعتزلة ضوابط وشروط، لا يأخذون به إلا عند تحققها ~~فيه، وهي: # أولا: ألا يتعارض مع العقل؛ لأن العقل حجة الله والشرع حجة الله، وحجج ~~الله تتعاضد ولا تتعارض. # ثانيا: أن يكون قطعي الثبوت؛ ولذلك فهم لا يأخذون بأحاديث الآحاد ولا ~~يعولون عليها في مسائل الاعتقاد. # ثالثا: أن يكون قطعي الدلالة بحيث لا يحتمل تأويلا. # رابعا: الأصول الخمسة التي قال بها المعتزلة: # ثمة أصول خمسة أجمع المعتزلة -مع تعدد فرقهم وتباينها- على القول بها، ~~ولم ينتحل نحلة المعتزلة متكلم إلا وقد آمن بها؛ قال أبو الحسن الخياط في ~~كتابه الانتصار: " وليس أحد يستحق اسم الاعتزال، حتى يجمع القول بالأصول ~~الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، # PageV01P134 # فإذا جمع هذه الأصول فهو معتزلي ". # * 1 - # التوحيد: # لا مراء في أن # * التوحيد # جوهر الإسلام وحجر الزاوية في عقيدته، وما من نبي أو رسول إلا دعا قومه ~~إليه ودلهم على شواهده وبراهينه في الكون. # ويقوم التوحيد على تنزيه الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وقد سلك السلف فيه ~~طريقا وسطا بين النفي والإثبات دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه أو تجسيم. # أما المعتزلة فلهم طريقة مخصوصة في فهم التوحيد، يدلنا عليها أبو الحسن ~~الأشعري بقوله: " أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير، وليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ~~ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا ~~بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا ~~افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح ~~وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط ~~به مكان، ولا يجري عليه زمان. ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول ~~في الأماكن. ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم. ولا يوصف بأنه ~~متناه. ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب ms0104 في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا ~~مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا ~~يقاس بالناس، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. ولا تجري عليه الآفات، ولا ~~تحل به العاهات، وكل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له، لم يزل أولا ~~سابقا للمحدثات، موجودا قبل المخلوقات، ولم يزل عالما قادرا حيا، ولا يزال ~~كذلك، لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع ~~بالأسماع، شيء لا كالأشياء، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء، ~~وأنه القديم وحده ولا قديم غيره، ولا إله سواه، ولا شريك له في ملكه، ولا ~~وزير له في سلطانه، ولا معين على إنشاء، أنشأ وخلق ما خلق، لم يخلق الخلق ~~على مثال سبق، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء. آخر ولا بأصعب عليه ~~منه، ولا يجوز عليه احتزار المنافع ولا تلحقه المضار، ولا يناله السرور ~~واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام، ليس بذي غاية # PageV01P135 # فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص، تقدس عن ملامسة ~~النساء وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء ". # ونستطيع أن نزعم أن طريقة المعتزلة في فهم التوحيد تتكئ عندهم على بعض ~~آيات القرآن الكريم التي اصطبغت بصبغة التنزيه؛ كقوله تعالى: (ليس كمثله ~~شيء)، وقوله: (لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4). # ومهما يكن الدافع الذي سلك بالمعتزلة هذا الطريق في النظر إلى التوحيد، ~~فإن هذا الأصل عندهم ترتب عليه نتائج أخرى تكشف عن رأيهم في بعض مسائل ~~الاعتقاد. # * رأي المعتزلة في الصفات: # الصفات عند المعتزلة قسمان: صفات سلبية تسلب عن الله ما لا يليق به، ~~وصفات ثبوتية أو إيجابية. # ولم يجد المعتزلة في إثبات الصفات السلبية لله سبحانه ما يتعارض مع ~~مفهومهم عن التوحيد، أو يمس فكرة التنزيه كما يفهمونها من القرآن الكريم. # من هذه الصفات: القدم، وتنفي هذه الصفة عن الله الحدوث، والوحدانية وتنفي ~~عن الله التعدد، ومخالفة الحوادث. # " أما الصفات الثبوتية أو الإيجابية التي تتعلق بإثبات معنى زائد ms0105 على ~~الذات -ومن هذه الصفات: العلم والقدرة والإرادة والحياة- فقد نفى المعتزلة ~~اتصاف الله بها أو أكثرها؛ لأن إثباتها يتعارض مع فهمهم للتوحيد ". # فقد رأى المعتزلة أن إثبات هذه الصفات لله يجعلها مشاركة له في القدم، ~~ويعني هذا تعدد القدماء مع ما فيه من معارضة لفكرة التوحيد، كما يؤدي ~~إثباتها إلى الوقوع في التعدد الذي وقع فيه النصارى الذين قالوا بوجود ~~ثلاثة أقانيم في الذات الإلهية، الآب والابن والروح القدس. ولا يخفى أن ~~منهج المعتزلة في النظر إلى صفات الله يتعارض مع القرآن الكريم الذي أثبت ~~هذه الصفات لله، وكذا فهمها الصحابة ولم يجادلوا فيها. # وثمة صفات أخرى تصف الله بما يوهم مشابهته للإنسان: كوصف الله بأن له ~~وجها أو عينا أو يدا، ووصفه بالاستواء على العرش والنزول إلى السماء وغير ~~ذلك. # وقد وجد المعتزلة أن الإيمان بهذه الصفات دون تأويل يقود إلى التجسيم ~~الذي # PageV01P136 # يتعارض مع التوحيد، فلا غرو أن أولوا هذه الصفات، فاليد لديهم تعني ~~القدرة، والعين تدل على الرحمة، والوجه يعني الذات. # والحق أن السلف آمنوا بهذه الصفات دون تأويل، وما أدق عبارة الإمام مالك ~~بن أنس في الإنباء عن منهج السلف في فهم الصفات حين سئل عن الاستواء فقال: ~~" الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ". # * القول بخلق القرآن: # ذهب المعتزلة إلى نفي صفة القدم عن القرآن الكريم، وزعموا أن القرآن ~~مخلوق؛ لأن القول بقدمه يقود إلى تعدد القدماء، وهو ما يتنافى مع مفهومهم ~~للتوحيد. # وقد حاول المعتزلة إجبار غيرهم من المسلمين على الأخذ برأيهم، غير أن بعض ~~العلماء من أصحاب الاتجاه السلفي رفضوا هذا الرأي، وكان على رأسهم الإمام ~~أحمد بن حنبل الذي ذهب إلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن البحث في ~~هذه المسألة مبتدع لم يثبت عن السلف، ومن ثم لا ينبغي الخوض في هذه الأمور ~~بل ينبغي الوقوف عند رأي السلف. # * إنكار رؤية الله: # يقول أبو الحسن الأشعري: " أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه وتعالى لا ~~يرى بالأبصار، واختلفت: ms0106 هل يرى بالقلوب؛ فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: ~~نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي وعباد بن ~~سليمان هذا وذلك ". # إن القول برؤية الله عند المعتزلة ينطوي على إلحاق الجسمية به سبحانه؛ إذ ~~يجري عليه عند ذلك ما يجري على المرئيات الجسمية، والجسمية تتنافى مع ~~التوحيد. وقد لجأ المعتزلة لإنكار رؤية الله إلى تأويل الآيات التي تثبت ~~هذه الرؤية، كقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23). # كما طعنوا في صحة الأحاديث التي تثبت هذه الرؤية؛ كقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته " رواه ~~البخاري ومسلم. # 2 - العدل: # هذا هو الأصل الثاني من الأصول الخمسة التي اتسم بها المعتزلة، ويتخذ ~~أهمية عظيمة # PageV01P137 # لديهم، ويمثل مع التوحيد الأصلين اللذين بهما عرف المعتزلة ونسبوا إليهما ~~حتى قيل: " أهل العدل والتوحيد ". # والعدل صفة من صفات الحق تبارك وتعالى واسم من أسمائه الحسنى، غير أن ~~المعتزلة نظروا إلى " العدل " نظرة مغايرة لما عليه جمهور المسلمين، ~~وفلسفوه فلسفة خاصة أثمرت عددا من المسائل العقدية نوجزها فيما يلي: # وجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى: # ويعني ذلك أنه إذا كان ثمة أمران أحدهما صلاح والآخر فساد، وجب على الله ~~تعالى فعل الصلاح منهما، وإذا كان أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح وجب على ~~الله تعالى فعل الأصلح. # " وقد وجه إلى رأي المعتزلة كثير من الاعتراضات وهي في جملتها وتفصيلها ~~قائمة على أساس أن في إيجاب الصلاح والأصلح تقييدا لإرادة الله؛ ولذلك أخطأ ~~المعتزلة في القول بإيجاب الصلاح والأصلح على الله، وتطاولوا على مقام ~~الألوهية، وأساءوا الأدب مع الله كما وصفهم الماتريدي بذلك ". # * الإنسان مريد لأفعاله: # إن مسألة الجبر والاختيار مسألة هامة من مسائل علم الكلام الإسلامي، وركن ~~أصيل من أركان الفكر الاعتزالي؛ وتدور هذه المسألة حول العلاقة بين قدرة ~~الله تعالى وأعمال العباد، من حيث إن هذه الأعمال مخلوقة لله تعالى أو ~~مخلوقة للعبد. # فقد فرق المعتزلة بين نوعين من أفعال العباد أحدهما ضروري اضطراري، ~~والثاني: ms0107 اختياري، وحكموا بأن أفعال النوع الأول ليس للإنسان فيها اختيار. # أما أفعال النوع الثاني فالإنسان فيها فاعل مختار، " ومن ثم قالوا: إن ~~الأفعال الاضطرارية مخلوقة لله تعالى، ولا دخل لقدرة العبد فيها، وأما ~~الأفعال الاختيارية فقد ذهبوا فيها إلى أنها واقعة بقدرة العبد وحدها على ~~سبيل الاستقلال، وهذه القدرة أوجدها الله تعالى في العبد باختياره ". # وقد رأى المعتزلة في قولهم بحرية الإنسان في أفعاله انسجاما مع العدل ~~الإلهي؛ إذ مما # PageV01P138 # يتعارض مع هذا العدل أن يحاسب الله الإنسان على أفعال ليست من إرادته أو ~~اختياره. # كما يترتب على عدم القول بذلك بطلان التكليف والأوامر والنواهي؛ لأن ~~الاختيار مناطها، كما يبطل الثواب والعقاب؛ لأنه لا معنى لأن يعاقب المرء ~~أو يثاب على غير فعله، وتنتفي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب. # وثمة دليل آخر احتج به المعتزلة على حرية الإنسان وإرادته، خلاصته: أن ~~الله تعالى لو كان هو الفاعل المريد لأفعال العباد، لنسب إليه عز وجل ما ~~يقع على أيديهم من المعاصي والشرور والقبائح، وهو أمر لا يصح أن يوصف الله ~~به. # واستدل المعتزلة لصحة ما ذهبوا إليه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تثبت ~~للإنسان إرادة حرة واختيارا مقصودا؛ كقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)}، وكقوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا). # على هذا النحو كان رأي المعتزلة في حرية الإنسان، ورأوا أن القول به يجعل ~~التكليف مستساغا والثواب مقبولا والعقاب عادلا وينزه الله تعالى عن الشرور ~~والآثام التي تجري على يد الإنسان. # 3 - الوعد والوعيد: # ربط المعتزلة بين العمل والجزاء ربطا وثيقا، فجاء قولهم بالوعد والوعيد ~~ملائما لهذا الربط، فالله تعالى وعد الطائعين ثوابا عظيما وجنة خالدة وأوعد ~~المذنبين عقابا أليما ونارا يصلونها، والواجب على الله تعالى ألا يخلف وعده ~~أو وعيده؛ لما ينطوي عليه ذلك من فعل القبيح والله لا يفعل القبيح. # يقول أحد الباحثين مصورا ms0108 رأي المعتزلة في وجوب الثواب على الطاعة والعقاب ~~على المعصية: # " أما وجوب الثواب على الطاعة فلأن التكاليف الشاقة التي كلفنا الله بها ~~ليست إلا لنفعنا وهو بالثواب عليها؛ إذ ليس بمعقول أن يكلفنا الله بشيء لا ~~لغرض لأن ذلك عبث، فيستحيل صدوره من الله لقبحه؛ فوجب أن يكون التكليف لغرض ~~وهذا الغرض ينبغي ألا يكون عائدا إلى الله لتنزهه وتعاليه عن الانتفاع ~~والضرر، بل يجب أن يكون هذا الغرض عائدا إلى العبد وحده، ثم يقال: لا يجوز ~~أن يكون عائدا عليه في الدنيا لأن الإتيان # PageV01P139 # بالتكاليف بمشقة ملاحظ دنيوي إذ إن العبادة عناء وتعب، وقطع للنفس عن ~~شهواتها فوجب أن يكون الغرض عائدا عليه في الآخرة، وحينئذ يقال: إما أن ~~يكون هذا الغرض هو التعذيب على قيامه بالتكاليف وأن ذلك ظلم قبيح جدا، لا ~~يليق أن يتصف به الله؛ فوجب أن يكون الغرض هو النفع أو بعبارة أخرى هو ~~الثواب وهو المطلوب. وأما العذاب فقالوا فيه: إن مرتكب الكبيرة إذا ما مات ~~ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، بل يجب عقابه؛ لأن الله أوعد بالعقاب ~~على الكبائر وأخبر به، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده، ~~والكذب في خبره، وهو محال. # وأيضا إذا علم مرتكب الكبيرة أنه لا يعاقب على ذنبه لم ينزجر عن الذنب، ~~بل يكون ذلك تقريرا له على ذنبه، وإغراء للغير عليه، وأن ذلك قبيح مناف ~~لمقصود الدعوة إلى الطاعات وترك المنهيات. # وإذن فالثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصي واجب لا يمكن أن يتخلف، ~~وعقاب مرتكب الكبيرة هو الخلود في النار ". # والحق أن هذا الأصل من أصول المعتزلة يخالف ما عليه جمهور المسلمين من أن ~~الله تعالى لا يجب عليه شيء من عقاب العاصي أو إثابة الطائع، وإن كان الحق ~~لا يسوي بينهما فيثيب الطائع تفضلا منه ورحمة مصداقا لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال: ولا أنا إلا ms0109 أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة ". # أما العاصي فيعاقبه الله بعدله، وإن شاء عفا عنه برحمته، ولا نوجب شيئا ~~على ربنا سبحانه له الأمر والمشيئة. # إن تحقيق الوعيد يرجع إلى قدرة الله على العاصين والمذنبين فهم في قبضته ~~واقعون تحت قهر قدرته، والعفو عنهم لا يلحق بالله نقصا أو قبحا؛ لأنه يعفو ~~-إذا عفا- عن قدرة، والعفو عند المقدرة هو أسمى درجات العفو. # ثم إن قول المعتزلة بإيجاب الوعيد يعد حجرا على إرادة الله تعالى ~~ومشيئته، وتقييدا لرحمته. # PageV01P140 # 4 - المنزلة بين المنزلتين: # إن هذا الأصل قسمة مميزة من قسمات الفكر الاعتزالي، انفردوا به ولم ~~يشاركهم فيه أحد، والقول به سبب نشأة المعتزلة كما أشرنا آنفا. # ويتعلق هذا الأصل بالحكم على مرتكب الكبيرة، حيث اشتجر الخلاف بين ~~المسلمين حوله وافترقوا شيعا وأحزابا؛ يقول البغدادي: " وكان واصل من ~~منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة وكان الناس يومئذ مختلفين ~~في أصحاب الذنوب من أمة الإسلام على فرق: فرقة تزعم أن كل مرتكب لذنب صغير ~~أو كبير مشرك بالله وكان هذا قول الأزارقة من الخوراج وزعم هؤلاء أن أطفال ~~المشركين مشركون ولذلك استحلوا قتل أطفال مخالفيهم وقتل نسائهم سواء كانوا ~~من أمة الإسلام أو من غيرهم، وكانت الصفرية من الخوارج يقولون في مرتكبي ~~الذنوب بأنهم كفرة مشركون كما قالته الأزارقة غير أنهم خالفوا الأزارقة في ~~الأطفال، وزعمت النجدات من الخوارج أن صاحب الذنب الذي أجمعت الأمة على ~~تحريمه كافر مشرك وصاحب الذنب الذي اختلفت الأمة فيه حكم على اجتهاد أهل ~~الفقه فيه وعذروا مرتكب ما لا يعلم تحريمه بجهالة تحريمه إلى أن تقوم الحجة ~~عليه فيه، وكانت الإباضية من الخوارج يقولون إن مرتكب ما فيه الوعيد مع ~~معرفته بالله عز وجل وبما جاء من عنده كافر كفران نعمة وليس بكافر كفر شرك، ~~وزعم قوم من أهل ذلك العصر أن صاحب الكبيرة من هذه الأمة منافق والمنافق شر ~~من الكافر المظهر لكفره. # وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب ms0110 الكبيرة ~~من أمة الإسلام مؤمن لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله ~~تعالى ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق ولكنه فاسق بكبيرته وفسقه لا ~~ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام وعلى هذا القول الخامس مضى سلف الأمة من ~~الصحابة وأعلام التابعين فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف ~~الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها ". # أما واصل بن عطاء -رأس المذهب وزعيم نحلة الاعتزال- فقد خرج عن قول جميع ~~الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل مرتكب ~~الكبيرة في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان. # ويعلل واصل بن عطاء لرأيه فيقول: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا ~~اجتمعت # PageV01P141 # سمي المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستكمل خصال الخير، ولا استحق ~~اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر أيضا؛ لأن الشهادة وسائر أعمال ~~الخير موجودة فيه، لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من ~~غير توبة فهو من أهل النار خالد فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا الفريقان: فريق ~~في الجنة وفريق في السعير، ولكنه تخفف النار عليه ". # ويتضح من كلام واصل بن عطاء أن المعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة خالد في ~~النار وقد ترتب على هذا المبدأ " أن مرتكب الكبيرة لا حظ له من شفاعة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فالشفاعة -عند المعتزلة- ليست لأصحاب الكبائر؛ لأن ~~العدل يقتضي أن يعذب العاصي على معصيته، والشفاعة تتنافى مع هذا العدل، ~~فالشفاعة عندهم ليست لهؤلاء وإنما هي للصالحين، والمعتزلة بهذا الرأي ~~ينكرون أو يؤولون كثيرا من الأحاديث التي تثبت الشفاعة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولغيره من العلماء والشهداء والصالحين، وهذه الشفاعة تنال ~~أصحاب المعاصي فيخرجون بفضلها من النار، فلا يبقى في النار بعد الشفاعة إلا ~~من حبسهم القرآن المجيد وهم الكفار؛ لأن هؤلاء لا يغفر الله لهم ولا تنالهم ~~رحمته ". # 5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: # هذا هو الأصل الخامس من أصول المعتزلة المتفق ms0111 عليها، فقد قرروا ذلك على ~~المؤمنين أجمعين، نشرا لدعوة الإسلام وهداية للضالين، ودفعا لهجوم الذين ~~يحاولون تلبيس الحق بالباطل؛ ليفسدوا على المسلمين أمر دينهم، ولذلك تصدوا ~~للذود عن الحقائق أمام سيل الزندقة التي اندفعت في أول العصر العباسي، تهدم ~~الحقائق الإسلامية، وتفكك عرا الإسلام عروة عروة، كما تصدوا أيضا لمناقشة ~~أهل الحديث والفقه، وحاولوا حملهم على اعتناق آرائهم بالحجة والبرهان أو ~~بالشدة وقوة السلطان. # تلك هي الأصول الخمسة التي أجمع عليها المعتزلة، ولا يستحق متكلم أن ينسب ~~إلى اعتزال دون أن يؤمن بها. # * * * # PageV01P142 # * ثانيا: الأشاعرة # اشتدت خصومة الفقهاء والمحدثين للمعتزلة، واحتدم النزاع بين الفريقين في ~~النظر إلى مسائل الاعتقاد، ومرد ذلك إلى تباين المنهج الذي يصطنعه كل ~~منهما، فالفقهاء والمحدثون ينزعون منزعا سلفيا يقدم النقل على العقل، ~~والمعتزلة يعتدون بالعقل اعتدادا جعلهم يؤولون ما يتعارض مع أدلته من آيات ~~القرآن، أو ينكرون ما يناقضها من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فخالفوا جمهور المسلمين في أمور كثيرة؛ كالقول بخلق القرآن وإنكار الشفاعة ~~ورؤية الله يوم القيامة وغير ذلك مما يصدم المشاعر الدينية للمسلمين. # ولم تخل الساحة الفكرية للمعتزلة فحسب، بل كان هناك الحشوية من الحنابلة، ~~وكانوا على الطرف المقابل للمعتزلة حيث أجازوا على الله الملامسة والمصافحة ~~والرؤية، كما أثبتوا له ما وصف به نفسه في القرآن الكريم -كأن له عينا أو ~~يدا أو وجها- إثباتا ماديا يوهم التجسيم والمشابهة للحوادث، واعتمدوا في ~~ذلك على أحاديث فهموها فهما حرفيا وقاسوها على ما يتعارف من صفات الأجسام؛ ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " خلق آدم على صورة الرحمن "، وقوله: " قلب ~~المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "، و " وضع يده على كتفي حتى وجدت برد ~~أنامله ". # على هذا النحو مست حاجة المسلمين إلى منهج جديد تتحقق فيه الوسطية التي ~~دعا إليها الإسلام، فيسلك بالمسلمين السبيل الذي سلكه الصحابة قبلهم في ~~شئون الاعتقاد، منهج ينزل العقل مكانه الصحيح فيعرف له حدوده وطاقته، ولا ~~يسرف في الاعتداد به، # PageV01P143 # منهج يعيد للنقل مكانته التي ضاعت على يد المعتزلة ms0112 حين جعلوا الدليل ~~النقلي فرعا يتبع الدليل العقلي. # " فظهر في آخر القرن الثالث رجلان امتازا بصدق البلاء: أحدهما: أبو الحسن ~~الأشعري، ظهر بالبصرة، والثاني: أبو منصور الماتريدي ظهر بسمرقند، وقد ~~جمعهما مقاومة المعتزلة ". # وينسب مذهب الأشاعرة إلى أبي الحسن الأشعري " 260 - 330 ه ". # ولد أبو الحسن بالبصرة وتخرج في أصول الاعتقاد على المعتزلة، حيث تتلمذ ~~على شيخ من شيوخهم المبرزين هو أبو علي الجبائي ولازمه ملازمة أتاحت له ~~شيئا غير قليل من النبوغ حتى عد من كبار رجال المعتزلة، فلا غرو أن كان ~~الجبائي ينيبه عنه في حضور كثير من المجادلات والمناظرات التي كان المعتزلة ~~يخوضونها مع خصومهم ومخالفيهم. # الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة: # ولم يكد أبو الحسن الأشعري يبلغ الأربعين من عمره حتى تحول عن مذهب ~~المعتزلة وأنكر طريقتهم في درس العقائد، وكفر بآرائهم وأصولهم. # ويورد الدارسون أسبابا تبرر هذا التحول، لعل من أهمها تلك المناظرة ~~الشهيرة التي كانت بين الأشعري وشيخه الجبائي حول: وجوب فعل الصلاح والأصلح ~~على الله، حيث سأل الأشعري أستاذه الجبائي عن حال ثلاثة أخوة: الأكبر فيهم ~~مؤمن تقي، والأوسط كافر شقي، والثالث مات صغيرا قبل بلوغه سن التكليف، قال ~~الجبائي: أما التقي ففي الجنة، وأما الكافر ففي النار، وأما الثالث فلا ~~يثاب ولا يعاقب فهو من أهل السلامة؛ لأنه ليس مكلفا. # فعاد الأشعري وساله: فماذا يقول الله للصغير إن هو أراد أن يكون مثل أخيه ~~الأكبر في الجنة؛ محتجا بأنه لو طال عمره لأطاع واستحق الجنة؟! فرد الجبائي ~~بأن الله يقول له: كنت أعلم أنك لو كبرت لوقعت في المعاصي، ولدخلت النار؛ ~~فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا. # قال الأشعري: فما الرأي لو قال الأخ الأوسط المعذب في النار: لم لم تمتني ~~يا رب صغيرا حتى لا أعصيك ولا أعذب في النار؟! فلم يستطع الجبائي الإجابة ~~على هذا السؤال # PageV01P144 # الذي يهدم أصلا من أصول المعتزلة وهو مبدأ الصلاح والأصلح. # ولا ريب أن هذه المناظرة -ولا نستبعد وقوع مناظرات أخرى غيرها- قد زعزعت ~~إيمان الأشعري فيما يؤمن ms0113 به من آراء اعتزالية، وحملته على إعادة النظر ~~فيها، وامتحانها عله يهتدي إلى وجه الحق، فعكف في بيته مدة ينظر في كتب ~~المعتزلة، ويزن أدلتهم، حتى اهتدى إلى فسادها وبطلانها، فرقى المنبر يوم ~~الجمعة بالمسجد الجامع بالبصرة وقال: # " أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا ~~فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله تعالى لا يرى بالأبصار، وأن ~~أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع متصد للرد على المعتزلة، مخرج ~~لفضائحهم، معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي ~~الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى ~~اعتقاد ما أودعته كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقد، كما انخلعت من ~~ثوبي هذا، ورمى ثوبا كان عليه ". # والحق أن إعلان الأشعري السابق بضلال المعتزلة عن المنهج القويم في أمور ~~الاعتقاد قد تضمن إشارة إلى أبرز وجوه الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة، ~~وهي: القول بخلق القرآن، ونفي الصفات، وإنكار رؤية الله تعالى، وحرية ~~الإرادة الإنسانية والزعم أن الإنسان خالق أفعاله. # وذهب بعض الباحثين إلى أن العامل الحاسم في تحول أبي الحسن الأشعري عن ~~مذهب الاعتزال إلى مذهب أهل السنة إنما هو مذهبه الفقهي الذي كان يتعبد به، ~~وهو المذهب الشافعي، وأمر الخصومة بين الفقهاء -ومنهم الإمام الشافعي- ~~والمتكلمين لا سيما المعتزلة أظهر من أن نحتاج إلى إقامة الأدلة عليه، فلقد ~~ذم الشافعي علم الكلام وكان يعني بذلك المعتزلة، وهاجمهم في بعض كتبه ولم ~~يقبل شهادتهم، وللشافعي نفسه آراء في الاعتقاد تخالف ما ذهب إليه المعتزلة، ~~فهو يعتقد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يرى بالأبصار يوم ~~القيامة، ويقول بالشفاعة، ويؤمن بالقدر خيره وشره. # فلا غرو أن أحس الأشعري بتناقض كبير بين أصول مذهبه الفقهي، وآراء مذهبه # PageV01P145 # الكلامي أو الاعتقادي الذي رضيه لنفسه. # إذن فإن التكوين الفكري للأشعري نفسه كان يحمل بذور الشك في الفكر ~~الاعتزالي وينطوي على أسباب الثورة والتمرد عليه، على نحو ينتفي معه العجب ms0114 ~~من تحوله عن مذهب المعتزلة. # وثمة أمر آخر قد يحسن بنا أن نشير إليه في هذا المقام، هو أن الأشعري كان ~~معجبا بتوسط الإمام الشافعي في آرائه الفقهية بين أهل الرأي وأهل الحديث، ~~فحاول هو أن يقوم بدور الشافعي في علم الكلام بأن يوازن بين العقل والنقل ~~أو بين غلو المعتزلة في العقل ووقوف بعض الحنابلة عند النقل. # ومن هذه النقطة نفسها ننطلق إلى بيان نقد الأشعري للمعتزلة والحشوية ~~جميعا: # أولا: نقد الأشعري للمعتزلة: # لم يكتف الأشعري بالتحول عن الاعتزال حين انقدح له الرأي في مذهبهم بعد ~~نظر وتأمل، بل طفق يهدم هذا المذهب، ويقوض أركانه ودعائمه، ويفند ما يستند ~~عليه من أدلة وبراهين، ويكتسب نقد الأشعري للمعتزلة أهمية خاصة من كونه قد ~~انتسب للمعتزلة فترة غير قصيرة، وانتحل نحلتهم انتحالا أتاح له الوقوف على ~~نقاط ضعفه وأسباب تهافته، فكان نقده لهم نقد العالم الخبير المستند إلى ~~رصيد ضخم من المعرفة بما ينقد. # والناظر في منهج الأشعري وموقفه من المعتزلة ومناظرته لهم يتبين له أن ~~قوام نقده للمعتزلة إنما هو الإسراف في الاعتداد بالعقل وتقديمه على النص، ~~والاستناد إليه في كل أمر من أمور الاعتقاد، فأقحموه بذلك في ميدان وعر تضل ~~فيه الأفهام إذا لم يكن رائدها الوحي، وتزل فيه الأقدام إذا تخلت عن النقل. # وقد أداهم ذلك إلى آراء خاطئة تخالف ما اصطلح عليه جمهور الأمة، فنفوا عن ~~الحق سبحانه وتعالى الصفات التي أثبتها القرآن الكريم والسنة المطهرة. # والناس في نظر المعتزلة خالقون لأفعالهم سواء كانت شرا أم خيرا، متمتعون ~~بحرية الإرادة سواء خالفت مراد الله من الخلق أم اتفقت معه. # ويترتب على قول المعتزلة أن الناس مشاركون لله تعالى في أخص صفاته وهي ~~الخلق، وهو ما تأباه العقيدة الصحيحة؛ إذ لا خالق في الكون إلا الله، فلا ~~غرو أن كان # PageV01P146 # المعتزلة في رأي الأشعري شر من مذهب المجوس الذين جعلوا لله شريكا واحدا ~~وهو الشيطان. # وساق الغلو في استخدام المعتزلة للعقل إلى القول بوجوب الصلاح والأصلح ~~على الله، ms0115 وهو المبدأ الذي هدمه الأشعري في مناظرته لأستاذه أبي علي ~~الجبائي، وكان أحد الأسباب المباشرة في رفض الأشعري لمنهج المعتزلة ~~وانصرافه عنه، فمن نحن حتى نوجب على الله شيئا؟! فالعقيدة الصحيحة أن الله ~~يثيب الطائع ويدخله الجنة لا بعمله، ولكن بتفضله ورحمته. # ومن المسائل الكبرى التي أخذها الأشعري على المعتزلة القول بخلق القرآن، ~~" فجعلوه مشابها في الخلق والحدوث لجميع الأشياء الحادثة التي تنقصها ~~القداسة، ونفوا أن يكون صفة لله تعالى، فخالفهم الأشعري في ذلك وقرر في ~~كتاب الإبانة: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو رأي السلف الذي تمسك به ~~الإمام أحمد بن حنبل، غير أن الأشعري قدم بين يديه أدلة سمعية وأخرى عقلية، ~~وبذل جهده لإبطال رأي المعتزلة ". # والخلاصة أن الأشعري لم يرض عن طريقة المعتزلة في النظر إلى العقيدة، وهي ~~طريقة سداها ولحمتها التعويل على العقل والاستقلال به في تأسيس الأحكام في ~~أصول الدين، مما جعلهم يفسرون العقيدة والتوحيد تفسيرا لم يدل عليه الكتاب ~~ولا السنة ولا قاله أحد من الأئمة، وصدق فيهم قول جولد تسيهر: " إنهم رفعوا ~~العقل إلى مرتبة القياس والدليل في أمور الدين والإيمان ". # * نقد الأشعري للحشوية: # يطلق مصطلح الحشوية على طائفة من الحنابلة وجماعة من الشيعة، تمسكوا ~~بحرفية النصوص، وحملوها على ظاهرها حملا انتهى بهم إلى القول بالتشبيه ~~والتجسيم؛ يقول الشهرستاني: " إن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب ~~الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه، قالوا: إن معبودهم صورة ذات أعضاء وأبعاض ~~إما روحانية أو جسمية يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار ~~والتمكن ". # واستدل هؤلاء على رأيهم بنصوص من القرآن أثبتت لله سبحانه وتعالى بعض ~~الصفات # PageV01P147 # من الاستواء واليد والعين والوجه، فأثبتوها إثباتا ماديا، فأجازوا على ~~الله الملامسة والمصافحة، كما عولوا على بعض الأحاديث التي يؤدي معناها ~~المادي الظاهري معنى التجسيم؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " خلق الله ~~آدم على صورته "، وقوله: " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ". # وقد انتقد الأشعري هذه الطائفة وشدد النكير عليها، ورماهم بضعف النظر ~~العقلي الذي أداهم إلى آرائهم الشاذة ms0116 في التجسيم الذي يتنافى مع الوحدانية ~~الصحيحة، وألف رسالة سماها: " استحسان الخوض في علم الكلام "، أشار فيها ~~إلى ضرورة النظر العقلي في مسائل الاعتقاد، وأننا لن نعدم من الأدلة ~~القرآنية ما يؤيد أن المنهج السليم ينبغي أن يقوم على النقل والعقل جميعا ~~فقال: # " إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن ~~الدين، وطعنوا على من فتش في أصول الدين، وزعموا أن الكلام في الحركة ~~والسكون والجوهر والعرض والجزء والطفرة بدعة وضلالة، مستدلين بأن شيئا من ~~ذلك لم يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه وأصحابه ولو كان خيرا ~~لتكلموا فيه ". # فأجابهم الأشعري بقوله: لم قلتم: إن البحث في ذلك بدعة مع أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يقل بأن من بحث عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعا ~~ضالا؟! فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالا؛ لأنكم قلتم ما لم يقله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ثم إن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق موجود في قصة إبراهيم - عليه ~~السلام - وأفول الكواكب والشمس والقمر. # وقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} دليل الوحدانية في ~~القرآن الكريم، وكلام المتكلمين في التوحيد والتمانع والتغالب فإنما مرجعه ~~هذه الآية. # وطريقة إلزام الخصم نأخذها من القرآن الكريم، فحينما جاء الحبر السمين ~~وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {ما أنزل الله على بشر من شيء} يريد ~~بذلك إنكار نبوة محمد، فرد القرآن عليه: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى} وهذا إلزام أقر به الخصم. # كما استدل الأشعري على إبطال حوادث لا أول لها من سنة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حيث قال: " فمن # PageV01P148 # أعدى الأول ". # على هذا النحو أثبت الأشعري أن القرآن الكريم والسنة الشريفة لم يهملا ~~النظر العقلي ولا حرما أدلته، بل حثا على الأخذ بهما في إلزام الخصوم ودحض ~~شبههم، وحسبك دليلا أن القرآن نفسه قد تضمن شيئا غير قليل من هذه الأدلة. # ويقول أحد الباحثين: # " وقد اضطر الأشعري للنظر العقلي للأسباب الآتية: # * 1 - # أنه تخرج على ms0117 المعتزلة وتربى على موائدهم الفكرية، فنال من مشربهم وأخذ ~~من منهلهم، واختار طريقهم في إثبات العقائد، وإن خالفهم في النتائج. # * 2 - # أنه تصدى للرد عليهم فلابد أن يتبع طريقتهم. # * 3 - # أنه تصدى للرد على الفلاسفة والقرامطة والحشوية والروافض وغيرهم من أهل ~~الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة، وكثير من هؤلاء لا يقنعه إلا أقيسة ~~البرهان، ومنهم فلاسفة علماء لا يقطعهم إلا دليل العقل، ولا يرد كيدهم في ~~نحورهم أثر أو نقل. # ومن رد الأشعري على المعتزلة وعلى الحنابلة نرى أن الدفاع عن المنهج ~~الأشعري هو نقطة البداية لعلم الكلام السني من غير أن يتطرف في التأويلات ~~العقلية كالمعتزلة، أو # PageV01P149 # يستهجن البحث الكلامي كالحنابلة، ولكنه استطاع أن يوفق بين الجانبين -كما ~~فعل الماتريدي- واعتمد على النظر العقلي فوضع للفتن الدينية حدا، فقضى على ~~مذهب المعتزلة وحل مكانه ". # * منهج الأشعري: # تبين لنا من نقد الأشعري للمعتزلة والحشوية أنه وقف على علة ضلالهما ~~وفساد ما انتهوا إليه من آراء وتصورات في العقيدة، وهذه العلة إنما هي ~~الاقتصار على النقل وإهمال العقل، أو تحكيم العقل وتقديمه على النقل، أما ~~المعتزلة فاستقلوا بالعقل في تأسيس مذهبهم الاعتقادي وظنوا أنه مرقاة إلى ~~العقيدة السليمة، فأداهم ذلك إلى آراء شاذة تنكرها النصوص الشرعية الثابتة، ~~من نفي الصفات والقول بخلق القرآن وإنكار الرؤية والشفاعة، وفي سبيل ذلك ~~أولوا آيات القرآن الكريم وطعنوا في السنة الصحيحة والضعيفة جميعا. # وأما الحشوية فالتزموا بالنقل التزاما حرفيا، ولم يجعلوا للعقل حظا من ~~فهمه والاستدلال عليه بأدلته، فزلت أقدامهم في القول بالتجسيم والتشبيه، ~~ورأوا كذلك أن النظر العقلي في أصول الدين بدعة، حيث لم يؤثر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وصحبه - رضوان الله عليهم - فصنف الأشعري للرد عليهم ~~رسالة: " استحسان الخوض في علم الكلام " بين فيها أن القرآن والسنة يشتملان ~~على أصول النظر العقلي والاستدلال المنطقي على صحة العقيدة الإسلامية، وذهب ~~إلى أن تأييد الشرع بالعقل ليس بدعة وإنما هو واجب لابد من أن ينهض بأدائه ~~علماء المسلمين. # اجتهد الأشعري -مستهديا بنقده للمعتزلة والحشوية- في تأسيس ms0118 مذهب جديد ~~يؤلف في منهجه بين النقل والعقل ويوائم بينهما " فكان يفهم النص في ضوء ~~العقل أو يسير وراء العقل في حدود الشرع، ويجعل الشرع هاديا للعقل؛ لأن ~~العقل إذا ترك وشأنه اتبع هواه، لكنه بالشرع يتبع هداه ". # وإذا كان الأشعري قد جمع في منهجه بين العقل والنقل، فإنه قدم النقل على ~~العقل؛ لأن مبنى العقائد على الغيبيات وطريقها الوحي لا العقل، ونص الأشعري ~~صراحة في مقدمة كتابه " الإبانة عن أصول الديانة " على أنه يتمسك بكتاب ~~الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما روي عن السادة الصحابة ~~والتابعين وأئمة الحديث، كما نص على أن الإمام الذي يتبعه هو # PageV01P150 # أحمد بن حنبل. # ونستطيع أن نقرر أن هذا المنهج الذي سلكه أبو الحسن الأشعري امتاز ~~بالوسطية التي دعا إليها الإسلام وأكدها القرآن الكريم في غير آية، حين حث ~~على إعمال النظر والتفكر في الكون وتدبر إحكام صنعته، فلم يهمل العقل ولا ~~حرم استخدامه، ولقد ألمحنا فيما سبق إلى أن القرآن نفسه اشتمل على أدلة ~~عقلية وبراهين قوية ألزم بها خصومه، بالإضافة إلى ما احتواه من أدلة سمعية. # " ولا ريب في أن الأشعري استطاع بذلك أن يمهد للاعتراف بعلم الكلام وأن ~~يجعله من علوم الدين، وأن يحسن للعلماء الخوض فيه، واستطاع أيضا بمنهجه أن ~~يرسخ قواعد المذهب وأن يجذب إليه الكثيرين، وأن يحد من انتشار مذهب ~~المعتزلة، وأن يضيق الدائرة الحشوية، وما ذلك إلا لوسطيته التي التزمها ~~وحرص على تحقيقها في آرائه، والوسط غالبا ما يكون أقرب إلى الصحة ~~والاعتدال، فكلا طرفي الأمور ذميم، وإذا كان الناس قد تقبلوا مذهب الشافعي ~~في الفروع لتوسطه بين أهل الحديث وأهل الرأي، فإنهم تقبلوا مذهب الأشعري في ~~الأصول؛ لتوسطه بين الحنابلة والمعتزلة، أو بين أهل النقل وأهل العقل ". # وثمة إشكال في " منهج الأشعري الكلامي " يثيره كتابه " اللمع " الذي ~~اقترب فيه -في رأي عدد من المهتمين بعلم الكلام بصفة عامة وبفكر الأشعري ~~بصفة خاصة- من المعتزلة من حيث الاعتداد الكبير بالأدلة العقلية ومن حيث ~~تأويل النصوص الشرعية، ms0119 الأمر الذي حمل بعض الدارسين على القول بأن الأشعري ~~قد مر في آرائه الكلامية بمرحلتين متعاقبتين مختلفتين أشد الاختلاف: # المرحلة الأولى: ويقترب فيها من العقيدة السلفية اقترابا شديدا، ويمثل ~~هذه المرحلة خير تمثيل كتابه: " الإبانة عن أصول الديانة ". # المرحلة الثانية: ويقترب فيها من المذهب الاعتزالي، ويمثلها كتابه " ~~اللمع ". # إذ الناظر في كتاب اللمع يجده خاليا من الإشادة بالإمام أحمد ومن ~~الانتساب إليه خلافا لما ذكره في الإبانة؛ وكذلك فإن كتاب اللمع خلا من بعض ~~المسائل التي أتى بها # PageV01P151 # في الإبانة مثل: إثبات الوجه واليدين والاستواء على العرش. # وقد اتخذ البعض من هذين الكتابين ذريعة لاتهام الأشعري بالتناقض في منهجه ~~الكلامي، أو على أقل تقدير اتخذوا من ذلك دليلا على تطور عقيدة الأشعري، ~~وتحولها في المرحلة النهائية إلى صورة أقرب للمعتزلة منها إلى أهل السنة. # ويدافع أحد الباحثين عن وحدة المنهج الأشعري، مبينا أن التباين في المنهج ~~الذي احتذاه الأشعري في كتابيه الإبانة واللمع يرجع إلى اختلاف الفرقة التي ~~يرد عليها وينقد آراءها، فيقول: # إن الأشعري حين ألف الإبانة كان يريد أن يحسم موقفه مع المعتزلة ويبين ~~العقيدة التي يعتنقها ويسير عليها ويدافع عنها، فجاء منهجه متحاملا على ~~المعتزلة غير مهادن لهم؛ لأنه كما نعلم أخذ على نفسه عهدا أن يكشف أمرهم ~~ويظهر فضائحهم، ومن ناحية أخرى فإنه أظهر أن الإمام الذي يسير على منهجه هو ~~الإمام أحمد بن حنبل الذي وقف ضد المعتزلة وقفته المشهورة، فكتاب الإبانة ~~من هذه الناحية يعتبر تقريرا لعقيدة الأشعري بملامح منهجية جديدة. # أما كتاب اللمع فقد ألفه ليرد على الدهرية ونفاة الصانع بجانب رده على ~~المعتزلة بعد أن تم له النصر عليهم فجاءت آراؤه بعيدة عن التحامل؛ فالكتاب ~~والأمر كذلك تعبير عن منهج قد نضج فعلا، وقد دافع إمام الحرمين عن منهج ~~الأشعري، ولم يشر إلى أي مراحل منهجية مع أن الجويني كان إذا تصدى لمسألة ~~فإنه يذكر الأقوال فيها، ويبين طرقها المختلفة، ويفند الأمر من وجهة نظره ~~تفنيدا منهجيا، ولم يطلعنا وهو يرد على ms0120 خصوم شيخه على أي اختلاف لمنهج ~~الأشعري، فلما طعن المعتزلة على الأشعري في تصدير كتابه اللمع بالدلالة ~~القرآنية وبمفهومها الشارح لها، بين الجويني في الشامل أن السبب الذي جعل ~~الأشعري يسلك هذا المنهج هو أن الله تعالى احتج على الكفرة والمنكرين ~~بالحجج التي صدر بها الأشعري اللمع حتى تكون حجته موافقة للقرآن، فقال: " ~~وما اعترضوا به من قولهم: إن الاستدلال بالقرآن على الدهرية ونفاة الصانع ~~لا يتحقق باطل؛ لأن شيخنا ما استدل عليهم بنفس الآية وإنما استدل عليهم ~~بمعناها، وهي تنطوي على وجه الحجاج، والذي يوضح ذلك أن الرب تعالى احتج بما ~~ذكره على الكفرة والمنكرين، وذكره الأشعري ليقيم الاحتجاج به على حسب ما ~~أراد الله من الاحتجاج ". # PageV01P152 # ومهما يكن من أمر، فإن المذهب الأشعري نفسه قد تطور بعد وفاة رائده الأول ~~أبي الحسن على يد الأشاعرة المتأخرين الذين كانوا في آرائهم ومنهجهم أدنى ~~إلى المعتزلة، من حيث الاعتماد على العقل في الاستدلال والاستنباط، وإن ~~كانوا لا يردون الشرع ولا يهملونه؛ لأنهم يرون أن الشرع حجة الله والعقل ~~حجة الله، وحجج الله تتعاضد ولا تتعارض. # ويبدو قرب منهج الأشاعرة المتأخرين من منهج المعتزلة في موقفهم من الدليل ~~السمعي والشروط التي وضعوها له، والتي من أهمها ما يلي: # أولا: أن يكون غير مستحيل في العقل، وهذا يتفق مع قولهم: إن العقل والشرع ~~حجتين لله تعالى، وحجج الله تتعاضد ولا تتعارض؛ فلا يوجد في نظرهم دليل ~~سمعي قطعي مستحيل في العقل. # ثانيا: أن يكون قطعي الثبوت؛ ولذلك فأخبار الآحاد لا يؤخذ بها في ~~العقائد؛ لأنها ليست قطعية الثبوت. # ثالثا: أن يكون قطعي الدلالة، فإذا كان السمعي قطعي الثبوت، ولكنه يحتمل ~~التأويل، كان غير قطعي الدلالة. # بعض آراء الأشعري: # رأينا أن نختم حديثنا عن المذهب الأشعري، بأن نذكر طرفا من آراء أبي ~~الحسن وشيعته في بعض مسائل الاعتقاد، والتي كانت ثمرة من ثمار المنهج الذي ~~اصطنعوه، من أجل أن يكون تصور القارئ عن هذا المذهب أدنى إلى الكمال وأقرب ~~إلى الوضوح. # * 1 - # اقترب ms0121 الأشعري في بحثه لصفات الله تعالى من أهل السنة إلى حد بعيد، حيث ~~أثبت لله الصفات جميعا بقسميها أي الصفات السلبية والصفات الثبوتية كالعلم ~~والقدرة وغير ذلك من الصفات، بيد أنه لم يقف عند هذا الحد، بل تابع البحث ~~في الصفات بحثا عقليا فانتهى إلى ما يلي: # أولا: أن الصفات زائدة على الذات، وليست عين الذات كما يرى المعتزلة، ~~ويرى الأشعري أن هذا التصور لصفات الله لا يترتب عليه تصور التعدد أو ~~التركيب في ذات الله، والدليل على صدق كلامه زيادة صفات الإنسان على ذاته ~~دون أن تؤدي إلى تعدد في # PageV01P153 # ذات الإنسان. # ثانيا: هذه الصفات متغايرة فيما بينها، فالعلم صفة لله تختلف عن صفة ~~القدرة وكلتاهما مختلفتان عن صفة الإرادة. # ثالثا: هذه الصفات الإلهية أزلية لابداية لها، فهي تشترك في القدم مع ~~الذات، " ويدلل الأشعري على هذا الرأي بدليل يثبت به أن هذه الصفات لا يمكن ~~أن تكون حادثة؛ لما يترتب على ذلك من نتائج باطلة، ويعلل ذلك بقوله: إننا ~~إذا افترضنا جدلا أن هذه الصفات حادثة، فسنكون أمام احتمالات أو فروض ~~ثلاثة: # الأول منها: أن يحدث الله هذه الصفات في نفسه، وهذا باطل؛ لأنه يجعل الله ~~محلا للحوادث ومقارنا لها، وما يتصل بالحوادث حادث عند المتكلمين. # والفرض الثاني: أن يحدثها الله في غيره، وهذا باطل أيضا؛ لأن ذلك يستلزم ~~أن يكون هذا الغير موصوفا بصفات الله تعالى، فيكون مريدا بإرادة الله ~~تعالى، وعالما بعلمه، وهذا باطل. # والفرض الثالث: هو أن تكون الصفة الحادثة مستقلة بذاتها، وهذا باطل أيضا؛ ~~لأن الصفة لا تقوم بنفسها بل تحتاج إلى موصوف تقوم به. # وإذا بطلت هذه الفروض الثلاثة لم يكن أمامنا إلا التسليم بقدم هذه الصفات ~~وأزليتها ". # * 2 - # ذهب الأشعري إلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق، متابعا في ذلك رأي السلف ~~الذي دافع عنه وأوذي بسببه الإمام أحمد بن حنبل، بيد أن الأشعري قدم بين ~~يدي رأيه أدلة سمعية وعقلية، خلاصتها أن القرآن كلام الله فلا ينبغي أن ~~يكون حادثا؛ لما ms0122 ينبني على ذلك من إلحاق صفة الحدوث بالله تعالى. # * 3 - # خالف الأشعري المعتزلة في مسألة رؤية الله في الآخرة، حيث ذهب إلى ~~إثباتها، غير أنه نفى أن تكون هذه الرؤية رؤية إحاطة؛ لأن الله تنزه عن أن ~~تدركه الأبصار، ونفى أيضا عن الرؤية معاني التجسيم والتشبيه، ورأى أن ~~الرؤية المقصودة أقرب إلى الرؤية القلبية، فوقف بذلك موقفا وسطا بين ~~المعتزلة المنكرين لها والمشبهة الذين أثبتوها وأثبتوا # PageV01P154 # ما تؤدي إليه من الجسمية والمكان. # * 4 - # خالف الأشعري المعتزلة في مسألة حرية العباد في أفعالهم، ووقف موقفا وسطا ~~بينهم وبين الجبرية حيث قال بنظرية الكسب، وتعني أن الفعل خلق وإبداع من ~~الله وكسب من العبد. # * 5 - # هدم الأشعري مبادئ المعتزلة في وجوب الصلاح والأصلح على الله وإنكار ~~الشفاعة، والقول بخلود أصحاب الكبائر في النار، ومال في ذلك كله إلى رأي ~~السلف. # على هذا النحو اختلفت آراء المذهب الأشعري عن آراء المعتزلة والحشوية، ~~وكانت وسطا بينهما، ولعل هذه الوسطية التي تحققت في فكر الأشعري ومدرسته هي ~~السبب في ذيوع مذهبه وانتشاره في أكثر البلاد الإسلامية. # * * * # PageV01P155 # * ثالثا: الماتريدية # أسس هذا المذهب العلامة محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي مصنف ~~هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه، وقد سبقت ترجمتنا له. # وقد كان الماتريدي مشهورا بالاعتدال والتوسط حتى اتفق الناس على علو قدره ~~وتميز منزلته، حتى قيل: لو لم يكن في الحنفية إلا هذا الإمام لكفاهم. # وكنا قد أشرنا إلى أن الماتريدي كان أحد اثنين قاما بالذود عن عقيدة أهل ~~السنة، وتفنيد آراء المعتزلة المخالفة لها. # ومن الحق أن نقرر أن الماتريدي اتخذ منهجا امتاز بالوسطية والاعتدال، على ~~نحو ما صنع معاصره أبو الحسن الأشعري، فاحتلت شخصيته مكانة تليق به كواحد ~~من أفاضل علماء أهل السنة والجماعة في بلاد المشرق الإسلامي. # وسوف نفصل القول في بيان مذهب الماتريدية، والمسائل التي خالف فيها ~~الماتريدي أبا الحسن الأشعري. # فنقول: # يعد الماتريدي -بحق- واحدا من أبرز المؤسسين لعلم الكلام الإسلامي؛ إذ ~~ينسب إليه المذهب الماتريدي، وهو مذهب يهدف إلى ms0123 فهم أصول الشريعة وقواعد ~~الإسلام في ضوء الأسس العقلية السليمة، فهو مذهب يجمع بين العقل والنقل، ~~وإن كان العقل تابعا، مهمته فهم أصول التوحيد التي نقلت إلينا من طريق ~~الوحي. # وقد أشرنا في غير موضع إلى تشابه المذهب الأشعري مع المذهب الماتريدي، ~~وأن كلا المذهبين قد نشأ في سياق فكري واحد. # وقامت الماتريدية بالرد على المخالفين والمغالين وبخاصة المعتزلة ~~والروافض والمشبهة، وكان المنهج الذي اعتمده علماء هذا المذهب في الرد على ~~المخالفين ومناقشة المسائل الكلامية منهجا معتدلا يوازن بين العقل والنقل، ~~وهو المنهج نفسه الذي عول عليه الأشعري. # أثمر اتفاق -أو قل تطابق- المنهجين اللذين اصطنعهما الأشاعرة ~~والماتريدية، اتفاقا بينهما في أمهات المسائل الكلامية؛ مثل: وجود الله ~~وصفاته، وجواز رؤيته في الدنيا، وتحقق الرؤية للمؤمنين في الآخرة. . . إلى ~~آخر هذه المسائل المثبتة في كتب التوحيد # PageV01P156 # وعلم الكلام. # ونذكر هنا على سبيل الإجمال المسائل التي اختلف فيها السادة الأشعرية مع ~~السادة الماتريدية وقد تقدم بيان أن مدار جميع عقائد الملة الإسلامية على ~~قطبين من أقطاب العلوم الشرعية: أحدهما الإمام أبو الحسن الأشعري، والآخر ~~الإمام أبو منصور الماتريدي. # وقبل ذكر هذه المسائل يجدر بي أن أبين أن الأشاعرة والماتريدية متفقون ~~على الأصول العامة لعقيدة أهل السنة والجماعة، والخلاف الظاهر بينهما في ~~بعض المسائل الجزئية، وهو أمر لا يقدح في نسبتهما جميعا إلى مذهب أهل السنة ~~والجماعة، ولا يوجب القول بأن أحد الفريقين مبتدع، مخالف للعقيدة السليمة. # قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: " الأشاعرة هم أهل السنة ~~والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار، ~~وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور، ~~وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل؛ كمسألة التكوين وغيرها ". اه. # وقال السكستلي في حاشيته عليه: " المشهور من أهل السنة في ديار خراسان ~~والعراق والشام وأكثر الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري أول من ~~خالف أبا علي الجبائي ورجع عن مذهبه إلى السنة - أي. طريق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والجماعة - أي: ms0124 طريقة الصحابة - رضي الله عنهم - وفي ديار ما ~~وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي ~~تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن ~~صاحب الإمام أبي حنيفة، وبين الطائفتين اختلاف في بعض الأصول؛ كمسألة ~~التكوين ومسألة الاستثناء في الإيمان، ومسألة إيمان المقلد. والمحققون من ~~الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة ". اه. # وقال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: " اعلم أن أهل السنة والجماعة ~~كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في ~~الطرق والمبادئ الموصلة لذلك. . . وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: # الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية، أعني الكتاب والسنة # PageV01P157 # والإجماع. # الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية، وهم الأشعرية والحنفية، ~~وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي، وهم ~~متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادئ ~~السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا ~~في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد. # الثالثة: أهل الوجدان والكشف وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر ~~والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية " اه. # وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور -رضي الله عنهما وجزاهما ~~عن الإسلام خيرا- لم يبتدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا، إنما هما ~~مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فأحدهما: قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه، والثاني: قام ~~بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه، وناظر كل منهما ذوي البدع ~~والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين، وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد ~~الحقيقي، فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلا منهما عقد على طريق ~~السلف نطاقا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في تلك ~~المسالك والدلائل يسمى أشعريا وماتريديا. # ويقول الدكتور محمد حسن أحمد حسانين: # فالماتريدية والأشاعرة متفقون في المذهب، أما الناحية المنهجية: فإن ~~بينهم بعض الاختلاف ms0125 الذي لا يضر في العقيدة ولا يبدع أحدا منهم؛ فالأمور ~~المختلف فيها جزئية فرعية، معظمها مبني على شبه الألفاظ وتعيين المعنى ~~المراد منها. # وهي عند النظر السليم لا تخرج عن كونها اختلافات مثل ما بين أصحاب ~~الأشعري وأصحاب أبي حنيفة. # وقال العلامة السبكي في الطبقات: ولي قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل ~~وضممت إليها مسائل اختلف الأشاعرة فيها. . . وقال في شرح عقيدة ابن الحاجب: ~~ثم تصفحت كتب الحنفية، فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف ~~فيها ثلاث # PageV01P158 # عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل والباقي لفظي، وتلك الستة المعنوية لا ~~تقتضي مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم. # قلت: ومطلع القصيدة التي ذكرها السبكي هي: # الورد خدك صيغ من إنسان ... أم في الخدود شقائق النعمان # والسيف لحظك سل من أجفانه ... فسطا كمثل مهند وسنان # تالله ما خلقت لحاظك باطلا ... وسدى تعالى الله عن بطلان # ثم ذكر في البيت التاسع والستين وما بعده: # هذا اعتقاد مشايخ الإسلام وه ... والدين فلتسمع له الأذنان # الأشعري عليه ينصره ولا ... يألو جزاه الله بالإحسان # وكذاك حالته مع النعمان لم ... ينقض عليه عقائد الإيمان # يا صاح إن عقيدة النعمان وال ... أشعري حقيقة الإتقان # فكلاهما والله صاحب سنة ... بهدى نبي الله مقتديان # لا ذا يبدع ذا ولا هذا وإن ... تحسب سواه وهمت في الحسبان # من قال إن أبا حنيفة مبدع ... رأيا فذلك قائل الهذيان # أو ظن أن الأشعري مبدع ... فلقد أساء وباء بالخسران # كل إمام مقتد ذو سنة ... كالسيف مسلولا على الشيطان # والخلف بينهما قليل أمره ... سهل بلا بدع ولا كفران # فيما يقل من المسائل عده ... ويهون عند تطاعن الأقران # ولقد يئول خلافها إما إلى ... لفظ كالاستثناء في الإيمان # ويدلنا النظر في كتب العقائد وتأمل مصنفات الأصول أن ما بينهما من خلاف ~~إنما هو خلاف فرعي لا يمس شيئا من الأصول. # وفيما يلي نجمل # * المسائل التي كانت محل خلاف بين الأشاعرة والماتريدية # ، ثم نذكر نبذة يسيرة عن كل مسألة: مع بيان المسائل المختلف فيها لفظا ~~والمختلف فيها معنى. # فأما ms0126 المسائل المختلف فيها لفظا فهي: # * 1 - # السعادة والشقاء. # PageV01P159 # * 2 - # بقاء الرسالة. # * 3 - # الإرادة والرضا. # * 4 - # الاستثناء في الإيمان. # * 5 - # إيمان المقلد. # * 6 - # الكسب. # * 7 - # الكافر منعم عليه أم لا. # والمسائل المختلف فيها معنويا: # * 1 - # تكليف ما لا يطاق. # * 2 - # الثواب والعقاب. # * 3 - # التكوين. # * 4 - # كلام الله. # * 5 - # معرفة الله تعالى بالعقل أم بالشرع؟ # * 6 - # عصمة الأنبياء عليهم السلام. # أولا: المسائل المختلف فيها لفظا: # * المسألة الأولى: السعادة والشقاوة # السعادة والشقاوة في اللغة والاصطلاح: # أ - في اللغة: # السعادة: خلاف الشقاوة، والسعيد: نقيضه الشقي، والسعد: هو اليمن ونقيضه # النحس. # ب - في الاصطلاح: # السعادة: هي ما يجده القلب من الطمأنينة عند تنزل الغيب، وهي نور في ~~القلب يسكن إلى شاهده ويطمئن صاحبه في الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالنظر ~~إلى وجه الرحمن سبحانه وتعالى، ودخول الجنة. # PageV01P160 # والاختلاف في هذه المسألة اختلاف حول الإجابة عن سؤال مهم، ألا وهو: # هل يسعد الشقي أم لا، وهل يشقى السعيد أم لا؟ حيث اختلف الماتريدية مع ~~الأشاعرة في الإجابة عن هذا السؤال. # فعند الماتريدية: # يرى الماتريدية أن السعادة والشقاوة تكونان في الحال، وليستا أزليتين، ~~وبذلك يكون السعيد عندهم هو المؤمن في الحال، ولو مات على الكفر فقد انقلب ~~شقيا بعد أن كان سعيدا، والشقي هو الكافر في الحال، ولو مات على الإيمان ~~فقد انقلب سعيدا. # أما عند الأشاعرة: # فمفهوم السعادة عندهم هو الموت على الإيمان، وذلك - باعتبار تعلق علم ~~الله - تعالى - أزلا بذلك. # وكذلك فالشقاوة عندهم هي الموت على الكفر. # وبذلك يكون السعيد عندهم سعيدا في الأزل، والشقي شقيا في الأزل، ولا ~~يتبدل السعيد شقيا، أو الشقي سعيدا. # والحق أن الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة خلاف لفظي، ~~ومحصور في مسألة بعينها ألا وهي: حال من أسلم بعد الكفر: هل هو شقي أم ~~سعيد؟ والفريقان متفقان على أنه سعيد بإسلامه، لكنهم قد اختلفوا فيما إذا ~~كان قد تبدل بإسلامه من الشقاوة إلى السعادة أم أنه سعيد أزلا في علم الله ~~تعالى، وليس هناك تبدل، والكفر عرض له. # فقد ms0127 ذهب الماتريدية إلى أنه قد تحول بإسلامه من الشقاوة إلى السعادة، ~~وذلك غير مخالف لما في علم الله أزلا. # أما الأشاعرة: فقد ذهبوا إلى أنه سعيد، ولم يتبدل حاله من حيث السعادة ~~والشقاوة، فهو في حالة الكفر كان سعيدا أيضا تبعا للخاتمة. # PageV01P161 # * المسألة الثانية # حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل # قبل عرض المسألة والخلاف فيها ينبغي أولا أن نعرف بالرسول في اللغة ~~والاصطلاح، والفرق بينه وبين النبي. # ففي اللغة: # الرسول: يقال: أرسلت رسولا، أي: بعثته برسالة يؤديها، فهو فعول بمعني ~~مفعول. # وفي الاصطلاح: # الرسول: هو من اختصه الله بسماع وحي بحكم شرعي تكليفي، وأمر بتبليغه. # الفرق بين الرسول والنبي: # النبي مأخوذ من النبأ وهو الخبر؛ لإنبائه عن الله -تعالى- إذ هو المتلقي ~~لوحي السماء، وهو -اصطلاحا-: من اختصه الله -سبحانه وتعالى- بسماع وحي بحكم ~~شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا. # وبذلك يكون الفرق بين الرسول والنبي أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. # ولقد اختلف الماتريدية والأشاعرة في حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل على ~~ما يلي: # الماتريدية: # وعندهم أن الرسل والأنبياء يظلون كذلك حتى بعد موتهم. # وأما الأشاعرة: # فيرون أن الأنبياء والرسل بعد موتهم في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم ~~مقام أصله. # وبذلك يتضح أن الفريقين يتفقان في أصل المسألة وهي أن الرسالة باقية إلى ~~الآن، لكن الخلاف فيما إذا كانت الرسالة باقية حقيقة أم في حكم الرسالة. # PageV01P162 # * المسألة الثالثة # الإرادة وهل تستلزم الرضا والمحبة أم لا # الإرادة: في اللغة والاصطلاح: # في اللغة: # الإرادة: هي القصد، والمشيئة، يقال: أراد كذا، أو شاء كذا، أي: قصده. # وفي الاصطلاح: # هي صفة ثبوتية قديمة قائمة بذاته تعالى وزائدة عليها، تخصص الممكن ببعض ~~ما يجوز عليه من الأمور المتقابلة. # وقد اختلف السادة الماتريدية والأشاعرة في هذه المسألة بعد اتفاقهم على ~~أن الله تعالى مريد، وأن ما يقع في الكون من خير وشر فهو مراد له تعالى - ~~في أنه: هل هناك تلازم بين الإرادة والرضا بالمراد أم لا؟ # فالماتريدية: # يثبتون إرادة الله تعالى الشاملة ms0128 لأفعال العباد؛ لأن أفعال العباد من ~~خلقه تعالى، والقول بعدم إرادة الله الشاملة معناه عدم قدرة الله على ~~أفعالهم، فالقول بالقدرة المطلقة والإرادة المطلقة والعلم المطلق لازم ~~لتمام صفات الألوهية. # غير أن الماتريدية يقولون: إنه لا محبة في صفة الإرادة، وأن هذه الإرادة ~~لا تستلزم الرضا والمحبة؛ إذ الكفر غير مرض، وهو مراد لله تعالى، وأن ~~الإرادة والمشيئة لفظان مترادفان، كما أن إرادة الله صفة أزلية ليست حادثة، ~~وهي متعلقة بجميع الممكنات تعلق تخصيص، ويترتب على ذلك نفي التلازم بين ~~الإرادة والرضا والمحبة؛ لأن الماتريدية يرون أن معنى الرضا ترك الاعتراض ~~على الشيء لا إرادة وقوعه، ومعنى المحبة استحماده تعالى له، والإرادة عامة. ~~وبذلك يكون بين الإرادة والرضا والمحبة عموم وخصوص وجهي. # PageV01P163 # أما الأشاعرة: # فيرون أن الإرادة هي الرضا والمحبة؛ إذ المحبة هي الإرادة والرضا كذلك ~~معناه الإرادة، والإرادة تستلزم الرضا والمحبة، وبهذا تكون الإرادة والمحبة ~~والمشيئة والرضا والاختيار كلها بمعنى واحد، مثلما يكون المعرفة والعلم ~~بمعنى واحد. # وفي هذا يقول الإمام البغدادي في المسألة السادسة: # أجمع أصحابنا أن إرادة الله تعالى مشيئته واختياره، وعلى أن إرادته للشيء ~~كراهيته لعدم ذلك الشيء كما قالوا: إن أمره بالشيء نهي عن ضده، وقالوا ~~أيضا: إن إرادته صفة أزلية قائمة بذاته، وهي إرادة واحدة محيطة بجميع ~~مراداته على وفق علمه بها فما علم منها كونه أراد كونه، خيرا كان أو شرا ~~وما علم أنه لا يكون أراد ألا يكون. ولا يحدث في العالم شيء لا يريده الله ~~ولا ينتفي ما يريده الله؛ وهذا معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن. # والحق أن الفريقين يتفقان في أصل الإرادة ويختلفان في المراد، ويرجع هذا ~~الخلاف إلى الجهة التي نظر منها كل منهما إلى مفهوم الإرادة، فالماتريدية ~~نظروا إلى جهة العلم، وبذلك فقد ذهبوا إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضا؛ إذ ~~ليس هناك تلازم بين الإرادة والرضا، بينما نظر الأشعرية إلى أنها عامة ~~وشاملة للكائنات كلها، وبذلك ذهبوا إلى أن كل ms0129 مراد مرض، وهناك تلازم بين ~~الإرادة والرضا. # * المسألة الرابعة # الاستثناء في الإيمان # التعريف بالإيمان في اللغة والاصطلاح: # الإيمان في اللغة: # الإيمان: التصديق، وهو ضد الكفر، والتصديق ضد التكذيب، من: آمن بالشيء، ~~يؤمن به، إيمانا، فهو مؤمن قال الله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين). # PageV01P164 # الإيمان في الاصطلاح: # لقد اختلف الماتريدية والأشاعرة في التعريف بالإيمان ومفهومه في الشرع ~~على ما يلي: # مفهوم الإيمان عند الماتريدية: # يعرف الماتريدية الإيمان بأنه " تصديق بالقلب وإقرار باللسان ". # مفهوم الإيمان عند الأشاعرة: # ويعرفه الأشعرية بأنه " التصديق بالله تعالى "، وهذا هو ما ذكره الإمام ~~أبو الحسن الأشعري، وقد حدد المقصود بالتصديق بأنه التصديق القلبي، وهذا ~~التصديق القلبي عند الأشاعرة هو: " الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وإثبات ما ~~أثبته لنفسه من صفات وأنه ليس كمثله شيء ". # الاستثناء عند الماتريدية: # ذهب الماتريدية إلى منع دخول الاستثناء في الإيمان، فالمؤمن عندهم يكون ~~مؤمنا حقا، وليس مؤمنا بالمشيئة؛ وذلك لأن الماتريدية يرون أن الاستثناء شك ~~في إيمان المؤمن وشرائطه التي لا تقبل الشك. # يقول الإمام الماتريدي: الأصل عندنا قطع القول بالإيمان والتسمي به ~~بالإطلاق وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى في اجتماع وجوده تمام الإيمان ~~عندهم إذا استثنى فيه لم يصح ذلك المعنى؛ نحو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله إن شاء الله، أو: محمدا رسول الله إن شاء الله، وكذلك الشهادة بالبعث ~~والملائكة والرسل والكتب. . . فالعرف الظاهر في الخلق أنهم لا يستعملونه ~~-أي: الاستثناء- في موضع الإحاطة والعلم، ومن سمع ذلك استعظم القول، كمن ~~أشار إلى محسوس ويستثني. # الاستثناء عند الأشاعرة: # يذهب الأشاعرة إلى جواز الاستثناء في الإيمان، فيمكن للمؤمن أن يقول: # أنا مؤمن إن شاء الله. # يقول الإمام البغدادي: كل من قال من أهل الحديث بأن جملة الطاعات من ~~الإيمان # PageV01P165 # قال بالموافاة، وكل من وافى ربه على الإيمان فهو المؤمن، ومن وافى بغير ~~الإيمان الذي أظهره في الدنيا علم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمنا، والواحد ~~من هؤلاء يقول: أعلم أن إيماني حق وضده باطل، وإن ms0130 وافيت ربي عليه كنت مؤمنا ~~حقا، فيستثني في صحة إيمانه. # وبذلك يظهر أن محل الخلاف هو أن الماتريدية لا يجيزون الاستثناء في ~~الإيمان، بينما الأشعرية يجيزون ذلك. # * المسألة الخامسة: إيمان المقلد # وقع اختلاف بين السادة الماتريدية والسادة الأشاعرة في صحة إيمان المقلد، ~~وكذلك صحة تسميته مؤمنا، وهل يكتفي بالتقليد في العقائد الدينية أم لا؟ # فالماتريدية: # يذهبون إلى القول بصحة إيمان المقلد؛ لأن مع هذا الإيمان تصديقا، ~~والتصديق هو أصل الإيمان، وعند الماتريدية يصح الاكتفاء بالتقليد في ~~العقائد الدينية، إلا أن المقلد يعد عاصيا بتركه للنظر إذا كان قادرا على ~~ذلك؛ ولذلك قيل: إن النظر واجب وجوب الفروع، وليس وجوب الأصول، وإلا كان ~~هذا المقلد كافرا. # يقول أبو منصور الماتريدي: # " ليس الشرط أن يعرف كل المسائل بالدليل العقلي، ولكن إذا بني اعتقاده ~~على قول الرسول، بعد معرفته بدلالة المعجزة أنه صادق فهذا القدر كاف لصحة ~~إيمانه ". # أما الأشاعرة: # فإنهم يقولون بأنه لا يكتفى بالتقليد في العقائد الدينية، ولكن لابد من ~~الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل؛ لأن الإيمان من المسائل الأصولية، وهذه ~~قليلة يمكن الإحاطة بها، وتكفي فيها المعرفة على الإجمال، ولا يشترط عندهم ~~القدرة على التعبير عن ذلك؛ لأننا مأمورون بأن نتبع الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - والرسول - عليه السلام - مأمور بتحصيل العلم بتلك الأصول، والتصديق ~~لا يوجد بدون العلم والمعرفة، والمقلد لا علم له حتى يحصل عنده التصديق، ~~فإن لم يحصل هذا التصديق عنده فلا يحصل الإيمان. # PageV01P166 # ويذهب الأشاعرة إلى أن المقلد عاص بتركه النظر والاستدلال، ولكنه ليس ~~مشركا أو كافرا، ويجوز أن الله تعالى يغفر له، فإذا عوقب على المعصية دخل ~~الجنة. # يقول البغدادي: # إن معتقد الحق قد خرج باعتقاده عن الكفر؛ لأن الكفر واعتقاد الحق في ~~التوحيد والنبوات ضدان لا يجتمعان، غير أنه لا يستحق اسم المؤمن إلا إذا ~~عرف الحق في حدوث العالم وتوحيد صانعه، وفي صحة النبوة ببعض أدلته سواء ~~أحسن صاحبها العبارة عن الدلالة أو لم يحسنها ". # والمتأمل للمسألة يرى أن الماتريدية والأشعرية يتفقان على ms0131 أن المقلد قد ~~خرج بتقليده عن الكفر والشرك، لكنهما يختلفان في تسمية المقلد مؤمنا أو لا، ~~فالماتريدية يسمونه مؤمنا، بينما يمنع الأشعرية ذلك. # * المسألة السادسة: الكسب # الكسب: هو ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، وقد يستعمل ~~فيما يظن أنه يجلب منفعة ثم جلب مضرة. # وقال ابن الكمال: هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر. # وينبغي ذكر أن السادة الماتريدية قد اتفقوا مع الأشاعرة في القول بأن ~~أفعال العباد واقعة بقدرة الله تعالى، وللعباد فيها الكسب، لكن الماتريدية ~~يختلفون مع الأشاعرة في معنى الكسب. # فالماتريدية: # يثبتون للعبد قدرة وإرادة لها أثر في الفعل، ولا أثر لها في الإيجاب ~~والإحداث، وإنما أثرها ينصب على وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، وتتمثل هذه ~~القدرة في القصد والاختيار للفعل، والله سبحانه وتعالى يخلق للعبد القدرة ~~على الفعل، وتكون نتيجة الفعل عليه. # وبذلك يثبت الماتريدية أن للعبد اختيارا في أفعاله، وهذه الأفعال هي التي ~~يترتب عليها # PageV01P167 # المدح والذم في الدنيا، كما يترتب عليها الثواب والعقاب في الآخرة، ولم ~~يمنع الماتريدية إضافة الأفعال إلى الله تعالى؛ إذ إنه هو الذي وصف نفسه ~~بهذه الصفة على الحقيقة وما عداه مخلوق. # أما الأشاعرة: # فيذهبون إلى أن قدرة العباد التي وقع بها الفعل غير مخلوقة، وأن أمرها ~~بأيديهم، وعليها مدار تكليفهم. والإرادة عند الأشاعرة هي الإرادة الجزئية، ~~أما الإرادة الكلية عندهم فهي مخلوقة لله تعالى. # * المسألة السابعة # الكافر منعم عليه أم لا؟ # التعريف بالنعمة والكفر في اللغة والاصطلاح: # أ - اللغة: # النعمة: هي اليد والصنيعة والمنة، وكذلك: النعمى، وهي النعماء والنعيم، ~~والجمع: أنعم. # أما الكفر: فهو نقيض الإيمان، يقال: كفر يكفر كفرا وكفورا وكفرانا. # ب - في الاصطلاح: # النعمة: ما قصد به الإحسان والنفع لا لغرض ولا لعوض. # أما الكفر: فهو ستر نعمة المنعم بالجحود أو بعمل هو كالجحود في مخالفة ~~المنعم. # وقد اختلف الماتريدية مع الأشاعرة فيما إذا كان الكافر منعما عليه أم لا، ~~وكذلك في هذه النعمة وهل هي نعمة دين أم دنيا أم ms0132 هما معا، وهل هي نعمة على ~~الحقيقة أم لا؟ وذلك على ما يلي: # رأي الماتريدية: # يرى الماتريدية أن الكافر منعم عليه، لكن هذا الإنعام إنما وقع في الدنيا ~~فقط. # PageV01P168 # يقول الإمام أبو حنيفة: إن الكافر منعم عليه في الدنيا، حيث خوله الله ~~تبارك وتعالى قوى ظاهرة وباطنة، وجعل له أموالا ممتدة، فالنعمة دنيوية ~~والنقمة أخروية. # رأي الأشاعرة: # ويرى الأشاعرة أن الكافر لم ينعم عليه لا في الدين ولا في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # يقول الأشعري: إن الله تعالى لم ينعم على الكافر دنيا ولا أخرى، وإن كان ~~قد أنعم عليه نعمة الدنيا بأن خلقه ورزقه، فإن الحياة في حد ذاتها نعمة ~~بشرط أن يكون الإنسان موفقا في طاعة الله تعالى، فإذا وجدت تلك النعمة مع ~~فقد التوفيق في المكلف فليست الحياة نعمة إطلاقا. # ونرى أن الخلاف بين الفريقين في هذه المسألة ليس خلافا كبيرا ذلك أن ~~الماتريدية القائلين بأن الكافر منعم عليه إنما يعنون النعم التي يعطاها ~~الكافر في الدنيا حتى ولو لم تكن عقباه محمودة. # أما الأشاعرة الذين يقولون بأن الكافر غير منعم عليه فقد حصروا النعمة في ~~مجال خاص، إذ قصدوا بالنعمة ما ينعم به على الإنسان ويكون محمود العاقبة، ~~والمتأمل للمسألة يجد أن الفريق الأول -وهم الماتريدية- قد نظر إلى النعم ~~نظرة خاصة لمفهوم النعم ذاته، وبينما نظر الفريق الثاني -وهم الأشاعرة- إلى ~~هذا المفهوم -وهو مفهوم النعم- نظرة أخرى. # * ثانيا: المسائل المختلف فيها معنويا: # * المسألة الأولى التكليف بما لا يطاق # التكليف: في اللغة والاصطلاح: # التكليف في اللغة: # التكليف من الكلفة، وهي التعب والمشقة، يقال: تكلف الأمر إذا فعله على ~~كلفة ومشقة. # PageV01P169 # التكليف في الاصطلاح: # التكليف هو: إلزام الكلفة على المخاطب. # وقبل أن نبين رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة في هذه المسألة فإن ~~ثمة أقساما وأركانا للتكليف يجب أن نعرضها وهي: # أقسام التكليف: # ينقسم التكليف باعتبار اللفظ الوارد به، أو باعتبار الحكم: # فباعتبار اللفظ الوارد به يكون ثلاثة أقسام: # الأول: التكليف بالأمر، مثل قول الله تعالى: {وأقيموا الصلاة}. # الثاني: ms0133 التكليف بالنهي، مثل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا}. # الثالث: التكليف بالخبر، وهو إما خبر في معنى الأمر؛ مثل قوله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} أو خبر في معنى النهي؛ مثل قوله ~~تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}. # أما باعتبار الحكم فيكون خمسة أقسام: # الأول: تكليف موجب؛ مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة}. # الثاني: تكليف محرم؛ مثل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا}. # الثالث: تكليف يدل على أن ما ورد به سنة؛ مثل قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا}. # الرابع: تكليف يدل على أن ما ورد به مكروه؛ مثل قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق ". # PageV01P170 # الخامس: تكليف يدل على إباحة ما ورد به من غير وجوب ولا حظر ولا كراهة ~~ولا استحباب؛ مثل قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}. # أركان التكليف: # وللتكليف ثلاثة أركان: # الأول: المكلف. # الثاني: المكلف. # الثالث: المكلف به. # مراتب التكليف: # وهما مرتبتان: # الأولى: التكليف بما يطاق. # الثانية: التكليف بما لا يطاق. # أما رأي الماتريدية والأشاعرة في المسألة فهو كما يلي: # الماتريدية: # يذهبون إلى عدم جواز أن يكلف الله تعالى عباده بما لا يطيق العباد، ~~فالماتريدية يرون أن التكليف يكون فيما يقدر على إتيانه، أما غير المقدور ~~على إتيانه فلا تكليف فيه. # يقول الماتريدي: " تكليف ما لا يطاق لوقت الفعل قبيح في العقل ". # الأشعرية: # ويذهب الأشاعرة إلى أن قدرة الله تبارك وتعالى قدرة مطلقة، ويجوز لله أن ~~يكلف عباده بما لا يطيقون. # يقول أبو بكر الباقلاني: " يجوز لله أن يكلف عباده ما لا يطيقون، إلا أن ~~التكليف بما لا يطاق على نوعين: # أحدهما: العجز أصلا عن الفعل، وذلك ينتفي التكليف به لوجود مانع، وهو ~~العجز. # الثاني: إذا كان المراد عدم القدرة على الفعل لتركه والاشتغال بضده، فذلك ~~جائز # PageV01P171 # التكليف به لارتفاع العجز المانع أصلا ". # وبعد عرض رأي كل من الماتريدية والأشعرية يظهر لنا أن الماتريدية ~~والأشعرية متفقون في حكم أقسام التكليف ما عدا التكليف بالمحال لغيره، وهو ~~أدنى مراتب التكليف بما لا يطاق، ms0134 فقد ذهب الماتريدية إلى منعه إلا في ~~المقدور على إتيانه، أما ما لا يمكن إتيانه فلا تكليف فيه، لكن الأشعرية قد ~~ذهبوا إلى جوازه؛ لأن قدرة الله تعالى قدرة مطلقة. # * المسألة الثانية: الثواب والعقاب # من الواضح أن كلا من السادة الماتريدية والأشاعرة يتفقان في القول بعدم ~~جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي. # أما محل الخلاف بينهما فهو في المدرك، حيث ذهب الماتريدية إلى أن المدرك ~~لذلك هو العقل والشرع. # وأما الأشاعرة فذهبوا إلى أن المدرك لذلك هو الشرع. # وقد ترتب على ذلك أن الماتريدية منعوا جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي، ~~بينما أجاز ذلك الأشعرية، وفي ذلك خلاف سنفصل القول فيه على ما يلي: # الماتريدية: # لقد ذهب الماتريدية إلى القول بمنع تعذيب المطيع عقلا أو شرعا. # يقول الإمام أبو حنيفة: " لا يجوز مطلقا لا عقلا ولا شرعا أن يعذب الله ~~تبارك وتعالى العبد الطائع؛ إذ لا يجوز في بداهة العقل أن يعذب الله تبارك ~~وتعالى المطيع ". # وجاء في المسايرة لابن الهمام: " القول في تجويز تعذيب المحسن عقلا عدمه، ~~فوقوع ذلك منه تعالى مقطوع بعدمه وفاقا بالشرع ". # الأشعرية: # أما الأشعرية فيذهبون إلى جواز تعذيب الله تعالى للعبد الطائع وإدخاله ~~النار عقلا، وإدخال الكافر الجنة، كما أن لله تعالى إيلام البهائم والأطفال ~~والمجانين؛ لأنه عدل في حكمه متصرف في ملكه. # PageV01P172 # يقول أبو عذبة: إنه لو وقع منه -سبحانه وتعالى- تعذيب العبد الطائع لم ~~يكن ذلك منه ظلما ولا عدوانا؛ لأنه متصرف في ملكه بالتعذيب وتركه، فله ما ~~يختار منهما، لكنه سبحانه وتعالى جاد في حق العباد بالإحسان إليهم بترك ~~العقاب. # وبذلك يظهر أن تعذيب الطائع لا يقع من الله سبحانه وتعالى شرعا عند كل من ~~الماتريدية والأشاعرة، لكن الأشاعرة يجيزون وقوع ذلك عقلا؛ لأن الله تعالى ~~متصرف في ملكه. # * المسألة الثالثة: التكوين # لقد اختلف الماتريدية مع الأشاعرة في مسألة التكوين، فقد أثبتها ~~الماتريدية، ونفاها الأشاعرة، كما سيظهر فيما يلي: # الماتريدية: # يقول السادة الماتريدية بأن التكوين صفة حقيقية زائدة غير القدرة ~~والإرادة؛ إذ هو صفة أزلية، ms0135 وغير المكون الحادث، وقدم التكوين لا يستلزم ~~قدم المكون، وأما كون التكوين غير المكون؛ لأنه لو كان التكوين عين المكون ~~لم يكن من الله تعالى شيء يوجب كونه خالقا للعالم سوى أن ذات الباري أقدم ~~من العالم، وكون ذاته أقدم من غيره لا يوجب كونه خالقا. والقول بأن التكوين ~~عين المكون يؤدي إلى قدم العالم، وكونه بنفسه لا بغيره، وما لا يحتاج في ~~حصوله إلى غيره كان قديما، فدل ذلك على أن التكوين غير المكون. # يقول الماتريدي: " إن صفته التي هي الفعل هي صفة ذاته، فيقال: الله خالق ~~ورحمن ورحيم وقد سمى به ذاته ". # الأشاعرة: # أما الأشاعرة فيقولون بأن التكوين ليس صفة حقيقية له، لكنه أمر اعتباري ~~يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، وإضافته إليه، فهو من صفات ~~الأفعال، وهي عند الأشعرية حادثة، لا من الصفات الذاتية، والتكوين عين ~~المكون، والتخليق هو القدرة # PageV01P173 # باعتبار تعلقها بالمخلوق، كما أن الترزيق هو القدرة باعتبار تعلقها ~~بإيصال الرزق. # والمتأمل للمسألة يرى أن الخلاف بين الفريقين راجع إلى المعنى لا إلى ~~اللفظ، فعند الماتريدية مبدأ الإيجاد عندهم هو صفة التكوين، وعند الأشاعرة ~~التكوين لا يعد صفة حقيقية لله تعالى زائدة على القدرة والإرادة، بل هو ~~معنى يعقل من إضافة المؤثر إلى الأثر. # * المسألة الرابعة: كلام الله تعالى # إن هذه المسألة من المسائل المهمة في علم الكلام بصفة عامة، ولقد اشتدت ~~أهميتها بعد الجدل الذي دار حول مسألة قدم القرآن وحدوثه، والمحن التي تعرض ~~لها علماء كثيرون بسبب ذلك، وقبل عرض رأي كل من السادة الماتريدية ~~والأشاعرة في هذه المسألة نبين أن ثمة قياسين يعارض كل منهما الآخر: # فالأول: هو أن كلام الله -تعالى- صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، ~~وبذلك يكون كلامه تعالى قديما. # وأما الثاني: فهو أن كلام الله تعالى مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في ~~الوجود، وكل ما من شأنه ذلك فهو حادث، ويكون بذلك كلام الله تعالى حادثا. # ولقد اختلف المسلمون وافترقوا بين من قال بصحة القياس ms0136 الأول، وبين من قال ~~بصحة القياس الثاني، حيث نجد أن أهل السنة والحنابلة يقولون بصحة القياس ~~الأول، بينما يقول المعتزلة ومعهم الكرامية بصحة القياس الثاني. # أما فيما يخص السادة الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة فعلى النحو ~~التالي: # الماتريدية # لقد ذهب الماتريدية إلى أن الكلام صفة لله تعالى؛ لأنه -سبحانه وتعالى- ~~متكلم بكلام واحد، وهو صفته الأزلية القائمة بذاته، وهي صفة منافية للسكوت ~~والآفة، والله سبحانه وتعالى بهذه الصفة آمر، ناه، مخبر. # ويرى السادة الماتريدية كذلك أن حقيقة الكلام لا تسمع في الشاهد، وإنما ~~تكون على الموافقة والمجاز، كما يقول المرء: سمعت كلام فلان وقول فلان، ~~ويكون ذلك على # PageV01P174 # المجاز وليس على الحقيقة، وذلك لأنه لم يسمع قول فلان حقيقة؛ ولم يسمع ~~كلامه وإنما سمع صوتا يفهمه به. # وبناء على ذلك فإن الماتريدية يقولون بأن موسى -عليه السلام- لم يسمع ~~كلام الله، وإنما سمع صوتا دالا عليه، ولقد خلق الله تعالى هذا الصوت، وليس ~~ذلك لأحد من خلقه. # فالماتريدي يرى أن كلام الله القديم لا يسمع، وأن ما نسمعه من الحروف ~~والأصوات ليست هي كلام الله بذاتها! وذلك لأنها عرض، والعرض لا يبقى ~~زمانين. # الأشاعرة: # يقول الأشاعرة بأن الكلام إنما يراد به الصفة القديمة. # يقول البيجوري في شرح الجوهرة عن الكلام: " إنه صفة أزلية قائمة بذاته، ~~ليست بصوت ولا حرف منزهة عن التقديم والتأخير، ومنافية للسكوت والآفة ". # ويقول أبو الحسن الأشعري: " إن كلامه واحد، هو أمر ونهي وخبر واستخبار ~~ووعد ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس ~~الكلام ". # ويجب أن يعرف أن الإمام أبا الحسن الأشعري لا ينكر الكلام اللفظي، وإنما ~~يثبت الكلام النفسي واللفظي، ويتضح ذلك من قوله: " وأجمعوا على إثبات حياة ~~لله عز وجل لم يزل بها حيا، وعلما لم يزل به عالما، وقدرة لم يزل بها ~~قادرا، وكلاما لم يزل به متكلما، وإرادة لم يزل بها مريدا، وسمعا وبصرا لم ~~يزل بهما سميعا بصيرا ". # ويتضح من عرض رأي كل من السادة الماتريدية والأشاعرة أن ms0137 الماتريدية ~~يتفقون مع الأشاعرة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأن الماتريدية يرون أن ~~حقيقة الكلام لا تسمع في الشاهد، وإنما تسمع على سبيل الموافقة والمجاز. # ويظهر الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة فيما سمعه موسى - عليه السلام - ~~أن الماتريدية يذهبون إلى أن موسى - عليه السلام - لم يسمع كلام الله ~~القديم وإنما سمع أصواتا دلت عليه، وخص موسى بذلك؛ لأنه بغير واسطة الكتاب ~~والملك. # PageV01P175 # أما الأشاعرة فيذهبون إلى أن موسى - عليه السلام - سمع كلام الله القديم ~~بلا حرف ولا صوت. # * المسألة الخامسة: معرفة الله تعالى # لقد اتفق علماء الكلام على أن النظر هو طريق المعرفة، لكن الاختلاف بينهم ~~في طريق ثبوت هذه المعرفة، وهل هو واجب بالشرع أم بالعقل. # فالماتريدية: # يذهبون إلى أن معرفة الله -تعالى- واجبة بالشرع، لكنهم يرون أن العقل آلة ~~لوجوب المعرفة، والله -عز وجل- هو الموجب. # ويرى الماتريدية -أيضا- أن العقل ليس موجبا بذاته ولكنه سبب لوجوب. # يقول الماتريدي: " يجب على الصبي العاقل معرفة الله تعالى، فالحق -سبحانه ~~وتعالى- قد فطر الناس على فطرة يعرفون وحدانيته وربوبيته بعقول مركبة فيهم ~~". # وبذلك يذهب الماتريدي إلى أن العقل هو أساس المعرفة ويعاونه السمع في ~~ذلك، وقد يسر الله سبحانه السبيل إلى الوصول إلى الدين، ومعرفة الله تعالى ~~إنما هي عن طريق العقل والسمع، والعقل هو المختص بمعرفة الله تعالى، والسمع ~~مختص بمعرفة الشرائع والعبادات. # ويقول أبو منصور الماتريدي في موضع آخر: # " إن حقيقة الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها الرسل، ~~أما معرفة الله -تعالى- فإن سبيل لزومها العقل، فلا يكون لهم في ذلك على ~~الله حجة؛ لأن الله خلق في كل واحد من الدلائل ما لو تأمل وتفكر فيها لدلته ~~على وجود الله ووحدانيته وربوبيته، والله قد بعث الرسل ليقطع عليهم ~~الاحتجاج ". # ولا عذر عند الماتريدية في معرفة الله تعالى عند من له عقل؛ لأن من يملك ~~العقل يستطيع معرفة الله عن طريق التفكر في خلق الكون وما فيه. # أما الأشاعرة: # فيرون أن معرفة الله -عز وجل- واجبة على الإنسان المكلف، والشرع هو ms0138 طريق ~~وجوب هذه المعرفة، وهو كتاب الله تعالى وسنة نبيه الكريم. # PageV01P176 # ويذهبون إلى أن الواجبات ثابتة بالسمع، فالحسن عندهم هو ما حسنه الشرع، ~~والقبيح عندهم هو ما قبحه الشرع، والعقل لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا ~~يوجب. # يقول الإمام الغزالي: " إنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد ~~معرفة الله تعالى وشكر نعمته خلافا للمعتزلة ". # * المسألة السادسة: عصمة الأنبياء # العصمة في اللغة والاصطلاح: # العصمة في اللغة: # العصمة: المنع، يقال: عصمه الطعام من الجوع، أي: منعه. # وهي -كذلك-: الحفظ، يقول الله تعالى: {والله يعصمك من الناس} أي: يحفظك. # العصمة في الاصطلاح: # هي: عدم خلق الله تعالى ذنبا في النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا ~~تكون أمرا إعداميا. # وهذا بصفة عامة، وقد اختلف تعريف الماتريدية للعصمة عن تعريف الأشاعرة ~~لها وذلك على ما يلي: # الماتريدية # يعرف السادة الماتريدية العصمة بأنها عدم القدرة على المعصية، أو خلق ~~مانع فيها. # الأشعرية: # ويعرفها الأشعرية بأنها: " ألا يخلق الله فيهم ذنبا "، وذلك بناء على ~~أصلهم من استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار. # أما عن رأي كل من السادة الماتريدية والأشعرية في مسألة العصمة، فذلك على ~~ما يلي: # الماتريدية: # يقول السادة الماتريدية بعصمة الأنبياء من الكبائر والقبائح وخصوصا فيما ~~يتعلق بأمر الشرع وتبيلغ الأحكام وإرشاد الأمة. # PageV01P177 # ويذهب الماتريدية إلى أن الأنبياء معصومون من الصغائر، وأوجبوا تأويل كل ~~ما أوهم في حقهم عليهم السلام من الكتاب والسنة مما اغتر به بعض من أجاز ~~عليهم الصغائر، فالأنبياء منزهون عن الصغائر والكبائر ومن جميع المعاصي. # يقول شارح الفقه الأكبر: # " إن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الكذب، خصوصا فيما يتعلق بأمر ~~الشرع وتبليغ الأحكام وإرشاد الأمة إما عمدا وإما سهوا: عمدا فبالإجماع، ~~وسهوا عند الأكثرين، وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل، وهو أنهم معصومون عن ~~الكفر قبل الوحي، وبعده بالإجماع، وكذا عن تعمد الكبائر عند الجمهور، وأما ~~سهوا فجوزه الأكثرون ". # الأشاعرة: # يتفق الأشاعرة مع الماتريدية -وغيرهم من سائر الفرق- على أن الأنبياء ~~معصومون من الكبائر مطلقا، قبل البعثة ms0139 وبعدها. # وفيما يخص الصغائر، فهي عندهم نوعان: # أحدهما: صغائر قبل النبوة. # ثانيهما: صغائر بعد النبوة. # ويذهب الأشاعرة إلى أن الأنبياء تصدر عنهم هذه الصغائر قبل النبوة إذا لم ~~تكن خسيسة وليس هناك دليل على منع ذلك، سواء أكان ذلك عمدا أم سهوا، أما ~~بعد النبوة فإن الأنبياء معصومون عن تعمد كل ما يخل بصدقهم حتى إذا كان من ~~الصغائر. # يقول الآمدي في الأحكام: " وأما بعد النبوة فالاتفاق من أهل الشرائع ~~قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على ~~صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ". # وبهذا يتضح أن محل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في هذه المسألة أن ~~الماتريدية يرون وجوب العصمة أيضا من الصغائر، لكن بعض الأشاعرة يجيز وقوع ~~الصغائر من الأنبياء قبل البعثة وبعدها كذلك سهوا. # PageV01P178 # * الباب الرابع # حول تفسير القرآن الكريم # ويشتمل على الفصول الآتية: # * الفصل الأول: نشأة التفسير وتطوره. # الفصل الثاني: مدارس التفسير. # الفصل الثالث: المناهج التفسيرية بين القديم والحديث. # PageV01P179 # * الفصل الأول # * نشأة التفسير وتطوره # # تمهيد: # يجدر بنا قبل الخوض في بيان نشأة التفسير وتطوره بيان معناه، والفرق بينه ~~وبين اصطلاحات قريبة المعنى منه؛ ذلك أن فكرة التفسير والتأويل وما في ~~معناهما كلفظ " المعنى " شغلت كثيرا من العلماء القدامى والمحدثين على ~~السواء، فمثلا يقول ابن فارس: " معاني العبارات التي يعبر بها عن الأشياء ~~ترجع إلى ثلاثة: المعنى والتفسير والتأويل، وهي وإن اختلفت فالمقاصد ~~متقاربة ". # ونقل صاحب اللسان عن ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى أن " المعنى والتفسير ~~والتأويل واحد ". # وسنتناول هذه الاصطلاحات الثلاثة في عجالة في الصفحات الآتية: # أولا: التفسير: # التفسير لغة: # مصدر فسر -بتشديد السين- مأخوذ من الفسر، والمحور الذي تدور عليه هذه ~~المادة هو الكشف مطلقا، سواء أكان هذا الكشف لغموض لفظ أم لغير ذلك؟ يقال: ~~فسرت اللفظ فسرا من باب ضرب ونصر. # ويستعمل التفسير لغة في الكشف الحسي، وفي الكشف عن المعاني المعقولة، ~~واستعماله في الثاني أكثر من استعماله في الأول. # ومن المعنى اللغوي يمكن القول: إن ms0140 التفسير بوصفه علما يقصد منه كشف ~~المغلق من المراد باللفظ، فالمفسر يكشف عن شأن الآية وقصصها ومعناها والسبب ~~الذي أنزلت فيه. # PageV01P181 # وقد استعمل القرآن الكريم المادة بهذا المعنى من الكشف والإبانة في قوله ~~تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33)، قال ابن عباس: ~~يعني بيانا وتفصيلا. # التفسير اصطلاحا: # قدم كثير من العلماء تعريفات عدة للتفسير، وعلى ما بينها من أوجه اختلاف ~~فإنها تنص على أن التفسير: علم يبحث عن مراد الله، سواء جاء ذلك تلميحا أو ~~تصريحا. # وهذا التعريف شامل لكل ما يتوقف عليه المعنى وفهمه وبيان المراد منه. # ثانيا: التأويل # التأويل لغة: # يدور حول معنيين لا ثالث لهما: # الأول: بمعنى الرجوع والعود والعاقبة. # والثاني: بمعنى تفسير الكلام وتبيين معناه. # وقد أشارت كتب اللغة إلى المعنيين، ففي اللسان أن التأويل من " الأول: ~~الرجوع، آل الشيء يئول أولا ومآلا: رجع. . . وفي الحديث " من صام الدهر فلا ~~صام ولا آل "، أي: لا رجع إلى خير، وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وأوله ~~وتأوله: فسره ". # PageV01P182 # وقد كثر استعمال لفظ " التأويل " في القرآن الكريم بمعنييه، فمن الأول ~~قول الله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) يعني ما يئول إليه ~~في وقت بعثهم ونشورهم. # ومن الثاني قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}، فالتأويل هنا يعني التفسير والتعيين ~~والتوضيح. # التأويل اصطلاحا: # التأويل عند السلف في تعريفه غيره عند الخلف؛ فالتأويل عند السلف يأتي ~~على معنيين: # الأول: تفسير الكلام وبيان معناه، وبذلك يكون التأويل والتفسير مترادفين. # والثاني: هو نفس المراد بالكلام، فإن كان الكلام طلبا كان تأويله نفس ~~الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. # وبين هذا المعنى والذي قبله فرق ظاهر، فالذي قبله يكون التأويل فيه من ~~باب العلم والكلام: كالتفسير والشرح والإيضاح، ويكون وجود التأويل فيه ~~القلب واللسان، وله الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا فالتأويل فيه ~~نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء أكانت ماضية أم مستقبلية، فإذا قيل: ms0141 ~~طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر ابن تيمية هو لغة ~~القرآن التي نزل بها؛ ولهذا يمكن إرجاع كل ما جاء في القرآن الكريم من لفظ ~~التأويل إلى هذا المعنى الثاني. # أما الخلف من المتفقهة والمتكلمين والمتصوفين وغيرهم فقد رأوا أن التأويل ~~يعني: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. # والمتأول عندهم يحتاج إلى أمرين: # الأول: أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد. # الثاني: أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه ~~المرجوح، وإلا كان تأويلا فاسدا وتلاعبا بالنصوص. # ومن ثم قال الزركشي: " التأويل: التمييز بين المنقول والمستنبط؛ ليحمل ~~على # PageV01P183 # الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط؛ تجويزا له وازديادا ". # وأوضح من هذا ما قاله صاحب جمع الجوامع وشرحه: " التأويل: حمل الظاهر على ~~المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا في الواقع ~~ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل ". # ثالثا: المعنى: # المعنى لغة واصطلاحا: # يراد بالمعنى لغة: القصد والمراد، جاء في اللسان: " عنيت بالقول كذا: ~~أردت، ومعنى كل كلام ومعناته ومعنيته: مقصده، ويقال: عرفت ذلك في معنى ~~كلامه ومعناة كلامه وفي معنى كلامه ". # وله علاقة بالإظهار والوضوح، كما تقول: عنت القربة: إذا لم تحفظ ماءها بل ~~أظهرته، ومنه عنوان الكتاب، أي: الجزء الظاهر منه والمنبئ عما بداخله. # وتجدر الإشارة إلى أن هناك لفظا رابعا له اتصال ما بألفاظ التفسير ~~والتأويل والمعنى، وهو لفظ البيان، ويعني: إظهار المتكلم المراد للسامع، ~~وهو أعم من الألفاظ الثلاثة جميعا؛ لشموله كلا من بيان التغيير وبيان ~~التقرير، وبيان الضرورة، وبيان التبديل. # الفرق بين التفسير والتأويل: # يمكن القول: إن حاصل ما تضمنته عبارات العلماء العديدة في هذا المقام لا ~~يخرج عن اتجاهين: # الاتجاه الأول: أن التفسير والتأويل ترجمة عن معنى واحد، بحيث إذا قلنا ~~أحدهما على شيء قلنا الآخر عليه بلا أدنى فرق، وإلى هذا ذهب أبو عبيد ~~والطبري وطائفة. # والاتجاه الثاني: أن التفسير والتأويل يختلف مدلول ms0142 أحدهما عن الآخر ~~اصطلاحا كما اختلفا لغة، وقد حمل لواء هذا الاتجاه النيسابوري والزركشي ~~والراغب الأصفهاني وغيرهم. . . وقد تشددوا في التفريق بين اللفظين أيما ~~تشدد، حتى قال النيسابوري # PageV01P184 # معرضا: " قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير ~~والتأويل ما اهتدوا إليه ". # وقد فرق العلماء بين اللفظين بفروق شتى، نورد أبرزها -خشية الإطالة- ~~فمثلا الراغب الأصفهاني يقول: " التفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل ~~التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني ". # وأبو طالب الثعلبي يفرق فيقول: " التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو ~~مجازا، كتفسير " الصراط " بالطريق، و " الصيب " بالمطر. والتأويل: تفسير ~~باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن ~~حقيقة المراد، والتفسير إخبار عن دليل المراد ". # والماتريدي صاحبنا يقول: " التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، ~~والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا ~~فتفسير بالرأي، وهو المنهي عنه، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون قطع، ~~والشهادة على الله ". # والأقوال كثيرة في التفريق بين التفسير والتأويل، بعضها يصل بمفهوم ~~المصطلحين إلى حد التباين، ولعل أولاها بالقبول ما ذكره جملة من العلماء من ~~أن التفسير يرجع إلى الرواية، والتأويل يرجع إلى الدراية والاستنباط؛ لأن ~~التفسير كشف وبيان عن مراد الله، والكشف عن مراد الله لا نجزم به إلا إذا ~~ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول ~~الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. أما ~~التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، وهذا الترجيح يعتمد ~~على الاجتهاد. # ومن ثم قال الزركشي -فيما أشرنا إليه من قبل-: " وكأن السبب في اصطلاح ~~بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط؛ ~~ليحمل على الاعتماد # PageV01P185 # في المنقول، وعلى النظر في المستنيط ". # وخلاصة القول: أنه برغم الاختلاف بين المصطلحين، فإنهما يشتركان في معنى ~~واحد، وهو محاولة الكشف عن ms0143 حقيقة شيء، وأنه حين يستخدم كل منهما في شرح ~~ألفاظ القرآن وبيان معانيه فإنه يجمعهما هذا المعنى العام. # * نشأة التفسير وتطوره # من البدهيات أن كل شيء في الوجود لا يكتمل إلا إذا مر بمراحل معينة ~~وأطوار متتالية، وتلك سنة من سنن الله في الأشياء جميعا، {فلن تجد لسنت ~~الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا}. # ويصدق على العلوم ما يصدق على الأشياء، فلم يعرف أن هناك علما من العلوم ~~وجد كاملا هكذا فجأة، وإنما كل علم مر بمراحل وتطورات حتى صار علما له ~~أصوله وأركانه التي يقوم عليها. # ومن العلوم علم التفسير، هذا العلم الذي شهد تطورات منذ نزول الآيات ~~الأولى من كتاب الله الكريم وحتى يوم الناس هذا، فبدأ بمرحلة المهد ثم ~~الطفولة، وتطورت به المراحل حتى استوى على سوقه، وصارت له أصوله وأركانه. # وجدير بمن يتناول علم التفسير أن يقف عند هذه المراحل والتطورات؛ لأنها ~~تطورات متلاحقة ومتعانقة في آن واحد، فلا يمكن فصل مرحلة عن مرحلة، أو ~~اعتماد مرحلة دون أخرى، وإلا فقد هذا العلم ركنا من أركانه، وأصلا من ~~أصوله، ولوقع المفسر في أخطاء جسيمة، وأدخل في تفسيره للآيات غير مراد الله ~~ومقصوده، ومن ثم فعلى المفسر أن يراعي كل المراحل، ولا يعتمد مرحلة دون ~~مرحلة، ويراعي في المقام الأول مرحلة التفسير في عهد النبوة؛ لأنها الأساس ~~الذي يبنى عليه ما بعده، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أعلم الناس ~~بالقرآن. # هذا: وقد أشرنا إلى نشأة علم التفسير في عجالة سريعة عند حديثنا عن ~~الحياة الفكرية والعلمية في عصر الماتريدي في الفصل السادس من الباب الأول ~~من هذه المقدمة، إلا أنه لأهمية الوقوف على نشأة التفسير وتطوره، خصصنا ~~الصفحات الآتية لدراسة أبرز مراحل هذه النشأة وذلك التطور: # PageV01P186 # * المرحلة الأولى: التفسير في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: # نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وعلى أساليب بلاغة العرب وبيانهم، ~~فكانوا يفهمونه، ويدركون أغراضه ومراميه، وإن تفاوتوا في الفهم، والإدراك؛ ~~تبعا لاختلاف درجاتهم العلمية، ومواهبهم العقلية، فقد ms0144 قال ابن قتيبة: " إن ~~العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن ~~بعضها يفضل في ذلك على بعض ". # ومعنى هذا أن هناك آيات تشكل معانيها على الصحابة، وكان الصحابة - رضوان ~~الله عليهم - يسألون الرسول ليوضح لهم موضع الإشكال، فمن هنا بذرت البذور ~~الأولى لعلم التفسير. # والحق أن التفسير في هذه المرحلة يتميز بسمات لم تتوافر لأي مرحلة تالية، ~~ومن أبرز هذه السمات: # أن لجميع الأقوال التفسيرية التي شهدتها هذه المرحلة قوة النص المفسر، أو ~~هي الوجه الآخر له، إذا صح هذا التعبير. # إن تفسير القرآن في هذا المرحلة كان من عند الله تبارك وتعالى، فهو ~~سبحانه أول مبين ومفسر لكتابه؛ لأنه الأعلم به وبمراد نفسه من غيره، ولأن ~~أصدق الحديث كتاب الله تعالى؛ ولذلك يقول الله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا ~~الله}، ويقول سبحانه: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا}، ~~ويقول جل وعلا: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19). # وتفسير القرآن في هذه المرحلة -أيضا- كان موكولا إلى الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان طبيعيا أن يفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن ~~جملة وتفصيلا، فهم ظاهره وباطنه، ومجمله ومفصله، ومقيده ومطلقه، ومحكمه ~~ومتشابهه، وخاصه وعامه، وأمره ونهيه، وغريبه ومشكله، وسائر ما يتعلق ~~بالأحكام والاعتقاد والتكاليف. . . إلخ. # وقد أعطى القرآن الكريم للرسول الحق في عملية التفسير، فقد قال الله جل ~~وعلا: # {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}، وقال سبحانه: {كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151). # PageV01P187 # وقد بدأ التفسير في هذه المرحلة حينما كان الصحابة يسألون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لأن فهم القرآن الكريم كاملا ليس ميسورا لهم، " بل لابد ~~لهم من البحث والنظر والرجوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يشكل ~~عليهم فهمه؛ وذلك لأن القرآن فيه المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما ~~لابد في معرفته من أمور أخرى يرجع إليها ". # والأمثلة كثيرة وثابتة تدل على ms0145 أن الصحابة كانوا يسألون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عما يشكل عليهم من معان قرآنية، فمن ذلك ما أخرجه الترمذي ~~عن علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن " يوم ~~الحج " فقال: " يوم النحر ". # وقد فسر - صلى الله عليه وسلم - الحساب اليسير بالعرض حيث قال: " من نوقش ~~الحساب عذب " فقالت له السيدة عائشة - رضي الله عنها -: أو ليس قد قال الله ~~تعالى: {فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب ~~إلى أهله مسرورا (9)، فقال - صلى الله عليه وسلم -: " ذلك العرض " بيانا ~~للحساب # PageV01P188 # اليسير. # وكذلك فسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القوة بالرمي في قوله سبحانه: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}. # وأحيانا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفسر بنفسه المعنى دون أن ~~يوجه إليه سؤال من أحد الصحابة، من ذلك ما أخرجه الترمذي عن أبي بن كعب أنه ~~سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير قوله تعالى: {وألزمهم كلمة ~~التقوى}، يقول: " لا إله إلا الله ". # وهناك لون من التفسير وجد في العهد النبوي، وهو ما يمكن تسميته: التفسير ~~بالوقائع، وفيه تفسير الآية قبل نزولها؛ حيث تقع واقعة، ويسأل الصحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وينزل الوحي بحكم هذه الواقعة المسئول عنها، ~~فيفهم الصحابة عن الله مراده في الآيات. # PageV01P189 # والآيات التي نزلت مرتبطة بوقائع كثيرة في القرآن الكريم، وقلما تجد سورة ~~تخلو من آيات مرتبطة بوقائع، فمن ذلك ما جاء في سورة البقرة: ففي قوله ~~تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا ~~إنا معكم إنما نحن مستهزئون}، أخرج الواحدي والثعلبي من طريق محمد بن مروان ~~والسدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في ~~عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد ~~عنكم هؤلاء السفهاء، فذهب فأخذ ms0146 بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصديق سيد بني ~~تميم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار، ~~الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي بن ~~كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد ~~علي، فقال: مرحبا بابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وختنه، سيد ~~بني هاشم ما خلا رسول الله، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف ~~رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيرا، فرجع ~~المسلمون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية. # وفي قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}، أخرج الأئمة الستة عن عبد ~~الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك ". # فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك، فتلون وجهه - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم قال: " اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار، ~~ثم أرسل الماء إلى جارك "، واستوعب للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمر لهما ~~فيه سعة، قال الزبير. فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك. # PageV01P190 # وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاصي بن وائل إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعظم حائل ففته، فقال: يا محمد أيبعث هذا بعدما أرم؟ ~~قال: " نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم "، ~~فنزلت الآيات {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة}، إلى آخر السورة. # والأمثلة في هذا الشان كثيرة جدا، وهي مبثوثة في كتب أسباب النزول، وكتب ~~السنة الصحيحة كذلك يراجعها من أراد. # إذن نستطيع القول: إن هناك طريقين، أو بالأحرى مصدرين للتفسير في المرحلة ~~النبوية، هذان الطريقان هما: # الأول: القرآن الكريم؛ حيث يجد الناظر في كتاب الله ms0147 تعالى أن هناك آيات ~~تفسر بها آيات أخرى، فالقرآن الكريم " قد اشتمل على الإيجاز والإطناب، وعلى ~~الإجمال والتبيين، وعلى الإطلاق والتقييد، وعلى العموم والخصوص، وما أوجز ~~في مكان قد يبسط في مكان آخر، وما أجمل في موضع قد يبين في موضع آخر، وما ~~جاء مطلقا في ناحية قد يلحقه التقييد في ناحية أخرى، وما كان عاما في آية ~~قد يدخله التخصيص في آية أخرى؛ لهذا كان لابد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله ~~تعالى أن ينظر في القرآن أولا: فيجمع ما تكرر منه في موضوع واحد، ويقابل ~~الآيات بعضها ببعض "، وقد فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ~~فسر القرآن الكريم بالقرآن الكريم حيث سئل - صلى الله عليه وسلم - عن قوله ~~سبحانه وتعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون (82)}. فقال الصحابة لما نزلت: وأينا لا يلبس إيمانه بظلم؟ فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: ألم تقرءوا قول الله # PageV01P191 # تعالى: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) ". # ففسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظلم في الآية الأولى بالشرك في ~~الآية الثانية. # ومن تفسير القرآن بالقرآن ما جاء بحمل المجمل على المفصل، مثال ما جاء في ~~تفسير قول الله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)، فقد ~~جاء تفسير قوله سبحانه: (إلا ما يتلى عليكم) في آية كريمة أخرى هي قوله ~~تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~(3). # ومن تفسير القرآن بالقرآن -أيضا- ما جاء بحمل المطلق على المقيد، والعام ~~على الخاص: فمن الأول: ما نقله الغزالي عن أكثر الشافعية من حمل المطلق على ~~المقيد في صورة اختلاف ms0148 الحكمين عند اتحاد السبب، ومثل له بآية الوضوء ~~والتيمم، فإن الأيدي مقيدة في الوضوء بالغاية في قوله تعالى: (فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق). . . ومطلقة في التيمم في قوله تعالى في الآية ~~نفسها: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)، فقيدت في التيمم بالمرافق أيضا. # ومن النوع الثاني: نفي الخلة والشفاعة على جهة العموم في قوله تعالى (يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)، فخصص العموم في قوله تعالى: (وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى)، فقد استثنى ما أذن فيه من الشفاعة، وفي قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فقد استثنى الله المتقين من نفي الخلة. # PageV01P192 # ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل المبهم على المبين، كما في قوله تعالى: ~~(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) فقد ~~فسر قوله: (الخيط الأبيض) بقوله: (الفجر). # ومنه - أيضا - قول الله تعالى: (والسماء والطارق)، فقد بينت كلمة الطارق ~~بما تلاها من قول الله تعالى: (النجم الثاقب). # " ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يتوهم أنه مختلف، كخلق آدم من ~~تراب في بعض الآيات، ومن طين في غيرها، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال، فإن هذا ~~ذكر للأطوار التي مر بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح ". # وتجدر الإشارة إلى أن تفسير القرآن بالقرآن كان النواة الأولى لعلم ~~التفسير، وهو ما قاله المستشرق جولد تسيهر، ووافقه الذهبي حين قال: " نعم ~~نستطيع أن نوافقه - يقصد جولد تسيهر " أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز في ~~القرآن نفسه، على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه ~~على خاصه، ومطلقه على مقيده. . . كما تتركز في بعض قراءاته المتواترة ". # الطريق الثاني في تفسير القرآن الكريم في المرحلة النبوية: تفسيره بالسنة ~~الشريفة، وذلك حين لا نجد في القرآن ما نفسره به، " فالسبيل المثالية التي ~~لا ينبغي لعاقل أن يعدل ms0149 عنها، أن يطلب التفسير ثاني ما يطلبه -أي بعد ~~القرآن مباشرة- من السنة، وعلى هذا أطبق أهل السنة والجماعة؛ انطلاقا منهم ~~-رحمهم الله- من مسلمات أربع: # أولاها: أن خير من يمكن أن يفسر القرآن، ومن ينبغي أن يطلب منه تفسيره ~~بعد الله تعالى في محكم كتابه هو رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي حدثنا ~~ربه فيما حدث من وصفه - صلى الله عليه وسلم - أنه (وما ينطق عن الهوى (3) ~~إن هو إلا وحي يوحى (4). # فهو إذن - صلى الله عليه وسلم - بمقتضى كونه رسولا أولا، ثم بمقتضى شهادة ~~هذا النص وأشباهه ثانيا - لا يمكن أن يقر على خطأ أبدا، دع عنك أن يكون ~~الخطأ في مثل هذا الأمر الجلل، أعني تفسير القرآن الكريم الذي هو أعظم ~~معجزاته، وأكبر آيات فضله وسمو منزلته، فإن جاز عليه الخطأ بمقتضى بشريته ~~في يسير الأمر، فليس يجوز عليه في أهم المهمات بالنسبة له # PageV01P193 # ولشريعته وأمته أصلا، بل إن جاز عليه الخطأ ولو في يسير من الأمر بمقتضى ~~تلك البشرية، فليس يجوز في عقل عاقل أن يقر عليه، بمقتضى ما له من الرسالة، ~~بل لا محالة يهديه ربه إلى صواب القول والعمل. # الثانية: أن خير من يمكن أن يفسر الشيء من تكون أهم وظائفه تبيان ذلك ~~الشيء، فعند ذلك نقول: قد صرح الله في محكم ذكره بأن أولى غايتي إنزاله، ~~وبالتالي أهم وظيفة لنبيه هي تبيانه - صلى الله عليه وسلم - وذلك الذكر ~~للناس، على ما قال جل من قائل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون). # الثالثة: أن من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن السنة هي الأصل ~~الثاني لهذا الدين، والمصدر التالي للقرآن مباشرة في جميع كليات هذا الدين ~~وجزئياته، فالمجاوز للسنة إذن مع وجدان طلبته فيها راكب لعظيم، مخالف ~~لمقتضى ضروريات هذا الدين. # الرابعة: أن طلب البيان من السنة ما تيسر فيها هو من جملة مقتضى الأوامر ~~الإلهية الموجبة لطاعته - صلى الله عليه وسلم - في كل ما نأتي ونذر؛ من ~~أمثال قوله تعالى: (يا ms0150 أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59). # وقد رسخت هذه المسلمات وتقررت في أذهان أصحاب الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فكانوا يسألونه -كما سبقت الإشارة- عن جميع ما يشكل عليهم من القرآن ~~الكريم وغيره، وقد ذكرنا فيما مضى بعض الأمثلة التي تبين ذلك، ونزيد الأمر ~~وضوحا بعرض مجموعة القضايا الآتية: # القضية الأولى: كيف بينت السنة القرآن؟ # جاء بيان السنة للقرآن على وجوه متعددة، أبرزها ما يأتي: # الوجه الأول: بيانه - صلى الله عليه وسلم - لبعض مجملات القرآن، كما في ~~بعض الفروض التي جاءت في القرآن مجملة: كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فقد ~~قام - صلى الله عليه وسلم - بتفصيل أمرها بأقواله أو أفعاله، أو كليهما، ~~تفصيلا ما كنا نستطيع بدونه أن نفهم المقصود منها، فقد بين - صلى الله عليه ~~وسلم - مواقيت الصلوات الخمس، وعدد ركعات كل صلاة وكيفيتها، وبين مقادير ~~الزكاة، # PageV01P194 # وأوقاتها، وأنواعها، وبين مناسك الحج وأركانه وسننه؛ ولذلك كان - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، وكان عليه الصلاة ~~والسلام يقول -أيضا-: " خذوا عني مناسككم ". # وروى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: " إنك رجل أحمق، أتجد ~~الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة ~~والزكاة، ونحو ذلك، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسرا؛ إن كتاب ~~الله تعالى أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا ". # الوجه الثاني: تخصيص العام في القرآن، ومن أمثلته تخصيص آية الزانية ~~والزاني بقوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله بغير المحصن. # وتخصيص الظلم في قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، ~~بالشرك. # الوجه الثالث: تقييده - صلى الله عليه وسلم - مطلقات القرآن، ومن ذلك ~~تقييده اليد في قوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما) باليمين. # PageV01P195 # الوجه الرابع: إيضاحه - صلى الله عليه وسلم - لبعض مبهمات القرآن: ~~كتفسيره للعبد الصالح صاحب موسى عليه السلام بالخضر. # الوجه الخامس: بيانه - صلى الله عليه وسلم ms0151 - لفظا أو متعلقه: كبيان ~~المغضوب عليهم في قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). # الوجه السادس: بيانه - صلى الله عليه وسلم - أحكاما زائدة على ما جاء في ~~القرآن الكريم، كتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها وصدقة الفطر، ورجم ~~الزاني المحصن، وميراث # PageV01P196 # الجدة، والحكم بشاهد ويمين. . . وغير ذلك. # PageV01P198 # الوجه السابع: بيانه - صلى الله عليه وسلم - النسخ، كأن يبين لنا - عليه ~~الصلاة والسلام - أن آية كذا نسخت كذا، أو أن حكم كذا نسخ بكذا. . . وهكذا، ~~ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا وصية # PageV01P199 # لوارث " يبين أن آية الوصية للوالدين والأقربين منسوخ حكمها وإن بقيت ~~تلاوتها. # الوجه الثامن: دفعه - صلى الله عليه وسلم - لبعض إشكالات وردت على ~~القرآن: كدفعه ما استشكل به نصارى نجران على أخوة مريم لهارون، يعنون أخا ~~موسى - عليه السلام - مع أن بينها - عليها السلام - وبينه كذا وكذا، فقد ~~دفع ذلك - عليه الصلاة والسلام - بأن ليس المقصود في الآية (يا أخت هارون)، ~~هارون النبي، بل هو آخر في عهدها سمي باسمه. # الوجه التاسع: بيان التأكيد منه - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه يؤكد ~~الحكم الذي جاء به القرآن ويقويه، وذلك كقوله - عليه الصلاة والسلام -: " ~~لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه " فإنه يوافق قوله سبحانه: (لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل). # PageV01P200 # والغرض من هذا البيان التأكيدي هو ترسيخ مفهوم النص القرآني وحكمه في قلب ~~السامع. # ومن ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما، واللفظ للبخاري عن عائشة قالت: " تلا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: (هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب (7). قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فإذا رأيت ~~الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ". # PageV01P201 # الوجه العاشر: ويعتبر من أروع الوجوه وأعظمها، ms0152 وهو تطبيق الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - للقرآن، تطبيقا عمليا في حياته، مما يعد تفسيرا عمليا ~~وتطبيقيا جليا غاية الجلاء، مما جعل حاجة الصحابة إلى التفسير القولي غير ~~كبيرة، فقد عايشوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاني القرآن، ~~وتسابقوا إلى الاقتداء به في العمل بآياته المنزلة. # روي عن السيدة عائشة أنها قالت حين سئلت عن خلق رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " كان خلقه القرآن ". # ولست أبغي من وراء عرض كيفية بيان السنة للقرآن وتفسيره والأوجه المعتبرة ~~في ذلك إلا تقرير الدور العظيم الذي اضطلع به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في تفسير القرآن الكريم في تلك المرحلة المتقدمة مرحلة نزول هذا ~~الكتاب الكريم، مما يعد أساسا من الأسس التي بني عليها المفسرون فيما بعد ~~عصر النبوة تفسيراتهم للقرآن والتي أسهمت بشكل كبير في استواء التفسير ~~-بوصفه علما- على سوقه. # القضية الثانية: هل فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن كله؟ ~~وما المقدار الذي بينه عليه الصلاة والسلام من القرآن لأصحابه؟ # وهذه القضية خلافية بين العلماء عرضها الدكتور الذهبي في كتابه " التفسير ~~والمفسرون "، وذكر أن هناك فريقين يتنازعان القضية: # الفريق الأول: ذهب إلى القول بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~لأصحابه كل معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية. # PageV01P202 # الفريق الثاني: ذهب إلى القول بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يبين لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء السيوطي. # ثم شرع الدكتور الذهبي في عرض أدلة كل فريق: # فأدلة الفريق الأول من الكتاب والسنة والمعقول: # فمن الكتاب: قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون). # والبيان في الآية يتناول بيان معاني القرآن، كما يتناول بيان ألفاظه، وقد ~~بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألفاظه كلها، فلا بد أن يكون بين كل ~~معانيه -أيضا- وإلا كان مقصرا في البيان الذي كلف به من الله. # ومن السنة ما روي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: ms0153 " حدثنا الذين كانوا ~~يقرئوننا القرآن. . كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا ~~إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يجاوزوها حتى ~~يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل ~~جميعا ". # فهذا الأثر يدل على أن الصحابة تعلموا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- معاني القرآن كلها، كما تعلموا ألفاظه. # ومن المعقول قالوا: إن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في علم من العلوم ~~كالطب أو الحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب الله الذي فيه عصمتهم، وبه ~~نجاتهم وسعادتهم # PageV01P203 # في الدنيا والآخرة؟ # ومما يدل على هذا الدليل العقلي ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه قال: " من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبض قبل أن يفسرها ". # وهذا يدل بالفحوى على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل، وأنه إنما لم يفسر هذه ~~الآية لسرعة موته بعد نزولها، وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه. # وأما أدلة الفريق الثاني: فقد استدلوا -أيضا- من السنة والمعقول: # فمن السنة: ما أخرجه البزار عن عائشة قالت: " ما كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يفسر شيئا من القرآن إلا آيات بعدد، علمه إياهن جبريل ". # ومن المعقول قالوا: إن بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل معاني ~~القرآن متعذر، ولا يمكن ذلك إلا في آي قلائل، والعلم بالمراد يستنبط ~~بأمارات ودلائل، ولم يأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالتنصيص على ~~المراد في جميع آياته؛ لأجل أن يتفكر عباده في كتابه. # وقالوا -أيضا-؛ لو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين لأصحابه ~~معاني القرآن، لما كان لتخصيصه ابن عباس بالدعاء له بقوله: " اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل " فائدة؛ لأنه يلزم من بيان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأصحابه كل معاني القرآن، استواؤهم في معرفة تأويله، فكيف يخصص ابن ~~عباس بهذا الدعاء؟. # PageV01P204 # ومن خلال عرض رأي الفريقين يتضح الآتي: # أولا: مغالاة الفريقين فيما ذهبا ms0154 إليه، وأن المقبول هو أن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - قام بدور عظيم في تفسير كتاب الله، لكنه لم يفسره كله ~~بطبيعة الحال؛ إذ لو قلنا بتفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ~~كله لما كان هناك داع لدعوة القرآن إلى تدبر آيات الله فيه (كتاب أنزلناه ~~إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب)، ولما كان للتحذير الشديد ~~والوعيد القاصم للذين لا يتدبرونه في قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، من ~~قيمة. # ثم إنه إذا كان الأمر كذلك فلا قيمة للتفسيرات التي وضعها العلماء من لدن ~~الصحابة وحتى يوم الناس هذا، وهي تفسيرات فيها من الجديد المعجب ما لا يمكن ~~إنكاره، أو الزعم بأنه غير صحيح. # هذا بالإضافة إلى أننا لو قلنا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسر ~~القرآن لفظه ومعناه لكذبناه - صلى الله عليه وسلم - فيما قال عن القرآن من ~~أنه: " لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد "، ولكان اختلاف الصحابة ~~حول القرآن بعد رسول الله اجتراء منهم على الله وحيفا عن هديه صلى الله ~~عليه وسلم، وحاشا أن يفعل الصحابة ذالك أو يقع منهم. # كما أننا لو قلنا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر من معاني ~~القرآن إلا القليل، لهضمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقه في شخصه ~~ودعوته ورسالته؛ إذ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصول الدين ~~وأحكامه وشرائعه وأركانه المبثوثة في القرآن الكريم بصورة إجمالية أو كلية، ~~ففصل المجمل، وأبان عن جزئيات الكلي، فعرف الناس دينهم: أصوله وأركانه ~~وشرائعه وجزئياته، فلو قلنا: إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر إلا ~~القليل، فمن الذي بين لنا الدين " الإسلام " الذي جاء به القرآن؟! # كذلك لو قلنا بهذا لكذبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: " ~~ألا وإني أوتيت القرآن ومثله # PageV01P205 # معه "، ولأنكرنا سنته التي جاءت -كما سبق بيانه- لتبين مبهم القرآن، ~~وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، ms0155 وتؤكد ما جاء فيه. # يتبين لنا أن التوسط والاعتدال بين المذهبين هو الخليق بالقبول، ولذلك ~~أقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين الكثير من معاني القرآن ~~لأصحابه، تشهد بذلك كتب الصحاح المليئة بتفسيرات الرسول لكثير من الآيات ~~ببيان معانيها وأحكامها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - في الوقت نفسه - لم ~~يبين كل معاني القرآن؛ لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، فقال: ~~(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (7). # وبدهي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى ~~معرفة كلام العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام ~~إلى معرفته، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح، ~~وإنما فسر لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض المغيبات التي أخفاها ~~الله عنهم، وأطلعه عنيها وأمره ببيانها لهم، وفسر لهم -أيضا- كثيرا مما ~~يندرج تحت التفسير الذي تعرفه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم. # ثانيا: أدلة الفريقين محجوجة ومفندة: # فأدلة الفريق الأول محجوجة بما يأتي: # استدلالهم بالآية (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) مردود ~~عليه من وجهين: # الأول: أن القول بعموم الآية الشامل لجميع ألفاظ القرآن ومعانيه ليس ~~صحيحا؛ لقرينتين تفيدان التخصيص: # الأولى: قرينة مقالية تتمثل في قوله عز شأنه: (وما أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا لتبين لهم # PageV01P206 # الذي اختلفوا فيه). # فالآية صريحة في أن بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - للكتاب مقصور على ~~الذي اختلفوا فيه دون ما لم يختلفوا فيه. # والقرينة الثانية: قرينة حالية تتمثل في واقع القرآن الكريم وأمر من نزل ~~بلسانهم العربي المبين، فإن واقع أمر القرآن وأمر من أنزل بلسانهم أن فيه ~~كثيرا من البينات، بل قل بدهية البيان نفسها بالنسبة لكل ذي حظ من ms0156 معرفة ~~هذا اللسان فضلا عن أهله الخلص، فلا يسيغ لذي منطق مع هذا أن يقوم - صلى ~~الله عليه وسلم - ببيان أمثال هذه الجليات. # الوجه الثاني: أننا إذا سلمنا ببقاء ما في القرآن الكريم على العموم ~~الصالح؛ لأن يندرج تحته جميع اللفظ والمعنى، فإننا لابد أن ننظر إلى سياق ~~القول الكريم الذي نزل فيه وحديثه عنه، وذلك أن قوله سبحانه وتعالى: (نزل ~~إليهم) وصلة (ما)، فيفيد قطعا أن حديث هذا العموم هو عن المنزل فحسب، لا ~~عما لم ينزل أيضا. # وأقول: عرفنا أن جميع الألفاظ منزل، وأن بعض المعاني منزل عليه - صلى ~~الله عليه وسلم - وبعضها غير منزل بطبيعة الحال؛ لأن (ما) لا تدل على ~~العموم هنا. # وأما استدلالهم بما روي عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا ~~تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها ~~حتى يتعلموا ما فيها، فهو استدلال لا ينتج المدعى؛ لأن غاية ما يفيده، أنهم ~~كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه، وهو أعم من ~~أن يفهموه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من غيره من إخوانهم، أو من ~~تلقاء أنفسهم حسبما يفتح الله به عليهم من النظر والاجتهاد. # وأما استدلالهم بأن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه فمردود ~~بأن العادة إنما جرت باستشراح -أي: طلب شرح- ما يشكل فهمه فحسب، فأما ~~الواضح الذي لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث ~~واستنفاد الوقت والجهد في غير طائل، وهذا ما لا يمكن أن يفعله صحابة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # أما الأثر الوارد فلا يدل أيضا لأن وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على # PageV01P207 # أنه كان يبين لهم كل معاني القرآن، فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على ~~الصحابة، فكان لابد من الرجوع فيها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن ~~غيرها من مشكلات القرآن. # وأما أدلة الفريق الثاني: # فاستدلالهم بحديث ms0157 عائشة استدلال باطل؛ لأن الحديث منكر غريب؛ لأنه من ~~رواية محمد بن جعفر الزبيري، وهو مطعون فيه، قال البخاري: لا يتابع في ~~حديثه، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: " منكر الحديث "، وقال فيه ابن جرير ~~الطبري: " إنه ممن لا يعرف من أهل الآثار ". # وعلى فرض صحة الحديث، فهو محمول -كما قال أبو حيان- على مغيبات القرآن ~~وتفسيره لمجمله، ونحو ذلك مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله. # وأما استدلالهم بأن بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل معاني القرآن ~~متعذر، فإنه لا يدل على ندرة ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التفسير؛ إذ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالبيان، وقد يشكل ~~الكثير على أصحابه فيلزمه البيان، بمقتضى أمر الله له (وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم). # وأما استدلالهم بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس فمردود ~~بأنه لو سلمنا أنه يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر كل ~~معاني القرآن، فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى. # وإذا علمنا ضعف استدلالات الفريقين، فإنه من الأحرى الرجوع إلى الصواب ~~الذي استراحت إليه النفس من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفسر كل ~~القرآن ولكنه في الوقت نفسه ضرب بنصيب وافر فيه مما لا تستغني عنه الأمة في ~~فهم دينها، فقد أجاب على تساؤلات الصحابة فيما أشكل عليهم فهمه من آيات ~~الكتاب الكريم. # وخلاصة القول أن المرحلة النبوية كان لها أثرها البارز في نشأة علم ~~التفسير -بالرغم من أنها مرحلة النشأة- وذلك لأن كلا هذين القسمين -تفسير ~~القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة- لا شك في أنهما أعلى أنواع التفسير، ~~ولاشك في قبولهما، أما الأول فلأن الله تعالى أعلم بمراد نفسه من غيره، ~~وكتاب الله تعالى أصدق الحديث؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه. # PageV01P208 # وأما الثاني فلأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت مهمته التوضيح ~~والبيان (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. . .)، الآية، ms0158 فما ~~جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شرح أو بيان بسند صحيح ثابت ~~فإنه مما لا شك فيه أنه حق يجب اعتماده ". # * المرحلة الثانية: التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم: # جاء عهد الصحابة، وما من شك في أنهم كانوا يفهمون القرآن جملة، أي: ~~بالنسبة لظاهره وأحكامه، أما فهمه تفصيلا، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا ~~يغيب عنهم شاردة ولا واردة، فهذا غير ميسور لهم بمجرد معرفتهم للغة القرآن، ~~بل لابد لهم من البحث والنظر؛ وذلك لأن القرآن -كما سبقت الإشارة- فيه ~~المجمل، والمشكل، والمتشابه، وغير ذلك مما لابد في معرفته من أمور أخرى ~~يرجع إليها. # ولذلك فإن قليلا من الصحابة من استشرف لمعرفة تفصيلات القرآن ودقائقه من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقل منهم من رزق الفهم الصحيح بعد ~~البحث والنظر، وليس هذا التفاوت بقادح في أذهان الصحابة وصحة فهمهم للقرآن ~~الكريم عامة؛ إذ إنه راجع إلى اللغة نفسها، وهي من أوسع الألسنة مذهبا ~~وأكثرها ألفاظا، ولا يحيط بها غير النبي المعصوم، ولا بأس بغروب ألفاظها ~~على بعض الصحابة ما دام ذلك لا يغرب على عامتهم. # وبطبيعة الحال لم يكن الصحابة في درجة وإحدة في فهم اللغة وإدراك ~~أسرارها، وليس بمقدور قوم أن يفهموا كل ما يكتب بلغتهم من العلوم على حد ~~سواء، ومن هنا لم يكن الصحابة في درجة واحدة لفهم معاني القرآن، بل تفاوتت ~~مراتبهم، تبعا لتفاوتهم في فهم اللغة وإدراك أسرارها، وهذا يرجع إلى ~~تفاوتهم في القوة العقلية، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، وأكثر من ~~هذا أنهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات، فمن ~~مفردات القرآن ما خفي معناه على بعض الصحابة، ولا ضير في هذا، فإن اللغة لا ~~يحيط بها إلا معصوم، ولم يدع أحد أن كل فرد من أمة يعرف جميع ألفاظ لغتها. # PageV01P209 # والمواقف الدالة على ذلك كثيرة، منها ما أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ~~ابن عباس قال: " كنت لا أدري ما فاطر السماوات؟ حتى ms0159 أتاني أعرابيان ~~يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها ". # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: " ما كنت أدري ما قوله تعالى: (ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق)، حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: أفاتحك، ~~تعني أقاضيك ". # وأظهر ما يدل على تفاوت فهم الصحابة للنصوص ما روي أن الصحابة فرحوا عند ~~نزول قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا)؛ حيث ظنوا أنها إخبار وبشرى بكمال الدين، ولكن عمر بكى وقال: ~~ما بعد الكمال إلا النقص؛ مستشعرا نعي النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروى البخاري عن ابن عباس قال: " كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن ~~بعضهم وجد في نفسه، وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: ~~إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ~~ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)؛ فقال ~~بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم ولم ~~يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: وما تقول؟ ~~قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح)، ~~فذلك علامة أجلك، (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، فقال عمر: لا ~~أعلم منها إلا ما تقول ". # PageV01P210 # كل هذه المواقف وغيرها تدل على تفاوت الصحابة في فهم معاني القرآن ~~الكريم؛ ولذلك قال ابن قتيبة: " إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في ~~القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض ". # هذا، وقد بدأ الصحابة شارعين في تفسير القرآن الكريم -على تخوف وتحرج- ~~بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمدين في تفسيرهم على القرآن ~~الكريم نفسه، أو على تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض الآيات ~~وتشريعاته الأخرى، أو الاجتهاد والاستنباط، أو أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى أحيانا، فالصحابة - رضوان الله عليهم - مقتدين برسول الله - صلى ms0160 ~~الله عليه وسلم - اعتمدوا القرآن في تفسير القرآن الكريم حتى قال الدكتور ~~الذهبي: " هذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة في ~~تعرف بعض معاني القرآن، وليس هذا عملا آليا لا يقوم على شيء من النظر، ~~وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل؛ إذ ليس حمل المجمل على ~~المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو إحدى القراءتين على ~~الأخرى بالأمر الهين الذي يدخل تحت مقدور كل إنسان، وإنما يعرفه أهل العلم ~~والنظر خاصة ". # ثم إنهم لجئوا لتفسير الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض آيات القرآن، ~~فقد " تناقلوا فيما بينهم، تفسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ~~فهموه من القرآن وأقرهم عليه، كما هو الشأن في تناقلهم للأحاديث والآثار ~~التي رووها عنه، على ما وردت به وصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ". # غير أن الصحابة لم يتوقف جهدهم التفسيري عند حد النقل والرواية عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بل لجئوا مع ذلك إلى طريقين جديدين: # الأول: الاجتهاد والاستنباط: # كان الصحابة - رضوان الله عليهم - إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله ~~تعالى، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجعوا إلى ~~اجتهادهم، فأعملوا رأيهم، وكانت أدواتهم في الاجتهاد هي: معرفة أوضاع اللغة ~~وأسرارها، ومعرفة عادات العرب، ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة ~~العرب وقت نزول القرآن وقوة الفهم، وسعة الإدراك، ومن ثم # PageV01P211 # يقول أحد الباحثين: " ولقد أعان بعض الصحابة على فهم القرآن عدة عوامل ~~منها: معرفتهم بعادات العرب وتقاليدهم، ومعرفة طرائق اللغة العربية ~~وأسرارها في التعبير، ثم معرفة أسباب النزول، وما أحاط بالآيات من ظروف ~~وملابسات تعين على فهمها؛ ولهذا قالوا: معرفة سبب نزول الآية يعين على ~~فهمها، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ثم ما يعطاه أحدهم من فهم ~~وسعة إدراك يمكنه من الوصول إلى مراد الآيات ". # وقد روى البخاري ما يؤكد ذلك عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي - رضي الله عنه ~~-: " هل عندكم شيء من ms0161 الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه ~~الصحيفة. # قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم ~~بكافر ". # وفي هذا الأثر دليل على إعمال الصحابة رأيهم، واجتهادهم في تفسير القرآن ~~الكريم، والكشف عن غوامضه، لكن ينبغي التأكيد على أن الصحابة - رضوان الله ~~عليهم - كانوا متفاوتين في معرفتهم بالأدوات المشار إليها، وقد ترتب عليه ~~تفاوتهم في فهم معاني القرآن. # الثاني: أهل الكتاب من اليهود والنصارى. # بدأ الأخذ عن أهل الكتاب منذ عهد الصحابة مع شيء من التقييد والتحديد، ~~ولعل # PageV01P212 # الذي دفع الصحابة إلى هذا الأخذ، هو ما جاء في القرآن الكريم من قصص ~~مبثوثة في ثناياه عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وبعض هذه القصص جاء ~~مجملا، فكانت " نفوس الصحابة تتوق إلى معرفة تفاصيل بعض القصص في القرآن ~~والذي لم يسأل النبي فيه، فكانوا لا يتحرجون في سؤال أهل الكتاب، من ~~جيرانهم فيما يتعلق بهذه التفاصيل التي لا تتعلق بحكم أو تشريع، وإنما هي ~~تشبع حالة الفضول الإنساني إلى المزيد من المعرفة "؛ مستندين في ذلك إلى ~~حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه: " بلغوا عني ولو ~~آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي، ومن كذب ~~علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". # ولقد حدد ابن كثير المراد من هذا الحديث، فقال: " هو محمول على ~~الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا يكذبها، فيجوز ~~روايتها للاعتبار، فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه؛ استغناء ~~بما عندنا، وما شهد له شرعنا # PageV01P213 # بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال ". # وهذا الذي قاله ابن كثير اتبعه الصحابة، فدققوا في الأخذ عن أهل الكتاب، ~~وكان أخذهم في أضيق الحدود، وما أشيع عنهم من توسعهم في الأخذ عن أهل ~~الكتاب قد يكون مرجعه إلى أنه قد وضع عليهم الكثير، ودس ms0162 عليهم من أقوال أهل ~~الكتاب الكثير من الروايات التي لم يعتمدوها، فأوهم ذلك المتأخرين توسع ~~الصحابة في الأخذ عنهم. # وتأكيدا لهذا يقول الدكتور الذهبي: " رجوع بعض الصحابة إلى أهل الكتاب، ~~لم يكن له من الأهمية في التفسير ما للمصادر الثلاثة السابقة، وإنما كان ~~مصدرا ضيقا محدودا؛ وذلك أن التوراة والإنجيل وقع فيهما كثير من التحريف ~~والتبديل، وكان طبيعيا أن يحافظ الصحابة على عقيدتهم، ويصونوا القرآن عن أن ~~يخضع في فهم معانيه لشيء مما جاء ذكره في هذه الكتب التي لعبت فيها أيدي ~~المحرفين، فكانوا لا يأخذون عن أهل الكتاب إلا ما يتفق وعقيدتهم ولا يتعارض ~~مع القرآن ". # إن ورع الصحابة وصدق إيمانهم جعلهم يسلكون في الأخذ عن أهل الكتاب مسلكا ~~آمنا، متمثلين وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا "، هذا فيما يتعلق ~~بالغيبيات أو الأخبار التاريخية المفصلة في الكتب السابقة. أما فيما يتعلق ~~بالعقيدة أو الأحكام الشرعية، أو ما لا يكون لمعرفة تفاصيله والوقوف على ~~حقيقته فائدة تذكر، فقد كانوا يعدون ذلك قبيحا من قبيل تضييع الأوقات. # كما كانوا يردون على أهل الكتاب مقالاتهم المخالفة للشريعة، ونختار ~~للاستشهاد على ذلك موقف الصحابي الجليل أبي هريرة في مراجعته ومحاورته ~~لهذين الكتابيين -كعب الأحبار وعبد الله بن سلام- حول ساعة يوم الجمعة التي ~~عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: " فيه ساعة لا يوافقها ~~عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وأشار # PageV01P214 # بيده يقللها "، فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة، وهل هي باقية أو ~~رفعت؟ وإذا كانت باقية، فهل هي في جمعة واحدة من السنة أو في كل جمعة منها؟ # فنجد أن أبا هريرة - رضي الله عنه - يسأل كعب الأحبار عن ذلك، فيجيبه كعب ~~بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له ~~أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة فيرى الصواب مع أبي هريرة، فيرجع ~~إليه. ms0163 # ثم يتوجه أبو هريرة إلى عبد الله بن سلام يسأله تحديد هذه الساعة، ويقول ~~له: أخبرني ولا تضن علي، فيجيبه ابن سلام بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، ~~فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي "، وتلك ~~الساعة لا يصلي فيها؟ # ولذا كان تعليق كعب الأحبار على مثل هذه الأسئلة والمحاورات: " ما رأيت ~~رجلا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة ". # ويدل هذا الموقف من أبي هريرة على تيقظ الصحابة لهذه الأفكار الدخيلة ~~التي بدأت تتسرب إلى دينهم، ومقاومتهم لها في هذا الوقت المبكر. # المفسرون من الصحابة: # اشتهر عدد غير قليل من الصحابة المفسرين، عد السيوطي - رحمه الله - منهم: ~~الخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا ~~موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم أجمعين. # وهناك من تكلم في التفسير غير هؤلاء: كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعبد ~~الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، غير أن ما نقل عنهم في التفسير قليل جدا، ~~فلم يكن لهم # PageV01P215 # شهرة ما كان للعشرة المذكورين أولا، وحتى هؤلاء العشرة تفاوتوا فيما ~~بينهم قلة وكثرة، فأبو بكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير إلا النزر ~~اليسير؛ نظرا لاشتغالهم بمهام الخلافة وتقدم وفاتهم. # وعلى هذا يمكن القول: إن أبرز مفسري الصحابة هم: علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب؛ نظرا لكثرة الرواية عنهم في التفسير كثرة ~~غذت مدارس التفسير في الأمصار المختلفة فيما بعد على اختلافها وكثرتها. # * * * # PageV01P216 # * أشهر المفسرين من الصحابة ودورهم في التفسير # * 1 - # عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: # عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبو حفص المدني، أحد فقهاء ~~الصحابة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من ~~سمي أمير المؤمنين، شهد بدرا، والمشاهد إلا تبوك، وولي أمر الأمة بعد أبي ~~بكر - رضي الله عنهما ms0164 - وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلا، ~~وعن ابن عمر مرفوعا: " إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه "، ولما دفن ~~قال ابن مسعود: " ذهب اليوم تسعة أعشار العلم "، استشهد في آخر سنة ثلاث ~~وعشرين، ودفن في أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ~~ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة. # ب - دوره في التفسير: # لقد تهيب عمر بن الخطاب -كما تهيب أبو بكر قبله- القول في كتاب الله، ~~والأمثلة على ذلك كثيرة، من ذلك ما يرويه الشعبي قال: " سئل أبو بكر عن ~~الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ ~~فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد ". # يقول الشعبي: " فلما استخلف عمر، قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا ~~قاله أبو بكر، ثم يتردد عمر فيرجع آخر عهده عن هذا القول، ويذهب إلى أن ~~الكلالة من لا ولد له، ويقول: وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي فيها من ~~يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه، ثم يقول: ثلاث لأن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة، وأبواب الربا، ~~والخلافة ". # PageV01P217 # فهذا الموقف يكشف -أولا- عن تهيب عمر بن الخطاب مقتديا بأبي بكر من القول ~~في كتاب الله، ويكشف -ثانيا- عن أنه برغم التهيب فإن عمر أدلى بدلوه في ~~التفسير، وذلك حين تكون هناك مصالح عملية وواقعية تتوقف على مدلول العبارة. # ولكي يصل إلى جواب قاطع للمسألة، كان أحيانا يلجأ إلى طرح المسألة على ~~الناس، مثلما فعل في مسألة تحديد ليلة القدر، فقد روى أبو نعيم عن محمد بن ~~كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - جلس في رهط من ~~الصحابة فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: مالك يا ابن عباس ~~لا تتكلم؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: فقلت: يا أمير المؤمنين ~~إن الله وتر يحب الوتر، فجعل الدنيا تدور على سبع، وخلق أرزاقنا ms0165 من سبع، ~~وخلق فوقنا وتحتنا سبعا، فأراها في السبع الأواخر من رمضان، فتعجب عمر، ~~وقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. # والحق أن عمر بن الخطاب في تفسيره للقرآن كان يسلك مسلكا واقعيا عمليا، ~~بمعنى أنه إذا كانت هناك مصلحة عملية تتوقف على تحديد مدلول اللفظ، فإن ~~التفسير في هذه الحالة يصبح بحثا ملحا وأمرا ضروريا، وأما إن لم تكن هناك ~~مصلحة عملية فلا بأس عنده ألا يدري مدلول اللفظ؛ ولذلك نجده فيما يروي عنه ~~حين كان يقرأ قوله تعالى: (فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ~~ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31)، فقال: الفاكهة والقضب، وهذه ~~الأشياء عرفناها، فما الأب؟ فوضع يده على رأسه ثم قال: " إن هذا لهو التكلف ~~يا ابن الخطاب، وما عليك ألا تدري ما الأب؟ ". # ومن كل ما سبق يتكشف لنا أن دور عمر بن الخطاب في التفسير كان دورا ~~محدودا، لكنه لبنة في تطور التفسير لا يمكن إهمالها وتركها دون الإفادة ~~منها. # * 2 - # علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: # علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الحسن ابن عم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وختنه على ابنته، أمير المؤمنين، يكنى: أبا تراب، ~~وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، له خمسمائة حديث ~~وستة وثمانون حديثا، اتفق البخاري # PageV01P218 # ومسلم على عشرين منها وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، شهد بدرا ~~والمشاهد كلها، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومحمد، وفاطمة، وعمر، وابن ~~عباس، والأحنف، وأمم. # قال أبو جعفر: كان شديد الأدمة ربعة إلى القصر، وهو أول من أسلم من ~~الصبيان جمعا بين الأقوال، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى "، وفضائله كثيرة، استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ~~ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذ أفضل من على وجه الأرض. # ب - دوره في التفسير: # الرواية عن علي بن أبي طالب كثيرة، وذلك راجع إلى أمور، ms0166 أبرزها: # الأول: تأخرت وفاته عن الخلفاء السابقين، فقد كانت وفاته - رضي الله عنه ~~- عام 40 من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثاني: وجد في زمن كثرت فيه حاجة الناس إلى التفسير؛ وذلك لاتساع رقعة ~~الإسلام، ودخول الأعاجم فيه حتى كادت تذوب بهم خصائص العروبة، ونشأ جيل من ~~أبناء الصحابة كان في حاجة إلى علم الصحابة. # الثالث: فهم علي - رضي الله عنه - العميق للقرآن، وخصوبة فكره، وغزارة ~~علمه، فكان أهلا لأن يحمل عنه، ويدل على هذا ما روى معمر عن وهب بن عبد ~~الله عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: " سلوني، فوالله لا ~~تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم. وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا ~~وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار؟ أفي سهل أم في جبل؟ ". # PageV01P219 # وما روي عن ابن مسعود قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف ~~إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن ". # والآثار الكثيرة المروية عن علي - رضي الله عنه - تدل دلالة واضحة على ~~فضله ومنرلته في التفسير، ومدى الدور الذي اضطلع به في هذا الشأن. # كما أنه يعتبر أول من وضع بفكره الثاقب، ونظره الصادق في القرآن الكريم - ~~اللبنة الأولى في منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي ما زال -حتى ~~عصرنا هذا- يتحسس طريقه، ويخطو خطواته الأولى عليه، فقد كان علي - رضي الله ~~عنه - يجمع الآيات في الموضوع الواحد ليستخلص منها جميعا حكما صادقا يفسر ~~فيه القرآن بعضه بعضا. # يدل على هذا ما رواه ابن حزم من أن عليا ذكر عثمان حين أراد إقامة حد ~~الزنى على من وضعت بعد زواجها بستة أشهر بقول الله تعالى: (وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا) مع قوله: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، فرجع عثمان ~~عن إقامة الحد عليها ". # " أي أن عثمان حكم العادة الجارية من أنه لا تلد المرأة لأقل من سبعة ~~أشهر، فاعتبر ولادتها قبل ذلك قرينة لإقامة الحد عليها، لكن عليا يستدرك ~~عليه ويتدارك الأمر، حيث ms0167 حكم القاعدة التي تدرأ الحدود بالشبهات، وفهم من ~~الآيتين السابقتين مجتمعتين أن مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر، واعتبر ~~ذلك شبهة تحول دون القطع بوقوع الزنى، ومن ثم فلا يقع الحد ". # يتبين من خلال ما سبق البصمة الواضحة للإمام علي - رضي الله عنه - في ~~التفسير، وإسهامه الواضح في تطوره. # PageV01P220 # * 3 - # عبد الله بن عباس (ترجمان القرآن) # حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، ~~واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن ~~فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير رضي الله عنه. # مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين. # صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوا من ثلاثين شهرا، وحدث عنه بجملة ~~صالحة. # وحدث عن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر ~~بن حرب، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وخلق. # وقرأ على أبي، وزيد. # قرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة. # روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه: عكرمة، ومقسم، ~~وكريب، وأبو معبد، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وخلق كثير. # وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلى أبو الخلفاء، وهو ~~أصغرهم، والفضل ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء. # وكان وسيما، جميلا، مديد القامة، مهيبا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال ~~الكمال. # وأولاده: الفضل، ومحمد، وعبيد الله، ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد ~~وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء ~~كانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنا، ~~وحسينا. # انتقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، ~~فإنه صح عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين: أنا من الولدان، وأمي من ~~النساء. # وعن طاوس قال: ما رأيت أورع من ms0168 ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. # وقال مجاهد: ما رأيت أحدا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر ~~هذه الأمة. # وروى الأعمش، عن مجاهد، قال: كان ابن عباس يسمى البحر؛ لكثرة علمه. # وعن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلا أن يقول قائل: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وعن طاوس، قال: أدركت نحوا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس، ~~فخالفوه، فلم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله. # PageV01P221 # قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ~~ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. # الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: خطبنا ابن عباس، وهو أمير على الموسم، ~~فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام ~~رجل مثل هذا، لو سمعته فارس، والروم، والترك لأسلمت. # قال علي بن المديني: توفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. # وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان، وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة. # ب - دوره في التفسير: # فاز عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - بدعوة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل "، فكان له القدح المعلى ~~بين صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير القرآن، حتى أنه يوجد ~~له تفسير يتداوله الناس يسمى تفسير ابن عباس. # وقد كان ابن عباس - رضي الله عنه - أكثر جرأة في الاجتهاد، فيروي عن ابن ~~عمر أن رجلا أتاه يسأله عن (السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)، فقال: ~~اذهب إلى ابن عباس فاسأله، ثم تعال فأخبرني، فذهب فسأله، فقال: " كانت ~~السماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر وهذه ~~بالنبات " فرجع إلى ابن عمر فأخبره فقال: " قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ~~ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه أوتي علما ". # وابن عباس يقف على رأس من يرون أن كلام العرب يوضح ما غمض من ألفاظ ~~القرآن الكريم، وأن الشعر ms0169 ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن ~~رجعنا إلى ديوانها، ومساءلات نافع بن الأزرق التي أربت على المائتين تدل ~~على ذلك. # ومن ثم يمكن القول -وللأمانة العلمية-: إن المنهج اللغوي في تفسير القرآن ~~من صنع ابن عباس - رضي الله عنهما - فهو الذي أرسى دعائمه، معتمدا في ذلك ~~على البذور التي بذرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون، ~~وبخاصة عمر. # PageV01P222 # وكان ابن عباس يبين في تفسيره الكلمات المعربة عن لغات أخرى غير العربية، ~~مما يؤكد رئاسته للمنهج اللغوي، حتى قيل عنه: " إنه هو الذي أبدع الطريقة ~~اللغوية لتفسير القرآن الكريم ". # وإذا كان ابن عباس قد اهتم بالتفسير اللغوي. فإنه -أيضا- ركز على عنصر ~~الأخبار في تفسيره، وبخاصة الأخبار التي لم ترد في حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فكان يرجع إلى التاريخ العام، وأخبار الأمم، وبخاصة أهل ~~الكتاب، فكان - رضي الله عنه - يرجع إليهم ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القرآن ~~مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في # PageV01P223 # القرآن وفصلت فيهما. # إن ابن عباس - رضي الله عنهما - بما أوتي من علم بكتاب الله أسهم إسهاما ~~كبيرا في نشأة علم التفسير وتطوره، بل إنه ليعد من أكبر مفسري القرآن ~~الكريم في عصور الإسلام المختلفة، فقد كانت له مدرسة يتلقى تلاميذها ~~التفسير عنه، استقرت في مكة، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة، وما زال ~~تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابا وتقديرا، إلى درجة أنه إذا صح ~~النقل عنه لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر، وقد صرح الزركشي بأن قول ~~ابن عباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء في التفسير. # * 4 - # عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: # عبد الله بن مسعود بن غافل -بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف- ابن حبيب بن ~~شمخ -بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم- ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن ~~الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي، أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد ~~السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث ms0170 وثمانية وأربعين ~~حديثا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة وستين منها وانفرد البخاري بأحد ~~وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وروى عنه خلق من الصحابة، ومن التابعين: ~~كمسروق والأسود وقيس بن أبي حازم والكبار، تلقن من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سبعين سورة. # قال علقمة: كان يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه ودله وسمته. # وقال أبو نعيم: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة. # ب - دوره في التفسير: # كان عبد الله بن مسعود خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان له من ~~هذه الصلة النبوية خير مثقف # PageV01P224 # ومؤدب؛ لذلك عدوه من أعلم الصحابة بكتاب الله، ومعرفة محكمه ومتشابهه ~~وحلاله وحرامه، حتى قيل عنه: إنه في التفسير أكثر رواية من علي كرم الله ~~وجهه. # وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: " والله الذي لا إله غيره، ما نزلت ~~آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد ~~أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته ". # وهذا يدل على إحاطة ابن مسعود بمعاني كتاب الله، وأسباب نزول الآيات، ~~وحرصه على تعرف ما عند غيره من العلم بكتاب الله تعالى. # وقد قام تفسير ابن مسعود على الرأي والاجتهاد والاستنباط؛ لمواءمة البيئة ~~العراقية المتأثرة بثقافة الفرس، فوضع بذلك الأساس لهذه الطريقة في ~~الاستدلال والثي توارثها أهل العراق في التفسير والفقه. # ويتميز ابن مسعود عن غيره في مجال تفسير القرآن بأنه اعتمد بعض القراءات ~~التي تختلف عن القراءات المتواترة في المصاحف العثمانية، وقد تكون هذه ~~القراءات من الروايات التفسيرية التي وردت على لسانه، وظنها تلامذته من ~~القراءات، كما يمكن أن يقال -أيضا-: إنها بهذا الاعتبار كانت بداية لنشوء ~~علم تفسير القرآن. # * 5 - # أبي بن كعب # أبي بن كعب بن قيس بن عبيدة بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ~~الأنصاري الخزرجي أبو المنذر المدني، سيد القراء، كتب الوحي وشهد بدرا وما ~~بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، ~~وانفرد ms0171 البخاري بأربعة ومسلم بسبعة، وروي عنه: ابن عباس وأنس وسهل بن سعد ~~وسويد بن علقمة ومسروق وخلق كثير، وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية، وقد ~~أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقرأ عليه - رضي الله عنه - ~~وكان ممن جمع القرآن وله مناقب جمة رحمه الله تعالى، وتوفي سنة عشرين أو ~~اثنتين وعشرين أو ثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وقال بعضهم: صلى عليه عثمان، رضي ~~الله عنه. # PageV01P225 # ب - دوره في نشأة التفسير: # أبي بن كعب هو ثالث ثلاثة بعد ابن عباس وابن مسعود كثرت عنهم الرواية، ~~وكان مقدما في القراءة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه: " ~~وأقرؤكم أبي بن كعب ". # وقد عد أبي بن كعب - رضي الله عنه - من العلماء المكثرين في التفسير، ~~وربما مكنه من ذلك معرفته بمعاني كتب الله القديمة؛ إذ كان من العارفين ~~بأسرار هذه الكتب وكونه من كتاب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهذا بالضرورة يجعله على مبلغ عظيم من العلم بأسباب النزول ومواضعه، ومقدم ~~القرآن ومؤخره، وناسخه ومنسوخه، ثم لا يعقل بعد ذلك أن تمر عليه آية من ~~القرآن الكريم يشكل معناها دون أن يسأل عنها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولقد اتبع أبي في تفسيره منهجا يتحرى الحيطة والحذر؛ إذ كان يتوقف عند ما ~~ورد في الآيات عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستعينا بمعرفته مواضع ~~النزول، وأوقاته وأسبابه، وأحوال من نزل فيهم، بالإضافة إلى خبرته بالكتب ~~القديمة ومعرفة أسرارها، ووقوفه على ما ورد فيها من جهة، وقراءته القرآن ~~على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإقراء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~له بعضا منه تعليما وإرشادا من جهة أخرى، فإذا لم يجد فيما ورد عن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - شيئا، أو لم تعنه وسائله التفسيرية السابقة، فإن ~~صنيعه يتوجه إلى بيان الدلالات اللغوية للألفاظ القرآنية؛ إذ كانت الثقافة ~~اللغوية هي زاد القوم الذي يستمدون منه ما يعينهم على ذلك. # لقد استطاع أبي بما أوتي من علم وموهبة ms0172 تفسيرية أن يجتذب تلاميذ كثيرين، ~~أثر فيهم بمنهجه الشامل، مما أدى إلى نشأة المدرسة المدنية في التفسير ~~والفقه. # ملاحظات حول تفسير الصحابة: # نستطيع الآن أن نورد مجموعة من الملاحظات على تفسير الصحابة تبرز لنا ~~بشكل أكثر # PageV01P226 # وضوحا الدور الذي قاموا به، وهي كالآتي: # أولا: اتخذت تفسيرات الصحابة جميعهم شكل الحديث من حيث الرواية والتلقي. # ثانيا: الصحابة لم يفسروا القرآن الكريم كله، وإنما تناولوا بالتفسير ما ~~كانوا يسألون عنه، أو ما يبدو غريبا في أذهان بعضهم. # ثالثا: تفسيراتهم لم تكن تخرج عن تفسير اللفظ بما يوضحه، والاستشهاد له ~~من اللغة، وما يمكن أن يروى حوله من تفسير للرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أو مناسبة النزول. # رابعا: لم يكن بين تفسيراتهم اختلافات كبيرة؛ نظرا لقربهم من عهد النبوة، ~~كما أنهم لم تتوزعهم الأهواء، وما كان بينهم من اختلافات فهي للتنوع وليس ~~للتضاد. # ومع كل هذا، فقد كان الصحابة الأجلاء، وبخاصة ابن عباس وابن مسعود وأبي ~~بن كعب - رضوان الله عليهم - هم أول من أسس علم التفسير بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بما قدموه من إسهامات فتحت الطريق أمام التابعين من ~~بعدهم ومن تلاهم إلى يوم الناس هذا. # * * * # PageV01P227 # * المرحلة الثالثة: التفسير في عصر التابعين # جاء عصر التابعين، فوجدوا بين أيديهم ميراثا ضخما من التفسير، لكنه ليس ~~شاملا لكتاب الله تعالى كله، بل هو تفسير لبعض الآيات، كما أنه لم تكن هناك ~~مصنفات كاملة فيه، حيث إنه لم يدون في عهد الصحابة، لقرب العهد برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولقلة الاختلاف، وللتمكن من الرجوع إلى الثقات. # ثم لما انقضى عصر الصحابة أو كاد، وصار الأمر إلى تابعيهم، انتشر ~~الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن، واختلفت ~~الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، فأخذوا في تدوين الحديث والفقه ~~وعلوم القرآن. # ومعنى هذا أن حركة واسعة لتدوين علوم الإسلام قد بدأت مع عصر التابعين، ~~في أواخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني، وقد نال التفسير قسطا ~~وافرا من اهتمام التابعين، سواء ms0173 فيما يتعلق بتدوينه أو تطويره والبلوغ به ~~درجات لم يبلغها من قبل. # ونريد في عجالة أن نستجلي أهم ما قام به التابعون في مجال تفسير القرآن ~~الكريم، ولتحقيق ذلك نقف أمام النقاط الآتية: # أولا: مصادر التابعين في تفسير القرآن الكريم: # اتبع علماء التابعين سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته ~~الكرام، فصدروا عن طريقتهم في التفسير، فجاءت مصادرهم في التفسير هي ~~المصادر الثلاثة السابقة: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، ~~وتفسير القرآن بما عند أهل الكتاب مما جاء في كتبهم، ولكنهم زادوا مصادر ~~أخرى: ففسروا القرآن بما رووه عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ثم توسعوا في الاجتهاد وتفسير القرآن بالرأي عما كان عليه في عهد الصحابة. # يقول الدكتور الذهبي: اعتمد هؤلاء المفسرون في فهمهم لكتاب الله تعالى ~~على ما جاء في الكتاب نفسه، وعلى ما رووه عن الصحابة من تفسيرهم أنفسهم، ~~وعلى ما أخذوه من أهل الكتاب مما جاء في كتبهم، وعلى ما يفتح الله به عليهم ~~من طريق الاجتهاد والنظر في كتاب الله تعالى. # وقد روت لنا كتب التفسير كثيرا من أقوال هؤلاء التابعين في التفسير، ~~قالوها بطريق # PageV01P228 # الرأي والاجتهاد، ولم يصل إلى علمهم شيء فيها عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أو عن أحد من الصحابة. # ثانيا: دور التابعين في تفسير القرآن الكريم: # بعدت الشقة بين عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصر التابعين، وتزايد ~~الغموض في فهم القرآن الكريم، واحتاج الناس إلى التفسير وقد اضطلع التابعون ~~في هذه المرحلة بدور بارز. # يقول الدكتور الذهبي: تزايد هذا الغموض -على تدرج- كلما بعد الناس عن عصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من ~~التابعين إلى أن يكملوا بعض هذا النقص، فزادوا في التفسير بمقدار ما زاد من ~~غموض، ثم جاء من بعدهم فأتموا تفسير القرآن تباعا، معتمدين على ما عرفوه من ~~لغة العرب ومناحيهم في القول، وعلى ما صح لديهم من الأحداث التي حدثت في ~~عصر نزول القرآن، وغير هذا من أدوات ms0174 الفهم ووسائل البحث. # وبرز في عصر التابعين علماء كثيرون، كانوا قد تتلمذوا على أيدي صحابة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوف نتعرض لأبرزهم في الفصل الثاني من ~~هذه الدراسة عند الحديث عن المدارس التفسيرية. # ثالثا: يمتاز التفسير في عصر التابعين بما يلي: # أولا: غالب أقوالهم في التفسير تلقوها عن الصحابة، وبعض منها رجعوا فيه ~~إلى أهل الكتاب، وما وراء ذلك فمحض اجتهاد لهم. # ثالثا: دخل في التفسير كثير من الإسرائيليات والنصرانيات؛ وذلك لكثرة من ~~دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وكان لا يزال عالقا بأذهانهم من الأخبار ما ~~لا يتصل بالأحكام الشرعية: كأخبار بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وبدء ~~الكائنات وكثير من القصص، وكانت النفوس ميالة لسماع التفاصيل عما يشير إليه ~~القرآن من أحداث يهودية أو نصرانية، فتساهل التابعون فزجوا في التفسير ~~بكثير من الإسرائيليات والنصرانيات بدون تحر ونقد، وأكثر من روي عنه في ذلك ~~من مسلمي أهل الكتاب: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد ~~الملك بن عبد العزيز بن جريج، ولا شك أن الرجوع إلى هذه الإسرائيليات في ~~التفسير أمر مأخوذ على التابعين كما هو مأخوذ على من جاء # PageV01P229 # بعدهم. # وترتب على دخول الإسرائيليات والنصرانيات أن غص التفسير بكثير من ~~الأباطيل، والخرافات، وممن ساعد على رواج هذه الأباطيل القصاص والوعاظ ~~بالمساجد، ولم يسلم من نسبتها إليهم أئمة ورعون كالحسن البصري بالكوفة، ~~ومحمد بن كعب القرظي بالمدينة. # ثالثا: تعتبر هذه المرحلة من أخطر مراحل التفسير؛ إذ وضعت فيها بذور ~~المذاهب الإسلامية، من نزوع العقل إلى فهم الآيات وتفسيرها، إلى تصرف في ~~اللغة وإيغال في التأويل، وقد وجدنا هذا في مدرستي مكة والمدينة، بالقدر ~~الذي وجد في مدارس الكوفة والعراق ومصر بعامة، وإن اختلف الأساس الذي بني ~~عليه هذا الفهم في كل مدرسة على حدة. # رابعا: يعتبر التابعون هم المؤسسون الرئيسون للمدارس التفسيرية التي وجدت ~~بذور نشأتها في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - فقد تبلورت المدارس ~~التفسيرية وبرزت وتحددت في عصر التابعين والعصور التالية. # خامسا: ظهرت في ms0175 هذا العصر نواة الخلاف المذهبي، فظهرت بعض تفسيرات تحمل ~~في طياتها هذه المذاهب، فنجد مثلا قتادة بن دعامة السدوسي ينسب إلى الخوض ~~في القضاء والقدر ويتهم بأنه قدري، ولا شك أن هذا أثر على تفسيره، ولهذا ~~كان يتحرج بعض الناس من الرواية عنه، ونجد الحسن البصري يفسر القرآن على ~~إثبات القدر، ويكفر من يكذب به. # سادسا: شهدت هذه المرحلة محاولات فردية في تدوين التفسير، وإن ظل محتفظا ~~بطابعه في عهد الصحابة من الرواية والتلقي الشفهي مثل الحديث، إلا أنه لم ~~يكن تلقيا ورواية بالمعنى الشامل كما هو الشأن في عصر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، بل كان تلقيا ورواية يغلب عليهما طابع الاختصاص، فأهل ~~كل مصر يعنون -بوجه خاص- بالتلقي والرواية عن إمام مصرهم، فالمكيون عن ابن ~~عباس، والمدنيون عن أبي، والعراقيون عن ابن # PageV01P230 # مسعود. . . وهكذا. # وعموما، فإن التفسير في عهد التابعين تطور عما كان عليه في عصر الصحابة، ~~مما أسهم في بلورته في المرحلة التالية. # المرحلة الرابعة: التفسير في عصور التدوين: # وهذه المرحلة تبدأ مع ظهور تدوين العلوم في أواخر عصر بني أمية وبداية ~~عصر العباسيين، وفي هذه المرحلة خطا التفسيير خطوات أخرى، نستطيع بلورتها ~~فيما يلي: # الخطوة الأولى: أنه مع ابتداء التدوين لحديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت أبوابه متنوعة، وكان التفسير بابا من هذه الأبواب التي اشتمل ~~عليها الحديث، فلم يفرد له تأليف خاص يفسر القرآن سورة سورة، وآية آية، من ~~مبدئه إلى منتهاه، بل وجد من العلماء من طوف في الأمصار المختلفة ليجمع ~~الحديث، فجمع بجوار دلك ما روي في الأمصار من تفسير منسوب إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أو إلى أصحابه أو التابعين، ومن هؤلاء: يزيد بن هارون ~~السلمي المتوفى سنة 117 هجرية، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 هجرية، ~~ووكيع بن الجراح المتوفى سنة 197 هجرية، وسفيان بن عيينة المتوفى سنة 198 ~~هجرية، وروح بن عبادة البصري المتوفى سنة 255 هجرية، وعبد الرزاق بن همام ~~المتوفى سنة 211 هجرية، وآدم بن ms0176 إياس المتوفى سنة 225 هجرية، وعبد بن حميد ~~المتوفى سنة 249 هجرية، وغيرهم. . . وهؤلاء جميعا كانوا من أئمة الحديث، ~~فكان جمعهم للتفسير جمعا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعا للتفسير على ~~استقلال وانفراد، وجميع ما نقله هؤلاء الأعلام عن أسلافهم من أئمة التفسير ~~نقلوه مسندا إليهم، غير أن هذه التفاسير لم يصل إلينا شيء منها؛ ولذا لا ~~نستطيع أن نحكم عليها. # الخطوة الثانية: انفصل بها التفسير عن الحديث، فأصبح علما قائما بنفسه، ~~ووضع التفسير لكل آية من القرآن، ورتب ذلك على حسب ترتيب المصحف، وتم ذلك ~~على أيدي طائفة من العلماء منهم ابن ماجه المتوفى سنة 273 ه، وابن جرير ~~الطبري المتوفى سنة 310 ه، وأبو بكر بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة 318 ~~ه، وابن أبي حاتم المتوفى سنة 327 ه، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة 369 ~~ه، والحاكم المتوفى سنة 405 ه، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة 410 ه، ~~وغيرهم من أئمة هذا الشأن. # PageV01P231 # وكل هذه التفاسير مروية بالإسناد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وإلى الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، وليس فيها شيء من التفسير أكثر ~~من التفسير المأثور، اللهم إلا ابن جرير الطبري فإنه ذكر الأقوال ثم وجهها، ~~ورجح بعضها على بعض؛ وزاد على ذلك الإعراب إن دعت إليه حاجة، واستنبط ~~الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآيات القرآنية. # وتجدر الإشارة إلى أن التفسير إذا كان قد انفصل عن الحديث، فإنه ليس معنى ~~ذلك أن هذه الخطوة محت ما قبلها وألغت العمل به، بل معناه أن التفسير تدرج ~~في خطواته، فبعد أن كانت الخطوة الأولى للتفسير هي النقل عن طريق التلقي ~~والرواية، كانت الخطوة الثانية له هي تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ~~ثم جاءت بعد ذلك الخطوة الثالثة، وهي تدوينه على استقلال وانفراد، فكل هذه ~~الخطوات، تم إسلام بعضها إلى بعض، بل وظل المحدثون بعد هذه الخطوة الثالئة، ~~يسيرون على نمط الخطوة الثانية، من رواية المنقول من التفسير في باب خاص من ms0177 ~~أبواب الحديث، مقتصرين في ذلك على ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، أو عن الصحابة أو عن التابعين. # الخطوة الثالثة: تجاوز التفسير حدود التفسير بالمأثور، بعد ما كان مقصورا ~~على ذلك، فصنف في التفسير خلق كثير، اختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال ~~المأثورة عن المفسرين من أسلافهم دون أن ينسبوها لقائليها، فدخل الوضع في ~~التفسير والتبس الصحيح بالعليل، وأصبح الناظر في هذه الكتب يظن أن كل ما ~~فيها صحيح، فنقله كثير من المتأخرين في تفاسيرهم، ونقلوا ما جاء في هذه ~~الكتب من إسرائيليات على أنها حقائق ثابتة، وكان ذلك هو مبدأ ظهور خطر ~~الوضع والإسرائيليات في التفسير. # الخطوة الرابعة: وهي خطوة أوسع من سابقتها، امتدت من العصر العباسي إلى ~~يومنا هذا، فبعد أن كان تدوين التفسير مقصورا على رواية ما نقل عن سلف ~~الأمة تجاوز بهذه الخطوة الواسعة إلى تدوين تفسير اختلط فيه الفهم العقلي ~~بالتفسير النقلي، وتدرج ذلك تدرجا واضحا، فبدأ أولا التفسير العقلي على ~~هيئة محاولات فهم شخصي، وترجيح لبعض الأقوال على بعض، وكان هذا أمرا مقبولا ~~ما دام يرجع الجانب العقلي منه إلى حدود اللغة ودلالة الكلمات القرآنية، ثم ~~ظلت محاولات هذا الفهم الشخصي تزداد وتتضخم، متأثرة بالمعارف المختلفة ~~والعلوم المتنوعة والآراء المتشعبة والعقائد المتباينة، # PageV01P232 # حتى وجد من كتب التفسير ما يجمع أشياء كثيرة، لا تكاد تتصل بالتفسير إلا ~~عن بعد عظيم. # ثم إن ما ظهر من مذاهب واتجاهات، وما دون من علوم، وما ترجم منها، أدى ~~إلى اختلاط التفسير بغيره من العلوم، وتلونه بالمذاهب المختلفة، فكل فسر ~~القرآن الكريم حسب ما يتمشى مع فكره ومذهبه، ويساير اتجاهه. # غير أنه يجب التنبيه إلى أن التفسير العقلي لم يطغ على التفسير بالمأثور ~~الطغيان الذي يجعله في عداد ما درس وذهب، فقد وجدد من العلماء من استطاع في ~~كل العصور مقاومة طغيان التفسير العقلي، ففسر القرآن الكريم تفسيرا نقليا ~~بحتا، أو فسره تفسيرا نقليا مختلطا بالتفسير العقلي. # وتجدر الإشارة إلى أن هناك من العلماء من اهتم بموضوعات معينة ms0178 في القرآن ~~الكريم، فابن القيم مثلا أفرد كتابا سماه " التبيان في أقسام القرآن "، ~~وأبو عبيدة أفرد كتابا سماه " مجاز الفرآن "، وألف بعضهم في الناسخ ~~والمنسوخ، وبعضهم في أسباب النزول، وبعضهم في أحكام القرآن، وبعضهم في ~~إعراب القرآن. # * * * # PageV01P233 # * التفسير الموضوعي للقرآن الكريم # في زماننا بدأ يظهر ما يعرف بالتفسير الموضوعي، وهو يعني أمرين: # الأول: أنه يعني الوحدة الموضوعية، أي: أن بناء السورة الكريمة من سور ~~القرآن الكريم يتناول في معظمه موضوعا واحدا، تقوم السورة الكريمة على ~~بيانه والإلحاح عليه من أولها إلى آخرها، وقد يتخلل ذلك موضوعات أخرى أو ~~إشارات إلى موضوعات أخرى، ولكن يبقى الخيط العام في السورة وموضوعها واضحا، ~~ونادرا ما تقتصر سورة من سور القرآن على موضوع واحد، وذلك من مميزات أسلوبه ~~الفريد وإعجازه الواضح، ومع هذا يبقى الموضوع الكبير وتفاصيله واضحا في ~~بناء السورة الكريمة، صغيرة كانت أو كبيرة. # يمثل ذلك سورة يوسف فإن موضوعها قصة يوسف - عليه السلام - منذ ولادته ~~والرؤيا التي رآها إلى وفاته (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين (101). # ومع أن قصة يوسف هي موضوع السورة الأكبر، وأن وحدة الموضوع وعناصره بادية ~~في السورة من أولها إلى آخرها إلا أن الأسلوب القرآني المعجز يدخل في ثنايا ~~ذلك موضوعات أخرى لا تخل بوحدة موضوع السورة، ولكنها تضيف إليه التقدير ~~والتعظيم. # فالموضوع الأكبر هو قصة يوسف، وقد تم سردها بدقة وإحكام، والموضوع الآخر ~~إثبات صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به من القرآن الكريم، فهو ~~وحي من عند الله ومعجز لأمته، وبين هذين الموضوعين تعرضت آيات القصة لكثير ~~من القيم والتوجيهات الدينية، وقد أفاد كل ذلك في بناء الموضوع ووحدته. # الأمر الثاني: # وهو سابق على الأمر الأول المتمثل في الوحدة الموضوعية في السورة، فهناك ~~محاولات سابقة للعلماء للربط بين الآيات وبيان المناسبة بين كل آية وآية ~~مما يعد لبنة في تلك الدراسة، فخصص السيوطي لذلك فصلا في كتابه " الإتقان ms0179 ~~في علوم القرآن " سماه: " مناسبة الآيات " قال فيه كلاما طيبا لا يبعد ~~كثيرا عما يسمى بالوحدة الموضوعية، بل وهناك محاولات لبيان مناسبة السورة ~~مع التي قبلها. # وقد تطور هذا الأمر، فأصبح التفسير الموضوعي يعني " جمع الآيات المتفرقة ~~في سور القرآن الكريم المتعلقة بالموضوع الواحد لفظا أو حكما، وتفسيرها حسب ~~المقاصد # PageV01P234 # القرآنية ". # وأطلق التفسير الموضوعي على جميع الأشباه والنظائر في القرآن الكريم حسب ~~مادة الكلمة، ثم ترتيبها ترتيبا معجميا، وذلك كما صنع الفقيه الدامغاني في ~~كتابه: " إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم ". # ونستطيع القول: إن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم هو معرفة مراد الله ~~تعالى من كلامه الكريم في آيات عديدة يجمعها موضوع واحد، وذلك بقدر الطاقة ~~البشرية والعلوم المعنية. # ولكن مما ينبغي إبرازه أن التفسير الموضوعي وجد منذ عصر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وليس وليد العصر الحاضر، وذلك لسببين: # الأول: أن القرآن الكريم يفسر بعضهه بعضا، فما أجمل في موضع فصل في موضع ~~آخر، وما أبهم في موضع بين في موضع آخر، وهكذا، وفي ذلك يقول السيوطي عند ~~حديثه عن شروط المفسر وآدابه: " قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز ~~طلبه أولا من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر، وما اختصر ~~في مكان فقد بسط في موضع آخر منه، وقد ألف ابن الجوزي كتابا فيما أجمل في ~~القرآن في موضع وفسر في موضع آخر منه ". # والسبب الثاني: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد استخدم هذا الأسلوب ~~في بيان وتفسير ما أشكل على الصحابة من القرآن الكريم، حيث ضم الآيات إلى ~~بعضها؛ ليتضح المعنى ويتبين المراد، فمن ذلك أن الصحابة - رضوان الله عليهم ~~- لما سمعوا قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون)، خافوا وظنوا أنهم قد حرموا الأمن والأمان؛ لأن الظلم ~~واقع من كل إنسان لا محالة، حتى ظلمه لنفسه، فذهبوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في فزع وخوف، فطمأنهم، وبين لهم أنهم في أمن وأمان؛ ms0180 لأن ~~الظلم المراد في الآية هو الشرك، وتلا عليهم قوله تعالى: (إن الشرك لظلم ~~عظيم)، فاطمأنت نفوسهم بذلك. # وقد سار الصحابة على سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، ~~فكانوا يجمعون آيات القرآن # PageV01P235 # الكريم؛ ليستنبطوا الحكم الصحيح وقد سبق أن ذكرنا عند حديثنا عن دور علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه - في التفسير أنه يعد -بحق- واضع اللبنة الأولى ~~للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك -أيضا- ما سبق أن ذكرناه عن ~~ابن عباس وعمر بن الخطاب في توقع موعد ليلة القدر، فقد أخرج أبو نعيم عن ~~محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من المهاجرين ~~من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده، فقال عمر: ما لك يا ابن ~~عباس صامت لا تتكلم؟ تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، إن الله وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق ~~أرزاقنا من سبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق فوقنا سماوات سبعا، وخلق تحتنا ~~أرضين سبعا، وأعطى من المثاني سبعا، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن ~~سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، ~~وطاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكعبة سبعا، وسعى بين الصفا والمروة ~~سبعا، ورمى الجمار سبعا، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان، فتعجب عمر، ~~وقال: ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. # وقد توالت الجهود وتتابعت في التفسير الموضوعي حتى أصبح مصطلحا معروفا ~~واتجاها واضحا في التفسير في العصر الحديث، حيث وجدنا من العلماء من يتناول ~~بالتفسير سورة واحدة، كما فعل الدكتور محمد البهي في تفسير سورة يوسف ~~وإبراهيم وغيرهما، ومنهم من تناول بالتفسير موضوعا من موضوعات القرآن، فجمع ~~آياته المتفرقة وقام بتفسيرها في كتاب واحد، كما فعل الدكتور محمد عبد الله ~~دراز في كتابه " الأخلاق في القرآن الكريم "، والدكتور يوسف القرضاوي في ~~كتابه " الصبر في القرآن الكريم ms0181 "، ومن قيل: الشيخ محمد رشيد رضا في " ~~الوحي المحمدي " وتوالت الكتب المختصة بهذا الشأن، حتى وجدنا بعض العلماء ~~كالشيخ الغزالي يؤلف مباشرة تحت عنوان " التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ". # وقد بلغ من شهرة هذا الاتجاه أن أصبح شعبة دائمة في منظمة المؤتمر ~~الإسلامي، وصدرت عنها عدة بحوث كان لها الأثر الكبير في التعريف بالقرآن ~~والإسلام لدى غير المسلمين، مما أسفر عن إعجاب الكثير بالإسلام وإعلان ~~إسلامهم. # إذن فإن التفسير " تفسير القرآن الكريم " مر بمراحل متعددة حتى صار إلى ~~ما نراه الآن، # PageV01P236 # ومع هذا يبقى هذا السؤال الذي يتطلب منا جوابا، وهو: هل صار التفسير علما ~~بالمعنى الدقيق لكلمة علم؟ # عرض الدكتور الذهبي - رحمه الله - لهذه المسألة، فقال: يرى بعض العلماء: ~~أن التفسير ليس من العلوم التي يتكلف لها حد؛ لأنه ليس قواعد أو ملكات ~~ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التي أمكن لها أن تشبه العلوم ~~العقلية، ويكتفي في إيضاح التفسير بأنه بيان كلام الله، أو أنه المبين ~~لألفاظ القرآن ومفهوماتها. # ويرى بعض آخر منهم: أن التفسير من قبيل المسائل الجزئية أو القواعد ~~الكلية، أو الملكات الناشئة من مزاولة القواعد؛ فيتكلف له التعريف، فيذكر ~~في ذلك علوما أخرى يحتاج إليها في فهم القرآن، كاللغة: والصرف، والنحو، ~~والقراءات. . . وغير ذلك. # والحق الذي يصدق الواقع، وتشهد به التفاسير الكثيرة، أن فن تفسير القرآن ~~الكريم من قبيل العلوم ذات الموضوع والمسائل المستنبطة بوحدة موضوعها ~~وغايتها وغير ذلك، فإن له كتبه المدونة المختصة به كما لسائر العلوم، ~~وأيضا: فإن فيه كثيرا من القواعد الكلية التي يندرج تحت كل واحدة منها من ~~المسائل الجزئية ما لا يخفى على من طالع كتبه، والتي تحصل لمن تمرس بها ~~وأحسن رعايتها ملكة تعينه على خوض لجة هذا العلم والسباحة في بحره آمنا ~~مطمئنا إن شاء الله، وتمنع بالتالي من لم يمارسها ويتقن فقهها والتلقي لها ~~عن أهلها الثقات من الكلام في هذا الفن. # وكونه مفتقرا إلى الاستعانة بكثير من العلوم لا يمنع أصلا من كونه علما ~~متكاملا قد ms0182 استوى على سوقه كما تستوي أدق العلوم وأدخلها في استحقاق اسم ~~العلم، فإن من الأمور التي قد أصبحت شبيهة بالبدهيات إن لم تكن منها بالفعل ~~أنه لا يمنع من كون العلم علما قائما برأسه أن يستعين على مسائله بكثير من ~~المسلمات في علوم أخرى وأن الواقع الذي لا تصلح المماراة فيه أن بعض العلوم ~~يأخذ من بعض. # كما أن كونه بيانا لألفاظ القرآن ومعانيه لا يمنع بحال من عده علما قائما ~~بذاته، كما أن علم اللغة وفقهها لا يخرج عن كونه بيانا لمعاني ألفاظها ~~واشتقاقاتها وما إلى هذا، ثم لم يمنع ذلك من عده علما، فالحق الذي ترتاح ~~إليه النفس ويطمئن إليه القلب إذن أن التفسير علم بأكمل وأدق وأجل ما تنطوي ~~عليه مثل هذه الكلمة الشريفة من معنى، وأنه كذلك من أشرف العلوم وأعظمها ~~على الإطلاق. # PageV01P237 # * الفصل الثاني # مدارس تفسير القرآن الكريم # قلنا: إن المدارس التفسيرية تبلورت في عصر التابعين، فظهرت عدة مدارس، ~~لكل مدرسة منها أسلوبها وطريقتها ومنهجها في تفسير القرآن الكريم، اضطلع ~~بالتفسير فيها أئمة كبار من أهل العلم. # يقول الدكتور الذهبي: فتح الله على المسلمين كثيرا من بلاد العالم في ~~حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي عهود الخلفاء من بعده، ولم ~~يستقروا جميعا في بلد واحد من بلاد المسلمين، بل نأى الكثير منهم عن ~~المدينة مشرق النور الإسلامي ثم استقر بهم النوى، موزعين على جميع البلاد ~~التي دخلها الإسلام، وكان منهم الولاة، ومنهم الوزراء، ومنهم القضاة، ومنهم ~~المعلمون، ومنهم غير ذلك. # وقد حمل هؤلاء معهم إلى هذه البلاد التي رحلوا إليها، ما وعوه من العلم، ~~وما حفظوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلس إليهم كثير من ~~التابعين يأخذون العلم عنهم، وينقلونه لمن بعدهم، فقامت في هذه الأمصار ~~المختلفة مدارس علمية، أساتذتها الصحابة، وتلاميذها التابعون. # واشتهر بعض هذه المدارس بالتفسير، وتتلمذ فيها كثير من التابعين لمشاهير ~~المفسرين من الصحابة، فقامت مدرسة للتفسير بمكة، وأخرى بالمدينة، وثالثة ~~بالعراق، وهذه المدارس الثلاث، هي أشهر مدارس ms0183 التفسير في الأمصار في هذا ~~العهد. # ويمكننا القول: إن أصل هذه المدارس، وأعلمها بالتفسير هي مدرسة مكة؛ لأن ~~شيخها وأستاذها عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، كان نسيج وحده ~~في التفسير، فكان أعلم الناس به، وكان تلاميذه أعلم التابعين به أيضا؛ ~~ولذلك يقول ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد ~~بن جبير وطاوس وغيرهم. # ونحاول في الصفحات الآتية الوقوف أمام أبرز مدارس التفسير؛ لبيان خصائصها # PageV01P238 # وسماتها والمفسرين الذين يمثلونها وينتمون إليها. # أولا: المدرسة المكية: # واضع بذور هذه المدرسة ومؤسسها الأول الصحابي الجليل عبد الله بن عباس - ~~رضي الله عنهما - ترجمان القرآن وحبر الأمة، فقد جلس لتلاميذه يفسر لهم ما ~~غمض من القرآن ويوضح لهم ما أشكل عليهم من معانيه، وكان جلوسه لهم بمكة، ~~وقد اجتمع حوله كثير من التلاميذ الذين وعوا ما يقوله ورووه لمن جاء بعدهم، ~~وقد اشتهر من هؤلاء التلاميذ: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس بن ~~كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح. # ولكي نعرف بالمدرسة المكية لابد لنا من دراسة خصائصها وسماتها في ~~التفسير، ثم بيان دور تلاميذها وما قاموا به في التفسير مع ترجمة موجزة لكل ~~واحد منهم، فنقول: # تتسم المدرسة المكية في التفسير بعده: سمات، أبرزها ما يأتي: # أ - الرواية: # قامت هذه المدرسة على الرواية عن ابن عباس، فروى عنه سعيد بن جبير وسمع ~~منه التفسير وأكثر من روايته عنه. # وروى مجاهد والفضل بن ميمون وعكرمة وطاوس وعطاء بن أبي رباح، وكانت رواية ~~هؤلاء الأعلام أكثرها عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ومن ثم تأثروا به ~~وبمنهجه في التفسير. # ومما يدل على رواية هؤلاء الأعلام عن ابن عباس ما رواه الفضل بن ميمون ~~أنه سمع مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. # وروي عنه -أيضا- أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند ~~كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت؟ # ولا تعارض ms0184 بين هاتين الروايتين؛ لأن الإخبار بالقليل لا ينافي الإخبار ~~بالكثير، فلعله # PageV01P239 # عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة؛ لتمام الضبط، ودقة التجويد وحسن ~~الأداء، وعرضه بعد ذلك ثلاث مرات؛ طلبا لتفسيره ومعرفة ما دق من أسراره، ~~وخفي من معانيه، كما تشعر بذلك ألفاظ الرواية. # ومما يدل على ذلك -أيضا- ما قاله حبيب بن أبي ثابت: " اجتمع عندي خمسة: ~~طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير ~~يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما ~~عندهما، جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا ". # ومما يدل على ذلك -أيضا- ما قاله ابن عباس نفسه عن عطاء بن أبي رباح: " ~~تجتمعون إلي يا أهل مكة وعندكم عطاء؟! ". # وهذا إن دل على رواية عطاء، فإنه يدل كذلك على علو قدمه ورسوخها في تفسير ~~القرآن الكريم، حتى إن ابن عباس -وهو حبر الأمة وترجمان القرآن- يستنكر على ~~أهل مكة اجتماعهم عليه وبين أظهرهم عطاء بن أبي رباح. # وخلاصة القول: إن المدرسة المكية كانت تعتمد على الرواية في التفسير، ~~فمثلما روى الصحابة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التفسير، فقد روى ~~أصحاب المدرسة المكية عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالأخص ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما. # هذا، ولم تقتصر روايتهم عن ابن عباس والصحابة وحسب، بل إنهم رووا عن أهل ~~الكتاب مثلما فعل سلفهم، لكنهم توسعوا حتى روى الذهبي في ميزانه أن أبا بكر ~~بن عياش قال: قلت للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو ما بالهم يتقون ~~تفسير مجاهد؟ كما في رواية ابن سعد قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. # لكن ينبغي ألا يتوهم من هذه الرواية أن أصحاب هذه المدرسة لم تكن لهم ~~ضوابط في النقل عن أهل الكتاب، كلا، فلقد كانوا لا يروون إلا ما يعتقدون ~~صدقه، ولم يخالف بينا مما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكيف لا ~~يتحرون الدقة في الأخذ عن أهل ms0185 الكتاب، ورأس مدرستهم ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - شدد النكير على من يأخذ عنهم أو يصدقهم فيما # PageV01P240 # يقولون، مما هو داخل تحت حدود النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ب - جمع القراءات # جمع أصحاب هذه المدرسة القراءات الثابتة، وكان أكثر تلاميذ ابن عباس حرصا ~~على ذلك، هو سعيد بن جبير، فقد كان سعيد بن جبير يؤم الناس في شهر رمضان، ~~فروي عنه أنه كان " يقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، ~~وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبدا ". # وما من شك في أن جمع القراءات يمنح القدرة على التوسع في معرفة معاني ~~القرآن وأسراره. # ج - التفسير بالرأي: # قلنا: إن هذه المدرسة قامت على الرواية؛ وذلك لأن أصحابها تحرجوا من ~~التفسير بالرأي، فقد روى ابن خلكان عن سعيد بن جبير أنه كان يتورع من القول ~~في التفسير برأيه، فقد جاء رجل وسأل سعيدا أن يكتب لله تفسير القرآن، فقال: ~~لأن يسقط شقي أحب إلى من ذلك. # لكن لم يكن كل أصحاب المدرسة على درجة واحدة في هذا التحرج، فمنهم من زاد ~~تحرجه كسعيد بن جبير -كما رأينا- ومنهم من خف تحرجه كمجاهد بن جبر، فكان من ~~أكثر تلاميذ المدرسة المكية تحررا، لكنه التحرر المنضبط؛ لذلك نجده يقول: " ~~ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في شيء من كتاب الله، إذا ~~لم يكن عالما بلغات القرآن، ولا يكتفي باليسير منها؛ إذ اللفظ ربما كان ~~مشتركا فيغفل عن أحد المعنيين ". # ويقف في درجة وسطى بين شدة التحرج وخفته عكرمة، فمن يتتبع تفسيره في بطون ~~كتب التفسير يجد فيه خصائص تفسير أستاذه ابن عباس - رضي الله عنهما - الذي ~~تعلوه المسحة اللغوية والرجوع إلى الشعر، وهو يمثل لونا من التفسير بالرأي. # ومن ثم يمكن القول دونما وجل: إن المدرسة المكية في التفسير تقوم على ~~الرواية " أي التفسير بالمأثور " لكنها في الوقت نفسه لم تهمل التفسير ~~بالرأي، يدل على ذلك ما رواه الطبري في تفسيره عن مجاهد في تفسير قول الله ~~تعالى: (ولقد ms0186 علمتم الذين اعتدوا # PageV01P241 # منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين)، فقد فسر المسخ بأنه مسخ ~~للقلوب ولم يقع على الأجسام، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا. # * أعلام المدرسة المكية. # * 1 - # سعيد بن جبير. # * سعيد بن جبير # الوالبي مولاهم الكوفي الفقيه أحد الأعلام، روى عن ابن عباس وابن عمر ~~وعبد الله بن مغفل وعدي بن حاتم وخلق، وروى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وسليم ~~الأحول، وسليمان الأعمش وأيوب وعمرو بن دينار، وخلائق، وقال اللالكائي: ثقة ~~إمام حجة، قال عبد الملك بن أبي سليمان: كان يختم في كل ليلتين، قال ميمون ~~ابن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، قتل ~~سنة خمس وتسعين كهلا، قتله الحجاج فما أمهل بعده، قال خلف بن خليفة عن ~~أبيه: شهدت مقتل ابن جبير، فلما بان الرأس قال: لا إله إلا الله لا إله إلا ~~الله، فلما قالها الثالثة لم يتمها رضي الله عنه. # مكانته في التفسير: # شهد التابعون لسعيد بن جبير بتفوقه في العلم ولاسيما التفسير، فقد قال ~~عنه الإمام أحمد: " قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا ~~وهو مفتقر إلى علمه فرضي الله عنه ". # وقال عنه سفيان الثوري: " خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، و # * مجاهد بن جبر، # وعكرمة، والضحاك ". # وقال قتادة: " كان أعلم الناس أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم ~~بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، ~~وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام ". # ولعلم سعيد وفضله كان يثق فيه أستاذه ابن عباس، ويحيل عليه من يستفتيه، ~~وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أم الدهماء؟ ~~يعني سعيد بن جبير ويروي عمرو بن ميمون عن أبيه أنه قال: لقد مات سعيد بن ~~جبير، وما على ظهر # PageV01P242 # الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. # ويرى بعض العلماء أنه مقدم على مجاهد وطاوس في العلم، وكان قتادة يرى أنه ~~أعلم التابعين بالتفسير. ms0187 # هذا وقد وثق علماء الجرح والتعديل سعيد بن جبير، فقال أبو القاسم الطبري: ~~هو ثقة، حجة، إمام على المسلمين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان عبدا ~~فاضلا ورعا، وهو مجمع عليه من أصحاب الكتب الستة. # * 2 - # مجاهد بن جبر: # * مجاهد بن جبر - # بإسكان الموحدة- مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ ~~الإمام المفسر، روى عن ابن عباس وقرأ عليه، وعن أم سلمة وأبي هريرة وجابر، ~~وروى عنه # * عكرمة # وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وخلق. # وثقه ابن معين وأبو زرعة. # قال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ومولده سنة إحدى ~~وعشرين. # مكانته في التفسير: # مجاهد أحد المبرزين في التفسير؛ قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: ~~عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة، وعنه -أيضا- قال: عرضت المصحف على ~~ابن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية منه، وأسأله عنها فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ # وروى ابن جرير بسنده عن ابن أبي مليكة، قال: " رأيت مجاهدا سأل ابن عباس ~~عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير ~~كله ". # ولذا قال الإمام سفيان الثوري: " إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك "، ~~وقال ابن تيمية: " ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي، والبخاري وغيرهما من أهل ~~العلم ". # وقال السيوطي في الإتقان: " وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه، وما ~~أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جدا ". # فكل هذه الأقوال تشهد لمجاهد بعلو المكانة في التفسير والعلم، ومع هذا ~~فقد تحرج بعض العلماء من الأخذ عنه في التفسير، ولعل الذي دفعهم إلى ذلك ~~أمران: # PageV01P243 # الأول: أنه كان يسأل أهل الكتاب، كما سبقت الإشارة إلى أن ابن سعد عزا ~~عدم سؤالهم له في التفسير إلى ذلك، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. # والثاني: مسلك التحرر الذي سلكه وتفسيره القرآن بالرأي، فلعل مثل هذا ~~المسلك من مجاهد، هو الذي جعل بعض المتورعين الذين كانوا يتحرجون من القول ~~في القرآن برأيهم يتقون تفسيره، ويلومونه على قوله في ms0188 القرآن بمثل هذه ~~الحرية الواسعة في الرأي، فقد روي عن ابن مجاهد أنه قال: قال رجل لأبي: أنت ~~الذي تفسر القرآن برأيك؟ فبكى أبي ثم قال: إني إذن لجريء، لقد حملت التفسير ~~عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم. # وليس معنى هذا أن في مجاهد مطعنا، كلا، فهو ثقة بلا مدافعة، وإن صح أنه ~~كان يسأل أهل الكتاب فما أظن أنه تخطى حدود ما يجوز له من ذلك، لاسيما وهو ~~تلميذ حبر الأمة ابن عباس، الذي شدد النكير على من يأخذ عن أهل الكتاب ~~ويصدقهم فيما يقولونه مما يدخل تحت حدود النهي الوارد عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وعليه، فتبقى لمجاهد إمامته في التفسير التي لا يمكن أن يدفعها عنه دافع، ~~فليس أخذه عن أهل الكتاب أو حريته في تفسير آيات القرآن يغضان من قيمته ~~ومكانته أو يقللان من تفوقه في العلم والتفسير. # * 3 - # عكرمة # * عكرمة # البربري مولى ابن عباس أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام، روى عن مولاه، ~~وعائشة وأبي هريرة، وأبي قتادة ومعاوية وخلق، وروى عنه الشعبي وإبراهيم ~~النخعي، وأبو الشعثاء من أقرانه وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وخلق. # قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة رموه بغير نوع من ~~البدعة، قال العجلي: ثقة بريء مما يرميه الناس به، ووثقه أحمد، وابن معين، ~~وأبو حاتم، والنسائي، ومن القدماء أيوب السختياني. # قال مصعب: مات سنة خمس ومائة. # مكانته في التفسير: # قال المروزي: قلت لأحمد: يحتج بحديث عكرمة؟ فقال: نعم يحتج به. # PageV01P244 # وقال ابن معين: إذا رألت إنسانا يقع في عكرمة، وفي حماد بن سلمة، فاتهمه ~~على الإسلام. # وقال العجلي فيه: مكي تابعي ثقة، بريء مما يرميه به الناس من الحرورية. # وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة. # وقد وثقه النسائي وأخرج له في كتابه السنن، كما أخرج له البخاري، ومسلم، ~~وأبو داود، وغيرهم، وكان مسلم بن الحجاج من أسوئهم رأيا فيه، ثم عدله بعد ~~ما ms0189 جرحه. # وقال المروزي: أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة، ~~واتفق على ذلك رؤساء أهل الحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وابن ~~راهويه، ويحيى بن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج ~~بحديثه فقال: عكرمة عندنا إمام الدنيا!!! تعجب من سؤالي إياه. # فإن عكرمة - رضي الله عنه - كان على مبلغ عظيم من العلم، وعلى مكانة ~~عالية من التفسير خاصة، وقد شهد له العلماء بذلك، فقال ابن حبان: كان من ~~علماء زمانه بالفقه والقرآن، وقال عمرو بن دينار: دفع إلي جابر بن زيد ~~مسائل أسأل عنها عكرمة وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر ~~فسلوه. # وكان الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. # وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ~~وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير؛ فلم ~~يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا ~~في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا. # وقال يحيى بن أيوب المصري: سألني ابن جريج: هل كتبتم عن عكرمة؟ فقلت: لا، ~~قال: فاتكم ثلثا العلم. # وروى البخاري في صحيحه عن عكرمة أن ابن عباس قال له: " حدث الناس كل جمعة ~~مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ~~ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم ~~حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجع من ~~الدعاء فاجتنبه، فإني # PageV01P245 # عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لا يفعلون ذلك ". # إن عكرمة حاز منزلة عظيمة في العلم، فهو من أعلم الناس بالسير والمغازي؛ ~~قال سفيان الثوري عن عمرو قال: كنت إذا سمعت عكرمة يحدث عن المغازي كأنه ~~مشرف عليهم ينظر كيف يصفون ويقتتلون. # وهو من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وشهد له الأئمة بذلك، يقول الشعبي: " ~~ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة ". # ومع ms0190 كل هذا، فإن هناك بعض العلماء وجهوا مطاعن إلى عكرمة، فكانوا يصفونه ~~بالجرأة على العلم ويقولون: إنه كان يدعي معرفة كل شيء في القرآن، ويزيدون ~~على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عباس، وبعد هذا كله، يتهمونه بأنه ~~كان يرى رأي الخوارج، ويزعم أن مولاه كان كذلك، وقد نقل ابن حجر في تهذيب ~~التهذيب كل هذه التهم ونسبها لقائليها، فمن ذلك: ما رواه شعبة عن عمرو بن ~~مرة قال: سأل رجل ابن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، ~~وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء يعني عكرمة وحكى إبراهيم بن ميسرة أن ~~طاوسا قال: لو أن مولى ابن عباس اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا. # وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتق ~~الله، ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس. # وروي أن سعيد بن المسيب قال مثل ذلك لمولاه. # وروى ابن سعد: أن على بن عبد الله كان يوثقه على باب الكنيف ويقول: إن ~~هذا يكذب على أبي. # ثم بعد ذلك كله يصورون للناس مبلغ كراهة معاصريه له فيقولون: # إنه مات هو وكثير عزة في يوم واحد، فلم يشهد جنازته أحد، أما كثير فقد ~~شيعه خلق كثير. # وهذه التهم فيها كثير من المبالغة، حتى إن عكرمة نفسه كانت تصله فيتألم، ~~فقد روى حماد بن زيد عن أيوب أنه قال: قال عكرمة: رأيت هؤلاء الذين ~~يكذبونني، يكذبونني من خلفي، أفلا يكذبونني في وجهي؟ فإذا كذبوني في وجهي ~~فقد والله كذبوني. ثم نراه # PageV01P246 # يستشهد ببعض أصحابه على صدقه فيما يروي عن مولاه، فعن عثمان بن حكيم قال: ~~كنت جالسا مع أبي أمامة سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، ~~أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه فإنه لم ~~يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم. # هذا هو رد عكرمة على متهميه بالكذب، وتفنيده لما نسب ms0191 إليه من الافتراء ~~على مولاه. # ثم إن كثيرا من التهم ردها علماء موثوق بهم كابن حجر، وشهد له بعضهم ~~وأنصفوه. # * 4 - # طاوس بن كيسان اليماني # * طاوس بن كيسان اليماني # الجندي -بفتح الجيم والنون- الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان؛ قاله ابن ~~الجوزي، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت، وزيد ابن أرقم، ~~وجابر، وابن عمرو، وأرسل عن معاذ. # قال طاوس: أدركت خمسين من الصحابة. # وروى عنه مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو ~~الزبير، وعمرو بن دينار، وسليمان الأحول وخلق. # قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة. # وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله. # وقال ابن حبان: حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة. # قال ابن القطان: مات سنة ست ومائة، وقال بعضهم: يوم التروية، وصلى عليه ~~هشام ابن عبد الملك ووثقه ابن معين وغيره. # مكانته في التفسير: # بلغ طاوس من العلم مبلغا عظيما، وكان واثقا من علمه هذا، وكان من الورع ~~والأمانة حتى شهد له بذلك أستاذه ابن عباس فقال فيه ما أشرنا إليه منذ ~~قليل: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، وقال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا ~~مثل طاوس، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقال ابن معين: إنه ثقة. # وقد أدرك طاوس جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروايته عن ابن عباس أكثر ~~وأخذ # PageV01P247 # عنه التفسير أكثر من غيره؛ ولهذا عد من تلاميذه، وجاء ذكره في مدرسة مكة. # والتفسير المأثور عنه قليل جدا، ومعظمه يرويه عن ابن عباس، ولقلة التفسير ~~المأثور عنه وطول باعه في الفقه، قالوا عنه: إنه فقيه لا مفسر، وعده علماء ~~الفقه فقيها. # * 5 - # عطاء بن أبي رباح: # * عطاء بن أبي رباح # القرشي، مولاهم أبو محمد الجندي اليماني، نزيل مكة وأحد الفقهاء والأئمة، ~~روى عن عثمان وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة، وأبي هريرة، ~~وأم سلمة، وعروة بن الزبير، وطائفة، وروى عنه أيوب وحبيب بن أبي ثابت، ~~وجعفر بن محمد، وجرير بن حازم، وابن جريج، ms0192 وخلق. # قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوى بمكة. # وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. # وقال ابن عباس -وقد سئل عن شيء-: يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء. # وقيل: إنه حج أكثر من سبعين حجة. # قال حماد بن سلمة: حججت سنة مات عطاء سنة أربع عشرة ومائة. # مكانته في التفسير: # لم يكن عطاء مكثرا من رواية التفسير عن ابن عباس، كما كان مقلا في ~~التفسير بالرأي، ويرجع ذلك إلى تحرجه من القول بالرأي. # يقول الدكتور الذهبي: وإذا نحن تتبعنا الرواة عن ابن عباس نجد أن عطاء بن ~~أبي رباح لم يكثر من الرواية عنه كما أكثر غيره، ونجد مجاهدا وسعيد بن جبير ~~يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب الله، ولكن هذا لا يقلل من قيمته بين ~~علماء التفسير، ولعل إقلاله في التفسير يرجع إلى تحرجه من القول بالرأي، ~~فقد قال عبد العزيز بن رفيع: سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ~~ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي. # وبعد: فهذه هي مدرسة التفسير في مكة التي كان لها الأثر الكبير في نشأة ~~علم التفسير # PageV01P248 # وتطوره ونشره في داخل مكة وخارجها، فقد كان لسعيد بن جبير رحلة إلى الري، ~~نشر فيها الكثير من العلم، وكذلك كان لمجاهد رحلات خارج مكة، واستقر طاوس ~~باليمن ينشر هناك علم ابن عباس وتفسيره، وأما عكرمة فقد طاف البلاد ~~الإسلامية شرقا وغربا، حيث رحل إلى خراسان واليمن والعراق والشام ومصر ~~والحرمين. # ثانيا: المدرسة المدنية: # هذه المدرسة لم يكن لها إسهام وافر في مجال تفسير القرآن الكريم بالرأي؛ ~~إذ التزم أصحابها السماع والرواية في تفسيرهم، ومن هنا لم تضف هذه المدرسة ~~لونا عقليا تتميز به كما أضافت مدرسة مكة التي تحدثنا عنها قبل قليل، أو ~~مدرسة العراق التي سنتحدث عنها فيما بعد، بل بقيت ثقافتها معتمدة على ~~الوحي: الكتاب والسنة، والإلمام بمواضع نزول الوحي وأوقاته، والإحاطة ~~بأسباب النزول، وأحوال الذين نزل ms0193 القرآن فيهم. # ولكن هذا لا ينفي ما قام به زيد بن أسلم في مجال التفسير بالرأي حتى قال ~~عنه عبيد الله بن عمر: " لا أعلم به بأسا إلا أنه يفسر القرآن يرأيه ويكثر ~~منه ". # وهذا الحكم لا يعد مغمزا في زيد وثقته وعدالته، أو طعنا في دينه وعلمه؛ ~~فلم يوجد من العلماء من نسبه إلى أحد المذاهب المبتدعة، ويدل على توثيقه ~~وعدالته أنه جلس إليه علماء كثيرون منهم علي بن الحسين زين العابدين، ولما ~~سئل عن هذا قال: " إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه ". # وأستاذ هذه المدرسة ومؤسسها الأول أبي بن كعب، وعنه أخذ أعلام المدرسة ~~المدنية من التابعين، لكن لم يكن أخذهم عنه وحده، بل أخذوا كذلك عن أبي بكر ~~الصديق، وعلي بن أبي طالب كذلك، ولكن ليس بدرجة أخذهم عن أبي بن كعب. # وقد اشتهر من أعلام هذه المدرسة في التفسير ثلاثة أو أربعة، وهم: زيد بن ~~أسلم، وأبو العالية، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي، وسنقوم بترجمة ~~كل واحد منهم. # PageV01P249 # * أعلام المدرسة المدنية: # * 1 - # زيد بن أسلم: # * زيد بن أسلم # العدوي مولاهم المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، وابن عمر، وجابر، وعائشة ~~في " أبو داود " وأبي هريرة في الترمذي، وقال ابن معين: لم يسمع منه ولا من ~~جابر، وروى عنه بنوه، وداود بن قيس، ومعمر، وروح بن القاسم. # قال مالك: كان زيد يحدث من تلقاء نفسه، فإذا قام فلا يجترئ عليه أحد، ~~وثقه أحمد ويعقوب بن شيبة، مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة. # * 2 - # أبو العالية: # رفيع -بضم أوله مصغرا- ابن مهران الرياحي -بكسر المهملة- مولاهم # * أبو العالية # البصري مخضرم إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، ودخل علي أبي بكر، روى عن ~~أبي، وعلي، وحذيفة، وخلق، وروى عنه قتادة، وثابت، وداود بن أبي هند بصريون، ~~وخلق. # قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. # قال مغيرة: أول من أذن بما وراء النهر أبو العالية. # قال أبو خلدة: مات سنة تسعين، ms0194 وهو الصحيح. # * 3 - # سعيد بن المسيب: # * سعيد بن المسيب # بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي أبو محمد المدني ~~الأعور، رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم، ولد سنة خمس عشرة، روى ~~عن عمر في الأربعة، وأبي، وأبي ذر، وأبي بكرة في ابن ماجه، وعلي، وعثمان، ~~وسعد في البخاري ومسلم، وطائفة، وروى عنه الزهري وعمرو ابن دينار وقتادة ~~وبكير بن الأشج ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلق. # قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. # وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح. # سمع من عمر، وقال مالك: لم يسمع منه، ولكنه أكب على المسألة في شأنه ~~وأمره حتى كأنه رآه. # وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين في أبي هريرة. # قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقدي: سنة أربع. # PageV01P250 # * 4 - # محمد بن كعب القرظي: # * محمد بن كعب القرظي # المدني ثم الكوفي أحد العلماء، روى عن أبي الدرداء مرسلا، وعن فضالة بن ~~عبيد، وعائشة، وأبي هريرة، وروى عنه ابن المنكدر، ويزيد بن الهاد، والحكم ~~بن عتيبة. # قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. # وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث. # قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين. # ثالثا: المدرسة العراقية: # من المدارس التي أصبحت لها قيمتها العلمية مدرسة العراق، وكان تلاميذ هذه ~~المدرسة منهم من كان ببغداد، ومنهم من كان بالكوفة، ومنهم من كان بالبصرة، ~~وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو: عبد الله بن مسعود، حيث ولى سيدنا عمر عمار ~~بن ياسر على الكوفة وسير معه عبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا، وقد شرب من ~~علمه أهل العراق عللا بعد نهل، وأصبحوا متأثرين بطريقته في الاجتهاد في ~~الفقه، والأحكام، والتفسير، وهي حرية الرأي في الاجتهاد، وحسن التصرف في ~~النصوص، وعدم الجمود عليها. # وقد روي عن مسروق أنه قال: وجدت علم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ~~ثم انتهى علم هؤلاء ms0195 الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله؛ يعني ابن مسعود. # وفي رواية أخرى: ذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء. # وأهم سمة تميز مدرسة العراق شيوع طريقة الاستدلال فيها؛ لأن أهل العراق ~~عرفوا بأنهم أهل رأي، وقد وضع حجر الأساس لهذه الطريقة عبد الله بن مسعود. # فالحسن البصري مثلا يعمل فكره ورأيه في فهم القرآن، فيقول في تفسير قوله ~~تعالى: (لابثين فيها أحقابا) " إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: ~~(لابثين فيها أحقابا)، فوالله ما هو إلا أنه: إن انقضى حقب دخل آخر إلى ~~الأبد، فليس للأحقاب عدة # PageV01P251 # إلا الخلود، وهو في هذا التفسير يهتدي بابن مسعود؛ إذ يروى عنه أنه قال: ~~لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصا الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل ~~الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصا الدنيا لحزنوا ". # وليس معنى هذا أن تلاميذ هذه المدرسة أهملوا الرواية، فقتادة نفسه روى عن ~~السلف إلى جانب تفسيره بالرأي، فهو يفسر الحكمة في قوله تعالى: (يؤتي ~~الحكمة من يشاء) بأنها علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ~~ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله. # * أعلام المدرسة العراقية: # * 1 - # علقمة بن قيس: # * علقمة بن قيس # بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع النخعي ~~أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام مخضرم، روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ~~وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة، وروى عنه إبراهيم النخعي، والشعبي، وسلمة ابن ~~كهيل، وخلق. # وقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود. # قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وستين، وقال أبو نعيم: سنة إحدى وستين، قيل: ~~عن تسعين سنة. # * 2 - # مسروق # * مسروق # بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي الإمام القدوة، روى عن أبي بكر، ~~وعمر، وعلي، ومعاذ، وطائفة. وروى عنه زوجته قمير، وأبو وائل، والشعبي، ~~وخلق، وأرسل عنه مكحول. # قال أبو إسحاق: حج مسروق فما نام إلا ساجدا على وجهه. # وقال ابن المديني: صلى خلف أبي بكر. # وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. ms0196 # وقال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وستين. # PageV01P252 # 3 - عامر الشعبي # عامر بن شراحبيل الحميري الشعبي أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، ولد لست ~~سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه وعن علي، وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن ~~أبي هريرة، وعائشة، وجرير، وابن عباس وخلق. # قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. # وروى عنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي، وخلق. # قال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي. # وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح. # وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه. # وقال يحيى بن بكير: توفي سنة ثلاث ومائة. # * 4 - # الحسن البصري # الحسن بن أبي # * الحسن البصري # مولى أم سلمة والربيع بنت النضر أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام، أحد ~~أئمة الهدى والسنة، رمي بالقدر، ولا يصح، روى عن جندب ابن عبد الله، وأنس، ~~وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكرة، وسمرة. # قال سعيد: لم يسمع منه وأرسل عن خلق من الصحابة، وروى عنه أيوب، وحميد، ~~ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق. # قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم ~~فصيحا جميلا وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل ~~زمانه، وكان عرض زنده شبر. # قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة، قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا ~~من خلافة عمر. # قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~" وجدت له أصلا مليا خلاف أربعة أحاديث. # * 5 - # قتادة # * قتادة # بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ ~~مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، وابن سيرين، وخلق، وروى عنه أيوب، # PageV01P253 # وحميد، وحسين المعلم، والأوزاعي، وشعبة، وعلقمة، قال ابن المسيب: ما ~~أتانا عراقي أحفظ من قتادة. # وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. # وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. # قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشر ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. # * 6 - # الأسود بن ms0197 يزيد # * الأسود بن يزيد # بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي، مخضرم فقيه، روى عن ~~ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وطائفة. وروى عنه إبراهيم النخعي، وابنه عبد ~~الرحمن، وأبو إسحاق، وعمارة بن عمير، وطائفة. # وثقه ابن معين والناس، قال إبراهيم: كان يختم في كل ليلتين، وروي أنه حج ~~ثمانين حجة. توفي سنة أربع أو خمس وسبعين. # 7 - مرة الهمداني # مرة بن شراحيل الهمداني، أبو إسماعيل الكوفي العابد، مرة الطيب، ومرة ~~الخير، روى عن أبي بكر وعمر وجماعة. وروى عنه الشعبي، وطلحة بن مصرف، ~~وطائفة. # وثقه ابن معين، وقال الحارث الغنوي: سجد حتى أكل التراب جبهته. # قال ابن سعد: توفي بعد الجماجم. # وقيل: سنة ست وسبعين. # ومن خلال دراسة المدارس الثلاثة الرئيسية يمكننا القول بأنها تقوم في ~~مجملها على الرواية، وأن التفسير بالرأي لم يكن سائدا في هذه المرحلة ~~المبكرة، غير أن الذين جاءوا من بعد توسعوا في التفسير بالرأي؛ بناء على ~~البذور التي بذرها أعلام هذه المدارس من التفسير بالرأي، وبخاصة مدرسة ~~العراق التي كانت أوسع المدارس التفسيرية اتجاها إلى الرأي واستخدام العقل ~~في التفسير. # ولقد كان لهذه المدارس دور مؤثر في نشأة التفسير وتطويره ونشره، مما كان ~~له أبعد الأثر على هذا العلم في العصور التالية، وما زلنا حتى اليوم نغترف ~~من فيض أعلام هذه المدارس. # PageV01P254 # * الفصل الثالث # المناهج التفسيرية بين القديم والحديث # لقد أجمع علماء التفسير منذ القديم -فيما نقله الزركشي- على شروط كثيرة ~~لابد من مراعاتها عند تفسير القرآن الكريم أجملوها في أربعة شروط هي: # أولا: الأخذ بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث في ~~التفسير. # ثانيا: الأخذ بقول الصحابي، وخاصة فيما لا مجال للاجتهاد فيه: كالأمور ~~الغيبية، والناسخ والمنسوخ. # ثالثا: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى غير معناها ~~الحقيقي، أو إلى غير مرادها. # رابعا: الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع. # واستمر العمل بهذا المنهج كحد يعرف به الرأي الممدوح من الرأي المذموم ~~إلى أواخر القرن التاسع ms0198 عشر، حيث سادت العالم مناهج جديدة، ومع مرور الزمن ~~وتغلغل هذه المناهج وتمكنها من عقول بعض المفكرين داخل العالم الإسلامي - ~~ظهرت مدرسة فكرية حديثة تدعو إلى تجديد فهم القرآن فهما عصريا، متبنية في ~~ذلك ما توصل إليه العقل البشري من مناهج وعلوم -وخاصة الغربية- على رأسها ~~علم الألسنية الحديثة وغيره. # وكان من أهم آراء المدرسة الفكرية الحديثة الدعوة صراحة إلى تجاوز كل ~~الأدوات المنهجية التراثية؛ لأنها -حسب رأيها- تمثل فترة زمنية معينة، ثم ~~تبنيها الأدوات المنهجية المعاصرة، مثل المنهج التاريخي، والمنهج البنيوي، ~~والمنهج الجدلي وغيرها. # وفي هذا الفصل محاولة لدراسة أهم مناهج التفسير في القديم والحديث، وبيان ~~أهم ما يميز هذه المناهج وما يعتورها من قصور، وذلك على النحو التالي: # * أولا: مناهج التفسير في القديم # بعد التابعين، وقيام المدارس التفسيرية، ظهرت مؤلفات في التفسير مستقلة؛ ~~حيث # PageV01P255 # كان التفسير من قبل جزءا من الحديث، وكان التفسير يقوم على الأسانيد، ~~فجاء مفسرون كثيرون في حوالي القرن الخامس الهجري فاختصروا الأسانيد، ~~ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائليها، ومن ثم كثر الدخيل في ~~التفسير، ثم إن التفسير غلب عليه التأويل والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا ~~في بعض العلوم، وبرزوا فيها، ومنهم من هم من أهل السنة والجماعة، ومنهم من ~~هم من أهل الزيغ والابتداع، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما ~~برع فيه، فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية، ~~والإخباري ليس له هم إلا ذكر القصص واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء والأمم ~~والملوك، وذكر ما يتعلق بالنقد والملاحم وأحوال الآخرة، والفقيه يكاد يسرد ~~فيه مسائل الفقه جميعها، وكثيرا ما يستطرد إلى إقامة الأدلة، وبيان منشأ ~~الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية، وصاحب العلوم العقلية قد ملأ ~~تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها، ويخرج من شيء إلى ~~شيء، ويستطرد ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير، ويخيل إليه ~~أنه يقرأ كتابا من كتب الكلام، وأصحاب المذاهب المبتدعة قد نحوا بالتفسير ~~ناحية مذاهبهم كالشيعة ms0199 والمعتزلة والباطنية والروافض وغيرهم. # ورغم هذا التعدد في الاتجاهات حول تفسير القرآن الكريم فإنه يمكننا أن ~~نقول: إن مناهج التفسير القديمة تذهب في اتجاهات ثلاثة: # الاتجاه الأول # * : منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور. # والاتجاه الثاني: منهج تفسير القرآن الكريم بالرأي. # والاتجاه الثالث: التفسير الإرشادي وغرائب التفسير. # وفي الصفحات التالية نلقي الضوء على هذه المناهج، ببيان أهم ما يميز كل ~~منهج ومميزاته، وأوجه القصور فيه. # * 1 - # منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور # التفسير بالمأثور هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانا ~~لمراد الله تعالى من كتابه، فالتفسير بالمأثور إما أن يكون تفسير القرآن ~~بالقرآن أو تفسير القرآن بالسنة النبوية، أو تفسير القرآن بالمأثور عن ~~الصحابة، وبعضهم أدرج في التفسير بالمأثور # PageV01P256 # أقوال التابعين. # يقول الدكتور الذهبي: وإنما أدرجنا في التفسير بالمأثور ما روي عن ~~التابعين -وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي- لأنا ~~وجدنا كتب التفسير بالمأثور: كتفسير ابن جرير وغيره، لم تقتصر على ذكر ما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وما روي عن أصحابه، بل ضمت إلى ذلك ما ~~نقل عن التابعين في التفسير. # وعلى هذا، فمصادر التفسير بالمأثور أربعة: القرآن الكريم، والسنة ~~المطهرة، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين. # * المصدر الأول: القرآن الكريم: # يطلب تفسير القرآن العظيم أول ما يطلب من القرآن نفسه فحيثما ظفرنا ~~بطلبنا في ذلك من القرآن لم يجز أن نعدل عنه إلى غيره بوجه من الوجوه؛ وذلك ~~لأمور أربعة كلها من البدهيات المسلمة من كافة من يعتبرون من أهل الإيمان، ~~بل من العقلاء. # أحدها: أن صاحب البيت أدرى بالذي فيه، وأن خير من يفسر القول بالتالي هو ~~قائله بنفسه. # ثانيها: أن من المعلوم من الدين بالضرورة أن القرآن هو المصدر الأول ~~والدعامة الرئيسية التي يقوم عليها بنيان شريعة الإسلام، بحيث لا يمكن أن ~~يتم الإيمان بهذه الشريعة إلا بعد الأخذ بمحتوى هذا المصدر والإذعان لجميعه ~~جملة وتفصيلا. # وثالثها: أن ذلك ولا ريب هو من جملة مقتضى الأوامر الإلهية الموجبة ms0200 ~~لطاعته تعالى فيما تنازعنا فيه فضلا عما اتفقنا عليه من أمثال قوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59). # رابعها: كون القرآن كلام رب العالمين أفضل كل قول وأحسن كل حديث؛ فلا ~~يعدل عن الأفضل ما أمكن إلى المفضول، وأنه معجزة بجملته وتفصيله بلفظه ~~ومعناه، بهدفه وغايته إلى غير ذلك من عظيم خصائصه وكريم فضائله، فكيف يدعه ~~العاقل إلى ما دونه في جميع ذلك؟! # لجميع هذه الأسباب وغيرها رأينا أهل الحق لا يطلبون تفسير القرآن من غيره ~~ما # PageV01P257 # أتيحت لهم سبيل إلى نيل بغيتهم منه، ومما لا ريب فيه أن الناظر في كتاب ~~الله تعالى يجد فيه ألوانا شتى من تفسير بعضه لبعض، فقد نرى ما أوجز منه في ~~مكان قد بسط في مكان آخر كما ترى منه العام الذي جاء فيه تخصيصه، والمطلق ~~الذي وقع فيه تقييده، والمجمل الذي حصل فيه بيانه، والمبهم الذي ذكر فيه ~~تفسيره. # هذا، وقد ذكرنا في الفصل الأول من هذه الدراسة نماذج لتفسير القرآن ~~بالقرآن، وغيرها كثير يعلم بالتدبر في كتاب الله. # * المصدر الثاني: السنة المطهرة: # سبقت الإشارة إلى أنه إن لم يتهيأ ننا الظفر بالبغية في القرآن اتجهنا ~~مباشرة -كما فعل السلف- إلى السنة الصالحة للحجية، أي: الثابتة بطريق صحيح ~~أو حسن، لا يقدم في ذلك غيرها عليها بحال من الأحوال، انطلاقا من المسلمات ~~الأربع التي سبق أن ذكرناها. # * المصدر الثالث: أقوال الصحابة: # إن أعيانا البيان من القرآن الكريم وثابت السنة المطهرة تطلبناه في أقوال ~~الصحابة عليهم الرضوان، وقد أطلق الحاكم في المستدرك: أن تفسير الصحابي ~~الذي شهد الوحي، له حكم المرفوع، فكأنه رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وعزا هذا القول للشيخين حيث يقول في المستدرك: " ليعلم طالب الحديث أن ~~تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل -عند الشيخين- حديث مسند ". # ولكن قيد ابن الصلاح والنووي وغيرهما هذا الإطلاق بما يرجع ms0201 إلى أسباب ~~النزول، وما لا مجال للرأي فيه، قال ابن الصلاح في مقدمته: " ما قيل من أن ~~تفسير الصحابي حديث مسند فإنما ذلك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية يخبر به ~~الصحابي، أو نحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا مدخل للرأي فيه؛ كقول جابر - رضي الله عنه -: كانت اليهود تقول: ~~من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل: ~~(نساؤكم حرث لكم. . .)، الآية، فأما سائر تفاسير الصحابة التي # PageV01P258 # لا تشتمل على إضافة شيء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فمعدودة في ~~الموقوفات ". # والحق أن قول الصحابي يكون في حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا كان قوله فيما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن قائله معروفا بالأخذ ~~عن بني إسرائيل، أو كان ولكن مرويه مما لا صلة له بما لدى بني إسرائيل، ~~فالواجب أن نأخذ بهذا القول أخذنا بالمرفوع بلا أدنى فرق؛ انطلاقا في ذلك ~~من عين المسلمات الأربع التي ينطلق أهل الحق في أخذهم بالمرفوع منها. # فإن لم يتوفر الثابت من مأثور الصحابة بأن اختل فيه الشرطان الآنفان ~~أحدهما أو كلاهما، لم يخل أمر ذلك المأثور عندهم من إحدى أحوال أربع: # أولاها: أن يعرف كونه محلا لإجماع الصحابة وأنه لم يشذ عن القول به أحد ~~منهم. # الثانية: أن يعرف كونه مجالا لاختلافهم اختلافا تضل معه الفكرة، ولا ~~يهتدى فيه إلى الصواب في غالب الظن. # الثالثة: أن يكون كسابقه ولكن مع تبين وجه الصواب منه وترجحه في غالب ~~الظن. # الرابعة: ألا يعرف فيه إجماع منهم ولا اختلاف، وإنما غاية الأمر فيه أنه ~~أثر عن الواحد أو الاثنين مثلا دون أن يبلغنا عن أحد من الصحابة ما يخالفه ~~أو ما يوافقه. # فإن كانت الحال الأولى فيما ثبت من مأثور الصحابة، وجب عند القوم الأخذ ~~بمقتضاه كسوابقه من الكتاب والسنة المرفوعة وما له حكم المرفوع إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من أقوالهم في تفسير القرآن ms0202 المجيد؛ لأجل الإجماع؛ ~~انطلاقا في ذلك من مسألتين اثنتين: # أولاهما: ما اشتهر واستفيض عنه - صلى الله عليه وسلم - من عصمة أمته -أي: ~~في كل عصر من عصورها- من أن تجتمع على خطأ أو ضلالة. # الثانية: أن الإجماع كما هو معلوم لابد أن يكون له مستند من الكتاب أو ~~السنة الصالحة للحجية، فالأخذ بالمجمع عليه إذن هو أخذ في ذات الوقت بمستند ~~الإجماع، وانطلاقا من عين المسلمات المناسبة له، أعني: أنه إن كان مستند ~~إجماع الصحابة هو الكتاب، فالأخذ بمقتضى إجماعهم حينئذ فوق كونه انطلاقا من ~~المسلمة السابقة هو في ذات الوقت # PageV01P259 # أخذ كذلك بمقتضى الكتاب وانطلاق من عين المسلمات الني أسلفنا لك عند ~~القول فيه، وهكذا فقل في السنة على ما هو في غاية الظهور، فهذه هي الحال ~~الأولى لما ليس له حكم المرفوع من مأثور الصحابة، عليهم الرضوان. # وأما الحال الثانية لذلك وهي: أن يقع منهم الاختلاف فيه على وجه لا يتبين ~~معه الصواب في قوله هذا أو ذاك، فإن أهل السنة لا يلتفتون إلى مأثور ~~الصحابة في مثل هذه الحال؛ لعدم الجدوى بالكلية فيما لا يتبين وجه الصواب ~~فيه كما هو جلي. # وأما الحالان الباقيان لذلك بألا يصل اختلافهم فيه إلى خفاء وجه الصواب ~~منه، أو يثبت عن أحدهم الأثر دون أن يعرف إجماع منهم عليه ولا اختلاف فيه - ~~فإنه يترجح عند أهل السنة في هاتين الحالين الأخذ بمقتضى مأثور الصحابة في ~~تفسيرهم؛ انطلاقا منهم في ذلك -أيضا- من مسلمات ثلاث: # إحداها: أن هؤلاء الصحابة ينبغي أن يكونوا خير الناس معرفة بهذا التنزيل ~~المجيد من جهة أن أكثرهم عرب خلص؛ فينبغي التحاكم إليهم فيما هو بلسانهم ~~عربي مبين غير ذي عوج. # الثانية: أن أكثرهم كذلك حضروا الوحي، وشهدوا وقائع التنزيل فينبغي أن ~~ينتهي الأمر إليهم فيما يمكن أن يكونوا قد حضروه، وشهدوا وقائعه. # الثالثة: أن لهم فوق هذا كله من الفهم التام والعلم الصحيح ما ليس ~~لسواهم، فهم أحق إذن أن يؤخذ بفهمهم وعلمهم. # ومن هذا يتبين: # أولا: تفسير الصحابي ms0203 له حكم المرفوع، إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول، ~~وكل ما ليس للرأي فيه مجال، أما ما يكون للرأي فيه مجال، فهو موقوف عليه ما ~~دام لم يسنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثانيا: ما حكم عليه بأنه من قبيل المرفوع لا يجوز رده اتفاقا، بل يأخذه ~~المفسر ولا يعدل عنه إلى غيره بأية حال. # ثالثا: ما حكم عليه بالوقف، تختلف فيه أنظار العلماء: # فذهب فريق: إلى أن الموقوف على الصحابي من التفسير لا يجب الأخذ به؛ لأنه ~~لما # PageV01P260 # لم يرفعه، علم أنه اجتهد فيه، والمجتهد يخطئ ويصيب، والصحابة في اجتهادهم ~~كسائر المجتهدين. # وذهب فريق آخر إلى أنه يجب الأخذ به والرجوع إليه؛ لظن سماعهم له من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنهم إن فسروا برأيهم فرأيهم أصوب؛ لأنهم ~~أدرى الناس بكتاب الله؛ إذ هم أهل اللسان، ولبركة الصحبة والتخلق بأخلاق ~~النبوة، ولما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من ~~الفهم التام والعلم الصحيح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة، وعبد ~~الله بن مسعود، وابن عباس، وغيرهم. # قال الزركشي في البرهان: " اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، ~~وقسم لم يرد، والأول: إما أن يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~الصحابة، أو رءوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في ~~تفسير الصحابي: فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، ~~أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه # * .... # وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: " إذا لم نجد التفسير في القرآن ~~ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك؛ لما ~~شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام ~~والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولاسيما علماؤهم وكبراؤهم: كالأئمة الأربعة ~~الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود، رضي ~~الله عنهم ". # المصدر الرابع: قول التابعي: # اختلف العلماء في تفسير التابعي: # فذهب بعض العلماء إلى أنه من المأثور؛ ms0204 لأنه تلقاه من الصحابة غالبا. # ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي، أي: له حكم بقية المفسرين الذين ~~فسروا حسب قواعد اللغة العربية دون التزام بالمأثور. # والخلاصة في هذا الخلاف: أنه إن ثبت عن التابعين فيه -أي التفسير- شيء: ~~فإن # PageV01P261 # أجمعوا عليه أخذوا به؛ لأجل الإجماع: انطلاقا في ذلك من عين المسلمتين ~~اللتين ذكرناهما بالنسبة لإجماع الصحابة بل قل ذلك بالنسبة لكل إجماع أيضا. # فإن لم يكن إجماع فإنه ينظر: فإن توفر في قول أحدهم شرطان: # أحدهما: أن يكون له حكم المرفوع المرسل بأن كان فيما ليس للرأي فيه مجال، ~~ولم يكن قائله كذلك معروفا بالأخذ عن الإسرائيليات. # وثانيهما: أن يكون إماما من أئمة التفسير الآخذين لتفسيرهم عن الصحابة: ~~كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، أو يتأيد قوله بمرسل آخر مثلهم أو نحو ذلك. # نقول: إن توفر في قول التابعي هذان الشرطان يترجح عند القوم الأخذ به. # وقد ذهب أكثر المفسرين: إلى أنه يؤخذ بقول التابعي في التفسير؛ لأن ~~التابعين تلقوا غالب تفسيراتهم عن الصحابة، فمجاهد مثلا يقول: عرضت المصحف ~~على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه ~~وأسأله عنها. وقتادة يقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا. # ولذا حكى أكثر المفسرين أقوال التابعين في كتبهم ونقلوها عنهم مع ~~اعتمادهم لها. # والذي تميل إليه النفس: هو أن قول التابعي في التفسير لا يجب الأخذ به ~~إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، ~~فإن ارتبنا فيه؛ بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد ~~عليه، أما إذا أجمع التابعون على رأي فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه ~~إلى غيره. # قال ابن تيمية: قال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين ليست حجة، فكيف ~~تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا ~~صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة فإن اختلفوا فلا ms0205 ~~يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة ~~القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. # هذا هو الأصل في التفسير بالمأثور، وما تحرر منه سبعة أمور: # أولها: ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن. # PageV01P262 # ثانيها: ما كان تفسيرا للقرآن بالسنة الصالحة للحجية. # ثالثها: ما كان تفسيرا بما له حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من أقوال الصحابة، عليهم الرضوان. # رابعا: ما كان تفسيرا للقرآن بما أجمع عليه الصحابة أو التابعون. # وهذه الألوان الأربعة من التفسير يجب عند أهل الحق أخذها والتعويل عليها ~~على هذا الترتيب، الذي وقفناك عليه، لكن بشرط ألا يتعارض أي منها تعارضا ~~حقيقيا يتعذر فيه الجمع مع المعقول القطعي، فإن وقع مثل ذلك التعارض وجب ~~تأويل المنقول وطرح ظاهره لأجل المعقول في جميع هذه الألوان. # خامسها: ما اختلف فيه الصحابة اختلافا لا يخفى معه وجه الصواب. # سادسها: ما لم يعرف فيه من مأثور الصحابة كذلك إجماع ولا اختلاف. # سابعها: ما كان له حكم المرفوع المرسل من مأثور التابعين، واعتضد مع ذلك ~~بمرسل آخر أو نحوه من شاهد أو تابع، أو تحقق في قائله شرط الإمامة والأخذ ~~لأغلب تفسيره عن الصحابة. # وهذه الثلاثة الأخيرة يترجح عند القوم الأخذ بها في التفسير ترجحا فحسب، ~~لكن يشترط ألا تتعارض مع معقول ولو ظنيا، وإلا طرحت بالكلية، أو طرحت ~~ظواهرها على أقل تقدير لأجل المعقول أيضا. # هذا: وقد تدرج التفسير بالمأثور في دورين: دور الرواية، ودور التدوين. # أما في دور الرواية، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين لأصحابه ~~ما أشكل عليهم من معاني القرآن، فكان هذا القدر من التفسير يتناوله الصحابة ~~بالرواية بعضهم لبعض، ولمن جاء بعدهم من التابعين. # ثم وجد من الصحابة من تكلم في تفسير القرآن بما ثبت لديه عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أو بمحض رأيه واجتهاده، وكان ذلك على قلة يرجع السبب ~~فيها إلى الروعة الدينية التي كانت لهذا العهد، والمستوى ms0206 العقلي الرفيع ~~لأهله، وتحدد حاجات حياتهم العملية، ثم شعورهم مع هذا بأن التفسير شهادة ~~على الله بأنه عنى باللفظ كذا. # ثم وجد من التابعين من تصدى للتفسير، فروى ما تجمع لديه من ذلك عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P263 # وعن الصحابة، وزاد على ذلك من القول بالرأي والاجتهاد، بمقدار ما زاد من ~~الغموض الذي كان يتزايد كلما بعد الناس عن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- والصحابة. # ثم جاءت الطبقة التي تلي التابعين وروت عنهم ما قالوا، وزادوا عليه ~~بمقدار ما زاد من غموض. . . وهكذا ظل التفسير يتضخم طبقة بعد طبقة، وتروي ~~الطبقة التالية ما كان عند الطبقات التي سبقتها، كما أشرنا إلى ذلك فيما ~~سبق. # ثم ابتدأ دور التدوين -وهو ما يعنينا في هذا البحث- فكان أول ما دون في ~~التفسير، هو التفسير بالمأثور، على تدرج في التدوين كذلك، فكان رجال الحديث ~~والرواية هم أصحاب الشأن الأول في هذا، وقد رأينا أصحاب مبادئ العلوم حين ~~ينسبون -على عادتهم- وضع كل علم لشخص بعينه، يعدون واضع التفسير -بمعنى ~~جامعه لا مدونه- الإمام مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. # وكان التفسير إلى هذا الوقت لم يتخذ له شكلا منظما، ولم يفرد بالتدوين، ~~بل كان يكتب على أنه باب من أبواب الحديث المختلفة، يجمعون فيه ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة والتابعين. # ثم بعد ذلك انفصل التفسير عن الحديث، وأفرد بتآليف خاصة؛ فكان أول ما عرف ~~لنا من ذلك تلك الصحيفة التي رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ثم وجد ~~بعد ذلك جزء أو أجزاء دونت في التفسير خاصة، مثل ذلك الجزء المنسوب لأبي ~~روق، وتلك الأجزاء الثلاثة التي يرويها محمد بن ثور عن ابن جريج. # ثم وجدت بعد ذلك موسوعات من الكتب المؤلفة في التفسير، جمعت كل ما وقع ~~لأصحابها من التفسير المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~وتابعيهم: كتفسير ابن جرير الطبري، ويلاحظ أن ابن جرير ومن على شاكلته -وإن ~~نقلوا تفاسيرهم بالإسناد- توسعوا ms0207 في النقل وأكثروا منه، حتى استفاض وشمل ما ~~ليس موثوقا به. # كما يلاحظ أنه كان لا يزال موجودا إلى ما بعد عصر ابن جرير ومن على ~~شاكلته -ممن أفردوا التفسير بالتأليف- رجال من المحدثين بوبوا للتفسير بابا ~~ضمن أبواب ما جمعوا من الأحاديث. # ثم وجد بعد هذا أقوام دونوا التفسير بالمأثور بدون أن يذكروا أسانيدهم في ~~ذلك، وأكثروا من نقل الأقوال في تفاسيرهم بدون تفرقة بين الصحيح والعليل؛ ~~مما جعل الناظر في هذه الكتب لا يركن لما جاء فيها؛ لجواز أن يكون من قبيل ~~الموضوع المختلق، وهو # PageV01P264 # كثير في التفسير. # ومن المعلوم أن الشخص الذي يفسر نصا من النصوص، يتلون هذا النص بتفسيره ~~إياه، وينطبع بطابعه الخاص، وفق قدرته الفكرية، وسعة اطلاعه وأفقه العقلي ~~غير أن هذا الطابع الشخصي الذي يطبع به التفسير، إن ظهر جليا واضحا في كتب ~~التفسير بالرأي، فإنا لا نكاد نجده لأول وهلة على هذا النحو من الوضوح ~~والجلاء بالنسبة لكتب التفسير بالمأثور. # * أسباب ضعف الرواية بالمأثور: # ذكرنا فيما تقدم أن تفسير بعض القرآن ببعض، وتفسير القرآن بالسنة الصحيحة ~~المرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لاشك في قبوله، ولا خلاف في أنه ~~من أعلى مراتب التفسير. # وأما تفسير القرآن بالمأثور عن الصحابة والتابعين فإنه يتطرق إليه الضعف ~~من وجوه: أولها: ما دسه أعداء الإسلام مثل زنادقة اليهود والفرس، فقد ~~أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع، حينما أعيتهم الحيل في ~~النيل منه عن طريق الحرب والقوة، وعن طريق الدليل والحجة. # ثانيها: ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم: كشيعة علي ~~المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء، ومثل أولئك المتزلفين ~~للعباسيين فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه، تملقا واستدرارا ~~لدنياهم. # ثالثها: اختلاط الصحيح بغير الصحيح، ونقل كثير من الأقوال المعزوة إلى ~~الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر؛ مما أدى إلى التباس الحق ~~بالباطل. # زد على ذلك أن هناك من يرى رأيا يعتمده دون أن يذكر له سندا، ثم ms0208 يجيء من ~~بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا، ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية، ~~ولا من يرجع إليه القول. # رابعها: أن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات، ومنها كثير من الخرافات ~~التي تصادم العقيدة الإسلامية، والتي قام الدليل على بطلانها، وهي مما دخل ~~على المسلمين من أهل الكتاب. # PageV01P265 # وكلمة الإنصاف في التفسير بالمأثور أنه نوعان: # أحدهما: ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وهذا لا يليق بأحد رده، ولا ~~يجوز إهماله وإغفاله، ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدي القرآن، بل هو ~~على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن. # ثانيهما: ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها، وهذا يجب رده، ولا ~~يجوز قبوله ولا الاشتغال به، اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه على ضلاله وخطئه، ~~حتى لا يغتر به أحد. # ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أهم كتب التفسير بالمأثور، فقد ~~دونت مؤلفات كثيرة تفسر القرآن بالمأثور، منها: # تفسير الطبري، وتفسير أبي الليث السمرقندي، والدر المنثور في التفسير ~~بالمأثور للسيوطي، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وغيرها. # * * * # PageV01P266 # 2 - منهج التفسير بالرأي # بعد أن تحدثنا عن منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور وضوابطه، ننتقل إلى ~~منهج تفسير القرآن الكريم بالرأي (الاجتهاد) أو التفسير بالمعقول. # وقد عرف الدكتور الذهبي التفسير بالرأي فقال: يطلق الرأي على الاعتقاد، ~~وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه أصحاب الرأي، أي: أصحاب القياس. # والمراد بالرأي هنا الاجتهاد، وعليه فالتفسير بالرأي: عبارة عن تفسير ~~القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسر لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته ~~للألفاظ العربية ووجوه دلالتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلي ووقوفه ~~على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن، وغير ذلك من ~~الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. # والناظر في هذا التعريف يجده -على حد قول المناطقة- غير جامع، وغير مانع؛ ~~ذلك أن التفسير بالرأي أوسع دائرة مما ذكر الدكتور الذهبي؛ إذ هو قسمان: ~~محمود ومذموم، وهو ذكر المحمود دون المذموم. # ومن ثم فإن تعريف التفسير بالرأي هو تفسير القرآن الكريم بمطلق الاجتهاد، ~~سواء توافر ms0209 لهذا الاجتهاد شرطه أم لا، أو أن يكون مصحوبا بحسن قصد أم لا، ~~إلى آخر ما هنالك من الاحتمالات التي تعتور الاجتهاد. # موقف العلماء من التفسير بالرأي: # اتفق العلماء المخلصون على أن تفسير القرآن بالرأي المذموم ممتنع وحرام، ~~بل كفر صريح إن تعمد فاعله سوء القصد؛ لأنه كذب متعمد على الله تعالى وحكم ~~عليه بما يعلم صاحبه أنه خلاف مراده تعالى، ولا نحسب أن أحدا من أهل ~~الإسلام يمكن أن يمتري في هذه القضية. # وإنما وقع الخلاف بين العلماء في أنه: هل كل تفسير للقرآن بالرأي يعتبر ~~مذموما، وإن بلغ صاحبه من حسن القصد ورسوخ القدم في الاجتهاد وعلو المرتبة ~~في العلم ما بلغ، أو أن بعض ذلك محمود وبعضه مذموم؟ # ذكر الدكتور الذهبي الخلاف فقال: اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز ~~تفسير # PageV01P267 # القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين: # فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شيء من القرآن، ولم يبيحوه ~~لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما أديبا ~~متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وإنما له أن ~~ينتهي إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن الذين شهدوا ~~التنزيل من الصحابة - رضي الله عنهم -، أو عن الذين أخذوا عنهم من ~~التابعين. # وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأسا من أن يفسروا القرآن ~~باجتهادهم، ورأوا أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسر القرآن برأيه ~~واجتهاده. # ثم يقول: " ولو رجعنا إلى هؤلاء المتشددين في التفسير، وعرفنا سر تشددهم ~~فيه، ثم رجعنا إلى هؤلاء المجوزين للتفسير بالرأي، ووقفنا على ما شرطوه من ~~شروط لابد منها لمن يتكلم في التفسير برأيه وحللنا أدلة الفريقين تحليلا ~~دقيقا - يظهر لنا أن الخلاف لفظي لا حقيقي. # ولبيان ذلك ينقل عن القاسمي قوله: الرأي ضربان: # أحدهما: جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن ~~إهمال مثله لعالم بهما؛ لأمور: # أحدها: أن الكتاب لابد من ms0210 القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ ~~وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فأما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل ~~الأحكام كلها أو أكثرها، فذلك غير ممكن؛ فلابد من القول فيه بما يليق. # والثاني: أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~مبينا ذلك كله بالتوقيف. # فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه - عليه السلام - لم يفعل ~~ذلك فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بين منه ما لا يتوصل إلى ~~علمه إلا به، وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم فلم يلزم في ~~جميع تفسير القرآن التوقيف. # والثالث؛ أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم ~~فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي ~~هذا فإطلاق القول # PageV01P268 # بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح. # والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: # من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر ~~جدلا. # ومن جهة المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في ~~السلف الأولين، وهو باطل فاللازم عنه مثله. # وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية، ~~فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذموما في القياس -أيضا- لأنه ~~تقول على الله بغير برهان؛ فيرجع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم ~~جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء؛ كما روي عن ابن مسعود: ~~ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم ~~بالعلم، وإياكم التبدع، وإياكم التنطع وعليكم بالعتيق. # وعن عمر بن الخطاب: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غيره ~~تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه. # وعن عمر -أيضا-: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من ~~فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم ~~تأوله على غير تأويله. ms0211 # وليس الأمر على ما ذهب إليه الدكتور الذهبي ومن وافقه، فالخلاف على ~~حقيقته؛ ذلك أن ما ذكره القاسمي يتجه إلى قسمين متضادين من الرأي: قسم ~~محمود، وهو الجاري على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، وقسم ~~مذموم وهو غير الجاري على موافقة كلام العربية وغير الجاري على الأدلة ~~الشرعية. # فهذا الرأي المذموم من غير إشكال ممنوع ومحرم. وإنما وقع الخلاف بين أهل ~~العلم في النوع الأول المحمود. # ويعضد هذا ما ساقه أحد الباحثين من أمور أربعة: # أحدها: أن مسألة الرأي الفاسد المبني على الهوى والتشهي والفاقد لتحقق ~~شرط # الاجتهاد وتوفر ملكاته مما يعلم لكل أحد بالضرورة -ولو كان من أصاغر عوام ~~المسلمين # PageV01P269 # فضلا عن أكابر خواصهم وعلمائهم- ضرورة امتناعه فيبعد جدا بل لا يكاد ~~يتصور أن ينفرد المانعون فيما نحن بصدده هنا بإقامة الأدلة على امتناع هذا ~~الرأي المذموم. # وكذلك يبعد أن يخفى أمر ذلك على المجيزين حتى يشتغلوا بنقض أدلة هؤلاء ثم ~~معارضتها بما يثبت نقيضها على ما سترى إن شاء الله تعالى، كيف والكل ~~يشتركون ويتفقون على امتناع الرأي المذموم كما قلنا. # ثانيها: أنا لا ندري كيف ظهر للدكتور الذهبي ما خفي على كافة فحول ~~العلماء من قبله حتى عدوا الخلاف بين الفريقين حقيقيا وأوردوه جميعا في ~~كتبهم على هذا النحو واشتغلوا ببيان وجه الحق فيه. # ثالثها: أن عبارة المانعين للتفسير بالرأي صريحة أبين صراحة في قصد كل ~~تفسير بالرأي، ناصة في جلاء لا يعتوره أدنى شائبة من غموض أو التواء على ~~أنه حتى لو بلغ صاحب الرأي ما بلغ من علم واجتهاد وسعة أدب إلى آخر ذلك، ~~فليس له أن يفسر القرآن برأيه وإنما عليه أن يقتصر على المأثور فحسب. # رابعها: أن كلا من أدلة المانعين وردود المجيزين على هذه الأدلة ظاهرة ~~أتم ظهور في أن قصد المانعين إنما هو التعميم لكل رأي، وأن قصد المجيزين هو ~~إبطال ذلك التعميم بإثبات التخصص على حد ما هو معلوم لدى المناطقة وأهل ~~آداب البحث والمناظرة عن كون مناقصة السلب الكلي ms0212 هي بالإيجاب الجزئي كذلك ~~فكيف كان يصلح من هؤلاء المانعين هذا التعميم لو أن قصدهم بالفعل هو إرادة ~~التخصيص بالرأي الفاسد. # ويهمنا في هذا المقام دون خوض في عرض الخلاف بين المانعين والمجوزين أن ~~نؤكد على ضعف القول بمنع تفسير القرآن بالرأي على الإطلاق، وأن ما ساقه ~~أصحاب هذا القول لتعضيد قولهم ما هو إلا شبهات أشبه بسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الحق عنده يدحض هذه الشبهات، ~~ويكشف وجه الحق في المسألة، وهو أن تفسير القرآن بالرأي جائز بشروطه ~~الضابطة. # فهناك أمور -ذكرها الزركشي- يجب استناد المفسر بالرأي إليها، فقال: " ~~للناظر في القرآن لطلب التفسير مآخذ كثيرة أمهاتها أربعة: # الأولى: النقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع التحرز عن الضعيف ~~والموضوع. # PageV01P270 # الثانية: الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقا، وخصه ~~بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه. # الثالثة: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل ~~عليه الكثير من كلام العرب. # الرابعة: الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع. وهذا النوع ~~الرابع هو الذي دعا به النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس في قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ". # فمن فسر القرآن برأيه، أي: باجتهاده، ملتزما الوقوف عند هذه المآخذ ~~معتمدا عليها فيما يرى من معاني كتاب الله، كان تفسيره سائغا جائزا خليقا ~~بأن يسمى التفسير الجائز أو التفسير المحمود، ومن حاد عن هذه الأصول وفسر ~~القرآن غير معتمد عليها، كان تفسيره ساقطا مرذولا خليقا بأن يسمى التفسير ~~غير الجائز أو التفسير المذموم ". # ثم إن هناك أمورا أخرى فصل فيها القول الإمام السيوطي يجب أن يفعلها ~~المفسر بالرأي، وأمورا أخرى عليه أن يدعها، فقد قال السيوطي: قال العلماء: ~~يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر وأن يتحرز في ذلك من نقص ~~عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون ms0213 المفسر ~~فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه. # وعليه مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق ~~له الكلام وأن يؤاخي بين المفردات. # ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق ~~الألفاظ المفردة فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف ثم الاشتقاق، ثم ~~يتكلم عليها بحسب التركيب فيبدأ بالإعراب ثم بما يليق بالمعاني ثم البيان ~~ثم البديع ثم يبين المعنى المراد ثم الاستنباط ثم الإشارات. # وقال الزركشي في أوائل البرهان: قد جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر ~~أسباب النزول ووقع البحث في أنه أيهما أولى بالبداءة به بتقدم السبب على ~~المسبب أو المناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول. # PageV01P271 # قال: والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول ~~كآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها). # فهذا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على ~~المقاصد، وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم المناسبة. # وقال في موضع آخر: جرت عادة المفسرين ممن ذكر فضائل القرآن أن يذكرها في ~~أول كل سورة؛ لما فيها من الترغيب والحث على حفظها، إلا الزمخشري فإنه ~~يذكرها في أواخرها. # قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: سألت الزمخشري عن العلة في ~~ذلك فقال: لأنها صفات لها والصفة تستدعي تقديم الموصوف، وكثيرا ما يقع في ~~كتب التفسير " حكى الله كذا " فينبغي تجنبه. # قال الإمام أبو نصر القشيري في المرشد: قال معظم أئمتنا: لا يقال: " كلام ~~الله محكي " ولا يقال: " حكى الله "؛ لأن الحكاية الإتيان بمثل الشيء وليس ~~لكلامه مثل. # وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار، وكثيرا ما يقع في كلامهم ~~إطلاق الزائد على بعض الحروف، وعلى المفسر أن يتجنب ادعاء التكرار ما ~~أمكنه. # قال بعضهم: مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين؛ نحو: (لا تبقي ولا ~~تذر) (صلوات من ربهم ورحمة)، وأشباه ذلك - أن يعتقد أن مجموع المترادفين ~~يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى ms0214 زائدا، وإذا ~~كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك. انتهى. # وقال الزركشي في البرهان: ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي ~~سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز. # وقال في موضع آخر: على المفسر مراعاة مجازي الاستعمالات في الألفاظ التي ~~يظن بها الترادف والقطع بعدم الترادف ما أمكن؛ فإن للتركيب معنى غير معنى ~~الإفراد؛ ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في ~~التركيب وإن اتفقوا على جوازه في الإفراد. انتهى. # وقال أبو حيان: كثيرا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل ~~النحو ودلائل مسائل أصول الفقه ودلائل مسائل الفقه ودلائل أصول الدين وكل ~~ذلك مقرر في تآليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلما في علم التفسير دون ~~استدلال عليه. # PageV01P272 # وكذلك -أيضا- ذكروا ما لا يصح من أسباب نزول وأحاديث في الفضائل وحكايات ~~لا تناسب بينها وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير. # " وقال السيوطي في موضع آخر: وقال ابن النقيب: جملة ما تحصل في معنى حديث ~~التفسير بالرأي خمسة أقوال: # أحدها: التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير. # الثاني: تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. # الثالث: التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير ~~تابعا فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفا. # الرابع: التفسير بأن مراد الله كذا على القطع من غير دليل. # الخامس: التفسير بالاستحسان والهوى. # ثم قال: واعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام: # الأول: علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم ~~أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا لا يجوز ~~لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعا. # الثاني: ما أطلع الله عليه نبيه من أسرار الكتاب واختصه به، وهذا لا يجوز ~~الكلام فيه إلا له - صلى الله عليه وسلم - أو لمن أذن له، قال: وأوائل ~~السور من هذا القسم، وقيل: من القسم الأول. # الثالث: علوم علمها الله نبيه مما أودع كتابه من ms0215 المعاني الجلية والخفية ~~وأمره بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين: منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا ~~بطريق السمع، وهو أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات وقصص ~~الأمم الماضية وأخبار ما هو كائن من الحوادث وأمور الحشر والميعاد. # ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال والاستنباط والاستخراج من الألفاظ ~~وهو قسمان: قسم اختلفوا في جوازه، وهو تأويل الآيات المتشابهات في الصفات. # وقسم اتفقوا عليه، وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية؛ لأن ~~مبناها على الأقيسة. # وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع استنباطها ~~منه # PageV01P273 # واستخراجها لمن له أهلية. # ويمكن أن نستخلص من هذين النصين عدة أمور هي: # أولا: مطابقة التفسير للمفسر مطابقة تامة، بحيث لا يقع له نقص من معناه ~~ومقاصده، ولا زيادة عليه بما ليس له به تعلق وثيق. # ثانيا: حمل الكلام على ما يتعين أو يترجح على أقل تقدير أنه المعنى ~~المراد منه حقيقيا كان ذلك المشي أو مجازيا، في التركيب كان المجاز أو في ~~المفردات. # ثالثا: مراعاة سياق الكلام -سوابقه ولواحقه- بحيث تتآخى وتترابط كافة ~~أجزائه، ويأخذ أوله بحجزه، وفي ذلك لابد من تجلية المناسبات بين الآيات، بل ~~بين السور كذلك. # رابعا: تجلية سبب النزول، وعقد الصلة الوثيقة بينه وبين المنزل. # خامسا: تحقيق القول أولا في بيان كل ما يتعلق بمفردات النظم الكريم، ثم ~~الإتيان بعد ذلك على كل ما تحتاج إليه التراكيب من العلوم المختلفة ذات ~~العلاقة بالنص. # سادسا: يجب على المفسر اجتناب الهجوم على التفسير من غير أخذ الأهبة له ~~بكافة ما يلزمه من الصفات والعلوم. # سابعا: اجتناب الخوض في بيان ما استأثر الله بعلمه. # ثامنا: اجتناب الهوى والقول في القرآن بمجرد الاستحسان من غير برهان. # تاسعا: عدم القطع بأن مراد الله من النص كذا من غير دليل يستوجب مثل هذا ~~القطع. # هذا، ويحتاج المفسر بالرأي إلى خمسة عشر علما عددها السيوطي في مجموعات ~~هي: # المجموعة الأولى: علوم اللغة وما يتعلق بالنحو والصرف والاشتقاق، وهو ~~ضروري للمفسر؛ إذ كيف يمكن فهم الآية بدون معرفة المفردات والتراكيب، وهل ms0216 ~~باستطاعة أحد أن يفسر قوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ~~فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم) بدون أن يعرف المعنى اللغوي للإيلاء والتربص ~~والفيء؟ # ولهذا قال الإمام مالك: " لا أوتي برجل غير عالم بلغة العرب، يفسر كتاب ~~الله إلا # PageV01P274 # جعلته نكالا ". # فعلم النحو ضروري للمفسر؛ لأن المعنى يتغير بتغير الحركات تغيرا كبيرا. ~~وعلم الصرف والاشتقاق ضروريان -أيضا- للمفسر؛ حتى لا يخبط الإنسان خبط ~~عشواء. # المجموعة الثانية: علوم البلاغة " المعاني -البيان- البديع " وهي ضرورية ~~لمن أراد تفسير الكتاب العزيز؛ لأنه لابد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، ~~وذلك لا يدرك إلا بهذه العلوم. # المجموعة الثالثة: أصول الفقه، وأسباب النزول، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ~~ومعرفة علم القراءات، وهي كلها مما يحتاج إليه المفسر بالرأي؛ حتى لا يخطئ ~~الفهم، ولا تزل قدمه بسبب الجهل بهذه الأمور الضرورية. # وأخيرا: علم الموهبة، ويقصد به العلم اللدني الرباني (آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما) الذي يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ويفتح ~~قلبه لفهم أسراره، قال تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله)، فهو ثمرة التقوى ~~والإخلاص، ولا ينال هذا العلم من كان في قلبه بدعة أو كبر أو حب للدنيا أو ~~ميل إلى المعاصي، قال تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ~~الحق). # وما أجمل قول الشافعي رحمه الله: # شكوت إلي وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي # وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدي لعاصي # قال السيوطي: " ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول: هذا شيء ليس من قدرة ~~الإنسان، وليس كما ظننت من الإشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب ~~الموجبة له من العمل والزهد. # ثم قال: " علوم القرآن وما يستنبط منه بحر ولا ساحل له، فهذه العلوم التي ~~ذكرناها هي كالآلة للمفسر، ولا يكون مفسرا إلا بتحصيلها، فمن فسر بدونها ~~كان مفسرا بالرأي المنهي عنه ". # PageV01P275 # منهج المفسرين بالرأي: # قسم الشيخ محمد عبده التفسير إلى مرتبتين: مرتبة عليا، ومرتبة دنيا. # ومن حاول المرتبة العليا من مراتب التفسير بالرأي، فعليه أن يأخذ حذره، ms0217 ~~وأن يتذرع بكل العلوم التي أشرنا إليها؛ ليكون قد أصاب المراد أو كاد، ووجب ~~عليه أن ينهج الصواب والسداد باتباع ما يأتي: # أولا: أن يطلب المعنى من القرآن، فإن لم يجده طلبه من السنة؛ لأنها شارحة ~~للقرآن، فإن أعياه الطلب رجع إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بالتنزيل ~~وظروفه وأسباب نزوله، فوق ما امتازوا به من الفهم التام والعلم الصحيح، ~~والعمل الصالح، فإن عجز عن هذا كله ولم يظفر بشيء من تلك المراجع الأولى ~~للتفسير، فيتبع طريق الاجتهاد والرأي. # ثانيا: اتباع طريق الاجتهاد والعقل باتباع الخطوات الآتية: # الأولى: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعت في القرآن عن طريق ~~استعمالات أهل اللغة من نحو وصرف واشتقاق، مع ملاحظة المعاني التي كانت ~~مستعملة زمن نزول القرآن. # الثانية: إرداف ذلك بالكلام عن التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة، وذلك ~~يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته مع التفطن لنكته ومحاسنه. # الثالثة: تقديم المعنى الحقيقي على المعنى المجازي؛ بحيث لا يصار إلى ~~المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة. # الرابعة: مراعاة التناسب بين الآيات، فيبين وجه المناسبة، ويربط بين ~~السابق واللاحق من آيات القرآن، حتى يوضح أن القرآن لا تفكك فيه، وإنما هو ~~آيات يأخذ بعضها برقاب بعض. # الخامسة: ملاحظة أسباب النزول، فإن لسبب النزول دورا كبيرا في بيان ~~المعنى المراد. # السادسة: مراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام. # السابعة: مراعاة مطابقة التفسير للمفسر من غير نقص ولا زيادة. # الثامنة: مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون، وعلم أحوال البشر، ~~واختلاف أحوالهم: من ضعف وقوة، وعز وذل، وإيمان وكفر. # PageV01P276 # التاسعة: مطابقة التفسير لما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~هديه وسيرته؛ لأنه هو الشارح المعصوم للقرآن بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله ~~وشمائله وتقريراته. # العاشرة: رعاية قانون الترجيح والاحتمال، وذلك أن اللفظ قد يحتمل معنيين ~~فصاعدا، فماذا يكون العمل؟ # نقل السيوطي عن الزركشي في هذه المسألة قولا من أجمع الأقوال، فقال: # " قال الزركشي - رحمه الله -: كل لفظ احتمل معنيين فصاعدا هو الذي لا ~~يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم ms0218 اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد ~~الرأي، فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم الدليل على ~~أن المراد هو الخفي. # وإن استويا، والاستعمال فيهما حقيقة، لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو ~~عرفية، وفي الآخر شرعية، فالحمل على الشرعية أولى، إلا أن يدل دليل على ~~إرادة اللغوية، كما في: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). # ولو كانت في أحدهما عرفية، والآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى. # وإن اتفقا في ذلك -أيضا-: فإن تنافى اجتماعهما ولم يمكن إرادتهما باللفظ ~~الواحد: كالقرء للحيض والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة ~~عليه، فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه، وإن لم يظهر له شيء فهل يتخير ~~في الحمل على أيهما شاء؟ أو يأخذ بالأغلظ حكما؟ أو بالأخف؟ أقوال. # وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في ~~الإعجاز والفصاحة، إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما ". # ونستجلي الأمر بوضوح أكثر عند الرجوع إلى نص الزركشي الأصلي، ففي بيانه - ~~رحمه الله - لأقسام التفسير، وأنها أربعة أقسام، قال في القسم الرابع: # والرابع: ما يرجع إلى اجتهاد العلماء وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، ~~وهو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه، فالمفسر ناقل والمؤول، مستنبط وذلك ~~استنباط الأحكام # PageV01P277 # وبيان المجمل وتخصيص العموم. # وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد ~~فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد ~~رأيهم فيه، وعلى ما تقدم بيانه فكل لفظ احتمل معنيين، فهو قسمان: # أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر، إلا أن ~~يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه. # الثاني: أن يكونا جليين والاستعمال فيهما حقيقة، وهذا على ضربين: # أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما فيدور اللفظ بين معنيين، هو في ~~أحدهما حقيقة لغوية وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينة ~~علم إرادة اللغوية؛ نحو قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). # وكذلك إذا ms0219 دار بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة، ~~ولو دار بين الشرعية والعرفية، فالشرعية أولى؛ لأن الشرع ألزم. # الضرب الثاني: لا تختلف أصل الحقيقة، بل كلا المعنيين استعملا فيهما في ~~اللغة أو في الشرع أو العرف على حد سواء، وهذا -أيضا- على ضربين: # أحدهما: أن يتنافيا اجتماعا، ولا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد كالقرء، ~~حقيقة في الحيض والطهر، فعلى المجتهد أن يجتهد في المراد منهما بالأمارات ~~الدالة عليه، فإذا وصل إليه كان هو مراد الله في حقه، وإن اجتهد مجتهد آخر ~~فأدى اجتهاده إلى المعنى الآخر كان ذلك مراد الله تعالى في حقه؛ لأنه نتيجة ~~اجتهاده، وما كلف به فإن لم يترجح أحد الأمرين لتكافؤ الأمارات فقد اختلف ~~أهل العلم، فمنهم من قال: يخير في الحمل على أيهما شاء ومنهم من قال: يأخذ ~~بأعظمهما حكما ولا يبعد اطراد وجه ثالث، وهو أن يأخذ بالأخف كاختلاف جواب ~~المفتين. # الضرب الثاني: ألا يتنافيا اجتماعا، فيجب الحمل عليهما عند المحققين، ~~ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة وأحفظ في حق المكلف إلا أن يدل دليل ~~على إرادة أحدهما، وهذا -أيضا- ضربان: # أحدهما: أن تكون دلالته مقتضية لبطلان المعنى الآخر؛ فيتعين المدلول عليه ~~للإرادة. # الثاني: ألا تقتضي بطلانه، وهذا اختلف العلماء فيه. # PageV01P278 # فمنهم من قال: يثبت حكم المدلول عليه ويكون مرادا ولا يحكم بسقوط المعنى ~~الآخر، بل يجوز أن يكون مرادا -أيضا- وإن لم يدل عليه دليل من خارج؛ لأن ~~موجب اللفظ عليهما فاستويا في حكمه، وإن ترجح أحدهها بدليل من خارج. # ومنهم من قال: ما ترجح بدليل من خارج أثبت حكما من الآخر لقوته بمظاهرة ~~الدليل الآخر. # فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ. المحتمل، والله أعلم. # إذا تقرر ذلك فينزل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من تكلم في القرآن ~~بغير علم فليتبوأ مقعده من النار " على قسمين من هذه الأربعة: # أحدهما: تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب. # الثاني: حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع ms0220 ~~من العلوم: علم العربية واللغة والتبحر فيها، ومن علم الأصول ما يدرك به ~~حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنهي والخبر والمجمل والمبين والمؤول والحقيقة ~~والمجاز والصريح والكناية والمطلق والمقيد، ومن علوم الفروع ما يدرك به ~~استنباطا، والاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه، ومع ذلك فهو على خطر ~~فعليه أن يقول: يحتمل كذا، ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به فأدى ~~اجتهاده إليه، فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند الله. # وهذا القانون له نظائر أخرى غير ما ذكر الزركشي، منها: # أولا: يجب حمل اللفظ إذا دار بين كونه حقيقة أو مجازا مع الاحتمال على ~~حقيقته. # ثانيا: إذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، فإنه ~~يحمل على عمومه؛ لأن الأصل بقاء العموم. # ثالثا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده؛ ~~كالنكاح فإنه مشترك بين الوطء وسببه الذي هو العقد فيحمل على الوطء دون ~~العقد أو على العقد دون الوطء لا على الاشتراك. # PageV01P279 # رابعا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مضمرا أو مستقلا فإنه يحمل على ~~استقلاله وهو عدم التقدير. # خامسا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه. # سادسا: إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على تأصيله. # سابعا: إذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مؤخرا أو مقدما فإنه يحمل على ~~تقديمه. # ثامنا: إذا دار اللفظ بين أن يكون مؤكدا أو مؤسسا فإنه يحمل على تأسيسه. ~~. . وهكذا. # وبالجملة فإن على من فسر القرآن برأيه لكي يكون تفسيره محمودا أن يتقن ~~هذا القانون أيما إتقان، وبقدر ما يقع له من الانحراف عنه بقدر ما يكون ~~تفسيره دخيلا، والمعصوم من عصم الله. # ويبقى أن نشير إلى بعض كتب التفسير بالرأي، وهي: تفسير الجلالين، وتفسير ~~البيضاوي، وتفسير الفخر الرازي، وتفسير أبي السعود، وتفسير النيسابوري، ~~وتفسير الآلوسي، وتفسير الخطيب، وتفسير الخازن. # * * * # PageV01P280 # 3 - منهج التفسير الإشاري # يقصد بالتفسير الإشاري: تأويل القرآن على خلاف ظاهره؛ لإشارات ms0221 خفية تظهر ~~لبعض أولي العلم، أو تظهر للعارفين بالله من أرباب، السلوك والمجاهدة ~~للنفس، ممن نور الله بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم، وانقدحت في ~~أذهانهم بعض المعاني الدقيقة بواسطة الإلهام الإلهي أو الفتح الرباني، مع ~~إمكان الجمع بينها وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة. # وقد وقع خلاف بين العلماء حول التفسير الإشاري: فمنهم من أجازه، ومنهم من ~~منعه، ومنهم من عده من كمال الإيمان، ومحض العرفان، ومنهم من اعتبره زيغا ~~وضلالا وانحرافا عن دين الله تبارك وتعالى. # والواقع أن الموضوع دقيق، يحتاج إلى بصيرة وروية وغوص في أعماق الحقيقة؛ ~~ليظهر ما إذا كان الغرض من هذا النوع من التفسير هو اتباع الهوى والتلاعب ~~في آيات الله كما فعل الباطنية؛ فيكون ذلك زندقة وإلحادا، أو الغرض منه ~~الإشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يحيط به بشر؛ لأنه كلام خالق القوى، وأن ~~لكلامه تعالى مفاهيم وأسرارا، ونكتا ودقائق، وعجائب لا تنقضي، فيكون ذلك من ~~محض العرفان وكمال الإيمان، كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " إن ~~القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن ~~أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، ~~وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، ~~فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء ". # وإذا أردنا معرفة الحق في هذا الموضوع، فعلينا أن ننقل شيئا من أقوال ~~العلماء؛ فقد قال الزركشي: " كلام الصوفية في تفسير القرآن قيل: إنه ليس ~~بتفسير، وإنما هو معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول بعضهم في قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)، إن المراد ~~النفس، يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب، وأقرب شيء إلى ~~الإنسان نفسه ". # وقال ابن الصلاح في فتاويه: " وجدت عند الإمام أبي الحسن الواحدي المفسر ~~أنه # PageV01P281 # قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق في التفسير، فإن كان قد اعتقد أن ~~ذلك تفسير فقد كفر ". # وقال النسفي في عقائده: " النصوص على ظواهرها، والعدول ms0222 عنها إلى معان ~~يدعيها أهل الباطل إلحاد ". # وقال التفتازاني: " سميت الملاحدة باطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ~~ظواهرها، بل لها معان لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة ~~بالكلية ". # قال: " وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها، ومع ~~ذلك فنهيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها ~~وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان " محض العرفان ". # ونص التفتازاني هذا واضح الدلالة في بيان الفرق بين التفسير الإشاري الذي ~~لا ينكر متعاطيه ظواهر النصوص التي هي أدعى إلى فهم أسرار القرآن، وبين ~~تفسير الباطنية الملاحدة الذين يريدون هدم الشريعة. # وينقل السيوطي عن ابن عطاء الله تحديدا للتفسير الإشاري، فقال: " اعلم أن ~~تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة ~~للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جاءت الآية له ودلت عليه في ~~عرف اللسان، ولهم أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، ~~وقد جاء في الحديث " لكل آية ظهر وبطن ". # فلا يصدنك عن تلقي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذه ~~إحالة لكلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فليس ذلك بإحالة، ~~وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك بل ~~يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها، ويفهمون عن الله ما ~~ألهمهم ". # وأقول: هذا كلام الإنصاف، فقد وضع الحق في موضعه، وجمع بين النصوص ~~الظاهرة والمعاني الخفية الواردة التي تشرق على قلب المؤمن العارف بالله، ~~كما كان الحال مع الصديق وعمر، ولا عجب فالله تعالى يعطي الحكمة من يشاء، ~~ويضع الفهم # PageV01P282 # فيمن أراد، وهذا هو القرآن الكريم يخبرنا عن داود وسليمان في أمر عرض ~~عليهما، فحكم كل واحد منهما بحكم يخالف الآخر، فيقول: (ففهمناها سليمان ~~وكلا آتينا حكما وعلما). # ونستطيع القول: إن التفسير الإشاري لا يحكمه منهج معين، لكن له شروطا ~~لابد من توافرها حتى يكون تفسيرا مقبولا، وهي خمسة شروط كالآتي: # أولا: عدم ms0223 التنافي مع المعنى الظاهر في النظم الكريم. # ثانيا: ألا يدعى أنه المراد وحده دون الظاهر. # ثالثا: ألا يكون تأويلا بعيدا سخيفا؛ كتفسير بعضهم قول الله تعالى: (وإن ~~الله لمع المحسنين) بجعل كلمة (لمع) ماضيا، وكلمة (المحسنين) مفعوله، ومثل ~~ذلك تفسير الباطنية لقوله تعالى: (وورث سليمان داوود) أي: أن الإمام عليا ~~ووث النبي في علمه. # رابعا: ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي، بل يكون له شاهد شرعي يؤيده. # خامسا: ألا يكون فيه تشويه على أفهام الناس. # وبدون هذه الشروط لا يقبل التفسير الإشاري، ويكون عند ذلك من قبيل ~~التفسير بالهوى والرأي المنهي عنه. # وقبل أن نغادر إلى الحديث عن المنهج الحديث في التفسير، نشير إلى أبرز ~~التفاسير الإشارية، وهي: تفسير النيسابوري، وتفسير روح المعاني للآلوسي، ~~وتفسير التستري، وتفسير ابن عربي الفيلسوف، وليس ابن العربي الفقيه ~~القرطبي. # وأخيرا أنوه بأمر مهم، وهو تحذير المسلمين من التفاسير الإشارية وعدم ~~الاعتماد عليها دون التفاسير الأخرى، وهذا ما حذر منه الشيخ الزرقاني حين ~~قال: # " لعلك تلاحظ معي أن بعض الناس قد فتنوا بالإقبال على دراسة تلك الإشارات ~~والخواطر، فدخل في روعهم أن الكتاب والسنة، بل الإسلام كله، ما هو إلا ~~سوانح وواردات، على هذا النحو من التأويلات والتوجيهات، وزعموا أن الأمر ما ~~هو إلا تخييلات، وأن المطلوب منهم هو الشطح مع الخيال أينما شطح؛ فلم ~~يتقيدوا بتكاليف # PageV01P283 # الشريعة، ولم يحترموا قوانين اللغة العربية في فهم أبلغ النصوص العربية: ~~كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # والأدهى من ذلك أنهم يتخيلون ويخيلون إلى الناس، أنهم هم أهل الحقيقة ~~الذين أدركوا الغاية، واتصلوا بالله اتصالا أسقط عنهم التكليف، وسما بهم عن ~~حضيض الأخذ بالأسباب، ما داموا في زعمهم مع رب الأرباب، وهذا -لعمر الله- ~~هو المصاب العظيم الذي عمل له الباطنية وأضرابهم من أعداء الإسلام، كيما ~~يهدموا التشريع من أصوله، ويأتوا بنيانه من قواعده: (يريدون ليطفئوا نور ~~الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) (ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون) ". # إذن يجب ms0224 عدم الانسياق وراء الشطحات والتخييلات التي تخرج بالنص القرآني ~~عن مراده ومعناه المتوخى، والله أعلم. # هذه هي المناهج التفسيرية العامة التي اعتمدها القدماء واستخدموها في ~~تفسيراتهم بدرجات متفاوتة، فقد اعتمد بعض المفسرين منهج التفسير بالمأثور، ~~وبعضهم اعتمد منهج التفسير بالرأي، وبعضهم فسر القرآن تفسيرا إشاريا، ~~وبعضهم جمع بين منهجين أو أكثر، وكل مفسر -في النهاية- له منهجه الخاص الذي ~~يستند إلى المنهج العام الذي ينتمي إليه، سواء كان منهج التفسير بالمأثور ~~أو بالرأي أو الإشاري. # * ثانيا: منهج المدرسة الحديثة في التفسير: # تبين لنا من خلال ما سبق أن التفسير في القديم اعتمد عدة مناهج، فنشأ ~~التفسير شرحا للفظ غامض أو توضيحا لمعنى بعيد، ثم تطور إلى تفسير بالمأثور، ~~وتفسير بالرأي. # وفي عهد التقليد والجمود تأثر التفسير بثقافة المفسر، وليس ذلك عيبا ~~بذاته، ولكن العيب أن يتحول التفسير إلى كتاب في القواعد والإعراب، أو ~~البلاغة والبيان، أو آراء الفرق والرد عليها. # قال السيد محمد رشيد رضا في مقدمة تفسير المنار: # " كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل قارئه عن مقاصد ~~القرآن العالية وهدايته السامية، فمنها ما شغله عن القرآن بمباحث الإعراب، ~~وقواعد النحو، ونكت المعاني، ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل ~~المتكلمين وتعصب # PageV01P284 # الفرق والمذاهب بعضها على بعض، ومنها ما يلفته عنه بكثرة الروايات وما ~~مزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي صارفا آخر عن القرآن ~~هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم ~~الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده كالهيئة الفلكية اليونانية ~~وغيرها ". # ولما جاء عهد النهضة ظهر أعلام جددوا في علوم الأمة، فكانوا أساس نهضة ~~الأمة ونهضة علومها، ومنها التفسير، فوجدنا: السيد جمال الدين الأفغاني، ~~وتلميذه الإمام محمد عبده، ومن بعدهما السيد محمد رشيد رضا وسيد قطب وكان ~~للأخيرين إسهام في مجال التفسير، أفاد منه المفسرون من بعدهما؛ حيث أعادا ~~للتفسير نضارته وقوته وروحه، ولكنهما سارا في إطار المناهج المأثورة عن ~~السلف في التفسير، وتجديدهما ms0225 ليس في المنهج بقدر ما هو تجديد أملته روح ~~العصر وتطورات الحياة إبان النهضة، ثم ثقافتهما وشخصيتهما الناقدة الممحصة. # وإذا كان جمال الدين الأفغاني وتلاميذه ومن على شاكلتهم حاولوا النهضة من ~~خلال العودة بالأمة إلى منابعها الصافية مع مراعاة ظروف الحياة ومقتضيات ~~واقعهم المعيش، سواء في علم التفسير أو غيره، فإن هناك مدرسة فكرية حديثة ~~دعت إلى تبني منهجية جديدة تخالف نهج القدماء في تفسير القرآن الكريم، هذه ~~المنهجية تدعو إلى أمرين: # الأول: تجاوز التفسير التراثي للقرآن من مناهج وأدوات تحليلية، بحجة أنها ~~تمثل فترة زمنية معينة أطلق عليها اسم العالمية الأولى. # الثاني: الأخذ بمناهج جديدة تلائم الفترة الزمنية الحالية، العالمية ~~الإسلامية الثانية. # وقد حمل لواء هذه الدعوة مجموعة من الباحثين، أبرزهم: # * 1 - # الدكتور محمد شحرور في كتابه: " الكتاب والقرآن قراءة معاصرة " الذي حاول ~~فيه تناول القرآن الكريم بمناهج وأدوات معاصرة، مثل: المنهج البنيوي، ~~والمنهج الجدلي. # * 2 - # الدكتور مصطفى محمود في كتابه: " القرآن محاولة لفهم عصري "، وهو مجموعة ~~مقالات تحمل آراء غريبة، وهي لا تتسم بالشمولية، حاول من خلالها تطبيق بعض ~~النظريات العلمية على النص القرآني. # PageV01P285 # * 3 - # الأستاذ جمال البنا في كتابه: " نحو فقه جديد " الذي قسمه إلى بابين: # أ - منطلقات ومفاهيم. # ب - فهم الخطاب القرآني، قدم فيه الكاتب ما يراه فهما جديدا للقرآن على ~~أنه معجزة خالدة، ويتمثل إعجازه في نظمه الموسيقي، وتصويره الفني، ومعالجته ~~السيكولوجية للإنسان ثم قيمه ومبادئه السامية. # * 4 - # الأستاذ ماهر المنجد في كتابه: " الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن: ~~دراسة نقدية "، وهو دراسة نقدية تحليلية لكتاب: الكتاب والقرآن لمحمد ~~شحرور، حاول فيه صاحبه ضبط القواعد المنهجية التي سار عليها محمد شحرور، ~~وإظهار قصوره، والخلفية الفكرية التي استند إليها. # * 5 - # الشيخ خالد عبد الرحمن العك في كتابه: " الفرقان والقرآن " الذي حاول فيه ~~تقديم قراءة إسلامية معاصرة ضمن الثوابت العلمية والضوابط المنهجية، وتعرض ~~فيه لمعظم الكتابات الحديثة في هذا الشأن بدءا من جمال الدين الأفغاني، ~~وانتهاء بمحمد شحرور. # * 6 - # أبو القاسم حاج حمد في كتابيه: " العالمية الإسلامية الثانية ms0226 ومنهجية ~~القرآن المعرفية "، فلقد حاول فيهما الباحث تقديم منهجية جديدة ويمثلان ~~-وبخاصة الكتاب الأول- أهم الخطوط الرئيسة للمنهج الجديد المقترح في تفسير ~~القرآن الكريم. # وإذا أردنا التعرف على المدرسة الحديثة ومنهجها في التفسير فلابد من عرض ~~المسائل الآتية: # المناهج الحديثة وأدوات المدرسة الحديثة في التفسير: # اعتمد أصحاب المدرسة الحديثة في تفسيرهم للقرآن الكريم على بعض المناهج ~~الحديثة، أهمها ما يلي: # * 1 - # المنهج التحليلي: # يزعم بعض أقطاب المدرسة الحديثة في التفسير أنهم يتميزون بالمنهج ~~التحليلي عن القدماء، يقول أبو القاسم حاج في كتابه العالمية الإسلامية ~~الثانية: " لماذا خصنا الله في هذا العصر بالرؤية المنهجية للقرآن؟ ولماذا ~~يختلف أسلوبنا التحليلي في التعامل مع القرآن عن الأسلوب التفسيري ~~التقليدي؟ وبمعنى آخر: لماذا نلجأ إلى الوحدة الناظمة في وقت لجئوا فيه هم ~~إلى التعامل مع الكثرة؟ الفارق هنا يكمن في اختلاف أسلوب المعرفة، فالفكر ~~التحليلي قد يبنى حضاريا في عصرنا الراهن على معالجة الكثرة ارتدادا بها ~~إلى # PageV01P286 # الوحدة، وربط الظواهر ضمن علاقاتها الجدلية بإطارها الموضوعي ". # ومن خلال هذا النص يتبين أن التحليل هو: # معالجة الكثرة ارتدادا بها إلى الوحدة، وربط الظواهر ضمن علاقاتها ~~الجدلية بإطارها الموضوعي. # والتحليل على هذا النحو مضر بفهم النص وتفسيره سواء كان نصا قرآنيا أو ~~غيره، أشار إلى ذلك بعض النقاد الغربيين في حديثهم عن تطبيق منهج التحليل " ~~ويسمونه التفكيك " في الشعر حيث إن النقاد الجدد في أمريكا أقاموا ~~مماراساتهم النقدية على أساس الشكل العضوي، وهي الفكرة القائلة: إن للقصيدة ~~وحدة شكلية تماثل وحدة الشكل الطبيعي، ولكن بدلا من أن يكشف هؤلاء النقاد ~~في الشعر وحدة العالم الطبيعي وتلاحمها، فإنهم اكتشفوا معاني متعددة ~~الأوجه، وفي نهاية المطاف تحول النقد الذي يبحث عن نقد للالتباس والتعدد في ~~المعنى. . . إلى لغة ملتبسة مناقصة لفكرتهم الأصلية الكلية لوحدة الموضوع. # ومن خلال هذا الكلام نتبين أن فكرة معالجة الكثرة ارتدادا إلى الوحدة، ~~وربط الظواهر ضمن علاقاتها بإطارها الموضوعي، فكرة مستقاة من النقد الغربي، ~~وهي فكرة منتقصة من قبل الغربيين أنفسهم، ذلك أنه كما يقول الدكتور ms0227 عبد ~~العزيز حمودة: " إن التفكيكية، كممارسة نقدية أدبية، تفكك النص لتكشف أن ما ~~يبدو عملا متناسقا وبلا تناقضات، وهو بناء من الاستراتيجيات والمناورات ~~البلاغية، إن فضح ذلك البناء ينسف الافتراض بوجود معنى متماسك، غير متناقض ~~ومفهوم يمكن تفسيره بشكل واضح ". # * 2 - # المنهج البنيوي " الألسنية المعاصرة ": # والمنهج البنيوي: رؤية نقدية حديثة، تعد النص الأدبي تشكيلا لغويا فنيا ~~يتميز عن # PageV01P287 # اللغة العادية بكون المعاني المباشرة للغة تتحول فيه إلى رموز متعددة ~~الدلالات. # وقد تبنت المدرسة الحديثة في التفسير هذا المنهج " فأخذت بتطبيق المنهج ~~على نماذج من هذه الإشكاليات، ومن بينها -على سبيل المثال- ضوابط الاستخدام ~~اللغوي في القرآن، وتحديد العائد المعرفي بطريقة ألسنية معاصرة تختلف عن ~~الاستخدام الكلامي الشائع في اللسان العربي القديم "، وذلك انطلاقا من " أن ~~معالجة النص القرآني عبر ضوابط الاستخدام الإلهي للمفردة هو استخدام مميز ~~يرقى بالمفردة إلى مستوى المصطلح ". # ولكن " إذا سلمنا بكفاءة المنهج البنيوي في تقديم تحليل منهجي علمي للغة، ~~فمن الصعب التسليم بكفاءته في تحليل النصوص الأدبية وإنارتها وتحقيق ~~المعنى. # إن البنيوية الأدبية، شأنها في ذلك شأن البنيوية اللغوية، تتبع منهجا ~~معكوسا عند مقاربتها للنص الأدبي، فالمنهج لا يبدأ بالجزئيات وتحليلها بغية ~~الوصول إلى كليات أو أنظمة، ولكن يبدأ بالنظام الذي يحكم الإبداع في النوع؛ ~~لينتقل إلى الدرجة الأدنى على سلم التحليل وهو نسق النص، ثم الوحدات التي ~~تليها العناصر، وهي أصغر مكونات النص، وقد يسترجع الناقد البنيوي بعد ذلك ~~خطواته متحركا من أصغر العناصر تجاه النسق أو النظام العام ليقارن بين ~~الخاص (النص) والعام (النظام). . . والتحليل البنيوي على هذا الأساس، كما ~~يقول بعض الرافضين للمنهج البنيوي، يشبه تسليط الأشعة السينية (أشعة) على ~~الجسم لتصل إلى العظام متخطية بل متجاهلة لطبقات كثيرة قبل أن تصل إلى ~~العظام. # وهناك شبه إجماع بين الرافضين للمنهج البنيوي، بل بعض البنيويين أنفسهم، ~~على أن تطبيق النموذج اللغوي على النص الأدبي لا يحقق المعنى " فإذا كان ~~هذا حال النص الأدبي عموما مع البنيوية، فما بالنا بالنص القرآني؟!. # * 3 - # المنهج التاريخي: # تبنى أصحاب ms0228 المدرسة الفكرية المعاصرة منهجا ثالثا هو المنهج التاريخي. # PageV01P288 # ويعنون به فهم التاريخ فهما إسلاميا، منطلقا من علاقة الغيب المدروسة ~~والمحققة بحركة الواقع البشري، وذلك من خلال منطق التدافع والدورات من لدن ~~آدم - عليه السلام - وإلى عصرنا الحاضر. # وأصحاب هذه المدرسة يأخذون في تفسيرهم القرآن الكريم بالغائية، ولكن ~~يخالفون في الوقت نفسه منطق الفلاسفة الغائيين، فالغائية -عند أصحاب ~~المدرسة الفكرية المعاصرة- وسيلة تحكم مسار الحركة العامة وتتجه إليها ~~جبريا، فهم لا يقولون بالغاية المسبقة. # وقد نبه أبو القاسم حاج إلى أن " مفهوم الحركة في التاريخ البشري من خلال ~~القرآن لا يقوم عبر الصراع الطبقي، كما هو الحال في النظرة الغربية، وإنما ~~يقوم عبر أشكال دائرية، بدءا بالشكل الفردي، ثم الشكل القومي، وانتهاء ~~بالشكل العالمي، وبعبارة أوضح فإن هناك جدلا بين الإنسان والكون، يتم عبر ~~أطوار تاريخية ثلاثية، فالانفصال المادي للإنسان من الكون عبر مراحل ثلاث: ~~مواد مختلطة من النسيج الكوني تتحول إلى كائن عضوي ويتحول إلى إنسان، ~~يقابله اندماج الإنسان بالوعي في رحم الكون عبر مراحل ثلاث: الطور العائلي، ~~الطور القومي، الطور العالمي، وهي تماثل ثلاثية الخلق في الرحم ". # وبناء على تبني المدرسة الفكرية المعاصرة لهذه المناهج، يمكننا أن نبرز ~~الآتي: # * 1 - # ترى المدرسة الفكرية المعاصرة أنها تفترق عن المدرسة التفسيرية التقليدية ~~في المنهج المتبع من حيث إن أسلوب الأولى يعتمد على " التحليل " عوضا عن " ~~التفسير "، وعلى " التبيين المنهجي " في إطار الوحدة القرآنية بطرح " الجزء ~~" في إطار " الكل " عوضا عن التفسير التقليدي للكتاب في أجزائه. # ونقول: إن اعتماد هذه المدرسة " التحليل " دون " التفسير " لا يمكن أن ~~يطبق تطبيقا كاملا في فهم القرآن الكريم؛ وذلك لأمور منها: # أولا: المعنى اللغوي والاصطلاحي يؤكد ذلك؛ فالتحليل -في اللغة- من حل ~~العقدة # PageV01P289 # يحلها حلا، فتحها ونقضها فانحلت، والحل: حل العقدة. # والتحليل اصطلاحا عكس التركيب، وهو إرجاع الكل إلى أجزائه، فإذا تعلق ~~بشيء مادي سمي تحليلا ماديا، وإذا تعلق بشيء ذهني سمي تحليلا خياليا. # وينقسم من جهة أخرى إلى: # تحليل تجريبي، ويمر بثلاث مراحل: ملاحظة، تجربة، استقراء. # وتحليل ms0229 عقلي أو رياضي، وهو يتألف من مجموعة قضايا، أولها القضية المراد ~~إثباتها، وآخرها القضية المعلومة؛ بحيث إذا ذهبت من الأولى " أي القضية ~~المراد إثباتها " إلى الأخيرة " أي القضية المعلومة " كانت كل قضية نتيجة ~~ضرورية للتي بعدها، وكانت القضية الأولى نتيجة للقضية الأخيرة صادقة مثلها. # فالمفهوم الأول يتعلق بالأمور المادية الخاضعة للتجربة، والقرآن ليس ~~خاضعا للتجربة. # والمفهوم الثاني يحتاج إلى قضية معلومة ينطلق منها في إثبات أخرى مجهولة؛ ~~فإذا قلنا بهذا في حق القرآن، أصبحنا في أحسن الحالات نوظف القرآن في إثبات ~~تصوراتنا المسبقة، ونستغله في نشر " أيديولوجياتنا " وهذا مما لا يرتضيه ~~أحد من المسلمين. # وإذا اعتبرنا المنهج التحليلي الذي تنادي به المدرسة الحديثة هو جمع ~~الآيات المتعلقة بموضوع ما ودراستها دراسة وافية، فإن المدرسة التقليدية ~~أولى بأن تنسب إلى هذا المنهج، فقد استخدمت ما سبق أن أشرنا إليه في الفصل ~~الأول مما يسمى بالتفسير الموضوعي. # ثانيا: تدعي المدرسة الفكرية المعاصرة أنها تأخذ القرآن في وحدته الكلية، ~~وأنها تتفوق بذلك على المدرسة التقليدية، وهو ادعاء يعوزه الدليل؛ لأن ~~المدرسة التقليدية سعت في كل مراحلها إلى البحث عن الوحدة الكلية للقرآن ~~الكريم، وأكبر دليل على ذلك تبنيها -كما سبق بيانه- مبدأ تفسير القرآن ~~بالقرآن، فتفسير القرآن بالقرآن بحث عن الوحدة الموضوعية في القرآن، وقد ~~ألف العلماء الأقدمون مؤلفات بهذا الشأن، مثل: # PageV01P290 # " الأشباه والنظائر " لمقاتل بن سليمان البلخي، المتوفى سنة: 150 ه، و " ~~نزهة الأعين النواظر في علم الأشباه والنظائر " لابن الجوزي، المتوفى سنة: ~~597 ه، و " أحكام القرآن " لأبي بكر الجصاص المتوفى سنة: 370 ه، و " أحكام ~~القرآن " لابن العربي المالكي، المتوفى سنة: 543 ه. . . وهكذا. # ثالثا: زعم أصحاب المدرسة الحديثة أن ألفاظ القرآن ترقى إلى درجة ~~المصطلح؛ بحيث لا يتغير معناها بتغير موقعها، فأطلقوا القول بمخالفة ألفاظ ~~القرآن لألفاظ اللغة العربية المعهودة؛ ومن ثم تقاعسوا في فهم اللغة ~~وتحصيلها، وهم بذلك يبعدون عن منهج القدماء في تركيزهم على اللغة وضرورتها ~~في التفسير، بل جعلوا إتقانها شرطا لفهم كتاب الله. # بل إنهم يبعدون ms0230 -أيضا- عن المنهج البنيوي الذي يزعمون تبنيه، متجاهلين ما ~~توصلت إليه المدارس اللسانية الحديثة من أن هناك فرقا بين اللسان، والكلام ~~فاللسان -كما عرفه دوسوسير- " هو نتاج اجتماعي للملكة اللغوية، والكلام هو ~~فعل فردي صادر عن الإرادة الفطنة ". # وعليه، فليس هناك فرق بين لسان القرآن " المفردات التي صيغ بها القرآن ~~وقواعد تركيبها "، واللسان العربي العادي " المفردات التي يستعملها العرب ~~وقواعد تركيبها " قال الله تعالى: (بلسان عربي مبين). وقال سبحانه: (لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)، فليس هناك فرق بين لسان ~~القرآن ولسان العرب، وإلا لكان حجة للعرب في أن الله خاطبهم بغير لسانهم. # فالفرق ليس في اللسان -الألفاظ وقواعد تركيبها- المستعمل، وإنما الفرق في ~~الكلام الذي " هو استعمال هذا البناء -اللسان- ووضعه موضع التنفيذ من قبل ~~المتكلمين "، ومن ثم نجد الحق تبارك وتعالى ينسب لنفسه الكلام، وينسب ~~اللسان للعرب، فقال: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون) " فالذي يحرف هو الكلام ذاك التركيب الصادر من ~~المبلغ ليغير معناه، ويبطل أثره المقصود به، أما تحريف اللسان فهو مسبة ~~للمحرف وسلب عليه؛ لأنه حرف الرموز المتواضع عليها بين أولئك المخاطبين ~~وقطع طريق التواصل معهم، فلم يعد يفهمه أحد # PageV01P291 # منهم ". # وأقول: إن الاستخفاف باللغة العربية وقواعدها وزعم الاستغناء عنها ~~باللسانيات الحديثة خرق لأصول العلم ومناهجه وتشكيك فيما أصبح من عداد ~~المسلمات. # رابعا: اخترقت المدرسة المعاصرة في التفسير الثوابت، فذهبت -مثلا- إلى أن ~~السنة تجربة تاريخية خاصة بعصرها الذي ظهرت فيه ولا تلزم ما بعده من ~~العصور، وهذا الاختراق مرفوض؛ لأنه يعرض الدين للتحلل من عقده، ويفتح ~~الأبواب على مصارعها للأفكار الهدامة تفعل فعلها في كيان الأمة. # وأقول: إن على المتطلعين إلى التجديد وبناء المناهج أن يعرفوا أن الثوابت ~~هي العاصم والحافظ لكيان الأمة وعليها مدارها، فالمساس بها والنيل منها هو ~~مساس بروح الأمة وطعن لها في عمودها الفقري، وتعريض لها لمزيد من الخطر ~~والضياع؛ ذلك أنه - كما يقول سيد قطب رحمه الله- " لكل نجم ولكل كوكب فلكه ~~ومداره، ms0231 وله كذلك محوره الذي يدور عليه المدار، وكذلك الحياة البشرية لابد ~~لها من محور ثابت، وإلا انتهت إلى الفوضى والدمار ". # ولسنا بكل ما ذكرناه ننفي تبني المناهج التي تبنتها المدرسة الفكرية ~~المعاصرة في تفسير القرآن الكريم جملة وتفصيلا، فهذا إن فعلناه أصابنا ~~الجمود والوقوف عند حد التقليد دون التجديد والإبداع، وهذا مخالف لما دعا ~~إليه القرآن الكريم في كل المجالات، بل وفي مجال التعامل معه -أي مع ~~القرآن- فقد قال الله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، ~~والتدبر يعني الفهم المتجدد؛ إذ لو كان التدبر يعني الوقوف عند فهم القدماء ~~للقرآن، لما أمرنا الله عز وعلا بتدبره، ولكان أمرنا باتباع أسلافنا وحسب؛ ~~وهذا ينافيه طبيعة القرآن المتجددة. # إذن فإن هناك دعوة إلى التجديد في تفسير القرآن الكريم، وتجريب المناهج ~~الحديثة، ولكن ذلك مضبوط بضوابطه التي منها: # أولا: احترام الثوابت، وعدم هدمها. # PageV01P292 # ثانيا: معرفة التراث واستيعابه استيعابا يسمح بمعرفة مواطن القوة، فيؤخذ ~~بها، ومواطن النقص لتفاديها. # ثالثا: الاطلاع على العلوم والمناهج المعاصرة، شريطة ألا يكتفى من هذه ~~العلوم بالمعرفة السطحية العابرة، بل استيعابها استيعابا كاملا، وشريطة ~~إتقان الدربة في استخدام هذه الآليات وتوظيفها التوظيف السليم، ولا يقع ~~المجدد فيما وقعت فيه تلك الفئة التي عناها الدكتور طه عبد الرحمن بقوله: # " إنها لم تبرهن على تحصيل الدربة في استخدام الآليات العقلانية المنقولة ~~من مفاهيم مصطنعة وقواعد مقررة ومناهج متبعة ونظريات مسطرة، فضلا عن أن ~~تبرهن على الإحاطة بتمام تقنياتها وبكمال وجوه إجرائياتها ". # وأخيرا أود القول: إننا لا ندعو إلى نبذ مناهج بعينها في تفسير القرآن ~~الكريم، بل ندعو إلى تكامل المناهج، فنأخذ وندع من كل المناهج سواء أكانت ~~قديمة أو حديثة، بشرط ألا ندع المسلمات جانبا، وألا يؤثر ما نأخذه من منهج ~~في توجيه المعنى القرآني وجهة تناقض مراد الله المقصود. # نماذج من تفسير المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن الكريم: # لعلنا نورد بعض النماذج من تفسير أعلام المدرسة الفكرية المعاصرة لبعض ~~آيات القرآن الكريم تبرز مدى تجاوز هؤلاء القوم في ms0232 تفسيراتهم، وأنها لا ~~تقوم على أساس متين أو منهج قويم. # ومن تلك النماذج ما جاء في تفريق أبي القاسم حاج حمد بين اللمس والمس، ~~وبين الرؤية والنظر والشهود. # فبالنسبة للتفريق بين اللمس والمس: يرى أبو القاسم حاج حمد أن " لمس " ~~تعني قرآنيا التناول باليد أو الاحتكاك العضوي والحسي، و " مس " تعني ~~التفاعل العقلي والوجداني؛ لذلك لم يمنع الله لمس المصحف فهو للبشر أجمعين ~~وكيفما كانت حالاتهم، فلهم أن يتناولوه. أما مس القرآن بما يعني التفاعل مع ~~مكوناته وأعماقه فيتطلب حالة من الاستعداد (إنه لقرآن كريم (77) في كتاب ~~مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79). # وهذا الفهم بعيد عن الصواب كل البعد؛ إذ إن استقراء آيات القرآن الكريم ~~تؤكد أن # PageV01P293 # المس معناه الاحتكاك المادي، وليس الإحساس والوعي -كما زعم أبو القاسم ~~حاج- ومن الآيات المعضدة لما ذهبنا إليه قول الله تعالى: (يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم تمسسه نار)، فأي تفاعل عقلي مع النار في هذه الآية وأمثالها؛ وأي ~~تفاعل عقلي في قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن)، ~~وفي قوله تعالى: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر)، فهل المس هنا ~~يعني التفاعل العقلي؟ الحقيقة: أن المس هنا واضح بأنه احتكاك مادي، فمس ~~النار للجسم حركة مادية، والولادة العادية تكون بعد مس الرجل زوجته عضويا، ~~أي: بعد جماعها؛ لذلك اعترضت السيدة مريم على الأمر، ورأت أنه خلاف العادة. # وبالنسبة للتفريق بين الرؤية والنظر والشهود: يرى أبو القاسم حاج أن ~~الرؤية تتعلق بالأمور الحسية، وآلتها العين المجردة، أما النظر فيتعلق ~~بالأمور المعنوية التي تعتمد على التأمل والإدراك، وآلتها العقل، واستدل ~~على ذلك بقوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر ~~إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)، فقال: ~~" وقد طلب موسى رؤية الله عبر النظر، بمعنى أن يرفع عوائق الرؤية الحسية أو ~~حجابها ليمكن النظر، والنظر يرتبط بالخيال والتأمل، وقوي الإدراك خلاف ~~الرؤية الحسية بالعين المجردة (فلما رأى القمر ms0233 بازغا قال هذا ربي) فالنظر ~~عقلي والرؤية حسية؛ ولهذا قال: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة ~~(23). فهنا يتعلق النظر إلى الله بالوجوه، وليس العين المجردة التي ترى، في ~~حين أن العقل هو الذي يدرك قيمة الأمر وينفعل به (وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة)، (إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)؛ ولهذا خاطب ~~إبراهيم ابنه إسماعيل بالنظر في أمر الرؤيا، أي: تقليب الرأي فيها، ثم ~~اتخاذ قرار قاطع، كمن يرى الأمر عيانا في حقيقته (فلما بلغ معه السعي قال ~~يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102). # وكذلك ميز القرآن الكريم بين البصر والرؤية العينية، فالبصر إدراك (وما ~~يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما ~~تتذكرون (58). # PageV01P294 # والسمع استيعاب (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179). # وكذلك ميز القرآن بين شهود الأمر بمعنى حضوره وبين رؤيته بالعين، وهكذا ~~قال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، فهناك حضور للشهر في الزمان والمكان؛ حيث يكون ~~الإنسان مقيما، ثم استثنيت حالتان، مقيم مريض، وغير مقيم مسافر، ولم يطلب ~~الله في هذه الآية رؤية الشهر؛ وذلك لأن الشهر لا يرى بالعين وإنما الأهلة، ~~ورؤية الأهلة كرؤية إبراهيم لها (فلما رأى القمر بازغا)، والشهور حساب (إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله)، فأن يشهد الإنسان الشهر ~~يعني أن يكون حالا حين توقيته، ولا علاقة لذلك برؤية الهلال كما يعتقد ~~الكثيرون ". # هذا ما قاله أبو القاسم حاج عن التفريق بين الرؤية والنظر والشهود، وقد ~~جانبه الصواب -أيضا- كما جانبه الصواب في التفريق بين اللمس والمس؛ لأنه ~~بنظرة سريعة في آيات القرآن الكريم نجد أن النظر يعني الرؤية الحسية -أيضا- ~~وليس مقصورا ms0234 على الإدراك العقلي كما زعم المؤلف، والدليل على ذلك قول الله ~~تعالى: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت)، وقد اعترف أبو القاسم حاج نفسه بأن الرسول رأى بعينه المجردة عقول ~~المنافقين كيف تفكر حتى صارت أعينهم تدور كالذي يلفظ آخر أنفاسه. # وأما قصر الرؤية على الحس، وأن آلتها العين المجردة فقد وردت آيات كثيرة ~~فيها " رأى " بمعنى علم، منها قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل)، ترى هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضرا في واقعة الفيل ~~مشاهدا لها بأم عينه، أم أنها أمر غيبي أوحاه الله إليه وعلمه إياه؟ # إنه من غير شك أمر غيبي، والرؤية هنا ليست رؤية حسية، بل رؤية عقلية ~~وجدانية. # وتحديد الكاتب الشهود بمعنى الحضور حصرا أمر في غاية الغرابة، ووجه ~~الغرابة أن هناك آيات أتت ليس فيها الشهود بمعنى الحضور، فماذا يقول في قول ~~الله تعالى: (شهد # PageV01P295 # الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط)، فهل شهد ~~هنا بمعنى حضر؟ لا، بل شهد هنا بمعنى أقام الأدلة وبينها، وماذا يقول ~~-أيضا- في قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد ~~الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام)؛ فهل الشهود هنا يعني الحضور ~~والمعاينة؟ # ثم إن الآيات التي استشهد بها أبو القاسم حاج ليدلل بها على ما ذهب إليه ~~تدل على خلاف ما أراد، فقول الله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ~~قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني). # فمادة (نظر) التي تكررت مرتين، في كل مرة منهما لا يمكن أن تدل إلا على ~~الرؤية الحسية، وإلا كيف يستقيم المعنى إذا كان النظر إلى الجبل بمعنى ~~النظر العقلي، وما فائدة الشرط وجوابه في الآية؛ ومما يزيد الأمر غرابة أن ~~المؤلف أورد آية أخرى هي من الوضوح على نقيض ما ذهب إليه؛ مما لا يخفى على ~~المبتدئ فضلا عن ms0235 العالم (إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)، فالنظر ~~هنا بالعين، وليس بالعقل، وإلا لبطل معنى الآية ". # وقول الله تعالى الذي استدل به على أن الشهود بمعنى الحضور (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) هو معنى قال به المفسرون قبله، فقد قال القرطبي: " وشهد ~~بمعنى حضر، وفيه إضمار، أي: قال: من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا ~~صحيحا مقيما فليصمه ". # ومعنى هذا أنه لم يأت بجديد، ولكن الجديد عنده والغريب في الوقت نفسه، ~~حصر الشهود في معنى الحضور، وهو ما فندته قبل قليل. # ومحمد شحرور الذي تناول في كتابه " الكتاب والقرآن قراءة معاصرة " القرآن ~~الكريم بأدوات معاصرة مثل: المنهج البنيوي والمنهج الجدلي، له تفسيرات ~~تقترب من التفسيرات السابقة، فمثلا تجده ينكر الترادف، وهو اتجاه عام لدى ~~أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة في تفسير القرآن، فيقول عند التفريق بين ~~الحرام والاجتناب: " تبين لنا # PageV01P296 # أن من قال: إن الاجتناب هو أقل من التحريم فقد صدق؛ لأن التحريم هو لحدود ~~الله، كقوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). # وهذا القول يؤدي -كما يقول الجيلاني بن التوهامي مفتاح- إلى التحلل من ~~بعض الأحكام الشرعية، فالقول بأن الاجتناب أقل درجة من التحريم يقود حتما ~~إلى القول بعدم حرمة الخمر والزنى، وهو ما صرح به شحرور نفسه حين قال: " ~~وإني أقول لهؤلاء الناس، أيهما أكبر، أمن يشرب كأسا من الخمر أم من ينكح ~~إحدى محارمه؟ (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم). # ويقال لشحرور: أليس الشرك من أكبر الكبائر، وأعلى المنهيات حرمة، فلماذا ~~عبر عنه الحق -تبارك وتعالى- بالاجتناب ولم يعبر عنه بالحرمة؟ قال الله ~~تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، ~~وقال سبحانه أيضا: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور). # فعلى مذهب الدكتور شحرور يصبح الشرك بالله والكفر به من الأمور العادية ~~التي تخضع لثقافة الناس وأعرافهم، مثل: الخمر التي يرى أنها ليست بحرام ~~ولكن تعافها الفطرة، وهو مخالف لما درج عليه أهل الفسق من استطابتها ~~واعتبارها من أفضل مشروباتهم. # يتبين لنا أن تفسير محمد ms0236 شحرور للحرام والاجتناب مجانب للصواب، مخالف ~~للأصول الثابتة، مزلزل لقواعد القرآن وأصوله. # ومن تفسيراته -أيضا- ما جاء في مسألة الخلق الآدمي، فقد انطلق -كما فعل ~~كثير غيره من أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة في التفسير- من نظرية دارون ~~في التطور، فهو يرى أن آدم انتخب من المملكة الحيوانية البشرية انتخابا، ~~ولم يخلق ابتداء كما يرى التراثيون، ويرى شحرور أن خير من أول آيات خلق ~~البشر هو (دارون)، ويعتمد نظريته في التطور ويوظفها في تفسير قول الله ~~تعالى: (إن الله اصطفى آدم). # وينقل ماهر المنجد في كتابه (الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن) عن ~~شحرور قوله: # PageV01P297 # " أما قبل آدم فكان ثمة صنف من المملكة الحيوانية يدعى البشر، وأن الله ~~نفخ الروح في البشر فتحول إلى إنسان وتطور وتقدم، ولم ينفخ الروح في القرود ~~فبقيت كما هي ". # ويدلل الدكتور شحرور على تفسيره بدليل يراه دامغا، وهو " أن كلية الطب ~~تسمى كلية الطب البشري؛ لأنها تدرس الإنسان من حيث كونه بشرا، له شعر وجلد ~~وعيون وجهاز هضمي وعصبي وقلب ودورة دم ". # ولا شك أن هذا لا يمثل براهين علمية، ولا أدلة عقلية، ولا علاقة له أصلا ~~بأي منهج علمي، إلا إذا اعتبرنا أن التصورات والافتراضات المتخيلة هي من ~~الحقائق العلمية. # ثم إن تفسيره للآية أوهى من نسج العنكبوت؛ لأنه: # أولا: بتر الآية، فالآية تقول: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على العالمين)، وهي واضحة في أنها تدل على غير مراد الدكتور شحرور، ~~وأن تفسيره لها غريب وبعيد كل البعد عن المراد منها؛ حيث إن الله عطف نوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران على آدم، فهل كان هؤلاء مصطفون من المملكة الحيوانية ~~المسماة بالبشر مثل آدم كما زعم؟ فهذا لا يصدق على نوح وآل إبراهيم وآل ~~عمران، ومن ثم فهو لا يصدق على آدم -أيضا- فترجح ما ذكرناه وهو مخالف لما ~~ادعاه الدكتور شحرور. # ثانيا: تناسى المؤلف آيات كثيرة تدل على أن الله - سبحانه - ابتدأ خلق ~~آدم من العدم، وهو بقوله هذا يكذب صريح هذه الآيات، فالله ms0237 جل وعلا يقول: ~~(إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته)، فالخلق يدل ~~على الابتداء وأنه من العدم، فكيف يقال: إن آدم اصطفاه الله من البشر. # ثالثا: هل الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي نفخ الله فيه الروح؟ وهل ~~القرود التي مثل بها ليس فيها روح؟ وكيف يعيش أي كائن حي بدون روح وبخاصة ~~العائلة الحيوانية؟ # والخلاصة أن أصحاب المدرسة الفكرية المعاصرة -على الرغم من زعمهم التذرع ~~بالمنهج التحليلي الموضوعي- قد تناقضت مقدماتهم مع نتائجهم، واتسم تفسيرهم ~~لبعض آيات القرآن بالتسرع وعدم الدقة والاستقصاء، ولعل ذلك راجع إلى رغبتهم ~~الجامحة في تسويق مشروعهم الفكري حتى ولو كان على حساب ثوابت القرآن الكريم ~~ومعطياته الدلالية والمضمونية والسياقية، أو على حساب المعنى الصحيح للآية ~~المفسرة. # PageV01P298 # * الباب الخامس # الماتريدي مفسرا # ويشتمل على عدة فصول: # الفصل الأول: انتماء الماتريدي في التفسير. # الفصل الثاني: منهج الماتريدي في التفسير. # الفصل الثالث: بذور التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة. # الفصل الرابع: تأثر الماتريدي بمن سبقوه. # الفصل الخامس: تأثير الماتريدي في لاحقيه. # PageV01P299 # * الفصل الأول # انتماء الماتريدي التفسيري # ظهر لنا فيما سبق أن هناك مدارس كثيرة في تفسير القرآن الكريم، فهناك: ~~مدرسة التفسير بالمأثور، ومدرسة التفسير بالرأي، ويقف بين هاتين المدرستين ~~بعض المفسرين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فيتخذون من النقل والعقل طريقا ~~للتفسير. # والنقل -كما سبقت الإشارة-: هو تفسير القرآن بالقرآن أو السنة أو المأثور ~~عن الصحابة والتابعين، وأما العقل -كما سبق أيضا-: فيعمل المفسر عقله في ~~الآيات، لكن هذا الإعمال مشروط بشروط تتلخص في: عدم عدول المفسر عن حقيقة ~~اللفظ إلى مجازه إلا إذا قامت القرائن الواضحة القاطعة التي تمنع من حقيقة ~~اللفظ وتحمل على مجازه، ومخالفة هذه القاعدة الأساسية اليسيرة قد أدى -عند ~~بعض المفسرين- إلى كثير من الخطأ في تفسير بعض الآيات القرآنية المتعرضة ~~للأنفس والآفاق. # ومن أهم الأسس التي يقوم عليها استخلاص المفسر لمضمونات اللفظ القرآني ~~بطريق العقل، وتكسب عمله سنده ومشروعيته، هي مراعاة اللفظ القرآني في خطابه ~~حال العرب ومشاهداتهم ومعارفهم، ونزوله ms0238 في التعبير على مستوى ما يعرفون؛ ~~ضمانا لهدايتهم، ثم احتواؤه مع ذلك الحقيقة الأبدية التي يتجدد بها إيمان ~~الناس كلما تكشفت لهم عصرا بعد عصر، وهو أمر لا يعرف ولا يوجد في غير ~~القرآن الكريم يمنحه الجدة الدائمة والثراء الذي لا ينفد، ويعطي المتأملين ~~فيه، والباحثين في أسراره مشروعية مستمرة، وضمانا وسندا دائمين، وتأتي ~~أساليب القرآن الكريم فوق ذلك مستجمعة درجات الفهم، وفيها الغاية -كل ~~الغاية- لكل عقل صحيح، يقرؤها العالم فيستشف من خلالها علل الأشياء، ~~ويقرؤها الحكيم فيلتمس منها أسرار الوجود، ويقرؤها غيرهما من الناس فتنقاد ~~لها قلوبهم وعقولهم، وترى الآي القرآني في علوه يداور المعاني، ويخاطب ~~الأرواح، ويتألف الناس بهذه الخصوصية فيه حتى ينتهي بهم مما يفهمون إلى ما ~~ينبغي أن يفهموا، وحتى يقف بهم على نص اليقين ومقطع الحق. # والماتريدي من هؤلاء العلماء الذين اشتهر عنهم أنه تابع لمدرسة أبي ~~حنيفة، ومدرسة # PageV01P301 # أبي حنيفة تمثل -كما هو معروف- مدرسة الرأي، ومعنى هذا القول أن ~~الماتريدي ينتمي إلى مدرسة الرأي. # وأقول: إن كان هذا يصدق على الماتريدي متكلما أو فقيها فلا يمكن أن يصدق ~~عليه مفسرا؛ إذ إنه في تفسيره لا يمكن أن ينتمي إلى مدرسة الرأي أو مدرسة ~~النقل جميعا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين. # وبيان ذلك: أن الماتريدي في تفسيره قد استجمع شرائط مدرسة النقل والعقل؛ ~~حيث إنه استند في تفسيره على المأثور كما استند على المعقول وهذه سمة بارزة ~~عنده، ليس في هذا التفسير فقط، بل في جميع مؤلفاته، فقد رأى خطأ الوقوف عند ~~حد النقل أو المغالاة في الجانب العقلي، فالموقف العدل -عنده- هو التوسط ~~بينهما، وذكر أن من دواعي استحسان هذا الموقف الوسط هو قوله تعالى: (وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا)، ووسطية الماتريدي قائمة على رد كل ما لا يتفق مع أهل ~~السنة من المعتزلة والمجسمة والمشبهة والحشوية وغيرهم، وتقرير عقائد أهل ~~السنة في أثناء تفسيره بالأدلة العقلية والنقلية. # وليس موقف الوسط -كما يظن- توفيقا بين الآراء، وأنه يخلو من الابتكار، بل ~~هو قمة الابتكار؛ لأنه يتطلب ms0239 معرفة كاملة بأحكام النقل والعقل؛ فلابد من ~~معرفة كاملة بالكتاب والسنة، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ~~والأخبار وشروطها، وهذه هي أحكام النقل، ولابد -أيضا- من معرفة أحكام العقل ~~والنظر والتأويل والاجتهاد وإقامة الأدلة والبراهين. # وإذا تقرر هذا فيجب أن نثبت للماتريدي المفسر بعض الخصائص والسمات التي ~~تجعله مفسرا متميزا، هذه الخصائص والسمات تتلخص في: # أولا: استقلال الفكر: # كان الماتريدي لا يتعصب لمذهب معين أو رأي معين، بل يبحث عن الحقيقة، فلم ~~يكن تابعا لفكر معين، أو متعصبا أو انفعاليا؛ لأنه كان يعلم أن هذه الأمور ~~تصد عن الوصول إلى الحقيقة، ومن ثم ضمن له ذلك الاستقلالية والحرية ~~والموضوعية في تناول القضايا في تفسيره. # والناظر في تفسيره -نظرة إجمالية- سوف تظهر له هذه الحقيقة، فهو في ~~تفسيره لا يعرض أحيانا للمذاهب أو الآراء بل إنه يعرض القضايا، فيشعر ~~القارئ كأنه يعرضها كما # PageV01P302 # يراها هو، ولعلنا ندلل على ذلك بنموذج من تفسيره، فعند قوله تعالى: (الذي ~~خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور)، يقول: " سفههم - عز وجل - بما ~~جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه خلق السماوات والأرض، ولم ~~يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه تعلق منافع الأرض بمنافع ~~السماء، مع بعد ما بينهما، كيف جعلوا شركاء يشركونهم في العبادة والربوبية ~~". # فهنا يفسر الآية من عند نفسه، لكنه لا يهمل عرض الآراء حولها، وما دامت ~~هذه الآراء مقبولة فإنه يعرضها على إطلاقها، فعند الآية نفسها يقول: " ~~وقوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر ~~والإيمان، وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما ~~استتر من الأبصار، أبصار الوجوه وأبصار القلوب، والظلم ما يستر ويغطي على ~~الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة تجعل كل شيء مستورا عليه، ~~والنور يجعل كل شيء كان مستورا ظاهرا باديا عليه، هذا هو تفسير الظلمة ~~والنور حقيقة " ولأن كلا المعنيين لا ترفضه الآية فنجد الماتريدي لا يتعرض ~~لأي منهما بالنقد أو التحليل، بل يكتفي بعرضهما، وهو ما يدل على عدم تعصبه. ms0240 # لكن الأمر إذا احتاج منه إلى إضاءة فنجده بعد عرض الآراء حول الآية يحلل ~~ويعقب ويوجه وينقد، ففي الآية التي معنا، في عجزها والتي بعدها، يقول ~~الماتريدي: " وقوله عز وجل: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)، قيل: يشركون مع ~~ما بين لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون ~~الله عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله تعالى، وليس لله تعالى ~~عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # وقال الحسن: (بربهم يعدلون) أي: يكذبون. # وقوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين) أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما ~~خلق بني آدم من ماء، كقوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) ~~وأخبر الله تعالى أنه خلق آدم من الطين، وخلق بني آدم سوى عيسى - عليه ~~السلام - من النطفة، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من الطين ولا من الماء؛ ~~ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ~~ولا ينكرون -أيضا- إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم؛ وذلك لأنه لا يخلو إما أن ~~صاروا ترابا أو ماء، أو لا ذا ولا ذا، # PageV01P303 # فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق عيسى ~~- عليه السلام - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو لا ~~يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا، فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، ~~وعلى الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء، فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا ~~وقعوا في القول بقدم العالم، والله الهادي. # ويحتمل قوله تعالى. (هو الذي خلقكم من طين) أن يراد به في حق جميع بني ~~آدم، وأضاف خلقنا إلى الطين، وكان الخلق من الماء لما أبقى في خلقنا من قوة ~~ذلك الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يره تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما ~~أن الإنسان يرى أنه يأكل ويشرب ويتغذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، ~~وفي جميع جوارحه، ms0241 وقد يحيى بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك ~~هذا. # ويحتمل -أيضا- على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئا من التراب، ~~فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئا من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، ~~فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا. # ويحتمل النسب إلى التراب، وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من ~~التراب، وهو آدم ". # فنلمح في هذا النموذج كيف يقلب الماتريدي الآية على وجوهها؛ ليعطي القارئ ~~تصورا عاما حول القضية التي تطرحها الآية، فحول قضية الخلق، نجده -أولا- ~~يعرض لمراحل الخلق جميعا، وإمكانياته الواقعة في خلق الله من لدن آدم. # ونجده -ثانيا- يبين الغرض من هذه المراحل، وهو غرض مزدوج؛ حيث ترد هذه ~~المراحل والإمكانيات على منكري البعث من جهة، وترد على الدهريين من جهة ~~ثانية. # وهو في عرضه يعمل عقله حتى يكون الرد مقنعا، بل إنه يعمل عقله ويستخدم ~~القياس ليخرج الآية، وليبين لماذا كان التوجه إلينا بها مع أنها تنص على ~~الخلق بالطين. # ثم إنه يعرض -ثالثا- لاحتمال يدل على حس علمي شفيف، وهو أن كل حيوان ~~مخلوق من ماء يخلط بنوع من التراب، وهذه لفتة علمية دقيقة، يؤكدها العلم في ~~العصر الحاضر. # ثانيا: النظرة الكلية للأشياء: # تؤكد النماذج السالفة تميز الماتريدي بنظرته الشمولية، وقدرته على ربط ~~الجزئيات # PageV01P304 # بالكليات، ورد الفروع إلى الأصول، وهي سمة ليست مقصورة على تفسيره فقط، ~~بل تؤكدها تآليفه في الفقه وأصوله والتوحيد، وبخاصة أصول الفقه ذلك العلم ~~الذي يقوم على ربط المسائل الفرعية بأصول الأحكام. # ثالثا: اهتمامه بالمضمون: # ينزع الماتريدي في تفسيره إلى بيان المضمون الذي تنطوي عليه الآيات دون ~~النظر إلى الألفاظ، وما يعتورها من نكات لغوية وبلاغية، وإذا عرج على ذلك ~~فلخدمة المضمون وإبرازه، والنماذج السابقة دالة على ذلك. # وهذا يجعلنا نقرر سمة من سمات الماتريدي، وهي اهتمامه بربط عملية الفكر ~~بعملية التطبيق والعمل، فالأفكار الذهنية لا قيمة لها بعيدة عن العمل ~~والتطبيق؛ ولذلك في كثير من الأحيان كان يرفض تفصيلات لا طائل ms0242 تحتها، ويذكر ~~ذلك في صراحة أنه ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وهذا يفسر لنا اهتمامه في تفسيره لآيات القرآن الكريم بمعناها أكثر من ~~اهتمامه بالشكل أو اللفظ، فالمهم عنده كشف المضمون ومرامي الآيات. # هذا، ولكي يبرز لنا انتماء الماتريدي التفسيري بوضوح أشد، نقف وقفة مع ~~موقفه من طرائق التفسير المختلفة: # أولا: موقف الماتريدي من التفسير بالمأثور: # نعني بتفسير القرآن الكريم بالمأثور -كما سبقت الإشارة-: تفسير القرآن ~~الكريم بالقرآن الكريم، أو تفسيره بالسنة، أو تفسيره بالقراءات، أو تفسيره ~~بأقوال الصحابة وأقوال التابعين. # ونتناول كل لون تفسيري من الألوان السابقة وموقف الماتريدي منه، كل واحد ~~على حدة: # أ - تفسير القرآن بالقرآن: # يقوم الماتريدي بتفسير بعض آيات القرآن الكريم بآيات أخرى منه، ففي قوله ~~تعالى من سورة الأنعام: (يعلم سركم وجهركم) يقول: # " اختلف فيه؛ قيل: (يعلم سركم): ما تضمرون في القلوب، (وجهركم): ما ~~تنطقون، (ويعلم ما تكسبون): من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ~~ذلك كله؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه؛ ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: (وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه # PageV01P305 # يحاسبكم به الله)، أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول ~~فيه إخبار أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ~~ذلك وخوف ". # ومن ذلك ما قاله عند تفسيره قول الله تعالى: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم) " قيل: قبيله: جنوده وأعوانه، حذرنا إبليس وأعوانه، بما يروننا ~~ولا نراهم. # فإن قيل: كيف كلفنا محاربته، وهو بحيث لا نراه، وهو يرانا، ومثله في غيره ~~من الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو من لا نقدر القيام على محاربته، ~~وليس في وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه. # قيل: إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم؛ إذ لم يجعل له السلطان على أنفسنا ~~وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، ولو جعل لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا ~~غذاءنا، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما يوسوس في صدورنا، وقد جعل لنا ~~السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكير، نحو قوله ms0243 تعالى: (وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وقوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين)، وقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) علمنا ~~ما به ندفع وساوسه وهمزاته، وجعل لنا الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب ". # لكن هناك ملاحظة يجب إثباتها هنا، وهي بارزة في النموذجين السابقين، وهي ~~أن الماتريدي حين يفسر القرآن بالقرآن يسلك مسلكا خاصا يخالف ما درج عليه ~~سابقوه وحتى لاحقوه؛ ذلك أنه قبل أن يأتي بالآية المفسرة يقوم بتحليل الآية ~~المفسرة، ثم يقول بعد التحليل: نحو قوله تعالى كذا. ثم إن الآية أو الآيات ~~المفسرة قد تكون غير صريحة في الدلالة على الآية المفسرة، بقدر ما يقصد ~~تحليله هو. # وإذا أردنا أن نتبين هذا الفارق بين الماتريدي وغيره من المفسرين يكفينا ~~أن نفتح تفسيرا واحدا هو تفسير ابن كثير الذي يقول عند تفسير قوله تعالى: ~~(فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)، " قيل: إن هذه ~~الكلمات مفسرة بقوله تعالى: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين) ". # PageV01P306 # ونموذج آخر: ففي قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون)، يقول الإمام ابن كثير: ~~" لما ذكرهم تعالى بنعمه أولا، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم ~~القيامة فقال: (واتقوا يوما) يعني يوم القيامة (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) ~~أي: لا يغني أحد عن أحد، كما قال: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وقال: (لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)، وقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما ~~لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا)، فهذا أبلغ المقامات ~~أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا ". # فإذا قارنا بين هذه النماذج سنجد أن الماتريدي يأتي بالآيات المفسرة ~~ليعضد تحليله، صحيح أن هذه الآيات تدور في فلك الآية المفسرة، لكنها لا ~~تتوجه إلى تفسير ms0244 الآية المفسرة مباشرة، وتكون في معناها، أو تفصل إجمالها ~~كما عند ابن كثير. # وهذا يدعونا إلى القول بأن الماتريدي كان من المجددين في الطريقة حتى مع ~~اعتماده على تفسير القرآن بالقرآن. # وهنا ملاحظة يجدر إثباتها، وهو أنه بالرغم من أسبقية الماتريدي عن ابن ~~كثير نجد طريقته في التفسير تتسم بالجدة بخلاف الأخير، فإن طريقته تكاد ~~تدور في فلك طريقة أوائل المفسرين، ولسنا بذلك نعيب على ابن كثير طريقته، ~~لكن نريد إثبات الفارق بينه وبين الماتريدي الذي يعتبر سابقا إلى التجديد ~~في التفسير حتى لكثير ممن جاء بعده. # ب - تفسير القرآن بالسنة: # لا يترك الماتريدي الاعتماد على السنة، لكن اعتماده عليها قليل إلى حد ~~ما، وهو يأتي بالأحاديث المتوافقة والمفسرة للآية موضع الحديث، ولكن الجدير ~~بالملاحظة أنه يذكر بعض الأحاديث النبوية بالمعنى، وكأنه يعتمد على حفظه ~~ولا يرجع إلى نصوص الأحاديث أثناء تأويله. # ومن نماذج تفسيره بالحديث في السور محل التحقيق ما جاء عند تفسير قوله ~~تعالى: (قال رب أرني أنظر إليك)، فبعدما فسر المقصود من سؤال موسى ربه ~~الرؤية، وأخذ يعدد الأوجه المحتملة في الآية، قال: " لكنه لولا أن القول ~~بالرؤية كان أمرا # PageV01P307 # ظاهرا، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجئ فيها إليها ويدفع به الخبر "، والله ~~أعلم. # وأيضا ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير خبر أنه قال: " ~~إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون "، وسئل: ~~هل رأيت ربك؟ فقال: " بقلبي قلبي "، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم ~~السائل أن رؤية القلب، إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر ~~المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: (لا تسألوا عن أشياء)، ~~فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء -وذلك كفر في الحقيقة عند قوم- ثم ~~لا ينهاهم عن ذلك، ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ~~ليس ببديع، والله الموفق ". # ونلاحظ أن الماتريدي لا يكتفي بإيراد الحديث، بل يحلله ms0245 ويوجهه، ويبين ~~مراده، وفي هذا إثراء لمعنى الآية وبيان المقصود منها. # ونلاحظ -أيضا- أن الماتريدي يكتفي بجزء من الحديث الدال على ما يريده؛ ~~فمثلا عند تفسيره قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم)، يستشهد بحديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " كل مولود يولد على الفطرة " فلا يذكر إلا هذا الجزء من الحديث؛ ~~وهو الجزء الدال على مراده. # وهو لا يكتفي بإيراد السنة القولية عند تفسيره القرآن الكريم، بل يأتي ~~بالسنة الفعلية -أيضا- فعند تفسير قول الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ذكر أحاديث تمثل السنة القولية، وأحاديث ~~تمثل السنة الفعلية، وأحاديث تمثلهما معا، فقال: " الثاني: يجوز أن يكون ~~أمر بالاستماع إليه في الصلاة، على ما قال بعض أهل التأويل أنه في الصلاة. # PageV01P308 # وقال بعضهم: في حال الخطبة. . . وذكر. . . أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل ما ~~قال، فنزلت الآية بالنهي عن ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له. # روي عن أبي العالية قال: كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى ~~قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى نزلت: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ~~" فسكتوا ". # وعن علباء بن أحمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة الفجر " ~~الواقعة، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: " من الذي ينازعني في ~~هذه السورة؟ " فقال رجل: أنا يا رسول الله، فأنزل الله: (وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا). # وزعم بعضهم أن القارئ خفية يسمى ناصتا ومنصتا، واستدل بما روي عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر ~~سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير ~~والقراءة، أخبرني ما تقول؟ قال: " أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما ~~باعدت بين المغرب والمشرق. . . " وغير ذلك من الدعوات، وغير ذلك من ~~الروايات الدالة على اعتماد الماتريدي على السنة في ms0246 تفسيره، وأنه لا يقتصر ~~على نوع واحد من أنواع السنة، بل يستعين بكل أنواع السنة؛ القولية ~~والفعلية. # ج - تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين: # يعتمد الماتريدي في تفسيره على أقوال الصحابة والتابعين، ففي تفسير قول ~~الله تعالى: # (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول)، ينقل عن الصحابة والتابعين ~~معا، فيقول: " وقال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، ~~قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدر، حين اختلفنا وساءت فيه أخلاقنا، إذ انتزعه ~~الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمه على السواء. # ومجاهد وعكرمة قالا: كانت الأنفال لله والرسول، فنسخها (واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول)، وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه ~~- قال: الأنفال: المغانم كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة، ~~ليس لأحد فيها شيء، ما أصابت # PageV01P309 # سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، ~~فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها، فقال: (قل الأنفال لله والرسول) ليس لكم ~~فيها شيء ". # ففي النص السابق ينقل عن الصحابة وينقل عن التابعين، ولكنه لا يقف عند ~~حدود النقل بل يذكر الاحتمالات والوجوه التي يراها في الآية، وهي وجوه ~~عقلية في جملتها، سوف نعرض لها بعد قليل. # وإنما الذي يعنينا هنا -بعد العرض السابق- أن نؤكد على أن التفسير ~~بالمأثور يمثل جزءا من تفسير الماتريدي في تأويلاته، وأن الماتريدي يقف ~~موقف الذي يقبل الاعتماد على المأثور في التفسير. # ثانيا: موقف الماتريدي من التفسير بالمعقول: # يعتمد الماتريدي على العقل كثيرا في تفسيره، ولعل مرجع ذلك إلى أن ~~الماتريدي -في مجمله- تابع للمدرسة العراقية، أو مدرسة الرأي التي أسسها ~~الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقاد لواءها من بعده ~~أعلام أفذاذ، من أبرزهم أبو حنيفة النعمان وتلميذاه أبو يوسف ومحمد الذين ~~أثروا الحياة الفكرية والعلمية في الحضارة الإسلامية. # ولأن الماتريدي تلميذ لتلك المدرسة، بل رائد من روادها فقد اصطبغ بصبغة ~~هذه المدرسة، لكنه لم يكن مجرد تابع أو مقلد، بل كان ذا سمات ms0247 خاصة، مجددا ~~مبتدعا، وسنعرف ذلك في فصل تال إن شاء الله تعالى. # والذي يدل على عقلانية الماتريدي أمور: # أ - ذكر الاحتمالات المتعددة في تأويل الآيات: # يذكر الماتريدي في كل آية يتناولها الأوجه الممكنة والمحتملة في تفسيرها، ~~والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا الشأن، نذكر منها نموذجا واحدا. # فعند تفسيره لقول الله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)، يقف عند قوله تعالى: (ثم أبلغه مأمنه) ~~يقلب العبارة القرآنية على وجوهها المحتملة، فيقول: (ثم أبلغه مأمنه) دلالة ~~على أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل، لكان يكون مأمنه هذه الدار، ~~لا تلك الدار، ولكان يحق عليه الخروج # PageV01P310 # منها، لا العود إليها. # ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته لوجهين: # أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع ~~المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء ~~نوره؛ فكان ذلك حجة بينة لزمتهم. # والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتي عن آيات إلا وفيها مما تشهد العقول ~~على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما ~~لو قوبل بما فيه المعنى، وما يحدث به من الفائدة؛ ليعلم أن ذلك من كلام من ~~يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابرا، وحق ~~مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل لما لم يكن يضمن أمانة القبول، ولا أن ~~يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله ~~أعلم ". # ثم قال حول العبارة -أيضا-: " ثم قوله: (أبلغه مأمنه) ويحتمل وجهين: ~~أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم ~~يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه. # والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ~~ذلك لزوم حق الأمان للجميع بإجارة بعض، ms0248 وعلى ذلك كل مسلم. # ثم سماع كلام الله يخرج عن القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع ~~أوامر الله ونواهيه في حق القرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة ~~والتوحيد من القرآن. والله أعلم ". # فهنا الماتريدي يقول في القرآن برأيه، ويعرض الأوجه ويدلل تدليلا عقليا ~~دون أن يذكر ولو في إشارة دليلا نقليا. # ب - اهتمامه بالأمور الفلسفية والعقدية: # يغص تفسير الماتريدي بالأمور الفلسفية والعقدية، فما من آية تتعرض لأمر ~~عقدي أو فكري إلا ويقف أمامها لإبراز جوانبها المتعددة بإعمال عقله. # ومن المسائل الاعتقادية التي ناقشها الماتريدي مسألة: سؤال أهل النار ~~ربهم العودة إلى الدنيا كي يعملوا صالحا، وذلك من خلال تفسيره قول الله ~~تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين)، مستخلصا بعض # PageV01P311 # الأمور العقيدية في إطار تفسيره للآية. # يقول الماتريدي: قوله عز وجل: (يا ليتنا نرد) قيل: إلى الدنيا، وقيل: إلى ~~المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا تكلف لتحقيق ~~مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم التمييز، أو يقولون سفها كما قالوا ~~كذبا بقوله: (وإنهم لكاذبون). # وقوله عز وجل: (بآيات ربنا) قال الحسن: بدين ربنا. # وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في ~~الأول لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من الله ~~الخبر عنهم مما فيه العناد منهم. . . # ثم دل قوله: (ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) أنهم قد عرفوا أن ~~الإيمان هو التصديق لوجهين: # أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق. # والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل بها. # وبعد: فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ الغير لو ~~توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من التكذيب ~~على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا ms0249 به ~~التصديق، وفيه أنه اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة ". # ويمضي الماتريدي في عرض هذه القضية العقدية، ولا يقتصر على عرضه هو لها، ~~بل يستأنس بأقوال الآخرين ويعرض آراءهم، فيقول: " وقوله - عز وجل -: (ولو ~~ردوا) أي: إلى ما تمنوا أن يردوا إليه (لعادوا لما نهوا) أخبر الله عن علمه ~~بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه ألا ~~يردوا في ذلك أن الآية تضطر صاحبها، ولا قوة إلا بالله. # وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم ~~عليه لو مكثوا للأبد. # وقال قوم: إذ لم يجز لزوم العذاب بما يعلم الله من العناد من أحد لو ~~امتحن بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم ~~الذين اعتدوا وعاندوا الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم ~~لا يؤمنون أبدا، ثم # PageV01P312 # أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أن ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان ~~يحتمل في الحكمة الإعادة، إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك، فعلى ذلك ~~الإعادة، لكنه أخبر عن تعنتهم، ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم لا ~~يؤمنون لردهم إلى ذلك؛ إذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا؛ إذ ليس لله ~~قبض روح يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يوما من الدهر، وقد بينا نحن أن ذلك لا ~~يوجب، وإن كان أولئك في علم الله أن يعودوا إلى ذلك. . . إلخ. # ونلاحظ الأسلوب الفلسفي في عرض القضية، وبنائها على مقدمات تسلم إلى ~~نتائج كما يفعل المناطقة، متأثرا في ذلك بالمدارس العقلية، أو سالكا ~~سبيلها. # ج - اهتمامه بالآيات الداعية إلى إعمال العقل: # يقف الماتريدي طويلا أمام الآيات التي تخاطب العقل الإنساني والحواس ~~الإنسانية، ففي قوله تعالى: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) قال: " يحتمل ~~الأمر بالنظر وجوها، أي: يحتمل: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أن كيف ~~يقلبها ويحولها من ms0250 حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ~~ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته، أي كم خرج، وأي كم مقدار خرج - لم ~~يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة، وفي إنزال ~~المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة ". # وهكذا يلح الماتريدي على إعمال العقل في تفسير القرآن الكريم، لكنه العقل ~~المنضبط غير المنفلت. # ومن خلال ما سبق نتبين بوضوح انتماء الماتريدي التفسيري، فهو ينتمي من ~~غير مرية إلى اتجاه معتدل يوازن بين النقل والعقل، وإن كنا نلمس ميلا إلى ~~العقل أحيانا عند تفسيره لبعض الآيات، وبخاصة الآيات التي تناقش قضايا ~~عقدية وتقيم البرهان على صحتها، أو الآيات التي تخاطب العقل والفكر كحجج ~~وبراهين على وجود الله ووحدانيته. # * * * # PageV01P313 # * الفصل الثاني # منهج الماتريدي في تفسيره # في هذا الفصل تحاول الدراسة تلمس منهج الماتريدي في تفسيره في ضوء السور ~~موضوع التحقيق في القسم الثاني من هذا البحث. # ويجدر بنا قبل الخوض في بيان منهج الماتريدي في التفسير أن نخص المنهج ~~بنبذة نعرف به فيها لغة واصطلاحا. # المنهج لغة: # المنهج من نهج الطريق ينهج نهجا، ونهوجا: وضح واستبان، ويقال: نهج أمره، ~~ونهج الدابة أو الإنسان نهجا ونهيجا: تتابع نفسه من الإعياء، ونهج الثوب: ~~بلى وأخلق. ويقال: نهج الطريق: بينه، ونهج الطريق: سلكه. # وانتهج الطريق: استبانه وسلكه، واستنهج الطريق: صار نهجا، ونهج سبيل ~~فلان. سلك مسلكه. # والمنهاج: الطريق الواضح، وفي التنزيل العزيز: (لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا) والمنهاج: الخطة المرسومة، ومنه: منهاج الدراسة، ومنهاج التعلم ~~ونحوهما، والجمع: مناهج. والمنهج: المنهاج، والجمع: مناهج. # ومن كل هذه المعاني، نرى أن أقرب معنى لغوي يعبر عنه (المنهج) ويخص ما ~~نحن فيه هو المنهج بمعنى الطريق الواضح، أو بمعنى الخطة المرسومة. # وبهذا يكون المنهج لغة: هو ما يرسمه مؤلف ما من طريقة يسير عليها وهو ~~يؤلف كتابه. # وأكبر الظن أن المنهج بالمعنى اللغوي المذكور كان بعيدا عن تفكير ~~الماتريدي وأقرانه، فما أظن أنهم كانوا يصنعون لأنفسهم خطة دقيقة يسيرون ms0251 ~~عليها، أو منهجا واضحا ينتهجونه عند تأليفهم، ولكن هذا لا يعني أن تآليفهم ~~كانت عشوائية بدون ضابط، وظني أن الضابط في تلك الآونة هو الانتماء المذهبي ~~أو التفكير العقلي المعين الذي يقود صاحبه إلى التزام أسس معينة في ~~التأليف، لكن أن نقول بأن القدماء -ومنهم الماتريدي طبعا- كانوا يعرفون ~~المنهج وخصائصه وسماته وضوابطه كما هو في واقعنا الحاضر # PageV01P314 # فذلك بعيد التصور. # المنهج في الاصطلاح: # يمكن تلمس تعريف المنهج في الاصطلاح في العلوم التطبيقية وما إليها: ~~كالطبيعة والإحياء والتاريخ، وهو أنه يعني: " الطريق المؤدي إلى الكشف عن ~~الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير ~~العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة ". # وعلى هذا، فمنهج الماتريدي في التفسير هو الطريق الذي سلكه للكشف عن ~~معاني القرآن بواسطة مجموعة من السبل يسلكها اختطها لنفسه واختارها دون ~~غيرها، للوصول إلى مراده من تفسيره للقرآن الكريم. # * منهج الماتريدي في تفسير القرآن الكريم: # سبق أن أشرت منذ قليل إلى أن الذي يحدد طريقة القدماء أو منهجهم في ~~مؤلفاتهم، إنما كانت تتحدد تبعا لمجموعة من العوامل المكونة لشخصياتهم سواء ~~كانت هذه العوامل مذهبية أو ثقافية أو فكرية أو غير ذلك، وخاصة أن علماءنا ~~القدماء لم يكونوا يعرفون عن المنهج بالمفهوم الحديث شيئا. # ولذلك إذا أردنا الوقوف على طبيعة المنهج الذي سلكه الماتريدي في تفسيره ~~يجدر بنا أن نقف على القضيتين الآتيتين: # القضية الأولى: مصادر الماتريدي في التفسير وطريقته في التعامل معها. # القضية الثانية: طريقة الماتريدي العامة في التفسير. # * القضية الأولى: مصادر الماتريدي وطريقته في التعامل معها: # ما من شك في أن العالم -أي عالم- يتأثر بمن سبقوه ويستفيد من علمهم، بل ~~ومن طريقتهم. # وفي علم التفسير يستفيد المفسر -فضلا عن إفادته من العلماء السابقين- من ~~مصدرين عظيمين لا يستغني عنهما، ولو استغنى عنهما لأصاب تفسيره خلل عظيم ~~وعطب خطير، ألا وهما الكتاب والسنة. # PageV01P315 # وقد سبق أن بينا عند الحديث عن انتماء الماتريدي التفسيري اعتماده ~~عليهما، وبينا في إجمال سريع كيفية تعامله مع هذين المصدرين ms0252 حينما يعتمد ~~عليهما في تفسيره للقرآن الكريم، وفي هذا الفصل سنفصل القول في هذين ~~المصدرين وفي المصادر الأخرى التي أثرت تفسيره، وأثرت فيه، وهي: # * أولا: تفسير القرآن بالقرآن: # لا ريب أن أعظم ما يفسر به القرآن الكريم هو القرآن نفسه، فقد أجمع ~~العلماء على اعتباره المصدر الأول للتفسير، وهو أجل أنواع التفسير وأشرفها؛ ~~إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل جلاله من الله، فصاحب البيت أدرى بما ~~فيه، فما أجمل في مكان فقد فسر في مكان آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في ~~مكان آخر، فالأخذ بذلك هو مقتضى البدهية المقررة، وفوق ذلك هو مقتضى ~~المعلوم من الدين بالضرورة؛ إذ القرآن الكريم هو الأصل الأول، والعماد ~~المتين لهذا الدين، ولا يمكن تحقق الإيمان دون الأخذ بما فيه جملة وتفصيلا. # والحق أن الماتريدي اعتمد على القرآن الكريم في تفسيره -وقد أشرنا إلى ~~طرف من ذلك عند حديثنا عن موقفه من التفسير بالمأثور- لكنه لم يكثر منه، ~~ولعل ذلك راجع إلى ميله إلى التفسير بالرأي. # والطريقة الشائعة في استعانة الماتريدي بالقرآن أنه يحلل الآية، ثم بعد ~~ذلك نجده يأتي بآية أخرى دالة على ما يقول، وهذا يؤكد ميله إلى القول في ~~القرآن بالرأي، لكنه الرأي المقيد بالنص. # ومن النماذج الدالة على هذا ما جاء عند تفسيره قول الله تعالى: (وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض) فقد قال: " وقوله: (وكذلك) لا يتكلم به إلا على أمر سبق، ~~فهو -والله أعلم- يحتمل أن يقول: لما قالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء الأعبد ~~من قومك، أفنحن نكون تبعا لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟! فقال عند ~~ذلك: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض)، أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا، ~~فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن ~~كانوا أتباعكم في أمر الدنيا، وكذلك امتحان بعضهم ببعض. # PageV01P316 # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء ~~محنة، كقوله: ms0253 (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وكقوله: (وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات)، وكقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) الآية ". # فالماتريدي بعدما حلل الآية موضع التفسير دفع بالآيات ليدلل على ما ذهب ~~إليه، وهي كلها تدل على معنى الآية المفسرة، أو شبيهة بها. # ومنه -أيضا- ما جاء عند تفسير قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) حيث قال: " ويحتمل أن تكون ~~الآية في جملة المؤمنين، أي: استجيبوا لله في أوامره ونواهيه، وللرسول فيما ~~يدعوكم إليه، وإنما كان يدعو إليه إلى دار الآخرة، كقوله تعالى: (والله ~~يدعو إلى دار السلام)، ودار الآخرة هي دار الحياة؛ كقوله: (وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) وكأنه قال -والله أعلم- أجيبوا لله ~~وللرسول؛ فإنه إنما دعاكم إلى ما تحيون فيها، ليس كالكافر الذي لا يموت ~~فيها، ولا يحيا بتركه الإجابة ". # ونلاحظ هنا أنه بدأ بالتحليل، ثم ذكر الآيات الدالة، ثم عاد للتحليل ~~والتوجيه مرة أخرى. # وإذا كانت النماذج السابقة تتجه فيها الآيات المفسرة إلى بيان معنى الآية ~~المفسرة، فإن الآية المفسرة قد تفسر كلمة واحدة في الآية، كما جاء في ~~تفسيره لقول الله عز وجل: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، ~~فقد أراد الماتريدي تفسير كلمة (واتقوا) فقال: " أي اتقوا فتنة التي تصيب ~~الظلمة منكم خاصة بظلمهم، وهو العذاب؛ كقوله: (واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين) ". # * ثانيا: أسباب النزول: # استعان الماتريدي في تفسيره ببيان أسباب النزول، وأحيانا يحشر المرويات ~~التي وردت في سبب النزول ولا يكتفي برواية واحدة، وأحيانا أخرى يكتفي ~~برواية واحدة. # ومما ذكره في أسباب النزول ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: (يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول. . .) الآية. # حيث قال: " فالسؤال يحتمل وجهين: # يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء، ~~قيل: إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها في موضع، فجاءت نار فحرقتها، وسألوا عن ~~حلها # PageV01P317 # وحرمتها، فقال: (الأنفال لله والرسول)، أي: الحكم فيها لله والرسول ~~يجعلها لمن يشاء. # ويحتمل السؤال عنها عن قسمتها، ms0254 وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا ~~يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، وثلث خلفهم ردءا لهم، وثلث مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحرسونه، فلما فتح الله عليهم اختلفوا في ~~الغنائم، فقال الذين كانوا في نحر العدو: نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا ~~القتال، وقال الذين كانوا ردءا لهم: لستم بأولى بها منا، وكنا لكم ردءا، ~~وقال الذين أقاموا مع رسول الله: لستم بأحق بها منا، كنا نحن حرسا لرسول ~~الله فتنازعوا فيها إلى رسول الله، فنزل (يسألونك عن الأنفال) وقال أبو ~~أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا نزلت معشر ~~أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا؛ إذ انتزعه الله من أيدينا فجلعه إلى ~~رسوله، فقسمه على السواء ". # * ثالثا: السنة المطهرة: # استعان الماتريدي في تفسيره لكتاب الله بالسنة المطهرة، وقد ذكرنا أمثلة ~~لهذا من قبل عن تناولنا لموقفه من التفسير بالمأثور، وهو يكثر من ذكر ~~الأحاديث في تفسيره، من نحو ما جاء عند تفسيره قول الله تعالى: (ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية)، فقد قال: " وقوله: (ادعوا ربكم). . . قال بعضهم: الدعاء ها ~~هنا هو الدعاء، وقد جاء " الدعاء مخ العبادة "؛ لأن العبادة قد تكون ~~بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون عند الحاجة لما رأى ~~العبد من نفسه الحاجة والعجز عن القيام بذلك، فعند ذلك يفزع إلى ربه، فهو ~~مخ العبادة من هذا الوجه. . . # وقوله - عز وجل -: (إنه لا يحب المعتدين) قيل: المجاوزين الحد بالإشراك ~~بالله. وقيل: لا يحب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبيا ~~أو ملكا، أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا. # وروي عن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول: " اللهم إني أسألك الفردوس، ~~وأسألك كذا، فقال له عبد الله: سل الله الجنة وتعوذ من النار؛ فإني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P318 # يقول: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور " ويحتمل الاعتداء في الدعاء ~~هو أن يسأل ربه ما ليس هو بأهل له ". # وهناك ms0255 بعض الأمور يجدر التنبيه عليها في تفسير القرآن بالحديث عند ~~الماتريدي، أبرزها: # أ - أنه لا يذكر سند الحديث إلا قليلا جدا. # ب - أنه -أحيانا- يذكر الحديث بالمعني. # ج - أنه -أحيانا- يورد شرحا وتحليلا على الحديث المستشهد به. # د - أنه يذكر أكثر من حديث في الموضع الواحد. # ه - نشعر أن الماتريدي لا يهتم بمدى صحة الحديث. # * رابعا: أقوال المفسرين السابقين: # استعان الماتريدي بأقوال المفسرين قبله من لدن الصحابة والتابعين ومن جاء ~~بعدهم، فهو يدلل على صحة ما يذهب إليه أحيانا بذكر أقوال هؤلاء المفسرين ~~حول الآية. # وطريقته في التعامل مع أقوال المفسرين قبله، تكاد تتطابق مع طريقة تعامله ~~مع القرآن والسنة حين يعتمد عليهما في التفسير؛ حيث يقوم بتحليل الآية محل ~~التأويل، ثم يعرض بعد ذلك أقوال العلماء حولها، وقد يعرضها على إطلاقها، ~~وقد يختار من بينها، وقد يبدي اعتراضا على بعضها. # ففي قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) يبدأ ~~الماتريدي بشرح معنى الآية فيقول: كيف تعطون لهم العهد، وكيف يستحقون ~~العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة. # وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة). # ثم أدار حوارا طويلا، نقل فيه كثيرا من أقوال المفسرين قبله حول معنى ~~كلمة (الإل)، قال: " الإل: الله، والذمة: العهد. وقيل: الإل: القرابة، ~~وقيل: الإل: العهد والذمة. # وقال القتبي: الإل: العهد. قال: ويقال: القرابة. # PageV01P319 # وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة. # وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم. # وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره عبد الله؛ لما قيل: جبر ~~هو عبد الله. # وقيل: الإل: الحرم، يقول: كيف تعطونهم العهد، وهم (وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) القرابة ولا العهد، ولا يرقبون الحرم فيكم، وقد ~~كانوا يحفظون فيما بينهم القرابة والرحمة حتى يعاون بعضهم بعضا، ويناصره، ~~إذا وقع بين قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون ~~حرم الله حتى لا يقاتلوا في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا ms0256 ~~يحفظون العهود فيما بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها ". # ويلفت النظر هنا أن الماتريدي تارة ينص على اسم العالم الذي ينقل عنه، ~~وتارة يعبر ب " قال بعضهم " أو " قيل ". # ويلفت النظر -أيضا- أنه قدم تفسيرا للآية أولا دون أن يصرح بمعنى الإل، ~~ثم لما أورد قول بعضهم من أن الإل بمعنى الحرم، قدم تفسيرا للآية أوضح ~~وأبين من الأول، ولا ندري إن كان هذا التفسير كلامه أم هو ناقل له عن غيره. # ونلاحظ أن نقوله السابقة اتجهت إلى معنى اللفظ في مجملها، ولم تتجه إلى ~~المعنى العام للآية، وهو بذلك لا يكون ناقلا عن علماء التفسير وحسب، بل قد ~~يقع نقله في دائرة النقل عن علماء اللغة والأدب، يدل على ذلك النموذج ~~الآتي. # فعند قول الله تعالى: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة) اختار أن يكون معنى (وليجة): ملجأ يلجئون إليه، وهذا المعنى مستفاد ~~من تفسيره العام للآية، ثم قال: " وقوله: (وليجة) قال بعض أهل الأدب: ~~الوليجة: البطانة من غير المسلمين، وأصلها: الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من ~~المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ودودا، وجمعه: الولائج ". # ثم أخذ يعدد معاني الوليجة ناقلا إياها عن بعض العلماء دون ذكر لأسمائهم. # وقد ينقل أقوال العلماء، ثم يعرض عنها، ويختار ما يستريح إليه، وبعبارة ~~أدق يتبنى رأيا خاصا له، فمثلا عند تفسير قول الله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). # PageV01P320 # يقول: " اختلف فيه: # قال بعضهم: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه. # وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة نفسها للحج ~~وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: # أحدها: قوله: (بعد عامهم) ولو كان لدخول المسجد لكان ذلك العام أحق عن ~~المنع في دخوله من غيره. # والثاني: في قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، وخوف ~~العيلة إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، ~~لكان لا خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم ms0257 يحضرون ويدخلون مكة للتجارة؛ فلا خوف ~~عليهم في ذلك. # والثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا لا يحجن بعد العام مشرك " ~~وفي آخر الآية دلالة ذلك؛ لأنه قال: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله). # ونلاحظ -هنا- أنه يعترض على أسلافه، ويذهب بعيدا عنهم في اختياره، ويعضد ~~اختياره بأدلة أرى أن الصواب يحالفه فيها. # وأحيانا نجد الماتريدي يطرح أقوالا للمفسرين السابقين، ويذكر المعنى الذي ~~يرتضيه، ثم يعود إلى أقوال المفسرين السابقين مرة أخرى، ويردها، ويدلل على ~~صحة تفسيره وخطأ تفسيرهم، فمثلا عند قول الله تعالى: (يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم) يقول: " ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم، يعني إلى ~~المنافقين، فقالوا: قد عيرنا وما نزل فيكم حتى متى، فكانوا يحلفون للأنصار: ~~والله ما كان شيء من ذلك، فأكذبهم الله فقال: (يحلفون بالله لكم) وما كان ~~الذي بلغكم (ليرضوكم) بما حلفوا (والله ورسوله أحق) منكم يا معشر الأنصار ~~(أن يرضوه) حيث اطلع على ما حلفوا وهم كذبة ". # ثم لا يرتضي هذا التأويل فيقول: " والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة ~~جرت بين المؤمنين والمنافقين باستهزاء كل منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو ~~استهزاء بدين الله، فاعتذروا إليهم، وحلفوا على ذلك؛ ليرضوهم، فقال: (والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) حقيقة، ولكن ليسوا بمؤمنين ". # PageV01P321 # ثم شرع يعدد أقوال أهل التأويل الأخرى، مفندا إياها، فقال: " وأما ما ~~قاله بعض أهل التأويل: إن رجلا من المنافقين قال: والله، لئن كان ما يقول ~~محمد حقا لنحن شر من [الحمير]، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك رسول ~~الله، فدعاه، فقال: " ما حملك على الذي قلت " فحلف والتعن ما قاله، فنزل ~~قوله: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) هذا لو كان ما ذكر لكانوا يحلفون لرسول ~~الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر. # ويذكر ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms0258 - حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه أبدا. وكذلك قال غيره من أهل ~~التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون لرسول الله ويرضونه، لا ~~للمؤمنين؛ دل على أن الأشبه ما ذكرنا من وجوه: # أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته ليعلموا أنه حق؛ حيث اطلع عليه بما ~~أسروه في أنفسهم، وكتموا من المكر وأنواع السفه. # والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع ~~على جميع ما يسرون عنه ويكتمون. # والثالث: تنبيها للمؤمنين وتعليما لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا ~~يشتغلون بالحلف؛ طلبا لإرضاء بعضهم بعضا، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون به ~~مرضاته ". # والنقول التي جاء بها الماتريدي في هذا النص تدخل في إطار ما يعرف بأسباب ~~النزول، ولكنه عزاها هو إلى أهل التأويل تارة وإلى ابن عباس تارة أخرى، ثم ~~ردها دون أن يتحقق من مدى صحتها، ولعل هذا من المآخذ التي يمكن أن يؤاخذ ~~بها في تفسيره، لكن مع ذلك فإن ما ساقه من حجج عقلية يقوي موقفه، خاصة وأنه ~~ساق رواية تكاد تكون رواية فرضية، يفهم هذا من كلامه؛ هذا من جهة. # ومن جهة أخرى: يدل هذا النص على أن الماتريدي لا يهمل أسباب النزول في ~~تفسيره، وإن كانت طريقته ذات سمات خاصة في عرضه لهذه الأسباب تخالف ما درج ~~عليه المفسرون، فالمفسرون حين يتعرضون لذكر هذه الأسباب يصرحون بذلك، ~~فيقولون: ورد في سبب النزول كذا، أو سبب نزول هذه الآية أو الآيات ما روي ~~كذا. . . وهكذا. # وقد يعرض الماتريدي أقوال أهل التأويل دون أن يتعرض لها بالنقد، ولكن ~~يضيف إليها، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون) # PageV01P322 # حيث قال: " اختلف فيه: # قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: (وما يشعركم) وأهل القسم ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، فقال: (وما ~~يشعركم) أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءتكم آية، ثم استأنف، فقال: (إنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون). . . وهكذا كان يقرؤه الحسن ms0259 بالخفض: (إنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون) على الاستئناف والابتداء. # وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وذلك أنهم لما قالوا: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) ظنوا أنهم لما ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية: يفعلون ذلك ويؤمنون ~~على ما يقولون؛ فقال لهم: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) على طرح " ~~لا "، أي: ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون. وهكذا كأنه أقرب. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم وإن جاءتهم آية لا ~~يؤمنون، فقال عند ذلك: (وما يشعركم) وخاطبا به هؤلاء (أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون). # والثاني: أنهم وإن آمنوا بها إذا جاءت، فنقلب أفئدتهم من بعد ". # وعلى كل حال فما نقله الماتريدي عن أهل التأويل أو أهل التفسير، فإنه لم ~~يقف -في الجملة- حياله عاجزا، بل حاور سابقيه، ورد أقوالهم ونقدها وفندها ~~أحيانا، وزاد عليها أحيانا أخرى. # * خامسا: علم الكلام: # سبق أن بينا أن للماتريدي مذهبا اعتقاديا ينصر فيه اعتقاد أهل السنة ~~والجماعة، وبينا بشيء من التفصيل الفارق بين مذهبه والمذاهب الأخرى، وبخاصة ~~الأشعرية. # وتفسير الماتريدي لا يخلو من آراء كلامية، سواء صرح بذكر قائليها أو لم ~~يصرح، ولعلنا نعرض لبعض النماذج التي تؤيد ما نقول. # يقول الماتريدي عند تفسير قول الله تعالى: (والموتى يبعثهم الله) # " الحياة حياتان: مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات، وحياة ~~منشأة: وهي حياة الأجسام، فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما ~~المؤمن فله الحياتان جميعا؛ المكتسبة والمنشأة، فيسمي كلا بالأسماء التي ~~اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا ~~قبيحة، فسماه بذلك ". # PageV01P323 # ومسألة الكسب مسألة كلامية، وهي مسألة خلافية بين الأشعرية والماتريدية ~~كما سبق بيانها. # وقد اهتم الماتريدي في تفسيره هذا بدحض آراء المعتزلة وتفنيدها - اهتماما ~~كبيرا، والأمثلة على هذا كثيرة ومنتشرة على مدار التفسير، فمن ذلك ما ذكره ~~في تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون) ~~حيث قال: " إن الآية دلالة ms0260 خلق أفعال العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي ~~الرسل، وقال: خلق الموت والحياة، ومجيء الموت هو توفي الرسل ثم أخبر أنه ~~خلق الموت دل على أنه خلق توفيهم؛ فاحتال بعض المعتزلة في هذا، وقال: إن ~~الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع، ثم إن الله يتلفه ويهلكه فلأن ~~كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل؛ لأنهم إذا نزعوا وجمعوا في موضع ~~تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس في ذلك، فإن لم ~~يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله، ~~يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وبالله التوفيق ". # ويمكنني القول: إنه في مرآة تفسير الماتريدي انعكس اتجاهه العقدي ~~والمذهبي، فبرز واحدا من حماة المذهب السني الماتريدي ذائدا عن حصنه، غيورا ~~على شرف كلمته، متصديا لأهل الأهواء والبدع، منازلا المعتزلة والجهمية ~~والخوارج والمرجئة والجبرية وغيرهم، داحضا آراءهم في ضوء التنزيل الكريم، ~~ومن ثم كان رائدا لمن جاء بعده من العلماء الذين نقلوا عنه، ويكفي أن نلقي ~~نظرة على تفسير مثل تفسير النسفي ليتأكد لنا ذلك، حتى لقد ذكر بعض الباحثين ~~أن النسفي لم يصرح بمصدره الكلامي إلا فيما أخذه عن أبي منصور الماتريدي. # وليتأكد لنا ذلك نعرض لمسألة الجبر والاختيار التي ناقشها الماتريدي عند ~~تفسيره قول الله تعالى: (فلو شاء لهداكم أجمعين)، فقال: # " قال الحسن: المشيئة -ها هنا- مشيئة القدرة، وقال: لو شاء الله قهرهم ~~وأعجزهم حتى لم يقدروا على معصية قط، على ما جعل الملائكة -جبلهم- على ~~الطاعة حتى لا يقدروا على معصية قط، ثم يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء ~~والبشر جميعا، ويقول: هم مجبورون على الطاعة؛ فذلك تناقض في القول لا يجوز ~~من كان مقهورا مجبورا على # PageV01P324 # الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، والحاجات التي ~~تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة. # أو يقول: فضلهم بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل ~~على غير ذلك الجوهر؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر ms0261 فضل شيء بالجوهر إلا ~~مقرونا بالأعمال الصالحة الطيبة؛ كقوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة) وغيره، وقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه)، وقوله: (والعمل ~~الصالح يرفعه) ونحوه، لم يفضل أحدا بالجوهر على أحد، ولكن إنما فضله ~~بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على التناقض. # وتأويل قوله: (فلو شاء لهداكم أجمعين) عندنا ظاهر، ولو شاء لهداهم جميعا ~~ووفقهم للطاعة وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. . .) الآية، فإذا كان الميل ~~إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين ~~آمنوا، ثم لم يجعل كذلك؛ دل هذا على أن قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا) هو ~~الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: (فلو شاء لهداكم أجمعين). # والمعتزلة يقولون: المشيئة -هاهنا- مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا أنه لا ~~يكون في حال القهر إيمان، إنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة ~~الاختيار، ولا يحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بشهادة الخلقة مؤمن؛ فدل أن ~~التأويل ما ذكر ". # فالنص يدل دلالة واضحة على تبني الماتريدي الدفاع عن عقيدة أهل السنة، ~~التي تقول بأن أفعال العباد اختيارية ليس فيها إجبار، يقول الإسفراييني: # أفعالنا مخلوقة لله ... لكنها كسب لنا يا لاهي وكل ما يفعله العباد ... ~~من طاعة أو ضدها مراد لربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تماري # فأهل السنة والجماعة أثبتوا أن العباد فاعلون حقيقة، وأن أفعالهم تنسب ~~إليهم على وجه الحقيقة لا على جهة المجاز، وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم. # هذا، وقد يصرح الماتريدي بنسبة الآراء الاعتقادية إلى أصحابها، دون تعليق ~~منه، # PageV01P325 # ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قول الله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه وإنهم لكاذبون) حيث قال: " تعلق بظاهر هذه الآية: الخوارج والمعتزلة. # أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ~~ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيا، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان ms0262 يردهم؛ ~~فدل أنه إنما لم يردهم؛ لما علمه منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل؛ ~~فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في ~~الدين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم، ومن قولهم: ~~إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن يميته، وغير ذلك من ~~المخاييل والأباطيل. # وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول ~~كاذبين، بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة ~~إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما ~~اعتقده ألا يأتي بها كاذبا؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول ~~الأول أنهم لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله عز وجل: (يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله)، الآية، فإذا سرقن، صرن كاذبات في البيعة، كما جعل ~~من ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف، وعلى ذلك يجعلونه كافرا ". # * سادسا: علم الفقه: # علمنا من ترجمة الماتريدي أنه تتلمذ بأبي حنيفة النعمان، وإن لم يلقه، ~~فهو قد تتلمذ عليه من خلال مذهبه الفقهي المعروف، فقد قرأ ما كتب أبو حنيفة ~~وما كتب تلاميذه ونقلوه عنه. # ولم يكن الماتريدي ناقلا تابعا للمذهب الحنفي وحسب، بل كان مجددا، فهو قد ~~أخذ من المذهب الحنفي أسلوبه في التفكير العقلي، واعتماده الرأي في التفسير ~~والفقه والعقيدة، لكن دون إهمال للنص أو افتئات عليه، بل -كما سبق- وازن ~~الماتريدي بين النقل والعقل موازنة جعلته من العلماء أصحاب الآراء الصائبة ~~في كثير من الأحوال. # ونكاد عند مطالعة تفسير الماتريدي لا نجد من أعلام الفقه من يذكر باسمه ~~سوى أبي حنيفة النعمان، ولعل هذا يؤكد الصلة الوثيقة التي أشرنا إليها منذ ~~برهة بين الماتريدي وأبي حنيفة، وتلمذة الأول على الثاني. # والماتريدي حين تعرض له آية من آيات الأحكام لا ينسى أن يقف أمامها ~~يستجلي # PageV01P326 # بعض أحكامها ومسائلها، مما يدلنا على اعتماده علم الفقه ms0263 مصدرا من مصادر ~~تفسيره. # وتتمثل طريقته في اعتماد علم الفقه مصدرا لتفسير القرآن الكريم في أنه ~~يقوم بتحليل الآية التي تتضمن الحكم الفقهي، ثم يورد بعض أقوال العلماء، ثم ~~يفصل القول حول المسألة الفقهية المعروفة بما أفاض الله عليه. # ففي تفسيره لقول الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله والله عليم حكيم). عرض الماتريدي لعلاقة هذه الآية بما ~~قبلها، وشرح الآية، ثم ذكر بعض الروايات عن الصحابة عامة، وعن بعضهم خاصة: # كحذيفة وابن عباس وعمر وعلي - رضي الله عنهم - في تفسير الآية وبيان ما ~~فيها من أحكام فقهية، ثم شرع يدلي بدلوه في تفسير الآية، وبيان الأحكام ~~الفقهية التي تنطوي عليها، ونراه ينقل عن الأئمة دون أن يذكر أسماءهم، ~~ويعرض لاختلافات المذاهب دون أن يحددها ويعينها، وتناول -أيضا-: الأصناف ~~الثمانية المخصوصة بالزكاة بشيء من التفصيل، ويستعين في ذلك ببعض الأحاديث ~~والمرويات وأقوال العلماء. # لكن ليس معنى هذا أن الماتريدي يهمل نسبة الآراء الفقهية إلى أصحابها في ~~كل الأحوال، بل إنه في مواضع ذكر الآراء منسوبة إلى أصحابها. # ومن ذلك ما جاء عند تفسيره لقول الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه. . .) الآية، فقد ذكر الماتريدي الأحكام التي تتعلق بالآية، ~~وذكر كثيرا من الأخبار والمرويات بشأنها، وأخذ يحلل ويدلل، ومما قال: " ~~وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله - ~~يرى أن يسهم للفرس بسهمين، ولصاحبه بسهم، والحجة في ذلك قوله: قال الله ~~تعالى: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) ". # فهنا ينسب الماتريدي الآراء إلى أصحابها، ونلاحظ أن المذهب الحنفي هو ~~المذهب الغالب -أو الأكثر ورودا- في تفسير تأويلات القرآن، وليس هذا غريبا؛ ~~لأن الماتريدي -كما قلنا- يتبع المذهب الحنفي. # * سابعا: علوم اللغة: # لا يعول الماتريدي كثيرا على علوم اللغة في تفسيره؛ لذلك نراه مقلا جدا ~~من توظيفها إلا مما كان من ذكر أقوال العلماء حول ms0264 بيان بعض الألفاظ، كما ~~سبق في بيان معنى كلمة # PageV01P327 # (الإل)، وهذا اللون من أكثر الألوان شيوعا في تفسير الماتريدي فيما يخص ~~توظيفه علوم اللغة، ولكن مع هذا لا نعدم توجيها نحويا أو نكتة بلاغية هنا ~~أو هناك. # فمن قبيل التوجيهات النحوية ما جاء عند تفسيره قول الله تعالى: (واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41). # فقد قال الماتريدي: " وقوله عز وجل: (إن كنتم آمنتم بالله). . . قال ~~بعضهم: هو صلة قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، ثم ~~قال: (وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم) أي: وإن تولوا هم وقد آمنتم أنتم ~~فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم. # وقالت طائفة: قوله: (إن كنتم آمنتم) ليس على الشرط على ألا تكون غنيمة ~~إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير مؤمنين، ولكن ~~على التنبيه والإيقاظ ". # والماتريدي -كما هو بين من النص- يعرج على اللغة بهدف الكشف عن مراد الله ~~من الآية، فهو لا يفعل كبعض المفسرين الذين ينصب اهتمامهم على اللغة، حتى ~~تكاد تفسيراتهم تكون لغوية خالصة ككتب معاني القرآن، من مثل: معاني القرآن ~~وإعرابه للزجاج، ومعاني القرآن للأخفش، ومعاني القرآن للفراء. . . وغيرها، ~~أو تكون التفسيرات ذات صبغة لغوية بارزة بجوار الاهتمام بمعاني الآيات، ~~كتفسير النسفي. # ومن قبيل النكات البلاغية التي أشار إليها الماتريدي في تفسيره، ما جاء ~~في قوله تعالى: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا)، حين قال: " يشبه أن يكون ~~الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن، يقول: افرحوا وسروا ~~قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلا ". # ولم يشر -أيضا- الماتريدي إلى النكتة البلاغية بغرض إثباتها وحسب، بل ~~لأنها تخدم المعنى وترشد إليه؛ ولذلك كان الماتريدي مقلا من الاتكاء على ~~مباحث البلاغة، ولم يكن تفسيره تفسيرا بلاغيا صرفا ككتاب مجاز القرآن لأبي ~~عبيدة، أو كتب إعجاز القرآن ككتاب إعجاز القرآن ms0265 للباقلاني، ولم يكن متشبعا ~~بالمباحث البلاغية كتفسير الزمخشري مثلا، بل إن النكتة البلاغية تأتي لبيان ~~غرض معين. # ولعل عدم اهتمام الماتريدي بعلوم اللغة راجع إلى أمرين: # PageV01P328 # الأول: اهتمامه بالمضمون دون الشكل، والمعنى دون اللفظ. # والثاني: اهتمامه في تفسيره بالمسائل العقدية والفقهية، وهو أمر مترتب ~~على الأول. # * ثامنا: إعمال العقل والتفسير بالرأي: # إن الماتريدي فضلا عن اعتماده على المصادر المذكورة سابقا، أعمل عقله في ~~الآيات وقال فيها برأيه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وهو حين يعمل عقله يقلب ~~الآية على وجوهها المختلفة تارة، ويذكر فيها وجها واحدا تارة أخرى. # فمن الأول -وهو كثير-: ما جاء في تفسيره قول الله تعالى: (ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم)، ~~حيث قال الماتريدي: قوله عز وجل: (الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا) هذا ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يجعلهم دركات بعضها أسفل بعض؛ كقوله تعالى: (إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار). # والثاني: يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد. # (فيركمه جميعا) قيل: يجمعه جميعا بعضهم على بعض ". # ومن الثاني ما جاء في تفسيره لصدر الآية المذكورة (ليميز الله الخبيث من ~~الطيب) حيث قال: " جعل الله تعالى الخبيث مختلطا بالطيب في الدنيا في سمعهم ~~وبصرهم ونطقهم وجميع جوارحهم ولباسهم وطعامهم وشرابهم وجميع منافعهم من ~~الغنى والفقر وأنواع المنافع، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا. . . لكنه ~~ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بأعلام، يعرف بتلك العلامات الخبيث من ~~الطيب، من نحو ما ذكر في الطيب قوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ~~ناظرة (23). # ويلفت النظر في تفسير الماتريدي بالرأي أنه يتوخى المعاني القريبة من ~~ظاهر الآية، فهو لا يوغل في التأويل كما يفعل المتصوفة في تفسيراتهم ولا ~~يقف عند حدود ظاهر النص كما يفعل الظاهرية، بل إن الماتريدي ينظر في الآيات ~~نظرة فاحصة معتدلة، ويتجه إلى المعاني التي تحتملها الآيات ولا تخرج بها عن ~~المراد منها. # * القضية الثانية: طريقة الماتريدي في التفسير: # نستطيع من خلال ما عرضناه ms0266 من مصادر الماتريدي في التفسير ومن خلال تأمل ~~التفسير الذي بين أيدينا أن نتلمس بعض الخطوط العامة لمنهج الماتريدي في ~~التفسير. # PageV01P329 # إن منهج الماتريدي منهج متميز متفرد، فقد اختط لنفسه طريقة خاصة، وأسلوبا ~~متميزا، وهي طريقة تتميز بالشمولية، وأسلوب يتسم بالوضوح، فهو يقوم ~~باستقصاء الآية من كافة وجوهها، ويعرض المعنى الذي يريد إبرازه في وضوح ~~ويسر، يفهمه القارئ العادي فضلا عن المتخصص وكأننا أمام تفسير حديث، وليس ~~تفسيرا كتب في القرن الرابع الهجري. # وهذه الطريقة تتميز عن طريقة المفسرين السابقين، من وجوه يمكن استخلاصها ~~مما سبق: # الأول: أن التفاسير السابقة كانت تقوم -في مجملها- على الرواية، بمعنى أن ~~هذه التفسيرات تندرج تحت ما يعرف ب " التفسير بالمأثور "، لكن الماتريدي ~~يجمع بين الأمرين جميعا. # الثاني: أن التفاسير السابقة كانت تعتمد على السنة عند إيراد المرويات، ~~سواء كانت هذه المرويات أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم ~~أقوالا للصحابة، أو حتى أقوالا لمفسري التابعين، فالمفسر كان يأتي بالسند ~~كاملا حتى يرفع الخبر أو الأثر المروي إلى قائله، وخير مثال على ذلك تفسير ~~ابن جرير الطبري. # ولم يقتصر الأمر على التفاسير المتقدمة وحسب، بل إن تفسيرا كتفسير القرآن ~~العظيم لابن كثير المكتوب في القرن الثامن الهجري، يقوم على هذه الطريقة، ~~فنجد السند والعنعنات. # وهذا بخلاف تفسير تأويلات القرآن الكريم للماتريدي الذي تخلى عن ذكر ~~السند في نقله للمرويات، سواء كانت من السنة أو من غيرها، حتى أننا نجده ~~أحيانا يهمل حتى القائل المباشر للرواية، فيقول: " قال بعضهم " أو: " قيل ~~"، وهكذا. # وهذه الطريقة هي التي نجدها في تفسيرات المحدثين، وهي تناسب عصر الناس ~~هذا، وكان الماتريدي سابقا إليها قبل المحدثين بقرون متطاولة. # الثالث: أن تفسير الماتريدي -كما قلنا- شامل وعام، فنجد فيه: المسائل ~~الاعتقادية، والمسائل الققهية، ومضمون الآية، بخلاف التفسيرات السابقة، بل ~~وأحيانا اللاحقة التي يكون من همها التركيز على جانب واحد من جوانب هدايات ~~القرآن المتعددة، فنجد مفسرا ينصب اهتمامه على مسائل اللغة، ومفسرا آخر ~~ينصب اهتمامه على مسائل الفقه، وبعضهم على مسائل ms0267 الاعتقاد، وهكذا. # PageV01P330 # وطريقة الماتريدي أو منهجه يقوم على عدة خطوط عامة، هي: # * أولا: يقوم الماتريدي -أحيانا- بعرض الآراء # التي قيلت حول الآية، أو الأوجه المحتملة فيها، فيستخدم: " قال بعضهم "، ~~" قال آخرون "، أو: " قيل "، أو: " قيل فيه بوجوه "، أو: " قال فلان ". . . ~~وهكذا. # وهذا حينما يفسر بالنقل لا بالعقل، وإزاء هذه النقول لا يقف الماتريدي ~~عاجزا، بل ينقد ويحلل ويوجه ويختار من بين الأقوال المذكورة ما يراه أولى ~~بمعنى الآية والمراد منها. # * ثانيا: يقوم الماتريدي -أحيانا- بذكر الأوجه المحتملة في تفسير الآية # وذلك حين يفسر بالرأي، فيقول: " يحتمل "، أو: " يحتمل وجوه ". . . وهكذا. # * ثالثا: يقوم الماتريدي باستخلاص المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية، # ويدير حولها حوارا طويلا يستقصي جوانبها، حتى لو لم يكن بعض هذه الجوانب ~~داخلا تحت إطار الآية المفسرة. # * رابعا: يبدأ الماتريدي أحيانا تفسيره للآية بذكر القراءات الواردة فيها، # فحين يفسر قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين كفروا. . .) الآية يقول: " اختلف ~~في قراءتها: قرأ بعضهم بالياء، وبعضهم بالتاء " ويعلل للقراءات بقوله: " ~~فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . ومن قرأ ~~بالياء صرف الخطاب إلى الكفرة ". # * خامسا: يبين الماتريدي -أحيانا- أسباب نزول الآية، # ولكنه لا يسلم ببعضها؛ لما يراه أنه مخالف للمعنى المقصود، وقد سبقت ~~الإشارة إلى شيء من هذا القبيل. # * سادسا: يبين الماتريدي -أحيانا- المعنى اللغوي لبعض الألفاظ، # ولا يهتم في تأويله بالشعر فلا يأتي إلا نادرا، ولا يهتم بأقوال العرب؛ ~~اكتفاء منه بالقرآن الكريم وسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وأقوال ~~الصحابة والتابعين وأقوال العلماء. # * سابعا: أن الماتريدي حين يستعين بالسنة لا يهتم بذكر السند، # كما أنه يذكر الحديث بالمعنى، وكأنه يعتمد على حفظه دون كتب السنة المثبت ~~فيها الأحاديث، ثم إنه يجتزئ من الحديث بما يدل على الغرض، ولا يهتم ~~بإيراده كاملا. # * ثامنا: يهمل الماتريدي الحديث عن المكي والمدني، # وإبراز فضائل السور، والناسخ والمنسوخ. # * تاسعا: أنه حين يشرع في تفسير أي سورة لا يقدم لها، # بل يدخل إلى عالمها مباشرة، # PageV01P331 # ويعيش في رحاب آياتها دون أن يعرفنا شيئا عن طبيعة هذه ms0268 السورة، وعدد ~~آياتها، وهل هي مكية أو مدنية، والظروف العامة لنزولها. . . إلخ. # ويمكن القول: إنه من خلال عرض منهج الماتريدي وطريقته في التفسير، يتبين ~~القارئ أنه أمام تفسير غاية في الأهمية، يجمع كثيرا من أطراف العلوم، وأنه ~~يقوم على منهج نقدي تحليلي يقف ضد العقليين والنصيين المتطرفين. # يقول الكوثري: " كانت بلاد ما وراء النهر سليمة من أهل الأهواء والبدع؛ ~~لسلطان السنة على النفوس هناك من غير منازع، تتناقل تلك الآثار بينهم جيلا ~~بعد جيل، إلى أن جاء إمام السنة فيما وراء النهر أبو منصور محمد بن محمد ~~الماتريدي المعروف بإمام الهدى؛ فتفرغ لتحقيق مسائلها وتدقيق دلائلها؛ ~~فأرضى بمؤلفاته جانبي العقل والنقل في آن واحد ". # * * * # PageV01P332 # * الفصل الثالث # بذور التجديد في تفسير الماتريدي # يمكن رصد التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة في ناحيتين: # الأولى: الإطار العام. # والثانية: الجزئيات. # فأما الناحية الأولى فتتمثل في: # أولا: التجديد في المنهج: # سبق أن بينا أن طريقة الماتريدي في تفسيره طريقة متميزة، ومنهجه متطور ~~إلى حد كبير، سواء من جهة الإطار العام، أو من جهة جزئيات المنهج. # فقد قام المنهج الماتريدي في تفسيره على التحليل والنقد، ولم يكن هذا ~~معهودا في التفسير قبل الماتريدي؛ حيث كان التفسير -كما قلنا- يعتمد على ~~الرواية دون كبير تدخل من المفسر ودون نقد أو تمحيص أو تحليل، وفتح ~~الماتريدي بهذا الباب واسعا أمام من جاء بعده للتوسع في التحليل والشرح ~~والتأويلات للآيات بإعمال العقل والنقل جميعا. # وقد توسع الماتريدي في تفسيره في إعمال العقل، لكن مقيدا بالنص، وهو لون ~~من ألوان التجديد؛ حيث استطاع الماتريدي الموازنة بين العقل والنقل، وقد ~~كان السابقون عليه يعتمدون في تفسيراتهم على النقل فقط. صحيح أن هناك من ~~سبق الماتريدي في إعمال العقل، لكنه لم يكن في تفسير القرآن الكريم، بل كان ~~في المسائل الاعتقادية، والمسائل الفقهية. # ويعد من التجديد في الإطار العام للمنهج عند الماتريدي في تفسيره ~~الاستغناء عن ذكر السند عند التفسير بالمرويات. # ثانيا: الاهتمام بالمسائل الاعتقادية: # اهتم الماتريدي كثيرا في تفسيره بالمسائل الاعتقادية، ولعله ms0269 غير مسبوق في ~~الاهتمام بالمسائل الاعتقادية في التفسير؛ حيث كانت التفاسير السابقة تقوم ~~على بيان معنى لفظ، أو شرح آية بشروح موجزة، مع ذكر الروايات حول الآية ~~موضع التفسير، أما الاهتمام بالمسائل الاعتقادية التي تتضمنها فلا نكاد ~~نجدها في التفاسير السابقة على تفسير تأويلات # PageV01P333 # أهل السنة، فقد توسع هذا التفسير في بيان هذه المسائل وناقشها، وذكر ~~مذاهب العلماء فيها، بما يزيد -أحيانا- عما تتضمنه الآيات من معان. # ثالثا: الاهتمام بالمسائل الفقهية: # يعتبر الماتريدي في تأويلاته رائد المفسرين الذين ركزوا على المسائل ~~الفقهية وعرض الآراء حولها في تفسيراتهم: كالإمام القرطبي في تفسيره الجامع ~~لأحكام القرآن الكريم، فقد قام الماتريدي بعرض المسائل الفقهية المتضمنة في ~~بعض الآيات، وعرض الآراء حولها، وزاد عن الحد المطلوب من الآية أحيانا، وقد ~~ذكرنا نماذج من هذا القبيل. # رابعا: بروز شخصية الماتريدي في التفسير: # كانت التفاسير السابقة على الماتريدي تعتمد -كما قلنا مرارا- على ~~المرويات، أما تفسير تأويلات أهل السنة فقد اعتمد فيه الماتريدي على ~~التحليل، وعرض الآراء ومناقشتها، والقول في القرآن بالرأي، وإبداء الآراء ~~الشخصية حول الآيات، فنحن نحس بشخصية الماتريدي بارزة في تفسيره، فلم يكن ~~مجرد ناقل أو جامع للروايات كما كان شأن أسلافه، والنماذج السابقة تكشف عن ~~ذلك بوضوح. # هذه هي أبرز بذور التجديد في تفسير تأويلات أهل السنة، الذي أحسبه يسلك ~~فيه منهجا ويتبع فيه طريقة لم يسلكها المفسرون المتأخرون. # * * * # PageV01P334 # * الفصل الرابع # تأثر الماتريدي بمن سبقوه # إن الماتريدي تأثر بمن سبقه، عامة، وتأثر بالإمام أبي حنيفة النعمان ~~خاصة، حيث أخذ عنه الإطار العام لمذهبه في الكلام. # لقد تأثر الماتريدي بالمنهج المتوازن بين العقل والنقل الذي سلكه أبو ~~حنيفة، فقد سلك ذلك المسلك الوسط الذي لم يسلكه -كما يقول الشيخ أبو زهرة- ~~سوى أبي حنيفة، وبلغ فيه الشأو والغاية. # وهذا المنهج الذي سار عليه الإمام أبو حنيفة، وتبناه الماتريدي، لا يقدح ~~في سلفية كل منهما، ولا يخرجهما عن دائرة أهل السنة؛ لأن أبا حنيفة يعد أول ~~من كون مدرسة كلامية لأهل السنة وحاربت المبتدعة، وأظهرت الحق جليا. ms0270 # يقول أبو اليسر البزدوي: " أبو حنيفة - رضي الله عنه - تعلم هذا العلم، ~~وكان يناظر المعتزلة وأهل البدع، وكان يعلمه أصحابه في الابتداء، وقد صنف ~~فيه كتبا، وقع بعضها إلينا، وعامتها محاها وغسلها أهل البدع، ومما وقع ~~إلينا كتاب العالم والمتعلم، وكتاب الفقه الأكبر، وقد نص كتاب العالم ~~والمتعلم أنه لا بأس بتعلم العلم ". # وهذا النص يكشف عن دور أبي حنيفة البارز، كما يدل في الوقت نفسه على ~~مجموعة من مؤلفاته التي أثرت في الماتريدي كما سنعرف فيما بعد. # وهذه الكتب رد فيها على المعتزلة، وبخاصة كتابه: الفقه الأكبر، ونصر فيه ~~قول أهل السنة في خلق الأفعال، وفي الاستطاعة مع الفعل. # ولقد استفاد الماتريدي من هذه الكتب، فقد تناول هذه الكتب والرسائل، ~~وتأثر بها تأثرا فكريا واضحا؛ حتى إنه ليمكن القول: إن منهج الماتريدي لا ~~يخرج عن المنهج العام الذي وضعه أبو حنيفة في مؤلفاته، هذا المنهج الذي ~~يستخدم العقل، لكنه العقل المقيد بالنص، بحيث لا يخرج عنه، ولا يتقدم عليه ~~بحال؛ لأن الله تعالى ركب العقول ووفقها للاستدلال. # ومعلوم أن أبا حنيفة - رحمه الله - كون مدرسة فكرية ضمت أعظم العلماء ~~وجهابذة # PageV01P335 # الفكر في أصول الدين وفروعه، ويرى الزبيدي أن علم أبي حنيفة المذكور في ~~كتبه هو من الأمالي التي أملاها على أصحابه كحماد وأبي يوسف وأبي مطيع بن ~~عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص ابن مسلم السمرقندي، فهم الذين قاموا ~~بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من الأئمة كإسماعيل بن حماد ومحمد بن مقاتل ~~الرازي ونصر بن يحيى البلخي وغيرهم، إلى أن وصلت إلى أبي منصور الماتريدي. # ولكن كيف وصل علم أبي حنيفة ومؤلفاته إلى الماتريدي؟ # معلوم أن الإسلام تغلب على بلاد ما وراء النهر منذ الفتح الإسلامي -كما ~~أشرنا إلى ذلك في أول هذه الدراسة- وأن أهل هذه البلاد دخلوا في الإسلام ~~أفواجا، وأنهم فتحوا المدارس لتعليم الناس أمور الدين الإسلامي. # ولما ظهرت المذاهب الفقهية اعتنق أكثرهم المذهب الحنفي، فانتشرت آراء أبي ~~حنيفة وكتبه في هذه البلاد، ومن هنا يقول أبو معين ms0271 النسفي: " إن أئمة أصحاب ~~أبي حنيفة السالكين طريقه في الأصول والفروع الناكبين عن الاعتزال في جميع ~~ديار ما وراء النهر وخراسان من مرو، وبلخ وغيرهما - كلهم من قديم الزمان ~~كانوا على هذا المذهب ". # ومن أبرز هؤلاء الأئمة: أبو مطيع البلخي الذي تفقه على أبي حنيفة، وأبو ~~سليمان الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن الذي أخذ عنه الفقه وروى كتبه، وعلى ~~أبي سليمان الجوزجاني تتلمذ أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني وأبو نصر ~~العياضي اللذان أخذ عنهما أبو منصور الماتريدي كما ذكرناه عند حديثنا عن ~~ترجمته وشيوخه. # ولم يكن تأثير المذهب الحنفي في الماتريدي في المذهب الكلامي فقط، بل إنه ~~تأثر به في مجال الفقه، وتأثر به في المنهج والطريقة. # ولم يكن -أيضا- المذهب الحنفي هو المؤثر الوحيد في الماتريدي، بل إنه ~~-وكما بان لنا- تأثر بالصحابة فيما نقل عنهم، وتأثر بالتابعين، وتأثر بجملة ~~من العلماء لا يمكن حصرهم، وقد ذكرنا نماذج دالة على ذلك فيما سبق. # لكن ما يجب التنبيه إليه هو أن الماتريدي عندما نقل وتأثر بسابقيه لم يكن ~~بالمقلد التابع الذي يحتذي دونما بصر أو وعي، بل كان ينقض وينقد ويحلل ~~ويدقق؛ ولذلك يمكن أن يقال: استطاع أبو منصور أن يؤسس المنهج الماتريدي؛ إذ ~~كان أول متكلم من أهل السنة يعرض نظرية المعرفة بطريقة منهجية تحدد سيره في ~~الاستدلال والوصول إلى # PageV01P336 # العلم، حتى كان رائدا لأهل السنة في اتباع هذه الطريقة. # هذا، ولقد تأثر الماتريدي بأبي حنيفة في آرائه الكلامية، حيث إن المدرسة ~~السنية فيما وراء النهر، ظلت تدافع عن العقيدة الصحيحة، بدفع البدع، وصد ~~الانحرافات، ومقاومة الضلالات الناتجة عن التعصب للفرق المخالفة لأهل ~~السنة، بعيدا عن التوغل في الدقائق الكلامية، مهتدية في مسلكها بمنهج ~~الإمام أبي حنيفة دون أن تدخل عليه جديدا، الأمر الذي جعلنا لم نصل إلى ~~آراء خاصة لهم خارجة عن آراء شيخهم، وهؤلاء مهدوا الطريق لأبي منصور للقيام ~~بمنهجه ولإرساء دعائم مذهبه الكلامي المتأثر بمنهج أبي حنيفة والمجدد في ~~الوقت ذاته. # * * * # PageV01P337 # * الفصل الخامس # تأثير الماتريدي فيمن جاءوا ms0272 بعده # لقد كان الماتريدي من أفاضل علماء أهل السنة في بلاد الشرق الإسلامي، ففي ~~الطبقات السنية: اتفق الناس على علو قدره وعظم محله وطيب نشره، فإنه كان من ~~كبار علماء الإسلام الذين بعلمهم يقتدى، وبنور فضلهم يهتدي، وكان إمام ~~المتكلمين ومصحح عقائد المسلمين، نصره الله بالصراط المستقيم، فصار في نصرة ~~الدين القويم، صنف التصانيف الجليلة، ورد أقوال أصحاب العقائد الباطلة. # ولذلك كان أثر الماتريدي في لاحقيه أثرا كبيرا، ولعلنا نتلمس هذا التأثير ~~في عدة اتجاهات هي: # أولا: تأثيره في التفسير: # تأثر الذين جاءوا من بعد الماتريدي به كثيرا في التفسير، فأخذ عنه كثير ~~من المفسرين، منهم صاحب روح المعاني، حيث تجد تأثره بالماتريدي في تفسير ~~قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) ويقول: " فهو الحامد والمحمود، والجميع ~~شئونه، ولهم كلام غير هذا، والكل يسقى بماء واحد، وعن إمامنا الماتريدي ~~-روح الله روحه- أنه جعل هذا حمدا من الله تعالى لنفسه، قال: وإنما حمد ~~نفسه ليعلم الخلق، ولا ضير في ذلك؛ لأنه سبحانه هو المستحق لذاته والحقيق ~~بما هنالك؛ إذ لا عيب يمسه، ولا آفة تحل به ". # وينقل عنه الآلوسي -أيضا- تفريقه بين التفسير والتأويل، فيقول: " وقال ~~الماتريدي: التفسير: القطع بأن مراد الله تعالى كذا، والتأويل ترجيح أحد ~~الاحتمالات بدون قطع، وقيل: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق ~~بالدراية ". # ونقول الآلوسي عن الإمام الماتريدي في تفسيره لا تحصى عددا. # ونقل عنه -أيضا- القرطبي، فعند تفسيره قول الله تعالى: (لا تحلوا شعائر ~~الله) قال: " حكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي - رحمه الله - أنه ~~قال: # PageV01P338 # يحتمل أن أبا حنيفة كره إشعار أهل زمانه وهو المبالغة في البضع على وجه ~~يخاف منه السراية، أما من لم يجاوز الحد وفعل كما كان يفعل في عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فهو حسن ". # وأفاد من الماتريدي -أيضا- المفسر الكبير، واللغوي البحر، الجامع بين ~~الرواية والدراية، العالم أبو حيان في كتابه البحر المحيط، فمثلا عند قوله ~~تعالى: (والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح)، ينقل عن الماتريدي تأويله: " ~~ويحتمل أن يراد ms0273 بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه، يقال: هو شحيح ~~بمودتك، أي: حريص على بقائها، ولا يقال في هذا: بخيل، فكأن الشح والحرص ~~واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع: الشح للمنع، والحرص للطلب، فأطلق ~~على الحرص الشح؛ لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأن البخل يحمل على ~~الحرص، والحرص يحمل على البخل ". # هذا ولم يقتصر تأثير الماتريدي على مفسري المتقدمين، بل لقد أفاد منه ~~مفسرو المتأخرين حتى عصرنا الحاضر، فقد أفاد منه السيوطي في الإتقان، وأفاد ~~منه الزرقاني في مناهل العرفان، وأفاد منه الزركشي في برهانه، وأفاد منه ~~ابن تيمية في فتاويه، وغيرهم كثير وكثير، وما يزال اسم الماتريدي وتفسيره ~~تأويلات أهل السنة يتردد في تفاسير المحدثين وبحوثهم في التفسير. # ثانيا: تأثير الماتريدي في العقيدة: # لقد كان لمذهب الماتريدي الكلامي أثره في اللاحقين، فقد أفادوا منه أيما ~~إفادة، وأفادوا من مسائله الاعتقادية التي عرضها في تفسيره تأويلات أهل ~~السنة. # وتدليلا على ذلك نسوق بعض النماذج، فقد جاء في أنواء البروق ما نصه: " ~~وأما الحلف بصفات الأفعال، ففي المجموع وشرحه وحاشيته ما حاصله: أن اليمين ~~لا ينعقد بنحو الإماتة والإحياء، اللهم إلا أن يلاحظ المذهب الماتريدي، وهو ~~أن صفات الأفعال # PageV01P339 # قديمة ترجع إلى صفة التكوين، أو يريد مصدرها ومنشأها وهو القدرة ~~والاقتدار الراجع للصفة المعنوية، أي: كونه قادرا؛ إذ المعنوية ينعقد بها ~~جزما ". # ونقل عنه وعن غيره ابن تيمية، ما نصه: " وأما الفقهاء وأهل الحديث ~~والصوفية وطوائف من أهل الكلام من الرادين على المعتزلة والمرجئة والشيعة ~~والكرامية وغيرهم فيطردون ما ذكر من الأدلة، ويقولون: لا يكون فاعلا إلا ~~بفعل يقوم بذاته وتكوين يقوم بذاته، والخلق الذي يقوم بذاته غير الخلق الذي ~~هو المخلوق، وهذا هو ما ذكره الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد ~~ومالك في كتبهم، كما ذكره فقهاء الحنفية كالطحاوي وأبي منصور الماتريدي ". # وفي فتاوى الرملي: " أن الكلام القديم هو صفة الله تعالى يجوز أن يسمع ~~بلا صوت ولا حرف؛ كما يرى في الآخرة بلا ms0274 كم ولا كيف، وهذا هو المرجح في ~~كلام الشيخ جلال الدين، ومنع الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ذلك، وهو ~~اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي ". # وتأثر اللاحقين بالماتريدي في الآراء الكلامية أكثر من أن تقوم به هذه ~~الصفحات القليلة، بل إنه يحتاج إلى دراسات مستفيضة، وكيف لا وهو صاحب ذلك ~~المذهب المعروف بمذهب الماتريدية في علم الكلام كما أوضحنا من قبل. # ثالثا: تأثير الماتريدي في علم الفقه: # امتد تأثير الماتريدي في لاحقيه إلى الفقه، فقد أفاد منه العلماء في هذا ~~المجال إفادة جمة، وفي سبيل إثبات ذلك نذكر بعض النماذج الدالة، منها ما ~~ذكر صاحب بدائع الصنائع من " أنه إذا استيقظ فوجد على فخذه أو على فراشه ~~بللا على صورة المذي، ولم يتذكر الاحتلام - فعليه الغسل في قول أبي حنيفة ~~ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجب، وأجمعوا أنه لو كان منيا أن عليه الغسل؛ لأن ~~الظاهر أنه عن احتلام، وأجمعوا أنه إن كان وديا لا غسل عليه؛ لأنه بول ~~غليظ، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه إذا وجد على # PageV01P340 # فراشه منيا فهو على الاختلاف، وكان يقيسه على ما ذكرنا من المسألتين. وجه ~~قول أبي يوسف أن المذي يوجب الوضوء دون الاغتسال، ولهما ما روى إمام الهدى ~~الشيخ أبو منصور الماتريدي بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا رأى الرجل بعدما ينتبه من نومه ~~بلة، ولم يذكر احتلاما اغتسل، وإن رأى احتلاما، ولم ير بلة فلا غسل عليه "، ~~وهذا نص في الباب ". # وفي تفسير قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) ~~الآية، نقل أبو حيان عن الماتريدي قوله: " في الآية دليل على أن المال كله ~~للذكر، إذا لم يكن معه أنثى؛ لأنه جعل للذكر مثل ما للأنثيين، وقد جعل ~~للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر، بقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف) فدل ~~على أن للذكر حالة الانفراد مثلي ذلك، ومثلا النصف هو الكل. انتهى ". # رابعا: تأثير الماتريدي في علوم اللغة: ms0275 # لم يكن تأثير الماتريدي كبيرا في علوم اللغة؛ نظرا؛ لأنه كان لا يعتمد ~~عليها في تفسيره كثيرا، ومع هذا لا نعدم نقلا عنه هنا أو هناك في هذا ~~المجال؛ ومن ذلك ما جاء في التلويح عند الكلام عن قول الله تعالى: (إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40). " ذهب الشيخ الإمام أبو ~~منصور الماتريدي - رحمه الله - إلى أن هذا مجاز عن سرعة الإيجاد، والمراد ~~التمثيل لا حقيقة القول ". # وخلاصة ما سبق أن الماتريدي كان له فضل على لاحقيه لا ينكر، وأن أثره ~~ممتد ومتشعب في مجالات شتى من العلوم: علم الكلام، والفقه، واللغة، ~~والتفسير، وغيرها؛ مما يدل على موسوعية هذا العالم الجليل وفضله الذي لا ~~ينكر في خدمة الإسلام وعلومه. # * * * # PageV01P341 # * وصف نسخ الكتاب الخطية # اعتمدنا في تحقيق " تأويلات أهل السنة للماتريدي " على ثلاث نسخ خطية: ~~نسختين بدار الكتب المصرية، ونسخة بتركيا. # النسخة الأولى: نسخة مصورة منقولة عن المخطوطة المحفوظة بدار الكتب ~~المصرية تحت رقم " 6 " قوله، ومحفوظة أيضا تحت رقم 27306 ب وتقع في ثلاثة ~~مجلدات، ينتهي الأول بورقة 219، والثاني بورقة 440، والثالث بورقة 656. # والنسخة مكتوبة بخط مصطفى بن محمد بن أحمد في سنة 1165 ه، وتشتمل على 656 ~~ورقة، وهي نسخة جيدة كاملة، ليس فيها تآكل سوى الورقة الأولى، وكل صفحة ~~منها تتكون من سبعة وأربعين سطرا، يشتمل كل سطر على نحو خمس وعشرين كلمة. # والمخطوطة الأصلية المصور عنها تقع في مجلد واحد، مذهبة الصفحات تبدأ ~~فيها كل آية بمداد أحمر تكتب به كلمة: قوله، والخط فيها واضح تماما، وبها ~~من هذه النسخة بعض تعليقات، إما تكميل آية وردت بالأصل، أو تعليق على رأى ~~بمزيد توضيح، أو تبيين لمعنى لغوى. # النسخة الثانية: نسخة مصورة منقولة عن النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة ~~كوبريلي # بالآستانة تحت رقم 48، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 873 تفسير، ~~وهي مكتوبة بخط أحمد بن محمد يوسف الخالدي الصفدي الحنفي 818 ه، ولوجد من ~~هذه النسخة بدار الكتب المصرية أجزاء تنتهى بتفسير سورة الإسراء، وتقع ms0276 في ~~1639 ورقة، وفي كل صفحة 35 سطرا تقريبا، ويشتمل كل سطر على نحو 16 كلمة، ~~وخطها واضح في الأغلب منها، ويوجد بعض أجزاء من هذه المصورة في مكتبة معهد ~~المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية بالقاهرة، وقد تم الاعتماد عليها ~~في التحقيق. # النسخة الثالثة: يوجد منها جزء واحد موجود في دار الكتب المصرية في ضمن ~~أجزاء نسخة كوبريلي، ولكنه يختلف عن هذه النسخة من جهات: # - الجزء أصل مخطوط، بينما أجزاء نسخة كوبريلي مصورة. # - ثم إنه بخط يختلف عن خط النسخة. # - وتتكون صفحاته كل صفحة من نحو 28 سطرا، يشتمل كل سطر على 15 كلمة ~~تقريبا. # وهذا يؤكد أن هذا الجزء يختلف عن هذه النسخة، وأنه من نسخة أخرى. # PageV01P342 # وهذا الجزء يبدأ بتفسير سورة " المنافقون " من قوله: (كأنهم خشب مسندة) ~~إلى آخر القرآن الكريم، وعدد صفحاته 256 صفحة، وفيه خرم ورقة أو ورقتين من ~~سورة المزمل. # * * * # PageV01P343 # * صور المخطوط # صورة من نسخة دار الكتب المصرية فيها تفسير سورة الفاتحة # PageV01P344 # صور المخطوط # صورة من نسخة دار الكتب المصرية # PageV01P345 # صورة الصفحة الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية # PageV01P346 # صورة أول فاتحة الكتاب من نسخة مكتبة كوبريلي # PageV01P347 # صورة من نسخة مكتبة كوبريلي # PageV01P348 ### | مقدمة المصنف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي، رضي الله تعالى عنه: ### | الفرق بين التأويل والتفسير # هو ما قيل: التفسير للصحابة، رضي الله عنهم، والتأويل للفقهاء، ومعنى ~~ذلك: أن الصحابة شهدوا المشاهد، وعلموا الأمر الذي نزل فيه القرآن. # فتفسير الآية أهم لما عاينوا وشهدوا، إذ هو حقيقة المراد، وهو كالمشاهدة، ~~لا تسمح إلا لمن علم، ومنه قيل: من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من ~~النار؛ لأنه فيما يفسر يشهد على الله به. # وأما التأويل: فهو بيان منتهى الأمر، مأخوذ من: آل يؤول، أي يرجع، ومعناه ~~- كما قال أبو زيد: لو كان هذا كلام غيره يوجه إلي كذا وكذا من الوجوه، فهو ~~توجيه الكلام إلى ما يتوجه إليه، ولا يقع التشديد في هذا مثل ما يقع في ~~التفسير، إذ ليس فيه ms0277 الشهادة على الله؛ لأنه لا يخبر عن المراد، ولا يقول: ~~أراد الله به كذا، أو عنى، ولكن يقول: يتوجه هذا إلى كذا وكذا من الوجوه، ~~هذا مما تكلم به البشر. والله أعلم ما صحته من الحكمة. # ومثاله: أن أهل التفسير اختلفوا في قوله تعالى: (الحمد لله): # قال بعضهم: إن الله تعالى حمد نفسه. # وقال بعضهم: أمر أن يحمد. # فمن قال: عنى هذا، دون هذا، فهو المفسر له. # وأما التأويل - فهو أن يقول: يتوجه الحمد إلى الثناء والمدح له، وإلى ~~الأمر بالشكر لله عز وجل، والله أعلم بما أراد. # فالتفسير -ذو وجه واحد، والتأويل- ذو وجوه. # * * * # PageV01P349 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة فاتحة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # التسمية هي آية من القرآن، وليست من فاتحة الكتاب. # دليل جعلها آية: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي بن ~~كعب: " لأعلمنك آية لم # PageV01P349 # تنزل على أحد قبلي إلا على سليمان بن داود فأخرج إحدى قدميه، ثم قال له: ~~بأي آية تفتتح بها القرآن؟ قال: ب (بسم الله الرحمن الرحيم). فقال: هي هي ~~". # ففى هذا أنها آية من القرآن، وأنها لو كانت من السور لكان يعلمه نيفا ~~ومائة آية لا آية واحدة. # ولو كانت منها أيضا؛ لكان لا يجعلها مفتاح القرآن، بل يجعلها من السور. # ثم الظاهر أن من لم يتكلف تفسيرها عند ابتداء السورة ثبت أنها ليست منها. # وكذلك ترك الأمة الجهر بها، على العلم بأنه لا يجوز أن يكون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يجهر بها ثم يخفى ذلك على من معه، وأن يكونوا غفلوا ~~ثم يضيعون سنة بلا نفع يحصل لهم، حتى توارثت الأمة تركها فيما يحتمل أن ~~يكون الجهر سنة ثم يخفى، فيكون في فعل الناس دليل واضح أنها ليست من السور. # ودليل آخر على ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الله ~~أنه قال: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: (الحمد لله) ~~إلى قوله: (مالك يوم الدين). فقال: ms0278 هذا لي ". وهي ثلاث آيات. # وقال بعد قوله: (اهدنا) إلى آخرها: " هذا لعبدي "، ثبت أنها ثلاث آيات؛ ~~لتستوي القسمة. # ثم قال في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين): " هذا بيني وبين عبدي نصفين ~~". # PageV01P350 # فثبت أنها آية واحدة؛ فصارت بغير التسمية سبعا. وذلك قول الجميع: إنها ~~سبع آيات مع ما لم يذكر في خبر القسمة؛ فثبت أنها دونها سبع آيات. # وقد روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: " صليت خلف رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - فلم # PageV01P351 # يكونوا يجهرون ب " بسم الله الرحمن الرحيم ". # PageV01P352 # وروى ذلك عن علي - رضي الله عنه - وعبد الله بن عمر وجماعة، وهو الأمر ~~المعروف في الأمة، مع ما جاء في قصة السحر: أن العقد كانت إحدى عشرة، وقرأ ~~عليها المعوذتين دون التسمية؛ فكذا غيرها من السور مع ما إذا جعلت مفتاحا ~~كانت كالتعوذ، والله الموفق. # والأصل عندنا أن المعنى الذي تضمنه فاتحة القرآن فرض على جميع البشر؛ إذ ~~فيه الحمد لله والوصف له بالمجد، والتوحيد له، والاستعانة به، وطلب ~~الهداية، وذلك كله يلزم كافة العقلاء من البشر، إذ فيه معرفة الصانع على ما ~~هو معروف، والحمد له على ما يستحقه، إذ هو المبتدئ بنعمه على جميع خلقه، ~~وإليه فقر كل عبد، وحاجة كل محتاج، فصارت لنفسها -بما جمعت الخصال التي ~~بينا- فريضة على عباد الله. # PageV01P353 # ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تنزيه ~~الله. # والكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها؛ إذ ليس لأحد ألا ينزه ربه، ~~ولا يعظمه من غير أن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة، وفي حق كل مجعولة هي ~~فيه، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت. # ثم ليست هي بفريضة في حق القراءة في الصلاة؛ لوجوه: # أحدها: أن فرضية القراءة عرفنا بقوله: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) وفيها ~~الدلالة من وجهين: # أحدهما: أنه قد يكون غيرها أيسر. # والثاني: أن فرضية القراءة في هذه ms0279 الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا ~~والتيسير، # ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منة إذا بالترك. # ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما ~~يختار من الأيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وبالله التوفيق. # والثاني: أن نبي الله أخبر عن الله: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ~~ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءة، بل ألحق ~~بها حق الدعاء والثناء، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وبالله التوفيق. # والثالث: ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أحيا ليلة بقوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الآية. وبه ~~كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد ". فثبت أنه لا يتعين قراءتها ~~في الصلاة مع ما أيده الخبر الذي فيه # PageV01P354 # " أن ارجع فصل فإنك لم تصل "؛ إذ قال له وقت التعليم: " اقرأ ما تيسر ~~عليك " فثبت أن المفروض ذلك. # وأيضا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب ". # PageV01P355 # ثم روي عنه بيان محلها: " إن كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي ~~خداج، نقصان، غير تمام ". # والفاسد لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان. ~~وبالله التوفيق. # ثم خص فاتحة القرآن بالتأمين بما سمي بالذي ذكره خبر القسمة. # وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاء، فإنه لم يخص بهذا الاسم؛ لذلك لم يجهر ~~به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، مع ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها. # ثم السنة في جميع الدعوات المخافتة. # والأصل: أن كل ذكر يشترك فيه الإمام والقوم فسنته المخافتة إلا لحاجة ~~الإعلام، وهذا يعلم من قوله: (ولا الضالين) فيزول معناه. # وسبيل مثله المخافتة مع ما جاء به مرفوعا ومتوارثا. # وخبر الجهر يحتمل: السبق، كما كان يسمعهم في صلاة النهار أحيانا. ويحتمل: ~~الإعلام، أنه كان يقرأ به. وبالله التوفيق. # ثم جمعت هذه خصالا من الخير، ثم ms0280 كل خصلة منها تجمع جميع خصال الخير. # منها: أن في الحرف الأول من قوله: (الحمد لله رب العالمين) شكرا لجميع ~~النعم، وتوجيها لها إلى الله لا شريك له، ومدحا له بأعلى ما يحتمل المدح، ~~وهو ما ذكرنا من عموم نعمه وآلائه جميع بريته. # PageV01P356 # ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاء البرية كلها، وتحقيق الربوبية له ~~عليها بقوله: (رب العالمين) وكل واحد منها يجمع خصال خير الدارين، ويوجب ~~القائل به -عن صدق القلب- درك الدارين. # ثم الوصف لله -عز وجل- بالاسمين يتعالى عن أن يكون لأحد من معناهما ~~حقيقة، أو يجوز أن يكون منه الاستحقاق نحو " الله " و " الرحمن ". # ثم الوصف بالرحمة التي بها نجاة كل ناج، وسعادة كل سعيد، وبها يتقي ~~المهالك كلها مع ما من رحمته خلق الرحمة التي بها تعاطف بينهم وتراحمهم. # ثم الإيمان بالقيامة بقوله تعالى: (مالك يوم الدين) مع الوصف له بالمجد، ~~وحسن الثناء عليه. # ثم التوحيد، وما يلزم العباد من إخلاص العبادة له، والصدق فيها، مع جعل ~~كل رفعة وشرف منالا به عز وجل. # ثم رفع جميع الحوائج إليه، والاستعانة به على قضائها، والظفر بها على ~~طمأنينة القلب وسكونه، إذ لا خيبة عند معونته، ولا زيغ عند عصمته. # ثم الاستهداء إلى ما يرضيه، والعصمة عما يغويه في حادث الوقت، على العلم ~~بأنه لا ضلال لأحد مع هدايته في التحقيق. # والرجاء والخوف من الله لا من غيره. # وعلى ذلك جميع معاملات العباد، ومكاسبهم على الرجاء من الله تعالى أن ~~يكون جعل ذلك سببا به يصل إلى مقصوده، ويظفر بمراده. ولا قوة إلا بالله. # قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين ~~(4) # قوله عز وجل: (الحمد لله (2) # احتمل: أن يكون جل ثناؤه حمد نفسه؛ ليعلم الخلق استحقاقه الحمد بذاته؛ ~~فيحمدوه. # فإن قيل: كيف يجوز أن يحمد نفسه، ومثله في الخلق غير محمود؟! # قيل له: لوجهين: # أحدهما: أنه استحق الحمد بذاته، لا بأحد؛ ليكون في ذلك تعريف الخلق لما ~~يزلفهم لديه بما أثنى على نفسه؛ ليثنوا عليه. وغيره ms0281 إنما يكون ذلك له به ~~-جل وعز- فعليه: توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه؛ إذ نفسه لا تستوجبه بها، بل ~~بالله تعالى. # PageV01P357 # والثاني: أن الله تعالى حقيق بذلك؛ إذ لا عيب يمسه، ولا آفة تحل به فيدخل ~~نقصان في ذلك. ولا هو خاص بشيء. والعبد لا يخلو عن عيوب تمسه، وآفات تحل ~~به، ويمدح بالائتمار، ويذم بتركه. وفي ذلك تمكن النقصان، وحق لمثله الفزع ~~إلى الله، والتضرع إليه؛ ليتغمده برحمته، ويتجاوز عن صنيعه. # وعلى ذلك معنى التكبير، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره؛ إذ ليس للعبد معنى ~~يستقيم معه تكبره، إذ هم جميعا أكفاء من طريق المحبة، والخلق، وما أدرك أحد ~~منهم من فضيلة أو رفعة فبالله أدركه، لا بنفسه؛ فعليه تنزيه الرب، والفزع ~~إليه بالشكر، لا بالتكبر على أمثاله. والله عن هذا الوصف متعال. # ويحتمل أن يكون قوله: (الحمد لله) على إضمار الأمر، أي: قولوا: الحمد ~~لله؛ لأن الحمد يضاف إلى الله، فلا بد من أن يكون له علينا؛ فأمر بالحمد ~~لذلك. # ثم يخرج ذلك على وجهين: # أحدهما: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " الحمد لله: أي ~~الشكر لله بما صنع إلى خلقه ". # فيخرج تأويل الآية على هذا؛ لأنه -على هذا الترتيب- على الأمر بتوجيه ~~الشكر إليه، وذلك يتضمن الأمر أيضا بكل الممكن من الطاعة على ما روي عن ~~النبي - عليه السلام - " أنه صلى حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا "!. # PageV01P358 # فصير أنواع الطاعات شكرا له، فمن أطاع الله - تعالى - فقد شكر له، فيخرج ~~تأويل الآية على هذا. # والوجه الثاني: أنه يخرج مخرج الثناء على الله - عز وجل - والمدح له، ~~والوصف بما يستحقه، والتنزيه عما لا يليق به، من توجيه النعم إليه، وقطع ~~الشركة عنه في الإنعام والإفضال على عباده. # وعلى ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أن الله - عز ~~وجل - يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا ms0282 قال العبد: الحمد لله ~~رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي "؛ فجعل الحمد هذا الحرف، وصير ~~منه ثناء؛ لوجهين: # أحدهما: أنه نسب الربوبية إليه في جميع العالم، وقطعها عن غيره. # والثاني: أنه سمى ذلك صلاة، والصلاة اسم للثناء والدعاء، وذلك خلاف الذم ~~ونقيضه. # وفي الوصف بالبراءة من الذم مدح، وثناء بغاية المدح والثناء؛ ولذلك يفرق ~~القول بين الحمد والشكر؛ إذ أمرنا بالشكر للناس بما جاء عن رسول الله - ~~عليه السلام -: " إن من لم يشكر الناس لم يشكر الله " صيره بمعنى المجازاة، ~~والحمد بمعنى الوصف بما هو أهله؛ فلم يستحب الحمد إلا لله. وبالله التوفيق. # وقوله: (رب العالمين). # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " سيد العالمين ". والعالم: ~~كل من دب على وجه إلأرض. # وقد يتوجه: " الرب " إلى الربوبية لا إلى السؤدد؛ إذ يستقيم القول برب كل ~~شيء من بني آدم وغيره، نحو رب السماوات والأرضين، ورب العرش ونحوه، وغير ~~مستقيم القول بسيد السماوات ونحوه. # PageV01P359 # وقد يتوجه اسم الرب إلى المالك؛ إذ كل من ينسب إليه الملك يسمى أنه ~~مالكه، ولا يسمى أنه سيد إلا في بني آدم خاصة. # واسم الرب يجمع ذلك كله؛ لذلك كان التوجيه إلى المالك أقرب، وإن احتمل ~~المروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - إذ هو في الحقيقة سيد من ذكر وربهم. ~~والله الموفق. # ثم اختلف أهل التفسير في العالمين: # فمنهم من رد إلى كل ذي روح دب على وجه الأرض. # ومنهم من رد إلى كل ذي روح في الأرض وغيرها. # ومنهم من قال: لله كذا، كذا عالم. # والتأويل عندنا ما أجمع عليه أهل الكلام: أن العالمين: اسم لجميع الأنام ~~والخلق جميعا. وقول أهل التفسير يرجع إلى مثله، إلا أنهم ذكروا أسماء ~~الأعلام، وأهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرهم. # ثم العالم اسم للجميع، وكذلك الخلق، ثم تعريف ذلك بالعالمين والخلائق ~~يتوجه إلى جمع الجمع، من غير أن يكون في التحقيق تفاوت، وقد يتوجه إلى عالم ~~كل زمان وكذا خلق كل زمان على حكم تجدد ms0283 العالم. وبالله التوفيق. # وفي ذلك أن الله - عز وجل - ادعى لنفسه: رب العالمين كلهم، من تقدم ~~وتأخر، ومن كان ويكون، ولم يقدر أحد أن ينطق بالتكذيب، يدعي شيئا من ذلك ~~لنفسه؛ فدل ذلك على أن لا رب غيره، ولا خالق لشيء من ذلك سواه؛ إذ لا يجوز ~~أن يكون حكيم أو إله ينشئ ويبدع ولا يدعيه، ولا يفصل ما كان منه ما كان ~~لغيره، وبنفسه قام ذلك لا بغيره؛ وعلى ذلك معنى قوله تعالى: (وما كان معه ~~من إله إذا لذهب كل إله بما خلق) فهذا - مع ما في اتساق التدبير، واجتماع ~~التضاد، وتعلق حوائج بعض ببعض، وقيام منافع بعض ببعض، على تباعد بعض من بعض ~~وتضادها - دليل واضح على أن مدبر ذلك كله واحد، وأنه لا يجوز كون مثل ذلك ~~من غير مدبر عليم. والله المستعان. # * * * # وقوله: (الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) # اسمان مأخوذان من الرحمة، لكنه روى فيهما: رقيقان أحدهما أرق من الآخر، ~~وكأن الذي روي عنه هذا أراد به لطيفان أحدهما ألطف من الآخر، دليل ذلك ~~وجهان: # أحدهما: مجيء الأثر في ذلك -اللطيف- في أسماء الله تعالى مع ما نطق به # PageV01P360 # الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق. # ومعنى اللطيف: استخراج الأمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: (إنها إن تك ~~مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة) إلى قوله: (لطيف خبير)، وبالله التوفيق. # والثاني: أن اللطيف حرف يدل على البر والعطف. # والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة، كما يقال: فلان رقيق ~~القلب. # وإذا قيل: فلان لطيف، فإنما يراد به بار: عاطف؛ فلذلك يجوز: لطيف، ولا ~~يجوز: رقيق، وكذلك فسر من فسر " الرحمن " بالعاطف على خلقه بالرزق. # وذهب بعضهم -وهو الأول- إلى اللطافة وذلك بعيد، وإنما هو من اللطف. # وقوله: أحدهما أرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين: # أحدهما: التحقيق بأن اللطف بأحد الحرفين أخص وأليق، وأوفر وأكمل، فذلك ~~رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ~~ولذا ذكر أمته وإن أشركهم في الرزق فيما ms0284 يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: ~~رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، ~~مطلقا؟! وبالله التوفيق. # ووجه آخر: أن أحدهما ألطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر ~~وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه ~~كل حرف. وبالله التوفيق. # ثم في هذا أن اسم " الرحمن " هو المخصوص به الله لا يسمى به غيره، و " ~~الرحيم " يجوز تسمية غيره به؛ فلذلك يوصف أن " الرحمن " اسم ذاتي، و " ~~الرحيم " فعلي، وإن احتمل أن يكونا مشتقين من الرحمة؛ ودليل ذلك: إنكار ~~العرب " الرحمن "، ولا أحد منهم أنكر " الرحيم "، حيث قالوا: (قالوا وما ~~الرحمن أنسجد لما تأمرنا)، وذلك قوله: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعوا)، يدل على أنه ذاتي لا فعلي، وإن كان الفعل صفة الذات؛ إذ محال ~~صفته بغيره؛ لما يوجب ذلك الحاجة إلى غيره ليحدث له الثناء والمدح. وفي ذلك ~~خلق الخلق لنفع الامتداح، وهو عن ذلك متعال، بل بنفسه مستحق لكل حمد ومدح، ~~ولا قوة إلا بالله. # وروي في خبر القسمة: " أن العبد إذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ~~أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي ". وذكر أنه قال ~~في الأول: بالتمجيد، وفي الثاني: بالثناء، وذلك واحد؛ لأن معنى الثناء ~~الوصف بالمجد والكرم # PageV01P361 # والجود، والتمجيد هو الوصف بذلك، وبالله التوفيق. # ثم أجمع على أن قوله: (مالك يوم الدين (4) أنه يوم الحساب والجزاء. وعلى ~~ذلك القول: (أإنا لمدينون)، وقوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) ~~وهو الجزاء. # ومن ذلك قول الناس: " كما تدين تدان ". # وجائز أن يكون (مالك يوم الدين) على جعل ذلك اليوم لما يدان اليوم؛ إذ به ~~يظهر حقيقته، وعظم مرتبته، وجليل موقعه عند ربه. # وفي الآية دلالة وصف الرب بملك ما ليس بموجود لوقت الوصف بملكه، وهو يوم ~~القيامة. # ثبت أن الله بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره. # ولذلك قلنا نحن: هو خالق ms0285 لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم ~~يزل -وإن كان ما عليه وقع ذلك لم يكن- وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل ~~شيء في الأزل -وإن كانت الأشياء حادثة- كما قال: (مالك يوم الدين) وإن كان ~~اليوم بعد غير حادث. وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) # وقوله: (إياك نعبد). # فهو -والله أعلم- على إضمار الأمر، أي: قل: ذا. ثم لم يجعل له أن يستثني ~~في القول به، بل ألزمه القول بالقول فيه. ثم هو يتوجه وجهين: # أحدهما: يحال القول به على الخبر عن حاله؛ فيجب ألا يستثنى في التوحيد، ~~وأن من يستثني فيه عن شك يستثنى. # والله - تعالى - وصف المؤمنين بقوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا. . .) الآية. # وكذلك سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال فقال: " ~~إيمان لا شك فيه ". # PageV01P362 # والثاني: عن الأحوال التي ترد في ذلك. لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد ~~المذهب لم يجز الشك فيه؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات، إنما تعتقد للأبد؛ ~~لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد. وبالله التوفيق. # ثم قوله: (إياك نعبد) يتوجه وجهين: # أحدهما: إلى التوحيد، وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ~~" كل عبادة في القرآن فهو توحيد ". # والوجه الآخر: أن يكون على كل طاعة أن يعبد الله بها، وأصلها يرجع إلى ~~واحد؛ لما على العبد أن يوحد الله - تعالى - في كل عبادة لا يشرك فيها ~~أحدا، بل يخلصها فيكون موحدا لله تعالى بالعبادة والدين جميعا. # وعلى ذلك قطع الطمع، والخوف، والحوائج كلها عن الخلق. # وتوجيه ذلك إلى الله تعالى بقوله: (أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد) وعلى ذلك المؤمن لا يطمع في الحقيقة بأحد غير الله، ولا يرفع إليه ~~الحوائج، ولا يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن الله جعله سببا لوصول بلاء من ~~بلاياه إليه على يديه؛ فعلى ذلك يخافه، ms0286 أو يرجو أن يكون الله تعالى جعل سبب ~~ما دفعه إليه على يديه، فبذلك يرجو ويطمع، فيكون ذلك من الضالين، فيكون في ~~ذلك التعوذ من جميع أنواع الذنوب، والاستهداء إلى كل أنواع البر. # وقوله: (وإياك نستعين). # فذلك طلب المعونة من الله تعالى على قضاء جميع حوائجه دينا ودنيا. # ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله: (إياك نعبد) على طلب ~~التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذره عنه، وكذلك الأمر البين في الخلق من ~~طلب التوفيق، والمعونة من الله، والعصمة عن المنهي عنه جرت به سنة الأخيار. ~~والله الموفق. # PageV01P363 # ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونة على أداء ما كلف قد ~~أعطى؛ # PageV01P364 # إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفا قد بقي شيء -مما به أداء ما كلف- ~~عند الله، وطلب ما أعطي كتمان العطية، وكتمان العطية كفران؛ فيصير كأن الله ~~أمر أن يكفر نعمه ويكتمها ويطلبها منه تعنتا. وظن مثله بالله كفر. # ثم لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعطه التمام إذا، أو ليس ~~عنده فيكون طلبه استهزاء به، إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس عنده فهو ~~هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع ~~التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا ~~يعطى، أو ليس له ألا يعطى فكأنه قال: اللهم لا تجر. # ومن هذا علمه بربه فالإسلام أولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو الله أحد ~~بالمعونة إلا ويطمئن قلبه أنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، ~~وليس مثله يملك الله عند المعتزلة. ولا قوة إلا بالله. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خبر القسمة: " الله ~~يقول: هذا بيني وبين عبدي نصفين ". # وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعا الفزع إلى الله ~~بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار ms0287 غناه -جل وعلا- عنه؛ فيتضمن ~~ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه. # ويحتمل: أن يكون الحرف الأول لله بما فيه عبادته وتوحيده، والثاني للعبد ~~بما فيه # PageV01P365 # طلب معونته وقضاء حاجته. # ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أخرج على الدعاء فقال الله - عز وجل -: " هذا ~~لعبدي، ولعبدي ما سأل ". # وقوله: (اهدنا (6) # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أرشدنا. # والإرشاد، والهداية واحد، بل الهداية في حق التوفيق أقرب إلى فهم الخلق ~~من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم. # ثم القول بالهداية يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: البيان. ومعلوم أن البيان قد تقدم من الله لا أحد يريد به ذلك ~~لمضي ما به البيان من كتاب وسنة، وإلى هذا تذهب المعتزلة. # والثاني: التوفيق له، والعصمة عن زيغه. وذلك معنى قولهم: " اللهم اهدنا ~~فيمن هديت "، وقوله: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين)، ووصفهم إلى ~~آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم ~~في ذلك سواء، فثبت أنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه. # والثالث: أن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، ~~وكل ما يفعله خلق؛ كأنه قال: اخلق لنا هدايتنا، وهو الاهتداء منا. وبالله ~~التوفيق. # ثم تأويل طلب الهداية، ممن قد هداه الله يتوجه وجهين: # أحدهما: طلب الثبات على ما هداه الله، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، ~~أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أحدهما بصره ~~عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر. # ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرء ضد الهدى، فيهديه مكانه أبدا ~~فيكون له حكم الاهتداء؛ إذ في كل وقت إيمان منه دفع به ضده. # وعلى ذلك قوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله. . .) الآية، ونحو ذلك ~~من الآيات. # وقد يحتمل أيضا معنى الزيادة هذا النوع. وبالله التوفيق. # وأما (الصراط) فهو الطريق والسبيل في جميع التأويل وهو قوله: (وأن هذا ~~صراطي .. ) # PageV01P366 # ) هو الآية، وقوله: (قل هذه سبيلي). # ثم اختلفوا فيما يراد به: # فقال بعضهم: هو القرآن. # وقال بعضهم: ms0288 هو الإيمان. # وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيم الذي لا اختلاف فيه، من ~~لزمه وصل إلى ما ذكر. وبالله التوفيق. # وقوله: (المستقيم). # قيل: هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأدلة، لا يزيله شيء، ولا ينقض ~~حججه كيد الكائدين، ولا حيل المريبين. # وقيل: (المستقيم) والذي يستقيم بمن تمسك به حتى ينجيه، ويدخله الجنة. # وقيل: (المستقيم) بمعنى: يستقام به؛ كقوله: (والنهار مبصرا)، أي: يبصر ~~به. يدل عليه قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. . .) الآية. ~~فالمستقيم هو المتبع له. وبالله التوفيق. # ثم ذكر من ذكر من المنعم عليهم؛ ولله على كل مؤمن نعم بالهداية. # وما ذكر دليل على أن " الصراط " هو الدين؛ لأنه أنعم به على جميع ~~المؤمنين. # لكن تأويل من يرد إلى الخصوص يتوجه وجهين: # أحدهما: أنه أنعم عليهم بمعرفة الكتب والبراهين، فيكون على التأويل ~~الثاني من القرآن والأدلة. # والثاني: أن يكون لهم خصوص في الدين قدموا به على جميع المؤمنين؛ كقول ~~داود، وسليمان: (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)، وعلى ~~هذا الوجه يكون (اهدنا). # PageV01P367 # ووجه آخر: وهو المخصوص الذي خص به كثيرا من المؤمنين من بين غيرهم، لكن ~~الثنيا يدل على صرف الإرادة إلى جملة المؤمنين؛ إذ انصرف إلى غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين. # وقوله: (صراط الذين أنعمت عليهم (7) # على قول المعتزلة: ليس لله على أحد من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب ~~عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمة من الله على أحد إلا الأصلح في الدين ~~والبيان للسبيل المرضي، وتلك قد كانت على جميع الكفرة فيبطل على قولهم ~~الثنيا. والله الموفق. # ثم اختلف في (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). # منهم من قال: هو واحد؛ إذ كل ضال قد استحق الغضب عليه، وكل مغضوب عليه ~~استحق الوصف بالضلال. # ومنهم من قال: (المغضوب عليهم) هم اليهود، وإنما خصوا بهذا: بما كان منهم ~~من فضل تمرد وعتو لم يكن ذلك من النصارى نحو إنكارهم بعيسى، وقصدهم قتله ~~مما لم يكن ذلك من النصارى. # ثم قولهم في الله: ms0289 (يد الله مغلولة. . .) الآية. وقولهم: (لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير. . .) الآية. وقول الله تعالى فيهم: (لتجدن ~~أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود. . .) الآية. # وكفرهم برسول الله - عز وجل - بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ ~~فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهم، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال. ~~وبالله التوفيق. # وفي هذا وجه آخر: أن يحمل الذنوب على وجهين: # منها ما يوجب الغضب -وهو الكفر- ومنها ما يوجب اسم الضلال -وهو ما دونه- ~~كقول موسى: (فعلتها إذا وأنا من الضالين). # ورؤية الهداية لأهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته ~~وغضبه -وبالله النجاة والخلاص- مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب ~~العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذ قال: " قسمت الصلاة ~~بيني وبين عبدي نصفين " ثم صير آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار ~~الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما ~~وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أنه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما ~~أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده. # فأنى يحتمل ذلك بعد أمره العبد بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع ~~لؤمه # PageV01P368 # وجفائه، والله بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟! # لا يكون هذا ألبتة، وقد قال: (ادعوني أستجب لكم)، وغير ذلك مما فيه ~~الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد. # ثم قد جعلت -بما جاء من الحديث في تلاوتها- أن قدمها على التوراة، ~~والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاء من أنواع الأدواء للدين، ~~والنفس، والدنيا، وجعلها معاذا من كل ضلال، وملجأ إلى كل نعمة. وبالله ~~نستعين. # مع ما أوضح -في الأسماء التي لقب فيها فاتحة القرآن- عظيم موقعه، وجليل ~~قدره، وهو أن سماه فاتحة القرآن بما به يفتح القرآن، وكذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفتتح القراءة به وسمى فاتحة الكتاب ~~بما به يفتتح كتابة المصاحف والقرآن. # وسمى أم القرآن لما يؤم غيره في القراءة. # وقيل: ms0290 الأم بمعنى الأصل، وهو ألا يحتمل شيء مما فيه النسخ ولا الرفع فصار ~~أصلا. # وسمى المثاني؛ لما يثنى في الركعات، ولا قوة إلا بالله. # وفي قوله: (اهدنا) إلى آخره وجهان سوى ما ذكرنا؛ إذ قوله: (اهدنا الصراط ~~المستقيم) دعاء كاف عما تضمن إلى آخر السورة؛ إذ ليس فيها غير تفسير هذه ~~الجملة. # أحدهما: تذكير نعم الله على الذين يقبلون دينه في قلوبهم، والتوفيق لهم ~~بذلك، وأفضاله عليهم بما ليس لهم عليه. # والثاني: تعوذهم عن كل زيغ ومقت، وضلال، وذنب، والتجاؤهم إليه في ذلك ~~بقوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). # * * * # PageV01P369 # تفسير ### | سورة البقرة # بسم الله الرحمن الرحيم # (وبه نستعين على القوم الكافرين) # قوله تعالى: (الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون (5) # وقيل: فيه وجوه: # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قوله: (والم) أنا الله أعلم. # وقيل: إنه قسم أقسم بها. # وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة. # وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماء الله: الألف الله، ~~واللام لطفه، والميم ملكه. # وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجده. # وقيل: إن الألف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد. # وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو ~~الشعر ونحوه. # وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما ألحق ذكرها بها على أثرها نحو ~~قوله: # PageV01P370 # (الم (1) ذلك الكتاب) أول سورة البقرة، (ذلك الكتاب) هو تفسير (الم)، و ~~(الم (1) الله لا إله إلا هو) أول سورة آل عمران، و (المص (1) كتاب أنزل ~~إليك) أول سورة الأعراف، و (الر كتاب أحكمت) أول سورة هود، وإبراهيم، و ~~(الم (1) تلك آيات الكتاب) أول سورة لقمان، كل ملحق بها فهو تفسيرها. # وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأمة من حساب الجمل، ولكنهم عدوا بعضها ~~وتركوا البعض. # وقيل: إنه من المتشابه الذي ms0291 لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن ~~عباده بما شاء من المحن. # وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: (لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه)، وكقوله: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) ~~فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة. # والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القسم بها على ما ذكرنا. # وأريد بالقدر الذي ذكر كلية الحروف بما كان من شأن العرب القسم بالذي جل ~~قدره، وعظم خطره. وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أجمع. ~~مع ما دلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع ~~الحكمة، فأقسم بها على معنى إضمار ربها، أو على ما أجل قدرها في أعين ~~الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله. # ويحتمل: أن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمرا جليلا يعظم ~~خطره على ما عند الناس في أمر حساب الجمل. ثم يخرج على الرمز بها عن أسماء ~~الله وصفاته ونعمه على خلقه، أو على بيان منتهى هذه الأمة، أو عدد أئمتها، ~~وملوكها، والبقاع التي ينتهى أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل ~~بالاكتفاء بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاء بها عن ~~البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليعلم الخلائق قدرة الله، وأن له أن يضمن ما شاء ~~فيما شاء على ما عليه أمر الخلائق من لطيف الأشياء التي كادت العقول وأسباب ~~الإدراك تقصر عنها، وكنهها التي يدركها كل أحد، وبين الأمرين، فعلى ذلك أمر ~~تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله. # PageV01P371 # ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاء كما سمى كتبه، وعلى ~~ذلك منتهى أسماء الأجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصل كل سورة ~~فتحت بها إليها، كأنه بنى بها. ولا قوة إلا بالله. # ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام ~~والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن ms0292 المقصود بذلك ~~الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل. # ألا ترى أنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أنه على وجه ~~ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أمر التشبيب. ولا قوة إلا بالله. # وجائز: أن يكون الله أنزلها على ما أراد؛ ليمتحن عباده بالوقف فيها، ~~وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أنه من المتشابه، ~~وفيها جاء تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله. # ويحتمل: أن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: (لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه)، أنزل على وجه يبعثهم على التأمل في ذلك ~~بما جاء بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أنه كأحدهم، أو ~~لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم ~~بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياء؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأحرف بالتأمل ~~فيها من بين الجميع. ولا قوة إلا بالله. # وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أعلم بما أراد. # وقوله: (ذلك الكتاب (2) # أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا. # وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أيدي السفرة والبررة. # وقوله: (لا ريب فيه). # قيل: فيه وجوه؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: # أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله. # وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أيدي الأمناء والثقات. # وقوله: (هدى). # قيل فيه بوجهين: # PageV01P372 # (هدى): أي: بيانا ووضوحا، فلو كان المراد هذا، فالتقي وغير التقي سواء. # والثاني: هدى أي: رشدا، وحجة، ودليلا. # ثم اختلفوا في الدليل: # فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلا بالاستدلال؛ لأنه فعل المستدل. ~~مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره. # وقال غير هؤلاء: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأنه حجة، والحجة ~~حجة وإن لم يحتج بها. غير أن الدليل يكون دليلا بالاستدلال، ومن لم يستدل ~~به فلا يكون له دليلا، وإن كان بنفسه دليلا، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ~~(فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ms0293 وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا). # وقوله: (للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب (3) # قيل: فيه بوجهين: # يؤمنون بالله غيبا، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأمم السالفة، من أنبيائهم؛ ~~كقول بني إسرائيل لموسى: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة). # والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعد والوعيد، ~~والأمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار. والإيمان إنما يكون بالغيب؛ لأنه ~~تصديق، والتصديق والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبر يكون عن غيب لا عن ~~مشاهدة. # والآية تنقض قول من يقول: بأن جميع الطاعات إيمان؛ لأنه أثبت لهم اسم ~~الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: (الذين يؤمنون بالغيب). # وقوله: (ويقيمون الصلاة). # يحتمل وجهين: # PageV01P373 # يحتمل: الصلاة المعروفة، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوع، ~~والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النية؛ على ما جاء في الخبر " انظر من ~~تناجي ". # ويحتمل: الحمد له والثناء عليه. فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ~~ولا الرفع في الدنيا والآخرة. # وقوله: (ومما رزقناهم ينفقون). # من الأموال يحتمل فرضا ونفلا. # ويحتمل: (ومما رزقناهم) من القوى في الأنفس وسلامة الجوارح، (ينفقون): ~~يعينون. والله أعلم. # وقوله: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك (4) # يحتمل وجهين: # أي: ما أنزل إليك من القرآن. # ويحتمل: ما أنزل إليك من الأحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن. # (وقوله: (وما أنزل من قبلك). # يحتمل وجهين أيضا: # يعني الكتب التي أنزلت على سائر الأنبياء عليهم السلام. # ويحتمل: الشرائع، والأخبار سوى الكتب، والله أعلم. # وقوله: (وبالآخرة هم يوقنون). # بمعنى يؤمنون. # والإيقان بالشيء هو العلم به. والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أيقن آمن به ~~وصدق به لعلمه به؛ لأن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: (إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين)، فأخبر عز وجل عن حال هؤلاء أنهم على يقين، ~~ليسوا على الظن والشك كأولئك. # وقوله: (أولئك على هدى من ربهم (5) # PageV01P374 # قيل: على صواب، ورشد من ربهم. # وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمن أحق به من الكافر؛ ~~لأنه يبين للكافر جميع ما يحتاج ms0294 إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة ~~السمع. فظهر بهذا أن الأول أقرب إلى الاحتمال من الثاني. # وقوله: (وأولئك هم المفلحون). # قيل فيه بوجوه: # قيل: الباقون في نعم الله والخير. # وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أفلح، أي: ظفر بحاجته. # وقيل: (المفلحون) هم السعداء، يقال: أفلح، أي: سعد. # وقيل: (المفلحون) الناجون؛ يقال: أفلح، أي: نجا. وكله يرجع إلى واحد؛؛ ~~كقوله: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) وكل واحد ممن زحزح عن ~~النار فقد فاز ومن أدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأول. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ~~(6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # وقوله: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) # هذا - والله أعلم - في قوم خاص، علم الله أنهم لا يؤمنون، فأخبر عز وجل ~~رسوله بذلك، فكان كما قال. # وفيه آية النبوة. # ويحتمل أيضا: أنهم لا يؤمنون ما داموا في كفرهم؛ كقوله: (والله لا يهدي ~~القوم الظالمين). # والكافرون ما داموا كافرين ظالمون. # وقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم (7) # PageV01P375 # روي عن الحسن: " إن للكافر حدا إذا بلغ ذلك الحد، وعلم الله منه أنه لا ~~يؤمن، طبع على قلبه حتى لا يؤمن ". # وهذا فاسد على مذهب المعتزلة لوجهين: # أحدهما: أن مذهبهم أن الكافر مكلف، وإن كان قلبه مطبوعا عليه. # والثاني: أن الله - عز وجل - عالم بكل من يؤمن في آخر عمره، وبكل من لا ~~يؤمن أبدا، بلغ ذلك الحد أو لم يبلغ. # فعلى ما يقوله الحسن إيهام أنه لا يعلم ما لم يبلغ ذلك. # والمعتزلة يقولون: إن قوله: (ختم)، و (طبع) يعلم علامة في قلبه أنه لا ~~يؤمن كإعلام الكتب والرسائل. # ولكن عندنا: ms0295 خلق ظلمة الكفر في قلبه. # والثاني: خلق الختم والطبع على قلبه إذا فعل فعل الكفر؛ لأن فعل الكفر من ~~الكافر مخلوق عندنا، فخلق ذلك الختم عليه؛ وهو كقوله: (وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة) أي: خلق الأكنة. وغيره من الآيات. # PageV01P376 # والأصل في ذلك: أنه ختم على قلوبهم لما تركوا التأمل، والتفكر في قلوبهم ~~فلم يقع، وعلى سمعهم لما لم يسمعوا قول الحق والعدل، خلق الثقل عليه، وخلق ~~على أبصارهم الغطاء لما لم ينظروا في أنفسهم، ولا في خلق الله ليعرفوا ~~زوالها وفناءها وتغير الأحوال؛ ليعلموا أن الذي خلق هذا دائم لا يزول أبدا. # وقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) # إخبار منهم أنهم قالوا ذلك بألسنتهم قولا، وأظهروا خلاف ما في قلوبهم؛ ~~فأخبر عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام: أنهم ليسوا بمؤمنين، أي: بمصدقين ~~بقلوبهم. # وكذلك قوله: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم). # وكذلك قوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية. # هذه الآيات كلها تنقض على الكرامية؛ لأنهم يقولون: الإيمان قول باللسان ~~دون التصديق. فأخبر الله - عز وجل - عن جملة المنافقين أنهم ليسوا بمؤمنين ~~لما لم يأتوا بالتصديق، وهذا يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب. # PageV01P377 # والكرامية يقولون: بل هم مؤمنون. # وقوله: (يخادعون الله والذين آمنوا (9) # لا يقصد أحد مخادعة الله، لكنهم كانوا يقصدون مخادعة المؤمنين، وأولياء ~~الله، فأضاف الله عز وجل ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدرهم، وارتفاع منزلتهم عند ~~الله؛ وهو كقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)، والله لا يحتاج أن ينصر، ولكن ~~كأنه قال: إن تنصروا أولياء الله ينصركم؛ وهو كقوله: (إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله) والله لا يبايع، ولكن إضافة ذلك إلى نفسه؛ لعظم قدر ~~نبيه، وعلو منزلته عند الله تعالى، فكذلك الأول أضاف مخادعتهم أولياءه إلى ~~نفسه لعلو منزلتهم عند الله وقدرهم لديه. # والمخادعة هو فعل اثنين؛ لخداع هؤلاء بحضور المؤمنين؛ لذلك المعنى ذكر ~~المفاعلة. والله أعلم. # وقوله: (وما يخدعون إلا أنفسهم). # الأول: أي حاصل خداعهم، ووباله يرجع ms0296 إليهم. # والثاني: أنهم يظهرون لهم الموافقة ليأمنوا، فلحقهم خوف دائم بذلك الخداع ~~في الدنيا. # وقوله: (وما يشعرون). # الأول: أي: ما يشعرون أن حاصل الخداع يرجع إليهم في الآخرة. # والثاني: ما يشعرون أن الله يظهر، ويطلع نبيه على ما أضمروا هم في ~~قلوبهم، والله أعلم. # وقوله: (في قلوبهم مرض (10) # يقال: شك ونفاق؛ سمى عز وجل المنافقين مرضى؛ لاضطرابهم في الدين؛ لأنهم ~~كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب؛ فكان ~~حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة؛ إذ المريض يشرف - ربما ~~- على الموت، ويرجو الإقبال عليه منه ثانيا؛ فهو مضطرب بين ذلك، فكذلك هم، ~~لما كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى. # PageV01P383 # وأما سائر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين، بل أظهروا بالقول على ما ~~أضمروا بالقلب؛ فسماهم موتى، لما لم ينتفعوا بحياتهم، ولم يكتسبوا الحياة ~~الدائمة. # وسمى المؤمنين أحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، واكتسبوا الحياة الدائمة، ~~لموافقتهم باللسان والقلب جميعا لدين الله - عز وجل - والله أعلم. # وقوله: (فزادهم الله مرضا). # اختلف في تأويله: # قالت المعتزلة: هو التخلية بينهم وبين ما اختاروا. # وأما عندنا: فهو على خلق أفعال زيادة الكفر والنفاق في قلوبهم، لما زادوا ~~هم في كل وقت من إظهار الموافقة للمؤمنين بالقول، وإضمار الخلاف لهم ~~بالقلب، خلق الله عز وجل تلك الزيادة من المرض في قلوبهم باختيارهم. # وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم في قوله: (اهدنا). # وقوله: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). # لأن عذاب الدنيا قد يكون ولا ألم فيه؛ فأخبر الله عز وجل أن عذاب الآخرة ~~عذاب شديد عظيم، ليس كعذاب الدنيا. # * * * # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ~~(11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن ~~الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ~~(13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~(15) أولئك ms0297 الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(16) # وقوله: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض). # بالمخادعة للمؤمنين، وإظهار الموافقة لهم بالقول، وإضمار الخلاف لهم ~~بالقلب، والاستهزاء بهم عند الخلوة، والقول فيهم بما لا يليق بهم، وعبادة ~~غير الله. وأي فساد أكبر من هذا؟!. # وقوله: (قالوا إنما نحن مصلحون). # بإظهار الموافقة بالقول. # وقوله: (ألا إنهم هم المفسدون (12) # أخبر تعالى أنهم هم المفسدون؛ لما أضمروا من الخلاف لهم، والمخادعة، ~~والاستهزاء بهم. # PageV01P384 # وقوله: (ولكن لا يشعرون). # الأول: أي: لا يشعرون أن حاصل ذلك لا يرجع إليهم. # والثاني: لا يشعرون أن ما كانوا يفعلون الفساد. # فإن كان هذا فهو ينقض قول من يقول: بأن الحجة لا تلزم إلا بالمعرفة، وهو ~~قول الناس؛ لأنه عز وجل أخبر بفساد صنيعهم، وإن لم يشعروا به. # وهو كقوله أيضا: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) أخبر بحبط الأعمال ~~وإن كانوا لا يعلمون. # وقوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس (13) # تحتمل الآية: أن تكون في المنافقين، وتحتمل: في أهل الكتاب. # فإن كانت في المنافقين فكأن قوله: آمنوا يا أهل النفاق في السر ~~والعلانية، كما امن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في السر والعلانية ~~جميعا، وهو كقوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا). # وإن كان في أهل الكتاب ففيه الأمر بالإيمان الذي هو إيمان، وهو التصديق. ~~والإيمان عندنا هو التصديق بالقلب؛ دليله قول جميع أهل التأويل والأدب أنهم ~~فسروا (آمنوا): صدقوا في جميع القرآن. # وقوله: (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) الآية. # السفه: هو ضد الحكمة، وهو العمل بالجهل على العلم أنه يبطل، والجهل هو ضد ~~العلم. والسفه هو الشتم؛ يقول الرجل لآخر: يا سفيه. # وقوله: (ألا إنهم هم السفهاء). # يقول بعض المتكلمين: إن هذا شتم من الله لهم، جوابا على المؤمنين، ~~ويستجيزون ذلك على الجواب، وإن لم يجز على الابتداء، كالمكر، والكيد، ~~والاستهزاء، والخداع ونحوه، فعلى ذلك هذا. # وأما عندنا فهو غير جائز؛ لأن من يشتم آخر يذم عليه، وهو عمل السفهاء. ~~فأخبر ms0298 عز وجل: أنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أن دينهم الذي يدينون ~~به باطل، وأن الدين الذي يدين به المؤمنون حق. # وقوله: (ولكن لا يعلمون). # قيل فيه بوجهين: # أحدهما: لا يعلمون أنهم هم السفهاء. # PageV01P385 # والثاني: لا يعلمون ما يحل بهم من العذاب لذلك، والله أعلم. # وقوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا (14) # يعني: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (قالوا آمنا). # أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويضمرون لهم الخلاف في السر. # وقوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم). # قيل فيه بأوجه: # قيل: إن شياطينهم؛ يعني الكهنة؛ سموا بذلك لبعدهم عن الحق. # يقال: شطن، أي: بعد. # وقيل: إن كل عات ومتمرد يسمى شيطانا لعتوه وتمرده؛ كقوله: (شياطين الإنس ~~والجن) سموا بذلك لعتوهم وتمردهم؛ إذ من قولهم: إن الشياطين أصلهم من الجن. # وقيل: سموا شياطين؛ لأنه كان مع كل كاهن شيطان يعمل بأمره، فسموا ~~بأسمائهم؛ وذلك جائز في اللغة جالي، والله أعلم. # وقوله: (قالوا إنا معكم). # قيل: فيه وجهان: # الأول: أي: معكم في القصد والمعونة. # والثاني: إنا معكم، أي: على دينكم لا على دين أولئك، والله أعلم. # قوله: (إنما نحن مستهزئون). # بإظهار الموافقة لهم في العلانية، وإظهار الخلاف لهم في السر. # وقوله: (الله يستهزئ بهم (15) # قيل فيه بوجوه: # قيل: يجزيهم جزاء الاستهزاء. # وكذلك قوله: (يخادعون الله وهو خادعهم) أي: يجزيهم جزاء المخادعة، وكذلك ~~قوله: (ومكروا ومكر الله) أي: يجزيهم جزاء # PageV01P386 # المكر، يحمل على الجزاء؛ لما لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاء ~~مبتدأ إلى الله؛ لأنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز ~~وجل؟! # وقال بعضهم: يجوز إضافة الاستهزاء إلى الله، وإن كان لا يجوز من الخلق أن ~~يستهزئ بعضهم من بعض، كالتكبر، يجوز لله ولا يجوز للخلق؛ لأن الخلق أشكال ~~بعضهم لبعض وأمثال، والله - عز وجل - لا شكل له ولا مثل. # وكذلك الاستهزاء يجوز له، ولا يجوز لغيره؛ لأن الاستهزاء هو الاستخفاف، ~~فلا يجوز أن يستخف ممن هو مثله في الخلقة، وما خلق له من الأحداث والغير، ~~والله تعالى يتعالى عن ms0299 ذلك. والأول أقرب، والله أعلم. # أو أضاف استهزاء المؤمنين بهم إلى نفسه كما ذكرنا في المخادعة. # ثم اختلف في كيفية الاستهزاء: # فقال الكلبي: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فيدنون منه، ثم يغلق دونهم. ~~فإن ثبت ذا فهو كما قال. # وقيل: إنه يرفع لأهل الجنة نور يمضون به، قيقصد أولئك المضي معهم بذلك ~~النور، ثم يطفأ ذلك النور؛ فيتحيرون وهو قولهم: (انظرونا نقتبس من نوركم ~~قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا). # وقيل: أن يعطي لهم في الدنيا ما ينتفعون به من أنواع النعم ظاهرا على ما ~~أظهروا لهم الموافقة في العلانية، ويحرم لهم ذلك في الآخرة بإضمارهم الخلاف ~~لهم في السر. # وقوله: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون). # الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون؛ كقوله: (أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون) # PageV01P387 # غير أن هذه في المنافقين والأولى في الكفرة. # وهى تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يقدر أن يستنقذهم ~~في حال الاختيار، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار، فأخبر عز ~~وجل: أنه يستنقذهم على فعل الطغيان. # وقوله: (ويمدهم) أي: يخلق فعل الطغيان فيهم. # ويحتمل: أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم. # ويحتمل: أنه لم يهدهم ولم يوفقهم. # وفي هذا إضافة المد إلى الله. وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا ~~لمدح، والمدح يكون بالأوجه الثلاثة التي بينا، وفي هذا أنه إذا كان هو الذي ~~يمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان؛ فدل أن الله خالق فعل ~~العباد؛ إذ من قولهم: إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شيء قدر على ~~ضده. # والعمه: الحيرة في اللغة. # قوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى (16) # أي: اختاروا الضلالة على المدعو إليه -وهو الهدى- من غير أن كان عندهم ~~الهدى، فتركوه بالضلالة. # وهو كقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات) من غير أن كانوا فيه، فكذلك الأول، تركوا ~~الهدى بالضلالة ابتداء. # وقيل: الضلالة: الهلاك؛ أي: اختاروا ما ms0300 به يهلكون على ما به نجاتهم، وإن ~~كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة؛ كقولهم: (فما أصبرهم على ~~النار) لا يقدر أحد أن يصبر على النار، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون ~~به النار. # وكذلك قوله: (بئسما اشتروا به أنفسهم)، أي: بئسما اختاروا ما به هلاك ~~أنفسهم على ما به نجاتهم. # وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع؛ لأنهم ما كانوا يتلفظون ~~باسم البيع، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة. # وكل من ترك لآخر شيئا له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام ~~البيع. # وكذلك قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم. . .) الآية. وهو على بذل ~~الأموال والأنفس له بالموعود الذي وعد لهم، وهو الجنة. # PageV01P388 # وقوله: (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). # أي: ما ربحوا في تجارتهم؛ لأن التجارة لا تربح ولكن بالتجارة يربح، وقد ~~يسمى الشيء باسم سببه. # وهو كقوله: (جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا) والنهار لا يبصر، ~~ولكن بالنهار يبصر. # وذلك سائغ في اللغة، جائز تسمية الشيء باسم سببه. # ثم في قوله: (فما ربحت تجارتهم) نفى الربح دون نفى الأصل في الظاهر، غير ~~أن النفي على وجهين: # نفي شيء يوجب إثبات ضده، وهو نفي الصفة؛ كقولك: فلان عالم: نفيت الجهل ~~عنه، وفلان جاهل: نفيت العلم عنه. # ونفي شيء لا يوجب إثبات ضده، وهو نفي الأعراض؛ لأنك إذا نفيت لونا لم ~~يوجب ضد ذلك اللون. # وقوله: (فما ربحت تجارتهم) نفى الأصل؛ كأنه قال: بل خسرت تجارتهم، أوجبت ~~إثبات ضده. # دليله قوله: (بئسما اشتروا به أنفسهم) و (لبئس ما كانوا يعملون). # * * * # قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو ~~كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ~~حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن ms0301 ~~الله على كل شيء قدير (20) # وقوله: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) # اختلف فيه: # قيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأنها على أثر ذكر المنافقين، وهو قوله: ~~(وإذا لقوا # PageV01P389 # الذين آمنوا. . .) الآية. # وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ لأنه سبق ذكر اليهود، وهو قوله:). . . ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. . .) الآية. # ويحتمل: نزولها في الفريقين جميعا. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " إن هذا من المكتوم " فلا ~~يحتمل ما قال؛ لأنه مثل ضربه الله، والأمثال إنما تضرب لتفهم وتقرب إلى ~~الفهم ما بعد منه؛ فلو حمل على ما قال لم يفهم مراده وما قرب إلى الفهم ~~شيئا، إلا أن يريد من المكتوم: أنه لم يعلم فيمن نزل، فهو محتمل، والله ~~أعلم. # وقوله عز وجل: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا. . .) الآية. # يحتمل: أن يكون الإضافة إلى من ذكر من المنافقين بقوله: (ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله. . .) الآية، وقوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا. . ~~.) الآية. وذلك يخرج على وجوه: أحدها: أنهم قصدوا قصد المخادعة بأولياء ~~الله والاستهزاء بهم؛ ففضحهم الله بذلك في الدنيا والآخرة. # فأما في الدنيا فبما هتك سترهم، وأطلع على ذلك أولياءه؛ فعادت إليهم ~~المخادعة، وعوقبوا بما أطلع على ضميرهم، وبما أرادوا ذلك الأمن، فأعقبهم ~~الله خوفا دائما كما وصفهم الله (ويخشون الناس. . .) الآية. وقال: (يحسبون ~~كل صيحة عليهم). # وقال: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت)، ~~وقال: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك. . .) الآية، وقال: (يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم. . .) الآية. # أو أن يكونوا طلبوا -بإظهار الموافقة في الدين- الشرف فيهم والعز، وكذلك ~~عند الكفرة مما أظهروا أنهم يخادعون بذلك المؤمنين، ويستهزئون بهم؛ فعلموا ~~أنهم كذلك يظهرون للمؤمنين حالهم معهم، فطردوا من بينهم فقال الله: (ما هم ~~منكم ولا منهم)، وقال. (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء. . .) الآية، فزال ~~عنهم ما التمسوا من الشرف والعز، وأبدل لهم به الهوان والذل. # فمثلهم ms0302 في ذلك مثل مستوقد نار ليستضيء بضوئها، وينتفع بحرها، فأذهب الله ~~ضوءه # PageV01P390 # حتى ذهب ما كان يأمل من الاستنارة بها والانتفاع، وأعقبه الله تعالى خوف ~~الاحتراق لو دنا منها، وذهب عنه ما طلب بذلك -من شرف الوقود في الأيام ~~الشاتية، أو ما يصلح بها- من الأغذية بذهاب البصر. # فيكون ذلك معنى قوله: (وهو خادعهم)، و (الله يستهزئ بهم) وإذ عوقبوا ~~بالخوف بما قصدوا به الأمن، والذل بما طلبوا به العز، وكذلك مستوقد النار ~~الذاهب نوره، والله أعلم. # وعلى ذلك قوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) أي: اختاروا الضلالة ~~لما رجعوا إلى شياطينهم بالهدى الذي قد أظهروه عند المؤمنين. # فيكون تحقيق استهزاء الله بهم، ومخادعته إياهم فعل أوليائه بهم بما ~~أخبروا من سرائرهم، وبما حطوا أقدارهم، وذلوا في أعينهم، فأضيف ذلك إلى ~~الله؛ إذ به فعلوا، كما أضيفت مخادعتهم المؤمنين إليه؛ إذ عن دينه خادعوهم. ~~والله أعلم. # وعلى هذا التأويل أمكن أن يخرج قول من زعم: أن الآية نزلت في الكافرين، ~~أنهم كانوا يعرفون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وجدوا نعته في ~~التوراة والإنجيل، أنه (يأمرهم بالمعروف. . .)، وقوله: (محمد رسول الله) ~~إلى آخر السورة، وقال عز وجل: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) وقوله: (وكانوا ~~من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). # كانوا كمستوقد النار، أي: طالب الوقود ليستضيء به، فلما ظفر به أذهب الله ~~نوره بعد معرفتهم بمنفعة نور النار، فلم ينتفع به. # فكذلك لما كفروا عند بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حسدا من أنفسهم ~~وبغيا؛ إذ كان من غيرهم؛ أو خشية منهم على ملكهم ومأكلتهم بعد العلم منهم ~~بعظم المنفعة فيه، ولا قوة إلا بالله. # وأما في الآخرة أنهم قصدوا مخادعة المؤمنين، وموالاتهم في الظاهر، ~~ومشاركتهم إياهم في المنافع نحو المغانم والتوارث والتناكح، وخالفوهم في ~~الباطن. # فكذلك الله أشركهم في المنافع الظاهرة الحاضرة في الدنيا، وخالفهم بمنافع ~~دينه في الباطن الغائب وهي الآخرة؛ أراهم المشاركة مع المؤمنين في الدنيا، ~~وصرفها عنهم في الآخرة. # فكما ms0303 أروهم الموافقة في الظاهر مع المخالفة في الباطن، فكذلك مستوقد ~~النار أظهر من نفسه الرغبة في ضوئها بالإيقاد، وقد أذهب الله ضوء بصره؛ ~~فذهب عنه منفعته عند ظنه أنه يصل إليها، كالمنافقين في الآخرة، إذ ظنوا في ~~الدنيا أنهم شركاؤهم في الآخرة لو # PageV01P391 # كانت؛ ولذلك قالوا: (انظرونا نقتبس من نوركم)، وقوله: (ألم نكن معكم. . ~~.) الآية، فذلك وجه الاستهزاء بهم، والمخادعة أنه أشركهم في أحكام الدنيا ~~وخالفهم في أحكام الآخرة. # وعلى ذلك اشتراء الضلالة بالهدى، على معنى اختيارهم ما فيه الهلاك على ما ~~فيه نجاتهم. # وعلى ذلك يخرج تأويل من صرف إلى أهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ إذ آمنوا بكتبهم وقد كان فيها نعته الشريف، فلما وصلوا ~~إلى منافع الإيمان بالبعث إليهم، وشاهدوا كفروا به؛ فعوقبوا بحرمان منافع ~~كتبهم، وإيمانهم عند معاينة الجزاء كما ردوا إيمانهم به عند المشاهدة، ~~والله أعلم. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ضم تأويل هذه الآية والتي ~~تتلوها من قوله: (أو كصيب من السماء) إلى قوله: (ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف) وذلك - والله أعلم - أنهم قوم لا يعرفون الله حق المعرفة؛ ~~فيعبدونه بحق الربوبية له قبلهم، ولا يؤمنون بالآخرة؛ فيكون عملهم للعواقب، ~~ولا يعرفون غير الدنيا ومنافعها، فجعلوا دينهم وعبادتهم ثمنا لها. # فإذا رأوا في دين الإسلام الغنائم والسلوة، رأوا تجارتهم مربحة فاطمأنوا ~~بها، واجتهدوا بالسعي فيها. # وإذا أصابتهم الشدة والبلايا رأوا تجارتهم مخسرة فصرفوا إلى غير ذلك ~~الدين؛ فمثلهم مثل المستوقد نارا؛ إنه يجتهد في الإيقاد ما دام يطمع في نور ~~النار، ومنافع حرها لمصالح الأطعمة، فإذا ذهب نور بصره أبغض النار بما يخشى ~~من الاحتراق بالدنو منها، وبما يذهب من منافع خفية إن لم يكن كاستوقد، ~~كالمنافق فيما استقبله المكروه في الإسلام تمنى أن لم يكن أسلم قط. # وذلك قوله: (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب). # وقوله: (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا). # وقوله: (قد أخذنا أمرنا من قبل). # وقوله: ms0304 (أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا). # وكذلك البرق الذي يضيء يمشي المرء في ضوئه، وكذلك المنافق، إذا رأي خيرا ~~في الإسلام مشى إليه، وإذا أظلم عليه قام متحيزا حزينا؛ ألا يكون اختار ~~السلوك، والله الموفق. # PageV01P392 # وقال أبو بكر الأصم: مثل من يظهر الإيمان فيما يتزين بنوره في الناس، مثل ~~مستوقد النار فيما يستضيء حول النار بنورها، ثم يذهب الله نوره في الآخرة ~~كما أذهب هو في السر، وكذلك أذهب الله نور المستوقد؛ فيذهب به التزين ~~بالنور حول النار. # قال: وقيل: ذا لعن. # كما يقال: أذهب الله نوره، أي: الذي كان يظهره؛ فيبقى المنافق في ظلمات ~~الآخرة، والمستوقد في ظلمات العمى والليل. # ثم قال: جعل الدعاء إلى الإسلام كالصيب، وما فيه من الجهاد كظلمة الليل، ~~وما فيه من الغنيمة كالبرق، وجعل أصابعهم في الآذان من سماع ما في الإسلام ~~من الشدائد نحو جعل ذلك من الصواعق (يكاد البرق يخطف أبصارهم). # أي: ما في الإسلام من الغنيمة يدعوهم إليه. # وإذا أظلم عليهم بالشدائد قاموا وصدوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولو شاء الله لذهب بما ذكر، أي: أصمهم وأعماهم. # وروي عن الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أن ضوء البرق والنار ~~ليسا بدائمين "؛ فشبه به إيمان المنافق أنه عن سريع يزول. # وقال القتبي: كان المنافق في ظلمة الكفر فاهتدى بما أعطي من النور، ~~كمستوقد # PageV01P393 # النار بنوره في ظلمة الليل. # وكذلك السالك في ظلمة الليل، فلما ذهب نوره -أو سكن لمعان البرق- رجع إلى ~~ما فيه من الظلمة. # والأصل في هذا الباب: أن الله تعالى خلق هذه الدار لمحنة أهلها، وجعل لهم ~~دارا يجزيهم فيها، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثا؛ إذ ~~يكون خلق الخلق للفناء بلا عواقب لهم، وذلك عبث في العقول؛ لأن كل شارع ~~-فيما لا عاقبة له- عابث، وفيما لا يريد معنى يكون في العقل هازل؛ ولذلك ~~قال: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). # فإذا كان كذلك صارت هذه الدار ms0305 دليل الأخرى؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلا ~~بالمعروف من هذه؛ إذ بهذه عرفت تلك؛ ولهذا خلق الله الممتحنين بحيث يألمون ~~ويتلذذون؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا، واللذات التي فيها رغبوا. # فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة، وصم عن سماع ما يرغب فيها، أو ~~عمى عن أمر الله ونهيه، أو ألحق بالأعمى، والأصم، والميت ونحو ذلك؛ لذهاب ~~منافع البصر والسمع والحياة؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأمل ~~والتدبر. # فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا. وبينا أنه لولا الآخرة ودار الجزاء، لم ~~يكن لخلق شيء من ذلك حكمة نعقلها نحن. # فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب -الذي به يبصر العواقب وينتفع بها- ~~بذهاب نور البصر، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره، وكذلك أمر السمع ~~وغيره. # فكان على ذلك أمكن إخراج المثلين جميعا على الكفرة والمنافقين. # أما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه -وهو نور البصر- لم ينتفع بنور ~~النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر، وكذلك سائر منافع النار؛ فمثله ~~إذا ذهب عنه نور بصر القلب # PageV01P394 # وحياته لم ينتفع بنور الآخرة وجزائها. # وكذلك الذي ذهب عنه ضوء البرق يبقى متحيرا؛ إذ به يبصر الطريق كمن يذهب ~~عته بصر القلب؛ إذ به يبصر عواقب الأشياء. # بل الذي قصد السلوك بالبروق، والاستضاءة بنور النار، إذا ذهب كان أعظم ~~حسرة وأشد خوفا من النار، وشدة المطر، وخبث الطريق من الذي لم يعرف -في ~~الابتداء- نفع النار أو البرق، ويكره المطر على شدة رغبته فيه، والنار بما ~~ذهب منه. # وكذلك المنافق في الآخرة إن لم يكن منه ما أظهر إذ به يرد إلى درك ~~الأسفل، ولا قوة إلا بالله. # وكذلك الكافر لم يبصر -بما أعطاه من البصر- عواقب البصر الظاهر، ولا يسمع ~~-بما أنعم عليه من السمع- عواقب السمع؛ إذ حق ذلك أن يؤدي ذلك ما أدركه إلى ~~العقل ليعتبر به أنه لم يخلق شيء من ذلك بالاستحقاق، ولا يحتمل عقله ~~الإحاطة بكنه ما فيه من الحكمة، فيعلم عظم نعمة ms0306 الله وخروج مثله عن العبث، ~~فيقوم بأداء شكره؛ وبذلك يصير به إلى الجزاء في العواقب، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله عز وجل: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # يحتمل وجهين: # أحدهما: صم؛ لأنه ختم على آذانهم، وعلى سمعهم، وعلى قلوبهم؛ فلا يسمعون، ~~ولا يبصرون، ولا يعقلون. # ويحتمل: أنهم صم بكم عمى؛ لما لم ينتفعوا بأسماعهم، وأبصارهم، وقلوبهم. # ثم اختلف في جواز إضافة لفظ " الاستهزاء " إلى الله تعالى " # فأجازه قوم، وإن كان ذلك قبيحا من الخلق؛ لما قبح منهم بما لا أحد يستهزئ ~~بأحد -إما لجهله، أو لقبح في الخلقة، أو لزيادة في الخلق- إلا والمستهزئ ~~نحو هذه قد يحتمل ذلك لولا إنعام الله عليه الذي قد أغفل عنه، أو لدناءة في ~~الخلق باشتغاله بما ذكر، مع ما لعل الإغفال من هذا أوحش، وأقبح من حال ~~المستهزأ به. # ولذلك قال عز وجل: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم. . .) ~~الآية. # وذلك نحو التكبر: أنه قبيح من الخلق، بما لهم أشكال في الحدث، وآثار ~~الصنعة، واحتمال كل منهم بما احتمل غيره. # وجائز إضافته إلى الله تعالى، لتعاليه عن الأشباه والأشكال، وإحالة ~~احتمال ما احتمل # PageV01P395 # غيره، وبه يقول حسين النجار. # وأبى قوم ذلك إلا على أثر أحوال تصرف فهم السامع إلى معنى الاستهزاء، نحو ~~أن يذكر على أثر فعل له جزاء؛ فيفهم منه جزاء الاستهزاء كذكر السيئة في ~~الجزاء، والمكر ونحو ذلك. # ثم يخرج ما نحن فيه على أوجه: # أحدها: ما بينا. # والثاني: ما ينسب إليه فعل المأمور، نحو قول المؤمنين للمنافقين في ~~الآخرة: (ارجعوا وراءكم) وقول أهل الجنة، ودعائهم أهل النار بالخروج، لو ~~ثبت ما ذكره الكلبي، وقول الملائكة: (فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال) وغير ذلك. # وقوله: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم ~~كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على ms0307 كل شيء قدير (20). # ثم ما ذكر من " الظلمات " يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: ظلمات كفرهم بقلوبهم؛ إذ أظهروا الإيمان أولا. # والثاني: المتشابه في القرآن، وهو الذي تعلق به كثير من المشركين حتى ~~نزول قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ. . .) الآية. # والثالث: ما في الإسلام من الشدائد، والإفزاع من الجهاد، والحدود وغير ~~ذلك. # وأمكن صرف الأول، والآخر إلى الفريقين: الكافر، والمنافق، وصرف تأويل ~~المتشابه إلى الكافر. # على أنا بينا أن لكل من ذلك حظا، ويدل آخر الآية -وهو قوله: (والله محيط ~~بالكافرين) - على أن المثل لهم، إلا أن المنافق شريكهم في الكفر، والله ~~الموفق. # وجائز أن يكون المثل المضروب بالآية إنما هو للقوم الذين شهدوا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم كانوا قبل بعثه صنفين: # PageV01P396 # صنف ينتحل الكتاب الذي هو عندهم مما جاء به الرسل، لكن أئمتهم قد غيروا ~~ما في كتبهم من دين الله وأحكامه حتى عطلوا ذلك، وأبدعوا غير الذي جاءت به ~~الرسل من الدين والأحكام. # بين ذلك قوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا. . .) الآية. # وقوله: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم). # وقوله: (إن الذين فرقوا دينهم. . .) الآية. # ومنهم من أبدع الكتاب ونسب إليهم؛ كقوله: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب. . .) الآية. # تبين ما ظهر من التفرق فيهم، ومن القول في أنبيائهم، وفي الله سبحانه. ~~ومعلوم أن دين الرسل واحد غير مختلف، وبما كان من الفترة اندرست الكتب، ~~وذهبت الرسوم؛ فصاروا في ظلمة الضلالة، وحيرة الزيغ، وتاهوا في سبيل ~~الشيطان، وانقطع من بين أظهرهم الأئمة الذين يوثق بهم في الدين، بما ليس ~~لأحد برهان يشهد له بالتمسك بسبيل الأنبياء، والاعتصام بكتبهم؛ إذ كلهم ~~يدعي ذلك - وقد ظهر فيهم القول المختلف والمتناقض الذي لا تحتمله الحكمة، ~~ولا يصبر عليه العقل. # وصنف: لا ينتحل الكتاب، ولا يؤمن بنبي من الأنبياء، بل يعبدون الأوثان ~~والنيران والأحجار، وما يهوون مما لا يملك الضرر ولا النفع، ليس لهم شرع، ~~بل هم حيارى، لا يعرفون معبودا، ولا يبصرون طريقا، وليس فيهم من إذا فزعوا ~~إليه دلهم ms0308 على المحجة، وأطلعهم على الحق، بل هم في الضلال تائهون، وفي ~~الظلمات متحيرون. # فأحوج الفريقين جميعا ما حل بهم من الحيرة والتيه، إلى من يشفيهم من داء ~~الضلالة بنور الهدى، ومن ظلمة الاختلاف بضياء الائتلاف، ويخرجهم من سبيل ~~الشيطان إلى سبيل الله، ويدلهم على معرفة المعبود الحق لئلا يتخذوا من دونه ~~أربابا. # فبعث إليهم - عند شدة حاجتهم - رسولا، وأكرمهم بما أراهم من الآيات التي ~~يعلمهم بها أنه أنعم بها عليهم؛ ليستنقذهم من الضلالة إن هم أطاعوه، وشكروا ~~نعمة الله. # فكانوا كقوم بلوا بظلمات الليل والسحاب، فتحيروا فيها بما حالت الظلمة ~~بينهم وبين حاجاتهم، وتعذر عليهم الوجه في وضع أقدامهم، فتاهوا، فدفعهم ~~التيه إلى استيقاد النار؛ ليبلغوا حوائجهم، ويأمنوا العطب في وضع الأقدام. # PageV01P397 # وكقوم بلوا في شدة الجوع والعطش لضيق الزمان وجدبه، فاستغاثوا بمن يملك ~~كشف ذلك عنهم فأغاثهم بالمطر. # ثم منهم من عرف نعمة من أنعم عليهم بالوقود وأغاثهم بالمطر، فتلقوا نعمته ~~بالشكر فنجوا بذلك فما خشوا من الهلاك، ووصلوا إلى حوائجهم بالنار والمطر. # وذلك مثل من اتبع محمدا - صلى الله عليه وسلم - وعرف نعم الله فشكره. # ومنهم من تلقى نور النار بالكفران والجهل بالمنعم به عليه، ونسي ما كان ~~عليه، وهو قوله: (فإذا مس الإنسان ضر) آيات فيها ذكر ما بينت، وقوله: (وإذا ~~مسكم الضر في البحر. . .) الآية، فأذهب الله نوره فلا ينتفع بنور النار، ~~ولا وصل إلى حاجته التي بها يقضي. # وذلك مثل الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -: أنهم لم ينتفعوا به، ~~ولا قضوا حاجاتهم، بل زادهم ذلك ظلمة وحيرة، كمستوقد النار إذا ذهب بصره. # وكذلك قوم بلوا بالسلوك في الطريق عند شدة الظلمة، ولم يتلقوا النعمة ~~بالشكر من الوجه الذي جعل لهم لوضع أقدامهم بنور البرق فأذهب الله نوره، ~~وسكن لمعان البرق؛ فعاد الغياث له هلاكا، والمطر -الذي وجهه- عليه بلاء. # فمثله من كابر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واعترض على الاستماع ~~إليه، ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ms0309 خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ~~قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم ~~فيها خالدون (25). # وقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم). # فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم. # وقوله: (اعبدوا): وحدوا ربكم. # PageV01P398 # جعل العبادة عبارة عن التوحيد؛ لأن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص ~~له إلا بالتوحيد. ويقال: (اعبدوا)؛ أي: أطيعوا له؛ أي: اجعلوا عبادتكم لله، ~~لا تعبدوا غيره، في كلا التأويلين يرجع إلى الكفرة. # ويقال: (اعبدوا)؛ أي: أطيعوا له. # والعبادة جعل العبد كليته لله قولا، وعملا، وعقدا، وكذلك التوحيد، ~~والإسلام. # والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أن ~~يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه؛ كقوله: (وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول)، ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابد له، وبالله نستعين. # ثم بين الذي أمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصا، فقال: (الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم). # والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم ~~دون الذي خلقكم؟! وبالله التوفيق. # وقوله: (لعلكم تتقون). # يحتمل وجهين: # يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم. فإذا كان ~~هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين. # ويحتمل قوله: (تتقون) والشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة. # قال الشيخ: الأحسن في الأمر بالتقوى والتوحيد أن يجعل عاما، وفي الخبر عن ~~التقوى خاصا. # (لعلكم) أي: كي تتقوا. # وقوله: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من ms0310 الثمرات رزقا لكم (22) # بين اتقاء الذي أمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ ~~فقال: الذي فرش لكم الأرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائجكم فيها، من أنواع ~~المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها. # (والسماء بناء) أي: رفع السماء بناء. # والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه. # PageV01P399 # وسمى السماء بناء -وإن كان لا يشبه بناء الخلق- حتى يعلم أن البناء ليس ~~اسم ما يبني الناس خاصة. # ثم بين بقوله: (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم). # أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائجكم، ولا ~~تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم ~~من ذلك الماء ثمرات تكون رزقا لكم. # بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ~~ذلك الماء المنزل من السماء رزقا تأكلونه، وماء عذبا تشربونه. # وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماء والأرض، وإنزال الماء منها، ~~وإخراج هذه الثمرات وأنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة ~~قوله: (جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء) وما ذكر من المخرج والمنزل منها، ~~وما ذكر في آية أخرى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)، ~~ومنه (وسخر لكم الليل والنهار)، (وسخر لكم الفلك)، مما يكثر من الآيات. # أضاف ذلك كله إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه منافع السماء متصلة بمنافع ~~الأرض على بعد ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأرض شيئا إلا بما ينزل ~~من السماء من الماء؛ ليعلم أن منشئ السماء هو منشئ الأرض؛ لأنه لو كان منشئ ~~هذا غير منشئ الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بعد ما ~~بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أحدهما للآخر. # فإذا كان كذلك دل على أن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند. # ثم زعم قوم: أن الأشياء كلها حل لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجيء ما ~~يخظر، فاستدلوا بظاهر هذه ms0311 الآية بقوله: (رزقا لكم)، وبقوله: (كلوا مما في ~~الأرض حلالا طيبا). وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أن الأشياء ~~لم تصر لنا من كل الوجوه، فهو على الحظر حتى تجيء الإباحة، ولأن الأشياء لا ~~تحل إلا بأسباب تتقدم؛ فظهر الحظر قبل وجود الأسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ~~ما يحل ويبيح. # أو أن يقال: خلق هذه الأشياء لنا محنة امتحنا بها، أو فتنة فتنا بها؛ ~~كقوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)، فتنا بها؛ وكقوله: (ولنبلونكم # PageV01P400 # بشيء من الخوف. . .) الآية، ولأن في العقل ما يدفع حمل الأشياء كلها على ~~الإباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم. # فيين لكل منهم ملكا على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني ~~والفساد، وبالله نستعين. # وقوله: (فلا تجعلوا لله أندادا). # أي: أعدالا، وأشكالا في العبادة، وكله واحد. # ند الشيء: هو عدله. وشكله: هو مثله " # وقوله: (وأنتم تعلمون). # الأول: أن لا ند، ولا عدل، ولا شكل؛ لما أراكم من إنشاء هذه الأشياء ولم ~~تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئا. # والثاني: (وأنتم تعلمون) ولما أنشأ فيكم من الأشياء ما لو تدبرتم وتفكرتم ~~وتأملتم، علمتم أنه لا ند له ولا شكل له؛ كقوله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). # وقوله عز وجل: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا (23) # من القرآن أنه مختلق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: (إن هذا إلا اختلاق) ~~وقولهم: (ما هذا إلا إفك مفترى)، و (ما هذا إلا سحر). # وقوله: (فأتوا بسورة من مثله). # أي: ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو؛ إذ أنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة ~~واللسان، ليس هو أولى بذلك منكم؛ أعني: في الاختلاق. # وقوله: (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين). # أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان ~~مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى. # ويقال: (وادعوا شهداءكم). يعني شعراءكم وخطباءكم ليعينوكم على إتيان ~~مثله. # ويقال: ادعوا شهداءكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر الكتب ~~المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق ms0312 مفترى. # وقوله: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا (24) # يحتمل وجوها: # يحتمل أنهم اقروا على أثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا ~~اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظما، ولا اجتهدوا ~~كل جهدهم، وتكلفوا # PageV01P401 # كل طاقتهم على إطفاء النور ليخرج قولهم على الصدق بأنه مختلق مفترى، ~~ويظهر كذب الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أنه كلام رب العالمين. # فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أنه كلام رب ~~العالمين، منزل على نبيه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة). # الوقود بالنصب هو الحطب، وبالرفع هو النار. # أخبر عز وجل أن حطبها الناس كلما احترقوا أعيدوا وبدلوا؛ كقوله: (كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها). والحجارة فيه وجهان: # قيل: هي الكبريت. # وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقا، وأكثر إحماء. # و (أعدت للكافرين). # في الآية دلالة أنها لم تعد لغير الكافرين. # وهى تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم ~~يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أنها أعدت للكافرين أيضا، وإن كان تعذيب ~~المؤمن بمعاصي يرتكبها، وأوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أن الله يعذب ~~من يشاء بما شاء، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: (ولا يشرك في حكمه ~~أحدا). # فإن قالوا: إن أطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تعد لهم، وإنما أعدت ~~للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم. وكذلك النار وإن كانت معدة ~~للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: (فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. . .) الآية، شرط الكفر بعد الإيمان. # ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك ~~مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد. # فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في ~~نفسه، واختار الاعتناد فصار ككفر بعد الإيمان؛ لأنه لم يكن مؤمنا ثم كفر. # وأما قولهم في الأطفال؛ فإنهم إنما خلدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله ~~أن يعطي # PageV01P402 # الجزاء ms0313 من شاء بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلا وكرامة، وذلك في العقل ~~جائز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام. # وأما التعذيب فإنه غير جائز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم. # وقوله: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات (25) # الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيمانا؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، ~~دون الأعمال الصالحات، غير أن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أثبت ~~بالأعمال الصالحات. # ويحتمل: الأعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأتي بإيمان خالص لله، لا ~~كإيمان المنافق بالقول دون القلب. # وقوله: (أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار). # يعني بساتين. # وقوله: (ومن تحتها الأنهار) قيل فيه بوجوه: # قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من ~~الأشجار، وما ينبت فيها من ألوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستانا. # وقوله: (تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأنهار. # وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أنزه عند الناس، وأجلى، ~~وأنبل. # وقيل أيضا: من تحتها أي: من تحت ما علا منها من القصور والغرف، لا تحت ~~الأرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأرض. # دليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: " تحت كل شعرة جنابة "؛ أي تحت ما ~~علا، لا تحت الجلد؛ # PageV01P403 # فكذلك الأول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم. # وقوله: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل). # قيل فيه بوجوه: # (رزقنا من قبل) في الدنيا. # PageV01P404 # وقيل: (رزقنا من قبل) أي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أن في الجنة هذا. # وقيل: (رزقنا من قبل)، في الجنة قبل هذا. # وقوله: (وأتوا به متشابها). # قيل فيه بوجوه: # قيل: (متشابها) في المنظر، مختلفا في الطعم. # وقيل: (متشابها) في الطعم مختلفا في رأي العين والألوان؛ لأن من الفواكه ~~ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها. # وقيل: (متشابها) في الحسن والبهاء. # وقوله: (ولهم فيها أزواج مطهرة). # قيل فيه بوجوه: # (مطهرة) من سوء الخلق والدناءة، ليس ms0314 كنساء الدنيا لا يسلمن عن ذلك. # وقيل: (مطهرة) من الأمراض، والأسقام، وأنواع ما يبلى به في الدنيا من ~~الدرن، والوسخ والحيض. # وقيل: (مطهرة) لصفاء جوهرها؛ كما يقال: يرى مخ ساقيها من كذا وكذا. # وقيل: (مطهرة) مختارة مهذبة. # وقوله: (وهم فيها خالدون). # أي: يقيمون أبدا. # فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأنهم يقولون بفناء الجنة، وفناء ما فيها؛ ~~يذهبون إلى أن الله تعالى هو الأول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية ~~غير فانية لكان ذلك # PageV01P405 # تشبيها. # لكن ذلك وهم عندنا؛ لأن الله تعالى هو الأول بذاته، والآخر بذاته، ~~والباقي بذاته، والجنة وما فيها باقية بغيرها. # ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان ~~في الخلق أيضا في حال البقاء تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن ~~فيما تقدم تشبيه. # وأيضا: فإن الله تعالى جعل الجنة دارا مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها ~~دار قدس، ودار سلام. # ولو كان آخرها للفناء كان فيها أعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأ بعيش إذا ~~نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أهلها؛ فلما نزه ~~عن العيوب كلها -وهذا أعظم العيوب- لذلك كان التخليد لأهلها أولى بها. # * * * # قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ~~الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # وقوله: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها). # كأن هذا - والله أعلم - يخرج جوابا على أثر قول قاله الكفرة لرسول الله - ~~صلى الله عليه ms0315 وسلم - على ما ذكره بعض أهل التأويل - فقالوا: ما يستحيي ربك ~~أن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوك الأرض لا يذكرون ~~ذلك، ويستحيون؟ # فقال عز وجل جوابا لقولهم: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما. . .) ~~الآية. # لأن ملوك الأرض إنما ينظرون إلى هذه الأشياء بالاستحقار لها، والاستذلال؛ ~~فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأنفة. # والله - عز وجل - لا يستحيي عن ذلك؛ لأن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية ~~الله تعالى وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أكبر من الكبار منها ~~والعظام؛ لأن # PageV01P406 # الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما ~~يحتاج إليه من الفم والأنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قدروا، ~~ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأجسام والكبار منها. # فأولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا ~~للحقارة، والخساسة أنفا منهم وإنكافا. # ثم اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى الله تعالى: # فقال قوم: يجوز ذلك بما روي في الخبر: " إن الله يستحيي أن يعذب من شاب ~~في الإسلام " ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاء، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه ~~فيما تقدم. # وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله تعالى؛ لأن تحته الإنكاف والأنفة، ~~وذلك عن الله تعالى منفي، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أي: ~~لا يترك ولا يدع. # وقوله: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم). # أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأجسام والجثة حق؛ لما نظروا ~~إلى ما فيها من الأعجوبة والحكمة واللطافة. # وقوله: (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا). # لم ينظروا فيها لما فيها من الأعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة ~~والحقارة. # وقوله: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا). # الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه جواب قولهم: (ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا) فقال: أراد أن يضل بهذا المثل كثيرا، وأراد أن يهدي به كثيرا، أضل به ~~من علم منه أنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أنه يختار الهدى، أراد من ms0316 ~~كل ما علم منه أنه يختار # ويؤثر، والله أعلم. # وهم يقولون: بل أراد أن يهدي به الكل، ولكنهم لم يهتدوا. # والثاني: يضل به كثيرا؛ أي: خلق فعل الضلالة من الضال، وخلق فعل الاهتداء ~~من المهتدي. وقد ذكرنا فيما تقدم. # وقوله: (وما يضل به إلا الفاسقين). # PageV01P407 # أي: ما يضل بهذا المثل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأعجوبة ~~واللطافة في الدلالة. # وقوله: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه (27) # عهد الله يكون على وجهين: # عهد خلقه؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانية الرب؛ كقوله: (وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون). # وكقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم. . .) الآية. إنه إن نظر في نفسه وتأمل ~~عرف أن له صانعا وأنه واحد لا شريك له. # وعهد رسالة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ كقوله: (وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . .) والآية. # وكقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب. . .) الآية. # فنقضوا العهدين جميعا؛ عهد الخلقة، وعهد الرسالة. # وقوله: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل). # يحتمل وجهين: # يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أمروا بالوصل؛ كقوله: (نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض). # وقيل: يقطعون ما أمر الله أن يوصل من صلة الأرحام. # وقوله: (ويفسدون في الأرض). # قيل فيه بوجهين: # يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: (يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف). # وقيل: يفسدون، أي: يتعاطون بأنفسهم في الأرض بالفساد؛ كقوله: (ويسعون في ~~الأرض فسادا). # وقوله: (أولئك هم الخاسرون). # يحتمل أيضا وجهين: # خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأماني في الدنيا. # وروي عن الحسن أنه قال في قوله: (هم الخاسرون): أي: قذفوا أنفسهم - # PageV01P408 # باختيارهم الكفر- بين أطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين. # وقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم (28) # يحتمل وجوها: # " كيف ": من أين ظهرت لكم الحجة أن تعبدوا من دون الله من الأصنام وغيرها ~~أنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإماتة بعد الإحياء؟ # وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت (وكنتم أمواتا) يعني نطفا ms0317 (فأحياكم)، ~~وأنتم لا تنكرون إنشاء الأول فكيف تنكرون البعث والإحياء بعد الموت؛ وقيل: ~~كيف تكفرون بالإحياء والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خلق الخلق للإفناء ~~والإماتة من غير قصد العاقبة عبث ولعب؛ لأن كل بان بنى للنقض فهو عابث، ~~وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ ~~لو لم يجعل للخلق دارا للجزاء، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثا هازلا ~~خارجا من الحكمة؟! تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله: (ثم إليه ترجعون). # أي: تعلمون أنكم ترجعون إليه، وكذلك المصير والمآب. # والثاني: ترجعون إلى ما أعد لكم من العذاب. احتج عليهم بما أخبرهم الله ~~أنه أنشأهم بعد الموتة الأولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأخرى (ثم إليه ~~ترجعون) كأنه يقول: ثم اعلموا أنكم إليه ترجعون. # قوله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا (29) # قيل: إنه صلة قوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) أي: كيف تكفرون ~~بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأنه ليس شيء من الأرض ~~إلا وفيه دلالة وحدانيته. # ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض نعيما من غير أن كان وجب ~~لكم عليه حق من ذلك لتشكروا له عليها، فكيف وجهتم أنتم الشكر فيها إلى ~~غيره؟ # ويحتمل (خلق لكم ما في الأرض): محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ~~(ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟! # PageV01P409 # وفى بيان حكمة خلق الخلق في الدنيا للفناء، والإحياء للآخرة - حكمة، وفي ~~إنكارها ذهاب الحكمة. # وقوله: (ثم استوى إلى السماء). # قيل فيه بوجوه: # قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: (استوى إلى السماء وهي دخان). # وقيل: استوى: تم؛ كقوله: (بلغ أشده واستوى) أي: تم. # وقيل: استوى: أي: استولى. # والأصل عندنا في قوله: (ثم استوى إلى السماء) و (استوى على العرش)، ~~وغيرها من الآيات من قوله: (وجاء ربك. . .) الآية. وقوله: (هل ينظرون إلا ~~أن يأتيهم الله. . .) الآية، من الآيات التي ظنت المشبهة أن فيها تحقيق وصف ~~الله ms0318 تعالى بما يستحق كثير من الخلق الوصف به على # PageV01P410 # التشابه. # في الحقيقة إنها تحتمل وجوها: # أحدها: أن نصفه بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أنه لا يشبه على ~~ما ذكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، ~~وأنه لا يجوز أن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أو قدم ذلك ~~الشيء من الوجه الذي أشبه الله. # وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعا، مع ما لم يجز أن يقدر الصانع عند الوصف ~~بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير ~~بذلك أحد الخلائق. # وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أمر السمع والتنزيل على ما أراد ~~الله. وبالله التوفيق. # والثاني: أن يمكن فيه معان تخرج الكلام مخرج الاختصار والاكتفاء بمواضع ~~إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: (وجاء ربك والملك) ~~أي: بالملك. وذلك كقوله: (فاذهب أنت وربك. . .) أي: بربك (فقاتلا)؛ إذ ~~معلوم أنه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك. # وكذلك معلوم أن الملائكة يأتون، فكأنه بين ذلك. # يدل عليه قوله: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)، وكذلك (هل ينظرون ~~إلا أن يأتيهم الله. . .) الآية. # ومما يوضح أنه لم يكن أحد اعتقد أو تصور في وهمه النظر لإتيان الرب ~~ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر. وكان بنزول الملائكة؛ كقوله: (يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى. . .)، وقوله: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين) فيما ذكرنا عظيم أمرهم، وجليل شأنهم، ومثله في قوله: (الرحمن على ~~العرش استوى)، مع ما له وجهان: # أحدهما: أن يكون معنى العرش الملك والاستواء التام الذي لا يوصف بنقصان ~~في ملك، أو الاستيلاء عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأحد فيه. # والثاني: أن يكون العرش أعلى الخلق وأرفعه. # PageV01P411 # وكذلك تقدره الأوهام؛ فيكون موصوفا بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأنه ~~على ما كان قبل كون الأمكنة، وهو فوق كل شيء؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال ~~عن الأمكنة، ولا قوة إلا بالله. # وأصله ms0319 ما ذكرنا: ألا نقدر فعله بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأنه ~~أخبر أنه (ليس كمثله شيء). # وقوله: (فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم). # مرة قال: (فسواهن)، ومرة قال: (خلق سبع سماوات)، ومرة قال: (فقضاهن سبع ~~سماوات. . .) الآية، ومرة قال: (بديع السماوات والأرض). وكله يرجع إلى ~~واحد. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون (30) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في ~~الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (39). # وقوله: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء). # قال الشيخ - رضي الله عنه -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم ~~عليه السلام من سورة البقرة، والكشف عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة ~~لأحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أو القطع على تحقيق شيء، ووجهوا ~~إليه بالإحاطة. # ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبلغه مبلغ علمنا مما يجوز أن يوصف ~~به أهل المحنة، وإن كان تنزيه الملائكة عن كل ms0320 معنى فيه وحشة أولى بما وصفهم ~~الله من الطاعة # PageV01P412 # بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). # وقوله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) إلى قوله: (لا يسبقونه بالقول. . .) ~~الآية. # وقوله: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون. . .) الآية. # وقوله: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون). # وما جاءت به الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وصف طاعتهم ~~لله، ومواظبتهم على العبادة. # وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض ~~السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلا من أن يبسط اللسان في ~~ملائكة الله سبحانه، وبالله المعونة والعصمة. # قال الله تعالى لملائكته: (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء. . .) الآية. # زعم قوم أن هذا زلة منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: (إني جاعل ~~في الأرض خليفة) بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أتفعل ونحن نفعل ~~كذا؟! كالمنكرين لفعله. # وأيدوا ذلك بقوله عز وجل: (إني أعلم ما لا تعلمون) أنه لولا كان في ذلك ~~طرف من الجهل يحذر عن مثله قائله، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أن يكون ~~هو يعلم ما لا يعلمون. # وأيد ذلك بما امتحنهم بالإنباء عن أسماء الأشياء، مقرونا بقوله: (إن كنتم ~~صادقين) ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند ~~القول: (أنبئوني بأسماء هؤلاء) وفائدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد. # ومنهم من قال: إن قوله: (أتجعل فيها من يفسد فيها) قول إبليس، هو الذي ~~تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكورا باسم الجماعة؛ لأنه جائز خطاب ~~الواحد على إرادة الجماعة، وذكر الجماعة على إرادة الواحد، وإن كان خطاب ~~الله تعالى لجملة ملائكته حيث قال: (وإذ قال ربك للملائكة. . .) الآية. # قوله: (أنبئوني) بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أن يأمرهم ~~بذلك وهم لا يعلمون. ولو تكلفوا الإخبار للحقهم الكذب في ذلك. # ثبت أن ذلك على التوبيخ والتهدد لما ms0321 فرط منهم. # PageV01P413 # ويكشف عن ذلك أيضا عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله (ألم ~~أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض. . .) الآية، ولو لم يكن منهم ما ~~استحقوا به التأديب والتنبيه عن غفلة سبقت منهم، لم يكن لذلك كثير معنى؛ إذ ~~لا يخفى على الله عز وجل علم ما ذكر من الكفرة الأشقياء، فضلا عن الكرام ~~البررة. # ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه ~~والتوبيخ: نحو قوله: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين). # وقوله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا لأذقناك ضعف الحياة. . .) ~~الآية. # ولملائكته: (ومن يقل منهم إني إله من دون). # واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة. # ودليل المحنة ما بينا من الفعل بالأمن والخوف المذكورين، وما مدحوا ~~بعبادتهم لله تعالى، وما أوعدوا لو ادعوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن ~~يحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخير والشر، ولا تعظم ~~المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنية؛ إذ الطاعة هي في اتقاء ~~المعصية. # وقال أيضا: (لا يعصون الله)، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية. # فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خطر طاعاتهم، وعظم قدر عباداتهم، ~~والممتحن مخوف منه الزلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أن يعصمه الله ~~تعالى ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يستحق قبله، ولا يلزمه أحد من ~~خلقه. # فجائز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع ~~الإياس، والحث على الفراغ إلى الله تعالى بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم ~~لطاعته أحد وإن جل قدره عند ما وكل إلى نفسه مما يعلم الله أنه يختار في ~~شيء الخلاف، لا أنه يفزع إليه وينزع إليه. # وعلى ذلك معنى زلات الرسل عليهم الصلاة والسلام. # وزعم قوم أن ذلك ليس منهم بالزلة، بل الله تعالى عصمهم عنها، ولكن قوله: ~~(أتجعل فيها من يفسد فيها) يخرج على وجهين: # أحدهما: على السؤال بعد أن أعلمهم الله أنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يفعلون ~~ذلك، وقد خلقتهم ms0322 ورزقتهم وأكرمتهم بأنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نسبحك ~~بذلك، ونقدس # PageV01P414 # لك؟! # أو كيف تحتمل عقولهم عصيانا -مع عظم نعمتك عليهم- ونحن معاشر الملائكة ~~تأبى علينا العقول ذلك؟! # فقال الله عز وجل: (إني أعلم ما لا تعلمون). . # أي: أمتحنهم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي -لغلبتها على أنفسهم- ~~تعتريهم أنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأعداء لهم، وغلبة ~~الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك. # وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه. # فأخبر أنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأولياء والأعداء، وبيان أن ~~الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من ~~يخالفه في الفعل الذي أمر به. # وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عبرا وعظة؛ فيكون في عقوبة العصاة ووعيدهم ~~مزجز لغيرهم وموعظة، ولغير ذلك من الوجوه. # والوجه الآخر: أن يكون المعنى من قوله: (أتجعل فيها) على الإيجاب، أي: ~~أنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك ~~نفع، جل ثناؤك، من أن يكون فعلك لأحد هذين. # وذلك كقوله: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله. . .) ~~الآية. على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام. # مع ما يحتمل أن الألف زائدة؛ كقوله: (أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس) وقوله: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) بمعنى: إنكم ~~تريدون، وذلك يرجع إلى الأول. # وقال:؛ معنى قوله: (إني أعلم ما لا تعلمون): أن الله قد كان أخبرهم عن ~~الذين يفسدون، ولم يكن أعلمهم ما فيهم من الرسل والأخيار، فهو يعلم ما لا ~~تعلمون من الأخيار فيهم؛ ولذلك ذكرهم عند سؤال الإنباء بما أعلمهم من عظيم ~~امتنانه على آدم أن جعله بمعنى نبيء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء. # ولم يكن بلغ توهمهم أن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور -الذي هو ~~سبب # PageV01P415 # رفع الأستار عن الأشياء، وجلاء الأشياء به- ثم يحتاجون في اقتباس العلم ~~إلى من هو من جوهر التراب ms0323 والماء الذي هو أصل الستر والظلمة. # فأراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأشياء الخلقة، ~~ولكن لطف الله وامتنانه، ولا قوة إلا بالله. # وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق ~~الزلة -التي هي العصيان- ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك -وإن لم تبلغ بهم ~~المعصية- لعلو شأنهم، ولعظم قدرهم. # كما قد عاتب الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في أشياء وإن لم يكن ذلك ~~منه معصية؛ كقوله تعالى: (عفا الله عنك. . .) الآية. # وقوله: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم). # وقوله: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه. . .) الآية. ولم يكن إثم في ذلك، ~~وقال: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك. . .) الآية؛ لأنه، من غير أن ~~كان منه عصيان؛ فمثل ذلك أمر الملائكة. # ثم تكلموا في معنى ذلك: # فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأنه لا يفضل أحدا عليهم. # ومنهم من يقول: ظنوا أنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أو التراب؛ ~~من حيث ذكرت من جوهرهم، أو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأن في الجن والإنس ~~عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما ~~أكرموا به من العلم. # ومنهم من أيقول: ظنوا أنهم فضلم ابفعلهم:، (دنتح مجتدك ونقذس لك). # وقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة). # قال قوم: يريد به آدم عليه السلام، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من ~~الجان. # وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها) ولم يكن آدم - عليه ~~السلام - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس ~~له. # PageV01P416 # ولكن يحتمل: أن يريد آدم وولده -إلى يوم القيامة- أن يجعل بعضهم خلفاء ~~لبعض؛ كقوله: (ويجعلكم خلفاء الأرض)، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي ~~قالوا. # وجائز أن يكونوا على وجه الأرض، إذ هي مخلوقة لهم قرارا ومهادا ومعادا، ~~وهم جعلوا سكانها وعمارها - أن يكونوا خلفاء، في إظهار أحكام الله تعالى ~~ودينه، كقوله لداود عليه السلام: (إنا ms0324 جعلناك خليفة في الأرض)، فجعله كذلك ~~ليحكم بين أهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أمر بنو آدم. # وقوله: (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون). # قيل: بأمرك. # وقيل: بمعرفتك. # وقيل: بالثناء عليك؛ إذ كانوا أضافوا ذلك إلى أنفسهم دون أن يذكروا عظيم ~~منة الله عليهم بذلك، واختصاصه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نعوت ~~البشر شر ما فيهم، دون أن يحمدوا الله -بما وفقوا له- أو يدعوا للبشر ~~بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا. # ولذلك - والله أعلم - صرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأرض، ~~ونصر أولياء الله، ولا قوة إلا بالله. # ومن الناس من أخبر في ذلك: أن إبليس سألهم: لو فضل آدم عليهم، وأمروا ~~بالطاعة له ما يصنعون؟ # فأظهر الله عز وجل أنه علم ما كتم إبليس من العصيان، وما أظهروا هم من ~~الطاعة. وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، ~~والمخاطبة بالإنباء، وما ألحق به وأمر بالسجود وكان في غيره. # ولم يحتمل أن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين. # ولكن يحتمل وجوه العتاب الإخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق. # وقوله: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة (31) # يحتمل: أن يكون علم لهم. # ويحتمل: أن يكون علم بإرسال ملك من غير الذين امتحنوا به. وفي ذلك تثبيت ~~أحد وجهين: # PageV01P417 # إما أن يكون العلم بالأشياء حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي ~~هي أدلة وقوعه عند التأمل فيها؛ نحو وقوع الدرك بالبصر عند النظر وفتح ~~العين. # وإما أن يكون الله تعالى خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه ~~إلى الله تعالى أنه علم. # وكذا قوله: (علمه البيان). # وكذا قوله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له)، ولا يحتمل هذه الأسباب لما ~~كانت له كلها، ولم يكن تعلم حقيقة ليؤذنه. # وكذلك قول الملائكة: (لا علم لنا إلا ما علمتنا)، والله الموفق. # وقوله: (فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء). # ظاهره أمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك في القرآن ~~كثير. ms0325 # وإن كان في الحقيقة أمرا، ففيه دلالة جواز الأمر فيما لا يعلمه المأمور ~~إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة ~~التعلم والبحث. # ويحتمل: أن يكونوا نبهوا حتى لا يسبق إليهم -عند إعلام آدم- أن ذلك من ~~حيث # يدركونه لو تكلفوا. # أو أراد أن يريهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم ~~الخضوع لآدم عليه السلام في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: (وما تلك ~~بيمينك يا موسى)، ذكره أولا حاله وحال عصاه، ليعلم ما أراه ما في يده من ~~آية نبوته على نبينا وعليه السلام. # وقوله: (إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك ~~أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين (34). # قوله: (إن كنتم صادقين) في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خلقتم موصوفين ~~بالصدق. # أو على تحذير القول بلا علم وكأنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل. ~~وفي ذلك أنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله تعالى. # قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعافة بدعواهم ~~على # PageV01P418 # الغيب بلا تعليم ادعوه من الله تعالى. # وفي قصة آدم عليه السلام دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ ~~أخبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بما علم بما في غير القرآن من ~~الكتب السماوية من غير أن عرف بالاختلاف إليهم، أو معرفة الألسن التي بها ~~ذكرت في كتبهم. ذكرها على ما لم يدع أحد -له العلم بها- النكير عليه؛ ليعلم ~~أنه بالله علم ذلك. # وفيها دلالة فضل آدم عليه السلام أبي البشر؛ إذ أحوج ملائكته إليه ~~لاقتباس أصل الأشياء، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ~~ولا قوة إلا بالله. # وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: ms0326 # أحدهما: تعلمهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يلهم المرء ~~ربما من غير تكلف، وهم قد أمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدد في القول ~~من قوله: (أنبئوني) وذلك -فيما لا محنة- فاسد مع ما سبق من دليل المحنة. # والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم عليه السلام حتى صير من أبى كافرا ~~إبليسا. # وفي ذلك أيضا دليل فضل آدم عليه السلام؛ إذ جعل موضع عبادة خيار خلق الله ~~معه، وبالله التوفيق. # وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادة؛ إذ قد يجوز السجود لأحد من الخلق كما ~~أمر به لآدم عليه السلام: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)، ولم يجز الأمر ~~بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غير الله إله. # دليل ذلك تسمية العرب كل شيء يعبدونه إلها، ولا قوة إلا بالله. # ثم السجود يحتمل وجهين: # الوجه الأول: الخضوع كما قال الله تعالى: (يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض. . .) الآية. # وقوله: (والنجم والشجر يسجدان)، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، ~~فكذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره ~~بالخضوع والتعظيم، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاء النجاة، أو ~~درك العلو والكرامة أن يعظمه ويبجله، ويخضع له. # والثاني: امتحنهم بوجه يظهر قدر الطاعة؛ لأن الخضوع لمن يعلو أمره ويجل ~~قدره، # PageV01P419 # أمر سهل، عليه طبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أنه دونه في ~~الرتبة، أو شكله، أو لم يكن بينهم كثير تفاوت اشتدت المحنة في مثله بالطاعة ~~له والخضوع. # فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر في نفسه، ~~وهو إبليس. # وعلى ذلك الغالب من أتباع الأنبياء عليهم السلام والذين يأبون ذلك، أن ~~الذي يحملهم على الإباء عظمهم في أنفسهم، وظنهم أنهم أحق بأن يكونوا ~~متبوعين، والله أعلم. # والوجه الثاني: أن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أن يجعل السجود تحية؛ ms0327 ألزم الملائكة تحية آدم به، وهو ابتداء ما ~~أكرم به أصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أن يأتيهم الملائكة ~~بالتحيات والتحف، وإن اختلفت أنفس التحيات. # وفي ذلك دليل بين: أن السجود ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ~~ولا يجوز الأمر بعبادة غير الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، ~~والعبادة به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق. # ومثله أمر سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليه السلام، والله أعلم. # والثاني: أن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله تعالى، ~~نحو السجود إلى الكعبة لله تعالى تعظيما له، وتبجيلا لكعبته، وتخصيصا من ~~بين البقاع. كذلك أمر السجود لآدم عليه السلام، تعظيما له وتبجيلا من بين ~~سائر البشر، كلاهما سيان. # ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " لو كان يحل لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". # ولما جعل السجود في العبادة عبادة للمسجود له، واعترافا بعرف الأشرار ~~بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في ~~القلوب، وذلك # PageV01P420 # مما لا يحتمل لأحد دون الله؛ فنهي عنه لذلك -وإن لم يكن بنفسه عبادة ~~للمسجود له في الحقيقة- كما نهي عن أشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم ~~يكن ذلك في الحقيقة محتملا له، فكذلك الأمر الأول، كما نهي عن سب من يعبد ~~من دون الله خوفا لسب الله، ويؤمر بأمور ليست -بنفسها- بقربة ليتوصل بها ~~إلى القربة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك. # وفيه أن السنة تنسخ الكتاب؛ لأن السجود لآدم عليه السلام في الكتاب، ~~ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فحرم؛ ~~فدل أن السنة تنسخ الكتاب. # وقول الملائكة: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم). # يشبه أن يكون السابق إلى وهمهم منى، أو خطر فعل ما كان بالله خرج من أن ~~يعقلوا حكمته؛ إفا بما لم يبلغهم العلم بها، أو ms0328 يخطر ببالهم أنه تعالى كيف ~~يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطر ببالهم من غير تحقيق ذلك، ~~ولكن على ما يبلى به الأخيار؛ كقوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~إلا إذا تمنى. . .) الآية. # أو كما لا يخلو به الممتحن عن الخواطر التي تبلغ المحنة بهم المجاهدة بها ~~في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صنع. # فقالوا: (سبحانك)؛ نزهوا عما خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم. # ووصفوا بأنه (عليم): لا يخفى عليه شيء. # (حكيم): لا يخطئ في شيء، ولا يخرج فعله عن الحكمة، وبالله التوفيق ~~والعصمة. # وفي الآية منع التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن ~~القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كل من عرف الله. # وبه أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام فقال: (ولا تقف ما ليس لك ~~به علم. . .). # وسئل أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن الإرجاء ما بدؤه؟ فقال: فعل الملائكة ~~إذا # PageV01P421 # سئلوا عن أمر لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله تعالى. # ومعنى الإرجاء نوعان: # أحدهما: محمود؛ وهو إرجاء صاحب الكبائر، ليحكم الله تعالى فيهم بما يشاء، ~~ولا ينزلهم نارا ولا جنة؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء). # والإرجاء المذموم هو الجبر، أن ترجأ الأفعال إلى الله تعالى، لا يجعل ~~للعبد فيه فعلا، ولا تدبير شيء من ذلك. # وعلى ذلك المروي، حيث قال: " صنفان من أمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدرية ~~والمرجئة ". # والقدرية: هي التي لم تر لله -في فعل الخلق- تدبيرا، ولا له عليه قدرة ~~التقدير. # والمرجئة: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلا ~~ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجعلت للمذهب الأوسط بينهما، وهو الذي يحقق ~~للعبد فعلا، ولله تقديرا، ومن العبد تحركا بخير أو شر، ومن الله خلقه. # وذلك على المعقول مما عليه طريق العدل والحق بين التفريط والتقصير. # PageV01P422 # وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خير الأمور أوساطها ms0329 ". # وكذلك قال الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا. . .) الآية، ولا قوة إلا ~~بالله. # وعن ابن جريج قال: سجود الملائكة لآدم إيماء، ولم يكن يحل وضع الوجه ~~بالأرض لأحد. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان سجود الملائكة سجود تحية، ولم ~~يكن سجود عبادة. # وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم عليه السلام إكراما له، ~~والله أعلم. # ثم اختلف في إبليس: # قال بعضهم: هو من الملائكة. # وقال آخرون: لم يكن من الملائكة، وهو قول الحسن؛ والأصم: ذهبوا في ذلك ~~إلى وجوه: # أحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائكة له بقوله: (لا يعصون الله مآ ~~أمرهم. . .) # PageV01P423 # وقال: (لا يسبقونه بالقول. . .) الآية. # وقال: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. . .) الآية. # وصف الله تعالى طاعتهم له، وائتمارهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم ~~لأطاعه كما أطاعوه. # والثاني: قوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين) والملائكة إنما خلقوا من ~~النور. # والثالث: قوله تعالى: (كان من الجن)، ولم يقل من الملائكة فدلت هذه ~~الآيات أنه لم يكن من الملائكة. # ثم قال في قوله: (فسجدوا إلا إبليس): إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع ~~المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أهل الكوفة هذه الدار إلا رجلا من أهل ~~المدينة. وذلك جائز في اللغة. # ويستدل بالاستثناء أن الأمر كان عليهم جميعا في الأصل، وكان الأمر ~~بالسجود له وللملائكة جميعا؛ كقوله: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، دل أن ~~كان هنالك أمر للناس بالإفاضة، فكذلك الأول، والله أعلم. # وذهب من قال: إنه من الملائكة، أنه لما لم يذكر في قصة من القصص -مع كثرة ~~التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة- أنه ليس منهم، وليس فيما ~~ذكر من الآيات ما يدل على أنه لم يكن منهم؛ لأن قوله: (لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، لو لم يتوهم منهم العصيان والخلاف لله تعالى لم ~~يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى. # ألا ترى إلى قوله: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. . .) ~~الآية ms0330 مع ما ذكرنا: أنهم يمتحنون بأنواع المحن، وكل ممتحن في شيء يجوز كون ~~المعصية منه والخلاف لديه. # وأما قوله: (كان من الجن)، أي صار من الجن. # وقيل: الجن أراد به الملائكة؛ سموا جنا لاستتارهم عن الأبصار؛ كقوله: ~~(وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم). وأما قوله خلق الملائكة من النور، وإبليس ~~من النار - فهو واحد؛ لأنه أخبر - عز # PageV01P424 # وجل - أنه خلقه من مارج من نار. # وقيل: المارج هو لهبها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أنهم إنما ~~خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره. # ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟ قيل: إنه كفر لما لم ير الأمر ~~بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمة. # وقيل: كفر لما رأي أن الله تعالى وضع الأمر في غير موضع الأمر، ورآه ~~جورا؛ فكفر وقيل: كفر لما أبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر. # وقيل: كفر لما أضمر إضلال الخلق. # وقيل: أبى الطاعة فيما أمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأي لنفسه فضلا عليه ~~بقوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين). # وقوله: (وكان من الكافرين). # أي صار كقوله: (إنه كان فاحشة). # وكقوله: (فكان من الغاوين) أي: صار. # وقيل: كان في علم الله تعالى أنه سيكفر. # وقوله: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة (35) # قد ذكرنا فيما تقدم أن الجنة هي اسم البقعة التي حفت بالأشجار والغروس ~~وأنواع النبات. # دليله: قوله: (وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة). # وذلك أيضا ظاهر معروف عند الناس؛ ألا تسمى كل بقعة من الأرض بستانا، ولا ~~جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا. # ثم لا يدرى ما تلك الجنة التي أمر آدم وحواء بالكون، والمقام فيها: أهي ~~التي وعد المتقون، أو جنة من جنات الدنيا؛ إذ ليس في الآية بيان ذلك. # وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يضمر، ويكون شرطا بلا ذكر؛ لأنه ~~قال: (ألا تجوع فيها ولا تعرى) ثم قد جاع وعري حين عصى، فدل أن ترك المعصية ~~كان # PageV01P425 # شرطا فيه. # ثم مضى الأمر ms0331 من الله تعالى لآدم وزوجته بالسكنى في الجنة، والمقام فيها، ~~وأمرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرة نهيا عن التناول منها، وأمرا ~~بالاجتناب عنها بقوله: (ولا تقربا هذه الشجرة) وذي صورة الممتحن أن يؤمر ~~بشيء وينهى عن شيء. # وقوله: (وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة). # قوله: (رغدا) أي: سعة؛ يقال: أرغد فلان إذا وشع عليه، وكثر ماله. # وقوله: (ولا تقربا هذه الشجرة). # أي: لا تأكلا. # دليله قوله: (وكلا منها)؛ ولأنه بالقربان ما يوصل إلى التناول. واللغة لا ~~تأبى تسمية الشيء باسم سببه. # ثم اختلف في تلك الشجرة: # فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظا لما عصيا ربهما ~~بها. # وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاء آدم وحواء - عليهما السلام ~~- وغذاء أولادهما منها إلى يوم القيامة ليقاسوا جزاء العصيان والخلاف له. # وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ~~ذلك، وهو قوله: (بدت لهما سوآتهما)، والله أعلم. # والقول في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي. ولا وحي في تلاوتها. ولا ~~يجوز القطع على شيء من ذلك. # ثم احتمل معنى النهي عن التناول منها وجوها: # أحدها: إيثار الآخر عليه. # وقد يكون هذا أن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثارا لآخر عليه. # - ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداء يكون فيه لما يخاف الضرر به، ~~لا على # PageV01P426 # جهة الإيثار، ولكن إشفاقا عليه ورحمة. # ويحتمل أيضا النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكنا ~~هذا محتملا حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا ~~معنى النهي بأنه نهي حرمة، أو نهي إيثار غيره عليهما، أو نهي داء؛ لأنهما ~~لو كانا يعلمان أن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، ~~وبالله التوفيق. # ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد ~~على الشيطان اللعين؛ لأنه إنما تعرض لآدم وحواء بالوسوسة التي وسوس إليهما ~~ليزيل تلك الحال ms0332 عنهما. # وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت ~~أيدينا؛ لقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). # ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة. # وقوله: (فتكونا من الظالمين). # أي: الضارين؛ لأن كل ظالم ضار نفسه في الدارين جميعا. # وقوله: (فأزلهما الشيطان عنها (36) # أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أن تولى إخراجهما ~~وإزلا لهما، # وقد ذكرنا أن الأشياء تسمى باسم أسبابها، أو الأسباب باسم الأشياء. وذلك ~~ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه. # ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل ~~منها وهو ناس لعهد الله نسيان ترك الذكر. # وأبى ذلك قوم # واحتج الحسن بأن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأوجه: # أحدها: ما جرى في حكم الله - تعالى - من العفو عن النسيان الذي هو ترك ~~الذكر، وألا يلحق صاحبه اسم العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان ~~بقوله: (وعصى آدم ربه فغوى) مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين. # والثاني: أن عدوه قد ذكره لو كان ناسيا؛ حيث قال: (ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة. . .) الآية. # PageV01P427 # وقوله: (وقاسمهما). # وقوله: (فدلاهما بغرور). # ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وصفا ~~بأن استزلهما الشيطان ونحو ذلك. # فثبت أنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: (وكذلك اليوم تنسى)، وقوله: ~~(فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ~~ومعناه التضييع، سمي به لما كان كل منسي متروكا، وترك اللازم تضييع، أو بما ~~ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة ~~الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله. # أو سمي به من حيث لا يقصد بذلك عصيان الرب أو طاعة الشيطان. # وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته. # ومن يقول: بأنه كان على النسيان فهو يخرج النسيان على وجوه: # أحدها: ms0333 أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه من التراجع اشتغل قلبه بوجوه ~~الدفاع له، والفكر في الأسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائده، حتى أنساه ~~ذلك ذكر العهد. # والسبب الذي يدفع الأشياء عن الأوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان ~~النسيان عدوا في الأمور وسببا للعفو؛ لأنه لا يخرج الآخذ به عن الحكمة، ~~وذلك معلوم في الشاهد، أن من أقبل على أمر، وأخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ~~ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأمور صعب عليه، بل الغالب في ~~مثله الخفاء. # وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصيانا بأوجه: # أحدها: أنه لم يكن امتحن بأنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك. # وإنما امتحن بالانتهاء عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يعذر في ~~مثله. # وكذلك النسيان فيما يعذر في الشاهد، إنما يعذر في النوع الذي يبلى به، ~~وتكثر به النوازل. # ألا ترى أنه يعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ~~ولا # PageV01P428 # يعذر في الأكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأمر ~~الذي نحن فيه. # PageV01P429 # والثاني: أنه جائز أخذ الأخيار ومعاتبة الرسول بالأمر الخفيف اليسير الذي ~~لا يؤخذ بمثل ذلك غيره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم منته عندهم، كما أوعدوا ~~التضاعف في العذاب على ما كان من غيره. # وعلى ما ذكر في أمر يونس - عليه السلام - من العقوبة بماء لعل ذلك من ~~عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ~~ما يوصف به غيره. # PageV01P430 # وكذلك ما عوتب محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما خطر بباله تقريب أجلة ~~الكفرة؛ إشفاقا عليهم، وحرصا على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من ~~دونه لا يعدل شيء من خيراته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق. # والثالث: أنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال ~~لملائكته: (إني جاعل في الأرض خليفة) لكنه بكرمه، وبالذي عود خلقه من تقديم ~~إحسانه وإنعامه في الابتلاء على الشدائد والشرور، ms0334 وإن كان له التقديم ~~بالثاني، وذلك في جملة قوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، وقوله: ~~(ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، وبالله التوفيق. # وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في ~~القلوب؛ إذ جوزي أبو البشر وأول الرسل منهم -على ما فضله بما امتحن ملائكته ~~بالتعلم منه، والسجود- بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلق أنه ليس في أمره ~~هوادة، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أبدا على حذر من عقوبته، والفزع إليه ~~بالعصمة عما يوجب مقته، وألا يكلهم إلى أنفسهم؛ إذ علموا بابتلاء من الذي ~~ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله. # والثاني: أن يكون حفظ النهي عنه لكنه خطر بباله النهي عن وجه لا يلحقه ~~فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: (فتكونا من الظالمين)، وقد ذكرنا النهي في ~~وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير ~~جهة التحريم، إذ يكون النهي على أوجه: # أحدها: للحرمة. # والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد ~~بما عليه الطباع، نهى قوم عن أشياء محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أن ~~يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع. # يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وجه النهي إلى ما وجه من حيث ~~الضرر والمشقة، ونسي قوله: (فتكونا من الظالمين) أو ذكرا وعرفا أن الظلم قد ~~يقع على الضرر؛ كقوله: (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا) أي: لم ~~ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر. # وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أنه الضرر. واسم الضرر ~~يأخذ ضرر الداء، وضرر المأثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا ~~قوة إلا بالله. # PageV01P431 # وقد يحتمل النهي أن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويخص ~~ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الآمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن ~~التناول مما يريد ms0335 به غيره، لا على التحريم. # واذا احتمل ذا، ثم بين له عظيم ما في ذلك من البركة من غير أن عاين عدوه ~~ليعلم أن ذلك صنيعه. # وجائز أن يسبق إليه أن ذلك إشارة ملك أو إلهام في النفس -على ما يكون ~~لكثير من الأخيار- إلا أنه من وحي عدوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون ~~كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أكله، ولا قوة إلا بالله. # والأصل في هذا أن فعله - صلى الله عليه وسلم - إن كان على نسيان العهد، ~~أو على المذكر له، فإن الذي أصابه عقوبة. # وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أن الله إن يعاقبه على ما فعله لم ~~يكن ليغير عليه نعمة أنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يغير نعمة التي ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد ~~اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا. . .) ~~الآية. # وقد قال الله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى). وقد كان قال لهما: (فتكونا من ~~الظالمين). فكان فيما بلي به وجهان: أحدهما: أن ذلك لم يزل عنهما اسم ~~الإيمان، ولا دعيا إليه بعد لفعلهما ذلك. # ثبت أنه لا كل ذنب يزيل اسم الإيمان، وإن الذنوب لا يحقق فيها الكذب فيما ~~اعتقد ألا يعصي الله في شيء. # وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: (ومن يعص الله # PageV01P432 # ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا)، ليس على كل عصيان، ولا الوعيد بالظلم ~~المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيان وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما ~~يلحق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأنام خارج عن المعروف من أحكام الله ~~في أهل المآثم. # والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزء منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل ~~يزيل به اسم الإيمان؛ من نحو شرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أو أخذ عشرة ~~دراهم من مال آخر. # وكذلك فعل أولاد يعقوب. ms0336 ثم لم يجترئ أحد على دعوى خروج من ذكرت من دين ~~الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يجوز في الحكمة ~~التعذيب عليها، ولا الكبيرة العفو عنها. # وقد كان عذب آدم عليه السلام - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أظهر ~~فعلهما على رءوس الخلائق لكان عظيما. # ثم اختلف في الوجه الذي بلى: # منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأهل الجنة. # وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنب. # وقيل: بليا لتنبئة الخلق -بهما- ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه ~~إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سببا لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء ~~من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء. # وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أحوال ~~مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومنه، لا ~~بتدبير أحد وجهده، # PageV01P433 # وإن كان الله نعالى يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه ~~والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله. # وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزلة، إذا كانت نفسه مجبولة على حبه، باعثة ~~إلى مثله لولا نعمة الرب. # كما قال يوسف - عليه السلام -: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي. . .) الآية. # وقال: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها). # ثم اختلف في ماهية الشجرة: # قيل: بأنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيبا بما بلى به أبو البشر ~~وأمهم. # وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس. # وقيل: شجرة العلم، إذ بدث لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ~~ذلك، وفزعا إلى ما يستران به من الورق. # فالأصل أن هذا نوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف ~~حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعة؛ ~~فنرغب فيها، وبالله العصمة. # والأصل فيه أن الله تعالى فرق بين دار المحنة ms0337 ودار الجزاء؛ إذ الجمع ~~بينهما يزيل البلوى، ويكشف الغطاء؛ فجعل اللذيذ الذي لا راحة فيه، والمؤلم ~~الذي لا تنغيص فيه - جزاء، والتردد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله. # وقوله تعالى: (فتكونا من الظالمين). # أي: تصيران منهم. # وكذلك القول في إبليس: (وكان من الكافرين) أي: صار منهم. # ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أنهم يصيرون ممن في علم الله ~~كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) لا ~~أن ثم خالقا غيره. # PageV01P434 # ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليس إليه الوسوسة: # فقال الحسن: كان آدم - عليه السلام - في السماء وإبليس في الأرض، ولكنه ~~أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك. # وقال قوم: كان خاطبه في رأس الحية. # وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: (إن هذا عدو لك ولزوجك. ~~. .) فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أن حذره الله عنه، والله أعلم كيف ~~كان ذلك. # وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: # منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره ~~بقلبه؛ فيقذف فيه. # ومنهم من يقول: هو بحيث جعلت له قوة إيصال الخطر بباله، والقذف في قلبه ~~من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر. # ومنهم من يقول: إن النفس كأنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، ~~لولا الجسد الذي يحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند ~~سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على من في أقصى بقاع الأرض حتى يصير ~~له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه. # ونحن نقول -وبالله التوفيق-: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله ~~تعالى جعل للحق أعلاما، وكذلك للباطل. # وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ # منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله تعالى: (وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله). # وقال الله عز وجل: (إن الذين اتقوا إذا مسهم ms0338 طائف من الشيطان تذكروا). # وقال الحسن في قوله: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ~~أو تكونا من الخالدين) وقد علم - آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود ~~يكون معه، وقد أخبر أنه يموت، وقد علم أنه لا يكون ملكا، وقد خلق من طين ~~والملائكة من # PageV01P435 # نور، ولكن يكون على فضل الملائكة. # (وقاسمهما). # حلف لهما في وسوسته أنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على ~~القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأكل، ولكن أكلا على ~~الشهوة، واتباع الهوى. # ولو صدقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا اعظم من الأكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما ~~لأجل ذلك الشيء. # وذلك كما يقول الرجل لآخر -في شيء يقتل عليه أو يقطع له-: لو فعلت لا ~~يفعل بك ذلك، فيقدم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك. # وكذا من يذكر أحدا بمثل امرأة بحبها وإيثارها إياه؛ فيأتيها بشهوة لا ~~بتصديق الآخر؛ فمثله أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان. # وهذا الذي يذكر الحسن يوجب أن يكون آدم كان يعلم أن ذلك كان من الشيطان ~~عدوه. # وذلك إقدام على أثر ما ذكر على ما يصف أنه كان يعلم أنه أمر فظيع يوجب ~~فعله -على العلم بالنهي- أنه لا ينال به خيرا، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل ~~اتبع الشيطان بما هوى واشتهى. # وهذا لو كان شهده كان فظيعا أن يدعيه على أبي البشر، ومن قد فضله الله ~~بالذي سبق ذكره. # بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أنه من عدوه، أو إلهام -على ما يكون ~~للأخيار- أو كان أسمع على غير الصورة التي أداها من قبل، كان أقرب وأحق أن ~~ينطق به من أن يذكر الذي ذكر. # ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟! بل لا ينكر أن يكون له، ~~ولكن على ما بينا. # وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين. # ثم قد ذكر ملكين، والكلام في الفضل وغير الفضل ms0339 -على قوله- لا معنى له؛ ~~لأنه # PageV01P436 # يجعل فعلهم جبرا - ومن فعله جبر لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل ~~الفضل لهم بالخلقة، فكيف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم. # ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيان؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، ~~فإنه لا يحمد، ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي ~~بالخلقة، وذلك بعيد. # وجائز أن يكون آدم - عليه السلام - طمع أن يكونا ملكين؛ بأن يجعل على ما ~~عليه صنيعهم من العصمة، أو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات. # والله قادر على أن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجد فيهم من معصوم ~~ومخذول، ليعلم أن الخلقة لا توجب شيئا مما ذكر، ولا قوة إلا بالله. # ثم الأصل أن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو ~~حسي، ولا في الجوهر دليل الفناء، ولله أن يميت من شاء ويبقي من شاء. # فقول الحسن -إنه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله- ينتهي إليه أنه كان ~~بلغه في ذلك الوقت. # وكذلك أمر الملائكة، وحال الإغذاء، ومحبة الذكر، وظهور العصمة تعرف ~~بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله. # ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم - عليه السلام - قد علم أن الملائكة لا ~~يموتون. # لا أدرى ما هذا؟ # أهو عقد اعتقد، أو جرى على لسانه؟ لأن مثله لا يعلم إلا بما لا يرتاب في ~~ذلك أنه جاء عن الله، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (فأزلهما الشيطان عنها). # أي: دعاهما وزين لهما، أي: سبب الزلة والإخراج منها، لا أن تولى هو ~~إخراجهما وإزلالهما. # وقد ذكرنا أنه قد تسمى الأشياء باسم أسبابها، والأسباب باسم الأشياء. ~~وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم. # وقوله: (فأخرجهما مما كانا فيه). # PageV01P437 # من الخصب، والسعة، والنعم التي أنزلهما الله - تعالى - فيها، وأباح لهما ~~التناول مما فيه. # ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواء - عليهما السلام - فيم كان؟ ms0340 ومن ~~أين كان؟ ولماذا كان؟. # قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأس الحية؛ حسدا منه لما رآهما ~~يتقلبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه. # وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بعد، والله أعلم. # ثم اختلف في الشيطان: أله سلطان على القلوب؟ أو يوسوس في صدورهم من بعد؟ # فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاء أنه يجري في الإنسان بين ~~الجلد واللحم مجرى الدم. # وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يقذف فيهم من البعد، ويدعوهم ~~إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك ~~الأحوال ظاهرة من أثر الخير والشر. # فإذا رأي ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر. وعلى ذلك قوله عز وجل: ~~(وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم) أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى ~~الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أعلم. # ثم قيل فيمن عصى ربه: أليس قد أطاع الشيطان؟ # قيل: بلى. . # فإن قيل: فإذا أطاع ألا يكفر؟ # قيل: لا؛ لأنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، ~~وإن كان في عصيان الرب طاعته. # وكذلك روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذلك فأجاب بمثل هذا ~~الجواب. # والأصل: أن الفعل الذي يبلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به ~~مطيعا، إنما يجعله طاعة القصد بأن يجعله طاعة له، وقد زال، وإن سر هو به ~~وفرح كما سر بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف ~~من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله. # PageV01P438 # وقوله: (وقلنا اهبطوا). # قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: (اهبطوا مصرا) أي: انزلوا فيه. # ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من ~~المكان. # وقوله: (بعضكم لبعض عدو). # قيل: يعني إبليس وأولاده، وآدم وأولاده، بعضهم لبعض عدو. والعداوة فيما ~~بيننا وبينهم ظاهرة. # وقيل: بيننا وبين الحية التي حملت إبليس حتى وسوس ms0341 لهما من ذؤابتها. # فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذ ليس في الكتاب ذلك. # غير أن العداوة بيننا وبين الحيات عداوة طبع، والعداوة التي بيننا وبين ~~إبليس عداوة اختبار وأمر؛ إذ الطبع ينفر عن كل مؤذ ومضر، وبالله التوفيق. # وقوله: (ولكم في الأرض مستقر). # يقرون فيها، كقوله: (جعل لكم الأرض قرارا). # وقوله: (ومتاع إلى حين). # أي: متاعا لكم إلى انقضاء آجالكم. # ويحتمل: متاعا لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها. # وقوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات (37) # أي: أخذ. # وقوله: (كلمات فتاب عليه). # قيل: إن فيه وجوها: # قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: (ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا)، أي: وفق لهم التوبة فتابوا. # وقيل: خلق فعل التوبة منه، فتاب، كما قلنا في قوله: (وهداه) # PageV01P439 # أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى. # وقيل: تاب عليه، أي: تجاوز. # وقيل: إن التوبة هي الرجوع. رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران # PageV01P440 # والتجاوز، وبعضه قريب من بعض. # وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه. # والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو ~~مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة. فآدم - عليه السلام - دعا ~~بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب عليه. ولو كان مغفورا له ما ارتكب لكان الدعاء ~~فضلا وتكلفا، وبالله التوفيق. # والكلمات هي ما ذكرت في سورة أخرى: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا. . .) الآية. # وقوله: (إنه هو التواب الرحيم). # أي: قابل التوبة. # وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: (غافر الذنب وقابل التوب) وقد ~~ذكرنا في قوله: (فتاب عليه) ما احتمل فيه. # (الرحيم) بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين. # وقوله: (لنا اهبطوا منها جميعا (38) # ذكر هبوطهم جميعا؛ فإذا هبطوا فرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في ~~الأمر، فدل أن الجمع في الأمر، والذكر، لا يصير الجمع في الفعل شرطا. # وقوله: (فإما يأتينكم مني هدى). # أي: ليأتينكم. وهذا جائز في اللغة. # وقوله: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # أي: من تبع هداي، ودام ms0342 عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك ~~قوله: (فمن اتبع هداي فلا يضل): في الدنيا، (ولا يشقى) في الآخرة، إذا مات ~~عليه. # وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (39). # تنقض على الجهمية؛ لأنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما. # PageV01P441 # فلو كانت الجنة تفنى وينقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأن من خاف في ~~الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا ~~بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأخبر عز وجل ألا خوف عليهم فيها؛ ~~أي: خوف النقمة، ولا حزن، أي: حزن فوات النعمة. # (ولا هم يحزنون) دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول. # وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأن عذابها أليم شديد، فلو ~~كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأن من عوقب في ~~الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها وإن ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي ~~أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا ~~أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون ~~الكتاب أفلا تعقلون (44) واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46). # وقوله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم). # يحتمل وجوها: # يحتمل قوله: اذكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم ~~الأنبياء، والملوك، كقوله: (وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين). # ويحتمل (اذكروا نعمتي) ويعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ~~ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله تعالى: (يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. ~~. .) الآية. # ويحتمل: (اذكروا نعمتي) ومن نحو ما أعطاهم - عز وجل - المن والسلوى، ~~وتظليل الغمام وغير ذلك ms0343 من النعم، ما لم يؤت أحدا من العالمين، خصوا بذلك ~~من دون غيرهم. وقيل: نعمته محمد - صلى الله عليه وسلم - بعث وقت اختلافهم ~~في الدين، وتفرقهم فيما كان عليه من مضى من النبيين ليدلهم على الحق من ~~ذلك، ويؤلف بينهم بالبينات. # PageV01P442 # كما أحوجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يعلم صدقه في ذلك؛ فبعث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا ~~قوة إلا بالله. # ويحتمل: (اذكروا نعمتي) أي: وجهوا شكر نعمتي إلي، ولا توجهوها إلى غيري. # فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل منعم عليه أن يوجه ~~شكر نعمه إلى ربه. # وكان الأمر بذكر النعمة - والله اعلم - أمرا بعرفانها في القلب أنها منة، ~~لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز ~~عن أداء شكر واحدة منها طول عمره. # وقوله تعالى: (وأوفوا بعهدي). # قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: # عهد خلقة: لما جعل في خلقة كل أحد دلائل تدل على معرفته وتوحيده، وأنه لم ~~يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى. # وعهد رسالة: على ألسن الرسل؛ كقوله تعالى: (إني معكم لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . .) الآية. # وكقوله: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل. . .) الآية. # وكقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب. . .) الآية. # وقوله تعالى: (أوف بعهدكم). # الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: (لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات. . ~~.) الآية. # ويقال: (وأوفوا بعهدي) أي: أدوا ما فرضت عليكم من فرائض، ووجهوا إلي شكر ~~نعمتي، ولا تشكروا غيري. # ويكون أوفوا بعهدي الذي أخذ على النبي ين بقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين. . .) (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) ~~فيكون عهده تبليغ ما بين في كتبهم؛ من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (وإياي فارهبون). # أي: اخشوا سلطاني وقدرتي. # PageV01P443 # وقيل: اخشوا عذابي ونقمتي. # وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث ms0344 محمد نبيي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم (41) # قوله: (وآمنوا بمآ أنزلت) على نبيي محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~القرآن. # (مصدقا لما معكم). # أي: موافقا لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما. # وهم قد عرفوا موافقته كتبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة ~~بعض ببعض. # أو يحتمل قوله: (مصدقا) أي: موافقا لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف ~~من الكفرة -وهم الصابئون-: إن الإنجيل نزل بالرخص، والتوراة نزلت بالشدائد. # فقالوا باثنين؛ لما لم يروا نزول الكتب -بعضها على الرخص وبعضها على ~~الشدائد من واحد- حكمة. # فقال عز وجل: (مصدقا) أي: موافقا للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك ~~له، وإن كان فيه شدائد ورخص؛ إذ لله أن ينهى هذا عن شيء، ويأمر آخر، وينهى ~~في وقت، ويأمر به في وقت، وليس فيه خروج عن الحكمة أن يأمر أحدا وينهاه في ~~وقت واحد، وفي حال واحدة، وفي شيء واحد. # ثم في الآية دلالة أن المنسوخ موافق للناسخ، غير مخالف له؛ لأن من ~~الأحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فلو كان فيها خلاف لظهر ~~القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق. # وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفا لبعضه، كقوله: (ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا). # PageV01P444 # وقوله: (ولا تكونوا أول كافر به). # قيل فيه بوجهين: # قيل: لا تكونوا أول قدوة يقتدى بكم في الكفر. # وقيل: أي لا تكونوا أول كافر بما آمنتم به؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن ~~يبعث، فلما بعث كفروا به. # وقيل: هم أول من التقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ظهر بين ~~أظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر ~~لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما ~~معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا علم. # فيكون عليهم -لو كفروا- ما على أول ms0345 من كفر -ولا قوة إلا بالله- مع ما ~~يلحقهم فيه وصف التعنت والتمرد، والله الموفق. # وقوله: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا). # قيل: بحجتي. # قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: (اشتروا الضلالة ~~بالهدى). # وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء ~~بشيء وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء. # وقوله: (وإياي فاتقون). # أي: اتقوا عذابي ونقمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي. وقد ذكرناه. # وقوله: (ولا تلبسوا الحق بالباطل (42) # يحتمل وجوها: # يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل. # ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل. # ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا. # ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل. # ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا. # ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~تثبتوا غيره. وكله يرجع إلى واحد. # PageV01P445 # ثم (الحق) ويحتمل وجوها: # يحتمل: محمدا - صلى الله عليه وسلم - ونعته. # ويحتمل الحق: القرآن. # ويحتمل الحق: الإيمان. # والباطل: هو الظلم والكفر، والله أعلم. # وقوله: (وتكتموا الحق وأنتم تعلمون). # لما ذكر هو ونعته في كتابهم أنه حق؛ إن كان محمدا عليه أفضل الصلوات ~~وأكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون. # وقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (43) # يحتمل وجوها: # يحتمل: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة أمرا بقبول الصلاة المعروفة ~~والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم) ليس هو إخبارا عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لهما ~~والإيمان بهما، والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون الأمر بإقامة الصلاة والزكاة أمرا بكونهم على حال تكون ~~صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاة. # قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأن الآية ~~نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أهل كتاب، وكانوا يصلون ويصدقون، ولكن ~~صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأتوا بإيمانهم فأمروا أن يأتوا ~~بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة. # ويحتمل: الأمر بإقامة الصلاة والزكاة أمرا بإقامتها بأسبابها وشرائطها من ~~نحو # PageV01P446 # الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين. # ويحتمل: ms0346 الأمر بالصلاة والزكاة أمرا لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، ~~والثناء عليه، وذلك على كل أحد أن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك ~~الزكاة على كل أحد أن يزكي نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها. ويصونها عن ~~جميع ما يضر به وذلك فرض على كل واحد، وبالله التوفيق. # وقوله عز وجل: (واركعوا مع الراكعين). # قيل فيه بوجوه: # PageV01P447 # قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأمروا أن يصلوا لله ويركعوا ~~فيها على ما يفعله المسلمون. # وقيل: إنهم كانوا يصلون وحدانا لغير الله؛ فأمروا بالصلاة مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه بالجماعة. # وفيه أمر بحضور الجماعة. # وقيل: (واركعوا مع الراكعين) أي: كونوا مع المصلين يعني المسلمين، ولا ~~تخالفوهم في الدين والمذهب، أي: اعتقادا. # وقوله عز وجل: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم (44) # قيل فيه بوجوه: # قيل: (أتأمرون الناس) يعنى: الأتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، ~~وتلاوتكم الكتاب، (وتنسون أنفسكم) ولا تأمرونها باتباع محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟! # وقوله: (وأنتم تتلون الكتاب). # أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك. # وقوله: (أفلا تعقلون). # أن ذا لا يصح؟!. # وقيل: (أتأمرون الناس) يعني: الفقراء والضعفة بالإيمان بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا تأمرون الأغنياء وأهل المروءة بالإيمان به، لما تخافون ~~فوت المأكلة، والبر، وانقطاعه عنكم. # ويحتمل أن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأمر أحد أحدا بمعروف إلا ~~ويأمر نفسه بمثله، بل الواجب أن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأسرع إلى ~~القبول. # (أفلا تعقلون) أن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم ~~الأمر لغيره. والله أعلم. # وقوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة (45) # يحتمل وجوها: # يحتمل: أن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأكلة في الدنيا؛ لأن ~~الخطاب كان # PageV01P448 # للرؤساء منهم بقوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون) إلى قوله: (وأنتم ~~تتلون الكتاب) والله أعلم. # ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~والانقياد والخضوع له، لما بمن لكم من الثواب الآخرة لمن آمن به وأطاعه، ~~وترك الرئاسة له. ms0347 # ويحتمل: أن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأن الجنة لا تدرك إلا ~~بذلك؛ لما جاء: " حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات ". # ويحتمل؛ أن استعينوا بالصوم والصلاة على أدائهما. # لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله ~~قوله: (وأنتم تتلون الكتاب). # وإنما يصلح هذا التأويل قوله: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا. . .) ~~الآية. # وقوله عز وجل: (وإنها لكبيرة). # يخرج -والله أعلم- على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأكلة في الدنيا، ~~إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم. # ويحتمل: أن ترك الرئاسة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والانقياد له، ~~والخضوع - لثقيل إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر. # ويحتمل أن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على ~~المنافقين إلا # PageV01P449 # على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم. # وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم. # وقوله: (إلا على الخاشعين). # قيل فيه بوجوه: # قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب. # وقيل: الخاشع؛ المتواضع. # وقيل: الخاشع -ها هنا- المؤمن. # وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب. # وقوله عز وجل: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم (46) # يعني: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم. # وقوله: (وأنهم إليه راجعون). # أي: سيعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه. # قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف ~~على أحد طرفى الظن. والهمة بين هذين. # * * * # PageV01P450 # قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين (47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون (48) وإذ نجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ~~(50) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ~~(51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون (53). # وقوله: (يا ms0348 بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم). # يحتمل وجوها: # يحتمل: (أنعمت عليكم) بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن الناس كانوا ~~على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث ~~الله - تعالى - محمدا - صلى الله عليه وسلم -؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين ~~الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها ~~عليهم، وبالله التوفيق. # وذلك أيضا يحتمل فيما تقدم من الآيات. # وقوله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي. . ~~.) والآية. # وقوله: (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم) يعني محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وعهده في الأرض رسوله، كقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة) إلى قوله: (وأخذتم على ذلكم إصري)، أي: عهدى. # وعلى ذلك قوله: (ولا تكونوا أول كافر به)، يعني: بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: (ولا تلبسوا الحق بالباطل)، يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك قوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)، أمكن ~~تخريج هذه الآيات كلها على محمد - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل أيضا قوله: (نعمتي التي أنعمت عليكم) الوجوه التي ذكرنا. # أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا). # كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى عليه السلام كان من بني ~~إسرائيل. # ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أحدا من العالمين؛ # PageV01P451 # كقوله: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين)، من المن، والسلوى، وتظليل ~~الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول. # كما قيل، إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، ~~وكانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤت أحدا سواهم. # ويحتمل أيضا قوله: (نعمتي) أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: (وإذ ~~نجيناكم من آل فرعون. .) الآية. # وقوله: (وأني فضلتكم على العالمين). # قيل: فضلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدواب بالجوهر، وعلى ms0349 الجن ~~بالرسل، وعلى البشر بالإيمان. # ويحتمل تفضيلهم على العالمين وجوها أيضا: # ما ذكرنا من بعث الأنبياء منهم. # والنجاة من أيدي العدو. # وإهلاك العدو وهم يرونه. # وفرق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه. # وذلك من أعظم النعم: أن ترى عدوك في الهلاك وأنت بمعزل منه آمن. # وقوله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) إلى قوله: ~~(فضلتكم على العالمين). # يحتمل: فضل أوائلهم. # وفي الآية وجهان على المعتزلة: # أحدهما: قهوله: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)، وعندهم: أن جميع ما فعل ~~مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزا، فإذا كان تركه بفعله ~~جائزا ففعله حق عليه. # ولا أحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعما على أحد؛ فثبت أن كان ثم ~~منه معنى زائد خصهم به، وأن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك ~~الإنعام بخل كما قالوا. # والثاني: قوله: (فضلتكم على العالمين)، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، ~~لم يكن لهم ئفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك. # ومن قول المعتزلة: أن ليس لله أن يخص أحدا بشيء إلا باستحقاق يفعله، ~~وبذلك هم # PageV01P452 # فضلوا أنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يمن عليهم بذلك؟! ولا قوة إلا ~~بالله. # مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أن يكون لهم الفضل في الدين ~~أولا. # فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل. # وإن كان ثبث أن ليس من الحق عليه التسوية بين الجميع في أسباب الدين. # وقوله عز وجل: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا (48) # الآية - والله أعلم - كأنها مؤخرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ ~~لأنه قال: (وأني فضلتكم على العالمين)، ثم ذكر الأفضال والمنن فقال: (وإذ ~~نجيناكم من آل فرعون. . .) الآية، وقوله: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم)، ~~وقوله: (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون). # ذكرهم - عز وجل - عظيم نعمه ومننه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها منة، ~~وأنه فضل منه، # ثم حذرهم - جل وعز - فقال: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا. ms0350 . .) ~~الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة من الهلاك ~~وأنواع العذاب بعد الأمن، والتوسع عليهم، كقوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا) ~~إلى قوله: (فلما نسوا ما ذكروا به. . .) الآية. # ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوما مقذوفا ~~بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: (ثم اتخذتم العجل من ~~بعده)، وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم. # وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، ~~وإخراجهم من أيدي العدو، وفرق البحر بهم، وإهلاك العدو. وإنما كان ذلك ~~لآبائهم دونهم، لكن ذكرهم - جل وعز - عظيم منته على آبائهم؛ ليشكروا له على ~~ذلك، وكذلك عيرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على ~~حذر من ذلك، والله أعلم. # وفي قوله: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) أي: بما كان ~~إنعامي عليهم باتباعهم الرسول موسى - عليه السلام - وطاعتهم له، فاتبعوا ~~اسم الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وأطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه. # وقوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا). # قيل: أي لا تؤدي نفس عن نفس شيئا؛ كقوله: (يوم يفر المرء من أخيه (34) ~~وأمه وأبيه (35). # PageV01P453 # وقوله: (ولا يقبل منها شفاعة). # قيل فيه بوجهين: # قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: (فما لنا من شافعين)، وكقوله: (ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع). # وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: (فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين) أي: لا يؤذن لهم بالشفاعة؛ كقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). # وقوله: (ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون). # والعدل: هو الفداء، إما من المال، وإما من النفس. # وذلك أيضا يحتمل وجهين: # يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع. # ويحتمل: أن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم). # ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا ms0351 أصابته نكبة بثلاث: # إما بفداء يفدى عنه -مالا أو نفسا- وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأنصار ~~ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك. # فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة. # والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون ~~بالبعث، والجنة، والنار، كقوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى) وقوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة). # ولذلك ذكر اسم الفداء والشفيع، وما ذكر، وأما من لم يؤمن بالآخرة فلا ~~معنى لذكر ذلك. # وقوله: (وإذ نجيناكم من آل فرعون (49) # قيل: آل الرجل: شيعته؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابته. # وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن ~~به. # PageV01P454 # وقوله: (يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم). # فيل فيه بوجهين: # قيل: يقصدونكم أشد العذاب. وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأنفسهم. # وقيل: يسومونكم، يذيقونكم أشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءهم من تذبيح ~~الأبناء وتقتيلهم، كقوله: (يذبحون أبناءكم)، أي: يقتلون أبناءكم. # وقوله: (ويستحيون نساءكم). # يحتمل أيضا وجهين: # يحتمل: يستحيون من الحياء، أي: استحيوا قتل النساء، لما لا يخافهن. # ويحتمل من الإحياء، أي: تركوهن أحياء فلم يقتلوهن. # وقوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم). # قيل: البلاء -ممدود- هو النعمة، كأنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله ~~نعمة عظيمة. # وقيل: البلا -مقصور- هو الابتلاء والامتحان؛ كأنه قال: في استعباده إياكم ~~واستخدامه امتحان عظيم. # وقوله: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ~~(50) # قيل: فرقنا، أي: جعلنا لكم البحر فرقا، أي: طرقا تمرون فيه. # وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر. # وقوله - عز وجل -: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة (51) # كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين: # أحدهما: من الله - عز وجل - بصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: (ألم ~~يعدكم ربكم وعدا حسنا) أي: صدقا. # ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأس أربعين ليلة، ~~كقوله: # PageV01P455 # (فأخلفتم موعدي). # وقوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده). # يحتمل وجهين: # (اتخذتم): أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا ~~باتخاذه نفسه. ms0352 # ويحتمل: اتخذتم العجل إلها؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلها، كقوله: (واتخذ ~~قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار). # وهذا كان أقرب. # وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم. # وقوله: (وأنتم ظالمون). # فيل في الظلم بوجوه: # قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم. # وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم. # وهاهنا -حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم- نسبهم إلى الظلم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم. # وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأنهم وضعوا ~~الألوهية في غير موضعها، وهذا كأنه - والله أعلم - أقرب. # وقوله - عز وجل -: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك (52) الآية. # ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن الله إذا علم من أحد أنه يؤمن ~~به في آخر عمره -وإن طال- أو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأبد، لم يكن ~~له أن يميته، ولا له أن يقطع نسله. # فإذا كان على الله أن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ~~ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فعل - جل وعز - ما عليه أن يفعل. ~~وكل من فعل ما عليه أن يفعل لم يكن فعله فعل امتنان، ولا فعل إفضال؛ لأنه - ~~عز وجل - من عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأصلهم، وتركهم حتى تناسلوا ~~وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو ~~لآبائهم؛ لأنه لو أهلك آباءهم وقطع تناسلهم انقرضوا وتفانوا، ولم يتوالدوا؛ ~~فالمنة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم. # PageV01P456 # فإذا كان هذا ما وصفنا دل أن ليس على الله أن يفعل الأصلح لهم في الدين ~~وبالله التوفيق. # PageV01P457 # وقوله: (لعلكم تشكرون). # أي؛ لكنى تشكروا. وكذلك قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، أي: ~~لكى يوحدوا. # وذلك يحتمل وجوها: # يحتمل: أن يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خلقه كل أحد له. # ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أنعم وأفضل عليه، وذلك ~~يرجع إلى من يعبد ويوحد. # ويحتمل: أنه خلقهم؛ ليأمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل ms0353 منهم الأمر ~~بذلك. # وقوله: (وإذ آتينا موسى الكتاب (53) # يعني: التوراة. والكتاب: اسم لكل مكتوب. # وفو له: (والفرقان). # قيل: سميت فرقانا؛ لما فرق وبين فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه ~~بين # PageV01P461 # الحلال والحرام فهو فرقان. # وقيل: يسمى فرقانا؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل. وهما واحد. # وقيل: سميت التوراة فرقانا؛ لما فيها المخرج من الشبهات. # وقيل: الآية على الإضمار؛ كأنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب -يعني ~~التوراة- ومحمدا الفرقان؛ كقوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده). # وقوله: (لعلكم تهتدون). # فالكلام فيه كالكلام في قوله: (لعلكم تشكرون) وقد ذكرنا فيه ما أمكن، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب ~~عليكم إنه هو التواب الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ~~فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (59). # وقوله عز وجل: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل). # وقيل: ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلها. # وقوله عز وجل: (فتوبوا إلى بارئكم). # قيل: ارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ربكم. # وقيل: ارجعوا عن اتخاذ العجل إلها إلى اتخاذ خالقكم إلها. # وقوله عز وجل: (فاقتلوا أنفسكم). # قال الفقيه أبو منصور - رحمه الله -: لولا اجتماع أهل التأويل والتفسير ~~على صرف ما أمر الله - جل وعز - إياهم بقتل أنفسهم على حقيقته، وإلا لم نكن ~~نصرف الأمر بقتل أنفسهم على حقيقة القتل؛ وذلك لأن الأمر بالقتل كان بعد ~~التوبة، ورجوعهم إلى عبادة الله، والطاعة له، والخضوع. # PageV01P462 # دليله قوله عز وجل: - (ولما ms0354 سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (149). ظهر بهذا: أنهم تابوا ~~قبل أن يؤمروا بالقتل. # وقد شرع على ألسن الرسل: قتال الكفرة حتى يسلموا؛ فلا يجوز ذلك إن ~~أسلموا، فيحصل الإرسال للقتل خاصة، لا للدين، والله أعلم. # ولأن القتل هو عقوبة الكفر، لا عقوبة الإسلام، وخاصة قتل استئصال، على ما ~~روي في الخبر: أن قتل سبعون ألفا في يوم واحد. # وذلك استئصال وإهلاك، ولم يهلك الله قوما إلا في حال الكفر والعناد؛ إذ ~~الإسلام سبب درء القتل وإسقاطه؛ لأن من يقتل لكفره إذا أسلم سقط القتل عنه ~~وزال، وكذلك إذا أسلم وتاب ومات عليه، لم يعاقب في الآخرة لكفره في الدنيا. # فعلى ذلك: يجب ألا يعاقب هؤلاء في الدنيا -بالقتل- بعد التوبة والرجوع ~~إلى عبادة الله وطاعته. # ويصرف الأمر بالقتل، إلى إجهاد أنفسهم بالعبادة لله، والطاعة له، واحتمال ~~الشدائد والمشقة؛ لتفريطهم في عصيان ربهم، باتخاذهم العجل. إلها، وبعبادتهم ~~إياه دون الله. # وذلك جار في الناس، يقال: فلان يقتل نفسه في كذا، لا يعنون حقيقة القتل، ~~ولكن: إجهاده نفسه في ذلك، وإتعابه إياها، واحتمال الشدائد والمشقة فيه. # فعلى ذلك، يصرف الأمر بقتل أنفسهم إلى ما ذكر، بالمعنى الذي وصفنا، والله ~~أعلم. # ثم صرف ذلك إلى حقيقة القتل احتمل وجهين: # أحدهما: أن يجعل ذلك ابتداء محنة من الله - تعالى - لهم بالقتل، لا عقوبة ~~لما سبق من العصيان. # ولله أن يمتحنهم -ابتداء- بقتل أنفسهم؛ كقوله: (ولو أنا كتبنا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) الآية، على تأويل كثير من المتأولين في ~~ذلك؛ إذ له أن يميتهم بجميع أنواع الإماتة. # فعلى ذلك: له أن يأمر بقتل أنفسهم، وفيه إماتة، مع ما فيه الاستسلام ~~لعظيم ما دعوا إليه، من بذل النفس لله، مما في مثله جعل وفاء إبراهيم الأمر ~~بالذبح، وبذل ولده النفس # PageV01P463 # له. # فيكون في ذلك القدر وفاء وتوبة لا حقيقة القتل، والله أعلم. # والثاني: يجوز ذلك؛ لأن عقوبات الدنيا وثوابها محنة، لجواز الامتحان ms0355 بعد ~~التوبة والرجوع إلى طاعة الله؛ لأنها دار محنة. # وأما عقوبات الآخرة وثوابها فليستا بمحنة؛ لأنها ليست بدار امتحان؛ لذلك: ~~جاز التعذيب في الدنيا بعد التوبة، ولم يجز في الآخرة إذا مات على التوبة، ~~والله أعلم. # ثم قيل في قوله: (فاقتلوا أنفسكم)، بوجوه: # قيل: أمروا ببذل الأنفس للقتل، والتسليم له؛ فصاروا كأن قد قتلوا أنفسهم. # ويجوز أن يكون الأمر بقتل أنفسهم أمرا بمجاهدة الأعداء، وإن كان فيها ~~تلفهم على ما قال: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم. . .) الآية، مذكور ~~ذلك في التوراة. # وكذا قوله: (لا تسفكون دماءكم)، نهى عن القتل الذي فيه قتل أنفسهم. # وقد قيل في قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)، بمعنى: أي لا تقتلوا من تقتلون، ~~فكأنما قد قتلتم أنفسكم، وعلى هذا التأويل خرج أبو بكر قوله: (ولو أنا ~~كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم). والله الموفق. # وقيل: أمر بعضا بقتل بعض، كقوله: (فسلموا على أنفسكم تحية)، أي: يسلم ~~بعضهم على بعض. # وقيل: أمر كل من عبد العجل بقتل نفسه، والله أعلم. # وقوله؛ (ذلكم خير لكم عند بارئكم). # قيل: إن التوبة خير لكم عند خالقكم. # وقيل: قتلكم أنفسكم خير لكم من لزوم عبادة العجل. # ويحتمل: عبادة الرب - عز وجل - خير لكم من عبادة العجل، والله أعلم. # وقوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). # وقد ذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم. # وفي بذل أنفسهم للقتل، والصبر عليه، وكف أيديهم عن الدفع، والممارسة فيه ~~وجهان: # PageV01P464 # أحدهما: أنه كأنهم طبعوا على أخلاق البهائم والدواب. # وذلك أن موسى - صلى الله عليه وسلم - من خدمة فرعون وآله، ونجاهم من ~~الشدائد التي كانت عليهم، ولحوق الوعيد بهم، وأراهم من الآيات العجيبة: من ~~آية العصا، واليد البيضاء، وفرق البحر، وإهلاك العدو فيه، وتفجير الأنهار ~~من حجر واحد، وغير ذلك من الآيات ما يكثر ذكرها، أن لو كانت واحدة منها ~~لكفتهم، ودلتهم على صدقه ونبوته. # ثم -مع ما أراهم من الآيات- إذا فارقهم، دعاهم السامرى إلى عبادة العجل، ~~واتخاذه إلها، كقوله: (هذا إلهكم وإله موسى فنسي)، فأجابوه إلى ذلك، ms0356 ~~وأطاعوه. # وكان هارون - صلوات الله على نبينا وعليه - فيهم، يقول: (يا قوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري)، فلم يجيبوه ولا صدقوه، ~~ولا اكترثوا إليه، مع ما كان هارون من أحب الناس إليهم. # فلولا أنهم كانوا مطبوعين على أخلاق البهائم والدواب، وإلا ما تركوا ~~إجابته، ولا عبدوا العجل، مع ما أروا من الآيات التي ذكرنا. # فإذا كان إلى هذا يرجع أخلاقهم لم يبالوا ببذل أنفسهم للقتل، والله أعلم، ~~ونحو ذلك قوله: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة). # وعلى ذلك جعلت آيات موسى كلها حسية لا عقلية؛ إذ عقولهم كادت تقصر عن فهم ~~المحسوس ودركه، فضلا عن المستدل عليه، والله أعلم. # والثاني: يحتمل أن أروا ثواب صبرهم على القتل في الآخرة، وجزيل جزائهم، ~~وكريم مآبهم؛ فهان ذلك عليهم وخف. # كلما روى أن امرأة فرعون لما علم فرعون -لعنه الله- بعبادتها ربها، ~~وطاعتها له، أمر أن تعاقب بأشد العقوبات، ففعل بها فضحكت في تلك الحال، لما ~~أريت مقامها في الجنة، وكريم مآبها؛ فهان ذلك عليها وسهل. # فعلى ذلك يحتمل بذل هؤلاء أنفسهم للقتل، والصبر عليه لذلك، والله أعلم. # وقوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة (55) # قال بعضهم: قال الذين اختارهم موسى -وكانوا سبعين رجلا- لن نصدقك ~~بالرسالة والتوراة حتى نرى الله جهرة، يخبرنا أنه أنزلها عليك. # PageV01P465 # ويحتمل: لن نؤمن لك أنه إله، ولا نعبده حتى نراه جهرة عيانا. # فاحتج بعض من ينفي الرؤية في الآخرة بهذه الآية؛ حيث أخذتهم الصاعقة لما ~~سألوا الرؤية. # قالوا: فلو كان يجوز أن يرى لكان لا تأخذهم الصاعقة، ولا استوجبوا بذلك ~~العذاب والعقوبة. # وأما عندنا، فإنه ليس في الآية دليل نفي الرؤية، بل فيها إثباتها. # وذلك أن موسى - عليه السلام - لما سئل الرؤية لم ينههم عن ذلك، ولا قال ~~لهم: لا تسألوا هذا. # وكذلك سأل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عنها، بل قال: (فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني)، وإذا صرف الوعد لا يجوز ذلك، لو كان لا يحتمل؛ ms0357 لأنه كفر، ومحال ترك ~~النهي عنه. # وكذلك ما روى في الأخبار: من سؤال الرؤية لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حيث قالوا: أنرى ربنا؛ لم يأت عنه النهي عن ذلك، ولا الرد عليهم؛ ~~فلو كان لا يكون لنهوا عن ذلك ومنعوا. # وإنما أخذ هؤلاء الصاعقة بسؤالهم الرؤية؛ لأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد، ~~وإنما سألوا سؤال تعنت. # دليل التعنت، فيما جاء من الآيات، من وجه الكفاية لمن ينصف؛ لذلك أخذتهم ~~الصاعقة، والله أعلم. # أو أن يقال: أخذتهم الصاعقة بقولهم: (لن نؤمن لك)، لا بقولهم: (حتى نرى ~~الله جهرة). وسنذكر هذه المسألة في موضعها، إن شاء الله تعالى. # وقوله: (فأخذتكم الصاعقة). # قيل: الصاعقة كل عذاب فيه هلاك. # لكن الهلاك على ضربين: # هلاك الأبدان والأنفس. # PageV01P466 # وهلاك العقل والذهن، كقوله: (وخر موسى صعقا) قيل: مغشيا. # وفيه هلاك الذهن والعقل؛ وكذلك قوله: (فصعق من في السماوات ومن في الأرض) ~~أي غشي. والله أعلم. # وقيل: الصعقة: صياح شديد. # وقوله: (وأنتم تنظرون). # قيل فيه بوجهين: # قيل: تعلمون أن الصاعقة قد أخذتهم وأهلكتهم بقولهم الذي قالوا؛ فكونوا ~~أنتم على حذر من ذلك القول. # وقيل: (وأنتم تنظرون) الخطاب لأولئك الذين أخذتهم الصاعقة - أي: تنظرون ~~إلى الصاعقة وقت أخذتها لكم، أي: لم تأخذكم فجأة، ولا بغتة، ولكن عيانا ~~جهارا، والله أعلم. # وقوله: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) وظللنا عليكم الغمام ~~وأنزلنا عليكم المن والسلوى ... (57) # يذكرهم - عز وجل - عظيم منته عليهم، وجزيل عطائه لهم؛ ببعثهم بعد الموت، ~~وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى من السماء لهم، وذلك مما خصوا به ~~دون غيرهم. # ثم ما كان لنا من الموعود في الجنة، فكان ذلك لهم في الدنيا معاينة، من ~~نحو البعث بعد الموت ومن الظل الممدود، والطير المشوي، والثياب التي كانت ~~لا تبلى عليهم ولا تتوسخ؛ فذلك كله مما وعد لنا في الجنة، وكان لهم في ~~الدنيا معاينة يعاينون. # مع ما كان لهم هذا لم يجيبوا إلى ما دعوا، ولا ثبتوا على ما عاهدوا، وذلك ~~لقلة عقولهم، وغلظ أفهامهم، ونشوئهم على ms0358 أخلاق البهائم والدواب، والله ~~أعلم. # وقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم). # يحتمل وجهين: # يحتمل: ما لم يكل لهم الفضل على حاجتهم، فأباح لهم القدر الذي لهم إليه ~~حاجة، # PageV01P467 # وسماه طيبات. # ويحتمل أنه سماه طيبات؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم، ولا أذى يضرهم، ليس ~~كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك، والله أعلم. # وفد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، وتتلذذ به النفس. # وقوله: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. . .) الآية. # وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم. # وقد يحتمل وجها آخر: وهو النقصان؛ كقوله: (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا)، أي: لم تنقص منه. # وحاصل ما ذكرنا: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل ما ذكرنا يرجع ~~إلى واحد. # وقوله: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية (58) # اختلف في تلك القرية: # قيل: إنها بيت المقدس، كقوله: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم). # أمروا بالدخول فيها، والمقام هنالك؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم؛ إذ هو ~~الموصوف بالسعة والخصب. # وقيل: إن تلك القرية التي أمروا بالدخول، والمقام هنالك، هي قرية على ~~انقضاء التيه، والخروج منها. # غير أن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف ~~الذي كان منهم، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار، والله أعلم. # وقوله: (فكلوا منها حيث شئتم رغدا). # والرغد قد ذكرنا فيما تقدم: أنه سعة العيش، وكثرة المال. # وقوله: (وادخلوا الباب سجدا). # يحتمل المراد من الباب: حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أمروا بالدخول ~~فيها. # ويحتمل المراد من الباب: القرية نفسها، لا حقيقة الباب؛ كقوله: (وإذ قلنا ~~ادخلوا هذه القرية) ذكر القرية ولم يذكر الباب، وذلك في اللغة سائغ، جائز؛ ~~يقال: فلان دخل # PageV01P468 # في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن. كونه في أمر هو فيه. # وقوله: (سجدا). # يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود؛ فيخرج على وجوه: # يخرج على التحية لذلك المكان. # ويخرج على الشكر له؛ لما أهلك أعداءهم الذين كانوا فيها، لقولهم: (إن ~~فيها قوما جبارين). # ويحتمل: حقيقة السجود؛ لما روي ms0359 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن بني إسرائيل أمروا بالدخول سجدا ~~فدخلوا منحرفين " فما أصابهم إنما أصاب بخلافهم أمر الله. # ويحتمل: الكناية عن الصلاة؛ إذ العرب قد تسمى السجود صلاة؛ كأنهم أمروا ~~بالصلاة بها. # ويحتمل الأمر بالسجود: لا حقيقة السجود والصلاة، ولكن: أمر بالخضوع له ~~والطاعة، والشكر على أياديه التي أسدى إليهم وأنزل: من سعة التعيش، والتصرف ~~فيها في كل حال، والله أعلم. # وقوله: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم). # قيل بوجهين: # قيل: الحطة: هو قول: لا إله إلا الله، سميت حطة؛ لأنها تحط كل خطيئة كانت ~~من الشرك وغيره؛ فكأنهم أمروا بالإيمان والإسلام. # وقيل: (وقولوا حطة): أي اطلبوا المغفرة والتجاوز عما ارتكبوه من المآثم ~~والخطايا، والندامة على ما كان منهم؛ فكأنهم أمروا أن يأتوا بالسبب الذي به ~~يغفر الذنوب، وهو الاستغفار، والتوبة، والندامة على ذلك، والله أعلم. # وذلك يحتمل الشرك، والكبائر، وما دونهما. # PageV01P469 # ذكر - عز وجل - مرة خطايا، ومرة خطيئات، ومرة قال: ادخلوا، ومرة قال: ~~اسكنوا، ومرة قال: فأنزلنا، ومرة قال: فأرسلنا -والقصة واحدة- حتى يعلم: # أن ليس في اختلاف الألفاظ والألسن تغيير المعنى والمراد. وإن الأحكام ~~والشرائع التي وضعت لم توضع للأسامي والألفاظ، ولكن للمعاني المدرجة ~~والمودعة فيها، والله أعلم. # وقوله: (وسنزيد المحسنين). # يحتمل المراد من المحسنين: المسلم الذي كان أسلم قبل ذلك. # ويحتمل: الذي أسلم بعد قوله: (وقولوا حطة)، وكان كافرا إلى ذلك الوقت. # والزيادة تحتمل: التوفيق بالإحسان من بعد، كقوله: (فأما من أعطى واتقى. . ~~.) الآية. # ويحتمل: الثواب على ما ذكر من قوله: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا. ~~. .). # وقوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم (59) # قوله " بدل " يحتمل: إحداث ظلم، بعد أن لم يكن، والخلاف لما أمرهم به عز ~~وجل. # ويحتمل: نشوءهم على غير الذي قيل لهم. # ولم يبين: ما ذلك القول الذي بدلوا؟ وليس لنا -إلى معرفة ذلك القول- ~~حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما يلزمهم بالتبديل، وترك العمل بأمره، وإظهار ~~الخلاف له، فقد تولى الله بيان ms0360 ذلك بمضله، وبالله التوفيق. # وقوله: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء). # قيل: " الرجز ": هو العذاب المنزل من السماء على أيدي الملائكة؛ لأن من ~~العذاب ما ينزل على أيدي الملائكة كعذاب قوم لوط وغيره. # ومنه عذاب ينزل من السماء -لا على أيدي أحد- نحو: الصاعقة، والصيحة، ~~ونحوهما. # وقوله: (بما كانوا يفسقون). # مرة ذكر " يفسقون "، ومرة ذكر " يظلمون "، وهو واحد. # وفي هذه الآيات التي ذكرناها، والأنباء التي وصفنا - دلالة رسالة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وإثبات # PageV01P470 # نبوته. # وذلك أن أهل الكتاب كانوا عرفوا هذه الأنباء بكتبهم، وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يذكر ذلك بمشهدهم، كما في كتابهم، ولم يكن ظهر منه ~~اختلاف إليهم، ولا درس كتابهم؛ فدل: أنه بالله عرف، وكان فيها تسكين قلب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتصبر عليه؛ لظهور الخلاف له من قومه، ~~وترك طاعتهم إياه، وأن ذلك ليس بأول خلاف كان له من قومه، ولا أول تكذيب، ~~بل كان من الأمم السالفة لأنبيائهم ذلك، فصبروا عليه؛ فاصبر أنت كما صبروا؛ ~~كقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين (60) وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك ~~يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61). # وقوله: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر). # يعني: طلب الماء لقومه عند حاجتهم إليه؛ فأوحى الله - تعالى - إليه: أن ~~اضرب بعصاك الحجر. # قد ذكرنا فيما تقدم: أن الله - عز وجل - قد أراهم لمن عصاه آيات عجيبة، ~~من نحو الثعبان الذي كان ms0361 يتلقف ما يأفكون؛ كقوله: (فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون) وقوله: (فإذا هي ثعبان مبين). # ومن ضربه البحر بها حتى انفلق؛ كقوله: (فانفلق فكان كل فرق كالطود ~~العظيم). # ومن ضربه الحجر بها، وانفجار العيون منه، وغير ذلك من الآيات مما يكثر، ~~ذكرها عز وجل من آيات رسالته، وآيات نبوته. # وفيما أرى منها، من عجيب آياته: دلالة حدوث العالم وإبداعه، لا من شيء؛ # PageV01P471 # لأنه - عز وجل - قد أخرج بلطفه، من حجر يصغر في نفسه -مما يحمل من مكان ~~إلى مكان- من الماء ما يكفي لخلق لا يحصى عددهم إلا الله، وفجر منه أنهارا، ~~لكل فريق نهر على حدة. # PageV01P472 # ثم لا يحتمل: كون ذلك الماء بكليته فيه، لصغره وخفته، ولا كان ينبغي ذلك ~~من أسفله. # فإذا كان هذا كما ذكرنا ظهر أن الله - عز وجل - كان ينشئ ذلك الماء فيه، ~~ويحدث من لا شيء؛ لأن ذلك الحجر لم يكن من جوهر الماء، ولا من أصله. # فإذا كان قادرا على هذا فإنه قادر على إنشاء العالم من لا شيء سبق، ولا ~~أصل تقدم. # وكذلك ما أراهم - عز وجل - من العصا: الثعبان والحية، لم يكونا من ~~جوهرها، ولا من أصلها، ولا تولدها منها، بل أنشأ ذلك وأبدع، بلطفه. والله ~~الموفق. # وقوله: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا). # قيل: كانوا اثني عشر سبطا؛ لقوله: (اثني عشر نقيبا)، وهم بنو يعقوب؛ فجعل ~~لكل سبط نهرا على حدة، فانضم كل فريق إلى أبيهم الذي كانوا منه، ولم ينضموا ~~إلى أعمامهم وبني أعمامهم. # ففيه دلالة: أن المواريث لا تصرف إلى غير الآباء إلا بعد انقطاع أهل ~~الاتصال بالآباء. # وفيه دلالة: أن القوم في الصحاري والبوادي ينزلون مجموعين غير متفرقين، ~~ولا متباعدين بعضهم من بعض بحيث يكون بعضهم عونا لبعض وظهيرا؛ لأنهم نزلوا ~~جميعا في موضع واحد، مجموعين -مع كثرتهم وازدحامهم- غير متفرقين ولا ~~متباعدين، وإن # PageV01P479 # كان ذلك أنفع لهم، وأهون عليهم، من جهة الرعي والربع وسعة المنازل. # وفي الأول: سبق المعنى الذي وصفنا، والله أعلم. # وقوله: (قد علم كل ms0362 أناس مشربهم). # أي: موردهم. # وفيه دلالة قطع التنازع، ودفع الاختلاف من بينهم؛ لما بين لكل فريق منهم ~~موردا على حدة. # ولو كان مشتركها لخيف وقوع التنازع والاختلاف بينهم، وفي وقوع ذلك بينهم ~~قطع الأنساب وألأرحام، وبالله التوفيق. # وقوله: (كلوا). # يعني: المن والسلوى. # وقوله: (واشربوا من رزق الله)، من الماء الذي أخرج لهم من الحجر، وكلاهما ~~رزق الله، الذي ساقه إليهم، من غير تكلف ولا مشقة. # وقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). # قيل: لا تسعوا في الأرض بالفساد. # ويحتمل: لا تعثوا، أي: لا تفسدوا؛ لأن العثو هو الفساد نفسه، كأنه قال: ~~لا تفسدوا في الأرض؛ فتكونوا مفسدين. # وقوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد (61) # قيل فيه بوجوه: # قيل: أول ما أنزل المن، فعند ذلك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، ثم أنزل ~~السلوى. # وقيل: كانوا يتخذون من المن القرص، فيأكلون مع السلوى، فهو طعام واحد؛ ~~فقالوا: لن نصبر عليه. # ويحتمل: أن يكون طعامهم في اليوم مرة؛ فطلبوا الأطعمة المختلفة. والله ~~أعلم. # وقوله: (فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ~~وعدسها وبصله). # PageV01P480 # قال: يبين لنا معنى إضافة خصوصية الأشياء إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج ~~التعظيم لذلك الشيء المخصوص، من ذلك: بيت الله، ورسول الله، وناقة الله، ~~هذا كله يخرج مخرج التعظيم لهذه الأشياء. # وإضافة كلية الأشياء إلى الله تعالى يخرج مخرج تعظيم الرب وإجلاله، نحو ~~ما قال: (رب كل شيء)، و (خالق كل شيء)، و (رب السماوات والأرض)، و (خلق ~~السماوات والأرض) ونحوه. هذا كله وصف تعظيم الرب وإجلاله. # وقد اختلف في " الفوم ": # قيل: الفوم هو الثوم، وكذلك روي في قراءة عبد الله أنه قرأه: وثومها. # وقيل: الفوم البر. # وقوله: (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير). # قيل في " أدنى " بوجوه: # قيل: أدنى في القيمة. # وقيل: أدنى في الخطر والرغبة. # وقيل: أدنى في المنافع. # وقيل: أدنى؛ لما لا يصل هذا إليهم إلا بالمؤنة والمشقة، وذلك لهم بلا ~~مؤنة ولا مشقة؛ فهو خير. ms0363 # وكل يرجع إلى واحد، والله اعلم. # ويحتمل: أدنى، أي: أدون وأقل، ولا شك أن ما طلبوا، وسألوا دون الذي كان ~~لهم. # ويحتمل: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير): قد أعطوا. # PageV01P481 # ولو كان ذلك أصلح لهم في الدين، لم يكن موسى ليلومهم عليه. ثبت أنه لم ~~يكن، ثم أعطوا ذلك. ثبت أن الله تعالى قد يجوز له -في الحكمة- فعل ما كان ~~غيره أصلح لهم في الدين، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (اهبطوا مصرا). # قيل: المصر المعروف. # وقيل: مصر من الأمصار؛ لأن ما طلبوا لا يوجد إلا في الأمصار، وبالله ~~التوفيق. # وقوله: (فإن لكم ما سألتم). # من الأطعمة المختلفة إن كان المراد منه المراد، وإن كان الأطعمة المختلفة ~~فهو كما قال. # وقوله: (وضربت عليهم الذلة). # قيل فيه بوجوه: # قيل: الذلة: ذلة احتمال المؤنة والشدائد؛ لما سألوا من الأطعمة المختلفة. # وقيل: الذلة: ذلة الجزية والصغار؛ بعصيانهم ربهم. # وقيل: ذلة الكسب والعمل؛ لأن الأول كان يأتيهم من غير كسب ولا مؤنة. # وقوله: (والمسكنة). # قيل: هي الفقر والحاجة. # وقيل: قطع رجائهم من الآخرة؛ لما عصوا ربهم. # وقوله: (وباءوا بغضب من الله). # قيل فيه بوجوه: # قيل: باءوا: رجعوا. # وقيل: استوجبوا. # وقيل: أقروا، وكله يرجع إلى واحد. # PageV01P482 # وقوله: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله). # قد ذكرنا فيما تقدم: أن الآيات، هي الحجج التي أعطى الرسل، وأجراها على ~~أيديهم. # وقال الحسن: هي دين الله. # وقوله: (ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). # يحتمل: أن يكون هذا في غيرهم؛ لأنه لم يكن في زمن موسى نبي سوى هارون، ~~وهم لم يقتلوه. # إلا أن يقال: إن ذلك كان من أولادهم بعد موسى. # أو كان ذلك من غيرهم سوى هؤلاء وأولادهم. # على أن قتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرا، حتى قيل: قتل في يوم كذا ~~كذا نبيا. # ولم يذكر قتل رسول من الرسل، وذلك - والله أعلم - لقوله: (إنا لننصر ~~رسلنا) ولقوله: (إنهم لهم المنصورون)، أخبر أنه ينصرهم، وأنهم منصورون ومن ~~كان الله ناصره فهو المنصور أبدا. # ولأن ms0364 الرسل هم الذين أوتوا الآيات المعجزة؛ فلم يكن لهم استقبال الرسل ~~بذلك للآيات التي كانت معهم. # وأما الأنبياء، فلم يكن معهم تلك الآيات المعجزة، وإنما كانوا يدعون ~~الخلق إلى دين الله بالآيات التي كانت للرسل، والحجج التي كانت معهم؛ لذلك ~~كان ما ذكر، والله أعلم. # قال قوم: لم يقتل أحد من الرسل، وإنما قتل الأنبياء، أو رسل الرسل. # فإن كان كذلك فعلى ذلك يخرج ما ذكرنا من الآيات. # وإن لم يكن فالنصر كان بالحجج والآيات؛ فكانت تلك للكل. # وعلى ذلك: لا دلالة في كون الآيات مع الأنبياء، وغير كونها، فإن لم يكن ~~لهم ابتداء شرع، ولا نسخ، بل على الدعاء إلى ما سبق من الشرائع وكانت ~~آياتهم كآيات الرسل، أو دلالات العصمة، مع ما كان بهم حفظ الكتب السماوية ~~بلا تبديل. # والله أعلم بالحق في ذلك، ونعتصم بالله عن بسط اللسان في ذلك، بالتدبير، ~~دون شيء ظهر على ألسن الرسل، أو القول فيهم بشيء إن كانت آية لكل، أو لا. ~~لكن الله تعالى قد أقام حجته لكل على قدر الكفاية والتمام. # PageV01P483 # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (62) # وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(62). # قيل: إن اليهود والنصارى وهؤلاء جائز أن يكون لهم تعلق بظاهر هذه الآية؛ ~~لأنهم كانوا يقولون: إنا آمنا بالله، وآمنا باليوم الآخر، فليس علينا خوف ~~ولا حزن. # لكن الجواب لهذا وجوه: # أحدها: أنه ذكر المؤمنين بقوله: (إن الذين آمنوا)، وإيمانهم ما ذكر في ~~آية أخرى وهو قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله). وهم قد فرقوا بين ~~الرسل، بقولهم: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض). # وفرقوا بين الكتب أيضا: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. # فهؤلاء الذين ذكرهم ms0365 - عز وجل - في هذه الآية، هم الذين آمنوا بجميع ~~الرسل، وآمنوا بجميع الكتب أيضا. # فإذا كان هذا إيمانهم لم يكن عليهم خوف ولا حزن. # والثاني: ذكر الإيمان بالله. والإيمان بالله هو الإيمان بجميع الرسل، ~~وبجميع الكتب. # ولكنهم لا يؤمنون بالله، ولا يعرفونه في الحقيقة. # أو أن يقال: ذكر عمل الصالحات، والكفر ببعض الرسل ليس من عمل الصالحات؛ ~~لذلك بطل تعلقهم بهذا، والله أعلم. # وقيل: ذلك على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: إن الذين هادوا والنصارى من ~~آمن منهم بالله واليوم الآخر، والذين آمنوا. . . الآية. # وللمعتزلة تعلق أيضا بظاهر قوله: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # وصاحب الكبيرة عليه خوف وحزن، فلو كان مؤمنا لكان لا خوف عليه ولا حزن؛ ~~لأنه أخبر أن المؤمن لا خوف عليه ولا حزن؛ فدل: أنه يخرج من إيمانه إذا ~~ارتكب كبيرة. # فيقال لهم: لم ينف عنهم الخوف، والحزن في كل الوقت. # فيحتمل: أن يكون عليه خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر؛ لأن لكل ~~مؤمن خوف البعث وفزعه حتى الرسل، بقوله: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا # PageV01P484 # أجبتم قالوا لا علم لنا)؛ لشدة فزعهم من هول ذلك اليوم. # فإذا دخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم، ذهب ذلك الخوف والفزع عنهم، # فعلى ذلك المؤمن: يكون له خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر، ~~والله أعلم. # واختلف في الصابئين: # قيل: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور. # وقيل: إنهم قوم يعبدون الكواكب، # وقيل: هم قوم بين المجوس والنصارى. # وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس. # وقيل: هم قوم يذهبون مذهب الزنادقة؛ يقولون باثنين لا كتاب لهم، ولا علم ~~لنا بهم. # قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في ~~السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما ~~خلفها وموعظة للمتقين (66) # وقوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ms0366 فوقكم الطور). # قد ذكرنا فيما تقدم: أن ميثاق الله، وعهده على وجهين: عهد خلقة وفطرة، ~~وعهد رسالة ونبوة. # وقوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم) في التوراة أن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك ~~العهد لما رأوا فيها الحدود، والأحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع الله الجبل ~~فوقهم، فقبلوا ذلك. # ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة قنقضوا ذلك. # وقوله: (خذوا ما آتيناكم بقوة). # قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة. # PageV01P485 # وقيل: " بقوة " يعني: بالطاعة له والخضوع. # ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعل؛ لأنه أمرهم - عز ~~وجل - بالقبول له، والأخذ والعمل بما فيها. # فلو لم يعطهم قوة الأخذ والقبول له قبل الأخذ له والفعل، لكان لا يأمرهم ~~بذلك؛ لأنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه ~~غلط عندنا؛ لأنه لو كان أعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأمر به، ثم تذهب ~~عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا ~~تبقى وقتين؛ فدل: أنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأخر، ولكن يكونان ~~معا. # ولأنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل ~~إليها معنى، والله أعلم. # والأصل في ذلك: أن الله - تعالى - قال: (خذوا ما آتيناكم بقوة) ومعلوم أن ~~المراد من ذلك الأخذ بقوة الآخذ. # ثم فيه وجهان: # أحدهما: أن للأخذ قوة غير التي للترك. # والثاني: أنه ذكر الأخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أن يرى أن ~~الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أوقاتا؛ فمثله وقت واحد. # وقوله: (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون). # قيل فيه بوجوه: # قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون ~~المعاصي والمآثم. # ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر. # ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأحكام والشرائع. # ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد. وكله واحد. # وقوله: (ثم توليتم من بعد ذلك (64) # يعني: من بعد القبول. # دل هذا على: أنهم كانوا قبلوا ذلك مرة، ms0367 قبل أن يأتيهم موسى - صلى الله ~~عليه وسلم - بها؛ فلما أتاهم - # PageV01P486 # ورأوا التشديد، والمشقة- أبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأحكام ~~والشرائع؛ فخوفوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، والله أعلم. # وقوله: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين). # يحتمل وجوها: # قيل: فضل الله عليكم الإسلام ورحمته: القرآن. # وقيل: فضل الله عليكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، بعث إليكم رسولا؛ ~~ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين الله الحق، بعد ما كنتم في فترة من ~~الرسل، وانقطاع من الدين والعمل. # ويحتمل: فضل الله عليكم؛ لما أنجا آباءكم من العذاب، ولم يرسل عليهم ~~الجبل، وإلا ما توالدتم أنتم. # وقيل: فضل الله عليكم؛ لما أعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم ~~من الخاسرين. وبعضه قريب من بعض. # وقوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت (65) # فيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # كأنه قال: ولقد علمتم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم الذين ~~اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فعل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم ~~بالله - عز وجل - لأنه لم يكن قرأ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أحد ممن يعرف ~~ذلك؛ فبالله - عز وجل - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أنه رسول الله إليكم. # ويحتمل قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين). # أي: علمتم ما أصاب أولئك باعتدائهم يوم السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: ~~(نحن أبناء الله وأحباؤه). يعني: أبناء رسل الله وأحباؤه. # فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردة -وهي أقبح خلق الله، وأوحشه- إذ ~~مثل ذلك لا يفعل بالأحباء ولا بالأبناء. # أو أن يحمل على التحذير لهؤلاء؛ لئلا يكذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا يعصوه في أمره، فيصيبكم ما أصاب أولئك؛ بتكذيبهم موسى، وعصيانهم ~~أمره، والله أعلم. # ثم سبب تحريم الاصطياد في السبت كان -والله أعلم- لما قيل: إن موسى - صلى ~~الله عليه وسلم - أراد أن يجعل يوما لله، خالصا للطاعة له، والعبادة فيه ~~-وهو يوم الجمعة- فخالفوا هم أمره ms0368 # PageV01P487 # ونهيه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأنه لم يخلق لعمل. فحرم الاصطياد ~~في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردة؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك ~~اليوم فاصطادوا. # وعلى ذلك تأويل قوله: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه)، يعني: يوم ~~الجمعة. # وقيل: (اختلفوا فيه)، يعني: في الله. # ثم اختلف في قوله: (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين): # قال قوم: قوله: (كونوا قردة) من الأصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم. # وقيل: حول جوهرهم إلى جوهر القردة، على إبقاء الإنسانية فيهم؛ من الفهم ~~والعقل؛ لأنه قيل: إن الذين كانوا ينهونهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا ~~عليهم، فيقولون لهم: ألم ننهكم عن ذلك، ونزجزكم؟! # فآومئوا: أي نعم. ودموعهم تفيض على خدودهم. # فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانية منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا ~~حزنوا على ما أصابهم؛ لأن كل ذي جوهر راض بجوهره الذي خلقه الله سبحانه يسر ~~به. # ولأن تحويله إياهم قردة عقوبة لتمردهم في التكذيب، وجرأتهم على الله؛ ~~ليعلموا ذلك، ويروا أنفسهم أقبح خلق الله وأوحشه. # وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح. # فلو لم يكن في خلق الله قبيح لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى ~~أقبح صورة معنى؛ ليروا قبح أنفسهم؛ عقوبة لهم بما عصوا أمر الله، ودخلوا في ~~نهيه. # وقوله: (فجعلناها نكالا (66) # قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها. # وقوله: (لما بين يديها). # من أهل القرية. # وقوله: (وما خلفها وموعظة للمتقين). # حواليها. # وقيل: أراد بالهاء: القرية، (لما بين يديها) من القرى، (وما خلفها) من ~~القرى. # PageV01P488 # وقيل: أراد بالهاء: العقوبة والنكال، (لما بين يديها) يعني: لما مضى من ~~الذنوب. (وما خلفها) يعني: ما بقي، والله أعلم. # وقوله: (خاسئين). # قيل: الخاسئ: الصاغر. # وقيل: الخاسئ: الذليل. # وقيل: البعيد. وكله يرجع إلى واحد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي ms0369 قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ~~فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول ~~إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ~~ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول ~~إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن ~~جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ~~والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ~~ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74). # وقوله: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). # قيل: قتل قتيل في بني إسرائيل، وألقي على باب غيرهم؛ فتنازعوا فيه ~~واختلفوا؛ فأمر الله نبيه موسى أن يذبحوا بقرة، فقال: (إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة) فاضربوا ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: من قتلني. # وقوله: (قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما # PageV01P489 # هي قال إنه يقول إنها بقرة). # قال بعضهم: كفروا بهذا القول؛ لأنهم سموه هازئا، ومن سمى رسولا من الرسل ~~هازئا يكفر؛ ألا ترى أنهم قالوا في الاخر: (الآن جئت بالحق)؟! دل أن ما قال ~~لهم أول مرة ليس بحق عندهم. # وليس هذا بشيء. ولا يحتمل ما قالوا. # ولكن يحمل على المجازاة، كأنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من ~~العصيان بك، والخلاف لك؟! لما لم يعلموا أنه من عند الله يأمر بذلك. # وهذا وأمثاله على المجازاة جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء، والمخادعة، ~~والمكر، كله على المجازاة جائز. # وكقول نوح لقومه: (فإنا نسخر منكم كما تسخرون)، على المجازاة جائز على ما ~~ذكرنا من ms0370 الاستهزاء؛ فكذلك الأول. # وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهل بأحوال ~~أنفسهم؛ إذ كلهم سواء من جهة الجوهر والخلقة، وتركيب الجوارح، وتصوير ~~الصور، وتمثيلها. # ألا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهل، فقال: (أعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين)؟! # دل أن الهزء في الخلق لجهل فيهم، وبالله التوفيق. # ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرع السمع؛ لأنه أمرهم ~~بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث ~~والسؤال عنها؛ فثبت أنه على العموم. # ألا ترى ما روي في الخبر: " لو عمدوا إلى أدنى بقرة لأجزأتهم، لكنهم ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ". # لكن هذا لا يصح؛ لأنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أمره، وبدو في حكمه، ~~فذلك كفر، لا يقوله مسلم، فضلا عن أن يقول به رسول من الرسل. # PageV01P490 # تأويل هذا أنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأول على: غير ذلك لكان قد ~~بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أراد. وذلك معنى البداء، بل معنى الرجوع عن ~~الأول مما أراد، والتفسير له بغيره، ولا قوة إلا بالله. # ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: # أحدهما: أخذ كل آية خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص. # والثاني: جواز تأخير البيان على تقدم الأمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت ~~على العموم -وهو مرادها- ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأحكام ~~والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات، تعالى الله عن ذلك. # ومعنى سؤالهم؛ بدعاء الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: ~~أن لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسألوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله - ~~تعالى - هو الذي يعلم الآيات. # والحرف الثاني هو الأول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداء؛ لما ~~يوجبه، وأن الأمر بالذبح في الابتداء كان على ما آل أمرها إليه وظهر. # لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا ~~أنه أحدث لهم ذلك ms0371 بالسؤال. # وعلى ذلك: ما روي في الخبر: " أن صلة الرحم تزيد في العمر ". # أي: لما علم من عبده أنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أكثر مما لو علم أنه لا ~~يصل، لا أنه يجعل أجله إلى وقت، فإذا وصل رحمه زاد على ذلك. # لا على ما يقوله المعتزلة: أن الله - تعالى - يجعل لكل أحد أجلين، فإذا ~~وصل رحمه أماته في أبعد الأجلين، وإذا لم يصل جعل أجله الأول. # فهذا أمر من يجهل العواقب، فأما من كان عالما بالعواقب فلا؛ لأنه بدو ~~ورجوع عما تقدم من الأمر. # ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أولياء المقتول وهم؛ لأوجه: # أحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إن فلانا قتلني، في ~~قطع حق الميراث، وإغرام الدية. # PageV01P491 # والثاني: أن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم. # والثالث: أن أولياء المقتول قد كانوا -قبل أن يحيى- يدعون عليهم القتل، ~~فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية. # والرابع: أن قبول قول الميت أحق من قبول قول الولي؛ لأن الولي ينتفع ~~بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئا، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا ~~فكذلك الولي، والله الموفق. # ثم وجه جعل البقرة آية دون غيرها من البهائم وجهان: # أحدهما: ما روي أن رجلا كان بارا بوالديه، محسنا إليهما عاطفا عليهما، ~~وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأراد الله - عز وجل - أن يوصل إليه ~~في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديه. # والثاني: أنهم كانوا يعبدون البقور والعجاجيل، وحبب ذلك إليهم؛ كقوله: ~~(وأشربوا في قلوبهم العجل)، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأراد ~~الله أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما ~~كان في قلوبهم من حب البقور والعجاجيل، والله أعلم. # وقوله: (لا فارض). # PageV01P492 # يقول: ليست بكبيرة. # وقوله: (ولا بكر). # ولا شابة. # وقوله: (عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون). # بين الشابة والكبيرة. # وقل: (لا فارض): لا كبيرة، على ما ذكرنا (ولا بكر)، أي: ولا ما ms0372 لا تلد، ~~(عوان بين ذلك) أي: قد ولدت بطنا أو بطنين. # وقوله: (صفراء (69) # قيل: الصفراء؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته. # وقيل: الصفراء؛ من الصفر المعروف. # وقوله: (فاقع لونها). # قيل؛ صاف. # وقوله: (تسر الناظرين). # تعجب الناظرين. # وقيل: (فاقع لونها). صفراء الظلف والقرن، والله أعلم. # وقوله: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن ~~شاء الله لمهتدون (70) # وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أعرف لله، وأمهل توحيدا من ~~المعتزلة؛ لأنهم قالوا: إن شاء الله لكنا من المهتدين. # والمعتزلة يقولون: قد شاء الله أن يهتدوا، وشاءوا هم ألا يهتدوا؛ فغلبت ~~مشيئتهم # PageV01P493 # على مشيئة الله على قولهم - فنعوذ بالله من السرف في القول، والجهل في ~~الدين. # وقوله: (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة ~~لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها (71) # قيل: لم يذللها للعمل؛ أي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يسقى عليها الحرث. # وقيل: (لا ذلول تثير الأرض)؛ أي: بقرة وحسية صعبة، تثير الأرض، ولكن ~~إثارة الأرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها. # وقوله: (وما كادوا يفعلون). # قيل فيه بوجوه: # (وما كادوا يفعلون)، خوفا على أنفسهم أن يفتضحوا لظهور القاتل. # وقيل: (وما كادوا يفعلون) لغلاء ثمنها. # والأول أقرب، والله أعلم. # وقيل: إنهم استقصوا في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاء ~~في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق. # وفي قوله: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) دليل لأبي حنيفة - رحمه الله ~~وأصحابه - أن من حلف لا يأكل لحم بقرة، فأكل لحم ثور حنث؛ لأن الله تعالى ~~ذكر البقرة، ثم بين في آخره ما يدل أنه أراد به الثور؛ لقوله: (لا ذلول ~~تثير الأرض). # والثور هو الذي يثير الأرض، ويسقي الحرث، دون الأنثى منها؛ لذلك كان ~~الجواب على ما ذكرنا. # إلا أن يكونوا هم كانوا يحرثون بالأنثى منها كما يحرث أهل الزمان بالذكر، ~~فحينئذ لا يكون فيه دليل لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ms0373 ما كنتم تكتمون (72) # في الآية: دليل مراد الخصوص -وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم- لأنه قال ~~عز وجل: (قتلتم)، وإنما قتله واحد، وقال: (والله مخرج ما كنتم تكتمون)، ~~وإنما كان كتمه الذي قتله. # PageV01P494 # لذلك قلنا: ألا نصرف مراد الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص ~~بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق. # وقوله: (فقلنا اضربوه ببعضها (73) # قال بعضهم: بفخذها الأيمن. # لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله تعالى، ولكن يقال: (ببعضها) بقدر ما في ~~الكتاب. # وقوله: (كذلك يحي الله الموتى). # أي: هكذا يحي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءه، بضرب بعض ~~البقرة عليه. # وكذلك قوله: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9). # فكما أحيا الأرض بعد موتها بالمطر المنزل من السماء، يقدر على إحياء ~~الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم. # ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمأنوا على إحياء الموتى؛ ~~فأراهم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليستقروا على ذلك، ولا يضطربوا ~~فيه، والله أعلم. # وقوله: (ويريكم آياته). # يحتمل: يريكم آيات وحدانيته. # ويحتمل: يريكم آيات إحياء الموتى، وآيات البعث. # ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أرى من تقدمكم عند حاجاتهم. # ويحتمل: (ويريكم آياته) آيات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو ~~خبر عن الغيب. # وأوضح آيات الرسالة؛ الخبر عن الغئب، وذكر القصة على الوجه الذي يعلم أن ~~الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا ~~اختلاف إلى من عنده. # على أنه لو كان مسموعا منهم، يجري على مثله القول في الزيادة والنقصان، ~~ولكن منعهم الله تعالى عن ذلك -إذ علموا صدقه- إشفاقا على أنفسهم، أن ينزل ~~عليهم نقمة الله. # وقوله: (لعلكم تعقلون). # لكي تعقلوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أنه قادر على إحياء الموتى بعد الموت. # وقوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما ms0374 يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله (74) # PageV01P495 # ضرب الله لقلوبهم مثلا بالحجارة، وشبهها بها؛ لتساويها، وشدة صلابتها، ~~وأنها أشد قسوة من الحجارة، وذلك: أن من الحجارة -مع صلابتها وشدتها، مع ~~فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها- ما تخضع له، وتتصدع؛ ~~كقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). # وقوله: (فلما تجلى ربه للجبل. . .) الآية. # وقلب الكافر -مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول- لا يخضع ~~له، ولا يلين. # وكذلك أخبر الله عز وجل عن الجبال أنها تلين، وتخضع لهول ذلك اليوم ~~بقوله: (وتكون الجبال كالعهن). وقلب الكافر لا يلين أبدا. # أو أن يقال: إن الله عز وجل جعل من الجبال منافع للخلق مع صلابتها وشدتها ~~حتى يتفجر منه الأنهار والمياه. وقلب الكافر -مع احتمال ذلك وإمكانه- لا ~~منفعة منه لأحد. # وبالله الئوفيق. # ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة، وتشبيهها بها، دون غيرها من ~~الأشياء الصلبة؛ من الحديد، والصفر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أن ~~الحديد تلينه النار، وكذلك الصفر حتى تضرب منهما الأواني. # والحجر لا تلينه النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها. وهذا - والله ~~أعلم - في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا. # وقوله: (وما الله بغافل عما تعملون). # خرجت على الوعيد -أبلغ الوعيد- والوعظ؛ حين ذكرهم علمه بما يعملون. # * * * # قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم ~~به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون (77) ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) ~~فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # وقوله: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم). # قيل: ms0375 الآية -وإن خرجت على عموم الخطاب- فالمراد منها الخصوص، وهو # PageV01P496 # الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإلى هذا يذهب أكثر أهل التفسير. # وقيل: المراد منها -بعموم الخطاب- العموم؛ يعني: النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأصحابه؛ وكأنها خرجت على النهي عن طمع الإيمان منهم، كأنه قال: لا ~~تطمعوا في إيمانهم. # كقوله: (أفأنت تنقذ من في النار)؛ أي: لا تنقذ. # وكقوله: (أفأنت تسمع الصم)؛ أي: لا تسمع الصم. # وقوله: (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه. . .) الآية. # لقائل أن يقول: أليس فيما كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ما ~~يجب أن يدفع الطمع عن إيمان هؤلاء؟ # فهو - والله أعلم - لوجهين: # أحدهما: أنهم كانوا أصحاب تقليد؛ كقوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون). # فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء -وإن رأوا الآيات العجيبة- فإنهم لا يؤمنون ~~أبدا؛ لأنهم أصحاب تقليد، لا ينظرون إلى الحجج والآيات. # والثاني: أنهم - مع كثرة ما عاينوا من الآيات، وشاهدوا من العجائب في عهد ~~رسول الله موسى - صلى الله عليه وسلم - لم يطمع في إيمانهم، فكيف طمعتم ~~أنتم في إيمان هؤلاء، وهم أتباعهم؟ والله الموفق. # ولهذا وجهان آخران: # أحدهما: كأنه قال: لا تطمع في إيمانهم؛ لأنهم - في علم الله على ما عليه ~~من ذكر. # والثاني: لأن أولئك كانوا خيرا من هؤلاء، وأرغب في الحق منهم، ثم لم ~~يؤمنوا مع سماع الحجج، وما يجب به الإيمان، فكيف تطمع في إيمان هؤلاء؟ # وقوله: (ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون). # أنه من عند الله، ويعلمون أنه رسول الله، وأنه حق. # وقوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا (76) # فقد ذكرنا فيما تقدم أنها في المنافقين نزلت. # وقوله: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض). # PageV01P497 # يحتمل وجهين: # يحتمل: خلا بعض المنافقين إلى بعض، قالوا: أتحدثونهم بكذا. # ويحتمل: خلاء المنافقين إلى اليهود. # وقوله: (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم). # قيل: فتح الله؛ قص الله. # وقيل: فتح الله؛ بين الله. # وقيل: فتح الله؛ قضى الله. # وقيل: من الله عليكم في التوراة. وكله يرجع إلى ms0376 واحد. # وقوله: (ليحاجوكم به عند ربكم). # أي: باعترافكم عند هؤلاء. # ويحتمل: على إضمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنه قال: ليحاجوكم ~~بإقراركم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # ويحتمل: على معنى ليحاجوكم به عند ربكم أي في ربكم؛ إذ العرب تستعمل حروف ~~الخفض بعضها في موضع بعض. # ويحتمل: عند ربكم، أي: يوم القيامة. ويكون ليحاجوكم بما عند الله؛ أي: ~~بالذي جاءكم من عند الله. # لكن لقائل أن يقول: ما معنى ذكر المحاجة عند ربكم، والمحاجة يومئد لا ~~تكون إلا عنده، ولا تكون ليحاجوكم بها عند الله؛ أي: بالذي جاءكم من عند ~~الله؟ # قيل: لأن ذلك أشد إظهارا، واقل كتمانا؛ لما لممبق منهم الإقرار بذلك؛ ~~لذلك نهوا عن ذلك، لأنهم كانوا ينهون أولئك عن الإقرار بالإيمان عند ~~المؤمنين، وإظهار ما في التوراة من بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وصفته. # وقوله: (أفلا تعقلون). # أن هذه حجة لهم عليكم، حيث تعترفون به، وتظهرون نعته وصفته ثم لا ~~تبايعونه. # ويحتمل: (أفلا تعقلون) أنه حق. # وقوله: (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) # PageV01P498 # قيل: (ما يسرون) في الخلوة؛ من الكفر به والتكذيب له (وما يعلنون) ~~لأصحابه؛ من التصديق له والإيمان به. # وقيل: (ما يسرون) من كتمان نعته وصفته. (وما يعلنون) من إظهار نعته وصفته ~~الذي في التوراة. # ويحتمل: ما يسر هؤلاء لهم من النهي عن إظهار ما في التوراة، وما يعلن ~~هؤلاء للمؤمنين من إظهار نعته وصفته، والله أعلم. # وقوله: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب (78) # يقول: من اليهود من لا يقرأ التوراة ولا يعرفها، إلا أن يحدثهم العلماء ~~والرؤساء عنها. # والأمي: الذي لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة، لكنه يقرأ لا عن كتابة، كالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، كان لا يكتب، ولا يقرأ عن كتابة؛ كقوله: (ولا تخطه ~~بيمينك). # ويقال أيضا: الذي لا يقرأ ولا يكتب، لا عن كتابة، ولا غير كتابة. # وقوله: (إلا أماني). # قيل: أحاديث باطلة يحدث لهم، وهو قول ابن عباس. # وقيل: إلا أماني، يعني إلا ms0377 كذبا. # وقال الكسائى: إلا أمانى: إلا تلاوة؛ كقوله: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته)، يعني: في تلاوته. # وقوله: (وإن هم إلا يظنون)، يقول: ما هم إلا ظن يظنون في غير يقين. # وأصله: أي لا يعلمون علم الكتاب، إنما عندهم أماني النفس وشهواتها؛ ~~كقوله: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب). # PageV01P499 # وقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~(79) # قيل: الويل: الشدة. # وقيل: الويل: واد في جهنم. # وقيل: الويل: هو قول كل مكروب وملهوف يقول: ويل له بكذا. # وقوله: (يكتبون الكتاب بأيديهم) يحتمل وجهين: # يحتمل: يكتبون: يمحون نعته، وصفته عن التوراة. # ويحتمل: يكتبون: يحدثون كتابة، على خلاف نعته وصفته، ثم يقولون: هذا من ~~عند الله؛ فتكون الكتابة في هذا إثباتا؛ كقوله: (كتب في قلوبهم الإيمان)، ~~والمثبت: هو ذلك الملحق ليظن أنه كذلك في الأصل. # وقوله: (ليشتروا به ثمنا قليلا). # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). # ذكر لهم ثلاث ويلات: # ويل؛ بإحداث كتابة ببعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحوه وتغييره. # والثاني: بقولهم: هذا من عند الله. # والثالث: وويل لهم مما يكسبون من المأكلة والهدايا. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # وقوله: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة). # أجمع أهل التفسير والكلام على صرف الأيام المعدودة المذكورة في هذه الآية ~~إلى أيام عبادة العجل. وذلك لا معنى له؛ لوجهين: # PageV01P500 # أحدهما: أن هؤلاء لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤهم؛ فلا معنى لصرف ذلك ~~إلى هؤلاء. # والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضا؛ لأنهم ~~قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة ~~والرجوع إلى عبادة الله؛ كقوله: ms0378 (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، والله ~~أعلم. # وتصرف الأيام المعدودة إلى العمر الذي عصوا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا ~~على قدر وقت العصيان والذنب، أو لما لم يكونوا يرون التخليد في النار أبدا، ~~أو لما هم عند أنفسهم، كما أخبر الله عنهم، بقوله: (لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى) وكقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه). # يقولون: إنا لا نعذب أبدا، إنما نعذب تعذيب الأب ابنه أو الحبيب حبيبه؛ ~~يعذب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة. # ولكن عقوبة الكفر أبدا، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثواب الإيمان للأبد ~~لا لوقت؛ لأن من اعتقد دينا إنما يعتقده للأبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه ~~للأبد لا لوقت. # وأما من ارتكب ذنبا من المسلمين؛ بشهوة تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه ~~- فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقت؛ لأنه لم يرتكبه للأبد؛ ~~لذلك افترقا، والله أعلم. # وقوله: (قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده). # والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن الله تعالى بأنكم لا تعذبون أبدا، ولكن ~~أياما معدودة؛ فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده. # والثاني: اتخذتم عند الله عهدا، أي لكم أعمال صالحة عند الله فوعدكم بها ~~الجنة، فهو لا يخلف وعده. # أي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبر عن الله بأنه لا يعذبكم، ولا أعمال ~~صالحة وعد لكم بها الجنة. # وقوله: (أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) # هذا إكذاب من الله - عز وجل - إياهم بذلك القول، كأنه قال: بل تقولون على ~~الله ما لا تعلمون؛ ألا ترى أنه قال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته)؟! # يقول: (بلى من كسب سيئة) يعني: شركا (وأحاطت به خطيئته)، أي: مات عليها. # PageV01P501 # (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. # وقيل: (وأحاطت به): بقلبه. # وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم ms0379 فيها خالدون ~~(82) # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ~~ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم ~~تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل ~~عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينصرون (86) # وقوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل). # قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أنه يكون على وجهين: عهد خلقة وفطرة، وعهد ~~رسالة ونبوة. # وقوله: (لا تعبدون إلا الله). # يحتمل وجهين: # يحتمل: لا تجعلون الألوهية إلا لله. # ويحتمل: نفس العبادة، أي: لا تعبدون غير الله، من الأصنام والأوثان ~~وغيرهما. # وقوله: (وبالوالدين إحسانا). # برا بهما، وعطفا عليهما، وإلطافا لهما، وخفض الجناح، ولين القول لهما؛ ~~كقوله: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة. . .) الآية، وكقوله: (وصاحبهما في الدنيا معروفا). # فإن قيل: إن الأمر بالإحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، ~~لا على الوجوب، واللزوم. # PageV01P502 # غير أن الإحسان يجوز أن يكون الفعل الحسن نفسه؛ كقوله: (إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين)، استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله ~~تعالى، وفعل الحسن فرض واجب على كل أحد. # والثاني: أن الإحسان إليهم يجوز أن يكون من حق الله عليهم، وحق الله ~~عليهم لازم، وعلى ذلك صلة القرابة والمحارم، والإنفاق عليهم من حق الله ~~عليهم، وهو لازم. # فهذا ينقض على الشافعي قوله: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا ~~يتكلم في الآباء والأمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أنه أراد به ms0380 ~~غير الوالدين، والله أعلم. # وقوله: (واليتامى والمساكين). # يحتمل: على النفل من الصدقة والفرض جميعا. # وقوله: (وقولوا للناس حسنا). # يحتمل وجوها: # يحتمل: لا تكتموا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته ولكن أظهروها. # ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. # ويحتمل: المراد به الكل، كل شيء وكل قول؛ أي: لا تقولوا إلا حسنا. والله ~~أعلم. # وقوله: (وأقيموا الصلاة). # يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها. # ويحتمل: إقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها. # ويحتمل: أن كونوا في حال تكون لكم الصلاة والتزكية. # PageV01P503 # وقوله: (وآتوا الزكاة). # يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة. # وقوله: (ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون). # الآية ظاهرة. # وقوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم (84) # قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع. # وقوله: (لا تسفكون دماءكم). # يحتمل وجهين: # أي: لا تسفكون دماء غيركم، فيسفك دماءكم؛ فتصيرون كأنكم سفكتم دماءكم. # ويحتمل: لا يسفك بعضكم دماء بعض؛ كقوله: (فسلموا على أنفسكم)، أي: يسلم ~~بعضكم على بعض. # وذكر نقض العهد في هؤلاء وإن كان في أوائلهم؛ لوجهين: # أحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم. # والثاني: بقولهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة. . .) الآية. # وقوله: (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم). # يحتمل أيضا وجهين: # يحتمل: ولا يخرج بعضكم بعضا. # ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في ~~قوله: (لا تسفكون دماءكم)، والله أعلم. # وقوله: (ثم أقررتم وأنتم تشهدون). # يحتمل: ثم أقررتم وأنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أنه في التوراة. # وقوله: (ثم أنتم هؤلاء (85) # يعني: يا هؤلاء. # وقوله: (تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم). # يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم). # وقوله: (تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم). # أي: تعاونون عليهم، يعاون بعضكم بعضا بالإخراج، وهو الظلم والعدوان. # وقوله: (وهو محرم عليكم إخراجهم). # PageV01P504 # أي: ذلك الإخراج محرم عليكم. # وقوله: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم. . .). # الآية -وإن كانت مؤخرة في الذكر- فهي مقدمة؛ كأنه قال: لا تسفكون دماءكم ~~ولا تخرجون أنفسكم، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم. # وقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب ms0381 وتكفرون ببعض). # آمنوا بالمفاداة من الأسارى، وكفروا بالإخراج وسفك الدماء. # ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفروا ببعضها، وهو نعت محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مرادهم. # ويحتمل: أن فادوا أسراهم من غيرهم، وسبوا ذراري غيرهم. # وقوله: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب). # قيل: الخزي في الدنيا إجلاء بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام. # وقيل: مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، وذلك لحرب وقع بينهم، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا). ~~ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن ~~استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: (إنما يؤخرهم ليوم. . .) الآية. # وقوله: (وما الله بغافل عما تعملون). # وعيد. قد ذكرنا ذلك فيما تقدم. # وقوله: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينصرون (86) # يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه وبعثه، ~~فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة. # ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من ~~غير أن آمنوا به، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم # PageV01P505 # وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم ms0382 تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين (91) # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب). # يعني: التوراة، وهو ظاهر. # وقوله: (وقفينا من بعده بالرسل). # وقيل: وقفينا: أردفنا، وهو من القفا، قفا يقفو. # وقيل: أتبعنا رسولا على أثر رسول؛ كقوله: (فأتبعنا بعضهم بعضا)، واحدا ~~على أثر واحد. # وقوله: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات). # قيل: البينات: الحجج. # وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، ~~وإبراء الأكمه والأبرص، وإنباء ما يأكلون وما يدخرون. # وقيل: البينات: الحلال والحرام. # ثم الرسل في أنفسهم حفظوا حججا؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون ~~مصحوبا بدليل وبيان على صدقهم؛ لأنهم في أنفسهم حجة. # وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أن يأتوا ~~بدليل يدل على صدقهم، وبيان يظهر الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والصدق ~~من الكذب. وبالله التوفيق. # وقوله: (وأيدناه): قويناه. # PageV01P506 # (بروح القدس). # اختلف فيه: # قيل: روح القدس: جبريل. # وفي الأصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف. # وتأييده: هو أن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلا أن يدنو بشيء، ~~والله أعلم. # وقيل: (وأيدناه بروح القدس) يعني بالروح: روح الله. # ووجه إضافة روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أن تكون أضيفت تعظيما له ~~وتفضيلا، وذلك أن كل خاص أضيف إلى الله - عز وجل - أضيف؛ تعظيما لذلك ~~الشيء، وتفضيلا له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روح الله، ~~ولإبراهيم: خليل الله، على التعظيم والتفضيل. # وإذا أضيف الجمل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيما له - عز وجل - ~~وتنزيها؛ كقوله: (رب السماوات والأرض)، أضيف ذلك إليه؛ تعظيما وتنزيها، ~~والله الموفق. # والأصل في ذلك: أن خاصية الأشياء إذا أضيف ذلك إليه أضيف تعظيما لتلك ~~الخاصية. وإذا أضيف جمل الأشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب ~~والتبجيل له. # وقوله. (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون). # في ظاهر هذه الآية أنهم كذبوا فريقا من الرسل، وقتلوا فريقا منهم. # ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأنبياء ms0383 ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: (إنا ~~لننصر رسلنا)، ولقوله: (إنهم لهم المنصورون)، أخبر أنه ينصرهم، ومن كان ~~الله ناصره فهو لا يقتل. # ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء. # فنقول: يحتمل قوله: (إنا لننصر رسلنا) في رسول دون رسول، فمن نصره الله ~~فهو # PageV01P507 # لم يقتل. أو كان ما ذكر من النصرة لهم كان بالحجج والآيات. # ثم في الآية دلالة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوته؛ لأنه ~~أخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أنهم عرفوا أنه ~~رسول -عرف ذلك بالله- وإلا لم يسكتوا عن ذلك. # وقوله: (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم (88) # يعني: في أكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تحدث. # يدعون زوال الخطاب عن أنفسهم؛ كراهية لما سمعوا. # وأكذبهم الله تعالى بقوله: (بل لعنهم الله) أي: طردهم الله؛ بكفرهم، ~~وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واعتنادهم إياه، ~~لا أن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئا مما يخاطبون به -على ما يزعمون- ولكن ذلك ~~لترك التفكر والتدبر فيها. # وقيل في قوله: (قلوبنا غلف): يعني: أوعية، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ~~ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تحدث، فلو كان حقا وصدقا لفهمت ولفقهت ~~عليه. # يدعون إبطال ما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم، وذلك نحو ما ~~قالوا لشعيب: (ما نفقه كثيرا مما تقول). # وقوله: (فقليلا ما يؤمنون). # قيل فيه بوجهين: # قيل: فقليلا أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأنهم عرفوا نعته وصفته، ~~وحرفوه، فلم يؤمنوا به. # وقيل: فقليلا، أي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم. # وقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم (89) # فلولا أنهم عرفوا أن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف ~~له، وإلا لأظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إطفاء هذا النور ~~ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أنهم عرفوا موافقته لما ~~معهم من التوراة؛ ففيه آية نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (وكانوا من ms0384 قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين). # PageV01P508 # (يستفتحون): يستنصرون (على الذين كفروا) قبل أن يبعث محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، يقولون: اللهم انصرنا بحق نبيك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على ~~هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين. # وقوله: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (90) # يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم. # وذلك أنهم كانوا آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان إيمانهم به ~~نجاتهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكهم، وبالله التوفيق. # وقيل (بئسما اشتروا به): باعوا به أنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في ~~الآخرة أبدا. # وقوله: (بغيا). # قيل: حسدا منهم؛ وذلك أنهم قد هووا أن يبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~من أولاد إسرائيل؛ لأنهم كانوا أمته، فلما بعث من أولاد إسماعيل - عليه ~~السلام - والعرب كانت من أولاده كفروا به، وكتموا نعته حسدا منهم. # وقوله: (أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده). # يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: (بغيا) أي: ظلما، ظلموا أنفسهم بكفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، وتكذيبهم إياه. # وقوله: (فباءوا). # قد ذكرنا فيما تقدم. # وقوله: (بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين). # يحتمل وجهين: # قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، على ~~أثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به. # وقيل: إنما استحقوا اللعنة على أثر اللعنة؛ بعصيان بعد عصيان، وبذنب على ~~أثر الذنب. والله أعلم. # وقوله: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله (91) # على محمد - صلى الله عليه وسلم - من القرآن. # PageV01P509 # مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين # وقوله: (قالوا نؤمن بما أنزل علينا). # يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها ~~لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما أنزل عليه، ~~وإيمان بجميع الأنبياء - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أنزل عليهم؛ لأن ~~فيها الأمر بالإيمان ms0385 بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأنه قال: (مصدقا لما معهم)، ~~وموافقا له. # فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض. # وقوله: (ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم). # قيل: وراء التوراة كفروا بالإنجيل والفرقان؛ كأنه قال: كفروا بالذي وراءه ~~وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له. # ويحتمل: (ويكفرون بما وراءه) يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ كأنه قال: من ورائه - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين). # فإن قالوا: إنا لم نقتل الأنبياء، ونحن مؤمنون. # قيل لهم: إنكم -وإن لم تتولوا القتل- فقد رضيتم بصنيع أولئك، واتبعتم ~~لهم، مع ما قد هموا بقتل محمد - صلى الله عليه وسلم - مرارا؛ ولذلك أضيف ~~إليهم. # وقيل: أخبر - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - غاية سفههم، وعتوهم، ~~ومكابرتهم في تكذيبه. # وذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا اليهود إلى الإيمان به، وبما ~~أنزل عليه. فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، كما كانت الأنبياء -من قبل- ~~يأتون بها قومهم. # يقول الله - عز وجل: قد كانت الأنبياء من قبل تجيء -بما تقولون- إلى ~~آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلونهم. # فيقول الله - عز وجل - لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: أن قل لهم: لم ~~تقتلون؟ # يقول: لم قتل آباؤكم أنبياء الله قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~جاءوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأن الله عهد إليكم في التوراة: ألا ~~تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، وقد جاءوا به. فلم قتلوهم؟! # PageV01P510 # فهو -والله أعلم- أنهم أخذوا هذه المحاجة من أوائلهم، وإن علموا بما ظهرت ~~نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه مبعوث، وأنتم تقلدونهم، فتقلدونهم ~~-لو وأوتيتم- كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم. والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون (92) وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن ms0386 كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند ~~الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا ~~بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ~~ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن ~~يعمر والله بصير بما يعملون (96) # وقوله: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون). # والبينات: ما ذكرنا -فيما تقدم- من الآيات المعجزة، والحجج العجيبة، ~~والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته، وصدق ما يدعوهم إليه، مما يدل كله ~~أنه من عند الله. # ثم -مع ما جاءهم موسى بها- عبدوا العجل واتخذوه إلها، وكفروا بالله. # يعزي نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ لئلا يظن أنه اول مكذب من الرسل. ولا ~~أول من كفر به؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون، ويستقبلونه بما يكره، وبالله ~~التوفيق. كقوله: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). # وقوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة (93) # قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقنع، إن شاء الله تعالى. # وقوله: (واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا). # يحتمل وجهين: # يحتمل: اسمعوا، أي: أجيبوا. # ويحتمل: اسمعوا: أطيعوا، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة. # وأما إضافة الطاعة إلى الله - عز وجل - فإنه غير جائز؛ إذ لا يجوز أن ~~يقال: أطاع الله. وأما السمع فإنه يجوز؛ لقوله: " سمع الله لمن حمده ". # PageV01P511 # (قالوا سمعنا) قولك، (وعصينا) أمرك. # لكن قولهم: (وعصينا) لم يكن على أثر قولهم: (سمعنا)، ولكن بعد ذلك ~~بأوقات؛ لأنه قيل: لما أبوا قبول التوراة؛ لما فيها من الشدائد والأحكام، ~~رفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا؛ خوفا من أن يرسل عليهم الجبل، وقالوا: ~~أطعنا، فلما زايل الجبل، وعاد إلى مكانه، فعند ذلك قالوا: (وعصينا)، وهو ~~كقوله: (ثم توليتم من بعد ذلك) فالتولي منهم كان بعد ذلك بأوقات. # وقوله: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). # قيل: أشربوا، أي: جعل في قلوبهم حب عبادة العجل بكفرهم بالله عز وجل. # وقيل: سقوا حب العجل. ms0387 # وقيل: إن موسى لما أحرق العجل، ونسفه في البحر جعلوا يشربون منه لحبهم ~~العجل. # وقيل: لما أحرق ونسف في البحر جعلوا يلحسون الماء. حتى اصفرت وجوههم. # وقيل: إنهم لما رأوا في التوراة ما فيها من الشدائد، قالوا عند ذلك: ~~عبادة العجل علينا أهون مما فيها من الشرائع. # وكله يرجع إلى وأحد، وذلك كله آثار الحب. # وقوله: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين). # قيل: قل يا محمد: بئسما يأمركم إيمانكم بالعجل الكفر بالله عز وجل. # وقيل: إن اليهود ادعوا أنهم مؤمنون بالتوراة؛ فقال: (بئسما يأمركم) أي ~~بالتوراة؛ إذ كفرتم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد وجدتم فيها نعته ~~وصفته. # وقوله: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (94) # وذلك أن أعداء الله - تعالى - كانوا يقولون: إن الجنة لنا في الآخرة، ~~بقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، وكقولهم: (كونوا هودا ~~أو نصارى تهتدوا)، وكقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه)؛ # PageV01P512 # فقال الله تعالى لنبيه كجت: قل لهم: إن كانت لكم الدار الأخرة -كما ~~تزعمون- وأنكم أبناء الله وأحباؤه -كما تقولون- (فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين). # وذلك أن المرء لا يكره الانتقال إلى داره، وإلى بستانه، بل يتمنى ذلك، ~~وكذلك المرء لا يكره القدوم على أبيه، ولا على ابنه، ولا على حبيبه، ولا ~~يخاف نقمته ولا عذابه، بل يجد عنده الكرامات والهدايا. # فإن كان كما تقولون، فتمنوا الموت؛ حتى تنجوا من غم الدنيا، ومن تحمل ~~الشدائد التي فيها إن كنتم صادقين في زعمكم: بأن الآخرة لكم، وأنكم أبناء ~~الله وأحباؤه. # فإن قيل: إنكم تقولون: إن الآخرة للمؤمنين، ثم لا أحد منهم يتمنى الموت ~~إذا قيل له: تمن الموت، فما معنى الاحتجاج عليهم بذلك، وذلك على المؤمنين ~~كهو عليهم؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: أن المؤمنين لم يجعلوا لأنفسهم من الفضل والمنزلة عند الله ما ~~جعلوا هم لأنفسهم؛ فكان في تمنيهم صدق ما ادعوا لأنفسهم، وفي الامتناع عن ~~ذلك ظهور صدق رسول الله - صلى الله ms0388 عليه وسلم -. # والثاني: ما ذكرنا أنهم ادعوا: أنهم أبناء الله وأحباؤه، وفي تمنيهم ~~الموت ردهم، وصرفهم إلى الحبيب، والأب الذي ادعوه، ولا أحد يرغب وينفر عن ~~حبيبه وأبيه؛ فدل امتناعهم عن ذلك: على كذبهم في دعاويهم. وبالله نستعين. # فإن سألونا عن قوله: (فتمنوا الموت) أنهم إذا تمنوا ليس كان انقضاء عمرهم ~~بدون الأجل الذي جعل لهم، وفي ذلك: تقديم الآجال عن الوقت الذي كان أجلا، ~~وقال الله تعالى: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). # قيل: إن الله علم منهم -في سابق علمه، وأزليته- أنهم لا يتمنون جعل أجلهم ~~ذلك. # ولو علم منهم أنهم يتمنون الموت لكان يجعل أجلهم ذلك في الابتداء، وكذلك ~~هذا الجواب؛ لما روى: " أن صلة الرحم تزيد في العمر ". # إنه كذلك يحتمل في الابتداء، لا أن يجعل أجله إلى وقت، ثم إذا وصل رحمه ~~يزيد على ذلك الأجل أو ينقص، فيتمنى الموت عن الأجل المجعول المضروب له، ~~وبالله التوفيق. # وقوله: (ولن يتمنوه أبدا (95) # فيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أنه أخبر - عز ~~وجل - أنهم لا يتمنون أبدا، # PageV01P513 # فكان كما قال؛ فدل أنه من عند الله علم ذلك. # وقوله: (بما قدمت أيديهم). # من الذنوب، والعصيان، والتكذيب بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والحسد له. # وهم - والله أعلم - قد عرفوا عن صنيعهم، وما لهم من عند الله من العذاب ~~والجزاء، لكنهم قالوا ذلك؛ على التعنت، والمكابرة، والسفه؛ لذلك لم يتمنوا، ~~والله الموفق. # وقوله: (والله عليم بالظالمين). # هو على الوعيد؛ كقوله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما ~~يؤخرهم ليوم). # ويحتمل: عليم بالظالمين؛ بما يفضحهم بالحجج، ويظهر كذبهم في الدنيا؛ لئلا ~~يظن أحد أنه عن غفلة بما يعملون، بل خلقهم على علم منه بما يعملون. خلقهم؛ ~~ليعلم أنه لا لنفع له بخلقهم خلقهم، وأن ذلك لا يضره. # وقوله: (ولتجدنهم (96) يعني اليهود. # (أحرص الناس على حياة). # وعلى كراهية الموت. # فدل حرصهم على حياة الدنيا أنهم كذبة فيما يزعمون ويدعون. # وقوله: (ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ms0389 وما هو بمزحزحه من ~~العذاب أن يعمر). # يعني: المجوس. # PageV01P514 # أي. هم أحرص الناس على حياة الدنيا من المجوس؛ لأن المجوس لا يؤمنون ~~بالبعث ولا بالقيامة، وهم يؤمنون بها؛ فهم -مع إيمانهم بالبعث، وتصديقهم ~~بالقيامة- أحرص على حياة الدنيا من المجوس الذين لا يؤمنون بالبعث ولا ~~بالقيامة. # وقيل: إنه على الابتداء. # ولا يتنافى بقول: (ومن الذين أشركوا) ويعني: المجوس (يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة)؛ لأنهم يقولون فيما بينهم: ألف سنة تأكل النيروز والمهرجان، ~~ويقولون بالفارسية: هزار ساله بزه. # فأخبر الله -تعالى- أن طول العمر في الدنيا لا ينجيه من العذاب في ~~الآخرة، ولا يباعده عنه. # وهو قوله: (وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)، وهو كقوله: (أفرأيت إن # PageV01P516 # متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون (207). # وقوله: (والله بصير بما يعملون). # هو على الوعيد أيضا. # * * * # قوله تعالى: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98) # وقوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما ~~بين يديه). # وذلك أن اليهود قالوا: لو كان الذي ينزل على محمد بالوحي ميكائيل ~~لاتبعناه، ونؤمن به؛ لأن ميكائيل هو الذي ينزل بالغيث والرحمة، وجبريل هو ~~المنزل بالعذاب والحرب والشدائد، فهو عدو لنا؛ لذلك لا نتبعه. # وفي جهة العداوة بينهم وبين جبريل وجه آخر، وهو أن قالوا: إن جبريل أرسل ~~بالوحي والرسالة في أولاد إسرائيل، لكنه أنزلها على أولاد إسماعيل؛ عداوة ~~لنا وبغضا؛ لذلك نصبوا العداوة بينه وبينهم -والله أعلم بذلك- فأكذبهم الله ~~-تعالى- بزعمهم، فقال: (نزله على قلبك بإذن الله)، لا كما تقول اليهود. وما ~~ينزل من العذاب والشدائد، إنما ينزل بأمره، لا من تلقاء نفسه وذاته. # ثم كان إظهارهم عداوة جبريل، لاعتقادهم عداوة الله - عز وجل - لكنهم لم ~~يجترئوا على عداوة الله -على التصريح- فدل أنه على الكناية عن عداوة الله ~~تبارك وتعالى. # ويدل هذا على أن ms0390 الروافض طعنوا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~طعنوا. # وقوله: (نزله على قلبك بإذن الله). # تقول الباطنية: إن القرآن لم ينزل على رسول الله - عليه السلام - بالأحرف ~~التي نقرؤها، ولكنه إلهام، نزل على قلبه، ثم هو يصوره ويرسمه ذا الحروف، ~~ويعبر به، ويعربه بالمعربة التي نقرؤها. # فلو كان على ما يقولون لزال موضع الاحتجاج عليهم بما أتى به معجزا؛ ~~كقوله: # PageV01P517 # (إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) # إذ كان لهم أن يقولوا: أنزل على لسان العجمي، لكنه غير ذلك بلسانه. # وكذلك قوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)، مخافة النسيان والذهاب. # وكذلك قوله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه). # فدلت هذه الآيات كلها على بطلان قولهم، وفساد مذهبهم، وبعدهم عن دين الله ~~المستقيم. # وقوله: (وهدى وبشرى للمؤمنين). # هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين بالجنة. # وقوله: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين (98) # يحتمل وجهين: # يحتمل: من كان عدوا لله، أو ملائكته، أو رسله. # ويحتمل: افتتاح العداوة به دون هؤلاء على التعظيم لهم، وفضل المنزلة عند ~~الله، وحسن المآب لديه؛ كقوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول)، معنى إضافة ذلك إليه: على التعظيم له، والإفضال لله، لا على جعل ~~ذلك لله مفردا. # فعلى ذلك: معنى افتتاح العداوة به -على ما ذكرنا- والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ~~(99) أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) ولما ~~جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد ms0391 إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو ~~أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) # وقوله: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون). # بين فيها الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى، وما ينهى وما يؤمر. # PageV01P518 # ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه لينصر بها على المعاندين له، ~~والمكابرين، والله أعلم. # وقوله: (أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) # يقول: كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. # يحتمل: العهود التي أخذت عليهم -في التوراة- أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا يكفروا به بعد الإيمان. # أو أخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأحد، فنبذوا ~~ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم. # ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: (نبذه فريق منهم)، ولو كان ~~في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأتوا به معارضا؛ لدفع ما احتج به ~~عليهم؛ فثبت أنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته. # وقوله: (وما يكفر بها). # أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون. # وقوله: (ولما جاءهم رسول من عند الله (101) # يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # (مصدق لما معهم). # أي: نعته الذي كان في التوراة موافق لمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: لما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه ~~بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأخذوا بكتاب السحر ~~الذي كتبه الشياطين. # ويحتمل: أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لما جاءهم كان موافقا لما مضى ~~من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضا. # وقوله: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم). # يحتمل: كتاب الله: التوراة، على ما ذكرنا. # ويحتمل: كتاب الله، القرآن العظيم. والله أعلم. # وقوله: (كأنهم لا يعلمون). # أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأنهم لا يعلمون؛ ~~لما ms0392 لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم. # PageV01P519 # أخبر: أنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفها، ~~وتعنتا، والله أعلم. # وقوله: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر (102) # قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر. # PageV01P520 # وقيل: تتلو؛ من التلاوة. # وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطين من السحر. وهو قول ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - وهو يرجع إلى واحد. # والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأنهم ادعوا: أن الذي هم عليه أخذ ~~عن سليمان عليه السلام، فإن كان كفرا فقد كفر سليمان. # فأخبر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم -: أن سليمان ما كفر، ~~ولكن الشياطين كفروا بما علموا الناس من السحر. # ويحتمل: لكن أتباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم ~~الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام ~~إلى الشياطين بما بهم عبدوا، والله أعلم. # PageV01P521 # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان ~~يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما ~~مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا، وكفرا، وكذبا؛ ~~فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف ~~علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه؛ حتى أنزل الله - عز وجل - على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -: (واتبعوا ما تتلو الشياطين. . .) الآية. # وقال بعضهم: إن الشياطين ابتدعت كتابا من السحر والأمر العظيم، ثم أفشته ~~في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتب، فدفنها تحت ~~كرسيه كراهية أن يتعلمها الناس. فلما قبض نبي الله سليمان - عليه السلام - ~~عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، ~~وأخبروهم أنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فعذر الله نبيه سليمان، ~~وبرأه من ذلك على لسان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: ~~(وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. . .) الآية. # وقيل أيضا: لما ms0393 مات سليمان - عليه السلام - وقع في الناس أوصاب وأوجاع؛ ~~فقال الناس: لو كان سليمان - عليه السلام - حيا لكان عنده من هذا فرج، ~~فظهرت الشياطين لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان - عليه ~~السلام - فكتبوا # PageV01P522 # كتبا، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطين من ~~السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان. فأنزل الله - عز وجل -: (وما ~~كفر سليمان. . .) والآية. # فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأنبياء والرسل، ~~واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وبالله التوفيق. # وفيه دلالة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ بما أخبرهم عن قصتهم -على ~~ما كان- فدل أنه كان عرف ذلك بالله عز وجل. # وفي ذلك أن قد نسب إلى سليمان ما برأه الله عنه من غير أن يبين ماهيته. # ذكره الله عز وجل لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيبا للذين نحلوه بما هو كفر. # وقوله: (على ملك سليمان). # أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخرهم الله لسليمان، ~~فأمكن ذلك منهم. # ألقاه على ألسن المعاندين لسليمان في الشر؛ فرووه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم ~~الله - عز وجل - وبرأ نبيه - عليه السلام - عن ذلك، وبين كيف كان بدؤه. # فإنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كل من لقي النبي؛ إذ قد يكون ~~من أمثالهم: اختراع الرواية، وإلزام السامعين الأمور المعتادة من الرسل، ~~ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أبطل أصحابنا خبر الخاص فيما يبلى ~~به العام. # وقوله: (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه). # قيل: (وما أنزل) على النفي، والجحد، معطوفا على قوله: (وما كفر سليمان). # وقيل: (وما أنزل على الملكين ببابل): والذي أنزل على الملكين ببابل. # وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الألسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا ~~بالسمع. # ثم اختلف في " هاروت " و " ماروت ": # فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما ms0394 كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أن # PageV01P523 # الله - عز وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأمره، بقوله (لا ~~يعصون الله ما أمرهم. . .) الآية، وكقوله: (لا يسبقونه بالقول. . .) الآية. # وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة. وقد ذكرنا هذه ~~المسألة فيما تقدم. # ثم عارض نفسه بقولهما: (فلا تكفر). # فقال: إن المخبر بمثله إذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله -على ~~العلم منه: أنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك- يقول ذلك له؛ ترغيبا منه، والله ~~أعلم. # ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسم الأعظم، فيقضيان به ~~الحوائج إلى أن حل بهما ما حل. # وبهذا يحتج في بلعم بقوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها فأتبعه الشيطان. . .) الآية. # ثم اختلف بعد هذا على أوجه: # قال بعضهم: لم يكن ذلك منهما سحرا، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه. # وقال قائلون: إن ما أنزل على الملكين أنزل كلاما حسنا صوابا، لكنه خلط ~~بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحرا. # وقال آخرون: بلى. كان هو في نفسه سحرا، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا ينهى ~~عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم. إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر ~~الذي يعلم، لا # PageV01P524 # ينهى عن ذلك؛ لأنه ما لم يعلم لم نعلم قبحه وفساده، ولكن إنما ينهى عن ~~الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، والله أعلم. # ثم نقول: إن قولهما: (فلا تكفر) على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار ~~عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، والله أعلم. # وقوله: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله). # قيل: إلا بعلم الله وقضائه. # وقيل: بخذلانه وتخليه. # وقيل: بمشيئة الله وإرادته. # وأما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه. # وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم ~~شيطان في كل مسألة، والله أعلم. # ثم السحر يكون على وجهين: # سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يقتل به صاحبه؛ لأنه ~~ارتداد منه. # PageV01P525 # وسحر لا يكفر به صاحبه؛ ms0395 فلا يقتل به، إلا أن يسعى في الأرض بالفساد: من ~~قتل الناس، وأخذ الأموال. فهو كقاطع الطريق، يحكم بحكمهم من القتل وسائر ~~العقوبات، وإذا تاب قبلت توبته. # ألا ترى أن سحرة فرعون لما رأوا الآيات آمنوا بالله -تعالى- وتابوا توبة ~~لا يطمع في # PageV01P526 # مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأ على الإسلام، حيث أوعدهم فرعون بقطع ~~الأيدي والأرجل، والصلب، وأنواع العذاب، فقالوا: (لا ضير إنا إلى ربنا ~~منقلبون). # وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة: أنها لا تقتل مرة، وذكر عنه ~~مرة: أنها تقتل، وقال في الساحر بالقولين. # فأما ما روي عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس ~~بالسحر؛ فهو كالساعي في الأرض بالفساد، لا بعين السحر. # أو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام. # وما ذكر عنه: أنه لا يقتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحر كفر، ولا يسعى بالقتل ~~في الأرض لم يقتل به. # ثم قوله - في الساعي في الأرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يقدر عليه، ~~سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر. # وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه. # وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضا. # ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساء لا يقتلن ~~للكفر. # وفيما قال: يقتلن؛ فلأنهن يقتلن للسعي في الأرض بالفساد كالرجل، والله ~~أعلم. # وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر. وهو غلط. # وأحق من يقبل توبته الساحر؛ إذ هو أبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة. # وهذا هو الأصل: أن المدعي لشيء -على عهد الأنبياء- إذا استقبلهم بمثله ~~الأنبياء - عليهم السلام - فهو أحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق ~~منه. # والعوام منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، والله أعلم. # وقوله: (ويتعلمون ما يضرهم) -في الدنيا- (ولا ينفعهم) في آخرتهم. # وقوله: (ولقد علموا). # يعني: اليهود في التوراة. # وقوله: (لمن اشتراه). # يعني: اختاره للسحر. # وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه. # PageV01P527 # (ولقد ms0396 علموا لمن اشتراه) يقول: لقد علمت اليهود أن في التوراة آية لمن ~~اختار السحر. # وقوله: (ما له في الآخرة من خلاق). # يقول: نصيب في الثواب. # وقيل: (ما له في الآخرة) أي: ما له عند الله وجه. # وقوله: (ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون). # أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلمون الفرفة والسحر. # وقيل: (ما شروا به) يقول: ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر. يعني: من ~~لا يقرأ التوراة. # أو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون. أي: ~~لو علموا أنهم بم باعوا أنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا ~~به. # وقوله: (ولو أنهم آمنوا (103) # بتوحيد الله. # (واتقوا). # الشرك، والسحر. # (لمثوبة من عند الله خير). # يقول: لكان ثوابهم عند الله خيرا من السحر والكفر. # (لو كانوا يعلمون). # ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: (صم بكم عمي)، ليسوا بصم ~~ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من ~~العلم، والبصر، والسمع الانتفاع به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا ~~علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ~~أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم (105) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب # PageV01P528 # أليم). # قيل: كانت الأنصار في الجاهلية يقولون هذا لرسول الله - عليه السلام - ~~فنهاهم الله - تعالى - أن يقولوها. # وقيل: كانت اليهود تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: راعنا من الرعونة؛ ~~من قولك للرجل: يا أرعن، وللمرأة يا: رعناء. # وكان الحسن يقرؤها: (راعنا) بالتنوين. # وقال الكلبي: كان في كلام اليهود (راعنا) سبا قبيحا؛ يسب بعضهم بعضا، ~~وكانوا يأتون محمدا - صلى الله عليه وسلم -؛ فيقولون: ms0397 راعنا، ويضحكون، فنهى ~~المؤمنين عن ذلك خلافا لهم. # وقوله: (وقولوا انظرنا). # قيل: فهمنا بقول بين لنا. # وقال مقاتل: أي اقصدنا. # وقيل: إن الأمر بالإنظار يقع موقع التشفع في النظرة لوجهين: بالصحبة مرة، ~~وبالخطاب ثانيا فقولهم: (انظرنا) لما لا يبلغ أفهامنا القدر الذي يعني ما ~~يخاطبنا به. # والثاني: على قصور عقولهم عما يستحقه من الصحبة والإيجاب له - صلى الله ~~عليه وسلم -. # فأما الأمر ب " راعنا "، فهو استعمال في الظاهر بالمراعاة، وذلك يخرج على ~~التكبر عليه، وترك التواضع له، والخضوع. # وقوله: (واسمعوا). # أي: اجيبوا له. # وقيل: أطيعوا له. # وقيل: (واسمعوا) أي: اسمعوا وعوا. # وقوله: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير # PageV01P529 # من ربكم). # (ما يود) أي: ما يريد وما يتمنى (الذين كفروا من أهل الكتاب) اليهود ~~والنصارى (ولا المشركين) ما يود هؤلاء (أن ينزل عليكم من خير من ربكم). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يهوون ويحبون أن يبعث الرسول من أولاد إسرائيل وهم ~~كانوا من نسله. فلما بعث من أولاد إسماعيل - عليه السلام - على خلاف ما ~~أحبوا وهووا، لم تطب أنفسهم بذلك، بل كرهت، وأبت أشد الإباء والكراهية. # والثاني: لم يحبوا ذلك؛ لما كانت تذهب منافعهم التي كانت لهم، والرياسة ~~بخروجه - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم. # وقوله: (من خير). # قيل: الخير؛ النبوة. # وقيل: الخير؛ الإسلام. # وقيل: الخير؛ الرسول هاهنا، والله أعلم. # وقوله: (والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم). # تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن على الله أن يعطي لكل الأصلح ~~في الدين، في كل وقت، وكل زمان. # فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى، ولا وجه. # والثاني: قال: (والله ذو الفضل العظيم) والمفضل عند الخلق هو الذي يعطي ~~ويبذل ما ليس عليه، لا ما عليه؛ لأن من عليه شيء فأعطاه، أو قضى ما عليه من ~~الدين، لا يوصف بالإفضال؛ فدل أنه استوجب ذلك الاختصاص، وذلك الفضل، لما لم ~~يكن عليه ذلك، ولو كان عليه لكان يقول: ذو العدل، لا ms0398 ذو الفضل، وبالله ~~التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ~~وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107) أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما ~~سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ود ~~كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من ~~بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله # PageV01P530 # على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) # وقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها (106) # قال بعض أهل الكلام: (ما ننسخ) من اللوح المحفوظ (أو ننسها): ندعها في ~~اللوح. # وقيل: (ما ننسخ من آية) أي نرفع بآية أخرى أو نتركها في الأخرى. # وقيل: (ما ننسخ من آية) فنرفع حكمها، والعمل بها، (أو ننسها) أي: نترك ~~قراءتها وتلاوتها. # فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأوجه: # أحدها: ظهور المنسوخ؛ فبطل قول من أنكر النسخ؛ إذ وجد. ومن أنكر ذلك ~~فإنما أنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداء، ~~على ما قالت اليهود. # والثاني: أن للتلاوة فيها فضلا -كما للعمل- فيجوز رفع فضل العمل، وبقاء ~~فضل التلاوة. # والثالث: على جعل الأول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ~~(حرمت عليكم الميتة). # ثم يجوز أن يرفع عينها فينسى ذكرها، كما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: " كنا نعدل سورة الأحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: ~~الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ". # وأما قوله: (نأت بخير منها أو مثلها). # فاختلف فيه: قيل: (نأت بخير منها) أي: أخف وأهون على الأبدان؛ كقوله: ~~(وعلى الذين يطيقونه)، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند ~~الطاقة إلى غيره. وكذا ما كان من الحكم ms0399 في تحريم الأكل عند النوم والجماع، ~~وكذا # PageV01P531 # تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكنا نعرفه ~~بالحرمة، وذلك أخف وأهون، والله أعلم. # وقيل: (نأت بخير منها) في الثواب في العاقبة. # وقيل: (نأت بخير منها) في المنفعة (أو مثلها) في المنفعة. # وقيل: (نأت بخير منها) وهو أن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع. والمثل: ~~في حق الأمر، فيشترك أصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ~~ويفضلونهم بظهور الأخير. # وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثل ما لليهود في حق الائتمار ما ~~كان ظهر لهم الأخير في وقت ظهور الأمر، وأبهم الخير. وظهر عنده فيمن أبى: ~~أن اتباعه لم يكن لأجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة. # فأما من جعله خيرا على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ~~ورودها للتخفيف. # ومن استدل على أن النسخ -أبدا- يرد على ما هو أغلظ، عورض بقوله: ~~(فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت)، فأبدل بعقوبة أشد من الأول -وهو ~~الرجم- بقوله: " خذوا عني. خذوا عني ". # ويحتمل قوله: (نأت بخير منها) وجها آخر: وهو آية والآيات هي الحجج؛ فيكون ~~معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأبصار، إلا نأت بخير منها يعني أقوى ~~منها في إلزام الحجة، أو مثلها. # ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن ~~الأبصار؛ فيكون قوله: (نأت بخير منها) على هذا الوزن، أي: نأت بحجة هي أقوى ~~وأكثر من الأولى، أو مثلها في القوة. # فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟ وما وجهه؟ # قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أن يمتحن خلقه بما يشاء، في أي وقت شاء: ~~يأمر بأمر في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأمر بآخر. # وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداء يبدو له، بل لم يزل ~~عالما بما كان ويكون، حكيما يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في ~~القول. # PageV01P532 # وقوله: (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير). # يحتمل: أن يكون الخطاب ms0400 له - عليه السلام - والمراد بالخطاب الذين سبق ~~ذكرهم في قوله: (ما يود الذين كفروا). . .) والآية. # إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاص بعض على بعض، وتفضيل ~~بعضهم على بعض. # ويحتمل: أن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة ~~العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أن الله على كل شيء قدير، وهو ~~كقوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله). على حقيقة العلم له. # ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا. # وعلى ذلك يخرج قوله: # (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض (107) # أي: من كان يملك ملك السماوات وملك الأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، ~~وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويحدث من الأمر ما أراد، والله أعلم. ~~ويحتمل: نزوله على أثر نوازل لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال ~~هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكينا له. # ومعنى تخصيص السماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان ~~له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق. # وقوله: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير). # يدل هذا على أنه خرج على أثر نوازل وإن لم تذكر. # وقوله: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل (108) # سؤال تعنت: لن نؤمن لك -تعنتا- حتى نرى الله جهرة، # وقيل: إنهم سألوا ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سأل قوم موسى ~~موسى. # وقيل؛ سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل الصفا -لهم- ذهبا ~~إن كان ما يقوله حقا. # وقيل: سؤالهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا)، وكانوا # PageV01P533 # يسألون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء. # وقوله: (ومن يتبدل الكفر بالإيمان). # قيل: اختار الكفر بالإيمان. # وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ومن يشتر الكفر بالإيمان " وذلك ~~كله واحد. # وقوله: (فقد ضل سواء السبيل). # قيل: عدل عن الطريق. # وقيل: عدل عن قصد الطريق. # وقيل: أخطأ قصد طريق الهدى، وكله واحد. # وقوله: (ود كثير من أهل الكتاب ms0401 لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~(109) # إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله تعالى: (ودت ~~طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم)، وكقوله: (إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)، وكقوله: (يردوكم ~~على أعقابكم. . .) الآية. # وذلك -والله أعلم- لخوف فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ~~ينالون من الأتباع والسفلة، فودوا ردهم وصرفهم إلى دينهم. # ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله تعالى: (حسدا من عند أنفسهم)، قالوا: ~~دلت الآية على أن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأضافه ~~إلى أنفسهم # PageV01P534 # بقوله: (حسدا من عند أنفسهم). # قيل: صدقتم في زعمكم بأن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز ~~إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في ~~الأنجاس، والأقذار، والحيات والعقارب ونحوها: إنه لا يجوز أن تضاف إلى الله ~~تعالى فيقال: يا خالق الأنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو ~~خالق كل شيء. # فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوز أن يضاف ~~إلى الله تعالى. # ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن ~~كانت # PageV01P535 # العلة في الذي لا يكون مخلوقا، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما ~~هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فبان أن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء. # ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أحبوا أن تكون الرسالة فيهم، أو أن يكون من ~~عنده سعة؛ كقوله: (لولا أنزل عليه كنز)، وكقوله: (لولا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم)؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم. # قوله: (من عند أنفسهم). # أي: من قبلها، لا أن الله - تعالى - أمرهم. وليس يضاف إلى الله - تعالى - ~~بأنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم. # ألا ترى أن الأنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، ms0402 كلهم مخلوقة وإن لم يجز ~~نسبتها إلى الله - تعالى - بمعنى أنه من عنده؟ كذلك ما ذكر من الحسد. # على أنه معلوم أنهم لم يكونوا يدعون من دون الله خلقا فبذلك الوجه ينكر ~~عليهم، بل كانوا يدعون الأمر في كل ما نسب إلى الله تعالى؛ فعلى ذلك ورد ~~العقاب، والله أعلم. # وقوله: (من بعد ما تبين لهم الحق). # أي: بين لهم في التوراة أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي، وإن دينه ~~الإسلام؛ كقوله: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). # وقوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره). # يحتمل: النهي عن مكافأة ما يؤذونه في الدنيا، ثم لم ينسخ. # وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأتى أمر الله في ذلك، ثم جاء بقوله: ~~(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) الآية. # وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم. # وقوله: (إن الله على كل شيء قدير) # من التعذيب والانتقام، وبكل شيء. ولم ينسخ هذا. # وقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (110) # كرر الله - عز وجل - الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، في القرآن ~~تكرارا كثيرا، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها -في غير موضع- وذلك ~~لعظم شأنهما، وأمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما. # PageV01P536 # وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم. # ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام -: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي). # وقوله لموسى وهارون: (أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا) إلى قوله: (وأقيموا ~~الصلاة). وقول عيسى: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)، وقوله: (وقال ~~الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة). # وذلك - والله أعلم - أن الصلاة قربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع ~~أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، ~~والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو ~~أن أحدا ممن خلص دينه لله لو أعطى ما في الدنيا على أن يعفر وجهه في الأرض ~~لأحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق. # والزكاة فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، ms0403 وفيها إظهار ~~الشفقة لهم والرحمة. # PageV01P537 # لذلك عظم الله شأنهما، وشرف أمرهما، وأعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما ~~بالإيمان في المواضع كلها، وأثبت بين الخلق الأخوة بهما بقوله: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين). # ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأن الصلاة تجمع جميع أنواع خيرات الأفعال، وفيها ~~غاية الخضوع له، والخشوع -على ما ذكرنا- وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد ~~فيه السمع. # وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب. فإن ~~قيل: ما الحكمة في وجوبها؟ # قيل: إظهار ما أنعم الله على العبد من الأموال والسعة فيها، وما أعطاهم ~~من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأمر بأداء شكر ما أنعم عليهم ~~عز وجل. # فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أعطي منهما، يعني من النفس، والمال ~~دون غيره؟ # قيل: لأن الوجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أداء ~~الشكر، والله أعلم. # ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أن الله - ~~تعالى - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميع ما في الأرض، ~~وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يبصر غير نعمه، من غير استحقاق منهم ~~شيئا من ذلك - لزمهم الشكر عليها. # PageV01P538 # ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها - ~~شكرا له، مع ما فيها توقف أحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب ~~والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم ~~والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله ~~أعلم. # وكذلك بالأموال فضلوا -في هذه الدنيا- واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا ~~بالإخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأرض -بما فيها- لجميع البشر، ألزم من ~~ذلك صلة من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي علم ~~الله لهم في ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله). # الآية تخرج على خلاف قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم ms0404 ~~أقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم ~~خيرات كثيرة - فإنه لا يجد مما قدم شيئا، ولكن يجد ما قدم من شر. # وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه ~~على خلاف ما وصفوا هم، فقال: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم). # وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، ~~وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، ~~وبالله العصمة والتوفيق. # وقوله: (إن الله بما تعملون بصير). # بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حذر من الشر، ~~وترغيب منه لهم بالخيرات. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ~~قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله ~~أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال ~~الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (113) # وقوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (111) # PageV01P539 # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أن قالوا ذلك جميعا؛ لما أرادوا أن يروا الناس الموافقة فيما ~~بينهم؛ ليرغبوا في دينهم، وينفروا عن دين الإسلام، وإن كانوا هم -في ~~الباطن- على الخلاف والعداوة. # ويحتمل: أن يكون ذلك القول من كل فريق في نفسه، لا عن كل الفريقين جميعا ~~على المو افقة. # دليله: قوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء) دلت الآية أن ذلك القول لم يكن من الفريقين جميعا على ~~الموافقة، ولكن كان من كل في نفسه على غير موافقة منهم ولا مساعدة، والله ~~أعلم. # ثم في الآية دليل، لزم الدليل على النافي؛ لأنهم نفوا دخول غيرهم الجنة ms0405 ~~بقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) فطولبوا بالبرهان بقوله: ~~(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) أنه لا يدخل فيها سواكم. # فإن قيل: إنهم إذا نفوا دخول غيرهم فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما ~~طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، ليس على ما نفوا. # قيل: لا يحتمل ذا؛ لأنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحا، إنما نفوا دخول ~~غيرهم وهو كمن يقول: لا يدخل هذه الدار إلا فلان وفلان، ليس فيه أن فلانا ~~وفلانا يدخلان ولكن فيه نفي دخول غيرهما. # أو نقول: نفوا دخول غيرهم تصريحا، وادعوا لأنفسهم الدخول مستدلا، وإنما ~~يطلب الحجة على مصرح قولهم، لا على مستدلهم. # ألا ترى أن الجواب من الله - عز وجل - بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما ~~نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: (بلى (112) # - يدخل الجنة - (من أسلم وجهه لله وهو محسن). # ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا ~~نكاح إلا بشهود " ليس فيه # PageV01P540 # إثبات النكاح إذا كان ثم شهود؛ ولكن فيه نفى النكاح بغير شهود تصريحا. # ألا ترى أن من قال: لا نكاح إلا بشهود، لا يسأل أن: لم قلت: إن النكاح ~~يجوز بالشهود؟ ولكن يسأل أن: لم قلت: إنه لا يجوز بغير شهود؟ فعلى ذلك ~~قوله: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ليس فيه إثبات الدخول لهم ~~تصريحا، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحا، والله أعلم. # وقوله: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن). # قد قلنا إنه خرج مخرج الرد عليهم، والإنكار لحكمهم على الله؛ فقال: بل ~~يدخلها من أسلم وجهه لله وهو محسن. # ثم اختلف في قوله: (أسلم وجهه لله). # قيل: أخلص دينه لله وعمله. # وقيل: أسلم نفسه لله. # وقد يجوز أن يذكر الوجه على إرادة الذات، كقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه) ~~أي: إلا هو. # وقيل: أسلم، أي: وجه أمره إلى دينه فأخلص. وبعضه قريب من بعض. # أسلم نفسه لله أي بالعبودية؛ كقوله: (ورجلا سلما لرجل). # وذلك معنى الإسلام: أن تخلص ms0406 نفسك لله، لا تجعل لأحد شركا من عبودة، ولا ~~من عبادة. # وقوله: (فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # قد ذكرنا متضمنها فيما تقدم. # وقوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود ~~على شيء وهم يتلون الكتاب (113) # فإن قيل: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أمر نبيه - عليه السلام - في آية ~~أخرى أن يقول لهم ذلك: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة)؟. # قيل: إنما أمر نبيه: أن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا ~~التوراة، فأما إذا # PageV01P541 # أقاموا التوراة - وفيها أمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول محمد - فهم على ~~شيء. # ومعنى هذا الكلام - والله أعلم - أن قال لهم: كيف قلتم ذلك، وعندكم من ~~الكتاب ما يبين لكم، ويميز الحق من الباطل، ويرفع من بينكم الاختلاف، لو ~~تأملتم فيه وتدبرتم؟! # ويحتمل: أن كل فريق منهم لما قال لفريق آخر ذلك: أنهم ليسو على شيء، ~~أكذبهم الله - تعالى - ورد عليهم: بلى من أسلم منهم فهم على شيء؛ لأنه كان ~~أسلم من أوائلهم. # ويحتمل: أنهم ليسوا على شيء، على نفس دعاويهم، وقولهم في الله بما لا ~~يليق، وهم على شيء، في تكذيب بعضهم بعضا بما قالوا. # وقيل: لما قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين؛ فما لك يا محمد ~~اتبع ديننا؛ فإنهم ليسوا على شيء؛ وكذلك قول الفريق الآخر لأولئك. # ثم اختلف في " الإسلام ": # قيل: الإسلام هو الخضوع. # وقيل: الإسلام هو الإخلاص بالأفعال، وهو أن يسلم نفسه لله، أو يسلم دينه، ~~لا يشركه فيه. # وقوله: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم). # قيل: الذين لا يعلمون: الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب. # وقيل: الذين لا يعلمون: هم الذين لا يقدرون على تلاوة القرآن والكتاب، ~~وتمييز ما فيه، وهم جهالهم. # سوى - عز وجل - بينهم في القول -من علم منهم ومن لم يعلم- لأن من علم ~~منهم لم ينتفع بعلمه؛ فكان كالذي لم يعلم شيئا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في ~~قوله: (صم بكم ms0407 عمي)، أنه سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بالآيات، والأسباب ~~التي أعطاهم الله - عز وجل - والله أعلم. # وقوله: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). # بالعذاب؛ لاختلافهم فيما بينهم، وبقولهم في الله بما لا يليق، تعالى الله ~~عما يقول # PageV01P542 # الظالمون علوا كبيرا. # * * * # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم (114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن ~~الله واسع عليم (115) # وقوله: (ومن أظلم). # يقول: لا أحد أظلم لنفسه، ولا أوضع لها. # وقوله: (ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه). # اختلف فيه: # قيل: مساجد الله: الأرض كلها؛ لأن الأرض كلها مساجد الله؛ كقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " منع أهل الكفر أهل ~~الإسلام أن يذكروا فيها اسم الله، وأن يظهروا فيها دينه. # وقوله: (وسعى في خرابها). # وهو كقوله: (ويسعون في الأرض فسادا). # ويخرج قوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين). # أي: لا يدخلون البلدان والأمصار إلا بالخوف، أو بالعهد؛ كقوله: (إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس)، وهو العهد. # ويحتمل قوله: (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين): ما كان ينبغي لهم -بما ~~عليهم من حق الله، وتعظيمه- أن يدخلوا المساجد إلا خائفين وجلين؛ لما كانت ~~هي بقاع اتخذت لعبادة الله، ونسبت إليه تعظيما لها؛ فدخلوا مخربين لها، ~~مانعين أهلها من عبادة الله فيها. # وقيل: مساجد الله: المسجد الحرام. # وذلك أنهم حالوا بينها وبين دخول محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~فيها، حتى رجعوا من عامهم ذلك. ثم فتح الله - عز وجل - مكة لهم، فصار لا ~~يدخلها مشرك إلا خائفا؛ كقوله - عز وجل -: # PageV01P543 # (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا). # وقيل: أراد بمساجد الله: بيت المقدس؛ قيل: إن النصارى استعانوا ببختنصر ~~وهو رئيس المجوس، حتى خربوا المساجد، وقتلوا من فيها من أهل الإسلام، ثم ~~بنى ms0408 أهل الإسلام -بعد ذلك بزمان- مساجد، فكان لا يدخل نصراني فيها إلا ~~خائفا، مستخفيا. والله أعلم. # وقوله: (لهم في الدنيا خزي). # قيل: الخزى: الجزية. ويحتمل القتال، (ولهم في الآخرة عذاب عظيم). # وقوله: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله (115) # قيل: إن رهطا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلقوا سفرا، ~~وذلك قبل أن تصرف القبلة إلى الكعبة، فحضر وقت الصلاة، فاشتبه عليهم، ~~فتحروا، فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب؛ صلوا إلى جهات ~~مختلفة، فلما بان لهم ذلك قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فسألوا عن ذلك؛ فنزلت الآية فيهم (فأينما تولوا فثم وجه # PageV01P544 # الله). # وهذا يرد على الشافعي قوله؛ لأنه يقول: إن صلى إلى جهة القبلة يجوز، وإلا ~~فلا. # وليس في الآية ذكر جهة دون جهة، بل فيها ذكر المشرق والمغرب، وكذلك في ~~الخبر ذكر المشرق والمغرب؛ فخرج قوله على ظاهر الآية، وهذا عندنا في ~~الاشتباه والتحري، وأما عند القصد فهو قوله: (فولوا وجوهكم شطره). # وروى عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن قوله: (ولله المشرق والمغرب. . .) ~~الآية، نزلت في النوافل في الأسفار. # ولكن عندنا على ما ذكرنا في الكل، والله أعلم. # وقوله: (فثم وجه الله). # اختلف فيه: # قيل: ثم وجه الله، يعني: ثم ما قصدتم وجه الله. # وقيل: ثم قبلة الله. # وقيل: ثم وجه الله: ثم الله. على ما ذكرنا من جواز التكلم بالوجه على ~~إرادة الذات، أي: ليس هو عنهم بغائب. # وقيل: ثم رضاء الله. # وقيل: ثم ما ابتغيتم به وجه الله. # وقيل فيه: ثم وجه الذي وجهكم إليه إذا لم يجئ منكم التقصير، كما قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -في أكل الناسي: " إنما أطعمك الله وسقاك ". # وقيل فيه: ثم بلوغكم ما قصدتم بفعل الصلاة من وجه الله ورضائه، أي: ظفرتم ~~به. # ثم الغرض في القبلة ليس إصابة عينها، ولكن أغلب الظن، وأكبر الرأي؛ لأنه ~~ليس لنا إلى إصابة عينها سبيل؛ إذ سبيل معرفتها بالاجتهاد، لا باليقين ~~والإحاطة، ms0409 ليس كالمياه والأثواب وغيرها من الأشياء؛ لأن هذه الأشياء في ~~الأصل طاهرة، والنجاسة عارضة فيظفر بأعينها على ما هي في الأصل. # PageV01P545 # وأما أمر القبلة فإنما بني على الاجتهاد والقصد، دون إصابة عينها. والله ~~أعلم. # وقوله: (إن الله واسع عليم عليم). # قيل: الواسع: الغني. # وقيل: الواسع: الجواد، حيث جاد عليهم بقبول ما ابتغوا به وجه الله، وحيث ~~وسع عليهم أمر القبلة. # (عليم) بما قصدوا ونووا. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض ~~كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (117) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # وقوله (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه). # فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم. # ومعناه - والله أعلم -: أن اتخاذ الولد، والتبني -في الشاهد- إنما يكون ~~لأحد وجوه ثلاثة تحوجه إلى ذلك: # إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به. # وإما لوحشة تأخذه؛ فيحتاج إلى من يستأنس به. # أو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث. # فإذا كان الله - عز وجل - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو تأخذه وحشة، أو ~~يقهره عدو، فلأي شيء يتخذ ولدا؟!. # وقوله: (بل له ما في السماوات والأرض). # رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأرض وما فيها - ~~لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي ~~عليهم أمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا، ~~تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # فإن عورض بالخلة، قيل: إن الخلة تقع على غير جوهر من منه الخلة، والولد ~~لا # PageV01P546 # يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن. # والثاني: أن الخلة تقع لأفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أمره، وترتفع ~~مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأما الولد فإنه لا يقع عن أفعال ~~تكتسب، بل بدو ما ms0410 به استحقاقه يكون من مولده. وقد نفى عن نفسه ما به يكون ~~بقوله: (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة). # والثالث: ما قاله الراوندي: أنه لا بد من أن يدعى إلى التسمي، أو إلى ~~التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى. # ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله ~~التوفيق. # ويحتمل قوله: (بل له ما في السماوات والأرض) وجها آخر، وهو أن يقال: إن ~~ما في السماوات وما في الأرض، كلهم عبيده وإماؤه، فأنتم مع شدة حاجتكم إلى ~~الأولاد لا تستحسنون أن تتخذوا عبيدكم وإماءكم أولادا، فكيف تستحسنون ذلك ~~لله - عز وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟ وبالله التوفيق. # وقوله: (كل له قانتون). # قيل فيه بوجوه: # قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعزير، وغيرهم -من ~~الذين قلتم: إنه اتخذهم ولدا- قانتون له، مقرون بالربوبية له، والعبودية ~~لأنفسهم له. # وقيل: (كل له قانتون): مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون. # وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على ~~الأقدام، ويكون القائم بالأمر والحفظ. # ثم لا يحتمل أن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له ~~وحفظ ما عليه، وهو كقوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت)، من الحفظ ~~والرزق. # ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه. # أو أن يقال: (كل له قانتون) في الجملة؛ كقوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله). # PageV01P547 # وقوله: (بديع السماوات والأرض (117) # ابتدعهما ولم يكونا شيئا. # والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أحد في إنشاء مثله؛ ولذلك سمى ~~صاحب الهوى: مبتدعا؛ لما لم يسبقه في مثل فعله أحد. # ثم فيه الحجة على هؤلاء الذين قالوا: اتخذ الله ولدا، يقول: إن من قدر ~~على خلق السماوات والأرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من ~~غير أب؟! # والثاني: أن يقال: إن من له القدرة على خلق ما يصعب، ويعظم في ms0411 أعينكم، ~~بأقل الأحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟! # وقوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له). # قيل: وإذا حكم حكما: فإنما يقول له: كن فيكون. # وقيل: (وإذا قضى أمرا)؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم (فإنما يقول له ~~كن فيكون). # ثم قوله: (كن فيكون). # ليس هو قول من الله: أن كن -بالكاف والنون- ولكنه عبارة بأوجز كلام، يؤدي ~~المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي ~~المعنى المفهوم أوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصلات، والأدوات، فلا ~~يفهم معناها، والله أعلم. # ثم الآية ترد على من يقول: بأن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأنه قال: ~~(وإذا قضى أمرا) ذكر " قضى " وذكر " أمرا "، وذكر " كن فيكون ". ولو كان ~~التكوين والمكون واحدا لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فال ~~" كن " تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره. # ثم لا يخلو التكوين: إما أن لم يكن فحدث، أو كان في الأزل. # فإن لم يكن فحدث، فإما أن يحدث بنفسه -ولو جاز ذلك في شيء لجاز في كل ~~شيء- أو بإحداث آخر، فيكون إحداث بإحداث، إلى ما لا نهاية له. وذلك فاسد، ~~ثبت أن الإحداث والتكوين ليس بحادث، وأن الله تعالى موصوف في الأزل أنه ~~محدث، # PageV01P548 # مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق. # وقوله: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية (118) # قيل فيه بوجوه: # قيل: الذين لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ~~ينتفعوا بعلمهم. # وقيل: لا يعلمون توحيد ربهم؛ وهم مشركو العرب. قالوا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: هلا يكلمنا الله، أو تأتينا آية فتخبرنا بأنك رسوله. # وقيل: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله)، أي: لا يعلمون أنهم لم ~~يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم الله إياهم. # وقيل: (لا يعلمون) أنه قد كلمهم وأخبرهم بالوحي، وإيتاء رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - آيات على رسالته، لكنهم يعاندون. # وقوله: (كذلك قال الذين من ms0412 قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم). # قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى - صلى الله عليه وسلم -، ~~ما قال مشركو العرب لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو قوله: (لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا). # وقيل: اليهود سألوا مثل سؤال النصارى. # وقيل: النصارى سألوا مثل سؤال اليهود، والله أعلم. # وقوله: (تشابهت قلوبهم). # بالكفر والسفه. # وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضها بعضا في السؤال؛ لأنهم سألوا ~~سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد. # وقوله: (كذلك قال الذين من قبلهم). # يحتمل وجهين: # أحدهما: هذا القول. # والثاني: أن يسألوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ الله - تعالى ~~- قد أثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون). # PageV01P549 # قيل: بينا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - بالآيات، والحجج التي أقامها: ~~أنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده. # * * * # قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ~~(119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ~~الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير (120) الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن ~~يكفر به فأولئك هم الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ~~ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) # وقوله: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا). # قيل: (إنا أرسلناك) يا محمد؛ لتدعوهم إلى الحق، وهو التوحيد. # وقيل: بالحق: بالقرآن. # وقيل: بالحق: بالحجج والآيات. # قوله تعالى: (بشيرا) لمن أطاعه بالجنة، (ونذيرا) لمن عصاه وخالف أمره ~~بالنار. # وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعض على بعض؛ لتدعوهم إليه ~~وتدلهم عليه. # وقوله: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم). # وجائز أن يكون بمعنى: لا تسأل بعد هذا عنهم. ولم يذكر أنه سئل عنهم بعده؛ ~~فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب. ms0413 # قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليت شعري! ما فعل ~~أبواي؟ " فأنزل الله - تعالى - # PageV01P550 # هذه الآية. # وفيها لغتان: " لا تسأل " بنصب التاء وهو ما ذكرنا. # ويحتمل وجها آخر: أي لا تشتغل بأصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلف منك وشغل. # وفيها لغة أخرى برفع التاء: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)، أي: لا تسأل أنت ~~يا محمد عن ذنوب أصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون) ~~وكقوله: (عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وكقوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ~~ونحوه. # وقوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (120) # اختلف في الملة: # قيل الملة: السنة؛ كقوله: " بسم الله، وعلى ملة رسول الله "، وكقوله ~~(اتبع ملة إبراهيم حنيفا). # وقيل الملة: الدين، كقوله عليه السلام: " لا يتوارث أهل الملتين ". # وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ~~بكل آية ما تبعوا قبلتك). # آيس - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع أولئك دينه ~~وقبلته؛ لأنهم يختارون الدين، والقبلة؛ بهوى أنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ~~ولزوم الحجة. # وذلك: أن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأن مكان الجبل الذي كان ~~فيه # PageV01P551 # عيسى في ناحية المشرق بقوله: (إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا). # واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأن موسى عليه السلام كان بناحية ~~المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا ~~إلى موسى الأمر). # وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة -شرفها الله- قبلة بالأمر، لا ~~اتباعا لهواهم. # والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما ~~احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أحق ذلك الموضع الذي جعل للخلق ~~مقاصد أخرى. # ثم قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم). # أخبر - عز وجل - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاء هؤلاء؛ لاختلافهم في ~~الدعاوى في الملل. # فإن قيل: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟ # قيل: لأن العصمة لا تزيل ms0414 المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في ~~العصمة لوجهين: # أحدهما: أن عصمته لما مضى لا توجب عصمته في الحادث. # والثاني: أن أحق من ينهى عن الأشياء من أكرم بالعصمة؛ إذ على زوال النهي ~~يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأنه يصير برفع النهي مباحا. # فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم -وإن كان في الأصل معصوما عنه- ~~وبالله التوفيق. # وفي إزالة الأمر والنهي إزالة فائدة العصمة؛ لأن العصمة: هي أن يعصم في ~~الأمر حتى يؤديه، وفي النهي، حتى ينتهي عنه، وبالله التوفيق. # وقوله: (قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من ~~العلم). # قيل؛ إن دين الله -الذي اختاره أهل الإسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، ~~والحجج- هو الدين، لا كما اختار أولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج ~~بالرد، والإنكار، والمعاندة. # ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من ~~العلم) # PageV01P552 # والبيان لأصحابه، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو. وذلك كثير في القرآن؛ ~~يخاطب هو والمراد غيره. # وقوله: (ما لك من الله من ولي ولا نصير). # ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب. # ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان الله فيما يريد تعذيبك. # وقوله: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته (121) # قيل: الكتاب: أراد به التوراة أو الإنجيل. # وقيل: أراد به القرآن. # ومن حمله على التوراة والإنجيل قال: فيه إضمار واو كأنه قال: الذين ~~آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أولئك يؤمنون به، أي: إذا تلوا حق ~~التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به. # وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا يحرفونه. # (أولئك يؤمنون به). # وهم الذين أسلموا منهم. # وقيل: يتبعونه حق اتباعه. وهو واحد. # ومن حمله على القرآن، فالذين يتلونه حق تلاوته أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # * * * # قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) وإذ جعلنا البيت ~~مثابة للناس وأمنا ms0415 واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس ~~المصير (126) وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ~~إنك أنت السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم (129). # PageV01P553 # وقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن (124) # قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خفي عليه من الممتحن ~~والمبتلى به، ليقع عنه علم ماكان ملتبسا عليه. # وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إذ الله - عز وجل - عالم في الأزل بما كان، ~~وبما يكون في أوقاته أبدا. # ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: # أحدها: أن يخرج مخرج الأمر بالشيء أو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر ~~بالأمر والنهي؛ فسمى ابتلاء من الله تعالى. # والثاني: ليكون ما قد علم الله أنه يوجد موجودا، وليكون ما قد علم أنه ~~سيكون كائنا. # وعلى هذا يخرج قوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم)، حتى نعلمه موجودا، كما ~~علم أنه يوجد؛ كما قال: (عالم الغيب والشهادة)، علم الغيب، علم أنه موجد. ~~وعلم الشهادة، علم به موجودا، حتى يوجد الذي علم أنه يجاهد منهم - مجاهدا، ~~والذي، يصبر منهم صابرا. # ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: # فقال بعضهم: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأنعام، وهو قوله: (فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا)، ورأي القمر بازغا، ورأي الشمس بازغة، هي الحجج التي ~~أقامها على قومه بقوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه). # وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسة في الرأس، وخمسة في الجسد. # لكن في هذا ليس كبير حكمة؛ إذ يفعل هذا كل واحد، ولكن الحكمة فيه هي: ما ~~قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث ألقي فيها، فصبر، حتى ms0416 قال له جبريل: " أتستعين ~~بي؟ قال: أما منك فلا ". # PageV01P554 # وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماء فيه، ولا زرع، ولا غرس. # وابتلي بالهجرة من عندهم، وتركهم هنالك -وهم صغار- ولا ماء معهم، ولا ~~زرع، ولا غرس. # وابتلي بالهجرة إلى الشام. # وابتلي بذبح ولده. # ابتلي بأشياء لم يبتل أحد من الأنبياء بمثله، فصبر على ذلك. # ففى مثل هذا يكون وجه الحكمة. # وفيه لغة أخرى: (وإذ ابتلى إبراهيم) بالرفع (ربه) بنصب الباء. # ومعناه - والله أعلم -: أنه سأل ربه بكلمات فأعطاهن. وهو تأويل مقاتل. ~~وهو أن قال: اجعلني للناس إماما. قال: نعم. قال: (واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك)، قال: نعم قال: (وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت ~~التواب الرحيم)، قال: نعم. قال: و (اجعل هذا بلدا آمنا). # قال: نعم. قال: (وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر). ~~قال: نعم. # مثل هذا: سأل ربه هذا فأعطاهن إياه. # وقوله: (قال إني جاعلك للناس إماما). # يحتمل: جعله رسولا يقتدى به؛ لأن أهل الأديان. -مع اختلافهم- يدينون به، ~~ويقرون نبوته. # ويحتمل: إماما من الإمامة والخلافة. # وقوله: (قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين). # فإن قيل: كيف كان قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) وجوابا لقوله: (ومن ~~ذريتي) وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: (وجعلها كلمة باقية في عقبه)؟ # يحتمل قوله: (ومن ذريتي): أحب أن تكون الرسالة تدوم في ذريته أبدا؛ حتى ~~لا تكون بين الرسل فترات؛ فأخبر أن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم ~~عهده. # ويحتمل: أن يكون سؤاله جعل الرسالة في أولاد إسماعيل؛ لأن العرب من أولاد ~~إسماعيل - عليه السلام - فأخبر أن في أولاده من هو ظالم؛ فلا يناله. # والعهد: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي. # PageV01P555 # وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهد. # ويحتمل: أن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أن فيهم من لا يصلح لذلك. # ويحتمل: أن يريد به الإمامة لا النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، ~~والنبوة كانت فيهم. # ويحتمل: أن يكون قصد خصوصا من ذريته، ms0417 ممن علم الله أن فيهم من لا يصلح ~~لذلك. # ولا يحتمل: أن يريد به الإمامة لا النبوة وقد ذكر، أو قال الإنسان: قيل ~~له: إنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاء من آمن منهم دون من ~~كفر. # وقوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا (125) # قيل: المثابة المجمع. # وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون. # وقيل: يحجون. # وقوله: (مثابة للناس وأمنا). # هو فعل العباد؛ لأنهم يأمنون ويثوبون. # أخبر أنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أفعال العباد. # PageV01P556 # ثم بين فيه - عز وجل - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع ~~احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أن ~~الله تعالى -بلطفه وكرمه- حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأنه جعل من آيات ~~الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوي، لا من تدبير البشرية. # وفيه دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ أخبر عما قد كان؛ فثبت ~~أنه أخبر عن الله عز وجل. # وقوله: (وأمنا) ولمن دخله من عذاب الآخرة. # وقيل: (وأمنا) لكل مجرم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: (ومن ~~دخله كان آمنا)، عن كل ما ارتكب. # وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلا، ثم التجأ إليه، فإنه لا يقتل ما دام فيه؛ ~~لأنه لا يقتل للكفر هنالك. # PageV01P559 # فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام)، وما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الله حرم مكة، فلم تحل ~~لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى ~~خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها ". # وما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " لو ظفرت بقاتل عمر في ~~الحرم ما قتلته، وإذا قتل في الحرم يقتل به هنالك. # والوجه فيه: أن إقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ ~~لينزجر عما ارتكب، وأحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه من المكان. # وإذا قيل في غير الحرم، ثم التجأ إلى الحرم - قال أبو حنيفة ms0418 - رحمه الله ~~- لا يخرج من الحرم. # وأبو يوسف - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أنه قال: (وأخرجوهم من # PageV01P560 # حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل)، كما قال: (فإن قاتلوكم فاقتلوهم)، ~~فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل. # وقيل: لم يخرج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يقتل في الحرم إذا لم ~~يقتل فيه. # أو نقول بالإخراج للقتل، قصد ما لم يسغ فعله فيها كان كالصيد يخرج، يلزم ~~فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر. # وبعد فإنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إذ الإخراج عقوبة، ~~فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار -الذين نهوا عن قتلهم- إخراجهم ~~للقتل، كذلك القاتل. # وذهب الآخر: إلى أنه يخرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن ~~لم يرتكب فيه. # وإخراج المرتكب له، أقل في الحكم من إقامته عليه. غير أنه غلط؛ لأن ~~إخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، ~~وفي الإخراج عقوبتان. # ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة -وهي القتل- إذا لم يقتل فيه كان من ألا ~~يلزمه العقوبتان أحق. # وقول: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) # اختلف في (مقام إبراهيم): # منهم من جعل الحرم كله مقامه -يصلي إليه- لمقامه هنالك بأولاده. # ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأنه كان مكان عبادته فهو المصلى. # ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه -وهو موضع ركوبه ونزوله- لما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال ~~عمر: " يا رسول الله! ألا تتخذ مقام إبراهيم مصلى؟! " فأنزل الله - تعالى ~~-: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). # وعندنا: القبلة البيت؛ كقوله - تعالى -: (فولوا وجوهكم شطره)، # PageV01P561 # وقوله: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)، أي: مقاما لقيام ~~العبادات. # وقوله: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل). # فيه الأمر ببنائه. # وقوله: (أن طهرا بيتي). # يحتمل التطهير لوجهين: # أحدهما: عن الأصنام والأوثان التي كانت هنالك، وعبادة غير الله والأنجاس. # ويحتمل: التطهير عن كل أنواع ms0419 الأقذار، وعن كل أنواع المكاسب، على ما روي ~~في جملة المساجد. # وقوله: (للطائفين والعاكفين والركع السجود). # قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفا لدخوله بطوافه. # وقيل: الاستحباب الطواف؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله - الطواف للقادم ~~أفضل من الصلاة. والصلاة للمقيم أفضل. # PageV01P562 # والعاكف: المقيم. # (والركع السجود) منهما جميعا. # وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها. # وقوله: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا (126) # قد ذكرنا الوجه في قوله: (آمنا). # وقوله: (وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر). # لما علم أن المكان ليس بمكان ثمر ولا عشب دعا، وسأل ربه: أن يرزق أهله ~~عطفا على أهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق. # ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: # أحدها: أنه لما أمرهما بتطهير البيت عن الأصنام والأوثان ظن أنه لا يجعل ~~لسوى أهل الإيمان هنالك مقاما؛ فخص لهم بالدعاء، وسؤال الرزق. # والثاني: أنه أراد أن يجعل آية من آيات الله؛ ليرغب الكفار إلى دين الله، ~~فيصيروا أمة واحدة؛ فكان كقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن. . .). # ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: (لا ينال عهدي الظالمين) فلعله خشي أن ~~يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان. # وفي ذلك: أن لا بأس ببيع الطعام من الكفرة. ولا يصير ذلك كالمعونة على ما ~~هم عليه. # ويحتمل الدعاء المبهم للكفرة: القبح؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله. # وقوله: (قال ومن كفر فأمتعه قليلا). # بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير ~~المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا. # وأما الآخرة فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق ~~للنعم من غير المستحق. # ومعنى قوله: (قليلا) لأن الدنيا كلها قليل. # ثم الامتحان على وجهين: امتحان بالنعم، وامتحان بالشدائد. # PageV01P563 # وقد قرئ: " فأمتعه " على معنى دعاء إبراهيم - عليه السلام - " ومن كفر ~~فأمتعه " بالجزم. # فإن قيل: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم. # وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل ms0420 العقل، ويعلم أن المؤمن هو المفضل بالعقل. # كيف لا وقع فضل ما به يمتحن -وهو النعم- لأن العقل الذي به يدرك الحق ~~واحد، لا تفاضل فيه لأحد. # ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان -فيما به درك الحق- إلا أن ~~أحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده. فهو -من حيث معرفته- ذو عقل، ~~أعرض عنه؛ فيسمى معاندا، إذ من لا عقل له يسمى مجنونا. # وقوله: (ثم أضطره إلى عذاب النار). # ذكر الاضطرار، وهو كقوله: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) وهو السوق، ~~وكقوله: (ونسوق المجرمين)، إنهم يساقون إليها، ويدعون، لا أنهم يأتونها ~~طوعا واختيارا. # وقوله: (وبئس المصير). # أي: بئس ما صاروا إليه. # وقوله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا (127) # أمرا برفع البيت وببنائه؛ ففعلا، ثم سألا ربهما: أن يتقبل منهما. فهكذا ~~الواجب على كل مأمور بعبادة، أو قربة -إذا فرغ منها، وأداها- أن يتضرع إلى ~~الله، ويبتهل؛ ليقبل منه، وألا يرد عليه؛ ليضيع سعيه. # وقوله: (إنك أنت السميع العليم) لدعائهم. (العليم) بما نووا وأضمروا. # وقوله: (ربنا واجعلنا مسلمين لك (128) # والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أنه يتوجه إلى وجوه: # أحدها؛ هو الخضوع له والتذلل. # والثاني: هو الإخلاص. # ثم اختلف أهل الكلام في الإسلام: # فقال بعضهم: إنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سألوا ذلك، وهو كقوله - تعالى - # PageV01P564 # (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله)، معناه: آمنوا بالله في حادث ~~الوقت؛ لأنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان. # وعلى ذلك: يخرج تأويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيمانا يتجدد له، ~~ويزداد في حادث الوقت. # وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام. # وقد ذكرنا أن العصمة لا ترفع خوف الزوال. # ومثل هذا: الدعاء والسؤال -على قول المعتزلة- يكون عبثا؛ لأنه لا يملك ~~إعطاء ما سألوا عندهم، بل هم الذين يملكون ذلك، فيخرج السؤال في هذا ~~-عندهم- مخرج اللعب والعبث، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن ~~الهدى. # ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو ms0421 ~~القلب عنه في حال سكون، أو حال حركة، والله أعلم. # وقوله: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك). # يحتمل: أن الأمة المسلمة هي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك: أنه ~~لم يكن من أولاد إسماعيل رسول سوى محمد - صلى الله عليه وسلم -، فسألا: أن ~~يجعل من ذريتهما رسولا، وأمة مسلمة، خالصة له. # وإنما الرسل كانوا من أولاد إسحاق ومن نسله، والله أعلم. # وقوله: (وأرنا مناسكنا). # وقيل في قوله: (وأرنا مناسكنا): يريد الإراءة إلى يوم القيامة، يدل عليه ~~قراءة عبد الله: " وأرهم مناسكهم "، وفي قراءة غيره على ضم الرؤية إلى ~~نفسه. # والمنسك: هو القربة. وأفعال الحج سميت مناسكا. # ثم لا يحتمل: أن يسألا ذلك، من غير أمر سبق منه - عز وجل - بذلك؛ لأنه ~~ليس من الحكمة سؤال: إيجاب فضل عبادة، أو قربة بغير أمر؛ فدل أنه قد سبق ~~منه بذلك أمر، لكنه لم يبين لهما، فسألا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما ~~جبريل ذلك. # ففيه: دلالة تأخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ ألا ترى أنه أمر ~~بالنداء للحج ولم يعلم. # والثاني: أن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم - عليه ~~السلام - فدل # PageV01P565 # أن الأمر به قد سبق. # والثالث: قوله -في نفس الحج-: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا). # ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأمر بفعل ما له ~~إيجاب الحقوق والفرائض. # لكنها أوجبت شكرا لما أنعم عليه؛ فدل أن الحج كان واجبا قبل الخروج، وقد ~~تأخر الإمكان؛ فمثله البيان، والله أعلم. # واحتج بقوله: (أقيموا الصلاة) # أن ظاهره يوجب خضوعا، لزم به ما أداه السمع على تأخر ما بينه، وكذلك ~~الزكاة، وكذا ظاهر قوله: (ولله على الناس حج البيت). # واحتج أيضا بقول القائل وسؤاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~أوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أخر؛ ~~فدل أن البيان يجوز تأخره عن وقت قرع الخطاب السمع. # ثم في تأخير البيان محنة المخاطب به، أمر في تعلم ms0422 العلم وطلب مراد ما ~~تضمن الخطاب، والله أعلم. # وذكر في أمر الحج -عند كل نسك من المناسك- معاني لها، لكنها ذكرت لأحوال ~~كانت في شأن آدم وأمر إبراهيم، وأمر محمد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان ~~الحج قبلهم. # وقد ذكر في أمر الرمل أنه كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ~~معه؛ ليعلم به قوتهم؛ حتى # PageV01P566 # قال عمر - رضي الله عنه -: " علام أهز كتفي، وليس أحد إزاءه؟! لكني أتبع ~~رسول الله، عليه السلام " أو كما قال، رحمه الله. # وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام: أنه رمل، ولم يكن في وقته من ~~كان الفعل لأجله، وكذلك غيره من الأنبياء، صلى الله عليهم وسلم. # إلا أنا نقول: جعل الله كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك ~~نسكا، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارنا له في كل وقت، على ~~ما قيل: " إن صلة الرحم تزيد في العمر " -بمعنى جعل الله أجله ذلك بما علم ~~أنه يصل الرحم- فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك. # وكما يكتب شقيا أو سعيدا في الأزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، ~~والله الموفق. # ثم الأصل: أن الله - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب ~~فيها # البشر للمعاش، أو لأنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما ~~يختار صاحب ذلك شكرا لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إذ كل لذة، وكل ~~ما يتعيش به نعمة خص الله بها صاحبها، بلا تقدم سبب يستوجبها العبد؛ فلزمه ~~-في الحكمة- الشكر لمن أسدى إليه تلك النعمة. # وعلى ذلك: نجد التقلب -من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع- أمرا ~~عاما في البشر، من أنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو ~~الصلوات. # وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودة لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، ~~والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت. # وعلى ذلك: أمر إعطاء النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأوقات ~~عموم التقلب من ms0423 حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرء وإن كانت مختلفة. فجعلت ~~عبادة الصيام في خاص الأوقات. # ثم لم يمتد ما بين الأوقات امتدادا متراخيا، فعلى ذلك: جعل العفو عن ~~الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأمور. # ثم للناس في الأموال معاش، وبها تلذذ: # لكن منها قوت لا بد منه؛ فالارتفاق بمثله لازم، لا يحتمل جعل القربة فيه، ~~سوى أن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به. # PageV01P567 # ومنها فضل، به جعلت قرب التصدق؛ لأنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد ~~منه. # وكذلك نوع تقلب الأحوال في النفس التي هي بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك ~~فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته. وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه. # وكذلك أمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في ~~الاحتمال. # لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل ~~إلى غيره. وحقوق الأفعال لا تحتمل أن يصير السبب الذي له به يجب أن يكون ~~لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه. وهي تجب للأحوال لوجهين: # أحدهما: أن فيها حقوقا شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ ~~تخفيفا، أو لما هي تجب فيما له حكم الفضل. # والفضل: ما يفضل عن الحاجة. والحاجات تتجدد في أوقات -لا أنها تتتابع- لا ~~يظهر في مثله الفضل إلا بمدة بينة أكثرها حول. # ثم فرض الحج جعل في العمر مرة؛ لأنه في حق الأسفار المديدة، التي لا ~~يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجب مثله إلا خاصا؛ فأوجب في جميع ~~العمر مرة. # PageV01P568 # وقد أوجب في الأموال في كل سنة؛ لأن أرباب الأموال قد يتقلبون في البلاد ~~النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك. # وعلى ذلك أمر الجهاد -على أن الجهاد كالذي لا بد من الأقوات- إذ في ترك ~~ذلك خوف غلبة الأعداء، وفيها تلف الأبدان والأديان، ms0424 والأموال، ففرض على قدر ~~ما فرض من الأقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أحوال أهل السفر تكون على ~~غير المعروف من أحوال المقيمين - في حق الرزانة والوقار، وحق الانبساط ~~والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأمرين - نحو الجهاد- فيه أنواع: ما عد في غيره ~~من اللعب، وكذلك أمر الحج. وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمل والسعي ~~ونحو ذلك. # فجعل ذلك في حق الأسفار سنة، وإن كان مثل ذلك عد في غير ذلك عبثا؛ إذ قد ~~بينا مخرج العبادات، على ما عليه أحوال العباد بأنفسهم، لولا العبادات، ~~والله أعلم. # ثم جعل ذلك في أمكنة متباعدة الأطراف؛ إذ هو بحق أمر الأسفار يجب في ~~المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأسفار، ولا قوة إلا بالله. # ووجه آخر: من المعتبرات: أن العبادات جعلت أنواعا: # منها ما يبلغ القيام بحقها العام فصاعدا، وهذه لم يجز أن يجعل وقتها ينقص ~~عن احتمال فعلها. ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأحوال بعد سقوط ~~اعتبار العمر من السنة. # ثم لأن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتا له، وإنما جعل ~~العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، ~~وما تقدمه وما تأخره، ثم في العمر أحوال، لا تحتمل إضافتها إلى الأعوام؛ ~~لأن ما يضاف إلى عام # PageV01P569 # فذلك لكل عام. وليس ما يضاف إلى العمر موجودا بحق الأعوام. فجعل ذلك ~~وقته، والله أعلم. # ثم الزكاة هي تجب للأموال؛ صونا لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك ~~تكتب لأحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أمرها إلى العمر؛ على أنها جعلت ~~حقا للفقراء. ومتى أريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في ~~الأول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ الله -بفضله- قدر أقوات ~~الخلق، ثم فضل الخلق في الأملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئا، وبعضهم ~~يجاوز ما ينال أضعاف عمره. # ثبت أن ذلك له بما يقتضي به كفاية الفقراء؛ فلا ms0425 بد أن يجعل لذلك مدة ~~يتوسع في ذلك الفريقان جميعا. # ثم كانت الأقوات -التي هي مجهولة للخلق جميعا- تتجدد في كل عام على ذلك؛ ~~إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأغنياء، جعلت في كل عام. # على أنه إذ جعلت أقوات الخلق في بركات السماء والأرض، جعلها الله متجددة ~~بتجدد الأعوام، ولا قوة إلا بالله. # والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف ~~في الأمر بهما والترك، وفي أنواع الرخص. # لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إذ لا سبيل إلى ~~مثلها متتابعا لما يصير اللذة ألما، والشهوة وجعا؛ فيبطل حق التتابع، وقدر ~~المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس. # والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن. # فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أوقات متراخية؛ إذ هي ~~تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إقامة الأبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ ~~لذلك استعين بطول الاغتذاء على أوقات الصيام، ولا قوة إلا بالله. # وإن شئت قلت: إن الله أنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة ~~وشهوة، ثم أنعم عليهم بما هو لهم به رفعة وجاه عند الخلق -وهي الأموال- ~~فألزمهم في كل نوع من هذه الأنواع عبادات. # PageV01P570 # وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في ~~الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى ~~النفس بشهواتها، ونعم الأموال بأنواع الكد والجهد. # فعلى ذلك: خفف حقوق الأموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ~~ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من ~~الترتيب، مع اليسر الذي أخبر الله أنه يريد بهم ذلك، لا العسر، والله أعلم. # وقوله: (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم). # دل سؤال التوبة أن الأنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات ~~والعثرات، على غير قصد منهم. # ثم فيه الدليل على أن العبد قد يسأل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأنهم ~~سألوا التوبة مجملا. ms0426 ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل ~~سؤالهم التوبة مجملا على أن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها. # وقوله: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم (129) # يحتمل وجوها: # يحتمل (رسولا منهم): من المسلمين؛ لأنه أخبر أن عهده لا يناله الظالم. # ويحتمل (رسولا منهم): من جنسهم، من البشر؛ لأنه أقرب إلى المعرفة والصدق ~~ممن كان من غير جنسهم، كقوله تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا. . .) ~~الآية. # ويحتمل (رسولا منهم): أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ~~ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز ~~عليه). # وقوله: (يتلو عليهم آياتك). # قيل: الآيات هي الحجج. # وقيل: الآيات هي الدين. # ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، والله أعلم. # وقوله: (ويعلمهم الكتاب). # يعني القرآن: ما أمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك. # وقوله: (والحكمة) # PageV01P571 # قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه. # وقيل: الحكمة ما فيه من الأحكام من الحلال والحرام. # وقيل: الحكمة: هي السنة هاهنا. # وقيل: الحكمة: هي الإصابة. وبعض هذا قريب من بعض، وبالله التوفيق. # وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أعاد القول به. يعني تكرارا. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: الحكمة: الفقه. # وقوله: (ويزكيهم). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: يأخذ زكاة أموالهم -فذلك يزكيهم- كقوله: ~~(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). # وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أنفسهم. # وقيل: يزكيهم بعمل الصالح. # فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أليس الله - عز وجل - أضاف ~~التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه -حقيقة- فعل التزكية والهداية، ~~ولا خلق ذلك منه -كيف لا قلتم أيضا- فيما أضاف ذلك إلى نفسه: أن ليس فيه ~~منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك ~~إلى رسوله سوى الدعاء والبيان؟! # قيل: كذلك على ما قلتم: أنه أضاف ذلك إلى رسوله بقوله: (وتزكيهم)، ~~وبقوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، وقوله: (ولكل قوم هاد)، غير أنه جعل ~~إلى نفسه فضل هداية، لم يجعل ذلك لرسوله - صلى الله عليه ms0427 وسلم - وأثبت ~~زيادة تزكية، لم يثبت ذلك لرسوله عليه السلام؛ كقوله: (إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، وكقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء). # فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أن له فضل فعل، ليس ذلك لرسوله، وهو ~~خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق. # وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أن يملك قدرة فعل أحد يقدره عليه لو أراده بما # PageV01P572 # أقدرهم الله على الفعل، حتى قدروا؛ فجاز أن يكون له عليه قدرة. # وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (إنك أنت العزيز الحكيم). # أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونه غير عزيز، ذليل. # وقيل: العزيز: المنيع. # وقيل: العزيز: المنتقم من أعدائه. # والحكيم: هو المصيب في فعله. والحكيم في أمره ونهيه. والحكيم هو الذي ~~أحكم كل شيء جعله دليلا على وحدانيته. # ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: ~~عرفت. ومنى؛ لما قيل له: تمنه. ورمي الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان ~~فرمى. # فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب، وتنفر عنها الطباع، ألا ترى أنه ذكر في ~~قصة آدم فعل ذلك جملة؛ فزال المعنى الذي ذكر في إبراهيم عليه السلام؟! # ثم قد ذكر في الخبر أن الملائكة قالت لآدم: حججناه، قبلك بألفي عام؛ فثبت ~~أنهم قد فعلوا هذا كله. # ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أن الحج قصد لزيارة ذلك ~~المكان؛ فأمر بمختلف الأفعال الواقع بها الزيارة. # كالصلاة: إنها الخضوع لعينه؛ ولذلك أمر فيها بإحضار الأفعال المختلفة من ~~حال الخضوع. # ثم المرء قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود. أمر بإحضار ~~مختلف الأفعال التي فيها الزورة. # غير أن الصلاة تخالف الحج؛ فلأن أفعالها فعل المعاش أمر فيها بإحضار حالة ~~تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقا بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تقضى ~~في ms0428 كل مكان. # ثم أفعال الحج في ظاهرها إلى أفعال المعاش، وما إليه وقع القصد -لا ~~عينها- غير # PageV01P573 # أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضي في كل مكان. # * * * # قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت ~~لرب العالمين (131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم ~~الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ~~إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134) # وقوله: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم). # ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدين. # وقكل: الملة السنة. # وقيل: الإسلام. # وكله واحد. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (إلا من سفه نفسه). # بما يعمل من عمل السفه. # ويحتمل: (إلا من سفه نفسه) أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض. # وقيل: جهل نفسه فيضعها في عير موضعها. # وقوله: (ولقد اصطفيناه في الدنيا). # بالنبوة والرسالة والعصمة. # ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة. # وقوله: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين). # في المنزلة والثواب. # ويحتمل (لمن الصالحين)؛ لمن المرسلين. # ويحتمل: أن يكون بشره في الدنيا: أنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون ~~-في ذلك- وعد له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر. # وفي ذلك أيضا: وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأخبر بما كان بشره. ~~ويجوز: تفاضلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه. # PageV01P574 # وقوله: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) # قيل: أخلص. # ويحتمل: أن يكون أمرا بابتداء إسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت ~~يهمد. # ثم يحتمل: أن يكون وحيا أوحى إليه، أن قل كذا، فقال به. فإن كان وحيا فهو ~~على ms0429 أن يسلم نفسه لله. # ويحتمل: أن يكون إسلام القلب -بتغاضي الخلقة بالإسلام- فإن كان على هذا؛ ~~فهو على الإسلام دون توحيده. # ويحتمل: أن يكون إسلام خلقة؛ كقوله: (ألست بربكم قالوا بلى)، بالخلقة. # وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: (وأذن في الناس بالحج)؛ فدعاهم، فأجابوه في ~~أصلاب آبائهم إجابة الخلقة وقت كونهم. # وقيل: يحتمل: أن يكون أمر بابتداء الإسلام، كقوله: (فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا. . .)، إلى آخره. ثم قال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا)، يكون جواب قوله: (أسلم) والله أعلم. # وقوله: (ووصى (132) # يعني بالملة. والملة تحتمل ما ذكرنا. # وقوله: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). # وهو الإسلام؛ ردا على قول أولئك الكفرة: إن إبراهيم كان على دينهم؛ لأن ~~اليهود زعمت أنه كان على دينهم يهوديا. وقالت النصارى: بل كان على ~~النصرانية. وعلى ذلك قالوا لغيرهم: (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا). # فلما ادعى كل واحد من الفريقين: أنه كان على دينهم، أكذبهم الله - عز وجل ~~- في قولهم، ورد، عليهم في ذلك فقال: قل يا محمد: (ما كان إبراهيم يهوديا ~~ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما)؛ فعلى ذلك قوله: (اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون). # PageV01P575 # أخبر - عز وجل - أن دينه كان دين الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدين ~~الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله تعالى: (أم للإنسان ما تمنى ~~(24) فلله الآخرة والأولى (25)، أي ليس له. # وقوله: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من ~~بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا (133) # يقول: أكنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟! أي: ما كنتم شهداء حين حضر يعقوب ~~الموت. # قيل: ويحتمل: أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ألست تعلم ~~أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية؛ فأنزل الله تعالى: (أم كنتم ~~شهداء) أي: أكنتم شهداء وصية يعقوب بنيه؟! أي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ~~ذلك؟! # ثم أخبر ms0430 - عز وجل - عن وصية يعقوب بنيه فقال: # (ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك. . .) الآية. # وقوله: (ونحن له مسلمون). # يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ثم يدعون: أن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه. # ثم في الآية دلالة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر عن ~~الأخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، ~~دل: أنه بالله علم، وعنه أخبر. # وقوله: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون (134) # كان - والله أعلم - لما ادعوا أن إبراهيم ومن ذكر من الأنبياء كانوا على ~~دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تسألون أنتم عن دينهم وأعمالهم، ولا هم يسألون عن ~~دينكم وأعمالكم، بل كل يسأل عن دينه وما يعمل به. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو ~~السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # PageV01P576 # وقوله: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا. . .) الآية. # فالآية تنقض على من يستثني في إيمانه؛ لأنه أمرهم أن يقولوا قولا باتا، ~~لا ثنيا فيه ولا شك. # وكذلك قوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) # ثم يحتمل: أن يكون هذا ردا على أولئك الكفرة، حيث فرقوا بين الرسل، آمنوا ~~ببعضهم وكفروا ببعض. وكذلك آمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعضها؛ فأمر الله - عز ~~وجل - المؤمنين، ودعاهم: إلى أن يؤمنوا بالرسل كلهم، والكتب جميعا، لا ~~يفرقون بين أحد منهم، كما فرق أولئك الكفرة. # ويحتمل: ms0431 أن يكون ابتداء تعليم الإيمان من الله - عز وجل - لهم بما ذكر من ~~الجملة. # ثم اختلف في الحنيف: # قيل: الحنيف: المسلم. # وقيل: الحنيف: الحجاج. # وقيل: كل حنيف ذكر بعده مسلم فهو الحجاج، وكل حنيف لم يذكر بعده مسلم فهو ~~مسلم. # وقيل: الحنيف: المائل إلى الحق والإسلام. # وقوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا (137) # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا تقرأ (فإن آمنوا بمثل ما ~~آمنتم به)؛ فإن الله ليس له مثل، ولكن اقرأ: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به)، ~~أو (بما آمنتم به). وكذلك في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (فإن آمنوا ~~بما آمنتم به)، تصديقا لذلك. # وعلى ذلك قوله: (ليس كمثله شيء)، إن الكاف زائدة، أي: ليس # PageV01P577 # مثله شيء. وهو في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - كذلك. # ويحتمل: آمنوا بلسانهم، بمثل ما آمنتم بلسانكم، من الرسل والكتب جميعا ~~فقد اهتدوا. # ويحتمل بمثل ما آمنتم به: أي بلسان غير لسانهم فقد اهتدوا. # وقوله: (فإنما هم في شقاق). # قيل: الشقاق هو الخلاف. # وقيل: الشقاق هو الخلاف الذي فيه العداوة، والله أعلم. # وقوله: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم). # هذا وعيد من الله - عز وجل - لهم، ووعد وعد نبيه بالصبر له؛ لأن أولئك ~~كانوا يتناصرون بتناصر بعضهم ببعض، فوعد له عز وجل النصر له بقتل بعضهم، ~~وإجلاء آخرين إلى الشام وغيره. # وقوله: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة (138) # قيل: دين الله. # وقيل: فطرة الله؛ كقوله: " كل مولود يولد على الفطرة ". # PageV01P578 # وقيل: (صبغة الله): حجة الله التي أقامها على أولئك. # وقيل: (صبغة الله): سنة الله. # ثم يرجع قوله: (ومن أحسن من الله صبغة) أي: دينا وسنة، وحجة تدرك ~~بالدلائل التي نصبها وأقامها فيه، ليس كدين أولئك الذين أسسوا على الحيرة ~~والغفلة بلا حجة ولا دليل. # وقيل: إن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ليطهروهم بذلك؛ فقال الله ~~عز وجل: (صبغة الله) يعني الإسلام هو الذي يطهرهم لا الماء. # وقوله: (ونحن له عابدون). # قيل: موحدون. ms0432 # وقيل: مسلمون مخلصون. # ويحتمل: ونحن عبيده. # * * * # قوله تعالى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم ونحن له # PageV01P579 # مخلصون (139) أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من ~~الله وما الله بغافل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (141) # وقوله: (قل أتحاجوننا في الله). # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: قالت اليهود والنصارى: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه، ونحن أولى بالله منكم، فأنزل الله - في ذلك -: (قل ~~أتحاجوننا في الله). # وقيل: في الله، يعني: في دين الله. أي: أتحاجون وتخاصمون في دين الله؟! # وقوله: (وهو ربنا وربكم). # أي: أتحاجون في الله مع علمكم وإقراركم أنه ربنا وربكم بقوله: (ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله). # وقوله: (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم). # قيل: لنا ديننا ولكم دينكم؛ كقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين). # ويحتمل: (لنا أعمالنا) ولا تسئلون أنتم عنها، (ولكم أعمالكم) لا نسأل نحن ~~عن أعمالكم، كقوله: (ولا تسألون عما كانوا يعملون). # وقوله:، (ونحن له مخلصون). # دينا وعملا، لا نشرك فيه غيره. # وقوله: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ~~(140) # قيل: بل تقولون. # وقيل: على الاستفهام في الظاهر: أيقولون، لكنه على الرد والإنكار عليهم، ~~وذلك أن اليهود قالوا: إن إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه كانوا هودا أو ~~نصارى. قال الله تعالى: قل يا محمد: أنتم أعلم بدينهم أم الله، مع إقراركم ~~أنه ربكم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟!. # ومعنى الاستفهام: هو تقرير ما قالوه، كالرد عليهم والإنكار. # وقوله: (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) # PageV01P580 # قيل: الشهادة التي عنده: علمهم أنهم كانوا مسلمين، ولم يكونوا على دينهم. ~~وقيل: الشهادة التي عندهم بالإسلام: أنه دين الله وأنه حق. # وقيل: الشهادة التي ms0433 كانت عندهم: محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ بينه الله ~~في كتابهم وأخذ عليهم المواثيق والعهود بقوله: (لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه)، فكتموه وكذبوه. # وقيل: (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) في قول اليهود لإبراهيم - ~~عليه السلام - وما ذكر من الأنبياء كانوا هودا أو نصارى؛ فيقول الله - عز ~~وجل -: لا تكتموا الشهادة إن كان عندكم علم بذلك. وقد علم الله أنكم ~~كاذبون. # وقيل: (والأسباط): بنو يعقوب؛ سموا أسباطا؛ لأنه ولد لكل رجل منهم أمة. # وقوله: (وما الله بغافل عما تعملون). # خرج على الوعيد، أي: لا تحسبوا أنه غافل عما تعملون. # ويجوز أن يكون لم ينشئهم على غفلة مما يعملون، بل على علم بما يعملون ~~خلقهم؛ ليعلم أن ليس له في شيء من عمل الخلق له حاجة؛ ليخلقهم على رجاء ~~النفع له، ولا قوة إلا بالله. # خلقهم وهو يعلم أنهم يعصونه. # وقوله: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون (141) # قد ذكرنا هذا فيما مر. # * * * # قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ~~وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن ~~الله بالناس لرءوف رحيم (143). # PageV01P581 # وقوله: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ~~(142) # هذا - والله أعلم - وعد كان وعده عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس، وإخبار عما يقول له اليهود قبل أن ~~يحول وقبل أن يقولوا له شيئا. # ألا ترى إلى قوله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، أنه لو لم يكن فيها وعد ~~بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك ~~تخييرا منه وتحكما عليه. # وليس لأحد على ms0434 الله التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في ~~غيرها، فدل أنه على الوعد له ما فعل. والله أعلم. # ثم فيه إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث كان أخبره على ما ~~أخبر من التحويل إلى الكعبة. # والقول منهم نقل أنه علم ذلك بالله واختلف في قوله (سيقول السفهاء) قيل: ~~هو اليهود، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة، وذلك أنهم لايرون نسخ ~~الشرائع والأحكام؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها. # وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور، كبان بنى بناء ثم نقضه لجهل منه به. # لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره. # ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام. # وأما النسخ عندنا: فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض ~~لما مضى، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه، ~~ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا. ~~وبالله التوفيق. # وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة، على ما يقول بعض أهل التفسير، ~~فقالوا: لما رجع محمد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا. فقال ~~الله عز وجل: (قل لله المشرق والمغرب). # قل يا محمد: لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي، يأمر بالتوجه ~~إلى أي ناحية شاء شرقا وغربا، فالطاعة له في الائتمار لأمره، والقبول ~~لدعائه، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لهوى هووا ولتمن تمنوا؛ لأن ~~اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعا لهواهم، لا اتباعا لأمر أمروا به. # وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم؛ فأخبر الله تعالى ~~المؤمنين أنهم يأتمرون بالله حيث ما أمروا توجهوا نحوه. # PageV01P582 # وقوله: (يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). # هذا على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أنه (يهدي من يشاء)، ولا جائز أن ~~يهدي وهو لا يهتدي. وهم يقولون: شاء أن يهدي ولكن لم يهتدوا. # قوله: (من يشآء) وعلى أن مشيئة الهداية ليست للكل على ما قالت المعتزلة: ~~أن هدايته بيان وذلك للجميع. # وفيه دليل نسخ السنة ms0435 بالكتاب؛ لأن القبلة إلى بيت المقدس لم تكن مذكورة ~~في الكتاب، بل عملوا على سنة الأولين الماضين، وهذا على الشافعي؛ لأنه لا ~~يرى نسخ الكتاب بالسنة إلا بعد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~عمل به صار سنة، فهو نسخ السنة بالسنة، لا نسخ بالكتاب. # فهذا منه قبيح فاحش. # وفيه نبذ الكتاب وهجره، وقد نهينا عنه، والتحكم على الله عز وجل؛ لأنه لم ~~يجعل الكتاب من القدر ما يقع فيه الزجر على ما كان عليه آنفا لولا علمه - ~~صلى الله عليه وسلم -. فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى. # ولكن لم يعرف ما النسخ وما قدره، ولو علم لما قال بمثله. وهو عندنا: ما ~~ذكرنا من بيان منتهى الحكم إلى وقته، ولله جل جلاله نصب الأحكام والشرائع ~~في كل وقت، يبين ذلك مرة بالكتاب، وتارة على لسان المصطفى - صلى الله عليه ~~وسلم -. وبالله التوفيق. # وكما جعل له - صلى الله عليه وسلم - أن يعمل به، فنسخ الكتاب فيه تلك ~~الشريعة. فكذلك في غيره من الناس. والله أعلم. # وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا (143) # (وكذلك)، لا يتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا على العطف على ~~ما سبق من الخطاب، وهو - والله أعلم - معطوف على قوله: [(قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم. . .)] الآية، كأنه قال: كما وفقكم ~~على الإيمان بما ذكر، وهداكم للإسلام، كذلك جعلكم (أمة وسطا) يعني عدلا، ~~(لتكونوا شهداء على الناس). # PageV01P583 # ثم اختلف في قوله: (على الناس): # قيل: " على " بمعنى " اللام " أي للناس. وهذا جائز في اللغة سائغ، كقوله: ~~(وما ذبح على النصب)، أي للنصب. # وقيل: (على) بمعنى " على "، أي أن يشهدوا على الأمم للأنبياء على تبليغ ~~الرسالة، ويشهد الرسول لهم بالعدالة. # وفيه دليل قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ ~~لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، ~~لكان فيه تناقض. فدل أن شهادتنا تقبل ms0436 عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. والله ~~أعلم. # ويحتمل قوله: (لتكونوا شهداء على الناس) الذين أبوا إجابة الرسل. (ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا) أن جحدتم الرسالة، وذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا. . .) الآية أضاف الله إليه جعلهم (أمة وسطا). ثبت أن لله في فعل ذلك ~~فعل به ذكر مننه. والله أعلم. # قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، فالوسط: العدل. أخبر - عز وجل - أنه جعل ~~هذه الأمة عدلا، فالعدل هو المستحق للشهادة والقبول لها. # ففيه الدلالة على أجعل إجماع هذه الأمة، حجة؛ لأنه وصفها بالعدالة، ~~وصيرها # PageV01P584 # من أهل الشهادة. فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به، لزم قبول ذلك، والحكم ~~بما شهدوا، والشهادة فيه أنه من عند الله وقع لهم ذلك. # والثاني: قال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) # أخبر الله عز وجل أن فيهم صدقة، يلزم اتباعهم. # والثالث: ما قال عز وجل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) ولا يجوز ~~الوعيد في مثله إذا لم يكن ذلك هو الحق عند الله. # والرابع؛ قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59). # أمر عز وجل عند التنازع الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فدل أنه إذا لم يتنازع لم يجب الرد إلى ما ذكر. والله أعلم. # وقوله: (لتكونوا شهداء على الناس)، روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه ~~- أنه قال: يسأل الله تعالى يوم القيامة الأمم عن تبليغ الأنبياء رسالته ~~إليهم، فينكرون. ثم يأتي بهذه الأمة يشهدون عليهم بالتبليغ. فذلك قوله: ~~(لتكونوا شهداء على الناس)، ويشهد الرسول عليهم يعني لهم بالعدالة ~~والتزكية. والله أعلم. # PageV01P585 # قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه -: وفي قوله: (لتكونوا شهداء على الناس)، ~~وجهان: # أحدهما: على الكفرة. وفي ذلك دليل قبول شهادة المسلمين عليهم، ورد ~~شهادتهم عليهم، لما ms0437 يتناقض فيزول منفعة الشهادة عليهم. # والثاني: ليكون من شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، شهود على من ~~يكون بعدهم. # وفي ذلك دليل من تأخر الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، عن الخلاف ~~لهم، (ويكون الرسول عليكم شهيدا) إذا خالفتموه وعصيتموه. # وقوله: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه). # فهذا - والله أعلم - لما كانوا في المتابعة على قسمين: # منهم من تبعه لما وافق هواه. # ومنهم من تبعه لما علم أنه الحق من عند الله عز وجل؛ ليبين لهم ويقع علم ~~ذلك عندهم: من المتبع له بهواه، ومن المتبع له بالأمر والطاعة له. # وقيل أيضا في قوله: (إلا لنعلم من يتبع الرسول)، قيل: ليعلم من يتبع ~~الرسول ما قد علم أنه يكون كائنا، وليعلم ما قد علم أنه يوجد موجودا. # وقيل: إنه يجوز أن يراد بالعلم المعلوم. معناه - والله أعلم - إلا ليكون ~~المتبع له، والمنقلب على عقبيه. # ثم الأصل في هذا ونحوه من قوله: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين) أنا لا نصف الله تعالى بالعلم في الخلق، قال: غير الحال التي ~~الخلق عليها؛ لأن وصفنا إياه بالعلم على غير الحال التي عليها الخلق يومئ ~~إلى وصفه بالجهل؛ لأنه لا يجوز أن يقال: يعلم من الساكن في حال السكون ~~حركة، أو السكون في حال الحركة، أو يعلم من الجالس قياما، أو القائم جلوسا. # وكذلك لا يجوز أن يقال: يعلم من العدم موجودا، أو من الوجود معدوما في ~~حال وجوده؛ لأنه وصف بعلم ما ليس، وهو محال. وبالله العصمة. # وقيل: إن كل علم يذكر على حدوث المعلوم يذكر بذكر الوقت للمحدث -بفتح ~~الدال- أي: يسند علمه إلى المحدث بذكر الوقت؛ لئلا يفهم بذكره قدم المعلوم ~~في # PageV01P586 # الأزل. # وإذا وصفنا الله بما هو حقيقة بلا ذكر الخلق مع ذلك نصفه بالذي نصفه به ~~في الأزل لتعاليه عن التغير والزوال وعن الانتقال من حال إلى حال. ولا قوة ~~إلا بالله. # وقوله: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ms0438 هدى الله). # يعني: تحويل القبلة، لكبيرة: ثقيلة، على من كان اتباعه لهواه، دون أمر ~~أمر به، إلا على الذي يتبع أمر الله فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة ~~عليه ولا كبيرة. # وقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) # قال بعض أهل التفسير: إن قوما صلوا إلى بيت المقدس ثم ماتوا على ذلك، ~~فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالوا: ضاعت صلواتهم التي صلوا إليها، إشفاقا ~~عليهم. # لكن هذا بعيد لا يحتمل؛ لأن الذي اعتقد الإسلام من الصحابة، رضي الله ~~تعالى عنهم، وعرف موقع أمر الله وأمر رسوله، لا يجوز أن يخطر ببالهم هذا، ~~أو يعملون لو خطر ببالهم، حتى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلم بالله من أن ~~يجد عدو لله فيهم ذلك؛ ولأنهم قوم يأتمرون بأمر الله وطاعته، ويموتون على ~~التصديق، وعلموا أنهم مؤمنون، ثم يشككون في أحوالهم، لكن إن كان ثم سؤال ~~فهو من اليهود الذين اعتقدوا بطلان التناسخ في الأحكام والشرائع، فكانوا ~~يحتجون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه ينهى عن التفرق ~~والاختلاف، ثم يدعوهم إلى ذلك. أو قوم من الكفرة آذوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأفرطوا في التكذيب له والخلاف والمعاداة، فأرادوا الإسلام، ~~فظنوا أن ما كان منهم من العصيان والتكذيب يمنع قبول الإسلام، فأنزل الله ~~عز وجل: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، لما كان منكم في حال الكفر. # ألا ترى أن آخر الآية يدل عليه. # وقوله: (إن الله بالناس لرءوف رحيم). # أخبر أنه (رحيم) يتجاوز عمن تاب. # أو قوم علموا ألا تناسخ في الدين ولا اختلاف فيه؛ فظنوا أن نسخ الأحكام ~~وتبديلها # PageV01P587 # يوجب اختلافا في الدين وتفرقا فيه. # فنقول: إن الإيمان في الأصل الذي لا يقع على اعتقاد الصلاة إلى جهة دون ~~جهة، بل يقع على الائتمار. فالإيمان من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين، الذين ماتوا كان على اعتقاد الائتمار فهم مؤمنون باعتقاد الائتمار ~~إلى بيت المقدس، مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى الكعبة. فلا تفرق ولا اختلاف ~~في الإيمان، إذ في الأصل به ms0439 وقع الاعتقاد للائتمار. وبالله التوفيق. # ثم قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) تأويله: أي لا يضيع إيمانكم ~~بالصلاة إلى بيت المقدس. ولو كان على الصلاة فهو لوجهين: # أحدهما: أنها إنما قامت بالإيمان، فهو سبب لها، وقد يذكر الشيء باسم ~~سببه. # والثاني: أن اليهود عرفوه إيمانا، فورد الخطاب على ما عندهم معروف؛ ~~كقوله: (فراغ إلى آلهتهم)، لا أن كان ثم آلهة، لكن لما عندهم، وكذلك قوله: ~~(فتبارك الله أحسن الخالقين)، لا أن كان ثم خالق سواه، ولكن لما عرفوا كل ~~صانع خالقا، فخرج على الخطاب على ما عرفوا هم ذلك الأول. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ~~(145) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ~~ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن ~~الله على كل شيء قدير (148) # وقوله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء (144) # قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له. # قوله: (فلنولينك قبلة ترضاها). # قال بعض المفتون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته ~~قبلة اليهود. ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ # PageV01P588 # إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختبار، فلا يحتمل. # ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى ~~بيت المقدس، ولم يؤمر بعد بالتوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء ~~رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن ms0440 يقال: " قبلة ترضاها "؛ لأنها كانت ~~قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها. وهذا جائز في الكلام. يقول ~~الرجل لآخر: أعطيك شيئا ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا ~~التردد. # وقوله: (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). # وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم. # وقوله: (وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم). # يحتمل قوله: (أنه الحق) على وجهين: # أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم ~~يعاندون ويتبعون هواهم. # والثاني: أي علموا بما بين له في كتبهم أن محمدا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأنه حق. # وقوله: (وما الله بغافل عما يعملون). # وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد. والله أعلم. # وقوله: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك (145) # في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~- في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم ~~لكان لهم الاحتجاج على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودعوى الكذب ~~عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن. فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم ~~المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصا. وكان ظاهرا في أهل الإسلام وأهل ~~الكفر جميعا المعنى الذي وصفنا لك. فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم ~~اللفظ عموم المراد. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه في موضع ~~الإخبار بالإياس عن الاتباع له. # ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عز وجل. # وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه ~~والاعتقاد لما يخالف هواه. # (وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض). # PageV01P589 # فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه. # ويحتمل قوله: (وما أنت بتابع قبلتهم)، أي وما لك أن تتابعهم في القبلة، ~~وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر ms0441 الآية على الوعيد له بقوة. # وقوله: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين). # وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي. # ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره. # وقوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم (146) # لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، ~~عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب ~~في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه ~~الحق، دليله قوله: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون). # والكتمان أبدا إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف ~~بالكتمان. # وروي عن عبد الله بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا ~~أدري ما أحدث النساء بعدي. # وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث ~~أخبر أنهم كتموا ذلك. # وقيل: (لا يعلمون): لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفى بذهاب نفعه، وجائز ~~أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال الله عز وجل: (الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ~~ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157). # وقوله: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) # يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره. # ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة ~~لا # PageV01P590 # تمنع النهي عن الشيء. # وقوله: (ولكل وجهة هو موليها (148) # قيل فيه بوجوه: # قيل: " هو موليها " يعني الله موليها، ومحولها. # وقيل: " هو " يعني المصلي، هو موليها. # وقيل: ولى -أقبل وأدبر- (هو موليها) هو مستقبلها. # ويقال في قوله: (ولكل وجهة هو موليها) لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت ~~قبلتها الكعبة. # وقوله: (فاستبقوا الخيرات). # قيل فيه بوجوه: # قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات. # وقيل: (فاستبقوا) هو اسم الازدحام، ms0442 يقول: يبادر بعضكم بعضا بالخيرات. # ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة. والله ~~ورسوله أعلم. # وقوله: (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا). # قيل: أينما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة. # وقيل: (أين ما تكونوا) أي في أي حال كنتم -عظاما ناخرة أو بالية أو ~~رفاتا- يجمعكم الله ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: (وقالوا أإذا ~~كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا ~~(50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة)، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء ~~والإماتة. # وقوله: (إن الله على كل شيء قدير). # من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية. # * * * # قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك ~~وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا # PageV01P591 # وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ~~واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # وقوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام (149) # نقول - والله أعلم -: حيثما كنت من المدائن والبلدان (فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام)، شطره: تلقاءه ونحوه وجهته. # وهذا يبطل قول من يقول؛ إن الحرم قبلة لمن نأى عن البيت، وبعد من أهل ~~الآفاق، حيث أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالتوجه إلى شطر المسجد ~~الحرام حيث ما كانت من البلدان. وبالله العصمة والتوفيق. # وقال الشيخ رحمه الله تعالى: ذكر المسجد، ومعناه موضعا منه عرف ذلك ~~بالفحص من البقاع البعيدة والأمكنة الخفية، لا بالظاهر ولا ذكر وصل البيان ~~به. # وقوله: (وإنه للحق من ربك). # قيل: (وإنه) تحويل القبلة، هو الحق (من ربك). # وقيل: (وإنه) يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم ms0443 -، هو الحق (من ربك) ~~ويحتمل يعني: القرآن هو الحق من ربك. # وقوله: (وما الله بغافل عما تعملون). # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام (150) # على ما ذكرنا. # وقوله: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). # خاطب الكل، وأمرهم بالتوجه إليه حيثما كانوا، حتى لا يكون هو المخصوص به ~~دونهم. # وقوله: (لئلا يكون للناس عليكم حجة) # تأويل هذا الكلام - والله أعلم - أنه لما اختار اليهود ناحية المغرب ~~قبلة، والنصارى ناحية المشرق بهواهم، فأنزل الله عز وجل: (لله المشرق ~~والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط # PageV01P592 # مستقيم)، وقال: فأينما تولوا وجوهكم شطره، فثم وجه الله. فيقطع عذرهم ~~وحجاجهم بما بين في كتب لهم أنه يحولهم. وذلك معنى قوله: (لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة). # وقوله: (إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ~~ولعلكم تهتدون). # ثم اختلف في قوله: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم). # قيل: أراد ب (الناس) أهل الكتاب، وأراد ب "الذين ظلموا" غيرهم من الكفرة. # وتأويله: لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة، ولا الذين ظلموا. # وقيل: (لئلا يكون للناس) يعني أهل الكتاب (عليكم حجة) فيقولوا: ليس هذا ~~الوصف في كتبهم أنه يصلي إلى بيت المقدس وقتا ثم يتحول إلى الكعبة، (إلا ~~الذين ظلموا منهم) يقول: إلا من ظلم منهم عليكم في الكلام بلا حجة ولا دليل ~~فيقولوا: ليس هذا الوصف. ومثل هذا جائز في الكلام، يقول لآخر: ليس لك على ~~حجة إلا أن تظلمني بلا حجة. # وقال الفراء: هذا كما يقول الرجل لآخر: الناس لك حامدون إلا الظالم ~~المتعدي عليك، صواب في المعنى، خطأ في العربية. وذكر بيتا يدل على الجواز. # ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار إلى خليفة إلا دار مروان # بمعنى: ولا دار مروان. # وقيل أيضا: (إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني) على القطع من ~~الأول والابتداء بهذا، أي: لا تخشوا الذين ظلموا في الضرر لكم، ولكن اخشوني ~~في ترككم إياها، وأن يقال: لا تخشوهم بالقتال والغلبة، ms0444 فذلك لهم منه أمن ~~وإظهار على الأعداء، وعلى هذا يخرج قوله: (ولأتم نعمتي عليكم) يعني الأمن ~~من الأعداء، ولا نعمة أعظم من الأمن وإظهار الحق كقوله: (اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي)، قيل: هو الأمن من الأعداء، أو أراد بالنعمة كل ~~نعمة من الإسلام، والنصر، وغيره. # (ولعلكم تهتدون) القبلة. # (ولعلكم تهتدون) الإرشاد والصواب. # PageV01P593 # وقوله: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # (كما) حرف لا يصح ذكره إلا على تقدم كلام؛ إذ هو حرف عطف ونسق، وهو - ~~والله أعلم - كما أرسلنا إليكم رسولا، وأنعم عليكم بمعرفة وحدانيته وبمعرفة ~~محاجة الكفرة وأنعم عليكم بإكرامه إياكم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~كذلك يجب عليكم أن تذكروه وتشكروا له. # ويحتمل على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التفسير: كأنه قال: ~~فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم، وذلك في القرآن كثير. # قال الفراء: يحتمل: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم، فيكون فيه جوابه؛ ~~لذلك جزم، وهذا كقول الرجل: كما أحسنت فأحسن. # وقوله: (ويزكيكم)، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: يأخذ زكاة أموالكم، ~~ففيه زكاتهم. # وقيل: (ويزكيكم) يدعوكم إلى ما به زكاة أنفسكم وصلاحها، وهو التوحيد، وقد ~~ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (ويعلمكم الكتاب) هو القرآن. # (والحكمة)، قيل فيه بوجوه: # قيل: " الحكمة ": الفقه. # وقيل: " الحكمة ": الحلال والحرام. # وقيل: " الحكمة ": السنة. # وقيل: " الحكمة ": المواعظ. # وقيل: " الحكمة ": هي الإصابة؛ ومنه سمي الحكيم حكيما؛ لأنه مصيب. # وقال الحسن: (الكتاب والحكمة): واحد، وهو على التكرار؛ كقوله: (تلك آيات ~~القرآن وكتاب مبين)، وهما واحد. # وقوله: (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) من التوحيد والشرائع، والمحاجة مع ~~الكفرة، # PageV01P594 # وما أكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وما أنعم عليهم من أنواع ~~النعم. # وقوله: (رسولا منكم): خاطب العرب، وذكرهم بما أنعم عليهم من بعث الرسول ~~فيهم ومنهم، وإنزال الكتاب بلسانهم وهم كانوا يتمنون ذلك، كقوله: (لو أنا ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة)، فمن ~~عليهم بذلك، وبه ms0445 استوجبوا الفضيلة على غيرهم، وكفى بهم فضلا، وقوله: ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما ~~جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42). # * * * # وقوله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # قيل: (فاذكروني) قيل: بالطاعة في الدنيا، (أذكركم) في الآخرة بالتجاوز عن ~~سيئاتكم. # وقيل: اذكروني في الرخاء والسعة، أذكركم في الضيق والشدة. # وقيل: اذكروني في الخلوات، أذكركم في ملأ الناس وأذكركم في ملأ من ~~الملائكة. # ويحتمل: اذكروني بالشكر بما أنعمت عليكم، أذكركم بالزيادة عليها. والله ~~أعلم. # وقوله: (واشكروا لي ولا تكفرون)، أي: وجهوا شكر نعمتي إلي، ولا تشكروا ~~غيري. # ويحتمل: (واشكروا لي): أي وجهوا العبادة إلي، (ولا تكفرون): ولا تعبدوا ~~غيري. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين ( ### | 153) # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) ~~ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين (153) # قد ذكرنا تأويل هذه الآية فيما تقدم. # وقوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ~~(154) # قيل فيه بوجوه: # قيل: إن العرب كانت تعرف الموتى من انقطع ذكره، إذا لم يبق له أحد يذكر ~~به من # PageV01P595 # نحو الولد وغيره فيقولون عند موت هؤلاء: إن ذكرهم قد انقطع، فأخبر الله ~~تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنهم مذكورون في ملأ الملائكة. # وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين تعرض على الجنان، وتعرض أرواح الكفرة على ~~النيران، فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لغيرهم من الأرواح. ~~ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم بعرضها على النار ما لا يكون لغيرهم من ~~الكفرة ذلك، فاستوجبوا اسم الحياة بفضل لذة ما يجدون من اللذة على غيرهم. # أخبر عز وجل: أن أرواح الشهداء في الغيب تتلذذ ms0446 مثل تلذذهم على ما كانت ~~عليه في الأجساد في دنياهم هذه. # وقيل: إن الشهيد حي عند ربه، كما عرف في اللغة: أن الشهيد هو الحاضر، ~~أخبر عز وجل أنهم حضور عند ربهم وإن غابوا عنكم. # وقيل: إن الحياة والموت على ضروب: # فمنها: الحياة الطبيعية، والحياة العرضية، والموت الطبيعي، والموت ~~العرضي. # فالحياة العرضية هي اليقظة، وهي الحياة بالدين، كقوله: (أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس)، وكقوله في الحياة بالعلم، إنه ~~ميت بالجهل. # والحياة الطبيعية: هي التي بها قوام النفس. # والموت الطبيعي: هو الذي به فوات النفسي. # والشهادة: هي التي بها اكتساب الحياة في الآخرة، سمي به (حياة). والله ~~أعلم. # ويحتمل قوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات)، أي لا تقولوا ~~(أموات)، لما ينفر طبعكم عن الموت، ولكن قولوا (أحياء) لترغب أنفسكم في ~~الجهاد، إذ هو يرد بحياة الدنيا والدين، مع ما يحتمل أن يكون الله بفضله ~~يجعل لهم ما كان لهم لو كانوا أحياء يعملون. فكأنهم أحياء فيما جعلت لهم ~~حياة الدنيا. والله أعلم. # وقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين (155) # وقوله: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156). # PageV01P596 # وقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). # قوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع (155) وما ذكر فيه تذكير من الله ~~عز وجل للخلق؛ لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر، من المصائب. # وفي كل نوع ما ذكر من المصائب إضمار " شيء "، من نحو (بشيء من الخوف) و ~~(بشيء من الخوف والجوع) والله أعلم؛ لأن الله عز وجل أخبر في غير آية من ~~القرآن: أنه خلقهم للموت والفناء، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها ~~كله للفناء والفوات بقوله: (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، ~~وقال: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8). أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء، فمن عرف ~~أن ذلك ms0447 كله لما ذكرنا يحق عليه ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والنقص في ~~الأموال والأنفس وما ذكر إذ ذلك كله، دون ما ذكر، وليعلموا أن ما أعطاهم من ~~الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق لهم، بل للإفضال والإحسان، وقد ~~جعل ذلك لمدة لا للأبد، فكأنه، في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم، فعرفوا به ~~منته لوقت وحقه وقت الأخذ. # ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين: # على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه. # ويحتمل لا على جهة العبادة، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو ~~الصوم. ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين، وكذلك ~~قوله: (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات)، يحتمل: (ونقص من الأموال) ~~يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة. ويحتمل الهلاك بنفسها، وكذلك (والأنفس) ~~ويحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما. وكذلك (والثمرات). # ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره؛ لأنهم كلهم عبيده، له أن ~~يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم ~~أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك، ليخف ذلك عليهم. والله أعلم. # ثم أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبشر الذين صبروا على المصائب ~~التي امتحنهم بها عز وجل، ولم يجزعوا عليها، وقالوا: (إنا لله وإنا إليه ~~راجعون). فيه الإقرار بوحدانيته عز وجل، وبالبعث بعد الموت. # PageV01P597 # وقيل: إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ لأنه لم يذكر ~~هذا الحرف عن الأمم السالفة؛ ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - على كثرة ما ~~أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه، ولكن قال: ~~(يا أسفى على يوسف)، ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره؛ فدل أنه ~~مخصوص لهذه الأمة. والله أعلم. # وروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " من استرجع عند المصيبة ~~جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضى به ". # ثم الصبر: هو حبس النفس ms0448 عن الجزع على ما يفوت؛ إذ هو كله لله عز وجل ~~مستعار عند الخلق، والجزع على فوت ما لغيره محال؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: ~~(لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال ~~فخور (23). نهانا أن نحزن على ما يفوت عنا؛ إذ هو في الحقيقة ليس لنا، وأن ~~نفرح بما أتانا؛ إذ هو في الحقيقة لغيرنا. والله الموفق. # وقوله: (بشيء من الخوف والجوع)، فهو على إضمار " الشيء " في كل حرف، إذ ~~هو بحق العطف على ما تقدم؛ فكأنه قال: بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع. ولا ~~قوة إلا بالله. # ثم يتوجه ما أخبر من البلوى إلى وجهين: # أحدهما: أن يبلوه بعبادة فيها ما ذكر. # والثاني: أن يبلوه بالذي ذكر لا على عبادة يدفع إليه؛ وذلك نحو أن يبلوه ~~بالجهاد، وفيه الخوف، أو يبلوه بأنواع أوصاب تحل به، فيخاف عند ذلك على ~~نفسه. # والجوع: أن يبلوه بالصيام الذي فيه ذلك، أو بقلة الإتراب وغلاء الأسعار. # ونقص من الأموال: يكون في الجهاد، والحج، والزكوات، والمؤن المجعولة في ~~الأموال، ويكون في الخسران في التجارات، وما يلحق أنواع المكاسب من ~~الحوائج. # والأنفس: يكون بالجهاد، ومحاربة الأعداء، ويكون بأنواع الأمراض. # والثمرات: ترجع إلى قلة الإنزال، وقصور الأيدي عما به ينال، ومفارقة ~~الأوطان للجهاد والحج ونحو ذلك مما فيه. # ثم الله سبحانه وتعالى أخبر أنه يبلوهم بشيء مما ذكرنا، لا بالكل. دل أنه ~~-عز وجل - # PageV01P598 # لم يقطع عليهم كل المخارج، بل جعل لهم في كل نوع من ذلك مسلكا وإن كان في ~~ذلك نقصا وضررا، وجائز بلوغ ذلك تمام ما في كل نوع، لكنه بلطفه قرب إليهم ~~فيما خوفهم وجه الرجاء، وعلى ذلك جميع الفعال ذي المحن أنها مقرونة بالخوف ~~والرجاء، وكذلك هم في أنفسهم. ولا قوة إلا بالله. # ثم إن الله دلهم على ما عليهم من الحق فيما أخبر أنه يبلوهم به بحرف ~~البشارة والوعد الجزيل الذي يسهل بمثله البذل لمن لا حق له، فكيف ومن له ~~كليته ms0449 ذلك؛ فقال الله تعالى: (وبشر الصابرين). ثم وصف الصابرين فقال: ~~(الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) وهدى الله ~~عبده إلى الاعتماد بحرف التوحيد عند المصيبة؛ إذ جعل التوحيد داخلا في ذلك ~~الحرف. # وفيه التبري من أن يكون له في حكم الله تدبيرا ورأى، وبذل النفسي له وما ~~للنفس ليحكم فيها بما شاء. # وقوله: (إنا لله)، كأنه قال: ما لنا فيما ليس لنا حكم ولا تدبير، وأبدا ~~يكون الحكم في كل ملك لمن يملكه. وبمثل هذا يقدر على كف الأنفس عن الجزع ~~وحملها على ما يكره. # وقوله: (وإنا إليه راجعون)، فكأنه يقول إذ إليه مرجعنا، لا فرق أن نرجع ~~إليه جملة أو بالتفاريق، بل في التفريق علينا الإبقاء وفضل القبول منا ~~البعض دون الكل. # وفي ذلك تذكير النفسي عاقبتها ليكون كمن تقدم شيئا مما به قوامه إلى مكان ~~قراوه، وقد انتهى الخبر بالبلوغ. # فمعلوم أن ذلك أطيب لنفسه، وأسكن بقلبه من أن يكون جميع ذلك معه. وبالله ~~التوفيق. وجملة ذلك أن هذه الدنيا أنشئت لا لها ولكن ليكتسب بها الآخرة، ~~وجعل كل شيء منها زائلا فانيا لينال به الدائم الباقي. # فهذا لأن حق كل فيما يصيبه أن يرى الذي أنشيء وما له يسعى، فيعلم أنه بلغ ~~في تجارته غايتها من الربح، وأنه باع الشيء الفاني بالباقي، مع ما كان كل ~~شيء من الدنيا مأوى بآفات الفناء والهلاك، فأبدل المأوى بالذي لا آفة فيه. ~~فيجب في التدبير ألا يعد ذا مصيبة، بل هو أعلى السرور وأرفع الربح، لكن ~~البشر - تجبل على طباع نافرة عن كل ألم جاهل بالعواقب التي لعلها يرغب فيها ~~كل أحد، لا أن ينفر عنها. والله المستعان. # فإن قال قائل: هذا الاسترجاع خص به هذه الأمة؛ إذ قال يعقوب: (يا أسفى ~~على يوسف) الآية. فهو والله أعلم، إن كان فهو موضع التلقين والتعليم أن # PageV01P599 # قولوا ذلك، لا أن هذا المعنى مما يحتمل أن يكون يعقوب لا يحققه، بل حققه ~~بقوله: (فصبر جميل عسى الله أن ms0450 يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم). # وقوله: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86). # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87)، وهو مع ذلك قد كان بما أخبره يوسف، ~~وبما أوحى إليه أنه قد علم أنه لم يهلك بعد، ولم يوجد منه إلى حيث يرجع هو ~~إليه من البعث بعد الموت. ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة (157) قيل: الصلاة من الله عز ~~وجل يحتمل وجوها: # يحتمل: الرحمة والمغفرة. # ويحتمل: الصلاة منه - مباهاته الملائكة؛ جوابا لهم لما قالوا: (أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، كيف قلتم هذا؟ وفيهم من يقول كذا. # وقيل: الصلاة منه: الثناء عليهم. وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء الله عليهم. # وقوله (ورحمة) وقال بعضهم الرحمة والصلاة واحد وهو على التكرار، وقيل: ~~الرحمة: النعمة وهي الجنة. # وقوله: (وأولئك هم المهتدون) # شهد الله عز وجل بالاهتداء لمن فوض أمره إلى الله تعالى، ويسلم لقضائه ~~وتقديره السابق وهو كائن لا محالة؛ كقوله: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا ~~في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). # قال الشيخ - رحمه الله -: قوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف) يبلوهم بالذي ~~كان به عالما ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهي بحق المحنة، وهو كما ~~يستخبر عما هو به خبير، مع ما كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات يكون ~~بالأمر والنهي، فاستعملت في الأمر والنهي، وإن كان لا يخفى عليه شيء، بل هو ~~كما قال: (عالم الغيب والشهادة). ثم له جعل الغيب شاهدا، فجرت به المحنة، ~~ليعلم ما قد علمه غائبا شاهدا، إذ هو موصوف بذلك في الأزل. وبالله التوفيق. # ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة فهو لله في الحقيقة، لكنه ~~بفضله # PageV01P600 # وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه ولي أمره به، فقال: ~~(إن ms0451 الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، وقال: ~~(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا) ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب ~~لهم في البذل لما طلب منهم، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شيء يعدهم عليه، ~~فعلى ذلك قال - عز وجل -: (ولنبلونكم) بالذي ذكر، يدلهم على أن ذلك منه؛ ~~ليعلموا أنه فيما كان وعد الاشتراء منهم، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم، ~~فيخف ذلك عليهم وتطيب به أنفسهم، وأن يكون يذكر أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ~~ليطيبوا أنفسهم به، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم، فيضجرون عند الابتلاء بذلك، ~~وكذا كل خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول، كان ذلك ~~أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يهلمم به، مع ما كان في ذلك خطر ~~بالقلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم، فقدم الله في ذلك البيان ~~ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد، وذلك كقوله: (ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم)، الآية، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس وتطمئن ~~القلوب عليه. # والأصل في هذا: أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد، بل ~~هو امتنان من الله وإفضال منه، وأنه لم ينشئه ولا أحياه نشوء الأبدية ولا ~~حياة السرمدية، فعلى ذلك جميع ما أنعم عليه، وإذا سكن العبد على هذا الذي ~~جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه سهل عليه ذهابه، وطابت به نفسه، مع ما يعلم ~~أنه أنعم عليه لوقت، ثم هو نعمة على غيره ولغيره، فيكون المأخوذ منه في ~~الحقيقة لغيره، وإن كان الله عز وجل ذكره في الابتلاء والمصائب، فهو على ما ~~أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عز وجل. ولا قوة إلا بالله. # ثم بين الله عز وجل ما يكرمهم؛ إذا خضعوا لحكمه ورضوا لقضائه، مع ما دل ~~عليه أيضا بقوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ms0452 الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم. . .) الآية، فقال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون (157)، وقال في موضع آخر: (إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب)، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجرا، ومعلوم أن ~~كان ذلك حقا لله عليهم، بالسابق من نعمه، مع عظم مننه، لكنه سمى ما أفضل به ~~أجرا له، مع ما كان العبد # PageV01P601 # يعمل لنفسه، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر لولا الإنعام منه جل ثناؤه. # ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة: # إحداها: أن عليه صلاته. وصلاته تحتمل مباهاته الملائكة تعظيما لما بذل ~~عبده له، وخضع لحكمه عليه، وهو أن قالوا: (ونحن نسبح بحمدك. . .) الآية، ~~فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة، وخضع لحكمه عليه فيها بالاسترجاع. # ويحتمل: مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله: (ولئن قتلتم في سبيل الله ~~أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون)، (ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من ~~فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل). وقوله: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) إلى ما ذكر من الإفضال. والله الموفق. # ويحتمل ثناؤه ذكرهم في أخبار عباده، كقوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)، وقوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا. . .) الآية. مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا ~~بقوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، وقوله: ~~(والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم). # والثانية: الرحمة. قد يرجع إلى ما ذكرنا، وجائز أن تكون، رحمته هي التي ~~أكرمته بذلك الاسترجاع. # ويحتمل: النعمة، أو رحمة يلقيها في قلوب العباد حتى يحبونه بها، أو خلف ~~يعطيه في الدنيا. # والثالثة: ثم شهد الله لهم بالهداية، وذلك يحتمل: أن يكونوا اهتدوا ~~لدينه، ولما من ms0453 عليهم في المصيبة من التسليم لله. # ويحتمل: الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء. ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) ~~للاسترجاع. وقد روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لم يعط ~~الاسترجاع من كان قبلكم "، # PageV01P602 # فهو على ما بينا من القول به، وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت ~~الصبر، ثم روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الصبر عند ~~الصدمة الأولى ". وقد روي عن أنس، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: " ما من مصيبة وإن طال عهدها فيجدد لها العبد ~~بالاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها كلما استرجع ". # فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة، أو رجع عما كان فرط منه وتاب. # والأول في غير ذلك. والله الموفق. # ثم في الآية وجوه من المعتبر: # أحدها: ما يلزم العبد من المصائب، وما يستوجبه إذا وفى بما عليه. # والثاني: في ذلك بيان أن الصحة، والأمن، وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في ~~الحكمة، لكنها إنعام من الله، وله الابتلاء بأخذه؛ إذ لو كان عليه الأول لم ~~يكن يلزمه الشكر في ذلك. والله الموفق. # والثالث: أن الله تعالى ذكر أنه بلا العباد بالذي ذكر، ومعلوم أن ذلك ~~يجري على أيدي العباد بهم، فأضاف ذلك إلى نفسه. ثبت أن له في ذلك، تدبيرا ~~حتى يبلوهم به. والله أعلم. # وفيه أن الله تعالى قال: ونبلوكم بكذا، ولم يكن كان يومئذ ثم كان ذلك، ~~وكذلك قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم. . .) الآية. ثم بلوا بذلك ليعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- علم ذلك بالله، وتبين أيضا أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق ويقتضي ~~القرار في الطبع، لم يحتمل أن يجيزهم به لولا الأمر به وطاعة الله في ذلك. # وأيضا أنه ذكر الخوف فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد، ms0454 وكذلك ~~قوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، فعلى ذلك، الرجاء والطمع وجملته أن ~~أمر # PageV01P603 # الدنيا محمول كله على أسباب، لا أنها توجب ولكن الله تعالى أجرى أحكامه ~~عليها، فيكون الخوف والرجاء في التحقيق من الله تعالى أن يكون جعل ذلك ~~سببا. والله الموفق. # وأيضا: أن يعلم أن المصائب في الدنيا ليست كلها عقيب الآثام، بل لله ~~تعالى الابتلاء بالحسنات والسيئات، أيضا لا يدل على وهن عقد المصائب، ولا ~~زلة بلي بها. وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل، عليهم السلام، ولكن على وجهين: # أحدهما: أن يكون الله تعالى يريد أن يحمي وليه لذات الدنيا لينالها موفرة ~~في الآخرة. # والثاني: أن يكون لهم بعده زلات لا يسلم عنها البشر، فيبتلوا، فيبعثوا ~~يوم القيامة ولا زلة بقيت مما يجزيهم تلك. ولا قوة إلا بالله. وإنما كذلك ~~جعلت لمحنة. # * * * # قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) # قال دل: قوله: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم). # دل أن صعودهما من اللازم في نسكه، وكذلك صعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الصفا وقال: " نبدأ بما بدأ الله "، وقد قال الله تبارك وتعالى: ~~(فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) الآية، ولم يقل: ~~بينهما. فمن لم يصعد الصفا والمروة فلم يطف بهما، مع ما قال الله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله)، وفي ترك صعودهما إحلال شعائر ~~الله، إذ قد بين الله أنهما (من شعائر الله). وما روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - طاف بينهما على ناقته، ومعلوم أن ناقته لا تصعدهما، فهو ~~عندنا للعذر فعل ذلك، وإلا فإنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه صعدهما واستقبل البيت وقال: نبدأ بما بدأ الله. # دليل ذلك ما روي ms0455 عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه طاف بينهما على ناقته ~~وبالبيت لعذر به. # ولا يحتمل أيضا أن يكون بغير عذر وهو الملقب بالسعي؛ لما فيه من فعل ~~السعي، والراكب لا يسعى. # PageV01P604 # وقال الشافعي: روي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طاف بالبيت وبين الصفا والمروة على ناقته ليرى الناس. # وقال: خبر جابر أولى من خبر ابن جبير؛ فكأنه وقع عنده أنه عن ابن جبير. ~~وذلك عن ابن جبير عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، وهو أولى؛ لأن العذر ~~كامن لا يعرف بالنظر من بعد، وإنما يعرف بالتأمل، أو بالخبر من عند ذي ~~العذر، وعلى هذا خرج خبر ابن عباس، رضي الله عنه، على أن خبر جابر لو صح ~~على ما يروى فهو لما ذكر أنه " يرى الناس، فكأنه أراد أن يعلمهم، وذلك ~~كالتعليم منه، والتعليم عليه لازم، فهو بتركه يلام عليه، فذلك عذر. والله ~~أعلم. # والثاني: أنه يجوز أن يكون فعله ذلك ليس هو فعل ما كان عليه، أنه كيف كان ~~يفعله؛ فكان ذلك لمكان الدلالة للخلق بذلك هو الأمر المتوارث من صنيع الحج ~~والعمرة، أن الأولى يفعلون ما يفعل الحاج، لا على فعل الحج، ولكن على ~~التعليم؛ فعلى ذلك أمر المروي عنه - صلى الله عليه وسلم -. والله أعلم. # ثم اختلف في الطواف بينهما بعد ما قيل: إن الجناح فيه لوجهين: # أحدهما: ما قيل: كان بالصفا صنم وبالمروة صنم فيخرجوا لمكانهما. # وقيل: كان بينهما أصنام، لذلك كان يخرجهم. # ثم قال الشافعي: إن السعي بينهما مفروض، حتى لو ترك الحاج خطوة منه وأتى # PageV01P605 # أقصى بلاد المسلمين أمر بالعود ليضع قدمه موضعها ويخطو تلك الخطوة. # واحتج بما روت صفية بنت فلان أنها سمعت امرأة سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك، فقال: " إن الله كتب عليكم السعي بين الصفا والمروة ~~فاسعوا ". وهو يأتي مرة بقبول المراسيل لتوهم الغلط، ومرة يحتج بامرأة لا ~~يعرف ولا يذكر اسمها. # والوجه فيه إن ثبت وصح أن ms0456 الكتاب يحتمل غير ما قاله. وهو أن يقال: (كتب) ~~أي حكم، كقوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين)، وقوله: ~~(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)، قيل: به حكم الله ~~عليكم. # وقال آخرون: ليس بفرض ولا لازم. # واحتجوا بما ذكر في حرف أبي: " لا جناح عليه أن لا يطوف بينهما "، ولا ~~يذكر ذلك في شيء واجب. # والثاني: إن هذه اللفظة لفظة رخصة، ولا يرخص بترك ما هو فرض أو لازم. # ثم الجواب عن الحرف الأول أن اللات ربما تزاد وتنقص، ولا يوجب زيادتها ~~ونقصانها تغير حكمها، كقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا)، أي: لا تضلوا. ومثل ~~هذا كثير في القرآن. # والثانى: ما ذكرنا أن المسلمين كانوا يتحرجون عن الطواف بينهما لمكان ~~الأصنام. فبين عز وجل أن لا حرج عليهم في ذلك، لا أن ليس الجناح يدفع الحرج ~~في تركه. # وأما عندنا: فهو لازم؛ لأنه نوع ما لا يتبرع به، والأصل عندنا: أن ما لا ~~يتبرع به يخرج الأمر به مخرج الوجوب واللزوم؛ كالطواف، وسجدة التلاوة، ~~وكالوتر، والأضحية وغيره. # وقد روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: " ما تم حج امرئ قط ~~إلا بالسعي ". فهو وصف بالنقصان لا وصف بالفساد، وفرق بين التمام من النقص ~~وبين # PageV01P606 # الجواز من الفساد. # وقوله: (فإن الله شاكر عليم). # قيل: (شاكر)، أي يجزيهم جزاء الخطير بعمل اليسير. # وقيل: يقبل القليل ويعطي الجزيل. وهو واحد. # عامل الله عز وجل بكرمه ولطفه عباده معاملة من لا حق له في أموالهم ~~وأنفسهم؛ حيث وعد قبول اليسير من العمل، وإعطاء الجزيل من الثواب؛ وحيث طلب ~~منهم الإقراض، ووعد لهم العظيم من الجزء، كمن لا حق له فيها، بقوله: ~~(وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ~~وأعظم أجرا)، وحيث خرج القول منه في الابتلاء والامتحان مخرج ms0457 الاعتذار لهم ~~كأن لا حق له فيها، بقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف. . .)، ثم بشرهم ~~بالجنة بما صبروا على أخذ ما له أخذه، وذلك من غاية اللطف والكرم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين ~~تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~(161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # وقوله: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). # قيل: (البينات) وهي الحجج، أي كتموا ما أنزل الله من الحجج التي كانت في ~~كتبهم. # وقيل: كتموا ما بين في كتبهم من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته. # وجائز أن يكون (البينات) وما بين للخلق مما عليهم أن يأتوا ويتقوا من ~~الأحكام من الحلال والحرام. # وقوله: (والهدى). # قيل: الصواب والرشد. # وقيل: (والهدى) ما جاءت به أنبياؤهم من شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ودينه وأمروا من هديه من # PageV01P607 # تصديقه وقيل: كتموا الإسلام ومن دين الله كتموا محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. # وقوله: (من بعد ما بيناه للناس في الكتاب) اختلف في الناس. # قيل: هم اليهود كتموا بعد ما بين لهم. # وقيل: بينا للمؤمنين ما كتمهم اليهود من نعته ودينه. # ويحتمل: البيان بالحجج والبراهين. # ويحتمل: البيان بالخبر، أخبر المؤمنين بذلك. # وقوله: (أولئك يلعنهم الله)، قال بعض أهل الكلام: اللعن: هو الشتم من ~~الله تعالى، لكنا لا نستحسن إضافة لفظ الشتم إليه؛ لأن المضاف إليه الشتم ~~يكون مذموما به في المعروف مما جبل عليه الخلق. ونقول: اللعن: هو الطرد في ~~اللغة، طردهم الله عز وجل عن أبواب الخير. # وقوله: (ويلعنهم اللاعنون)، يعني الداعين عليهم باللعن، سموا بذلك " ~~اللاعنين ". # ويحتمل: تستبعدهم عن الخيرات وأنواع البر. # وقيل: (اللاعنون) هم البهائم، إذا قحطت السماء، ms0458 وأسنت الأرض قالت ~~البهائم: منعنا القطر بذنوب بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم. # وقوله: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا (160) # قيل: (تابوا) عن الشرك، و (وأصلحوا) أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، و ~~(وبينوا) صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: (إلا الذين تابو) عن الكتمان، و (وأصلحوا) ما أفسدوا بالكتمان، و ~~(وبينوا) ما كتموا. # وقوله: (فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم). # قيل: يتوب عليهم: يقبل توبة من يتوب. # وقيل: يتوب عليهم، أي: يوفقهم على التوبة. # وقيل: (الرحيم): هو المتجاوز عن ذنبهم في هذا الموضع. # PageV01P608 # وقيل: الكاشف عن كربهم. # وقوله: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين (161) # قيل: لعنة الله، هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها. # ولعنة الملائكة قوله: (أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات)، جوابا لما سألوهم ~~من تخفيف العذاب، كقوله: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف ~~عنا يوما من العذاب)، وكقوله: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)، ~~فتقول لهم الملائكة: (اخسئوا فيها ولا تكلمون)، هذا ما قيل من لعنة ~~الملائكة. # وقيل: لعنة الناس أجمعين، أنهم لما طلبوا من أهل الجنة: الماء بقوله: ~~(ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين)، هذا لعنة الناس. والله أعلم. # وقوله: (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # قيل: لا يقالون ولا يردون إلى ما تمنوا، كقوله: (هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من ~~شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل). # وقيل: لا ينظرون ولا يؤجلون. # وقيل: لا يناظرهم خزان النار بالعذاب. # * * * # قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في ~~خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث ~~فيها من كل ms0459 دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات ~~لقوم يعقلون (164). # وقوله: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم). # ذكر هذا الاسم؛ لأن كل معبود يعبد عند العرب يسمون إلها؛ كقوله: (فراغ ~~إلى آلهتهم)، وكقوله (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)؛ لهذا ذكر أن إلهكم الذي ~~يستحق الألوهية والعبادة واحد بذاته، لا واحد من جهة العدد بالخلق ذي أعداد ~~وأزواج وأشكال، بل واحد بذاته وبجلاله وعظمته وارتفاعه وتوحده عن شبه # PageV01P609 # الخلق وجميع معايبهم. يقال: فلان واحد زمانه. يراد لارتفاع أمره وعلو ~~مرتبته، لا بحيث العدد، إذ بحيث العدد مثله كثير. # وقوله: (وإلهكم إله واحد)، فيه إثبات إله واحد، وفي قوله: (لا إله إلا ~~هو) ونفى غيره من الآلهة. # فإن قيل: لم كان هذا دليلا؟ وهو في الظاهر دعوى. # قيل له: دليل وحدانيته في قوله: # (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) # خلق السماوات وجعل فيها منافع، وخلق الأرض وجعل فيها منافع للخلق، ثم جعل ~~منافع السماء متصلة بمنافع الأرض لبعد ما بينهما؛ إذ لا منفعة للخلق في ~~منافع إحداهما إلا باتصال منافع الأخرى بها من نحو ما جعل من معرفة الطرف ~~في الأرض بالكواكب، وإنضاج الأعناب والثمار وينعها بالشمس والقمر، وجعل ~~إحياء الأرض وإخراج ما فيها من النبات من المأكول والمشروب والملبوس ~~بالأمطار؛ فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر وتعلقها به على أن منشئهما واحد؛ ~~لأنه لو كان من اثنين لكان إذا قطع هذا وصل الآخر، وإذا وصل هذا قطع الآخر. ~~فإذ لم يكن، ولكنه اتصل، دل أنه فعل واحد، فهو ينقض على الثنوية والزنادقة ~~قولهم. # وكذلك يدل اختلاف الليل والنهار على أن خالقهما واحد؛ لأنه لو كان اثنين ~~لكان إذا أتى هذا بالليل منع الآخر بالنهار، وإذا أتى أحدهما بالنهار منع ~~الآخر بالليل. ms0460 # وفيه ذهاب عيش الخلق، وفي ذهابه تفانيهم وفسادهم. فدل أنه واحد. # والثاني: أنه جعل للخلق في الليل والنهار منافعا، وجعل بعضها متصلة ببعض ~~متعلقة مع تضادهما، كقوله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله). فدل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع اختلافهما وتضادهما ~~أن محدثهما واحد. # وفيه دلالة حدوث العالم؛ لما ذكرنا من تغييرها وزوالها من حال إلى حال. ~~فدل تغييرها وزوالها على إنما حدث زوال مثل هذه الأشياء بابتدائها وعجزها ~~على قدرة مثلها على أن لها محدثا. # PageV01P610 # والثاني: أن كل واحد منهما، أعني الليل والنهار، يصير بمجيء الآخر ~~مغلوبا، فلولا أن كان ثم لغير فيه تدبير، وإلا ما احتمل أن يصير مغلوبا بعد ~~ما كان غالبا، فدل أن لهما محدثا، وأنه واحد. # فيه دلالة البعث والحياة بعد الموت؛ لأن الليل يأتي على النهار فيتلفه ~~ويذهب به حتى لا يبقى فيه من أثر النهار شيء، وكذلك النهار يأتي على الليل ~~فيتلفه حتى لا يبقى من أثر الليل شيء. ثم وجد بعد ذلك كل واحد منهما على ما ~~وجد. في النشوء من غير نقصان ولا تفاوت. فدل أنه قادر على إنشاء ما أماته ~~وأتلفه، وإن لم يبق له أثر، على ما قدر من إيجاد ما أتلف، وإنشاء ما أذهب ~~من الليل بالنهار، ومن النهار بالليل، وإن لم يبق له أثر. # وقوله: (واختلاف الليل والنهار)، وقيل: اختلافهما وما جعل أحدهما مظلما ~~والآخر مضيئا. # وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ماينتقص من أحدهما يزداد في ~~الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين ~~لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وبالله التوفيق، ولتغير ~~التدبير، ولا يجري كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول. # وقوله: (والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس) فالآية تنقض على ~~المعتزلة قولهم؛ لأنه عز وجل جعل الفلك التي تجري في البحر من آياته. ~~والمعتزلة جعلوها من آيات البحارين؛ لأن الفلك قبل أن يعمل فيها وينحت لا ms0461 ~~تسمى فلكا، ولكن يسمى خشبا، فلو لم يكن عمل العباد وفعلهم فيها من مصنوعه ~~ومخلوقه، لزال به موضع الحجاج وتسميته باسم الآيات؛ فدل أن له فيها صنعا ~~وتقديرا حيث صار من عجيب آياته. # ثم فيه أعجوبة، وهو أن الطباع تنفر من مغافصة البحر بالاطلاع على أمواجهه ~~وأهواله، وأراهم من عظم آياته مما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع ~~لهم؛ فدل أنه من عند قادر لطيف خبير. # وفيه أيضا دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ~~ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بعد ما بينهما وتضادهما؛ فدل أن ~~محدثهما واحد. # ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل ~~المؤنات. # وفي ذلك دلالة النبوة؛ لأن يعلم أن اتخاذ السفن وبما فيه من المنافع لا ~~يقوم له تدبير البشر، ثبت أنه علم ذلك ممن علم جواهر الأشياء، وما يصلح ~~الأشياء وما لايصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر. # PageV01P611 # وقوله: (وما أنزل الله من السماء من ماء)، وفيه دلالة فضل العلوي على ~~السفلي؛ لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذبا، وما يخرج من الأرض يخرج ~~مختلفا: منه ما هو عذب ومنه ما هو أجاج، ومنه ما هو مر. فدل ذا على فضل ~~العلوي على السفلي. # وقوله: (فأحيا به الأرض بعد موتها)، قد ذكرنا هذا أن فيه دلالة البعث. # وقوله: (وبث فيها)، قيل: خلق. # وقيل: بسط. # وقيل: فرق. # (من كل دابة). # قيل: جعل فيها من كل جوهر الدابة. # منها: ما جعل مأكولا منتفعا بها من كل أنواع المنافع؛ ليدلهم وليرغبهم ~~على ما وعد لهم في الجنة. # ومنها: ما جعل غير مأكولة ولا منتفع بها، بل جعلها أعداء لهم ليدلهم على ~~تحذير ما أوعدوا وحذروا في النار. # وقوله: (وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض) يحتمل وجهين: ~~يحتمل: تصرفها مرة للعذاب، ومرة للمنافع؛ لأنه جعل فيها منافع كثيرة للخلق: ~~بها تجري السفن في البحار، وبها تنشر السحاب في الهواء، وبها تنتفي ~~الأشياء، وبها يتميز ما ms0462 للخلق مما للدواب مما يكثر ذلك. ثم يعلم من عظم ~~لطفه أنه جعل الهواء بحال لا يقر فيها شيء وإن لطف، والسحاب مع غلظه ~~وكثافته جعل الهواء مع لطافتها ورقتها مقرا للسحاب حتى يعلم أن ليس لغير ~~الله فيه تدبير. # ويحتمل: (وتصريف الرياح) صرفه إياها مرة صباء، ومرة دبورا، ومرة جنوبا ~~ومرة نسيما، ومرة يمينا، ومرة شمالا للمنافع. # ثم فيه دلالة أنها من الأجسام، لا من الأعراض؛ لأنه جل وعز جعلها ماسة ~~مانعة لا صارعة من قام في ناحيتها، وذلك صفة الأجسام، لا صفة الأعراض، لكن ~~لا ترى للطافتها؛ فدل أنها من الأجسام ما لا يرى ولا يمس، كالهواء لا يرى ~~ولا يمس وهو من الأجسام، وكالذرة التي في الشمس ترى ولا تمس. # PageV01P612 # ثم دلهم - عز وجل - أن الذي سخر السحاب بالرياح التي جعلها في الهواء، ~~وبما فيها من المنافع التي تقدم ذكرها، على أن مدبرهما واحد؛ إذ لو كان ~~التدبير من عند اثنين لأوجب التناقض في التدبير والصنعة، إذ يجعل كل منهما ~~على خلاف ما جعله الآخر، ويتدبر كل منهما لينقض تدبير الآخر. # وفي اتساق التدبير وإتقان الصنعة وإحكامها دليل أن إلهكم هو الواحد الذي ~~دعتكم هذه الأشياء إلى الإقرار بوحدانيته، وألزمتكم العبودية له بما أودع ~~له في كل هذه المصنوعات من أدلة وحدانيته وآيات ربوبيته؛ ولهذا قال: (لآيات ~~لقوم يعقلون) ليعتبروا ما فيها من الأدلة والحجج؛ إذ من لا يعقل جهة الحكمة ~~في خلق هذه الأشياء: مم خلقت؟ ولماذا خلقت؟ وما الحكمة فيها؟ يستوي عليه ~~خلقها وغير خلقها. # ثم فيه دلالة أن ما خلق من السماوات والأرض، والليل والنهار، والرياح ~~والسحاب، خلقها ليدلهم على وحدانيته وربوبيته، وجعلها مسخرة مذللة لهم. ~~وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال ms0463 الذين اتبعوا لو أن لنا كرة ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار (167). # وقوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله). # قيل فيه بوجوه: # قيل: (يتخذ) يعبد (من دون الله). # وقيل: (يتخذ من دون الله أندادا) في التسمية. يعني: يتخذ الجواهر التي ~~تصاغ أو تنحت ونحو ذلك، مما يتعلق كونهم بصنيعهم، يسفههم بهذا، أنهم تركوا ~~عبادة من به قامت لهم كل نعمة، وسلم لهم كل خير، وعبدوا ما قد اتخذوه ~~بالمعالجات ولا قوة إلا بالله. # وقيل: (يتخذ من دون الله أندادا)، أي أشباها في التسمية، أو أعدالا في ~~العبادة، أو شركاء في الحقوق كقوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا # PageV01P613 # هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا. . .) الآية، يسفههم بما عبدوا ما قد صنعوه ~~بالصناعة أو النحت، وزينوا بأنواع الزينة، وعلموا أنه لا يملك شيئا، ~~وأعرضوا بذلك عن عبادة من عرفوه بشهادة جميع العالم به ألهم وعلموا أنه لا ~~يملك شيئا مما عبدوه ضرا ولا نفعا، بل لو كان يجوز العبادة لغير الله لكان ~~أولئك الذين اتخذوا أولى من المتخذين. # ثم بين عظم سفههم: علمهم بجهلها بعبادتهم، وعجزها عن الدفع عنها، ثم ~~قاموا بنصرها والدفع عنها سفها بغير علم. # وقوله: (يحبونهم كحب الله). # قيل: يحبون عبادة الأنداد وطاعتهم كحبهم عبادة الله وطاعته؛ لأنهم ~~يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ويقولون: (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله). # وقيل: يحبون عبادة الأنداد كحب المؤمنين عبادة ربهم. # وقيل: يحبون آلهتهم كما يحب الذين آمنوا ربهم. # ثم قال: (والذين آمنوا أشد حبا لله) منهم لآلهتهم. # قيل: (والذين آمنوا أشد حبا لله) أي: أشد حبا لأجل الله. # وقيل: أي أشد اختيارا لطاعته، وأكثر ائتمارا وإعظاما وإجلالا لأمره من ~~إعظامهم وإجلالهم آلهتهم. والله أعلم. # (والذين آمنوا أشد حبا لله) أي لعبادته منهم لعبادة الأوثان من حيث لا ~~يؤثر المؤمن على عبادة الله، أعني في الاختيار لا فيما يوجد من ظاهر ~~الأحوال في ms0464 الدارين جميعا، وهم يتركون عبادة الأوثان بوجود ما هو أعجب منها ~~أو بأدنى شيء من متاع الدنيا. # ثم المحبة -محبة الشهوة والميل إليها، وهو في الخلق، لا يحتمل في الله، ~~ومحبته- الطاعة وإيثار الأمر والإعظام، فهو في الله يحتمل. # وبعد فإن الحب يخرج على الثناء، وعلى العبادة والطاعة، وعلى التبجيل ~~والتعظيم، وقد يخرج على ميل القلوب، فحب الكفرة هذا، وهو حب الجسداني به ~~الذي يولده # PageV01P614 # الشهوة أو يستحسنه البصر. # وحب الله من المؤمنين من هذين الوجهين فاسد، بل همو من الوجوه التي ~~ذكرنا، وقد كان حب الهيبة والرغبة؛ إذ علموا النعم كلها من الله تعالى، ~~وعلموا أن السلطان والعزة لله ولا أحد ينال شيئا من ذلك إلا بالله، فأوجب ~~ما عنده من النعم الرغبة، وما له من السلطان الهيبة. فذلك طريق حب المؤمنين ~~مع ما ظهر من أياديه التي لا تحصى وأفضاله التي لا تحاط، والعلم بهما موجبا ~~تعظيم الأمور والمبادرة بالقيام بها مع الأدلة المظهرة تعاليه عن تقدير ~~العقول وتصوير الأوهام. فيكون حبه في الحقيقة في تعظيم أموره، وحسن صحبة ~~نعمه، ومعرفة حقوقه، لا في توهم ذاته، وإشعار القلب ما يعقله ليرجع المحبة ~~إلى ذلك، بل هو فيما ذكرت؛ ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقول لهم: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)، ~~وهو أن من أحب آخر محبة الجلال والرفعة عظم رسوله وانقاد لما يدعوه إليه ~~وإن كان في ذلك هلاكه، وتعظيما لأمره وتبجيلا، فكيف فيما نجاته وفوزه في ~~الدارين. والله الموفق. # وقوله: (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب). # قوله: (يرى) قرئ بالياء والتاء جميعا. # ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: ولو ~~ترى الذين ظلموا يا محمد: شهدوا لك: (أن القوة لله جميعا). # ومن قرأ بالياء، يقول: ولو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذا رأوا العذاب ~~يعلمون أن القوة لله جميعا. # ويحتمل: لو علم الذين ظلموا إذا ms0465 علموا عذاب الآخرة يعلمون أن القوة لله ~~جميعا، # ويحتمل: المراد من قوله: (يرى)، أي: يدخل، كقوله: (وبرزت الجحيم لمن يرى) ~~أي لمن يدخلها ويصليها. # وقوله: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب (166) # (الذين اتبعوا) يعني: الرؤساء، (من الذين اتبعوا) يعني: الأتباع والسفلة، ~~تبرأ بعضهم من بعض العبادة من الأتباع من القادة، وهو كقوله: (قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا # PageV01P615 # هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~(38). وقوله: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون)، وكقوله: (يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين)، وقوله: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل ~~مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)، وقوله: ~~(قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل ~~كنتم مجرمين)، وكقوله: (يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين). # وقيل: (إذ تبرأ الذين اتبعوا)، يعني: الشياطين، (من الذين اتبعوا) يعني: ~~الإنس. # وقيل: يبرأ الله كلا غدا أن أوثانهم لن تغني عنهم شيئا، ولا شركاؤهم ~~الذين أضلوهم، ولا أشرافهم شغلوا عنهم حين عاينوا النار. # وقوله: (وتقطعت بهم الأسباب). # قيل: (الأسباب) والأرحام والأنساب؛ كقوله: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، وكقوله: (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه ~~وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37). # وقيل: (وتقطعت بهم الأسباب) يعني العهود والأيمان التي كانت بينهم في ~~الدنيا. # وقيل: تواصلهم في الدنيا وتوادهم لم ينفعهم شيئا؛ لأنهم كانوا يتواصلون ~~ويتوادون في الدنيا رجاء أن ينفع بعضهم بعضا؛ كقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين). # وقوله: (وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ~~كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) # وقوله: (كذلك يريهم الله أعمالهم) التي لم يريدوا الله بها. # (حسرات عليهم)، أي: حسرة عليهم وندامة. # PageV01P616 # وقيل: كل عمل عملوه أرادوا به ms0466 غير وجه الله، كان ذلك عليهم حسرة يوم ~~القيامة. # وقيل: أعمالهم التي عملوها في الدنيا تصير حسرات عليهم حين يرفع الله لهم ~~الجنة، فينظرون إلى مساكنهم التي كانت لهم، وبأسمائهم لغيرهم، وبأسماء ~~غيرهم لهم. # قال: وهذا عندي لا يصح أن يجعل الله لأحد نصيبا في الجنة ثم يحرمه، ولكن ~~هذا على أصل الوعد -وعد من أطاع الله الجنة، ومن عصاه النار- فهو على أن ~~هؤلاء لو أطاعوا كان لهم نصيبا في الجنة، وهؤلاء لو عصوا كان لهم نصيبا في ~~النار. # أو يكون ذكر النصيب لهؤلاء في الجنة هو الذي ادعوه لأنفسهم كما قالوا: ~~(لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، فيحرمون ونورث عنهم ما ذكروا ~~أنه لهم في الجنة؛ كما قال الله تعالى: (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من ~~العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80). # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) # وقوله: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) # قيل فيه بوجوه: # قيل: إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو البحائر، ~~والسوائب، والوصائل، والحوامي، فيقولون: حرم الانتفاع بها؛ فأنزل الله ~~تعالى فقال: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) وانتفعوا بها؛ فإن الله لم ~~يحرمها عليكم، كقوله: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103). # وقيل: خلق في الأرض ما هو حلال وما هو حرام؛ فأباح التناول من الحلال ~~ونهى عن الحرام. # وقيل: إن قوما يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ~~ويتناولون من الدرن والرثة، فنهوا عن ذلك. # ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكن ما تطيب النفس من التناول؛ ~~لأن # PageV01P617 # النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن إنما تطيب بما هو لها ألذ ms0467 ~~وأوفق. والله أعلم. # وعلى ذلك قوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. . .) الآية. فيكون ~~كأنه الذي في الأرض حلالا وحراما، ثم فما حل طيب دون ما حرم. فأمر بأكل ما ~~طاب من ذلك إذا قدر عليه؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك ~~يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه، والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به ~~النفس. والله أعلم. # واختلف في قوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان خطوات الشيطان). # قيل: آثار الشيطان. # وقيل: وساوس الشيطان. # وقيل: سبل الشيطان؛ كقوله: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله). # فهو يرجع إلى واحد. # وقوله: (إنه لكم عدو مبين)، وذكر في موضع آخر، وسماه وليا بقوله: ~~(أولياؤهم الطاغوت). فالوجه فيه أنه يريهم في الظاهر الموالاة ولكنه يريد ~~في الباطن إهلاكهم، فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو. # وجائز أن يكون (أولياؤهم)، أي هو أولى بهم إذ عملوا ماعملوا بأمره، أو ~~أولياؤهم بما وافقوهم في الفعل، وشاركوهم في الأمر، وكانوا في الحقيقة لهم ~~أعداء، إذ ذلك هلاكهم. ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا)؛ لأنه يوسوس ويدعو فإن أطاعه -وإلا ~~ليس له عليه سلطان سوى ذلك- فهو ضعيف؛ لأن من لا ينفذ على رعيته سوى قوله ~~فهو ضعيف، يوصف بالضعف - والله أعلم - ولكون ضعيفا على من يتأمل مكائده ~~ويتحفظ أحواله. # وقوله: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء (169) # قيل: يحتمل: أن يكون السوء هو الفحشاء، والفحشاء هو السوء. لما أن كل ~~واحد # PageV01P618 # منهما يشتمل على كل نوع من الآثام. # ويحتمل: أن يكون السوء ما خفي من المعاصي، والفحشاء ماظهر منها. # وقيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد من نحو الزنى وشرب # PageV01P619 # الخمر وغيره. # PageV01P620 # وقيل: الفحشاء ما فحش في العقل، والسوء ما ينتهي بالنهي عنه. # وقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). # يخرج على الأول، وهو السوء والفحشاء، يأمرهم بذلك ms0468 فيقولوا: الله أمرنا ~~بها. # ويحتمل قوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) ما قالوا: إن الله حرم ~~هذه الأشياء، أو القول على الله ما لا يعلمون بما لا يليق به من الولد ~~وإشراك غيره في عبادته. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ~~(171) # وقوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أن آباءهم كانوا أوصوهم ألا يفارقوا دينهم الذي هم عليه، فقالوا ~~عند ذلك: لا ندع وصية آبائنا، كقوله: (أتواصوا به بل هم قوم طاغون). # أو كانوا قوما سفهاء أصحاب التقليد، فقالوا: إنا قلدنا آباءنا، فلا نقلد ~~غيرهم. # وقوله: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون). # يخرج هذا الكلام على وجهين: # أي: تقلدون أنتم آباءكم وإن كانوا لا يعقلون شيئا. # ويحتمل: (أولو كان)، أي: وقد كان آباؤكم لا يعملون شيئا فكيف تقلدونهم؟ ~~وهو كقوله: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم)، أي وقد جئتكم. ~~أو أن يقال: من جعل آباءكم قدوة يقتدى بهم؟ # وقوله: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ~~(171) # قيل فيه بوجهين: # قيل: مثلنا (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق) أي يصوت (بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء) يسمعون الصوت ولا يفهمون ما فيه. # PageV01P621 # وقيل: (ينعق) بمعنى ينعق، ذكر الفاعل على إرادة المفعول؛ كقوله: (عيشة ~~راضية) أي مرضية. فعلى ذلك الأولى، وهو في اللغة جائز جار. # وقوله: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون). # سماهم بذلك وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ لما لم ينتفعوا بها، إذ ~~الحاجة من هذه الأشياء الانتفاع بها؛ ولذلك سماهم سفهاء لما لم ينتفعوا ~~بعلمهم وعقلهم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا ms0469 لله ~~إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ~~(173) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم). # يتوجه وجهين: # أحدهما: الإذن في الأكل ما تستطيبه النفس وتتلذذ به، ليكون أرضى وأشكر ~~لله فيما أنعم عليه، ويكون على إرادة الحلال بقوله: (طيبات)، فيكون في ~~الآية دليل كون المرزوق حلالا وحراما، إذ قيل: " من ذا "، ولم يقل: " كلوا ~~ذا "، ولو كان كل الرزق حلالا لكان يقول: " كلوا مما رزقناكم ". والله ~~أعلم. # ثم حق المحنة التمكين مما يحرم ويحل، ومما ترغب إليه النفس وتزهد. فجائز ~~جميع ذلك كله في الملك وفي الرزق ليمكن لكم من الأمرين بالمحنة، إذ ذلك حق ~~المحنة. # والله الموفق. # وقوله: (كلوا من طيبات ما رزقناكم)، يدل على أن الذي كان لهم الأكل ~~وأمرهم بالتناول منه هو الحلال. # ثم فيه الدليل على أن من الرزق ما هو طيب حلال، وما هو خبيث حرام؛ إذ لو ~~لم يكن منه طيب وخبيث لكان لا يشترط فيه ذكر الطيب، بل يقول: " كلوا مما ~~رزقناكم ". # فإن قيل: فما وجه الحكمة في الامتحان بجعل الخبيث رزقا لهم؟ # قيل: هذا أصل المحنة في كل شيء، يجعل لهم الغذاء؛ فلا يأمرهم بالامتناع ~~عنه، ويجعل لهم قضاء الشهوة في المحرم ويأمرهم بالكف. وهو الظاهر من المحن. # وقوله: (واشكروا لله). # PageV01P622 # على ما أباح لكم من الطيبات. # وقوله: (إن كنتم إياه تعبدون) # أي: إن كنتم منه ترون ذلك. # ويحتمل: (إن كنتم إياه تعبدون) وأي إياه توحدون. # ويحتمل: (إن كنتم) وممن تعبدونه -إياه تقصدون- فاجعلوا عبادتكم له خالصة، ~~لا تعبدوا غيره ليكون له. ولا قوة إلا بالله. # وقيل: " إن " بمعنى: إذ آثرتم عبادته فاشكروا له. # ويحتمل قوله: (واشكروا لله) على جميع ما أنعم عليكم من الدين، والنبي، ~~والقرآن وغير ذلك من النعم، أي: كونوا له شاكرين. # وقوله: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ms0470 ~~(173) # ذكر " الميتة " فمعناه: حرم عليكم الأكل من الميتة والتناول منها، فإذا ~~كان كذلك فليس فيه حرمة ما لا يؤكل والانتفاع به من نحو الصوف، والشعر، ~~والعظم ونحوه. # ألا ترى أن هذا إذا أريد من الشاة وهي حية وأبين منها لم تصر ميتة لا ~~يجوز الانتفاع به، وغيره من اللحم إذا أبين منها صار ميتة؛ لما روي في ~~الخبر: " ما أبين من الحي # PageV01P623 # فهو ميت ". # ولأن الصوف واللبن وغيرهما ليسوا بذوي الروح فيموت باستخراج الروح منها؛ ~~كالحيوان على ما ذكرنا من الخبر. # وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه سئل عن الأنفحة استخرجت من الميتة، ~~فقال: أفيها دم؟ فقيل: لا. فقال: لا بأس، كلوا؛ فإن اللبن على ذكاة فيه. أو ~~كلام نحو هذا. # وكذلك روي عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: لا بأس. # فإن قيل: ألا فسد بنجاسة الضرع؛ كالوعاء النجس يكون فيه اللبن يفسد ~~بفساده؟ # قيل: إن الشيء إذا كان موضعا للشيء ومعدنه في الأصل فإن فساد ذلك الموضع ~~لا يوجب فساد ما فيه. # ألا ترى أن الدم الذي يجري بين الجلد واللحم إذا ذبح لا يفسد اللحم لما ~~كان ذلك موضعه ومظانه؟! فعلى ذلك اللبن في الضرع. # وأما الإهاب: فإنه إذا دبغ فقد طهر؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". # والدم المذكور في هذه الآية هو الدم المسفوح. دليله قوله تعالى: (قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا)، # PageV01P624 # فالمحرم من الدماء المسفوح وهو السائل. ألا ترى أن الشاة إذا ماتت صارت ~~ميتة بهلاك ذلك المحرم من الدم فيها؟! # وقوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم). # واختلف فيه على أوجه: # قيل: قوله: (غير باغ ولا عاد) هو تفسير قوله: (فمن اضطر)، وهو كقوله: ~~(محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)، فصار قوله: (غير مسافحات ولا ~~متخذات أخدان) تفسير قوله: ms0471 (محصنات)؛ لأنها إن كانت محصنة كانت غير مسافحة ~~ولا متخذة الأخدان. فعلى ذلك إن كان مضطرا كان غير باغ ولا عاد. والله ~~أعلم. # وقيل: (فمن اضطر غير باغ) أي غير مستحل لتنارله، (ولا عاد) بعدو على أكله ~~للجوع. # وقيل: (غير باغ) غير متجاوز حده، (ولا عاد) ولا مقتصر نهايته. # وقيل: (غير باغ) فيه (ولا عاد) على حد الله إذ حرمه عليه في غير حال ~~الاضطرار، فيصير باغيا في الأكل، عاديا على حد الله. # وقيل: (غير باغ ولا عاد) وفي مجاوزته في أكل الحد المجعول له من إقامة ~~المهجة ودفع الضرورة، فأكل بشهوة أو لحاجة غير حاجة الجوع خاصة. # وقيل: (غير باغ) على المسلمين، (ولا عاد) وعليهم. # لكن تصريح النهي عن الانتفاع بالشيء وحرمة هتكها صاحبها نهي عما هتك لا ~~عما كان مباحا لهم كما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - " لا صلاة ~~للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق " وذلك نهي عن الإباق والنشوز لا عن ~~الصلاة، فمثله لو كان نهيا، فكيف ولا نهي؟! ولكن ذكر إباحة على صفة لم يذكر ~~الحل والتحريم في الابتداء مع تلك الصفة وجملته أن بغيه لا يحرم ما قد أحل ~~بالخبر هو بالاتفاق؛ فكذلك ما أحل بالسبب، دليل ذلك: أمر الكفرة وسائر ~~الفسقة أنه لم يحرم بينهم شيء من ذلك. # PageV01P625 # والثاني النهي عن قتله. # ثم اختلف في حرمة عين الميتة في حال الاضطرار وحلها: # PageV01P626 # قال بعضهم: عينها حلال ليس بمحرم. # وقال آخرون: عينها محرمة لكن التناول منها مباح. وهو قول أصحابنا رحمهم ~~الله. # فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل ~~لعين الشيء، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين، بل الحرمة والحل هي ~~الواردة عليها، موجبة حق الحرمة، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة. فيبقى عينه على ~~ما كان في الأصل. # ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ~~ميتة ومهلا لغير وجه الله. فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت ms0472 هي ~~الضرورة في حق رفع حرمة التناول، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول ~~منها للضرورة على بقاء الحرمة. ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة ~~العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة؛ إذ لله أن يحل عينا محرمة في حال ~~الاضطرار، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار. فالتكلم فيه فضل ~~وتكلف. وبالله التوفيق. # PageV01P629 # ثم المسألة في الباغي والعادي: يحرم عليه التناول منها في حال الاضطرار ~~أم لا؟ قال بعض أهل العلم: محرم ذلك عليه لأوجه: # أحدها: لأنه ظالم. وفي المنع عن التناول منها زجر عن الظلم، وفي إباحة ~~التناول منها إعانة على الظلم، لذلك حرم عليه. # والثاني: أن القاتل عوقب عندما يأوي إلى الحرم بترك المؤاكلة والمشاربة ~~والمجالسة إلى أن يضطر فيخرج عقوبة له. فكذلك هذا يحرم عليه التناول منه ~~عقوبة له إلى أن ينزجر. # وقال: إنه قد استحق بالبغي على أهل الإسلام العقوبة العظيمة، ويعاقب بهذا ~~أيضا. # ثم من قول هذا الرجل في الباغي: أنه إذا أتلف أموال أهل العدل لا يتعرض ~~له بها ولا يغرم. وكذلك العادل إذا أتلف أموال أهل البغي لا غرامة عليه. # PageV01P630 # والغرامة نوع من العقوبات، فإذا استويا في سقوط الغرامة -وإن كان أحدهما ~~ظالما- كيف لا استويا أيضا في هذا؟ وما الذي يوجب التفرقة بينهما؟ # ثم نقول لهذا المخالف لنا: إن الباغي المقيم يمسح يوما وليلة، وإذا سافر ~~لم يرخص له المسح. وهو في الحضر رخصة كهي في السفر. فما باله حرم إحدى ~~الرخصتين على إباحة الأخرى مع وجود الظلم والبغي؛ فقال: لأن الضرورة طريق ~~التناول فيه رخصة، لا ترخص الظالم، إذ هو تخفيف. # والأصل في المسألة أن الباغي على أهل الإسلام لا يأتمر بأحكام أهل ~~الإسلام؛ إذ لو ائتمر أمر بالكف عن بغيه. وإذا لم يأتمر في ذا، لاشك أنه لا ~~يأتمر في الثاني، ولا يؤمر بما فيه العبث، ولا يزجره التحريم عن التناول، ~~إذ على العلم بحرمة البغي بغى ما اشتهت نفسه، فكيف ينتهي للحرمة فيما اضطرت ~~إليه ms0473 نفسه؟ ولم يملك الغلبة عليها في شهوتها إيثارا لها، كذلك إنظارا لها ~~للكف لا معنى لإحداث الحرمة عليه ببغيه. # PageV01P631 # وأصله قوله عز وجل: (ولا تقتلوا أنفسكم)، وقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة)، حرم عليهم إلقاء أنفسهم إلى المهالك، وقتلهم الأنفس. وفي دفع هذه ~~الرخصة عنه إباحة محرم، وهو أعظم منه عليه. فلم يفعل؟ وأما من قال: بأن من ~~قتل فأوى إلى الحرم، فإن أهله نهوا عن مؤاكلته ومشاربته، ولم ينه في نفسه ~~الأكل والشرب، إذ لا يقدر أحد منعه عن ذلك. فالقول في مثله تكلف. فكذا ~~الأول. والله أعلم. # ثم المسألة في القدر الذي يجوز أن يتناول منها. # فعندنا: أن الإباحة كانت للاضطرار، فهو على القدر الذي له الدفع ~~والإزالة، وذلك بدون ما فيه شدة المجاعة، وذلك الأصل في انتفاء الضرورة. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) # وقوله: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب): أي في الكتاب يحتمل ~~هذا وجهين: # يحتمل: أن كتموا ما في كتبهم من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~آله، وصفته. # ويحتمل: ما كتموا من الأحكام والشرائع من نحو الحدود والرجم وغير ذلك من ~~الأحكام. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (ويشترون به ثمنا قليلا). # قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم. # وقوله: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار). # يحتمل وجهين: # يحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أوجب ذلك لهم في الآخرة أكل النار. # ويحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أكلوا في الآخرة عين النار. # وقوله: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم). # قيل: لا يكلمهم بكلام خير، ولكن يكلمهم بغيره، كقوله: (قال اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون). # وقيل: لا يكلمهم ms0474 غضبا عليهم؛ يقال: فلان لا يكلم فلانا، لما غضب عليه. # PageV01P632 # وقوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة (175) # قيل: استحبوا الضلالة على الهدى. # وقيل: اختاروا العذاب على المغفرة. وما قاله الكلبي فهو أحسن: أنهم ~~اشتروا اليهودية -التي هي تحصل عذابا- بالإيمان -الذي يحصل مغفرة- وقد ~~ذكرنا هذا فيما تقدم أيضا. # وقوله: (فما أصبرهم على النار). # قيل: فما أدومهم في النار. # وقيل: فما أصبرهم على العمل الذي يوجب لهم النار. # وقيل: فما أجرأهم على عمل أهل النار. # وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار. # وقال الحسن: فما لهم عليها صبر ولكن ما أجرأهم على النار. # وقد يقال لمن يطول حبسه: فما أصبرك على الحبس. ألا على حقيقة الصبر، لكن ~~على وجوده فيه. # وقوله: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي ~~شقاق بعيد (176) # أي: خالفوا. وإلا قد اختلف أهل الإيمان والكفر، ولكن أراد - والله أعلم - ~~بالاختلاف: الخلاف، أي: خالفوا الكتاب ولم يعملوا به. # (لفي شقاق بعيد) # قيل: لفي خلاف بعيد. # وقيل: لفي ضلال طويل. # وقيل: لفي عداوة بعيدة. # وقيل: حرف " البعيد " في الوعيد إياس؛ كأنه قال: لا انقطاع له. # * * * # PageV01P633 # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # قيل: (ليس البر) في نفس التوجه إلى ما ذكر دون الإيمان. # ويحتمل: (ليس البر) في ذلك، ولكن البر لمن يقصد إليه، إذ قد يقع ذلك ~~لحوائج تعرض، تخرج عن القربة. # ويحتمل: (ليس البر) في التوجه إلى كذا، ولكن البر في الائتمار لأمره ~~والطاعة له، والبر هو الطاعة في الحقيقة. # وقيل: (ليس البر) تحويل الوجه إلى المشرق والمغرب، (ولكن البر) ما ثبت في ~~القلب من طاعة الله وصدقته الجوارح. # وقيل: (ليس البر) أن تصلوا ولا ms0475 أن تعملوا غير الصلاة. كل ذلك يرجع إلى ~~واحد. # وجملته أن يقال: ليس البر كله ذلك، لكن ما ذكر، إذ ذلك الوجه هم استعظموه ~~حتى قال الله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك). # والثاني: أن يكون ذلك بنفسه ليس ببر، وإنما صار برا بالأمر به، أو بما ~~ذكر من الإيمان والخيرات. فلما زال عنه الوجهان سقط فعله أن يكون برا. # وقوله: (ولكن البر من آمن بالله)، بأنه واحد، لا شريك له. يعني صدق بالله ~~بأنه واحد، لا شريك له. # (واليوم الآخر)، وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وصدق بالكتب، ~~والملائكة، والكتاب، والنبيين. # وللبر تأويلان: # أحدهما: ما قيل. # والثاني: على الإضمار؛ كأنه قال: ليس البر بر من يولي وجهه، ولكن البر بر ~~من آمن بالله، كما قال: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد # PageV02P003 # في سبيل الله لا يستوون عند الله)، أي أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ~~بالله؟ # وقيل: أجعلتم صاحب السقاية كمن آمن بالله؟ # وقيل: إن البر بمعنى: البار، يقول ليس البار من يحول وجهه قبل كذا، ولكن ~~البار " من آمن بالله " الآية. # وقوله: (وآتى المال على حبه). # قيل: أعطى على حاجته. # وقيل: على قلته آثر غيره على نفسه؛ كقوله: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). # وقيل: (على حبه ذوي القربى) أي ذوي قرابته. # وفيه دلالة أن الأفضل أن يبدأ بصلة قرابته، ثم اليتامى؛ لأن على جميع ~~المسلمين حفظهم؛ ولأنهم أضعف، فيبدأ بهم قبل المساكين. # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " ليس المسكين الذي ~~ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان. قيل: فما المسكين يا رسول الله؟ ~~قال: الذي لا يجد ما يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن به فيتصدق عليه ". # PageV02P004 # (وابن السبيل). # قيل: هو الضيف ينزل بالمسلمين. # وقيل: هو المنقطع -حاج أو غاز- وقيل: هو المجتاز وهو واحد. # قوله تعالى: (وفي الرقاب). # قيل: هم المكاتبون. # (وأقام الصلاة وآتى الزكاة)، ms0476 ظاهر. # (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) # ويحتمل: العهود التي بينهم وبين الناس. # ويحتمل: العهود التي فيما بينهم وبين ربهم. وقد ذكرنا العهد من الله ~~تعالى -ما هو؟ - فيما مضى. # وفي حرف ابن مسعود، رضي الله عنه، (والموفين) على النسق على الأول. # قيل: إذا عاهدت عهدا بلسانك تفي به بعملك وفعلك. # ثم ليس في القرآن آية أجمع لشرائط الإيمان من هذه، وكذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل عن الإيمان، فقرأ هذه الآية. # وهكذا روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه سئل عن الإيمان، فتلا ~~هذه الآية. # وقوله: (والصابرين في البأساء والضراء). # قيل: في الآية تقديم وتأخير: " السائلين وفي الرقاب والصابرين ". وعلى ~~هذا يخرج حرف ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه: " والموفين بعهدهم ". # وقوله: (البأساء). # من البأس، وهو الفقر. # (والضراء). # PageV02P005 # قيل: هو المرض والسقم. # (وحين البأس). # قيل: عند القتال. # وقوله: (أولئك الذين صدقوا). # في إيمانهم، أنهم مؤمنون، وصبروا على طاعة ربهم. # وقوله: (وأولئك هم المتقون). # وقيل: الذين صدقوا في إيمانهم وأولئك هم المتقون. روي عن عمرو بن شرحبيل، ~~أنه قال: " من عمل بهذه الآية فهو مستكمل الإيمان ". # قال الفقيه أبو منصور: تمام كل شيء باجتماع ما يزينه. ألا ترى أن المصلي ~~إذا اقتصر على فرائضها لم يتم له؟! # * * * # قوله تعالى: وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم (178) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179). # قيل: نزلت الآية في جيشين من العرب، كان وقع بينهما حرب وقتال، وكان ~~لإحداهما فضل وشرف على الأخرى. فأرادوا بالعبد منهم الحر من أولئك، ~~وبالأنثى منهم الذكر. فأنزل الله تعالى: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى). وهي منسوخة؛ لأن فيها قتل غير القاتل. نسخها قوله: (ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد ms0477 جعلنا لوليه سلطانا فلا ~~يسرف في القتل إنه كان منصورا). # قيل: لا تسرف ولا تقتل غير قاتل وليك. # PageV02P006 # وقيل: لا تسرف، أي: لا تمثل في القتل. # وقيل: لا تسرف في القتل، أي: لا تقتل أنت إذ هو منصور. # فثبت بهذا نسخها؛ إذ لم يؤذن بقتل غير القاتل. # وقوله أيضا: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، ولا يحتمل نفس غير ~~القاتل يقتل بنفس. دليله قوله: (فمن تصدق به فهو كفارة له)، ولا يتصدق على ~~غير القاتل. ثبت أنها منسوخة بما ذكرنا. # وفي الثاني: قال الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)، لما ~~إذا هم بقتل آخر يذكر قتل نفسه، فيرتدع عن قتله، فيحيا به النفسان جميعا، ~~فلو لزم قتل غير القاتل لم يكن فيه حياة، إذ لا يخشى تلف نفسه. # ثم هذا يدل على وجوب القصاص بمن الحر والعبد، وبين الكافر والمسلم، إذ لو ~~لم يجعل بينهما قصاص لم يرتدع أحد عن قتلهم، إذ لا يخشى تلف نفسه بهم. فدل ~~أنهم يقتلون بهم. والله أعلم. # هذا فيما يجعل الآية ابتداء، لا في الحيين، اللذين ذكرا به. # ثم يقال: ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص الحكم فيه وجعله شرطا ونفيه في غير ~~شكله. دليله ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " خذوا ~~عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، ~~والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ". ثم إذا زنى البكر بالسيب وجب ذلك ~~الحكم، فدل أن ليس في ذكر شكل بشكل تخصيص في الحكم، ولكن فيه إيجاب الحكم، ~~في كل شكل إذا ارتكب ذلك وهو أن يقتل الحر إذا قتل آخر. والحرية لا تمنع ~~الاقتصاص لفضله. وكذلك العبد إذا قتل آخر يقتل به، والرق لا يمنع ذلك للذل ~~الذي فيه. # وكذلك الأنثى تقتل إذا قتلت أخرى، ولا يمنع ما فيها من الضعف في وجوب ~~القصاص. وبالله التوفيق. # PageV02P007 # وله وجه آخر: وهو أنه قال: (والأنثى بالأنثى). ومن الإناث إماء، وقد أمر ms0478 ~~بالاقتصاص بينهن، فلئن وجب تخصيص ما ذكر خاصا، وجب أن يذكر عاما ما ذكر فيه ~~العموم. # فإن قيل: على عموم الاسم في أحدهما، وخصوص القول في الآخر. # قيل: ليس هكذا. لو كان في ذكر الوفاق في الاسم منع الحق عن ذلك الوجه ~~المذكور إذ ذكر في الخلاف لم يدخل فيما ذكر في الوفاق ما ليس منه. فإذا دخل ~~علم أن ذكر الوفاق في الخلاف في حق إدخال ما ليس من شكله بمحل واحد. # ثم يقال: إن نفس العبد للعبد في حق الجناية، لا للمولى. إنما للمولى في ~~نفسه الملك والمالية، ألا ترى أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص أخذ به، ~~ولو أقر عليه مولاه لم يؤخذ به. فدل أن نفسه له، لا للمولى. فكان كنفس الحر ~~للحر. فيجب أن يقتل الحر به، إذ هو ساوى الحر في حق النفس، فيجب أن يسوى ~~بينهما في حق القصاص. # وقال بعض الناس: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأنه أفضل منه. ثم هو يقول: إنه ~~يقتل الذكر بالأنثى. وهو أفضل. وقال: إن القصاص إنما ذكر في المؤمنين. ثم ~~قال بالعموم، وألزم قتل الكافر بالمؤمن، ولم يذكر في القصاص الكافر، وترك ~~القصاص للكافر من المؤمن على عموم إيجاب القصاص على المؤمنين. فإذا جاز ترك ~~القصاص، على ما ذكر فيه، وإدخال من لم يذكر في حق الاقتصاص، ما يجب إنكار ~~مثله في الذي ذكر عقيب ذكر الحق؛ وهم بأجمعهم تحت الإيجاب مذكورين. ثم ~~الإناث بالإناث مع اختلاف الأحوال يلزم القصاص، كيف لا لزم مثله في ~~الأحرار؟ # والأصل في هذا: ألا يعتبر في الأنفس المساواة. ألا ترى أن الأنفس تقتل ~~بنفس واحدة. هكذا روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، " أنه قتل رجلا بامرأة ~~". وروي أنه قتل سبعة نفر بامرأة، وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم. ~~وقال: وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: لا يقتل مسلم ~~بكافر ". # ثم قال صاحب هذا القول: لو أن كافرا قتل كافرا ثم أسلم القاتل يقتل به. ms0479 ~~فهو قتل # PageV02P008 # مسلما تقيا برا بكافر، إذ الإسلام يطهره. ولم يقتل مسلما فاسقا ارتكب ~~الكبيرة بالكافر، إذ القتل يفسقه. # والمسلم أحق أن يقتل بالكافر من الكافر بالمسلم. وذلك أن المسلم هتك حرمة ~~الإسلام بقتل الكافر؛ لأنه اعتقد باعتقاد دين الإسلام حرمة دم الذمي، وهو ~~بقتله كمستخف بمذهبه. # وأما الذمي فإنه لا يعتقد باعتقاد مذهبه حرمة دماء أهل الإسلام، فهو ليس ~~بقتل المسلم كمستخف بمذهبه، والمسلم كمستخف بدينه، على ما ذكرنا. لذلك كان ~~أحق بالقصاص من الكافر. # ألا ترى أن من قتل في الحرم قتل به؛ لأنه هتك حرمة الحرم كالمستخف به. # وإذا قتل خارجا منه، ثم التجأ إليه، لم يقتل به حتى يخرج منه؛ لأنه ليس ~~كمستخف له، والأول مستخف؛ لذلك افترقا. فكذلك الأول. والله أعلم. # والخبر عندنا يحتمل وجهين: # أحدهما: قيل: إن قوما قتل بعضهم بعضا في الجاهلية، فأسلم بعضهم، فأراد ~~أولئك أن يأخذوا من أسلم منهم بالقصاص، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لا يقتل مسلم بكافر "، كما قال: " كل دم كان في الجاهلية فهو ~~موضوع تحت قدمي هذا ". # والثاني: أنه أراد بالكافر المستأمن؛ لأنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر ولا ~~ذو عهد في عهده ". فنسق قوله: " ذو عهد " على المسلم، فكان معناه: لا يقتل ~~مسلم بكافر ولا ذو عهد به. فكل كافر لا يقتل به ذو عهد في عهده لم يقتل به ~~المسلم. فالذمي يقتل به ذو العهد، لذلك يقتل به المسلم. والمسلم إذا قتل ~~مستأمنا لم يقتل به. وكذلك الذمي. فدل # PageV02P009 # بما ذكرنا أنه أراد بالكافر المستأمن، لا الذمي. والله أعلم. # وقوله: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). # اخنلف في تأويله: # قال بعضهم: هو القاتل. إذا عفى له: معناه: عنه. فيتبع الولي بأخذ الدية ~~بالمعروف، شاء القاتل أو أبى. # احتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجل اختصم إليه في ~~قاتل أخيه، فقال: أتعفو عنه؟ قال: لا. قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا. قال: ~~أتقتله؟ قال: نعم ms0480 ". # عرض عليه الدية، ولو كان غير حقه لم يعرض عليه. # وقال في بعض الأخبار: " ولي القتيل بين خيرتين: بين قتل وأخذ دية ". # وأما عندنا: تأويل قوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) ليس هو القاتل؛ ~~لأنه يكون معفوا عنه؛ ولأنه لا يتبع أحدا وهو المتبع، بل هو الولي؛ لأنه هو ~~المعفو له، لا القاتل، حيث أمر بالاتباع بالمعروف؛ كأنه قال: من بذل له ~~وأعطي من أخيه شيء فاتباع بالمعروف؛ وذلك جائز في اللغة؛ العفو بمعنى البذل ~~والإعطاء، على ما قيل: خذ ما آتاك عفوا صفوا، أي فضلا. وكذلك روي عن عبد ~~الله بن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: (فمن عفي له)، أي: أعطي له. والحق ~~عندنا: هو القود، لا غير، على ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول "، وقد روي في بعض الأخبار: ~~" إلا أن تفادى ". والمفاداة: هو فعل اثنين، فلا يأخذه إلا عن تراض # PageV02P010 # واصطلاح منهما جميعا. # وفي الآية دلالة: أن الحق: هو القصاص، لا غير، بقوله: (كتب عليكم القصاص) ~~وأخبر أن المكتوب عليه والمحكوم القصاص، فلو كان الخيار بين القصاص والعفو ~~وأخذ الدية -شاء أو أبى- لكن لا يكون مكتوبا عليه القصاص، ويذهب فائدة ~~قوله: (كتب عليكم القصاص) وإنما كان يكون عليه أحدهما، كما لا يقال في ~~الكفارة: بأن المكتوب عليه العتق، بل أحد الثلاثة. فلما قال: (كتب عليكم ~~القصاص) دل أن أخذ الدية كان كالخلف عنه. # وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لولي القتيل: " أتعفو عنه "؟ ~~قال: " لا ". فقال: " أتأخذ الدية "؟ قال: " لا ". إنما عرض عليه الدية، ~~لما علم أن القاتل يرضى بذلك، على ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بغض زوجها. فقال لها: " أتردين عليه حديقته؟ ~~" قالت: نعم، وزيادة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أما الزيادة ~~فلا " وإنما قال لها ذلك لما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يرضى بطلاقها إذا ms0481 ردت عليه حديقته؛ فعلى ذلك الأول. # ولو كانت لفظة " العفو " تعبر عن إلزام الدية ما أحوجه إلى ذكر الإشارة ~~إلى العفو مرة، وإلى أخذ الدية ثانيا؛ فثبت أن ليس للذي يعفو أن يأخذ الدية ~~بالعفو. # وقيل في قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف): أصلها أنها ~~نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم عن القاتل، ويتبع الآخرون بالمعروف في ~~نصيبهم؛ لأنه ذكر " الشيء "، والشيء: هو العفو عن بعض الحق. فألزم الاتباع ~~للآخرين عند عفو بعض حقه؛ ثبت أن العفو لا يلزم الدية. # وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم، ~~أنهم أوجبوا في بعض عفو الأولياء، للذين لم يعفوا - الدية، على ترك السؤال ~~عمن عفا عنك عفوت بدية، ولو كان ثم حق ذكروه له؛ فدل أن العفو لا يوجب ~~الدية. # PageV02P011 # والله أعلم. # ثم لا يخلو إما أن يكون حقه القصاص ثم له تركه بالدية؛ فهو إلزام بدل حق ~~قبل آخر من غير رضاه، وذلك مما لم يعقل في شيء، أو كلاهما، فهو أيضا كذلك، ~~لا يكون أحدهما إلا باجتماعهما، أو أحدهما وهو مجهول؛ فالعفو عنه يبطل حقه، ~~إذ العفو ترك. وقال: إن في أخذ الدية إحياء النفس التي أمر الله بإحيائها، ~~وفي الامتناع عن أداء الدية إليه والبذل له إذن بالقتل. # ومن قول الجميع: إن أحدا لو قال لآخر: اقتلني، أنه لا يعمل بإذنه. فإذا ~~كان معنى الامتناع عن أداء الدية هو إذن بالقتل، لم يأذن له. # يقال له: أبعدت القياس والتشبيه؛ لأن فيما نحن فيه إذنا بالقتل، وظهر ~~الأمر به، وفيما ذكرت لم يظهر، حيث قال: (كتب عليكم القصاص)، فأنى يشبه هذا ~~بذلك ويقاس عليه؟ أو أن يقال: لو كان الأمر كما ذكرت لكان يجيء أن يكون ~~الصلح على كل شيء ماله، وفيه تلف نفسه أن ليس له منعه. # ومن قول الجميع: إن له المنع وجائز وقوع الصلح على ما فيه تلف ماله. ثبت ~~أن ما يقوم له وهم. # وبعد، ms0482 فإن الذي ذكرت تدبير الحق عليه أن يفعل، لا تدبير الإلزام. ولو كان ~~ذلك لازما، لكان يقتله ببذله نفسه فيغرم فاعل ذلك؛ وهذا كما يغني الرجل ~~بشراء ما به قوام نفسه عند الضرورة إلا أن يلزم لو أبى ذلك، فمثله ديته، ~~بمعنى أن في ذلك تلف نفس تلك قيمته، فمثله الأول. # وما روى في التخيير بين أخذ الدية، وما ذكر فهو - والله أعلم - على بيان ~~الحل والرخصة على ما قيل: إن من حكم التوراة القتل، ولا يجوز لهم العفو ولا ~~أخذ الدية، ومن حكم أهل الإنجيل العفو، لا يقتل بالقصاص، ولا تؤخذ الدية، ~~فحكم الله عز وجل على أهل القرآن: أن جعل لهم القتل مرة، والعفو ثانيا، ~~وأخذ الدية تارة؛ فدل أنه يخرج مخرج بيان الحل والرخصة. إذا طابت به نفس من ~~عليه ذلك يبذله إذا طلب، ولا يوجب قطع الخيار من الآخر. ولهذا ما نقول في ~~قوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وقوله في التخيير في الكفارة: إن ذلك ~~إلى من عليه، لا إلى من يأخذ. # إذ الحق هاهنا من جانب واحد. فيجعل الخيار إلى من عليه إذا كان من كلا ~~الجانبين يعتبر # PageV02P012 # رضاءهما جميعا، والله أعلم. # وقوله: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة). # لما ذكر من إباحة العفو في حكم القرآن، ولم يكن في حكم غيره من الكتب، ~~وأخذ الدية أو القتل، ولم يكن في حكم التوراة والإنجيل إلا واحد. # ويحتمل: أن كان في التوراة هذا أو هذا كما قال: (فمن تصدق به فهو كفارة ~~له). واحتمل أنه ذكر القود شرعا لنا، وقوله: (فمن تصدق)، لنا خاصة. # وقوله: (ورحمة). # فيه دلالة ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة الله؛ لأنه أخبر أن التخفيف ~~رحمته في الدنيا، فإذا لم يوفهم في الدنيا من رحمته فلا يوفيهم في الآخرة ~~منها. # وفي قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء)، دلالة ألا يزول اسم الإيمان بارتكاب ~~الكبيرة؛ لأنه سماه أخا من غير أخوة نسب؛ دل أنه أخوة في الدين لأنه سماه ~~أخا. ms0483 وكذلك قوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا)، أبقى لهم اسم الإيمان بعد البغي والقتل. ~~دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان. # وهذا يرد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة أخرجته من ~~الإيمان، وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين: # أحدهما لاستحلال قتله، أو يتغمد ديته، وإلا فيخرج الآيتان على التناقض في ~~الظاهر لو لم يجعل على ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). # قيل: من اعتدى على القاتل بعد ما عفى عنه، أو بعد ما أخذ الدية. # وقيل: (بعد ذلك)، أي: من بعد النهي عن قتله. # وقيل: إذا أرى من نفسه العفو، ثم أخذ الدية، ثم أراد قتله، فهو الاعتداء. ~~ثم اختلف بعد هذا بوجهين: # قال قوم: إذا فعل ذلك يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة: وقال # PageV02P013 # غيرهم، إذا اقتص ارتفع عنه العذاب الأليم، وإن لم يقتص فلا. # وجائز عندنا: أن يكون العذاب الأليم في الدنيا، إذ لم يخلق شيء من العذاب ~~أشد من القتل؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع. والله أعلم. # وقوله: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # قيل: فيه بوجهين، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة، لكن قيل: من تفكره في ~~نفسه قتلها إذا قتل آخر ارتدع عن قتله، فتحيا النفسان جميعا. # والثاني: من نظر فرأى آخر يقتل بغيره امتنع عن قتل آخر ففيه حياته أو ~~تذكر أنه مقتص منه إذا قتل حمله حبه في إحياء نفسه على أن يرتدع عن قتل كل، ~~ففيه الحياة للأنفس جميعا؛ ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها وإن ~~اختلفت أحوالها، إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم يكن ~~في القصاص حياة. فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال لما يغضب ~~الشريف على الوضيع فيحمله غضبه على قتله، ms0484 فجعل القصاص، أو لما يستخف به. # وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه فيحمله على قتله، فسبب القتل ليس ~~ما يذكر، لكنه شدة الغضب، وفي المواريث زيادة، وهو ما يصل إلى ماله، وفي ~~الكافر من استخفافه بدينه من المقتول، فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء ~~وهو حرمان الميراث؛ فعلى هذا التقدير يقتل المسلم بالكافر؛ لأن المسلم قد ~~يستخف بالكافر في دار سلمه، فيحمله استخفافه إياه على قتله. ففيه معنى يدعو ~~إلى الفناء، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة. وعلى هذا ~~التقدير يقتل الحر بالعبد؛ لأن الحر يستخف بالعبد، فيدعوه استخفافه به على ~~قتله، فهو يقتل به. # أو نقول: يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه، فيحمله على ~~قتله؛ فلزم حفظ ما لأجله الحياة، ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن ~~قتل ولده؛ لذلك انتهى عنه القصاص، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " ~~لا يقاد الوالد بولده ". وبالله التوفيق. # PageV02P014 # قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه -: الوالد يحب ولده؛ لأنه يرغب أن يكون ~~له ولد. # وأما الولد فإنما يحب والده له لنفسه ومنافع له. فإذا كان الولد له لم ~~يقتص منه. # * * * # قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه ~~على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182). # وقوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين # PageV02P016 # بالمعروف حقا على المتقين (180) # تكلموا فيه بأوجه: # قيل: إنه منسوخ بما بين عز وجل في آية أخرى من حق الميراث. # ومنهم من قال: لم ينسخ. # ثم قيل: فيه بوجهين: # قيل: إنه قد كان ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام، يسلم الرجل ~~ولا يسلم أبواه. فقوله: (كتب) إنما وقع على من كان لا يرث. # ومنهم من يقول: بأنها كانت للوارث ولم ينسخ، وإنما يقع الأمر ms0485 في غير من ~~يرث ممن ذكر. لكن في ذلك ذكر (كتب)، وذلك إيجاب. # ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان) وقوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم)، وفي ~~إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة، وقد حذر وجود ~~ذلك؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت. والله أعلم. # ومنهم من يقول: لا، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله: ~~(كتب عليكم)، فهو كان مكتوبا عليهم مفروضا في حق الوصاية. # ثم من رأى نسخه استدل بقوله: (يوصيكم الله في أولادكم)، ذكر فيه الوصاية ~~على بيان كل ذي حق حقه. فليس الذي أوصى الله يمنع وصايته التي كتب عليهم. ~~لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين: # أحدهما: قوله: (يوصيكم الله). فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول، ~~ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه. # والوجه الآخر: أنه قال: (من بعد وصية يوصي بها أو دين)، فجعل حكم الإرث ~~على ذكر الوصية، والإرث بعد الوصية؛ فبان أن لها حكم البقاء. # ثم قيل: فيه بوجهين: # قال قائلون: قوله: (يوصيكم الله في أولادكم)، لم يكن ميراثا، ولا هو # PageV02P017 # من أهل الميراث. فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول. # ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثا. فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب ~~له. # ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا)، ولو جعل الوصية له ما جعل الله لهم فيه من النصيب خص به ~~الكثير دون القليل؛ فثبت أن ذلك (الكتاب) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في ~~الذي قل أو كثر. # ثم ms0486 الوجه فيه عندنا: فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات، على ما قاله بعض ~~الناس، فهو منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله أعطى كل ذي حق ~~حقه، فلا وصية لوارث ". فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت ~~لهم من الوصاية فيه. # ثم اختلفوا في الخبر الذي روي: " إن الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق ~~حقه، فلا وصية لوارث ". # قال قائلون: فلا يجوز ورود النسخ على الآية؛ إذ السنة لا ترد على نسخ ~~الكتاب. # وقال آخرون: لا، ولكنه من أخبار الآحاد. وأخبار الآحاد، على قولكم، لا ~~ترد على نسخ خبر مثله، فكيف على كتاب رب العالمين؟ # فأما الأول -في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب-: فقد سبق القول فيه، أن ~~الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ، وإلا لو علموه ما أنكروه. وهو ما ~~قلنا: إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول له. # فأما من قال: بأنه من أخبار الآحاد، فإن الأصل في هذا أن يقال: إنه من ~~حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر. # ومن أصلنا: أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل، إذ المتواتر المتعارف ~~قرنا بقرن مما عمل الناس به لم يعملوا به، إلا لظهوره، وظهوره يغني الناس ~~عن روايته، لما علموا خلوه عن الخقاء. # ولهذا يقول في الخبر الذي جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع "، فترد به الخبر المروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه من أخبار الآحاد. هو من حيث # PageV02P018 # الرواية من الآحاد، ولكنه من حيث تواتر الناس للعمل به صار بحيث يوجب علم ~~العمل. # فما لم يجز أن يجتمع الأمة على شيء علموا كله من كتاب أو سنة غير ما ورد، ~~فيكونوا قد اجتمعوا على تضييع كتاب أو سنة، فكذا هذا، لا يجوز أن يجتمع ~~الناس على ترك الوصية للوارث، وثم كتاب نسخه أو سنة أخرى يلزم ms0487 العمل به؛ ~~فلهذا قضينا بنسخه. والله أعلم. # وقوله: (فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع ~~عليم (181) # قيل فيه بوجهين: # يحتمل: (فمن بدله) هذه الوصاية المكتوبة للوالدين، إن كان هذا أراد ~~بقوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين) الآية، فإنما إثمه عليه. # ويحتمل: (فمن بدله) الوصية (بعدما سمعه) ومن الموصي (فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه). # ثم يحتمل بعد هذا وجهين: # يحتمل: أنه أراد تبديل الوصي بعد موت الموصي. # ويحتمل: تبديل من حضر الوصي ذلك الوقت من الشهود وغيره. # وقوله: (إن الله سميع) أي: سميع لمقالته ووصايته. و (عليم) بجوره وظلمه، ~~أو (عليم) بتبديله. والله أعلم. # وقوله: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم (182) # PageV02P019 # قيل: فيه بوجهين: # يحتمل: (فمن خاف) أي: علم من الموصي ظلما وجورا على الورثة بالزيادة على ~~الملث، (فلا إثم عليه) في تبديله ومنعه ورده إلى الثلث وقت وصاية الموصي. # ويحتمل: (فمن خاف)، أي: علم من الموصي خطأ وجوزا بعد وفاته بالوصية، (فلا ~~إثم عليه) في تبديله ورده إلى ما يجوز من ذلك ويصح، وهو الواجب على ~~الأوصياء أن يعملوا بما يجوز في الحكم، وإن كان الموصي أوصى بخلاف ما يجيزه ~~الحكم ويوجبه. # قال الشيخ - رحمه الله -: وكان صرف (الخوف) إلى (العلم) أولى؛ إذ هو ~~تبديل الوصية وقد نهى عنه وأذن به للجور، فإذا لم يعلم فهو تبديل بلا عذر، ~~وقد يخفف للخوف حق العلم إذا غلب الوجه فيه، كما أن أذن للإكراه إظهار ~~الكفر، وذلك في حقيقته خوف عما في التحقيق على العلم بغلبته وجه الوفاء في ~~ذلك. # وقوله: (فأصلح بينهم)، يعني بين الورثة بعد موت الموصي، ورد ما زاد على ~~الثلث بين الورثة على قدر أنصبائهم. # وقوله: (إن الله غفور رحيم)، لجور الموصي وظلمه إذا بدل الوصي ذلك ورده ~~إلى الحق. # ويحتمل: (غفور رحيم)، لمن رد على الموصي جنفه وميله في حال وصايته. والله ~~أعلم. # والأصل في ms0488 أمر الوصاية للوارث، أن آيات المواريث لم تكن نزلت في أول ما ~~بهم حاجة إلى معرفة ذلك، فيجوز أن يكون في الابتداء كانت الوصايا بالحق ~~الذي اليوم هو ميراث، يبين ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في ابنتي سعد، الذي قتل بأحد، وقد كان استولى عمهما على ميراثه، فسألت ~~أمهما عن ذلك، فقال: لم ينزل فيه شيء. ثم دعاهما، وأعطاهما ما بين # PageV02P020 # الله في كتابه في قوله: (يوصيكم الله. . .). # وكذلك كان للنساء الحول في تركة الأزواج وصية لهن؛ فعلى ذلك كان الأمر ~~بالوصية، فقال الله عز وجل: (يوصيكم الله) كالمبين بما كان قد أوجب التبيين ~~على الميت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تعالى قد ~~أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث "، ومما يبين ذلك أنه معلوم أن تكون ~~الوصية للوارث ليست تثبت فيما هي له؛ لأنه اليوم فيكون حصول الوصية بنصيب ~~بعض الورثة على ذلك الوجه لا يجوز وصية الميت لأحد، فكذلك للورثة. وهذا ~~يبين أنها كانت في وقت لم يبين الميراث، فلا يكون الوصية لمن تثبت له وصية ~~بنصيب غيره في التحقيق، فكان يجوز، ثم بطل ببيان السنة، إذ ليس في متلو ~~القرآن حقيقة ذلك، وإنما يكون بحق الانتزاع منه والنسخ، ومعناه بالانتزاع ~~أبعد عن الاحتمال منه بالسنة. ولا قوة إلا بالله. # ثم حق التواتر عندنا يقع بظهور العمل بالشيء على غير ظهور المنع منهم، ~~والتكثير # PageV02P021 # عليهم في الفعل، وفي هذا وجود ذلك من طريق الفعل. # ثم القول أيضا من الأئمة بالفتوى به بلا تنازع ظهر فيهم مع ما قد ذكر ~~الله في المواريث: (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله)، وتخصيص الورثة قصد مضارة بغيره، ~~واستعمال الرأي فيما قد تولى قسمه على غير الذي قسم. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما ms0489 معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له ~~وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ~~هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185). # هؤلاء الآيات فيهن فرضية بقوله: (كتب)، وأيد ذلك الإبدال فيها الإفطار ~~لعذر والأمر بالقضاء، وذلك ليس بشرط الآداب مع الامتنان علينا بقوله عز ~~وجل: (يريد الله بكم اليسر)، أي يريد بكم الإذن لكم في الفطر للعذر، ولو ~~كان غير فرض بدؤه لم يكن الفطر للعذر بموضع الرخصة مع شرطه إكمال العدة في ~~القضاء معنى، وفي ذلك لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء. وعلى ~~ذلك إجماع الأمة. # ثم بين عز وجل أن لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل هي أحق من فيهم # PageV02P022 # استعمل العفو أو الصفح بما خصهم بأن جعلهم (خير أمة أخرجت للناس) وأخبر ~~أنه لم يجعل عليهم (في الدين من حرج)، ولا ألزمهم العبادات الشاقة فضلا منه ~~عليهم وتخصيصا لهم؛ إذ جعلهم (شهداء على الناس) فقال عز وجل: (كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم). لكن " كما " يحتمل وجهين: # يحتمل: العذر الذي كتب عليهم. # ويحتمل: الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك؛ ~~ولذلك اختلف في (الكاف) في قوله: (كما) - أنها زائدة، أو حقيقية. # ثم اختلف فيما يأتيه ذلك الصيام: فمن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين، من جعله صوم عاشوراء وأيام البيض. ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام ~~الشهر. # PageV02P023 # وقد روي مرفوعا: " أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان ". # وروي عن جماعة في أمر صوم عاشوراء: أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم # PageV02P024 # يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا ms0490 به ولا ينهانا. # وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض فأبدل ذلك ~~بصوم الشهر، فارتفعت عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء لم يكن ~~معه فرضية القضاء، وبقي الفصل فيه؛ النسخ لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله ~~من النسخ يكون بغير الصوم ولا يصوم. فثبت أنه في نسخ الفرضية. فبقي فيه حق ~~الأدب والفضل، وتبين النسخ الصوم إذ مثله، وإن ذلك غير صوم الشهر الذكر في ~~صوم الشهر بقوله: (فمن كان منكم مريضا. . .) الآية. إذ ذلك كان غير موضع ~~الشهر، ولو كان الكل واحدا لكان الذكر في موضع منه كافيا عن الإعادة؛ فثبت ~~أنه على تناسخ الصيام. وقد روي عن معاذ رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " ~~أحيل الصيام ثلاثة أحوال ". وبين الخبر على وجهه في ذلك. # ويحتمل: أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة ~~لمكان رفع الفداء، أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير، أو التحريض على حفظ ~~العدد. والله الموفق. # وأي ذلك كان؛ فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك؛ لأن كيفية الابتداء لم ~~تكلف، # PageV02P025 # وإنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك. # ثم قد خاطب جل ثناؤه بالصيام من قد آمن بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) ~~فكان فيما خاطب وجهان: # أحدهما: أنه خاطب المؤمنين فعرف المخاطبون أن الاسم يذكرهم؛ إذ لم يذكر ~~عن أحد أنه ظن خروجه من حكم الآية، من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، ~~وكذلك سائر عبادات الأفعال. # وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل ~~تحقيقه يصير أفعال القرب قربا. # وفيه إذ لم يقل: يا أيها الذين، قلتم: نحن مؤمنون به صلى الله تعالى عليه ~~وسلم، دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم ~~عقدهم، كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد. والله ~~أعلم. # والثاني: أن الله تعالى خص بالعبادات ms0491 المؤمنين، وأنهن لا يلزمن غيرهم ~~وإنما يلزم غيرهم فيها الاعتقاد، لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد، وليس ~~الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب ~~أفعال بها تقوم، بل له أوجب غيره. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا ~~والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات؛ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه، لا ~~لغيره. # ثم لا قيام لغيره مع عدمه؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلا ~~لاحتمال فعل العبادات، لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك. وله وجهان ~~يحيلان الأمر أيضا: أحدهما: العقل، أنه من البعيد أن يكون من لم يقبل ~~العبودية، ولا أقر بالرسالة تؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل ~~يقول: ألزمونا الأول، حتى يكون الثاني، وهو كما أحال الناس المناظرة في ~~الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل يجب كل قربة به؛ إذ لا ~~يكون إلا به. والله أعلم. # والثاني: القول بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء. ثم لذلك ~~وجهان من المعتبر: # أحدهما: بأنهم إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء، بما ليس معهم في الحال ما ~~يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في ~~الإسلام. والله # PageV02P026 # أعلم. # والثاني: أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله. ~~فكان ذا تكليف لم يجعل الله للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ الله عن هذا الوجه ~~من التكليف بقوله عز وجل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها)، مع ما بين ~~الله تعالى بقوله: (ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار) أن ما ~~للكافر التمتع في الدنيا، لا العبادات في ذلك. والله الموفق. # فثبت بالآية التي ذكرنا جميع المؤمنين في الخطاب؛ إذ بين الرخصة لذي ~~العذر في الإفطار على وجوب القضاء فإذ لم يحتمل خروج من له العذر في الفطر ~~عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء، ثبت أن من لا عذر له داخل ms0492 فيه ولا ~~يسعه الفطر، وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهارا أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أكد عليه الأمر وألزم الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من ~~حاله أنه ليس بمريض ولا مسافر، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك ~~إيجاب الكفارة لتعديه على الصيام على حال لا يحتمل الإرخاص، إذ قد كان تلك ~~البلية في الليالي، فلم يؤمروا بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة ~~لأنفسهم لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين. # ثم قال الله عز وجل: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه (185) # والشهر اسم للكل، ولو كان المراد راجعا إليه لكان الصيام في غيره؛ لأنه ~~عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض؛ لأنه قال: (فليصمه)، ومحال أن يصوم في ~~غيره ابتداء؛ فرجع التأويل إلى أن من شهد منكم شيئا من الشهر (فليصمه). فمن ~~اعترضه الجنون # PageV02P027 # فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضا؛ إذ لو شهد ليلة ~~الصيام فعزم على الصيام يجوز له فرضه، فدخل في حق الخطاب، ثم اعترضه في ~~سائر الليالي عذر منع النية، لا عذر منع الصيام، فيقتضيه إذ هو أهل الحكم ~~للآية التي ذكرنا، والقيام بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن ~~كان فوت لعذر المرض # PageV02P028 # والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه. # PageV02P029 # وعلى ذلك في الصبي والكافر لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في ~~حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض. لذلك لم ~~يلزم. # وقد روي عن محمد، رحمه الله، على هذا: أن من أدرك مجنونا ثم أفاق في بعض ~~الشهر، أنه لا يقضي ما مضى، على ما ذكرت. # وعن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: أنه يقضي، إن كان في أول الشهر ~~بالغا، لما أخبرت أن صيامه لم يجز لعدم النية، والصبي والكافر بنفسه، ومن ~~فوته لعدم النية، فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء. والله ms0493 الموفق. # ومن جن الشهر كله لا يقضي لشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئا منه مع إمكان ~~الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب في الظاهر قد اقتضاه على مثل المريض ~~الذي لا يصح، والمسافر الذي لا يقيم. والله الموفق. # وفي قوله: (أياما معدودات)، دلالة أن ابتداء الآية في غير صوم الشهر؛ إذ ~~صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن الله تعالى إذ علم الأمر الظاهر في ~~الخلق أنهم يعدونه بالأيام وإن كان لهم عن ذلك غنى. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الشهر هكذا ~~وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد أصبعا منها في آخر المرات ". # وجاء عن غير واحد أنهم قالوا: " ما كنا نصوم على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين ". فجائز ذكر قوله: ~~(أياما معدودات)، يعني يعدها الخلق. # والله الموفق. # PageV02P032 # وقوله: (لعلكم تتقون)، أي: ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن ~~الذي به يدعو إليها من الأغذية. # أو (تتقون) نقمة الله في الآخرة، ومخالفته في الفعل في الدنيا. وقد جعل ~~الله جل ئناؤه عباداته أعوانا للمعتادين بها على الكف عن المعاصي، والخلاف ~~لله في الشهوات، فقال: (واستعينوا بالصبر والصلاة)، وقال: (إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر)، وغير ذلك. والله الموفق. # والأصل: أن العبادات تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام ~~بين يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في الميعاد. وهما أمران عظيمان: # أحدهما: في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه. # والثاني: في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعد ما يضمحل لديه كل لذة ~~دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد، والله أعلم. # ثم قال: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. . . (184) ~~الآية، من غير # أن ذكر فطرا، فلا أشار إلى ما ذكر من السفر والمرض اللذين جعلا له تأخير ~~الصيام إلى أيام أخر، ولا أشار إلى أعين تلك الأيام. # وكذلك قال مثله فيما ms0494 كان عرف الوقت لابتداء الصيام بقوله عز وجل: (فمن ~~شهد منكم الشهر) على أثر المعرف له بقوله عز وجل: (فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه)، لكن الفطر يعرف أنه مضمر فيه بالعقل والسمع: # فأما السمع: فما جاء من الآثار في الإذن بالإفطار للسفر والمرض؛ دل أن في ~~ذكر # العدة (من أيام أخر) إضمار فطر. والله أعلم. # والعقل: أن الله تعالى جعل المرض والسفر سببي الرخص، فلا يجوز أن يصيرا ~~سببي زيادة فرض على ما كان قبل اعتراضهما، على أن قوله: (يريد الله بكم ~~اليسر) دليل أنه لو كان يلزم القضاء مع فرض فعل الصوم لكان ذلك عسرا وحرجا ~~في الدين، وقد أخبر الله تعالى أنه ما يجعل علينا الحرج في الدين. # وعلى ذلك قال بعض الناس: يلزمهما القضاء إن أفطرا أو لا، محتجا بما لم ~~يذكر في القرآن الأنطار، وذكر (فعدة من أيام أخر) كأنه جعل الوقت لهما غير ~~الذي هو لغيرهما. # يؤيد ذلك المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الصائم ~~في السفر كالمفطر "، # PageV02P033 # ومعلوم أن على المفطر في الحضر القضاء. فكذلك الصائم في السفر. # ولكن الآية عندنا على الإضمار، وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على إئر ذكر ~~الحضر، كقوله عز وجل: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) من غير ذكر الأكل أنه ~~على إباحته. # وقال الله عز وجل: (وأتموا الحج والعمرة لله)، ثم قال عز وجل: (فإن ~~أحصرتم) ولم يذكر منه الإحلال، لكنه معلوم أنه على الشك ما لم يوجد؛ إذ لا ~~يكون العذر سبب الزيادة في الفرض. وكذلك قوله عز وجل: (ولا تحلقوا رءوسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله)، ثم قال عز وجل: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه. . .) الآية وذلك على إطلاق الحلق، ثم يلزمه الفداء؛ لأن الأذى والمرض ~~يلزمانه. فمثله الأول. # ثم الأصل: أنه لا أحد يلزم فرض صيام الشهر في غيره إذا لم يدرك الشهر، ms0495 ~~وقد أمر من نحن في ذكره؛ فبان أنه لزمه بإدراك الشهر لإدراك وقت الإمكان ~~بلا عذر. وقال: (فعدة من أيام أخر)، وقال: (ولتكملوا العدة) وليعلم أن الذي ~~يلزمه بالشهر في أوقات الإمكان. وذلك على ما يلزم الإحداث الطهارة لأوقات ~~عبادة لا تقوم دونها، وفعل الجنابات لأوقات الحلول وإن تأخرت فمثله أمر ~~الشهر. # دليله ما بينا، وما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته: ~~فعل الصيام في ذلك الوقت والفطر جميعا؛ ثبت أن الصوم يجوز على المرض ~~والسفر؛ إذ هما لأنفسهما لا يناقضان الصيام بما جاز معهما، وقد أمر به ~~المتمتع وهو المسافر، أن ليس ذلك على حاضري المسجد الحرام، وذابح الصيد ~~والمبادئ بهما لا يضادان الصيام، ثم كان القضاء عن الشهر بظاهر التلاوة؛ ~~فبان أنه يجوز فيهما. # PageV02P034 # وإذا جاز ثبت أن التأخير رخصة والفضل في الفعل. والله أعلم. # والخبر على من يجهده الصيام حتى خيف عليه، وكذلك ما جاء من الآثار: " أن ~~ليس من البر الصيام في السفر ". والله أعلم. # وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في المكره على الفطر: أنه إن كان مريضا أو ~~مسافرا # PageV02P035 # لا يسعه ألا يفطر لما جاء في ذلك من الوعيد في الفعل في السفر في حال ~~الضرورة، ويسعه لو كان صحيحا مقيما لما لم يذكر له الرخصة، ويلزمه فيه ~~القضاء، مع ما فيه؛ إذ لم يكن ظهر الإذن في تلك الحال كان كفه عنه تعظيما ~~لأمر دينه، من غير أن ذكر له في الدين النهي عنه، فهو في سعة، وليس كالمكره ~~على أكل الميتة، ما ليس ذلك بذي بدل. # وقد فرق بين ذي بدل وما لا بدل له، نحو إتلاف مال آخر، وأكل الميتة، ولأن ~~علته الاضطرار وليست علة الفطر في السفر تلك، إذ قد يجوز، لا له، فهو عذر ~~النفس، لا ضرورة النفس؛ فكأنه غير معقول العلة، وفيه تعظيم الدين. وليس في ~~أكل الميتة وما ذكر. ولا قوة إلا بالله. # ثم السفر الذي له الرخص: أجمع أنه لم يرد به المكان، ms0496 لما جاء الفطر في ~~الأمصار، ثبت أنه لنفس السفر. # ثم كان السفر - حقيقته الظهور والخروج عن الأوطان، وقد يكون مثله في ~~الخروج عن الأوطان إلى الضياع ونحوه، ولم يؤذن في الفطر؛ ثبت أنه راجع إلى ~~الحد، وعلى ذلك متفق القول. # ثم كان الحد المرخص عندنا: الخروج على قصد سفر ثلاثة أيام لخصال ثلاث: # أحدها: الإجماع على أن هذا الحد مرخص ودونه تنازع. والتنازع يوجب النظر؛ ~~لا الفتوى بالرخص، وفي ذلك أمر بفعل الصيام. # والثاني: مجيء الخبر من وجهين: # أحدهما: في تقدير مسح السفر بثلاثة أيام، ومعلوم أنه جعل للسفر حدا ووقتا ~~لفعل رخصة المسح وأوقات الأفعال على اختلافها. يتفق على أنها لا تقصر عن ~~احتمال الأفعال على الوفاء، وليس بما لم يدخل الليالي في حق السفر عبرة؛ ~~لأن الأسفار وإن كانت مؤسسة: على قطع الطرق والسير فيها، فإن دوام السير ~~يجحف صاحبه ويهلكه، وفي ذلك منع السفر؛ ثبت أن أوقات السعي والسير مشترطة ~~داخلة في حق السفر. # لذلك صارت الليالي كالمعفوة، فتكون محيطة بما فيها من فعل المسح. # والثاني: ما جاء من الأثر في النهي عن سفر ثلاثة أيام إلا لمحرم. وهو ~~المنهي لما # PageV02P036 # جاء به النهي، وفيما دونه تنازع، لم يوجب الرخصة للإشكال في حق التمام ~~لما له الرخصة على ما كان لما له النهي. والله أعلم. # والوجه الثالث: أن السفر عذر، والنهايات في الأعذار الثلاث، فكذلك ~~بالأيام؛ إذ بها يسافر. وقال موسى عليه السلام: (قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76). # وأما المرض فلم يجز أن يكون اسمه سببا للرخصة؛ إذ ربما كان المرض يخفف ~~الصيام ويسهل عليه سبيل فعله. # ومن البعيد الترخيص بما يسهل فيه الفعل، والتضييق لما يشتد؛ فثبت أنه ليس ~~لاسم المرض. وعلى ذلك الإجماع فهو - والله أعلم - لما يخاف أن يزداد له ~~بترك الأكل الداء، ويقبح على المرء اكتساب الداء وتعاطي الضارية، فرخص له ~~الفطر بذلك، وذلك معنى البشرية، إذ به تخفيف ما به أو منع، أو ما ms0497 يعتريه من ~~الضرر، ولهذا ما رخص أصحابنا لمن به رمد يخاف الزيادة فيه. # وقد روي عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " يفطر المريض # PageV02P037 # والحبلى إذا خافت أن تضع ولدها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها " ثبت ~~أن الرخصة لما يخاف من فساد ينزل. ولا قوة إلا بالله. # PageV02P038 # وعن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " من مات من طعام أو شراب وهو يقدر فله النار " ~~وبالله المعونة. # وقوله: (وعلى الذين يطيقونه). # قال قائلون: يطيقون الفداء. وذلك في الأمر الأول في المسافر والمريض أن ~~له أن يقضي في أيام أخر، وأن يفدي. وفيه: (وأن تصوموا خير لكم)، أي: أن ~~تقضوا الصيام - والله أعلم - إذ قد يحتمل أيضا أن كانت الرخصة من قبل فيمن ~~عليه بالخيار بين أن يصوم وبين أن يفدي، والصوم خير على ما ذكر في الآية، ~~ثم نسخ ذلك، إن كان على التأويل الأول بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه. ~~. .) الآية، أنه ألزم القضاء على كل حال، وإن كان الثاني فقوله: (فليصمه)، ~~أنه ألزم الفعل على حال، وبمثل ذلك خبر معاذ في إحالة الصيام: أنه كان ~~للمرء خيار بين الفطر والفداء وبين الصيام، ثم نسخ. # في قوله: (وأن تصوموا خير لكم) على أثر ذكر السفر والمرض دلالة جعل ~~الصيام في السفر خيرا من الفطر والفداء في غيره، وإن احتمل الذي ذكرت. ~~والله أعلم. # PageV02P039 # ثم الدلالة على النسخ في الوجه الذي ذكرت. ومتفق القول على أن المطلق لم ~~يكن له الخروج من ذلك بالفداء. فبذلك عرف النسخ مع ما ثبت من قطع الآية على ~~القضاء في أحد الوجهين، وفعل الصيام في الآخر. # وعلى ذلك معتبر القول في الشيخ الفاني الذي لا يقوم للقضاء أن له الفطر ~~والفداء؛ لأن الصوم قد ثبت أنه يحتمل الوفاء بالفداء لكن نسخ بالصيام، فإذا ~~ارتفع الصيام بالعجز عمن يحتمل الخطاب بعبادات الأموال وهم المشايخ، جاز أن ms0498 ~~يخاطبوا بالصيام ليخرجوا عنه بالفداء. وعلى ذلك ما جاء في الأثر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالصيام عن الميت، أنه الصيام الذي هو ~~صيام من لا يحتمل فعله وهو الفداء. والله أعلم. # وقد قرئ (يطوقونه) بمعنى يكلفونه، ولا يطيقونه، لكن في الآية (وأن تصوموا ~~خير لكم) ولو كان " لا يطيقونه ": لا يرغبون فيه، إلا أن يشترط فيه طاقة ~~الجهد. والله أعلم. # وقوله عز وجل: (فمن تطوع خيرا). # من زيادة فداء، وما يستزيد من الخيرات التي لم يفترض ليعود به الخير. أو ~~(تطوع) فيما أذن له في الفداء بالصوم. والله أعلم. # PageV02P040 # وروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: " لا تسموا شهر رمضان رمضان، فإنما هو اسم من أسماء الله تعالى. ~~انسبوه إلى ما نسبه لكم القرآن ". # وقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). # أضاف عز وجل الفعل إلى الشهر بقوله: (فليصمه)؛ فلذلك إذا قصد به صوم ~~الشهر جائز الصوم وإن لم ينو الفرض سوى ما ذكرنا. وكذلك سائر الفرائض نحو ~~الظهر والعصر ينوي ذلك، فيكون ذلك على ما جعله الله من فرض وإن لم ينو ~~الفرض. ولا قوة إلا بالله. # وعلى ذلك من نوى بالصيام غير صيام الشهر جائز عن صيام الشهر، لما أمرنا ~~بصيام الشهر ولم نؤمر بأن نجعل ذلك لشيء سواه، والشهر موجود لنفسه لا يحتاج ~~صاحبه إلى أن يوجده كان من ذلك على كل حال. وكذلك كل حق معين في شيء لم يزل ~~عنه نيته إلى غيره؛ كمن يأمر إنسانا بشراء شيء بعينه لم يتحول عنه بالنية، ~~على أن ذلك كالظهر والعصر ونحو ذلك؛ فيحال على تحقيق ذلك قصد غير، وبعد فإن ~~كلا يجمع ألا يجوز غير؛ فثبت أن استحقاق الشهر بصومه لا يستحق عليه غيره من ~~الصيام فجاز عنه. # وعلى ذلك أجاز أبو حنيفة في السفر غيره، من حيث أذن له في تأخير هذا، أو ~~غيره فرض عليه نحو صوم الظهار والقتل، ولا رخصة له في تأخيره، ms0499 فجاز فيه؛ إذ ~~هو وقت صيام حول إلى وقت غيره، فصار هذا الوقت بالحكم لغيره، وليس كنية ~~المتطوع؛ لأنه في موضع الرخصة وفي العمل به وقد يكون له مقدار التطوع من ~~الفضل على غيره فهو أولى به. ولما قد يجوز النفل بلا نية نفل، فكأنه لم ينو ~~النفل. فهو رجل لم يعمل برخصة الله بل عمل بوجه العزم. ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (لعلكم تتقون). # قيل: (تتقون) الأكل والشرب والجماع. # ويحتمل: (تتقون) المعاصي؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت عن جميع ما تهوى # PageV02P041 # وتشتهي. وإذا شبعت تمنت الشهوات، وتتمنى ما تهوى. # ويحتمل: (تتقون) عذاب الله وعقابه. والله أعلم. # وقوله: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). # ألزم بعض الناس على المريض والمسافر قضاء عدة الأيام وإن صاموا، فاستدلوا ~~بظاهر الآية فقالوا: أوجب عليهم القضاء على غير ذكر الإفطار فيها. # واحتجوا أيضا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " ~~الصائم في السفر كالمفطر في الحضر "، فقد حقق له حكم الإفطار في أن لا صوم ~~له؛ فدل أنه لم يجز، فكان كتقديم الصوم عن وقته. # وأما عندنا: فهو على إضمار الإفطار، كأنه قال: (فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر) فأفطر، (فعدة من أيام أخر). وهو كما ذكر عز وجل في المتأذي: (فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) أي: من ~~كان به أذى فرفع من رأسه ففدية. وكما قال في المضطر: (فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد فلا إثم عليه) ومثله كثير في القرآن. فلا يجوز لأحد أن يأتي ذلك، ولأن ~~المرض والسفر أعذار رخص الإفطار فيها تخفيفا وتوسيعا على أربابها، فلو كان ~~على ما قال هو لكان فيه تضييق عليهم؛ ولأنه إذا قضى في عدة من الأيام إنما ~~يقضي عن ذلك الوقت، فلو لم يجز الفعل في ذلك الوقت وفي تلك الحال، لكان لا ~~يأمر بالقضاء عن ذلك الوقت ولا عن تلك الحال؛ فدل ms0500 أنه على ما ذكرنا. والله ~~أعلم. # وأصله: ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه صام في السفر، ~~وروي أنه أفطر، وروي عن الصحابة، أنهم صاموا في السفر. ولو كان لا يجوز ~~لكان لا معنى لصومهم. # PageV02P042 # وأما قوله: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر "، فهو عندنا: إذا كان ~~الصوم أجهده وضعفه لزمه أن يفطر، صار كالذي أفطر في الحضر. والله أعلم. # وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: " الصوم أفضل والفطر رخصة ". # وقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه). # قرأ بعضهم: " وعلى الذين يطوقونه "، فمعناه يكلفونه. # وقال بعضهم: " لا يطيقونه ". لكن هذا لا يحتمل؛ وذلك أنه قال: (وأن ~~تصوموا خير لكم)، دل أن قوله: " لا يطيقونه " لا يحتمل. # وقيل: كان أول ما ترك الصوم كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا كل ~~يوم، فلما نزل صوم شهر رمضان نسخ ما كان قبله عمن يطيق الصوم، ويثبت الرخصة ~~لمن لا يطيق من نحو الشيخ الفاني، والحبلى والمرضع إذا خافت على ولدها. # وقيل: (وعلى الذين يطيقونه)، أي: الفدية. # وقيل: (وعلى الذين يطيقونه)، ثم عجزوا، (فدية طعام مسكين) كل يوم. # وقيل: إن المريض والمسافر إن شاءا أفطرا وقضيا، وإن شاءا أفطرا وفديا. # لكن ذلك كله منسوخ بما ذكرنا بنزول (شهر رمضان). # وروي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " أحيل الصوم ثلاثة أحوال: ~~فمرة يقضى، ومرة يطعم، ومرة يصام، ثم نسخ هذا كله ". # ثم الأصل في هذا: أن من عجز عن قضائه جعل له الخروج بالفداء بعجزه عن ~~ابتدائه، من نحو الشيخ الفاني وغيره. # ومن لم يعجز عن قضائه، لم يجعل له الخروج بالفداء، من نحو المرضع والحبلى ~~والمريض والمسافر؛ لأنهم لم يعجزوا عن غير المفروض والبدل أبدا، إنما يجب ~~إذا عجز عن إتيان الأصل. والله أعلم. # وقوله: (فمن تطوع خيرا). # يحتمل: زيادة الطواف. # PageV02P043 # ويحتمل: نفس الحج. # ويحتمل: أصل التطوع أن كل ما يتطوع به فهو خير له إذا ثطوع في الأصل خير. # وقوله عز وجل: (شهر رمضان الذي ms0501 أنزل فيه القرآن هدى للناس (185). # قوله: (هدى للناس). # قيل: يهتدون به الطريق المستقيم. # وقيل: بيان للناس من الضلالة. # وقوله: (وبينات من الهدى). # قيل: حجج للناس إذا تأملوه. # - وقيل: (وبينات) أي: فيه الحلال، والحرام، والأحكام، والشرائع. # وقوله: (والفرقان). # قيل: يفرق بين الحق والباطل. # وقيل: (والفرقان)، المخرج في الدين من الشبهة والضلالة. # قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: " نزل الفرقان إلى السماء الدنيا ~~من اللوح جملة في شهر رمضان في ليلة القدر -في ليلة مباركة- جملة واحدة، ثم ~~أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا رسلا في الشهور والأيام على قدر ~~الحاجات ". # وقولهه تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه). # يحتمل قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهو مقيم صحيح، (فليصمه). ثم ~~رخص للمريض والمسافر الإفطار بقوله عز وجل: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر). # ويحتمل قوله: (فمن شهد منكم الشهر) أي: من شهد منكم بعقله الشهر (فليصمه) ~~فلا يدخل في الخطاب المجانين ولا الصبيان، ألا ترى أن أول الخطاب خرج ~~للمؤمنين بقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) فهؤلاء لم ~~يدخلوا فيه؛ فدل أن قوله: (فمن شهد منكم الشهر) أي؛ شهد منكم بعقله، ~~(فليصمه). # ثم يحتمل أن تكون فرضية الصوم بقوله عز وجل: (فليصمه). # PageV02P044 # ويحتمل: لا بهذا، ولكن بقوله: (ولتكملوا العدة)؛ إذ لا يجب إكمال العدة ~~لما مضى إلا على حق الفرضية. # والثاني: قال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر)، بما رخص للمريض ~~والمسافر الإفطار، ولو كان غير فرض لم يكن لما ذكر من الامتنان علينا ~~بالتيسير معنى؛ لأن المنة لا تذكر فيما له تركه؛ فدل أنه فرض. # ويحتمل: أن يكون فرضيته بقوله عز وجل: (كتب عليكم الصيام)؛ لأن قوله: ~~(كتب)، أي: فرض. فدلت هذه الآيات على أنه فرض. # ثم اختلف في قضاء ما فات منه برخصة الإفطار في السفر أو في المرض: # قال بعضهم: لا يجوز إلا متتابعا. وكذلك روي في حرف أبي بن كعب في قوله: " ~~فعدة من أيام أخر متتابعات ". # وأما ms0502 عندنا: فإنه يجوز متتابعا ومتفرقا؛ اتباعا لما روي عن خمسة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنهم قالوا: " إن شاء تابع، وإن شاء فرق ~~" سوى أن عليا، رضي الله تعالى عنه، قال: يتابع، لكنه إن فرق جاز، ثم عن ~~علي، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، رضي الله تعالى ~~عنهم، وآخر لست أذكره، أنهم قالوا: بجواز ذلك، ولا يحتمل أن التتابع شرطا ~~فيه خفي ذلك على هؤلاء، أو تركوه إن عرفوه؛ فدل # PageV02P045 # أنه لا يصح ذكر التتابع شرطا فيه، وليس كذكر التتابع في صوم كفارة اليمين ~~في حرف ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، ~~رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، في ذلك، فصار كالمتلو. وهاهنا قد خالفوا ~~أبيا في حرفه؛ فلم يصر كالمتلو؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # وقراءة أبي إن ثبتت عنه، فهو على الأرب؛ لما ذكر من إجماع الصحابة، رضي ~~الله تعالى عنهم، وبما أنه وجب بوقت، وكل ذي وقت فليس التتابع بشرط فيه في ~~غير ذلك الوقت. # ولو كان التتابع شرطا، لكان حق الإفطار يلزم الكل؛ حتى يكون القضاء ~~موصولا أو الابتداء. # فأما إذا جاز التفريق بين بعض له حكم الابتداء وبعض له حكم القضاء، لجاز ~~في غيره من الأبعاض؛ إذ كل ذلك له في الابتداء جاز الفعل والترك. فصار حق ~~كل يوم في القضاء لنفسه لا لغيره؛ إذ كذلك حقه في الترك القضاء، وفي الفعل ~~في الابتداء. ولا قوة إلا بالله. # وما ذكر من المسائل فهي مبنية على هذا الذي ذكرت: أن التتابع للفعل لا ~~يحتمل اعتراض رخصة التفريق على إمكان الجمع؛ ثبت أن الجمع شرط فيه. وما نحن ~~فيه يحتمل صوم كل يوم على الانفراد أن يؤخر فعله في الشهر بالرخصة عن غيره ~~كذلك القضاء. والله أعلم. # وبعد، لو كان التتابع شرطا لم يكن لقوله: (فعدة من أيام أخر)، وقوله عز ~~وجل: (ولتكملوا العدة)، كبير فائدة؛ لأن في التتابع شرط الجملة، لا أن يكلف ~~له العدد، ms0503 وعلى الرجل أن يتم المدة التي للقضاء، لا أن يحفظ الحساب لإكمال ~~العدة. والله أعلم. # والأصل: أن كل صوم يؤمر بالتتابع بحيث الفعل يكون التتابع شرطا فيه حيثما ~~كان الفعل. وكل صوم يكون التتابع فيه بحيث الوقت، ففوت ذلك الوقت يسقط حق ~~التتابع. # ولهم على هذا مسائل: # إذا قال: " لله علي أن أصوم شعبان "، فلزمه أن يصوم متتابعا، لكنه إذا ~~فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعا، وإن شاء متفرقا؛ لأن التتابع بحيث الوقت ~~يسقط لسقوطه. # PageV02P046 # ولو قال: " لله علي أن أصوم شهرا متتابعا "، يلزمه أن يصوم متتابعا، لا ~~يخرج من نذره إلا به؛ لأن التتابع ذكر للصوم، فهو لا يسقط عنه أبدا. # والثاني: ما قال عز وجل: (يريد الله بكم اليسر)، واليسر رخصة، لم يجز أن ~~يجعل فيه ما هو عسر وضيق: وهو التتابع. والله أعلم. # ثم في قوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، دلالة أنه إذا صام من غيره لم ~~يجز؛ لأنه أضاف عز وجل الصوم إلى الشهر، وأشار إليه بقوله عز وجل: (فليصمه) ~~فلو جاز له أن يصوم من غيره لكان فيه صرف إلى غير ما جعله الله، وفي ذلك ~~خوف اعتراض لأمره، وإشراك في حكمه. ونسأل الله العصمة من الزيغ عن الحق. # وأما قوله عز وجل: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). # قالت المعتزلة: من صام في السفر أو في المرض فعل ما لم يرد الله؛ لأن ~~الله عز وجل أخبر أنه لم يرد العسر، وإنما أراد اليسر، فإذا صام في المرض ~~أو في السفر أراد العسر، والله تعالى أخبر أنه لم يرد، فدل أنه فعل ما لم ~~يرد الله. # لكن الوجه عندنا: أن قوله: (يريد الله)، معناه: أراد الله بكم اليسر لما ~~رخص لكم الإفطار في السفر؛ لأنهم أجمعوا على أن الصوم في السفر أفضل، ~~والإفطار رخصة، ولا جائز أن يقال: لم يرد الله ما هو أفضل، وأراد ما هو ~~دونه على قولهم، ولكن يقال: أراد لمن أفطر اليسر، وأراد لمن ترك الإفطار ms0504 ~~العسر، وإرادته نافذه، فلا جائز أن ينفذ في وجه ولا ينفذ في وجه آخر. # وقوله عز وجل: (يريد الله بكم اليسر)، أي: يريد أن ييسر عليكم بالإذن في # الفطر، لا أن يعسر عليكم بالنهي عنه. # وقد يحتمل الفعل، لكنه لم يذكر عن أحد أن الله تعالى أراد به اليسر فصام؛ ~~فثبت أن الإرادة موجبة، مع ما لا يحتمل على قولهم أن يكون الصائم في السفر ~~غير مراد، وقد قضى به فرض الله، وأطاع الله فيه. والمعتزلة يقولون بالإرادة ~~في كل فعل الطاعة فضلا عن الفريضة. # وقوله " (ولتكبروا الله على ما هداكم). # قيل: يعني تعظمون الله، (على ما هداكم) لأمر دينه. ويجوز أن يريد ~~بالتعظيم الأمر بالشكر لما أنعم عليهم من أنواع النعم من التوحيد والإسلام ~~وغيره. # PageV02P047 # (ولعلكم تشكرون): # أي: ربكم بهذه النعم التي أنعمها عليكم. # ويحتمل: أنه أمر بالتعظيم له والشكر لما رخص لهم الإفطار في السفر ~~والمرض. # والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها ~~كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # وقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب). # هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: وإذا سألك عبادي: " أين أنا عن ~~إجابتهم "، فقل لهم: إني قريب الإحسان، والبر، والكرامة لمن أطاعني. # ويحتمل: (فإني قريب). قرب العلم والإجابة، لا قرب المكان والذات كقرب ~~بعضهم من بعض في المكان؛ لأنه كان ولا مكان، ويكون على ما كان، وكذلك قوله: ~~(ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ~~ذلك ولا أكثر إلا ms0505 هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن ~~الله بكل شيء عليم)، وكقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، (ونحن أقرب ~~إليه منكم ولكن لا تبصرون) كل ذلك يرجع إلى قرب العلم والإحاطة وارتفاع ~~الجهات، لا قرب الذات على ما ذكرنا. # وإن كانت القصة على ما قاله بعض أهل التفسير: بأن اليهود قالوا: كيف يسمع ~~ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل ~~سماء مسيرة خمسمائة عام؟! فنزل قوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)، هذا ~~لما لم يعرفوا الصانع؛ ألا تراهم جعلوا له الولد، وجعلوا له شركاء، فخرج ~~سؤالهم، إن كان، مخرج سؤال المتعنت، لا سؤال المسترشد. # PageV02P048 # وقوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان). # أي: أقبل توحيد الموحد. وكذلك قال ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، في ~~قوله: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)، أي: وحدوني أغفر لكم. # وقيل: (أجيب دعوة الداع)، على حقيقة الإجابة. # وقوله: (فليستجيبوا لي). # أي: إلى ما دعوتهم. # يحتمل: على ما ذكرنا في قوله؛ (أجيب) لكم، إذا استجبتم لي بالطاعة ~~والائتمار. # ويحتمل: (أجيب) لكم، إذا أخلصتم الدعاء لي. # ويحتمل: على ابتداء الأمر بالتوحيد، كأنه قال: وحدوني. # ألا ترى أنه قال: (وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) إذا نعلوا ذلك. # وقوله: (أحل لكم ليلة الصيام (187) # سماه (ليلة الصيام). الليل مضاف إلى يومه، كأنه قال: ليلة يوم الصوم، وإن ~~لم يكن فيها صوم في الحقيفة؛ لانتظار الصيام فيها بالنهار، على ما جاء عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: " منتظر الصلاة ما دام ينتظرها ~~في الصلاة "، وكذلك قوله: (فمن فهد منكم أدشهر فتيممته)، أضاف الصوم إلى ~~الشهر يدخل فيه الليل والنهار؛ لأن اسم الشهر يجمع الليل والنهار جميعا. # وقوله: (الرفث إلى نسائكم). # قيل: (الرفث)، الجماع. وهو قول ابن عباس، رضي الله تعالى عنه. # وقيل: (الرفث) هو حاجات الرجال إلى النساء من نحو الجماع، والمس، ~~والتقبيل وغيره. # وقوله: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). # PageV02P049 # قيل: هن ستر لكم عما لا ms0506 يحل، وأنتم ستر لهن أيضا. يعف الرجل بالمرأة، ~~والمرأة بالرجل. # وقيل: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن. يسكن الزوج بالزوجة، والزوجة بالزوج. # وهو كقوله: (وجعلنا الليل لباسا)، أي: سكنا، (الله الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه). ويحتمل: أن يكون أحدهما لباس الآخر بالليالي. والله أعلم. # وقوله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم). # (تختانون) وتخونون واحد. # قيل: نزلت الآية في شأن عمر، رضي الله تعالى عنه، وذلك أن الناس إذا ~~صاموا، ثم نام أحد منهم، حرم عليهم الطعام والجماع حتى يفطر من الغد، فواقع ~~عمر، رضي الله تعالى عنه، امرأته يوما بعد ما نام أو نامت. فغدا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فنزل قوله: (علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم)، أي: تظلمون؛ لأن كل خائن ظالم نفسه، فتاب الله عليه وعفا ~~عنه، ثم رخص لهم المباشرة بقوله: (فالآن باشروهن) على الرخصة، هو على ~~الإباحة، لا على الأمر به. # وقوله: (وابتغوا). # أي: اتبعوا. # (ما كتب الله لكم). # قيل: فيه بوجوه: # قيل: (ما كتب الله لكم)، من الولد. # وقيل: (ما كتب الله لكم)، من ليلة القدر، وما فيه من نزول الرحمة. # PageV02P050 # وقيل: (وابتغوا ما كتب الله لكم)، من الرخصة، والإباحة في الجماع في ليلة ~~الصيام، والأكل بعد النوم وهو كما جاء: " من لم يقبل رخصنا كما يقبل ~~عزائمنا، فليس منا ". # وقوله: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل). # ذكر عن عدي بن حاتم، أنه قال: كنت أضع خيطين تحت وسادتي بعد نزول هذه ~~الآية: أحدهما أبيض، والآخر أسود، فكنت أنظر فيه متى ما تبين لي إلى أن ~~أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، فقال: " إن وسادك لعريض ~~"، يعني أن الفجر هو المتعرض في الأفق. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " لا يغرنكم الفجر ~~المستطيل، إنما الفجر # PageV02P051 # المستطير في الأفق ". # وروي أنه قال: " الفجر فجران: فجر مستطيل في السماء، وفجر ms0507 مستطير في ~~الأفق، هو الذي يحرم الطعام على الصائم ويحل الصلاة ". # وروي أنه قال: " لا يغرنكم أذان بلال، فإنه إنما يؤذن بالليل ليوقظ ~~نائمكم ويرجع قائمكم ". # وفي بعض الأخبار قال: " لا يغرنكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه إنما يؤذن ~~بليل "، أو كلام نحو هذا. # والأصل في هذا: أن الله عز وجل جعل حد الصيام من وقت تبين النهار إلى وقت ~~غيبوبة الشمس وأباح من وقت غيبوبة الشمس إلى وقت تبين النهار، الطعام، ~~والشراب، والجماع تخفيفا منه. # وقوله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). # وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة: # قيل: (المباشرة) عنى الله به: الجماع وما دون الجماع، فإنما نهوا عنها. # PageV02P052 # وقيل: (المباشرة) كناية عن الجماع. # ثم قوله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد)، فيه أدلة من أوجه ~~الآية، كأنها نزلت في نازلة بلوا بها، لا أن كانوا يباشرون نساءهم في ~~المساجد؛ لأن المساجد كانت أجل عندهم من أن يجعلوها مكانا لوطء النساء. ~~ولكنه - والله أعلم - أن الاعتكاف: هو اللبث في مكان، يأخذ الحق في نفسه ~~عند عكوفه في المسجد وخروجه منه، فذكر أن العكوف نفسه يحرم الجماع في ~~الأحوال كلها، ليس كالصوم الذي يحرم حالا دون حال في الوقت الذي لم يكونوا ~~فيها، ليعلموا أن حكم المقام في المساجد أخذ وليسوا هم # PageV02P053 # فيها. ولو لم يكن شرطا في ذلك لكان قوله: (وأنتم عاكفون) كافيا إذ لم ~~يكونوا في المساجد وقت لحوق النهي للمباشرة. والله أعلم. # وفيه دليل أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، حيث خص المساجد دون غيرها ~~من الأمكنة. # وفيه دليل أن المعتكف قد يخرج من معتكفه، لكنه لا يخرج إلا لما لا بد # PageV02P054 # منه، على ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنه كان لا يخرج ~~إلا لحاجة الإنسان "، وحاجة الإنسان يحتمل وجهين: # يحتمل: لما يرفع إليه من الحوائج. # ويحتمل: حاجة الإنسان: الحاجة المعروفة التي لا يحتمل قضاؤها في المسجد. # ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين: مرة في نفسه، ومرة فهي أفعال ms0508 ~~يكتسبها. # وبهذا يقول أصحابنا، رحمهم الله تعالى، في فرضية الخروج إلى الجمع؛ لأن ~~من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك، لما لا جائز أن يؤذن ~~بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط ~~بأداء البعض، لذلك كان ما ذكرنا. # فإن قيل: روي أنه كان أيخرج، لاتباع الجنازة وعيادة المريض. # PageV02P056 # قيل: إن ثبت هذا فهو إذ خرج لوجه أذن له بالخروج لذلك الوجه فخرج ثم عاد ~~مريضا، أو شهد جنازة، وذلك جائز، ولو كان يؤذن لذلك لكان يؤذن لكل قربة؛ إذ ~~الجنازة إذا شيعها الكافي سقط فرض الثشييع، فإذا لم يؤذن في غير هذا، وهذا ~~مثل ذلك، أو دونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك دليل أن ~~الخبر على ما بينت، والله أعلم. # وروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: " إن من السنة ألا يخرج ~~المعتكف من معتكفه "، دل هذا من عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن خبر علي بن ~~أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، على ما ذكرنا، إن ثبت. # وفي قوله: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) دليل أن الاعتكاف يكون ~~في جميع المساجد؛ لأنه عم المساجد. # وما روي: أن " لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام " إن ثبت، فهو على ~~التناسخ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في مسجد المدينة، فدل ~~فعله أنه منسوخ. والله أعلم. # وقوله: (تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم ~~يتقون). # قيل: (تلك) المباشرة معصية، (فلا تقربوها) في الاعتكاف، فحد الأمر ألا ~~تقربوها. # وقيل: إنه جمعل لكل طاعة وأمر ونهي حدا وغاية، فلا يجاوز ولا يقصر عنه. # وقيل: (تلك) فرائض الله. # PageV02P057 # وقيل: (تلك) سنن الله. وكان الأول أقرب والله أعلم. # قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) # وقوله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام). # قيل: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا ms0509 تدلوا بها إلى الحكام. وقراءة ~~أبي: " فلا تدلوا بها إلى الحكام "، وجهان: # على إضمار لا؛ كقوله: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق)، أي: ولا ~~تكتموا الحق. # وقيل: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) بما تلبسوا على الحكام، ~~وتقيموا على ذلك حججا باطلة، على ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، أنه قال: " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له ~~بحق أخيه المسلم فكأنما قضيت له بقطعة من النار ". # PageV02P058 # وقوله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، جعل مال أخيه كماله، ونفس ~~أخيه كنفسه بقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم). فإذا أكل مال أخيه بالباطل ~~لزمه مثله، جعل كأكل ماله بباطل، وجعل قتل نفس أخيه بالباطل كقتل نفسه ~~بالباطل؛ لأنه إذا قتله بباطل قتل به. # ثم من الناس من استدل بهذا على أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، فيما يقول ~~بمضي العقد إذا شهد الشهود على ذلك عند الحاكم، وقضى به، ثم ظهر أن الشهود ~~شهود زور؛ حيث قال: (ولا تأكلوا)، وكما روي من الوعيد للأخذ مكان ما أخذ ~~قطعة من نار، فإذا لم يحل ذلك لم يمض العقد. # غير أن الأصل عندنا في كل ما لو اجتمع الخصمان على ذلك بسبب جعل ذلك ~~لهما، فإذا قضى الحاكم بذلك السبب نفذ. # وقوله: (لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون). # يعني: طائفة من أموال الناس. # * * * # قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (189) وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله ~~غفور رحيم (192) # PageV02P059 # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ms0510 قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ~~(194) وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين (195) # وقوله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج (189) # يحتمل: (يسألونك)، أي: سألوك عن الأهلة. # ويحتمل: (يسألونك) أنهم يسألونك من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل ~~رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له. # ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع ~~دائما على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان ~~فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال ~~معرفا للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ~~ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام. ~~فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ~~ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلبا للتخفيف والتيسير عليهم. # ثم قال: (مواقيت للناس والحج)، جعل الأهلة كلها وقتا للحج. ولهذا قال ~~أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في ~~الأوقات كلها. # وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: (الحج ~~أشهر معلومات)، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: (فمن فرض فيهن الحج)، ~~ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه ~~سمى الإحرام على الانفراد حجا، وسمى الطواف بالبيت حجا، والوقوف حجا، وقال: ~~" الحج عرفة " وسمى الذبح حجا، حيث قال: " أفضل الحج # PageV02P060 # العج والثج ". وإنما سمى كلا منها حجا؛ لما جعل لها أوقاتا معلومة يؤدى ~~فيها. # PageV02P061 # وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتا له بقوله: (يسألونك عن الأهلة قل ~~هي مواقيت للناس والحج). # وقوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها). # لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة ~~وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان ms0511 البيوت من ~~ظهورها. # (ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون). # ثم اختلف في قصة هذا الكلام: # قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل ~~من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه. # وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل ~~البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح -يتطيرون ~~به- ويتفاءلون قضاءها ثانيا. فقال الله عز وجل: (وليس البر) فيما تصنعون، ~~(ولكن البر من # PageV02P062 # اتقى)، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي (البيوت من أبوابها). # ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: (فنبذوه ~~وراء ظهورهم)، وكقوله: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم)، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام ~~الله ولا يعبئون به. وكذلك كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا ~~يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم ~~يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه (ليس البر) في ترك اتباع محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - والائتمار بأمره، أي: ليس فعل البر مخالفة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما يأمر، ولكن البر في الاتباع له والائتمار بأمره. # وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى ~~عنه، والبيوت بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أمروا بإتيان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من عند علي، رضي الله تعالى عنه، على ما جاء ~~أنه قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". فمن أراد الدخول في البيت، لا بد ~~من أن يأتي الباب فيدخل من الباب. # لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب ~~أيضا والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضا، فعلي وغيره من الصحابة من نحو أبي ~~بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى ~~أنه ms0512 قال: " أنا مدينة الحكمة "، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون ~~لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله تعالى عنه، خاصة، لا يصح. ~~وبالله العصمة. # وقوله: (واتقوا الله). # أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه. # وقوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا (190) # PageV02P063 # (سبيل الله): دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه. # قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال. # وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا). # ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولا ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل ~~الله أنه أذن لهم إخبارا. فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، ~~والنهي عن الاعتداء هاهنا؛ قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ ~~الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليدا ولا شيخا. # وقيل: نهاهم أن يقاتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون ~~بالقتال. والله أعلم. # وقوله: (إن الله لا يحب المعتدين). # أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى. # وقوله: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم (191) # قيل: لفظ (حيث) يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي ~~تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من ~~المسجد الحرام مطلقا. # وأما قوله: (يسألونك عن الشهر الحرام)، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ~~ذلك العام. والله أعلم. # PageV02P064 # ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية. # ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعا. # وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى: يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم ~~إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم. # وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا ~~يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل. # وإذا قتل في الحرم يقتل. فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم ~~بالقتال، فعند ذلك يحل القتل. # وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم ms0513 به، وإن كان ظاهر قوله: ~~(واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: (ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه)، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن. # وأما قوله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير)، ظاهر ~~هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ~~(والفتنة أكبر من القتل)، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيرا، ثم ~~أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل. # فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ ~~فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة -وهو الشرك- إذ هو ~~أكبر وأعظم. والله أعلم. # وقوله: (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم). # يحتمل: (وأخرجوهم) من مكة كما (أخرجوكم) عام الحديبية. # ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة ~~بهم. # ويحتمل: الإخراج على ما جاء: " ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا ". # PageV02P065 # ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، وكقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور)، المنع عن الشرك إخراجا. # وقوله: (والفتنة أشد من القتل). # أي: الشرك أعظم جرما عند الله من القتل فيه. # وقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم) # كما ذكرنا أن هذا وقوله: (واقتلوهم)، كله يخرج على المجازاة لهم. # وفيه لغة أخرى: " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه ". # فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟ # قيل: يحتمل قوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم)، أي: ~~إذا قتلوا واحدا منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلوهم حتى يبدءوا هم ~~بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ ~~تقتلونهم. والله أعلم. # وقوله: (كذلك جزاء الكافرين). # أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر. # ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل. # وقوله: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) # يحتمل ms0514 وجهين: # يحتمل: (فإن انتهوا) عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته. # ويحتمل: (فإن انتهوا) عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ~~ذنوبهم. # وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله (193) # أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا. # فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟ ~~قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإن أبوا ذلك ~~ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبدا؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة. # ويحتمل: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك. # PageV02P066 # وقال قوم: (والفتنة) هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار. # وقوله: (ويكون الدين لله). # أي: ليكون (الدين) دين الله في الأرض لا الشرك. و (الدين): الحكم. # وقوله: (فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين). # فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟ # قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد. # ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم. # فإن قيل: فلم سمي عدوانا، والعدوان هو ما لا يحل؟ # قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدوانا، فسمي باسمه ~~كما سمي جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: (وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها) وكما سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة ~~اعتداء؛ فكذلك الأول. # وقوله: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص (194) # قيل: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشهر الحرام يريد مكة فصده ~~المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثا، ~~وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل ~~قوله: (والحرمات قصاص)، هذه الثانية صارت قصاصا بالأول. # وقيل: إن في الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما ~~أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضا، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار ~~يغيرون على أهل الإسلام ms0515 ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه ~~بقوله: (والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ~~إن استطاعوا)، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا. # وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (واتقوا الله). # يحتمل: (واتقوا) مخالفة الله. # PageV02P067 # أو: (واتقوا) عذاب الله. # وقوله: (واعلموا أن الله مع المتقين). # يعني: مع المؤمنين جملة. # ويحتمل: (واتقوا) القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، ف (أن الله مع ~~المتقين) في النصر والمعونة لهم. # وقوله: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (195) # قيل فيه بوجوه: # قيل: أمر بالإنفاق ترتيبا على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكل منفق على نفسه ~~بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق. # وقيل: في قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، هو أن يذنب ذنبا ~~ثم ييأس عن العفو عنه. # وقيل: (وأنفقوا) أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ ~~فإنه يخلف لكم ما أنفقتم. # وقيل: (وأنفقوا) أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك ~~المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم. # وقيل: (وأنفقوا) أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم. # وقوله: (وأحسنوا). # قيل: (وأحسنوا) إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق. # وقيل: (وأحسنوا) الظن بالله في الإنفاق. # وقيل: (وأحسنوا) الظن بربكم في الخروج إلى الغزو. # ويحتمل: (وأحسنوا) أي أسلموا. # PageV02P068 # وعلى ذلك يخرج قوله: (إن الله يحب المحسنين) يعني: المؤمنين. # * * * # قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ~~ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله ~~واعلموا أن الله شديد العقاب (196) الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن ms0516 الحج ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (197) # وقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) # اختلفوا في تأويله وفي قراءته: # قال بعض الناس: العمرة فريضة بهذه الآية؛ لأنه أمر بإتمامها كما أمر ~~بإتمام الحج. # وقيل: هي الحجة الصغرى. # وأما عندنا: هي ليست بفريضة، وليس في قوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) ~~دليل # PageV02P069 # فرضيتها؛ لأنا لم نعرف فرضية الحج بهذه الآية، ولكن إنما عرفناه بقوله: ~~(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). # ثم في الأمر بالإتمام وجوه: # أحدها: أنهم كانوا يفتتحون الحج بالعمرة، فأمروا بإتمامها، على ما روي عن ~~عمر، رضي الله عنه، قال: " متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج، ومتعة النساء ". # والثاني: أنهم كانوا لا يجعلون العمرة لله، فأمروا بجعلها لله. # وعلى ذلك روي في حرف ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قرأ: " وأتموا ~~الحج والعمرة لله " بالرفع على الابتداء، ويحتمل الأمر بالإتمام ما روي عن ~~علي وابن مسعود رضي الله عنهما سئلا عن قول الله: (وأتموا الحج والعمرة ~~لله) قالا: " من تمامهما أن تحرم من دويرة أهلك ". # واحتج أصحابنا، رحمهم الله تعالى، أيضا بما روي عن جابر رضي الله تعالى ~~عنه: " أن رجلا قال: يا رسول الله، العمرة واجبة هي؟ قال: لا. وأن تعتمر ~~خير لك ". # وروى أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " الحج مكتوب، ~~والعمرة تطوع "، وفي بعضها قال: " الحج جهاد، والعمرة تطوع ". # وعن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " الحج فريضة، والعمرة تطوع ~~". # PageV02P070 # وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: " قلت: يا رسول الله، أكل أهلك ~~يرجع بحجة وعمرة غيري؟ قال: انفري فإنه يكفيك ". إلى هذه الأخبار ذهب ~~أصحابنا. # والأصل: احتج أصحابنا أيضا بشيء من النظر؛ وذلك أن الله تعالى فرض الصلاة ~~والزكاة والصيام في أوقات خصها بها، وأجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة ms0517 ~~والصلاة والصيام يفعل ذلك متى شاء، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها؛ فدل ~~ذلك على أنها تطوع؛ إذ لو كانت فريضة كان لها وقت مخصوص يفعل فيه كغيرها من ~~الفرائض. # فإن قيل: إن الحج التطوع مخصوص بوقت مخصوص المفروض منه، فكما لا يدل ~~الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل ~~أنها تطوع. # قيل: وجدنا الفرض كله مخصوصا بوقت، ووجدنا التطوع على ضربين: منه ما هو ~~مخصوص؛ كالحج، ومنه ما هو غير مخصوص؛ كالصلاة والصيام والصدقة. فلما لم نجد ~~في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت، أجعلنا كل ما ليس بمخصوص بوقت تطوعا غير فرض. # واحتجوا أيضا: بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج، ولم نجد صلاتين ~~تفعلان في وقت واحد فريضتين، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة؛ فثبت ~~لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع؛ كالصلاة التي ~~تفعل في وقت القهر وغيرها. # واحتج من جعلها فرضا بأن قال: لم نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل في ~~الفرض، فلو كانت العمرة تطوعا لكان لها أصل في الفرض. # قيل: العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولذلك أصل في الفرض -فرض الحج- مع ما ~~أنا وجدنا الاعتكاف تطوعا، وليس له أصل في الفرض. فعلى ذلك العمرة. # والأصل: أن كل ما يبتدئ الله إيجابه على عباده فإنه يوجب فعلها بأوقات أو ~~يجعل لأدائها أوقات، والعمرة ليس لوجوبها وقت، ولا لأدائها. ثبت أنها ليست ~~مما أوجبها الله تعالى. # وقوله: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك). # قوله: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) الآية على الإضمار، كأنه قال - ~~والله أعلم -: # PageV02P071 # فإن أحصرتم: عن الحج، فأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدي؛ إذ ~~الإحصار نفسه لا يوجب الهدي، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدي؛ وعلى ذلك ~~يخرج # PageV02P072 # قوله: (فمن ms0518 كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، كأنه قال - ~~والله أعلم -: من كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر، فعدة من أيام أخر، ~~وكقوله: (أو به أذى من رأسه ففدية من صيام) معناه - والله أعلم - أو به أذى ~~فلو أزال من رأسه ففدية، وإلا كون الأذى في رأسه لا يوجب عليه الفداء حتى ~~يزيل، كقوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)، أي من اضطر فأكل ~~منها غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. والاضطرار نفسه لا يوجب الإثم. # ثم اختلف أهل العلم في الإحصار: ما هو؟ وبم يكون؟ وهل يحل؟ # روي عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " إذا أحصر الرجل من مرض ~~أو حبس أو كسر أو شبه ذلك، بعث الهدي وواعد يوم النحر ومكث على إحرامه على ~~أن يبلغ الهدي محله، وعليه الحج والعمرة جميعا من قابل ". # وعن عروة بن الزبير قال: " الحصر من كل شيء يحبسه: عدو ومرض ". # وروي مرفوعا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من كسر أو ~~عرج فقد حل، وعليه الحج # PageV02P073 # من قابل "، ومعنى قوله: " فقد حل "، أي جاز له أن يحل ألا أن يحل، بغير ~~دم؛ لأن الله تعالى أذن له في الإحلال بدم. # وهذا عندنا كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أقبل الليل ~~وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر "، فمعناه: فقد حل له الإفطار. فعلى ذلك ~~الأول: حل له أن يحل. # ثم قال بعض أهل اللغة من نحو الكسائي وأبي معاذ: إن الإحصار من المرض، ~~والحصر من العدو. # فإن قيل: روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا: " ~~لا حصر إلا عن حصار العدو ". # ولكن في هذا نسخ الكتاب بقولهما، إن ثبت، وهو لا يرى نسخ الكتاب بالسنة ~~فضلا أن يراه بقول واحد من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، مع ما ترك ~~قولهما؛ لأنه روى عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ذهب ms0519 الحصر. # PageV02P074 # ثم يقال للشافعي - رحمه الله تعالى -: إذا جاز أن تجعل المرأة بمنزلة ~~المحصر من غير أن تخاف عدوا، لكنها لما منعها من له أن يمنعها جعلتها ~~محصرة، فهلا جعلت المريض مثلها، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من ~~العدو على زعمك؟ # فقال: لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها، فهي أشد حالا ممن حبسه عدو، ~~وليس له أن يحبسه. # فيقال له: المريض أمرضه من له أن يمرضه فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو ~~وليس له أن يحبسه، أو فرق بين المرأة والمريض، فقال: بل بينهما فرق. # وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه، وقد أباح الله للخائف في ~~القتال أن يتحيز إلى فئة، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن. # قيل له: كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال؛ فالرخصه ~~له أكثر من الرخصة للخائف. # فإن قال: إن المريض لا يبرأ بالقعود، والخائف يأمن. # قيل له: إن الرخص التي جعلت للأعذار لا تجعل لترفعها، ولكن الرخصة لتوفيه ~~المشقة. فيقال له أيضا: قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها وهي لا تخاف ~~القتل على نفسها. فبطلت علته وانتقضت. # فإن قال: إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محصرا وهو ممنوع من المضي على حجه، ~~فما الفرق بينه وبين المريض؟ # فيقال: لو جعلنا الضال عن الطريق محصرا، لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا ~~بدم يوجهه إلى الحرم فيذبح عنه. # وإذا وجد من يذهب إلى الحرم فيذبح هديه، فليس بضال؛ لأنه قد وجد دليلا ~~يدله على طريقه؛ لذلك افترقا. # وبعد، فإن المرض أحق أن يكون عذرا في ذلك من العدو وغيره؛ لأنه يقاتل ~~العدو والسباع فيدفع عن نفسه الإحصار، والمرض لا سبيل له إلى دفعه. دل أنه ~~أحق أن يجعل عذرا. # وقال بعضهم: يكون محصرا من الحج، ولا يكون من العمرة؛ لأن الحج مما يحتمل ~~الفوت، والعمرة لا. # وأما عندنا: فإنه يكون محصرا منهما جميعا؛ لأن الله عز وجل ذكر الإحصار ~~على إثر # PageV02P075 # ذكر ms0520 العمرة بقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدي)، وروي في الخبر، يرويه ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت الشريف، ~~فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقوله: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله)، فيه دلالة أن المحصر يبقى حراما على حاله، لا يحل حتى ينحر عنه ~~الهدي. # واختلف أهل العلم: أين يذبح الهدي؟ # فعندنا: أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم؛ روي عن ابن مسعود - رضي الله ~~تعالى عنه - أنه قال: " يبعث بهدي ويواعدهم يوما، فإذا نحر عنه حل ". وعن ~~ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، مثل ذلك. وعن ابن الزبير وعروة ابن الزبير ~~- رضي الله تعالى عنهما -: أن المحصر يبعث بالهدي فإذا نحر عنه حلق. # وظاهر القرآن يدل على ما روي عن هؤلاء؛ لأن الله تعالى قال: (ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله)، فجعل للهدي محلا يبلغه، وبين موضع محله فقال: ~~(هديا بالغ الكعبة) وكانت الكعبة محلا لجزاء الصيد والدم المحصر. # قال الشيخ - رحمه الله -: المحل: اسم الموضع الذي يحل فيه. ولو كان كل ~~موضع له محلا لم يكن لذلك المحل فائدة. # واحتج من خالف أصحابنا رحمهم الله بما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذبح الهدي يوم الحديبية ثم قال: ولم يبلغنا أنه نحره في الحرم. قبل روي ~~أنه نحر هديه يوم الحديبية في الحرم، يرويه مروان بن الحكم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، وجاء سهيل بن عمرو يعرض ~~عليهم الصلح فصالحهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P076 # وأمرهم أن يسوقوا البدن حتى تنحر حيث شاء، ولا يتوهم أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يهدي الهدي في الحل وقد أطلق له المشركون أن ينحرها حيث ~~شاء ولا يتوهم أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بقرب الحرم بل هو ms0521 ~~فيه. # وروي عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: نزل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم، هذا يبين أنه كان قادرا أن ~~ينحر هديه في الحرم حيث كان يصلي. # ولا يحتمل أن يترك نحر الهدي في الحرم وهو على ذلك قادر، ولأن الحديبية ~~مكان مجمع الحل والحرم جميعا فإنما ذبح في الحرم لا في الحل؛ لما ذكرنا أنه ~~لا يحتمل أن يذبح في الحل، وله سبيل إلى الذبح في الحرم. # فإن قيل: حل النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية من إحصاره بغير ~~هدي؛ لأن الهدي إلى نحره كان هديا ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هديه على ~~النية الأولى، وحل من إحصاره بغير دم. # قلنا: ليس الأمر عندنا هكذا؛ لأنه لا يتوهم على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يكون حل بغير دم، وقد أمر الله المحصر بالدم. # فإن قال كذلك قال: وليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر ~~دما واحدا، فما وجه ذلك عندكم؟ # قيل: وجه ذلك عندنا - والله أعلم - أن الهدي الذي ساقه كان هدي متعة أو ~~قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار. ~~فإن قيل: فكيف قلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أزال الهدى عن سبيله، ~~وأنت تزعم أن من باع هديه فهو مسيء؟ قيل له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يصرف الهدي عن نحره لله والتقرب به إليه، وإنما صرف النية إلى ما هو ~~أفضل منها وأوجب، فكان ذلك في فعله متبعا والذي باعه صرفه عن سبيله وترك أن ~~ينحره بعد أن كان نوى به القربة فكان مسيئا، ومما يدل على أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جعل الهدي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه، ~~وقال: " يا أيها الناس انحروا وحلوا ". # ثم المسألة ما يجب على المحصر بالحج والعمرة من القضاء إذا حل، فعلى قول ~~أصحابنا إذا كان محرما بالحج يلزمه الحج ms0522 مكان الأول وعمرة بتفويت الحج؛ قال ~~الله # PageV02P077 # تعالى: (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) اختلف أهل العلم في تأويل ~~ذلك، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - فيما يكون الرجل به محصرا أنه قال: ~~فإذا أمنتم من الخوف أو المرض فمن تمتع بالعمرة أي اعتمر في أشهر الحج، ~~كأنه يقول: إن عليه لإحلاله بغير الطواف عمرة، فإن أخرها حتى يقضيها مع ~~الحج في أشهره فعليه لجمعه بينهما دم، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~قال في رجل أهل بعمرة وأحصر: يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل، فإن ~~اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فليس عليه هدي، وإن اعتمر من قابل بعد حج فليس ~~عليه هدي، فإن وصلها من قابل بعد حج فعليه هدي، والحاج إذا أحصر فإنه يبعث ~~بهدي، فإذا بلع محله حل، وإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فإنه يحج من قابل ~~وليس عليه هدي، وإن لم يزر البيت حتى يحج وجعلها سفرا واحدا كان عليه هدي ~~آخر، سفران وهدي أو هديان وسفر. # وقال قوم: عليه حج واحد. # وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: أمر الله بالقصاص فيأخذ ~~منكم العدد، أي حجة بحجة وعمرة بعمرة. # وروى في خبر عمر، رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما قال: " فقد حل وعليه الحج من قابل "، هذا يدل على قول ابن عباس، رضي ~~الله تعالى عنه، لأنه قال: " وعليه الحج من قابل "، ولم يذكر عمرة. # إلا أنه قد يجوز أن يكون عليه العمرة وإن لم تذكر في الحديث، كما أن الدم ~~عليه واجب وإن لم يذكر في الحديث، فعلى ذلك العمرة يجوز وجوبها وإن لم ~~تذكر. أما إيجابهم العمرة لفسخ الحج بغير طواف وحجة مكان حجته: فإن كان ~~التأويل في قوله: (فمن تمتع بالعمرة) أي: بالعمرة التي لزمته بإحلاله كما ~~قال ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - فكفى به حجة، وإن ~~كان تأويل الآية غير ذلك فإنا وجدنا ms0523 من يفوته الحج يلزمه أن يطوف بالبيت ثم ~~يجب بعد ذلك قضاء الحج فأوجبوا على المحصر عمرة مكان الطواف الذي يجب على ~~من يفوته الحج وأوجبوا الحج لما دخل فيه. # فإن قيل يجب أن تسقط عنه العمرة التي يجب على من يفوته الحج لأن الذي ~~يفوته الحج لا يحل منه بدم وإنما يحل بالطواف، والمحصر قد حل بالدم فقام ~~الدم الذي لزمه يحل به مقام الطواف الذي يفوته الحج. # PageV02P078 # قيل له: إن المحصر لو لم يذبح عنه هديا احتاج أن يقوم على إحرامه حتى يصل ~~إلى البيت فيطوف به ولو إلى سنين ثم يحج بعد ذلك مكان الحجة التي دخل فيها ~~فجعل له أن يتعجل إلى الخروج من إحرامه ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهريقه ~~فبالدم جاز له أن يحل ولم يبطل الطواف عنه وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف ~~ولم يجعل بدلا منه فعليه أن يأتي به بإحرام جديد فيكون ذلك عمرة. # فإن قيل: ما الدليل على أن الدم الذي يحل به المحصر جعل عليه ليتعجل به ~~الإحلال، ولم يجعل بدلا عن الطواف؟ # قيل: لأن أهل العلم أجمعوا على أن الذي يفوته الحج ليس له أن يفسخ الطواف ~~الذي لزمه بدم يهريقه يجعله بدلا عن الطواف، فدل أنه إنما يهريق الدم ~~ليتعجل به إلى الإحلال، لا بدلا عن الطواف. والله أعلم. # وقوله: (فما استيسر من الهدي). # روي عن علي وابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا: " شاة " ~~وأصحابنا، رحمهم الله تعالى، يرون الشاة مجزئا في المتعة، والإحصار، ~~والفدية، والحجة لهم في ذلك ما ذكرنا من قول الصحابة، رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين، وما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لكعب ~~بن عجرة: " النسك شاة "، وإجماع الناس على أنها مجزئة في الأضحية. # ثم المسألة في المحرم إذا حلق رأسه من أذى: # رخص الله تعالى للمتأذي حلق رأسه بفدى، بقوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك)، روي في الخبر عن كعب بن عجرة، أنه قال: ms0524 قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " يا كعب، أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: ~~فاحلقه، واذبح شاة أو أطعم ستة مساكين ". وقال كعب: في نزلت هذه الآية. # PageV02P079 # ثم اختلف أهل العلم في الذبح: أين يذبح؟ # قال أصحابنا - رضي الله تعالى عنهم -: لا يجوز أن يذبح الفدية إلا بمكة. # وأما الصدقة والصوم فإنه يأتي به حيث شاء. # وذلك عندهم بمنزلة هدي المتعة؛ لأن هدي المتعة إنما وجب بجمعه بين الحج ~~والعمرة في سفر واحد؛ ولأنه لو شاء أن يفرد لكل واحد منهما سفرا فعل، ~~فبأخذه بالرخصة لزمه دم. # وكذلك دم الفدية إنما وجب لأخذه بالرخصة في حلق رأسه، فصار سبيل الدمين ~~سواء، يجبان بمكة، وكذلك دم الإحصار إنما وجب؛ لأنه أخذ بالرخصة في حلق ~~رأسه فحل من إحرامه. ولا يجوز أن يذبح إلا بمكة. فدم الفدية أينما كان إنما ~~وجب؛ لأنه رخص له في حلق مثل ذلك. # PageV02P080 # والصدقة: هي ثلاثة آصع على ستة مساكين، على ما ذكر في خبر كعب بن عجرة، ~~رضي الله تعالى عنه. # فأما الصوم: فإن المتمتع إذا لم يجد هديا، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجع إلى أهله. فأجمعوا على أن له أن يصوم السبعة بمكة وفي غيرها. فصوم ~~الفدية كذلك. وكذلك الثلاثة الأيام إذا صامها بعد إحرامه بالعمرة عندنا، ~~وبعد إحرامه بالحج عند مخالفينا بمكة بغيرها، فهي مجزئة، وكذلك صيام الفدية ~~تجزئه حيث صامه قياسا على صوم المتمتع. # فأما الصدقة: فإن الشافعي رحمه الله ذكر أنها لا تجزئ إلا بمكة. # وقال: لأن أهل الحرم ينتفعون بها كما ينتفعون بالهدي. # فيقال له: أرأيت إن ذبح الهدي بغير مكة، ثم تصدق به على أهل الحرم هل ~~يجزئه ذلك؟ فإن قال: لا، قيل له: قد بطلت علتك حيث لم يجز التصدق على أهل ~~الحرم، وبان أن الدم خص بأن يهراق في الحرم؛ لأن الله تعالى قال: (حتى يبلغ ~~الهدي محله). فأما الصدقة فهي مجزئة حيث كانت. # ثم اختلف في الذي يحلق قبل أن ms0525 يذبح بغير أذى: # فقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: يجب عليه دم. والحجة له: بأن ~~الله - تبارك وتعالى - منع المحصر من الحلق (حتى يبلغ الهدي محله)، فإن حلق ~~رأسه لأذى فعليه دم آخر؛ لأن الآية الكريمة في الحلق في المحصر، فإذا كان ~~الذي يصيبه الأذى في رأسه قبل الوقت الذي أذن له فيه فدية، بل الذي يحلق ~~رأسه بغير أذى أحرى أن يكون عليه الفدية. وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه، ~~يزيد في التغليظ عليه، فيقول: لا يجزئه غير الدم، ويخير صاحب الأذى بين ~~الدم، والصدقة، والإطعام، كما أخبر الله تعالى. فدليل القرآن شهد لمذهبه. # وخالفه جماعة من أكل العلم فيمن حلق قبل أن يذبح وليس بمحصر، ووافقوه في ~~المحصر. واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه لما سئل عن ~~رجل حلق قبل أن يذبح فقال: " اذبح ولا حرج ". لكن قوله: " افعل ولا حرج "، ~~يرجع إلى الإثم، دون الكفارة، # PageV02P081 # افعل: أي لو فعلت لم يكن عليك حرج؛ لأن الكفارة قد تجب في أشياء يفعلها ~~الرجل خطأ وعلى جهة الجهل، إنما تجب في ذلك؛ فلا حجة لمن احتج بهذا الحديث ~~في زوال الكفارة. # وأصله في ذلك: أن أحوال الضرورة سبب تخفيف الحكم وتيسيره، لم يجز إيجاب ~~ذلك الحكم في غير أحوال الضرورة والعذر. وعلى هذا يخرج قولهم في جميع ~~الأصول: إن الحكم في حال الاضطرار والعذر خلاف ما هو في حال الاختيار. ولهم ~~على هذا مسائل مما يكثر عددها. # وفي الآية دليل لزوم الفداء على المتدهن؛ لأن الله تعالى قال: (فمن كان ~~منكم مريضا)، وقد ذكرنا أن فيه إضمارا. ثم معروف حاجة المريض في حال مرضه ~~إلى الدهن، فصار كأنه مذكور في الآية. والله أعلم. # وقوله: (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي). # وقد ذكرنا هذا وأقاويلهم. # وقوله: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج). # اختلف أهل التأويل فيه: # قال بعضهم: من حين يحرم آخرها يوم عرفة. # وعن ابن عمر، رضي الله ms0526 تعالى عنهما، قال: " ولا تصومهن حتى تحرم ". # PageV02P082 # وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: " ما بين الهلال ويوم عرفة "، ~~وعن على، رضي الله تعالى عنه، قال: " فصيام ثلاثة أيام في الحج "، اختلف ~~أهل التأويل فيه قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة. فإن فات ~~ذلك صام ثلاثة أيام بعد أيام التشريق. # أما تأخيره الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة لما لعله يجد الهدي، ومثال ذلك ~~ما أمر اليتيمم عن تأخير الصلاة، رجاء أن يجد الماء فيغنيه عن التيمم، فعلى ~~ذلك يؤخر الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة رجاء أن يجد الهدي. # وأما ما اختلفوا فيه من صيامهن حلالا بعد العمرة، فإن من لم يجوز ذلك ذهب ~~إلى أن الله تعالى قال: (ثلاثة أيام في الحج)، فتأول ذلك على الإحرام. وقد ~~يجوز أن يكون الأمر كما قال، ويجوز أن يكون معناه: في أشهر الحج. # ألا ترى أن الله تعالى يقول: (الحج أشهر معلومات)، ومعناه - والله أعلم ~~-: أن الحج يفعل في هذه الأشهر، ولفعله أشهر معلومات. فلما احتملت الآية ما ~~ذكرنا وجدنا السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، كذلك روي عن ~~جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " قدمنا مكة مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مهلين بالحج لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطاف ~~بالبيت سبعا، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل؛ لأنه كان ساق الهدي وأمر من ~~لم يسق الهدي أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يحل. # فلما كان يوم التروية أمرهم أن يلبوا بالحج، فإذا كنا نأمر المتمتع أن ~~يحرم بالحج عشية التروية، فكيف يصوم الثلاثة الأيام بعد ذلك، وإنما بقي له ~~يوم واحد؟ فدل ما وصفناه: أنه يجوز له أن يصومهن حلالا بعد العمرة. والله ~~أعلم. # وقوله: (وسبعة إذا رجعتم). # اختلف فيه: # قيل: إذا رجع من منى. # PageV02P083 # وقيل: إذا أتى وقت الرجوع. # وقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم. # وقوله: (تلك عشرة كاملة). # قيل: تلك العشرة وإن كانت متفرقة، فهي كالموصولة في حق ms0527 الحج. # وقيل: (تلك عشرة كاملة)، عن الهدي وافية، أي: يكمل بها حق الدم. # وقيل: (تلك عشرة كاملة)، في حق الثواب، أي: ثوابها كثواب الهدي. والله ~~أعلم. # وقوله: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن ~~الله شديد العقاب). # جعل الحكم الذي ذكره في المتمتع والمحصر، لمن لا يحضر أهله المسجد ~~الحرام؛ عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " ليس على أهل مكة هدي ~~في المتعة ". # ولأن أهل مكة لو كانوا كغيرهم لم بكق للمخصوص معنى. # وإذا كان المعتمر في أشهر الحج إذا رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فلا ~~هدي عليه، فالمكي مقيم في منزله بعد عمرته فهو أحرى ألا يجب عليه دم المتعة ~~إن حج من عامه ذلك، ولكنه إن تمتع فعليه دم الحلال؛ لأنه منهي عن التمتع. # ثم اختلف أهل التأويل في (حاضري المسجد الحرام)، من هم؟ # قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: كل من كان من أهل المواقيت فما دونها ~~إلى مكة، فلهم أن يدخلوها بغير إحرام، فلهم جميعا حكم حاضري المسجد الحرام. # وروي عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما ~~بلغ قديدا بلغه أن بالمدينة جيشين من جيوش الفتنة، فرجع ودخلها بغير إحرام. # وعندنا: إذا جاوز جميع المواقيت ثم رجع فعليه الإحرام. # وقال آخرون: لبس حاضري المسجد الحرام. # وأما الدليل، لأصحابنا، رحمهم الله تعالى، ما ذكرنا. # PageV02P084 # وأما قولنا: ليس عليهم إحصار؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين ~~دخولهم مكة، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت، كذلك ~~بطل الإحصار. # وقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات (197) # عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (الحج أشهر معلومات): شوال، ~~وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. # PageV02P085 # وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، وعن الحسن، والشعبي، ومجاهد، وابن ~~جبير، وإبراهيم، وعطاء مثله. # وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إنها شوال، وذو ~~القعدة، وذو الحجة. # ونرى ms0528 أن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أراد ما أراده الأولون؛ ~~لأنه لا يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج، فكيف تكون الأيام التي بعد ~~النفر من أيام الحج، ولا عمل فيها للحجاج؟ # ثم المسألة - فيمن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، ما عليه؛ وهل يجوز إحرامه؟ # PageV02P086 # عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج ~~إلا في أشهر الحج. # وعن جابر، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لا يحرم بالحج قبل أشهر الحح. # فأصحابنا، رحمهم الله تعالى، يكرهون الإحرام قبل أشهر الحج، واتبعوا في ~~كراهيتهم ما روي عن السلف النهي عن ذلك، لكنهم يقولون: إن أحرم يجوز. # واحتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قال: للحج ميقات ووقت، وأجمعوا أن من أحرم # بالحج قبل الميقات فإحرامه صحيح، فعل ذلك من أحرم قبل وقته فإحرامه صحيح، ~~وقال بعضهم: (الحج أشهر معلومات)، الأشهر كلها، كقوله تعالى: (إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا)، وهي الأشهر كلها، وهي معلومة؛ وهي، كقوله ~~تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج). فإن كان هذا تأويل ~~الآية، ففيه دليل جواز الإحرام بالحج في الأشهر كلها. # وقال آخرون: (الحج أشهر معلومات)، أي في أشهر معلومات، وهو ما ذكرنا من ~~قول جماعة من السلف، قالوا: إنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، غير ~~أنه يتوجه وجهين: # أحدهما: أن لفعل الحج أشهر معلومات، دليله قوله تعالى: (فمن فرض فيهن ~~الحج)، سماه حجا بعد سبب الإلزام، فثبت أن ما بعد الإحرام حج. # والوجه الثاني: أن للحج أشهر معلومات، لا يدخل فيها غيره، ثم أدخل فيها ~~العمرة رخصة، دليله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " دخلت العمرة في الحج ~~إلى يوم القيامة، هكذا، وشبك بين أصابعه، "، فيكون معناه: أن للحج أشهر، ~~أي: لفعله أشهر معلومات. والله أعلم. # PageV02P087 # وقوله: (فمن فرض فيهن الحج). # اختلف فيما به فرض الحج؟ # قال بعضهم: إذا نوى الحج صار محرما، لبى أو لم يلب. # وقال آخرون: إذا ms0529 نوى أن يعمل بجميع ما أمر وأن ينتهي عن جميع ما نهى، صار ~~بذلك محرما، # وأما عندنا: فإن تأويل قوله: (فمن فرض فيهن الحج)، أي: لبى فيهن بالحج. # دليله ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين، أنهم قالوا: (فمن فرض فيهن الحج)، أي: لبى. وأما بالنية مجردا فإنه ~~لا يكون محرما. # وما روي أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لعائشة، رضي ~~الله تعالى عنها، وقد رآها حزينة: " ما لك؟ فقالت: أنا قضيت عمرتي، وألفاني ~~الحج عاركا. فقال: ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فحجي وقولي ما ~~يقول المسلمون في حجهم ". # فبين قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة، رضي الله تعالى عنها، ~~رد حجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم أن التلبية واجبة إذ كان المسلمون ~~يفعلونها وأمر عائشة رضي الله عنها، باتباعهم فيها. # وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: " لا يحرم إلا من أهل أو لبى ~~". # فدلت هذه الأحاديث النبوية على أن التلبية فرض الحج، وعن هؤلاء الأئمة ~~وأمثالهم الذين نأخذ منهم الدين فلا تجوز مخالفتهم ولا العدول عن سبيلهم. # PageV02P088 # وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: إن خرج رجل مع بدنته وقلدها ونوى ~~الإحرام فهو محرم، ويقوم ذلك الفعل منه مقام التلبية. # والحجة لذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه، رضوان الله ~~تعالى عليهم أجمعين، في حجته لما أمرهم بأن يحلوا العمرة، فقالوا له: إنك ~~لم تحل. قال " إني قلدت الهدي، فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر ". # وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي ". فأخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الذي منعه من الحل تقليده الهدي، وأن ذلك قام مقام ~~الإحرام لو جدده بعد الطواف. وروي عن علي، وعبد الله بن مسعود، وجابر، رضي ~~الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم. # وكذلك قال عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنه -: إذا قلد وهو يريد ms0530 ~~الحج أو العمرة - فقد أحرم. # وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها -: لا يحرم إلا من أهل أو لبى، ~~فذلك # PageV02P089 # عندنا في الذي يقلد بدنته ولا يخرج معها، لا يصير محرما. # ألا ترى ما روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يبعث بهديه ويقيم، فلا يحرم عليه شيء. # وقوله: (فلا رفث). # قيل: (الرفث)، جميع حاجات الرجال إلى النساء. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: (الرفث)، الجماع. وعن عبد الله بن ~~عمر، رضي الله تعالى عنه، مثله. # وأجمع أهل العلم أن المحرم لا يجوز له أن يقبل امرأته، ولا يمسها بشهوة. # ويوجبون على من فعل ذلك دما. # روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: إذا باشر المحرم امرأته أهرق ~~دما. # وعن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: إذا قبل المحرم امرأته فعليه دم. # وسئلت عائشة، رضي الله تعالى عنها، عما يحل للمحرم من امرأته؟ فقالت: ~~يحرم عليه كل شيء سوى الكلام. # وقوله: (ولا فسوق). # قيل: (الفسوق)، السب. # PageV02P090 # وقيل " هو كل فسق، والفسق حقيقة الخروج من أمر الله تعالى، قال الله ~~تعالى: (ففسق عن أمر ربه)، أي: خرج. # وقوله: (ولا جدال في الحج). # قيل: " الجدال "، المراء. وذلك أن العرب كانت تؤخر الأشهر الحرم وتعجل، ~~وفي ذلك نزل قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، فبين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقال: " إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق السماوات ~~والأرض "، فعلى ذلك استدار وقت الحج إلى حيث جعل، لا يتقدم أبدا ولا يتأخر، ~~فلا تماروا فيه. # وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لا تجادل صاحبك حتى تغضبه. # وأشبه الأمور - والله أعلم - بتأويل الآية: أن الله سبحانه وتعالى أمر ~~بحفظ اللسان والفرج في الإحرام عن كل ما يذكر من فسوق، ومعصية، ومجادلة، ~~ومخاصمة، وعن الرفث بالفعل والقول؛ لأنه يروى أن الفضل بن عباس كان رديف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المزدلفة إلى منى، وكان الفتى يلاحظ ~~النساء ms0531 وينظر إليهن، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه بيده من ~~خلفه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن هذا يوم من ملك سمعه، ~~وبصره، ولسانه غفر له، أو كما قال ". # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " من حج فلم يرفث ولم يفسق، ~~رجع كيوم ولدته أمه ". # PageV02P091 # وقوله: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله). # ويجزيه؛ وفيه ترغيب منه في كل خير. # وقوله: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى). # قيل: (وتزودوا) للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة، ولا تخرجوا ~~بلا زاد لتكونوا عيالا على الناس. # ويحتمل: أن يكون الأمر بالتزود للمعاد، يدل عليه قوله: (فإن خير الزاد ~~التقوى)، يقول: إن تقوى الله خير زاد من زاد الدنيا. # وقوله: (واتقون يا أولي الألباب). # يحتمل: (واتقون)، المعاصي والمناهي وكل فسق. # ويحتمل: على التقديم والتأخير، كأنه قال: " تزودوا يا أولي الألباب "، ~~(واتقون) في المسألة من الناس. # * * * # قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم ~~من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) ~~أولئك لهم نصيب مما # PageV02P092 # كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا ~~أنكم إليه تحشرون (203) # وقوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم (198) # قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ~~ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن ~~يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص الله عز وجل ~~للحاج وطلب الفضل. # وروي ms0532 عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلا سأله، فقال: إنا قوم ~~نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، فهل لنا حج؟ فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟ ~~فقال: بلى. قال: فأنتم حجاج، وقال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل الله تعالى هذه الآية: ~~(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " أنتم حجاج " وروي عن ابن عباس رضي الله عنه مثله. # وأصحابنا، رحمهم الله تعالى، يرون حج الأجير والتاجر تاما، وظاهر القرآن ~~يدل على ذلك. وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمرا ظاهرا ~~حتى سألوا في هذا. # وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجارة، كذا ~~في وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا. # وقوله (فإذا أفضتم من عرفات). # قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة ~~بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعا: أن يجعلوا ~~الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس. والله أعلم. # PageV02P093 # وفي الخبر: " خالفوهم في الرجعتين جميعا ". # والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة. # وقيل: الإفاضة: الانحدار. # وقوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام). # يعني المزدلفة. # ويحتمل قوله (فاذكروا الله) وجهين: # يحتمل: صلاة المغرب والعشاء، # ويحتمل: الدعاء فيهما جميعا. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: (المشعر الحرام)، الجبل وما ~~حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: " قزح "، وسمي " جمعا "، أيضا؛ ~~لأنه يجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يسمى جمعا، لأنه اجتمع ~~فيه آدم وحواء. # وروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن ~~جبريل، صلوات الله تعالى عليه، لما علم إبراهيم - عليه السلام - المناسك ~~كان يقول له: عرفت عرفت. والله أعلم بذلك. # وقوله: (واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) # يحتمل وجوها: # يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما ms0533 أنعم عليهم من أنواع النعم. # ويحتمل: (واذكروه كما هداكم)، وأرشدكم لأمر المناسك. # ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج ~~قوله: (وإن كنتم من قبله لمن الضالين)، عن الهدى، وعن المناسك، وعن معرفة ~~النعم والشكر. والله أعلم. # PageV02P094 # قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه -: الهدى على وجهين: # هدى: عرف، ليوحدوه. # وهدى: وفق، لطاعتهم. # وقوله: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~(199) # قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: إنما نحن أهل حرم ~~الله، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل الله فيهم: (ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس)، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس. # وذكر عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على ~~دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، أوكان من سواهم يقفون بعرفة. فأنزل ~~الله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس). # وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV02P095 # " الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه ". # ويحتمل في قوله: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)، معنى آخر: وهو أنهم رأوا ~~غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا ~~بالإحرام في الحرم، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في ~~الحرم. والله أعلم. # قال الشيخ أبو منصور - رحمة الله تعالى عليه -: أمر بالإفاضة بحرف " ثم ~~"، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فبان أن حرف " ثم ~~" مما قد يبتدأ به أيضا. # وقوله: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ~~(200) # قيل فيه بوجهين: # قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون ~~آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أن أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في ~~الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكرا، فإنه أولى بذلك من الآباء. # وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم ms0534 -ما أنعم عليهم وأحسن إليهم- فقال: اذكروا ~~لي # PageV02P096 # فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم فإني أنا الذي أنعمت عليكم وعلى آبائكم، ~~فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم. # وقوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من ~~خلاق). # وقوله: (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار (201) # وقوله: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202). # وقوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من ~~خلاق. .) الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، طلبوا خيرات ~~الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، ~~وهو كقوله: (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب)، ~~فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه)، أي ~~يؤتى حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم ~~يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإنهم سألوا ~~خيرات الدنيا والآخرة جميعا بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار (201) طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل ~~الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: (وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى). # ثم اختلف في (الحسنة) في الدنيا، و (الحسنة) في الآخرة: # قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة. # وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان. وكله ~~واحد. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " إن لله عبادا ~~يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية. قيل: يا رسول ~~الله، بم؟ قال: بكثرة قولهم: (ربنا # PageV02P097 # آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ". # وقوله: (والله سريع الحساب) # قيل فيه بوجوه: # قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع. # وقيل: (سريع)، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ ~~عقد الأصابع أو لشغل شغله، فالله - تعالى - يتعالى ms0535 عن ذلك أن يوصف به أو ~~يشغله شيء. # وقيل: (سريع)، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: (اقتربت الساعة)، وكقوله: ~~(واقترب الوعد الحق)، وكقوله: أتى أمر الله)، أي قرب. # وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، وهو كقوله: (أتى أمر ~~الله)، وهو كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من نوقش الحساب عذب ". # وقوله: (واذكروا الله في أيام معدودات (203) # قيل: إنه يحتمل وجهين: # قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا الله ~~بالنحر والذبح في أيامكم. فهو عند أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، يوم النحر ~~ويومان بعده. # وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله تعالى: (فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه)، وهي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر. # وروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: " الأيام المعدودات: يوم ~~النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها ". # PageV02P098 # وكذلك روي عن عمر، رضي الله تعالى عنه. والله أعلم. # وقوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه). # قيل: (فمن تعجل في يومين)، أي: بعد يوم النحر بيومين. يقول: من نفر من ~~منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت ~~الشمس وأقام إلى الغد -اليوم الثالث- فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه. # وقيل: (فمن تعجل في يومين)، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى ~~اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه. # ثم لا يحتمل قوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه)، أن يكونا جميعا على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعا، فلا يلحقه ~~الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا ~~كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما ~~روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (فمن تعجل في يومين) غفر ~~له، (ومن تأخر) وغفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم ms0536 الذي أخر. ~~والله أعلم. # ويحتمل: أنه خيره، أي: إن فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه. # وعن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال في قوله تعالى: (فلا إثم ~~عليه): رجع مغفورا له. # وقوله: (لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون). # قيل فيه بوجوه: # قيل: (لمن اتقى)، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: (واتقوا الله) ~~وأي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: من اتقى معاصي الله جملة. # PageV02P099 # وقيل: (لمن اتقى) جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال ~~وغيره، وعلى ذلك قوله: (واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون)، خوفهم عز ~~وجل ليتقوا الله في كل وقت كل معصية. خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ~~ويحتمل أن يكون للكفار أيضا، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في ~~أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم. # * * * # قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ~~ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله والله رءوف بالعباد (207) # وقوله: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في ~~قلبه). # قيل: إن رجلا من الكفار كان يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيخبره أنه يحبه وكان يعد له الإيمان والمتابعة له في دينه، ويحلف على ذلك، ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه ذلك ويدنيه في المجلس، وفي قلبه ~~خلاف ذلك، فأنزل الله عز وجل: (ومن الناس من يعجبك قوله). . .) الآية. # وقيل: إنها نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يرون من أنفسهم الموافقة له ~~في الدين، ويظهرون أنهم على دينه ومذهبه، ويضمرون الخلاف له في السر ~~والعداوة، ويحلفون على ذلك، فأنزل الله عز وجل: (ومن الناس من يعجبك قوله. ~~. .) الآية. والله أعلم. # وقوله: (وهو ألد الخصام) # قيل: ms0537 أشد الخصام. # وقيل: أجدل بالباطل. # وقيل: أظلم في الخصومة، لا يستقيم أبدا. # PageV02P100 # وقوله: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد (205) # قيل فيه بوجوه: # قيل: (ويهلك الحرث)، أي يقتل النساء، وهن حرث، كقوله تعالى: (نساؤكم حرث ~~لكم)، وفي إهلاك النساء إهلاك النسل. # وقيل: أراد بالحرث: الحرث نفسه -وهو الزرع، والنسل والدواب- يحرق الحرث، ~~ويعقر الدواب وكل حيوان. # وقيل: إنهم كانوا يسعون بالفساد ويعملون بالمعاصي، فيمسك الله تعالى عنهم ~~المطر، فيهلك كل شيء من الناس وغيرهم. # ويحتمل: (ويهلك الحرث)، قتل ولد آدم، وفي إهلاكهم إهلاك كل حرث؛ لأنهم هم ~~الذين يحرثون ويتناسلون. والله أعلم. # وقوله: (والله لا يحب الفساد)، ظاهر. # وقوله: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد (206) # (قيل له اتق الله) عن صنيعك، وهو السعي في الأرض بالفساد، حملته الحمية ~~على الإثم تكبرا منه. قال الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~(فحسبه جهنم)، يقول - والله أعلم -: أعرض عنه، واتركه وصنيعه، فإن جهنم ~~مصيره ومأواه. # وروي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن أبغض الناس ~~من يقال له: اتق الله، فيقول: عليك نفسك ". # وقوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد ~~(207) # يحتمل: (يشري نفسه ابتغاء)، أي يهلك نفسه، أي يبيع نفسه في عبادة الله ~~تعالى وطاعته. فذلك شراؤه إياها. # ويحتمل: (يشري نفسه ابتغاء)، أي يبذل نفسه للجهاد في سبيل الله، وهو ~~كقوله: # PageV02P101 # (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون)، فهؤلاء بذلوا أنفسهم لذلك بتفضيل الله عز وجل ~~ببذل الجنة لهم، فهو الشراء. والله أعلم. وهو ما روي أن أبا بكر الصديق، ~~رضي الله تعالى عنه، ألقى نفسه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما ~~هم المشركون بقتله. # وفيه دلالة أن أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، كان أشجع الصحابة ~~وأصلبهم، وإن كان ضعيفا في نفسه، لما لم يتجاسر أحد من ms0538 الصحابة على مثله. ~~وما روي أيضا أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده. فدل هذا كله أنه كان أشجعهم ~~وأصلبهم في الدين. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في صهيب، ابتاع دينه بأهله وماله على ذلك والله ~~أعلم. # وقوله: (والله رءوف بالعباد) # ويحتمل: أن أراد كل العباد، وهو أن الكافر إذا أسلم وأخلص دينه لله تعالى ~~يتغمده في رحمته ويقبل منه ذلك، ويتجاوز عنه عما كان منه في الشرك والكفر. ~~والله أعلم. # ويحتمل: أن أراد بالعباد: المؤمنين خاصة، رحيم بهم. # * * * * # قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور (210) سل بني إسرائيل ~~كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد ~~العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين ~~اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة). # (السلم)، فيه لغتان: بالكسر والنصب. فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام. # PageV02P102 # ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما. . .)، إلى آخر الآية. # فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا)؟ # قيل: بوجوه: # أحدها: أنه يحتمل قوله: (يا أيها الذين آمنوا) بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم. # ويحتمل: (يا أيها الذين آمنوا) ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من ~~الأنبياء، آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه. # وقيل: إنه تعالى إنما أمرهم بالدخول فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث ~~في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين ~~آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات. وعلى هذا يخرج تأويل ~~قوله تعالى: (يا ms0539 أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على ~~رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل). # وقوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) # وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات (209) # أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق. # وقوله: (فاعلموا أن الله عزيز حكيم) # وقيل: (عزيز) أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور. # ويحتمل: (عزيز)، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه. # وقيل: (عزيز)، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل. # وقيل: (عزيز)، لا يقدر أحد أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما ~~يقال: عزيز لا يرام. # وقوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي ~~الأمر وإلى الله # PageV02P103 # ترجع الأمور (210) # (يل فيه بوجوه: # قيل: (أن يأتيهم الله) بأمره. وهو قول الحسن. # وقيل: (يأتيهم الله)، أي أمر الله؛ وهو كقوله: (أو يأتي أمر ربك) وكقوله: ~~(أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)، على إضمار الأمر فيه. # وقيل: قوله: (في ظلل)، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من ~~الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعا من حروف ~~الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى. # والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب ~~حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ~~ما لا يوجد منه تحقحق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و (جاء الحق وزهق ~~الباطل)، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول. فذكر المجيء والإتيان لا على ~~تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من ~~المجيء والإتيان والاستواء، أليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء، منه ~~على ما يكون من الأجسام. # وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن ~~يتولوها بأنفسهم. وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر. # ثم ms0540 الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما ~~لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتمال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ~~ليقضيها. أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ~~ذلك. وهذان الوجهان في ذي المكان، والله - تعالى - يتعالى عن المكان، كان ~~ولا مكان فهو على ما كان. # فالله - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تأخذه سآمة. فبطل الوصف ~~بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان. وبالله ~~التوفيق. # وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، وأورد، الخبر بالنزول، والرؤية. ~~ثم قد ورد السمع بأن (ليس كمثله شيء)، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ~~ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير. فالسبيل فيه ~~الإيمان # PageV02P104 # بالتنزيل، والكف عن التفسير. والله أعلم. # وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، ~~وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض. كذلك إتيانه لا يشبه إتيان ~~الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتا ~~بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم. والله أعلم. # وقوله: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة (211) # يحتمل وجوها: # يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم -، بسؤاله ~~إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: ~~سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم ~~يؤمنوا. فأنتم -وإن آتيناكم آيات- لا تؤمنون أيضا. يخبر نبيه عليه السلام ~~أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق. # والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل ~~علماء بني إسرائيل وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو ~~كقوله: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل)، الآية. # ويحتمل: (سل)، لا على الأمر به في التحقيق، لكن على التحقيق، والتبيين ms0541 ~~أنك لو سألتهم لأخبروك. # أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم ~~الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول ~~عنها الخطرات وأنواع الوساوس. والله أعلم. # وقوله: (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته). # قيل: (نعمة الله)، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه. # وقيل: (نعمة الله)، يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم -، أي: من كفر له ~~بعدما علم أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل: (نعمة الله)، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، ~~والغمام # PageV02P105 # وغيره مما لم يؤت أحدا من العالمين ممله. # وقوله: (فإن الله شديد العقاب) # خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد معرفتهم أنه حق. والله أعلم. # ويكون تبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره. والله ~~أعلم. # وقوله: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا (212) # قال الحسن زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله تعالى: (وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم). ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم التزيين ثم التزين يكون ~~بوجهين: # يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب. # وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل ~~الطبع إليه. # وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين. # وقوله: (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) # يحتمل وجهين: # يحتمل: (فوقهم)، في الحجة، يقول الله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا). # ويحتمل: (فوقهم)، في الجزاء والثواب. # وقوله: (والله يرزق من يشاء بغير حساب). # يحتمل وجوها: # يحتمل: (بغير حساب)، بغير تبعة. # ويحتمل: (بغير حساب)، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة ~~عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر ~~الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال ~~فوق مناه. # ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي. # ويحتمل: (بغير حساب)، أي من غير أن ينقص ذلك ms0542 عن ملكه وخزائنه، وإن عظم ~~عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد. والله أعلم. # PageV02P106 # قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(213) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن ~~الله به عليم (215). # وقوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)، قال أبو ~~موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، وآخر معه من الصحابة، رضوان الله تعالى ~~عليهم أجمعين، قالا: (كان الناس أمة واحدة)، كلهم كفار إلى أن بعث الله عز ~~وجل فيهم النبيين. # وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: (كان الناس أمة واحدة)، ~~مؤمنين كلهم زمن نوح، عليه السلام، الذين كانوا في السفينة إلى أن اختلفوا ~~من بعد، فبعث الله فيهم النبيين. # وقال بعضهم: (كان الناس أمة واحدة)، مؤمنين كلهم زمن آدم، عليه الصلاة ~~والسلام، إلى أن أنزل الله الكتاب عليهم وبعث فيهم الرسل. # ولو قيل بغير هذا كان أقرب. # قوله: (كان الناس أمة واحدة)، يعني صنفا واحدا. # ومعنى الأمة معنى الصنف، كقوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه # PageV02P107 # إلا أمم أمثالكم)، يعني: أصنافا. # ثم خص الله تعالى صنفا ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها ~~من الأصناف تفضيلا لهم وإكراما، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم ~~مؤمنون؛ لأن الأرض لا تخلو من ولي أو نبي، كقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني ~~آدم)، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجاتهم. وهو ms0543 قول الحسن. # وكذلك قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ~~ولي. والله أعلم. # وقوله: (فبعث الله النبيين مبشرين)، لمن أطاعه، (ومنذرين)، لمن عصاه. # وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة عن الوقوع بما به يقعان مختلف؛ ~~كقوله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر)، وقوله: (ليكون للعالمين نذيرا). # وقوله: (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس) # يحتمل قوله: (ليحكم)، وجهين: # يحتمل: (ليحكم)، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم، وهو كقوله تعالى: ~~(وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12). # وقرأ بعضهم: (ليحكم)، بالياء، وقرأ آخرون: " لتحكم "، بالتاء. # فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر. # ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر؛ فكذلك في هذا: ليحكم الكتاب بينهم ~~بالحق، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق. # وقوله: (فيما اختلفوا فيه) # يحتمل قوله: (فيه) وجوها: # يحتمل: (فيه)، في محمد - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل: (فيه)، في دينه. # ويحنمل: (فيه)، في كتابه. # وقوله: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم) # PageV02P108 # أي: ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم، إما من جهة ~~العقل، وإما من جهة السمع والكتب والخبر، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة ~~لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغيا. # وقوله: (بغيا بينهم). # قيل: (بغيا بينهم)، أي: حسدا بينهم. # وقيل: (بغيا بينهم)، ظلما منهم، ظلموا محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه). # تأويله - والله أعلم - أي هدى الله الذين آمنوا، ولم يختلفوا من بين ~~الذين اختلفوا. # ويحتمل: هدى الله من أنصف ولم يعاند، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا. # وقوله: (بإذنه)، قيل: بأمره، وقيل: بفضله. # لكن قوله: (بإذنه)، بأمره، لا يحتمل، ولكن (بإذنه)، أي: بمشيئته وإرادته. # وقوله: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). # فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدي فاهتدى، ومن لم يشا أن يهتدي لم يهتد؛ ~~لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعا أنه من شاء أن ms0544 يهتدوا جميعا، على ما يقوله ~~المعتزلة، لكان يقول: والله يهدي إلى صراط مستقيم، ولم يقل: (من يشاء)، فدل ~~قوله: (من يشآء)، على أنه شاء إيمان من آمن، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن، ~~فالآية تنقض على المعتزلة قولهم: إنه شاء أن يؤمنوا، لكن آمن بعضهم ولم ~~يؤمن البعض. # وفي قوله: (فبعث الله النبيين)، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان ~~والمجيء الانتقال من مكان إلى مكان، ولا الزوال من موضع إلى موضع؛ لأنه ذكر ~~البعث، وهم كانوا بين ظهرانيهم، فدل أنه يراد الوجود، لا غير. # وقوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله ألا إن نصر الله قريب (214) # قيل: معنى قوله: (أم حسبتم)، على إسقاط " الميم ". # PageV02P109 # وقيل: (أم حسبتم)، بمعنى: " بل حسبتم ". # وقوله: (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم). # قيل: شبه الذين خلوا من قبلكم. # وقيل: (مثل الذين)، خبر الذين خلوا من قبلكم، وقيل: سنن الذين خلوا من ~~قبلكم من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين. # وقوله: (أم حسبتم. . .) الآية، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا ~~كما ابتلي من قبلكم، أي: لا تظنوا ذلك عمله، وإن كان فيهم من قد يدخل - ~~والله أعلم - كقوله تعالى: (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما ~~يحكمون (4). # وقيل: إن القصة فيه أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم ~~وتهلكون أموالكم؛ فإنه لو كان محمد نبيا لم يسلط عليه؟ فقال المؤمنون لهم: ~~إن من قتل منا دخل الجنة. فقالوا: لم تمنون الباطل والبلايا؟ فأنزل الله ~~تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)، من غير أن تبتلوا وتصيبكم الشدائد، ~~(ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء). # وقوله: (وزلزلوا) # قيل: حركوا. # وقيل: جهدوا. # وقوله: (حتى يقول الرسول والذين آمنوا ms0545 معه متى نصر الله) # قيل فيه بوجهين: # قيل: يقول الرسول والمؤمنون جميعا (متى نصر الله)، ثم يقول الله لهم: ~~(ألا إن نصر الله قريب). # وقيل: يقول المؤمنون (متى نصر الله) ثم يقول الرسول: ألا إن نصر الله ~~قريب ويحتمل هذا في كل رسول بعثه الله تعالى إلى أمته يقول هذا، وأمته ~~يقولون أيضا. # PageV02P110 # ويحتمل: إن كان هذا في رسول دون رسول، على ما قاله بعض أهل التأويل: أنه ~~فلان. # وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة إلى معرفته. # وفي قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم. . .) الآية. # وفي قوله: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم). # وفي قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين)، وجه آخر، وهو أنهم. - والله أعلم - ظنوا لما أتوا ~~بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن والفتن، وأنواع ~~الشدائد، فأخبر الله عز وجل أن في الإيمان المحن والشدائد لابد منها، كقوله ~~عليه السلام: " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". والله أعلم. # وكقوله: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)، ولأن ~~الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد؛ لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول ~~الصدق وقول الكذب، ومعرفة الحق ومعرفة الباطل في احتمال المؤن، والإيمان: ~~مخالفة الهوى والطبع وذلك في أنواع المحن. والله أعلم. # وقوله: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) # فظاهر هذا السؤال لم يخرج له الجواب؛ لأن السؤال " عما ينفق "، فخرج ~~الجواب " على من ينفق "، غير أنه يحتمل أن يكون (ماذا) بمعنى (من)، وذلك ~~مستعمل في اللغة، غير ممتنع. # ويحتمل: أن يكونوا سألوا سؤالين: # أحدهما: عما ينفق؟ # والثاني: على من ينفق؟ فخرج لأحدهما الجواب على ما كان من السؤال: " على ~~من ينفق "، ولم يخرج جواب ما كان من السؤال: " عما ينفق ms0546 ". وهذا أيضا جائز، ~~كثير في القرآن: أن يكثر الأسئلة، ويخرج الجواب لبعض ولم يخرج لبعض، ويكون ~~جواب # PageV02P111 # سؤال: " مم ينفق؟ " في قوله تعالى: (قل العفو)، فيكون على ما ذكر. والله ~~أعلم. # ويدل لما قلنا، أنه كان ثم سؤالان، أن أحدهما: " عما ينفق " والآخر: " ~~على من ينفق "، ما روي عن عمرو بن الجموح الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، ~~أنه قال: يا رسول الله، " كم ننفق؟ وعلى من ننفق؟ فأنزل الله تعالى: ~~(يسألونك ماذا ينفقون. . .) الآية. # ثم اختلف في هذه النفقة: # قال بعضهم: هذه النفقة كانت تطوعا، فنسخت بالزكاة. # وقيل: هذه النفقة صدقة يتصدقون بها على الوالدين والأقربين الذين يرثون، ~~فنسختها آية المواريث. # وقيل: فيه الأمر بالإنفاق على الوالدين والأقربين عند الحاجة، وكان هذا ~~أقرب. والله أعلم. وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم. # * * * # قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر ~~به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ~~ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (217) إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218). # وقوله: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # والكراهة المذكورة هاهنا والمحبة: هي كراهة الطباع والنفس، ومحبة الطباع # PageV02P112 # والنفس، لا كراهة الاختيار. ولا يكون في كراهة الطباع خطاب؛ لأن طبع كل ~~أحد ينفر عن القتال والمجاهدة مع العدو، لا أنهم كرهوا ذلك كراهة الاختيار؛ ~~لأنه لا يحتمل أن يكون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمرون ~~بالقتال والمجاهداة مع العدو ms0547 ثم هم يكرهون عما أمروا اختيارا منهم؛ لأن ذلك ~~دأب أهل النار، فثبت أنه على ما ذكرنا من نفور كل طبع عن احتمال الشدائد ~~والمشقة وكراهيته. # وقوله: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ~~لكم). # يحتمل هذا في القتال خاصة، وهو أن يكونوا كرهوا القتال؛ لما فيه من ~~المشقة والشدة، (وهو خير لكم)؛ لما فيه من الفتوح والظفر وسعة العيش ومنال ~~الثواب والدرجات في الآخرة. # (وعسى أن تحبوا شيئا)، يعني التعود على الجهاد، (وهو شر لكم)، لما فيه من ~~اجتراء العدو والأسر والقتل والذل والصغار وقطع الثواب في الآخرة. # ويحتمل هذا في كل أمر يحب الرجل، في الابتداء ويكون عاقبته شرا له، ويكره ~~أمرا فيكون عاقبته خيرا له. هذا لجهلنا بعواقب الأمور وخواتيمها؛ ليعلم أن ~~ليس إلينا من التدبير في شيء. والله أعلم. # وقوله: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، أي: ويعلم ما هو خير لكم في ~~العواقب مما هو شر لكم، " وأنتم لا تعلمون ". # وقوله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل ~~الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر ~~من القتل (217) # معناه - والله أعلم -: يسئلونك عن القتال في الشهر الحرام وفي المسجد ~~الحرام، (قل قتال فيه كبير)، لو لم يكن من الكفرة ما ذكر من الصد عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، والكفر به، وإخراج أهله منه، لكن إذ فعلوا ~~ذلك، لم يكن القتال بجنبه كبيرا، بل الكفر فيه أكبر من القتل. فكأنه - ~~والله أعلم - ذكر هذه الأحرف وعنى به الكناية عن الكفر، ثم جعل الكفر أكبر ~~من هذا كله مع المعرفة أن الذي يؤذيه أقل منه. ثم ألزمهم اختيار الأيسر عند ~~البلوى بما بين. والقتال بنفسه كبير؛ لأن فيه تفاني الخلق، ولم يخلقوا ~~للفناء. # ثم فيه نقض على المعتزلة بوجهين: # أحدهما: أنه ذكر القتل، وجعل الكفر أكبر منه، ولو أوجب القتل التخليد، ما ~~أوجب الكفر، لكان فيه التساوي، ولا يكون ms0548 الكفر أكبر من القتل فبان أن ~~الكبيرة لا توجب # PageV02P113 # التخليد ما أوجب الكفر. والله أعلم. # والثاني: قال: والكفر أكبر منه، فصيره أكبر، ثم ألا يخلو أكبره، من أن ~~يكون بنفسه، أو بالكافر، أو بالله. ولا يحتمل أن يكون بالكافر؛ لأن فعل ~~الكفر أصغر عنده من فعل الزنى والقتل؛ لأنه يدين بالكفر ويستحسنه، ويستقبح ~~ذلك. فبان أنه يكبر بنفسه أو بالله. # فإن قالوا: بنفسه. # قيل لهم: لما جاز أن يكون كبره بغير من ينشئه لما لا جاز خلقه بغير من ~~يفعله، أو يكون بالله؟ وهو قولنا. # وقوله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم) # فيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر ~~أنهم يفعلون كذا، فكان كما قال: فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل. # وقوله: (إن استطاعوا)، ولكن لا يستطيعون أن يردوكم عن دينكم. # ففيه إياس الكفرة عن رد هؤلاء إلى دينهم، وأمن هؤلاء عن الرجوع إلى ~~دينهم. # وقيل: (إن) بمعنى (لو)، أي: لو قدروا أن يردوكم عن دينكم إلى دينهم ~~لفعلوا. # أخبر الله عز وجل عما ودوا إن استطاعوا، لكن الله بما أكرمهم وبشرهم من ~~النصر # وإظهار الدين لا يستطيعون على ذلك أظهر بقوله: (اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا). # وقوله: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) # ذكر إحباط الأعمال، بالموت على الكفر، والعمل يحبط بالكفر دون الموت. # والوجه فيه: أنه لا يحتمل أن يكون الموت هو سبب إحباط الأعمال، بل الكفر ~~بنفسه إذا وجد؛ إذ الموت لا صنع فيه للعباد، والكفر فيه لهم اختيار، لم يجز ~~جعل العمل حبطا بما لا صنع له فيه، دل أن الكفر هو المحبط، لا الموت، ولكن ~~ذكر الموت في هذا لما فيه تمام الحبط والإبطال، وما لم يمت ترجى له المنفعة ~~بحسناته؛ لأنه إذا كفر جحد تلك الحسنات فأبطلها، ms0549 فإذا أسلم بعد ذلك ندم على ~~جعل ذلك باطلا، فصار مقابلا لسيئاته # PageV02P114 # بحسنات، فهو حالة الانتفاع به كما قال عز وجل: (إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). # وقوله: (فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة). # أما في الدنيا: فذهاب التعظيم والإجلال والثناء الأحسن الذي يستوجب ~~بالخير والدين عند الناس، فإذا ارتد عن الإسلام حبط ذلك كله أصار على أعين ~~الناس أخف من الكلب والخنزير. # وأما حبطه في الآخرة: فذهاب ثواب أعماله، وكأن ما يستوجب المرء من الثواب ~~إنما يستوجب بما يأتي من الأعمال ويحضرها عند الله، لا بالعمل نفسه؛ ألا ~~ترى إلى قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، وقوله: (ومن يأته مؤمنا ~~قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76)، دل هذا أن الثواب إنما يستوجب ~~بإحضاره وإتيانه عند الله، لا بالعمل نفسه. والله أعلم. # وقوله: (إن الذين آمنوا (218) # تضمن قوله: (آمنوا) والإيمان بالله، والإيمان بجميع ما جاء به الرسل من ~~الرسالات وغيرها. # وقوله: (والذين هاجروا). # الهجرة تكون على وجهين: # أحدهما: الهجرة المعروفة التي كانت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمدينة، وهو كقوله: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله وكان الله غفورا رحيما (100). # ثم روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " لا هجرة بعد فتح ~~مكة ". # PageV02P115 # والهجرة الثانية: هجرة الآثام والإجرام، فهي لا ترتفع أبدا. # وقال الحسن في قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله): أي بالعداوة منه ~~لمن كفر بالله. # وقال أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -: أن يهجر قومه وداره ويخرج ~~لله. # وقوله: (وجاهدوا في سبيل الله). # المجاهدة تكون على وجوه: # مجاهدة العدو، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. # وقوله: (أولئك يرجون رحمت الله). # فيه دلالة على أن الذي يحق رجاؤه يعمل ما ذكر الله. # وقوله: ms0550 (رحمت الله)، يحتمل وجهين: الرحمة: الجنة، والرحمة: المغفرة. # وقوله: (والله غفور رحيم). # لما كان منهم من التقصير فيما ذكر من المجاهدة والمهاجرة. # * * * # قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء ~~الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم (220) # وقوله: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما # PageV02P116 # أكبر من نفعهما). # (قل فيهما إثم كبير)، بعد الحرمة (ومنافع للناس)، قبل الحرمة، (وإثمهما)، ~~بعد الحرمة (أكبر من نفعهما)، قبل التحريم. # والمنفعة في الميسر: بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر، وهو القمار. # وذلك أن نفرا كانوا يشترون الجزور فيجعلون لكل رجل منهم سهما، ثم ~~يقترعون، فمن خرج سهمه برئ من الثمن حتى يبقى آخر رجل، فيكون ثمن الجزور ~~عليه وحده، ولا حق له في الجزور، ويقتسم الجزور بقيتهم. # وقيل: يقسم بين الفقراء؛ فذلك الميسر. # ثم قال: (فيهما إثم كبير)، في ركوبهما؛ لأن فيهما ترك الصلاة، وترك ذكر ~~الله، وركوب المحارم والفواحش. # ثم قال: (ومنافع للناس)، يعني التجارة، واللذة، والربح. # ثم اختلف فيه: # قال قوم: إن الخمر محرمة بهذه الآية حيث قال (إثم كبير)، والإثم محرم ~~بقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي). # وقال قوم: لم تحرم بهذه الآية؛ إذ فيها ذكر النفع، ولكن حرمت بقوله: ~~(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس)، والرجس محرم، وقال الله ~~تعالى: (من عمل الشيطان)، وعمل الشيطان محرم. # ثم أخبر في آخرها أنه: (يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، وذلك كله محرم. # والأصل عندنا في هذا: أنهم أجمعوا على حرمة الميسر مع ما كان فيه من ~~المنافع للفقراء وأهل الحاجة والمعونة لهم؛ لأنهم كانوا يقتسمون على ~~الفقراء، فإذا حرم الله هذا ثبت أن المقرون به أحق ms0551 في الحرمة مع ما فيه من ~~الضرر. الذي ذكرنا. والله أعلم. # وقال الشيخ، رحمه الله تعالى، في قوله: (يسألونك عن الخمر والميسر): ولم ~~يبين في السؤال أنه عن أي أمرهما كان السؤال؛ وأمكن استخراج حقيقة ذلك عن ~~الجواب بقوله: (قل فيهما إثم كبير)، كان السؤال كان " عما فيهما "؛ فقال: ~~فيهما كذا. # وعلى ذلك قوله: (ويسألونك عن اليتامى)، كأن السؤال عما يعمل في أموال ~~اليتامى، من المخالطة وأنواع المصالح، وكذلك قوله: (ويسألونك عن المحيض) ~~كأنه قال: عن غشيان في المحيض، إذ في ذلك جرى الجواب فلم يبين # PageV02P117 # في السؤال لما في الجواب دليله، أو لما كان الذين سألوا معروفين يوصل بهم ~~إلى حقيقة ذلك. والله أعلم. # وقيل: هذه الآية تدل على حرمتهما بما قال: (فيهما إثم كبير)، وقد قال ~~الله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش) إلى قوله: (والإثم)، ثبت أن الإثم ~~محرم. # وأكثر السلف على أن الحرمة فيهما ليست بهذه الآية، ولكن بقوله (إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس). # وقوله: (فيهما إثم كبير)، يبلغ أمر الخمر والميسر إلى ما يكون فيهما (إثم ~~كبير)، من نحو ما بين عند السكر والميسر في سورة المائدة من وقوع العداوة ~~والبغضاء والصد عما ذكر، (فيهمآ إثم كبير ومنافع)، في ذلك الوقت بوجوه: # أما في الخمر: إلى أن يسكر، وفي التجارة فيها. # وفي الميسر: لما كان يفرق ما فيه ذلك على الفقراء، وما فيه من التجارة ~~ونحو ذلك. # وعلى التأويل الأول يخرج قوله: (قل فيهمآ إثم كبير)، أي: في الشرب والعمل ~~إذ حرما، (ومنافع للناس)، قبل أن يحرما. والله أعلم. # ثم الذي علينا: أن نعرف حرمتهما اليوم إن كانت في هذه الآية أو لم تكن، ~~فينتهي الانتفاع بهما ويحذر ذلك، وقد بين الله الكافي من ذلك في سورة ~~المائدة، وجاءت الآثار في تحريمهما، على ما في الميسر من الخطر والجهالة ~~التي جاءت الآثار على كون أمثالها في حكم الربا، وفي الخمر ما لا يتخذ ~~للمنافع وإنما يتخذ للهو والطرب، وكل ذلك مما نهينا عنه، مع ms0552 ما في ذلك من ~~ذهاب العقل الذي هو أعز ما في البشر، وغلبة السفه في أهله. فحقيق لمن عقل ~~اتقاه لو كان حلالا؛ لما في ذلك من التبذير، فكيف وقد ظهرت الحرمة. # ثم كان معلوما علة حرمة الخمر إذا سكر منها الشارب، ثم جاء به القرآن، ~~وليست تلك العلة في شرب القليل منه، فلم يلحق بحق القليل غيرها، وألحق ~~بالكثير كل شراب يعمل ذلك العمل، لما فيه المعنى الذي ذكره، إذ كانت الخمر ~~لا تتخذ في المتعارف للمصالح ولا لأنواع المنافع، بل تتخذ لما ذكرت من ~~اللهو والطرب، ولا يستعمل شربها # PageV02P118 # إلا المعروفون بالفسق، فتكون حرمة الخمر بعينها، لا ما ذكرت من قصد ~~العواقب بها. # وكل جوهر لا يتخذ لا يقصد باتخاذ ذلك فهو غير محرم بعينه. والله أعلم. # وقوله: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو). # (العفو): هو الفضل عن القوت، وذلك أن أهل الزروع كانوا يتصدقون بما يفضل ~~عن قوت سنة، وأهل الغلات يتصدقون بما يفضل عن قوت الشهور، وأهل الحرف ~~والأعمال يتصدقون بما يفضل عن قوت يوم، ثم نسخ ذلك بما روي عن أنس بن مالك، ~~رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " ~~الزكاة نسخت كل صدقة كانت، وصوم شهر رمضان نسخ كل صوم كان، والأضحية نسخت، ~~كل دم كان ". فإن ثبت هذا فهو ما ذكرنا. # وروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: كان هذا قبل أن تقرض ~~الصدقة. # دليل ذلك ظهور أموال كثيرة لأهلها في الصحابة، رضوان الله تعالى عنهم ~~أجمعين، إلى يومنا لم يخرجوا من أملاكهم، ولا تصدقوا بها، ولا أنكر عليهم؛ ~~فثبت أن الأمر في ذلك منسوخ، أو هو على الأدب. # وقوله: (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون). # وقوله: (في الدنيا والآخرة). # قيل: أما في الدنيا: فتعلمون أنها دار بلاء وفناء، وأما الآخرة: دار جزاء ~~وبقاء، فتفكرون فتعملون للباقية منهما. # وقال الحسن: إي - والله - ومن تفكر فيهما ليعلمن أن الدنيا دار بلاء، وأن ~~الآخرة دار بقاء. # وعن ms0553 ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: (لعلكم تتفكرون في الدنيا ~~والآخرة)، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. بل ~~يعلم بالتفكر أن الدنيا للزوال، علم أنها هي للتزود لدار القرار، فيصرف ~~سعيه إلى التقديم، وجهده في فكاك # PageV02P119 # رقبته وإعتاقها. ولا قوة إلا بالله. # وفي قوله: (كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) دلالة جواز تأخير ~~البيان؛ لأنه أمر بالتفكر والتدبر، وجعل لهم عند الفكر الوصول إلى المراد ~~في الخطاب، فدل أنه يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع. # وقوله: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير (220) # كأن في السؤال إضمارا؛ لأنه قال: (ويسألونك عن اليتامى)، ولم يبين في أي ~~حكم، وإضماره - والله أعلم - أن يقال: يسألونك عن مخالطة اليتامى. يبين ذلك ~~قوله: (وإن تخالطوهم فإخوانكم) أن السؤال كان عن المخالطة. # وكذلك قوله: (يسألونك عن الخمر والميسر)، ولم يبين في أي حكم، فكأنه قال: ~~يسألونك عن شرب الخمر والعمل بالقمار والميسر، ثم قال: (قل فيهما إثم ~~كبير)، دل قوله: (قل فيهما إثم كبير) أن السؤال كان عن شرب الخمر والعمل ~~بالميسر. وهذا جائز في اللغة، وفي القرآن كثير أن يكون في الجواب بيان ~~السؤال أنه عما كان وإن لم يذكر في السؤال؛ كقوله: (يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة) دل ما ذكر من الفتيا أن الاستفتاء كان عن الميراث. ~~وكذلك قوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط)، دل قوله: (وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط) أن السؤال كان عن نساء اليتامى. وهذا جائز، وربما يخرج ~~الجواب على إثر نوازل، فيعرف مراده بالنوازل دون ذكر السؤال. # ثم السؤال يحتمل وجهين: # يحتمل: أن يكون عن مخالطة الأموال والأنفس جميعا بقوله: (قل إصلاح لهم ~~خير وإن تخالطوهم فإخوانكم)، فإنما حملهم - والله أعلم - على سؤال ~~المخالطة، ما قيل: لما نزل قوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم ms0554 نارا وسيصلون سعيرا)، وقوله: (فادفعوا إليهم أموالهم ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا) أشفق المسلمون من خلطة اليتامى، فعزلوا لهم بيتا، ~~وعزلوا طعامهم وخدمهم وثيابهم، فشق ذلك عليهم جميعا، فسألوا عن ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه # PageV02P120 # الآية: (ويسألونك عن اليتامى. . .) الآية. # وفي الآية دليل جواز المناهدات والمؤاكلات في الأسفار وغيرها حيث أباح ~~لهم المخالطة بأموال اليتامى. فإذا احتمل ذلك مال الصغار من اليتامى ~~فاحتماله في مال الكبير أشد؛ إذ مال الكبر يحتمل الإباحة والإذن، ومال ~~الصغير لا. # وفي الآية دليل جواز القليل من المعروف واليسير منه في ملك الصغير، ~~واحتماله ذلك؛ لأنه - جل وعز - أباح لهم المخالطة مع اليتامى على العلم في ~~الاستيفاء مبلغ الكبير بل يقصر عنه. # وفيه دليل أن علة الربا ليس هو الأكل، على ما قاله بعض الناس، ولكن هو ~~الكيل والوزن؛ لأنه أباح لهم المخالطة في المأكول من الطعام والمشروب من ~~الشراب، على غير كيل ولا وزن، على العلم بقصور الصغير عن الاستيفاء قدر ~~الكبير وبلوغه مبلغه، فلو كان علته الأكل لكان لا يبيح لهم أكل الربا؛ فدل ~~أن علته ليس الأكل، ولكن هي الفضل عن الكيل أو الوزن في الجنس. # وفيه دليل جواز بيع الثمرة بالثمرتين لخروجه عن الكيل. # وهكذا كل شيء خرج عن الكيل والوزن، لترك للناس مكايلته وموازنته، وإن كان ~~كيليا يجوز بيع واحد باثنين. والله أعلم. # وفيه دليل أن لا بأس بأن يؤدب الرجل اليتيم بما هو صلاح له. وذلك كما ~~يؤدب ولده وأن يعلمه بما فيه الاعتياد لمحاسن الأخلاق والتوسيع، كما أمر ~~بالصلاة إذا بلغ سبعا، والضرب عليها إذا بلغ عشرا اعتيادا. ألا ترى أنه روي ~~في الخبر: " شر الناس الذي يأكل وحده ويشرب وحده ". وفي المخالطة التخلق ~~بالأخلاق الحسنة، وفي تركها التخلق بالأخلاق السيئة، والاعتياد بعادة ~~السوء. # وقوله: (قل إصلاح لهم خير)، فيه دليل إضمار، وهو طلب الصلاح لهم: إما ~~بالتولي لهم في أموالهم والنظر لهم بما يعقب نفعا لهم، وطلب التخلق ~~بالأخلاق الحسنة والاعتياد بالعادة المحمودة؛ فذلك ms0555 (إصلاح) خير، بطلبكم ~~الصلاح لهم، أو خير لهم بما يعود نفع ذلك إليهم. وإلا فظاهر الصلاح حسن لكل ~~أحد، فلا وجه لتخصيصهم به؛ فدل أنه على طلب النفع والنظر لهم. والله أعلم. # وقوله: (وإن تخالطوهم فإخوانكم)، فيه دليل الترغيب؛ كقوله: (ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم) رغبهم عز وجل بما أخبر أنهم (فإخوانكم في الدين)، بطلب الصلاح ~~والنظر والنفع لهم، إذ # PageV02P121 # يستوجب بعضهم قبل بعض المعونة لهم والحفظ والصلاح، كقوله: (إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون). دل قوله: (فإخوانكم في ~~الدين)، على أن الصغير قد يعق والديه في أمر الدين، ويجوز منهم التدين إذا ~~عقلوه وإن لم يكونوا بلغوا. والله أعلم. # ثم أوعدهم عز وجل بقوله: # (والله يعلم المفسد من المصلح). # أي - والله أعلم - يعلم طالب النفع والنظر لهم من طالب الفساد والإسراف ~~في أموالهم. # وقوله: (ولو شاء الله لأعنتكم). # قيل: يضيق عليكم، ولم يأذن لكم بالمخالطة معهم. # وقيل: لأعنتكم، فلم يرض لكم في الخلطة. # وقيل: لأحرجكم. وهو واحد. # وأصل العنت: الإثم، كقوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم)، يعني: أثمتم. # وقوله: (إن الله عزيز حكيم). # فيه وعيد لهم على ما ذكرنا. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون (221) # اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية: # فقال قائلون: الحظر على كل مشرك ومشركة -كتابيا كان أو غير كتابي- ثم نسخ ~~بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم). فالإماء على الحصر؛ ~~لأنه إنما استثنى الحرائر دون الإماء بقوله: (والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب). # وقال آخرون: هو على المشركات خاصة دون الكتابيات، والكتابيات مستثنيات، # PageV02P122 # فدخلت كل كتابية -حرة كانت أو أمة- تحت الاستثناء؛ لأن الاستثناء إذا كان ~~عن جملة الأديان سوى ms0556 دين الكتابيات لم يحتمل دخول بعض أهل ذلك الدين دون ~~بعض، والذي يدل عليه قوله تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم)، ~~فجعل الأمة المؤمنة خيرا بالنكاح من المشركة، ومن قوله إنه بالقدرة على طول ~~الحرة الكافرة لا يباح له نكاح الأمة المؤمنة. فبان أن موقع الآية ليس على ~~التناسخ على ما يقوله على أن الإماء يدخلن تحت قوله عز وجل: (والمحصنات من ~~النساء)، دليله قوله تعالى: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب)، فثبت أنهن قد يتعففن فيستوجبن اسم الإحصان، وقد جعل ~~شرط الحل هو ذكر الإحصان. وقوله أيضا: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا). وقوله: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)، مستثنيا ~~الإماء من جملة المحصنات؛ دل أنهن دخلن في الخطاب. وقد أجمع على أنهن تحل ~~لنا بالسبي، وكل مذكور في الكتاب يستوي الحل فيه إلا من جهة العدو. فإذا ~~أبيح لنا تزويج المسبيات منهن كالحرائر، ثبت أنه محكوم بحكمهن في النكاح. ~~فبطل قول من أبطل نكاح الإماء؛ إذ ثبت أن الآية بخلاف ما قال. وبالله ~~التوفيق. # ثم الآية تضمنت أحكاما: # منها: أن من قول أصحابنا - رحمهم الله تعالى أجمعين -: أن المناهي بحيث ~~النهي لا توجب الحرمة. # والثاني: أن الآية كيف كان حملها على الخصوص في بعض أحق والعموم في بعض ~~ومخرج الخطابين واحد. # والثالث: أن في الآية ذكر المنع، لعلة وهي الدعوة إلى النار، فكيف لم ~~يلزم حفظ ما لأجله وجب الحرمة على وجوده؟ وهذا هو الأصل: أن تحفظ الأحكام ~~المعللة بالعلل ما دامت توجد العلل. # والرابع: البيان في تولى النكاح؛ إذ للأولياء خرج الخطاب بقوله: (ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا). # وأما قولنا في النهي: فإن النهي يوجب الانتهاء، ولكن لا يوجب الحرمة إلا ~~بدليل يقوم على مراد الحرمة في النهي، لما رأينا من المناهي كثيرة لم توجب ~~الحرمة، فلو كان # PageV02P123 # نفس النهي موجبا ذلك لوجب أن يوجب في كل ذلك، فلما لم يوجب ذلك، دل أن ~~نفسه ms0557 لا توجب الحرمة، ولكن الدليل هو الموجب للحرمة. # وأما قولهم وسؤالهم عن الخصوص والعموم: فذلك جائز عندنا، خروج الآية على ~~العموم يعقل بها الخصوص. وهو كثير في القرآن مما لا يحتاج إلى ذكره وشرحه، ~~ومن ذلك قوله عز وجل: (لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم) عقل إيجاب تعظيم الرسل والأنبياء والإيمان لهم على العموم، ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة في حق البعض دون البعض، وكذا قوله: (ما كان ~~لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه). فالتخلف غير موجود في بعض الأحيان، وإن حق النهي عن ~~الرغبة عن نفسه أخذ الجميع، فعلى ذلك هاهنا يجوز خروجه عاما يخص بالعقول. # وأما قولهم: وجوب الحكم لعلة، وهو الدعاء إلى النار، فله وجهان: # أحدهما: أن الكتابي أقر بكتاب، يقدر على إلزام الدين بالدعاء إليه، ففيه ~~رجاء الإسلام، وغيرهم من أهل الشرك لا طمع فيهم بمثله. # والثاني: أن علة الحظر قوله: (أولئك يدعون إلى النار)، والزوجات لا يدعون ~~أزواجهن إلى ذلك، بل الأزواج هم الأصل في الدعاء، وهم الأمراء على الزوجات، ~~والزوجات بين الأتباع للأزواج والمذللات في أيديهم؛ لذلك أبيح. # ثم الأصل: أن النكاح جعل لأمرين: إما لإبقاء النسل، وإما للتحصن والتعفف ~~عن السفاح. ثم قد ينكح من لا نسل فيه، فما بقي إلا وجه المنع عن السفاح. ثم ~~الدعاء إلى النار أعظم من السفاح، بهذا لم يبح النكاح. # ثم الدلالة على تخصيصها على وجهين: # أحدهما: قول الخصوم بالنسخ: أنه ورد على بعض دون بعض، وما ذلك إلا ~~الخصوص. # والثاني: أن ذكر ذلك في الكتابيات لم يجر بحيث إظهار ما يحل وما يحرم، إذ ~~شرط نكاحهن إنما هو عند العجز عن الحرائر، فجرى الذكر فيهن، إذ هن الأصل في ~~عقود النكاح، وأن الإماء دخيلات في حق النكاح، وإنما جرى الذكر في حلهن ~~بملك اليمين؛ # PageV02P124 # لذلك ترك ذكرهن مع ما يجوز دخول الإماء في قوله: (والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب)؛ لما أوجب لهن العفة والتحصن بقوله: ms0558 (فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، وبقوله: (محصنات غير ~~مسافحات ولا متخذات أخدان). # وأما قولهم: خاطب الأولياء في النهي بقوله: (ولا تنكحوا المشركين)، وخاطب ~~الأولياء أيضا في الأمر بإنكاح الأيامى بقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم)، فدل أن الولي شرط في جواز النكاح. # فجوابنا: أنه إنما خاطب الأولياء في النهي عن النكاح، وفي الأمر بالنكاح، ~~لما العرف في الأمة ألا يتولى النساء النكاح بأنفسهن، بل الأولياء هم الذين ~~يتولون عليهن النكاح برضائهن وأمرهن وتدبيرهن؛ لذلك خرج الخطاب للأولياء مع ~~ما ليس في تخصيص الأولياء، بالخطاب دليل إخراج النساء عن ولاية النكاح. ألا ~~ترى أنه ذكر في الآية (الصلاح) بقوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم)، لم ~~يصر ذلك شرطا في الجواز، فعلى ذلك الأولى. وهذا يدل أيضا على أن ليس في ~~تخصيص المحصنات من الكتابيات حظر نكاح الإماء منهن. # والثاني: أن قوله: (ولا تنكحوا المشركات)، يحتمل أن يكون في الصغار خاصة، ~~نهى الأولياء عن تزويج الصغار من المسلمين المشركات من غير الكتابيات. فإذا ~~كان محتملا ما ذكرنا، لم يكن لمخالفنا الاحتجاج به علينا في إبطال نكاح ~~المرأة نفسها دون وليها. والله أعلم. # وقوله: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن). # اختلف في تأويله: # قال قوم: هو في غير الكتابيات، يبين ذلك قوله: (اليوم أحل لكم الطيبات ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، فنسق الكتابيات بالإحلال على ~~ما لم يختلف فيه أحوال الحل من أول الإسلام إلى الأبد ولا من قبل ذلك نحو ~~الطيبات من الطعام - من طعام المؤمنين # PageV02P125 # وأهل الكتاب ونحو المحصنات من المؤمنات، فمثله الكتابيات، إذ نسق نكاحهن ~~على من ذكر. ولو كان التأويل هذا، كانت الآية نطقت بألا تنكحوا المشركات ~~غير الكتابيات؛ فلا يكون في الآية تحريم الإماء من أهل الكتاب، ولا النهي ~~عن ذلك، وإنما يعرف إن كان يجوز أو لا، بدليل آخر سوى هذه الآية. # فإن قيل: على ذلك ms0559 لم لا كانت آية الإحلال في التخصيص بذكر المحصنات دليلا ~~على حرمة نكاح الإماء؟ # قيل: يكون الجواب لأوجه: # أحدها: أن ذكر الحل في حال لا يدل على الحرمة في غيرها. كذلك ذكر الحل في ~~صنف لا يدل على حرمة في غيره. ولو كان ذا يدل، لكان يجيء أن يكون حكم ما لا ~~يرد فيه السمع مخالفا لما يرد فيه. وذلك فاسد؛ إذ السمع هو دليل الحكم فيما ~~لا سمع فيه بالمعنى الذي ضمن فيه. والله أعلم. وأيد ذلك قوله: (والمحصنات ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن)، ثم هن يحللن وإن لم ~~يؤتين أجورهن؛ فمثله الأول. # والثاني: أنه منسوق على مثله في المؤمنات. ثم لم يكن ذلك في المؤمنات على ~~تحريم الإماء؛ فمثله في الكتابيات. # فإن قيل: لما بين في إماء المؤمنات؟ # قيل لهم: لم يزعم أحد أن ذلك على نسخ هذه الآية؛ فثبت أنه ليس في الذكر ~~في المحصنات تحريم الغير؛ فكذلك في المنسوق على ذلك مع ما لو كان في مثل ~~هذا الاستدلال على الحرمة، لكان في قوله: (ولا تنكحوا المشركات)؛ إذ وقع ~~على غير الكتابيات - دليل على الإحلال، فيكون ذكر الحرمة في نوع دليل الحل ~~في غيره على مثل ذكر الحل في نوع. وفي ذلك تناقض الأدلة. والله أعلم. # ووجه آخر: أن (والمحصنات)، يحتمل أن يريد به العفائف، وأهل الصلاح، ~~والإماء قد يستحققن هذا الاسم، كقوله تعالى: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة)، ~~وقوله: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)، وقوله: (والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)، وإذا استحققن الاسم فهن في الآية حتى ~~يظهر الإخراج. والله # PageV02P126 # أعلم. # وبعد، فإنا نقول: أكثر ما في ذلك أن يكون في ذلك النهي عن تزوج الإماء من ~~أهل الكتاب، فإن النهي في ذلك لا يدل على الحرمة؛ لأنه معلوم المعنى الذي ~~له يقع النهي عن نكاح الإماء -أنه لمكان رق الأولاد، ولمكان مخالطة الإماء ms0560 ~~الرجال وخلوتهن بالموالي- وذلك مما ينفر عنه الطباع، ثم كان النساء ~~الزانيات جميع ذلك فيهن موجود، والنهي قائم، وقد يلحق أولادهن أعظم الشين ~~الذي يضعف على الرق، ثم لم يمنع النهي جواز نكاحهن بما هو نهي نفار الطباع، ~~لا معنى في ذلك له بكون الحرمة؛ فمثله أمر الإماء. والله الموفق. # ثم دليل حلهن: أن كل امرأة حرمت لنفسها، فسواء وجه الحل بها في ملك ~~اليمين والنكاح، وكل امرأة كانت حرمتها بالحق فيختلف فيها المكان، فإذا ~~كانت هذه محللة بملك اليمين ثبت أنها لم تحرم لنفسها، فهي تحل بالنكاح كما ~~تحل بملك اليمين. على هذا الأصل أمر المجوسيات والمحارم ونحوها. والله ~~أعلم. # وقال قوم: الآية في جميع المشركات والكتابيات، ثم نسخت الكتابيات بالآية ~~التي في سورة المائدة، وكان النسخ بشرط الإحصان، فبقيت الإماء على الحرمة. ~~دليل ذلك وجهان: # أحدهما: قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين)، أنه يدخل في ذلك الكتابي ~~وغيره؛ فكذا في الأول. # والثاني: قوله تعالى: (أولئك يدعون إلى النار. . .) الآية. # والثالث: أن الكتابي مشرك في الحقيقة، إذ هو بما لا يغفر له، والكتابي في ~~الدعاء إليها وغيره سواء؛ فلذلك كان على ما ذكرت. # فنحن نقول في ذلك - وبالله التوفيق -: ليس فيما ذكم دليل على ما ادعى؛ ~~لأنه جائز خروج آية واحدة في أمرين يختلف موقعهما من الخصوص والعموم ~~بالدليل نحو قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله ولا يرغبوا # PageV02P127 # بأنفسهم عن نفسه. . .) الآية، أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر، ولا يجوز ~~الرغبة عنه بحال، وقال في قوله: (لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا. . .) الآية، أن ليس كل ذلك مما ~~يقتضي عموم الخلق وإن كان الظاهر في الكل بالمخرج واحد، ثم ما ذكرت من ~~الآية دليل الفصل. # والثاني: أنه يجوز أن تكون الآية في غير أهل الكتاب. دليل ذلك الأمر ~~بالمعروف من التفرقة في التسمية، وإن كانوا في الشرك مجتمعين؛ قال الله ~~تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل ms0561 الكتاب ولا المشركين)، وقال: (إن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها)، وغير ذلك مما قد ~~فصل الله بينهم في النسبة وإن كانوا في حقيقة الشرك مجتمعين، فجائز أن تكون ~~الآية على ذلك، ثم حرم تزويج المسلمات من أهل الكتاب لا بهذه الآية، لكن ~~بغيرها من الأدلة. # ألا ترى أنا لا نترك مماليك أهل الإسلام تحت أيديهم لا بهذه الآية؟! ~~فمثله أمر الإنكاح. والله أعلم. # ثم في الآية دليل ذلك، وهو قوله تعالى: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة. . .) ~~الآية، وكل يجمع ألا يحل نكاح الأمة المؤمنة على الحرة الكتابية، فلو كانت ~~هي مرادة في هذه الآية لكان نكاح من هو خير منها في النكاح لا يحرم عليه، ~~حتى إن الذي يقول بهذا التأويل يحرم لطول الكتابية فضلا عن نكاحها. ولا قوة ~~إلا بالله. # وقوله: (أولئك يدعون إلى النار)، دليل أن الإماء غير داخلات في الخطاب؛ ~~لأنهن لا يدعون بل الغالب عليهن أن يتبعن ويجبن لمن هن تحتهم فيما دعين ~~إليه، لا أن يدعون. هذا الأمر المتعارف. والله أعلم. # ثم نقول: جعل كأن الآية نزلت في الكتابيات، فقال: " ولاتنكحوا الكتابيات ~~"، فإن الكتاب في جميع ما جرى به الذكر في حقوق النكاح والطلاق والأحكام ~~تضمن خطاب الأحرار، خاصة فيما أبهم، وعرف أمر الحرمة في الإماء والعبيد ~~بالأدلة العقلية مما دلت عليه أحكام السمع؛ فكذا هذا. والله الموفق. # وقوله: (ولا تنكحوا)، محمول على التحريم باتفاق الأمة وإن احتمل ما هو ~~بهذا المخرج على غير التحريم، على أن الله تعالى قد بين بقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم # PageV02P128 # المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا ~~جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) أن النكاح قد أنفسخ حيث أباح ~~لغير الأزواج التزوج. وفي قوله: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت)، أنه ~~الاستمتاع بذوات الأزواج إذا سبين، وقال: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، ذكر ms0562 ~~جملة النساء ونهى الرجل عن التمسك بعصمتهن. واسم الشرك اسم لفريق بالإطلاق، ~~واسم الكفر للجملة، على ما قال: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) الآية، وقال: (إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين. . .) الآية، وغير ذلك مما جمع في اسم الكفر وعرف بأسماء ~~المذاهب، وجعل اسم (الشرك) في التفريق. فدلت هذه الآيات على الحرمة في ~~قوله: (ولا تنكحوا. . .) الآية، ويدل قوله في آخر الآية: (أولئك يدعون إلى ~~النار) على ذلك، ومعلوم أن أول دعائهم إلى النكاح، فصير ذلك سببا للنار.، ~~وما يوجبها حرام. # ثم فيها دلالة عموم الآية في الذكور؛ لأنه في تعارف الخلق: أن الرجال هم ~~الذين يدعون، لا النساء، والنساء تتبعهم. وذلك المعنى في رجال أهل الكتاب ~~وغيرهم سواء، فتكون الحرمة فيهم سواء. وعلى ذلك المروي من الخبر: أن رجلا ~~أسلم وتحته ثماني نسوة وأختان ونحو ذلك فأسلمن. دل أنهن يتبعن الرجال، لا ~~أنهن يدعون إلى ما يخترن من الدين. والله أعلم. # ثم الدليل على أن النهي أيضا نهي تحريم في قوله: (ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن)، أنه لولا خبث فيهن في الحقيقة يوجب حرمة الاستمتاع لكان لا ينهى ~~عن التناكح، وذلك من أبلغ أسباب دعوتهن إلى الإسلام بما ذكرت من الفرق في ~~طاعتهن الأزواج فيما يختارون من الدين في المتعارف بمن رويت فيهن الخبر، ~~وخاصة ذلك في المشركات أحق في الحل منه في الكتابيات؛ إذ هن إنما أخذن ~~دينهن عن آبائهن بالاعتياد والتقليد، ومعلوم اعتيادهن ما فيه رضاء الأزواج ~~وإيثار ذلك على ما فيه رضاء الآباء حتى يؤثرنهم عليهم بما جعل الله بينهم ~~مودة ورحمة. والكتابيات أخذن دينهن لما علمن أنه دين الرسل وأنهن أمرن ~~بالتمسك به. فإذا نهوا عن نكاح المشركات وأبيحوا نكاح الكتابيات - # PageV02P129 # والإسلام فيهن بالنكاح أرجى- ثبت أن ذلك كان لخبث نهوا، وقد حرم الله ~~الخبائث. # والله أعلم. # ثم الله - سبحانه وتعالى - أخبر أنه حرم الخبائث وأحل الطيبات، فلولا أن ~~فيما حرم خبثا، يحتمل الوقوف عليه، وفيما أحل طيبا ms0563 لسوى الحرمة والحل له - ~~كان كذلك لم يحتمل التسمية في وصف التحريم والتحليل هو لا غير. وهذا كما ~~وصف المؤمن بالحياة والسمع والبصر، والكافر بضد ذلك بما في كل معنى ذلك، لا ~~أنه اسم لقب دون أن يكون له حقيقة له يسمى. فمثله الذي ذكرت. # ثم كان (الخبث) يكون من وجهين: # من خبث الأحوال، ومن خبث الأفعال، وله سمي الكفر (رجسا)، وكذا الخمر ~~والميسر، وذلك كله بخبث الأفعال. وعلى ذلك يجوز أن يكون تحريم تزويج ~~المسلمات المشركين لخبث الفعل: وهو خوف وقوع الكفر؛ إذ هن يتبعن الرجال ~~فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم الدين، فيكون التحريم لهذا الخوف؛ إذ هو ~~الوجه الذي عليه جرى حرمات النكاح من ذلك نحو نكاح ما كثر عددهن بقوله: ~~(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع)، فمنع عن الخمس، وأكثر الخوف وقوع الجور الذي هو في العقل خبيث، ~~ونكاح الأمة بعد الحرة؛ إذ الطبع ينفر عن مناكحة من يخالط الرجال ويخلو ~~بهم، لا يؤمن عليه السفاح، فما يؤثر مثلها عند الغناء بالحرة عنده عنها إلا ~~لأمر حدث بينهما مما يبعث ذلك على الجور، فنهوا عن ذلك. # وكذلك نكاح المحارم بما قد يجري من الأمور في النكاح مما يحمل على تضييع ~~الحدود وأنواع النشوز الذي يمنع ذلك القيام بحق النسب وصلته، فيكون في ذلك ~~تضييع الفرض. وكذلك محارم المرأة، وعلى هذا يجب تحريم المسلمة على الكتابي ~~وغيره لخوف وقوع فعل الخبث بينهما، وهو الكفر. ولم يقع النهي عن نكاح ~~الزانية والزاني على ذلك؛ لأنه ليس في الطباع احتمال اتباع أحدهما الآخر في ~~ذلك الوجه بل ينفر عن ذلك أشد النفار، فلا يخاف فيه هذا، فهو على الأدب بما ~~يلحق الولد الطعن وصاحبه يشتم به، لا أن يلحقه وصفه موافقة ما ثم إلا لمكان ~~الآخر يكون النهي نهي تحريم، بل كان على الإرشاد بما يلحق من الطعن دون ما ~~أن يحدث من تعدى حد أو جور في الفعل. وعلى ذلك ms0564 أمر نكاح الأمة. والله أعلم. # ثم وجه التفصيل بين الكتابية والمشركة - والله أعلم - في إباحة التناكح: ~~أن المشركة # PageV02P130 # آثرت فعل البهيمي في الدين على فعل البشرى، والكتابية آثرت فعل البشرى، ~~وهو ما يدعو إليه العقل لا الطباع؛ لأنهن يرجعن في الاختيار إلى الإيمان ~~بالرسل لكن أنهى إليهن أنهم نهوا عن الإيمان بمن يدعوهن إليه، فاعتقدن على ~~ذلك بالآثار عندهن من الحجج، كما اعتقدنا نحن بأن لا نبي بعد نبينا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - لكن خبرنا صحيح وخبرهم فاسد. وإلا فوجه الاعتقاد على ~~ما في العقل ذلك. وأما المشركة لم تختر ذلك بحجة أنما كان لوجود الآباء على ~~ذلك من غير الإنهاء إلى من في العقل اتباعه؛كما قالوا: (إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة. . .) الآية، فحرم علينا نكاحها لخبث اختيارها واتباع فعل البهيمي، ~~وإيثاره على فعل البشرى. والله أعلم. # وعلى ذلك لو أسلمت لم يعظم درجة إسلامها، لولا أنا نرجو من رحمة الله أن ~~الله -إذا قبلت هي الإسلام- بالاختيار لينير قلبها حتى ينشرح صدرها للحق ~~لكان لا يكون لإسلامها فضل حمد. والله الموفق. # ووجه آخر: أن الكتابية لما آمنت بكتب الأنبياء، عليهم الصلوات والسلام، ~~في الجملة، فقد آمنت بذلك بالرسل جميعا، لكنها كذبت من كذبت، لما وقع الخبر ~~عندها بخلاف الحقيقة، فأمكن أن تنبه عن حقيقة ذلك بالكتاب الذي آمنت به؛ ~~ليكون إيمانها في الحقيقة إيمانا بمن كذبته بما ظنت أن في ذلك الكتاب ~~تصديقا. والمشركة احتيج فيها إلى ابتداء الإلزام، لا أن كان معها ما به ~~اللزوم مما قد وجد إيمانها به. والله أعلم. وعلى هذا لا يسلم للمرتد حق ~~الكتاب إذا اختاره؛ لأنا نعلم أنه يظهر ذلك، لا أنه في الحقيقة مختار؛ إذ ~~كتابنا مصدق كتابهم، فلم يجز أن تظهر له بما به التصديق التكذيب ليرجع إلى ~~رد هذا بقبول الآخر. فلذلك دم تحل ذبائحهم. والله أعلم. # ودليل النهي عن النكاح والإنكاح حتى يكون الإيمان، أن الإيمان معروف ~~عندهم، يعلمون به حقيقة الشرط. والله أعلم. # ومخاطبات الأولياء في قوله: ms0565 (ولا تنكحوا)، يخرج على الأمر المعروف من ~~التولى، أو على الوقت الذي إليهم حق التولية، أو على أن الحق لهن عليهم في ~~التزويج إذا أردن، فنهوا عن ذلك؛ ليعلم أن لا حق يجب لهم في ذلك. والله ~~أعلم. # PageV02P131 # وقوله: (يدعون إلى النار)، يحتمل وجهين: # أحدهما: الخبر عما يدعو بعضهم بعضا إلى عبادة غير الله، وذلك دعاء إلى ~~النار، كما قال الله تعالى: (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)، بما ~~يوجب الفعل الذي دعوا إليه ذلك فكأنما دعوا إلى ذلك، إذ هوالمقصود من ~~الثاني. وعلى ذلك تسمية الجزاء باسم العمل الذي له الجزاء. والله أعلم. # ويحتمل: (يدعون) في التناكح للهو واستكثار الأتباع في معاداة الله تعالى ~~ومعاداة أوليائه بالتناكح، والله يدعو إلى التعفف واستكثار الأتباع على ما ~~ينال به مغفرته ورحمته. # والله أعلم. # وقوله: (أولئك يدعون إلى النار)، يعني: يدعون إلى العمل الذي يستوجب به ~~النار. # (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه)، يعني يدعو إلى العمل الذي يوجب ~~لهم الجنة والمغفرة والله أعلم، وقوله: (ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون). # * * * # قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا ~~لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # وقوله: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله). # دل جوابه على أن السؤال كان عن قربان النساء في الحيض، أو كان عن موضع # PageV02P132 # الحيض. فأخبر - عز وجل - أنه (أذى). والعرب تفعل ذلك - ربما أن تفهم من ~~الجواب مراد السؤال، وربما تبين المراد في السؤال - وإذا جاز أن يتبع غير ~~وقت الأذى وقت الأذى بالاتصال أومن بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل يجوز أن ~~تتبع غير مكان الأذى مكان الأذى بالاتصال، والله أعلم، ولا يحتمل أن يكون ~~الأمر بالاعتزال يقع على اعتزال الأبدان ms0566 والأشخاص بالاتفاق؛ إذ كل يجمع أن ~~له أن يمسها باليد وأن يقبلها وغير ذلك، إلا أنهم اختلفوا في موضع ~~الاستمتاع: # قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: يستمتع بها ما فوق السرة وما تحت ~~الركبة، ويجتنب غير ذلك. # وقال محمد - رضي الله تعالى عنه -: يجتنب شعار الدم، على ما جاء عن ~~عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: " يتقي شعار الدم، وله ما سوى ذلك ~~". ثم دل هذا # PageV02P133 # الخبر على أن النهي في الموضع الذي فيه الأذى. دليله: أول الآية: (قل هو ~~أذى). # وحجة أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، ما روي أنه قال: لها ما تحت السرة، ~~وله ما فوقها، وما روي أن أزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا حضن ~~أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن. # وأما محمد، رحمه الله تعالى، فإنه ذهب إلى ما ذكرنا: أنه ينهى عن قربان ~~ذلك الموضع للأذى، وأما الموضع الذي لا أذى فيه فلا بأس. ويجوز أن ينهى عن ~~قربان هذه الأعضاء من نحو الفخذ وغيرها؛ لاتصالها بالموضع الذي فيه الأذى. # ويحتمل أن يكون ذكر الإزار كناية عن الموضع الذي فيه الأذى؛ وعلى ذلك روي ~~عن عائشى:، رضي الله تعالى عنها، أنها سئلت: عما يحل للرجل من امرأته وهي ~~حائض؟ فقالت: " يحل له كل شيء إلا النكاح ". وسئلت: عما يحل للمحرم من ~~امرأته؟ فقالت: لا يحل له شيء إلا الكلام. # وقوله: (ولا تقربوهن) أي: لا تجامعوهن. # (حتى يطهرن) فيه لغتان: # في حرف بعضهم (يطهرن) بضم الهاء وتخفيفها، وفي حرف آخرين بتشديد الهاء ~~وفتحها: # فمن قرأ بالتخفيف فهو عبارة عن انقطاع الدم، ومن قرأ بالتشديد فإنه عبارة ~~عن حل قربانها بعد الاغتسال. # ثم من قول أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: إن المرأة إذا كانت أيامها عشرا ~~تحل لزوجها أن يقربها قبل أن تغتسل، وإذا كانت أيامها دون العشر لم يحل له ~~أن يقربها إلا # PageV02P134 # بعد الاغتسال. # ويحتمل: أن تكون الآية فيما كانت أيامها دون العشر في اللغتين؛ إذ الغالب ~~كان على أن الحيض لا يحيط ms0567 بكل وقت، على ما روي أنه صلى الله تعالى عليه ~~وسلم قال لحمنة بنت جحش: " تحيضي في علم الله من الشهر ستا أو سبعا ". فعلى ~~ذلك أنه إنما جعل قربانها بالاغتسال. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (ولا تقربوهن حتى يطهرن): إنه ~~على ما دون العشر من المدة بما الغالب كان على ألا يمتد إلى أكثر الوقت ولا ~~يقصر عن الأقل، على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال ~~في النساء: " هن ناقصات عقل ودين ". # ووصف نقصان دينهن: أن تحيض إحداهن في الشهر ستا أو سبعا، ووصفهن جملة ~~بنقصان دينهن، ثم ذكر ما بين في التفسير عن الجملة، ثبت أن ذلك كان الغالب ~~في الجملة حتى خرج عليه الجواب أنه لا يمتد إلى الأكثر ولا يقصر عن الأقل. ~~والله أعلم. # وأيد هذا ما أخبر عن ابتداء الآية أنه الأذى، وأمر بالاعتزال، ثم جعل لها ~~بعد الانقطاع قبل الاغتسال حكم الأذى؛ فلم يجز أن يجعل الحكم لما ليس ~~بحقيقة حكم الأذى، فيجعل للطهر الذي هو ضده ذلك الحكم، والله أعلم، وبما ~~أنه ليس لذلك حكم الأذى # PageV02P135 # في العشر إن كان الوقت يضيق عنه في رفع الصلاة، فكذا في أمر القربان. ~~والله أعلم. # وعلى ما ذكرت من العرف ينصرف أمر الوقت: أنها لو أخرت الاغتسال عن وقت ~~الصلاة فإن للزوج أن يقربها بما لزمها من قضاء الصلاة، وهذا النوع من الأذى ~~لا يمنع لزوم القضاء. وحصل الخطاب على الوقت بالعرف أنهن لا يتأخرن، وبما ~~ذكرت عن لزوم القضاء الذي يمنعه حكم الأذى، وبذلك صار غسل الحيض كغسل غيره ~~من الأحداث، وهو لا يمنع القربان. والله أعلم. # وحرم إتيان الأدبار، بما عليه اتفاق الآثار، وبما خص المكان بالأمر ~~بالقربان، وبما أمر بالاعتزال للحيض، ولو كان يحل غشيانهن في الأدبار لم ~~يكن للأمر بالاعتزال معنى؛ إذ قد بقي أحد الموضعين من المقصود بالغشيان لو ~~احتمل. والله أعلم. # والأصل في ذلك: أن الحل في الابتداء لم يتعلق بقضاء الشهوات، ولا ms0568 كان هذا ~~لها، وإنما القضاء للشهوات خاصة الجنة، فأما الدنيا فإنما جعلت لقضاء ~~الحاجات؛ إذ بها يكون بقاء النسل والأبدان، وبها يكون قوام الأبدان ودوام ~~الحياة إلى انقضاء الأعمار، وركبت فيهم الشهوات لتبعثهم على قضاء تلك ~~الحاجات؛ إذ لولا الشهوات لكان كل أمر من ذلك على الطباع يكون كالأدوية ~~الكريهة والمحنة الشديدة، فخلق الله تعالى فيهم الشهوات ليدوم ما به جرى ~~تدبيره في أمر العالم، ولا تتعلق الحاجات بإتيان الأدبار. ولو أحلت لكان ~~الحل لحق الشهوة خاصة، والدنيا لم تخلق لها؛ فلذلك لم تجعل بها حل مع ما لو ~~كان يحتمل ذلك لاحتمل التناكح في نوع؛ فإذا لم يحتمل بأن أن ذلك إنما جعل ~~للنسل. والله الموفق. # وقال بشر: إذ حرم الغشيان للحيض بما هو أذى، وهو يكون على ما يتقذر، ~~فالذي مجراه الدبر والذي منه يخرج من الأذى أوحش وأخبث، وذلك قائم في كل ~~الأوقات، كقيام الحيض في أوقاته، فالحرمة لذلك أشد، ذكر بوجه، أمكن أن يبسط ~~ما قال على الذي وصفته. والله أعلم. # وقوله: (فأتوهن من حيث أمركم الله). # قيل فيه بوجوه: # PageV02P136 # قيل: معنى قوله: (من حيث أمركم الله): لا تأتوهن صائمات، ولا معتكفات، ~~ولا مصليات. # ويحتمل: لا تأتوهن حتضا، ولكن (فأتوهن) طهرا. # وقيل: (فأتوهن) في الموضع الذي أباح لكم إتيانها، وهو القبل، ولا تأتوهن ~~في أدبارهن. # ويشبه -إذ " حيث " يعبر به عن المكان- أن يكون (من حيث أمركم الله) أن ~~تبتغوا الولد، بقوله: (وابتغوا ما كتب الله لكم). # وقوله: (إن الله يحب التوابين) من الذنوب. # (ويحب المتطهرين). # من الأحداث والأذى. # والثاني: ممن فعل هذا قبل النزول (المتطهرين) أنفسهم بالتكفير، والتواب ~~هو الرجاع عما ارتكب، والتارك عن العود إلى ذلك، غير مصر على الذنب. # ويحتمل: التواب: الذي لا يرتكب الذنب. # وقوله: (نساؤكم حرث لكم (223) # الحرث: هو الزرع. وفيه دليل النهي عن الاعتزال عنها؛ لأن الزرع إذا ترك ~~سدى فيضيع ويخرب. # وفيه دليل أن الإباحة في إتيان النساء طلب التناسل والتوالد، لا قضاء ~~الشهوة؛ لأنه سمى ذلك حرثا، والحرث ما ms0569 يحرث فيتولد من ذلك الولد. # وفيه دليل أن الإتيان في غير موضع الحرث يحرم منهن، وعلى ذلك جاءت الآثار ~~أنها سميت اللوطية الصغرى، ما جاء أنه نهى عن إتيان النساء في محاشهن، ~~يعني: في أدبارهن، وفي بعض الأخبار: إتيان النساء في أدبارهن كفر. # PageV02P137 # وقوله: (فأتوا حرثكم أنى شئتم). # يعني؛ على أي جهة شئتم بعد أن يكون ذلك في المزرع، ولا بأس بالاعتزال ~~عنها إذا أذنت؛ لما ذكرنا أن الأمر بذلك أمر بطلب النسل، لا قضاء الشهوة. ~~فإذا كان كذلك فلها ألا تتحمل مشقة تربية الولد، وأما الزوج فإنما عليه ~~المؤنة، وذلك مما ضمن الله لكل ذي روح بقوله: (وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها)؛ لذلك نهي هو عن الاعتزال دون ~~إذنها، ولم تنه هي عن الإذن عن ذلك. والله أعلم. # PageV02P138 # وأما الاعتزال عن الإماء وملك اليمين فإنه لا بأس؛ لأنه لا يطلب النسل من ~~الإماء في المتعارف؛ لذلك لم يكره، ولأن في إحبالهن إتلافا، وللرجل ألا ~~يتلف ملكه؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # والأصل: أن الشهوات مجعولة لما بها إمكان قضاء الحاجات التي يقضي بها جرى ~~تدبير العالم، وبه يكون دوام النسل، وبقاء الأبدان، الحاجة لا تحتمل الوقوع ~~في الأدبار؛ لذلك لم يجعل فيها. # وقوله: (وقدموا لأنفسكم). # قيل فيه بوجهين: # قيل: (وقدموا) العمل الصالح. # وقيل: (وقدموا لأنفسكم) من الولد تحفظونه عند الزيغ عما لا يجب. # وقوله: (واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين). # يحتمل قوله: (أنكم ملاقوه)، أي: ما قدمتم من العمل الصالح فتجزون على ~~ذلك؛ كقوله: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله). # ويحتمل: (أنكم ملاقوه)، أي: ملاقو ربكم بوعده ووعيده. # * * * # قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم (224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم (227). # وقوله: (ولا ms0570 تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس). # قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، ~~فإذا أمر بذلك، قال: إني حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على ~~أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، ~~وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية الله تعالى. و " العرضة " ~~العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر. # PageV02P139 # وقوله: (والله سميع عليم). # حرفان يخرجان على الوعيد: (سميع) بمقالتكم وأيمانكم، (عليم) بإرادتكم في ~~حلفكم. # وقوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~والله غفور حليم (225) # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم): ~~إن كسب القلوب لا يكون عقدا ولا حنثا، إنما هو تعمد الكذب. # كقوله: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، فعلى ذلك ~~أمر يمين اللغو والتعمد. وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ ~~إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه. فعلى ذلك أمر ~~اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد. # ثم قال الله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم واحفظوا أيمانكم)، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول ~~بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ~~ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر اللعان، أنه قال: " ~~إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟ " ومعلوم كذب أحدهما ولزوم التوبة، مع ~~ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن. ولو كانت فيه ms0571 كفارة لكان لا ~~سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم ~~يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان ~~هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي ~~عند الابتداء تمنع. وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين ~~لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ. # وقوله: (والله). وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف بالله كاذبا والجرأة على ~~الله، فيجيء أن يكون كفرا، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون ~~قصد # PageV02P140 # الاستخفاف به. وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟ لأنهما لم يقصدا ذلك القصد. فكذا ~~" كل حالف على تعمد الكذب. والله الموفق. # وقوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، قال سعيد بن جبير: هذا ~~محمول على قوله: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم)، أي: لا يؤاخذكم الله ~~بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي ~~عليها. # ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟ # قال بعضهم: هو الإثم. # وقيل: هو الغلط. # ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه ~~بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد. # ثم ذكر في الآية الثانية: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضا بالإثم ~~وقع الكلام -بحيث لا يفيد- في حد التكرار. # والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن ~~الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة. # وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس ~~فيه الكفارة. # PageV02P141 # وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقى العقد، فلم يصح به ~~اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ms0572 ~~ووجوبها. فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ ~~لخروجها عن الشرط. ثم لم يزل عنه -في الغموس- الإثم؛ لتعمده الكذب. # وقال الفقيه أبو منصور - رحمه الله تعالى -: والقياس عندي في التعمد ~~بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان - جعلت ~~للتعظيم لله - تعالى - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على الله - ~~تعالى - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف ~~بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا. # فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم ~~المتعمد مجترئ مستخف بالله - تعالى - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله ~~سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سببها ~~للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله ~~على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه. وعلى ذلك يخرج قول أبي ~~حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن ~~أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفر العاصي؟ فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج ~~الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله ~~فعل معصية؛ فكذا الأول. والله أعلم. # وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن " أحدكما كاذب فهل منكما من ~~تائب "، ففيه وجهان: # PageV02P143 # أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر ~~به. # والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن ~~من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة -وهي لا تعلم إلا بالبيان- فهي أحق أن ~~تبين لو كانت واجبة. والله أعلم. # والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة. ~~وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكفارة وهي التوبة. وأما ~~الكفارة التي تلزم في المال، فهى لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث ~~نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث. # وما رويت من الأخبار - من قوله - عليه الصلوات ms0573 والسلام -: " من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير ": أنه ~~إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثما، فيكلف بالتوبة. # PageV02P144 # فإن قيل: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته ~~الكفارة؟ قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: ~~(علي حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر). ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر ~~ذلك الفعل لا يكون يمينا، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # وقوله: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور ~~رحيم (226) # وقوله: (وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # وقوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين. ~~وكذلك كان # PageV02P146 # ابن عباس - رضي الله عنه - يقرأ: (للذين يقسمون من نسائهم). # PageV02P147 # وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ~~ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين. فكذلك حكم الإيلاء. وهو قول ~~عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما. # وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - التفريق بين الغضب والرضا. ثم أوجب ~~التربص للمولي. فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بمول، ~~فلم يلزمه الحكم الذي جعل الله للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، ~~وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من # PageV02P148 # الكفارة؟! فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق. وبه يقول علي وابن عباس وابن ~~مسعود - رضي الله تعالى عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن ~~عباس يقول: الإيلاء يمين الأبد. وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله ~~شرطا لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول ~~عبد الله بن مسعود: يلزمه بدونه. # ثم اختلف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، ~~على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي ms0574 المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق ~~الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك ~~زيادة في المدة للتربص. وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل ~~الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق. وهذا على أن الله - ~~تعالى - حذر نقض اليمين بقوله: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا)، وأطلق في هذا أربعة ~~أشهر، بما روي في قراءة أبي بن كعب، أنه # PageV02P150 # قرأ: " فإن فاءوا فيهن "، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي ~~له آخذ. والله أعلم. # وقوله: (وإن عزموا الطلاق (227) # كقوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا). وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك ~~الأول. والله أعلم. # ثم اختلف فيه على وجوه: # قال ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص ~~بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك ~~إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد. # وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب مول، وإن لم يحلف. لكن هذا ليس ~~بشيء؛ لأن الله تعالى ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين. دليله ما ذكرنا من ~~حرف ابن مسعود وابن عباس: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم ~~إلا باليمين على ترك القربان. # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ~~ألا يقرب امرأته سنتين. فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر. ~~فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي. فقال: لا يكون إيلاء. فرأى في ذلك إيلاء ~~إذا كان عاصيا وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك ~~إيلاء. ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هؤلاء. أما ما حمل علي بن أبي طالب، ms0575 رضي ~~الله تعالى عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، ~~والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامهما في حال العصيان وفي حال الطاعة. ~~فعلى ذلك حكم الإيلاء. # ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، لكان لا يبقى الإيلاء ~~بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها. # PageV02P151 # ولو حمل على ما قال ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، لكان لا فائدة لذكر ~~التربص. # فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم ~~يلزمه حكم الإيلاء. ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا ~~يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا. # وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء. معناه ما قيل: إن ~~الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: " ليس بشيء " يقع للحال دون مضي المدة ثم ~~اختلفوا أيضا بعد مضي المدة، قيل أن يفيء إليها في المدة. # قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق. # وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها. # واحتجوا في ذلك إلى أن الله تعالى ذكر الفيء بعد تربص أربعة أشهر بقوله: ~~(تربص أربعة أشهر فإن فاءوا)؛ لذلك كان له الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، ~~وروى في بعض الأخبار الوقف فيه، وروي عن عمر وعلي وعثمان وعائشة وابن عمر - ~~رضي الله تعالى عنهم - في المولي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن ~~يطلق. إلى هذا يذهبون. لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما ~~قالت الصحابة. وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربص أربعة أشهر، فذلك ~~لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف)، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ~~ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن. فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا ~~قرب انقضاء أربعة أشهر. # وأما ما ms0576 روي من (الوقف)، فليس فيه الوفف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف ~~في الأربعة الأشهر. # PageV02P152 # وأما عندنا: فإنها تبين إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة ~~أشهر بانت منه، من نحو: عمر وعلي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وجابر وزيد ~~بن ثابت، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فاتبعناهم. # ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: # قال قوم: هو رجعي. وهو قول أهل المدينة. فهو على قولهم؛ تعنت؛ لأن الزوج ~~يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم ~~العنت. # وأما عندنا: فهو بائن. وعلى ذلك جاءت الأخبار، روي عن ابن عباس - رضي ~~الله تعالى عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة. وعن ابن ~~مسعود - رضي الله تعالى عنه - مثله. وروي عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى ~~عنه - في قوله: " فإن فاءوا " أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، (فإن الله ~~غفور رحيم) فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها. # والثاني: قوله: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)، ولو لم يجعل له ~~القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي ~~تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم. # ثم قوله: (فإن الله غفور رحيم) يحتمل وجهين: # يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة. # ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقا ~~للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل. # وقوله: (وإن عزموا الطلاق): # روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضي أربعة # PageV02P153 # أشهر. وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -: إن عزيمة الطلاق ~~انقضاء أربعة أشهر. # وقوله: (فإن الله سميع عليم). # سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد ~~بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم ms0577 وما إليه ~~مرجعهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا. والله الموفق. # والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها ~~رجع عن ذلك. وهكذا روي عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - ~~أنهما قالا: الفيء: الجماع. # * * * # (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) # ثم اختلف الناس في الأقراء في قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء): # قال بعضهم: الأقراء: هي الأطهار. # PageV02P154 # وقال آخرون: هي الحيض. وهو قولنا. وعلى ذلك اختلف الصحابة: # قال عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -: هي ~~الحيض. # وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم -: هي الأطهار. ~~وبه أخذ أهل المدينة، وقالوا: قلنا ذلك بالسنة والأخبار عن الصحابة - رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين - واللسان، والمناقصة: # أما السنة: فقوله لعمر: " مر ابنك فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو ~~حامل من غير جماع؛ فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء "؛ ~~فدل أن العدة التي تطلق # PageV02P156 # لها النساء هي الأطهار. # لكن الجواب لهذا من وجهين: # أحدهما: أنه جعل ذلك عدة للطلاق، لا عدة عن الطلاق. والعدة للطلاق غير ~~العدة عن الطلاق؛ وكذا نقول في الطهر الذي تطلق فيه النساء: إنها عدة ~~للطلاق، لا عنها. ms0578 # والثاني: أن من قول الرجل أن له الإيقاع في آخر أجزاء الطهر، وقد ذكر في ~~الخبر: " الطلاق لقبل عدتهن "، ولو كان المعني به: الطهر، لكان الطلاق في ~~آخر أجزاء الطهر قبل الحيض - في آخر أجزاء الطهر، لا في القبل. فثبت أن ~~القول بجعل الطهر عدة عن # PageV02P157 # الطلاق بعيد. # وأما اللسان فهو قول الناس: قرأ الماء في حوضه، وقرأ الطعام في شدقه، أي: ~~حبس، والطهر بسبب حبس الدم. # لكن عندنا: الطهر جبلة وأصل، وعليها خلقت وأنشئت، والحيض عارض، فإذا كان ~~في الرحم دم خرج، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهرا؛ لأن الطهر يحبس الدم، ~~فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان. # وأما المناقصة فهي أن يقول: جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم ~~تغتسل في إبقاء حق الرجعة. # فأما دعوى المناقصة فهي بعيدة؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على ~~حكم الأذى؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب. # وقال: ذكر الله تعالى: (ثلاثة قروء) باسم التذكير، لا باسم التأنيث؛ فدل ~~أنه أراد الأطهار، يقال: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فإذا أدخل فيه (الهاء) ~~عقل أنه أراد الطهر. # قيل: إن اللغة لا تمنع عن تسمية شيء واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر ~~والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على ~~جعل ذلك طهرا. # وقال: القرء: هو الانتقال من حال إلى حال؛ يقال: أقرأ النجم: إذا غاب، ~~وأقرأ: إذا طلع، ونحوه. # لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان ~~يقال للنجم إذا طلع: أقرأ؛ فيكون الاسم للظهور، لا للغيبوبة، أو لهما ~~جميعا؛ فلا دلالة في ذلك. # وأما الأصل عندنا: فقوله عز وجل: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف)، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن. والبلوغ: اسم للتمام. ثم ~~لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند ~~انتهائه. فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهى إليه ليقطع عليه ms0579 ~~الحكم، وإن كان على الإشراف عليه أيضا كذلك، ثم لو حمل على الانتهاء أيضا ~~يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك؛ فحمل على ما يعرف، لا على ~~ما لا يعرف - والله أعلم فثبت أنه الحيض؛ لأن لها الغاية. # والثاني: قوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر)، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل، ولم يعرف ذكر ~~الأبدال في # PageV02P158 # الأشياء إلا على أثر الأصول حيثما ذكر -ذكر الحيض عند ذكر البدل- فبان أن ~~المبدل من ذلك إنما هي الحيض، المجعولة أصولا في تقضي العدة: هو الحيض. # واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " عدة الأمة حيضتان "؛ ثبت أن أصل ~~ما به تنقضي العدة هو الحيض. # ثم الدليل على أن المراد من قوله: (ثلاثة قروء)، وإن احتمل الطهر، يرجع ~~إلى الحيض وجوه: أحدها:، أن (ثلاثة) اسم لتمام العدد، فيصير كأنه قال: ~~ثلاثة أطهار، لو أراد به الطهر، أو ثلاثة حيض، لو أراد به الحيض. ثم هم على ~~اختلافهم اتفقوا على أنه بالحيض ثلاثة، وبالطهر طهران وبعض الأول. ثبت أن ~~الحيض أولى مع ما كان فيه الاحتياط إذ احتمل الوجهين أن يدخلا جميعا في ~~الحق لا يزال بعد أن ثبت إلا بالبيان، ويبين ذا أن في الخبر تلك العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لقبلها النساء، أنه الحيض حتى يكون قبله الطهر مع ما ~~يحتمل عدة فعل الطلاق في الانقضاء يبين ذلك ما روي عن # PageV02P159 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " إن عدة الأمة حيضتان ". ~~وهي بعض عدة الحرة، ووقت طلاقها وقت طلاق الحرة. فبان أن العدة اثنتان ~~والثاني: ذكر الحيض عند ذكر البدل وذلك حكم الأبدال أن يذكر أصولها عند ~~ذكرها. # والثالث: قوله (فإذا بلغن أجلهن) والبلوغ اسم للتمام ووفاء بعد المراجعة ~~من بعد الإشراف عليه، وهو بالطهر لا يعلم حتى يرى الدم؛ لأن الطهر لا غاية ~~له، وذلك يمنع على قولهم الرجعة؛ فثبت أنه الحيض؛ لأن له الغاية، وإن لم ~~ينقطع الدم وقت ms0580 ولما كان الطلاق وقت ابتداء الحرمة، وذلك طهر، ووقت تقضي ~~العدة وقت تمام ذلك، فهو التطهر، مع ما ينقضي سبب الملك بالطلاق، ووقته ~~الطهر، وبقية الملك بتقضي العدة، فيجب أن يكون وقته الطهر على إلحاق جميع ~~الفروع مع الأصول، وإلحاق التوابع بالمتبوعين، ولا قوة إلا بالله. # ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض. # وقال الشافعي: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " عدة الأمة حيضتان " أي: ~~قرءان والقرءان هما الطهران. # فيقال له: أبلغت في المقلة، وأفرطت في الحجاج، حيث فهمت من الحيض القرء، ~~وهو أوضح عند أهل اللسان بالسماع من المفهوم له به مع ما في ذلك تجهيل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - باللسان، وهو أفصح العرب وأعلم البشر، حيث عبر ~~عن الطهر بالحيض. # ووجه آخر: أنهم اتفقوا على أنه لو طلق في بعض الطهر فالبقية منه عدة، ~~ومثله من الاعتداد قرءان ونصف، والكتاب أوجب الاعتداد بالثلاث؛ فثبت أن ~~الأمر بالاعتداد أمر بالحيض، لا بالإطهار للمعنى الذي وصفنا، وإن كان القرء ~~اسما للطهر والحيض في اللغة. # ثم الأصل في المسألة: أن أول ابتداء الحل لزوجها ولغيره بالطهر، وكذلك ~~نهاية الحل إنما جعلت بالأطهار. # ثم الأصل: أن ابتداء حرمتها على الزوج الأول بالطهر، فيجعل أنتهاء الحرمة ~~في مثله بالطهر. وحاصل هذا أنه جعل نهاية الحل فيه وفي غيره بما به ابتداء ~~الحل، فكذا يجعل نهاية الحرمة فيه وفي غيره بما به ابتداؤه. وإذا ثبت أن ~~المنظور في الحل والحرمة في الابتداء بالابتداء، وجب أن يكون المنظور في ~~الحل والحرمة بالانتهاء. # PageV02P160 # ثم في قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، وفي قوله: (فاعتزلوا ~~النساء في المحيض)، وفي قوله: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم)، وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان، حيث لم يبين ما ~~الأقراء؟، ولم يبين الاعتزال من أي موضع، ومن أي مكان؟، ولم يبين المخالطة ~~في ماذا؟ وفي أي شيء؟ فالاختلاف فيه باق إلى يوم التناد؛ قبطل قول من ينكر ~~تأخر البيان، وثبت قول من ms0581 أقر به. وبالله التوفيق. # وقوله: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر). # ففى الآية دلائل: # أحدها: أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره؛ إذ قد يلزم ~~ذلك من هو غير مؤمن، إذ هو غير مستحسن في العقل. ففيه الدليل على أن الحكم ~~الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله: ~~(فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)، وقد ~~يلزم إصلاح ذات البين في غير الإيمان، وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)، وقد يلزم ترك الربا ~~للمعاهد، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة في ~~أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا ~~يمنع حقه ارتفاعه. وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق؛ لأن حقه ~~التصديق وإظهار الحق، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط. والله ~~أعلم. # ثم اختلف في قوله: (ما خلق الله في أرحامهن). # قال بعضهم: الحبل والحيض. وكذلك روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله ~~ابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: (ما خلق الله في أرحامهن): ~~الحبل والحيض؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم. ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج ~~الدم؛ فبان أن الحامل لا تحيض. وعلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~إنما ذلك دم عرق انقطع ". وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل ~~يحبس الدم. # وقال بعض أهل التأويل: (ما خلق الله في أرحامهن): الحبل خاصة دون الحيض؛ ~~لوجهين: # PageV02P161 # أحدهما: أنهن في الجاهلية كن يكتمن ذلك فيلحقن بغير الآباء، فأوعدن على ~~ذلك بعد الإسلام؛ فثبت أن الحيض لا يحتمل. # والثاني: أن الحيض لا ينسب بكونه في الرحم، فإذا كان غير منسوب إليه لم ~~يحتمل كونه فيه. والله ms0582 أعلم. # لكن الوجه فيه ما ذكرنا من قول الصحابة، وما فيه من الدلالة أنهن مؤتمنات ~~فيما يخبرن؛ لوجهين: # أحدهما: ما جاء في الخبر من أن الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها. # والثاني: لولا أنها ممن يقبل خبرها فيه لما أوعدن على الكتمان. # ثم يحتمل الكتمان من وجهين: # أحدهما: أن يكتمن ذلك يستوجبن به الإنفاق من عند أزواجهن بقولهن: العدة ~~باقية، وذلك يحتمل الحيض والحبل جميعا. # ويحتمل: ما قاله بعض أهل التأويل من إبقاء حق الرجعة. # ويحتمل قول أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، في كتمانها، إذ قال في المرأة ~~إذا جاءت بولد في العدة، فشهدت امرأة على الولادة والحبل: لم يكن ظاهرا أن ~~يقبل قولها؛ إذ هي أمرت بالإظهار، والكتمان أورث تهمة في القبول. # ويحتمل: ألا يحل لهن أن يكتمن الحبل فيلحقن بغيرهم من الأزواج. والله ~~أعلم. # وقوله: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا). # يحتمل وجهين: # يحتمل: أنهن لا يملكن الرجعة، ولا منع أزواجهن عن المراجعة، بل ذلك إلى ~~بعولتهن. # ويحتمل: (أحق بردهن) في نكاح في العدة، لا في حق الرجعة؛ إذ الزوج يملك ~~نكاحها في العدة، وغيره من الناس لا يملك، كقوله: (ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله). # وقوله: (وبعولتهن)، فيه دليل أن قوله: (والمطلقات يتربصن)، إنما عنى به ~~المطلق طلاقا لم يقطع على نفسه جهة العود. # وقوله في ذلك: (إن أرادوا إصلاحا)، يحتمل وجوها: # PageV02P162 # يحتمل: إصلاح ما بينهن. # ويحتمل: إن أرادوا إمساكهن بالمعروف، كقوله: (ولا تمسكوهن ضرارا)، فهو ~~ممسك لها وإن كان مضرا. # ثم الأصل في هذا: أنه وإن قال: (فأمسكوهن بمعروف)، ليس على ألا يصير ~~ممسكا لها بغير المعروف. # وأصل هذا: أن ليس في القول بأن (لم تفعلوا)، دليل الجواز، والفساد إذا ~~فعل ذلك. # ثم اختلف في قوله: (في ذلك)، أي: في الوقت الذي يعيد به، أو (في ذلك) ~~القروء. والله أعلم. # وقوله: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف). # روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إني أحب أن أتزين لامرأتي ~~كما ms0583 أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: (ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف). # وقال آخرون: لهن من الكفاف ما عليهن من الخدمة. # وقال غيرهم: لهن من الحق في المهور بتسليم الأزواج إليهن ما عليهن من ~~تسليم الأبضاع إلى الأزواج؛ فيدل هذا على أن الخلوة، والتسليم منها، يحل ~~محل قبض الحق منها لزوجها. # وقيل: (ولهن مثل الذي عليهن)، الحقوق ما تلزمهن من حقوق الأزواج، يلزم ~~مثلها على الأزواج لهن، وإن كانت مختلفة. # وقوله: (وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم). # قيل: هو الطلاق بيد الرجل وليس بيدها. # وقيل: هي الإمارة والطاعة والأمر. # وقيل: هي ما فضل الله به عليها من الجهاد والميراث وغيره. # PageV02P163 # وقيل: لهم من الفضيلة من الولايات والشهادات والعقل، وذلك ليس لهن. # وقيل: هي فضيلة في الحق وبما ساق إليها من المهر. # وقال الشيخ أبو منصور، رحمه الله تعالى، في قوله: (ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف). # أي من الحقوق على الأزواج. ثم يحتمل حقوقهن المهر والنفقة، ويحتمل ما ~~أتبع من قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، ويحتمل قضاء ما لها من ~~الحوائج خارج البيت مما به قوام دينها ووقايتها عن النار. وعليها من ~~الحقوق: # مقابل الأول: البذل له وألا يوطئن فرشهن أحدا. # ومقابل الثاني: أن يحسن إليهن في البر باللسان والقول المعروف الذي فيه ~~تطيب نفسه به، كما وصف الحميدة منهن. " من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا ~~دعوتها أجابتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ". # ومقابل الثالث: ألا تتلقاه بمكروه، ولا تقابله بما يضجره ويغضبه مع ~~الخدمة وكفاية الداخل مما به قوام دينه. والله أعلم. # و" الدرجة ": التي ما له من الملك فيها، والفضل في الحقوق عليها، وما جعل ~~" قواما عليها "، وغير ذلك. والله أعلم. # ويحتمل: ما لهن من قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وعليهن بذل ~~حقهم المعروف، والإحسان إليهم فيما يبغون من الخدمة والقيام بكفاية داخل ~~البيت، مع حفظ ماله عندها. والله أعلم. # وقوله عز وجل: (الطلاق مرتان (229) # فيه دلالة أنه يطلق بنيتين بمرتين. # وقوله: (فإمساك بمعروف ms0584 أو تسريح بإحسان). # أن له الرجعة بعد طلاقين، بذكره مرتين. وفيه أن المطلق في الطهر الثالث ~~من غير رجعة مطلق للسنة؛ لما خير بين الإمساك أو التسريح من غير مراجعة، ~~وهو على مالك؛ لأنه يقول: ليس له أن يزيد على تطليقة واحدة إلا أن يراجع. # والتسريح بإحسان: هو التطليقة الثالثة، كذلك روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أنه سئل عن " التسريح بإحسان "، فقال: " هو التطليقة الثالثة ~~". # PageV02P164 # فإن قيل: أيش الحكمة في ذكر (المعروف) في الإمساك.، و (الإحسان) في ~~الثسريح. # قيل: وذلك أن في (التسريح) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح، فأمر عند ~~قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا، والإحسان أبدا إنما يكون عند ابتداء ~~الفعل، لا عند المكافأة. وأما (المعروف) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك؛ ~~كقوله: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا). ~~قيل: " الميثاق الغليظ ": الحقوق التي أوجب النكاح. وهذا - والله أعلم - ~~وجه الحكمة، و (المعروف) ما عرفا في النكاح، و (الإحسان) هو ما يبتدئ مما ~~لم يعرفا. # وقوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به). # فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج، ثم آخرها يوجب ~~الخطاب لهما جميعا، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ. عليهما حدود ~~الصحبة، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار (فهما الحكمين)، فيكون كقوله: (وإن ~~خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها)، فيكونان هما ~~اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود. # ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) للحكام؛ ~~لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود الله. # ثم القول عندنا في قوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا)، ~~إذا.كان النشوز واقعا من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شيء على الخلع ~~استدلالا بقوله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه ms0585 شيئا). وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر ~~المهر، ويكره الزيادة وتجوز. أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها ~~استدلالا بقوله: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، ذكر رفع الحرج عن الذي ~~فدى فيما عنه نهي في غير هذا وهو المؤتمن؛ لذلك قلنا: إنه يجوز إذا كان ~~النشوز من قبلها قدر المهر. وأما الزيادة فإنها تكره استدلالا بما روي في ~~الخبر: أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت بغض زوجها، ~~فقال: " أتردين عليه حديقته؟ " فقالت: نعم، وزيادة. فقال: " أما الزيادة # PageV02P165 # فلا ". ففيه الدلالة أن النشوز إذا كان من قبلها فإنه يجوز قدر المهر. # وقال ابن داود: خالف الشافعي ظاهر الكتاب فيما جعل له أخذ ما فدى ~~والزيادة، والكتاب رفع الحرج عن أخذ ما فدى، لم يجعل له غيره بقوله: (ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله). # وقال ابن شريح: ما ذلك الأخذ في الطلاق، إنما ذلك في الطلاق كرها؛ لأنه ~~ليس في الآية ذكر الطلاق. واستدل بقوله: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)، فجعل له أكل ما أخذ بالوصف ~~الذي ذكره، ثم كان له أخذ ما تبذل في غير الطلاق، فعلى ذلك في الطلاق وفي ~~الطلاق، أحق. والله أعلم. # والأصل عندنا: جواز ما بذلت أخذه مما احتيج به الرجل إن كان له ذلك في ~~غير الطلاق، وهو في الطلاق أجوزه؛ لأنها تنتفع، غير أنه يكره له الفضل لما ~~ذكرنا من الآية والخبر. ثم يجوز هو لأنه تبادل، فكان كالعقود التي تكره ~~لربح ما لم يضمن على الجواز # PageV02P166 # فكذا هذا. # والأصل: بأن الطلاق بالبذل بينها، وهو لو لم يملك البينونة مطلقا لم ~~يملكه بما شرط؛ فثبت أنه يملك. # وأصله: أنه بالطلاق، ويصرف إليها ما ملك عليها بالعقد فانتفعت بإزاء ما ~~بذلت؛ لذلك سلم للزوج ما أخذ. والله أعلم. # قال: ويكره أخذ الزيادة بما فيه ms0586 رفع النكاح، فيصير أخذ ما يأخذ بالذي ~~أعطى، فما يفضل عليه ليس بإزائه بدل، وذلك وصف الربا. والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (إلا أن يخافا): # قيل: (يخافا) علما، يعني الرجل والمرأة. # وقيل: علم الحكمان ألا يقيما حدود الله. وعلى ذلك قوله: (فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله)، (خفتم) ويعني علمتم. # وقيل: الخوف هو الخوف، فكأنه أقرب؛ لأن العلم يكون فيما مضى من الحال ~~أنهما أقاما حدودا أو لم يقيما. وأما الخوف في حادث الوقت أمكن؛ لأنه لا ~~يعلم باليقين؛ لذلك كان ما ذكرنا، وهو كقوله: (قل إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم). # ثم اختلف في قوله: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به): # قال بعضهم: أراد بقوله: (عليهما)، (عليه) خاصة. وهذا جائز في اللغة إضافة ~~الشيء إلى الاثنين، والمراد واحد منهما، كقوله: (يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان) وإنما يخرج من أحدهما، ومثله كثير. # وقال آخرون: أريدا جميعا: المرأة بالفداء، والزوج بالأخذ؛ لأن الزوج نهي ~~عن أخذ شيء مما آتاها بقوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا)، ~~ثم أباح ورفع الحرج منه بالأخذ على الشرط. # وقيل: أراد بذلك الزوج خاصة. وهو ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله: (تلك حدود الله فلا تعتدوها). # قيل: إذا لم يفهم بحد من حدود الله تعالى ما يفهم من حد الخلق، كيف فهم ~~من استواء الرب ومجيئه من قوله: (استوى على العرش)، و (وجاء ربك) ما فهم من ~~استواء # PageV02P167 # الخلق ومجيئهم؟ والاستواء والمجيء إلى احتمال معان أن ينفي عنه التشبيه ~~أكثر من احتمال الحدود التي في الشاهد. فإذا لم يفهم من هذا ذلك لم يجز أن ~~يفهم من الأول ما فهموا، وقد قال: (ليس كمثله شيء). # وقوله: (حدود الله). # قيل: أحكام الله وسننه. # وقيل: أوامره ونواهيه. # وقيل: آدابه وهو واحد. # وقوله: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون). # يحتمل وجهين: # يحتمل: (ومن يتعد حدود الله) مستحل بها، فيكفر بتعديه ذلك، فهو ظالم - ~~ظلم كفر. # ويحتمل. (ومن يتعد) تجاوز أمر الله وما نهاه عنه غير ms0587 مستحل لها، فهو ظالم ~~نفسه، غير كافر. # وقوله: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره (230) # هذه الآية رجعت إلى الأولى قوله: (الطلاق مرتان)، فإن طلقها بعد ~~التطليقتين تطليقة أخرى (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، وقوله: ~~(الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، قيل: التطليقة الثالثة، ~~وعلى ذلك جاء الخبر، وهو واحد عندنا، يدل عليه أيضا قوله تعالى: (حتى تنكح ~~زوجا غيره). # ويحتمل: عقد النكاح خاصة، دون الجماع من الثاني؛ إذ ليس في الآية ذكر ~~الدخول بها. وأما عندنا: فهو على الجماع في النكاح الثاني، يدل عليه قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " لا، حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسيلتها "، فيكون ~~النكاح مضمرا، وهو أولى؛ لأن الآية في عقوبة الأول ولا يشتد عليه النكاح ~~حتى يتصل به الوطء. # وفيه دلالة على كراهية التطليقة الثالثة - إذ هي لا تحل له بعدها إلا بعد ~~دخول زوج آخر بها، وذلك مما ينفر عنه الطبع ويكرهه. # PageV02P168 # وقوله: (فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ~~وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون). # فيه دليل على أن في التراجع إيجاب عقد بهما جميعا؛ فدل على قطع رجعه ~~الثاني المحل للزوج الأول، وذلك أن لا رجعة فيه لغيره. وقوله: (وبعولتهن ~~أحق بردهن)، أضاف (الرد) إلى الأزواج؛ فدل أنهم ينفردون به دونهن. # ثم ذكر الكتاب: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، جعل سبب الحل ~~على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع ~~الحرمة؛ إذ مثل هذا -في أحكام الله تعالى- لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء ~~فيما جعل سببا لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سببا لها ثم يكره الإقدام ~~عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سببا للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي ~~عنها، وبها قوامها. كذا هذا، لما جعل سببا لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى ~~عنه. # ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل. فإن سئلنا ms0588 عن قوله عليه الصلاة والسلام: ~~" لعن الله المحلل والمحلل له ". قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد ~~الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله ~~عليه الصلاة والسلام: " إن # PageV02P169 # الله لا يحب كل ذواق مطلاق "؛ وذلك لقصده الفراق بالنكاح، إذ النكاح بني ~~في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به ~~يقصد؛ فلهذا لحقه ما لحقه من اللعن. # ثم المحلل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من ~~عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع ~~الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك. # ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ~~ليكون زجرا ومنعا عن ارتكابه. # وقوله: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا)، يخرج على الترخيص؛ وذلك - والله ~~أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم ~~يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ~~ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبدا. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم ~~النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم ~~بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم ~~وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # وقوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف) # وقال عز وجل: (وبعولتهن أحق بردهن)، ذكر في الآية الأولى (الإمساك)، ~~والإمساك المعروف: هو إمساكها على ما كان من الملك. وذكر في الآية الأخيرة ~~(الرد)، والرد لا يكون إلا بعد الخروج من الملك. هذا هو الظاهر في الآية. ms0589 ~~لكن بعض أهل العلم يقولون: إنه يمسكها على الملك الأول ويردها من الحرمة ~~إلى الحل؛ لأن من مذهبهم: أن الطلاق يوجب الحرمة، ولا يخرجها من ملكه. وهذا ~~جائز أن يحرم المرأة على زوجها وهى بعد في ملكه. فإذا كان كذلك فأمر ~~بالإمساك على الملك الأول وبالرد من الحرمة إلى الحل. وهو قول أهل المدينة ~~أي يردها من العدة إلى ما لا عدة، ويمسكها بلا عدة. # وأما عندنا: فهو واحد بحدث الإمساك، دليله قوله: (ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا)، # ولو لم يكن الإمساك سوى القصد إليه، لكان لم يكن بالقصد إليها مضرا. # وهو فيما أمر بالإمساك بالمعروف فيه وجهان: # PageV02P170 # أحدهما: هو أن يمسكها على ما كان يمسكها من قبل من مراعاة الحقوق ومحافظة ~~الحدود. # ويحتمل ما قيل: ألا تطول عليها العدة، على ما ذكر في القصة من تطويل ~~العدة عليها، وفيه نزلت الآية. # وفيه دلالة أن الزوج يملك جعل الطلاق بائنا بعدما وقع رجعيا؛ لأنه يصير ~~بائنا بتركه المراجعة؛ فعلى ذلك يملك إلحاق الصفة من بعد وقوعه، فيصير ~~بائنا. والله أعلم. # وقوله: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه). # قال الشيخ - وحمه الله تعالى -: الأصل عندنا في المناهي: أنها لا تدل على ~~فساد الفعل ولا تستدل بالنهي على الفساد، كقوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله)، على ذلك قوله: (ولا تمسكوهن ضرارا ~~لتعتدوا)، أنه يصير ممسكا لها وإن كان فيه ضرارا لها، وهكذا هذا في كل ما ~~يشبه هذا من قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا)، أنه إذن بالفعل في حال فهو ~~وإن أوجب نهيا في الفعل، فذلك لا يدل على الفساد في حال أخرى. # وقوله: (ولا تتخذوا آيات الله هزوا). # معناه - والله أعلم - أي لا تعملوا بآيات الله عمل من يخرج فعله بها مخرج ~~فعل الهازئ؛ لأنه معقول أن أهل الإيمان والتوحيد لا يتخذون آيات الله هزؤا، ~~ولا يقصدون إلى ذلك. # وقيل: إنهم في الجاهلية كانوا يلعبون بالطلاق والعتاق، ويمسكونهم بعد ~~الطلاق ms0590 والعتاق على ما كانوا يمسكون قبل الطلاق وقبل العتاق، فنهوا عن ذلك ~~بعد الإسلام والتوحيد. # ثم اختلف في (آيات الله): # قيل: حجج الله. # وقيل: أحكام الله. # وقيل: دين الله. # ويحتمل: (آيات الله)، الآيات المعروفة. # وقوله: (واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم). # قوله: (نعمت الله)، يحتمل وجوها: # PageV02P171 # يحتمل: (نعمت) هاهنا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وهو من أعظم النعم. # ويحتمل: (نعمت)، الإسلام وشرائعه. # ويحتمل: (نعمت)، هي التي أنعمها على خلقه جملة. # النعمة على ثلاثة أوجه: # النعمة بالإسلام، تقتضي منه المحافظة. # والنعمة الخاصة، تقتضي الشكر. # والنعم العامة جملة، تقتضي منه التوحيد. # وقوله: (وما أنزل عليكم من الكتاب)، وهو القرآن. ففيه دلالة أن (الكتاب)، ~~هو منزل، ليس كما يقول القرامطة؛ لأنهم يقولون: بأن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - ألف القرآن، وإنما كان # PageV02P172 # يوحى إليه كما يتوهم الرجل شيئا فيجعله كلاما. # وقوله: (والحكمة)، اختلف فيه: # قيل: (والحكمة، الفقه. # وقيل: (والحكمة)، الحلال والحرام. # وقيل: (والحكمة)، المواعظ. # وقيل: (والحكمة)، هي الإصابة: إصابة موضع كل شيء منه. # وقيل: (الحكمة)، القرآن، وهو من الإحكام والإتقان، كأنه قال - عز وجل -: ~~" اذكروا ما أعطاكم من الفقه والإصابة والكتاب المحكم والمتقن الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ". # وقوله: (يعظكم به)، يعني بالقرآن. # PageV02P173 # وفي قوله: (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم)، تخويف وتحذير، ~~ليعلموا أن كل شيء في علمه، وأنه لا يعزب عنه شيء في علمه. وبالله العصمة. # وقوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف (232) # اختلف في تأويله: # قال قائلون: فيه دليل فساد النكاح دون الأولياء، واحتجوا بأن قالوا: قال ~~الله تعالى: (فلا تعضلوهن)، ولا ينهى عن القول من غير أن يعمل، إذ القول ~~فيما لا يعمل غير ضار لعضلها به؛ فثبت أنه عامل، وأن له فيه حقا إلى أن ~~نهوا، ثبت أن قوله: " لا تعضل "، منع؛ إذ لو لم يجعل منعا لم يكن ms0591 ضارا به. # وقال آخرون: فيه دليل جواز نكاحهن دون الأولياء؛ لأنه تعالى قال: (أن ~~ينكحن)، واستدلوا: بأن النكاح على وجود العضل يجوز، ولو كان العضل سبب ~~المنع في الجواز لم يحتمل جوازه إذا فات. وفيه أن العضل إذا لم يكن، جاز ~~للنساء تولى النكاح. واحتجوا أيضا بما أضاف النكاح إليهن بقوله: (أن ينكحن ~~أزواجهن)، وقوله: (فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف)، وأضاف ~~الإنكاح إلى الأولياء على إرادة إدخال الصغار، والثاني على وجوب الحق لهن ~~عليهم، لا أن يجب لهم عليهن. # ثم الأصل: بأن كل نكاح أريد بالذكر الصغار وأضيف الإنكاح إلى الأولياء؛ ~~كقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)، وقوله: (ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن)، (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا)، مع ما احتمل ~~دخول البالغين في هذا، دليله قوله: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، ~~والفدية لا تصح من الصغار، وقوله: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن ~~يقيما حدود الله)، والصغار لا يخاطبن بإقامة حدود الله، وقوله: (فلا جناح ~~عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)، وإن كان متأخرا في الذكر. # بهذا قيل إن وقوع الإنكاح بالإضافة في الصغار إلى الأولياء، وفي الكبار ~~إليهن، ثم ذكر الكفاءة والمهر، وجرى إضافته إلى الأولياء، لذلك كان لهم ~~التعرض في فسخه. # ثم قوله: (إذا تراضوا بينهم بالمعروف)، رجع ذلك إلى المهر؛ لأن (التراضي) ~~فعل # PageV02P174 # اثنين، والمهر يثعرف بهما؛ لأن القصة في امرأة بعينها وكانت ظهرت كفاءة ~~زوجها لها، وقال في الكفاءة: (فلا جناح عليكم فيما فعلن)، ووجود الكفاءة ~~إنما تكون من إحدى الجانبين، فذكر ذلك مضافا إلى الأولياء، لم يجز دونهم. # والأصل في مسألة النكاح: أن الحق في النكاح لها على الولي، لا للولي ~~عليها، دليله: ما يزوج على الولي إذا عدم، ويجوز عليه إذا وجد، وزوج عليه ~~إذا أبى، وهي لا تجبر بإرادة الولي إذا أبت؛ فبان أن الحق لها قبله، ومن ~~ترك حق نفسه في عقد له قبل آخر لم يوجب ذلك فساده. والله أعلم. ms0592 # وقوله: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)، فيه دليل على أن النهي عن العضل ~~إنما كان في الأزواج كانوا لهن، دليله قوله: (أزواجهن)، ولا يسمى (الأزواج) ~~إلا بعد النكاح، ويدل أيضا قوله: (وإذا طلقتم النساء)، ذكر (الطلاق) فدل ~~أنه كان في أزواج كان لهن. # ويحتمل: أن يكون في الابتداء من غير أن كان ثم نكاح، وجائز تسمية الشيء ~~باسم ما يئول الأمر إليه لقرب حالهن بهم. # وأما أهل التفسير بأجمعهم قالوا: إن الآية نزلت في أخت معقل بن يسار ~~المزني، أن زوجها قد طلقها وانقضت عدتها، ثم أراد الزوج أن يتزوجها ثانية ~~وتهوى المرأة ذلك، فيقول الولي: لا أزوجها إياه؛ فنزل قوله تعالى: (فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف)، وهو يحتمل المعنى ~~الذي ذكرنا. والله أعلم. # وقوله: (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر). # قيل: (يوعظ به)، أي ينهاكم به، كقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) ~~أي: ينهاكم. # وقيل: (يوعظ به)، أي: يؤمر به. # وقوله: (ذلكم أزكى لكم وأطهر). # قيل: إذا وضعن أنفسهن حيث هوين فذلك أزكى وأطهر لكم من العضل من ذلك؛ ~~ولعل العضل يحملهن على الفساد والريبة. # وقيل: المراجعة خير لكم من الفرقة، وأطهر لقلوبكم من الريبة. # وقوله: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). # PageV02P175 # أي: الله يعلم من حب كل واحد منهما صاحبه، وأنتم لا تعلمون ذلك. # ويحتمل: (والله يعلم) وفيما صلاحكم، (وأنتم لا تعلمون) ذلك. # * * * # قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا ~~تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا ~~عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا ~~جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير (233) # وقوله: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ~~وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا ms0593 وسعها لا تضار ~~والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن ~~تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما). # قال بعضهم: (والوالدات يرضعن أولادهن)، هن المطلقات، يرضعن أولادهن، وهو ~~كقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)، ذكر هاهنا الأجر، وذكر هناك ~~الرزق والكسوة، وهما واحد. # وقال آخرون: لا، ولكن قوله: (والوالدات يرضعن أولادهن) هن المنكوحات، ~~وقوله: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) هن المطلقات. دليل ذلك: ذكر الأجر في ~~أحدهما، والرزق والكسوة في الأخرى، على أن المنكوحة إذا استؤجرت على رضاع ~~ولدها منه لم يستوجب الأجر، ويستوجب قبل الزوج الرزق والكسوة؛ فدل هذا على ~~أن ذكر الأجر في المطلقات، وذكر الرزق والكسوة في المنكوحات. # فإن قيل: ما فائدة ذكر الرزق والكسوة في المنكوحة في الرضاع، وقد يستوجب ~~ذلك في غير الرضاع؟ # قيل: فائدة ذكر الرزق والكسوة فيه - والله أعلم - لأنها تحتاج إلى فضل ~~طعام وفضل كسوة لمكان الرضاع؛ ألا ترى أن لها أن تفطر لذلك؟! فثبت أن لها ~~فضل حاجة في حال الرضاع ما لا يقع لها تلك الحاجة في غير حال الرضاع؛ فخرج ~~ذكر الرزق والكسوة فيه - والله أعلم - ذكر تلك الزيادة والفضل، والله أعلم. # وفي القرآن دليل أن مؤنة الرضاع على الأب من أوجه: # أحدها: قوله تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). # PageV02P176 # والثاني: قوله عز وجل: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف). # والثالث: قوله تعالى: (لمن أراد أن يتم الرضاعة). # فثبت أنه حق على الوالد إلى أن ذكر فيه إيتاء الأجر. # وفيه دلالة على أن شرط الطعام والكسوة للظئر يجوز بقوله تعالى: (وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن)، غير أن الكسوة لا تجوز إلا بإعلام الجنس، ~~والطعام يجوز؛ لأن الظئرة تكسى كسوة الأهل وتطعم طعامهم. فلابد في الكسوة ~~من إعلام جنسه، إذ لا يجوز أن تكون كسوة واحدة لها وللأهل، ويجوز في الطعام ~~ذلك؛ لأن الكسوة ليست بذي غاية تعرف، فاحتيج إلى ذكر الجنس ليقع في حد قرب ~~المعرفة والعلم، وأما الطعام فهو ذو غاية عند ms0594 الناس غير متفاوت ولا متفاضل ~~عندهم؛ لذلك جاز هذا، ولم يجز الآخر إلا أن يعلم الجنس، فإذا علم الجنس ~~فحينئذ يصير عندهم كالطعام. والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - فدل على جوازه قوله تعالى: (وعلى الوارث ~~مثل ذلك)، أي - والله أعلم - مثل ما على المولود له، ويكون ذلك بعد موته؛ ~~لذلك يجوز شرط الكسوة والطعام في الرضاع. # وقوله: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، ليس فيه جعل الحولين ~~شرطا في الرضاع لوجوه: # أحدها: قوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة)، فلو لم يحتمل الزيادة والنقصان ~~لم يكن لقوله: (لمن أراد) معنى. # والثاني: الإرادة والقدرة ربما تذكر على غير إرادة وقدرة في الحقيقة، ~~ولكن على إرادة حقيقة الفعل. دليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أراد ~~الحج فليفعل كذا، ومن استطاع أن يفعل كذا فليفعل "، ليس ذلك على حقيقة ~~القدرة والإرادة، ولكن هذا - والله أعلم - على معنى: " من فعل كذا فليفعل ~~كذا "؛ فكذلك الأول ليس على حقيقة الإرادة، ولكن تذكر ذلك لما لم يكن الفعل ~~إلا بقدرة وإرادة. والله أعلم. # والثالث: لا يخلو " الحولين " من أن يقدر بالأهلة فقد ينتقص عن سنتين، أو ~~أن يقدر بالأيام فقد يزداد على المعروف من الوقت؛ فثبت أنه بحيث الاحتمال ~~لما ذكرنا؛ إذ # PageV02P177 # يحتمل (لمن أراد) أن يزيد حتى يتم، أو (لمن أراد) أن يقتصر على التمام، ~~على أن الآية ليست في حق الحرمة، لكنها في حق الفعل؛ إذ قد يجب الحرمة لا ~~بحولين. # وروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في تأويل قوله: (وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا)، وقوله: (وفصاله في عامين)، قال: إن كان الحمل ستة أشهر، ~~ففصاله في عامين، وإن كان الحمل تسعة أشهر، فيقدر الباقي؛ فدل هذا على أن ~~(الحولين) ليسا بشرط في الفطام، ولا وقت له، لا يجوز الزيادة عليه ولا ~~النقصان. والله أعلم. # وقد ذكرنا أن قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، يحتمل ~~وجهين: # قيل: إنه في المطلقة، وقيل: إنه في المنكوحة. وقد دللنا على أنه في ms0595 ~~المنكوحة. # والله أعلم. # وقوله: (لا تكلف نفس إلا وسعها). # قال قوم: قوله: (إلا وسعها)، إلا ما يسع ويحل. لكن هذا لو كان على ما ذكر ~~لكان بالأمر يحل ويسع، فكان كأنه قال: لا نكلف إلا ما نكلف. وذلك لا يكون. # وقال قوم: (إلا وسعها)، يعني: طاقتها وقدرتها. وهذا أشبه، ومعناه: لا ~~يكلف الزوج بالإنفاق عليهما والكسوة إلا ما يحتمل ملكه وإن كانت حاجاتها ~~تفضل عما يحتمله ملكه، لم يفرض عليه إلا ما احتمله ملكه - والله أعلم - ~~كقوله: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا). # ثم اختلف في تحريم الرضاع في حال الكبير: # PageV02P178 # قال قوم: يحرم. ورووا في ذلك أحاديث. # وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: لا يحرم. وذكروا في ذلك إلى الآثار ~~رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه عليه السلام سئل عن الرضاع، ~~فقال: " ما أنبت اللحم وأنشز العظم "، وفي بعضها عنه: " لا رضاع بعد حلم، ~~ولا رضاع بعد فصال ". وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس، رضي الله تعالى ~~عنهم، أنهما قالا: لا رضاع بعد الحولين. وعن علي وابن مسعود، رضي الله ~~تعالى عنهما، أنهما قالا: لا رضاع بعد الفطام أو الفصال، الشك منا. وروي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأخبار: أنه دخل على عائشة، رضي ~~الله تعالى عنها، فرأى معها رجلا، فرأت عائشة:، رضي الله تعالى عنها، ~~الكراهة في وجهه، فقالت: " إنه أخي من الرضاعة أو عمي "، فقال لها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " انظرن من إخوانكن، ما الرضاعة؟ إنما ~~الرضاعة من المجاعة ". # PageV02P179 # وروي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلا قال له: إن ~~امرأتي أرضعتني، أتحرم علي؟ فقال: نعم. فبلغ ذلك ابن مسعود، رضي الله تعالى ~~عنه، فأتاه، فقال له: أأنت تفتي بكذا؟ فقال: نعم، فقال: كذبت، أو كلام نحو ~~هذا؛ إنما الرضاعة من المجاعة. إلى هذه الأخبار ms0596 ذهب أصحابنا، رحمهم الله ~~تعالى، في نفي تحريم الرضاع بعد الفطام وبعد الكبر. # وأصله: أن ينظر: فإن كان غذاؤه باللبن أو أغلب غذائه فهو يحرم، وإذا كان ~~بالطعام أو غالب غذائه به، فهو لا يحرم. # وأصله: ما ذكر في الخبر: " ما أنبت اللحم وأنشز العظم، فهو يحرم "، فإذا ~~كان غذاؤه بالطعام سوى اللبن، فالطعام هو الذي ينبت اللحم وينشز العظم، فلم ~~يحرم. # ثم الأصل: بأن كل مذكور على الكمال والتمام لا يمتنع عن احتمال الزيادة ~~والنقصان. # دليله قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أدرك عرفة بليل وصلى معنا بجمع ~~فقد تم حجه "، وقوله عليه السلام: " إذا فعلت هذا فقد تمت حجتك "، وقوله: " ~~إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ". وصفهما بالتمام والحرمة باقية. # PageV02P180 # ثم قدر أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -، الزيادة بستة أشهر، ذهب في ذلك ~~إلى أن الفطام ربما يعترض ويعترى في حال -وهو حال الحر والبرد- ما لو منع ~~الرضاع منه لأورث هلاك الصبي وتلفه، لما لم يعود بغيره من الطعام، ففيه خوف ~~هلاكه، فإذا كان فيه خوف هلاكه، لما ذكرنا، استحسن أبو حنيفة، رضي الله ~~تعالى عنه، إبقاءها بعد الحولين لستة أشهر، إذ على هذين الحالين تدور ~~السنة. والله أعلم. # وقال زفر: بزيادة سنة، ذهب في ذلك إلى أنه لما جاز أن يزاد بالاجتهاد على ~~حولين بستة أشهر، جاز أن يزاد بالاجتهاد على الحولين بسنة. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وعلى ما زيد على المذكور من الحبل مثل ~~أقل وقت الرضاع، يزاد على المذكور من الرضاع مثل أقل الحبل، أو لما احتمل ~~الأقل الانتقال إلى الوسط يحتمل الوسط الانتقال إلى الأكثر، وذلك في قوله: ~~(وحمله وفصاله ثلاثون شهرا). # وقوله: (لا تضار والدة بولدها)، يحتمل وجهين: # يحتمل: (لا تضار والدة بولدها)، في ترك الإنفاق عليهما. # ويحتمل: (لا تضار والدة بولدها) في انتزاع الولد منها، وهي تريد إمساكه. # وقوله تعالى: (ولا مولود له بولده)، كذلك يحتمل وجهين: # ويحتمل: لا يضار الوالد بولده في ردها الولد عليه ورميه إليه بعد ما، ms0597 ألف ~~الولد الأم. # ويحتمل: لا يضار الوالد في تحميل فضل النفقة عليه وملكه لا يحتمل ذلك، بل ~~إنما يحمل عليه ما احتمله ملكه. # وفي قوله: (ولا مولود له بولده)، دليل أنه إنما يسمى (الوالد) على ~~المجاز، ليس على التحقيق؛ لأنه لم يلد هو، إنما ولد له؛ فثبت أن الرجل ~~يستحق اسم الفعل بفعل غيره، وكل معمول له يستحق اسم الفاعل وإن لم يعمل هو، ~~نحو ما سمي (والدا)، وإن لم يلد هو، وإنما ولد له. # PageV02P181 # ففيه دلالة أن من حلف: (لا يعتق)، و (لا يطلق) فأمر غيره، ففعل، حنث وجعل ~~كأنه هو الفاعل. والله أعلم. # ثم اختلف في تأويل قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك). # قال بعضهم: هو معطوف على قوله: (لا تضار والدة بولدها) ومعناه: ألا يضار ~~الوارث أيضا باليتيم. # وقال آخرون: هو معطوف على الكل: على النفقة، والكسوة، والمضارة. # وقال غيرهم: هو راجع إلى النفقة والكسوة دون المضارة. وهو قولنا؛ لوجهين: # أحدهما: أن نسق الكلام إنما هو على قوله: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف)، فنسقه على حرف (على) أولى من نسقه على حرف (لا)، ليصح، إذ، لو ~~حمل على قوله: (لا تضار) ولكان ما يوازيه من الكلام، إنما هو: الوارث مثل ~~ذلك. # والثاني: أنه لو حمل على إضرار من الوارث بالولد في الميراث لقال: وعلى ~~المورث بحق الميراث، فلا ضرر يقع فيه، بل يقع الإنفاق؛ فثبت أن حمله عليه ~~أحق. # ثم اختلف في قوله: (وعلى الوارث): # قال بعضهم: أراد (بالوارث) الوالد، والأم، والجد، ولا يدخل ذو الرحم ~~المحرم فيه. ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أنه ~~قال ذلك. # وأما أصحابنا، رحمهم الله تعالى، ذهبوا إلى ما روي عن عمر، رضي الله ~~تعالى عنه، أنه أوجب النفقة على العم، وقال: لو لم يبق من العشيرة إلا واحد ~~لأوجبت عليه النفقة. وروي أيضا عن زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه أنه قال ~~في قوله تعالى: # PageV02P182 # (وعلى الوارث مثل ذلك): النفقة على كل ms0598 ذي الرحم المحرم على قدر مواريثهم. ~~فاتبعنا الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، في ذلك. وفي الكتاب دليل ~~وجوب النفقة على المحارم، قوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو ~~بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت ~~عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) فإنما يأكل بحق، لا بالرضاء. # ألا ترى أنه يأكل من بيت الأجنبي إذا بذل ورضي، فلو لم يكن أكله من بيت ~~هؤلاء بحق لم يكن للتخصيص فائدة. # فإن عورض (بالصديق)، أنه لا يفرض عليه قيل: لما أنه لو فرض عليه، لانقطعت ~~الصداقة بينهما. ثم لقائل أن يقول: كيف لا أوجبت النفقة على كل وارث على ~~ظاهر الآية؟ # قيل: الآية مخصوصة بالإنفاق؛ لأن المرأة وارثة، ولا تفرض عليها نفقة ~~الزوج؛ دل أنه أراد وارثا دون وارث، وهو الوارث من الرحم المحرم. والله ~~أعلم. # وقوله: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما). # قيل: فإن أراد الأبوان فصال الصبي وفطامه بدون الحولين ليس لهما إلا ~~بتراضيهما جميعا واتفاقهما على ذلك، وأما بعد تمام الحولين فإنه إذا أراد ~~أحدهما الفصال دون الآخر يفصل وأصله واحد بأن الفصال بعد الحولين فصال على ~~التمام والكمال فجاز أن يفصل إذا أراد أحدهما. وأما الفصال قبل الحولين ~~فصال عن غير تمام ذكره الكتاب، فلا يفصل إلا باجتماعهما واتفاقهما على ذلك. ~~وأما ما بعد الحولين هو على تمام النص، فجاز ذلك لرأي واحد منهما، وما قبله ~~لا يجوز إلا لرأيهما جميعا. # وأصله: أنه بالحولين قد ظهر التمام والكفاية، ثم بالنص، وما دونه يعلم ~~بالاجتهاد، وعند التنازع يزول موضع بيان الصواب فيرد إلى الحد المذكور، مع ~~ما في القرآن للتمام ذكر إرادة الفرد، وللفصل التشاور. والله أعلم. # PageV02P183 # ثم إن الزوجين يحكمان عن أنفسهما برضاع ولدهما لذلك يحتج ms0599 إلى نظير ~~غيرهما، ولا إلى رأي آخر، لما لا يجوز أن يعدم شفقتهما جميعا عن ولدهما. ~~وأما إذا كان الحكم لغيرهما أو على غيرهما فلا بد من أن يحكم غيره، دليله: ~~قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم)، وكقوله: (فابعثوا حكما من أهله وحكما ~~من أهلها) فهذا الحكم على غيرهما؛ ولذلك احتيج إلى غيرهما؛ وذلك الزوجان ~~يحكمان على أنفسهما وينظران لولدهما؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # و (الجناح) و (الحرج) واحد: وهو الضيق، ومعناه: أي لا ضيق ولا تبعة ~~عليهما، ولا إثم إذا أرادا فطامه بدون الحولين. # وقوله: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما ~~آتيتم بالمعروف). # فيه دلالة جواز الرضاع بعد الحولين وحرمته؛ لأنه ذكر في قوله: (فإن أرادا ~~فصالا) بتراضيهما بدون الحولين. # ثم قوله: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) يصير استرضاعا بعد الحولين. # إذ ذكر الرضاع في الحولين بقوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة)، وذكر الفصال ~~بدون الحولين بقوله: (فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور) فحصل قوله: ~~(وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) بعد الحولين. وهذا يدل لقول أبي حنيفة، ~~رضي الله تعالى عنه، ويقوي مذهبه. # ويحتمل: أن تكون الآية في جواز استرضاع غير الأمهات إذا أبت الأم رضاعه؛ ~~وهو كقوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). # وقوله تعالى: (إذا سلمتم)، يعني إذا سلمتم الأمر لله تعالى، (ما آتيتم ~~بالمعروف)، أي قبلتم، ليس هو على الإيتاء، ولكن على القبول، دليل ذلك قوله ~~تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ليس هو ~~الإيتاء نفسه، ولكنه على القبول كأنه قال: فإن تابوا وقبلوا إقامة الصلاة ~~وعهدوا إيتاء الزكاة فخلوا سبيلهم، فعلى ذلك الأول. # و (ما آتيتم) أي قبلتم إيتاء ما عهدوا وهو الأجر. # وقد يكون (ما آتيتم)، أي: عقدتم عقد الإيتاء؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء ~~والعطية عقدتم # PageV02P184 # التسليم عليه. وذلك دليل لقول من يفرق بين قوله: أعطيتتني كذا، فلم ~~أقبضه. وسلمتني فلا أقبضه، والله أعلم. # وقوله: (واتقوا الله). # أي: فيما أمركم من الإنفاق، والكسوة، ونهاكم من ms0600 إضرار أحدهما صاحبه. # وقوله: (واعلموا أن الله بما تعملون بصير). # وهو وعيد على ما سبق من الأمر والنهي. # * * * # قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ~~والله بما تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ~~أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا ~~أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # وقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا). # قيل: هي ناسخة لقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف). إنها وإن كانت مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، (أربعة أشهر وعشرا)، ~~ناسخة لتلك. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل؛ ألا ترى إلى ما جاء في الخبر: ~~أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت: أن بنتا لها توفي ~~عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " قد كانت إحداكن في الجاهلية تجلس حولا في منزلها ثم تخرج ~~عند رأس الحول، فترمى بالبعر، وإنما هو أربعة أشهر وعشرا ". فثبت # PageV02P185 # أن ما كان ذلك مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني. # وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعا أو وصية، ثم ورد النسخ على كل ~~وصية كانت للوارث بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله قد أعطى كل ذي ~~حق حقه، فلا وصية لوارث ". وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر ~~وعشرا. # PageV02P186 # وأمكن أن يستدل بقوله: (فإن خرجن)، إذ كان على إثر قوله: (غير إخراج) أن ~~قوله، (فإن خرجن)، كان النهي على (الإخراج)، دون (الخروج). وهذا أصل في ~~الوصايا بالمتاع: ألا يمنع الرد وإن أجبر على التسليم. # وفي الآية دلالة جواز ms0601 الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث، لا بحق ~~الوصية - والله الموفق - وهو جائز فيمن لم تنسخ له الوصية. # وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إن ثبت ما روي: " أنه يكون ~~أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ثم ينفخ فيه ~~الروح في العشرة ". # PageV02P188 # فإذا كان ما ذكرنا أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها. ~~وإذا كان بهذا معنى العدة فإذا ولدت بدونه انقضت العدة. والله أعلم. # فإن قيل: الأمة أليست لا تختلف عن الحرة في تبيين الحبل، ثم لم يجعل ~~عدتها أربعة أشهر وعشرا، فإذا لم يجعل ذلك كيف لا بان أن الأمر بتربص أربعة ~~أشهر وعشرا إلا لهذا المعنى؟ # قيل: لوجهين: # أحدهما: أن الحرائر هن الأصول في النكاح، وفيهن تجري الأنكحة، فيخرج ~~الخطاب لهن. # والثاني: أنها حق أخذت الحرة، والحقوق التي تأخذ الحرائر هن الأصول في ~~النكاح، إذا صرف ذلك إلى الإماء تأخذ نصف ما تأخذ الحرائر. # والثالث: أنه لا يقصد آجالهن؛ لما فيه رق الولد واكتساب الذل والدناءة. # وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنها، أنه قال: تعتد أبعد ~~الأجلين احتياطا. ذهب في ذلك إلى أن الاعتداد بوضع الحبل إذا ذكر في ~~الطلاق، ولم يذكر في الوفاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك في الوفاة كهو في الطلاق ~~ويحتمل ألا يكون، فأمرها بذلك احتياطا. # وأما عندنا: ما روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، # PageV02P189 # رضي الله تعالى عنهم، أنهم قالوا: إذا وضعت ما في بطنها، وزوجها على ~~السرير، انقضت عدتها. وكذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أن ~~امرأة مات عنها زوجها، وكانت حاملا، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأذن لها بالنكاح ~~". # ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا، ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أنه قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ~~ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ". # فإن قيل: أليس وجب ms0602 ذلك على المطلقة، والخبر إنما جاء في الموت، قيل: ليس ~~للموت ما وجب ولكن لمعنى في الموت، وهو فوت النعمة في الدين، وذلك الفوت في ~~الطلاق كهو في الموت؟! # ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها، دل أنه لم يجب ~~للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدين؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أن ~~المرأة الصالحة مفتاح الجنة، فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة ~~بترك الزينة والتشوف؛ إذ النكاح نعمة. ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر ~~والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة، وأما المطلقة قبل الدخول ~~بها لم يلزمها ذلك؛ لأن العدة لم تلزمها فتتجدد لها النعمة، لما لها أن ~~تنكح للحال، فتكتسب نعمة. والله أعلم. ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن ~~امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر، دل هذا على أن وجوبها لفوت النعمة. والله # أعلم. # وقوله: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ~~والله بما تعملون خبير). # قوله: (فيما فعلن في أنفسهن) قيل: لا تبعة عليكم ولا إثم (فيما فعلن) ~~قيل: تزين # PageV02P190 # بعد انقضاء عدة، وقيل: المعروف هو وضعهن أنفسهن، أي في الأكفاء بمهر ~~مثلهن. قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في ~~أنفسكم (235) قيل: (التعريض) هو أن يرى من نفسه الرغبة فيما يكنى به من ~~الكلام، على ما ذكر في الخبر: أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال لها: " إذا انقضت عدتك فآذنيني، فاستأذنته في ~~رجلين كانا خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه، وأما ~~فلان فإنه صعلوك لا شيء له؛ فعليك بأسامة بن زيد ". فكان قوله عليه # PageV02P191 # السلام: " فآذنيني " كناية خطاب إلى أن أشار على أسامة، دون ما ذكره أهل ~~التأويل: " إنك لجميلة "، و " إنك لتعجبينني "، و " ما أجاوز إلى غيرك "، ~~أو " إنك لنافعة "، ومثل هذا لا يحل أن ms0603 يشافه لامرأة أجنبية لا يحل له ~~نكاحها. # وفي الآية دلالة أن لا بأس للمتوفى عنها زوجها الخروج بالنهار لما ذكر من ~~التعريض، لأن الرجل لا يأتيها منزلها فيعرض لها، ولكن المرأة قد تخرج من ~~منزلها فتصير في مكان احتمال التعريض، فعند ذلك يقول لها ما ذكرنا. وعلى ~~ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أن امرأة مات ~~زوجها، فأتته، فاستأذنته للاكتحال، لم يأت أنه نهاها عن الخروج ". وما روي ~~عن عمر، وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، بالإذن لهن بالخروج بالنهار، ~~والنهي عن البيتوتة في غير منزلهن. ولأن المتوفى عنها زوجها مؤنتها على ~~نفسها، فلا بد لها من الخروج. وأما المطلقة فإن مؤنتها على زوجها، والزوج ~~هو الذي يكفي مؤنتها ويزيح علتها؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # ثم (التعريض) لا يجوز في المطلقة لوجهين: # أحدهما: ما ذكرنا ألا يباح لها الخروج من منزلها ليلا ولا نهارا، ~~والمتوفى عنها زوجها # PageV02P192 # يباح لها الخروج. وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى التعريض في المتوفى عنها ~~زوجها، لم يذكره في المطلقة. # والثانى: أن في تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينه وبين زوجها؛ ~~إذ العدة من حقه. دليله: أنه إذا لم يدخل بها لم تلزمها العدة، وأما ~~المتوفى عنها زوجها لزمتها العدة وإن لم يدخل بها؛ لذلك يجوز التعريض في ~~المتوفى عنها زوجها، ولا يجوز في المطلقة. # قال الشيخ: - رحمه الله تعالى -: " ولأن زوجها في الطلاق حي، يعلم ما ~~يحدث بينهما الضغن والمكروه في الحال، وليس ذلك في الوفاة ". # وقوله تعالى: (أو أكننتم في أنفسكم)، يعني أخفيتم تزويجها في السر. # وقوله: (علم الله أنكم ستذكرونهن) # سرا وعلانية. وقيل: يعني الخطبة في العدة. # وقوله: (ولكن لا تواعدوهن سرا) # قيل فيه بأوجه: # قيل: لا تأخذوا منهن عهدا ألا يتزوجن غيركم. # وقيل: (لا تواعدوهن سرا)، يعني الزنى. و (السر) الزنا في اللغة. # وقيل: (السر) الجماع؛ تقول: آتيك الأربعة والخمسة ونحوه. # ثم قال الله تعالى: (إلا أن تقولوا قولا معروفا) # يقول لها قولا لينا حسنا، ولا ms0604 يقول لها قولا يحملها على الزنى، أو على ما ~~يظهر من نفسها الرغبة فيه، على ما ذكر في الآية: (فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا)، وأن يعد لها عدة حسنة، أو أن يبر ~~ويحسن إليها لترغيب فيه، ولا يقول لها ما لا يحل ولا يجوز. والله أعلم. # وقوله: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) # قيل: هو على الإضمار، كأنه قال: " لاتعزموا على عقدة النكاح ". # وقيل: (ولا تعزموا عقدة)، لا تعقدوا (النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله)، يعني # PageV02P193 # بالكتاب: ما كتب عليها من العدة حتى تنقضي تلك. # وفيه دليل حرمتها على الأزواج لبقية الملك، فالخطاب للأجنبيين، لا ~~للأزواج؛ إذ للأزواج الإقدام على النكاح وإن كن في عدة منهم. # قال الشيخ، رضي الله تعالى عنه، في قوله: (ولا تعزموا عقدة النكاح): حمل ~~على التحريم، وإن احتمل الذي هو بهذا المخرج غير التحريم؛ لاتفاق الأمة على ~~صرف المراد إليه، ولقوله: (حتى يبلغ الكتاب أجله)، أي: ما كتب عليها من ~~التربص، ولما كان النهي عن ذلك بما لزمها العدة للزوج الأول فهي باقية بها ~~على ما سبق من النكاح المحرم لها على غيره؛ فلذلك بقيت الحرمة، ولهذا جاز ~~لمن له العدة النكاح فيها؛ إذ لا يجوز أن يمنع حقه. والله أعلم. # وقوله: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه). # وهو حرف وعيد، أي يعلم ما تضمرون في القلوب وتظهرون باللسان من التعريض، ~~(فاحذروه) ولا تخالفوا أمره ونهيه. # وقوله: (واعلموا أن الله غفور حليم). # فيه إطماع المغفرة وإمهال العقوبة من ارتكب النهي وخالف أمره. والله ~~أعلم. # (واعلموا. . .) الآية، حذره علمه بما في أنفسهم، ليكونوا مراقبين له فيما ~~أسروا وأعلنوا، وليعلموا أنهم مؤاخذون بما أضمروا من المعاصي والخلاف له، ~~وأن الذي لا يؤاخذ به العبد هو الخطر بالبال، لا بالعزم عليه والاعتقاد. # ثم أخبر أنه (غفور)؛ ليعلموا أن استتار ذلك مما غفره وأنهم قد استوجبوا ~~بفعلهم الخزي، لكن الله بفضله ستره عليهم ليشكروا عظيم نعمه، أو لئلا ~~ييأسوا من ms0605 رحمته فيستغفروه. # وذكر (حليم)؛ لئلا يغتروا بما لم يؤاخذوا بجزاء ما أضمروا في ذلك الوقت، ~~فيظنون الغفلة عنه، كقوله عز وجل: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42). # * * * # قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين (236) وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة # PageV02P194 # النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون ~~بصير (237) # وقوله: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ~~(236) # فيه دليل رخصة طلاق غير المدخولات بهن في الأوقات كلها؛ إذ لا يتكلم بنفي ~~الجناح إلا في موضع الرخصة، ولم يخص وقتا دون وقت. وأما المدخولات بهن فإنه ~~عز وجل ذكر لطلاقهن وقتا بقوله: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة)؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: أن لا بأس للرجل أن يطلق ~~امرأته في حال الحيض إذا لم يدخل بها. # وجهه: أنه إذا كان دخل بها فعرف وقت طهرها مه، سبق من الدخول بها، فأمر ~~بالطلاق في ذلك الوقت ليكون أدعى إلى المراجعة إذا ندم على طلاقها. وأما ~~التي لم يدخل بها لا يعرف وقت طهرها لما لم يسبق منه ما به يعرف ذلك الوقت، ~~فلم يؤمر بحفظ ذلك الوقت. ولأنه إذا لم يدخل بها فإن الطلاق بينهما منه، ~~فجعل كل الأوقات له وقتا للطلاق، لما لم يجعل له حق المراجعة قبلها ليكون ~~بعض الأوقات له أدعى إلى ذلك. والله أعلم. # والثاني: أن المدخول بها يتوهم علوقها منه، فجعل الطلاقها وقتا لتستبين ~~حالها: أحامل، أم لا؟ لئلا يندم على طلاقها؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته ثم ~~علم أنها حامل يندم على طلاقها؛ لذلك كان الجواب ما ذكرنا. ms0606 والله أعلم. # وفيه دليل رخصة طلاق المبين منه إذا لم يملك إمساكها عند الندامة. لأن ~~الطلاق قبل الدخول تبين المرأة من زوجها. # والأصل في الأمرين - جعل الطلاق في وقت حلها للأزواج. وكل الأوقات في غير ~~المدخول بها وقت الحل. # وقوله تعالى: (أو تفرضوا لهن فريضة) # ومعناه - ولم تفرضوا لهن فريضة، كأنه عطف على قوله: (ولا جناح عليكم)، ~~إلى قوله عز وجل: (ما لم تمسوهن)، دليله قوله تعالى: (ومتعوهن)، دل الأمر ~~بالمتعة أن قوله تعالى: (أو تفرضوا لهن)، معناه - ولم تفرضوا لهن. ودل قوله ~~عز وجل: (فنصف ما فرضتم) "، أن ذلك في غير المفروض لها؛ حيث أوجب في ~~المفروض نصف المفروض # PageV02P195 # وأوجب ثم المتعة. ثم يجيء في القياس أن يوجب في غير المفروض نصف مهر ~~المثل إلا المتعة؛ لأنه إذا دخل بها أوجب كل مهر المثل كما أوجب كل المفروض ~~عند الدخول بها، ونصف المفروض عند عدم الدخول بها، لكن أوجب المتعة لوجهين: # أحدهما: أن مهر المثل إنما يقدر بها إذا دخل بها، فإذا لم يدخل بها لم ~~يعرف الزوج ما قدر مهر مثلها؟، فإذا لم يعرف ما قدر مهر مثلها لم يعرف ~~النصف من ذلك. # والثاني: أنهم أوجبوا المتعة تخفيفا وتيسيرا؛ لأن الحاكم يلحقه فضل كلفة ~~وعناء في تعرف حالها وحال نسائها، إذ مهر المثل إنما يعتبر بنسائها، وليس ~~ذلك في المتعة. والله أعلم. # ثم قدر المتعة: يعتبر شأنه اعتبارا بقدرها؛ لأنه لو اعتبر شأنه قدر ما ~~أوجب لها غناءها وغناء أهلها، ومهر المثل لا يبلغ ذلك، فكان في ذلك تفضيل ~~المتعة على مهر المثل -وقد ذكرنا أن المتعة أوجب تخفيفا- ولو نظر إلى قدرها ~~دون قدره لكلف الزوج ما لا طاقة له به ولا وسع؛ لذلك وجب النظر إلى قدره ~~اعتبارا بقدرها. والله أعلم. # وقوله: (أو تفرضوا لهن فريضة)، أو نسق على قوله: (ما لم تمسوهن)، فهو ~~على: " ما لم تفرضوا لهن فريضة "، وعلى ذلك قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما ms0607 لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا). وعلى هذا إجماع القول في جواز ~~النكاح بغير تسمية. # وفي ذلك دليل أن قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين غير مسافحين)، هو ما يبتغى من النكاح بالمال، لا بتسمية المال، ~~فيكون النكاح موجبا له، به يوصل إلى حق الاستمتاع، لا بالتسمية؛ ولهذا كان ~~لها حق حبس نفسها عنه حتى يسلم إليها ما منع عن الملك إلا مهر به مسمى أو ~~غير مسمى، كقوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) وقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا ~~أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك. . .) الآية. # وإذا جاز النكاح بلا تسمية لم يفسده فساد التسمية، بل الذي أفسد في أعلى ~~أحواله كأنه لم يكن، وعلى ذلك اتفاق فيما يتزوج المرأة على ما لا يحل من ~~خمر أو ميتة أو نحو ذلك أن يجوز؛ فيكون في ذلك أمران: # أحدهما: أن ما لا يتعلق جوازه بالشرط، ففساد الشرط لا يفسد. # PageV02P196 # والثاني: أن تبين موضع النهي عن الشغار أنه غير مفسد العقد؛ لأنه في جعل ~~ذلك بدلا للبضع، والله تعالى لم يجعل التسمية شرطا لجوازه ليفسد لفسادها. ~~والله أعلم. # ثم جعل الطلاق قبل المماسة سببا لإسقاط بعض ما أوجب العقد، فهو - والله ~~أعلم - لما لم يوصل إليه كمال ما له قصد النكاح، إذ هو مجعول للتعفف، ~~وحقيقته في إمكان الاستمتاع، لا بالعقد، ولولا ذلك لما جعل النكاح، ولم ~~يبطل كل المهر لما تقلب في الملك الذي له البدل، إذ هو في الحقيقة للملك، ~~لا للاستمتاع. دليل ذلك: ما لا يزداد لكثرة الاستمتاع؛ فثبت أنه بدل الملك ~~في التقلب فيه، إذ ليس هو سببا لفسخ السبب الموجب للملك، الذي له وجب ~~البدل، بل هو تقلب فيه، لم يرفع عنه البدل كله. والله أعلم. فأوجب عز وجل ~~نصف المهر، وأسقط نصفه بما قد فقد أحد القصدين ووجد الآخر. والله أعلم. # ثم إذا لم تكن ms0608 التسمية جعل الله تبارك وتعالى المتعة مقام نصف المسمى عند ~~التسمية، وإن كان لو تركا، والتدبير بعد بيان الواجب فيما لم يسم مهر المثل ~~نحو وجوب المسمى فيما سمى، لكان الذي يغلب على الوهم أنا لا ندرك تدبيرنا ~~غير نصف مهر المثل، فتولى الله سبحانه وتعالى بيان ذلك ليعلم الناس - والله ~~أعلم - أن الله تعالى بين كل ما بالخلق إليه حاجة على قدر ما يحتمله وسعهم ~~ويبلغه عقولهم، وأن الذي لا يحيط به تدبرهم، بين لهم بالإشارة إليه تفضلا ~~منه على عباده ليؤلف به بينهم، ويمنعهم عن التنازع. والله أعلم. # ثم لم يبين لنا ماهية المتعة بالإشارة إليها. ومعلوم أن قدر الذي يتبين ~~فيما علم قصور التدبير عن الإحاطة بدرك ذلك النوع من الحكمة فيما لم يبين، ~~فهو - والله أعلم - بما علم أن العقول تبلغه، وأنه بالتدبير فيما يتبين وجه ~~الوصول إليه. ولا قوة إلا بالله. # ثم قد بين أن الحق أوكد عند التسمية، منه فيما لم يكن التسمية، بوجهين: # أحدهما: بقوله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، فيما كان ~~الطلاق قبل المماسة، وعند التسمية أوجب نصف المسمى، احتمله ووسعه أو لا. ~~ومعلوم أن الاحتمال على قدر الموسع أخف مما كان يجب احتماله عند الخروج من ~~الوسع. والله أعلم. # والثاني: بما علم من وقوع الاختلاف يكون بين الأمة فيما لا تسمية إذا مات ~~أحد الزوجين في حق إكمال المهر وارتفاع ذلك بما كان ثم تسمية، فهو الدليل ~~على أن الحق في أحد الزوجين أوكد منه في الآخر، على أن العقود والفسوخ كلها ~~تثبت لها عند # PageV02P197 # تسمية البدل، ولا يجب شيء من ذلك بنفس العقد البدل حتى يستوفى في بعض ~~ذلك، ولا يجب شيء في البعض على كل حال؛ فثبت به ما ذكرت، فأوجب ما ذكرت - ~~ألا يراد بالمتعة نصف مهر المثل؛ إذ قد ثبت بالبيان الأول أن التدبير لا ~~يوجب الزيادة عليه، وبالبيان الثاني أن الأمر فيه محمول على التيسير ~~والتخفيف، ومن البعيد المجاوزة بالأمر المؤسس على التخفيف على ms0609 المؤسس ~~بالتغليظ في التغليظ. # ولم يبين لنا ماهية المتعة - ما هي؟ # ومعروف أن المتعة هي التي يتمتع بها، وأن مهر المثل مما قد يتمتع به. # فجعلنا نصف مهر المثل نهاية المتعة بما هو النهاية فيما كان مبنيا على ~~التغليظ، فلا يجاوز بها. # ذلك مع ما فيه وجهان: # أحدهما: إحالة وجوبها أكثر من مهر مثلها، فيكون الدخول بها سببا لإسقاط ~~الحق، وقد جعله الله تعالى سببا لمنع السقوط؛ فثبت أن مهر المثل معتبر في ~~المتعة. # والثاني: أنها بحكم البدل عن ذلك. دليله وجهان: # أحدهما: أن المطالبة كانت بمهر المثل، والطلاق سبب إسقاط حقوق النكاح ~~لإيجابها؛ فثبت أن المتعة كانت مكان ما فيه المطالبة، لا أن حدث الوجوب ~~بالطلاق. # والثاني: أنه متى وجب مهر المثل لم يوجد لها نحو أن يدخل بها. ثبت أنها ~~كانت بدلا، فلا يزاد البدل، مع ما كان التحويل إلى غير نوع مهر المثل. إنما ~~هو - والله أعلم - لما قد يتعذر تعرفه، أو أن لم يعرف ذلك بالاجتهاد ~~والتفحص عن أحوالها ومحلها ومحل قومها، وفي ذلك مؤن وتكلف. ثم بعد العلم ~~بذلك لا بد من الاجتهاد في الوسط من ذلك، ثم في أمرها منهم، فجعل الله ~~تفضله من الوجه الذي للمرء سبيل العلم به عن ذلك التكلف. أو لو رفع هو إلى ~~الحاكم أمكنه الوصول إلى العلم به بدون ما ذكرت من النظر. # فكان ذلك - والله أعلم - نحو ما فرض الله تعالى من زكاة الإبل، لا فيها ~~إذا صار بحيث لو كانت فيها لكانت جزءا يتعذر أخذ مثله، ثم التسليم إلى ~~الشراء، فجعل في ذلك بدلا على أن الذي عليه لو خرج بتسليم العين جاز؛ فمثله ~~ما نحن فيه. # وهذا هو وجه جعل الله تعالى متعة على أنها كانت واجبة نحو الإمساك، لو ~~رام ذلك، إذ عليه النفقة والكسوة، فإذا طلقها فجعلت هي مكان مهر المثل إذا ~~فات السبب الذي كان # PageV02P198 # يجب بحقها، فجعلت واجبه بحق غيرها حتى لا يقع في الطلاق وجوب أمر لم يكن ~~فيما تقدم، ms0610 لو أريد بها الإمساك. ومن البعيد أن يزداد كسوة المرأة على ~~مهرها أو نصف مهرها في الحق. ولا قوة إلا بالله. # ثم ليس في ظاهر الآية إبطال المهر فيما لم يسم، ولا النصف فيما سمى. ~~وإنما في الأول الأمر بالمتعة، وفي الثاني بيان أن لها نصف الفرض. # والقول: بأن نصف هذا العبد لفلان، أو لفلان، كذا من الحق لا يبطل عنه ~~الحقوق جملة، أو عن النصف لآخر بذلك القول، بل فيه بيان ذلك أنه له وغيره ~~متروك لدليله. ولا قوة إلا بالله. # وكذلك قوله تعالى: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)، ليس في ذلك أن لا ~~عدة عليهن، ولكن فيه أن لا عدة لهم، ويجوز أن تكون عليها، لا له. # وكذلك عندنا: العدة هي التي عقيب الخلوة لا يملك هو فيها إمساكها، ويلزمه ~~المؤن فكأنها عليه، لا له في المعتبر. # فلما ذكرت يبطل قول من ادعى أن القول بالمهر والعدة فيما لا مماسة فيه ~~خلاف الظاهر - والله أعلم - مع ما لو كان في الظاهر ذلك لأمكن أن يكون من ~~المسيس الإمكان، لا حقيقته. دليل ذلك: أنه لو وجدت القبلة أو المعانقة في ~~الملأ من الخلق لوجد المسيس في الحقيقة، ولم يجب به ذلك؛ فثبت أن المراد من ~~ذلك معنى في المسيس، لا ما يلحقه اسمه. # ثم الذي يؤيد أنه الإمكان والاجتماع وجهان: # أحدهما: قول تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21)، فأعظم عليه أخذ شيء ~~مما آتاها بما كان من إفضاء بعض إلى بعض. والإفضاء في اللغة معروف: أنه ~~الانضمام، لا المجامعة، مع ما كانت المجامعة إلى الأزواج، يضاف فعلها، وفي ~~هذا إضافة الإفضاء إلى كل واحد منهما. ثبت أنه في معنى ذلك من كل واحد ~~منهما نحو الذي من الآخر، وذلك يكون في الاجتماع خاصة. والله أعلم. # والثاني: وجود القول من خمسة من نجباء الصحابة الخلفاء، رضوان ms0611 الله تعالى ~~عليهم أجمعين، فمن دونهم ممن لا يحتمل خفاء الآيات عليهم، ومن شهد الخطاب ~~أحق بفهم الحقيقة من المراد أن يسألوا عن ذلك من أن يطلعهم على حقيقته إذا ~~كان بحيث احتمال # PageV02P199 # الخفاء، والخاصة النجباء الذين يعلمون أنهم أئمة الخلق، وعلى الاقتداء ~~بهم حثت الأمة، مع ما في ذلك عدول عن الظاهر، وقول بالذي لا يحتمل فهمه ~~عنه؛ ثبت أن كان ذلك منهم عن بيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~عن دليل شهدوه أظهر المراد. ولا قوة إلا بالله. # على أن في الآية، لو كان في تصريح جماع، لكان يلزم ذلك بالخلوة لوجهين ~~سوى ما ذكرت: # أحدهما: جرى أحكام الكتاب والسنة في البدل لأشياء مقصودة اسما وتحقيقا ~~يستوجب حق العرفاء بها بحق شرط الله القبض في الرهن، والقتال في المغانم، ~~والإيتاء في الأجور والمهور والخروج لأمر الهجرة وأمر رؤيا إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، لما أسلما لأمر الله، فعلى ذلك أمر المهور والعدة في ~~الخلوة إذ هي سلمت نفسها لذلك، وعلى ذلك أمر الخروج من الأمانات بقوله ~~تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، ولو كان لا يخرج إلا ~~بإدخال في الأيدي في الحقيقة، لكان لا سبيل إلى القيام بما كلف الله تعالى. ~~وعلى ذلك إجماع القول في الإجارات إذا أمكن الانتفاع بها. والله أعلم. # والثاني: أن النساء لا يملكن من تسليم ما عليهن من الحق، ومحال أن يلزمهن ~~من الحق أكثر مما ذكر، لكن الله تعالى وسعهن؛ فثبت أن ليس عليهن غير الذي ~~فعلن، فاستوجبن ما لهن، وعلى ذلك قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن)، والله ~~أعلم. # ثم قد أجمع على وجوب المهر في موت أحدهما، وأن الموت لا يسقطه، وإن لم ~~يكن ثم دخول. فهو - والله أعلم - أن المقصود بالنكاح الملك وقيام الزوجية ~~إلى موت أحدهما، وإن كان ذلك الاستمتاع وقد وجد تمامه. وقد بينا أن المهر ~~للملك، لا لنفس الاستمتاع، فوجب كماله وإن مات أحدهما، لما بلغ الملك ~~نهايته. # وعلى هذا يخرج ms0612 قولنا فيما لم يسم لها المهر؛ إذ مهر المثل إنما هو بدل ~~الملك. دليله: أنه يوجب لها المطالبة به عند قيامه وإن لم يسم به. # وأصله: ما بينا من تعلق هذا الملك بالبدل حكما، وإن لم يكن تعلق به شرطا، ~~وقد وجد ثم. # PageV02P200 # وعلى هذا روي عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، في ذلك، وقام معقل بن ~~سنان فقال: " نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في بروع بنت ~~واشق بمثل الذي قضيت أنت ". فسر به عبد الله لموافقة رأيه ما روي له عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وإذا ثبت ذلك فعلى ذلك، إذ المعقول بالنكاح أن تبذل المرأة نفسها له ~~ليستمتع بها، فإذا جاءت الخلوة وجد تمام المقصود منها بالنكاح، على ما وجد ~~في موت أحدهما، فيجب كمال المهر كما وجب بالأول، ويستوي في ذلك مهر المثل ~~والمسمى. والله أعلم. # وعلى ذلك فيما لم يوجب جعله بذل المنفعة، إذ هو قيمة البضع، ويجب قيمة ~~الأشياء بإتلافها، ولم يوجد هاهنا. وعندنا: أنه وإن كانت قيمة ذلك فهي بدل ~~ملك ذلك، لا بدل الانتفاع نفسه، إذ لا يجب في الزنى؛ ثبت أنه للملك يجب أو ~~لشبهته، وقد وجد في الأول على تمام ما رجع إليه المقصود، وجب على ما مر ~~بيانه. والله أعلم. # وأوجب قوم في المسماة بعد النكاح نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول استدلالا ~~بظاهر الآية. ولكن التسمية عند الناس إنما تكون في العقد حتى لا يعرف لها ~~وجود غيرها، وهي التسمية في العقد، فهي المرادة في الخطاب، إذ هي المعروفة ~~من الفرض، ثم غيرها بحق الاستدلال، فإن ألزم الدليل لها حق التسمية في ~~العقد لزم، وإلا لا. ثم وجد جميع الأسباب التي تحتمل الاعتياض جعل ذكر ~~الفرض بعد السبب كلا ذكر، فمثله أمر النكاح، فأوجب ذلك فساد التسمية، فلم ~~يجب المسمى من بعد إلا حيث يوجبه الدليل، وقد قام دليل الوجوب عند وجود ما ~~له حكم الدخول بها، يجب عند ذلك، وإلا لا. ms0613 # ثم وجه لزوم القول بما يخرج على أحوال أحديهما أن لهذا التسمية إذا جازت ~~جازت بحق مهر المثل، إذ كل سبب ليس له عوض بالحكم لم يجز. ثم كان مهر المثل ~~يسقط قبل الدخول بها، كذلك الواجب به. والله أعلم. وأيضا فإن الحكم يوجب ~~تبيين مهر # PageV02P201 # المثل ليدفع إليها، إذ لها حق الامتناع إلا به، فاصطلاحها على ما سميا من ~~بعد له حق ما في الحكم ذلك وهو التبيين، ولو بينه الحاكم لكان يسقط. فمثله ~~هذا. والله أعلم. # والثالث: أنه معلوم أنه لو كان الذي في علم الله تعالى من طلاقها، لو كان ~~ظاهرا وقت التسمية، لكان حقها عليه المتعة، ولم يكن يجب النظر إلى مهر ~~المثل إلا من وجه تحديد المتعة. فكذلك إذا ظهر - والله أعلم - وأمكن أن ~~يقال: الأصل في ذلك أن المتعة ليس يوجبها الطلاق، ولكن النكاح يوجب، ثم كان ~~الواجب بالنكاح مجهول، لا يدري أهو مهر المثل أو المتعة؟؛ إذ لا يجوز أن ~~يجبا، ولا أن يوجب الطلاق أحدهما، لما هو بيان ذلك؛ فثبت أن الواجب في ~~الحقيفة أحدهما، لكن لها مطالبة مهر المثل في الظاهر، ولها التسمية عنه بما ~~العرف في النكاح أنه للدوام ثم هو للاستمتاع، فحمل الأمر على ذلك الظاهر ~~وبه أجيزت التسمية. فلما ورد الطلاق قبل الدخول ظهر حقيقة الواجب، فبطل ~~الذي كان بحق المهر، لما ظهر أن الواجب في علم الله تعالى المتعة. والله ~~أعلم. # وعلى أصل هذا المعتبر أمر المفروض الظاهر أنه نوع الإيمان، وذلك مما لا ~~يزداد ولا ينتقص، فيجب بالطلاق نصف مهورهن. ثم إذا كان من نوع ما يزاد ~~وينقص فيحدث أحد الوجهين، فليس في الكتاب تسمية ذلك النوع على المعروف، ولا ~~القضاء فيه بشيء. # ومعلوم أن ذلك لو كان في يدي الزوج ليجب نصف ذلك فيما كان الطلاق قبل ~~الدخول بها، فيصير بحكم المفروض. وإن لم يكن بما كان حدث من الحق، أو بما ~~كان في علم الله تعالى أن الحق في ذلك النصف؛ إذ ذلك حكم ms0614 الطلاق قبل الدخول ~~بها على حق المنصوص، فيكون الذي حدث من النصف حقه، أو بما كان ذلك مهرا ~~والحادث محتمل جعله مهرا، فهو فيه على ما عليه معتبر الحقوق من لحوق الفروع ~~الأصول. فإذا كان ذلك بعد القبض فقد انتهى أمر الحق، وحدث ما حدث على ~~ملكها، إذ على ذلك يحدث. # فقلنا: لو نقص المهر في العين لكان يصير النصف له بحق بعض القبض فيه، ثم ~~نقض العقد، وإذا كان كذلك لا يخلو أمر الزيادة من أن يرد عليه فيرجع بشيء ~~لم يسلم إليها، وذلك فضل على ما أخذ من الحق يأخذه بالحكم، فيكون ربا؛ لأنه ~~لم يسمه، ولا يسلم إليه، فزال المعنى الذي هو لها فيه، فيكون أخذه بلا عوض ~~في عقد التبادل، فيصير ربا، ولو أبقى له على فسخ القبض في المهر والعقد ~~فيصير ذلك لما فضل من أصل قد فسخ العقد فيه مما لم يكن لها إلا ببدل بلا ~~بدل، وذلك وصف الربا، وقد حرم الله الربا؛ # PageV02P202 # فيجب بالضرورة جعل المفروض كالهالك، فيجب نصف القيمة ليزول معنى الربا. ~~والله أعلم. # وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي يوسف، رحمه الله تعالى، في العلة والهيئة: أنه ~~يظهر الواجب في الحكم. # وعند أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، ذلك في حق النقض يصير كذلك، دليله: ~~ما لم يكن يجوز فيه تقلب الزوج، لو كان منه، ثم النقض لا يرد على ما ليس له ~~حكم المهر، فيبقى ذلك للمرأة على ما كان لها قبل الطلاق؛ إذ الطلاق نقض ~~الملك في المهر، وليس ذلك بمهر. والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والمذكور من المتعة فيما فيه الدخول ~~يحتمل ما عليه في حال النكاح من الكسوة والنفقة، إلى تمام العدة، فتكون ~~الآية في ذكر النفقة بعد الفراق؛ إذ لا يجوز أن يكون الطلاق سببا لإيجاد حق ~~غير واجب قبله. ويحتمل أن يكون في حق المتبرع شرط عليه ليكون تسريحا ~~بالإحسان على ما رغب في غير المدخول بها من الإتمام؛ إذ لا يجوز ms0615 أن يكون ~~ذلك بدلا فيكون لملك واحد بدلين، مع ما جعل الله تعالى الطلاق سببا لتخفيف ~~الحقوق على الزوج، ورفع المؤنة، ورد الأمر إلى الغناء بالآخر بقوله تعالى: ~~(وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)، لم يحتمل به الوجوب، فيصير سببا لإلزام ~~المؤنة. ولا قوة إلا بالله. # وقوله تعالى: (حقا على المحسنين). # فيه دليل لأبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، حيث قال: إن الذمي إذا تزوج ~~امرأة ولم يسم لها صداقا، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، لا متعة لها؛ لأن الله ~~تعالى إنما أوجب المتعة على المحسنين، والذمي ليس بمحسن. والدليل على أن ~~المتعة إنما أوجبت تخفيفا، ومهر المثل لا؛ لأن مهر المثل أوجب على المرء ~~احتمله ملكه أو لم يحتمل، والمتعة لم تلزم إلا ما احتمله ملكه؛ فبان أنها ~~أوجبت تخفيفا فإذا كان تخفيفا؛ لم يزد على مهر المثل. # والثاني: أن المتعة أوجبت بدلا عن نصف مهر المثل، ثم لا جائز أن يراد ~~بالبدل المبدل، كما قيل في سائر الأبدال. والله أعلم. # والمتعة - هي ثلاثة أثواب؛ لأنه يخرجها من المنزل، وأقل ما تخرج المرأة ~~من المنزل إنما تخرج بثلاثة أثواب. # PageV02P203 # فإن قال لنا قائل: إن الكتاب ذكر المتعة للمطلقة قبل المماسة إذا لم يفرض ~~لها فرض، وذكر أنه في نصف المفروض إذا طلقها قبل المماسة، وأنتم أوجبتم كل ~~المسمى وكل مهر المثل إذا خلا بها ولم يمسسها. # قيل له: في الآية بيان وجوب المتعة في حال وبيان وجوب نصف المهر في حال، ~~وليس في بيان وجوب النصف نفي وجوب الكل؛ لأنه إذا قيل: " لفلان نصف هذا ~~الشيء "، ليس فيه دليل أن النصف الآخر ليس له، فإذا كان ما ذكرنا ليس ~~لمخالفنا الاحتجاج علينا بظاهر الكتاب، ولا السنة إلى مخالفة الآية، فصار ~~معرفة ذلك بتدبير آخر من جهة الكتاب، مع ما أنه لا يوجب المهر كله لعين ~~المسيس، فكانا -نحن وهو- اتفقنا جميعا على إيجابه لا بالكتاب. والله أعلم. # وإن شئت قلت: إن الخلوة لا توجب كمال الصداق، وإنما يوجبه ms0616 صحة العقد. ~~دليله: مطالبة المرأة الزوج بكماله بعد صحة النكاح؛ فدل أن وجوبه لا ~~بالخلوة، ولكن بصحة العقد، فالكلام إنما وقع في إسقاط البعض، فيسقط إذا قام ~~دليل الإسقاط. والله أعلم. # وإن شئت قلت: إن المرأة لا تملك سوى تسليم نفسها إليه، فالعقد إنما وقع ~~على ما يقدر على تسليمه إليه، ليس على ما لا تقدر؛ لأنها لا تقدر على تسليم ~~الاستمتاع إليه؛ إذ لو كان العقد واقعا على ذلك لكان يبطل؛ لأن من باع ما ~~لا يقدر على تسليمه إلى المشترى لبطل العقد بأصله، فعلى ذلك عقد النكاح إذا ~~جعل واقعا على تسليم الاستمتاع إليه كان باطلا كالبيع للمعنى الذي وصفناه. ~~والله أعلم. # ثم اختلف في المرأة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولا فرض لها مهرا: ~~روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لها مهر مثلها، ~~وروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه قضى لبروع بنت واشق بمهر ~~مثلها ". # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لها المتعة بكتاب ~~الله تعالى. وقال: لا ندع كتاب الله بقول أعرابي. ذهب - والله أعلم - إلى ~~أن الكتاب ذكر المتعة في الطلاق، ثم كان ذلك الحكم في غير الطلاق كهو في ~~الطلاق؛ فعلى ذلك الفرقة التي وقعت بالموت توجب المتعة كوجوبها في الفرقة ~~الواقعة في غير الطلاق، كقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء)، ذكر (المطلقات)، ثم # PageV02P204 # كانت التي وقعت الفرقة عليها بغير طلاق يلزمها ما يلزم المطلقة، ومثل ذلك ~~كثير مما يكثر ذكره. والله أعلم. # وأما عندنا فإنه لا تلزم المتعة، ولكن يلزم مهر المثل لوجوه: # أحدها: قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم)، ذكر في الطلاق قبل الدخول نصف المفروض، وفي الدخول كل ~~المفروض؛ فعلى ذلك ما أوجب من الحكم في التي لم يدخل بها ولم يسم لها مهرا ~~دون ما أوجب في حكم الدخول. والله أعلم. # والثاني: أن ms0617 المقصود بالنكاح إنما يكون إلى موت أحد الزوجين، فإذا كان ~~كذلك لزم كل المسمى أو كل مهر المثل. والله أعلم. # والثالث: الخبر الذي ذكرنا: أنه قضى بمهر المثل، وخبر أمثال هؤلاء مقبول ~~إذا كانت البلية في مثله بلية خاصة، إذ بمثل هذا لا يبلى إلا الخواص من ~~الناس؛ لذلك كان ما ذكرنا. # وقوله: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # ذهب قوم إلى ظاهر الآية - أنه ذكر فيها (وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم)، ولم يخص المفروض في العقد دون المفروض بعد العقد، فكله مفروض، فلها ~~نصف المفروض سواء كان المفروض في العقد أو بعد العقد. # وعلى ذلك قال قوم: إن الرجل إذا تزوج امرأة على جارية ودفعها إليها، ~~فولدت عندها ولدا، ثم طلقها قبل الدخول بها، أن لها نصف الجارية؛ لأن الله ~~تعالى قال: (فنصف ما فرضتم)، وأنتم لا تجعلون له نصف ما فرضتم، فخالفتم ~~ظاهر الكتاب. # أما الجواب لمن جعل المفروض بعد العقد كهو في العقد فيما جعل لها نصف ما ~~فرض، فإن الخطاب من الله تعالى إنما خرج في المفروض في العقد لا في المفروض ~~بعد العقد؛ الأنه لم يتعارف الفرض بعد العقد، فإذا لم يتعارف في الناس ~~الفرض بعد العقد إنما يعارف في العقد، خرج الخطاب على هذا المتعارف فيهم، ~~وهو المفروض في العقد، فيجعل لها نصف ذلك وما يفرض بعد العقد وإنما يفرض ~~بحق مهر المثل، فإذا وجد الدخول وجب ذلك وإلا لم يجب. # PageV02P205 # وأما جواب من قال: بأنه إذا تزوجها على جارية ودفعها إليها، فولدت ولدا، ~~أن له نصف ما فرض - فإنا نقول: إن الآية ليست في الفرض الذي معه آخر ولدا ~~أو غيره؛ ألا ترى أن الجارية إذا كانت عند الزوج فولدت ولدا فإن لها نصف ~~الجارية ونصف الولد، والولد لم يكن في الفرض ms0618 وقت العقد؟ فعلى ذلك الآية ~~ليست في الجارية التي ولدت عندها، ولكن في الفرض الذي لا زيادة معه. ثم لا ~~يخلو إما أن يجعل نصف الجارية لها دون الولد، فقد فسخ العقد في الأصل فبقي ~~الولد بلا أصل، فذلك ربا. أو يجعل له نصف الجارية مع نصف الولد، وهو غير ~~مفروض، والله تبارك وتعالى إنما جعل له نصف ما فرض؛ فبطل قول من قال ذلك. ~~والله أعلم. # قال الشيخ، رضي الله تعالى عنه، في قوله: (حقا على المحسنين)، قيل: يريد ~~به المؤمنين فيكون في هذا التأويل دلالة على ما قاله أبو حنيفة. رضي الله ~~تعالى عنه: أن لا تلزم الذمي المتعة. # وقيل: على من قصدهم الإحسان إلى الأزواج ويتقون الخلاف، لما كان عليه ~~النكاح من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. والله الموفق. # واعتل قوم في حق العدة وكمال المهر، أنه ذكر فيه الطلاق لا على تخصيص ~~الحكم له، بل بكل ما يكون به تسريحها فمثله يكون ذكر المماسة - لا على ~~تخصيص، ولكن بكل ما يكون به تحقيقها. ولا قوة إلا بالله. # قال: وقدرت المتعة في الاختيار بالقدر الذي كان يمتعها بالإمساك، إذ لا ~~بد من كسوتها، ليعلم أن ليس للفرار عن ذلك الحق يطلق، أو بما به يخرجها من ~~منزله فأمر أن يمتعها بما به التي تخرج من المنازل. وأقل ذلك ثلاثة أثواب. ~~والله أعلم. # وفي هذه الآيات دلالة واضحة على أن الشيء التافه لا يحتمل أن يكون مهرا؛ ~~لما أوجب عند العدم، فيما لا تسمية فيه، الشيء الخطير، وهو الذي يمتعها، ~~وأقل ما تمتع هى له فيه ثلاثة أثواب وفيما سمى أمرا عند ذلك بالعفو وجب، لا ~~يحث على العفو عنها، ولا يرغب بين الزوجين إلا الأخذ بالفضل بمثله دل أن ~~لذلك حدا قد يجري بمثله التنازع، فيرغبون في إبقاء ذلك واختيار ما به ~~التآلف على أن الله - جل ثناؤه - قد جعل بناء النكاح بالأموال وبها أحل، ~~وقال في ذي العذر: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح. . .) الآية، ms0619 ولو كان ~~بحبة طول حرة لكان لا أحد يعجز عنها فيشترط ذلك في # PageV02P206 # تزويج المملوكة وبخاصة على قول من لا يبيح إلا بالضرورة، فمن رأى يضطر ~~إلى حبة يتوق إلى الاستمتاع فضلا من أن يتخير، ثم على ذلك قال في الإماء: ~~(وآتوهن أجورهن بالمعروف) والحبة معلوم أنها أنكر من المنكر؛ فثبت أن مهر ~~الحرائر بمن ويظهر في أهل الحاجة، وأن القول بجعل الحبة مهرا تاما ووصف ~~ملكها بملك الطول قولا مهجورا، لا معنى له. وبعد فإن الناس قد أجمعوا على ~~أنها لا تملك (المعروف) ببضعها، والبدل للزوج بلا بدل يلزمه، فصار كمتولي ~~العقد على ما ليس لها، وحظ القليل في مثله والكثير في المنع واحد. فقياس ~~ذلك ألا يكون الحط من مهر مثلها، والحبة لا تكون مهر مثل أخبث امرأة في ~~العالم، فلا يجيء أن يجوز الحط ولكن أجيز العشرة بالاتفاق، ولم يجز الأكثر ~~للتنازع، وقد بينا الفساد من طريق التدبير. والله أعلم. # وقوله تعالى: (إلا أن يعفون). # قيل: المرأة. # وقوله: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح). # اختلف أهل التأويل فيه: # قال علي وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما هو: الزوج - وقال قوم: هو ~~الولي. وأمكن أن يكون قول من قال بأنه الولي؛ لما أن المهور في الابتداء ~~كانت للأولياء. # دليل ذلك قول شعيب لموسى: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني # ثماني حجج)، شرط المهر لنفسه، وكما روي من الشغار، ثم نسخ من بعد وصار ~~ذلك للنساء بقوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا) وقوله: ~~(وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا)، وقوله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا)، ولأنهم أجمعوا على ألا يجوز لأحد المعروف في ملك الآخر ~~إلا بإذنه؛ فعلى ذلك لما ثبت أن المهر لها لا يجوز للولي المعروف فيه. # وقوله: (إلا أن يعفون)، يعني المرأة تترك النصف ولا تأخذ منه شيئا. ~~وقوله: (أو يعفو الذي ms0620 بيده عقدة النكاح)، يعني الزوج يجعل لها كل الصداق، ~~يقول: كانت في # PageV02P207 # حبالتي ومنعتها من الأزواج. وتترك المرأة له النصف، فتقول: لم ينظر إلى ~~عورتي، ولا تمتع بي. وهو على الإفضال، وعلى ذلك يخرج قوله تعالى: (ولا ~~تنسوا الفضل بينكم)، أن يتفضل أحدهما على الآخر بترك النصف أو بإتمام الكل، ~~ومعنى قوله (ولا تنسوا الفضل بينكم)، أي لا تنسوا الفضل الذي في ابتداء ~~الأمر؛ لأن أمر النكاح في الابتداء مبني على التشفع والإفضال، فرغبهما عز ~~وجل على ختم ذلك على الإفضال على ما بني عليه. والله تعالى أعلم. # وفيه دلالة على أن (العفو) هو الفضل في اللغة، وهو البذل، تقول العرب: ~~عفوت لك، أي: بذلته. فإن كان (العفو) هو البذل فكان قوله: (فمن عفي له من ~~أخيه شيء) أي ترك له وبذل، (فاتباع بالمعروف)، يكون فيه دليل لقول أصحابنا ~~- رحمهم الله تعالى - في ذلك. # وقوله تعالى: (وأن تعفوا أقرب للتقوى). # معناه - والله أعلم -: حق على المتقي أن يرغب فيه، وكذا قوله: (حقا على ~~المحسنين)، أن يرغب فيه. # ثم لإضافة ذلك إلى الرجال وجهان: # أحدهما: لما أنهم هم الذين تركوا حقهم، ومن عندهم جاء هذا التقصير. # والثاني: أن في تسليم ذلك من الرجال الكمال، وهم في الأصل موصوفون ~~بالكمال، ومن عندهم يستوفى ما فيه الكمال. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (وأن تعفوا أقرب للتقوى): يحتمل ~~اشتراك الزوجين في ذلك، لا معنى الأخذ بالعفو والفضل أولى لمن يريد اتقاء ~~دناءة الأخلاق، أو أولى الفضل ممن أكرم باتقاء الخلاف لله تعالى. # ويحتمل: الأزواج بما قد ضمنوا الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، فهو ~~أقرب إلى وفاء ذلك واتقاء الخلاف له، على أن سبب الفراق جاء منه، فذلك أقرب ~~لاتقاء الجفاء منهم، وأظهر للعذر لهم فيما اختاروا. والله أعلم. # وقوله تعالى: (إن الله بما تعملون بصير). # حرف وعيد عما فبه الئعدى ومجاوزة الحدود والخلاف لأمره. # PageV02P208 # قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله ms0621 كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون (239) # وقوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # و (المحافظة) هو المفاعلة والمفاعلة هي فعل اثنين. فهو - والله أعلم - ~~أنه إذا حفظها على وقتها ولم يسهو عنها حفظته، وهو كما ذكر في آية أخرى: ~~(إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر). وفي حرف ابن مسعود - رضي الله تعالى ~~عنه -: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر). فعلى ذلك إذا ~~حفظها على أوقاتها مع أحكامها وسننها، ولم يدخل ما ليس فيها - من الكلام، ~~والالتفات، وغير ذلك مما نهي عنه - حفظته. وكذلك قوله تعالى: (وسارعوا إلى ~~مغفرة)، وقوله: (سابقوا إلى مغفرة)، من المفاعلة، فإذا بادر إليها بدرت ~~إليه. وبالله التوفيق. # وقوله عز وجل: (والصلاة الوسطى). # اختلف أهل العلم في تأويله: # قال بعضهم: (والصلاة الوسطى)، أراد كل الصلاة لا صلاة دون صلاة. وهو - ~~والله أعلم - أن الصلاة هي الوسطى، هي من الدين. وهو على ما جاء: الإيمان ~~كذا كذا بضعة، أعلاها كذا كذا، وأدناها كذا، فعلى ذلك قوله: والصلاة هي ~~الوسطى من الدين، ليست بأعلاها ولا بأدناها، ولكنها الوسطى من الدين. # وقال آخرون: (والصلاة الوسطى)، هي صلاة العصر. وعلى ذلك روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " هي العصر ". وذكر في حرف حفصة - رضي ~~الله تعالى عنها -: # PageV02P209 # أنها هي صلاة العصر. # وقال قائلون: هي الفجر؛ ذهبوا في ذلك إلى أن النهار يجمع الصلاتين، ~~والليل بطرفيه كذلك، فالفجر أوسطها. وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله ~~تعالى عنه - أنه قال: هي الفجر. # وقال آخرون: هي الظهر؛ ذهبوا في ذلك إلى أنها إنما تقام وسط النهار، ~~فسميت بذلك. وكذلك روي عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: هي صلاة ~~الظهر. # ومن قال: هي العصر، ذهب في ذلك إلى ما روى من الخبر، وإلى أن العصر هي ~~الواسطة من صلاتي النهار وصلاتي الليل لأن صلاتين بالنهار قبلها، وصلاتين ~~بالليل بعدها، فهي الواسطة. # والقياس: أن تكون هي المغرب؛ لأن الظهر سميت أولى، والعصر تكون الثانية، ms0622 ~~فالمغرب هي الواسطة. لكن لم يقولوا به. # وفيه دلالة أن الصلاة وتر؛ لأن الشفع مما لا وسطى له. # ثم جهة الخصوصية - أيها كانت؟ فإن كانت عصرا: فهو ما ذكر أن الكفرة حملوا ~~على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العصر، فلم يتهيأ لهم ~~إقامتها، فقالوا: احفظوا عليهم صلاة هي أكرم عليهم من أنفسهم وأموالهم. ~~فظهر بهذا أن لها فضلا وخصوصية من عند الله ورسوله. وما روي في الخبر أيضا ~~من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من فاتته العصر وتر أهله وماله ". # فإن كانت فجرا؛ فلأن الكتاب ذكرها بقوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا)، ولما قيل: إن ملائكة الليل والنهار يشهدونها، فظهرت لها الخصوصية ~~والفضل. # PageV02P210 # ومن قال: إنها ظهر، ذهب إلى خصوصيتها وفضيلتها ما جاء عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس، وقال: إن ~~أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (والصلاة الوسطى): تكلم فيه ~~بوجهين: أحدهما؛ أن الصلاة هي الوسطى، من أمر الدين فهي على أن الأرفع من ~~أمر الدين هو التوحيد والإيمان وذلك هو الذي لا يرتفع بعذر، ولا يسقط بسقوط ~~المحنة، إذ ذلك في الدارين جميعا وهو الإخلاص، ونفى جميع معاني الخلق به ~~عمن يوحده ويؤمن به وسائر العبادات قد يقدم مع وجود أمور الدنيا والدين ~~والمعاش معها وفي حالها بالذي به قوامها، والتوحيد لا، ثم الصلاة مما بها ~~ترك جميع ما ذكرت في حال فعلها فيما به فعلها، فهي تشبه الإيمان من هذا ~~الوجه، ثم تسقط هي للأعذار، ولا تجب في غير دار المحنة على ما عليه أمر ~~غيرها من العبادات؛ فصارت بذلك الوسطى من أمر الدين. والله الموفق. # والثاني: أن تكون هي صلاة من جملتها، فتذكر بحرف التخصيص لها من الجملة، ~~لوجهين: # أحدهما: لبيان جملة الفرائض أنها وتر، لا الشفع؛ إذ لا وسطى للشفع، فيكون ~~في ذلك بطلان قول قوم أنكروا العدد لها، وقوم زعموا أنها ms0623 صلاتان في الجملة. ~~والله أعلم. # والثاني: أن يراد بذلك التفضيل للصلاة من الصلوات في الحث على فعلها ~~والترغيب في محافظتها، ويجيء أن تكون تلك معروفة عند الذين خوطبوا، إما ~~بالاسم أو بحال من النوازل؛ لأنه لا يحتمل أن يرغب في فعل لا يعلم حقيقة ~~ذلك. والله أعلم. # ثم يكون لاختلاف من لم يشهد النوازل التي عرفت المراد، فقال كل مبلغ جهده ~~فيما أدى إليه رأيه من الترغيب في الفعل أنه على ذلك، لكنهم اختلفوا: # فمنهم من اعتبر بالركعات، فقال: أكثرها أربع، وأقلها ركعئان، والوسطى ~~منها ثلاث، فصرف التأويل إلى المغرب. واستدل في الترغيب بما جاء " إن الله ~~وتر يحب الوتر " وبما جاء من الترغيب، في تعجيلها والمبادرة في فعلها، حتى ~~لم يؤذن بالاشتغال عنها عند # PageV02P211 # هجوم وقتها لنافلة وللحاجة. وذلك بعض ما يعرف من معنى المحافظة، وهي أن ~~الصلوات جعلن متصلات الأوقات، وهي الوسطى منهن. والله أعلم. # وقوم ردوا إلى صلاة الفجر بما في ذلك من الترغيب والتخصيص بالأمر، كقوله: ~~(وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا)، وما أخبر من شهود ملائكة الليل ~~والنهار، ولأن وقتها الوسط من أحوال الخلق، إذ أحوالهم تكون سكونا مرة، ~~وانتشارا ثانيا، وبذلك ختم أوقات السكون وافتتاح أحوال الانتشار، ووسط ~~الشيء: هو الذي فيه حظ الحواشي، وقد وجد ذلك في وقت هذه الصلاة. والله ~~أعلم. # ومنهم من صرف إلى العصر بما جاء في ذلك من الترغيب ومن الوعيد في ترك ~~ذلك، وبها ختم أحوال الزلات التي تدخل في المكاسب، فتكون بها التوبة عنها ~~والاستغفار منها. ولا قوة إلا بالله. # وقوله تعالى: (حافظوا) على مخاطبة الجملة على الاشتراك؛ إذ المفاعلة اسم ~~ذلك على تضمن الترغيب في الجماعات، أو على لزوم كثرة عدد الصلاة، أو على ما ~~خرج الأمر بالمسارعة إلى الخيرات والمسابقة لها، وكل في ذلك - والله أعلم - ~~على أن الظهر سميت أولى، فعلى ذلك تكون المغرب الوسطى. # وقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين). # قيل: خاشعين خاضعين فيها، لا يدخل فيها ما ليس منها؛ وعلى ذلك روي ms0624 عن زيد ~~ابن أرقم، أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فلما نزل قوله: (وقوموا لله قانتين)، مطيعين أمرنا بالسكوت في ~~صلاتهم خاضعين خاشعين، ونهي عن الكلام؛ وعلى ذلك سمي الدعاء قنوتا. # وقال آخرون: (قانتين)، أي مطيعين. وذلك ما قيل: إن أهل الأديان يقومون في # PageV02P212 # صلاتهم خاضعين ساهين، فأمر أهل الإسلام أن يقوموا مطيعين. # و" القنوت " هو القيام، على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أنه سئل عن أفضل الصلوات، فقال: طول القنوت. وأصل القنوت - ما ذكرنا - هو ~~القيام، غير الذي يقوم لآخر، يفوم على الخضوع والخشوع والسكوت. وليس في ~~الآية أنه أمر بذلك في الصلاة، غير أن أهل التأويل صرفوا إلى ذلك؛ لأنها ~~ذكرت على أثر ذكر الصلاة. وكذلك قوله: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا (239) ~~ليس فيه أن ذلك في الصلاة، لكنهم صرفوا إليها ذلك؛ لأنه ذكر على أثر ذلك ~~الصلاة. ثم اختلف فيه: # قالوا: (ركبانا) على الدواب، حيثما توجهت بهم الدواب يصلون عليها في حال ~~السير والوقوف. وعلى ذلك جاءت الآثار من فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وفعل الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، في النوافل، فتكون ~~الفرائض عند العذر به مرادة بالآية، بل على ما ظهر فعل النوافل في غيره ~~بالسنة. # وأما قوله: (فرجالا) فمما اختلف فيه: # قال: ما يكون (فرجالا)، فمشاة، وهو من الرجل وترجل: مشى راجلا. # وأما عندنا: فهو على المعروف من الصلاة على الأرجل والأقدام قياما ~~وقعودا، لا يزال عن الظاهر. والمعروف الذي عرف الفعل به على ما عرف من ~~الصلاة على الأرجل. # PageV02P213 # وقوله: (ركبانا) على ما عرف عن الركوب، وهو في حال السير، ولم نر الصلاة ~~تقوم مع المشي فيها. # فإن قيل: صلاة الخوف فيها مشي، فقامت. # قيل: إن المشي ليس في فعل الصلاة؛ لأنهم في الوقت الذي يمشون لا يفعلون ~~فعل الصلاة، وهو كما يقال: إن الصلاة لا تقوم مع الحدث، فإذا أحدث فيها ~~فذهب ليتوضأ، ليس هو في وقت ms0625 الحدث مصليا، وإن بقي في حكم الصلاة. فعلى ذلك ~~المشي في صلاة، ليس هو في فعل الصلاة، وإن كان باقيا على حكم الصلاة؛ والله ~~أعلم. # وقوله: (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) # يحتمل: قوله (كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) وقوله (فاذكروا) يحتمل: أن ~~يصرف إلى الصلاة، أي: صلوا كما علمكم أن تصلوا في حال الأمر. # ويحتمل: أن يصرف إلى غيره من الأذكار، كقوله تعالى: (ولذكر الله أكبر). # ويحتمل: أن يصرف إلى الشكر، أي: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واشكروها ~~بي، كقوله تعالى: (فاذكروني أذكركم). والله أعلم. # وفي قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم)، وقوله: (علم القرآن)، و (علمه ~~البيان)، دليل أن الله تعالى صنع في فعل العباد حيث أضاف التعليم إلى نفسه، ~~وهو أن خلق فعل التعليم منه؛ إذ لو لم يكن منه فيه صنع لكان أضيف ذلك ~~المعلم دون البيان؛ فدل إضافته إليه على أن له فيه فعلا. نعوذ بالله من ~~السرف في القول والزيغ عن الهدى. # قال الشيخ، رحمه الله تعالى، في قوله: (فاذكروا الله كما علمكم). أي: ~~صلوا له كما علمكم من الصلاة في حال الأمن، إذ معلوم تقدم الأمر بالصلاة ~~وتعليم حدودها. (وقوموا) في الرخصة في التخفيف بحال العذر. # ويحتمل: اذكروا الله بشكر أنما أمنكم كما علمكم من الشكر له في النعم، ~~وأى ذلك كان فهو الذي علمهم بعد أن كانوا غير عالمين به. والله أعلم. ودل ~~إضافة التعليم في هذه الآية، وكذلك في قوله: (علمه البيان)، وقوله: (وما ~~علمناه الشعر)، إليه على وجود الأسباب من الله تعالى له في الأمرين على أن ~~كان من الله تعالى في أحد الأمرين ما ليس منه في الآخر، ومعنى الأسباب ~~فيهما واحد؛ ثبت # PageV02P214 # أنه على خلق فعل التعليم ونفيه. والله تعالى أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم (240) وللمطلقات متاع بالمعروف ms0626 حقا على المتقين (241) كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) # وقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ~~غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله ~~عزيز حكيم (240) # قد ذكرنا فيما تقدم أنها تخرج على وجهين: # على النسخ بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا). # ويحتمل: على نسخ الوصية خاصة دون نسخ العدة، وأن الأمر بالاعتداد في ~~الآيتين أمر واحد - أربعة أشهر وعشرا، ونسخ الوصية بآية الميراث وبقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لا وصية لوارث ". # وفيه دلالة: أن للموصى له خيارا بين قبول الوصية وبين ردها. # وفيه أيضا: أن له أن يردها إذا قبل بقوله تعالى: (غير إخراج فإن خرجن فلا ~~جناح عليكم)، إذ في الخروج ردها وذلك بعد القبول. # وقوله: (فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم)، ~~قد ذكرنا فيما تقدم أنها تحتمل وجهين: # تحتمل: ما فعلن في أنفسهن من معروف، من التشويف والتزيين. وكذلك روى في ~~حرف ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: " لا جناح عليهن أن يتشوفن ويتزين ~~ويلتمسن الأزواج ". # ويحتمل: وضعهن أنفسهن في الأكفاء بمهر مثلهن. والله أعلم. # وقوله: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) # تحتمل الآية أن تكون في المطلقات المدخولات بهن وقد فرض لهن أن يأمر ~~الأزواج # PageV02P215 # بالمتعة ندبا، لا وجوبا، على ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله تعالى ~~عنهما - أنه متع بعشرة آلاف، على ما روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله ~~تعالى عنهما، أنهما قالا: إن كنت من المتقين ومن المحسنين فمتعها. فهو أمر ~~ندب، لا أمر إيجاب يجبر على ذلك. # وإن كانت في المطلقة التي لم يدخل بها ولا فرض لها صداقا فهو على ما ~~يقوله - وهي واجبة يجبر على ذلك؛ فتخرج هذه الآية والتي قبلها، قوله تعالى: ~~(ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، على مخرج واحد، غير أن في ~~إحديهما بيان قدر المتعة، ms0627 وليس في الأخرى سوى ما ذكر. # ويحتمل وجه آخر: وهو أن الأمر بالمتعة أمر بالإنفاق عليها والكسوة لها ~~إذا دخل بها، ما دامت في العدة. أو على الاختيار على ما ذكرنا، لا على ~~الإيجاب؛ إذ لو كان على الوجوب لكان في ذلك إيجاب بدلين -الصداق والمتعة- ~~ولم يعرف عقد من العقود أوجب بدلين؛ فكذلك هذا. والله أعلم. # والثاني: أن الطلاق سبب إسقاط، لا سبب إيجاب. فإذا كان كذلك لم يجز أن ~~يوجب السبب الذي هو سبب الإسقاط؛ لذلك لم يجب. والله أعلم. # وقوله: (كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) # ما سبق ذكره من الأحكام من الأمر بالاعتداد، والإنفاق عليهن، والتمتع ~~وغير ذلك (لعلكم تعقلون)، أمره ونهيه. # قال الشيخ، رحمه الله تعالى، في قوله: (كذلك يبين الله لكم آياته): أي ~~كما يبين في هذا يبين في جميع ما يعلم لكم إلى بيان ذلك حاجة على قدر ما ~~أراد من البيان -من بيان كفاية أو مبالغة- ليعلم أن جميع ما إليه بالخلق ~~حاجة داخل تحت البيان، يوصل إلى ذلك بقدر ما تحتمله العقول على ما يكرم ~~الله المجاهدين فيه في طلب مرضاته. # PageV02P216 # ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون (243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون (245). # وقوله: (ألم تر)، حرف تعجب وتنبيه، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد ~~الإنباء عنه، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه، ليتجدد بالنظر فيه عهدا. ~~وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر مرة ~~وإلى العلم به ثانية، وإلى النظر فيه ثالثا، على اختلاف ما قيل. وفيه كل ~~ذلك. والله تعالى أعلم. # قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)، " ألم ~~تخبر "، # و" ألم ms0628 تنظر "، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة. # فالقصد فيه - والله تعالى أعلم - أنه جواب قوله: (لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا)، أخبرهم الله عز وجل عن قصة هؤلاء: أن جهلهم بآجال أولئك ~~حملهم على هذا القول؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ~~ديارهم حذر الموت، ثم لم ينفعهم ذلك بل أميتوا. كذلك هذا. # ثم اختلف في قصة هذه: # قال بعضهم: أخرجوا فرارا من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم ~~أحياهم، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله. # وقال آخرون: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقي أناس، فمن خرج أكبر ~~ممن بقي، فنجا الخارجون، وهلك الباقون، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم ~~إلا قليلا، فأماتهم الله، ثم أحياهم. # فلا تدري كيف كانت القصة. فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سبيل ~~الله، وله نظير في الآيات، قوله تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين ~~كتب عليهم القتل إلى # PageV02P217 # مضاجعهم)، وقوله: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل)، ~~وقوله: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم) وقوله: (أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)، ومثله كثير في القرآن. # وإن كانت القصة في الطاعون، فقد جاء الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، أنه قال: " إذا كنتم في أرض وفيها وباء فلا تخرجوا فرارا منها ". " ~~وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها ". # ومعناه والله أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا، ~~أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم الله، يظنون ~~أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك. ففي الوجهين سيان القضاء. وقد جاء: ~~" أن لا عدوى ولا هامة ". # فإن قيل: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان إذا مر على ~~حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟ # قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر ms0629 ~~سبق # PageV02P218 # منهم، فحق مثله الفرار إلى الله، لا إلى غيره. وأما انكسار الحائط فليس ~~لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره. هذا هو الفرق بينهما. والله تعالى ~~أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ويجوز أن يكون فعله - صلى الله عليه وسلم ~~- ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصانا في الدين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب ~~والأغذية للبدن، لا على ظن بالله أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ~~ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى. والله تعالى ~~أعلم. # وقوله: (إن الله لذو فضل على الناس)، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل ~~منه. و (لذو فضل على الناس)، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق ~~بذلك. # هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم ~~في الدين، ولو فعل غير ذلك كان جائزا. فإذا كان هذا عليه، فأنى يكون ~~الأفضل؛ وإنما يقال (ذو فضل)، و (ذو من)، إذا أعطى ما ليس عليه. وأما من ~~أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (من)، كمن يقضي دينا عليه لآخر لا ~~يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك الله تعالى إذا أخبر ~~أنه (ذو فضل) و (ذو من) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك. ~~وبالله التوفيق. # ثم الكلام في أن أولئك ماتوا بآجالهم، أو لا بآجالهم؟ # قالت المعتزلة: لم تكن آجالهم. ومن قولهم: أن لكل أحد أجلين: إن قتل ~~فأجله كذا، وإن مات فكذا. # قيل: ذلك تأجيل من لا يعلم أنه يقتل أو يموت، فإذا علم الله أنه يموت لم ~~يكتب له أجل القتل. وكذلك ما روي في الخبر: " أن صلة الرحم تزيد في العمر ~~". إذا كان في علم الله تعالى في [الأزل] أنه يصل الرحم فكتب عمره أزيد ممن ~~يعلم في [الأزل] أنه # PageV02P219 # يقطع ولا يصل؛ إذ لو حمل ذلك على ما يقولون هم لخرج فعله فعل من يجهل ~~العواقب. فإن ms0630 قيل: فلم يلام القاتل إذا قتل غيره بغير حق؟ # قيل له: لأنه كتب أجل المقتول بقتل هو معصية بما علم الله أنه ينقضي به. ~~وكتاب الآجال هو بيان النهايات والأعمار. # وقوله: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) # قد ذكرناه متضمنا فيما تقدم. # وقوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله ~~يقبض ويبسط وإليه ترجعون (245) # عامل الله تعالى بلطفه وكرمه الخلق معاملة من لا حق له في أموالهم، لا ~~كمعاملة العباد بعضهم بعضا، وإن كان العبيد وأموالهم كلهم له حيث طلب منهم ~~الإقراض لبعضهم من بعض ثم وعد لهم الثواب على ذلك فقال: (فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة). ثم لما سمع اليهود ذلك قالوا: إن إله محمد فقير، وهو قوله: (لقد ~~سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء). ومرة قالوا لما رأوا ~~الشدة على بعض الناس فقالوا: إنما يفعل ذلك ببخله حيث قالوا: (يد الله ~~مغلولة). فرأوا المنع إما للبخل وإما للفقر. فأكذبهم الله في قولهم ذلك ~~فقال: (والله يقبض ويبسط). # قيل: (يقبض)، أي يقتر، (ويبسط)، أي يوسع. # وقيل: (يقبض) ما أعطى، أي يأخذ. و (ويبسط) ويترك ما أعطى، ولا يأخذ منه ~~شيئا. # وقيل: إنها نزلت في أبي الدحداح؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة. فقال أبو الدحداح: إن تصدقت ~~بحديقتي، فلي مثلها في الجنة؟ فقال: نعم. وقال: وأم الدحداح معي؟ قال: نعم. ~~وقال: والصبية معي؟ قال: نعم. فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح والصبية ~~فيها، فقام على باب الحديقة، فنادى: يا أم الدحداح إني جعلت حديقتي هذه ~~صدقة، واشترطت مثيلتها في الجنة، وأم الدحداح # PageV02P220 # والصبية فيها معي. قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت أربيت. ~~فخرجوا منها، فتركوا ما كانوا اجتنوا منها، وسلموا الحديقة للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. فنزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا. . .) ~~الآية. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (من ذا الذي يقرض ms0631 الله قرضا ~~حسنا) الآية، في توجيه الآية إليه: فمنهم من يوجهها إلى جميع المحاسن ~~يؤثرها ويختارها لله، فله أضعاف ذلك في الموعود - آجلا وعاجلا - فالآجل ما ~~وعد، والعاجل ثناء الناس وجلالة القدر له في القلوب، متعارف ذلك للأخيار. ~~وسماه قرضا بما هو اسم المعروف، ليذكره عظم نعمه عليه، إن قبله قول المعروف ~~بالشكر له في ذلك، وإن كان ذلك حقا له عليه. والله أعلم. # والثاني: ليعرف الخلق كيفية الصحبة والمعاشرة بينهم. إن الله تعالى عامل ~~عبده فيما هو له معاملة من يستحق الشكر منه بما يسدى إليه من النعم، ولله ~~حقيقة ذلك، ليعقل الحكماء أن مثل ذلك في معاملة الإخوان، وفيما كان نعمه في ~~الحقيقة أوجب وأحق، وليعظموا المعروفين بالمعروف بما أكرمهم الله تعالى ~~بالأسماء الجليلة. ولا قوة إلا بالله. ومنهم من يوجهها إلى الصدقات خاصة؛ ~~سماها قرضا لوجوه: # أحدها: أن جعل معاملة الفقراء والتصدق عليهم معاملة الله تفضيلا لهم، على ~~ما نسب مخادعة المؤمنين إلى الله تعالى تعظيما لهم، فمثله الصدقة. ثم وعد ~~فيه العوض لتصير الصدقة بمعنى الإقراض، إذ يرجع في عوضه، فيزول وجه ~~الامتنان عن الفقير بما يأخذ منه البدل. وبالله التوفيق. # والثاني: سمى ذلك قرضا بما هو له على ما لم يزل الله تعالى عود به عباده ~~بالذي عرفوا به كرمه وجوده حتى سمى تسليم الذي له في الحقيقة قرضا كالتسليم ~~إلى من لا حق له في الحقيقة، وعلى ذلك أمر الشراء بقوله تعالى: (إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، والله أعلم. # والثالث: أنه ذكرهم وجه القصد في الصدقات، والموقع لها، ليكون ذلك تبينا ~~لعظيم منه الفقر عليه إذ وصل به إلى الله ذكره وأجل محله عنده، فيصير عنده ~~أحد الأعوان له والأنصار على عظيم الموعود وجليل القدر عند الله. فيحمده ~~على ذلك ويشكر له دون أن يمن عليه أو يؤذيه. والله الموفق. # PageV02P221 # قوله تعالى: (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي ~~لهم ابعث لنا ملكا ms0632 نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246) وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ~~(247) وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين (248). # وقوله: (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ~~ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~(246). # في هذه الآية والتي قبلها قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) ~~دلالة إثبات رسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم ~~كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يختلف إلى ~~أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك ~~بالله عز وجل. # ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء ~~منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرزالة. # وفيه دلالة أيضا: أن الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، لم يكونوا ~~يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك. ثم ~~الملوك هم الراجعون إلى تدبيرالأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في ~~أمر الدين والآخرة، حيث سألوا (ملكا) يقاتلون معه عدوهم. # ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وأخرجوهم من ~~ديارهم ms0633 وأبنائهم، فمضوا زمانا ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، ~~وهو من نسل هارون ابن عمران أخى موسى: (ابعث لنا ملكا نقاتل) عدونا، فقال ~~لهم نبيهم: (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا) استخبار عن سؤالهم ~~الذي سألوا، أحق هو أم شيء # PageV02P222 # أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا ~~أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في ~~سبيل الله، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما ~~تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، وما لأجله كان ~~السؤال، إن قالوا: (وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنائنا)، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري. # قوله تعالى: (فلما كتب عليهم القتال)، أي: فرض، (تولوا إلا قليلا منهم)، ~~فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: (لم تقولون ما لا ~~تفعلون)، من كراهية القتال والجهاد في سبيل الله. # وقيل: (تولوا إلا قليلا منهم)، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفرا لم يتولوا ~~عما سألوا. ثم قال لهم نبيهم. # قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا (247) # قيل: سمي " طالوتا " لطوله وقوته. # وقوله: (قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة ~~من المال). # يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: # أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر. # والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكا، ~~لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولى إلا أحد رجلين: إما بالوراثة من ~~الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: (ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة ~~من المال)، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال. # ثم بين لهم - عز وجل - أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ~~ذكرنا دون غيره، بل الله - عز وجل - يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ms0634 ~~ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: # (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه ~~من يشاء). # قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة. # PageV02P223 # ثم يحتمل قوله: (بسطة في العلم)، علم الحرب والقتال. # ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره. # قال الشيخ، رحمه الله تعالى، في قوله: (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه): فهو - والله أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؛ أو كيف يكون ~~له الملك علينا، ونحت بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق ~~بالملك منه فبين الله أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر. ~~والله أعلم. # والحرف (أنى) وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ ~~قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه ~~في هذا. والله أعلم. # وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضا كما كان أمثال ~~ذلك في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: ~~(إن آية ملكه) كذا. والله تعالى أعلم. ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما ~~امتحنوا بالنهر. والله الموفق. # وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيها تصديق ~~الرسل، وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به ~~الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول، فيكون في التحقيق كآيات ~~لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم. ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه ~~فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم الله بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ~~ومضاهاة الرسل. وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعا لا ~~يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما ~~فيه من الإخبار عن الأسئلة والإنباء عن أمور لا توجد هنالك - والله أعلم - ~~وبما لايعلم أوله أنه من تعلم تقدم ms0635 منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، ~~إذ لم يكن امتحن من قبل. والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها ~~وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية. ولا قوة إلا بالله. وبعد ~~فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا ~~إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة ~~والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج ~~به في أمثالهم. والله الموفق. # وقوله: (والله واسع عليم) # (واسع)، أي غنى، يغني من يشاء ويعطيه، (عليم)، بمن يصلح للملك. # PageV02P224 # وقوله: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~(248) # وكأنهم سألوا نبيهم: ما آية ملكه؟ # فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة. # ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالا قدموا ~~التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم. وفيه سكينة، ~~كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، ~~وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه. فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا ~~الأنبياء سلط الله تعالى عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ~~ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت. فلا ندري كيف ~~كانت القصة. # ثم اختلف في قوله: (فيه سكينة من ربكم). # قيل: (سكينة)، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان. # وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة. # وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء (1). # وقيل: (فيه)، أي: في التابوت (سكينة)، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت ~~في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا. # فلا ندري ما السكينة؟ سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن. ~~فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة. # وقوله: (وبقية مما ترك ms0636 آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين). # قيل: " البقية " فيه رضاض الألواح -وهو كسرها- وثياب موسى، وثياب هارون. ~~وقيل: عصا موسى، وعصا هارون. PageV02P225 # وقيل: (البقية) قفيز من من، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في ~~أرض التيه. # وقيل: فيه سنة موسى وهارون، وعلمهما. والله أعلم بذلك. # وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه ~~تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان (تحمله الملائكة) هي القوة في داره، ~~وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل ~~تكون للأنبياء يجريها الله تعالى على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ~~ذلك. ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه الله تعالى عن ~~ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم ~~يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك ~~عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه ~~فيما ادعى، أم لا؟ فإن لأصحابنا، رحمهم الله تعالى، جوابان: # أحدهما: بأن في القران ما يظهر به كذب هذا المدعى في دعوته من نحو قوله: ~~(يسألونك) عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا ~~يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه. وبالله ~~العصمة. # والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه الله عز وجل عن تلاوته، وإجرائه ~~على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك. وكأن هذا أقرب. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين (249) ولما ms0637 برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا ~~أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم ~~بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ~~(251) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252). # PageV02P226 # وقوله: (فلما فصل طالوت بالجنود (249) # أي: من المدينة. # : هم سبعون ألفا. # وقيل: كانوا مائة ألف، سار بهم في حر شديد، فنزلوا في قفرة من الأرض، ~~فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء، فقال لهم طالوت: # (إن الله مبتليكم بنهر) # قيل: نهر بين الأردن وفلسطين. # وقيل: هو نهر فلسطين. # وقيل: إنما قال لهم: إن الله مبتليكم بنهر نبيهم. # وقوله: (فمن شرب) غرفة كفاه، ومن شرب أكثر منه لم يروه؛ لأنهم عصوه. # وقيل، # (فمن شرب منه فليس مني). # أي: ليس معي على عدوي، أي: لا يخرج معي. # ويجوز (فليس مني) من أتباعي وشيعتي. # وجائز أن يكون به ظهور النفاف والصدف (مني) في الدين. # (ومن لم يطعمه فإنه مني). # يقول: (مني)، أي معي على عدوي. # فيه دليل أن يسمى الشراب باسم الطعام، والطعام باسمه. # (إلا من اغترف غرفة بيده) # استثنى (الغرفة)، كأنه قال: من شرب منه فليس مني إلا غرفة. # ففيه جواز الثنيا من الكلام المتقدم وإن كان دخل بين حرف الثنيا وحرف ~~الأول شيء آخر. وهو يدل لأصحابنا، رحمهم الله تعالى، حيث قالوا: فيمن أقر، ~~فقال: # PageV02P227 # " لفلان على كر حنطة وكر شعير إلا نصف كر حنطة "، أنه يصدق ويلزمه من ~~الحنطة نصف كر. ويحتمل أن يكون الثنيا على ما يليه قوله: (ومن لم يطعمه ~~فإنه مني إلا من اغترف غرفة). # وقيل: شرب شرب الدواب. و (الغرفة) هي شرب. # وقوله: (فشربوا منه إلا قليلا منهم) # قيل: (القليل) هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا اغترفوا غرفة واحدة بأيديهم، ~~وكانت الغرفة يشرب منها هو وخدمه ودوابه. # وقيل: إنما استثنى الغرفة باليد لئلا يكرعوا كراع الدواب، ففعل بعضهم ~~ذلك، فرد طالوت العصاة منهم، فلم يقطعوا معه، وقطع معه ms0638 الثلاثمائة والثلاثة ~~عشر رجلا وهو قوله تعالى: # (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت ~~وجنوده). # قيل: هو قول بعضهم لبعض: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)؛ لأنهم أكثر ~~منا، وكانوا مائة ألف، وهو ثلاثمائة وثلاثة عشر. والله أعلم بذلك العدد. # وقوله: (قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله) # قيل: الذين يعلمون ويقرون بالبعث. # (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله). # أي: عددهم. # وقيل: (الذين يظنون)، يعني يخشون أنهم يقتلون؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على ~~الموت، فطابت أنفسهم بالموت (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة). # وقوله: (بإذن الله). # قال بعضهم: (بإذن الله)، أي بأمر الله. لكنه لا يحتمل الغلبة بالأمر، ~~ولكن (بإذن الله)، عندنا: بنصر الله. # وقوله: (والله مع الصابرين). # بالنصر والمعونة لهم. # PageV02P228 # وقوله: (ولما برزوا لجالوت وجنوده (250) # يعني لقتالهم. # وقوله: (قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين). # يقول: اصبب. ويقال: أتمم علينا صبرا. # وهكذا الواجب على كل من لقي العدو أن يدعو بمثل هذا. # وعلى قول المعتزلة لا معنى لهذا الدعاء، لأنه قد كان فعل بهذا الأصلح. # فاستجاب الله دعاءهم، وهزم عدوهم؛ وهو قوله تعالى: (فهزموهم بإذن الله ~~وقتل داوود جالوت (251) # قال بعضهم: (بإذن الله)، بأمر الله. لكن لا يحتمل؛ لأنهم كانوا يقاتلون ~~بالأمر، ولا يهزمون بالأمر. # وقال آخرون: (بإذن الله)، بعلم الله، كان في علمه في الأزل أنهم ~~يهزمونهم. # وقيل: (بإذن الله)، بنصر الله. وهو أقرب. والله أعلم. # وقيل في القصة: إن داود، عليه السلام، كان راعيا، وكان له سبعة إخوة مع ~~طالوت خرجوا معه للقتال. ولما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أرسل داود إليهم ~~لينظر ما أمرهم ويأتيه بخبرهم. قال: فأتاهم وهم في الصفوف. فبرز جالوت، فلم ~~يخرج إليه أحد. # فقال: (يا بني إسرائيل) لو كنتم على حق لخرج إلي بعضكم. فقال داود ~~لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟ قال: فقالوا: اسكت. قال: فذهب ~~داود إلى طالوت، فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو. ms0639 ما ~~تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال طالوت: أنكحه ابنتي، وأجعل له نصف ملكي. ~~فقال داود لطالوت: فأنا أخرج إليه. فلما قال داود: (أنا أخرج إليه)، قال له ~~طالوت: من أنت؟ قال: أنا داود بن فلان. فعرفه طالوت، ورأى أنه أجلد إخوته. ~~قال: فأعطاه طالوت درعه وسيفه. قال: فلما خرج داود في الدرع جرها في الأرض؛ ~~لأن طالوت كان أطول منه. قال: فأخذ داود العصا ثم خرج إلى جالوت. فمر ~~بثلاثة أحجار، فقلن: يا داود خذنا معك، ففينا ميتة جالوت. فأخذها ثم مضى ~~نحوه. وعلى جالوت بيضة هي ثلاثمائة رطل. فقال له جالوت: إما أن ترميني، ~~وإما أن أرميك؟ فقال له داود: بل أنا أرميك. فرماه بها، فأصابه # PageV02P229 # في آخرها، فوقعت في صدره، فنفذته وقتلته، وقتل الحجر بعد ما نفذ جنودا ~~كثيرة، وهزم الله جنوده. وهو قوله: (فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت)، ~~والقصة طويلة فلا ندري كيف كانت القصة وليس لنا إلى معرفتها حاجة (1). # وقوله: (وآتاه الله الملك والحكمة). # فالملك يحتمل: علم الحرب، وسياسة القتال؛ إذ لم يكونوا يقاتلون إلا تحت ~~أيدي الملوك، وهو كقوله: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). # ويحتمل: (الملك)، بما عقد له من الخلافة؛ كقوله: (يا داوود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). # وذكر: (وآتاه الله الملك والحكمة) الأمرين لما كان من قرب زمانه على ما ~~عليه ابتداء الآية أن الملك يكون غير نبي، فجمعا جميعا له فيكون على ذلك ~~تأويل الحكمة أنها النبوة. # (والحكمة)، قيل: هي الفقه. # وقيل: هي النبوة. وقد تقدم ذكره. # وقوله: (وعلمه مما يشاء). # قيل: صنعة الدروع، كقوله: (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم). # وقيل: كلام الطير، وتسبيح الجبال، كقوله: (ولقد آتينا داوود منا فضلا يا ~~جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد). وذلك مما خص به داود دون غيره من ~~الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. # ويحتمل: (وعلمه مما يشاء)، أشياء أخر. # وقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ms0640 # اختلف فيه: # قال بعضهم: دفع بالكفار بعضهم ببعض شرهم عن المسلمين، لما شغل بعضهم ~~ببعض، وجعل بعضهم لبعض أعداء إلى أن لم يتفرغوا عن أنفسهم للمسلمين، وإلا ~~كان PageV02P230 # في ذلك فساد الأرض. # وقال آخرون: دفع بالرسل والأنبياء شرهم عن المسلمين، وكفاهم بهم. # وقال غيرهم: دفع بالمؤمنين بعضهم عن بعض - دفع بالمجاهدين في سبيل الله ~~عن القاعدين عن الجهاد، وإلا لغلب المشركون على الأرض. # وقيل: بدفع بالمصلي عمن لا يصلي، وبالمزكي عمن لا يزكي، وبالحاج عمن لا ~~يحج، وبالصائم عمن لا يصوم. # ثم اختلف في قوله: (لفسدت الأرض) # وقيل: لو لم يدفع بعضهم ببعض لقتل بعضهم بعضا، وأهلك فريق فريقا، وفي ذلك ~~تفانيهم وفسادهم، وفي ذلك فساد الأرض. # وقال آخرون: لو لم يدفع لفسدت الأرض، أراد بفساد الأرض فساد أهلها؛ لأنه ~~لو لم يدفع لغلب المشركون على أراضي الإسلام وأهلها. فإذا غلبوا فسد أهلها. # وقال: (لفسدت الأرض)، إذا غلب المشركون عليها هدمت المساجد والصوامع، ~~ففيه فساد الأرض. والله أعلم. # وقوله: (ولكن الله ذو فضل على العالمين). # وعلى قول المعتزلة: ليس هو بذي فضل على أحد؛ لأن عليه أن يفعل ذلك، وأن ~~يدفع ذلك كله عن المسلمين على قولهم، فإذا كان عليه ذلك لا يصير هو بما ~~يدفع مفضلا ولا ممتنا. فنعوذ بالله من السرف في القول. # وقوله: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # يحتمل قوله: (آيات الله)، ما ذكره من قتل داود جالوت بالأحجار. # ذكر في القصة مع ضعف داود وقوة جالوت، على ما قيل: إن قامته كانت قدر ~~ميل، وإن بيضته كانت ثلاثمائة رطل. # ويحتمل: ما ذكر من قيام القليل للكثير؛ لأنه قيل: إن جنود جالوت مائة ~~ألف، وجنود طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر. وذلك من الآيات. # ويحتمل: جميع ما قص الله عليه في القرآن من خبر الأمم السالفة. والله ~~أعلم. # وفي قتل داود جالوت، وقتل القليل الكثير، دليل: أنهم لم يقتلوا لقوة ~~أنفسهم، # PageV02P231 # ولكنهم بالله وبنصره إياهم. # قال الشيخ - رحمه الله -: من آيات وحدانيته: قتل داود جالوت ms0641 مع ضعف داود ~~وقوة عدوه. # * * * # قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا ~~أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا ~~خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون (254). # وقوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # قوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) # يحتمل: تفضيل بعضهم على بعض ما ذكر (منهم من كلم الله)، ومنهم من اتخذه ~~خليلا، ومنهم من سخر له الريح والطير، ما كان في الأنبياء مثله. # ويحتمل: (بعضهم على بعض)، في الحجاج، والحجج على القوم؛ لأن فيهم من كان ~~أكثر محاجة لقومه وأعظم حججا، وهو إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، وموسى. # ويحتمل: " التفضيل " التمكين في الأرض، مكن لبعضهم ما لم يكن للباقين. # ويحتمل: ذلك في الآخرة في الشفاعة، ورفع الدرجات. # ويحتمل: (بعضهم على بعض)، في الرسالة؛ لأن منهم من أرسل إلى الإنس والجن ~~جميعا، ومنهم من أرسل إلى الإنس خاصة، ومنهم من أرسل إلى قومه خاصة، ومنهم ~~من أرسل إلى نفر. والله أعلم. # وقد ذكرنا ألا يكون من الله تفضيل لبعض الرسل على بعض على قول المعتزلة؛ ~~لأنه فعل ما عليه أن يفعل، وكل من فعل ما عليه أن يفعل، فإنه لا يوصف ~~بالفضل والإفضال؛ دل أنه ليس على ما يقولون ويذهبون إليه. # PageV02P232 # وقوله: (وأيدناه بروح القدس)، قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ms0642 بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات) ~~هذه الآية والآيتان من بعدها - قوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا)، وقوله: ~~(ولكن الله يفعل ما يريد)، على المعتزلة. لأنه أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ~~ما اقتتلوا. وهم يقولون: شاء ألا يقتتلوا، ولكن اقتتلوا. والاقتتال هو فعل ~~اثنين، وفيهم من اقتتل ظالما، وفيهم من اقتتل غير ظالم، دليله قوله: (ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)، ثم قال: (ولو شاء الله ما اقتتلوا)، ~~أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا وأخبر أنه يفعل ما يريد ثبت الفعل ~~في الإرادة وهم يقولون لا يفعل ما يريد. # وكذلك قوله (ولو شاء الله ما اقتتلوا) أخبر أنه لو شاء ما اختلفوا وهم ~~يقولون: شاء ألا يختلفوا ولكن اختلفوا ثم لا يجوز صرف الآية إلى مشيئة ~~القسر والجبر؛ لأن المشيئة التي ذكرها الله تعالى معروفة في الناس فلا يجوز ~~صرفها إلى غير المشيئة المعروفة إلا بعد تقدم ذكر أو بيان أنها هي المرادة ~~وقوله: (ما اقتتلوا) ولا اختلفوا فجعلهم على أمر واحد ودين واحد كقوله: ~~(ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة)، والمعتزلة يقولون: شاء أن يصيروا أمة ~~واحدة ولكن لم يصيروا فنعوذ بالله من السرف في القول والقول في الله بما لا ~~يليق به. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم (254) يحتمل الأمر ~~بالإنفاق، أمر بتقديم الطاعات والمسارعة إلى الخيرات قبل أن يأتي يوم يمنعه ~~ويعجزه عن ذلك وهو الموت. # ويحتمل أمره بالإنفاق من الأموال في طاعة الله من قبل أن يأتي يوم، وهو ~~يوم القيامة (لا بيع فيه) قيل: لا فداء، (ولا خلة)، (ولا شفاعة). # يحتمل قوله: (ولا خلة) أي لا ينفع خليل خليله كما ينفع في الدنيا وكذلك ~~لا شفيع تنفع شفاعته كما تنفع في الدنيا. # ويحتمل: (ولا خلة ولا شفاعة)، أي: لا ينفع أحد أحدا، ولا يخال أحد أحدا، ~~ولا يشفع أحد أحدا. # ويحتمل: (يوم لا بيع فيه)، أنهم يملكون بيع أنفسهم من الله تعالى ما ~~داموا أحياء، فإذا ماتوا ms0643 لم يملكوا، كقوله تعالى: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة). فأول الآية وإن خرج الخطاب ~~للمؤمنين فالوصف فيها وصف الكافرين، لكن فيها زجر للمؤمنين مثل صنيع ~~الكفار. # وقوله تعالى: (الله لا إله إلا هو) قيل: الله هو اسم المعبود، وكذلك تسمي ~~العرب # PageV02P233 # كل معبود إلها ومعناه - والله أعلم - أن الذي يستحق العبادة ويحق أن يعبد ~~هو الله الذي لا إلا إلا هو لا الذي تعبدونه أنتم من الأوثان والأصنام التي ~~لا تنفعكم عبادتكم إياها ولا يضركم ترككم العبادة لها. # ويحتمل أن يكون على الإضمار: أن قل الله الذي لا إله إلا هو لأنهم كانوا ~~يقرون بالخالق ويقرون بالإله؛ كقوله عز وجل (ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله) وكقوله: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ~~(86) سيقولون لله) وكقوله: (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار ~~عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله)، فإذا كانوا يقرون به فأخبرهم أن ~~الذي يقرون به وشممونه هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ويحتمل أن ~~يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا الله تعالى وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته ~~وصفته فعلمهم نعته وصفته أنه الحي القيوم إلى آخره. # * * * # قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما ~~في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات ~~والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم (255) # وقوله (الحي القيوم) قيل هو الحي بذاته لا بحياة هي غيره كالخلق هم أحياء ~~بحياة هي غيرهم حلت فيهم لابد من الموت، والله عز وجل يتعالى عن أن يحل فيه ~~الموت؛ لأنه حي بذاته وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم، تعالى الله عز وجل ~~عما يقول فيه الملحدون علوا كبيرا. # والأصل: أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف ذلك للعظمة له والجلال ~~والرفعة. يقال: ms0644 (فلان حي)، وكذلك الأرض سماها الله تعالى (حية)، إذا اهتزت ~~وربت وأنبتت، لرفعتها على أعين الخلق. فعلى ذلك الله سبحانه وتعالى (حي) ~~للعظمة. # وكذلك الأرض سماها الله تعالى: (حية) للعظمة والرفعة ولكثرة ما يكون يذكر ~~في المواطن كلها، كما سمى الشهداء (أحياء)؛ لأنهم مذكورون في الملأ من ~~الخلق. # ويحتمل: أنه يسمى (حيا) لما لا يغفل عن شيء، ولا يسهو، ولا يذهب عنه شيء، ~~ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وبالله العصمة. # وقوله: (القيوم)، القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم. # وقيل: (القيوم)، هو القائم على كل شيء يحفظه ويعاهده، كما يقال: (فلان ~~قائم على أمر فلان)، يعنون أنه يتحفظ أموره حتى لا يذهب عنه شيء. # PageV02P234 # وقيل: (هو الحي القيوم)، أي لا يغفل عن أحوال الخلق. # وقوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم). # قيل: (السنة)، النعاس. # وقيل: (السنة)، هي بين النوم واليقظة، وسمى (وسنان). # وقيل: (السنة)، هي ريح تجيء من قبل الرأس، فتغشى العينين، فهو (وسنان) ~~بين النائم واليقظان. # ويحتمل قوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم) على نفي الغفلة والسهو عنه؛ إذ لو ~~أخذه، صار مغلوبا مقهورا، فيزول عنه وصفه (حي، قيوم)، كقوله: (لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة) على نفي الغفلة. # ويحتمل: أنه نفى عن نفسه ذلك؛ لأن الخلق إنما ينامون وينعسون طلبا للراحة ~~والمنفعة -إما لدفع حزن أو وحشة- فأخبر أنه ليس بالذي يحتاج إلى راحة، وإلى ~~دفع حزن أو وحشة. # وقيل: لا يفتر ولا ينام. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والنوم والسنة حالان تدلان على غفلة من ~~حلا به، وعلى حاجته إلى ما فيه راحته، وعلى عجزه، إذ هما يغلبان ويقهران. ~~فوصف الرب نفسه يما يعلو عن الذي دلا عليه من الوجوه. # وقوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض). # وهو العالي على ذلك، القاهر له، لا تأخذه سنة ولا وحشة، ولا معنى يدل على ~~العجز والحاجة. ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (له ما في السماوات وما في الأرض)، أخبر أن ما في السماوات وما في ms0645 ~~الأرض، عبيده وإماؤه، ليس كما قالوا: (فلان ابن الله)، و (الملائكة بنات ~~الله)، بل كلهم عبيده وإماؤه، والناس لا يتخذون ولدا من عبيدهم وإمائهم، ~~فالله أحق ألا يتخذ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # PageV02P235 # وقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)، أي: لا أحد يجترئ على ~~الشفاعة إلا بإذنه. # ثم اختلف في الشفاعة: # قالت المعتزلة: لا تكون الشفاعة إلا لأهل الخيرات خاصة الذين لا ذنب لهم، ~~أو كان لهم ذنب فتابوا عنه. ذهبوا في ذلك إلى ما ذكر الله تعالى في قوله: ~~(الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم)، أخبر أنهم يستغفرون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا. فإذا كان ~~الاستغفار في الدنيا إنما يكون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا، فعلى ذلك ~~الشفاعة إنما تكون في الآخرة لهؤلاء. # وأما عندنا: فإن الشفاعة تكون لأهل الذنوب؛ لأن من لا ذنب له لا حاجة له ~~إلى الشفاعة. وقوله: (للذين تابوا واتبعوا سبيلك)، يكون لهم ذنوب في أحوال ~~التوبة، فإنما يغفر لهم الذنوب التي كانت لهم، فقد ظهر الاستغفار لأهل ~~الذنوب؛ فعلى ذلك الشفاعة. # فإن قيل: أرأيت رجلا قال لعبده: إن عملت عملا تستوجب به الشفاعة فأنت حر، ~~فأي عمل يعمله ليستوجب به الشفاعة حتى يعتق عبده: الطاعة، أو المعصية؟ قيل: ~~الطاعة، فعلى ذلك الشفاعة، لا تكون إلا لأهل الطاعة والخير لا لأهل ~~المعصية. # قيل: إن الشفاعة التي يستوجبها أهل الذنوب إنما يستوجبون بالطاعات التي ~~كانت لهم حالة الشفاعة؛ لأن أهل الإيمان وإن ارتكبوا مآثم ومعاصي فإن لهم ~~طاعات، فبتلك الطاعات يستوجبون الشفاعة، كقوله: (خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا)، فالشفاعة في شره بخيره. # وقالوا: لا شفاعة في الشاهد لأحد في الآخرة؛ لأن الشفاعة هي أن يذكر عن ~~مناقب أحد عند أحد وخيراته، ليس سوءا، وكذا في الآخرة. # والجواب لهم من وجهين: # أحدهما: أنه إنما يذكر في الدنيا خيرات المشفع له لجهالة هذا بأحواله، ~~فيذكر خيراته ms0646 ليعرفه بها، فيشفع فيه. والله تعالى عارف لا يتعرف. # PageV02P236 # والثاني: أن ذكر خيراته لحاجة تقع للمذكور له تكون في مثلها، لا تكون في ~~الآخرة خاصة، والله - تعالى - يتعالى عن الحاجة عما بالعباد؛ لذلك اختلفا. ~~والله أعلم. # فإن قال لنا قائل: إن جميع ما ذكر في هذه الآية -من أولها إلى آخرها- ~~كلها دعوى، فما الدليل على تلك الدعوى؟ # قيل: يحتمل أن يكون دليله ما تقدم ذكره من قوله تعالى: (إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار. . .) الآية. # والثاني: من أنكر الصانع فيتكلم أولا معه في حدث العالم، وحاجته إلى ~~محدث، فإذا ثبت حدث العالم، فحينئذ يتكلم في إثبات الصانع ووحدانيته. ~~وبالله التوفيق. # وفي قوله تعالى: (واحد)، ليس من حيث العدد؛ لأن كل ذي عدد يحتمل الزيادة ~~والنقصان، ويحتمل الطول والعرض، ويحتمل القصر والكسر، ولكن يقال: ذلك ~~(واحد) من حيث العظمة والجلال والرفعة، كما يقال: فلان واحد زمانه، وواحد ~~قومه، يعنون به رفعته وجلالته في قومه وسلطانه عليهم، جائز القول، فهم لا ~~يعنون من جهة العدد؛ لأن مثله كثير فيهم من حيث العدد. والله أعلم. # وقوله: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء). # هذا على المعتزلة؛ لأنهم لا يصفونه بالعلم، وقد أخبر أن له العلم. # ثم احتمل: (علمه)، علم الغيب. # وقال آخرون: علم الأشياء كلها. لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله من ذلك، ~~كقول الملائكة: (لا علم لنا إلا ما علمتنا). # ومن قال: علم الغيب، فهو الذي قال: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~(26) إلا من ارتضى من رسول). # وقوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض). # قال بعضهم: (وسع كرسيه)، وسع علمه. وهو قول ابن عباس، رضي الله تعالى ~~عنه. # وقال آخرون: (كرسيه)، قدرته، وهو وصف بالقدرة والعظمة. # وقيل: (وسع كرسيه)، والكرسي هو أصل الشيء، يقال: كرسي كذا، والمراد منه ~~أنه المعتمد والمفزع للخلق. وذلك وصف بالعظمة والقوة. # PageV02P237 # ويقال: (وسع كرسيه)، وهو خلق من خلقه. # وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به ms0647 من يشاء من خلقه. # ثم لا يجوز أن يفهم من إضافته إليه ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم من ~~قوله: (تلك حدود الله)، و " نور الله "، و " بيت الله " ونحوه ما يفهم من ~~إضافته إلى خلقه. # فعلى ذلك لا يفهم من قوله: (وسع كرسيه)، وغيره من الآيات ما يفهم من ~~الخلق بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء). # وقوله تعالى: (ولا يئوده حفظهما). # قيل: (ولا يئوده حفظهما)، لا يشق عليه حفظهما. وهو قول ابن عباس، رضي ~~الله تعالى عنه، وروي عنه أيضا أنه قال: لا يثقل عليه. # وقيل: (ولا يئوده)، لا يجهده. # وقيل: لا يعالج بحفظ شيء مثال الخلق. # وقوله تعالى: (وهو العلي العظيم). # (العلي) عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي، (العظيم) عن أن يحاط به. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: (وسع كرسيه)، قال: علمه، ألا ترى ~~إلى قوله: (ولا يئوده حفظهما)، كل شيء في علمه، لا يئوده حفظ شيء، والله ~~أعلم. # قال الشيخ: - رحمه الله تعالى - (العلي)، عن جميع أحوال الخلق وشبههم، و ~~(العظيم) القاهر والغالب. # * * * # قوله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ~~(256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (257) # وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين). # قيل: (لا إكراه في الدين)، أي: لا يكره على الدين. فإن كان التأويل هذا ~~فهو على بعض دون بعض. # PageV02P238 # وقال بعضهم: نزلت في المجوس، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنه يقبل ~~منهم الجزية، ولا يكرهون على الإسلام. ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو السيف، ولا يقبل منهم الجزية، فإن أسلموا وإلا قتلوا. وعلى ذلك ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كتب إلى المنذر بن فلان: " ~~أما الحرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس ms0648 ~~فاقبل منهم الجزية ". وعلى ذلك نطق به الكتاب (تقاتلونهم أو يسلمون). # وقال قوم: (لا إكراه في الدين) أي: لا دين يقبل بإكراه، بل ليس ذلك ~~بإيمان. # والثاني: أن (الرشد) هو قد تبين من الغي، وبين ذلك لكل أحد حتى إذا قبل ~~الدين قبل عن بيان وظهور، لا عن إكراه. # وقال آخرون: قوله: (لا إكراه في الدين)، أي: لا إكراه على هذه الطاعات ~~بعد الإسلام؛ لأن الله تعالى حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين فلا يكرهون ~~على ذلك. # ومعناه: أن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة، ورفع الله عز وجل تلك ~~الشدائد عن هذه الأمة وخففها عليهم، دليله قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل ~~علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به)، وقوله: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، ومثل ذلك كثير، ~~كانت على الأمم السالفة ثقيلة وعلى هذه الأمة مخففة، فإذا كانت مخففة عليهم ~~لا يكرهون على ذلك. # وقال آخرون: هو منسوخ بقوله عليه السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها، وحسابهم على الله ". # PageV02P239 # وقال آخرون: إن قوما من الأنصار كانت ترضع لهم اليهود، فلما جاء الإسلام ~~أسلم الأنصار، وبقي من عند اليهود من ولد الأنصار على دينهم، فأرادوا أن ~~يكرهوهم، فنزلت الآية (لا إكراه في الدين). # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ويحتمل (لا إكراه في الدين) ما قال في ~~قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). # وقوله تعالى: (قد تبين الرشد من الغي). # يعني قد تبين الإسلام من الكفر بالله فلا تكرهون على ذلك. # وقوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت). # اختلف فيه: # قيل: (بالطاغوت)، الشياطين. # وقيل: كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت من الأصنام والأوثان التي تعبد ~~من دون الله " # وقيل: (بالطاغوت)، الكهنة الذين يدعون الناس إلى عبادة غير الله بكفر ~~هؤلاء وتكذيبهم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ومن جملته: ومن يكفر بالذي يدعو إلى ~~عبادة غير ms0649 الله، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذي يدعو إلى عبادة الله، ويصدقه، ~~أنه داع إلى حق. وقوله تعالى: (ويؤمن بالله). # فيه دلالة: أن الإيمان بالله هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعا، إذ ~~لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان بالله؛ لأنه في ~~آخر السورة ذكر (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)، على طريق ~~التفضيل -، من آمن بالله آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه - لكن الذي قال: (لا ~~نفرق # PageV02P240 # بين أحد من رسله)، لقول قوم حيث قالوا: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وإلا لكان ~~في الإيمان بالله إيمان بجميع ذلك. # وقوله تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع ~~عليم). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: فقد عقد لنفسه عقدا وثيقا لا انقصام لذلك العقد ولا انقطاع، لا ~~تقوم الحجة ببعضه. # ويحتمل: (فقد استمسك بالعروة الوثقى)، بنصره إياه بالحجج والبراهين ~~النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال. # ثم فيه نقض على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أن من آمن بالله فقد استمسك ~~بكذا. # والمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن بالله، فأية ~~عروة أوهى من هذا على قولهم؟ وأن له زوالا وانقطاعا من ثوابه الذي وعد له ~~عز وجل بإيمانه وتصديقه به. وبالله العصمة. # وقوله تعالى: (والله سميع) لقولهم، (عليم) بثوابهم. # أو (سميع)، بإيمانهم، (عليم)، بجزاء إيمانهم. والله أعلم. # وقوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا (257) # قيل: الولي: الحافظ. # وقيل: الولي: الناصر، وهو ناصر المؤمنين وحافظهم. # وقيل: سمى وليا لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره. وعلى ~~ذلك يسمى الولي وليا لما يلي أمور الناس. # وقيل: قوله: (الله ولي الذين آمنوا)، أي: الله أولى بهم إليه رجاؤهم ~~أطعمهم، وهو الذي يكرمهم، وأن الطاغوت أولى بالكافرين، كما قال: (والنار ~~مثوى لهم)، أي أولى بهم. والله أعلم. # وقوله تعالى: (يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات). # وقوله: (يخرجهم)، بمعنى: أخرجهم. وجائز هذا في اللغة (يفعل) بمعنى (فعل)، ~~و ms0650 (فعل) بمعنى (يفعل)، جاز فيها، غير ممتنع عنه. # PageV02P241 # وقوله تعالى: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، و (يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات)، هو ابتداء نشوئهم عليه، ليس أن كانوا فيه ثم أخرجهم، كقوله ~~تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر ~~الشمس والقمر)، رفعها ابتداء، ليس أن كانت موضوعة ثم رفعها. فعلى ذلك ~~الأول. # والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ إذ من قولهم: إن جميع ما أعطى مؤمن من ~~الإخراج من الكفر، أعطى مثله الكافر؛ فكأنهم يقولون: أخرجهم جميعا من ~~الظلمة، وعليه إخراج الكفار أيضا من الظلمات، إذ ذلك هو الأصلح له، وعليه ~~أن يعطى ما هو الأصلح لهم في الدين. فإذا كان هذا قولهم، فهو ولي الكفرة ~~والمؤمنين جميعا على قولهم؛ إذ هو بالسبب الذي ذكر الولاية للمؤمنين فيعطى ~~أيضا للكفرة. # فإن قالوا: إنه أضاف (الكفر) إلى الطاغوت، وأنتم تضيفونه إلى الله عز ~~وجل؟ # قيل: هو ظاهر الكذب؛ لأنا لا نضيف ذلك إليه (الكفر). إنما نقول: إنه خلق ~~فعل الكفر من الكافر كفرا، وخلق فعل النور من المؤمن نورا. على أنه إن كان ~~هذا في الكفرة فما القول في الأول من قولكم: إنه منعم على المؤمن، ثم لا ~~نعمة فيه على المؤمن إلا بالأمر والأقدار، والأقدار منه موجود للكافر في ~~كفره على قولكم، ثم لا نعمة تقع في الأمر والدعاء للمؤمن إلا ويقع مثله ~~للكافر، إذ هو في الأمر والدعاء كالمؤمن سواء. ولا قوة إلا بالله. # وليس في القول: إنه خالق، بأنه خالق فعل كل أحد على ما عليه إضافة الكفر ~~إليه، بل إنما يضيف الخير إليه بما منه فيه من الإفضال على الشكر له. فدل ~~أن له عز وجل في المؤمن فضل صنع، ليس ذلك له في الكافر. # و (الكفر) في اللغة الستر، وكذلك (الظلمة): هي الستر. يقال: (كفرت الشيء) ~~أي سترته، وكذلك يقال: (ليل مظلم)؛ لأنه يستر ضوء النهار ونوره، فيستر ~~الأشياء عن أبصار الخلق. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (الله ولي ms0651 الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور. . .) الآية: دلت هذه الآية على أن كان من الله إلى ~~الذين آمنوا معنى لم يكن منه إلى الذين كفروا به كان إيمانهم، ولو لم يكن ~~إلا الأمر والأقدار أو البيان، على ما قالت المعتزلة، لكان كل ذلك عندهم ~~إلى الكفرة، فلا وجه لتخصيص المؤمنين بما ذكر، # PageV02P242 # وجعل الطاغوت أولى بالكافرين، وصنع الله إلى كل واحد، ولم تكن من الله ~~تلك الزيادة، فإذا كان الذي ذكر لهم في أنفسهم فلا وجه للامتنان بذلك. ومن ~~البعيد ذكر الامتنان فيما به الإلزام والأمر. وما ذكرت المعتزلة إنما هي ~~أسباب الإلزام، ولولا ذلك كان أيسر عليهم وأقل لائمة. فكيف بمن بها ثبت أن ~~كان منه فضل، ليس ذلك في أعدائه فيه استوجب الحمد منهم؛ ولهذا يضاف إليه ~~الخيرات على الشكر له، وتوجيه الحمد إليه، ولا يضاف إليه الشر بما ليس في ~~ذلك تشكر، إنما منه الخذلان بما علم من إيثار الكافر عداوته واختياره الكفر ~~به؛ فلذلك لم يجز الإضافة إليه؛ والإضافة إلى الله جل ثناؤه لا باسم الخلق ~~يخرج مخرج التعظيم له والخضوع من العبد بالحمد له والشكر. ولا يجوز مثله ~~فيما ليس فيه ذلك على ما لا يضاف إليه الأنجاس والخبائث والجواهر القبيحة، ~~وإن كان من طريق الخلقة جرى عليها تدبيره وخرجت على تقديره. فعلى ذلك أفعال ~~الخلق، وعلى ذلك القول بأنه رب كل شيء، وإله كل شيء. ثم على الإشارة لا ~~يوصف بذلك في الأشياء الخاملة المستخف بها. فمثله الأول. والله أعلم. # وقوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الكافرين)، (والله لا يهدي القوم ~~الظالمين)، (والله لا يهدي القوم الفاسقين)، ونحو ذلك يخرج على وجوه: # أحدها: أنه لا يهديهم وقت اختيارهم ذلك، ويكون على ألا يخلق منهم فعل ~~الهداية، وهم يختارون فعل الضلال. # ويحتمل: من في علمه أنه لا يهتدي، فيرجع المراد به إلى الخاص. # ويحتمل: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة من كفر بالله في الدنيا. # ويحتمل: لا يجعلهم في حكمهم، كقوله تعالى: (أم حسب ms0652 الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما ~~يحكمون). # وقوله تعالى: (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # ذكر أن الكفرة هم أصحاب النار، وذكر في آية أخرى أن الملائكة أصحاب النار ~~بقوله تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)، لكنه ذكر الملائكة أصحاب ~~النار؛ لما يتولون تعذيب الكفرة فيها، فسماهم بذلك، وذكر الكفرة أصحاب ~~النار؛ لأنهم هم المعذبون فيها، والملائكة هم معذبوهم بها. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ ~~قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله ~~يأتي بالشمس من المشرق فأت بها # PageV02P243 # من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) أو كالذي مر ~~على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته ~~الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت ~~مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ~~للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم ~~أن الله على كل شيء قدير (259) وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ~~(260) # وقوله: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك (258) # فقد ذكرنا فيما تقدم أن قوله تعالى: (ألم تر)، إنما يفتتح به لأعجوبة، ~~كقوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل). # وفيه إباحة التكلم في الكلام والمناظرة فيه والحجاج بقوله: (حاج إبراهيم ~~في ربه)، ورد على من يمنع التكلم فيه وهو كذلك؛ لأنا أمرنا بدعاء الكفرة ~~جميعا إلى وحدانية الله تعالى، والإقرار له بذلك، والمعرفة له أنه ms0653 كذلك، ~~وكذلك الأنبياء بأجمعهم أمروا وندبوا إلى دعاء الكفرة إلى شهادة أن " لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له "، فإن دعوناهم إلى ذلك لا بد من أن يطلبوا ~~منا الدليل على ذلك، والبيان عليه، والوصف له كما هو له، والتقرير عندهم ~~أنه كذا، فلا يكون ذلك إلا بعد المناظرة والحجاج فيه؛ لذلك قلنا: أن لا بأس ~~بالتكلم والمناظرة فيه. وفيه دلالة على إباحة المحاجة في التوحيد. # وفيه الإذن بالنظر في النظر؛ لأنه حاجه لينظر. والله أعلم. # وقوله: (أن آتاه الله الملك). # قال أهل الاعتزال في قوله تعالى: (أن آتاه الله الملك): هو إبراهيم، عليه ~~السلام، لا ذلك الكافر؛ لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)، أخبر أن ~~عهده لا يناله الظالم، والملك عهد. # لكنه غلط عندنا لوجوه: # أحدها: أن إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، ما عرف بالملك. # والثاني: أن الآية ذكرت في محاجة ذلك الكافر إبراهيم، ولو كان غير ملك، ~~وكان إبراهيم، عليه السلام، هو الملك، لم يقدر المحاجة مع إبراهيم، عليه ~~السلام إذ لا # PageV02P244 # محاجة إلا عن ملك؛ دل أنه هو الذي كان الملك. # والثالث: قال: (أنا أحيي وأميت)، ثم قيل: إنه جاء برجلين، فقتل أحدهما، ~~وترك الآخر. فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم، إذا كان ~~إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، هو الذي (آتاه الله الملك)، فدل أن ~~المراد به ذلك الكافر. # ثم (الملك) يكون في الخلق بأحد أمرين: إما الفضل والشرف والعز والسلطان ~~والدين، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة. فإن لم يكن له ~~(الملك) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال؛ لذلك كان ما ذكرنا. والله ~~أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: أعطي (الملك) ليمتحن به، كما يعطى الغنى ~~والصحة ليمتحن بهما. # وقوله تعالى: (إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت). # وكان هذا من إبراهيم - عليه السلام - والله أعلم - عن سؤال سبق منه أن ~~قال له ذلك الكافر: من ربك الذي تدعوني إليه؟ فقال: (ربي الذي يحيي ويميت) ~~وإلا ms0654 لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه. وهو ما ذكر في ~~قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه، (قال فمن ربكما يا موسى (49) ~~قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50)، فعلى ذلك الأول. # وقوله تعالى: (قال أنا أحيي وأميت). # أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، على ما قيل في القصة. # (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت ~~الذي كفر). # قال بعض الجدليين: هذا من إبراهيم، عليه السلام، صرف المحاجة إلى غير ما ~~كان ابتداؤها، ومثله في الظاهر انقطاع وحيد عن الجواب؛ لأن من حاج آخر ~~شيئا، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره، فإذا اشتغل ~~بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول ~~وهو في الظاهر انقطاع؛لأن جوابه أن يقول: أنا أفعل كما فعلت، أو أن يقول ~~له: إن هذا الحي كان حسا، ولكن أحيي هذا الميت. # لكنه، صلوات الله عليه وسلامه، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس؛ لأن ذلك ~~كان منه تمويها وتلبيسا على قومه أخذ به قلوبهم، فأراد إبراهيم، صلوات الله ~~عليه وسلامه، أن # PageV02P245 # يظهر عليه من الحجة ما هو أظهر وأعجز له، وآخذ للقلوب. # والثاني: أراد أن يريه أن هذا مما قدر عليه بغيره، إذ الذي لم يجعل له ~~القدرة عليه لم يقدر عليه، ثم لما ثبت عجزه في أحدهما يظهر عجزه في الآخر. ~~والله أعلم. # وقيل: بأن هذا من إبراهيم انتقال من حجة إلى حجة، ليس بانقطاع. وهو جائز. # وقوله: (فبهت الذي كفر)، قيل: انقطع وتحير. # وقوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الظالمين). # ذكر الظالم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، حيث هذا اللعين المحاج ~~في غير موضعه. # وقوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية (259) # قيل: هو نسق قوله: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم). # وقيل: هو نسق على قوله: (أنا أحيي وأميت)؛ لأنه بذلك أنكر البعث. # ثم اختلف في المار على القرية: ms0655 # قال بعضهم: كافر قال ذلك. # وقال آخرون: لا، ولكن قال ذلك مسلم. # وقال أكثر أهل التأويل: هو عزير. # فإن كان قائل ذلك كافرا فهو على إنكار البعث والإحياء بعد إماتة. وإن كان ~~مسلما فهو على معرفة كيفية الإحياء، ليس على الإنكار، وهو كقول إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام -: (رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي). وليس لنا إلى معرفة قائله حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ~~ما ذكر في الآية. والله أعلم. # وقوله تعالى: (وهي خاوية على عروشها). # قيل: خالية من سكانها. # وقيل: (خاوية)، ساقطة سقوفها على حيطانها، وحيطانها على سقوفها. # PageV02P246 # وقوله تعالى: (قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها). # هو على ما ذكرنا. # وقوله تعالى: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه). # أراد - والله أعلم - أن يرى الآية في نفسه، والآية هي آية البعث، ويحتمل ~~أن تكون آية في المتأخرين. # وقوله تعالى: (قال كم لبثت). # سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده، ليظهر أنه ~~اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعه؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد ~~بما يدرك في ظاهر الحال، وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب. # قال الشيخ - رحمه الله -: أراد الله تعالى بقوله: (كم لبثت)، التنبيه؛ ~~كقوله لموسى: (وما تلك بيمينك يا موسى)، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب ~~إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين: # مرة بإماتة الحمار، إذ من طبعه الدوام، ومرة بإبقاء طعامه، ومن طبعه ~~التغير والفساد عن سريع. جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه ~~الفساد، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء؛ ليعلم ما نازعته نفسه في ~~كيفية الإحياء درك ذلك؛ وهو قوله: (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير). # ثم قيل في وجهة ما أراه بأوجه. # قيل: إنه أحيا عينيه وقلبه، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه. # وقيل: أحيا نفسه، فأراه ذلك في حماره. # وقيل: إنه أراه ذلك في ولده؛ لأنه أتى شابا، وولده وولد ولده ms0656 شيوخ. وذلك ~~آية. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (ثم بعثه قال كم لبثت. . .) ~~الآية: فإن قال قائل: كيف سأله عن لبثه، وقد علم أنه لم يكن علم به؟ وأيد ~~ذلك إخباره بقوله (لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام). # قيل: القول (كم لبثت)، يحتمل وجهين؛ وكذلك القول بقوله: (بل لبثت مائة # PageV02P247 # عام). # أحدهما: على قول ألقي إليه ونطق أسمع هو. # والثاني: أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه، فتأمل في ذلك ~~أحوال نومه، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه ~~وقت نومه، فقال بالذي ذكرتم لما تأمل شأن الحمار، واستخبر عن الأحوال، قالت ~~له نفسه: (بل لبثت مائة عام)، ثم أمعن نظره في حماره، وما رأى من تغير ~~أحواله، وأبقاه الله تعالى على ما ذكر. وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه، هي ~~بعثه، على التفكر في أحواله، والنظر فيما عاين من أمر الحمار، أو كان علم ~~أن ذلك موت فيه، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عاينها على ما كانت ~~عليها. فلما تأمل شأن حماره وعلم أنه رفع إلى آيات عجيبة، فزع إلى الله ~~تعالى، فأنباه الله تعالى بالذي وصف في القرآن. والله أعلم. # ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسئول وجهين: # أحدهما: الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف ~~الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به، كفعل ~~الملائكة عند قوله تعالى: (أنبئوني بأسماء هؤلاء)، بقولهم: (لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا)، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال: (لبثت يوما أو بعض يوم)، ~~ومثله أمر أصحاب الكهف. والله أعلم. # والثاني: أن يراد بالسؤال التقرير عنده؛ ليكون متيقطا لما يراد به من ~~الاطلاع على الآية، كما قال لموسى: (وما تلك بيمينك يا موسى. . .) الآية. ~~وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجا في الحقيقة مخرج المحنة، نحو ما ~~ذكرنا في أمر الملائكة، وأمر موسى، عليه ms0657 السلام، فأما السؤال الذي هو في حق ~~السؤال إنما هو في حق الاستخبار، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال. لكن ~~الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان. ولا قوة إلا بالله. # وقوله تعالى: (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه). # قيل: لم يأت عليه السنون، أي: كأنه لم يأت عليه السنون. # وقيل: (لم يتسنه)، لم يتغير ولم ينتن. # PageV02P248 # والأول أشبه؛ لأنه يقال من التغير والتنتن: لم يتسنن. # وقوله تعالى: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها ثم نكسوها لحما). # وهو من الأحياء. # و (ننشزها) بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب. # وفيه لغة أخرى: " ننشرها " بالراء، وهو من الإحياء. و " ننشرها " من ~~النشر. # وقوله تعالى: (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير). # (أعلم)، بالنصب والخفض: # فمن قرأه بالنصب، صرف قوله: (أنى يحيي هذه الله)، إلى المسلم. # ومن قرأ (اعلم) بالخفض صرف إلى الكافر، يقول الله له: اعلم أن الله على ~~كل شيء قدير. ويحتمل أيضا صرفه إلى المسلم: " واعلم "، على الإخبار، كأنه ~~قال: اعلم ما كنت تعلمه غيبا مشاهدة. # وفي هذه الآيات إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك أن هذه ~~القصص كانت ظاهرة بينهم، ولم يكن له اختلاف إليهم، ولا النظر في كتبهم، ثم ~~أخبر على ما كان؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك بالله عز وجل ثناؤه. # وقوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # قال بعضهم: كان إبراهيم، عليه السلام، موقنا بأن الله يحيي الموتى، ولكن ~~أحب أن يعاين ذلك؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان، على ما قيل: " ~~ليس الخبر كالمعاينة ". # وقيل: يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء، ~~وقد تنازع النفس وتحدث بما لاحاجة لها إليه من حيث ms0658 نفسه؛ ليقع له فضل علم ~~ومعرفة. # وقيل: (ليطمئن قلبي)، أي: ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك، ~~وأعطيتني الذي سألتك. # وقيل: (أولم تؤمن)، أي: أو لم توقن بالخلة التي خاللتك؟ قال: بلى. # PageV02P249 # سأل ربه على الخلة. # وقيل: (أولم تؤمن)، قال: (بلى)، (ولكن ليطمئن قلبي)، بأنك أريتني الذي ~~أردت. # ويحتمل: أن يكون إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد بسؤاله ذلك أن تكون ~~له آية حسية؛ لأن آيات إبراهيم كلها كانت عقلية، وآيات سائر الأنبياء كانت ~~عقلية وحسية، فأحب إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن تكون له آية حسية، ~~على ما لهم، كسؤال زكريا ربه حيث قال: (رب اجعل لي آية قال آياتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) جعل له آية حسية؛ فعلى ذلك سؤال إبراهيم، عليه ~~السلام. # وقوله تعالى: (فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك). # معناه: وجههن إليك، كقول الرجل: " صر وجهك إلي "، أي: حول وجهك إلي. # وروي في حرف ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: " فصرهن إليك "، بالكسر، ~~بمعنى قطعهن، قيل: هو التقطيع. # وقيل: (فصرهن إليك)، اضممهن. # * * * # قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من ~~صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # وقوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل الله بالحبة التي ذكر وجهان: # أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة ~~فصارت سبعمائة وأكثر. # والثاني: قال: (ويربي الصدقات)، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي ~~الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟ فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض ~~بعد ما ms0659 تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة. فعلى ذلك الصدقة في طاعة الله ~~والنفقة فيما يربى وإن كانت تالفة. # PageV02P250 # وقيل: إنها منسوخة بالفرائض. لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، ~~والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد ~~فهو حالة. والله أعلم. # وقوله تعالى: (والله واسع عليم). # قيل: (واسع)، غني. # وقيل: (واسع)، جواد، يوسع على من يشاء. # وقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى (262) # قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا. والله أعلم. # لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله ~~وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق الله تعالى، وينصروا دينه ~~وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمى الطاعات كلها ~~والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل الله وطاعته، كقوله: (الذين آمنوا يقاتلون ~~في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان ~~إن كيد الشيطان كان ضعيفا). # وقوله: (ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى). اختلف فيه: # قيل: (منا)، على الله، و (أذى)، للفقير. # وقيل: (منا)، على الفقير، و (أذى)، له. # ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك. ~~وأما منه # على الله تعالى؛ كقوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17). # وقوله تعالى: (لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) # وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم ~~(263) # قيل: (قول معروف)، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب. # وقيل: (قول معروف)، يستغفر الله ذنوبه في السر و (ومغفرة) له، يغفر له، ~~ويتجاوز عن مظلمته. # وقيل: (قول معروف)، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند الله من صدقة فيها أذى ~~ومن. # PageV02P251 # فإن قيل: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير ~~من كذا. .)، وأحدهما خير ms0660 والآخر شر، وإنما يفعل هذا إذا كانا جميعا خيرين، ~~فيقال: " أيهما أخير "؟ # قيل: معناه - والله أعلم - هذا خير لكم من ذلك، وهو كقوله: (قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة)، أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة، ~~في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند الله، فعلى ذلك الأول. # ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا ~~أتبعها الأذى أبطلها، فيكون (قول معروف)، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة ~~في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، ~~والصدقة لا، وإن كان ينتفع بها الفقير. والله أعلم. # وقال بعضهم: (المن) و (الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك الله فيه ~~لك. # وقوله تعالى: (والله غني)، عن صدقاتكم، (حليم)، لا يعجل بالعقوبة عليكم ~~بالمن والأذى. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي ~~القوم الكافرين (264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا ~~من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل ~~فطل والله بما تعملون بصير (265) أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ~~تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء ~~فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ~~(266) # وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) # المن والأذى: ما ذكرنا. # PageV02P252 # ثم جهة البطلان - والله أعلم - أن الله عز وجل وعد لمن تصدق الثواب ~~عليها، بقوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة)، ~~وقال: (وأقرضوا ms0661 الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا) وقال في آية أخرى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة. . .) الآية. وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له ~~أعطاهم الثواب على ذلك، فأخبر أن من أعطى آخر شيئا ببدل لا يمن عليه، ~~كالمبادلات التي تجري بين الناس، ألا يكون لبعض على بعض جهة المن، إذا أخذ ~~بدل ما أعطاه، وأن يقال: إن الأموال كلها لله تعالى، فإنما أعطى ماله، وكل ~~من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمدا ولا منا. # ثم اختلف في قوله تعالى: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس): # قال بعضهم: هم المنافقون، كانوا ينفقون أموالهم رياء. دليله قوله تعالى: ~~(ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)، شبه الصدقة التي فيها (من) و (أذى) بالصدقة ~~التي فيها رياء. # وذلك - والله أعلم - أن الصدقة التي فيها (من) و (أذى) لم يبتغ بها وجه ~~الله، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغى بها وجه الله تعالى أوقال ~~آخرون: كل صدقة فيها رياء فذلك، كافرا كان منفقها أو مسلما؛ لأنها لم يبتغ ~~فيها وجه الله تعالى، والدار الآخرة. # ثم ضرب المثل للصدقة المبتغى بها الرياء، والصدقة التي فيها المن والأذى ~~بالصفوان الذي عليه التراب: وهو الحجر الأملس، فقال: # (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ~~مما كسبوا). # قيل: (الوابل) هو المطر الشديد عظيم القدر. # وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس؛ وذلك أن الصفوان ~~الذي به ضرب المثل، والتراب محسوس، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب. # ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس، بل هو غائب، فعرف الغائب ~~بالمحسوس. # فقال: لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا ~~يبقى له أثر، # PageV02P253 # فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يظفر بها بالمن ~~والأذى والرياء، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان، فصار صلدا، لا ~~شيء عليه من التراب. # وقوله تعالى: ms0662 (والله لا يهدي القوم الكافرين). # قالت المعتزلة: لا يهدي القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا. # وقلنا نحن: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان. # وفي قوله: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)، وجه آخر، هو أن ~~يحتمل قوله: (معروف)، هذه التسبيحات والثناء والحمد، (ومغفرة)، ستر ما ~~ارتكب من المأثم. وقوله: (خير)، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى. ~~والله أعلم. # وقوله: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم ~~كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله ~~بما تعملون بصير (265) # في الأمثال التي ضربها الله تعالى وذكرها في القرآن وجوه: # أحدها: جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى ~~واحد. # والثاني: أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق، وهي الأصول التي ~~بها يستدل ويوصل إلى صرفة الغائب. # والثالث: فيها إثبات رسالة محمد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وذلك ~~أن العرب كانت لا تضرب الأمثال، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما ~~غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك. ثم بعث الله تعالى محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأنزل عليه القرآن، وذكر فيه الأمثال؛ ليذكرهم تلك ~~الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها بالله عز وجل، لا أنه أنشأ هذا القرآن من ~~تلقاء نفسه. وذلك من آيات نبوته ورسالته. وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء ~~الشعر من آيات نبوته ورسالته؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة، ~~ويفضلون أربابها على غيرهم؛ لئلا يعرف هو بها، ويقولون: إنه أخذ من الكتب، ~~أو اختلق من نفسه، كقوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه # PageV02P254 # بيمينك إذا لارتاب المبطلون). # والرابع: فيها دلالة أن الله - جل وعلا - خالق الدنيا وما فيها من ~~المحاسن والخبائث، والأعالي والخسائس، حيث ضرب مثل الرفيع بالرفيع والخسيس ~~بالخسيس؛ فدل أن خالق هذه الأشياء كلها هو الله تعالى، لا شريك له ولا ~~شبيه. # ثم شبه الصدقة التي هي لله - عز وجل - مرة ms0663 بالربوة من الأرض: وهي ~~المرتفعة منها، ومرة بالحبة التي تنبت كذا كذا سنبلة، وفي كل سنبلة كذا كذا ~~حبة، ومرة بالأضعاف المضاعفة؛ كقوله: (فيضاعفه له أضعافا كثيرة). فهو - ~~والله أعلم - لما علم عز وجل رغبة الناس مرة في العدد في الدنيا، ومرة في ~~البساتين المرتفعة أرضها وتربتها ليشرفوا على غيرهم من الخلائق والبقاع، ~~ومرة في الكثير من الأشياء والعظيم منها رغبهم عز وجل في الصدقة بما ذكرنا ~~من الأشياء لعلمه برغبتهم فيها، ليرغبوا في ذلك. والله أعلم. # وعلى ذلك حرم الله تعالى الصدقات على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لأنه كان يرغب الناس في الصدقة؛ لئلا يظنوا فيه ظن السوء ويقولون: إنه إنما ~~يرغبهم فيها لينتفع هو بها. # وقوله تعالى: (وتثبيتا من أنفسهم) واختلف فيه: # قيل: (وتثبيتا): تصديقا، كقوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى (5) وصدق ~~بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7). # وقيل: (وتثبيتا)، أي: تيقينا بالإسلام. # وقيل: يثبتون في مواضع الصدقة. # وقيل (وتثبيتا) في الصدقة، إذا كانت لله أمضى وتصدق بها، وإن خالطه شيء ~~أمسك. والله أعلم. # وقوله تعالى: (كمثل جنة بربوة). # قيل: الربوة: المرتفع من الأرض. # وقيل: الربوة: الظاهر المستوي من المكان. # PageV02P255 # وقوله تعالى: (أصابها وابل). # والوابل: قد ذكرنا أنه المطر الشديد العظيم القطر. # وقوله تعالى: (فآتت أكلها ضعفين)، يعني الحبة أضعفت في ثمرها في الحمل ~~ضعفين حين أصابها وابل. كذلك الذي ينفق ماله لله في غير منة يمن بها يضاعف ~~نفقتها، كثرت النفقة أو قلت. # وقيل: يضاعف الله للمنفق الأجر مرتين. # وقوله تعالى: (فإن لم يصبها وابل فطل). # والطل، هو المطر الضعيف. # وقيل: هو الطش من المطر. # وقيل: هو الرذاذ من المطر مثل الندى، لا تزال الحبة خضراء دائما ثمرها، ~~قل أو كثر. # وقوله: (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ~~له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار ~~فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # ليس لهذا الخطاب جواب؛ لأن جوابه أن يقول: يود، أو لا ms0664 يود. لكن الخطاب من ~~الله تعالى يخرج على وجوه ثلاثة: # خطاب يفهم مراده وقت قرعه السمع. # وخطاب لا يفهم مراده إلا بعد النظر فيه والتفكر والتدبر، وهو كقوله: ~~(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، ~~وكقوله عز وجل: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون)، و (يعقلون). # وخطاب لا يفهم مراده إلا بالسؤال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~أو من له علم في ذلك؛ كقوله تعالى: (فاسأل به خبيرا)، وكقوله تعالى: ~~(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). # فإذا كان ما ذكرنا، فيحتمل أن ما ترك من الجواب للخطاب إنما ترك للطلب ~~والبحث # PageV02P256 # عنه والتفحص. # ثم إن هذا الخطاب يحتمل أن يكون في أهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يرى من ~~نفسه الموافقة لأهل الإسلام في الظاهر، وهو مخالف لهم في السر، وعنده أنه ~~يستحق الثواب بذلك وقت الثواب، كان كصاحب الضيعة التي ذكرت في الآية: أن ~~صاحبها يغرس فيها الغرس، وينبت فيها النبات في حال شبابه وقوته؛ رجاء أن ~~يصل إلى الانتفاع بها في وقت الحاجة والضعف، فإذا بلغ ذلك واحتاج - حيل ~~بينه وبين الانتفاع فيها. فكذلك المنافق الذي كان دينه لمنافع في الدنيا ~~وسعة لها، إذا بلغ إلى وقت الحاجة حرم ذلك. وكذلك هذا في الكافر؛ لأنه رأى ~~لنفسه النفع بعمله لوقت تأمله كصاحب الضيعة، ثم عند بلوغه الحاجة حرم عنه ~~ذلك لاعتراض ما اعترض من الآفة، وهو كقوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا)؛ لأن الكافر بما ~~يدين من الدين إنما يدين لنفع يتأمله في الدنيا، والمؤمن إنما يدين بما ~~يدين لنفع يتأمله ويطمع في الآخرة. فرجاء الكافر في غير موضعه؛ لذلك كان ما ~~ذكر. والله أعلم. # ثم الأمثال التي ضربت ينتفع بها المؤمنون؛ لأن نظرهم ما في الأمثال من ~~المعنى المدرج والمودع فيها، لم ينظروا إلى أعينها. وأما الكفار إنما ~~ينظرون إلى أعين الأمثال، لا إلى ما فيها، فاستحقروها واستبعدت عقولهم ms0665 ذلك؛ ~~لذلك قال الله - عز وجل -: (لآيات لقوم يتفكرون)، و (يعقلون). # ووجه ضرب هذا المثل: هو أن الكافر يحرم أجره عند أفقر وأحوج ما كان إليه، ~~كما حرم هذا نفع بستانه عند أفقر وأحوج ما كان إليه حين كبرت سنه وضعفت ~~قوته، ولا حيلة له يومئذ. # وقوله تعالى: (إعصار). # قال ابن عباس: الإعصار: ريح فيها سموم. # وقيل: الإعصار: ريح فيها نار تحرق الأشجار. # وقيل: هي الريح تسطع إلى السماء، وهي أشد. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (أيود أحدكم أن تكون له جنة. . ~~.) # PageV02P257 # الآية: فمعناه - والله أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال ~~منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش، ثم يحرم ~~نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية، فكذلك لا ترضوا من ~~أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار ~~إلى ثوابها. والله أعلم. # وأن يكون المعنى من ذلك أي: لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا، وبما ~~تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين، كاغترار من ذكرت بجنسه ~~في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه الله من عاقبته أنه يود عنه ~~نهاية ذلك، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع ~~عنه ذلك بتلك الحال؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق. # ويحتمل: أن يكون ذلك مثلا لمن كفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ممن يؤمن ~~بالبعث، أن الذي ينال بالكفر به من الرياسة والعز، كالذي ذكر من صاحب الجنة ~~أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة؛ فكذا ما ينبغي لهم إذ بين ~~لهم عواقب الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أن يؤثروا الذي نالوا بعد ~~علمهم بشدة تلك العاقبة. والله أعلم. # والمثل خرج على غير ذكر الجواب فيه؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث ~~مبينا أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف، أو بما أراد الله ~~امتحان ms0666 السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله، وليكرم به أهل ~~التدبر في آياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد ~~على إشارتهم. والله أعلم. # وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل ~~مقصود في الابتداء، فبين لمن أغفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما ~~انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد ~~عاقبته. فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها ~~صاحبها. والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد (267) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب (269) وما ~~أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من # PageV02P258 # أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو ~~خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم ~~من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد (267) # فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: (ما كسبتم)؛ لأن أموال ~~التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله تعالى بيان وجوب الزكاة في أموال ~~التجارة في غير هذا الموضوع، وليس فيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - القول به؛ فيحتمل ~~أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية. وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي ~~فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم ~~يكتسب. وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها ms0667 بالاكتساب. وفيه دليل أن ~~النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: (إلا أن تغمضوا فيه)، ذكر ~~الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي ~~لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه ~~على اللزوم. # وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضراوات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، ~~والرطاب هي التي تخرج من الأرض. وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج ~~من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضراوات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر ~~الآية. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من ~~الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض. وأما أبو يوسف ~~ومحمد - رحمهما الله تعالى - فإنهما قالا: يحتمل قوله: (أخرجنا لكم من ~~الأرض)، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله تعالى: (يا بني آدم ~~قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا)، ولا ينزل من السماء اللباس كما ~~هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: (خلقكم من تراب)، ~~وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم - عليه ~~السلام - فعلى ذلك الأول. والله أعلم. # والوجه فيه: أنه من الله تعالى علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما ~~أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد ~~فيها. وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على ~~الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقا للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء ~~جميعا. ومن ثم جاز وجوب العشر على # PageV02P259 # الفقير؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون (64). وقوله: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها)، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وأما ما بعد النبات ~~فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا. والله أعلم. # وفي قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا ms0668 أن ~~تغمضوا فيه)، دلالة على ألايتصدق بالرديء عن الجيد. فإذا تصدق به يلزمه فضل ~~ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد - رحمه الله تعالى - بظاهر قوله: ~~(ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه). وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله ~~تعالى عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله - تعالى - أطمع الناس ~~قبول ذلك إذا تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمه ولطفه؛ ولأنه ليس ~~لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة. # وقوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا والله واسع عليم (268) # قوله: (يعدكم الفقر) في الدنيا بالتصدق والإنفاق، (ويأمركم بالفحشاء) ~~بترك الصدقة. # ويحتمل: (يعدكم الفقر)، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، (ويأمركم ~~بالفحشاء) بسوء الظن بربه. # (والله يعدكم مغفرة منه) بالصدقة، و (وفضلا) ذكرا في الدنيا. # ويحتمل قوله: (والله يعدكم مغفرة منه) في الآخرة، و (وفضلا) في الدنيا، ~~يعني خلفا. # وقيل: (مغفرة) لفحشائكم، و (وفضلا) لفقركم. # وقوله: (والله واسع عليم)، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتم، (عليم) جزاء ~~صدقاتكم. # ويحتمل: (عليم) ما تنفقون من الصدقة والحسنة. # وفي قوله: (والله واسع عليم)، و (الله غني حميد)، ونحوه دلالة أن الله - ~~تعالى - إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة ~~وفقرا. # PageV02P260 # وقوله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~وما يذكر إلا أولو الألباب (269) # قيل: (الحكمة) في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره. وهو قول ابن عباس - ~~رضي الله تعالى عنه - وكذا روي مرفوعا. # وقيل: (الحكمة) الفهم في القرآن. # وقيل: الفقه. # وقيل: (الحكمة) النبوة. # وقيل: (الحكمة) هي الإصابة. وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في ~~اجتهاده. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله: (يؤتي الحكمة من يشاء): اختلف في ~~تأويل (الحكمة) في هذا: # قال قوم: (الحكمة) هي القرآن، وهو على ما وصفه (نورا) و (وهدى)، و ~~(روحا)، و (وشفآء) هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل ms0669 شيء ~~ويتقى كل تلف، وبالروح يحيى كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل ~~آفة. والذي هذا وصفه فهو الخير. وبالله التوفيق. # وقال قوم: (الحكمة) هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقى كل شر، وينال كل ~~خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة. # وقال بعضهم: (الحكمة)، هي السنة، كأنه أكرم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالذي من سلكه نجا، # PageV02P261 # ومن حاد عنه غوى. # وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى ~~مستحقه، ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في ~~وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه. # وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها. وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، ~~وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور. والله أعلم. # وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك ~~الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر. وذلك عمل الحكماء ~~ورعاة الدين. ولا قوة إلا بالله. # وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على ~~نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، ~~والفرع بالأصل. ولا قوة إلا بالله. # وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، ~~والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير. وبالله المعونة. # وفي الآية دلالة أن الله تعالى لا يؤتي كلا الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت ~~فعلا للحكيم فإعطاء الله تعالى نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحدا ثم لا ~~ينالها المعطى. وهذه الوجوه كلها تخالف رأى المعتزلة. # وقوله تعالى: (فقد أوتي خيرا كثيرا)، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع ~~الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات. # وقوله تعالى: (وما يذكر إلا أولو الألباب) يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو ~~الفهم والعقل. # وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: (يؤتي الحكمة من يشاء)، ثم قال: ~~(ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)، ولا كل أحد يؤتى الحكمة، إنما ms0670 يؤتى ~~بعضا دون بعض. فلو كان على الله تعالى أن يعطى الأصلح في الدين لكان قد آتى ~~الكل، وبطل التفضل. ومن قال: يؤتى غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب. # وقوله: (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين ~~من # PageV02P262 # أنصار (270) # يحتمل: نفقة المحارم. # ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق. # ويحتمل: المفروض من الصدقات. # ويحتمل غيرها. # ثم روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله تعالى: (أو نذرتم من نذر) قال: " من نذر نذرا لم يسمه ~~فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر ~~نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليوف به ". # فيه تنبيه وتذكير أن الله تعالى يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ~~ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به. # وقوله تعالى: (فإن الله يعلمه). # قيل: يقبله. # وقيل: يأمر بوفائه. # ويحتمل قوله: (يعلمه) أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك. # ويحتمل: (يعلمه): ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في ~~أداء الفرائض. # وقوله تعالى: (وما للظالمين من أنصار). # في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب. # وقيل. ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم ~~إلا وله في الدنيا ظهير. # وقوله: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # قال بعضهم: هي الفريضة. # وقال آخرون: هي التطوع. وهو أوجه. # PageV02P263 # وقال غيرهم: (إن تبدوا الصدقات)، هي الفريضة، (وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء) هي التطوع. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في ~~الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيرا من الفريضة. ومن ~~حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا ~~الناس عليها. ومنهم من يستحب الإخفاء أيضا، ويقولون: في الإبداء شيئان: ~~الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: # أحد ها: الصدقة. # والآخر: ترك ms0671 المراءاة وسلامتها. # والثالث: الكف عن المن والأذى. # ومنهم من حمل قوله: (إن تبدوا الصدقات) على الفريضة، و (وإن تخفوها) على ~~التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء ~~فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، ~~والإخفاء له أسلم. والله أعلم. # وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - في قوله: (إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم. . .) الآية، جعل الله - تعالى ~~- صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة ~~علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في ~~الأشياء كلها. # وفي بعض الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " صدقة السر ~~تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر ~~". # وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل ~~العمل سرا فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر ~~إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل ~~العلانية في الرياء. # PageV02P264 # وقوله تعالى: (ويكفر عنكم من سيئاتكم): # فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها ما لا يكفر. # وقيل: إن " من " هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، ~~كقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات). # وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ~~ولا التعذيب على الصغائر. فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا ~~يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت ~~بالصدقة؛ لأنهم يخلدون صاحب الكبائر في النار، والله تعالى أطمع له تكفير ~~السيئات كلها بالصدقة. والله الموفق. # وقوله تعالى: (والله بما تعملون خبير): # فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة. # ويحتمل: (تعملون)، من جزائكم للصدقة. # * * * # قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون ms0672 إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (274). # قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون (272) # أخبر أنه ليس عليه هداهم، وعليه البيان والتبليغ؛ فدل أن هناك فضل هدى، ~~لا يملك هو ذلك، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له. # وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى: البيان؛ إذ لو كان كل الهدى ~~بيانا لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك ذلك، إذ عليه البيان، ~~فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق. # ويحتمل قوله: (ليس عليك هداهم) أي: حساب ترك اهتدائهم، كقوله: (ما عليك ~~من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء)، و (فإنما عليك البلاغ). # PageV02P265 # وقوله تعالى: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم): # (من خير)، أي: مال، (فلأنفسكم)، يعني: فلأنفسكم الثواب. # وقيل قوله: (فلأنفسكم)، يعني: منفعته لكم. # وفي قوله: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) دلالة على أنهم كانوا يتحرجون ~~بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتيدوا من ~~الدين؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل ~~الدين؛ فبين جل وعلا: أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم، وتكفير ما ارتكبتم. # ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار، ودليل جواز دفع الكفارات ~~إليهم بقوله: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم)؛ فهو دليل لأصحابنا؛ لأنه جعل ~~هذه الصدقة مكفرة. # وقوله تعالى: (يوف إليكم)، يعني: يوفر عليكم ثواب صدقاتكم، وإن كان ~~التصدق على الكفرة. # وقوله تعالى: (وأنتم لا تظلمون)، ms0673 في حرمان الثواب والجزاء. # وقوله تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس ~~إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم (273) # قيل: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) وقيل: (في سبيل الله) أي: من ~~سبيل الله، يعني: حبسوا بالفقر عن الجهاد، وهو كقوله: (ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج). والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض. # ويحتمل قوله تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله)، أي: حبسوا ~~أنفسهم في طاعة الله، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون. # وقوله تعالى: (لا يستطيعون ضربا في الأرض): للتجارة. # وقوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا)، يحتمل وجهين: # يحتمل: لا يظهرون السؤال، أي: لا يسألون؛ كقوله تعالى: (ولا تنفعها ~~شفاعة) أي: لا يشفع لهم. # ويحتمل: فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا، دليله قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " من فتح على نفسه بابا من المسألة، فتح الله عليه سبعين ~~بابا من الفقر ". ثم ذكر في الخبر: " من # PageV02P266 # استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله ". وإن كان على التعريض، ففيه ~~إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء. # وقوله تعالى: (تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا): # قيل: (بسيماهم)، يعني: سيما التخشع. # وقيل: (بسيماهم): بسيما الفقر عليهم، و (لا يسألون الناس إلحافا) يعني: ~~إلحاحا. # وقيل: (تعرفهم بسيماهم)، أي: بتجملهم، (لا يسألون الناس إلحافا)، أي: ~~إلحاحا، ولا غير إلحاح. # وقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلا ونهارا، سرا ~~وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار. # وعن علي وأبي أمامة الباهلي - رضي الله تعالى عنهما -: هي النفقة على ~~الخيل في سبيل الله. # وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة ~~عليها. # وقيل: نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن ms0674 عوف في جيش العسرة. # PageV02P267 # وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه لم يكن يملك ~~من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، ~~وبدرهم علانية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما الذي حملك على ~~هذا؟! قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية. # وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري. # فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلى معرفة المنزل في شأنه حاجة سوى أنه ~~وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلا ونهارا سرا وعلانية، لا رياء ~~فيها، ولا من، ولا أذى. # وفيه نفى الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم ~~يراء. # وقوله تعالى: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)؛ لأن نعيم الدنيا مشوب ~~بالحزن والخوف، فأخبر عز وجل أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك ~~كان ما ذكر. والله تعالى أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم ~~رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة # PageV02P268 # فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280) واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) # وقوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما ms0675 البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) # قال بعضهم: قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا)، ليس على حقيقة الأكل، ~~ولكنه كان على الأخذ، كقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه). فإذا كان ~~هذا على الأخذ فقوله تعالى: (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس) هو على التمثيل، ليس على التحقيق. # وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا ~~لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق. # وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم الله عز وجل في الحكم في ~~تحريمهم الربا بقولهم: (قالوا إنما البيع مثل الربا). # ثم قوله: (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا)، فيه دليل جواز القياس ~~في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: (إنما البيع مثل ~~الربا) معنى. لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة. # ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال. # فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على ~~غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا ~~القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به. # وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم الله السكر ~~في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه ~~فهو محرم التناول منه. # وقوله تعالى: (إنما البيع مثل الربا). # يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع ~~عشرة بأحد عشر؟ # PageV02P269 # وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب ~~للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك. فيفضلان على ذلك ويعملان به. فإذا ~~قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل ~~البيع. فأكذبهم الله تعالى في ذلك ms0676 وقال: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، أي: ~~ليس هكذا: البيع كالربا. # ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيج لا ما هو ربا. # ثم قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا): # فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس ~~فيه ربا. # لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطا منه ~~وجزءا من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم ~~من الذي فيه العقد، وهو ربا. # وفيه وجه أخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: (وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم)، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى. ثم معرفة الربا من غير الربا ~~ما ليس بإرادة بدل. # ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهرا عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما ~~بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه ~~-: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة. وعلى ذلك ~~خرج الخطاب منه - عز وجل - بقوله: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة). # وقوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى): # قيل: (موعظة من ربه)، بيان تحريم الربا. # وقيل: (فمن جاءه) نهي في القرآن (من ربه) وفي تحريم الربا، (فانتهى) عن ~~الربا. # ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه. # وقوله تعالى: (فله ما سلف)، قيل فيه بوجهين: # قيل: (ما سلف) له في الجاهلية صار مغفورا له، وهو كقوله تعالى: (قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # ويحتمل قوله تعالى: (ما قد سلف) هو، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن ~~صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبدا، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل ~~الله كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). # وقوله تعالى: (وأمره إلى الله)، في حادث الوقت أن يعصمه. # PageV02P270 # وقوله تعالى: (ومن ms0677 عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). # إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود. # لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، ~~يدل عليه قوله تعالى: (والله لا يحب كل كفار أثيم) فأثبت له الكفر بالذي ~~كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه. # وقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ~~(276) # قيل: (يمحق الله): يهلك. # وقيل: (يمحق): يبطل. # ولكن أصل " المحق " هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال ~~والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقا عليهم، وكذلك يمتنعون من ~~التصدق على الناس. فأخبر الله تعالى: أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ~~ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس. وأخبر أن الصدقات التي ~~لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربى ويخلف أولادهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ~~ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها. وهو ما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن ~~صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة ". # وقوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) الآية ظاهرة. # وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين (278) # قيل فيه بوجهين: # قيل: (وذروا ما بقي) من عمركم (الربا) إذا صرتم مؤمنين. # وقيل: (وذروا ما بقي من الربا)، الذي تقبضون (إن كنتم مؤمنين). # وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض ~~أفسدته. # لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب ~~فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا. والذي ~~يدل عليه قوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم)، فأوجب الفسخ فيه حتى ~~أوجب رد # PageV02P271 # رأس المال. # وفي الآية دليل وجه آخر: ms0678 وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع ~~به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض ~~كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن. # وقوله تعالى: (وذروا ما بقي من الربا)، وقوله: (وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم) فيه دلالة: أن ما جرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات ~~والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهزا لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي ~~قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده. # فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده. وأما رأس المال ~~فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دينا أو قرضا وجب رده. ~~ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله تعالى - على ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم ~~رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) # عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قال: فمن كان مقيما على الربا مستحلا ~~له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ~~ضرب عنقه. # وقوله تعالى: (فأذنوا)، فيه لغتان: بالقطع، والوصل. # فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر بالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له ~~بالاستحلال. # ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا. # وقوله تعالى: (لا تظلمون ولا تظلمون): # عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - قوله: (وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ~~لا تظلمون ولا تظلمون)، أي: (لا تظلمون) فتربون، (ولا تظلمون): فتنقصون. # وقتادة - رضي الله تعالى عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال. # وقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (280) # عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: (إلى ميسرة) قال: هو المطلوب، وهو ~~في الربا. # وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة ~~إلى ميسرة # PageV02P272 # من عليه المال. فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، أو ~~كان له ms0679 حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى. ~~ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان ~~شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة ~~بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبي. دليله قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " الصاحب الحق اليد واللسان ". أما اللسان فيتقاضاه، ~~وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه. ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد ~~إلى أن يمضي ذلك الوقت، فإذا مضى ذلك الوقت، ثبت له حق اللسان واليد. والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: (وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون)، يعني برءوس الأموال ~~إذا ظهر إعساره. وعن الضحاك - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في قوله: (وأن ~~تصدقوا خير لكم)، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن. وإنما الصدقة على ~~المعسر، فأما على الموسر فلا. # وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخير له إذا ظهر ~~إعساره وفقره. والله أعلم. # وقوله تعالى: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون (281) # قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه. # فإن كان ما ذكروا فهو - والله أعلم - أنه عز وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ ~~لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ~~ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات. فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به ~~هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء. والله ~~أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده تعالى في ~~جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق. # PageV02P273 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ms0680 ~~وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) ~~وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283). # وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان ~~الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # فيه دليل جواز السلم من قوله: (إذا تداينتم بدين)؛ لأن المداينة هي فعل ~~اثنين، وهو السلم نفسه؛ لأنه دين من الجانبين جميعا، وعلى ذلك روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - أنه ms0681 قال: شهدوا أن المسلم المضمون مما أجازه الله - ~~تعالى - في كتاب الكريم، ثم تلا هذه الآية. # فأما الخبر الذي جاء به نهى عن الدين: فإن ذلك على فوت القبض فيه، دليله: ~~جواز ما كان دينا بدين إذا قبض أحد الجانبين. # وقال آخرون: قوله: (إذا تداينتم بدين)، هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو ~~يسمى # PageV02P274 # التداين، كما يسمى البائع والمشتري: المتبايعين؛ لأن كل واحد منهما بائع ~~في وجه، ومشتر في وجه. فعلى ذلك المداينة والتداين. والله أعلم. # وقوله تعالى: (إلى أجل مسمى): # فالعرف في الإسلاف عند الناس: ألا يخلى عن الأجل، فصار الأجل بالعرف شرطا ~~في جواز السلم وإن لم يؤجل؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حالة الإسلاف؛ ~~لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف فهو إنما يسلف ليؤديه في وقت ثان؛ ~~لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه فيصل إلى حاجته، ~~ولا يتحمل المؤنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل، يفسد لترك بيان الأجل. ~~والله أعلم. وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " ~~من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ". # ثم أمر عز وجل بالكتابة في التداين بقوله: (فاكتبوه)، وذلك - والله أعلم ~~- لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال والآخر لم يصل؛ فلعل ذلك يحمله على ~~إنكار الحق والجحود؛ فأمر عز وجل بالكتابة؛ احترازا عن الإنكار وجحود الحق ~~له؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه يرتدع عن الإنكار والجحود؛ فهو كما ~~ذكرنا في قوله: (ولكم في القصاص حياة)؛ لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل ~~غيره؛ فكذلك إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع من الإنكار والجحود؛ لما يخاف ~~ظهور كذبه وفضيحته على الناس، والله أعلم. # ولا كذلك بيع العين بالعين؛ لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما ~~يصلي به الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى؛ لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع ~~الأعيان، وأمر في المداينات. والله أعلم. # PageV02P275 # ويحتمل الأمر بالكتابة في ms0682 التداين وجها آخر: وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ~~ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضا؛ فأمر الله تعالى بالكتابة؛ لئلا يبطل حق ~~الآخر بترك الكتابة. ولا كذلك بيع العين؛ لذلك افترقا. والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب ~~التخالف، وفيه الفساد؛ فأمر بالكتابة لدفع ذلك، وللوفاء بالحق، ودفع ~~الخصومات. والله أعلم. # ولا يحتمل أن يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه ~~كذلك ألا يقبضه مع ما ليست في عقد أو فسخ فيكلم فيه بوجوب واختيار، إنما هي ~~للحق، فله فعل ذلك. والله أعلم. # ثم اختلف في الكتابة: # قال بعضهم: هي واجبة لازمة. واستدلوا على وجوبها بقوله تعالى: (إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها، أخبر برفع ~~الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة غير واجبة لم يكن لرفع ~~الجناح فيها معنى؛ فدل أنها لازمة في المداينة حيث رفع الجناح في الحاضرة ~~منها. # وأما عندنا: فهي ليست بواجبة؛ لأنه قال عز وجل: (وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا # كاتبا فرهان مقبوضة)، ثم أمر، قال: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته)، ذكر الرهن بدلا عن الكتابة، ثم ذكر ترك الرهن بالائتمان. فإذا كان ~~له ترك الرهن بالائتمان، وهو بدل الكتابة - فعلى ذلك له ترك الكتابة ~~بالائتمان، إن كان أصله مفروضا لم يحتمل ترك بدله بالائتمان. فإذا كان ذلك ~~له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم. والله أعلم. # وقوله تعالى: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل): # فهذا لأن الكاتب مأمون عليه فيؤدي حق ما اؤتمن فيه، لا يزيد على ما أملى ~~عليه بالنصيحة وأداء الأمانة. وهكذا الواجب على كل محكم بين اثنين أن يحكم ~~بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة، كقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، وكقوله: (يحكم ~~به ذوا عدل منكم) وكقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # وقوله تعالى: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب)، قال ms0683 بعضهم: ~~هذا وذلك أن الكتبة كانوا في صدر الاسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكتابة؛ إذ ~~في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها. وأما اليوم فلا بأس بالإبقاء عليها، لم ~~يجد من يكتب له بالأجر؛ # PageV02P276 # فلا يبطل حقه. # وفيه وجه آخر: وهو أن قوله - تعالى -: (ولا يأب كاتب)، أي: لا يأب الكاتب ~~إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي: له ترك الكتابة، ولكنه إذا كتب لا يكتب إلا ~~بالعدل. والله أعلم. # وقوله تعالى: (كما علمه الله)، هو نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يكتب ~~وإن لم يعلمه الله تعالى. والله - عز وجل - أخبر أنه يكتب بتعليم الله ~~إياه. ولو كان التعليم من الله تعالى إيتاء الأسباب لم يكن لقوله تعالى: ~~(وما علمناه الشعر) معنى؛ لأنه قد أعطى أسبابه. # والعدل -ما ذكرنا-: ألا يزيد على الحق، ولا ينقص منه. وأصل العدل: هو وضع ~~الشيء موضعه. # وقوله تعالى: (وليملل الذي عليه الحق): ما عليه، (وليتق الله ربه ولا ~~يبخس): # ولا ينقص، (منه شيئا) أي: لا يملي على الكاتب أقل من حقه ولا ينقص منه ~~شيئا. # ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد فيما يملى على الكاتب ~~ألا ينقص من حق الطالب شيئا. # وقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع)، قال ~~قائلون: هذا كله واحد: السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل. # وقال آخرون: بل هو مختلف، السفيه هو الصغير، فليملل وليه. والضعيف هو ~~المريض الذي لا يقدر أن يمل. والذي لا يستطيع أن يمل هو الجاهل الذي لا ~~يعرف أن يمل. ثم اختلف في الولي: # قال بعضهم: الولي: هو صاحب الحق، يمل بالعدل بين يدي من عليه الحق؛ لئلا ~~يزيد على ذلك شيئا، فإن زاده أو نقصه أنكر عليه صاحبه. # وقال آخرون: الولي هو وصي الصغير، أو ذو النسب منه. # PageV02P277 # ثم المسألة في الحجر: # قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: الحجر لا يمنع عقوده. # وقال محمد بن الحسن: لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي ms0684 يتولى ذلك؛ ~~استدلالا بظاهر قوله: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ~~أن يمل هو فليملل وليه بالعدل)، فإنما جعل الإملاء إلى الولي، لا إليه. ولو ~~كان يجوز إملاؤه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره؛ دل أنه لا يجوز. # وأما أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله ~~تعالى: (إذا تداينتم بدين)، أجاز تداينه؛ فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ~~ولا تداينه، ولأن السفيه لم يستفد الإذن من السلطان؛ إنما استفاده من الله ~~تعالى، ولا يجوز حجر من لم يستفد الإذن منه. # وقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم): # لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله: (فاكتبوه). ~~أمر عز وجل بالإشهاد في البيع والتداين؛ للمعنى الذي ذكرنا: أن ترك الإشهاد ~~والكتابة يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع ~~من الإنكار؛ لخوف ظهور الكذب. ولم يصر شرطا في جواز التداين؛ لأن الإشهاد ~~إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة. وكذلك الكتابة فهو لما ذكرنا: أن الإنسان ~~من طبعه النسيان والسهو؛ فأمر بالاستشهاد والكتابة لئلا ينسى، أو يحمله ترك ~~الإشهاد والكتابة على الإنكار. # وأما الأمر بالإشهاد في النكاح -في عقد النكاح نفسه- دليله قوله - عليه ~~السلام -: " لا نكاح إلا بشهود "؛ لذلك صار شرطا في عقد النكاح، ولم يصر ~~شرطا في المبايعة. ووجه آخر: وهو أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى ~~عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله. والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما ~~يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، ~~وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح؛ لذلك صار الإشهاد شرطا في جواز ~~النكاح، ولم يكن شرطا في البيع. والله أعلم. # وقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان): # في الآية دلالة أن من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو ~~أيضا خلاف السنة؛ لأن قوله تعالى: (واستشهدوا)، ليس هو الإشهاد، ms0685 إنما هو ~~الإحضار للشهادة؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد، إنما يقع عند الاستحضار، ولو ~~كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما؛ ولأن الآية ذكرت حق القضاء ~~في البياعات الواقعة # PageV02P278 # والأحكام إلى سبيلها لزوم الفصل بالقضاء بين أربابها. فمن جعل فصل القضاء ~~بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال الله ~~تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا). # وأما مخالفة السنة - فقوله - صلى الله عليه وسلم -: البينة على المدعي، ~~واليمين على المدعى عليه. # فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه. فإذا كان كذلك، ~~وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة المدعى عليه اليمين، ولم يجعل ~~اليمين حجة للمدعي؛ فلذلك قلنا: إنه المخالف لظاهر الكتاب والسنة. ولأن ~~الله تعالى جعل المرأتين في حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل مقام ذلك ~~الرجل، فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين، لم يحتج إلى أن يكلف النساء ~~من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر ~~عليهن وكشف عورتهن، وتكلف القضاة فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن؛ لذلك بطل ~~القضاء بالشاهد واليمين. والله أعلم. # فإن قيل: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قضى به. # PageV02P279 # قيل: إنه لم يرو أنه فيم قضى في الأموال أو في غير الأموال فإن ثبت أنه ~~فيم قضى لكنا نقضي به. # ثم قال الصحابة: رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أنه قضى بالشاهد واليمين ~~في # PageV02P281 # الأمان. # ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا. واليمين باب ما ~~يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يسترو. وأما الأموال فإن ~~الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيل الشبهة من جميع ~~الوجوه. وبالله التوفيق. # وأما شهادة النساء: فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في ~~الحدود خاصة، فإنها غير مقبولة. أما جوازها في غير الحدود؛ لأن الله تعالى ~~ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال. ثم أجاز ms0686 شهادتهن في ~~التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال؛ دل ذلك أن علة جواز شهادتهن ليس هو ~~المالية نفسها، وأجيزت شهادتهن فيما لا مالية فيه وهو الأجل؛ فظهرت أن ~~علتها ليست مالية. # وأما بطلان شهادتهن في الحدود؛ فلأن شهادتهن إنما أجيزت بحكم البدل عن ~~شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات والكفالات؛ فعلى ~~ذلك شهادتهن لما كانت جوازها بحكم البدل لم تقبل، ولأنهن جعلن على السهو ~~والغفلة ونقصان العقل والدين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنهن ناقصات ~~عقل ودين ". فإذا كان كذلك أورث ذلك شبهة في الحدود، والحدود مما يبتغى ~~فيها الدرء؛ لذلك لم تقبل. والله أعلم. # ولأن شهادتهن إنما ذكرت فيما يبتغى به الإعلام والإعلان، لا الإسرار. ~~فعلى ذلك تقبل شهادتهن فيما يبتغى ذلك المعنى. وأما الحدود وما يلزم بها ~~ذلك إنما يبتغى في ذلك الإسرار والستر؛ لذلك قلنا بأن شهادتهن تجوز في ~~النكاح والطلاق والعتاق؛ لأن النكاح يبتغى فيه الإعلان على ما جاء: " ~~أعلنوا النكاح "؛ لذلك قبلت. والله أعلم. # ومعنى آخر: أن الخصم أجاز شهادة النساء بالانفراد في كل شيء ما خلا ~~الحدود والقصاص؛ لذلك قبل بالرجال. ولأن شهادة النساء أجيزت في الأصل ~~توسيعا، فلا يجوز أن ترد فيما يتوسع، وتقبل فيما يضيق، وأمر النكاح والطلاق ~~في الشهادة أوسع، فهو أحق أن يقبل. # وقوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان) # فإن قال قائل: كيف جاز استشهاد المرأتين عند وجود الرجلين؟ والله أمر ~~باستحضار الرجلين عند الحاكم للشهادة، لا أمر بالإشهاد عليها؛ لذلك قال عز ~~وجل: (فإن لم يكونا # PageV02P282 # رجلين فرجل وامرأتان). # أي: لا تكلف النساء حضور أبواب القضاة ومجلسهم لأداء الشهادة إلا عند ~~العجز عن وجود الرجل؛ لما في ذلك هتك أستارهن، وكشف عورتهن. والله أعلم. # والثاني: أن الله تعالى ذكر امرأتين وأقامهما مقام رجل فائت، والرجل الذي ~~قامت امرأتان مقامه هو فائت أبدا غير موجود، إذ له أن يشهد عددا على ذلك ~~الحق؛ لذلك جازت شهادتهن وإن كان هناك رجلان. ms0687 والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في ذكر رجلين دون ذكر العدد، أو ذكر واحد؟ # قيل: لوجوه: # أحدها: ذكر على قدر الأشياء ومراتبها عند الناس، إذا كان أمرا عظيما ~~فظيعا لا تقبل فيه إلا شهادة عدد، نحو الزنى، كقوله تعالى: (والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا). وإذا كان خسيسا سهلا عند الناس قبل قول الفرد حرا كان أو ~~عبدا، من نحو الاستئذان للدخول على آخر ونحوه. ثم الأموال وغيرها هي ~~المتوسطة المترددة بين هذين، فقبل الوسط من الشهادة، ولم يقبل دونها. والله ~~أعلم. # ووجه آخر: قيل: إنه ذكر ذلك عبادة، لا لمعنى المودع فيه، ولكن سمعا، فهو ~~على ما ذكر، لا يطلب معناه. # والثالث: أن الواحد لم تقبل شهادته في الحقوق بالانفراد؛ لأنه ينتفع بها. ~~لأن من صدق في قوله يتلذذ بتصديقهم إياه. فعلى ذلك لم يقبل قول المدعي في ~~دعواه وإن كان عدلا، لما ينتفع بالتصديق وقبول قوله فيه. فإذا كانا اثنين ~~صار تلذذ كل واحد منهما وانتفاعه لصاحبه؛ فحصلت الشهادة خالصة صافية؛ ~~فقبلت. والله أعلم. # والرابع: أن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة، فإذا كان فردا يخاف عليه ~~النسيان؛ أمر بضم آخر إليه ليذكر كل واحد منهما صاحبه إذا نسيه. وعلى ذلك ~~يخرج قوله: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)، لما ذكر أنهن جبلن وطبعن على فضل السهو ~~والغفلة، أمر بضم غيرها إليها إذا سهت وغفلت عنها. # ثم اختلف في قوله: (شهيدين من رجالكم): # قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى -: يرجع الخطاب إلى الأحرار خاصة دون ~~العبيد والكفرة. أما الكفرة؛ فلأن الخطاب في الابتداء للمؤمنين بقوله: (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا # PageV02P283 # تداينتم بدين. . .) الآية؛ فخرج الكفار من خطاب الآية؛ لذلك لم تقبل ~~شهادتهم على أهل الإسلام. # وأما العبيد فلم يدخلوا تحت هذا الخطاب لوجوه: # أحدها: ما ذكرنا: أن ظاهر الخطاب للأحرار دون العبيد، لما لا يملكون هم ~~التداين والتبايع؛ فعلى ms0688 ذلك خطاب الشهادة. # فإن قيل: أليس العبيد يملكون التبايع والتداين؟ قيل: يملكون بالإذن ~~والتولية لا بملك أنفسهم فذلك القدر من التداين وغيره، يملك الكفار، ثم لم ~~يجب قبول شهادتهم، ولا دخلوا تحت ذلك الخطاب؛ فكذلك العبيد. # والثاني: ما قاله عز وجل: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)، ثم لا يملك ~~العبيد الإجابة لكل ما دعوا لحق السادات؛ فعلى ذلك ليس عليهم الإجابة في ~~الشهادة لحق السادات. والله أعلم. # والثالث: أن الله تعالى قسم الشهادة قسمة الميراث بقوله: (فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان)، وقال في الميراث: (للذكر مثل حظ الأنثيين)، ثم لا حظ ~~للعبيد في الميراث؛ فعلى ذلك لا حظ لهم في الشهادة. # والرابع: أن الشهادات تجري مجرى الولايات والتمليكات، ثم لا ولاية نكون ~~للعبد على غيره ولا تمليك؛ فعلى ذلك الشهادة، إذ فيها ولاية وتمليك الحاكم ~~الحكم. والله أعلم. وعلى هذا بطلت شهادة الكفار على أهل الإسلام لما لا ~~ولاية لهم عليهم. # والخامس: أن الشهود بين حالين: بين أن يصدقوا فتمضي شهادتهم، وبين أن ~~يكذبوا فيضمنوا. ولما كان العبيد إذا كذبوا في شهادتهم لم يضمنوا؛ لأن ضمان ~~الشهادة ضمان معروف؛ لأنه لا بدل له بإزاء من لم يكن من أهل الشهادة؛ دل ~~أنهم ليسوا من أهل الشهادة. # وعلى ذلك قلنا: إن النكاح يجوز بشهادة الفاسق والمحدود في القذف، وأنهما ~~من أهل الشهادة فيه؛ لأنهما من أهل الضمان، وإن كانت شهادتهما ردت لتهمة ~~الكذب في سائر الحقوق. وأما العبد: فليس هو من أهل الشهادة بحال، للمعنى ~~الذي وصفنا. والله أعلم. # وإلا القياس يقتضي أن تجوز شهادة العبيد؛ لأنها من حق الله، ودليله قوله ~~تعالى: (وأقيموا الشهادة لله)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط). فإذا كانت من حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى لا يختلف # PageV02P284 # العبيد والأحرار فيها، فيجب أن تقبل شهادتهم، لكنها لم تقبل للوجوه التي ~~ذكرناها. والله أعلم. # وقوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان)، إلى أن قال: (فتذكر ~~إحداهما الأخرى): # قد ذكرنا فيما ms0689 تقدم أنهن لما جبلن وطبعن على فضل سهو وغفلة، ضمت إليها ~~أخرى لتذكرها الشهادة إذا نسيت. # وفي الآية دلالة أن الرجل إذا نسي الشهادة، ثم ذكر فتذكر، يجوز أن يشهد. ~~وأما إذا أخبر بالشهادة ولم يتذكر، لم يجز له أن يشهد؛ لقوله: (فتذكر ~~إحداهما الأخرى)، إذ لم يقل: " فتخبر إحداهما الأخرى ". # وقوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء): # فيه دلالة أن من المسلمين من لا يكون مرضيا، وكذلك فيهم من يكون عدلا ومن ~~لا يكون عدلا، دليله قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، لأنه لو لم يكن ~~فيهم مرضيا وغير مرضي لكان يقول: " وأشهدوا رجلين منكم "، ولم يشترط فيه ~~العدالة والرضاء. # وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: المسلم لا يكون غير عدل ولا غير مرضي. ~~وفي الآية التي ذكرنا دلالة ما قلنا. والله أعلم. # وفي قوله: (ممن ترضون من الشهداء)، دلالة أن الشهود إذا شهدوا على المدعى ~~عليه بالحق، وهم مرضيون عنده، يجب أن يؤدي إليه حقه؛ لأنا قلنا: إن قوله: ~~(واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، أمر باستحضارهم عند الحاكم، فإذا كان كذلك ~~فهو دليل ما قلنا. والله أعلم. # وقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا): # احنتلف فيه: # قيل: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) للإشهاد. # وقيل: لا يأبوا إذا ما دعوا للأداء. وهذا أشبه؛ لأن للشهود أن يقولوا: ~~أحضر الخصم هاهنا لتشهدنا عليه، فإنا لا نحضر المكان الذي هو فيه. وليس هذا ~~القول في الأداء، إذ الأداء لا يكون إلا عند الحاكم؛ لذلك كان أولى، كقوله ~~تعالى: (ولا تكتموا # PageV02P285 # الشهادة)، ولا يجد من يشهدهم، ولا يجد من يشهد له غيرهم. والله أعلم. # وقوله تعالى: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله): # فيه دلالة جواز السلم في الثياب؛ لأن ما يكال ويوزن لا يقال فيه: " ~~الصغير والكبير "، ولا يكتب: " صغيرة وكبيرة "، إنما يقال ذلك في العددي. # وقوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله)، يقول: أعدل عند الله، (وأقوم ~~للشهادة)، في الحجة. # وقوله تعالى: (وأدنى ألا ترتابوا): # أقرب إلى دفع الظنون والشكوك ms0690 التي تحملكم على التناكر والتنازع الذي ~~عاقبته الفسخ؛ ولهذا ما أمر عز وجل بالكتابة فيه والإشهاد، وذكر كل صغير ~~وكبير، لئلا يقع بينهم في العاقبة تنازع وتناكر، فيحمل ذلك الحاكم على فسخ ~~العقد بينهما. وعلى ذلك نصبوا الأجل فيه شرطا لقطع وقوع التنازع والتناكر ~~الذي حكمه الفسخ في العاقبة. والله أعلم. # وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم. . .) الآية: # استثنى عز وجل التجارة الحاضرة بترك الكتابة والإشهاد والرهن وغيره، وذلك ~~لما ذكرنا آنفا أن الديون والقروض تنسى وتشتبه على الناس؛ فلذلك أمر ~~بالكتابة فيها، والإشهاد، ولا كذلك التجارات الحاضرات، وعلى ذلك أمر ظاهر ~~بين الناس أنهم يكتبون ويشهدون في الديون والقروض، ولم يعلموا ذلك في ~~التجارات الحاضرات الجاريات فيما بينهم، لارتفاع ما يخاف وقوعه في الديون ~~والقروض وخلائها عن ذلك. والله أعلم. # وقوله: (تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها): # يقول: يدا بيد وليس فيها إيجاب القبض على المجلس. # وقوله (وأشهدوا إذا تبايعتم): # أمر عز وجل بالإشهاد في التجارة الحاضرة، ولم يأمر بالكتابة، وأمر في ~~التداين بالكتابة والإشهاد، جميعا؛ فالأمر بالكتابة لمحافظة الحقوق ومعاهدة ~~كل قليل وكثير فيه، وأما الأمر بالإشهاد للأدب، والأمر بالرهن أمر بالوفاء، ~~والرهن والكتابة والإشهاد كل ذلك يمنع صاحبه عن الإنكار والجحود، ويذكر عند ~~النسيان والسهو. ذلك كله لقطع التنازع الواقع فيما بينهما في المتعقب. ~~والله أعلم. # PageV02P286 # وقوله: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) اختلف فيه: # قال بعضهم: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) لا يشغل الكاتب ولا الشهيد، فيقول ~~له: اكتب لي كذا، واشهد لي على كذا، وهو يجد غيره. # وقال آخرون: (ولا يضار كاتب ولا شهيد)، أي لا يضار كاتب صاحب الحق، فيكتب ~~ما لا ينبغي أن يكتب بالزيادة والنقصان، وكذلك الشاهد لا يزيد على الحق ولا ~~ينقص من الحق شيئا، ولا يكتم الشهادة أيضا. فهذا أقرب. والله أعلم. # فإن قيل: إذا كان المعنى راجعا إلى ما ذكرت ألا يزيد الكاتب ولا ينقص ألا ~~قال: لا يضار بالرفع؟ # قيل: إنه لا يضاره فطرحت إحداهما ms0691 فإذا طرحت انتصبت علامة للطرح إذ هكذا ~~عمل الإضمار. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " الإضرار أن يقول الرجل للرجل ~~وهو عنه غني: إن الله أمرك ألا تأبى إذا ما دعيت فتضاره بذلك ". # وقوله: (وإن تفعلوا) أي: تضاروا (فإنه فسوق بكم)؛ هذا يدل على أن التأويل ~~هو ما ذكرنا من النهي عن الزيادة والنقصان والتحريف والكتمان؛ إذ في ذلك ~~خروج عن الأمر. # والفسق هو الخروج عن الأمر كقوله (ففسق عن أمر ربه)، وهو على المعتزلة؛ ~~كقوله: (واتقوا الله) في المضارة من الزيادة والنقصان والكتمان (ويعلمكم ~~الله) الحكم والأدب وما يحل وما لا يحل (والله بكل شيء عليم) حرف وعيد. # وقوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (283) # قد ذكرنا فيما تقدم في الأمر بالكتابة والإشهاد: أنهما - والله أعلم - ~~لحفظ الحقوق، ما جل منها وما دق، وألا يحملهم على الإنكار والجحد، وأن ~~يذكرهم ذلك حتى لا ينسوا، فعلى ذلك الأمر بالرهان لئلا يؤخر قضاء الدين ~~ويذكرون ولا ينسون، والله أعلم. # ثم فيه دلالة ألا يجوز الرهن إلا مقبوضا؛ لأن الرهن يقبض لأمرين: # أحدهما: لأنه إذا كان مقبوضا محبوسا عن صاحبه عن جميع أنواع منافعه ذكره ~~وتقاضاه لقضاء دينه، وإذا كان في يديه لم يتقاضاه على ذلك؛ لذلك قلنا: إنه ~~لا يجوز إلا # PageV02P287 # مقبوضا. # والثاني: أنه إنما يقبض ليستوفى منه الدين، ولا يستوفى إلا بعد القبض، أو ~~يأخذ ليأخذ الدين منه من غير بخس فيه ولا منع عنه. # ووجه آخر -فيما لا يجوز الرهن إلا مقبوضا- لأنه جعل وثيقة، فلا جائز أن ~~يكون وثيقة وهو في يدي الراهن غير محبوس ولا ممنوع عن منافعه؛ فدل ما ذكرنا ~~من طلب الناس بعضهم من بعض الرهون، أنهم طلبوا وثيقة. فإذا كان وثيقة فهو ~~إنما يكون وثيقة إذا كان في يدي المرتهن محبوسا عن صاحبه. ألا ترى أن ms0692 ~~الكاتب أمر بأداء الأمانة إذا أمن بعضهم بعضا بغير رهن، فلو كان الرهن يكون ~~رهنا في يدي الراهن لذكر فيه أداء الأمانة في الرهن، ولم يكن لذكر القبض ~~وجه؛ لذلك قلنا: إن الرهن لا يجوز إلا أن يكون مقبوضا محبوسا عن منافع ~~صاحبه. # وقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته) فيه دلالة ضمان ~~الرهن دلالة استيفاء الدين من الرهن؛ لأنه إنما ذكر الأداء فيما أمن بعضهم ~~بعضا بلا رهن، ولم يذكر الأداء فيما فيه الرهن، فلولا أن جعل في الرهن ~~استيفاء الحق والدين وإلا لذكر الأداء فيه كما ذكر في الرهن فدل أنه مضمون ~~به إذا هلك، هلك به. والله أعلم. # وأيضا قوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ~~ربه) فيه دليل لقولهم في الشركات: إنه يكتب اشتركا على تقوى الله وأداء ~~الأمانة؛ لأن كل واحد منهما أمين في ذلك، لذلك ذكر فيه تقوى الله وأداء ~~الأمانة، كما ذكر - عز وجل - تقوى الله وأداء الأمانة فيما اؤتمن. # وقوله: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) ذكر إثم القلب، ~~والإثم موضعه القلب لكنه يشيع في الجوارح ويظهر على ما روي: " إن في النفس ~~مضغة إذا صلحت صلح البدن، وإذا فسدت فسد البدن ". # قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه دلالة أن المأثم تعمد القلوب بأي شيء كان؛ ~~فلذلك وصف القلب بأنه آثم؛ وهو كقوله: (يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)، وكذا ~~قوله (ولكن ما تعمدت قلوبكم) الآية. # * * * # قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ~~(284) آمن الرسول بما أنزل # PageV02P288 # إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (285) لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا ms0693 كما حملته على الذين من قبلنا ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين (286) # وقوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض (284) # هو ظاهر، إذ ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ردا على قولهم: ~~(عزير ابن الله)، و (المسيح ابن الله)، و " الملائكة بنات الله ". # وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم في غير موضع. # وقوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله). # ومن الناس من استدل على نسخها بقوله: (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)، ~~لكنه لا يحتمل؛ لأن الآية وعد وخبر بالمحاسبة، والوعد لا يحتمل النسخ؛ لأنه ~~خلف وبداء، وذلك ممن يجهل بالعواقب، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. # ثم اختلف فيه: # قال الحسن: هو على ما عزم لا على ما خطر بالنفس. وكذا قوله: " من هم ". ~~ويحتمل: أن يكون على التقديم والتأخير: إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه ~~يحاسبكم به الله. # ويحتمل أيضا: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعزمتم عليه وعقدتم، لا على ~~الخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي: " من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة ~~فكذا "، ليس على ما يخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي، وتحدث النفس به، ~~ولكن على العزم عليه والاعتقاد. وكذلك قوله: (ولقد همت به وهم بها لولا أن ~~رأى برهان ربه) همت هي به هم عزم، وهو هم بها هم خطر. والمرء غير مؤاخذ بما ~~يخطر في القلب وتحدث النفس به، إنما يؤاخذ على ما عزم واعتقد عليه. والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: (فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير). # فيه دليل ما قلنا: إنه على العزم والاعتقاد عليه؛ لما ذكرنا من العفو ~~والعقوبة عليه. # وقوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله (285) # وقوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون)، يحتمل وجهين: # PageV02P289 # يحتمل: آمن ms0694 بنفس المنزل (بما أنزل إليه من ربه)، أنه من عند الله وكذلك ~~(والمؤمنون) أيضا آمنوا بما أنزل إليه أنه من عند الله تعالى. # ويحتمل: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه)، أي: آمن الرسول بما في ~~المنزل إليه، وكان فيه ما ذكر: (آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)، إلى ~~قوله: (وإليك المصير)، وكذلك " المؤمنون " آمنوا بجميع ما في المنزل، وهو ~~ما ذكرنا. # وفيه دليل أن الإيمان بالمنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إيمان بجميع الرسل والكتب كلها والملائكة والبعث والجنة والنار. # وفيه دلالة نقض قول من يشك في إيمانه ويستثني؛ لأنه عز وجل شهد لهم ~~بالإيمان، فلا يخلو الاستثناء: إما أن يكون لشكهم في إتيان ما أمروا، أو في ~~الذي أخبر الله عنه بما كان، ففيه الويل لهم. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه شهد لهم بالإيمان، وهم نفوا عنهم ~~الاسم الذي شهد الله لهم بالإيمان به، وبالذي ذكر، وكل صاحب كبيرة مؤمن ~~بجميع ما ذكر، وقد سماهم الله به مؤمنين، وشهد لهم به. والله الموفق. # فإن قيل: فقد ذكر الطاعة في آخرها. # قيل: ذكر الطاعة في الإجابة، وبتلك الإجابة شهد لهم؛ فيلزمهم ما شهد الله ~~لهم جل وعلا بما أجابوا. والله أعلم. # وقوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله) # ويحتمل: أن يكون هنا خبرا أخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم قالوا: (لا ~~نفرق بين أحد من رسله) كما فرق اليهود والنصارى. # وقوله تعالى: (. . . وقالوا سمعنا وأطعنا). # يحتمل: (سمعنا) قولك ودعاءك، و (وأطعنا)، أي: أطعناك في الإجابة. # ويحتمل: (سمعنا) القرآن، و (وأطعنا)، أي: أطعنا ما فيه. والله أعلم. # وقوله تعالى: (. . . غفرانك ربنا). # أي: اغفر لنا ربنا # (وإليك المصير) # أي: المرجع. # PageV02P290 # وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان؛ لذلك قلنا: إن الإيمان بالقرآن إيمان ~~بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره. وبالله العصمة والنجاة. # وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (286) # واختلف فيه: # قال الحسن: قوله تعالى: (إلا وسعها)، إلا ما يحل ويسع، لكن بعض الناس ~~يقولون: هذا بعيد، لا ms0695 يحتمل الآية، إذا كلف حل ووسع. فإذا كان كذلك لم يكن ~~لقوله معنى. # قيل له: هو كقوله تعالى: (أحل لكم الطيبات)، إذا أحل طيب وإذا طيب أحل. ~~فكذا الأول. وكذا ذكرنا الأمرين جميعا. # وتأويل ثان (إلا وسعها): إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة: غير أنا اختلفنا ~~في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل، ~~وقالت المعتزلة، بتقدم الفعل، وأما عندنا: فإنها على وجهين: # استطاعة الأحوال والأسباب، واستطاعة الأفعال. # أما استطاعة الأحوال والأسباب: فإنها يتقدمها، وعلى ذلك يقع الخطاب، ~~دليله: قوله عز وجل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). قيل: ~~يا رسول الله ما الاستطاعة؟ قال: " الزاد والراحلة ". ثم كل يجمع أن من كان ~~بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة ~~لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال، ثم قد لزمه ذلك؛ ~~فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب، وكذلك الكلفة في ~~جميع الطاعات. # فإن قيل: قد يقع هذا على الخروج، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج، قيل: لو ~~كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج، وله ترك الخروج، إذ باكتساب ~~الخروج يلزمه فرض الحج، فلا يلزم عليه فرض الحج؛ فثبت أنه لا يحتمله، بل هو ~~على ما قاله أصحابنا - رحمهم الله -: إنها استطاعة الأحوال والأسباب، وتلك ~~تتقدم، لما ذكرنا. والله أعلم. # وأما استطاعة الأفعال: فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا ~~تبقى في # PageV02P291 # وقت ثان، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان. والله أعلم. # فإن سئلنا عن التكليف: أيكون فيما لا يطاق؟ # فجوابنا: أنه فيما منعنا عنه فلا. وفيما لم نمنع، وصنيعنا يشغلنا بغيره، ~~فبلى. ثم الكافر بما أعطى من القوة والاستطاعة، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطى ~~من القوة. فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر أينا أحق بالقول ~~بتكليف ما لا يطاق. # فمن دول المعتزلة: إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت ms0696 الثاني، ثم في ~~الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد، ثم جعلوه أيضا غير قادر على ~~الترك للفعل. والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع ~~الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع، بل في ثان من الوقت. فحصل عندهم ~~الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه. # فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا؟! وبالله التوفيق. # ثم أفحش من هذا ما قالوا: إن القدرة تتقدم الفعل، والفعل هو الذي يدل على ~~وجود الولاية، وهو في وقت إيجاد الفعل، إن كان كفرا يعادى، وإن كان إيمانا ~~يوالى. فحصل القول: على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت ~~الانتهاء والائتمار. # ثم قولهم في قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) أنه ~~على الجبر. ولا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة، وهو ~~قوله: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وإليه يرجعون)، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة، بأن أن الثاني على الاختيار. # ثم قولهم: في استطاعة واحدة لفعلين خطأ؛ لأن من قولهم: إن الاستطاعة لا ~~تبقى، ثم وجود الفعلين معا في وقت باستطاعة واحدة محال، ووجود تلك ~~الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء، ووجوده عندهم على ~~البدل محال، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر؛ فثبت أنه خطأ. # وقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) # فيه دلالة: أن الله تعالى إنما يأمر عبيده وينهى، وإنما يأمر وينهى؛ ~~لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر، أو بضر يلحقه ~~فينهى عن ذلك. فيكون الأمر جارا منفعة، وفي النهي دافعا مضرة. كما يكون في ~~الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر # PageV02P292 # لمنفعة تتأمل فيه، وينهى عن شيء لدفع ضرر يخافه. وتعالى الله عن ذلك. # وقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا). # قيل فيه بوجهين: # قيل: (إن نسينا)، يعني: تركنا، كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم). ms0697 وكقوله: ~~(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي)، أي: ترك. # وقوله: (أخطأنا)، يعني: ارتكبنا ما نهيتنا. # وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قولوا (ربنا لا ~~تؤاخذنا. . .) الآية. # ثم اختلف بعد هذا: # قالت المعتزلة: أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقربا إليه. وكذلك قوله تعالى: ~~(ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد)، وكذلك قوله: (قال رب احكم بالحق)، ونحوه، خرج الدعاء به مخرج ~~التعبد والتقرب؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن لا يؤاخذنا ~~بالنسيان والخطأ، وأخبر أنه لا يخلف الميعاد، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا ~~بالحق. وكذلك قوله تعالى: (واستغفر لذنبك)، وقد أخبر أنه تعالى قد غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه على ما ذكرنا، وإلى هذا يذهب المعتزلة. # وأما الأصل عندنا في هذا: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان ~~والخطأ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا. ألا ترى أن الله ~~تعالى أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: (توبة من الله)، فلو لم يجز أن ~~يعاقب على النسيان والخطأ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى؛ دل أنه ~~جائز في الحكمة المؤاخذة به. # والثاني: قوله عز وجل: (وما أنسانيه إلا الشيطان)، وفعل الشيطان # PageV02P293 # مما يتقى ويحذر؛ لذلك كان ما ذكرنا - والله أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل ~~السهو والنسيان سلم عنه، فجائز أن يسأل السلامة عنهما، إذ بالجهد يسلم عنه، ~~وبالغفلة يقع فيه. # والثالث: ما ذكرنا: أن النسيان هو الترك، والخطأ هو ارتكاب المنهي، ~~والتارك لأمر الله، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه. والله أعلم. فيصبح ~~الدعاء على ذلك؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهى. # فإن قيل: ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه "؟ قيل: إنما جاء هذا في الكفر خاصة، لا في ~~غيره؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، يجري على ألسنتهم الكفر ~~على النسيان والخطأ، وكذلك كانوا ms0698 يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم ~~الكفر مخافة القتل، فأخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك مرفوعا ~~عنهم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وبعد فإن في الخبر العفو، فيكون في ذلك ~~دليل جواز الأخذ، ولعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء؛ فلذلك يدعون. وذكر ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بهذا، فأجيبا لا أن يؤمر أحد أن ~~يدعو ابتداء. والله أعلم. # وأما قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، ففيه وجهان: أحدهما: ~~أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة. فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة ~~التي وعدهم الجنة. # والثاني: يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود. # وأما الأمر بالاستغفار: فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: ما روي: " المؤذن يغفر له مد صوته "، فهو على استيجاب أولئك ~~المغفرة به؛ فعلى ذلك استغفاره، ليغفر به بعض أمته. # والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر؛ فكأنه يسأل الستر عليه ~~بعد التجاوز عنه. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة، ~~فلو كان لا يجوز له التعذيب، فيكون التعذيب جورا، فيصير السؤال في التحقيق ~~سؤال ألا يجور، وذلك مما لا يسع المحنة. وكذلك لو كان مغفورا له، كان الحق ~~فيه الشكر لما أنعم عليه، وفي ذلك كتمان النعمة، والمحنة بكتمان نعم الله ~~وكفرانها محال؛ لذلك لا # PageV02P294 # بد أن يكون في الآيات ما يتمكن معه المحنة من المعنى. والله أعلم. # وأما قوله عز وجل: (قال رب احكم بالحق)، قيل: الحق هاهنا هو العذاب، كأنه ~~أمره أن يسأل بإنزال العذاب عليهم. # وقيل: (احكم بالحق)، أي احكم بحكمك الذي هو الحق. # فإذا كان ما ذكر محتملا، دل أنه ليس على ما ذهب إليه أولئك. والله أعلم. # وقوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا). # قيل: " الإصر "، هو العهد، ويقول: لا تحمل علينا عهدا تعذبنا بتركه ونقضه ~~كما حملته على الذين من قبلنا. وكان من قبلهم إذا خطئوا خطيئة حرم الله ~~عليهم على نحوها مما ms0699 أحل لهم الطيبات، كقوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) وكأصحاب الأخدود، وغيرهم. فخاف المسلمون ذلك ~~فقالوا: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا)، في جرم أجرمناه فتحرم علينا الطيبات. # وأصل " الإصر "، الثقل والتشديد الذي كان عليهم من نحو ما كان توبتهم ~~الأمر بقتل بعضهم بعضا، كقوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). # وقوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) # يحتمل وجهين: # يحتمل: أن (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) من القتل والهلاك، إذ في ذلك ~~إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: أي مما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء ~~بالعصمة. والله أعلم. # ويحتمل: أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل. والله أعلم. # وقوله تعالى: (واعف عنا) # قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا. # وقوله تعالى: (واغفر لنا). # أي: استر لنا. و " الغفر "، هو الستر؛ ولذلك يسمى المغفر " مغفرا "؛ لأنه ~~يستر. وستر # PageV02P295 # الذنب هو أعظم النعم. # وقوله تعالى: (وارحمنا) # أي: تغمدنا برحمتك، لأنه لم ينج أحد إلا برحمتك، # وقوله تعالى: (أنت مولانا) # قيل: أنت أولى بنا. # وقيل: أنت حافظنا. # وقيل -: أنت ولينا وناصرنا. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله تعالى: (فانصرنا على القوم الكافرين) # يحتمل: الكفار المعروفين. # ويحتمل: الشياطين، أي: انصرنا عليهم. # * * * # PageV02P296 ### | سورة آل عمران # * * * # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى ~~للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ~~ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو ~~الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ms0700 آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولو الألباب (7) # قوله: (الم (1) الله). # قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: (الم (1) ذلك الكتاب). هو تفسير ~~(الم)، و (الم (1) الله لا إله إلا هو): تفسير (الم)، و (المص (1) كتاب ~~أنزل إليك)، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي ~~نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيدا؛ كقوله: (ذو العرش المجيد) # PageV02P296 # وسمى القرآن مجيدا؛ كقوله: (بل هو قرآن مجيد). # وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة. # وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله تعالى. # ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها. # ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام ~~فيه في قوله: (الم (1) ذلك الكتاب)، بما يكفي. # وقوله: (الحي القيوم (2) # هو الحي بذاته، وكل حي سواه حي بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيا بذاته لم # PageV02P297 # يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حي سواه حيا بغيره احتمل التغاير ~~والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها من عظم شأنه، وشرف أمره عند الخلق. # ألا ترى أن الله - تعالى - وصف الأرض بالحياة عند نباتها؛ لما يعظم قدرها ~~ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟! وكذلك سمى المؤمن حيا؛ لعلو قدره عند ~~الناس، والكافر ميتا؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله - سبحانه - سمى ~~نفسه حيا؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث ~~قال: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء)، أي: مكرمون ~~معظمون مشرفون عند ربهم. # وقوله: (القيوم)، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت. # وقال آخرون: القيوم: الحافظ. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " هو الحي القيام " وكله يرجع إلى ~~واحد: القائم. # والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب ~~عنه من أمره شيء. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " إن اسم الله الأعظم هو: ~~الحي # PageV02P298 # القيوم ". # وقوله: (نزل عليك الكتاب (3) # ظاهر. # (بالحق) ms0701 # قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: ~~هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا ~~بمثله، وتحقق عند كل أنه من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند. # وقيل: بالحق، أي: بالصدق والعدل. # وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم على بعض. # ثم قال: (مصدقا لما بين يديه). # PageV02P299 # أي: موافقا لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفاوتة، ~~وفيه دلالة نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر أنه موافق ~~لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع ~~الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمدا رسوله، ~~لكنهم كابروا وعاندوا. # وقوله: (وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان (4) # من بعد. # وقال بعضهم: (هدى للناس). # أي: بيانا لهم، وحجة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له ~~هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك ~~الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة. # PageV02P300 # وقوله: (وأنزل الفرقان): قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما سمي فرقانا؛ ~~لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله. # والثاني: لما يفرق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ~~ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبين فيه الحلال والحرام، وبين ما يتقى ويؤتى. ~~والإنجيل فيه سمي إنجيلا؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللغة. # وقيل: سمي التوراة توراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك. والله أعلم. # وقوله: (إن الذين كفروا بآيات الله. . .): قيل: بحجج الله. # وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، ~~وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسوله ~~براءة منه. # PageV02P301 # وقوله: (والله عزيز ذو انتقام). # قيل فيه بوجهين: # قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائه. # وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء. # وقيل: ذو بطش شديد. # وقوله: (إن الله لا ms0702 يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) # هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، وأما ~~في، الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم ~~وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟! ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في ~~الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!. # ألا ترى أنه قال: (هو الذي يصوركم في الأرحام)؛ إذ علم ما في الأرحام ~~وصورها على ما شاء وكيف شاء، وهم (في ظلمات ثلاث). # وقوله: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء (6) # فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام ~~لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأول، حتى قال الله: إنه على ~~صورته وعلى # PageV02P302 # تصويره، وإنه من مائه، ثم اختلف في خلق الأشياء: # قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع. # وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ ~~من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل ~~أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ~~ذلك، وبالله التوفيق. # وقوله: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات (7) # اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن الناسخات المعمولات بهن، # PageV02P303 # والمتشابهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس رضي الله ~~عنه. # وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاث آيات في آخر سورة الأنعام: قوله: (قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم. . .)، إلى قوله: (. . . تتقون)، وما ذكر في سورة " ~~بني إسرائيل " من قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، إلى آخر هذه ~~الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيدا وإيمانا بالله وغيره من المتشابه. # ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر ~~فيها، وتأمل فيها. # والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب. # وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده. # والمتشابه: هو الذي لا ms0703 يوقف عليه ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من ~~البيان في # PageV02P304 # المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن ~~يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة. وغيرها لا يفهم ~~مرادها. # ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم ~~يختلفوا فيها. # والمتشابه: هو الذي اشتبه على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما ~~يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق ~~آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جورا وظلما أو تشبيها، على اتفاقهم على نفي ~~الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم. # وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن ~~لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أن الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ~~ظاهرا مبينا لتمسكوا به، ولم يقع بينهم اختلاف. # وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا ~~يفعل إلا # PageV02P305 # ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في ~~الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في ~~الدين؛ امتحانا وابتلاء منه لهم، والله أعلم. # لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن ~~يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ~~ذلك أصلح لهم في الذين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق. # وقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه. # والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع. # وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما # PageV02P306 # ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، ~~وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك. ولا قوة إلا بالله. # لكن يمكن أن يكون سمي متشابها؛ بما تشابه على أولئك القوم ms0704 حقيقة ما راموا ~~من الوجه الذي طلبوا. # PageV02P307 # وقد بينا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة ~~والنجاة. # وقوله: (هن أم الكتاب): يحتمل وجهين: # يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب. # ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يخرج: (أم القرى) ~~أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ ~~كما سمى " فاتحة الكتاب ": " أم القرآن "؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة ~~على غيرها من السور، والله أعلم. # PageV02P308 # ويحتمل قوله: (هن أم الكتاب)، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، ~~والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: (إن البقر ~~تشابه علينا)؛ وكذلك المشكل سمي مشكلا؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي ~~مشكلا؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) # قيل: ميل عن الحق. # وقيل: الزيغ: هو الريب والشك. # (فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة) # ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى ~~هذا يقولون في قوله: (يتلونه حق تلاوته): أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك ~~قوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ ~~فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان ~~لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء ~~الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمة؟! وفي الوقوف ~~عليه وقوف على علم الساعة وسبب # PageV02P309 # القيامة، وذلك علم لم يطلع الله الرسل على ذلك، فضلا أن يطلع عليه غيرهم. # قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر ~~أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان ~~لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله. # قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ): أي: ميل ~~عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك ms0705 اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في ~~الكفرة فهو الأول، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - ~~فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدين - ممن اعتقد حقيقة الأمر في ~~قوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم)، وقوله: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم) الآية، وقوله: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل. . .) الآية - ~~يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه ~~في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه ~~توارث الأمة ظاهرا؛ على ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسك بما عليه هو وأصحابه - رضي الله ~~عنهم -، فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكما وبيانا لما اختلف عليه، ~~ولا قوة إلا بالله. # PageV02P310 # ويكون المبتدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، ~~وكذلك لأهل جمل في الدين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما ~~اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعا المتشابه، ولا قوة إلا بالله. # وإن كان هو الأول فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن ~~نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلا عمن دونهم، أو كان ذلك ~~في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على ~~العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ~~ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول ~~بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين. # وقوله: (فيتبعون ما تشابه منه)، أي: من القرآن بقول ما اشتبه حسابهم. # (ابتغاء الفتنة). # وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل " الفتنة ": المحنة، أي: يمتحنون أهل ~~الإسلام. # وقوله: (وابتغاء تأويله). # منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمة من المدة لهم والوقت، وأصل ~~التأويل: هو المنتهى. # قال الله - تعالى -: (وما يعلم تأويله إلا الله). # PageV02P311 # أي: وما يعلم ms0706 منتهي تلك الأمة إلا الله. # ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ~~ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على ~~خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات -الوقوع في المتشابه، ولنفسه- الوقوع ~~في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه ~~إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث ~~عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا ~~فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه. # وقوله: (وما يعلم تأويله إلا الله): # قال قوم: موضع الوقف على قوله: (والراسخون في العلم)، ثم ابتدأ فقال: ~~(يقولون آمنا به كل من عند ربنا): " يقولون "، بمعنى: قالوا، " آمنا به ": ~~بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ " يقول " بمعنى: " قال ". # وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: (إلا الله)، ثم استأنف الكلام فقال: ~~(والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا): المحكم والمتشابه ~~وغيره. # قيل: الراسخون: هم المتدارسون. # PageV02P312 # وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت. # وقيل: الراسخون: الناتجون. # يقال: رسخ في العلم: نتج فيه. # فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟. # قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: # يحتمل: ليعلم فضل العالم على غير العالم. # ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه. # وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار ~~دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن. # وقوله: (وما يذكر إلا أولو الألباب). # أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل. # * * * # قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد (9) # وقوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) # فيه وجهان على المعتزلة: # أحدهما: أنه أضاف الزيغ إلى نفسه، وهو ms0707 حرف مذموم عند الخلق، إذا قيل: ~~فلان أزاغ فلانا عن الحق، فإذا أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه حرف الزيغ، ~~دل أن فيه معنى سوى ظاهره؛ حتى جاز إضافته إليه، وهو أن خلق منهم فعل ~~الزيغ، وكذلك هذا في الضلال، وأضاف -أيضا- الهداية إلى نفسه بقوله: (بعد إذ ~~هديتنا)، فلو كان الهدى: البيان؛ على ما يقوله المعتزلة، لجاز أن يضاف ذلك ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو يملك البيان؛ لأنه بعث مبينا ~~معلما، فإذا لم يجز ذلك دل أن فيه معنى سوى البيان وهو التوفيق والعصمة؛ ~~حتى جاز إضافته إليه، ولا يجوز إلى غيره، والله الموفق. # PageV02P313 # والثاني: أنهم سألوا العصمة عن الزيغ والضلال، فلو كان عليه أن يفعل، وأن ~~يبذل لهم العصمة، لم يكن للسؤال عن ذلك معنى؛ فدل أنه تفضل منه ببذل ذلك ~~لهم، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا) الآية: فيه ~~وجهان: # أحدهما: أنه لو لم يكن له إلا الأصلح في الدين؛ فتركه جور، فالقول ب ~~(ربنا لا تزغ قلوبنا) - لا يخلو من أن يكون الإزاغة أصلح له، وهو يدعو بأن ~~يجور أو لا يكون أصلح، فهو يدعو بأنه لا يجور، ومحال الدعاء على خوف الجور؛ ~~ومن خاف جور الخالق فهو غير عارف به. # والثاني: أن الداعي -فيما جبل عليه الخلق- يدعو على أمر أنه لو أجابه ~~لكان لا يزيغ قلبه، وكذلك سؤال العصمة والهداية؛ ولهذا يؤمر به -أيضا- ولو ~~كان معه زيغ، لكان الأفضل في الأمر بين الدعاء بالإزاغة، وأن " لا تزغ "؛ ~~إذ الخوف مع الأمرين قائم، والله الموفق. # وفي ذلك -أيضا- وجهان آخران: # أحدهما: أن الإزاغة إذا أضيفت إلى أحد، خرجت مخرج الشتم له والتعيير؛ ~~فثبت أن فيما أضيفت إلى الله - تبارك وتعالى - معنى ليس فيما أضيفت إلى أحد ~~آخر غيره، وهو - والله أعلم - أن الإزاغة من كل أحد فعل هو زيغ بنفسه فيه ~~ذم، ومن الله ليست بذم؛ فيكون فيه أن خلق فعل الزيغ ليس بزيغ، وإن كان فعله ~~زيغا، ms0708 والله أعلم. # وفيه أن خلق الشيء ليس هو ذلك، والشيء ذاته يكون من الله ما يوصف ~~بالإزاغة، ويصير لديه الآخر زائغا، ولا شيء يوجد يكون كذلك سوى خلق فعل ~~الإزاغة من العبد، والله الموفق. # والثاني: قوله: (بعد إذ هديتنا): ولو لم يكن من الله في الهداية سوى ~~البيان، لكان يصح ذلك لكل كافر، ويجوز الإضافة إلى الرسل؛ فإذ لم يصح ذلك ~~ولم يجز، ثبت أن ثم فضلا، وهو خلق فعل الهداية، والتوفيق الذي معه الاهتداء ~~لا محالة، وبالله التوفيق والمعونة. # PageV02P314 # وقوله: (وهب لنا من لدنك رحمة): # يحتمل وجوها: # يحتمل الهدى والإسلام؛ إذ به يستفاد. # ويحتمل الجنة. # ويحتمل أنهم سألوه كل رحمة. # قال أبو بكر الأصم: الرحمة: السعة في الدنيا، والثواب في الآخرة. # وقوله: (إنك أنت الوهاب): # فهو -على قول المعتزلة- ليس بوهاب؛ لأن الوهاب هو المفضل الذي يهب ويبذل ~~ما ليس عليه، وهو - على قولهم - عليه أن يعطي الخلق كل ما هو أصلح لهم في ~~الدين؛ فالآية تكذبهم، وترد عليهم قولهم الوخش في الله، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # ويحتمل: هب لنا ما يستوجب به الرحمة، وهو عمل الخير؛ كقوله: (إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين). # وقوله: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه (9) # إقرار بالإيمان والبعث بعد الموت. # PageV02P315 # وقوله: (إن الله لا يخلف الميعاد) # في هذا خاصة: يراد به القيامة والبعث. # ويحتمل: لا يخلف الميعاد في كل شيء، مما يصيب الخلق: من الخير والشر، ~~والفرح والحزن والأسف، يقولون: إنه كان بوعده ووعيده، وإنه كان مكتوبا ~~عليهم ولهم، وإنه لا يكون على خلاف ما كان مكتوبا عليهم؛ ليصبروا على ~~الشدائد والمصائب، فلا يجزعوا عليها، ولا يحزنوا، وليشكروا على الآلاء ~~والنعماء ولا يفرحوا عليها، وهو كقوله: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم). # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) # وقوله: (إن الذين ms0709 كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا)، ~~وذلك أنهم كانوا يستنصرون بأولادهم وأموالهم في الدنيا، ويستعينون بهما على ~~غيرهم؛ فظنوا أنهم يستنصرون بهم في الآخرة، ويدفعون بهم عن أنفسهم العذاب؛ ~~وهو كقولهم: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)؛ فأخبرهم ~~الله - عز وجل - أن أموالكم وأولادكم لا تغني عنكم من عذاب الله شيئا. # وقوله: (وأولئك هم وقود النار): # PageV02P317 # أي: حطب النار؛ فهو - والله أعلم - أن الإنسان إذا وقع في النار في هذه ~~الدنيا لا يحترق احتراق الحطب؛ ولكنه يذوب ويسيل منه الصديد، فقال الله - ~~عز وجل -: إنهم يحترقون في النار في الآخرة احتراق الحطب، لا احتراق ~~الإنسان في الدنيا؛ لأنها أشد بطشا، وأسرع أخذا، وأطول احتراقا؛ وعلى هذا ~~يخرج قوله: (والله شديد العقاب): ليس عذاب الدنيا أنه على الانقضاء ~~والنفاد؛ ولكن على الدوام فيها والخلود أبد الآبدين؛ فنعوذ بالله منها. # وقوله: (كدأب آل فرعون (11) # قيل: كأشباه آل فرعون، وقيل: كعمل آل فرعون وكصنيعهم، وكله واحد، ثم ~~يحتمل بعد هذا وجهين: # يحتمل: صنيع هؤلاء وعملهم - كصنيع آل فرعون ومن كان قبلهم بموسى، في ~~التكذيب والتعنت. # ويحتمل بصنيع هؤلاء بما يلحقهم من العذاب بالتكذيب والتعنت؛ فألحق أولئك ~~من العذاب بتكذيب الرسل، وتعنتهم عليهم. # (والله شديد العقاب) # قد ذكرناه. # * * * # قوله تعالى: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) ~~قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم ~~مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ~~(13) # وقوله: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) # وهذا - والله أعلم - في قوم قد علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ~~لذلك قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: أن قل لهم: (ستغلبون وتحشرون ~~إلى جهنم. . .) الآية، وإلا فلا يلحقه ذلك الوعيد، والله أعلم؛ لأن من ~~الكفار من يسلم ومن لا يسلم، وإلا فلا يلحق بالوعيد من الكفار من أسلم. # PageV02P318 # وقوله: (قد كان لكم آية في فئتين ms0710 التقتا (13) # وفيه: فإن قال قائل: ما في فئة قليلة، وهي فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة ~~كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئة المسلمين -وهم قليل- فئة المشركين ~~-وهم كثير- يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلا، فغلبوا على أهل ~~الإسلام - آية. # قيل: ليست الآية في الغلبة خاصة؛ لكن الآية فيها والله أعلم، وفي غيرها ~~من وجوه: # أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على ~~وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم ~~للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آية، وعلم العدو أن ليس لهم فئة، ولا ~~لهم رجاء المدد، وأن لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة ~~الشجاعة، ومعه آمن، والله أعلم. # والثاني: أن ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ كفا من ~~تراب، فرماه على وجوههم، وقال: " شاهت الوجوه "؛ فامتلأت أعينهم من ذلك ~~وعموا؛ حتى أنهزموا؛ فصار آية. # والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: " أينا أحق دينا، وأوصل ~~رحما؟ # PageV02P319 # فانصره، واجعل الغلبة والهزيمة على الآخر "، فاستجيبت؛ فكانت الغلبة ~~والهزيمة عليهم؛ فكان آية. # والرابع: ما أعان الملائكة المسلمين، وبعثهم الله - عز وجل - مددا لنصرة ~~المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية. # ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ~~خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأولئك ~~خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آية ~~عظيمة؛ إذ هي حسية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها الله بحيث ~~لا تؤدي؛ لما قال: (ليقضي الله أمرا كان مفعولا)؛ فيحتمل أن يكون المراد ~~مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، والله أعلم. # وقوله: (يرونهم مثليهم رأي العين). # وفي بعض القراءات: " ترونهم " بالتاء: يرى المؤمنون أولئك مثلي أنفسهم لا ~~أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق ~~عليهم قيام الواحد من ms0711 المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في ~~العبادات، وبلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات. # PageV02P320 # أخبر - عز وجل - بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما ~~يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن الله - عز وجل - علم المؤمنين ~~جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: (إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا): أمرهم بالتثبت، ثم قال: (فلا تولوهم الأدبار)، وقال: (ولا ~~تنازعوا فتفشلوا): فجعل التنازع الواقع بينهم - على خلاف بعضهم بعضا - سبب ~~الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحدا، والطاعة لإمامهم. # وقوله: (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار): # وإنما كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، ~~بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئك بالعدة مع ~~قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل ~~غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي ~~وصفناهم - عبرة، وآية لأولي الأبصار والعبر. # * * * # قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله ~~بصير بالعباد (15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار (16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ~~(17) # وقوله: (زين للناس حب الشهوات) # أي: الشهيات. # (من النساء والبنين) # وما ذكر. . . إلى آخره. # قال الحسن: والله ما زينها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من ~~الله تعالى، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - ~~عز وجل - زين هذه الأشياء، والتزيين من الله - سبحانه وتعالى - يقع لوجهين، ~~وكذلك الكراهة - # PageV02P321 # أيضا- تقع لوجهين: # تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويشتهى، وإن لم يكن في نفسه ~~حسنا. # وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر ~~أو حمد العاقبة ونحو ms0712 ذلك، ثم جعل العقل مانعا له، رادا عما يرغب إليه الطبع ~~ويميل؛ لأن الطبع أبدا يميل ويرغب إلى ما هو ألذ وأشهى وأخف عليه، وينفر ~~عما يضره ويؤلمه. # والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ ~~وعلى ذلك يخرج قوله - صلى الله عليه وسلم -: " حفت الجنة بالمكاره، والنار ~~بالشهوات ": ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة ~~الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم): ليس على كراهة ~~الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة ~~العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة -أعني: على اختيار العقل، لا ~~اختيار الطبع- بما يميل ويرغب في الألذ، وينفر عن الضار؛ دليله قوله: (فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما)، أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجا؛ فدلت ~~الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على ~~اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله تعالى، وكذلك ~~الكراهة في الطبع تكره من الله تعالى. # فأما قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: ~~يرغبهم # PageV02P322 # ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم. وإن عنوا أنه يزينها بحيث نفسها ~~لهم - فلا؛ لأن الله - تعالى - وصف الشيطان بالضعف، ونفى عنه هذه القدرة ~~بقوله: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا)، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما ~~قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عز وجل - بالضعف؛ ولكن كان قويا، ولكنه ~~يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إياهم، وحخثه في ~~ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم)، فالعدو الذي يرى هو من يعاديه، ولا يرى هو - كان يجب أن يكون أحذر ~~منه، وأخوف ممن يرى. # ووجه آخر: أن الشهوات التي أضاف التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها ~~مخلوقة لله ms0713 تعالى، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها. # وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزينا من الله تعالى، زال موضع استدلال ~~الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة. وقد جعل ما في الدنيا نوعين: ~~مستحسنا ومستقبحا. # وجعل ذلك عيارا لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه-لا يصح موضع التعيير، ~~لأنه - جل وعلا - بلطفه سخر كل مرغوب في الدنيا، ومدعو إليه من جوهره- في ~~الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناس هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه وزينته، ~~ويدعوهم إلى ترك ما في الدنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبدا، فلو جعل هذا ~~من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال ~~الذي ذكرنا؛ فدل أنه مزين منه عز وجل، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # ثم امتحنهم الله - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من ~~العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة ~~والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق. # ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك ~~الخيل، # PageV02P323 # وأما في النساء والبنين: فلما متعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك. وقوله ~~- عز وجل - (والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة): أوجب في ~~النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضة حقا، ثم ذكر ~~الخيل # PageV02P324 # المسومة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله ~~عنه -: إن في الخيل صدقة، ثم اختلف في المسومة؛ قال بعضهم: هي المسيبة ~~الراعية. # PageV02P325 # وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " المسومة ~~الراعية ". # وقال غيرهم: المطهمة، وهي المحسنة. # ثم أخبر أن ما ذكر في الآية (ذلك متاع الحياة الدنيا)، وأمرهم بترك ذلك، ~~وأخبر أن لهم عنده: (حسن المآب)، إن هم تركوا مما امتحنوا به، ثم قال: إن ~~من اتقى في الدنيا له خير من ذلك بقوله: # (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري ms0714 من تحتها ~~الأنهار. . .) # إلى آخره. # ثم اختلف في (والقناطير المقنطرة)؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية. # PageV02P326 # ومنهم من قال: اثنا عشر ألفا. # ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار. # ومنهم من يقول: هو بلسان الرومية: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة. # ومنهم من يقول: كل مائة قنطار من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا ~~يدرى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى ~~معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من ~~الآخر، والله أعلم. # وقوله: (خالدين فيها وأزواج مطهرة (15) # قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، ~~وقد # PageV02P327 # ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع ~~المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن ~~الذكر جرى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا فيهن من فضل المعايب والأذى. # وقوله: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا ... (16) # قد رضي منهم بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميع الطاعات ~~- لم يرض منهم التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ~~للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيرا من هذا الذي زين، للناس في الدنيا من ~~النساء، وما ذكر إلى آخره. # وقوله: (للذين اتقوا): يحتمل: اتقوا الشرك. ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش ~~والمعاصي كلها. # وقوله: (الصابرين (17) # قيل: الصابرين على طاعة الله. # وقيل: الصابرين، على أداء الفرائض. # وقيل: الصابرين على المرازئ والمصائب والشدائد. # والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي. # وقوله: (والصادقين). قيل: في إيمانهم. # وقيل: الصادقين بما وعدوا. # وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون. # (والمنفقين). يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات. # PageV02P328 # ويحتمل: المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضا من حق القرابة والصلة. # (والقانتين). قيل: القانت: الخاضع. # وقيل: القانت: المطيع. # وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان ~~مطيعا وخاشعا وخاضعا ومقرا. # وقيل: القانت: المقر كقوله: (كل له قانتون)، ms0715 أي: مقرون. # وقال قتادة: (الصابرين): الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه. # (والصادقين): الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في ~~الشر والعلانية (والقانتين): المطيعين. (والمستغفرين بالأسحار)، ~~(والمنفقين): يعني: نفقة أموالهم في سبيل الله. # (والمستغفرين بالأسحار): قيل: المصلين بالأسحار. # وقيل: المصلين في أول الليل، والمستغفرين في آخره. # وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارتكب من المآثم، على ندامة القلب، ~~والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبدا، ليس كقول الناس: نستغفر الله، على ~~غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن ~~يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح - عليه السلام -: لقومه: (استغفروا ربكم)، ~~أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى ~~آخر ما ذكرنا، والله أعلم. # PageV02P329 # قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله الإسلام وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20) # وقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو). # وقيل فيه بوجوه: # قيل: شهد الله شهادة ذاتية، أي: هو بذاته، (أنه لا إله إلا هو)؛ إذ في ~~ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية، وليس ذلك في ذات ~~غيره، وبالله العصمة. # وقيل: شهد الله بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو، أي: خلق من ~~الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته، لو نظروا في خلقتهم ~~وتدبروا فيها؛ وكذلك الملائكة، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو، على ~~تأويل الأول. وعلى تأويل الثاني: أن خلقه الملائكة -وأولي العلم- يشهد على ~~وحدانيته؛ فشهدوا على ذلك، إلا الجهال؛ فإنهم لم يتأملوا في أنفسهم، ولا ~~تفكروا في أنفسهم؛ فلم يشهدوا به؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء ms0716 بأن يقولوا: لا ~~إله إلا الله، فقوله وأمره به - شهادة منه، ويحتمل شهادة القول؛ كقوله: (إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي)، وذلك من الله: الربوبية، ومن الخلق: ~~العبودية له؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية؛ ففيه دلالة خلق الإيمان؛ ~~فمن قال: إنه غير مخلوق - لم يعرف ذا من ذاك، وبالله التوفيق. # PageV02P330 # وقيل: " شهد الله " أي: علم الله أنه لا إله إلا هو، وكذلك علم الملائكة ~~وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، فإن قال لنا ملحد: كيف صح، وهو دعوى؟! # قيل: لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد، وهو مقبول، وهو بما ادعى ~~من الألوهية والربوبية؛ إذا لم يستقله أحد - ظهر صدقه، وقهر كل مكذب له في ~~دعواه، وبالله النجاة. # وقوله: (قائما بالقسط): # أي: حافظ ومتول؛ كقوله: (قائم على كل نفس بما كسبت)، أي: حافظ لها ومتول؛ ~~كما يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: حافظ لأمره، ومتعاهد لأسبابه. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقيل: هو عادل، أي: لا يجور، لا أن ثم معنى ~~القيام؛ كقوله: (قوامين بالقسط): مقسطين، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق ~~الوهم إليه، والله أعلم. # وقوله: (إن الدين عند الله الإسلام (19) # وقال قائلون: إن الدين الذي هو حق من بين الأديان، وهو الإسلام؛ لأن كل ~~أحد منهم ممن دان دينا يدعي أنه هو دين الله الذي أمر به. # وقال قوم: إن الدين الذي أمر به الآمر من عند الله هو دين الإسلام؛ ~~لأنهم. كانوا مع اختلافهم مقرين بالإيمان، لكن بعضهم لا يقرون بالإسلام؛ ~~فأخبر - عز وجل - أن الذين الذي أمر به وفيه التوحيد هو دين الإسلام، لا ~~غيره؛ ألا ترى أنه قال: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما. . .): أخبر عز # PageV02P331 # وجل، أن إبراهيم - عليه السلام - ليس على دين سوى دين الإسلام، والإسلام ~~هو الإخلاص، على ما ذكرنا فيما تقدم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم: أن الدين عند الله ms0717 ~~الإسلام، وأنه قائم بالقسط، والقسط: هو العدل في جميع القرآن ". # وقوله: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب): # يحتمل وجهين. # يحتمل الاختلاف: التفرق، أي: تفرقوا في الكفر؛ كقوله: (ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا) الآية. ويحتمل: الاختلاف: نفس الاختلاف في الدين؛ كقوله: ~~(ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر): أخبر أنهم لم يختلفوا عن جهل؛ ~~ولكن عن علم وبيان؛ كقوله: (إلا من بعد ما جاءهم العلم). # ثم يحتمل قوله: (إلا من بعد ما جاءهم العلم) وجهين: أي: لم يختلفوا إلا ~~من بعد ما علموا وعرفوا. # ويحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما أوتوا أسباب: ما لو تفكروا وتدبروا ~~- لوقع العلم لهم بذلك والبيان، لكنهم تعنتوا وكابروا؛ فاختلفوا. # ثم في الآية دليل ألا يجوز أن يفسر قوله: (وجاء ربك)، وقوله: (إلا أن ~~يأتيهم الله)، ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ~~ذكر مجيء العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: (وقل جاء ~~الحق وزهق الباطل): ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء ~~الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا ~~يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: (وجاء ربك)، (استوى على العرش)، ~~ونحوه - إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال: ~~والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره، # PageV02P332 # وكذلك الإتيان، والله أعلم. # وقوله: (بغيا بينهم) # قيل: حسدا بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ~~بني إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بني ~~إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام، ويحتمل " بغيا ": من البغي، وهو ~~الجور. # وقوله: (ومن يكفر بآيات الله) # أي: من المختلفين # (فإن الله سريع الحساب): كأنه على الإضمار - أن قل يا محمد: ومن يكفر ~~بآيات الله من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن الله سريع الحساب. # وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكون: (ومن يكفر ms0718 بآيات ~~الله فإن الله سريع الحساب)، أي: العذاب - والله أعلم - سمى به؛ لأن بعد ~~الحساب عذاب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من نوقش الحساب عذب "، فجعل ~~الحساب عذابا. # ثم أخبر - عز وجل - أنه سريع الحساب، لا كحساب الذي يكون بين الخلق؛ لأن ~~الخلق تشغلهم أسباب، وتمنعهم أشياء يحتاجون إلى التفكر والتدبر، والله ~~يتعالى عن أن يشغله شيء أو يمنعه معنى، جل الله عن ذلك. # PageV02P333 # وقيل: على التقريب حسابه سريع " كأن قد جاء لقربه، والله أعلم. # قوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو): هو شهادة ربوبية، لا يتوهم له ~~كيفية، ولا يخطر بالبال له المائية، ولا يحتمل الوصول إلى حقيقة ذلك ~~بالتفكر، ولا أن يحتمل بلوغ العقل الوقوف على ذلك؛ إذ هو خلق قصر عن ~~الإحاطة بمائية نفسه، وعن إدراك وجه قيامه بالذي ركب أو تجديد من حيث نفسه، ~~وهو تحت جميع ما ذكرت، إذ هو خلق وحدث جرى عليه التدبير، ودخل تحت التقدير؛ ~~فالربوبية أحق أن ينحسر عنها الأوهام، وتكل عن توهم إدراكها الأفهام؛ وعلى ~~ذلك أمر تكوين الله الأشياء، على ما شهدت الأشياء، التي هي تحت التكوين في ~~العبارة، لا على توهم في التكوين معنى تحتمله الأفهام، أو تبلغه العقول؛ ~~وإنما هو عبارة بها جعل لا يقف على العبارات عن المتعالي عن صفات الخلق، ~~المحقق له الجلال عن جهاتهم إلا من حيث المفهوم في الخلق، للتقريب إلى ~~الأفهام دون تحقيق المفهوم، مما عن العبارة عنه -قدرت العبارات في الإخبار ~~عن الله تعالى، عن ذلك وعلى هذا القول الله والرحمن وجميع ما يتعارف الخلق ~~من الأسماء على ما يقرب من الأفهام- المراد بها لا تحقيق الحروف، أو إدخال ~~تحت تركيب الكلام وتأليف العبارة، وهذا معنى معرفة وحدانيته من جهة ضرورات ~~توجب المعرفة، على الوصف بالسبحانية له عن معاني جميع المعروفين، وبالله ~~العصمة والمعونة. # ثم قد يحتمل أن يؤذن في العبارة عن ذلك بما هو ألطف وأدفع للتوهم: توهم ~~ما لعل للقلب عند ذكر الشهادة فضل حيرة، ليس عند تلك العبارة، ms0719 وذلك يخرج ~~على وجوه في الاحتمال؛ لما يسعه عقولنا دون القطع على شيء مما وقع عندنا من ~~الرجوع إليه والله - سبحانه - أعلم من ذلك بشهادة الخلائق كلهم: ما فيها من ~~آثار الصنعة، ودلالة الربوبية، وشهادة الألوهية؛ لتكون شهادة بالذي ذكر: ~~بأن. لا إله إلا هو، إذ في كل شيء سواه هذه الشهادة بالصفة التي جعلها هو ~~فيه له، والله أعلم. # والثاني: أن يكون بذاته متعاليا عن جميع معاني من سواه من المعاني التي ~~أدخلتها # PageV02P334 # اسم مربوب، وظهر كل شيء في الحقيقة له عند توهم المعبود، لا يستحق غيره ~~غير آثار الحدثية وجهات المدخلة تحت القدرة والتدبير، وهو بذاته متعال عن ~~كلية الجهات والمعاني، التي كانت بها بعد أن لم تكن، وبها صارت مربوبة ~~عبدا، وهو متعال أيضا عن الوصف بالجهات والمعاني؛ بل هو خلق الخلق، ولا قوة ~~إلا بالله. # ويحتمل: شهد: علم، وكذلك من شهد الشيء فقد علم مخبره خلقته بإله العالم، ~~وأنه واحد لا شريك له، إله الكل وخالقهم؛ ليعلموا أنما أعلمهم أنه كما ~~أخبر، وذلك في نقض قول كثير ممن ينفون عن الله - تعالى - أنه عالم وشاهد كل ~~شيء، والله الموفق. # ويحتمل: شهد على الخلائق أن يكون عليهم القول والاعتقاد أنه لا إله غيره؛ ~~بمعنى: قضى وأمر، والله الموفق.، وليس فيما جمعه الله بشهادة من ذكر توهم ~~معنى لشهادته بما هو بشهادة من ذكر، مع ما قد يحتمل لما جمع إلى شهادته ~~شهادة من ذكر وجهان: # أحدهما: فضل من ذكر بما ذكر شهادته عند ذكر شهادتهم؛ على نحو قوله: ~~(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) الآية؛ ذكر ما له، وإن كان له ~~الخلق كله؛ بوجهين: # أحدهما: بما جعل ذلك لوجوه العبادة؛ كما أضاف إليه المساجد على أنها ~~وغيرها له، وذكر في الملائكة الذين عنده في أمر القيامة، وإليه المصير، ~~ونحو ذلك، إما مخصوص لما ذكر من الأوقات في فضل أو غير جعل له، أو لما كان ~~ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسب إليه، أو ms0720 كان لكلية المعاني ~~للعبادة؛ فمثله أمر شهادات من ذكوتها بشهادة الله؛ تفضلا لأولئك وتخصيصا، ~~من بين الخلائق، والله أعلم. # والثاني: على كون الشهادة من الإخبار بحق الأمر، نسبه إليه؛ كما نسب إليه ~~كتابة الألواح ونفخ جبريل الروح بما كان منه أمر به، فكذا فعله في الإضافة ~~إليه، والله أعلم. # ثم حق ذلك -فيما على التحقيق- أن يفهم ما عن الله ربوبية وعن العبد ~~عبودية، على # PageV02P335 # جميع ما يضاف إلى الله أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى لخلق؛ فمثله ~~أمر الشهادة، والله أعلم. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (شهد الله) إلى قوله: (إن ~~الدين عند الله الإسلام) على معنى جعل (أنه) صلة في الكلام، وحقيقته: شهد ~~الله الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدين عند الله الإسلام، ~~والإسلام في -الحقيقة-: جعل كلية الأشياء لله له، لا شريك له فيها: في ملك، ~~ولا إنشاء، ولا تقدير. والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله تعالى، ~~بأنه ربها وخالقها على ما عليها، جل عن الشركاء. # وقد قيل: الإسلام: خضوع. # وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بينا، وذلك كقوله: (ضرب الله مثلا رجلا ~~فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل)، والإيمان: هو التصديق لله تعالى، بما ~~أخبر أنه رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر. # وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينا أيضا. والله ~~أعلم. # وقوله: (قائما بالقسط): قيل: هو عادل لا يجور، لا أن للقيام معنى في ذلك؛ ~~كقوله: (كونوا قوامين بالقسط)، بمعنى: كونوا عادلين مقسطين، والله أعلم. # وقيل: قيام تول وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا ~~على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت). # وقوله: (فإن حاجوك (20) # ولم يقل: في ماذا يحاجوك؟ فيحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا. ما علم ~~الله أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة - أمره بترك المحاخة بقوله: (فقل ~~أسلمت وجهي لله)؛ # PageV02P336 # وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ ms0721 كقوله: (وتولى عنهم) (فأعرض عنهم)، ~~أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم. # وقوله: (فقل أسلمت وجهي لله): # أي: أخلصت. # ثم يحتمل قوله: (وجهي لله)، أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحدا، ولا أجعل ~~لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأربابا. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقيل: الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها لله - ~~تعالى - سالمة، لا شركة فيها لأحد؛ كما قال: (ورجلا سلما لرجل)، والإيمان: ~~هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه ~~شهادة الربوبية. # وقوله: (ومن اتبعن): # أي: ومن اتبع ديني، فقد أسلموا أنفسهم لله تعالى، أيضا، لم يشركوا فيها ~~شركاء وأربابا. # ويحتمل قوله: (وجهي لله)، أي: أسلمت أمر ديني وعملي لله؛ وكذلك من اتبعني ~~واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله - أتعالى، -: (وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد)، وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه، " ~~ومن اتبعني " أي: ومن معي. # PageV02P337 # وقوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين): قيل: الذين أوتوا الكتاب: ~~اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرءون الكتاب، ولا لهم كتاب. # (أأسلمتم) أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني. # (فإن أسلموا فقد اهتدوا): وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم. # (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ): أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا ~~البلاغ كقوله - تعالى -: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من ~~شيء) وكقوله: (إن عليك إلا البلاغ)، وكقوله: (فإنما عليك البلاغ وعلينا ~~الحساب). # وقوله: (والله بصير بالعباد): هو حرف وعيد. # قيل: (بصير): غير غافل. # وقيل: بصير بجزاء أعمالهم. # وقيل: بصير بما أسروا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (فإن حاجوك): ولم يبين في ماذا، فقد ~~يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين: # أحدهما: بعلم أهله. # PageV02P338 # والثاني: بما في الجواب؛ دليله: قوله: (يستفتونك)، (يسألونك) في غير ~~موضع، على غير البيان أنه عن ماذا؟ وهو - والله أعلم - داخل تحت ذينك ~~الوجهين. # ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت ms0722 فيما قال: (فإن حاجوك)، والحجة قد ظهرت ~~فيه؛ فكانوا يعودون إليها مرة بعد مرة؛ عود تعنت وعناد؛ فأكرم الله رسوله ~~بالإعراض عن محاجتهم، ذلك كما ظهر تعنتهم فقال: (فقل أسلمت وجهي لله) على ~~الإعراض عن محاجتهم، والله أعلم. # وعلى ذلك يخرج معنى الأمر بالتولي عنهم في غير موضع. # ويحتمل أن تكون المحاجة في عبادة الواحد القهار والأوثان التي كانوا ~~يعبدونها من دون الله؛ فبين - جل ثناؤه - في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن ~~اتبعه على ذلك؛ نحو قوله: (لكم دينكم ولي دين)، وقوله: (لا حجة بيننا ~~وبينكم) الآية، ونحو ذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # وقوله: (إن الذين يكفرون بآيات الله): قيل: بآيات الله التي في كتابهم: ~~من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم -، وصفته. # وقيل: (بآيات الله): بالقرآن، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # (ويقتلون): يحتمل قوله: (ويقتلون) أي. يهمون يريدون قتلهم؛ كقوله: (فإن ~~قتلوكم (1) فاقتلوهم)، فلو كان على حقيقة القتل، فإذا قتلونا لم نقدر على ~~قتلهم؛ وكقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)، أي: إذا أردت أن تقرأ ~~القرآن؛ وكقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) كذا، أي: إذا أردتم أن ~~تقوموا إلى الصلاة؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة لم يقدر على الغسل؛ فكذلك ~~الأول. # ويحتمل أن يريد: الرضا بقتل آبائهم الأنبياء، فأضاف ذلك إليهم. # وقيل: إنه أراد آباءهم الذين قتلوا الأنبياء. PageV02P339 # وقيل: جاء أنهم كانوا يقتلون ألف نبي كل يوم، قال الشيخ: لا أعرف هذا، ~~فإن صح فهو على أنهم تمنوا ذلك، أو قتلوا نبيا وأنصاره، فسموا أنبياء؛ لما ~~كان ينبئ بعضهم بعضا، والله أعلم. # وقوله: (فبشرهم بعذاب أليم): لو كان أراد آباءهم كيف يأمر رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالبشارة وهم موتى؟! دل هذا على أن التأويل هو الأول: ~~أنهم هموا بقتلهم، أو ورضوا بصنع آبائهم، والله أعلم. # والبشارة المطلقة إنما ms0723 تستعمل في الشرور والخيرات خاصة، إلا أن تكون ~~مقيدة؛ فحينئذ تجوز في غيرها؛ كقوله: (فبشرهم بعذاب أليم) قيدها هنا؛ لذلك ~~قال أصحابنا - رحمهم الله -: أن ليست الحقائق أولى من المجاز، ولا الظاهر ~~أولى # PageV02P340 # من الباطن؛ إلا بدليل على ما صرفت أشياء كثيرة عن حقائقها بالعرف؛ من ~~نحو: الإيمان، وغيرها. # وقوله: (أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة (22) # يحتمل وجوها: # يحتمل: أعمالهم التي فعلوا؛ قبل أن يبعث محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~فلما بعث كفروا به، فبطلت تلك الأعمال. # ويحتمل: ما كان لهم من الأعمال: من صلة المحارم، والقربات، والصدقات، ~~فبطلت لما لا قوام لها إلا بالإيمان، فلما لم يأتوا به - بطلت. # وقوله: (في الدنيا والآخرة): أما في الآخرة: فثوابها، وأما في الدنيا: ~~فحمدها وثناؤها. # ويحتمل في الدنيا: ثواب الدنيا؛ كقوله: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند ~~الله ثواب الدنيا والآخرة)، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (إن الذين يكفرون بآيات الله): فالآيات ~~أعلام وحجج، وهن أنواع: # منها حسيات، نحو: الخلائق؛ في الدلالة على وحدانية الله تعالى. والخارجة ~~منها عن احتمال وسع البشر يظهر عند أداء الرسل الرسالة، يشهد على أن الذي ~~أرسلهم هو الذي تولاها؛ ليعلم بها محجة ويوضح بها رسالتهم. # ومنها: السمعيات: وهي التي جاءت بها الرسل من الأنباء؛ عما لا سبيل إلى ~~الوقوف عليها، إلا بالتعلم بلا تقدم تعليم، أو ما لا يعلم حقيقة ذلك إلا ~~الله؛ ليعلم أن الله هو الذي # PageV02P341 # أطلعهم عليها؛ ليكون آية لهم، والله أعلم. # ومنها العقليات: وهي التي تعرف بالمحن، والبحث عنها مما بها يوصل إلى ~~معرفة التوحيد والرسالة ونحوها، ثم قد جعلها كلها لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فمن يكفر بها يخرج على وجهين: # أحدهما: على الكفران بحقيقة الآيات؛ أن يكون هن آيات لما أقيمت له، وهن ~~من الوجوه التي ذكرت، فقضى الله - تعالى - لمن يكفر بها بما ذكرت؛ لتعنتهم ~~ومعاندتهم، والله أعلم. # والثاني: أن يريد بالكفر بالآيات: الكفر بمن له الآيات؛ فنسب إلى الآيات؛ ~~لما بها تعلم الحقيقة، ms0724 كما تنسب الأشياء إلى أسبابها التي بها يوصل إليها، ~~فذلك معنى الكفر بالآيات، ثم كانت الكتب السماوية، وما فيها من النعوت، وما ~~أعجزهم عن إتيان مثل القرآن، وغير ذلك من الحسيات، والله أعلم. # فعلى ما ذكرنا يخرج معنى الكفر بالآيات؛ لأنها بحيث يأخذها الحواس، ويحيط ~~بها الأوهام والعقول؛ ولكن على أنهن آيات للذي دلكم عليه، أو على الكفر ~~بالذي له آيات توجب تحقيقه، والله أعلم. # وقوله: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) # وقال في ذلك الكتاب: (لا ريب فيه)، وقد ارتاب فيها أكثر أهل الأرض؛ قيل: ~~قوله: (لا ريب فيه) قد يتكلم به على تثبيت المقول به عند قائله، لا على نفي ~~الشك عن كل من سمعه؛ إرادة التأكيد؛ فعلى ذلك أمكن أن يخرج معناه؛ إذ هو ~~مخاطبة على ما عليه كلامهم؛ وكذلك قولهم أبدا على دوامه وامتداده، لا على ~~حقيقة الأبدية؛ وكذلك يقولون: (هذا إفك قديم)، وأمر قديم: لا على حقيقة ~~القدم؛ التي تخرج على الكون بعد أن لم يكن، والله الموفق. # والثاني: على أنه لا يرتاب فيه المتأمل المنصف بما جعل الله لذلك من ~~الآيات، وعليه من الأدلة التي من تدبر فيها - أظهرته له، حتى يصير ~~كالمعاين، ولا قوة إلا بالله. # والثالث: أن يخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن قوم مخصوصين مما ~~كانوا ينازعون فيه، بعد علمهم بصدقه؛ ليعرف به تعنتهم، ويؤيسه عن الطمع ~~فيهم، ولا قوة إلا بالله. # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم ثم # PageV02P342 # يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) # وقوله: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) # قوله: (ألم تر) إنما يتكلم به لأحد معنيين: # إما للتعجب من الأمر العظيم؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر فلانا يقول كذا، أو ~~يعمل كذا؟! يقول ms0725 ذلك له؛ لعظيم ما وقع عنده. # وإما للتنبيه. # فأيهما كان ففيه تحذير للمؤمنين؛ ليحذر المؤمنون عن مثل صنيعهم؛ كقوله: ~~(ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) من قبل الآية؛ حذر المؤمنين أن ~~يكونوا مثل أولئك الذين أوتوا الكتاب، ولا يخالفوا كتابهم كما خالفوا هم. # وقوله: (يدعون إلى كتاب الله): # يحتمل أن يكون أراد بالكتاب: التوراة؛ على ما قيل: إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لهم: " أسلموا تهتدوا، ولا تتكبروا " فقالوا: نحن أهدى ~~وأحق بالهدى منك. وما أرسل الله رسولا بعد موسى - عليه السلام - فقال لهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " بينى وبينكم التوراة والإنجيل؛ فإنه مكتوب ~~فيهما " يعني: وإني رسول الله، فأبوا ذلك خوفا وإشفاقا على ظهور كذبهم. # وقيل: أراد بالكتاب: القرآن، دعوا إليه؛ لأنه مصدق لما معهم من الكتاب، ~~فأبوا ذلك. # وقوله: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات (24) # PageV02P343 # الأيام التي عبد آباؤهم العجل، فظنوا أنهم إنما يعذبون بقدر ما عبد ~~آباؤهم العجل، وأنهم لا يخلدون في النار؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه. # ويحتمل أن يكون آباؤهم قالوا لهم: إنكم لا تعذبون في النار إلا قدر ~~عبادتنا العجل؛ فأخبر - عز وجل - أن قد غرهم في دينهم ما كانوا يفترون، ثم ~~خوفهم فقال: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه). # * * * # قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج ~~الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) # وقوله: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) ~~يحتمل قوله: (مالك الملك) وجهين: # أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك. # والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو ~~المالك لذلك، والقادر عليه. # والآية ترد على القدرية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي الكافر ms0726 ~~الملك، وهو قد أخبر - عز وجل - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به ~~الملك، فإن قالوا: أراد ب " الملك ": الدين، فقد أخبر - عز وجل - أيضا أنه ~~ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا. # ثم في الآية تقوية لمن قرأ: (مالك يوم الدين)، بالألف لأنه أعم وأجمع؛ ~~لأنه قال: (مالك الملك) وهو أعم. # والثاني: أن (الملك) إنما يعبر عن الولاية والسلطان، و " المالك ": إنما ~~يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب ~~والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السلطان يكون له ولاية ~~التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف # PageV02P344 # أقرب، ومن قرأ: " ملك يوم الدين " بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله: (الملك ~~يومئذ لله يحكم بينهم)، ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ~~ذكر، والله أعلم. # والمالك -على الإطلاق- لا يقال إلا على الله؛ وكذلك الرب -على الإطلاق- ~~لا يقال إلا على الله، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال رب الدار ~~ومالكها، ورب الدابة ومالكها، والله أعلم. # وقوله: (قل اللهم مالك الملك): # قال قائلون: الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة. # وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله: (قل هو الله أحد) إلى آخر ~~الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة. # وقال الشيخ - رحمه الله -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل ~~أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر " قل " عند قراءته. # وقوله: (اللهم): قال قائلون: " اللهم ": يعني: يا آلهتهم. # وقال آخرون: (الله) - على القطع - " أمنا " اقصدنا بالخير، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (قل اللهم مالك الملك) الآية: فكأنه - ~~عز وجل - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظا منه - أن يصرفوا وجه الرغبة ~~إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له ~~بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفه ويدوم له عزه؛ وذلك كقوله: ~~(من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا ms0727 والآخرة)، ليريهم أن الذي ~~يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقه - هو الذي ~~يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ ~~فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: (وما بكم من نعمة فمن الله)، ~~ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - ~~كان الذي يحق عليهم طلبه عند من به # PageV02P345 # يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم ~~إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذات الدنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك ~~لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب ~~بها البشر - لم يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا من هم ~~أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعا لا تابعا من الذين نالوه؛ ليعلم أن ~~الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحدا، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا ~~له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر مما عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة ~~على تفرده بملك ذلك، وتوحده بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن ~~عباده. # وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له ~~الحق ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك الذي ناله ~~الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكفرة- لم يكن نالوه بتقدير الله، ولا ~~وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به ~~أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسيئات؛ كما وعد عز وجل؛ ~~وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطى منه على ~~الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة -وإن احتمل الدفع والمنع لذلك- ولكن له ~~وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على ~~إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه ~~الله، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك ms0728 كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع ~~التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا بالله. # وعلى ذلك قوله: (أن آتاه الله الملك)، يبين ذلك احتجاجه على إبراهيم - ~~عليه السلام -، بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه الله، ~~الملك إبراهيم - عليه السلام -، لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: (أنا ~~أحيي # PageV02P346 # وأميت)، ولا قوة إلا بالله. # ثم على قول المعتزلة: إن الله - تعالى - إنما يشاء أن يؤتي الملك ~~أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، ~~وكان الوجوب على ضد ذلك؟! أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة ~~في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن ~~في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم ~~المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة ~~هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل الله عما ~~وصفته الملحدة، وتعالى، فبه العصمة والنجاة. # ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ ~~فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ ~~فظنوا أنهم أجل عند الله - تعالى - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ~~ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أولئك حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا ~~من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن الله؛ ليزيلوا عنهم ما ~~لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه الله، وأسأل الله تمام نعمه في الدين ~~والدنيا. # وقوله: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل)، وقوله: (وتخرج ~~الحي من الميت) ونحو ذلك: وجوه من الأدلة: # أحدها: أن يعلم أن الله - عز وجل - فيما يخلق - لا يخلق على معونة ~~الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع ~~تولد الذي في جوهره؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد يولد البرودة؛ فبين ~~الله - تعالى - الإنشاء على أحوال التضاد؛ ليعلم أنه القادر على اجتماع ما ~~شاء مما ms0729 شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا بالله. # والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في ~~اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسواة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز ~~الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر؛ وليعلم أن الذي قدر على ذلك ~~واحد؛ إذ لم يختلف ولم # PageV02P347 # يتناقض، ولا قوة إلا بالله. # وأيضا، أنه قد صير كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له ~~أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم ~~بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفنى كل الأجزاء ~~والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا بالله. # وأيضا، أنه إذ بني الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم ~~يجز أن يكون فعله خارجا على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في ~~تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ~~ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال ~~الحكمة، وتقرير العالم مع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود ~~في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة ~~إلا بالله. # وقوله: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) إلى آخره: يحتمل ~~وجهين: يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع -أي ~~تمنع- ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله: (رفع السماوات بغير ~~عمد)، رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: (يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور)، إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك ~~هذا، وعلى ذلك قوله: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) إيلاج ~~ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله - تعالى -: (قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة)، و (النهار سرمدا)، أخبر أنه لم ~~يجعل واحدا منهما ms0730 مؤبدا؛ وكذلك قوله: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي) إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت # PageV02P348 # ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان ~~يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعز بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل ~~بعد أن كان العز؛ وكذا قوله: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~(27) أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا. # وقوله: (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي): قيل: أن يخرج حي ~~الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من ~~الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى الله - تعالى - الكافر ميتا، ~~والمؤمن حيا في غير موضع من القرآن. # وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر. # وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي. # وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة. # وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة ~~من الحبة. # PageV02P349 # وقوله: (وترزق من تشاء بغير حساب). # قيل: (بغير حساب): يعرف الخلق عدده ومقداره. # وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم. # ويحتمل: (بغير حساب)، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافا ~~للمعتزلة. # ويحتمل: (بغير حساب): في الآخرة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " بغير هنداز - فارسية معربة ". # وعن مقاتل: " لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك ~~أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني ". والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى ~~الله المصير (28) قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29) # وقوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) يحتمل وجهين: # يحتمل: (لا يتخذ)، أي: ms0731 لا يكونون أولياء لهم، وإن اتخذوا أولياء؛ بل هم ~~لهم أعداء؛ كقوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر. . .)، إلى آخر ~~الآية. # ويحتمل: على النهي، أي: لا تتخذوا أولياء؛ كقوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء) # PageV02P350 # وكقوله: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء). # وقوله: (إلا أن تتقوا منهم تقاة): اختلف فيه: قيل: إلا أن يكون بينكم ~~وبينهم قرابة ورحم؛ فتصلون أرحامهم من غير أن تتولوهم في دينهم، على ما جاء ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~مات أبوه أبو طالب -: " إن عمك الضال توفي "، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " اذهب فواره ". # ويحتمل قوله: (إلا أن تتقوا) على أنفسكم (منهم تقاة)، إلا أن تخافوا منهم ~~فتظهروا لهم ذلك مخافة الهلاك، وقلوبكم على غير ذلك. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " التقية: التكلم باللسان، وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ". # وقوله: (ويحذركم الله نفسه): # قيل: عقوبته. # وقيل: نقمته؛ يقول الرجل لآخر: احذر فلانا، إنما يريد نقمته وبوائقه؛ ~~فعلى # PageV02P351 # ذلك قوله: (ويحذركم الله نفسه) عقوبته. وبوائقه، التي تكون من نفسه لما ~~يكون ذلك به لا بغيره، والله أعلم. # وقوله: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ... (29) # يحتمل: ما تخفوا من ولاية الكفار وتبدوه - يعلمه الله، فيه إخبار أن في ~~قلوبهم شيئا. # ويحتمل: أن يكون أراد جميع ما يخفون ويبدون (ويعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض) الآية. # * * * # قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود ~~لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد (30) ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # وقوله: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا): # قيل: تجد ثواب ما عملت من خير حاضرا؛ لأن عمله إنما كان للثواب لا لنفس ~~العمل. # (وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ms0732 بعيدا): # يحتمل: ما عملت من سوء تجده مكتوبا يتجاوز عنه؛ لأن الله - عز وجل - وعد ~~المؤمنين، وأطمع لهم قبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)؛ فيجد المؤمن ثواب ما ~~عمل من خير حاضرا، ويتجاوز عن مساوئه. وأما الكافر: فيجد عقاب ما عمل من ~~سوء في الدنيا؛ كقوله: (ووجدوا ما عملوا حاضرا)، فلا يتجاوز عنهم، ويبطل ~~خيراتهم. # وقوله: (أمدا بعيدا): # قيل: بعيدا من حيث لا يرى. # وقيل: بعيدا تود: ليت أن لم يكن، ما من نفس مؤمنة ولا كافرة إلا ودوا ~~البعد عن # PageV02P352 # ذنبه، وأنه لم يكن. # (ويحذركم الله نفسه): قد ذكرناه. # وقوله: (والله رءوف بالعباد): # إن أراد رأفة الآخرة -يعني بالمؤمنين خاصة، وإن أراد رأفة الدنيا- فهو ~~بالكل. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (والله رءوف بالعباد): فالرحمة من الله ~~- جل ثناؤه - والرأفة نوعان: # أحدهما: في حق الابتداء، أن خلق خلقا ركب فيهم ما يميزون به بين مختلف ~~الأمور، ويجمعون بين المؤتلف، ثم لم يأخذ كلا منهم بما استحق من العقوبة؛ ~~بل رحم وأمهل للتوبة والرجوع إليه، وهذه الرحمة رحمة عامة لا يخلو عنها ~~عبد. ورحمة في حق الجزاء؛ من التجاوز والمغفرة وإيجاب الثواب للفعل، فهذه ~~لا ينالها أعداؤه؛ لما يوجب التجهيل في التفريق بين الذي جعل في العقول ~~التفريق؛ ولما يكون وضع الإحسان في غير أهله، والإكرام لمن لا يصرف الكرم ~~به؛ ولما في الحكمة تعذيبهم تخويفا وزجرا عما يختارون، وينالها من تقرب ~~واعتقد الموالاة، وكان هو أعظم في قلوبهم وطاعته من جميع لذات الدارين، وإن ~~كانوا يبلون بالمعاصي على الجهالة، أو على رجاء الرحمة والعفو؛ إذ هو كذلك ~~في شرطهم الذي به والوه، وبالغلبة، والله أعلم، فهي رحمة خاصة، أي: هي ~~بالمؤمنين، وبالعباد الذين بذلوا أنفسهم له بالعبودة بحق الاختيار، وإن ~~كانوا يغلبون على ذلك في أحوال، والله الموفق. # وقوله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (31) قيل: إن ناسا ~~كانوا يقولون في عهد رسول الله - صلى الله عليه ms0733 وسلم -: إنا نحب الله حبا ~~شديدا؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية، وبين فيها لمحبته علما. # PageV02P353 # وقيل: إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ فأنزل الله - تبارك ~~وتعالى -: قل يا محمد: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وذلك أن ~~من أحب ملكا من الملوك يحب رسوله، ويتبعه في أمره، ويؤثر طاعته لحبه، فإذا ~~أظهرتم أنتم بغضكم لرسولي، وتركتم اتباعه في أمره، وإيثار طاعته - ظهر أنكم ~~تكذبون في مقالتكم: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ لأن من أحب آخر يحب المتصلين ~~به ورسله وحشمه، والمحبة -هاهنا-: الإيثار بالفعل طاعة من يحبه فيما أحبه ~~وكرهه، والطاعة له في جميع أمره، والله أعلم. # وقوله: (قل أطيعوا الله والرسول ... (32) قد تقدم ذكرها. # * * * # قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) إذ قالت امرأت عمران ~~رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) ~~فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) ~~فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # وقوله: (إن الله اصطفى آدم): # اختلف فيه؛ قيل: (اصطفى آدم ونوحا) ومن ذكر لرسالته ولنبوته. # وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام. # وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله. # قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر ~~بالدنيا، وغيرهم اختارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى ~~قوله: " إنا معاشر الأنبياء لا نورث؛ نموت موت العئبد لسيده ". # PageV02P354 # وقال الشيخ - رحمه الله - أيضا في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - ~~والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيبا ~~فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيرا عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ ms0734 هما أمران ~~يتولدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة ~~والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى ذلك وجه ذكر عواقب الفريقين في ~~الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال ~~بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيبا وترهيبا؛ وعلى ~~هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، ~~وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود ~~من مدبر العالم أن بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب ~~الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيبا فيها، وعواقب السفهاء وأهل ~~الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيذا فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة ~~والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في ~~الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو ~~كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما ~~اختاره من له وعليه حكمة وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا ~~جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازما ذلك في التدبير، ~~ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (ذرية بعضها من بعض (34) # قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية ~~إبراهيم، عليهم السلام. # وقيل: بعضهم من ذرية بعض. # وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: (والله أعلم بإيمانكم ~~بعضكم من بعض)، منع الحر عن التعظيم على العبد. # واختلف في الذرية: قال بعضهم: " الذرية ": الأولاد والآباء؛ كقوله: (ذرية ~~من حملنا مع نوح)، وكانوا الأولاد والآباء، والذرية مأخوذة، وهو الخلقة. # PageV02P355 # وقيل: " الذرية: الأولاد خاصة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصة؛ ~~دليله قوله (هب لي من لدنك ذرية طيبة). وقوله: (وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان). # واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به. # وقيل: آل الرجل: أتباعه. # وقيل: أقرباؤه. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كل تقي فهو من آلي ms0735 ". # وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود. # وقوله: (إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا (35) # لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفي آل عمران واختارهم على سائر العالمين، ~~وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محررا. # PageV02P356 # (والمحرر): هو العتيق عن المعاش بالعبادة. # وقيل: " المحرر " هو الذي يعبد الله - نعالى - خالصا مطيعا، لا يشغله شيء ~~عن عبادته، فارغا لذلك، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه. # وقيل: " المحرر " هو الذي يكون لله صافيا. # وقيل: " المحرر " هو من خدم المسجد. # وقوله: (إني نذرت لك ما في بطني محررا) # جعلت ما في بطنها لله خالصا، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع ~~الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل ~~أحد أنه إذا طلب ولدا أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريا، حيث ~~قال: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة)، وما سأل إبراهيم - عليه السلام -: (رب ~~هب لي من الصالحين)، وكقوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا. . .) ~~الآية هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار ~~والاستعانة بأمر المعاش بهم. # وقوله: (إنك أنت السميع العليم). # أي: تقبل مني قرباني، وما جعلت لك خالصا، إنك أنت السميع لنذري، العليم ~~بقصدي في التحرير. # وقيل: (السميع): المجيب لدعائي، (العليم) بنيتي. # وقوله: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى (36) # ومعنى قولها: (إني وضعتها أنثى) -مع علمها أن الله عالم بما في بطنها ~~وبما وضعتها- وجهان: # أحدهما: اعتذارا لما لم يكن يحرر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ ~~فاعتذرت: # PageV02P357 # إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت. # والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئا عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن ~~غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو. # أو يحتمل أن طلبت ردها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا ~~تصلح لذلك. # ويحتمل قولها: (إني وضعتها أنثى): التعريض ms0736 لإجابة الله - تعالى - لها ~~فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك ~~بقوله: (فتقبلها ربها بقبول حسن) نحو ما يتقبل لو كان ذكرا في الاختيار ~~والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين. # وقوله: (وليس الذكر كالأنثى). اختلف فيه: قيل: إن ذلك قولها، قالت: (وليس ~~الذكر كالأنثى) على إثر قولها: (إني وضعتها أنثى)؛ لما تحتاج الأنثى إلى ~~فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر. # وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: (إني وضعتها أنثى)، جوابا ~~لها، (وليس الذكر كالأنثى) فيما قصدت، والله أعلم. # وقوله: (وإني سميتها مريم). # فيه دليل على أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم ~~التجأت إلى الله تعالى، حيث أعاذتها به -وذريتها- من الشيطان الرجيم. # وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى، ~~عليه السلام. # وقوله: (فتقبلها ربها بقبول حسن (37) # يحتمل قوله: (فتقبلها ربها بقبول حسن): أن أعاذها وذريتها من الشيطان ~~الرجيم على ما سألت. # PageV02P358 # ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى. # وقوله: (وأنبتها نباتا حسنا). # يحتمل -أيضا- نباتا حسنا؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلا. # ويحتمل أن رباها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من ~~الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: (وجد ~~عندها رزقا)، وكقوله: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا). # وقوله: (وكفلها زكريا). # فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ ~~فمعناه ضمها زكريا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ~~ضمها إلى زكريا. # وقوله: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا). # قيل: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال ~~زكريا: (أنى لك هذا). # قيل فيه بوجهين: # قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكارا عليها ~~واتهاما؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن ~~أحدا من # PageV02P359 # البشر ms0737 يأتيها بذلك. # وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجبا منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير ~~حينه غير متغير؛ فقال: (أنى لك هذا)؛ تعجبا منه لذلك. # ثم قالت: (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب). # أي: يرزق من حيث لا يحتسب. # * * * # قوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك ~~سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) قال رب أنى ~~يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء ~~(40) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ~~واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # وقوله: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) # قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب ~~له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى ~~أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، ~~وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، ~~وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: (هنالك دعا زكريا ربه)، ~~والله أعلم. # ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها ~~في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا ~~الله - جل جلاله - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك ~~الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - عليه السلام - مع ما كان يعلم قدرة ~~الله - تعالى - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما ~~يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله ~~أعلم بالمعنى الذي سأل. # وقوله: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك ms0738 سميع الدعاء). # PageV02P360 # أي: مجيب الدعاء. # وقوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب (39) # دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة. # (أن الله يبشرك بيحيى). # فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلانا ~~فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي ~~غيره؛ ألا ترى أن البشارة -هاهنا- أضيفت إلى الله - تعالى - فكان هو ~~البشير؛ فكذلك هذا. # وقوله: (مصدقا بكلمة من الله). # (بكلمة) قيل: عيسى - عليه السلام - كان بكلمة من الله، فيحيى صدقه ~~برسالته. وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى ~~شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: (بكلمة من الله)، (وروح منه)، ظنوا ~~أنه في معنى (فيه)؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراما لهم وإجلالا، ولا يوجب ذلك ما ~~قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: (وما بكم من نعمة فمن الله)، ونحو ~~ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله: (وسيدا): # قيل: سيدا في العلم والعبادة. # وقيل: السيد: الحكيم هاهنا. # PageV02P361 # وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه. # وقيل: السيد: الحسن الخلق. # وقيل: السيد: التقي. # وقيل: اشتق يحيى من أسماء الله - تعالى - من: " حي "، والله - عز وجل - ~~هو الذي سماه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سماه مسيحا؛ بقوله: ~~(يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)، وذلك إكراما لهم وإجلالا، ~~على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ ~~إكراما لهم وإجلالا؛ فكذلك الأول. # وجائز أن يكون " يحيى " بما حيي به الدين. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (بيحيى): قيل: سماه به؛ لما حيي به ~~الدين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، ~~والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيدا؛ لأن السؤدد في الخلق ~~يكتسب بهذا النوع من الأحوال. # وسمي مسيحا بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ ~~به ويحيى، والله أعلم. ms0739 # وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن ~~يكون - عليه السلام - جمعهما فيه؛ فسمي به، والله أعلم. # والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - ~~فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ~~ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره ~~على ما يختار # PageV02P362 # من كل شيء، والله أعلم. # وقوله: (وحصورا): # قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة. # وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن. # وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء. # وكله واحد، والله أعلم. # (ونبيا من الصالحين): # ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلا صالحا؛ على ما سمي كل ~~نبي صديقا، وإن كان لا يكون إلا صديقا، ووجه ذكره صالحا: أنه كان يتحقق فيه ~~ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، ~~والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها. # والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج ~~على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل ~~الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين ~~لمن تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على ألسن الناس، وأن الذين ~~ردوا عليهم - ردوا # PageV02P363 # بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصديق، وإن كان كل نبي ~~كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون " يحيى " بما حي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ~~ولذلك سمى سيدا؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب ~~المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء ~~الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم. # وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: ms0740 خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم ~~الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، ~~وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل ~~لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في ~~الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: (وأما بنعمة ~~ربك فحدث)، وقال في الجملة: (وما بكم من نعمة فمن الله)، لا على ما توهمته ~~النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (ويكلم الناس في المهد وكهلا): # بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلا. # وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك ~~وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: (إني عبد الله)، إلى آخره: إنما هو حقيقة ~~الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله ~~أعلم. # أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، ~~على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، ~~واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا ~~بالله. # PageV02P364 # (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر (40) # يحتمل هذا الكلام وجوها: # أحدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن هاهنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم ~~بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله. # والثاني: (أنى يكون لي غلام) أي: كيف وجهه ولسببه، وكذلك قوله: (أنى لك ~~هذا)، وقوله: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها)، (أنى يكون له الملك علينا)، ~~أي: كيف وجهه وما سببه. # والثالث: (أنى يكون لي غلام) في الحال التي أنا عليها، أو أرد إلى ~~الشباب؛ فيكون لي الولد. # هذان الوجهان يحتملان، وأما الأول فإنه لا يحتمل. # وقوله: (وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) # وذكر في سورة مريم: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا): ذكر على التقديم والتأخير. ms0741 # وكذلك قوله: (ثلاثة أيام إلا رمزا) أو (ثلاث ليال)، والقصة واحدة؛ ذكر ~~على التقديم والتأخير، وعلى اختلاف الألفاظ واللسان؛ دل أنه ليس على الخلق ~~حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله ~~التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللسان. # وقوله: (قال كذلك الله يفعل ما يشاء)، وقوله: (كذلك قال ربك هو علي هين)، ~~وإن اختلف في اللسان. # وقوله: (قال رب اجعل لي آية (41) # طلب من ربه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو ~~وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - ~~لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة ~~والجوهر، وهم لا يقدرون على، # PageV02P365 # ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات ~~الله على نبينا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى ~~قال: (إنكم قوم منكرون)، حتى قالوا: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط)، فذهب ذلك ~~الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه. # وقوله: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) # قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: (أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر)؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن ~~الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربه، ويسبح بالعشي والإبكار؛ ~~كقوله: (واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار)؟!. # ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم ~~بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ~~ليكون آية للأول. # وقيل في قوله: (اجعل لي آية): أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ~~ليعرف متى يأتيها؟. # وقوله: (إلا رمزا): قيل: الرمز: هو تحريك الشفتين. # وقيل: هو الإيماء بشفتيه. # وقيل: هو الإشارة بالرأس. # وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك. # PageV02P366 # قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا ms0742 مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك ~~على نساء العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ~~ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) قالت رب أنى ~~يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون (47) # وقوله: (وإذ قالت الملائكة يا مريم): # قال أهل التفسير: هو جبريل - عليه السلام - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، ~~فإن صح الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان من الملائكة قال ذلك. # وقوله: (إن الله اصطفاك): أن صفاها لعبادة نفسه، وخصها له، ما لم يكن ذلك ~~لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها. # وقيل: اصطفاها بولادة عيسى - عليه السلام - إذ أخرج منها نبيا مباركا ~~تقيا، على خلاف ولادة البشر. # وقوله: (وطهرك): # قيل: من الآثام والفواحش. # وقيل: وطهرك من مس الذكور، وما قذفت به. # PageV02P367 # (واصطفاك على نساء العالمين): # هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصا، أو ما قد ولدت من ~~ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أربعة خطوط، ثم قال: هل تدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " ~~أفضل نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون ". وكذلك ~~روى أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: " خير نساء ~~العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة ~~بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - ". # وقوله: (يا مريم اقنتي لربك (43) # يحتمل وجهين: # الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصلاة، ثم الأمر بالركوع ~~مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، على ما هو ~~علينا؛ لأنه ms0743 قال: (واركعي مع الراكعين)؛ وعلى ذلك روي في الخبر: أنه سئل عن ~~أفضل الصلاة؟ فقال: " طول القنوت ". # ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود -وإن كان مقدما ~~ذكره على الركوع- فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء ~~في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك. # وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: (وقوموا لله قانتين) # PageV02P368 # أي: خاضعين مطيعين. # فإن قيل: كيف أمرت بالركوع مع الراكعين؟! قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي ~~قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمها وإمساكها، حتى أراد كل ~~واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟! دل أن بينهم وبينها رحما ~~وقرابة. # وقيل في قوله: (اقنتي): أي: أطيلي الركوع في الصلاة والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل (مع الراكعين): أي: ممن يركع ويخضع له ~~بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟. # وقوله: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك (44) أي: من أخبار الغيب لم تشهده ~~أنت يا محمد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك. # ثم في ذلك وجوه الدلالة: # أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك. # والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى ~~أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله - ~~عز وجل -. # والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، ~~والله أعلم. # وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام. # وقوله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) الآية. # قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ ~~إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء. # وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عاليا مع ~~الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، ~~وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ms0744 ضمها زكريا إلى نفسه. # PageV02P369 # ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمها ~~زكريا -مريم- إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين ~~الأحق من غيره؛ لوجهين: # لحق الوحي. # والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا ~~بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من ~~المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبدا. # ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، ~~فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله ~~أعلم. # أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني ~~إسرائيل - # PageV02P370 # آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت. # وقوله: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~(45) # يحتمل: (بكلمة منه): أن قال: " كن " - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر ~~البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العلقة، ثم من ~~مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى - عليه السلام - ~~على خلاف ذلك. # ويحتمل (بكلمة منه): ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: (إني عبد الله آتاني ~~الكتاب) وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك. # فإن قيل: ما معنى قوله: (ويكلم الناس في المهد وكهلا) والكهل: مما يكلم ~~الناس؟ قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: (يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم) الآية، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق ~~أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا ~~يدوم، ولا يكون إلا مرة. # والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله ~~أعلم. # وقوله: (اسمه المسيح). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " المسيح: المبارك "، أي: مسح بالبركة. # وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه كان يمسح عين الأعمى والأعور فيبصر. # وقيل: المسيح: العظيم؛ ms0745 لكنه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح ~~بلسانهم. # وقوله: (وجيها في الدنيا): بالمنزلة، ومكينا في الآخرة، (ومن المقربين) ~~في الدرجة # PageV02P371 # والرفعة، ومن كان وجيها في الدنيا والآخرة فهو مقرب فيهما. # وقوله: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر (47) # عرفت مريم أن الولد يكون بمس البشر، وعلمت -أيضا- أنها لا تتزوج، ولا ~~يمسها بشر أبدا؛ لأنها قالت: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) فإن ~~لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، ~~فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: (كذلك الله يخلق ما يشاء) دل ذلك أنها ~~علمت أنها لا تتزوج أبدا؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، ~~والله أعلم. # ويحتمل قوله: (أنى يكون لي ولد) # أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولدا، فقالت: ~~من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، (ولم يمسسني بشر)؟ # ثم قال: (كذلك الله يخلق ما يشاء) تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ~~(أنى يكون لي غلام) الآية، ثم قال: (كذلك قال ربك هو علي هين) أي: خلق ~~الخلق علي هين: بأب، وبغير أب، وبمس بشر، وبغير مس، وبسبب، وبغير سبب؛ على ~~ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد ~~بعض من بعض؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك ~~يخلق لك ولدا من غير أب ولا مس بشر، وبالله الحول والقوة. # وقوله: (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون): # أي: إذا قضى أمرا بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل ~~عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة) أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن ~~يقول: (كن فيكون)؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال ~~تشغلهم، فاقا الله - سبحانه وتعالى - عن أن بشغله شغل، أو يمنعه ms0746 مانع، أو ~~يحجب عليه حجاب. # وقوله: (فإنما يقول له كن فيكون): # ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه ~~يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، ~~أو صفة # PageV02P372 # يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني كلام الخلق أو صفاتهم، أو ~~يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من ~~الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز وجل - الخلق ~~عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته. # * * * # قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) ورسولا إلى ~~بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين (49) ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم (51) # وقوله: (ويعلمه الكتاب): بشارة منه لها -أيضا-: أنه يعلمه الكتاب، ثم ~~اختلف في (الكتاب)؛ قيل: (الكتاب): الخط هاهنا يخط بيده، ويحتمل (الكتاب): ~~الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل (الكتاب): كتب النبيين. # (والحكمة)؛ قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، ~~وقيل: السنة. # (والحكمة): هي الإصابة، وقد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (ورسولا إلى بني إسرائيل (49) أي: أجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ~~وهذا -أيضا- بشارة لها منه، وكان عيسى - صلى الله عليه وسلم - من أول أمره ~~إلى آخره آية؛ لأنه ولد من غير أب، # PageV02P373 # على خلاف ما كان سائر البشر، يكلم الناس في المهد، وأقر بالعبودية له، ~~ولم يكن لأحد من البشر ذلك، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وأنباء ~~ما كانوا يأكلون ويدخرون، وما كان له مأوى يأوى إليه، ولا عيش يتعيش هو به، ~~والبشر لا يخلو عن ذلك، ثم ألقى شبهه على ms0747 غيره؛ فقتل به، ورفع هو إلى ~~السماء؛ وذلك كله آية، وكانت آياته كلها حسية يعلمها كل أحد، وآيات رسول ~~الله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسية وعقلية: # أما الحسية: فهو انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وكلام الشاة # PageV02P374 # المسمومة، وقطع مسيرة شهر في ليلة، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها؛ ~~هذه كلها كانت حسية. # وأفا العقلية: فهذا القرآن الذي نزل عليه، وهو بين أظهرهم، وهم فصحاء ~~وبلغاء وحكماء، يتلى عليهم: (فأتوا بسورة من مثله. . .) الآية، وقوله: (قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض # PageV02P375 # ظهيرا)، فلو كان بهم طاقة أو قدرة أن يأتوا بمثله، لجهدوا كل جهد، ~~وتكلفوا كل تكلف؛ حتى يطفئوا هذا النور؛ ليتخلصوا عن قتلهم، وسبي ذراريهم، ~~واستحياء نسائهم، فلما لم يفعلوا ذلك - دل أنه كان آية معجزة، عجزوا جميعا ~~عن إتيان مثله، فأي آية تكون أعظم من هذا؟! وبالله المعونة والنجاة. # وقوله: (أني قد جئتكم بآية من ربكم): # أي: بعلامة أني رسول منه إليكم، ثم فسر الآية، فقال: (أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله) # قوله: (أني أخلق لكم) # هو على المجاز، لا على التخليق والتكوين؛ لأن الخلق ليس هو من فعل ~~المخلوق، وإنما هو من فعل الله - عز وجل - لأن التخليق: هو الإخراج من ~~العدم إلى الوجود، وذلك فعل الله - تعالى - لا يقدر المخلوق على ذلك؛ فهو ~~على المجاز؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)، ~~وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنما ذلك إلى الله - عز وجل - فمعناه: ~~أني أظهر لكم حل بعض ما حرم عليكم؛ فعلى ذلك قوله: (أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير) أي: أظهر لكم بيدي ما خلق الله من الطين طائرا؛ فيكون آية ~~لرسالتي إليكم؛ وكذلك الآيات ليس مما ينشئ الأنبياء، ولكن تظهر على أيديهم. # وإنما لم يجز إضافة التخليق إلى الخلق؛ لما ذكرنا: أنه ms0748 إخراج الشيء من ~~العدم إلى الوجود، وذلك ليس إلى الخلق. # والثاني: أن التخليق هو إخراج الفعل على التقدير، وفعل العبد إنما يخرج ~~على تقدير الله، لا يخرج على تقديره؛ لذلك لم يجز إضافة ذلك إلى الخلق، إلا ~~على المجاز. والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل ~~حقيقة خاصة، وآيات الأنبياء - عليهم السلام - هي التي تخرج على خلاف الأمر ~~المعتاد فيما بينهم، يجريها الله - سبحانه وتعالى - على أيديهم؛ ليعلموا أن ~~ذلك لم يكن بهم، إنما كان ذلك بالمرسل الذي أرسلهم؛ ليدل على صدقهم، ولا ~~قوة إلا بالله. # PageV02P376 # وإبراء الأكمه والأبرص " هو من آيات النبوة؛ لخروجها عن الأمر المعتاد ~~فيما بينهم. فإن قيل: إن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من آيات ~~النبوة؛ لعجزهم عن إتيان مثله، وخروجه عن المعتاد فيما بينهم، ولكن أنباء ~~ما يأكلون وما يدخرون لم كان من آيات النبوة، ويجوز أن يكون ذلك من منجم؟ # قيل: له جوابان -إن كان يكون مثل ذلك بالنجوم-: # أحدهما: أنه مضموم إلى الآيات؛ فصار آية بما ضم إليها. # والثاني: أن هذا -وإن كان يعلم بالنجوم- فعيسى - عليه السلام - لما علم ~~قومه أنه لم يختلف إلى أحد في تعلم علم النجوم، ثم عرف ذلك وأنبأهم بذلك - ~~دل أنه إنما علم ذلك بالله؛ فكان آية، وبالله التوفيق. # مع ما كان في قومه أطباء وحكماء وبصراء - لم يدع أحد شيئا من هذه الآيات ~~التي جاء بها عيسى - عليه السلام - دل ترك اشتغالهم في ذلك على إقرارهم ~~بأنها آية سماوية، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا به. # قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل ~~حقيقة خاصة. # وقوله (بإذن الله). # قيل: بأمر الله. # PageV02P377 # وقيل: بمشيئة الله. # واختلف في " الأكمه ": # عن مجاهد، قال: " الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " الأكمه: الأعمى الممسوح العين "، وقيل: ~~هو الذي ولد من أمه أعمى لا يتكلف أحد من الأطباء إبراء مثله، ولا اشتغل ~~بدوائه، دل أنه عرف ذلك بالله تعالى، ms0749 والأطباء يتكلفون في دفع العلل ~~العارضة الحادثة، وأما ما كان خلقة من جبلة - فلا. # وقوله: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين): # قيل: قال: إن هذا آية لكم؛ إن كنتم صدقتم أني رسول الله إليكم. # وقيل: قال: إن في ذلك لآية لكم في رسالتي؛ إن كنتم مؤمنين بالمرسل. # ويحتمل (إن كنتم تؤمنون) أي: بالآيات أنها تعرف ما جعلن له، والله أعلم. # وقوله: (وجئتكم بآية من ربكم ... (50) # الآية: ما ذكر. # وقوله: (فاتقوا الله): # يحتمل: فاتقوا الله في تكذيبي في الآيات، و (وأطيعون) في تصديقي. # وقوله: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) ظاهر، قد ذكرنا ~~فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما ~~أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) # وقوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر): قيل: أحس: علم. # PageV02P378 # وقيل: أحس: رأى؛ وهو كقوله: (هل تحس منهم من أحد). # وقيل: أحس، أي: وجد، وهو قول الكيساني، وقيل: عرف؛ وهو كله واحد. # ثم قوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله): # يحتمل - والله أعلم - أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة ~~من السماء؛ تكون لهم آية لرسالته وصدقه؛ ففعل الله - عز وجل - ذلك، وأنزل ~~عليهم المائدة، ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذابا لا ~~يعذبه أحدا، فكفروا به؛ فعلم أن العذاب ينزل عليهم؛ فأحب أن يخرج بمن آمن ~~به؛ لئلا يأخذهم العذاب، فقال: (من أنصاري إلى الله)؛ يؤيد ذلك قوله: ~~(فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين. . .) الآية. # ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، ~~فلما علم ذلك منهم، وقد هموا على قتله، قال عند ذلك: (من أنصاري إلى الله)؛ ~~أحب أن يكون معه أنصار مع الله ينصرونه؛ فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم ~~الله على أعدائهم؛ ليظهر المؤمنون من ms0750 غيرهم، وهو قوله: (فأيدنا الذين آمنوا ~~على عدوهم فأصبحوا ظاهرين). # ومن الناس من يقول: إنه لم يكن في سنة عيسى - عليه السلام - الأمر ~~بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله: (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين)، أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم؛ فلا يخلو إما أن يكون ~~قتالا أو غلبة بحجة أو بشيء ما يقهرهم، والله أعلم. # وقوله: (قال الحواريون نحن أنصار الله): # اختلف في الحواريين: # قال بعضهم: هم القصارون الغسالون للثياب، ومبيضوها. # PageV02P379 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " إنما سموا الحواريين؛ لبياض ثيابهم ~~"، وكانوا يصيدون السمك. # وقيل: الحواري: الوزير، والناصر، والخاص؛ على ما جاء عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " إن لكل نبي حواريين، وحواريي فلان وفلان "، ذكر نفرا ~~من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين، - وإنما أراد - والله أعلم - الناصر ~~والوزير. # ويحتمل أن يكونوا سموا بذلك؛ لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى - عليه ~~السلام -. كذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - والله أعلم بهم. # وقوله: (نحن أنصار الله) # إن الله يتعالى عن أن ينصر، ولكن يحتمل (نحن أنصار الله)، أي: أنصار دين ~~الله، أو أنصار نبيه، أو أنصار أوليائه؛ تعظيما. # وكذلك قوله: (إن تنصروا الله ينصركم): إن الله لا ينصر؛ ولكن ينصر دينه ~~أو رسله أو أولياؤه؛ وهو كقوله: (يخادعون الله): إن الله لا يخادع، ولا ~~يمكر، ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه، أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لما ~~نصروا دين الله ونبيه ووليه، أضاف ذلك إلى نفسه. # PageV02P380 # وقوله: (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) الآية: # ينقض قول من يجعل الإيمان غير الإسلام؛ لأنهم أخبروا أنهم آمنوا، وأنهم ~~مسلمون، لم يفرقوا بينهما، وكذلك قوله: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ~~(35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36): لم يفصل بينهما، وجعلهما ~~واحدا، وكذلك قول موسى لقومه: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين): لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقا، وهو قولنا: إن ~~العمل فيهما واحد؛ لأن الإيمان: بأن تصدق بأنك ms0751 عبد الله، والإسلام: أن تجعل ~~نفسك لله سالما. # وقيل: الإيمان: اسم ما بطن، والإسلام: اسم ما ظهر؛ ألا ترى أنه جاز في ~~الإسلام الشهادة، وفي الإيمان التصديق؟!. # وقوله: (ربنا آمنا بما أنزلت ... (53) # يعني - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل ~~جميعا، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى - عليه السلام - فالإيمان بواحد من ~~الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعا، وقد ذكرنا هذا ~~فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) إذ قال الله يا ~~عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما ~~لهم من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله ~~لا يحب الظالمين (57) # وقوله: (ومكروا ومكر الله). # مكروا بنبي الله عيسى - عليه السلام - حيث كذبوه وهموا بقتله، (ومكر ~~الله)، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز ~~أن يسمى الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عز وجل - في موضع ~~الجزاء؛ كقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه. . .)، والاعتداء منهي عنه ~~غير جائز؛ كقوله: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)؛ فكان قوله: # PageV02P381 # (فاعتدوا عليه. . .) هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع ~~والاستهزاء: لا يجوز أن يسمى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ ~~لأنها حروف مذمومة عند الناس؛ فيشتم بعضهم بعضا بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمى ~~الله - تعالى - به إلا في موضع الجزاء. وبالله العصمة. # وقوله: (والله خير الماكرين): # أي: خير الجازين أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل. # وقيل: (ومكروا)؛ حيث كذبوه وهموا بقتله، (ومكر الله)؛ حيث رفع الله عيسى ~~- عليه السلام - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى - عليه ~~السلام - من مكرهم. # وقيل: (ومكروا)، أي: قالوا، (ومكر الله): قال الله. وقولهم الشرك، وقال ~~لهم: قولوا التوحيد. ms0752 # (والله خير الماكرين)، أي: خير القائلين. # قال الشيخ - رحمه الله -: (والله خير الماكرين)؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ ~~من استحق الأخذ، وهم لا، والله أعلم. # والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي ~~مكرا لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في ~~حق الله. # وقوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك (55) # اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إلي، ثم متوفيك بعد ~~نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو # PageV02P382 # سواء؛ لأنا قد ذكرنا أن ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم ~~كذلك؛ لأنه كم من مقدم في الذكر هو مؤخر في الحكم، وكم من مؤخر في الذكر هو ~~مقدم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ~~ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها): فإنما ~~هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من ~~الدنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (إني متوفيك)، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛ # PageV02P383 # ليعلم أنه ليس بمعبود. # وقوله: (ورافعك إلي): # هو على تعظيم عيسى - عليه السلام - ليس على ما قالت المشبهة؛ بإثباتها ~~المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: (ورافعك إلي) يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل ~~الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - قال: # (إني ذاهب إلى ربي سيهدين)، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: (ثم # إلي مرجعكم)؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد - تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا - ولكن على التعظيم والتبجيل، أعني: المضاف إليه. # والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى الله فإنما يراد به تعظيم ذلك ~~الخاص؛ نحو ما قال: " بيت الله "؛ على تعظيم البيت، (ناقة الله)؛ فهو على ~~تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر وقوعه. # وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الرب - جل ثناؤه - نحو: (رب ~~العالمين)، (له ملك ms0753 السماوات والأرض)، ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الرب، جل ~~ثناؤه. # وقوله: (ومطهرك من الذين كفروا): # قيل فيه بوجوه: # قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بين أظهر المخالفين لك. # وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك مما قالوا فيك. # وقوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) # يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجة، ~~ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة. # PageV02P384 # ويحتمل قوله: (ومطهرك) بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض ~~القصة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع ~~الذين اتبعوه؛ فذلك تطهيره وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا. # وقوله: (ثم إلي مرجعكم) # ذكر هذا - والله أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في كل حال؛ لأنهم يقرون ~~ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدنيا؛ وهو ~~كقوله: (الملك يومئذ لله)، الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن ~~معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدنيا أنكروا ~~ملكه؛ وهو كقوله: (وبرزوا لله جميعا)، كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم ~~أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، والله ~~أعلم. # وقوله: (فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون). # يحتمل: أحكم بينكم من المحق منكم، ومن المبطل. # ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم. # ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون. # وقوله: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم ~~من ناصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية: # وقوله: (في الدنيا)، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (إني متوفيك ورافعك إلي) فقوله: ~~(متوفيك): # PageV02P385 # يحتمل توفي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيبا لمن ظن أنه ~~الله، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضا بوجهين ظاهرين -وإن ~~كان فيما عليه خلقته وجوهره. ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى ~~مكان ms0754 في حق القرار والحاجة- كفاية لمن يعقل الحقائق، وبلغة لمن تأمل ~~الأشياء عبرا. # أحدهما: بقوله: (ما المسيح ابن مريم)، وقوله: (عيسى ابن مريم) حتى ينطق ~~به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلها أو ولدا لإله؛ إذ هو يكون أصغر ~~منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: (إني عبد الله): إلى آخر ما ~~ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - عليه السلام - الذي هو الأصل، هو ~~المقدم، وهو الذي لا يعرف له والدان أحق أو هو؟ إذ هو بجوهره فهو ولده لا ~~غير، أو ذلك وصف الأولاد، والله أعلم. # والثاني: (كانا يأكلان الطعام): فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر ~~نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية. ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار ~~الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وبالله التوفيق. # والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، ~~وتطهيره مما كان يحس منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على ~~وجه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون ~~أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر. ولا قوة إلا بالله. # وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك ~~دليل # PageV02P386 # علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وعدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما ~~كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ~~ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنما يكون ~~بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه كانت ثم محاجات، حتى بلغ ~~الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي ~~الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان عند ~~ظهور معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى هموا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا ~~أقواما على الكفر، وأخرجوا رسول رب العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، ~~وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصنوا بالغيران، فأذن الله ms0755 تعالى عند ذلك ~~بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وحجته بينة، وفي ~~ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرسالة، لكن على ما قال الله - تعالى ~~-: (وجادلهم بالتي هي أحسن)، و (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا)، نهي عن ~~التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلوما أن لله حججا ظاهرة ~~وغامضة، ولا قوة إلا بالله. # وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف ~~والرفق يرى المقصود به؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه ~~الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي ~~في ذاك من الوعيد. # فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من ~~الضرب # PageV02P387 # والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه ~~النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، والله أعلم. # لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ~~ما كان أعظمها دون هذا بكثير - والله أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام ~~أولا؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله: (والله لا يحب الظالمين): # لأنه لا يحب الظلم. # * * * # قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين (60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين (61) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن ~~الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) # وقوله: (ذلك نتلوه عليك)، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نثلو عليك يا ~~محمد. # (من الآيات والذكر الحكيم) # هو المحكم، وقيل: (الحكيم)، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيما؛ ms0756 كما قال: ~~(والنهار مبصرا)، أي: يبصر فيه، والله أعلم. # وقوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب (59) # قيل في القصة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى ابن مريم، تزعم أنه عبد، وهو ~~يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، ~~فأرنا فيما خلق الله عبدا مثله يعمل # PageV02P388 # هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأما التشبيه: فإنما حملهم على ~~ذلك ظنهم في قول إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال: (ربي الذي يحيي ~~ويميت)؛ ظنوا أن عيسى لما قال: (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) أنه رب ~~وإله؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - أخبر أن ربه (الذي يحيي ويميت)؛ فسموا ~~عيسى إلها بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا ~~الله - عز وجل - وإلا ما شبهوه به، تعالى الله عن ذلك. # وأما القدرية: فلما لم يروا لله في أفعال العباد صنعا؛ إنما رأوا ذلك ~~للخلق خاصة، # PageV02P389 # فلما رأوا ذلك من عيسى - عليه السلام - ظنوا أنه رب؛ لما لم يروا ذلك من ~~غيره، ولو كانوا عرفوا الله حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا ~~تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنما الإحياء كان من الله ~~- عز وجل - أجراه على يدي عيسى - عليه السلام - وأظهره، وإنما كان من عيسى ~~تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الله - عز ~~وجل - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: ~~لكونه من غير أب، ولآياته. # ثم قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) - يحتمل وجهين - والله أعلم -: ~~أحدهما: أن الله - عز وجل - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز ~~أن يقال صار آدم حيا من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى ~~لما صور ذلك الطير من الطين، صار محييا له بتصويره إياه ms0757 دون إحياء الله - ~~تعالى - إياه؟! والله أعلم. # والثاني: أن آدم - عليه السلام - خلق لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه رب # PageV02P390 # أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؟ إذ عدم الأبوة ~~في آدم لم يوجب أن يكون ربا؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربا ~~وإلها؟! والله الموفق. # وإنما كان عيسى بقوله: " كن " - كما كان آدم، أيضا، ب " كن " - من غير ~~أب. # وقوله: (كن): # قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، ~~لا أن كان من الله - عز وجل - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه ~~بشيء مما يوصف به كلام الخلق، تعالى الله عن ذلك. # وقوله: (فيكون): # يحتمل وجهين: # يحتمل " يكون "، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى. # والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما ~~أراد، وأصل ذلك، إذا ذكر الله ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر ~~الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت ~~خلقه. # وقوله: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) # يحتمل هذا وجوها: # يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من ~~الممترين في عيسى أنه عبد الله خالصا، وأنه نبيه ورسوله إليكم. # ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد غيره؛ وهكذا ~~عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئا، يخاطبون أعقلهم ~~وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدرا عندهم؛ استكبارا منهم مخاطبة كل وضيع وسفيه؛ ~~فكذلك (ولله المثل الأعلى)، الله - عز وجل - خاطب نبيه؛ إعظاما له وإجلالا، ~~والله أعلم. # ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد ~~أمرا ونهيا، # PageV02P391 # وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبدا، والله الموفق. # وقوله: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم (61) # دعاهم - صلى الله عليه وسلم ms0758 - إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: ~~الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفا ~~منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا، ~~وكابروا؛ فلم يقروا بالحق. # وقوله: (إن هذا لهو القصص الحق (62) # يعني: الخبر الحق. # وقوله: (وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم): # ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم. # وقوله: (الحق من ربك)، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى - عليه السلام - أنه ~~كان عبدا بشرا نبيا، (فلا تكن من الممترين)، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم ~~وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الذي جاءك عن الله؛ ~~كقوله: (فلعلك تارك بعض # PageV02P392 # ما يوحى إليك) إلى آخره: على الموعظة، لا على أنه يكون كذلك، أو على ما ~~سبق ذكره، والله أعلم. # ويحتمل: (الحق من ربك)، أي: كل حق فهو عن الله جائز إضافته إليه، على ~~الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، (فلا تكن) في ذلك ~~(من الممترين)، والله أعلم. # وجائز أن يقول: جعل الله ذلك الفعل ممن فعله باطلا، ولا يقال: الباطل من ~~الله، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64) # وقوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم): # يعني: كلمة الإخلاص والتوحيد، (سواء بيننا وبينكم)، أي: عدل، أي: تلك ~~الكلمة عدل بيننا وبينكم؛ لأنهم كانوا يقرون أن خالق السماوات والأرض: ~~الله، بقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، وكذلك ~~يقرون أن خالقهم الله، بقوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، لكن ~~منهم من يعبد دون الله أوثانا، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى)، ومنهم من يجعل له شركاء وأندادا يشركهم في عبادته، فدعاهم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى ألا يجعلوا عبادتهم لغير الذي أنعم عليهم؛ ms0759 إذ ~~العبادة لا تكون إلا لله الذي أقروا جميعا أنه خالق السماوات والأرض، وأنه ~~ربهم، وألا يصرفوا عبادتهم إلى غير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة هي لشكر ~~وجزاء ما أنعم عليهم. # (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله)؛ لأن العبادة لواحد أهون وأخف من العبادة لعدد، وأن صرف العبادة إلى ~~من أنعم عليكم أولى من صرفها إلى الذي لم ينعم عليكم؛ إذ ذاك جور وظلم في ~~العقل أن ينعم أحد على آخر، فيشكر غيره. # PageV02P393 # قال الشيخ - رحمه الله -: العدل في اللغة: وضع الشيء في موضعه، وفي إخلاص ~~العبادة لله والتوحيد - ذلك وهذا معنى سواء. وجائز أن تكون كلمة يستوي فيها ~~أنها عدل ما شهد لنا بهذا كل أنواع الحجج. # وقوله: (فإن تولوا): # يحتمل: تولوا عن طاعة الله وتوحيده، وصرف العبادة إليه. # (فقولوا). # كذا. # ويحتمل: فإن تولوا عن المباهلة والملاعنة - فقولوا (اشهدوا بأنا مسلمون) ~~أي: مخلصون العبادة له، صادقون الشكر على ما أنعم علينا، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: فإن تولوا عن قبول ما دعوتهم إليه من الاجتماع ~~على الكلمة. # * * * # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به ~~علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~(67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ~~ولي المؤمنين (68) # وقوله: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم). # قيل: وذلك أن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا اليهودية، والنصارى ~~ادعت أنه كان على دينهم ومذهبهم، ليس على دين الإسلام؛ فنزل قوله: (لم ~~تحاجون في إبراهيم) يعني: في دين إبراهيم. # PageV02P394 # (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) يعني: من بعد إبراهيم، وهو ~~يحتمل وجهين: # يحتمل: أن التوراة والإنجيل إنما نزلا من بعده، وأنتم لم تشهدوه - يعني: ms0760 ~~إبراهيم - حتى تعلموا أنه كان على دينكم، لم تقولون بالجهل أنه كان على ~~دينكم؟!. # ويحتمل: (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده)، أي: أن التوراة ~~والإنجيل ما نزلا إلا من بعد موته، وكان فيهما أنه كان حنيفا مسلما # (أفلا تعقلون) # وأنه كان حنيفا مسلما؟! ثم أكذبهم الله - عز وجل - فقال: # (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين) # قال الشيخ - رحمه الله -: وفي هذه الآية دلالة أنهم علموا أنه كان مسلما، ~~لكن ادعوا ما ادعوا متعنتين؛ حيث لم يقابلوا بكتابهم بالذي ادعوا من نعته، ~~وبخلاف ما ادعى عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعته. # وفيه دلالة الرسالة؛ إذ في دعواهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يعرف نعته بهم، لما ادعوا هم غير الذي ادعى؛ فثبت أنه عرف بالله، وذلك ~~علم الغيب، والله الموفق. # وقوله: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم ~~به علم (66) # وهو ما ذكرنا، وفيه دلالة جواز المحاجة في الدين على العلم به، وإنما نهي ~~هؤلاء عن المحاجة فيما لا علم لهم؛ ألا ترى أن الرسل - عليهم السلام - ~~حاجوا قومهم: حاج إبراهيم قومه في الله، وذلك قوله: (وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه) وموسى - عليه السلام - حاج قومه، وما من نبي إلا وقد حاج ~~قومه في الدين؛ فذلك يبطل قول من يأبى المحاجة في الدين. # قال الشيخ - رحمه الله -: وأيد الحق أنه كذلك - عجز البشر عن إيراد مثله، ~~وعجزهم عن المقابلة بما ادعوا أنهم عرفوه بالله. # وقوله: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~(68) # PageV02P395 # وهكذا يكون في العقل أن من اتبع آخر وأطاعه؛ فهو أولى به، وإنما الحاجة ~~إلى السمع بمعرفة المتبع له والمطيع أنه ذا أو ذا؛ فأخبر - عز وجل - أن ~~الذين آمنوا والنبي - صلى الله عليه وسلم - هم المتبعون له؛ فهم أولى به. # وقوله: (والله ولي المؤمنين) # اختلف فيه؛ قيل: الولي: الحافظ. # وقيل: الولي: الناصر. # وقيل: هو ms0761 أولى بالمؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقد يكون وليهم: بما دفع عنهم سفه أعدائهم في إبراهيم، وأظهر الحق في ~~قولهم. # قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله - تعالى -: (تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم. . .) الآية، وفي قوله: (لم تحاجون. .)، وفي قوله: (لم تلبسون ~~الحق بالباطل. . .) الآية، ونوع ذلك من الآيات التي خص بالخطاب بها أهل ~~الكتاب - وجوه من المعتبر. # أحدها: أن الذين خوطبوا بهذا الاسم كانوا معروفين، وأنه لم يخطر ببال ~~مسلم أنه قصد به غير أهل التوراة والإنجيل، ولا ذكرت تلاوتها في حق المحاجة ~~على غيرهم، ثبت أن المجوس ليسوا بأهل الكتاب، وأن المراد من ذكر أهل الكتاب ~~غيرهم، وأن أخذ الجزية من المجوس ليس مما تضمنهم قوله: (من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)؛ لكن بدليل آخر، وهو ما روي عن ~~نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " " سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ~~ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم "؛ وعلى ذلك أيد قوله: (أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا)؛ ليعلم أن الكتاب المعروف وأهله: هؤلاء، ~~إن كانت ثم كتب وصحف، والله أعلم. # والثاني: أن الله خص أهل الكتاب بأنواع الحجج، وجعل المحاجة بينهم وبين ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليوضح أنه -وإن كان مرسلا إلى جميع ~~البشر- كان له التخصيص في المحاجة؛ وعلى ذلك عامة " سورة الأنعام " في ~~محاجة أهل الشرك، على أن أهل المدينة كانوا أهل كتاب، وأهل مكة كانوا أهل ~~شرك، فحاج كلا بالذي هو أحق أن يكلم فيه، وإن كانت # PageV02P396 # الحجة تلزم الفريقين؛ لأن محاجة أهل الشرك أكثرها في التوحيد وأمر البعث، ~~وعلى وجوده فيه: في أهل الكتاب بعض المشاركة لهم، ومحاجة أهل الكتاب بما في ~~كتبهم، وفيه وجهان: # أحدهما: العلم بما قد غاب عنه السبب الذي يوصل إليه بالكسب؛ ليعلم أنه ~~وصل إليه بالوحي؛ فيكون من ذلك الوجه حجة على الفريقين. # والثاني: ظهور سفه أهل الكتاب بوجه يسقط عند التأمل الريبة والمحل الذي ~~كان يمنعهم ذلك ms0762 عن اتباعه، وذلك فيما مدح كتبهم، وشهد لها بالصدق والحق، ~~وإظهار الإيمان برسلهم؛ ليعلم أنه ليس بين الرسل والكتب اختلاف في الدعاء ~~إلى عبادة الله وتوحيده، وأن أولئك إنما كذبوا؛ لتسلم لهم الرياسة، ثم -مع ~~ذلك- ظاهروا أهل الشرك المكذبين لكتبهم ورسلهم؛ ليعلم كل ذي عقل شبههم ~~وتمردهم في الباطل؛ إذ ظاهروا أعداءهم في الدين على من الذي أظهروا موالاته ~~في الدين ولى له؛ فيكون في ذلك أبلغ الزجر لمتعنتيهم، وأعظم الحجة عليهم ~~فيما آثروا من السفه وتركوا الحق، والله أعلم. # وفي ذلك وجه آخر: أن أهل الشرك قد عرفوا حاجاتهم إلى أهل الكتاب في أمور ~~الدين، وما عليه أمر السياسة؛ فيصير ما يلزم أولئك من الحجة لازمة لهم في ~~محاجته بالذي في كتبهم - لزوم الحجة، مع ما عليهم في ذلك بما قد (أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم) الآية، أبلغ الحجة في محاجة أهل الكتاب؛ إذ تمنوا أن ~~يكون منهم نذير فكان، وقد بلغ المبلغ الذي له ظهر بما خصوا من الحجج، ~~وشاركوا أولئك في جميع ما به كان افتخارهم عليهم ودعوى الفضل، والله أعلم، ~~مع ما لم يكن له اللسان الذي به ظهر كتبهم، أخبر هو جميع ما في كتبهم بغير ~~لسانهم؛ ليعلموا أنه أدرك ذلك ممن له حقيقة كتبهم، والله أعلم. # وفي ذلك وجه آخر: أنه حاجهم بوجهين: # أحدهما: بالموجود في كتابهم، والمعروف عند أئمتهم من العلم بالكلمة التي ~~دعاهم إليها من التوحيد وعبادة من له الخلق والأمر، وإخبار ما في كتبهم من ~~أنواع البشارات به، ومن موافقة الكتب، وعلى ذلك أمر إبراهيم - عليه السلام ~~- وغيرهم؛ ليكون أعظم # PageV02P397 # في الحجة، وأقطع للشغب، والله أعلم. # والثاني: بما قد حرفوا من كتبهم، وبدلوا من أحكامهم، وحرفوا من صفته ~~ونعته ونعت أمته؛ ليعلم كل متأمل أنه لا وجه لتعلم ذلك بهم؛ إذ لا يحتمل أن ~~يكون منهم هتك أستارهم، والاطلاع على أسرارهم بما لا يتهيأ لهم دفع دلك، ~~ولا المقابلة في ذلك؛ ليعلم كل الخلائق: من انقاد لهم أو لا، أن ذلك لا ms0763 ~~يدركه إلا بمن له العلم بكل سر ونجوى، ولا قوة إلا بالله. # مع ما في ذلك وجهان من المعتبر: # أحدهما: أن ذلك الزمان لم يكن زمان حجاج ونظر في أمر الدين؛ إنما كان ذلك ~~الزمان زمان تقليد في أمر الدين، وتناه في أمر الدنيا، وتفاخر بكثرة ~~الأموال والمواشي؛ فبعث الله - تعالى - رسولا نشأ من بين أظهرهم، دعاهم إلى ~~ترك التقليد في الدين، واتباع الحجج التي لا يبلغها أهل الحجاج بعقولهم دون ~~أن يكون لهم المعونة من علم الوحي، وما فيه من حكمة الربوبية؛ فكيف والقوم ~~أصحاب التقليد؟! إما ثقة بأئمتهم الذين ادعوا علم الكتب المنزلة، وإما ثقة ~~وإيمانا بآبائهم فيما نشئوا عليه: أن الحق لا يشذ # PageV02P398 # عنهم، على ما في ذلك من الاختلاف الذي يمنعهم الأمرين جميعا، لكنهم إذا ~~لم يكونوا أهل نظر في الدين ومحاجة فيه، لم يعرفوا أن ذلك يمنعهم التقليد؛ ~~فأظهر لهم الحجج، وأنبأهم بالمودع من حجاج أنبيائهم في كتبهم، وألزمهم أن ~~في آبائهم من يلزم التقليد، كانوا أحق بذلك بما كان عندهم أن آباءهم كانوا ~~على دينهم بما بين من تغييرهم وتبديلهم، وترك الواجب عليهم من حق الاتباع، ~~والله أعلم. # والثاني: أن أظهر فيهم الاختلاف في أئمتهم، على ادعاء كل منهم أن ذلك هو ~~الذي كان عليه الأنبياء والرسل في أهل الكتاب؛ وحاجات غيرهم بما ليس عندهم ~~إلا آراء ليس عندهم فضل على القول، ثم كان معلوما عند الاختلاف والتفرق؛ ~~فصارت الحاجة قد عمتهم، والعلم بهم في لزوم الأحكام إلى من يدلهم على الحجة ~~ويعرفهم الحق الذي قد تقرر عندهم؛ فبعث الله بفضله من أظهر لهم بما أنطق به ~~لسانه من الحجاج، وأراهم من علمه مما غيروا حفظ ما كان عليه أوائلهم؛ فكان ~~ذلك أظهر البيان، وأولى ما يعرف من أفضال الله عليهم بالإغاثة، والامتنان ~~عليهم بالفرج مما قد مستهم إليه الحاجة، ودفعهم إلى العلم به الفاقة، والله ~~الموفق. # وفي الفصل الأول بقي حرف لم نذكره، وهو أن دعاهم إلى الزهد في الدنيا بعد ~~الركون إليها، ms0764 وإلى الأخوة في الدين بعد ظهور التفاخر بينهم بتكثير ~~العشائر، وتقابل القبائل، والسخاء بجميع ما طبعوا عليه بما قدر عندهم: ما ~~إليه ترجع عواقب أمرهم، وقام بذلك على قهر العادة ومخالفة الطبيعة التي ~~يعلم أن ذلك في مثل ذلك العصر آية سماوية خارجة عن وسع البشر؛ ليكون أقطع ~~لعذرهم، وأسكن لقلوبهم إليه؛ فلله الحمد على ذلك. # وقوله، (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء. . .) الآية. # قيل فيها بأوجه: # أحدها: أنها العدل، وهي كلمة التوحيد، وكانت عدلا باتفاق الألسن؛ إذ ~~سئلوا عمن خلق السماوات والأرض في الفزع إليه بالإجابة، وشهادة الخلقة على ~~وحدانية من له الخلق والأمر، والله أعلم. # PageV02P399 # ومن هذا الوجه أمكن أن يحاج جميع الخلق، وإن خص به أهل الكتاب، والله ~~أعلم. # وأخرى: أن يستوي فيها أنها حق وعدل، وهي عبادة الواحد الذي لم يختلف في ~~أنه معبود، وأن كل من عبد غيره فعلى أن يكون له العبادة يعبده، فيرجع إلى ~~حقيقته دون أن يكون بيننا وبينه من يعلم أنه لا يستحق العبادة، وهذا المعنى ~~يلزم الجمع، أيضا. # والثالث: أن يكون إلى كلمة ظهر أنها عدل في كتابهم بما جاءت رسلهم، ونزلت ~~بها كتبهم، ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا ~~أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # وقوله: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم): # ذكر في القصة أن المشركين أخذوا عمارا وحذيفة، فقالوا لهم: ديننا أفضل من ~~دينكم، وأفضل من الأديان كلها؛ فنزل هذا. # والأشبه أن يكون مثل هذا من رؤساء أهل الكتاب، وعلماؤهم هم الذين يتولون ~~مثل هذا العمل، وأما الجهال منهم والرذلة، فإنهم لا يفعلون هذا، والله ~~أعلم. # وقوله: (وما يضلون إلا أنفسهم): # الإضلال: قيل فيه بوجوه: قيل: الإضلال هو الإخمال؛ أرادوا أن يخمل ذكرهم، ~~ولا يذكرون بعدهم أبدا، كما ذكر أولئك. # PageV02P400 # وقيل: الإضلال: الإهلاك. # وقيل: الإضلال: هو التحير، ms0765 وكل ضال طريقا فهو متحير تائه، (وما يضلون إلا ~~أنفسهم) أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وما يخملون إلا ذكر أنفسهم. # (وما يشعرون) # أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم، أو يحيرون، وما يشعرون ماذا عليهم ~~فيما ودوا من أليم العقاب، والله أعلم. # ويقال: نزلت في عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. # وقوله: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) # قوله: (وأنتم تشهدون): يحتمل وجوها: # يحتمل: وأنتم تشهدون تلك الآيات، وتعاينونها، وتعلمون أنها آيات، لكن ~~تكابرون وتعاندون، ولا تؤمنون بها. # ويحتمل: (وأنتم تشهدون)، أي: وأنتم تعلمون ما في التوراة والإنجيل: من ~~بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته - أنه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أفضل المخلوقات، وأنه حق، ولكن لا تتبعونه. # وقيل: (وأنتم تشهدون)، أي: تعلمون أنها آيات؛ والآيات تحتمل: القرآن، ~~وتحتمل: رسول الله محمدا. وتحتمل غيرها من الآيات التي جاء بها. # وقال بعضهم: لم تكفرون بدين الله، وأنتم تعلمون بدلالة الخلقة، وشهادة ~~كتبكم أن دين الله وتوحيده حق؟!. # وقوله: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ~~(71) # في الآية دلالة جواز هتك الستر، وإفشاء المكنون والمكتوم من الأمر؛ إذا ~~كان في ذلك تحذير لغيرهم عن مثله، وترغيب لهم في المحمود من الفعل. # ثم فيه دلالة إثبات رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه يخبرهم ~~عما كانوا يكتمون ويسرون فيما بينهم، وذلك من إطلاع الله إياه على ذلك. ~~(وأنتم تعلمون): ذلك؛ ألا ترى أنهم لم يتعرضوا له بشيء من ذلك، فيقولوا: ~~متى كتمنا الحق؟ ومتى لبسنا الحق بالباطل؟! فدل # PageV02P401 # أنهم علموا أنه حق، وأنه رسول الله، وأن ذلك إنما علم بإله - عز وجل - ~~وذلك قوله: (وأنتم تعلمون)، ثم علم ذلك يكون بأن كان ذلك في كتابهم، أو ~~علموا بالآيات المعجزة. # ويحتمل قوله: (وأنتم تعلمون) - ما جزاء من لبس الحق بالباطل وكتمه، والله ~~أعلم. # ويحتمل: وأنتم تعلمون أنكم تلبسون الحق بالباطل. # * * * # قوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه ms0766 النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ~~قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) يختص برحمته من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) # وقوله: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره) # وقيل فيه بوجوه، قيل: قوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره)، يعني: بأول أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - لا ~~النهار نفسه، وذلك ما روي في القصة أن بعضهم كان يقول لبعض: إن محمدا كان ~~على قبلتنا وقبلته بيت المقدس، ويصلي إليها، فآمنوا أنتم به، (واكفروا ~~آخره)، يعني: آخر أمره، يعنون قبلة: البيت الحرام الكعبة، أي: اكفروا ~~بقبلته التي يصلي إليها الآن، وهي الكعبة. # وقيل: إن بعضهم يقول لبعض: آمنوا بمحمد في أول أمره؛ حتى يؤمن به جميع ~~العرب، ثئم اكفروا به في آخر أمره؛ فيقولون لنا: لم كفرتم به ورجعتم عن ~~دينه؟ فنقول لهم: إنا وجدنا في التوراة نعت نبي وصفته، فحسبنا أنه هذا؛ ~~فآمنا به، ثم نظرنا فإذا ذلك لم يكن نعته ولا صفته؛ فرجعنا عن دينه وكفرنا ~~به؛ حتى يرجعوا جميعا عن دينه؛ فذلك قوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا وجه النهار واكفروا آخره). # وقيل -أيضا-: إن رءوس اليهود قالوا للسفلة: صدقوا بالقرآن وبمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وجه النهار، يعني: أول النهار، يعني: صلاة الغداة، فإذا ~~كان صلاة العصر اكفروا به، فقولوا لهم: إن قبلة بيت المقدس كانت حقا؛ فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال؟! ليرجعوا عن # PageV02P402 # دينهم. # فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه دلالة رسالة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لما ذكرنا أنه كان يخبرهم بما يضمرون في أنفسهم ويسرون، فذلك من ~~إطلاع الله إياه. # ويحتمل قوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار)، أي: أظهروا ~~لهم الإسلام والموافقة، ولا تؤمنوا به في الحقيقة؛ يدل على ذلك قوله: ms0767 (ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) في الحقيقة، أي: آمنوا به ظاهرا، وأما في ~~الحقيقة فلا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. # وقال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا) الآية -: يحتمل وجهين: # أحدهما: حقيقة النهار، ثم يتوجه وجهين: # أحدهما: أمر القبلة خاصة، فيريدون بذلك المحاجة بالموافقة في أحد الوقتين ~~عليهم فيما خالفوا في ذلك، وإن علموا أن ذلك حق؛ ليشبهوا على الضعفة أنه لا ~~تزال تنتقل من دين إلى دين، ومذهب إلى مذهب، وأن من لزم الدين الأول ~~والمذهب الأول أحق للموافقة فيه مرة، ولما لا يؤمن البقاء على الثاني، وهو ~~كقوله: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها)؛ ~~وعلى ذلك أنكروا جواز نسخ الشرائع سفها منهم؛ إذ ليس معنى التناسخ إلا ~~اختلاف العبادات، لا اختلاف الأوقات، وذلك المعنى قائم، وما التناسخ إلا ما ~~عليه تناسخ الأحوال في كل، على أن العبادات فيها المصلحة، ومن تعبدهم عالم ~~بالذي به الأصلح في كل وقت، فله ذلك. # PageV02P403 # والثاني: أن يكون الذي أول النهار لعله أنزل بما فيه وصف رسلهم وكتبهم من ~~الهدى والبيان، أو وصف أوائلهم في رعاية الحق، وتعاهد الدين؛ فأمروا ~~بالإيمان بذلك؛ ليروا قومهم أن قد ثبت وصف من تقدم بما ذكر، وأنهم على ذلك، ~~ومنه جاء فيما أخبر من تبديل من بذل من أوائلهم وتحريفهم، إلا إن كانوا ~~كذلك؛ ليلزموهم التقليد في الأمرين، والله أعلم. # وحقه أنه إذا عرف حال الأوائل لا يهم؛ فعلى ذلك أمر الآخر ومن به كانت ~~المعرفة ألزمهم التصديق في الأمرين جميعا، ومع ما أن في القرآن وصفا بتصديق ~~كتبهم، فحقهم فيما هووا مقابلة كتب أنبيائهم؛ لتكون هي القاضية والمثبتة ~~للحق أنه على ما ادعوا أو ادعي عليهم. وقد ظهر تعنتهم بمظاهرتهم للمنكرين ~~لكتبهم، المكذبين برسلهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد تصديقه ~~إياهم وشهادة كتابه بذلك؛ ليعلم المتأمل عنادهم بغيا وحسدا، كما أخبر الله ~~- تعالى - عنهم. # والوجه الآخر من ms0768 تأويل الآية: أن يراد بما أخبر عنهم أول أمره وآخره، لا ~~حقيقة بياض النهار. # ثم ذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون دعاه في أول الأمر إلى التوحيد، والإيمان بالكتب ~~المتقدمة، وهم يدعون إلى ذلك؛ وعلى ذلك كانوا قبل ظهور رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وآخر ذلك بما تبين من تحريفهم وتعنتهم، لما أخذهم البغي ~~وغلبهم الحسد، وخافوا على رياستهم، وأشففوا على ملكهم، وجزاء الشح، وإظهار ~~كثير مما قد كتم أوائلهم؛ فكذبوه في هذا، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ذلك من أئمتهم اصطلاح على الإيمان بذلك؛ حتى يعلم محلهم ~~وحرصهم على قبول الحق، ثم يكفرون به؛ ليكون الأول ذريعة لهم في الثاني؛ ~~أنهم إذ ظنوا أنه على الحق أذعنوا له؛ فلما تبين لهم باطله رجعوا عن ذلك، ~~فأطلع الله نبيه - عليه السلام - على ما أسروا؛ ليصير ما ظنوا أنه حجة لهم ~~حجة عليهم، وجملة ذلك: أنا لا ندري ما السبب الذي كان منهم القول وفيما ~~كان، ولكنه قد بان أن ذلك كان منهم إسرارا أطلع الله نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - عليه؛ ليكون حجة له، وزجرا لهم عن كل أنواع التبديل في شأن رسوله - ~~عليه أفضل الصلوات - بما يهتك عليهم؛ فيفتضحون عند من راموا ستر # PageV02P404 # أمرهم، وتسقط رياستهم، والله الموفق. # وقوله: (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم): # اختلف فيه، قيل: هو على التقديم والتأخير؛ قوله: (أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم) - كان على أثر قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم): يقول بعضهم ~~لبعض: ما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، ولا بعث نبيا مثل نبتكم؛ قالوا ذلك ~~حسدا منهم. # وقيل: إن هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين: لما نزل ~~قوله: (قل إن الهدى هدى الله) - قال لهم: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)، ~~يقول: دين الله الإسلام هو الذين (أن يؤتى)، يقول: لن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم من دين الإسلام، والكتاب الذي فيه الحلال والحرام، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ms0769 قال: لن يؤتى أحد من الأنبياء قبلي من الآيات مثل ما ~~أوتيت أنا؛ لأن آياتهم كانت كلها حسية يفهمها كل أحد، وآيات رسول الله كانت ~~حسية وعقلية لا يفهمها إلا الخواص من الناس وخيرتهم. # وقوله: (أو يحاجوكم عند ربكم): # راجع إلى قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) ف (يحاجوكم عند ربكم) ~~أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم ~~به عند ربكم): أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ~~(إنما نحن مستهزئون)؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم ~~عند ربكم في الآخرة؟!. # وقوله: (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) يختص ~~برحمته من يشاء) # هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك ~~الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل ~~بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتى أحدا فضلا، ولا له أن ~~يختص أحدا برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فذلك الفضل والاختصاص ~~إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قولهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان ~~بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم # PageV02P405 # الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ ~~بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم (73) ~~يحتمل أن يكون في السر، وإن أعطيتم لهم الظاهر. # ويحتمل: أن يكون بعد ما أظهرتم اكفروا آخره. # ويحتمل: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، ~~يتقرر عندهم -بالذي فعلتم- أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه. # ويحتمل: (لا تؤمنوا): لا تصدقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، (إلا لمن تبع ~~دينكم) على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل، والله ~~أعلم. # وقوله: (إن الهدى ms0770 هدى الله): يحتمل وجهين: # أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو ~~تلبيس وتمويه. # ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا ~~الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون. # (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)، أي: لن يؤتى - والله أعلم - من الكتاب ~~والحجج. # ويحتمل أن يكون صلة قوله: (إن الهدى هدى الله)، وهو دينه، أو ما دعا ~~إليه، ثم يقول: (أن يؤتى) بمعنى: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من ~~الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم. # وقوله: (أو يحاجوكم عند ربكم): فإن كان هو صلة الأول، و " أو " بمعنى: " ~~ليحاجوكم "، أو: " حتى يحاجوكم " إذا آمنتم بما دعوا إليه؛ فيحاجوكم بذلك ~~عند ربكم، أي: إنما آمنتم بالذي جاء لكم من عند ربكم؛ فيصير ذلك لهم حجة ~~عليكم. # وإن كان صلة الثاني، فهو على أنهم لا يؤتون مثل ما أوتيتم من الحجج؛ ~~ليحاجوكم بها عند ربكم في أن الذي هو عليه حق؛ لما قد ظهر تعنتهم وتحريفهم ~~- والله أعلم - ثم بين السبب الذي هو نيل كل خير وفضل، والله أعلم. # PageV02P406 # وقوله: (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء)، وقوله: (يختص برحمته من ~~يشاء (74) ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين: # أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحدا -بشيء فيه صلاح- غيره صرفه عن ذلك ~~الغير، بل إن فعل ذلك كان محابيا عندهم بخيلا، بل في الابتداء لم يكن له ~~ذلك؛ وإنما يعطى بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه، وقد ذكر بحرف الامتنان. # وعندهم -أيضا-: ليس له ألا يشاء أو لا يعطى؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ~~ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم. # والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كلا الأصلح في الدين، وأنه إن قصر ~~أحدا عن ذلك كان جائزا، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ ~~فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتى نفسه إن شاء ويمنع إن شاء، ms0771 والله ~~الموفق. # * * * # قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) بلى من أوفى ~~بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # وقوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك): # والقنطار ما تقدم ذكره، (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك): # وصف - جل وعز - أهل الكتاب بعضهم بأداء الأمانة، وبعضهم بالخيانة، وليس ~~المراد من الآية - والله أعلم - القنطار نفسه أو الدينار، ولكن وصفهم بأن ~~فيهم أمانة وخيانة، قلت الخيانة أو عظمت، وكذلك الأمانة؛ ألا ترى أنه يستحق ~~الذم بدون القنطار والدينار إذا خان، وكذلك يستحق الحمد إذا أدى بدون ذلك؟! ~~دل أنه لم يرد به التقدير، ولكن على التمثيل، وهو كقوله - عز وجل -: (فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا # PageV02P407 # يره)، ليس على إرادة الذرة؛ ولكن على التمثيل أن لعمل الخير والشر جزاء ~~وإن قل؛ فكذلك الأول. # وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد، ولما ذكرنا أنه لم يرد القدر الذي ~~ذكره؛ ولكن لمعنى فيه: بالاجتهاد يعرف لا بالنصوص، وعن الشافعي - رضي الله ~~عنه -: أن الدينار عنده مستكثر يحلف عليه مدعيه عند المنبر، والله - تعالى ~~- جعله مستقلا. # وفيه دلالة -أيضا- جواز شهادة بعضهم لبعض وعلى بعض، إن كانت فيهم # PageV02P408 # نزلت، على ما قاله بعض أهل التأويل؛ لأنه وصف - عز وجل - بعضهم بالأمانة ~~في المال، وإن كانت الأمانة لهم في الذين والشهادة أمانة، والله أعلم. # ويحتمل: أن تكون الآية فيمن أسلم منهم وصف بالأمانة، ومن لم يسلم وصفهم ~~بالخيانة؛ على ما ذكر - عز وجل - مثله في آية أخرى: (ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون): وصف - عز وجل - من آمن منهم بالعدالة والهدى، ~~ووصف الكفار بالخيانة في غير آي من القرآن. # ويحتمل أن تكون الآية فيما ائتمنوا، أو فيما جرى بينهم وبين المسلمين من ~~المداينة من غير رهن ولا كفالة؛ وهو كقوله: (فإن أمن بعضكم ms0772 بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن) # PageV02P409 # أمرهم بأداء الأمانة فيما ائتمنوا. # وقوله: (إلا ما دمت عليه قائما): # قيل: ملازما، مواظبا، ملحا، دائما، متقاضيا. ومن عامل من المسلمين الناس ~~هذه المعاملة يخاف دخوله في هذا النهي والوعيد. # وقوله: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) # قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا يستحلون أموال المسلمين ظلما، يقولون: لم يجعل ~~علينا في كتابنا لأموالهم حرمة أموالنا علينا؛ يقولون: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، وأرادوا بالأميين: العرب؛ إذ ليس لهم كتاب. # وقيل: ذلك الاستحلال بأن قالوا: ليس علينا لله فيهم سبيل، وأرادوا ~~بالأميين: المسلمين؛ على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~" نحن أمة أمية؛ لا نحسب ولا نكتب ". # وقيل: قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم في التوراة؛ فأكذبهم الله - عز ~~وجل - بقوله: # PageV02P410 # (ويقولون على الله الكذب). # بأن ليس في كتابهم حرمة أموالهم، ولا لهم عليهم سبيل، وهم يعلمون أنهم ~~يكذبون على الله، عز وجل. # وقوله: (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # يحتمل قوله: " بلى "؛ ردا على قولهم: (ليس علينا في الأميين سبيل)؛ بل ~~عليكم سبيل فيهم، ثم ابتدأ الكلام فقال: (من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين)، أي: هؤلاء الذين يحبهم الله لا أنتم. # ويحتمل قوله: (بلى من أوفى بعهده): الذي عليه في التوراة أمر بأداء ~~الأمانة، وإظهار نعته - صلى الله عليه وسلم - وصفته التي فيها، واتقاء ~~محارمه وظلم الناس في ترك الوفاء، وفي نقض العهد، وصدق الله ورسوله، ولم ~~يكتم نعته وصفته - فإن الله يحبهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم (77) وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من ~~الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ms0773 عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ~~ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) # وقوله: (إن الذين يشترون بعهد الله): # قيل: عهد الله: أمره ونهيه. # يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن ~~يظهرون ذلك للناس ويقرون به. # (وأيمانهم ثمنا قليلا): # أيمانهم التي حلفوا كذبا أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم. # ويحتمل: أن حلفوا كذبا، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي ~~عن # PageV02P411 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من حلف على يمين؛ ليقطع بها مال ~~امرئ مسلم لقي الله - تعالى - وهو عليه غضبان " وتلا هذه الآية: (إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا. . .) الآية. # والعهد والأيمان سواء؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: (وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان. . .)، الآية. # ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما ~~حلفوا، والله أعلم. # وقوله: (أولئك لا خلاق لهم في الآخرة): # أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات ~~والحسنات؛ كقوله: (فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة). # وقوله: (ولا يكلمهم الله): # يحتمل وجهين: # يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية ~~والسلام من ربهم؛ كقوله: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24). # وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، ~~على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، ~~أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم ~~رسله؛ فكان كقوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا): صيره ببعث الرسل كأن قد كلمهم هو؛ فكذلك الأول. # ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه على ما ~~كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم ms0774 المؤمنين. # PageV02P412 # ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: (اخسئوا فيها ولا تكلمون)؛ ~~وكقوله: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة). # وقوله: (ولا ينظر إليهم). # نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة. # وقوله: (ولا يزكيهم): # أي: لا يجعل لخيراتهم ثوابا. # ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فقال: لا ~~يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم. # وقوله: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب (78) # أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: # (لتحسبوه من الكتاب) # أي: كانوا يحرفون نعته -عليه أفضل الصلوات- وصفته، ثم يتلونه على التعظيم ~~والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل ~~من السماء. # (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) وهو كقوله - عز وجل -: ~~(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا). # (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) # أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله. # وقوله: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون (79) # أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم ~~الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كذبة، وأن الله يجعل رسالته عند من ~~يعصمه عن مثله بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)، لا يجعلها حيث يخان ~~ويكتم، والله الموفق. وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: ~~إن الله لا يؤتي النفس # PageV02P413 # البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ~~ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: (نزل به الروح ~~الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195). # فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل ~~على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث ~~أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: (ما ms0775 كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ... ) وكذلك قال عيسى - عليه السلام - في ~~المهد: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا). # وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ~~(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله)، وخاصة في عصمة رسولنا - محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- قوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)، وقال: ~~(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا): شرط في المؤمنين ~~اكتساب ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~دل أنه لا يكون منه اكتساب ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه ~~فيهم ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولكن كونوا): # معناه، أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ~~ويقول لهم: # (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون). # ثم اختلف في (ربانيين)؛ قيل: متعبدين لله بالذي يعلمون الكتاب، وبالذي ~~يدرسونه. # وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء. وقيل: حكماء علماء. وقيل: علماء ~~فقهاء. وهو واحد. # PageV02P414 # ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: ~~إلا كل من يدرس شيئا أو يعلم آخر يكون فقيها فيه، ويعرف ما أودع فيه من ~~المعنى. # وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه ~~بالاجتهاد، والله أعلم. # وقوله: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون (80) # اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أربابا؛ لأنهم يقولون: إن ~~الله أمرهم بذلك؛ كقوله - تعالى -: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها). # وقيل: إن عيسى وعزيرا ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة. # وقوله: (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون): # يحتمل وجوها: # يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد ~~خلقة كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: (وله ms0776 أسلم من في السماوات والأرض). # ويحتمل: (بعد إذ أنتم مسلمون)، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا ~~بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد. # ويحتمل قوله: (بعد إذ أنتم مسلمون): بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب ~~بعضكم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ~~ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) # PageV02P415 # وقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة (81) # قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - ~~" ميثاق الذين أوتوا الكتاب "؛ على ما ذكر في آية أخرى: (وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب)؛ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدقوا، ~~لكنه يجوز هذا. # ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأول من الأنبياء - ليصدقن بما جاء به الآخر ~~منهم، لو أدرك. # وقيل: أخذ الله ميثاقا على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب ~~الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ويصدقوه وينصروه. # وقيل: أخذ الله على النبيين ميثاقا على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ~~ويدعوا الناس إلى دين الله. # قال الكسائي فيه بوجهين: # أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره ~~الله - # PageV02P416 # تعالى - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل. # والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضا، وتبليغ كتب الله إلى ~~قومهم. # وقوله: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم). # أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا خرج وينصروه. # وقوله: (قال أأقررتم): # قال الله - تعالى - للأنبياء: (قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري)، قيل: ~~هو عهدي. # والإصر: قيل: هو العهد. # (قالوا أقررنا) # بالعهد لنؤمنن به ms0777 ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال ~~الله - تعالى -: (فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) # ويقول الله - تعالى -: وأنا على إقراركم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~الشاهدين. # وقيل: قال الله: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من ~~الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد. # يقول الله - تعالى -: (فمن تولى بعد ذلك (82) # العهد والإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار # (فأولئك هم الفاسقون). # وقوله: (أفغير دين الله يبغون (83) # الدين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى ~~الحكم والخضوع؛ كقوله - تعالى -: (أفحكم الجاهلية يبغون)، ويرجع إلى ~~الجزاء. # ثم قوله: (أفغير دين الله يبغون): كأن كى منهم يبغي دينا هو دين الله، ~~ويدعي أن # PageV02P417 # الدين الذي هو عليه دين الله، لكن هذا - والله أعلم - كل منهم في ~~الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بان له من بعد وظهر بالآيات والحجج ~~أنه ليس على دين الله، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ~~ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغ غير دين الله، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (أفغير دين الله يبغون)، أي: أفغير ما ~~في دين الله من الأحكام والتوحيد. # ويحتمل: (أفغير دين الله): يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب ~~أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين الله، كقوله: (أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء)؛ وكقوله: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف ~~الله عليهم. . .) الآية. # وقوله: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها): # يحتمل وجوها: # يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كل دلالات ~~وحدانيته. # ويحتمل: (وله أسلم من في السماوات)، يعني: الملائكة، (والأرض) المؤمنين ~~الذين أسلموا طوعا وكرها، يعني: أهل الأديان يقرون أن الله ربهم وهو خلقهم؛ ~~كقوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، فذلك إسلامهم، وهم في ذلك ~~مشركون. عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " من في السماوات أسلموا طوعا، ~~وأما أهل الأرض: فمنهم من أسلم طوعا، ومنهم من ms0778 أسلم كرها؛ مخافة السيف ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه أيضا - قال: " طوعا من ولد في الإسلام، وكل ~~من أسلم ولم يولد في الإسلام فهو كره ". # وقيل: منهم من أسلم طوعا، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس # PageV02P418 # لله خالصا لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشاكسون ورجلا سلما لرجل) الآية. # دلت الآية أنه ما ذكرنا، والله أعلم. # والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج ~~عليه. # * * * # قوله تعالى: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) # وقوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم) والآية. # هذا - والله أعلم - وذلك أن اليهود والنصارى لما آمنوا ببعض الرسل وكفروا ~~ببعض، كقوله: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض) - أمر الله - تعالى - المؤمنين أن ~~يؤمنوا بالرسل جميعا؛ فآمنوا بهم جميعا، وقالوا: (لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون): والإسلام ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (85) # اختلف فيه: يحتمل (فلن يقبل منه): حسنات من بغى غير دين الإسلام في ~~الدنيا؛ وهو كقوله: (ومن يكفر بالإيمان)، أي: بالمؤمن به (فقد حبط عمله). # ويحتمل: من أتى بدين سوى دين الإسلام فلن يقبل منه، (وهو في الآخرة من ~~الخاسرين). # وقيل: إنها نزلت في نفر ارتدوا عن الإسلام بعد ما أسلموا، ثم تاب بعضهم؛ ~~فنزل قوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين). # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه): يحتمل: " يبتغي ": يطلب، (فلن يقبل منه)؛ كأنه نهى عن ذلك أن يقصد ~~بالتدين التقرب إلى الله - تعالى - فأخبر أن ذلك لا يقبله؛ ليصرف الطلب إلى ~~غير ذلك، وذلك كما دانوا من ms0779 عبادة الأوثان وغيرها؛ لتقربهم إلى الله زلفى، ~~فأخبر أنه لا يقرب؛ ليصرف الطلب إلى حقيقة ذلك الدين على الأديان التي كانت ~~معروفة، تأبى أنفس الكفرة عن قبول اسم # PageV02P419 # الإسلام لدينهم، وادعوا أن دينهم هو دين الله؛ فأخبر الله - تعالى - أن ~~دينه هو الإسلام، وأن من يبتغي الدين؛ ليدين الله به، غيره -، فالله لا ~~يقبل منه، والله أعلم. # ويحتمل الابتغاء: الإرادة؛ فيكون فيه تحقيق الدين؛ إذ هي تجامع الفعل؛ ~~فكأنه قال: من دان غير دين الإسلام، فلن يقبل منه، وإن قصد به الله بالدين، ~~والله الموفق. # أيد ذلك قوله: (وهو في الآخرة من الخاسرين): أنه فيمن أتى بغيره، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ~~(89) # وقوله: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق. . .) ~~الآية. # فالآية تحتمل وجوها: # تحتمل: ألا يهدي الله قوما هم معاندون مكابرون فيه، غير خاضعين له ولا ~~متواضعين؛ إنما يهدي من خضع له وتواضع، فأما من عاند وكابر: فلا يهديه. # ويحتمل أن هذا في قوم مخصوصين، علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فأخبر ~~الله - تعالى - أنه لا يهديهم، وأما من علم الله أنه يؤمن وتاب: فإنه ~~يهديهم بقوله: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) الآية: أطمع من تاب ~~وأصلح أن يهديه ويغفر له. # ويحتمل: ألا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم؛ كقوله: (ولا ~~ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم). # قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل: لا يهديهم في وقت اختيارهم الضلالة. # وقيل: بما اختاروا من الضلالة لا يهديهم، أي: لا يعينهم: (والله لا يهدي ~~القوم الظالمين). # قال الشيخ - رحمه الله -: ودل قوله: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم) - أن دين الإسلام هو الإيمان، وأن الكفر مقابله من الأضداد، ms0780 وكيف ~~يهدي قبل كفرهم؟!. # وقيل: في وقت اختيارهم. # وقيل: ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت همتهم التعنت ~~والمخالفة، # PageV02P420 # والله أعلم. # وقوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين) # الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم قالوا: إن الهدى: البيان، والبيان ~~للكل، قالوا: بتقدم الفعل، فلو كان متقدما لكان في ذلك إعطاء الهدى للظالم؛ ~~فأخبر - عز وجل - أنه لا يهدي الظالم، وهم يقولون: لا، بل يهدي الظالم؛ ~~فذلك خروج عليه، وأما على قولنا: فإن التوفيق والقدرة إنما تكون معه؛ فكان ~~قولنا موافقا للآية. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (والله لا يهدي) من ذكر -: فلو لم يكن ~~الهدى غير البيان، فلقد هداهم إذن؛ على قول المعتزلة، والله أعلم. # وقوله: (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله (87) # قيل: (لعنة الله)، عذاب الله. # وقيل: لعنة الله: هي الإياس من رحمته وعفوه، واللعن: هو الطرد في اللغة، ~~ولعنة الملائكة: ما قيل في آية أخرى قوله: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا). # وقيل: لعنة الملائكة قولهم لهم: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون) إلى آخره. وقيل: يدعون عليهم باللعن. # وقيل: لعنة المؤمنين قوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين)، ~~فذلك لعنهم عليهم. # وقوله: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) ~~ملحق على قوله: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم): ذكر الكفر بعد ~~الإيمان، ثم ذكر التوبة فقال: (إلا الذين تابوا. . .) الآية: أطمع لهم ~~المغفرة والرحمة بالتوبة بعد الكفر بقوله: (فإن الله غفور رحيم). # وما قيل في القصة -أيضا- أن نفرا ارتدوا عن دين الإسلام، ثم تاب بعضهم، # PageV02P421 # ولم يتب البعض؛ فنزل قوله: (إلا الذين تابوا) الآية. # وفي الآية دلالة قبول توبة المرتدين؛ لأن قوله: (إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك) الآية - قيل في القصة. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا ms0781 لن تقبل توبتهم ~~وأولئك هم الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # وقوله: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم) ~~الآية: # اختلف فيه، قيل: قوله: (كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا)، أي: ماتوا على ~~ذلك، فذلك زيادتهم الكفر. # وقيل: (إن الذين كفروا): بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعا، ثم ازدادوا ~~كفرا: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - (لن تقبل توبتهم)، قيل: لن تقبل توبتهم ~~التي تابوا مرة ثم تركوها. # وقيل: (لن تقبل توبتهم) التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي: # PageV02P422 # ليست لهم توبة إلا أن يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: (لا تغني شفاعتهم). # وقيل: هم قوم علم الله أنهم لا يتوبون أبدا؛ فأخبر أنه لا يقبل توبتهم؛ ~~كقوله: (أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). # وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده)، وكقوله: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته)، وكقوله: ~~(لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت): أخبر أنه لا ينفع ~~الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: (لن تقبل توبتهم في ذلك الوقت؛ إذا ~~داموا على الكفر إلى ذلك الوقت. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم) -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم ~~توبة؛ كقوله: (ولا يقبل منها شفاعة)، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس ~~الله وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي ~~تقدمت. # وقوله: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا (91) الآية. # قوله: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به)، يقول: لو كان ~~معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: (ولا يقبل ~~منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل)، أي: لا يكون لهم ms0782 شفيع، لا أن كان لهم شفعاء ~~فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: (لن ~~تقبل توبتهم)، أي: لا يتوبون، والله أعلم. # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: " يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ~~ذهبا، أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم يا # PageV02P423 # رب، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك! ". # وقوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون (92) # يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاة ~~والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا. ~~. .) الآية، إلى قوله: (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) أخبر ~~- عز وجل - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبون من الأموال؛ وكقوله: ~~(لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون). # وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عز وجل - في إنفاق ما يحبون؛ كقوله: ~~(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه) الآية: أخبر ~~أن البر ما ذكر: من الإيمان به، وإيتاء المال في حبه. # وروي عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما نزل قوله - تعالى -: (لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون)، قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي في ~~مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسره ما أعلنته؛ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " اجعله في قرابتك - أو أقربائك ". # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية. # PageV02P424 # ثم اختلف في البر، قيل: البر هو الجنة هاهنا. # وقيل: البر هو الإسلام، إن كان في الكافرين. # وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند الله من الثواب إلا بإنفاق ما ~~تحبون. # وقوله: (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) # ففيه دليل قبول القليل ms0783 من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصدق ~~استحقارا، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قل، بعد أن يكون ذلك لله عز وجل، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ~~(93) فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) # قوله: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) ~~الآية. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " وكان الطعام كله حلالا، إلا الميتة ~~والدم ولحم الخنزير. # (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه)، يعني: يعقوب، حرم على نفسه لحم الإبل # PageV02P425 # وألبانها، وكان من أحب الطعام إليه، إن ثبت ما ذكر في القصة: أن يعقوب - ~~عليه السلام - أقبل يريد بيت المقدس، فلقيه ملك، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه ~~يصارعه حتى أضاء له الفجر، فلما أضاء لهما الفجر غمز الملك فخذ يعقوب، ~~فتهيج عليه عرق النسا؛ فكان يبيت الليل ساهرا من وجعه، فأقسم: لئن شفاه ~~الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك؛ فحرم ~~لحم الإبل وألبانها؛ لأنها من أحب الطعام والشراب إليه. # فإن ثبت هذا فهو إنما حرم ذلك على نفسه بالإذن من الله - " تعالى - ~~والأمر منه. # ثم إن اليهود قالوا: إنما كان تحريم ذلك من الله في التوراة؛ فأمر الله - ~~تعالى - نبيه أن قل لهم: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين): أن ذلك ~~التحريم من الله في التوراة. # ويحتمل أن يكون التحريم كان بظلم منهم؛ كقوله - تعالى -: (فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات. . .) الآية؛ ثم أنكروا تحريم ذلك بظلمهم، فدعوا ~~بإحضار التوراة؛ ليظهر كذبهم، فأبوا ذلك. # PageV02P426 # فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه ثبات دلالة رسالة رسولنا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث أخبر عما أسروا، وأظهر ما كتموا. # قال أبو يزيد: إنما قدر أهل الكتاب على تغيير كتابهم، والزيادة فيه ~~والنقصان، ولم يكن لأحد تغيير القرآن عن وجهه، أو زيادة فيه ms0784 أو نقصان منه؛ ~~لأن كتبهم تشبه كلام غيره من الحكماء؛ فغيروا بغيره من كلام الحكماء، وأما ~~القرآن: فهو آية معجزة، لم يقدروا على تحريفه ولا تبديله، وإن علم أنه كان ~~كما ذكر؛ وإلا فهو - والله أعلم - ليهتك عليهم أستارهم، وليظهر منهم ما ~~كتموا، وفيه إثباث لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # * * * # قوله تعالى: (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~(95) إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # وقوله: (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا) الآية: # قد ذكرنا فيما تقدم. # وقوله: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # قيل فيه بوجوه؛ قيل: إن أول بيت مبارك وضع للناس هو بكة. # وقيل: أول مسجد وضع للناس مكة. # وقيل: يريد ب " بكة " البقعة، أي: أول بقعة خلق الله هو بكة، ومنها دحيت # PageV02P427 # الأرض. # وقيل: إن آدم - عليه السلام - لما أمر بالحج فيه، قال جبريل - عليه ~~السلام -: " قد حج فيه الملائكة قبلك بألفي عام ". # وقيل: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام. # ثم اختلف في قوله " بكة "؛ قيل " البكة ": الزحام. # وقيل: " البكة ": موضع البيت، ومكة سائر القرية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " مكة من فخ إلى التنعيم إلى المنحر، ~~وبكة: من البيت إلى البطحاء ". # وقيل: " بكة ": الكعبة؛ حيث يبك الناس، أي: يزدحم بعضهم بعضا، ب " مكة ": ~~ما وراءها. # وقوله: (مباركا)، قيل: يغفر فيه الذنوب والخطايا. # PageV02P428 # (وهدى للعالمين (96) فيه آيات بينات (97) # يحتمل قوله: (فيه آيات بينات) - ما لو تأملوا لهداهم؛ وذلك أن الله - عز ~~وجل - خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الإنزال والريع، لا ماء ~~فيه ولا شجر ولا نزهة؛ ما لا يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل ~~وتهوى إليه أفئدتهم من غير أن كان فيه ما يرغبهم من النزهة، فلولا ms0785 أن كان ~~ذلك من آيات الله ولطفه؛ وإلا ما رغب الناس إلى مثله. # ويحتمل قوله: (فيه آيات بينات) - ما ذكر: (مقام إبراهيم ومن دخله كان ~~آمنا)، وذلك آياته، والله أعلم. # وقوله: (ومن دخله كان آمنا): ظاهره فيمن يجني، ثم دخل الحرم آمن؛ لأن من ~~لم يجن فهو آمن أين دخل من الحرم وغيره، وإنما الآية على ما يخص بالأمن إذا ~~دخل الحرم دون غيره. # وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوافق هذا، ~~وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " إذا أصاب الرجل الحد في الحرم، ~~أقيم عليه، وإن # PageV02P429 # أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يحدث، ولا يجالس، ولا يؤاكل، ولا ~~يبايع، حتى يخرج منه؛ فيؤخذ، فيقام عليه الحد ". # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " لو وجدنا قاتل أبينا في ~~الحرم لم نقتله " # وروي عن الحسن - رحمه الله - أنه قال في قوله: (ومن دخله كان آمنا) -كان ~~هذا في الجاهلية، فأما الإسلام: فلم يزده إلا شدة: من أصاب الحد في غيره، ~~ثم لجأ- إليه أقيم عليه الحد. # يقال للحسن: إن الصيد كان يأمن في الجاهلية، ثم الإسلام لا يرفع ذلك ~~الأمن؛ بل كان أمن الصيد في حال الإسلام. كهو في حال الجاهلية؛ فعلى ذلك ~~الأمن الذي كان في الجاهلية هو باق غير زائل في الإسلام. # وأصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي ~~الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله - تعالى ~~- حرم مكة يوم خلقها؛ لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار، لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يحتش ~~حشيشها ". أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مكة بعد # PageV02P430 # الإسلام حرام؛ كما كانت قبله، وأنها لم تحل له إلا ساعة من نهار، فإذا ~~كان الملتجئ آمنا قبل الإسلام؛ فالواجب أن يكون آمنا بعد الإسلام، حتى يخرج ~~منها. # وحجة ms0786 أخرى: وهو أن الله - تعالى - أباح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قتل المشركين جميعا، بل فرض ذلك عليه، إلا أهل مكة؛ فإنه لم يحل له قتلهم ~~إلا ساعة من نهار، ففضل مكة على غيرها بما خصها به من التحريم؛ فلا يبعد ~~ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها، ~~ولم يحل قتالهم إلا ساعة من نهار. # وفي الفرق بين من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه - وجه آخر: قال الله - ~~تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم): أباح لهم القتل عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا؛ فعلى ذلك يقام ~~الحد إذا أصاب وهو فيه، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه: لم يقم؛ ~~كما لم يقاتلوا إذا لم يقاتلوا، وهذا فرق حسن واضح بحمد الله وعونه. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: (ومن دخله كان آمنا) -: ~~يحتمل أن يكون خبرا من الحرم في قديم الدهر: أنه كان على ما بين الخلق من ~~القتال والحرب يأمنون بالحرم، إذا التجأوا إليه؛ وذلك كقوله: (أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)؛ فيكون ذلك من عظيم آيات الله ~~- تعالى - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدين ~~- منعهم الله - تعالى - عن هذا التغيير؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن الله ~~له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء، ~~ووضع كل شيء موضعه؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: (ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم) - إن الله قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع، ~~فأما الشرع: فما جاءت به الرسل، وأما الطبع: فما تنافر الناس، حتى سار ذلك ~~إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك ~~البقعة من النبات، لا بأسباب تكتسب؛ ولهذا كره بيع رباع مكة، # PageV02P431 # ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، والله أعلم. # ودل قوله: و ms0787 (جعلنا) كذا - على لزوم ذلك الحق؛ لأنه مذكور بحرف الامتنان، ~~والاحتجاج له، ولا يجوز تغير الذي هذا وضعه، والله أعلم. # ويحتمل: كأن صار آمنا، أي: أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه ~~القتل كان آمنا دون دخوله؛ فثبت أن ذلك فيمن لزمه؛ وأيد ذلك قوله: (ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام) فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل ~~بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاءه ~~في الدنيا، إلا أن يحدث القتال؛ فعلى ذلك من لزمه - لا فيه - فهو يأمن به، ~~إلا أن يكون أحدثه فيه، والله أعلم. # وأصله: أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله: (كان آمنا) فكل حق بتلف نفسه فله ~~أمان بالدخول فيه، وكل حق في إقامته إحياء ما جعلت الحياة لنفع مثله - فهو ~~يقام؛ ليكون زجرا له، وتكفيرا على بقاء الأمن؛ ليقي نفسه، ورده إلى ما لم ~~يدر أنه التجأ إليه؛ للهرب عن حكم الله - تعالى - أو للأمان بالله؛ ليصل ~~إلى إقامة أحكام الله - تعالى - آمنا، وفي إقامته هذا أيضا، والله أعلم. # وقوله (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) # فرض الله - تعالى - الحج بهذه الآية على من استطاع إليه سبيلا، ولم يبين ~~ما السبيل، وبين ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حيث سئل عن ~~الاستطاعة؛ فقال: " الزاد، والراحلة "، وهكذا يقول علماؤنا: إن الاستطاعة ~~والسبيل هو الزاد والراحلة؛ كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P432 # وقال بعض الناس: إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج؛ فكأنه ذهب ~~إلى ظاهر الآية: (من استطاع إليه سبيلا)؛ فجعل البحر وأشباهه مزيلا ~~للاستطاعة؛ فخالف ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الاستطاعة؟ فقال: " الزاد والراحلة "؛ ~~فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد والراحلة؛ لأن النبي - ~~عليه السلام - هو المبين عن الله؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره ~~الآية، ولكنا نجعل ms0788 من يحول بينه وبين البيت معذورا في التأخير، ولا يأثم - ~~إن شاء الله تعالى - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل ~~التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك. # ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم؛ لأن المرأة -وإن ~~وجدت الزاد والراحلة- فإنها تحتاج إلى من يركبها وينزلها، ولا تقدر على ذلك ~~إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة، ~~والله أعلم. # وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أعتق - لزمه حجة الإسلام؛ لأنه لا يملك ~~الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام ~~وكذلك روي عنه # PageV02P433 # - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أيما عبد حج ولو عشر حجج؛ فعليه إذا ~~أعتق حجة الإسلام ". وليس كالحر - الفقير يحج، ثم أيسر: جاز ذلك من حجة ~~الإسلام؛ ففرقوا بينهما، وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء؛ وذلك أن ~~الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنيا، ولزمه الفرض؛ لأنه لا يحتاج حينئذ إلى ~~زاد وراحلة، وأما العبد إذا حضر ذلك المكان لم يعتق؛ لذلك افترقا. # وفي ذلك حجة أخرى: ما أجمع أهل العلم أن فقيرا لو حضر القتال ضرب له بسهم ~~كامل؛ كما يضرب لمن كان فرض الجهاد لازما له، ولو أن عبدا شهد الوقعة رضخ ~~له، ولم يكمل له سهم الحر؛ فافترقت حال الفقير والعبد في: الجهاد، والضرب ~~في السهمان؛ فعلى ذلك يفترق حالهما في الحج، والله أعلم. # وقال بعض أهل العلم: إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة، إذا وجد غيره ~~يحج عنه - يلزمه فرض الحج؛ فما ينكر من قال في المرأة بمثله، فاحتج بما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أبي # PageV02P434 # شيخ فأدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة؛ أفيجزئ أن ~~أحج عنه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: " أرأيت ms0789 لو كان على أبيك دين فقضيته ~~عنه، أكان يقبل منك "؟ قال: نعم؛ قال: " فالله أولى بحج أبيك " أو كلام ~~نحوه، ولكن ليس في الخبر أن فريضة الحج إنما أدركته في الحال التي لا ~~يستمسك على الراحلة، فيجوز أن أدركته فريضة الحج قبل ذلك؛ فكذلك يقول ~~علماؤنا: إن الحج إذا وجب فأخر أداءه حتى أعسر - لم يسقط عنه الحج، وكذلك ~~إن وجب عليه الحج فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة، عليه أن ~~يوصي ليحج عنه. # ويحتمل -أيضا- أنه رغبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحج عنه ~~تبرعا، لا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت الذي لا يثبت على الراحلة - وعندنا ~~أنه لا يلزمه؛ لأنه إذا لم يستمسك على الراحلة فلا راحلة له، ثم من قول هذا ~~القائل: إن من لزمه فرض الحج، فله التأخير، وفي التأخير فوت أو إدراك ~~المنية، ومن قوله: إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقا؛ فإذا مات مات فاسقا، ~~يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه؛ فكأنه يجعل له الرخصة في الفسق، فذلك قبيح ~~وخش من القول سمج. # وأما عندنا: فإنه لا يسع له التأخير في أول أحوال الإمكان على تمام شرط ~~الاختيار؛ # PageV02P435 # كغيره من العبادات التي لزمت، من نحو الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ لا يسع ~~التأخير؛ فعلى ذلك الحج. ثم من قول الشافعي - رحمه الله -: إن على الكافر ~~الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه؛ فذلك عندنا لعب ~~وعبث في دين الله - تعالى - غير جائز أن يلزمه فرض في حال لا يجوز له فعله، ~~فإذا جاء سبب الجواز يسقط عنه ذلك. # وفي الآية دلالة أن الحج إنما كان فرضا على المؤمنين خاصة؛ بقوله: (ومن ~~كفر) بالحج (فإن الله غني عن العالمين) فلو كان هو على الكافر كما هو على ~~المسلم، لم يكن لقوله معنى؛ دل أنه غير لازم، والله أمر بالعبادات باسم ~~المؤمنين. # ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة، قالت المعتزلة: تكون قبل ~~الفعل؛ لأن الله - تعالى - فرض الحج، ms0790 وأمر بالخروج إليه، إذا قدر على الزاد ~~والراحلة؛ على ما فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يقدر لم ~~يلزمه؛ فدل أنها تتقدم. # PageV02P436 # وأما عندنا: فهي على وجهين: # أحدهما: استطاعة الأسباب والأحوال. # والثاني: استطاعة الأفعال. # فأما استطاعة الأحوال والأسباب: فيجوز تقدمها، من نحو: الزاد، والراحلة، ~~والجوارح السليمة. # وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل؛ لأنها استطاعة الفعل ~~وسببه؛ فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج لفعل الحج لا للإيجاب؛ لأنه لو ~~كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان فيجب عليه الحج؛ ولأنه ~~لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان فيجيء - لا يلزمه ~~إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبدا؛ إذ الحج غير لازم إلا بالوقت، ولأنه ~~ليس على العبد أن يتكلف في اكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يجهد في أداء ~~الواجب عليه. # ثم الأوقات على أقسام ثلاثة: # وقت الإيجاب والأداء جميعا نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما. ووقت الإيجاب، ~~نحو: الزكاة. ووقت الأداء -وهو الحج- إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأما ~~الوقت: فهو للأداء خاصة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة ~~فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا ~~تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، والله أعلم. # وقوله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). # في الآية دلالة أن الله - عز وجل - إذا أمر عباده بأمر ليس يأمره لحاجة ~~نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسه، وأما الأمر فيما ~~بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إما جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك ~~معنى قوله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). # ثم اختلف في قوله: (ومن كفر): عن ابن عباس - رضي الله عنه - (ومن كفر) ~~قال: من زعم أنه لم ينزل. # PageV02P437 # وعن الحسن: (ومن كفر) قال: من زعم أن الحج ليس بواجب. # وقيل: (ومن كفر) بالله، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن ms0791 جلس لم يخش ~~عقابه. # وعن ابن عباس قال: (من استطاع إليه سبيلا)، والسبيل أن يصح بدن العبد، ~~وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب ". # ثم قال: (ومن كفر)، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجه برا، ولا تركه إثما. # وفي قوله: (ولله على الناس حج البيت) دلالتان: # إحداهما: في الوجوب بقوله: (ولله على الناس)، وأيد ذلك قوله: (ومن كفر) ~~وما جاء من الأثر واتفاق القول. # والثانية: جعل البيت شرطا للقيام لما هو في قوله: (على الناس) ذلك؛ فيكون ~~فيه دليل لزوم الطواف، تفسيره في قوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق)، وكذلك ~~أيده قوله: (فمن حج البيت أو اعتمر)، وأيد -أيضا- ما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال في امرأة نفست: " أحابستنا هي؟ " قيل: إنها ~~أفاضت. وعلى ذلك اتفاق القول بلزوم الطواف، والله أعلم. # فلما دل أن الطواف لازم لم يخل إما أن يكون الطواف المبدأ به في الحج، أو ~~الذي يختم به، والذي يبدأ به لا يلزم كل الناس -ثبت أن الفرض هو الذي يختم ~~به، وهو # PageV02P438 # قوله: (من استطاع إليه سبيلا): أوجب جعل السبيل إليه والإمكان- شرطا ~~للوجوب؛ إذ الآية في ذكر الوجوب لا الفعل؛ وعلى ذلك جميع العبادات، جعل ~~الإمكان في وجوبها شرطا بالسمع بقوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وغير ~~ذلك مما ذكر في كل نوع من العبادات من الاستطاعة؛ وكذا حق هذا بالفعل، وذلك ~~يخرج على وجهين: # استطاعة الفعل من القدرة التي تحدث لا محالة ما سلمت الأسباب، إلا أن ~~يكون ممن منه الفعل الإعراض عنها بالشغل بغير تلك الأفعال، أو اشتغال ذلك ~~بالفعل؛ فيكون فوت الاستطاعة بتضييعه، ولا عذر بفوت ما كان المكلف يفوته، ~~كفوت العلم به على الإمكان، وإن كان لا يقوم دونه، والذي يؤيد أن هذه ~~الاستطاعة ليست بشرط في الإيجاب أنها لا تبقى، ثم محال وجودها في حال لو ~~أريد إقامة الحج لا يتهيأ، وذلك نحو أن يكون في أقصى البلاد من مكة، ومعلوم ~~أن القدرة التي بها ms0792 يكون الفعل ليست معه، ومحال تكليف السبب الذي به يجب ~~الفعل؛ فلذلك لم يجب تكليف بالخروج ولا أمر بالحج؛ فكأنه يؤمر بتكليف سبب ~~الإيجاب -ثبت أن قد يجب الحج لا بتلك القوة؛ وكذلك يجوز في الكفارات ~~استعمال الأبدال في حال العجز، وإن كان لا يعلم أن العجز يمتد إلى آخر ما ~~يقوم به الأصل، بل على ظهور ألا يمتد بمضي البدل- ثبت أن لا عبرة لفقد قدرة ~~الفعل ووجودها في التكليف، والله أعلم. # والثاني: يراد بالاستطاعة: سلامة الأسباب، ولا يجوز التكليف دونها بالفعل ~~لأنه ممنوع، ومحال أمر الممنوع عن الفعل - به؛ كالأعمى، والمقعد، ونحو ذلك، ~~وإلى مثل هذا انصرف شرط الاستطاعة، وهو اللازم في العقل؛ لما القرب بحق ~~الشكر لما أنعم على المأمور، فإذا منع عنه السبب الذي هو النعمة لم يحتمل ~~أن يؤمر بالشكر ولا نعمة، والله أعلم. # PageV02P439 # وعلى ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ذلك؛ ~~فقال: " الزاد والراحلة ". والله الموفق. # وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - في وجوب الحج: وإن لم ~~يدرك الوقت الذي فيه يقوم الحج على ما لزمه، وإن لم يكن أصاب المكان الذي ~~فيه يقام - والله أعلم بظاهر الآية مع ما ذكرنا من بيان الأثر. # وأصله: أن الوقت في الحج جعل لجواز الفعل؛ إذ هو لو فات لا يحتمل في ~~غيره، وكل فعل يجوز في غير وقته فما يقرب من الوقت به كان أحق بالجواز، ~~فإذا لم يجز هذا وجاز في مثله من القابل - ثبت أنه للجواز لا للوجوب؛ وأيد ~~ذلك ما لا يوصف بالقضاء متى أدى، ولو كان في الأول واجبا لوقت الأول لكان ~~يكون في الثاني قاضيا، فإذا لم يكن: ثبت أنه ليس لوجوبه وقت، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون (98) قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون (99) يا ms0793 أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) # وقوله: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله): # وآيات الله، ما ذكرنا فيما تقدم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ~~والحجج. # (والله شهيد على ما تعملون): # هو حرف وعيد وتنبيه؛ ينبئهم عن صنيعهم؛ ليكونوا على حذر من ذلك. # وقوله: (لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا (99) # يحتمل قوله: (لم تصدون عن سبيل الله من آمن) من الأتباع الذين كان ~~إيمانهم إيمان تقليد، لا إيمانا بالعقل؛ لأن من كان إيمانه إيمانا بالعقل ~~فهو لا يصد، ولا يصرف عنه أبدا؛ لما عرف حسن الإيمان وحقيقته بالعقل، فهو ~~لا يترك أبدا، وأما من كان إيمانه # PageV02P440 # إيمان تقليد: فلم يكن إيمانه إيمان حقيقة، فمثله يصد عنه، إلا أن من يمن ~~الله عليه فيشرح صدره؛ حتى يكون على نور منه، وذلك أحد وجوه اللطف. # والمقلد غير معذور؛ لما معه ما لو استعمله لأوضح له الطريق، وأراه قبح ما ~~آثر من التقليد، ولا قوة إلا بالله. # ويحتمل قوله: (لم تصدون عن سبيل الله من آمن)، أي: لم تقصدون قصد صدهم عن ~~سبيل الله، وهم لا يرجعون إلى دينكم، أيأس منه إياهم عن أن يرجعوا عن دينهم ~~الذي عليه؛ كقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)، فيه إياس ~~الكفرة عن رجوع المسلمين إلى دينهم. # وقيل: كانوا يصرفون المؤمنين عن الحجج. # وقوله: (تبغونها عوجا)، والعوج: هو غير طريق الحق، وهو الزيغ والتعوج عن ~~الحق. # وقوله: (وأنتم شهدآء)، (وأنتم تشهدون): واحد، وفي حرف حفصة - رضي الله ~~عنها -: " وأنتم شهداء على الناس ". # وقوله: (وما الله بغافل عما تعملون): هو حرف وعيد وتنبيه؛ لأن من علم أن ~~عليه رقيبا وحافظا، يكون أحذر وأخوف ممن لم يكن عليه ذلك. # قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه أنه لا غفلة بالذي يكون منكم خلقكم، ولكن ~~على علم؛ لتعلموا أنه لا للحاجة خلقكم؛ بل لإظهار الغنى والسلطان، جك ~~جلاله، وعم نواله. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ms0794 فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~(100) # الآية تحتمل وجوها: # أحدها: معلوم أن المؤمنين لا يطيعون الكفار بحال في الكفر، ولكن معناه - ~~والله # PageV02P441 # أعلم - أن يدعوهم إلى شيء لا يعلمون أن في ذلك كفرا، نهاهم أن يطيعوهم، ~~وفي كل ما يدعوكم إليه كفر وأنتم لا تعلمون. # ويحتمل: النهي عن طاعتهم، نهاهم عن أن يطيعوهم، وإن كان يعلم أنهم لا ~~يطيعونهم؛ كما نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غير آي من القرآن، ~~كقوله: (ولا تكونن من المشركين)، (فلا تكونن من الممترين)، فكذلك هذا. # قال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن تكون الآية في عرض أمور عظام ترغب ~~فيها النفس ليكفر بها؛ فحذر عن ذلك بما بين من الاعتناد والخسار في آية ~~أخرى؛ ليعلموا أن ذلك تجارة مخسرة، وقد كانت لهم ولأهل كل دين ومذهب هذا ~~الاعتناد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن ~~يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # وعلى ذلك قوله: (وكيف تكفرون). # على أن الذي أراكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألذ للعقول، وأروح ~~للأبدان مما وعدوه مع سوء ألمآب، والله أعلم. # وقوله: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله): # وهو على وجه التعجب ظاهر، ولكنه على طلب الحجة في كفرهم. # (وفيكم رسوله) # يدفع عنكم الشبهة التي عرضت لكم بإلقاء الكفار إليكم. # (ومن يعتصم بالله): # أي: من جعل الله - عز وجل - ملجأ له، ومفزعا إليه عند الشبه والإشكال. # (فقد هدي إلى صراط مستقيم) # أي: يحفظه عن الشبه، ويرشده إلى صراط مسمقيم، والله أعلم. # ويحتمل: (ومن يعتصم بالله): يتمسك بالذي جاء من القرآن، (فقد هدي إلى ~~صراط # PageV02P442 # مستقيم). # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ms0795 (102) # روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " (حق تقاته): أن يطاع فلا يعصى، ~~ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى "، وأراد: حق تقاته؛ مما يحتمل وسع الخلق. # وروي في حرف حفصة: (اتقوا الله حق تقاته) أي: اعبدوا الله حق عبادته، ~~وهذا في اعتقاد التوحيد. وروي عن أنس - رضي الله عنه - يقول: " لا يتقي ~~الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، ويعد كلامه من عمله ". # وقيل (اتقوا الله): أطيعوا الله حق طاعته. # وقيل: إن هذا نسخها قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) الآية؛ لكن لا يحتمل ~~أن يأمر الخلق بشيء ليس في وسعهم القيام به، ثم ينسخ ذلك بما يستطاع، ولكن ~~أصله ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن لله على ~~عباده حقا، ولعباده عليه حقا، وحق الله على عبده: أن يعبد الله، ولا يشرك ~~غيره فيه. وحق العبد على الله: أن يدخله # PageV02P443 # الجنة؛ إذا عبده، ولم يشرك غيره فيه أحدا " ليكون هذا تأويلا للآية أن ~~قوله: (اتقوا الله) ولا تكفروه؛ فيكون فيه الأمر بالإيمان، والنهي عن ~~الكفر؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يتقي الله حق تقاته في كل العبادة؛ ألا ترى ~~إلى ما روي من أمر الملائكة مع ما وصفوا من عبادتهم أنهم (لا يفترون)، و ~~(لا يسأمون)، ثم يقولون: ما عبدناك حق عبادتك؟!. وإذا كان أحد لا يبلغ ذلك ~~فلا يحتمل تكليف مثله، وجملته: أن ذلك ليس بذي حد وغاية، فلذلك كان - والله ~~أعلم - الأمر فيه راجع إلى الإسلام، أو في نفي حق الإشراك خاصة، لا في جميع ~~الأحوال والأفعال، دليله ما ختم به الآية، وفي وسع الخلق ألا يشركوا أحدا ~~في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)؟!. # وفي ظاهر الآية النهي عن الموت إلا مسلما، وليس في الموت صنع للخلق، ~~والمعنى - والله أعلم -: أي: كونوا في حال إذا أدرككم الموت كنتم مسلمين؛ ~~فالنهي فيه نهي عن الكفر، والأمر بالإسلام، حتى إذا أدركه الموت أدركه وهو ~~مسلم، والله أعلم. ms0796 # وقد يكون على بيان ألا عذر عند الموت -وإن اشتد أمره- بالذي ليس بإسلام. # وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: " أكثر ما يسلب الإيمان عند ~~الموت؛ كان الشيطان يطمعه في أمر لو أعطاه ما طلب ". # ويحتمل قوله: (اتقوا الله حق تقاته) أي: احذروا عذاب الله حق حذره، ~~واحذروا نقمته؛ كقوله: (ويحذركم الله نفسه) بمعنى نقمته. # وقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا (103) اختلف فيه؛ قيل: حبل الله؛ يعني: ~~القرآن، وهو قول ابن مسعود، رضي الله عنه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " حبل الله: الجماعة، وإنما هلكت ~~الأمم # PageV02P444 # الخالية بتفرقها "، أمر بالكون مع الجماعة، ونهي عن التفرق؛ لأن أهل ~~الإسلام هم الجماعة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، وصف أهل دين الإسلام ~~بالجماعة، وأهل أديان غيرها بالتفرق. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -أيضا- قال: حبل الله: الجماعة. # وروي في بعض الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من فارق ~~الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " يعني: حبل الإسلام. # وروي عنه -أيضا- قال: " إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاذة ~~والقاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة وهذا المسجد ~~". # وروي عن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه - قال: " دعاني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة ثلاث مرات، ثم قال: " يكون في أمتي اختلاف "، قلت: ~~كيف نصنع يا رسول الله إذا كان كذلك؟ قال: " عليكم بكتاب الله؛ فإن فيه نبأ ~~من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وهو حكم فيما بينكم، من يدعه من جبار يقصمه الله، ~~ومن طلب الهدى في غيره يضله الله، وهو حبل الله المتين، وأمره الحكيم، وهو ~~الصراط المستقيم، وهو الذي لا تختلف فيه الألسنة، # PageV02P445 # ولا يخلقه كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه ". # وقيل: حبل الله: دين الله. # والحبل: هو العهد؛ كأنه أمر بالتمسك بالعهود التي في القرآن، والقيام ~~بوفائها، والحفظ لها، ونهى عن التفرق كما تفرقت الأمم الخالية، واختلفت في ms0797 ~~الأديان. # وقوله: (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم): بمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: ألف بين قلوبكم بالإسلام. # وقيل: بالقرآن، ولم يكن ذلك للدين نفسه، ولكن بلطف من الله من به على أهل ~~دينه، وأخبر أن التأليف بين قلوبهم نعمة؛ لأن التفرق يوجب التباغض، ~~والتباغض يوجب التقاتل؛ وفي ذلك التفاني. # وعلى قول المعتزلة: ليس من الله على المسلم من النعمة، إلا ومثلها يكون ~~على الكافر؛ لأن الهدى والتوفيق -عندهم- هو البيان، فذلك البيان للكافر كهو ~~للمسلم؛ وعلى قولهم - لا يكون من الله على أحد نعمة؛ لأنهم لا يجعلون لله ~~في الهداية فعلا، إنما ذلك من الخلق، وأما عندنا: فإنما يكون الإسلام ~~بهدايته إياه، فذلك من أعظم النعم عليه. # وقوله: (فأصبحتم بنعمته إخوانا): # أي: صرتم بنعمته إخوانا. # وقوله: (وكنتم على شفا حفرة من النار): # PageV02P446 # أي: كنتم أشفيتم حفرة من النار، وهو القريب منها، لولا أنه من بالإسلام. ~~ويحتمل أن يكون على الكون فيها والوقوع، لا القرب؛ كقوله: (لترون الجحيم)، ~~ليس على الرؤية خاصة؛ ولكن على الوقوع فيها؛ وكقوله: (فذوقوا العذاب) ليس ~~على البعد منها؛ ولكن على الكون فيها، ومثله كثير يترجم على الوقوع فيها. # وقوله: (حفرة): كأنه قال: كنتم على شفا درك من دركات النار، (فأنقذكم ~~منها). # وهذا -أيضا- على المعتزلة؛ لأن على قولهم: هم الذين ينقذون أنفسهم، لا ~~الله، على ما ذكرنا، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - نقول: إذا كان الله - تعالى - عندهم قد جمع بين ~~الكفرة والبررة في بذل الأصلح لهم في الذين، وليس منه غير ذلك فلا يجيء أن ~~يمن عليهم به يتألف بنعمته، والتي منه موجود مع التفرق؛ بل أولئك تألفوا ~~بنعمتهم. وبعد؛ فإن النعمة لو كانت دينا، فما الذي كان منه حتى يمن، وذلك ~~فعلهم بلا فضل منه فيه؟! والله أعلم. # وفي قوله: (وكنتم على شفا حفرة) الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين ~~الفترة؛ لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا، والله الموفق. # وقوله: (كذلك يبين الله لكم آياته): إذ كنتم أعداء ms0798 في الجاهلية والكفر، ~~متفرقين، وصرتم إخوانا في الإسلام؛ كلمتكم واحدة. # (لعلكم تهتدون): لكي تعرفوا نعمته ومنته. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يكون: (كذلك يبين الله لكم آياته) في حادث ~~الأوقات؛ لتكونوا فيها مهتدين كما اهتديتم؛ فيكون في ذلك وعد التوفيق ~~والبشارة، والله أعلم. # PageV02P447 # قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ~~فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~(106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون (107) تلك ~~آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) # وقوله: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر). # وقوله: (ولتكن منكم) # يحتمل أن يكون هذا خبرا في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمرا؛ فإن كان ~~خبرا ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: (منكم ~~أمة. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعا، ويكون قوله: (منكم) ~~- صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمة (وينهون عن المنكر) الآية؛ لأنه ~~ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، ~~منها هذا: (ولتكن منكم أمة. . .) الآية، ومنها قوله: (كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، وذم من تركهما بقوله: (كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون). # وروي عن عكرمة أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال له: " قد أعياني أن ~~أعلم ما # PageV02P448 # يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ~~(أنجينا الذين ينهون عن السوء. . .)، فقال لي: أصبت. # فاستدل ms0799 ابن عباس رضي الله عنه - بهذه الآية على أن الله أهلك من عمل ~~السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي ~~الظالمين مع الظالمين في العذاب. # وقد روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: " يا أيها الناس، إنكم ~~تقرءون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم)، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إذا رأوا ~~الظالم، فلم يأخذوا على يده - أوشك أن يعمهم الله بعقاب ". # وعن جرير قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الرجل ~~ليكون في القوم، ويعمل فيهم بمعاصي الرحمن، وهم أكثر منه وأعز، ولو شاءوا ~~أن يأخذوا على يده لأخذوا على يده، فيرهبوا له؛ فيعذبهم الله به ". # وعن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " والذى نفسي ~~بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليعمكم الله بعقاب من عنده، ~~ثم لتدعونه ولا يستجيب لكم ". # PageV02P449 # وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ~~إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت منكرا أن ~~تنكره؟ فإذا الله لقن عبدا حجته فقال: أي رب، وثقت بك، وفرقت من الناس ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا ~~يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ~~ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟ فقال: " مروا بالمعروف، وإن لم ~~تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنهوا عنه ". # ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر ~~كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في ~~واجب أن يقصر في غيره. # وقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). # يحتمل وجوها: # يحتمل: (كنتم): أي: صرتم خير أمة أظهرت ms0800 للناس؛ بما تدعون الخلق إلى ~~النجاة والخير. # ويحتمل: (كنتم خير أمة) في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر. # ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر. # يحتمل: (كنتم): صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ # PageV02P450 # بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى ~~كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، والله الموفق. # ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو ~~معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر. # ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هو النهي ~~عن الكفر؛ دليله: قوله: (وتؤمنون بالله. . .) الآية، يؤمنون هم، ويأمرون ~~غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر. # وقوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا (105) # لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله). # (من بعد ما جاءهم البينات): والبينات: هي الحجج التي أتى بها. # ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ونعته الشريف. # ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم ~~الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله ~~حجة له، ودليلا عليه، وداعيا إليه، ولا قوة إلا بالله. # (وأولئك لهم عذاب عظيم): # دل هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها. # وقوله: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه (106) # وصف الله - عز وجل - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون ~~به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عز وجل - وجوه أهل النار ~~بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في ~~السواد فهو شبيه بالظلمة. # وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض ~~والسواد؛ ولكن البياض هو كناية عن شدة السرور والفرح، والسواد كناية عن شدة ~~الحزن والأسف؛ # PageV02P451 # كقوله: (وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39)، ووصف وجوه أهل الجنة ~~بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور ms0801 والفرح؛ وكذلك وجوه ~~أهل النار وصفها بالغبر والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، والله أعلم. # وقوله: (أكفرتم بعد إيمانكم): # يحتمل وجوها: # يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية الله تعالى؛ لأن خلقة ~~كل أحد تشهد على وحدانيته. # ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث ~~بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: (والذين ~~يحاجون في الله من بعد ما استجيب له): أي: على استجابة كثير منهم من الأجلة ~~والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدين ولا بالتقليد، والله أعلم. # ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ~~ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟! ألا ترى أنه ~~قال: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق)، والله أعلم؛ وكقوله: (فآمنت طائفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طائفة). # وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم. # وفي الآية رد قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم ~~من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عز وجل - لم يجعل إلا ~~فريقين: بياض # PageV02P452 # الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم ~~الكافرون؛ لأنه قال: (أكفرتم) فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ~~ولم يجعل الله - تعالى - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عز وجل ~~-: (فريق في الجنة وفريق في السعير) لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا ~~فرقا؛ وكقوله: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن). # فإن قيل: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم ~~يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة # فجوابنا ما سبق: أن خلقة كل كافر تشهد على وحدانية الله تعالى، لكنهم ~~كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن ~~كافرا في حكم الكافر، وبالله التوفيق. # وقوله: (فذوقوا العذاب) # في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما ms0802 ~~يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب. # وقوله: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق (108) # يحتمل: (آيات الله): حجج الله وبراهينه. # ويحتمل: (آيات الله): القرآن. # PageV02P453 # قوله تعالى: (بالحق): ببيان الحق. # ويحتمل: (بالحق): بالدين، والدين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق. # قال الشيخ - رحمه الله -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق. # ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض. # وقوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين): والظلم: هو وضع الشيء في غير ~~موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، ومن وصف في الخلق ~~بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، ~~فالله يتعالى عن ذلك. # وقوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) # أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في ~~الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟! وإنما يظلم بنفع تسره إليه ~~النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك. # وقوله: (وإلى الله ترجع الأمور (109) # أي: إليه يرجع أمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم أوجود الظلم منه. # * * * # قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ~~وقال: " خير الناس أنفعهم للناس و (تأمرون بالمعروف): أي: تأمرونهم، أن ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلون عليه، ولا ~~إله إلا الله هو أعظم المعروف، # PageV02P454 # والمنكر: هو التكذيب، فهو أنكر المنكر ". # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~أعطيت ما لم ms0803 يعط أحد من الأنبياء "، قلنا: يا رسول الله، وما هو؟ قال: " ~~نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لى طهورا، ~~وجعلت أمتي خير الأمم ". # قال الشيخ - رحمه الله -: (كنتم خير أمة أخرجت) له وجهان: # أي: (كنتم) على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة. # ويحتمل: أي: كنتم صرتم بإيمانكم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~واتباعكم ما معه - خير أمة على وجه الأرض؛ لأنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. # وقوله: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر): يتوجه إلى وجوه ثلاثة: # المعروف: هو المعروف في العقول، أي: الذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو ~~الذي قبحته العقول وأنكرته. # ويحتمل أن يكون المعروف: هو الذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، ~~والمنكر: ما عرف بالحجج؛ أي: أنه قبيح. # ويحتمل أن المعروف: هو الذي جاء على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر:، هو ~~الذي أنكروه ونهوا عنه. # فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، والله أعلم. # وقوله: (ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم) # لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أنهم إنما ~~أبوا الإيمان وتمسكوا بالكفر لوجهين: # أحدهما: أنهم كانوا أهل عزة وشرف فيما بينهم، وأهل دراية؛ ينتاب إليهم ~~الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر ~~الله - عز وجل - أنهم إن آمنوا لكان خيرا، لهم من الذكر والشرف والعز في ~~أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر؛ ألا ترى أن من آمن منهم من درسة ~~الكتاب وعلمائهم - كان لهم من الذكر # PageV02P455 # والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد مات منهم على الكفر؛ نحو: عبد الله بن ~~سلام، ومن أسلم منهم؛ نحو: كعب، وغيره من الأحبار؟! وإنما كانوا من علمائهم ~~لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعز والشرف ما ~~لم ينل أحد منهم مات على الكفر، بل حمل ذكرهم وانتشر في أهلهم؛ فضلا عن أهل ~~الإيمان والإسلام، والله أعلم. # والثاني: أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~واختاروا المقام على الكفر؛ ms0804 خوفا وإشفاقا على ما لهم من المنافع والمنال أن ~~يذهب ذلك عنهم بالإسلام، فأخبر - عز وجل - أنهم لو آمنوا لكان خيرا لهم في ~~الآخرة؛ إذ ذاك ينقطع ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق ~~دائم، لا يزول أبدا؛ لما كان الذي ينال بالإيمان غيبا، وكذلك ما يحل ~~بالكفار من جزاء الكفر - غيب اشتد عليهم الفكر والتدبر، لما يمنعهم عن ~~الشهوات، وينغص عليهم اللذات، فآثروا ما هوته أنفسهم وتلذذوا به على ~~التدبر، مع ما كان إدرإك الغائب بالشاهد أمر عسير، لا يوصل إليه إلا بفضل ~~الله، ولم يكن عليه ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقا مع ما ~~كان منهم تقديم الجفاء، وإيثار زهرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، والله ~~أعلم. # وقوله: (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون): # كذلك كانوا: كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، والله أعلم. # وقوله: (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار (111) # فيه بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، بالأمن لهم عن ~~أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان؛ وهو كقوله - تعالى -: (ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب)، وقوله: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم. . .) الآية، ونحوه من الآيات التي فيها بشارة لأهل الإيمان ~~بالنصر لهم على # PageV02P456 # عدوهم. # وفي قوله: (لن يضروكم إلا أذى. . .) الآية - دلالة إثبات رسالة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل ~~أنه إنما علم ذلك بالله عز وجل. # وقوله: (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ~~(112) # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ضربت عليهم المسكنة " وليس فيه ~~الذلة، وفي حرف حفصة: " ضربت عليهم المسكنة والذلة ". # ثم اختلف في (الذلة): قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: ~~(عن يد وهم صاغرون)؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها. # وقوله: (أين ما ثقفوا) أي: وجدوا. # (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) يعني: ~~بعهد من الله، وعهد من الناس يكون ms0805 تحت قوم يؤدون الجزية؛ وكذلك تأول ابن ~~عباس - رضي الله عنه -: (بحبل من الله وحبل من الناس) أي: بعهد من الله، ~~وعهد من الناس. # وقال مقاتل: و " الناس " في هذا الموضع: النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة. # ويحتمل قوله: (ضربت عليهم الذلة) بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا ~~أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم. # (أين ما ثقفوا) # أي؛ لا يوجدون إلا بحبل من الله وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون ~~بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم. # وقوله: (وباءوا بغضب من الله): # PageV02P457 # قيل: استوجبوا غضبا من الله بكفرهم. # وقيل: رجعوا. # وقيل: وجب عليهم الغضب. # وقد ذكرنا هذا في غير موضع. والله أعلم. # وقوله: (وضربت عليهم المسكنة)؛ # وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مع قربهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعدهم ~~بالمشركين؛ فأذلهم الله - تعالى - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وضعة فيما بين ~~المسلمين، بعد ما كانوا أهل عز وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: (وأنزل الذين ~~ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب. . .) الآية. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ~~ذكر الله في قوله: (وأنزل الذين ظاهروهم) الآية، وغير ذلك مما يصير فيه ~~المسلمون. يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت ~~البشارات. # ويحتمل: أن الله - تعالى - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي ~~لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك ~~فيهم حاجة. # ويحتمل: أن الله مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، ~~وأعظم الحاجات فهي المسكنة. # وقوله: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله): # وآيات الله: ما ذكرنا في غير موضع. # وقوله: (ويقتلون الأنبياء بغير حق): # يحتمل وجوها: # يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء بغير حق، وهؤلاء رضوا بذلك، وإن ~~كانوا # PageV02P458 # لم يتولوا هم بأنفسهم؛ فأضاف الله - تعالى - ذلك إليهم؛ لأنهم ms0806 شاركوا في ~~صنيعهم برضاهم؛ وهو كقوله: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا). # ويحتمل: أن يكونوا قصدوا قتل محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قصدوا ~~ذلك فكأنهم قصدوا الأنبياء كلهم، كما ذكرنا في قوله: (من قتل نفسا. . .) ~~الآية. # ويحتمل: أن يكونوا هموا بقتل محمد - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل: أن يكون عيرهم بآبائهم؛ إذ هم قلدوهم في الدين، فبين سوء صنيعهم ~~بالأنبياء - عليهم السلام - ليعرفوا به سفههم وسفه كل من قصد تقليدهم، ~~والله أعلم. # ويحتمل: أن يكونوا قتلوا أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فأضاف إليه، ~~وهو كما أضاف إليه مخادعتهم المؤمنين - إلى نفسه؛ وكما أضاف نصر أوليائه ~~إليه، وإن كان الله لا يخادع ولا ينصر؛ فعلى ذلك إضافة القتل إليه " لقتلهم ~~الأتباع، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير ~~فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) # وقوله: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله. . .) ~~الآية: # أي: لا سواء بين من آمن منهم -يعني: من أهل الكتاب- ومن لم يؤمن منهم؛ ~~لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: (ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). # PageV02P459 # وقيل: أمة قائمة على حدود الله، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه. # وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل) أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة. # وفي حرف حفصة: " ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة "؛ كقوله - تعالى ~~-: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم. . .) كذا: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار. . .) الآية. # وقوله: (وهم يسجدون): # يحتمل قوله: (وهم يسجدون): أي: يصلون. # ويحتمل ms0807 (يسجدون): يخضعون، والسجود: هو الخضوع. # (يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) # أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، (وينهون عن ~~المنكر)، يعني: الكفر. # ويحتمل (ويأمرون بالمعروف): كل معروف، (وينهون عن المنكر): كل منكر، وقد ~~ذكرنا هذا. # (ويسارعون في الخيرات): في الخيرات كلها. # (وأولئك من الصالحين): وقيل: مع الصالحين في الجنة. # قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ومن ذلك فعله - فهو صالح. # PageV02P460 # وقوله: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) # أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة. # قال الشيخ - رحمه الله -: أي: كيف يكفره، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ~~ويعطي الجزيل؟!. # وهو في حرف حفصة: " فلن تتركوه ": أي: لن تتركوه دون أن تجزوا عليه؛ وإن ~~قل ذلك؛ كقوله: (وإن تك حسنة يضاعفها)، معناه - والله أعلم - ما ذكر، (ولن ~~يتركم أعمالكم). # وقيل: لن يظلمكم. # وقيل: لن ينقصكم. # وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند الله، ~~والله أعلم. # (والله عليم بالمتقين): ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم ~~الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) # وقوله: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا): # قال الشيخ - رحمه الله -: فهو - والله أعلم - أن بمثله يكون التناصر في ~~الدنيا، لكن الذي كان فيها لا ينفع في الآخرة، بل يكون كما قال الله - عز ~~وجل -: (يوم يفر المرء. . .) الآية، ثم لا مال له، ثم ولا لو كان فينفع؛ ~~وذلك أنهم ظنوا أن كثرة الأموال والأولاد تمنعهم من عذاب الله؛ كقولهم: ~~(نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، فأخبر الله - عز وجل -: أن ~~كثرة الأموال والأولاد لا تغني عنهم من عذاب الله شيئا. # وقوله: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ms0808 كمثل ريح فيها صر أصابت حرث ~~قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته (117) # ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - ~~والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام ~~والأوثان، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ظنوا أن تلك ~~الأعمال والنفقات # PageV02P461 # التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر ~~أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صر وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئا ~~ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ~~ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة ~~لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صر كانت مهلكة؛ محرقة لزروعهم وحرثهم، والله ~~أعلم. # والصر: هو البرد الشديد. وقيل: الصر: الصوت؛ كقوله: (فأقبلت امرأته في ~~صرة فصكت وجهها). # قيل. هي الصوت. # قيل: مثل ما ينفقون في الصد عن سبيل الله، وفي قتال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ كقوله: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا. . .) والآية، ~~أي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه، والله ~~أعلم. # وقوله: (وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون): والظلم: ما ذكرنا: هو وضع ~~الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير ~~موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم ~~يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها ~~لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن ~~يجعلوها خالصة لله، سالمة له. # وقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا ~~حاجة له إلى عبادتهم، والله الموفق. # قال الشيخ - رحمه الله -: تقديم وتأخير، وأصل ذلك أن الله قد وضع كل نفس ~~الخلقة بموضع العبودية، فجعلوها عبدة غيره. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم ~~خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم ms0809 أكبر قد ~~بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم # PageV02P462 # الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور (119) إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم (118) # اختلف فيه: # قيل: نهى الله المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم ~~دون المؤمنين. # وقيل في حرف حفصة: " لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم "، يعني: من دون ~~المؤمنين. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " نهى الله المؤمنين أن يتخذوا ~~اليهود والنصارى، والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثوهم ~~ويفشوا إليهم سرهم دون المؤمنين ". # والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرهم. # قال الشيخ - رحمه الله -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: # أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه. # والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما ~~فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدين، والإغفال عن حقه. # وقوله: (لا يألونكم خبالا): يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم. # PageV02P463 # وقوله: (ودوا ما عنتم): أي: يودون ويتمنون ما أثمتم. # قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم ~~عليه. # وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها. وقوله: (قد بدت ~~البغضاء من أفواههم): # من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: (قد بدت البغضاء من ~~أفواههم) ما ذكر في آية أخرى: (ولتعرفنهم في لحن القول)، أنهم كانوا يعرفون ~~المنافق في لحن كلامه. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (قد بدت البغضاء من أفواههم): ما كان ~~من التفريق بقوله: (إن الناس قد جمعوا لكم)، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: ~~(وإن منكم لمن ليبطئن. . .) الآية. # وقوله: (وما تخفي صدورهم أكبر): وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ~~ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا ms0810 يضمرون أكثر ما ~~كانوا، يظهرون. # ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر. # وقوله: (قد بدت البغضاء من أفواههم): من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر ~~من ذلك من الفساد والشرور، والله أعلم. # وقوله: (قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون): # يحتمل قوله: (إن كنتم تعقلون) البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون ~~بعقولكم؛ لأنه - عز وجل - ذكر في غير آي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان ~~لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفى عنهم العقل رأسا. # وقوله: (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم (119) من قال: إن أول الآية ~~في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: (وإذا لقوكم قالوا آمنا. .) ~~الآية. يقول: ها أنتم يا هؤلاء # PageV02P464 # المسلمون تحبونهم -يعني: المنافقين- ولا يحبونكم على دينكم. # قال الشيخ - رحمه الله -: وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون، ~~إما بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله ~~المؤمنين على سرهم؛ لئلا يغتروا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بما أطلعه الله على ما أسروا، والله أعلم. # ومن قال: إن أول الآية في الكفار - يجعل قوله: (ها أنتم أولاء تحبونهم ~~ولا يحبونكم) على الابتداء، والقطع من الأول؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ~~ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك. # وقوله: (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم) # هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا ~~بلغ الغضب غايته. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (قل موتوا بغيظكم): إنما كان يغيظهم ما ~~كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز؛ فيكون في ذلك دعاء لهم ~~بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، والله أعلم. # وفي حرف حفصة: " قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئا إن الله عليم بذات ~~الصدور " على الوعيد. # وقوله: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم (120) # قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، ~~لكنه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: (وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها) ms0811 ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم ~~والغنيمة -يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم- يفرحون به ويسرون. # وقيل؛ إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة -ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط ~~والجدب وغلاء السعر- فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم -اهتموا ~~لذلك، وفي # PageV02P465 # كل مصيبة ونكبة رأوا لهم- فرحوا بها. # وقوله: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) # وعد النصر بشرط: (لا يضركم كيدهم شيئا)، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا ~~وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئا، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما ~~كسبت أيديهم. # قوله: (إن الله بما يعملون محيط) على الوعيد. # * * * # قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع ~~عليم (121) إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون (122) # وقوله: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال). # قوله: (تبوئ): قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال. # وقيل: (تبوئ): تنزل المؤمنين. # وقيل: (تبوئ المؤمنين): تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين. # وقيل: (تبوئ): توطن. # وقيل: تستعد للقتال. # كله يرجع إلى واحد. # ثم اختلف في أي حرب كان، وأي يوم؟ قال أكثر أهل التفسير: كان ذلك يوم ~~أحد. # وقيل: إنه كان يوم الخندق. # وقيل: كان يوم الأحزاب؛ فلا يعلم ذلك إلا بخبر يصح أنه كان يوم كذا، لكن ~~في ذلك أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر، ويختارون لهم المقاعد، ~~وعليهم تعاهد إخوانهم، ودفع الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعهم، وعليهم ~~طاعة الأئمة، وقبول # PageV02P466 # الإشارة من الإمام، وذلك في قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم) ذكر مقاعد القتال في هذه الآية، لكن الذي لزم من ذلك في ~~آية أخرى - ذكر الصف بقوله - عز وجل -: (إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص)، وذكر في آية أخرى الثبات بقوله - عز وجل -: ~~(إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، والأصل أنهم أمروا بالثبات، ~~فالأحسن أن يختار لهم أمكنة لهم بها معونة على الثبات، والله أعلم، فيحتمل ~~أن يكون أراد ms0812 بالمقاعد القعود، وذلك أثبت للقتال وأدفع للعدو، وفيما ذكر ~~الصف ذكر للجيلة عليه بقوله - عز وجل -: (إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره) فيه رخصة الحملة على العدو، ~~وباجتهاد إن كان فيها تولي الأدبار. # ويحتمل أن يكون أراد بالمقاعد: الأماكن والمواطن للقتال والحرب، والله ~~أعلم. # وقوله: (والله سميع عليم). # يحتمل. سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم. # ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات ~~للعدو بقوله - عز وجل -: (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، وعليم بثوابكم. # ويحتمل قوله: (سميع عليم): البشارة من الله - عز وجل - بالنصر لهم، ~~والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - تعالى - لموسى وهارون: (فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ~~(45) ثم قال - عز وجل -: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) أمنهما ~~من عدوهما بقوله - عز وجل -: (أسمع وأرى)، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله - عز ~~وجل -: (سميع عليم)، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما ~~به نصركم وظفركم، والله أعلم. # وقوله: (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا (122) # قوله: (همت): # يحتمل: أن هموا هم خطر. # ويحتمل: أن هموا هم عزم، وكذلك هذا التأويل في قوله: (ولقد همت به وهم ~~بها)، همت هي هم عزم، وهم هو بها هم خطر، وهم الخطر يقع من غير صنع من ~~صاحبه، وهم العزم يكون بالعزيمة والقصد. # PageV02P467 # وقوله: (همت. . . أن تفشلا) والفشل ليس مما ينهى عنه؛ لأنه يقع من غير ~~فعله، لكنه - والله أعلم - هموا أن يفعلوا فعل القتل والجبن وذكر في القصة ~~أن الطائفتين: إحداهما كانت من بني كذا، والأخرى من بني كذا، فلا يجب أن ~~يذكر إلا أن يقروا هم بذلك. # وقيل: إنهم كانوا أقروا بذلك، وقالوا: نحن كنا فعلنا، وما نحب ألا يكون ~~في قوله: (والله وليهما) ظهر لنا ولاية الله، ولو لم يكن لم يظهر. # وقوله (والله وليهما). # قد ذكرنا هذا في غير موضع: # أن " الولي ": قيل: هو الناصر، وقيل: هو الحافظ، ms0813 وقيل: إنه أولى بهم. # وقوله: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) # قال الشيخ - رحمه الله -: المؤمن من يعلم -علم اليقين- أن من نصره الله ~~لا يغلبه شيء، ومن يخذله الله لا ينصره شيء. # حق على المؤمنين ألا يتوكلوا ولا يثنوا إلا على الله، عز وجل. # قال الشيخ - رحمه الله -: فتوكل: أي اعتمد على ما وعد، واجتهد في الوفاء ~~بما عهده، وفوض كل أمره إلى الله؛ إذ علم أنه -بكليته- لله، وإليه مرجعه، ~~وبهذه الجملة عهد أن ينصر دينه، ولا يولي عدوه دبره، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ~~(123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم ~~به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) # وقوله: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) # يذكرهم - عز وجل - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدتهم، ولا ~~يثقوا # PageV02P468 # بأحد سواه، بل على الله يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم ~~كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمد لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم -مع ضعفهم، ~~وقلة عددهم- يوم بدر. ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى ~~أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم. # وقوله: (فاتقوا الله) # يعني: اتقوا معاصيه # قوله تعالى: (لعلكم تشكرون) # وفيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما ~~تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، ~~والله أعلم. # وقوله: (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين (124) # وذكر في سورة الأنفال: (بألف من الملائكة مردفين)، # فاختلف فيه: # قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة: # ثلاثة آلاف، ومرة: # خمسة آلاف. # ومرة: ألفا - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف. # وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف # وقيل: كانوا كلهم خمسة ms0814 آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم. # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: كان يوم أحد. # وقال آخرون: يوم بدر. # PageV02P469 # وقوله: (فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)، يوم بدر، ولا ~~ندري كيف كانت القصة؟ وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة ~~للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به) جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين. # ثم اختلف في " قتال الملائكة ": قال بعضهم: قاتل الملائكة الكفار. # وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا ~~يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية: (ويقللكم في أعينهم)، ولو كانوا يقاتلون ~~لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن ~~جبريل - عليه السلام - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟! فدل لما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد. # فلا ندري كيف كان الأمر؟. # وقوله: (مسومين (125) # قيل: " منزلين "؛ " ومسومين " سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم. # PageV02P470 # وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - وألله أعلم - ليعلم المؤمنين حاجتهم إلى ~~العلامة، لا أن الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال لأصحابه يوم بدر: " تسوموا؛ فإن الملائكة قد ~~تسومت). # وقوله: (وما النصر إلا من عند الله (126) # ليعلم أن في النصر لطفا من الله لا يوصل إليه بشيء من خلقه؛ لأنه نفاه ~~عنهم مع مدد الملائكة " ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من الله ~~- عز وجل. # وقوله: (ليقطع طرفا من الذين كفروا ... (127) # قال قتادة: " كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر ". # وقيل: (طرفا من الذين كفروا): جماعة. # وقيل: (طرفا من الذين. . .): يعني: أهل مكة. # وقوله: (أو يكبتهم): # قيل: يخزيهم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " الكبت: الهزيمة ". # وقيل: الكبت: هو الصرع على وجهه. # وقوله: (فينقلبوا خائبين): # PageV02P471 # والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أملوا. # قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر من حضور الملائكة ms0815 الحرب فهو - والله ~~أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، ~~والكف عن ذلك، أو الدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء الله من الوجوه التي ~~يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار ~~والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته ~~وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم ~~بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم -على ما وصفهم الله-: ~~(لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). # وقوله: (يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون)، وغير ذلك مما وصفهم ~~بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات ~~الله علمهم أجمعين. # ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، ~~وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر ~~الله - عز وجل - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنه وفضله، من ذلك: ما ~~قال الله - عز وجل -: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا. . .) الآية، أن يكون الله يؤيدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما ~~قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، ~~فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، والله ~~أعلم. # والثاني: أن يكون الذي جبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة ~~إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين ~~بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله: (إنا لننصر رسلنا. . .) الآية، ~~وقوله - تعالى -: (وما جعله الله إلا بشرى لكم)، والله أعلم. # أو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون ~~لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون ~~لهم فضل قوة بذلك، وإقبال # PageV02P472 # على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا ~~على ذلك قوله: (إذ أعجبتكم كثرتكم)، ولعلهم ms0816 -أيضا- بما يطمعون أنهم لو ~~أطاعوا الله، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما ~~يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حب الدنيا، ~~والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال الله - عز ~~وجل -: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من ~~عند الله) فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينت، ~~ويكون النصر من عند الله، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلت أعوانه أو ~~كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه ~~إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي ~~بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ~~ذكر من قوة جبريل - عليه السلام - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن ~~يقوم لمثله أهل الأرض، فضلا عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي ~~الله، والله لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ~~(128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) # وقوله. (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم. . .) الآية. # قوله: (ليس لك من الأمر شيء): إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ ~~إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ند؛ كقوله: (يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله). # وقوله: (أو يتوب عليهم أو يعذبهم. . .) الآية # فيه: أنه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى قولا وفعلا، حتى ترك ~~قوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم)، ولكنا لا نعلم ذلك ~~المعنى، غير أنه قيل في بعض القصة: ms0817 إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شج يوم ~~أحد في وجهه، وكسرت رباعيته، فدعا عليهم؛ فنزل قوله: (ليس لك من الأمر شيء) # PageV02P473 # وقيل: إن سرية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، خرجوا إلى ~~قتال المشركين يقاتلونهم حتى قتلوا جميعا، فشق على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه بقتلهم، فدعا عليهم باللعنة - يعني: على المشركين - أربعين ~~يوما في صلاة الغداة؛ فنزل قوله: (ليس لك من الأمر شيء). # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم أحد: " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن فلانا، حتى لعن نفرا منهم " ~~فنزل قوله: (ليس لك من الأمر شيء. . .) الآية. # وقيل: " إن نفرا من المسلمين انهزموا، فشق ذلك على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فنزل: (ليس لك من الأمر شيء)، فأمره بكف الدعاء عنهم، والله ~~أعلم بالقصة في ذلك. # وقوله: (أو يتوب عليهم أو يعذبهم): # فإن كانت القصة في الكفار فكأنه طلب التوبة والهدى، وأفرط في الشفقة ~~فقال: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) فيهديهم لدينه، (أو يعذبهم) على ~~كفرهم؛ (فإنهم ظالمون)؛ كقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء). # فإن كان في المؤمنين فقوله: (يتوب عليهم) عن ذنبهم الذي ارتكبوا، (أو ~~يعذبهم) بذنبهم، ولا يعفو عنهم، والله أعلم بذلك. # وقوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ... (129) # فيه دلالة ما ذكرنا في قوله: (ليس لك من الأمر شيء) إنما الأمر إلى الله، ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي يغفر لمن يشاء، ويعذب من ~~يشاء. # PageV02P474 # وفي قوله: (ليس لك من الأمر شيء) وجواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - عمل بالاجتهاد لا بالأمر، حتى منع عنه، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - قوله: (ليس لك من الأمر شيء) ويحتمل أن يكون على ~~أثر أمر مما جبل عليه البشر ما رأى في ذلك صلاح الخلق، ومما عليه التدبير ~~بحيث الإطلاق فقيل هذا، وإن كان على ما رأيت فليس ms0818 لك من أمر هذا شيء، وإنما ~~الذي إليك الصفح عن ذلك والإعراض، والله أعلم ما كان. # ويحتمل أن يكون يبتدئ القول به من غير أن يسبق منه ما يعاتب عليه أو يمنع ~~منه؛ ليكون -أبدا- متقبلا الإذن له في كل شيء والأمر، ولا يطمع نفسه في شيء ~~لم يسبق له البشارة به، على أن النهي والوعيد أمران جائزان، وإن كان قد عصم ~~عن ركوب المنهي، ووجوب الوعيد؛ إذ هنالك تظهر رتبة العصمة، ولا قوة إلا ~~بالله. # والظاهر أن يكون على إثر أمر استعجل ذلك من: دعاء الإهلاك أو الهداية ~~لقبول الحق والخضوع له؛ فيقول: ليس لك شيء من ذلك في أحد على الإشارة إليه، ~~إنما ذلك إلى الله، يصنع فيهم ما عنده من الثواب أو التعذيب، على قدر ما ~~يعلم من إقبالهم على الطاعة له أو نفاذهم عنها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا ~~الله والرسول لعلكم ترحمون (132) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة). # قوله: (لا تأكلوا الربا) - كقوله: (وذروا ما بقي من الربا) ففيه نهي عن ~~الأخذ؛ كقوله: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه)؛ فعلى ذلك قوله: (لا تأكلوا ~~الربا)، أي: لا تأخذوا. # وقوله: (أضعافا مضاعفة) # فإن قيل: ما معنى النهي عن المضاعفة وغير المضاعفة حرام؟! لكنه يحتمل هذا ~~وجوها: # PageV02P475 # يحتمل: أن يكون هذا قبل تحريم الربا، فنهوا عن أخذ المضاعفة. # ويحتمل قوله: (لا تأكلوا الربا): أي: لا تكثروا أموالكم بأخذ المضاعفة. # ويحتمل: (أضعافا مضاعفة)، أي: لا تصروا على استحلال الربا فتثبتون عليه ~~آخر الأبد. # ويحتمل. (أضعافا مضاعفة)؛ تضعيف العذاب. # ويحتمل ما قيل: كان أحدهم يبايع الرجل إلى أجل، فإذا حل الأجل زاد في ~~الربح، وزاد الآخر في الأجل، وذلك كان ربا الجاهلية. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (لا تأكلوا الربا). # يحتمل الأكل؛ لأنه نهاية كل كسب. # ويحتمل الأخذ؛ كقوله: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه)، وقوله: (وذروا ما بقي ms0819 ~~من الربا)، وقوله: (أضعافا مضاعفة): في الأخذ، أي: لا تأخذوا لتكثروا ~~أموالكم، أو تقصدوا بذلك تضاعف أموالكم إلى غير حد؛ وليس فيه أن القليل ليس ~~بمحرم، لكن ذلك هو مقصود أكله؛ فنهوا عن ذلك، وحرمة القليل بغير ذلك من ~~ليكثروا أن يكون في نازلة عليها، خرج النهي لا على الإذن بدون ذلك، ولو كان ~~على حقيقة الأكل فهو على النهي عن التوسع بالربا أو الأمر بالعود إلى ما لا ~~ربا فيه، وإن كان # PageV02P476 # في ذلك ضيق، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون في الآية إضمار؛ فيقول: لا تأكلوا الربا؛ لأنكم إن ~~أكلتموه بعد العلم بالتحريم - تضاعفت عليكم المآثم والعقوبات، وقد جعل الله ~~للربا أعلاما دلت على ما غلظ شأنها؛ نحو ما وصف من لا يتقيه لا ينفيه ~~بالخروج بحرب الله وحرب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبالتخبط يوم ~~القيامة، وانتفاخ البطن وما جرى في معاقبة اليهود، وبتحريم أشياء لمكان ~~ذلك، وقوم شعيب ما حل بهم بلزومهم بتعاطي الربا، والله أعلم، (واتقوا الله) ~~ولا تأخذوا الربا ولا تستحلوه (لعلكم تفلحون). # وقوله: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) # فيه دلالة أنها إنما أعدت للكافرين، لم تعد لغيرهم، فذلك يرد على ~~المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، والله - تعالى - يقول: إنها ~~أعدت للكافرين، وهم يقولون: ولغير الكافرين. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (أعدت للمتقين: # يحتمل: للذين اتقوا الشرك؛ كقوله: (هدى للمتقين). # ويحتمل: للذين اتقوا جميع أنواع المعاصي: فإن كان التأويل هو الأول -فكل ~~من لم يستحق بفعله اسم الكفر- فهو في الآية؛ إذ قال في النار: (أعدت ~~للكافرين)، لم يجز أن تكون هي أبدا لغيرهم؛ لوجهين: # أحدهما: إذ لا يجوز أن تكون الجنة المتخذة للمؤمنين تكون لغيرهم؛ فكذلك ~~النار المعدة للكافرين، وهذا أولى بجواز القول في إيجاب الجنة لمن لا يكون ~~منه الإيمان؛ نحو الذرية، وفساد القول فيهم بالنار، والله أعلم. # والثاني: أنها إذا جعلت لغيرهم أو أعدت لغيرهم -كان لا يكون للكفر فضل ~~هيبة # PageV02P477 # ولفعله فضل فزع في القلوب بوجود ذلك، ومعلوم أن ms0820 ذلك بالعواقب لا بنفس ~~الفعل- ثبت أنه لا يجب خلود من ليس بكافر فيها حتى يكون ممن أعدت له، ولغير ~~أثر وتحذير لا تحقيق ذلك كله، والله أعلم. # وإن التأويل هو الثاني من اتقاء جميع المعاصي؛ فيكون لذلك بعد عبارتان: # إحداهما: أن قد ظهر أهل الجنة وأهل النار، وبينهم قوم لم تبلغ بهم الذنوب ~~الشرك، فيدخلون في الوعيد بالنار المعدة لهم، ولا اتقوا جميع المعاصي؛ ~~فيكونون في الوعد المطلق فيمن أعدت له الجنة؛ فحقه الوقف فيه حتى يظهر ذلك ~~في قوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وفي قوله: (أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)، وقوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، ~~الآية، وغير ذلك من آيات العفو والمغفرة، وما كان ذلك واجبا في الحكمة، ~~فيكون القائم به يستحق وصف العدل لا العفو والمغفرة - ثبت أن ذلك فيما قد ~~وجب، أو يكون فيمن يجزيهم جزاءهم ويدخلهم الجنة؛ إذ أخبر أنه لا يجزي ~~السيئة إلا بمثلها، وبالتخليد مضاعفة ذلك من وجهين: # أحدهما: أنه عذاب الكفر، وهذا دونه. # والثاني: منع لذة الحسنة بكليتها، بل حق ذلك أن يكون كقوله: (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره) الآية، أن يجزي بالأمرين جميعا، ولا قوة إلا بالله. # والثاني: أنه قد جاء بمقابل السيئة من الحسنات، ومقابل كل أنواع من ~~المعاصي من الطاعات، وقد وعد على الحسنة عشر أمثالها؛ فمحال أن يقابل مثل ~~الذي دون الشرك من السيئات - الشرك في إحباط العمل، ولا يقابل مثل الذي دون ~~الإيمان الإيمان في إحباط الذنوب، ويجب له الجنة، ثم مع ذلك الإيمان الذي ~~لا أرفع منه، وهو الذي بعثه على الخوف والرجاء وقت الإساءة، وعلى أنه لو ~~خشي على نفسه كل بلاء ورجا كل نفع في الكفر بربه - لم يؤثر ذلك مع ما وعد ~~على الحسنة عشر أمثالها، ثم يبطل لذة ذلك كله، ويلزم الخلق القول فيه ~~بالكرم والعفو والرحمة، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (وأطيعوا الله والرسول ... (132) # ذكر - والله أعلم - طاعة الرسول؛ لأن من الناس من لا يرى ms0821 طاعة الرسول؛ ~~فأمر - عز وجل - بطاعة رسوله - لئلا يخالفوا أمر الله ولا أمر رسوله، وأن ~~من أطاع الله ولم ير طاعة رسوله فهو لم يطع الله في الحقيقة. # ويحتمل: (وأطيعوا الله) في أمره ونهيه، وأطيعوا الرسول فيما بين في سننه ~~أو دعا أو # PageV02P478 # بلغ، والقصد في الآية إلى فرض طاعة الرسول، وأطيعوا الرسول في أمره ~~ونهيه، كما أطعتم الله في أمره ونهيه. # قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين (133) # وقوله: - عز وجل - (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). # يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله - عز وجل -: (لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة)، أي: لا تأخذوا الربا أضعافا مضاعفة فتكثروا أموالكم، وحقيقته: ~~وسارعوا إلى ما فيه وعد المغفرة من ربكم: بالإجابة له إلى ما دعا، والقيام ~~به بحق الوفاء. # وقوله: (واتقوا الله) في استحلال الربا؛ لأن من استحل محرما فقد كفر، ~~وحقيقته: اتقوا ما أوعدكم ربكم عليه النار. # وأصل الطاعة: الائتمار بأمر المطاع في كل أمر، فمن أطاع الله فيما أمر، ~~وأطاع رسوله - رحمه ربه، وفي الطاعة رحمة الخلق؛ على ما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لن تدخلوا الجنة حتى تراحموا؛ قالوا: كلنا ~~نرحم يا رسول الله؟ قال: ليس رحمة الرجل ولده؛ ولكنه رحمة عامة ". # قوله: (وأطيعوا الله) في تحريم الربا، وأطيعوا الرسول: في تبليغه إليكم ~~تحريم الربا والنهي عن أخذه. # (لعلكم ترحمون): أي: ارحموا الناس وترحموهم في ترك أخذ الربا، ترحمون ~~أنتم، وتنجون من النار ومن عذاب الله. # ثم قال: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). # أي: بادروا بالتوبة والرجوع عن استحلال الربا والترك عن أخذه، والمغفرة ~~هي فعل الله، لكنه - والله أعلم - كأنه قال: بادروا إلى الأسباب التي بها ~~تستوجبون المغفرة من ربكم، والمغفرة: هي الستر في اللغة. # ثم يحتمل وجهين: # يحتمل: ألا يهتك أستاركم في الآخرة إذا تبتم. # PageV02P479 # ويحتمل: أن ينسى عليكم سيئاتكم في الجنة؛ لأن ذكر المساوئ في الجنة تنقص ~~عليهم نعمه، فأخبر - عز وجل - أنه ينسيهم مساوئهم في ms0822 الجنة؛ لئلا ينقص ذلك ~~عليهم، والله أعلم. # وقوله: - عز وجل -: (وجنة عرضها السماوات والأرض): # وبادروا -أيضا- بالتوبة عن استحلال الربا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ~~فمعنى ضرب مثل الجنة بضرب السماوات والأرض، وذلك - والله أعلم - ذكر هو أن ~~للسماوات والأرض أحوالا ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ بقوله - عز ~~وجل -: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس)؛ وذلك أنهما عندهم من أشد ~~الخلائق وأقواها، فقال: إن الذي قدر على اتخاذ ما هو أشد وأقوى وأصلب - ~~لقادر على إنشاء ما هو دونه، وهو هذا العالم الصغير. # ووصف -أيضا- السماوات والأرض بالغلظ والكثافة والشدة؛ لقوله - عز وجل -: ~~(سبع سماوات) (شدادا) وغلاظا، ثم أخبر - عز وجل - أنها مع غلظها وكثافتها ~~تكاد أن تنشق لعظيم ما قالوا بأن لله ولدا وشريكا بقوله: (تكاد السماوات ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91)؛ ~~ليعلموا عظيم القول وقبحه؛ لئلا يقولوا في الله ما لا يليق به. # ووصف -أيضا- السماوات والأرض بالدوام إلى وقت يبعد فناؤهما في أوهام ~~الخلق، وإن كانا فانيان بقوله - عز وجل -: (خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض) فإذا كان للسماوات والأرض ما ذكرنا من الأحوال عند الخلق، ليست تلك ~~الأحوال لغيرها من الخلائق؛ من شدتها وقوتها، وصلابتها وكثافتها وسعتها - ~~شبه عرض جنته وسعتها بسعة السماوات والأرض وعرضهما؛ لما هما عند الخلق ليسا ~~بذوي نهاية، وإن كانا ذوي نهاية وغاية؛ كما وصف أهل الجنة وأهل النار ~~بالدوام فيهما بدوام السماوات والأرض، وإن كانا فيهما غير دائمين أبدا؛ ~~لبعد فنائهما عن أوهام الخلق؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وفيه دلالة أن الجنة ذو نهاية المكان في العرض، وإن لم تكن بذات نهاية ~~الوقت وغايته؛ لأنه ذكر العرض لها، وكل ذي عرض يحتمل نهاية عرضه - والله ~~أعلم - ولو لم يكن ذا نهاية من حيث العرض، فكأن الله غير موصوف بالقدرة على ~~الزيادة، ومن زال عنه # PageV02P480 # وصف ذلك - انقطع عنه الطمع، واضمحل الرجاء. # وبعد، فإن ثم دارا أخرى سوى الجنة، فأوجب ذلك نهاية الجنة من حيث العرض. ms0823 # إذ كان غير الجنة دار أخرى مثلها في ارتفاع نهاية الوقت، وجائز وجود ~~أمرين مختلفين على اتفاق في الوقت، ومحال وجودهما في مكان واحد اتفاق ~~بمكان؛ لذلك لزم نهايتهما، وإن زالت عنهما نهاية الوقت. # وقوله: - عز وجل -: (أعدت للمتقين): # والاتقاء: هو من الطاعة في كل أمره ونهيه، وترك مخالفته في ذلك كله، ثم ~~سبب التقوى يكون بوجوه ثلاثة: بذكر عظمته وجلاله ورفعته عن مخالفة أمره ~~ونهيه؛ فيذله ذلك ويحقره، فيمنعه عن مخالفته. # أو بذكر نعمته وإحسانه، فيمنعه ذلك عن ارتكاب ما نهي عنه حياء منهم. # والثالث: بذكر نقمته وعذابه في مخالفة أمره ونهيه؛ فيتقي بذلك عذاب الله ~~ونقمته. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقوله - عز وجل -: (أعدت للمتقين)، ثم فسر ~~الذين يتقون إلى آخر ذلك، فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد: من أعدت له، له من جميع الذي ذكر. # والثاني: أن يريد ب (أعدت للمتقين (133) الذين) اتقوا الشرك بالذي أخبر - ~~عز وجل - بقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). ثم وصفهم بالذي ذكر من ~~الأفعال المحمودة؛ لا أن ذلك بكليته شرط لأن يعد له الجنة حتى يحرم من لم ~~يبلغ ذلك، فإن كان على الأول - فكأنه وصف النهاية لمن أعدت الجنة، وقد يجوز ~~أن يكون لهم أتباع # PageV02P481 # في الشركة، وإن لم يبلغوا تلك الرتبة بفضل الله، أو بما أعطى من ذكر فيهم ~~من الشفاعة، أو بما شاركوا أولئك في أصل الاعتقاد بقبول ذلك، وإن كان منهم ~~تقصير على أنه قد يذكر في كل أمر من الأمور العظيمة، والنهاية في ذلك على ~~مشاركة من دونهم لهم في ذلك، وعلى ذلك ما ذكر من بعث الرسل إلى الفراعنة ~~على دخول من دونه في ذلك، وعلى مخاطبة أهل الجلال في ذلك، ودخول من دونهم ~~في الحق؛ وكذلك ذكر الخطاب في أهل الرفعة والعلو على تضمين من دون ذلك؛ ~~فكذلك الأول؛ وكذلك الله - سبحانه - ذكر في القرآن من الكفرة الذين جمعوا ~~مع الكفر العناد والتمرد، وذكر أهل الإيمان الذين لهم مع ذلك الخيرات ms0824 منا ~~منه، إن ذكر هؤلاء بأعلى أما استحقوا من الثناء، والأول، بأعلى ما به يصير ~~لمقته، من غير تخصيص في أصل له الوعد والوعيد، إلا من حيث التشديد ~~والتفضيل، فمثله الأول؛ أيد ذلك قسمته أهل الجنة قسمين: السابقين، - وأصحاب ~~اليمين، ثم قال في الذين من ذكر: الذين (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) وقد ~~بين في آخر ذلك ما يدل على ذلك، وهو من ذكر من الذين يأتون الفواحش والظلم، ~~ثم (ولم يصروا على ما فعلوا)، ويكون في ذلك وجهان: # أحدهما: أن الله - تعالى - بمنه يوفقه لما يرضيه في آخر أمره؛ ليختمه به؛ ~~إذ كان في وقت ارتكابه ما ارتكب، وتقصيره فيما قصر - معتقدا جلال ربه، ~~خائفا عظمته، راجيا رحمته، متعرضا لما عرفه من الكرم والعفو، فيكون هو شريك ~~من ذكر في الخاتمة، وإن كان منه تخلف عنه في الابتداء، والله أعلم. # أو أن يكون يجزيه عما قصر وفرط؛ حتى يطهره مما كان من الخلط؛ فيرجع إلى ~~ما وافق الأول في جملة الاعتقاد، فتكون معدة لمن جمع ذلك، والجمع يكون ~~بالذي ذكر، أو بالعفو والجود؛ إذ جعل الجزاء طريقه الجود والكرم، لا ~~الاستحقاق، والله أعلم. # وإن كان على معنى الثاني - فالآية تخرج مخرج الترغيب في جميع تلك ~~الأوصاف، وتكون الجنة في الإطلاق معدة للمتقين، الذين اتقوا الشركة ~~والدرجات وما فيها من الفضائل والمراتب، على قدر ما يبقى من أنواع الخلاف ~~في الأفعال، ويتوسل إلى الله - تعالى - بالمبادرة والمسارعة إلى ما فيه ~~الرغاثب؛ وعلى ذلك أمر الوعد بتفضيل الذرجات في الجنة، وتفريق الدركات في ~~النار، على ما أعدت النار في الجملة للكفرة، ويتفاوت أهلها بتفاوت الأفعال ~~من الخلاف والتمرد، والله الموفق. # PageV02P482 # ثم السبب الذي به يستعان على التقوى ثلاثة: # أحدها: أن يذكر المرء عظمته وجلاله وقدرته عليه في كل أحواله؛ فيتقي ~~مخالفته بالهيبة والإجلال. # والثاني: أن يذكر عظم منته عليه، ونعمه عنده، وأياديه التي فيها يتقلب، ~~وبها يتمتع؛ فيتقيه حياء منه. # والثالث: أن يذكر نفسه عظم نقمته الموعودة، وعذابه المعد لأهل الخلاف ms0825 له؛ ~~فيتقيه إشفاقا على نفسه، والله الموفق. # وجملة ذلك: أن من تأمل ما إليه مرجعه، والذي منه بدؤه وما فيه متقلبه، من ~~أول أحواله إلى منتهي آجاله، حتى صير ذلك كله كالعيان لقلبه - سهل عليه وجه ~~التقوى؛ لما عند ذلك تذهب شهواته، وتضمحل أمانيه، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن الناس والله يحب المحسنين (134) والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136 # وقوله: - عز وجل -: (الذين ينفقون في السراء). # قيل: السراء: الرخاء، والضراء: الشدة. # وقيل: السراء: السعة، والضراء: الضيق؛ وهو واحد. # وقيل: السراء: ما يسرهم الإنفاق؛ من نحو الولد وغيره، يسره الإنفاق عليه، ~~والأجنبي يضره. # وعلى تأويل الأول: أن الإنفاق في حال الرخاء والسعة - أيسر وأهون على ~~المرء من الإنفاق في حال الضيق والفقر، فإذا أنفق في الأحوال استوجب بذلك ~~المدح، والله أعلم. # والسبب الذي ييسر عليه الأمر وجهان: # PageV02P483 # أحدهما: علمه بأن الذي في يديه في الحقيقة في يد الله؛ فهو يصرف ذلك حيث ~~يصرفه، لم يخرجه من يد من يده في يده، كأنه يعد في يده. # والثاني: بعلمه بجود ربه وقدرته، حيث يكون ذلك فيما به قضاء حاجته، ~~والوصول إلى منفعته مع ما يعلم بالجود، وكثرة الانتفاع بما لا ملك للمنتفع ~~به، وحرمان ذي الملك ذلك فيه. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: (الذين ينفقون في السراء والضراء): ~~يحتمل فيما يسرهم ويضرهم، أو في حال يسر وعسر، أو حال بلاء ونعمة. # ثم السبب الذي يسهل سبيل الإنفاق في تلك الأحوال -وإن كان بالذي ذكر في ~~تسهيل التقوى- هذا وجوه ثلاثة: # أحدها: أن ترى مالك لمن له يد امتحنك بحق ذلك وحفظه، وأنك إذا بذلته ~~ارتفعت عنك مئونة الحفظ، ومراعاة الحق على ما لم يكن ذاك عنك نفعه الذي كان ~~له وقت كونه ms0826 في يدك؛ إذ هو بعد البذل في يد من يدك قبله في يده، فكأنه لم ~~يخرج من يدك بحيث النفع، وإنما سقطت عنك ما ذكرت من المئونة؛ إذ معلوم ~~وجودها لك في الظاهر؛ لا منتفع به، ومن لا ملك له في الشيء منتفع به، على ~~العلم باستواء الأمر على من له بذلت، والله أعلم. # والثاني: أن تشعر قلبك جوده بمن آثره على ما عنده، وقدرته على إعطائه ~~إياه من خزائنه التي لا تنفد، ولا يتعذر عليه، فتيقن بذلك، وتعلم أنه لك ~~على الإيصال إليه؛ فيما لم يكن أوصله، وعلى ذلك فيما أعطاه في القدرة واحد؛ ~~فيهون عليه ذلك؛ والله أعلم. # والثالث: أن تعلم أن الذي عليه جبل وإليه دفع؛ ليس للوقت الذي فيه؛ ولكن ~~ليتزود لمعاده، ويكتسب به الحياة الدائمة، والمنفعة التي لا تنفد، فيصير ~~كبائع الشيء بأضعاف ثمنه، أو كباذل ما فيه فكاك رقبته، أو كمقدم ما يمتهن ~~إلى مكان مهنته، أو كمن يعد الشيء في مسكنه لوقت حاجته، فإن مثله آثر الشيء ~~على الطبيعة، وألذ شيء في العقل. ولا قوة إلا بالله. # ثم الأصل في قوله: (أعدت للمتقين) أي: من لم يبلغ بما يرتكب من المعاصي - ~~الكفر، لم يمتنع من احتمال التسمية المتقين على إرادة خصوص التقوى؛ وهو ~~ممتنع # PageV02P484 # عن احتمال التسمية بالكفر على صرف الآية في إعداد النار إلى خصوص أو ~~عموم، فثبت به خروج صاحب الكبائر عن أهل الاسم الذي أعدت له النار، ولم ~~يثبت خروجه عن أهل الاسم الذي له أعدت الجنة، فالقول فيه، وإنما ذلك في ~~الجنة فاسد بأوجه: # أحدها: مع الإشكال فيما يحرم الجنة، والإحاطة بأن النار لم يذكر أنها ~~أعدت له أدخل فيها، فيكون في ذلك إسقاط شهادة تثبت بيقين بالشك، وإيجاب ~~شهادة لم تجب بالخيال. # والثاني: أن يكون في ذلك إسقاط اسم العفو والرحمة؛ إذ لو لم يجعل لمثله - ~~لبطل أن يكون له موضع لما في غيره استحقاق، والله أعلم. # والثالث: ما فيه إسقاط الموازنة والمقابلة مع مجيء الآيات بالكتب التي ms0827 ~~تقرأ الموازين التي توزن؛ مع ما في ذلك مخالفته التوهم بالكريم الذي أمرنا ~~أن نسميه بها؛ مع ما قد جاء من التجاوز عن السيئات والتقبل للحسنات من ~~واحد، وفي ذلك قلب ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والكاظمين الغيظ). # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من كظم غيظا - وهو يقدر ~~على إنفاذه - ملأه الله أمنا وإيمانا ". # والغيظ متردد بين الحزن والغضب، والحزن على من فوقه، والغضب على من دونه، ~~والغيظ بين ذلك، مدحهم - عز وجل - بترديد حزنهم وغيظهم في أجوافهم. # PageV02P485 # وقوله - عز وجل - (والعافين عن الناس). # أي: عمن ظلم. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه، قال: " ما عفا رجل عمن ~~ظلمه إلا زاده الله بها عزا " ومن عفا عن الناس عن مظلمة - فقد أحسن بذلك؛ ~~كما يقال: فلان يحسن بكذا؛ ولا يحسن. # وقوله - عز وجل -: (والله يحب المحسنين). # والإحسان يحتمل وجهين: # يحتمل: العلم والمعرفة: # ويحتمل: أن يفعل فعلا ليس عليه من نحو المعروف والأيادي الذي ليس عليه، ~~إنما فعله الإفضال، ذكر -هاهنا- المحسنين وحبه، وأخبر في الآية الأولى أن ~~الجنة أعدت للمتقين بقوله - عز وجل -: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ~~عرضها السماوات والأرض) ثم قال: (أعدت للمتقين)، وأخبر أن النار أعدت ~~للكافرين. # ثم اختلفوا فيه: قال بعضهم: من لم يكن من المتقين لم تعد الجنة له، فهو ~~ممن أعدت له النار، وهو قول الخوارج والبغاة. # وقال آخرون: إنه أخبر أن النار أعدت للكافرين، فهو إذا لم يكن كافرا - ~~ليس ممن أعدت له النار، فهو ممن أعدت له الجنة. # وقال غيرهم: أخبر أن النار أعدت للكافرين وأخبر أن الجنة أعدت للمتقين، ~~فوصف المتقين: فهم الذين اتقوا معاصيه، وتركوا مخالفة أمره ونهيه، فإذا كان ~~قوم لهم مساوئ - # PageV02P486 # لم يدخلوا في إطلاق قوله - عز وجل -: (أعدت للمتقين) ولا دخلوا في قوله: ~~(أعدت للكافرين) وفيكون لهم موضعا بالنار. # وأما عندنا: فإنه يرجى دخول من ارتكب المساوئ من المؤمنين في قوله - عز ~~وجل -: (وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين)، ms0828 بقوله - عز وجل -: ~~(اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم)، ذكر ~~خلط عمل الصالح مع السيئ، ثم وعد لهم التوبة بقوله - عز وجل -: (عسى الله ~~أن يتوب عليهم) والعسى من الله واجب. # والثاني: قوله - عز وجل -: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم) فإذا تجاوز لم يبق لهم مساوئ؛ فصاروا من أهل هذه ~~الآية: (أعدت للمتقين). # وقوله -أيضا-: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم) وقالوا: (ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما ~~فعلوا وهم يعلمون). # أخبر أنهم (إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم): وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم ~~لأي معنى ظلموا أنفسهم، حيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع ~~الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك ~~صاروا ظلمة أنفسهم. # (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة، وأقروا أنه لا ~~يغفر الذنوب إلا الله. # (ولم يصروا) على ذنوبهم، والإصرار: هو الدوام عليه، ثم أخبر أن جزاء ~~هؤلاء المغفرة من ربهم؛ (وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. . .)، ~~إلى آخر ما ذكر. # دلت هذه الآيات على تأييد قولنا: إن أهل المساوئ والفواحش إذا تابوا ~~صاروا ممن أعدت لهم الجنة، وإن لم يكونوا من المتقين من قبل، فمثله إذا ~~تجاوز الله عن سيئاتهم؛ وعفا عنهم بما هو عفو غفور، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم. . .) والآية: # يحتمل أن يكون الظلم غير الفاحشة. # ويحتمل أن يكون واحدا في المراد؛ إذ قد يكون في المعنى أن كل عاص ظالم # PageV02P487 # لنفسه، بمعنى ضرها؛ ونحس لحظها؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في ~~غير موضعه، وهما معنيا الظلم، وكذلك من تعدى حد الله أو آثر ما يزجره العقل ~~والشرع -فقد فحش فعله، وذلك معنى الظلم الذي وصفت؛ إذ فعل ما ليس له، ~~واختياره غير الذي له- هو الذي يزجره العقل ms0829 والشرع، والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر غير هذين: وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف؛ عظم أو ~~صغر، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار، نحو ما قيل لآدم - عليه السلام - ~~في أكل الشجرة: (فتكونا من الظالمين)، وقيل في الشرك: (إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين). # والفواحش: ما أظهر وتبين، قبحه؛ لا ما قل أو كثر في الذنوب، وعلى ذلك ~~النقصان ظلما بقوله - عز وجل -: (ولم تظلم منه شيئا)، وقد يوصف العيب ~~والنقصان بالفحش؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات، ويكون كالطيب في ~~المحللات من المباح ونحوه في الدرجة، والله أعلم. # ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية؛ لما فيها الرجوع عن ~~ذلك، وطلب المغفرة، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما وعد الله في الشرك، ~~والزنا، والقتل؛ فما دونه - بقوله: (يضاعف له العذاب يوم القيامة. . .)، ~~إلى تمام الآية، والله أعلم. # وقوله: (إذا فعلوا فاحشة (135) # يحتمل الفاحشة: ما فحش في العقل وقبح. # وقال آخرون: كل محرم منهي فهو فاحشة. # والأول كأنه أقرب؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته؛ فإنه لا ~~يقال: فاحشة، وإذا بلغ الغاية -فحينئذ كالطيب، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ ~~غايته في الحل واللذة، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيبا- فلا، فعلى ~~ذلك: الفواحش؛ لا يقال لكل محظور محرم، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش ~~غايته، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا، وبالله التوفيق. # PageV02P488 # والطيب: ما استطابه الطبع؛ فإذا بلغ طيبه غايته في الطبع؛ فهو طيب، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهم يعلمون) أنها معصية فلا يقيمون عليها، ولكن ~~يتوبون، فمن تاب من ذنبه فجزاؤه ما ذكر. # * * * # قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # وقوله - عز وجل -: (قد خلت من قبلكم سنن). # يحتمل أحكاما، والأحكام تكون على وجهين: حكم يجب لهم، وهو الثواب عند ms0830 ~~الطاعة، واتباع الحق، وعذاب يحل بهم عند الخلاف والمعصية. # ويحتمل " السنن ": الأحكام المشروعة. # (فسيروا في الأرض) حتى تروا آثار من كذب الرسل وما حل بهم من العذاب؛ ~~بالتكذيب. # أو (فسيروا في الأرض): أي سلوا من يعلم ما الذي حل بهم حتى يخبروكم ما ~~مضى من الهلاك في الأمم الخالية، فهذا تنبيه من الله - عز وجل - إياهم أنكم ~~إن كذبتم الرسول - فيحل بكم ما قد حل بمن قد كان قبلكم، وإن أطعتم الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فلكم من الثواب ما لهم، فاعتبروا به كيف كان جزاؤهم ~~بالتكذيب. # وما في القرآن مثل هذا فمعناه: لو سئلت لأخبروك. # وقيل: (فسيروا في الأرض): أي: تفكروا في القرآن يخبركم عن الأمم الماضية؛ ~~فكأنكم سرتم في الأرض، وما في القرآن مثل هذا - فمعناه: لو سألت لأخبروك؛ ~~فإن فيه خبر من كان قبلكم من الأمم، وما لهم من الثواب بالتصديق والطاعة، ~~وما عليهم من العقاب بالتكذيب، والله أعلم. # PageV02P489 # وفي قوله - عز وجل -: (قد خلت من قبلكم سنن) يحتمل في المكذبين بالرسل ~~والمصدقين، (فسيروا في الأرض) يحتمل: لو سرتم فيها لرأيتم آثارهم، ولعرفتم ~~بذلك ما إليه ترجع عواقب الفريقين. # ويحتمل: الأمر بالتأمل في آثارهم، والنظر في الأنباء عنهم؛ ليكون لهم به ~~العبر، وعما هم عليه مزدجر. # ويحتمل " السنن ": الموضوع من الأحكام، وبما به امتحن من قبلهم؛ ليعلموا ~~أن الذي بلوا به ليس ببديع؛ بل على ذلك أمر من تقدمهم؛ كقوله. (قل ما كنت ~~بدعا من الرسل)؛ وكقوله - عز وجل -: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل)، والله أعلم. # وقوله: (هذا بيان للناس (138) # يحتمل قوله: (هذا بيان) يعني: القرآن؛ هو بيان للناس، وهدى من الضلالة. # (وموعظة للمتقين) أي: يتعظ به المتقون. # ويحتمل (هذا بيان للناس): ما ذكر من السنن التي في الأمم الخالية. # دل قوله - عز وجل -: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، أن لله في صرف ~~الدولة إلى أهل الشرك فعل وتدبير؛ إذ أضاف ذلك إليه ما به الدولة، ثم ذلك ~~معصية وقهر وتذليل، فثبت جواز ms0831 كون ما هو فعل معصية إلى الله من طريق ~~التخليق والتقدير، والله أعلم؛ إذ ذلك لهم بما هم عصاة به - عز وجل - والله ~~أعلم. # وقوله: (ولا تهنوا (139) # ولا تضعفوا في محاربة العدو، ولا تحزنوا بما يصيبكم من الجراحات والقروح؛ ~~كقوله - تعالى -: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)، ويحتمل قوله - عز ~~وجل -: (ولا تهنوا): في الحرب وأنتم تعملون لله؛ إذ هم لا # PageV02P490 # يضعفون فيها، وهم يعملون للشيطان. # وقوله - عز وجل -: (ولا تحزنوا) على ما فاتكم من إخوانكم الذين قتلوا. # ويحتمل: ما أصابكم من القروح؛ أي: تلك القروح والجراحات لا تمنعكم عن ~~قتال العدو؛ ولكم الآخرة والشهادة. # وقوله - عز وجل -: (وأنتم الأعلون). # قيل فيه بوجوه: # قيل: (وأنتم الأعلون) في الآخرة. # وقيل: (الأعلون) المحقون بالحجج. # وقيل: (وأنتم الأعلون) في النصر؛ أي: ترجع عاقبة الأمر إليكم. # ويحتمل أن النصر لكم إن لم تضعفوا في الحرب، ولم تعصوا الله - عز وجل - ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل: (وأنتم الأعلون): # لكم الشهادة إذا قتلتم؛ وأحياء عند الله، وهم أموات. # وقوله - عز وجل -: (إن كنتم مؤمنين). # ليس على الشرط؛ ولكن على الخبر؛ كقوله - عز وجل -: (ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله)، أي: إذ كن يؤمن بالله، وإن كنتم ~~مؤمنين بالوعد والخبر. # * * * # قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ~~(140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) # وقوله: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). # اختلف فيه: قيل: (إن يمسسكم قرح) في آخر الأمر؛ يعني في أحد؛ فقد مس ~~المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - والله أعلم - على التسكين؛ ليعلموا ~~أنهم لم يخصوا بذلك. # PageV02P491 # وقوله - عز وجل -: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). # تحتمل الآية وجوها: يوما للمؤمنين ويوما عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة ~~العدو والقتال معهم ms0832 محنة من الله - تعالى - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة ~~بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر للعدو عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ~~(ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وكقوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، يمتحن ~~عباده، بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانيا. # ويحتمل المداولة -أيضا وجها آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبدا ~~للمؤمنين- لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا ~~إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة ~~والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبدا للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم ~~المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام. # ويحتمل أن ما يصيب بمعصية المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف ~~كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، والله أعلم. # فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عز وجل -: (إن تنصروا الله ينصركم) ~~وقوله - عز وجل -: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)، أليس وعد أنكم إن نصرتم ~~دينه ينصركم، وأخبر -أيضا- أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دينه فلم ~~ينصركم؛ أليس يكون خلفا في الوعد؟ أو إن نصركم فغلبتم يكون كذبا في الخبر. # قيل: لهذا جواب من أوجه: # قيل: يحتمل قوله - عز وجل -: إن تنصروا دين الله في الدنيا ينصركم في ~~الآخرة بالحجج؛ كقوله: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا. . .) الآية، وكقوله ~~- عز وجل -: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). # وقيل: إن تنصروا دين الله ولم تعصوا الله فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم. # وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين الله جملة - ينصركم؛ كقوله - عليه السلام -: ~~" لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة، كلمتهم واحدة " وكقوله - عز وجل -: ~~(وآتاكم من كل # PageV02P492 # ما سألتموه). # وقيل: إن تنصروا دين الله ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة ~~لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم ~~في الحروب كلها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إما إعجابا ~~بالكثرة؛ كقوله - تعالى -: (إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا)، وإما ~~خلافا لرسول الله - صلى الله عليه ms0833 وسلم -. # وفي قوله - عز وجل -: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) دلالة أن كان من ~~الله معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عز وجل -؛ (إن ينصركم الله فلا ~~غالب لكم) ولكان هو يجعل أبدا الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل ~~لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من الله في صنع العباد - صنع ~~له أضيف إليه صنيعهم، والله أعلم. # ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجة، وأظهر ~~للدعوة، وأدعى إلى الإجابة، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط ~~إعطاء الأصلح، والله أعلم. # وفي قوله - عز وجل -: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) رد قول الأصلح؛ ~~حيث قالوا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح في الدين، يقال لهم: أي صلاح ~~للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!. # وقوله - عز وجل -: (وليعلم الله الذين آمنوا): # أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمنا شاهدا، وليعلم ما ~~قد علم أنه يكون كائنا. # وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله. # وفي قوله - عز وجل -: (وليعلم الله الذين آمنوا. . .) الآية، تخرج على ~~أوجه: # PageV02P493 # أحدها: أن ما وصفت الله به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ ~~لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت الله - تعالى - بلا ذكر الخلق وصفته به في ~~الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع ~~والمقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى ~~هذا عندنا القول ب " خالق " " رازق " ونحو ذلك، والله أعلم. # والثاني: على تسمية محلومة علما في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمى عذاب الله ~~في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة -وغيرها من العبادات- أمره، على معنى ~~أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: ~~(وليعلم الله الذين آمنوا): أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، والله ~~أعلم. # والثالث: (وليعلم الله الذين آمنوا) في الغيب شهودا؛ إذ هو عالم الغيب ~~والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث ms0834 العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ ~~يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه ~~كائنا لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، والله أعلم. # وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهرا موجودا، وهو ~~يرجع إلى ما بينا. # وقال بعضهم: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن ~~التشبيه أبعد، وعند من يعرف الله حق المعرفة: هما واحد. # والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى الله: أنها كانت بالأحرف المجعولة ~~المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف ~~من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ~~ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر ~~الإضافة إلى الله - تعالى - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عز وجل -: ~~(وتلك حدود الله)، ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت الله، ~~وعباد الله، وروح # PageV02P494 # الله وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه. # وجائز -في الجملة- أن يوصف الله بأنه لم يزل عالما بكون كل ما يكون كيف ~~يكون؟ وفي وقت كونه كائنا؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في ~~أحوال الذي يكون لا في الله - سبحانه وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها ~~من آيات الحدث وأمارات الصنعة. # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: (ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم): قيل فيه بوجهين: # أحدهما: " ولم يعلم "، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء الله ~~كان، وما لم يشأ لم يكن، أي: شاء ألا يكون، لا يكون. # والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم ~~يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عز وجل -: (فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين)، أي: ليس لهم. # والثاني: قوله - عز وجل -: (ولما يعلم) بمعنى: إلا؛ كقوله: ms0835 (لما عليها ~~حافظ) - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: (أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة)؟! لا تدخلوها إلا أن يعلم الله مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا ~~فيعلم الله ذلك منكم موجودا، والله أعلم. # وكذلك قوله - عز وجل -: (ويعلم الصابرين) أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير ~~صابرا؛ وكذلك قوله: (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)، أي: ~~ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم ~~يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عز وجل -: (حتى نعلم المجاهدين)، أي: حتى ~~يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عز وجل -: (عالم ~~الغيب والشهادة) ليعلم شاهدا ما قد علم غائبا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويتخذ منكم شهداء) أي: يستشهدون في سبيل الله بأيدي ~~عدوهم. # PageV02P495 # ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عز وجل -: (وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس ~~الإيمان الشهادة على الناس، حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وليمحص الله الذين آمنوا (141) أي: يمحص ذنوبهم ~~وسيئاتهم. # وقوله: - عز وجل - (ويمحق الكافرين): أي: يهلكهم ويستأصلهم. # وقوله - عز وجل -: (وليمحص الله الذين آمنوا): ما ذكرنا من تمحيص الذنوب ~~على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " السيف محاء للذنوب ". # (ويمحق الكافرين): أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصا لهم من الكفر، بل ~~يهلكهم في النار. # وقوله - عز وجل -: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة (142) # قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة. # (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم). # قيل فيه بوجهين: # قيل: (ولما يعلم الله): أي: ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم ~~يجاهدوا. # وقيل: (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم)، و " لما " بمعنى: " إلا يعلم ~~"، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله ~~- عز وجل -: (إن كل نفس لما عليها حافظ): من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه:، ~~إلا عليها حافظ "، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لعليها حافظ، و " ما " صلة. # وفي قوله - عز وجل -؛ (أم حسبتم أن ms0836 تدخلوا الجنة)، أي: ظننتم ذلك، (ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم)، وقال في موضع آخر: (أولما أصابتكم مصيبة) ~~الآية. # PageV02P496 # بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أولئك ~~الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن الله قد يعلم أنهم يجاهدون قبل ~~الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عز وجل -: (صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه): أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، والله أعلم. ~~فيكون تأويل (لما): ولم، والألف صلة. # وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عز وجل -: (إن ~~كل نفس لما عليها حافظ) بالتشديد: " إلا عليها حافظ "؛ فيكون بمعنى ~~الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وقد بينا ما في ~~العلم في الحرف الأول على أنه له وجهان -أيضا-: # أحدهما: أن الله لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه. # والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بينا، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ~~ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ~~(145) # وقوله: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه): # قيل فيه بوجهين: # قيل: قوله - عز وجل -: تمنون ما فيه الموت، وهو القتال. # وقيل: تمنون الموت نفس الموت. # ثم يحتمل وجوها: # يحتمل: يتمنون إشفاقا على دينهم الإسلام؛ لئلا يخرجوا من الدنيا على غير ~~دينهم الذي هم عليه، ويحتمل أن يكونوا تمنوا الموت، لينجوا أو يتخلصوا من ~~تعذيب الكفار إياهم وتغييرهم؛ على ما قيل: إن أهل مكة كانوا يعذبونهم، ~~طلبوا النجاة منهم # PageV02P497 # والخلاص، والله أعلم. # وقيل: يتمنون الموت، أي: يتمنون الشهادة؛ لما ms0837 سمعوا لها من عظيم الثواب ~~وجزيل الأجر، تمنوا أن يكونوا شهداء لله - عز وجل - أحياء عند ربهم، والله ~~أعلم. # وقيل: في قوله - عز وجل -: (تمنون الموت): وذلك حين أخبر الله - عز وجل - ~~عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير؛ فتمنوا يوما مثل يوم بدر؛ فأراهم الله ~~يوم أحد فانهزموا، فعوتبوا على ذلك بقوله: (تمنون الموت من قبل أن تلقوه ~~فقد رأيتموه)، يعني: يوم أحد. # وقوله: - عز وجل -: (فقد رأيتموه). # يحتمل أيضا، وجوها: # يحتمل: فقد رأيتم أسباب الموت وأهواله. # ويحتمل: فقد رأيتم أصحابكم الذين قتلوا بين أيديكم، على تأويل من صرف ~~قوله - عز وجل -: (تمنون الموت) إلى القتال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنتم تنظرون). # يحتمل: (وأنتم تنظرون)؛ إلى الموت، يعني: إلى موت أصحابكم أو إلى القتال. # ويحتمل: (وأنتم تنظرون)، أي: تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم (144) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل - والله أعلم -: أن يقول لهم: إنكم لما آمنتم بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يبعث لم تؤمنوا به؛ لأنه محمد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولكن آمنتم بالذي أرسله إليكم، والمرسل حي، وإن كان محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - قتل أو مات على زعمكم؛ فكيف انقلبتم على أعقابكم؟!. # PageV02P498 # قال الشيخ - رحمه الله -: في الآية خبر بانقلاب من علم الله أنه يرتد ~~بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله - عز وجل -: (ومن يرتدد منكم ~~عن دينه). # والشاكرون: الذين جاهدوهم، قد أخبر الله - تعالى - أنه يحبهم ويحبونه. # وقال الحسن: إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كان - والله - إمام ~~الشاكرين. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام ~~- كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحياء؛ حتى قال لهم موسى - عليه السلام - ~~(يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)، وكذلك قال عيسى - ~~عليه السلام -: (يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ms0838 مصدقا) الآية، فإذا ~~ماتوا ادعوا أنهم على دينهم، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه، وإن لم يكونوا ~~على ذلك، فلم ينقلبوا على أعقابهم؛ فكيف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - أو قتل؟!. # والانقلاب على الأعقاب: على الكناية والتمثيل، ليس على التصريح، وهو ~~الرجوع إلى ما كانوا عليه من قبل من الدين. # وقوله - عز وجل -: (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا): # أي: من ارتد بعد الإسلام فلن يضر الله شيئا؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه، ~~ولكن إنما استعملهم لأنفسهم؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة، ~~فإنما يضرون بذلك أنفسهم، لا الله - تعالى. # والثاني: أنه إنما يأمرهم ويكلفهم؛ لحاجة أنفسهم، لا أنه يأمر لحاجة ~~نفسه، ومن أمر آخر في الشاهد: إنما يأمر لحاجة نفس الآمر، فإذا لم يأتمر ~~لحق ضرر نفس ذلك الآمر، فإذا كان الله - سبحانه - يتعالى عن أن يأمر ~~لحاجته؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور، فإذا ترك أمره - ضر نفسه، وبالله ~~التوفيق. # (وسيجزي الله الشاكرين): # قيل: الموحدين لله. # PageV02P499 # وقيل: الذين آمنوا وجاهدوا يجزيهم في الآخرة، وكل متمسك بأمر الله ومؤتمر ~~بأمره فهو شاكر. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله (145) # يحتمل قوله: (إلا بإذن الله)، أي: لا يموت إلا بقبض المسلط على قبض ~~الأرواح - روحه؛ كقوله: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم): إن مات أو ~~قتل. # ويحتمل: (إلا بإذن الله): إلا بعلم الله. # (كتابا مؤجلا): # قيل: وقتا موقتا، لا يتقدم ولا يتأخر، مات أو قتل، ما لم تستوف رزقها ~~وأجلها. # وقيل: (كتابا مؤجلا)، أي: مبينا في اللوح المحفوظ، مكتوبا فيه. # وقوله: (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها): # أي: من أراد بمحاسن أعماله الدنيا نؤته منها. # (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته): # أي: من يرد بأعماله الصالحات ومحاسنه الآخرة نؤته منها. # [(وسنجزي الشاكرين)]: # وهو كقوله: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها) على قدر ما قدر (وما له في الآخرة من نصيب)؛ فكذلك هذا ms0839 ~~-أيضا- والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا ~~على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله ~~يحب المحسنين (148) # وقوله: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير): # PageV02P500 # قيل: فيه لغات: # أحدها: " قاتل معه " بالألف، وتأويله: وكم من نبي قاتل معه ربيون كثير، ~~فقتل؛ على الإضمار. # والثاني: " وكم من نبي قتل معه ربيون كثير "، برفع القاف. # والثالث: " وكم من نبي [قاتل] معه ربيون كثير " بالنصب. # ومعنى الآية - والله أعلم -: كم من نبي قتل معه ربيون كثير، فلم ينقلب ~~أتباعه على أعقابهم؛ بل كانوا بعد وفاتهم أشد اتباعا لهم من حال حياتهم؛ ~~حتى قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولا؛ فما بالكم يخطر ببالكم الانقلاب ~~على أعقابكم، إذا أخبرتم أنه قتل نبيكم أو مات؟!. # وفي إنباء هذه الأمة قصص الأمم الخالية وأخبارهم - وجهان. # أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم ~~علموا أنه لم يختلف إلى أحد منهم ممن يعلم هذا، ثم أخبر بذلك، فكان ما ~~أخبر؛ فدل أنه علم ذلك بالله. # والثاني: العمل بشرائعهم وسننهم، إلا ما ظهر نسخه بشريعتنا؛ ألا ترى أنه ~~ذكر محاسنهم وخيراتهم؛ وإنما ذكر لنتبعهم في ذلك ونقتدي بهم، وذكر مساوئهم ~~وما لحقهم بها؛ لننتهي عنها ونكون على حذر مما أصابهم بذلك، والله أعلم. # وقوله: (ربيون كثير): اختلف فيه - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " ~~عالم كثير "، وعنه -أيضا-: " الجموع الكثير ". # وعن الحسن - رحمه الله - مثله. # PageV02P501 # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: الألوف. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال في قوله: (وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير)، يقول: قاتل؛ ألا ترى أنه يقول: (فما وهنوا لما أصابهم). # ثم اختلف في قوله: (فما وهنوا) (وما ضعفوا). # قيل: فما وهنوا في الدين، وما ضعفوا في أنفسهم في ms0840 قتال عدوهم بذهاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من بينهم؛ فما بالكم تضعفون أنتم؟! ويحتمل قوله: ~~(فما وهنوا)، يعني: فما عجزوا لما نزل بهم من قتل أنبيائهم، وما ضعفوا في ~~شيء أصابهم في سبيل الله من البلايا. # وقيل: قوله - عز وجل -: (فما وهنوا) يرجع إلى: (قاتل) إلى المقاتلين وفي ~~" قتل " إلى الباقين. # وقوله: (وما استكانوا): # قيل: لم يذلوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما ~~قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من ~~قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم، والله أعلم. # (والله يحب الصابرين): # على قتال عدوهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم. # وقوله: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا (147) # قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: (ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا) الآية، يقول: يعلم الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلا قلتم ~~أنتم حين نعي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟!. # PageV02P502 # وقوله: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا)، قيل: الذنوب: هي المعاصي. # وقوله: (وإسرافنا في أمرنا): والإسراف: هي المجاوزة في الحد، والتعدي عن ~~أمره. # وقيل: هما واحد. # وقوله: (وثبت أقدامنا). # يحتمل وجهين: # يحتمل: ثبتنا على الإيمان، ودين الإسلام، والقدم كناية؛ كقوله: (فتزل قدم ~~بعد ثبوتها) أي: تكفر بعد الإيمان، وكقوله: (يردوكم على أعقابكم)؛ وذكر ~~القدم لما بالقدم يثبت. # ويحتمل قوله: (وثبت أقدامنا) وفي قتال العدو، وفزعوا إلى الله - عز وجل - ~~بعد ذهاب نبيهم من بينهم؛ ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم. # وقوله: (وانصرنا على القوم الكافرين): # يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة ~~عليهم. # وقوله: (فآتاهم الله ثواب الدنيا (148) # يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي ~~آثارهم وهم موتى. # ويحتمل -: على ما قيل-: النصر والغنيمة. # وقوله: (وحسن ثواب الآخرة): # الدائم، وذكر في ثواب الآخرة " الحسن "، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ ~~لأن # PageV02P503 # ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب ms0841 في ~~ثواب الدنيا آفات وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك، والله أعلم. # وقوله: (والله يحب المحسنين) الإحسان يحتمل وجوها ثلاثة: # يحتمل: المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن. # ويحتمل: المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلا منه ~~وإحسانا. # ويحتمل: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ~~(إن رحمت الله قريب من المحسنين): هذا يختار المحاسن من الأفعال على ~~المساوئ، والله أعلم. # ويحتمل: المحسنين إلى أنفسهم باستعمالها فيما به نجاتها. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) ~~سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ~~بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا ~~عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم): # يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدين، أي: يطيعونهم في كفرهم. # ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة) والآية، وقوله: ~~(يردوكم على أعقابكم). # قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، والله ~~أعلم. # وقوله: (بل الله مولاكم (150) # PageV02P504 # أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم. # (وهو خير الناصرين): # أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: (إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم). # وقوله: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب (151) # هذه بشارة من الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر له؛ ~~حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ms0842 " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، وكان ما ذكر؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، ~~وكانوا قبل ذلك يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقصدونه. # وقوله: (بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا): # أي: بالشرك ما فذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة ~~أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عباس رضي الله عنه: " السلطان في القرآن ~~حجة ". # وقوله (ومأواهم النار): # أي: مقامهم في النار. # (وبئس مثوى الظالمين): # أي: النار بئس مقام الظالمين. # وقوله: (ولقد صدقكم الله وعده (152) # أي: أنجز الله وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل. # (إذ تحسونهم بإذنه): # قال أهل التفسير: [إذ تقتلونهم] (1). # وقوله: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر): PageV02P505 # هو على التقديم والتأخير: " حتى إذا تنازعتم وفشلتم "؛ إذ التنازع هو سبب ~~الفشل والجبن؛ كقوله: (ولا تنازعوا فتفشلوا). # وقوله - عز وجل -: (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) # وقيل: في القصة: إن نفرا من رماة أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يكونوا في مكان، وألا يدعوا موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا ~~على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (من بعد ما أراكم ما تحبون)، يحتمل: ما أراكم ما تحبون ~~من الهزيمة والغنيمة. # ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم. # وقوله: - عز وجل - (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة): # روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " ما كنا نعرف أن ~~أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا، حتى نزل ~~قوله:، (منكم من يريد الدنيا). # وقوله: (ثم صرفكم عنهم). # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -: (ثم صرفكم عنهم)، ~~يعني: هزم المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا ~~هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم الله عن عدوه: # (ليبتليكم) # أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة. # وقيل: كان ms0843 ذلك العصيان -الذي منكم كان- من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم ~~أنه يعصي عاصيا، والله أعلم. # ودل قوله - عز وجل -: (ثم صرفكم عنهم) - وإن كان الانصراف فعلهم -أن الله # PageV02P506 # لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالق، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ~~ذلك الشيء إذا كان انصرافا عن العدو معصية، وقد تبرأ الله - تعالى - عن أن ~~تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير ~~فعلهم، والله أعلم. # (ولقد عفا عنكم): # يحتمل وجهين: # يحتمل: (عفا عنكم)؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل. # ويحتمل: (عفا عنكم)؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان. # وهذه الآية قوله - عز وجل -: (ثم صرفكم)، وقوله: (وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس) - ترد على المعتزلة؛ وكذلك قوله - تعالى -: (لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل)، إلى آخر الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا ~~الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، ~~وقد أضاف - عز وجل - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع ~~له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأي صلاح كان لهم ~~في صرفه إياهم عن عدوهم؟! وأي صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟! فدل أن الله ~~قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله ذو فضل على المؤمنين): # بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي ~~فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول. # قال الشيخ - رحمه الله -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون ~~جملة من بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته ~~بالبعث من أنفسهم، وقد بينا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: # أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - تعالى - وإن كان - ~~في الحقيقة - نعمة منه لهم، ms0844 ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له ~~بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن ~~بالغيب) أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار. # PageV02P507 # والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان ~~منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل ~~الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورا ونعمة عظيمة؛ ~~فاستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ~~فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما ~~تعملون (153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة ~~قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر ~~من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ~~والله عليم بذات الصدور (154) إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) # وقوله - عز وجل -: (إذ تصعدون ولا تلوون): # فيه لغتان: " تصعدون " بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، " ~~وتصعدون " بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأول ~~إذا التفت فرأى منهزما آخر اشتد. # وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض. # وقيل: تصعدون من صعود الجبل، وتصعدون في الوادى من الجبل. # وقوله: (ولا تلوون على أحد): # أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون. (والرسول يدعوكم في أخراكم). # PageV02P508 # أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلي أنا الرسول. # وقيل: يناديكم من بعدكم: إلي أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل ~~نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه. # وقوله - عز وجل -: (فأثابكم غما ms0845 بغم): # اختلف فيه، قيل: غم الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: ~~الصوت الذي سمعوا: قتل محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم ~~على غم. # ويحتمل: (غما): بعصيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتموا، والغم ~~الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتركهم ~~المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. # وقيل: قوله - عز وجل -: (فأثابكم غما بغم): أي: مرة بعد المرة الأولى. # وقيل: (غما بغم)، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل ~~إخوانهم، وإصابتهم الجراحات. # وقيل: (فأثابكم غما): بعصيانكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (بغم): ~~الذي أدخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بترككم المركز والطاعة ~~له، وفي قوله - عز وجل -: (فأثابكم غما بغم) وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم ~~الذي أدخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عصيانهم إياه، ~~وإهمالهم المقعد الذي أمرهم بالمقام فيه. # وقيل: غما بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم. # وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغم الذي جنوه ~~به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم. # وقيل: غما على أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، ~~وفي ذلك تحقيق الزلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: (وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير). # PageV02P509 # وقوله - عز وجل -: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم): # يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة. # ويحتمل قوله: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الدنيا، (ولا ما أصابكم): ~~فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من الغم بعصيانكم إياه. # (والله خبير بما تعملون): # على الوعيد. # وقوله: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم (154) # قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاهم النعاس هم المؤمنون، سمعوا ~~بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر ms0846 فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، ~~وأما الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدقوا الخبر فلم ~~يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عز وجل -: (يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا) الآية. # وقيل: كانت الطائفتان جميعا من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ ~~لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وتركهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكيف يعتذرون إليه؟ والله أعلم. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " النعاس في الصلاة من الشيطان، وفي ~~القتال أمنة من الله ". # وقوله - عز وجل -: (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية): # قيل: يظنون بالله ألا ينصر محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ذا في ~~غير المؤمنين. # وقيل: (يظنون بالله غير الحق) [ظنونا] كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في ~~أمر الله، يقولون: [(لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا)]. # وقوله: - عز وجل -: (يقولون هل لنا من الأمر من شيء): # قيل: يقولون بعضهم لبعض: (هل لنا من الأمر من شيء)، يعني بالأمر: النصر # PageV02P510 # والغنيمة. # وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين. # (قل إن الأمر كله لله) # يعني النصر والفتح كله بيد الله. # (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك): # والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا هاهنا، وقيل: يقولون: ~~(لو كان لنا من الأمر شيء)، قالوا: ليس لنا من الأمر من شيء؛ إنما الأمر ~~إلى محمد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هؤلاء حتى قتلنا هاهنا. # قال الله - تعالى -: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم): قيل: (قل لو كنتم في بيوتكم) كما يقولون: (لبرز)، يعني: لخرج ~~من البيوت (الذين كتب عليهم القتل)؛ ليقتلوا. # وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان. # وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: (أينما ~~تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)، وقيل: متى كتب الله على قوم ms0847 ~~القتل فلم يموتوا أبدا؟! وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي ~~بها الأعمار: إن كان قتلا فقتل، وإن كان موتا فموت، لا على ما قالت ~~المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليبتلي الله ما في صدوركم): # والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عز وجل -: (يوم تبلى السرائر) تبدي ~~وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من ~~كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب. # PageV02P511 # وقوله - تعالى -: (وليبتلي الله ما في صدوركم)، أي: ليظهر الله للخلق ما ~~في صدورهم مما مضى، وليجعله ظاهرا لهم. # (وليمحص ما في قلوبكم) # من الذنوب. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " الابتلاء والتمحيص هما واحد ". # وقوله - عز وجل -: (والله عليم بذات الصدور): # يقول: هو عالم بما في صدورهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهرا عندكم. # ويحتمل الابتلاء -هاهنا- الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان (155) # يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: ~~جمع المؤمنين، وجمع المشركين. # وقوله: (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا): # أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفا أن يقتلوا بالئبات؛ فيلقوا الله وعليهم ~~عصيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية ~~رسول الله جمم؛ خوفا من الله - تعالى -. # (ولقد عفا الله عنهم) # وبما خافوا الله بعصيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل قوله - عز وجل -: (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) - أن ~~اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، ~~وعصيانهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا ~~وتولوا - عدوهم. # ويحتمل قوله: (ببعض ما كسبوا)، أي: بكسبهم، قال الله - عز وجل -: (وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)؛ فكذلك هذا، والله أعلم. # (إن الله غفور حليم). # قبل توبتكم، وعفا عنكم، (حليم) لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو ~~حليم بتأخير ms0848 العذاب عنكم. # PageV02P512 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون ~~بصير (156) ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما ~~يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى) الآية. # اختلف في قوله - تعالى -: (الذين كفروا)، قال بعضهم: نهى المؤمنين أن ~~يكونوا كالذين كفروا في السر والعلانية. # (وقالوا لإخوانهم)، يعني: المنافقين، (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا). # وقيل: لا تكونوا كالمنافقين قالوا لإخوانهم -يعني: لبعضهم-: لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا. # وقيل: قالوا لإخوانهم، يعني: المؤمنين الذين تولوا، وهم كانوا إخوانهم في ~~النسب، وإن لم يكونوا إخوانهم في الدين والمذهب. # لا حاجة لنا إلى معرفة قائله من كان، ولكن المعنى ألا يقولوا مثل قولهم ~~لمن قتل. # وقوله: (إذا ضربوا في الأرض)، يعني: إذا ضربوا في الأرض تجارا أو " غزى ~~"، أي: غزاة. # وقيل: قوله: (إذا ضربوا في الأرض) أو كانوا غزاة على إسقاط الألف. # وقوله - عز وجل -: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم): # أي: ليجعل الله ذلك القول الذي قالوا حسرة يتردد في أجوافهم. # ويحتمل قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة) يوم القيامة؛ كقوله: (أعمالهم حسرات ~~عليهم). # وقوله - عز وجل -: (والله يحيي ويميت) # أي: والله يحيي من ضرب في الأرض وغزا، ويميت من أقام ولم يخرج غازيا، أي: # PageV02P513 # لا يتقدم الموت بالخروج في الغزو، ولا يتأخر بالمقام وترك الخروج، دعاهم ~~إلى التسليم، إنما هي أنفاس معدودة، وأرزاق مقسومة، وآجال مضروبة، ما لم ~~يفناها واستوفاها وانقضى أجلها: لا يأتيها. # (والله بما تعملون بصير): وعيد. # وقوله - عز وجل -: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ~~خير مما يجمعون (157) # أي أن الموت إن كان لا بد ms0849 نازل بكم؛ فقتلكم أو موتكم في طاعة الله وجهاده ~~خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله. # (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون): من الأموال. # (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # أي: إن متم على فراشكم، أو قتلتم في سبيل الله - فإليه تحشرون، فمعناه - ~~والله أعلم - أي: إن لم تقدروا على أن لم تحشروا إليه، كيف تقدرون ألا ينزل ~~على فراشكم بكم الموت، وإن أقمتم في بيوتكم؟! والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ~~من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ~~إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون (160) # وقوله - عز وجل -: (فبما رحمة من الله لنت لهم): # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: فبرحمة من الله عليك لنت لهم؛ كقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين) ويحتمل قوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم): فيجب أن يكون الإنسان ~~رحيما على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: " لن تدخلوا الجنة حتى ~~تراحموا "، فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال: " ليس تراحم الرجل ولده أو ~~أخاه، ولكن يتراحم بعضهم بعضا " أو كلام نحو هذا. # وما جاء: " من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا - فليس منا "، وما جاء: " ~~من لم # PageV02P514 # يرحم أهل الأرض لم يرحمه أهل السماء "؛ كما قال الله - تعالى -: (قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) الآية، وقد أمر الله عباده ~~أن يعامل بعضهم بعضا بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ ~~أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون -حيث أرسلهما إلى فرعون- فقال: (فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع ~~إلى الإجابة، وأدعى إلى الطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ ~~لذلك أمر الله - عز وجل - رسله باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، ~~وجعله سبب تأليف ms0850 القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة ~~بقوله: # (ولو كنت فظا) # في القول # (غليظ القلب لانفضوا من حولك) # أي: لو كنت في الابتداء فظا غليظا لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك. # وقوله - عز وجل -: (فاعف عنهم) بأذاهم إياك ولا تكافهم، واستغفر لهم فيما ~~بينهم وبين ربهم. # ويحتمل قوله: (فاعف عنهم واستغفر لهم) # بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، ~~وألا ينتصروا منهم بقوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)، وكان أرجى ~~للمؤمنين قوله: (واستغفر لهم)؛ كما قال الله - تعالى -: (قل للذين آمنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون. . .) الآية، وقوله -أيضا-: (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات): لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا ~~فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم. # وكذلك دعاء إبراهيم - عليه السلام -: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين ~~يوم يقوم الحساب)، ودعاء نوح - عليه السلام -: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن # PageV02P515 # دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)، لا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء - ~~عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم. # وقوله - عز وجل -: (وشاورهم في الأمر): # أمر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور أصحابه في ~~الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها ~~فيما لا نص فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد. # والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلو منزلتهم عند الله، ~~أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فكيفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم ~~بهم، ولا جائز -أيضا- أن يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمشاورة أصحابه، ~~ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم. # وقال بعضهم: إنما أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمشاورتهم في أمر ~~الحرب والقتال، وعن الحسن - رضي الله عنه -: " لما أنزل الله - تعالى -: ~~(وشاورهم في الأمر) - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله ~~ورسوله غنيان عن مشاورتكم "؛ ولكنه أراد أن يكون سنة لأمته "، وعن ms0851 ابن عباس ~~- رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: " وشاورهم في بعض الأمر ". # وقيل: أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشاور أصحابه في الأمور، ~~وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم ~~بعضا فأرادوا بذلك وجه الله - عزم الله لهم على أرشده. # وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم، لا ~~يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم. # وفي بعض الأخبار قيل: " يا رسول الله، ما العزم؟ قال: " أن تستشير ذا ~~الرأي، ثم # PageV02P516 # تطيعه ". # وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا ~~يستشير ويعمل برأيه. # وقوله - عز وجل -: (فإذا عزمت فتوكل على الله): # أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على الله وكل ~~الأمر إليه. # وقيل: فإذا فرق ذلك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب ~~على ما قيل فهو - والله أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترين النصر به، ولكن ~~اعتمد بالنصر على الله؛ كقوله - تعالى -: (إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا)، والله أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: (وما النصر إلا من عند الله). # وقوله - عز وجل -: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم (160) # صدق الله من كان الله ناصره؛ فلا يغلبه العدو من بعد. # (وإن يخذلكم) # أي: يترككم # (فمن ذا الذي ينصركم): # والنصر يحتمل وجهين، يحتمل: المعونة، ويحتمل: المنع: # كقوله - تعالى -: (وما لهم من ناصرين). قوله - عز وجل -: (إن ينصركم ~~الله)، أي: أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، (وإن يخذلكم): ولم يعنكم؛ فمن ~~ذا الذي أعانكم سواه؟! # ومن المنع، أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، (وإن يخذلكم)، ولم ~~يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟! # والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما ~~استعمل الابتلاء على غير حقيقته. # وقوله: (وعلى ms0852 الله فليتوكل المؤمنون): # PageV02P517 # هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى الله فتوكلوا أيها المؤمنون. ~~والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي ~~يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند ~~الخلق بثلاث: إما بالكثرة، وإما بفضل قوة بطش، وإما بفضل تدبير ورأي في أمر ~~الحرب، وجميع نصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغلبته على عدوه إنما ~~كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان بالله - ~~عز وجل - وذلك من آيات نبوته - صلى الله عليه وسلم -. # * * * # قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء ~~بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجات عند الله والله بصير ~~بما يعملون (163) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين (164) # وقوله - عز وجل -: (وما كان لنبي أن يغل) # فيه قراءتان: " يغل " بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب ~~الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: (وما كان لنبي أن يغل) أي: لم يكن نبي من ~~الأنبياء غل قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا ~~بالغلول؟! # وقيل: إن ناسا من المنافقين خشوا ألا يقسم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت هذه الآية. # وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا. # ويحتمل قوله: (وما كان لنبي أن يغل) أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، ~~فما # PageV02P518 # عرفتموه خان قط أو غل؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟! هذا لا يحتمل. # ومن قرأه بالرفع أي: يغل، فهو -أيضا- يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في ~~الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول. # ويحتمل قوله: " أن يغل " أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان ~~النبي ms0853 - صلى الله عليه وسلم - في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ~~[رسوله]، على ما جاء في بعض الأخبار أنه مر بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: ~~بماذا يا رسول الله؟! فقال: " إنه كان أخذ من الغنيمة قدر درهمين أو نحوه ~~". # ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغال حله، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال ~~الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا ~~يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك. # وقوله - عز وجل -: (يأت بما غل يوم القيامة): # أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه ~~يؤخذ به. # وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق ~~الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائر الأموال ليس كذا. # وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في ~~الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- جيشا فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت الآية، (وما كان لنبي أن يغل). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -أيضا- قال: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما # PageV02P519 # أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أخذها لنفسه؛ فأنزل الله - تعالى -: (وما كان لنبي أن يغل). # وقوله - عز وجل -: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله (162) # قيل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئا - كمن غل وأخذ منها؟! ليسا ~~سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه. # ويحتمل: (أفمن اتبع رضوان الله): أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى ~~الله واتبع هواه؟! ليسا بسواء. # وقوله - عز وجل -: (هم درجات عند الله (163) # والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدها أهلها. والدركات: ما تدركهم من غير ~~أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد. # وقيل: الدرجات: ما يعلو. والدركات: ما يسفل، والله أعلم. فهذا في التسمية ~~المعروفة أن سميت النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ms0854 ذلك واحد، والآية تدل ~~على الأمرين. # وقوله - عز وجل -: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم (164) # وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من ~~الجن - وجوه: # أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ~~ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق ~~وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا ~~كان ما وصفنا بعثوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله ~~أعلم. # والثاني: أن الرسل لابد لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا ~~كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم ~~أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك. # والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو ~~الملائكة # PageV02P520 # والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟! فإذا كان كذلك بعثوا منهم؛ ليعرفوهم ~~ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم. # ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحسبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ ~~وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم ~~فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لما ظهر صدقهم ~~وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدل ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا ~~في أمانة - لا يكذبون على الله تعالى. # والثاني: أنهم إذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين ~~يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، ~~بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - ~~أنهم إنما علموا ذلك بالله - تعالى - لا بأحد من البشر، والله أعلم. # ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، ~~واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحرا في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: ~~لأنه ms0855 لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، ~~فكيف ولم يكن سحرا؟! فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من ~~نسبهم وقرابتهم، وممن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم. # وقيل: قوله؛ (رسولا من أنفسهم)، أي: من العرب معروف النسب أميا؛ ليعلموا ~~أنه إنما أتى به ما أتى سماويا وحيا، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، ~~كقوله: (ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) الآية. # وقوله - عز وجل -: (يتلو عليهم آياته): # يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ~~ويحتمل: آيات القرآن. # وقوله - عز وجل -: (ويزكيهم): # يحتمل: التزكية من الزكاء والنماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ~~ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ كقوله - نعالى -: ~~(قد أفلح من زكاها) # PageV02P521 # أظهره ولم يخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: (وقد خاب من دساها) أي: أخفاها ~~وأخملها؟! ويحتمل: (ويزكيهم)، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: (ويزكيهم)، أي: ~~يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم. # وقوله - عز وجل -: (ويعلمهم الكتاب والحكمة) # أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين): # وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى ~~خمول الذكر وغيره. # * * * # قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما ~~يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا ~~عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) # وقوله - عز وجل -: (أولما أصابتكم مصيبة): # يوم أحد؛ حيث قتل منكم سبعون. # (قد أصبتم مثليها) # يوم بدر: قتلتم سبعين وأسرتم سبعين. # وقيل: إن ذلك كله يوم أحد كانت الدائرة والهزيمة ms0856 على المشركين في ~~البداية، # ثم هزم المؤمنون، يقول: إن أصابكم في آخره ما أصاب، فقد أصابهم -أيضا- ~~مثلاها؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - على التسلي بما أصيبوا؛ ليتسلى ذلك ~~عنهم، أو يذكرهم نعمه عليهم بما أصيب المشركون مثلي ذلك؛ ليشكروا له عليها، ~~وليعلموا أنهم لم يخصوا هم بذلك. # PageV02P522 # وقوله - عز وجل -: (قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) هو: # كأنه يعاتبهم - والله أعلم - بقولهم: (أنى هذا)؛ فقال (قل هو من عند ~~أنفسكم): يعاتبهم بتركهم الاشتغال بالتوبة عما ارتكبوا من عصيان ربهم، ~~والخلاف لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ مثل ذلك الكلام لا يكون إلا ممن ~~كان متبرئا عن ارتكاب المنهي والخلاف لأمره، فأما من كان منه ارتكاب ~~المناهي والخلاف لربه؛ فلا يسع ذلك أو كان ما أصابهم إنما أصاب محنة منه، ~~ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن على يدي من شاء؛ إذ كلهم عبيده، فعاتبهم ~~لما لم يعرفوا محنه، و (قلتم أنى هذا)، ونحن مسلمون نقاتل في سبيل الله، ~~وهم مشركون؟! فقال: (قل هو من عند أنفسكم)، يقول: بمعصيتكم الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، وبتركبهم ما أمركم به من حفظ المركز وغيره؛ كقوله: (ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك). # قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - تعالى -: (قلتم أنى هذا): يخرج إن كان ~~من أهل النفاق مخرج الاستهزاء، أي: لو كان ما يقول محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - من النصر له والرسالة حقا؛ فمن أين بلي بهذا؟! وذلك كقولهم: (لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) وقولهم يوم الخندق: (ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا)، وغير ذلك مما عليه معتمدهم في إظهار الإسلام، والله ~~أعلم. # وإن كان ذلك من أهل الإيمان فهو سؤال تعريف الوجه الذي بلوا به، وهم ~~أنصار دين الله، وقد وعد لأنصار دينه النصر، وإن الذي يتصره الله لا يغلبه ~~شيء، وكان قد وعدوا إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، أو بما كانوا رأوا الدبرة ~~عليهم والهزيمة من الأعداء، فيقولون: بم ms0857 انقلب علينا الأمر؛ فبين أنه بما ~~قد عصوا ومالوا عن الله، وإن كان ذلك عن بعضهم لا عن كلهم: فجائز ذلك بحق ~~المحنة؛ إذ قد يجوز الابتداء به مع ما يكون ذلك عن المعاصي أزجر، وللاجتماع ~~على الطاعة أدعى؛ إذ المحنة بمثله تدعوا كلا إلى اتقاء الخلاف، ومنع إخوانه ~~-أيضا- عن ذلك؛ فيكون به التآلف وصلاح ذات البين، والله أعلم # PageV02P523 # وقوله - عز وجل -: (إن الله على كل شيء قدير): # من النصر والهزيمة، ولكن ما أصابكم إنما أصاب بمعصيتكم ربكم، وخلافكم ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو أصابكم؛ محنة منه إياكم. # وقوله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) # جمع المؤمنين، وجمع المشركين. # (فبإذن الله): # قيل: فبمشيئة الله وإرادته، وقيل: (فبإذن الله): فبتخلية الله إياكم لما ~~لعلهم رأوا النصر والغلبة بالكثرة، أو بالقوة والعدة؛ فخلاهم الله بينهم ~~وبين عدوهم؛ ليعلموا أن أمثالهم مع قلتهم وضعفهم لا ينتصرون من أمثال أولئك ~~مع كثرة عددهم، وقؤة أبدانهم، وعدتهم في سلاحهم، ولكن بالله ينتصرون منهم، ~~ويتغلبون عليهم. # وقيل: (فبإذن الله): بعلم الله، أي: يعلم الله ما يصيبكم من خير أو شر، ~~ليس عن سهو وغفلة منه يصيبكم. # وقوله - عز وجل -: (وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا (167) # كما ذكرنا فيما تقدم؛ ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا ~~والقتال مؤمنين صابرين محتسبين؛ وكذلك ليعلم ما قد علم أنهم ينافقون، ~~ويصيرون منافقين، غير صابرين، ولا محتسبين. # وقوله - عز وجل -؛ (وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا): # قوله: (أو ادفعوا): يحتمل: (أو ادفعوا)، أي: كثروا السواد؛ لأن المشركين ~~إذا # PageV02P524 # رأوا سواد المؤمنين كثيرا، يرهبهم ذلك ويخوفهم؛ كقوله - عز وجل -: ~~(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). # ويحتمل: أو ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين ~~المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم ~~إذا قصدوا دينكم، وقد يقصدون ذلك، أو أن يكون قوله - عز وجل -: (قاتلوا في ~~سبيل الله أو ms0858 ادفعوا) - واحدا، أي: قاتلوا في سبيل الله وادفعوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) # يعني: المنافقين، قيل: قال المنافقون الذين تخلفوا في المدينة لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وقيل: قال ذلك غيرهم. # وقوله - عز وجل -: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان): # يعني: المنافقين، أخبر أنهم إلى الكفر أقرب من الإيمان للكفر وإلى الكفر ~~من الكفر، كل ذلك لغة، وفي حرف حفصة: هم " إلى الكفر أقرب "، وتأويله - ~~والله أعلم -: أن المنافقين كانوا لا يعرفون الله - عز وجل - ولا كانوا ~~يعبدونه؛ فإنما هم عباد النعمة، يميلون إلى حيث مالت النعمة: إن كانت مع ~~المؤمنين؛ فيظهرون من أنفسهم الوفاق لهم، وإن كانت مع المشركين فمعهم؛ ~~كقوله - عز وجل -: (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم ~~نكن معكم. . .) الآية، وكقوله - عز وجل -: (ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف. . .) الآية، وأما الكفار: فإنهم كانوا يعرفون الله، لكنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام والأوثان لوجهين: # أحدهما: لما اتخذوها أربابا. # والثاني: يطلبون بذلك تقربهم إلى الله زلفى؛ كقولهم: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى)، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا ~~الفرج عن ذلك - فزعوا إلى الله عز وجل، كقوله - تعالى -: (فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له # PageV02P525 # الدين)، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: ~~(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه) الآية، وأما المؤمنون: فهم في ~~جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون ~~على مصائبهم وشدائدهم قائلون: (إنا لله وإنا إليه راجعون). # وقوله - عز وجل -: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان): يحتمل هذا وجوها: ~~قيل: إنما كانوا كذا؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: (ألم نكن معكم) وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا: (ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين): ذكروا كونهم ~~مع المؤمنين، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم، ومنعهم من المؤمنين؛ ~~فذلك آية الأقرب منهم. # ويحتمل: أقرب منهم للإيمان؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب، والكفر نفسه ~~كذب؛ ms0859 فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب، وهو ~~الكفر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان)، ~~قال: " هم يومئذ يسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وسر العبد أولى من علانيته، ~~وفعله أولى من قوله ". # (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم): # وهو قولهم، وقيل: وهم منهم أقرب؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفارا على ~~دينهم. # وفي قوله - تعالى -: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) - يحتمل الذم، ~~وقيل: كقوله - عز وجل -: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة ~~لآتوها): فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب؛ كقوله - عز وجل -: (إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين)، أي: هي لهم - وبالله التوفيق - وذلك لأنهم ~~كانوا أهل نفاق، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم، وما كان من إيمانهم كان بظاهر ~~اللسان، ثم قد يفارقها في أكثر أوقاتهم، والله أعلم. # وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكين في الأمر، والشاك في أمر الكفر ~~والإيمان تارك للإيمان؛ إذ حقيقته تصديق عن معرفة، ولم يكن لهم معرفة، ~~والكفر قد يكون بالتكذيب؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولا؛ فلذلك كان ~~الكفر أقرب إليهم، ويحتمل: أقرب إليهم: أولى بهم، وهم به أحق أن يعرفوا؛ ~~بما جعل الله لهم من إعلام # PageV02P526 # ذلك في لحن القول، ثم في أفعال الخير، ثم في أحوال الجهاد، ومما يظهر ~~منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، والله أعلم. # فإدن قيل في قوله: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم) -: كيف عم هؤلاء بالعقوبة، وإنما كان العصيان والخلاف في ~~الأمر من بعضهم لا من الكل، قيل: لما خرج لهم ذلك مخرج الامتحان والابتلاء، ~~لا مخرج الجزاء لفعلهم، ولله أن يمتحن عباده ابتداء بأنواع المحن من غير أن ~~يسبق منهم خلاف في الأمر أو عصيان، وكل عقوبة خرجت مخرج جزاء عصيان أو خلاف ~~في أمر - لم يؤاخذ غير مرتكبها؛ لقوله - عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى)، وما ms0860 خرج مخرج الامتحان جاز أن يعمهم؛ لما ذكرنا أن له ابتداء ~~امتحان، أو إن كان ما كان منهم بمعونة غيرهم؛ فعمهم لذلك بذلك، كقطاع ~~الطريق وكسراق أن تعمهم العقوبة جميعا: من أخذ ومن لم يأخذ، ومن تولى ومن ~~لم يتول؛ فكذلك هذا، أو كانوا جميعا كنفس واحدة؛ فعمهم بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين قالوا لإخوانهم ... (168) # وقيل: لإخوانهم في الدين، ومعارفهم من المنافقين: # (لو أطاعونا) # ولم يخرجوا إلى الجهاد # (ما قتلوا). # وقيل: لإخوانهم في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين والولاية؛ ~~كقوله - عز وجل -: (وإلى ثمود أخاهم صالحا) ليس بأخيهم في الدين ولا في ~~الولاية؛ ولكن كان أخاهم في النسب والقرابة. # قوله تعالى: (لو أطاعونا) # وقعدوا عن الخروج في الجهاد (ما قتلوا) في الغزو. # ثم قال - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن قل لهم: (قل فادرءوا ~~عن أنفسكم الموت) # أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت # (إن كنتم صادقين) # بأنهم لو قعدوا في بيوتهم ما قتلوا؛ فمعناه - والله أعلم -: أن من قتل في ~~سبيل الله # PageV02P527 # فمكتوب ذلك عليه، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه، فإذا لم تقدروا دفع ~~ما كتب عليكم من الموت؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا، وهو مكتوب عليهم ~~كالموت؟!. # وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من قتل مات قبل ~~أجله، أو قبل أن يستوفي أجله؛ فهم واليهود فيما أنكر الله عليهم قولهم لو ~~أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواء بقوله: (قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين). # * * * # قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) # وقوله - عز وجل -: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا): # قيل فيه بوجوه، قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر: إنهم ~~ماتوا؛ فأنزل الله - عز وجل ms0861 -: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) وبأحد ~~وبدر (أمواتا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم. # وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث؛ فقال - عز وجل -: بل ~~يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى. # وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم ~~يبق له أحد يذكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر ~~الله - عز وجل - أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو ~~الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم. # وقيل: قوله - عز وجل -: (بل أحياء عند) # أي: يجري أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يجري في حال حياتهم، فهم كالأحياء ~~فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات. # وقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ~~ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم ~~يحيوا أنفسهم # PageV02P528 # بل أماتوها؛ فسمى أؤلئك أحياء، والكفار موتى. # وقيل: سمى هؤلاء أحياء؛ لأنهم انتفعوا بحياتهم، وسمى الكفار أمواتا؛ لما ~~لم ينتفعوا بحياتهم. ألا ترى أنه - عز وجل - سماهم مرة (صم بكم عمي)؛ لما ~~لم ينتفعوا بسمعهم ولا ببصرهم ولا بلسانهم، ولم يسم بذلك المؤمنين؛ لما ~~انتفعوا بذلك كله؟! فعلى ذلك سمى هؤلاء أحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، وأولئك ~~الكفرة موتى؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم، والله أعلم. # وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين يعرضون على الجنان، وأرواح الكفار على ~~النار؛ فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لأرواح غيرهم من المؤمنين ~~ذلك، ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم وشدة ما لا يكون لأرواح غيرهم من ~~الكفرة ذلك؛ فاستوجبوا بفضل اللذة على غيرهم اسم الحياة. ألا ترى أنه قال - ~~تعالى -: (يرزقون): فيها، (فرحين بما آتاهم الله من فضله (170) # وقيل: إن الناس كانوا يقولون فيما بينهم: من قتل ب " بدر وأحد " مات فلان ~~ومات فلان؛ فقال الله - عز وجل -: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات). # وقوله - عز وجل -: (فرحين بما آتاهم ms0862 الله من فضله): # روي عن مسروق، قال: سألت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن هذه ~~الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله. . .) الآية؛ قال: سألت عن ذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: " أرواحهم عند الله في حواصل طير ~~خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة في أيها شاءت ثم تأوي إلى ~~قناديلها. . . " والحديث طويل. # PageV02P529 # وقوله - عز وجل -: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. . .) ~~الآية: # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " تنزل عليهم صحف مكتوب فيها من يلحق ~~بهم من الشهداء؛ فبذلك يستبشرون ". # وقيل: " يستبشرون " لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم؛ بما قدموا ~~عليه من الكرامة والفضل والنعم، الذي أعطاهم الله. وقيل: " يستبشرون "، ~~يعني: يفرحون (بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم)، يعني: من بعدهم من إخوانهم ~~في الدنيا: رأوا قتالا؛ استشهدوا " فلحقوا. # وقيل: (لم يلحقوا بهم من خلفهم): # الذين يدخلون في الإسلام من بعدهم. # والاستبشار: هو الفرح أو طلب البشارة؛ كأنهم طلبوا البشارة لقومهم؛ ~~ليعلموا بكرامتهم عند الله ومنزلتهم؛ كقول من قال: (يا ليت قومي يعلمون ~~(26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27). # وقيل: إن الحياة على ضربين: حياة الطبيعي، وحياة العرضي، وكذلك الموت على ~~وجهين. موت الطبيعي، وموت العرضي، ثم حياة العرضي على وجوه: # أحدها: حياة الدين والطاعة؛ كقوله - عز وجل -: (أومن كان ميتا فأحييناه). ~~وحياة العلم والبصيرة واليقظة، يسمي العالم حيا، والجاهل ميتا. وحياة ~~الزينة والشرف، على ما سمى الله - تعالى - الأرض ميتة في حال يبوستها، ~~وحية: في حال خروج النبات منها بقوله - عز وجل -: (فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت إن الذي أحياها). وحياة الذكر واللذة؛ فجائز أن يكون الله - ~~تعالى - لما أخبر أنهم أحياء عند ربهم أن يكون لهم حياة من أحد الوجوه التي ~~ذكرنا: حياة ذكر ولذة، أو حياة زينة وشرف، أو حياة العلم لهم بأهل الدنيا ~~على ما كان لهم قبل ذلك، أو حياة دين وعبادة، أو يجري عليهم أعمالهم على ما ~~كان لهم قبل الشهادة، وإن ms0863 كانت أجسادهم في الحقيقة ميتة في أحكام الدنيا ~~عند أهل الدنيا، وهذا يقوي قولنا في المرتد: إنه إذا لحق # PageV02P530 # بدار الحرب يحكم في نفسه وماله بحكم الموتى في قسمة المواريث، وقضاء ~~الديون وغيرها، وإن كان هو في الحقيقة حيا على ما حكم في أموال الشهداء ~~وأنفسهم بحكم الموتى في حكم الدنيا؛ لما لا يعودون إلى الدنيا، وإن كانوا ~~عند ربهم أحياء؛ فعلى ذلك يحكم في نفس المرتد وأمواله بحكم الموتى؛ لما لا ~~يعود إلى دارنا، وإن كان هو في الحقيقة حيا عند الله لما جاز أن يكون حيا ~~عند الله، ميتا عندنا، وجاز أن يكون ميتا عندنا حيا عند الله، والله أعلم. # وحياة الطبيعي: هو حياة جوهر، وما به يقوم النفس، وموت الطبيعي هو هلاكه، ~~وفوته والله أعلم. # وموت العرضي: هو جهله؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل (171) # يحتمل (بنعمة من الله وفضل) أي: بدين من الله؛ كقوله - تعالى -: (فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا)، قيل: بدينه، ويحتمل: (يستبشرون بنعمة من الله): الجنة، ~~(وفضل): زيادات لهم وكرامات من الله، عز وجل. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين): # أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله - عز وجل -: (نتقبل ~~عنهم أحسن ما عملوا)، وكقوله - عز وجل -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، ~~كقوله - تعالى -: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ~~(172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # وقوله - عز وجل -: (الذين استجابوا لله والرسول): # قيل: أجابوا الله - عز وجل - والرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ما ~~دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم # PageV02P531 # به من بعد ما أصابهم القرح، أي: الجراحة. # قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ms0864 ما أصابهم بأحد القروح والجراحات؛ ~~فأجابوه، فذلك قوله تعالى -: (الذين استجابوا لله والرسول. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (للذين أحسنوا منهم): # في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه. # (واتقوا): # الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته. # (أجر عظيم): # في الجنة وثواب جزيل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~... (173) # قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما ~~انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، يخوفونهم؛ ~~حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله - تعالى -: (ما ~~زادوكم إلا خبالا)، أي: فسادا. # وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف ~~كانت القصة؟. # PageV02P532 # وقوله - عز وجل -: (فزادهم إيمانا): # لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعد ~~لهم، لا على ما قال أولئك؛ فزادهم ذلك إيمانا، أي: تصديقا. # زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ~~ويحتمل؛ زادهم ذلك في إيمانهم قوة وصلابة وتصديقا. # وقيل: قوله - عز وجل -: (فزادهم إيمانا)، أي: تصديقا ويقينا بجرأتهم على ~~عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قال قائل: ما معنى قوله - سبحانه وتعالى -: (فزادهم إيمانا) على أثر ~~قوله - عز وجل: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا)، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عز وجل -: ~~(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا)؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، ~~أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف ~~يزيد؟ قيل: يخرج ذلك - والله أعلم - على وجوه: # أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان ~~وعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا ~~نحو أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إجابة لأمره؛ وتصديقا بوعده، ~~ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول ms0865 على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ~~ذلك - زائدا في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عز وجل -: (وأما ~~الذين في قلوبهم مرض. . .)، الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجسا؛ ~~فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيمانا، والله أعلم. # والثاني: أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بتفرق أعداء ~~الله، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فوجدوا الأمر على ما قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وذلك من أنباء الغيب، والإنباء عن الغيب، من أعظم ~~آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيمانا، والله أعلم، وذلك، قوله - عز وجل -: (أفمن ~~اتبع رضوان الله. . .) الآية. # والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ ~~فأنزل الله - # PageV02P533 # تعالى - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيمانا؛ كقوله - تعالى -: (هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين. . .) الآية، وبالله التوفيق. # ثم معنى زيادة الإيمان يتخرج على وجوه: # أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما ~~هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا. . .) ~~الآية، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث ~~والفرد. # والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام ~~عليه؛ فسمى ذلك زيادة. # ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالا، ولحوقه ~~مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك ~~أمر معروف. # ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء ~~بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفا؛ بما في ذلك ~~من حفظ الحقوق ومراعاتها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل): # فزعوا إلى الله - تعالى - بما رأوا من صدق وعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم وظهور كذب قول المنافقين: (إن الناس قد جمعوا لكم. . .) الآية، ~~أو ms0866 قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)؛ ~~فوضوا أمرهم إلى الله تعالى، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما ~~يصيبهم، كقوله - عز وجل -: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا ~~إليه راجعون): مدحهم الله - عز وجل - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا. # وقوله - عز وجل -: (والله ذو ففحل عظيم). # أي: ذو من عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين. # وقرله - عز وجل -. (والله ذو فضل عظيم (174) # يحتمل النعمة: نعمة الدين، على ما ذكرنا. # PageV02P534 # وقيل: انقلبوا بنصر من الله والغنيمة، ويحتمل: النعمة من الله: الأمن من ~~العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: (إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم)، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضل الزيادة على ذلك. # وقيل: انصرفوا بأجر من الله وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: # (لم يمسسهم سوء) # ولا قتل، ولا هزيمة. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا رضوان الله) # أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان الله، ورضاء رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وقيل: اتبعوا طاعته ورضاه. # ويحتمل قوله: (بنعمة من الله وفضل): الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة ~~والقوة فيه. # وقوله: (لم يمسسهم سوء): مما كانوا يخوفونهم بقوله: (إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم). # ويحتمل قوله - تعالى -: (فانقلبوا بنعمة من الله)، أي: رجعوا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ~~إن كنتم مؤمنين (175) # يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ~~(إنما تنذر من اتبع الذكر): ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل ~~إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ~~ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، ~~وأولياءه يخافونه. # ويحتمل قوله: (يخوف أولياءه)، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ~~(وتنذر يوم الجمع)، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: (وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم)؛ فعلى ذلك قوله: (يخوف أولياءه)، أي: بأوليائه، ~~والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: يخوفكم ms0867 أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من ~~يتأول: يخوف بأوليائه، والله أعلم. # PageV02P535 # وقوله - عز وجل -: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) # أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، (وخافون)، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ ~~كقوله: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه). أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، ~~وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة. # * * * # قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ~~يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم ~~عذاب مهين (178) # وقوله - عز وجل -: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) # يحتمل الآية وجهين: # يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل ~~مكة غيرهم من المشركين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول الله ~~لرسوله: (ولا يحزنك) مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج ~~البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم. # ويحتمل -أيضا- وجها آخر: وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله - تعالى -: (لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين)؛ فيخرج قوله: (ولا يحزنك) مخرج تسكين الحزن، ودفعه عنه، ~~والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ~~ولا صنع، وكقوله - تعالى -: (لا تحزن إن الله معنا): هو على مخرج التسكين ~~والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - تعالى - ~~لأم موسى - عليه السلام -: (ولا تحزني). # وقوله - عز وجل -: (إنهم لن يضروا الله شيئا): # PageV02P536 # يحتمل قوله: (لن يضروا الله شيئا)، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - ~~إنما ضرر ذلك عليهم، كقوله - تعالى -: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم). # ويحتمل: (لن يضروا الله ms0868 شيئا)؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ~~ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة): # هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله - تعالى - يقول: أراد ألا ~~يجعل لهم في الآخرة حظا؛ والمعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظا في ~~الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، ~~فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - ~~تعالى - أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فأراد ألا يجعل لهم حطا في الآخرة، ولو كان ~~على ما تقوله المعتزلة: بأنه أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة - لما أراد ~~لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن ~~أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (ولهم عذاب عظيم): # وذكر مرة: (أليم)، ومرة: (شديد)؛ لأن # التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، ~~وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك. # وقوله: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب ~~أليم (177) # قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم. # (لن يضروا الله شيئا) # وما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (178) # اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: # وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ~~ليزدادوا شرا. # PageV02P537 # ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: (ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم) يكون خيرا لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون سرا وإثما لهم؛ ~~فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: # أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: " ولا يحسبن ms0869 الذين كفروا أنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم "؛ فيقال لهم: لو جاز ~~جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي ~~فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى ~~المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثم مكان ~~الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد. # والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله - تعالى - عما يئول أمرهم في العاقبة، ~~لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله - تعالى -: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا)، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدوا وحزنا؛ ولكن إخبار عما ~~آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدوا وحزنا؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، ~~وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره ~~وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج ~~التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ~~ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر ~~في العاقبة، وبالله التوفيق. # والثاني: أن من أراد أمرا يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، ~~فالله - سبحانه - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دل أنه كان ~~على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله - سبحانه وتعالى - لا يفعل بخلقه ~~إلا ما هو أصلح لهم في الدين وأخير - لم يكن لنهي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله - ~~سبحانه وتعالى -: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم. . .)، الآية؛ دل أنه قد ~~يعطي ما ليس هو بأصلح في الدين ولا أخير، والله أعلم. # وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، وقوله - تعالى -: (فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها. . .) الآية، وقوله ~~- تعالى -: (أيحسبون أنما نمدهم ms0870 به من # PageV02P538 # مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) ونحو ذلك من ~~الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: # أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله - تعالى - لو فعل بالخلق شيئا غيره ~~أصلح لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جورا، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ~~ليزدادوا إثما لا يبلغ في الصلاح في الدين الفعل بهم؛ ليزدادوا به برا، ~~ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الذين، ~~ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته ~~المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق ~~رأيه رأي أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو ~~لم يجعل الله - تعالى - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على ~~دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في ~~الدين، وقد قال الله - تعالى -: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن. . .) والآية ثم كان معلوما أنه إذا كان بما يجعل ذلك للكفرة ~~يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم لم يجعل كذلك، والله أعلم. وأيد ذلك ~~قوله - تعالى -: (إنما يريد الله ليعذبهم بها. . .) الآية. # والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي ~~وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ~~ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه. # فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون. # والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثا سفيها، جل الله - تعالى - ~~عن الوجهين؛ ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو ~~سفه؛ وبهما سقوط الربوبية. # ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: # أحدهما: على التقديم ms0871 والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما إنما نملي خير لأنفسهم. وذلك فاسد لوجهين: # أحدهما: لو كان جعل الخير شرا والشر خيرا بالتأويل، وصرف الآية عن سياقها ~~ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل ~~أمور # PageV02P539 # الدنيا مقلوبا. # والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ إذ على كل ذلك معجبا، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضر لهم - يشعرون، ~~لا ألا يشعرون، مع ما قيل: (ولا يحسبن) بالياء في بعض القراءة، ومتى كان ~~يحسب الكفرة ذلك شرا حتى يعاتبوا على الحسبان؟! والله الموفق. # والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله - تعالى -: (فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: ~~سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: من الوافر # . . . . . . . . . . . . لدوا للموت وابنوا للخراب # والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون ~~عليها عن غفلة بالعواقب، فأما الله - سبحانه وتعالى - فمحال أن يكون أمره ~~على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحدا لا يقول: ولدت للموت، أو ~~بنيت للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما هو قول الواعظ ~~لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما ~~هو ليكون لهم عند الله تعالى، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقد بينا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - ~~والأصل في ذلك أن الله - تعالى - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، ~~فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ~~ما يريد، جل الله عن هذا الوصف. # قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ~~من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا ms0872 فلكم أجر عظيم (179) # وقوله - عز وجل -: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب) # PageV02P540 # قيل فيه بوجوه: # قيل: لا يترك الله المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون؛ ولكن ~~يمتحنكم بالجهاد وبأنواع المحن؛ ليظهر المنافق لهم من المؤمن. # وقيل: ليظهر الكافر لهم من المؤمن المصدق. # وقيل فيه بوجه آخر: وذلك أن المنافقين كانوا يطعنون لأصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ويستهزئون بهم سرا؛ فقال الله - عز وجل -: لا يدع ~~المؤمنين على ما أنتم عليه من الطعن فيهم، والاستهزاء بهم؛ ولكن يمتحنكم ~~بأنواع المحن؛ لتفتضحوا وليظهر نفاقكم عندهم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن قوله: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)، أي: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من ~~النفاق والكفر في دار واحدة؛ ولكن يجعل لكم دارا أخرى يميز فيها الخبيث من ~~الطيب. يجعل الخبيث في النار، والطيب في الجنة؛ كقوله - عز وجل -: (ليميز ~~الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في ~~جهنم) الآية. # وقوله: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب): # قيل فيه بوجهين: # قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي الأنبياء؛ كقولهم: ~~(لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله)؛ ومثل قوله: (بل يريد كل امرئ ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة)؛ فعلى ذلك قوله: (وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب) إلا من اجتباه لوحيه، وجعله موضعا لرسالته، أي: لا يجعلكم رسلا؛ إذ ~~علم الغيب آية من آيات رسالته، والله أعلم. # وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترفون؛ فيأتون بأخبارها ~~إلى الكهنة قبل أن يبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم إن الكهنة ~~يخبرون بها غيرهم من الكفرة؛ فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليطلعكم على ~~الغيب): بعدما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيا، كما كنتم تطلعون ~~على أخبار السماء قبل بعثه. # (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) # أي: يصطفي ms0873 من يشاء، فيجعله رسولا، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من # PageV02P541 # السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام. # ويحتمل قوله - تعالى -: (يجتبي من رسله من يشاء)، أي. لا يطلع أحدا منكم ~~على الغيب إلا من اجتباه منكم لرسالته. # ويحتمل قوله: (يجتبي من رسله من يشاء)، أي: لا ينسخ شرائعه وأحكامه برسول ~~آخر؛ نحو ما بين موسى إلى عيسى - عليهما السلام - ولكنه إن كان فيما بينهما ~~نبي لم يجعل له أحكاما سوى أحكام موسى - عليه السلام - أبقى تلك الأحكام ~~والشرائع؛ وكذلك ما بين عيسى إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - فاجتبى ~~هؤلاء؛ لإبقاء شرائعهم وأحكامهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فآمنوا بالله ورسله): # ظاهر # (وإن تؤمنوا): برسله كلهم. # (وتتقوا): المعاصي. # (فلكم أجر عظيم) # ويحتمل: (وإن تؤمنوا وتتقوا) الشرك (فلكم أجر عظيم). # * * * # قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض ~~والله بما تعملون خبير (180) لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) # PageV02P542 # وقوله - عز وجل -: (ولا يحسبن الذين ... (180) # أوتوا العلم بالكتاب أن ما يؤتون من المال، وينالون من النيل بكتمان بعث ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته وتحريفهما - أن ذلك، خير لهم. # (بل هو شر لهم) # وفي الدنيا والآخرة، ولو لم يكتموا كان خيرا لهم في الدنيا ذكرا وشرفا، ~~وفي الآخرة ثوابا وجزاء. # وقيل: نزلت في مانعي الزكاة؛ بخلا منهم وشحا؛ فذلك وعيد لهم. والأول ~~أشبه، والله أعلم. وإن كان في الزكاة - قيل: الجحود بها؛ كقوله - تعالى -: ~~(الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون). # وقوله - عز وجل -: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة): # فإن كان على التأويل الأول من كتمان نعته وصفته؛ فهو - والله أعلم - يطوق ~~ذلك في عنقه يوم القيامة؛ ليعرفه كل أحد؛ كقوله - عز وجل -: (وكل إنسان ~~ألزمناه ms0874 طائره في عنقه). # وإن كان على التأويل الثاني - قيل: إن الزكاة التي منعها تصير حية ذكرا ~~شجاعا أقرع ذو ذنبتين، يعني: نابين؛ فيطوق بها في عنقه، فتنهشه بنابيها؛ ~~فيتقيها بذراعيه، حتى يقضى بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولله ميراث السماوات والأرض): # في الآية دلالة أن أهل السماوات يموتون، ليس على ما يقوله القرامطة: إنهم ~~لا يموتون؛ لأنه أخبر أن له ميراث السماوات والأرض، والوارث هو الذي يخلف ~~المورث؛ دل أنه ما ذكرنا، وإن كانوا هم وجميع ما في أيديهم لله - عز وجل - ~~ملكا له وعبيدا؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: " لا يرث الكافر المسلم، ولا ~~المسلم الكافر، إلا المولى من عبده " سمى ما يكون للمولى من عبده ميراثا، ~~وإن كان العبد وما في يده ملكا للمولى: # PageV02P543 # فعلى ذلك الأول: سمى الله - عز وجل - ذلك ميراثا له، وإن كان عبيده وما ~~في أيديهم ملكا له، والله أعلم. # قال الشيخ - رحمه الله -: وقوله - تعالى، -: (ولله ميراث السماوات ~~والأرض): وكانت له لا بحق الميراث؛ لوجهين: # أحدهما: على الإخبار عن ذهاب أهلها، وبقائه - عز وجل - دائما؛ إذ ذلك وصف ~~المواريث أن تكون لمن له البقاء بعد فناء من تقدم، والله - عز وجل - هو ~~الباقي بعد فناء الكل، مما يجوز القول بما هو له في الحقيقة من قبله ~~بالميراث؛ من حيث ملك غيره الانتفاع بذلك؛ وعلى ذلك المروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، ~~إلا المولى من عبده "، وليس ذلك في الحقيقة ميراثا، إذ كان له في حال ~~حياته؛ ولكن كان ولاية الانتفاع به فزال؛ وعلى مثل هذا وراثة المسلمين ~~الجنة، لا على انتقال من غيرهم إليهم، ولكن على بقائهم فيها، وحصول أمرها ~~لهم، أو على وراثة ما لو كان من لم يؤمن آمن، وما ادعوا أنها لهم بقولهم: ~~(لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، فصارت ميراثا لغيرهم ما ادعوا ~~أنها لهم، ms0875 والله أعلم. # والثاني: أن يعلم كل بالموت حقيقتها أنها له فأضيفت إليه بالميراث عنهم؛ ~~كما قال - تعالى -: (وبرزوا لله جميعا)، (وإليه المصير)، والمرجع ونحو ذلك ~~من غير غيبة عنه، ولكن ما يعلم كل إذ ذاك ذلك؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ~~(والأمر يومئذ لله)، وهو في الحقيقة كل يوم له، ولا قوة إلا بالله. # وفي الذكر والإخبار أنها له ميراث - تحريض على الإنفاق والتزود؛ إذ هي في ~~الحقيقة لغير أهلها؛ وإنما لهم ما ينفقون ويتزودون دون ما يمسكون، وفيه منع ~~الإمساك؛ وذلك كقوله - تعالى -: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ~~ميراث السماوات والأرض. . .) الآية # PageV02P544 # (والله بما تعملون خبير): وعيد منه - عز وجل - إياهم. # وقوله - عز وجل -: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنياء (181) قيل: لما نزلت: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا. . .) الآية، ~~قالت اليهود: ربكم يستقرض منكم ونحن أغنياء. وليس في الآية بيان أن ذلك ~~القول إنما قاله اليهود أو غيرهم من الكفرة، ولكن فيه أنهم قالوا ذلك؛ فلا ~~ندري من قال ذلك، ولا يجوز أن يشار إلى أحد بعينه إلا ببيان، ثم يحتمل ذلك ~~القول منهم وجوها: # يحتمل أن يكون قال ذلك أوائلهم؛ على ما قال في قتل الأنبياء - عليهم ~~السلام - وهؤلاء لم يقتلوا؛ ولكن إنما قتلهم أوائلهم، أضيف ذلك إليهم؛ رضاء ~~منهم بصنيعهم؛ فعلى ذلك القول الذي قالوا يحتمل ما ذكرنا. # ويحتمل أن يكون هؤلاء قالوا ذلك بحضرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبمشهدهم، أو قالوا ذلك في سر. # فإن قال ذلك أوائلهم؛ فإنه يحتمل وجهين: # يحتمل أن يكون الله - تعالى - أعلم ذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~تصبيرا منه إياه وتسكينا؛ ليصبر على أذى الكفار؛ حيث قالوا في الله ما ~~قالوا فكيف فيه؟! والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ذلك ليكون ذلك آية من آيات رسالته. # وإن كانوا قالوا ذلك بحضرة أصحابه - صلى الله عليه وسلم -؛ ففيه -أيضا- ~~وجهان: # أحدهما: ما ذكرنا من التسكين والتصبير على أذاهم. # والثاني: ليعلموا أن ms0876 جميع ما يقولون محفوظ عليهم، ليس بغائب عنه، ولا ~~غافل عنه؛ كقوله - تعالى -: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما ~~يؤخرهم ليوم. . .) الآية، لكنه يؤخر ذلك إلى وقت. # وإن كانوا قالوا ذلك سرا؛ ففيه -أيضا- وجهان: # أحدهما: ما ذكرنا أن يكون آية من آيات النبوة؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك ~~بالله، على علم منهم أنه لم يكن فيما بينهم من ينهي الخبر إليه. # والثاني: خرج على التعزية له والتصبير على أذاهم. # PageV02P545 # ثم معنى قوله - تعالى -: (وأقرضوا الله قرضا حسنا)، و (من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا) - يحتمل وجهين: # أحدهما: لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم؛ إذ يعلمون أنه ليس ~~بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ~~ذلك القرض ولا فقر؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظا في الشاهد - فإنه لا يمن ~~المقرض عليه؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على المقرض؛ حيث يحفظ ماله في ~~السفاتج؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء، يكون محفوظا ~~عند الله ليوم حاجتهم إليه؛ فلا منة تكون على الفقير، والله أعلم. # والثاني: إنباء عن جوده وكرمه؛ لأن العبد وما في يده له، فلو أراد أن ~~يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك. # والثالث: أن المولى في الشاهد إذا طلب من عبده القرض؛ يكون في ذلك شرف ~~للعبد وعظم؛ فعلى ذلك الله - تعالى - إذا طلب من عبده القرض، على علم منه ~~في أنه غني بذاته، لا يجب أن يبخل عليه، وفي ذلك شرفه وعظمه، والله أعلم. # وقوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير)، قال أهل التفسير: ~~قالت اليهود، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم؛ حتى زعموا أن يد الله مغلولة، ~~لكن ليس في الآية بيان القائلين، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب؛ ~~لو لم يكن ذلك منه، لكنهم قالوه، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرا، ~~يكون في إظهاره آية الرسالة، أو كانت ms0877 الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك؛ إذ ~~لا يحتمل أن يصبر لمثله: يقال بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ~~إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم لله، مع ~~عظيم ما سمعوا من القول، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم ~~وسوء قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم الله - تعالى - وعلمهم بأنهم لم ينالوا ~~خيرا إلا بالله - تعالى - اجترءوا عليه بمثل هذا القول، وبلغ عتوهم هذا، # PageV02P546 # والله - جل ثناؤه - مع قدرته وسلطانه يحلم عنهم ليوم وعدهم فيه الجزاء؛ ~~فمن ليس منه إليهم نعمة ولا تقدم عليهم منه كثير منة - أحق بالصبر لأذاهم، ~~وإعراض عن مكافأتهم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (قل للذين آمنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله. . .) الآية، وقال الله تعالى لرسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين). # وقوله - عز وجل -: (سنكتب ما قالوا): # قيل: سنجزيهم جزاء ما قالوا، وقيل: سنحفظ ما قالوا، وسنثبت، وسألزم، ~~كقوله - عز وجل -: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)، والله أعلم. # وقوله: (وقتلهم الأنبياء بغير حق): # قد ذكرنا هذا فيما تقدم أنه يحتمل: إذ قتل أوائلهم؛ فأضيف إليهم لرضائهم ~~بفعلهم؛ كقوله - تعالى - (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا)؛ لرضاه بقتله. # PageV02P547 # فإن قيل: ما الحكمة في قوله: (وقتلهم الأنبياء بغير حق)، والأنبياء - ~~عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلهم؛ كقوله - تعالى - (الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله. . .) الآية، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء ~~يستوجب به ذلك، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به؛ كقوله: (والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. . .) الآية، فكيف ذكر هاهنا - ~~القتل بغير حق، وهم لا يكتسبون ما يستوجبون به القتل؟! قيل: يحتمل قوله: ~~بغير حق، أي: بغير حاجة؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم؛ ~~على ما قيل: إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيا، ثم يهيج لهم سوق؛ فإذا كان ~~كذلك يحتمل ms0878 قوله: (بغير حق)، أي: بغير حاجة؛ كقول لوط - عليه السلام -: ~~(هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) فقالوا: (ما لنا في بناتك من حق)، أي: من حاجة، ~~والله أعلم. # ويحتمل قوله - عز وجل -: (وقتلهم الأنبياء)، أي: قصدوا قصد قتل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ فكأن قد قتلوه، أو قتلوا أصحابه - رضي الله عنهم - ~~فأضيف إليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونقول ذوقوا عذاب الحريق): # أي: المحرق، وقد ذكرنا هذا. # وقوله: (ذلك بما قدمت أيديكم (182) # ذكر الأيدي؛ لما بالأيدي يقدم، وإن لم يكن هذا مقدما باليد في الحقيقة؛ ~~وكذلك (فبما كسبت أيديكم)، لما باليد يكتسب، والله أعلم. # PageV02P548 # قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا ~~بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) # وقوله عز وجل -: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان): # قيل: إنهم لما دعوا إلى الإسلام - يعني: اليهود - قالوا: (إن الله عهد ~~إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار)، وكان ذلك آية في بني ~~إسرائيل؛ فسأل اليهود من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك. # وقيل: كان من قبلنا، في الأمم الخالية ذلك؛ فسألوا من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك، ولكن لم يكن القربان من آيات النبوة والرسالة إن ~~كان؛ فهو من آيات التقوى؛ كقوله - عز وجل -: (واتل عليهم نبأ ابني آدم ~~بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال ~~إنما يتقبل الله من المتقين): كان القربان من آيات التقوى؛ ألا ترى أنه ~~قال: يا محمد (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم) يعني: ~~القربان؛ (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) # أي: إن كان ذلك من آيات النبوة، لم قتلتم الأنبياء الذين أتوا به؟! أو لم ~~قتل أوائلكم الأنبياء؛ إذ أتوا بالقربان، (إن كنتم صادقين): أنه من ms0879 آيات ~~النبوة، أو (إن كنتم صادقين): أنه عهد إليكم ألا تؤمنوا به حتى يأتي ~~بقربان، والله أعلم. # وفي قوله - عز وجل -أيضا-: (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) - فهو، والله أعلم، ادعوا أن أوائلهم ~~ادعوا الذي ذكروا من العهد، وهم تبعوا أولئك، فعرفهم صنع من بدعواهم ~~احتجوا؛ ليكون لهم فيه آية، أما تكذيبهم بما احتجوا بوصية المتقدمين في ~~ذلك، فبطل عذرهم؛ إذ هم قتلوهم؛ فلا يجوز تصديقهم على العهد الذي ادعوا ~~وذلك صنيعهم، أو يقروا أنهم أخبروا بالعهد من غير أن كان كذبا وباطلا؛ فبطل ~~حجاجهم. # على أن في الآية: (إنما يتقبل الله من المتقين)، فجعل ذلك آية التقى لا ~~آية النبوة. والأصل فيه: أنا لما عرفنا آيات الرسل - عليهم السلام - لا ~~يذكر فيها # PageV02P549 # القرابين؛ ثبت أن هذا الذي ادعوا ليس هو بعهد جاء به الرسل - عليهم ~~السلام - ولكنه حيل السفهاء بتلقين الشياطين ووحيهم؛ لذلك لم يجب الذي ~~ذكروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن كذبوك (184) # يا محمد في القول، وما جئت من آيات تدل وتوضح أنك رسول الله، وأنك صادق ~~في قولك # (فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات) # يعزي نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره؛ ليصبر على أذاهم وتكذيبهم ~~إياه؛ كما صبر أولئك على أذاهم وتكذيبهم؛ كقوله - عز وجل -: (فاصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل. . .) الآية. # وفي قوله - تعالى -أيضا-: (فقد كذب رسل من قبلك) وجوه: # أحدها: أن يصبره على ذلك بما له فيه أجر أن صبروا، على عظم ذلك عليهم؛ ~~وذلك قوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). # والثاني: على رفع العذر عنه في ترك الإبلاغ؛ فإن ذلك لم يمنع من تقدمه. # والثالث: على الأنبياء أنهم أصحاب تقليد في التكذيب، لا أن يكذبوا من ~~محنة وظهور؛ فذلك أقل للتأذي، ولتوهم الارتياب في الأنبياء؛ ليستيقن من ~~حضره، وصدقه - أن ذلك منهم على الاعتناد والتقليد دون المحنة والظهور، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بالبينات): # قد ذكرناها فيما تقدم في ms0880 غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (والزبر): # قيل: أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - من قبلهم بالنبوة على ما يكون. # وقيل: الزبر: هي الكتب، أي: جاءوا بالبينات والزبر، يعني: الكتب. # (والكتاب المنير): # قيل: الزبر والكتاب واحد. # وقيل: (والكتاب المنير): هو الذي فيه الحلال والحرام، والأحكام المكتوبة ~~عليهم. والمنير: هو الذي أنار قلب كل من تمسك بالهدى؛ كما قيل في الفرقان ~~أنه يفصل ويفرق بين الحق والباطل، والله أعلم. # وتسمي كتب الله كلها فرقانا ومنيرا؛ بما تفرق بين الحق والباطل، وتبين ~~السبيلين # PageV02P550 # جميعا، والله أعلم. # قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~(185) # وقوله - عز وجل -: (كل نفس ذائقة الموت): # فيه دلائل: # أحدها: دليل إثبات الرسالة؛ لأنه ليس في العقل ألا تبقى هذه الأنفس أبدا، ~~ولا تدوم، ولا فيه آثار فنائها وموتها، ثم وجود العلم من كل منهم بالموت، ~~والتسليم له، والإقرار منهم أن كل نفس تموت - يدل أنهم إنما عرفوا ذلك ~~وأيقنوا به من خبر السماء بالوحي، والله أعلم. # ثم إن كل حي يتلذذ بحياته، وحبب ذلك إليه، ويتكره الموت ويبغضه؛ دل أن ~~هذا العالم لم يكن بالطباع، ولكن كان بغيره؛ لما يتلذذ طبع كل منهم ~~بالحياة، ويتكره بالموت ويتنغص به؛ إذ لو كان به: لكان يختار ما يتلذذ به، ~~ولدفع ما يتكره به؛ فدل أن غيرا فعل ذلك وخلق؛ لما ذكر: (خلق الموت ~~والحياة) الآية؛ وفي ذلك بطلان قول أصحاب الطبائع. # وأيضا: أن كل نفس يجتمع فيها الطبائع المختلفة المتضادة، التي من طبعها ~~التنافر - لم يجز أن يكون بنفسه تجتمع؛ دل أن له جامعا. وأيضا: إن كان ~~العالم لو كان بنفسه وطبعه لاختار كل لنفسه أحوالا: أحسن الأحوال وألذها؛ ~~فيبطل به الشرور والقبائح؛ فدل وجود ذلك على كونه بغيره. ثم فيه أن ذلك ~~الغير -الذي كان به العالم- واحد لا عدد؛ إذ لو كان بعدد لم يحتمل وجود ~~العالم على الطبائع المختلفة والهمم المتفرقة: لما جمع ms0881 هذا فرق الآخر، وما ~~أثبت هذا نفي الآخر، وفي ذلك فساد الربوبية؛ فدل وجوده على ما ذكرنا: أنه ~~واحد لا عدد؛ فاتسق تدبيره ونفذ أمره، مع ما كان الأمر المعتمد بين الملوك ~~في الشاهد: أن من فعل هذا نقض الآخر، وما رام هذا إيجاده يريد الآخر ~~إعاقته، وما أبقى هذا أراد الآخر إفناءه؛ وفي ذلك تناقض وتناف؛ فدل الوجود ~~على. أن الذي به كان - واحد لا عدد، ثم يحتمل على الاصطلاح منهم؛ لأنه يدل ~~على العجز والجهل: أن العجز والجهل هو الذي حملهم على الاصطلاح، والعاجز ~~والجاهل لا يصلح أن يكون إلها وربا، وبالله التوفيق. # PageV02P551 # ثم الدلالة على حكمته وعلمه: ما لم يعاين شيء ولا يشاهد إلا وفيه حكمة ~~عجيبة، ودلالة بديعة مما يعجز الحكماء عن إدراك مائيته، وكيفية خروجه على ~~ما خرج، وعلم كل أحد منهم بتصور علمه على ما عنده من الحكمة، والعلم عن ~~إدراك كنه ذلك فيما ذكرنا، وخروج الفعل متقنا محكما - دلالة حكمة مبدعه ~~وخالقه، وبالله التوفيق. # ثم الدلالة أنه لم يخلق الخلق للفناء خاصة؛ ولكن خلق للعواقب: يتأمل ~~ويرجى ويخاف ويحذر - خروج فعل كل أحد في الشاهد من الحكمة إذا بنى للفناء ~~والنقض، فإذا كان الحكمة التي هي جزء يخرج فعله عن الحكمة؛ إذا كان ذلك ~~للفناء والهلاك خاصة، فخروج الكل عن ذلك لذلك أحرى وأولى أن يكون سفها لا ~~حكمة، والله الموفق. # قال: دلت طمأنينة القلوب بموت كل نفس، وترك حكماء البشر الاحتيال - في ~~دفعه، على ما ليس في الجوهر دليله، ولا في العقل امتناعه - أنه عرف ذلك بمن ~~له التدبير فيها بالوحي إليه؛ وفي ذلك إيجاب القول بالرسل، ثم دل قهر جميع ~~الحكماء به على حب الحياة إليهم، وبغض الموت عندهم - على خروج جميع الأحياء ~~عن تدبيرهم، وفي خروجهم خروج الأموات؛ إذ هم تحت تدبير الأحياء. # ثم في طمأنينة كل قلب على الموت دلالة التدبير للواحد؛ إذ لو كان لأكثر ~~لجوز التمانع وإبطال الوارد من الحي؛ وفي ذلك ارتياب، مع ما كانت كل ms0882 نفس ~~تحت أمور تقهرها، وتحوجها إلى أمور تعلم أن مدبرها هيأها على ذلك وطبعها، ~~وأنه العليم بما به صلاحها وقوامها وإليه حاجتها، وعلى ذلك جبلها؛ ليظهر ~~عظيم حكمته وتعاليه عن الشرك في التدبير، أو المعونة في التقدير. # ثم لا يحتمل نشوء مثله على ما جرى عليه من حكمته في موت كل - أنه كان ~~للموت أنشأ لا لغير؛ إذ تدبير فعل واحد للفناء خاصة من حكماء البشر - يخرج ~~عن معنى الحكمة، ويدل على قصور صاحب ذلك وسفهه؛ فجملة العالم الذي كانت ~~حكمة الحكماء جزءا منها، وعقل العقلاء بعضا منها - أحق وأولى؛ فثبت أنها ~~أنشئت (ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6)، ويوم تجزى كل نفس ~~بما كسبت، وذلك قوله - تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) # لما ذكرنا أنهم لها خلقوا -أعني: الآخرة- للجزاء والثواب. # وقوله - عز وجل -: (فمن زحزح عن النار): # PageV02P552 # قيل: بعد ونحي عنها. # (وأدخل الجنة فقد فاز): # قيل: فاز: نجا، وقيل: سعد، وقيل: الفائز: السابق، وقيل: فاز: غنم. # وأصل الفوز: النجاة، أي: نجا مما يخاف ويحذر، ويظفر بما يتأمل ويرجو. # وقوله - عز وجل -: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور): حياة الدنيا ~~للدنيا غرور؛ كقوله - عز وجل -: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد)، حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو ~~وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. وأصل الغرور: هو أن يتراءى ~~الشيء في ظاهره حسنا مموها؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرا، فإذا نظر في ~~باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها. # وقيل: الحياة الدنيا -على ما عند أولئك الكفرة- لعب ولهو، وعند المؤمنين ~~حكمة. # * * * # قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور (186) وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) لا ~~تحسبن الذين ms0883 يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) # وقوله - عز وجل -: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم): # يحتمل الابتلاء في الأموال والأنفس: أن يبلوا بالنقصان فيها؛ كقوله - عز ~~وجل -: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس. . .) ~~الآية. # ويحتمل: أن يبلوا بما جعل فيها من العبادات، من نحو: الزكاة في الأموال ~~والصدقات والحقوق التي جعل فيها، وفي الأنفس: من العبادات: من الصلاة ~~والجهاد والحج، وغيرها من العبادات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب): # PageV02P553 # يعني: الذين لهم علم بالكتاب ومن غيرهم. # (أذى كثيرا) # أي: تسمعون أنتم من هؤلاء أذى كثيرا، على ما سمع إخوانكم الذين كانوا من ~~قبلكم من أقوأمهم أذى كثيرا؛ كقوله - عز وجل -: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك). # وقوله - عز وجل -: (وإن تصبروا): # على أذاهم. # (وتتقوا): # مكافأتهم، على ما صبر أولئك واتقوا مكافأتهم. # (فإن ذلك من عزم الأمور): # قيل: من خير الأمور؛ هذا يحتمل. # وقيل: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب) # ومن قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، (ومن الذين أشركوا)، يعني: ~~العرب، (أذى كثيرا)، يعني: نصب الحروب فيما بينهم، والقتال، والسب وغير ~~ذلك، (وإن تصبروا): على ذلك والطاعة له، (وتتقوا): معاصي الرب، (فإن ذلك من ~~عزم الأمور):، يعني. من حزم الأمور. # وقوله - عز وجل -: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب (187) # أي: الذين أوتوا العلم بالكتاب، وأخذ الميثاق؛ ليبينوا، أي: يبينوا للناس ~~ما في الكتاب من الأمر والنهي، وما يحل وما يحرم، وغير ذلك من الأحكام، ولا ~~يكتموا ذلك. # ويحتمل: أن أخذ عليهم الميثاق: أن بينوا للناس بعث محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وصفته، ولا تكتموه بالتحريف وبترك البيان. # وقوله: (فنبذوه ورآء ظهورهم) # أي: لم يعملوا بما فيه، ولا بينوا للناس؛ فهو كالمنبوذ وراء ظهورهم. # (واشتروا به ثمنا قليلا. . .) الآية: # قد ذكرنا معناه في غير موضع. # PageV02P554 # وعن علي - رضي الله عنه - قال: " ما أخذ الله ميثاقا على أهل الجهل بطلب ~~العلم، حتى أخذ ميثاقا ms0884 من أهل العلم ببيان العلم؛ لأن العلم كان قبل الجهل ~~". # وقوله - عز وجل -: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا (188) # قيل: بما غيروا من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته في كتابهم ~~وكتموه، وتبديلهم الكتاب، وإعجاب الناس ذلك وحمدهم على ذلك. # وقيل: إن اليهود دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: ~~نحن نعرفك ونصدقك - وليس ذلك في قلوبهم - فلما خرجوا من عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ فيقولون: عرفناه ~~وصدقناه؛ فيقول المسلمون: أحسنتم، بارك الله فيكم: يحمدهم المسلمون على ما ~~أظهروا من الإيمان، وهم يحبون أن يحمدوا على ذلك؛ فذلك تأويل قوله: (ويحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا). # وقيل: إنهم قالوا: نحن أهل الكتاب الأول والعلم، وأهل الصلاة والزكاة. ~~ولم يكونوا كذلك، وأحبوا أن يحمدوا على ذلك، والله أعلم بالقصة. # وفي قوله - عز وجل أيضا -: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا. . .) والآية - دل ما ذم الله عباده، وأوعدهم عليه ~~أليم عقابه فيما أحبوا الحمد على ما لم يفعلوا - على تعالى الرب عن قول ~~المعتزلة في قولهم: ليس لله في الإيمان # PageV02P555 # تدبير سوى الأمر، ولا صنع، وقد أحث أن يحمد عليه بقوله - عز وجل -: ~~(أنعمت عليهم)، وبقوله - عز وجل -: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)، ~~وقوله - تعالى -: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)، في غير موضع من القرآن، ~~ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير (189) # قال الله - تعالى -: (والله على كل شيء قدير): # امتدح - جل ثناؤه - بإدخال كلية الأشياء تحت قدرته، وبه خوف من عاند ~~نعمته، وأطمع من خضع له عظيم ثوابه؛ فلئن جاز إخراج شيء تحت القدرة عن ~~قدرته، لاضمحل الخوف عما خوفه، والرجاء فيما أطمعه؛ إذ لم يظهر على ذلك ~~قدرته إلا بقوله: (وهو على كل شيء قدير)، وما لا صنع لأحد في شيء إلا ~~بأقداره، ومحال أن يقدر على ما لا يقدر هو عليه، أو يزول ms0885 به قدرته؛ لما فيه ~~ما ذكرت؛ فلذلك قلنا في بطلان قول المعتزلة بإخراج أفعال صنع الخلق عن قدرة ~~الله، وامتناعه عن تدبيره، ولا قوة إلا بالله. # قال الله - عز وجل -: (إن في خلق السماوات والأرض). .) إلى قوله - عز وجل ~~-: (لآيات لأولي الألباب (190) # نقول - وبالله نستعين -: أخبر الله - تعالى - أن فيما ذكر آيات لمن ذكر، ~~ومعلوم أن الآيات إنما احتيج إليها لمعرفة أمور غابت عن الحواس، يوصل إليها ~~بالتأمل والبحث عن الوجوه التي لها جعلت تلك الأشياء المحسوسة، التي يغني ~~من له اللب دخولها تحت الحواس - عن تكلف العلم بها بالتدبير، بل علم الحواس ~~هو علم الضرورات وأوائل علوم البشر الذي منه يرتقي إلى درجات العلوم؛ فيلزم ~~طلب ذلك؛ فيبطل به قول من قال: العلوم كلها ضرورات لا تقع بالأسباب، ولا ~~يلزم الخطاب دون تولى الرب إنشاء العلم في القلوب بحقيقه ما فيه الخطاب؛ إذ ~~ذلك يرفع حق الطلب، ويستوفي فيه الموصوف باللب وغير الموصوف، والمتفكر في ~~الأمر وغير المتفكر، وقد قال الله - تعالى -: (ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض. . .) الآية، وفي ذلك دليل أن المقصود مما أظهر ليس هو ما أظهر، إذ ~~لزم التفكر بالذي أظهر؛ ليوصل به إلى العلم بالذي له أنشأ الذي أظهر، ويعلم ~~ما جعل في الذي دليله وعلمه، وهذا لكل أنواع العلوم أن منها ظاهرا مستغنيا ~~بظهوره عن الطلب، وخفيا يطلب بما له في الذي ظهر من أثر ينبئ عنه التأمل، # PageV02P556 # والله أعلم. # وفي ذلك دليل لزوم التوحيد باللب؛ إذ صيرها آيات لمن له ذلك، وأول درجات ~~الآيات أن يعرف منشئها وجاعلها آيات، والله أعلم. # ثم دل اتصال منافع السماء والأرض على تباعد ما بينهما، حتى قام بها وحي ~~جميع من دب على وجه الأرض وانتفع بشيء، ثم في إيصال الليل بالنهار في منافع ~~كل حي على تضاد ما بينهما؛ حتى صارا كالشكيلين، والسماء والأرض كالقرينين - ~~على أن منشئ ذلك كله واحد، وأنه لو اختلف الإنشاء لتناقض التدبير، وبطل ~~وجوه النفع، وأن الذي أنشأ ذلك علم كيف ms0886 يدبر لاتصال المنافع واجتماعها ~~بغيرها، على اختلاف ما بينها، وأنه حكيم وضع كل شيء على ما لو تدبر الحكماء ~~فيه -لم يكن يعرف اتصال أقرب في المنافع، على اختلاف في الجواهر، وتضاد في ~~الأحوال- أبلغ من ذلك؛ بل تقصر حكمتهم عن الإحاطة بوجه الحكمة، أو الظفر ~~بطرف منها، إلا بمعونة من دبر ذلك سبحانه، - وذلك هو الدليل على قدرته وعلو ~~سلطانه؛ إذ سخر ذلك كلها لبذل ما فيها من المنافع لمن جعلها له، وجعل لبعض ~~على بعض سلطانا وقهرا؛ ليعلم أن التدبير يرجع إلى غير ذلك، ويعلم أن من قدر ~~على ذلك، وعلم قبل خلق المنتفعين بما خلق على أي تدبير يخلق ذلك، وبأي وجه ~~يصل كل خلق في ذلك إلى منافعه بها، وما الذي سوى معاشهم، وعلى أي تدبير، ~~دلهم عليه - لقادر على إعادة مثله، والزيادة منه على أنواع ذلك؛ إذ كل أمر ~~له حق الابتداء - كان ذلك أبعد عن التدبير مما له حق الاحتذاء بغيره أو ~~الإعادة، مع ما كان في إعادة الليل والنهار، وجعل كل من ذلك كالذي، مضى، ~~وإن كان الذي مضى -مرة- دلالة كافية للبعث والقدرة عليه، والله الموفق. # ومنها: أنها جعلت على تدبير يعرف صاحبها ومنشئها، وأنه دبرها على ما فيها ~~من وجوه الحكمة التي صارت الحكمة جزءا منها، وفنون العلم التي تنال بالتأمل ~~فيها، مما يوضح أن الذي أبرمها حكيم عليم، مع ما فيها من آثار الإحكام ~~والإتقان الكافية في الإنباء عن الإنشاء للحكمة، وأن الذي أبدع ذلك ليس ~~بعابث ولا سفيه. # PageV02P557 # ثم معلوم أن الفعل للهلاك والفناء غير داخل في الحكمة؛ ثبت أن ذلك غير ~~مقصودا فصار المقصود من ذلك وجها يبقى؛ فثبت أن مع هذه دارا أخرى تبقى، فهي ~~المقصود، وجعلت بحق الجزاء؛ وفي ذلك لزوم المحنة والقول بالرسالة؛ ليعلم ~~بالوحي كيفية وجوه المحنة مع ما لم يخل شيء من أن يكون فيه آثار النعمة، من ~~غير أن كان منه ما يستحق ذلك؛ فثبت أنه في حق الابتداء، ولازم شكر المنعم ~~في العقول؛ ms0887 فيجب به وجهان: # أحدهما: القول بالرسل؛ لبيان وجوه الشكر؛ إذ النعم مختلفة، وأصل الشكر ~~يتفاضل على قدر المنعمين؛ وكذلك النعم تتفاضل على قدر تفاضل متوليها، لابد ~~من بيان ذلك ممن يعرف حقيقة مقادير النعم، وجلالة حق المنعم، وبالله ~~التوفيق. # فكان فيها آيات الرسالة والتوحيد، وحكمته وقدرته وعلمه وجلاله عن الأشباه ~~والشركاء، وبها جل عن احتمال الشرك في صنعه، أو الشبه في فعله على أن كلية ~~كل من سواه تحت القدرة، وهو المتعالي عن ذلك. # وفيه دلالة البعث؛ لما ذكرت، ولما إذ لزم الشكر بما ذكرت -لزمت عقوبة ~~الكفران، وقد يخرج المعروف به سليما غريقا في النعم، وفي الحكمة والعقل ~~عقوبته- لزم أن يكون ثم دار أخرى، مع ما كان خلق الخلق، لا لين يعرف الحكمة ~~من السفه، والولاية من العداوة، والخير من الشر، والرغبة من الرهبة، لا ~~معنى له بما فيه تضييع الحكمة، وجمع بين الذي حقه التفريق في الحكمة ~~والعقل، وذلك آية السفه، ومحال كونه ممن الحكمة صفته والعدل نعته؛ فلزم به ~~خلق الممتحن بالذي ذكرت؛ فصار # جميع الخلائق للمحن. # ثم لابد من ترغيب وترهيب؛ إذ على مثله جبل محتملو المحن؛ فلزم به القول ~~بالدار الأخرى، وهو البعث؛ ليكون إحداهما بحق ابتداء النعم، والأخرى: بحق ~~استحقاق الجزاء، وإن كان لله التكليف بلا جزاء سابق النعم، ولا قوة إلا ~~بالله. # والمعاقبة واجبة في الحكمة للجفاء والكفران، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) # وقيل: بمفازة، أي: بنجاة من العذاب، وهو ما ذكرنا من الفوز أنه نجاة على ~~ما # PageV02P558 # يخاف ويحذر، أي: ليسوا هم بنجاة، من العذاب، بل لهم عذاب أليم. # وقوله - عز وجل -: (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ~~(189) # يشبه - والله أعلم - أن يكون هذا جوابا لقولهم: (لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) أي: كيف جاز نسبة الفقر إليه والحاجة، وله ~~ملك ما في السماوات وما الأرض؟! ونسبة الغنى إلى أنفسكم، وأنتم عبيده ~~وإماؤه، وما في يد العبد يكون لمولاه؟!. ms0888 # أو أن يكون جوابا لقولهم: (وقالوا اتخذ الله ولدا)، أي: كيف يجوز أن يتخذ ~~ولدا، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض، كلهم عبيده وإماؤه؟! والولد في ~~الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لوحشة أصابته فيستأنس به، أو لحاجة ~~تبدو له فيدفع به، أو لقهر وغلبة يخاف من عدو؛ فيستنصر به على أعدائه، ويرث ~~ملكه إذا مات. فإذا كان الله له ملك السماوات والأرض وتعالى عن أن يصيبه ~~شيء من ذلك؛ كيف جاز لكم أن تقولوا: اتخذ ولدا؟! وإن كان الخلق كلهم عبيده ~~وإماءه، وأنتم لا تتخذون الأولاد من عبيدكم وإمائكم؛ كيف زعمتم أنه اتخذ ~~ولدا من عبيده؟!. # وقوله - عز وجل -: (والله على كل شيء قدير): وهذا على المعتزلة؛ لأنهم ~~يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر ~~الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير. # * * * # قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ~~لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~(191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا ~~إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) # PageV02P559 # وقوله - عز وجل -: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب (190) # في الآية وجوه. # أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما ~~لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق ~~الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عبث، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة ~~لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل ~~منافع السماء مع بعدها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا ~~إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال ms0889 المنافع مع بعد ما بينهما؛ ~~فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد. # وكذلك: (واختلاف الليل والنهار): هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، ~~يفنيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابه ولا تشاكل؛ ~~إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البثر، ~~والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسهم، على ما ذكرنا أن لا منفعة لهم في ~~خلقهم، ثم صيرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ~~ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين ~~وصيرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك. # وفيهما دلالة البعث؛ لأنهما يفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء ~~النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا ~~يزالان كذلك، فإذا كان قادرا على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من ~~النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - ~~لقادر على أن ينشئ الخلق ثانيا ويحييهم، وإن فنوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ ~~فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو ~~المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر ~~الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن ~~والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابد من أمر ونهي: يأمر ~~بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم ~~والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لابد -أيضا- من دار أخرى للجزاء، يكرم المطيع ~~له فيها والولي، ويعاقب العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم (191) # PageV02P560 # يحتمل هذا لما جعل الله - تعالى - على العبد في كل حال نعمة ليست تلك في ~~غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك ~~الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الاضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر ~~له في كل نعمة على حال من تلك ms0890 الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا. # ويحتمل: أن يكون - تعالى - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء ~~والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: ~~يذكرونه في حال الشدة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه ~~في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين ~~أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك على إرادة نفس القيام، ~~ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم. # وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلي قائما إن استطاع، وإلا فقاعدا ~~إن لم يستطع، وإلا فمضطجعا، وكذلك روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ~~قال ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) # إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته. # (ربنا ما خلقت هذا باطلا): # أي: عبثا، ولكن خلقهم دليل على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك. # وقوله - عز وجل -: (سبحانك): # هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما ~~يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها. # وقوله - عز وجل -: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته (192) # PageV02P561 # قيل: أذللته وفضحته وأهنته. # (وما للظالمين من أنصار): # أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم ~~أعوان يعينونهم في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان (193) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعوا مناديا يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان ~~بالله. # ويحتمل قوله: (سمعنا)، أي: عقلنا، وعقل كل أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان ~~به. # وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: المنادي: محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~ثم قرأ: (لأنذركم به ومن بلغ. . .) هو الآية. # وعن غيره: المنادى هو الترآن، يدعوهم (أن آمنوا بربكم). # وقوله - عز وجل -: (فآمنا ربنا) # وفيه دلالة أن الإيمان ليس ms0891 هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ~~ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا ~~قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: (فآمنا ربنا). ~~ثم فيه دلالة أن لا ثنيا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن ~~إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دل أن # PageV02P562 # الإيمان مما لا يحتمل الثنيا. # وقوله - عز وجل -: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا): # قيل: قولهم: (فاغفر لنا ذنوبنا): التي كانت فيما مضى من عمرنا، (وكفر عنا ~~سيئاتنا)، أي: اعصمنا فيما بقي من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر ~~سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبد التكفير لما أساء. # وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك ~~التكفير " ولذلك سمي الحراثون: كفارا؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر ~~سمى كافرا؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه ~~الشكر إلى غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتوفنا مع الأبرار): # يحتمل قوله: (وتوفنا مع الأبرار)، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار. ويحتمل: ~~وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار. # ثم اختلف في البر: قيل: هو الذي لا يؤذى أحدا، وقيل: الأبرار: الأخيار. # ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنا أبرار. والبر: ~~الطاعة، والتقوى: ترك المعصية. # وقوله - عز وجل -: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك (194) # قيل فيه بوجهين: # قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار " ألسن " كقوله - عز وجل ~~-: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا). # وقيل: (ما وعدتنا على رسلك)، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ ~~كقوله: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، وكقول إبراهيم - عليه السلام ~~-: (ربنا اغفر لي ولوالدي)، وكقول نوح - عليه السلام -: (رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات). # ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء ~~والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، ~~وما وعد لا شك أنه يعطي، # PageV02P563 # وأنه لا يخلف الميعاد، ونحو قوله ms0892 - عز وجل -: (قال رب احكم بالحق)، وهو ~~لا يحكم بالجور. # وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا ~~تجر ولا تظلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ~~ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس ~~عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم. # ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: # أحدها: قوله: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله ~~باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: (ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول. . .) الآية: وعد ~~لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل ~~دعائي دعاء من جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مستغفرا فاستغفر له، ~~وكقوله -أيضا-: (لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا). # والثاني: يحتمل أن يكون الوعد لهم؛ إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، ~~والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة ~~والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: (من جاء بالحسنة)، فله كذا، ولم ~~يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم. # وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم. # والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير ~~مبين لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب (195) # وقوله - عز وجل -: (فاستجاب لهم ربهم) # هذا يدل أن الوعد لهم كان مقرونا بشرط السؤال؛ ms0893 لأنه قال: (فاستجاب لهم)، # PageV02P564 # والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله - عز وجل -: (وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان. . .) الآية. # وقوله تعالى: (أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض). # قيل: من الخلق كلهم، لكن جعل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله تعالى: ~~(نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون)، وأما المؤمنون: في الدنيا ~~والآخرة، وأما الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء. # وقوله - عز وجل -: (نوف إليهم أعمالهم)، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون ~~أرزاقهم. # وقيل: قوله: (منكم) - إشارة إلى المؤمنين خاصة؛ كقوله - عز وجل -: ~~(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي. . ~~.) الآية: # الذين هاجروا: إلى الله تعالى ورسوله طوعا، (وأخرجوا من ديارهم)، أي: ~~اضطروهم حتى خرجوا من ديارهم فهاجروا، (وأوذوا في سبيلي)، أي: في طاعتي، ~~(وقاتلوا): حتى (قتلوا). # ويحتمل هذا كله أن هاجر بعض طوعا، وبعض أخرجوا من ديارهم حتى هاجروا، ~~وقاتل بعض حتى قتلوا، وقاتل بعض ولم يقتلوا، وقتل بعض. # وقوله: (ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار. . .) الآية # تأويلها ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم ~~مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار ~~(198) وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن ~~الله سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (200) # وقوله - عز وجل -: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل): ~~يحتمل تقلبهم وجوها. # وذلك نعمة من الله عليهم؛ لتركهم يتجرون في البلدان مع كفرهم بربهم. # والثاني: أعطاهم أموالا يتنعمون فيها ويتلذذون. # PageV02P565 # والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت. # يقول: لا يغرنك يا محمد ذلك؛ إنما هو متاع ms0894 يسير، ومصيرهم إلى النار؛ ~~كقوله - تعالى -: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم. . .) والآية؛ وكقوله: ~~(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما. . .) الآية. # قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من ~~الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - تعالى -: (متاع قليل)، ثم قال: (لكن ~~الذين اتقوا ربهم)، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع. # وقوله - عز وجل -: (لكن الذين اتقوا ربهم (198) # يعني: الشرك # (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. . .) إلى آخر ما ذكر (ثوابا من عند ~~الله). # يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن ~~الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ ~~إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار. . . إلى آخر ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ~~(199) # ويعني: القرآن. # (ومآ أنزل إليهم) # ويعني: التوراة. # ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزل في شأن عبد الله بن سلام وأصحابه: ~~أقروا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل ~~عليه. . . ". # وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن # PageV02P566 # النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى على النجاشي قال أناس من ~~المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحبشة؟! فأنزل الله - عز وجل -: (وإن ~~من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله. . .) الآية. # وعن الحسن قال: لما مات النجاشي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" استغفروا لأخيكم " قالوا: يا رسول الله، لذلك العلج؟! فأنزل الله - عز ~~وجل -: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله. . .) الآية، وقيل: لما صلى عليه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل ~~دينه؟ فأنزل الله الآية. # وعن الزهري عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبي الله - صلى ~~الله عليه ms0895 وسلم - صلى على النجاشي، فكبر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في ~~المصلى خلفه، وكان مات بالحبشة. # قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيرا وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان ~~مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقا فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق. # وأما الأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن ~~يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا (200) # قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب ~~والشدائد: # PageV02P567 # (وصابروا) # في الجهاد لعدوكم. # وقيل: اصبروا على أمر الله وفرائضه، وصابروا مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعلى آله وصحبه في المواطن. # وعن الحسن قال: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى الله لهم، وهو ~~الإسلام، ولا يدعوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى ~~يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن ~~يرابطوا المشركين. # وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم. # (ورابطوا) # أي: داوموا على دينكم. # (واتقوا الله لعلكم تفلحون): # قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي ~~بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن ~~مصابرة عدو فيما يطيع ربه. # وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا الله فيما أمركم به، فلا تدعوا ~~ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا بالله. # * * * # PageV02P568 ### | سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله - تعالى -: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1) # قوله - تعالى -: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) # في كل ما كان الخطاب للكفرة: ذكر الله - سبحانه وتعالى - على أثره حجج ~~وحدانيته، ودلائل ربوبيته؛ لأنهم لم يعرفوا ربهم، من نحو ما ذكر: (يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. . .) الآية، وكقوله ms0896 - تعالى -: ~~(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. . .) الآية، ~~وكقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا)، ونحوه كثير: ذكر الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع ~~وتوحيده؛ لينظروا فيها وليتفكروا؛ فيعرفوا بها خالقهم وإلههم. # وفي كل ما كان الخطاب للمؤمنين: لم يذكر حجج الوحدانية، ولا دلائل ~~الربوبية؛ لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب، ولكن ذكر على أثره نعمه التي ~~أنعمها عليهم، وثوابه الذي وعد لهم، نحو قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) # واعتصموا بحبل الله جميعا. . .) إلى آخر ما ذكر، ذكر نعمه التي أنعمها ~~عليهم، وكقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم. . .) ~~كذا إلى آخر ما ذكر؛ على هذا يخرج الخطاب في الأغلب. # وقوله - عز وجل -: (اتقوا ربكم). # قيل: اتقوا عذابه ونقمته. # وقيل: اتقوا عصيانه في أمره ونهيه. # وقيل: اتقوا الله بحقه في أمره ونهيه. # قوله - عز وجل -: (الذي خلقكم من نفس واحدة) # أضاف خلقنا إلى آدم؛ إذ صورة الإنسان في النطفة. # قال: دلت إضافة خلقنا من آدم -وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه- على أمرين: # PageV03P003 # أحدهما: جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي إليه المرجع، وإن بعد ذلك عن ~~الراجع إليه؛ على التوالد والتتابع. # والثاني: أنا لم نكن بأبداننا فيه، وإن أضيف خلقنا إليه؛ إذ لو كنا فيه ~~لكنا منه بحق الإخراج لا بحق الخلق منه. وذلك يبطل قول من يجعل صورة ~~الإنسان في النطفة مع الإحالة أن يكون معنانا في التراب أو النطفة؛ إذ هما ~~من الموات الخارج من احتمال الدرك، ونحن أحياء داركون، والله أعلم. # وقوله: (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) # أي: فرق، ونشر، وأظهر منهما أولادا كثيرا: ذكورا وإناثا. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) # قوله: (تساءلون به)، أي: اتقوا الله الذي تساءلون بعضكم من بعض، أي: يسأل ~~بعضكم من بعض الحوائج والحقوق به، يقول: أسألك بوجه الله، وبحق الله، ~~وبالله. # ويسأل بعضكم ms0897 من بعض بالرحم، يقول الرجل لآخر: أسألك بالرحم وبالقرابة أن ~~تعطيني. # وقوله: (والأرحام)، روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: (واتقوا الله ~~الذي تساءلون به)، واتقوا في الأرحام وصلوها. # وقرئ بالنصب والخفض: (والأرحام): فمن قرأ بالنصب يقول: اتقوا الله فلا ~~تعصوه، واتقوه الأرحام فلا تقطعوها. # ومن قرأ بالخفض يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. # وروي في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اتقوا الله وصلوا ~~الأرحام؛ فإنه أتقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة ". والآية في الظاهر ~~على العظة والتنبيه. # وكذلك قوله: (إن الله كان عليكم رقيبا) # هو على التنبيه والاتعاظ. # PageV03P004 # قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) # قوله - تعالى -: (وآتوا اليتامى أموالهم) يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: احفظوا أموالهم إلى أن يخرجوا من اليتم، فإذا خرجوا من اليتم ~~أعطوهم أموالهم. # ويحتمل قوله: (وآتوا اليتامى أموالهم)، أي: أنفقوا عليهم من أموالهم، ~~ووسعوا عليهم النفقة ولا تضيقوها لينظروا إلى أموال غيرهم. # (وآتوا)، بمعنى: آتوا لوقت الخروج من اليتم، أي: احفظوا؛ لتؤتوا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) # أي: لا تأخذوا الخبيث فتتركوا لهم ما وعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم. # وقيل: لا تأخذوا الجياد من ماله وتعطي الدون من ماله؛ فذلك تبديل الخبيث ~~بالطيب. # وقيل: لا تأكلوا الخبيث: وهو أموال اليتامى، وتذروا الطيب: وهو أموالكم؛ ~~إشفاقا على أموالكم أن تفنى. # وقيل: لا تأكلوا الحرام مكان الحلال؛ لأن أكل مال اليتيم حرام، وأكل ماله ~~حلال؛ # PageV03P005 # فنهي أن يبدلوا الخبيث بالطيب. # ويحتمل: لا تأخذ ماله -وهو خبيث- ليؤخذ منك الذي لك وهو طيب. # ويحتمل: لا تأكلوا ذلك؛ إبقاء لأموالكم التي طيبها الله - تعالى - لكم، ~~بما جعل الله لكم خبيثا. # ويحتمل: (ولا تأكلوا أموالهم) في الدنيا؛ فتكون هي نارا تأكلونها؛ ~~فتتركون ms0898 الموعود لكم في إبقاء الخبيث؛ كقوله: (إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما. . .) الآية. # وقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) # يحتمل هذا - والله أعلم - وجهين: # يحتمل قوله: (أموالهم إلى أموالكم)، أي: مع أموالكم، أي: لا تخلطوا ~~أموالهم مع أموالكم فتأكلوها؛ ففيه نهي عن الخلط والجمع. # ويحتمل: (أموالهم إلى أموالكم)، أي: بأموالكم؛ ففيه النهي عن أكل أموالهم ~~بأموال أنفسهم تبعا؛ كقوله - عز وجل -: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن). # وقوله - تعالى -: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم)، بمعنى: لا تجمعوها ~~إليها فتأكلونهما معا. # ويحتمل: مع أموالكم، والله أعلم. # وقوله - جل وعز -: (إنه كان حوبا كبيرا) # قيل: جورا. # وقيل: الحوب: الإثم، وهو واحد. # وقيل: خطأ. # وقيل: ذنبا كبيرا. # PageV03P006 # وقيل إثما؛ وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع (3) # اختلف في تأويله: # فقيل: إنهم كانوا يخافون من أموال اليتامى ويتحرجون منها؛ لكثرة ما جاء ~~من الوعيد فيها؛ فنزل هذا: (وإن خفتم) وتحرجتم من أموال اليتامى؛ فكذا ~~فتحرجوا من الزنا: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء. . .) الآية. # عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: نزلت في يتامى من يتامى النساء كن ~~عند الرجال؛ فتكون اليتيمة الشوهاء عند الرجل -وهي ذات مال- فلا ينكحها؛ ~~لشوهتها، ولا ينكحها؛ ضنا بمالها؛ لتموت فيرثها، وإن نكحها أمسكها على غير ~~عدل منه في أداء حقها إليها، ولا ولي لها سواه يطالبه بحقها؛ فأنزل الله - ~~تعالى -: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) فذروهن، ولا تنكحوهن، (فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء). # وروي عنها -أيضا- أنها سئلت عن هذه الآية؟ فقالت: نزلت في اليتيمة تكون ~~في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، وينقص من صداقها؛ فنهوا عن نكاحهن، ~~إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء. # قالت عائشة - رضي الله عنها -: واستفتى الناس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد ذلك؛ فأنزل الله: (ويستفتونك في النساء. . .) إلى قوله: ~~(وترغبون أن تنكحوهن) ms0899 فأنزل الله - تعالى - لهم في هذه الآية: أن اليتيمة ~~إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا فيها -في نكاحها- وسنتها في إكمال الصداق، ~~وإذا كانت مرغوبا عنها في شوهتها، وقلة # PageV03P007 # مالها؛ تركوها وأخذوا غيرها من النساء. # قالت: فكما تتركونها حين ترغبون عنها؛ فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا ~~فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق. # وقيل: لما أنزل الله - تعالى -: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما. . ~~.) الآية ترك المؤمنون مخالطة اليتامى، وتنزهوا عنها؛ فشق ذلك عليهم؛ ~~فاستفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مخالطتهم، وكان يكون عند ~~الرجل عدد من النساء ثم لا يعدل ببنهن؛ فأنزل الله - تعالى -: (وإن خفتم) ~~الجور في مخالطة اليتامى؛ فكذلك خافوا جمع النساء وترك التسوية بينهن في ~~النفقة والجماع. # ثم من الناس من يبيح نكاح التسع بقوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) فذلك ~~تسع. # وأما عندنا: فإنه لا يحتمل ذلك؛ لأن معنى قوله - تعالى -: (مثنى وثلاث ~~ورباع): مثنى أو ثلاث أو رباع؛ لأنه قال: (مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة): استثنى الواحدة إذا خاف ألا يعدل بينهن، فلو كان ما ذكر؛ ~~لكان لا معنى لاستثناء واحدة منهن، ولكن يقول: وإن خفتم ألا تعدلوا " بين ~~التسع؛ فثمان، أو سبع، أو ست؛ فلما لم يستثن إلا واحدة دل أن التأويل ما ~~ذكرنا: مثنى أو ثلاث أو رباع، على الانفراد. # PageV03P008 # والثاني: ما ذكر في القصة: أنه كان عند الرجل عدد من النساء عشر أو أكثر ~~أو أقل، فخرج ذلك على بيان ما يحل من العدد، وذلك أربعة. # وروي أن رجلا أسلم وتحته ثماني نسوة، فأسلمن، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " اختر منهن أربعا، وفارق البواقي ". # والخبر في بيان منتهى ما يحل من العدد دون وجه الحل؛ فاحتمل أن يختار ~~أربعا على استقبال النكاح. # وقوله - عز وجل -: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. . .) الآية: قيل فيه ~~بوجوه: # أحدها: أنه قال: إذا خفتم الجور في كفالة اليتامى فاتقيتموها؛ فخافوا في ~~كفالة النساء؛ فلا تكثروا ms0900 منهن. # والثاني: أنكم إذا خفتم في أموال اليتامى؛ فتحرجتم ضم أموالهم إليكم؛ ~~إشفاقا على أنفسكم أن تأكلوا منها - فخافوا النساء مواقعتهن من وجه يحرم ~~عليكم؛ فانكحوهن. # والثالث: أنه إذا خفتم الجور في يتامى النساء لو تزوجتموهن من حيث ليس ~~معهن من يمنعكم من ظلمهن، فانكحوهن من غيرهن ممن إذا جرتم فيهن منعتم من ~~ذلك. # PageV03P010 # لكنه معلوم أن الحد في عدد النساء؛ لخوف الجور، وبما علم الله من عجز ~~البشر على ما جبل عليه، أخبر أنه لا يقوم بوفاء الحق في أكثر من ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) # ليس على الحكم والحتم؛ ولكنه أدب؛ لأنه وإن خاف ألا يعدل فتزوج أربعا - ~~جاز، وهو مثل الذي نهى -في الإصرار- المراجعة، وأمر بالقصد فيها والعدل، ~~فإن فعل ذلك أثم ورجعته صحيحة، وكذلك كالأمر بالطلاق في العدة، والنهي عنه ~~في غير العدة، ثم إذا طلق في غير العدة وقع؛ فكذلك الأول. # وقوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا): في القسم والجماع والنفقة. # (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) إن خفتم ألا تعدلوا في واحدة؛ لأنه ليس ~~للإماء قبل سادتهن حق الجماع والقسم؛ ينكح ما شاء؛ كأنه قال هذا؛ لما ليس ~~لأكثرهن غاية؛ فله أن يجمع ما شاء من الإماء في ملكه، وليس له أن يجمع ~~بالنكاح أكثر من أربع، ولو كان التأويل ما ذهب إليه لم يكن لقوله: (أو ما ~~ملكت أيمانكم) وجه. # وفيه إذن بتكثير العيال، مع ما أن كثرة العيال معدودة من الكرم؛ إذا أحسن ~~إليهم لم يحتمل أن يزهد فيه. # PageV03P011 # وقوله - عز وجل -: (ذلك أدنى ألا تعولوا): # قال بعض أهل العلم: إن قوله - تعالى -: (ألا تعولوا): من كثرة العيال، ~~وهو قول الشافعي - رحمه - الله تعالى - ولكن هذا لا يستقيم في اللغة؛ لأنه ~~يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة؛ فهو معيل، ولا يقال: عال يعول، ~~وإنما يقال ذلك في الجور. # فإن قيل: روي في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ابدأ ~~بمن تعول " لكن تأويله - والله أعلم ms0901 -: ابدأ بمن يلزمك نفقته، أي: ابدأ بمن ~~تصير جائرا بترك النفقة عليه، وكذلك يقال: عال يعول عولا؛ إذا أنفق على ~~عياله، وليس من كثرة العيال في شيء، ألا ترى أن على الرجل أن يبدأ بمن ~~يعول؛ فلو كان قوله: (ذلك أدنى ألا تعولوا) من العيال؛ لكان المتزوج واحدة ~~ذا عيال، وإن قول الله - تعالى -: (ألا تعولوا)، والمتزوج واحدة يعولها؛ ~~فدل بما ذكرنا أن قوله: (ألا تعولوا)، أي: لا تجوروا ولا تميلوا؛ على ما ~~قيل. # وعن عائشة - رضي الله عنها -: (ذلك أدنى ألا تعولوا): ألا تميلوا. # PageV03P012 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - مثله. # والعول: هو المجاوزة عن الحد؛ ولذلك سمي الحساب الذي ازداد على أصله ~~عولا؛ لمجاوزته الحد؛ فعلى ذلك العول هاهنا هو: المجاوزة عن الحد الذي جعل ~~له، وهو الجور. # وقوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة): ليس بشرط؛ ليتفق القول، ولأنه لا ~~وجه لمعرفة حد الخوف الذي يجعل شرطا للجواز، وكل عدل يخاف أدنى خوف، بل ~~جميع أمور الدين هي على الخوف والرجاء. # ولأنه يوجب جهل النساء بمن يحل لهن النكاح ويحرم؛ إذ لا يعرفن ذلك، ومتى ~~حرم عليه حرم عليها، ولا يحتمل أن يجعل للحل شرطا لا يوصل إلى حقيقته، ~~ولظهور الجور في الأمة على الإبقاء على النكاح؛ فضلا عن خوفه؛ كذا مع ما في ~~قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا. . .) الآية. دلالة ظاهرة، وكذلك في قوله: ~~(وإن امرأة خافت من بعلها) الآية، وقوله - تعالى -: (وإن خفتم شقاق بينهما) ~~(فإن خفتم ألا يقيما حدود الله). # * * * # قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا (4) ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ~~وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # وقوله - تعالى -: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). # PageV03P013 # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: نحلة -قال-: المهر. # وقيل: النحلة: الفريضة، أي: آتوهن فريضتهن. # وقيل: نحلة؛ أي: عطية، أي: تعطى هي لا وليها؛ وهو من النحلى. # وقيل: نحلة: من نحلة الدين، أي: من الدين أن تؤتوا ms0902 النساء صدقاتهن؛ ليس ~~على ما كانوا يفعلون في الجاهلية: يتزوجون النساء بغير مهورهن؛ ففيه أن ~~لأهل الكفر النكاح بغير مهر. # وقوله - عز وجل -: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا). # وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة ~~المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها. # وفي الآية -أيضا-: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن ~~بقوله: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا). # PageV03P014 # وفيه دليل -أيضا-: أن هبة الديون والبراءة منها جائزة؛ كما جازت هبة ~~المرأة مهرها وهو دين. # وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن الآباء في الجاهلية والأولياء كانوا يأخذون ~~مهور نسائهم؛ فأمرهم - عز وجل - ألا يأخذوا ذلك، وحكم بأن المهر للمرأة دون ~~وليها، إلا أن تهبه لوليها؛ فيحل حينئذ. # وقوله - عز وجل -: (فكلوه هنيئا): لا داء فيه، و (مريئا): لا إثم فيه. # وقيل: الهنيء: هو اللذيذ الشهي، الذي يلذ عند تناوله ويسر. # والمريء: الذي عاقبته. # ثم الحكمة في ذكر الهنيء والمريء هنا وجهان: # أحدهما: ما ذكر في الآيات من الوعيد بأخذه منها: يقول - عز وجل -: (فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا. . .) إلى قوله: (بعضكم إلى بعض)؛ لئلا ~~يمتنعوا عن قبول ذلك للوعيد الذي ذكر في الآيات. # والثاني: إن الامتناع عن قبول ما بذلت الزوجة يحمل على حدوث المكروه، ~~ويورث الضغائن؛ وذلك يسبب قطع الزوجية فيما بينهما. # وقيل: قوله - عز وجل -: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، يعني: بطيبة ~~أنفسكم: يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، ولكن آتوهن وأنفسكم بها ~~طيبة؛ إذ كان المهور لهن دونكم. # وقوله - عز وجل -: (فإن طبن لكم)، أي: ما طابت به أنفسهن من غير كره فهو ~~حلال. # PageV03P015 # وعن علقمة أنه قال لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة ~~دراهم من صداقها، ثم يشتري بها عسلا، ثم يشربه بماء السماء، فيجمع الله - ~~تعالى - الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك. ms0903 # وفي قوله - أيضا، عز وجل -: (فكلوه هنيئا مريئا) أن النفقة - وإن كانت ~~عليه - فهي إذا قامت بها في نفسها لا يحرج هو؛ لأن نفقتها عليها ليست بأعظم ~~من نفقته من مالها إذا تطيبت، ووصف بالهنيء المريء بما ربما يستثقل الطبع ~~عن مالها؛ كراهة الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد ~~الشديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه فتبذل له، أو بما يوهم الطمع في ~~مالها، والرغبة في النكاح لذلك؛ فطيبه الله - تعالى - حتى وصفه بغاية ما ~~يحتمل المال من الطيب. # وفيه بيان جواز معروفها، وترغيب في حسن المعاشرة بينهما حتى أبقى ذلك بعد ~~الفراق بقوله - عز وجل -: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح. . ~~.) الآية وذلك أحد ما يورث المحبة والمودة، أو يديمها؛ إذ جعل الله بينهما ~~بقوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها). # مسألة: في العبد لا ينزوج أكثر من اثنتين: # روي عن عبد الله بن عتبة - رضي الله عنه - أنه قال: قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -: " ينكح العبد اثنتين، ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة بحيضتين، ~~فإن لم تحض فشهر ونصف ". # PageV03P016 # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " لا يحل للعبد أن ينكح فوق اثنتين ". # وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: " يتزوج العبد اثنتين ". # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لابن مسعود - رضي الله عنه -: " ما يحل ~~للعبد من النساء؟ قال: " اثنتين "، قال عمر - رضي الله عنه -: " ذلك أرى ". # وعن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن ~~العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ فهؤلاء ستة نفر من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، ~~وابن مسعود، والفضل بن العباس، والأنصاري - رضوان الله عليهم أجمعين - ~~اتفقوا على أن العبد يتزوج اثنتين، ولا يتزوج أكثر من ذلك. # وأيضا عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0904 -: " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان ". # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " الأمة تطلق تطيقتين، وتعتد حيضتين ". # فإن احتج محتج بعموم الآية أن الله - تعالى - قال: (مثنى وثلاث ورباع)، ~~ولم يذكر عبدا ولا حرا؛ فهو على عمومه. # قيل: في الآية دليل أن الخطاب للأحرار، وهو قوله - تعالى -: (فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء)؛ فهو على من له النكاح بنفسه، والعبد يكون له النكاح ~~بغيره بقوله - عز وجل -: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم): فكان المخاطب بنكاح العبيد مواليهم، ليس له أن ينكح المرأة إلا ~~بإذن مولاه؛ ومولاه يزوجه إذا شاء بغير أمره، فإنما الخطاب لمن له أن يتزوج ~~إذا شاء؛ والعبد من ذلك خارج؛ ألا ترى أنه قال - عز # PageV03P017 # وجل -: (أو ما ملكت أيمانكم)؟! والعبد لا يملك ملك اليمين؛ فدل أن الخطاب ~~راجع إلى الأحرار دون العبيد. # فإن قيل: قد جعلتم للعبد أن يطلق الحرة ثلاثا، فجعلتم له من الطلاق مثل ~~الذي جعلتموه للحر؛ فيجب أن تجعلوا له من تزوج النساء مثل الذي يجوز للحر. # قيل: الفرق بينهما أن الطلاق عندنا بالنساء؛ لأن الحر يطلق امرأته الأمة ~~تطليقتين؛ فتحرم عليه؛ والتزويج بالرجال لا ينظر فيه إلى النساء، فللعبد أن ~~يتزوج النصف من تزويج الحر، كما أن عدة الأمة وطلاقها على النصف من عدة ~~الحرة، على ما روينا من الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حتى ~~يكون للعبد في امرأتين شيء نصف ما للحر من الأربع "؛ وروي عن الحسن أنه قال ~~في قوله - تعالى -: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني: الكفار. # وقيل: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم)؛ فيكونوا قياما عليكم، ولكن كونوا ~~أنتم قياما عليهم. # وقيل: لا تؤتوهم أموالكم؛ فيكونوا أربابا عليكم، وكونوا أربابا بأموالكم ~~عليهم. # ومن صرف التأويل إلى اليتامى جعل معنى قوله - عز وجل -: (أموالكم) و - ~~كقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)، وكقوله: (فسلموا على أنفسكم): يريد من ترونه ~~في البيوت؛ فعلى ذلك إضافة أموال اليتامى إلى الأولياء. # PageV03P018 # وقوله - عز وجل -: (ولا تؤتوا السفهاء ms0905 أموالكم ... (5) # فالسفيه -في الحقيقة- من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ ~~لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطى الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ~~ما جاء من الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب. ثم قد يسمى الجهال به؛ لما أن ~~الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه؛ فقوله - تعالى -: (ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم) يحتمل ذلك الوجهين. # وأي الأمرين كان ففيه التحذير للمعنى الذي بين من قوله: (التي جعل الله ~~لكم قياما): فإما إذا كانت قياما للمعاش أو للمعاد أو لهما، وطريق الإنفاق ~~في الوجهين والإمساك لهما التدبر، ومراعاة الشرع، وتعاهد الأسباب، والوجهان ~~جميعا يمنعان الوفاء بما جعلت له الأموال؛ فحذر من أنعم بها عن تضييع ذلك ~~بالتسليم إلى من ذكر، مع ما يكون في ذلك أن اتباع من يستحق أن يكون متبوعا ~~لمن حقه أن يجعل تابعا، وذلك خارج عن حد الحكمة، وما يحمده العقل. # ثم قد صرفت الآية إلى النساء بما جعل من إليه التدبير وهو الذي أنشأهن ~~تحت أيدي الرجال في الأمور، مع وصف الرجال أنهم قوامون على النساء. # وصرفت -أيضا- إلى الصغار بما ضمن حفظ أموال مثلهم الكبار، وجعلوا مكفولين ~~عند البالغين؛ فأموال البالغين أحق بذلك، وحقيقة السفه ما ذكرت. # وجائز أن يكون المقصود بالذكر -من ذكر الصغار والنساء بما خاطب من حذر ~~بالدفع إلى من ذكر- رزق أولئك وكسوتهم، ولا يجب رزق الجهال والسفهاء في ~~الأفعال على غيرهم؛ فيكون ما ذكروا أولى بمراد الآية، وإن كان للمعنى الذي ~~قصد بالآية التي ذكرتهم - قد استحقوا. # ولما غلبت تلك الأحوال على هؤلاء جعل من ذكرت قواما عليهم، وقد ذكرت عن ~~الحسن: أنه صرف الآية إلى الكفار؛ فكأنه تأول في القيام - القيام بأمر ~~الدين؛ والكفار لا # PageV03P019 # يجوز الاستعانة بهم فيه؛ وله جعل المال عنده مع ما كره العلماء تسليط ~~الكفار العقوبة؛ لجهلهم بحق شرع الإسلام فيها؛ فمثله دفع الأموال إليهم. # وقوله - عز وجل -: (التي جعل الله لكم قياما) # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (التي جعل الله لكم قياما)، يعني: ms0906 قوام ~~أمركم ومعيشتكم، وهو هكذا جعل الله هذه الأموال أغذية للخلق، بها يقوم ~~دينهم وأبدانهم. # وقوله - عز وجل -: (وارزقوهم فيها واكسوهم) # يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم. # وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم. # وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب ~~نفقة الولد وكسوته على الرجل. # وقوله - عز وجل -: (وقولوا لهم قولا معروفا) # PageV03P020 # قيل: عدة حسنة جميلة: سأفعل وسأكسو. # وقبل: مروهم بالمعروف، وانهوا عن المنكر. # وقيل: علموهم الأدب والدين، وقولوا لهم كلام البر واللين واللطف. # * * * # قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا (6) # وقوله - عز وجل -: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) # اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله - عز وجل -: (حتى إذا) حرف، " حتى " صلة؛ وتأويله: ~~وابتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح؛ وهو قول الشافعي، يجعل الابتلاء بعد ~~البلوغ. # PageV03P021 # ويحتمل أن يكون المراد بالابتلاء - قبل البلوغ؛ لوجهين: # أحدهما: أن يبتلي الأيتام قبل بلوغهم بأنواع العبادات والآداب؛ ليعتادوا ~~بها ويتأدبوا؛ ليعرفوا حقوق الأموال وقدرها، ويحفظوها إذا بلغوا؛ لأنهم إذا ~~ابتلوا بعد البلوغ لم يعرفوا ما عليهم من العبادات والفرائض وقت البلوغ، ~~وكان في ذلك تضييع حقوق الله وفرائضه؛ إذ لا سبيل لهم إلى القيام بها حتى ~~البلوغ، فأمر الأولياء والأوصياء أن يبتلوهم قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا، ~~بلغوا عارفين لما عليهم من العبادات والحقوق، حافظين لها؛ ألا ترى إلى ما ~~روي في الخبر أنه أمر الأب أنه يأمر ولده بالصلاة إذا كان ابن سبع، وأمر ~~بالضرب والتأديب إذا كان ابن تسع وبالتفريق في المضاجع، وهو من حقوق ~~الخلق؟! فهذا ليعتادوا، ويأخذوا الأدب قبل البلوغ، حتى إذا بلغوا عرفوا ما ~~عليهم، وهان القيام بها، وإذا لم يعودوا قبل ذلك يشتد عليهم القيام بإقامة ~~العبادات وأداء الحقوق؛ فعلى ذلك الأول. # ووجه آخر: أن يبتلي عقولهم بشيء من أموالهم ms0907 يتجرون بها، ويتقلبون فيها؛ ~~لينظروا: هل يقدرون على حفظ أموالهم عند حدوث الحوادث والنوائب؟ ففيه دليل ~~جواز الإذن في التجارة في حال الصغر؛ لأنه لا يظهر ذلك إلا بالتجارة. # وإن كان المراد بالابتلاء بعد البلوغ والكبر فهو -أيضا- يحتمل وجهين: # يحتمل العلم بها نفسه؛ ويحتمل العمل بها والعلم، ولا يضعوها في غير ~~موضعها. # وقوله: " إن حرف (حتى) صلة ": إنه لو جاز له أن يجعل هذا صلة، لجاز لغيره ~~أن يجعل الرشد صلة فيه؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول أن يجعل صلة. # ثم اختلف في قوله: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) # قال بعضهم: هو أن يصير هو من أهل الشهادة؛ فحينئذ يدفع إليه المال؛ فعلى ~~قوله يجيء أن ينتزع الأموال من أيدي الفساق؛ لأنه لا شهادة لهم؛ ومن قوله: ~~إن اليتيم من أهل الكفر لا يدفع إليه المال إلا بعد استئناس الرشد منه، فلو ~~كان شرط الرشد هو شهادة لكان الكافر لا يدفع إليه عنده؛ لما لا يقبل ~~الشهادة ما لزم الكفر على أحد؛ دل أن # PageV03P022 # الرشد ليس ما ذكر، ولكن ما قيل من العقل والحفظ لماله، والإصلاح فيها. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -: (فإن آنستم منهم ~~رشدا) قال: إذا أدرك بحلم وعقل ووقار. # وهو يقول -أيضا- في قوله - تعالى -: (منهم رشدا): إن الله - سبحانه ~~وتعالى - يقول: اختبروا اليتامى من عند الحلم، فإن عرفتم منهم رشدا في ~~حالهم، والإصلاح في أموالهم -: (فادفعوا إليهم أموالهم). # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " فإن أحسستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم # أموالهم ". # وفي حرف حفصة: " وابتلوا اليتامى في أموالهم حتى إذا بلغوا النكاح بعد ~~كبرهم ". # ثم لا يخلو منع الأموال منهم من أوجه ثلاثة: # إما أن يمنع؛ لفرط البذل والإنفاق، جودا وسخاوة، وحسن الظن بالله أنه - ~~عز وجل - يرزقهم ويعطيهم خلف نفقتهم، وهذا لا يحتمل؛ لأن هذا من أخلاق ~~الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - وسيرتهم؛ فلا يحتمل النهي عن ذلك. # أو يمنع؛ لغلبة شهوتهم، ولقضاء وطرهم وحاجتهم، ينفقون ms0908 الأموال؛ ليصلوا ~~إلى ذلك، فإنهم إن منعوا عن أموالهم يتناولوا من أموال غيرهم، ويتعاطوا ما ~~لا يحل ولا يحسن؛ فلا يحتمل أن يمنعوا لذلك. # أو أن يمنع عنهم الأموال؛ لآفة في عقولهم، ونقص في لبهم، فإن كان لهذا ما ~~يمنع أموالهم عنهم؛ فيجب أن يمنع أبدا، لا وقت في ذلك ولا مدة إلا بعد ~~ارتفاع ذلك وزواله عنهم، وهو الوجه، يمنع منه حتى يؤنس منه الرشد. # ثم جعل إدراكه وبلوغه بالاحتلام؛ لأن كل جارحة من جوارح الإنسان يجوز ~~استعمالها إلا الجارحتين منهما؛ فإنه لا يقدر على استعمالهما إلا هو، ~~إحداهما: الذكر، والأخرى: اللسان؛ فإن هاتين الجارحتين لا يمكن استعمالهما ~~إلا صاحبهما؛ فجعل # PageV03P023 # الاحتلام علما لبلوغه وإدراكه لذلك؛ ولهذا لم يعمل الإكراه عليهما، نحو ~~من أكره أعلى الزنا؛ فزنا؛ فإنه عليه الحد؛ لأن الإكراه لا يعمل عليه؛ ~~فإنما كان بفعل منه، إلا الوالي؛ فإنه إذا أكره آخر بالزنا ففعل لم يقم ~~عليه الحد؛ لما جعلنا ذلك كالعلم بالسبب الذي يحل؛ وكذلك لو أكره حتى وطئ ~~امرأة لزمه المهر، ولا يرجع على المكره. # ولو أكره على إتلاف مال من أمواله ففعل لرجع على المكره؛ للمعنى الذي ~~وصفنا؛ ولهذا ما وقع طلاق المكره ونكاحه وعتاقه؛ لأن هذه الأشياء إنما تقع ~~باللسان، واللسان مما لا يعمل عليه الإكراه؛ لذلك جاز، والله أعلم. # وأما البيوع والأشربة والعقود كلها سوى هؤلاء، تكون بالتسليم والقبض دون ~~النطق باللسان والتكلم بها، فالإكراه مما يعمل عليها؛ لما أمكن استعمالها ~~غيره؛ لذلك افترقا؛ ولهذا ما قلنا: إن الإيمان يكون بالقلب دون اللسان؛ ~~لأنه إذا أكره حتى يكفر؛ فأجرى كلمة الكفر على لسانه، وكان قلبه مطمئنا ~~بالإيمان -لم يكفر، فإذا اطمأن قلبه بالكفر- كفر؛ لأن الإكراه لا يعمل على ~~القلب، ولا يصير المكره مستعملا له، إنما المستعمل هو؛ لا غير؛ لذلك كان ~~الجواب ما ذكرنا. # ومعنى جعل الاحتلام بلوغا هو إمكان استعمال سائر الجوارح دونه -يعني: ~~الفرج- إلا بعد الكبر، وما كان المعروف من الآباء والأولاد، وما كان مما ~~يجري الأمر بابتغاء المكتوب ms0909 من الولد يكون بعد البلوغ، وبعيد ذلك، إلا في ~~الوقت الذي لو ابتغى لوجد ولقدر عليه، وليس ذلك إلا في خروج الماء للشهوة. # ثم يكون في المتعارف الاحتلام عن ذلك؛ فجعل علما له؛ ولذلك قيل: (حتى إذا ~~بلغوا النكاح) ثم فرق في حق الكتاب بين اللسان وغيره؛ من حيث لا يملك أحد ~~قهر لسان آخر حتى ينطق دون صاحبه؛ فبه يظهر سبب جري القلم من الإقرار ~~بالبلوغ وهذا معنى ما جعل سببه بما لا يعلمه غيره؛ ليكون أول أحوال البلوغ ~~وقوع قوله بحيث البلوغ، مع ما كان النطق فعل من يجري في جنسه الخطاب؛ وكأنه ~~اتصل أمره بالسبب الذي خص به # PageV03P024 # الممتحن من العقل؛ إذ كان العقل قد يعرف بالمحنة والاحتلام لا؛ فأمرنا ~~بالابتلاء من حيث العقول، ولم نؤمر من حيث الاحتلام، بل يقبل قوله في ذلك. # ودل قبول قول من بلغ بالإخبار عن احتلامه، وبه يجري القلم عليه، ويلزم ~~الحقوق - أن يقبله، يجوز في ذلك الوقت -وبخاصة على قول من يرى الابتلاء بعد ~~الإدراك- أنه لو لم يقبل فبم نبتليه؟ ثم إذا جاز قوله لزم كل أمر علق به، ~~وعلى ما ذكرت من أول ما علق به القول في حق البلوغ دليل اتصال حكم القول ~~بالعقل، وتمام العقل بالبلوغ؛ إذ به يجري القلم. # ودل ما ذكرت من امتناع اللسان عن سلطان غير صاحبه عليه - على لزوم كل حق ~~معلق به على الإكراه؛ إذ لا يلزم بغيره، وهو لا يجري عليه، ثم كل أمر يكون ~~لا به يصير اللسان سببا فيه كالمعلم عنه، وهو مما يجري عليه القهر، ويعلم ~~به؛ فيبطل، والله أعلم. # وقوله: (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا) # الإسراف: هو كل ما نهي عنه. # وقيل: الإسراف: هو أكل في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو ~~كقوله: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا)، وكان القتر مذموما، فعلى ذلك ~~الإسراف في النفقة في مال اليتيم. # وقوله - تعالى -: (إسرافا وبدارا)، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما ~~لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل ms0910 مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ ~~فيحول بينه وبين ماله. وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ولا تأكلوها إسرافا وبدارا خشية ~~أن يكبروا ". # PageV03P025 # وقوله - عز وجل -: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف) # أطلق الله - تعالى - لولي اليتيم - بظاهر الآية؛ إذا كان فقيرا - أن يأكل ~~بالمعروف من غير إسراف، وذلك هو الوسط منها، وكذلك روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن رجلا سأله، فقال: ليس لي مال، ولي يتيم؟ فقال: " كل مال ~~يتيمك غير مسرف، ولا متأثل مالك بماله " وفيه دليل أن الغني لا يجوز له أن ~~يأكل مال اليتيم، وأن الفقير إذا أكل منه: أنفق نفقة لا إسراف فيها. # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال ~~اليتيم: إذا استغنيت استعففت، وإذا احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الوصي إذا احتاج وضع يده مع ~~أيديهم، ولا يكتسي عمامة. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: في قوله - تعالى -: (ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف)، قالت: يأكل والي اليتيم من مال اليتيم؛ إذا كان يقوم له ~~على ماله، # PageV03P026 # ويصلح إذا كان محتاجا. # وقيل: يأكل قرضا ثم يرد عليه إذا أيسر، وهو قول ابن عباس، رضي الله ~~عنهما. # وقيل: (فليأكل بالمعروف)، أي: من مال نفسه، حتى لا يفضي إلى مال اليتيم. # وقيل: يأكل إذا كان يعمل له، ويقوم عليه. # وقيل: يأكل قرضا؛ ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: (فأشهدوا عليهم): أمر ~~بالإشهاد عليهم عند الدفع، ولو كان أمانة في يده لم يحتج إلى الإشهاد في ~~الدفع، ولكن يجوز أن يأمر بالإشهاد لا لمكان الوصي نفسه؛ ولكن لما يجوز أن ~~يحدث بينه وبين ورثة الوصي خصومة فيشهد؛ ليدفع تلك الخصومة عنهم. # وقيل: الأكل بالمعروف هو ما يسد به جوعه، ويواري عورته. # PageV03P027 # وقوله - عز وجل -: (وكفى بالله حسيبا) # قيل: شهيدا بما أخذ من ماله وأنفق. # ويحتمل قوله: (حسيبا) يحاسبه في الآخرة؛ ms0911 إذا لم يحاسبه اليتيم في الدنيا. # قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر ~~القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ~~معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (10) # وقوله - عز وجل -: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء ~~نصيب. . .) الآية. # يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - نزلت بسبب ما لم يكن يورث أهل ~~الجاهلية الإناث والصغار، ويجعلون المواريث لذوي الأسنان من الرجال، الذين ~~يصلحون للحرب، ويحرزون الغنيمة؛ فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعا. # ويقال: إن الآية نزلت في شأن رجل يقال له: أوس بن ثابت الأنصاري، توفي # PageV03P028 # وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه - وهما وصيان - فأخذا ماله، ولم ~~يعطيا امرأته ولا بناته شيئا؛ فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فشكت، وأخبرت بالقصة؛ فقال لها: " ارجعي في بيتك حتى أنظر ~~ما يحدث الله في ذلك ". فانصرفت؛ فنزل قوله - تعالى -: (للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان. . .) الآية. # وقيل: نزلت الآية في شأن امرأة سعد: أن سعدا استشهد بأحد، وترك ابنتين ~~وامرأة، فاحتوى أخ لسعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئا؛ ~~فاختصمت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبرته بالقصة؛ فقال لها: " ~~لم ينزل الله علي فيكم شيئا ". ثم نزلت الآية، فأخذ من عمهما ثلثي المال، ~~ورده إليهما، ودفع الثمن إلى المرأة، وترك البقية للعم. # والله أعلم أن فيم كان نزولها؟. # وفي هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين، كما للثلاث فصاعدا، ليس كما قال ~~بعض الناس: إن لهما النصف؛ لأن الله - تعالى - إنما جعل الثلثين للثلاثة. # ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا: # تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير؛ فيدخل كل ولد: ولد البنات، ~~وولد ms0912 البنين؛ لأنهم كلهم أولاده. # ويحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء؛ فيدخل ذوو الأرحام في ذلك، ~~فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك -وهم أولاد- دل أنه أراد النساء والرجال ~~جميعا، لا # PageV03P029 # الأولاد خاصة. # وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - عز وجل -: (للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .) إلى قوله: (مفروضا) أي: معلوما ~~بما أوجب في كل قبيل. # ثم قال في قوله: (نصيبا مفروضا)، قيل: ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهو ~~أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في ~~القرآن. # ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين: # أحدهما: حق العصبة، كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد، وحق أصحاب ~~الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة؛ ~~لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه، والذي فيه النص هو في ~~الأولاد والإخوة -خاصة- والوالد. # وقيل: يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات؛ فيكون منصوصا -أيضا- ~~ومدلولا عليه، ويؤيد هذا التأويل قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) ثم ~~بين: (من المؤمنين والمهاجرين) وأولئك هم البعداء الذين لهم أخوة الدين ~~والهجرة، فإذا بقي في الرحم أحد - لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم ~~على المؤمنين والمهاجرين بالرحم؛ لذلك هم أولى، مع ما للإمام صرف ذلك بحق ~~الإيمان إليهم؛ فيصير الدفع إليهم بحق الجواز، وإلى غيرهم شك عند قيامهم؛ ~~فالدفع إليهم أولى لوجهين: # أحدهما: عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها؛ دون إدخال حكم آية في حق ~~آخرين بلا ضرورة. # والثاني: الإجماع من الوجه الذي ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة - رضوان الله ~~عليهم أجمعين - والفتوى إلى يومنا هذا. # PageV03P030 # وقوله - عز وجل -: (وإذا حضر القسمة أولو القربى) قيل فيه بوجهين: # قيل: أراد بالقسمة: قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت. # وقيل: أراد به: قسمة الموصي وهو الإيصاء، يوصى ويبر لمن ذكر من الأقرباء ~~واليتامى والمساكين بشيء؛ فالخطاب للموصى. # ومن قال بقسمة المواريث: فالخطاب للورثة إن كانوا كبارا، يعطون ms0913 لهؤلاء ~~شيئا، # PageV03P031 # ويبرونهم بشيء؛ وإن كانوا صغارا يقول الوصي: لهم (قولا معروفا)، أي: يعد ~~لهم عدة حسنة إلى وقت خروج الأنزال، أو إلى وقت البيع إن باعوها. # ثم اختلف المتأولون فيها: # قال بعضهم: هي منسوخة. # وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # ومن قال: هي منسوخة، قال: نسختها آية المواريث: قوله - عز وجل -: (يوصيكم ~~الله في أولادكم. . .) الآية؛ لأنهم كانوا يوصون الأولاد والآباء والأمهات؛ ~~كقوله - عز وجل -: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين. . .) الآية. فنسخت آية المواريث وصية الموصي. # ومن قال: هي محكمة متقنة، وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد وغيرهم؛ لأنه ~~المعروف والبر والإحسان، وذلك مما لا يحتمل النسخ. # وقبل: إن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه، وعائشة حية، فلم يدع في ~~الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية: ~~(وإذا حضر القسمة. . .) الآية، فذكر ذلك لابن عباس - رضي الله عنه - فقال: ~~ما أصاب ليس ذلك له، إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم. # وقوله - عز وجل -: (فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا). # قيل: إذا كان المال كثيرا - رضخ وأعطى لهم شيئا، وإذا كان قليلا اعتذر ~~إليهم، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # PageV03P032 # وقيل: أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئا، وهو قول الحسن، ويقال ~~لهم: (قولا معروفا). # والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا: أن يعطى لهم إن كانوا كبارا -أعني: ~~الورثة- ويعد لهم عدة إن كان المال ضياعا إلى وقت خروج الأنزال والغلات، أو ~~إلى وقت خروج الثمر، أو يعطي الورثة إن كانوا كبارا ويعتذر إليهم الوصي إن ~~كانوا صغارا. # وقوله - جل وعز -: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم ... (9) # قيل: هو الرجل يحضره الموت، وله ولد صغار، فيقو له آخر: أوص بكذا، أو ~~أعتق كذا، أو افعل كذا، ولو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده؛ فخوف هذا ~~القائل بقوله: (فليتقوا الله)، ms0914 وأمر أن يقول له مثل ما يحب أن يقال له في ~~ولده بالعدل بقوله - عز وجل -: (وليقولوا قولا سديدا)، وهو قول ابن عباس ~~رضي الله عنه. # وقيل: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره: اتق الله، وأمسك عليك ~~لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توص من مالك، شيئا. # فنهي أن يقال له ذلك؛ لما لو كان هو الموصي، وله ورثة صغار ضعفاء، أحب ~~بألا يقال له ذلك؛ فكذلك لا يقول هو له. والأول أشبه. # وقوله: (وليقولوا قولا سديدا). # قيل: عدلا؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدين والوصية، ولا يجور في الوصية. # PageV03P033 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نهي من حضر منهم مريضا عند الموت أن ~~يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة، أو في سبيل الله؛ ولكن يأمره أن يبين ~~ما له وما عليه من دين أو حق. # وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا (10) # أي: استحلالا، فإذا استحل كفر؛، فذلك الوعيد له. # وقيل: (ظلما): أي: غصبا. # والأكل: هو عبارة عن الأخذ؛ كقوله: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) إنما ~~هو نهي عن أخذه، وكذلك قوله: (الذين يأكلون الربا)، وقوله: (وذروا ما بقي ~~من الربا) - إنما هو نهي عن قبض الربا؛ فعلى ذلك الأكل -في هذه الآية- ~~عبارة عن الأخذ والاستحلال. # ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب؛ إذ لله أن يعذب ~~من # PageV03P034 # شاء ممن ارتكب من عباده جرما، كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب. # وقيل: إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل نارا؛ لخبثه ~~ولشدته. # وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " ~~اتقوا الله في الضعيفين "؛ قيل: ومن هما يا رسول الله؟ قال: " اليتيم ~~والمرأة "؛ فإن الله أيتمه وأوصى به، وابتلاه وابتلى به. # وقيل في قوله: (فليتقوا الله وليقولوا): للميت إذا جلس إليه (قولا ~~سديدا)، أي: عدلا في وصيته ولا يجور، ms0915 ومن عدل في وصيته عند موته، فكأنما ~~وجه ماله في سبيل الله؛ فقال سعد بن أبي وقاص: فسئل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: كم يوصي الرجل من ماله؛ فقال: " الثلث، والثلث كثير، لأن تدع عيالك ~~أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ". ثم قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " إن الله - تعالى - تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في ~~أعمالكم عند وفاتكم ". # PageV03P035 # قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما ~~حكيما (11) # وقوله - عز وجل -: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) # قيل: قوله: (يوصيكم الله) أي: يفرضكم الله، وقد سمى الله - تعالى - ~~الميراث # PageV03P036 # فريضة في غير آى من القرآن بقوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب) ثم قال: (نصيبا مفروضا. . .)، وقال -أيضا- في آخر ~~هذه الآية: (فريضة من الله)، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب ~~أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ~~ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن الله - تعالى - أوجبه، والله أعلم. # وقيل: قوله: (يوصيكم الله في أولادكم)، أي: يبين الله في أولادكم. . . ~~إلى آخر ما ذكر. # وفيه نسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين)، ودليل نسخه ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله - تعالى - أعطى كل ذي حق حقه؛ ~~فلا وصية [لوارث] ". # ثم قيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد ~~والإناث في الميراث؛ وإنما كانوا يورثون الرجال ومن يحوز الغنيمة؛ فنزل ~~قوله: (للرجال ms0916 نصيب مما ترك. . .) الآية؛ فالآية في بيان الحق للإناث في ~~الميراث، وكذلك قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) فيه ~~بيان حق الميراث للذكور والإناث جميعا. # وقيل: تأويل هذه الآية ما بين في القرآن في ذوي الأرحام، وإن كانوا ~~مختلفين في سبب ذلك، وإن الآيات التي بعدها من قوله: (يوصيكم الله في ~~أولادكم) إلى آخر الآيات # PageV03P037 # التي فيها ذكر المواريث - فسر بها مبلغ النصيب الذي أوجبه الله للنساء ~~والرجال في الآية الأولى مجملا، وأجمعوا أن الرجل إذا مات وترك ولدا ذكورا ~~وإناثا؛ فالمال بينهم (للذكر مثل حظ الأنثيين). # ويحتمل قوله: (في أولادكم) - أولاد موتاكم، وهذا جائز في اللغة؛ لأنه لا ~~يجوز أن يفرض على الرجل قسمة الميراث في أولاده وهو حي؛ دل أنه أراد أولاد ~~الموتى. # أو يحتمل ما ذكرنا أنهم كانوا لا يورثون الإناث من الأولاد والصغار منهم؛ ~~فخاطب الجملة بذلك؛ لئلا يحرموا الإناث من الأولاد والصغار منهم. # وفي قوله -أيضا-: (يوصيكم الله في أولادكم)، أي: في أولاد من مات منكم؛ ~~إذ لا يحتمل خطاب الحي ما ذكر في ولده؛ فهذا إن كان تأويل " يوصي ": يفرض ~~أو يأمر. # وإن كان تأويل ذلك: يبين، فذلك جائز أن يخبر الحي ما بين الله في أولاده ~~بعد موته في ماله، وذلك يمنع الوصية؛ لأنه يزيل حق البيان، ولما يمكن رفع ~~القسمة وتحصيل الوصية على بعض لبعض، وذلك بعيد؛ إذ لا يملك في غيرهم. # ثم من الناس من رأي نسخ الوصية للوارث بقوله: (للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون. . .) الآية؛ لأن الآية أوجبت الميراث فيما قل أو كثر، ~~فلو كانت الوصية تجب للوالدين بقوله - تعالى -: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية. . .) الآية، لكان الميراث لا يجب فيما قل منه، ~~وإنما يجب فيما يفضل منه، لكن الآية إذا لم تمنع الوصية للأجنبي وهي تصرف ~~السهم المفروض إلى ما يفضل من الوصية؛ فمثله للوارث، لكن في الآية دلالة ~~على رفع الكتاب؛ إذ في الأولى أنها كتبت، فلما أوجب الحق ms0917 في كل قليل وكثير ~~لم يبق معه الفرض والوجوب، ولكن يجب الفضل، ثم كان حق الوالدين ومن ذكر بحق ~~اللزوم، وقد سقط ذلك، وبه كان يجوز، فلما سقط الحق جاء في الخبر أن " لا ~~وصية [لوارث] ". # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا ~~وصية [لوارث] "؛ فسقط الحق بالآية من الوجه الذي ثبت، والتنفل بقوله: " لا ~~وصية. . . ". # فمن هذا الوجه الذي ذكرت يسقط حق الوصية بالقرآن، لكن قد ذكر للمرأة لا ~~بحرف الوجوب بقوله: (متاعا إلى الحول)، ثم سقط -أيضا- بالخبر الذي # PageV03P038 # ذكرنا؛ إذ ليس في الآية ذكر المرأة بما ذكر فيها ميراث الأولاد ~~والأقربين، وقد بقي حق المتاع؛ إذ له أن يوصى لغير الورثة، لكن ذكر في ~~ميراث المرأة وصية، كقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية) من ~~الله، والوصية منه مكتوبة على ما للوالدين والأقربين، ثم أشرك الزوجين في ~~ميراث الوالدين والأقربين مما قل أو كثر، كقوله: " النصف " و " الربع " و " ~~الثمن " مما ترك. # وقد بينا أن الآية نسخت ما ذكرت فصارت ناسخة للأمرين جميعا، فهذا من جهة ~~الاستخراج في حق النسخ. # على أنه على مذهبنا: السنة كافية في بيان نسخ الحكم الذي، بينه الكتاب؛ ~~إذ هو بيان منتهى الحكم من الوقت، وقد جعل الله - تعالى - نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - بحيث البيان مما في القرآن. # وقوله - تعالى -: (للذكر مثل حظ الأنثيين): فيه دلالة أن المال كله للذكر ~~من الولد إذا لم يكن ثمة أنثى؛ لأنه جعل للذكر مثلي ما جعل للأنثى، وجعل ~~للأنثى النصف إذا لم يكن معها ذكر؛ بقوله - تعالى -: (وإن كانت واحدة فلها ~~النصف). # فدل أن للذكر من الولد إذا جعل له مثلي ما جعل للأنثى عند الجمع، إنما ~~جعل له ذلك بحق الكل، ففي حال الانفراد له الكل. # وقوله - تعالى -: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) # قال بعضهم: بين الحق لما فوق الثنتين، ولم يبين للاثنتين، ولهما النصف ~~الذي ذكر للواحدة، وهو قول ابن عباس، ms0918 رضي الله عنه. # PageV03P039 # وأما عندنا: فإن للاثنتين ما للثلاث فصاعدا؛ فيكون بيان الحق للثلاث ~~بيانا للاثنتين؛ لأن الله - تعالى - جعل حق ميراث الواحدة من الأخو. ات: ~~النصف؛ بقوله: (وله أخت فلها نصف ما ترك)، كما جعل حق الابنة النصف إذا لم ~~يكن معها ذكر بقوله - تعالى -: (وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس)، ثم جعل للأختين الثلثين بقوله: (إن لم يكن لها ولد فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك)، فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في ~~استحقاق النصف إذا كانت واحدة، واستحقاق الثلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدا؛ ~~فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلة بيان الحكم في الابنتين. قيل: ~~يفوق اثنتين اثنتان فما فوقهما. # وقيل: بين الكتاب الاستواء بين الابنة، الواحدة والأخت الواحدة؛ ليعلم ~~استواء حق الولد وولد الأب، ثم بين في الأخوات للثنتين الثلثان، وفي البنات ~~لما فوقهما؛ ليكون الذكر في الأختين دليلا على الابنتين، وفيما كثر من ~~البنات على ما كثر من الأخوات، وأيد ذلك أمر الاجتماع بين البنتين والبنات ~~-وإن كثروا- بالإخوة والأخوات -وإن كثروا- مع ما كان معلوما أن بنات الرجل ~~أحق من بنات أبيه؛ أيد ذلك أن بنات ابنه قد يرثن، وبنات ابن أبيه لا؛ فلا ~~يجوز أن تكون الأختان أكثر حقا من الابنتين. # وفي الأغلب أن يجعل لهن ميراث هؤلاء، وأيد ذلك أنه ما دام يوجد في ~~الأولاد من له فرض أو فضل - لم يصرف إلى أولاد الأب؛ ثبت أنهم بمعنى الخلف ~~من هؤلاء، وعلى ما ذكرت جاءت الآثار، واجتمع عليه أهل الفتوى. # وقوله - عز وجل -: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) # اختلف فيه: # قال بعضهم: أراد بالولد الذكور خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكل واحد منهما ~~السدس إذا كان الولد ذكرا، أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث. # وأما عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا. # وبعد: فإنه إن كان الولد -هاهنا- ذكرا وأنثى؛ فينظر: # PageV03P040 # إن كان ذكرا يكون لكل واحد من الأبوين السدس، والباقي للولد. ms0919 # وإن كان أنثى فلها النصف، وللأبوين السدسان، والباقي للأب؛ على ما جاء في ~~الخبر: " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر ". # وقالت الروافض: الباقي للابنة، ذهبوا في ذلك إلى أن الذي يقابل الابنة هو ~~الابن، والذي يقابل الأب هي الأم، فالذي يقابل الابنة هو أولى بإحراز ~~الميراث من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب؛ فعلى ذلك الذي يقابل الابن -وهي ~~الابنة- أولى بذلك من الذي يقابل الأم؛ وهو الأب. # وأما عندنا: فإن الأب أولى بذلك من الابنة؛ لأن للأب حقين: حق فريضة، وحق ~~عصبة: أما حق الفريضة بقوله: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس)، وأما حق ~~العصبة بقوله - عز وجل -: (وورثه أبواه فلأمه الثلث): جعل الباقي له؛ فذو ~~حقين أولى بذلك من ذي حق واحد، والابنة ليس لها إلا حق الفريضة؛ لذلك كان ~~الأب أولى. # وفي الخبر دلالة أن حكم الابنتين وما فوقهما سواء، وهو الثلثان: ما روي ~~عن جابر ابن عبد الله قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بابنتين إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، أصيب ~~معك يوم أحد، وقد أخذ عمهما مالهما وميراثهما، ولم يدع لهما شيئا إلا أخذه، ~~فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تنكحان إلا ولهما مال، فنزل قوله - تعالى ~~-: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)؛ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعم الجاريتين: " اعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، ولك ~~ما بقي ". # ثم في الآية دلائل: # PageV03P041 # أحدها: يخرج الخطاب على العموم، والمراد منه خاص؛ لأنه ذكر الأولاد، ~~والولد قد يكون على غير دينه؛ فلا يرث، وقد يكون مملوكا فلا يرث، على ما ~~روي في الخبر: " لا يتوارث أهل ملتين "، وما روي: " لا يرث المسلم الكافر ~~ولا الكافر المسلم إلا العبد مولاه "، وذلك في الحقيقة ليس بميراث، ولكن ما ~~للعبد يكون لمولاه. # وفي هذا دليل جواز الاستثناء من غير نوعه؛ حيث استثنى العبد، وذلك في ~~الحقيقة # PageV03P042 # ليس بميراث. # وفي الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ms0920 ميراث الابنتين ~~مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل ~~عليه غير # PageV03P043 # منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما ~~يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو ~~منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، ~~والاعتبار. # وفيه دليل أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله - تعالى - ~~(آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) إذ لم يبين أيهم أقرب نفعا؛ ~~دل قوله: (وورثه أبواه فلأمه الثلث)؛ إذ ذكر وراثتهما، ولم يبين حق الأب ~~أنه جعله عصبة يرد إليه الفضل. # فيظهر للأب بهذه الآية من قوله - تعالى -: (يوصيكم الله. . .) إلى آخرها ~~- أمران: # أحدهما: حق العصبة. # الثاني: حق الفرض بقوله: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان ~~له ولد) # ثم بعد هذا فيه أمران: # أحدهما: أنه إذا ثبت له حق العصبة، وقد بين الله - تعالى - نصيب الابنة ~~أنه النصف، ونصيب الأب مع الوالد أن له السدس؛ فزعمت الشيعة أن الفضل يرد ~~إلى الابنة؛ لأنها ولد، ولم يذكر له مع الولد إلا السدس. # وعندنا: يرد إلى الأب؛ لأنه لم يذكر للابنة إلا النصف، ثم قد جعل الأب ~~عصبة فيما له حق الفضل عن المفروض، ولم يجعل الابنة؛ لذلك كان الرد إلى ~~الأب أحق مع ما يحتمل إن كان له ولد ذكر، ثم حرمت الأم بالابنة؛ إذ هي تحرم ~~بالأخوات، فالبنات أحق؛ إذ هن أقرب. # والثاني: أنه إذ جعل للأب السهم من وجهين، ثم الذي له في أحد الوجهين صار ~~للجد دون أولاده، وبين لأولاد الأب الحق، وإبقاء حق الجد لما بين لولده؛ ~~فعلى ذلك ما له من الوجه الثاني وهو أولى؛ لأن حق العصاب يخرج على إلحاق ~~الأبعدين فيه بالأقربين، وحق الفرائض لا، حتى يبين، ثم صار الجد أبا في حقه ~~من الفرض إذا لم يكن هو فمثله في حق العصبة. # ثم فيه وجه آخر: أنه أتبع ذلك الذكر ذكر الزوجين، ms0921 وذكرهما مع الولد، ولم ~~يذكر معهما الولدان؛ فثبت أن أمرهما يدخل في حالهما فيما كان، لا في ~~حالهما، أي: الزوجين، وأيد ذلك قوله: إنه بقي حالهما مع الزوجين مع الولد ~~على ما كان عليه دون الزوجين معه؛ فعلى ذلك حالهما بلا ولد، وفي ذلك وجوب ~~صرف حقهما إلى ما فضل، كما ذكر في قوله: # PageV03P044 # (وورثه أبواه) فيكون الفضل بينهما على ما كان عليه بالكل لولا الزوجان. # وقوله: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) # اختلف في حكم الآية من أوجه ثلاثة: # قال بعضهم: لا يحجب الأم عن الثلث أخوان ولا أختان، حتى يكون ثلاثة؛ لأن ~~الله - تعالى - قال: (إخوة)، وأقل الإخوة ثلاثة، وهو قول ابن عباس، رضي ~~الله عنه. # وقال آخرون: يحجب الأم عن الثلث الذكور منهم، ولا تحجب الإناث؛ لأن الله ~~- تعالى - ذكر الإخوة، والإخوة اسم للذكور منهم دون للإناث؛ إذ الإناث اسم ~~على حدة وهو الأخوات؛ لذلك حجب الذكور ولم يحجب الإناث. # وأما عندنا: فإن الإخوة اسم للذكور والإناث جميعا في الحكم، وإن لم يكن ~~اسما لهما جميعا في الحقيقة؛ ألا ترى أن الله - تعالى - ذكر الإخوة، ثم جعل ~~بالتفسير اسما لهما جميعا بقوله: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء)، دل أن اسم ~~الإخوة يجمع الذكور والإناث جميعا في الحكم؛ لذلك حجب الأم عن الثلث ذكورا ~~كانوا أو إناثا. # وأما قولنا: بأن الاثنين يحجبانها عن الثلث: ما روي عن علي وعبد الله ~~وزيد بن ثابت أنهم قالوا: يحجب الأخوان الأم عن الثلث كما يحجبها الثلاثة. # PageV03P045 # وجعلوا الأخوين إخوة، والفرائض على اختلافها اتفقت في أن حكم الاثنين حكم ~~الأكثر؛ فكذلك في حق الحجاب، والله أعلم. # وحجة أخرى: وهي أن الله - تعالى - حكم في (الكلالة) إذا كان واحدا أن له ~~السدس، (فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث)؛ فجعل حكم الاثنين ~~والثلاثة واحدا يشتركون في الثلث؛ فوجب أن يكون حكم الاثنين والثلاثة من ~~الإخوة في حجب الأم عن الثلث سواء. # وحجة أخرى: وهي أن الله - تعالى - جعل للأختين من الأب ms0922 والأم الثلثين، ~~وسوى بين حكم الأختين والثلاث في الميراث؛ فعلى ذلك يجب أن يستوي حكم ~~الأخوين والثلاث في حجاب الأم عن الثلث. # ثم المسألة بيننا وبين الروافض: زعمت الروافض أن الإخوة من الأم لا تحجب ~~الأم عن الثلث؛ لأنهم منها، فمن البعيد أن يحجبوها، ويمنعوا ذلك عنها، ~~ويجعلون ذلك لغيرها، يضرون بالأم وينفعون غيرها؛ وقد قال - تعالى -: ~~(آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة). # والثاني: أن الحجاب قد يجوز أن يقع بمن يحصل له ما حجب عنها نحو الإخوة ~~من الأب والأم إذا حجبوا الأم عن الثلث وقع لهم ذلك، وأما الإخوة من الأم ~~فإن وقع لهم الحجاب لم يجعل لهم ذلك المحجوب منها؛ فلا يحتمل الحجاب بهم. # وأما عندنا: فإنه ليس لهم بحق القرب والبعد ما يحجبون، ولكن بحق الميت، ~~فإذا كان ما ذكرنا؛ فسواء كانوا من قبل الأم أو من قبل الأب في حق الحجاب. # والثاني: أن المواريث جعلت بحق الابتداء لا بحق المورثين؛ لما لا يحتمل ~~أن يختار المورث من هو أبعد على من هو أقرب، نحو من يموت عن ابنة وابن عم، ~~لا يحتمل أن يختار ابن العم على الابنة في النصف الباقي؛ دل أنه على ~~الابتداء. # ونقول في الإخوة في الأم: إنهم في الحجاب كالأخوة من الأب والأم، وإن كان ~~الحق # PageV03P046 # لغيرهم؛ لما أن الإخوة لما تفرقت حقوقهم ذكرت، وكذلك الأولاد، فلو كان ~~الحجاب يتفرق لكانت الحاجة إلى الذكر لازمة؛ إذ بعيد ترك الأمر للنظر فيما ~~لا أصل له في الأثر، ولا أصل له في هذا بالتفريق؛ بل قد جمع ذلك بين الإخوة ~~والأخوات، على ما في ذلك من اختلاف الحقوق؛ ثبت أن غير الحجاب من الحقوق ~~ليس بأصل له، والأصل أن ذلك لو كان على اعتبار الحق فهو بحق الميت، لا بحق ~~الأبوين؛ لأنه لم يعرف إيجاب حق ممن لا حق له، ولا حق لهم مع الأب؛ فبان ~~أنه بمعتبر حق الميت يقع الحجاب، والمعنى منه واحد، ولو كان حجاب الإخوة من ms0923 ~~الأب بالأب لكان الأب إذن حجب الأم، فإذا كان هو لا يحجب بأن أن ولدها لا ~~يحجبونها؛ إذ هو بحق الميت. # وقوله: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) # ذكر الله - تعالى - الوصية قبل الدين، وأجمع أهل العلم أن الدين يبدأ به ~~قبل الوصية والميراث. # روي عن علي - رضي الله عنه - قال: تقرءون الوصية قبل الدين، وقضى محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - بالدين قبل الوصية. # PageV03P047 # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " الدين قبل الوصية، والوصية قبل الميراث، ولا وصية لوارث ". # وأجمعوا أنه إذا قضى الدين - دفع إلى أهل الوصايا وصاياهم إلا أن تجاوز ~~الثلث فترد إلى الثلث؛ إن لم يجز الورثة، ويقسم الثلثان بين الورثة على ~~فرائض الله تعالى. # وليس معنى قول الله - تعالى -: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) - أن يخرج ~~الثلث، فيبدأ بدفعه إلى الموصى لهم، ثم يدفع الثلثان إلى الورثة؛ لأن ~~الموصى له شريك الورثة؛ إن هلك من المال شيء قبل القسمة ذهب من الورثة ~~والموصى له جميعا، ويبقى سائر المال بالشركة بينهم. # ولكن معناه: من بعد وصية إعلام أن الميراث يجري في المال بعد وضع الوصية ~~من جملته إذا كان الثلث أو دونه، وإن لم يكن دفع ذلك إلى أصحاب الوصايا، ثم ~~لم يذكر في الآية قدر الدين والوصية، ومن قولهم: إن الدين إذا أحاط بالتركة ~~منع الميراث والوصية، وإذا لم يحط لم يمنع. # والوصية تجوز قدر الثلث، ولا تجوز أكثر من الثلث، إلا أن يجيز الورثة. # PageV03P048 # والآية لم تخص قدرا من الدين دون قدر، وكذلك الوصية، لكن تفسيره ما روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الثلث والثلث كثير "، وما ~~روي في خبر آخر: " إن الله - تعالى - تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم ~~زيادة في أعمالكم لم يجعل له أكثر من ذلك "، وما روي في خبر آخر عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - وعمر وعثمان - رضي الله عنهما -: " الخمس اقتصاد، ~~والربع جهد، والثلث ms0924 حيف ". # ثم الوصية جوازها الاستحسان والإفضال من الله تعالى، والقياس يبطلها؛ ~~وذلك أن الله - تعالى - لم يملك الخلق أعين الأموال؛ وإنما جعل الانتفاع ~~لهم بها؛ ألا ترى أنهم نهوا عن إضاعتها، ولو كان أعين المال لهم لكان لا ~~معنى للنهي عن إضاعتها؛ دل أنه إنما جعل لهم الانتفاع فيها إلى وقت موتهم، ~~وبالموت ينقطع الانتفاع بها؛ فينظر من الأحق بها بعد الموت: الغريم صاحب ~~الدين، أو الوارث، وإلا جواز الوصية الإفضال من الله - تعالى - على عباده ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند ~~وفاتكم "؛ دل هذا الخبر أن جوازها الإفضال والاستحسان منه إلى عباده، والله ~~أعلم. # وقوله - تعالى -: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) -يدل على أن ما ليس بدين ~~ولم # PageV03P049 # يوص به الميت- فإنه لا يخرج من ماله، ويدخل عندنا في هذا الجنس: الحج ~~يكون على الرجل، والنذر، والزكاة، وأشباه ذلك، ليس بشيء منها دين، فإذا لم ~~يوص الميت بها فلا يجب أن تؤدى من التركة إلا أن ينفذها الورثة. # فإن قال قائل: هي دين كسائر الديون. # قيل له: أرأيت إن كان عليه دين وزكاة: يبدأ بالدين أو تقسم التركة بالحصص ~~إذا لم يف بذلك كله؟ # فإن قال: يبدأ بالدين؛ قيل له: لو كانت الزكاة دينا كديون الناس كانت في ~~القضاء. # فإن قال: أجعل الزكاة أسوة في القضاء مع الديون؛ قيل له: ما تقول في رجل ~~أفلس وعليه ديون: هل يقسم ماله بين غرمائه؟ # فإن قال: نعم؛ قيل: فإن كانت عليه زكاة هل يضرب لها بسهم؟ # فإن قال: لا؛ قيل: كيف ضربت لها بسهم بعد الموت لما قسمت ماله، ولم تضرب ~~لها بسهم في الحياة، إن كانت كسائر الديون بعد الموت؟! فيجب أن تكون كسائر ~~الديون في الحياة، إلا أن الزكاة حالة واجبة على من كان عنده مال فحال عليه ~~الحول فاستهلكه، وليس يجوز له تأخير قضاء الدين. وفي إقرارك أنك تبدأ ~~بالدين قبل الزكاة في الحياة دليل على أنه يجب أن يبدأ بالدين ms0925 قبل الزكاة ~~بعد الموت. # فإن قيل: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي سألت: هل تحج ~~عن أبيها؟: " أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيتيه ألم يجز عنه؟ " يدل على ~~أن الحج دين. # قيل له: ليس فيه دلالة الوجوب عليها؛ إنما فيه دليل جواز الحج عن الميت ~~وقبوله، إذن كان قضاء ما هو أوكد منه من ديون العباد قضاء صحيحا؛ فالحج ~~الذي هو دون ذلك # PageV03P050 # في التأكيد أحرى أن يقبل؛ كأنه أراد هذا، والله أعلم. # ودليل آخر: أن الزكاة لا تجوز أن تؤدى عن الميت إذا لم يوص بها؛ لأن ~~الزكاة لا تؤدى إلا بنية المزكي، والنية عمل القلب، ولا خلاف في أنه لا ~~يصلى عن الميت ولا يصام عنه؛ فلما لم يجز أن يقضى عن الميت على الأبدان، لم ~~يجز أن تقوم نية الورثة في أداء الزكاة مقام نية الميت. # قال الشيخ - رحمه الله تعالى - في قوله - عز وجل -: من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين) وظاهره أنه يقدم الوصية على الميراث، لكن أجمع أن الابتداء به عن ~~حق حد الميراث، ولكن يوزع؛ فيخرج التأويل على وجوه: # أحدها: أن قوله - تعالى -: (يوصيكم الله. . .) إلى قوله: (من بعد وصية) ~~-كأنه سوى، أي: سواء مالكم: أن توصوا، أوصاكم الله فيه- بكذا. # والثاني: أن يكون (من بعد وصية)، أي: من بعد ما أوصيتم، ويكون الميراث ~~بعد الإيصاء. # ويحتمل: من بعد أن كان عليكم الإيصاء والدين - أمركم بالمواريث؛ فيكون ~~فيه نسخ قول: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله)؛ فدلت ~~هذه الآية على حجر بعض الوصايا بقوله - عز وجل -: (غير مضار)، لكن يحتمل أن ~~تكون المضارة تبطل الفضل، ويحتمل ألا تبطل؛ كقوله - تعالى -: (ولا تمسكوهن ~~ضرارا) في الرجعة على إمضاء الرجعة على ذلك، لكن الإضرار في الرجعة # PageV03P051 # مقصود، وفي هذا مفضول، فيمكن التفريق بين الأمرين، فقال - عز وجل -: (تلك ~~حدود الله. . .) الآيتين، وأوعد جهنم على تعدي هذه الحدود، وفي ذلك لا ~~يحتمل مع جواز الفضل، وأيد ذلك ms0926 قوله: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح ~~بينهم فلا إثم. . .) الآية، ولو كان يجوز لكان لا يملك معه الإصلاح؛ فثبت ~~أن من الوصايا ما يبطل مع ما كان الله ذكر في المواريث: (فريضة من الله)؛ ~~فلا يملك إبطال فريضة الله، وبالإذن منه يجوز فعله؛ لذلك يبطل بعض وصاياه. # والأصل في ذلك أن الأموال أنشئت للأحياء؛ وخلقت لمنافع الأحياء، فكأنهم ~~ملكوا منافعها إلى انقضاء آجالهم، ثم صارت إلى من به ملكوها، يجعلها لمن ~~يشاء، ويضعها عند من يشاء. # وقد بين - عز وجل - أنها: لمن، ومن أحق بها؛ فصار الموصي كأنه أوصى بحق ~~من بين أن محقه فيه غيره، فإن تفضل الله عليه في ذلك من شيء، وإلا فذلك ~~كسائر الأملاك التي بينت أربابها، لم يكن لغيرهم فيها حق إلا بجعل الله أو ~~جعل من له؛ فعلى ذلك هذا قد جاء عن الله بيان هذه بعد أن بينت هذه الآيات ~~جعل الحق له إلى الثلث، فذلك له صدقة من الله - تعالى - وفي الفضل إن أجاز ~~المجعول له جاز، وإلا لا، والله أعلم. # فجعلت للوصية حدا، ولم تجعل للدين؛ لأن الدين مما يتصل بحوائجه في حال ~~حياته؛ إذ هو يلزم بالأسباب التي بها معاشه وغذاؤه؛ فصار مقدما على المتروك ~~في الحكم، وإنما جعلت المواريث في المتروك مع ما كان الغرماء أحق بملكه في ~~حياته بعجزه عن كثير من المعروف في مرضه بهم، فلو لم يكن لهم الحق لامتنعوا ~~من المداينات إلا بوثائق يكونون هم أحق بها بعد الوفاة من الورثة، أو ~~يمتنعون من المداينات، وفي ذلك تقصير القوت والأغذية عن مضي الأجل، وهو به ~~مأمور؛ فجعلت الديون كأنها استحقت الإملاك في حال الحياة؛ فلم تجئ منهم ~~التركة، وليس كالعبادات؛ لأنها تجب في الفضول عن الحاجات، والديون في ~~الأصول، فليست العبادات بالتي تمنع الوفاء بالآجال ولا كان بأربابها إليها ~~تلك الضرورات؛ فإنما هي بحق القرب، وهي عمل الأحياء، فإذا ماتوا زال ~~الإمكان، وجرت في الأموال المواريث، وكذا المعروف من الدين المذكور في ms0927 ~~القرآن من قوله - عز وجل -: (من بعد وصية يوصي بها # PageV03P052 # أو دين) - أن العبادات لا توصف بالديون، ولا تفهم من إطلاق القول ~~بالديون؛ فصارت بمعنى الفضل عن الوصايا والديون إلى أن يؤجل، وهو الحقيقة؛ ~~ألا يكون للمولى على عبده دين؛ فيكون المذكور دينا في الأفعال؛ كما ذكرت ~~العدات دينا في الأخلاق، لا في حقيقة الذمم، مع ما كانت هي لله، وقد جعل ~~الله له فريضة لأقوام بأعيانهم، لا تمنع عنهم إلا بالوصية، كما جعل للموصي. # وعلى أن العبادات لا تقوم إلا بالبينات، ولا تؤدى عن أحد في حياته إلا ~~بأمره، وإن احتمل قيام بعض منها عن بعض، وسائر الديون تجوز دونه؛ فعلى ذلك ~~بعد الوفاة، وإن كان كل ما يؤدى به فهو الذي حدث به الوصية، وقد جاء الحد ~~لها مع ما كانت العبادات لا تحتمل لحوق الأموات ولا الإيجاب عليهم في ~~أموالهم، ثبت أنها حقوق الحياة خاصة، والديون تحتمل، فهي حقوقهم في ~~الحالين. # ثم قد ذكر في الدين (غير مضار)؛ بل الدين أقرب إلى حرف الثنيا، ومعلوم ~~أنه لا يقع منه في الديون الظاهرة المعلومة مضارة بالورثة إن كان يقع، يقع ~~في الغرماء؛ إذ يؤخذ منه بلا إيصاء، ولا يحتمل النهي من حيث الغرماء؛ لما ~~فيه إلزام المكاسب في أوقات العجز لقضاء الديون؛ فثبت أن ذلك فيما لا يعرف ~~من الديون؛ وإنما يرجع فيها إلى قوله؛ فبطل بالذي ذكرته جواز إقراره على كل ~~حال لكل أحد؛ إذ لا ضرر يقع من حيث فعله فيرد، وقد بينا أن المضارة في هذا ~~تمنع الجواز؛ فثبت أن من الإقرار ما لا يجوز، فقال أصحابنا - رحمهم الله -: ~~لا يجوز إقراره لبعض الورثة وقت الإياس من نفسه؛ لأنه # PageV03P053 # وقت الإيثار، والسخاء بما عنده من المال، ولوقت السخاء ما أبطل وصيته ~~للوارث بما يخرج مخرج الإيثار، فنحن إذا أجزنا إقراره فيهن لنظره لم يمنع ~~الوصية أن ينتفع؛ بل يذهب الكل، وفي الأول لم يكن يذهب، والله أعلم. # ثم الأصل أنه أجيز في الكل بحق الأمانة، ms0928 ووصيته بحق الفضل ثم جعل في ~~وارثه كمن لا ملك له؛ إذ قد يقصد به التفضيل والتخصيص إلى القربة؛ فعلى ذلك ~~فيما خان في الأمانة يجعل كمن لا أمانة له لما يخرج، على ما بينا، وإسقاط ~~الأخبار؛ لتوهم من الأمناء أوجد في الأحكام، ومن إسقاط المعروف عن الأملاك، ~~والله أعلم. # وعلى ذلك فيما كانت عليه ديون ظاهرة قد يبقى الضرر بأهلها لبعض من له ~~بشأنه عناية، وفيما بينهما حقوق تحث على المعروف والصلة له وقت السخاء ~~بماله، وللعلم بأنه عن الانتفاع به عاجز؛ فيقر لهم ذلك بتهم في الحقوق التي ~~ظهرت، ثم كانت عبادات الأموال قد تقام عن الأموات بالأمر، ولا تقام عبادات ~~الأفعال لوجهين: # أحدهما: جواز بعض في أحد عن بعض النوعين فيما للعباد بلا أمر في الحياة، ~~ولا يجوز في الآخر؛ فمثله العبادات بالأمر. # والثاني: أن السبب الذي به تجب عبادات الأموال قد يجوز أن يوجب على نفر ~~بالتحول من ملك إلى ملك، وما له تجب عبادات الأفعال يجوز فعل ذلك حق القيام ~~بالأفعال، وعلى ذلك النيات؛ إذ ليست من الحقوق التي تتصل بالأموال في شيء ~~من الأمور لم يقم بها أحد عن أحد، لذلك لم يجز إلا بأمر؛ فيكون الأمر ~~بالأمر لما أمرنا به نادرا، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا). # اختلف فيه: # قال بعضهم: هذا في الدنيا، وهو أن يلزم الابن نفقة والده عند الحاجة ~~والقيام بأمره، والأب يلزم أن ينفق على ولده في حال صغره، وعند الحاجة ~~إليه، والقيام بحفظه، وتعاهده، فإذا كان ما ذكرنا لم يدر أيهما أقرب نفعا: ~~نفع هذا لهذا، أو هذا لهذا. # ويحتمل أن يكون قال: لا تدرون أنتم أي نفع أقرب إليكم: نفع الآباء أو ~~الأبناء، فإن كان التأويل ما ذكرنا؛ ففيه دلالة بطلان شهادة الوالد لولده، ~~وشهادة الولد لوالده؛ إذ # PageV03P054 # أخبر أن لهذا نفعا في مال هذا ولهذا نفعا في مال هذا، فإذا ثبت النفع لم ~~تقبل شهادة من ئنتفع بشهادته؛ ولهذا قال ms0929 أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا ~~يجوز للوكيل بالبيع أو الشراء أن يبيع من أبيه، أو ابنه، أو والدته؛ لما ~~ينتفع ببيعه منه وبالشرى منه. وكذلك قالوا: إذا اشترى من هؤلاء فليس له أن ~~يبيع مرابحة، إلا أن يبين؛ لأنه ينتفع به. # وقيل: هذا في الآخرة. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا)، يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء: أرفعكم درجة عند الله يوم ~~القيامة؛ لأنه - تعالى - يشفع المؤمنين بعضهم في بعض. # وقيل: قوله: (لا تدرون أيهم) أنتم في الدنيا (أقرب لكم نفعا)، يقول: أخص ~~لكم نفعا في الآخرة في الدرجات الوالد لولده، أو الولد لوالده؛ إذ هم في ~~الدنيا لا يدرون أيهم أقرب لصاحبه نفعا في الآخرة حتى يرجعوا في الآخرة ~~قال: فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله - تعالى - إليه ~~ولده في درجته؛ لتقر بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والده رفع الله ~~- تعالى - الوالدين إلى الولد في درجته؛ لتقر بذلك # PageV03P055 # أعينهم برفع الأسفل إلى الأعلى والأدون إلى الأفضل، وهو كقوله - تعالى -: ~~(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان)، يعني: بإيمان الآباء، (ألحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم)، يعني الآباء (من عملهم من شيء). # ويحتمل أن يكون هذا في الشفاعة، أو لا يدرى ما ذلك النفع وما مقداره. # أو يحتمل قوله: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا): ليس على حقيقة القرب؛ ~~ولكن على الكبر والعظم، وقد يتكلم بهذا كقوله: (وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها): ليس على أن آية هي أكبر من أخرى، ولكن على وصف الكل منها ~~بالكبر والعظم؛ فعلى ذلك قوله: (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) على وصف كل ~~منهم بالنفع؛ على الإعظام والإكبار، والله أعلم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (أقرب لكم نفعا)، أي: أوجب؛ كقوله: (إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين)، أي: واجب للمحسنين، وغيره من الآيات. # وقوله - عز وجل -: (فريضة من الله) # سمى الله - تعالى - المواريث فرائض؛ لأنه كان بإيجاب ms0930 الله - تعالى - لا ~~باكتساب من الخلق؛ إذ لم يملك الخلق أعين هذه الأموال، ولكنه إنما ملكهم ~~المنافع منها، وإلى وقت وفاتهم فإذا ماتوا صار ذلك المال للذي جعل الله له؛ ~~لذلك سمى فرائض. # وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) ببدو حالهم ومعاشهم ومصالحهم، وما يصلح ~~لهم وما لا يصلح (حكيما) فيما فرض من قسمتها وبينها. # والحكيم: هو المصيب واضع كل شيء في موضعه، والظالم: هو واضع الشيء في غير ~~موضعه. # * * * # قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد ~~فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون ~~بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى # PageV03P056 # بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # وقوله - عز وجل -: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان ~~لهن ولد. . .) إلى آخر ما ذكر: فيه مراد الخصوص، وإن كان مخرج الخطاب عافا؛ ~~لأن الزوج أو الزوجة إذا لم يكن على دين صاحبه وعلى وصفه لم يجز بينهما ~~التوارث؛ دل أن ليس لأحد الاحتجاج بعموم المخرج، على ما ذكرنا في الولد ~~والوالد والأم وغيرهم: أنه إذا لم يكن بعضهم على وصف بعض لم يجز بينهما ~~التوارث؛ دل أن عموم مخرج الخطاب لا يدل على عموم المراد، ثم الآية معطوفة ~~على ما سبق من الآيات؛ لأنها ذكرت بحرف العطف والنسق بقوله: (ولكم نصف ما ~~ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) والربع إن كان لهن ولد (ولهن الربع مما ~~تركتم إن لم يكن لكم ولد)، والثمن إن كان لكم ولد، فبين في الآية الأولى ~~ميراث الأب والأم وميراث الأولاد، ولم يبن ميراث الأزواج، ثم بين ms0931 في هذه ~~الآية؛ فنسق على الأول؛ دل أن الأزواج والزوجات إذا كانوا معهم فإن الحكم ~~لا يختلف فيهم، يكون للأم الثلث إذا لم يكن هنالك ولد ولا اثنان من الإخوة ~~والأخوات فصاعدا، والسدس إن كان له ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات يكون ~~لها مع هؤلاء ثلث ما بقي، حيث نسق هذه على السابقة. # وقوله - عز وجل - (وإن كان رجل يورث كلالة) # اختلف في الكلالة: # قال بعضهم: الكلالة: الميت الذي لا ولد له ولا والد. # PageV03P057 # وعن الحسن أنه قال: الكلالة: الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو الإخوة ~~والأخوات من الأب، ذهب في ذلك إلى ما ذكر في آية أخرى قوله: (يستفتونك قل ~~الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك. . .) ~~إلى آخر ما ذكر. والنصف إنما يكون للأخت من الأب والأم، أو الأخت من الأب، ~~وذلك تفسير الكلالة؛ دل أنها الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: الكلالة ما خلا الولد ~~والوالد. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لقد أتى علي زمان وما أدري ما ~~الكلالة، ألا وإن الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد. # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في خطبته: ألا إن الآية ~~التي أنزلها الله - تعالى - في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في ~~الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والمرأة، والإخوة من الأم، ~~والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة من الأب والأم، والآية ~~التي في سورة الأنفال في: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، ~~مما جرت في الرحم من العصبة. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كانت الكلالة بعضهم أقرب من ~~بعض بأب فهو ms0932 أحق بالمال. # PageV03P058 # وحديث عمر هذا يبين أن الكلالة، اسم يقع على الإخوة من الأم ويقع على ~~الإخوة من الأب، ويقع على الإخوة من الأب والأم، وهو ما ذكرنا في قول أبي ~~بكر الصديق وعمر - رضي الله عنهما - أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، ~~فكانوا يذهبون - والله أعلم - أن الأعمام وبني الأعمام يرجعون في النسب مع ~~الميت إلى جده، وقد تكللهم الجد، وكذلك الأخوال والخالات وأولادهم يرجعون ~~مع الميت إلى جده أبي أمه، وقد تكللهم أبو الأم؛ فسبيلهم في ذلك سبيل ~~الإخوة والأخوات الذين تكللهم الأب والأم، إلا أنهم لما كانوا أبعد في ~~النسب من الإخوة والأخوات لم يرثوا معهم، فأجمعوا أن معنى قوله - سبحانه ~~وتعالى -: (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت)، هو في الأخت من الأب والأم، ~~أو من الأب، إذا مات الرجل ولا ولد له ذكر ولا أنثى يعطى الأخت النصف ~~تسمية، فقال قوم من الشيعة: الآية تدل على أنه إن ترك ابنة وأختا أن المال ~~كله للابنة، ولا شيء للأخت؛ لأن الله - تعالى - جعل لها الميراث إذا لم يكن ~~له ولد؛ فسوى الذكر والأنثى من الأولاد. # وليس الأمر كما قالوا؛ لأنا إذا جعلنا للابنة النصف وجعلنا ما بقي للأخت ~~فلم نعطها ما أعطيناها بالتسمية؛ ألا ترى أنه لو كانتا أختين كان لهما ~~عندنا ما بقي، ولو جعلنا ذلك لهما تسمية، أعطيناهما الثلثين؛ لأن الله - ~~تعالى - جعل لهما الثلثين بالتسمية، وليس سبيل ما تأخذه الأخت بالتسمية لا ~~ينقص منها شيئا ما تأخذه من الباقي بغير تسمة؛ ألا ترى أن الله - تعالى - ~~جعل للأبوين السدسين مع الولد، فإن كانت ابنة وأبا فلها النصف، وما بقي ~~للأب، فقد أعطينا الأب أكثر مما سمى الله - تعالى - ولكنا لم نعطه الزيادة ~~بالتسمية؛ فلم يلزمنا الخلاف في زيادثه، فإن خالفونا في ذلك، قيل: قد سبق ~~لذلك جواب ما يدل على أن الأب بالباقي أولى من الابنة؛ لذلك لم نذكره في ~~هذا الموضع. # فإن قال: الابنة أولى بما زاد على النصف؛ لأن الله ms0933 - تعالى - قال: (وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض)؛ فكانت الابنة أحق بذلك من غيرها. # PageV03P059 # قيل له: أإن قوله - تعالى -:، (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله) - إنما أوجب أنهم أولى ببعض من الأجنبيين؛ بين ذلك قوله تعالى: (من ~~المؤمنين والمهاجرين)؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله ذلك، وجعل ~~الميراث لذوي القرابة. وليس في الآية دليل على أن القريب أولى بالميراث ممن ~~هو أبعد منه في القرابة، وقال الله - تعالى -: (وهو يرثها إن لم يكن لها ~~ولد)، يقول - والله أعلم -: الأخ من الأب يرث الأخت المال كله؛ إن لم يكن ~~لها ولد، وترث من الأخ النصف إذا كان هو الميت، وقال الله سبحانه وتعالى: ~~(فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك)؛ فأجمعوا أن الأختين وما زاد من ~~الميراث سواء. وقال الله - تعالى -: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ~~ترك)، فأجمعوا أن الرجل والمرأة إذا مات أحدهما وترك أخا وأختا فما زاد على ~~ذلك من الذكور والإناث كان الميراث بينهم: (للذكر مثل حظ الأنثيين)؛ فهذا ~~ما نص الله - تعالى - عليه في فرائض المواريث. # وقد تكلم أهل العلم في الرد، والعول، وميراث ذوي الأرحام: # فأما ميراث ذوي الأرحام: فإن الله - تعالى - قال: (وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض)، فمن زعم أن المال لبيت المال فلم يجعل بعض الأرحام أولى ببعض؛ ~~بل جعل الغرباء أولى بالميت من أولى الأرحام؛ فكان قول المورثين عندنا ~~أولى، وهو قول عمر، وعلى، وعبد الله بن مسعود، وجماعة من الصحابة - رضوان ~~الله عليهم أجمعين - إلا زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فإنه جعل ذلك لبيت ~~المال. # فإن قيل: إن قول الله - سبحانه وتعالى -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض) إنما هو فيمن سمى الله لهم سهاما. # قيل: في الخبر دليل أنه في غير الذين سمى الله لهم سهاما: ما روي عن عمر ~~بن # PageV03P060 # الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " الله ورسوله ولي من لا ولي له، والخال وارث ms0934 ~~من لا وارث له ". # وروي -أيضا- أن عمر - رضي الله عنه - قضى للخالة بالثلث، وللعمة ~~بالثلثين. # وعن زر بن حبيش، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قسم الميراث بين العمة ~~والخالة. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: الخالة والدة. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال في العمة والخالة: للعمة الثلثان، ~~وللخالة الثلث. # فأخذ علماؤنا في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن ~~الأجلة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وكان ذلك موافقا لظاهر ~~الآية وعمومها، وكان اتباع ذلك عندهم أولى من غيره. # فأما الكلام في العول: فإن ابن عباس - رضي الله عنه - كان ينكره، ويقول: ~~لا تعول # الفريضة. # وكان علي وعبد الله وزيد بن ثابت يقولون بعول الفرائض. # وروي عن الحارث قال: ما رأيت أحدا قط أحسب من علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - أتاه آت، فقال: يا أمير المؤمنين، رجل مات وترك ابنتيه وأبويه ~~وامرأته، ما لامرأته؟ قال: صار ثمنها تسعا. # وكان ابن عباس - رضي الله عنه - يكره أن ينقص الأب من السدس، وقد سمى ~~الله - تعالى - له السدس، ثم لم يمض على هذا الأصل؛ لأنه قال في الابنتين ~~وأبوين وامرأته: للمرأة الثمن، وللأبوين السدسان، وما بقي فللابنتين؛ فنقص ~~الابنتين مما سمى الله لهما، # PageV03P061 # فلم كانتا أولى بالنقصان كله من غيرهما؟ # وسائر الصحابة أدخلوا النقصان على كل وارث بقدر نصيبه؛ لئلا يلحق النقصان ~~على بعض، ويأخذ البقية كمال نصيبهم، وجعلوا ذلك كقوم أوصى لهم رجل بوصايا ~~تتجاوز الثلث إذا جمعت؛ فالحكم أن يقسم الثلث بينهم بالحصص، وكقوم صح لهم ~~دين على ميت، وتركته لا تفي بذلك؛ فهم جميعا أسوة: يلحق كل واحد منهم ~~النقصان بقدر حصته. # وأما الرد: فإن عليا - رضي الله عنه - وعبد الله - رضي الله عنه - قالا ~~به، على اختلافهما فيمن يرد عليه، وسبيل ذلك سبيل ذوي الأرحام؛ لأن ذا ~~الرحم بباقي المال أولى من الأجنبيين؛ بقول الله - سبحانه وتعالى -: (وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض)؛ فمن لا رحم له فلا ms0935 حق له غير سهمه. # وليس في الزوج والزوجة خلاف بين أهل العلم أنه لا يرد عليهما، ولأن في ~~الآية دليل الرد على غير الزوجين من أهل السهام ومنع الرد عليهما؛ لأنه - ~~عز وجل - ذكر للأبوين السدسين إذا كان له ولد، وسمى للأم الثلث إذا لم يكن ~~له ولد، ولم يسم للأب شيئا؛ فيرد الباقي عليه، وكذلك سمى للذكور من الأولاد ~~مع الإناث نصيبا بقوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، ~~ولم يسم لهم شيئا في حال الانفراد؛ فيرد الكل عليهم، ولم يترك للزوجين ذكر ~~تسمية سهامهما في حال؛ بل ذكر سهامهما في الأحوال كلها في حال الولد، وفي ~~حال الذي لا ولد له؛ فلذلك منع دليل الرد عليهما. # وقوله - عز وجل -: (غير مضار وصية من الله) ومرة: (فريضة من الله)؛ حتى ~~يعلم أنهما واحد. # ثم ذكر المضارة في ميراث الإخوة والأخوات، ولم يذكر في الولد والوالد ~~والزوج والزوجة؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجهين: # يحتمل: أنه ذكر في هذا أنه بهم ختم المواريث؛ فتكون تلك المضارة كانت ~~كالمذكورة في الأولاد، أو الوالدين والأزواج؛ إذ بذلك ختم. # ويحتمل: أنه ذكر هاهنا المضارة ولم يذكر فيما ذكرنا؛ لما في الطبع يقصد ~~الرجل إلى مضارة الأخ والأخت ومن بعد منه، ولا يقصد في المتعارف إلى مضارة ~~الآباء والأولاد ومن ذكرنا، فإذا جاء النهي في مضارة من يقصد في الطبع - ~~بقصد الرجل - مضارته؛ فلان ينهى عنها فيما لا يقصد بالطبع أحق. # PageV03P062 # ثم بيان المضارة في الوصية ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " الثلث، والثلث كثير " وقوله: " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون "، وما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الرجل ليعمل عمل الخير ستين سنة، ~~فإذا أوصى خان في وصيته، فيختم له بشر عمله؛ فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل ~~عمل أهل الشر ستين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة " ~~ثم ms0936 يقول أبو هريرة - رضي الله عنه -: اقرءوا إن شئتم: (تلك حدود الله ومن ~~يطع الله ورسوله. . .) إلى قوله: (عذاب مهين) # وما روي: " الثلث حيف ". # وما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الإضرار في الوصية من ~~الكبائر، ثم قرأ (تلك حدود الله. . .) إلى آخره، قال: في الوصية. # وقوله - عز وجل -: (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه). # ثم الإضرار قد يكون -أيضا- إذا أوصى لوارث ولم يوص للباقين؛ لأنه أضر به ~~بالوصية لبعض ورثته الباقين؛ فلا فرق بين أن يضر بعض الورثة وبين أن يضر ~~الورثة كلهم؛ ففيه دليل بطلان الوصية لبعض الورثة دون بعض. # ثم الإضرار قد يكون بالدين على ما يكون بالوصية؛ لأنه إذا أقر المريض ~~لبعض الورثة بدين، فإن إقراره لا يجوز كما لا تجوز وصيته، والإقرار بالدين ~~أحق ألا يجوز من # PageV03P063 # الوصية؛ لأن الإقرار في المرض جوازه بحق الأمانة؛ إذ يجوز جواز الشهادة، ~~والشهادة أمانة، والوصية جوازها بحق الملك؛ فإذا بطلت الوصية لوارثه ~~فإقراره له في المرض أحق أن يبطل؛ وعلى ذلك إذا كان عليه دين في الصحة، ~~فأقر بدين في المرض؛ فغرماء الصحة أولى بدينهم من غرماء المرض؛ لأن في ذلك ~~إضرارا بغرماء الصحة؛ لأن دينهم قد تعين في ماله، وتحول من الذمة إلى ~~التركة؛ ألا ترى أنه ليس له أن يقضي غريما دون غريم! فإذا كان ما ذكرنا - ~~لم يكن له قسمة المال بين غرماء الصحة وبين من أقر لهم بالدين في المرض؛ إذ ~~فيه الإضرار بهم؛ إذ قد تعين حقهم؛ فلا فرق أن يكسب الضرر على الوارث وبين ~~أن يكسب الضرر على الغرماء. # وإذا باع شيئا بقيمته في المرض أو استقرض؛ فإنه يجوز ويبدأ به؛ لأنه يعمل ~~للغرماء؛ إذ يقضي ديونهم مما أخذ. # وإذا تزوج أو استأجر فيكون أسوة الغرماء؛ لأنه لم يعمل لهم، إنما يعمل ~~لنفسه، وليس فيه اكتساب الضرر على الغرماء، فيكون أسوة، ثم إذا أضر لم يجز، ~~ويرد ذلك الضرر ويفسخ. # فإن قيل: إن الرجل ms0937 قد ينهى عن الإضرار في نفسه وماله، ولو فعل يجوز. # قيل: إن الإضرار إذا حصل في ملكه أو في نفسه - ينهي ويجوز؛ لأنه لم يضر ~~غيره، وإذا حصل في ملك غيره لم يجز ورد، وهاهنا إنما حصل في ملك الورثة ~~والغرماء؛ لذلك بطل، ولا يوصي بأكثر من الثلث، ولا يوصي لوارث، ولا يقر بحق ~~ليس عليه مضارة للورثة. # وقوله - عز وجل -: (وصية من الله) # يحتمل قوله تعالى: (وصية من الله)، أي: الذي نهي عن المضارة وصية. # ويحتمل: الذي فرض عليكم من المواريث؛ وصية من الله وفريضة منه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله عليم). # بمن ضار الوارث، وزاد على الثلث، وبمن لم يضار. # (حليم) # لا يعجل بالعقوبة على من ضار. # ويحتمل العليم والحليم أن يكونا سواء؛ لأن ضد (حليم) سفيه، وكذلك الحليم. # PageV03P064 # قوله تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ~~ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) # وقوله - عز وجل -: (تلك حدود الله) # قيل: فرائض الله التي أمركم بها من قسمة الميراث. # ويحتمل (تلك حدود الله): ما حد لنا حتى لا يجوز مجاوزتها، وقد تقدم ذكرها ~~في سورة البقرة. وذكر حدود الله، وقد يجوز أن يكون للخلق حدود، يقال: حد ~~فلان؛ فإذا لم يفهم من حدود الله ما فهم من حد الخلق كيف فهم من قوله: ~~(استوى على العرش)، و (استوى إلى السماء) ما فهم من استواء الخلق؟! فإذا لم ~~يفهم من حدود الله ما فهم من حد الخلق - لم يجز أن يفهم من استواء الله ما ~~يفهم من استواء الخلق، وكذلك لا يفهم من رؤية الرب ما يفهم من رؤية ~~المخلوق، ولا يفهم من مجيئه مجيء الخلق، ولا من نزوله نزول الخلق، على ما ~~لم يفهم من قوله - تعالى - (تلك حدود الله) حدود الخلق؛ إذ لا فرق بين هذا ~~وبين الأول. # وقوله - عز وجل -: (تلك حدود الله) يحتمل وجهين: # أحدهما: أوامره ms0938 ونواهيه، وما حرم وأحل. # ويحتمل: حدود شيء من ذلك؛ فيرجع تأويل الأول إلى أنفس العبادات، والثاني: ~~إلى نهايات العبادات. # والمعروف من الحدود التي تنسب إلى الخلق وجهان: # أحدهما: نهاية المنسوب إليه، وذلك حق حد الأعيان. # والثاني: الأثر الذي يضاف إليه، وذلك حد الصفات أن يقال: حد الفعل فعل ~~كذا، وحد البصر والسمع، يراد به الأثر الذي به يعرف، أو هنالك ما ذكر، ثم ~~لم تكن الحدود التي أضيفت إلى الله - سبحانه وتعالى - على واحد من الوجهين ~~اللذين يضافا إلى الخلق؛ إذ قد ثبت بضرورة العقل وحجج السمع تعاليه عن ~~المعاني التي هي معاني خلقه؛ فعلى ذلك ما أضيف إليه من طريق العقل من ~~الاستواء، والمجيء، والرؤية - لم يجز في ذلك تصوير المعنى الذي في إضافة ~~ذلك إلى الخلق يكون بما في ضرورة العقل والسمع جلاله وكبرياؤه عن ذلك ~~المعنى، وبالله العصمة. # PageV03P065 # وقوله - عز وجل -: (ومن يطع الله ورسوله). # قيل: من يطع الله في أداء فرائضه أوسنة رسوله. # (يدخله جنات. . .) إلى آخر ما ذكر. # وقيل: ومن يطع الله فيما أمر ونهى، وأطاع رسوله في أمره ونهيه؛ فله ما ~~ذكر. # وقيل: إذا أطاع الله فقد أطاع رسوله، وإذا أطاع رسوله فقد أطاع الله - ~~تعالى - وهو واحد، كقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقوله: (ومن يطع ~~الله) - تعالى -: فيما أمر ونهي، وحرم وأحل، (ورسوله): فيما بلغ وبين. # وقيل: ذا ليس بتفريق، لكن من الذي يطيع الله هو الذي يطيع رسوله؛ لأنه ~~إلى طاعة الله - تعالى - دعاه، وعلى عبادته رغب؛ فتكون طاعته طاعته، كقوله ~~- تعالى -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وكقوله - سبحانه -: (إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني. . .) الآية. # وقوله - تعالى -: (ومن يعص الله ورسوله ... (14) # وهذا كذلك -أيضا- إذا عصى الله؛ فقد تعدى حدوده، ومن تعدى حدوده فقد عصى ~~الله. # ويحتمل قوله: (ومن يعص الله ورسوله): فيما لم ير أمره أمرا ونهيه نهيا، ~~(ويتعد حدوده)، يعني: أحكامه وشرائعه، أي: لم يرها حقا -: # (يدخله نارا خالدا فيها) # وله ما ذكر. # * * * # قوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة ms0939 من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ~~(15) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله ~~كان توابا رحيما (16) # وقوله - عز وجل -: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم)، (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما) # قيل: كان هذان الحكمان في أول الإسلام: الأول منهما للمرأة، والثاني ~~للرجل. # PageV03P066 # وقيل: إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس ~~المرأة. # ويحتمل أن تكون آية الأذى في البكر في الرجل والمرأة جميعا، وآية الحبس ~~في الثيب في الرجل والمرأة جميعا. # ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصة: فيما يأتي الذكر ذكرا؛ على ما ~~كان من فعل قوم لوط، وآية الحبس في الرجال والنساء جميعا. # فإن كانت آية الأذى في الرجال خاصة؛ ففيها حجة لأبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- حيث لم يوجب على من عمل عمل قوم لوط الحد؛ ولكن أوجب التعزير والأذى، وهو ~~منسوخ إن كان في هذا، وإن كانت في الأول؛ فهي منسوخة. # ثم اختلف بما به نسخ: # فقال قوم: نسخ بقوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة)، # لكن عندنا هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما؛ فكيف يكون به النسخ؟! ولكن نسخ ~~عندنا بالخبر الذي روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذوا ~~عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر، والثيب بالثيب، البكر ~~يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم ". ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة. # فإن قيل: في الآية دليل وعد النسخ بقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا)؛ ~~فإنما صار متسوخا بما وعد الله في الآية من النسخ، لا بالسنة. # قيل: ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا والوعد فيه النسخ، وإن ~~لم يكن مذكورا؛ لأن الله - عز وجل - لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ؛ ~~لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية؛ فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين ~~أن ينسخه ms0940 بوحي يكون قرآنا يتلى وبين أن ينسخه بوحي لا يكون قرآنا، وفيه ~~أخبار كثيرة: # روي أنه رجم ماعزا لما أقر بالزنا مرارا، ورجم -أيضا- غيره: ما روي أن ~~عسيف الرجل زنا بامرأته، وقال: سأقضي بينكما بكتاب الله تعالى، وقال: " ~~واغد يا أنيس على # PageV03P067 # امرأة هذا، فإن هي اعترفت فارجمها ". # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائله: ~~ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم ~~حق إذا أحصن الرجل، وقامت البينة، أو اعترف، وقد قرأناها: " الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله "، رجم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ورجمنا بعده. # وقال قوم: الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية، ~~ولما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنه رجم يهوديين ". # قيل: إنما رجم بحكم التوراة؛ ألا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة، ودعا ~~علماءهم فأمرهم أن يقرءوا عليه؛ فوضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر ~~الرجم فقرءوا غيره؛ فقال ابن سلام: إنهم كتموه يا رسول الله، ثم قرأ هو؛ ~~فأمر برجمهم، ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة؛ لذلك لم يقم عليهم الرجم. # فإن قال قائل: إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله - تعالى -: ~~(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)، # قيل: لا يحتمل وجوب الحد عليه بذلك؛ لأنه مختلف حكم هذا من هذا في ~~الحرمة، ووجوب المهر؛ وغير ذلك، فلا يحتمل أن يعرف حكم شيء لما يخالفه في ~~جميع أحكامه وجميع الوجوه. # وقوله - عز وجل -: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) -: في الآية دليل ~~جواز القياس؛ لأنه ذكر الحكم في النساء، ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم، ~~وهما لا يختلفان في هذا الحكم؛ ما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل ~~مثله؛ دل أن ما ترك ذكره في المنصوص إنما ترك؛ للاستدلال عليه، والاستنباط ~~من المنصوص والانتزاع منه. # PageV03P068 # وقال قوم: إن على الثيب الجلد والرجم جميعا؛ ذهبوا في ذلك ms0941 إلى ما روي عن ~~عبادة ابن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " خذوا عني خذوا ~~عني؛ قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر يجلد وينفى، والثيب بالثيب يجلد ~~ويرجم ": أوجب الجلد والرجم على الثيب أما عندنا: فإنه لا يوجب مع الرجم ~~الجلد؛ لما روينا من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه رجم ~~ماعزا، ولم يذكر أنه جلده، وما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها ": لم يذكر هنالك ~~جلد، والأخبار كثيرة في هذا. # وروي أنه قال: " من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله الذي ~~ستره عليه، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله ". # ثم يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الثيب بالثيب يجلد ويرجم " في ~~اختلاف الأحوال: يجلد في حال، ويرجم في حال، أو يجلد ثيب ويرجم آخر؛ لأنه ~~لا كل ثيب يرجم؛ لأنه إذا كان ثيبا غير محصن لا يرجم؛ دل أنه على ما ذكرنا. # أو يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " البكر بالبكر يجلد وينفى، ~~والثيب بالثيب "، أي: البكر مع البكر، والثيب مع الثيب؛ فيكون ثيبا يجلد ~~وثيبا آخر يرجم. # ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر: # قال قوم: النفي ثابت واجب. # وعندنا: إن كان فهو منسوخ، ودليك نسخه: ما روي في خبر زيد بن خالد، وكان ~~الرجل بكرا، لم يذكر أنه نفي. # وما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه نفى رجلا؛ فارتد ولحق ~~بالروم؛ فقال: لا أنفي بعد هذا أبدا. # وما روي أنه قال: كفى بالنفي فتنة. # PageV03P069 # وإن كان فهو عقوبة وليس بحد؛ كحبس الدعارة وغيره. # والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله - سبحانه وتعالى - قال في الإماء: ~~(فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، والأمة ~~لا تنفي؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه، قال: " إذا زنت ~~أمة أحدكم فليجلدها، ثم إذا زنت فليجلدها، ms0942 ثم إذا زنت فليبعها ولو بضفير ": ~~أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي، ولو كان حدا لأمر به كما أمر بالجلد؛ دل أنه ~~ليس بحد في الحر، ولأنه أوجب على الإماء نصف ما أوجب على الحرائر، ولا نصف ~~للنفي؛ دل أنه ليس بحد، ولا يجب ذلك، أو إن كان فهو حبس، وفي الحبس نفي، ~~فيحبسان أو ينفيان؛ لينسيا ما أصابا؛ لأن كل من رآهما يذكر فعلهما؛ فينفيان ~~لذلك، لا أنه حد؛ ولكن لينسبا ذلك ولا يذكر. # وقوله -أيضا-: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم. . .) إلى قوله - تعالى ~~-: (فإن تابا وأصلحا)، - يخرج على وجهين - لو كان الإتيان الزنا: # أحدهما: أن يكون في جميع الإناث الحبس، وفي الذكور: الإيذاء؛ ولذلك جمع ~~بين # PageV03P070 # الجميع في الخبر الذي به النسخ؛ فارتفع الحبس والأذى جميعا، وذلك معقول: ~~تأديب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنا. # أو أن تكون الآية الأولى: في المحصنات؛ على تضمن المحصنين بالمعنى، ~~والآية الثانية: في الذكور؛ على تضمن الإناث بالمعنى، لكن جرى الذكر على ما ~~ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث: إما تدينا، أو حياء الافتضاح، أو بما ~~الغالب عليهن الصون من المحارم، والحفظ عن قرب الذكور، ليس بشيء من ذلك في ~~الذكور ولا في الثيبات من النساء، على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء ~~إلى أن يعلن حتى يشهده أربع، والغالب عليهن ألا يخالطن هذا القدر من العدد. # ثم الدلالة على دخول الكل - قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا. . . ": ذكر لهن؛ على ما جرى به الذكر في ~~القرآن، ثم جمع في التفسير بين الكل؛ ثبت أن الذكر قد يضمن الكل، وذلك يبطل ~~تأويل من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور، ومتى يحتمل وجود الكل ~~مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة ~~الدائمة، والعار اللازم لهن، ثم كشف ذلك لجميع محارمها، ثم خوف الانتشار به ~~ظاهرا، وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى تمكن ms0943 من ذكر بحضرة من ذكر دون أن ~~ينضم إلى زوجها؟ # فتأويل من وجه الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف. # ثم المروي من السنة، ثم بما أجمع عليه أهل التأويل عمل صاحبه على هذا ~~جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينه الكتاب بالسنة، ويحكم على الله - تعالى - ~~وعلى رسوله بحجر هذا النوع. # وقوله - عز وجل -: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم فإن شهدوا. . .) الآية، ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة، ~~فكأن الخطاب عليهم خرج، ثم قد أثبت الفاحشة منهن، ولم يأذن في إقامة ~~عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدون بها؛ فعلى هذا أن ليس للأئمة تولي حد ~~الزناة بعلمهم حتى يكون ثم شهود، وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهي ~~إليه من إعلان الفعل من الزناة؛ إذ ذلك أمر معلوم فيما يحل ألا يفعل إلا في ~~أحوال الخلوات التي تعلم حقيقة ذلك بالولد يكون، فأما # PageV03P071 # من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن، فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث ~~لا يعلم حقيقته أبدا؛ يدل على ذلك جميع الأمور التي منها المباح أو ~~المحظور: أن المحظور منه أبعد من الظهور والعلم به من المباح؛ فعلى ذلك أمر ~~هذا مع ما زيد هاهنا ما جعل فيه من حد الزاني وجهين: # أحدهما: الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك؛ ~~بما هتك ستر الله. # والثاني: فحش الشين بفاعل ذلك، ولزوم المسبة في صاحب ذلك، وذلك غاية معنى ~~لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من ~~أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من أبدى لنا صفحته ~~أقمنا عليه حد الله ". فإذا بلغ العمل الذي حده ما ذكرت من العقوبة، من ~~نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى أظهر ذلك الجماعة بفعل من يشينه فعله ~~ما ذكرت، استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك بحله، وبقلة حيائه، حيث ~~أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، ms0944 فألزم من إليه ذلك القيام به ~~لله، ثم جعل الله في ذلك الفعل عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل ~~وأهله، على ما علم من مصلحة الخلق بها، وزجرهم، وتكفيرهم بها. # ثم إن الله - سبحانه وتعالى - جعل أول عقوبة الزنا في نوع من الخلق في ~~الإسلام الحبس في البيوت، فهو - والله أعلم - مخرج على أوجه: # أحدها: إنه كان الزنا في الابتداء في نوع ظاهر يكتسبون به عرض الدنيا في ~~ذلك في الإماء حتى قال الله - تعالى -: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. . ~~.) الآية، وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزناة من الإماء، حتى بلغ من ~~ظهور ذلك إلى أن يمازج به الحرائر في الطرق تعاميا عن حالهن؛ فنزل قوله - ~~سبحانه وتعالى -: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)، وإن كان هذا حالهم في ذلك ~~الوقت غلب عليهم خوف مواقعة الزنا، وكذلك على الحرائر؛ لكثرة ما يرين أو ~~يسمعن، وذلك معنى يبعث من شرهت نفسه، # PageV03P072 # وقل تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه، وقد ركبت هذه الشهوة في ~~كل البشر، فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل فيه الحبس والإمساك في ~~البيوت، ثم صار ذلك إلى الضرب؛ لما أن تحرج الناس وعظم ذلك في أعينهم، وجعل ~~في الشتم به الحد؛ ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا عن فعله، وقد جعل في ~~ذلك في بعض الأحوال الرجم، وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر، ويرتفع ~~جميع معاني الشبه لعظيم أمره. # والثاني: أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض لبعض، ومخالطة بعض ببعض على ~~عظم الشهوة؛ فغلب عليهم الأمر، واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك. # ثم في الحبس وجهان: # أحدهما: الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار. # والثاني: ما فيه من فضل ضجر وتضييق الحال؛ إذ جعل ذلك إلى الموت، فيكون ~~في ذلك عقوبة من حيث الضجر، ومعونة على الكف عنه بالحبس حتى لا يقع بصر ذكر ~~على أنثى ms0945 وأنثى على ذكر. # والثالث: أن يكون في الحبس ترغيب الأرحام في الحفظ وإلزام القرابة بعض ما ~~يزجر عن تضييع حقوق الرحم، ويدعو إلى القيام بالكفاية؛ إذ ضيق على الفاعل ~~ذلك، وذلك يوجب قبل المواقعة الاستعلام عن الأحوال والجهد في الحفظ؛ إذ في ~~ذلك بعض عقوبة أهل الاتصال من تكليف الإمساك والقيام بالكفاية؛ فيكون أبلغ ~~في العفاف، وأقرب إلى الصلاح، وعلى مثل ذلك جعل أمر المعاقل؛ ليقوم أهل ~~الصلاح في كل قبيلة في كف أهل الفساد عن الفساد، والله أعلم. # ثم لما انقطعت العادة وقام الناس بالتعاهد، وتفرق الفريقان حتى لا يؤذن ~~بالاجتماع، إلا أن يكون ثم من جبل على الإياس من ذلك وأنشئ على قطع الشهوة ~~فيهن، فجعل في ذلك حد، وجعل في ذلك لهن سبيلا، وذلك - والله أعلم - يخرج ~~على أوجه، يجب التأمل في الوجه الذي سمى ما نسخ به اللازم في ذلك، وذكر ~~فيما ذكر حد مرة ورجم ثانيا، ومعلوم أن المجعول له السبيل، والرجم والحد ~~أشد عليهم من الحبس، وقد روي عن نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام، والثيب بالثيب يجلد ويرجم " فهو - والله أعلم - أن بهذه ~~الشريعة خلى سبيلهن، لا أن أوجب على المحبوسات إقامة ذلك بما قد حبس ~~بالزنا، # PageV03P073 # ولكن في هذا تخلية السبيل، على أنهن؛ إذا زنين فعل بهن ذلك على رفع الحبس ~~عنهن إذا حبس بما لم يبين حد ذلك، فإذا بين زال ذلك ولا حد حتى يكون منها ~~ذلك، فالسبيل المجعول لهن تخلية السبيل، ثم بين الحكم في الحادث. # ووجه آخر: أن السبيل في الحقيقة مجعول لمن كلف إمساكهن، وإن أضيف إليهن ~~بما فيهن ضيق عليهم الأمر، وذلك كقوله - تعالى -: (فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن أجورهن)، والإماء لا يؤتين الأجر، لكن بما بمعنى فيهن ذكر الأجر، ~~فأضيف إليهن، وعلى نحو ما أضيف أهل القرى إلى القرى بالتسمية، فأخرجت على ~~تسمية القرى، وإذا كان المراد أهل ذلك ms0946 في حق تسمية الأهل التذكير والقرية ~~التأنيث، فكأنه جعل للمأمورين بالإمساك سبيلا في أن يقيموا الحد، ويزول ~~عنهم مؤنة الإمساك والقيام بالكفاية. # والثالث: أن يكون في طول الحبس ضجر وضيق، وحيلولة بين المحبوس والشهوات ~~كلها، وقطع ما بينه وبين الأحباب، وتحمل مثله بمرة أيسر على النفس وأهون من ~~دوام الذل والقهر، ثم لا مخلص عن ذلك إلا بما في الأول يكون ثمرة؛ فلذلك ~~سمي - والله أعلم - ذلك سبيلا لهن. # ثم دل الخبر الذي ذكرت على أمرين: # أحدهما: أن الحبس -وإن كان مذكورا في النساء خاصة- فهو في جميع الزناة؛ ~~لأنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل ~~الله لهن سبيلا " ثم ذكر ما به جعل لهن السبيل، في الذكور والإناث، في ~~المحصنين وغيرهم جميعا؛ ليعلم أن الحكم يجمع الكل وإن كان الذكر فيهن، وذلك ~~كما ذكر حد المماليك في الإماء، وحد الزناة في قذف المحصنات، والحكم يجمع ~~الذكر والأنثى من حيث اتفاق المعنى الذي له جعل، فمثله فيما نحن فيه. # والثاني: بيان نسخ المذكور من الحكم في الكتاب بالسنة، وذلك لوجهين: # أحدهما: أنه لم يوجد على الترتيب الذي ذكر في القرآن مع ما ذكر تخلية ~~السبيل، وليس بمذكور في شيء من القرآن؛ ثبت أن ذلك كان بوحي غير القرآن. # والثاني: أنه - عليه السلام - قال: " خذوا عني، خذوا عني " ثم أخبر عن ~~جعل الله لهن السبيل؛ فدل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " خذوا عني، خذوا ~~عني " أنه بيان الله، وهكذا معنى النسخ # PageV03P074 # أن بيان جعل الله مدة حكم الأول بما يحدث فيه الحكم، وليس قول من يقول في ~~هذا في القرآن وعد بقوله - عز وجل -: (أو يجعل الله لهن سبيلا) - معنى؛ لأن ~~كل شيء في حكم الله أنه ينسخه، فالوعد في حكمه قائم، إلا أن يقول قائل: لا ~~يصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببيان وعد الحكم، وإنما يصدق ببيان وعد ~~الشرط؛ فيحتاج أن يحدث منه إيمانا، والله الموفق، مع ما إذا جاز أن يعد ~~النسخ ms0947 المذكور في القرآن حقيقة، لا فيه يجوز أن ينسخ المذكور حقيقته لا ~~فيه. # وبعد، فإن من يقول هذا بعثه عليه جهله بمعنى النسخ: أنه البيان عن منتهى ~~حكم المذكور من الوقت، ولا ريب أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيان ~~منتهى الحكم من النوع، فمثله الوقت. # ثم إذا كان هذا أول عقوبة في الإسلام؛ فثبت به نسخ الحكم بالتوراة والعمل ~~إذا كان فيها الرجم، وقد ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رجم ~~بحكم التوراة، وقال: " أنا أول من أحيا سنة أماتوها ". وإذا ثبت أن ذلك حكم ~~التوراة ثم ثبت نسخ حكمه، فلا يقام عليهم الرجم إلا بعد البيان مع ما جاء ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من أشرك بالله فليس بمحصن ~~"، وأنه أخبر بالرجم في القرآن للمحصن. # وقال قوم: عقوبة الحبس في الإناث خاصة، وأما في الذكور ففيهم الأذى ~~باللسان والتعزير بقوله - تعالى -: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما. . .) ~~الآية، وهذا # PageV03P075 # قريب من حيث كانت النساء مكانهن البيوت، وأمكن حفظهن عن الزنا، وتسليمهن ~~إلى الأزواج مرة والمحارم ثانيا، والرجال إذا حبسوا تحولت مؤنهم إلى غيرهم، ~~فتكون عقوبة فعلهم تلزم غيرهم، والراحة تكون لهم، وأما النساء فمؤنهن في ~~الأصل على غيرهن، فليس في حبسهن زيادة على غيرهن، فذلك عقوبة لهن مع ما كان ~~الرجال بحيث يمكن تعييرهم، وذلك أبلغ ما يزجر العقلاء، وقد يحتمل أن يكون ~~ذلك في الرجال خاصة؛ إذ لا يذكر في عمل قوم لوط العقوبة، وقد علم الله - ~~سبحانه وتعالى - حاجة الناس إلى معرفة عقوبة ذلك؛ إذ قد جعل الله - تعالى - ~~في إتيان النساء حقوقا وحرمات وأحكاما ليست في إتيان الذكور، عرف الخلائق ~~تلك؛ فلم يحتمل أن يترك ذكر عقوبة للذكور في الزنا بعد أن فرق أحكام ~~الأمرين؛ فيشبه أن تكون الآية على ذلك؛ وأيد ذلك عز وجل أنه - سبحانه ~~وتعالى - قال: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) ولم يذكر في ذلك جعل ~~السبيل، وقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ms0948 في كل أقسام الزنا، ~~ثبت أن ذلك فيما ذكر، فتكون عقوبة الأولى في ذلك أخف من الحد، فكذلك عقوبة ~~الثانية مع ما يكون فيما يؤذيان بتفريق، وهو تعزير، وذلك هو الباقي أبدا ~~إذا لم يظهر معنى النسخ، وأيد الذي ذكرت استواء الذكور والإناث في جميع ~~عقوبات الزنا في قديم الدهر وحديثه من حدود المماليك والأحرار، والثيبات ~~والأبكار، فعلى ذلك أمر تأويل الآية. # والنفي المذكور في الخبر يحتمل وجوها: # أحدها: ما ذهب إليه الخصوم من جعله عقوبة، وأنه النفي من البلد، لكن ~~الحدود إذا جعلت كفارات قد جعلن زواجر، وفي الزنا بخاصة إذا أمر فيه بالحبس ~~أريد قطع السبيل إليه، وفي الإشخاص والإخراج من البلدان تمكين، وذلك بعيد، ~~والله أعلم. # فعلى ذلك لو كان عقوبة فهو على الحبس، فينتفي عن وجوه الاجتماع على ما ~~كان من قبل، فينتفي ذلك العذر منه؛ لظهور خشوع التوبة. # وقد يحتمل أن يراد بالنفي قطع الذكر ورفع المسبة، فينفى؛ لينسى ذلك؛ فلا ~~يعير بذلك، وكذلك في الإماء ولا في الكفر؛ إذ ما فيهم من الذل أعظم مع ما ~~لا يجب بسب من ذكرت حد؛ ليعلم عظيم موقع ذلك في الأحرار، ولو كان على ~~العقوبة فهو منسوخ بما # PageV03P076 # جرت السنة في الإماء بحدهن من غير ذكر الحبس، وقد قال الله سبحانه ~~وتعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، والمذكور في الثيب يحتمل: ~~يجلد في حال ويرجم في حال؛ إذ لا كل ثيب يجلد، وإن كان ثم نسخ بما ذكر من ~~خبر ماعز وغيره. # وقوله - عز وجل -: (فآذوهما) قيل: فآذوهما، بالحد. # وقيل: فآذوهما بالتعيير (فإن تابا وأصلحا) كفوا عن ذلك. وقيل: سبوهما، ~~لكن ذا قبيح، والتعيير أقرب. # * * * # قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # وقوله - عز وجل -: (إنما ms0949 التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) # يحتمل قوله: (إنما التوبة على الله للذين) كذا؛ أي: توفيق التوبة وهدايته ~~على الله - سبحانه وتعالى - إذا كانت نفسه ترغب فيها، وتميل إليها على الله ~~أن يوفقه على ذلك؛ إذا علم الله منه أنه يتوب. # ويحتمل قوله: (إنما التوبة على الله) سبحانه وتعالى أي: قبول التوبة على ~~الله - تعالى - إذا تاب ورجع عما كان فيه وارتكبه. # وفي قوله -أيضا-: (إنما التوبة على الله) لمن ذكر، يحتمل قبولها بمعنى أن ~~الذي # PageV03P077 # لا يسوف التوبة ولا ينتظر بها وقت المنع عن ركوب ما عنه يتوب والإياس من ~~إمكان العود إلى ما عنه يتوب، فالله يقبلها إذا كان ذلك دأبه وعادته. # وإن بلغ هو ذلك الضيق بأمر دفع إليه، أو كان يتوب من قريب من الذنب بألا ~~يستخف به؛ فيترك الرجوع؛ لقلة مبالاته به، فلا يقبلها ممن هذا وصف توبته، ~~وحال استخفافه بالذنب. # والثاني: أن يكون توفيق التوبة والهداية إليه ممن يفزعه ذنبه ويبعثه على ~~الرجوع إلى الله، والتعرض لرحمته وإحسانه، ولا يوفق من لا يبالي بالذي يذكر ~~ولا يتضرع إليه. # وقيل: الأول في الصغائر، والثاني في الكبائر، والثالث في الكفر: بأن صاحب ~~الصغيرة أرق قلبا وأخص ذكرا له ورجوعا إلى ربه، وصاحب الكبيرة أقسى قلبا من ~~الأول وأظلم، فهو لا يندم إلا بعد شدة، وبعد طول المحنة وضيق القلب، فليس ~~على الله قبول توبة من يتوب في تلك الحال، ولا توبة من بأن منه ما يأمله ~~بالذي عليه قبول ذلك، ولكن بفضله وبرحمته يقبل ويوفق له بما كان منه من ~~الخيرات والحسنات التي هن أسباب التقريب إلى الله - سبحانه وتعالى - ~~والكافر لا يقبلها؛ إذ هو لا يتوب حتى يموت؛ فيستيقن بالعذاب، والله أعلم. # ويحتمل أن تكون هذه الأجرة في الكفار؛ فيكون فيهم من يظهر التوبة عند ~~الضرورة والدفع إلى الحال التي يزول عنه وسع الإمكان، ويأنس من الإمهال؛ ~~ليصل إلى ما كان له يذنب، فالله لا يقبل توبته؛ إذ ليست في الحقيقة توبة ~~ممكن، بل ms0950 توبة مضطر، وتوبة دفع ما حل به، إذ هو وقت يشغل عن الاستدلال، وعن ~~الوقوف على الأسباب من جهة التأمل والنظر، ولا يرى غير الذي أقبل عليه يظن ~~أن له الخلاص بالذي يبدل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعملون السوء بجهالة) # PageV03P078 # هذا -أيضا- يحتمل وجهين: # يحتمل جهل الفعل؛ فيقع فيه من غير قصد. # ويحتمل: قصد الفعل، والجهل بموقع الفعل. # والعمل بجهالة يخرج على وجوه: يكون عن غلبة: تغلب عليه شهوته؛ فيعمل ذلك ~~العمل على طمع منه أنه سيتوب من بعد، ويصير رجلا صالحا؛ على ما فعل إخوة ~~يوسف، حيث قالوا: (أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين) ثم سماهم جهلة بذلك في آية أخرى، حيث قال لهم: (هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون). # ويحتمل العمل بالجهالة: هو أن يعمل على طمع المغفرة، ويتكل على رحمة الله ~~وكرمه. # ويحتمل العمل بالجهالة: جهالة عقوبة عمله على ذلك. # وكذلك الخطأ والنسيان على وجهين: خطأ الفعل: وهو الذي ليس بصواب ولا رشد. # وخطأ القصد عمد الفعل: وهو الذي قصد أحدا فأصاب غيره. # والنسيان على وجهين -أيضا-: # نسيان ترك: وهو الذي يجوز أن يضاف إلى الله - سبحانه وتعالى - بحال؛ كذلك ~~الجهالة، والله أعلم. # والأصل في الشيء المنسي أنه متروك، فسمي المتروك من الرحمة والكرامة ~~منسيا؛ فتجوز الإضافة إلى الله - تعالى - من هذا الوجه. # وقيل: نزل قوله: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة. . .) ~~الآية - في المؤمنين. # وقوله: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات ... (18) إلى آخر الآية، في # PageV03P079 # الكافرين. # وقيل: إنهما جميعا في المؤمنين، والثالثة في الكفار. # وقيل: إن الأولى في المؤمنين، والثانية في المنافقين، والثالثة: في ~~الكفار. # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: إن الله - تعالى - يقبل توبة ~~العبد ما لم يغرغر. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من تاب قبل أن تغرغر نفسه ~~ويعاين الملائكة قبل الله توبته ". # والأصل في هذا أن توبة الكافر تقبل إذا كان توبته توبة اختيار، وأما إذا ~~كانت ms0951 توبته توبة اضطرار ودفع فإنها لا تقبل أبدا؛ كقوله: (لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل) إذا كان إيمانه إيمان دفع واضطرار عند معاينة ~~العذاب فإنه لا يقبل أبدا، وهو -أيضا- كإيمان فرعون، حيث قال: (حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. . .) ~~الآية، لم يقبل إيمانه؛ لأنه إيمان دفع واضطرار؛ فعلى ذلك كل إيمان كان ~~إيمان دفع واضطرار فإنه لا يقبل أبدا، وكقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده). # وقيل: قوله - عز وجل -: (قال إني تبت الآن. . .) توبة تشريط، فلم تقبل؛ ~~لأنه لم يقطع القول فيه قطعا. # وقيل: في قوله - عز وجل -: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا # PageV03P080 # حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) هم الذين يتوبون عند معاينتهم الموت؛ ~~أخبر أنه لا يقبل توبتهم؛ لأنهم يتوبون توبة دفع واضطرار. # وقوله - عز وجل -: (ولا الذين يموتون وهم كفار) لا تقبل توبتهم، لأنهم ~~يتوبون في الآخرة؛ دفع العذاب عن أنفسهم؛ كقوله تعالى: (مآ أشركنا)، و (ما ~~كنا مشركين). # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء ~~كرها). # قال بعضهم: كان يجوز لهم أن يرثوا النساء طوعا؛ لأنه إنما نهي أن يرثوهن ~~كرها، فكان فيه دليل جواز وراثتهن طوعا. # وأما عندنا: فإنه ليس فيه دليل جواز وراثتهن طوعا، وإن كان النهي إنما ~~كان في حال الكره؛ لأن الأصل عندنا: أن ليس في حظر الحكم في حال دليل ~~إباحته في حال أخرى، ولا في إباحته في حال دليل حظره في حالة أخرى، ولا في ~~حله في حال دليل حرمته في حال أخرى، ولا في حرمته في حال دليل حله في حال ~~أخرى، دليل ذلك قوله - تعالى -: (ولا تقتلوا أولادكم ms0952 خشية إملاق)، ليس على ~~أن لهم أن يقتلوا إذا لم يخشوا الإملاق، وقوله: (إنا أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن)، ليس فيه أنه لا يحل له؛ إذا لم يؤت أجورهن، وقوله: ~~(فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). # والقصة في الآية ما قيل: إن الرجل إذا مات وترك امرأة، كان أولياؤه أحق ~~بامرأته من ولي نفسها: إن شاءوا تزوجوها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم ~~يتزوجوها؛ فنزلت الآية في ذلك. # وقيل -أيضا-: كانوا في أول الإسلام إذا مات الرجل أقبل أقرب الناس منه ~~فيلقي على امرأته ثوبا فيحدث نكاحها طوعا وكرها؛ فنزلت الآية في ذلك. # PageV03P081 # والآية عندنا خرجت مخرج بيان التحريم على ما كانوا يفعلون؛ دليل ذلك قوله ~~- تعالى -: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) نهي ~~الأبناء أن ينكحوا ما نكح آباؤهم من النساء؛ فدل أن النهي كان في الحالين ~~جميعا: في حال الكره والرضا، والله أعلم. # وفي قوله: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها. . .) الآية، تحتمل حرمة ~~وراثتهن أبدا، وأن ذكره " كرها " لأوجه: # أحدها: أن ليس في ذكر الحرمة في وجه أو ذكر الحكم في حال دلالة تخصيص ~~الحال؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، وقوله: ~~(فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)، وقوله - عز وجل -. (إنا أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن)، أنهن يحللن وإن لم يؤتين أجورهن، وإذا لم يصر ذلك ~~شرطا صار كأنه قال الله - عز وجل -: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها)، ~~والله أعلم. # والثاني: أن تكون الوراثة أبدا تكون كرها ويجب الميراث سواء من فيه وله ~~أولاد إذا كان وجه الوراثة، فذكره ذلك وغير ذلك سواء. # والثالث: أنهم كانوا يتوارثون النكاح، وهو أمر لا يحتمل الانقسام، ولا ~~عند الاشتراك بالاستمتاع، فكان ذلك على تراض منهم لواحد. # أو أن، يكون فيما كانت الوراثة ترجع إلى واحد؛ فيكون ذلك له بحق النكاح ~~لا الميراث، فإذا حرم النكاح في حق من يرث من الذكور -وهم الآباء والأبناء- ~~فبطل الميراث لو كان يجوز أن ms0953 يورث. # ثم دلت هذه الآية في قطع وراثة منافع الأبضاع، وملك الأبضاع أدوم من ملك ~~الإجارات؛ فيجب أن يكون قطع الإجارات أولى. # ودليل آخر على بطلان الوراثة: أن المرأة قد ترث الميراث؛ فتكون وراثة بعض ~~نفسها، فبطل من حيث يراد إثباته. # وقوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة) اختلف فيه. # قال بعضهم: هو معطوف على ما تقدم، وهو ما ذكرنا من الوراثة، نهى أن # PageV03P082 # يعضلوهن؛ ليذهبوا ما آتوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ قيل: لم يكن يومئذ ~~عقوبة؛ إذا أتت المرأة بفاحشة سوى أخذ المهور منها، وكانوا يمسكونها على ~~الوراثة، فإذا أتت بفاحشة أخذ ما آتاها، ثم يسرحها. # فإن قيل: إنما نهاها عن الوراثة؛ لأن الولي إذا ورثها ورثت هي نفسها؛ ~~فيبطل بذلك، فالنهي لذلك. # قيل: لو كان لذلك فالمرأة إذا كانت ممن لا ترث عن الزوج مملوكة يجيء أن ~~يحل ذلك؛ إذ لا وراثة ثم، فإذا لم يجز دل أنها خرجت على بيان التحريم، ~~والله أعلم. # وقيل: في قوله - عز وجل -: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) على ~~الابتداء، ليست على الأول، نهي الزوج أن يأخذ منها ما آتاها من المهر إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة. # ثم اختلف في قوله - تعالى -: الفاحشة. # قال بعضهم: هو الزنا، وهو ما ذكرنا. # وقال آخرون: الفاحشة - هاهنا - هو النشوز، أي: إذا نشزت فلا بأس أن يأخذ ~~منها ما آتاها. # وقيل: هو ما ذكره - عز وجل - في آية أخرى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا)، لا تأخذوا منه شيئا: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ~~فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، نهى الأزواج ~~أن يأخذوا منهن شيئا إلا عندما يخافا ألا يقيما حدود الله، فحينئذ أباح أخذ ~~ما افتدت به، فعلى ذلك قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة)، وهو ما ذكرنا من النشوز وخوف ترك إقامة حدود الله؛ ~~فعند ذلك أباح له أخذ ما ms0954 آتاها، والله أعلم. # وقوله: (وعاشروهن بالمعروف) اختلف فيه: # قيل: هو كقوله - تعالى -: (فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) # PageV03P083 # وكقوله - تعالى -: (فإمساك بمعروف أو تسريح). # وقيل: (وعاشروهن بالمعروف): في كلامها، وبرها، والإنفاق عليها، والإحسان ~~إليها والاجتناب عما لا يليق بها من الشتم والإيذاء، وغير ذلك. # (وعاشروهن بالمعروف) يحتمل: بالفضل، ويحتمل: كما لو فعل بك مثل ذلك لم ~~تنكره، بل تعرفه وتقبله. # وقوله - عز وجل -: (فإن كرهتموهن) قيل فيه بوجهين: # قيل: كرهتم صحبتهن من قبحهن ودميمتهن، أو سوء خلقهن، فصبرتم على ذلك ~~(ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) # قيل: يهب لكم منهن أولادا تقر بهم أعينكم، أو يعطي لكم في الآخرة ثوابا ~~جزيلا بصحبتكم إياهن. # وقيل في قوله - عز وجل -: (فإن كرهتموهن) أي: كرهتم فراقهن، ويجعل الله # PageV03P084 # في الفراق خيرا كثيرا؛ كقوله - تعالى -: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من ~~سعته). # * * * # قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا (22) # وقوله - عز وجل -: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن ~~قنطارا) والقنطار: قيل: مائة رطل. # وقيل في حرف ابن مسعود: " قنطارا من الذهب ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: إن كرهت امرأتك أو أعجبتك غيرها؛ ~~فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا. # والقنطار: اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار. # وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، فهذا على التمثيل، ليس على التقدير، ~~ووجه النهي والوعيد في ذلك - والله أعلم - ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " إن النساء عندكم عوان، اتخذتموهن بأمانة الله - ~~تعالى - واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى " فوعد - عز وجل - الأزواج في ~~غير آي من القرآن عن أخذ مهور النساء وغيرها من الأموال؛ لضعفهن في أنفسهن، ~~والرجال هم القوامون عليهن؛ لئلا يبسط الأزواج في أموالهن؛ إشفاقا عليهن، ms0955 ~~أو لما إذا أخذ منها مهرها تبقى تلك المنفعة بلا بدل، وذلك زنا؛ وعلى هذا ~~يجيء ألا يجوز له أن يخلطها؛ لأنه إذا أخذ منها مهرها بقيت له المنفعة بلا ~~بدل، لكنه أجيز له ذلك؛ لأنه تقلب في الملك، وكل من تقلب في ملكه ببدل ~~يأخذه جاز له ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أتأخذونه بهتانا) # PageV03P085 # قيل: ظلما بغير حق. # وقيل: إذا أراد طلاقها لا يضارها بكذب لتفتدي منه مهرها. # (وإثما مبينا): ويحتمل أن يكون البهتان والإثم واحدا. # وقوله - عز وجل -: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم ... (21) # وقيل: الإفضاء: هو الجماع. والأشبه أن يكون الإفضاء: الاجتماع؛ لأنه أضاف ~~إليهما جميعا، فهو بالاجتماع أشبه وإليه أقرب؛ فيجب المهر بالاجتماع ~~والخلوة بها، والجماع فعل الزوج، يضاف إليه خاصة. # وقوله - عز وجل -: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) # قيل: عقدة النكاح. # وقيل: هو ما ذكرنا في قوله - تعالى -: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). # وقيل: الميثاق الغليظ ما ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ~~" اتقوا الله في النساء؛ فإنكم إنما اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله، وإنهن عندكم عوان لا يملكن من أمرهن شيئا ". # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يآ أيها الناس، إن لكم على نسائكم ~~حقا، وإن لهن عليكم حقا، وإن من حقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم، ولا يأذن في ~~بيوتكم لأحد تكرهونه، ولا يأتين # PageV03P086 # بفاحشة مبينة، فإن هن فعلن ذلك فقد أحل الله لكم أن تضربوهن ضربا غير ~~مبرح - يعني: غير شائن - وإن من حقهن عليكم الكسوة والنفقة بالمعروف ". # وقيل: إن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ماذا يحل لنا من ~~نسائنا؟ وما يحرم علينا منهن؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~حرثك، فأته أنى شئت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبحه، ولا تهجرها إلا في بيتها، ~~وأطعمها إذا أكلت، واكسها إذا اكتسيت ". # وقيل: الميثاق الغليظ: ما أقروا به من قول الله: (فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف). # وقوله - عز وجل -: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ms0956 سلف ~~(22) حرم - الله تعالى - على الأبناء نكاح نساء الآباء، وذلك أنهم كانوا ~~يعملون في الجاهلية ما قيل في القصة: أن أبا قيس توفي فعمد ابنه - يقال له: ~~محصن - فتزوج امرأة أبيه، فنهى الله - تعالى - عن ذلك، فقال - عز وجل -: ~~(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء). # وقيل: إن رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج سالا سيفه؛ ~~فقيل له: ما شأنك؟ فقال: إن رجلا تزوج بامرأة أبيه، فهذا إذا تزوجها مستحلا ~~لها، فهو يكفر لذلك: كأن قصد قتله؛ وكذلك حرم الله - سبحانه وتعالى - على ~~الآباء نكاح نساء الأبناء بقوله - تعالى -: (وحلائل أبنائكم). # وقوله - عز وجل -: (إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا): أي: إنكم إذا ~~انتهيتم عن ذلك في الائتناف يغفر لكم ما قد سلف، وإن كان فاحشة # PageV03P087 # وقيل: (إلا ما قد سلف) قبل: التحريم. # (إنه كان فاحشة) أي: صار فاحشة في الإسلام: # (ومقتا) قيل: بغضا. # (وساء سبيلا) أي: بئس المسلك تزوج نساء الآباء. # ويحتمل أن تكون الآية في الطلاق؛ إذ كان الرجل يطلق امرأته ثم يندم على ~~طلاقها، فيتزوجها ابنه، فيمقت ذلك الأب ويبغض. # وقوله - عز وجل -: (وساء سبيلا): أي: بئس السبيل نكاح امرأة أبيه، حيث ~~مقت أبيه وبئس مقت أبيه المسلك. # * * * # قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # وقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) إلى آخره، يحتمل وجهين: ~~يحتمل: أي: حرم عليكم الاستمتاع بأمهاتكم وبناتكم وأخواتكم. . . وما ذكر، ~~والجماع بهن. # ويحتمل: حرمة النكاح، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فإن ~~كان هذا أراد، فلا يحرم النكاح لنفس النكاح، ولكن يحرم النكاح؛ لما به يوصل ~~إلى الاستمتاع بالنساء، وإليه يقصد؛ فدل أنه يحرم الجمع بين ms0957 الأختين في ~~الاستمتاع في ملك اليمين، ولا يحرم الجمع بينهما في العقد. # ثم ذكر الحرمة في الأمهات والبنات والأخوات، ولم يذكر في الجدات فهن ~~محرمات وإن علون، ولم يذكر في بنات البنات، فهن محرمات وإن سفلن. # PageV03P088 # فعندنا: أن ذكر الحرمة في الأمهات والبنات ذكر في الجدات وإن علون، وفي ~~بنات البنات وإن سفلن؛ لأنه ذكر الحرمة في العمات والخالات، والعمات من ولد ~~الجد، والخالات من ولد الجدات، فإنما ذكرت في الأولاد الحرمة، ثبت حرمة ~~الجدات والأجداد، وكذلك ذكر الحرمة في الأخوات وبنات الأخوات، فالحرمة في ~~بنات الأخ والأخوات لحرمة في الأخوات والإخوة، فعلى ذلك ذكر في الأمهات ذكر ~~الحرمة في البنات وبنات البنات، لما ذكرنا. # أو أن يقال: إن بنات البنات بنات وإن سفلن، فدخلن في ذكر الحرمة نصا، ~~وكذلك أم الأم أم، وإن علت، فدخلت في الخطاب. # وقوله - عز وجل -: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) # ذكر الأمهات من الرضاعة والأخوات، ولم يذكر البنات، قال بشر: إنما لم ~~يذكر البنات من الرضاعة؛ لأنه لا يمكن من الرضاعة البنات؛ لذلك لم يذكر، ~~وذلك اختلاف بيننا وبينه في لبن الفحل، فعندنا لبن الفحل محرم، وعند بشر لا ~~يحرم لبن الفحل، ذكر الله - سبحانه وتعالى - الحرمة في النسب بيننا وبين ~~بيان إحاطة وحقيقة، وذكر الحرمة في الرضاع، وبين بيان كفاية لا بيان إحاطة؛ ~~فإما أن تركه للاجتهاد والاستنباط من المذكور، وقد أجمعوا جميعا أن بنات ~~الإخوة والأخوات من الرضاع كالذكر في أولادها؛ فعلى ذلك يجب أن يكون ذكر ~~الحرمة في الأمهات من الرضاعة ذكرا في بناتها، أو ترك بيان ذلك للسنة: روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب "، وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء عمي من الرضاعة، ~~فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألته عن ذلك؟ فقال: " إنه عمك، ~~فأذني له " فقلت: يا رسول الله، ms0958 إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟! ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنه عمك، فليلج عليك " فقالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب. # PageV03P089 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - سئل عن رجل له امرأتان، أو جارية وامرأة، ~~فأرضعت هذه جارية وهذه غلاما، هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا؛ ~~اللقاح واحد. # وعن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها أخبرتها أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان عندها، وأنها سمعت رجلا يستأذن في بيت حفصة - رضي ~~الله عنها - قالت عائشة - رضي الله عنها -: فقلت: يا رسول الله، هذا رجل ~~يستأذن في بيتك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أراه فلانا " - ~~لعم حفصة من الرضاعة - فقالت عائشة - رضي الله عنها -: يا رسول الله، لو ~~كان فلان حيا - لعمها من الرضاعة - دخل علي؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " نعم؛ إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: لا تنكح من أرضعته امرأة أبيك، ولا امرأة ~~أخيك، ولا امرأة ابنك. # وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن أفلح أخا أبي القعيس جاء فاستأذن عليها ~~-وهو عمها من الرضاعة- بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته بالذي صنعت، فأمرني بأن آذن له ~~علي. # وحجة أخرى من النظر: بأن الله - تعالى - حرم الابنة على أبيها، وعلى ~~جدها، والابنة حدثت عن ماء الأب بعينه، ولم تحدث عن ماء الجد، ولكن الجد ~~سبب ماء الأب الذي حدثت عنه الابنة، قال: فاللبن -وإن كان حدوثه من الأم- ~~فإن سبب كونه هو الأب؛ فيجب أن تحرم المرأة التي أرضعتها امرأته عليه؛ إذا ~~كان سببا لذلك اللبن، كما يحرم المرضع إذا كان سببا على التي أرضعته. # ثم بقيت مسألتان: # إحداهما: في التقدير، والأخرى في الحد. # PageV03P090 # أما في التقدير: فعموم قوله - تعالى -: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة) لم يخص قدرا دون قدر. # وروي عن علي وعبد الله قالا: ms0959 قليل الرضاع وكثيره سواء. # وعن ابن عباس كذلك. # وعن عبد الله بن عمر قال: الرضعة الواحدة تحرم. # فإن قيل: روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان فيما نزل عشر ~~رضعات، ثم صرن إلى خمس، فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو فيما يقرأ. # فإن قيل: لسنا نجد في القرآن آية الناسخ ولا آية المنسوخ، ولا يجوز أن ~~يقال من القرآن شيء؛ فلا نترك ما نجده ثابتا في القرآن، محفوظا برواية ~~لعلها قد غلطت فيها. # وروي عنها أنها قالت: يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم. # وروي عنها -أيضا-، أنها قالت: لا تحرم المصة والمصتان، ولا الإملاجة ولا ~~الإملاجتان: فذكر ذلك لابن عمر - رضي الله عنه - فقال: حكم الله أولى وخير، ~~أو كلام نحو هذا من حكمها. # وعن عمرو بن دينار قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - فذكر شيئا من ~~الرضاع، فقال: لا نعلم إلا أن الله - تعالى - حرم الأختين من الرضاعة، قال: ~~فقلت: إن أمير المؤمنين ابن الزبير يقول: لا تحرم المصة والمصتان قال: ~~فقضاء الله خير من # PageV03P091 # قضائك وقضاء أمير المؤمنين. مع ما يحتمل قوله: لا تحرم المصة والمصتان، ~~ولا الإملاجة ولا الإملاجتان؛ لما لم يتحقق بالمصة والمصتين أن اللبن قد ~~صار في جوف الصبي ووصل إليه؛ فلذلك لم يحرم به. # وأما المسألة في الحد: أن الرضاع في الكبر لا يحرم عندنا، وما روي في خبر ~~عائشة - رضي الله عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها، فرأى عندها ~~رجلا، فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " من هذا؟ " قالت: ~~إنه عمي من الرضاعة، فقال: " انظري ما الرضاعة؟ إنما الرضاعة من المجاعة ". ~~وما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الرضاع ما أنبت اللحم، ~~وأنشز العظم "، وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " الرضاع ما فتق ~~الأمعاء " وفتق الأمعاء، إنما يكون في الصغر؛ لأن أمعاء الصبي تكون ضيفة لا ~~تحتمل الطعام لضيقها، وأما فتقها باللبن على ما وصفه - عز وجل - لبنا ms0960 خالصا ~~سائغا للشاربين، فإذا كان غذاؤه إنما يكون باللبن -للمعنى الذي وصفنا- كانت ~~كفاية مجاعته به، وكان هذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما ~~الرضاعة من المجاعة " وكذلك ما روي: " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم " ~~وفي الكبر لا ينبت اللحم، ولا ينشز العظم. # وروى زاذان عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV03P092 # يقول: " الجزعة تحرم كما يحرم حولان كاملان " فإن ثبت هذا فهو الأصل في ~~ذلك، والمعتمد عليه، فإن عورض بما في خبر سالم، حيث قال لها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - " أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه " قيل: هذا يحتمل ~~وجهين: # يحتمل: أن يكون ذلك لسالم خاصة دون غيره من الناس، فإذا كان كذلك لا يقاس ~~عليه غيره. # ويحتمل: أن يكون منسوخا بما روينا من الأخبار المرفوعة والموقوفة بإيجاب ~~الحرمة بالقليل منه والكثير. # وقوله - عز وجل -: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن. . .) الآية. # اجتمع أهل العلم في " الربيبة " على أنها لا تحرم على الرجل الذي كان ~~تزوج أمها وطلقها قبل الدخول بها أو ماتت، وإنما تحرم عليه إذا دخل بها. # واختلف في أم المرأة إذا لم يدخل بالابنة حتى بانت منه: # قال أصحابنا - رحمهم الله -: هي حرام عليه، كان دخل بالأم أو لم يدخل ~~بها. # وقال آخرون: شرط الدخول في آخر القصة راجع إلى الربيبة والأم جميعا، فما ~~لم # يدخل بواحدة منهما حل له أن يتزوج بالأخرى إذا فارقها، وهو القياس الظاهر ~~في الكتاب في أمر الشرط والثنيا أن يكون الشرط فيهما جميعا؛ لأنه قال - ~~تعالى -: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن) ذكر أمهات النساء وربائب النساء، ثم شرط ~~الدخول بهن، فيجب أن يكون الشرط لاحقا بهما جميعا. # PageV03P093 # وكذلك روي عن علي - رضي الله عنه - قال: هي بمنزلة الربيبة. # وعن جابر قال: ينكح أمها إن شاء. # وعن ابن ms0961 مسعود - رضي الله عنه - أنه أفتى في امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل ~~أن يدخل بها أو ماتت، قال: لا بأس أن يتزوج أمها، فلما أتى المدينة رجع، ~~فأتاهم فنهاهم عن ذلك، فقيل: إنها ولدت أولادا، فقال: ولو ولدت. # إلى هذا يذهبون أولئك، وهو الظاهر من الآية. # واحتج بعض أصحابنا في ذلك أن الثنيا الملحق في آخر الكلام ربما يلحق ~~الكل، على ما تقدم من الكلام، وربما يقع على ما يليه، فلما كان غير ملحق ~~على الكل من المذكور، وقع على ما يليه. # فإن قيل: يلحق على ما تقدم من الذكر ما يحتمل ليس على ما يحتمل؛ ألا ترى ~~أن الله - تعالى - قال: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به. . .) إلى قوله: (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم)، لم يلحق الكل، ~~ولا وقع على ما يليه خاصة، ولكنه لحق على ما احتمل عليه، فعلى ذلك في هذا ~~لم يلحق الكل؛ لأنه لا يحتمل، ووقع على الأم والربيبة؛ لأنه يحتمل. # واحتج أصحابنا - رحمهم الله أيضا - أن الحرمة قد تثبت بقوله - عز وجل -: ~~(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم. . .) إلى قوله - تعالى -: (وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم) فلا تستحل بالشك، وفي الربيبة ~~لم تثبت إلا بالشرط؛ فلا تحرم بالشك. # وقيل -أيضا-: إن الدخول لو كان شرطا في الأم والربيبة جميعا لاكتفي بذكر ~~نساء # PageV03P094 # الأمهات والربائب، فنقول: أمهات نسائكم من ربائبكم اللاتي دخلتم بهن، ولم ~~يحتج إلى أن يذكر (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ~~على ما اكتفى بذكر الحرمة في الأنساب والرضاع في الأصول عن الشعوب، فلما لم ~~يكتف بذلك، دل أن الربائب مخصوصات بالشرط دون الأمهات، ومما يبين ذلك أن ~~الربيبة لو لم تذكر لم يجز أن يبقى من الكلام: وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن ولو لم يذكر الأمهات، فبقي من الكلام: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن) - كان كلاما تاما؛ فدل ذلك على أن قوله - تعالى ~~-: (من نسائكم) وإنما هو ms0962 في الربائب دون الأمهات. # وأصله: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ~~ماتت عنده، فلا بأس بأن يتزوج ابنتها. وأيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن ~~يدخل بها أو ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها ". # وعن ابن عباس وعمران بن حصين في " أمهات نسائكم "، قالا: هي مبهمة. # وقال أكثر أهل العلم: إذا تزوج الرجل امرأة ودخل بها، لم يجز له أن يتزوج ~~ابنتها، وإن لم تكن ربيبة وفي بيته وحجره، وهي في ذلك بمنزلتها لو كانت في ~~حجره يربيها. # وأجمعوا جميعا: أن الجمع بين المرأة وأمها وابنتها في الجماع في ملك ~~اليمين حرام. # وكذلك روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذلك؟ فقال: ما أحب ذلك. # فإن قال قائل: إن الخطاب - كما ذكرت - يدل على أن الشرط في الدخول ~~بالأمهات إنما هو بسبب الربائب، فما تنكر أن يكون حكم الأمهات حكم الربائب ~~كما كان حكم # PageV03P095 # حلائل الأبناء حكم نساء الآباء؟ قيل: لا يجوز أن يقاس المنصوصات بعضها ~~على بعض، وإنما يقاس ما لا نص فيه على المنصوص؛ فعلى ذلك الأول، والله ~~أعلم. # ثم يجب أن ننظر أي حكمة أوجبت تحريم الجمع بين المحارم بين محارم الرجال ~~ومحارم النساء؟ # وروي عن أنس قال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ~~يكرهون الجمع بين القرائب في النكاح، وقالوا: لأنه يورث الضغائن، أو كلام ~~نحو هذا؛ فقيل له: يا أبا حمزة، من منهم؟ فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، رضي ~~الله عنهم. # وروي مرفوعا أنه قال: لا ينكح كذا على كذا، ولا كذا على كذا، فإنهن ~~يتقاطعن. # ونراه قال: " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها ". # وروي في بعضها أنه يوجب القطيعة. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كره الجمع بين ابنتي عم، وقال: ~~لا أحرم، ولكن أكره؛ لأنه يوجب القطيعة. فلم يحرم؛ لأن ms0963 صلة القرابة فيما ~~بينهما ليست بمفترضة، والصلة بين المحارم مفترضة، فإذا كانت مفترضة فالجمع ~~بينهما يحمل على القطيعة؛ فحرم، وعلى ذلك في نساء الآباء وحلائل الأبناء ~~إذا فارق واحد من هؤلاء امرأته فلعله يندم على ذلك؛ فيريد العود إليها، ~~فإذا تزوجها أبوه أو ابنه، أورث ذلك فيما بينهما الضغائن والقطيعة؛ لذلك ~~حرم، والله أعلم. # وكذلك هذا المعنى في الابنة، إذا طلقها ثم تزوج بأمها، حملها ذلك على ~~الضغينة فيما بينهما. # وأما إذا تزوج الأم، ثم فارقها قبل أن يدخل بها، حل له أن يتزوج بابنتها؛ ~~لأن الأم تؤثر ابنتها على نفسها في المتعارف؛ فلا يحمل ذلك على القطيعة، ~~والابنة لا تؤثر أمها على نفسها، بل تؤثر نفسها على أمها، كذلك كان ما ذكر. # وأما إذا دخل بالأم لم يحل له أن ينكح بالابنة؛ لأنه يذكر استمتاع هذه في ~~استمتاع # PageV03P096 # هذه؛ فيكون جامعا بينهما في الاستمتاع؛ لذلك حرم. # ثم اختلف في الجماع والدخول بها إذا كان من غير رشد؛ قال أصحابنا - رحمهم ~~الله - يحرم كما يحرم الحلال، ويمنع نكاح الربيبة كما يمنع الحلال. # وقال قوم: لا يحرم، ولا يمنع نكاح الربيبة، واستدلوا في ذلك بقول الله - ~~تعالى -: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) لأن الله - تعالى - حرم ~~ربائب النساء إذا دخل بالأمهات، والمزني بها ليست بزوجة للزاني؛ فلا تحرم ~~ابنتها، لكنه لا حجة لهم في ذلك؛ وذلك أن الله - تعالى - ذكر الدخول بهن، ~~ولم يذكر النكاح، ولا خص الدخول في النكاح، بل ذكر الدخول، وهو على كل ~~دخول، رشدا كان أو سفاحا، والسفاح أحق في الحرمة من الحلال؛ إذ حكمه أغلظ ~~وأشد؛ فعلى ذلك في إيجاب الحرمة من الحلال يجيء أن يكون أشد وأغلظ، ولو كان ~~ذكر الدخول - هاهنا - في النكاح لم يكن فيه ما يمنع وجوب الحرمة إذا كان في ~~غير النكاح؛ ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ~~والربيبة التي لا تكون في حجر الرجل مثلها في الحرمة، ولم يجعل قوله - ~~تعالى -: (في حجوركم) خصوصا فيها ms0964 دون ما أشبهها، وكذلك يجوز ألا يجعل قوله: ~~(من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) خصوصا الدخول بالزوجات دون ما أشبههن - وهن ~~الموطوءات - مع ما ذكرنا أن ليس في الآية ذكر نسائنا؛ لذلك لم يكن فيه دليل ~~الحظر في غيره. # وبعد: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم أن ليس في حظر شيء في حال حظره في غير تلك ~~الحال، والحرمة من ذلك الاستمتاع أنه إذا استمتع بإحداهما لم يكن له ~~الاستمتاع بالأخرى، ولا يحل أن يتزوج بالأخرى؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ملعون من نظر إلى فرج امرأة ~~وابنتها " ومعلوم أنه لا ينظر إلى فرجهما في وقت واحد، وإنما ينظر في ~~وقتين، فهو - والله أعلم - إذا نظر إلى فرج إحداهما ثم نظر إلى فرج أخرى ~~يذكر نظره في فرجها في وقت نظره في فرج هذه، فهو كالقاضي وطره فيهما، كذلك ~~في الزنا كهو في النكاح، والله أعلم. # على أنهم أجمعوا: أن من وطئ أمة له لم يكن له أن يتزوج ابنتها؛ فدل أن ~~الدخول بها في النكاح وفي غير النكاح سواء، وأنه محرم، وما أجمعوا عليه ~~-أيضا- أنه إذا وطئ امرأة في النكاح الفاسد لشبهة حرمت ابنتها عليه، وهو ~~وطء حرام؛ فدل هذا على أن # PageV03P097 # التحريم إنما يكون بالاستمتاع بها لا غير. # وروي -أيضا- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من نظر إلى ~~فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها ". # وعن عمران بن حصين في رجل زنى بأم امرأته قال: حرمت عليه امرأته. # وعن عبد الله قال: لا ينظر الله في رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها. # إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا، رحمهم الله. # وقوله - تعالى -: (وأمهات نسائكم وربائبكم. . .) الآية. الأصل: أن الله - ~~سبحانه وتعالى - بين المحرمات في الأنساب بيان الإبلاغ، وفي غير الأنساب ~~بيان الكفاية؛ إذ بين في الأنساب الحرمة في الطرفين: في اللواتي علون ~~وسفلن: نحو الأمهات والبنات، ثم في اللواتي يتصلن بالآباء والأمهات: نحو ~~العمات والخالات، ثم في اللواتي ms0965 يشركن الطرفين بالاسم: كالأخوات. # وذكر في الرضاع من الأنفس أحد الطرفين، وفي الشعوب ما يشركن الطرفين؛ على ~~الاكتفاء بذكر طرف من الأنفس عن الطرف الآخر، وبذكر المشتركات من الشعوب؛ ~~اكتفاء عن ذكر المنفردات؛ فعلى ذلك أمر الأنفس في خطاب الحرمات، فلما ذكر ~~في ذلك الأمهات والبنات جميعا على ما ذكر في الواحد فيما كان المذكور في ~~نوعه بحق الكفاية من البيان، لا بحق الإبلاغ؛ دل أن ذلك لما أريد به ~~التفريق في الأمرين وأيد ذلك خبر عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأقاويل جماعة الصحابة مع ما كان في ذلك إمكان ~~شبهة محضة؛ إذ لو اقتصر على إبداء الآية الحرمة بالعقد لا يزال ذلك بالشك، ~~على أن وجه الاعتبار الاستواء في الحرمة قبل الدخول؛ لتكون حرمة الابنة على ~~الأم في زوجها حرمة الأم عليها على ما عليهما أمر الابن من الأب في زوجته، ~~لكن فرق من حيث إساءة الرجل في الاختيار إذا اختار الأم على الابنة إن علم، ~~أو الغفلة إن لم يكن علم، وحق مثله الزجر عنه، والتوبة عن مثله، فجعل له ~~مفارقتها لابنتها، وقد يعلم بذلك قبل الدخول، على أن الدخول مذكر له ما كان ~~بها في حال الاستمتاع بها، # PageV03P098 # وقد حرم ذلك الجمع حرمة أيدية ما ينبغي أن يجعل بما يذكر، وسبيل الحظر ~~بالقلب، والله أعلم. # وليس أمر الابن والأب هذا؛ إذ إليهما في الابتداء الاختيار والإيثار، وكل ~~يؤثر الذي له على الذي هو لغيره، وفي النساء إنما يجب بعد الخطاب، وليس ~~منهن عرض، لذلك لم يعتبر حالهن على أن الأمهات في العرف يؤثرن لذات بناتهن ~~على لذاتهن؛ فلا يلحقهن في الفراق لأجل البنات غضاضة، ويلحق للبنات، فلذلك ~~فرق. # وأما بعد الدخول فهو موجب الحرمة، لا من حيث الإيثار؛ إذ من جهة حرام أو ~~حلال يوجب ذلك؛ فلذلك اختلف الأمر أن قال بشر: دل تخصيص ذكر الأصلاب في ~~حلائل الأبناء على رفع حرمة الرضاع، أو على ألا يكون الابن ms0966 إلا من الصلب، ~~ونحن نقول: لا دلالة فيه على ما ذكرنا، لو استدل به على الكون كان أقرب؛ ~~إذا خص ذكر الأصلاب ولو لم يكن الابن إلا من الصلب لكان القول بحلائل ~~أبنائكم كافيا عن ذكر الأصلاب، مع ما فيه وجوب الإلحاق بقوله: " يحرم من ~~الرضاعة. . . "، ومعلوم أن الحرمة من الولادة تلحقه وإن لم يكن منه حقيقة ~~الولادة بما كان سببا له، فكذلك يصير مرضعا لما كانت هي مرضعة، وإن لم يكن ~~منه حقيقة الإرضاع؛ لما كان هو سبب لما به ورود اللبن، وأيد ذلك أمر حلائل ~~أبناء الأبناء، بل حلائل أبناء البنات، وإن لم يكونوا للصلب؛ للاتصال به ~~بالنسب على البعد عما ذكرنا أحق، والله أعلم، مع ما يجوز أن يقال: صار ~~الرضاع ولادا في الحكم بالخبر؛ فيصير للصلب بالحكم نحو قوله: (وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض). # ثم قد يعتبر فيهم الولاء في الحجاب؛ لما جاء: " إن الولاء لحمة كلحمة ~~النسب "، ويصير ذو نسب ورحم في الحكم ما ذكر من الخبر، فمثله الأول، مع ما ~~قد قيل: إن فائدة ذكر الصلب ألا تتحقق حرمة حلائل أبناء التبني بالأصلاب؛ ~~ولذلك قال - والله أعلم - (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون ~~على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)، وقوله - تعالى -: (حرمت عليكم ~~أمهاتكم) إلى قوله - تعالى -: (وأن تجمعوا بين الأختين)؛ إذ يحتمل الجمع في ~~العقد، والجمع في الملك، والجمع في الاستمتاع ويحتمل الجمع في جنس ~~الاستمتاع. # PageV03P099 # ويحتمل ألا يرجع المراد إلى معنى من ذلك، ولكن يرجع إلى الكل، ثم كان ~~الاستمتاع بهما مرة واحدة غير ممكن، فإن كانت فيه حرمة فهو لمعنى هنالك ~~يوجد في حال الجمع، لا أن الخطاب يأخذه؛ إذ هو غير ممكن وجوده، ولا يتهيأ ~~احتماله؛ ليقصد بالخطاب نحوه، ولكن من خاطب يجوز أن يخاطب بما يجعل فيه ~~تحريمه وإن لم ينص عليه في الخطاب، ثم الملك المطلق أو العقد المطلق قد ~~يوجدان غير محرمين نحو عقده به ملك ملك يمين؛ فثبت أن المقصود لو كان ملكا ms0967 ~~أو عقدا فهو مقيد؛ نحو ملك النكاح، أو عقد ملك النكاح، وقد أجمع على دخول ~~هذا في حق الخطاب؛ إذ قد أجمع على أن من جمع بين الأختين في النكاح أنه لا ~~يصح، وأجمعوا أنه لو تزوج بعقدين: أن نكاح الثانية فاسد من غير أن كان جمع ~~في العقد، بل في الملك لو ثبت العقد في الثانية، وإذا ثبتت الحرمة بهذا ~~العقد والملك لم يكن لعقد ملك اليمين ولا تملكه أثبت أنها لمعنى في ذلك، لا ~~لنفس ملك أو عقد. # وبعد: فإنهما في إيجاب الحل واحدة، ثبت أن ذلك ليس للحل نفسه، ولا للملك، ~~ولا للعقد؛ إذ كل ذلك على الانفراد لا يعمل هذا العمل؛ فيجب أن يكون المعنى ~~من ذلك الاستمتاع، والجمع في الفعل به غير ممكن؛ فثبت أنه لمعنى قد وصف ~~الجمع بالاستمتاع وذلك على وجوه: # أحدها: عقد الاستمتاع، وهو عقد النكاح؛ إذ عقد ملك اليمين قد يوجد ولا ~~يوجب حق الاستمتاع، وملك النكاح؛ إذ هو لا يخلو من أن يوجب ذلك الحق، ثم ~~كان نفس الاستمتاع بحقه أحق من الأسباب الموجبة له، والعدة مما يوجب ~~الاستمتاع نفسه؛ فهي أحق أن تكون شرطا للمنع، بل هي أولى؛ إذ قد يمنع ~~الاستمتاع بملك اليمين، ولا يمنع لحل ولا لملك ولا لسبب، فإذا وجب المنع في ~~النكاح لما هو سبب له فهو لأن يجب بحقيقته أحق، وإن شئت قلت: إن لم يتفرد ~~الخلق لنوع من السبب دون أن يشاركه غيره من الأسباب لزم أن يكون حقيقة ~~السبب مجهولا، لا يطلق ما قد يثبت الحرمة إلا بيقين، والله أعلم. # وأيضا إن عقدة النكاح قد حرم عليه وعليها، لكن الذي حرم عليه في محارمها ~~عليها في الكل. # PageV03P100 # ثم معلوم أن يملك الزوج فيها ما به يحل لغيره من الفراق حضرة فعله، فلما ~~دخل عجز عن ذلك بما أحدث له فيها الاستمتاع بها حقا بعد الفراق أبقاها على ~~ما سبق من الوصل بلا فراق؛ فعلى ذلك ما فيه من الحق؛ إذ ذلك واجب ms0968 بما فيه ~~الشرك على أنها في بقية ملك له بنكاح عملت فيها بقية ملكه عمل صلة ملكه ~~فمثله فيه، وقد ألحق بعض من أنكر حرمة الجمع في العدة بالوطء حرمة ما نزل ~~منها من اللبن على احتمال درور دونه، ودون الولد بما كان هو سببا في ذلك ~~كانت حرمة العدة أحق بذلك. # فالأصل: أن الحرمة قد ثبتت بالنكاح، فلما وقعت الفرقة أشكل زوالها؛ فلا ~~يزال بالشك مع ما في الإزالة تعليق الحرمة بالحل أو بالملك خاصة، وقد بينا ~~وجوبها لا لتلك الوجوه. # ثم الأصل في النكاح: أن المقصود منه الاستمتاع، وبحله يحل هو، وبحرمته ~~يحرم؛ فيجب أن يكون هو الأصل للتحريم والتحليل، وعلى هذا يحرم كثير من ~~الإماء في حق الاستمتاع بهن، وإن لم يحرم فيهن الملك، ويحرم بالاستمتاع في ~~ذلك، وإن كان الملك لا يوجب الحرمة؛ فإذا ثبت أن الاستمتاع أحق في التحريم، ~~والعدة حق الاستمتاع - أوجبها، فيجب أن تكون هي محرمة؛ لذلك لم يجز نكاح ~~الأخت فيها مع ما كانت موجبة الحرمة فيها أكثر مما يوجب في ملك اليمين، ثم ~~كان الاستمتاع بملك اليمين يحرم الاستمتاع بالأخت، فالعدة التي هي مجعولة ~~لتأكيد الحرمات وقطع المجعول للحل خاصة أحق أن يمنع، والله أعلم. # وعلى ما بينا إذا ثبت أن الاستمتاع هو الأصل في التحريم، سواء له وقع من ~~وجه يحل أو لا فيهن الحرمة حرمة الأنفس، لا حرمة الجمع؛ إذ لا أثر يقع له ~~جمع. # ثم الأصل في ذلك أن تعلق الحرمات بالمحرم من الأعيان أظهر منه بالمحللة ~~منها، ثم كان الاستمتاع بالأعيان المحللة توجب حرمة الأمهات والبنات فهو في ~~المحرم أحق مع ما لا يخلو أن تكون الحرمة لا تجب إلا فيما يحل، فيجب ألا ~~يجب في النكاح الفاسد، ولا في وطء جارية بعد وطء الابن، أو الملك فيهما ~~أيضا زائل بالنسب، فيجب ألا # PageV03P101 # تجب الحرمة فيما لا يكون منه نسب، أو في وقت لا يتمكن، أو بإيجاب الحقوق، ~~فيجب ألا تجب في مماسة الأمة دون الفرج، أو ms0969 للاستمتاع خاصة؛ فيجب استواء ~~حال السفاح والنكاح. # وقوله - عز وجل - (اللاتي دخلتم بهن) # قال بعضهم: هو كناية عن الجماع. # لكنه عندنا: الدخول بها: هو أخذه يدها في إدخالها في موضع الخلوة ~~والجماع، لا نفس الجماع، كما يقال: فلان دخل بفلان موضع كذا، لا يراد به ~~عين الدخول به المعروف، وهو أخذ اليد والدخول فيه؛ لذلك قلنا بأنه إذا ~~أدخلها في موضع وخلا بها، وجب كمال المهر بظاهر الآية، ووجبت الحرمة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل - أيضا: (اللاتي دخلتم بهن) كنى به عن الجماع من حيث لا ~~يكون الجماع إلا بالدخول بها مكانا يسترهما، وإلا فحقيقة الدخول بآخر ليس ~~بجماع، ولا يصلح القول به مطلقا دون ذكر المكان، إلا في المرأة بما يعلم ~~أنها لماذا يدخل؟ وفيم يدخل؟ فجائز أن يكون في الحرمة على حق الكناية، ~~والمراد منه الجماع، وجائز على حقيقة الدخول بها مكانا لذلك؛ إذ هو الظاهر، ~~وهذا الثاني يكون بأخذ يدها أو شيء منها؛ ليكون هو الداخل بها لا هي، ~~ووجوده لا يكون إلا للشهوة؛ فيكون هو المذكور للحرمة، فإذا لم يظهر حقيقة ~~المراد يجب الاحتياط في إيجاب الحرمة من كل وجه، أو تحقيق هذا؛ إذ هو أظهر ~~له، وله أدلة ثلاثة: # أحدها: ما روي: " ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها " أنه أوجب اللعن ~~بالنظر، فلولا أن نظر الأول قد حرم الثاني لم يلحقه به اللعن، ثم النظر دون ~~اللمس في العبادات والأحكام، فاللمس أحق في إيجاب الحرمة. # والثاني: ما بينا أن علة الحرمة الاستمتاع، ومعلوم أن معناه في القبلة ~~والمباشرة أعلى منه في السبب الذي يقضي به الاستمتاع، وهو النكاح، وقد أوجب ~~له، فالقبلة أحق أن يوجب لها، وذلك كما أوجب بسبب الحدث -وهو النوم- حكمه، ~~ثم لا يجب إلا في # PageV03P102 # حال دون حال، وقد يجب لنفس الحدث على كل حال، فمثله سبب الاستمتاع من ~~حقيقته، والله أعلم. # والثالث: أن كل أنواع الاستمتاع في الحرمة والحل متصل بالجماع، وبخاصة في ~~حقوق الأملاك؛ فعلى ذلك في فسخ الأملاك ms0970 وتحريمها، على أنه يبعد أن يكون ~~المرء يستمتع بالمرأة عاما ثم يستمتع بها ولدها، وكذلك بابنتها دون الفرج، ~~أو أن يكون من لا يقدر على الإيلاج لعنة أو جب يرتفع عنه الحرمة أبدا، ~~فيشترى أما وابنة ويستمتع بهما أبدا، وذلك بعيد؛ فيجب الحرمة من الوجه الذي ~~ذكرت. # وقوله - عز وجل -: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم). # يحتمل ذكر الصلب وجوها: # أحدها: يحتمل أن يكون ذكر الصلب؛ ليعلم أن الحرمة في حليلة الولد كهو في ~~الولد الصلب، وكذلك الحرمة في حليلة ابن الرضاع كهي في حليلة ابن الصلب؛ ~~على ما كانت في محارم الرضاع، وإن لم يذكر: نحو أن ذكر أمهات الرضاع ~~وأخواته، ولم يذكر غيرها، ثم دخل ما دون ذلك في الحرمة؛ فعلى ذلك هذا. # وقال بشر: دل تخصيص الأصلاب على فسخ حرمة حليلة الابن عن الرضاعة؛ إذ لا ~~يكون من الرضاع ابن. # قلنا: لو لم يكن من الرضاع ابن لم يكن لذكر الصلب للابن معنى ولا فائدة؛ ~~دل أنه يكون من الرضاع ابن على ما يكون من النسب، وأن الحرمة من الرضاع كهي ~~في النسب، وإن كانوا في الحقوق مختلفين: نحو العتاق، يعتق بعض على بعض، ~~ويوجب لبعض في أموال بعض النفقة، وحقوق بمثلها لا توجب في محارم الرضاع، ~~وذلك - والله أعلم - أن الرضاع انتفاع، والنسب حدوث نفس بعضهم من بعض، فإذا ~~كان كذلك لم يوجب الرضاع إلا حرمة الانتفاع خاصة، وهو الاستمتاع، وأما ~~النسب فهو كون الولد منه، وحدوث نفسه منه؛ فأوجب مع ذلك حقوقا، ولأن في ~~إقرار بعضهم في يد بعض -مماليك وعبيدا- قهرا وغلبة لم يوجب ذلك؛ فما لم ~~يحصل لبعضهم قهر بعض، لذلك كان الجواب ما ذكر. # وقيل: إنه ذكر أبناء الأصلاب؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ~~امرأة زيد بن حارثة بعد ما # PageV03P103 # طلقها، وقد كان تبناه، فعابه المنافقون على ذلك، وقالوا: تزوج رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - امرأة ابنه، فأنزل الله - تعالى -: (وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم). # وقوله - عز وجل -: (وأن تجمعوا ms0971 بين الأختين إلا ما قد سلف) # يحتمل قوله - سبحانه وتعالى -: (وأن تجمعوا بين الأختين) وجوها: # يحتمل الجمع بينهما في العقد، وقد أجمعوا: أنه إذا لم يجمع بينهما بالعقد ~~ولكنه تزوج إحداهما، ثم تزوج أخرى، لم يحل له نكاح الأخرى؛ دل أنه لم يرد ~~به الجمع في العقد. # أو يحتمل الجمع في الملك، وقد أجمعوا -أيضا-: أن له الجمع بينهما في ملك ~~اليمين؛ فدل أنه إنما أراد الجمع بينهما في الاستمتاع، وإذا استمتع ~~بإحداهما بنكاح، ثم فارقها، لم يحل له أن يتزوج أختها، والأولى في عدة منه ~~من طلاق بائن؛ لأن الاستمتاع هو الذي حبسها عن الأزواج؛ فكان كالجمع بينهما ~~في الاستمتاع، ولأن المعنى الذي به حرم الجمع في ملك النكاح، ذلك إذا كانت ~~في عدة منه موجود، وهو خوف القطيعة فيما بينهما، والله أعلم. # ولأن أكثر أحكام الزوجات قائم فيما بينهما: نحو الإسكان، والإنفاق عليها، ~~وإلحاق الولد، وغير ذلك من الحقوق. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل طلق امرأته، فلم تنقض عدتها حتى ~~تزوج أختها، ففرق علي بينهما، وجعل لها الصداق بما استحل من فرجها، وقال: ~~تكمل الأخرى عدتها، وهو خاطب. # وعن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تحته أربع نسوة، فطلق إحداهن ثلاثا، ~~أيتزوج رابعة؟ فقال: لا، حتى تنقضي عدة التي طلق. # وعن عائشة - رضي الله عنها - مثله. # واختلف في الجمع بين الأختين من ملك اليمين: عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~سئل # PageV03P104 # عن المرأة وأختها من ملك اليمين، هل توطأ بعد الأخرى؛ قال: ما أحب أن ~~أجيزهما جميعا، ونهى عنه. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه حنث في الأختين من ملك اليمين، فقال: ~~حمل أحدكم ملك اليمين. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: يحرم من جمع الإماء ما يحرم من جمع ~~الحرائر إلا العدد. # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وقع على ~~إحداهما أيقع على الأخرى؟ قال: لا ما دامت في ملكه. # وأجمعوا -أيضا- على أنه ms0972 إن تزوج بامرأة فاشترى أختها لم يحل له أن يطأها؛ ~~إلى هذا ذهب أصحابنا؛ رحمهم الله. # ثم إذا طلق امرأته وانقضت عدتها أو ماتت، حل له أن يتزوج أختها، ولم يحل ~~له أن يتزوج بأمها، وذلك - والله أعلم - بأن الحرمة في الأخت في نفسها وليس ~~في ولدها، والحرمة في الأم والابنة في أنفسهما، وفي ولدها، فإذا كانت ~~الحرمة في الأخت من وجه، وفي الأم من وجهين، ففيما كانت الحرمة من وجه كانت ~~حرمة الجمع لا حرمة تأبيد، وفيما كانت من وجهين حرمة جمع وحرمة تأبيد؛ ~~لأنها تأدت إلى أولادها، وفي الأخت لم يتأد؛ لذلك اختلفا. # وقوله - عز وجل -: (إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما) # يحتمل: إلا ما قد سلف قبل التحريم في الجاهلية، فإنهم إذا انتهوا عن ذلك ~~في الإسلام، يغفر الله لهم. # ويحتمل قوله: (إلا ما قد سلف) وإن كان محرما في ذلك الوقت فإنهم إذا ~~انتهوا عن ذلك بعد الإسلام يغفر ذلك لهم، ويتجاوز عنهم، فهم كما ذكرنا في ~~قوله: (إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة). # PageV03P105 # يحتمل: كان في ذلك الوقت فاحشة. # ويحتمل: كان فاحشة، أي: صار فاحشة في الإسلام. # * * * # قوله تعالى: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) # وقوله - عز وجل -: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) اختلف في ~~تأويله: # قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: " والمحصنات عن النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم " قال: ذات الأزواج من المسلمين والمشركين. # وقال علي - رضي الله عنه -: ذات الأزواج من المشركين. # وذهب عبد الله في تأويل الآية إلى أن بيع الأمة طلاقها؛ فيحل للمشتري ~~وطؤها، وأسر الكتابية والمشركة يحلها لمولاها؛ وإن كان لها زوج في دار ~~الحرب. # وذهب علي - رضي الله عنه - إلى أن الآية نزلت في المشركات. # وعن ابن ms0973 عباس - رضي الله عنه - قال: كل ذات زوج إتيانها زنا؛ إلا ما ~~سبيت. # وروي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: وقعت في سهمي يوم أوطاس ~~جارية، فبينا أنا أسوقها إذ رفعت رأسها إلى الحل فقالت: ذلك زوجي؛ فأنزل ~~الله - سبحانه وتعالى -: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم. . .) ~~الآية، قال أبو سعيد - رضي الله عنه -: فاستحللنا فروجهن بها. # بين أبو سعيد الخدري، في حديثه أن الآية نزلت في المشركات ذات الأزواج، # PageV03P106 # وكأن حديثه يقوي قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومن وافقه. # وقيل -أيضا- في تأويل الآية: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت) قال: ~~والمحصنات من النساء حرام على الرجال إلا ما ملكت يمينك، قال: ملك يمينه ~~امرأته. # وعن أبي قلابة قال: ما سبيتم من النساء، إذا سبيت المرأة ولها زوج من ~~قومها، فلا بأس أن يطأها. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (والمحصنات من النساء) قال: لا يحل له أن ~~يتزوج فوق أربع نسوة وما زاد عليهن، فهو عليه حرام كأمه وابنته وأخته: (إلا ~~ما ملكت أيمانكم) الإماء فإنه على أربع، وأكثر من أربع. # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: (إلا ما ملكت أيمانكم) هن نساءكن ~~نصيبهن، يهاجرن ولا يهاجر أزواجهن، فمنعناهن في هذه الآية، ثم أنزل الله - ~~عز وجل - في الممتحنة: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن)، ~~حللن لنا بعد أن نتزوجهن، وفيه نهى عن الزنا وأباح التزويج، فجعلوا ملك ~~اليمين التزويج. # وأصح التأويلين وأولاهما بالقبول ما روي عن علي أبن أبي طالب - رضي الله ~~عنه -، # PageV03P107 # وابن عباس - رضي الله عنه - لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك هو الحق؛ لأن الله - تعالى - قد فصل في ~~غير هذا الموضع بين التزويج وملك اليمين، فجعل ملك اليمين الإماء؛ ألا ترى ~~إلى قوله: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) وقال: (لا يحل لك النساء ~~من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج)، فهاتان الآيتان ms0974 تدلان على أن قول الله - ~~سبحانه وتعالى - في آية المحصنات: (إلا ما ملكت أيمانكم) على غير الأزواج، ~~كما روي عن الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - الذين ذكرناهم، ~~ثم الكلام بين علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - ونحن نعلم أن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - أوجب على الأمة إذا باعها مولاها ولها زوج - العدة؛ إذا كان ~~قد دخل بها، وأنها عنده لا تحل لمولاها حنى تنقضي عدتها، فلم يجعلها حلالا ~~للمولى الثاني بملكه إياها؛ فكان قول علي - رضي الله عنه - أشبه بظاهر ~~الآية؛ لأنه تأول الآية على متزوجة تحل بالملك لمولاها في حال الملك من قول ~~عبد الله؛ إذ جعلها محرمة وإن كانت مملوكة حتى تمضي عدتها. # وفي ذلك وجه آخر: وهو أن الله - تعالى - قال: (والمحصنات من النساء إلا ~~ما ملكت أيمانكم) وعند الله يحرمها على البائع ويحلها للمشتري، ولم يخص ~~الله - تعالى - أحدا من المالكين. # وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حمل الآية على امرأة كافرة ~~متزوجة سبيت، فأحلها الله - تعالى -: هي لمالكها، فلم تعرف من حال ~~المملوكة، هذا مع موافقة الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه. # وظاهر الآية يدل على أن المأسورة ذات الزوج لا عدة عليها، وهو قوله - ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات. . .) إلى قوله: ~~(ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن)، فأمر ألا يردهن إليهم ~~وينكحهن، فلما جاز أن يتزوج الحرة إذا خرجت مسلمة ولا عدة عليها، حلت إذا ~~سبيت فملكت قبل أن تعتد. # والثاني: إنها كانت حرة، فأبطل السبي حكم الحرية والزوجية، فكذلك يبطل ~~حكم العدة. # هذا كله إذا سبيت ولم يكن معها زوجها، فأما إذا سبيت وزوجها معها، فإن ~~الفرقة لا # PageV03P108 # تقع بينهما؛ لأنها لو بانت من زوجها بانت للرق، والرق لا يمنع ابتداء ~~النكاح كيف يعمل في فسخ نكاح ثابت؟ ولكن اختلاف الدارين هو الموقع فيما ~~بينهما الفرقة؛ لفوت الاجتماع بينهما، وإذا فات الاجتماع بين الزوجين ~~والإياس عن الانتفاع وقعت ms0975 الفرقة فيما بينهما، وهذا يبطل قول من يقول: إنه ~~تقع الفرقة فيما بينهما للرق. # والثالث: أن العدة حق من حقوق الزوج؛ يبين ذلك قول الله - سبحانه وتعالى ~~-: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)، فلا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة ~~الخارجة إلى دار الإسلام حق، فإذا لم تكن عليها العدة لها أن تتزوج، وسبيل ~~الأمة المسبية مسألة الحرة المسلمة؛ لأن حكم الإسلام قد جرى عليها؛ فحلت ~~للمولى وإن كان لها في دار الحرب زوج. # ومن الدليل -أيضا- على أن المسبية ذات الزوج يحل تزوجها ووطؤها لمولاها: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج صفية بنت حيي بن أخطب في رجوعه ~~من خيبر قبل أن يصل إلى المدينة، ومعلوم أنه كان لها زوج كبير، وأن عدتها ~~منه لو كانت واجبة لم تنقض في تلك المدة؛ فهذا يبين ألا عدة على مسبية من ~~زوجها المقيم في دار الحرب، ولا على مسلمة إذا خرجت من دار الحرب، وأقام ~~زوجها هنالك. # وقوله - عز وجل -: (والمحصنات من النساء. . .) الآية. # قيل فيه بأوجه ثلاثة: # أحدها: في المسبية ذات الأزواج، وكذلك روي عن علي وأبي سعيد الخدري - رضي ~~الله عنهما - فيكون فيه أمران: # أحدهما: الحرمة على الأزواج. # والثاني: ارتفاع العدة؛ إذ هما حقان للحربي، وحقه في نفسه لا يمنع ~~الاسترقاق، ولو كانت حرة الاستمتاع فمثله في زوجته، لكن يدخل على هذا سبي ~~الزوج معها أن الرق قد ثبت فيهما ولم يبطل النكاح؛ فيجاب لهذا بوجهين: # أحدهما: الاستحسان من حيث يلزم المولى حق الإنكاح بقوله: (وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين. . .) الآية، فلم يبطل عليه التجديد، وليس هذا في ~~سبي الزوجة؛ # PageV03P109 # فلا تعفف لها به، وهو في دار الحرب. # والثاني: أن يكون الزوج وحق الرق إنما يجب إذا أخرج المرء من يد نفسه، ~~والمملوك قد يكون له يد في النكاح، فكأنها لم تخرج من يده إذا سبي معها، ~~وإذا لم يسبيا لا يكون لمن في دار الحرب يد في دار الإسلام. # وفي حق الآية عبارة أخرى: أنها إذا سبيت دونه ms0976 انقطعت عنها عصمة الزوج، ~~وقد جعل الله - تعالى - انقطاع عصمته بسبب حل غيره؛ لقوله - تعالى -: (إذا ~~جاءكم المؤمنات. . .) إلى قوله (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن)، وقد جعل ذلك ~~في الزوج سببا لقطع عصمته بقوله - تعالى -: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، ~~وعصمة الزوجين عصمة مشتركة، أيهما خرج مسلما خرج لئلا يعود، وكذلك المختلف ~~يختلف لئلا يخرج؛ فبطلت العصمة بينهما، وأحل التناكح، ولو خرجا معا لا، ~~فمثله أمر السبي. # وتأويل آخر: أن يكون قوله - تعالى -: (والمحصنات من النساء. . .) الآية ~~إلى قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء. . .) الآية، على ألا يحل وراء ~~الأربع إلا ملك يمين، وعلى هذا في غير ذات الأزواج، وقد روي مثله عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - ويكون في ذلك بيان ما كانت حرمته من حيث العدد، ~~ويختص في النكاح، فإن كان النكاح وملك اليمين فيما كانت الحرمة من حيث ~~المنكوحة يستوي من حيث كانت حرمة العدد بحيث العقد بما فيه من الحقوق التي ~~لا يقوم لها إلا بشر قد عصم، وملك اليمين لا يجب فيه ذلك، وما كانت الحرمة ~~بحيث نفس المرأة تستوي لاستواء الملكين في حق الحل والحرمة. # ووجه آخر: قيل: المحصنات: هن الحرائر، وما ملكت أيمانكم بالنكاح، فذهب من ~~يقول بهذا إلى ما لو لم يذكر " أيمان "، ولكن قال: " المحصنات من النساء ~~إلا ما ملكتم "؛ فيكون التحريم في غير النكاح، لكنه بعيد على المعهود من ~~الكلام أنه لا يتكلم به إلا في ملك اليمين خاصة، ويجوز جعل الأمرين من ~~الإماء على خطر وطء الزانيات على الموالي، واختيار المتعففات منهن لمكان ~~الأولاد. # PageV03P110 # وقوله - تعالى -: (كتاب الله عليكم) # قيل: كتب الله عليكم ما ذكر مما مر في هؤلاء الإناث. # وقال الكسائي: نصب كتاب الله على قوله: حرم كذا وأحل كذا، كتاب الله ~~عليكم؛ على الأمر؛ يقول: عليكم كتاب الله، ودونكم كتاب الله، اتبعوا كتاب ~~الله، في نحو هذا المعنى. # وقيل: (كتاب الله عليكم) يقول: هذا حرام الله عليكم في الكتاب. # وقيل: هذا التحريم من النكاح قضاء الله عليكم ms0977 في الكتاب. # وقوله - جل وعز -: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) اختلف فيه: # قيل: (ما وراء ذلكم) أي: ما سوى ذلكم، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه؛ ~~دليله قوله: (ويكفرون بما ورآءه)، أي: سواه. # وقيل: (ما وراء ذلكم) أي: ما قبله وأمامه، وهو كقوله: (وكان وراءهم ملك)، ~~وهو كان أمامهم. # وقيل: (وراء ذلكم) أي: بعد ذلك وخلفه، وهو ظاهر. # ومن قال سوى ذلك يقول: أحل لكم ما سوى ذلكم الذي حرم عليكم ما لم يسم ~~لكم. # ومن قال (وأحل لكم ما وراء ذلكم): أمام ذلك وقبله، وهو ما ذكر قبل هذه ~~المحرمات: قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع). # PageV03P111 # ومن قال: (ما وراء): بعد، أي: ما بعد الأربعة الأصناف المحرمة: المحرمات ~~بالنسب، والمحرمات بالرضاعة، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، يقول: ~~أحل لكم ما بعد هؤلاء الأربعة الأصناف. # وقيل في قوله: (والمحصنات من النساء): هن المتعففات من الإماء (إلا ما ~~ملكت أيمانكم) من الإماء المسافحات الزانيات، كأنه قال: فاستمتعوا ~~بالمتعففات منهن ولا تستمتعوا بالزانيات؛ لأنهن يلبسن عليكم النسب، وهو ~~كقوله - تعالى -: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا). # وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) بين الله - تعالى - ~~أن النكاح لا يكون إلا ببدل يكون مالا؛ لأنه قال: (بأموالكم). # وفي الآية دلالة -أيضا- على أن ما يملك ولا يقع عليه اسم المال لا يكفين ~~مهرا؛ لأنه قال: (أن تبتغوا بأموالكم) ولا يسمى الدانق والحبة: مالا، ولو ~~كانت الحبة مالا كانت التمرة مالا، فثبت بما وصفنا من دلالة الآية أن ~~المهور لا تكون إلا من الأملاك. # فإن قيل: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: " قد زوجتكها ~~بما معك من القرآن "، قيل: تأويله عندنا - والله أعلم -: " بما معك من ~~القرآن " أي: من أجل ما معك من القرآن، ولا يجوز أن تكون السورة مهرا بدليل ~~الكتاب؛ لأنها ليست بمال، وكذلك كل شيء ليس بمال ولا يكون له قيمة، فلا ~~يجوز أن يكون مهرا، وكذلك قوله - سبحانه وتعالى ms0978 -: (فنصف ما فرضتم)، يدل ~~على أن السورة وما لا يتمول لا يكون مهرا. # وروي عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - تزوج على وزن نواة من # PageV03P112 # الذهب. # قلنا: وزن نواة من الذهب يكون دينارا. # فإن قيل: قد بين في الخبر قيمتها ثلاثة دراهم وثلث، لكن لا ندري من كان ~~المقوم للنواة، ولا يجوز أن يجعل تقويم ذلك المقوم وتفسيره حجة على علمائنا ~~حتى نعلم ذلك، مع ما قال قوم: إن النواة عشرة دراهم، وهو ما قال إبراهيم. # فإن قيل: روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " من أعطى في نكاح ملء كفه طعاما أو دقيقا أو سويقا فقد استحل ~~". # وكذلك يقول أصحابنا - رحمهم الله - ولكن يتم لها عشرة دراهم، ولم يقل ~~النبي - - صلى الله عليه وسلم -: ولا شيء عليه سوى ذلك مع ما يقول المخالف ~~لنا إذا كان المهر مما لا يتمول لم يكن مهرا، وملء الكف من الطعام لا ~~يتمول، وإن جعل ذلك مهرا فقد ترك أصله: أن ما لا يتمول فليس بمهر، فكذلك ما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " زوجتكها بما معك من القرآن " ~~ولم يذكر أن ليس عليه سوى ذلك، وأهل العلم مجمعون على أن السورة لا تكون ~~مهرا. # ومن الحجة لعلمائنا ما روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا مهر دون عشرة ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: " لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - مثله. # PageV03P113 # على أن أهل العلم أجمعوا أن النكاح لا يكون إلا ببدل، وأنه خالف سائر ~~الأملاك التي توهب ويتصدق بها بغير بدل، وكل يجعل لذلك حدا، وإن اختلفوا في ~~ذلك المقدر والحد، وكل يقول -أيضا-: إن التافه لا يكون مهرا، فذهب أصحابنا ~~أن الفروج لما لم تملك إلا ببدل، لم يجعل البدل إلا ما أجمعوا عليه، وهو ~~عشرة دراهم؛ إذ ms0979 كان النكاح مخصوصا ألا يملك إلا ببدل دون غيره من الأملاك. # وقوله - عز وجل -: (محصنين غير مسافحين) # قيل: متناكحين غير زانين بكل زانية. # وقيل: (بأموالكم محصنين) أي: عفائف للفروج، وغير مسافحين في العلانية ~~بالزنا؛ وكأنه أمر - عز وجل - ابتغاء النكاح بالأموال، ونهي عن الاستمتاع ~~بغير مال. # وقيل: المسافح الذي يزني بكل امرأة يجدها، والمسافحة كذلك تزني بكل أحد. # والمتخذات أخدان: هن اللاتي لا يزنين إلا بأخدانهن. # والسفاح من الفعل: ما ظهر وعلا. # مسألة في المتعة: # وقوله - تعالى -: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) # ذهب قوم إلى جواز المتعة بهذه الآية؛ يقولون: ذكر الاستمتاع بهن ولم يذكر # PageV03P114 # النكاح، وذكر الأجر بعد الاستمتاع، والمهر إنما يجب في النكاح بالعقد: ~~يؤخذ الزوج أولا بالمهر ثم يستمتع بها؛ فهو بالمتعة والإجارة أشبه؛ كقوله - ~~تعالى -: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)، أمر بإيتاء " الأجرة إذا أرضعن ~~فعلى ذلك: لما ذكر الاستمتاع بهن، وأمر بإيتاء الأجر لا المهر؛ دل أنها ~~نزلت في المتعة. # وأما عندنا: فإنها نزلت في النكاح؛ دليله ما تقدم من الذكر، وهو قوله: ~~(وأحل لكم ما وراء ذلكم) نكاحا، وقوله: (محصنين) هو: متناكحين، (غير ~~مسافحين) هو غير زانين. # وقوله - تعالى -: (أن تبتغوا بأموالكم) كل ذلك يدل أنه في النكاح، فكذلك ~~قوله: (فما استمتعتم به منهن) في النكاح (فآتوهن أجورهن) وقد سمى الله ~~المهر أجرا؛ كقوله: (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، وقال: ~~(فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن). # وأما قولهم: ذكر إيتاء الأجر بعد الاستمتاع والمهر يجب بالنكاح - فهو على ~~التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن؛ كقوله - ~~تعالى -: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن)، أي: طلقوهن، -إذا طلقتم- لعدتهن، ~~ونحو ذلك كثير. # وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: (فما استمتعتم به منهن) فآتوهن مهورهن ~~كملا، وإذا لم يدخلوا بهن فالنصف بالآية الأخرى؛ فهذا فائدة ذكر الأجور ~~والاستمتاع، وهو بالنكاح أشبه وأولى من المتعة؛ لما ذكرنا من تحريم الأجناس ~~من المحرمات في أولها وإباحتها # PageV03P115 # في آخرها ما وراء ذلك، وبين -أيضا- أن الاستمتاع هنا النكاح، وأن ms0980 الأجر ~~هو المهر؛ لما ذكرنا. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: رحم الله عمر، ما كانت المتعة ~~إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد؛ فلولا نهيه عنها إيانا ما زنى إلا شقي، ~~وكان يراها حراما حلالا. # قال: وكان يقول في حرف أبي: " إلى أجل مسمى ". # وروي عنه أنه قال: إن الناس هذا قد أكثروا في المتعة، فقال: إنها لا تحل ~~إلا لمن اضطر إليها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فدل قوله: إنها بمنزلة ~~الميتة على أنه رجع عن قوله الأول؛ فإن كانت المتعة في حال غير الضرورة ~~حراما فهي في حال الضرورة حرام، وإنما أحل الله المحرم في الضرورة إذا خاف ~~الرجل على تلف نفسه، وليس في ترك الوطء خوف تلف نفسه. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -: (فما استمتعتم به ~~منهن) قال: نسخها: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء. . .) الآية. # هذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول. # ومن الدليل على تحريمها قول الله - سبحانه وتعالى -: (والذين هم لفروجهم ~~حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فحرم الله - تعالى - من ~~الجماع ما عدا النكاح وملك اليمين، والمتعة ليست بملك نكاح، ولا ملك يمين؛ ~~فهي # PageV03P116 # داخلة في التحريم. # ومن الدليل على تحريمها ما روي عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه، نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم ~~الحمر الإنسية. # وعن سبرة الجهني، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهي عن متعة ~~النساء يوم فتح مكة. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~خيبر عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية. # وفي خبر آخر أنه كان قائما بين الركن والمقام وهو يقول:: إني كنت أذنت ~~لكم في المتعة، فمن كان عنده شيء فليفارقه، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا؛ ~~فإن الله - عز وجل - قد حرمها إلى يوم القيامة ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: سمعت عمر ms0981 - رضي الله عنه - يقول في ~~المتعة: لو تقدمت فيها لرجمت. # وعن عبد الله قال: المتعة -متعة النساء- منسوخة، نسخها الطلاق، والصداق، ~~والعدة، والمواريث، والحقوق التي تجب في النكاح. # PageV03P117 # وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها إذا ذكر لها المتعة قالت: والله ما نجد ~~في كتاب الله النكاح والاستسرار، ثم تتلو هذه الآية: (والذين هم لفروجهم ~~حافظون) الآية. # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما. فأنكر قوم على عمر - رضي ~~الله عنه - إقراره أنهما فعلا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه ~~عنهما. # لكن الجواب في ذلك كحكم أنه علم بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~متعة النساء، وما نزل فيها من نص القرآن؛ فكان وعيده لاحقا بمن فعلها لعلمه ~~بأنها منسوخة. # وقوله - عز وجل -: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) يحتمل الإجارة. # ويحتمل التسريح بالنكاح أنه إذا كان بعد الاستمتاع يؤتيهن كل المهر؛ لأنه ~~ذكر المهر في النكاح، والبعض بعد الطلاق، فبين الكل في هذا، وأيد هذا ~~التأويل ما كان عليه ذكر المحرمات والإحلال أنه كله بالنكاح، وكذلك على ذلك ~~قوله - تعالى -: (ومن لم يستطع منكم طولا)، أن كله في النكاح لا في الإجارة ~~وإن ذكر فيه الأجر كما ذكر للإماء، ولو كان بالإجارة فهو منسوخ بقوله: (ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء)، كان ذلك إجارة وصف أنه بغي، ونهوا عن ذلك. # وبقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون)، ذكر أن مبتغي وراء ذلك باغ بهذا لو ~~عرف بحكم الكتاب، فما ذكرته له ناسخ، ولو عرف بالإخبار، فكانت أخبار ~~الإباحة رويت مقرونا بها النهي، فمن رام الأخذ بطرف منها على الإغضاء عن ~~الطرف الثاني أعطى خصمه الإغضاء عليه بالطرف الثاني والمنع عما قال به. # ثم امتناع الأمة عن العمل على ظهور الحاجة، ونفور الطباع عن قبول مثله من ~~أحد في المتضدين؛ فاصبر على الحق. # ثم دل ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: نسخه الطلاق والعدة ms0982 ~~- أن الأول كان نكاحها يمضي بمضي المدة أبطله ارتفاع أحكام النكاح عنه. # PageV03P118 # وقوله - عز وجل -: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة). # في الآية دلالة أن الزيادة في المهر جائزة؛ لأن الفريضة هي التسمية. # فإن قيل: قوله: (فيما تراضيتم) معناه قوله: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح. . .): هو أن تبذل المرأة من مهرها شيئا للزوج، أو الزوج ~~لها. # قيل: لو كان ذلك كذلك برضاها؛ يعني: رضا زوجها، وقال: (تراضيتم به) فجعل ~~للزوج في الرضا نصيبا، ومعناه - والله أعلم - أن الزوج إذا زاد على المهر ~~فذلك جائز، فهذا التراضي إنما يكون منهما جميعا في الحالين، وذلك أصل ~~الزيادة في المهر، والثمن في البيع، وأشباه ذلك. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخطب أم سلمة ويقول: " ~~إن كان إيمانك أن أزيدك في الصداق زدتك، وإن أزدك أزد النسوة ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: زدها، فهو أعظم للبركة. # وروي عن عثمان وعمار كذلك. # وقد دل الكتاب والسنة وقول الصحابة على جواز ذلك، فهو الحق، وعلى ذلك ~~جمهور المسلمين في بياعاتهم وتجاراتهم. # ومن الدليل -أيضا- على جواز الزيادة في الثمن والمهر وأنها تصير كأنها ~~كانت مسماة في عقد البيع -: أن رجلا لو اشترى من رجل عبدا بيعا باتا، ثم إن ~~أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوما فنقض البيع - أن نقضه جائز، ويصير ذلك ~~كالخيار المشروط في أصل البيع، وكذلك رجل اشترى عبدا بألف درهم حالة، ثم إن ~~البائع أخل المشترى في الثمن # PageV03P119 # شهرا - كان الأجل جائزا، ويصير كأنهما سميا الأجل في عقد البيع، فوجب أن ~~تكون الزيادة بعد البيع في الثمن، كأنها كانت في عقد البيع. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عليما حكيما)، (عليما)، فيما حرم وأحل، ~~(حكيما) حيث وضع كل شيء موضعه. # * * * # قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات ms0983 غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك ~~لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # وقوله - عز وجل -: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم) # وقال - عز وجل -: (ذلك لمن خشي العنت منكم) فقال بعض أهل العلم: لا يجوز ~~تزوج الأمة حتى يعجز عن نكاح الحرة، ويخشى مع ذلك العنت، فإذا اجتمع ~~الأمران فحينئذ يجوز أن يتزوج الأمة، ولا يجوز أن يكون تأويل الآية في هذا؛ ~~وذلك أن الإماء أعز وجودا اليوم من الحرائر، ويجد الرجل حرة يتزوجها بأدنى ~~شيء ما لم يجد بمثله الأمة، إلا أن يقال: إن الإماء في ذلك الزمان أوجد، ~~وإن الحرائر أعز، وإن مؤنة الإماء ومهورهن أقل، فخرج الخطاب على ذلك. # أو أنه لما نزل قوله - سبحانه وتعالى -: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين ~~من عبادكم وإمائكم)، رغب السادات في تزويج الإماء بشيء يسير، فعند ذلك نزل ~~قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا. . .) الآية، وإلا الأمر الظاهر ما ~~ذكرنا أنهن أعز وجودا من الحرائر وأكثر مؤنة، وأن الحرائر أهون وجودا، ~~ومؤنتهن أقل. # أو أن تكون الآية في الإنفاق عليهن، ليس في ابتداء النكاح، وهو أن الرجل ~~إذا تزوج حرة لزمه أن ينفق عليها شاء أو أبى، فإذا عجز عن الإنفاق عليها ~~يطلقها ويتزوج بأمة؛ إذ نفقة الأمة على سيدها ونفقة الحرة عليه، فأمر أن ~~يطلق الحرة التي نفقتها عليه ويتزوج أمة تكون نفقتها على سيدها، هذا أشبه - ~~والله أعلم - مما قاله أولئك. # PageV03P120 # أو أن يقال: إنه أراد بالنكاح الوطء، لا العقد والتزويج على ما قال علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه -. # والنكاح اسم للوطء والتزويج جميعا، قال الله - تعالى -: (الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة)، وتأويله الوطء، فكذلك الأول، ومعنى قول علي - رضي ~~الله عنه - حيث حمل الآية على الوطء؛ لأنه قال لا يتزوج الأمة على الحرة. ~~كأنه منعه من ذلك؛ لأنه قادر على ms0984 وطء الحرة، ويتزوج الحرة على الأمة. يقول: ~~يتزوج الأمة ولم يكن قادرا على وطء الحرة؛ فجاز نكاحه. # أو إن كانت الآية في ابتداء النكاح والتزويج؛ على ما قالوا، فليس فيها ~~حظر نكاح الإماء وبطلانه في حال الطول والقدرة؛ لأنه أباح نكاحهن في حال ~~عدم الطول والقدرة، ومن أصلنا: أن ليس في إباحة الشيء وحله في حال - دلالة ~~حظره ومنعه في حال أخرى؛ دليله: قوله: (أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، ليس ~~فيه أنه لا يحل له إذا لم يؤت أجورهن، وقوله - تعالى -: (فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) ليس فيه حظر الأربع وإن خاف ألا يعدل؛ ~~فهذا يدل على أن حظر الشيء ومنعه في حال، لا يوجب الحظر في حال أخرى، ~~وإباحة الشيء في حال وحله لا يوجب منعه وحرمته في حال أخرى، على أن المخالف ~~لما لم يجعل الإيمان المذكور في الآية شرطا لقوله - تعالى -: (أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات) فإذا لم يصر الإيمان شرطا في حال نكاح الإماء، كيف صار ~~الطول والقدرة شرطا فيه؟! إذ من قوله أن ليس له أن ينكح الأمة إذا كان له ~~طول نكاح المحصنة الكتابية، فلما لم يصر هذا شرطا في ذلك كيف صار الطول ~~والعنت شرطا؟! وهذا يبطل قوله: أن ليس له أن ينكح أمة كتابية؛ لأنه يقول: ~~لأن الله - تعالى - شرط فيهن الإيمان بقوله: (من فتياتكم المؤمنات) فإذا لم ~~يصر الإيمان شرطا في المحصنات كيف صار شرطا في الإماء، وذلك كله عندنا ليس ~~بشرط. # فإن قال قائل: إن قول الله - تعالى -: (فمن لم يستطع فإطعام. . .) كذا، ~~ليس ذلك شرطا حتى لا يجوز غيره إذا كان له طول العتاق وقدرة الصوم ما ينكر ~~أن يكون الأول بمثله. # PageV03P121 # قيل: صار ذلك شرطا فيه؛ لأنه فرض لزمه بشريطة لم يكن له الخروج والتعدى ~~إلى غيره، وأما النكاح: فليس هو بفرض لزمه بوجود الطول والقدرة والعتاق، ~~وما ذكر فرض لزمه بوجود الطول والقدرة عليه، ويجوز الطعام، لكن لم يسقط ~~الفرض الذي لزمه عنه؛ لذلك صار ms0985 شرطا فيه، والأول لم يصر. # فإن قال: ما معنى الآية إذن؟ قيل: معنى الآية على الاختيار والأدب، أو ~~على الإنفاق الذي ذكرنا، أو ألا يختار نكاح الأمة على نكاح الحرة إذا كان ~~له طول الحرة؛ على ما جاء عن عمر - رضي الله عنه - قال: أيما حر تزوج أمة ~~فقد أرق نصفه، وأيما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه. لا يختار نكاح الأمة وله ~~إلى طول الحرة سبيل. # ويجيء أن يكون قوله: (ذلك لمن خشي العنت منكم) هو ألا يحمل على الزنا، ~~ولكن يحمل على مخالطتهن الناس واسترقاق الأولاد، فإذا أمنه السيد عن ~~استرقاق الولد، وعن ترك الاختلاط بالناس، فعند ذلك يتزوجها؛ إذ قلوب الناس ~~لا تحتمل اختلاط أزواجهم بالناس واسترقاق الأولاد، فحمل العنت على هذا أشبه ~~من الزنا. # ومن الدليل -أيضا- على ألا يعتبر الطول على التزوج على ما قالوا: إذا ~~تزوج أمة ثم قدر على تزوج الحرة لم يفسد نكاح الأمة، وهو قول ابن عباس - ~~رضي الله عنه - فعلى ذلك طوله في الابتداء على نكاح الحرة لا يمنع جواز ~~نكاح الأمة، والله أعلم. # على أن عدم الطول في الأصل لا يمنع نكاح الحرة؛ إذ المهر شيء يلزم الذمة، ~~وعدم النفقة يمنع الإمساك عنده؛ فدل أن الآية لعدم نفقة الحرة أشبه وأقرب ~~من عدم طول مهر الحرة في الابتداء؛ على ما ذكرنا. # والأصل: أن كل أمر يجوز بشرط الاضطرار؛ فإن ارتفاع الضرورة يمنع البقاء، ~~فإذا لم يمنع بأن أنه لا على الحل بالضرورة، وعلى ذلك يختار لمن تحته حرة ~~مفارقة الأمة؛ إذ بإمساكها رق الولد الذي يقبح في العقل اختياره، ومخالطة ~~الزوجة في الطبع نفار منه، فمثله في الابتداء - والله أعلم - مع ما قال ~~الله - تعالى -: (وأن تصبروا خير لكم) وليس عن الذي فيه الضرورة شرط الصبر، ~~ثم القول واحد فيهن بملك المال وهو غائب عنه يخشى العنت إلى أن يبلغ ذلك ~~أنه لا يمنع النكاح، وجميع ما له الحرمة، يستوي غيبة ذلك وحضرته: كنكاح ~~الأمة على الحرة، والأخت على الأخت، ms0986 ونحو ذلك، مع ما لو # PageV03P122 # كانت خشية العنت تصير سببا للحل في شيء لكان ملك الحرة التي هي عنه ~~غائبة؛ إذ لم تصر الضرورة مبيحة، فإذن بأن أن الحرمة لنفس النكاح في الوجود ~~والحل لعدمه لا للسبيل إلى ذلك وغير السبيل. # ثم قوله - عز وجل -: (ذلك لمن خشي العنت منكم) إنما هو الضيق؛ كقوله: ~~(ولو شاء الله لأعنتكم)، أي: يضيق عليكم مخالطة الأيتام. # أو الإثم؛ كقوله - تعالى -: (عزيز عليه ما عنتم)، وكل رجل فيه وسع ~~الاستمتاع فهو يخشى الإثم، فيجيء أن يباح له على كل حال، أو يرجع إلى ~~الضيق؛ فيكون المقصود منه الإمساك دون العقد، والله أعلم. # ثم خشية الزنا يحتمل أن يصير شرطا للحل، وقد حصل له عقوبة، فيها أبلغ ~~الزجر لمن عقل من: رجم أو حد، بل يفرض عليه اتقاء ذلك بكل وجوه الإمكان، ~~ومعلوم أن الله قد جعل عنه بغير النكاح سبيلا في الاستمتاع، أيضا، وقد جاء ~~-أيضا- الأمر بالصيام بأنه له وجاء، فإنما خشية ذلك خشية حظر، لا حقيقة، ~~فلم يجز أن يجعل عذرا لرفع الحرمات ولقدر عليه بالمباح من الصيام. # القول في قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات) الآية، نقول - ~~وبالله التوفيق -: تحتمل الآية وجهين: # أحدهما: طول عقد النكاح أمن ملك المهر. والثاني: طول إمساك الحرة؛ ~~للاستمتاع من النفقة والكسوة والمسكن، وهذا الوجه أحق؛ لأوجه: أن طول عقد ~~النكاح، مذكور -أيضا- في نكاح الأمة، بقوله: (وآتوهن أجورهن بالمعروف) ~~ومعلوم وجود الحرة بالمهر الذي يوصف في المعروف من المهور، بل لعل ذلك في ~~الحرائر أوجد؛ إذ قد جاز نكاح الحرائر بالأشياء الضعيفة، ومعروف وجودهن في ~~كل عصر بدون ما يوجد من مثله الإماء، فمحال أن يشترط في نكاح الإماء عدم ما ~~لا يوجد السبيل إليه إلا بوجود # PageV03P123 # ذلك، أو ما هو أعظم في الوجود. # وأما النفقة والمسكن فقد يكون بمال السيد دون أن يؤخذ به، وفي الحرة هي ~~لا سبيل إليها إلا بمال الزوج، ففيهما بذكر الوجود، لا فيما يستوي الذكر ~~فيه في المتلو. ms0987 # ثم في الحاجة على ما عليه العرف فيه فضل، ولا قوة إلا بالله. # والوجه الثاني: ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~لا تنكح الأمة على الحرة " ولو كان يجوز نكاحها عند وجود طول الحرة، لم يكن ~~للنهي عن ذلك بعد النكاح وجه؛ إذ ليس لذلك وجود؛ لما الطول يمنع وجوده. # والثالث: أن الذي به يجب النكاح ليس للوجود شرط فيه، والذي به الإمساك ~~شرط؛ إذ قد يجوز بذمة من لا يملك شيئا ولا يمسك بمثله، ثبت أن ذلك في حق ~~الإمساك. # وبعد: لو كان يمنع بالذي ذكر، لكان جوازه بحق الضرورة، وهذا مما لا يقع ~~به الضرورة، ثبت أن ذلك في حق الإمساك. # ثم لو كان التأويل على النكاح لم يكن في ذلك تحريم النكاح على وجود طول ~~الحرة؛ لخصال: # أحدها: أن ذلك يوجب أن يكون نكاح الإماء يجوز بحق الإبدال والاضطرار، ~~وذلك لا يحتمل حق النكاح؛ لوجوه: # أحدها: أن طريق ذلك طريق إباحة ورخص، والفروج لا تحتمل الإباحات؛ بل ~~الإباحة توجب حد المبيح وعقوبته، وتجعل كمبيح ما لا يملكه. # والثاني: أن الحرمات التي كانت في جميع النكاح كانت ظاهرة لم يرتفع شيء ~~منها لحاجات وكذا نكاح الإماء لو كان من المحرمات، بل الحكم أن كل امرأة لا ~~تحتمل النكاح فهي لا تحل بملك اليمين، فلو قلنا: إنه لا يحل نكاحها لذاتها ~~لم يحل في ملك اليمين، فإذ حلت بأن ما ذكرت، وليس كالزيادة على الأربع؛ لأن ~~تلك الحرمة لحق المنكوحة لا لمكان المرأة، وكذلك الأخت ونحو ذلك؛ دليل ذلك ~~جواز ذلك لا بحق # PageV03P124 # الإبدال والاضطرار، إذا عدم نكاح غيره. # وبعد: فإنه لم يجعل في شيء من الحل والحرمة المال؛ بل قال - تعالى -: ~~(وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا. . .) الآية؛ صير العدم شرط الترك، وله قد ~~يفسخ، لا أنه شرط الإباحة، فكذلك أمر نكاح الإماء. # والثالث: إذ الأصل في إضافة الحل والحرمة إلى حال أنه لا يوجب ضد ذلك في ~~غير تلك الحال؛ بل هو في ms0988 غيرها موقوف على قيام الدليل من ذلك المضاف إليه ~~أو غيره، لا أنه يوجب ذلك؛ دليل ذلك أمور النكاح؛ قال الله - تعالى - لنبيه ~~- صلى الله عليه وسلم -: (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، لا ~~أنه لو لم يؤتهن الأجور لم يحللن، وكذلك قوله - سبحانه وتعالى -: ~~(والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن)، وقال - ~~عز وجل -: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة. . .) الآية؛ لأن الحد لا يجب لو لم ~~يحصن، وقال الله - عز وجل -: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات) لا على جعل الإيمان شرطا، وقال الله - عز وجل -: (فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم)، لأن الأمة لا تحل إذا لم يخف العدل في ~~الحرائر، وغير ذلك مما يكثر؛ إذ ليس في إضافة الحل إلى حال قطعه عن غيره، ~~فمثله أمر النكاح فيما نحن فيه. # PageV03P125 # ثم احتج بعضهم بالآيات التي فيها: (فمن لم يستطع)، (فمن لم يجد)، لتوجيه ~~ذلك الحق هاهنا وقد دخل جواب هذا فيما قلنا: إن الحكم في غيره موقوف على ~~الدليل فيه منعنا لا بهذا، مع ما بينا دليل ما نحن فيه ليس بشرط؛ ألا ترى ~~أنه ذكر شرط الإيمان في المحصنات؟! ومن لم يصر شرطا وقد صار في الكفارات ~~ونحو ذلك؛ فمثله ما نحن فيه. # ثم الفصل بين الأمرين يقع من وجوه: # أحدها: أن تلك بحق الإبدال والاضطرار؛ دليله: زوال حكمه عند الارتفاع وفي ~~هذا إلا ألا يرتفع لنكاح الحرة؛ فلذلك اختلف الأمران، ولو جعلنا الأمر به ~~في حال أو الإشارة بالحل إليها دليلا على النهي عن ذلك كان نهيا عن نكاح ~~الإماء في حال طول الحرائر؛ فلا يحتمل أن يكون النهي مبطلا للفعل لأوجه: # أحدها: أن المعنى الذي له يقع النهي كان معقولا، وبمثله لا يحتمل الفساد، ~~وذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يرق ولده. # والثاني: أن تخالط امرأته الرجال، وذلك بعض ما يشين الرجل. # ثم كان نكاح الزانية مع النهي عن ذلك يجوز، ومع الأمر بطلاقها ms0989 ومعلوم أن ~~ذلك أعظم في الشين؛ إذ قد ظهر به ما يخافه في المملوكة، ويصير ولده مشتوما ~~بأمه ما هو أوخش في العقول من كل رق وعبودة ويقال له: يا ابن الزانية، وذلك ~~-أيضا- تلبيس النسب وشبهه، ثم لم يجب به الفساد؛ فأمر المملوكة بالأحرى. # وأيضا لم يختلف على نهي الحرمة عن نكاح العبيد، وله يفرق الأولياء، ويصرف ~~حق نسب الآباء إلى الموالى؛ إذ معلوم أن الطعن عليهن في الخلاف قبح منه ~~عليهم، ثم لم يمنع ذلك جواز النكاح؛ فمثله ما نحن فيه. # وأيضا إن الحرمة على وجهين: حرمة لنفس المنكوحة أو الاستمتاع وحرمة لحق ~~النكاح، وكل محرمة لذاتها فهي لا تحل بملك اليمين ولا بملك النكاح، وما ~~كانت الحرمة بحيث النكاح تحل، فإذا كانت الأمة تحل بملك اليمين ثبت أن ~~حرمتها ليست لنفسها ولا للاستمتاع فهي تحل بملك اليمين، بل حلها في الأصل ~~بملك النكاح أحق؛ إذ # PageV03P126 # ليس إلا للاستمتاع، فإذا حلت به فبالأحرى أن تحل بالنكاح، ثم قد يحرم ~~للنكاح أشخاص ألا يحر من للأموال بحال، فكذا ما نحن فيه. # وقوله - عز وجل -: (والله أعلم بإيمانكم). # يحتمل وجهين: # يحتمل - والله أعلم -: حقيقة إيمانكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. # ويحتمل - والله أعلم -: بإيمانكم، وغيره لا يعلم حقيقة ذلك. # وفيه لزوم العمل بالظاهر. # وقوله - عز وجل -: (بعضكم من بعض). # يحتمل: بعضكم من بعض في الدين. # ويحتمل: بعضكم من نسب بعض؛ فهذا يدل على أن بعضهم من دين بعض، ومن نسب ~~بعض؛ فليس لبعض على بعض فضل من جهة الدين والنسب؛ إذ نسبهم ودينهم واحد، ~~وليس للحرة على الأمة فضل من هذا الوجه. # وفي قوله: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب) # قيل: إن قوله (أحصن) تزوجن، وقيل أسلمن. # فكيفما كان التأويل لم يصر الإحصان شرطا في لزوم ذلك العذاب؛ لأنها إذا ~~كانت على غير هذا الوصف لزمها ذلك الحكم؛ دل أن وجوب ذلك الحكم في حال على ~~وصف - لا يمنع وجوب الحكم في حال أخرى على غير ms0990 الوصف الذي وصف في تلك ~~الحال، وهذا بالمخالف لنا ألزم؛ لأنه قال - عز وجل - في قوله: (ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة)، أن النهي وقع على جميع ~~المشركات: كتابيات وغير كتابيات، ثم صار الكتابيات منسوخة بقوله: ~~(والمحصنات من الذين # PageV03P127 # أوتوا الكتاب)، ثم قال: إذا كان له طول محصنة كتابية لم يحل له نكاح ~~الأمة المؤمنة، وقد أخبر - عز وجل - أن الأمة المؤمنة خير من مشركة، وهو ~~يقول: بل المشركة خير من الأمة؛ فهذا يدل على اضطراره في قوله على مذهبنا ~~ما قلنا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) الآية، على المشركات ~~خاصة من غير الكتابيات عندنا؛ دليله: قوله - تعالى -: (ما يود الذين كفروا ~~من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل. . .)، ذكر المشركات وذكر الكتابيات؛ ~~دل هذا أن المشركات في هذه الآية غير الكتابيات، وقد ذكرنا الوجه في ذلك في ~~صدر السورة ما يغني عن ذكره في هذا الموضع. # فإن كان ما ذكرنا - حل له أن يتزوج كتابية محصنة كانت أو أمة، وقد أقمنا ~~الدليل على أن ليس في ذكر الإيمان فيهن دليل جعله شرطا في جواز نكاحهن؛ على ~~ما لم يكن في ذكر الإيمان، في المحصنات من المؤمنات دليل جعل الإيمان فيهن ~~شرطا. # وقوله: (والله أعلم بإيمانكم)، أي: هو أعلم بحقيقة إيمانهن وأنتم لا ~~تعلمون حقيقته، وإن كان أثبت لنا علم الظاهر بقوله - تعالى -: فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات)، أمرنا بالعمل بعلم الظاهر، لا ~~بعلم الحقيقة بقوله: (الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار)؛ فهذا يدل على أن الإيمان هو عمل القلب، لا عمل اللسان؛ لأنه ~~لو كان عمل اللسان لكان يعلم حقيقته كل أحد؛ فظهر أنه ما وصفنا. # وقوله - عز وجل -: (بعضكم من بعض) قيل فيه وجوه: # بعضكم من بعض في الولايات في الدين، كقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض). # وقيل: بعضهم من بعض في النسب؛ إذ كل منهم من أولاد آدم. # ويحتمل: بعضكم من بعض قبل ms0991 الإسلام. # وقوله - عز وجل -: (فانكحوهن بإذن أهلهن) # PageV03P128 # أي: بإذن ساداتهن؛ سفى السادات أهلا لهن؛ دل أنهن من أهلهم. # وفيه أن للمرأة أن تزوج نفسها إذا أذن لها وليها؛ الأن الله - تعالى -، ~~قال (بإذن أهلهن) فلو كان أهلهن هم الذين ينكحونهن - لم يكن لطلب الإذن ~~معنى. # وفيه أن للمرأة ولاية النكاح؛ لأنه قال: (بإذن أهلهن)، والمرأة إذا كانت ~~لها جارية، لها أن تزوج من غيره، وهذا في النساء أولى لأن الرجل إذا كانت ~~له جارية - يستمتع بها ولا يزوجها من غيره، والمرأة إذا كانت لها جارية هي ~~التي احتاجت إلى تزويج جاريتها؛ لذلك كان في هذا أولى. # وفيه أن ليس للعبد ولا للأمة أن يتزوج إلا بإذن السيد، وكذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر ~~". # وقال بعض أهل العلم: قوله: (فانكحوهن بإذن أهلهن) إذا كن مؤمنات؛ على ما ~~سبق من ذكر الإيمان بقوله: (من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم) لكن ~~هذا وإن كان نهيا عن نكاح الإماء إذا كن غير مؤمنات لم يدل ذلك على فساد ~~نكاحهن إذا كن غير مؤمنات؛ ألا ترى أن النساء نهين عن تزويج أنفسهن من ~~العبيد، وذلك مما يشينهن، ثم لم يمنع ذلك النهي عن التزويج منهم؛ فعلى ذلك ~~لا يمنع شرط الإيمان فيهن والنهي عن نكاحهن - فساد النكاح ولا بطلانه، ~~وكذلك الرجل نهي أن يتزوج كتابية حرة وهو واجد الحرة المؤمنة. ثم مع ما نهى ~~عن نكاحها - إذا فعل ذلك جاز النكاح، فعلى ذلك الأول. # وكذلك قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم)، ذكر الصلاح ~~فيهم، ثم إذا كانوا على غير ذلك الوصف جاز؛ فكذلك الأول. # وكذلك قوله - عز وجل -: (محصنات غير مسافحات) # ذكر الإحصان فيهن، ثم لم يصر الإحصان فيهن شرطا في جواز النكاح؛ لأنهن ~~إذا كن # PageV03P129 # غير محصنات يجوز نكاحهن؛ فعلى ذلك الأول، ولو كان الطول والقدرة مما يمنع ~~جواز نكاح الإماء -وجواز نكاح الإماء بمعنى البدل- لكان إذا تزوج أمة ولم ~~يكن ms0992 له طول على نكاح الحرة في ذلك الوقت، ثم كان الطول على نكاح الحرة - ~~يجيء أن يفسد النكاح؛ لأنه إذا منع الابتداء يمنع القرار في ملكه؛ فإذا لم ~~يمنع دل أنه ليس على حكم البدل؛ إذ الأبدال ألا قرار لها ولا ثبات، عند ~~وجود الأصول؛ دل أنه ليس عنه؛ ولكن على الاختيار والتأديب ألا يختار نكاح ~~الإماء على الحرائر والمسافحات على المحصنات، ولا يختار المشركات على ~~المؤمنات. # فإن قيل: إنكم تمنعون من نكاح الأمة على الحرة، ثم لا تفسخون نكاح الأمة ~~إذا كانت عنده أمة فتزوج حرة. # قيل له: إنما يمنع عن نكاح الأمة على الحرة لحق حرمة الجمع: كالجمع بين ~~الأختين، وبين المرأة وعمتها، فأما إذا لم يكن ثم جمع لا يمنع، وهذا ليس ~~بجمع. # وقوله - عز وجل -: (وآتوهن أجورهن) # بإذن أهلهن على ما ذكر الإذن في النكاح بقوله - عز وجل -: (فانكحوهن بإذن ~~أهلهن). # ويحتمل -أيضا- أن يؤتى أجرها وإن لم يأذن له مولاها، إذا كانت الجارية ~~ممن يحفظ مال سيدها ويتعاهده؛ إذ الناس يشترون المماليك لحفظ أموالهم وصون ~~أملاكهم، نحو ما جاء من الوعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~كلكم راع، وكلكم مشئول عن رعيته، حتى العبد عن مال سيده ". # فإذا كان ما وصفنا - لا بأس بأن يدفع الأجر والمهر إليها إذا كانت هي ممن ~~تحفظ ماله وتصونه. # ثم من الناس من استدل بقوله: (وآتوهن أجورهن) على حقيقة الملك للمماليك، ~~ويبيح لهم التمتع بالجواري، وبقوله - تعالى أيضا -: (وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من # PageV03P130 # عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)، لو لم يملكوهم ~~حقيقة الملك - لم يكن لوعد الغنى لهم معنى؛ لأنه لا يقع لهم الغنى أبدا، ~~وكانوا لا يملكون؛ دل أنهم يملكون حقيقة الملك وأما عندنا فإنهم لا يملكون ~~حقيقة الملك؛ استدلالا بقوله - تعالى -: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ~~ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم)، أخبر أن ليس لهم فيما رزقهم ~~شركاء مما ملكت أيمانهم؛ دل أنهم لا يملكون حقيقة ms0993 الملك. # فإن قالوا: أليس يملكون التمتع في النكاح إذا ملكوا ما منع -أيضا- أن ~~يملكوا رقاب الأشياء إذا ملكوا؟ # قيل: إن السادات لا يملكون من المماليك رقبة ما يتمتع به بالأسر؛ ألا ترى ~~أن السيدة لا تملك من عبدها التمتع به؛ دل أن ملك ذلك للعبد خاصة؛ لذلك ملك ~~ملك التمتع في النكاح. # وأما قوله - عز وجل -: (يغنهم الله من فضله)، بغناء ساداتهم؛ إذ مقدار ما ~~يطعمون ويشربون مما جعل لهم الانتفاع به. # وقوله - عز وجل -: (وآتوهن أجورهن) ما ذكرنا من الإذن من أهلهن، أو لما ~~جعل النهي حفظ الأموال. # وقوله - عز وجل -: (بالمعروف) # قيل: مهر غير مهر البغي، وقيل: هو المعلوم. # وقوله - تعالى -: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) # وقد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا أحصن) # قيل: فإذا أسلمن. # وقيل: (فإذا أحصن): فإذا تزوجن. # ويحتمل: (فإذا أحصن): فإذا بلغن مبلغ النساء. # وقيل: (فإذا أحصن) أي: عففن، وتأويله - والله أعلم -: ما ذكره في أول # PageV03P131 # الآية. # وقوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا)، أنهن إذا تركن ~~للتعفف، ولم يكرههن على البغي - فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب؛ فهن ~~الحرائر؛ لأن عذاب المتزوجة إذا دخل بها زوجها - الرجم، ولا نصف للرجم، ~~وإنما حد الأمة الجلد؛ فلا يجوز أن يكون المحصنات في هذا الموضع ذات ~~الأزواج؛ لأن عذاب ذات الأزواج الرجم، ولا نصف له؛ دل أنه أراد بالإحصان: ~~الإسلام. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وسعيد بن جبير، وجماعة من أهل العلم: ~~أن لا حد على الأمة حتى تتزوج. # وأما عندنا: فإن عليها الحد؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه أمر بجلد الأمة إذا زنت وإن لم تنزوج؛ فذلك حجة لقول من قال: إحصانها ~~إسلامها، وهو ما روي عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، وشبل - رضوان الله عليهم ~~- قالوا: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأله رجل عن الأمة ~~تزني قبل أن تحصن؟ قال: " اجلدها؛ فإن زنت فاجلدها. . . " ثم قال في ~~الثالثة ms0994 أو الرابعة: " فبيعوها ولو بضفير ". # هذ الخبر يدل على أن الأمة إذا زنت تجلد وإن لم تتزوج. # وقوله - عز وجل -: (وأن تصبروا خير لكم) # أي: وإن تصبروا ولا تتزوجوا الإماء فهو خير لكم؛ لأن أولادكم يصيرون ~~عبيذا؛ فهذا يدل اعى أن قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) - كله على الاختيار، ~~ليس على الحكم ألا يختار، ولا على أنه إذا فعل لا يجوز. # وقوله - عز وجل -: (والله غفور رحيم) # يحتمل وجهين: # PageV03P132 # يحتمل: (غفور رحيم)؛ حيث كفر عنكم ما ارتكبتم في الدنيا بالعذاب الذي ~~يقام عليكم، ولم يجعل عذابكم في الآخرة؛ إذ عذاب الآخرة أشد من عذاب ~~الدنيا، وذلك من رحمته. # ويحتمل: (غفور رحيم) من رحمته أن يجعل الحدود في الدنيا زواجر عن العود ~~إلى ارتكاب مثله من الأفعال. # * * * # قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا (28) # وقوله - عز وجل -: (يريد الله ليبين لكم) # يحتمل قوله: يريد الله أن يبين لكم ما تؤتون وما تنفقون، وما لكم وما ~~عليكم، ويبين ما به صلاحكم ومعاشكم في أمر دينكم ودنياكم، لكن حقيقة المراد ~~بالآية: إما أن يكون أراد جميع ما ذكر، أو معنى خاصا مما احتمله الكلام، ~~وليس لنا القطع على ما أراد به. # وقوله - عز وجل -: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) # يحتمل وجوها: # أي: يبين لكم سبيل الذين من قبلكم، أي: سبيل الأنبياء والرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام - وأهل الهدى والطاعة منهم؛ ليعلموا ما عملوا هم وينتهوا ~~عما انتهوا، وكذلك في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (سنن الذين من ~~قبلكم): سبل الذين من قبلكم. # ويحتمل: قوله: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) أي: أمر الرسالة والنبوة؛ ~~ليهديكم محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول؛ إذ أمر الرسالة والنبوة ليس ~~ببديع، قد كان في الأمم ms0995 السالفة رسل وأنبياء - عليهم السلام - فأمر رسالة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوته ليس ببديع ولا حادث؛ كقوله - تعالى -: ~~(قل ما كنت بدعا من الرسل). # ويحتمل قوله: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) أي: يبين لكم أن كيف كان سنته ~~في الذبن خلوا من قبل في إهلاك من عاند الله ورسوله، واستئصال من استأصلهم ~~بتكذيب # PageV03P133 # الرسل والأنبياء - عليهم السلام - والخلاف لهم؛ كقوله - تعالى -: (سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل)، وقوله - تعالى -: (فقد مضت سنت الأولين). # وقيل: (سنن الذين من قبلكم) شرائع الذين من قبلكم من المحرمات والمحللات: ~~من أهل التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر الكتب. # وقوله - عز وجل -: (ويتوب عليكم) # أي: يريد أن يتوب عليكم. # وفي قوله - تعالى -أيضا-: (سنن الذين من قبلكم) يحتمل: يهديكم تلك السنن، ~~أي: يبينها لكم أنها كانت ماذا؟ # ويحتمل: (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) بمعنى: جعل تلك السنن هداية لكم. ~~ثم قوله - عز وجل -: (من قبلكم) يحتمل: سنته وسيرته في الذين من قبلكم؛ ~~لتعتبروا بها. # ويحتمل: سنتهم التي لزموها، وسيرتهم التي سلكوها بما لها من العواقب؛ ~~لتتعظوا بها، والله أعلم بحقيقة ما انصرف إليه مراد الآية، لكن فيما ~~احتمله، فهاهنا موعظة بيناها فيه، وعلى ذلك معنى قوله - عز وجل -: (يريد ~~الله ليبين لكم) يحتمل: كل ما به لنا نفع، أو كل ما بنا إليه حاجة، أو كل ~~ما علينا القيام به، أو يرجع ذلك إلى الخاص مما يريد بالآية الإخبار عنه، ~~وأن الذي علينا النظر فيما قد يفضل البيان عنه، وفيما أنبأنا عن سنته فيمن ~~تقدمنا مما نرجو به الهداية والشفاء؛ للقيام بما علينا في ذلك من الحق دون ~~الشهادة عليه - جل ثناؤه - بالمراد فيها في مخرج الكناية دون التصريح من ~~الموعود. # وقوله - تعالى -: (ليبين) وأن يبين في مفهوم الخطاب فيما جرى به الذكر في ~~هذه الآية واحد؛ إذ لو كان ذكر " أن " لسبق إلى الفهم غير الذي سبق في هذا ~~على حق العباد من التفاهم، والله أعلم. # ثم كان معلوما فيما أراد بقوله: (يريد الله ms0996 ليبين لكم ويهديكم) أنه لو لم ~~يبين ما أراد بهذا الوعد ولم يهد - أنه كان يلحقه الخلف في الوعد؛ فعلى ذلك ~~فيمن قال: يريد الله أن يتوب عليكم، ويريد الله أن يخفف عنكم: لو لم يكن ~~يخفف ويتوب على من أريد بقوله: يتوب ويخفف عنكم - يلحقه الخلف في الوعد، ثم ~~يخالف وصف كافر في حال # PageV03P134 # أنه ممن تاب الله عليه؛ ثبت أنه لم يدخل في قوله - سبحانه وتعالى -: ~~(والله يريد أن يتوب عليكم) # فإذا ثبت أنه لم يدخل فيه وجب فيه أمران: # أحدهما: أن الإرادة ليست بأمر؛ إذ قد أمر الكافر بالتوبة. # والثاني: أن كل من لم يتب فهو ممن لم يرد الله أن يتوب عليه، وهو في قوله ~~- تعالى -: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم)، على أن الله - تعالى ~~- قال في المؤمنين: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، وقال في ~~الكفار: (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة)، على التفريق بين الذي في ~~علمه أن يختم مؤمنا، ومن في علمه أن يختم كافرا، على أن إرادة الهداية مع ~~إرادة ألا يجعل له الحظ في الآخرة على الموعود - خلف، وإرادة من لا تدبير ~~له في فعله، ولا يتصل به فعله - تمن في متعارف الأمر وتشه، ولا يجوز أن ~~يضاف إلى الله - تعالى - الإرادة من هذا الوجه؛ فكان له حق الإرادة وهي ~~التي يوصف بها من فعله الاختيار ثبت أن لله - تعالى - في فعل العباد فعلا: ~~بحيث فعله يوصف بالإرادة، وفي ذلك وجوب القول بخلق أفعال العباد. # أو أن يكون المراد من تلك الإرادة - إذا لم تحتمل التمني، ولا الأمر - أن ~~تكون الإرادة التي تنفي القهر والغلبة؛ فيلزم إذا ثبت نفي القهر - الوصف ~~بالإرادة، وثبت أنه مريد لكل فعل نفي عنه القهر في وجوده، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (والله عليم) # بما يؤتي وينفي، عليم بما به معاشكم وصلاحكم، وما به فسادكم وفساد ~~معاشكم، ونحوه. # (حكيم) # وضع كل شيء موضعه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله يريد أن ms0997 يتوب عليكم ... (27) # PageV03P135 # قالت المعتزلة: قد أراد الله - تعالى - توبة من لا يتوب؛ فيقال لهم: ما ~~التوبة # PageV03P136 # عندكم؟ أليس عندكم التوبة: التجاوز والدعاء؟ فإذا وعد أن يتوب ولم يفعل - ~~فهل ترك ذلك لا بعجز أو ذلك إلا لعجز أو بداء به، أو ذلك الوصف له بالعجز ~~أو الجهل، فنعوذ بالله من الزيغ عن الحق، والسرف في القول. # وأما تأويله عندنا: والله يريد أن يتوب عليكم في الذي علمه أنهم يتوبون، ~~أو كان ذلك إخبارا عن قوم أراد الله أن يتوب عليهم فتابوا. # وقال قوم: قوله: (والله يريد أن يتوب عليكم) أي: يأمر أن يتوبوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويريد الذين يتبعون الشهوات) الآية. # أي: من اختار الدنيا على الدين، والأولى على الآخرة؛ لهوى يتبعه، وشهوة ~~تغلبه، لا لتقصير من الله - عز وجل - عن البيان؛ بل لتركهم النظر والتأمل ~~بالعواقب غلبت عليهم شهواتهم، واتبعوا أهواء أنفسهم: إما رياسة طلبوها، ~~وإما سعة في الدنيا بغوها؛ فذلك الذي يمنعهم عن النظر في العاقبة، والتأمل ~~في الآخرة؛ لذلك مالوا ميلا عظيما، وخسروا خسرانا مبينا، وضلوا ضلالا ~~بعيدا. # وقوله - عز وجل -: (يريد الله أن يخفف عنكم ... (28) يحتمل هذا: أنه خفف ~~علينا، ولم يحمل ما حمل على الأمم السالفة من الإصر والشدائد والأثقال ~~والمشقات، مما جعل # PageV03P137 # توبتهم قتل بعضهم بعضا، وجعل توبتنا الندامة بالقلب، والرجوع عما ~~ارتكبوا. # أو أن يقال: خفف عنا؛ حيث لم يستأصلنا، ولم يهلكنا بالخلاف له وترك ~~الطاعة، على ما استأصل أولئك وأهلكهم. # ويحتمل التخفيف عنا -أيضا-: وهو ما خفف علينا من إقامة العبادات ~~والطاعات، من نحو: الحج، والجهاد، وغيره، حتى جعل القيام بذلك أخف على ~~الإنسان وأيسر من قيامه بأخف العبادات أوالطاعات، وأيسرها، وذلك من تخفيف ~~الله علينا وتيسيره؛ فضلا منه ورحمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وخلق الإنسان ضعيفا) # يحتمل: أن يكون أراد به الكافر؛ كقوله - تعالى -: (إن الإنسان خلق ~~هلوعا)، وكقوله - تعالى -: (إذا مسه الشر جزوعا)، وقد قيل: كل موضع ذكر فيه ~~الإنسان فهو في كافر من ضعفه يضيق صدره، ms0998 ويمل نفسه بطول الترك في النعم حتى ~~يضجر فيها. # ويحتمل: أنه أراد به الكافر والمسلم، ووضعه في ابتداء حاله أنه كان ~~ضعيفا؛ كقوله: (خلقكم من ضعف). # ويحتمل وصفه بالضعف له؛ لأنه ضعيف في نفسه، يمل من الطاعات والعبادات ~~التي جعل الله عليه، ليس كالملائكة؛ حيث وصفهم أنهم لا يفترون ولايستحسرون، ~~(يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، ولا كذلك بنو آدم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ~~ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) ~~إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن # PageV03P138 # تكون تجارة) # الظاهر في الثنيا أنه من غير جنس المستثنى؛ لأنه استثنى التجارة عن تراض ~~من أكل المال بالباطل بينهم، وأكل المال بالباطل ليس من جنس التجارة، ولا ~~التجارة من نوع أكل المال بالباطل، والثنيا في الأصل جعل تحصيل المراد في ~~المجمل من اللفظ؛ فإذا لم يكن من نوعه كيف جاز؟! لكنه يحتمل - والله أعلم - ~~أن يكون على الابتداء والائتناف؛ كأنه قال: لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل، ولكن كلوا بتجارة عن تراض منكم؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ~~(لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، استثنى السلام، والسلام ليس من جنس ~~اللغو، لكن معناه ما ذكرنا: لا يسمعون فيها لغوا، ولكن يسمعون فيها سلاما. # ويحتمل أن يكون في الثنيا بيان تخصيص المراد في المطلق من الكلام؛ كقوله ~~- تعالى -: (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط)، دل استثناؤه آل ~~لوط على أنه أراد بقوم مجرمين قوم لوط خاصة؛ لأنه قد كان في قوم إبراهيم - ~~عليه السلام - وفي غيرهم أقوام مجرمين؛ دل الثنيا على مراد الخصوص؛ فعلى ~~ذلك يدل استثناؤه التجارة عن تراض منهم - على أنه أراد بأكل المال بالباطل ~~تجارة عن غير تراض، وإن كان -في ms0999 الحقيقة- يصير مال هذا بمال هذا، وهو أن ~~يأخذ مال غيره فيتلفه؛ فيلزمه بدله؛ فيصير ما عوض من بدله بما أتلفه قصاصا؛ ~~فهو -في الحقيقة- تجارة. # أو يحتمل: أن يكون أكل المال بالباطل بينهم ما لا يجوز ولا يطيب؛ لأن حرف ~~البين لا يستعمل إلا فيما كان البدل من الجانبين؛ فإذا كان ما وصفنا محتملا ~~- كان الثنيا من ذلك من وجه يطيب، ومن وجه لا يجوز ولا يطيب. # وفيه دليل: أن التجارة هي جعل الشيء له ببدل، وترك الشيء بالشيء؛ ألا ترى ~~إلى قوله - تعالى -: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى)، ذكر الشرى ولم ~~يكن منهم إلا ترك الهدى بالكفر، ثم سمى ذلك تجارة بقوله - تعالى -: (فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين). # وفيه دلالة: أن البيع يتم بوقوع التراضي بين المتبايعين، وليس كما قال ~~قوم: لا يتم البيع وإن تراضيا على ذلك حتى يتفرقا عن المكان؛ فكانوا تاركين ~~- عندنا - لظاهر هذه الآية، فإن احتجوا بالخبر الذي روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: " المتبايعان بالخيار ما لم # PageV03P139 # يتفرقا " - لكن معناه عندنا: أن يقول الرجل للرجل: بعتك عبدي بكذا، ~~فلصاحبه أن يقول: قبلت البيع، ما دام في مجلسه. # أو يحتمل: أن يكون إذا قال: بعتك، كان له الرجوع قبل أن يقول الآخر: ~~قبلت. # على أن قوله - عليه السلام -: " ما لم يتفرقا "، لا يوجب أن يكون تفرقا ~~عن المكان وتفرق الأبدان؛ ألا ترى أن الله - سبحانه وتعالى - قال: (وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته)، ولا يفهم المعنى من ذلك تفرق المكان ~~والأبدان؛ ولكن وقع ذلك على القول والطلاق. # على أن في الآية بيان تمام البيع بوجود التراضي بقوله: (إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم). ومما يدل على ذلك -أيضا-: قوله - تعالى -: (وأشهدوا ~~إذا تبايعتم)، فلو كان البيع لا يتم بالتراضي؛ فمتى يشهد: قبل التفرق أو ~~بعد التفرق؟ إن أشهد قبل التفرق، فهل المقر صادق في أن لصاحبه عليه الثمن ~~أو كاذب؟ إذ كان البيع لم يتم، وما ينفعه الإشهاد إن ms1000 كان للمقر أن يبطل ~~إقراره برد السلعة. # وإن كان إنما يشهد بعد التفرق فقد يجوز أن يتلف المال بالتفرق قبل ~~الإشهاد؛ فأين التحصين الذي أمر الله تعالى؟! # ومما يدل على تأويلنا في الخبر: ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " البيعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا من بيعهما، أو يكون بينهما خيار "، وما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا، ولا يحل لأحد أن يعجل فراقه خشية أن يستقيله ". # وقوله: " يستقيله " يدل على أن ليس له أن يرده إلا بأن يقيله صاحبه؛ ويدل ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: " مالم يتفرقا من بيعهما " - على أن التفرق ~~هو الفراغ من عقد البيع لا غيره. # ومما يدل على أن الخيار ليس بواجب: قول عمر - رضي الله عنه - إن البيع عن ~~صفقة أو خيار؛ فكان موافقا لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: دل ~~قوله - تعالى -: # (لا تأكلوا. . .) إلى قوله: (تجارة عن تراض منكم) - على الإذن في الأكل ~~إذا وجدت التجارة عن تراض من الناس، والتجارة معروفة عند جميع من له عقل، ~~ومعروف أن تفرق # PageV03P140 # المتعاقدين بعد الفراغ من العقد لم يعرف -فيما هو عند الخلق- تجارة، ولكن ~~التفرق بانقضاء ما له الاجتماع والفراغ منه بما ليس من معاقدة العقلاء ~~الوقوف في مكان بلا حاجة؛ فليس التفرق مما يحتمل أن يظنه حكيم أو سفيه من ~~التجارة، وقد أذن في الأكل، والأكل عبارة عن الأخذ وأكل أنواع المنافع ~~بالباطل؛ فثبت أن قد ملك بالفراغ عن التجارة بغير الرضا، وأيد ذلك قوله: ~~(وأشهدوا إذا تبايعتم) والتبايع الذي عليه الإشهاد هو التعاقد، لا التفرق، ~~ومن البعيد أن يكلفوا الإشهاد على التبايع قبل وجوب الواجب من الحق الذي ~~عليه الإشهاد؛ فثبت بذلك وجوب ما جعل البائع بوجوبه دون التفرق؛ وإذن ثبت ~~الذي ذكرنا من أحكام القرآن مع الكفاية بالأمر الذي لا يجوز شذوذ حق لا ms1001 ~~يسلم عنه بشر عن علم جميع البشر، وكل أهل التبايع به يتعارفون الحق بينهم ~~بالفراغ من العقود، ولا يجوز شذوذ العلم بحق ذلك محله؛ فيكون اتفاق الخلق ~~على الجهل بالاعتقاد في أمر يعرفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم أئمة ~~الهدى، لا ينتهون عن ذلك، والله أعلم. # فإذا لزم ذا الولاء المروي من الخيار: أن كل متبايعين بالخيار ما لم ~~يتفرقا، حمل الخبر على ما فيه بعض العلم بحق القرآن، وما عليه أمر الخلق ~~على اتساع لغير ذلك الوجه، بل لعله بغيره أولى، ثم يخرج على وجوه: # على إضمار: حق على المتبايعين أن يكونا كذلك في حق الجعل، لا في حق ~~العبادة عن واجب؛ دليله رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ". # أو لا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه؛ خشية أن يستقيله؛ ثبت أن المعنى ~~بالخيار في حق الجعل لو طلب - كالفسخ في الاستقالة، والله أعلم. # والثاني: أن يريد به: ما داما في التبايع؛ دليل ذلك احتمال اللفظ في قوله ~~- سبحانه -: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، والإشهاد على التبايع، والتبايع هو فعل ~~اثنين، وقد ثبت منهما مع الفراغ - الإشهاد على التبايع، وهذا أحق بوجوه: # PageV03P141 # أحدها: حق اللغة أنه اسم التفاعل، وهو اسم لفعلهما؛ فيستحقان ذلك في وقت ~~كونهما فيه: كالتضارب، والتقاتل، ونحو ذلك، وبعد الفراغ التسمية تكون بحق ~~الحكاية دون تحقيق الفعل. # والثاني: بما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا من بيعهما، وبيعهما معروف ~~"، والله أعلم. # والثالث: متفق القول من أهل العقل على رؤية وجوب البيع دون التفرق عن ~~المكان، والله أعلم. # والرابع: أن يجعل ذلك الحد لإصلاح البياعات أنهما ما لم يتفرقا يملكان ~~الاصطلاح، وإذا تفرقا لا، وهو أولى؛ إذ قد جعل التفرق التام شرطا للفساد ~~ومنع الإصلاح، وقد كان في بعض العقود مما يصلح بالقبض؛ فهو على الوجود قبل ~~التفرق، ثم لا يصلح ms1002 إذا وجد التفرق؛ فمثله مما كان الصلاح بالقول في ~~الإصلاح؛ وعلى ذلك إذا قال أحد للآخر: اختر - انقطع خياره لو كان تفرقا من ~~القول، وليس فيه زيادة على ما في قوله: بعت منك، في حق الإصلاح؛ فثبت أن ~~التفرق لقطع الإصلاح، لا للإصلاح - والله أعلم - # قوله: إن للناس عرفا في التبايع من وجهين: # أحدهما: في التعاقد. # والثاني: في التقابض؛ فيكون المعنى من الخبر فيما البيع عن تقابض، وهو ~~بيع المداومة إذا ترك كل واحد منهما الآخر يفارقه على ما سلم وقبض كان ذلك ~~بينهما، وجاز ذلك -أيضا- بحق الآية في الإباحة عن تراض، واسم التجارة قد ~~يقع على تبادل ليس فيه قول البيع؛ كقوله - تعالى -: (أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى) وقوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، وذلك مع قوله ~~- سبحانه وتعالى -: (فما ربحت تجارتهم)، وفي ذلك أن البيع الموقوف إذا أجيز ~~يباح الأكل؛ لما كان وقت الأكل قد وجدت التجارة عن تراض، وفي ذلك دليل وجوب ~~خيار الرؤية؛ إذ قد جعل الرضا سببا، وهو بما يجهل غير محق، وإنما يعلم ~~بالرؤية. # وفيه أنه بالقبض يمضي حق العقد؛ إذ التجارة للأكل، ولا يوصل إليه إلا ~~بالقبض، فإذا فات، فات ما له التجارة؛ فيبطل، والله أعلم. # وفي قوله -أيضا-: " تبايعا " وإن كان اسما لفعل اثنين، فلما يتصل صحة ~~كلام كل # PageV03P142 # واحد منهما إذا كان الآخو حاضرا؛ فكأنهما اشتركا في صحته؛ فصارا به ~~متبايعين، نحو قوله: حتى يتفرقا، والتفرق اسم لفعل اثنين، لكن أحدهما إذا ~~فارق مكان البيع والآخر لم يفارقه - فقد وجد حق التفرق من أن ليس أحدهما ~~بجنب الآخر؛ فكأنهما اشتركا في التفرق وإن لم يوجد الفعل من أحدهما، والله ~~أعلم. # وقوله - جل وعز -: (ولا تقتلوا أنفسكم) # يحتمل وجهين: # أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ فإنه إذا قتل آخر يقتل به؛ فكأنه هو الذي قتل ~~نفسه؛ إذ لولا قتله إياه وإلا لم يقتل به. # والثاني: أنه أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنهم كلهم كنفس واحدة؛ إذ كلهم من ~~جنس واحد، ومن جوهر واحد. ms1003 # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان بكم رحيما) # أي: من رحمته: أن جعل لكم فيما بينكم القصاص، وأخذ النفس بالنفس، والمال ~~بالمال، وفي ذلك حياة أنفسكم، وإبقاء أموالكم. # ومن رحمته -أيضا-: أن جعلكم من جوهر واحد؛ إذ كل ذي جوهر يألف بجوهره، ~~ويسكن إليه، والله أعلم. # ومن رحمته: أرسل إليكم الرسل، وأنزل عليكم الكتب، وأوضح لكم السبل. # ومن رحمته: أن أمهل لكم، وستر عليكم، ودعاكم إلى المتاب. # ومن رحمته: دفع عنكم الآفات، وأوسع لكم الرزق، وبالمؤمنين خاصة برحمته ~~اهتدوا، وسلموا عن كل داء. # وقوله - عز وجل -: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ... (30) عدوانا لمجاوزته ~~حدود الله، وظلما على صاحبه. والعدوان هو التعدي والمجاوزة عن حدود الله؛ ~~كقوله - تعالى -: (ومن يتعد حدود الله). # ويحتمل قوله: (وظلما) على نفسه؛ كقوله - عز وجل -: (ومن يتعد حدود الله ~~فقد # PageV03P143 # ظلم نفسه)، وقوله - تعالى -: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون)، ~~وقوله - تعالى -: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم). # وهذا الوعيد - والله أعلم - لما يفعل ذلك مستخفا بحدود الله واستحلالا ~~منه لذلك؛ وإلا لو كان ذلك على غير وجه الاستخفاف بها والاستحلال لها - لم ~~يستوجب هذا الوعيد؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (كتب عليكم القصاص في ~~القتلى) ثم قال - عز وجل -: (فمن عفي له من أخيه شيء) إنما جاء هذا في قتلى ~~العمد، ثم أبقى الأخوة فيما بينهما، وأخبر أن ذلك تخفيف منه ورحمة، وفيما ~~كان الفعل منه فعل الاستخفاف والاستحلال لا يجوز أن يكون فيه منه رحمة، ~~ويخلد في النار؛ وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها)، إذا قتله مستحلا له مستخفا بتحريم الله إياه؛ ~~فاستوجب هذا الوعيد، وأما من فعل على غير الاستحلال والاستخفاف بحدوده ~~فالحكم فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - تعالى، أيضا -: (عدوانا وظلما) يحتمل: الاستحلال؛ دليله قوله - ~~عز وجل -: (كتب عليكم القصاص) ثم قال - عز وحل -: (فمن عفي له من أخيه ~~شيء)، وقال: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) فأبقى الأخوة التي كانت بقوله - عز ~~وجل -: (يا أيها ms1004 الذين آمنوا)؛ فثبت أن الأيمان بعد باق فأبقى له الرحمة ~~والأخوة، وهاهنا زال؛ لذلك افترقت الآيتان. # والثاني: أنه وعد اختلافهم، ولم يذكر الخلود، وجائز تعذيبه في الحكمة ~~والتنازع في الخلود لا غير. # والأصل في هذا ونحوه: أنه لم يتنازع أن يكون فعله الذي فيه الوعيد إن كان ~~ثم خلود، فهو الذي يزيل عنه اسم الإيمان، ويبطل عنه حق فعله، وإنما التنازع ~~في إبقاء اسم الإيمان في لزوم الوعيد؛ فهي فيمن لم يبق له الاسم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ... (31) # اختلف فيه: # قال بعضهم: كبائر الشرك؛ لأن كبائر الشرك أنواع، منها: الإشراك بالله، ~~ومنها جحود الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ومنها: الجحود ببعض الرسل، عليهم ~~السلام، ومنها: جحود العبادات، واستحلال المحرمات، وتحريم المحللات، وغير ~~ذلك، وكل ذلك # PageV03P144 # شرك بالله. # فقيل أراد بالكبائر كبائر الشرك، فإذا اجتنب كبائر الشرك صارت ما دونها ~~موعودا لها المغفرة بالمشيئة بقوله - تعالى -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وعد المغفرة لما دون الشرك، وقرنها بمشيئته؛ ~~فهو في مشيئة الله - تعالى -: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وبالله ~~التوفيق. # وقيل: أراد بالكبائر كبائر الإسلام. # ثم يحتمل وجهين بعد هذا: # يحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر. # ويحتمل: أن تكون الصغائر مغفورة بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ~~(نكفر عنكم سيئاتكم)، والتكفير إنما يكون بالحسنات؛ ألا ترى أنه قال: (إن ~~الحسنات يذهبن السيئات)، أخبر أن من السيئات ما يذهبها الحسنات. # ويحتمل: أن يكون التكفير لها جميعا وإن لم تجتنب؛ ألا ترى أنه قال في آية ~~أخرى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) إلى قوله - عز وجل -: (ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم)، وقال - عز وجل -: (توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم)؛ ألا ترى أنه روي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " شفاعتي نائلة لأهل الكبائر من أمتي ". # وروي عن علي أبن أبي طالب، - رضي ms1005 الله عنه - أنه سمع امرأة تدعو: اللهم # PageV03P145 # اجعلني من أهل شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: " مه! فقولي: ~~اللهم اجعلني من الفائزين؛ فإن شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأهل ~~الكبائر " ثم قرأ: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه. . .) الآية. # ثم اختلف في كيفية الكبائر وماهيتها: # فقال بعضهم: ما أوجب الحد فهو كبيرة: من نحو الزنا، والسرقة، والقذف، ~~وغير ذلك. # وقال آخرون: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وأكل ~~مال اليتيم، وأكل الربا، وقول البهتان، والفرار من الزحف. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذلك؛ فقال: " من ~~أول السور إلى هنا من المحرمات، فهو من الكبائر. # PageV03P146 # وروي أنه قيل لابن عباس: إن عبد الله بن عمر، يقول: الكبائر تسع. فقال، ~~ابن عباس - رضي الله عنه -: هن إلى التسعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع توبة، ~~ولا صغيرة مع إصرار. # وروي عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما تقولون ~~في الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " هن فواحش، ~~وفيهن عقوبة " ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين " قال: وكان متكئا فجلس، ثم قال: " ألا وقول الزور، ألا وقول ~~الزور " قاله ثلاثا. # وقوله - تعالى -: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) # ذكر تكفير السيئات إذا اجتنب الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها؛ ~~فليس فيه أنه إذا لم يجتنب لا يكفر، فهو في مشيئة الله: إن شاء [غفر] (1)، ~~وإن شاء عذب؛ على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم لا يوجب إيجاب ذلك الحكم في حال ~~أخرى، حظرا كان أو إحلالا، والله أعلم. PageV03P147 # ويقرأ في بعض القراءات: (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) (1) فإن ثبت هذا ~~فهو يدل على التأويل الذي ذكرنا آنفا: أنه أراد بالكبائر كبائر الشرك، ~~والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (وندخلكم مدخلا كريما) # قيل: الجنة. # * * * # قوله تعالى: (ولا ms1006 تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما ~~اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء ~~عليما (32) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # وقوله - عز وجل -: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) الآية. # قيل: لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا داره، ولا شيئا من الذي ~~له؛ ولكن ليقل: اللهم ارزقني، تذكر النوع الذي رغبت؛ فالله واجد ذلك، وهو ~~الواسع العليم. # وقيل: هو كذلك في التوراة. # وقيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ويذكر ~~الرجال ولا نذكر؛ فنزلت الآية: (ولا تتمنوا ما فضل الله به) إلى قوله - عز ~~وجل -: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب). # ويحتمل: أن يكون هذا التمني في الديانة وفي الدنيا: # أما في الديانة: هو أن يتمنى أحد أن يكون قدره مثل قدر آخر عند الناس من ~~العلم، والزهد، وغير ذلك؛ فنهي أن يتمنى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلغ إلا ~~باحتمال المكاره # PageV03P148 # والمشقة والجهد. # وفي الدنيوية: هو أن يتمنى مال: أخيه، وزوجته، وخدمه. # ويحتمل: أن يكون معنى التمني: ما ذكر في خبر أم سلمة؛ لأن في ذلك الكفران ~~بنعم الله؛ لأن النساء -وإن لم يجعل عليهن القتال وغيره من الخيرات- رفع ~~عنهن بعض المؤنات؛ ففي التمني الكفران بتلك النعم التي أنعم الله - تعالى - ~~عليهن. # وفي قوله -أيضا-: (ولا تتمنوا ما فضل الله)، أي: الذي فضل الله بعضكم على ~~بعض؛ فهو - والله أعلم - لما فيه السخط بحكمه، يريد الصرف إليه، أو لما فيه ~~أنه إنما قصر فضله على ما رأى وألا يسع فضله له وللذي فضله، ولما النظر إلى ~~ما أكرم به غيره بحق التمني -يلهى عن نعم الله- تعالى عليه، أو لما يخرج ~~ذلك مخرج العداوة، وحق نعم الله على كل أحد - أن يعرف التعظيم له، وكذلك ~~قيل: فضلت على غيرك؛ لترحمه وتتفضل عليه؛ للتعظيم، والتمني ms1007 أوخش من الحسد؛ ~~لأن الحسد هو إرادة الصرف عنه، وفي التمني ذلك وإرادة الفضل له به عليه. # (واسألوا الله) - سبحانه وتعالى - (من فضله)، وكان فضله في الحقيقة هو ما ~~له ألا يبذل، وذلك يخرج على فضل في الدين، أو فضل في الخلق والمروءة، فأما ~~فيما يرجع إلى نعم الدنيا مما لا يسثعمله في أحد ذينك الوجهين - فهو في ~~الظاهر نعمة، وفي الحقيقة بلية ومحنة؛ قال الله - سبحانه وتعالى -: (فلا ~~تعجبك أموالهم)، الآية، وقال الله - عز وجل -: (أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين. . .). # وجائز أن تكون الآية في النهي، مع ما مكنوا من النعم ووفقوا للخيرات: # فإن كان لما وفقوا للخيرات - فحق ذلك أن يشكر لله؛ بما أكرم به من حسنات، ~~ويرغب في التوفيق لمثله. # وإن كان في أمر النعم - فحقه أن يعينه بالدعاء؛ لتكون النعمة له نعمة، لا ~~بلية # PageV03P149 # ونقمة، وترغب فيما يقربك إلى الله في عاقبة. # وقد ذكرنا أن أم سلمة تمنت بعض ما يقوم به الرجال من العبادات: نحو ~~الجهاد وأشكاله؛ فنزل النهي عن ذلك، والترغيب في فضله في نوع ما تحتمل هي ~~من الخيرات، دون الذي يفضل عليهن بالرفع عنهن، والله أعلم. # وفي قوله -أيضا-: (ولا تتمنوا ما فضل الله به. . .) الآية - يحتمل أن ~~يكون على ما خاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله - تعالى -: (ولا ~~تمدن عينيك. . .)، الآية؛ فأخبر أن الذي أعطي - لم يعط للكرامة؛ ولكن ~~ليفتنهم به، والعقل يأبى الرغبة فيما يفتن به دون ما يكرم به، ثم بين الذي ~~هو أولى بالمشتهي من التمني، فقال: (للرجال نصيب مما اكتسبوا) فرغب فيما ~~له، وأمر بالسؤال من فضله؛ إذ لا يكون كسبه له إلا بفضله: كقوله - سبحانه ~~وتعالى -: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، ثم قال الله - عز وجل -: (ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)، [فبين أن كسبه عليه إلا ~~بفضل الله]، وبين أن الأولى به الإقبال على ما له عاقبته، والتضرع إلى الله ~~- تعالى - بالإكرام دون الذي عليه ms1008 في ذلك؛ خوف المقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واسألوا الله من فضله) # مثله؛ فإن فضله واسع، ولا يتمنى مال أخيه وداره. # أو اسألوا الله - تعالى - العبادة، ولا تتمن ألا يكون لأخيك ذلك، ويكون ~~لك، ثم أخبر أن ما يكون للرجال إنما يكون بالاكتساب، وما يكون للنساء يكون ~~بالاكتساب، يكون لكل ما اكتسب من الأجر وغيره. # وقوله - عز وجل -: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون (33) # احتمل هذا - والله أعلم - أن يكون معطوفا، مردودا إلى قوله - سبحانه ~~وتعالى -: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك) ~~الآية، ذكر - هاهنا - ما يرث الرجال والنساء من الوالدين والأقربين، ولم ~~يذكر ما يرث الوالدان من الأولاد والأقربون بعضهم من بعض: من نحو العم، ~~وابن العم، وغيرهم من القرابات؛ فذكر - هاهنا - ليعلم أن للمولى من الميراث ~~مما ترك الوالدان والأقربون ما لأولئك من الوالدين والأقربين إذا لم يكن ~~أولئك أن جعل لهؤلاء ما جعل لأولئك، ولم يذكر -أيضا- ما للوالدين من # PageV03P150 # الأولاد في قوله: (للرجال نصيب مما ترك. . .) الآية، ولكن ذكر في آية ~~الوصية في قوله - تعالى -: (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف)، ذكر الوصية للوالدين والأقربين؛ ولم يذكر للأولاد - والله أعلم ~~- أن الرجل قد يؤثر ولده على نفسه، وعلى غيرهم من الأقرباء، ولا كذلك الولد ~~للوالد؛ فذكر الوصية للوالدين والأقربين لهذا المعنى؛ ليصل إليهم المعروف، ~~وأما الأولاد فإنهم لا يؤثرون عليهم غيرهم؛ لذلك لم يذكرهم، والله أعلم. # وقيل في قوله: (ولكل جعلنا) أي: بينا، فيكون فيها بيان ما في الأولى من ~~المواريث. # ثم قيل في الموالي: إنهم هم العصبة، وقيل: هم أولياء الأب، أو الأخ، أو ~~ابن الأخ، وغيرهم من العصبة. # وقيل: هي الورثة، وهو قول ابن عباس، وكله واحد. # وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " أنا أولى بالمؤمنين، من مات وترك مالا فماله لموالي العصبة، ~~ومن ترك مالا أو ضياعا فأنا وليه؛ فلا دعاء له ". # وعن ابن عباس - رضي الله ms1009 عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " ألحقوا المال بالفرائض، # PageV03P151 # فما أبقت السهام فلأولى رجل ذكر ". # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: " ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان ". # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب: إذا كانت العصبة بعضهم أقرب بأم - فهم ~~أحق بالمال. # وأجمع أهل العلم على أن أهل السهام إذا استوفوا سهامهم وبقي من المال شيء ~~- أنه لعصبة الميت، وهم الرجال من قرابته من قبل أبيه ومواليه، وأنه لا ~~يكون أحد من النساء عصبة إلا الأخوات من الأب والأم، أو من الأب مع البنات، ~~والمرأة المعتقة؛ فإن هاتين عصبة، وأجمعوا أن كل من اتصلت قرابته من قبل ~~النساء بالميت فليس بعصبة، وأن المرأة إذا أعتقت عبدا أو أمة فإنها عصبة ~~المعتق بعد موت أمه، إلا ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه يجعل لذوي ~~الأرحام دون الموالي. # وأجمعوا أنه إذا اجتمع عصبتان فأقربهما أولى، وأقرب العصبة الابن، ثم ابن ~~الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد وإن علا، والأخ من الأب والأم، ثم الأخ من ~~الأب، ثم ابن الأخ من الأب والأم، ثم ابن الأخ من الأب، ثم العم من الأب ~~والأم، ثم العم من الأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم من الأب، ~~ثم مولى النعمة، ثم ابن مولى النعمة وإن سفل، فهؤلاء كلهم عصبة الميت، ~~وأقربهم أولاهم بما فضل من المال عن أصحاب السهام المذكور سهامهم، هو - ~~والله أعلم - موافق لما ذكرنا من دليل الآية والسنة، وما تواتر من الروايات ~~عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. # وفي قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون)، يحتمل: ولكل ~~من # PageV03P152 # الموالي جعلنا؛ على إضمار " نصيب " أو " حق " فيما ترك الوالدان ~~والأقربون؛ فيكون تأويله قوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان)، فيكونون هم ~~مواليه بحق الميراث على تأويل أنهم أولى بما تركوا، وعلى مثله قوله: (ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)، ms1010 ووليه من يلحقه في ملكه؛ يفسره قوله - ~~تعالى -: (يوصيكم الله)، وجميع آيات المواريث، إلا أنه لم يذكر للوالدين في ~~هذه الجملة ولا للزوجين، ولا يدخلون في اسم القرابة، ولا في اسم الأولاد ~~وقد جاء بالإيجاب لهم الكتاب وأجمعت عليه الأمة على غير دعوى النسخ فيه من ~~أحد؛ ليعلم أن التخصيص بالذكر فالحق لا يقطع حق غير، لكنه يكون الأمر ~~موقوفا على وجود دليله، والله أعلم. # على أن في الإيجاب للأقربين وللموالي كفاية عن ذكر من ذكر؛ إذ بهم تكون ~~كل القرابة، وبالتناكح يكون النسل، وهو المجعول لذلك، وكذلك لا يسقط حق ~~هؤلاء بحال ولا يحجبون عن الكل بأحد، وقد جرى ذكر حقهم فيما نسخته هذه ~~الآية من الوصية، والله أعلم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) ~~من يرجع الموالى إلى الذين ورثوه من تركة الأبوين والأقربين يجيز أن قد ~~تجري المواريث فيما قد ورث نحو ما تجري فيما لم يكن ورث مرة؛ فرجع ذا إلى ~~غير أولاد الأول وأقرباء الأول، أو أن يكون المقصود فيما ترك الوالدان ~~والأقربون بما ذكر في أيهم نصيبا مفروضا أن يكون هذا فيما ترك الوالدان ~~والأقربون مع أصحاب الفرائض؛ فتكون هذه الآية في بيان حق العصبات؛ إذ لم ~~يذكر لهم دون أن يكون معهم أصحاب الفرائض يرثون بحق السهام، لا بحق الفضول؛ ~~فتكون عمل الآيات في المواريث ثلاث: # أحدها: في أصحاب الفرائض، وهو قوله - عز وجل -: (مما قل منه أو كثر نصيبا ~~مفروضا). # والثاني: حق في العصبات، وهو قوله - تعالى -: (ولكل جعلنا موالي. . .) ~~الآية. # والثالث: في حق ذوي الأرحام، وهو قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. ~~. .) # PageV03P153 # ثم ألحق بهؤلاء في حجاب الأبعدين - أهل العقد بقوله - عز وجل -: (والذين ~~عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) وإنما ذكر ذلك فيما يترك الميت، ولا وجه للعون ~~والرفد منه أو النصر، مع ما ذكر نصيبهم في التركة، كما ذكر لأصحاب الفرائض، ~~وعلى ذلك المرفوع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن أسلم على يدي آخر ~~أنه أحق ms1011 الناس محياه ومماته، وكذلك روي عن عمر وعلي وعبد الله مع ما كانت ~~المواريث بهذا من قبل، فنسخ بقوله - تعالى -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض)، فإذا ارتفع ذلك ذهب التناسخ فوجب لهم؛ إذ بيت المال يرث بولاية ~~الإيمان جملة، ولهذا تلك الولاية وولاية أخرى؛ فهو أحق، والله أعلم. ويخلف ~~هؤلاء من له رحم كما خلف ولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق - حق ~~العصبة من ذي النسب بقوله - عليه السلام -: " الولاء لحمة كلحمة النسب ". # قوله - عز وجل -: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم). # قيل: هو من الأيمان كان حلف في الجاهلية يقول الرجل لآخر: ترثني وأرثك، ~~وتعقل عني وأعقل عنك، وتنصرني وأنصرك. ويتحالفان على ذلك. # وقد قرئ بالألف " عاقدت " فهو من المحالفة. # ثم روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا حلف في الإسلام، وما ~~كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " # PageV03P154 # وقيل: هو من ضرب اليمين في اليمين، وهو المبايعة؛ كان الرجل يعاقد الرجل ~~ويبايعه في الجاهلية، فيموت؛ فيرثه. # وقيل: إن أبا بكر - رضي الله عنه - عاقد رجلا، فمات؛ فورثه؛ ولذلك خص ~~المماليك بالذكر بهذا من قوله - تعالى -: (وما ملكت أيمانكم) لأنهم يشترون ~~للخدمة، والمرء إذا خدم نفسه إنما يخدمها بيمينه، فإذا كان تأويل الآية ما ~~ذكروا، فهو منسوخ بقوله - عز وجل -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) وبما ~~روينا من الخبر من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا حلف في الإسلام، وما ~~كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " ويحتمل أن تكون الآية ~~فيمن أسلم على يدي آخر ووالاه؛ على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " من أسلم من أهل الكفر على يدي رجل من المسلمين فهو أولى الناس به ~~محياه ومماته ". # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن رجلا سأل عن رجل أسلم على يد رجل ~~ويواليه؟ قال: هو مولاه؛ فإن أبى فلبيت المال. # وروي عن مسروق قال: أتيت عبد الله فقلت: إن رجلا كان عاملا علينا فخرج ~~إلى ms1012 الجبل، فمات، وترك ثلاثمائة درهم؟ فقال عبد الله: هل ترك وارثا أو لأحد ~~منكم عليه عقد ولاء؟ قلت: لا؛ فجعل ماله لبيت المال. وكذا يقول أصحابنا - ~~رحمهم الله -: من مات وترك وارثا فماله لوارثه، وإن لم يكن له وارث فللذي ~~أسلم على يديه ووالاه؛ لما روينا من الخبر: " هو أولى الناس به محياه ~~ومماته "، وقوله: " محياه " في العقل، و " مماته " في الميراث، وما روينا ~~عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين. # وقوله - عز وجل -: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) قيل: هي الوصية ~~إلى # PageV03P155 # تمام الثلث؛ لأن الميراث قد نسخ بالآية التي في الأحزاب بقوله - عز وجل ~~-: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) ~~ثم قال: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا)، فهي الوصية إلى تمام الثلث؛ ~~فإذا كانت الآية في الذي أسلم على يديه ووالاه وعاقده فهو ليس بمنسوخ. # وقيل: (فآتوهم نصيبهم) من النصر والمعونة والمشورة، ولا ميراث. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان على كل شيء شهيدا) # بما ذكر من الشرط والوفاء به، وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان ~~عليما خبيرا (35) # وقوله - عز وجل -: (الرجال قوامون على النساء) # قال أهل التأويل: الآية نزلت في الأزواج؛ دليله قوله - تعالى -: (وبما ~~أنفقوا من أموالهم) والأزواج هم المأخوذون بنفقة أزواجهم، وفيه دليل وجوب ~~نفقة المرأة على زوجها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم. # وقال بعض أهل العلم في قوله - تعالى -: (الرجال قوامون على النساء) - ~~دليل ألا يجوز النكاح إلا بالولي، حيث أخبر أنهم القوامون عليهن دونهن. # قيل له: إن كانت الآية في الأزواج وفي الأولياء على ما ذكرت ففيه دليل ~~جواز النكاح ms1013 بغير ولي لا بطلانه، وذلك قوله - تعالى -: (الرجال قوامون على ~~النساء بما فضل الله # PageV03P156 # بعضهم على بعض) أخبر أنه فضل بعضهم على بعض، وذلك التفضيل تفضيل خلقة، ~~وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات، والقيام بأنواع الحرف، ~~والتقلب في البلدان والمدائن، والنساء ليس كذلك؛ بل جعلهن ضعفاء عاجزات عن ~~القيام بالمكاسب والحرف والتقلب في حاجاتهن؛ فالرجال هم القوامون عليهن. ~~والون أمورهن، وقاضون حوائجهن، قائمون على ذلك، ففرض على الرجال القيام ~~بمصالحهن كما ذكرنا مع ما فرض ذلك على الرجال، يجوز إذا ولين بأنفسهن وقمن ~~بحوائجهن من البياعات، والأشرية، وغير ذلك؛ فعلى ذلك النكاح، وإن كان ~~الرجال هم القوام عليهن، فإنهن إذا ولين ذلك بأنفسهن وقمن - جاز ذلك كما ~~جاز غيره، وكذا ما أمر الأولياء بالتزويج في قوله - تعالى -: (وأنكحوا ~~الأيامى منكم. . .) الآية، ونهاهم عن العضل عن النكاح بقوله - عز وجل -: ~~(فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن. . .) الآية؛ لأن ذلك حق عليهم أن يفعلوا ~~حتى يلين ذلك بأنفسهن؛ إذ لا بد من حضور مشهد الرجال ومجلسهم ليشهدوا على ~~ذلك، فذلك على الأولياء القيام به. # وكهذا ما جعل نفقتهن إذا لم يكن لهن مال على محارمهن؛ لأنهن لا يقمن ~~بالمكاسب وأنواع الحرف والتجارات، والرجال يقومون، فجعل مؤنتهن عليهم؛ ~~لضعفهن وعجزهن عن القيام بالمكاسب خلقة؛ ولهذا ما لم يجعل للذكور من ~~المحارم بعضهم # PageV03P157 # على بعض النفقة؛ لما يقومون بالمكاسب؛ فإذا صار زمنا وعجز عن المكاسب جعل ~~نفقته على محارمه؛ لأنه صار في الخلقة كالمرأة، والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: (الرجال قوامون على النساء بما ~~فضل الله بعضهم على بعض) قال: أمراء عليهن أن تطيعه فيما أمر الله به من ~~طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهلها، حافظة لماله، وفضله عليها بنفقته ~~وسعته. # وقيل: نزلت الآية في رجل لطم امرأته لطمة في وجهها؛ فنشزت عن فراش زوجها، ~~واستعدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، لطمني ~~زوجي فلان لطمة، وهذا أثر يده في وجهي؛ فقال ms1014 لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " اقتصي منه "، وكان القصاص بينهم يومئذ بين الرجال والنساء في ~~اللطمة والشجة والضربة، ثم أبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه ~~السلام - ينزل؛ فقال لها: " كفي حتى أنظر ما جاء به جبريل في أمرك "، فأتاه ~~بهذه الآية: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) أي: ~~المسلطون على آداب النساء في الحق. # وقيل: تفضيلهم عليهن بالعقل والميراث، وفي الفيء، والله أعلم. # ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أردنا أمرا وأراد الله أمرا، ~~والذي أراد الله خير مما أردنا ". # وقيل في قوله - تعالى -: (وبما أنفقوا من أموالهم): بما ساقوا من المهر # PageV03P158 # والنفقة. # استدل الشافعي - رحمه الله - بقوله - تعالى -:، (الرجال قوامون على ~~النساء. . .) الآية، على أن النكاح لا يجوز إلا بالولي، فصرف تأويل الآية ~~إليهم، وفيها: (وبما أنفقوا) فيلزم الأولياء النفقة، وهو لا يقول به. # وبعد: فإن الآية لو كانت في الأولياء فهو في كل أمر لهن إليهم حاجة؛ ~~فيخرج ذلك مخرج الحق لهن في أن يتولوا لهن العقود كلها، ويقوموا في كفايتهن ~~وكفالتهن، لا أنهن لو قمن بأنفسهن يبطل فعلهن؛ فمثله أمر النكاح. # وأهل التأويل يحملون الآية على الأزواج، ومن تدبر الآية علم أنها فيما ~~قال أهل التأويل دون الذي ذهب إليه الشافعي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فالصالحات قانتات). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (قانتات) يعني: مطيعات، والقانت: هو ~~المطيع. # ويحتمل: مطيعات لله تعالى: # ويحتمل: مطيعات للأزواج. # ويحتمل: (قانتات) أي: قائمات بأداء ما فرض الله عليهن من حقوقه وحقوق أز ~~وا جهن. # وقوله - عز وجل -: (حافظات للغيب). # قيل: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات للغيب لغيب أزواجهن. # وقيل: حافظات لأنفسهن -لغيبة أزواجهن- في فروجهن. # ويحتمل: (حافظات للغيب) أي: لله في أموره ونواهيه، والقيام بحقوقه، ~~وقانتات # PageV03P159 # وحافظات هو تفسير صالحات. # وقوله - عز وجل -: (بما حفظ الله) # اختلف في تلاوته وتأويله؛ في حرف بعضهم بالنصب (بما حفظ الله) وتأويله: ~~بحفظ الله، لكنه نصب لسقوط حرف الخفض، ومن رفعه ms1015 جعل تأويله: بما استحفظهن ~~الله تعالى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واللاتي تخافون نشوزهن). # قال بعض أهل الأدب: سمي العلم خوفا؛ لأنه اضطر في العلم. # وقال آخر -وهو الفراء-: الخائف: الظان؛ لأنه يرجو ويخاف. # وأما الأصل في أنه سمي العلم خوفا؛ لغلبة شدة الخوف؛ فيعمل عمل العلم ~~بالشيء على غير حقيقته؛ لأنه يعرف بالاجتهاد، وبأكثر الرأي والظن، وهكذا كل ~~ما كان سبيل معرفته الاجتهاد - فإن غالب الظن وأكبر الرأي يعمل عمل اليقين ~~في الحكم ديان لم يكن هنالك حقيقة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى -: (فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)، وألزمنا العمل بظاهر علمنا وإن ~~لم نصل إلى حقيقة إيمانهن؛ فعلى ذلك إذا علم منها النشوز علم أكثر الظن ~~وأغلبه يعمل عمل الذي ذكر في الآية من العظة وغيرها؛ لأن قوله - تعالى -: ~~(تخافون نشوزهن) ليس على وجود النشوز منها للحال حقيقة؛ ولكن على غالب ~~الظن؛ لأنها إذا كانت ناشزة كيف يعظها؛ وكيف يهجرها ويضربها؛ فدل أنه على ~~غالب العلم؛ أولا ترى أنه من أكره على أن ينطق بكلام الكفر بقتل أو ضرب ~~يخاف منه التلف - كان في حل وسعة أن ينطق به بعد أن يكون قلبه مطمئنا ~~بالإيمان، وذلك إنما يعلم علم غالب الظن، وأكبر الرأي لا يعلم علم حقيقة، ~~ثم أبيح له أن يعمل عمل حقيقة العلم؛ فكذلك الأول - والله أعلم - نهى الله ~~- عز وجل - المرأة عن عصيان زوجها، وأمرها بطاعته في نفسها، كما أمره أن ~~يحسن عشرتها، وهذا هو - والله أعلم - هو الحق الذي ذكره الله - تعالى - في ~~سورة البقرة مجملا بقوله - تعالى -: (ولهن # PageV03P160 # مثل الذي عليهن بالمعروف)، وفسر الحق عليهن في هذه السورة وهو أن تطيعه ~~في نفسها، وتحفظ غيبته؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا). # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " حق الزوج على ~~امرأته إن دعاها وهي على قتب أن تطيعه ". # وقوله - عز وجل -: (فعظوهن) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: عظوهن بكتاب الله ms1016 (فإن أطعنكم) أي ~~رجعن إلى الفراش والطاعة، وإلا فاهجروهن، والهجران ألا يجامعها، ولا ~~يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، فإن قبلت وإلا فقد أذن الله لك أن ~~تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن قبلت وإلا فقد حل لك منها ~~الفداء. # ويحتمل قوله - تعالى -: (فعظوهن): يقول لها: كوني من الصالحات، ومن ~~القانتات، ومن الحافظات، ولا تكوني من كذا، على الرفق واللين؛ فإن هي تركت ~~ذلك وإلا فاهجرها، والهجران يحتمل وجهين: # يحتمل التخويف على الاعتزال منها، وترك المضاجعة والجماع. # ويحتمل: أن يهجرها ولا يجامعها، لا على التخويف من ترك ذلك؛ فإن هي تركت ~~ذلك وإلا ضربها عند ذلك الضرب الذي ذكرنا غير مبرح، ولا شائن، والله أعلم. # على الترتيب: يعظها أولا بما ذكرنا من الرفق بها واللين لعلها تطيعه ~~وتترك ذلك، ثم إذا لم تطعه خوفها بالهجران؛ فلعل قلبها لا يحتمل الهجران ~~وترك المضاجعة؛ فتطيعه؛ فإن هي أبت ذلك حينئذ هجرها، ولم يجامعها ولا ~~يضاجعها؛ فإن هي أطاعته وإلا عند ذلك ضربها؛ فإن هي أطاعته وإلا فعند ذلك ~~يرفعان إلى الحاكم، وهذا يجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يعظه على ~~الرفق واللين أولا، ولا يغلظه في القول؛ فإن هو قبل ذلك وإلا عند ذلك غلظ ~~القول به؛ فإن قبل ذلك وإلا بسط يده فيه على ما أمر الله - سبحانه وتعالى - ~~الأزواج أن تعامل النساء من العظة، ثم الهجران، ثم الضرب، ثم الرفع إلى ~~الحكمين. # PageV03P161 # وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تضربوا ~~إماء الله "؛ فترك الناس ضربهن، فجاء عمر - رضي الله عنه - فقال: والله لقد ~~دبر النساء يا رسول الله؛ فأمر بضربهن، قال: فأطاف بآل محمد النساء كثيرا ~~يشتكين أزواجهن، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لقد ~~أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة يشتكين الضرب، والله ما تجدون أولئك ~~خياركم "، وقال: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " وقال: " أحسن ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله ". # قال: والموعظة كلام يلين القلوب القاسية، ms1017 ويرغب الطبائع النافرة؛ فيكون ~~ذلك تذكير عواقب الأمور ومبادئ الأحوال، والله أعلم. # وعلى ذلك يعظها زوجها بأن يذكرها نعم الرب - جل جلاله - وما جعل من الحق ~~عليها، وما وعد في ذلك وأوعد. # PageV03P162 # ففي هذه الآيات دلالة لزوم الاجتهاد وتكليف ما لا يوصل إلى معرفة المكلف ~~به إلا بالتدبر والعرض على الأمور المعتادة أو الأسباب المعقولة في جعلها ~~أسبابا للمصلحة، وسبلا للوقوف على ما في أصول تلك النوازل من الحكمة، ولا ~~قوة إلا بالله. # ثم جعل تأديبهن إلى الأزواج، لا إلى الأئمة؛ إذ عقوبة الأئمة تكون بالضرب ~~أو الحبس وما يلحقها من المكروه فيما له أمر بالتأديب مع ما في ذلك من ~~الستر، ويكون الغالب منه ما لا يجد لسبيل الإظهار عند الحاكم، ويكون في ~~أوقات تضيق عن احتمال ذلك، ويكون ذلك أصلا لتأديب كل كافل أحد من الأيتام ~~والصغائر، وغير ذلك، والله أعلم. # والأصل: أن الله - تعالى - قال: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)، فجعل التأديب من الوجه الذي فيه حفظ ~~المجعول لنا - آية، ورعاية ما جعل بينهم من المودة والرحمة، والمنازعات ~~والخصومات إلى الحكام يقطع تلك؛ فجعل لهم من ذلك قدر ما لا يقطع مثله من ~~التأديب المعنى المجعول بينهم؛ ولذلك لم تأذن بالضرب المبرح، ولا أذن إلا ~~عند انقطاع الحيل التي جعلت للألفة والمحبة، على أن في خفيف ذلك إظهار ~~الإشفاق على ما اعترض من خوف انقطاع المودة والرحمة، وإبداء العتاب الذي هو ~~آية النصح والرحمة؛ إذ ذلك مما يخاف في ترك ذلك تمام ما قد افتتح من السر ~~والشفقة، والله أعلم. # وقيل في قوله - تعالى -: (وبما أنفقوا من أموالهم): بما ساقوا من المهر ~~والنفقة. # وقوله - تعالى -: (واهجروهن في المضاجع) # PageV03P163 # يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يهجرها في حال مضاجعته إياها في ألا يكلمها، لا أن يترك ~~مضاجعتها؛ إذ المضاجعة حق بينهما عليه في تركها ما عليها، لا يؤذيها بما ~~يضر حقه ونفسه، والله أعلم. # ويحتمل قوله: أي اهجروهن عن المضاجع ومضاجعة ms1018 أخرى في حقها؛ فيكون حقها ~~عليه في حال الموافقة وحفظ حدود الله بينهما، لا في حال التضييع، والله ~~أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: يهجرها في ألا يجامعها، ولا ~~يضاجعها على فراشه، ويوليها الظهر، لكنه على هذا يشتركان في التأديب؛ لأنه ~~به يؤدب نفسه في ذلك إلى حاجته، لكن المعنى من ذلك ألا يجامعها لوقت علمه ~~بشهوتها وحاجتها، وإنما ينظر شهوته دونها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تبغوا عليهن سبيلا) # إن أطعنكم، أي: لا تطلبوا عليهن عللا. # وقيل: لا تكلفوهن الحب، وإنما جعل الله الموعظة والهجران والضرر في ~~المضاجع. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: فإن أطاعته فلا سبيل له عليها. # ثم الضرب هو ما ذكرنا أنه يضربها ضربا غير مبرح، وهو ما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " علق سوطك - أو ضع حيث يراه أهلك، ولا تضربها ~~به "، قيل: وبم نضرب؟ قال: بنعليك ضربا غير مبرح، يعني: غير مؤثر ولا شائن. # PageV03P164 # ويروى في خبر آخر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اتقوا الله ~~في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن ~~لكم عليهن ألا يوطئن فراشكم أحدا تكرهونه؛ فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير ~~مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عليا كبيرا) هذا - والله أعلم - تذكير من ~~الله عباده، وأمر منه إياهم: أنه مع علوه وسلطانه وعظمته وجلاله وقدرته، لا ~~يؤاخذنا بأول عصيان نعصيه، ولا بأول عثرة نعثرها، مع قدرته على الأخذ على ~~ذلك وإهلاكه إياهم، فأنتم لا تؤاخذوهن -أيضا- بأول معصية يعصين فيكم، والله ~~أعلم. # ويحتمل: ذكر هذه الآية وهو كذلك؛ ليذكر علوه وكبره؛ فيحفظ حده فيما جعل ~~له من التأديب، ويذكر قدرته عليه. # وقوله - عز وجل -: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها (35) # PageV03P165 # كأن هذه المخاطبة - والله أعلم - لغير الأزواج؛ لأنه قال: (وإن خفتم شقاق ~~بينهما) ولو كانت المخاطبة في ذلك للأزواج، لقال: فإن " خافا شقاق بينهما ms1019 ~~"، أو " إن خفتم شقاق بينكم ". وقوله - عز وجل -: (واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن) الآية، خاطب بذلك الأزواج؛ لأنه قال: (واهجروهن في المضاجع) وذلك ~~إلى الزوج؛ إذ للزوج إذا خاف نشوز امرأته أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا ~~فبعد ذلك هجرها، ثم يضربها إن لم تقبل ذلك؛ فإن لم ينفع ذلك كله فبعد ذلك ~~رفع الأمر إلى الحاكم أو الإمام فوجه الحكمين. # وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: يبعث الحكمان: ~~حكم من أهله وحكم من أهلها، فيقول الحكم من أهلها: يا فلان، ما تنقم من ~~زوجتك؟ فإذا قال: أنقم منها كذا وكذا، يقول: أرأيت إن نزعت عما تكره إلى ما ~~تحب هل أنت تتقي الله وتعاشرها بما يحق عليك من نفقتها وكسوتها؟ فإذا قال: ~~نعم، قال الحكم من أهله: يا فلانة، ما تنقمين من زوجك؟ فإذا قالت: أنقم منه ~~كذا وكذا، فيقول: مثل ذلك؛ فإن قالت: نعم، جمع الله بينهما بالحكمين، بهما ~~يجمع الله، وبهما يفرق. # ثم اختلف في الحكمين: هل يفرقان بينهما؟ قال بعضهم: يفرقان بينهما إن ~~شاءا، وإن شاءا جمعاهما. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل ~~لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. # وأما عندنا: فإنهما لا يفرقان إلا برضا الزوجين؛ دليلنا ما روي أن رجلا ~~وامرأته أتيا عليا - رضي الله عنه - مع كل واحد منهما فئام من الناس؛ فقال ~~علي - رضي الله عنه - ما شأن هذين؟ قالوا: بينهما شقاق، قال علي - رضي الله ~~عنه -: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما، فقال علي - رضي الله عنه -: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما ~~أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا # PageV03P166 # فرقتما، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، قال الرجل: أما الفرقة فلا؛ فقال ~~على - رضي الله عنه -: كذبت، والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت. # أخبر علي - رضي الله عنه - أن فرقة الحكمين إنما تجب برضا ms1020 الزوجين، فلو ~~كانت فرقتهما تجوز بغير رضا الزوجين - لم ينظر إلى سخط الزوج في الفرقة، ~~ولقال علي - رضي الله عنه - للحكمين: فرقا إن رأيتما ذلك، كره الزوج أو ~~رضي. # وفي قوله -أيضا- (وإن خفتم شقاق بينهما) أي: علمتم؛ إذ حق ذلك أن يجتهد ~~في الحال بينهما فيعلم على الغالب، وللغالب حق العلم في الأعمال، وحق الريب ~~في الشهادة، فذكر باسم الخوف على ما فيه من علم العمل، على أن في ظاهر ~~الآية التفرق في المنزل حتى يبعث عن أهل كل واحد منهما ولو كانا في منزل ~~واحد، فحقه أن يجمع بين الحكمين، لا أن يبعثا بذلك؛ يدل على ظهور الخلاف ~~والشقاق، والله أعلم. # قال: وأمر الحكمين بالإصلاح بين الزوجين، وهو الأمر الذي أمر بين جميع ~~المؤمنين من قوله: (وأصلحوا ذات بينكم)، وقوله: (ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم)، الآية، وقوله: (لا خير في كثير) الآية، وذلك في حق التأليف وما ~~به تمام الأخوة بقوله: (فأصلحوا بين أخويكم)، لا بما يضر به أهله، ويوجب ~~التفريق بينهم والتباغض، وعلى ذلك أمر الحكمين في النكاح، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما): هما ~~الحكمان. # وعن مجاهد مثله. # وقال آخرون: قوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما): هما الزوجان. # وفي الآية دليل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا؛ لأن الله - تعالى - قال: ~~(إن يريدا # PageV03P167 # إصلاحا) وليس فيها دليل أن فرقتهما جائزة بشيء. # وقوله - عز وجل -: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به). # يدل على أن الخلع إليهما دون الحكمين، وكان الحكمين يوجهان؛ ليعرف من ~~الظالم من الزوجين؟ يستظهر بهما على الظالم؛ لأن كل واحد منهما إذا شكى بين ~~الناس من صاحبه - لا يعرف الظالم منهما من غير الظالم، فإن كان الزوج هو ~~الظالم أخذ على يده، وقيل: لا يحل لك أن تفعل هذا لتختلع منك، وأمر ~~بالإنفاق عليها، وإن كانت هي الظالمة وكانت في غير ms1021 منزله ناشزة - لم يؤمر ~~بالإنفاق عليها، وقيل له: قد حلت الفدية، وكان في أخذها معذورا بما ظهر ~~للحكمين من نشوز المرأة، والله الموفق. # وفي قوله -أيضا-: (إن يريدا إصلاحا) لا يخلو من أمرين: إما أن يريد به ~~الزوجين، أو الحكمين. # ثم الإصلاح يكون مرة بالجمع، ومرة بالتفريق؛ فعلى الجمع تأويل التوفيق: ~~الجمع بينهما، وعلى إرادة التفريق تأويله: التوفيق للإصلاح، وعلى التوفيق ~~للإصلاح يدخل فيه الأمران، وفي ذلك أن الفرقة والاجتماع إليهما؛ إذ عليهما ~~إرادة الإصلاح، وانصرف معنى الآية إلى الزوجين، وأيد ذلك قوله - عز وجل -: ~~(وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا. . .)، إلى قوله: (ولن تستطيعوا ~~أن تعدلوا. . .) الآية. # ثم قال - عز وجل -: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته. . .) الآية. # فعلى ما ظهر منه النشوز صرف أمر التفرق إلى الزوجين، وكذلك قوله - تعالى ~~-: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن. . .) إلى قوله - تعالى -: (فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به)، فاشركهما في الابتداء الذي به الفراق، أو يريد ~~به الحكمين؛ فيكون ذلك على الترغيب في طلب الإصلاح بينهما، وعلى إيثار ~~العدل والصواب؛ كقوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. . ~~.)، وقوله - تعالى -: (كونوا قوامين بالقسط. . .) الآية، فإذا أرادا ~~الإصلاح يوفق الله بينهما، له # PageV03P168 # وجهان: # أي: بين الزوجين ببركة قيام الحكمين لله وابتغائهما الصلاح بينهما؛ فيوفق ~~الزوجين لما له النكاح من: السكن، والرحمة، والمودة، والعفة. # ويحتمل: (يوفق الله بينهما): بين الحكمين في إصابة ما أرادا من الإصلاح. ~~ثم العلم بإرادتهما الإصلاح لا يعلمه إلا الله؛ فلا يحتمل أن يوجب لهما في ~~الحكم التفريق، والذي جوابه وعد التوفيق لم يبين، فلذلك لم يكن لهما حق ~~التفريق، إنما إليهما إعلام ما اتفقا عليه، ثم هما عملا لهما وعليهما، ~~فيكون لهما الرضا بما رأيا وغير الرضا، وأصله وجهان: # أحدهما: أنه استوجبا القيام بالتولية والتراضي من الزوجين أو بمن يخاف ~~الشقاق بينهما: فإن قاما ببعث الناس، فقاما ببعث من لا يملك الفراق، فلا ~~يستوجبان بهم ذلك، وإن قاما ببعث الزوجين فرضاؤهما بعثهما في ms1022 ذلك لم يكن ~~لهما غير الذي كان فيه الرضاء عليهما، والله أعلم. # والثاني: أنهما بعثا للعلم بالسبب الذي حملهما على الشقاق، ولعل السبب ~~منهما؛ فلا يحتمل أن يلزمانه الطلاق بلا ذنب منه، فيمكن به كل امرأة تريد ~~مفارقة الزوج وإغرامه المهر، وإذا لم يحتمل ذلك لم يحتمل أن يكون لهما حق ~~التفريق بهذا البعث مع ما بعثا لدفع الشقاق الهائج بينهما والرد إلى الصلاح ~~الذي له كان النكاح، على أنه يمكن الأخذ على يدي الظالم منهما، والقهر على ~~العود إلى ما فيه الصلاح بالتأديب - لم يجز أن يلزما الفراق وإن كرهاه، ~~والله أعلم. # ثم الأصل: أنهما بالغان لا يلزمان النكاح إذا كرها ورأي القوم الصلاح إلى ~~التناكح، على احتمال وجود الولايات في الأنكحة كانا ألا يلزما الطلاق إذا ~~كرها على امتناعه عن وجوب الولايات به لغير الزوجين - أحرى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عليما خبيرا) من الظالم منهما؟ ومن ~~المظلوم؟ # PageV03P169 # وقيل: (عليما خبيرا) بنصيحتهما لهما، عليما بما أسرت المرأة إلى حكمها، ~~والزوج إلى حكمه، خبيرا بما اطلع كل واحد من الحكمين من صاحبه على ما أفشى ~~به إليه أصدقه أم لم يصدقه؟ والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " فأتوا حكمة من أهله وحكمة من ~~أهلها ". # * * * # قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ~~وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا (37) # وقوله - عز وجل -: (واعبدوا الله) # قيل: وحدوا الله. # وقيل: أطيعوا الله. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم # (ولا تشركوا به شيئا) # يحتمل: النهي عن الإشراك في العبادة والطاعة. # ويحتمل: النهي عن الإشراك في الربوبية والألوهية. # ويحتمل: النهي عن الإشراك في سلطانه، وغير ذلك؛ كل ذلك إشراك بالله، ~~وبالله العصمة. # قال بعض أهل اللغة: العبادة هي الطاعة التي معها الخضوع. # وقال بعضهم: ms1023 التوحيد، وأصلها: أن يجعل العبد نفسه لله عبدا، لا يشرك فيها ~~غيره من هوى أو ما كان من وجوه الإشراك. # ثم له وجهان: # أحدهما: في الاعتقاد. # والثاني: في الاستعمال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبالوالدين إحسانا) # أمر الله - تعالى - بالإحسان إلى الوالدين، وأمر بالإحسان إلى ذي القربى، # PageV03P170 # واليتامى، والمساكين. . . إلى آخر ما ذكر، لكن المعنى الذي به أمر ~~بالإحسان إلى هؤلاء الأصناف والفرق مختلف: أما إحسان الوالدين: # تشكو لهما بما أحسنا إليه وربياه صغيرا؛ كقوله: (أن اشكر لي ولوالديك. . ~~.) وقوله - تعالى -: (فلا تقل لهما أف. . .) الآية (وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا) يذكر حال صغره وضعفه أن كيف ربياه، ويشكر لهما على ذلك، ~~ويحسن إليهما كما أحسنا إليه وربياه صغيرا، وقال الله، - عز وجل -أيضا-: ~~(ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا)، فإحسان الوالدين جزاء وتشكر لما أنعما ~~هما عليه، وذلك يكون من جانب الولد؛ لأن مثله لا يلزم الوالدين لولده، وذلك ~~فرض على الولد، حتى عد عقوق الوالدين من الكبائر؛ روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ". # والواجب على الرجل أن يطيع والديه وكل واحد منهما؛ إلا أن يأمراه بمعصية، ~~أو ينهياه عن أداء فريضة، أو تأخيرها عن وقتها، فإن طاعتهما - حينئذ - ~~معصية لله، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس ~~لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا)، أمره بمصاحبتهما ~~بالمعروف إلا أن يأمراه بمعصية؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا ~~ينبغي للرجل أن يقتل أباه الكافر إذا كان محاربا؛ إلا أن يضطره الأب إلى ~~ذلك؛ لأنه قال: (وصاحبهما في الدنيا معروفا) فمن المعروف في الدنيا ألا ~~يقتله، ولا يشهر عليه السلاح. # وقالوا أيضا: إن مات أحدهما تولى دفنه، وذلك من حسن الصحبة والمعروف. # روي أن أبا طالب لما مات قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: " ~~اذهب فواره ". # ثم في هذه الآية تسوية بين الوالدين فيما أمر له من الإحسان إليهما، ولم ~~يجعل للأب ms1024 فضلا في ذلك على الأم؛ فذلك يدل على أن إسلام كل واحد من الأبوين ~~إسلام للصغير؛ إذ كان الإجماع قائما في أن إسلام الأب إسلام لولده الصغار، ~~وكذلك قول # PageV03P171 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " غير أن أبويه يهودانه ~~وينصرانه ". # وقوله - عز وجل -: (وبذي القربى) # أمر بالإحسان إلى ذي القربي، ومعنى الأمر به - والله أعلم - صلة يصل ~~بعضهم بعضا، وذلك من جانبين ما يلزم هذا أن يحسن إلى هذا لزم الآخر أن يحسن ~~إليه، وذلك إبقاء للمودة فيما بينهم والمحبة، وذلك فرض -أيضا- أن يصل بعضهم ~~بعضا؛ لأن صلة القرابة فريضة. # والأمر بالإحسان إلى اليتامى يحتمل وجهين: # يحتمل: لما ليس لهم والد يقوم بكفايتهم على ما يقوم له والده، وأمر بذلك؛ ~~لما يبر الرجل ولد آخر لمكان والديه، فإذا مات والده يمتنع عن ذلك، فأمر أن ~~يحسنوا إليه بعد موت والده على ما كانوا يحسنون في حياته؛ لأنه في ذلك ~~الوقت أحوج إليه؛ إذ لا شفقة لأحد عليه، وشفقة والده معدومة، والله أعلم. # ومعنى الأمر بالإحسان إلى المساكين يحتمل أيضا وجهين: # يحتمل: شكر الله على ما من عليهم وأنعم بالإفضال على أولئك؛ إذ لم يسبق ~~منهم إلى الله معنى يستوجبون ذلك دونهم، أمر بالإحسان إليهم؛ شكرا لما أنعم ~~عليهم وأحسن إليهم. # والثاني: أنهم من جوهرهم وجنسهم في الخلقة؛ يحتاجون إلى ما يحتاج هؤلاء ~~من المأكل، والمشرب، والملبس، وغير ذلك، يأمرهم بالإحسان إليهم؛ شفقة منهم ~~لهم؛ ليتقووا على أداء ما فرض الله عليهم؛ إذ هم مثلهم في الخلقة والجوهر، ~~والله أعلم. # وهذا الإحسان في اليتامى والمساكين من جانب ليس من جانبين. # وقوله - عز وجل -: (وابن السبيل) # أمر الله بالإحسان إلى ابن السبيل؛ للوجهين اللذين وصفتهما في المساكين، ~~والله أعلم. # وقيل في اليتامى: إنه أمر الأوصياء بالقيام على ما لهم وحفظهم؛ رحمة لهم، ~~وباللين لهم. # وقوله: (والجار ذي القربى) # PageV03P172 # وهم ذوو قرابة، وله حقان: حق الجوار، وحق الرحم، كذلك روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الجيران ثلاثة: ms1025 جار له حق واحد، وجار له ~~حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فأما الذي له حقوق ثلاثة: حق القرابة، وحق ~~الإسلام، وحق الجوار، والذى له حقان: حق الإسلام، وحق الجوار، والذي له حق ~~واحد هو حق الجوار خاصة ". # وقوله - عز وجل -: (والجار الجنب) # خص الله - سبحانه وتعالى - الجار الجنب دون غيره من الجيران غير ~~الملازقين، وكان ذلك دليلا على أن الحقوق التي تلزم بالجوار إنما تلزم في ~~الجيران الملازقين؛ لأنهم الجيران بالملك، يمس ملك بعضهم بعضا، ويلصق به؛ ~~كما في الرحم يمس أنفس بعضهم لبعض، ولهذا قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: ~~إنه إذا أوصى لجيرانه، فالوصية للملازقين دون غيرهم؛ لأنهم هم الذين يلزم ~~لبعضهم على بعض حقوق يقومون بأدائها في حال حياتهم، فإذا ماتوا فأوصوا إنما ~~أوصوا بأداء ما كان بينهم، وكذلك قال في الوصية لذوي قرابته؛ إنها لقرابته ~~الذين يفرض عليهم صلتهم إذا كانوا أحياء، فإذا مات فأوصى فإنما يوصي بأداء ~~ما كان يؤدي في حال حياته، وذلك مما عليه الأداء؛ وفيه دليل على أن الشفعة ~~الواجبة للجار إنما تكون للجار الجنب الملازق دون غيره من # PageV03P173 # الجيران، وقد ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق الجار، وأمر ~~بمسامحته. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " وفي بعض الأخبار: " ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره "، وفي بعضها: " ما آمن من ~~أمسى شبعانا وجاره جائع ". # وإذا بيع بجنبه دار أو أرض، فله أن يأخذها بالشفعة؛ لما روي عن عمرو بن # PageV03P174 # الشريد، عن أبي رافع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الجار أحق ~~بسقبه " وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحد ~~فيها شرك إلا الجوار؟ قال: " الجار أحق بسقبه ما كان ". # وعن رافع بن خديج قال: عرض علي سعد بيتا له، فقال: خذه؛ فإني قد أعطيت به ~~أكثر مما تعطيني؛ ولكنك أحق به؛ لأني سمعت ms1026 رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: " الجار أحق بسقبه ". # وعن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بالشفعة بالجوار. # وعنه -أيضا- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الجار أحق ~~بسقبة جاره إذا كان طريقهما واحدا ينتظر بها وإن كان غائبا ". وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - " ينتظر بها وإن كان غائبا " يدل على أنه لا ينتظر ~~بها أكثر من ذلك؛ وفي ذلك دليل على أن الشفيع إن أمسك عن طلب الشفعة، وقد ~~علم بالبيع - بطلت شفعته، ومما يدل على ذلك -أيضا- أن الشفعة إنما جعلت ~~للجار - والله أعلم - بما يخاف عليه من سوء جوار المشتري، والضرر الذي عسى ~~أن يلحقه منه، فلو جعلنا الشفيع على شفعته أبدا لم يؤمن أن يبني المشترى في ~~الدار، وينفق فيها نفقة عظيمة، ثم يجيء الشفيع فيطلب الشفعة؛ فيقال ~~للمشتري: سلم الدار وارفع بناءك، وفي ذلك ضرر عليه بين. # PageV03P175 # وعن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة ~~بالجوار. # وعن شريح قال: كتب إلي عمر - رضي الله عنه -: أن اقض للجار بالشفعة. # وإلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في إيجاب الشفعة للجار. # وأنكر قوم أن تكون الشفعة إلا فيما لم يقسم من الدور والأرضين، واحتجوا ~~في ذلك بما روي عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة قالا: " قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، ~~فلا شفعة ". # وكذلك روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمثله. # لكن تأويل الحديث عندنا - والله أعلم -: أن قوله: " قضى بالشفعة فيما لم ~~يقسم " قول الراوي؛ لأنه لم يحك عنه أنه قال: لا شفعة فيما قسم، فيحتمل أن ~~يكون علم ذلك فحكاه، ولم يعلم بما روأه الآخرون بإيجاب الشفعة فيما قد قسم. # وأما قوله: " فإذا وقعت الحدود، فلا شفعة "، فليس فيه بيان حكاية عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد يجوز أن يكون ذلك ms1027 من الراوي، أو أن قال ~~ذلك إنما قال في القسمة، لا شفعة في القسمة عندنا. # ثم قد جعل الله - تعالى - للجيران بعضهم على بعض حقوقا باتصال أملاكهم، ~~حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من أراد أن يبيع داره فليستأذن ~~جاره " فإذا أراد البائع اختيار الجار الذي لا حق له على الجار الذي له حق، ~~جعل له إبطال ذلك؛ إذ ليس غرضه من البيع إلا الثمن؛ وهو وقد يوجد ذلك من ~~الجار؛ ولهذا ما توجب الشفعة في الهبات والصدقات مما يجوز أن يقصد بها ~~أسبابا وأحوالا لا يوجد ذلك في الجار، وأما البيع فالمقصود فيه الثمن. # وقوله - عز وجل - أيضا: (والجار ذي القربى والجار الجنب) # والجنب: البعيد، بين - والله أعلم - ليعلم أن الحق الذي ذكر للجار من ~~الإحسان إليه ليس هو بحق القرابة، بل هو بحق الجوار، فأمر بالإحسان إلى من ~~له جوار بالملك نحو ما أمر بالإحسان إلى من له جوار بالنسب، ثم كان الحق قد ~~يفترض بجوار النسب بمال مع ما كانت الصلة مفروضة فيمن مس ملكه ملكه في ~~الملك وجوبه فيما وقع التماس بالبدن # PageV03P176 # في البدن. # على أن الآية فيما أمر بالإحسان إلى جميع من ذكر قد يصير ذلك حقا يلزم ~~بحال، فمثله حق الجوار، وذلك لا يعرف غير حق الشفعة، وقد جاءت به الآثار، ~~وثوارث المسلمون في ذلك الطلب والاحتيال في الصرف والمنع؛ فبان أن الحق به ~~ظاهر لا يحتمل الخفاء، مع ما لا يشك من القوام عن ذلك إلا وعنده حظ من ~~العلم فيه لا يوجد مثله بشيء من الحقوق في غير أملاك المحقين، هذا البيان ~~والظهور ثبت أن أمره كان معروفا في الأمة حتى جرى به التوارث. # ثم هذا النوع من العلم لا يحتمل انتشاره ونيله بالرأي؛ فصار كسنة ظاهرة، ~~لها حق التواتر مع ما يستغنى عن روايته، والله أعلم. # ثم اعلم أن الناس على اختلافهم متفقون على وجوب حق الشفعة بحق الشرك فيما ~~يحتمل القسمة، وأما أن يجب بحق القسمة، فيجب ذلك ms1028 في كل محتمل القسمة، وذلك ~~مما يأباه الجميع، أو يجب بما جعل من حق الجوار الذي جاء به الكتاب، وجرت ~~به السنة، أو بما جعل من تأذي بعض الجيران ببعض، والأمر بالمعروف في الخلق ~~من الاستخبار عن أحوال الجيران قبل تأمل الدور وتفاوت القيم باختلاف ~~الجيران بما في ذلك من المؤن والمضار، وأي هذين كان فالشفعة واجبة بالجوار؛ ~~لأنهما أمران لا يسلم عنهما على ثبات الجوار؛ فيجب به الشفعة مع ما أمكن ~~الجمع بين الآثار بما لا يحتمل تسمية الشريك جارا من حيث الشرك لوجهين: # أحدهما: قوله - تعالى -: (وفي الأرض قطع متجاورات)، لم يجعل الأرض من حيث ~~الأرض متجاورة حتى أثبت لها القطع؛ فأوجب بالقطع التجاور مع ما كان الجوار ~~في اللغة اسما للتقارب والالتصاق، لا لتداخل معروف، ذلك عند من تأبى نفسه ~~مكابرة المعارف. # والوجه الآخر: ما لا يسمي الشركاء في عين العرصات جيرانا، ثبت أن ذلك ليس ~~من # PageV03P177 # أسماء الشرك؛ فلا وجه لصرف الخبر باسم الجوار إلى الشرك مع ما قد جاء ما ~~يقطع من السؤال عن أرض ليس لأحد فيها شرك إلا الجوار أنه قال: " الجار أحق ~~بسقبه. . . ". # ومما جاء: " الجار أحق بشفعة جاره ينتظر به وإن كان غائبا " إذا كان ~~طريقهما واحدا؛ فيجب بما ذكرت صرفه عن الشريك إلى وجه يوافق خبر الجار، وله ~~أوجه ثلاثة: # أحدها: أن قوله: " قضى بالشفعة لشريك لم يقسم " غير مقابل لخبر الجوار؛ ~~إذ هو أحق في القولين: # وما روي من القول: " إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " فقد يحتمل ~~أن يكون خبرا عن هذا الفعل ألا شفعة في صرف الطريق وإظهار الحدود؛ إذ ~~القسمة في معنى البيع في الأمور حتى منع الاقتسام في كل ما لا يحتمل ~~التفاضل إلا بما يجوز به، فقيل: لا شفعة في هذا، والله أعلم. # والثاني: أن يكون إذا كان هذا فلا شفعة لهم مع من لم تقع بينهم الحدود، ~~ولا صرفت بينهم الطرق، والله أعلم. # والثالث: إذا وقعت الحدود فتباينت، وصرفت الطرق فتباعدت؛ إذ ms1029 فيما لم ~~يتباينا ثم حد ليس واحد من الأمرين، وإذا احتمل خبر الشرك ما ذكرنا، ثبت ~~أمر الشفعة بالجوار والشرك جميعا على الترتيب، ولا قوة إلا بالله. # ولو كان الجنب اسمه لبعيد الجيران بالنسب استحق بما كان الذي به الجوار ~~يلتصقان، ويكون كل واحد منهما بجنب الآخر؛ إذ لا يسمى كل بعيد به، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: الحق بالاتصال. # والثاني: بيان ما به يكون الجوار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والصاحب بالجنب) اختلف فيه: # قال علي - رضي الله عنه -: هي المرأة. # وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كذلك أيضا هي المرأة. # PageV03P178 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: هو الرفيق في السفر، وكذلك قول مجاهد. # فإن كان الصاحب بالجنب هو المرأة، فالأمر بالإحسان من جانب، وإن كان هو ~~الرفيق في السفر فمن جانبين، ما يلزم هذا يلزم الآخر مثله بحق المصاحبة. # وقوله - عز وجل -: (وما ملكت أيمانكم) يحتمل الأمر وجهين: # بالإحسان إلى المماليك شكرا لما أنعم عليهم مما جعل لهم من الخولة من ~~جوهرهم وأمثالهم في الخلقة أذلاء تحت أيديهم يستخدمونهم ويستعملونهم في ~~حوائجهم. # أو لما هم أمثالهم في الحاجة من المطعم، والمشرب، والملبس، وهم مقهورون ~~في أيديهم، وقد يترك الرجل النظر لمن هو مقهور في يده؛ أمر بالنظر إليهم، ~~والله أعلم. # وقد جاءت الآثار في ذلك عن أنس - رضي الله عنه - قال: كانت عامة وصية ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الصلاة وما ملكت أيمانكم ". # وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوصي ~~بالمملوك خيرا، ويقول: " وأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيماننا. # PageV03P179 # وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يقول في مرضه: " الصلاة وما ملكت أيمانكم " فجعل يتكلم وما ~~يقبض بها لسانه. # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ms1030 وسلم ~~-: " للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ". # وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان آخر وصية رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين حضرته الوفاة: الصلاة وما ملكت أيمانكم "، ثم جعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يغرغر بها في صدره، ولا يفصح بها لسانه. # وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول في المماليك: " هم إخوانكم، ولكن الله خولهم إياكم، فأطعموهم مما ~~تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ". # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) الآية. # قيل: المختال: هو المتكبر. # وقيل: هو من الخداع. # وقيل: هو الذي يمشي مرحا؛ وهو واحد، يتكبر على عبادة الله - تعالى - أو ~~يتكبر على عباد الله - تعالى - ويخدعهم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا)؛ لأنه لا يحب ~~الاختيال، وكذا في كل ما ذكر: لا يحب ذا ويحب ذا؛ كقوله: (ويحب المتطهرين) ~~والتائبين، ولا يحب الظالمين؛ لأنه يحب الطهارة والتوبة، ولا يحب الظلم ولا ~~الكفر، فإذا لم يحب هذا، لم يحب فاعله لفعله وإذا أحب هذا، أحب فاعله ~~لفعله. # وقوله - عز وجل - (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ... (37) # PageV03P180 # يحتمل أن تكون الآية تفسيرا لما تقدم من قوله: (إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا) ووصف لهم؛ إذ لا يتكلم بمثله إلا عن تقدمه. # ويحتمل على الابتداء؛ كقوله: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. . .) ~~الآية. # ثم يحتمل وجوها: # يحتمل قوله: يبخلون بما عندهم من الأموال، ويأمرون الناس به، وهكذا دأب ~~كل بخيل أنه يبخل ويأمر به غيره. # ويحتمل: يبخلون بما عندهم من العلوم والأحكام، لم يعلموا غيرهم، ويأمرون ~~الناس بذلك. # ويحتمل قوله: يبخلون بإظهار نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - ويأمرون ~~الناس به؛ ألا ترى أنه قال: (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) أي: يكتمون ~~نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته. # ويحتمل قوله: (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) أي: يكتمون، من العلوم ~~والحكمة. # ويحتمل: ما ذكرنا: أنهم ms1031 يكتمون ويبخلون بما آتاهم الله من فضله من ~~الأموال، ولا ينفقونها، وفي ترك الإنفاق والتصدق كتمان ما أنعم الله عليهم، ~~وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من أتاه الله ~~نعمة فلترى عليه " لعله أراد بقوله: " ترى عليه " أن ينفقها على نفسه ~~ويتصدق بها ويلبسها. # وجائز أن يكون أراد - والله أعلم - الإنفاق والتصدق على غيرهم، فعلى ذلك ~~كتمان ما آتاهم الله من الأموال إذا تركوا الإنفاق على غيرهم؛ لأن من كانت ~~له الأموال لا يترك الإنفاق على نفسه. # PageV03P181 # وقيل في قوله: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) نزلت في كعب بن ~~الأشرف كتم نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتب إلى الرؤساء من اليهود في ~~الآفاق يأمرهم بكتمانه. # وأيضا، في قوله: (يبخلون ويأمرون الناس بالبخل): أي: بما أنعم الله عليهم ~~من الأموال، أو بما بين لهم من صفات الرسول - عليه أفضل الصلوات - أو بما ~~أمروا به من العبادات، حملهم على الكفر أحد هذه الأوجه الثلاثة؛ أو كانوا ~~استحلوا أحدها، فكفروا بذلك، لزمهم الذي ذكر في القرآن، والله أعلم. # وكتمانهم يرجع إلى كتمان النعت والحقوق والعبادات في أنفسهم؛ لئلا يعرفوا ~~بالعدول عليهم عما في كتبهم، وذلك تحريفهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) # ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع. # * * * # قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو ~~آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) # وقوله - عز وجل -: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم. . .) الآية: أي، سرا وقيل: إنها نزلت في المنافقين: كانوا ~~ينفقون مراءاة، ويصلون مراءاة كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بذلك، وكانوا ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر سرا. # وقيل: إنها نزلت في الذين يسعون في معاداة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويخرجون معه ينفقون أموالهم مراءاة للناس، يطلبون بذلك الرياسة. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء ms1032 قرينا) # يحتمل أن يكون هذا في الدنيا كقوله: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم. . .) ~~الآية # PageV03P182 # ويحتمل في الآخرة؛ كقوله - تعالى -: (فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم ~~إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39)، فهذا - والله أعلم - لأن كلا منهم ~~كان يقبح الشيطان ويأنف عنه، ويحشن الملائكة ويحمدهم، حتى ضرب مثل القبح من ~~الأشياء بالشياطين؛ كقوله: (طلعها كأنه رءوس الشياطين)، وضرب مثل الحسن ~~بالملائكة، وذلك لمعرفتهم بقبح الشياطين وحسن الملائكة؛ وذلك إنما عرفوا ~~بالخبر؛ لأنهم لم يعاينوا ملكا عرفوا حسنه بالمعاينة، ولا شاهدوا شيطانا ~~عرفوا قبحه بالمشاهدة، ولكنهم عرفوا ذلك بالخبر؛ ففيه دليل إثبات النبوة؛ ~~لأنهم ما عرفوا ذلك إلا بهم، دل استقباح الجميع الشياطين واستنكارهم، ~~واستحسانهم الملائكة واستعظامهم من غير أن شهدوا من أحد من الفريقين - على ~~قبول الأخبار؛ إذ عن الألسن نطقوا به؛ وعلى إثبات الرسالة؛ إذ هم جاءوا ~~بالآثار عمن شهدهم وأنشأهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ... (39) ~~هذا - والله أعلم - صلة قوله: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) وفمعنى قوله: فماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر - والله أعلم - وذلك أنهم كانوا ينفقون مراءاة طلب الرياسة ~~وإبقائها؛ فقال: لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله تبقى ~~لهم تلك الرياسة، ويكون لهم الذكر؛ بل لو آمنوا كان ذلك في الإيمان أكثر ~~ذكرا، وأعظم قدرا ومنزلة؛ ألا ترى أنه من أسلم منهم من الأئمة من نحو ابن ~~سلام وغيره كان لهم ذكر في الإسلام وبعد موتهم من غير حاجة وقعت بهم إليهم ~~في حق شرائع الإسلام، ومن مات منهم على الكفر لم يذكر أبدا، فأخبر الله - ~~سبحانه وتعالى - أن ليس في الإيمان بالله واتباع محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ذهاب شيء مما يخافون ذهابه من الرياسة والمنافع التي يطمعون في وصولها ~~إليهم، وغير ذلك؛ حيث قالوا: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)، فقال: ~~(وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر) أي: لم يكن مما خافوا باتباع ~~الهدى قليلا ms1033 ولا كثيرا. # PageV03P183 # وقوله - عز وجل -: (وكان الله بهم عليما) يحتمل وجهين: # يحتمل: أنه كان على علم منه بما يفعلون من فعل الكفر والشر ونحوه من خلق ~~إبليس، لا عن جهل ولا غفلة، ليس كصنيع ملوك الأرض أنهم إذا فعلوا فعلا ثم ~~استقبل الخلاف فإنما يكون ذلك لفعله منهم وجهل بالعواقب، فالله - سبحانه ~~وتعالى - كان لم يزل عالما بهم، لكنه تركهم على ذلك لما لا يلحقه الضرر ~~بالعصيان، ولا النفع بالطاعة، بل حاصل الضرر والنفع يرجع إليهم. # والثاني: يخرج مخرج التحذير لهم والتنبيه؛ لأن من علم أن آخر يعلم بصنيعه ~~كان أحذر وأخوف ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب، وعلى هذا يخرج قوله: ~~(كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون)، ليكونوا على حذر من ذلك. # وقيل: (وكان الله بهم عليما) أنهم لن يؤمنوا. # وفي قوله -أيضا-: (وكان الله بهم عليما) أي: أنشأهم على العلم بما ~~يفعلون؛ يبين أنه أنشأهم؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تضره؛ إذ كل ~~من يضره الخلاف لا يتولى ابتداءه إلا على الغفلة ببعضه من الضرر يلحقه ~~بالخلاف. # والثاني: على التحذير وقت الفعل بتذكير المراقب عليه على ما عليه الأمر ~~المعتاد من الانتهاء عن أمور تهواها النفس بالمراقب عليه. # ويحتمل: كان على إرادة نفي حدثية العلم، أو أخبر بعلمه بفعلهم وما لهم من ~~الجزاء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما (40) فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا (41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا (42) # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وقوله - تعالى -: (ولا ~~يظلمون فتيلا) و (نقيرا)، (وما ربك بظلام للعبيد). # ذكر هذا - والله أعلم - لئلا يظن جاهل إذا رأي ألم الأطفال والصغار وما ~~يحل بهم أن ذلك ظلم منه لهم، لكن ذلك - والله أعلم - ليعلم أن الصحة ~~والسلامة إفضال من الله - # PageV03P184 # تعالى - لهم، لا لحق ألهم عليه في، ms1034 ذلك؛ إذ له أن يخلق كيف شاء: صحيحا، ~~وسقيما، ثم من ظلم آخر في الشاهد إنما يظلم لإحدى خلتين: # إما لجهل بالعدل والحق، وإما لحاجة تمسه يدفع ذلك عن نفسه، فيحمله على ~~الظلم، فالله - سبحانه وتعالى - غني بذاته، عالم، لم يزل يتعالى عن أن تمسه ~~حاجة؛ أو يخفى عليه شيء مع ما كان معنى الظلم في الشاهد هو التنازل مما ليس ~~له بغير إذن من له وكل الخلائق من كل الوجوه له؛ فلا معنى ثم للظلم. # ثم قيل في الذرة: إنها نملة، وكذلك في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ~~مثقال نملة ". # وقيل: مثقال حبة، وهو على التمثيل، ليس على التحقيق، ذكر لصغر جثته أنه ~~لا يظلم ذلك المقدار، فكيف ما فوق ذلك؟!، لا أن مثله يحتمل أن يكون، لكن لو ~~كان فهو بتكوينه، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) # هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: من ارتكب كبيرة يخلد في النار ومعه ~~حسنات كثيرة، فأخبر - عز وجل -: (وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما) وهي الجنة، وهذا لسوء ظنهم بالله، وإياسهم من رحمته. # عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله ~~- تعالى - لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها إما رزق في الدنيا، وإما جزاء في ~~الآخرة ". # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " يقول الله - تعالى -: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~إحسان " قال أبو سعيد - رضي الله عنه -: # PageV03P185 # فمن شك في ذلك فليقرأ: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ... (41) # يقول: بالنبي، يعني: بنبيها وجئنا بك يا محمد على هؤلاء شهيدا عليهم، ~~يعني: على أمته، شهيدا بالتصديق لهم؛ لأنهم يشهدون على الأمم للرسل أنهم ~~بلغوا ما أرسلوا به لما هو دليل صدقهم، وقامت براهينهم بالرسالة صارت شهادة ~~على هؤلاء؛ أي: لهؤلاء؛ على ms1035 هذا التأويل؛ كقوله - تعالى -: (وما ذبح على ~~النصب)، أي: لها ويحتمل عليهم لو كذبوا وزلوا. # وقوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يعني: نبيها، (وجئنا بك) يا محمد ~~على أمتك شهيدا على تبليغ الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم ~~الأرض ... (42) قيل فيه بوجوه: # إذا ميز الله أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال للوحش والطير والسباع: " ~~كوني ترابا "؛ فتكون ترابا، فعند ذلك يتمنون أن يكونوا ترابا مثل الوحش ~~فسويت بهم الأرض. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يجحد أهل الشرك يوم القيامة أنهم ما ~~كانوا مشركين، فينطق الله - تعالى - جوارحهم؛ فتشهد عليهم؛ فيودون أنهم ~~كانوا ترابا؛ كقوله: (يا ليتني كنت ترابا)، وقوله - تعالى -: (يا ليتها ~~كانت القاضية)؛ فذلك قوله - سبحانه وتعالى -: (لو تسوى بهم الأرض) ليتنا لم ~~نبعث # PageV03P186 # ولم نحيا، ويقرأ " تسوى " و " تسوى " " وتسوى "، و " [وتسوى "، و " تستوى ~~"، و " تسوى] " (1) وفي حرف حفصة: " لو تستوى بهم الأرض ". # وقوله - عز وجل -: (ولا يكتمون الله حديثا). # قيل: لما أنطق الله - تعالى - جوارحهم وشهدت عليهم حين أنكروا أن يكونوا ~~مشركين بقوله - تعالى -: (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) - لم ~~يستطيعوا أن يكتموا الله حديثا. # ويحتمل: على الاستئناف: لا يكتمون الله حديثا. # ويحتمل: أن يكونوا يودوا في الآخرة ويتمنوا أن لم يكونوا كتموا في الدنيا ~~حديثا. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) # واختلف في قوله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) قيل: لا تدنوا مكان ~~الصلاة وأنتم سكارى، وكذلك الجنب لا يدنو مكان الصلاة؛ وهو قول عن ابن ~~مسعود، رضي الله عنه. PageV03P187 # وقيل: قوله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم ms1036 سكارى) نهي عن الصلاة في حال السكر؛ ~~روي أن رجلا صنع طعاما فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وسعد بن أبي ~~وقاص، فأكلوا، وسقاهم خمرا، وذلك قبل أن تحرم؛ فحضرت صلاة المغرب، فأمهم ~~رجل منهم فقرأ: (قل يا أيها الكافرون)، بطرح اللاءات؛ فنزل قوله - تعالى -: ~~(لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى). # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يصلين أحدكم وهو لا يعقل ~~صلاته ". # وفي الآية دلالة: أن في الصلاة قولا فرضا، نهي عن قربانها في حال السكر؛ ~~مخافة تركه، أو نهي عن قربانها في حال السكر؛ خوفا أن يدخل فيها قولا ليس ~~منها؛ وفي ذلك دليل فساد الصلاة بالكلام عمدا كان أو خطأ؛ لأن السكران لا ~~يفعل ذلك على العمد، ولكن على الخطأ، والأصل في هذا: أنه لم ينهه عن فعل ~~الصلاة في حال السكر لنفس الصلاة، ولكن فيه نهي عن السكر، وكذلك قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " لا صلاة للعبد الآبق، ولا للمرأة الناشزة " ليس النهي ~~فيه عن الصلاة، ولكن النهي عن الإباق والنشوز نفسه، وهكذا كل عبادة نهي ~~عنها بأسباب تتقدم، فالنهي إنما يكون عن تلك الأسباب، لا عن العبادة التي ~~أمر بها؛ لأن الإباق والنشوز والسكر ليسوا بالذي يعملون في إسقاط ذلك الفرض ~~وتلك العبادة. # وفي الآية دلالة أن السكران مخاطب بقوله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ~~نهي # PageV03P188 # عن قربان الصلاة في حال السكر، فالنهي إنما وقع في حال السكر، فإذا كان ~~مخاطبا عمل طلاقه ونفذت عقوده؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)، فلو لم يكن عليهم ذكر في حال السكر لم ~~يكن ليصدهم عن ذكر الله معنى ولا ذكر عليهم، دل أنه مخاطب، ولهذا ما قال ~~أبو يوسف - رحمه الله -: إنه إذا ارتد عن الإسلام يكون ارتداده ارتدادا؛ ~~ولما نفذ طلاقه وسائر عقوده وفسوخه، فعلى ذلك الارتداد. # وعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله ms1037 - لا يصير مرتدا؛ استحسانا، ليس كسائر ~~العقود والفسوخ؛ لأن سائر العقود يتعلق جوازها باللسان، وإن كان رضا القلب ~~شرطا فيها، وأما الإيمان والكفر فإنما يكون بالقلب، وإن كانت العبادة ~~باللسان تكون شرطا فيما بين الخلق، فإذا كان كذلك فإذا سكر يذهب السكر ~~القلب؛ فجعل كأنه لم ينطق به، وإما كان سائر العقود تعلقها باللسان، فإذا ~~نطق به جاز، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله - تعالى -: (لا تقربوا الصلاة. . .) # منهم من حمل على مكان الصلاة؛ إذ الصلاة فعل، والفعل لا يقرب. # ومنهم من حمل على الفعل؛ أي: لا تصلوا. # وأي الوجهين أريد به فالآخر داخل فيه؛ لأنه إذا نهي عن حضور مكانها ~~لحرمته فهي أعلى في الحرمة، وأحق في المنع؛ وأيد ذلك قوله - سبحانه وتعالى ~~-: (حتى تعلموا ما تقولون) والعلم بالقول يحتاج إليه في حق الفعل؛ لئلا ~~يترك المفروض من الذكر فيفسد، أو يدخل المحرم فيه فيفسد، وفي ذلك دلالة أحد ~~الوجهين، وفي حق العموم الوجهان جميعا، وهو على الخطأ يقول؛ فثبت أن الخطأ ~~من القول في الصلاة مفسدا؛ إذ لو كان لا يفسد لم يكن سوى النهي، وفي ~~التأخير نهي أيضا، والله أعلم. # ولو أريد به الصلاة فإنما المكان لأجلها، فلا وجه للحضور دون إمكان الفعل ~~للفعل، # PageV03P189 # والله أعلم. # وعلى ذلك أمر الجنب، واستثناء عابري السبيل؛ ليكون على فعل الصلاة ~~بالتيمم؛ فيكون في الآية دلالة التيمم للجنب، أو المكان فيباح الدخول فيه ~~على العبور فيه بالتيمم أيضا، فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه؛ إذ كان ~~فيه بالتيمم، والله أعلم. # وإذا أبيح للجنب على المنع عن دخول المسجد إلا بالتيمم؛ فثبت أن التيمم ~~قد جعل له الطهارة، فله الصلاة به لعذر، والله أعلم. # ثم في المروي دلالة عمن أم في المغرب ب (قل يا أيها الكافرون) على طرح ~~اللاءات في حال السكر حتى نزل قوله - تعالى -: (لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى) - أن كلام الكفر في حال السكر لا يكفر صاحبه؛ إذ خاطبهم باسم ~~الإيمان؛ فلذلك لم يكن عند أبي حنيفة - رحمه ms1038 الله - كافرا، على أن المخطئ ~~لما يجري على لسانه كلمة الكفر لا يصير كافرا في الحكم، والسكران يجري على ~~لسانه على الخطأ؛ دليله ما لا يذكره، وما كان من عقد القلب فهو لا ينسى، ~~وبخاصة المذاهب كلها يختار عن فكر الأسباب، وعن اختيار الأحق من الأمور ~~عنده إما لحجة، أو شبهة، أو شهوة، من نحو الإلف بالتقليد، وحسن الظن، والذي ~~يكون على ما ذكرت لا يحتمل السهو عنه حتى لا يخطر بباله لو أراد بدعوة عن ~~قريب ثبت أنه كان عن خطأ، وقد جاء برفع الخطأ. # وأصله: أن اللسان معبر عن الاعتقاد في أمر الدين، وبخاصة في الكفر الذي ~~يكون بالقلب خاصة بلا استعمال اللسان؛ فإذا كان مخطئا فهو أمر اللسان دون ~~القلب الذي اللسان عنه معبر، ومن عبر الكفر باللسان ووصفه لا يكفر إلا بأن ~~يكون يعبر عن نفسه أنه اعتقده، فلذلك كان على ما بينا، على أنه قد يجري ~~بتلاوة القرآن على اللسان بالغلط ما يكفر عليه بالتعمد؛ فلا يجوز أن يجعل ~~تلاوته للتعظيم، والإيمان به كفرا، ثبت بذلك رفع حكم الكفر عمن أخطأ في ~~إجرائه على اللسان، فمثله السكران؛ إذ هو مخطيء، والله أعلم. # ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله - تعالى -: (ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل): # عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: هو أن يكون مسافرا ولا يجد # PageV03P190 # الماء فيتيمم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: هو المسافر. # وقيل: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) نهي الجنب أن يدخل المسجد ومكان الصلاة ~~إلا عابري سبيل، إلا مجتازا. # ومن تأول الآية على المرور في المسجد فهو غير بعيد؛ يقول: إنما كره للجنب ~~أن يستوطن المسجد، فأما المار لأمر يعرض له، فقد رخص له؛ ألا ترى أن الجنب ~~رخص له أن يقرأ بعض الآية، ولا يجوز أن يتمها، فمروره في المساجد إذا لم ~~يجلس فيه كقراءته بعض الآية إذا لم يتمها، وعلى ذلك أمر الجنب. # واستثناء عابري السبيل يكون على فعل الصلاة بالتيمم؛ فيكون ms1039 في الآية ~~دلالة التيمم للجنب، أو المكان؛ فيباح الدخول فيه على العبور فيه بالتيمم ~~أيضا؛ فعلى ذلك عندنا الدخول للاغتسال فيه إذا كان منه بالتيمم، والله ~~أعلم. # وإذا أبيح للجنب دخول المسجد بالتيمم؛ فثبت أن التيمم قد جعل له الطهارة، ~~فله الصلاة به لعذر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) ~~الآية. # أباح الله - تعالى - للمريض المقيم أن يتيمم، والآية ذكرت المرض عاما، ~~وأجمعوا أن المريض الذي لا يخاف أن يضر به الماء لا يتيمم، وإنما أجازوا أن ~~يتيمم إذا خاف ضرر # PageV03P191 # الماء إن هو توضأ به؛ فدل أن الله - تعالى - لما أباح للمريض التيمم لم ~~يبح باسم المرض، ولكنه لمعنى في المرض؛ دليله ما ذكر أنه لم يبح لكل مريض، ~~وإنما أبيح لمريض دون مريض. # وفيه دليل لقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حيث أباح للمقيم الجنب التيمم ~~إذا خاف على نفسه الهلاك؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - أباح للسفر التيمم، ~~ولم يبحه باسم السفر، ولكنه أباح لمعنى فيه: وهو إذا كان بمكان إعذار ~~والماء؛ ألا ترى أنه لا يباح له التيمم في الأمصار، وإن كان اسم السفر ~~موجودا؛ لعدم معنى السفر؛ فعلى ذلك إباحة التيمم للمريض إباحة لمعنى في ~~المرض؛ ألا ترى أنه ذكر مجيئه من الغائط، والغائط هو المكان المطمئن الذي ~~يقضي فيه الحاجة، ولا كل من جاء من ذلك المكان يلزمه الوضوء والتيمم؛ دل ~~أنه لمعنى فيه، فعلى ذلك الأول. # وروي أن جريحا غسل فمات، فبلغ الخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: ~~" قتلوه، فإنما يكفيهم كف من تراب "، وكذلك غسل محدود فمات، فقال: " قتلوه، ~~إنما يكفيه كف من تراب " ونحو هذا، فإذا ثبت أن المراد من المرض والسفر ~~والغائط المعنى الذي فيه لا لعين المرض والسفر والغائط؛ لما ذكرنا؛ دل أن ~~كل مريض يباح له التيمم، وإنما يباح لمريض دون مريض، وكذلك لم يبح لكل أسفر ~~وإنما يباح، لسفر دون سفر، ومكان دون مكان، ms1040 وهو المكان الذي يعدم الماء فيه ~~ويفقد. # فعلى ذلك المراد من قوله: (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا) # PageV03P192 # عين اللمس وهو الجماع، وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ~~الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع - نكاح، ولكن الله - تعالى ~~- كنى. # وعن الحسن، وعبيد بن عمير، وعطاء، قالوا: الملامسة: الجماع. # فإن قيل: ما الحكمة في ذكر المرض والسفر والغائط والملامسة إذا كان ~~المراد من ذكرها غيرها؟ # قيل: الحكمة في ذكرها هو أن المرض في أغلب أحواله يعجز المرء عن إصابة ~~الماء، وكذلك السفر في أغلب أحواله يعجز صاحبه عن الماء، فخرج الذكر على ~~أغلب الأحوال، وكذلك من جاء من الغائط؛ الأغلب أنه إنما يجيء عن قضاء ~~الحاجة؛ لأنهم كانوا لا يخرجون إلا لقضاء الحاجة، وكذلك الملامسة من ~~الزوجين، الأغلب فيها قضاء الوطر والحاجة، فعلى الأغلب خرج الذكر وإن احتمل ~~غيره، وهذا يدل على أن الاحتجاج بالظواهر والعموم بحق المخرج باطل؛ لما لا ~~يجوز لأحد أن يحتج بظاهر هذه الآية أن يقول: على كل مريض، أو على كل مسافر ~~إلا كذا. # ثم اللمس إن أريد به الجماع، فهو ممكن لوجهين: # أحدهما: البلية بالقبلة، واللمس باليدين من الزوجين ظاهرا لا يحتمل ألا ~~يعرف به الرسول والأئمة من فعل العوام، فلو كان الوصف فيه لازما لا يحتمل ~~ترك إظهار البيان حتى يلزم أكثر الأمة المنكر في فعل الصلاة، والله أعلم. # والثاني: أن يكون الأمر بالمعروف في كل لمس ومس جرى الذكر به بين الذكور ~~والإناث فهو بحق الكناية عن الجماع، وكذلك سائر الحروف المحتملة للكناية ~~عنه؛ من نحو: المباشرة، والغشيان، ونحو ذلك، وبه قال كل من أجاز التيمم ~~للجنب في حق الصلاة من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - والله أعلم. # PageV03P193 # وإن أريد به غير الجماع مما قد يحتمل وجوها، فهو لا يجمع الكل، ولكن يرجع ~~إلى خاص، وهو الذي في الغالب أن يكون ثم خروج وإن لم يكن، وهي المباشرة ~~الفاحشة؛ دليله ذكر المرض والسفر على غير اقتران الحكم بنفسه؛ ms1041 إذ هو اسمان ~~لوجوه، فانصرفا إلى غاية ما له وقعت الرخصة من العجز والعدم، فمثله أمر ~~الوضوء في الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتيمموا صعيدا طيبا) # قيل: التيمم: القصد؛ يقال: تيممت الصعيد وأممته، لغتان. # وقوله: (فتيمموا): تعمدوا صعيدا طيبا، فإذا كان التيمم القصد والتعمد إلى ~~الصعيد - لم يجز إلا بالنية؛ لأنه - عز وجل - أمر بالقصد إليه والتعمد، ~~وذلك أمر بالنية؛ لأن القصد نية. # وفي حرف حفصة وابن مسعود - رضي الله عنه - " فأموا صعيدا طيبا " أي: ~~اقصدوا قصده، والصعيد، قيل: هو وجه الأرض، وسمي: صعيدا؛ لما يصعد عليها. # وقيل: الصعيد هو الأرض التي تنبت؛ ألا تري أنه روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، إلا السبخة والمقبرة ~~" وقيل: إنها ملعونة؛ ولهذا قال أبو يوسف - رحمه الله -: إن التيمم لا يجوز ~~من الأرض السبخة؛ لأنها ليست # PageV03P194 # بطيب، والطيب ما ينبت، وأما أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنه قال: الطيب: ~~هو الطاهر الحلال، له أن يتيمم به إذا عدم الماء، الطيب: اسم ما أحل في كل ~~نوع، من المقصود فيه، والمقصود في التيمم التطهر، فهو الطهور والطاهر، ~~وأيده الخبر الذي ذكر من جعل الأرض طهورا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) # الأمر يقع بمسح الأيدي على الذراعين دون الكفين؛ دليله أمر الوضوء أنه ~~يغسل الذراعان وقت غسلهما بلا غسل كفين؛ إذ قد تقدم غسلهما، فالذراعان ~~دخلتا في المسح بذكر اليد، وكذلك في الوضوء؛ لأن الكفين يغسلان قبل غسل ~~الوجه، فالأمر بغسل اليد يقع على الذراعين وما وراء ذلك. # وعن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من غائط أو بول، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام، فضرب ~~باليد الحائط ضربة فمسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها يديه إلى ~~المرفقين، ثم رد السلام. # وهكذا يقول أصحابنا - رحمهم الله - بالضربتين: ضربة للوجه، وضربة ~~للذراعين. # الأصل: أنه إذا قال الله - عز وجل - في الوضوء: ms1042 (وأيديكم إلى المرافق): ~~أنه في وقت الأمر يفعل الغسل إلى المرافق غير مخاطب بغسل الكفين على حق غسل ~~الذراع؛ إذ # PageV03P195 # قد أمضى غسل فرضها، من قبل؛ فصارت الآية كأنها في غسل الذراع بالأمر بغسل ~~اليد، وعرف بذلك غسل الكف لا بها، فمثله أمر التيمم؛ فصارت الآية كأنها في ~~حق الذراع، ودخل الكف في ذلك بالخبر على أن أمر الطهارة فيما أضيفت إلى عضو ~~أو بدن لم يحد لم يدخل كالمضاف إليه في الاشتراك بقضاء حقهما، نحو الجنابة، ~~والوجه، والرأس، فكذلك أمر اليد في التيمم، لكن قصر عن التمام، بدلالة بيان ~~السنة وعموم الفتيا، وما لا يشك في قضاء حكم الوضوء، وليس هو في بعض اليد ~~فلا يجعل فيما ليس هو فيه بدله؛ إذ حقه التقصير عن كمال وظيفة الأصل، لا ~~الزيادة عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عفوا) # لما مضى من الذنوب # (غفورا) لما يستقبل. # والعفو: الصفح والمحو، والغفر: الستر، هو يعفو عنه، ويستر على صاحبه. # أو يعفو من التجاوز؛ فيختلف اللفظ على إرادة معنى واحد. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ~~ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا ~~وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا (46) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا) يقول: أعطوا حظا من ~~علم الكتاب، وهم علماؤهم، يشترون الضلالة بعلم الكتاب. # ويحتمل: يشترون الضلالة بالهدى، وكذلك قيل في حرف حفصة على ما ذكر في # PageV03P196 # غير هذه الآية: (اشتروا الضلالة بالهدى)، وذلك أنهم كانوا آمنوا بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث، فلما لم يبعث على هواهم، كفروا به؛ ~~كقوله - تعالى -: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به). # ويحتمل: يشترون ضلالة غيرهم ms1043 بالتحريف، والرشاء، ونحو ذلك؛ كقوله - تعالى ~~-: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله)، وقوله: (اتبعوا ~~سبيلنا). # (ألم تر) حرف التعجب عن أمر قد بلغه؛ فيخرج مخرج التذكير، أو لم يبلغه؛ ~~فيخرج مخرج التعليم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويريدون أن تضلوا السبيل) يحتمل وجهين: # (ويريدون) أي: يتمنون أن تضلوا السبيل؛ لتدوم لهم الرياسة والسياسة؛ إذ ~~كانت لهم الرياسة على من كان على دينهم، ولم يكن لهم ذلك على من لم يكن على ~~دينهم؛ فتمنوا أن يكونوا على دينهم؛ لتكون لهم الرياسة عليهم. # وقيل: (ويريدون أن تضلوا السبيل) أي: يأمرونهم ويدعونهم إلى دينهم؛ لما ~~ذكرنا من طلب المنافع، وإبقاء الرياسة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله أعلم بأعدائكم ... (45) # كأنهم - والله أعلم - يطلبون موالاة المؤمنين، ويظهرون لهم الموافقة، ~~فنهي الله - تعالى - المؤمنين عن موالاتهم؛ كقوله - تعالى -: (لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا). . .)، إلى قوله - سبحانه وتعالى -: ~~(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم. . .) الآية، فأخبر الله - تعالى - ~~المؤمنين أنه أعلم بأعدائكم منكم. # ويحتمل أن يكون المؤمنون استنصروهم، واستعانوا بهم في أمر، فأخبر - عز ~~وجل - أنهم أعداؤكم، وهو أعلم بهم منكم. # ثم قال: (وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) # أي: كفى به وليا ومعينا، وكفي به ناصرا. # ويحتمل قوله: (وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) مما أعطاكم من أعطاكم؛ ~~أي: لا ولي أفضل من الله - تعالى - ولا ناصرا أفضل منه، منه البراهين ~~والحجج، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ... (46) وفي ~~حرف ابن # PageV03P197 # مسعود - رضي الله عنه -: (وكفى بالله نصيرا)، (من الذين هادوا) على ~~الاستئناف، والابتداء خبر، وفي حرف غيره: (من الذين هادوا) - معناه والله ~~أعلم: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، لا ذكر ~~للنصارى في ذلك. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - ذكر النصارى في الذين أوتوا نصيبا. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " من الذين هادوا من يحرف الكلم عن ~~مواضعه ". # ثم تحريف الكلم يحتمل وجهين: ms1044 # يحتمل: تغيير المعاني وتبديل التأويل على جهالهم؛ كقوله - تعالى -: (وإن ~~منهم لفريقا يلوون ألسنتهم. . .) الآية. # ويحتمل: تغيير اللفظ والكتابة نفسها؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: (فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله). # وقوله - عز وجل -: (ويقولون سمعنا وعصينا) # قيل: سمعنا قولك، وعصينا أمرك. # وقوله - عز وجل -: (واسمع غير مسمع) # قيل: اسمع قولنا غير مسمع، أي: غير مجيب. # وقيل: اسمع قولنا غير مسمع لا سمعت؛ على السب. # وقوله: (وعصينا) # الإسرار به منهم أظهره الله - تعالى - عليهم؛ ليكون آية للرسالة. # وقوله - عز وجل -: (وراعنا) # قيل: يقولون لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: راعنا سمعك. # PageV03P198 # وقيل: (وراعنا): أرعنا حقوقنا؛ وهو من الرعاية. # وقوله - عز وجل -: (ليا بألسنتهم) أي: تحريفا، والتحريف ما ذكرنا؛ كقوله ~~- تعالى -: (يلوون ألسنتهم بالكتاب. . .) الآية. # وقيل في قوله - تعالى -: (واسمع غير مسمع) أي: اسمع يا محمد منا قولنا ~~غير مسمع منك قولك، ولا مقبول ما تقول. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا ~~لهم) أي: لو قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وانظرنا فلا تعجل علينا ننظر. # وقيل في قوله: (وانظرنا): أفهمنا. # وقوله - عز وجل -: (لكان خيرا لهم) # مما قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة: ~~أما في الدنيا: فدوام الرياسة التي خافوا فوتها لو أطاعوه واتبعوه؛ إذ قد ~~من آمن منهم وأطاعوا نبيه فلم تذهب عنهم الرياسة والذكر في الدنيا؛ بل ~~ازداد لهم شرفا وذكرا في الحياة وبعد الممات، وأما في الآخرة فثواب دائم ~~غير زائل أبدا. # وقوله - عز وجل -: (وأقوم) # أي: أعدل وأصوب لما ذكرنا. # (ولكن لعنهم الله بكفرهم) # واللعن: هو الطرد، طردهم الله - عز وجل - من رحمته ودينه، لما علم منهم ~~أنهم لا يؤمنون باختيارهم الكفر. # وقوله - عز وجل -: (فلا يؤمنون إلا قليلا) # قيل: والقليل من أسلم؛ من نحو ابن سلام وأصحابه وغيرهم. # وقيل: قوله - تعالى -: (فلا يؤمنون إلا قليلا) منهم، أو لا يؤمنون إلا ~~بالقليل من # PageV03P199 # الكتب والأنبياء، عليهم السلام؛ كقوله - تعالى -: (نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض). # * * * # قوله ms1045 تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ~~من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ~~وكان أمر الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ~~لما معكم) دلت هذه الآية أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ ولا ممن أوتوا ~~الكتاب؛ لأنه قال - عز وجل -: (آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم) أي: موافقا ~~لما معكم وليس عند المجوس كتاب حتى يكون المنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - مصدقا لما معهم. # ثم قوله: (مصدقا لما معكم) أي: موافقا لما معكم، وإنما كان موافقا لما ~~معهم بالمعاني المدرجة فيه والأحكام، لا بالنظم واللسان؛ لأنه معلوم أن ما ~~معهم من الكتاب مخالف للقرآن نظما ولسانا، وكذلك سائر كتب الله - تعالى - ~~موافق بعضها بعضا معاني وأحكاما، وإن كانت مختلفة في النظم واللسان؛ دل ~~أنها من عند الله - تعالى - نزلت؛ إذ لو كانت من عند غير الله كانت مختلفة؛ ~~ألا ترى أنه قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، ~~ففيه دليل لقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حيث أجاز الصلاة بالقراءة ~~الفارسية؛ لأن تغير النظم واختلاف اللسان لم يوجب تغير المعاني واختلاف ~~الأحكام، حيث أخبر - عز وجل - أنه موافق لما معهم، وهو في اللسان والنظم ~~مختلف، والمعنى موافق. # PageV03P200 # ثم يحتمل قوله: (مصدقا لما معكم) بصفته، ونعته، ونبوته، ومبعثه، وزمانه، ~~فيه فيما معكم، لا يخالف في شيء من ذلك. # ويحتمل: أنه هو النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي آمنتم به قبل أن يبعث، ~~فكيف كفرتم بالله؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من قبل أن نطمس وجوها. . .) الآية. # قيل: لما نزلت هذه لآية قدم عبد الله بن سلام على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أني أصل إليك ms1046 حتى يتحول ~~وجهي في قفاي. # وقيل: طمسها: أن تعمى أبصارها، وردها على أدبارها. # وقيل: طمس الوجوه: أن تعمى، وترد عن بصرتها، وذلك أنهم كانوا مؤمنين ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - مستيقنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~نبي الله، يجدونه في كتبهم، يقول: حققوا إيمانكم بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وبكتابه من قبل أن نضلكم عن هداكم؛ فتصيروا ضلالا؛ فلا تعلمون ما ~~كنتم تعملون. # ويحتمل أن تكون الآية خرجت على الوعيد، وهي على التمثيل، لا على التحقيق. # ويحتمل: على التحقيق؛ كقوله - تعالى -: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) ~~ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة. # وقوله - عز وجل أيضا -: (من قبل أن نطمس وجوها) يحتمل الحقيقة؛ فيرجع إلى ~~يوم القيامة، فيذهب عنه جميع محاسن الوجه. # أو نطمس وجوه الحق عنه بمعاندته، فيبصر الحق بغير صورته والباطل بغير ~~صورته بعد أن كانوا رأوا كل شيء بصورته في كتبهم المنزلة، والله أعلم. # أو نطمس وجوههم عند أتباعهم الذين لأجلهم غيروا وحرفوا بما يطلعهم على ~~خيانتهم، ويظهر لهم تبديلهم، وقد فعل بحمد الله تعالى. # وقد يحتمل الوعيد: أن يفعل بهم إن لم يؤمنوا حقيقة ذلك؛ كفعله بأصحاب ~~السبت، تغير الجوهر، ثم لعل أولئك قد أسلموا، أو نزل بهم ولم يذكر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان أمر الله مفعولا) # PageV03P201 # أي: كان بأمر الله - عز وجل - مفعولا، كما يقال: الجنة رحمة الله، والمطر ~~رحمة الله، أي: برحمة الله، فعلى ذلك معنى قوله - سبحانه -: (أمر الله ~~مفعولا) أي: بأمر الله كان مفعولا. # ويحتمل قوله: (وكان أمر الله مفعولا)، أي: عذاب الله نازلا بهم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء (48) # أجمع الناس أن الله، يغفر الذنوب كلها: الشرك وما دونه إذا انتهى وتاب ~~بقوله - تعالى -: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) دل أن إطماع المغفرة لما ~~دون الشرك لمن لم ينته عنه. # وقال الخوارج: الكبائر كلها إشراك بالله، فمن ارتكبها دخل تحت قوله - ~~تعالى -: (إن الله ms1047 لا يغفر أن يشرك به)، والمسألة بيننا وبينهم في ذلك، ~~فيقال لهم: المعنى الذي صار به مشركا عندكم بارتكابه الكبيرة ذلك المعنى ~~موجود في ارتكابه الصغائر؛ فيجيء أن يكون كافرا، فإذا لم يصر بذلك كافرا لم ~~يصر بارتكابه الكبائر كافرا. # وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر. # وقال أبو بكر الأصم: ظهر الوعيد في الكبائر، وشرط المغفرة لما دون الشرك ~~بقوله - تعالى -: (لمن يشاء) فهو للصغائر؛ كقوله: (ويكفر عنكم من سيئاتكم) ~~أخبر أن من السيئات ما يكفر، ومنها ما لا يكفر، فهو للصغائر. # وأما عندنا: فإن الله - عز وجل - أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك، ~~ولو كان لا يجوز في العقل المغفرة لكان لا يطمع؛ لأنه لا يجوز أن يطمع ما ~~لا يجوز في العقل، فإذا أطمع دل أنه يجوز في العقل المغفرة لما دون الشرك، ~~ثم له المشيئة: إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم. # وأما إطماع المغفرة في الشرك: فإنه لا يجوز في العقل؛ لأن من اعتقد دينا ~~إنما يعتقده # PageV03P202 # للأبد، وليس كل من ارتكب ذنبا يرتكبه للأبد؛ بل إنما يرتكبه لقضاء شهوة ~~تغلبه، فهو يندم على إثره؛ لذلك قلنا: يجوز في العقل إطماع المغفرة لما دون ~~الشرك، ولا يجوز للشرك، وبالله التوفيق. # ووجه آخر: أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال، والاستخفاف بالأمر ~~والنهي، فلا يتزل بما أطمع بهذه الآية من المغفرة؛ فيزال الطمع والرجاء ~~بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهم؛ فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ~~ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو تحكم، ولا قوة إلا بالله. # ووجه آخر: أن الآية في التفصيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل، فإذا ~~صرفت إلى الصغائر فيبطل تخصيص اسم الشرك، ويلتبس على السامع محله، وليس أمر ~~الوعيد فيما جاء بموضع التفصيل، بل الذي جاء بحق التفصيل ذكر الغفران ~~بالتكفير، والتكفير يكون مقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات؛ كقوله - تعالى ~~-: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه. . .) الآية، والله الموفق. # ووجه آخر: قال الله،- عز وجل -: (لمن يشاء) وهذا كناية ms1048 عن الأنفس ~~المغفورات، لا عن الآثام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية ~~المكنى بها عن الأنفس، وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء ~~عاما؛ فبان لا صرف في ذلك، فهو أولى، والله الموفق. # وبعد، فإنه - عز وجل - قال: (لمن يشاء) والصغائر عندكم مغفورة بالحكمة لا ~~بالوعد، والآية في التعريف، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - تعالى - أيضا: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فمعلوم: أنه فيما ~~يلزمه حتى يختم به، لا فيما يتوب عنه؛ أيد ذلك قوله: (إن ينتهوا يغفر لهم. ~~. .) الآية، وغير واحدة من الآيات التي جاءت في الكفرة لما آمنوا، والله ~~أعلم؛ فصار كأنه قال: لا يغفر أن يشرك به إذا لم يتب عنه، ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء وإن لم يتب منه، فلو كان شيئا مما دونه لا يحتمل في الحكمة ~~المغفرة لضمه إلى الممتنع عن الاحتمال، لا أن ألحقه بالمحتمل له فيما كان ~~معلوما أن القصد فيه إلى بيان ما فيه الرجاء والإياس، وأيد ذلك # PageV03P203 # قوله - تعالى -: (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فلو كان يلزم ~~الإياس لما دونه ليجب الوصف له بالكفر؛ إذ الإياس لهم بالكفر وفي تحقيقه ~~تحقيقه، فأي الوجهين لزم تبعه الآخر في حق الإياس، لا في وجود فعله؛ إذ قد ~~يوجد فعل الرجاء في الكفرة، ثبت أن ذلك في الحكم والتحقيق، لا في وجود ~~الفعل، وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا ~~يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ~~ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون ~~الناس نقيرا (53) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) # قيل: هم اليهود، جاءوا بأبنائهم أطفالا، فقالوا: يا محمد، هل ms1049 على أولادنا ~~هؤلاء من ذنب؟ قال: " لا "، قالوا: فوالذي يحلف به ما نحن إلا كهيئهم، ما ~~من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل إلا كفر عنا ~~بالنهار، فذلك التزكية منهم. # وقيل: تزكيتهم أنفسهم بقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، لا ذنوب لنا. # ويحتمل: أن تكون تزكيتهم أنفسهم ما قال الله - عز وجل - (يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)، وكان أكثر ~~الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثوا من بني إسرائيل، وكانوا يزكون أنفسهم ~~بذلك، فأخبر - عز وجل - أنهم كانوا مفضلين على غيرهم، لكن لما فضل غيرهم ~~عليهم صار أولئك المفضلون دونهم وذلك، قوله - عز وجل -: (بل الله يزكي من ~~يشاء) يفضل من يشاء، أو يبرئ من يشاء من الذنوب. # ثم التزكية تذم؛ أن يزكي أحد نفسه؛ لأن التزكية هي التنزيه من العيوب ~~كلها والذنوب، وذلك مما لا يسلم أحد منها، ولا يبرأ، ولا يستحق مخلوق، وذلك ~~معنى النهي: (فلا # PageV03P204 # تزكوا أنفسكم)، إذ تخرج التزكية مخرج التكبر، وذلك لجهله بنفسه لما لا ~~يرى غيره شكل نفسه ولا مثله فيتكبر عليه، ولو عرف أنه مثله وشكله ما تكبر ~~على أحد قط، ولا زكي نفسه. # وقول الرجل: أنا مؤمن، ليس ذلك منه تزكية، إنما هو إخبار عن شيء أكرم به، ~~والتزكية هي التي يرى ذلك من نفسه. # وقوله -أيضا-: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) ليس في إظهار الإيمان ~~تزكية؛ لما لا يخلو من أن تظهر لمن أبى مشاركتك فيه، فعليك الإظهار بحق ~~الدعوة إليه؛ لتدعوه إلى ما تدين به، أو هو يشاركك فيه، والتزكية -في ~~الحقيقة- فيما يوجب تقديمك، وليس في هذا. # وأيضا: إن القول بالإيمان ليس بمقدر عن معنى العبادة، أو سبب فيه علو من ~~حيث ذلك، إنما هو خبر عن أمر هو في اللغة تصديق، والتصديق بأمر هو كذلك ليس ~~بالذي يعد في الرتب، بل على كل ذلك، ولا أحد إلا وقد يؤمن بأشياء ويصدق، ~~فليس في القول به منقبة، وكذلك ما من أحد ms1050 إلا وعليه التكذيب بأمور، فلا ~~بالتكذيب في الإطلاق لوم، ولا بالتصديق بالإطلاق مدح؛ إذ كل في ذلك، لكن ~~الذم في تكذيب يكذب به، فيكون من حيث كذبك ذممت، ثم تتفاوت على تفاوت درجات ~~الكذب. # ثم التصديق لو كان ثم مدح فهو بصدقه أيضا، ولا أحد يخرج الصدق كله؛ فيصير ~~المرء بوصفه نفسه صادقا في شيء تزكية ومدحا، ولا قوة إلا بالله. # على أن للإيمان حدا، وكل عبادة ذات حد، فلا امتداح ممن قد أداها بالإخبار ~~عن الأداء، وبخاصة الفرائض منها، نحو من يقول: قد صليت الظهر، أو أديت زكاة ~~مالي، # PageV03P205 # أو حججت، أو نحو ذلك، وفيما يقول: هو بر، أو تقى، أو حبيب الله - تعالى - ~~أو نحو ذلك مما يرجع ذلك إلى ما لا يعرف حده من الخيرات، فهو بذلك يرتفع ~~على الأمثال، ويفتخر عليهم، فيما لو كان صادقا كان في ذلك منه إغفال عن حق ~~ذلك، ولو كان كاذبا كان ذلك جائزا فيه، ممقوتا بالكذب، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ولا يظلمون فتيلا) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الفتيل: ما فتلت بين أصبعيك. # والنقير: ما يكون وسط النواة. # وقيل: النقير والقطمير: قشر النواة. # وقيل: الفتيل -أيضا-: ما يكون وسط النواة. # وقيل: النقير: الذي يكون في ظهر النواة، وهو على التمثيل. # وقيل في حرف حفصة: (ألم تر إلى الذين قالوا إنا نزكي أنفسنا بل الله يزكي ~~من يشاء). # وقوله - عز وجل -: (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ~~(50) الآية ظاهرة. # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ... (51) # قيل: أعطوا حظا من الكتاب، وهم علماؤهم. # (يؤمنون بالجبت والطاغوت) اختلف فيه: # قيل: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن. # وقيل: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الجبت: الشيطان بكلام الحبشة، # PageV03P206 # والطاغوت: كهان العرب. # وقيل: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان. # وقيل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف. # يخبر - عز وجل - عن سفههم بإيمانهم بهؤلاء وحسدهم محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه، ms1051 ويحذر المؤمنين من صنيعهم؛ لأن هؤلاء كانوا علماءهم مؤمنين ~~بالجبت أوالطاغوت، (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا). # قيل في القصة: إن هؤلاء أتوا مكة؛ ليحالفوا قريشا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أجله، ففعلوا، فدخل أبو سفيان البيت في مثل عدتهم، فكانوا ~~بين أستار الكعبة، فتحالفوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~أصحابه - رضي الله عنهم -: لتكونن كلمتنا واحدة ولا يخذل بعضنا بعضا، ~~ففعلوا، ثم قال أبو سفيان: ويحكم يا معشر اليهود، أينا أقرب إلى الهدى وإلى ~~الحق، أنحن أم محمد وأصحابه؟ فإنا نعمر هذا المسجد، ونحجب هذه الكعبة، ~~ونسقي الحاج، ونفادي الأسير، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ قالت اليهود: لا، ~~بل أنتم؛ فذلك قوله - تعالى -: (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا). # وفي حرف حفصة: (ويقولون للذين أشركوا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا). # ثم قال الله - عز وجل -: (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد ~~له نصيرا (52) # واللعن يكون على وجوه: # اللعن: هو العذاب. # وقيل: (لعنهم الله): عذبهم الله. # PageV03P207 # واللعين: هو الممنوع عن الإحسان والإفضال. # وقيل: هو الطريد، أي: طردوا من رحمة الله وإفضاله وإحسانه. # قال: الطاغوت: هو اسم اشتق من الطغيان: كالرحموت والرهبوت، من الرحمة ~~والرهبة، ونحو ذلك، سمي به كل من انتهي في الطغيان غايته، حتى استحل أن ~~يعبد هو دون الله، فهو طاغوت، وعلى ذلك تأويل قوله - تعالى -: (فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله) أي: بعبادة كل من عبد دون الله. # وقيل: هم مردة أهل الكتاب. # وقيل: هو الشيطان. # وقيل: الصنم، وذلك كله يرجع إلى ما ذكرت. # وقيل في ذلك: كاهن، وقد سمي جبتا. # وقيل في الجبت: السحر، فإن كان الجبت السحر فهو على ما قال: (واتبعوا ما ~~تتلو الشياطين على ملك سليمان ... ) الآيات، وأي شيء مما ذكرت قد كانوا ~~آمنوا بذلك، فعيرهم الله - تعالى - وسفه أحلامهم بالإيمان بمن ذكرت، ~~ومظاهرتهم على ما ms1052 لهم من الأتباع [على رسول رب العزة - صلى الله عليه وسلم ~~- بعد علمهم بموافقته - عليه السلام -] (1) رسلهم وتصديقه بكتبهم؛ وعلمهم ~~بعدول أولئك عن هذه الرتبة؛ بغيا وحسدا، وكان في إظهار ذلك عليهم بيان ~~الرسالة، وإعلام أتباعهم تحريفهم كتب الرسل، وإبداء ما في قلوبهم من الحسد؛ ~~لتزول الشبهة عن الأتباع، وتظهر المعاندة في المتبوعين، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) ~~اختلف فيه: # قيل: لو كان لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا من بخلهم، وقلة ~~خيرهم. PageV03P208 # وقيل: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا ~~يأتون الناس، نقيرا، فكيف يتبعونهم؟!. # وقيل: قوله - سبحانه -: (أم لهم نصيب من الملك) # أي: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئا؟! إنما الملك لله - عز ~~وجل - هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: (قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. . . .) الآية، إنما يستفاد ذلك ~~بالله - عز وجل - لا بأحد دونه، والله - تعالى - أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # وقوله - عز وجل -: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) # يقول: بل يحسدون محمدا - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله من فضله ~~من الكتاب والنبوة؛ يقول الله - عز وجل - ردا عليهم: (فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة)، فلم يحسدوه، فكيف يحسدون محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~بما آتاه الله - تعالى - من الكتاب والنبوة، وهو من أولاد إبراهيم، عليه ~~السلام؟! فهذا - والله أعلم - معناه. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناهم ملكا عظيما) # قيل: أراد الملائكة والجنود. # وقيل: هو ملك سليمان بن داود، وداود كان من آل إبراهيم، عليه السلام. # PageV03P209 # وقوله - عز وجل -: (أم يحسدون الناس) يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~(على ما آتاهم الله من ms1053 فضله) يعني: من كثرة النساء، لكن ذلك ليس بحسد، إنما ~~هو طعن طعنوه، وعيب عابوه؛ لأن الحسد هو أن يرى لآخر شيئا ليس له؛ فيتمنى ~~أن يكون ذلك له دونه، وقد كان لهم نساء، لكنه إن كان ذلك فهو طعن طعنوه، ~~وعيب عابوه على كثرة النساء، ويقولون: لو كان نبيا لشغلته النبوة عن ~~النساء، ويقولون: يحرم على الناس أكثر من أربع، ويتزوج تسعا وعشرا؛ فأنزل ~~الله - عز وجل - ردا عليهم: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك. . .) وكان لداود ~~تسع وتسعون امرأة، وما قيل -أيضا- إن لسليمان - عليه السلام - ثلاثمائة ~~سرية وسبعمائة حرائر. # إن ثبت ذلك: فكثرة النساء له لا تمنع ثبوت الرسالة والنبوة، وإنما تمنع ~~كثرة النساء لأحد شيئين: # إما لخوف الجور، وإما للعجز عن القيام بإيفاء حقهن. # فالأنبياء - عليهم السلام - يؤمن ناحيتهم الجور، وكانوا يقومون بإيفاء ~~حقهن مع ما كان قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة لتسع أو لعشر ~~من النساء من آيات النبوة؛ لأنه كان معروفا بالعبادة لله ليلا، وبالصيام له ~~نهارا، وتحمل الجوع وأنواع المشقة تباعا، ومعلوم في الخلق أن من كان هذا ~~سبيله لم يقدر على وفاء حق امرأة واحدة؛ فضلا أن يقوم لإيفاء حق العشر ~~وأكثر؛ فدل أنه بالله قدر على ذلك، وعلى ذلك قيام داود - عليه السلام - ~~لمائة من النساء، وقيام سليمان - عليه السلام - لألف منهن، فذلك من آيات ~~النبوة؛ لما ذكرنا: أنه ليس في وسع أحد سواهم القيام بذلك. # PageV03P210 # وكذلك في قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإظهار هذا الدين من غير ~~اتباع كان له، أو ملك، أو فضل سعة - دليل أنه كان بنصر الله أظهر، ويعوذه ~~به جميع هذا الخلق على دينه. # وفي قوله -أيضا-: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا ~~آل إبراهيم. . .) الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: المحاجة: أن كيف يحسدون محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه من ~~آل إبراهيم وأولاده بما خصهم به من فضله، ولم يزل ذلك في آل إبراهيم، ولم ~~يكونوا حسدوهم. # وعلى ms1054 هذا قوله - تعالى -: (فمنهم من آمن به) أي: بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - أو بكتابه الذي أنزل عليه. # والثاني: أن يكون على التصبير على أذاهم الذي كان منهم بالحسد مما كان ~~هذا فيمن تقدمه من آل إبراهيم، ومن فضله، ومن الحساد لهم في ذلك، والمؤذين ~~لهم، فصبروا، ولم يكافئوهم؛ نحو قوله - تعالى -: (فمنهم من آمن به): أي: ~~بإبراهيم - عليه السلام - أو بما أنزل إليه، أو آله، والله أعلم. # الأصل في اختلاف التأويل الآية واحدة فيما يجب في ذلك من الحق أنه على ~~أقسام: # أحدها: أنه يتسع الكل. # ويحتمل: دخول الكل في المراد. # ويحتمل: إرادة البعض؛ فإن كان ذلك مما يجب العمل به يلزم طلب الدليل على ~~الموقع للمراد، فإن وجد من طريق الإحاطة شهد عليه بالمراد، وإن لم يوجد عمل ~~به على حسب الإذن في العمل به بالاجتهاد من غير الشهادة عليه أنه المقصود ~~لا غير، والله أعلم. # وإن كان ذلك مما لا يجب العمل به وإنما حقه الشهادة، يشهد به على ما هو ~~في الحكمة وجوب تلك الشهادة من غير أن يقضي على الآية بقصد ذلك إذا كانت ~~بحيث تتسع له ولغيره؛ نحو القول بأنه سميع عليم على إثر أمورهم من أدلة ~~الخصوص، لو # PageV03P211 # كانت تحتمل الخصوص، وفي الحكمة أنه سامع كل صوت، وعليم بكل شيء، فبه ~~يشهد، ولا يقال في ذلك: إنه أراد ذا من الخاص، نحو قوله - تعالى -: (وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم)، قال قوم: لا يقع الطلاق حتى يوقع؛ لأنه ~~ذكر أنه سميع ولو أوقع الطلاق بغير قول، لم يكن لذكر السميع في هذا الموضع ~~فائدة. # وقال قوم: (سميع) لإيلائه؛ إذ هو قسم ينطق به، (عليم) لعزمه، وقد ذكر ~~(سميع عليم)؛ فيجب توجيه كل حرف إلى وجه، ليفيد حقيقة ذلك في هذا الموضع، ~~ولو كان لا يقع دون القول لكان كل أمره مسموعا؛ ليلتقي القول بأنه سميع عن ~~القول بأنه عليم. # وفي جملة العقد من طريق الحكمة أنه سميع بكل صوت، عليم بكل شيء، ms1055 لكن في ~~النوازل يتوجه وجهين لا يجب القطع عليه في الإرادة إلا أن يجيء ما يوجب ~~الإحاطة، وقد عمل به الخلق على الاختلاف، والله أعلم. # ووجه آخر من التأويل: أنه يحتمل وجوها لا يسع للكل في حق العمل أو في حق ~~الشهادة، لكنها لأحد الحقين، فإن كان ذلك في حق العمل يجب طلب دليله، ويكون ~~الدليل على وجهين: # أحدهما: أن يوجب على حق العمل والشهادة جميعا. # والآخر: أن يوجب على حق العمل خاصة، وقد بينا ذلك. # وإن كان في حق الشهادة فيجب الوقف في تحقيق المراد، والتسليم لله حتى ~~يظهر، وذلك في حق إضافة الاستواء إلى الله - تعالى - على العرش، والقول ~~بالرؤية من حيث يثبت ما به يرى على الإشارة إليه، لا بالإحاطة، ونحو ذلك من ~~الأمور، والله أعلم. # ووجه آخر: أن يكون احتمال وجوهها إنما يكون بمقدمات، فيختلف على اختلاف ~~تلك المقدمات، فلا يجوز تأويل تلك إلا بمعرفة المقدمة، إذا لم يكن فيها غير ~~معرفة الموقع من المقدمة؛ نحو قوله - تعالى -: (فإذا فرغت فانصب)، لم يكن ~~لأحد تأويل واحد من الوجهين حتى يعلم بالسمع أنه فيم كان مشغولا. # وقوله - تعالى -: (فلينظر أيها أزكى طعاما)، لم يكن لأحد طلب مراد قائله ~~أو تأويل مراده، ولا يظفر به إلا بالوحي، ولا قوة إلا بالله. # PageV03P212 # والقول في حقه إلى أن يتبين ما كان في حق الشهادة، فلازم الوقف فيه حتى ~~يظهر، وما كان في حق العمل، فإن كان في نوع ما يحتمل الاحتياط فحقه القيام ~~به حتى يظهر دليل التوسيع، ودليل التوسيع على الوجهين اللذين ذكرت، وإن كان ~~فيما لا يحتمل الاحتياط فحقه التوقف حتى يظهر والله أعلم. # ولا يخلو شيء إلا أحد الوجهين به حاجة من دليل يكون له. # وقوله - عز وجل -: (بدلناهم جلودا غيرها) # أي: غير الجلود النضيجة؛ كقوله - تعالى -: (أإنا لفي خلق جديد)، أي: تجدد ~~ما قد فني، وكذلك أعيد ما قد كان من الجلود قبل النضج جديدا في رأي العين ~~من حيث صار الأول نضيجا، لا أن كان ms1056 هذا غير الأول، بل هو الأول غير نضيج؛ ~~إذ ذلك نعت الأول، وتعذيب ما كان ارتكب المعصية؛ لأن التعذيب -في الحقيقة- ~~على غير الذي أثم فيه. # وقال قائلون: الجلود والعظام ونحو ذلك لم تكن عصت ولا أطاعت، بل استعملت ~~قهرا وجبرا، لا أنها عملت طوعا، لكن الذي به عملت والذي استعملها في الجسد ~~به يتلذذ ويتألم، فهو المعذب والمثاب بما صدر من الجسد؛ ألا ترى أن أجساد ~~أهل الجنة تزداد الحسن والجمال، وجعل لأهلها حدا لا يزداد ولا ينتقص، ~~وأجساد أهل النار مشوهة قبيحة؛ ليكون لهم في التقبيح عقوبة، وللأول ~~بالتحسين ثواب، فكانت فيها أحوال للجزاء لم تكن للأعمال، فثبت أن المثاب ~~والمعاقب ما ذكرت، لكنه يتألم ويتلذذ، فجعلت على ما بها تمام اللذة والألم ~~من الأجساد لا على إعادة أنفس تلك الأجساد، بل على التجديد، كما ذكره في ~~القرآن، وكذلك المقطوع على بعض الأعضاء في حال الكفر إذا أسلم يبعث سليما، ~~لا كذلك، ومثله في حال الإسلام لو أريد لم يرفع عنه ألم ذلك؛ فدل الذي ذكرت ~~على حق تجدد الثاني على ما شاء الله والذي به كان المأثم والبر على ما قد ~~كان، والله أعلم. # وللمذهب الأول أن الجزاء هو لما يختم عليه؛ إذ لو كان إسلام لتمنى لنفسه ~~أحسن الأحوال، وأسلم البنية ليستعملها بالخير، فأوجب ذلك إبطال جميع ~~السيئات كانت بجوارح ذهبت أو بقيت، وكذلك من اختار الكفر فقد آثره، واختار ~~أن يكون على ذلك، # PageV03P213 # وإن سلمت جوارحه وتمت فلزمه حكم احتياط جميع ما تقدم بكل فائت منه وباق، ~~وفي الأول استوجب جعل جميع ما تقدم منه بالفائت والباقي حسنات لما ندم عن ~~الكل بكل الجوارح، فلحق حكم تبديل السيئات بالحسنات في الكل؛ فيكون على حكم ~~إعادة الأولى بحق التجديد في المعنى - والله أعلم - نحو قوله - تعالى -: ~~(أولئك الذين حبطت أعمالهم)، وقوله: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. . .) ~~الآية. # وفي الإعادة كقوله - تعالى -: (من يعيدنا. . . .) الآية، وقوله - عز وجل ~~-: (أإنا لفي خلق جديد. . .) الآية، وغير ذلك من آيات البعث، ms1057 والله أعلم. # وقال قائلون: الواجب من العقوبة للكفر، وغيره بحكم التبع له، وكذلك ~~الثواب الواجب منه للإيمان، ولغيره بحكم التبع، بل به قام، والأول به سقطت ~~عنه مشيئة العفو، فصار الذي به الجزاء خاصا، وغيره بحكم التبع يزداد ~~وينتقص؛ فعلى ذلك أمر الجزاء والتجديد والإعادة، وكل ذلك للذي هو بحق ~~التبع، والاتباع في الشاهد بتجدد أعين الأفعال، ولا يدوم، والاعتقاد في ~~الأمرين يدوم، فعلى ذلك أمر الجزاء ولذلك، والله الموفق. # ولهذا الوجه ما يبطل الخلود لما سوى الكفر؛ إذ في ذلك إبطال الجزاء ~~الدائم من حيث الأفعال، وإدامة الجزاء المنقطع من حيث الأفعال، فيكون فيه ~~زيادة في العقوبة على المثل، والله يقول: (فلا يجزى إلا مثلها)، والله ~~الموفق. # ثم اختلف في المبعوث أنه يبعث بجسده أو يبعث الروحاني منه، سمته بعض ~~الفلاسفة نفسا، وبعضهم جوهرا روحانيا، وبعضهم بسيطا، فإن كل جسد فيه روحاني ~~في حياته ومنافعه؛ وجسده له كالمانع عن جميع ما يحتمل من الأمور؛ إذ الجوهر ~~الروحاني لطيف، ينفذ في الأشياء، ويتخلل إلا بالحابس، يبين ذلك أمر النائم ~~أن النفس تخرج لقوله - تعالى -: (الله يتوفى الأنفس حين موتها)، أو هي مما ~~يسكن الجوارح وينقطع عنها هم الجسدية يرجع إلى حصة جوهره فيرأها تطوف في ~~البلاد النائية، # PageV03P214 # وفي الأمكنة العلوية، حتى لا تصفها أرض ولا سماء تأتي بالأخبار عنها ~~كأنها شاهدة، أما ما كان ذلك عملها بالجوهر حيث يكون من النفاذ إذا لم ~~تحبس، أو هي بالجوهر تخرج فتعمل ذلك وهي تسمع وتبصر وتعقل في المنام كأنها ~~بالجسد كذلك؛ فدل أن العمل في حال اليقظة وما له الجزاء لها، فعلى ذلك أمر ~~الجزاء، وعلى ذلك جميع الجواهر التي بها الأغذية والحياة ليست بأعين تلك ~~الأشياء، ولكن بما جعل في سريتها من الروحاني، وهي القوى التي تظهر في ~~البدن إلى كل أجزاء البدن، فتقوى وتصح فيه بحياة روحه، وتزول عنه الآفات، ~~وكذلك عن السمع والبصر والعقل حل شيء ثم تلقي فعله؛ فعلى ذلك أمر المعاد من ~~الجزاء فهو على ذلك، وكذلك ms1058 الثواب يكون من كل موعود مما يعرف في الشاهد ~~بجسده ويرجع إلى السرية التي هي روح لذلك فيكون هو الثواب؛ لما هو بحكم روح ~~في الجسد؛ ألا ترى أنه لا يبقى في الآخرة بالأكل الأجساد التي تلقى، وهي ~~الأثقال التي تفضل في الجسد، ويخرج عنها جميع ما فيها من الأقوية والروح، ~~فثبت أن الأمر يرجع إلى ما ذكرت، وهذا معنى قوله - عليه السلام -: " ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " لأن ذلك الجوهر لا تراه ~~العين، ولا تسمعه الأذن في الشاهد، ولا يخطر على القلب، وتكون لذة ذلك ~~روحانيا، لا هذه لذة الحياة بحياتها السمع والبصر، وكل باطن في الجواهر ~~ولذة الأجساد إنما يكون باللهاة في الطعم، وبالعين في اللون، وهذا النوع، ~~فيذهب هذا، ويكون الأول، وعلى ذلك تذهب العبادات الجسدانية، وتبقى ~~الروحانية من الحمد، والثناء، والتعظيم، والهيبة، والمعرفة، ونحو ذلك يبقى ~~أبدا، بل يزداد؛ لما يذهب عنها الحواجب من الجسداني، وعلى ذلك يبطل تقدير ~~الرؤية، وإبطاله مما عليه أمر الشاهد لذهاب ما به كونها في الشاهد، ورجوع ~~الأمر إلى ما يحاط به على سقوط الحواجب، والله أعلم. # اختلف من ذكرت في أمر البعث: # PageV03P215 # فمنهم من لا يرى على ما في الجسد من الروحاني فناء، والبعث هو إسقاط ~~الأجساد وخروج ما فيها من الروحاني بصورها. # ومنهم من يقول: تفنى وتعاد على حالها، ومعلوم أن ذكر الجديد لا يحتمل بلا ~~ذهاب الأصل، وذكر الإعادة بلا فوته، وقال: (من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة) وجعل إنشاء الأولى دلالة للأخرى، وليس ثم أخرى، بل هي الأولى، والأولى ~~هي -على ما يزعمون- غير معروفة عند المنكرين؛ فيحتج عليهم بها، بل يجب أن ~~يعرفوا الأولى أولا، ثم يساعدوا على نفي البعث، ويلزموا الإظهار. # والدهرية ومنكري البعث يقولون في جميع العالم بالظهور بعد الكون، وبالكون ~~في الأصول بالقوة، ثم الظهور بالفعل، فكيف ينكرون البعث ليحتج عليهم بالخلق ~~الأول؟! والله أعلم. # وقال قوم بالبعث بالأجساد على ما كانت، لكنها كانت في الدنيا ms1059 منشأة ~~للفناء، مشتمل عليها آثار الفناء، ويحيط بها أعلام الهلاك، ومن آفات كلها ~~وسواتر تحجبن عن أعمال لطائف الجواهر، وعن إدرإك الروحانيين، وإلا فهي كما ~~وصفهم إلله - تعالى - أنه خلقهم في أحسن تقويم، وكرمهم بأقوم جوهر، وأكمل ~~أسر، وأنقى خلقة، فإذا وقعت عليهم الآفات، وأعيدوا للبقاء؛ فيزول عنهم جميع ~~الظلمات التي هن حواجب وسواتر لهم على الإحاطة بحقائق الأضياء وبواطنها، ~~وعلى شكلهم تنشأ الأجساد المجعولة أجزاء لهم، فيلحقون بجميع اللطائف جسدا ~~بما فيها من الجوهر الروحاني وتصير هذه في اللطف كذلك الجوهر، وهي لما تنقل ~~إلى ألطف من ذلك، وأنور لهم كالأرواح؛ # PageV03P216 # فيفضلون على الروحانيين بأجساد فيها معانيها من اللطافة، والنفاذ في ~~الأمور التي هي كالروحانيين في التمثيل وما فيهم حق الروحانيين ألطف من ذلك ~~بارتفاع آثار الفناء عنها، وخروجها من أن يعمل فيها الفساد، وعلى ذلك أجساد ~~الجزاء، فإنها تخرج عن الآفات، وتمنع عن الفساد، وتصير أجسادها في الطيب ~~والضياء كالروحاني، وما فيها من الروحاني يبقى فيها على كل حال لا يفنى، ~~والأصل فيه أن الجزاء بحق الشهوات واللذات، لا بحق الأغذية وحياة أجساد ~~المستنفعين بها، فتكون هي بجسدها وسريتها واحدة، وبقاء الأجساد لها أحق من ~~بقاء الروحاني في هذا العالم من طريق الاعتبار؛ لأن الذي له حق الروحاني في ~~الشاهد به البقاء والغذاء والحياة لا يدفع بها الآفات العارضة في الأرواح ~~من جهة القوالب التي تضعف وتقوى، وفي الآخرة لا تعرض الآفات التي يحتاج ~~فيها إلى الأغذية، وإنما ينال عنها الشهوات واللذات، وإنما يكون ذلك من حق ~~الأجساد في الشاهد؛ لذلك كانت أحق أن تكون في الآخرة، ثم هذا القول أوفق ~~بما جاء به من حجج السمع وما عليه الاعتبار. # فأما حجج السمع: فإن الله - عز وجل - قال: (إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم. . .) الآية، وقال: (أإذا كنا عظاما ورفاتا. . .) الآية وقال - عز ~~وجل -: (من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) ~~الآية، وغير ذلك مما حاج به منكري البعث، والإشكال كان لهم ms1060 في الأجساد، ~~وفيها جرت المحاجاة؛ لذلك كانت هي أولى في الاعتبار مع ما كانت الأشياء ~~اللطيفة التي لا تمس ولا تحس في التجديد لم يكن بحيث احتمال الإنكار ~~لوجودهم في كل حال؛ نحو العقول تذهب بأسباب ثم تعود، وكذلك العلوم والسمع ~~والبصر، ونحو ذلك، ثم الحسيات اللطائف: نحو الليل، والنهار، والنور، ~~والظلمة، والظل، ونحو ذلك يرون الفناء والعود في كل حين لا ينكرون هذا ~~النوع؛ ليحاجوا بالذي ذكر وبهذا؛ فلذلك كان القول بالأجساد أحق، والله ~~أعلم. # والاعتبار أن الله - سبحانه وتعالى - أنشأ هذا الخلق على ما يتلذذون ~~ويتألمون؛ ليكون ذلك علما للترغيب والترهيب بالموعود، وما يحل من الآفات ~~وأضدادها في الروحاني في # PageV03P217 # الجسد يكون له سرور وحزن، لا يتألم ويتلذذ، وقد جرى الوعد بالمؤلم ~~والملذ. # وكذلك حكمة خلق الجسد على ذلك بما يحقق العلم بالمرغب والمرهب من ~~الموعود، على أن السرور والغموم ليسا بحيث يرغب فيهما أو يزهد إلا من حيث ~~يألم الجسد ويتلذذ، بل كل يكون فيه الأمران؛ ليسر ويحزن؛ فلذلك كان القول ~~بالأجساد أحق من طريق التقدير على ما جرى به حق السمع والعقل، والله أعلم ~~بحقيقة ذلك، وبيده الملك، يكرم من شاء بما شاء؛ فضلا منه، ويهين من شاء؛ ~~بما شاء عدلا منه، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فمنهم من آمن به) # بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود (ومنهم من صد عنه) # قال: (فمنهم من آمن به) يعني: بالكتاب الذي أعطى إبراهيم (ومنهم من صد ~~عنه): عن الكتاب، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقيل: (فمنهم من آمن به) يعني: إبراهيم (ومنهم من صد عنه) يعني: عن ~~إبراهيم، عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بجهنم سعيرا) # كأن جهنم - والله أعلم - معظم النار وجميع دركاتها، والسعير هو التهابها ~~ووقودها؛ كقوله - عز وجل -: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم (44). # ويحتمل قوله: (وكفى بجهنم سعيرا) أي: عذابا، والله أعلم. # (وكفى بجهنم) أي: بالتهاب جهنم التهابا؛ إذ السعير: الالتهاب، والله ms1061 ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا بآياتنا) # يحتمل الآيات: أعلام الدين وآثاره. # PageV03P218 # ويحتمل الآيات: آيات الربوبية له. # ويحتمل الآيات: أعلام رسالة الرسول عفيلى؛ فيكون الكفر بها كفرا بالله. # وقوله - تعالى -: (سوف نصليهم نارا) # قيل: (نصليهم): ندخلهم، وقيل: (نصليهم): نشويهم؛ يقال: شاة مصلية، أي: ~~مشوية. # وقوله - عز وجل -: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها): # كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، أي: جددنا لهم جلودا غيرها؛ ~~ليزدادوا التهابا وإيقادا من غير أن يسكن ألم العذاب، فهو من حيث التجديد ~~غير؛ لأن الأولى قد احترقت ونضجت، ومن حيث العين نفسها هي الأولى، ألا ترى ~~ما يقال: تبدل فلان، فإنما يقال من حيث تغيره من لون إلى لون، لا أن كانت ~~تحولت نفسه وتبدل من حال إلى حال؛ فعلى ذلك قوله: (بدلناهم جلودا غيرها) هي ~~من حيث العين أنها تلك بعينها واحد، وعلى ذلك البعث بعد الموت، والإنشاء هو ~~من حيث التجديد غير، حيث تفانوا وذهبت آثارهم، ومن حيث الإعادة إلى الحالة ~~الأولى هم بأنفسهم ليسوا بغير، وعلى ذلك قد سمي البعث خلقا جديدا، وإن كان ~~بعث الأولى في المعنى. # ثم تكلموا في قوله - تعالى -: (بدلناهم جلودا غيرها) قالوا: كيف كان أن ~~يعذب جلودا لا مأثم فيها، وإنما المأثم في الجلود التي احترقت ونضجت، ~~وقالوا: أيدنا فيمن قطع يده وهو كافر، ثم أسلم، فمات على الإسلام، ما حال ~~اليد المقطوعة، تعذب في النار، أو تكون مع النفس في الجنة؟ وفيمن قطعت يده ~~وهو مسلم، ثم كفر، فمات على كفره، تلحق النفس أو تكون في الجنة؟ # فالجواب لهذا كله: أن الجوارح والأعضاء ليست تعمل ما تعمل بالاختيار ~~والطوع، ولكنها كالمكرهات والمقهورات في العمل؛ ألا ترى أن الإكراه عليها ~~يوجب تحويل الفعل منها ms1062 إلى المكره، فيجعل كأن المكره هو الذي قد فعل ذلك في ~~حق الضمان؛ فهذا يدل أن هذه الجوارح كالمكرهات والمقهورات لحقت النفس حيث ~~كانت. # ثم معلوم: أن من أسلم في آخر عمره يتمنى سلامة جوارحه التي كانت ذهبت ~~عنه؛ # PageV03P219 # ليعمل بها في طلب مرضاة ربه - تعالى - وكذلك من كفر بعد الإسلام يتمنى ~~سلامة جوارحه؛ ليستعملها فيما اختار من الدين، فإذا كان كذلك لحقت النفس ~~حيث كانت في طاعتها ومعصيتها. # وقالت فرقة من الملحدة: إن الثواب في الآخرة لا يكون لهذه النفس التي ~~تأكل، وتشرب، وتعمل كل ما تعمل، ولكن إنما يكون للروحاني الذي جوهرها جوهر ~~النور، لكن هذه النفس ممتحنة في الدنيا بالأكل والشرب، مشوبة بالآفات ~~والعيوب، فإذا صفت عن الآفات، ونزهت عن العيوب التي بها امتحنت - صارت أهلا ~~للثواب العظيم، ومحلا للجزاء الجزيل، وبالله العصمة والنجاة. # وقوله - عز وجل -: (ليذوقوا العذاب) # أما ذوق الطعام والشراب يكون بالفم؛ ليعرف طعمه ولذته، وأما ذوق العذاب ~~فإنما يكون بكل جارحة منه؛ ليجد ألم ذلك في جميع الجوارح، والله أعلم. # والذوق في العرف جعل ليعرف الطعم، يلقب به كل شيء يعرف؛ يقال: لفلان ذوق ~~في أمر كذا: أي بصر ومعرفة. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عزيزا حكيما) # قيل: العزيز: هو ما يتعزز وجوده في الشاهد. # وقيل: هو عزيز لا يعجز، فهو عزيز لما لا يوجد في الأفهام، ولا يدرك ~~بالأوهام. # وقيل: العزيز: المنتقم، وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة (57) من الآفات ~~والعيوب، لسن كأزواج الدنيا ونسائها. # وقوله - عز وجل -: (وندخلهم ظلا ظليلا) # لا تنسخه الشمس، ولا أذى فيه؛ لأن الشمس فيها منافع للناس وأذى، وكذلك ~~القمر فيه أذى، وإن كان فيه منافع، والظلمة كذلك فيها منافع وأذى، وأما ~~الظل نفسه فليس فيه أذى على كل حال، فإن كان فهو للزمان، لا للظل بنفسه، ~~فأخبر - عز وجل - أنه يدخلهم الظل الذي ليس فيه أذى ms1063 الشمس، ولا أذى الظلمة، ~~ولا أذى الزمان، ليس كظل الدنيا # PageV03P220 # مشوبا بأذى غيره، والله أعلم. # وذلك تأويل الظليل أن يظله عن جميع المؤذيات، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ~~(58) # وقوله - عز وجل -: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) # قيل: لما فتح الله مكة على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~العباس - رضي الله عنه -: يا رسول الله، لو جعلت السقاية والحجابة فينا؛ ~~فأخذ مفاتيح الكعبة من ولد شيبة فدفعها إلى العباس؛ فأنزل الله - تعالى - ~~هذه الآية؛ فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح الكعبة فردها إلى ولد ~~شيبة، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يا عم، إن الله - تعالى - ~~أحب أن يرزأ ولا يرزأ شيئا ". # وقيل: إنها نزلت في الأمراء في الفيء الذين استأمنهم على جمعها وقسمتها، ~~والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمتها. # والآية يجب أن تكون نازلة في كل أمانة اؤتمن المرء فيها، من نحو ما كان ~~فيما كان بينه وبين ربه، وما كان فيها بين الخلق. # أما ما كان فيما بينه وبين ربه، من نحو العبادات التي أمر المرء بأدائها، ~~ومن نحو تعليم العلم الذي رزقه الله - تعالى - كقوله - سبحانه وتعالى -: ~~(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: ~~(كونوا قوامين لله شهداء بالقس. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل) كل ذلك أمانة تدخل في قوله - تعالى -: (إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وكذلك كل أمانة يؤتمن المرء ~~عليها تدخل في ذلك. # ذكر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~عليها، ولا تخن من خانك ". # PageV03P221 # ومن قال: نزلت في الأمراء، استدل بقوله - تعالى -: (أن تحكموا بالعدل)؛ ~~لأن الحكم إلى الأمراء. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها) قال: هي مبهمة، ms1064 المؤمن والكافر سواء. # وقوله - عز وجل -: (إن الله نعما يعظكم به) # من الحكومة بالعدل، وأداء الأمانات إلى أهلها. # (إن الله كان سميعا بصيرا) # يحتمل: مجيبا لمن دعا له وسأل؛ كقوله - عز وجل -: (وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)، يجيب لمن استجاب له، وأدى الأمانة. # ويحتمل: (سميعا بصيرا) أي: لا يخفى عليه شيء. # واختلف أهل العلم في العارية إذا ضاعت: # PageV03P222 # قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا شيء عليه. # وقال غيرهم: عليه الضمان. # ولأصحابنا - رحمهم الله - في ذلك عدة حجج: # أحدها: أن المستعير إن لبس القميص، أو ركب الدابة، أو حمل عليها ما أذن ~~له في حمله عليها، وأصابها في ذلك نقصان في قيمتها -فلا شيء عليه، فإذا لم ~~يكن عليه ضمان فيما وقع بها من الضرر والنقص بفعله، ولبسه، وركوبه- فلا يجب ~~عليه ضمان ما هلك منها بغير فعله. # والثاني: ما روي عن ابن الحنفية، عن علي - رضي الله عنه - قال: العارية ~~ليس بتبعة، ولا مضمونة، إنما هي معروف، إلا أن يخالف فيضمن. # وروي عن الحسن قال: إذا خالف صاحب العارية ضمن. # واحتج من خالف أصحابنا في ذلك بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " على اليد ما أخذت حتى ترده " فالحديث يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يقال: معناه على اليد أن ترد ما أخذت إذا كان قائما عليها ~~رده؛ ألا ترى أن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وعليه أن يردها إذا كانت قائمة، ~~فالعارية مثلها. # PageV03P223 # والثاني: أن يحتمل معنى ذلك في الغصب وأشباهه؛ فعلى الغاصب أن يرده قائما ~~أو تالفا، ولا يدخل في عموم الخبر العارية؛ ألا ترى أن الوديعة لم تدخل ~~فيها، وإن كان فيه أخذ. # واحتجوا أيضا - بحديث صفوان: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار ~~من صفوان يوم حنين درعا، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: " بل عارية مضمونة ". # وروي في خبر آخر: أن صفوان هرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد ~~حنينا، فقال: " يا صفوان، هل عندك من سلاح؟ " قال: عارية ms1065 أو غصبا؟ قال: " ~~بل عارية " فأعاره، ولم يذكر فيه الضمان، فهو عندنا -إن ثبت خبر صفوان-: ~~مضمونة الرد على المستعير، ورد العارية ليس كالوديعة؛ لأن الوديعة ما لم ~~يطلب صاحبها لم ترد. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يؤيد قولنا، وهو قوله: " ~~العارية مؤداة ". # PageV03P224 # وقوله - عز وجل -: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وقال - عز ~~وجل -: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، فمن ولي أمرا أو حكما فيما بين ~~الناس فقد ولي الأمانة، يجب أن يؤديها إلى أهلها، وعلى ذلك جاءت الآثار: # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من أحد يكون على شيء ~~من هذه الأمور -قلت أو كثرت- فلا يعدل فيهم إلا أكبه الله - تعالى - في ~~النار ". # وفي خبر آخر: " أيما امرئ ولي من أمر الناس شيئا ثم لم يحطهم مثل ما يحوط ~~به نفسه وأهله لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة ". # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن من أحب الناس إلي وأقربهم مجلسا مني يوم القيامة: إمام ~~عادل، وإن أبغض الناس إلي يوم القيامة وأشدهم عذابا: إمام جائر ". # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم) # فإن قيل: كيف خص الله - تعالى - المؤمنين بالخطاب بالطاعة له وطاعة ~~الرسول والأمر بها يعم المؤمن والكافر جميعا؟. # قيل فيه بوجوه ثلاثة: # PageV03P225 # أحدها: أن من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف ~~والمجد، ومن كان أسمع لخطابهم، وأعظم لقولهم؛ كقوله - عز وجل -: (يا أيها ~~الملأ أفتوني في أمري) وقال - تعالى -: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها)، يخاطبون أبدا أهل الشرف والمجد، ومن هو أقبل لقولهم، وأطوع ~~لأمرطم؛ فعلى ذلك خاطب الله - تعالى - المؤمنين وأمرهم أن يطيعوه ms1066 ويطيعوا ~~رسوله، وإن كان الخطاب بذلك يعمهم. # والثاني: يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصة؛ لأن الكافر إنما ~~يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا، فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره، ~~والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لذلك خرج ~~الخطاب منه للمؤمنين خاصة، والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين؛ لما أمر بطاعه أولي الأمر؛ ليعلم ~~أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين، والله أعلم. # ثم فيه دلالة جواز الطاعة لغير الله؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه، ~~هو الائتمار للآمر. # وأما العبادة فهي إخلاص الشيء بكليته لله - عز وجل - حقيقة؛ إذ الأشياء ~~كلها لله بكليتها حقيقة، ليست لأحد سواه؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير الله - ~~تعالى - وقد يجوز أن يطاع غيره؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، ~~وليس العبادة؛ لذلك افترقا. # ثم طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكون طاعة لله؛ لأنه بأمره يطاع، ~~وفي طاعتهم له طاعته. # ثم قيل: قوله - تعالى -: (أطيعوا الله) في فرائضه، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سنته. # وقيل: (أطيعوا الله) فيما أمركم ونهاكم في كتابه، (وأطيعوا الرسول) - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما أمركم ونهاكم في سنته. # PageV03P226 # ثم اختلف في أولي الأمر: # قيل هم الأمراء على السرايا. # وقيل: هم العلماء والفقهاء. # وقيل: هم أهل الخير. # ويحتمل: أولي الأمر: الذين يولون السرايا. # فكيفما ما كان ومن كان، ففيه الدلالة ألا يولى إلا من له العلم والبصر في ~~ذلك، أمراء السرايا كانوا أو غيرهم؛ لأنه - عز وجل - أمر بطاعتهم، ولا يؤمر ~~بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك. # والآية التي تقدمت، وهو قوله - تعالى -: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل) يدل على أن أولي الأمر الأمراء؛ لأنه - تعالى - أمر الحكام في ~~الآية الأولى بالعدل، وأمر الرعية بالسمع لهم والطاعة فيما يحكمون ويأمرون، ~~والله أعلم. ألا ترى أنه روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " يا أيها ms1067 الناس، اسمعوا وأطيعوا، وإن أمر عليكم حبشي مجدع فاسمعوا له ~~وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله ". # PageV03P227 # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فمن ~~أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة ". # وبعد: هذه الآية والتي تليها تدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، وهو قوله ~~- تعالى -: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، والتنازع يكون ~~بين العلماء؛ فكأنه - والله أعلم - أمر في آية أولي الأمر بطاعتهم، وأمر ~~أولي الفقه برد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والآية تحتمل المعنيين - والله أعلم -: أن على العامة طاعة أمرائهم في ~~أحكامهم، وعليهم اتباع علمائهم في فتواهم؛ يبين ذلك قول الله - تعالى -: ~~(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. . .) الآية، فلو لم ~~يجب على قومهم قبول قول علمائهم ما وجب عليهم إنذار قومهم. # وفي هذه الآية دليل على إبطال قول الرافضة في الإمامة؛ لأن الله - تعالى ~~- قال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فليس يخلو أولو ~~الأمر من أحد ثلاثة أوجه: # إما أن يكون الأمراء، أو الفقهاء، أو الإمام الذي تدعيه الرافضة، فإن كان ~~المعنى في أولي الأمر: الفقهاء أو الأمراء، ففيه إبطال قول الرافضة: إنه ~~الإمام الذي يصفونه، ومحال أن يكون ذلك هو الإمام الذي يذكرونه؛ لأنه قال ~~الله - عز وجل -: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، وذلك ~~الإمام عندهم طاعته مفترضة، وهم بين أظهر المتنازعين عندهم، ومخالفته كفر ~~في مذهبهم، فلو كان ذلك كذلك، لقال - والله أعلم -: " فردوه إلى الإمام؛ ~~فإن من خالفه فقد كفر "، ولكنه - عز وجل - أمر برد المتنازع إلى كتاب الله ~~- تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فدل على أن قول أحد لا يقوم ~~في الحجة مقام قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) قيل: ~~(إلى ms1068 الله)، أي: إلى كتاب الله، أو إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~كان حيا، فلما مات، فإلى سنته. # PageV03P228 # واستدل قوم بهذه الآية على إبطال الاجتهاد، وترك القول إلا بما يوجد في ~~كتاب الله - تعالى - أو في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، نصا، ~~ويقولون: فنكل أمره إلى الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - عليه أفضل الصلوات ~~وأكمل التحيات - وليس ذلك عندنا. # والآية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يحمل تأويلها على أن التنازع إذا كان في عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وجب أن يرد إليه - عليه الصلاة والسلام - ويسأل عن ذلك، ~~ولا يستعمل في الحادثة الاجتهاد ولا النظر. # فأما ما كان من التنازع بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإن ~~حكم الحادثة يطلب في كتاب الله، أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أو في إجماع المسلمين، فإن وجد الحكم في أحدهم بينا وإلا قيل بالاجتهاد. # والوجه الثاني: أن يكون المجتهد إذا ما اجتهد فيه إلى كتاب الله - تعالى ~~- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: وجدت في الكتاب أو في السنة ~~كذا وكذا، وهذه الحادثة تشبه هذا الحكم، فحكمها حكمه، ويكون رادا لحكم ~~الحادثة إلى كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~شبهها بما وجده من الحكم فيهما. # وإذا كان ما وصفنا من تأويل الآية محتملا؛ فلا حجة لهم علينا في ذلك، ~~والله المستعان. # وفي الآية دلالة جعل الإجماع حجة، وهو قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول. . .) الآية، أنه إنما أمر بالرد إلى الله والرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - عند التنازع؛ لم يأمر عند الإجماع؛ دل أنه إذا كان ثم ~~إجماع لا تنازع فيه، لم يجب الرد إلى ما أودع في الكتاب وفي السنة. # وفي الآية دلالة أنه يدرك بالطلب المودع فيه؛ لأنه لو لم يدرك، أو ليس ~~ذلك فيه، لم # PageV03P229 # يكن للرد إلى ذلك معنى؛ ألا ترى أنه قال الله - سبحانه وتعالى -: (لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم)، فإنما يستنبط ما ms1069 فيه؛ فدل أن حكم الحوادث، مذكور في ~~هذين: في الكتاب، والسنة؛ إذ لو لم يكن الفرج عند النظر والطلب، لكان لا ~~يفيد الأمر بالرد إليهما معنى. # ثم لا توجد نصوص في كل ما يتلى، ثبت أنه مطلوب، وهو يدل على لزوم البحث ~~في استخراج المودع من المنصوص، والله أعلم. # وفي قوله -أيضا-: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. . .) ~~الآية - تخصيص المؤمنين على اشتراك الجميع في اللزوم؛ يخرج على أوجه: # أحدها: على مخاطبة الأشراف والنجباء، وعلى ذلك أمر الملوك في الأمور، ~~يريدون اشتراك الرعية وأهل المملكة في ذلك؛ كقوله - سبحانه -: (قالت يا ~~أيها الملأ)، وقال سليمان - عليه السلام -: (يا أيها الملأ)، وقال فرعون ~~للملأ: (يا أيها الملأ. . .)، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه، والله أعلم. # والثاني: أنهم مما قد عرفوا الأمور والمناهي؛ فقيل لهم: (أطيعوا الله) ~~وما ذكر، واعلموا أنهم فيمن أمروا به ونهوا عنه، ولم يكن من الكفرة علم ~~بالذي يوجهون الأمر إليهم؛ فلذلك خص من ذكر، والله أعلم. # والثالث: أن الكفرة قد أنكرت المعبود والرسول، فجرى الخطاب فيمن ثبتت لهم ~~المعرفة بذلك، مع ما يحتمل: أن يكون هذا الخطاب في الشرائع، وهي غير لازمة ~~للكفرة؛ فلذلك كان على ما ذكرت. # والرابع: ما أدخل في الخطاب أولي الأمر منا، ولا يلزمهم طاعتهم؛ لذلك خص ~~المؤمنين، وكان المقصود بالآية بيان طاعة أولي الأمر منا، وإلا كانت طاعة ~~الله - تعالى - وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كان إيمانهم قد ~~ثبت، ولكن جمعت طاعة من ذكر؛ ليعلم أن قد يكون بطاعة أولي الأمر طاعة الله، ~~والله الموفق. # PageV03P230 # ومما يبين الذي ذكرت أن كل من عرف الإله، عرف أن عليه طاعته بما عرف اسمه ~~الذي سمت العرب كل معبود: إلها، فمن عرف منهم الإله عرف أنه معبود، ثم من ~~عرف ما له عنده من الأيادي، وعليه من النعم علم أن عليه شكره وطاعته به. # ثم من عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عرف أن طاعته هي طاعة الله؛ ~~لأنه إليه يدعو، ms1070 وعن أمره ونهيه يأمر وينهى؛ إذ هو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منه إلى الخلق، وليس من عرف الله وعرف الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - يعرف أن عليه طاعة أولي الأمر بما لم يرو عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فبين الله - تعالى - ذلك في هذه الآية؛ ليعلموا أن طاعتهم هي ~~طاعة الله وطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك هو الدليل على جعل ~~الإجماع حجة، وأن متبعهم هو مطيع لله - تعالى - إذ صير الله - تعالى - ~~طاعتهم طاعته، وهم في ذلك الإجماع. # وعلى ما ذكرت من شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخرج قوله - تعالى -: ~~(من يطع الرسول فقد أطاع الله. . .)، وقوله - تعالى -: (فلا وربك لا ~~يؤمنون) الآية، صير الواجد حرجا مما قضى واجدا حرجا من قضاء الله - تعالى - ~~في نفي حكم الإيمان؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: (وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله، أي: ليكون عليهم طاعته بأمر الله - تعالى - إذ هي طاعة ~~الله أولا؛ لتكون طاعته طاعة الله بإذنه وبأمره، والله الموفق. # ثم اختلف في أولي الأمر، ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور ~~الدين، وعن آرائهم يصدر وهم الذين تضمنتهم آية أرجو أن يكون فيها الكفاية ~~في تعريف المقصود بها، وهو قوله - عز وجل -: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، فجعل أولي الأمر من عندهم ~~علم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم فيما رد إليهم؛ فثبت أنهم الفقهاء ~~المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدين، وفي هذا -أيضا- دلالة على إصابتهم ~~فيما أجمعوا عليه؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم؛ وعلى ذلك قوله - تعالى -: ~~(كنتم خير أمة. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا. . ~~.) الآية. # ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما؛ ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف ~~إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر أو بالنهي، يكون إجماعا؛ ~~لأن ذلك كذلك عند الله - تعالى - وتجوز شهادتهم على جميع العوام ومن ~~تأخرهم، ومن ذلك في الأمور # PageV03P231 # التي تجري بها البلية ms1071 والعمل بها في العامة، مما لا يحتمل خفاء مثله، على ~~ما ذكرت من الخاص أن ذلك كان عند أولئك الخاص على ذلك؛ إذا لم يغيروا ولا ~~شهدوا في ذلك بغيره، وأمراء السرايا لو كانوا أهل البصر في الأمر مع العلم ~~بالشرع والفتيا يلزم فيهم ذلك؛ لأنهم صيروا في الباب أهل الأمر. # وأيد الأول أنهم العلماء -: قوله - تعالى -: (فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول) ومعلوم أن على العوام لذي الإشكال والحاجة الرد إلى أولي ~~الأمر بما ذكرت من الآية، فثبت أن هذا في تنازع العلماء، وهو يوضح إبطال ~~قول الروافض في جعل أولي الأمر إمامهم، وإبطال قول من يجعل أولي الأمر كل ~~أمير أو نحوه، وإنما هم العلماء في كل نوع، حتى يمكن فيهم التنازع، وإمامهم ~~واحد لا معنى للتنازع فيهم، والتنازع إنما بكون عن تدبر وبحث ونظر، ولا ~~معنى في ذلك للعوام الذين لا يعرفون الأصول والفروع، والله الموفق. # ثم اختلف في تأويل قوله - تعالى -: (فردوه إلى الله والرسول): # فقال قوم: كأنه قيل: كلوا الأمر فيه إلى الله - تعالى - والرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا تجتهدوا فيه؛ كقوله - تعالى -: (وما اختلفتم فيه من ~~شيء فحكمه إلى الله)، تعالى، ولأن الاختلاف كان على تأويل الكتاب والسنة، ~~فكيف يطلب من بعد فيهما، وبعد الطلب حدث التنازع؟!. # وقال قوم: الاختلاف يقع في التأويل بقوله - عز وجل -: (فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول) إلى ظاهر ذلك، ولا تتأولوا فتختلفوا؛ إذ الأول ~~كان على التأويل. # وقال قوم: هذا كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يظهر في ~~ذلك نص الحكم والحق في ذلك؛ فيكون الأمر الذي يتنازع فيه أولو الأمر لم يجز ~~لأحد العمل إلا بالبيان، ولهم وجه الوصول إلى البيان في الحقيقة، فأمروا ~~بذلك مع ما كان يجوز أن يكون التنازع في وقت لم يفرغ من بيان جميع ما ~~بالخلق إليه حاجة بالكفاية؛ إذ كان ذلك الوقت وقت حدوث الشرائع، ووقت ~~احتمال التناسخ وتبديل الأحكام، فإن وقع ms1072 التنازع بين المجتهدين فلهم مع ~~إشكال التنازع شبهة احتمال أن أصله لم ينزل، وأن الذي يتضمن حكمه من ~~المنصوص لم يبلغهم في ذلك، فيجب في ذلك الرد إلى الله - سبحانه وتعالى - ~~بالرد إلى # PageV03P232 # رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وأما بعده فقد فرغ من جميع أصول الحوادث التي يعلم الله - سبحانه وتعالى ~~- أنها تقع بيان كفاية؛ إذ لو لم يبين ذلك القدر لبقي تنازع لا ارتفاع له، ~~ولا يجوز الحكم، ولكان لا يعلم الحادث الذي له أصل يطلب أولا، وفي ذلك ~~تمكين المعنى الذي يخرج إلى الرسالة مع ما قد تكلم جميع الصحابة - رضوان ~~الله عليهم أجمعين - ومن بعدهم إلى اليوم في الحوادث من غير أن يظهر يهن ~~أحد قول بأن هذا هو ما لم ينزل له الأصل، فصار ذلك إجماعا في بيان أصول كل ~~حادث؛ فيجب طلبه في الأصول، والله أعلم. # والأصل: أنه فيما يوكل إلى أحد يوكل إلى من يعلم الحكم ويملك إظهاره، فلو ~~كان للتنازع يجب الرد إلى الله - تعالى - وترك الحكم في ذلك بالاجتهاد؛ ~~فإذا يبطل أن يكون في الرد إليه علم بحكمه إلا للوقت الذي لا يحتاج إلى ~~الحكم؛ وهو يوم القيامة؛ على أنه معلوم لو كان يرده إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، لكان لا يدعهم على ما هم عليه من التنازع الذي هو أصل كل ~~شين وفساد؛ فعلى ذلك فيما يرد إلى الله، سبحانه وتعالى. # وإذا علم - عز وجل - بجميع النوازل وبجميع ما بالخلق إليه حاجة فصارت ~~النوازل كلها مردودات إليه؛ فيجب أن يكون حكم فيها؛ إذ قال الله، - عز وجل ~~-: (فحكمه إلى الله)، تعالى، وإذا لم يحكم فيها لم يصر الحكم إليه، بل لا ~~حكم فيه إلى الله - تعالى - فلما وجب بالذي ذكرت أن يكون ذلك مما تضمنه ~~البيان - لزم الاجتهاد. # ثم لو كان الحق عند التنازع الظاهر دون أن يطلب -على أصح التأويلات- ~~دليل، لكان لا يجوز التنازع أن يقع؛ لأن الظاهر قد كان في أيديهم وهو حجة ~~لا يحتمل أن ms1073 يتركه أحد إلا بالدليل لو كان حجة، وكان قد قام الدليل على ~~لزوم العدول عن الظاهر بتأويل جميع أولي الأمر في ذلك؛ فثبت أن دليل ذلك ~~مطلوب يوجد، ويتفقون عليه إذا أنصفوا، وأنعموا النظر، وأعرضوا عن حسن الظن، ~~ففريق من الأئمة على أن الذي يقوله هؤلاء يقتضي أحكام الحوادث كلها بيقين؛ ~~فثبت أن أحكامهم مودعات في المنصوص؛ فصرن متعلقات بالمعاني، لا بالظواهر. # ثم الأصل: أن العمل بالظواهر في محتمل المعاني ومختلف التأويلات مما فيه ~~التنازع # PageV03P233 # في الأمة، وللتنازع أمر بالرد؛ فبعيد أن يرد إلى ما لم يثبت صحته، بل في ~~الظاهر وجه في ظاهر الاسم باللسان، والظاهر من التفاهم في المعتاد؛ نحو ~~القول بأن اغسلوا وجوهكم، أنه بأي شيء غسل يستحق اسم الغسل في اللغة، لكن ~~لما يغسل به عادة في الاستعمال إلى ذلك ينصرف الخطاب، ويصير الظاهر في ~~المعتاد به أولى من الظاهر في اللسان، ويكون في ذلك منع الذي ذكر حتى يوضحه ~~دليل، أو يعلم أنه المعتاد؛ فيكون ذلك دليلا، والله أعلم. # ثم لا يحتمل التنازع فيما فيه المعتاد من التفاهم والعدول عنه إلا بدليل؛ ~~فيجب القول لمن عدل إن كان عنده دليل؛ فيكون بما يوجب العمل منع، والله ~~أعلم. # ثم قيل في قوله - تعالى -: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) بأوجه ثلاثة: # (أطيعوا الله) - تعالى - فيما أمر، والرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~بلغ، وأطيعوا الله فيما فرض، والرسول فيما سن، وأطيعوا الله - عز وجل - ~~فيما أنزل ونص، والرسول فيما بين. # والأصل في معهود اللسان: أن الطاعة تكون في الائتمار، فرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مطاع في جميع ما أمر، لازم طاعته في ذلك وأمره -إذا ثبت ~~أنه أمره- هو أمر الله - تعالى - وطاعته - صلى الله عليه وسلم - طاعة الله ~~- عز وجل - وله يجب به ظهور الخصوص والعموم والتناسخ جميعا، وبه تبين الفرض ~~والأدب وكل نوع، وما يظهر، فبالله - تعالى - ظهر على لسانه - صلى الله عليه ~~وسلم -: كتابا كان، أو تنزيلا كان، أو تأويلا، فالتقسيم بين الذي لله - عز ms1074 ~~وجل - والذي لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يوجب الشبهة، وتوهم الاختلاف، ~~جل الله - عز وجل - أن يبعث رسولا يخالفه، وبالله المعونة والتوفيق. # وقوله - عز وجل -: (ذلك خير وأحسن تأويلا) # يحتمل قوله - عز وجل -: (ذلك خير وأحسن تأويلا) أي: ذلك الرد خير إلى ما ~~ذكر. # ويحتمل: (ذلك خير) أي: الائتلاف فيما أمكن فيه خير من الاختلاف وأحمد. # وقوله - عز وجل -: (وأحسن تأويلا) أي: عاقبة. # PageV03P234 # وقيل: (وأحسن تأويلا) أي: خبرا. # وفي حرف حفصة: " ذلك خير وأحسن ثوابا ". # وعن ابن عباس: (ذلك خير وأحسن تأويلا) قال: القرآن أحسن تأويلا. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ~~وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) ~~أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك. . .) الآية. # ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال ~~المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -، فاختصما إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فقضى ~~لليهودي على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب ~~نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر - رضي الله عنه - فقال اليهودي: يا ~~عمر، إنا اختصمنا إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فقضى لي عليه، فزعم أنه ~~لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر - رضي ~~الله عنه - للمنافق: كذلك؟ قال: نعم، فقال: رويدكما أخرج إليكما، فدخل عمر ~~- رضي الله عنه - البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج فضرب به عنق المنافق، ~~فأنزل الله ms1075 - تعالى -: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) # والطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف. # PageV03P235 # وقيل: (الطاغوت): هو اسم الكاهن. # وقيل: (الطاغوت): الكافر. # والطاغوت: هو كل معبود دون الله - تعالى - وعلى هذا التأويل خرج قوله - ~~سبحانه وتعالى -: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون ~~بالله. . .) أي: جاء أهل النفاق يحلفون بالله: أنه لم يرد بالتحاكم إلى ذلك ~~إلا إحسانا وتوفيقا. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك أن قوله ~~- سبحانه وتعالى -: (يريدون أن يتحاكموا) قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا ~~بعد، فأخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ~~ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (وقد أمروا أن يكفروا به) أي: أمروا أن يكفروا ~~بالطاغوت؛ كقوله - تعالى -: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى). # وقوله - عز وجل -: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) أي: يزين لهم ~~الشيطان ليضلوا ضلالا بعيدا؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبدا، فيه إخبار أنهم ~~يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى. # وقيل: بعيدا عن الحق. # وقيل: طويلا، وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~... (61) # أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، ~~وإلى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسنته - (رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا) # والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف. # وقال الكسائي: يقرأ: " يصدون " بكسر الصاد، و " يصدون " بضم الصاد. # PageV03P236 # وفي حرف حفصة: " وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا ". # وقوله - عز وجل -: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك ~~يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) # يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر - رضي الله عنه - لما قتل ذلك ~~الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول - صلى ms1076 الله عليه وسلم - يحلفون ~~بالله ما أراد ذلك الرجل إلا (إحسانا) أي: تخفيفا وتيسيرا عليك؛ ليرفع عنك ~~المؤنة، (وتوفيقا) إلى الخير والصواب. # وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: ~~(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى). # PageV03P237 # ويحتمل قوله - تعالى -: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم ~~جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) الآية) في كل مصيبة ~~تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيعتذرون كما (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم. . .) الآية؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا ~~يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين ~~مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن ~~كانت النكبة والدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - تعالى -: ~~(الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين)، هذا كان دأبهم ~~وعادتهم أبدا. # وقوله - تعالى -: (إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) قيل فيه بوجوه: # قيل: إلا تخفيفا وتيسيرا عليك. # وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك. # وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا - رحمهم ~~الله - والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ... (63) من ~~النفاق والخلاف غير ما حلفوا، (فأعرض عنهم)، ولا تعاقبهم في هذه المرة، ~~(وقل لهم): إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم. # ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن الله - عز وجل - هو ~~معاقبهم. # وقوله - تعالى -: (إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) # قيل: أي: تخفيفا وتيسيرا عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ ~~إحسانا وتوفيقا؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام. # PageV03P238 # وقيل: (إحسانا): يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم. # وقيل: (وتوفيقا): بفضول أموالهم. # وقيل: (وتوفيقا): أي: صوابا. # وقوله - عز وجل -: (وقل لهم في ms1077 أنفسهم قولا بليغا) # قيل: أوعدهم وعيدا؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون. # وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم. # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~(64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. . .) الآية. # يحتمل قوله - تعالى -: (بإذن الله) وجوها: # قيل: (ليطاع بإذن الله) أي: بمشيئة الله. # وقيل: (ليطاع بإذن الله) أي: بأمر الله. # وقيل: (ليطاع بإذن الله) أي: بعلم الله. # ومن قال: (بإذن الله)، بمشيئة الله؛ أي: من أطاع الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو ~~عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله. # ومن تأول: (إلا ليطاع بإذن الله) العلم، يقول: إنه يعلم من يطيعه ومن ~~يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض ~~أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم الغفلة، منهم وسهو ~~بالعواقب، فأما الله - سبحانه وتعالى - إذا بعث رسلا بعث على علم منه ~~بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه # PageV03P239 # بعثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضر ذلك عليهم، ~~ونفعه لهم. # ثم قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع): ~~أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن ~~من الفعل ما قد أراد - عز وجل - أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما ~~أخبر أنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع. # ثم من قد كان من الرسل ولم يطع. # قيل: هو ما ذكر في آخره: (إلا ليطاع بإذن الله) أي: بمشيئة الله، فمن شاء ~~من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع، فلم يطع، وكذلك من علم أنه ms1078 ~~يطاع فأرسله ليطاع فأطيع، ومن علم أنه لا يطاع فلم يطع، ومن أرسل أن يطاع ~~بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز ألا ~~يطاع. # وقوله -أيضا-: (ليطاع بإذن الله) # قيل فيه: بأمر الله، وقد مر بيانه. # وقيل: ليطاع بمشيئة الله؛ فيطيعه كل من شاء الله. # وقيل: بعلم الله، فهو فيمن يعلم أنه يطيعه؛ إذ لا يجوز أن يعلم الطاعة ~~ممن لا يكون. # والمعتزلة في هذا: أنه أخبر أنه أرسل ليطاع، ولم يطعه الكل ما يبعد أن ~~يكون أراد ليطاع وإن كان لا يطيعه الكل. # فقلنا: إذا قال: (ليطاع بإذن الله)، والإذن يتوجه إلى ما ذكرت؛ فعلى ما ~~ذكرت كان ليطاع ممن يطيعه لا غير؛ فحصل الأمر على الدعوى، وهو كقوله - ~~تعالى -: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومعلوم أن الصغار منهم لا ~~يعبدون، فخرج الخبر إلى الخصوص بالوجود، لا أن كان في كل أمر؛ فعلى ذلك أمر ~~الإرادة فيمن وجد، لا أنه في كل على أنه فيه بعلم، وهو يرجع إلى بعض دون ~~الكل، فمثله الإذن على إرادة المشيئة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) # أي: علموا أن حاصل ظلمهم راجع إليهم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير # PageV03P240 # موضعه، وهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فإذا لم يعرفوا أنفسهم لم يعرفوا ~~خالقها. # وقوله - عز وجل -: (جاءوك فاستغفروا الله) # أي: جاءوك مسلمين، تائبين عن التحاكم إلى غيرك، راضين بقضائك، نادمين على ~~ما كان منهم، (واستغفر لهم الرسول) أي: تشفع لهم الرسول، (لوجدوا الله ~~توابا رحيما) أي: قابلا لتوبتهم. # وقوله - عز وجل -: (فلا وربك لا يؤمنون ... (65) # قيل: قوله: (فلا) صلة، وكذلك في كل قسم أقسم به؛ كقوله تعالى: (لآ أقسم ~~بهذا البلد)، (لا أقسم بيوم القيامة)، ونحوه، كله صلة، كأنه قال: أقسم وربك ~~لا يؤمنون. # وقيل: قوله: (فلا وربك) ليس هو على الصلة، ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم ~~من الكلام وإنكاره؛ كقول الرجل: لا والله، هو ابتداء الكلام، ولكن على ms1079 نفي ~~ما تقدم من الكلام، فعلى ذلك هذا. # وفيه دلالة تفضيل رسولنا، محمد - صلى الله عليه وسلم - على غيره من ~~البشر؛ لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد، ~~والتخصيص له، وإذا كانت إلى # PageV03P241 # جماعة تعظيما له؛ كقوله: (وأن المساجد لله)، وقوله: (له ما في السماوات ~~والأرض)، ونحوه. # وقوله - تعالى -: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) كان # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاكما وإن لم يحكموه، ليس معناه - ~~والله أعلم -: (حتى يحكموك فيما شجر بينهم) أي: حتى يرضوا بحكمك وقضائك. # وقوله - عز وجل -: (فيما شجر بينهم) # أي: اختلفوا بينهم وتنازعوا. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) # قيل ضيقا. # وقيل: شكا مما قضيت بينهم أنه حق. # وقيل: إثما. # ثم في الآية دلالة أن الإيمان يكون بالقلب؛ لأنه قال - تعالى -: (ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم) أي: في قلوبهم؛ ألا ترى أنه قال الله - تعالى - في آية ~~أخرى: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا)، ذكر ضيق الصدر، وذكر ضيق ~~الأنفس، وهو واحد؛ ألا ترى أنه قال الله - عز وجل -، في آية أخرى: (ولم ~~تؤمن قلوبهم)، فهذه الآيات ترد على الكرامية قولهم؛ لأن الله - تعالى - ~~قال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم) وهم يقولون: بل يؤمنون، فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!. # ثم قيل: إن الآية نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تنازعا، فتحاكما إلى ~~الطاغوت. # PageV03P242 # وقيل: نزلت في شأن رجل من الأنصار والزبير بن العوام كان بينهما تشاجر في ~~الماء، فارتفعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال للزبير: " اسق، ثم ~~أرسل الماء إلى جارك "، فغضب ذلك الرجل؛ فنزلت الآية (فلا وربك لا يؤمنون. ~~. . .) الآية. # ولا ندري كيف كانت القصة؟ وفيم كانت؟. # ثم روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأخبار أنه قال: " ~~لا يؤمن أحد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهله، وولده، وماله، والناس جميعا ~~". # وقيل في ms1080 قوله - تعالى -: (ثم لا يجدوا في أنفسهم) أي: في قلوبهم (حرجا) ~~أي: شكا (مما قضيت) أنه هو الحق (ويسلموا) ولقضائك لهم وعليهم (تسليما). # وفي قوله - تعالى -: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع) قيل: تأويله: أنه ما ~~أرسل رسولا في الأمم السالفة إلا ليطيعوه، فكيف تركتم أنتم طاعة الرسول ~~الذي أرسل إليكم. # وقوله - تعالى -: (إلا ليطاع بإذن الله) ما أرسل الله رسولا إلا وقد ~~أمرهم أن يطيعوه، لكن منهم من قد أطاعه، ومنهم من لم يطع. # * * * # قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل # PageV03P243 # منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما (68) ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله ~~عليما (70) # وقوله - عز وجل -: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم. . .) الآية. # قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: لو كانت علينا نزلت يا رسول الله، ~~لبدأت بنفسي وأهل بيتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ذاك لفضل ~~يقينك على يقين الناس، وإيمانك على إيمان الناس ". # وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: والله، لو كانت ~~علينا لقتلنا أنفسنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " والذي نفس محمد ~~بيده للإيمان أثبت في صدور الرجال من الأنصار من الجبال الرواسي ". # وقيل: (ولو أنا كتبنا عليهم. . .) الآية: هم يهود [يعني والعرب] (1) كما ~~أمر أصحاب موسى، عليه السلام. # وقيل: قال عمر - رضي الله عنه - ونفر معه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، ~~فالحمد لله الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي ". PageV03P244 # ثم اختلف في قتل الأنفس: # قال بعضهم: هو أن يقتل كل نفسه. # وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل ms1081 بعض بعضا، وأما قتل كل نفسه فإنه لا ~~يحتمل لوجهين: # أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل أحد؛ كقوله - تعالى -: (لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها)، أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له. # والثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة ~~في خلق الخلق للإفناء خاصة. # وقوله - عز وجل -: (ما فعلوه إلا قليل منهم)، قيل: هو عبد الله بن مسعود، ~~وعمار، وفلان، وفلان - رضي الله عنهم - ولا ندري أيصح أم لا؟ ولو كان قوله ~~- تعالى -: (أن اقتلوا أنفسكم) قتل بعض بعضا فذلك ما أمروا به بمجاهدة ~~العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل ~~منهم. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم) يحتمل ~~هذا وجهين: لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيرا لهم من ~~ذلك. # ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيرا ~~لهم في الآخرة، (وأشد تثبيتا) قيل: حقيقة. # وقيل: تحقيقا في الدنيا. # وقيل: ما يوعظون به من القرآن # (لكان خيرا لهم) في دينهم # (وأشد تثبيتا) يعني: تصديقا بأمر الله. # وقوله - عز وجل -: (وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) يحتمل وجهين: # PageV03P245 # الأجر العظيم في الآخرة. # ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: (فسنيسره لليسرى). # وقوله: (ولهديناهم صراطا مستقيما (68) فهو الهادي للعباد إلى الطريق ~~المستقيم. # وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ... (69) # قيل في بعض القصة: إن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبكى، ~~ثم قال: والذي لا إله غيره لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، ~~فلولا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في ~~الجنة ترفع مع النبيين، فإني وإن أدخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي ~~إياك عند الموت، فبكيت لذلك. فما أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا؛ ~~فأنزل ms1082 الله - تعالى -: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. . .) الآية، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " أبشر يا أبا فلان، أنت معي في الجنة، إن ~~شاء الله " وروي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات يوم على بعض ~~أصحابه، فرأى بوجوههم كآبة # PageV03P246 # وجزعا، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ما لكم؟ وما غير ~~وجوهكم ولونكم؟ " فقالوا: يا رسول الله، ما بنا من مرض ولا وجع، غير أنا ~~إذا لم نرك ولم نلقك اشتقنا إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا ~~الذي ترى من أجل ذلك، ونذكر الآخرة فنخاف ألا نراك هناك؛ فأنزل الله - ~~تعالى - (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين. . .) الآية. # ويحتمل: أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه آخر. # أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ~~ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل ذلك ~~منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل ~~-: أنه إذا أطاع الله والرسول فيكون: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين) كأن لم يترك طاعته أبدا - والله أعلم - كما ~~قال - تعالى -: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا ~~يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عز وجل - أن يكون ~~لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها. # ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع الله - تعالى - والرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فيكون (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين)، في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها ~~أشبه - والله أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، والله أعلم. ms1083 # ثم اختلف في (والصديقين)؛ قال بعضهم: أتباع الأنبياء - عليهم السلام - # PageV03P247 # وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة. # وقيل: الصديق: هو الذي يصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول دعوة ~~دعاه إلى دين الله - تعالى - وفي أول ما عاينه. # وقوله - عز وجل -: (والشهداء) قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل الله. # وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه. # وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) دلت الآية ~~على أن الجزاء إفضال من الله - تعالى - إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال ~~عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل ~~فيها إلا برحمته وفضله. # وقوله: -أيضا- (ذلك الفضل من الله) أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل ~~من الله. # ويحتمل قوله: (ذلك الفضل من الله) أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل ~~منه. # والآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام ~~من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب. # وقوله - تعالى أيضا -: (ذلك الفضل من الله) بعد العلم بأن الفضل هو بذل ~~ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان ~~والمعتاد. # ثم لا يخلو من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول ~~المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى، ~~فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه ~~إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ ~~من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن. # وأيضا: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ~~ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن ~~إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه ms1084 ~~في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل الله عما وصفوه. # PageV03P248 # وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا ~~يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فثبت أن ~~الرضا ليس هو المراد، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بالله عليما) قيل: عليما بالآخرة وثوابها. # وقيل: (وكفى بالله عليما) بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الصديقون هم الذين أدركوا الرسل - ~~عليهم السلام - وصدقوهم. # وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: الصديقون هم المؤمنون. # وقيل الصديقون: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين، أنعم الله ~~عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة. # والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ ~~لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم ~~وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) # قيل: خذوا عدتكم من السلاح. # وقيل: قوله: (خذوا حذركم) من جميع ما يحترز به العدو؛ كقوله - سبحانه ~~وتعالى -: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . .) الآية، وكقوله - # PageV03P249 # تعالى -: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)، أمر الله - عز وجل - ~~بالاستعداد للعدو، والإعداد له، وألا يوكل الأمر في ذلك إلى الله دون ~~الإعداد للعدو. # وقيل: لقاؤه، وإن كان يقدر على نصر أوليائه وقهر عدوه من غير الأمر ~~بالقتال معهم؛ إذ في ذلك محنة امتحنهم بها؛ فعلى ذلك أمرهم بالإعداد للعدو، ~~وأخذ الحذر لهم، وذلك أسباب تعد قبل لقائهم إياه. # وفيه دلالة تعلم آداب الحرب قبل لقاء العدو؛ ليحترس منه. # وفيه دلالة إباحة الكسب؛ لأنه فرض عليهم الجهاد، وأمر بالإعداد له؛ ~~ليحترس من العدو، ولا يوصل إلى ذلك إلا بالكسب، والله أعلم. # وفي قوله -أيضا-: (يا أيها الذين آمنوا خذوا ms1085 حذركم) أي: ما تحذرون به ~~عدوكم، وما تحذرونه وجوه: منها: الأسلحة، ومنها: البنيان، ومنها: النكر عند ~~الالتقاء، والثبات، وذكر الله - عز وجل - كما قال: (فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا)، وفي هذا الأمر بالإعداد للعدو قبل اللقاء، وأيد ذلك قوله - عز وجل ~~-: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)، وكذلك قوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة)، فيكون الأمر بالإعداد قبل وقت الحاجة دليل جواز الكسب لحاجات ~~تجددت، وأن الاستعداد للحاجات ليس برغبة في الدنيا؛ إذ لم يكن الإعداد فشل ~~ولا ترك التوكل، على أن الجوع وحاجات النفس تعين وتلقي العدو، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) قيل: الثبات: هو ~~السرايا (أو # PageV03P250 # انفروا جميعا) يعني: عسكرا. # وقيل: (ثبات) يعني: فرقا، (أو انفروا جميعا): مجموعا. # وقيل: (فانفروا ثبات) أي: عصبا، (أو انفروا جميعا). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: زحفا. # وقيل الثبات: الأثبات، والثبة في كلام العرب الجمع الكثير، ومعناه: ~~انفروا كثيرا أو قليلا، وفي ذلك دلالة الأمر بالخروج إلى العدو فرادى ~~وجماعة، وفرقا وجماعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فانفروا ثبات) أي: إذا استنفرتم فانفروا ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) ومعلوم أن عليهم ~~الدفع، فيحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (انفروا) إذا أزوا؛ أي: على ما ~~استنفرتم من جميع أو بعض؛ فيكون في ذلك دلالة قيام البعض عن الكل على غير ~~الإشارة إلى ذلك، وقد يجب فرض في مجهول على كل القيام حتى يعلم الكفاية بمن ~~خرج، وهو كفرائض تعرف لا تعرف بعينها، أو حرمات تظهر لا يعرف المحرم بعينه، ~~فعلى من حرم عليه الإيفاء والقيام بجميع الفرائض؛ ليخرج عما عليه، ثم إذا ~~غلب عليهم في التدبير الكفاية بمن خرج سقط عن الباقين، ولو لم يكن يسقط لم ~~يكن للإمام استنفار البعض؛ يدل على ذلك قوله - تعالى -: (فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)، ~~وأصله أنه فرض لعله لا يجوز بقاؤه، وقد زالت العلة، ms1086 على أن خروج الجميع من ~~جهة إبداء للعورة من # PageV03P251 # جهات؛ فلذلك لم يحتمل تكليفه بخروج الجميع من جهة استنفر منها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن منكم لمن ليبطئن ... (72) قوله: (منكم) يحتمل ~~وجوها: # يحتمل: في الظاهر منكم. # ويحتمل: في الحكم منكم. # ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة ~~للمؤمنين، وإن كانوا -في الحقيقة- لم يكونوا. # وقوله - تعالى - (ليبطئن) قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن ~~الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - تعالى -: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا)، كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، ~~فأطلع الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك؛ ليعلموا أنه ~~إنما عرف ذلك بالله تعالى. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة. . .) على التقديم والتأخير يسر ويفرح، إذا أصابتكم مصيبة كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة؛ لأن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن ~~عليه ويتألم، فأخبر الله - عز وجل - أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين ~~نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة. # وقوله - عز وجل -: (ولئن أصابكم فضل من الله ... (73) يعني: الغنيمة ~~والفتح، # PageV03P252 # يقولون: (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) أي: يأخذ من الغنيمة نصيبا ~~وافرا. # وقوله - عز وجل -: (فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا) هذا قول المكذب الشامت: (ولئن أصابكم فضل من الله. . .) الآية، ~~هو قول الحاسد؛ وهو قول قتادة. # وقوله - تعالى -: (وإن منكم لمن ليبطئن) يعني: ليتخلفن عن النفير: (فإن ~~أصابتكم مصيبة) يعني: شدة وبلاء من العيش والعدو، (قال قد أنعم الله علي إذ ~~لم أكن معهم شهيدا) فيصيبني ما أصابهم: (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة). # وقوله - عز وجل -: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) دل أن فرض ms1087 الجهاد فرض ~~كفاية # PageV03P253 # يسقط بقيام البعض عن الباقين؛ لأنه قال: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) ~~أمر بنفير # PageV03P254 # الثبات، فلو كان لا يسقط بقيامهم عن الباقين لم يكن للأمر به معنى، ~~وتأويله - والله أعلم -: إذا قيل لكم، انفروا، فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا. # * * * # قوله تعالى: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ~~ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) وما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين ~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا ~~واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا (76) # وقوله - عز وجل -: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ~~بالآخرة) كأنه - والله أعلم - نهى المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله - ~~تعالى -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا)، وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله - تعالى -: ~~(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) والمؤمنون هم ~~الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. # وقوله - عز وجل -: (في سبيل الله) قيل: في إظهار دين الله. # وقيل: في طاعة الله - تعالى - ونصر أوليائه. # وقوله - عز وجل -: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما) في الآية دلالة أن من بذل نفسه وماله لله - تعالى - غاية ما ~~يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم يتلف نفسه فيه ولا أحدث؛ لأنه قال - ~~عز وجل -: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب)، جعل لمن يتلف نفسه فيه ~~الثواب والعوض الذي تلفت نفسه فيه؛ لأنه اذا غلب لم تتلفت نفسه فيه، وكذلك ~~قوله - سبحانه وتعالى -: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)، جعل لمن قتل ولم يقتل ~~فيه العوض؛ فهذا يدل على مسائل لنا: # من ذلك أن المرأة ms1088 إذا سلمت نفسها إلى زوجها في الوقت الذي كان عليها ~~التسليم استوجب كمال الصداق وإن لم يقبض الزوج منها. # PageV03P255 # ومن ذلك: البائع -أيضا- إذا سلم المبيع إلى المشترى كان مسلما وإن لم ~~يقبض المشترى. # وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير رافضا للظهر؛ ~~لأن عليه الخروج إليها؛ فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر؛ ~~على سبيل ما جعل الباذل لنفسه لله - عز وجل - والمسلم إليه، وإنها أخذت منه ~~في استيجاب العوض الذي وعد له؛ فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم ما ذكرنا إلى ~~المحق كأخذ المحق منه، وإن لم يأخذ، وليس كالقيام إلى الخامسة، ولا ~~كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة؛ لأن على هؤلاء الفراغ مما كانوا ~~فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة؛ فلم يصح ذلك. # وأما المرأة والبائع ومؤدى الظهر في منزله عليهم التسليم والبذل؛ لذلك ~~كان ما ذكرنا، والله أعلم. # وفي الآية أن الله - تعالى - عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كان ~~لا حق له، لا معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في ~~الحقيقة؛ حيث فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضا؛ كقوله - تعالى -: (ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما)، وقال الله - عز ~~وجل - في آية أخرى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، من ~~المؤمنين كثيرا من لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم على ذلك ~~عوضا وأجرا عظيما. # وقوله - تعالى -: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ... (75) # وقوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله. . .) الآية، مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم يزل ~~اسم الإيمان منهم بذلك، وكان الجهاد فرضا عليهم؛ فهذا ينقض على من يخرج ~~مرتكب الكبيرة من الإيمان. # وقوله - تعالى -: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان) عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: وما لكم لا ~~تقاتلون ms1089 في سبيل الله وفي المستضعفين؟!. # PageV03P256 # وكذلك روي عن الكسائي. # وفيه دلالة: أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا ~~أسروا بأي وجه ما قدروا عليه: بالأموال، والقتال، وغير ذلك، وذلك فرض ~~عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم؛ لأنه قال الله - تعالى -: (وما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ~~ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. . .) الآية. # وفي الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر إذا عقلوا؛ لأنه قال ~~الله - تعالى -: (والولدان) الكبار من الرجال والنساء لا يسمون: ولدانا، ~~إنما يسمون الصغار منهم؛ لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا على ~~حكم أولاد الكفرة لم يكن للتعيير والعتاب وجه بتركهم في أيديهم؛ إذ لم ~~يعاتبوا بترك ولدان الكفرة في أيديهم؛ فدل أنه إنما لحقهم العتاب لإسلامهم، ~~وكذلك قوله - تعالى -: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها فأولئك مأواهم جهنم. . .) الآية، ثم استثنى المستضعفين، فقال - عز وجل ~~-: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة)، فلو لم ~~يكن إسلام الولدان إسلاما، ولا كفرهم كفرا، لم يكن لاستثنائهم من أولئك ~~وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر - معنى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها. . .) سألوا ~~الله - عز وجل - أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه لا يتولى نحوه السماء، ~~ولكن على أيدي قوم يعينهم على ذلك، وهم علموا أن لله - تعالى - في ذلك ~~صنعا، والمعتزلة لم يعلموا، # PageV03P257 # وذلك ينقض قولهم، وبالله التوفيق. # وقوله: (الظالم أهلها) قيل: المشرك أهلها: كل ظالم منعهم عن الخروج إلى ~~دار الإسلام والهجرة. # وقوله - عز وجل -: (واجعل لنا من لدنك وليا) في ديننا، ونصيرا يمنعنا عن ~~المشركين، ويقال: مانعا يمنع عنا المشركين، وقد ذكرنا الولي والنصير في غير ~~موضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ... (76) وسبيل ~~الله: ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه. ms1090 # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) قال ابن عباس: ~~الطاغوت: هو الشيطان في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي يدعو ويأمر بالسلوك في ~~سبيله. # وفي الآية دلالة ألا يؤمر الكفار بالجهاد، ولا بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا ~~بغيرها من العبادات؛ لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل ~~الشيطان، وكذلك إذا صلوا، صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يؤمرون أولا ~~بإتيان ما لو فعلوا من العبادات كانت في سبيل الله، وهو الإيمان، وهذا ينقض ~~قول من يقول: إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة، والزكاة، وغيرها من العبادات، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقاتلوا أولياء الشيطان) هذا يدل على أن الطاغوت هو ~~الشيطان هاهنا، وكل ما عبد دون الله فهو طاغوت. # وقوله - عز وجل -: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) يحتمل قوله: (إن كيد ~~الشيطان): أي: كيد أولياء الشيطان (كان ضعيفا) إذا كان الله ناصركم؛ كقوله ~~- سبحانه وتعالى -: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم). # ويحتمل أن كيد الشيطان كان ضعيفا؛ لأنه لا يعمل سوى الدعاء والأمر يدعوهم ~~إلى سبيله؛ فذلك لضعفه لا يباشر القتال ولا الضرب، إنما هو إشارة منه ~~ودعاء؛ كقوله - تعالى -: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم). # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع ~~الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # PageV03P258 # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ... (77) # اختلف فيه؛ قيل: نزلت الآية في بني إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها الله - ~~تعالى - في سورة البقرة: (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى. . ~~.) إلى قوله: (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم). # وقيل: إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ms1091 وسلم - ~~استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتال كفار مكة سرا؛ لكثرة ما ~~يلقون من الأذى منهم؛ فنزل قوله - تعالى -: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة) أي: لم أؤمر بالقتال، فنهاهم عن ذلك، فلما كتب عليهم القتال ~~وأمروا به كرهوا ذلك؛ فدل قوله - تعالى -: (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق ~~منهم يخشون الناس كخشية الله. . .) الآية. # وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (يخشون الناس كخشية الله) أي: يخشون الناس - يعني ~~المنافقين كخشية المؤمنين الله أو أشد خشية؛ كقوله - سبحانه وتعالى -: ~~(يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله). # وإن كانت في المؤمنين؛ فتأويله: يخشون الناس في القتال كخشية الله في ~~الموت أو أشد خشية؛ لأنه أهيب وأسرع نفاذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل أيضا -: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم. . .) ~~الآية. # تكلموا في ذلك: # فمنهم من جعله خبرا عن أمر بني إسرائيل الذين قالوا لنبي لهم: (ابعث لنا ~~ملكا. . .) الآية، أنهم إذا أمروا بالكف عن مقاتلته تمنوا الإذن في ذلك، ~~وسألوا نبيهم - عليه السلام - عن ذلك، ثم فيهم من أعرض عن الطاعة، وقد كان ~~أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك؛ كقوله - تعالى -: (ولقد كنتم تمنون ~~الموت)، فوعظوا بمن ذكرت؛ ليقبلوا العافية، ولا يتمنوا محنة فيها شدة؛ ~~فيبعثهم على ما بعث # PageV03P259 # أولئك. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تتمنوا لقاء العدو ~~واسألوا ربكم العافية، وإذا لقيتموهم فثوروا في وجوههم " (1) # أو كان في علم الله - سبحانه وتعالى - أن يأمرهم، فأخبروا بالذين قتلوا ~~وحل بهم؛ لئلا يفعلوا مثل فعلهم، والله أعلم. # وخشيتهم كخشية الله؛ كقوله - تعالى -: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. ~~. .) إلى تمام القصة. # وقد قيل: الآية نزلت فيما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأجيبوا في ذلك، ثم خاطبهم الذي ذكر. # لكن اختلف في ذلك: # فمنهم من يقول: كان ذلك في المصدقين؛ لكن اشتد عليهم الأمر، وذلك نحو ما ~~كان منهم ms1092 يوم حنين وأحد ونحو ذلك، حتى أغاثهم الله - تعالى - وفرج عنهم ~~بمنه، وعلى ذلك قوله - تعالى -: (ولقد كنتم تمنون الموت)، أي: ما فيه الموت ~~من الجهاد، وعلى ذلك: (يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية)، فلما عاينوا ~~السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها؛ نحو قرب الموت وشدة ~~المرض؛ يكون المرء يخشى منه الموت ما لا يخشى لولا تلك الحال؛ لأنه يرى ~~الموت من المرض، وإن كان الذي يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، ~~فهو -في الحقيقة- خشية من الله - تعالى - أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه ~~حضره وقرب منه؛ فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال، وقد جعل لما ~~جبل عليه الخلق في مثله معروف مثله؛ أعني: أن المريض عند الموت لما يغلب ~~عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيبه يستوي عليه أحواله، فعلى ذلك أمر ~~الأول. # وعلى ذلك فيما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق ~~والقدرة PageV03P260 # عليه ما لم يكن في غيرها، وإن كان من حيث قدرة الله - تعالى - واحد؛ ~~فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية، لا اختيارية، أو سخط بحكم الرب، وهو كالذي ~~جاء من قوله - تعالى -: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم. . .) الآية. # وقوله - على ذلك -: (ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ~~قل. . .) الآية، يحتمل وجهين: # أحدهما: الخبر عما في طباعهم، كما قال - عز وجل -: (كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم. . .) الآية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حفت الجنة ~~بالمكاره " وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك، وربما يضيفون ~~القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له، فعلى ذلك هذا، والله ~~أعلم. # ويحتمل: أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم ~~يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك ~~الوقت؛ فأخبر الله - عز وجل - أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع ~~بالدنيا، ولو صوروا متاع الآخرة ms1093 في قلوبهم لذهب عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ~~ولا يبالون للعدو بما يحل بهم، ولا يخشون لذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع ~~الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع ~~الدنيا. # وأيضا: أن يقال: إن هذا وإن عظم هوله على الطبع، فإنه إذا كان لله بحق ~~العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر؛ إذ يريهم الله متاع ~~الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو ~~خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا ذلك منه، كما قيل في تأويل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء ~~الله كره الله لقاءه " إن المؤمن يرى ما له من الكرامة؛ فيحب الموت أن يعجل ~~به؛ ليصل إلى ذلك، والكافر يرى سخطه فيكرهه، وعلى هذا تأويل القول في ~~الدنيا أنها:، " سجن المؤمن وجنة الكافر " أن تكون كذلك في ذلك الوقت، ~~والله أعلم. # PageV03P261 # وتأويل آخر: أن تكون الآية في المنافقين: أنه يظهر عليهم النفاق وقت ~~المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات، قال الله - تعالى -: (ويقول الذين ~~آمنوا لولا نزلت سورة. . .) الآية، بين ما نزل بالمنافقين، وكذلك قوله - ~~تعالى -: (قد يعلم الله المعوقين منكم. . .) الآيات، - والله أعلم - فيمن ~~نزلت الآية، لكنها معلوم أن فيها ترغيبا فيما عند الله، وتزهيدا في الدنيا، ~~ودعاء إلى الرضا بحكم الله - تعالى - فيما خف وثقل، والله المستعان. # وعلى التأويل الآخر: جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات ~~التي ذكرتها، وفيهم قال الله - تعالى -: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من ~~الموت. . .) الآية، وغير ذلك مما دل على إنكارهم، وفضل خوفهم في ذلك، والله ~~أعلم. # فإن قال قائل: كيف قال الله - تعالى -: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) وقد ~~هلك به أكثر البشر؟ # قيل: قد يخرج على وجوه - والله أعلم -: # أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوذ بالله - تعالى - كقوله - تعالى -: ~~(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ. ms1094 . .) الآية، وإنما يقوى على من جنح له، ومال ~~إلى ما دعاه إليه؛ كقوله - تعالى -: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان. . .) الآية إلى قوله - تعالى -: (ثم لا يقصرون). # والثاني: أن يكون ضعيفا على المقبل على ربه، والذاكر له في أحواله، ~~والمفوض أمره إلى ربه، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له ~~السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه، وهو كقوله - تعالى -: ~~(ليس له سلطان على الذين آمنوا. . .) الآية، وقد سماه الله - تعالى -: ~~(الوسواس الخناس)، بما يخنس بذكر الله - تعالى - ويوسوس عند الغفلة عن ~~الله، فكان سلطانه به، والله الموفق. # والثالث: أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان ~~والأموال، فهو ضعيف، والله أعلم. # والرابع - والله أعلم -: أن يكون كان ضعيفا، أي: صار ضعيفا عند نصر الله ~~ومعونته، والله أعلم. # ويحتمل: كان ضعيفا لو ظهر، حتى يعلم أنه شيطان، لكن قوى بما لا يعلم ~~المغرور أنه كيده وتغريره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربنا لم كتبت علينا القتال) # PageV03P262 # قيل: في حرف حفصة: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، قالوا: ربنا لم كتبت ~~علينا القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله " كأن ~~في الآية إضمارا، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى ~~يكون قوله - تعالى -: (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم. . .) الآية - ~~جوابا له. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال. . .) فإن كانت ~~الآية في المنافقين، فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو ~~يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم، طلبوا أي حكمة في فرض القتال ~~علينا؟ وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك، وأصله: أن كل آمر ~~- في الظاهر - من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر؛ فيخرج سؤاله ~~مخرج الخضوع والتضرع له، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو ~~يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس. # وقوله ms1095 - عز وجل -: (قل متاع الدنيا قليل) # معناه - والله أعلم -: إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم ~~للآخرة وللمقام فيها، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال - لكان ذلك ~~عبثا خارجا عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها. # ويحتمل قوله - تعالى -: (يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) وقوله - ~~تعالى -: (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال. . .) إلى آخره، أن لم يقولوا ~~ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطرا في قلوبهم، فأخبرهم نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - تعالى - ليدلهم على ~~نبوته ورسالته. # وقوله - عز وجل -: (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، ~~قتلا؛ فيسر بذلك الأعداء؛ كقوله: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين)، ~~وفي القتل فتنة. # وقوله - عز وجل -: (قل متاع الدنيا قليل) يحتمل وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا: أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن إنما خلقوا لمتاع ~~الآخرة. # والثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله - سبحانه وتعالى -: ~~(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)، وكقوله - تعالى -: (أفرأيت ~~إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون (207). # PageV03P263 # وقوله - عز وجل -: (والآخرة خير لمن اتقى) لأن متاع الآخرة دائم غير ~~منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع. # وقوله - عز وجل -: (ولا تظلمون فتيلا) قد ذكرناه. # * * * # قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل ~~كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله ~~شهيدا (79) # وقوله - عز وجل -: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) # قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا؛ قال الله - تبارك وتعالى -: (أينما تكونوا يدرككم ~~الموت ولو كنتم في بروج مشيدة). # ويحتمل: أن يكون ms1096 جوابا لما سبق من القول قولهم: (لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى أجل قريب) يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل ~~أو لم يقاتل؛ كقوله - تعالى -: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم. . .). # ويحتمل: أن يكون قوله - تعالى -: (أينما تكونوا يدرككم الموت): إذا كان ~~الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب ~~الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في بروج مشيدة). # قال الفراء: المشيد والمشيد واحد، غير أن المشيد -بالتشديد- فيما يكثر ~~الفعل، والمشيد فيما لا يكثر الفعل. # وقيل: المشيد: هو المجصص، والشيد: هو الجص. # PageV03P264 # وقال بعضهم: (بروج مشيدة) أي: حصينة. # وقيل: قصور محصنة طوال. # وقوله: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~هذه من عندك) معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في ~~دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا ~~والشدائد؛ وذلك أنهم ما كانوا يحزنون لما يصيبهم من السيئة في الدين، ولا ~~كانوا يفرحون بالحسنة والخير في الدين، ولكن فرحهم بما كانوا يصيبون في ~~الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة، وكانوا ~~يتطيرون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا كان دأب الكفرة من قبل، ~~كانوا يتطيرون بالأنبياء والرسل - عليهم السلام - كقوله - عز وجل - إخبارا ~~عن قوم موسى - صلى الله عليه وسلم -: (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه)، وكقوله - تعالى -: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل ~~أنتم قوم تفتنون)، وقال الله - عز وجل -: (ألا إنما طائرهم عند الله ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون)؛ فعلى ذلك قولهم: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)؛ تطيرا منهم برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فقال - تعالى -: (قل كل من عند الله) # أي: بتقديره كان وقضائه، فضلا؛ كقوله - تعالى -: (وما بكم من نعمة فمن ~~الله)، ms1097 وجزاء؛ كقوله - عز وجل -: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ~~أي: ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنيعهم برسل الله صلى الله عليهم وسلم ~~وتكذيبهم إياهم؛ كقوله - تعالى -: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). # وقوله - عز وجل -: (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) أي: لا ~~يفقهون ما لهم وما عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك ... (79) وروي # PageV03P265 # في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " وأنا قدرتها عليك " # يحتمل: أن يكون قوله - تعالى -: (ما أصابك من حسنة فمن الله) يرجع إلى ما ~~ذكرت من السعة والعافية ونحوها (وما أصابك من سيئة) من البلاء، والشدة (فمن ~~نفسك) أي: من جناية نفسك؛ جزاء. # وفي الأول قال: (فمن الله) في ذلك بعينه بحق الجزاء، وفي الثاني: (فمن ~~نفسك) بحق الجناية على الآية التي ذكرت من قوله - تعالى -: (وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم). # ويحتمل: أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا، والأخرى في أمر الدين؛ إذ ~~اختلفت الإضافة في هذه واتفقت في الأولى؛ إذ الأولى على ما عليه أمر المحنة ~~من قوله - تعالى -: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقوله - عز وجل -: ~~(وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، وقوله - تعالى -: (خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، جعل الله - تعالى - بمختلف أحوال للعباد لا منفع ~~لهم في ذلك، وكذلك قوله - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر. . .) الآية، وقوله ~~- تعالى -: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. . .) الآية. # والثانية: في حق الأفعال، فيضاف إلى الله ما صلح منها؛ شكرا وحمدا بما ~~أنعم الله عليه، وذلك قوله - تعالى -: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)، ~~وقوله: # PageV03P266 # (صراط الذين أنعمت عليهم)، وقوله: (بل الله يمن عليكم. . .) الآية، وقوله ~~- تعالى -: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)، وقوله: ~~(ولكن الله حبب إليكم. . .) الآية، وغير ذلك؛ فيضاف إليه بما منه في ذلك من ~~الفضل والنعمة؛ شكرا، والثاني في زله وضلاله لا تجوز الإضافة إليه لما شبه ~~الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك، ويقبح ms1098 في الإضافة، وذلك نحو القول بأنه: رب ~~السماوات والأرض، ولا يقال: هو رب الخنازير والأقذار، ونحو ذلك؛ لما يقبح ~~في السمع، وإن كان من حيث الخلق والتقدير واحدا، فمثله أمر الأفعال، والله ~~الموفق. # ونفي الإضافة عنه لا يدل على نفي أن يكون خلقه؛ لما بينا من الأشياء؛ ~~الإضافة إليه كالتخصيحص، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا إله ~~الأقذار والخبائث، ويا رب الشرور والمصائب، وإن كان كل ذلك داخلا في أسماء ~~الجملة، ومحقق منه تقديرها وخلقها، وكذلك الفواحش والكبائر، والله أعلم. # والثاني: الخيرات والأعمال الزاكية قد تضاف إليه، لا من وجه التخليق عند ~~الجميع، بل عندنا: من جهة الإفضال بالتوفيق والإنشاء، وعند المعتزلة: من ~~جهة الأمر والترغيب؛ فعلى ذلك نفي الإضافة فيما لم يضف إليه لهذا، وأيدت ~~هذا قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " وأنا قدرتها عليك ". # فإن قال قائل: ذلك لا يقع على الأفعال؛ لقوله: (ما أصابك)، ولو كان عليها ~~كان يقول: ما أصبت، ثم كان له جوابان: # أحدهما: أن الإجابة اسم مشترك، ما يصيبه هو يصيب ذلك، فسواء لو أضيف إليه ~~أو أضيف هو إليه، والله أعلم. # والثاني: أن ذلك يخرج مخرج الجزاء أيضا إذا كان على ما يقوله؛ فيكون على ~~ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة، وإذ لم يجعل لله في حسنه فضلا لم يحتمل ~~الإضافة إليه مع ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه، ودفع الشر لما ليس ~~في فعله من الله إفضال عليه به # PageV03P267 # إنعام، وكان في فعل الخير ذلك، لا بالأمر والنهي؛ إذ هما يستويان في كل ~~واحد، والله أعلم. # ثم أوضح ذلك خبر عبد الله، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف، قلنا: ليس ~~بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق، وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، والله أعلم. # وقيل: خبر عبد الله من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه كلمة تروى عنه ~~العامة لا تحتمل التبديل، وأما خبره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~إذ لا يجوز اختراع القراءة مرفوع، ms1099 وخبر الفرد فيه يقبل، فيما لا خلاف فيه، ~~وإن كان فيه تأويل الظاهر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأرسلناك للناس رسولا). # قيل في حرف حفصة: " وأرسلناك إلى الناس رسولا "، # (وكفى بالله شهيدا) # قيل: (وكفى بالله شهيدا) أي: بأنك رسول الله. # وقيل: (وكفى بالله شهيدا) على ما يضمرون في قلوبهم. # وقيل: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله # وفي قوله -أيضا-: (وكفى بالله شهيدا) وجوه: # أحدها: إن جحدوا تبليغك في الدنيا، أو يقولوا: لم تعلم رسالتك. # والثاني: أن يكون بالآيات التي جعلها الله - تعالى - لرسالتك تحقق، ~~وشهادة الله لك بالرسالة شهيدا، لك، أو مبينا، أو حجة. # والثالث: أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وتبليغهم ~~الخبر إليهم شهادته وكفي به شهيدا على ما أضاف بيعة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - إليه، ونصر أوليائه إليه، قال الله - تعالى -: (أولم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل). # ويحتمل: شهيدا مبينا، أو حكما مبينا، فمعناه: فيبين لهم بالمعاينة ما كان ~~بينه بالدلالة والآيات، وحكما فاصلا بين المحق والمبطل؛ فيخرج الوجهان ~~جميعا مخرج الإعراض عن المحاجة بما ظهر من العناد والمكابرة، وتفويض الأمر ~~إلى الله وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا ~~بالله. # * * * # قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ~~والله يكتب ما يبيتون # PageV03P268 # فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) أفلا يتدبرون القرآن ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) # وقوله - عز وجل -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ... (80) # لأن الله - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقد أطاع الله - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل ~~-: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان ~~بقوله - عز وجل -: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية. # والثاني: أن الرسول - صلى ms1100 الله عليه وسلم - إنما يأمر بطاعة الله، فإن ~~أطاع رسوله - صلى الله عليه وسلم - وائتمر بأمره فقد أطاع الله - عز وجل - ~~لأنه هو الآمر بطاعة الله، وبالله التوفيق. # وقيل: لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر بأمر الله - تعالى - لذلك ~~كانت طاعته طاعة الله، وذكر في بعض الأخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في المدينة: " من أحبني فقد أحب الله - تعالى - ومن أطاعني فقد أطاع ~~الله " فعيره المنافقون في ذلك فأنزل الله - تعالى - تصديقا لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك ~~عليهم حفيظا). # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من أطاع الله فقد ذكر وإن ~~قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصاه فقد نسي الله - تعالى - وإن كثر ~~صيامه وصلاته وتلاوته القرآن "، فطاعة الله - تعالى - إنما تكون في اتباع ~~أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - ~~تعالى -: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). # PageV03P269 # وقوله -أيضا- (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ظاهر مكشوف، حقيقته أنه ~~يطيعه لطاعة الله؛ إذ الأمر يطيعه على أنه يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابته ~~له بما يطيع الله به، وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة وإن كانت هي ~~لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول؛ فصير الله - تعالى - طاعته عبادة لله - ~~تعالى - فأعلم: أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة؛ إذ قد يسمى لا ~~من ذلك الوجه، ولذلك جاز القول بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود، والله ~~أعلم. # وأيضا: فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه وأمر به، وإلزام للخلق ~~بالشهادة له بالصدق في ذلك والقيام به، أكد بقوله - تعالى -: (فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره. . .)، وبقوله - عز وجل -: (فلا وربك لا يؤمنون. . .) ~~الآيتين جميعا، وذلك الإباء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب الأليم، ~~وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان، ثم ليست طاعته في فعله ~~خاصة، أو قول ما يقوله، ولكنها بوجهين: ms1101 # أحدهما: اعتقاد كل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص، أو عموم، أو ~~إلزام، أو آداب، أو إباحة، أو ترغيب. والثاني: في الوفاء بالذي منه المراد ~~فيه من أن يفعل كفعله أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد ~~من محله فيه، يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا بالله. # وقول من يقول: لا يلزم طاعته في فعله أو يلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى ~~له. # وقوله - عز وجل -: (ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) # في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا وعليكم ما عملتم، ما تسأل أنت ~~عن أعمالهم، ولا يسألون عما فعلتم، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (فما أرسلناك عليهم حفيظا) يطلع على سرائرهم، إنما عليك أن ~~تعاملهم على الظاهر، والله أعلم. # PageV03P270 # وقوله - عز وجل -: (ويقولون طاعة ... (81) # وقيل: إن المنافقين قد أظهروا التصديق لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإذا دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا ~~رسول الله، أمرك طاعة، فمرنا بما شئت نفعله، فإذا أمرهم بأمر ونهاهم عنه ~~خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم أبهأ ونهاهم عنه؛ فأنزل الله - تعالى - على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا) إلى قوله - تعالى -: (بيت طائفة منهم غير الذي تقول). # وقوله - عز وجل -: (بيت طائفة منهم غير الذي تقول) # قوله: (بيت) # قيل: غير ما أمرهم به. # وقيل: (بيت) ألف. # وقيل: (بيت) أي: قدروا بالليل القول وألفوا، وكل كلام وقول مقدر بالليل ~~مؤلف فيه، يقال: بيت، ومعناه - والله أعلم -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -[ ... ] فهذا - والله أعلم - معنى قوله: (بيت طائفة منهم غير الذي ~~تقول) وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (والله يكتب ما يبيتون) # أي: الله - تعالى - يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من ~~القول؛ ليلزمهم الحجة؛ لأنهم كانوا يسرون ذلك ويضمرونه لا يظهرون إظهارا ~~ليجزيهم جزاء ذلك. # وقوله ms1102 - عز وجل -: (فأعرض عنهم) # يحتمل: أعرض عنهم ولا تكافئهم على هذا. # ويحتمل: أعرض عنهم، ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطلع عليه، إنما ذلك إلي؛ ~~لأطلعكم على ما يسرون؛ ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك بالله ففيه دلالة إثبات ~~الرسالة، # PageV03P271 # فتوكل على الله، وثق به، ولا تخافهم، فإن الله - تعالى - يدفع عنك شرهم ~~وكيدهم. # ويحتمل: (وتوكل على الله) في جزائه؛ فإن الله هو يتولى جزاء تكذيبهم ~~إياك، والله أعلم. # (وكفى بالله وكيلا) فيما ذكرنا. # أي: كفى به مانعا، فلا أحد أمنع منه. # وقيل: (وكفى بالله شهيدا)، مما يبيتون وحافظا. # وقال بعضهم: لا يكون التبييت إلا بالليل، يؤلفون الشيء ويقدرونه بالليل. # وقوله - عز وجل -: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا (82) # لو كان الحكم لظاهر المخرج على ما يقوله قوم - لكان القرآن خرج مختلفا ~~متناقضا؛ لأنه قال - عز وجل - في الآية: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر. . .) الآية، ويقول في آية أخرى: (إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر)، لو كان على ظاهر المخرج فهو مختلف، وكذلك قوله ~~- تعالى -: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)، وقال الله - ~~عز وجل - في آية أخرى: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) في إحداهما حظر وفي ~~الأخرى إباحة، فلو كان على ظاهر المخرج والعموم - لكان مختلفا متناقضا، ~~ويجد أهل الإلحاد أوضح طعن فيه وأيسر سبيل إلى القول بأنه غير منزل من عند ~~الرحمن؛ إذ به وصفه أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # وقال - عز وجل -: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. . .) الآية، ~~وقال - عز وجل -: (وإنا له لحافظون)، ثم وجد أكثر ما فيه الحكم متفرقا إلى ~~غير المخرج، ومحصلا على غير مجرى اللفظ من العموم والخصوص؛ فدل به أن الحكم ~~لا كذلك، ولكن المعنى المودع فيه والمدرج، لا يوصل إلى ذلك إلا بالتدبر ~~والتفكر فيه، وإلى هذا ندب الله عباده؛ ليتدبروا فيه؛ ليفهموا # PageV03P272 # مضمونه، وليعملوا به. # ثم ms1103 يحتمل بعد هذا وجهان: # أحدهما: قوله - تعالى -: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا) أي: لو كان هذا القرآن من عند غير الله، لكان لا يوافق بما يخبرهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن يخبرهم مخالفا لذلك؛ لأن الكهنة، الذين ~~كانوا يدعون الخبر عن غيب، لا يخرج خبرهم موافقا، بل كان بعضه مخالف لبعض ~~مناقض له، فلما خرج هذا ما يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - من سرائرهم ~~موافقا له، دل أنه خبر عن الله تعالى. # والثاني: أنهم كانوا يقولون: (إن هذا إلا اختلاق)، (ما هذا إلا إفك ~~مفترى)، ونحوه، فأخبر الله - تعالى - أنه لو كان من عند غير الله لكان لا ~~يوافق لما عندهم من الكتب، بل كان مختلفا متناقضا، فلما خرج هذا القرآن ~~مستويا، موافقا لسائر الكتب؛ كقوله - تعالى -: (مصدقا لما معهم)، (ومصدقا ~~لما بين يدي من التوراة)، دل أنه من عند الله نزل. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن هذا القرآن نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~في أوقات متفرقة متباعدة على نوازل مختلفة، فلو كان من عند غير الله نزل - ~~لخرج مختلفا، مناقضا بعضه بعضا؛ لأن حكيما من البشر لو تكلم بكلمات في ~~أوقات متباعدة - لخرج كلامه متناقضا مختلفا، إلا أن يستعين بكلام رب ~~العالمين، ويعرضه عليه؛ فعند ذلك لا تناقض، فلما خرج هذا - مع تباعد ~~الأوقات - غير مختلف ولا متناقض، دل أنه من عند الله - تعالى - نزل، وبالله ~~التوفيق. # وفيه الاحتجاج على الملحدة؛ حيث قال - عز وجل -: (أفلا يتدبرون القرآن. . ~~.) إلى قوله: (اختلافا كثيرا) فلو وجدوا لأظهروا ذلك، وقوله - تعالى -: ~~(بسورة من مثله) ولو قدروا على ذلك لأتوا به؛ دل ترك إتيانهم ذلك: أنهم لم ~~يقدروا على إتيان مثله، ولو وجدوه مختلفا لأظهروه، ولو كان من كلام البشر ~~-على ما قالوا- لأتوا به؛ لأنهم من البشر؛ فظهر أنه منزل من عند الله، ~~والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (أفلا يتدبرون القرآن) وقوله: (ليدبروا آياته)، دلالة ~~بينة على وجهين: # PageV03P273 # أحدهما: أن المقصود منه يدرك بالتأمل ms1104 والتدبر؛ إذ به جرى الأمر والترغيب ~~قبل وقت العمل، بل ألزم القيام بما يعقل بالتدبر. # ثم فيه وجهان: # أحدهما: أن الأمر ليس على مخرج الكلام عند أهل اللسان، ولا على حق الأيسر ~~في اللغة؛ إذ حق مثله أن يرغب في معرفة الموقع عند أهل اللسان من المخرج، ~~ويوجه إليه لا يدبر فيه، والله أعلم. # ومعلوم -أيضا- أن التدبر فيه حظ الحكماء وأهل البصر، لا حظ العوام، وما ~~يعرف من حيث اللسان فهو حظ الفريقين، ثبت أن على العوام اتباع الخواص فيما ~~فهموا هم والاقتداء بهم، والله أعلم. # والثاني: أنه جعل وجه معرفة الاختلاف والاتفاق بالتدبر فيه لا يقرع ~~الكلام السمع، وإذا ثبت ذلك لم يلزم العمل بشيء من الظاهر حتى يعرف الموقع ~~أنه على ذلك بالتدبر؛ لئلا يلحق المتمسك به النقيض بالتدبر، والله أعلم. # والوجه الثاني: بما تضمنت الاختلاف أن ارتفاع الاختلاف جعله حجة على أنه ~~عن الله؛ إذ علم الله -مما جبل عليه الخلق- أنه لا أحد يملك بحق الاختراع ~~لا عن علم السماع ينتهي إليه عن الله بخبر الصادقين، يملك تأليف الكلام ~~ونظم مثله غير متناقض، ولا مختلف ينفي بنفي الاختلاف ما قرن به من الكهنة؛ ~~إذ كذلك كلام الكهنة يخرج مختلفا، وما قرن من تعليم البشر وأساطير الأولين، ~~والسحر، ونحو ذلك؛ إذ كل ذلك يخرج على الاختلاف، وفي ذلك بيان حظر جعل ~~المخرج بحق اللسان من الاسم حجة ودليلا؛ لما يوجد من ذلك الوجه اختلافا ~~كثيرا، ولو كان من ذلك الوجه الاحتجاج - لوجد الاختلاف، ومن رام أن يجعل ~~القرآن - لولا بيان الخبر - موقعه على جهة قد يقع فيه الاختلاف دونه - فهو ~~وصف القرآن مع اجتماع الخبر بنفي الاختلاف، وأما ما هو في نفسه مختلف، ~~فمثله لكل كاهن وبشر أريد تثبيت التناقض فيه أمكن لمن يذب عنه إن كان عنه ~~مترجم معبر يجب ضم تأويله إليه، فيبطل أن يكون على أحد، ووجود اختلاف في # PageV03P274 # مكان، ويكون احتجاج العدين عبثا، جل عن ذلك. # ثم ما ذكر يحتمل الأحكام والحدود، والأوامر والنواهي، ms1105 وذلك يوجب أن ~~التناسخ والخصوص والعموم لا يكون مختلفا. # ويحتمل: الإخبار، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وأعني بالإخبار: عن الغيب، ~~وعما كان أخبر - عز وجل - عن شرك المنافقين، وعما إليه مرجع الأمور، وعما ~~كان عنهم، ونحو ذلك مما خرج كذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف ~~إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا ~~وأشد تنكيلا (84) # وقوله - عز وجل -: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " وإذا جاءهم نبأ من خوف أو أمن ~~أذاعوه " وكذلك في حرف حفصة. # قال الكسائي: هما لغتان، أذعت به وأذعته: إذا أفشيته. # وقيل: سمعوا به وأفشوه. # وقيل: أفشوه وأشاعوه. # ثم اختلف فيمن نزلت: قال الحسن: نزلت في المؤمنين؛ وذلك أنهم إذا سمعوا ~~خبرا من أخبار السرايا والعساكر - مما يسرون ويفرحون - أفشوه في الناس؛ ~~فرحا منهم، وإذا # PageV03P275 # سمعوا ما يحزنهم ويهمهم أظهروه في الناس؛ حزنا وغما، ثم استثنى إلا قليلا ~~منهم لا يذيعون ولا يفشون بالخبر، فلو سكتوا وردوا الخبر إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى يخبر النبي ما كان من الأمر، أو ردوه إلى أولي ~~الأمر حتى يكونوا هم الذين يخبرون به - كان أولى، وهو على التقديم ~~والتأخير. # وقال أبو بكر الكسائي: نزلت الآية في المنافقين؛ وذلك أن المنافقين إذا ~~سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر عن نصر المسلمين أذاعوا إلى ~~الأعداء بذلك ليستعدوا على ذلك، وإذا سمعوا أن الأعداء قد اجتمعوا وأعدوا ~~للحرب أخبروا بذلك ضعفة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ليمتنعوا ~~عن الخروج إليهم؛ فقال الله - عز وجل -: (ولو ردوه إلى الرسول) حتى كان هو ~~مخبرهم عن ذلك، أو ردوا إلى أولي الأمر منهم؛ ليخبروا بذلك، والله أعلم. # ثم ms1106 اختلف في (إلى أولي الأمر): # قيل: هم أمراء السرايا. # وقيل: هم العلماء الفقهاء # (الذين يستنبطونه منهم). # الذين يطلبون علمه بقوله. # وقيل: (أولي الأمر) - هاهنا - مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم. # PageV03P276 # (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) أي: يستخرجونه من كتاب الله تعالى. # وقيل: (أولي الأمر) ولاة الأمر الذين يستنبطونه، والذين أذاعوا به: قوم ~~إما منافقون وإما مؤمنون، على ما ذكرنا، إنما هو: أذاعوا به إلا قليلا منهم ~~(ولولا فضل الله عليكم ورحمته. . .) الآية على قول بعض. # وقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) # واختلف فيه: قيل: فضل الله: رسولنا، محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~ورحمته: القرآن؛ تأويله: لولا محمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن لاتبعوا ~~الشيطان إلا قليلا منهم لم يتبعوه، ولكن آمنوا بالعقل. # وقيل: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) في الأمر والنهي عن الإذاعة ~~والإفشاء، وإلا لأذاعوه واتبعوا الشيطان في إذاعتهم به (إلا قليلا) منهم ~~فإنهم لا يذيعون به. # وعن الضحاك قال: هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا حدثوا ~~أنفسهم بأمور من أمور الشيطان إلا طائفة منهم لم يحدثوا بها أنفسهم. # وقال آخرون: هم المنافقون، كانوا إذا بلغهم أن الله - تعالى - أظهر ~~المسلمين على المشركين وفتح عليهم - صغروه وحقروه، وإذا بلغهم أن المسلمين ~~نكبوا نكبة - شنعوه وعظموه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (إلا قليلا) يقول: لعلموا الأمر الذي ~~يريدون، والخبر كله، (إلا قليلا) يقول: لم يخف عليهم إلا قليلا من ذلك ~~الأمر؛ (ولو ردوه إلى الرسول. . .) الآية. # وعن الحسن قال: هم الذين استثنى الله - عز وجل - حين قال إبليس - لعنه ~~الله - # PageV03P277 # (لأحتنكن ذريته إلا قليلا)، وحيث قال: (ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك ~~منهم المخلصين). # وقال غيرهم ما ذكرنا على التقديم والتأخير: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به إلا قليلا منهم، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ... (84) # قوله: (لا تكلف إلا نفسك) يحتمل وجهين: # أي: ليس عليك حسابهم ولا جزاء تخلفهم، إنما حساب ذلك ms1107 عليهم؛ كقوله - عز ~~وجل -: (ما عليك من حسابهم من شيء)، وكقوله - عز وجل -: (فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم). # والثاني: (لا تكلف إلا نفسك) # أي: تكلف أنت بالقتال والجهاد، وإن تخلف هؤلاء عن الخروج معك؛ يؤيد ذلك ~~ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: هذا حين استنفر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أصحابه - رضي الله عنهم - بوعد أبي سفيان بدرا الصغرى، فخذله ~~الناس؛ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لأخرجن إلى بدر وإن لم يتبعني أحد منكم "، فاتبعه أقل الصحابة - ~~رضي الله عنهم - وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. # وفيه دليل وعد النصر له والفتح، والنكبة على الأعداء؛ لأنه تكلف الخروج ~~وحده؛ فلو لم يكن وعد النصر له - لم يؤمر بالخروج؛ ألا ترى أنه قال الله - ~~عز وجل -: (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا)، و " عسى " من الله - تعالى - ~~واجب. # وفي قوله - تعالى -: (عسى الله) وعد نصره وإن خرج وحده؛ إذ ال " عسى " هو ~~من الله واجب. # وقوله - عز وجل -: و (حرض المؤمنين) يحتمل وجوها: # يحتمل: حرض المؤمنين بالثواب لهم وكريم المآب على ذلك. # ويحتمل قوله - تعالى -: و (حرض المؤمنين)؛ لما في القتال معهم إظهار دين ~~الله - الإسلام - وفي ترك المجاهدة والقتال معهم نصر العدو عليهم، وإظهار ~~دينهم، أمر - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليرغبهم في مجاهدة ~~أعدائهم. # PageV03P278 # والثالث: وحرض المؤمنين على المجاهدة والقتال معهم؛ وعدا بالنصر لهم، ~~والفتح، والغنيمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا). # وال " عسى " من الله واجب؛ وعد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يكف ~~عنهم بأس الذين كفروا. # وتجوله - عز وجل -: (والله أشد بأسا وأشد تنكيلا). # قيل: وقوله: (أشد بأسا)؛ لما يدفع بأس المشركين عنكم، ولا يقدرون هم دفع ~~بأس الله عن أنفسهم؛ فبأس الله أشد. # وقوله - سبحانه -: (وأشد تنكيلا)، قيل: التنكيل: هو العذاب الذي يكون ~~للآخر فيه زجر ومنع. # وقيل: حين قال له: (لا تكلف إلا ms1108 نفسك)؛ ولو لم يتبعك أحد من الناس - لكف ~~الله عنك بأس المشركين. # وقيل: البأس: هو عذاب الدنيا، والتنكيل والنكال: هو عذاب الآخرة؛ كأنه ~~يخوفهم ببأسه؛ لتخلفهم عن العدو ومخافة بأسهم وعذابهم؛ فأخبر الله - عز وجل ~~-، أن بأس الله وعذابه أشد من بأس الأعداء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها ... (85) # قوله تعالى: وقوله - عز وجل -: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن ~~يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) # لم يذكر ما تلك الشفاعة التي يشفع؛ فيحتمل الشفاعة الحسنة: هي الدعاء له ~~بالمغفرة والرحمة، وهو لذلك مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب. والشفاعة السيئة: ~~هي الدعاء عليه باللعن والمقت، وهو لذلك غير مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب. # وقيل: هو كقول العرب: " الدال على الخير كفاعله "، من دل آخر على الخير؛ ~~فله في ذلك نصيب، وكذلك من دل آخر على الشر. # ويحتمل: الشفاعة الحسنة: في مظلمة، يسعى في دفع مظلمة عن أخيه المسلم، ~~وهي # PageV03P279 # شفاعة حسنة؛ فله في ذلك نصيب. # ويحتمل: الشفاعة السيئة: هي أن يسعى في فساد أمر يلحقه من ذلك نقمة ~~ومظلمة؛ فله في ذلك إثم. # وقيل: الشفاعة الحسنة: هي التي ينتفع بها وعمل بها، هي بينك وبينه، هما ~~فيها شريكان، والشفاعة السيئة، هي التي تضر به، هما فيها شريكان. # ويحتمل: أن تكون الشفاعة الحسنة: كل صانع معروف، وكل آمر به، والشفاعة ~~السيئة: كل صانع منكر، وآمر به؛ فهما شريكان في ذلك: الآمر والفاعل جميعا. # ويحتمل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " كل معروف ~~صدقة، والدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان ". # وعن الحسن - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" لا صدقة أفضل من صدقة اللسان "؛ قيل: وما صدقة اللسان يا رسول الله؟ قال: ~~" الشفاعة تجريها إلى أخيك، وترفع عنه ثقل الكريهة وتحقن بها الدم ". # والكفل والنصيب واحد. # وقيل: الكفل: الجزاء، وهو واحد. # وقيل: الكفل: ms1109 الإثم، ولكن ليس إثمه خاصة؛ ألا ترى أنه قال: (يؤتكم كفلين ~~من رحمته). # PageV03P280 # والشفاعة من أعظم ما احتيج إليها؛ إذ قد جاء القرآن بها، والآثار ممن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشفاعة في المعهود من الأمر تكون عند ~~زلات يستوجب بها المقت والعقوبة؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل ~~الرضا بهم، ثم كانت الصغائر منا لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين ~~بالخلود بالكبائر، والكبائر مما يعفى عنها بالشفاعة؛ فإذن يبطل عظيم ما جاء ~~من القرآن والآثار في الامتنان، ويسقط ما جبل عليه أهل العلم بالله ~~وبرحمته، ويبطل رجاء المسلمين بشفاعة الرسل - عليهم السلام - ولا قوة إلا ~~بالله. # وقال بعضهم: الشفاعة تخرج على وجهين: # الأول: على ذكر محاسن أحد عند آخر؛ ليقرر له عنده المنزلة والرتبة. # والثاني: أن يدعو له؛ فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه، والثاني ~~قد بين بقوله: (الذين يحملون العرش. . .) إلى قوله: (العظيم)، وقوله - ~~تعالى -: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، والخوف يدل على وجهين: الشفاعة؛ لأن ~~المرتضى هو ذو منزلة وقدر، وهو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة؛ فيقال: ~~الوجه الأول في الآخرة لا معنى له؛ لوجهين: # أحدهما: أنه في تقرير الأمر عند من يجهله، والله - جل ثناؤه - هو العليم ~~بحقيقة ذلك، بل غيره مما يجوز عليهم خفاء الحقائق؛ كقوله تعالى: (يوم يجمع ~~الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا. . .) الآية، وقال عيسى - ~~عليه السلام -: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به. . .) الآية؛ وكان في ذلك أن ~~الحقائق في ذلك عند الله، وهم تبرءوا عن العلم بذلك، وأقروا بأن الله هو ~~المنفرد بعلم ذلك، وبالله التوفيق. # والثاني: أن ثمة كتبا يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير ~~وكبير؛ فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الاحتجاج، وإن كان في حق ~~الإعلام - فعلم الله بهم مغن عن ذلك، ولا قوة إلا بالله. # وأما الدعاء: فكذلك نقول بالدعاء لمن له ذلك الوصف، ويشفع له فيما كان في ~~ذلك منه من المآثم والذنوب، لا ms1110 أنه إذا كان كل أفعالهم ذلك، فيشفع لهم؛ ~~لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم، على ما ذكر من الأفعال، بل لهم عليها أعظم ~~الثواب، وأرفع المأوى. # PageV03P281 # وطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يصح من وجوه: # أحدها: أن ذلك لا يجوز في الحكمة؛ فكأنهم طلبوا منه ألا يجور ولا يسفه، ~~وذلك لأفسق الخلق يخرج مخرج السفيه، فضلا عن أن يتضرع إلى الله به، جل ~~الكريم الحليم عن هذا الوصف. # والثاني: أن يخلق في مثله؛ إذ هو مثاب غير معاقب، يلقى ذلك منه بالشكر ~~والحمد، وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه، ومحال الإذن في مثله، وبالله ~~التوفيق. # والثالث: أن ذلك في الموعود له بالجنة والمبشر بها؛ فطلب مثله يوجب ~~الجهالة بذلك، لا أن يكون الوقت لم يبين، يكون ذلك في الاستعجال، وهو قولنا ~~في أصحاب الكبائر: إنهم لو عذبوا بقدر الذنوب - لكان ذلك في الحكمة عدلا؛ ~~فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والاستيفاء، ولا قوة إلا بالله. # والأصل: أنها مقادير للعقوبات، وإنما يعرف من يعرف مقادير الأجرام، وليس ~~من الخلائق من يحتمل تركيبه احتمال العلم بمقاديرها؛ إذ لا أحد يبلغ في ~~معرفة تعظيم الله كنه عظمته؛ ليعرفوا قدر الخلاف لأمره - جل وعلا - وما كان ~~هذا سبيله - فحق القول الاتباع أن الله لا يجزي بالسيئة إلا مثلها. # ثم معلوم أن لا سيئة أعظم من الكفر، وجعل مثلها من الجزاء: الخلود في ~~النار، ممن ألزم ذلك لما دونه وصف الله - تعالى - أنه يجزي بالسيئة أكثر من ~~مثلها، والله - عز وجل - أخبرنا أنه لا يجزي ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل أيضا -: (من يشفع شفاعة حسنة. . .) يكون فيما بين المرء ~~والرب: يشفع إليه بالمغفرة لأحد والتجاوز عن المذنب؛ ليكون له نصيب منها. # ويحتمل: أن يكون الله - تعالى - برحمته يرحمه على أخيه بالشفاعة إليه - ~~بالتجاوز عنه والمغفرة. # ويحتمل: أن يكون الله - تعالى - إذا غفر له يجعل له في شفيعه شفاعة؛ يهبه ~~له كما وهب الأول له، وفي السيئة فيما يلعنه، أو يدعو الله عليه بالهلاك عن ~~غير استحقاق، أو ms1111 عليه في بقائه ضرر يكون له نصيب منها يلعن لآخر، أو أحدا ~~يلعنه ويدعو عليه به أن يعاقبه # PageV03P282 # بإساءته إلى أخيه في طلب الهلاك له بلا معنى له. # وقوله - عز وجل - أيضا: (من يشفع. . .) الآية، يحتمل فيما بينه وبين ربه ~~يشفع له: بخير إليه من عفو وتجاوز، أو يسوء إليه من لعنه أو هلاكه، والنصيب ~~منها بوجهين: # أحدهما: المغفرة في الأول هي برحمته أخاه وإشفاقه عليه، أو يعطي المشفوع ~~له الشفاعة؛ فيكون ذلك له نصيبا منها، وفي الثاني: يجزيه بإساءته إلى من ~~لعنه ودعا عليه بالهلاك بلا استحقاق نفس الأول، أو واحدا بمثله فيه، والله ~~أعلم. # ويحتمل: فيما بينه وبين الناس، ثم يكون ذلك بوجوه: # أحدها: بما يشفع إلى من بين أخاه وآخر سواء في دفع ذلك وحلت التحية أو ~~الألفة، أو إلى ضد ذلك يشفع في إقالة عثرة، أو ينم بينهما؛ لإلقاء عداوة، ~~أو يشفع إليه بالدلالة على ملهوف في إغاثة، أو مظلوم في نكبة، أو يصنع ~~معروفا أو نكبة، يبعث ذلك على خير أو شر، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله على كل شيء مقيتا). # قيل: هو الحافظ، وهو قول ابن عباس. # وقيل: (مقيتا): حسيبا، وقيل: شهيدا، وقيل: (مقيتا) أي: مقتدرا، مجازيا ~~بالحسنة والسيئة. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من استأكل بمسلم أكلة - ~~أطعمه الله من نار جهنم، ومن قام بأخيه المسلم مقام سمعة ورياء - أقامه ~~الله - تعالى - مقام سمعة ورياء، ومن تتبع عورة أخيه المسلم - تتبع الله ~~عورته، ومن تتبع الله عورته - يفضحه في بيته ". # وعن الفراء والكسائي قالا: المقيت: المقتدر؛ من " أقات، يقيت إقاتة ". # PageV03P283 # وقيل: المقيت مشتقة من القوت؛ يقول: رزق كل دابة على الله تعالى - حتى ~~تستوفي أكلها ورزقها. # وقيل: مقيتا: راحما يكلؤهم ويرزقهم. # وقال أبو بكر الكسائي: وهو مأخوذ من الكتب السابقة، ليس هو بلساننا؛ فنحن ~~لا نتأوله؛ فلعله على خلاف ما نتأوله، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان ms1112 ~~على كل شيء حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) # وقوله - عز وجل -: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) # ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية، واسم التحية يقع على أشياء: من نحو ~~ما جعل الصلاة لتحية المسجد، والطواف تحية البيت، وغير ذلك مما يكثر عددها، ~~لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية ~~التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: (أو ردوها)؟! ولو كان غيرها أراد ~~- لم يقل: (أو ردوها)؛ لأن غيرها من التحية لا يرد؛ إذ في الرد ترك القبول، ~~ولم يؤمر بذلك؛ دل أنه أراد بالتحية: السلام، ويدل على ذلك آيات من كتاب ~~الله - تعالى -: قال الله - عز وجل -: (فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله)؛ فجعل تحية الملائكة للمؤمنين السلام؛ كقوله - تعالى -: (سلام عليكم ~~بما صبرتم)، وجعل تحية أهل الجنة السلام؛ كقوله - تعالى -: (لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما)، وكقوله - تعالى -: (تحيتهم فيها سلام)، وتحية الملائكة ~~بعضهم على بعض: بالسلام؛ ألا ترى أنه قال الله - تعالى -:، (فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله. . .) الآية # PageV03P284 # فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله - تعالى -: (وإذا حييتم بتحية): ~~السلام، وجعل الله - عز وجل - السلام علما وشعارا فيما بين المسلمين، ~~وأمانا يؤمن بعضهم بعضا من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلمون ولا يردون ~~السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟! ولكن على الطبع جعل ذلك ~~لهم. # والسلام: قيل: هو اسم من أسماء الله - تعالى - فهو يحتمل وجوها: # يحتمل: سلام مسلم طاهر عن الأشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب ~~كلها، والجور والظلم. # وقوله: " رحمت الله "، أي: برحمته ينجو من نجا، وسعد من سعد: " وبركاته ~~": به ينال كل خير، وهو اسم كل خير؛ ألا ترى أنه جعل التحليل من الصلاة ~~بالسلام بقوله: " السلام عليكم ورحمة الله "؛ على ما جعل تحريمها باسم ~~الله؛ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما ms1113 به جعل الختم. # ثم اختلف في قوله - عز وجل -: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها): # فقيل: حيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها على أهل الكتاب. # وعن أنس - رضي الله عنه - قال: نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على: عليك، ~~وعليكم. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: السلام: اسم من أسماء الله وصفاته ~~في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلم كتبت له عشر حسنات، فإن هم ~~ردوها عليه كتب لهم مثله. # PageV03P285 # وقيل: قوله - تعالى -: (فحيوا بأحسن منها) بالزيادة، (أو ردوها): بمثلها. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه جاءه رجل فقال: السلام ~~عليكم، يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم ~~ورحمة الله "، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم، يا رسول الله ورحمة الله، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " عليكم ورحمة الله وبركاته "، ثم جاءه ~~آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: " عليكم "؛ فقيل له: إنك ~~زدت في الأول والثاني؟ فقال: " إن الأول والثاني قد أبقيا لي زيادة، وهذا ~~لم يبق لي زيادة ". # وقيل: إنه روي أنه سلم عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " عشر " يعني: عشر حسنات، وسلم عليه آخر فقال: السلام ~~عليكم ورحمة الله؛ فقال: عشرون "، وقال آخر: السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته؛ فقال: " ثلاثون ". ومنتهى السلام قوله: " وبركاته "، لا يزاد ~~عليه؛ كقوله: (رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت). # فإن قيل: يسلم في الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة: ~~وبركاته؟ قيل: لوجهين: # أحدهما: تفضيلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: إبقاء لهم في الرد زيادة. # ويسلم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، والقائم على القاعد: # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يسلم الراكب على الماشي، ~~والماشي على القائم، والقائم على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على ~~الكثير ". # PageV03P286 # وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ms1114 الله عليه وسلم - ~~قال: " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، وإن ~~قام والقوم جلوس فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الأخرى ". # وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~من تشبه بغيرنا فليس منا "، وقال: " لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى؛ فإن ~~تسليم النصارى بالأكف، وتسليم اليهود بالإشارة ". # ويكره أن يبتدئ أهل الكتاب بالتسليم، ولكن إذا بدءوا هم - يرد؛ وعلى ذلك ~~جاءت الآثار: # روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالتسليم، وإذا لقيتموهم في الطريق ~~فاضطروهم إلى أضيقها ". # وعن أبي نضرة الغفاري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لهم يوما: " إنى راكب إلى يهود؛ فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم ". # ثم قيل في تفسير: " السلام عليكم " بوجوه: # قال بعضهم: تأويله: الله شهيد عليكم. # وقيل: الله قائم عليكم، وهو كقول الله - تعالى -: (أفمن هو قائم على كل ~~نفس) برا وفاجرا، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم. # PageV03P287 # وقيل: هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءا. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان على كل شيء حسيبا). # قيل: شهيدا. # وقيل: حفيطا. # وقيل: كافيا مقتدرا؛ يقال: أحسبني هذا، أي: كفاني. # وقال الكسائي: مشتقة من الحساب؛ كقوله - تعالى -: (كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا) أي: حاسبا؛ كالأمير والآمر، والقدير والقادر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ومن أصدق من الله حديثا (87) # هذا - والله أعلم - لما ألزم الله، وأجرى على ألسنتهم أنه الله، وأنه ~~خالق السماوات والأرض، وأنه خالقهم؛ كقوله - تعالى -: (ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله): أخبر أن الذي سميتموه " الله " وقلتم: إنه خالق ~~السماوات والأرض - هو واحد، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو واحد، لا شريك ~~معه ولا ند، وأن الأصنام التي تعبدونها دون الله قد تعلمون أنها لا تنفعكم ~~إن عبدتموها، ولا تضركم إن تركتم عبادتها، وبالله التوفيق. # وقوله: ms1115 (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) قيل فيه بوجهين: # قيل: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة)؛ كقوله: (يوم يجمعكم ليوم الجمع) # وقيل: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ثم يبعثكم، والله أعلم. # وقوله: (ومن أصدق من الله حديثا) # معناه - والله أعلم -: أنكم تقبلون الحديث بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون ~~صدقا ويكون كذبا؛ فكيف لا تقبلون حديث الله وخبره في البعث وما أخبر في ~~القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب؟! هذا - والله أعلم - تأويله. # * * * # قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل # PageV03P288 # الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا ~~فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) # وقوله - عز وجل -: (فما لكم في المنافقين فئتين) # اختلف في قصة الآية: قيل: إن ناسا من أهل مكة قدموا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - المدينة، فأسلموا، وأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا، ثم ~~ندموا على الهجرة والإقامة فيها، وأرادوا الرجعة إلى مكة واجتووا المدنية؛ ~~فخرجوا يتحولون منقلة منقلة، حتى تباعدوا من المدينة، فلحقوا بمكة، فكتبوا ~~كتابا، ثم بعثوا به مع رسول من قبلهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقدم به الرسول عليه بالمدينة، فإذا فيه: " إنا على الذي فارقناك عليه ~~من التصديق بالله وبرسوله، اشتقنا إلى أرضنا، واجتوينا المدينة ". ثم إنهم ~~خرجوا من مكة متوجهين إلى الشام للتجارة، فبلغ ذلك المسلمين وهم عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال بعضهم لبعض: فما يمنعنا أن نخرج إلى ~~هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، فنقتلهم ونأخذ ما معهم؟! فقال ~~فريق منهم: كيف تقتلون قوما على دينكم؟! ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين؛ حتى نزل قوله - تعالى -: (فما لكم في ~~المنافقين فئتين): يبين الله - عز وجل - لرسوله أمرهم وما صاروا إليه. # وقيل: تخلف رجال عن أحد، فكان أصحاب رسول ms1116 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيهم فئتين: فرقة تقول: اعف عنهم، وفرقة تقول: نقتلهم؛ فنزلت الآية: (فما ~~لكم في المنافقين فئتين). # وقيل: إن قوما كانوا يتحدثون، فاختصموا في أهل مكة: فقال بعضهم: إنهم ~~كفار، وقال آخرون: إنهم قد أكلوا ذبائحكم، وصلوا صلاتكم، وأجابوا دعوتكم؛ ~~فهم معكم، وقال غيرهم: تركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وتخلفوا عنه. ~~فأكثروا في ذلك؛ فنزل قوله - تعالى -: فما لكم في المنافقين فئتين. . .) ~~الآية، فلا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه النهي عن الاختلاف والتنازع ~~بينهم؛ كأنه قال - والله أعلم -: كيف تختلفون في قوم ظهر نفاقهم؟ # PageV03P289 # وكيف لا تسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حالهم وهو بين ~~أظهركم؟! كقوله - تعالى -: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول. . ~~.) الآية، وظهور نفاقهم يحتمل الخبر منه نصا أنهم منافقون. # ويحتمل الظهور بالاستدلال على أفعالهم، وقد يوقف على حال المرء بفعله أنه ~~كافر أو مؤمن. # وقوله - عز وجل -: (والله أركسهم بما كسبوا) # قال الكسائي: فيه لغتان؛ يقال: أركسته في أمر كذا وكذا وركسته، وارتكس ~~الرجل: إذا وقع فيه ورجع إليه. # وقيل في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وحفصة - رضي الله عنها -: " ~~والله ركسهم بما كسبوا ". # ثم قيل: أركسهم: أي ردهم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أركسهم بما كسبوا) قال: أوقعهم. # ثم يحتمل قوله - تعالى -: (أركسهم بما كسبوا) وجهين: # ما أظهروا بما كان في قلوبهم من النفاق والخلاف لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ كقوله - تعالى -: (بما كسبت قلوبكم). # ويحتمل: ابتداء كسب كسبوا بعد ما أسلموا، أي: كفروا وارتدوا عن الإسلام ~~بعد ما صح إسلامهم. # وفي إضافة ارتكاسهم إلى الله دلالة خلق فعلهم وحرمان أمر يملكه، والله ~~أعلم بما كسبوا من إحداث شرك، أو بكسبهم بالقلوب وقت إظهارهم الإيمان في أن ~~ظهر عليهم بلحوقهم إخوانهم من الكفرة، أو لما جعل الله من أعلام النفاق ~~التي ظهرت بغرض الجهاد والعبادات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله). # تأويله - والله أعلم -: أتريدون أن تهدوا ms1117 وقد أراد الله أن يضلوا؛ لما ~~علم الله منهم أنهم لا يهتدون؛ باختيارهم الكفر. # PageV03P290 # ويحتمل: إنكم لا تقدرون على هداهم إذا لم يهدهم الله؛ كقوله - تعالى -: ~~(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، # وفي قوله -أيضا-: (أتريدون أن تهدوا) قيل: أن يسموا مهتدين، وقد أظهر ~~الله - تعالى - ضلالهم؛ صلة لقوله - تعالى -: (فما لكم في المنافقين فئتين) ~~وحذرهم عن الاختلاف في التسمية بعد البيان. # وقيل: أن تجعلوهم مهتدين، وقد جعلهم ضالين على نحو قوله - تعالى -: (إنك ~~لا تهدي من أحببت) الآية، أيدنا تمام الآية، وأوضح الأول قوله: (ومن يضلل ~~الله فلن تجد له سبيلا) يقول: من أضله الله عن الهدى فلن تجد له سبيلا ~~يهتدي به، وقيل: دينا، وقيل: مخرجا، وهو واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ... (89) # قيل: ود الذين تركوا، الهجرة، فرجعوا إلى أهلهم ومنازلهم، الذين لهم قال ~~الله: (فما لكم في المنافقين فئتين) - أن تكفروا كما كفروا، أي: تتركون ~~الهجرة وترجعون كما رجعوا منهم؛ فتكونون أنتم وهم سواء؛ شرعا في الكفر، ~~فسماهم الله كفارا، وأمرهم بالبراءة منهم؛ فقال: # (فلا تتخذوا منهم أولياء) # بالهجرة الأولى؛ كقوله - تعالى -: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)، ~~وقال الله - تعالى -: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، وكقوله - تعالى -: ~~(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء)، نهاهم أن يتخذوا أولياء حتى يهاجروا ~~هجرة ثانية إلى المدينة، ويثبتون على ذلك. # هذا على قول من قال: إنهم كانوا هاجروا ثم لحقوا بمكة. # PageV03P291 # وأما في قول من قال: إنهم كانوا في أهلهم تكلموا بالإسلام فيها ولم ~~يهاجروا - فمعنى هذا: لا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا كما هاجر غيرهم. # وقيل: المهاجرون على طبقات: # منهم: من هاجر، وأقام، وسمع، وأطاع، وثبت على ذلك. # ومنهم: من هاجر، ثم خرج من غير إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلحق بأهله وأبطل هجرته التي هاجر، وإيمانه الذي آمن. # ومنهم: من تكلم بالإسلام، وأقام بأهله، ولم يهاجر، وبه قوة على الهجرة؛ ~~كان كذلك. # ومنهم: من تكلم بالإسلام ms1118 ولم يكن له قوة على الهجرة؛ كانوا مستضعفين، وهو ~~- والله أعلم - ما قال الله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء) الآية. ~~وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " كنت أنا وأمي من المستضعفين ". # والذين آمنوا ولم يهاجروا ولهم قوة الهجرة ما قال الله - تعالى: (والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء). # وفي قوله - تعالى -: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا) - يحتمل: من ~~أظهر الموافقة من المنافقين للكفرة، ولحق بهم. # ويحتمل: من قد آمن ولم يهاجر؛ فيكون الأول على ولاية الدين، والثاني: على ~~ولاية الميراث؛ كقوله - تعالى -: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء). # ومن يتأول الآية على إظهار الكفر دون الخروج من المدينة - فمهاجرته تخرج ~~على وجهين: # أحدهما: أن يكون قد انضم فيها إلى معاني الكفرة فيما يترك صحبتهم. # والثاني: أن يهاجر الأعلام المجعولة لأهل النفاق، مما يظهر ذلك فيما ~~امتحنوا به من الأفعال؛ فيظهر خلاف ذلك؛ كقوله: (ويعذب المنافقين إن شاء أو ~~يتوب عليهم). وقوله: (فإن تولوا) # PageV03P292 # وأبوا الهجرة. # (فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم) # لأنهم صاروا حربا لنا؛ حيث تركوا الهجرة وأبطلوا إيمانهم الذي تكلموا به ~~(ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) # لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق) يخرج على وجهين: # أحدهما: في لحوق قوم من مظهري الإيمان أنهم لو لحقوا بمن لا ميثاق بينكم ~~وبينهم ولا عهد؛ فاقتلوهم حتى يتوبوا ويهاجروا، ولو لحقوا بأهل الميثاق - ~~لا تدعوا الولاية التي كانت بينكم وبينهم. # والثاني: أن تكون الآية في قوم من الأعداء وأهل الحرب: لو انضموا إلى أهل ~~الميثاق وأهل العهد فلا تقاتلوهم؛ فيكون الأمر عقيب موادعة تجري بين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قوم في دورهم، على أن لا تمانع بينهم ~~لأهل الاتصال في الزيادة والاجتماع إلى المدة المجعولة للعهد، ممن إذا خيف ~~منهم: ينبذ إليهم العهد، ويوفي إليهم المدة إذا وفوا - والله أعلم - كقوله: ~~(إلا الذين عاهدتم من ms1119 المشركين ثم لم ينقصوكم. . .)، وقوله - عز وجل -: ~~(فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم). # * * * # قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) # قال بعضهم: استثنى الذين خرجوا من دار الهجرة مرتدين إلى قومهم، وكان ~~بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق، وقال: وفيهم نزل قوله - تعالى -: (إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين)، كأنه قال - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء إلى ~~أولئك الذين بينكم وبينهم عهد وميثاق - فلا تقاتلوهم. # PageV03P293 # وقيل: كان هذا في حي من العرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أمان وعهد، وكانت الموادعة على أن من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ومن جاء ~~منهم إلى المؤمنين فهو آمن، يقول - والله أعلم -: إن وصل هؤلاء أو غيرهم ~~إلى أهل عهدهم - أو قال: عهدكم - فإن لهم مثل الذي لأولئك من العهد وترك ~~القتال. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما صد مشركو مكة نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن البيت - جاء رجل - يقال كذا من بعض القبائل - لينظر ما ~~أمر محمد وقريش؛ فرآهم قد حالوا بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين ~~البيت، فقال: يا معشر قريش، هلكتم؛ أتردون قوما عمار ضفروا رءوسهم عن ~~البيت، والله لا نشرككم في هذا؛ فصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ووادعه ألا يكونوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يكونوا عليه، ~~ومن لجأ إليه فهو آمن. # فلا ندري كيف كانت القصة في ذلك، غير أن فيه دليلا أن من اتصل بأهل العهد ~~وكان على رأيهم - فهو بمنزلتهم، لا ms1120 نقاتلهم. # ومن قولنا: إن الإمام إذا وادع أهل بلدة من بلدان أهل الحرب، فمن دخل ~~فيها أو اتصل بهم فهم آمنون مثلهم؛ لا يحل قتالهم، ولا أسرهم، حتى ينبذ ~~إليهم عهدهم، وإذا أمن قوما منهم في دار الإسلام ووادعهم، ثم انضم إليهم ~~آخرون، فدخلوا معهم دار الإسلام - له قتالهم وأسوهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو جاءوكم حصرت صدورهم) # قيل: أي: ضيقة صدورهم، وهكذا قال الكسائي: كل من ضاق صدره عن فعل أو ~~كلام؛ فقد حصر، فهذا - والله أعلم - ما ذكرنا: أن الموادعة ألا يعين بعضهم ~~بعضا في القتال، ولا يعينوا عليهم عدوهم، فنهاهم الله عن قتالهم؛ لما أخبر ~~أن قلوبهم تضيق على أن يقاتلوكم مع قومهم أو أن يقاتلوا قومهم معكم. # وفي قوله - تعالى - أيضا: (أو جاءوكم حصرت صدورهم) يحتمل: أن يكون حكم ~~هذا الحرف ما ضمنه الحرف الأول؛ فيكون ذلك الشيء عمن ذكرت إذا كان هذا صفته ~~- # PageV03P294 # أن يضيق صدره عن مقاتلة المؤمنين والكافرين جميعا: إما بالطبع، أو بوفاء ~~العهد، أو بالنظر في الأمر؛ ليتبين له الحق، وهو متردد في الأمر؛ بما يجد ~~المعروفين بالكتب التي احتج بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مختلفين فيه ~~على ما عقولهم مرتقب بهم، أو تخلف عن الإحاطة بحق الحق إلا بعد طول النظر، ~~والله أعلم؛ فيكون معنى قوله: (أو جاءوكم) بمعنى: وجاءوكم. # ويحتمل: في قوم سوى ما ذكرت من الذين يصلون، لكن في أولئك المعاهدين نفسه ~~الذين أبت أنفسهم نقض العهد بينهم وبين المؤمنين، وعزموا على الوفاء به، ~~وأبت أنفسهم -أيضا- معونة المؤمنين على قومهم بالموافقة بالمذهب والدين، ~~وعلى ذلك وصف جميع المعاهدين الذين عزموا على الوفاء بالعهد، وذلك في حق ~~الآيات التي ذكرنا، ثم بين الذين يناقضون العهد، أو المنافقين الذين متى ~~سئلوا عن الكون على رسول الله والعون لأعدائه - الأمر فيهم؛ وذلك كقوله ~~تعالى: (يا أهل يثرب لا مقام لكم). # إلى قوله: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها)، وتكون ~~هذه الآية فيهم؛ كقوله - تعالى -: (لئن لم ينته ms1121 المنافقون. . .) الآية؛ ~~فيكون في هذه الآية الإذن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) # أي: نزع من قلوبهم الرعب والخوف؛ فقاتلوكم، ولم يطلبوا منكم الصلح ~~والموادعة. # (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) # يعني: طلبوا الصلح، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقيل: قالوا: إنا على دينكم، وأظهروا الإسلام. # (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا). # أي: حجة وسلطان القتال، أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالكف عن ~~هؤلاء. # ثم قال: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ... (91) # قيل: كان رجال تكلموا بالإسلام متعوذين؛ ليأمنوا في المسلمين إذا لقوهم، ~~ويأمنوا # PageV03P295 # في قومهم بكفرهم؛ فأمر الله بقتالهم، إلا أن يعتزلوا عن قتالهم. # وقيل: قوله - تعالى -: (ستجدون آخرين) غيرهم ممن لا يفي لكم ما كان بينكم ~~وبينهم من العهد # (يريدون أن يأمنوكم) يقول: يريدون أن يأمنوا فيكم؛ فلا تتعرضوا لهم، ~~ويأمنوا في قومهم بكفرهم؛ فلا يتعرضوا لهم. # ثم أخبر - عز وجل - عن صنيعهم وحالهم، فقال: # (كل ما ردوا إلى الفتنة) # يعني: الشرك. # (أركسوا فيها) # أي: كلما دعوا إلى الشرك فرجعوا فيها، فهؤلاء أمر الله رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - بقتالهم، وعرفه صفتهم، إن لم يعتزلوا ولم يكفوا أيديهم عن ~~قتالكم. # (فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا) # أي: جعلنا لكم عليهم سلطان القتل وحجته. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ويكفوا أيديكم عن أن يقاتلوكم " # وفي حرفه: " ركسوا فيها ". # وفي حرف حفصة: " ركسوا فيها " # وفي حرفها: " أن يقاتلوكم ويقاتلوا قومهم ". # ثم يحتمل نسخ هذه الآية بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم). # وقوله - تعالى -: (فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم) بقوله - عز وجل ~~-: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)؛ لأن الفرض في القتال أول ما كان فرض ~~أنه يقاتل من قاتلنا وبدأنا، ثم إن الله - تعالى - قال: (فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم). # PageV03P296 # قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ms1122 يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) # وقوله - عز وجل -: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) اختلف فيه: عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه -: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ): أي: لا ~~ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا بغير حق عمدا، إلا خطئا فيما لا يملكه. # وقيل: (إلا) بموضع الواو، كأنه قال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا ~~ولا خطأ، وذلك. جائز في اللغة. # وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذا قتل آخر عمدا إلا خطأ، فإنه ~~يترك قتله ولا يقتل به؛ وهو قول أبي بكر الكسائي. # وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك حكم قتله إلا خطأ. # قال أبو بكر الكسائي: حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود، أو كلام نحو ~~هذا. # ويحتمل قوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا) قط بعد ما سبق من الله بيانه ~~في غير آي من القرآن، نحو قوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص) وقوله - تعالى -: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، وقوله - ~~تعالى -: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)، وغيرها من الآيات. # (إلا خطأ) فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية. # وقيل: وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على كل حال إلا أن يقتله مخطئا؛ فعليه ما ~~في القرآن. وهو قريب مما ذكرنا. # PageV03P297 # ثم الخطأ - عندنا - على وجهين: خطأ قصد، وخطأ دين. # فخطأ القصد: هو أن يقصد أحدا فيصيب غيره. # وخطأ الدين: هو أن يعرفه مشركا كافرا من قبل حلال الدم؛ فيقتله على ما ~~عرفه من قبل، وهو للحال مسلم. # فإن قيل: كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة؛ وقد أخبر ms1123 الله - عز ~~وجل - أنه لا يؤاخذه له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ بقوله: (لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)، وقال في آية أخرى: (وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وغيرها من الآيات. # قيل: إن الفعل فعل مأثم، وإن كان لم يوجد منه القصد فيه، فما أوجب إنما ~~أوجب؛ لما الفعل فعل مأثم. # والثاني: يجوز أن يكون الله يكلفنا بترك القتل والفعل في حال السهو ~~والغفلة، ألا قرى أف قال: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، والخطأ نقيض ~~الصواب؛ فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب ولا ينهى عن إتيان ضده؛ كقوله - ~~تعالى -: (ولا تنس # PageV03P298 # نصيبك من الدنيا. . .) الآية. # ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة. # قيل: لأنه أتلف نفسا خلقها الله - تعالى - لعبادته؛ فأوجب مكانها نفسا ~~مؤمنة؛ لتعبد الله على ما عبدت تلك. # لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ؛ لأنه وجد ذلك ~~المعنى، لكن أوجب لا لذلك المعنى - والله أعلم - ولكن تغليظا وتشديدا عليه ~~لما أتلف نفسا محظورا لم يؤذن له في ذلك؛ لئلا يقدم على مثله، ولله أن يوجب ~~على من شاء بما شاء لما شاء، من غير أن يقال: لم؟ وكيف؟ وأين؟ # والثاني: أوجب عليه رقبة مؤمنة؛ لأنه أبقى له نفسا مؤمنة؛ فعلى ما أبقى ~~له نفسا مؤمنة أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. # وفي قوله - تعالى أيضا -: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) واختلف ~~في تأويل (وما كان لمؤمن)؛ فمنهم من يقول بإضمار: وما كان بمتروك لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ. # ويخرج معنى " بمتروك " على وجهين: # أحدهما: ما قاله " أبو بكر الملقب بالأصم: أي بمتروك له في القصاص إلا أن ~~يقتله خطأ. ولكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك، ومعلوم أنه أمر رغب فيه؛ ~~حتى دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى ~~أخذ الدية، ثم لما أبت نفسه عن ذلك ms1124 أذن له في القصاص؛ ويدل على ذلك قوله: ~~(فمن عفي له. . .) الآية، وقوله: (وكتبنا عليهم فيها. . .)، إلى قوله: (فمن ~~تصدق به فهو كفارة له. . .) الآية، إلا أن يرجع في قوله: " بمتروك له " إلى ~~الوجوب، أي: لا يدفع عنه إيجاب القصاص إلا من قتل مؤمنا خطأ؛ فإنه ليس عليه ~~القصاص. # PageV03P299 # والثاني: أنه ما كان بمتروك له من التأنيب والتوبيخ والتعيير بسوء صنيعه ~~بأخيه وتعديه حد الله وبمعونة ولي القتيل؛ إذ قال: (من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)، فحق ذلك على الناس أن يظهروا له ~~النكير عليه، ويقوموا بالنصر لوليه - والله أعلم - إلا أن يكون خطأ؛ فلا ~~يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له، والمعونة في احتمال ما ~~لزمه؛ ولذلك جعل - والله أعلم - أمر العقل على ما به من إبقاء الألفة، ودفع ~~الضغينة، واجتماع التالم في المصيبة. # ومنهم من يقول في تأويل الآية: (وما كان لمؤمن) أي: حرام عليه ذلك الفعل ~~بما حرم الله، وبما بينهما من الأخوة في الدين، وبما هو شقيقه وجنسه، يتألم ~~بما يتألم به الآخر، ويتأذى بما يتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ~~ينفر، فما كان له بعد هذا أن يقتل. # وقوله - عز وجل -: (إلا خطأ) قيل فيه بوجوه: # أحدها: أن يقع ذلك منه على الخطأ؛ فيكون على ما لا يلحقه اللائمة التي ~~ذكرنا، ولا وصف التعدي الذي وصفنا. # والثاني: أن يكون الأمر في موضع الابتداء؛ لما بين له من الحكم بمعنى: ~~وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة، لكن من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة؛ ~~كقوله: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، بمعنى: لا يسمعون فيها لغوا ~~ألبتة، لكن الذي يسمعون: يسمعون سلاما. # وقيل: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ): إلا ألا يعلمه أنه مؤمن، ~~وكان عرفه كافرا، له قتله بما روي من الإذن في البيات وقتل عيون الكفرة بما ~~سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم فيما بين الوقتين؛ فيكون بمعنى: حرام ~~عليهم إلا من ms1125 هذا وصفه. # ويجوز: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) أي: أليس، لمؤمن ذلك قط ~~إلا أن يقتل خطأ؛ فإنه ليس فيمن يقال كان له أو لا؛ لما يقع به إلا أن ~~يفعله هو في التحقيق؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة ويخرج عليها، وهذا لا ~~يقع بها، ولا يخرج # PageV03P300 # عليها. # وقوله - عز وجل -: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) # فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله، لكنه رجع إليه بوجهين: # أحدهما: أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن، وعليها جرى تفسير الحكم ~~عند الوقوع. # والثاني: قوله: (توبة من الله) والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، ~~والله أعلم. # على أنه حق الشرع من العبادات؛ فلا يحتمل قصد الكافر به، وأيد ذلك ~~المذكور من الصيام، وهو لا يقوم إلا بالإيمان، ثم جعل الإيمان شرطا من حيث ~~الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة: # أحدها: بالتأكيد، يذكر كل قتيل على اختلاف أهل القتيل، وفي ذلك دليل أن ~~ذلك جعل عليه لمكان أمر يدخل على دينه مما عليه من الحق أن يحفظ حرمته، ~~وبحرمته يتقي قتل من ذكر؛ إذ حرم دينه عليه؛ فيصير في قتله مضيعا، فالزم ما ~~ذكرت في كل أنواع القتيل لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه؛ ولذلك ~~قيل: (توبة من الله) وذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: أن تحقيق معنى التوبة في فعل الله، وذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: على ما تجاوز منه؛ إذ لم يأخذه بالخطأ؛ فيكون بحق جعل ذلك شكرا ~~من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ؛ فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه ~~بالخطأ، لا إن في الإعتاق ذلك، والإعتاق للشكر له فيما لم يكن أخذه، وقد ~~يجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ قد يؤمن ذلك، فلما لم يكلفه وتجاوز ~~عما كان على الخطأ؛ يأمر بالشكر لذلك. # والثاني: قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات؛ فيكون فيه ~~قيام بما أمر توخيه في حكمة العفو عن مثله، بجعل ذلك من ms1126 العبد مقبولا بحق ~~التوبة من الزلات. # أو نسب إلى التوبة منه إذا كان على التوفيق لفعله، وذلك تسمية الله " ~~توابا " على التوفيق والتجاوز، والله أعلم. # والثاني: يرجع إلى فعل العبد؛ فتكون توبة من الله على عبده القاتل بأن ~~يتوب بإعتاق # PageV03P301 # رقبة مؤمنة، وذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل فعل مأثم، ولله - تعالى - مؤاخذته عليه؛ لأنه ~~بالجهد يمكن اتقاء ذلك؛ ولذلك تعبد بقوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا) وإذا كان كذلك؛ فيكون ذلك منه توبة إلى الله؛ ليحفظ عن مثله في أمر ~~الدين. # والثاني: أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى بإنساء ~~الشيطان، أو بفرط غفلة، أو نحو ذلك؛ فيلزم جبر ذلك بما ذكر وإن لم يعلم؛ إذ ~~قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه لا إثم يلحقه نحو المذكور في ~~المتأذي، وفي أمر السهو في ذلك: فيؤمر به؛ لينجبر ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد ~~بأمور من وجه لا يعلم به، فكذلك أمر النقصان؛ فيؤمر بالتوبة إلى الله - عز ~~وجل - عن ذلك بما يمتحن الله به من الأمور - والله أعلم - مع ما قد يتصل ~~بالقتل ما له حكم الخطأ يأثم المرء عليه ويحرج؛ فجائز أن يرجع حرف التوبة ~~من الله إلى ذلك، وهو سمى خطأ العمد. # والثاني: مما يدل على جعل الإيمان شرطا: أنه جعل لما وقع في حق الدين من ~~التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة ~~يشار إليها يقع فيها تضييع في حد منها يبرئ تلك بكفارة وبين جملة من ~~العبادات يعتقدها الإنسان وضمن الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أن مقدار ~~حدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير ~~الذي جعل الحدود؛ فيكون في ذلك بيان المبرئ، وبدونه لعله لا ينجبر؛ فألزم ~~بالاحتياط ذلك، وعلى ذلك أمر الحدود للإجرام. # والثالث: متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم، وعلى ذلك شرط ms1127 في ~~التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعا، وعلى هذا الاتفاق جعل قوم ~~أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات، ونحن لا نجعلها؛ لوجهين: # PageV03P302 # أحدهما: لما لم يجعل ذكر التتابع في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه ~~التتابع. # والثاني: لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعلم من علم ما حد ذا ~~من الأصل؟ ومعلوم الاختلاف في الكل؛ لذلك لم يجب هذا، لكن يطلق المطلق ~~ويقيد المقيد بالذكر، وأيد ذلك أن الله - تعالى - قد ذكر في كل قتل، ولو ~~كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في هذا لإفهام الحكم في ~~نوع المذكور أقرب منه في غير نوعه، فبين - والله أعلم - لوجهين: # أحدهما: للتنبيه على لزوم الرجوع في هذا إلى الذكر. # والثاني: للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدين من ~~التضييع. # وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق منه تضييع حد من الحدود الذي اقتضى ~~إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة؛ لحفظ ما ألزمه حق ~~الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره. # ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه وهي مؤمنة لله تعالى، فأمر أن يشكر لله ~~- تعالى - بإبقاء نفس مؤمنة؛ إذ بالعتق إحياء. # وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود وما له حدود في حق الشرع لم يقس الطعام على ~~الصيام عند العجز عنه، على ما قضى به في حق الظهار والفطر، مع ما في الظهار ~~حق لها لم يكن له التأخير إلى القدرة عليه أو ملك الرقبة، وليس هاهنا، وأمر ~~الفطر هو في بعض صيام قد جعل لأصله من الطعام عوضا عرف حده بقوله - تعالى ~~-: (وعلى الذين يطيقونه فدية. . .) الآية، فعلى ذلك أمر عوض التعدي فيه، ~~وليس في أمر القتل ذلك. # ودلت الآية بذكر الإيمان على أن له حدا يعرف موقعه، ثم الذي يبين فيها ~~آية التصديق خاصة ما جمع بين المؤمن الذي يحتمل أن يكون منه سائر الشرائع، ~~والذي لا يحتمل سوى نفس الإيمان: ms1128 وهو المؤمن الذي من قوم عدو لنا؛ إذ قد ~~يؤمن في دار الحرب بما في العقل دليله، ولا يعلم به غيره من العبادات التي ~~لها حق الشرائع. # وقد يجوز أن يكون في الإبلاع في وصف ما يكفر به إبلاع في التحذير عن ~~الغفلة التي لديها خوف وقوع ما ذكر، وعلى ما ذكرت من تضييع حق ألزمه دينه ~~لزم التعوذ كل # PageV03P303 # واحد منهم الكفارة على التمام؛ لما انفرد كل بما لزمه من الحق بدينه في ~~التضييع؛ وعلى هذا قولهم في المحرمين يقتلون الصيد: إن كل واحد منهم جنى ~~على إحرامه الذي لم يتصل إحرامه بإحرام غيره، على أن النفس إذ هي لا تحتمل ~~التجزئة؛ لم يتجزأ المجعول لها، وعلى ذلك أمر القصاص، والدية، لم تجب في ~~الحقيقة للنفس؛ إذ هي قد تجب لما دونها فيما يحتمل التجزئة أكثر مما يجب ~~للنفس، وإذا بلغت النفس فسقط بعض ما له منها حكم الوجوب، ولما هي ترجع إلى ~~غير الجاني. # ومحال أخذ الكل ممن يرجع إليه بالكل بما يكون في طلب التخفيف الإجحاف ~~وإهلاك الخلق، ولما كان حق النفس من حيث القتل في المال يختلف، ومن حيث ~~القصاص والكفارة لا تثبت أن المرجع في هذين إلى أحوال في نفس القاتلين من ~~دين يضيع حقه أو امتناع عن احتمال التجزئة أو إحياء أريد بالموضوع، ولو لم ~~يجعل في الجماعة لذهب فائدة الإحياء؛ إذ الوجود بالآحاد غير فيبطل الإحياء ~~في أبلغ أحوال الحاجة إليه، ثم إذا رجع أمر الكفارة إلى من تولى قتله وقد ~~سبق عليه أمر الدية، كقوله - تعالى -: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة) ~~بمعنى: عليه تحرير ما ذكر، وقد أوجب عليه، وعلى ذلك جميع ما في القرآن من ~~الأمر على إثر الأسباب. # ثم نسق على ذلك بقوله: (ودية مسلمة إلى أهله) فحقها أن تكون عليه والخبر ~~الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر العقل الذي توارثته ~~الأمة إلى يومنا هذا، بل الأمم، حتى كان قد ظهر عن أمر الرسل السالفة ms1129 بحق ~~التواتر في المؤمنين بهم والمنكرين لهم؛ فكان ذلك بحق التعاون؛ ولذلك قال ~~أصحابنا - رحمهم الله - في الذين لا عاقلة لهم: تجب الدية في أموالهم. وعلى ~~ذلك فيما يظهر بأقاويلهم دون البينات وهو الحق؛ إذ فيما يجب فيه القصاص ~~أنفسهم تتلف، فعلى ذلك الدية. # والأصل في ذلك: أن معنى القصاص معقول أيد الذي ذكره الله - تعالى - في ~~القرآن من قوله: (ولكم في القصاص حياة)، فلا معنى لصرف ذلك إلى غير ~~المتولي؛ لما يذهب الحياة. # وجائز شرع ذلك بحق العقل؛ لينزجر الناس به، ولتسلم لهم الحياة التي هي ~~ألذ الأشياء؛ إذ بها تعرف اللذات كلها، وذلك المعنى ليس نفس القتيل أحق من ~~غيره من أن # PageV03P304 # يجعل القصاص لحقه، بل الأولى أن يجعل لا محالة للردع والزجر؛ مع ما كان ~~معلوما أن نفس القتيل لا تنتفع بالقصاص، بل إنما نفعها في أن يبقى؛ لخوف ~~القصاص ممن يروم قتله؛ إشفاقا على نفسه، وليس ذلك المعنى في أمر الدية ~~بشيء، وإنما توجب بعد الوفاة، ولم تجب من وجه يتولد منه الغضاضة والعداوة ~~التي لديها سفك الدماء على حق تخصيص الدماء لما هي تجب بالخطأ من وجه يعلم ~~عذر من منه ذلك، لكن الله - تعالى - بفضله بما جعل للمتصلين معونة في ~~حياته، وشرفا في كثرة الأقوام، ونباهة في الدنيا، مع ما يقع بها التناصر ~~والتدافع الذي بمثله الدوام والقوام؛ فيعظم في مثله مصيبة العقل وبخاصة من ~~وجه لعله تسبق إليهم الأفعال في التلبيس على أهله بالخطأ، وأن ذلك ليس بحق؛ ~~فيخاف وقوع الشر بينهم والعداوة التي تولد الفساد؛ فجعل الله - بمنه وفضله ~~- لهم ما تطيب بمثله أنفسهم، ويسكن المعنى الذي يخاف من حدوث الشر بينهم، ~~مع ما له جعل ما للخلق له ابتداء المحنة بما ذكر بلا سبب يسبق، فهو بالسبب ~~أحق، وإذا جعل بهذا من الوجه الذي له حق الابتداء، فله وضع ذلك في أموالهم، ~~من بإبقاء نفس القاتل لهم ما ذكرت من المنافع على ما جعل في ذلك، وإن لم ~~يرجع منفعة الواجب ms1130 في ذلك إلى القتيل بما لا يعلم أنه يقتل؛ ليجعل ذلك لوجه ~~يتزود به لمعاده، وإن حرم ذلك في دنياه؛ فيصير المجعول في ذلك فيمن لهم ~~وعليهم بالذي ذكرت من دفع الفساد، والقيام بحق الإحسان. # ثم الأصل في إتلاف الأموال: أن منافعها عند القيام ومضارها عند الإتلاف ~~ترجع إلى أربابها خاصة، والأنفس يرجع ما لها في ذلك إلى العشائر والمتصلين؛ ~~فعلى ذلك المجعول فيها مع ما كانت الأموال تملك؛ فيصير من ضمنه كأنه ~~اشتراه، وكل مشترى بالتسليم إليه الخروج منه؛ فلا يحتمل أن يضمن من لم يكن ~~منه الجناية لما يسقط لو ضمن بعقد التسليم، ولا على ذلك أمر جنابات الأنفس؛ ~~فجائز في حق الشرع الموضوع # PageV03P305 # على غير من يتولى الخروج؛ إذ على غير التسليم إلى أحد يستوجب بدله. # ثم وقوع الخطأ يكون من وجهين: # أحدهما: من جهة دينه: نحو أن ظنه القاتل كافرا بما كان عرفه كذلك، أو بما ~~عليه سيماء الكفرة. # ومن جهة نفسه في أن يرمي غيره فيصيبه. # والحكم في وجهي الخطأ واحد. # والخطأ الثالث، وهو الذي لم يقتضه حق هذه الآية، وهو عند الضرب قد يقع ~~ذلك فيما أخطأ الدين وفيما تعمد أو النفس جميعا. # وقوله - عز وجل -: (فدية مسلمة إلى أهله) لم يبين من أهله؛ وقال في موضع ~~آخر: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)، ولم يبين من وليه؟ فكأن ~~الأهل والولي هم ورثته، على ما جاء في الخبر: أنه ورث امرأة أشيم من دية ~~زوجها، وإن كانت الدية لأهل العصبة منهم من قتل، ولأن هذه الدية إنما وجبت ~~لمكان ما لهم من المنافع من القتيل في حال حياته، دون غيرهم فإذا قتل فذهب ~~منافعه # PageV03P306 # عنهم، أوجب ذلك لهم؛ لأنهم هم المنتفعون في حياته دون غيرهم. # وقيل: إن القتل يوجب الضغائن فيما بين أولياء القتيل وأولياء القاتل؛ ~~فيحمل ذلك على الفساد والإهلاك، فإذا وجبت هذه الدية لتطيب أنفسهم بذلك، ~~ولا يحمل ذلك على الضغائن والحقد. # وقيل: أوجبت هذه الدية؛ لئلا يدعي الخطأ؛ فيسقط القصاص ms1131 عن نفسه بدعوى ~~الخطأ؛ فأوجب الدية لما إذا ادعى الخطأ - أخذ بالدية، وقد ذكرنا أن الخطأ ~~على وجهين: # وهو أن يقصد شيئا، فيصيب إنسانا، فهو خطأ؛ لأنه أصاب غير الذي قصده ~~بالضربة. # والثاني: خطأ الدين، وهو إن عرفه كافرا، فقتله على ذلك، قاصدا له، فهو ~~خطأ. # وللخطأ وجه آخر: وهو أن يضرب الرجل الرجل قاصدا لذلك؛ بغير حديدة، فإن ~~كان الذي ضربه به حجرا صغيرا، أو عصا صغيرة، فحكمه حكم الخطأ، وإن كان حجرا ~~كبيرا مثله يقتل، أو عصا عظيمة - فإن أصحابنا - رحمهم الله - اختلفوا في ~~ذلك. # قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا قود في ذلك، وعلى عاقلته الدية ~~مغلظة. # وقال محمد - رحمه الله -: يقتل به إذا كان من مثله لا ينجى. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يبين أن العمد ما كان بحديد؛ ~~فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في الحجر العظيم؛ ودليل على أن القصد ~~بالضرب قد يكون خطأ. # وروي عن النعمان بن بشير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كل شيء ~~خطأ إلا الحديد والسيف " وسنذكر هذه المسألة في باب شبه العمد، إن شاء الله ~~تعالى. # ثم أجمع أهل العلم على أن الرقبة على القاتل، لا على العاقلة، وأما الدية ~~فلم يذكر # PageV03P307 # على من تجب؟ فقال أكثر السلف: الدية تجب على العاقلة، وعلى ذلك تواترت ~~الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعض الناس: الدية -أيضا- على القاتل كالرقبة؛ فيقال له: إن الصيام ~~بدل عن الدية، أو عن العتق؛ فإن قال: لا، بل بدل عن العتق؛ قيل له: فذلك ~~يدل على أن الذي يجب على القاتل هو العتق؛ الذي إن لم يجده صام مكانه، ويدل ~~على أن الدية ليست عليه. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل الدية على العاقلة: عن ~~مقسم عن ابن عباس قال: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابا بين ~~المهاجرين والأنصار: أن يعقلوا معاقلهم، ويفدوا غائبهم بالمعروف، والإصلاح ~~بين المسلمين. # وعن أبي هريرة - رضي ms1132 الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في ~~الجنين: عبدا أو أمة على العاقلة. والتي ضربت ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، ~~فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بديتها على عصبة القاتلة، وفيما في ~~بطنها غرة، فقال أعرابي: يا نبي الله، أتغرمني من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح ~~ولا استهل، فمثل ذلك يطل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أسجع كسجع ~~الأعراب؟! اغرم؛ فإن الدية على العاقلة، والميراث لأهل الفرائض " وعمود ~~الفسطاط مما يقتل مثله، # PageV03P308 # ولم يوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - على التي ضربت ضرتها به فقتلتها ~~القصاص؛ فذلك حجة لأبي حنيفة - رضي الله عنه - في قوله: إن الخشبة العظيمة ~~والصغيرة سواء، ولا قصاص فيه، والأخبار فيه كثيرة. # وقوله - عز وجل أيضا -: (ودية مسلمة إلى أهله) ذكر - والله أعلم - مسلمة ~~إلى أهله؛ على الحث والترغيب في التسليم، والنهي عن التعاسر الذي عنه توهم ~~حدوث الشر والفساد الذي يوقع مثله جعل العوض في قتل الخطأ، وعلى ذلك قوله: ~~(فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان)، وقد بينا من ~~يسلم، ثم بين التسليم إلى أهل القتيل، ولم يبين من أهله؟ وقد أجمع السلف ~~على أن أهله: ورثته، والأصل في ذلك: أن الدية جعلت بدلا لنفس القتيل؛ فتصير ~~متروكة عنه، وعلى ذلك لو كانت منه الوصايا أو عليه دين ينفذ منها، فصارت ~~فيما قال الله - تعالى -: (وللنساء نصيب مما ترك. . .)، الآيات التي فيها ~~بيان من يرث من بعد الوصية والدين، فذلك لهم؛ فيصير أهله بعد وفاته من ~~ينتفع بتركته؛ إذ كذلك وصف الأهل في الحياة أنه يرجع إلى المتصلين به، ~~وبمنافعه مع ما كان اسم الأهل في الزوجة غير ممتنع استعماله على كل حال؛ ~~فيجب دخولها في ذلك، وغيرها من الورثة أحق، وقد روي في مثل ذلك مرفوعا في ~~توريث امرأة أشيم الضبابي، وعمل به عمر بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم ~~أجمعين - والذين لهم سائر الولايات سوى ولاية الميراث مع ولاية الميراث ~~أحق، والله أعلم. # وقوله - عز ms1133 وجل -: (إلا أن يصدقوا) فالثنيا من الدية؛ لأنه لا حق لأحد في ~~العتق حتى يحتمل التصدق، وهو كقوله - تعالى - في القصاص: (فمن تصدق به فهو ~~كفارة له)، وذكر التصدق على ما عليه الترغيب في الديون من قوله: (وأن ~~تصدقوا خير لكم). # ثم الأصل: أن التصدق من المعروف إلى ذوي الحاجات، والعقل إنما وضع أصله ~~على الأغنياء، لكن يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الآية جاءت بذكر القاتل، ووجود الدية المسلمة كلها لكل قاتل ~~عسير؛ فكان الترغيب على ذلك. # PageV03P309 # والثاني: أنه معروف في الديون، وكذلك حكم الصدقات؛ إذ لا يقع له الثواب ~~في الدنيا ربما يقع لغير المعروفين؛ فيكون فعلهم - في الحقيقة - لله، لا ~~لابتغاء الجزاء، فسمي صدقة؛ إذ هو اسم لما يقع من المعروف لله مع ما يتمكن ~~في ذلك أن العقل ليس شرطه الغناء الذي له يجب الزكوات، وغير ذلك النوع من ~~الغناء لا يخرج أهله عن احتمال الصدقة، بل جعل على أهل الديوان، وهم الذين ~~أموالهم هي التي تخرج بحق العطايا يؤخذ لوقت الخروج، لا بعد الوقوع بالملك، ~~وتمام شرط الغناء له، وفي هذا صرف الثنيا إلى الذي يلي من الكلام دون الذي ~~تقدم، وحمله على بعض الكلام دون الكلام؛ ليعلم أن موقع الفهم عن الحكم على ~~ما يقتضيه حق الحكمة دون الذي ينتهي إليه حق اللسان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يكون الرجل مؤمنا وأهله كفار في دار ~~الحرب، فيقتله مسلم، فلا دية عليه، ولكن عليه عتق رقبة مؤمنة. # وعنه -أيضا- قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه فيقيم فيهم، ثم يمر بهم ~~الجيش من المسلمين؛ فيصاب فيمن يصاب؛ فأنزل الله - تعالى -: (فإن كان من ~~قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة). # وقال بعضهم: كيف يكون للمؤمن المقيم في دار الحرب دية؛ وأولياؤه حرب لنا؟ # فهل يجوز أن تعطى لهم الدية ونحن نغتنم أموالهم؟ فإن قيل: تكون الدية ~~لبيت المال، ms1134 قيل له: إنما يجوز أن تكون لبيت المال من لو كان حيا - كان له ~~في بيت المال حق، فأما المسلم المقيم في دار الحرب فلا حق له في بيت المال؛ ~~لأن حكمنا لا يجري على داره، فكيف يستحق بيت المال ديته؟! # وبعد: فإن المسلم في دارهم لم يصر بالإسلام محرزا نفسه وماله؛ لأن دار ~~الحرب ليست بدار يحرز بها الدماء والأموال، فإذا كان كذلك فلم يكن للأنفس ~~والأموال هنالك بدل؛ لذلك لم تجب الدية، ألا ترى أن من أتلف مال ذلك المسلم ~~لم يغرم # PageV03P310 # بدله؟ فعلى ذلك لم يغرم بدل نفسه؛ لأن حرمتهما سواء في دار الإسلام. # ثم اختلف في تأويل قوله -أيضا-: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة. . .) الآية، على الاتفاق أن لا دية فيه لكن الاختلاف في أنه: ~~من يخرج على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن ذلك فيما يقتل على الإغارة، نحو أن يغار على أهل الحرب وفيهم ~~مسلم: فإنه لا دية فيه؛ لما أبيحت الإغارة؛ فيجب على هذا أمران: # أحدهما: أن يكون دفع الكفارة في ذلك أحق من دفع الدية، ومن حيث كانت ~~الكفارة حق الله بمعنى العبادة أو القربة، فإذا وقعت الإباحة من عنده فهي ~~في السقوط أحق من الدية التي هي حق العباد، ولم يرد ممن هي له الإباحة، ~~فلما أوجبت هي فالدية أحق أن ثجب، فإذ لم تجب بأن أنه ليس على ما قدروا. # والثاني: أن يكون لو كان كذلك، فيجيء أن يكون ذلك فيمن كان من قوم عدو ~~لنا أو لا سواء جعل من حيث الإغارة، بل إذا صارت الإغارة مباحة، وإن كان ~~فيهم مسلم ذهب حق النفس من الأمرين جميعا: من الدية، والكفارة، وكذلك ~~الجواب في قوم تترسوا بالمؤمنين أنه إذا أبيح الرمي فيستوي الأمران جميعا ~~من الدية والكفارة. # وعلى ذلك اختلف فيمن له القصاص فيما دون النفس؛ فمات من الاقتصاص: أن لا ~~كفارة في ذلك، وقد اختلف في الدية، وعلى ذلك من يقتله ممن لا يحتمل العلم، ms1135 ~~وما أوجب من العقل في الوجود بلا دية يوجب أن تكون الدية أحق في الإيجاب من ~~الكفارة؛ فإذ لم تجب بأن أن ليس دفع الدية لما ظنوا. # والقول الثاني: ذهبوا إلى القتيل الذي قومه أهل الحرب أنه لا تجب فيه ~~الدية؛ يقوله: (من قوم عدو لكم وهو مؤمن). ويؤيد ذلك قوله: (فدية مسلمة إلى ~~أهله) وأهله عدو لا يحتمل التسليم إليهم بما لنا أخذ أموالهم؛ فيصير بذلك ~~لنا، وأما الكفارة فهي بين العبد وبين الله، فتلزمه؛ إذ هي في حق التوبة ~~والكفارة؛ لما في ذلك من معنى الإثم؛ فيدخل على ذلك -أيضا- أمران: # أحدهما: إبطال الدية عن كل نفس لا وارث لها إذا قتل من أهل دار الإسلام ~~في دار الإسلام؛ إذ لا أهل لها، وعدم الأهل أكثر من كون الأهل وهم أعداء ~~له، بل يغرم الذي قتله وقومه لبيت المال، فعلى ذلك الأول لو كان يجب، ولكن ~~لم يجب لا لهذا؛ إذ قد # PageV03P311 # رأينا الوجوب مع ما هو أعظم في العدة من هؤلاء، وأيد ذلك الإيجاب في ~~المؤمن الذي قومه من أهل الميثاق، أو الكافر الذي هو من أهل الميثاق، ~~والعداوة لم تكن انقطعت بالميثاق. # والوجه الثاني: أنه لا توارث يجري بين المسلم وأهل الكفر ليبطل حق الدية ~~بوجوبها لهم، بل يتحول الميراث بالإسلام إلى أهل الإسلام، وإن لم يكن له ~~خصوص أهل، وعلى ذلك جميع تركته؛ فبان أنه لا لهذا لم يوجب. # والقول الثالث: أن الآية فيمن أسلم في دار الحرب ولم يخرج إلينا حتى ~~يقتله مؤمن خطأ أن عليه تحرير رقبة، ولا دية فيه؛ فيكون المعنى (من قوم عدو ~~لكم): هو من قوم في الظاهر عند القاتل لم يخرجوا بعد عن إظهار المعاداة، ثم ~~يكون قتله الخطأ من وجهين: أحدهما: بما كان عرف كفره، ولم يظهر انتقاله عما ~~كان عليه في الظاهر، لا بخروجه إلى دار الإسلام ولا سيما يظهر، وذلك ظاهر ~~الوجود، وفي مثله نزل قوله - تعالى -: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ~~لست مؤمنا. . .) الآية، وقد ms1136 أخبر أنهم كانوا كذلك يكتمون دينهم حتى من الله ~~عليهم بالإظهار؛ فيكون هذا بين أظهرهم على الأمر الأول، ولا على ذلك شأن ~~المسلمين الذين دخلوا تلك الدار بالأمان، ولا يحتمل أن يلحقه هذا النوع من ~~قتل الخطأ؛ فلزم في نفسه البدل على كل حال. # والثاني: أن يرمي غيره فيصيبه على ما يكون خطأ أهل هذه الدار، ولم تجب له ~~الدية؛ لما يقع فيه الخطأ من الوجه الذي على الآمر يفعل على ما بينت؛ فلا ~~يحتمل أن يجعل لنفسه بدل. # والأصل في ذلك: أن دإر الحرب هي دار الحرب، وفي الحرب سفك الدماء وإتلاف ~~الأموال؛ فلا يقع بها إحراز الدماء والأموال؛ فلذلك لم يجب فيها البدل، ~~وليس كدار # PageV03P312 # الإسلام؛ لأنها دار سلم وأمن حتى جعلت تحرز بها الدماء والأموال على ما ~~كان أنفس الأعداء إذا دخلت بالميثاق إلينا استوجبت حق الأعراض ولزوم البدل، ~~وإن كانوا من قوم عدو لنا؛ إذ هي الدار دار سلم وإحراز، ولا يشبه الذي ~~أسلم، ولم يخرج، الذي خرج من هذه الدار مسلما لما كان يخرج بأمان، وفي ~~الأمان لزوم حفظ الأمر الأول، وليس في الأول ذلك على أن أحد الأمرين في ~~ابتداء الإيجاب، والآخر في البقاء على ما وجب، ومعلوم تفاضل هذين في ~~الأصول، واختلاف الأمر بينهما، وقد كان في إبقاء بعض ما يستوجب بالدين لترك ~~الهجرة؛ كقوله - تعالى -: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء)، وقد نسخت تلك الهجرة، ولم تنسخ الهجرة إلى دار الإسلام، وإن نسخت إلى ~~المدينة، فلم يكن لنا من ولايتهم من شيء، وإنما حق بذل الأنفس لمن يبقى عنه ~~من الأولياء والأهل، وقد بقي ذلك؛ فلذلك لم يجب. # وعلى هذا يخرج قولنا فيه: لو قتل عمدا ألا يجب القصاص ولا الدية؛ لأن ~~الله تعالى - قال: (فقد جعلنا لوليه سلطانا)، وقد بقي فيما نحن فيه ~~الولاية؛ لذلك بطل السلطان، وفي بطلانه بطلان البدل، ويجوز معه بقاء الحق ~~الذي بينه وبين الله؛ لثبات تلك الحرمة. # ووجه آخر في تأويل: قوله: ms1137 (من قوم عدو لكم) أي: في قوم مظهري العداوة؛ ~~دليل ذلك: أنه وإن خرج إلى هذه الدار فهم قومه، لكنه ليس يرجع إلى مؤمن آمن ~~وهو يعد فيهم أن لا شيء، فإذا خرج إن عاد وإلا فله حكم نازله لم يقتضه حق ~~الآية؛ فيجب فيه الذي يجب على حسب الدليل الموجب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى ~~أهله وتحرير رقبة مؤمنة). # اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك القتيل معاهد؛ من قوم بيننا وبينهم ميثاق؛ ~~فاحتج # PageV03P313 # بعض أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الآية الكريمة، في إيجاب الدية في قتل ~~المعاهد: دية مسلمة، وهي مثل دية المسلم؛ لأن الله - تعالى - قال فيهما ~~جميعا: (فدية مسلمة). . .) فهما سواء. وقد روي ذلك عن ابن عباس، رضي الله ~~عنه. # والآية تحتمل غير هذا؛ لأن الله - تعالى - قال في أول الآية: (وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. . .) إلى قوله: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق. . .) فيحتمل: ~~أن يكون معناه: وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فاكتفى ~~بذكر الإيمان في القتيلين الأولين عن إعادة ذكر الإيمان في القتيل الثالث، ~~ولم يكتف بذكر الإيمان في القتيل الأول عن إعادته في الثاني؛ لأنه لو قال ~~الله - تعالى -:، (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة)، ولم يزد على هذا - كنا نوجب الدية في قتل كل مؤمن؛ ~~فذكر الإيمان في الثاني للتفريق بينهما. # وأما ذكر الإيمان في الثاني أغنى عن ذكره في الثالث؛ لأنه لا تفرقة ~~بينهما؛ لذلك كان ما ذكرنا. # وعن الحسن: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) قال: مؤمن. # واستدل من ذهب إلى أن المقتول مسلم بأن الله - تعالى - قال: (فتحرير رقبة ~~مؤمنة) ولا تجب الكفارة على قاتل المعاهد إذا لم تكن ذمة، ألا ترى أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فدى قتيلي عمرو بن أمية، ms1138 وكان لهما عهد، ولم يبلغنا ~~أنه أمر بالكفارة، فيقال: إن الكفارة واجبة على قاتل المعاهد المستأمن ~~بظاهر الآية بقوله: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق). # وقال أيضا: ومما يدل أن المقتول معاهد: أنه لو كان مسلما لم يجب لأهله من # PageV03P314 # المعاهدين الدية؛ لأنهم لا يرثونه، وإنما يرثونه إذا كان معاهدا، وهذا ~~يؤيد قول أصحابنا - رحمهم الله - في وجوب كمال دية المسلم على قاتل ~~المعاهد. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ودى ذميا دية مسلم، وحديث ~~عمرو بن أمية: أنه كان ببعض الطريق، فأقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ~~ظل هو فيه، وكان معهما عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم به ~~عمرو، وقد علم أنهما من بني عامر، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى ~~أنه أصاب منهما ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. فوداهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ومعلوم أن الدية كانت تامة وإن لم تسم؛ لأن العرب كانت لا ترضى أن تنتقص ~~دياتها عن ديات المسلمين. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل دية ~~العامريين دية الحرين المسلمين. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلم. # فإن قيل: روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة ~~آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم. عن عثمان - رضي الله عنه - مثله. # قيل: يحتمل هذا ما روي عن عمر: أنه قوم الإبل فبلغت قيمتها أربعة آلاف ~~درهم، ثم قومها ثانيا فبلغت ستة آلاف، إلى أن بلغت عشرة آلاف، أو ما ذكر، ~~فيحتمل أنه لما قومها فبلغت أربعة آلاف كان ذلك في دية يهودي أو نصراني؛ ~~فظن الراوي أنه إنما أوجب أربعة آلاف؛ لأنه دية النصراني أو اليهودي، فروي ~~على ذلك مع ما روي عن عمر وعثمان # PageV03P315 # - رضوان الله عليهم أجمعين - بعشرة آلاف. # وروي أن ms1139 أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قالوا: دية المعاهد دية ~~الحر المسلم، فهذا يوهن قولهما الأول. # أو يحتمل أن يكون على الاصطلاح: # فإن قيل: روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " دية الكافر نصف دية المسلم " قيل: إن كلا الفريقين تركوا ~~العمل بهذا الخبر؛ لأن من يقول بأربعة آلاف لم يأخذ به؛ لأن أربعة آلاف ثلث ~~دية المسلم، على قوله؛ لأن دية المسلم الحر اثنا عشر ألفا عنده. # ومن يقول بعشرة آلاف لم يأخذ به؛ فقد أجمعوا على ترك العمل به؛ وذلك لما ~~لم يثبت عندهم - والله أعلم - مع ما وصفنا في باب: قتل المسلم بالكافر ما ~~يدل على أن ذلك واجب، فإذن وجب قتل المسلم بالذي وجب أن تكون ديتهما سواء، ~~ألا ترى أن الكفارة على قاتلهما سواء. # وقوله -أيضا-: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق). . . اختلف في تأويل ~~هذا الحرف من وجهين: # أحدهما: أن الآية في المؤمنين خاصة، لكنهم على أقسام ثلاثة: # أحدها: على النشوء على الإيمان. # والآخر: على إحداث الإيمان في دار الحرب من أهل الحرب. # والثالث: على إحداث الإيمان من أهل الميثاق في دار العهد. # والآخر من وجهي الآية: بيان جميع ما يجب في نفسه حق إذا قتل خطأ من مؤمن ~~قد أحرز دمه بالإيمان، أو بالإيمان والدار، أو بالعهد، وفي ذلك إنما قطع ~~الحق عن كثير ممن ينهى عن قتلهم إذا لم تتضمنهم هذه الآية، من نحو نساء أهل ~~الحرب والذراري، فلم # PageV03P316 # تجب الدية بما لم تحرز دماؤهم بدار الحرب، ولم تجب الكفارة بارتفاع ~~الميثاق، وإن كنا لا نقتلهم. # فإن كان تأويل الآية هذا - فكان في الآية -أيضا- على تخصيص القتيل المؤمن ~~من أهل الحرب أن لا دية فيه، وعنها كان فهم الإجماع أن الله لو أراد الجمع ~~بين القتيل لكان يخرج الأمر على الإبلاغ على ما في الكفارة وما فيها من صفة ~~الإيمان، أو على الإيجاز والتدريج فيها بالمعنى، فالذكر في قتيل واحد كان، ms1140 ~~فلما ذكر في قتيلين ولم يذكر في الواحد - دل أنه على التفريق، وأيد ذلك أمر ~~الصيام أنه ذكر مرة، والحكم به يأتي على الكل، أوعلى ذلك، حق الدية مع ما ~~بين الذي هو وصفه. # وإن كان تأويل الآية الأولى فأوجب في المعاهد بالمروي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنه قضى في عامريين دخلا بأمان فقتلا - بدية حرين ~~مسلمين، وفي ذلك بيان أن الدية لم تكن وجبت بالنهي عن القتل؛ إذ هو في ~~الذراري والنساء قائم، ولم تجب، لكن بالعهد، فإذا كان على الاتفاق في الدين ~~والنهي فرق بينهما بالعهد؛ فعلى ذلك أمر المسلمين على الاتفاق في الدين ~~والنهي يفرق بينهما بمكان العهد والإحراز. # وأيد التأويل الثاني شرط الإيمان في قوله - تعالى -: (فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن) فلولا أن الذكر يقتضي القتيل من العدو، لم يكن ليحتاج إلى ~~ذكر المؤمن، وقد سبق بيان المقصود في ابتداء الآية في النهي والثنيا جميعا، ~~فإذا لم يذكر في أهل الميثاق فصار متروكا على ما يقتضيه، وأيد ذلك الذي هو ~~وصفه أن ذكر النوعين يدل على التفريق إذ ليس على حق الاقتضاء بالمعنى، ولا ~~على حق الإبلاغ في البيان، وجميع الكل يخرج على ذانك النوعين في حق الحكمة؛ ~~لذلك صار إلى حق التفريق. # ثم الظاهر قد يضمن الخطاب بأمرين: # أحدهما: في حق هتك الحرمة. # والآخر: في حق العوض من غير تفريق في وزن الملفوظ، وجاء البيان للواجد، # PageV03P317 # وهي دية المؤمن؛ فيصير كأن البيان في الآية، ومعلوم أنه لو كان - لكان ~~يأخذ الكل، إلا أن يجيء التفريق على ما ذكر من أمر الصيام وحق التوبة، وأن ~~ذكر الآحاد في حق بيان التضمين كذلك في الكل الدية على حد واحد مع ما استوى ~~أمر الكفارة فيما له حق البيان التام أو بيان الكفاية، فعلى ذلك الأول، ~~وأيد ذلك وجهان: # أحدهما: أن الدية بمبلغها كانت في الجاهلية فأقرت على ذلك في الإسلام، ~~وكذلك حق القسامة، وكانت كذلك في أهل الكفر عند الأمان، فعلى ms1141 ذلك اليوم، أو ~~يلزم الذي عرف حتى يظهر؛ ولذلك - والله أعلم - لم يجز في الأمر البيان؛ ~~لأنه كان على معروف، وأيد ذلك جميع الأمور المنقسمة، من نحو الحدود بين ~~العبيد والأحرار في التفريق، والديات بين الذكور والإناث؛ أنه يجب ذلك ~~الانقسام في أهل الكفر، فعلى ذلك حد الجملة والنصف. # والثاني: خبر ابن عباس - رضي الله عنه - في العامريين، وعلى ذلك جاء عن ~~عمر، وعلى - رضي الله عنهما - وما روي عن عمر - رضي الله عنه - فهو في ~~الوقت الذي بلغت قيمة الإبل أربعة آلاف، وسنذكر ذلك. # ثم الأصل: أن البدل حق المتلف، والإسلام والكفر أمران يرجعان إلى الدين ~~والمذاهب، والناس لا يملكون الزيادة والنقصان من الأبدال لأنفسهم؛ لأنه لا ~~بهم جعلت الدية، لكن بالشرع؛ فبه يعرف التفريق والجمع، فما لم يثبت التفريق ~~والمعنى في كل نفس من المنافع وإليها ما في غيرها لزم الجمع حتى يجيء علم ~~التفريق. # والأصل: أن البدل أمر يرجع إلى منافع تقع للمجني عليه مكان ما ذهب منه، ~~أو لغيره فيما يدخل عليهم من النقصان بفوت نفسه، ثم كل أمر مجعول للمنافع ~~فالنظر فيها إلى قدر المنافع عند أهلها، وأهل الذمة أحق بالزيادة؛ لتعجيل ~~المنفعة لهم في الدنيا؛ إذ لا حظ لهم في الآخرة. # وقد زعم الشافعي أن العبد لو بيع على أنه كافر فوجده مسلما أنه عيب يرد ~~منه؛ فيصير الإسلام عيبا في قيمته؛ فلا يجيء أن يكون الحر منهم أقل قيمة من ~~الحر منا، ومحل الدين ما ذكرت، فهذا - وإن كان القول به منه شنيعا - لا ~~يجوز أن يحتج به، فهو في موضع التنبيه، وقوله يلزمه، كقوله - سبحانه وتعالى ~~-: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، فحاجهم بالذي عند أئمتهم، فعلى ~~ذلك يحاج بالذي عنده، ولا قوة # PageV03P318 # إلا بالله. # وقد حاج بنفي الإلهية بما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، وإن كان ~~وجود ما انتفي لا يوجب القول به. # ثم القتل على أقسام ثلاثة: # عمد، وهو ينقسم إلى قسمين: # أحدهما: أن يتعمد نفس ms1142 القتيل. # والثاني: أن يتعمد دينه فيقتل لأجل دينه. # وخطأ، وهو -أيضا- على قسمين: # أحدهما: أن يقع بأحد الجناية عن غير قصده. # والثاني: أن يقع له على قصده، لكن على ظن لزومه الدين الذي استوجب القتل ~~به. # وبين الخطأ والعمد قتل آخر سمي: # خطأ العمد، أو شبه العمد: مما لم يبين حكمه في منصوص القرآن، ولا هو مما ~~يحتمل معرفة حقيقته بالعيان؛ لأنه ليس في العين جناية تقع من حيث الوقوع ~~إلا عن عمد أو خطأ؛ فصار ذلك معروفا حكمه بالشرع، ولله أن يشرع في حقيقة ~~الخطأ والعمد شرعا واحدا؛ على ما عليه أمر شرعه في جميع الأمور، وقد جاء ~~الخبر فيه، واتفاق الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على إيجاب الدية في ~~ذلك، وليس في ذلك ذكر الكفارة، فلما ثبت إلحاقه بالذي هو خطأ في الحكم قيس ~~عليه أمر الكفارة؛ مع ما كان لذلك أوجه تقدر: # PageV03P319 # أحدها: أن في العمد ما هو لنفسه كفارة وهو القصاص، وقد دفع ذلك في شبه ~~العمد، والدية تلزم العاقلة، فلا بد من وضع كفارة في ذلك؛ كالذي ذكر في ~~الخطأ فيه. # والثاني: أنه ذكر في الكفارة توبة من الله، والتوبة من الله تخرج على ~~أوجه ثلاثة: على التوفيق لفعله. # أو على التجاوز لما كان من الزلة. # أو على جعل ذلك الفعل منه توبة عن زلته. # وأي هذه الوجوه الثلاثة كان ففي ذلك معنى يحق وصف التوبة؛ فيكون في ذلك ~~مما قد يتوجه إلى عمد يلحق وصف الزلة، أو أمر تجوز الكلفة به؛ فيقع العدول ~~عنه؛ إذ قال: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، فإن ~~جعل في ذا توبة فهو في وجه فيه جناح؛ فيدخل في ذلك قتل فيه جناح، ويكون له ~~حكم الخطأ يبينه الخبر. # والثالث: اتفاق أهل الفتوى على القول به، وأيضا أن الذي يقع الخطأ فيه ~~لدينه فقد تعمد قتله، وأوجبت عليه الكفارة، فقد وجدت كفارة مع تعمد فيما لا ~~بدل لنفسه، فإذا كان شبه العمد يجب فيه البدل فهو ms1143 لوجوب الكفارة أحق. # وأما العمد الذي فيه القصاص ففيه أوجه ثلاثة: # أحدها: أن الله - تعالى - بين ما فيه من الحق على نحو ما بين في الخطأ، ~~وإنما يجب طلب العلم بالحكم فيما لم يبين منصوصا من النوازل التي يعلم أن ~~لله - تعالى - فيها حكما؛ إذ لم ينص عليه، فقد جعله مبينا بالتضمن لا ~~بالتصريح، فإذا بين سقطت الحاجة وبطل الاجتهاد والتعرف به، وعلى مثل ذلك ~~يجاب لقتل الصيد عمدا أن الحكم فيه لم يبين بالتصريح، فهو متروك للتضمين. # والثاني: أن الكفارة في حق الزجر عنه، والتكفير لفعله، وفي السيف ذلك ~~والزيادة فيه؛ فلذلك لم يضم إليه غيره. # ثم معلوم أن الكفارة إنما جعلت بما معه الإبقاء حتى يصوم شهرين، وفيما ~~فيه القصاص لا مهلة له يستوجب به بقاء النفس؛ لتقوم بالكفارة؛ فلذلك لم ~~تجب. # PageV03P320 # والثالث: الاتفاق أن الذي يقتص لا يلزمه الكفارة، فمن وجب له حكم العمد ~~لم تجب عليه الكفارة، ولو أوجبنا الكفارة على القاتل جعلناها حقا لله من ~~حيث النفس لا من حيث معنى في الجناية له تجب، وذلك المعنى في نفس القاتل ~~والقتيل سواء؛ فيكون ولي القتيل آخذا الذي له وقع القصاص والذي ليس له ~~القصاص، لكن له الكفارة فتلزمه، فإذ لم تجب، بأن أنها تجب بحال في النفس ~~والجناية، فلم تجب فيما عدمت تلك الحالة. # والأصل: أنها لم تجعل للحظر ولا لنفس الحرمة؛ إذ قد يوجد قتل نفس محظورة ~~ولم تجعل فيها الكفارة، نحو الذراري والنساء من أهل الشرك، بل لو كان كذلك ~~كان الخطأ من أبعد ما يجعل له الكفارة؛ فثبت أنها لم تجعل لذلك، ومن يقس - ~~يقس بذلك؛ فبطل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتحرير رقبة مؤمنة) اختلف فيه: # قال بعضهم: لا يجزئ إلا من صام وصلى. # وعن ابن عباس قال: الرقبة المؤمنة: كل مولود ولد في الإسلام، صغيرا كان ~~أو كبيرا. # والأشبه أن يجزئ الصغير من المسلمين، ألا ترى أنهم أجمعوا أن على قاتل ~~الصغير من المؤمنين مثل ما كان على قاتل الكبير ms1144 منهم؟! فيجب أن يجزئ الصغير ~~من المؤمنين على ما يجزئ عنه الكبير منهم؛ إذ كان حكم الصغير من المؤمنين ~~حكم الكبير منهم. # ومما يدل على ذلك -أيضا- أن حكم الصغير من المؤمنين، وميراثه، وتزويجه، ~~وطلاق الرجل الزوجة الصغيرة - حكم الكبير، فهم مؤمنون في الحكم وإن كانوا ~~صغارا، ولكن لسنا نذكر عن أصحابنا رواية منصوصة في جوازه، والقياس ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) # وصف الله - تعالى - الشهرين بالتتابع، ووصف الرقبة بالإيمان، فهو - والله ~~أعلم - يحتمل أن يكون على التغليظ والتشديد؛ لما يجوز أن يجاوز جرم حكم ~~الخطأ جرم غيره من الأشياء، نحو أن يقتله بعصا، أو بسوط، ونحوه، قاصدا له، ~~ولا شك أن جرمه أعظم من جرم غيره من الأفعال التي توجب الكفارة من الأيمان ~~والظهار وغيره؛ فغلظ فيه ما لم # PageV03P321 # يغلظ في غيره بالإيمان في الرقبة والتتابع في الصيام، وهذا كما يقولون: ~~إن ضرب التعزير أشد من ضرب حد الزنا وحد شرب الخمر وغيره؛ لأن جرم فعل ~~التعزير ربما يبلغ جرم الزنا أو يجاوز، وهو أن يخنق آخر مرة أو مرتين، لا ~~شك أن حرمته أعظم من حرمة من قذف آخر، أو شرب قطرة من خمر؛ فغلظ فيه وشدد؛ ~~لما ذكرنا، فعلى ذلك شرط الإيمان في العتاق في كفارة القتل، والتتابع في ~~الصوم؛ تغليظا وتشديدا للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن يقتله قتل شبه العمد؛ أي: ~~عمد القصد، خطأ الحكم، ألا ترى أنه غلظ في الدية في شبه العمد ولم يغلظ في ~~غيره. # وروي أعن ابن عمر - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " قتيل السوط والعصا فيه الدية مغلظة ". # وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " كل شيء خطأ إلا السيف والحديد، ولكل خطأ أرش ". # ذكر الله - تعالى - قتل الخطأ والعمد، فبين حكمهما، ولم يذكر غيرهما في ~~كتابه، لكنا عرفنا قبل شبه العمد والحكم فيه بما روينا من خبر ابن عمر - ~~رضي ms1145 الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحديث النعمان عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " ألا إن قتيل خطإ العمد قتيل السوط والعصا، ~~ففيه الدية مغلظة: ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون ما بين ثنية إلى بازل ~~عامها، كلها خلفة ". # واختلف الصحابة: - رضوان الله عليهم أجمعين -: # روي عن عمر - رضي الله عنه - ما ذكرنا من الخبر المرفوع أثلاثا. # وعن علي - رضي الله عنه - قريبا منه أثلاثا. # وعن أبي موسى الأشعري والمغيرة ما روينا من الخبر المرفوع أثلاثا. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - في شبه العمد أرباعا: خمسة وعشرين حقة، ~~وخمسة وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين بنات لبون، وخمسة وعشرين بنات مخاض. # PageV03P322 # ثم لا يحتمل أن يكون الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قالوا ذلك رأيا ~~من أنفسهم؛ لأن هذا باب ما لا يوقف إلا بالسمع والخبر من الله - تعالى - ~~فيجعل كأنهم جميعا سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وقت ~~واحد؛ فدل أنه في وقتين مختلفين، فهو على التناسخ، فلم يظهر الأول منهما من ~~الآخر؛ فأوجب الأخف باليقين، ولم يوجب الأغلظ بالشك، وهذا قول أبي حنيفة - ~~رحمه الله - حيث قال في شبه العمد بالأرباع، وأما محمد - رحمه الله - فإنه ~~ذهب إلى ظاهر الخبر المرفوع بالأثلاث. # ثم اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فيمن رمى آخر في بحر فغرق فمات: # قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يقتل به. # وقال فيمن أحرق آخر بالنار: قتل به، وكان يفرق بينهما بوجهين: # PageV03P323 # أحدهما: أن يكون الرامي في الماء حسب أنه يحسن أن يسبح، وذلك موجود في ~~كثير من الناس؛ فصار ذلك شبهة يزول بها القصاص عن الرامي، وأما الذي رمى ~~صاحبه في النار ليس له أن يدعى مثل تلك الشبهة؛ لذلك لم يزل عنه القصاص. # والثاني: أن النار جارحة؛ ألا ترى أنها تستعمل في موضع السلاح، ويحارب ~~بها؟! وهي من أشد السلاح، ولا كذلك الماء؛ لذلك افترقا. # ثم القول في مبلغ الدية من الإبل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms1146 - ~~أنه ودى رجلا بمائة من الإبل وروي أن الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم في العقول في النفس مائة من الإبل. # وما روينا من خبر ابن عمر - رضي الله عنه - قال: خطب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: " ألا إن قتيل خطإ العمد فيه الدية مغلطظة مائة من ~~الإبل ". # ثم القول في أسنان الإبل في الدية ما روي عن عبد الله عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " دية الخطإ أخماس، وكذلك روي عن عبد الله بالأخماس، ~~وعن عمر - رضي الله عنه - كذلك. # PageV03P324 # وعلي بن أبي طالب في الخطأ أرباع. # وكان أبو حنيفة يذهب إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى ما ~~روي عن عمر وعبد الله - رضي الله عنهما - ويجعل دية الخطأ أخماسا من الإبل، ~~وفي شبه العمد أرباعا؛ لما ذكرنا، ومحمد - رحمه الله - يذهب إلى ما روي عن ~~علي - رضي الله عنه - بالأرباع في الخطأ، وفي شبه العمد بالأثلاث؛ بالخبر ~~المرفوع، والوجه فيه ما ذكرنا. # ثم المسألة في مبلغ الدية من الورق، روي في بعض الأخبار عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قضى بالدية اثني عشر ألفا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~الدية اثني عشر ألفا. # وروي عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الديات: ~~فوضع على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل ~~الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي ~~شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. # ثم روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: قوموا الإبل؛ فقوموها أوقية، ثم ~~غلت # PageV03P325 # الإبل؛ فقال: قوموا؛ فقومت أوقية ونصفا، ثم غلت؛ حتى قومت عشرة آلاف ~~درهم. # فلو علم عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى ~~بالدراهم، لم يحتج إلى أن يقوموا الإبل، ومحال أن يخفى على عمر وغيره من ~~الصحابة ms1147 - رضوان الله عليهم أجمعين - سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~يضطروا إلى تقويم الإبل؛ فدل أن الخبر في اثني عشر غير ثابت. # ثم الاختلاف أن الدية من الدنانير ألف دينار؛ فوجب أن تكون الدية من ~~الورق عشرة آلاف؛ لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه جعل قيمة كل دينار ~~عشرة. # وروي أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن تؤخذ الجزية من أهل الورق أربعين ~~درهما، ومن أهل الذهب أربعة دنانير. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة ~~دراهم. # دل ما ذكرنا من قول الصحابة أن قيمة كل دينار عشرة دراهم؛ فلما أجمعوا في ~~أن الدية من الذهب ألف دينار - وجب أن تكون من الورق عشرة آلاف؛ ألا ترى ~~أنه يؤخذ في الزكاة من مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارا: نصف ~~دينار؟! دل على أن الدية عشرة آلاف. # ثم يحتمل الخبر -إن ثبت- أن الدية اثنا عشر ألفا، وزن ستة؛ لأن الدية كان ~~أصلها الإبل، فقومت الإبل دراهم؛ فبلغت اثني عشر ألفا من وزن ستة، ثم ردت ~~الأوزان إلى وزن سبعة؛ فكانت اثني عشر ألفا، وكسر وزن سبعة، ألقوا الكسر؛ ~~لأن القيم لا تعرف منصوصا؛ وإنما تعرف بالاجتهاد، وقد تزداد وتنقص، ويكون ~~بين القيمتين الشيء اليسير؛ # PageV03P326 # فتركوا ذلك الكسر؛ لما وصفنا، ولأنه لم يكن في الدية في أصلها كسر، وهذا ~~وجه محتمل؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بآخر التقديرين؛ لأن الأوزان ~~استقرت على وزن سبعة، وبطل وزن ستة، ولا شك أن وزن سبعة هي الآخرة؛ ~~لاستقرارها في الناس على ذلك، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) قد ذكرنا معنى ~~التتابع في ذلك. وفي قوله - تعالى -: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) ~~عند الجميع من جميع من ذكر من القائلين في هذه الآية، ثم قوله - تعالى -: ~~(توبة من الله). # قال بعض أهل العلم: ندامة من الله - تعالى - وقد يندم الرجل على أفعل ~~يفعله، خطأ. # لكن عندنا على حقيقة التوبة؛ ms1148 لأن الفعل فعل مأثم وإن كان خطأ، ولأنه يجوز ~~أن يكلف الإنسان وينهى في حال الخطأ؛ لما لا يتأمل في ذلك ولا ينظر؛ لئلا ~~يترك التأمل في ذلك والنظر؛ فتكون التوبة على الحقيقة؛ لما ذكرنا. # وفي قوله أيضا: (توبة من الله) قد بينا الوجه في ذلك. # وقال بعض أهل التأويل: التوبة - في الحقيقة: هي الندامة على الأمر، وكل ~~من يتولد من فعله قتل أحد؛ فهو يندم على ذلك الفعل الذي حدث منه الذي ذكر، ~~ويحزن عليه؛ فيكون - على هذا التقدير - معنى التوبة من الله: إلقاء ذلك ~~الحزن في قلبه، أو رجوعه بالتأسف إلى الله بالإعتاق والصيام، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله عليما حكيما) # لمن قتله خطأ ولم يقصد، ومن قصده، أو (عليما) بما حكم عليكم من الدية ~~والكفارة، أو (عليما) بآجالكم، (حكيما) في قضائه وحكمه؛ حيث وضع كل شيء ~~موضعه، والله أعلم به. # وقوله - تعالى -: (وكان الله عليما حكيما) يخرج ذلك عند ذكر هذه الآية، ~~وهو كذلك بذاته على أوجه: # أحدها: أنه عليم بالذي عليه خرج حقيقة فعل ذلك القاتل من القصد وغير ~~القصد، وهو حكيم بما حكم علينا الذي ذكر بظاهر أحوال القتيل، وإن لم يعرف ~~حقيقة الأمر في ذلك؛ # PageV03P327 # إذ الذي له حكم العمد والخطأ لا يظهر لغيره. # والثاني: وكان الله لم يزل عليما بالذي يكون من عباده، وبالذي به المصالح ~~بينهم؛ فحكم بما فيه المصالح، فيما علم من وقوع الجنايات. # والثالث: يبين أنه لا عن جهل يقع الخلاف لأمره ولما لم يرض به من خلقه، ~~ولا عن خطأ في التدبير، أي: عليم بالذي يكون من الخلق، لا عن جهل بهم خرج ~~أمرهم، وحكيم في التدبير، أي: لا يلحقه الخطأ في تدبير الخلائق، على ما ~~يكون منهم من الفساد والشر؛ إذ بمثله من غيره يعلم الخطأ والجهل؛ لما في ~~ذلك ضرر يقع به، والله يتعالى عن هذا. # وقوله - عز وجل -: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ... ~~(93) قيل في بعض القصة: إن رجلا قتل آخر ms1149 عمدا؛ فلما علم أنه يقتل به ارتد ~~عن الإسلام، ولحق بدار الحرب؛ فنزل الوعيد. # وهذا - والله أعلم - كقوله تعالى: (الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~كافرون) كانوا يمنعون الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال؛ فجحدوا ~~بها رأسا، وكقوله: (لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا ~~نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46). فتركوا الزكاة والصلاة؛ ~~لما يلحقهم بذلك مؤن وأشغال، يشغلهم ذلك كله عما تهوى أنفسهم؛ فانكروا ~~رأسا؛ لأنهم إن صلوا وأدوا الزكاة لا يكون ذلك صلاة وزكاة؛ إذ كانوا يكذبون ~~بيوم الدين؛ فعلى ذلك قاتل المسلم عمدا إذا علم أنه مقتول به ترك دينه؛ ~~فصار من أهل النار خالدا مخلدا فيها. # ويحتمل قوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) لدينه يقتله عمدا، غير غالط فيه ~~ولا جاهل، عالما بذلك، وإلى قتله لدينه قاصدا، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ~~ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم، إلا أن يجدد إيمانا؛ فإن ~~الله - تعالى - يقبل إيمانه وتوبته. # والرابع: أن يكون الوعيد الذي ذكره في كتابه ذلك جزاء، ولله الإفضال عليه ~~بالعفو والمجاوزة؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات يقابل به، فإما إذا ~~كانت له # PageV03P328 # حسنات يقابل به، يبدل الله بفضله - سيئاته حسنات، كقوله - تعالى -: ~~(فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). # ثم الدليل أن الآية فيمن قتل مسلما لدينه، قاصدا لنفسه دون دينه - قوله: ~~(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)، وإنما يكتب عليهم إذا ~~كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان، ثم قال: (فمن عفي له ~~من أخيه شيء)؛ فأبقى لهم اسم الإخوة، ثم قال: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) ~~أطمعه في رحمته - عز وجل - وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار؛ فدلت ~~الآية على بقاء اسم الإيمان، وعلى رجاء الرحمة، وهما معنيان ينقضان قول ~~المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولأنه - تعالى - قال: (فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها) ولم يقل: يجزيه، وله أن يتفضل بالعفو عنه، ms1150 على ما وصفنا، ~~وبالله التوفيق والنجاة. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا: روي ~~عنه أنه قال في قوله: (فجزاؤه جهنم)، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه وإن شاء ~~غفر له. # وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " كان ~~فيمن قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على ~~راهب؛ فأتاه فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفسا بغير حق؛ فهل لي من توبة؟ ~~فقال: لا. فقتله، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل، فأتاه فقال: إني ~~قتلت مائة نفس بغير حق؛ فهل لي من توبة؛ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين ~~التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها أناسا يعبدون الله فاعبده معهم؛ ~~فانطلق، حتى إذا بلغ نصف الطريق أتاه الموت، فاختصم ملائكة الرحمة وملائكة ~~العذاب، فأتاهم ملك، فجعلوه حكما بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، أيهما ~~كان أدنى وأقرب فهو له؛ فقاسوه فوجدوه أدنى للأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة ~~الرحمة ". # PageV03P329 # أفلا ترى أنه لما كان كافرا، فقتل مائة نفس، فقبلت توبته، ولو كان مسلما ~~كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية؛ فهذا الحديث يدل - والله أعلم - على ~~أن التأويل ما ذكرنا، وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (94) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا. . .) ~~الآية. # قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية إلى دار الحرب، ~~فسمعوا سرية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تريدهم؛ فهربوا، وأقام رجل؛ ~~لإسلامه؛ فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من العدو من حرب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فألجأ غنمه إلى كهف، ثم قام دونها، فسمع التكبير؛ فهبط ~~إليهم ms1151 وهو يقول: لا إله إلا الله، فأتاه رجل من هؤلاء، فقتله واستاق غنمه ~~وما معه، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه الخبر؛ ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أقتلتموه؛ إرادة ما معه، وهو ~~يقول: لا إله إلا الله؟! " فقالوا: إنه قال ذلك، متعوذا؛ فقال: " هلا شققتم ~~عن قلبه؟! ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~سرية، فلقيهم رجل، فسلم عليهم وحياهم بتحية الإسلام، فحمل عليه رجل من ~~السرية فقتله؛ فلامه أصحابه وقالوا: أقتلت رجلا حيانا بتحية الإسلام؟! فلما ~~قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره بالذي صنع؛ فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " أقتلته بعد أن قال: إني مسلم؟! " فقال: يا ~~رسول الله، إنما قالها متعوذا؛ قال: " فهلا شققت عن قلبه فتعلم ذلك؟! "؛ ~~فنزل قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا). # PageV03P330 # فلا ندري كيفما كانت القصة؟ ولكن فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة، والنهي ~~عن الإقدام عندها، وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل ~~فعل وكل خبر؛ لأن الله - تعالى - أمر بالتثبت في الأفعال بقوله: (فتبينوا ~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا)، وقال في الخبر: (إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا)، أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة، كما أمر في ~~الأفعال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تقف ما ليس لك به علم). # وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة؛ لأنه نهاهم أن يقولوا لمن قال: إني ~~مسلم: لست مؤمنا، وهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وهو يقول ألف مرة ~~على المثل: إني مسلم، فإذا نهى أن يقولوا: ليس بمؤمن؛ أمرهم أن يقولوا: هو ~~مؤمن؛ فيقال لهم: (أأنتم أعلم أم الله)، على ما قيل لأولئك. # وقوله - عز وجل -: (تبتغون عرض الحياة الدنيا) # قيل: الغنيمة: (فعند الله مغانم كثيرة) هذا يحتمل وجهين: # يحتمل قوله: (فعند الله مغانم كثيرة) أي: أجر عظيم وجزاء ms1152 كثير. # ويحتمل: (فعند الله مغانم كثيرة) يعطيها لكم في غير هذا، كقوله - تعالى - ~~(وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم. . .) الآية. # اختلف فيه: # قيل: (كذلك كنتم من قبل) ضلالا كفارا؛ (فمن الله عليكم) بالإسلام ~~والهجرة، وهداكم به. # وقيل: (كذلك كنتم من قبل) تخفون إيمانكم من المشركين وتكتمونه؛ (فمن الله ~~عليكم) بإظهار الإسلام وإبدائه. # وقيل: (كذلك كنتم من قبل) تأمنون في قومكم من المؤمنين ب " لا إله إلا ~~الله "، ولا تخيفوا من قالها؛ (فمن الله عليكم) بالهجرة. # وعن ابن عباس قال: (كذلك كنتم من قبل) كفارا تقاتلون على الدنيا # PageV03P331 # وعرضها. # وقوله - تعا لي -: (فتبينوا) # عاد إلى الأول، وأمر بالتثبت عند الشبهة؛ ألا تري أنه روي في الخبر أنه ~~قال: " المؤمن وقاف وزان): وقاف يقف عن الشبهة، ووزان يزن الأعمال فيختار ~~أفضلها. # * * * # قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون ~~في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ~~(99) # وقوله - عز وجل -: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) # قال الحسن: كان هذا في الوقت الذي كان الجهاد تطوعا؛ لأنه لو كان فرضا ~~لكان لا معنى لقوله: لا يستوي كذا من كذا، وهما غير مستويين: أحدهما فرض ~~عليه، والآخر لا. # قيل له: هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت؛ ألا ~~ترى أنه قال: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون)، وقال: (أم حسب ~~الذين ms1153 اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم) جمع بين متضادين، ثم قال: (لا يستوون)؛ فعلى ذلك هذا، وهو أولى. # وقوله - عز وجل -: (غير أولي الضرر): استثنى أهل الضرر مجملا في هذه ~~الآية، وبين أمرهم وما زال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله - ~~تعالى -: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)، ~~وقوله عز # PageV03P332 # وجل: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى. . .) الآية، وهذا مما أجمع عليه ~~أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل حال هؤلاء الذين وصفهم الله - ~~تعالى - وعذرهم في تخلفهم عن الجهاد. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما ذكر الله - تعالى - فضيلة ~~المجاهدين على القاعدين رغبهم في الجهاد بقوله: (لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين. . .) الآية - أتاه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول ~~الله، ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي ~~الجهاد؛ فنزل: (غير أولي الضرر) فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين؛ لزمانتهم. ~~وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. # وقال الكسائي: (الضرر) مصدر الضرير والمضرور، والضرير: الأعمى، يقال: ضر ~~بصره، فهو ضرير ومضرور: إذا عمي. # وقوله - عز وجل -: (وكلا وعد الله الحسنى) # القاعد والمجاهد # (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) # قيل: هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر، جعل له الأجر ~~العظيم. # وقوله: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) # على القاعد الذي قعد لعذر؛ لأنه جعل فضيلته عليه بدرجة، وفي الثاني جعل # PageV03P333 # فضيلته عليه بدرجات. # لكن قوله: " درجة "، و " درجات " عندنا: واحد؛ ألا ترى أنه - تعالى - ~~قال: (وللرجال عليهن درجة)، ليس هو شيئا واحدا؛ ولكنه أشياء، والذي قعد ~~لعذر يستوي في الأجر مع الذي خرج؛ إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر؛ لأنه لو ~~لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء. # وفي الآية دلالة أن فرض الجهاد - فرض كفاية: يسقط عن الباقين بقيام ~~بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله - تعالى -: (فلولا نفر ms1154 من كل ~~فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)، وفرض ~~الخروج لطلب العلم فرض كفاية: إذا خرج بعضهم لطلبه يسقط عن الباقين ذلك؛ ~~فعلى ذلك فرض الجهاد، وإن كان ذلك خلاف ما عاتب الله - تعالى - عليه ~~الثلاثة الذين خلفوا في سورة " براءة "؛ لأن أولئك تخلفوا عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله - تعالى - (ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) ~~فإنما عاتب أولئك لتخلفهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - تعالى -: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... (97) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزلت هذه الآية في قوم من المنافقين ~~خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما التقى المسلمون والمشركون، أبصروا قلة ~~المسلمين - وهم مع المشركين على المؤمنين، فقالوا: (غر هؤلاء دينهم). ~~وأظهروا النفاق، فقتلوا، عامتهم؛ ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فقالت لهم ~~الملائكة: (قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض). # وقيل: إنها نزلت في نفر أسلموا بمكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى القتال، فلما رأوا قلة ~~المؤمنين شكوا في النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: (غر هؤلاء دينهم)، ~~فقتلوا، فقالت الملائكة: فيم كنتم؟ قالوا: كذا. # وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانت الهجرة يومئذ مفترضة؛ # PageV03P334 # فكفروا بترك الهجرة، وهو كقوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا)، فلا ندري كيف كانت القصة، وليس لنا إلى معرفة ~~القصة؟ حاجة بعد أن يعرف ما أصابهم بماذا أصابهم؟. # وقوله: (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) # هذا يتوجه وجوها: # إحدها: مع من كنتم: مع محمد - صلى الله عليه وسلم - كنتم وأصحابه أو مع ~~أعدائهم؟ # والثاني: (فيم كنتم) أي: في دين من كنتم: في دين محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - أو في دين أعدائه؟ # والثالث: " قالوا " بمعنى: " يقولون " أي: يقولون لهم في الآخرة: (فيم ~~كنتم)؟ # (قالوا): كنا كذا. ms1155 # وقولهم: (كنا مستضعفين في الأرض): هذا ليس جوابا لقوله: (فيم كنتم)؟ ~~جوابه أن يقال: كنا في كذا، ولكنه كأنه على الإضمار، قالوا لهم: ما الذي ~~منعكم عن الخروج والهجرة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ قالوا عند ذلك: ~~(كنا مستضعفين في الأرض): اعتذروا؛ أن كانوا مستضعفين في الأرض. # وظاهر هذا: أن منعنا عن الخروج إلى الهجرة، وحال المشركون بيننا وبين ~~إظهار الإسلام. فقالوا: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) # يعني: المدينة واسعة، آمنة لكم من العدو، فتخرجوا إليها، فتقلبوا بين ~~أظهرهم، فهذا - والله أعلم - كأنهم اعتذروا في التخلف عن ذلك؛ لما كانوا ~~يتقلبون بين أظهر الكفرة ويتعيشون فيهم، فقالوا: (ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها) قطعوا عليهم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنهم إن منعوكم عن الإسلام ظاهرا وحالوا بينكم وبين ~~إظهاره؛ ألستم تقدرون على اديان الإسلام سرا، لا يعلمون هم بذلك؟! # (فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا). # أخبر أن لا عذر لهم في ذلك. # وفي قوله - تعالى -: (فيم كنتم) دلالة إحياء الموتى في القبر والسؤال فيه ~~عما عملوا في الدنيا والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ... (98) # PageV03P335 # بين الله - تعالى - أهل العذر في ذلك؛ حيث قال: (لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كنت أنا وأمي من المستضعفين. # (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ... (99) # و (عسى) من الله واجب؛ كأنه يقول: فأولئك يعفو الله عنهم. # * * * # قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ~~وكان الله غفورا رحيما (100) # وقوله - عز وجل -: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة) # قيل: المراغم: المذهب والملجأ، وسعة في الرزق، أي: يجد في الأرض، وفي غير ~~الأرض التي هم فيها - ما ذكر. # وقيل: المراغم: المتزحزح، أي: يجد متزحزحا عما يكره وبراحا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: المراغم: التحول من ms1156 أرض إلى أرض، ~~والسعة في الرزق. # وقيل: من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى. # وقيل: المراغم: المهرب. # وقيل: لما نزلت هذه الآية سمعها رجل وهو شيخ كبير -وقيل: إنه مريض- فقال: ~~والله ما أنا ممن استثنى الله؛ وإني لأجد حيلة، والله لا أبيت الليلة بمكة؛ ~~فخرجوا به يحملونه حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها؛ فصفق يمينه على ~~شماله، ثم قال: اللهم # PageV03P336 # هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعت عليه رسولك. ومات؛ فنزل فيه: ~~(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله) أي: وجب أجره. # وقيل: إنه لما سمع الرجل أن الملائكة ضربت وجوه أولئك وأدبارهم، وقد أدنف ~~للموت؛ فقال: أخرجوني؛ فاحتمل بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فلما انتهي إلى عقبة، فتوفي بها؛ فأنزل الله هذه الآية، والله أعلم بذلك. # وفي قوله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) - دلالة أن إسلام ~~الولدان إذا عقلوا إسلامهم - إسلام، وكفرهم كفر؛ لأنه تعالى استثناهم ~~وعذرهم في ترك الهجرة؛ فلو لم يكن إسلامهم إسلاما، ولا كفرهم كفرا - لكان ~~مقامهم هنالك وخروجهم منها سواء، ولا معنى للاستثناء في ذلك؛ إذا لم يكن ~~عليهم خروج، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # وقوله - عز وجل -: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم. . .) الآية. # أباح الله - تعالى - القصر من الصلاة؛ إذا ضرب في الأرض إذا خاف أن يفتنه ~~الكفار، ولم يبين القصر في ماذا؟ فيحتمل: القصر قصرا من الركعات؛ على ما ~~قال أصحابنا - رحمهم الله تعالى - ويحتمل: القصر من الركوع والسجود والقيام ~~بالإيماء؛ كقوله: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا)، رخص للخائف الصلاة ~~بالإيماء. # ويحتمل: القصر قصر الاقتداء، وذلك -أيضا- مباح عند الخوف. # ثم تأول قوم أن الصلاة كانت ركعتين، فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت في صلاة ~~السفر، ورخص في القصر من ms1157 ركعتي السفر في حال الخوف، وقالوا: صلاة الخوف ~~ركعة. # PageV03P337 # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: فرض الله - تعالى - صلاة الحضر ~~أربعا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة، على لسان نبيكم. # وكذلك روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: صلاة الخوف ركعة، ~~ركعة. # وقال آخرون: إنما رخص الله - تعالى - في قصر الصلاة من أربع إذا كان ~~الخوف، فردها إلى ركعتين رخصة. # وقالوا ثم: إن رسول الله أعلمنا أن الله - تعالى - تصدق علينا أن نقصر في ~~حال الأمن؛ فثبت بالسنة أن القصر في غير الخوف جائز؛ كما أجازه الله في حال ~~الخوف. # والقصر -في قول هؤلاء- أن ترد الأربع إلى ركعتين، والقصر في قول الأولين ~~أن يرد الركعتان في حال الخوف إلى ركعة. # وقال غيرهم: القصر إنما كان في حال الخوف كما قال الله تعالى. فأما الآن: ~~فإن المسافر إذا صلى ركعتين، فليس ذلك بقصر؛ ولكنه إتمام بقول عمر - رضي ~~الله عنه - حيث قال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم. # وروي أن رجلا سأل عمر - رضي الله عنه - عن قوله - تعالى -: (فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، قال: وقد أمن ~~الناس اليوم؟!. فقال عمر - رضي الله عنه -: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " صدقة تصدق الله تعالى بها، عليكم ~~فاقبلوا صدقته "؛ فيحتمل أن يكون قوله: " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر " ~~- يريد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال: " صدقة تصدق الله بها ~~عليكم "؛ صار الفرض ركعتين وارتفع القصر، وصارت الركعتان تماما غير قصر؛ إذ ~~كانتا هما # PageV03P338 # الفرض بعد الصدقة التي تصدق الله بها علينا؛ فكل واحد من الخبرين موافق ~~لصاحبه؛ أعني خبر عمر - رضي الله عنه - مع ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يسافر من المدينة إلى ~~مكة لا يخاف إلا الله، يصلي ركعتين. وهذا يؤيد حديث عمر - رضي ms1158 الله عنه -: ~~" صدقة تصدق الله بها عليكم "؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا ~~يصلي وهو آمن ركعتين مع شرط الله الخوف؛ إلا وقد رفع الله شرط الخوف عن ~~المسافر. # وقال قوم: إن التقصير في السفر، والحضر هو الإتمام. واحتجوا بقول الله - ~~تعالى -: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) قال: فرفع الحرج عن ~~المقصر، ولو كان التقصير حتما لكان قال: وعليكم جناح ألا تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم ولكن الأمر ليس كما توهموا؛ وذلك أنا قد ذكرنا أن النص في القصر ~~إنما جاء في حال الخوف، وأما حال الأمن فلا نص فيما يوجب القصر؛ وإنما جاز ~~القصر من الصلاة في حال الأمن؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~صدقة تصدق الله بها عليكم "، وتقصيره في حال الأمن، ومحال أن يتصدق الله ~~بالركعتين علينا. # ويقول قائل: فرضها قائم؛ فأين موضع الصدقة؟! إذ لو كان الأمر على ما ~~ذكرنا فما معنى قول عمر - رضي الله عنه -: " إن صلاة السفر ركعتان تمام غير ~~قصر؛ على لسان نبيكم "؛ لأنه - والله أعلم - جعل الصدقة من الله بذلك مزيلة ~~للفرض في الركعتين بعد الركعتين؛ فبقيت الركعتان تماما، إذا كانتا فرض ~~المسافر؟ مع ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر أسفارا ~~كثيرة، فلم يرو عنه أحد أنه أتم الصلاة في شيء من الأحوال في سفره، وكل روي ~~أنه - عليه السلام - كان يصلي ركعتين ركعتين؛ فلو كانت الفريضة أربعا، ~~والقصر رخصة - لأتم في وقت؛ وقصر في وقت، ألا ترى أن الإفطار في السفر لما ~~كان رخصة غير حتم - أفطر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات وصام في ~~أوقات؛ فدل ذلك أن فرض المسافر ركعتان غير قصر. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: صليت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ركعتين، ومع ~~عمر - رضي الله عنه - ركعتين، # PageV03P339 # ومع عثمان - رضي الله عنه - صدرا من خلافته، ثم صلى أربعا، وما صلى ms1159 ~~أربعا؛ يحتمل أن يكون عزم على الإقامة. # وكذلك روي عن الزهري قال: بلغني أنه إنما صلى أربعا؛ لأنه أزمع أن يقيم ~~بعد الحج. # وعن عمران بن حصين قال: " سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة ثماني عشرة ~~يوما، لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: " صلوا أربعا؛ فإنا قوم سفر ". # وخالف بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأنهم يقولون: إذا أقام ببلد في غير حرب ~~أربعا يتم بعد ذلك، وإن لم يكن عزم على المقام بذلك البلد. # وروي عن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " صلاة ~~المسافر ركعتان حتى يئول إلى أهله أو يموت ". # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن الصلاة في السفر، قال: ~~ركعتان ركعتان؛ من خالف السنة كفر. # واستدل قوم بقوله - تعالى -: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) أن ~~القصر رخصة، وأن الأفضل إتمام الصلاة؛ إذ " لا جناح " تستعمل في موضع ~~التخفيف، لا في موضع الأمر؛ على نحو الصيام بقوله: (يريد الله بكم اليسر ~~ولا # PageV03P340 # يريد بكم العسر)، وهذا حرف لا يستعمل في موضع الأمر والإيجاب، والله ~~أعلم. # وسلم قوم لهم هذا المعنى في الآية، وردوا القصر إلى أقصر للخوف، يلحق عند ~~الضرب في الأرض، وإذن كان على وجهين: # أحدهما: في بيان المراد في قوله: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا)، أنه: # ليس على تمام المعروف من الصلاة؛ لكن على القصر على الحد الذي ينتهي إليه ~~الخوف من أمر القبلة، أو ترك القيام والركوع والسجود، وإلى الإيماء ~~والقعود، والله أعلم. # والثاني: ما في قوله: (وإذا كنت فيهم. . .) الآية، وإنما يذكر ذلك في ~~أحوال لهم الانفراد وهو أحوال السفر، ومعلوم أن ذلك في حق قصر الاقتداء ~~فكأنه قال: (ولا جناح عليكم) في الاقتداء به، وإن قصرتم في الاقتداء عن ~~تمام حقه من الجماعة، وكذلك إصابة الكل أفضل؛ فبين أن ارتفاع ذلك لا يمنعكم ~~الاقتداء، ولا يلزمكم نصب إمام آخر؛ لثؤدوا جميع ms1160 الصلاة في الجماعة، وأيد ~~الوجهين قوله - تعالى -: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا). . . إلى قوله ~~تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون)؛ فالقصر في السفر على ما عليه، ليس ~~للخوف؛ وأيد ذلك ما التبس على عمر - رضي الله عنه - حتى سأل عن ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا ~~صدقته "، بمعنى: حكم حكم الله عليكم في أن لم يفرض عليكم في السفر غير ~~ركعتين، هو من جميع المذكور عن الله من العفو؛ فهو في الإسقاط، وأيد ذلك ما ~~كان يقول عمر - رضي الله عنه - بعد ذلك: " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر ~~على لسان نبيكم ". فعلم أن ذلك ليس في حق الآية؛ لكن في ابتداء الشرع، وعلى ~~ذلك المروي بأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في ~~السفر، وإلى هذين التأويلين يتوجه قول أصحابنا، رحمهم الله. # وقد تحتمل الآية قصر الصلاة. # PageV03P341 # ثم قوله: (فليس عليكم جناح) يرجع إلى وجهين: # أحدهما: إلى ترك الركعتين، وإن لم يتم السفر بعد الخروج له، وليس كسائر ~~الأعذار، نحو الحيض، إذا لم يتم أنه يلزم إعادة المتروك، والإغماء، ونحو ~~ذلك، وأمر الصوم في السفر بعد الخروج له ليس كسائر الأعذار؛ فلا يعاد. # والثاني: ليس عليكم جناح في السفر، وإن كان ذلك اختيارا منكم لترك صلاة ~~الحضر، أو ليس عليكم ما على المقيم من الجناح إن لم يتم، فإذا رجع الجناح ~~إلى ذلك بقي الأمر بالقصر، وإن خرج بحد الخبر؛ إذ قد يكون خبرا في المخرج ~~أمرا في الحقيقة نحو قوله - تعالى -: (إن يكن منكم عشرون صابرون. . .) ~~الآيات، ونحو ذلك كقوله - تعالى -: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) أنه لما ~~صار: " لا جناح " راجعا إلى ما كان ثم من الأصنام أو الفعل؛ بقي حق الأمر ~~بالطواف، وإن كان في مخرج الخبر، وصار من اللوازم، دليل ذلك الأمر الوارد ~~في الآية والظاهر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسفار. # ولا يحتمل أن يكون [. . .] يضيع من ms1161 الجميع، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ~~وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا (102) فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # وقوله - عز وجل -: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة. . .) الآية. # اختلف أهل العلم في صلاة الخوف: # قال بعض أهل العلم: يجعل الإمام القوم طائفتين، يصلي بالطائفة الأولى، # PageV03P342 # ركعة، ويصف الطائفة الأخرى مصاف العدو، فإذا صلى بهم ركعة؛ فيقومون ~~ويصلون الركعة الثانية وحدانا. # ثم ينصرفون ويقومون مقامهم بإزاء العدو، وترجع الطائفة التي كانت مصاف ~~العدو فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ثم يسلم بهم الإمام، فيقومون ~~ويقضون الركعة الأولى وحدانا. ويقولون: لأنه ليس في الآية إتيان الطائفة ~~الأولى وعودها إلى الإمام؛ لذلك لا يفعل. # وقالوا -أيضا- بأن القيام بعد الفراغ من الصلاة مصاف العدو أطمع وأرجى من ~~القيام قبل الفراغ منها. # وقيل: بل القيام مصاف العدو، وهم في الصلاة أطمع وأرجى من القيام في غير ~~الصلاة. # وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم ذهبوا إلى ما روي في الأخبار. # روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة الخوف: فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهو ~~العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ~~فصلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ثم سلم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة. # وعن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، ~~فقاموا صفين: فقام صف خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل العدو، ~~وصلى رسول الله - صلى الله ms1162 عليه وسلم - بالصف الذي يلونه ركعة، ثم قاموا ~~فذهبوا وقاموا مقام أولئك، واستقبل هؤلاء العدو، وجاء أولئك فقاموا مقام ~~هؤلاء، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة، ثم سلم، فقاموا ~~يصلون لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، فذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو، ~~وجاء أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. # PageV03P343 # وروى ابن عباس وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك، فاتفق على هذه الرواية عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هؤلاء الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: ~~ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وحذيفة؛ كلهم يقولون: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة ~~الأخرى مواجهو العدو، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعة، وإن واحدا منهم لم يقض ~~بقية صلاته حتى فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته كلها، فصلى ~~المؤتمون ما بقي عليهم من صلاتهم؛ وهذا نظرا لما عليه المسلمون جميعا فيما ~~سبقهم الإمام: لا يقضونه حتى يفرغ الإمام من صلاته، ثم يقضون ما فاتهم، ~~والأخبار التي جاءت بخلاف ذلك يحتمل أن تكون في الوقت الذي كانوا يقضون ~~الفائتة قبل فراغ الإمام من صلاته، ثم نسخ ذلك بما توارث الأمة القضاء بعد ~~الفراغ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليأخذوا أسلحتهم) اختلف فيه. # قيل: هم الطائفة التي بإزاء العدو، يأخذون السلاح؛ ليكون أهيب للحرب ~~والقتال. # وقيل: هم الطائفة الذي يصلون، يأخذون السلاح حتى إذا استقبلهم العدو ~~والحرب يقدرون على ذلك. # وقيل: إذا وقع بينهم الحرب فلهم تأخير الصلاة إلى وقت انقطاع الحرب ~~بينهم. # وقال الحسن: يصلي الإمام بكل طائفة تمام الصلاة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه ~~كان يصلي بكل طائفة سجدة، والسجدة هي اسم التمام، وهذا جائز في اللغة. # لكن عندنا ما ذكرنا من الأخبار عن الصحابة: عن عمر، وابن عباس، وغيرهما - ~~رضوان الله عليهم أجمعين - حيث قالوا: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الفطر ~~والأضحى # PageV03P344 # ركعتان، وصلاة الخوف ركعة تمام غير ms1163 قصر، وما روينا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سجد بالصف الأول، ولم يسجد معه الصف الثاني، فلما رفع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من السجدتين سجدهما أهل الصف الثاني؛ ~~فهذا يدل على أن الأمر ما وصفنا. وإذا كان العدو مواجهة القبلة فالإمام ~~بالخيار: إن شاء جعل القوم صفين: صفا أمامه بإزاء العدو، وصفا معه يصلي ~~بهم؛ هكذا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك بالمسلمين: # وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم ~~والعدو في القبلة، فصلى بطائفة ركعة، وجاءت الأخرى فصلى بها أخرى. وإن شاء ~~جعل القوم كلهم خلفه صفين فيصلي بهم، فإذا انتهوا إلى السجود، سجد الصف ~~الأول، والصف الثاني يحرس العدو، فلما فرغ هؤلاء من السجود سجد الآخرون، ثم ~~كذلك يفعل بهم في الثانية، وهذا -أيضا- روي أنه فعل؛ فيختار أيهما شاء. # وقوله - عز وجل -: (فليكونوا من ورائكم) # أي: ليكونوا مصاف العدو يحرسونهم من العدو. # وقوله - عز وجل -: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) # يحتمل قوله - تعالى -: (حذرهم)، أي: يأخذون ما يستترون به ويحرسون العدو، ~~من نحو الترس، والدرع، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (وأسلحتهم): ما يقاتل به من السلاح ويحارب. # ويحتمل ما يتحصن به من الحصن، من نحو الجبال وغيرها. # وفيه الأمر بتعلم آداب الحرب والقتال، وأخذ الأهبة والإعداد للعدو دون أن ~~يكلوا الأمر إلى ذلك؛ ولكن يكلوا الأمر إلى ما وعد الله لهم من النصر بقوله ~~- تعالى -: (وما # PageV03P345 # النصر إلا من عند الله)، وبقوله: (وخذوا حذركم) وقوله - تعالى -: (وأعدوا ~~لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، وقوله: (فانفروا ثبات أو انفروا ~~جميعا)، وغيره من الآيات، فيها الدلالة على تعلم آداب الحرب وأخذ الأهبة ~~فيه؛ حيث أمرهم - عز وجل - بمجاهدة العدو في غير آي من القرآن. # وقوله - عز وجل -: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم. . .) ~~الآية. # هذا يعلم بالطبع أن كل أحد يطلب الفرصة على عدوه والغفلة منه، هذا معروف ~~في طباع الخلق. # وقوله - عز ms1164 وجل -: (عن أسلحتكم): ما يحارب به ويقاتل. # وقوله - عز وجل -: (وأمتعتكم) - يحتمل: أمتعتكم: ما يحرس به العدو ويستتر ~~به منه، أي: يطلبون الغفلة عن الأسلحة والأمتعة. # ويحتمل: الأمتعة أن يريد بها غيرها، من: الثياب وغيرها. # وقوله - عز وجل -: (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ~~أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم) # في الآية دلالة أن الله - تعالى - لم يرد بقوله: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم. . .)، - بذلها للقتل؛ حيث رخص لهم وضع الأسلحة وأخذ الحذر ~~عندما بلوا بالمطر والمرض؛ لأنه لو كان المراد بشراء الأنفس منهم بذلها ~~للقتل - لكان لا يرفع ذلك عندما يخافون على أنفسهم من الهلاك؛ إذ الحرض ~~وخوف الهلاك لا يرفع ذلك في الأحوال كلها إذا كان الأمر بذلك أمرا بالقتل ~~والهلاك؛ ألا ترى أن من وجب عليه الرجم لم يرفع عنه بالمرض الرجم؛ لأن في ~~الرجم هلاكه، فلما رفع عنهم القتال في حال المرض، أو في الحال الذي يخاف ~~الهلاك - دل أنه لم يرد بشراء الأنفس بذلها للقتل؛ ولكن أراد - والله أعلم ~~- إظهار دين الله، ونصر أهل دينه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما)، جعل الثواب والأجر عند الغلبة على عدوه مثل ~~ما جعل عند القتل، ولو كان الأمر بذلك أمرا بالقتل خاصة - لا يستوجب الأجر ~~والثواب بغيره؛ دل أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: (فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا): جعل الوعد للقاتل ما جعل # PageV03P346 # للمقتول. # هذا كله يدل أن الأمر بذلك ليس على القتل. # وقوله - عز وجل -: (وخذوا حذركم) # قد ذكرنا أن الأمر بأخذ الحذر يحتمل وجهين: # أحدهما: فيه الأمر بتعلم آداب الحرب وأسباب القتال، وألا يكلوا الأمر إلى ~~ذلك خاصة؛ لكن إلى ما وعد لهم من النصر والظفر على عدوهم بعد أخذ الأهبة؛ ~~ألا ترى أنه قال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . .) الآية، وقال - تعالى ~~-: (وليأخذوا أسلحتهم. . .) الآية. # والثاني: يحتمل أن يأمرهم بأخذ ما يدفعون به سلاح العدو عن أنفسهم ms1165 ويتقون ~~به، نحو الترس، أو الدرع، أو البنيان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) # أي: أعد لهم من العذاب ما يهانون به، نصروا أو غلبوا، وأعد لكم من الثواب ~~ما تشرفون وتفوزون به، نصرتم أو غلبتم؛ فما لكم لا تقاتلون؟!. # وقوله - عز وجل -: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم ... (103) # قيل: يحتمل وجهين: # يحتمل: (فإذا قضيتم الصلاة)، أي: إذا فرغتم منها، فاذكروا الله على كل ~~حال، تستعينون به بالنصر على عدوكم، كقوله - تعالى - (فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا) أمر بالثبات عند لقاء العدو؛ وذكر الله؛ استعانة منه على ~~عدوهم؛ فعلى ذلك الأول. # ويحتمل: أن يكون معناه: إذا أردتم أن تقضوا الصلاة فاذكروا الله كثيرا في ~~أي حال كنتم: في حال القيام، والركوع، والسجود؛ كقوله: (وإذا كنت فيهم ~~فأقمت لهم الصلاة. . .) معناه - والله أعلم -: إذا كنت فيهم فأردت أن تقيم ~~لهم الصلاة فافعل كذا؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) # وهذا - والله أعلم - مقابل قوله: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة # PageV03P347 # إن خفتم. . .) الآية، وقد ذكرنا أن القصر يحتمل وجوها: # يحتمل: القصر للضرب في الأرض، وهو القصر في عدد الركعات. # ويحتمل القصر للمرض والخوف، فهو قصر الإيماء، فنحن نأخذ بذلك كله على ~~اختلاف الأحوال؛ فعلى ذلك قوله: (فإذا اطمأننتم) يحتمل الوجوه التي ذكرنا، ~~أي: اذا اطماننتم صرتم أصحاء؛ فصلوا كذا صلاة الأصحاء. # ويحتمل: (فإذا اطمأننتم): أمنتم من الخوف؛ فصلوا كذا. # ويحتمل -أيضا-: (فإذا اطمأننتم) إذا رجعتم وأقمتم، فصلوا صلاة المقيمين ~~أربعا؛ فهذا - والله أعلم - على ما ذكرنا مقابل قوله: (وإذا ضربتم في ~~الأرض. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) أي: ~~مفروضا، وهو قول ابن عباس. # وقيل: (كتابا موقوتا) أي: لها وقت كوقت الحج، وهو قول ابن مسعود، رضي ~~الله عنه. # وقيل: (كتابا موقوتا): محدودا، فنحن نقول بهذا كله، نقول: إنها مفروضة، ~~موقوتة، محدودة؛ على ما قيل، والله أعلم. ms1166 # والآية ترد على من يقول بأن على الكافر الصلاة؛ لأنه أخبر أنها كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا، وهم يقولون: على الكافرين والمؤمنين، لكنها كتبت ~~على المؤمنين فعلا، وعلى الكافرين قولا؛ هذا - والله أعلم - معنى قوله: (إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)، أي: فعلها على المؤمنين كتابا ~~موقوتا. # ثم يحتمل قوله: (كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) أي: لم تزل هي كانت ~~كتابا موقوتا على الأمم السالفة، لا أن هذه الأمة خصت بها؛ كقول إبراهيم - ~~عليه السلام -: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي)، وكقول عيسى - عليه ~~السلام -: (وأوصاني بالصلاة والزكاة. . .)، وكقول موسى - عليه السلام -: ~~(واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة). # PageV03P348 # ويحتمل قوله - تعالى -: (كانت)، أي: الصلوات صارت (على المؤمنين كتابا ~~موقوتا) بعد أن لم تكن. وكل ذلك محتمل، ولكن لا نشهد على الله أنه أراد ~~كذا، وكذلك في قوله - تعالى -: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة). # وقوله - تعالى -: (فإذا اطمأننتم) نتأول فيه ونعمل فيه بالوجوه كلها على ~~اختلاف الأحوال؛ لاحتماله الوجوه التي ذكرنا؛ فلا نقطع القول فيه، ولا نشهد ~~على الله أنه أراد كذا، وهكذا السبيل في جميع المجتهدات أن نعمل بها، ولا ~~نشهد على الله أنه أراد ذا أو أمر بذا، وبالله التوفيق. # ذكر الله - تعالى - ما بين فرض الصلاة ووجوبها في غير موضع من كتابه، ~~منها الآية التي ذكرناها، ومنها قوله - تعالى -: (وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة)، وقوله - تعالى -: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين)، ولم تدل هذه الآيات على كيفية الصلاة وعددها؛ إنما دلت ~~على وجوبها ولزوم فرضها، ودلت آيات أخر على عددها وجمل أوقاتها؛ قال الله - ~~سبحانه وتعالى -: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا)، فهذه ثلاثة أوقات ذكر الله - تعالى - فيهن ثلاث ~~صلوات، روي عن مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: سالته عن قول الله ~~- تعالى - (أقم الصلاة لدلوك ms1167 الشمس. . .)؛ قال: إذا زالت الشمس عن بطن ~~السماء، لصلاة: الظهر (إلى غسق الليل) وقال: بذا صلاة المغرب. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: (لدلوك الشمس) قال: دلوكها: زيغها بعد ~~نصف النهار، وهو وقت الظهر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: دلوكها: زوالها. # PageV03P349 # وعن عبد الله قال: (لدلوك الشمس) قال: زوالها # وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس قالا: (لدلوك الشمس): غروبها. # فأي التأويلين كان دلوك الشمس فقد أوجب فيه صلاة، وصلاة عند غسق الليل، ~~وصلاة عند الفجر؛ فهذه ثلاث صلوات. # قال الله - تعالى -: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل)؛ فأحد ~~طرفي النهار يجب فيه صلاة الفجر، وقد ذكر في هذه الآية، والطرف الآخر قبل ~~غروب الشمس؛ فهذه أربعة، وهي العصر. # وروي عن الحسن - رضي الله عنه - أن الصلوات الخمس مجموعة في هذه الآية: ~~(وأقم الصلاة طرفي النهار. . .)، قال: صلاة الفجر، والطرف الآخر: الظهر ~~والعصر: (وزلفا من الليل. . .)، المغرب والعشاء. # فأي التأويلين كان فإن صلاة العصر مذكورة في هذه الآية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة: ~~(فسبحان الله حين تمسون)، المغرب والعشاء، (وحين تصبحون): الفجر، (وعشيا) ~~العصر، (وحين تظهرون): الظهر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أيضا: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب)؛ قال: الصلاة المكتوبة. # دلت هذه الآيات - والله أعلم - أن الله - تعالى - فرض على عباده في كل ~~يوم وليلة # PageV03P350 # خمس صلوات، وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف فرضت الصلاة؟ ومتى ~~فرضت؟. # وروي عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: " خمس صلوات كتبها الله - تعالى - على العباد، فمن أتى بهن لم يضيع ~~من حقهن شيئا استخفافا بحقهن؛ فإن له عند الله عهدا أن يدخله الجنة، ومن لم ~~يأت بهن فليس له عند الله عهد: إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة ". # وعن أبي معبد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حين بعث معاذا إلى اليمن ms1168 قال: " إنك تأتي قوما أهل الكتاب، فادعهم ~~إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن ~~الله - سبحانه وتعالى - فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ". وعلى ذلك ~~اتفاق الأمة لا اختلاف بينهم، إلا أن قوما زعموا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أوجب بعد ذلك الوتر؛ بقوله: " إن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر ". # وليس في الكتاب ذكر ولا دليل وجوبه؛ فتركنا الكلام فيها، لكن أبا حنيفة - ~~رضي الله عنه - سلك فيها مسلك المكتوبة؛ احتياطا. # * * * # قوله تعالى: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم # PageV03P351 # بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن ~~الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا ~~يحب من كان خوانا أثيما (107) # وقوله - عز وجل -: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم ~~يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ... (104) # في الآية دلالة فرضية الجهاد؛ لأنه - عز وجل - أخبر أنهم يألمون ويتوجعون ~~بما يصيبهم من الجراحات كما تألمون أنتم وتتوجعون بها؛ فلو كان نفلا لكان ~~يرفع عنهم الجهاد عند الألم والتوجع؛ على ما يرفع سائر النوافل عند الألم ~~والتوجع؛ فدل أنه فرض، لكنه فرض كفاية، وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض عن ~~الباقين. وقد ذكرنا فيما تقدم الوجه فيه. # وقوله - تعالى -: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم)، فمعناه - والله أعلم - ~~أي: لا عذر لكم في تألمكم أن تهنوا في ابتغائهم؛ (فإنهم يألمون كما تألمون) ~~ولا أيضعفون في ذلك، و (وترجون) أنتم العاقبة من الثواب الجزيل (ما لا ~~يرجون)، ثم هم لا يضعفون؛ فكيف تضعفون أنتم في ذلك؟! وكل أمر لا عاقبة له ~~فهو عبث، وليس لأمرهم عاقبة؛ فهو عبث، ولأمركم عاقبة محمودة؛ فأنتم أولى في ~~ذلك. # ودل قوله: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) - على تأكد فرضية الجهاد؛ إذ ms1169 لم ~~ياذن لهم في التخلف عن ذلك، على ما فيه من التالم، وخوف هلاك النفس في ذلك، ~~ثم بين ما يخفف لمثله بحمل المكروه على الطبع له، وقد يختار له مباشرة ~~الأتعاب في النفس من عواقب تنقطع وتزول؛ فكيف فيما ألا انقطاع، له من رجاء ~~الثواب بذلك التألم؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله عليما). # بتألمكم، أي: عن علم بالتألم أمركم بذلك، لا عن جهل. وقد ذكرنا ذلك في ~~غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... (105) # قوله: (بالحق) يتوجه وجوها: # بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب. # ويحتمل: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس. # PageV03P352 # ويحتمل قوله: (بالحق)، أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، # وإهمال كل ذي لب لا يؤمر ولا ينهى - خروج عن الحكمة. # أو أن يقال: (بالحق)، أي: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة. # وقوله - تعالى -: (بالحق) أي: بالحق الذي لله، أو لبعض على بعض، أو لأمر ~~كانت، وهو البعث؛ ليعد له، ويتزودوا بالذي يحمد عليه فاعله؛ إذ الحق صفة ~~لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم. # وقد يحتمل بالعدل والصدق على الأمر من التغيير والتبديل، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (لتحكم بين الناس بما أراك الله). # قيل: إن في الآية دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: (لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله) دل قوله (بما أراك الله) أن ثمة معنى يدرك بالنظر والتأمل؛ لأنه ~~لو كان يحكم بالكل بالكتاب، لكان لا معنى لقوله: (بما أراك الله). # ولكن يقول له: لتحكم بين الناس بالكتاب؛ دل أنه يحكم بما يريه الله ~~بالتدبر فيه والتأمل، لكن اجتهاده كالنص؛ لأنه لا يخطئه؛ لأنه أخبر أنه ~~يريه ذلك؛ فلا يحتمل أن يريه غير الصواب، وأما غيره من المجتهدين فيجوز أن ~~يكون صوابا، ويجوز أن يكون خطأ؛ لأنه لا ينكر أن يكون الشيطان هو الذي أراه ~~ذلك فيكون خطأ؛ فلا يجوز أن يشهد عليه بالصواب ما لم يظهر، وأما اجتهاده - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو ms1170 كله يكون صوابا؛ لأن الله - تعالى - هو الذي أراه ~~ذلك؛ فنشهد أنه صواب. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكن للخائنين خصيما) قال أكثر أهل التفسير: إنه ~~هم أن يقوي سارقا - يقال له: طعمة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: (ولا تكن ~~للخائنين خصيما)؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، ~~فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار ~~غيره. فلئن كان ذلك إنما كان لما ذكرنا. # وأما النهي عن أن يكون للخاثنين خصيما: نهي وإن كان يعلم أنه لا يكون لما ~~عصمه الله؛ كقوله - تعالى -: (ولا تكونن من المشركين)، (فلا تكونن من ~~الممترين)، إن كان عصمه من أن يكون منهم، والعصمة إنما تنفع إذا كان # PageV03P353 # ثمة أمر ونهي، فأما إذا لم يكن ثمة لا أمر ولا نهي فلا معنى للعصمة ~~والتوفيق. # وقوله - عز وجل -: (واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) # وقوله - تعالى -: (واستغفر الله)، ليس هو قول الناس: نستغفر الله، ولكن ~~كأنه قال: كونوا على الحال التي تكون أعمالكم مكفرة للذنوب؛ ألا ترى إلى ~~قول هود لقومه: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه. . .) الآية. وقال ~~نوح - عليه السلام - لقومه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا. . .) الآية، لم ~~يريدوا أن يقولوا: نستغفر الله قولا حسب؛ ولكن أرادوا أن يكونوا على الحال ~~التي تكون أعمالهم مكفرة لذنوبهم؛ لأنهم لو قالوا بلسانهم ألف مرة: نستغفر ~~الله، لكان لا ينفعهم ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (واستغفر الله إن الله كان غفورا ~~رحيما) # وحقيقة الاستغفار وجهان: # أحدهما: الانتهاء عما أوجب العقوبة؛ لقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف) وعلى ذلك معنى قول من ذكر. # والثاني: طلب الستر بالعفو والتجاوز. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ... (107) هو ما ~~ذكرنا أن العصمة لا تنفع؛ إذا لم يكن أمر ونهي. # وقوله - عز وجل -: (يختانون أنفسهم): لا أحد يقصد قصد خيانة نفسه، ولكن ~~لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم ~~كقوله: ms1171 (وما يخدعون إلا أنفسهم)، لا أحد يقصد قصد خداع نفسه؛ لكن لما رجع ~~في العاقبة حاصل الخداع إليهم - صاروا كأنهم خدعوا أنفسهم؛ فعلى ذلك الأول، ~~والله أعلم. # قوله تعالى: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ~~ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون ~~عليهم وكيلا (109) # وقوله - عز وجل -: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم) # يحتمل وجهين: # يحتمل: (يستخفون من الناس)، أي: يحتشمون من الناس أن يعلموا بصنيعهم، ولا ~~يحتشمون من الله، على علم منهم أنه لا يخفى عليه شيء. # ويحتمل: (يستخفون من الناس)، أي: يسترون سرهم من الناس. # PageV03P354 # وكذلك روي في حرف حفصة: ولا يستترون من الله، ولكن الله يطلع الناس على ~~ما يسرون. # (وهو معهم)، أي: لايخفي عليه شيء. # وقوله: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم) - على وجهين: # أحدهما: على نفي القدرة وإثباتها: أن لهم ذلك في الإخفاء من الناس، وليس ~~لهم في الإخفاء عن الله. # والثاني: على قلة المبالاة: يعلم باطلاع الله - تعالى - عليهم، وتركهم ~~مراقبة الله في الأمور، واجتهادهم في ذلك عن الخلق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - قال: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) يقول: من العمل والفرية ~~على اليهودي، بالسرقة. # وقيل: يبيتون: أي يؤلفون القول فيما بينهم، فيقولون: يأتي به النبي، ~~فيقول له كذا وكذا؛ ليدفعوا عن صاحبهم الخيانة والتهمة، وهو طعمة؛ على ما ~~قيل في القصة: إنه سرق درع رجل فرماها في دار يهودي. # وقيل: إنه خبأها في دار يهودي، فلما طلب منه حلف بالله أنه ما سرق. # وقيل: التبييت: هو التقدير بالليل، وقد ذكرناه في قوله: (بيت طائفة منهم. ~~. .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله بما يعملون محيطا) # هو على الوعيد؛ أي: عن علم منه يفعلون هذا، لا عن ms1172 غفلة؛ كقوله - تعالى -: ~~(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون)، لكنه يؤخره إلى يوم على علم منه ~~ذلك، وعلى الإعلام أن الله لم يزل عالما بما يكون منهم، وعلى ذلك امتحنهم، ~~وبالله التوفيق. # PageV03P355 # وقوله - عز وجل -: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ... ~~(109) # قيل: يعني: أصحاب طعمة؛ أي: لو خاصمتم عنهم يا هؤلاء في الدنيا (فمن ~~يجادل الله عنهم يوم القيام) # أي: لا أحد يخاصم عنهم يوم القيامة. # (أم من يكون عليهم وكيلا) يخاصم عنهم يوم القيامة. # وقيل: كفيلا، أي: في الدفع عنهم؛ كقوله - تعالى -: (الذين يجادلون في ~~آيات الله)، أي: في دفعها وإرادة أن يدحضوا بالباطل. # وقيل: رقيبا. # وقيل: كفيلا. # والوكيل: هو القائم بحفظ الأمور، والقاضي للحوائج، والمزيح للعلل. # * * * # قوله تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ~~(111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما ~~مبينا (112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) # وقوله - عز وجل -: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه) # هما سواء، أي: من عمل سوءا فقد ظلم نفسه، ومن ظلم نفسه فقد عمل سوءا. # ويحتمل ما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: من يعمل سوءا إلى الناس، أو ~~يظلم نفسه فيما بينه وبين الله. # ثم روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: أرجى آية في القرآن ~~هذه قوله: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه. . .) الآية. # وروي عنه -أيضا- قال: أربع آيات من كتاب الله - تعالى - أحب إلي من حمر ~~النعم وسودها -: قوله: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها)، ~~إلى آخره، وقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، # PageV03P356 # وقوله - تعالى -: (ولو أنهم إذ ظلموا ms1173 أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله. . .) ~~الآية، وقوله - تعالى -: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه. . .) الآية. # وعن علقمة والأسود قالا: قال عبد الله: إن في كتاب الله لآيتين، ما أصاب ~~عبد ذنبها فقرأهما، ثم استغفر الله إلا غفر له: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم. . .) إلى آخر الآية، وقوله: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله)، وقوله - تعالى -أيضا-: (ومن يكسب خطيئة أو إثما) يحتمل كل ~~واحد منهما أنه الآخر؛ كرر على التأكيد فيما جرى له الذكر. # ويحتمل التفريق: أن يكون سوءا إلى الناس وخطيئة إليهم، أو يظلم نفسه: بما ~~يأثم بما بينه وبين الله. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ... (111) لأن ~~حاصله يرجع إليه؛ فكأنه كسب على نفسه. # وقوله: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ... (112) # يحتمل: أن يكون قوله: (ومن يكسب خطيئة أو إثما) واحدا: الخطيئة هي الإثم، ~~والإثم هو الخطيئة. # وقيل: (ومن يكسب خطيئة) سرقته الدرع (أو إثما): يقول بيمينه الكاذبة: أنه ~~لم يسرقها، وإنما سرقها فلان اليهودي. # وقوله - عز وجل -: (ثم يرم به بريئا) # قيل: لما طلب في داره رماها في دار اليهودي، ثم حلف باطلا وزورا: أنه لم ~~يسرقها. # وقوله - عز وجل -: (فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا). # يقول: كذبا على آخر بما لم يفعل. # والبهتان: هو أن يبهت الرجل الرجل كذبا بما لم يفعل، (وإثما مبينا): ~~بيمينه الكاذبة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ~~... (113) # قال أكثر أهل التأويل: نزلت هذه الآية في شأن طعمة الذي سرق درع جار له # PageV03P357 # بالذي سبق ذكره، وقالوا: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن ~~يضلوك)، أي: يخطئوك، وليس هو الإضلال في الدين، ولكن إن كان كما قالوا فهو ~~تخطئة الحكم. # ويحتمل قوله: (أن يضلوك)، أي: يجهلوك في حكم السرقة. # ويجوز أن يكون جاهلا في سرقته؛ لما لم يدر أنه سرق، وكان يصدقه في الحكم ~~أنه لم يسرق؛ لأنه إنما كان يعلم الأشياء بالوحي، ثم أعلم ms1174 أنه قد سرق. # ويحتمل: أن تكون الآية في الكفار كلهم؛ لأن الكفرة والمنافقين لم يزل ~~كانوا يريدون أن يضلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الهدى، ويصرفوه ~~عنه؛ كقوله - تعالى -: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)، وكقوله - ~~تعالى -: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا). # ثم يحتمل قوله - تعالى -: (ولولا فضل الله عليك ورحمته)؛ حيث عصمك ~~بالنبوة؛ وإلا لأضلوك عن سبيل الله: الهدى، وهو كقوله - عز وجل -: (ولولا ~~أن ثبتناك) أي: بالعصمة، (لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا). # والثاني: ولولا فضل الله عليك ورحمته؛ حيث أعلمك بالحكم في ذلك، وبصرك به ~~بالوحي، وصرفك عن تصديق ذلك الخائن، إن ثبت ما قالوا؛ وإلا لهموا أن يخطئوك ~~ويجهلوك فيه. # ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنه من على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه عصمه، وهم يقولون: كان عليه أن يعصمه، وهو كان يستحق ذلك قبله. فلو كان ~~عليه ذلك لم يكن للامتنان عليه بذلك معنى؛ إذ فعل ما كان عليه أن يفعل؛ على ~~زعمهم، ومن فعل فعلا عليه ذلك - لم يقل إنه تفضل؛ دل أنه ليس كما قالوا، ~~وبالله التوفيق والعصمة. # وقوله -أيضا-: (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك) ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: يكفهم عما هموا. # والثاني: يعصمه عما راموا فيه أن يظفروا منه بعد أن أظهروا ما طلبوا. # وقوله: (يضلوك): يجهلوك الحكم بالتلبيس وأنواع التمويه يرجع ذلك إلى ~~نازلة. # PageV03P358 # والثاني: أن يكون بالإضلال عن السبيل والحيل في الصرف عن الحق، وهذا هو ~~الذي لم يزل أعداء الله يقصدون برسول الله وبجميع أهل الخير؛ فكفهم بوجهين، ~~يتوجه كل وجه إلى وجهين: # أحدهما: ظواهر الأسباب من الوحي والآيات، وكذا في كفهم مرة بالقتال ~~والأسباب الظاهرة، ومرة باللطف والعصمة، وسمى ذلك فضلا ورحمة؛ ليعرف أن ذلك ~~فضله لا حقا قبله؛ إذ ليس بذل الحقوق يعد في الفضائل. # وقوله - عز وجل -: (وما يضلون إلا أنفسهم) لا أحد يقصد قصد إضلال نفسه؛ ~~لكن لما رجع ms1175 حاصل ذلك الإضلال إلى أنفسهم كأنهم أضلوا أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وما يضرونك من شيء). # أمن رسوله عن ضرر أولئك؛ كقوله - تعالى -: (والله يعصمك من الناس). # وقوله - عز وجل -: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) # قد ذكرناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وعلمك ما لم تكن تعلم) # من الحلال والحرام والأحكام كلها، وغير ذلك؛ كقوله: (ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان)، فهو كذلك كان. # وقوله - عز وجل -: (وكان فضل الله عليك عظيما) # فيما علمك من الأحكام، وعصمك بالنبوة والرسالة، وصرف عنك ضرر الأعداء ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ~~(114) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) # وقوله - عز وجل -: (لا خير في كثير من نجواهم). # اختلف في النجوى: # PageV03P359 # قيل: النجوى: القوم؛ كقوله: (وإذ هم نجوى)، أي: رجال. # وقيل: النجوى: هي الإسرار؛ كقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة. . .) الآية. # ثم استثنى: (إلا من أمر بصدقة أو معروف. . .) الآية. # فإن كان التأويل من النجوى هو فعل النجوى خاصة، فكأنه قال: لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس. ~~وإن كان تأويل النجوى هو القوم، فكأنه قال: والله أعلم: " لاخير في كثير ~~منهم إلى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس؛ وكان هذا أقرب. # ومعنى الثنيا من الكثير فيما يرجع إلى القوم؛ فكأنه قال: لا خير في كثير ~~منهم إلا من يرجع أمره إلى ما ذكر؛ فيصير إلى خير. # وقد يحتمل: أن قوما منهم يرجع نجواهم إلى خير، وهم أقلهم، ومن الفعل، على ~~أن الفعل ربما يكون فعل خير، وإن كانوا أهل النفاق والكفر، لكن بين أنه غير ~~مقبول إلا أن يبتغي به مرضاة الله، وذلك لا يكون إلا أن يؤمنوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن ms1176 يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين ... (115) # قيل: لما تبين خيانته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - استحيا أن يقيم ~~بالمدينة؛ فارتد، ولحق بمكة كافرا؛ فنزل قوله - تعالى -: (ومن يشاقق ~~الرسول) يقول: يخالف الرسول (من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (من بعد ما تبين له الهدى)، يقول: من بعد ~~ما كان كافرا تبين له الإسلام وأسلم. # وقال: لما أبان أمر طعمة، وعلم أنه سرق الدرع - أنزل الله - تعالى -: ~~(والسارق # PageV03P360 # والسارقة فاقطعوا أيديهما)؛ قيل له: يا طعمة، إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قاطعك؛ فخرج هاربا إلى مكة. # وقوله - عز وجل -: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) يعني: غير دين المؤمنين. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ويسلك غير سبيل المؤمنين ". # وقوله - عز وجل -: (نوله ما تولى) # أي: نتركه وما تولى من ولاية الشيطان. # وقيل: ندعه وما اختار من الدين غير دين المؤمنين. # (ونصله جهنم)، أي: ندخله جهنم في الآخرة. # وقيل: قوله: (نوله ما تولى)، أي: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا. # (وساءت مصيرا) # يقول: بئس المصير صار إليه. # وقوله - تعالى -: (نوله ما تولى) أنه تولى الشيطان؛ فجعله الله وليا؛ ~~كقوله - تعالى -: (ومن يتخذ الشيطان وليا)، وغير ذلك، ويكون نخذله فيما ~~اختاره، ونكون نجزه جزاء توليه، ويكون بخلق توليه منه جورا باطلا، مهلكا ~~له، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون ~~إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ~~ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ~~ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا ms1177 وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء. . .) الآية. # في الآية دليل ألا يصير بكل ذنب مشركا؛ على ما قاله الخوارج لما قسم ~~الكتاب، ولا # PageV03P361 # يحتمل إضمار التوبة؛ لأن الشرك مما: يغفر بالتوبة؛ فبطل قولهم. # وفيه بطلان قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة؛ لأن الله - تعالى - ~~جعل لنفسه مشيئة المغفرة، وذلك فيما في الحكمة دفعه سفه؛ فلزم الذي ذكرنا ~~الفريقين جميعا. # ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الصغائر - ما بلى بها ~~الأنبياء والأولياء؛ وما يكفر صاحبه - يسقط النبوة والولاية، ومن كان وصف ~~إيمانه بالأنبياء - عليهم السلام - هذا؛ فهو كافر بهم. # وعلى المعتزلة في ذلك أن الله وصف الأنبياء - عليهم السلام - بالدعاء له ~~تضرعا وخيفة، وخوفا وطمعا، وبكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم ~~إليه؛ حتى أجيبوا في دعائهم، ولو لم يكن ذنوبهم بحيث يحتمل التعذيب عليها ~~في الحكمة، لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجور والتعوذ به، وذلك أعظم من ~~الزلات. # فهذا ينقض قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر، وإخراج فعل التعذيب ~~عن الحكمة، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان بها، ولا عصمة إلا بالله. # ثم قوله: (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) - يحتمل: الشرك ~~في الاعتقاد، وهو أن يشرك غيره في ربوبيته وألوهيته، وبين أن يشرك غيره في ~~عبادته؛ ألا ترى أنه قال: - عز وجل -: (أنما إلهكم إله واحد)، ثم قال الله ~~- تعالى - في آخره: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا): جعل الإشراك في الألوهية ~~والربوبية، والإشراك في العبادة واحدا؛ كله شرك بالله، وبالله التوفيق. # ثم قوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) لا يحتمل ما قالت المعتزلة: إنه ~~وعد المغفرة فيما يشاء، ثم بين ذلك في الصغائر بقوله - تعالى -: (إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وقد ثبت الوعيد في ~~الكبائر؛ بقي الوعد بحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله. # وقيل: قوله: ms1178 (لمن يشاء) كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام ~~والأجرام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن ~~الأنفس؛ لأنه لم يقل: ما شاء، ولكن قال - عز وجل -: (لمن يشاء)؛ فذلك كناية ~~عن الأنفس. # وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء على ما قيل: لا صرف ~~في # PageV03P362 # ذلك؛ فهو أولى. # وبعد: فإنه قال: (لمن يشاء)، والصغائر عندهم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، ~~والآية في التعريف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن يدعون من دونه إلا إناثا ... (117) # عن الحسن قال: الإناث: الأموات التي لا روح فيها وكذلك روي عن ابن عباس، ~~رضي الله عنه. # وقيل قوله - تعالى -: (إلا إناثا): هم الملائكة؛ لأنهم يقولون: الملائكة ~~بنات الله في السماء؛ فعبدوها؛ فإنهم إنما عبدوا الإناث عندهم وفي زعمهم. # وقيل: إناثا من الوثن؛ وكذلك روي في حرف عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~كانت تقرأ: " إن يدعون من دونه إلا أوثانا "، وهو الصنم؛ سمي إناثا لما ~~صوروها بصور الإناث، وحلوها، وقلدوها قلائد، وزينوها بزيهم، ثم يعبدونها لم ~~يعبدوها على ما كان في الأصل؛ فسمي بذلك. # وقيل، سمي إناثا؛ لأنهم كانوا يسمون ما يعبدون من الأصنام والأوثان: ~~اللات، والعزى، ومناة؛ فأسماؤهن أسماء إناث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن يدعون إلا شيطانا مريدا): # أخبر الله - عز وجل - أنهم وإن كانوا يفرون من الشيطان ويأنفونه - فإنهم ~~بعبادتهم # PageV03P363 # الأصنام؛ والأوثان يعبدون الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعوهم إلى ~~عبادتهم الأصنام؛ فكأنهم عبدوه؛ ألا ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قال: ~~(يا أبت لا تعبد الشيطان): جعل عبادة الصنم عبادة للشيطان؛ حيث قال له: (لا ~~تعبد الشيطان)؛ فدل أن عبادتهم الأوثان عبادة للشيطان، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (مريدا)، قال ابن عباس: المريد: هو العاتي. # وقوله - عز وجل -: (لعنه الله ... (118) # اللعنة: هي الإبعاد من رحمة الله، فسمي: ملعونا؛ لأنه مبعد من رحمة الله، ~~مطرود منها. # وقوله - عز وجل -: (وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا). # إنه - لعنه الله - وإن قطع القول فيه: لأتخذن من كذا، ms1179 قطعا - فهو ظن في ~~الحقيقة؛ ألا ترى أنه قال - تعالى - في آية أخرى: (ولقد صدق عليهم إبليس ~~ظنه)؛ دل أن ما قاله، قاله ظنا، لكنه خرج مقطوعا محققا، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (نصيبا مفروضا)، أي: مبينا معلوما، والنصيب المفروض هو ~~ما ذكر: (ولأضلنهم. . . إلى آخر ما ذكر (مفروضا)، أي: مبينا: من يطيعه ومن ~~لا يطيعه. # وقوله - عز وجل -: (ولأضلنهم ولأمنينهم ... (119) # قيل: هذا إخبار عن الله - تعالى - عباده عن صنيع اللعين؛ ليكونوا على حذر ~~منه. # ثم قوله: (ولأضلنهم) - ليس على حقيقة الإضلال؛ لأنه لا يقدر أن يضل أحدا، ~~لكنه يدعو إلى الضلال ويزين عليهم طريقه، ويلبس عليهم طريق الهدى؛ فذلك ~~معنى إضافة الإضلال إليه؛ وإلا لم يملك إضلال أحد في الحقيقة؛ كقوله - ~~تعالى -: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم. . .) الآية. ثم إذا ~~ضلوا بدعائه إلى ذلك وتزيينه عليهم سبيله - يمنيهم عند ذلك؛ حتى يتمنوا ~~أشياء؛ كقوله: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه. ~~. .) الآية، وكقوله - تعالى - # PageV03P364 # (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم)، ونحو ذلك ~~من الأماني، وذلك مما يمنيهم الشيطان، لعنة الله عليه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (ولأضلنهم)، يعني: عن الدين، (ولأمنينهم) ~~أن يصيبوا خيرا لا محالة؛ ليأمنوا. # وفي حرف ابن مسعود: " ولأعدنهم ولأمنينهم ولأحرمن عليهم الأنعام ولآمرنهم ~~فليبدلن خلقك ولآمرنهم فليبتكن ". # وقوله: (فليبتكن آذان الأنعام) # فجعلوها نحرا للأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها. # وقوله - عز وجل -: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) # يحتمل هذا وجهين، سوى ما قال أهل التأويل: # أحدهما: أن الله - تعالى - خلق هذا الخلق؛ ليأمرهم بالتوحيد، وليجعلوا ~~عبادتهم له، لا يعبدون دون الله غيره؛ كقوله - تعالى -: (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم. . .) الآية؛ فهو دعاهم أن يجعلوا ~~عبادتهم لغير الله، وهو ما قيل في قوله - عز وجل -: (فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)، قيل: لدين الله؛ فعلى ~~ذلك يحتمل قوله: (فليغيرن خلق ms1180 الله)، أي: عن الذي كان خفقه إياهم لذلك، ~~والله أعلم. # والثاني: أنه - عز وجل - خلق الأنعام والبهائم لمنافعهم، وسخرها لهم، فهم ~~حرموها على أنفسهم، وجعلوها للأوثان والأصنام: كالبحيرة، والسائبة، ~~والوصيلة، والحام؛ منعوا منافعها التي خلقها لهم عن أنفسهم، وذلك تغيير ما ~~خلق الله لهم، والله - تعالى - أعلم. # وأما أهل التأويل فإنهم قالوا غير الذي ذكرنا: # قال بعضهم: قوله: (فليغيرن خلق الله): الإخصاء، وهو قول ابن عباس، رضي ~~الله عنه. # وقال آخرون: هو دين الله. # PageV03P365 # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال -أيضا-: دين الله. # وقيل: هو ما جاء من النهي عن الواشرة، والنامصة، والمتفلجة، والواصلة، ~~والواشمة. # ولا يحتمل أن يكون خطر بباله يومئذ أنه أراد بتغيير خلق الله ما قالوا من ~~الإخصاء، أو المثلة، والواشرة، والنامصة؛ لأنه إنما قال ذلك يوم طلب من ربه ~~النظرة إلى يوم البعث، ولا يحتمل أن يكون له علم ألا يحل هذا أو النهي عن ~~مثله؛ إذ قد يجوز أن ترد الشريعة في مثله؛ لذلك بعد هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله). # أي: يطيعه ويجيبه إلى ما دعاه، ويعبده دون الله. # (فقد خسر خسرانا مبين). # في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فذهاب المنافع عنهم التي جعلوها ~~للأصنام والأوثان، وفي الآخرة العقوبة. # وقوله - عز وجل -: (يعدهم ... (120) # إما فقرا وإما سعة # PageV03P366 # (ويمنيهم) # هو ما ذكرنا من الأماني وقضاء الشهوات في الدنيا # (ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) # والغرور: هو أن يرى شيئا يظهر خلافه. # (أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) # الآية ظاهرة، قيل: مفرا، وقيل: ملجأ. # وقوله - عز وجل - (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ... (122) # قد ذكرنا هذا فيما تقدم: أن الإيمان هو التصديق، والأعمال الصالحات غير ~~التصديق. # وقوله - عز وجل -: (وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا) # تأويل هذا - والله أعلم - أن يقال: إنكم ممن تقبلون الأخبار والقول من ~~الناس، ثم لا أحد أصدق قولا من الله - تعالى ms1181 - ولا أنجز وعدا منه؛ كيف لا ~~تقبلون قوله وخبره أنه بعث، وجنة، ونار، وتكذبون قول إبليس أن لا جنة، ولا ~~نار، ولا بعث؟!. # * * * # قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ~~(126) # وقوله - عز وجل -: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز ~~به) أخبر - عز وجل - أن الأمر ليس بالأماني؛ ولكن إلى الله - عز وجل - فهو ~~- والله أعلم - يحتمل أن يكون في المنزلة والقدر عند الله؛ لأنهم قالوا: ~~(نحن أبناء الله وأحباؤه)، وقالوا: (قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات)، وغير ذلك من الأماني. # وأهل التأويل يذهبون إلى غير هذا، وقالوا: إن كل فريق منهم كانوا يقولون: ~~إن ديننا خير من دينكم، ونحن أفضل من هؤلاء؛ فنزل: (ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب). وذلك بعيد. # وقوله - عز وجل -: (من يعمل سوءا يجز به) # اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله - تعالى -: (من يعمل سوءا يجز به)، يعني: ~~[شركا] يجز به؛ يدل على ذلك قوله - عز وجل -: (ولا يجد له من دون الله وليا # PageV03P367 # ولا نصيرا)، وذلك وصف الكافر ألا يكون له ولى يتولى حفظه، ولا نصير ~~ينصره؛ ألا ترى أنه قال: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فأولئك يدخلون الجنة)؛ ذكر الذين يعملون الصالحات - وهم مؤمنون - أن يدخلوا ~~الجنة؛ فهذا -أيضا- يدل أن قوله - عز وجل -: (من يعمل سوءا يجز به) أراد به ~~الشرك. # وقال آخرون: قوله - عز وجل -: (من يعمل سوءا يجز به)، أي: كل سوء يدخل ~~فيه المسلم والكافر؛ ألا ترى أنه روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~لما نزلت هذه الآية، قال: يا ms1182 رسول الله، كيف الفلاح بعد هذا وكل شيء عملناه ~~جزينا به؟! قال: " غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست ~~تمرض؟ ألست يصيبك الأذى؟ فهذا ما تجزون به، يجزى به المؤمن في الدنيا، ~~والكافر في الآخرة "، فإن كان التأويل هذا؛ فقوله: (ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا): هو في الكافر؛ أي: لا يجد له وليا ولا نصيرا إذا لم يرجع ~~عن كفره ومات عليه، وأما إذا رجع عن ذلك، وتاب، ومات على الإيمان؛ فإنه يجد ~~له وليا ونصيرا: ينصره الله - تعالى - وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ... ~~(124) # في الآية دليل أن الأعمال الصالحات غير الإيمان؛ لأنه قال - تعالى -: ~~(ومن يعمل من الصالحات. . . وهو مؤمن)، ولو كان إيمانا؛ فيصير كأنه قال: ~~ومن يعمل الإيمان وهو مؤمن؛ فدل - بما ذكرنا - أنها غير الإيمان، وفيه ~~دلالة -أيضا- أن الأعمال الصالحة إنما تنفع إذا كان ثمة إيمان؛ لأنه شرط ~~فيه الإيمان بقوله - تعالى -: (وهو مؤمن)؛ دل أن الأعمال الصالحة لا تنفع ~~إذا لم يكن ثمة إيمان، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ولا يظلمون نقيرا) # قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ... (125) # يحتمل وجهين: # PageV03P368 # يحتمل من أحسن دينا من المسلمين ممن يعمل جميع عمله موافقا لدينه - ممن ~~لم يعمل؟! بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه - أحسن دينا من الذي لم ~~يعمل شيئا، وهو كما روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه، ~~قال: " لو وزن إيمان أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - بإيمان جميع أمتي، ~~لرجح إيمانه " وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قوي في دينه، ضعيف ~~في بدنه "؛ ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده؟! وذلك لقوته في الدين ~~وصلابته فيه، لا لزيادة الإيمان، ولا لنقصان إيمان في غيره، والله أعلم. # والثاني: مقابلة سائر الأديان، أي: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله - ~~ممن لم ms1183 يسلم وجهه لله. . . إلى آخر ما ذكر، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (أسلم وجهه لله)، عن الحسن قال: أسلم جميع جهة أمره ~~إلى الله، أي: جميع ما يعمل إنما يعمل لله، لا يعمل لغير [الله]. # وقيل: (أسلم وجهه لله)، أي: أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا؛ ~~كقوله - تعالى -: (ورجلا سلما لرجل)، الآية، أي: يسلم نفسه له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو محسن) - يحتمل وجهين: # يحتمل: قوله: (وهو محسن): يحسن ما يعمل، أي: جميع ما يعمل؛ لعلم له فيه. # ويحتمل قوله: (وهو محسن): من الإحسان، وهو أن يزيد العمل على المفروض ~~عليه: يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضا. # وقوله - عز وجل -: (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) # الملة: قيل: هي الدين. # وقيل: الملة: السنة، وكأن السنة أقرب؛ لأن دين الأنبياء - صلى الله عليهم ~~وسلم - كلهم واحد، لا يختلف دين إبراهيم - عليه السلام - ودين غيره من ~~الأنبياء، عليهم السلام. # PageV03P369 # وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف؛ ألا تري أنه روي في الخبر: " ملة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي بعضها: " سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: جعل السنة تفسير الملة؛ فالملة بالسنة أشبه. # ثم خص ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لأن سننه كانت توافق سنن نبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم. وقوله - عز وجل -: (حنيفا) قيل: ~~مخلصا. # وقيل: سمي حنيفا، أي: مائلا إلى الحق؛ ولذلك سمي الأحنف: أحنفا؛ لميل أحد ~~قدميه إلى الأخرى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) # ذكر في بعض الأخبار أن الله - عز وجل - أوحى إلى إبراهيم - صلى الله عليه ~~وسلم -: أن لي خليلا في الأرض؛ فقال: يا رب، من هو؟ قال: فأوحى الله - ~~تعالى - إليه: لم؟ أي: لم تسألني عنه؟ قال: حتى أحبه وأتخذه خليلا كما ~~اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا؛ فقال: أنت يا إبراهيم. # وأصل الخلة: المنزلة، والرفعة، والكرامة، يقول: (واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا)، أي: جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها لأحد من الخلائق؛ لما ms1184 ~~ابتلاه الله ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل أحدا بمثلها، فصبر عليها، من ~~ذلك: ما ألقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما ابتلي بذبح ولده، ~~فأضجعه، وما أمر أن يترك أهله وولده الطفل في جبال مكة: لا ماء هنالك، ولا ~~زرع، ولا نبات؛ ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة. . . مما يكثر ذلك؛ فجائز ~~تخصيصه بالخلة لذلك، والله أعلم. # وجائز أن يكون ذلك كرامة أكرمه الله بها؛ لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون ~~إليه، ويدعون أنهم على دينه، وعلى ذلك يخرج قوله: " اللهم صل على محمد، ~~وعلى آل # PageV03P370 # محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم. قيل: خص هو بهذين الوجهين ~~اللذين ذكرتهما في الخلة. # وقيل: إنه اتخذه خليلا؛ لأنه كان يعطي ولا يأخذ، وكان يحب الضيف، وكان لا ~~يأكل وحده وإن بقي طويلا، والله أعلم بذلك. # وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة؛ لأن من يحب آخر يبره ويكرمه، ~~ومن لا يحبه يعاده، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا بالله. # واختلف في المعنى الذي وصف إبراهيم - عليه السلام - بالخلة أنه خليل ~~الله: # فقد قيل: بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله، وله تبوء في ~~مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم ~~بكل ما يتهيأ له عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، ~~والقيام للأضياف مع عظم منزلته؛ أيد ذلك أمر الملائكة الذين جاءوه ~~بالبشارة، والله أعلم. # وقيل: إنما امتحنه الله بأمور فصبر عليها؛ نحو النار ألقى فيها لله، وذبح ~~الولد، والهجرة مرتين، وبذل الأهل والولد لله، حيث لا ضرع، ولا زرع، ولا ~~ماء، وغير ذلك مما أكرمه الله - تعالى - بالثناء عليه: بوفاء ما امتحن، ~~وإتمام ما ابتلي من قوله: (وإبراهيم الذي وفى)، وفي قوله - تعالى -: (وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن). # ويحاج فرعونه وجميع قومه، ويجادلهم فيمن يعبدونهم، فغلبهم، وألزمهم حجة ~~الله، وغير ذلك من وجوه المحن. # وقيل: بما به كان بدء البيت الذي جعله الله قياما للناس، ومأمنا للخلق، ms1185 ~~ومثابا لهم ومنسكا؛ فعظم شأنه فيما بالخلق إليه حاجته في أمر الدين؛ وعلى ~~ذلك أكرمه الله - تعالى - بميل القلوب إليه، وإظهار التدين بدينه من جميع ~~أصناف أهل الأديان، والله # PageV03P371 # أعلم. # وقيل: إنما هو: لله خصائص في أهل الخيرة من الرسل وأولي العزم منهم: ~~اختصهم بأسماء عرفن في الفضائل والكرامات، نحو القول بكليم الله، وروح ~~الله، وذبيح الله، وحبيب الله؛ فعلى ذلك كان لإبراهيم - عليه السلام - ~~خصوصية في الاسم؛ فسماه الله خليلا؛ فنحن نقول - وبالله التوفيق -: ونحن ~~نعلم بأن الله - تعالى - لا يسميه بالذي ذكر عبثا باطلا؛ ولكنه سماه به ~~تعظيما لقدره، وإظهارا لكرامته، وبيانا لمنزلته عنده لما شاء من الوجوه ~~التي لعلها لم يطلع عليها من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي؛ فحق ~~ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه الله واصطفاه، دون تكلف المعنى الذي ~~له كان ذلك، مع ما لا وجه ولا معنى صار حقيق ذلك وأكرم به، إلا بمعنى أكرمه ~~الله وأكرمه بفضل الله ورحمته؛ فلله أن يبتدئه بالخلة ثم يكرمه بأنواع ~~الكرامات التي هي آثار الخلة، وأن يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع ~~كرامات الخلة ويصلح، ولله المن في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر؛ ~~بما أكرمنا من معرفة كرام خلقه، وجعل قلوبنا عامرة بمودتهم حتى صاروا - ~~بفضل الله ورحمته - أحب إلينا من أمس الخلق بنا، بل من أنفسنا، ولا قوة إلا ~~بالله. # ثم ليس للنصارى ادعاء البنوة لله من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة؛ ~~لأن الله - سبحانه وتعالى - عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر ~~الخلة، ولأن أمر الأولاد حقه المجانسة، والخلة حقه الموافقة. # ثم أصل الأولاد: الشهوة والحاجة، والخلة: الطاعة والتعظيم، مما يرجع أحد ~~الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد ~~وتبجيله والطاعة له والخضوع. # ثم الأصل: أن المعنى الذي تقتضيه الخلة قد يجوز أن يظفر كل بالطاعة، وإن ~~كان الاسم له في حق النهاية؛ نحو قوله - تعالى -: (إن الله يحب التوابين. . ~~.) الآية وقوله - تعالى -: (فاتبعوني ms1186 يحببكم الله)، والمحبة قريبة من ~~الخلة، ومحال أن يحق معنى الأولاد والبنوة بشيء من الطاعة؛ لذلك اختلف ~~الأمران، والله أعلم. # PageV03P372 # وقوله - عز وجل -: (ولله ما في السماوات وما في الأرض (126) # تأويل هذه الآية - والله أعلم - أنه وإن أكرمهم وأعظم منزلتهم عنده ~~وأعلاها - فإنهم لم يأنفوا عن عبادته، ولم يخرجوا أنفسهم من أن يكونوا ~~عبيدا؛ بل كلما ازداد لهم عند الله - والله أعلم - منزلة وقدر - كانوا أخضع ~~له وأطوع؛ كقوله - تعالى -: (بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون (27)، وفي موضع آخر: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. . ~~.) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله بكل شيء محيطا) # أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن ~~جهل بصنيعهم كملوك الأرض، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل - أيضا: (وكان الله بكل شيء محيطا) وبصيرا، وعليما، ونحو ~~ذلك، يخرج على التوعيد والتخويف؛ ليكونوا مراقبين له، حذرين؛ كمن يعلم في ~~الأمور أن عليه رقيبا، والله أعلم. # ويخرج على الابتلاء: أنه أمر من يكتب الأعمال لا للخفاء عليه، لكن بما إذ ~~لا يمتحن لحاجة به؛ ولكن لمصلحة عباده، فيمتحن بما شاء، فامتحن أولئك ~~الكتبة بما يكونون أبدا متيقنين ناظرين، لا يغفلون عن ذلك؛ طاعة منهم لله. # والثاني: أن يكون العلم بمن يكتب عليه كل أمره -فيما جبل عليه البشر- ~~أذكر له وأشد في التنبيه؛ فجرى حكم الله في ذلك؛ إذ أمر المحنة موضوع على ~~المصلحة، وذلك أبلغ في الوجود، والله أعلم. # ويخرج على أن الله - تعالى - كان بذلك محيطا؛ ليعلموا أنهم لا يتركون ~~سدى، بل يحصى عليهم للجزاء، والله أعلم. # وجملة ذلك: أن الله - تعالى - قال كان كذا؛ ليعلم أنه لا عن جهل خلق ~~الخلق وبعث الرسل، وأنشأ الآيات، مما عليه أمر الخلق أنهم كيف يعاملون من ~~ذكرت، وذلك خارج على حد الحكمة، وإن كان لا يعرفون في بعث الرسل إلى من ~~يكذبهم، ولا تقوية الأعداء على ما به قهر الأولياء، ولا الأمر والنهي لمن ~~يعلم أنه لا يأتمر ms1187 ولا ينتهي - كبير حكمة، وبما كان ذلك من الله فهو خارج ~~على حد الحكمة؛ إذ ذلك كله من الخلق يقع لحاجة أو # PageV03P373 # لمنفعة ترجع إليهم؛ فإذا ناقض .. خرج الفعل من الحكمة. فأما الله - ~~سبحانه وتعالى - يمتحن عباده، ويبعث الرسل - عليهم السلام - لحاجة بالمبعوث ~~إليهم وبالممتحنين، ولمنافع ترجع إليهم؛ فيكون ذلك منه كهدايا؛ فمن لا ~~يقبلها فنفسه يضر ولحقها يبخس، لا أن يرجع إليه ذلك؛ فزال ذلك المعنى الذي ~~له خرج الفعل من الخلق عن حد الحكمة؛ فلزم القول بموافقة الحكمة والمصلحة، ~~ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما (127) وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح ~~عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا ~~وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا ~~فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله ~~واسعا حكيما (130) # وقوله - عز وجل -: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن. . .) ~~الآية. # ذكر الاستفتاء في النساء، وليس فيه بيان عما وقع به السؤال؛ إذ قد يجوز ~~أن يكون في الجواب بيان المراد في السؤال، وإن لم يكن في السؤال بيان؛ نحو ~~قوله - تعالى -: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض)؛ دل الأمر باعتزال النساء في المحيض - على أن السؤال عن المحيض ~~إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد؛ وكذلك قوله - ~~تعالى -: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم. . .) الآية؛ ~~دل قوله: (وإن تخالطوهم) وعلى أن - السؤال إنما كان عن مخالطة اليتامى، ~~وكقوله: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير)؛ دل قوله: (فيهما ms1188 ~~إثم كبير) وعلى أن السؤال عن الخمر والميسر - ما ذكر في الجواب من الإثم، ~~وإن لم يكن في السؤال بيان ذلك. # ثم قوله - تعالى -: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) ليس في ~~السؤال ولا في الجواب بيان ما وقع به السؤال؛ فيحتمل أن يكون السؤال في ~~أمورهن جميعا: في الميراث وغير ذلك من الحقوق، ثم ذكر واحدا فواحدا؛ كقوله ~~- تعالى -: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك)، كقوله: (للرجال نصيب مما اكتسبوا # PageV03P374 # وللنساء نصيب مما اكتسبن) الآية، هذا في الميراث. وأما في الحقوق فقال ~~الله - عز وجل -: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف). ويحتمل غيرها من الحقوق ~~سوى حقوق النكاح، فترك البيان في الجواب؛ لما ذكر واحدا فواحدا في غيرها من ~~الآي؛ إذ الجواب خرج مخرج العدة أنه يفعل بقوله - عز وجل -: (يفتيكم)، وقد ~~فعل هذا، والله أعلم. # ويحتمل غير هذا: وهو أن يترك البيان في السؤال والجواب؛ لنوازل يعرفها ~~أهلها، لم يحتج إلى بيان ما وقع به السؤال؛ لمعرفة أهلها به. # ويحتمل ما قاله أهل التأويل: وهو أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار ~~من الأولاد؛ وإنما كانوا يورثون المقاتلة من الرجال والذين يحرزون الغنائم، ~~فلما بين الله - عز وجل - للنساء وللصغار نصيبا في الأموال، وفرض لهم حقا، ~~سألوا عند ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك؛ فأنزل الله - ~~تعالى -: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن)، وكذلك روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - وذكر القصة هكذا، والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون السؤال وقع عن يتامى النساء؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل ~~-: (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ~~لهن وترغبون أن تنكحوهن) الآية. # قيل: كانت اليتيمة في حجر الرجل ذات مال؛ يرغب عن أن يتزوجها لدمامتهما، ~~ويمنعها عن الأزواج؛ رغبة في مالها، وهكذا روي عن عائشة، رضي الله عنها. # وعلى ذلك يخرج قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء. ms1189 . .) الآية. # وقوله: (والمستضعفين من الولدان) # هذا - والله أعلم - كأنه معطوف، على قوله: (ويستفتونك في النساء)، ~~والمستضعضون من الولدان، على ما ذكرنا من الميراث والحقوق. # (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) # في إبقاء حقوقهم وأداء ما لهم عليكم. # PageV03P375 # (وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما) # فيجزيكم به، أو كان به عليما: من يفعل الخير ومن لا يفعل الخير، والله ~~أعلم. # وعن الحسن في قوله: (وترغبون أن تنكحوهن)، أي: ترغبون عن نكاحهن. # وعن ابن سيرين: لا يرغب في نكاحها؛ لدمامتها، ولا يزوجها غيره؛ رغبة في ~~مالها. # وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط. . .) الآية، ~~وقوله - تعالى -: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. . .) الآية. # وني قوله - تعالى -: (وترغبون أن تنكحوهن) دلالة أن للولي أن يزوج ~~اليتيمة الصغيرة؛ لأنه لو لم يكن له ذلك - لم يكن للعتاب على ترك تزويجهن ~~من غيرهم معنى. # فإن قيل: اسم اليتيم يقع على الصغيرة والكبيرة جميعا؛ فلعل المراد من ~~اليتيمة: الكبيرة هاهنا، قيل: هو كذلك، غير أن الغالب يقع على الصغائر ~~منهن، والله أعلم. # وفيه دلالة؛ أن الكاح قد يقوم بالواحد؛ لأنه قال - عز وجل -: (وترغبون أن ~~تنكحوهن)؛ فلو لم يكن له أن يتزوجها - لم يكن لهذا العتاب معنى؛ دل أن له ~~أن ينكح. # وقوله - عز وجل -: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ... ) # قيل: خافت، أي: علمت من بعلها نشوزا. # وقيل: الخوف - هاهنا - خوف لا غير، فمن قال بالخوف فهو حمل على أن يظهر ~~لها منه جفاء؛ يجفوها لدمامتها أو لكبرها، ويسيء صحبتها؛ لترضى بالفراق ~~عنه؛ ليتزوج غيرها، وهو الخوف حقيقة. # وهكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: [إن سودة بنت زمعة خشيت ~~أن يطلقها النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعلت يومها لعائشة - رضي الله ~~عنها - فأنزل الله - تعالى] (1): (وإن PageV03P376 # امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا. . .) الآية. ثم قال: فهذا الصلح ~~الذي أمر الله. # فجعل الخوف - هاهنا - خشية. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ~~ولا ms1190 يحبها زوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني. # وقيل: (خافت من بعلها نشوزا) أي: علمت، والعلم هو أن يكون للرجل امرأتان: ~~إحداهما كبيرة أو دميمة، والأخرى شابة، يميل قلبه إلى الشابة منهما، ويكره ~~صحبة الكبيرة منهما، ويستثقل المقام معها، وأراد فراقها؛ فتقول: لا ~~تفارقني، واجعل أيامي لضرتي، أو يصالحها على أن يكون عند الشابة أكثر من ~~عند الكبيرة، وهو ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: هي المرأة ~~تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها أزوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من ~~شأني. # فالخوف هو ما يظهر لها من نشوزه قبل تزوج أخرى - بأعلام، والعلم هو ما ~~يظهر من ترك مضاجعته إياها، وسوء صحبته معها. # وعلى هذين الوجهين روي عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - عن بعضهم: ~~يكون عند الرجل امرأتان: إحداهما كبيرة، والأخرى شابة؛ فيؤثر الشابة على ~~الكبيرة؛ فيجري بينهما صلح على أن يمسكها ولا يفارقها على الرضا منها ~~بإبطال حقها أو بدونه، وهو ما روينا من خبر ابن عباس - رضي الله عنه - أن ~~سودة - رضي الله عنها - جعلت أيامها لعائشة - رضي الله عنها - خشية أن ~~يفارقها. وكذلك روي عن عمر، رضي الله عنه. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه أتاه رجل يستفتيه في امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا؛ # قال: هي المرأة تكون عند الرجل؛ فتنبو عيناه من دمامتها أو كبرها، أو ~~فقرها، أو سوء خلقها؛ فيكون فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن ~~جعلت من أيامها شيئا لغيرها فلا حرج. # PageV03P377 # دلت هذه الأحاديث التي ذكرنا على أن الرجل إذا كان له نسوة أن يسوي ~~بينهن، فيقيم عند كل واحدة يوما، إلا أن يصطلحا على غير ذلك، والصلح خير، ~~كما قال الله، عز وجل. # وبين قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ... ) # أن على الرجل -وإن عدل بين نسائه في قسمة الأيام- ألا يخلي إحداهن من ~~الوطء، والله أعلم. ولا يكون وطؤه كله لغيرها، وتكون الأخرى كالمعلقة التي ~~ليست بأيم ولا ذات ms1191 زوج، لكنها إذا رضيت بإبطال حقها أو بدون حقها فإنه لا ~~حرج على الزوج في ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا) # يحتمل: أن يكون رفع الحرج عن الزوج خاصة، وإن كان الفعل مضافا إليهما؛ إذ ~~ليس للمرأة لي ترك حقها حرج، وكذلك قوله - تعالى -: (فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به) ليس على المرأة جناح في الافتداء؛ لأنها تفتدي بمالها، ولها أن ~~تملك على مالها من شاءت؛ فكأنه قال - عز وجل -: فلا جناح عليه في أخذ ما ~~افتدت، أو في إبطال حقها إذا رضيت. # ويحتمل: أن يكون على ما ذكر، وهو أن لا حرج على المرأة المقام معه وإن ~~استثقل الزوج ذلك ويكره صحبتها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأحضرت الأنفس الشح). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه ~~للأخرى، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى. # وقيل: الشح: الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه. وكان الشح والحرص واحد، وإن ~~كان أحدهما في المنع، والآخر في الطلب؛ لأن البخل يحمله على الحرص، والحرص ~~يحمله على المنع، وكل واحد منهما يكون سببا للآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن تحسنوا وتتقوا) # في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئا. # PageV03P378 # ويحتمل: (وإن تحسنوا) في إبقاء حقهن، والتسوية بينهن، وتتقوا الجور ~~والميل، وتفضيل بعض على بعض. # ويحتمل: (وإن تحسنوا) في اتباع ما أمركم الله من طاعته، وتتقوا عما نهاكم ~~الله من معاصيه. # وقوله - عز وجل -: (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) # على الترغيب والوعيد، وقد ذكرنا معناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ... ~~(129) # عن ابن عباس في قوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) في إيفاء الحق ~~أن يستوي في قلوبكم الحب (ولو حرصتم) على العدل؛ لا تقدرون عليه في ذلك. # (فلا تميلوا كل الميل). # إلى التي تحب في النفقة والقسم؛ فتأتي الشابة التي تعجبك، وتدع الأخرى ~~بغير ms1192 قسم ولا نفقة. # روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، ~~ولكن أرجو أن أعدل فيما سوى ذلك. # والعدل - هاهنا - التسوية؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وهم بربهم ~~يعدلون) ليس هو ضد الجور؛ ولكن التسوية: يسوون بين ربهم وبين الأصنام في ~~العبادة. # وعن عبيدة قال: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) في الحب. # وروي عن أبي قلابة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: " اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني ~~فيما تملك أنت ولا أملك. # PageV03P379 # وأصل ذلك: أن في كل ما كان المرء مدفوعا مضطرا - فإنه غير مكلف في ذلك، ~~وفي كل ما كان باختيار منه وإيثار غير عليه - فإنه مكلف في ذلك، والحب مما ~~يدفع المرء فيه ويضطر، ولا صنع له فيه، لم يكلف التسوية فيما يكون مدفوعا ~~فيه مضطرا؛ لأنه لا يملك التسوية، وعلى هذا يخرج قولنا: إن الكافر مكلف ~~بالإيمان في حال الكفر؛ لشغله به، واختاره فعل الكفر، ليس كالمضطر، وقد ~~ذكرنا - فيما تقدم -: أن الاستطاعة تكون على ضربين: استطاعة أحوال وأسباب، ~~واستطاعة أفعال، والاستطاعة التي هي استطاعة الأحوال والأسباب من نحو الصحة ~~والسلامة وغيرهما يجوز فبل ومع وبعد، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون ~~إلا مع الفعل، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (فلا تميلوا كل الميل): في النفقة والقسمة، معناه: لا ~~يحملنكم شدة الحب والميل بالقلب أن تتركوا الإنفاق عليها وإيفاء الحق، ~~أعني: حق القسم. # وقوله - عز وجل -: (فتذروها كالمعلقة) # ليست بأيم ولا ذات بعل، ليست هي بأيم تتكلف هي مؤنتها كما تتكلف الأيم، ~~ولا ذات بعل يتحمل البعل مؤنتها. # وفي حرف أبي بن كعب: " فتذروها كالمسجونة "، وهو ما ذكرنا: لا ينفق هو ~~عليها، ولا يطلقها؛ لتتزوج زوجا آخر، فهي كالمحبوسة. # وقوله - عز وجل -: (وإن تصلحوا وتتقوا) # هو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: (وإن تحسنوا وتتقوا). # وقوله - عز وجل -: (فإن الله كان غفورا رحيما) # هذا ms1193 ينقض قول من يقول: إنه لم يكن رحيما ثم صار رحيما؛ لأنه أخبر أنه كان ~~رحيما، وهو يقول: صار رحيما، وبالله العصمة. # ثم المسألة: بأن المرأة إذا جعلت أيامها لضرتها، كان لها أن ترجع وتفسخ ~~ذلك؛ لأنها جعلت لها ما لم يجب بعد ولم يلزم؛ فكان كمن أبرأ آخر عن حق لم ~~يجب بعد، فإن إبراءه - باطل، له أن يعود إليه، فيأخذه به إذا وجب؛ فعلى ذلك ~~هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ... (130) # PageV03P380 # أي: الزوجان إن تفرقا؛ لما لم يقدر الزوج على التسوية بينهن (يغن الله ~~كلا من سعته): المرأة تتزوج آخر، والرجل بامرأة أخرى. # ويحتمل: (كلا من سعته) أن كل واحد منهما -وإن كان غنيا بالآخر في حال ~~النكاح- فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق ~~قبل الفراق. # وفيه دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سببا في ~~ذلك؛ لأنه قال - عز وجل -: (وإن يتفرقا يغن الله)؛ ليعلم كل أن غناه لم يكن ~~بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله - تعالى -: (وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين. . .) إلى قوله - تعالى -: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله) - دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء ~~إذا كانوا فقراء. # وفيه دليل وقوع الفرقة بينهما بالمرأة، بالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما ~~فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف الفعل إليهما بقوله: (وإن ~~يتفرقا يغن الله) وكذلك قوله - تعالى -: (فارقوهن)، و (سرحوهن)، والله ~~أعلم. # وفيه دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون ~~بانقضاء العدة، ثم أخبر - عز وجل - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل ~~الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله واسعا حكيما) # قيل: واسعا: جودا. # وقيل: واسعا: يوسع على كل منهما رزقه، (حكيما) حكم على الزوج: إمساكا ~~بمعروف أو تسريحا بإحسان. # وقيل: حكيما؛ حيث حكم ms1194 فرقتهما. # وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه. # * * * # قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) # PageV03P381 # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (134) # وقوله - عز وجل -: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ... (131) # وصى الخلق كلهم: (أن اتقوا الله)، ثم قوله - عز وجل -: (ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله. . .). # قيل: وصينا: أمرنا. # وقيل: وصينا: فرضنا على الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم: (أن اتقوا ~~الله)، وقوله - عز وجل -: (أن اتقوا الله)، قيل: أي أمرناهم أن يوحدوا الله ~~ويتقوا الشرك. # وقال مقاتل: (أن اتقوا الله)، أي: وحدوا الله. # وقيل: قوله - تعالى -: (أن اتقوا الله)، أي: أطيعوه فيما أمركم ونهاكم ~~عنه. # ويحتمل: (أن اتقوا الله)، أي: اتقوا عذاب الله ونقمته، ولا تعبدوا غيره ~~دونه (وإن تكفروا). # ولم تتقوا فيما أمركم الله ونهاكم. # (فإن لله ما في السماوات وما في الأرض) # ذكر هذا على أثر قوله: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم ~~أن اتقوا الله)؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، ولم يأمر ~~لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ~~ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - تعالى - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ~~ولمنفعة أنفسهم؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: (وكان الله غنيا حميدا) غنيا ~~عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، وحميدا في سلطانه، ويكون غنيا عن خلقه في ~~الأزل، حميدا في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، ~~أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم. ms1195 # وقوله - عز وجل -: (ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(132) # هو ما ذكرنا من غنائه عن عبادة خلقه وطاعتهم له. # PageV03P382 # (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ... (133) تأويله والله أعلم -: ~~أي من له ما في السماوات وما في الأرض يقدر أن يذهبكم، أي: يهلككم، ويأتي ~~بآخرين أخير منكم، وأخوف وأطوع لله منكم، لكنه لا يفعل؛ لأنه غني عن ~~عبادتكم وطاعتكم، لم يخلقكم في الابتداء لحاجته في عبادتكم أو لمنفعة له؛ ~~ولكن لحاجة أنفسكم ومنافعكم، والله أعلم. # ثم يحتمل قوله - عز وجل -: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين): في ~~قوم خاص، كما كان في الأمم الخالية من الإهلاك عند المعاندة والمكابرة. # ويحتمل في الكل (إن يشأ يذهبكم)، أي: يهلككم: الكل، ويأت بآخرين، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله على ذلك قديرا) # أي: كان الله على الإهلاك والإبدال قديرا، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا ~~والآخرة ... (134) # قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرض الدنيا، ولا يريد ~~به الله - آتاه الله ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ ~~فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، وهو كقوله - عز وجل -: ~~(فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق)، ومن ~~أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - آتاه الله - تعالى - من ~~عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا، ~~والله أعلم. # وتحتمل الآية -غير هذا- وجوها كأنها أشبه من هذا: # أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلبا للرياسة والعز ~~والشرف؛ كقوله - عز وجل -: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا)، ~~فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة. # والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى) ويقولون:، (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)؛ فأخبر ms1196 أن ليس ~~في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ ~~فعنده الدنيا والآخرة. # PageV03P383 # والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في ~~الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: (إن الذين تعبدون من دون الله ~~لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه. . .) الآية؛ فعلى ذلك ~~قوله - عز وجل -: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) ~~لا عند من تطلبون. # ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم ~~الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله سميعا). # لمقالتكم # (بصيرا). # بما تريدون وتعملون، وهو وعيد. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~(135) # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم. . .) الآية. # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على ~~من كانت: من قريب أو بعيد، ولو على نفسه فأقر بها، وكذلك قال عامة أهل ~~التأويل قوله: (قوامين): قوالين لله، ولكن يكون في كل عمل وكل قول يلزم أن ~~يقوم لله، ويجعل الشهادة له؛ فإذا فعل هكذا - لا يمنعه عن القيام بها قرب ~~أحد ولا بعده، ولا ما يحصل على نفسه أو والديه، وكذلك قال الله - تعالى - ~~في آية أخرى: (وأقيموا الشهادة لله) فإذا جعلها لله - عز وجل - لم يجعلها ~~للمخلوق، أمكن له القيام بها، # PageV03P384 # وإن كان على نفسه أو من ذكرتم ما يمنع القيام بها فهو مختلف: أما على ~~نفسه؛ لنفع يطمع أو لدفع ضرر يدفع بذلك، وأما على الوالدين بالاحتشام يحتشم ~~منهما؛ فيمتنع عن أداء ما عليه، وأما القرابة: بطلب الغناء لهم ودفع الفقر ~~عنهم؛ فأخبر أنه أولى بهم؛ فلا يمنعك غناء أحد منهم ولا فقره ms1197 - القيام بها، ~~وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - في تأويل هذه الآية. # وقوله - عز وجل -: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) # قيل فيه بوجهين: # قيل: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) وتعملوا لغير الله. # وقيل: (فلا تتبعوا الهوى)؛ كراهة أن تعدلوا. # ويحتمل: (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا): عن الحق من الصرف بالعدول. # وقوله - عز وجل -: (وإن تلووا أو تعرضوا) # فيه لغتان: # " تلوا " بواو واحدة، من الولاية؛ يقول: كونوا عاملين لله، وقائلين له، ~~مؤدين الشهادة له، وإن كنتم وليتم ذلك. # وقيل: " تلووا " بواوين، من التحريف؛ يقول: لا تتبعوا الهوى، ولا تحرفوا ~~الشهادة، ولا تعرضوا عنها وتكتموها. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " إن يكونوا غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما ". # وعن قتادة - رضي الله عنه -: فالله أولى بهما، يقول: الله أولى بغنيكم ~~وفقيركم؛ فلا يمنعكم غناء غنى أن تشهد عليه لحق علمته، ولا أمر ثبت لفقير ~~أن تشهد عليه بحق علمته. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: (وإن تلووا أو تعرضوا)، وهو من الولاية ~~التي ذكرنا. # PageV03P385 # وقيل: وإن تلووا: من التحريف وطلب الإبطال. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا بين ~~الناس "، وهو من العدل؛ على ما ذكرنا. # وقال بعضهم: هو من الصرف والعدول عن الحق. # وقوله - عز وجل -: (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) # خرج على الوعيد، على كل ما ذكر: من منع الشهادة، والقيام لله بها، وتحريف ~~ما لزمهم، وبالله العصمة. # وبمثل ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يجحد حقا هو عليه، وليؤده عفوا، ولا يلجئه إلى سلطان، ولا ~~إلى خصومة ليقطع بها حقه، وأيما رجل خاصم إلي فقضيت له على أخيه بحق ليس هو ~~له عليه - فلا يأخذنه؛ فإنما أقطع له قطعة من جهنم ". # وروي في خبر آخر: " يا ابن آدم، أقم الشهادة ولو على نفسك، أو على ~~قرابتك، أو ms1198 شرف قومك؛ فإنما الشهادة لله وليست للناس، إن الله رضي بالعدل ~~والإقساط لنفسه، والعدل ميزان الله في الأرض: يرد على المظلوم من الظالم، ~~وعلى الضعيف من الشديد، وعلى المحق من المبطل، وبالحق يصدق الله الصادق، ~~ويكذب الله الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه، وبالعدل أصلح الله الناس ". # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل ~~على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله). # يحتمل قوله - عز وجل -: (آمنوا بالله ورسوله) - وجوها: # (يا أيها الذين آمنوا)، فيما مضى من الوقت، آمنوا في حادث الوقت. # ويحتمل: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا)، أي: اثبتوا عليه. # ويحتمل: (يا أيها الذين آمنوا) بألسنتكم، (آمنوا) بقلوبكم؛ كقوله - تعالى ~~-: (آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم). # PageV03P386 # ويحتمل: (يا أيها الذين آمنوا) عند رؤية البأس والعذاب، (آمنوا) في ~~الحقيقة؛ كقوله - تعالى -: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده). # ويحتمل وجها آخر: (يا أيها الذين آمنوا) ببعض الرسل، (آمنوا) بالرسل كلهم ~~كما آمن المؤمنون؛ كقوله - تعالى -: (لا نفرق بين أحد منهم)، وهم كانوا ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؛ كقوله - عز وجل -: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض). # ويحتمل: (يا أيها الذين آمنوا) بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~يبعث، (آمنوا) به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث ~~تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). # (آمنوا بالله ورسوله) يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # (والكتاب الذي نزل على رسوله). # أي: آمنوا بالكتاب الذي نزل على رسوله، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -. # (والكتاب الذي أنزل من قبل). # أي: آمنوا -أيضا- بالكتب السماوية التي أنزلها الله، تعالى. # ثم الإيمان بالله حقيقة - إيمان بجميع الرسل والكتب؛ لأن كل نبي كان يدعو ~~إلى الإيمان بجميع ذلك، وكذلك في كل كتاب من الكتب السماوية دعاء إلى ~~الإيمان بجملتهم؛ ألا ترى أن ms1199 الكفر بواحد منهم - كفر بالله وبجميع الرسل ~~والكتب وما ذكر، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. . ~~.) والآية. # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: ومن يكفر بجميع ما ذكر؛ (فقد ضل ضلالا بعيدا)، وهو على التأكيد. # ويحتمل: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد ~~كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفر بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات ~~الله - تعالى - كفر بالله، وبالكتب وبالرسل كلها، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) # PageV03P387 # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ~~لم يكن. . . (137) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزلت الآية في الذين قال الله - تعالى ~~- في سورة آل عمران: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق). # وقيل: إنها نزلت في الذين آمنوا بموسى - عليه السلام - ثم كفروا بعد ~~موسى، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعيسى - عليه السلام - ~~وبالإنجيل، ثم كفروا من بعده، ثم ازدادوا كفرا بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وبالقرآن الكريم. وهو الأولى. # وقيل غير هذا، لكن ليس بنا إلى أنها فيهم نزلت حاجة، ولكن فيه دليل أنها ~~في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا ولا يتوبون؛ لأنه قال: (لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) أخبر أنه لا يغفر لهم، وهو كقوله - تعالى -: ~~(إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم)؛ لما علم ~~الله أنهم لا يتوبون؛ وإلا لو آمنوا وتابوا قبلت توبتهم؛ فعلى ذلك الأول؛ ~~لما علم الله أنهم لا يتوبون، ويموتون على ذلك - أخبر أنه لا يغفر لهم. # وفيه دليل أنه تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس -كما قال بعض الناس- أنه لا ~~تقبل توبة المرتد؛ لأنه أثبت لهم الإيمان بعد الكفر والارتداد بقوله: ~~(آمنوا ثم كفروا # PageV03P388 # ثم آمنوا) ms1200 ثم كذا؛ فدل أنه إذا تاب يقبل منه. # وقال أصحابنا: يستتاب المرتد ثلاثا؛ فإن أسلم وإلا قتل. # روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: يستتاب المرتد ثلاثا. ثم ~~تلا هذه الآية. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - كذلك. # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قدم عليه رجل من الجيش، فقال: هل حدث لكم ~~حدث؟ فقال: إن رجلا من المسلمين ارتد ولحق بالمشركين فأخذناه. فقال: ما ~~صنعتم به؟ قالوا: قتلناه. قال: هلا أدخلتموه بيتا، وأغلقتم عليه بابا، ~~وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه ثلاثا؛ فإن تاب وإلا قتلتموه. ثم قال: ~~اللهم إني لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض حين بلغني. # وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا ارتد ثلاثا، ثم تاب في كل مرة - ~~فإنه يحبس في الثالثة إذا تاب؛ حتى يظهر منه خشوع التوبة، وذلك أثر الثبات ~~على توبته؛ فإن ظهر ذلك، فحينئذ يخلى سبيله؛ لما يحتمل أن تكون توبته فرارا ~~من القتل؛ فيحبس حتى تظهر حقيقة توبته؛ لأنه أظهر الفسق، والفاسق يحبس حتى ~~يظهر خشوع التوبة. # وقوله - عز وجل -: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) # لا يحتمل أن يكون أراد بقوله: (ولا ليهديهم سبيلا) - البيان؛ على ما قاله ~~قوم؛ لأنه قد تولى لهم البيان، لكنهم تعاندوا ولم يهتدوا؛ فدل أن ثم معنى ~~منه سوى البيان لم # PageV03P389 # يعطهم؛ لما علم أنهم لا يهتدون أبدا، وهو التوفيق، فهذا يرد على من لا ~~يجعل الهدى إلا بيانا؛ إذ قد بين لهم ذلك. # * * * # قوله تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ~~(139) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ ~~بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون بكم فإن كان لكم ~~فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ ~~عليكم ms1201 ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # وقوله - عز وجل -: (بشر المنافقين) بكذا. # البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة ~~مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: (بشر المنافقين بأن لهم) كذا، ~~وكذلك قوله - تعالى -: (فبشرهم بعذاب أليم)، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في ~~الشر إلا مفسرة مقيدة. # وقوله - عز وجل -: (بشر المنافقين) - يدل هذا على أن الآية الأولى في أهل ~~النفاق والمراءاة، علي ما ذكرنا من التأويل؛ لأنه لم يسبق فيما تقدم ذكر ~~لهم سوى قوله - تعالى -: (آمنوا آمنوا بالله ورسوله). ويحتمل على الابتداء ~~والانتناف على غير ذكر تقدم، وذلك جائز في القرآن كثير. # ثم فسر المنافقين فقال: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) # ثم يحتمل قوله - تعالى -: (يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) قولا ~~وفعلا: # أما القول: كقولهم: (إنا معكم إنما نحن مستهزئون)، وغيره من الآيات. # وأما الفعل: فكانوا يمنعون المؤمنين أن يغزوهم؛ كقوله - تعالى -: (وإن ~~منكم لمن ليبطئن)، وكقوله: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، وكقوله - ~~تعالى -: (فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين)، كانوا يمنعون أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - والمسلمين عن أن يغزوهم ويقاتلوهم؛ فهم - وإن كانوا ~~يرون # PageV03P390 # من أنفسهم الموافقة للمؤمنين في الظاهر -فإنهم كانوا في الحقيقة- معهم؛ ~~فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: (يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين). # وقوله - عز وجل -: (أيبتغون عندهم العزة). # قيل: قوله - تعالى -: (أيبتغون) على طرح الألف وأنها زائدة، أي: يبتغون ~~بذلك من عندهم العزة. # ثم يحتمل قوله - تعالى -: (أيبتغون عندهم العزة) وجهين: # يحتمل: العزة: المنعة والنصرة، وكانوا يطلبون بذلك النصرة والقدرة عند ~~الكافرين. # ويحتمل: ليتعززوا بذلك. # والأصل: أن حرف الاستفهام كله من الله - له حق الإيجاب، على ما يقتضي ~~جوابه من حقيقة الاستفهام؛ إذ الله عالم لا يخفى عليه شيء يستفهم، جل عن ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فإن العزة لله جميعا) # أي: والنصرة والقدرة، كله لله، من عنده يكون، وبه يتعزز في الدنيا ~~والآخرة، ليس ms1202 من عند أولئك الذين يطلبون منهم. # وقوله - عز وجل -: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها ... (140) # قال بعضهم: قوله - تعالى -: (وقد نزل عليكم في الكتاب) - هو ما ذكر في ~~سورة الأنعام، وهو قوله - تعالى -: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)، ثم قال: (وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء)؛ لأنه نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم إذا خاضوا في طعن ~~القرآن وآيات الله؛ فأخبر أن ليس لهم من حسابهم من شيء إذا قعدوا. # ثم قال في هذه الآية: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ~~مثلهم): نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم، وأخبر أنهم إذا فعلوا ذلك يكونوا ~~مثلهم؛ فهو - والله أعلم - على النسخ: نسخ هذا الأول. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء) # PageV03P391 # في المشركين، لم يلحقهم من العقوبة والمآثم؛ لأنهم لا يقدرون على منع ~~المشركين عن الاستهزاء بآيات الله والطعن فيها، ويقدرون على منع المنافقين ~~عن ذلك؛ فشاركوهم في العقوبة فيما يقدرون على منعهم فلم يمنعوا، ورفع عنهم ~~ذلك فيما لا يقدرون على دفعه. # وفيه دلالة أن من بلي بمنكر له قدرة التغيير على أهله، فلم يغير - أن ~~يشاركهم في ذلك، أو إذا لم يكن له قدرة التغيير عليهم فلم يفارقهم، لكن ~~أقام معهم - شاركهم أيضا في العقوبة؛ الواجب على كل من بلي بذلك، وله قدرة ~~التغيير عليهم - فعل، أي: أنكر عليهم وغيره، وإلا فارقهم؛ وإلا يخاف أن ~~يشاركهم في العقوبة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) ~~الآية. # لأنهم كانوا معهم في السر والحقيقة، وإن كانوا يظهرون للمؤمنين الموافقة ~~باللسان؛ فهذا يدل على أن الحقائق في العواقب هو ما يسر المرء ويضمر، ليس ~~ما يظهر؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الظاهر في جميع الأحكام: في ~~الأنكحة، والعقود كلها، وإظهار الإيمان لهم باللسان، لكنهم إذا أضمروا خلاف ms1203 ~~ما أظهروا - لم ينفعهم ذلك؛ دل أن الحقائق في العواقب ما يسر ويضمر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين يتربصون بكم ... (141) # يحتمل وجهين: # يحتمل: يتربصون الغنيمة والنصر، فإن كان الفتح للمؤمنين قالوا: (ألم نكن ~~معكم) في الإيمان والأحكام كلها؛ يطلبون الغنيمة والاشتراك فيها؛ كقوله - ~~تعالى -: (أشحة على الخير) الآية، وإذا كانت الدبرة والبوار على المؤمنين ~~للكافرين يقولون: (ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين) بقولهم: (إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، وكقوله - تعالى -: (قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) الآية: كانوا بين المسلمين كعيون لهم؛ ~~يخبرونهم عن عوراتهم، ويطلعونهم على مقصود المؤمنين؛ فذلك منعهم من ~~المؤمنين واستحواذهم عليهم، والله أعلم. # ويحتمل: (يتربصون بكم)، يعني: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~عندهم بألا يدوم ذلك، # PageV03P392 # بل ينقطع عن قريب، والله أعلم. # ويحتمل: (يتربصون) ما ذكر من قوله - تعالى -: (وتربصتم وارتبتم)، ثم خرج ~~تأويله في قوله: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة)، ثم خص ذلك بقوله - تعالى -: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما ويتربص بكم الدوائر) الآية؛ فبين أنهم يتربصون بهم انقلاب الأمر ~~ورجوعه إلى أعداء الله؛ فمتى ظهرت لهم العواقب - أظهروا الذي له كان دينهم ~~في الحقيقة - أنه كان لسعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله - عز وجل -: (وإن منكم ~~لمن ليبطئن. . .)، وقوله - تعالى -: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) الآية. # يحتمل هذا -أيضا- وجهين: # يحتمل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجج في الدنيا، ~~أي: ليس للكافرين الحجة على المؤمنين في الدنيا من شيء، إلا أن يموه عليه، ~~ويفتعل به ويعجز المؤمن في إقامة الحجة عليه، ودفع تمويهاته؛ وإلا ليس ~~للكافر حجة يقيمها على المؤمن في الدنيا. # ويحتمل: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) في الآخرة، على دفع ~~شهادتهم التي شهدوا عليهم؛ لأن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشهدون ~~عليهم؛ كقوله - تعالى -: (لتكونوا شهداء على الناس)، ثم لا ms1204 سبيل لهم على ~~دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم، وردها، والله أعلم. # وأيضا: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا): في الحجة، أو في ~~الشهادة، أو عند الله في الخصومة، وإنما دعوا إلى كتبهم إذا أجابوا الله ~~فيما دعاهم إلى الإيمان بالكتب والرسل - عليهم السلام - أو في النصر؛ فيرجع ~~أمره إلى العواقب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألم نستحوذ عليكم) # الاستحواذ: الغلبة. وقيل: الاستيلاء. # PageV03P393 # وقال بعضهم: ألم نخبركم بعورة محمد وأصحابه ونطلعكم على سرهم، ونكتب به ~~إليكم؟!. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: ألم نحط من وراءكم؟!. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ألم نستحوذ عليكم ومنعناكم من ~~المؤمنين؟! ". # قال الكسائي: هذا في كلام العرب كثير ظاهر، ومعنى (ألم نستحوذ) - إنا ~~استحوذنا ومنعناكم، وهو ظريف. # وأصل الاستحواذ الغلبة والقهر، وهو ما ذكرنا أنهم يجبنون أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقولون: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). # وقوله - عز وجل -: (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) # وحكم الله بينهم - والله أعلم - هو أن ينزل المؤمنين الجنة، والمنافقين ~~النار. # (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) في الحجة؛ على ما ذكرنا، ~~وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: قال: حجة. وقيل: ظهورا عليهم، لكن ~~الأول أشبه. # ويحتمل ما ذكرنا من الشهادة - أنه جعل يوم القيامة للمؤمنين الشهادة ~~عليهم، ولم يجعل لهم إلى دفعها وردها على أنفسهم سبيلا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن ~~تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) # وقوله: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم). # يحتمل قوله - تعالى -: (يخادعون الله)، أي: يخادعون أولياء الله أو دينه، ~~فأضيف إليه؛ فهو جائز، وفي القرآن كثير؛ كقوله - تعالى -: (إن تنصروا الله ~~ينصركم)، أي: إن تنصروا دين الله أو ms1205 أوليائه ينصركم، وقد ذكرنا هذا في صدر ~~الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (وهو خادعهم)، أي: يجزيهم جزاء خداعهم المؤمنين؛ فسمي: ~~خداعا - وإن لم يكن في الحقيقة خداعا؛ لأنه جزاء الخداع، وهو كما سمى جزاء ~~السيئة: # PageV03P394 # سيئة، وإن لم تكن الثانية -في الحقيقة- سيئة، وكذلك سمى جزاء الاعتداء: ~~اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء؛ فعلى ذلك سمى هذا: خداعا؛ لأنه جزاء ~~الخداع، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه؛ على ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # ثم اختلف في جهة الخداع؛ عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يعطى ~~المنافقين على الصراط نورا كما يعطى المؤمنين؛ فإذا مضوا به على الصراط طفئ ~~نورهم، ويبقى نور المؤمنين يمضون بنورهم؛ فينادون المؤمنين: (انظرونا نقتبس ~~من نوركم)، فنجوز به؛ فتناديهم الملائكة: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، ~~وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع؛ فذلك قوله: (وهو خادعهم) وكذلك قال ~~الحسن، ثم قال: فتلك خديعة الله إياهم. # وقال آخرون: يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك ~~الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع، والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنهم شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، ~~والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ ~~فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس. . ~~.) الآية. # جعل الله - تعالى - للمنافق أعلاما في قوله وفعله يعلم بها المنافق: # أما في القول: ما قالوا: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، وقوله: (وإن ~~منكم لمن ليبطئن)، وقوله - تعالى -: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا. . .) الآية. # وأما في الفعل فهو قوله - تعالى -: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)، وقوله: (ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا)، أي القتال، وقوله - تعالى -: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. . .) الآية، ومثله كثير في القرآن، ~~مما جعل ذلك علامة لهم، وهو كقوله - تعالى -: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~وإن يقولوا ms1206 تسمع لقولهم. . .) الآية، وكقوله - تعالى -: (وإذا ما أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض. . .) الآية، يراءون في جميع أفعالهم - الناس. # PageV03P395 # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " يراءون الناس والله يعلم ما في قلوبهم ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا ". # عن الحسن في قوله - تعالى -: (ولا يذكرون الله إلا قليلا) - فقال: أما ~~والله لو كان ذلك القليل منهم لله لقبله، ولكن ذلك القليل رياء. # وقيل: لو كان ذلك القليل لله يريدون به وجهه، فقبله - لكان كثيرا، ولكن ~~لا يقبله؛ فهو لا شيء. وقد يتكلم بالقليل واليسير على إرادة النفي من ~~الأصل، والله أعلم. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو - فتلك استهانة ~~يستهين بها ربه ". # وروي في علامة المنافق أخبار: # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~" إن للمنافق علامات، يعرفون بها: تحيتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم ~~غلوا، لا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلأ دبرا ". # وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان "، وروي: ثلاث. # وروي عن عبد الله قال: اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا عاهد غدر. ثم قرأ الآيات: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله. . .) الآية. # وعن وهب قال: من خصال المنافق: أن يحب الحمد، ويكره الذم. # PageV03P396 # وقوله - عز وجل -: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... ~~(143) # قال أكثر أهل التأويل: ليسوا بمسلمين مخلصين ولا مشركين مصرحين. وهو ~~-أيضا- قول قتادة. # وقال مقاتل: ليسوا مع اليهود فيظهرون ولايتهم لهم، وليسوا مع المؤمنين في ~~التصديق مع الولاية. # ويحتمل غير هذا: وهو أنه لم يظهر لكل واحد من الفريقين منهم الموافقة لهم ~~والكون معهم؛ بل ظهر منهم الخلاف عند كل فريق؛ لأنهم كانوا أصحاب ms1207 طمع، عباد ~~أنفسهم، يكونون حيث رأوا السعة معهم؛ فلا إلى هؤلاء في حقيقة الدين عند ~~أنفسهم، ولا إلى هؤلاء، فذلك - والله أعلم - تأويله. # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) # قيل: حجة؛ على ما قيل في الأول. # وقيل: (فلن تجد له سبيلا)، يعني: هدى وطريقا مستقيما، والله أعلم. # وعن الحسن: (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)؛ ما دام كافرا؛ فإذا تاب ~~ورجع عن ذلك فله السبيل. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين ... (144) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزلت في المنافقين الذين اتخذوا ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ سماهم الله - تعالى - مؤمنين بإقرارهم ~~بالإيمان علانية، وتوليهم الكافرين سرا، أو أن يقال: سموا مؤمنين؛ لما ~~كانوا ينتسبون إلى المؤمنين؛ فسموا بذلك. # وقيل: نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم ~~الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء. # ثم وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء يكون من وجوه: # PageV03P397 # يحتمل: النهي عن ولايتهم ولاية الدين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ~~ولا تأمنوهم في الدين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - تعالى -: ~~(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم) الآية. # ويحتمل: النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا. . .) الآية. نهي - عز ~~وجل - المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره. # والثالث: في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم. # وقوله - عز وجل -: (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) # أي: تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا. # قيل: عذرا مبينا. # وقيل: حجة بينة يحتج بها عليكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) فهو - ~~والله أعلم - الإرادة، وهي صفة كل فاعل في الحقيقة، وحرف الاستفهام من الله ~~إيجاب؛ فكأنه قال: قد جعلتم لله في تعذيبكم حجة بينة يعقلها الكل؛ إذ ذلك ~~يكون ms1208 - وهو اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين - حجة ظاهرة في لزوم المقت. # وجائز أن تكون الإضافة إلى الله ترجع إلى أولياء الله؛ نحو الأمر بنصر ~~الله، والقول بمخادعة الله، وكان ذلك منهم حجة بينة عليهم لأولياء الله: ~~أنهم لا يتخذون الشيطان وليا، وأولياء: عبادة غير الله اتخذوه، ولا قوة إلا ~~بالله. # * * * # قوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ~~(145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) # PageV03P398 # وقوله - عز وجل -: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ... (145) # الدرك: بالجزم والفتح - لغتان، وهما واحد؛ يقال: للجنة درجات وغرفات، ~~وللنار دركات بعضها أسفل من بعض. # وقيل: كلما كان أسفل - كان العذاب فيها أشد؛ ألا ترى أنه أخبر عنهم ~~بقوله: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما ~~تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين)، فلو لم يكن من أسفل منهم في الدركات أشد ~~عذابا - لم يكن لقولهم: (نجعلهما تحت)، معنى؛ فدل أن كل ما كان أسفل من ~~الدركات - كان في العذاب أشد، والله أعلم. # وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر [عبد المطلب وهشام بن المغيرة] ~~(1) فقال: " هما من أدنى أهل النار عذابا، وهما في ضحضاع من النار خالدين ~~فيها، وأدنى أهل النار عذابا: في رجليه نعلان من نار يغلي بهما دماغه ". # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال: الأدراك: توابيت من حديد تصمت ~~عليهم في أسفل النار. # وقيل: إن العذاب في النار واحد في الظاهر، وهو مختلف في الحقيقة؛ وأيد ~~ذلك قوله - عز وجل -: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)، لكن بعضهم لا ~~يشعر بعذاب غيرهم؛ كقوله: (قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف)، سألوا ربهم أن يجعل لهم ضعفا من العذاب؛ ~~جزاء ما أضلوا، فأخبر أن لكل ضعفا من الأئمة. # ثم لتخصيص المنافقين في الدرك الأسفل من ms1209 النار دون سائر الكفرة وجوه ~~ثلاثة: # أحدها: أنهم كانوا يسعون في إفساد ضعفة المسلمين، ويشككونهم في دينهم، ~~ويتكلفون في إخراجهم من الإيمان، وكان ذلك دأبهم وعادتهم؛ فاستوجبوا بذلك - ~~PageV03P399 # ذلك العذاب؛ جزاء لإفسادهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ذلك لهم؛ لأنهم كانوا عيونا للكفرة، وطلائع لهم، يخبرون ~~بذلك عن أخبارهم وسرائرهم، ويطلعون على عوراتهم، فذلك سعى في أمر دينهم ~~ودنياهم بالفساد؛ كقوله: (ألم نستحوذ عليكم) الآية. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنهم لم يكونوا في الأحوال كلها أهل دين يقيمون ~~عليه في حال الرخاء والضيق؛ ولكن كانوا مع السعة والرخاء حيث كان، ولا كذلك ~~سائر الكفرة، بل كانوا في حال الرخاء والشدة على دين واحد: يعبدون الأصنام، ~~وأولئك مع المؤمنين في حال إذا كانت السعة معهم، ومع الكافرين في حال إذا ~~كانت السعة معهم، لا يقرون على شيء واحد، مترددون بين ذلك؛ كما قال الله - ~~عز وجل -: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء): الآية، والكفرة ~~عبدوا من عبدوا؛ على رجاء التقريب إلى الله، وأمر الله - تعالى - لهم بذلك؛ ~~ليكونوا لهم شفعاء عند الله، وأهل النفاق لم يكونوا يعبدون غير بطونهم ومن ~~معه شهواتهم؛ فلذلك ازداد عذابهم على عذاب غيرهم، ولما جمعوا إلى الكفر ~~بالله - المخادعة والتغرير وإغراء الأعداء واستعلاءهم، ولما قد أشركوا ~~الفرق كلهم في اللذات وفي طلب الشهوات؛ فعاد إليهم ما استحق كل منهم من ~~العقوبة، وبما بذلك شاركوا في كل المعاصي، أو سبيلها إعطاء الأنفس الشهوات ~~مع ما فيهم تغرير ضعفة المؤمنين، والتلبيس عليهم، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين تابوا وأصلحوا ... (146) # عن ابن عباس قال: (تابوا) من النفاق، و (وأصلحوا) أعمالهم، و (واعتصموا ~~بالله)، ويقول: وثقوا بالله. # وقيل: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك ~~مع المؤمنين). # يقول: من المؤمنين، أي: صاروا كسائر المؤمنين. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وأبي: " إلا الذين تابوا، ثم آمنوا ~~بالله والرسول والكتاب الذي أنزل إليه من ربه وما أنزل إلى النبيين من ms1210 قبل، ~~ثم أخلصوا دينهم # PageV03P400 # لله واعتصموا به، أولئك مع المؤمنين، وسوف يؤتى الله المؤمنين أجرا عظيما ~~". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (وأخلصوا دينهم لله) قال: لم يراءوا، ~~وكانت سريرتهم كعلانيتهم أو أفضل. # وقوله - عز وجل -: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ... (147) # تأويله - والله أعلم - أن ليس لله - عز وجل - حاجة في تعذيبه إياكم إن ~~صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في ~~تعذيبكم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون هذا في قوم أفرطوا في التكذيب ومعاندة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فظنوا أنهم إن آمنوا به وصدقوه - لم يغفر لهم ما كان ~~منهم من الإفراط في التكذيب، والتمرد وفي المعاندة؛ فأخبر - عز وجل - أنه ~~لا يعذبهم إن آمنوا به - بما كان منهم من الكذب والعناد؛ كقوله - تعالى -: ~~(إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، والله أعلم. # ثم الشكر فيما بين الخلق - يكون على الجزاء والمكافأة؛ كقوله: " من لم ~~يشكر الناس لم يشكر الله ". # وأما فيما بينهم بين ربهم: فهو على غير الجزاء والمكافأة؛ إذ ليس في ~~وسعهم القيام بأداء شكر أصغر نعمة أنعمها عليهم عمرهم؛ فدل أنه ليس يخرج ~~الأمر على ما به أمر المكافأة؛ ولكنه يخرج على وجوه: # الأول: على معرفة النعم أنها منه. # والثاني: على معرفة التقصير والاعتراف بالعجز - عن أداء شكرها. # والثالث: ألا يستعملها إلا في طاعة ربه. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله شاكرا عليما) # يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب. # وقيل: (شاكرا) أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصا، ليس كملوك الأرض ~~لا يقبلون اليسير من الأشياء. # PageV03P401 # وقيل: (شاكرا): يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب، وذلك هو ~~الوصف في الغاية من الكرم، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ما يعبأ الله بعذابكم إن شكرتم ~~وآمنتم وكان الله شاكرا لأعمالكم الحسنة عليما بها " وهو ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله ms1211 ~~سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان ~~عفوا قديرا (149) # وقوله - عز وجل -: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم). # اختلف في تأويله وتلاوته: # قال بعضهم: (لا يحب الله الجهر بالسوء) من الدعاء إلا من ظلم؛ فإنه لا ~~بأس أن يدعوا إذا كان مظلوما. # وقال آخرون: (لا يحب الله الجهر بالسوء) هو الشتم؛ أخبر أنه لا يحب ذلك ~~لأحد من الناس، ثم استثنى (إلا من ظلم) واعتدي عليه؛ فإن رد عليه مثل ذلك، ~~فلا حرج عليه. # وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول) أن يشتم الرجل المسلم في وجهه، إلا أن يشتمه فيرد كما قال، وذلك قول ~~الله - عز وجل -: (إلا من ظلم)، وإن يعفو فهو أفضل. # وقرأ بعضهم: " إلا من ظلم " (1) بالنصب، فهو يحتمل: إلا من ظلم؛ فإن له ~~الجهر PageV03P402 # بالسوء من القول، وإن لم يكن له ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم)؛ فإنهم -وإن لم يكن لهم حجة عليكم- ~~فإنهم يحتجون عليكم؛ فعلى ذلك الظالم، وإن لم يكن له الجهر بالسوء من القول ~~فإنه يفعل ذلك، والله أعلم. # ومن قرأ: (إلا من ظلم): بالرفع -فتأويله ما ذكرنا- والله أعلم -: أنه لا ~~يبيح لأحد الجهر بالسوء من القول إلا المظلوم؛ فإنه يباح له أن يدعو على ~~ظالمه، وينتصر منه. # والثاني: ما قيل: من سب آخر، فإنه لايباح له ولا يؤذن أن يرد عليه مثله ~~وينتصر منه. # وقيل: نزلت الآية في أبي بكر - رضي الله عنه - شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ~~ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركه. # وعن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المستبان ما ~~قالا؛ فهو على البادئ حتى يعتدي المظلوم ". وقال: " ألا لا تستبوا، فإن ~~كنتم فاعلين لا محالة، فعلم الرجل من صاحبه - فليقل: إنك لجبار، وإنك لبخيل ~~". # وأصل هذا الاستثناء أن الأول - وإن لم يكن ms1212 من نوع ما استثنى - فهو جزاؤه، ~~وجزاء الشيء يسمى باسمه؛ كما سمى الله - عز وجل - جزاء السيئة: سيئة؛ ~~بقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، وسمي جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن ~~الثاني اعتداء ولا سيئة؛ فعلى ذلك استثنى (إلا من ظلم)، وإن لم يكن من ~~نوعه؛ لأنه جزاء الظلم والاعتداء، والله أعلم. # وقيل: إن الآية نزلت في الضيف ينزل بالرجل فلا يضيفه، ولا يحسن إليه؛ ~~فجعل له أن يأخذه بلسانه، وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد. # PageV03P403 # وفي قوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) دليل على أنه ~~ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر ~~بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهى عن ذلك في غير حال الجهر. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله سميعا عليما). # بجهر السوء، (عليما به. # ثم قال: (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ... (149) # يحتمل - والله أعلم - أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار؛ ~~فيحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أن يكون على الترغيب: رغبهم - عز وجل - بالعفو عن السوء والمظلمة، ~~فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم ~~عن ظالمكم أيضا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم ~~بذلك عند الله الثواب. # ويحتمل: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - عز وجل - عن مظالمهم التي ~~فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (فإن الله كان عفوا قديرا) - ~~والله أعلم - فإن الله - عز وجل - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم ~~المسيء إليكم. # وقال بعضهم: الله أجدر وأحرى أن يعفو عنك إذا عفوت عن أخيك في الدنيا، ~~وهو على ذلك أقدر. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) ~~أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم ms1213 أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ~~غفورا رحيما (152) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله) يحتمل وجهين: # يحتمل قوله - تعالى -: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون. . .) أي: ~~يريدون، أن يفرقوا بين الله ورسله؛ فيكون قوله: (يكفرون بالله): في ~~الدهرية؛ لأنهم # PageV03P404 # يكفرون بالله، ولا يؤمنون به، ويقولون بقدم العالم، فذلك فيهم، وقوله: ~~(ورسله) يكون في الذين يؤمنون بالله ويكفرون بالرسل كلهم. # وقوله - عز وجل -: (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله): # في الذين كفروا ببعض الرسل وآمنوا ببعض الرسل، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض. # ثم أخبر - عز وجل - عنهم جميعا -مع اختلاف مذاهبهم- أنهم كفار، وحقق ~~الكفر فيهم بقوله - تعالى -: (أولئك هم الكافرون حقا ... (151) # ويحتمل أن يكون فيمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض الرسل؛ فيكون الكفر ببعض ~~الرسل كفرا بالله، وبجميع رسله، وبجميع كتبه؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو ~~الخلق كلهم إلى الإيمان بالله، والإيمان بجميع الرسل والكتب، وإذا كفر ~~بواحد منهم - كفر بالله وبالرسل جميعا، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) # أي: ويتخذون غير ذلك سبيلا؛ على طرح إرادة " أن "، أي: يتخذون بين ذلك، ~~أي: بين إيمان ببعض الرسل، وكفر ببعض الرسل - دينا؛ فذلك لا ينفعهم إذا ~~كفروا ببعض الرسل. # وقوله: (أولئك هم الكافرون). # يحتمل وجهين: # يحتمل: أولئك هو الكافرون الذين حق عليهم الكفر بالله. # والثاني: يكفرون ببعض الرسل؛ أنهم - وإن كفروا ببعض الرسل - فقد حق عليهم ~~الكفر بالله تعالى؛ لأن الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وبالرسل جميعا. # وقوله - عز وجل -: (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا). قوله: (مهينا): ~~يهانون فيه. # ثم نعت المؤمنين فقال - عز وجل -: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا ~~بين أحد منهم ... (152) # يعني: من الرسل، وقالوا: (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم) # PageV03P405 # إلى آخر ما ذكر. # وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنا، ~~وهو قد آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -: ~~(أولئك ms1214 سوف يؤتيهم أجورهم) وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم. # (وكان الله غفورا رحيما). # أخبر - عز وجل - أنه لم يزل غفورا رحيما، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ~~ولكن صار غفورا رحيما، وبالله العصمة. # * * * # قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا ~~موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ~~(153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم ~~لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم ~~وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # وقوله - عز وجل -: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء). # قيل في أحد التأويلين: كان يريد كل أحد منهم أن يأتي إلى كل رجل منهم ~~بكتاب: أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو كقوله - سبحانه ~~وتعالى -: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة)، وكقوله - تعالى -: ~~(ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه). # وقيل: سألوا أن يأتيهم بكتاب جملة مثل التوراة؛ مثل قولهم: (لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة)، كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؛ لأنهم ~~يقولون: إن هذا القرآن من اختراع محمد واختلاقه؛ لأنه لو كان من عند الله ~~نزل، لنزل جملة كما نزلت التوراة جملة غير متفرقة؛ فأخبر أنهم: (سألوا موسى ~~أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)، وقد سألوا محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~- مثل سؤال أولئك موسى، وهو قوله: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا)، ~~يعزي - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويصبره على أذاهم، يقول - ~~والله أعلم -: إنهم سألوا آيات على رسالته، فأتى بها، فلم يؤمنوا به، يخبر # PageV03P406 # أن سؤالهم سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد؛ لأن سؤالهم لو كان سؤال استرشاد - ~~لكان إذا أتوا بها قبلوها؛ ولذلك أخذهم العذاب بقوله - تعالى -: (فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم)؛ ms1215 لأنهم كانوا يسألون سؤال تعنت، لا سؤال رشد. # وفي الآية دلالة أن المسئول لا يلزمه الدليل على شهوة السائل وإرادته؛ ~~ولكن يلزمه أن يأتي بما هو دليل في نفسه. # وفيه دلالة له -أيضا- أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنه لما قال: ~~(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء. .) - لم يخطر ببال أحد ~~أنه أراد المجوس بقوله: (أهل الكتاب)، والله أعلم. فبطل قول من قال: بأنهم ~~من أهل الكتاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) # الصاعقة: هي العذاب الذي فيه الهلاك، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإنما أخذهم ~~العذاب بكفرهم بموسى بعد ما أتاهم موسى - صلى الله عليه وسلم - بآيات ~~الرسالة، لا بسؤالهم الرؤية؛ لأنه لو كان ما أخذهم من العذاب إنما أخذ ~~بسؤال الرؤية، لكان موسى بذلك أولى؛ حيث قال: (رب أرني أنظر إليك)؛ فدل أن ~~العذاب إنما أخذهم بتعنتهم وبكفرهم بعد ظهور الآيات لهم أنه رسول الله، ~~وذلك قوله - تعالى -: (ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات) يخبر ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن شدة تعنتهم في تكذيب الرسل، وكثرة تمردهم ~~وسفههم؛ ليصبر على أذى قومه، ولا يظن أنه أول مكذب من الرسل. # وقوله - عز وجل -: (وآتينا موسى سلطانا مبينا) # قيل: السلطان المبين يحتمل الآيات التي أراهم، ما يعقل كل أحد -إن لم ~~يعاند ولا كابر- أنها سماوية؛ إذ هي كانت خارجة عن الأمر المعتاد بين ~~الخلق، من نحو: اليد البيضاء، والعصا، وفرق البحر، وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ... (154) # حين لم يقبلوا التوراة؛ فعند ذلك قبلوا، ثم أخذ عليهم الميثاق بذلك، وهو ~~ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (وقلنا لهم لا تعدوا في السبت)، يقول: ~~لا # PageV03P407 # تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ": # وقال أبو معاذ: ويقرأ: " لا تعدوا ms1216 في السبت "؛ على معنى لا تتعدوا، تلقى ~~إحدى، التائين، وإن شئت: تعتدوا، لم تدغم التاء في الدال. # وقوله - عز وجل -: (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا). # هو ما ذكر، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: من أرسل الله إليه رسولا ~~فأقر به - فقد أوجب على نفسه ميثاقا غليظا. # وقال مقاتل: الميثاق الغليظ: هو إقرارهم بما عهد الله إليهم في التوراة. # وقوله - عز وجل -: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ... (155) # قال الكسائي: " ما " - هاهنا - صلة: فبنقضهم ميثاقهم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " وكفرهم بآيات الله من بعد ما ~~تبينت ". # وقال مقاتل: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، وبكفرهم بآيات الله، يعني: ~~بالإنجيل والقرآن، وهم اليهود. # وقوله - عز وجل -: (وقتلهم الأنبياء بغير حق) # يحتمل على حقيقة القتل، ويحتمل على القصد والهم في ذلك، وقد هموا بقتل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مرة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: قال كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل - ~~عليهم السلام - فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: (إنا ~~لننصر رسلنا)، وقال - عز وجل -: (إنهم لهم المنصورون). # وقوله - عز وجل -: (وقولهم قلوبنا غلف). # قيل فيه بوجهين: # أحدهما: أنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئا إلا حفظته؛ ~~فالقرآن في هذا الوجه غلف. # والثاني: قالوا: قلوبنا في أكنة مما تقول، لا تعقل ما تقول؛ فالقراءة في ~~هذا الوجه # PageV03P408 # غلف فيه. # ثم قال - عز وجل -: (بل طبع الله عليها بكفرهم). # يحتمل أن يكون هذا جوابا وردا على قولهم: إن قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع ~~شيئا إلا وعته؛ أخبر - عز وجل - أنه طبع على قلوبهم بكفرهم؛ فلا يفقهون ~~شيئا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما ~~قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من ~~أهل الكتاب إلا ms1217 ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) # وقوله - عز وجل -: (وقولهم على مريم بهتانا عظيما). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: قذفوها بالزنا، وهو قولهم: (لقد جئت شيئا ~~فريا). # وقيل في قوله - تعالى -: (وبكفرهم) أي: كفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وبالقرآن، وقولهم على مريم ما قالوا: (لقد جئت شيئا فريا). # (وقولهم إنا قتلنا المسيح ... (157) # قيل: سمي مسيحا؛ لأن جبريل - صلى الله عليه وسلم - مسحه بالبركة؛ فهو ~~كالممسوح الفعيل، بمعنى: المفعول، وذلك جائز في اللغة. # وقيل: المسيح، بمعنى: ماسح؛ لأنه كان يمسح المريض والأبرص والأكمه فيبرأ؛ ~~فسمي لذلك مسيحا، وذلك جائز الفعيل بمعنى فاعل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. . .) ~~الآية. # لبعض الناس تعلق بهذه الآية بوجهين: # أحدهما: في احتمال الغلط والخطأ في المشاهدات والمعاينات. # والثاني: في احتمال المتواتر من الأخبار الغلط والكذب؛ وذلك أنه قيل في ~~القصة: إن اليهود طلبت عيسى - عليه السلام - ليقتلوه، فحاصروه في بيت ومعه ~~نفر غير أصحابه من الحواريين، فأدركهم المساء؛ فباتوا يحرسونه؛ فأوحى الله ~~- تعالى - إلى عيسى - عليه # PageV03P409 # السلام -: (إني متوفيك ورافعك إلي)؛ فأخبر أصحابه، وقال: أيكم يحب أن ~~يلقى عليه شبهي فيقتل، ويجعله الله يوم القيامة معي وفي درجتي؟ فقال رجل ~~منهم: أنا يا رسول الله؛ فألقى الله - تعالى - عليه شبهه ورفع عيسى - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلما أصبح القوم أخذوا الذي ألقى الله عليه شبهه؛ ~~فقتلوه، وصلبوه. # وقيل: إنه ألقي شبهه على رجل من اليهود. # وقيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - لما هموا بقتله التجأ إلى بيت، فدخل ~~فيه، فإذا هم قد جاءوا في طلبه، فدخل رجل منهم البيت ليقتله، فأبطأ عليهم؛ ~~فظنوا أنه قد قتله، فلما خرج وقد ألقي شبهه عليه؛ فقتلوه، وقالوا لما قتلوا ~~ذلك الرجل، وعندهم أنه عيسى؛ لما كان به شبهه، ثم لم يكن ذلك عيسى فلا يمنع ~~أيضا أن ما يشاهد ويعاين أنه -في الحقيقة- على غير ذلك، كما شاهد أولئك ~~القوم وعاينوا، وعندهم أنه عيسى، ثم لم يكن، ms1218 والله أعلم. # ثم الخبر -أيضا- قد تواتر فيهم بقتل عيسى، فكان كذبا ما يمنع -أيضا- أن ~~الأخبار المتواترة يجوز أن تخرج كذبا وغلطا. # قيل: أما الخبر بقتله إنما انتشر عن ستة أو سبعة؛ على ما ذكر في القصة، ~~والخبر الذي كان انتشاره بذلك القدر من العدد، هو من أخبار الآحاد عندنا. # وأما قوله - تعالى -: (ولكن شبه لهم). # يجوز أن يكون ذلك التشبيه تشبيه خبر أنه قتل من إلقاء الشبه على غيره، ~~وقتله حقيقة؛ وذلك أنه ذكر في بعض القصة: أنهم لما طلبوه في ذلك البيت فلم ~~يجدوه، ولم يكن غاب أحد منهم - قالوا: قتلناه؛ لأنهم قالوا: إنه دخل البيت، ~~فدخلوه على أثره، فلم يجدوه - كان ذلك إنباء عن عظيم آيات رسالته؛ فلم ~~يحبوا أن يقولوا ذلك، فقالوا: # PageV03P410 # قتلناه، كذبا؛ فذلك تشبيه لهم، والله أعلم. # فإن احتمل هذا - لم يكن ما قالوا من تخطئة العين لهم درك، ولو كان ما قال ~~أهل التأويل من إلقاء شبهه عليه؛ فذلك من آيات رسالته، أراد الله أن تكون ~~آياته قائمة بعد غيبته عنهم، وفي حال إقامته بينهم، والله أعلم. # وقوله: (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه) قيل: لفي شك، من قتل عيسى - ~~عليه السلام - قتل أو لم يقتل؛ # وقيل: (لفي شك منه) في عيسى، أي: على الشك يقولون ذلك. # قال الله - تعالى -: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن). # أي: ليس لهم بذلك إلا اتباع الظن: إلا قولا منهم بظنهم في غير يقين. # (وما قتلوه يقينا). # أي: ما قتلوا ظنهم يقينا؛ (بل رفعه الله). # وقيل: (وما قتلوه يقينا) أي: يقينا ما قتلوه. # (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) # قيل: عزيزا حين حال بينهم وبين عيسى أن يقتلوه ويصلوا إليه. # (حكيما). # حكم أن يرفعه الله حيا. وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (وكان الله عزيزا ~~حكيما) في أن رسله يكونون معصومين، وهو قوله - تعالى -: (كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)، وقوله - عز وجل أيضا -: (ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين (171) إنهم ms1219 لهم المنصورون (172). وقد ذكرنا هذا فيما ~~تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ... (159) # اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله - تعالى -: (قبل موته) هو أي: قبل موت عيسى، إذا نزل من ~~السماء - آمنوا به أجمعين، وبه يقول الحسن. # وقال الكلبي: إن الله - تعالى - إذا أنزل عيسى - عليه السلام - عند مخرج ~~الدجال، فقتل الدجال - يؤمن به بقية أهل الكتاب؛ فلا يبقى يهودي ولا نصراني ~~إلا أسلم. # PageV03P411 # وقال بعضهم: (إلا ليؤمنن به قبل موته) أي: قبل موت الكتابي؛ لا يموت ~~يهودي حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام. وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه ~~-: قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى - عليه السلام -، قيل: وإن ضرب ~~بالسيف؟ قال: وإن ضرب بالسيف. # وقال: هي في حرف أبي: " إلا ليؤمنن به قبل موتهم ". # لكن التأويل إن كان هو الثاني؛ فهو في رؤسائهم الذين كانت لهم الرياسة، ~~فلم يؤمنوا؛ خوفا على ذهاب تلك الرياسة والمنافع التي كانت لهم، فلما حضرهم ~~الموت أيقنوا بذهاب ذلك عنهم؛ فعند ذلك يؤمنون، وهو - والله أعلم - كقوله - ~~تعالى -: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ~~إني تبت الآن. . .) الآية، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت؛ كقوله - ~~تعالى -: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل)؛ لأنه إيمان دفع ~~العذاب والاضطرار؛ كقوله - تعالى -: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله ~~وحده. . .) الآية؛ فكان إيمانهم إيمان دفع العذاب عن أنفسهم، لا إيمان ~~حقيقة؛ لأنه لو كان إيمان حقيقة لقبل، ولكن إيمان دفع العذاب؛ كقول فرعون ~~حين أدركه الغرق: (قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، فلم ~~يقبل منه ذلك؛ لأنه إيمان دفع العذاب، وإيمان الاضطرار، لا إيمان حقيقة؛ ~~فعلى ذلك الأول، وبالله التوفيق. # وقيل في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " وإن من أهل الكتاب إلا من ~~ليؤمنن به قبل موته ". # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " وإن كل أهل الكتاب لما ليؤمنن به قبل ~~موته ". # وقيل: (إلا ليؤمنن) ms1220 قيل: بالله. # وقيل: بعيسى. # PageV03P412 # وقيل: بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ذلك أن عيسى - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا نزل يدعو الناس إلى الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) # قيل: إنه يكون عليهم شهيدا بأنه قد بلغ رسالة ربه إليهم، وأقر على نفسه ~~بالعبودية. # وقيل: الشهيد: الحافظ. # وقيل: " ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا ". # وقيل: يكون محمد عليهم شهيدا، وهذا كله محتمل، والله أعلم ما أراد. # * * * # قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم ~~منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ~~(162) # وقوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) # لولا آية أخرى سوى هذه؛ وإلا صرفنا قوله - سبحانه وتعالى -: (حرمنا عليهم ~~طيبات) على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما ~~يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ~~ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - تعالى -: (وحرمنا ~~عليه المراضع من قبل)، فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ ~~فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول. # PageV03P413 # ثم المنع لهم يكون من وجهين: # أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف - عليه ~~السلام - وسني مكة، على ما كان لهم من القحط. # والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئا، لا بيعا ولا شراء ولا ~~معروفا. # ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) - أنه على ~~التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما ~~اختلط بعظم ذلك جزيناهم ms1221 ببغيهم): أخبر - عز وجل - أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ~~ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا ~~يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ ~~فحرم ذلك عليهم. # وفي قوله - تعالى -: (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) دلالة لأصحابنا - ~~رحمهم الله - في قولهم: إن من قد أقر، فقال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - ~~أنه له، ولا يؤخذ منه؛ وإلا في ظاهر قوله: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - ~~أنه إذا اشتراه منه لا يكون لفلان؛ فيكون ذلك منه إقرارا له، لكنه على ~~الإضمار؛ كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه. # وكذلك قوله: (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) أي: كانت أحلت لهم، وكذلك في ~~حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وحرف ابن عباس - رضي الله عنهما -: " حرمنا ~~عليهم طيبات كانت أحلت لهم ". # وقوله - عز وجل -: (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) # أي: بصدهم الناس عن سبيل الله كثيرا، يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على ~~الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل. # ويحتمل: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب. # وقوله: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ... (161) # PageV03P414 # دل أن الربا لم يزل محرما على الأمم كلها كما حرم على هذه الأمة. # وقوله - عز وجل -: (وأكلهم أموال الناس بالباطل) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل أكل أموالهم بالباطل: هو الرشوة؛ كقوله - تعالى -: (وأكلهم السحت)، ~~قيل: هو الرشوة. # وقيل: ما كانوا ينالون من أموال الأتباع والسفلة؛ بتحريفهم التوراة لهم، ~~وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما). # الآية ظاهرة. # PageV03P415 # وقوله - عز وجل -: (لكن الراسخون في العلم منهم ... (162) # استثنى الراسخين في العلم منهم. والرسخ: هو ثبات الشيء في القلب؛ يقال: ~~رسخ العلم في القلب، ورسخ الإيمان في القلب. # وقوله: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة) # [روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ms1222 قالت: هذا خطأ من الكاتب؛ هو: " ~~المقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة "] (1). # وكذلك في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " والمقيمون الصلاة والمؤتون ~~الزكاة ". # وقال الكسائي: وجه قراءتنا: (يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~والمقيمين PageV03P416 # الصلاة) يقول: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بإقامة ~~الصلاة؛ كما قال - عز وجل - في سورة البقرة (ولكن البر من آمن بالله)، ~~معناه: ولكن البر الإيمان بالله. # وقال بعضهم: قوله - تعالى -: (يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة) يعني: الرسل. # PageV03P417 # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " لكن الراسخون في العلم يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر سوف نؤتيهم أجرا عظيما "، وكذلك في حرف أبي: (المقيمين ~~الصلاة) بالنصب. # * * * # قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ~~(166) # وقوله - عز وجل -: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده) # قيل فيه بوجوه: # قيل: قوله: (كما أوحينا إلى نوح) الكاف صلة زائدة، ومعناه: إنا أوحينا ~~إليك ما أوحينا إلى نوح ومن ذكر من بعده، أي: لا يختلف ما أنزل إليك وما ~~أنزل إلى غيرك من الرسل؛ وهو كقوله - تعالى - (وإنه لفي زبر الأولين)، (إن ~~هذا لفي الصحف الأولى). # وقيل: (إنا أوحينا إليك) من الحجج والآيات " كما أوحينا إلى نوح " ومن ~~ذكر من الحجج والآيات على صدق ما ادعوا، أي: قد أعطاك الله، من الحجج ~~والآيات ما يدل على رسالتك ونبوتك؛ كما أعطى أولئك من الحجج والآيات على ~~صدق ما ادعوا من الرسالة والنبوة، ثم لم يؤمنوا. # وقيل: إن اليهود قالوا: ms1223 إن محمدا لو كان رسولا - لكان يؤتى كتابا جملة، ~~كما أوتي موسى كتابا جملة من غير وحي؛ فقال الله - تعالى -: (إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) وحيا من غير أن أوتي كل منهم ~~كتابا جملة كما أوتي موسى، ثم كان أولئك رسلا؛ فعلى ذلك محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - رسول وإن لم يؤت كتابا كما أوتي موسى، ولله أن يفعل ذلك: يؤتي ~~من شاء كتابا جملة مرة، ومن شاء يوحي إليه بالتفاريق، والله أعلم # PageV03P418 # بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. . .) ~~ومن ذكر. # يحتمل ذكر إبراهيم ومن ذكر من أولاده بعد قوله: (إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين) - على التخصيص لإبراهيم ومن ذكر؛ لأنه ذكر ~~النبيين من بعد نوح؛ فدخلوا فيه، ثم خصهم بالذكر؛ تفضيلأ وتخصيصا لهم. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (والنبيين من بعده): الرسل الذين كانوا ~~بعد نوح قبل إبراهيم، ثم ابتدأ الكلام فقال: (وأوحينا إلى إبراهيم. . .) ~~ومن ذكر. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح، ~~وكما أوحينا إلى الرسل من بعدهم، وكما أوحينا إلى إبراهيم "؛ فهذا يدل على ~~ما ذكرنا من ابتداء الذكر لهم، والله أعلم. # والآية ترد على القرامطة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الرسل ستة، سابعهم قائم ~~الزمان؛ لأنه ذكر في الآية من الرسل أكثر من عشرة؛ فظهر كذبهم بذلك، ~~ومخايلهم التي سول لهم الشيطان وزين في قلوبهم. # وقوله - عز وجل -: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك ~~... (164) # ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا: ما بال موسى لم يذكر فيمن ذكر من ~~الأنبياء؟ فأنزل الله - عز وجل -: (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل) هؤلاء ~~بمكة في " الأنعام " وفي غيرها؛ لأنه قيل: إن هذه السورة مدنية. # ثم في قوله: (ورسلا لم نقصصهم عليك) دلائل من وجوه: # أحدها: أن معرفة الرسل بأجمعهم واحدا بعد واحد - ليس من شرط الإيمان بعد ~~أن يؤمن بهم جميعا؛ لأنه أخبر - عز وجل - أن من ms1224 الرسل من لم يقصصهم عليه، ~~ولو كان معرفتهم من شرط الإيمان لقصهم عليه جميعا، لا يحتمل ترك ذلك؛ دل ~~أنه ليس ذلك من شرط الإيمان، والله أعلم. # والثاني: أن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه التصديق؛ لأنه لم يؤخذ عليه ~~عدم معرفة الرسل، وأخذ بتصديقهم والإيمان بهم جملة. # PageV03P419 # وقوله - عز وجل -: (وكلم الله موسى تكليما). # اختلف فيه: قال بعضهم: خلق الله كلاما وصوتا، وألقى ذلك في مسامعه. # وقال آخرون: كتب له كتابا فكلمه بذلك؛ فذلك معنى قوله: (وكلم الله موسى ~~تكليما) لا أن كلمه بكلامه، ولا ندري كيف كان؟ سوى أنا نعلم أنه أحدث صوتا ~~لم يكن، فأسمع موسى ذلك كيف شاء، وما شاء، وممن شاء؛ لأن كلامه الذي هو ~~موصوف به في الأزل لا يوصف بالحروف، ولا بالهجاء، ولا بالصوت، ولا بشيء مما ~~يوصف به كلام الخلق بحال. وما يقال: هذا كلام الله - إنما يقال على ~~الموافقة والمجاز؛ كقوله: (حتى يسمع كلام الله)، ولا سبيل له أن يسمع كلام ~~الله الذي هو موصوف به بالأزل؛ ولكنه على الموافقة والمجاز يقال ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وكلم الله موسى تكليما) يخرج هذا - والله أعلم - مخرج ~~التخصيص له؛ إذ ما من رسول إلا وقد كان له خصوصية، والكلام خصوصية لموسى - ~~عليه السلام - إذ كلمه من غير أن كان ثمة سفير ورسول، وكان لسائر الرسل ~~وحيا يوحي إليهم؛ أي: دليل برسول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكلم الله موسى تكليما) دل المصدر على تحقيق الكلام؛ ~~إذ المصادر مما يؤكد حقائق ما له المصادر في موضوع اللغة، وأيد ذلك الأمر ~~المشهور من تسمية موسى: كليم الله، وما جرى على ألسن الخلق من القول بأن ~~الله كلم موسى؛ فثبت أنه كان له فيما كلمه خصوصية لم يشركه فيها غيره من ~~الرسل، وعلى حق الوحي لمانزال الكتب له شركاء في ذلك من الرسل؛ فثبت أن لما ~~وصف به موسى خصوصية باين بها غيره؛ على ما ذكره من خصوصية كثير من الرسل ~~بأسماء أو نعوت أوجبت لهم الفضيلة ms1225 بها، وإن كان حمل ما يحتمل تلك الخصوصية ~~- قد يتوجه إلى ما قد يشترك في ذلك جملة الرسل؛ فعلى ذلك أمر تكليم موسى - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (رسلا مبشرين ومنذرين ... (165) # أخبر أنه بعث الرسل بالبشارة في العاقبة لمن أطاعه، والإنذار لمن عصاه؛ ~~فهذا ليعلم أن كل أمر لا عاقبة له فهو عبث، ليس من الحكمة، وأن الذي دعا ~~الرسل الخلق إليه إنما دعوا لأمر له عاقبة؛ إذ في عقل كل أحد أن كل أمر لا ~~عاقبة له ليس بحكمة؛ فهذا - والله # PageV03P420 # أعلم - معنى قوله: (مبشرين ومنذرين) مبشرين، لمن أطاع الله بالجنة، ~~ومنذرين لمن عصاه بالنار. # وقوله - عز وجل -: (لئلا يكون للناس على الله حجة). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: لئلا يكون للناس على الله - تعالى - الاحتجاج بأنه لم يرسل الرسل ~~إلينا، وإن لم يكن لهم في - الحقيقة - عند الله - تعالى - ذلك؛ فيقولوا: ~~(لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى). # ويحتمل قوله - تعالى -: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) حقيقة ~~الحجة، لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا ~~العقل، وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل؛ فلا يكون لهم في ذلك على الله ~~حجة؛ إذ في خلقة كل أحد من الدلائل ما لو تأمل وتفكر فيها لدلته على هيبته، ~~وعلى وحدانيته وربوبيته؛ لكن بعث الرسل لقطع الاحتجاج لهم عنه، وإن لم تكن ~~لهم الحجة. # وإن كان على حقيقة الحجة فهو في العبادات والشرائع؛ فبعث الرسل على قطع ~~الحجة لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله عزيزا حكيما) # أي: لا يعجزه شيء عن إعزاز من أراد أن يعزه، ولا على إذلال من أراد ~~إذلاله. # (حكيما): يعرف وضع كل شيء موضعه. وقد ذكرنا تأويله في غير موضع. # وتوبه - عز وجل -: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة ~~يشهدون ... (166) # قيل فيه بوجهين: # قيل: يشهد الله يوم القيامة -والملائكة يشهدون أيضا- أن هذا القرآن الذي ~~أنزل إليك إنما أنزل من عند ms1226 الله، لا كما يقولون: (إنما يعلمه بشر)، (ما ~~هذا إلا إفك مفترى)، (إن هذا إلا اختلاق)، كما قالوا. # وقيل: قوله: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك) أي: يبين بالآيات والحجج التي ~~يعجز الخلائق عن إتيان مثلها، وتلزمهم الإقرار بأنه إنما أنزل من عند الله، ~~والله أعلم. # PageV03P421 # وقوله - عز وجل -: (أنزله بعلمه) يحتمل وجهين: # أنزله بالآيات والحجج ما يعلم أنها آيات الربوبية والحجج السماوية. # ويحتمل: (أنزله بعلمه) أي: أنزله على علم منه بمن يقبل ومن لا يقبل، ليس ~~كما يبعث ملوك الأرض بعضهم إلى بعض رسائل وهدايا لا يعلمون قبولها ولا ~~ردها، ولا علم لهم بمن يقبلها وبمن يردها، ولو كان لهم بذلك علم ما أرسلوا ~~الرسل، ولا بعثوا الهدايا؛ إذا علموا أنهم لا يقبلون؛ فأخبر - عز وجل - أنه ~~على علم منه أنزل بمن يقبل وبمن يرد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بالله شهيدا) # أي: شاهدا على ما ذكرنا من شهادته يوم القيامة على أحد التأويلين أنه ~~أنزله. # ويحتمل قوله: (شهيدا) أي: مبينا، أي: كفى بالله مبينا بالآيات والحجج. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما أنزل الله: (لكن الراسخون في ~~العلم منهم) إلى قوله: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. . .) ~~الآية - قالت قريش: من يشهد لك أن ما تقول حق؟ فأنزل الله - تعالى -: (لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا)، ~~وأنزل (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) الآية. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا ~~(167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ~~(168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) يا ~~أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن ~~لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا) # أي: كفروا بآيات الله. # (وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا) ms1227 # أي: قد تاهوا وتحيروا تحيرا طويلا. # ويحتمل: (قد ضلوا ضلالا بعيدا) أي: هلكوا هلاكا لا نجاة لهم، وقد ذكرنا ~~هذا فيما تقدم في غير موضع. # PageV03P422 # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا وظلموا ... (168) # أي: كفروا بآيات الله وحججه، وظلموا أمر الله وتركوه. # ويحتمل قوله - تعالى -: (وظلموا) حيث جعلوا أنفسهم لغير الله، وجعلوا ~~العبادة لمن دونه، وهو إنما خلقهم؛ ليجعلوا عبادتهم له، فقد وضعوا أنفسهم ~~في غير موضعها؛ لذلك وصفهم بالظلم؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. # ويحتمل: ظلموا أنفسهم، وإن كانوا لا يقصدون ظلم أنفسهم؛ فإن حاصل ذلك ~~يرجع إلى أنفسهم؛ فكأنهم ظلموا أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا ~~طريق جهنم ... (169) # كأنه على الإضمار بألا يهديهم في الآخرة طريقا إلا طريق جهنم. # ويحتمل ما قال أهل التأويل، قالوا: لا يهديهم طريق الإسلام إلا طريق ~~جهنم: طريق الكفر والشرك هما طريقا جهنم في الدنيا، والإسلام هو طريق الجنة ~~في الدنيا. # وهذه الآية والآية الأولى في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، ويموتون ~~على ذلك؛ حيث أخبر أنه - عز وجل - لا يغفر لهم، ولا يهديهم. # (خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا). # ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ... ~~(170) # يحتمل قوله: (بالحق من ربكم): بالحق الذي لله عليكم. # ويحتمل: (بالحق من ربكم) بالحق الذي لبعضكم على بعض، قد جاءكم الرسول من ~~الله ببيان ذلك كله. # ويحتمل قوله: (قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم) الحق الذي هو ضد الباطل ~~ونقيضه، وفرق بينهما، وأزال الشبه؛ إن لم تعاندوا ولم تكابروا. # (فآمنوا خيرا لكم). # لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان بالله حب الرياسة، وخوف زوال المنافع ~~التي كانت لهم؛ فقال: (فآمنوا خيرا لكم)؛ لأن ذلك لكم في الدنيا، والآخرة ~~دائم لا يزول؛ فذلك خير لكم من الذي يكون في وقت ثم يزول عنكم عن سريع. # PageV03P423 # وقوله - عز وجل -: (وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض. . .) ~~الآية. # يخبر ms1228 - والله أعلم - أن ما يأمر خلقه وينهى ليس يأمر وينهى لحاجة له أو ~~لمنفعة؛ ولكن يأمر وينهى لحاجة الخلق ومنافعهم؛ إذ من له ما في السماوات ~~وما في الأرض وملكهما - لا يقع له حاجة ولا منفعة، وهو غنى بذاته. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله عليما حكيما) # عليما: عن علم بأحوالكم خلقكم، لا عن جهل، وعليما بما به صلاحكم وفسادكم. # (حكيما): حيث وضع كل شيء موضعه. # ويحتمل قوله - تعالى - (وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض) وجها ~~آخر، وهو: الذي تكفرونه، يقدر أن يخلق خلقا آخر سواكم يطيعونه؛ إذ له ما في ~~السماوات وما في الأرض، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ~~(171) لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا ~~فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) # وقوله - عز وجل -: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) # والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو ~~المجاوزة عن الحد الذي أحد لهم، في الفعل وفي النطق جميعا. # وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: (ولا تقولوا على الله إلا الحق)؛ فالقول ~~على الله بما لا يليق به غلو. # وقيل: لا تغلوا: أي لا تعمقوا في دينكم، ولا تشددوا؛ فيحملكم ذلك على ~~الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق. # PageV03P424 # وقوله - عز وجل -: (ولا تقولوا على الله إلا الحق). # أي: الصدق. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا ms1229 الحق) # يقول: لا تقولوا لله - تعالى - ولد ولا صاحبة. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: " ولا تقولوا: الله ثالث ثلاثة؛ إنما هو ~~إله واحد). # وقوله - عز وجل -: (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) # الخطاب بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) في حقيقة المعنى - ~~للخلق كلهم؛ لأن على كل الخلائق ألا يغلوا في دينهم، وهو في الظاهر في أهل ~~الكتاب، والمقصود منه النصارى دون غيرهم من أهل الكتاب؛ حتى يعلم أن ليس في ~~مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوصه دليل خصوصه؛ ولكن قد ~~يراد بعموم اللفظ: الخصوص، وبخصوص اللفظ: العموم؛ فيبطل به قول من يعتقد ~~بعموم اللفظ عموم المراد، وبخصوص اللفظ خصوصه. # ثم افترقت النصارى على ثلاث فرق في عيسى - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~اتفاقهم على أنه ابن مريم: قال بعضهم: هو إله، ومنهم من يقول: هو ابن ~~الإله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة: الرب، والمسيح، وأمه؛ فأكذبهم الله - ~~عز وجل - في قولهم، وأخبر أنه رسول الله ابن مريم، ولو كان هو إلها لكانت ~~أمه أحق أن تكون إلها؛ لأن أمه كانت قبل عيسى - عليه السلام - ومن كان قبل، ~~أحق بذلك ممن يكون من بعد، ولأن من اتخذ الولد إنما يتخذ من جوهره، لا يتخذ ~~من غير جوهره؛ فلو كان ممن يجوز أن يتخذ ولدا - لم يتخذ من جوهر البشر؛ ~~كقوله - تعالى -: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا). # وقوله - عز وجل -: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) # قال بعضهم: كلمته: أن قال له: كن؛ فكان. لكن الخلائق كلهم في هذا كعيسى؛ ~~لأن كل الخلائق إنما كانوا بقوله - عز وجل -: كن؛ فكان؛ فليس لعيسى - عليه ~~السلام - في # PageV03P425 # ذلك خصوصية. # وأصله أنه سمي كلمة الله لما ألقاها إلى مريم، ولا ندري أية كلمة كانت؛ ~~وإنما خلقه بكلمته التي ألقاها إليها؛ فسمي بذلك، كما خلق آدم من تراب؛ ~~فنسب إليه، وحواء خلقها من ضلع آدم؛ فنسبها إليه، وسائر الخلائق خلقهم من ~~النطفة؛ فنسبهم ms1230 إليها؛ فعلى ذلك عيسى، لما خلقه بكلمة ألقاها إليها - نسب ~~إليه، لكن في آدم وغيره من الخلائق ذكر فيهم التغيير من حال إلى حال، ولم ~~يذكر ذلك في عيسى؛ فيحتمل أن يكون له الخصوصية بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وروح منه) كقوله - تعالى -: (فنفخنا فيه من روحنا) ~~فسمي لذلك روحا؛ لما به كان يحيي الموتى؛ ألا ترى أنه سمى القرآن روحا، وهو ~~قوله - تعالى -: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)، سماه روحا؛ لما به ~~يحيي القلوب، كما يحيي الأبدان بالأرواح. # وقيل: (وروح منه) أي: أحياه الله وجعله روحا. # وقيل: (وروح منه) أي: رسولا منه. # وقيل: (وروح منه) أي: أمر منه. # وقوله - عز وجل -: (فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة. . .) # لأن الرسل كلهم لم يدعوكم إلى الذي أنتم عليه أنه ثالث ثلاثة؛ إنما دعاكم ~~الرسل أنه الله إله واحد لا شريك له ولا ولد. # (انتهوا خيرا لكم). # بما ذكرنا بالآية الأولى. # وقوله: (ولا تقولوا ثلاثة) بالرفع، أي: لا تقولوا: هو ثلاثة. # وقوله - عز وجل -: (سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض) # نزه نفسه عن عظيم ما قالوا فيه بأن له ولدا، ثم أخبر أن له ما في ~~السماوات وما في الأرض؛ وإنما يتخذ الولد لإحدى خصال ثلاث: إما لحاجة تمسه؛ ~~فيدفعها به عن نفسه، أو لوحشة تصيبه؛ فيستأنس به، أو لخوف غلبة العدو؛ ~~فيستنصر به ويقهره، أو لما يخاف # PageV03P426 # الهلاك؛ فيتخذ الولد ليرث ملكه. # فإذا كان الله - سبحانه - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تصيبه وحشة، أو ~~لملكه زوال - يتعالى عن أن يتخذ ولدا وهو عبده. # (وكفى بالله وكيلا). قيل: حافظا. وقيل: شهيدا. # وقيل: الوكيل: هو القائم في الأمور كلها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون ... (172) # تكلم الناس في هذه الآية: قال الحسن: فيه دليل تفضيل الملائكة على البشر؛ ~~لأنه قال - عز وجل -: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون)؛ لأن الثاني يخرج ms1231 مخرج التأكيد للأول، وأبدا إنما يذكر ما به ~~يؤكد؛ إذا كان أفضل منه وأرفع، لا يكون التأكيد بمثله ولا بما دونه؛ كما ~~يقال: لا يقدر أن يحمل هذه الخشبة واحد ولا عشرة، ولا يعمل هذا العمل واحد ~~ولا عدد؛ فهو على التأكيد يقال؛ فعلى ذلك الأول: خرج ذكر الملائكة على أثر ~~ذكر المسيح؛ على التأكيد، وأبدا إنما يقع التأكيد بما هو أكبر، لا بما ~~دونه. # والثاني: قال: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقال - عز ~~وجل -: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، وقالوا: فكيف يستوي حال من يعصي ~~مع حال من لا يعصي؟! وحال من لا يفتر عن عبادته طرفة عين مع حال من يرتكب ~~المناهي؟! # والثالث: ما قال الله - تعالى - حكاية عن إبليس؛ حيث قال لآدم وحواء - ~~عليهما السلام - (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين). # لو لم يكن للملائكة فضل عندهم ومنزلة -ليس ذلك للبشر- لم يكن إبليس بالذي ~~يغرهما بذلك الملك والوعد لهما أنهما يصيران ملكين، ولا كان آدم وحواء ~~باللذين يغتران بذلك - دل أن الملك أفضل من البشر. # والرابع: أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - ما استغفروا لأحد، إلا ~~بدءوا بالاستغفار لأنفسهم ثم لغيرهم من المؤمنين؛ كقول نوح - صلى الله عليه ~~وسلم -: (رب اغفر لي ولوالدي. . .) الآية. # PageV03P427 # وكقول إبراهيم - عليه السلام - (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين)، وما ~~أمر الله - عز وجل - نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار؛ فقال: ~~(واستغفر لذنبك) الآية، وقال: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، ~~وما أمر بذلك، وما فعلوا ذلك؛ إلا ما يحتمل ذلك فيهم. # والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم؛ ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر؛ ~~كقوله: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)، وإلى هذا ذهب ~~بعض الناس: بتفضيلهم الملائكة على البشر. # PageV03P428 # وقال آخرون بتفضيل البشر على الملائكة، ولا يجب أن يتكلم في تفضيل البشر ~~على الإطلاق على الملائكة؛ لأنهم يعملون بالفساد وبكل فسق، إلا أن يتكلم في ~~تفضيل أهل ms1232 الفضل من البشر والمعروف منهم بذلك - على الملائكة؛ فذلك يحتمل ~~أن يتكلم فيه. # ويذهب من قال بتفضيل من ذكرنا من البشر على الملائكة - إلى أنه: ليس في ~~قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) - ~~دلالة على أن الملائكة كلهم أفضل منهم؛ لأنه إنما ذكر " المقربون "، لم ~~يذكر الملائكة مطلقا؛ فيجوز # PageV03P429 # أن يكون لمن ذكر فضل على البشر، وكلامنا في تفضيل الجوهر على الجوهر، ~~ولأن البشر ركب فيهم من الشهوات والأماني التي تدعوهم إلى ما فيه الخلاف ~~لله والمعصية له، وجعل لهم أعداء أمروا بالمجاهدة معهم، من نحو: أنفسهم، ~~والشياطين الذين سلطوا عليهم، ولا كذلك الملائكة؛ فمن حفظ نفسه، وصانها، ~~وأخلصها من بين الأعداء، وقمع ما ركب فيهم من الشهوات، والحاجات الداعية ~~إلى الخلاف لله والمعصية له - كان أفضل ممن لا يشغله شيء من ذلك، والله ~~أعلم. # وما ذكر من اغترار آدم وحواء بقول إبليس: (إلا أن تكونا ملكين) لا يحتمل ~~أن يكون آدم لما خلقه من جوهر البشر، وأخبر أنه جعله خليفة في الأرض أنه ~~يتناول ما نهي عنه؛ ليصير من جوهر الملائكة، ولكنه - والله أعلم - رأي أن ~~الملائكة طبعوا على حب العبادة لله، ولم يركب فيهم من الشهوات والحاجات ~~التي تشغل المرء عن العبادة لله والطاعة له - فأحب أن يطبع بطبعهم؛ ليقوم ~~بعبادة الله كما قاموا هم، والله أعلم. # والتكلم في مثل هذا فضل؛ ذلك إلى الله تعالى، وإليه التخير والإفضال. # ثم تأويل قوله عز وجل - والله أعلم -: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون): وذلك أنهم كانوا يعبدون الملائكة دون الله، ~~ويعبدون المسيح دونه؛ فأخبر أن أولئك الذين تعبدونهم أنتم لم يستنكفوا عن ~~عبادتي؛ فكيف تستنكفون أنتم؟! # وقوله - عز وجل -: (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) # فهو - والله أعلم - على الإضمار؛ كأنه قال: ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر، ومن لم يستنكف عن عبادته ولم يستكبر؛ فسيحشرهم إليه جميعا. # ثم بين جزاء من لم يستنكف عن عبادته ومن لم ms1233 يستكبر، ومن استنكف واستكبر، ~~فقال: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم. . . (173) الآية، ~~(وأما الذين استنكفوا واستكبروا. . .) الآية؛ وإلا لم يكن في الذين ~~استنكفوا مؤمن؛ بل كانوا كلهم كفارا؛ بالاستنكاف والاستكبار عن عبادته. # والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ ~~لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟ وبالك؟ ~~والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير. # لكن الاستنكاف -والأنفة- لا يضاف إلى الله تعالى، والاستكبار يضاف، فهما ~~من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد، والله أعلم. # PageV03P430 # قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا ~~مبينا (174) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) # والبرهان: هو الحجة توضح وتظهر الحق من الباطل. # وقيل: بيان من ربكم، وهما واحد. # قال بعضهم: هو النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال آخرون: هو القرآن؛ فأيهما كان فهو حجة وبيان، يلزم الحق -ويبين- من ~~لم يعاند. # وقوله - عز وجل -: (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) # يبصر به الحق من الباطل، وبه يعرف: وهو القرآن، سماه: نورا؛ لما به يبصر ~~الحق، وإن لم يكن هو بنفسه نورا؛ كالنهار: سماه مبصرا؛ لما به يبصر، وإن لم ~~يكن هو كذلك. # وقال قتادة: (نورا مبينا): هو هذا القرآن، وفيه بيانه ونوره وهداه، وعصمة ~~لمن اعتصم به. # * * * # قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) # وقوله - عز وجل -: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به). # جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله. # والاعتصام: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويهديهم إليه صراطا مستقيما) # كأنه - والله أعلم - على التقديم والتأخير: " فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به، ويهديهم إليه صراطا مستقيما؛ فسيدخلهم في رحمة منه "، يعني: ~~الجنة " وفضل "؛ كقوله تعالى: (فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله). # * * * # قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ms1234 ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين ~~فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # وقوله - عز وجل -:، (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة). # ذكر الاستفتاء، ولم يذكر: فيم استفتوا؟ لكن في الجواب بيان أن الاستفتاء ~~فيم كان، وقال: (قل الله يفتيكم في الكلالة). # والكلالة: ما ذكر: (يستفتونك قل الله يفتيكم في. . .) إلى آخر ما ذكر. # PageV03P431 # قال جابر - رضي الله عنه -: في نزلت الآية. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما سألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، ثم طعن في صدري بأصبعه، فقال: " ~~ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء؟! "، وفيه دلالة أن قد يترك ~~بيان ما يدرك بالاجتهاد والنظر، ولا يبين؛ ليجتهد، ويدرك بالنظر؛ لأن عمر - ~~رضي الله عنه - سأل غير مرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبينه، ~~وأشار إلى الآية التي فيها ذكر ما سأل عنه؛ لينظر ويجتهد؛ ليدرك. # وفيه دليل جواز تأخير البيان؛ لأن عمر - رضي الله عنه - سأله غير مرة، ~~ولم يبينه حتى أمره بالنظر في الآية، وعمر - رضي الله عنه - لم يكن عرف قبل ~~ذلك؛ فدل على جواز تأخير البيان. # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: الكلالة: من ليس له ~~ولد ولا والد، وكذلك قال عمر - رضي الله عنه - وقال: إني لأستحي من الله أن ~~أرد شيئا قاله أبو بكر. وسئل ابن عباس - رضي الله عنه - عن الكلالة؟ فقال: ~~من لا ولد له ولا والد. # وروي عن جابر - رضي الله عنه - قال: مرضت؛ فأتاني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعودني وأبو # PageV03P432 # بكر الصديق معه؛ فوجدني قد أغمى علي؛ فصب وضوءه علي؛ فأفقت؛ فقلت: يا ~~رسول الله، كيف أصنع في مالي؟ وكان لي تسع أخوات؛ فلم يجبني حتى نزل قوله - ~~تعالى -: (يستفتونك قل الله يفتيكم ms1235 في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك. . .) إلى آخر ما ذكر، قال جابر - رضي الله عنه -: في ~~نزلت الآية. # قال بعض الناس: إذا مات الرجل؛ وترك ابنة وأختا - فلا شيء للأخت؛ لأن ~~الله - تعالى - قال: (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) ~~والابنة ولد؛ فلا ميراث للأخت وللأخ مع الابنة؛ لأنها ولد؛ فيقال: إن الله ~~- عز وجل - جعل للابنة النصف؛ إذا لم يكن معها ابن؛ بقوله تعالى: (وإن كانت ~~واحدة فلها النصف)؛ فإذا مات وترك ابنة وأختا فللابنة النصف، وذلك النصف ~~الباقي إذا لم يعط للأخت - يرد إلى الابنة؛ فيكون لها كل الميراث، وقد جعل ~~الله - تعالى - ميراثها إذا لم يكن معها ولد ذكر - النصف، أو لا يرد إلى ~~الابنة؛ فيجب أن ينظر أيهما أحق بذلك النصف الباقي؛ فجاء في بعض الأخبار: ~~أن الأخوات مع البنات عصبة؛ لذلك كانت الأخت أولى بذلك النصف الباقي، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) # ذكر للاثنتين الثلثين، ولم يذكر ما للثلاث فصاعدا منهن، وذكر في الابنة ~~الواحدة النصف في أول السورة بقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف) ولم يذكر ~~ما للبنتين؛ ولكن ذكر الثلاث فصاعدا بقوله تعالى: (فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك) فترك بيان الحق في الابنتين؛ لبيانه في الأختين، وترك ~~البيان للأخوات؛ لبيانه في البنات؛ ففيه دليل القياس: حيث اكتفى ببيان ~~البعض عن الآخر. # وقوله - عز وجل -: (وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) # دل قوله تعالى: (إخوة رجالا ونساء) أن اسم الإخوة يجميع الإناث والذكور ~~جميعا؛ لأنه ذكر إخوة، ثم فسر الرجال والنساء؛ فهو دليل لنا في قوله تعالى: ~~(فإن كان له إخوة # PageV03P433 # فلأمه السدس) وإنهم يحجبون الأم عن الثلث، ذكورا كانوا أو إناثا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يبين الله لكم أن تضلوا) # قيل: ألا تضلوا. # قال الكسائي: العرب تقول للرجل: أطعمتك أن تجوع، وأغنيتك أن تفتقر؛ ms1236 على ~~معنى ألا تجوع ولا تفتقر، وفي القرآن كثير مثل هذا. # ثم قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. ~~وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد. # (والله بكل شيء عليم). # وعيد، وبالله الحول والقوة، والله المستعان. # * * * # PageV03P434 ### | سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # قوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) # أجمع أهل التأويل على أن العقود - هاهنا - هي العهود، ثم العهود على ~~قسمين: # PageV03P434 # عهود فيما بين الخلق، أمر الله - عز وجل - بوفائها. # وعهود فيما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم، من نحو: ~~الفرائض التي فرض الله عليهم، والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك، ~~أمر عز وجل بوفائها. # وأما العهود التي فيما بينهم من نحو: الأيمان وغيرها، أمر بوفاء ذلك إذا ~~لم يكن فيها معصية الرب؛ كقوله تعالى: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها. . ~~.) الآية، أمر هاهنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها، ثم جاء في الخبر ~~أنه قال: " من حلف على يمين، فرأي غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، ~~وليكفر عن يمينه ". أمر فيما فيه معصية بفسخها، وأمر بوفاء ما لم يكن فيه ~~معصية، ونهي عن # PageV03P435 # نقضها بقوله تعالى: (ولا تنقضوا. . .) الآية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (أوفوا بالعقود): وهي العهود، وهو ما ~~أحل وما حرم، وما فرض وما حد، في القرآن كله، وهو ما ذكرنا. # وقيل: إن العقود التي أمر الله - تعالى - بوفائها هي العهود التي أخذ ~~الله ms1237 - تعالى - على أهل الكتاب: أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم)، ~~وكقوله: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال ~~الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي). # فالخطاب لهم على هذا التأويل؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما ~~بعث كفروا به. # وقوله - عز وجل -: (أحلت لكم بهيمة الأنعام). # قال بعضهم: هي الوحوش، وهو قول الفراء؛ ألا ترى أنه قال: (غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم)؟!. # PageV03P436 # وقال الحسن: هي الإبل والبقر والغنم. # وقال آخرون: البهيمة: كل مركوب. # لكن عندنا: كل مأكول من الغنم، والوحش، والصيد، وغيره، وإن لم يذكر. # دليله، ما استثنى: (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم)؛ كأنه ~~قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من (الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة) الآية، (غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم) # دل قوله: (غير محلي الصيد) على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر؛ لأنه ~~استثنى الصيد منه، وأبدا: إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان فيه ذلك، ~~وأما إذا لم يكن؛ فلا معنى للاستثناء، فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على ~~أن الصيد فيه، وإن لم يذكر. # ودل قوله - تعالى -: (وإذا حللتم فاصطادوا)، على أن النهي كان عن ~~الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله؛ لأن للمحرم أن يأكل صيدا صاده حلال. # ودل قوله: (غير محلي الصيد) على أن الصيد قد دخل في قوله: (أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام) على ما ذكرنا فيما تقدم: أن البيان في الجواب يدل على كونه ~~في السؤال، وإن لم يكن مذكورا في السؤال؛ فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على ~~كونه فيه، والله أعلم. # ويحتمل (بهيمة الأنعام) الثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام: ~~(من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. . . إلى آخر ما ذكر. # والآية تدل على ms1238 أن الذي أحل من البهائم - الأنعام منها - ثمانية؛ دل عليه ~~قوله: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) ثم قال: (والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة)؛ ففصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال ~~والحمير؛ فالخيل والبغال والحمير، خلقها للركوب، والأنعام للأكل. # وقوله: (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم) # كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد، (إلا ما يتلى عليكم): يحتمل: ~~يتلى على الوعد، أي: يتلى عليكم من بعد ما ذكر على أثره: (حرمت عليكم ~~الميتة والدم. . .) إلى آخره، ويحتمل: (إلا ما يتلى عليكم) وهو ما ذكر. # PageV03P437 # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " إلا ما يتلى عليكم فيها "، في ~~سورة الأنعام: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما. . .) إلى آخره. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يحكم ما يريد) # وهذا - والله أعلم - أي: إلى الله الحكم، يحكم بما شاء من التحريم ~~والتحليل، فيما شاء، على ما شاء، ليس إليكم التحكم عليه، وهذا ينقض قول ~~المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يريد طاعة كل أحد، ولو أراد ذلك لحكم؛ لأنه أخبر ~~أنه يحكم ما يريد، ولا جائز أن يريد ولا يحكم؛ فدل أنه: لم يرد؛ لأنه لو ~~أراد لحكم، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ... (2) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ~~ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن ~~يغيروا عليهم؛ فأنزل الله - تعالى -: (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام)، يعني: لا تستحلوا قتالا فيه، (ولا الهدي ولا القلائد. . .) الآية. # وقال غيره: قوله: (لا تحلوا شعائر الله)، يعني: المناسك، لا تستحلوا ترك ~~شعائر الله، والشعائر هن المناسك؛ ألا ترى أن الله - تعالى - سمي كل منسك ~~من الحج شعائر الله؟! كقوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله)، ~~وقال: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)، كل هذا من شعائر الله، وهن ~~معالم الله في الحج. # وقيل: شعائر الله: فرائض الله؛ كأنه قال: لا تستحلوا ترك ما ms1239 فرض الله ~~عليكم. # وقال الحسن: (شعائر الله): قال: دين الله، وهو واحد. # وقيل في قوله: (جعل الله الكعبة البيت الحرام. . .) حتى بلغ [(والهدي ~~والقلائد)]، فقال: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية؛ فكان الرجل لو ~~جر # PageV03P438 # جريرة وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم الله - تعالى - لم يتناول ولم يطلب، ~~ولو لقي قاتل أبيه في الأشهر الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل لو لقي الهدى ~~مقلدا -وهو يأكل العصب من الجوع- لم يعرض له، ولم يقربه؛ فإذا أراد البيت ~~يقلد قلادة من شعر؛ فحرمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله. # ويحتمل قوله - تعالى -: (لا تحلوا شعائر الله)، أي: لا تستحلوا ما أشعركم ~~الله حرمته، وهو من الأعلام، ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ~~ذكرنا. # وقال: لا تحلوا الحرام ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد. # وهذه أمور كانت من قبل فنسخت بقوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم. . .) الآية. وعن الشعبي أنه قال: لم ينسخ من المائدة غير هذه ~~الآية؛ نسخها: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا)، وقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. . ~~.) الآية. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: " إنها آخر ما أنزل؛ فما وجدتم ~~فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ". # وقوله - عز وجل -: (ولا الشهر الحرام) فهو هو كقوله - تعالى -: (يسألونك ~~عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير)، # وقد ذكرنا أن الله - عز وجل - أطلق الحرم في الشهر الحرام بعد ما كان ~~محظورا بقوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). # وأما قوله: (ولا الهدي ولا القلائد). # PageV03P439 # فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية فيما ذكرنا، وفيه دليل لقول أصحابنا ~~- رحمهم الله - حيث قالوا: إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر تقلد؛ لأنه ذكر ~~الهدي والقلائد؛ فدل أن من الهدي ما يقلد، ومنه ما لا يقلد. # (ولا آمين البيت الحرام). # أي: قاصدين البيت الحرام. # (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا). # قيل: إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام يلتمسون فضل الله ورضوانه؛ ms1240 ~~بما يصلح لهم دنياهم؛ كقوله - تعالى -: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في ~~الدنيا وما له في الآخرة من خلاق). وقد يجوز أن يكونوا لما التمسوا عند ~~أنفسهم رضوان الله - أمر الله المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في ~~توجيه العبادة؛ فجعلوها لغير الله؛ كقوله تعالى: (من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها). # PageV03P440 # وقوله - عز وجل -: (وإذا حللتم فاصطادوا). # دل هذا على أن النهي في قوله: (غير محلي الصيد) أي: أخذ الصيد واصطياده ~~في الإحرام، لا أكله، وهو إباحة ما حظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره ~~أمرا، ومعناه: فإذا حللتم لكم أن تصطادوا. # وأصله: أن كل أمر خرج على أثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور ~~المحرم، لا أمر إلزام وإيجاب؛ من نحو قوله - تعالى -: (إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع)، ثم قال: (فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)، وهو المحظور المتقدم، وقوله - ~~تعالى -: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن)، ثم قال - عز وجل -: (ولكن ~~إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا)، أمر إطلاق وإباحة ما حظر عليهم، ~~ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - في قوله: (ولا آمين البيت الحرام): " ~~ولا تاموا "، وكذلك في حرفه؛ " فأموا صعيدا طيبا ". # وقيل في قوله - تعالى -: (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا): حجهم؛ فلا يقبل ~~عنهم حتى يسلموا؛ فنهى الله - تعالى - رسوله عن قتالهم. # وقال بعضهم: إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة يقال له: شريح، وذلك ~~أنه أتى المدينة، فدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنت محمد ~~النبي؟ فقال: " نعم "، فقال: إلام تدعو؟ قال: " أدعوا إلى أن تشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأني محمد، رسول الله "، فقال شريح: يا محمد، هذا شرط شديد، ~~وإن لي أمراء خلفي أرجع إليهم؛ فأعرض عليهم ما اشترطت علي، وأستأمرهم في ~~ذلك، فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت فكنت معهم، ثم انصرف ms1241 خارجا من عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما خرج، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لقد خرج من عندي بعقبي غادر، ولقد دخل علي بوجه كافر، وما ~~الرجل بمسلم " فمر شريح # PageV03P441 # بسرح لأهل المدينة فساقها منهم. فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى ~~مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على ~~بعض، فإذا كان أشهر الحرم، أمن الناس كلهم بعضهم بعضا، فمن أراد أن يسافر ~~قلد بعيره من الشعر أو الوبر؛ فيأمن بذلك الهدي حيثما ذهب، فلما سمع أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحج شريح، وقدومه إلى مكة، أرادوا أن ~~يغيروا على شريح؛ فيأخذوا ما معه، ويقتلوهم؛ كما أغار شريح على سرح أهل ~~المدينة قبل ذلك؛ فاستأمروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك؛ ~~فنزلت الآية فيهم: (لا تحلوا شعائر الله. . .) إلى آخره؛ فلا ندري كيف كانت ~~القصة؟ وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة، إلا القدر الذي ذكر الله في ذلك. # وقوله: (ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا)، ~~وقال تعالى في موضع آخر: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) الآية، وقال في آية أخرى: (يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا) الآية. # ذكر في بعضها الاعتداء ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم. وذكر ~~في بعضها العدل، وأمر به، ونهى عن الظلم والجور. # ثم الأسباب التي تحملهم وتبعثهم على الاعتداء والظلم، وتمنع القيام ~~بالشهادة والعدل - ثلاثة: # PageV03P442 # أحدها: ما ذكر - عز وجل - البغض والعداوة، بقوله: (ولا يجرمنكم شنئان قوم ~~أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا)، وقال: (على ألا تعدلوا)، وقال: ~~(كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا)، أمرهم بالقيام بالشهادة، وأخبر ألا يمنعكم الولاية ~~والقرب القيام بالشهادة، أو طمع ms1242 غنى أو خوف فقر. # هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتبعثهم على الجور ~~والاعتداء؛ فنهاهم الله - عز وجل - أن يحملهم بغض قوم، أو عداوة أحد على ~~الجور والاعتداء. أو تمنعهم الشفقة، أو القرب، أو طمع غنى أحد، أو خوف فقر ~~- القيام بالشهادة وما عليهم من الحق. # وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)، فإذا ~~كان كله لله، قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاوزة الحد الذي حد له، وقدر على ~~القيام بالشهادة، وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به، من نحو ما ذكر: ~~من البغض والعداوة، والقرب والشفقة، أو طمع الغنى وخوف الفقر؛ إذا جعل ~~الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء، وكذلك الشهادة إذا جعلها ~~لله قام بأدائها، ولو على نفسه، أو ما ذكر لم يمنعه شيء عن القيام بها. # وقوله - عز وجل -: (وتعاونوا على البر والتقوى): # كان البر هو اسم كل خير، والتقوى: هي ترك كل شر. # (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). # ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر: الإثم، وبإزاء التقوى: العدوان؛ فهذا يبين ~~أن البر: اسم # PageV03P443 # لكل خير، والتقوى: هي الانتهاء عن كل شر. # ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به، وهو قوله: (لا تحلوا ~~شعائر الله. . .) إلى قوله: (البيت الحرام) يقول: عاونوهم على ما يأتون به ~~من ذلك؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برا؛ لعبادتهم ~~غير الله تعالى. # وإنما أمروا بمعاونتهم، وترك التعرض لهم -إن ثبت ما ذكر في القصة-: إذا ~~أحرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا ~~فيه؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم وبيعهم، وإن ~~كانوا يعصون الله فيها؛ لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البر عند أنفسهم. # فلما أمر بنقض عهود مشركي العرب، أمر بمنعهم من دخول المسجد، وأن يقتلوا ~~حيث وجدوا، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم الله، والله أعلم - في ~~فرقهم بين شهادة أهل ms1243 الذمة على أمثالهم، وشهادة فساق المسلمين؛ لأن أهل ~~الذمة متدينون # PageV03P444 # بكفرهم، والفساق غير متدينين بفسقهم. وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه ~~المشركون من أموال المسلمين، وبين ما يغلب عليه الفساق من أموال المسلمين. ~~وكذلك سبيل الدماء التي يصيبها المحاربون من أهل البغي من أهل العدل، لا ~~تشبه ما يصيبه الفساق منها؛ لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر ~~المقر بالذنب فيه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يطلق لمن يعاقدونه من أهل الكتاب ~~الصلاة في كنائسهم، وإن كان ذلك عندنا معصية حراما، ولا يجوز أن يطلق ~~المعصية لفساق المسلمين بحال. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله): # أي: نقمة الله وعذابه: في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه. # (إن الله شديد العقاب). # قال ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: (ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم ~~عن المسجد الحرام): أي: لا يحملنكم بغض قوم؛ لصدهم إياكم عن البيت الحرام؛ ~~فتأثموا فيهم: أن تعتدوا؛ فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم. # وقال: (وتعاونوا على البر والتقوى) البر: ما أمرت به، والتقوى: الكف عما ~~نهيت عنه. # وقال: والعدوان: هو المجاوزة عن حد الله الذي حده لعباده. # وقوله: (ولا يجرمنكم): قال بعضهم: لا يؤثمنكم بغض قوم أن تعتدوا. # وقال آخرون: لا يحملنكم. # وفيه لغتان: (يجرمنكم) برفع الياء، وبنصبها: (يجرمنكم)، وهو ما ذكرنا. # PageV03P445 # قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~(3) # وقوله - عز وجل -: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به): # هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: حرم عليكم أكل الميتة والدم ~~وأكل لحم الخنزير. . . إلى آخر ما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: يجوز الانتفاع ~~بصوف الميتة ms1244 وبعظمها؛ دل أنه على الإضمار: إضمار " أكل "، وأما الانتفاع ~~بجلدها لا يجوز إلا بعد الدباغ؛ # PageV03P446 # لأن الجلد ربما يشوى مع اللحم فيؤكل؛ فهو حرام كاللحم، إلا أن يدبغ. # ثم في الآية دليل الامتحان من وجهين: # أحدهما: إباحة التناول من جوهر، وامتحن بحرمة الخنزير والدم لم يحله بسبب ~~ولا بغير سبب، وامتحن بحل الآخر بسبب، وحرم بسبب. # والثاني: امتحن بسبب حل تنفر الطباع عنه؛ لأن كل ذي روح يتألم بالذبح ~~واستخراج الروح منه، وجعل طبيعة كل أحد مما ينفر عنه لم يتألم به؛ لتطيب ~~أنفسهم بذلك، ثم جعل ما يخرج من الأرض كله حلالا بلا سبب يكتسبون، إلا ما ~~لا يقدرون على التناول منه؛ لخوف الهلاك؛ لأنه موات لا تنفر الطبائع عنه، ~~ثم جعل أسباب الحل أسبابا يكتسبون مما لا يعمل في استخراج ذلك الدم المحرم ~~منه حل أكله، وإذا لم يعمل في استخراج ذلك الدم؛ فهلك فيه - أفسده؛ لأنه ~~أتلف فيه ما هو محرم فأفسده؛ فاستخراج ذلك الدم مما يطيب ذلك، ويمنع عن ~~الفساد، إلا في طول الوقت، والذي هلك فيه الدم يفسد في قليل الوقت. # وقوله - عز وجل -: (وما أهل لغير الله به): # قال الكسائي: (وما أهل لغير الله به): أي: ذكر وسمي عليه غير اسم الله، ~~مشتقة من استهلال الصبي، ومنه أهك الهلال، وأهل المهل بالحج إذا لبى. # PageV03P447 # قال قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة؛ حتى إذا ماتت أكلوها. # والكافر - في الحقيقة - يهل لغير الله؛ لأنه لا يعرف الله حقيقة، لكنه ~~أجيز ذبائح الكتابي؛ لأنه يسمي عليها اسم الله تعالى. # (والموقوذة): كانوا يضربون بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها. # (والمتردية): كانت تردى في بئر أو من جبل؛ فتموت. # (والنطيحة): كان الكبشان يتناطحان؛ فيموت أحدهما، فيأكلونه. # (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم): كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئا من ~~هذا وأكل منه، أكلوا ما بقي؛ فقال الله - تعالى -: (إلا ما ذكيتم). # ثم روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (والمنخنقة والموقوذة) فما ~~أدركت من هذا كله يتحرك له ms1245 الذنب، أو يطرف له العين - فاذبح، واذكر اسم ~~الله عليه؛ فهو حلال. # PageV03P448 # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: إذا طرفت بعينها، أو ركضت برجلها أو ~~حركت ذنبها - فهي ذكية. # وكذلك روي عن أبي الزبير أنه سمع عبيد بن عمير - رضي الله عنه - يقول ~~كذلك، وكانه روي - مرفوعا - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك. # وهذا - والله أعلم - إذا خنقها أو أوقذها - يغمى عليها، فإذا ذبحت، فحركت ~~ذنبها، أو طرفت عينها، أو ركضت برجلها - أفاقت؛ فاستدل بذلك على حياتها. # وليس هذا كشاة ينزع الذئب أو السبع ما في بطنها، وصارت بحال لا تتحامل، ~~إنها وإن تحركت أو طرفت بعينها فإنها لا تؤكل. # وأصله: أن كل ما لو قطع العروق فتركت فماتت، تكون ميتة، فإذا أدركها في ~~تلك الحال فذكاها، كانت ذكية، وكل ما لو صار بحال لو ماتت كانت ذكية، فإذا ~~أدركه في تلك الحال فذكاه، كانت ميتة. # (والمتردية): الممتنعة عن الذبح، في المذبح، إذا ذبح من غير المذبح يجوز ~~أكله. # وروي عن رافع بن خديج قال: أصبنا إبلا وغنما، فند منها بعير؛ فرماه رجل ~~بسهم؛ فحبسه؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن لهذه الإبل ~~أوابد كآوابد الوحش، فإذا كان غلبكم شيء منها، فاصنعوا به هكذا ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال - في البعير يتردى في البئر - إذا ~~لم يقدر على منحره؛ فهو بمنزلة الصيد ينحره من حيث أدرك. # وسئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن بعير تردى في بئر، فصار أعلاه ~~أسفله؛ # PageV03P449 # فقال: قطعوه أعضاء وكلوه. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - كذلك روي أنه سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقيل: هل تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؛ فقال: أما إنها لو ~~طعنت في فخذها، أجزى عنك ". # وإذا ذكي بغير السكين من نحو المروة والقصبة مما يقطع - يجوز. # روي أن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، أرسل كلبي فيأخذ ~~الصيد، وليس معي ما أذكيه به؛ فأذبحه ms1246 بالمروة أو القصبة؛ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " أمر الدم بما شئت، واذكر اسم الله عليه ". وكذلك ~~روي عن علي أبن أبي طالب - رضي الله عنه -. # وروي أن رجلا أشاط دم جزور بجدل؛ فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: " إذا أنهرت الدم # PageV03P450 # فكل ". # وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" اذبح بكل ما أفرى الأوداج وأهرق الدم ما خلا السن والظفر ". # وإلى هذا يذهب أصحابنا - رحمهم الله - في ذلك، ويرون كل ما أنهر الدم: من ~~حجر، أو مروة، أو نحو ذلك - مذكى ويؤكل، ويحملون قول رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إلا السن والظفر " على أنهما إذا كانا غير منزوعين؛ لأن ذلك ~~خنق، وليس بذبح؛ يفسر ذلك قول ابن عباس - رضي الله عنه - حيث قال: إن ذلك ~~خنق، وفي الخبر بيان؛ لأنه قال: " كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج، ما خلا ~~السن والظفر؛ فإنهما مدى الحبشة "، وهم # PageV03P451 # إنما كانوا يذبحون بسن أو ظفر غير منزوعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ذبح على النصب). # أي: للنصب، قيل: كانوا يذبحون للأوثان والأصنام التي يعبدونها؛ يتقربون ~~بذلك إليها؛ كما كان أهل الإسلام يتقربون بالذبائح يذبحونها إلى الله؛ فحرم ~~الله - عز وجل - ما كانوا يذبحون للنصب (وما أهل لغير الله به)؛ لما ذكرنا ~~أن الأمر به خرج مخرج قبول النعمة والشكر له فيما أنعم عليهم من عظيم ~~النعم؛ فإذا أهلوا به لغير الله - أي: لغير وجه الله لم يقبلوا نعمه، ~~ووجهوا الشكر إلى غيره؛ فحرم لذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأن تستقسموا بالأزلام). # قيل: سهام العرب وكعاب فارس التي يتقامرون بها. # وقيل: الأزلام: هي القداح، كانوا يقتسمون بها الأمور: فكان الرجل إذا ~~أراد سفرا أخذ قدحا، فقال: " هذا يأمره بالخروج "، فإن هو خرج فهو مصيب في ~~سفره خيرا، ويأخذ قدحا آخر؛ فيقول: " هذا يأمره بالمكث "، فإن هو خرج فليس ~~بمصيب خيرا في سفره. والمنيح بينهما؛ فنهي الله عن ذلك، وأنبا أن ذلك فسق؛ ms1247 ~~بقوله: (ذلكم فسق). # PageV03P452 # وعن الحسن قال: كانوا يعمدون إلى قداح فيكتبون على أحدها: " مرني "، وعلى ~~الآخر: " انهني "، ثم يحيلونها إذا أرادوا السفر: فإن خرج عليه " مرني " ~~مضى في وجهه، وإن خرج الذي عليه " انهني " لم يخرج. # قال أبو بكر الكيساني: إن في النهي عن العمل بالأزلام دليل النهي عن ~~العمل بالنجوم، فإذا نهي عن العمل بقول المقتسمين ينهى -أيضا- عن العمل ~~بقول المنجمة؛ لأنهم يقولون عين ما يقول أولئك ويعملون به، لكن المنجمة ~~ليسوا يقولون: إن نجم كذا يأمركم كذا، ونجم كذا ينهى عن كذا؛ على ما كان ~~يفعل أولئك. # ويجوز أن يكون الله - عز وجل - جعل في النجوم أعلاما ومعاني يدركون بها، ~~ويستخرجون أشياء تحتمل ذلك؛ ويكون على ما يستخرج أهل الاجتهاد بالاجتهاد ~~أشياء من معنى النصوص، وأحكاما لم تذكر في المنصوص؛ فعلى ذلك المنجمة يجوز ~~أن يستخرجوا أشياء من النجوم بدلائل ومعان تكون في النجوم، ولا عيب عليهم ~~في ذلك ولا لائمة، إنما اللائمة عليهم فيما يحكمون على الله ويشهدون عليه. # قال القتبي: الأزلام: القداح، واحدها: زلم وزلم، بها: أن يضرب، فأخذ ~~الاستقسام من القسم - وهو النصيب - كأنه طلب النصيب. # قال أبو عوسجة: استقسمت، أي: ضربت بالقداح؛ قال: كأنه من القسم. # وقال أبو عبيد: إنما سمي: استقساما؛ لأنهم كانوا يطلبون قسم الرزق وطلب # PageV03P453 # الحوائج بها؛ فكانوا يسألونها أن تقسم لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم فسق): # يحتمل قوله: (فسق): أي: العمل بالأزلام، والشهادة على الله أنه أمر بذلك ~~- فسق، وعلى هذا من يستجيز العمل بالقرعة؛ لأنه يقول: يقرع فمن خرجت قرعته ~~يحكم له، فإنما يحكم له بأمر القرعة؛ كأن القرعة تأمره بالحكم لهذا بهذا، ~~وتنهاه عن الحكم لهذا بهذا، فهو بالأزلام والقداح التي نهى الله عن العمل ~~بذلك أشبه، وبها أمثل من غيره. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ذلكم فسق): أي: التناول مما ذكر من المحرمات: من ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب، ~~وما ذكر في أول السورة من الاصطياد في الإحرام والتناول ms1248 منه؛ ذلك كله فسق، ~~وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم): إنهم كانوا يطمعون ~~دخول أهل الإسلام في دينهم وعودهم إليهم، فأيأسهم الله - سبحانه وتعالى - ~~عن ذلك؛ فقال: اليوم يض الذين كفروا من ترككم دين الإسلام؛ فلا تخشوهم ~~واخشون؛ آمنهم عن ذلك. وقوله - عز وجل -: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي) الآية: قال أبو عبيد: كان دينهم إلى ذلك اليوم ناقصا؛ فحينئذ ~~كمل دينهم؛ فعلى زعمه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو الناس إلى دين ~~ناقص، ومن مات من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين ~~والأنصار - رضوان الله عليهم أجمعين - ماتوا على دين ناقص، ويحشرون يوم ~~القيامة على دين ناقص، وأي قول أفحش من هذا وأسمج؟!. # وقال آخر من أصحابه: كان الدين كاملا إلى ذلك الوقت، فلما بعث الله ~~بالفرائض، وافترض عليهم - صار الدين ناقصا إلى أن يؤدوا الفرائض وما افترض ~~عليهم؛ فعند ذلك يكمل؛ فهذا القول -أيضا- في الوحشة والسماجة والقبح مثل ~~الأول. # PageV03P454 # ويقال لأبي عبيد: قل -أيضا- بأنه لم يكن رضي لهم بالإسلام دينا قبل ذلك ~~فعند ذلك رضي. # والأصل في تأويل الآية وجوه: # أحدها: (اليوم أكملت لكم دينكم): أي: برسوله، وببعثه أكملت لكم دينكم، ~~وبه أتممت عليكم نعمتي. # ويحتمل قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم): أي: اليوم أظهرت لكم دينكم، ولم ~~يكن قبل ذلك ظاهرا، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نصرت ~~بالرعب مسيرة شهرين "، وقال: " ألا لا يحجن بعد العام مشرك "؛ وذلك لظهوره ~~ولغلبة أهل الإسلام عليهم، وإن لم يكن هذا قبل ذلك. # ويحتمل قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم)؛ لما آمنهم من العدو والعود إلى ~~دين أولئك، وإياس أولئك عن رجوعهم إلى دين الكفرة، وأي نعمة أتم وأكمل من ~~الأمن من العدو؛ ويقول الرجل: اليوم تم ملكي وكمل؛ إذا هلك عدوه؛ لأمنه من ~~عدوه، وإن كان لم يوصف ملكه قبل ذلك بالنقصان؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقيل: (اليوم أكملت لكم دينكم)، أي: ms1249 أمر دينكم بما أمروا بأمور وشرائع لم ~~يكونوا أمروا بها قبل ذلك، وهذا جائز. # وقوله - عز وجل -: (ورضيت لكم الإسلام دينا): أي: أكرمتكم بالدين المرضي ~~وهو الإسلام؛ كقوله - تعالى -: (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه ~~لكم). # وقوله - عز وجل -: (فمن اضطر في مخمصة): # قيل: المخمصة: المجاعة. # وقال أبو عوسجة: رجل خميص، أي: جائع. # وقال غيره: هو من ضيق البطن. وهو واحد؛ لأنه من الجوع ما يضيق البطن. # وقوله - عز وجل -: (غير متجانف لإثم): # PageV03P455 # قال بعضهم: (غير متجانف لإثم): أي: غير متعمد لإثم، وهو قول ابن عباس. # وقال الكسائي: (غير متجانف): غير متمايل، والجنف: الميل، وكذلك قال ~~القتبي. # وقال أبو عوسجة -أيضا-: الجنف: الميل. # ثم قوله: (غير متجانف لإثم) يحتمل وجهين: # قيل: غير مستحل أكل الميتة في حال الاضطرار، وحرم عليه التناول من الصيد. # وقيل: غير متلذذ ولا مشته، يتناول على التكره منه، لا على التلذذ ~~والشهوة. # وقيل -أيضا-: إنه لا يتناول إلا في حال الاضطرار؛ كقوله - تعالى -: (وما ~~أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد)، وقوله - عز وجل - (غير باغ ~~ولا عاد) تفسير قوله: (اضطر)؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن الله غفور رحيم)، أي: من رحمته أن جعل لكم ~~التناول من المحرم، ورخص لكم؛ إذ له أن يترككم تموتون جوعا؛ كقوله - تعالى ~~-: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) اليوم أحل لكم الطيبات ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين (5) # وقوله - عز وجل -: (يسألونك ماذا أحل لهم): # ليس في السؤال بيان: مم كان سؤالهم؟ ولكن في ms1250 الجواب بيان المراد من ~~سؤالهم، فقال: (قل أحل لكم الطيبات)؛ دل قوله - تعالى -: (أحل لكم ~~الطيبات): أن سؤالهم كان عن الطيبات، مما يصطاد من الجوارح. # ثم اختلف في قوله - تعالى -: (أحل لكم الطيبات): # قال بعضهم: (الطيبات): هن المحللات، لكنه بعيد؛ لأنه كأنه قال: " أحل لكم ~~المحللات "؛ على هذا التأويل. لكنه يحتمل وجهين غير هذا: # أحدهما: أن أحل لكم بأسباب تطيب بها أنفسكم من نحو: الذبح، والطبخ، # PageV03P456 # والخبز، وغيره. لم يحل لكم ما يكره به أنفسكم التناول منه غير مطبوخ، ولا ~~مذبوح، ولا مشوي، ولكن أحل لكم بأسباب طابت بها أنفسكم التناول منه، والله ~~أعلم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن أحل لكم ما يستطيب به طباعكم لا ما تنكره طباعكم ~~وتنفر عنه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما علمتم من الجوارح): كأنهم سألوا رسول الله، - صلى ~~الله عليه وسلم - عما يحل من الجوارح؛ فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض ~~القصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، ~~فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى: ~~(يسألونك ماذا أحل لهم) الآية. # وقيل: سميت: جوارح؛ لما يكتسب بها، والجوارح: هن الكواسب؛ قال الله - ~~تعالى -: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات)، قيل: اكتسبوا، وجرح: كسب. # وقال أبو عبيد: سميت: جوارح؛ لأنها صوائد، وهو ما ذكرنا من الكسب، يقال: ~~فلان جارح أهله، أي: كاسبهم. # وقال غيره: سميت: جوارح؛ لأنها تجرح، وهو من الجراحة، فإذا لم يجرح، لم ~~يحل صيده. # واحتج محمد - رحمه الله - بهذا المعنى في صيد الكلب إذا قتل، ولم يجرح في ~~مسألة من كتاب الزيادات، ومما يدل على صحة ذلك ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المعراض؛ فقال: " ما أصبت بعرضه فلا تأكل؛ فهو ~~وقيذ، وما أصبت بحده فكل ". # PageV03P457 # وقوله - عز وجل -: (مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله. . .) الآية. # قال بعضهم: (مكلبين) هن الكلاب ms1251 يكالبن الصيد. # وقال القتبي: المكلبون: أصحاب الكلاب، وكذلك قال الفراء والكسائي: ~~المكلبون: هم أصحاب الكلاب. والمكلب: الكلب المعلم. # وقوله - عز وجل -: (تعلمونهن): قال الحسن وأبو بكر: تضرونهن، يقال: كلب ~~مضراة على طلب الصيد، وهما يبيحان الصيد وإن أكل منه الكلب؛ فعلى قولهما ~~يصح تأويل الإضراء؛ إذ يبيحان التناول، وإن أكل منه. # وقال: تؤدبونهن؛ ليمسكوا الصيد لكم، وهو عندنا على حقيقة التعليم؛ تعلم ~~ليمسكوا الصيد لهم. # وقوله - عز وجل -: (مما علمكم الله) يتوجه وجهين: # أحدهما: (مما علمكم الله)، أي: مما جعل بينكم، بحيث احتمال تعليم هؤلاء، ~~ولم يجعل غيركم من الخلائق محتملا لذلك ولا أهلا. # ويحتمل قوله - تعالى -: (مما علمكم الله): أن قال لكم: علموهن بكذا، ~~وافعلوا كذا، فكيفما كان، ففيه دليل جعل العلم شرطا فيه. # ثم تخصيص الكلاب بالذكر دون غيرها من الأشياء، وإن كانت الكلاب وغيرها ~~سواء إذا علمت؛ لخبث الكلاب ومخالطتها الناس، حتى جاء النهي عن اقتنائها، ~~وجاء الأمر بقتلها في وقت لم يجئ بمثله في سائر السباع؛ ليعلم أن ما كسب ~~هؤلاء مع خبثها إذا كن معلمين، يحتمل التناول منه، فغيرها مما لم يجئ فيه ~~ذلك أحرى. # وقوله - عز وجل -: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه). # PageV03P458 # إنما أباح أكل ما أمسك علينا، ولم يبح مما أمسك على نفسه؛ لأن الكلب ~~وغيره من السباع من طباعهم إذا أخذوا الصيد يأخذون لأنفسهم ولا يصبرون على ~~ألا يتناولوا منه، فإذا أخذ الصيد ولم يتناول منه؛ دل أنه إنما أمسك ~~لصاحبه، وإذا تناول منه لم يمسك لصاحبه؛ لأن الباقي لا يدري أنه أمسكه ~~لصاحبه أو أمسكه لنفسه لوقت آخر لما شبع، وعلى ذلك جاءت الآثار. # روي عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب ~~والبزاة، فهل يحل لنا منها؛ فقال: " يحل لكم (وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم) مما علمتم من كلب أو باز، ~~فذكرت عليه اسم الله " قلت: وإن قتل؟ قال: " إذا قتله ولم يأكله، ms1252 فإنما ~~أمسك عليك، وإن أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه "، فقلت: يا رسول الله، ~~أرأيت إن خالطت كلابنا كلابا أخرى؟ قال: " إذا خالط كلبك كلابا فلا تأكل؛ ~~فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكره على كلب غيرك ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد، فليس ~~بمعلم. # وعنه -أيضا- قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل، وإذا أكل الصقر فكل؛ ~~لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل واضربه. # وقد ذكرنا من الأخبار ما يدل على أن الكلب إذا كان غير معلم لم يؤكل ~~صيده، من خبر عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بهذه ~~الكلاب؟ فقال: " إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله عليها، فكل مما ~~أمسكن عليك، وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل "، وعلى هذا ~~يخرج قولنا: إنه إذا أكل من دمه يؤكل؛ لأنه لو أمسكه علينا كنا لا نأكله، ~~وذلك من غاية تعليمه؛ لأنه تناول الخبيث، # PageV03P459 # وأمسك الطيب على صاحبه. # ولو كان صيد الكلب إذا أكل منه حلالا، لكان المعلم وغير المعلم سواء، ~~وكان ما أمسك على نفسه وعلى صاحبه سواء؛ لأن كل الكلاب تطلب الصيد إذا ~~أرسلت عليه، وتمسكه حتى يموت، وتأكل منه إلا المعلم، فما معنى تخصيص الله - ~~تعالى - المعلم منها والممسك على صاحبه، لو كان الأمر على ما قال مخالفنا. # وقد روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: إن علم الكلب حتى صار لا ~~يأكل من صيد، ثم أكل من صيد يصيد - لم يجز أن يؤكل من صيده الأول إذا كان ~~باقيا. # ومذهبه عندنا - والله أعلم -: أن صيد الكلب لا يؤكل حتى يكون معلما، وإن ~~أمسك في أول ما برسل فلم يأكل، فإذا أمسك مرارا ثم أكل، دلنا أكله على أن ~~إمساكه عن الأكل لم يكن لأنه معلم؛ إذ قد يمسك غير المعلم للشبع، ولو كان ms1253 ~~معلما ما أكله؛ فاستدل بأكله في الرابعة على أن إمساكه في الثالثة كان على ~~غير حقيقة تعليم، وهذا عندنا في صيد يقرب بعضه من بعض، فأما إذا كثر ~~إمساكه، ثم ترك إرساله مدة، يجوز أن ينسى فيها ما علم، ثم أرسل فأكل - فليس ~~فيها رواية عنه، ويجوز أن يقال: يؤكل ما بقي من صيده الأول، ويفرق بين ~~المسألتين بأن الثاني قد نسى، والأول يبعد من النسيان؛ لتقارب ما بين ~~الصيدين؛ فلا وجه إلا أن يجعل غير مستحكم التعليم في الصيد المتقدم. # وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الصقر والبازي من الجوارح، واستدللنا على ~~ذلك بما أوضحناه؛ فدل ذلك على أن صيد ما ليس بمعلم من الطير لا يؤكل إلا أن ~~يدرك ذكاته. # ثم يكون تعليم البازي والصقر بإجابته صاحبه ورجوعه إليه، وتعليم الكلاب ~~ترك الأكل # PageV03P460 # منه؛ لأن البازي ونحوه مستوحش عن الناس ينفر طبعه عنهم؛ فدل إلفه الناس ~~وإجابة أصحابهم على التعلم وإن أكل منه، ولا يحتمل أن يكون بالتناول منه ~~يخرج عن حد التعليم؛ لأنه إنما يعلم بالأكل من الصيد، وأما الكلب: فإنه ~~يألف الناس ولا يستوحش، ومن طبعه اكل إذا أخذ الصيد؛ فدل إمساكه عن التناول ~~منه على أنه معلم. # وقد روي عن علي - رضي الله عنه - وابن عباس ما يدل على تأييد ما ذكرنا، ~~قالا: إذا أكل الصقر فكل، وإن أكل الكلب فلا تأكل. وعن سلمان كذلك. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله إن الله سريع الحساب). # يحتمل قوله: (واتقوا الله)؛ فلا تستحلوا ما لم يذكر اسم الله عليه؛ فإنها ~~ميتة. # ويحتمل: اتقوا الله في ترك ما أمر ونهى كله. # (إن الله سريع الحساب)، يحتمل السرعة: كناية عن الشدة. # وقوله تعالى (سريع الحساب): شديد العقاب. # وقوله - عز وجل -: (اليوم أحل لكم الطيبات ... (5) # يحتمل قوله: (اليوم) حرف افتتاح يفتتح به الكلام، لا إشارة إلى وقت ~~مخصوص؛ على ما ذكرنا في قوله - تعالى -: (اليوم أكملت لكم دينكم)، وقد ~~يتكلم باليوم لا على إشارة وقت مشار إليه. وهو - والله أعلم - ما حرم ms1254 عليهم ~~من الثمانية الأزواج التي ذكر الله - تعالى - في سورة الأنعام، وهو قوله: ~~(ثمانية أزواج من الضأن اثنين. . .) إلى آخر ما ذكر. # ثم قال: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما. . .) الآية، وما حرموا هم على أنفسهم من: البحيرة، والسائبة، ~~والوصيلة، والحام، وغيرها من المحرمات التي كانت، فأحل الله ذلك لهم؛ فقال: ~~(اليوم أحل لكم الطيبات)، وكانت محرمة عليهم قبل ذلك، لكن أهل التأويل ~~صرفوا الآية إلى الذبائح، لم يصرفوا إلى ما ذكرنا، وقد ذكرنا المعنى الذي ~~به صارت الذبائح طيبات فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم): # PageV03P461 # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم)، ~~أي: ذبائحهم حل لكم، وذبائحكم حل لهم. إلى هذا حمل أهل التأويل، فإن قيل: ~~أليس جعل ذبائحنا محللة لهم وذبائحهم محللة لنا، ثم تحل ذبائحنا لهم ~~ولغيرهم؟ كيف لا حل ذبائحهم وذبائح غيرهم، وهو ذبائح المجوس؟ قيل: حل ~~الذبائح شرعي، وليس للمجوس كتاب آمنوا به؛ فتحل ذبائحهم، وأما أهل الكتاب، ~~فإنهم آمنوا بما في الكتاب، حله وحرمته؛ لذلك افترقا، والله أعلم. # والآية على قول أصحاب العموم توجب حل جميع طعام أهل الكتاب لنا وحل جميع ~~طعامنا لهم؛ لأنه قال: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)؛ ~~فعلى قولهم لكل واحد من الفريقين أن يتناول طعام الفريق الآخر؛ دل على أن ~~مخرج عموم اللفظ لا يوجب الحكم عافا للفظ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب): اختلف فيه: # قال بعضهم: (والمحصنات) أراد به الحرائر. # وقال آخرون: أراد به العفائف منهن غير زانيات؛ كقوله - تعالى -: (الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة)، نهى عن نكاح الزانيات، ورغب في نكاح العفائف، ~~وهذا أشبه من الأول؛ لأنه قال في آخر الآية: (محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخدان)؛ دل هذا على أنه أراد بالمحصنات: العفائف منهن لا الحرائر، ودلت ~~الآية على حل نكاح ms1255 الحرائر من الكتابيات، وعلى ذلك اتفاق أهل العلم، لكن ~~يكره ذلك. # روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كره تزوجهن، فهذا عندنا على غير ~~تحريم # PageV03P462 # منه لتزويجهن، ولكن رأى تزويج المسلمات أفضل وأحسن؛ لمشاركتها المسلم في ~~دينها. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - كراهة ذلك؛ وذلك لأن حذيفة - رضي الله عنه ~~- تزوج يهودية؛ فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - يأمره بطلاقها، ويقول: " ~~كفى بذلك فتنة للمسلمات "، فهذا -أيضا- لا على سبيل التحريم، ولكن لما ذكر ~~من الفتنة: فتنة المسلمات، فأصحابنا - رحمهم الله - يكرهون أيضا تزويج ~~الكتابيات ولا يحرمونه. # واختلف أهل العلم في تزويج إمائهن: # فتأول قوم قول الله - تعالى -: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) على ~~الحرائر، وتأوله آخرون على العفائف. وقد ذكرنا أن صرف التأويل إلى العفائف ~~أشبه؛ بدلالة قوله: (محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان) ومع ما لو كانت ~~المحصنات هاهنا هن الحرائر، لم يكن فيه حظر نكاح إماء الكتابيات؛ لأنه ~~إباحة نكاح الحرائر من الكتابيات، وليس في إباحة شيء في حال حظر غيره فيه، ~~وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، فالمجوسية ليست عندنا من أهل الكتاب؛ ~~والدليل على ذلك قول الله - تعالى -: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا) فأخبر الله - تعالى - أن أهل الكتاب طائفتان؛ فلا يجوز أن يجعلوا ~~ثلاث طوائف، وذلك خلاف ما دل عليه القرآن؛ ألا ترى أنه لو قال رجل: " إنما ~~لي عليك يا فلان، درهمان "، لم يكن له أن يدعي عليه أكثر من ذلك، ولو قال: ~~" إنما لقيت اليوم رجلين "، وقد لقي ثلاثة، كان كاذبا؛ لأن قوله: " إنما ~~لقيت رجلين "، كقوله: لقيت اليوم رجلين، ولا يجوز مثل هذا في أخبار الله؛ ~~لأنه الصادق في خبره عز وجل. # فإن قيل: هذا شيء حكاه الله - عز وجل - عن المشركين، وقد يجوز أن يكونوا # PageV03P463 # غلطوا، فحكي الله - تعالى - عنهم ما قالوا. # قيل له: لم يحك الله - تعالى - هذا القول عن المشركين، ولكن قطع بالقرآن ~~عذرهم، ms1256 فقال: (أنزل الكتاب)؛ لئلا يقولوا: (إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين)، فهذا كلام الله واحتجاجه على ~~المشركين، وليس بحكاية عنهم. # ومن الدليل على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ما قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - وهو في مجلس بين القبر والمنبر: ما أدري كيف أصنع بالمجوس، ~~وليسوا بأهل الكتاب؟ "، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: " سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب ". صرح عمر - رضي الله ~~عنه - بأنهم ليسوا أهل الكتاب، # PageV03P464 # ولم ينكر عبد الرحمن ذلك عليه، ولا أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم ~~أجمعين - فلو كانوا أهل الكتاب لقال: " هم أهل الكتاب "، لم يقل: " سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب ". # وكذلك روي عن الحسن بن محمد أنه قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى مجوس هجر، فقال: " أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول ~~الله فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، ومن أبى فعليه الجزية، غير ~~آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم ". # وإلى هذا ذهب أصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن المجوس ليسوا بأهل ~~كتاب. # وأما نصارى بني تغلب: فإن عليا - رضي الله عنه - قال: لا تحل ذبائح نصارى ~~العرب؛ فإنهم ليسوا بأهل كتاب، وقرأ: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني). # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - تؤكل، وقرأ: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم. ~~. .). # والآية الأولى تدل على أنهم أهل كتاب؛ لأن الله - عز وجل - قد جعلهم منهم ~~بقوله: (ومنهم أميون)، فحكمهم حكمهم؛ إذ أخبر الله - عز وجل - أنهم منهم. # ومما يدل على ذلك -أيضا- قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ~~" لا يختلجن في صدرك # PageV03P465 # طعام ضارعت فيه النصرانية "؛ لأنه عم فيه النصارى؛ فدخل فيه عربهم ~~وعجمهم؛ لأنهم دانوا بدينهم، وكل من دان بدين قوم فهو منهم. # ومن الدليل على أن العرب إذا دانوا بدين أهل الكتاب فهم من أهل الكتاب -: ~~أن العجم لما أسلموا صار حكمهم حكم ms1257 عرب أهل الإسلام؛ فإن ارتد أحد منهم، ~~وسأل أن تؤخذ منه الجزية؛ كما كانت تؤخذ في الابتداء من المجوس - لم يجب ~~إلى ذلك، وقيل له: إما أن تسلم، وإما أن تقتل، فهو بمنزلة عربي مسلم لو ~~ارتد عن الإسلام، فلما كان حكم العجمي إذا دان بدين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حكم العرب - وجب أن يكون حكم العربي إذا دان بدين العجم من أهل ~~الكتاب أن يجعل حكمه حكمهم، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن): # ذكر إيتاء أجورهن، وقد يحللن لنا إذا لم نؤت أجورهن؛ دل أن ذكر الحكم في ~~حال لا يوجب حظره في حال أخرى؛ فهو دليل لنا في جواز نكاح الإماء من أهل ~~الكتاب، وإن ذكر في الآية المحصنات. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله. . .) الآية. # أي: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المؤمن به، أي: الله؛ لأنه لا ~~يكفر بالإيمان، ولكن يؤمن به، وهو كقوله: (حتى يأتيك اليقين)، أي: الموقن ~~به؛ فعلى ذلك الأول معناه: ومن يكفر بالذي عليه الإيمان به، وهو المؤمن به ~~(فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)، وبالله العصمة والهداية. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا # PageV03P466 # فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم ~~بذات الصدور (7) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق): لو حملت الآية على ظاهرها لكان لا سبيل لأحد ~~على القيام بأداء ما فرض الله عليه من الصلاة؛ لأنه ms1258 كلما قام إلى الصلاة ~~يلزمه الوضوء؛ فلا يزال يبقى فيه، لكنها على الإضمار؛ كأنه قال: " إذا قمتم ~~إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق؛ وإلا فظاهر ~~الآية يوجب ما ذكرنا، لكن الحدث مضمر فيه. # ومن الناس من يوجب الوضوء لكل صلاة بظاهر هذه الآية، وقد جاء عن الصحابة ~~- رضوان الله عليهم أجمعين - الفعل بذلك: روي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان - ~~رضي الله عنهم - أنهم توضئوا لكل صلاة. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نحو ذلك، وروى أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلى الظهر، ثم قعد في ~~الرحبة، فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ورجليه، ~~وشرب فضله، وقال: " هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ~~"، وقال: " هذا وضوء من لم يحدث ". # PageV03P467 # وروي عن عبيد بن عمير، أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وتأول هذه الآية. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان ~~يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد؛ فقال عمر - رضي الله عنه - يا ~~رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟ فقال: " إني عمدا فعلته يا عمر ". ~~وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرت في كل صلاة الوضوء، ومع كل وضوء ~~السواك ". # وكل ما روي من الأخبار بالوضوء لكل صلاة، هو على الفضل عندنا والاستحباب ~~لا على الحتم؛ ألا ترى أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ~~الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: " إني عمدا فعلته "؛ دل ذلك على ما ذكرنا. # وقد يحتمل تأويل الآية معنى آخر: ما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV03P468 # كان إذا أراق ماء نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي ~~أهله فيتوضأ وضوءه للصلاة؛ فقلنا له في ذلك؛ حتى نزلت آية الرخصة في قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ms1259 إذا قمتم إلى الصلاة)؛ فهذا يدل أن معنى الآية ~~على الإضمار: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. # وروي في تأويل الآية: إذا قمتم من المضجع إلى الصلاة، فاغسلوا وجوهكم. ~~وقد رويت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة بإيجاب ~~الوضوء من النوم؛ فكان ذلك شاهدا لهذا التأويل: روي عن ابن عباس عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينام، ثم يصلي الصبح ولا يتوضأ؛ فسئل ~~عن ذلك؟ فقال: " إني لست كأحد منكم؛ إنه ينام عيناي ولا ينام قلبي، ولو ~~أحدثت لعلمت ". # وروي عن صفوان بن عسال قال: إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~سفر يأمرنا ألا ننزع خفافنا إذا أدخلناهما طاهرتين، ولا نخلعهما من غائط ~~ولا بول ولا نوم، إلا من جنابة ". # فهذه الأحاديث توجب الوضوء من النوم مجملا، وجاء حديث آخر مفسرا بإيجاب ~~الوضوء إذا نام مضطجعا: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " ليس على من نام قاعدا وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع ~~استرخت مفاصله ". # PageV03P469 # فهذا يفسر الأخبار التي جاءت مجملة. # وقد جاءت الأخبار أنه إذا نام في الصلاة قائما أو قاعدا أو ساجدا، فلا ~~وضوء عليه؛ فيدل ذلك على أن النوم في الصلاة ليس بحدث. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يجب الوضوء حتى يضع جنبه ~~وينام. فهذا يؤيد ما قلنا مع ما اجتمع أهل العلم في أن الوضوء ليس بواجب ~~على من قام إلى الصلاة وهو غير محدث؛ فكان التأويل ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فاغسلوا وجوهكم) # الخطاب من الله - عز وجل - بغسل الوجه: ما يعرف أهله الوجه؛ فالتكلم فيه ~~والتحديد أنه من كذا إلى كذا فضل تكلم. # والأمر بالغسل يرجع إلى ما ظهر وعرف أهله أنه وجه، وكذلك الأمر بمسح ~~الرأس، يرجع إلى ما عرف أهله أنه رأس، وليس كالأذنين؛ لأن معرفة الأذنين ~~أنهما من الرأس سمعي؛ لأنهما لا تعرفان أنهما من الرأس إلا ms1260 بالسمع، وكذلك ~~الأمر بغسل اليد، وغسل الرجل، يقع على ما يعرف الناس، وعرف الناس اليد إلى ~~الإبط، والرجل إلى الركبة؛ فخرج ذكر المرافق في غسل الأيدي على إخراج ما ~~وراء المرافق، وكذلك ذكر الكعب في الرجل؛ لإخراج ما وراء الكعب؛ لأن اسم ~~اليد على الإطلاق يقع من أطراف الأصابع إلى الإبط. # وقوله - عز وجل -: (وأرجلكم إلى الكعبين) # قرءوا بالنصب، وقرءوا بالخفض: # PageV03P470 # قال بعضهم: من قرأ بالنصب، فهو يرجع إلى الغسل؛ نسقا على الوجه، وبالخفض ~~يرجع إلى المسح: مسح الخفاف؛ نسقا على مسح الرأس، لكن هذا بعيد؛ لأنه ~~تناقض: لا يجوز أن يأمر بالغسل والمسح جميعا. ومعنى الخفض؛ لقرب جواره ~~بقوله - تعالى -: (وامسحوا برءوسكم)، وقد يجوز ذلك؛ نحو قوله تعالى: (ولحم ~~طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23). فمن قرأ ~~بالخفض إنما قال: لقرب الجوار بالخفض؛ فعلى ذلك الأول، ثم الحكمة في الأمر ~~بغسل هذه الأعضاء؛ ليذكرهم تطهير باطنهم. # والمعنى في غسل هذه الأعضاء الظاهرة - والله أعلم - لمعنيين: # أحدهما: أما اليد شكرا لما بها يتناول ويقبض. وأما الرجل؛ لما بها يمشي، ~~وبها يصل إليه. والوجه؛ لأنه مجمع الحواس التي بها يعرف عظيم نعم الله - عز ~~وجل - من نحو: البصر، والفم، وغيرهما من الحواس التي يكون بها التلذذ ~~والتشهي. # أو أمر بذلك؛ تكفيرا لما ارتكب بهذه الحواس من الإجرام؛ لأنه بها يرتكب ~~جل الآثام، وبها يوصل إليها من: المشي، والقبض، وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) # قيل: اغتسلوا: تأخذ الجنابة الظواهر من البدن وبواطنه، والحدث لا يأخذ ~~إلا الظواهر من الأطراف؛ لأن السبب الذي يوجب الجنابة لا يكون إلا باستعمال ~~جميع ما فيه من القوة؛ ألا ترى أنه به يضعف إذا أكثره وبتركه. يقوى؟! فعلى ~~ذلك أخذ جميع البدن ظاهره وباطنه. # وأما الحدث: فإن سببه يكون بظواهر هذه الأطراف، من نحو: الأكل والشرب، ~~والحدث ليس باستعمال كل البدن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء. ~~. .) الآية ذكر المرض والسفر ms1261 والمجيء من الغائط، والملامسة، ثم الحكم لم ~~يتعلق باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن باسم الغائط، ولكن كان متعلقا لمعنى ~~فيه؛ ففيه دلالة جواز القياس؛ لأنه ذكر الغائط والمجيء منه، والغائط: هو ~~المكان الذي تقضى فيه الحاجات، والمراد منه: المعنى وهو قضاء الحاجات؛ فهذا ~~أصل لنا أن النص إذا ورد لمعنى، فوجد ذلك المعنى في غيره - وجب ذلك الحكم ~~في ذلك الغير، فإذا عدم الماء # PageV03P471 # في المكان الذي يعدم، وإن لم يكن سفرا - يجوز التيمم فيه؛ وكذلك إذا خاف ~~الضرر من الماء - جاز له التيمم، وإن لم يكن مريضا؛ لأنه ليس أباح ذلك ~~للمريض باسم المرض ولا باسم السفر؛ ولكن لمعنى فيه. # وقوله - عز وجل -: (أو لامستم النساء): قد ذكرنا فيما تقدم أن الملامسة: ~~هي الجماع؛ كذلك روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - وقال ابن عباس: " ~~الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والغشيان كله جماع، ولكن الله كريم ~~يكني ". # وقوله - عز وجل -: (فتيمموا صعيدا طيبا). # جعل الطهارة بالماء والتراب؛ لأنه بهما معاش الخلق، وبهما قوام الأبدان، ~~حتى جعل جميع أغذية الخلق وجل مصالحهم منهما؛ فعلى ذلك جعل قيام هذه ~~العبادات بهما، والله أعلم. # ثم الحكمة في وجوب الطهارة وجهان: # أحدهما: ما ذكرنا: أن يذكرهم طهارة الباطن. # والثاني: تكفيرا لما ارتكبوا بهذه الجوارح من الإجرام، أو شكرا لما أنعم ~~عليهم من المنافع التي جعل لهم فيها من القبض والبسط، والتناول والأخذ ~~والمشي، وغير ذلك مما يكثر. # ثم الحكمة في جعل الطهارة في أطراف البدن للتزين والتنظيف؛ لأنه يقدم على ~~الملك الجبار، ويقوم بين يديه ويناجيه، ومن أتى ملكا من ملوك الأرض يتكلف ~~التنظيف والتزيين، ثم يدخل عليه؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا): قال عبد الله بن ~~مسعود وعمر - رضي الله عنهما - # PageV03P472 # الملامسة: ما دون الجماع "، وقالا: " إن الجنب لا يتيمم، وإن لم يجد ~~الماء شهرا ". وإنما قالا: ms1262 " إنه لا يتيمم "؛ لما قالا: " إن اللمس ما دون ~~الجماع "؛ فلم يدخل الجنب في هذه الآية، فأوجبوا عليه الغسل بقوله - تعالى ~~-: (وإن كنتم جنبا فاطهروا)، وجعلا قول الله - تعالى -: (ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل حتى تغتسلوا) على مرور الجنب في المسجد، ولم يجعله على أنه يصلي ~~إذا كان مسافرا ولم يجد الماء بالتيمم، فهذا الذي منع عبدالله أن يطلق ~~للجنب أن يصلي بالتيمم على كل حال. # فأما علي وابن عباس - رضي الله عنهما - فإنهما جعلا اللمس الذي ذكره الله ~~- تعالى - في هذه الآية الجماع، وقالا: " كنى الله - تعالى - عن الجماع ~~بالمسيس والغشيان والمباشرة، وجعل قول الله - تعالى -: (إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا) في المسافر الذي لم يجد الماء وهو جنب. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه أذن للجنب من الجماع ~~أن يتيمم: إذا لم يجد # PageV03P473 # الماء؛ فكان ذلك حجة على من منع الجنب من التيمم. # ثم قول الشافعي قول ثالث خارج عن قول الصحابة والسلف جميعا - رضوان الله ~~عليهم أجمعين - لأنه يزعم " أن اللمس هو الجماع وما دونه، فذلك ابتداع في ~~الآية قولا وتفسيرا؛ خالف فيه ما روي في تفسيرها عن الصحابة جملة والسلف؛ ~~لذلك كان مخطئا مبتدعا، وأصله أن الله - تعالى - ذكر الوضوء وأمر به في ~~الآية، وهو قوله - تعالى -: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. ~~. .) الآية: ولم يذكر الحدث، وأمر بالاغتسال من الجنابة، وهو قوله: (وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا) ولم يذكر من أي جنابة؟ ثم ذكر الحدث في قوله: (أو جاء ~~أحد منكم من الغائط)؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (أو لامستم النساء) كان ~~بيانا لما تقدم من الأمر بالاغتسال من الجنابة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتيمموا صعيدا طيبا)، قيل: اقصدوا صعيدا طيبا، ~~والصعيد: هو وجه الأرض. # وقوله: (طيبا) قال بعضهم: الطيب: ما ينبت من الزرع وغيره. # وقال آخرون: الطيب - هاهنا - هو الطاهر؛ روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة ~~تيممت وصليت ": أخبر ms1263 أن الأرض # PageV03P474 # جعلت له مسجدا وطهورا؛ فكان قوله: " طهورا " تفسيرا لقوله: " طيبا "، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) # قد ذكرنا فيما تقدم أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى ~~المرفقين. # وقوله - عز وجل -: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) # يحتمل هذا وجهين: يحتمل ما يريد أن يضيق عليكم ليأمركم بحمل الماء إلى ~~حيثما كنتم في الأسفار وغيره؛ ولكن جعل لكم التيمم، ورخص لكم أن تؤدوا ما ~~فرض عليكم به، ولم يكلفكم حمل الماء في الأسفار وغيره، والله أعلم. # ووجه آخر: ما أراد الله بما تعبدكم من أنواع العبادات أن يجعل عليكم من ~~حرج؛ ولكن أراد ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (ولكن يريد ليطهركم) # يحتمل يريد ليطهركم به: بالتوحيد والإيمان به وبالرسل جميعا. # ويحتمل قوله: (يريد ليطهركم) من الذنوب والآثام التي ارتكبوها؛ كقوله - ~~تعالى -: (إن الحسنات يذهبن السيئات). # ويحتمل: التطهير من الأحداث والجنابات كما قال أهل التأويل. # وقوله - عز وجل -: (وليتم نعمته عليكم) # تمام ما ذكرنا من التوحيد والإيمان والهداية لدينه، والتكفير مما ~~ارتكبوا، ويجوز أن يكون هذا في قوم علم الله أنهم يموتون على الإيمان؛ حيث ~~أخبر أنه يتم نعمته عليهم. # وقوله - عز وجل -: (واذكروا نعمة الله عليكم ... (7) # أمر - والله أعلم - بشكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم. # (وميثاقه الذي واثقكم به) # يحتمل الميثاق: ميثاق الخلقة وشهادتها؛ إذ خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته ~~وربوبيته. ويحتمل الميثاق الذي ذكر: ميثاق قول قالوه وقبلوا ما دعوا إليه. # وقوله: (إذ قلتم سمعنا وأطعنا) قال بعضهم: أجبنا دعوتك، وأطعنا أمرك. # وقال آخرون: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله) # PageV03P475 # في ترك ما أمركم ربكم، وارتكاب ما نهاكم. # (إن الله عليم بذات الصدور) # وهو على الوعيد. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا ms1264 بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط. ~~. .) الآية يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها؛ كأنه قال: أن قوموا ~~شهداء لله، واجعلوا الشهادة له، فإذا فعلوا هكذا لا يمنعهم بغض أحد ~~وعداوته، ولا رضا أحد وولايته - القيام بها. ندبهم الله أن يقوموا في ~~الشهادة لله والحكم له: يحكم للعدو كما يحكم للولي، ويقوم في الشهادة للعدو ~~كما يقوم للولي، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع؛ كأنه يقول ~~- والله أعلم -: قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام لله، لا يمنعكم ~~بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام ~~لهم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (ولا يجرمنكم)، أي: لا يحملنكم ~~(شنئان قوم)، أي: بغض قوم (على ألا تعدلوا) فيهم؛ فإنما العدل لله في الرضا ~~والسخط، (اعدلوا)، يقول: قولوا العدل بالحق؛ فإنه أقرب للتقوى. # وقوله - عز وجل -: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) # أي: اعدلوا هو التقوى؛ كقوله - تعالى -: (إن رحمت الله قريب من المحسنين) ~~أي: رحمة الله للمحسنين؛ لأن العدل ليس إلا التقوى. # (واتقوا الله) # في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه. # (إن الله خبير بما تعملون) # PageV03P476 # وتضمرون من العدل والجور، خرج على الوعيد. # وقوله - عز وجل -: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (9) قال ~~بعضهم: هذه الآية هي صلة ما تقدم في قوله - سبحانه وتعالى -: (يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط. . .) إلى آخر ما ذكر. فإذا ~~فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، والله ~~أعلم. ولكن يحتمل هي على الابتداء - والله أعلم - كأنه قال: وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وعدا، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال: لهم مغفرة وأجر ~~عظيم: يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها، ms1265 وأجر عظيم: الجنة، قال ابن عباس - ~~رضي الله عنه -: " لهم مغفرة في الدنيا لذنوبهم، وأجر عظيم في الآخرة: ~~الجنة "، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) ~~قيل: كفروا بآيات الله وكذبوا بآياته، يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~والقرآن، (أولئك أصحاب الجحيم). # وقيل: (كفروا) بتوحيد الله، (وكذبوا بآياتنا): بالقرآن بأنه ليس من الله ~~تعالى، وهما واحد؛ وهذا يدل أن الآية على الابتداء خرجت، ليس على الصلة على ~~ما قالوا. وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم ~~إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ... (11) # يحتمل أن تكون هذه المنة التي ذكر الله - تعالى - في هذه الآية من كف ~~أيدي الأعداء عنهم، بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين؛ لأن ~~المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين فيما بين الكفرة، لا يقدرون على ~~إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا قتل المؤمنين غير مرة، وفيما كف أيديهم ~~عنهم منة عظيمة علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين. # ويحتمل أن يكون في قوم خاص قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا ~~بقتلهم؛ فكف الله - عز وجل - بفضله أيديهم عنهم، وأنقذهم من أيديهم. # ثم اختلف فيه: # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " هم بنو قريظة أن يبسطوا إليهم ~~أيديهم بالقتل؛ # PageV03P477 # فكف الله - تعالى - أيديهم عنهم بالمنع ". # وقيل: نزلت في اليهود: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - حائطا لهم في ~~النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من ~~عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضا ينظر من خيفتهم، ثم ~~دعا أصحابه إليه رجلا رجلا، حتى تناهوا إليه. فلا ندري كيفما كانت القصة؟ ~~وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة بعد أن نعرف منة الله - تعالى - التي من ~~علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك. # وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر ~~عما كان منهم من غير أن يشهد ذلك؛ ليعلم أنه بالله علم. ms1266 # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) # أي: على الله يكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ~~ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن ~~الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم ~~الله بما كانوا يصنعون (14) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني ~~عشر نقيبا) # PageV03P478 # هذا - والله أعلم - تعليم من الله - تعالى - هذه الأمة وإنباء منه أنه قد ~~أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد ~~أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم ~~به. . .) الآية، ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود ~~والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي ~~أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها. # أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق؛ ليكون ~~ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه إخبار عن ~~الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله. # ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها ~~وسياقها، وهو قوله - تعالى -: (وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة. . .) ~~إلى آخر ما ذكر. # ويحتمل ما قال ابن عباس: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل) في التوارة: ~~ألا تشركوا به شيئا، وبالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ms1267 ما أحل ~~الله، وتحريم ما حرم الله، وحسن مؤازرتهم. # (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا)، يعني: ملكا، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت ~~المقدس؛ ليعلموا له علمها. # ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم ~~قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ ~~فيكون ما أخذ على أولئك من المواثيق والعهود عليهم، والله أعلم. # ثم اختلف في النقيب: قال بعضهم: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عباس. # وقال أبو عوسجة: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه ~~القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء. # PageV03P479 # وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم. # وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فوق العريف؛ ~~يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء. # والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف. # وقال القتبي: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة ~~بالعرافة. # وقوله - عز وجل -: (وقال الله إني معكم)، قال بعضهم: قال للنقباء: إني ~~معكم في النصر والدفع عنكم، (لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة. . .) إلى آخر ~~ما ذكر، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، ~~وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض ذلك العهد: ~~النقيب وغير النقيب. # ثم قوله: (لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة) يحتمل وجهين: # يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس ~~وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت. # ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، ~~والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة. # وقوله - عز وجل -: (وآمنتم برسلي) # يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعا، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ~~ببعض؛ كقولهم: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض). # (وعزرتموهم) # قال القتبي وأبو عوسجة: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم. # وقال بعضهم: نصرتموهم. # PageV03P480 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " وعزرتموهم: أعنتموهم "، يعني: ~~الأنبياء، ms1268 عليهم السلام. # (وأقرضتم الله قرضا حسنا) # أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه الله. # وقال بعضهم: (وأقرضتم الله قرضا حسنا) أي: محتسبا طيبة بها نفسه. # ويحتمل قوله: (وأقرضتم الله قرضا حسنا)، أي: اجعلوا عند الله لأنفسكم ~~أيادي ومحاسن؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: (لأكفرن عنكم سيئاتكم ~~ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) # وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم ~~من المواثيق. # وقوله - عز وجل -: (فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) # قال بعضهم: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم. # ويحتمل قوله: (فمن كفر بعد ذلك)، أي: من كفر، (فقد ضل سواء السبيل)، أي: ~~أخطأ قصد السبيل. # وقوله - تعالى -: (فبما نقضهم ... (13) # أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم. # (لعناهم) # يحتمل: (لعناهم)، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير. # ويحتمل (لعناهم)، أي دعونا عليهم باللعن. # (وجعلنا قلوبهم قاسية) # بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر الله؛ لأن ~~الله - تعالى - # PageV03P481 # أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر الله وأطاعوا رسوله الرحمة ~~والرأفة بقوله - تعالى -: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة)؛ فإذا ~~نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة. # وقوله - عز وجل -: (يحرفون الكلم عن مواضعه) # يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند الله. # ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره. # (ونسوا حظا مما ذكروا به) # قيل: ضيعوا كتاب الله بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا ~~أمره. # وقوله - عز وجل -: (مما ذكروا به)، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيبا مما ~~أمروا به في كتابهم من اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) # إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم ~~استثنى فقال: # (إلا قليلا منهم) # وهم الذين أسلموا منهم. # وقوله - عز وجل -: (فاعف عنهم واصفح) # ولا تكافئهم لما آذوك. # ثم قال بعضهم: هو منسوخ بآية ms1269 القتال في سورة براءة، وهو قوله - تعالى -: ~~(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) الآية. # ويحتمل (فاعف عنهم واصفح) إلى أن تؤمر بالقتال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن الذين قالوا إنا نصارى ... (14) # عن الحسن قال: قال للنصارى: (كونوا أنصار الله)؛ فقالوا: بل نكون # PageV03P482 # نصارى؛ فذلك قوله: (إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به): ما ~~من أحد يعقل إلا وقد أخذ الله - عز وجل - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ ~~الميثاق على المؤمنين بقوله - تعالى -: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ~~الذي واثقكم به. . .) الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: (ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرائيل. . .) الآية، وأخبر -أيضا- أنه قد أخذ الميثاق على ~~النصارى في هذه الآية بقوله - تعالى -: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ~~ميثاقهم)، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (فنسوا حظا مما ذكروا به) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد بالله، والإيمان بالرسل ~~كلهم، والتمسك بكتاب الله - سبحانه وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد ~~إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا. # ويحتمل: (فنسوا حظا مما ذكروا به)، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به. # وقوله - عز وجل -: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) # قيل: (فأغرينا): ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم الله ~~- تعالى - أن يلقي بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن ~~حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة. # وقال بعض المعتزلة: قوله - تعالى -: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء)، ~~أي: خذلناهم، وتركناهم. لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء ~~القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلانا، وإن شئتم تركا، اجعلوا ما ~~شئتم، ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك إلى نفسه، ولا صنع له ~~في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن ~~يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعا، وهو ما ~~ذكرنا أن خلق ms1270 ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في ~~قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك ~~الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعا، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في ~~قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في # PageV03P483 # قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ~~أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال ~~تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على أما في، ~~قلوبهم من الخيانة والقساوة وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بالله ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وسوف ينبئهم الله) # في الآخرة. # (بما كانوا يصنعون) في الدينا، وهو قول ابن عباس. # * * * # قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) # وقوله - عز وجل -: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب) الآية. # قال - عز وجل -: (قد جاءكم رسولنا)، ولم يقل: فلان بن فلان؛ ليعلم أن ~~الرسل - عليهم السلام - ليسوا يعرفون بالأسامي والأنساب؛ ولكن إنما يعرفون ~~بالآيات المعجزة والبراهين النيرة. وفيه دليل أن من آمن بالرسل كلهم ولم ~~يعرف أسماءهم أنه يكون مؤمنا، ولم يؤخذ علينا معرفة أسامي الرسل؛ إنما أخذ ~~علينا الإيمان بهم جملة؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - لم يذكر في الكتاب ~~الأنبياء والرسل جميعا واحدا فواحدا، ولا ذكر أسماءهم؛ إنما ذكر بعضا ~~منهم؟! أفترى أن من لم يعرف أسماءهم لم يكن مؤمنا؟! هذا بعيد. # وفيه دلالة إثبات رسالة أسيدنا، محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه قال: ~~(يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب)، وهم إذا كتموا ذلك وأخفوه - ~~أعني: الرؤساء - ولم يخبروا أحدا ms1271 أنهم كتموا ذلك وأخفوه، حتى يبلغ الخبر ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - اختلف إلى أحد منهم، أو نظر في كتابهم قط؛ ليعلم ما كتموا، فلما بين ~~لهم ما قد # PageV03P484 # كتموا وأخفوا من الناس؛ دل ذلك لهم أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفو عن كثير) # اختلف في تأويله وقراءته: # قال بعضهم: " نبين " بالنون " ونعفوا عن كثير "، أي: الله يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو الله - تعالى - عن كثير إذا آمنوا ورجعوا ~~عما كانوا يخفون ويكتمون. # وقال آخرون: يبين لهم كثيرا، أي: جميع ما كانوا يخفون، ويعفو عن جميع ~~ذلك. # وأما عندنا فقوله: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفو عن كثير) بالياء، أي: رسول الله يبين لهم كثيرا، ويعفو عن ~~كثير، على قدر ما أذن له البيان لهم؛ لأن الرسل إنما يأتون بالبراهين ~~والحجج على قدر ما أذن لهم، لا بكل ما لهم من الآيات؛ ألا ترى أن سحرة ~~فرعون لما ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت حيات، لم يلق موسى عصاه حتى أذن الله ~~له في ذلك؟! وهو قوله - تعالى -: (وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى ~~أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117). إنما أتى بالآية بعد ما أذن له ~~بذلك؛ فعلى ذلك قوله: (يبين لكم كثيرا) إنما يبين على قدر ما أذن له ~~بالبيان والحجة، والله أعلم. # وقوله: (مما كنتم تخفون من الكتاب): يحتمل مما كنتم تخفون من الكتاب: # من الشرائع والأحكام، ويحتمل: كتموا ما في الكتاب من نعت محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وصفته الكريمة. # وقوله - عز وجل -: (قد جاءكم من الله نور وكتاب) # عن الحسن: النور والكتاب واحد، وكذلك ما قال في قوله: (الكتاب والحكمة) ~~هما واحد. # وقال غيره: النور: هو محمد، والكتاب: هو القرآن، سماه: نورا؛ لما يوضح ~~ويضيء كل شيء على ما هو ms1272 عليه حقيقة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: (الله ~~نور # PageV03P485 # السماوات والأرض. . .) الآية، أي: به يتضح كل شيء على ما هو عليه في ~~الحقيقة، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (يهدي به الله من اتبع رضوانه ... (16) # يحتمل قوله: (يهدي به الله)، أي: بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل: ~~بالقرآن، أي: به يهدي الله (من اتبع رضوانه)، يحتمل: رضاه. # وقوله - عز وجل -: (سبل السلام) # السلام: قيل: هو الله؛ كقوله - تعالى -: (السلام المؤمن المهيمن) أي: به ~~يهدي سبل السلام، سمي سبلا؛ لأن سبيل الله - وإن كان كثيرا في الظاهر - فهو ~~في الحقيقة واحد، وسمي سبل الشيطان سبلا وقال: (ولا تتبعوا السبل. . .) ~~الآية؛ لأن سبله متفرقة مختلفة، ليست ترجع إلى واحد، وأما سبل الله - وإن ~~كانت سبلا في الظاهر - فهي ترجع إلى واحد، وهو الهدى والصراط المستقيم. # * * * # * * * # قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ~~(17) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم ~~بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ~~والله على كل شيء قدير (19) # وقوله - عز وجل -: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح) # كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ~~ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمه أكبر منه؛ فمن البعيد أن ~~يكون من هو أصغر منه إلها لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ~~ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع ~~إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا ms1273 الأصغر إله الأكبر وربا له. # PageV03P486 # وقوله - عز وجل -: (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) # أي: لا أحد يملك من دون الله شيئا، إن أراد إهلاك (المسيح ابن مريم وأمه. ~~. .) الآية، أي: لو كان إلها -كما تقولون- لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه ~~وعن أمه ومن عبدهما في الأرض. # وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئا من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح ~~بعذاب، وأمه ومن في الأرض جميعا بعذاب أو بموت؟! وهما واحد. # ثم عطم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: (إن الله هو المسيح ابن مريم)، ~~فقال: (ولله ملك السماوات والأرض) # أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر. # (والله على كل شيء قدير) # أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ... ~~(18) # يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعا، ولكن كان من أحد ~~الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله - تعالى -: (وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) كأن هذا القول: كان كل فريق نفى دخول ~~الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعا: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى). # ويحتمل: أن كان من النصارى (نحن أبناء الله)؛ لما ذكر في بعض القصة أن ~~عيسى - عليه السلام - قال لقومه: " أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء ~~"؛ فقالوا عند ذلك: (نحن أبناء الله)، وكان من اليهود: " نحن أحباء الله ". # ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعا، قال كل واحد من الفريقين: ~~(نحن أبناء الله وأحباؤه). # وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله تعالى، أي: لهم عند ~~الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، ~~فقال: قل يا محمد: (فلم يعذبكم بذنوبكم) # إن كان ما تقولون حقا فلم يعذبكم؟! حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا ~~أحد ms1274 من # PageV03P487 # الخلق يحتمل قلبه أن يكون ولده أو صديقه قردا أو خنزيرا. # أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه -بذنب يذنبه- بالنار، وقد ~~أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل. # ثم قال: (بل أنتم بشر ممن خلق) # أي: من اتخذ ولدا وحبا أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله - تعالى - إنما ~~خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم ~~بذلك؟!. # وقوله - عز وجل -: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ~~دليل أن من رفع أحدا من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته. # وقوله: (يغفر لمن يشاء) # أي: من تاب وأسلم. # (ويعذب من يشاء) # من دام على الكفر، ومات عليه. # وقوله - عز وجل -: (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) # أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: (نحن أبناء الله ~~وأحباؤه)، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبا؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده. ~~كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟! والله أعلم. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم ~~قالوا قولا فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ ~~ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله. # وقوله - عز وجل -: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على ~~كل شيء قدير (19) # يحتمل قوله - تعالى -: (يبين لكم) ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ~~ويحرفون؛ كقوله - تعالى -: (يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو ~~عن كثير). # ويحتمل: (يبين لكم) مما لكم وعليكم من الأحكام والشرائع، ويحتمل: # PageV03P488 # (يبين لكم) ما كان عليه الأنبياء والرسل. # وقوله - عز وجل -: (على فترة من الرسل) # قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى - عليه السلام - لأنه ~~قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل ~~- أنه بعث محمدا - صلى ms1275 الله عليه وسلم - على حين فترة من الرسل. # وقيل: (على فترة من الرسل) ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ~~ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتورا. يخبر - والله أعلم - ~~أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف أمورهم، ووقع فيما بينهم ~~اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير). # يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: ~~(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)، وكقوله: (أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق). # بشير بالجنة لمن أطاع، ونذير بالنار لمن عصاه. # (فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير) # يحتمل: (على كل شيء قدير) من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من ~~آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم ~~الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) قال رب إني لا أملك إلا ~~نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) # PageV03P489 # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ~~... (20) # يحتمل قوله: (اذكروا نعمة الله عليكم): ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - ~~عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: (إذ جعل ~~فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت ms1276 أحدا من العالمين)؛ كأنه يقول: ~~اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من ~~الخلق، وجعلكم ملوكا تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم ~~الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: (ابعث لنا ملكا ~~نقاتل في سبيل الله)، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا ~~والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ~~ملوكا يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة. # وقوله: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) # يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه ~~من المن والسلوى وغيره من النعم. # وقيل في قوله: (وجعلكم ملوكا)، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ~~ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولا لنفسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ... ~~(21) # وقيل: قوله: (كتب الله لكم)، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ # ليسلموا، وهو كقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك ~~قوله - تعالى -: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) قتال أهلها؛ ~~ليسلموا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لكم)، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: (وإن # PageV03P490 # أسأتم فلها)، أي: فعليها. # وقيل: قوله: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) فتحها، إن أطعتم ~~أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما ~~دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الأرض المقدسة)، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم ~~سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: (إلى المسجد الأقصا الذي باركنا ~~حوله)، ثم يحتمل قوله: (باركنا حوله) بكثرة الثمار والفواكه، وسعة عيشها، ~~وكثرة ريعها. ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ~~ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا ترتدوا على أدباركم) # هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله - تعالى -: (ومن ms1277 ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا)، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن ~~الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل ~~تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته. # ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن ~~الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك. # وقوله - عز وجل -: (فتنقلبوا خاسرين) # يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ولا ترتدوا على أدباركم) # أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون (22) # يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، ~~مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر ~~على فتح تلك # PageV03P491 # الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأى هؤلاء ألا ~~يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك ~~امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفا منهم ~~على أنفسهم، لكن موسى - عليه السلام - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم ~~وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها. # وقوله - عز وجل -: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا ~~عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ... (23) اختلف في الرجلين اللذين ~~قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - ~~على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، ~~وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، ~~فقال: (فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح. # وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك ~~الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ~~(من الذين يخافون أنعم الله عليهما) بالإسلام؛ فقالا: (ادخلوا عليهم ms1278 الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون)؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه ~~وفزعهم. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) # أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر. # ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فان كل من توكل على الله ووثق ~~به، نصره الله، وجعله غالبا على عدوه، والله أعلم. # وقوله: (ادخلوا عليهم الباب): كان المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن ~~جهة # PageV03P492 # من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ~~ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ... ~~(24) # من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: (يا موسى إنا لن ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها) - يكفر؛ لأن موسى - عليه السلام - قد وعد لهم ~~النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: (لن ندخلها أبدا) لم يصدقوا موسى - عليه ~~السلام - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذب رسولا من الرسل بشيء مخبر؛ ~~فهو كافر. # وقوله - عز وجل -: (فاذهب أنت وربك فقاتلا. . .) الآية: دل قوله - تعالى ~~-: (فاذهب أنت وربك فقاتلا) على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع ~~الأعداء، حين قال: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم)، وأن المكتوب ~~عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: (فاذهب أنت وربك فقاتلا)، والله أعلم. # ثم قيل في قوله - تعالى -: (فاذهب أنت وربك فقاتلا) بوجهين: # قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله ~~قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ~~ناصرك ومعينك. # والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعا مأمورين بتبليغ ~~الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة ~~لما كان يفعل به؛ كقوله: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)، وقوله - تعالى -: ~~(وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، ~~لكنه أضيف # PageV03P493 # إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - ~~أضيف إليه؛ لما ms1279 بمعونته ونصره يقاتلون. # وقوله - عز وجل -: (إنا هاهنا قاعدون) # أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون. # وقوله - عز وجل -: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ... (25) يحتمل ~~وجهين: # يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي وأخي -أيضا- لما عرفت ~~بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك ~~إجابتهم ولا طاعتهم، (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين). # ويحتمل: (إني لا أملك إلا نفسي وأخي) لا يملك -أيضا- إلا نفسه؛ على ~~الإضمار؛ لأنهما كانا جميعا رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله - تعالى ~~-: (فقولا له قولا لينا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) # قال قائلون: إنما طلب موسى - عليه السلام - الفرقة بينه وبين الذين أبوا ~~الدخول فيها، وقالوا: (لن ندخلها أبدا). # وقال قائلون: إنما طلب موسى الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في ~~الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ... (26) # قوله تعالى: (محرمة عليهم): من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس ~~على التحريم؛ كقوله - تعالى -: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) ليس هو من ~~التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله ~~أعلم. # وقال قائلون: محرمة عليهم أبدا لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ ~~فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: (لن ندخلها أبدا). # PageV03P494 # وقال قائلون: قوله تعالى: (محرمة عليهم): أي: التوبة محرمة عليهم، لن ~~يتوبوا أبدا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أربعين سنة يتيهون في الأرض): فالمدة هاهنا للتيه - ~~والله أعلم - لا لقوله تعالى: (محرمة عليهم). # ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - ~~معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - ~~عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوما بتكذيب الرسول قط إلا من ~~بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون ms1280 موسى يعذب ~~بعصيان قومه، والله أعلم. # وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيما فيها، ولكن الحيرة والتيه ~~كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ~~ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى - عليه السلام - فكان إذا نزل ضربه موسى ~~بعصاه، (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا)، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما ~~كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان ~~به حيرة. # * * * # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ~~(27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ~~رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) ~~فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (31) من ~~أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم ~~رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # PageV03P495 # وقوله - عز وجل -: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا ... ~~(27) # قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني ~~إسرائيل قربا قربانا؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن ~~نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله - تعالى -: (يا بني ~~آدم) افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر ~~كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وأما ابن عباس - رضي الله عنه - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم ~~قالوا: " إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر ms1281 هابيل، ~~وكان لكل واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، ~~والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ ~~فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قربانا، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، ~~وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم ~~يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله - تعالى -: (إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل ~~الله من المتقين)، ولكن لا ندري كيف كانت، وفيما كانت القصة؟ وكانا ابني ~~آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا ~~إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم ~~- ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب)، وقال في آية أخرى: (يبين ~~لكم على فترة من الرسل)، فكان هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم، ~~فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في ~~كتبهم؛ لأنه قال: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب) و (يبين لكم على فترة من الرسل) ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، ~~لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، ~~فبين لهم واحدا بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة # PageV03P496 # سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وسورة المائدة كان أكهثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير ~~موضع: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب) و (يبين لكم على فترة من الرسل) يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل ~~سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد. # وقوله - عز وجل -: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق): يحتمل وجهين: # يحتمل: (بالحق) على ما نزل. # ويحتمل: (بالحق) المعلوم ms1282 المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، ~~وأنه علم سماوي. # وقوله - عز وجل -: (إنما يتقبل الله من المتقين): هذا يحتمل وجهين: # يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، ~~وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، ~~والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ~~ولم يتقبل من الآخر. # وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن ~~أحدهما كان أتقى قلبا فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى ~~شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: (إنما يتقبل الله ~~من المتقين)، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من ~~الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنهم يدعون أن فيهم ~~من هو أحق بالرسالة من محمد - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: (لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وغير ذلك من أباطيل قالوها، وبالله ~~التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك ... (28) # قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن ~~أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث ~~قال له: (لأقتلنك)، فقال له الآخر: (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك)، ~~واحتجوا في ذلك # PageV03P497 # بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ققتل أحدهما صاحبه، فهما في ~~النار "، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟! فقال: " إنه أراد أن يقتل ~~صاحبه ". # وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن استطعت ~~أن تكون عبدا لله، ولا تقتل أحدا من أهل القبلة فافعل ". # وعن الحسن - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" إن ابني آدم ضربا لهذه الأمة مثلا، فخذوا بالخير ms1283 منهما ". # وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" كيف يا أبا ذر إذا كانت بالمدينة قتل بغير حجارة؟ " قال: قلت: ألبس ~~سلاحي، قال: " شاركت القوم إذن " قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: " ~~إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك، يبوء بإثمك وإثمه " ~~يحتجون بمثل هذه الأخبار. # وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في ~~سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالا بما أمر الله - تعالى - ~~بقتال أهل البغي؛ كقوله - تعالى -: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من ~~قتال البغاة؛ لأن الله - تعالى - قال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، على ~~أن قتال المشركين كان محظورا في أول مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه ~~الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظورا، فأذن الله في قتالهم ~~وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله به من قتال البغاة ~~والمشركين، والله أعلم. # وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: ~~فإن ذلك، - # PageV03P498 # والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال ~~الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو ~~عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار. # وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ~~ظالمة، فقتالهم واجب؛ اتباعا لعلي - رضي الله عنه - ومن حارب معه من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل البغي والخوارج، فأما قتال ~~الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار ~~كثيرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من ~~يهم بقتله. # وقوله - عز ms1284 وجل -: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ... (29) أن ترجع بإثمي ~~بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي. # قال القتبي: (بإثمي): أن تقتلني، (وإثمك): ما أضمرت في نفسك من الحسد ~~والعداوة. # وقال الحسن: ترجع (بإثمي) بقتلك إياي، (وإثمك) يعني: الكفر الذي كان ~~عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافرا فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك): يجوز أن يتكلم ~~بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا ~~يريد سقوطه منه؛ وكقوله: (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه) والجدار ~~لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على ~~حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك. # أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد ~~أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فطوعت له نفسه قتل أخيه ... (30) قال القتبي: أي ~~شايعته، # PageV03P499 # وانقادت له. # وقال أبو عوسجة: (فطوعت له نفسه): أي: أمرته وزينت له. # وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد. # وقوله - عز وجل -: (فأصبح من الخاسرين)، وقال في آية أخرى: (فأصبح من ~~النادمين): يحتمل وجهين: # يحتمل: أصبح تائبا؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنبا فندم عليه ~~كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: (فأصبح) أي: يصبح في ~~الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ ~~فعلى ذلك قوله تعالى: (فأصبح من النادمين): أي: يصبح من النادمين في الآخرة ~~- والله أعلم - ويصبح من الخاسرين. # وقوله - عز وجل -: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه ... (31) استدل من قال بأن القصة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: (فبعث ~~الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه)؛ ms1285 لأن القصة لو كانت ~~في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل ~~أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه. # وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على ~~المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله - ~~تعالى -: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا)، وقد ~~كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ ~~فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم. # ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن - رضي الله عنه -: ~~كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث ~~التراب # PageV03P500 # على غراب آخر، على ما ذكر في القصة أن غرابا قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب ~~عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة -والسوأة: العورة- وذلك ليريه كيف ~~يوارى سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن ~~يريه أن كيف يوارى سوأته، والله أعلم. # وقوله: (قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي) # أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوءة أخي. # وقوله - عز وجل -: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ... (32) # أي: من استحل قتل نفس، يحتمل وجوها: # يحتمل قوله - تعالى -: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا) أي: من استحل قتل نفس حرم الله قتلها بغير حق، فكأنما ~~استحل قتل الناس جميعا؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان ~~كاستحلال قتل الناس جميعا؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافرا بالكل؛ ~~فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها. # ويحتمل: أن ms1286 يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا ~~قتيلا جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضا، وكان ذلك منه سنة استن الناس ~~به؛ فهو كما روي في الخبر أن: " من سن سنة سيئة فله وزرها، ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من وزرهم شيئا "؛ فيشترك هذا القاتل في ~~وزر كل قتيل قتل إلى يوم # PageV03P501 # القيامة بغير حق. # وتحتمل الآية وجها آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو ~~قتل الناس جميعا، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس ~~جميعا، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا ~~على بني إسرائيل: (أنه من قتل نفسا بغير نفس) بلا نفس وجب عليها القصاص (أو ~~فساد في الأرض) يقول: الشرك في الأرض، (فكأنما قتل الناس جميعا) يقول: يعذب ~~عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعا لهم، وهو مثل الأول. # وعن عبد الله بن عمرو قرأ: (من أجل ذلك. . .) الآية قال: " لم يكن يؤخذ ~~في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصا بقصاص " يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في ~~الأرض جزاؤه كانما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فعلى نحو ذلك. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا): أي: من ~~استنقذ أحدا من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعا في الآخرة. # وقيل: ومن أحياها بالعفو - أجر في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعا؛ ~~إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعا. # قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء ~~أجلها؟! ولكنه أقيد فعفا. # ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها ~~أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها ~~فكأنما سعى في إحياء الناس جميعا، والله أعلم. ms1287 # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك ~~في الأرض لمسرفون) # PageV03P502 # في الآية تصبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تكذيب الكفرة إياه، ~~وأنه ليس بأول مكذب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذبون فيما يأتون من ~~الآيات والحجج والبيان. # * * * # قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) # وقوله - عز وجل -: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا. . .) الآية # قال بعضهم: الآية نزلت في أهل الكفر، وبيان الحكم فيهم؛ وهو قول الحسن ~~وأبي بكر الأصم، وقالا: لأن الله - عز وجل - ذكر محاربة الله ورسوله، وذكر ~~السعي في الأرض بالفساد، وكل كافر قد حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض ~~بالفساد - فللإمام أن يقتلهم بأي أنواع القتل شاء، ما دام الحرب فيما بينهم ~~قائما، فإذا أثخنوا في الأرض - بترك ذلك - يمن الله عليهم إن شاء. # وأما المسلم إذا قطع الطريق: فإنه لا يقال: إنه حارب الله ورسوله؛ فدل ~~أنها نزلت في أهل الكفر؛ للكفر، لا لقطع الطريق. # وقال آخرون: نزلت في المشركين إذا قطعوا الطريق فأما المسلمون إذا قطعوا ~~الطريق، # PageV03P503 # فإنما هم سراق تقطع أيديهم فقط. # وقال غيرهم: نزلت الآية بالحكم في المشركين إذا قطعوا الطريق وأخافوه، ~~لكن يتحرى ذلك الحكم في المسلمين، إذا قطعوا الطريق على الناس وأخافوهم. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " وادع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع ~~الطريق عليهم؛ فنزل جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال - صلب، ومن قتل ولم يأخذ المال - ~~قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من ms1288 خلاف، ومن جاء مسلما - ~~هدم الإسلام ما كان في الشرك "؛ فدل حديث ابن عباس - رضي الله عنه - على أن ~~الآية نزلت في الموادعين غير المحاربين. # روي عن أنس قال: " إن أناسا من عكل أو عرينة أتوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فشكوا إليه الجهد، فبعث معهم بلقاح وراعيا، وقال لهم: " اشربوا ~~ألبانها، وتداووا بأبوالها "، فلما أن صحوا قتلوا راعي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث في آثارهم، فأتى بهم ~~بعد ما ترجل بهم النهار، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وقطع ~~ألسنتهم، وتركوا بالمكان حتى ماتوا؛ فنزلت الآية ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - ما يخالف هذا؛ روي: " أن حارثة بن بدر حارب ~~الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، وتاب من قبل أن يقدر عليه، فكتب علي بن ~~أبي طالب إلى عامله بالبصرة: أن حارثة قد تاب قبل أن يقدر عليه؛ فلا تتعرض ~~له إلا بالخير " ألا ترى أن حارثة قد أطلق فيه أنه حارب الله ورسوله وكان ~~مؤمنا؟! فهذا # PageV03P504 # يدل على أن الحكم الذي أجري على قطاع الطريق الكفرة يجري ذلك الحكم في ~~المسلمين، إذا كان منهم ما كان من المشركين من قطع الطريق على الناس ~~وإخافته عليهم. # وقد يتوهم أن الآية نزلت في أهل الحرب، وقد أبيح لنا قتل من ظفرنا به ~~منهم كيف شئنا، وإن لم يفسدوا في الأرض ولم يقطعوا الطريق؛ وهذا يدل أن ~~الآية نزلت بالحكم في أهل الكفر وأهل الإسلام جميعا، إذا سعوا في الأرض ~~بالفساد، ومن الدليل على ذلك: أن الله - تعالى - قال: (إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم)، وأجمعوا أن الكافر إذا قتل مسلما، وأظهر في الأرض ~~الفساد، فقدرنا عليه وأسرناه، ثم أسلم - أنه يزول عنه القتل والقطع والطلب؛ ~~فدل ذلك على أن الآية نزلت بالحكم في المسلمين؛ لأنه يختلف حكمه إذا تابوا ~~من قبل أن يقدر عليهم، أو بعد قدرتنا عليهم، ولم ينزل فيمن يستوي حكمه في ~~الحالين جميعا، إذا تابوا بعد القدرة، ms1289 فالحكم ثابت عليهم، فأما الذي روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله بالعرنيين: فإنهم كانوا أسلموا، ثم ~~ارتدوا. # واحتج من ذكرنا قوله من المتأخرين بأن الآية نزلت فيهم - بحديث أنس من ~~فعله بالعرنيين. وقد روي عن بعض المتقدمين أن الآية نزلت بعد قتل العرنيين ~~من نحو ابن سيرين وغيره؛ فالواجب على من ادعى أن الآية نزلت في العرنيين أن ~~يبين دعواه. # وكان أصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنه - ويرون أن يؤخذ المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه بما أصاب من دم ~~ومال، على سبيل القصاص، ولا يصلب ولا تقطع يده ورجله فيما أصاب من مال؛ ~~فكأنهم ذهبوا إلى أن يزال الحد الذي لله على المحارب بتوبته قبل أن يقدر ~~عليه، وهو ما كان إلى الإمام إقامته، ولا أمر للولي فيه. # وأما الحقوق التي هي للعباد: فإن التوبة لا تعمل في إبطالها، ولكل ذي حق ~~أن يأخذ بحقه لا حق للإمام؛ لأن الحق صار للولي دون الإمام. # وفي قوله: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) دلالة على أن السارق ~~إذا رد السرقة قبل أن يقدر عليه أن لا قطع عليه؛ وكذلك روي عن بعض ~~المتقدمين أنهم قالوا: ليس على تائب قطع. # PageV03P505 # ودل قوله: (ويسعون في الأرض فسادا) على أن السارق في المصر ليلا أو نهارا ~~لا يكون محاربا، وإنما هو سارق تقطع يده دون رجله؛ لأنه ذكر السعي في الأرض ~~بالفساد، والسارق في المصر لا يقال: سعى في الأرض؛ ألا ترى إلى قوله - ~~تعالى -: (وإذا ضربتم في الأرض)، لم يرد الضرب في المصر، ولكن أراد ~~الأسفار؛ فعلى ذلك الأول. # وأما الكلام في القتل والصلب والقطع: فروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~قال: " إذا حارب وقتل وأخذ المال - قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، فإن قتل ~~ولم يأخذ المال - قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل - قطعت يده ورجله من خلاف ". # وتأول الآية: (الذين يحاربون الله ورسوله. . .) الآية: على أن ms1290 الواجب على ~~المحارب من العقوبة له على قدر جنايته، ويزاد في عقوبته بقدر زيادته في ~~جرمه. # وتأول غيره الآية: على أنها نزلت في المحارب الذي يصيب المال والنفس، ~~وإذا أصاب الأمرين كان للإمام أن يقتله كيف شاء: إن شاء قتله بالسيف قتلا، ~~وإن شاء قطع يده ورجله ثم يتركه حتى يموت، وإن شاء صلبه حيا، وإن أبطأ عليه ~~الموت طعن بالرماح حتى يموت؛ وإلى هذا كان يذهب أبو حنيفة، رحمه الله. # وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - قالا: إذا صلب لم تقطع يده ورجله؛ ~~لأنه لا يجوز أن يجمع عليه الأمرين، وإنما جعل الله له أحدهما بظاهر قوله: ~~(أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف)، وجعلا عقوبته ~~مختلفة على قدر جنايته، إن قيل: فما معنى التخيير فيه؟ قيل: معناه - والله ~~أعلم - أن يقتل بالسيف، أو يقتل بالصلب، أو يقتل بقطع اليد والرجل. # وأصله: أن حرف التخيير إذا كان في متفق الأسباب يخرج مخرج التخيير، من ~~نحو: التخيير في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة المتأذي؛ لأن سبب ~~وجوبه # PageV03P506 # واحد. # وإذا كان في مختلف الأسباب فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه؛ كقوله - ~~تعالى -: (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) لا ~~يحتمل التخيير، ولكنه على بيان الحكم لكل في نفسه؛ لأن سبب وجوبه مختلف، ~~فتأويله: إما أن تعذب من ظلم، وتتخذ الحسن فيمن آمن بالله؛ ألا ترى أنه ~~قال: (أما من ظلم فسوف نعذبه) (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى). # وقول من جعل الحكم فيمن جمع القتل وقطع الطريق أقرب إلى التأويل - والله ~~أعلم - ممن لم يجمع؛ لأنه قال - عز وجل -: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله. . .) الآية، فمن حارب وأفسد في الأرض فقد أتى بالأمرين جميعا؛ لأن ~~محاربته أن يقتل، وإفساده في الأرض بقطع الطريق، فإذا جمع هو بين الأمرين ~~يجمع بين عقوبتين. # وأصله أن أمر قطاع الطريق محمول على فضل تغليظ، من نحو ما يجمع بين قطع ~~اليد والرجل ms1291 في أخذ المال، وذلك لا يجمع في أخذ المال في المصر، ومن نحو ~~الصلب، وذلك لم يجعل في غيره من القتل في المصر؛ فدل أنه محمول على فضل ~~تغليظ، فجاز أن يجمع بين ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي): قال بعضهم: " وينفوا ~~من الأرض " على إسقاط الألف، ويكون في القتل والصلب نفيه إذا قتل وأخذ ~~المال. # وقال بعضهم: نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه. # وعن الحسن قال: يطلب حتى يخرج من أرض الإسلام، وذلك إلى الإمام. # وأصله ما ذكرنا: أنه إذا قدر عليه وقد قتل وأخذ المال يقتل؛ وفي القتل ~~نفيه، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال حبس إن قدر عليه؛ وفي الحبس نفيه، وإن ~~لم يقدر عليه يطلب حتى يبرح عن الطريق، والله أعلم. # وقول أبي عبيد؛ حيث قال: إنه يصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن # PageV03P507 # المثلة، فيقال له: المثلة يراد بها على ما قال محمد بن الحسن - رحمه الله ~~- ولأن الصلب جعل عقوبته، والميت لا يعاقب، ولو جاز أن يصلب بعد القتل لجاز ~~لغيره أن يقول: تقطع يده ورجله بعد القتل؛ فذلك بعيد. # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ... (34) # قد ذكرنا فيما تقدم أن قطاع الطريق إذا تابوا قبل أن يقدر عليهم، سقط ~~عنهم الحدود التي هي لله نعالى، لا يؤاخذون بها، وليس كغيرها من الحدود ~~التي تلزم في غير المحاربة - أن التوبة لا تعمل في إسقاطها - لوجهين: # أحدهما: أن التوبة من غير المحارب لا تظهر حقيقة، فإذا لم تظهر - لم تعمل ~~في إسقاط ما وجب، وفي المحارب تظهر؛ لأنه في بدي نفسه إذا ترك المحاربة ~~والسعي في الأرض بالفساد، وظهرت منه التوبة فلم يؤاخذ به، وفي سائر الحدود ~~لا يظهر منه ترك ما كان يرتكب؛ لذلك افترقا. # والثاني: أنه لو لم يقبل منه ذلك لتمادى في السعي في الأرض بالفساد في حق ~~المسلمين من الضرر أكثر مما لو ms1292 أخذوهم بذلك، فاستحسنوا قبول ذلك منهم، ودرئ ~~ما وجب عليهم من الحدود التي هي لله تعالى. # وأما الحقوق التي هي للعباد: فذلك إلى الأولياء: إن شاءوا أخذوهم بذلك، ~~وإن شاءوا تركوا، والله أعلم. # وأما قوله: " من جاء مسلما هدم الإسلام ما كان في الشرك "، معناه: إذا ~~جاء تائبا؛ # PageV03P508 # لأن الحدود جعلت زواجر، والإسلام يزيد في الزجر والتغليظ؛ فلا يجوز أن ~~يكون ما كان سببا للتغليظ سببا لإسقاطه؛ دل أن المعنى منه: من جاء مسلما ~~تائبا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب ~~أليم (36) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ~~(37) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه ~~الوسيلة) # يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله - تعالى -: (إذ ~~قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما ~~يتقبل الله من المتقين)، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: (إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله. . .) الآية، ثم قال تعالى: (وابتغوا إليه ~~الوسيلة): أي: ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة والوسيلة. # و (الوسيلة): القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إلي بكذا، أي: تقرب؛ وهو ~~قول القتبي، وقوله: (وأزلفت الجنة للمتقين): أي: قربت. # وقوله - عز وجل -: (وجاهدوا في سبيله. . .) الآية. # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله - تعالى ~~-: # (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). # ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله ~~التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله ~~معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ... (36) كان الذي يمنعهم ~~عن الإسلام والإيمان بالله وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف ~~بالأموال، فأخبر: (لو ms1293 أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به)؛ في ~~صرف العذاب عن أنفسهم (ما تقبل # PageV03P509 # منهم)، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - والله أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي ~~الله، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان ~~لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما ~~تقبل منهم. # والحكمة في ذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل ~~فيها الرشا كما تقبل في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ولهم عذاب أليم) # دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن ~~عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكون، أليما ومنه ما لا ~~يكون. # وقوله - عز وجل -: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ... ~~(37) # يحتمل قوله - عز وجل -: (يريدون أن يخرجوا من النار): أي: يطلبون ويسألون ~~الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه. # ويحتمل قوله - تعالى -: (يريدون أن يخرجوا من النار) ولكن يردون ويعادون ~~إلى مكانهم؛ كقوله - تعالى -: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) ~~أي: يجتهدون في الخروج منها (أعيدوا فيها)؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل ~~الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها. # * * * # قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ~~إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من ~~يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40) # وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. . .) الآية # عام في السراق، خاص في السرقة؛ لأنه يدخل جميع أهل الخطاب في ذلك، وإن # PageV03P510 # كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق، إذا سرقوا من محارمهم، أو ممن له ~~تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه؛ لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك ~~التأويل ولا تلك الشبهة - قطع؛ فدل أنها عامة في السراق؛ وعلى هذا يخرج قول ~~ابن عباس؛ حيث سئل عن ms1294 قوله - تعالى -: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ~~أخاص هو أم عام؟ فقال: " لا؛ بل عام " أي: عام في السراق؛ ألا ترى أنه قال ~~في خبر آخر؛ حيث سئل عن ذلك فقال: " ما كان من الرجال والنساء قطع ". # وأما قولنا: " خاص في السرقة "؛ لأنه لا يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء ~~التافه الخسيس الذي إذا أخذ أمنه، دل أن الخطاب بذلك من الله - عز وجل - ~~رجع إلى سرقة دون سرقة، لا إلى كل ما يقع عليه اسم السرقة؛ وكذلك الخطاب ~~بقطع اليد رجع إلى بعض اليد، وهو الكف، وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع ~~إلى الإبط؛ لأن الناس مع اختلافهم - اتفقوا على أن اليد لا تقطع من الإبط ~~ولا من المرفق، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك: فعلى قول بعضهم: تقطع الأصابع ~~دون الكف، وعندنا: أنه تقطع الأصابع بالكف؛ لأنه بها يقبض الشيء ويؤخذ؛ ~~فمخرج الخطاب بالقطع عام، والمراد منه: رجع إلى بعض اليد دون بعض. # وكذلك قوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما) مخرج الخطاب بالقطع عام، ليس فيه # PageV03P511 # بيان من يتولى القطع، فالمراد منه: رجع إلى الولاة؛ فهذا كله يدل على أن ~~ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل ~~خصوصه؛ بل يعرف ذلك كله بدليل: يقوم العموم بدليل العموم، والخصوص بدليل ~~الخصوص؛ فهذا ينقض قول من يقول: إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، ~~والله أعلم. # فإن قيل لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة ~~وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو ~~القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ ~~وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ~~ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟! # قيل - والله أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف ~~الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه ms1295 إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، ~~وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق. # وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ ~~فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق. # وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور ~~يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، والله ~~أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة، وذلك مما لا ~~يمثاله في الظاهر، وقد أخبر ألا يجزي إلا مثلها، كيف جزي هذا بأضعاف ذلك؟ ~~قيل: لهذا جوابان: # أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء، ولله أن يمتحن عباده ~~بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب، فمن له الامتحان ~~بأنواع المحن على غير جعلها جزاء لشيء - كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ~~ألوفا جزاء فلس أو حبة، وبالله العصمة والنجاة. # والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال؛ ولكنه جزاء ما ~~هتك من # PageV03P512 # الحرمة؛ ألا ترى أنه قال: (جزاء بما كسبا)، ولم يقل: جزاء بما أخذا من ~~الأموال؟! فيجوز أن يبلغ جزاء تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر عن ~~ذلك؛ لأن مقادير العقوبات إنما يعرف من يعرف مقادير الإجرام، وليس أحد من ~~الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام، فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ ~~مقاديرها لم يحتمل معرفة مقادير عقوباتها، فإذا كان كذلك فحق القول فيه ~~الاتباع والتسليم - بعد العلم في الاتباع - أن الله لا يجزي بالسيئة إلا ~~مثلها، وبالله التوفيق. # ثم الكلام في قطع اليمين ما روي في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ~~فاقطعوا أيمانهما ". # وعن علي - رضي الله عنه -: قال: " إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى "، وعلى ~~ذلك اتفاق الأمة. # ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها، واختلف أهل ~~العلم في ذلك: # فقال بعضهم: تقطع في ربع دينار فصاعدا. # وقال أصحابنا: لا تقطع اليد ms1296 إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو دينار. # وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم: # روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقطع في ربع دينار فصاعدا. # وعنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " تقطع يد السارق في ربع ~~دينار فصاعدا ". # PageV03P513 # وعروة بن الزبير يقول: كانت عائشة - رضي الله عنها - تحدث عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا تقطع اليد إلا في المجن أو في ثمنه " ~~وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم؛ فدل قول عائشة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن - أن قولها: " إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار " أن ثمن المجن كان ~~عندها ربع دينار أو لا يكون كذلك؛ وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي الله ~~عنهما -: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم ~~". في الخبر أنه قطع في مجن، وأما التقويم فإنما هو من عند عبد الله. # وعن أنس بن مالك - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع ~~في مجن، فقيل: يا أبا حمزة، كم كانت قيمته؟ قال: دون خمسة دراهم؛ هذا يدل ~~على أن التقويم كان من # PageV03P514 # أنس، فكان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة، رضي الله عنهم. # وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين؛ لمخالفة كل واحد منهم صاحبه، ~~وإنما قوموه من قبل أنفسهم. # فأما إن كان في مجنين مختلفين: فهو على التناسخ، وأما إن كان في مجن واحد ~~في وقتين مختلفين: فإن كان في وقتين مختلفين، لم يكن لمخالفنا فيه حجة؛ لما ~~يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات، وإن كان في مجنين مختلفين فهو ~~على التناسخ فلم يظهر؛ فلا يقدم على القطع بالشك. # ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة: # ما روي عن عمرو بن شعيب قال: " دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له: إن ~~أصحابك: ms1297 عروة، ومحمد بن مسلم، وفلان - رجل آخر - يقولون: ثمن المجن خمسة ~~دراهم أو ثلاثة؟ فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عشرة دراهم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ثمن المجن في عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عشرة دراهم. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " أنه كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم ~~". # فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب؛ # PageV03P515 # حيث قال: " مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرة دراهم " ~~وإن كان مرسلا؛ إذ لا معارض له، ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة من نحو: ~~عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم. # وروي أن عمر أتى بسارق فأمر بقطعه؛ قال عثمان - رضي الله عنه -: " سرقته ~~لا تساوي عشرة دراهم "؛ فأمر بها فقومت ثمانية دراهم، فلم يقطعه. # وعن ابن مسعود قال: " لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: " لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة ~~دراهم ". # وروي عن عائشة قالت: " لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الشيء التافه "، فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الأخبار، ~~ولم يروا قطع اليد بدون العشرة؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع ~~في سرقة عشرة دراهم، واختلفوا في وجوب القطع فيما دون العشرة وهو حد قد ~~روي؛ للإشكال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جزاء بما كسبا نكالا من الله. . .) الآية: # يحتمل قوله: (نكالا من الله)، أي عظة وزجرا من الله لغيره؛ لأن من عاين ~~آخر قطعت يده في سرقة - اتعظ به، وزجره ذلك على الإقدام عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ... (39) # يحتمل: (تاب من بعد ظلمه وأصلح) أي: تاب عن الشرك، وأصلح ما كان ms1298 يفسده # PageV03P516 # ويرتكبه في حال شركه. # (فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) # وعد له المغفرة والرحمة؛ إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه ~~في حال الشرك، حتى لم يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك ويتعاطاه إذا ~~أسلم؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، والمسلم ~~في حال الإسلام إذا ارتكب حدودا وتعاطاها، ثم تاب - أخذ بها؛ لوجهين: # أحدهما: أن الكافر لو أخذ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر ~~وتعاطاه؛ فذلك يمنعه عن الإسلام ويزجره؛ فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك ~~والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح. # وأما المسلم إذا لم يؤخذ بما ارتكب وتعاطى بعد التوبة - يدخل في ذلك من ~~الفساد ما يفحش؛ وذلك أنه كلما أريد أن يقام عليه الحد تاب فسقط ذلك عنه، ~~ثم عاد ثانيا، ثم ثالثا. . . إلى ما لا يتناهى، فعمل في الأرض بكل الفساد ~~من غير أن لحقه ضرر؛ لذلك أخذ به بعد التوبة، والكافر لا، والله أعلم. # والثاني: أن الكافر ما يرتكب ويتعاطى في حال الكفر - إنما يرتكبه تدينا ~~يدين به؛ فإذا رجع عن ذلك الدين ودان بدين آخر ما يكون ذلك حراما في دينه ~~الذي تمسك به - ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تدينا؛ فيظهر ذلك منه؛ فلم ~~يقم عليه؛ لما يظهر منه ترك ما تعاطى قبل ذلك. # وأما المسلم: فليس يتعاطى ما يتعاطى تدينا يدين به؛ ولكنه يتعاطاه شهوة، ~~وذلك مما لا يظهر منه التوبة حقيقة؛ لذلك اختلفا، والله أعلم. # وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنه قال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزاء)، ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها ~~القطع وقت قرع الخطاب السمع؛ فدل أنه إنما يبين له على قدر الحاجة بعد ~~السؤال والبحث عنها، والله أعلم. # وكان جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر؛ لأنهم هم الذين ~~كانوا # PageV03P517 # يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العبادات في المسلمين؛ ms1299 لأنهم هم ~~الذين يرغبون فيها: من ذلك قوله - تعالى -: (الذين يحاربون الله ورسوله. . ~~.) الآية، وما ذكر في ابني آدم. # وقوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. . .) الآية: ذكر عن ابن ~~عباس أنه قال: " نزلت في طعمة بن أبيرق؛ سرق درع جاره؛ فنزلت الآية "، وعلى ~~ذلك قال عامة أهل التأويل، ثم صار ذلك الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك ~~الأجرام، وفيه دليل جواز القياس، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من ~~يشاء ويغفر لمن يشاء ... (40) # ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما)، وعلى أثر قوله: (الذين يحاربون الله ورسوله. . .) الآية -: أن له ~~ملك السماوات والأرض، وله أن يعذب من يشاء بعد التوبة وقبل التوبة، ويغفر ~~لمن يشاء، ولا يعذب بعد التوبة؛ وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه ~~لم يقم عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر ~~عليه أخذ به. أخبر أن له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء. # وفيه نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب ~~عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها. فلو كان على ما ~~قالوا لذهب معنى التخيير بقوله - تعالى -: (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) ~~إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ ~~فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء). # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين ~~قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم # PageV03P518 # يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) ~~سماعون للكذب أكالون للسحت فإن ms1300 جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ~~وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر. . ~~.) الآية يحتمل وجوها: # أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم. ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل ~~على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)، وكقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، ونحو ذلك من الآيات ~~مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) أي: لا يحزنك ~~تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم. # ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ ~~كقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وكقوله - تعالى -: ~~(لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). # وفي قوله تعالى: (يا أيها الرسول) دلالة تفضيل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا أيها الرسول)، و (يا أيها النبي) ولم ~~يخاطب باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم باسمائهم: (يا ~~موسى)، و (يا إبراهيم)، و (يا نوح)، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذكر ~~بأسمائهم. # PageV03P519 # وقوله - عز وجل -: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) # قال: قالوا: (آمنا بأفواههم)، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول ~~به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به ~~اللسان عن قلبه؛ ms1301 ألا ترى أنه قال: (ولم تؤمن قلوبهم)، والإيمان: هو التصديق ~~في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق. والتصديق ~~يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: (ولم تؤمن قلوبهم)، لكن اللسان يعبر عن ~~ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضا على أن الإيمان ليس ~~هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلا؛ فلما كان ~~ضد الإيمان تكذيبا وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في ~~اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما ~~والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن ~~الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق. # ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان ~~باللسان، وقلوبهم كافرة. # وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون (الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم)، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # (ومن الذين هادوا سماعون للكذب) # هذا يدل أن قوله - تعالى -: (من الذين قالوا آمنا بأفواههم) في ~~المنافقين. # وقوله - عز وجل -: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) # يحتمل: سماعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خبره، (سماعون لقوم ~~آخرين لم يأتوك) خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون ~~إلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون ~~الذين لم يأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيخبرونهم خلاف خبره وغير ~~ما سمعوا منه. # وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: إن في التوراة كذا ~~من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: إنه كاذب، وليس # PageV03P520 # في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا. # وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيونا لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ~~ضعفة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ~~(إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله ms1302 أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) # يحتمل التحريف وجهين: # يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله - تعالى -: (فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)، ويحتمل تغيير المعنى في ~~العبارة على غير تبديل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما ~~فهموا منه. # وقوله: (يقولون إن أوتيتم هذا) # يعنون ب " هذا ": ما حرفوه وغيروه. # (فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود ~~زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع ~~منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، ~~فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من ~~بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله - تعالى -: (إن أوتيتم هذا) - ~~يعنون: الجلد - (فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا)، فكتبوا بذلك إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وسألوا عن ذلك، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن الزاني ~~والزانية إذا أحصنا: ما حدهما؟ وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله - تعالى ~~- عليك؛ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وهل ترضون بقضائي في ~~ذلك؟ " قالوا: نعم؛ فنزل # PageV03P521 # جبريل - عليه السلام - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم ~~عن رجل منهم يقال له: " ابن صوريا " - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال ~~لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نعم، أجد فيما أنزل الله علي: أن ~~الزانية والزاني إذا أحصنا وفجرا؛ فإن عليهما الرجم "، فنفروا عن ذلك؛ فقال ~~لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أتعرفون رجلا شابا صفته كذا، يقال ~~له: ابن صوريا؟ " قالوا: نعم، قال: " فأي رجل هو فيكم؟ " قالوا: هو أعلم ~~يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: " فأرسلوا إليه " ~~ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~أنت ابن صوريا؟ " قال: نعم، قال: " وأنت أعلم اليهود؟ "، قال: كذلك يزعمون، ~~قال: " اجعلوه بيني وبينكم " قالوا: ms1303 نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فإني أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ~~الذي أنزل التوراة على موسى: هل تجدون في كتابكم الذي أتاكم به موسى في ~~التوراة: الرجم على من أحصن؟ "، قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا ~~خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك. # ففي هذا وجوه من الدلائل: # أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله ~~تعالى؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عوف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته. # والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه ~~رسول الله حقا. # وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم ~~حيث شهد بالرجم. # وقال بعضهم: قوله: (يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا # PageV03P522 # فخذوه. . .) الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمدا بين قبيلتين: بني قريظة، ~~والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني ~~قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، وإذا قتل بنو قريظة من بني ~~النضير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمدا، ~~وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا ~~فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بما ~~قالوا؛ فقال: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) يعني: الدية، (وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا). # فلا ندري فيم كانت القصة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة ~~والنبوة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يرد الله فتنته) # قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ms1304 ذلك العذاب عنه. # وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن ~~يملك له أحد دفع ذلك عنه. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) قالت ~~المعتزلة: قوله: (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) تأويله يحتمل وجهين: # يحتمل: (لم يرد الله). أي: لم يطهر الله قلوبهم. # والثاني: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) بالشرك والكفر، وذلك ~~بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!. # لكن الوجه عندنا في قوله - تعالى -: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم) أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما ~~اختاروا، ويريدون ما # PageV03P523 # أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله - ~~تعالى -: (ومن يرد الله فتنته) يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، ~~فإنما يريد ما أراد هو ويختار. # وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم)، وهم ~~يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم. وذلك ظاهر الخلاف بين، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (لهم في الدنيا خزية) # الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية (خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم). # وقوله - عز وجل -: (سماعون للكذب ... (42) # يحتمل وجهين: # يحتمل: (سماعون)، أي: مستمعون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~ليعرفوا به فيكذبوا عليه. # ويحتمل قوله: (سماعون للكذب)، أي: قابلون لما ألقي إليهم من الكذب: كانوا ~~يقبلون لما ألقي إليهم من الكذب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أكالون للسحت) # قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع ~~الكفرة أو أكثرهم. # وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى ~~رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة. # PageV03P524 # وقوله - عز وجل -: (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) # اختلف فيه. # قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن ~~شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله تعالى: ms1305 (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ~~ولا تتبع أهواءهم): أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ~~ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم) (واحذرهم) قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجمع بينهما، ~~وهو أن قوله - تعالى -: (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) في قوم من أهل الحرب ~~دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن ~~شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم ~~وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم. # وأما قوله: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم): ~~فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم ~~بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ لأنه ليس له فسخ ~~ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم ~~بينهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل ~~- نبيه - عليه السلام - عن أن يلحقه ضرر منهم. # ويحتمل قوله: (فلن يضروك شيئا) أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ~~ذلك عليهم؛ وهو كقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم) ~~وكقوله - تعالى -: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء. . ~~. .) الآية. # PageV03P525 # وقوله - عز وجل -: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) # أي: بالعدل؛ كقوله - تعالى -: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) وكقوله - ~~تعالى -: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. . .) الآية. # (إن الله يحب المقسطين) # أي: العادلين في الحكم. # وقوله - عز وجل -: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ... (43) # يعجب نبيه - صلى الله عليه وسلم - شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي ~~صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، ~~وكذبوا ما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، يقول ms1306 - والله أعلم -: ~~إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟! وذلك تعجيب منه ~~إياه شدة السفه والتعنت. # وقوله - عز وجل -: (فيها حكم الله)، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه ~~وتشاجروا: رجما كان، أو قصاصا أو ما كان، والله أعلم. # وقوله: (ثم يتولون من بعد ذلك) # يحتمل وجهين: # يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت. # ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوارة. # وقوله: (وما أولئك بالمؤمنين) # أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: (ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض ~~قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة. # وقوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ... (44) # هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به ~~من العمى # وقوله: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) # اختلف فيه: # قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون ~~الربانيون والأحبار # PageV03P526 # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون # الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم. أخبر أن النبيين والأحبار الذين ~~أسلموا يحكمون بما في التوراة (للذين هادوا)، أي: على الذين هادوا؛ (للذين) ~~بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: (وإن أسأتم فلها)، أي: ~~فعليها. # وقيل: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا)، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، ~~وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك (للذين هادوا) إن ~~أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم. # وقوله: (بما استحفظوا من كتاب الله) # هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ. # (وكانوا عليه شهداء). # أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم. # ويحتمل: شهداء على حكم رسول ms1307 الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة. # وقوله - عز وجل -: (فلا تخشوا الناس) فيما تحكم عليهم، (واخشون) أمن ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم ~~وأذاهم. # ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: " الربانيون ": علماء ~~اليهود، " والأحبار ": علماء النصارى. وهما واحد سموا باسمين مختلفين. # وقيل: قوله: (فلا تخشوا الناس واخشون) إنما خاطب علماءهم، أي: لا أتخشوا ~~الناس، أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون. # (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) # لهم خرج الخطاب بهذا على التأويل الثاني. # (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) # هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقا فهو كافر. # ذكر في القصة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن ~~بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت ~~أحدا منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية؛ فنزل: (وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس # PageV03P527 # بالنفس. . . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) وقفينا على آثارهم ~~بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ~~ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ~~(47) # وقوله - عز وجل -: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين. . ~~.) إلى # آخره. # أخبر الله - عز وجل - أنه كان كتب على أهل التوراة: (النفس بالنفس)، وقد ~~كتب علينا -أيضا- قتل النفس بالنفس بقوله - تعالى -: (كتب عليكم القصاص في ~~القتلى)؛ كأنه قال: كتب عليكم القصاص في النفس بالنفس، كما كنت كتبت عليهم. # وأما القصاص فيما دون النفس: فإنه لم يبين في الآية التي أخبر - عز وجل - ~~أنه كتب علينا القصاص في النفس. # ثم يحتمل أن يكون قوله: (والعين ms1308 بالعين والأنف بالأنف. . .) إلى آخر ما ~~ذكر وجهين: # يحتمل: أن يكون إخبارا عما كان مكتوبا عليهم من القصاص فيما دون النفس: ~~كالنفس؛ ألا ترى أنه قد قرئ في بعض القراءات بالنصب؛ نسقا على الأول؟! # PageV03P528 # ويحتمل: على الابتداء على غير إخبار منه، ولكن على الإيجاب ابتداء؛ والذي ~~يدل على ذلك قوله: (فمن تصدق به فهو كفارة له) لا يحتمل أن يكون هذا في ~~الخبر؛ لأن ذلك ترغيب في العفو في الحادث من الوقت؛ دل أنه ليس على ~~الإخبار، ولكن على الابتداء؛ ألا ترى أكثر القراء قرءوا بالرفع غير قوله: ~~(النفس بالنفس)، فإنه بالنصب؟!. # ثم ذكر (والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن)، ولم يذكر اليد ~~والرجل، وذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: لما يحتمل أن يكون القصاص في اليد ظاهرا، فيستدل بوجوبه فيما هو ~~أخفى على وجوبه - فيما هو أظهر منه؛ لأن المنتفع بالبصر والأنف والسمع ليس ~~إلا صاحبه، وقد يجوز أن ينتفع غيره بيد آخر وبرجله. # والثاني: أن يكون وجوب القصاص في اليد في قوله: (والجروح قصاص). # ثم تخصيص الأسنان بوجوب القصاص دون غيرها من العظام؛ لأن الأسنان بادية ~~ظاهرة، يقع عليها البصر - يقدر على الاقتصاص فيها، وأما غيرها من العظام: ~~مما لا يقع عليها البصر، ولا يقدر على الاقتصاص فيها إلا بعد كسر آخر وقطع ~~لحم؛ لذلك خصت الأسنان بالاقتصاص دون سائر العظام، والله أعلم. # ثم فيه دليل وجوب القصاص في العضو الذي لا منفعة فيه سوى البهاء - بذهاب ~~البهاء؛ لأنه ذكر الأنف والأذن، وليس في الأنف والأذن إلا ذهاب البهاء؛ ~~فأوجب في ذهاب البهاء القصاص؛ كما أوجب في ذهاب المنفعة؛ وعلى هذا يخرج ~~قولنا: وجوب الدية في ذهاب البهاء على الكمال، كوجوبها في ذهاب المنفعة على ~~الكمال. # على أن أهل العلم مجمعون أن القصاص واجب بين الرجال الأحرار في " العين، ~~والأنف " والأذن، والسن "، " والجروح " التي ليس فيها كسر عظم؛ إذا جنى على ~~شيء من ذلك عمدا بحديدة. # وأما القصاص بين الرجال والنساء والعبيد والأحرار فيما دون النفس: فأهل ~~العلم اختلفوا فيه، ms1309 وكان أصحابنا - رحمهم الله - لا يرون القصاص بينهم في ~~ذلك، ويرون القصاص في الأنفس، فأهل العلم اختلفوا فيه، ويفرقون بينهما، ~~والفرق بينهما: # PageV03P529 # أن جماعة لو قتلوا رجلا قتلوا به، ولو قطع جماعة يد رجل لم تقطع أيديهم؛ ~~فالتفاضل في الأنفس غير معتبر به، ويعتبر به فيما دون النفس، وقد ذكرنا هذه ~~المسألة فيما تقدم ذكرا كافيا. # وقوله - عز وجل -: (فمن تصدق به فهو كفارة له) # اختلف فيه: # قال بعضهم: هو صاحب الدم كفارة لما كان ارتكب هو، وعلى ذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من تصدق بدم فما دونه كان له كفارة من ~~يوم ولد إلى يوم تصدق ". # وقال بعضهم: قوله: (فمن تصدق به فهو كفارة له)، يعني: كفارة للقاتل إذا ~~عفا الولي، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه -. # وعن مجاهد: هو كفارة للجارح، وأجر المتصدق على الله. # والأول كأنه أقرب وأشبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) # وهذا إذا ترك الحكم بما أنزل الله جحودا منه، فهو ما ذكر، كافر. # (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ... (46) # قوله تعالى: (وقفينا): أي: أتبعنا على آثارهم، وهو من القفا. # وقوله: (آثارهم) يحتمل وجهين: # يحتمل: على آثار الرسل. # ويحتمل: على آثار الذين أنزل فيهم التوراة. # PageV03P530 # وقوله - عز وجل -: (مصدقا لما بين يديه من التوراة) # أخبر أنه كان مصدفا ما بين يديه من التوراة؛ فهذا يدل أن الأنبياء - صلى ~~الله عليهم وسلم - كان يصدق بعضهم بعضا فيما أنزل عليهم من الكتب، تأخر أو ~~تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) # (هدى): من الضلالة لمن تمسك به، (ونور) لمن عمى ولمن استناره. # (مصدقا لما بين يديه من التوراة) # فهذا يدل أن الكتب كانت مصدقة بعضها بعضا على بعد أوقات النزول مما يدل: ~~أنه من عند واحد نزل، جل الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (وموعظة للمتقين) # يحتمل: موعظة للمؤمنين؛ لأن المؤمن هو الذي يتعظ به، وأما غير ms1310 المؤمن فلا ~~يتعظ به. # ويحتمل قوله: (وموعظة للمتقين): الذين اتقوا المعاصي كلها. # وفي قوله: (فمن تصدق به فهو كفارة له)، وكذلك قوله - تعالى -: (فمن عفي ~~له من أخيه شيء) - دلالة أن القصاص للعبد خاصة؛ حيث رغبه في العفو عنه ~~والترك له، ليس كالحدود التي هي لله تعالى؛ لأنه لم يذكر في الحدود العفو ~~ولا التصدق به، وذكر في القصاص والجراحات؛ دل أن ذلك للعبد: له تركه، وسائر ~~الحدود لله ليس لأحد إبطالها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47) # ذكر في موضع: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وفي موضع: ~~(الظالمون)، وفي موضع: (الفاسقون) فأمكن أن يكون كله واحدا: أن من لم يحكم ~~بما أنزل الله جحودا منه له، واستخفافا؛ فهو كافر، ظالم، فاسق. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من الكفر بترك الحكم بما أنزل الله؛ إذا ترك الحكم ~~به # PageV03P531 # جحودا منه وإنكارا، وما ذكر من الظلم والفسق ذلك في المسلمين؛ لأنه قال: ~~(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف. . .) إلى ~~آخر ما ذكر، ثم قال: (فمن تصدق به فهو كفارة له)، ثم قال: (ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون) تركوا الحكم بما أنزل الله؛ اتباعا لأهوائهم ~~لا جحودا، فقد ظلموا أنفسهم؛ لأن الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، ~~والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ كقوله - تعالى -: (ففسق عن أمر ربه)، أي: خرج. # ثم يجيء أن يكون هذا في حال الجهل به والعلم سواء؛ لأنه إذا لم يحكم بما ~~أنزل الله # فقد وضع الشيء في غير موضعه، وخرج عن أمر ربه، لكن هذا في القول يقبح أن ~~يقال: هو ظالم فاسق، وهو ما يفعل، إنما يفعل عن جهل به، يجوز أن يقال: فعله ~~فعل ظلم وفسق، وأما في القول: فهو قبيح؛ لما ذكرنا. # (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه): من الأحكام أي حكم كان، فهو ما ms1311 ~~ذكرنا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ~~لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم ~~في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون (48) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) # وقوله - عز وجل -: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق). # قوله: (بالحق) قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (مصدقا لما بين يديه) # قد ذكرناه، أيضا. # وقوله - عز وجل -: (ومهيمنا عليه). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: مؤتمنا عليه. # PageV03P532 # والكسائي قال: المهيمن: الشهيد، وقيل: الرقيب على الشيء، قال: هيمن فلان ~~على هذا الأمر؛ فهو مهيمن، إذا كان كالحافظ له والرقيب عليه. # وعن الحسن قال: (ومهيمنا عليه) مصدقا بهذه الكتب، وأمينا عليها. # والقتبي قال: أمينا عليه. # وأبو عوسجة قال: مسلطا عليه. وقيل: مفسرا يفسر التفسير. # وقال أبو بكر الكيسانى: قوله: (ومهيمنا) هي كلمة مأخوذة من كتبهم معربة، ~~غير مأخوذة من لسان العرب. # وفيه إثبات رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وتأويله: هو شاهد وحافظ على ~~غيره من الكتب، ومصدقا لها أنها من عند الله نزلت سوى ما غيروا فيها ~~وحرفوا؛ ليميز المغير منها والمحرف من غير المغير والمحرف. # قال ابن عباس - رضي الله عنه - (ومهيمنا عليه)، يعني: القرآن شاهد على ~~الكتب كلها. # وقوله - عز وجل -: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك ~~من # PageV03P533 # الحق). # يحتمل قوله: (فاحكم بينهم بما أنزل الله) من الرجم في الزاني الثيب، على ~~ما ذكر في بعض القصة: أنهم رفعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الزاني والزانية منهم، فطلبوا منه الجلد، وكان ms1312 في كتبهم الرجم. # (ولا تتبع أهواءهم) قولهم: (إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا). # أو أن يقال: احكم بينهم بما أنزل الله من القتل؛ لأنه ذكر في بعض القصة ~~أن بني قريظة كانوا يرون لأنفسهم فضيلة على بني النضير، وكانوا إذا قتلوا ~~منهم أحدا لم يعطوهم القود ولكن يعطوهم الدية، وإذا قتلوا هم أحدا منهم لم ~~يرضوا إلا بالقود؛ فأنزل الله - تعالى -: (فاحكم بينهم بما أنزل الله) ووهو ~~القتل، (ولا تتبع أهواءهم) في تركهم القود، وإعطائهم الدية، والله أعلم ~~بالقصة أن كيف كانت، وليس بنا إلى معرفة القصة ومائيتها حاجة، بعد أن نعرف ~~ما أودع فيه وأدرج من المعاني. # وقوله - عز وجل -: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. . .) الآية. # فإن قيل: كيف نهاه عن اتباع أهوائهم، وقد أخبر - عز وجل -: أنه جعل لكل ~~شرعة ومنهاجا، وقد يجوز أن يكون ما هو هواهم شريعة لهم؟!: # قيل: يحتمل النهي عن اتباع هواهم؛ لما يجوز أن يهووا الحكم بشريعة قد نسخ ~~الحكم بها لما اعتادوا العمل بها؛ فالعمل بالمعتاد من الحكم أيسر فهووا ~~ذلك. أو كان ما نسخ أخف؛ فيهوون ذلك؛ فنهاه عن اتباع هواهم؛ لأنه العمل ~~بالمنسوخ والعمل بالمنسوخ حرام. # أو أن هووا في بعض على غير ما شرع، وفي بعض: ما شرع، فإنما نهي عن اتباع ~~هواهم بما لم يشرع، والله أعلم. # PageV03P534 # وقوله - تعالى -: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، وليس في نسخ شريعة ~~بشريعة خروج عن الحكمة عند من عرف النسخ؛ لأن النسخ بيان منتهى الحكم إلى ~~وقت ليس على ما فهمت اليهود من البداء والرجوع عما كان، وقد ذكرنا الوجه في ~~ذلك فيما تقدم ما فيه مقنع بحمد الله تعالى ومنه. # وقوله - عز وجل -: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " الشرعة: هي السبيل، وهي الشريعة، ~~وجمعها: شرائع، وبها سميت شرائع الإسلام، وكل شيء شرعت فيه فهو شريعة. # وقال: " المنهاج: السنة، والشرعة: هي السبيل ". # وقيل: الشرعة: السنة، والمنهاج: السبيل، يعني: الطريق الواضح الذي يتضح ~~لكل سالك ms1313 فيه إلا المعاند والمكابر؛ فإنه يترك السلوك فيه مكابرة، يخبر - ~~عز وجل، والله أعلم - أنه لم يترك الناس حيارى لم يبين لهم الطريق الواضح ~~يسلكون فيه؛ بل بين لهم ما يتضح لهم إن لم يعاندوا؛ ليقطع عليهم العذر ~~والحجاج، وإن لم يكن لهم حجاج، وبالله التوفيق. # وقوله: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة). # اختلف فيه، قيل: لو شاء الله، لجعلكم جميعا على شريعة واحدة، لا تنسخ ~~بشريعة أخرى، لكن نسخ شريعة بشريعة أخرى؛ لفضل امتحان، ولله أن يمتحن عباده ~~بمحن مختلفة، كيف شاء بما شاء. # وقيل: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة)، أي: على دين واحد، وهو دين ~~الإسلام، لم يجعل كافرا ولا مشركا، ولكن امتحنكم بأديان مختلفة على ما ~~تختارون وتؤثرون، ثم اختلف في المشيئة: # قالت المعتزلة: هي مشيئة الجبر والقسر. # PageV03P535 # وقال أصحابنا: المشيئة مشيئة الاختيار، وقد ذكرناها في غير موضع. # وقوله: (فاستبقوا الخيرات). # قيل: سابقوا يا أمة محمد الأمم كلها بالخيرات. # ويحتمل قوله: (فاستبقوا الخيرات). # أي: سابقوا إلى ما به تستوجبون المغفرة؛ كقوله: (سابقوا إلى مغفرة من ~~ربكم). # وأصل قوله: (فاستبقوا الخيرات)، أي: اعملوا الخيرات؛ كقوله: (واعملوا ~~صالحا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ... ~~(49) # نهى رسوله - عليه السلام - أن يتبع أهواءهم - على العلم: أنه لا يتبع ~~أهواءهم - والوجه فيه ما ذكرنا: أن العصمة لا تمنع النهي؛ بل تؤيد، وقد ~~ذكرنا فيما تقدم. # ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ ~~على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم ~~وأعظم قدرا، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا. وقوله: (ولا تتبع أهواءهم) فيما ~~غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل. # ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية ~~مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك). # قوله: (أن يفتنوك)، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ms1314 ما أنزل الله إليك، والفتنة ~~هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم). # قوله: (فإن تولوا): فإن أعرضوا، عن الحكم الذي تحكم بما أنزل الله؛ (فإن ~~تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم)، اختلف فيه: # قال بعضهم: إنما يعذبهم الله ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم. # وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذابا بكل الذنوب؛ ~~لأنه لا # PageV03P536 # يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ ~~فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفحكم الجاهلية يبغون ... (50) # قال بعضهم: هذا صلة قوله: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا)؛ فقال الله - عز وجل -: (أفحكم الجاهلية يبغون). # وقال آخرون: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: فحكمهم في الجاهلية ~~يبغون عندك يا محمد في القرآن. يعني: بني النضير. # وقوله - عز وجل -: (ومن أحسن من الله حكما). # أي: لا أحد أحسن من الله حكما، على إقرارهم أن الله إذا حكم لا يحكم إلا ~~بالعدل. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض). # يحتمل قوله - تعالى -: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وجوها: # يحتمل: لا تتخذوا أولياء في الدين، أي: لا تدينوا بدينهم؛ فإنكم إذا دنتم ~~بدينهم صرتم أولياءهم. # ويحتمل: لا تتخذوهم أولياء في النصر والمعونة؛ لأنهم إذا اتخذوهم أولياء ~~في النصر والمعونة ms1315 صاروا أمثالهم؛ لأنهم إذا نصروا الكفار على المسلمين ~~وأعانوهم فقد كفروا، وهو كقوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم. . .) الآية، نهاهم أن يتخذوا أولئك موضع سرهم وخفياتهم؛ ~~فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # PageV03P537 # والثالث: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) في المكسب والدنيا؛ فإنهم ~~إذا فعلوا ذلك لابد من أن يميلوا إليهم، ويصدروا عن رأيهم في شيء؛ فذلك مما ~~يفسقهم، ويجرح شهادتهم، فهذا النهي يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، ~~والله أعلم. # وفي الآية دلالة أن الكفر كله ملة واحدة، وإن اختلفت مذاهبهم ونحلهم؛ ~~فالواجب أن يرث بعضهم بعضا؛ كقوله - تعالى -: (بعضهم أولياء بعض) كما أن ~~أهل الإسلام يرث بعضهم بعضا، وإن اختلفت مذاهبهم؛ ألا ترى أنه قال: ~~(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) الآية؟! وليس ذلك بداخل في قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يتوارث أهل ملتين "؛ لما عليه ~~الآية: أنهم كلهم ملة واحدة، ولكن أحدا منهم لا يرث المسلم ولا يرثهم ~~المسلم؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يتوارث أهل ملتين "؛ ~~فالإسلام ملة: ملة حق، والكفر ملة: ملة باطل، ولا نرثهم ولا يرثوننا، وما ~~روي: " لا نرث أهل الكتاب، ولا يرثوننا إلا أن يرث الرجل عبده أو أمته، ~~ويحل لنا نساؤهم ولا يحل لهم نساؤنا " فما يرث عبده أو أمته، ليس بميراث؛ ~~إنما هو ملك كان يملكه قبل موته؛ فعلى ذلك بعد موته، وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -:، " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ". # وقوله - عز وجل -: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم). # يحتمل قوله: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) الوجوه التي ذكرنا: الولاية في ~~الدين، والولاية في النصر والمعونة؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك صاروا منهم في حكم ~~الدنيا والآخرة، أو الولاية في المكسب والدنيا؛ فيصيرون منهم في حكم ~~الدنيا، والله أعلم. # فإن قيل: أليس يرث المسلم المرتد، وقد قال: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم): ~~أخبر أن # PageV03P538 # من تولاهم من المسلمين صار منهم، ونحن لا نرث اليهود والنصارى، كيف ورث ~~من ms1316 صار منهم من المسلمين؟! # قيل: معنى قوله: (فإنه منهم) في الدين والكفر، لا في الحكم والحقوق؛ لأن ~~المرتد إلى النصرانية ليس بمتروك على دينه، فلم يكن من أهل تلك الملة؛ ~~وإنما الملة ما يقر عليها أهلها؛ ألا ترى أن المرتد لا يرث النصراني إن ~~كانوا أقرباء، فلو كانت النصرانية له ملة ورثه أهلها؛ لأنا نعلم أن النصارى ~~يرث بعضهم بعضا؛ فلما لم يرثوه دل ذلك على أنه ليس من ملتهم، وأن حكمه في ~~الميراث حكم الملة التي يجبر على الرجوع إليها، وعلى ذلك جاءت الآثار عن ~~الصحابة: روي عن علي - رضي الله عنه - أنه أتى برجل ارتد عن الإسلام، فعرض ~~عليه الإسلام، فأبى؛ فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كذلك. # وروي عن زيد بن ثابت مثله. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). # قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فترى الذين في قلوبهم مرض ... (52) # وهم المنافقون؛ كقوله - تعالى -: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض)، إلى ~~قوله: (ولتعرفنهم في لحن القول)، وهو وصف المنافقين. # (يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة): كانوا يظهرون الموافقة ~~للمسلمين؛ خوفا منهم، وفي السر مع الكفرة؛ لأنهم كانوا أهل ريب وشك، ولا ~~دين لهم، يميلون إلى من رأوا السعة معهم والأمن، وكانوا على شك من أمر محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - وريب، (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة): لعل محمدا لا ~~ينصر ولا يتم أمره؛ فأسروا في أنفسهم الموافقة للكفر والغش للإسلام وأهله، ~~ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ لما كانوا يسمعون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعد النصر والظفر للمؤمنين، لكن ذلك لا يتحقق عندهم، وكانوا كما قال ~~الله - عز وجل -: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. . .) ~~الآية، وكانوا ينتظرون النصر والظفر؛ فيميلون إلى حيث كان النصر والظفر؛ ~~فيقولون للمؤمنين إن كان # PageV03P539 # الظفر لهم؛ (ألم نكن معكم)، وإن كان للكافرين فيقولون: (ألم نستحوذ عليكم ~~ونمنعكم من المؤمنين). # وقوله - عز وجل -: (فعسى الله أن يأتي ms1317 بالفتح). # أي: بالنصر: نصر محمد - صلى الله عليه وسلم - والظفر له على أعدائه، وفتح ~~البلدان والأمصار له، وإظهار دينه: دين الإسلام؛ على ما روي أنه قال: " ~~نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، وعلى ما فتح له البلدان كلها. # وقوله - عز وجل -: (أو أمر من عنده). # قيل: عذاب أولئك الكفرة وهلاكهم في الدنيا. # (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم). # عند العذاب والهلاك، أو يندمون في الآخرة؛ لما أصابهم من العذاب. # (ما أسروا في أنفسهم): في الدنيا من المودة لهم، والعداوة للمؤمنين، ~~والله أعلم. # وفي قوله: (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) دلالة إثبات رسالة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يحتمل أن يقولوا: (نخشى أن تصيبنا دائرة) من حيث ~~يسمع أهل الإسلام ذلك منهم؛ دل ذلك لهم أنه إنما عرف ذلك بالله؛ وكذلك بما ~~أخبر من الوعد بالنصر له والظفر، ثم كان على ما أخبره ووعد؛ دل أنه خبر عن ~~الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) # بعضهم لبعض لما ظهر نفاق أهل النفاق قتلوا وافتضحوا؛ كقوله - تعالى -: ~~(ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا)، قال المؤمنون عند ذلك: (أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم). وقد كانوا يظهرون الموافقة ~~للمؤمنين، ويحلفون بالله # PageV03P540 # على ذلك، ويضمرون الخلاف لهم والعداوة، والمودة للكفرة؛ كقوله - تعالى -: ~~(يحلفون بالله ما قالوا)، (يحلفون لكم لترضوا عنهم)، ونحو ذلك، فذلك معنى ~~قوله: (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم)، والله أعلم. # وقوله: (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين). # أي: حبطت أعمالهم التي عملوها قبل إسرار ما أسروا في أنفسهم إذ أسروا ~~ذلك، (فأصبحوا)، أي: صاروا خاسرين بعد الافتضاح؛ حيث ذهبت منافعهم التي ~~كانت لهم قبل الافتضاح وظهور نفاقهم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (حبطت أعمالهم): التي عملوا ظاهرا؛ مراءاة للناس. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة ms1318 لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ~~(54) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين (57) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (58) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه. . .) ~~الآية # قوله - تعالى -: (من يرتد منكم عن دينه): إن قوله: (من يرتد منكم) - وإن ~~كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: (فسوف ~~يأتي الله بقوم)؟! دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد ~~- والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبي الإسلام، ~~والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب ~~أبو بكر الحرب مع أهل الردة. # وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأن العرب لما ~~ارتدت عن الإسلام، بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاربهم؛ فكان هو ~~ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله. # وعن الحسن - رضي الله عنه -: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال: ~~هو - والله - # PageV03P541 # أبو بكر وأصحابه، رضي الله عنهم أجمعين. # وقوله - تعالى -: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا): يدل على إمامة أبي ~~بكر - رضي الله عنه - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة. # فإن قيل: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي دعاهم - قيل ~~له: قال الله - تعالى -: (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) ~~فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله - تعالى -: إنهم لن يخرجوا معه ~~أبدا. # فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه - هو الذي دعاهم - قيل له: ~~فإن كان، ms1319 فإمامة عمر - رضي الله عنه - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته ~~صحت إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه المختار له والمستخلف. # فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي - رضي الله عنه - هو الذي دعاهم إلى محاربة ~~من حارب - قيل له: قال الله - تعالى -: (تقاتلونهم أو يسلمون)، وهذه صفة من ~~يحارب من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي - رضي الله عنه - ~~إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير ~~أبي بكر - رضي الله عنه - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته. # وقوله - عز وجل -: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) # (فسوف) كقوله: (عسى)، والعسى من الله واجب. أخبر - عز وجل - أنه يأتي ~~بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة أعداء الله، وتركهم في الله لومة ~~لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا ~~لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: (يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم)، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، ~~وتركهم لومة لائم. # وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - لأنه - عز وجل - أثنى ~~عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصبا ذلك على علي - ~~رضي الله عنه - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه ~~كان آخذا ما ليس له أخذه # PageV03P542 # ومضيعا حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء من ~~الله تعالى؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: " من كنت مولاه فعلي ~~مولاه " وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي - رضي الله عنه - ~~الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر ~~- رضي الله عنه - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعا حق الله ~~عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر - رضي ~~الله عنه - والله أعلم. # وقوله - عز ms1320 وجل -: (أذلة على المؤمنين). # أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين. # (أعزة على الكافرين) # أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: (أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم) الآية، بذلك وصفهم عز وجل. # وقوله: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) اختلف فيه: # قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله (فضل الله يؤتيه ~~من يشاء)، وقيل: ذلك الإسلام (فضل الله يؤتيه من يشاء). # (والله واسع عليم) # قد ذكرنا هذا في غير موضع. # * * * # قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) # وقوله - عز وجل -: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا. . .) الآية. # قال بعض أهل التأويل: قوله - تعالى -: (إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا) هو صلة قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض) وكذلك قوله - تعالى -: (لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء): هو صلة ~~ما تقدم ذكره: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا # PageV03P543 # الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن ~~الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون -أيضا- بعضهم أولياء بعض كما في ~~قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، فإذا كان الله - عز وجل - ~~ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء. # وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا ~~يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثا دون هذا المسجد؛ فنزلت ~~الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء. # ثم اختلف في نزوله: # قال بعضهم: نزلت في شأن علي - رضي الله عنه - تصدق بخاتمه وهو في الركوع. # ويقولون: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: " هل أعطاك أحد شيئا "، قال: نعم يا رسول ~~الله، قال النبي - صلى ms1321 الله عليه وسلم -: " ماذا؟ " قال: خاتم فضة؛ قال: " ~~من أعطاك؟ " قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " على أي حال أعطاكه؟ قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ودعا له وأثنى عليه. فاحتج الروافض بهذه الآية على ~~تفضيل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون ~~غيره. # ويقولون: نزلت في شأنه - رضي الله عنه - لما روي عن أبي جعفر - رضي الله ~~عنه - قال: " تصدق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بخاتمه وهو راكع؛ ~~فنزل: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) # فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له ~~في زمن # PageV03P544 # أبي بكر - رضي الله عنه - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على ~~إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماما، ونحن لا نجعل لعلي - كرم ~~الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي ~~عنه أنه قال: " إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - " أو كلام نحو هذا. # وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لو وليتم أبا بكر ~~لوجدتموه قويا في دينه، ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر لوجدتموه قويا في ~~دينه وبدنه، وإن وليتم عليا لوجدتموه هاديا مهديا مرشدا " فنقول: نحن على ~~ما كان من على وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور ~~إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من على - كرم الله وجهه - ~~في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في ~~الوقت الذي كان له. # فقالوا: لأن عليا - رضي الله عنه - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت ~~المنازعة منه والطلب كان له أنصار. # قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ~~ألا ترى أن أبا ms1322 بكر - رضي الله عنه - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل ~~الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حينئذ تبعوه؟! فأبو بكر لم يترك طلب الحق ~~لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي - رضي الله عنه - مع شدته وقوته وفضل ~~علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحدا من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف ~~توهمتم فيه ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟! هذا لعمري لا ~~يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلا أن يتوهم في ~~علي - رضي الله عنه - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، ~~والله أعلم. # واحتجوا بما روي عن رسول، الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي: " ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أن لا نبي بعدي "، وهارون كان خليفة ~~موسى؛ فلم أنكرتم -أيضا- أن # PageV03P545 # عليا - رضي الله عنه - كان خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! ~~قيل: لهذا جوابان: # أحدهما: أن قوله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " يحتمل أن يكون في ~~الأخوة التي كان آخاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في إثبات ~~الأخوة إثبات الخلافة له. # والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل ~~الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: " من كنت مولاه فعلي ~~مولاه "، والله أعلم. # ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر - رضي الله عنه - صحيحا؛ ففي ~~الآية معنيان: # أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مستكملا خصال ~~الخير. # والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيه، وأنه ~~أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ~~ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة. # وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي - رضي الله ~~عنه ms1323 - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعا؛ فسماها الله زكاة وإن ~~كانت تطوعا؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله)، فسماها الله زكاة، وإن كانت تطوعا؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: ~~صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياما؛ فعلى ذلك هذا. # وظاهر الآية في جملة المؤمنين، وليس علي - رضي الله عنه - أولى بها من ~~غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون (56) # ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - كان أقرب؛ لأنه كان ~~هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي - رضي الله ~~عنه - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين (57) # PageV03P546 # يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوها: # يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا. # ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب. # ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ~~ذكرنا هذا فيما تقدم. # والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، ~~أي: ناصري وعوني. # وقوله: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ... (58) # يخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي إلى ~~الصلاة؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: " أشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله "، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم ~~أهل دين من هذه الأديان أقل حظا في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - فدخل خادمهم ليلة من ~~الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم قوم لا ms1324 يعقلون) # نفى عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك ~~يخرج قوله (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)، لما لم ~~ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: (صم بكم عمي. . .) الآية: إنا ~~نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر ~~والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم لنبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا ~~كمن ليس لهم ذلك رأسا. # * * * # قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # قيل: (هل تنقمون منا): هل تطعنون علينا، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقيل: وهل تعيبون علينا. # PageV03P547 # وقال أبو عوسجة: (هل تنقمون منا)، أي: تنكرون منا. # وهو يرجع إلى واحد. # والنقم: هو العيب والطعن، والانتقام: هو الانتصار، ومعناه: (هل تنقمون ~~منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل)، أي: كيف تطعنون ~~علينا وتعيبون، وأنتم ممن قد دعوتم إلى الإيمان بالله، والإيمان بما أنزل ~~في الكتب، وأنتم ممن قد أوتيتم الكتاب، وفي كتابكم الإيمان بالله، والإيمان ~~بالكتب كلها؛ فكيف تنكرون الإيمان بذلك كله، وتعيبون علينا، ولا تعيبون على ~~أنفسكم بفسقكم وخروجكم عن أمر الله تعالى، وعما أمركم كتابكم ودعاكم إليه، ~~ونهاكم عما أنتم فيه؟! # (وما أنزل من قبل) وهو القرآن، وهو يصدق ما قبله من الكتب، (وما أنزل من ~~قبل) من الكتب المتقدمة من التوراة والزبور والإنجيل، وهي تصدق القرآن، ~~بعضها يصدق بعضا، فكيف تنكرون الإيمان به؟! # * * * # قوله تعالى: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل (60) # ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: (هل تنقمون منا إلا أن آمنا ms1325 بالله. ~~. .) على أثر قوله: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا. . . .) ~~الآية؛ وذلك أنهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين ويضحكون منهم، ويطعنون في دينهم ~~ويعيبون عليهم؛ فقال على أثر ذلك: (قل) يا محمد: (هل أنبئكم بشر من ذلك)، ~~أي: مما المؤمنون عليه (مثوبة عند الله) قالوا: من؛ قال الله: (من لعنه ~~الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير. . .) الآية؛ فمن كان هذا وصفه ~~فهو شر مما عليه المؤمنون، وقد كان فيهم جميع ذلك مما غضب الله عليهم ~~ولعنهم، أي: حول جوهرهم إلى أقبح جواهر في الطبع وأوخسها - وهي القردة ~~والخنازير - بسوء صنيعهم. # أو يكون ذلك على أثر قول ما قالوا: ما ذكر في بعض القصة: " والله ما نعلم ~~من أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة، من هؤلاء "، يعنون: المؤمنين؛ لأنهم ~~كانوا يدعون أن الدنيا والآخرة لهم، وليس لهؤلاء لا دنيا ولا آخرة؛ فقال ~~الله - سبحانه وتعالى -: (قل) يا محمد: (هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله)، أي: ثوابا عند الله، فقالوا: من هم؟ قال: (من لعنه الله وغضب عليه) # والملعون هو المطرود عن الخيرات، وجعل من حول جوهره إلى جوهر القرد # PageV03P548 # والخنزير، وهو أقبح جوهر في الطبع والعقل وأوسخه، ومن (وعبد الطاغوت) ~~يعني: الشيطان (أولئك شر مكانا) في الدنيا؛ لما حول جوهرهم إلى أقبح جوهر ~~في الأرض - من الذين لم يحول جوهرهم إلى ذلك؛ إذ لم يروا أحدا من المؤمنين ~~حول جوهره إلى جوهر من ذكر، وقد رأوا كثيرا من أوائلهم قد حولوا من جوهرهم ~~إلى هذه الجواهر المسئقبحة في الطبع المؤذية. أو يكون على الإضمار على أثر ~~أمر كان ونحن لم نعلم به؛ فنزل عند ذلك. # وعن الحسن قال: قوله - تعالى -: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك): الذين لعنهم ~~الله، والذين غضب عليهم، والذين عبدوا الطاغوت، والذين جعل منهم القردة ~~والخنازير: منهم من جعله قردة، ومنهم من أبقى على جوهره الذي كان، (أولئك ~~شر مكانا) في الدنيا والآخرة. # (وأضل عن سواء السبيل) # أي: أخطأ طريقا ودينا، والله أعلم بالقصة. ms1326 # * * * # قوله تعالى: (وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) # قيل: إن الآية في اليهود. # وقيل: إنها في المنافقين. # وهي في المنافقين أشبه؛ ذكر أنهم كانوا يدخلون على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويظهرون الموافقة له، ويخبرونه أنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم، ~~ويضمرون الخلاف له في السر وهزءوا به؛ فقال عند ذلك: (وقد دخلوا بالكفر وهم ~~قد خرجوا به): أخبر - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم -: أنهم دخلوا ~~بالكفر؛ لأنهم يقولون ذلك استهزاء، وعلى ذلك خرجوا؛ ففيه دلالة إثبات رسالة ~~سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبرعما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما ~~علم ذلك بالذي يعلم الغيب، مع علمهم أنه لا يعلمه إلا الله، والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون ويضمرون من الكفر والهزء. # PageV03P549 # قوله تعالى: (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يعملون (62) # يحتمل أن يكون قوله: (وترى كثيرا منهم): من ملوكهم وعوامهم. # (يسارعون في الإثم والعدوان)، أي: في قول الكفر والعدوان، والعدوان: هو ~~المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون -أيضا- في أكل السحت. # والسحت، قيل: هو كل محرم، وقيل: هو الرشوة في الحكم. # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: الرشوة: هي الكفر، وأما السحت: هو أن ~~يرفع حاجة أخيه إلى السلطان فيأكل عنده، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # ثم قال على أثر ذلك: قوله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن ~~قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون (63) # عاتب الله - عز وجل - الربانيين والأحبار عن تركهم نهي أولئك عن صنيعهم، ~~وأشركهم في الإثم شرغا سواء؛ ليعلموا أن العامل بالإثم والمعصية والراضي به ~~والتارك النهي عن ذلك - سواء، وفيه دلالة أن تارك النهي عن المنكر يلحقه من ~~الإثم ما يلحق الفاعل به. # والربانيون والأحبار قد ذكرنا فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ms1327 ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ~~ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ~~(66) # وقوله - عز وجل -: (وقالت اليهود يد الله مغلولة. . .) الآية. # قال الحسن: قول اليهود: " يد الله مغلولة "، أي: محبوسة ممنوعة عن # PageV03P550 # تعذيبنا؛ لقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه). # وقوله - عز وجل -: (غلت أيديهم). # في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم. # وقوله - عز وجل -: (بل يداه مبسوطتان) # بالمغفرة والتعذيب؛ يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " قولهم: " يد الله مغلولة ": لا يعنون ~~بذلك أن يده موئقة مغلولة حقيقة اليد والغل؛ ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا: ~~أمسك ما عنده؛ بخلا منه، تعالى الله عن ذلك. # وقال آخرون: إن الله - تبارك وتعالى - قد كان بسط على اليهود الرزق؛ ~~فكانت من أخصب الناس وأكثرهم خيرا، فلما عصوا الله في محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكفروا به، وبدلوا نعمة الله كفرا بالنعمة - كف الله - تعالى - ~~عنهم بعض الذي كان بسط عليهم من السعة في الرزق؛ فعند ذلك قالوا: (يد الله ~~مغلولة)، لم يقولوا: يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا يبسط ~~كما كان يبسط؛ وهو كقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط): نهى عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة غل اليد إلى عنقه؛ ~~فعلى ذلك قولهم: (يد الله مغلولة): كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، ~~وبالله العصمة. # وتأويل قوله: (غلت أيديهم) على هذا التأويل، أي: أيديهم هي الممسكة عن ~~الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح. # (بل يداه مبسوطتان)، أي: نعمه مبسوطة: يوسع على من يشاء، ويقتر على من ~~يشاء. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: بل يداه يبسطان. # قال الفراء: يقال: وجه مبسوط، ووجه بسط. # ثم ms1328 لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق؛ لما وجد ~~إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له اليد، من ذلك قوله - تعالى -: (لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه): لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم ~~من الخلق؛ فعلى # PageV03P551 # ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى الله - تعالى - كما يفهم من ~~الخلق؛ ألا ترى أنه قال: (ذلك بما قدمت يداك)، (فبما كسبت أيديكم)، لم يفهم ~~منه اليد نفسها؛ وكذلك قوله: (ذلك بما قدمت أيديكم)، لكن أضيف ذلك إلى ~~اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله)، ومعلوم أنه لم يفهم من اليد: اليد نفسها، ولكن أضيف ~~ذلك إليها؛ لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولعنوا بما قالوا) # قيل: عذبوا بما قالوا: (يد الله مغلولة)، واللعن - في اللغة -: هو الطرد؛ ~~كأنه قال: طردوا عن رحمة الله وأيسوا عنها حتى لا ينالوها أبدا بقولهم الذي ~~قالوا. # وقيل: فيه إخبار: أنهم يموتون على ذلك، ولا يؤمنون، فماتوا على ذلك؛ فذلك ~~دليل رسالته، عليه الصلاة والسلام، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك). # قيل فيه بوجهين: # قيل: يريد ما أنزل الله إليك من القرآن، (كثيرا منهم)، يعني: اليهود ~~(طغيانا وكفرا). # وقيل: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك): من البيان عما كتموا من ~~نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك ~~مما زادهم طغيانا وكفرا. # قيل: (طغيانا)، أي: تماديا بالمعصية، (وكفرا): بالقرآن. # وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحد الذي حد. # فإن قيل: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد ~~طغيانا ولا كفرا؟: # قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة: # منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها. # PageV03P552 # ومنها: ما يضاف للأحوال. # ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما ~~كان فيهم ms1329 من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو ~~كقوله - تعالى -: (إنهن أضللن كثيرا من الناس): إنهن لا يضللن أحدا في ~~الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عز وجل -: (وغرتهم ~~الحياة الدنيا)، والحياة الدنيا لا تغر أحدا؛ ولكن لما لو كانت لها حواس ~~لكان ما أبدت من الزينة لغرت. # وقوله: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) # اختلف فيه: # قال بعضهم: (وألقينا بينهم): بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي ~~نصرانيا، ولا النصرانى يهوديا. # وقال آخرون: (بينهم)، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة ~~وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن الله، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه. ~~هم على أهواء مختلفة؛ فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع ~~بينهم. # ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو: إما أن يكون ~~له في نفس العداوة فعل، أو أن يكون في سبب العداوة، ولا يجوز أن يكون له في ~~فعل العداوة صنع؛ لأنه فعلهم، ولا في سبب العداوة -أيضا- لأن سببه ~~الاختلاف، والاختلاف فعلهم -أيضا- فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين ~~صنع؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة ~~منهم، وبالله التوفيق والعصمة. # فإن قيل: ذكر هاهنا أنه تعالى ألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر في آية ~~أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله - تعالى -: (لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء) كيف يجمع بينهما؟!: # قيل: (بعضهم أولياء بعض) في أصل الدين وهو الكفر، وبينهم عداوة؛ لاختلاف ~~الأهواء والمذاهب، والله أعلم. # وفي الآية دلالة الامتنان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أخبر ~~أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء، # PageV03P553 # ولو كانوا على مذهب واحد، ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة - لكان ذلك عليه ~~أشد، وفي المقام بينهم أصعب، لكن من عليه بالاختلاف فيما بينهم؛ لما جعل ~~الاختلاف والتنازع سبب الفشل؛ كقوله - تعالى -: (ولا تنازعوا فتفشلوا. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله). # يحتمل وجهين: ms1330 # يحتمل: كلما أرادوا مكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجمعوا أمرهم ~~على قتله، أطلع الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - على ذلك؛ حتى لم يقدروا ~~على مكره. # والثاني: كلما انتصبوا للحرب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~واجتمعوا عليه، فرق الله شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويسعون في الأرض فسادا) # يحتمل وجهين -أيضا-: # يحتمل: السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون ~~في نصب الحرب مع المؤمنين، والاتصال بغيرهم من الكفرة، والاستعانة بهم؛ ~~فذلك هو السعي في الأرض بالفساد. # والثاني: ما كتموا من نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفته وحرفوا ~~ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه؛ ~~وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (والله لا يحب المفسدين) # لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى به. # وقوله - عز وجل -: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم (65) # عامل الله - عز وجل - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، ~~وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوخش؛ لو آمنوا ~~واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف): وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان ~~منه، ويندم على ذلك، # PageV03P554 # ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيرا؛ فهو كقوله - ~~تعالى -: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات ~~التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيرا لا شرا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ~~ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما ~~يعملون (66) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أنزل إليهم من ~~القرآن - لأكلوا ms1331 من كذا مما ذكر. # ويحتمل: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل): على ما أنزل، ورجعوا عما ~~حرفوا فيها وغيروه وكتموه من نعت نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته، ~~وما فيها من الأحكام - لكان لهم ما ذكر، والله أعلم. # وذلك أنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا وهو - والله أعلم - قوله: (إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) فأخبر الله - عز وجل - أنهم لو آمنوا ~~واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش. # وقوله - عز وجل -: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم). # ليس على حقيقة الأكل؛ ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر؛ كما يقال: ~~فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة: ليس على حقيقة ما وصف؛ ولكن على ~~المبالغة في الوصف بالسعة. # ويحتمل: أن يكون على حقيقة الأكل: أما ما يخرج من تحت الأرجل: فهو ما ~~يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، ومن فوقهم: من الثمار والفواكه يخرج من ~~الأشجار. # ويحتمل: ما ذكر (من فوقهم): وهو الجبال، و (ومن تحت أرجلهم): الأرض، ~~إخبار أن يكون لهم نزل الجبل والسهل جميعا. # وقيل: (لأكلوا من فوقهم)، أي: أرسل الله عليهم مدرارا، (ومن تحت أرجلهم): ~~تخرج الأرض بركتها، وتنبت لهم الثمرة. # PageV03P555 # وقال قتادة: لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (منهم أمة مقتصدة). # قيل فيه بوجهين: # قيل: (أمة مقتصدة) من أسلم منهم. # وقيل: منهم أمة مقتصدة على كتاب الله لم يحرفوه، ولا غيروه، ولا كتموا ~~شيئا، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل ~~يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ~~ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على ~~القوم الكافرين (68) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا ms1332 خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) لقد ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ~~ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل ~~فما بلغت رسالته) # هذا - والله أعلم - وذلك أن أهل الكفر كانوا على طبقات ثلاث: # منهم من يقول: (لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه)، وقولهم: (لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه). # ومنهم من كان يخوفه ويمكر به، ليقتلوه؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك. . .) الآية. # ومنهم من كان يعرض عليه النساء والأموال؛ ليترك ذلك، وألا يدعوهم إلى ~~دينه الذي # PageV03P556 # هو عليه. كانوا على الوجوه التي ذكرنا؛ فأمر الله - عز وجل - أن يقوم على ~~تبليغ رسالته، وألا يمنعه ما يخشى من مكرهم وكيدهم على قتله؛ لأن المرء قد ~~بمتنع عن القيام بما عليه إذا خشي هلاكه أو لطلب مودة وصلة. أو يمتنع عن ~~القيام بما عليه إذا كذب في القول، ولحقه أذى لذلك؛ فأمر الله - عز وجل - ~~نبيه بتبليغ ما أنزل إليه، وإن خشي على نفسه الهلاك أو التكذيب في القول، ~~والأذى وترك طلب الموالاة، أي: لا يمنعك شيء من ذلك عن تبليغ ما أنزل إليك. # أو أن يكون الأمر بتبليغ الرسالة في حادث الوقت: أن بلغ ما أنزل إليك في ~~حادث الوقت؛ كما بلغت في الماضي من الوقت. # أو أن يكون الأمر بتبليغ ما أنزل إليه أمرا بتبليغ البيان، أي: بلغ ما ~~أنزل إليك من البيان كما بلغت تنزيلا؛ وهو كقوله - تعالى -: (وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) أخبر - عز وجل - أنه إنما أرسل الرسل على ~~لسان قومهم؛ ليبينوا لهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). # أي: وإن لم تبلغ ما أنزل إليك؛ لما تخشى ms1333 من الهلاك والمكر بك - كان كأن ~~لم تبلغ الرسالة رأسا. لم يعذر نبيه - صلى الله عليه وسلم - في ترك تبليغ ~~الرسالة إليهم، وإن خاف على نفسه الهلاك، ليس كمن أكره على الكفر أبيح له ~~أن يتكلم بكلام الكفر، بعد أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان إذا خاف الهلاك ~~على نفسه. # ولم يبح له ترك تبليغ الرسالة وإن خشي على نفسه الهلاك؛ ذلك - والله أعلم ~~- أن تبليغ الرسالة تعلق باللسان دون القلب، والإيمان تعلقه بالقلب دون ~~اللسان؛ فإذا أكره على الكفر أبيح له التكلم به بعد أن يكون القلب على حاله ~~مطمئنا بالإيمان. وأما الرسالة: فلا سبيل له أن يبلغها إلا باللسان؛ لذلك ~~لم يبح له تركها وإن خاف الهلاك؛ وهذا يدل لقولنا في المكره بالطلاق ~~والعتاق أنه إذا تكلم به عمل؛ لتعلقهما باللسان دون القلب؛ فالإكراه لا ~~يمنع نفاذ ما تعلق باللسان دون القلب كالرسالة التي ذكرنا، والله أعلم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (وإن لم تفعل)، أي: لم تبلغ الرسالة في حادث ~~الوقت كأن # PageV03P557 # لم تبلغ فيما مضى. أو إن لم تبلغ البيان كما بلغت التنزيل فما بلغت ~~الرسالة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله يعصمك من الناس) # فيه دليل إثبات رسالته - صلى الله عليه وسلم - لأنه - عز وجل - أخبر أنه ~~عصمه من الناس؛ فكان ما قال؛ فدل أنه علم ذلك بالله، وكذلك في قوله - تعالى ~~-: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون): كان يقول بين ظهراني الكفرة: كيدوني ~~جميعا، ثم لم يلحقه من كيدهم شيء؛ دل أنه كان ذلك بالله تعالى. # وعن عائشة - رضي الله عنها -: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحرس، ~~فلما نزل قوله - تعالى -: (والله يعصمك من الناس) قال: " انصرفوا إلى ~~منازلكم؛ فإن الله عصمني من الناس "؛ فانصرفوا. # ويحتمل قوله - تعالى -: (بلغ ما أنزل إليك من ربك)، أي: بلغ ما أنزل إليك ~~من الآيات والحجج والبراهين، التي جعلها الله أعلاما لرسالتك، وآثارا ~~لنبوتك؛ ليلزمهم الحجة بذلك، والله أعلم. # قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ms1334 والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) # وقوله - عز وجل -: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل) # لا يبتدأ الكلام بمثل هذا إلا عن قول أو دعوى تسبق، وليس في الآية بيان ~~ما كان منهم؛ فيشبه أن يكون الذي كان منهم ما ادعوا أنهم على دين الله وعلى ~~ولايته، أو ما قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، أو ما قالوا: (لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، أو نحو ذلك من أمانيهم ودعاويهم التي ~~ادعوا لأنفسهم؛ فقال لرسوله: قل لهم: (لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم). # قال الحسن: قوله - تعالى -: (حتى تقيموا التوراة والإنجيل)، أي: حتى ~~تقيموا ما قد حرفتم وغيرتم من التوراة والإنجيل وبدلتم، وتثبتوا على ما ~~أنزل وتؤمنوا به. # PageV03P558 # وقال غيره: قوله - تعالى -: (حتى تقيموا التوراة والإنجيل) بالشهادة ~~والتصديق لما فيهما. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (حتى تقيموا التوراة. . .): حتى ~~تعملوا بما في التوراة والإنجيل من صفة محمد ونعته ومبعثه ونبوته - صلى ~~الله عليه وسلم -، وتبينوه للناس ولا تكتموه. وهو وما ذكرنا واحد. # (وما أنزل إليكم من ربكم). # من كتب أنبيائكم، وحتى تقيموا -أيضا- ما أنزل من الكتب: كتب الرسل أجمع؛ ~~لأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن ~~بالرسل كلهم وبالكتب جملة. # وقوله - عز وجل -: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا): قد ذكرنا هذا. # وقال بعضهم: قوله: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك): القرآن في أمر ~~الرجم والقصاص (طغيانا وكفرا). # وقال بعضهم: (لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) هو ما أمر الله ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ ما أنزل عليه بقوله: (بلغ ما أنزل ~~إليك). # وقوله - عز وجل -: (فلا تأس على القوم الكافرين): أي: لا تحزن على كفرهم؛ ~~كقوله - تعالى -: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، ونحو قوله: (فلا ~~تذهب ms1335 نفسك عليهم حسرات) # وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # قال ابن عباس: هم الذين آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم. # وقال بعضهم: هم الذين آمنوا ببعض الرسل لم يتسموا باليهودية ولا ~~بالنصرانية. # (والذين هادوا والصابئون والنصارى) # قد ذكرنا فيما تقدم من هم؟ # وقوله - عز وجل -: (من آمن بالله واليوم الآخر). # تأويل الآية - والله أعلم -: وإن اختلفت أديانهم، وتفرقت مذاهبهم لو ~~آمنوا بالله # PageV03P559 # وما ذكر، فلا خوف عليهم بما كان منهم في حال كفرهم؛ كقوله - تعالى -: (إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # (ولا هم يحزنون): على فوت ما أعطاهم، أي: لا يفوتهم ذلك، والله أعلم. # قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) # وقوله - عز وجل -: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) # قد أخذ الله - عز وجل - الميثاق على جميع البشر، وخصهم به دون غيرهم من ~~الخلائق؛ لما ركب فيهم ما يعرف كل به شهادة الخلقة على وحدانية ربه؛ كقوله ~~- سبحانه وتعالى -: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين ~~أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان). # ثم خص بني إسرائيل من البشر بفضل الميثاق؛ لما أرسل إليهم الرسل منهم، ~~وهو قوله: (وأرسلنا إليهم رسلا)، وكأنهم قد قبلوا تلك المواثيق؛ كقوله - ~~تعالى -: (وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة. . .) إلى آخره؛ وكقوله - ~~تعالى -: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)، كان من الله لهم عهد ومنهم لله عهد، ~~فأخبر أنهم إذا أوفوا بعهده يوف بعهدهم. # وقوله - عز وجل -: (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون) # في الآية دلالة أنهم كانوا يخالفون دين الرسل بأجمعهم؛ لما أحدثوا من ~~اتباع أهوائهم، وأن الرسل - وإن اختلفت أوقات مجيئهم - فإنهم إنما يدعون ~~بأجمعهم إلى دين واحد. # وقوله - عز وجل -: (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون): منهم من كذب، ومنهم من ~~قتل، لكن القتل إن كان فهو في الأنبياء غير الرسل؛ ms1336 لأنه - تعالى - قال: ~~(إنا لننصر رسلنا) أخبر أنه ينصر رسله، وليس في القتل نصر. # ويحتمل قوله: (وفريقا يقتلون)، أي: فريقا قصدوا قصد قتلهم، وقد ذكرنا هذا ~~فيما تقدم. # قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم ~~عموا # PageV03P560 # وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (71) # وقوله - عز وجل -: (وحسبوا ألا تكون فتنة): ولم يبين ما الفتنة التي ~~حسبوا ألا تكون، فأهل التأويل اختلفوا فيها: # قال قائلون: الفتنة: المحنة التي فيها الشدة، حسبوا ألا يأتيهم الرسل ~~بامتحانهم على خلاف هواهم، بل جاءتهم الرسل؛ ليمتحنوا على خلاف ما أحدثوا ~~من هوى أنفسهم. # وقال بعضهم: قوله: (وحسبوا ألا تكون فتنة): أي: هلاك وعذاب بتكذيبهم ~~الرسل، وقصدهم قصد قتلهم. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " ألا يكون شرك ". # وقيل: (وحسبوا ألا تكون فتنة): أي: حسبوا ألا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، ~~وبقتلهم الأنبياء بالبلاء والقحط، فعموا عن الهدى، فلم يبصروه، وصموا عن ~~الهدى فلم يسمعوه؛ لما لم ينتفعوا به، ثم تاب الله عليهم فرفع عنهم البلاء، ~~فلم يتوبوا بعد رفع البلاء. # ويحتمل أن يكون قوله: (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله ~~عليهم ثم عموا وصموا): ما ذكره في آية أخرى: وهو قوله: (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) إلى قوله ~~تعالى: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم. . .) الآية؛ تابوا مرة ثم رجعوا ثم ~~تابوا؛ فذلك قوله: (فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا. . . .) ~~الآية. # * * * # قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم (74) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت ms1337 من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات # PageV03P561 # ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل (77) # وقوله - عز وجل -: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. . . ~~(72) الآية: # يحتمل قوله - عز وجل -: (لقد كفر الذين قالوا): أي: كفروا بعيسى؛ لأن ~~عيسى كذبهم في قولهم: " إنه ابن الله " بقوله: (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ~~ربي وربكم. . .) الآية، وبقوله: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه)، وبقوله: (إني ~~عبد الله آتاني الكتاب. . .) الآية، أخبر أنه عبد الله، ليس هو إلها ولا ~~ابنه، تعالى الله عن ذلك. # والثاني: كفروا بعلمهم؛ لأنهم علموا أنه ابن مريم، وسموه ابن مريم، ثم ~~قالوا: هو الله أو ابن الله، فإن كان ابن مريم أنى يكون له ألوهية؟! فإذا ~~كانت أمه لم تستحق الألوهية وهي أقدم منه، كيف يكون لمن بعدها؟! ولكن ~~لسفههم قالوا ذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار): إذا حرم عليه الجنة صار مأواه النار. # وقيل: سمي: مسيحا؛ قال الحسن: سمي ذلك؛ لأنه ممسوح بالبركات، وسمي ~~الدجال: مسيحا؛ لأنه ممسوح باللعنة. # وقيل: المسيح بمعنى الماسح، وذلك جائز؛ الفعيل بمعنى الفاعل، وهو ما كان ~~يمسح المريض والأكمه والأبرص فيبرأ، ويمسح الموتى فيحيون، ومثل ذلك؛ فسمي ~~بذلك، والله أعلم. # والفعيل بمعنى المفعول جائز -أيضا- يقال: جريح ومجروح، وقتيل ومقتول؛ هذا ~~كله جائز في اللغة. # وقوله - عز وجل -: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ... (73) # PageV03P562 # قوله تعالى: (كفر) بعلمهم، علموا بوحدانيته، فكيف يكون ثالث ثلاثة وهو ~~واحد؟! فإذا قالوا: هو الله فلا يكون هناك ثان ولا ثالث، وذلك تناقض في ~~العقل. # PageV03P563 # والثاني: أنهم لم يروا غير الله خلق السماوات والأرض، ولا رأوا أحدا ms1338 ~~خلقهم سوى الله، كيف سموا دونه إلها ولم يخلق ما ذكرنا؟! إنما خلق ذلك الله ~~الذي لا إله غيره، وذلك قوله: (وما من إله إلا إله واحد) أي: يعلمون أنه لا ~~إله إلا الله، إله واحد، لكنهم يتعنتون ويكابرون في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وإن لم ينتهوا عما يقولون): عما تقدم ذكره (ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم). # وقوله - عز وجل -: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ... (74) عن مقالتهم ~~الشرك، فإن فعلوا فإن الله غفور رحيم؛ كقوله - تعالى -: (إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف)، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول ... (75) # في الآية دلالة المحاجة مع الفريقين؛ كأنهم كانوا فريقين: أحد الفريقين ~~كانوا ينكرون أنه رسول، والفريق الآخر يدعون له الربوبية والألوهية، فقال: ~~إنه ابن مريم، # PageV03P566 # وابن مريم لا يحتمل أن يكون إلها. # والثاني: أخبر أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، أي: قد خلت من قبل عيسى ~~رسل مع آيات وبراهين لم يقل أحد من الأمم السالفة: إنهم كانوا آلهة، فكيف ~~قلتم أنتم بأن عيسى إله، وإن كان معه آيات وبراهين لرسالته؟! # وقوله - عز وجل -: (وأمه صديقة). # قيل: مطهرة عن الأقذار كلها، صالحة. # وقيل: (صديقة): تشبه النبيين، وذلك أن جبريل - عليه السلام - لما أتاها ~~وقال: (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) صدقته كتصديق الأنبياء ~~والرسل الملائكة، وأما سائر الخلائق: إنما يصدقون الملائكة بإخبار الرسل ~~إياهم، وهي إنما صدقت جبريل بإخباره أنه ملك، وأنه رسول؛ لذلك سميت صديقة، ~~والله أعلم. # وقيل: كل مؤمن صديق؛ كقوله - تعالى -: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك ~~هم الصديقون. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (كانا يأكلان الطعام): فيه الاحتجاج عليهم من وجهين: # أحدهما: أن الجوع قد كان يغلبهما ويحوجهما إلى أن يدفعا ذلك عن أنفسهما، ~~ومن غلبه الجوع وقهره كيف يصلح أن يكون ربا إلها؟!. # والثاني: أنهما إذا احتاجا إلى الطعام لا بد من أن يدفعهما ذلك إلى إزالة ~~الأذى عن أنفسهما ودفعه، والقيام في أخبث الأماكن وأقبحها، فمن دفع إلى ms1339 ذلك ~~لا يكون إلها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (انظر كيف نبين لهم الآيات): والآيات ما ذكر من وجوه ~~المحاجة عليهم: # أحدها: أنه ابن مريم، ومن كان ابن آخر لا يكون إلها. # PageV03P567 # والثاني: أنه رسول، وقد كان قبله رسل مع آيات وبراهين، لم يدع أحد لهم ~~الألوهية والربوبية. # والثالث: أنه كان يأكل الطعام، ومن كان تحت غلبة آخر وقهره، لا يكون ~~إلها. # والرابع: من أكل الطعام احتاج أن يدفع عن نفسه الأذى، ويقوم في أخبث ~~مكان، ومن كان هذا أمره لم يكن ربا. # وليس في القرآن - والله أعلم - آية أكثر ولا أبين احتجاجا على النصارى ~~وأولئك، ولا أقطع لقولهم من هذه الآية؛ للمعاني التي وصفنا. # وقوله - عز وجل -: (ثم انظر أنى يؤفكون): أي: من أين يكذبون. # قال أبو عبيد: (يؤفكون): يصرفون، ويخادعون عن الحق، كل من صرفته عن شيء ~~فقد أفكته. ويقال: أفكت الأرض، إذا صرف عنها القطر. # وقوله: (يؤفك عنه من أفك) # قال ابن عباس - رضي النه عنه -: (وذلك إفكهم وما كانوا يفترون) قال: ~~أضلهم، فإذا أضلهم، فقد صرفهم عن الهدى. # قال أبو عوسجة: الإفك عندي: الصرف عن الحق، وفي الأصل: الإفك: الكذب. # وقال القتبي: (يؤفكون): يصرفون عن الحق ويعدلون. # وقيل: (أنى يؤفكون) يخدعون بالكذب. # وقوله - عز وجل -: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ... (76) ~~إن خالفتموه (ولا نفعا) إن أطعتموه. # ويحتمل: قوله: (ما لا يملك لكم ضرا) إن كان الله أراد بكم نفعا، ولا نفعا ~~إن حل بكم الضر، أي: لا يملكون دفعه عنكم. # وقوله - عز وجل -: (والله هو السميع): لنسبتكم عيسى إليه تعالى، (العليم) # PageV03P568 # بعبادتكم غير الله. # ويحتمل: (السميع) المجيب لدعائكم، (العليم) بنياتكم، والله أعلم. # * * * # وقوله - عز وجل -: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ... ~~(77) # خاطب الله - عز وجل - بالنهي عن الغلو في الدين أهل الكتاب، لم يخاطب أهل ~~الشرك بذلك فيما خاطب بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق)؛ ms1340 وذلك أن أهل الكتاب ادعوا أنهم على دين الأنبياء ~~والرسل الذين كانوا من قبل، فنهاهم الله - عز وجل - عن الغلو في الدين. ~~والغلو: هو المجاوزة عن الحد الذي حد، والإفراط فيه والتعمق؛ فكأنه - والله ~~أعلم - قال: لا تجاوزوا في الدين الحد الذي حد فيه بنسبة الألوهية ~~والربوبية إلى غير الله والعبادة له. # وأما أهل الشرك: فإنهم يعبدون ما يستحسنون، ويتركون ما يستقبحون، ليس لهم ~~دين يدينون به. # وأما هؤلاء: فإنهم يدعون أنهم على دين الأنبياء والرسل؛ لذلك خرج الخطاب ~~لهم بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل): يعني: الرؤساء ~~بذلك، والله أعلم. # (وأضلوا كثيرا): أي: أتباعهم. (وضلوا عن سواء السبيل): أي: عن قصد طريق ~~الهدى. # * * * # قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ~~ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) ~~لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # PageV03P569 # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم (86) # وقوله - عز وجل -: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ~~ابن مريم ... (78) # قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى - عليه السلام - في ~~التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد ~~رسولنا ms1341 محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن؛ وهو قول ابن عباس، رضي الله ~~عنه. # وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا ~~". # وقال الحسن: " انقطع ذلك النسل ". # وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله. # ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود - عليه السلام - كان به غلظة ~~وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ~~ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ~~ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن أعني: ~~دعاء الرسل، عليهم السلام. # PageV03P570 # وقوله - عز وجل -: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ... (79) # ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم ~~علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب ~~بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون " قال: فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئا فقال: " ~~لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا " قال أبو عبيد: يعني ~~تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا. # وقوله - عز وجل -: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ... (80) # قيل: قوله: (ترى كثيرا منهم) يعني: المنافقين، (يتولون الذين كفروا) # يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه. # وقيل: (ترى كثيرا منهم): يعني: من اليهود: (يتولون الذين كفروا) من مشركي ~~العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعا ذلك. # ويحتمل وجها آخر: قوله: (ترى كثيرا منهم) من هؤلاء الذين شهد لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ ~~كقوله: (لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا. . .) الآية، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم. ms1342 # وقوله - عز وجل -: (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم): أي: ما # PageV03P571 # قدمت أنفسهم سخط الله عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ... (81) # يعني: المنافقين، في أحد التأويلين. وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق ~~هؤلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من ~~القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء. # ثم يحتمل قوله - تعالى -: (ما اتخذوهم أولياء) في الدين أو في النصر ~~والمعونة والنصرة، (ولكن كثيرا منهم فاسقون). # وقوله - عز وجل -: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ... (82) # تحتمل الآية وجوها: # تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوما مخصوصين ~~منهم. # وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه هم أشد عداوة لهم. # وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل ~~الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله - سبحانه - ما لم ~~يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله - ~~تعالى -: (وقالت اليهود يد الله مغلولة)، وقالوا: (إن الله فقير ونحن ~~أغنياء)، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ~~ذلك كل من دعاهم إلى دين الله تعالى، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلبا. # وأما النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ~~ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان ~~منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى ~~حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي ~~جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، ~~وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه ~~قال: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا) أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ms1343 ~~ورهبانا، والرهبان: هم العباد. # وقيل: القسيسون: هم الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ # PageV03P572 # لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلبا من اليهود، والله أعلم. # فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني ~~قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ~~ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعا؛ وذلك لسفههم وشدة ~~تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجلاهم من بلادهم ~~إلى أرض الشام. # وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ~~وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكانوا عيونا لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص ~~أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم. # وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من ~~اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك ~~كلام لا يفيد معنى. # وقوله - عز وجل -: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع ... (83) # سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته - صلى الله عليه ~~وسلم - وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح ~~القلب فاضت عيناه سرورا. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ترى أعينهم تفيض من الدمع)؛ حزنا على قومهم؛ حيث ~~لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ ~~إشفاقا عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله - تعالى -: (وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا ألا يجدوا ما ينفقون): قد فاضت أعينهم حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، ~~والله أعلم. # وقوله: (يقولون ربنا آمنا) بما أنزلت واتبعنا الرسول (فاكتبنا مع ~~الشاهدين) الآية: # PageV03P573 # قيل: مع الأنبياء والرسل. # وقيل: مع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو واحد. ms1344 # ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه. # وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض ~~الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالوا: ما أشبه هذا بالذي نحدث من حديث عيسى!! فبكوا وصدقوا؛ ~~فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؛ وفيمن نزلت؛ إذ ليس في الآية ~~بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، ~~وسرورهم على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ... (84) # (الحق) يحتمل: الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: ~~كليهما. # وقوله - عز وجل -: (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين). # قال الحسن: قوله - تعالى -: (ونطمع): أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا ~~آمنا بالله وما جاءنا من الحق. # قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم ~~صالحين. # و (الصالحين): يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل. # PageV03P574 # ويحتمل: أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (فأثابهم الله بما قالوا ... (85) الثناء الحسن في ~~الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثنى عليهم، وفي ~~الآخرة: الجنة ونعيمها. # (وذلك جزاء المحسنين). # المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعا، يعمل ~~عملين جميعا. # والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) # قال بعضهم: " الجحيم ": هو اسم معظم النار. # وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك " السعير ". # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم) # الآية ترد على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأكل طيبات ما أحل الله لنا، وهم ~~يحرمون ذلك، وقال الله - عز ms1345 وجل -: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق) ثم لا فرق بين تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات، ~~وتحليل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم ~~التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات؛ ألا ترى أن المرء قد يمل ~~ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتة من الخبز والماء؛ ~~دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما؛ إيثارا ~~منهم غيرهم على أنفسهم؛ لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات ~~ولا يلحق في الخبز والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ولا يجد غيرهما ~~من الطيبات، إلا من تصل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها لهذا ~~الوجه، فإنه لا بأس. # PageV03P575 # وبعد: فإن الله - تعالى - جعل الأطعمة والأشربة والفواكه للبشر في الوقت ~~والحال التي تطيب أنفسهم بها وتلذ؛ لأنه لم يحل لهم في أول خروجها من الأرض ~~والنخيل، إنما أحل لهم بعد نضجها وينعها واتخاذها خبزا، وبلوغها في الطيب ~~نهايته، وجعل للبهائم ذلك في أول ما يخرج، فإذا كان البشر خصوا بذلك لم يجب ~~أن يحرم ذلك، ويبطل ذلك التخصيص والتفضيل، والله أعلم. # فإن قيل: إنما لم يتناول منها لما يعجز عن شكر الله؛ لذلك يقتصر على ما ~~يقيم الرمق منه. # قيل له: فيجب ألا يتزوج من النساء إلا أدونهن جمالا وأكبرهن سنا؛ لأنها ~~تصونه عن الفجور، فإن لم يكن في تزويج العجائز والقبائح وترك الشبان الحسان ~~زهادة، فليس في أكل خبز الشعير وترك المحور والميدة زهادة، ولكن لما خاف أن ~~يدخله الرغبة في طيب الطعام في شبهة مكسبه، فواجب عليه ألا يدخل في ذلك ~~المكسب، وينزه نفسه عنه، ويقتصر على القوت الذي لا بد له منه. # وقيل: الآية نزلت في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم: عمر ~~وعلي وابن مسعود وعثمان ابن مظعون والمقداد وسالم، رضوان الله عليهم ~~أجمعين. وهؤلاء حرموا على أنفسهم الطعام والنساء، وهموا أن يقطعوا ms1346 ~~مذاكيرهم، وأن يلبسوا المسوح ويدخلوا # PageV03P576 # الصوامع؛ فيترهبوا فيها، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى ~~منزل عثمان فلم يجدهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة عثمان: " ~~أحق ما بلغني عن عثمان وأصحابه؟ " قالت: ما هو يا رسول الله؟ فأخبرها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالذي بلغه، فكرهت أن تكذب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أو تبدي على زوجها؛ فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " قولي لزوجك إذا جاء: إنه ليس منا من لم يستن ~~بسنتنا ويأكل ذبيحتنا)، فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امراته بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فقال عثمان: والله لقد بلغ النبي أمرنا فما أعجبه؛ ~~فذروا الذي كره؛ فأنزل الله: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. . .) ~~الآية، فلا ندري كيف كانت القصة؟ ولكن فيه بيان ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ... (88) # يحتمل أن يكون الحلال هو الطيب، والطيب هو الحلال؛ سماهما باسمين وهما ~~واحد. # ويحتمل: أن يكون قوله: (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا): بالشريعة ~~والدين، والله أعلم. # (طيبا): بالطبيعة؛ لأن الحل والحرمة صرفتهما بالشريعة، والطيب ما تستطيب ~~به الطبائع. # وفي الآية دليل، أنه قد يرزق ما هو خبيث ليس بطيب؛ لأنه لو لم يرزق لم ~~يكن لشرط الحلال والطيب معنى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) # في الآية دلالة أن الخطاب للمؤمنين؛ لأنه قال: (واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون) ولم يقل: " إن كنتم مؤمنين " ونحو هذا، قد سماهم مؤمنين مطلقا؛ دل ~~أنه يجوز أن يسمى (واتقوا الله) ولا تحرموا ما أحل الله لكم، (الذي أنتم به ~~مؤمنون) أنه لا يحل ولا يحرم إلا هو، وليس إلى من دونه تحليل وتحريم. # * * * # قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته # PageV03P577 # إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام ms1347 ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # مسألة: # اختلف الناس في تأويل أحرف ذكرت في قوله - عز وجل -: (لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. . .) إلى قوله: (لعلكم ~~تشكرون) مما للناس حاجة إلى معرفة حقيقة ما في كل حرف منها: أنه لم يزل ~~يتنازع أهل الفقه في أحكامه، مما يعلم أن حق البيان في الخطاب لا يبلغ ما ~~يقطع موضع التنازع فيه، ولا بحيث يبلغ حقيقته كل سامع، وأن في شرط المحن ~~بالأسباب التي يمتحن بها لزوم الفكر فيها، والبحث عنها، والسؤال عنها الذين ~~خصوا بفهمها بسؤالهم من ولي الإبانة عنها، أو مقابلتهم بما سبق لهم العلم ~~بها في معرفة ذلك بيان ما خفي من معنى الذي قرع سمعه، أو بغير ذلك مما فيه ~~دليل ذلك؛ إذ لا تجوز المحنة بالذي لا يحتمل الوسع الوصول إليه، ولا في ~~جملة ما به امتحن إيضاح ذلك لما يوجب الأمر بفعل ما هو عنه ممنوع، وذلك ~~بعيد، بل يكون البيان السمعي على قدر البيان العقلي أن من المعارف ما يكون ~~بالحواس، ومنها ما بها يوصل إليها: إما بالتعليم، أو بالاستدلال، فمثله حق ~~السمعي، والله أعلم. # من ذلك: قوله - تعالى -: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) أنه - عز ~~وجل - ذكر يمينا لا يؤاخذ كيها في موضعين من غير أن ذكر أنها أي يمين هي؛ ~~ولا بأي شيء لايؤاخذ فيها والحاجة لازمة؛ إذ ذلك في موضع الامتنان منه - جل ~~وعلا - في العفو عن أمر كان له المؤاخذة، وحق على السامع معرفة منة الله ~~تعالى؛ ليشكره عليها. # ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق، كان صاحب ذلك يؤاخذ بهما؛ # PageV03P578 # بما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن ثلاثا جدهن جد وهزلهن ~~جد: الطلاق، والعتاق، والنكاح "، واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كانا يلزمان ~~بلا شرط يصير به الموقع حالفا، وأعظم ما في رفع المؤاخذة في اليمين أن يرفع ~~عنه اليمين وهما يجبان ms1348 دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل، ~~ولكن يجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بينا من الخبر والنظر، مع ما لا يعرف في ~~ذلك خلافا، وهذا يوضح أن العفو فيما كانت الأيمان بالله تعالى؛ فعلى ذلك ما ~~نسق على ما لا يؤاخذ من المؤاخذة، وذلك يمنع من احتج بإيجاب الكفارة على ~~الحالف بالقرب من حيث كان ذلك منه يمينا، والله أوجب في اليمين كفارة، ~~وإنما ذلك في اليمين لا في اليمين بالقرب، ثم كانت اليمين بالقرب لو كانت ~~على مخرج اليمين بالله لم يجب فيها شيء؛ نحو أن يقول: " بالعتق لا أفعل ~~كذا. . . "، أو: " بالصلاة. . . " أو " بالصيام. . . "، ولو قال: " بالله. ~~. . " يجب؛ ثبت أن وجوب ذلك وصيرورته يمينا كان بحق النذور، وقد أمر الله ~~ورسوله في النذور بالوفاء؛ فكذلك اليمين بها، ومما يبين ذلك أنه لو قال: " ~~إن فعل كذا فعليه قتل فلان، أو إتلاف ماله "، أنه لا يلزمه شيء؛ ثبت أن ما ~~لزم - لزم بحق لزوم ذلك في النذور، وحق ذلك الوفاء لا غير، مع ما جاء الخبر ~~بالأمر بالحلف بالله، والنهي عن الحلف بغيره والنذور أبدا تكون # PageV03P579 # بغيره؛ ثبت أن وجوب ذلك بحق النذر؛ فلذلك يجب الوفاء به، والله أعلم. # ثم الأصل في ذلك أن الحلف بغير الله يكون على قسمين: # قسم: ألا يجب فيه شيء. # وقسم: أنه لو وجب لوجب المسمى، نحو: الطلاق، والعتاق فيما يجب، فلما كان ~~في الحلف بالقرب في الذمة وهو حلف بغير الله - تعالى - يجب به شيء يجب أن ~~يكون الواجب في ذلك ما أوجب، والله أعلم. # ثم اختلف في معنى اللغو: # فقال قوم: هو الإثم؛ " كقوله - تعالى -: (لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~تأثيما) وقوله - تعالى -: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما). # ثم اختلف من قال بهذا على قولين: # أحدهما: أنه لا يؤاخذ بالإثم في أيمانكم التي لم تعتقدوها، لكنها جرت على ~~اللسان، وبمثل ذلك روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: هو قول ~~الرجل: " لا والله ما كان كذا "؛ وبه ms1349 قال أبو بكر الكيساني في تفسيره، وأيد ~~ذلك قوله: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)؛ دل أن الأول بما يجري على ~~اللسان دون ما يقصده قلبه، والله أعلم. # والثاني: ألا يؤاخذ بترك المحافظة فيما كان في المحافظة مأثم؛ دليله: صلة ~~ذلك قوله - تعالى -: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم. . .) الآية؛ فكأنهم ~~تحرجوا عن ترك المحافظة فيما سبقت منهم الأيمان قبل النهي بقوله - تعالى -: ~~(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)؛ فنزل قوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو) في ~~بعض أيمانكم إذا كان حفظها مأثما، وذلك نحو ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " من حلف على يمين فرأي # PageV03P580 # غيرها خيرا منها، فليأت بالذي هو خير، وليكفر عن يمينه " # وعلى ذلك قوله: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان). # ولا يحتمل أن يؤخذ بالعقد وهو به معظم ربه، ولكن لمحافظة ما عقدتم ~~الأيمان إذا كانت المحافظة إثما، وفيما لم يكن فهو في قوله: (واحفظوا ~~أيمانكم)، والله أعلم. وإلى هذا يذهب سعيد بن جبير في تأويل الآية. # وقال قائلون: إنه هو الشيء الذي لا حقيقة له نحو اللعب، وعلى ذلك (والغوا ~~فيه) أنهم لم يقصدوا تحقيق أمر يظهرونه، ولكن قصدوا التلبيس بما ينطق به ما ~~كان؛ وكذا قيل: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) باطلا، بل كل ما يسمع فيها ~~هو حق وحكمة. # ثم رجع تأويله إلى وجهين: # أحدهما: فيما يجري على اللسان من غير عقد القلب على ما مر به تفسيره. # والثاني: أن يكون الحلف بما لا حقيقة له على ظن أن حقيقة ما حلف عليه ~~الحالف كما حلف؛ وكذلك روي عن ابن عباس والحسن - رضي الله عنهما - في تأويل ~~الآية. # ثم لو كانت الآية على التأويل الأول لكانت في رفع المأثم خاصة، وهو ~~التأويل الذي ذكره سعيد بن جبير، رضي الله عنه. # وأما الكفارة: فهي لازمة على ما ذكر في الخبر المرفوع في ذلك، وبما هي ~~واجبة للحنث في اليمين ولترك الوفاء بالعهد، والمعنى في الأمرين موجود؛ ~~لذلك لزمت الكفارة في الوجهين جميعا، ms1350 مع ما لا بد من الإلزام فيما أخطأ أو ~~تعمد من حيث لم يكن استثناء حالا منهما صاحبه، وذلك يبين أن ذلك للحلف في ~~عقد اليمين، أو لما يخرج الفعل مخرج الاستحقاق إذا قوبل فعله بعقد، وإن كان ~~المسلم قد عصم عن ذلك الوجه، فأمر # PageV03P581 # بتكفير ذلك، وذلك المعنى موجود في الوجهين؛ لذلك لزمت الكفارة في ~~الأمرين، والله أعلم. # ولو كانت على التأويل الثاني أو على أحد وجهي التأويل، لأمكن ألا يؤاخذ ~~بالمأثم ولا بالكفارة جميعا، والذي يبين أن هذا التأويل أنه ذكر المؤاخذة ~~في الآيتين. # فأحدهما: بكسب القلوب وكسبها تعمدها، والمؤاخذة به تكون بالمأثم لا ~~بالحقوق والكفارات؛ إذ لا يؤاخذ في شيء بكسب القلب خاصة كفارة أو حقا يوجب، ~~وإن كان قد يؤخذ لذلك عند أفعال الجوارح، فأما له خاصة فلا، وقد يكون به ~~الطاعة والمعصية؛ وعلى ذلك قوله: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم). # وإذا ثبت أن ذلك في المآثم فلا يؤاخذ، ثم لا مأثم فيما ذكر من عقد اليمين ~~في العقد؛ إذ هو يخرج مخرج التعظيم لله، وقد رويت عقود الأيمان عن الرسل؛ ~~فثبت أن المؤاخذة فيها بالكفارة؛ فلا يؤاخذ بها في اللغو أيضا، وأيد ذلك أن ~~الله تعالى ذكر ما لا يؤاخذ مرتين، وذكر المؤاخذة كذلك، فلو كانت المؤاخذة ~~بواحد لكان الذكر الواحد كافيا؛ فثبت أنه بأمرين مختلفين؛ فعلى ذلك أمر ~~العفو، والله أعلم. مع ما أنه قد تبين في آية المعاقدة كيفية المؤاخذة ولم ~~يبين في كسب القلب؛ فيجب أن يكون العفو عما جرى به بيان المؤاخذة أحق منه ~~مما لم يجر به؛ فثبت أنه في رفع المؤاخذة بالكفارة، ولو كان على ما يقوله ~~سعيد لكانت تجب الكفارة بما سلف بيانه؛ لذلك قلنا: إن هذا أحق بالآية، ~~والله أعلم. # ثم إذا ثبت أن اللغو مما لا يجب فيه الكفارة، يحتمل أن يكون لم يجب من ~~حيث # PageV03P582 # لم يعص الله به، ويحتمل أن يكون لم يجب؛ لأن يمينه كانت على ما كان ms1351 الحنث ~~به معه أو قبله؛ فيمنع صحة اليمين وإن أطلق لها الاسم؛ إذ كانت الأسماء ~~مطلقة لما فسد من العقود وصحت، وإنما تختلف لها الأحكام والمقاصد منها، فإن ~~كان لما لم يعص الله فيجب أن يكون في كل حنث يؤمر به لا يجب به الكفارة، ~~فإذا جرت السنة بإيجابها على الأمر بالحنث، وقد يجب -أيضا- فيما كان فعل ~~الحنث على حال خطأ أو نوم أو جنون، أو فعل غير الحالف فيم الحنث به على ~~تعمد أن يأثم بغيره؛ إذ قال الله - عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) - ~~ثبت أنها تجب لا لأنه لم يعص الله، ولكن للوجه الذي ذكرت، والله أعلم. # PageV03P583 # ثم كان ذلك المعنى قائما في اليمين الذي تعمد عليه الكذب، وهو ما قيل: ~~اليمين الغموس يجب ألا يلزمه كفارة اليمين، إنما يلزمه كفارة فعل الجرأة ~~والمخالفة لله، والله أعلم. # وأيد هذا الأصل وجهان: # أحدهما: استواء الأمرين في اليمين المعقودة على الحانث فيما عصى من الحنث ~~فيها أو أطاع أن يستويا في اليمين على الماضي في الوجهين جميعا، فإذا لم ~~تجب الكفارة في أحد الوجهين لم تجب في الآخر، والله أعلم. # والثاني: ما روي عن نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - في شأن اللعان بعد ~~الفراغ منه: " إن أحدكما لكاذب، هل منكما تائب؟ " ومعلوم أن حاجتهما لو ~~كانت تجب فيه الكفارة إلى البيان عنها أكثر من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما ~~ثم لزوم التوبة؛ إذ ذلك يعرفه كل سفيه وحكيم بلا سمع، والكفارة لا تعرف إلا ~~بالسمع، ثبت أنها غير واجبة؛ وكذا الأخبار التي روبت في الخصمين: أنه قضى ~~لأحدهما حتى ذكر فيه الوعيد الشديد، ثم أمرهما بالتساهم بينهما وأن يحلل كل ~~واحد منهما الآخر، فلا يحتمل أن يكون فيه كفارة ولا يمين؛ وكذلك علم في ~~الموضع الذي أمر بالحنث؛ إذ قد يشتبه على بعض من ليس له روية، وقد قال ~~إسحاق: أجمع المسلمون على ألا يجب فيه الكفارة، فقول من يوجبها ابتداء شرع، ~~ونصب حكم لله تعالى على ms1352 الخلق، وهو لم يشرك في " حكمه أحدا. # ثم الأصل في ذلك أن الأسباب التي ترفع العقود وتوجب الحرمات إذا تأخرت ~~العقود # PageV03P584 # وأسباب الحل فهي على اختلافها متفقة على منع ابتدائها إذا قارنتها؛ فعلى ~~ذلك أمر سبب الحنث؛ فلذلك بطلت اليمين والكفارة، وهي كفارة اليمين فلا يجب ~~فيما لا يمين يجب فيها، وليس ذلك كالقول بمس السماء ونحو ذلك؛ لأن اليمين ~~في هذا على ما يكون، فسبب الحنث لم يقترن بها فصحت؛ لذلك اختلف الأمران، ~~وهذه المسألة توضح حال رجلين: الشافعي في قوله: إن الكفارة تجب للحنث ~~وهاهنا لا حنث؛ لما لم يصح العقد؛ ليحنث فيه، ويكون الحنث -أيضا- بعد ~~العقد، ولم يكن مع ما كان النص بالكفارة في اليمين المعقودة التي أمر فيها ~~بالحفظ، ومحال الأمر بالحفظ في هذه اليمين، وإنما يجب الحفظ عنها أن يحلف ~~به، والله أعلم. # وحال أبي عبيد حيث يوجب الكفارة بعقد اليمين، وعنده اليمين الغموس يمين ~~لا يجب فيها الكفارة، فهذا يوضح أن الكفارة تجب للذي يرد في اليمين لا ~~لنفسها، والله أعلم. # ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان) ثم قال: (فكفارته) - أي: عندهم - كفارة ما عقد من الأيمان بما ~~فيها الإضافة، ولم يسبق غير ذلك العقد يضاف إليه؛ وكقوله: (ذلك كفارة ~~أيمانكم) أضيف إلى اليمين؛ وعلى ذلك تسمية المؤمنين كفارة اليمين مع ما فيه ~~وجهان من المعتبر: # أحدهما: ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى بحمزة ~~الطعنة أقسم ليمثلن بكذا من قريش؛ فنزل النهي عن الوفاء بذلك؛ فكفر عن ~~يمينه. ومعلوم أنه لا يحنث في يمينه إلا في الوقت الذي لا يحتمل بز مسألة ~~في حياته ثبت أنها كانت لليمين؛ وكذا ما جاء: " من حلف على يمين. . . " إلى ~~أن قال: " وليكفر عن يمينه " إنما أمر بتكفير يمينه، والله أعلم. # PageV03P585 # والثاني: ذكر أبو عبيد أن الله إذ نهي عن الوعد إلا بالثنيا بقوله: (ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله)، فذلك ms1353 النهي في اليمين ~~أوكد وأشد، فمن حلف بلا ثنيا عصى الله؛ فيلزمه الكفارة. # والأصل عندنا: أن الكفارة تجب للحنث في اليمين؛ إذ هي كفارة، والكفارات ~~إنما تكون للسيئات؛ كقوله - تعالى -: (نكفر عنكم سيئاتكم)، وغير ذلك من ~~الآيات. ومن البعيد في العقل طلب تكفير الحسنات، بل الحسنات تكفر السيئات، ~~والحنث في التحقيق اسم المأثم. # ثم معنى الذنب فيه؛ لأنه كان عاهد الله ألا يفعل كذا، ففعله يخرج مخرج ~~نقض العهد فيه؛ فيأثم لا بالعهد؛ ولذلك قال الله - تعالى -: (وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها). # وفي الجملة أمر الله أن يوفوا بعهده لا أن ينقضوا، وقد جعلت اليمين عهده ~~وأمرنا بوفائه، فنقضه يوجب الخلف في وعده والنقض لعهده؛ فيأثم الحالف لا ~~بالحلف؛ فلذا تجب الكفارة، ولو كان لليمين كفارة لكان الحنث أحق أن يوجب ~~الكفارة. # ثم لا يجوز أن يكون من حلف أن يطيع الله يكون به عاصيا؛ ثبت أن الكفارة ~~لو كانت تجب بيمين على المعصية لتصير تلك معصية فيجب ثم حق كفارة مثلها ~~الحنث فيها. # وعلى ذلك روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن " من حلف على شيء؛ فرأي ~~غيره خيرا منها، فإنما كفارته أن يأتي الذي هو خير "؛ فكذلك تكون كفارة ~~اليمين لو احتملت أن يرجع عن الوفاء بها. # وأما كفارة ما لا وجه لدفعه: تكون بالتوبة والحسنة تكفر، لا بالرجوع؛ ~~وعلى ذلك جميع أنواع الكفارات أن ما احتمل دفع الحقيقة والرجوع عنه جعلت ~~كفارته بالتوبة عنه، ونقض ما قد فعل، وما لا يحتمل فلا فيعتبر ذلك، فلو كان ~~لليمين كفارة لكانت توبة وفسخا لا غير، فإذا أوجب الله غير الرجوع ثبت أن ~~ذلك للحنث، والله أعلم. # ثم الدليل على أنه لا يحتمل إيجاب الكفارة بعقد اليمين أوجه: # أحدها: أن العقد يخرج مخرج التعظيم لله والتبجيل، وجعله مفزعا إليه ~~ومأمنا للخلق # PageV03P586 # عنه؛ فلذلك جعلت الأيمان لدفع التهم وتحقيق الأمر للخلق عن الحالفين، ~~وأيد ذلك أوجه: # أحدها: ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ms1354 - أنه قال: " إذا حلفتم ~~فاحلفوا بالله "، وقال: " لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت " فحذر الحلف ~~بغيره بما فيه تعظيم ذلك ورفعه عن قدره، وألزم ألا يجعلوا لأحد ذلك القدر ~~إلا لله تعالى. # والثاني: قوله: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها) ولا يجوز أن ينهى عن الرجوع عن المعصية ويأمر بالوفاء بها. # والثالث: الأمر الظاهر عن نبي الرحمة لحلفه وقسمه في غير موضع، وما ذكر ~~في قصة يعقوب وأولاده، وأمر إبراهيم - عليه السلام - في شأن الأصنام، وأمر ~~أيوب - عليه السلام - لم يجز أن يكونوا عصاة بفعلهم، وذلك ينبئ عن جرأة من ~~زعم أن الحالف عاص بما ترك الثنيا، ومن ذكرنا من الأنبياء - عليهم السلام - ~~قد تركوا الثنيا، وليس ذلك كالوعد؛ لأنه إلى نفسه يضيف الفعل وهو يفعله، ~~تحت مشيئة الله - تعالى - وفي اليمين بالله يستغيث وإليه يرجع، فلذلك اختلف ~~الأمران، والله أعلم. # والدليل على أنها لم تجب باليمين قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" من حلف على يمين فرأي غيرها خيرا منها، فليأت بالذي هو خير، وليكفر يمينه ~~"، أو قال: " فليكفر يمينه، وليأت الذي هو خير " ولو كانت الكفارة واجبة ~~باليمين، لكان لا وجه للأمر بالذي يأتي وهي # PageV03P587 # واجبة، ويقول: من حلف على يمين فليكفر يمينه، فإذا لم يقل، ولكن قال فيما ~~كان ثم حنث؛ ثبت أنها له تجب، والله أعلم. # ووجه آخر: اتفاق القول: إنه إذا كان مع اليمين بر فلا كفارة عليه، وإذا ~~كان معها حنث تجب، فلو كانت تجب لليمين لكانت هي عند الوفاء أوجب، فالكفارة ~~فيه تكون أوجب، فإذا لم تكق عليه إذا بر ثبت أنها بالحنث وجبت، والله أعلم. # وأيضا ما أجمع أن من حلف ألا يقرب امرأته بشيء، لا يلزمه لو حنث به لم ~~يلزم فيه حكم الإيلاء، فلو كانت الكفارة تجب باليمين، لكان الحالف به عند ~~الفراغ عن يمينه صار بحيث لا يلزمه من بعد شيء؛ فيجب أن يسقط حق الإيلاء، ~~فإذا بقي عليه حكمه جاء بذلك الكتاب وجرت به ms1355 السنة؛ ثبت أن القول بوجوبها ~~قول مهجور، والله أعلم. # ثم إذا ثبت هذا رجع تأويل الآية إلى وجهين: # أحدهما: قوله: (ولكن يؤاخذكم) بمحافظة ما عقدتم من الأيمان؛ كقوله: (ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها)، فإن تركتم ذلك فكفارته كذا. # والثاني: أن يكون على إضمار حيث يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وذلك غير ~~مدفوع في حق الكفارات؛ كقوله - تعالى -: (فإن أحصرتم. . .) الآية، وقوله - ~~تعالى -: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) الآية، لا على الوجوب ~~للعذر، ولكن باستعمال الرخصة فيه؛ إذ لا يكون العذر سبب الإيجاب، فمثله في ~~الأول لا يكون تعظيم الرب سبب إيجاب الكفارة؛ فيصير الحنث فيه مضمرا، والله ~~أعلم. # والإضافة إلى الأيمان على إرادة الحنث فيها؛ كإضافة كفارة الفطر إلى ~~الصيام، والدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن كانت الكفارات ليست لما ~~أضيفت إليه؛ أيد ذلك ما ذكرت، والله أعلم. # وتكفير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمينه؛ لأنه قد عصم عن المعصية، ~~وفي الوفاء بذلك # PageV03P588 # معصية؛ إذ نهي عنه، ويمينه كانت قبل النهي، فصار آيسا عن البر بذلك، ~~وبذلك يكون الحنث لا بعدم إمكان الوفاء، لكن غيره؛ إذ لا يؤمن منه العصيان، ~~فذلك وقت إياسه عنه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قد عصم عن ذلك ~~فوقت إياسه وقت النهي، ولا قوة إلا بالله. ثم قوله - عز وجل -: (إطعام عشرة ~~مساكين): # في متعارف اللغة على التقريب؛ ليأكلوا، لا على التمليك؛ وكذلك الأمر ~~المتعارف بين الخلق فيما ينسب بعضهم إلى بعض الإطعام، وأيد ذلك قوله: (من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم)، ولا يعرف التمليك في إطعام الأهل، ولا خطر ببال ~~أحد ذلك، وقد عرفهم الله - تعالى - ما فرض عليهم بالذي كان علمه عند كل أحد ~~معلوما؛ إذ قل إنسان يخلو من أن يكون أهلا لأحد، أو له أهل؛ فلا يحتمل أن ~~يظن بأحد الجهل به حتى يسأل؛ فيكون ذلك إلزام الفرض مع رفع وهم الجهل به عن ~~العقل، ثم لا نعرف بها، والله أعلم. # والذي يوضح هذا من ms1356 طريق العبرة أنه ذكر في ذلك إطعام عشرة مساكين، ~~والمسكنة: هي الحاجة، وحاجة المسكين إلى الطعام معلوم أنها تكون إلى أكله ~~دون ملكه، وجهات حاجات الأملاك مما يعم المساكين وغيرهم، مع ما قدر ذلك ~~بالكفاية والشبع؛ وحق ذلك في التقريب للتطعم لا في التمليك عليه، ولكن يجوز ~~التمليك بما به التمكين لذلك؛ فيجب بذلك الجواز بكل ما فيه تمكين ذلك بهما ~~أو ما كان، إذ جواز التمليك بحق التمكين لا بحق النظر، مع ما كان في تمليك ~~الثمن الوصول إلى ما يختار هو على الوجه الذي يختار الاغتذاء، فإن ذلك أقرب ~~إلى قضاء حاجته، ولو كان # PageV03P589 # الأمر على تمليك المأكول خاصة، لكان الدعاء والتقريب إليهم للملك أحق أن ~~يجوز لوجهين: # أحدهما: أنه أقرب إلى دفع الجوع وسد المسكنة من تمليك بر لا يصل إليه إلا ~~بعد تحمل المؤنة وطول المدة. # والثاني: أن الكفارة جعلت بما ينفر عنه الطبع؛ ليذيقه ألم الإخراج من ~~الملك والبذل، فيكفر ما أعطى نفسه من الشهوة التي لم يؤذن له فيها؛ وكذلك ~~معنى الحسنات المكفرة للسيئات، ثم كان دعاء المساكين وجمعهم على الطعام، ~~وخدمتهم والقيام بما فيه الاختيار إليهم - أشد على الطبع من التصدق عليهم؛ ~~فيجيء أن يكون أقرب للتكفير به؛ وعلى ذلك يجوز بذل الثمن لما فيه تحمل ~~المكروه على الطبع كهو في الإطعام، فيجوز مع ما إذا جعل ذلك حقا للمساكين ~~يخرج من عليه بالتسليم إليهم عن طوع منهم، ويجوز مثله من التبادل في جميع ~~الحقوق، فمثله عن الكفارات، والله أعلم. # على أن الله - تعالى - قال: (فما استيسر من الهدي)، ويجوز فيه غير ذلك ~~النوع؛ وكذلك في كل الصدقات، والله أعلم. # ثم جعل ذلك أكلتين لوجهين: # أحدهما: القول بإطعام المساكين، ثم أريد به دفع المسكنة، والمسكين: هو ~~الخاضع؛ فأحق من يستحق اسمه السائل؛ لأنه يخضع للمسئول بالسؤال. # وقد روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في يوم الفطر: " ~~أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم "، ثم كان أقل ما أجيز فيه ms1357 نصف صاع من ~~حنطة؛ فعلى ذلك صدقة المسكين، ومثل ذلك إذا أطعم يكفي مرتين؛ وكذلك روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كفارة المتأذي ثلاثة آصع بين ستة ~~مساكين، فمثل مقدار طعام المسكين فيما أريد الإطعام القدر ذلك، فمثله # PageV03P590 # ما نحن فيه، وذلك يعدل أكلتين، وبه قال عمر وعلي - رضي الله عنهما -. # والثاني: أنه - عز وجل - قال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) والأوسط: فيما ~~له حدود ثلاثة، يرجع ذلك إلى أوجه ثلاثة: # أحدها: إلى الأوسط من صفات المأكول. # والثاني: إلى الأوسط من مقدار الأكل. # والثالث: إلى الوسط من أحوال الأكل. # فالأول: نحو الأجود والأردأ وبين ذلك. # والثاني: نحو السرف والقتر وبين ذلك. # PageV03P591 # والثالث: نحو مرة وثلاث مرات في يوم واحد وبين ذلك. # فإذا لم يثبت في خبر ما إليه رجع المراد، فحق الاحتياطات أن يكون الوسط ~~من الكل؛ فيخرج بما فرض عليه؛ فلذلك وجبت أكلتان مع ما كان لا يعرف حقيقة ~~الأوسط من الأنواع والمقادير لما لا منتهى لطرفيه، وقد يعرف حقيقة عدد ~~الأكثر والأقل من الوقت فهو أحق أن يعتبر، والله أعلم. # ثم كان الأمر في الظاهر بالإطعام، وأجمع على رجوع الأمر إلى الحد، وإن لم ~~يذكر، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون انتزع حده من حكم الكتاب من وجهين: # أحدهما: أن الآية إذا كانت على ما يؤكل ويطعم، وإن فيما عليه العرف ألا ~~أحد يقرب إلى آخر ما يطعمه، فيقتصر على أقل ما يستحق اسمه، وقد يتصدق ~~بالقليل في العرف؛ فلذلك في الأمر به تحديد إذا كان مما يعرف فيه التحديد؛ ~~ولذلك لم يذكر فيه التفسير مرفوعا، وذكر في قصة المتأذي لما ليس في لفظها ~~دلالة الحد، وفي لفظ الإطعام دلالته؛ إذ فيه عرف، وعلى هذا أمر ما جاء من ~~البيان في الصدقات، ولم يذكر في الإطعام إلا لمكان النوازل؛ وعلى هذا يجب ~~أن يجوز الإطعام أيضا، وإن لم يكن فيه تمليك، والله أعلم. # والثاني: قوله - تعالى -: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) ومعلوم أن كل شيء ms1358 ~~له واسط، فهو ذو حدود وأطراف، على أنه رد إلى طعام الأهل، وفيه الإشباع لا ~~محالة؛ لذلك وجب القول بالحد، والله أعلم. # وإذا ثبت القدر فيه بحق الخطاب يجب وصل ذلك به؛ ليعرف به حقيقة المقصود، ~~والله أعلم. # فصار كأنه قال: إطعام عشرة مساكين؛ إذ طعام عشرة في العرف عبارة عن قدر ~~طعامهم، وإطعام عشرة عبارة عن فعل الإطعام، وقد ثبت أنهما ارتدا جميعا ~~فكأنهما ذكرا موصولين، ولو توهمنا ذلك لم يكن بحق حفظ العدد، بل بحق حفظ ~~مقدار ذلك العدد من الصيام وإن مدفوعا إلى الواحد أو أكثر، والله أعلم؛ ~~لذلك أجاز أصحابنا جمع الكل في مسكين واحد عشرة أيام، ولم يجيزوا في يوم ~~واحد؛ إذ حق الأمر على أن يغدي # PageV03P592 # ويعشي، وإن كان يجوز الدفع لما فيه حق الإطعام، فصير طعام كمال ذلك، وهو ~~قدر طعام مسكين؛ فيزول عنه المسكنة، لكن الإطعام فيه لا يجوز، أو إذا صح ~~كان حق ما ذكرت الجواز، ففساده لمعنى اعترض فمنع، لا لأنه خارج عن أن يراد ~~له على ذلك، وذلك كخروج بعض المساكين لعلل عن الدفع إليهم، لا لأنه لو أجيز ~~كان كالخلاف للذكر، فمثله الأول، والله أعلم. # ودليل آخر مما له جرى ذكر عشرة لا لأن يجعل العشرة شرطا: أنه معلوم ~~بالمعنى الذي له جعل الدفع إليهم أو الإطعام لهم سببا للجواز: أن ذلك ثبت ~~بحيث تحمل المكروه على الطبع، وكف الهوى عن مثلها، وإذاقة النفس مرارة ~~الدفع لله - جل ثناؤه - يكفر ما أتبعها هواها، وأوصلها إلى مناها فيما خالف ~~الله في فعله حيث لم يف بالعهد الذي عهد لله، أو ألزم نفسه عهدا من منع عن ~~الوفاء، فيخرج فعله مخرج فعل ناقض العهد، ومخلف الوعد بالله، وذلك المعنى ~~في البذل لا في مراعاة العدد، ولا في أنه كان حقا لهم قبل الدفع، بل ~~باختيار الدفع إليهم يجعلهم محقين فيه بما له إيثار غيرهم، والخروج عن ذلك ~~بالعتق والصيام الذي لا يعود إليهم نفعه، ولكن الكفارة إذا جعلت مما يغدي ms1359 ~~ويعشي، ونحو ذلك إذا أريد الخروج به منه بمسكين واحد يحتاج إلى تجديد ~~الأيام ومرور الأوقات، وفي ذلك خوف بقاء الذنوب عليه، ولعله يعجله الموت ~~فيبقى ذنبه غير مكفر، فجعل الله له التفريق في المساكين؛ تيسيرا عليه ~~وتمكينا من الخروج الذي ركبه، لا لفوت معنى ما له التكفير، فلذلك يجوز على ~~ما ذكرت، وهذا الوجه يوجب مغ الجواز في يوم واحد، والله أعلم. # وبعد: فإنه متى أطعم مسكينا بقي عليه خطاب إطعام تسعة، وذلك لو ابتدأ ~~الخطاب بتسعة مما يتضمنه الخطاب، فكذلك إذا كان بعد إسقاط الواحد من ~~الخطاب، والله أعلم. # ثم لو كان العدد شرطا لكان بوجود معنى العدد في الواحد إسقاطه؛ إذ ذلك في ~~موضع التكفير والتطهير، وكل ذلك يتعلق بالمعاني مما ذكر فيها من الأعداد ~~نحو الغسل من الأحداث -كالجنابة- والأنجاس، فمثله الكفارة. # PageV03P593 # وبعد: فإنه معلوم أن لكل مسكين قدرا من الطعام، ثم كان المقدار الواحد ~~بتفرق الأملاك عليه يستوجب حق قدر العشر، فعلى ذلك المسكين الواحد بما ~~يتفرق عليه المسكنة كل يوم، ويجدد الحاجة؛ فيصير كعدد المساكين، وذلك ~~-أيضا- شبيه بما روي من " الاستنجاء بثلاثة أحجار " على استحقاق كل حرف من ~~ذلك حق حجر على حدة من حيث كان غير مستنجى به، فكذا ما نحن فيه؛ إذ له كل ~~يوم حق مسكين آخر من حيث حدثت له حاجة لم تدفع بالإطعام الأول، والله أعلم. # وليس كالأعداد في الشهادة؛ لما جعل العدد فيها بما يلحق الواحد تهمة، أو ~~له به منفعة التصديق، أو نوع عبادة في موضع الحكم والقضاء وتسليم الأمر ~~لغيره من الحجج. # وفي هذا معنى التكفير قد بينا، وذلك كمعنى التطهير في الذي وصفنا، على أن ~~الشهادة في اليوم الثاني إعادة للأولى، والإطعام هو تجديد الدفع، والواحد ~~قد يقوم في الشهادة مقام مائة إذا كان لكل حق التجديد، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (عشرة مساكين) من غير ذكر القريب والبعيد، أو المؤمن ~~والكافر، أو الصغير والكبير، أو قدر المسكنة، أو العلم الذي به يعرف، ~~ومعلوم أن لكل ms1360 جهة مما بينا حدا بالناس إلى معرفته حاجة، وللناس في كل جهة ~~تنازع، والاجتهاد في الوقوف على الحقيقة على الاتفاق، على أنه لم يحصل ~~الأمر على الاسم خاصة، وأن الذي هو في حد الفقير فيما ذكر فيه المسكين، ~~والفقير قائم مقام المسكين هاهنا في الجواز؛ ليعلم أن المعنى فيهم مقصود ~~يجب طلبه والبحث عنه، والله أعلم. # ثم أجمع أن الصغير الذي يكفيه قدر اللقمة -لقمة الكبير- لم يقم في حق ~~الإطعام إلا # PageV03P594 # من حيث التمليك؛ إذ أجمع على أقل المقدار أنه مد، والمد يكفي عشرة مثله؛ ~~ثبت أنه لا إلى مثله رجع الخطاب، وأيد ذلك قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم) أن مثله لا يبلغ أقل ما يطعم الأهل، على أنه لو أريد بالأهل: ~~الزوجة، لكان مثلها لا يطعمها الزوج، فثبت أن المراد راجع إلى الخصوص، ~~والله أعلم. # والأصل في ذلك ما بينا من تألم الطبع بدفع مثله، وابن يوم يميل الطبع إلى ~~إرضاع مثله، بل لا يحتمل إمهاله. # وبعد: فإن مثله لا يطعم؛ فثبت أن الأمر راجع إلى حد، والله أعلم. # وعلى ما ذكرنا قالوا في الوالدين والولد إنه لا يجوز؛ لأن الطبع يألم ~~بمسكنة هؤلاء، لا بما به دفع المسكنة عنهم، بل جعل الله - تعالى - الطبائع ~~بين هؤلاء بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، وبحيث يجتهد كل بدفع ~~الضرر عنهم على مثل الدفع عن نفسه، وبذل المال لصون عرضهم؛ حتى لقد يشتم من ~~لم يتعاهد منهم ذلك، ويلام أعظم اللوم، وإذا كان كذلك لم يتضمنهم هذا ~~الأمر؛ إذ هم بهذا يقومون بذلك بحق الطبيعة، لا بأمر، وقد بينا وجه الكفارة ~~أنه في مخالفة الطبع، والله أعلم. # وعلى ذلك ما روي عن الذي أمر بتفريق زكاته فأعطى ابنه؛ فاختصما إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: " يا فلان، لك ما نويت "، وقال للآخر: ~~" لك ما أخذت " ولو كان يجوز اختيار مثله لكان ذلك أحب ما صار إليه وآثر. # ثم قد روي عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام ms1361 - أنه قال: " أنت ومالك ~~لأبيك "؛ # PageV03P595 # فلا يحتمل مع هذا الجواز بالاختيار، ويصير ما يدفع إلى ابنه كأنه له، وما ~~يدفع إلى أبيه كأنه لنفسه دفع؛ فلذلك لم يجز. # والأصل في هذا وفي الزكاة أنها حقوق جعلها الله - تعالى - في الأموال ~~لوجهين: # أحدهما: بما ابتدأ الله عبيده بالنعم، وخصهم بإعطاء ما اشتهت أنفسهم، ~~ومالت إليه طباعهم؛ فاستأداهم شكر ذلك بالذي جعل في طباعهم النفار عنه، وفي ~~أنفسهم الألم به من الإخراج عن الملك، ومعونة من لم يكرمهم به، ولا أنعم ~~عليهم به. # والثاني: أن يكونوا اقترفوا مأثما بما أعطوا أنفسهم مناها، وأوصلوا ~~طباعهم إلى هواها بغير الوجه الذي أذن له في ذلك من هو له في الحقيقة، وهو ~~الذي اختصهم، فعرض عليهم الخروج بما فعلوا من الوجه الذي في الطبع النفار ~~عنه، وفي النفس الألم به؛ ليذيقوا أنفسهم بدل ما أعطوها من اللذة المرارة، ~~فمن هو من المتصدق بالمحل الذي يجد به هذا، فهو مقابل ما له أكرم وبه ~~اقترف، ومن لا يجد به هذا فليس بمقابل ذلك، فلم يف بحق الشكر ولا بحق ~~التكفير، فلم يخرج مما عليه من الفرض، وإن كان الله بكرمه وجوده بحيث يرجى ~~منه العفو وعنه والقبول منه، والله أعلم. # وعلى ذلك عندنا أمر الزوجين؛ إذ يوجد بينهما في البذل شهوة وميل الطبيعة، ~~ويكون التناكح بمثله على ما ذكر من النكاح لأربعة أوجه: # أحدها: لمالها، وما كذلك الموجود في الطباع، والله أعلم. # وعلى هذا المعنى يخرج أمر الشهادة؛ إذ هي مؤسسة على دفع التهم عن ~~المدعين، فإذا رجعت منافعهم إلى حججهم تمكنت فيهم ذلك فلم يقبل. # وجملة ذلك: أن الشهادة ودفع الزكاة والكفارات بحق الأمانات، وهي بحيث لا ~~يسع للأمناء الانتفاع بها، فكل وجه فيه انتفاع المؤتمن فإنما له الانتفاع ~~به بلا تمانع في العرف أو بما في الطبع إيثار نفعه، فكان له فيه ما بزواله ~~جعل أمينا؛ فلا تثبت له الأمانة فيه، والله أعلم. # وعلى هذا يخرج أمر الدفع إلى المكاتب والشهادة له، والله أعلم. ms1362 # ثم الدفع إلى الكفار: القياس أن يجوز جميع ذلك من حيث كان المعنى الذي له ~~يختار # PageV03P596 # في الدفع إليهم أن يجد من ثقل الطبع وألم النفس، وعلى ذلك أجيزت عندنا ~~الكفارات، وأيد ذلك قوله - تعالى -: (إن تبدوا الصدقات. . .) إلى قوله: ~~(ويكفر عنكم من سيئاتكم)، صير الصدقات مكفرة لما ذكرتم؛ يدل على ذلك فيما ~~قال أهل التفسيهر في قوله: (ليس عليك هداهم. . .) الآية، أن ذلك في التصدق ~~على أهل الكفر، أي: لا يمنعك ذلك، وكان على إثر الوعد بالتكفير بالصدقة، ~~فامكن أن يكونوا هم في ذلك مع ما كانت الكفارات جعلت بشرط المسكنة، وقبيح ~~في المسلم دفع السؤال وإن كانوا كفرة، فجائز الدفع إليهم. # وجملة ذلك: أن ذلك بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لم يؤذن له، ~~فيكون كفارتها بالكف عن شهوتها فيما كان يحل، والبذل بالذي كان يسعه منع ~~ذلك، وذلك المعنى موجود في ذلك، على أن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم في ~~الإسلام؛ لم يجز المنع، والله أعلم. # وأما الزكاة: فهي مخصوصة بما جاء من إضافة الدفع إلى من يؤخذ من غنيهم، ~~ولما بين أهلها، وجعل عليها سعاة؛ ليتحروا المواضع. # وأمر الكفارات جعل إلى أربابها إيجابها والخروج عنها في تخير أهلها مع ما ~~كانت الزكاة أوجبت بلا كسب بحق الشكر، وحق الشكر الإنفاق في الطاعة. # ثم كان الإنفاق على من يطيع الله به يخرج مخرج المعونة على الطاعة، وعلى ~~الكافر لا؛ فيقتصر عن شرط التمام في معنى الشكر، والكفارة في حق إعطاء ~~النفس الشهوة، فيمتحنها بإخراج ما في شهوتها المنع، وذلك المعنى موجود في ~~الكافر على التمام؛ لذلك اختلفا. # وبعد: فإن الزكاة تجب بلا إيجاب، وقد قطع الله الحق الذي ذلك سبيله، ثم ~~بين مختلفي الملك بحق المواريث والكفارات يجب بما اكتسبوا، وبين الفريقين ~~في الحقوق المكتسبة اشتراك، ولا قوة إلا بالله. # PageV03P597 # والأصل في ذلك أن الزكاة أوجبت في الأموال حقا للفقراء، ثم هي تخرج إلى ~~من أوجبت لهم، فما لم يعلم من أوجبت له لم تخرج على ms1363 مثل حقوق المواريث؛ ~~للقرابة، وغير ذلك، والكفارات ليست بواجبة في الأموال تخرج، بل ينظر إلى ~~وقت الدفع والقيام بالتكفير، فإن كانت له أموال دفعها منها، وإلا ليست ~~عليه؛ فصارت الحقوق كأنها بالدفع تقع؛ إذ لو توهم وقت الوجوب له الغنى ~~والفقر لكان الأمر لا يختلف، وإذا كان، كان كذلك، وله ابتداء التصدق عليهم ~~بحق التطوع والنذور وغيرهما فيجوز فيهم، والزكوات؛ إذ الدفع منها تسليم إلى ~~من كان له الحق، احتيج في ذلك إلى مبين ذلك، والله أعلم. # وصدقة الفطر بحق إظهار السرور، ودفع السؤال؛ كما روي عن نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: " أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم " لا بحق ~~ما كان جعل في ماله يخرج منه، بل بحق المعونة، وذلك لازم في العقول لكل ~~سائل وبخاصة في الدفع إليهم؛ ليمتنعوا هم بما فيه سرور أهل الإسلام، والله ~~أعلم. # وأيضا: إن الزكوات أوجبت في الابتداء حقا للفقراء؛ إذ الله - سبحانه ~~وتعالى - أخرج أرزاق الخلق أملاكا لبعضهم، وألزمهم تحمل كفاية من لم يملكهم ~~أعين تلك الأموال؛ إذ لم يخلق ابتداء الخلق لهم الجملة. # وإذا كان محل الزكوات في الابتداء وجعل لأهلها بها الغنى، وأهل الكفر ~~أبوا قبول الدين الذي ذلك حق جعل للمحتاجين في أموال الأغنياء، فلم يكن لهم ~~في مذهبهم ذلك الحق، بل لو كان، كان في أموال أغنياء مذهبهم، ولأهل الإسلام ~~أن ذلك الحق في أموال أغنيائهم، وكذلك من عليهم الحق قبلوه بالدين لأهله لم ~~يدخل في ذلك غيرهم. # ثم كانت الكفارات والنذور ونحوها ليست بمجعولة بالدين لحق الفقراء، وإنما ~~هي واجبة بتعاطي أرباب من لزمهم؛ ليتقربوا بها إلى ربهم، ويخرجوا بها مما ~~جنوا على مذهبهم، وقد جعل ذلك في جملة الصدقات، وفي أنواع العبادات التي لا ~~عبرة فيها لمنافع الخلق؛ فثبت أنها لم تجب لهم، وإنما الشرط عليهم فيها ما ~~يكون عبادة وقربة إلى الله تعالى، وقد جعل الله - تعالى - في الدفع إلى ~~مساكينهم قربة وعبادة، فجازت، وعلى هذا يخرج قولنا في العتق، على ms1364 أن قولنا ~~بجميع المخالفين لنا في هذا أولى؛ لأن مذهبهم # PageV03P598 # اعتماد العموم إلا في قدر ما يمنعهم عن ذلك، والعموم بجميع الفرق كلهم ~~باسم المساكين، واسم تحرير الرقبة، ولا دليل لهم على الخصوص إلا ضرب من ~~القياس. # ومن مذهبه أن إخراج بعض ما تضمنه الاسم لا يوجب خصوص ذلك، فكذا يلزمهم ~~ألا يخصوا الوجود التخصيص في غيره؛ إذ ذلك أبعد، على أنهم أجمعوا ألا يقاس ~~ما ليس فيه ذكر التتابع على المذكور، فمثله أمر الإيمان. # وجملته: أنه قد يجوز في العتق مع قيام كثير من العيوب التي لا تحتمل ~~التغير؛ فيعيب الدين الذي يمكنه أحق، وكذلك من قول الجميع: إن العجز بالمرض ~~عن المكاسب لا يمنع؛ إذ هو قد يزول، فالذي لا عجز فيه ويمكنه اختياره أحق ~~أن يجوز، والله أعلم. # ثم الأصل: أن الله - تعالى - في الكفارة التي جعل الإيمان فيها شرطا، ذكر ~~العتق # PageV03P599 # في ذلك في قتل ثلاث فرق، ذكر في كل مرة (وتحرير رقبة مؤمنة)، # لم يدع ذكر ذلك في شيء منها للذكر في نوع من ذلك، على قرب ما بين أولئك ~~الأسباب، فلو كان يحتمل الاقتصار على بيان الكفاية دون المبالغة، أو يجب ~~ذلك في النظر - لكان يذكر مرة كفاية على نحو الصوم فيه، فإذا لم يكتف على ~~تقارب المعنى بان أن ذلك نوع ما لم يؤذن فيه تعليق الحكم بالمعنى، بل لو ~~كان مأذونا فيه، لكان يوجد في القتل معان لا توجد في غير ذلك؛ فلا يجوز ~~قياس غيره عليه، والله أعلم. # فإن قال قائل: إذ قال الله - تعالى -: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) ~~ثم قد جعل سيئة الظهار والقتل: عتق رقبة، وبالصيام: صوم شهرين متتابعين، ~~فكيف جعل مثل سيئة الحنث بالعتق: عتق رقبة، وبالصيام: ثلاثة أيام؛ فلو كان ~~ثلاثة عديل العتق لماذا زاد في الظهار والقتل في الجزاء؟ # نقول - وبالله التوفيق -: لذلك أجوبة ثلاثة: # أن الجزاء في الدنيا هو ما يجوز به المحنة ابتداء؛ لا على الجزاء، فعلى ~~ذلك يجوز فيه الزيادة ms1365 بحق المحنة، لا الجزاء والقضاء، وبحق العفو، كما قال ~~- عز وجل - (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقال (وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات) وفي الآخرة لا يكون بحق ابتداء المحنة، إنما ذلك بحق الجزاء وهو ~~- عز وجل - حكيم عدل لا يزيد على ما توجبه الحكمة، ويجوز التجاوز بما هو ~~عفو كريم؛ فلذلك اختلف الأمران. # والثاني: أن يقال: حق جزاء كل ما فيه العتق صيام شهرين متتابعين، ولله ~~العفو فيه، عامل الحانث فرضي منه بصوم ثلاثة أيام؛ لما علم - عز وجل - في ~~ذلك من المصالح، والله أعلم. # والثالث: أن يكون حق الجزاء في اليمين بالصيام ما ذكره، وكذلك في القتل ~~والظهار، وفيهما حق العتق كذلك، وفي اليمين دونه، ولكنه تمم بما لا يحتمل ~~التجزئة على حق كل شيء لا يتجزأ أن جزءا منه متى وجب يجب كله؛ فعلى ذلك ~~العتق، والله # PageV03P600 # أعلم. # ثم نقول: وظاهر هذا يشهد لأبي يوسف - رحمه الله - ومحمد - رحمه الله -: ~~أنه متى أوجب جزءا منه عتق كله؛ إذ لا يحتمل التجزئة؛ دليله أمر الكفارات، ~~والله أعلم. # ومذهب أبي حنيفة: أنه يحتمل أن يكون هذا لما لا يحتمل العتق التجزئة، ~~ويحتمل: أن يكون؛ لما لا تحتمل حقوق العتق التجزئة، وإن كان العتق في نفسه ~~محتملا؛ فيجب عرض ذلك على ما فيه بيانه؛ فوجد الأمر بالتحرير حيث كان، كان ~~بذكر الرقبة، ولو كان لا يحتمل من حيث التحرير التجزئة، لكان ذكر التحرير ~~كافيا عن ذكر الرقبة، فإذا ذكر في كل ما أمر بأن أنه ذكر؛ ليتمم بالإعتاق، ~~لا أنه يتم بلا ذكر؛ فعلى ذلك أمر الطلاق لم يذكر فيها معنى رقبتها؛ لما لا ~~يحتمل - والله أعلم - بعض ذلك، ثم كانت الحقوق ترجع إلى الانتفاع، أو قول، ~~أو مضرة، أو نحو ذلك، لا يحتمل نفوذ من المعتق من دون غيره، ثبت أن ذلك إن ~~كان كذلك، فهو لما لا يحتمل حقوقه أكمل؛ إذ في ترك الإكمال فوت نفع ما ~~أوجب، والله أعلم. # ثم قد يجوز إعتاق الجزء من حيث كان الملك والحرية بأخذ العين، ms1366 والمنافع ~~تصل إلى المباشرة، والمباشرة لا تحتمل التميز، وفي القول فيه، والملك فيه ~~جملة يحتمل لذلك اختلفا، وعلى ذلك أمر الطلاق لا ملك، ثم في النفس، إنما ~~حقيقة المباشرة والانتفاع، وذلك لا يحتمل الجزء المطلق منها أوجب دون غيره؛ ~~فلذلك أكمل، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (93) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس. . .) الآية. # PageV03P601 # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (والميسر): القمار. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة ~~التي تزجر زجرا؛ فإنها من الميسر ". # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثله. # وعن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من لعب بالنرد ~~فقد عصى الله ورسوله ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: " الميسر قمار ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: " لأن آخذ جمرتين من نار فأقلبهما في يدي ~~أحب إلي من أن أقلب كعبتي نرد ". # وعن علي - رضي الله عنه - أيضا قال: " الشطرنج هو ميسر الأعاجم ". # وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهؤلاء السلف قالوا: الميسر: القمار ~~كله، # PageV03P602 # حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " لا جلب، ولا جنب، ولا شغار، ولا ~~وراط في الإسلام " # وقيل: الوراط: القمار. وقيل: الجلب: هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو أو ~~يحرك وراءه الشيء يستحث به السبق. والجنب: هو الذي يجنب مع الفرس الذي به ~~يسابق فرس آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس المجنوب، فأخذ السبق. # وأجمع أهل ms1367 العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان على المخاطرة مثل ~~القمار، وما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه خاطر أهل مكة في غلبة ~~الروم فارس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " زدهم في الخطر وأبعدهم ~~في الأجل " - فكان ذلك والنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة في الوقت الذي ~~لم ينفذ حكمه، فأما في دار الإسلام: فلا خلاف في أن ذلك لا يجوز، إلا ما ~~رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل، إذا كان الآخذ واحدا: إن سبق ~~أخذ، وإن سبق لم يدفع شيئا، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين أيهما سبق أخذ، ~~ودخل بينهما فرس: إن سبق أخذ، وإن سبق يغرم صاحبه شيئا - فهو جائز، ويسمى ~~الداخل بينهما: المحلل. # فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " لا سبق إلا في خف، أو حافر، [أو نصل "] هذا الذي ~~وصفنا كله من الميسر. # PageV03P603 # والأنصاب: هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون ~~لها. # وأما الأزلام: فالقداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها، ~~ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة؛ لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون ~~الثمن على الذي خرج سهمه أخيرا، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء، ففيه ~~إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز، فعوتبوا على ~~ذلك، فعلى ذلك الحكم بالقرعة تسليم إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير ~~المحق، فيلحق هذا ما لحق أولئك. # ثم أخبر أن ذلك كله (رجس من عمل الشيطان)، وليس هو في الحقيقة عمل ~~الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة، لكن نسب ذلك إليه؛ لما يدعوهم إلى ~~ذلك، ويزين لهم، وكذلك قول موسى - عليه السلام -: (هذا من عمل الشيطان) إنه ~~كذا، وكذلك قوله - تعالى -: (فأخرجهما مما كانا فيه)، وهو - لعنه الله - لم ~~يتول إخراجهما، ولكن كان سبب الإخراج والإزلال، وهو الدعاء إلى ذلك، ~~والمراءاة لهم، فنسب ذلك إليه، والله أعلم. # قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن ms1368 يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) # وقوله - عز وجل -: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر) # هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على ~~الألفة # PageV03P604 # والمودة، على ذلك تجمعهم في الابتداء، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع ~~بينهم العداوة والبغضاء؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة ~~والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم، وتفريق جمعهم، وهو ~~كقوله - تعالى -: (يدعوهم إلى عذاب السعير) ولو دعاهم إلى عذاب السعير ~~لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير، فعلى ~~ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب ويوقع بينهم ~~العداوة والبغضاء، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب؛ كما روي: " الأعمال ~~بالخواتيم ". # وفي الآية دليل تحريم الخمر؛ لأنه قال: (رجس من عمل الشيطان) والرجس ~~حرام؛ كقوله تعالى: (فإنه رجس أو فسقا)، وما يدعو إليه الشيطان -أيضا- ~~حرام، وكذلك قوله: (قل فيهما إثم كبير)، والحلال المباح لا إثم فيه، ولا ~~يسمى رجسا، وكذلك روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قام، فخطب ~~الناس، فقال:، يا أيها الناس، إن الله يعرض على الخمر تعريضا، لا أدري لعله ~~سينزل فيها " ثم قال: " يا أهل المدينة، إن الله قد أنزل تحريم الخمر، فمن ~~كتب هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها، ولا يبعها " قال: فسكبوها في ~~طريق المدينة. # وعن عمر - رضي الله عنه - قال: لما نزل تحريم الخمر قال: " اللهم بين لنا ~~في الخمر بيان شفاء "؛ فنزلت الآية التي في البقرة: (يسألونك عن الخمر ~~والميسر) فقرئت عليه؛ فقال عمر - رضي الله عنه -: " اللهم بين لنا في الخمر ~~بيان شفاء "؛ فنزلت الآية التي في النساء: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)، ~~فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة قال: " لا ~~يقرب الصلاة سكران " فدعي عمر - رضي الله عنه - فقرئت عليه؛ فقال: " اللهم ~~بين لنا ms1369 في الخمر بيان شفاء ". فنزلت الآية التي في المائدة: (إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) فدعي عمر - # PageV03P605 # رضي الله عنه - فقرئت عليه، فلما بلغ: (فهل أنتم منتهون) قال: انتهينا، ~~انتهينا. # وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر ~~وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا ~~رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟ والله لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا ~~الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قائما على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: (إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء. . .) إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) فالخليطان حرام. # فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا ~~غلا واشتد فصار مسكرا - خمر. # واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما ~~الله - يقولان: ما كان من الأشربة نيئا متخذا من النخلة والعنب فهو حرام: ~~كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء ~~الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الخمر من هاتين ~~الشجرتين: من النخلة والعنب " ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ~~ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة. وأما ما اتخذ من غير # PageV03P606 # النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئا إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من ~~الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه ~~قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب. # وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخا فهو حلال وإن قل طبخه، إلا ~~العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. # وكانا يفرقان بين العصير وغيره: بأن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك ~~بحاله غلا فأسكر، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر، فلم ~~يخرجه الطبخ من حده الأول؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه؛ ~~إذ لم يجعل فيه شيء غيره، وسائر ms1370 ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم ~~يسكر حتى يلقى عليه الماء ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ~~ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ ~~يسكر، فإذا صار العصير في حال إن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره ~~كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقي عليهما الماء فطبخا؛ وعلى ذلك ما روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ فيذهب عنه ~~سلطانه، يقول: إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه، ~~فإذا صار لا يغلي بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه. # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا ~~طلحة - رضوان الله عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. # PageV03P607 # وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بين المطبوخ وبين ~~المثلث والمنصف من العصير. # فأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنيء منه فهو: أن ~~الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي تصير خمرا، فكل ما كان نيئا ~~من الشجرتين اللتين سماهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو حرام إذا ~~أسكر، فإذا كان مطبوخا فقد عمل فيه ما خرج به من حد الخمر. # فإن قيل: يجب أن يقاس ذلك على النيء؛ لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر. # قيل: الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر، ولا يقاس عليها غيرها، ~~وإنما يقاس على ما حرم وحل لعلة دون ما حرم بعينه، وأما غيره من الأنبذة ~~فإنما يحرم منه السكر؛ ألا ترى أنه في الخبر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما بعث أيا موسى ومعاذا إلى اليمن قال له أبو موسى: إن شرابنا يقال ~~له: البتع، فما نشرب منه وما ندع؟ قال: " اشربوا ولا تسكروا ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، ms1371 ~~والسكر من كل شراب. # PageV03P608 # وعن علي - رضي الله عنه - قال: فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر ~~قليلها وكثيرها ثمانون. فدل قول على - رضي الله عنه - فيما أسكر من النبيذ ~~ثمان، معناه: في السكر ثمانون، وذلك يدل أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " كل مسكر حرام " أن السكر منه حرام. # PageV03P609 # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه أتي بسكران، قال: يا أمير المؤمنين، إنما ~~نشرب من نبيذك الذي في الإداوة؛ فقال عمر - رضي الله عنه -: لست أضربك على ~~النبيذ، إنما أضربك على السكر. # فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على تحريم الخمر بعينها، والسكر من كل شراب. # وقوله - عز وجل -: (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة): يدل على، تحريمها؛ ~~لأنه إذا سكر، صده عن ذكر الله وعن الصلاة. # وقوله - عز وجل -: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... (92) في تحريم ~~الخمر، والميسر، والأزلام، والأنصاب، وغيرها، (واحذروا) معصيتهما وخلافهما ~~(فإن توليتم) عن طاعتهما فيما حرم عليكم وحذركم عنه: (فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلاغ المبين) في تحريم ذلك، والله أعلم. # (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) # وقوله - عز وجل -: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا) أي: شربوا من الخمر قبل تحريمها (إذا ما اتقوا) شربها بعد التحريم ~~(وآمنوا): أي: وصدقوا بالتحريم، (ثم اتقوا) شربها، (وآمنوا) في حادث الوقت، ~~(ثم اتقوا وأحسنوا). # وذكر في بعض القصة: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ~~ماتوا وهم يشربون الخمر؟. فنزل: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا. . .) الآية. # لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر؛ لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شربها ~~مباحا، ولم يشربوا بعد تحريمها، لكن هذا إن كان فإنما قالوا في أنفسهم؛ ~~فنزل: أن ليس عليكم جناح فيما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد ~~نزول حرمتها، والله أعلم. # وقال بعض الناس: إن في الآية تكرارا في قوله - تعالى ms1372 -: (إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا # PageV03P610 # الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين)، لكن ~~الوجه فيه ما ذكرنا، ليس على التكرار، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد) ~~وليس فيه بيان أنه ابتلى بالأمر فيه أو بالنهي، لكن بيانه في آية أخرى: أن ~~الابتلاء إنما كان بالنهي عن الاصطياد بقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا)، دل ~~هذا على أن المحرم كان منهيا عن الاصطياد بقوله: (وإذا حللتم)، وأن ~~الابتلاء الذي ذكر في الآية كان بالنهي عن الاصطياد، والله أعلم. # ثم اختلف في الآية: # قال بعضهم: النهي بشيء من الصيد لأهل الحرم؛ ألا ترى أنه روى في الخبر ~~قال: " لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها " فكان الابتلاء ~~بالنهي عن الصيد لأهل الحرم؛ لما أخبر أنه لا ينفر صيدها، وأما المحرم ~~فإنما نهي عن الاصطياد # PageV03P611 # بقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا) وبقوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). # وقال آخرون: الابتلاء بالنهي عن الاصطياد للمحرمين، وفي قوله: (لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم) نهي عن قتله، وهنالك نهي عن أخذه بقوله: (تناله أيديكم). # وقوله - تعالى -: (بشيء من الصيد): أي: في بعض الصيد دون بعض؛ لأن المحرم ~~لم ينه عن أخذ صيد البحر وإنما نهي عن أخذ صيد البر بقوله: (أحل لكم صيد ~~البحر) وقال - تعالى -: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) فذلك معنى ~~قوله: (بشيء من الصيد)، والله أعلم. # ويحتمل على التقديم والتأخير، كأنه قال: ليبلونكم الله بشيء ms1373 تناله أيديكم ~~ورماحكم من الصيد، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (تناله أيديكم): # قال بعضهم: ما تناله الأيدي هو البيض؛ وعلى هذا يخرج قولنا: إن المحرم ~~منهي عن أخذ البيض، فإن أخذ بيضا فإن عليه الجزاء، والذي يدل على ذلك ما ~~روي أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " في بيض النعام صيام يوم أو إطعام مسكين ". # وعن كعب بن عجرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في بيض نعام ~~أصابه محرم بثمنه. # PageV03P612 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - عليه ثمنه أو قيمته. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثله. # وقال بعضهم: تناله أيديكم: هو صيد الصغار، وهي الفراخ التي لا تطير فتؤخذ ~~بالأيدي أخذا. # وقوله - عز وجل -: (ورماحكم): قال بعضهم: ما رميت وطعنت. # وقيل في قوله: (تناله أيديكم): ما يؤخذ بغير سلاح، (ورماحكم): ما يؤخذ ~~بالسلاح من نحو: النبل، والرماح، وغيرهما من السلاح. # ثم في الآية دلالة أن المحرم قد نهي عن أخذ الصيد، وكذلك في قوله - تعالى ~~-: (وإذا حللتم فاصطادوا)، والاصطياد: هو الأخذ لا القتل، وإنما النهي عن ~~القتل في قوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). # وقوله - عز وجل -: (ليعلم الله من يخافه بالغيب) # ليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو أن يقال: ليعلم ما قد علم غائبا عن ~~الخلق شاهدا؛ كقوله - تعالى -: (عالم الغيب والشهادة. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (من يخافه بالغيب) اختلف فيه: # قال بعضهم: يخافه بالغيب: بغيب الناس؛ أي: يخافه وإن لم يكن بحضرته أحد. # وقال آخرون: يخاف العذاب بالأخبار وإن لم يشهد ويصدق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن اعتدى بعد ذلك) # أي: من استحل قتل الصيد بعد ما ورد النهي والتحريم (فله عذاب أليم). # والثاني: من اعتدى على الصيد بعد النهي على غير استحلال، (فله عذاب أليم) ~~إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وإذا عذب كان عذابه أليما. # PageV03P613 # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ... ~~(95) أي: وأنتم محرمون. الآية ms1374 في ظاهرها عامة على قتل الصيد كله، ثم إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في أشياء أذن في قتلها، فقال: " خمس ~~من الدواب لا جناح على من قتلهن وهو محرم في الحرم: الحدأة، والغراب، ~~والعقرب، والفأرة، والكلب العقور ". # وعن عائشة - رضي الله عنها -: قالت: " أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، ~~والكلب العقور ". # PageV03P614 # وفي بعض النسخ والأخبار: الذئب؛ فيحتمل أن يكون الكلب العقور: الذئب. # وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عما ~~يقتل المحرم؟ فقال: " الحية والعقرب، والفويسقة. # " ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور والسبع العادي ". # والكلب العقور الذي أمر المحرم بقتله: ما قتل الناس وعدا عليهم، مثل: ~~الأسد، والنمر، والذئب، وما كان من السباع لا يعدو، مثل: الضبع، والثعلب، ~~والهرة، وما أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم، فإن هو قتل شيئا منهن ~~فداه، وإن قتل شيئا من الطير سوى ما ذكر في الخبر فعليه جزاؤه. # وفي بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يقتل المحرم ~~الفأرة؛ فإنها توهن # PageV03P615 # السقاء ". # وقال بعض الناس: ما قتل المحرم من السباع التي لا يؤكل لحمها؛ فلا فدية ~~عليه؛ فكان تاركا لظاهر الآية، وهو قوله - تعالى -: (لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حر). فإن احتج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رخص للمحرم في قتل خمس من الدواب، وذلك ما لا يؤكل لحمه - قيل: أباح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل الخمس؛ لعلة: أنه لا يؤكل لحمها. فإن ~~قال: نعم - قيل: ما الدليل على ذلك؟ فإن قال: لأنها لا تؤكل؛ فكل ما لا ~~يؤكل من الصيد فقتله مباح؛ فيقال له: قولك: " لا يؤكل " ليس بعلة؛ لأن ذلك ~~لا يزول ولا يتغير، والعلة هي التي تحدث في وقت وتزول في وقت، ولو كان قول ~~القائل: " لا يؤكل "، علة فيما لا يؤكل - كان قوله: " يؤكل "، علة فيما ~~يؤكل، وكان الشيء علة ms1375 لنفسه. وهذا بين الخطأ، وإذا لم يكن تحريم أكل الخمسة ~~التي أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتلها للمحرم علة في إطلاق ~~قتلها، ما كان القياس عليها على ما لا يحل أكله مخطئا؛ لأن القياس إنما ~~يكون على العلل، وما لا علة فيه لا يجوز القياس عليه. # وعندنا: أن هذه الخمسة المسماة تبتدئ المحرم وغيره بالأذى، وإن لم ~~يبتدئها المحرم، وما سوى ذلك مما لا يؤكل لحمه - لا يكاد يبتدئ بالأذى حتى ~~يبتدئها الإنسان؛ فحينئذ تعرض له. # وبيان ذلك: أن الحدأة ربما أغارت على اللحم تراه في يدي الرجل، والغراب ~~يسقط على وبر الدواب فيفسده، والعقرب تقصد من تلدغه، وتتبع حسه، والكلب ~~العقور لا يكاد يهرب من الناس كما يهرب السباع سواه. # فأما الضبع والخنزير والكلب والذئب وأشباهها فهي تهرب من بني آدم، ولا ~~تكاد تؤذيهم حتى يبدءوها بالأذى؛ لذا جعلنا العلة فيما رخص النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للمحرم في قتله: ما يعرف من قصدها لأذى المحرم وإن لم ~~يؤذها المحرم؛ إذ كان ذلك معروفا فيها، معلوما # PageV03P616 # أنه أكثر شأنها؛ فلما لم يكن في سائر الطير المحرمة والسباع هذه العلة، ~~وكان المعروف فيها أنها لا تبتدئ بالأذى - لم يجز أن تشبه بالخمسة المسماة ~~في الخبر، فإذا ابتدأ منها مبتدئ المحرم بالأذى؛ كان حينئذ مثل الخمسة؛ ~~فجاز له قتلها بغير فدية. # وبعد: فإن الذي لا يؤكل لحمه يسمى: صيدا، والصيادون يصيدونه؛ فكان داخلا ~~تحت عموم الخطاب، ومخالفنا تارك لأصله في العموم؛ لأنه خص الآية بغير دليل، ~~ومن أصله أن الآية على العموم، ولا تخص إلا بدليل، وأصحابنا - رحمهم الله - ~~يجعلون الصيد كله محظورا أكل أو لم يؤكل إلا ما عدا منها، فإن قتله قبل أن ~~يعدو عليه لزمه الفداء؛ ذهبوا في ذلك: # إلى ما روي في الخبر: خبر أبي سعيد - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: " يقتل المحرم كذا وكذا والسبع العادي "، ~~فالعادي: ما يعدو على المحرم. # وإلى ما روي عن علي بن ms1376 أبي طالب - رضي الله عنه - وغيره، مع ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل على المحرم قتل ضبعا - جزاءه، وكذلك ~~روي عن عمر وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - وهي مما يؤكل. # PageV03P617 # وعن جابر قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع؛ فقال: " هو ~~صيد، وفيه كبش ". وعن عمر - رضي الله عنه - كذلك، وابن عباس وابن عمر - رضي ~~الله عنهما - كذلك. # وقوله - عز وجل -: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) # اختلف في الآية في تأويلها على وجهين: # أحدهما: من جعل الآية على ظاهرها؛ فلم يوجب في الخطأ كفارة: عن ابن عباس ~~- رضي الله عنه - قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ؛ فليس عليه شيء. # وكذلك روي عن عطاء وسالم والقاسم أنهم قالوا: لا شيء عليه، مثل قول ابن ~~عباس، رضي الله عنه. # والقول الثاني: ما قاله أكثر أهل التأويل: قالوا: قوله: (ومن قتله منكم ~~متعمدا) لقتله، ناسيا لإحرامه؛ فذلك الذي يحكم عليه، وهو الخطأ المكفر. وإن ~~قتله # PageV03P618 # متعمدا لقتله، ذاكرا لإحرامه - لم يحكم عليه. # وكذلك روي عن الحسن أنه قال: متعمدا لصيده، ناسيا لإحرامه، وقال: (ومن ~~عاد فينتقم الله منه) متعمدا للصيد، وذاكرا لإحرامه؛ فكأنهم ذهبوا إلى أن ~~المحرم لا يقصد قصد الصيد وهو ذاكر لإحرامه. أحسنوا الظن به. # وعندنا: أن الإحرام مما لا يجوز أن يخفى على المحرم وينساه؛ لأن للإحرام ~~أعلاما تذكره تلك الأعلام الحال التي هو فيها، وعندنا: أن ما لا يجوز أن ~~ينسى ويخفى على المرء لم يعذر صاحبه في نسيانه، وعندنا: أن على قاتل الصيد ~~الكفارة، عمدا قتله أو خطأ، وليس تخلو الآية من أن تكون أوجبت الكفارة على ~~المتعمد للقتل الناسي لإحرامه؛ كما قال الحسن ومجاهد، أو تكون أوجبت ~~الكفارة على المتعمد للقتل، ذاكرا لإحرامه؛ فإن كان وجب أن يكفر من قتله ~~عامدا لقتله، ناسيا لإحرامه - فإن الذي يقتله عامدا لقتله ذاكرا لإحرامه ~~أولى بالكفارة؛ لأن ذنبه أعظم، وجرمه أكبر. # فإن قيل: إنكم لا توجبون الكفارة ms1377 على قاتل النفس عمدا؛ فما منع أن يكون ~~قتل الصيد مثل ذلك وإن كان حرمته أعظم كما؟! قيل: إن قاتل النفس عمدا - وإن ~~كنا لم نوجب عليه الكفارة - فقد أوجبنا عليه القصاص، وهو أغلظ من الكفارة، ~~وقاتل الصيد عامدا لقتله ذاكرا لإحرامه، لو أزلنا عنه الكفارة - فلا شيء ~~عليه سواها؛ لذلك اختلفا. ثم نقول: إنا عرفنا الحكم في قتل الصيد عمدا ~~بالكتاب، والحكم في قتل الصيد في الخطأ إنما يعرف بغيره، وليس في ذكر الحكم ~~وبيانه في حال دليل نفيه في حال أخرى؛ دلنا على هذا مسائل قد ذكرناها فيما ~~تقدم في غير موضع كرهنا إعادتها في هذا الموضع. # ثم تخصيص ذكر الكفارة في قتل العمد يحتمل وجوها: # أحدها: أن الكفارة في قتل النفس إنما ذكرت في قتل الخطأ ولم تذكر في قتل ~~العمد؛ ليعلم: أنها إذا أوجبت في العمد فهي في الخطأ أوجب. # والثاني: أن الكفارة إنما وجبت بجنايته على صيد آمن به في الحرم، وكل ذي ~~أمانة إذا أتلف الأمانة لزمه الغرم، عمدا كان إتلافه أو خطأ؛ فعلى ذلك هذا، ~~والله أعلم. # والثالث: أن ذكر التخيير في حال الضرورة يخرج مخرج التوسيع والتخفيف على # PageV03P619 # أهلها، ولا يكون ذلك في غير حال الضرورة؛ فدل ذكره في غير حال الضرورة ~~على أن ذلك كالمذكور في حال الضرورة. # وقوله - عز وجل -: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) # اختلف أهل العلم فيما يجب، من المثل: # فقال قوم: في الظبي شاة، وفي النعامة: بدنة، وفي الحمار الوحشي: بقرة، ~~وأشباه ذلك. # وقال آخرون: المثل: قيمة الصيد، يقومه عدلان فيوجبان قيمته دراهم، فيشتري ~~بتلك الدراهم شاة، أو يجعله طعاما، فيتصدق به: على كل مسكين نصف صاع، أو ~~يصوم عن كل نصف صاع يوما. # وقال غيرهم: إن بلغ دما - ذبح شاة، وإن لم يبلغ دما: يتصدق به. # وأما قولنا: إن المثل هو القيمة، لا المثل في رأي العين: ذهبنا في ذلك ~~إلى وجوه: أحدها: أن المحرم إذا أصاب صيذا في هذا ms1378 الوقت - حكم بجزائه ~~حكمان؛ فلو كان مثل الظبي شاة في كل الدهور والأوقات - كان في جعلنا ما ~~تقدم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف من الحكم في ذلك كافيا ~~لا يحتاج إلى حكم غيرهم؛ فدل إجماعهم على أن حكم الحكمين باق، على أن المثل ~~غير مؤقت؛ بل هو مختلف على قدر الأزمنة والمواضع والأوقات، وإذا جعلنا ~~المثل قيمة كانت الحاجة إلى الحكمين قائمة، وإذا جعلناه هديا فالحاجة ~~إليهما زائلة، ولا يجوز أن يعطل أمر الحكمين وقد ذكره الله في # PageV03P620 # كتابه. # والثاني: ما أجمعوا عليه أن ما لا مثل له في الأنعام من الصيد إذا أصابه ~~المحرم فعليه قيمته؛ فإذا كان المثل في بعض الصيد قيمته، فهو في كل الصيد ~~قيمته، وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من السلف - رضي الله عنهم - أنهم قالوا ~~ذلك. # فإن قيل: ما لا مثل له من النعم لا يمكن قيمته أكثر من قيمته، قيل له ~~أترى، ذلك مثلا؟ فإن قال: بلى، قيل: فقد صارت القيمة مثلا في بعض الصيد، ~~فما منع أن تكون مثلا في كل الصيد؛ فإن قال: المثل: هو الهدي فيما له مثل، ~~فأما ما لا مثل له من الهدي، فليس الواجب فيه بمثل، إنما ذلك قيمة، ولم يجب ~~ذلك بنص الكتاب، وإنما وجب - ذلك بنص الكتاب - المثل من الهدي، فأما ما لا ~~مثل له: فإنما وجب قيمته بالإجماع، قيل له: حدثنا عن قول الله - تعالى -: ~~(لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، هل دخل في عموم الآية الفرخ ونحوه؛ فيكون ~~منهيا عن قتله؟ فإن قال: نعم، قيل: فإذا دخل الفرخ في عموم النهي عن قتل ~~الصيد فهو -أيضا- داخل في عموم قوله: (ومن قتله منكم متعمدا. . .) الآية. ~~فإن قال: لا يدخل الفرخ في عموم قوله - تعالى -: (لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم)، قيل له: قد قال الله - تعالى -: (ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم)، فروي أن ذلك في البيض والفراخ، فإن لم يجعل الفراخ ولا ~~شيئا منها داخلا في الآية، فما معنى ms1379 الآية؟ ونحن لا ننال بأيدينا من الصيد ~~إلا ضعافه وما يعجز عن الطيران والعدو منه، فالآية توجب أن الصيد كله قد ~~دخل في عمومها: ما قلت قيمته، وما كثرت، وذلك يوجب أن يكون الواجب من قيمة ~~الفرخ والعصفور مثلا، والله أعلم. # ولأن النعامة لا مثل لها من النعم، فمن أوجب فيها بدنة فقد أوجب فيها ما ~~ليس بمثل لها ولا نظير، ومن أوجب فيها قيمتها فقد أوجب مثلا لها، فهو موافق ~~للنص عندنا، والله أعلم. # وكذلك الموجب في الحمامة شاة لا تشبه الصيد المقتول في عينه، ولا في ~~صفته، ولا # PageV03P621 # في جنسه، فهو غير موجب المثل، بل الموجب فيها القيمة أقرب إلى إيجاب ~~المثل فيها، والله أعلم. # فإن قيل: كيف يسمى قيمة الشيء: " مثلا " وليست من جنسه، وإنما المثل ما ~~كان من جنس الشيء؟ قيل: قد ذكرنا أن قيمة ما لا مثل له من النعم تسمى: " ~~مثلا "، ولأن الله - تعالى - قال: (أو عدل ذلك صياما)، وإذا جاز أن يسمى ~~الصيام: " عدلا " للطعام، جاز أن تسمى القيمة: " عدلا " للصيد، وإنما صار ~~الصيام عدلا للطعام بالتقويم والمثل، والعدل في المعنى متقارب، والله أعلم. # ولأن الله - تعالى -: قال (يحكم به ذوا عدل منكم)، ولو كان المراد من ~~المثل: المنظور في رأي العين، لم يكن لشرط ذوي عدل فيه معنى؛ لأن المثل في ~~رأي العين يعرفه كل أحد به بصر، فيه أو لم يكن؛ فدل ما شرط من نظر ذوي عدل ~~على ما بطن فيه وخفي، لا ما ظهر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يحكم به ذوا عدل منكم) تأويله ما ذكرنا: ينظر إلى ~~رجلين عدلين، لهما بصر ومعرفة في ذلك، فيقومانه، ثم يشتري بها هديا إن شاء، ~~فيهدي، وإن لم يبلغ هديا قومت الدراهم طعاما، فإن لم يجد، صام مكان كل نصف ~~صاع يوما. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - كذلك، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، ~~والسلف جملة. # وعندنا: أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة، يفعل أي هذه الثلاثة شاء؛ لأن ~~الله - تعالى -: قال ms1380 في المحصر: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)، ولا ~~خلاف بينهم في أن # PageV03P622 # لصاحب الفدية في حلق الرأس أن يفعل أي هذه الثلاثة شاء، فالواجب أن يكون ~~في جزاء الصيد مثله؛ لأن الخطاب خرج على حرف التخيير، وكل خطاب خرج على حرف ~~التخيير، وكان سبب وجوبه واحدا - فهو على التخيير؛ نحو كفارة اليمين، وما ~~ذكرنا في دفع الأذى عن رأسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هديا بالغ الكعبة) شرط بلوغ الكعبة، وهو لا يبلغ نفس ~~الكعبة؛ فدل أن المراد رجع إلى بلوغه قرب الكعبة، وعلى هذا يخرج قولهم فيمن ~~حلف ألا يمر على باب فلان، فمر بقرب بابه - حنث؛ استدلالا بقوله: (هديا ~~بالغ الكعبة)، لم يرد به بلوغه عين الكعبة، ولكن قربها أو مكانها؛ فعلى ذلك ~~هذا، والله أعلم. # وكان محمد بن الحسن يقول: يحكم عليه بمثله من النعم حيث كان. # وأبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: يحكم عليه بقيمة الصيد في الموضع الذي ~~أصابه فيه. واختلافهما في هذا يرجع إلى ما اختلفا فيه من المثل عينا أو ~~قيمة. # وقد روي عن عمر، وعبد الرحمن - رضي الله عنهما - وغيرهما أنهم حكموا في ~~الظبي شاة، ولم يسألوا عن الموضع الذي أصيب فيه؛ فدل تركهم السؤال عن ذلك ~~على أن المواضع كلها كانت عندهم سواء، وأنهم أجروه مجرى الكفارات دون ~~القيم؛ لأنهم لو أجروا ذلك مجرى ضمان القيم، لسألوا عن أماكن الجنايات؛ إذ ~~كان الصيد يختلف قيمته، ولا يستوي في ذلك الأماكن كلها؛ فهذا يؤيد قول محمد ~~ومن وافقه. # وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك للحرم في الصيد، وكل من أتلف ~~ملك آخر أو جنى على مال أحد، إنما ينظر إلى قيمته في المكان الذي أتلفه؛ ~~فعلى ذلك النظر في الصيد إلى المكان الذي أصابه. # ثم المسألة في جزاء الصيد أين يذبح؟ عندهم جميعا: لا يجوز أن يذبح إلا ~~بمكة؛ لأنه لو جاز ms1381 أن يذبح في غير الحرم حيث شاء، زالت فائدة قوله: (هديا ~~بالغ الكعبة)، وليس في ذلك بينهم خلاف. # وأما الإطعام والصيام: فإن الله - عز وجل - لم يذكر فيهما موضعا، ولا جعل ~~لهما مكانا؛ فله أن يطعم، وأن يصوم حيث شاء. # PageV03P623 # فإن قيل: إن الهدى يذبح في الحرم؛ لمنفعة أهل الحرم به، ويتصدق به عليهم؛ ~~فعلى ذلك الإطعام يجب أن يطعم أهل الحرم؛ لأنه جعل لمنفعة لهم. # قيل له: لا خلاف بينهم: أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم وتصدق به على أهل ~~الحرم ألا يجوز؛ دل أنه لا لما ذكر، ولكن الهدي لا تذبح إلا بمكة؛ ألا ترى ~~أن من قال الله - تعالى -: عليه أن يهدي، ليس له أن يذبح إلا بمكة، ولو ~~قال: عليه الإطعام أو الصدقة، له أن يتصدق حيث شاء؛ دل أن الهدي مخصوص ذبحه ~~بمكة، لا يجوز في غيره، وأما الصدقة فإنها تجوز في الأماكن كلها؛ لذلك ~~افترقا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليذوق وبال أمره)، أي: لينال شدة أمره وألمه؛ كما نال ~~لذته. # وقيل: جزاء ذنبه، وهو الكفارة. # وقوله - عز وجل -: (عفا الله عما سلف) إذا تاب ورجع عما استحل من قتل ~~الصيد؛ وهو كقوله - تعالى - (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وقوله - عز وجل -: (ومن عاد فينتقم الله منه): أي: من عاد إلى # استحلال الصيد في الحرم ينتقم الله منه في النار. ويحتمل: من عاد إلى قتل ~~الصيد ينتقم الله منه بالكفارة. # وقوله - عز وجل -: (والله عزيز ذو انتقام)، أي: لا يعجزه شيء، ويقال: ~~عزيز، أي. كل عز عند عزه ذل. وغني، أي: كل غني عند غناه فقر، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97) اعلموا ~~أن الله شديد ms1382 العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # وقوله - عز وجل -: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما). # أخبر الله - تعالى - أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم، ثم اختلف أهل ~~التأويل في تأويله. # قال بعضهم: " صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف في البحر "، كذلك روي عن عمر ~~- # PageV03P624 # رضي الله عنه - أنه قال: " صيده: ما صيد، وطعامه: ما قذف ". # وعن أبي بكر وابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: " طعامه: ما قذف ". # وقال بعضهم: صيده: ما أخذ طريا، وطعامه: مليحة. # وقوله - عز وجل -: (متاعا لكم): أي: منفعة لكم، أي: للحاضر (وللسيارة): ~~أي: للمسافر. # وعن بعضهم: صيده: ما صدت طريا، وطعامه: ما تزودت في سفرك مليحا. # ثم يجيء على قول أصحاب الظاهر: أن يكون كل صيد البحر وطعامه حلالا مباحا ~~بظاهر قوله: (أحل لكم صيد البحر وطعامه. . .) الآية، وكذلك ما روي عن نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الطهور ماؤه، الحل ميتته " أنه لم يخص ~~ميتة دون ميتة، ولا طعاما دون طعام، غير أن المراد عندنا رجع إلى السمك ~~خاصة؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان، ~~أما الميتتان: فالجراد والسمك. . . " دل الخبر أن المراد من الآية والخبر ~~رجع إلى السمك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) عن ابن عباس - رضي ~~الله # PageV03P625 # عنه - قال: مبهمة، لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله. # وروي عن علي - رضي الله عنه - وهو محرم أنه دعي إلى طعام، فقرب إليه ~~يعاقيب وحجل -، فلما رأي ذلك على قام، وقام معه ناس؛ فقيل لصاحب الطعام: ما ~~قام هذا ومن معه إلا كراهية لطعامك؛ فأرسل إليه، فجاء، فقال: ما كرهت من ~~هذا، ما أشرنا، ولا أمرنا ولا صدنا. # قال علي - رضي الله عنه -: " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ثم ~~انطلق. # وعن عثمان - رضي الله عنه - مثله أو قريبا منه. # وأما عندنا: فإنه يحل للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم ms1383 يصده هو ولا صيد ~~له؛ لما روي عن أبي قتادة - رضي الله عنه - أنه كان مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى إذا كان ببعض الطريق بمكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو ~~غير محرم، فرأى حمار وحش، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطا، ~~فأبوا، فسألهم رمحه، فأخذه، ثم اشتد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض ~~أصحابه، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه ~~عن ذلك، فقال: " إنما هي طعمة أطعمكموها الله سبحانه "، وقال: " هل معكم من ~~لحمه شيء ". # وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: عقر أبو قتادة ~~حمار وحش ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا منه، ومعنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وفي خبر آخر عن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: إني أصبت حمار وحش، ~~فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش وعندي منه، فقال للقوم: " كلوا "، ~~وهم محرمون. # وفي بعض الأخبار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم: " لحم صيد البر # PageV03P626 # حلال لكم وأنتم حرم؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم "، رخص النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصده ولم يصد له، وبذلك أخذ ~~أصحابنا. # وفي الآية دليل لقولنا، وهو قوله - تعالى -: (لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم)، وقال: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) فمعناه - والله أعلم -: ~~اصطياده؛ ألا ترى أن صيد ما لا يؤكل لحمه محظور؛ فدل ذلك على أن الآية نزلت ~~في الاصطياد لا في أكل لحمه؛ لأن لحم الصيد قد خرج من أن يصاد؛ فالتحريم ~~غير واقع عليه، ليس كالبيض؛ لأن البيض قد يصير صيدا، واللحم ليس كذلك، ولأن ~~المحرم لو أتلف البيض غرم قيمته، ولو أتلف لحم الصيد لم يضمن شيئا، فما ~~لزمه الضمان منع عن أكله، وما لم يلزمه لا، ولأنه لو حرم على المحرم ~~التناول من لحم صيد صاده حلال، لوجب أن يحرم على ms1384 أهل مكة التناول منه؛ إذ ~~هم أهل حرم الله، وذلك بعيد؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بما روينا من ~~الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي قتادة وغيره، ~~وبما دل عليه ظاهر الكتاب، وهو قول عمر وعثمان وغيرهما، رضي الله عنهم. # فإن قيل: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن زيد بن أرقم أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهي المحرم عن لحم الصيد. # وفي خبر آخر عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - - قال: أهدى لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عضوا من لحم صيد، فرده، وقال: " إنا حرم لا نأكله ". # PageV03P627 # وروي في خبر آخر أنه سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن محرم أتى بلحم ~~صيد؟ قال: " لا تأكل منه " لكن هذا الحديث يجوز أن يحمل على أن كان صيد بعد ~~أن أحرم أو أن يكون صيد من أجله، وإذا صيد من أجله لم يحل له أكله؛ دليله ~~من خبر عثمان - رضي الله عنه -: " ما أمرت بصيد، ولا صيد من أجلي "، وخبر ~~جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لحم صيد ~~البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". # ثم المسألة في معرفة صيد البر من البحر: قال بعضهم: ما كان يعيش في البر ~~والبحر فلا تصيدوه، وما كان حياته في الماء فذاك البحري. # وقال آخرون: أكثر ما يكون في الماء حتى يفرخ. # وقال غيرهم: صيد البر هو الذي إن أخذه الصائد حيا فمات في يده لم يحل، ~~ولا يحل إذا أدرك زكاته إلا بتزكيته، فكل ما كانت هذه صفته فهو صيد البر، ~~وإن كان قد يعيش في الماء. # وما كان الصائد إذا أخذه حيا وهو يعيش في الماء فمات في يده أكله، فذلك ~~صيد البحر، وذلك السمك. # وفي ذلك وجه آخر: وهو أن كل ما ألقاه البحر وقذفه فمات فحل لنا أكله، ~~فذلك طعامه، وإن لم يحل أكله فليس بطعامه، فما كان طعامه وألقاه فمات ms1385 فهو ~~إذن صيد البحر، وما لا يحل أكله إذا ألقاه، فليس بصيد البحر إذا صيد؛ لأن ~~الله أباح صيد البحر وطعامه، فما ليس بطعامه إذا ألقاه فمات فليس بصيد إذا ~~أخذ حيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله) في استحلال قتل الصيد في الحرم، أو ~~اتقوا الله في أخذ الصيد في حال الإحرام بعد النهي، أو اتقوا الله في كل ما ~~لا يحل (الذي إليه تحشرون) فتجزون بأعمالكم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # ويحتمل قوله: (إليه تحشرون)، أي: إلى حكمه تصيرون؛ كقوله - تعالى -: (له ~~الحكم وإليه ترجعون)، والله أعلم. وقوله - عز وجل -: (جعل الله الكعبة ~~البيت الحرام قياما للناس ... (97) اختلف فيه: قال بعضهم قوله -تعالى -: ~~(قياما # PageV03P628 # للناس)، أي: ثباتا للناس ودواما؛ لأن الله - تعالى - جعلها موضعا لإقامة ~~العبادات، من نحو: الحج، والطواف، والصلاة، وإراقة الدماء، والهدايا، وغير ~~ذلك من العبادات، ثم إن تلك العبادات جعلها ثابنة دائمة لا تبدل ولا تنسخ ~~أبدا؛ فذلك معنى القيام للناس، والله أعلم. # وقال بعضهم: قياما بمعنى: قواما، أي: جعلها قواما لهم في معاشهم ومعادهم؛ ~~لأنه جعلها مأمنا لهم وملجأ؛ حتى أن من ارتكب كبيرة أو جرم جريمة ثم لجأ ~~إليه، لم يتعرض له بشيء من ذلك، ولا يتناول منه، وكانوا إذا وجدوا هديا ~~مقلدا لم يتعرضوا له وإن كانت حاجتهم إليه شديدة، ونحو هذا كثير مما يطول ~~ذكره. # وجعل فيها عبادات ومقصدا ما لم يجعل في غيرها من البقاع: من قضاء المناسك ~~وغيرها، وكذلك الشهر الحرام كان جعله مأمنا لهم إذا دخلوا فيه، يأمنون من ~~كل خوف كان بهم، وجعل في الهدايا والقلائد منفعة لأهلها؛ فكان في ذلك قواما ~~لهم في معاشهم ومعادهم. # وعن سعيد بن جبير: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس): شدة ~~لدينهم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك لتعلموا)، أي: ذلك الأمن وما ذكرنا من جعل الكعبة ~~قواما لهم في معاشهم ومعادهم؛ (لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض)، أي: على علم جعل هكذا قبل أن يكون ms1386 أنه يكون. # وقال بعضهم: قوله: (ذلك)، أي: ما سبق ذكره من تحريف الكتب وتغييرها ~~وتبديل نعته - صلى الله عليه وسلم - وصفته، أي: على علم منه بالتحريف ~~والتبديل خلقكم، لا عن جهل؛ ليمتحنكم؛ لما لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه ~~إيمان مؤمن، بل حاصل ضرر الكفر يرجع إلى الكافر، وحاصل نفع الإيمان يرجع ~~إلى المؤمن. # وقوله - عز وجل -: (اعلموا أن الله شديد العقاب ... (98) أي: اعلموا أنه ~~شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره، على ما علمتم أنه عن علم منه كان جميع ما ~~كان. # (وأن الله غفور رحيم) واعلموا -أيضا- أن الله غفور رحيم لمن تاب وأناب ~~إليه، وشديد العقاب؛ لأن من العقوبات ما ليس بشديد، وخاصة عقوبة الآخرة أنه ~~يعاقب # PageV03P629 # بالنار، وما من عقوبة إلا وقد يحتمل شيء منها سوى عقوبة النار؛ فإنه لا ~~يحتملها أحد، ولأن عقوبات الدنيا وعذابها على الانقضاء، وعذاب الآخرة لا ~~انقضاء له ولا فناء؛ لذلك وصف بالشدة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ~~(99) قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد ~~لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله ~~غفور حليم (101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # وقوله - عز وجل -: (ما على الرسول إلا البلاغ) فيه وجهان: # أحدهما: ردا على من يقول: إن الموعظة لا تنفع ولا تنجع فيه إذا لم يكن ~~الواعظ مستعملا لما يعظ غيره! إذ ليس أحد من الخلق أشد استعمالا من الرسل - ~~عليهم السلام - ثم لا تنفع مواعظهم وذكراهم قومهم، ولا تنجع فيهم؛ لشؤمهم ~~ولشدة تعنتهم. # والثاني: إنباء أن ليس على الرسل إلا البلاغ، ولا ضرر عليهم بترك القوم ~~إجابتهم؛ كقوله - تعالى -: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين). # وقوله - عز وجل -: (والله يعلم ما تبدون ms1387 وما تكتمون) ما تبدون من العداوة ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، وبنصب الحرب والقتال معهم، وما ~~تكتمون من المكر له، والقصد لقتله؛ كقوله - تعالى -: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله) الآية كانوا ~~يمكرون، ويقصدون قصد إهلاكه، لكن الله - عز وجل - أطلع رسوله على مكرهم، ~~وأخبر أنه يعصمه عن الناس، وقال -: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ~~ويسعون في الأرض فسادا). # وقوله - عز وجل -: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ... ~~(100) # يحتمل وجهين: # أحدهما: خرج عن سؤال قد سبق منهم عن كثرة الأموال؛ لما رأوا أولئك كانوا ~~يستكثرون ويجمعون من حيث يحل ولا يحل، فمالت أنفسهم إلى ذلك ورغبت، فقال: # PageV03P630 # (لا يستوي الخبيث والطيب) كأنه قال: إن القليل من الطيب خير من الكثير من ~~الخبيث، والله أعلم. # والثاني: أنهم رغبوا في عبادة أولئك من الترهب والاعتزال عن الناس؛ لدفع ~~أذى أنفسهم عنهم، وكثرة ما كانوا يتحملون من الشدائد والمشقة؛ فرغبوا في ~~ذلك، وهموا على ذلك، على ما ذكر في القصة عن بعض أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنهم هموا أن يترهبوا ويعتزلوا من الناس؛ فقال: (قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب) أن العمل القليل مع أصل طيب خير من الكثير مع خبث ~~الأصل. # وقوله - عز وجل -: (فاتقوا الله) في مخالفة أمره ونهيه (يا أولي الألباب) ~~فيه دلالة أن الله لا يخاطب أحدا إلا من كمل عقله وتم، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم ... (101) # يحتمل: أن يكون النهي عن السؤال عن أشياء خرج عن أسئلة كانت منهم لم يكن ~~لهم حاجة إليها؛ فنهوا عن ذلك إلى أن يقع لهم الحاجة فعند ذلك يسألون، ~~كأنهم سألوه عن البيان والإيضاح لهم قبل أن يحتاجوا إليه؛ ألا ترى أنه قال: ~~(وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم. . .) الآية. # ويحتمل: أن يكون خرج النهي عن السؤال ابتداء، على غير تقدم سؤال كان ~~منهم، ms1388 ولكن نهوا عن السؤال عنها. # ثم يحتمل بعد هذا: أن كان منهم على ابتداء سؤال، كان من أهل النفاق ~~يسألون سؤال تعنت لا سؤال استرشاد، يسألون منه آيات بعد ما ظهرت لهم، وثبت ~~عندهم الحجج، وعرفوا أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإن كان النهي ~~للمؤمنين فهو ما ذكرنا من سؤال البيان قبل وقوع الحاجة إليه. # PageV03P631 # وقيل: نزلت في قوم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء: قال ~~أحدهم: من أبي؟ وقال آخر: أين أنا؟ قال: " أنت في النار، وأنت ابن فلان " ~~ونحو ذلك من الأسئلة؛ فنهوا عن ذلك. # وقيل: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج، فقال رجل: أفي كل - ~~عام يا رسول الله؟ فقال: " " لو قلت: نعم، صار مفروضا، فإذا صار مفروضا ~~تركتم، وإذا تركتم جحدتم، وإذا جحدتم كفرتم؛ لأن من جحد فرضا مما فرضه الله ~~كفر " أو كلام نحو هذا، ولا يجب أن يفسر هذا أنه كان في كذا؛ إذ ليس في ~~كتاب الله بيان سوى أن فيه النهي عن سؤال ما لا يحتاج إليه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (لا تسألوا عن أشياء) قد عفا الله ~~عنها (إن تبد لكم تسؤكم)، أي: تظهر لكم تسؤكم، أي: أمرتم العمل بها، والله ~~أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # هذا يدل على أن النهي عن السؤال في الآي لأحد شيئين: # إما أن سألوا الآيات عنه بعد ما ظهرت وثبتت لهم رسالته، فلما أتى بها ~~كفروا بها؛ ألا ترى أنه قال: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها ~~كافرين)، وقد كان الأمم السالفة يسألون من الرسل - عليهم السلام - الآيات ~~بعد ظهورها عندهم. # PageV03P632 # ويحتمل: ما ذكرنا من قولهم: أين نحن؟ ومن أبي؟ ومن أنا؟ ونحوه، فلما أن ~~أخبرهم بذلك كفروا به، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ms1389 (103) وإذا قيل لهم ~~تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) يا أيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم ~~بما كنتم تعملون (105) # وقوله - عز وجل -: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام): ~~أي: ما جعل الله قربانا مما جعلوا هم؛ لأنهم كانوا يجعلون ما ذكر من ~~البحيرة والسائبة؛ وما ذكر قربانا يتقربون بذلك إلى الأصنام والأوثان التي ~~كانوا يعبدونها دون الله، فقال: ما جعل الله من ذلك شيئا مما جعلتم أنتم من ~~البحيرة والسائبة، فقوله: (ما جعل الله من بحيرة. . .) وما ذكر، أي: ما أمر ~~بذلك، ولا أذن به. # قيل: حرم أهل الجاهلية هذه الأشياء، منها: ما حرموه على نسائهم دون ~~رجالهم، ومنها: ما حرموه على الرجال والنساء، ومنها: ما جعلوه لآلهتهم به. # ثم قيل: البحيرة: ما كانوا يجدعون آذانها ويدعونها لآلهتهم. # والسائبة: ما كانوا يسيبونها. # والوصيلة: ما كانت الناقة إذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها؛ ~~فلم يذبحوها، وتركوها لآلهتهم. # قال أبو عبيد: البحيرة: إذا نتجت خمسة أبطن قطعت آذانها وتركت. والسائبة: ~~إذا ولدت خمسة أبطن سيبت؛ فلا ترد عن حوض ولا علف. والوصيلة من الغنم: إذا ~~ولدت # PageV03P633 # عناقين تركا، وإذا ولدت عناقا وجديا، قالوا: وصلت العناق الجدي وتركا، ~~وإذا نتجت جديا ذبح. والحامي: إذا نظر إلى عشرة من ولده، قيل: حمى ظهره؛ ~~فلا يركب، ولا يحمل عليه شيء. # وقال مجاهد: (ولا حام): إذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، ~~والحامي: اسم. والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد ~~بينها وبين ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرا أو ذكرين ~~نحر، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن أتأمت بذكر وأنثى فهي وصيلة؛ يترك ذبح ~~الذكر بالأنثى، وإن كانتا اثنتين تركتا. # وقال القتبي: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر نحر، فأكله ~~رجالهم ونساؤهم، ms1390 وإن كان الخامس أنثى شقوا أذنها، وكان حراما على النساء ~~لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء. # والسائبة: البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرضه، أو ~~بلغه منزله، أن يفعل ذلك. # والوصيلة من الغنم: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان ~~السابع ذكرا ذبح، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، ~~وإن كان ذكرا أو أنثى، قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبح لمكانها، وكان لحومهما ~~حراما على النساء، وليست الأنثى حراما على النساء، إلا أن يموت منهما شيء ~~فيأكله الرجال والنساء. # والحامي: الفحل إذا ركب ولد ولده. ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، ~~قالوا: حمى ظهره، ولا يركب، ولا يمنع من كلأ ولا ماء. # PageV03P634 # كانوا يحرمون الانتفاع بما ذكرنا، ويقولون: إن الله حرم ذلك علينا، وهو ~~ما ذكر في آية أخرى قوله - تعالى -: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) الآية، يحرمون أشياء على ~~أنفسهم، ويضيفون تحريمها إلى الله، ثم سفه أحلامهم بقوله: (ثمانية أزواج من ~~الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين)، لم يكن تحريمهم هذه الأشياء بالسمع، ولكن رأيا منهم ~~وتبحثا؛ فاحتج الله عليهم على ذلك الوجه؛ ليظهر فساد قولهم من الوجه الذي ~~ادعوا، فقال: (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) فإن قالوا: الذكرين، فقد كان من ~~الذكر ما لم يحرم، وإن قالوا: أنثى، فقد كان من الأنثى ولم يكن فيها تحريم؛ ~~ففيه دليل أن الحكم إذا كان بعلة يجب وجوب ذلك الحكم ما كانت تلك العلة ~~قائمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ... (104) الآية، كأنها نزلت في مشركي ~~العرب، وكانوا أهل تقليد، لا يؤمنون بالرسل، ولا يقرون بهم، إنما يقلدون ~~آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، فإذا ما دعاهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى ما أنزل الله إليه، أو ms1391 دعاهم أحد إلى ذلك، قالوا: (حسبنا ~~ما وجدنا عليه آباءنا)، كقوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون) ونحو ذلك: يقلدون آباءهم في ذلك؛ فقال الله - عز وجل -: (أولو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون)، أي: تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن ~~كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئا في أمر الدين ولا يهتدون، وكذلك ~~قوله: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) تتبعون آباءكم وتقتدون ~~بهم، وإن جنتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم ~~آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم ... (105) # PageV03P635 # ظن بعض الناس أن الآية رفعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعة في ~~ترك ذلك، وليس فيه رفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - ولكن فيه إنباء ~~أن ليس علينا فيما يرد ولا يقبل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - شيء، ~~وهو كقوله - تعالى -: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من ~~شيء)، وكقوله - تعالى -: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل. . .) الآية. ليس ~~فيه رخصة ترك تبليغ الرسالة إليهم، ورفعه عنه، ولكن إخبار أن ليس عليه فيما ~~يرد وترك القبول شيء، كقوله: (إن عليك إلا البلاغ)؛ فعلى ذلك الأول، والله ~~أعلم. # ويحتمل: أن يكون في الآية دليل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه ~~قال: (لا يضركم من ضل) بترك قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إذا ~~اهتديتم) أنتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر واجب، وبذلك وصف الله هذه الأمة بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). # وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من لم يرحم صغيرنا، ولم ~~يوقر كبيرنا، ولم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر فليس منا ". # وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل ~~علي - وقد حفزه - النفس، فتوضأ، ثم خرج إلى المسجد، فقمت ms1392 من وراء الحجاب، ~~فصعد المنبر، ثم قال: " أيها الناس، إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن ~~المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستغيثوني فلا ~~أغيثكم، وتستنصروني فلا أنصركم ". # وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: (يا أيها الناس، إنكم تقرءون ~~هذه # PageV03P636 # الآية، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الناس إذا ~~رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب "، وبقوله: (لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم) الآية. # ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: مع الكفرة: بالقتال ~~والحرب، ومع المؤمنين: باليد واللسان. # والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرض، ما لم يدخل في ذلك فساد، ~~ويصير الأمر به والنهي عنه منكرا، فإذا خشوا ذلك يرخص لهم الترك، وإلا روي ~~عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: " قولوها ما لم يكن دونها ~~السيف والسوط، فإذا كان دونها السيف والسوط فعليكم أنفسكم ". # وقوله - عز وجل -: (إلى الله مرجعكم جميعا). # الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي يرد عليه المعروف والنهي عن ~~المنكر. # (فينبئكم بما كنتم تعملون). # خرج على الوعيد والتحذير. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ~~(106) فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي # PageV03P637 # القوم الفاسقين (108) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ~~حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ... (106) # اختلف فيه: # عن قتادة قال: ms1393 رجل مات بقرية من الأرض وترك تركة، وأوصى وصية، وأشهد على ~~وصيته رجلين، فإن اتهما في شهادتهما استحلفا بعد صلاة العصر، وكان يقال: ~~عندها تصبر الأيمان. # (فإن عثر)، أي: اطلع منهما على خيانة على أنهما كتما أو كذبا، وشهد رجلان ~~أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادتهما، وأبطلت شهادة الأولين. # (اثنان ذوا عدل منكم) من المسلمين، (أو آخران من غيركم) من أهل الكتاب ~~إذا كان ببلد لا يجد إلا هؤلاء. # وعن الحسن قال: (اثنان ذوا عدل منكم): أي: من عشيرتكم، أو آخران من غير ~~عشيرتكم، فيقول: إن الحق على المسلم إذا أراد أن يوصي أن يسند الوصاية إلى ~~أهل عشيرته، وكذلك يشهد على ذلك من أهل عشيرته؛ لأن أهل عشيرته أحفظ لذلك، ~~وأحوط، وأكثر عناية، وأقوم للشهادة، ولا كذلك الأجنبيان. # فإن قال قائل: خاطب الله - عز وجل - المؤمنين جملة بقوله: (يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم) الآية، فكيف يحتمل أن يكون قوله: (أو آخران من غيركم) ~~من غير عشيرتكم، وكيف لا؟ انصرف قوله: أو آخران من غيركم من غير دينكم؟ ~~فنقول سبحان الله!! ما أعظم هذا القول!! يرد شهادة موحد، مخلص دينه لله ~~لفسق يرتكبه، ويأمر بقبول شهادة كافر، كاذب، قائل لله بالولد والشريك، هذا ~~مما لا يحتمل. # وقال -أيضا-: (تحبسونهما من بعد الصلاة) وهم كانوا يستهزئون بالصلاة إذا ~~نودي # PageV03P638 # لها بقوله: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا) دل أنه لا يحتمل ~~ما ذكروا. # وعن سعيد بن جبير في قوله: (أو آخران من غيركم) قال: إذا حضر المسلم ~~الموت في السفر فلم يجد مسلمين، فأوصى إلى أهل الكتاب، فإن جاءوا بتركته ~~فاتهموا حلف هؤلاء أن متاعه كذا وكذا وأخذوه. # وبعض الناس يجيزون شهادة النصارى واليهود في السفر في الوصية بظاهر ~~الآية. # وقال مجاهد: (أو آخران من غيركم): من غير ملتكم. # وعن عامر الشعبي قال: شهد نصرانيان على وصية مسلم مات عندهم، فارتاب أهل ~~الوصية، فأتوا بهما إلى أبي موسى الأشعري، فاستحلفهما بعد صلاة العصر بالله ~~ما # PageV03P639 # اشتريتما به ثمنا ms1394 قليلا، ولا كتما شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين. ثم ~~قال أبو موسى الأشعري: والله، إن هذه لقصة ما قضى بها منذ مات رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم. # قد بين الشعبي أن أبا موسى إنما استحلفهما فيما اتهما به من تركة الميت، ~~وهذه يمين واجبة عند المسلمين جميعا، ولم يحلفهما على أن ما شهدا به كما ~~شهدا به؛ كما زعم قوم أن شهادتهما تصح بيمينهما. # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - قال: خرج رجل من المسلمين، فمر ~~بقرية ومعه رجلان من المسلمين، فدفع إليهما ماله، ثم قال: ادعوا إلي من ~~أشهد على ما قبضتما. فلم يجدا أحدا من المسلمين في تلك القرية، فدعوا ناسا ~~من اليهود والنصارى، وأشهدهم على ما دفع إليهما، ثم إن المسلمين قدما إلى ~~أهله، فدفعا ماله إلى أهله، فقال الورثة: لقد كان معه من المال أكثر مما ~~أتيتما به. فاستحلفوهما بالله ما دفع إليهما غير هذا. ثم قدم ناس من اليهود ~~والنصارى، فسألهم أهل الميت، فأخبروهم أنه هلك بقريتهم، وترك كذا وكذا من ~~المال؛ فعلم أهل المتوفى أن قد عثروا على أن المسلمين قد استحقا إثما، ~~فانطلقوا إلى ابن مسعود، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، فقال ابن مسعود - رضي ~~الله عنه -: ما من كتاب الله من شيء إلا قد جاء على الدلالة إلا هذه الآية، ~~فالآن جاء تأويلها فأمر المسلمين أن يحلفا بالله (لا نشتري به ثمنا ولو كان ~~ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين). ثم أمر اليهود والنصارى ~~أن يحلفوا بالله لقد ترك من المال كذا وكذا، ولشهادتنا أحق من شهادة هذين ~~المسلمين، وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين ثم أمر أهل الميت أن يحلفوا ~~بالله: أن كان ما شهدت به اليهود والنصارى حق # PageV03P640 # فحلفوا، فأمرهم ابن مسعود أن يأخذوا من المسلمين ما شهدت به اليهود ~~والنصارى. وكان ذلك في خلافة عثمان بن عفان. # فإن ثبت هذا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - فهو خلاف ما ms1395 روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء ~~قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه ". # وهو -أيضا- غير موافق لظاهر الآية؛ فلا نراه ثبت هذا عن عبد الله بن ~~مسعود، رضي الله عنه. # وعن ابن عباس قال: كان رجل يقال له: تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان # PageV03P641 # إلى مكة في التجارة، فخرج رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس فيها مسلم؛ ~~فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاما من فضة، فاستحلفهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما كتمتما ولا اطلعتما. ثم عرف الجام بمكة، ~~فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله: ~~إن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما، فأخذوا الجام، وفيهم نزلت ~~هذه الآية. # وفي هذا الحديث أن اليمين وجبت على المدعى عليهم كما ادعى عليهم الورثة: ~~أنهم تركوا بعض تركة الميت، وفيه أن الإناء لما ظهر ادعى تميم وصاحبه، ~~أنهما اشترياه من الميت فكانا مدعيين، وحلف الورثة على دعواهم وصاحبه وهذان ~~حكمان موافقان لسائر الأحكام والسنن، فإن كان الأمر كما ذكر في هذا، فليس ~~في الآية نسخ، ولا فيها ما يخالف الأحكام الظاهرة، وليس يجوز - عندنا - أن ~~يحلف الشاهدان إذا كانا كافرين مع شهادتهما؛ لأن ظاهر الآية يوجب اليمين ~~على العدلين منا ومن غيرنا، فلما لم يجز أن يحلف الشهود المسلمين على ~~الوصية التي يشهدون لها، وإنما يحلفون على شيء إن ادعوا أنهم حبسوه شيئا، ~~كان سبيل الكفار كذلك. # وإذا كانت الآية نزلت في قصة تميم وصاحبه وكانا نصرانين، فإن ذلك يدل على ~~أن شهادة بعضهم على بعض جائزة؛ لأن الله - تعالى - قال: (اثنان ذوا عدل ~~منكم أو آخران من غيركم) فمعنى الآية على هذا التأويل، - والله أعلم - أن ~~يكون الميت خلف تركته عند ذميين، على ما ذكر في القصة، وقالا: ترك في ~~أيدينا كذا وكذا، وادعى الورثة أكثر من ذلك، فاستحلف المدعى قبلهم، وقوله: ~~(تحبسونهما) على هذا التأويل هو ms1396 المدعى عليهما. # PageV03P642 # وقوله - عز وجل -: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما ... (107) # يريد - والله أعلم - أن يشهد عليهما شاهدان منا أو منهم بشيء جحداه: أنه ~~من تركة الميت؛ فهذا استحقاق الورثة، فإذا قال المدعي قبلهما: اشتريناه من ~~الميت، فعلى الورثة أن يحلفوا؛ فهذا - والله أعلم - معنى قوله: (فآخران ~~يقومان مقامهما)؛ لأن الورثة صاروا مدعى عليهم، فقاموا في هذه الحال في ~~وجوب اليمين عليهم مقام الأولين لما كانت الدعوى عليهم؛ فهذا - والله أعلم ~~- أقرب الوجوه في تأويل الآية وأشبهها، وهو - إن شاء الله - معنى ما روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه - وإن لم يذكر تفسير قوله: (من غيركم) وهو - والله ~~أعلم -: على غير ديننا؛ لأنه ذكر المؤمنين جملة. # وأصحابنا لا يجيزون شهادة أهل الكفر في الوصية لمسلم، لا في ضرورة ولا في ~~غيرها؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا في أن شهادة الكفار لا تجوز على غير ~~الوصية في حال ضرورة، ولا في غيرها، فشهادتهم في الوصية على المسلمين مثل ~~ذلك. # ويمكن أن يكون تأويل الآية: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم) في بيان ما يجوز من شهادة ذوي العدل منا في الحضر ~~والسفر في الوصية وفي غير الوصية؛ كقوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # وقوله - تعالى -: (ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، الآية، هذا في السفر والحضر. # وفي الدين وغير الدين سواء، فعلى ذلك الأول، ثم ابتدأ الحكم في غيره، ~~فقال: (أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ~~تحبسونهما من بعد الصلاة). فإن قيل: فما معنى قوله: (ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها)؟ # قيل: في ذلك بيان أن المؤتمن إذا ادعيت عليه الخيانة، وقال هو: قد ردت ما ~~كان في يدي؛ فإنه لا يصدق إلا بعد أن يحلف، فإذا علم أنه لا يقبل قوله إلا ~~بيمين كان # PageV03P643 # أحرى أن يقول حذرا من أن يحلف على كذب، أو يقر خوفا من الإثم في اليمين ms1397 ~~فتبين خيانته. # فإن قيل: ما معنى قوله: (تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ~~ارتبتم)؟ # قيل: يحتمل أن يكون على زيادة التغليظ في اليمين، وللحاكم أن يغلظ في ~~اليمين على الخصم إذا اتهمه بأكثر من هذا، وهو أن يحضر يمينه جماعة إذا سأل ~~الخصم ذلك. # أو ذكر بعد الصلاة؛ لما كان ذلك الوقت هو وقت لجلوس الحاكم بعد صلاة ~~الفجر أو بعد صلاة العصر لا على التغليظ، وإن كانت الآية نزلت - فيما ذكر ~~ابن عباس، رضي الله عنه - في نصرانيين، فقد يجوز أن يكون الله أمر بذلك ~~تغليطا عليهما، وهما تميم وصاحبه؛ إذ كانوا يعظمون وقت غروب الشمس وما قرب ~~من ذلك، ووقت طلوعها؛ لأنه وقت عبادتهم إياها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما). # قال بعضهم: فإن اطلع منهما على خيانة: أنهما كتما وكذبا، فجاء آخران ~~يشهدان على غير ما شهدا عليه أجيزت شهادة الآخرين، وأبطلت شهادة الأولين. # قال القتبي: (فإن عثر): أي: ظهر. # وقال: أبو عوسجة: قوله: (فإن عثر): أي: علم واطلع عليه، يقال: عثرت على ~~فلان، وعلى ما يفعل فلان، أي: علمت به واطلعت عليه، أعثر عثرا وقوله (وكذلك ~~أعثرنا عليهم) في سورة الكهف من هذا، أي: اطلعنا عليهم، وأعلمناهم بمكانهم، ~~ويقال: أعثرت فلانا على سر فلان، أي: أعلمته. # ثم وعظ الله المؤمنين، وحذرهم أن يفعلوا مثل ذلك، فقال: (واتقوا الله ~~واسمعوا ... (108) مواعظه (والله لا يهدي القوم الفاسقين) ما داموا في ~~فسقهم، أو قال ذلك لقوم علم الله منهم أنهم لا يرجعون عن ذلك أبدا. # * * * # قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك ~~أنت علام الغيوب (109) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم # PageV03P644 # الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه ~~والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ms1398 عنك إذ جئتهم ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال ~~الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ~~قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن ~~قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) قال عيسى ابن ~~مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني منزلها عليكم فمن ~~يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115) # وقوله - عز وجل -: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم ~~لنا إنك أنت علام الغيوب (109) # قال أهل التأويل: بل إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، ~~تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: (لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب). # فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ ~~لهم الإجابة، وقد قالوا: (لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب)؛ دل أنه لا لما ~~ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم. # أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على ~~علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك. # والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ ~~كقوله - تعالى -: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته. . .) إلى ~~قوله: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به)، كأنهم قالوا: إن عيسى - عليه السلام ~~- هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟ فقالوا: لا علم لنا فيما ~~ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ~~ولم ندعهم إلى ما ادعوا من الأمور. # على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم. # PageV03P645 # ومثل هذا السؤال لهم ms1399 بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: (فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى ~~قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم ~~الحجاج. # (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك ~~بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # وقوله - عز وجل -: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك). # أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: (إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في ~~المهد وكهلا. . .) إلى قوله: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) ~~وجعلني مباركا أين ما كنت)، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته ~~وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضا: # (وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني. . .) الآية. # إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل ~~عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله - تعالى -: (والله يعصمك من الناس)، ففيه ~~أعظم النعم عليه، وما ذكر -أيضا- في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دفع ~~إلى الكتاب جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال ~~المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، ~~فيقول المعلم: # PageV03P646 # كيف أعلم من هو أعلم مني؟ ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما ~~أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله - تعالى -: (فتقبلها ربها بقبول ~~حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا) وما ذكر في قوله: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين)، طهرها ms1400 عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، ~~وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: (اذكر ~~نعمتي عليك وعلى والدتك) وفي ذكر النعم شكرها، وأمر -أيضا- بشكر ما أنعم ~~على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما ~~أنعم على نفسه. # وقوله - عز وجل -: (إذ أيدتك بروح القدس) اختلف فيه: # قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس ~~إلى توحيد الله وعبادتهم له. # وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ ~~الأكمه والأبرص بدعائه. # وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله - تعالى -: ~~(نزل به الروح الأمين) أي: جبريل. # وقوله - عز وجل -: (وإذ علمتك الكتاب والحكمة) قال الحسن: الكتاب والحكمة ~~واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة. # وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من ~~العلم على غير تعلم. # وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد. # PageV03P647 # وقوله - عز وجل -: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني). # قوله: (وإذ تخلق من الطين): أي: تصور وتقدر (من الطين كهيئة الطير) كان ~~من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو ~~المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ~~ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في ~~الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشئ تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها ~~على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل ~~بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا. # وقوله - عز وجل -: (تخلق) ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء ~~وتقديره: تخليقا؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وتبرئ الأكمه) قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما ~~الأعمى فهو الذي يذهب بصره ms1401 بعد ما كان بصيرا. # وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # قوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا ~~واشهد بأننا مسلمون (111) # وقوله - عز وجل -: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) والحواريون: قيل: هم خواصه، ~~وكذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا ~~في سورة آل عمران والاختلاف فيه. # ثم قوله: (أوحيت إلى الحواريين) يحتمل الوحي إليهم وجهين: # أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى - عليه السلام - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ ~~لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله - تعالى -: (وقولوا آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم) وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى ~~رسول الله كالمنزل إلينا؛ فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم. # والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله (وأوحى ربك إلى النحل) الآية، # PageV03P648 # وقوله - تعالى - (وأوحينا إلى أم موسى) ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي ~~إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على ~~السرعة (أن آمنوا بي وبرسولي). # والخطر يكون من الله تعالى، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله تعالى ~~يكون خيرا، يتبين ذلك في آخره. # وقوله - عز وجل -: (قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) يحتمل وجهين: # يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون. # ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله - تعالى -: (آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين). # وقوله - عز وجل -: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مائدة من السماء ... (112) # اختلف فيه: # قيل: إن قوما من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى - عليه ~~السلام - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد ~~قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى - عليه السلام - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض ~~الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ ~~فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى - عليه ms1402 ~~السلام - ليسأل ربه. # وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى - ~~عليه السلام - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة من السماء، لكن سؤالهم ذلك ~~يحتمل وجوها: # الأول: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا ~~قبل ذلك؛ فأحبوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد ~~لهم بذلك طمأنينة ويقينا، وهو كقول إبراهيم - عليه السلام -: (رب أرني كيف ~~تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)، لما يحتمل أن نفسه ~~كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ~~ويقينا؛ فعلى ذلك أولئك # PageV03P649 # كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد ~~لهم - طمأنينة ويقينا وصلابة في التصديق، والله أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله؛ ~~فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم. # والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى - عليه السلام - عند الله ~~وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟ والله أعلم. # وإن كان السؤال من قوم غير الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، ~~ولا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق. # وقوله: (هل يستطيع ربك) يقرأ بالياء والتاء جميعا: # فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضمارا؛ كأنهم قالوا: هل ~~تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء. # ومن قرأ بالياء قال: (هل يستطيع ربك)، أي: هل يجيب ربك دعاءك إذا دعوته ~~أن ينزل علينا مائدة من السماء. # قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ ~~لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، ~~على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟ وذلك جائز في ~~العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل ~~تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟! لكنهم قالوا ذلك ~~لما ذكرنا، ms1403 وذلك جائز في اللغة. # ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر ~~إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك ~~قوله: (هل يستطيع ربك): هل يأذن لك ربك بالسؤال في ذلك، والله أعلم. # PageV03P650 # وقوله: - عز وجل -: (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين). # أي: اتقوا الله، ولا تسألوا شيئا لم يأذن لكم في ذلك (إن كنتم مؤمنين). # وقوله - عز وجل -: (قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ... (113) # قوله: (وتطمئن قلوبنا)، يدل أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع ~~في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى - عليه السلام - فيما ~~يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم عليه السلام، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونعلم أن قد صدقتنا). # اختلف في تلاوته وفي تأويله: # قال بعضهم بالنصب (ونعلم)، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن ~~نعلم ما قد صدقتنا. # والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ ~~فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه ~~والوساوس. # وقوله - عز وجل -: (ونكون عليها من الشاهدين). # أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت. # قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ~~تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) # وقوله - عز وجل -: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا). # أي: طعاما دائما. # قال بعضهم: قوله (تكون لنا عيدا)، أي: مجتمعا، وسمي يوم العيد؛ لاجتماع ~~الخلق. ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم. ثم اختلف في ~~نزول المائدة: # قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا، ~~ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر. # والثاني: (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا ~~لا أعذبه أحدا من العالمين)، وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه ms1404 عذبهم عذابا لم ~~يعذبه أحدا # PageV03P651 # من العالمين. # وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: (تكون ~~لنا عيدا لأولنا وآخرنا) ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث نبينا ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فنسخ ذلك بيوم الجمعة. # وقالوا: قوله: (فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115) ذكر في ~~بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحدا ~~من العالمين. # وقيل: يحتمل قوله - تعالى -: (فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين (115) في الآخرة، والله أعلم بذلك كله. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~(116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ~~(117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) ~~قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. . .) الآية. # يحتمل هذا القول أوجها ثلاثة: # أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ~~ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ ~~أن يكون قال لهم ذلك. # ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه ~~يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه. # وقيل: إنه يقول ذلك له يوم ms1405 القيامة ويكون " قال " بمعنى: " يقول "؛ كقوله ~~- تعالى -: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم)، وكقوله - تعالى -: (يوم يجمع ~~الله الرسل # PageV03P652 # فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا)، أي: يقولون، وذلك جائز " قال " ~~بمعنى: " يقول "، وذلك في القرآن كثير. # واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سموها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت ~~لها الأمومة بطل أن تكون إلها؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل ~~أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلها، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن ~~سفه. # (قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) # أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق. # (إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك). # يتكلم في النفس على وجهين: # أحدهما: يراد ما يضمر. # والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان الله يتعالى عن أن يوصف بالذات كما ~~يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا ~~أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك. # (إنك أنت علام الغيوب). # أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق. # قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد (117) # وقوله - عز وجل -: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به). # أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك. # وقوله: (وكنت عليهم شهيدا). # أي: شاهدا عليهم. هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، ~~أو يكون يوم القيامة. # ويقال: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم)، أي: كنت عليهم حفيظا ما كنت بين ~~أظهرهم. # (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم). # أي: الحفيظ عليهم. # PageV03P653 # (وأنت على كل شيء شهيد). # بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهدا عليهم بما قالوا من البهتان. # وذكر في بعض القصة: ms1406 لما قال الله - تعالى - لعيسى: (أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) - قيل: فأرعدت مفاصله، وخشي أن يكون ~~قالها؛ فقال: (سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد ~~علمته. . .) الآية. # وذكر -أيضا- متكلمان يتكلمان يوم القيامة: نبي الله عيسى ابن مريم - عليه ~~السلام - وعدو الله إبليس - لعنه الله -: # فأما كلام عيسى - عليه السلام - يقول الله: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله)؛ فقال عيسى ابن مريم - عليه السلام -: (قال سبحانك ما ~~يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. . .) إلى قوله: (فإنك أنت العزيز الحكيم). # وأما كلام اللعين: فيقول: (وما كان لي عليكم من سلطان. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم (118) # اختلف فيه: # عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: (إن تعذبهم) إن تعذب من مات على ما ~~كان منه من القول الوخش في الله، (وإن تغفر لهم)، أي: وإن تغفر لمن أكرمت ~~له بالإسلام والهدى (فإنك أنت العزيز الحكيم)؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا ~~القول الوخش في الله. # وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: (إن تعذبهم)، يقول: إن ~~تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم (فإنهم عبادك وإن تغفر) من أكرمت له ~~الهدى (فإنك أنت العزيز الحكيم) أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) وهو ظاهر؛ ~~لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة. # وروي في الخبر أن نبي الله - عليه السلام - كان أحيا ليله بقوله: (إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) به قام، وبه سجد، ~~وبه قعد، فهو - والله أعلم - على # PageV03P654 # التشفع والتضرع إليه؛ كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك ~~عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟! وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!. # والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ ~~لأنهم عبادك؛ لأن ms1407 الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له. # وقوله - عز وجل -: (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ... (119) # قيل: " قال. . . " بمعنى: " يقول الله يوم القيامة " (هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم)، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق ~~الصادق -أيضا- في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قبل قوله، وإن لم يظهر صدقه ~~في قوله. # ثم اختلف في الصادقين من هم؟: قال بعضهم: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ~~ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: (والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون). # وقال بعضهم: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام. # وقوله - عز وجل -: (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار). # قد ذكرناه فيما تقدم. # (خالدين فيها أبدا). # و" خالدين " و " أبدا " واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد. # وقوله - عز وجل -: (رضي الله عنهم). # لسعيهم في الدنيا. # (ورضوا عنه). # بالثواب لسعيهم. # ويحتمل: (ورضوا عنه) بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا (ذلك الفوز ~~العظيم). لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس ~~كفوز الدنيا؛ # PageV03P655 # لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت. # وقوله - عز وجل -: (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن ... (120) # كأن هذا خرج على إثر قوله: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله)، أي: كيف يتخذ أربابا وولدا وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من ~~الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!. # (وهو على كل شيء قدير). # لا يعجزه شيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # * * * # PageV03P656 ### | سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى ~~عنده ثم أنتم تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ~~ويعلم ما تكسبون (3) # قوله - عز وجل -: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) الحمد: هو الثناء ~~عليه بما صنع إلى خلقه من الخير. # ألا ترى أن الذم نقيضه في: الشاهد، ويحمد ms1408 المرء بما يصنع من الخير، ويذم ~~على ضده. # فالتحميد: هو تمجيد الرب، والثناء عليه، والشكر له بما أنعم عليهم. # PageV04P003 # والتسبيح: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما قالت الملحدة فيه من الولد وغيره. # والتهليل: هو تمجيد الرب وتنزيهه عما جعلوا له من الشركاء والأضداد، ~~والوصف له بالوحدانية والربوبية. # والتكبير: هو تمجيد الرب والوصف له بالعظمة والجلال، وتنزيهه عما وصفوه # PageV04P004 # بالعجز والضعف عن أن يكون ينشئ من العظام البالية خلقا. # وقوله - عز وجل -: (الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور). # سفههم - عز وجل - بما جعلوا له من الشركاء والأضداد على إقرار منهم أنه ~~خلق السماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاء في خلقهما، وعلى علم منهم أنه ~~تعلق منافع الأرض بمنافع السماء، مع بعد ما بينهما كيف جعلوا شركاء ~~يشركونهم في العبادة والربوبية؟!. # وقوله - تعالى -: (وجعل الظلمات والنور). # قال الحسن: الظلمات والنور: الكفر والإيمان. # PageV04P005 # وقال غيره من أهل التأويل: الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر ~~من الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب. # والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار: أبصار الوجوه، وأبصار القلوب، فالظلمة ~~تجعل كل شيء مستورا عليه، والنور يجعل كل شيء كان مستورا عليه ظاهرا باديا، ~~هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة. # وقوله - عز وجل -: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) قيل: يشركون مع ما بين ~~لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته، أي: جعلوا كل ما يعبدونه دون الله ~~عديلا لله، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله - تعالى - وليس لله - تعالى - ~~عديل، ولا نديد، ولا شريك، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # وقال الحسن: (بربهم يعدلون) أي " يكذبون. # وقوله - تعالى -: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم ~~أنتم تمترون (2) أي: خلق آدم أبا البشر من طين، فأما خلق بني آدم من ماء؛ ~~كقوله تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين)، أخبر الله - تعالى - أنه خلق آدم ~~من الطين، وخلق بني آدم - سوى عيسى عليه السلام - من النطفة، وخلق عيسى - ~~عليه السلام - لا من الطين ms1409 ولا من الماء؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق ~~لا من شيء، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء، ولا ينكرون -أيضا- إنشاء الخلق ~~وإحياءهم وموتهم، وذلك لأنه لا يخلوا إما أن صاروا ترابا أو ماء، أو لا ذا ~~ولا ذا، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين، وخلق سائر الحيوان من الماء، وخلق ~~عيسى - عليه السلام - لا من هذين، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت، وهو ~~لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا؛ فيكون دليلا على منكري البعث بعد الموت، # PageV04P006 # على الدهرية في إنشاء الخلق لا من شيء؛ فإنهم ينكرون ذلك ويحيلونه؛ ولهذا ~~وقعوا # PageV04P012 # في القول بقدم العالم، والله الهادي. # ويحتمل قوله: (هو الذي خلقكم من طين) أن يراد به في حق جميع بني آدم، ~~وأضاف خلقنا إلى الطين، وكأن الخلق من الماء؛ لما أبقي في خلقنا من قوة ذلك ~~الطين الذي في آدم وأثره، وإن لم يره تلك القوة وذلك الأثر، وهذا كما أن ~~الإنسان يرى أنه يأكل، ويشرب، ويغتذي، ويحصل به زيادة قوة في سمعه وبصره، ~~وفي جميع جوارحه، وقد يحيا بها جميع الجوارح، وإن لم ير تلك القوة، فكذلك ~~هذا. # ويحتمل -أيضا- على ما روي في القصة أنه يمازج مع النطفة شيئا من التراب، ~~فيؤمر الملك بأن يأخذ شيئا من التراب من المكان الذي حكم بأن يدفن فيه، ~~فيخلط بالنطفة، فيصير علقة ومضغة، فإنما نسبهم إلى التراب لهذا. # ويحتمل النسبة إلى التراب وإن لم يكونوا من التراب؛ لما أن أصلهم من ~~التراب، وهو آدم. # وقوله - تعالى -: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) # فالقضاء يتوجه إلى وجوه كلها ترجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، وقد ~~يكون لابتداء فعل وإنشائه؛ كقوله - تعالى -: (فاقض ما أنت قاض)، ويقال: ~~قضيت هذا الثوب، أي: عملته وأحكمته. # وقد يكون بمعنى الأمر؛ قال الله - تعالى -: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه) أي: أمر ربك؛ لأنه أمر قاطع حتم. # PageV04P013 # وقد يكون بمعنى الإعلام؛ قال - تعالى -: (وقضينا إلى بني إسرائيل)، أي: ~~أعلمناهم إعلاما قاطعا. وقد يكون لبيان الغاية والانتهاء ms1410 عنه والختم؛ كقوله ~~- تعالى -: (ثم قضى أجلا) أي: ختم ذلك وأتمه، وقد يكون غير ما ذكرنا. # PageV04P014 # ثم قوله: (قضى أجلا) يحتمل هذا كله سوى الأمر. # ثم قوله: (قضى أجلا) وقيل: هو الموت، (وأجل مسمى عنده) يوم القيامة، ~~أطلعنا على أحد الأجلين وهو الموت؛ لأنا نرى من يموت ونعاين، ولم يطلعنا ~~على الآخر وهو الساعة والقيامة. # وقيل: (قضى أجلا): أجل الدنيا من خلقك إلى أن تموت، (وأجل مسمى عنده) ~~ويوم القيامة. # وقوله - عز وجل -: (ثم أنتم تمترون). # أي: تشكون وتكذبون بعد هذا كله. # وقوله - عز وجل -: (وهو الله في السماوات وفي الأرض ... (3) هذا - والله ~~أعلم - صلة قوله: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) فإذا كان خالقهما ~~لم يشركه أحد في خلقهما، كان إله من في السماوات وإله من في الأرض لم يشركه ~~أحد في ألوهيته، ولا في ربوبيته. # ويحتمل قوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) أي: إلى الله تدبير، ما ~~في السماوات وما في الأرض، وحفظهما إليه؛ لأنه هو المتفرد بخلق ذلك كله؛ ~~فإليه حفظ ذلك وتدبيره. # PageV04P015 # وقوله: (يعلم سركم وجهركم) اختلف فيه. # قيل: (يعلم سركم): ما تضمرون في القلوب (وجهركم): ما تنطقون، (ويعلم ما ~~تكسبون): من الأفعال التي عملت الجوارح؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله؛ ليعلموا أن ~~ذلك كله يحصيه ليحاسبهم على ذلك؛ كقوله: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله)، أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه، فعلى ذلك الأول ~~قد أفاد أن ذلك كله يحصيه عليهم، ويحاسبهم في ذلك؛ ليكونوا على حذر من ذلك ~~وخوف. وقيل: (يعلم سركم): ما خلق فيهم من الأسرار، من نحو السمع، والبصر ~~وغيرهما؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية هذه الأشياء وكيفيتها، ولا يرون ذلك ~~كما يرون غيرها من الأشياء، ولا يعرفون حقائقها؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم ~~لا تعلمون. # وقوله - عز وجل -: (وجهركم) أي: الظواهر منكم، (ويعلم ما تكسبون): من ~~الأفعال والأقوال. # PageV04P016 # قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) ~~فقد كذبوا بالحق لما ms1411 جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5) ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # قوله - عز وجل -: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها ~~معرضين) # يحتمل: ما تأتيهم من آية من آيات توحيده، أو من آيات إثبات رسالة محمد ~~ونبوته - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل في إثبات البعث والنشور بعد الموت؛ ~~لما أخبر أنه خلقهم من طين، فإذا ماتوا صاروا ترابا، فإذا كان بدء إنشائهم ~~من طين، فإذا عادوا إليه يقدر على إنشائهم ثانيا؛ إذ ليس إنشاء الثاني ~~بأعسر من الأول. ثم يحتمل الآيات آيات القرآن. # ويحتمل الآيات ما كان أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات ~~سوى آيات القرآن. # ثم أخبر عن تعنتهم ومكابرتهم بقوله: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا ~~كانوا عنها معرضين)، فإذا أعرضوا عنها لم ينتفعوا بها؛ ليعلم أنه إنما ~~ينتفع بالآيات من تأملها ونظر فيها لا من أعرض عنها. # ثم سورة الأنعام إنما نزلت في محاجة أهل الشرك، ولو لم يكن القرآن معجزا ~~كانت # PageV04P017 # سورة الأنعام معجزة؛ لأنها نزلت في محاجة أهل الشرك في إثبات التوحيد ~~والألوهية لله والبعث، فكيف يكون وقد جعل الله القرآن آية معجزة عجز البشر ~~عن إتيان مثله، # PageV04P018 # ولم يكونوا يومئذ يعرفون التوحيد والبعث، كانوا كلهم كفارا عبدة الأوثان ~~والأصنام لا يحتمل أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف ذلك ~~وأنشأه من ذات نفسه؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله. # وفيه دلالة إثبات المحاجة في التوحيد والمناظرة فيه؛ لأن أكثرها نزلت في ~~محاجة أهل الشرك، وهم كانوا أهل شرك، وينكرون البعث والرسالة، فتنزل أكثرها ~~في محاجتهم في التوحيد وإثبات البعث والرسالة. # وفيه أنه إذا ثبت فساد قول أحد الخصمين، ثبت صحة قول الآخر؛ لأن إبراهيم ~~لما قال: (هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين)، أثبت ms1412 فساد عبادة من يعبد ~~الآفل بالأفول. # وقوله - عز وجل -: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ... (5) يحتمل الحق: ~~الآيات التي كان يأتي بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آيات ~~التوحيد وآيات البعث. # ويحتمل القرآن، ولو لم يكن يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية ~~كانت نفسه آية عظيمة من أول نشأته إلى آخر عمره؛ لأنه عصم حتى لم يأت منه ~~ما يستسمج ويستقبح قط؛ فدل أن ذلك إنما كان لما جعل آية في نفسه، وموضعا ~~لرسالته، وعلى ذلك تخرج إجابة أبي بكر - رضي الله عنه - في أول دعوة دعاه ~~إلى ذلك لما كان رأى منه من آيات، فلما دعاه أجابه في ذلك مع ما كان منعه ~~من آيات عظيمة، وأعلام عجيبة. # PageV04P021 # وقوله - عز وجل -: (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) معناه - ~~والله أعلم - أن يأتيهم وينزل بهم ما نزل بالمستهزئين، وإلا كان أتاهم ~~أنباء ما نزل بالمستهزئين، ولكن معناه ما ذكرنا، أي: ينزل بهم ويحل ما نزل ~~وحل بالمستهزئين. # ويحتمل قوله وجها أخر: (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) وهو ~~العذاب؛ لأن الرسل كانوا يوعدونهم أن ينزل بهم العذاب بتكذيبهم الرسل، فعند ~~ذلك يستهزئون بهم؛ كقوله: (عجل لنا قطنا)، وكقوله: (ويستعجلونك بالسيئة)، ~~وغير ذلك؛ إذ قالوا: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، فأخبر أنه ينزل بهم ذلك كما نزل بأولئك. # وقوله - عز وجل -: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ... (6) قال ~~الحسن: ألم يروا: ألم يعتبروا (كم أهلكنا من قبلهم من قرن). # وقال أبو بكر الكيساني: (ألم يروا) قد رأوا (كم أهلكنا من قبلهم) قال: ~~وهو واحد، قد رأوا آثار الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، وتعنتهم ومكابرتهم، ~~لكنهم لم يعتبروا بذلك. # - وقوله - عز وجل -: (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) قال بعضهم: ~~أعطيناهم من الخير والسعة والأموال ما لم نمكن لكم يا أهل مكة أي: لم ~~نعطكم، ثم إذا كذبوا الرسل أهلكهم الله - تعالى - وعاقبهم ms1413 بأنواع العقوبة. # PageV04P022 # ويحتمل: مكناهم في الأرض من القوة والشدة؛ كقوله: (وقالوا من أشد منا ~~قوة)، ثم مع شدة قوتهم أهلكوا إذ كذبوا الرسل. # ويحتمل وجها آخر: (مكناهم في الأرض) أي: في قلوب الخلق، من نفاذ القول، ~~وخضوع الناس لهم؛ لأنهم كانوا ملوكا وسلاطين الأرض، من نحو نمرود، وفرعون، ~~وعاد، مع ما كانوا كذلك أهلكوا إذ كذبوا الرسل، وأنتم يا هؤلاء ليس # PageV04P023 # لكم شيء من ذلك، أفلا تهلكون إذا كذبتم الرسل؟! وإنما حملهم على تكذيب ~~الرسل - والله أعلم - لما كانوا ذوي سعة وقوة، فلم يروا الخضوع لمن دونهم ~~في ذلك لما رأوا الأمر بالخضوع لمن دونهم في ذلك جورا غير حكمة، وإنما ~~أخذوا ذلك من إبليس اللعين؛ حيث قال عند أمره بالسجود لآدم، فقال: (أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فعلى ذلك هؤلاء الكفرة رأوا الأمر ~~بالخضوع لمحمد - صلى الله عليه وسلم - جورا منه، حتى قالوا: (لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم). # وقوله - عز وجل -: (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) قال القتبي: مدرارا ~~بالمطر: أي غزيرا، من در يدر. # وقال أبو عوسجة: أي: درت عليهم السماء بالمطر، أي: كثر ودام وتتابع واحدا ~~بعد واحد في وقت الحاجة (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) أخبر عن سعة، ~~أولئك، # PageV04P024 # وما أنعم عليهم من كثرة الأمطار والأنهار ما لم يكن ذلك لهؤلاء، ثم مع ما ~~كان أعطاهم ذلك أهلكهم إذ كذبوا الرسل. # فإن قيل: كيف ذكر إهلاك هؤلاء، وخوف أولئك ذلك بتكذيبهم الرسل، وقد أهلك ~~الرسل والأولياء من قبل؟ # قيل: لأن إهلاك أولئك إهلاك عقوبة وتعذيب؛ لأنه كان أهلكهم هلاك استئصال ~~واستيعاب؛ خارجا عن الطبع، وأهلك أولئك الرسل والأولياء لا إهلاك عقوبة ~~خارجا عن الطبع؛ لذلك كان ما ذكر. # * * * # قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ~~ما يلبسون (9) ولقد ms1414 استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون (10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # قوله - عز وجل -: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم) يخبر ~~بشدة تعنتهم أنهم وإن أتوا ما سألوا من الآيات لم يؤمنوا به؛ لأنهم كانوا ~~سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل كتابا يعاينونه، ويقرءونه، ~~كقوله: (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) وكقوله: (لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة)، ونحوه من الآيات، وقوله: (ولو نزلنا عليك كتابا ~~في قرطاس) أي: في صحيفة، مكتوبا، يعلمون أنه لم يكتب في الأرض، ولمسوه ~~بأيديهم، وعاينوه لم يؤمنوا به، ولا صدقوه، وقالوا: (إن هذا إلا سحر مبين) ~~يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم لا يؤمنون، ويخبره بشدة تعنتهم ~~أنهم لا يؤمنون وإن جئت بكل آية؛ إذ قد أتاهم من الآيات ما إن تأملوا ولم ~~يتعنتوا لدلتهم على ذلك، لكنهم أعرضوا عنها، ولم يتأملوا فيها لتعنتهم، ~~وشدة مكابرتهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ... (8) أن مشركي العرب ~~كانوا لا يعرفون # PageV04P025 # الرسل، ولا الكتب، ولا كانوا آمنوا برسول ولا كتاب، فقالوا: (لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا)، ونحوه من السؤال، فيسألون إنزال الملك. # ثم يحتمل سؤالهم إنزال الملك لما لم يكونوا رأوا الرسل يكونون من البشر، ~~وإنما رأوا الرسول إن كان يكون ملكا، فقالوا: (لولا أنزل علينا الملائكة). # ويحتمل أن يكون سؤالهم إنزال الملك سؤال عناد وتعنت، لا سؤال طلب الرسول ~~من الملائكة، فقال: (ولو أنزلنا ملكا) على ما سألوا (لقضي الأمر) أي أن ~~الملك إذا نزل على إثر سؤال العناد والتعنت ينزل بالعذاب والهلاك، فهذا ~~يبين أن سؤالهم سؤال تعنت وعناد. # وقوله - عز وجل -: (لقضي الأمر ثم لا ينظرون) أي أنهم كانوا يسألون إنزال ~~الملك آية لصدقه - عليه السلام - فقال: (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ~~ينظرون) أي: يهلكون؛ لأن الآيات إذا نزلت على إثر سؤال القوم ثم خالفوا تلك ms1415 ~~الآيات وكذبوها لنزل بهم العذاب والهلاك، وإن جاءت الآيات على غير سؤال، ~~فكذبوها يمهلون، ولا يعذبون عند تكذيبهم إياها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ... (9) # قيل: آدميا بشرا، ويحتمل هذا وجوها: # أحدها: أي: لو بعثنا الرسول ملكا لجعلناه على صورة البشر؛ لأنه لو كان ~~على صورة الملائكة لصعقوا ودهشوا؛ لأنه ليس في وسع البشر رؤية الملك على ~~صورته. # ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم ينزل على صورته، ولكن كان ينزل على صورة البشر، حتى ذكر أنه كان ~~ينزل عليه على صورة # PageV04P026 # دحية الكلبي، وأنه متى رآه على صورته صعق وتغير حاله، فإذا رأوا ذلك في ~~وجهه قالوا: إنه لمجنون، فقال: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) ويكون فيه ~~ما في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اللبس به. # والثاني: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)؛ لأنهم لا يعرفون صدقه، ~~فيحتاجون إلى الدلائل، والآيات التي تدلهم على أنه ملك، وعلى صدقه، فذلك لا ~~يعرف إلا بالبشر؛ لأنهم لا يعرفون صدقه. # وقوله - عز وجل -: (وللبسنا عليهم ما يلبسون. . .) الآية. # قالوا: لا يجوز إضافة اللبس إلى الله - تعالى - إلا على المجازاة للبس، ~~كالاستهزاء، # PageV04P027 # والمكر، والخداع. # ويحتمل قوله: (وللبسنا عليهم ما يلبسون) أي: لو جعلناه ملكا للبسنا عليهم ~~ما لبس أولئك على صنيعهم؛ حيث قالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم)، و (ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا)، وغير ذلك من الكلام، لكنا لا نفعل حتى لا يكون ذلك لبسا؛ ~~إذ ليس في وسعهم النظر إلى الملك، ولو جعلنا ذلك ملكا لكان ذلك لبسا. # فإن قال لنا ملحد في قوله: (لولا أنزل عليه ملك) (ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر) سألوا أن ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملك، وقال: ~~(ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر)، وأنتم تقولون: إنه قد أنزل عليه الملك، وهو ~~أخبر لو أنزل عليه الملك لقضي الأمر، ولم يقض الأمر، كيف لآيات لكم إنما ~~اختار ذلك من نفسه؛ لأن ms1416 الله أنزل عليه ذلك. # قيل: إنهم إنما سألوا أن ينزل عليهم الملك - وإن لم يذكر في الآية السؤال ~~- لما ذكر في آية أخرى؛ كقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا)، ~~أو سألوا أن # PageV04P028 # تأتيهم الملائكة وتأتيه، قالوا: كيف يخص هو بإتيان الملائكة دوننا وهو ~~كواحد منا؛ كقوله: (لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين)، وهذا جائز ~~أن يكون أسئلة لم تذكر، ويكون في الجواب بيان ذلك، على ما ذكرنا من قبل في ~~غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون (10) # يصبر رسوله على تكذيب قومه ليعلم أنه ليس هو أول مكذب، ولكن قد كذب الرسل ~~الذين من قبلك، ويخبره أنه يلحق هؤلاء بتكذيبك كما لحق أولئك بتكذيبهم ~~الرسل. # وقوله - عز وجل -: (فحاق). # قال أبو عوسجة: " حاق " أي: رجع، يقال: حاق يحيق حيقا، أي: رجع عليهم. # وقال الكيساني: حاق بهم أي: أحاط بهم ونزل. # وقوله - عز وجل -: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~(11) ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على الاعتبار والتفكر فيما نزل ~~بأولئك بتكذيبهم الرسل؛ لأنه - عز وجل - أراهم آيات عقلية وسمعية، فلم ~~ينفعهم ذلك، فأراد أن يريهم آيات حسية ليمنعهم ذلك عن التكذيب والعناد. # * * * # قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ~~(12) وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # قوله - عز وجل -: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يخرج مخرج البيان لهم وأنه ليس على الأمر؛ لأنه لو كان على ~~الأمر لكان يذكر سؤاله لهم، ولم يذكر وإن سألهم، لا يحتمل ألا يخبروه بذلك، ~~فلما لم يذكر # PageV04P029 # سؤاله لهم عن ذلك، ولا يحتمل أن يأمره بالسؤال ثم لا يسأل، أو يسأل هو ~~ولا يخبرونه - فدل أنه على البيان خرج لا على الأمر. # والثاني: على ms1417 أمر سبق؛ كقوله - تعالى -: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون (84) سيقولون لله)، وكقوله: (قل من بيده ملكوت كل شيء. . .)، إلى ~~قوله: (سيقولون لله)، وقوله: (قل من رب السماوات والأرض)، ونحوه، كان على ~~أمر سبق، فسخرهم - عز وجل - حتى قالوا: الله؛ كقوله: (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله) ذلك تسخير منه إياهم حتى قالوا: الله. # وفي حرف ابن مسعود، وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - (قل لمن ما في ~~السماوات والأرض قل لله) هذا يدل على أنه كان على أمر سبق. # وقال بعضهم: (قل لمن ما في السماوات والأرض) أي: سلهم، فإن أجابوك ~~فقالوا: لله، وإلا فقل لهم أنت: لله. # وقال قائلون: فإن سألوك لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله. # وقوله - عز وجل -: (كتب على نفسه الرحمة). # قال الحسن: كتب على نفسه الرحمة للتوابين إن شاء أن يدخلهم الجنة، لا أحد ~~يدخل الجنة بعمله، إنما يدخلون الجنة برحمته، وعلى ذلك جاء الخبر عن نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يدخل أحد الجنة بعمله " قيل: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وقيل: كتب على نفسه الرحمة أن يجمعهم إلى يوم القيامة، أي: من رحمته أن ~~يجمعهم إلى يوم القيامة، حيث جعل للعدو عذابا، وللولي ثوابا، أي: من رحمته ~~أن يجمعهم جميعا، يعاقب العدو ويثيب الولي. # وقيل: أي: من رحمته أن جعل لهم الجمع، فأوعد العاصي العذاب، ووعد # PageV04P030 # المطيع الثواب؛ ليمنع العاصي ذلك عن عصيانه، وليرغب المطيع في طاعته، ~~وذلك من رحمته. # وقال قائلون: (كتب على نفسه الرحمة) لأمة محمد ألا يعذبهم عند التكذيب، ~~ولا يستأصلهم، كما عذب غيرهم من الأمم، واستأصلهم عند التكذيب، فالتأخير ~~الذي أخرهم إلى يوم القيامة من الرحمة التي كتب على نفسه. # وقوله - عز وجل -: (ليجمعنكم إلى يوم القيامة) قيل: (إلى) صلة، ومعناه: ~~ليجمعنكم يوم القيامة. # وقيل: (إلى يوم القيامة) أي: ليوم القيامة، كقوله: (ليوم لا ريب فيه). # وقال قائلون: قوله: (ليجمعنكم) في القبور (إلى ms1418 يوم القيامة) ثم يجمعكم ~~يوم القيامة والقرون السالفة. # وقوله - عز وجل -: (لا ريب فيه) أي: لا ريب في الجمع والبعث بعد الموت ~~عند من يعرف أن خلق الخلق للفناء خاصة، لا للبعث والإحياء بعد الموت للثواب ~~والعقاب، ليس لحكمة. # وقوله - عز وجل -: (الذين خسروا أنفسهم) قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) ~~في الآية - والله أعلم - إنباء أن الخلق كلهم تحت قهر الليل والنهار ~~وسلطانهما، مقهورين مغلوبين؛ إذ لم يكن لأحد من الجبابرة، والفراعنة ~~الامتناع عنهما، ولا صرف أحدهما إلى الآخر، # PageV04P031 # بل يدركانهم، شاءوا أو أبوا، وسلطانهما جار عليهم ليعلموا أن لغير فيهما ~~تدبيرا، وأن قهرهما الخلق وسلطانهما كان بسلطان من له التدبير والعلم، ثم ~~جريانهما على سنن واحد ومجرى واحد يدل على أن منشئهما واحد، ومدبرهما عليم ~~حكيم. # وقال بعض أهل التأويل: (وله ما سكن في الليل والنهار)، ما استقر في الليل ~~والنهار، من الدواب والطير، في البر والبحر، فمنها ما يستقر نهارا وينتشر ~~ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (وله ما سكن في الليل والنهار) وذلك ~~أن كفار أهل مكة أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: يا محمد، ~~إنا قد علمنا أنه ما يحملك على هذا الذي تدعو إليه إلا الحاجة، فنحن نجعلك ~~في أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت عليه؛ فنزلت: (وله ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع)؛ لمقالة أولئك. # (العليم) من أين يرزقهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا آنفا أن الخلق كلهم تحت ~~قهرهما وسلطانهما. # وفيهما وجوه من الحكمة: # أحدها: بعض ما ذكرنا ليعلم أن مدبرهما واحد، وفيه نقض قول الفلاسفة؛ ~~لأنهم # PageV04P032 # يقولون: الظلمة كثافة ستارة، والنور دقيق دراك. # وفيهما ما ذكر من المنافع بقوله: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا) وغيره من المنافع. # وقوله - عز وجل -: (وهو السميع) لمن دعا له، (العليم): بمصالح الخلق ~~وحاجتهم. # * * * # قوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ms1419 السماوات والأرض وهو يطعم ولا ~~يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين (16) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ~~فهو على كل شيء قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل ~~أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ~~به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد وإنني بريء مما تشركون (19) # وقوله - عز وجل -: (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر) وفي حرف ابن مسعود - ~~رضي الله عنه -: (ربا)؛ كأن هذا صلة قوله: (قل لمن ما في السماوات والأرض ~~قل لله) فإذا أقررتم أن ذلك كله لله فكيف تتخذون له شركاء فتعبدون غير الله ~~وهو فاطر السماوات والأرض ومنشئهما ومنشئ ما فيهما، كيف صرفتم العبادة إلى ~~غير الله؟ وقوله - عز وجل -: (وهو يطعم ولا يطعم). # قال أهل التأويل: هو يرزق ولا يرزق، ليس كمن له عبيد في الشاهد يرزق ~~بعضهم بعضا، الموالي من العبيد، والعبيد من السادات، ينتفع بعضهم من بعض، ~~فأما الله - سبحانه وتعالى - خلق الخلق لا لمنفعة نفسه؛ لأنه غني بذاته، ~~والخلق فقراء إليه؛ كقوله - تعالى -: (أنتم الفقراء إلى الله والله هو ~~الغني الحميد). # وقوله - عز وجل -: (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم). # قال الحسن: أول من أسلم من قومه، وأصله: (إني أمرت أن أكون أول من أسلم) ~~أي: أمرت أن أسلم وأخضع أنا أولا، ثم آمركم بذلك. # PageV04P033 # واحتج بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الإسلام لا يلزم إلا بالأمر والدعاء ~~إليه، وقالوا: إن من مات قبل أن يؤمر به، وقبل أن يدعي إليه - فإنه لا شيء ~~عليه، وعلى ذلك من مات في وقت الفترة وانقطاع الرسل والوحي؛ لأنه قال: (إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم) أخبر أنه أمر بذلك، ms1420 وإذا لم يكن ثم أمر لم يلزم، ~~لكن الوجه في الآية ما ذكرنا، أي: أمرت أن أسلم وأخضع أولا ثم آمر غيري، ~~فإذا كان التأويل هذا بطل أن يكون في ذلك حجة لهم. # وقوله - عز وجل -: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: قل يا محمد لكفار أهل مكة: (إني أخاف)، ~~أي أعلم (إن عصيت ربي) فعبدت غيره، (عذاب يوم عظيم). # هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب ~~لهم. # وقال بعضهم: قوله - تعالى -: (إني أخاف إن عصيت ربي) وعلى الخوف، لكن ~~لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر؟! وكيف قال: (إن عصيت) وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟ # قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف غفر له ليخاف عذابه. # وقوله - عز وجل -: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ... (16) قال بعض ~~المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن الله - تعالى - جعل في الآخرة دارين؛ ~~إحداهما: # PageV04P034 # النار، سماها سخطا. # والأخرى: الجنة، سماها رحمة. # وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون الله بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم ~~يكون قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إلا أن يتغمدني الله برحمته ~~"، أي: يثيبني الجنة. # ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما ~~روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " لا يدخل أحد الجنة ~~بعمله " قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمته ". # PageV04P035 # وعلى قول المعتزلة فيكون الله بالملائكة رحيما لأنه [ ### | ..... # ]، ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل ~~فيها. # وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة # PageV04P036 # في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم. # ثم قوله: (من يصرف عنه ms1421 يومئذ). # قيل: من يصرف عنه العذاب يومئذ فقد رحمه، وكذلك روي في حرف حفصة: (من ~~يصرف عنه يومئذ فقد رحمه)، وفي حرف ابن مسعود: (من يصرف عنه شر ذلك اليوم ~~فقد رحمه). # ويحتمل أن يكون قوله: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) صلة قوله: (قل إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم). # وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله - تعالى -: (قل إني ~~أخاف): قل لكفار أهل مكة حين دعوه إلى دينهم، على ما ذكر في بعض القصة: (قل ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين (16). وقوله - عز وجل -: (وذلك الفوز المبين). # وذلك الصرف - يعني: صرف العذاب - الفوز المبين، وإنما ذكره - والله أعلم ~~- فوزا مبينا؛ لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا يكون في ~~وقت ثم يزول عن قريب، ولا كذلك فوز الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك ~~بخير فهو على كل شيء قدير (17) # فيه إخبار أن ما يصيب العبد من الضر والخير إنما يصيب به، ثم الضر ~~المذكور في الآية لا يخلو من أن يراد به سقم النفس، أو ضيق العيش، أو شدة ~~وظلم يكون من # PageV04P037 # العباد لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة، فإذا كان كذلك فدل إضافة ذلك إلى ~~الله - تعالى - على أن لله فيه فعلا، وهو أن خلق فعل ذلك منهم، فهو على كل ~~شيء قدير من كشف الضر له، والصرف عنه، هاصابة الخير لا يملك ذلك غيره. # وقوله - عز وجل -: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # في هذه الآية والآية الأولى ذكر أهل التوحيد؛ لأنه أخبر أن ما يصيب ~~العباد من الضر والشدة لا كاشف لذلك إلا هو، ولا يدفع ذلك عنهم ولا يصرفه ~~إلا الله، وأن ما يصيبهم مق الخير إنما يصيبهم بذلك الله، وأخبر أنه على كل ~~شيء قدير. # وفي قوله: (وهو القاهر فوق عباده) وإخبار أنه ms1422 قاهر يقهر الخلق، عزيز، ~~قادر، وله سلطان عليهم، وأنهم أذلاء تحت سلطانه. # وفي قوله: (فوق عباده) إخبار بالعلوية، والعظمة، وبالتعالي عن أشباه ~~الخلق. # (وهو الحكيم): يضع كل شيء موضعه. # (الخبير): بما يسرون وما يعلنون، إخبار ألا يخفى عليه شيء، وأنه يملك وضع ~~كل شيء موضعه، وأن ما يصيبهم من الضر والشدة إنما يكون به، لا يملك أحد ~~صرفه، وأن ما ضر أحد أحدا في الشاهد، أو نفع أحد أحدا إنما يكون ذلك بالله ~~في الحقيقة. # وفي هذه الأحرف: إخبار عن أصل التوحيد وما يحتاج إليه لما ذكرنا من الوصف ~~له بالقدرة والقهر، والوصف له بالعلو والعظمة، والتعالي عن أشباه الخلق، ~~والوصف له بالحكمة في جميع أفعاله، والعلم بكل ما كان ويكون. # وقوله - عز وجل -: (قل أي شيء أكبر شهادة ... (19) # كأن في الآية إضمارا - والله أعلم - أي (قل) يا محمد (أي شيء أكبر ~~شهادة)، # PageV04P038 # فيقولون: الله؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه أعظم ~~من كل شيء؛ لكنهم يشركون غيره في عبادته، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى)، وإلا كانوا يقرون بالعظمة له والجلال، فإذا سئلوا: (أي شيء ~~أكبر شهادة)، فيقولون: الله. # ويحتمل -أيضا- أن يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إنهم إذا سألوا: (أي ~~شيء أكبر شهادة)؟ قل: الله، فإنك إذا قلت لهم ذلك يقولون هم أيضا. # وقوله - عز وجل -: (قل الله شهيد بيني وبينكم). # في كل اختلاف بيننا وبينكم في التوحيد، والبعث بعد الموت، ونحوه. # ويحتمل: (قل الله شهيد بيني وبينكم) وفي كل حجة وبرهان أتاهم الرسول به. # وفي قوله: (قل أي شيء): دلالة أنه يقال له شيء؛ لأنه لو لم يجز أن يقال ~~له شيء لم يستثن الشيء منه، وكذلك في قوله: (ليس كمثله شيء) أنه # PageV04P039 # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم # شيء؛ لأن " لا شيء " في الشاهد، إنما يقال إما للنفي أو للتصغير، ولا ~~يجوز في الغائب النفي ولا التصغير؛ فدل أنه إنما يرادب " الشيء " الإثبات ~~لا غير وبالله العصمة. # ذكر ms1423 في بعض القصة في قوله: (قل أي شيء أكبر شهادة) أن رؤساء مكة أتوا ~~رسول الله، فقالوا: يا محمد، أما وجد الله رسولا يرسله غيرك، ما ترى أحدا ~~يصدقك بما تقول، ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ~~ذكر، ولا صفة، ولا مبعث، فأرنا من شهد لك أنلث رسول الله كما تزعم. فقال ~~الله - تعالى -: يا محمد، قل لهم: (أي شيء أكبر شهادة)، يقول: أعظم شهادة؛ ~~يعني: البرهان، محمد حجة وبرهان، فإن أجابوك فقالوا: الله، وإلا فقل لهم: ~~الله أكبر شهادة من خلقه أني رسوله، والله شهيد بيني وبينكم في كل اختلاف ~~بيننا وبينكم، في التوحيد، وإثبات الرسالة، والبعث، وكل شيء. # وذكر في هذه القصة أنهم لما قالوا: من يشهد أن الله رسلك رسولا، قالوا: ~~فهلا أنزل إليك ملك. فقال الله لنبيه: قل لهم: (أي شيء أكبر شهادة)؛ ~~فقالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله:، قل لهم يا محمد: الله شهيد ~~بيني وبينكم أني رسول الله، وأنه (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به)، ومن ~~بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له. # ثم قال لهم: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى)، قالوا: نعم، نشهد. ~~فقال الله لنبيه: قل لهم: لا أشهد بما شهدتم، ولكن أشهد أنما هو إله واحد، ~~وإنني بريء مما تشركون. # PageV04P040 # وقوله - عز وجل: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ). # كأنه قال: أوحي إلي هذا القرآن الذي تعرفون أنه من عند الله جاء؛ لأنه ~~قال لهم: (فأتوا بسورة من مثله)، فعجزوا عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان ~~مثله أنهم عرفوا أنه جاء من عند الله. # وقوله - عز وجل -؛ (لأنذركم به ومن بلغ): لا ينذر بالقرآن ولكن ينذر بما ~~في القرآن؛ لأنه فيه أنباء ما حل بأشياعهم بثكذيبهم الرسل، وما يحل بهم من ~~العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل، وإلا فظاهر القرآن ليس مما لنذر به، (ومن ~~بلغ) كأنه قال: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به، وأنذر من بلغه القرآن، ~~صار رسول ms1424 الله نذيرا ببلوغ القرآن لمن بلغه، فإذا صار نذيرا به لمن بلغه ~~وإن كان هو في أقصى الدنيا يصير هو نذيرا في أقصى الزمان، في كل زمان، وهو ~~- والله أعلم - كقوله - تعالى -: (ولكل قوم هاد) ورسول الله هاد لقومه إلى ~~يوم القيامة. # وفي الآية دلالة أن البشارة والنذارة يكونان ببعث آخر يبشر أو ينذر، وهو ~~دليل لقول أصحابنا: إن من حلف: أي عبد من عبيدي بشرني بكذا فهو حر، فبشره ~~برسول أو بكتاب، يكون بشارة. # وقوله - عز وجل -: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) فهذا في الظاهر ~~استفهام، ولكنه في الحقيقة إيجاب أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى، بعد ~~ما ظهر # PageV04P041 # عندكم آيات وحدانيته، وحجج ربوبيته لما عرفتم أنه خالقكم وخالق السماوات ~~والأرض، به تعيشون وبه تحيون، وبه تموتون، مع ما ظهر لكم هذا أشركتم مع ~~الله آلهة أخرى، وليس ذلك مما تشركون في عبادته وألوهيته، وأنا لا أشهد، ~~وإنما أشهد أنه إله واحد وإنني بريء مما تشركون في ألوهيته وربوبيته. # * * * # قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) # قوله - عز وجل -: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). # قيل: نزلت سورة الأنعام في محاجة أهل الشرك، إلا آيات نزلت في محاجة أهل ~~الكتاب، إحداها هذه. # وجائز أن يكون أهل الشرك يعرفون أنه رسول كما يعرفون أبناءهم، ويكون ~~الكتاب هو القرآن - هاهنا - لما قرع أسماعهم هذا القرآن، وأمروا أن يأتوا ~~بمثله، فعجزوا عنه، وبما # PageV04P042 # كانوا يختلفون إلى أهل الكتاب، ويسألونهم عن نعته وصفته، ويخبرونهم، فعرف ~~أهل الشرك أنه رسول، كما عرف أهل الكتاب بوجود نعته وصفته في كتابهم. # وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على ~~نبيه - عليه السلام - بمكة: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم)، فكيف يا عبد الله المعرفة؛ فقال عبد الله: يا عمر، لقد عرفته ms1425 ~~فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشد معرفة ~~بمحمد مني لابني، فقال: كيف ذلك؟ فقال: أنا أشهد أنه رسول الله حق من الله، ~~ولا أدري ما صنع النساء، أو ما أحدث النساء، وقد نعت في كتابنا. فقال له ~~عمر: صدقت وأصبت. # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه ~~لا يفلح الظالمون (21) # قال أهل التأويل: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، لكن هذا - في ~~الحقيقة - كأنه سؤال واستفهام؛ كأنه قال: من أظلم من الظالمين، قال: من ~~افترى على الله كذبا، يقال: من فعل هذا؟ قال: فلان، أو من قال هذا؟ قال: ~~فلان، فهو - والله أعلم - على السؤال والاستفهام. ثم قيل الذين افتروا على ~~الله كذبا: إن معه شريكا كقولهم: إن مع الله آلهة أخرى. # وقوله - عز وجل -: (أو كذب بآيات). # قيل: محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: القرآن. # PageV04P043 # (إنه لا يفلح الظالمون). # قال بعضهم: إنه لا يفلح الظالمون بظلمهم، لكن عندنا قوله: (إنه لا يفلح ~~الظالمون) ما داموا في ظلمهم، أو نقول: لا يفلح الظالمون إذا ختموا وماتوا ~~على الظلم والكفر. # * * * # قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين ~~كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ~~(23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) # قوله - عز وجل -: (ويوم نحشرهم جميعا). # المطيع والعاصي، والكافر والمؤمن. # (ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون). # ذكر - هاهنا - شركاءهم، أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم، ~~يفنون كما يفنون هم، وذكر في آية أخرى: (شركائي الذين كنتم تزعمون)، أنهم ~~شركائي. # وقوله - عز وجل -: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين (23) # قال الحسن: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا ~~فيما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا، ~~وسماهم مشركين؛ لأنهم كانوا مشركين ms1426 لأنهم أشركوا في السر، فقالوا: (والله ~~ربنا ما كنا مشركين). # وقال غيره من أهل التأويل: الآية نزلت في أهل الشرك من العرب؛ وذلك أنهم ~~كانوا يشركون مع الله آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون ~~الرسالة، فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته ~~وربوبيته. # وقوله - تعالى -: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا). # أي: لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على الله الكذب وإشراك غيره ~~معه، وتكذيبهم آيات الله، إلا أن قالوا في الآخرة: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين). # وذكر في بعض القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن # PageV04P044 # أهل التوحيد، قال بعضهم لبعض: إذا سئلنا فقولوا: إنا كنا موحدين، فلما ~~جمعهم الله وشركاءهم فقال: (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) في الدنيا ~~بأنهم معي شريك. # قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم). # قال أهل التأويل: معذرتهم وجوابهم إلا الكذب حين سئلوا ففالوا: (والله ~~ربنا ما كنا مشركين) تبرءوا من ذلك. # ثم قال الله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ... (24) في الآخرة، ~~(ما كانوا يفترون): من الشرك في الدنيا. # قيل: لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم الله على ألسنتهم، وشهدت ~~الجوارح عليهم بالشرك. # وقيل: انظر كيف كذبوا على أنفسهم، يقول: كيف صار وبال كذبهم عليهم؟!. # (وضل عنهم) قيل: واشتغل عنهم. # قوله تعالى: (ما كانوا يفترون) يقول: يكذبون. # وأصله: أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة ~~العذاب، فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشد تكذيبا وأكثر تعنتا؛ لأنهم ~~يطلبون الرد إلى الدنيا بقولهم (فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل)، فقال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). # * * * # قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن ~~يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) # PageV04P045 # وقوله عز ms1427 وجل: (ومنهم من يستمع إليك ... (25) وكانوا يستمعون إليه ~~ليجادلوه، على ما ذكر، (احتى إذا جاءوك يجادلونك) دل هذا أنهم كانوا ~~يستمعون إليه للمجادلة معه والخصومة. # وقيل في بعض الحكايات: إن الناس كانوا ثلاث فرق في أخبار الرسل والأنبياء ~~- عليهم السلام -: منهم من يستمع للجمع والاستكثار. # ومنهم من يستمع ليأخذ عليهم سقطاتهم وما يجري على لسانهم من الخطأ. # ومنهم من يستمع ليأخذ الحق منه ويترك الباقي، ولكن هؤلاء كانوا يستمعون ~~إليه ليخاصموه في ذلك وليجادلوه؛ ليعرف قومهم أنهم يستمعون إليه، ويعرفون ~~ما يقول ليصدوا بذلك أتباعهم. # والثاني: أنهم يستمعون ويحاجون في ذلك ليعرفوا أنهم أهل حجاج وعلم ~~ليصدوهم عنه. # ثم يحتمل أن يكونوا أهل نفاق؛ لأنهم كانوا يرون ويظهرون الموافقة لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ويضمرون الخلاف له. # ويحتمل أن يكونوا أهل الشرك، أي: رؤساؤهم؛ ليستمعوا إليه، ويجادلوه فيما ~~يستمعون إليه. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا). # أخبر أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا. # وقال: (صم بكم عمي). # نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا بذلك كله، وإن لم يكونوا - في الحقيقة - ~~صما، ولا بكما، ولا ما ذكر، لما لم ينتفعوا بما أنشأ فيهم من السمع والبصر ~~والعقل، فنفى عنهم ذلك. # ثم قوله تعالى: (وجعلنا على قلوبهم أكنة). # لا يخلو إضافة ذلك إلى نفسه من أن يكون خلق منهم فعل الكفر، أو خلق ~~الظلمة التي في قلوبهم، يعني ظلمة الكفر؛ لأن ظلمة الكفر تستر وتغطي كل ~~شيء، ونور الإيمان ينير منه كل شيء، فإضافة الفعل إليه لا تخلو من أحد هذين ~~الوجهين، إما لخلق فعل الكفر منهم، ففيه دلالة خلق أفعالهم، وإما لخلق ظلمة ~~الكفر في قلوبهم. وفيه رد قول المعتزلة لإنكارهم خلق فعل العباد. # PageV04P046 # وقوله - عز وجل -: (وفي آذانهم وقرا). # قيل: الوقر: هو الثقل في السمع، يقال: وقرت أذنه، توقر وقرا، فهي موقورة، ~~وأما الوقر فهو الكفر في قلوبهم. # PageV04P049 # وقال أبو عوسجة: الوقر: الصدع في العظم أيضا. # وقوله - عز وجل -: (وإن يروا كل ms1428 آية لا يؤمنوا بها). # يحتمل كل آية: آية وحدانيته، وربوبيته، وقدرته على البعث، وآية رسالته ~~ونبوته. # ويحتمل: كل آية سألوا أن يأتي بها؛ يقول: وإن أوتيت بكل آية سألوك لا ~~يؤمنون بك بعد ذلك أبدا، كقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) ~~ونحو ذلك مما سألوا من الآيات؛ يقول: إنك وإن جئت بما سألوك من الآيات لا ~~يؤمنون بك، ولا يصدقونك، يقولون: (إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ما هذا ~~إلا أساطير الأولين، قيل: أحاديث الأولين، والأسطورة: الكتاب، يقولون ذلك ~~تعنتا منهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أنه حق، وأنه ليس بكلام البشر؛ لأنهم عجزوا ~~عن إتيان مثله، ولو كان هو مفترى على ما قالوا لقدروا هم على أن يأتوا بشيء ~~مثله، حيث قيل لهم: (فأتوا بسورة من مثله)، فعلموا بعجزهم عن إتيان مثله ~~أنه ليس من كلام البشر، وأنه سماوي. # وقوله - عز وجل -: (وهم ينهون عنه وينأون عنه ... (26) ينهون الناس عن ~~طريقته ومتابعته وينأون عنه، أي: يتباعدون عنه وينهون غيرهم عن اتباعه ~~ويتباعدون هم. # ويحتمل ما ذكر في القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند أبي ~~طالب يدعوه إلى الإسلام # PageV04P050 # اجتمعت قريش عنده ليريدوا بالنبي سوءا قال أبو طالب وأنشد فيه: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا # فدعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # كان ينهى الناس عن أذى محمد - صلى الله عليه وسلم - ويتباعد هو عنه فلا ~~يتبع دينه، فنزل هذا. # PageV04P051 # وقوله - عز وجل -: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) أي لا يشعرون، ~~أنهم بذلك يسعون في هلاك أنفسهم. # * * * # قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه ms1429 وإنهم لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا ~~بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # وقوله - عز وجل -: (ولو ترى إذ وقفوا على النار). # عن الحسن قال: سترى إذ وقفوا على النار. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (ولو ترى إذ عرضوا على النار) وكذلك ~~في: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم)، إذ عرضوا على ربهم. ولولا ما روي عن ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - وقفوا: عرضوا على النار، وإلا يجوز أن يحمل قوله: ~~(إذ وقفوا على النار)، أي: عند النار، أو في النار " على " مكان " عند "، ~~أو مكان " في "، وذلك جائز في اللغة، ولكن ما روي عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - أقنعنا عن ذلك. # ثم يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا صلة قوله (إن هذا إلا أساطير ~~الأولين) كأنه يقول: ولو ترى يا محمد إذ وقفوا على النار لرحمتهم؛ لما كان ~~منهم من القول فيك (إن هذا إلا سحر مبين) (إن هذا إلا أساطير الأولين)، ~~وهكذا الواجب # PageV04P052 # على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخليد فيها، وألا يطلب ~~الانتقام منه بما كان منه بمكانة، وأن يقال: ولو تراهم إذ وقفوا على النار ~~من الذل والخضوع لرحمتهم بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا، وهو ~~كقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم) الآية، أخبر عن ذلهم ~~وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف؛ فعلى ~~ذلك يخبر نبيه عما يصيبهم من الذل بتكبرهم في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين). # تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد إلى الدنيا. ثم فيه دليلان: # أحدهما: أنهم عرفوا أن ما أصابهم أإنما أصابهم، بتكذيبهم الآيات وتركهم ~~الإيمان، حيث قالوا: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا). # والثاني، أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير؛ لأنهم إنما فزعوا ms1430 عند ~~معاينتهم العذاب فتمنوا الرد والعود إلى الدنيا؛ لأن يكونوا من المؤمنين، ~~ولم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات - دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا ~~غير، وأنه ضد التكذيب، والتكذيب هو درد فعلى ذلك التصديق. # وقوله - عز وجل -: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ... (28) # قيل فيه وجوه: # قال بعضهم: قوله - تعالى -: (ومنهم من يستمع إليك)، إنما نزل في ~~المنافقين، يدل على ذلك قوله: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل)، وهو سمة ~~أهل النفاق أنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويضمرون الخلاف، ويخفون ~~العداوة لهم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) ورؤساؤهم ~~كانوا عرفوا في الدنيا أنه رسول، وأن ما (أنزل) عليه هو من ربه، وعرفوا أن ~~البعث حق، لكنهم أخفوا ذلك على أتباعهم، وستروه، ثم ظهر ما كانوا يخفون على ~~أتباعهم. # PageV04P053 # وقيل: قوله: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) وذلك أنهم حين قالوا: ~~(والله ربنا ما كنا مشركين). # وقوله: (ولو ترى إذ وقفوا على النار)، يحتمل قوله (وقفوا على النار) أي: ~~حبسوا إذ لو وقف حبس، والنار لا يوقف عليها، بل يكون فيها ما قال - عز وجل ~~-: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، وقال: (لهم من جهنم مهاد ~~ومن فوقهم غواش)، ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب للمساءلة؛ ~~كقوله: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم. . .) الآية، (ولو ترى) أي: لو ترى ~~ذلهم وخضوعهم، كقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم)، ولم يذكر جواب " ~~لو "، وقد يترك جواب (لو) لما يعلم ربما يعلم بالتأمل أو بالذكر؛ كقوله: ~~(لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)، بمعنى ظننتم، أو ~~على ما ذكر في موضع آخر؛ نحو قوله: (قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) وكذلك ~~قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم)، وغير ذلك، فلعل ~~معناه: لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هم عليه، ولهان عليك ~~التصبر لأذاهم، ولأشفقت عليهم. # ويحتمل قوله: ولو ms1431 ترى ما ينزل بهم من نقمة الله، ويحل بهم من عذابه، ~~لعلمت أن القوة لله جميعا، وأنه بحلمه ورحمته يملي لهم ويسترجعهم؛ كقوله: ~~(ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا). # ويحتمل أن يكون جوابه فيما ذكر من تمنيهم العود، وندامتهم على ما سلف ~~منهم، وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك أمرا عظيما، وجزاء بالغا، لما يكون ~~ما ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم. # وقد يخرج الخطاب لرسول الله على تضمن تنبيه كل مميز وتبصير كل متأمل، ~~والله أعلم. # PageV04P054 # وقوله - عز وجل -: (يا ليتنا نرد). # قيل: إلى الدنيا. # وقيل: إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا ~~تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم هذا التمييز، أو يقولون ~~سفها كما قالوا كذبا بقوله: (وإنهم لكاذبون). # وقوله - عز وجل - (بآيات ربنا). # قال الحسن: بدين ربنا. # وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في ~~الأول لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من الله ~~الخبر عنهم مما فيه العناد منهم؛ كقوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشرك) وذلك يدل على تعنتهم في القول؛ ليتخلصوا عما ~~بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم؛ لذلك - والله أعلم - ~~قال الله - تعالى - (وإنهم لكاذبون). # ثم دل قوله: (ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) أنهم قد عرفوا أن ~~الإيمان هو التصديق لوجهين: # أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق. # والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل. # وبعد، فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ مشكلة الغير ~~لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من ~~التكذيب على أنه أجيع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا ~~به التصديق، وفيه أنه اسم لذلك حتى عرفه ms1432 أهله وغير أهله معرفة واحدة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) قيل فيه بوجوه ~~فقال بعضهم: إنه، يخرج على أوجه: # أحدها: على أن الآية في أهل النفاق أظهرت ما قد أضمروا من الكفر. # والثاني: أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث، وبأن الرسل تكون ~~من # PageV04P055 # البشر، وألا شريك لله، فبدا للأتباع ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا. # ويحتمل: وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه وأضمروه في أنفسهم ظنوا أنه لا ~~يطلع على ذلك أحد، وذلك كقوله: (يوم تبلى السرائر)، وقوله: (وحصل ما في ~~الصدور)، وغير ذلك. # ويحتمل: ما كانوا يخفون من الخلق، أو بدا لهم ذلك بالجزاء. # وقوله - عز وجل -: (ولو ردوا) أي: إلى ما تمنوا أن يردوا إليه. # (لعادوا لما نهوا عنه). # أخبر الله عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، ~~وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك وأن الآية لا تضطر صاحبها، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم ~~عليه لو مكثوا للأبد. # وقال قوم: لم يجز لزوم العذاب بما يعلم الله من العناد من أحد لو امتحن ~~بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين ~~اعتدوا وعاندوا الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا ~~يؤمنون أبدا، ثم أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أنه ليس يمنع الإعادة لما ~~يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة؛ إذ قد أمهل وأبقى على العلم ~~بذلك، فعلى ذلك الإفادة، لكنه أخبر عن تعنتهم. # ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم يؤمنون لردهم إلى ذلك وإذ بين أنهم ~~لا يؤمنون فيستدلون بهذا على أنه ليس لله قبض روح من يعلم أنه لو لم يقبضه ~~يؤمن يوما من الدهر وقد بينا نحن أن ذلك لا يجب، وإن كان أولئك في ms1433 علم الله ~~لن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم أنه يلزم الكفر، وينجي عن ~~المهالك من يعلم أنه يعود، ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به ~~النجاة عنه، والله أعلم. # وبعد، فإن الله - تعالى - قال: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض) فبين أنه لم يبسط لئلا يبغوا، وقال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن # PageV04P056 # يكفر بالرحمن. . .) الآية، ثم قد جعل لكثير ممن ضل بهم قوم نحو الفراعنة ~~ولكثير منهم وقد بغوا في الأرض؛ إذ لو لم يكن البسط لفرعون لم يكن ليدعي ~~الألوهية لكن الأول: طريق الفضل يفضل به، والثاني: طريق العدل وما يجوز في ~~الحكمة، فعلى ذلك الإمهال، يبين لك ما كان الله يأمر بقتل من لعله يؤمن لو ~~أمهل بما ندب إلى القتال، ولا يحتمل أن يأمر في قتل من ليس له قبض روحه، ~~وقد يبقى من به يهلك ويضل، وإن قبض كثيرا منهم بما يضل به لو أبقى؛ كما ~~قال: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا)، والله أعلم. # وظنت الخوارج بهذه الآية أن كل من يرتكب كبيرة يظهر منه كذبه فيما وعد ~~أنه لا # PageV04P057 # يفعل " إذ الله سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك. # فإذا تقرر عندنا من أحد ركوب ما كان في عهده وإيمانه أنه لا يرتكب يظهر ~~به كذبه. # وذلك خطأ، لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحدا، ومن كذب في أمر ~~الصغائر في العهد أو رد يكفر، ومن ارتكب الصغيرة، لم يصر كذلك، فعلى ذلك ~~الكبائر. لكن الآية تخرج على أوجه: # أحدها: أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا، ~~دليله فتنتهم بقوله: (والله ربنا ما كنا مشركين). # والثاني: أنه ذكر كذبهم، أنطق الله جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا من ~~الشرك، فتمنوا عند ذلك العود والرد. # ويحتمل: (بدا لهم): ظهر لهم ما كانوا يخفون من نعت محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وصفته في الدنيا وكتموه، ms1434 والله أعلم. # PageV04P063 # وقوله - تعالى -: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) تعلق ~~بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة. # أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ~~ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانيا، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم، ~~فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل، ~~فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في ~~الدين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم. # ومن قولهم: إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز له أن ~~يميته. # وغير ذلك من المخاييل والأباطيل. # وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول ~~كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا ~~كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ~~ألا يأتي بها كاذبا؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم ~~لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله - عز وجل -: (يبايعنك على أن ~~لا يشركن بالله. . .) الآية، فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة، كما جعل من ~~ذكر كاذبا في الوعد إذا أخلف، # وعلى ذلك يجعلونه كافرا. # PageV04P064 # وقوله - عز وجل -: (وإنهم لكاذبون). # يحتمل (لكاذبون) أي: ليكذبون لو ردوا، أو أنهم لكاذبون في قولهم: (ونكون ~~من المؤمنين) أي: يضمرون أنهم لا يؤمنون؛ كقوله - تعالى -: (إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) إلى قوله: (والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون)، يقولون: إنك لرسول الله، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم ~~سماهمم كاذبين، فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم ~~كاذبون في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولو ردوا). # قيل: إلى الدنيا، ولكن لو ردوا إلى المحنة ثانيا لعادوا لما نهوا عنه. # والثاني: أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد، وظهر منهم الجحود في القديم، ~~فبذلك سماهم كذبة، ms1435 كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا ~~إليها؛ فعلى ذلك هذا. # والثالث: أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا، وعرض ~~عليهم ذلك، وبعث إليهم الرسل بالآيات، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد. # وقوله - عز وجل - (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # قوله تعالى: (إن هي) يحتمل (هي): الحياة الدنيا، ويحتمل (هي) الدنيا. # ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد ~~الموت، ويقولون: إن هذا) الخلق كالنبات ينبت ثم يثلاشى؛ فعلى ذلك الخلق ~~يموتون ويصيرون ترابا، ثم يحيون في الدنيا؛ كقوله: (نموت ونحيا وما يهلكنا ~~إلا الدهر). # ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر، ولم ~~يشاهدوا غيره، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور الدنيا عليه، ~~فإن كان ذلك منهم، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك، ~~أي: بالبعث، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع؛ ليكونوا أشد اتباعا لهم ~~وانقيادا؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم ~~واتباعهم؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له، ففي ذلك ترك اتباعهم ~~وطاعتهم. # وقوله عز وجل -: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا ~~بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # أي: لربهم؛ كقو " له - تعالى -: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، وكقوله - # PageV04P065 # تعالى -: (وما ذبح على النصب)، أي: للنصب، وأصله: ما روي في حرف ابن ~~مسعود - رضي الله عنه -: (ولو ترى إذ وقفوا إذ عرضوا على ربهم). # وقوله - عز وجل -: (قال أليس هذا بالحق). # يحتمل قوله: (أليس هذا بالحق)، أي: البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ~~البعث، ويقولون: إنه باطل. # ويحتمل: بما كانوا أوعدوا العذاب إن لم يؤمنوا، فكذبوا ذلك، فقال: أليس ~~ما أوعدتم في الدنيا حقا، فأقروا فقالوا: (بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون): في الدنيا. # * * * # قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة ms1436 بغتة ~~قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ~~ما يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون (32) # قوله - عز وجل -: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله). # يحتمل قوله - تعالى -: (كذبوا بلقاء الله)، أي: كذبوا لقاء وعد الله ~~ووعيده في الدنيا وعلى هذا يخرج قوله: (من كان يرجو لقاء الله)، أي: يرجو ~~لقاء وعد الله في الدنيا، ووعيده خسروا في الآخرة بتكذيبهم ذلك في الدنيا، ~~وعلى ذلك يخرج ما روي في الخبر: " من أحب لقاء الله " أي: أحب لقاء ما أعد ~~الله له " ومن كره لقاء الله " أي: كره لقاء ما أعد له، وأصله: من أحب ~~الرجوع إلى الله أحب الله رجوعه، ومن كره الرجوع إلى الله كره الله رجوعه ~~إليه، والمحبة لله اختيار أمره وطاعته؛ وعلى # PageV04P066 # ذلك ما روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " الدنيا ~~جنة الكافر، يلعب فيها ويركض في أمانيها، وسجن المؤمن، وراحته بالموت ". # وأصله: أنها سجن المؤمن؛ لأن المؤمن يمنعه دينه من قضاء شهواته لما يخاف ~~هلاكه، ويحذره مما يفضي به إلى الهلاك، والكافر لا يمنعه شيء من ذلك عما ~~يريد من قضاء شهواته في الدنيا، فتكون له كالجنة، وللمؤمن كالسجن، على ما ~~ذكرنا. # ويحتمل قوله وجها آخر: وهو أن الكافر عند الموت يعاين مكانه وما أعد له ~~في النار، فتصير عند ذلك الدنيا كالجنة له يكره الرجوع، والمؤمن يعاين ~~موضعه في الجنة، فتصير كالسجن له. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة). # قيل: سميت القيامة ساعة لسرعتها، ليست كالدنيا؛ لأن في الدنيا يتغير فيها ~~على المرء الأحوال، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة، ثم يصير خلقا آخر، ~~ثم إنسانا ثم يكون طفلا ثم رجلا يتغير عليه الأحوال، وأما القيامة فإنها لا ~~تقوم على تغير الأحوال فسميت الساعة لسرعتها بهم. # وقيل: سميت القيامة الساعة لأنها تقوم في ساعة، وهو كقوله: (وما أمر ~~الساعة # PageV04P067 # إلا كلمح البصر أو ms1437 هو أقرب). # وقيل: سميت الساعة لما تقوم ساعة فساعة. # وقوله - عز وجل -: (بغتة) أي: فجأة. # وقوله - عز وجل: (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها). # قيل: التفريط: هو التضييع، فيحتمل قوله: (ما فرطنا فيها)، أي: ما ضيعنا ~~في الدنيا من المحاسن والطاعات. # ويحتمل: ما ضيعنا في الآخرة من الثواب والجزاء المجزيل بكفرهم في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم). # هو - والله أعلم - على التمثيل، ليس على التحقيق، وهو يحتمل وجهين: # يحتمل: أنه أخبر أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم بما لزموا أوزارهم ~~وآثامهم، لم يفارقوها قط، وصفهم بالحمل على الظهر، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)، لما لزم ذلك صاروإنه في عنقه. # والثاني: إنما ذكر الظهر؛ لما بالظهر يحمل ما يحمل، فكان كقوله: (فبما ~~كسبت أيديكم)، و (بما قدمت أيديكم)، لأن الكفر لا يكتسب بالأيدي ولا يقدم ~~بها، لكن اكتساب الشيء وتقديمه لما كان باليد ذكر اكتساب اليد وتقديمها. # وكقوله: (فنبذوه وراء ظهورهم)، أنهم لما تركوا العمل به والانتفاع، صار ~~كالمنبوذ وراء الظهر؛ لأن الذي ينبذ وراء الظهر هو الذي لا يعبأ به ولا ~~يكترث إليه. # ويحتمل وجها آخر: ما ذكر في بعض القصة أنه يأتيه عمله الخبيث على صورة ~~قبيحة، فيقول له: كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم ~~تحملني، # PageV04P068 # فيركب ظهره؛ فذلك قوله - تعالى -: (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ~~ساء ما يزرون). # وقوله - عز وجل -: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ... (32) # يحتمل أن يكون هذا صلة قوله: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين) قال: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو). # أي: الحياة الدنيا للدنيا خاصة؛ لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة تتأمل فهو ~~عبث، كبان يبني بناء لا لعاقبة تتأمل وتقصد ببنائه فهو لعب، وعبث، فعلى ذلك ~~الحياة الدنيا، لا لدار أخرى يتأمل ويرجى بها الثواب والعقاب فهذا ليس ~~بحكمة، وإنما هو لعب ولهو؛ وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا. . .) الآية، أخبر أن خلقه إياهم إذا ms1438 لم يكن للرجوع إليه فهو ~~عبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت ~~للثواب والعقاب، فهي لعب ولهو. # واللهو: ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة، لا يقصد به العاقبة، واللعب: هو ~~الذي لا حقيقة له ولا مقصد. # وقوله - عز وجل -: (وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). # أي: الدار الآخرة خير للذين يتقون الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا، ~~وأصله: أن الحياة الدنيا على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو؛ لأن عندهم أن ~~لا بعث، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كانت عندهم هكذا فتصير لعبا ولهوا؛ لأنه ~~يحصل إنشاء لا عاقبة له، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت عاقبته ~~غير مقصودة، فهو لا انتفاع به. # * * * # قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ ~~المرسلين (34) وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن # PageV04P069 # تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم ~~على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) # قوله - عز وجل -: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ... (33) هذا - والله ~~أعلم - إخبار منه نبيه - عليه السلام - أنه عن علم منه بتكذيبهم إياك بعثك ~~إليهم رسولا، وأمرك بتبليغ الرسالة إليهم، وكان عالما بما يلحقك من الحزن ~~بتكذيبهم إياك، ولكن بعئك إليهم رسولا مع علم منه بهذا كله لتبلغهم، يذكر ~~هذا - والله أعلم - ليعلم رسوله ألا عذر له في ترك تبليغ الرسالة، وإن ~~كذبوه في تبليغها. # ثم الذي يحمله على الحزن يحتمل وجوها: # يحتمل: يحزنه افتراؤهم وكذبهم على الله. # أو كان يحزن لتكذيب أقربائه وعشيرته إياه فإذا أكذبته عشيرته، انتهى ~~الخبر إلى الأبعدين فيكذبونه، فيحزن لذلك. # أو يحزن حزن طبع؛ لأن طبع كل أحد ينفر عن التكذيب. # أو كان يحزن إشفاقا عليهم بما ينزل عليهم من العذاب بتكذيبهم إياه وآذاهم ~~له؛ كقوله - تعالى ms1439 -: (فلعلك باخع نفسك. . .) الآية. وكقوله - تعالى -: ~~(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # وقوله - عز وجل -: (فإنهم لا يكذبونك) اختلف في تلاوته: قرأ بعضهم ~~بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد والتثقيل: # فمن قرأ بالتخفيف: قراءة (لا يكذبونك)، أي: لا يجدونك كاذبا قط. # ومن قرأ بالتثقيل: (لا يكذبونك)، أي: لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك ~~في نفسك. # PageV04P070 # ويحتمل قوله: ولا يكذبونك في السر، ولكن يقولون ذلك في العلانية، ~~والتكذيب هو أن يقال: إنك كاذب. # قوله تعالى: (ولكن الظالمين). # أي: عادة الظالمين التكذيب بآيات الله. # و (الظالمين) يحتمل وجهين: # أحدهما: الظالمين على نعم الله عادتهم التكذيب بآيات الله. # الثاني: والظالمين على أنفسهم؛ لأنهم وضعوها في غير موضعها. # وقوله - عز وجل -: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ~~... (34) # يخبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبره على تكذيبهم إياه وأذاهم ~~بتبليغ الرسالة، يقول: لست أنت بأول مكذب من الرسل، بل كذب إخوانك من قبلك ~~على تبليغ الرسالة، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، ولم يتركوا تبليغ الرسالة ~~مع تكذيبهم إياهم؛ فعلى ذلك لا عذر لك في ترك تبليغ الرسالة وإن كذبوك في ~~التبليغ وآذوك، وهو ما ذكرنا أنه يخبره أنه بعثك رسولا على علم منه بكل ~~الذي كان منهم من التكذيب والأذى. # وقوله - عز وجل -: (فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا). # أخبر الله أنه نصر رسله، ثم يحتمل ذلك (النصر) وجوها. # أحدها: ينصرهم أي: أظهر حججه وبراهينه، حتى علموا جمعا أنها هي الحجج # PageV04P071 # والبراهين، وأنهم رسل الله، لكنهم عاندوا وكابروا. # ويحتمل: النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم، وإن كان قد أصابهم شدائد في ~~بدء الأمر. # أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل، وفي استئصال القوم ~~وإهلاكه إياهم، وإبقاء الرسل نصرهم، وكذلك قوله - تعالى -: (إنا لننصر ~~رسلنا) وقوله: (إنهم لهم المنصورون)، يخرج على الوجوه التي ذكرناها. # وقوله - عز وجل -: (ولا مبدل لكلمات الله) وهو ما ذكرنا من النصر لهم، ~~واستئصال قومهم، وما أوعدهم من العذاب؛ فذلك كلمات الله. # ويحتمل قوله: (لكلمات الله): حججه وبراهينه؛ كقوله: ms1440 (ويحق الله الحق ~~بكلماته)، أي: بحججه وآياته، وكقوله - تعالى -: (قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي)، أي: حجج ربي. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءك من نبإ المرسلين) يحتمل ما ذكرنا من إهلاك ~~القوم وإبقاء الرسل، قد جاءك ذلك النبأ. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ولقد جاءك من نبإ المرسلين) من تكذيب قومهم لهم ~~وأذاهم إياهم، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ... ~~(35) كان يشتد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويشق عليه كفر قومه ~~وإعراضهم عن الإيمان، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقا عليهم؛ كقوله: ~~(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # PageV04P072 # وقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، ونحو ذلك من الآيات، يشفق ~~عليهم بتركهم الإيمان لما يعذبون أبدا في النار، فعلى ذلك قوله: (وإن كان ~~كبر عليك إعراضهم). # أو كان يكبر عليه ويثقل إعراضهم لما كانوا يطلبون منه الآيات، حتى إذا ~~جاء بها لا يؤمنون؛ من نحو ما قالوا: (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه) وغير ذلك من الآيات التي سألوها، فطمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في إيمانهم إذا جاء بما سألوا من الآيات، فكان الله عالما بأنه وإن ~~جاءتهم آيات لم يؤمنوا، وإنما يسألون سؤال تعنت لا سؤال طلب آيات لتدلهم ~~على الهدى، فقال عند ذلك: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء). # أو أن يكون قوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض) ونهيا عن الحزن ~~عليهم، أي: لا تحزن عليهم كل هذا الحزن بما ينزل بهم، وقد تعلم صنيعهم وسوء ~~معاملتهم آيات الله. # وكذلك روي في القصة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن نفرا من قريش قالوا: ~~يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات إذا سألوهم: فإن ~~أتيتنا آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بما قالوا، فأعرضوا عنه، فكبر ~~ذلك عليه وشق، فأنزل الله: (فإن استطعت. . .). يقول: ms1441 إن قدرت (أن تبتغي) ~~يقول: أن تطلب (نفقا في الأرض) يقول: سربا في الأرض كنفق اليربوع نافذا أو ~~مخرجا فتوارى # PageV04P073 # فيه منهم (أو سلما في السماء) يكون سببا إلى صعود السماء، (فتأتيهم بآية) ~~التي سألوكها فافعل. # قال القتبي: النفق في الأرض: المدخل، وهو السرب، والسلم في السماء: ~~المصعد. # وقال أبو عوسجة: النفق: الغار، والأنفاق: الغيران، والغار واحد. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). # قال الحسن: أي: لو شاء الله لقهرهم على الهدى وأكرههم، كما فعل ~~بالملائكة؛ إذ من قوله إن الملائكة مجبورون مقهورون على ذلك، ثم هو يفضل ~~الملائكة على البشر ويجعل لهم مناقب، لا يجعل ذلك لأحد من البشر، فلو كانت ~~الملائكة مجبورين مقهورين على ذلك، لم يكن في ذلك لهم كبير منقبة؛ ففي قوله ~~اضطراب. # وأما تأويله عندنا: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى)، أي: لجعلهم جميعا ~~بحيث اختاروا الهدى وآثروه على غيره، ولكن لما علم منهم أنهم يختارون الكفر ~~على # PageV04P074 # الهدى، لم يشأ أن يجمعهم على الهدى، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ألا يكون ~~الهدى في حال القهر والجبر، وإنما يكون في حال الاختيار. # وقوله - عز وجل -: (فلا تكونن من الجاهلين). # يحتمل وجوها: # يحتمل: فلا تكونن من الجاهلين: من قضاء الله وحكمه. # ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين: من إحسانه وفضله، أي: من إحسانه وفضله ~~يجعل لهم الهدى. # ويحتمل: لا تكونن من الجاهلين أنه يؤمن بك بعضهم وبعضهم لا يؤمن. # قال أبو بكر الكيساني في قوله: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) أي: لو ~~شاء الله ابتلاهم بدون ما ابتلاهم به ليخف عليهم، فيجيبون بأجمعهم، أو ~~يقول: لو شاء الله، لوفقهم جميعا للهدى فيهتدون، وهو قولنا، لكن لم يشأ؛ ~~لما ذكرنا أنه لم يوفقهم لما علم منهم أنهم يختارون الكفر. # وقوله: (فلا تكونن من الجاهلين)، بأن الله قادر لو شاء لجعلهم جميعا ~~مهتدين. # ثم معلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معصوما، لا يجوز أن ~~يقال إنه يكون من الجاهلين أو من الشاكرين، ms1442 على ما ذكر، ولكن ذكر هذا - ~~والله أعلم - ليعلم أن العصمة لا ترفع الأمر والنهي والامتحان، بل تزيد؛ ~~لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون (36) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ~~(38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) # قوله - عز وجل -: (إنما يستجيب الذين يسمعون) معناه - والله أعلم - إنما ~~يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعا، لكن الوجه فيه ~~ما ذكرنا أنه إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله - تعالى -: ~~(إنما تنذر من اتبع الذكر) كان النبي - عليه السلام - ينذر من اتبع الذكر ~~ومن لم يتبع، لكن انتفع # بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عز وجل -: ~~(وذكر فإن # PageV04P075 # الذكرى تنفع المؤمنين)، أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم. # وقوله - عز وجل -: (والموتى يبعثهم الله): # اختلف فيه؛ قال بعضهم: (والموتى يبعثهم الله) أنه على الابتداء؛ يبعثهم ~~الله ثم إليه يرجعون. وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتا ~~والمؤمن حيا في غير موضع من القرآن؛ كقوله: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات)، فهو - والله أعلم - أن جعل ~~لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ ~~وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة أبدية في الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة ~~الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع ~~الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر ~~والحياة التي جعل له في الدنيا، # ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل ms1443 لهم ~~هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ~~ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في ~~البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد ~~تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [ ### | .... # ]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك ~~المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا. # والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم # PageV04P076 # اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ~~ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العمي والصم ~~والبكم؛ ألا ترى أنه قال: (صم بكم عمي)، لما لم ينتفعوا بذلك؟! # ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: (قال ~~رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا). # والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات. # وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة ~~مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعا المكتسبة والمنشأة فيسمى كل ~~بالأسماء التي اكتسبها فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر ~~اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية ... (37) # هؤلاء قوم همتهم العناد والمكابرة وإلا قد كان أنزل عليه آيات عقليات ~~وسمعيات وحسيات، # فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله. .) الآية. # وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنباهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير ~~أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها. # والآيات الحسيات: هي ما سقى أقواما كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع # PageV04P077 # مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ~~ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها. لكنهم عاندوا، ms1444 وكانت همتهم العناد. # وقوله - عز وجل -: (قل إن الله قادر على أن ينزل آية): التي سألوك، (ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون): يحتمل وجهين: # يحتمل: أن يكون أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال ~~لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا. # ويحتمل قوله تعالى: (ولكن أكثرهم لا يعلمون): أنه لا ينزل الآية إلا عند ~~الحاجة أبهم، إليها. # ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا. # PageV04P078 # أو إن أنزل آية، على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ~~ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. # وقوله - عز وجل -: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ... (38) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية)؛ لأنه ذكر " دابة "، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، ~~وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء. لما كان قادرا على خلق هذه ~~الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، فهو قادر على أن ينزل آية؛ ولو ~~أنزل آية لاضطروا جميعا إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ~~ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، ~~وعلى هذا يخرج مخرج قوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون). # ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: ~~(إلا أمم أمثالكم)، ثم قال: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). # ثم اختلف في قوله تعالى: (إلا أمم أمثالكم): # عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال في قوله - تعالى -: (إلا أمم ~~أمثالكم): أي: إلا سيحشرون يوم القيامة كما تحشرون، ثم يقتص البهائم بعضها ~~من بعض، ثم يقال لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: (يا ليتني كنت ~~ترابا)؛ كالبهائم. # وعن ابن عباس قال: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم)؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم ms1445 أمثالكم في ~~معرفة ما يؤتى ويتقى. # ويحتمل: (إلا أمم أمثالكم) في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف ~~بالأسامي # PageV04P079 # كما تعرفون أنتم. # وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير (أمم أمثالكم): سخرها لكم لم يكن منها ~~ما يكون منكم من العناد والخلاف، والتكذيب للرسل والخروج عليهم، بل خاضعين ~~لكعمم مذللين تنتفعون بها. # ويحتمل قوله: (إلا أمم أمثالكم): في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق ~~الطاعة لله؛ كقوله - تعالى -: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده). # وقوله - عز وجل -: (ما فرطنا في الكتاب من شيء). # اختلف فيه: # قال بعضهم: (ما فرطنا) أي: ما تركنا شيئا إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما تركنا شيئا إلا قد كتبناه في أم ~~الكتاب: وهو اللوح المحفوظ. # وقيل: (ما فرطنا): ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو ~~منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن. # قوله تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون). # قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: (إلى ربهم يحشرون): يعني بني ~~آدم. # وقوله: (والذين كذبوا بآياتنا ... (39) # قاله الحسن: (بآياتنا) ديننا. # وقال غيره: (كذبوا بآياتنا): حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة ~~والنبوة. # PageV04P080 # ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (صم وبكم). # هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة ~~السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان. # ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون ~~بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون منه، ويستمعون ~~إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر (صم بكم عمي)، لما ~~لم يشفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر. # أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة ~~على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنفي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، ~~والحياة المكتسبة. # وقوله - عز وجل -: (في الظلمات). # يحتمل وجهين: # يحتمل: ظلمات الجهل والكفر. # والثاني: هم في ظلمات: يعني ms1446 ظلمات السمع، والبصر، والقلب. # وهم في الظلمتين جميعا: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ ~~كقوله - تعالى -: (ظلمات بعضها فوق بعض)، والمؤمن في النور؛ كقوله - تعالى ~~-: قوله تعالى: (نور على نور). # وقوله - عز وجل -: (من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). # وصف - عز وجل - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعا متقلبين في مشيئة، وأخبر أنه ~~شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى لكن، لم ~~يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عز وجل؛ لأنه أخبر أنه شاء ~~الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى. # وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل ~~الكفر منه، # PageV04P081 # وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق ~~فعل الاهتداء منه. # * * * # قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون (41) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # قوله - عز وجل -: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله). # الذي وعدكم في الدنيا أنه يأتيكم. # (أو أتتكم الساعة). # لأنه كان وعدهم أن يأتيهم العذاب، أو كان يعدهم أن تقوم الساعة، فقال: ~~(قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون): في رفع ~~ذلك، وكشفه عنكم. # (إن كنتم صادقين) أن معه شركاء وآلهة. # أو (إن كنتم صادقين): أن ما تعبدون شفعاؤكم عند الله، أو تقربكم عبادتكم ~~إياها إلى الله. # وقوله - تعالى - (أغير الله تدعون). # يحتمل: حقيقة الدعاء عند نزول الجلاء. # ويحتمل: العبادة، أي: أغير الله تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم ms1447 ~~أنها لم تشفع لكم عند نزول البلايا، ثم أخبر أنهم لا يدعون غير الله في دفع ~~ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى الله يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر ~~- عز وجل -: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)، وكقوله: ~~(وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه). # PageV04P082 # وكقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين): ذكر هذا - ~~والله أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون ~~في عبادته وألوهيته، فكيف أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد ~~والبلايا، (وتنسون ما تشركون (41)، أي: تتركون ما تشركون بالله من الآلهة؛ ~~فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم؟ # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء ... (42) # اختلف فيه: # قال بعضهم: البأساء: الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء: ما يحل بهم ~~من البلاء والسقم السماوي. # وقال بعضهم: البأساء: هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قوله، (فأخذناهم بالبأساء): الزمانة ~~والخوف، (والضراء): البلاء والجوع. # (لعلهم يتضرعون). # أي: ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون، ويرجعون عما هم عليه. # وقوله - عز وجل -: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ... (43) # يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا ولكن قست ~~قلوبهم، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ~~ورجعوا عما كانوا عليه؛ وهو كقوله - تعالى -: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل ~~من تدعون إلا إياه)، وقوله: (فإذا ركبوا في الفلك)، وغيرهما من الآيات. لكن ~~يحتمل هذا وجوها: # أن هذا كان في قوم، والأول كان في قوم آخرين، وذلك أن الكفرة كانوا على ~~أحوال ومنازل: منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه ~~وتحول تغير؛ وهو كقوله - تعالى -: (ومن الناس من يعبد الله على حرف. . .) ~~الآية. ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة ~~والنعمة قاسي القلب معاند؛ وهو كقوله: (دعوا الله مخلصين له الدين. . .) ~~إلى ms1448 آخر الآية؛ وكقوله - تعالى -: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون ~~إلا إياه). ومنهم: من # PageV04P083 # كان فرحا عند الرحمة والنعمة، وعند الشدة والبلاء كفورا حزينا؛ كقوله - ~~تعالى -: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور). ~~ومنهم: من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها، لا عند الشدة والبلاء، ~~ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون: إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد كان أصاب ~~آباءنا، وهم، كانوا أهل الخير والصلاح؛ وهو كقوله؛ (وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء): كانوا على أحوال مختلفة، ومنازل متفرقة؛ فيشبه أن يكون ~~قوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم): في القوم الذين لم ~~يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا. # وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد، فإذا انقطع ذلك وارتفع، عادوا ~~إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)؛ ويشبه ~~أن يكون قوله: (لعلهم يتضرعون)، وقوله: (دعوا الله مخلصين له الدين): فيما ~~بينهم وبين ربهم، وهذا فيما بينهم، وبين الرسل؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم ~~إلى أن يقروا، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا ~~لله وتضرعوا إليه، تكبروا عليهم ولم يتكبروا على الله. # ويحتمل أن يكون قوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا): في الأمم السالفة ~~إخبار منه أنهم لم يتضرعوا. # ويحتمل قوله أيضا: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) وجهين: # أحدهما: أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله، ولكن عاندوا وثبتوا على ما ~~كانوا عليه. # والثاني: تضرعوا عند نزول بأسه؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما ~~كانوا، فيصير كأنه قال: فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا. # وقوله - عز وجل -: (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). # أي: زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون: إن هذا كان يصيب أهل الخير، ~~ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح. # PageV04P084 # أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم: إن ~~الذي أنتم عليه حق. # وقوله - عز وجل -: (فلما نسوا ما ذكروا به ... (44) يحتمل: ابتداء ترك، ~~أي: تركوا ms1449 الإجابة إلى ما دعوا وتركوا ما أمروا به. # ويحتمل: نسوا ما ذكروا به من الشدائد والبلايا. # (فتحنا عليهم أبواب كل شيء). # يحتمل وجهين: # يحتمل أبواب كل شيء مما يحتاجون إليه، (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم ~~بغتة). # ويحتمل: (فلما نسوا ما ذكروا به)، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم ~~الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم (فتحنا عليهم)، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل ~~شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم. # (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). # اختلف فيه: قال بعضهم المبلس: الآيس من كل خير. # قال القتبي: المبلس: الآيس الملقي بيديه. # وقال أبو عوسجة: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من ~~الخير. # وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سمي إبليس لعنه الله ~~إبليس لما أيس من رحمة الله. # وقوله - عز وجل -: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا ... (45) # قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعا، والظلم هاهنا: هو الشرك، ~~وقيل: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)، أي: أصلهم. # وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم # وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا. # PageV04P085 # ويشبه أن يكون قوله: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)، أي: قطع افتخارهم ~~وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون. # وقوله - عز وجل -: (والحمد لله رب العالمين). # الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا الحمد إنما ~~يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكا فيكون ~~للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من ~~الله، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيرا للأولياء وكرامة، ~~وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد ~~في الحاصل في الخير والنعمة. # والثاني: أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد إذا كان الهلاك بالظلم؛ ~~لأنه هلاك بحق إذ لله أن يهلكهم، ولم يكن الهلاك على الظلم خارجا عن ~~الحكمة، فيحمد عز وجل في ms1450 كل فعل: حكمة. # والئالث: يقول: (والحمد لله رب العالمين) وعلى إظهار حججه بهلاكهم. # * * * # قوله عز وجل: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من ~~إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) # قوله: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير ~~الله يأتيكم به). # اختلف فيه؛ قال بعضهم: يراد بأخذ السمع والبصر والختم على القلوب: أخذ ~~منافع هذه الأشياء، أي: إن أخذ منافع سمعكم، ومنافع بصركم، ومنافع عقولكم، ~~من إله غير الله يأتيكم به: أي يأتيكم بمنافع سمعكم، ومنافع بصركم، ومنافع ~~عقولكم، فإذا كانت الأصنام والأوثان التي تعبدون من دون الله وتشركون في ~~ألوهيته وربوبيته لا يملكون رد تلك المنافع التي أخذ الله عنكم، فكيف ~~تعبدونها وتشركونها في # PageV04P086 # ألوهيته؟! # وقيل: يراد بأخذ السمع والبصر وما ذكر: أخذ أعينها وأنفسها، أي: لو أخذ ~~الله سمعكم وبصركم وعقولكم، لا يملك ما تعبدون رد هذه الأشياء إلى ما كانوا ~~عليه: لا يملكون رد السمع إلى ما كان، ولا رد البصر والعقل الذي كان إلى ما ~~كان، فكيف تعبدون دونه وتشركون في ألوهيته؟! يسفه أحلامهم لما يعلمون أن ما ~~يعبدون ويجعلون لهم الألوهية لا يملكون نفعا ولا ضرا، فمع ما يعرفون ذلك ~~منهم يجعلونهم آلهة معه. # وقوله - عز وجل -: (كيف نصرف الآيات). # أي: نبين لهم الآيات في خطئهم في عبادة هؤلاء، وإشراكهم في ألوهيته. # (ثم هم يصدفون). # أي: يعرضون عن تلك الآيات. # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك ~~إلا القوم الظالمون (47) # معناه - والله أعلم -: أنهم يعلمون أن العذاب لا يأتي ولا يأخذ إلا ~~الظالم، ثم مع علمهم أنهم ظلمة؛ لعبادتهم غير الله، مع علمهم أنهم لا ~~يملكون ms1451 نفعا ولا ضرا يسألون العذاب كقوله: (سأل سائل بعذاب واقع). # وقوله: (ويستعجلونك بالعذاب). # وقوله: (عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب). # وقوله - عز وجل -: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ... (48) أخبر ~~أنه لم يرسل الرسل إلا مع بشارة لأهل الطاعة، ونذارة لأهل معصيته، وفيه أن ~~الرسل ليس إليهم الأمر والنهي، إنما إليهم إبلاغ الأمر والنهي. # ثم بين البشارة فقال: (فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # (فلا خوف عليهم): لما ليس لذلك فوت ولا زوال، ليس نعيمها كثواب الدنيا # PageV04P087 # وأنه على شرف الفوت والزوال. # (ولا هم يحزنون): لأنه سرور لا يشوبه حزن، ليس كسرور الدنيا يكون مشويا ~~بالحزن والخوف. # (والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) هذه هي ~~النذارة. # وقوله - عز وجل -: (يمسهم العذاب). # ذكر المس - والله أعلم - لما لا يفارقهم العذاب، ولا يزول عنهم. # والفسق في هذا الموضع: الكفر، والشرك، وما ذكر من الظلم هو ظلم شرك وكفر. # وقوله - عز وجل -: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ... ~~(50) # لم يحتمل ما قال ابن عباس - رضي الله عنه - حيث قال: إنهم قالوا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينزل الله عليك كنزا تستغني به؛ فإنك ~~محتاج، ولا جعل لك جنة تأكل منها فتشبع من الطعام؛ فإنك تجوع، فنزل عند ذلك ~~هذا. لا يحتمل أن يقولوا له ذلك، فيقول لهم: إني لا أقول لكم إني ملك، وليس ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب، فإن كان من السؤال شيء من ذلك، فإنما يكون ~~على سؤال سألوا لأنفسهم؛ كقوله: # (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91)، # ونحو ذلك من الأسئلة التي سألوا لأنفسهم، فنزل عند ذلك ما ذكر، فهذا ~~لعمري يحتمل، فيقول لهم: إنه ليس عندي خزائن الله فاجعل لكم هذا، ولا أعلم ~~الغيب؛ ولا أقول لكم: (إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي). # والثاني: جائز أن يكون النبي - عليه السلام - أوعدهم ms1452 بالعذاب وخوفهم، ~~فسألوا العذاب استهزاء وتكذييا، فقالوا: متى يكون؟! كقوله: (ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين)، فقال عند ذلك: (قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله) ومفاتيحه، أنزل عليكم العذاب متى شئت، (ولا أعلم الغيب) ومتى وقت ~~نزول العذاب عليكم، (ولا أقول لكم إني ملك) نزلت من السماء بالعذاب، إنما ~~أنا رسول، بشر مثلكم، ما أتبع إلا # PageV04P088 # ما يوحى إلي، هذا محتمل جائز أن يكون على أثر ذلك نزل. # ويحتمل وجها آخر وهو: أنه يخبر ابتداء في: (لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله)؛ لأني لو قلت: عندي خزائن الله، وأنا أعلم الغيب، وإني ملك - كان ذلك ~~أشد اتباعا لي وأرغب وأكثر لطاعتي، لكن أقول: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~ما أتبع إلا ما يوحى إلي، لتعلموا أني صادق في قولي، ومحق فيما أدعوكم ~~إليه. # * * * # قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا ~~تتفكرون (50) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ~~ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) # قوله - عز وجل -: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك). # يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة التي كانت من ~~أولئك، حتى كان هذا جوابا لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على ~~الله. # ويحتمل: أن يكون جوابا لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: (لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب)، فقال ms1453 عند ~~ذلك: (لا أقول لكم عندي خزائن الله)، وقال: (ولا أعلم الغيب) جوابا لسؤال ~~عن وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب. # وقوله - عز وجل -: (ولا أقول لكم إني ملك) جواب لقولهم: (أو ترقى في ~~السماء) فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب # PageV04P089 # أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء. # وقوله: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون). # أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من ~~لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم ~~عنها؟! # أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن ~~لم يتعام؟! (أفلا تتفكرون) أنهما لا يستويان. # وقوله - عز وجل -: (أفلا تتفكرون). # في آيات الله وما ذكركم. # أو نقول: (أفلا تتفكرون) في وعظكم، بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) # اختلف فيه: # قال بعضهم: هو صلة قوله: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب. . .) الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم ~~المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم ولي يدفع عنهم ما ~~يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا. # وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ~~ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر ~~وخشي الرحمن بالغيب)، ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ~~ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هؤلاء؛ كقوله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين)، أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أولئك، ينذر الفريقين: ~~من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: (ليس لهم من ~~دونه ms1454 ولي)، يعني: ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله)، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ونحوه أخبر أن ~~ليس لهم ولي ولا شفيع دونه. # وقوله - عز وجل -: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ... (52) # PageV04P090 # يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجلسون قريبا ~~منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أولئك المجلس فيجلس هؤلاء ناحية، ~~فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك في المجلس، فهم أن ~~يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية يعاتب نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ~~(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. . .) الآية. # وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ ~~إذ لا يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرب أعداءه ويدني ~~مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله ~~المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة ~~فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا ~~فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم منه، هذا لعمري مدفوع في عقل كل ~~عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ~~ويبعد أولئك؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك ~~فلا يحتمل. # PageV04P091 # وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديبا وتعليما؛ يعلم رسوله صحبة ~~أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه) ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك؛ كقوله: (ولا تمدن ~~عينيك. . .) الآية، ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله. # وقد ذكرنا أن العصمة ms1455 لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي ~~والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، ~~فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: # (فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم). # وقوله - عز وجل -: (يدعون ربهم بالغداة والعشي). # يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل غداة ~~ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل ~~غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم. # وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ ~~كقوله: # PageV04P092 # (والضحى (1) والليل إذا سجى (2)، ليس يريد ب (والضحى) الضحوة خاصة ولكن ~~النهار كله. # ألا ترى أنه قال: (والليل إذا سجى) ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن ~~النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار ~~جملة، والله أعلم. # وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ~~ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا. # وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ ~~يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنماكان يشهدهما أهل الإيمان، وأما ~~أهل النفاق: فإنهم كانوا لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل غير ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فتطردهم فتكون من الظالمين) # الظلم على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا ~~حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم. # والظلم - هاهنا والله أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ ~~لأنه لو كان منه ها ذكر من طرد أولئك وإدناء أولئك، لم يكن أهلا للحكمة، ~~ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: " ~~أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم ". # PageV04P093 # وقوله - عز وجل -: (وكذلك ms1456 فتنا بعضهم ببعض ... (53) # قوله: (وكذلك) لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - والله أعلم - يحتمل أن ~~يقول لما قالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعا ~~لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟! فقال عند ذلك: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) ~~أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ~~ويكونون هم المقربين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمدنين مجلسهم ~~إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ ~~فكذلك امتحان بعضهم ببعض. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء ~~محنة؛ كقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة). # وكقوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات). # وقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع. . .) الآية. # فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض. # وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو ~~دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل ~~والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين؛ وعلى ذلك ~~يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: (أنا خير ~~منه)، ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هؤلاء لم ~~يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا ~~مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك، ~~ويقولون: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) ونحوه من الكلام. # وقوله - عز وجل -: (ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا). # قال بعضهم: هو موصول بالأول بقوله: (فتنا بعضهم ببعض ليقولوا) يقول ~~الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان. ثم ابتدأ فقال: (أهؤلاء) أي: يقول ~~الكفرة (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا). ليس بمفصول من قوله (ليقولوا) ~~وولكن موصول به (ليقولوا) يعني الكفرة (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا). # PageV04P094 # ثم يحتمل قوله (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) وبالحظ بالتقريب والإدناء ~~في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما ms1457 كانوا أتباعا لنا فقال عند ذلك ~~(أليس الله بأعلم بالشاكرين) أي: عرف هؤلاء نعمة الله تعالى، ووجهوا شكر ~~نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم ~~والمسدي إليكم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم (54) وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قل إني نهيت ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا ~~من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به ~~إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن عندي ما ~~تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) # قوله - عز وجل -: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) هذا ~~يدل على أن النهي عن الطرد ليس للإبعاد خاصة في المجلس، ولكن في كل شيء في ~~بشاشة الوجه واللطف في الكلام وفي كل شيء؛ لأنه قال (فقل سلام عليكم). # وقوله - عز وجل -: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) وقال بعضهم (كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة) هو هو أن يبدأهم بالسلام فذلك الذي كتب على نفسه الرحمة. # وقال بعضهم قوله (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي: لم يأخذهم في أول ما ~~وقعوا في المعصية ولكن أمهلهم إلى وقت وجعل لهم المخرج من ذلك بالتوبة وعلى ~~ذلك ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " فتح الله للعبد التوبة ~~إلى أن يأتيه الموت ". # وقوله - عز وجل -: (أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم) أي: كل من عمل سوءا بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح أنه ~~يغفر له ما كان منه. # ومن قرأها بالنصب عطفه على قوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ms1458 رحيم) لذلك. # وجائز أن يكون قوله (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي: كتب على خلقه الرحمة ~~أن يرحم بعضهم بعضا. # وجائز ما ذكرنا أنه كتب على نفسه الرحمة أي: أوجب أن يرحم ويغفر لمن تاب. # وقوله - عز وجل -: (من عمل منكم سوءا بجهالة) جائز أن يكون الآية في ~~الكافر إذا # PageV04P095 # تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوا له: (والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. .) الآية، ~~وقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وجائز أن تكون في المؤمنين. # ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان ~~فعله لم يكن على الجهل؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل؛ لأن فعله ~~فعل ناس وفعل مخطئ وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ، وإلا لو كان ~~على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به؛ لقوله (وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به)، لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسيا ~~ولا مخطئا فيه، وعلى ذلك الفعل فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل ~~وإن لم يكن بالجهل، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة؛ لأنه ~~إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح ~~عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره. على هذه " الوجوه ~~الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) قرئ ~~بالياء والتاء جميعا. # فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أي: لتعرف سبيل المجرمين. # ومن قرأ بالياء رفع " السبيل " كأنه قال نفصل الآيات وجوها. # أي: نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من ~~عند الخلق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين. # والثاني: نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها. ms1459 # والثالث: نبين من لآيات ما بين المختلفين، أي: بين سبيل المجرمين وبين ~~سبيل المهتدين. # (ولتستبين سبيل المجرمين) تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على ~~خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: نبين من الآيات لتعرف سبيل ~~المجرمين بالنصب. # ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير ~~المجرمين، والله أعلم. # PageV04P096 # وقوله - عز وجل -: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا ~~أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) معناه - والله أعلم -: ~~إني نهيت بما أكرمت من العقل واللب أن أعبد الذين تعبدون من دون الله. # أو يقول: إني نهيت بما أكرمت من الوحي والرسالة أن أعبد الذين تدعون من ~~دون الله. # (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) ثم أخبر أن ما ~~يعبدون هم من دون الله إنما يعبدونه اتباعا لهوى أنفسهم وأن ما يعبده هو ~~ليس يتبع هوى نفسه، ولكن إنما يتبع الحجة والسمع وما يستحسنه العقل؛ ألا ~~ترى أنه قال (قل إني على بينة من ربي) أي: على حجة من ربي؟! يخبر أن ما ~~يعبده هو يعبده اتباعا للحجة والعقل، وما يعبدون اتباعا لهوى أنفسهم، وما ~~يتبع بالهوى يجوز أن يترك اتباعه ويتبع غيره لما تهوى نفسه هذا ولا تهوى ~~الأول وأما ما يتبع بالحجة والسمع وما يستحسنه العقل فإنه لا يجوز أن يترك ~~اتباعه ويتبع غيره وفيه تعريض بسفههم؛ لأنه قال (قل لا أتبع أهواءكم قد ~~ضللت إذا وما أنا من المهتدين) أي: لو اتبعت هواكم لضللت أنا، وأنتم إذا ~~اتبعتم أهواءكم لعبادتكم غير الله ضلال ولستم من المهتدين؛ فهو تعريض ~~بالتسفيه لهم والشتم منه. # وقوله - عز وجل -: (قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ... (57) قيل: على ~~بيان من ربي وحجة، وقيل على دين من ربي. # وقوله عز وجل (وكذبتم به) قيل بالقرآن، وقيل: العذاب ما أوعدتكم ويحتمل ~~كذبتم ما وعدتكم. # وقوله - عز وجل -: (ما عندي ما تستعجلون به) أي: ms1460 العذاب كقوله - تعالى -: ~~(ويستعجلونك بالعذاب)، وغيره فقال ما عندي ما تستعجلون به من العذاب. ثم ~~هذا يدل على أن قوله: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) أن ~~المراد بالخزائن العذاب أي: ليس عندي ذلك، إنما ذلك إلى الله وعنده ذلك وهو ~~قوله: (إن الحكم إلا لله)، أي: ما الحكم والقضاء إلا لله. # (يقص الحق وهو خير الفاصلين) اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم بالضاد ~~وآخرون بالصاد. # فمن قرأ بالصاد (يقص) ويقول يبين الحق؛ لأن القصص هو البيان. وقال آخر ~~(وهو خير الفاصلين) أي: خير المبينين. # ومن قرأ بالضاد يقول يقضي بحكم. # PageV04P097 # ثم اختلف فيه: قال بعضهم أي: يقضي بالحق وكذلك روي في حرف ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه قرأ (يقضي بالحق) وقيل فيه إضمار، أي: يقضي ويحكم وحكمه الحق. # (يقص الحق وهو خير الفاصلين) أي: القاضين والفصل والقضاء واحد؛ لأنه ~~بالقضاء يفصل والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ~~والله أعلم بالظالمين (58) # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر ~~بيني وبينكم) لأهلكتكم. # وقيل: (لقضي الأمر بيني وبينكم)، أي: لعجلته لكم بالقضاء فيما بيننا، ~~يخبر عن رحمة الله وحلمه، أي: لو كان بيدي لأرسلته عليكم، لكن الله بفضله ~~ورحمته يؤخر ذلك عنكم. # ثم فيه نقض على المعتزلة في قولهم بأن الله لا يفعل بالعبد إلا الأصلح في ~~الدين؛ لأنه قال: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم)، ~~ثم لا يحتمل أن تأخير العذاب والهلاك خير لهم وأصلح، ثم هو يهلكهم ويكون ~~عظة لغيرهم وزجرا لهم، ثم إن الله - تعالى - أخر ذلك العذاب عنهم وإن كان ~~فيه شر لهم؛ فدل أن الله قد يفعل بالعبد ما ليس ذلك بأصلح له في الدين. # وقوله - عز وجل -: (والله أعلم بالظالمين). # أي: عليم بمن الظالم منا؟ وهم كانوا ظلمة. # * * * # قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ms1461 ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين (59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون (60) وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له ~~الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) # قوله - عز وجل -: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). # هذا - والله أعلم - يحتمل أن يكون صلة قوله: (قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ولا # PageV04P098 # أعلم الغيب)، وصلة قوله: (ما تستعجلون به) كانوا يطلبون منه - صلى الله ~~عليه وسلم - ويسألونه أشياء من التوسيع في الرزق، وغير ذلك مما كان يعدهم ~~من الكرامة والمنزلة والسعة، وكان يوعدهم بالعذاب ويخوفهم بالهلاك، ~~فيستعجلون ذلك منه ويطلبون منه ما أوعدهم فقال: (وعنده مفاتح الغيب)، ليس ~~ذلك عندي، لا يعلم ذلك إلا هو. # ومفاتح: من المفتح، ليس من المفتاح؛ لأن المفتاح، يكون جمعه مفاتيح، ~~والمفتح: يقال في النصر والمعونة؛ يقال: فتح الله عليه بلدة كذا، أي: نصره ~~وجعله غالبا عليهم، ويقال فيما يحدثه ويستفيد منه: فتح فلان على فلان باب ~~كذا، أي: علمه علم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). # أي: من عنده يستفاد ذلك ومنه يكون، ومن نصر آخر إنما ينصر به، ومن علم ~~آخر علما إنما يعلمه به، ومن وسع على آخر رزقا إنما يوسعه بالله، كل هذا ~~يشبه أن يخرج تأويل الآية. # وقوله - عز وجل -: (ويعلم ما في البر والبحر). # هذا يحتمل وجوها؛ يحتمل أي يعلم ما في البر والبحر من الدواب، وما يسكن ~~فيها من ذي الروح، كثرتها وعددها وصغيرها وكبيرها، لا يخفى عليه شيء. # والثاني: (ويعلم ما في البر والبحر)، أي: يعلم رزق كل ما في البر والبحر ~~من الدواب ويعلم حاجته، ثم يسوق إلى كل من ذلك رزقه. # يذكر ms1462 هذا - والله أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق ~~إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ كما يسوق أرزاق كل ما في البر والبحر من ~~غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، ~~وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأولئك؟! # والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول ~~بعض # PageV04P099 # في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالما بهذا كله يعلم بأعمالكم ~~ومقاصدكم. # فإن قيل: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟ # قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ ~~لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل ~~على ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) الآية. # يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: ~~(إلا في كتاب مبين) أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي ~~مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام. # وقيل: الكتاب - هاهنا -: هو اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه. # وقال الحسن - رحمه الله -: إن الله يخرج كتابا في كل ليلة قدر، # PageV04P100 # ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ~~ما يكون. أو كلام نحو هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ... ~~(60) # PageV04P101 # قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحا تقبض عند النوم، ثم ~~ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيرا متكلما ~~ناطقا، ويكون أعمى سميعا، ويكون أخرس سميعا بصيرا، فثبت أن لكل حاسة من ~~حواس النفس روحا على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم. # وأما الروح التي بها تحيا النفس: فإنه لا يقبض ذلك منه إلا عند انقضاء ~~أجله وهو الموت. # وقالت الفلاسفة: الحواس هي التي ms1463 تدرك صور الأشياء بطينتها. # PageV04P102 # وقوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار). # فيه دلالة أن ليس ذكر الحكم في حال أو تخصيص الشيء في حال دلالة سقوط ذلك ~~في حال أخرى؛ لأنه قال: (ويعلم ما جرحتم بالنهار)، ليس فيه أنه لا يعلم ما ~~جرحنا # PageV04P103 # بالليل، بل يعلم ما يكون منا بالليل والنهار جميعا، وليس فيه أنه لا ~~يتوفانا بالنهار وألا نجرح بالليل، لكنه ذكر الجرح بالنهار والوفاة بالليل؛ ~~لما أن الغالب أن يكون النوم بالليل والجرح بالنهار؛ فهو كقوله - تعالى: ~~(والنهار مبصرا)، ليس ألا يبصر بالليل، لكن ذكر النهار، لما أن الغالب مما ~~يبصر إنما يكون بالنهار؛ فعلى ذلك الأول. # ثم فيه دلالة أن النائم غير مخاطب في حال نومه؛ حيث ذكر الوعيد فيما ~~يجرحون بالنهار ولم يذكر بالليل. # وقوله - عز وجل -: (ويعلم ما جرحتم بالنهار). # قال بعضهم: جرحتم، أي: أثمتم بالنهار. # وقيل: يعلم ما كسبتم بالنهار. # وقوله - عز وجل -: (ثم يبعثكم فيه) # يستدل بقوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه) على الإحياء بعد الموت؛ لأنه يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها من ~~غير أن يبقى لها أثر، فكيف تنكرون البعث بعد الموت وإن لم يبق من أثر ~~الحياة شيء؟! # ثم القول في الجمع بعد التفرق مما الخلق يفعل ذلك ويقدر عليه؛ نحو ما ~~يجمع من التراب المتفرق فيجعله طينا، ورفع البناء من مكان، ووضعه في مكان ~~آخر، وغير ذلك من جمع بعض إلى بعض، وتركيب بعض على بعض؛ فدل أن الأعجوبة في ~~رد ما ذهب كله حتى لم يبق له أثر، لا في جمع ما تفرق، والله أعلم. # PageV04P104 # وقوله - عز وجل -: (ثم يبعثكم فيه). # أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس. # (ليقضى أجل مسمى). # أي: مسمى العمر إلى الموت. # (ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). # خرج هذا على الوعيد لما ذكرنا؛ ليكونوا على حذر. # وقوله - عز وجل -: (ويعلم ما جرحتم بالنهار)، وقوله: (وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو ويعلم ما ms1464 في البر والبحر). # يعلم كل ما يغيب عن الخلق ولا يخفى عليه شيء؛ لأنه عالم بذاته لا يحجبه ~~شيء، ليس كعلم من يعلم بغيره، فيحول بينه وبين العلم بالأشياء الحجب ~~والأستار، فأما الله - سبحانه وتعالى - فعالم بذاته لا يعزب عنه شيء، ولا ~~يكون له حجاب عن شيء. # وقوله - عز وجل -: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ... (61) فيه ~~جميع ما يحتاج أهل التوحيد في التوحيد؛ لأنه أخبر أنه قاهر لخلقه وهم ~~مقهورون، ومن البعيد أن يشبه القاهر المقهور بشيء، أو يشبه المقهور القاهر ~~بوجه، أو يكون المقهور شريك القاهر في معنى؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لم يكن ~~قاهرا من جميع الوجوه، ولا كان الخلق مقهورا في الوجوه كلها، فإذا كان الله ~~قاهرا بذاته الخلق كله كانت آثار قهره فيهم ظاهرة، وأعلام سلطانه فيهم ~~بادية؛ دل على تعاليه عن الأشباه والأضداد، وأنه كما وصف (ليس كمثله شيء). # وقوله: (وهو القاهر فوق عباده). # يكون على وجهين: # أحدهما: وهو القاهر وهو فوق عباده. # الثاني: على التقديم والتأخير؛ وهو فوق عباده القاهر. # PageV04P105 # ويحتمل قوله: (فوق عباده): بالنصر لهم والمعونة والدفع عنهم؛ كقوله: (يد ~~الله فوق أيديهم)، أي: بالنصر والمعونة، والعظمة والرفعة والجلال، ونفاذ ~~السلطان والربوبية. # وقوله - عز وجل -: (ويرسل عليكم حفظة). # أخبر أنه القاهر فوق عباده، وأنه أرسل عليهم الحفظة؛ ليعلموا أن إرسال ~~الحفظة عليهم لا لحاجة له في ذلك لما أخبر أنه قاهر فوق عباده ولو كان ذلك ~~لحاجة له، لم يكن قاهرا؛ لأن كل من وقعت له حاجة صار مقهورا تحت قهر آخر، ~~فالله - تعالى - يتعالى عن أن تمسه حاجة، أو يصيبه شيء مما يصيب الخلق، بل ~~إنما أرسلهم عليهم لحاجة الخلق: إما امتحانا منه للحفظة على محافظة أعمال ~~العباد والكتابة عليهم، من غير أن تقع له في ذلك حاجة، يمتحنهم على ذلك، ~~ولله أن يمتحن عباده بما شاء من أنواع المحن، وإن أكرمهم ووصفهم بالطاعة في ~~الأحوال كلها بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وغير ذلك ms1465 ~~من الآيات. # والثاني: يرسلهم عليهم بمحافظة أعمالهم والكتابة عليهم؛ ليكونوا على حذر ~~في ذلك العمل، وذلك في الزجر أبلغ وأكثر؛ لأن من علم أن عليه رقيبا في عمله ~~وفعله كان أحذر في ذلك العمل. وأنظر فيه، وأحفظ له ممن لم يكن عليه ذلك، ~~وإن كان يعلم كل مسلم أن الله عالم الغيب لا يخفى عليه شيء، عالم بما كان ~~منهم وبما يكون أنه كيف يكون؟ ومتى يكون؟ # ثم اختلف في الحفظة هاهنا: # قال بعضهم: هم الذين قال الله أفيهم: (إذا السماء انفطرت (1) وإذا ~~الكواكب انتثرت (2). # PageV04P106 # وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) ~~يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي ~~صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) ~~كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12). يكتبون أعمالهم ويحفظونها عليهم. # وقال آخرون: هم الذين يحفظون أنفاس الخلق، ويعدوز عليهم إلى وقت انقضائها ~~وفنائها، ثم تقبض منه الروح ويموت؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون)؛ دل على أن الحفظة - هاهنا - هم ~~الذين سلطوا على حفظ الأنفاس، والعد عليهم إلى وقت الموت، والله أعلم. # ثم في قوله: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) دلالة خلق أفعال ~~العباد؛ لأنه ذكر مجيء الموت وتوفي الرسل، وقال: (خلق الموت والحياة)، ~~ومجيء الموت هو توفي الرسل وتوفي الرسل هو مجيء الموت. # ثم أخبر أنه خلق الموت دل أنه خلق توفيهم، فاحتال بعض المعتزلة في هذا ~~وقال: إن الملك هو الذي ينزع الروح ويجمعه في موضع، ثم إن الله يتلفه ~~ويهلكه. فلئن كان ما قال، فإذن لا يموت بتوفي الرسل أبدا؛ لأنهم إذا نزعوا ~~وجمعوا في موضع تزداد حياة الموضع الذي جمعوا فيه؛ لأنه اجتمع كل روح النفس ~~في ذلك الموضع، فإن لم يكن دل أن ذلك خيال، والوجه فيه ما ذكرنا من ~~الدلالة، وهو ظاهر بحمد الله، يعرفه كل عاقل يتأمل فيه ولم يعاند، وبالله ~~التوفيق. ms1466 # ثم اختلف في قوله: (توفته رسلنا): # قال بعضهم: هو ملك الموت وحده، وإن خرج الكلام مخرج العموم بقوله: ~~(رسلنا)، والمراد منه الخصوص؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (قل يتوفاكم ~~ملك الموت الذي وكل بكم)، أخبر أنه هو الموكل والمسلط على ذلك. # PageV04P107 # وقال آخرون: يتوفاه أعوان ملك الموت، ثم يقبضه ملك الموت ويتوفاه. # وقال قائلون: يكون معه ملائكة تقبض الأنفس، ويتوفاه ملك الموت. # لكن ذكر ذلك لا ندري أن كيف هو؟ ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولكن إلى ~~معرفة ما ذكرنا. # وقوله: (وهم لا يفرطون) وفيه إخبار عن شدة طاعة الملائكة ربهم، وأن ~~الرأفة لا تأخذهم فيما فيه تأخير أمر الله وتفريطه؛ لأن من دخل على من في ~~النزع، أخذته من الرأفة ما لو ملك حياته لبذل له، فأخبر عز وجل أنهم لا ~~يفرطون فيما أمروا ولا يؤخرونه؛ لتعظيمهم أمر الله وشدة طاعتهم له، وعلى ~~ذلك وصفهم: (غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقال - ~~عز وجل -: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)، وقال: (لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون). # وقوله - عز وجل -: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ... (62) # ذكر الرد إلى الله، وأنه مولاهم الحق، وإن كانوا في الأحوال كلها مردودين ~~إلى الله، وكان مولاهم الحق في الدنيا والآخرة. # وكذلك قوله: (وبرزوا لله جميعا)، وكذلك قوله: (لمن الملك اليوم) كان ~~الملك له في الدنيا والآخرة، وكانوا بارزين له جميعا في الأوقات كلها؛ لما ~~كانوا أصحاب الشكوك، فارتفع ذلك عنهم، وخلص بروزهم وردهم إلى الله خالصا لا ~~شك فيه؛ وكذلك كان الملك له في الدنيا والآخرة وهي الأيام كلها، لكن نازعه # PageV04P108 # غيره في الملك في الدنيا، ولا أحد ينازعه في ذلك اليوم في الملك، فقال: ~~(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)؛ وعلى ذلك قوله: (مولاهم الحق)، كان ~~مولاهم الحق في الأوقات كلها والأحوال، ولكن عند ذلك يظهر لهم أنه كان ~~مولاهم الحق. # وقوله - عز وجل -: (ثم ردوا إلى الله). # يحتمل: ردوا إلى ما وعدهم وأوعد. ms1467 # وقوله - عز وجل -: (ألا له الحكم). # يحتمل قوله: (ألا له الحكم): في تأخير الموت والحياة، وقبض الأرواح، ~~وتوفي الأنفس. # ويحتمل قوله: (ألا له الحكم) في التعذيب في النار والثواب والعقاب ليس ~~يدفع ذلك عنهم دافع سواه، ولا ينازعه أحد في الحكم. # (وهو أسرع الحاسبين). # عن الحسن قال: هو سريع العقاب؛ لأنه إنما يحاسب ليعذب كما روي: " من نوقش ~~الحساب عذب " وهو أسرع الحاسبين؛ لأنه لا يحاسب عن حفظ ولا تفكر، ولا يشغله ~~شيء، وأما غيره: فإنما يحاسب عن حفظ وتفكر وعن شغل، فهو أسرع الحاسبين؛ إذ ~~لا يشغله شيء. # * * * # قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن ~~أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم ~~أنتم تشركون (64) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون (65) وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر ~~وسوف تعلمون (67) # قوله - عز وجل -: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) وليس هذا على ~~الأمر له، ولكن على المحاجة؛ كقوله - تعالى -: (قل سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبل)، ليس على الأمر بالسير في الأرض، ولكن على ~~الاعتبار بأولئك الذين كانوا من قبل، والنظر في آثارهم وأعلامهم أن كيف ~~صاروا بتكذيبهم الرسل، # PageV04P109 # وماذا أصابهم بذلك؛ فعلى ذلك هذا، فيه الأمر بالمحاجة معهم في آلهتهم: ~~(قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) آلهتكم التي تعبدون من دون الله، ~~وتشركونها في ألوهيته وربوبيته، أو الله الذي خلقكم؟ فسخرهم حتى قالوا: ~~الله هو الذي ينجينا من ذلك، فقال: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب)، فإذا ~~كان هو الذي ينجيكم من هذا لا آلهتكم التي تعبدونها؛ فكذلك هو الذي ينجيكم ~~من كل كرب ومن كل شدة. # ويحتمل قوله - تعالى -: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر). # أي: لا أحد ينجيكم من ظلمات ms1468 البر والبحر؛ كقوله: (ومن أظلم)، أي: لا أحد ~~أظلم من تخافون على آلهتكم الهلاك كما تخافون على أنفسكم؛ فلا أحد سواه ~~ينجيكم من ذلك ومن كل كرب. # قال أبو بكر الكيساني: هم عرفوا في الدنيا أنه هو الذي ينجيهم من ذلك ~~كله، وهو الذي يعطي لهم ما أعطوا بما قامت عليهم الحجج، ولم يعرفوا أنه هو ~~الذي ينجيهم في الآخرة ويهلكهم، وهو هكذا: عرفوا الله في الدنيا، ولم ~~يعرفوه في الآخرة. # ثم اختلف في ظلمات البر والبحر: # قال بعضهم: الظلمات: هي الشدائد والكروب التي تصيبهم بالسلوك في البر ~~والبحر. # وقال آخرون: الظلمات هي الظلمات لأن أسفار البحار والمفاوز إنما تقطع ~~بأعلام السماء، فإذا أظلمت السماء بقوا متحيرين لا يعرفون إلى أي ناحية ~~يسلكون، ومن أي طريق يأخذون، فعند ذلك يدعون الله تضرعا وخفية. # قال الحسن: التضرع: هو ما يرفع به الصوت، والخفية: هي ما يدعي سرا وهو من ~~الإخفاء. # وفي حرف ابن مسعود: (تدعونه تضرعا وخيفة) وهي من الخوف. # PageV04P110 # قال الكلبي: في خفض وسكون، وتضرع إلى الله. # وقوله - عز وجل -: (لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين). # قال أبو بكر (لنكونن من الشاكرين)، أي: لا نوجه الشكر إلى غيرك، والشكر - ~~هاهنا -: هو التوحيد، أي: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الموحدين لك من ~~بعد؛ لأنهم كانوا يوحدون الله في ذلك الوقت، لكنهم إذا نجوا من ذلك أشركوا ~~غيره في ألوهيته. # ألا ترى أنه قال: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) # وقوله - عز وجل -: (ثم أنتم تشركون) بعد علمكم أن الأصنام التي تعبدونها ~~لم تملك الشفاعة لكم، ولا الزلفى إلى الله؛ يذكر سفههم في عبادتهم الأوثان ~~على علم منهم أنها لا تشفع لهم، ولا تملك دفع شيء عنهم. # وقوله - عز وجل -: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ... (65) # اختلف في نزول الآية فيمن نزلت؟ # قال بعضهم: نزلت في مشركي العرب - وهو قول أبي ms1469 بكر الأصم - لأنها نزلت ~~على أثر آيات نزلت في أهل الشرك، من ذلك قوله: (قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك). # وقوله: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم. . .) الآية. # وقوله: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة. . .)، إلى قوله - تعالى ~~-: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق): هذه الآيات كلها نزلت في أهل الشرك، ~~فهذه كذلك نزلت فيهم؛ لأنها ذكرت على أثرها؛ ولأن سورة الأنعام نزل أكثرها ~~في محاجة أهل الشرك، إلا آيات منها نزلت في أهل الكتاب، وسورة المائدة نزل ~~أكثرها في محاجة أهل الكتاب؛ لأنه يذكر فيها: (قل يا أهل الكتاب). # ومنهم من يقول: نزلت في أهل الإسلام، وهو قول أبي بن كعب، وقال: هن أربع، ~~فجاء منهن ثنتان بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألبسهم شيعا، ~~وأذاق بعضهم بأس # PageV04P111 # بعض. # أما لبس الشيع: هي الأهواء المختلفة، (ويذيق بعضكم بأس بعض) هو السيف ~~والقتل، هذان قد كانا في المسلمين، وبقي ثنتان لابد واقعتان. # ومنهم من يقول: كان ثنتان في المشركين من أهل الكتاب، وثنتان في أهل ~~الإسلام، # PageV04P112 # وهو قول الحسن قال: قد ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة والقتل ~~والفتن، وأما اللذان في أهل الشرك من أهل الكتاب: فهما الخسف في الأرض، ~~والحجارة من السماء. # ثم اختلف في قوله: (عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (عذابا من فوقكم)، أي: من أمرائكم، ~~(أو من تحت أرجلكم). # أي: من سفلتكم؛ لأن الفتن ونحوها إنما تهيج من الأمراء الجائرين ومن ~~أتباعهم. # وقوله - عز وجل -: (أو يلبسكم شيعا). # قال: الأهواء المختلفة. # وقوله - تعالى -: (ويذيق بعضكم بأس بعض). # أي: يسلط بعضهم على بعض بالقتل والعذاب. # ومن قال بأن الآية نزلت في أهل الشرك يقول: كان في أشياعهم ذلك كله، أما ~~العذاب من الفوق فهو الحصب بالحجارة؛ كما فعل بقوم لوط، ومن تحت أرجلهم وهو ~~الخسف، كما فعل بقارون ms1470 ومن معه. # وقوله: (أو يلبسكم شيعا). # PageV04P113 # يقول: فرقا وأحزابا، وكانت اليهود والنصارى فرقا مختلفة، اليهود # PageV04P114 # فرقا والنصارى كذلك؛ كقوله: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة) وقوله: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة). # وقوله: (ويذيق بعضكم بأس بعض). # هو الحرب والقتال. # وقول الحسن ما ذكرنا أنه ظهر في أهل الإسلام الأهواء المختلفة وظهر الحرب ~~والقتل. # وأما الخسف والحصب: فلم يظهرا؛ فهما في أهل الشرك. # ويحتمل قوله: (عذابا من فوقكم) أرسلها عليهم؛ لأنهم قد أقروا أنه هو رفع ~~السماء، فمن قدر على رفع شيء يقدر على إرساله. # وقوله: (أو من تحت أرجلكم). # لأنهم عرفوا أنه بسط الأرض، ومن ملك بسط شيء يملك طيه ويخسف بهم. # PageV04P116 # وقوله - عز وجل -: (انظر كيف نصرف الآيات). # قيل: أي: نردد الآيات ليعلم كل مزدجره. أو يقول: كيف نصرف الآيات ليعلم ~~كل صدقها وحقيقتها أنها من الله جاءت. # (لعلهم يفقهون): يحتمل وجوها: # صرفها ليفقهوا، وذلك يرجع إلى المؤمنين خاصة. # والثاني: (لعلهم يفقهون)، أي: ليلزمهم أن يفقهوا، وقد ألزم الكل أن ~~يفقهوا، لكن من لم يفقه إنما لم يفقه؛ لأنه نظر إليه بعين الاستخفاف. # والثالث: (نصرف الآيات) أي: نصرف الرسل ونبلغها إليهم على رجاء أن ~~يفقهوا، لكي يفقهوا؛ إن نظروا فيها وتأملوها. # وذكر (لعلهم)؛ لأن منهم من فقه، ومنهم من لم يفقه. # (وكذب به قومك وهو الحق ... (66) # يحتمل به: القرآن، ويحتمل: بما ذكر من الآيات، ويحتمل: الإيمان به ~~والتوحيد. # (وهو الحق) وكذب به قومك # وهم أحق أن يصدقوك بما جئت به وأنبأتهم؛ لأنك نشأت بين أظهرهم، فلم تأت ~~كذبا قط، ولا رأوك تختلف إلى أحد يعلمك، فهم أحق أن يصدقوك بما جئت به ~~وأنبأتهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل لست عليكم بوكيل). # قال عامة أهل التأويل: الوكيل: الحفيظ، والوكيل: هو القائم في الأمر، أي: ~~لست بقائم عليكم؛ لأكرهكم على التوحيد والإيمان شئتم أو أبيتم، ولست بحافظ ~~على # PageV04P117 # أعمالكم إنما علي التبليغ؛ كقوله: (ما على الرسول إلا البلاغ). # وقوله - عز وجل -: (لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) # قال ms1471 بعضهم: لكل أمر حقيقة. # وقيل: لكل خبر غاية ينتهي إليها. # ويحتمل: أن يكون صلة قوله: (قل لست عليكم بوكيل)؛ (لكل نبإ مستقر)، أي: ~~لست عليكم بوكيل، لكن لكل نبإ مستقر في أن أغنم أموالكم وأسبي ذراريكم؛ ~~كقوله: (لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر). # ويحتمل قوله: (وكذب به قومك) أي: بما كان وعد وأوعد، والله أعلم. # وفي قوله: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) دلالة نقض قول المعتزلة؛ ~~لأنا نعلم أن للخلق حقيقة الفعل في القتل والحرب والأهواء المختلفة، ثم ~~أضاف ذلك إلى نفسه؛ دل أن له صنعا في أفعالهم، وليس كما تقول المعتزلة: إنه ~~لا يملك ذلك. # وكذلك ما ذكر من إضافة تلبيس الشيع إليه رد لقولهم؛ لأنهم يقولون: هم ~~يختلفون، وقد أخبر أنه هو يجعلهم شيعا، وذلك ظاهر النقض عليهم؛ لأنه أخبر ~~أنه يذيق بعضهم بأس بعض، وهم يقولون: هو لا يذيق ولكن ذلك القاتل أو الضارب ~~أو المعذب هو يذيقهم دون رب العالمين؛ وكذلك قوله: (قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم) وهم يقولون: هو لا يعذبهم ولكن الخلق يعذبونهم؛ وكذلك قوله: (أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا)، وهم يقولون: هو لا يملك تعذيبهم ~~بأيديهم، وذلك رد لظاهر الآية وتركها جانبا. # * * * # قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر ~~الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ~~أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # قوله - عز وجل -: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره). # PageV04P118 # يشبه أن يكون قوله: (يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) أن يكون، أي: يكفرون ~~بها ويستهزئون بها؛ كما قال ms1472 في سورة النساء: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن ~~إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها)، فيكون خوضهم في الآيات الكفر ~~بها والاستهزاء بها، ويكون قوله - تعالى -: (فأعرض عنهم)، أي: لا تقعد ~~معهم؛ كما قال: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم). # وقوله - عز وجل -: (فأعرض عنهم). # يحتمل: النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله: (فلا تقعدوا معهم). # ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم؛ كقوله - تعالى -: ~~(فاصفح عنهم وقل سلام)؛ أو كقوله تعالى: (فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا)، وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر ~~بالتبليغ. # وقوله - عز وجل -: (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين) ومعناه - والله أعلم -: أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا ~~تقعد بعد ذكر الذكرى، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان، أي: لا تكن بالمحل ~~الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى ~~لعلهم يتقون (69) # قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من ~~حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين)، ثم نسخ ذلك بقوله - تعالى ~~-: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره)، وكان النهي عن مجالستهم ليس ~~للجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها والكفر ~~بها هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسهم، وكذلك ما نهانا ~~أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي ~~يحملهم على سب الله. # PageV04P119 # (ولكن ذكرى لعلهم يتقون). # يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين. # أحدهما: نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ~~ويستهزئون بالآيات ويكفرون بها، فنهى هؤلاء عن ذلك؛ ليرتدع أهل النفاق عن ~~مجالستهم. # والثاني: أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم؛ ms1473 ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم؛ ~~لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها، ~~لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون ~~الخوض والاستهزاء، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين، ~~فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ... (70) أي: وذر ~~الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير. # والثاني: اتخذوا اللعب واللهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو؛ لأن ~~الدين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين. # ثم هو يخرج على وجوه: # أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا ~~يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب. # والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ ~~دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب. # والثالث: صار دينهم لعبا وعبثا؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم ~~يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله - تعالى -: (أفحسبتم ~~أنما خلقناكم # PageV04P120 # عبثا. . .) الآية، صير عدم الرجوع إليه عبثا. # وقوله: (وغرتهم الحياة الدنيا). # أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات ~~والبراهين والحجج. # أو أن يكون قوله: (وغرتهم)، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى ~~الحياة الدنيا لما بها اغتروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت). # قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا ~~غدا: (إنا كنا عن هذا غافلين). # وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجهناية والهلاك. # ثم اختلف في قوله: (أن تبسل نفس بما كسبت): عن ابن عباس قال: أن تفضح نفس ~~بما كسبت. # وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: (أبسلوا بما ~~كسبوا)، أي: حبسوا بما كسبوا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (أبسلوا) أي: فضحوا؛ على ms1474 ما قال في # PageV04P121 # (تبسل). # وعن الحسن: (تبسل)، أي: تسلم وعن مجاهد كذلك. # قال أبو عوسجة: (تبسل نفس): أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم ~~إلى أهل الجناية. # وقال القتبي: (تبسل) أي تسلم للهلكة. # وعن الكيساني: (تبسل): تجزى نفس بما كسبت. # وقال الفراء: (تبسل): ترهن. # وأصل الإبسال: هو الإسلام، وتفسيره ما ذكر على أثره، وهو قوله: (ليس لها ~~من دون الله ولي ولا شفيع)؛ كما يكون بعضهم شفيعا لبعض في الدنيا، وأعوانا ~~لهم وأنصارا في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في ~~الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: (يوم يفر ~~المرء من أخيه). # وكقوله: (وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة)، وغير ذلك من الآيات تسلم كل ~~نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي. # وقوله: (وذكر به)، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل (به)، أي: بالله، أي: عظ ~~به أن تهلك نفس بما كسبت. # وقوله - عز وجل -: (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها). # اختلف فيه: قال بعضهم: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت نفس كل الفداء # PageV04P122 # لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك. # وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير ~~من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار ~~العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء ~~يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا ~~شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما ~~بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار ~~تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو ~~شفعاء يشفعونهم. # فإن قيل: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي ولا يبذل وما ~~يمكن من العمل؟ # قيل: معناه - والله أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون ms1475 في دفع ذلك ~~عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا). # قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا ~~يكون لهم # PageV04P123 # شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا. # وقوله - عز وجل -: (لهم شراب من حميم). # قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، ~~فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب ~~المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا ~~أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك. # * * * # قوله تعالى: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ~~(71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # قوله - عز وجل -: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا): يحتمل ~~هذا وجوها: # يحتمل: أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله أو المؤمنين إلى عبادة ~~الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: (أندعو من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا)، بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا. # أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا ~~يعبدونها: إما طمعا بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان والأصنام عن ~~عبادة الله، أو تخويفا منهم لهم، فقال: قل يا محمد أندعو من دون الله ما لا ~~يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي ~~يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟! # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا ms1476 ~~يضرنا): هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله، ومن يدعو إليها ~~وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما ~~هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا ~~فلان هلم إلى الطريق. # PageV04P124 # وقوله - عز وجل -: (ونرد على أعقابنا): في الكفر والشرك. # (بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب). # يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل ~~الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا ~~يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من ~~تبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يدعوهم إلى ~~الطريق وهو الهدى. # ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هؤلاء كمثل من ~~كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق به فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في ~~الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره. # ويشبه أن يكون قوله: (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا) أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب ~~يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له ~~شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا ~~الآية، على ما ذكرنا. # قال قتادة: هذه خصومة علمها الله محمدا يخاصم بها أهل الشرك؛ لأن سورة ~~الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: (استهوته): أضلته. # قال أبو عوسجة: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، ~~وقيل: أضلته. # PageV04P125 # وقوله: (ونرد على أعقابنا). # أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، (بعد إذ هدانا الله). # وقوله - عز وجل -: (قل إن هدى الله هو الهدى). # قيل: بيان الله هو البيان. # وقيل: إن دين الله هو الهدى وهو الدين. # وقوله - عز وجل -: (وأمرنا لنسلم لرب العالمين). # قيل: هذا صلة قوله: (قل ms1477 أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) (وأن ~~أقيموا الصلاة) (وأمرنا لنسلم لرب العالمين). # وقال بعضهم: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: (وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين)، وقل لهم: (أقيموا الصلاة واتقوه (72) # (وهو الذي إليه تحشرون) قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ... (73) # قيل: قوله: (بالحق)، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ ~~كقوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا). # قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوها: # قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله: (ليوم عظيم ~~(5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6). # وقيل: قوله: (بالحق)، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم ~~يخلقهما لغير شيء. # وقيل: (بالحق)، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن ~~لهما خالقا ومدبرا، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك ~~كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم. # وقوله - عز وجل -: (كن فيكون). # PageV04P126 # قد ذكرنا أن قوله: (كن) هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، ~~لا أن كان من الله كاف أو نون، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا أن ليس على ~~الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم ~~ب " كن " مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد ~~الموت مؤنة ولا صعوبة. # والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة)، أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة؛ ~~وكقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، يخبر لسرعة نفاذ ~~الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك ~~القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون. # والثالث: يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، ~~وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج ms1478 قوله: (وهو أهون ~~عليه) أي: هو أهون عليه عندكم. # وقوله - عز وجل -.: (قوله الحق). # يحتمل: (قوله الحق)، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر. # ويحتمل: (قوله الحق)، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وله الملك) أي: ملك ذلك اليوم؛ كقوله: (لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار)؛ وكقوله: (الملك يومئذ لله)، ذكر هذا - والله ~~أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك ~~في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية. # ويحتمل قوله: (وله الملك)، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله: ~~(مالك الملك تؤتي الملك من تشاء). # وقوله - عز وجل -. (يوم ينفخ في الصور): قال بعضهم: النفخ: هو الروح، ~~والروح من الريح، والروح إنما تد - خل، بالنفخ (فنفخنا فيه من روحنا). # وقال بعضهم: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ ~~لأن # PageV04P127 # الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس ~~شيء أسرع جريانا ونفاذا من الريح. # وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (في الصور) قال بعضهم: في صور الخلق، وقال بعضهم: ~~الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ~~سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث. # وقوله - عز وجل -: (عالم الغيب). # أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض. # (والشهادة). # ما يشهد بعضهم بعضا. # أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت ~~كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه. # (وهو الحكيم): في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في ~~بعثهم، والحكيم، هو واضع الشيء موضعه. # (الخبير) بكل شيء. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك ~~وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين (75) فلما جن عليه الليل رأى ms1479 كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال ~~لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) # قوله - عز وجل -: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر). # PageV04P128 # قيل: آزر: هو اسم أبي إبراهيم، عليه السلام. والحسن يقرأ: (آزر)، بالرفع ~~ويجعله اسم أبيه. # وقال آخرون: هو اسم صنم، فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر أصناما آلهة. # وقوله: (أتتخذ). # استعظاما لما يعبد من الأصنام دون الله؛ لأن مثل هذا إنما يقال على ~~العظيم من الفعل. # وقال أبو بكر الكيساني: قوله: (آزر) هو قيل: هو اسم عيب عندهم؛ كأنه قال: ~~يا ضال أتتخذ أصناما آلهة؛ كقول الرجل لآخر: يا ضال. # وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان اسم أبيه أو اسم صنم. # وفي الآية دلالة أن أباه كان من رؤساء قومه بقوله: (إني أراك وقومك في ~~ضلال مبين). # وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يشتم أباه لمكان ربه؛ لأن إبراهيم - عليه ~~السلام - سماه ضالا. وفيه دلالة أن الإيمان والتوحيد يلزم أهل الفترة في ~~حال الفترة؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - سماهم ضلالا وهو لم يكن في ذلك ~~الوقت رسولا، إنما بعث رسولا من بعد، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (إني أراك وقومك في ضلال مبين) أي: ضلالا لا شك فيه ولا # PageV04P129 # شبهة، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث عبد ما ذكر؛ حيث قال: (يا أبت لم تعبد ~~ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، هذا الضلال البين. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين (75) ذكر كذلك - والله أعلم - على معنى كما أريناك ملكوت السماوات ~~والأرض والآيات؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم. # و (نري) بمعنى: أرينا وذلك جائز في اللغة، و " كذلك " لا ms1480 تذكر إلا على ~~تقدم شيء، لكن الوجه فيه ما ذكرنا كما أريناك من السماوات والأرض من الآيات ~~والحجج والبراهين؛ كذلك كنا أرينا إبراهيم. # وقوله - عز وجل -: (ملكوت السماوات والأرض). # اختلف فيه: # قال بعضهم: سلطان السماوات والأرض. # وقيل: الشمس والقمر والكواكب. # وقيل: فرجت له السماوات السبع، حتى نظر إلى ما تحت العرش وما فيهن؛ وكذلك ~~فرجت له الأرضون حتى رأى ما فيهن. # وقيل: (ملكوت السماوات والأرض): خبئ إبراهيم - عليه السلام - من الجبابرة ~~في سرب، فجعل الله في أصابعه رزقا، فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقا، ~~فلما خرج أراه الله الشمس والقمر، فكان ذلك ملكوت السماوات، وملكوت الأرض: ~~الجبال والبحار والأشجار. # وقيل: نظر إلى ملك الله فيها حتى نظر إلى مكانه ورأى الجنة، وفتحت له ~~الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرضين، فذلك قوله: (وآتيناه أجره في الدنيا)، # PageV04P130 # قال: أري مكانه في الجنة. # وقيل: أجره الثناء الحسن. # وقال أبو عوسجة: (ملكوت السماوات والأرض) من الملك؛ وكذلك قال أبو عبيدة، ~~وهو كجبروت ورحموت ورهبوت؛ فكذلك ملكوت. # وأصله: ما ذكر من الآيات والعجائب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليكون من الموقنين). # الإيقان بالشيء هو العلم بالشيء حقيقة بعد الاستدلال والنظر فيه والتدبر؛ ~~ولذلك لا يوصف الله باليقين، ولا يجوز لله - تعالى - أن يقال: موقن؛ لما ~~ذكرنا أنه هو العلم الذي يعقب الاستدلال، وذلك منفي عنه. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين (75). # قيل في قوله: (وكذلك نري إبراهيم) أي: كما أريناك ملكوت ما ذكر، فقوله: ~~(نري) بمعنى أرينا. # وقوله: (وكذلك) له وجهان: # أحدهما: أنه كما أريناك ما أيقنت به أن الربوبية لله، وأنه الواحد لا ~~شريك له من الآيات والأدلة، أريناه -أيضا- ما ذكر حتى أيقن، فهو - والله ~~أعلم - على التسوية بين الأسباب الدالة على الوحدانية لله والربوبية في ~~المعنى، وإن كانت لأعيانها مختلفة، وعلى أن طريق المعرفة الاستدلال بما ~~أنشأ الله من الدلالة لا السمع والحس، وإن كان في حجة السمع تأكيد. # والثاني: أن يكون (وكذلك نري) على ms1481 ما أظهر من الحجج على قومه؛ وهو كقوله: ~~(وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)، وأعطاه ما أراه وأشعر قلبه من # PageV04P131 # الحجج التي ألزم قومه بها أنطق بها الله - عز وجل - لسانه ليلزم حججه ~~خلقه، والله الموفق. # (ملكوت السماوات والأرض): الملك في الحقيقة من الوجه الذي يكون آية ~~للإيقان ودليلا للإحاطة بالحق. # ثم اختلف في وجه ذلك: # فمنهم من قال: هو ما أرى بصره، أعني: بصر الوجه؛ نحو الذي ذكر من فتح ~~السماء حتى رأى ما فيها من العجائب والآيات إلى العرش، أو حيث قد زوى الأرض ~~حتى رأى ما فيها من أنواع الخلق إلى الثرى، أو حيث بلغ. # ومنهم من قال: رفع إلى السماء حتى كانت الأرض بمن فيها له رأي العين، ~~وكان له - صلوات الله عليه مثل هذا من الأمور؛ نحو: أمر النار بالهجرة إلى ~~حيث لا ضرع ولا زرع، وما جعل رزقه في أصابعه، وأمر بلوغ صوته في قوله - ~~تعالى -: (وأذن في الناس بالحج)، أن كان على ما سمع منه، والله أعلم. # ومنهم من قال: هو ما أرى بصر قلبه من وجوه العبر وأنواع الأدلة عند ~~التأمل في خلق الله بالفكر من غير أن كان في الخلق تغير على الأحوال التي ~~كانت عليه، وهو أحق من يكون له في الذي كان كفاية عن حدوث أحوال تدل إذ هي ~~حجج الله يستدل على قومه، من الوجه الذي جعل لجميع الخلق، لا من جهة خصوص ~~آيات؛ فثبت أن ذلك كان له بهذا الوجه. # ثم هو يخرج على وجوه؛ منها: ما رأى من تسخير القمر والشمس والنجوم، ~~وقطعها في كل يوم وليلة أطراف السماء والأرض جميعا، ومسيرها تحت الأرض إلى ~~أن يعود كل إلى مطلعه، يسير كل ذلك ما فوق الأرض إلى السماء، واستواء أحوال ~~ذلك على ما عليه حد في كل عام وشهر، لا يزداد ولا ينقص ولا يتقدم ولا ~~يتأخر، مع # PageV04P132 # عظيم ما بها من المنافع لأنواع دواب الأرض والطير جميعا حتى يوقن كل ~~متأمل أن مثل هذا لا ms1482 يعمل بالطباع إلا أن يكون له مدبر حكيم جعله ذلك الطبع ~~وسواه على ما شاء من الحد، وألا يتسق الأمر على التدبر والحكمة، إلا أن ~~يكون مدبر ذلك، بحيث لا يحتاج إلى معين، ولا يجوز أن يكون له فيه منافع، ثم ~~هو بذاته عليم قدير، وما في الأرض من تدبير الليل والنهار وأنهما يتعاقبان ~~أبدا، ويسيران يقهران ما فيها من الجبابرة والفراعنة، حتى إن اجتمع جميع ~~أهل الأرض على زيادة في واحد أو نقصان، أو تقديم أو تأخير؛ لما لهم من ~~الحاجة، أو بما فيهم من القوة والقدرة مع معونة الجميع لهم في ذلك لم يتهيأ ~~لهم، ولا بلغ توهم أحد في احتمال ذلك حتى يصير عند وجود كل كان الآخر لم ~~يكن قط، ثم عند العود إليهم كأنه لم يفارقهم قط، مع ما أودع أهل الأرض بهما ~~من المنافع، وعليهم فيها أنواع مضار، ولهما سلطان على أعمارهم، على ما ~~فيهما من أثر التسخير والتذليل الذي كل مقهور بالآخر، إذا جاء سلطانه وبلغ ~~حده، وليس في واحد منهما امتناع عن قهر الآخر، وإن كان هو الظاهر القوي ~~جريا جميعا على حد واحد وسنن واحدة، ولا على ذلك على ما دل عليه الأول، مع ~~ما فيهما من أثر العيث أمرا ظاهرا لا يحتمل أن يجهله إلا سفيه معاند، والله ~~أعلم. # ثم النور والظلمة والظل ونحو ذلك الذي يبسط بسعة جميع أطراف السماء ~~والأرض يستر واحد كل شيء، ويبدي آخر عن كل شيء، ويحيط الثالث بكل شيء، ثم ~~تعلق منافع الأهل بها على اختلافها، وبالسماء والأرض على تباعد ما بينهما، ~~وبالسهل والجبل والبحر والبر على تضاد معانيهما؛ وعلى ذلك جميع الأمور، ~~فكان - صلوات الله عليه - بما أرى من المعنى وغيره من الموقنين أن لا إله ~~إلا الله وجه إليه نفسه، وأن كل شيء نسب إليه الألوهية، محال أن يكون فيه ~~وله إمكان ذلك، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (فلما جن عليه الليل. . . (76) إلى قوله: (ومآ أنا من ~~المشركين). # تكلموا في ms1483 تأويل الآية على وجوه ثلاثة: # PageV04P133 # فمنهم من جعل الأمر على ما عليه الظاهر: أنه غير عارف بربه حق المعرفة ~~إلى أن عرف من الوجه الذي بأن له عند الفراغ من آخر ما نسب إليه الربوبية ~~أنه لا يعرف من جهة درك الحواس ووقوعها عليه، ولكن من جهة الآيات وآثار ~~العقل، فقال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض. . .) الآية، لكن أهل ~~هذا القول اختلفوا على وجوه ثلاثة: # أحدها: ما روي في التفسير أنه ربي في السرب، ولم يكن نظر إلى شيء من خلق ~~السماء، فنظر عن باب السرب في أول الليل، فرأى الزهرة بضوئها وتلاللها، ~~وكان في علمه أن له ربا وأنه يرى، فلم ير أضوأ منها ولا أنور، فقال: هذا ~~ربي، فلما أفل وله علم أن الرب دائم لا يزول، فقال: لا أحب، بمعنى: ليس هذا ~~برب؛ كقوله: (ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء)، أي: ليس لنا، ~~وقول عيسى حيث قال: (سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)، بمعنى: ما ~~قلت ذلك، لكن أهل هذا التفسير حملوا الأفول على غيبوبته بنفسه، وهو عندنا ~~على غيبوبته في سلطان القمر وقهر سلطان القمر، لما طلع سلطان النجم، وعنده ~~أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول؛ وعلى ذلك أمر القمر والشمس بظلمة ~~الليل، وفي ذلك أنه لو كان عنده أن الرب لا يقهر وأن سلطانه لا يزول وأنه ~~لا يرى، لأنكر من ذلك الوجه أن يكون ربه بل أقر به، وأنكر الأفول والزوال، ~~وهذا ينقض قول من يصفه بالزوال والانتقال من حال إلى حال. # ومنهم من يقول: كان هذا أمنه في وقت، لم يكن جرى عليه القلم سمع الخلق ~~يقولون في خلق السماء والأرض ونحو ذلك، وينسبون ذلك إلى الله؛ وعلى ذلك أمر ~~جميع أهل الشرك؛ كقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ~~وقوله: (قل لمن الأرض. . .)، إلى قوله: (ما اتخذ الله من ولد) # PageV04P134 # ثم رآهم عبدوا الأصنام وسموها آلهة، فتأمل فوجدها لا ms1484 تسمع ولا تبصر ولا ~~تنفع ولا تضر، علم أن مثلها لا يحتمل أن يكون يخلق ما ذكر، وأن الذي ذلك ~~فعله لعلي عظيم، يجب طلب معرفته من العلو بما كان يسمع نسبة الملائكة إلى ~~السماء ونزول الغيث منها، ومجيء النور والظلمة وكل أنواع البركات وغيرها ~~منها، فصرف تدبير الطلب الذي نسب إليه الخلق إليها. # ثم أول ما أخذ في التأمل والنظر لم يقع بصره على أحسن وأبهى من الذي ذكر، ~~فظنه ذلك، ثم لما قهر وقد كان علم بأن خالق من ذكر لا يجوز أن يقهر، فمن ~~ذلك علم أنه ليس هو وقال لمن قهر، وذلك إلى أن قهر الليل ضوء الشمس، وصار ~~بحيث لا يجري له السلطان، ورأى في الكل آثار التسخير والتذليل، ولم ير فيها ~~أعلام من له الأمر والخلق، فعلم أن الرب لا يدرك من ذلك الوجه، ولا يعرف من ~~جهة الحواس، فرجع إلى ما سمع من أنه خلق السماوات والأرض، فوجه نفسه إليه ~~بالعبودية، واعترف له بالربوبية بما في الخلق من آثار ذلك، وفي القول من ~~تسمية من له الخلق ربا وإلها، فآمن به، وذلك كان أول أحوال احتماله علم ~~الاستدلال وبلوغه المبلغ الذي من بلغه يجري عليه الخطاب، ولا قوة إلا ~~بالله. # ومنهم من قال: إنه كان بالغا قد جرى عليه القلم، وقد كان رأى ما ذكر غير ~~مرة، لكن الله لما أراد أن يهديه ألهمه ذلك وألقاه في نفسه، فانتبه انتباه ~~الإنسان لشيء كان عنه غافلا من قبل، فرأى كوكبا أحمر يطلع عند غروب الشمس، ~~فراعاه إلى أن أفل، فأراد إذن من الله قربة، وعلم أن ربه لا يزول ولا ~~يتغير، ففزع إليه وقال: (لا أحب الآفلين)؛ وكذا ذكر في القمر والشمس إلى أن ~~عرف الله، فتبرأ مما كانوا يشركون، وتوجه بالتوحيد والعبادة إليه؛ وإلى هذا ~~التأويل ذهب الحسن. # الأول: روي عن ابن عباس رضي الله عنه. # PageV04P135 # والثاني: قال به جماعة أهل الكلام، ونحن نتبرأ إلى الله أن نجعله رجلا ~~بالغا جرى عليه القلم، ms1485 وهو كان - عن الله - بهذه الغفلة حتى يتوهمه في معنى ~~نجم أو قمر أو شمس، مع ما يرى فيها الظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد ~~الوجود، ثم آثار التسخير والعجز عن التدبير بما هو في جهد وبلاء، ومن له ~~يحمل في راحة وسرور، ثم لا يرى في شيء من العالم أو له معنى يدل على رجوع ~~التدبير إليه، فيتحقق له القول بذلك، والله يصفه بقوله: (إذ جاء ربه بقلب ~~سليم)، قيل: سليم من الشرك لم يشبه بشيء، وقال: (وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه)، وما يذكرونه إنما آتاه على نفسه إذ هو في الغفلة عنها، ~~والجهل بمن له الآيات شريك قومه، وقد قال - أيضا - (وكذلك نري إبراهيم ~~ملكوت السماوات والأرض)، ومعلوم أن ذلك على معاينته أو أنه قد أرى كلا ~~منهما، ولكن على ما بينت من الوجهين وفيهما حقيقة ذلك. # وليس في قوله: (وليكون من الموقنين) دلالة الشك في الابتداء، أو الجهل في ~~الحال التي يحتمل العلم به فسمى به عز وجل، ولكن على أنه على ذلك الوجه ~~يكون الإيقان ممن لا يقع عليه الحواس، ولا يوجب علمه الضرورات، إنما هو ~~الاستدلال بالآثار أو تلقى الأخبار، ولا قوة إلا بالله. # PageV04P136 # وذلك كقوله: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها)، لا عن وضع كان، ~~وقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، لا أن كانوا من قبل في الظلمات، ~~وقول يوسف - عليه السلام -: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) لا عن كونه ~~فيها؛ وهكذا أمر الإيقان: أن يكون العبد في كل وقت موقنا بالله، وأن لا إله ~~غيره، لا عن شك فيما تقدمه من الوقت أو الجهل، فمثله أمر إبراهيم، عليه ~~السلام. # والوجه الثاني - مما تكلم في التأويل: أن يكون إبراهيم - عليه السلام - ~~كان مؤمنا في ذلك الوقت، عارفا بربه حق المعرفة، ولكنه كلم قومه كلام ~~مستدرج بإظهار المتابعه لهم على هواهم؛ فيكونون به أوثق وإليه أميل، وذلك ~~أبلغ في الحجاج وألطف في المكيدة، فيبين لهم ما أراد من غير جهة ms1486 النقض ~~والعناد، فبدأ بتعظيم ما عظموه؛ إذ هم # PageV04P137 # قوم كانوا يعظمون النجوم، وبالعلم بأمرها أخبروا نمرود بولادة من يهلك ~~على يده هو ويزول ملكه، وهذا كما ذكر أنه نظر نظرة في النجوم في مقاييسها ~~وعلمها؛ لا أنه نظر إليها، ثم قال الذي ذكر لا من حيث علم النجوم، ولكن من ~~حيث علمه أنه يموت ومن يمت يسقم، لكن أراهم الموافقة في العلم الذي لهم في ~~ذلك الباب دعوى؛ فكذلك ما نحن فيه. # وعلى ذلك أمر الند الذي كان يعبده قوم عظمه الحواري الذي أرسل إليهم، حتى ~~اطمأنوا إليه وصدروا عن تدبيره وبلوا بعد، وكاد يحيط بهم، فدعاهم إلى دعاء ~~الند ليكشف لهم؛ إذ لمثله يعبد حتى أيسوا، فدعاهم إلى الله فكشف عنهم، ~~فآمنوا به، فمثله الأول. # وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، لكنه ذكر أنهم كانوا أصحاب نجوم وكهانة، ~~ومن ذلك قوله لا يعبد النجم ولا يراه ربا فكيف أظهر الموافقة بتسمية النجم ~~ربا، ثم النقض عليه بالأفول؟! # ولكن ذلك لو كان فإنما كان في قوم يعبدون النجوم والشمس والقمر، فألزمهم ~~بالأفول؛ إذ فيه تسخير وغلبة سلطان على سلطان، وهذا الوجه يجوز أن يظهر على ~~إضمار معنى في نفسه مستقيم: كالمكره على عبادة صليب يقصد قصد عبادة الله ~~ونحوه، # PageV04P138 # والمكره على شتم محمد - صلى الله عليه وسلم - يقصد قصد محمد آخر يصوره في ~~وهمه ونحو ذلك، فهو على ما قال: (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون)، على جعل (إن كانوا ينطقون) شرطا في نفسه في قوله: (بل فعله كبيرهم ~~هذا)، والله أعلم. # وقيل في الاستدراج من غير هذا الوجه، على التسليم أنهم أهل كهانة ونجوم، ~~وهو أنه لما رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، دعاهم من طريق المقابلة؛ إذ هم ~~مالوا إلى ذلك بما رأوا من حسن ذلك في البصر، بما قد زين بأنواع الزينة ~~وحلي بأنواع الحلي، فأراهم أنه يعبد النجم وما ذكر، وأن الذي ذكر أحسن ~~وأعظم نورا وضياء؛ إذ هو بجوهره ونفسه كذلك، وما كانوا يعبدون بما ms1487 فعلوا به ~~وجعلوه كذلك؛ ليكره إليهم عبادتهم الأصنام، ويستنقذهم عما اعتادوه بالمعنى ~~الذي ذكرت، ثم ألزمهم فساد ما مالوا إليه وقبلوا منه، قبل أن يقر ذلك في ~~قلوبهم وتطمئن إلى ذلك أنفسهم، بما أظهر من فساد أن يكون الذي بذلك الوصف ~~من التسخير أو ملكه على شرف الزوال، أو يصير بحيث يقر في قلوبهم عبادة من ~~لا يشهدونه وقت العبادة؛ فيلزمهم على ذلك عبادة المستحق لها. # أو أن يقول: إذا كانت النجوم وما ذكر مع ضيائها ونورها وكثرة منافع الخلق ~~بها لم تصلح لها الألوهية عند الجميع بالأفول والتسخير، فالذي كانوا يعبدون ~~على ما سخرهم كانوا تحت البشر أذلاء، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع أحق ألا ~~يكون له الربوبية، وألا توجه إليه العبودية، والله أعلم. # فهذا النوع من الاستدراج فيما لو ظهر أنهم لم يكونوا يتخذون النجوم ~~أربابا يعبدونها؛ وكذلك الذي ذكره القتبي. # والتأويل الثالث للآية يخرج مخرج الإنكار والاستهزاء، ويكون في ذلك معنى ~~الاستدراج؛ إذ هو الإلزام من حيث لا يشعر به، أو نقض أسباب الشبه درجة ~~فدرجة في حلول المقت ولزوم المقصود بتعاطي ذلك الابتداء بالكشف عن الأسباب. # ثم قيل في هذا بأوجه: # أحدها: أنهم كانوا يعبدون النجوم وما ذكر، ويدعون إلى ذلك الأولاد ~~والصبيان - وإبراهيم منهم - فيما كانوا يدعونه إليه، فقال لما رأى النجم: ~~هذا الذي تعبدون ربي، # PageV04P139 # أي: إلى عبادته تدعونني، أي: هذا ربي الذي تدعونني إلى عبادته، فلما رآه ~~طالعا سائحا غائبا ثبت عنده أنه سخر، فقال: لا أحب عبادته، لكن ذا قد يكون ~~في خاص نفسه متفكرا في الذي دعوه إليه؛ ليعرف دفع قولهم من الوجه الذي يقر ~~ذلك في القلوب إذا قابلهم به. # وقد يكون في ملأ منهم يظهر لهم قوله: (هذا ربي) على إضمار: تدعونني إليه؛ ~~ليلزمهم بما بأن له فساد الربوبية، فيكون استدراجا أيضا؛ لأنه ألزمهم بعد ~~ظهور الوفاق منه لهم. # وقد يكون ذكر هذا الذي تدعونني إليه أنه ربي سرا، ويهزأ بهم بإظهار ~~الموافقة، يبين لهم ذلك بما ألزمهم ms1488 أن الابتداء لم يكن على المساعدة؛ إذ ~~ذلك المعنى الذي به ألزم كان ظاهرا عنده في الابتداء وعندهم جميعا. # والثاني: أن يكون قوله: (هذا ربي) على ما يقال: هذا فلان الذي تخبرونني ~~عنه، بمعنى: أهذا هو؟! على إنكار أنه ليس بالمحل الذي أخبرتموني عنه، أو ~~على الاستفهام ليقرره عنده. # وأي الوجهين كان فقد هزئ بهم، وظهر في المتعقب أن الأول كان على الهزء ~~بهم والإنكار، أو الاستفهام؛ وذلك كقوله: (خلقوا كخلقه)، على أنهم لم ~~يخلقوا كخلقه، يوضح قوله: (قل الله خالق كل شيء) في الأول: (لا أحب ~~الآفلين). # ويجوز أن يكون هذا أضمر في قوله: (هذا ربي)، أي: رب هذا ربي إلى آخر ما ~~ذكر، ثم رجع إليه عند التقرير عندهم أنه لا يليق بالربوبية الذي ظنوا أنه ~~ساعدهم عليه. # ثم قد بينا الدليل على أنه لم يكن كافرا في ذلك الوقت مع ما قد ثبت من ~~عصمة الرسل عن الكبائر، فكيف يبلون بالكفر والله يقول: (الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته) وكل متمكن فيه الكفر شريك أمثاله، فلا وجه لتخصيص الأهل. # ثم جملة ذلك أن الله تعالى لو أراد أن يبين حقيقة الحال، أو كانت بنا إلى ~~معرفة # PageV04P140 # حقيقة ذلك من المراد والوقت حاجة في أمر الدين - لكان يبين ذلك، أو يرد ~~في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن العلم بحقيقة ذلك إذ هو ~~علم الشهادة بما ليس لنا، وعلينا بالوصول عمل تكلف، ولا تكلف الشهادة بوقت ~~القول، وهو متمكن فيه فحقه أن يتأمل وجه الحكمة في ذكر القصة وما فيها من ~~الحجة في أمر الدين، فهو - والله أعلم - يخرج على وجوه: # أحدها: على جعل ذلك حجة لرسالة رسوله؛ إذ هو من أنباء الغيب، ونبي الله ~~نشأ بمكة ولم يكن ثم من يعلمه ذلك، ولا فارق قومه واختلف إلى من عنده علم ~~الأنبياء بتوارثهم كتب الأنبياء، ولا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ممن يخط بيمينه أو يقف على المكتوب؛ دل أنه علمه بالله سبحانه وتعالى، ms1489 مع ~~ما كان في القصة حجج التوحيد ودفع عبادة الأصنام وتسفيه أهل ذلك، فلم يحتمل ~~أن يكون تعليم مثل ذلك من الدافعين لذلك المدعين على إبراهيم اليهودية ~~والنصرانية؛ وبعد فإن كتبهم بغير لسانه، وفي العبارة بلسان غيره توهم ~~الاختلاف والتغيير، فلا يحتمل الاحتجاج بمثله بما يحتمل الإنكار والدفع. # الثاني: وفيه استعطاف قوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هم من ~~ذرية إبراهيم - عليه السلام - بما يدعوهم إلى دين آبائهم، مع ما كانوا هم ~~أصحاب تقليد وحفظ آثار الآباء، فألزمهم القول في آبائهم بما لا مدفع لهم ~~القول بغير الذي قلدوا؛ إذ إبراهيم - عليه السلام - عند جميع المشركين إمام ~~يؤتم به أحق من كل أب، مع ما كان كل مولود على دينه مذكورا محفوظا في ~~الخلق، ومن خالفهم فهو ممحوق الاسم والذكر جميعا، فكان في ذلك أعظم الدليل ~~أن هؤلاء من الأنبياء أحق بالتقليد من الذين اتبعوه؛ وعلى ذلك اتفاق أهل ~~الكتاب على موالاة إبراهيم من غير أن تهيأ لهم دفع ما أثبت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من توحيده، ولا ما قرره عندهم من دينه بشيء يجدونه خلافا ~~لذلك في كتبهم. # والثالث: أن إبراهيم - عليه السلام - صرف معرفة الرب من جهة خلقه، ودان ~~بدينه من جهة النظر في الآيات والبحث عنها، دون أن يقلد أباه أو قومه؛ ~~ليعرف سبيل طلب # PageV04P141 # الحق ووجه اتباعه؛ ليكون ذلك تذكرة لجميع ذريته. # والرابع: أنه ذكر الخبر عن أحواله بمخرج ظاهر يوهم المكروه، وله وجه ~~الصرف إلى ما أليس، فيه نفار عنه للطبع، ولا يأباه للعقل؛ ليمتحن عباده ~~بالقول فيه والوقف في أمره. # والخامس: ليعلم أن المحاجة في الدين على قدر ما تحتمله العقول لازمة؛ إذ ~~بها أفحم إبراهيم قومه وأظهر دين ربه، فيبطل بذلك قول كثير من المسلمين ~~الذين يكرهون المناظرة في الدين، ويرون في ذلك تقليد الإسنادين وظواهر ما ~~جاءت به الآثار، التي في اتباع أمثالها تناقض عند العقلاء، ولا قوة إلا ~~بالله. # والسادس: أن المناظرة تكون بوجهين: بطلب الدلالة في ms1490 تثبت القول، وبإظهار ~~الفساد بما يتمكن فيه من العيب؛ إذ هو رد ما ادعوا من الربوبية فيمن ذكر، ~~بما في ذلك من آثار التدبير لغيره؛ وكذلك قال في الأصنام: (لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، وقال: (وما لي لا أعبد الذي فطرني)، ~~وقال في موضع آخر: (الذي خلقني)، إلى آخر ما أخبر؛ فمرة أبطل قولهم بالمعنى ~~الذي بضده احتج في ثبات قوله، وجائز في كل ذلك أن يقول لهم: ما الدليل على ~~ما تدعون لما تذكرون من الربوبية؟ # والسابع: جواز التسليم بإظهار الموافقة، وإن كان المسلم بحقيقة ذلك منكرا ~~وله دافعا، إذا كان في المساعدة بذلك في الظاهر نيل الفرصة والظفر بالبغية؛ ~~إذ على ذلك خرجت مناظرته قومه، وعلى ذكر ما احتج به في قوله: (ربي الذي ~~يحيي ويميت)، إذ قال خصمه: (أنا أحيي وأميت)، وإقباله على حجة هي أوضح من ~~ذلك وأقهر للعقل وألزم في الطبع، فقال: (فإن الله يأتي بالشمس من # PageV04P142 # المشرق فأت بها من المغرب). # والثامن: أن يعلم أن الله لم يهمل القوم في شيء من الأزمنة دون أن يجعل ~~لهم أدلة للحق يظفرون بها لو تأملوا، ولا ألزم خلقه في زمان من الأزمان ~~بشيء لو بحث عنه لا يوقف عليه ولا يتهيأ له؛ ولذلك أظهر الحجج وآثار ~~البينات؛ ليعلم أنه جعل أوامره كلها تالية الأدلة والبراهين؛ ليقطع بها عذر ~~من تأبى نفسه القيام بها. # والتاسع: أن يعلم أنه لا أحد يقوم بالحجاج ولا ينطق بحسن البيان إلا ~~بعطية الله وامتنانه عليه بما ينطق به لسانه ولوفقه للقيام به بقوله: (وتلك ~~حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه). # ثم العاشر: أن يكون بفضله ينال الدرجات في أمر دينه، ويرتقي إلى منازل ~~الفضل والشرف بمشيئته؛ كما قال: (نرفع درجات من نشا)، وأنه متى شاء الرفع ~~كان، والله أعلم. # وقد قال بعض أصحاب الإمامة في تأويل الآية: زعم أنهم أخذوه من شرح على أن ~~تأويل النجم: المأذون، والقمر: اللاحق، والشمس: الإمام، بمعنى: أنه قال ~~للمأذون: هذا ms1491 ربي عنى به رب التربية رباه بالعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما أفل). # PageV04P143 # أي: فني ما عنده رغب عنه وقال: لا أحب هذا، ثم ظفر باللاحق، ثم كذلك ~~بالإمام، ثم توجه نحو التالي بالقبول من الرسول؛ إذ التالي عندهم هو الذي ~~فطن ما ذكر، فلما جاوز درجة المتم - وهو الإمام - صار إلى درجة الرسالة، ~~وهو القابل من التالي بالخيال والمصور للشرائع عندهم، فألزموا بهذا عبادة ~~أرباب، وأن الارتفاع من درجة إلى درجة بأولئك. # وذلك أمر متناقض على المتأمل؛ لأنه لما فني ما عند المأذون صار إلى ~~اللاحق، والمأذون كان به مأذونا فلم يكن الثاني بما يصير إليه أحق من ~~الأول؛ إذ لو كان به صار مأذونا ولو كان ثم درجة أخرى، فإما أن يكون ينال ~~تلك في الوقت الذي يلقى المأذون ذلك إلى غيره أو لا: فإن كان لا ينال فلا ~~أسفه من المأذون؛ حيث امتنع عما يعليه إلى الدرجة الثانية وبلغ غيره أو ~~ينال معه، فإذا صار هو معه في درجة المتم فكيف قال: لا أحبه، وهو آثر الذي ~~ذلك وصفه؟! ثم كيف قال لا أحب وذهاب ما به أخذ بحظه عن الأخذ من الآخر؟! # أو كيف صار ربه قبل أن يربيه، فلما رباه تبرأ من ربوبيته وآثر ربا آخر؟! # فإذا عاقبة شكره وسعى ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر ~~بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الرب في الابتداء ~~والانتهاء، لا رب لأحد سواه جل عن الشركاء؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير ~~الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي أخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، ~~فيكون الكل توالى أو مطلقا، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعا، وقد ~~كرم الله - تعالى - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا ~~الوسواس، والحمد لله. # * * * # قوله تعالى: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) ~~وكيف أخاف ما ms1492 أشركتم ولا # PageV04P144 # تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من ~~نشاء إن ربك حكيم عليم (83) # (وحاجه قومه ... (80) ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب ~~بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: (قال أتحاجوني في الله). # ثم تحتمل المحاجة في الله: في توحيد الله ودينه. وتحتمل في اتباع أمر ~~الله وطاعته. # وذكر في بعض القصة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (وحاجه قومه): في ~~آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن ~~تخبلك وتفسدك. وذلك محتمل؛ وهو كقول قوم هود لهود - عليه السلام - (إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء). # ثم قال لهم إبراهيم - عليه السلام -: لما لا تخافون أنتم منها؟. # PageV04P145 # قالوا: كيف نخاف ونحن نعبدها؟! قال: لأنكم تسوون بين الصغير والكبير، ~~والذكر والأنثى، أما تخافون الكبير إذ سويتموه بالصغير، وما تخافون الذكر ~~إذ سويتموه بالأنثى؟! # ويحتمل أنهم خوفوه بالله بترك عبادة آلهتهم، لما كانوا يقولون: (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ويقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ~~فخوفوا إبراهيم بالله بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم ~~إلى الله # PageV04P147 # زلفى وترك العبادة لها يبعدهم، فقال: (وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به) ~~وقد هداني، ولا أخاف مما تشركون به. # ويحتمل قوله: (وقد هدان) أما ذكرنا في قوله (أتحاجوني في الله وقد هدان)، ~~الدين والتوحيد وهداني طاعته والاتباع لأمره فقال: كيف أخاف وقد هداني. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن يشاء ربي شيئا) هذا يحتمل وجهين. # الأول: يحتمل لا أخاف إلا إن عصيت ربي شيئا، فعند ذلك أخاف، وأما إذا ~~هداني ربي فإني لا أخاف بتركي عبادتهم. # والثاني: (إلا أن يشاء ربي) إلا أن يبتليني ربي بشيء من المعصية، فعند ~~ذلك أكون في مشيئته إن شاء عذبني، وإن شاء لم يعذبني. # وقوله - عز ms1493 وجل -: (وسع ربي كل شيء علما). # أي: علم ذلك كله عنده عصيت أو أطعت. # وقوله - عز وجل -: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ~~لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) عن ~~ابن عباس، (وكيف أخاف ما أشركتم) به من الأصنام (ولا تخافون أنكم أشركتم ~~بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) يقول: عذرا في كتابه (فأي الفريقين أحق ~~بالأمن) أي: أهل دينين أنا وأنتم (أحق بالأمن إن كنتم تعلمون) أني أعبد ~~إلها واحدا، وأنتم تعبدون آلهة شتى؟! # وقيل: إنهم كانوا يخوفونه بتركه عبادة آلهتهم وإشراكه إياها في عبادة ~~الله، فقال: وكيف أخاف ما أشركتم أنتم بالله من الآلهة، ولا تخافون أنتم ~~بما أشركتم بالله غيره ما لم ينزل به عليكم سلطانا؟! أي: حجة بأن معه ~~شريكا. # ثم قال: (فأي الفريقين أحق بالأمن) وإنا أو أنتم من عبد إلها واحدا يأمن ~~عنده، # PageV04P148 # أحق، أم من عبد آلهة شتى صغارا وكبارا ذكورا وإناثا؟! # أو أن يقال: إني كيف أخاف آلهتكم التي تعبدون من دون الله بتركي عبادتها، ~~وهي لا تملك ضرا إن تركت ذلك، ولا نفعا إن أنا فعلت ذلك، ولا تخافون أنتم ~~بترككم عبادة إلهي، وهو يملك الضر إن تركتم عبادته، والنفع إن عبدتموه، فأي ~~الفريقين أحق بالأمن: من عبد إلها يملك الضر والنفع، أو من عبد إلها لا ~~يملك ذلك؟! # فقيل: رد عليه قومه فقالوا: (الذين آمنوا ... (82) برب واحد يملك الضر ~~والنفع، (ولم يلبسوا إيمانهم) قيل: لم يخلطوا تصديقهم وإيمانهم بشرك، ولم ~~يعبدوا غيره دونه، (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون): من الضلالة والشرك. # قيل: الظلم - هاهنا -: الشرك؛ روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: # PageV04P149 # لما نزلت هذه الآية: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على ~~المسلمين فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟! قال: " ليس ذلك إنما ~~هو الشرك، أو لم - تسمعوا ما قال لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم). # وعن أبي ms1494 بكر الصديق - رضي الله عنه - قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين ~~الآيتين: (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)، (الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم)؛ فقالوا: (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا): ثم عملوا له ~~واستقاموا على أمره، (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)، أي: لم يذنبوا ~~فقال: لقد حملتمونا على أمر شديد، (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم): ~~بشرك، (الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا): عليها فلم يعدلوا عنها بشرك ~~ولا غيره. # فإن ثبثت هذه الأخبار فهو ما ذكر فيها أن الظلم هو الشرك، وإلا احتمل ~~الظلم ما دون الشرك أن من لم يظلم ولم يذنب فهو في أمن من الله، ومن ارتكب ~~ذنبا أو ظلما فله الخوف، وهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ~~وعفا عنه. # وقوله - عز وجل -: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ... (83) الآية: ~~ينقض # PageV04P150 # قول من يقول بأن إبراهيم كان غير مؤمن في ذلك الوقت ولا عارفا بربه؛ لأنه ~~أخبر أنه آتاه حجته على قومه، ولو كان هو على ما قالوا لكانت الحجة التي ~~آتاه عليه، فلما أخبر أنه آتاه حجته على قومه، دل أنه ليس على ما قالوا، ~~ولكن كان عارفا بربه مخلصا له على ما سبق ذكره. # فإن قال قائل: إن الحجة التي أخبر أنه آتاها إبراهيم على قومه هي قوله: ~~وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به. . .) إلى ~~آخر ما ذكر. # فيقال: إن هذه ليست بمحاجة، إنما هو تقرير التوحيد والدين. # ألا ترى أنه قال: (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) الآية، ~~والمحاجة ما ذكر في قوله: (لا أحب الآفلين)، وقوله: (إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين)، وغيرها من الآيات التي ~~فيها وصف توحيد الرب - عز وجل - وألوهيته وفساد آلهتهم، من ذلك قوله: ~~(أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96)، وقوله: (لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، وقوله: ms1495 (هل يسمعونكم إذ تدعون. . .)، ~~إلى قوله: (وإذا مرضت فهو يشفين). # وفيه دليل نقض قول المعتزلة؛ لأنه قال: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على ~~قومه) والإيتاء هو الإعطاء، والنجوم والشمس، والقمر وما ذكر قد كانت؛ دل أن ~~الذي آتى إبراهيم هو محاجته قومه بما ذكرنا واحتجاجه عليهم بذلك؛ دل أن له ~~في محاجة إبراهيم قومه صنعا حيث أضافها إلى نفسه، وهو أن خلق محاجته قومه، ~~وبالله العصمة. # وقوله - تعالى -: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه): الذين كانوا ~~يعبدون الأصنام والأوثان، وهو ما بين سفههم في عبادتهم الأصنام، حيث قال في ~~غير آية وعلى نمرود حين قال: (أنا أحيي وأميت. . .) إلى آخر الآية. # وقوله - عز وجل -: (نرفع درجات من نشاء). # فيه -أيضا- دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء لكل ~~أحد أن يبلغ المبلغ الذي إذا بلغ ذلك يصلح للنبوة والرسالة، لكنهم شاءوا ~~ألا يبلغوا ذلك المبلغ، # PageV04P151 # يجعلون المشيئة في ذلك إلى أنفسهم دون الله، والله أخبر أنه يرفع درجات ~~من يشاء وهم يقولون - لا يقدر أن يرفع، بل هم يملكون أن يرفعوا درجات ~~أنفسهم؛ فدلت الآية على أن من نال درجة أو فضيلة إنما ينال بفضل الله ومنه. # ثم قوله: (نرفع درجات): تحتمل الدرجات وجوها. # تحتمل: النبوة، وتحتمل: الدرجات في الآخرة أن يرفع لهم. # وتحتمل: الذكر والشرف في الدنيا لما يذكرون في الملأ من الخلق. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك حكيم عليم). # أي: حكيم في خلق الخلائق، خلق خلقا يدل على وحدانيته، ويدل على أنه مدبر ~~ليس بمبطل في خلقهم، ثم عليم بأعمالهم وعليم بمصالح الخلق وبما يصلح لهم، ~~أوبما لا يصلح، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير. # * * * # قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ~~ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ~~ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) # قوله - عز وجل ms1496 -: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب). # يحتمل ما ذكرنا من رفع الدرجات ما ذكر من هبة هؤلاء. # وفيه دليل أن ما يكون له من الفضل في هبة أولاده يكون ذلك في أولاد ~~أولاده. # PageV04P152 # وقوله - عز وجل -: (كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل): # الهداية هدايتان: هداية إصابة الحق، وهداية العلم بالحق، وهي هداية ~~البيان، فهذه الهداية مما يشترك فيها المسلم والكافر جميعا. # وأما هداية إصابة الحق: فهي خاصة للرسل والأنبياء والمسلمين جميعا. # والهداية - هاهنا - هي إصابة الحق لا العلم بالحق؛ لأنهم اشتركوا جميعا ~~في العلم بالحق: الكافر والمسلم. # (ومن ذريته داوود): ذرية إبراهيم. # وقيل: ذرية نوح كانوا جميعا من ذرية نوح وإبراهيم ومن ذكر من الرسل. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نجزي المحسنين). # PageV04P153 # أي: كذلك نجزي المحسنين، بالذكر والشرف والثناء الحسن إلى يوم القيامة؛ ~~كما جزى هؤلاء الرسل بالذكر والشرف والثناء الحسن في ملأ الناس. # ويحتمل أن يذكروا في ملأ الملائكة؛ كما ذكروا في ملأ الخلق في الأرض. # ويحتمل: (وكذلك نجزي المحسنين) وفي الآخرة بالثواب ورفع الدرجات والجزاء ~~الجزيل، ثم ذكر في فريق: أنه (كذلك نجرى المحسنين)، وذكر في فريق آخر: (كل ~~من الصالحين)، وذكر في فريق: (وكلا فضلنا على العالمين)، وهذا - والله أعلم ~~- ليس على تخصيص كل فريق بما ذكر من الذكر، ولكن على الجمع أنهم محسنون ~~صالحون مفضلون على العالمين. # ثم يحتمل التفضيل لهم بالنبوة: أنهم فضلوا على العالمين بالنبوة. # ويحتمل: أنهم كانوا مفضلين على العالمين بالإحسان والصلاح، لو لم يكن لهم ~~رسالة ولا نبوة. # ثم يحتمل أنه سماهم محسنين باختيارهم الحال التي كانوا أهلا للرسالة ~~والنبوة، فإن كان هذا فهم الرسل خاصة. # ويحتمل: محسنين باختيارهم الهداية وإصابة الحق، فإن كان هذا فهو مما ~~يشترك الأنبياء وأهل الإسلام فيه. # وقوله - عز وجل -: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم ~~إلى صراط مستقيم (87) أما آباؤهم: من تقدمهم، وذرياتهم: من تأخرهم، ~~وإخوانهم: الذين يقارنونهم. # وقيل: ذرياتهم محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: المؤمنين من بعدهم. # وقوله - عز وجل -: (واجتبيناهم). # يحتمل: اجتباهم بالنبوة والرسالة. # (وهديناهم إلى ms1497 صراط مستقيم): فذلك لهم خاصة. # ويحتمل: اجتبيناهم بالتوحيد ودين الإسلام، فذلك يعم الأنبياء والمؤمنين ~~جميعا؛ لأنه اجتباهم بذلك جميعا. # PageV04P154 # ويحتمل: اجتباهم بما ذكر من رفع الدرجات والفضائل، ويكون صلة قوله: (نرفع ~~درجات من نشاء)، وذلك -أيضا- يعم الرسل والمؤمنين، والله أعلم بذلك. # وفي قوله: (ومن آبائهم وذرياتهم. . .) الآية: دلالة أن من آبائهم ~~وذرياتهم من لم يجتبهم بقوله: (ومن)؛ إذ " من " هو حرف للتبعيض. # * * * # قوله تعالى: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن ~~يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) # قوله - عز وجل -: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده) أي: ذلك الهدي ~~الذي هدى هؤلاء فبهداه اهتدوا. # وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله قد شاء أن يهدي ~~الخلائق كلهم لكن لم يهتدوا، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى الرسل ~~والأنبياء من الهداية والفضل إلا كان ذلك إلى جميع الكفرة، فالآية تكون ~~مسلوبة الفائدة على قولهم؛ لأنه ذكر أنه يهدي من يشاء وهم يقولون: شاء أن ~~يهدي الكل لكن لم يهتدوا، فإن كان كما ذكروا لم يكن لقوله: (من يشاء) ~~فائدة؛ دل أنه من الخلائق من قد شاء ألا يهديهم إذا علم منهم أنهم لا ~~يهتدون ولا يختارون الهدى، وبالله التوفيق. # PageV04P155 # وقوله - عز وجل -: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون). # هذا بناء على الحكم فيهم لو أشركوا إلا أنهم لا يشركون؛ لأن الله قد ~~عصمهم واختارهم لرسالته واختصهم لنبوته، فلا يحتمل أن يشركوا، لكن ذكر هذا؛ ~~ليعلموا أن حكمه واحد فيمن أشرك في الله غيره وضيعا كان أو شريفا. # وقوله: (لحبط عنهم ما كانوا يعملون): من الحسنات والخيرات التي كانت قبل ~~الإشراك. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر ~~بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ms1498 ليسوا بها بكافرين (89) قيل: الكتب التي أعطى ~~الرسل. (والحكم) قيل: العلم والفقه والفهم. # وقيل: الأحكام التي أعطاهم، والنبوة هي أنباء الغيب؛ وقد ذكرنا هذا. # وقوله - عز وجل -: (فإن يكفر بها هؤلاء). # قيل: (بها) كناية عن أنباء الغيب، والنبوة التي ذكر. # وقيل: (بها) كناية عن الكتب التي أنزلها على الرسل # وقيل: هي كناية عن الآيات والحجج التي أعطى رسوله. # وقوله: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين). # اختلف فيه قال بعضهم: (فإن يكفر بها) - يعني: أهل مكة - (فقد وكلنا بها ~~قوما ليسوا بها بكافرين): أهل المدينة من الأنصار والمهاجرين؛ وهو قول ابن ~~عباس. # PageV04P156 # وقيل: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين)، يعني: ~~من عد من الرسل والأنبياء. # وقيل: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين)، يعني: ~~أهل قرابتك وأهل وصلتك، فقد وكلنا بها قوما من غير أهل قرابتك ليسوا بها ~~بكافرين. # وقيل: (فإن يكفر بها هؤلاء)، يعني: أهل زمانك، (فقد وكلنا بها قوما): من ~~تقدمهم من آبائهم وأجدادهم، (ليسوا بها بكافرين). # وقيل: (فإن يكفر بها هؤلاء)، يعني: أهل الأرض، (فقد وكلنا بها قوما)، ~~يعني: أهل السماء، (ليسوا بها بكافرين). # قال الحسن - رحمه الله -: (فإن يكفر بها هؤلاء)، يعني: أمتك، فقد وكل ~~الله بها النبيين والصالحين من الأمم الخالمة، (ليسوا بها بكافرين)، والله ~~أعلم بذلك وهو كما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ... (90) # يحتمل فبهداهم الذي هدوا هم، اهد أنت أمتك. # PageV04P157 # ويحتمل: فبهداهم الذي هدوا هم اهتد أنت؛ يأمره - عز وجل بالاقتداء ~~بإخوانه الذين مضوا من الرسل. # والهدى: هو اسم ما يدان به ليس هو اسم الأفعال، لا يقال: لتارك الصلاة ~~والزكاة والصيام: هداك، إنما يقال ذلك لمن دان بضد الهدى. # PageV04P158 # أمر رسوله أن يقتدي بهم بذلك، وذلك يدل على أن الأنبياء والرسل كانوا على ~~دين واحد، وأن الدين لا يحتمل النسخ والتغيير. # ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (شرع لكم من الدين ما وصى ms1499 به نوحا) أخبر ~~أنه شرع لنا الدين الذي وصى به نوحا، وذلك يدل على أن الدين واحد لا يحتمل ~~النسخ، وأما الشرائع: فهي مختلفة؛ لأنها تحتمل النسخ، وتحتمل الأمر ~~بالاقتداء بهم ما ذكر. # (قل لا أسألكم عليه أجرا) أي: اقتد بمن تقدم من الرسل، ولا تأخذ على ~~تبليغ الرسالة أجرا كما لم يأخذوا هم. # وفي قوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا) دليل نقض قول من يجيز أخذ الأجر على ~~تعليم القرآن والعلم ورواية الحديث وغير ذلك من العبادات؛ وكذلك قوله: # PageV04P159 # (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون)؛ كأنه - والله أعلم - يجعل لهم ~~العذر في ترك الإجابة له بما يلحقهم من ثقل الأجر والغرم، والله أعلم. # وفيه -أيضا- دلالة نقض مذهب القرامطة؛ لأنهم يعرضون مذهبهم على الناس، ~~ويأخذون منهم المواثيق والجعل في ذلك، وإنما أخذ المواثيق من الرسل على ~~تبليغ الرسالة إلى قومهم، وأمروا بتأليف قلوب الخلق، وفي أخذ الجعل منهم ~~نفور قلوبهم وطباعهم عن ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا ذكرى للعالمين). # * * * # أي: ما هذا القرآن إلا ذكرى، أي: عظة وزجر للعالمين. # قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون (91) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه # PageV04P164 # ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على ~~صلاتهم يحافظون (92) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما ~~كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم ~~شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ms1500 لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون (94) # قوله - عز وجل -: (وما قدروا الله حق قدره ... (91) قيل: نزلت سورة ~~الأنعام في محاجة أهل الشرك إلا آيات نزلت في محاجة أهل الكتاب، إحداها ~~هذه: (وما قدروا الله حق قدره. . .) الآية، وذكر في موضع آخر: (ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز)، وقال في آية أخرى (وما قدروا الله حق ~~قدره والأرض جميعا. . .) الآية. # ثم قال بعض أهل التأويل: ما عرفوا الله حق معرفته. # وقال غيرهم ما عظموا الله حق عظمته؛ ذكروا أن هؤلاء لم يعظموا الله حق ~~عظمته، ولا عرفوه حق معرفته، ومن يقدر أن يعظم الله حق عظمته، أو أن يعرفه ~~حق معرفته، أو من يقدر أن يعبد الله حق عبادته؟! # وكذلك روي في الخبر: " أن الملائكة يقولون يوم القيامة: يا ربنا ما ~~عبدناك حق عبادتك "، مع ما أخبر عنهم أنهم: (لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون) وقال: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون)، فهم مع ~~هذا كله يقولون: " ما عبدناك حق عبادتك "، ومن يقدر أن يعرفه حق معرفته، أو ~~يعظمه # PageV04P165 # حق عظمته؟! # ولكن تأويله - والله أعلم - أي: ما عرفوا الله حق المعرفة التي تعرف ~~بالاستدلال، ولا عظموه حق عظمته التي تعظم بالاسندلال، هذا تأويلهم، وإلا ~~لا أحد يقدر أن يعرف الله حق معرفته، ولا يعظمه حق عظمته حقيقة. # وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: ما قدروا الله حق قدره، ولا اتقوه حق تقواه مما كلفوا به وأطاقوه ~~ومما جرى الأمر بذلك، وإنما تجري الكلفة منه على قدر الطاقة والوسع، وإلا ~~لا يقدر أحد أن يعظم ربه حق عظمته ولا يتقيه حق تقواه، لكن ما ذكرنا مما ~~جرت به الكلفة. # والثاني: ما قدروا الله حق قدره ولا حق تقاته على القدر الذي يعملون ~~لأنفسهم، أي: لو اجتهدوا في تقواه وعظمته القدر الذي لو كان ذلك العمل لهم ~~فيجتهدون، ويبلغ جهدهم في أذلك، ذلك فقد اتقوا. # وقوله - عز وجل -: (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء). ms1501 # لو كان هؤلاء في الحقيقة أهل الكتاب ما أنكروا الرسل ولا الكتب؛ لأن أهل ~~الكتاب يؤمنون ببعض الرسل وببعض الكتب، وإن كانوا يكفرون ببعض، لكن هؤلاء ~~أنكروا الرسل لما كانوا أهل نفاق، ويكون من اليهود أهل نفاق، كما يكون من ~~أهل الإسلام، كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون الخلاف لهم والموالاة ~~لأهل الشرك، ويظاهرون عليهم؛ كما كان يفعل ذلك منافقو أهل الإسلام؛ كانوا ~~يظهرون الموافقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويضمرون الخلاف له، ~~ويظاهرون المشركين عليه، فأطلع الله رسوله على نفاقهم؛ ليعلم قومهم خلافهم، ~~وأن ما كان من تحريف الأحكام وتغيرها وكتمان نعت محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وصفته إنما كان من هؤلاء. # PageV04P166 # وذكر في بعض القصة أنها نزلت في شأن مالك بن الصيف، وكان من أحبار ~~اليهود، وكان سمينا فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل تجد في التوراة أن الله يبغض كل ~~حبر سمين؟ قال: نعم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: فأنت حبر سمين ~~يبغضك الله، فغضب فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء أنكر الرسل والكتب ~~جميعا، فأكذبه الله تعالى، وأظهر نفاقه عند قومه، فقال: (قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)، ~~قيل: (تجعلونه قراطيس)، يعني: صحفا، أي: كتبتموه في الصحف، ثم تنكرون أنه ~~ما أنزل الله على بشر من شيء، أي: ما الذي كنتم كتبتموه إن لم ينزل الله ~~على بشر من شيء (تبدونها وتخفون كثيرا)، يقول: تظهرون من الصحف ما ليس فيه ~~صفة رسول الله ونعته - صلى الله عليه وسلم - وتخفون ما فيه صفثه ونعته ~~وتغيرون. # وقيل: (تبدونها) أي: تظهرون قراءتها (وتخفون كثيرا) مما فيه نعته - صلى ~~الله عليه وسلم - أو ما فيه من الأحكام التي لا تطيب بها أنفسهم من أمر ~~الرجم والقصاص وغير ذلك. # PageV04P167 # وقوله - عز وجل -: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى ~~للناس)، سمى - عز ms1502 وجل - جميع كتبه نورا وهدى، وهو نور من الظلمات، أي: يرفع ~~الشبهات، # PageV04P168 # ويجليها، وهدى من الضلالات، أي: بيانا ودليلا من الحيرة والهلاك، وبالله ~~العصمة والنجاة. # وقوله - عز وجل -: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون) قال مجاهد: نزلت الآية في المسلمين؛ يقول: علموا ما لم ~~يعلموا ولا آباؤهم. # وقال الحسن: الآية في الكفرة، أي: علمتم ما لم تعاموا أنتم ولا آباؤكم من ~~تحريف أولئك الكتاب وتغييرهم إياه. # وقيل: وعلمتم ما في التوراة ما لم تعلموا أنتم ولم يعلمه آباؤكم. # ثم قاله: (ثم ذرهم): قال بعضهم: قوله: (قل الله ثم ذرهم) هو صلة قوله: ~~(قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا) وقل يا محمد الله أنزله على ~~موسى. # وقيل: صلة قوله: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا)، قل يا محمد ~~الله: (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم)، قال: قل يا محمد الله علمكم. # ويحتمل أن يكون - عز وجل - سخرهم حتى قالوا ذلك، فكان ذلك حجة عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). # هذا يحتمل وجهين: # الأول، يحتمل: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم؛ كقوله (فاعف عنهم واصفح). # PageV04P169 # الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا ~~وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم ~~إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج. # وقوله - عز وجل -: (في خوضهم)؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون. # وقوله - عز وجل -: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك ... (92) # قيل: القرآن أنزلناه مباركا؛ سماه مرة: مباركا، ومرة نورا، ومرة هدى ~~ورحمة، ومرة شفاء، ومجيدا وكريما وحكيما، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ~~ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ ~~لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نورا، # PageV04P170 # ورحمة، وهدى أو ما ذكر لكان يكون لكل واحد نورا وما ذكر، فلما ذكر أنه ~~عمى ms1503 على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجسا إلى رجسهم دل أنه ليس هو في ~~الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء: # سماه نورا لما يصير نورا للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا ~~من الداء الذي يحل في الدين. وسماه روحا لما يحيى به الدين. وسماهحكيما لما ~~يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيما. # وكذلك سماه مجيدا كريما لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق ~~بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيدا كريما. # وسماه مباركا لما به ينال كل بركة، والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير ~~والثاني: اسم لكل ما يثمر وينمو في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير ~~وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (مصدق الذي بين يديه) # من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها ~~على الرسل، من توحيد الله والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ~~ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت ~~الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، بل كانت موافقة بعضها لبعض؛ ~~لذلك قال: (مصدق الذي بين يديه)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولتنذر أم القرى ومن حولها) # قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين: # PageV04P171 # أحدهما: لأنها متقدمة، ومنها: دحيت الأرض على ما ذكر أهل التأويل. # والثاني: سميت: أم القرى؛ لأنها مقصد الخلق في الحج، وفيها تقضى المناسك، ~~وإليها يقصدون ويأمون، وإليها يتوجهون في الصلوات، وهي مقصد أهل القرى. # وقوله - عز وجل -: (ولتنذر أم القرى) أي: أهل أم القرى. # وقوله - عز وجل -: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به). # فإن قيل: أخبر أن من آمن بالبعث يؤمن بهذا الكتاب، وأهل الكتاب يؤمنون ~~بالبعث ولا يؤمنون به، فما معناه؟ # قيل: يحتمل هذا وجوها: # أحدها: أن يكون هذا في قوم مخصوصين إذا آمنوا بالبعث آمنوا به؛ كقوله: ~~(أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)، هذا في قوم مخصوصين؛ لأنه قد ms1504 آمن كثير ~~منهم بالإنذار؛ فعلى ذلك الأول. # والثاني: قوله: (والذين يؤمنون بالآخرة) بالعلم والحجج آمنوا بالقرآن؛ ~~لأن القرآن جاء في تأييد حجج البعث وتأكيده، فلا يجوز أن يؤمنوا بما يؤيده ~~القرآن ولا يؤمنوا بالقرآن. # والثالث: يحتمل أن يكون إخيارا عن أوائلهم: أنهم كانوا مؤمنين بالبعث ~~بالآيات والحجج راغبين فيه، فلما جاء آمنوا به. # وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين، أخبر أنهم آمنوا بالآخرة وآمنوا ~~بالقرآن؛ ألا ترى أنه قال: (وهم على صلاتهم يحافظون). # ويحتمل أن الذين يؤمنون بالآخرة يحق لهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لأنه به ~~يتزود للآخرة. # ويحتمل غير ما ذكرنا من الوجوه. # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ... (93) # هذا في الظاهر استفهام وسؤال لم يذكر له جواب، لكن أهل التأويل فسروا ~~فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، وهذا جواب له ليس هو تفسيره، ~~لكن ترك ذكر # PageV04P172 # الجواب لمعرفة أهل الخطاب به وقد يترك الجواب لمعرفة أهله به. # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم): أكثرهم قد ظلموا أو كلهم قد ظلموا؛ لكن ~~كأنه قال: لا أحد أفحش ظلما ممن افترى على الله؛ لأنه يتقلب في نعم الله في ~~ليله ونهاره وأحيانه، فهو أفحش ظلما وأوحش كذبا. # وقوله - عز وجل -: (أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء). # في الآية دلالة أن نافي الرسالة عمن له الرسالة في الافتراء على الله ~~والكذب؛ كمدعي الرسالة لنفسه وليست له الرسالة، سواء، كلاهما مفتر على الله ~~كذبا؛ وكذلك من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله، أو من ادعى أنه لم ينزل ~~الله شيئا، فهو في الافتراء على الله كالذي ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل الله ~~النافي والمدعي في ذلك سواء شرعا؛ فعلى ذلك يكون نافي الشيء ومثبته في ~~إقامة الحجة والدليل سواء، والله أعلم. # وذكر أهل التأويل أن قوله: (أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) نزل في مسيلمة ~~الكذاب، # PageV04P173 # ونزل قوله: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) في عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح، ms1505 لكن ليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ هم وغيرهم ومن ادعى وافترى على الله ~~كذبا سواء في الوعيد. # وقوله: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله). # ادعى بعضهم أنهم يقولون مثل ما قال الله إنكارا منهم له؛ كقوله تعالى: ~~(وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا). # وقوله - عز وجل -: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قوله: (في غمرات الموت): نزعات الموت ~~وسكراته وغشيانه (والملائكة باسطو أيديهم): يقول ملك الموت وأعوانه الذين ~~معه من # PageV04P174 # ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، (باسطو أيديهم): يقول: ضاربون بأيديهم ~~أنفسهم يقولون لها: اخرجي، يعني الأرواح، وهو قوله: (أخرجوا أنفسكم) وهو ~~عند الموت؛ وكذلك يقول قتادة. # وقال الحسن: ذلك في النار في الآخرة ضرب الوجوه والأدبار. # وقوله - عز وجل -: (في غمرات الموت)، أي: كثرة العذاب وشدته؛ يقال للشيء ~~الكثير: الغمر؛ وهو كقوله؛ (ويأتيه الموت من كل مكان)، أي: أسباب الموت، ~~ولو كان هناك موت يموت لشدة العذاب. # وقوله - عز وجل -: (باسطو أيديهم): بضرب الوبروه والأدبار، (أخرجوا ~~أنفسكم): على حقيقة الخروج منها؛ كقوله: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها)، والأول ليس على حقيقة الخروج، ولكن كما يقال عند نزول ~~الشدائد: أخرج نفسك. # وقال مجاهد: هذا في القتال تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، يعني: ~~الأستاه، ولكنه يكون - وهو كقول ابن عباس رضي الله عنه وقتادة -: عند ~~الموت. # قال أبو عوسجة: غمرات الموت: سكراته وشدائده، والغمر: هو الماء الكثير، ~~والغمر: العداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، والغمر: الدسم، والغمر: ~~القدح # PageV04P175 # الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها. # وقوله - عز وجل -: (اليوم تجزون عذاب الهون): قيل: عذاب الهون لا رأفة ~~فيه ولا رحمة، أي: الشديد (بما كنتم تقولون على الله غير الحق)، بأن معه ~~شريكا وآلهة، قوله تعالى: (وكنتم عن آياته تستكبرون)، أنه لم ينزل شيئا ولم ~~يوح إليه شيء، وإنما يوحي إلي وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وبالله ~~العصمة. # وقوله - عز ms1506 وجل: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ... (94) # يحتمل هذا - والله أعلم - وجوها: # الأول: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول ~~مرة بلا معين ولا ناصر. # والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين ~~بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان. # وقيل: يبعثكم وبعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في ~~الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية. # وجائز أن يكون قوله: (ولقد جئتمونا فرادى) ليس معكم ما تفتخرون به من ~~الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم بها في الدنيا؛ وليس معكم ما ~~تفتخرون به، كما خلقناكم أول مرة. # وجائز أن يكون قوله: (كما خلقناكم أول مرة) منفصلا عن قوله: (ولقد ~~جئتمونا)، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟ فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول ~~مرة. # وقوله - عز وجل -: (وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) يحتمل وجهين: # يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء # PageV04P176 # ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها. # والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم ~~لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه. # وقوله - عز وجل -: (خولناكم). # قيل: أعطيناكم. # وقيل: رزقناكم. # وقيل: مكناكم؛ وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء). # أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله) و: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، يقول الله: ~~وما نرى معكم شفعاءكم، الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم ~~شفعاؤكم عند الله بل شغلوا هم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم. # وقوله - عز وجل -: (لقد تقطع بينكم): قرئ بالرفع والنصب جميعا. # فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم. # PageV04P177 # ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل. # يخبر عز وجل عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه ~~الدنيا، أنهم كانوا ms1507 يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع ~~في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: (إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعو)؛ وكقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين)؛ وكقوله - تعالى -: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء)؛ وكقوله: ~~(سيكفرون بعبادتهم) الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء ~~للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في # PageV04P179 # هذه الدنيا عداوة، والرحم والقرابة اللتين كانتا بينهم منقطعا، حتى يفر ~~بعضهم من بعض؛ كقوله - تعالى -: (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه ~~(35)، الآيات. # وقوله - عز وجل -: (وضل عنكم ما كنتم تزعمون). # أي: ذهب عنكم وبطل ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم عند الله، وبالله العصمة ~~والنجاة. # * * * # قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت ~~من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) وهو ~~الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) ~~وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج ~~منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون ~~والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم ~~لآيات لقوم يؤمنون (99) # قوله - عز وجل -: (إن الله فالق الحب والنوى). # قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله - تعالى -: (فاطر السماوات والأرض)؛ ~~وكقوله تعالى: (قل الذي فطركم)، أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص ~~الحب والنوى بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ ~~كقوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، ~~فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها ~~أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار ms1508 عن لطفه. # والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها ~~نبتا أخضر لينا، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى ~~يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا ~~لقادر على إعادة الخلق # PageV04P180 # وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، ~~يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن ~~قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من ~~الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق ~~كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه ~~وقدرته أنه لا يعجزه شيء. # وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع ~~الآخر عن ذلك. # وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافا؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد. # وقوله - عز وجل -: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي). # إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيا، ثم يميت ~~ذلك ويخرج منه حبا ونوى. # وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر ~~الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن ~~يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا ~~فيما تقدم في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم الله فأنى تؤفكون) # أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله - تعالى - لا الأصنام التي تعبدونها ~~وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته أي أي حجة تصرفكم عما ذكر؟ أي: لا حجة لكم ~~في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام. # وقوله - عز وجل -: (فأنى تؤفكون). # قيل: فأنى تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته. # والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله: (قالوا أجئتنا لتأفكنا)، # PageV04P181 # أي: ms1509 لتصرفنا. وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟ والكذب ~~والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (فالق الإصباح ... (96) # هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: (فالق الحب والنوى): خبر عن ~~ابتداء خلقه. # ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل ~~واحد منهما حتى لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن ~~الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره ~~- لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم. # وقوله - عز وجل -: (وجعل الليل سكنا). # جعل الله الليل سكنا وراحة للخلق، والنهار معاشا لهم يعيشون فيه، وجعلهما ~~آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ~~ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ ومجرى واحد دل أن لهما مدبرا ~~خالقا عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل ~~اتساقهما وجريانهما مجرى واحدا أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر ~~جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام ~~والشهور والسنين، ويجريان مجرى # PageV04P182 # واحدا ومسلكا واحدا غير مختلف " دل ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم. # وفي قوله: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا) ودلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن ~~الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ~~ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم. # وقوله - عز وجل -: (والشمس والقمر حسبانا) # واختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، يقال: حساب ~~وحسبان؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب). وقيل: (حسبانا) أي: جريانا، ~~يجريان ويدوران أبدا لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما ~~لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان. وقيل: حسبانا، أي: ضياء؛ كقوله: (جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا)، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ذلك تقدير العزيز العليم). # أي: ms1510 ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز ~~العليم. # قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي به يعز كل ~~عزيز. # وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، ~~العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر ... (97) # والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله: (قل من ينجيكم من ظلمات البر ~~والبحر) # PageV04P183 # وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم. # ألا ترى أنه قال: (تدعونه تضرعا وخفية)، عند الشدائد والأهوال كانوا ~~يدعون ربهم تضرعا وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع ~~عنهم الشدائد وينجيهم من الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عتهم ذلك هو لا ~~الأصنام التي يعبدون من دون الله ويشركونها في عبادته. # ويذكر في قوله: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر) عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوما ليهتدوا بها للطرق ~~والمسالك في البحار والبراري عند أشتباهها عليهم. # وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون ~~بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب ~~الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر ~~عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم ~~يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام ~~التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ~~ويشركونها في ألوهيته سفها منهم وعنادا، وبالله العصمة والتوفيق. # وفي قوله: (فالق الحب والنوى)، وقوله: (فالق الإصباح) وقوله: (جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها)، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه ~~إليهم ليتأدى بذلك شكرهم وجعل السعي له. # وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا ~~يحتمل أن يعجزه شيء. # وفيه تذكير تدبيره ms1511 وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على ~~أمر # PageV04P184 # واحد. # وقوله - عز وجل -: (قد فصلنا الآيات): قيل: صرفنا الآيات، أي: صرفنا كل ~~آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها. # وقيك: (قد فصلنا الآيات) قد، يينا الآيات (لقوم يعلمون)، أي: لقوم ~~ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ~~ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات ~~لهم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد ~~فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) # فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من ~~نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق ~~بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من ~~شيء: إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء. # وقوله - عز وجل -: (فمستقر ومستودع). # قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى ~~أبدا في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبدا في شر، ومستودع في أجله، بنتقل من ~~وقت إلى وقت ومن حال إلى حال. # وقيل: مستقر في الدنيا. ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت ~~مستقر في أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، ~~وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه؛ أن يكون (فمستقر)، في حال ~~القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، (ومستودع) لما هو على شرف الانتقال إلى ~~أخرى. وجائز # PageV04P185 # أن يكون قوله (فمستقر ومستودع): مستقر، في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي ~~عملوا، ومستودع في الدنيا. # ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة. # ثم قوله - عز وجل -: (لقوم يعلمون)، (لقوم يفقهون) الفقه هو معرفة الشيء ~~بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ~~ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء بذاته لا بأغيارها ونظائرها، والفقيه: هو ~~الذي يعرف الأشياء ms1512 بأغيارها ونظائرها ودلائلها. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~... (99) # يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل ~~شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من الشمس والنجوم؛ ليهتدوا، بها في ~~الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش ~~والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج ~~الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون ~~للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم ~~إلى غيره، ولا يتخذوا إلها سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في ~~محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة ~~والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله. # وقوله - عز وجل -: (فأخرجنا به نبات كل شيء). # يحتمل قوله: (نبات كل شيء)، ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في ~~الأرض أصله من الماء به ينبت مما يكون غذاء البشر وغذاء الحيوان كلهم ~~والطيور؛ كقوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون)، يذكرهم عظيم ما ~~جعل # PageV04P186 # لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة ~~كل شيء، ثم من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم ينبت؛ دل أنه إنما ينبت ~~بتدبير غير لا بالماء. # وقوله - عز وجل -: (فأخرجنا منه خضرا). # قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى ~~لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا ~~يبس وتغير عن حال ابتدائه. # وقوله - عز وجل -: (نخرج منه حبا متراكبا) ويخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج ~~من الحب متراكبا بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على ~~تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا. # وفيه دلالة أنه قد ينشئ الأشياء من لا ms1513 شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ ~~بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج من الحبة والنواة نباتا أخضر، ولم يكن في الحب ~~نبات ثم أخرج، من ذلك النبات الأخضر حبوبا، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ~~ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب. # وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل ~~أن يكون عشرة آلاف نواة أو حبة في نواة واحدة أو في حبة واحدة، أو تكون ~~الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة. # وقوله - عز وجل -: (ومن النخل). # أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل ~~النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر ذلك في أصلها إلى أغصانها، ~~ثم يخرج منه ويظهر خضرا؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه. # وقوله - عز وجل -: (قنوان دانية). # قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو. # PageV04P187 # وقوله - عز وجل -: (دانية): قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير ~~متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل. # وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعا. # وعن ابن عباس: (قنوان دانية): قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض. # وقوله - عز وجل -: (وجنات من أعناب). # أي: أخرج بالماء جنات وكروما. # (والزيتون والرمان) قيل: أخرج بالماء -أيضا- الزيتون والرمان أو قال ~~بعضهم: (الزيتون والرمان)، (مشتبها وغير متشابه) أي: يشبه ورق الزيتون في ~~المنظر ورق الرمان. (وغير متشابه): ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على ~~الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضا: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر ~~والثمار والحبوب مختلف. ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف. ومنها ما ~~يشبه في الطعم، واللون مختلف. ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا لطيفا ~~لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا ~~الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر ~~حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه. ms1514 # وقوله - عز وجل -: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه): يحتمل الأمر بالنظر ~~وجوها: أي يحتمل: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها ~~من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع ~~الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج وأي مقدار خرج لم يقدروا عليه؛ ~~ليعلموا أنه قادر على # PageV04P188 # إحياء الخلق بمرة واحدة. # وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله ~~واحدا واحدا حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما ~~لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه دل أنه كان بمدبر عليم حكيم. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون). # قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل ~~فيها لم يفهم ما فيها من عجيب آياته وعظيم منته. # وفي قوله: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) وجهان آخران من الحكمة: # أحدهما: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد ~~وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ~~ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه ~~لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحدا، فيجيء أن يخرج كله ~~على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب. # والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، ~~وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل ~~لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان ~~والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في ~~خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل. # * * * # قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ms1515 ولد ~~ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) # قوله - عز وجل -: (وجعلوا لله شركاء الجن) أي: قالوا لله شركاء؛ وكذلك ~~قوله: (ويجعلون لله البنات) أي: يقولون لله البنات، أو وصفوا لله، دليله ما ~~ذكر في آخره: (سبحانه وتعالى عما يصفون) دل هذا أن قوله: (وجعلوا لله ~~شركاء) أي: وصفوه # PageV04P189 # بالشركاء والولد. # وقوله - عز وجل -: (شركاء الجن). # قال بعضهم: هذا كقوله: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا). # وقيل: إنهم لم يعبدوا الجن، ولا قصدوا قصد عبادة الشيطان؛ حيث قال: (ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين)؛ لأن جميع ~~أهل الكفر على اختلاف مذاهبهم يبغضون الشيطان، ويلعنون عليه، ولكن معناه: ~~أن الشيطان هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام والأوثان، فإذا عبدوا الأصنام ~~بدعائه فكأنهم عبدوه إذ بأمره وبدعائه يعبدونها. # أو أن يكون كما روي في الخبر " أن الشمس إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان "، ~~فإذا # PageV04P190 # عبدوها فكأنهم عبدوا الشيطان مثل هذا يحتمل، والله أعلم. # فإن قيل: فإذا صاروا كأنهم عبدوا الشيطان، ومن ذكر من الجن بدعائهم إلى ~~ذلك، وبأمرهم بذلك حتى نسب وأضاف العبادة إليهم، كيف لا صار المؤمنون كأنهم ~~عبدوا الرسل؛ لأنهم إنما عبدوا الله بدعاء الرسل وبأمرهم؟ # قيل: لأن الرسل إنما دعوهم إلى عبادة الله وأمروهم بذلك؛ لأن الله - ~~تعالى - أمرهم بذلك، وأما أولئك إنما دعوهم إلى عبادة من ذكر بذات أنفسهم. # وفي قوله: (وجعلوا لله شركاء الجن) إخبار لأوليائه وتذكير لهم حسن صنيعه ~~إلى أعدائه من الإنعام عليهم، والإحسان إليهم، وقبح صنيع أولئك إليه من ~~وصفهم إياه بالولد والشركاء؛ ليعاملوهم معاملة الأعداء أو معاملة أمثالهم ~~(وخلقهم) أي: يعلمون أنه هو خلقهم، ثم يشركون غيره في ألوهيته وعبادته، لا ~~يوجهون شكر نعمه إليه. # والثاني: قوله: (وخلقهم)، أي: خلق هذه الأصنام التي يعبدونها، ويعلمون ~~أنها مخلوقة ms1516 مسخرة مذللة، فمع ما يعلمون هذا يشركون في ألوهيته وعبادته، ~~فكيف يكون المخلوق المسخر شريكا له؟! # وقوله - عز وجل -: (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم). # هم كانوا فرقا وأصنافا؛ منهم من يقول بأن عيسى ابنه وهم النصارى، ومنهم ~~من يقول بأن عزيرا ابنه وهم اليهود، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، ~~فقال: # PageV04P191 # (ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22)، وقال: (أم له ~~البنات ولكم البنون)، وقال: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم). # قال: أنفتم أنتم من البنات؛ كيف نسبتم البنات إليه؟! # في هذه الآية تصبير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم بقوله، ~~مع كثرة ما كان لهم من الله من النعم والمنن يشركون في عبادته غيره؛ فأنت ~~إذا لم يكن منك إليهم شيء من ذلك فأولى أن تصبر على أذاهم. # وقوله - عز وجل -: (ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين). # أي: يعلمون هم أن ليس له ولد ولا شريك؛ ولكن كانوا يكابرون، ويحتمل (بغير ~~علم): على جهل يقولون ذلك. # وقوله - عز وجل -: (سبحانه وتعالى عما يصفون). # هو حرف تعظيم وتنزيه جعل فيما بين الخلق: به يعظمون، وبه ينزهون، وبه ~~ينفون كل عيب فيهم؛ فعلى ذلك ذكر عند وصف الكفرة بالولد والشريك والعيوب؛ ~~تنزيها وتبرئة عن كل عيب وصفة، وتعاليا عن جميع ما قالوا فيه، وهو - والله ~~أعلم - كما يقولون: معاذ الله؛ تعظيما وتبريئا من ذلك. # وفي قوله: (سبحانه وتعالى عما يصفون) ونقض قول المعتزلة؛ لقولهم: إن صفات ~~الله ليست إلا وصف الواصفين، فلو لم يكن إلا وصف الواصف، لا غير لكان لا ~~معنى لذم بعض الواصفين وحمد بعضهم؛ فثبت أن في ذلك صفة سوى وصف الواصفين. # وقوله - عز وجل -: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ... (101) # PageV04P194 # قوله: (بديع السماوات والأرض) أي: أنشأهما بلا احتذاء ولا امتثال بغير، ~~وقوله هذا يرد على القرامطة قولهم؛ لأنهم يقولون: خالق، ولا يقولون مبدع، ~~ويقولون: المبدع الثاني هو أول مخلوق خلق منه جميع العالم، ms1517 فلو كان أول خلق ~~خلق مبدعا فهو مبدع، والإبداع: هو إحداث شيء لم يسبق له أصل ولا مثال؛ ~~ولهذا يقال لمن أحدث في دينه شيئا: مبتدع؛ لأنه أحدث فيه شيئا لم يسبق له ~~أصل ولا مثال. # وقوله - عز وجل -: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد). # أي: من قدر على إبداع السماوات والأرض، لا عن أصل سبق ولا عن مثال تقدم؛ ~~فأنى يقع له الحاجة إلى الولد؟! والولد في الشاهد إنما يتخذ؛ لإحدى خصال ~~ثلاث: إما للانتصار على الأعداء والانتقام منهم، وإما لوحشة تأخذهم، وإما ~~لحاجة تمسهم؛ فالله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله فأنى يتخذ ولدا؟! # والثاني: (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)، أي: تعرفون أن الولد لا ~~يكون في الشاهد إلا عن صاحبة وليست له صاحبة، فأنى يكون له ولد؛ كأن الخطاب ~~كان في قوم ينفون عنه الصاحبة، وإنما الحاجة إلى الصاحبة؛ للشهوات التي ~~مكنت فيهم؛ فالشهوة هي التي تقهر المرء وتحمله على الحاجة. # وقوله - عز وجل -: (وخلق كل شيء). # فيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم: لم يخلق ~~جزءا من ألف جزء من الأشياء؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ~~ولا حركاتهم، ولا سكناتهم، ولا قيامهم، ولا قعودهم، ولا شيئا من ذلك، ثم لا ~~يجوز أن تصرف الآية إلى الخصوص، وهو يخرج مخرج الامتداح، ولو جاز أن يصرف ~~هذا على شيء دون شيء لجاز لغيرهم أن يصرفوا قوله: (وهو بكل شيء عليم) إلى ~~شيء دون شيء وكذلك قوله: (خالق كل شيء) وعلى قول المعتزلة هو خالق بعض ~~الأشياء ليس هو بخالق الأشياء كلها؛ على ما أخبر فلئن جاز صرفه إلى بعض ~~الأشياء دون بعض؛ لجاز - أيضا - صرف قوله (وهو على كل شيء وكيل). # PageV04P195 # وقيل: إلى بعض دون بعض، حفظ بعض الأشياء ولم يحفظ الكل، فإن لم يجز هذا؛ ~~لأنه خرج مخرج الامتداح؛ فعلى ذلك لا يجوز صرف الأول إلى بعض دون بعض؛ لأنه ~~امتداح، ولئن جاز أن يقال ms1518 بأن العبد هو خالق ذلك، جاز أن يقال: هو خالق ~~الكل، والقادر عليه؛ فهذا سمج بين، نسأل الله العصمة عن السرف في القول، ~~والزيغ عن الحق؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم الله ربكم) # أي: ابتدع خلق السماوات والأرض، وما ذكر من أنواع المنن والنعم التي ~~أنعمها عليهم؛ من نحو: ما جعل لهم من النجوم؛ ليهتدوا بها في الظلمات، وما ~~ذكر أنه أنشأهم من نفس واحدة، وما ذكر من إنزال الماء من السماء، وإخراج ما ~~أخرج به من النبات والثمار والحبوب والأعناب، وغير ذلك من عجيب حكمته، ذلك ~~كله بالله الذي (لا إله إلا هو)، منشئ ذلك كله. # (فاعبدوه). # أي: إليه وجهوا شكر نعمه، ولا توجهوا إلى غيره، قال الكيساني: بديع ~~السماوات والأرض، وبادع السماوات والأرض واحد؛ كما يقال: عليم وعالم، و ~~(بدع) و (ابتدع): بمعنى واحد. وقال بعضهم: هو مثل قوله: (فاطر السماوات ~~والأرض). # وقوله - عز وجل -: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ... (103) # قيل: كنى بالأبصار عن الخلق؛ كأنه مال: لا يدركه الخلق، وهو يدرك الخلق، ~~وإنما كنى بالأبصار عن الخلق؛ لما بالأبصار تدرك الأشياء ويحاط بها؛ لذلك ~~كان معنى الكناية، والله أعلم. # وقيل: هو على حقيقة الأبصار، وكذلك بصر القلب؛ لما به نفع المعارف، فإن ~~كان بصر الوجه، ففيه دليل إثبات الرؤية؛ # PageV04P196 # لأنه نفى عنه الإدراك، فلو لم يكن يحتمل الرؤية لم يكن لنفي الإدراك ~~معنى؛ لأنه لا يدرك ما لا يرى؛ فدل نفي الإدراك على أن هنالك رؤية، لكنه لا ~~يدرك ولا يحاط بها؛ على ما ذكر: (ولا يحيطون به علما)؛ إذ من الأشياء ~~الظاهرة مما يقع عليها البصر يكون لها سر، وفيها خفاء؛ من نحو: البصر، ~~والسمع واللسان، والأنف، واليد، وغير ذلك من الأشياء: مما لا يدرك حقيقة ~~ماهيتها وكيفيتها ولا تقديرها: يبصر بالبصر أشياء لا يعرف حقيقة كيفية ~~البصر ولا ماهيته، وكذلك السمع: لا يدري أنه كيف هو؟ ولا بم يسمع؟ وكذلك ~~هذا في كل جارحة وحاسة: تجد اليوم خشونة ms1519 الشيء الذي تمسه ولينه، لا تعرف: ~~بم تجد ذلك وتعرفه؟ وكذلك الكلام من اللسان، والشم من الأنف لا يدري ما هو؟ ~~وكيف؟ وبم يجد تلك الرائحة والنتن؟ # فإذا كانت معارف الخلق في الأشياء الظاهرة التي يقع عليها البصر لا يدرك ~~حقيقة ماهيتها، ولا يعرف كيفيتها، ولا يحاط بها علما؛ فالله - سبحانه - ~~الذي بحكمته وضع ذلك، وبلطفه ركب - أبعد عن الإدراك، وأحرى ألا يحاط به، ~~ولا يدرك. # وهذا يرد على المجسمة مذهبهم؛ لأنهم يصورون ربهم في قلوبهم، ويمثلونه، ~~فعلى ذلك يعبدونه، فهم مشبهة. # وأصله أن الله - تبارك وتعالى - يعرف بالآيات والدلائل، لا بالمحسوسات # PageV04P199 # والمشاهدات، وكل شيء سبيل معرفته الآيات والدلائل: فهو غير محاط به ولا ~~يدرك؛ فهو على ما وصف نفسه: (ولا يحيطون به علما)، (لا تدركه الأبصار)؛ لأن ~~الإدراك والإحاطة إنما يقعان بالمحسوسات، لا بما يعرف بالآيات والدلائل، ~~وعلى ذلك جاءت دلائل الرسل به نحو ما قال موسى - حين سأله فرعون -: (فمن ~~ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50)، وقال ~~إبراهيم: (ربي الذي يحيي ويميت)، وقال: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق) ~~دلالة على ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من غيره. # وعلى ذلك دل الله الخلق على معرفة وحدانيته وربوبيته، بقوله: (وهو الذي ~~جعل لكم النجوم لتهتدوا بها)، وقال: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل)، وقال: (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء) ~~إلى آخر ما ذكر، دلهم على ما به يعرفون ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات ~~والدلائل، لا من جهة ما تقع به، الإحاطة والإدراك، وبالله الهداية والرشاد. # وقوله - عز وجل -: (وهو اللطيف الخبير). # قيل: اللطيف: في أفعاله، الخبير بخلقه وبأعمالهم. # وقيل: اللطيف: البار الرحيم. # وقيل: اللطيف: هو العليم بخفيات الأشياء. # والخبير بظواهر الأشياء. ثم هو اللطيف: العظيم، والعظيم في الشاهد: غير ~~اللطيف، واللطيف: غير العظيم؛ لأن؛ العظيم في الشاهد هو الذي به كثافة، ~~واللطيف: ما يلطف في نفسه ويرق، وكل واحد منهما. مما يناقض ms1520 الآخر؛ ليعلم ~~أنه لطيف عظيم، لا من الوجوه التي تعرف في الخلق؛ وكذلك، قوله -: (هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن) هو أول وآخر وظاهر وباطن، وفي الخلق: من كان أولا ~~لم يكن آخرا، ومن # PageV04P200 # كان ظاهرا لم يكن باطنا؛ ليعلم أنه أول وآخر وظاهر وباطن، لا من الوجه ~~الذي يعرف ويقهم من الخلق؛ ولكن مما وصف نفسه. # * * * # قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما ~~أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم ~~يعلمون (105) اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين ~~(106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ~~(107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # قوله - عز وجل -: (قد جاءكم بصائر من ربكم). # قيل: بينات من ربكم. # وقيل البصائر الهدى، بصائر في قلوبهم، وليست ببصائر الرءوس وهو قول عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم. # وقيل: بصائر، أي: بيان، وهو واحد. # وقيل: بصائر شواهد، أي قد جاءكم من الله شواهد تدلكم على ألوهيته، وهو ~~كقوله # PageV04P201 # تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)، أي: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: ~~شاهدة؛ فشهدت كل جارحة منهم على وحدانية الله وألوهيته. # ألا ترى أنه قال: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون)؛ هذا - والله أعلم - لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان ~~والأصنام، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله)؛ فيقول: (قد جاءكم بصائر من ربكم) من الآيات والرسل ما ~~لو اتبعتموهم، لكانوا لكم شفعاء عند الله. # والثاني: (قد جاءكم بصائر): ما لو تفكروا وتدبروا ونظروا فيها، لعرفوا ~~أنها بصائر من الله؛ لأن البشر أنشئوا بحيث ينظرون في العجيب من الأشياء؛ ~~فكانوا على أمرين: منهم من نظر وتفكر وعرف أنها بصائر، لكنه عاند وكابر ولم ~~يعمل بها، ومنهم من ترك النظر ms1521 فيها؛ فعمي عنها، ما لو تفكروا ونظروا لتبين ~~لهم. # وقوله - عز وجل -: (فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها). # أي: أبصر الحق والهدى وعمل به، فلنفسه عمل، ومن أبصر وعمي عنها - أي: ترك ~~العمل - فعليها ترك؛ كقوله: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). # فإن قيل: ذكر في آية أخرى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) ~~أخبر أن من هلك هلك عن بينة، ومن حي حي عن بينة، وهاهنا يقول: (فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها): ذكر عمي عليها؛ فكيف وجه التوفيق بينهما؟! # قيل: يحتمل قوله: (عمي) بعد ما تبين له، فترك العمل به؛ فعليها ذلك؛ لأنه ~~أبصرها، وعرف أنها من الله، لكنه عاندها وكابرها. # وقوله - عز وجل -: (وما أنا عليكم بحفيظ). # أي: قد جاءكم بصائر من ربكم، فليس علينا إلا التبليغ؛ كقوله: (ما على ~~الرسول إلا البلاغ). # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نصرف الآيات ... (105) # أي: نردها في الوجوه التي تتبين لقوم يطلبون البيان. # أو نقول (نصرف الآيات)، أي: نضع كل آية ونصرفها إلى الوجوه التي تكون ~~بالخلق # PageV04P202 # إليها حاجة. # وقوله - عز وجل -: (وليقولوا درست). # فيه لغات: درست، ودارست. ودرست: قرأت، ودارست: تعلمت. # وقيل: دارست أهل الكتاب: جادلتهم، ودرست بالجزم، قيل: تعاونت، فهذا # PageV04P203 # الاختلاف فيه؛ لاختلاف قول كان من الكفرة لرسول الله؛ منهم من يقول: ~~(إنما يعلمه بشر)، فهو تأويل دارست، ومنهم من يقول: (إن هذا إلا أساطير ~~الأولين)، فهو تأويل قوله: درست، ومنهم من يقول: (ما هذا إلا إفك مفترى)، ~~وهو تأويل درست؛ فعلى اختلاف أقاويلهم خرجت القراءة. # ثم اختلف في تأويل قوله - تعالى -: (وليقولوا درست) قال بعضهم: لئلا ~~يقولوا درست، فهو صلة قوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم) لئلا يقولوا: درست. # وقال الحسن قوله: (وليقولوا درست)، أي: (قد جاءكم بصائر من ربكم)؛ ~~ليقولوا درست؛ لأن من قوله: إنه بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون من الكافر ~~قول كفر، ومن المؤمن قول إيمان. # وقوله - عز وجل -: (وليقولوا درست). # يخرج - والله أعلم - على معنى التعجب: يعجب أصحاب النبي - صلى ms1522 الله عليه ~~وسلم - عن قبح صنيع الكفرة وسوء معاملتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد جاءهم بصائر من ربهم وبينات وحجج، ثم هم بعد هذا كله يستقبلونه بالرد ~~والتكذيب. # وهو على ما قلنا: إن الله ذكر نعمه عليهم بما أنشأ لهم: من الأنعام، ~~والجنات المعووشات، والزرع، والنخيل، وما أخبر عنه، وقد علموا ذلك كله، ثم ~~جعلوا له بعد معرفتهم هذا (شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم)، ولا بينة؛ فهو على التعجب أنهم كيف جعلوا له شركاء، وقد علموا أن ~~الذي جعل هذا كله لهم هو الله؟! فعلى ذلك هذه الآية أنهم كيف قذفوه ~~بالدراسة، وقد تبين لهم صدقه، وأنه من عند الله بالآيات والدلائل، وبما كان ~~لا يخط كتايا، ولا شهدوه يختلف إلى من عنده علم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولنبينه لقوم يعلمون). # PageV04P204 # أي: لنبينه يعني القرآن، وقيل البصائر التي ذكر لقوم ينتفعون بعلمهم. # وقوله - عز وجل -: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن ~~المشركين (106) # فإن قيل: ما معنى قوله: (من ربك)، وإنما أوحي إليه من ربه، ويكفي قوله: ~~(اتبع ما أوحي إليك من ربك)؟! # ولكن معناه على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال للذي أوحى إليه على ~~يديه: قل (اتبع ما أوحي إليك من ربك)، ثم أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه من ~~ربه، أي: اعمل بما أوحي إليك. # ثم الأمر بالعمل يحتمل وجهين: # يحتمل: الأمر بالاعتقاد بذلك. # ويحتمل: نفس العمل، أي: اعمل. # ويشبه أن يكون الأمر بالاتباع ما أوحي إليه صدقا في الخبر وعدلا في ~~الحكم؛ كقوله: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا). # قيل: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام؛ فعلى ذلك أمكن أن يكون الأمر ~~بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، ثم على ما ~~أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه وأنزل من ربه أمر أمته كذلك، وهو قوله: ~~(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء)، أمرهم باتباع ~~ما أنزل إليهم من ms1523 ربهم، ونهاهم عن اتباع من اتخذوا من دونه أولياء؛ فعلى ما ~~نهاهم عن اتخاذ أولياء دونه قال في الآية التي أمر رسوله باتباع ما أوحي ~~إليه من ربه؛ فقال: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو). # وقوله - عز وجل -: (لا إله إلا هو) وقوله: (ولا تتبعوا من دونه أولياء) ~~واحد؛ لأنه أمر باتباع ما أوحي إليه من ربه، ونهي أن يتبع دونه أولياء؛ ~~لأنه أخبر أن لا إله إلا هو. # وقوله - عز وجل -: (وأعرض عن المشركين). # يحتمل: أمره بالإعراض عن المشركين وجوها: # PageV04P205 # يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم؛ ولكن اصبر، ويحتمل الأمر بالإعراض عنهم: ~~النهي عن قتالهم؛ كأنه نهى عن قتالهم في وقت. # ويحتمل أن تكون الآية في قوم خاصة، قال: أعرض عنهم؛ فإنهم لا يؤمنون، ولا ~~تقم عليهم الآيات والحجج؛ لما علم منهم أنهم لا يؤمنون، ثم على ما أمر نبيه ~~بالإعراض عنهم أمر المؤمنين -أيضا- بالإعراض عنهم، وهو قوله: (وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه). # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء الله ما أشركوا ... (107) # قالت المعتزلة: المشيئة هاهنا مشيئة قهر وجبر، أي: لو شاء الله لأعجزهم ~~ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان. # وأما عندنا: المشيئة: مشيئة اختيار، والطوع على قيام الابتلاء والامتحان، ~~وبعد: فإن مشيئة الجبر هي خلقه، وقد كانوا جميعا غير مشركين بالخلقة؛ فلا ~~معنى لتأويلهم الذي تأولوا في المشيئة. # ثم لا يحتمل أن يكون قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا) مشيئة قهر وجبر؛ ~~لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر؛ إنما يكون ذلك في حال ~~الاختيار والطوع؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة؛ بل يتحول ~~الفعل عنه ويسقط، ويثبت للذي جبر وقهر؛ وذلك بعيد؛ فدل أنه ما ذكرنا، ~~وبالله الرشاد. # وفي قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا) دلالة أن طريق الإسلام الإفضال ~~والإنعام، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي ~~عنده، ويحرم بعضا ذلك، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك؛ إفضالا منه، ولا يجعل ~~البعض؛ ms1524 عدلا منه. # وقوله - عز وجل -: (وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل). # أي: لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم؛ إنما عليك ~~التبليغ، وهو كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) ~~وكقوله - تعالى -: (فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، ونحوه. # PageV04P206 # وقيل: الحفيظ والوكيل واحد، وقيل: الوكيل هو الكفيل، وقد ذكرناه في غير ~~موضع فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم ... (108) # نهانا الله - عز وجل - عن سب من يستحق السب؛ مخافة سب من لا يستحق السب. # فإن قيل: كيف نهانا عن سب من يستحق السب؛ مخافة سب من لا يستحق، وقد ~~أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا، وقتل المؤمن بغير حق من المناكير، ~~وكذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ الرسالة والتلاوة ~~عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب؟! # قيل: إن السب لأولئك مباح غير مفروض، والقتال معهم فرض، وكذلك التبليغ ~~فرض يبلغ إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغهم، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن ~~كان في ذلك إهلاك أنفسنا وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج الإباحة فإنه ينهى ~~عما يتولد منه ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم لا ينهى عن المتولد ~~منه والحادث. # ويجوز أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - في قوله: ~~إن من قطع يد آخر بقصاص فمات في ذلك أخذ بالدية، وإذا قطع اليد بحد لزمه # PageV04P207 # فمات، لم يؤخذ بها؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه، وفي ~~الحد، تلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل أبيح له الفعل، ينهى عما ~~يتولد منه، ويؤخذ به، واذأ كان قيامه بفعل فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه؛ ~~وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان إذا تولد من ذلك الموت؛ لأنه أمر ~~بإقامة السنة، وكذلك الأمر # PageV04P208 # بالحجامة؛ لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك؛ إذا لم ~~يحتجم ms1525 وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله: فهو - أمر إباحة، لا أمر إلزام؛ ~~لذلك ضمن ما تولد منه؛ فعلي ذلك السب الذي يسب آلهتهم إذا حملهم ذلك على سب ~~الله - عز وجل - وسب رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك؛ لأنه قد ينهى ~~الرجل أن يعود نفسه السب؛ فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سب آلهتهم؛ مخافة ~~الاعتياد لذلك نهوا عن سب آلهتهم. # PageV04P209 # ثم ذكر في القصة أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسبون ~~آلهتهم فيسبون الله؛ عدوا بغير علم، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ذكر آلهتهم بسوء؛ فقالوا: لتنتهين عن ذلك أو لنهجون ربك. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - وذلك حين قال لهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) الآية، فقالوا عند ~~ذلك ما قالوا؛ فنزل: (ولا تسبوا الذين يدعون)، ولكن لا ندري كيف كانت ~~القصة، ولكن فيه ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (عدوا بغير علم). # قال الكيساني وأبو عوسجة: (عدوا)؛ من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد. # وقال أبو عمرو: (عدو): بالرفع، وقال: إنما العدو من عدو الرجلين؛ وكذلك ~~قال في يونس: (عدو). # PageV04P210 # وقيل: فلما نزل قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا) الآية، ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: " لا تسبوا ربكم فأمسكوا عن ~~سب آلهتهم ". # وقوله - عز وجل -: (كذلك زينا لكل أمة عملهم). # قال أبو بكر الكيساني: إن صلة قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم) أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان؛ رجاء ~~أن تقرب عبادتهم إياها إلى الله؛ لا أنهم كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة ~~دون الله؛ فإذا سبوا معبودهم فكأنهم سبوا الله عدوا بغير علم؛ إذ العبادة ~~في الحقيقة لله، فيرجع سبهم إياها إلى الله؛ لذلك كان معنى السحت فقال؛ ~~فعلى ذلك رجع قوله: (كذلك زينا لكل أمة عملهم)؛ حتى امتنعوا عن سب الله، ~~فذلك الذي زين عليهم. # وقال الحسن: قوله: (زينا لكل ms1526 أمة عملهم)، أي: زينا عليهم أعمالهم فيما ~~أمروا به، وفرض ويجب عليهم أن يفعلوا، لا فيما لا يفرض ولا يحل لهم أن ~~يفعلوا. # وكذلك يقول جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إنه زين عليهم # PageV04P211 # عملهم الذي فرض عليهم أن يعملوا وياتوا به، وأما ما لا ينبغي أن يقولوا ~~فلا؛ كقوله: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان) الآية ذكر في الإيمان: التزيين، وفي الكفر: التكريه، ويقولون: ~~إنه أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: (زين لهم الشيطان أعمالهم)، وقوله: ~~(الشيطان سول لهم وأملى لهم)، والشيطان يزين لهم المعاصي والفسوق؛ فلا ~~يحتمل أن يكون الله يزين لهم ما يزين الشيطان؛ فدل أنه إنما يزين لهم ما ~~يؤمرون به ويفرض عليهم، ولكن يضاف إليه التزيين ما أضيف إليه حرف الإضلال ~~والإغواء. # وأما عندنا: فالتزيين على وجهين: # تزيين في العقول، وهو تحسين من طريق الآيات والبراهين، فذلك لا يحتمل فعل ~~الكفر والضلال أن يكون مزينا من جهة الآيات والحجج. # والثاني: تزيين في الطباع: بالشهوات، والأماني، وفعل كل أحد مزين بالشهوة ~~والحاجة التي مكنت فيه، ولا شك أن كل كافر لو سئل عن فعله الكفر والضلال؛ ~~فيقول: هذا الذي زين لي، وليس إضافة فعل التزيين إلى الله بأكبر وأبعد من ~~إضافة الإضلال والإغواء، وقد ذكرنا معنى إضافة الإضلال والإغواء إليه في ~~غير موضع؛ فعلى ذلك التزيين. # ويقولون -أيضا-: إن التزيين: تزيين وعد وثواب؛ فالكافر متى يؤمن بالوعد ~~في الآخرة والثواب فيها، وهو ليس يؤمن بالآخرة، فهذا بعيد. # PageV04P212 # ولا يحتمل ما قال الكيساني -أيضا- لأنه لا كل الكفرة كانوا يعبدون ~~الأصنام؛ ليقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ بل أكثرهم لا يعرفون أن لهم خالقا ~~وربا. # وتحتمل إضافة التزيين إلى الشيطان على جهة التمني والتشهي؛ كقوله: ~~(ولأمنينهم) وإضافته إلى الله على القدرة عليه والسلطان، أو أن يخلق ~~أعمالهم مزينة عندهم مسولة. وإضافة فعل الضلال والغواية إلى الشيطان على ~~الدعاء إليه والترغيب فيه، وإضافته إلى الله على أن يخلق فعل الضلال منهم. # وقوله - عز وجل -: (ثم ms1527 إلى ربهم مرجعهم). # قد ذكرناه. # (فينبئهم بما كانوا يعملون). # في جزيل الثواب، أو في أليم العذاب؛ فهو على الوعيد. # * * * # قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل ~~إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ~~ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ~~ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) # قوله - عز وجل -: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم). # قالوا: جهد أيمانهم: أيمانهم بالله، فهذا يخرج على وجوه: # PageV04P213 # أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، وإن كان المسلم ~~لا يقصد قصد الاستخفاف بالله تعالى، وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث ~~استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين. # ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا ~~عند العظيم من الأمور، والجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي ~~اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيما لله وتبجيلا. # والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ~~ويشددونه؛ كقوله: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها). # وقوله - عز وجل -: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها). # قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، كانوا ~~يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من ~~نحو ما قالوا: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا)، وكقولهم: (ولن ~~نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا # PageV04P214 # كتابا نقرؤه)، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: (قل) يا محمد: (إنما الآيات عند ~~الله) هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ~~(قل لا أقول لكم عندي خزائن الله)، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه ms1528 لا ~~يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: (وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون) واختلف فيه: # قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: (وما يشعركم) أهل القسم الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: (وما يشعركم)، ~~أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: (أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون)، وهكذا كان يقرؤه الحسن بالخفض: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) على ~~الاستئناف # PageV04P215 # والابتداء. # وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ وذلك أنهم لما قالوا: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)؛ ظنوا أنهم لما ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون ~~على ما يقولون؛ فقال لهم: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)، على طرح ~~لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون ويحتمل فيه وجها آخر غلى الإضمار، ~~وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ~~(وما يشعركم) ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وهذا كأنه ~~أقرب. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتهم آية - لا ~~يؤمنون؛ فقال عند ذلك: (وما يشعركم) خاطب به هؤلاء (أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون). # والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد. # وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: (فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم)، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) # أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة. وقال أهل التأويل: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)، أي: نحول ~~بينهم وبين # PageV04P216 # الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان ~~أول مرة. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن، يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته ~~وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة. # ثم ms1529 تخصيص الأقئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا ~~يقع إلا على ما يشهد به على وحدانية الله وألوهيته. # وقوله - عز وجل -: (كما لم يؤمنوا به أول مرة). # قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتههم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن ~~أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون ~~بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال. # وقال، غيرهم: قوله: (كما لم يؤمنوا به أول مرة) أي: قد جاءتهم آيات قبل ~~هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون ~~بها. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم ~~نذير يؤمنون به، وهو قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم) يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو ~~جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، (فلما جاءهم نذير ما زادهم ~~إلا نفورا) يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء ~~إذا جاءهم نذير، فكذلك -أيضا- لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم ~~آيات. # يخبر نبيه وإنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال ~~عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب. # وقوله - عز وجل -: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون). # إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في ظلمات ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، ~~والعمه: الحيرة في اللغة. # (قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ... (111) # قيل: هذه الآية صملة قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) إلى قوله: - (وما ~~يشعركم أنها # PageV04P217 # إذا جاءت لا يؤمنون)، ثم قال: (ولو أننا نزلنا) الآية: أخبر أنهم وإن نزل ~~إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - ~~أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال ~~استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا بها، ثم إذا علم منهم ~~أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات إنما يسألون سؤال تعنت وعناد جعل ~~فيهم خصالا على الخذلان من نحو قساوة القلب، حتى أخبر أن ms1530 قلوبهم أقسى من ~~الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال ما يدل على ما ذكرنا، ~~وهو كقوله: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون)، يخبر عن ~~تعنتهم ومكابرتهم. # وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: (ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا. .) الآية، لو كانت آيه تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل ~~على أن معنى قوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين)، أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت ~~الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين ~~منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: (ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)، قد كذبوا عند معاينتهم ~~القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ~~ويدل أن تأويل قوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين)، أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع ~~بالدلائل التي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن يشاء الله). # قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى ~~يؤمنوا، وهو كقوله - تعالى - (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم)، (ولو نشاء # PageV04P218 # لمسخناهم)، ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه ~~لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل -أيضا-: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو ~~شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة ~~القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على ~~قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيمانا. # وقوله - عز وجل -: (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا): اختلف في تلاوته وتأويله: ~~أعن الحسن، قال (قبلا): عيانا، وعن قتادة كذلك (قبلا): عيانا: حتى يعاينوا ~~ذلك معاينة. # (ما كانوا ms1531 ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله ~~أن يؤمنوا فيؤمنوا. # وعن مجاهد: (قبلا)، أي: أفواجا قبيلا، وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ~~(وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، يقول: جيلا فجيلا. # وفي حرف أبي: (قبيلا)، أي: قبيلة. # وقال القتبي: (قبلا)، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافا. # PageV04P219 # ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: (أو تأتي بالله والملائكة قبيلا)، أي: ~~ضمينا كفيلا. # قال الكيساني: من قرأها (قبلا) فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و ~~(الجبل)، وقد يكون (القبيل) -أيضا- من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن ~~دبر. # ومن قرأها (قبلا): أراد معاينة. # وقال أبو عوسجة: (كل شيء قبلا)، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: ~~من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة ~~إليهم، وتكليم الموتى إياهم، (وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)، فأخبروهم بالذي ~~يقول محمد إنه حق (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) لهم الإيمان ~~فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها ~~إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فحينئذ يؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثرهم يجهلون). # أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ... (112) # قيل: كما جعلنا لكل نبي من قبل عدوا كذلك نجعل لك عدوا، ويحتمل # PageV04P220 # أن يكون صلة قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) ثم ~~قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا)، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، ~~وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم ~~الله في الكل. # وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: (جعلنا)، أي: ~~خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا ~~كان مسلطا على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول ~~المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوا؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي. # وقلنا نحن: ms1532 إن قوله: (جعلنا لكل نبي عدوا)، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل ~~عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا). # وقوله: (وجعلنا الليل والنهار آيتين). (1) # وقوله: (الذي جعل لكم الأرض مهدا). # كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا)، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، ~~وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى ~~الله، وذلك بعيد. # والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل ~~العداوة على فعل الولاية. # وقوله - عز وجل -: (شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا). # اختلف فيه: # قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ ~~فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكون من الجن وحيا إلى ~~الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودعاء. # وقال بعضهم: يكون من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، تدعو شياطين ~~PageV04P221 # الجن - الجن إلى معصية الله وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ~~ويدعو شياطين الإنس الإنس إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، ~~وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله، فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم ~~الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ~~ألا ترى أنه قال: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها). # وقوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا). # وقوله: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار). # وغيره من الآيات؛ أن كل من دعا غيره إلى معصية الله والكفر به، فهو ~~شيطان. # والشيطان هو البعيد من رحمة الله؛ شطن أي: بعد. # وقيل: إن إبليس وكل شياطين الإنس، يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكل ~~شياطين بالجن يضلونهم. ms1533 وهو تأويل الأول. # وقوله - عز وجل -: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) أي: يزين بعضهم ~~لبعض القول غرورا، يغرون به. # قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه. # وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: زخرف الشيء، أي: حسنه. # PageV04P222 # قال أبو عوسجة: الوحي أن يحيى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء ربك ما فعلوه) قال بعضهم: لو شاء، ربك خلقهم ~~خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق ~~الملائكة لم يركب فيهم الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه. # وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية ~~الله والكفر به فآمنوا واهتدوا. # وعندنا أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون ~~الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم. وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير ~~موضع. # وقوله - عز وجل -: (فذرهم وما يفترون) هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ~~(ذرهم يأكلوا ويتمتعوا)، وكقوله: (اعملوا ما شئتم) أي: # PageV04P223 # ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب. # وقوله - عز وجل -: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ... (113) ~~قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ~~ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض (وليرضوه) لما كان الذي أوحى ~~وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق ~~هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها)، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم ~~هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها. # ويحتمل قوله: (ولتصغى إليه) أي: إلى الكتاب (أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة)؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت ~~همة أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه. # ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد ~~أشرك - تعالى - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من ms1534 الكبراء الدعاء ~~إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة؛، وكان منهم التزيين والزخزفة، ومن ~~الأتباع القبول والرضا به، فقد اشتركوا جميعا في ذلك الكذب، والقول: ~~الغرور. # وقوله: (وليقترفوا ما هم مقترفون) اختلف فيه: # قال قائلون: قوله: (وليقترفوا) يعني: هؤلاء الأتباع (ما هم مقترفون) أي: ~~ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان. أولئك يكتسبون من العذب. # وقيل: (وليقترفوا) أولئك المتبوعون من الكذب (ما هم) يعني: هؤلاء الأتباع ~~(مقترفون) من القول الغرور والزخرف. # ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتساب؛ اكتساب كل شيء. # PageV04P224 # وقال قائلون: الاقتراف هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم. # قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ~~(114) وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) ~~وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # وقوله - عز وجل -: (أفغير الله أبتغي حكما): # كان أولئك الكفرة دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حكم يحكم ~~بينهم في منازعة وقعت بينهم؛ إما في الرسالة وإما في الكتاب، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: (أفغير الله أبتغي حكما) ثم بين فقال: (وهو ~~الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) كيف أبتغي حكما غير الله وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا، ما تعلمون أنه من عند الله نزل عجز الخلائق عن إتيان ~~مثله. # ثم اختلف في قوله: (مفصلا) قيل مفصلا، بالحجج والبراهين ما يعرف كل عاقل ~~لم يكابر عقله أنه من عند الله نزل. # وقيل: مفصلا بالأمر، والنهي، والتحليل، والتحريم، فيقول كيف أبتغي حكما ~~غير ما أنزل الله، وقد أنزل كتابا مفصلا مبينا، فيه ما يحل وما يحرم، وما ~~يؤتى وما يتقى، فلا حاجة تقع إلى غير الله. # وقيل: مفصلا بالوعد والوعيد وما يكون له عاقبة؛ لأن العمل الذي يكون ~~للعاقبة يكون فيه وعد ووعيد. ms1535 # وقيل: مفصلا مفرقا؛ أي: أنزله بالتفاريق لم ينزله مجموعا جملة، ما يقع ~~بمسامع # PageV04P225 # كل أحد علم ذلك وبيانه، فأنى تقع بي الحاجة إلى حكم غيره. # وقوله - عز وجل -: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) ~~اختلف فيه: # قيل: الذين آتيناهم الكتاب أي: أهل التوراة، والإنجيل يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق. # وقيل: (والذين آتيناهم الكتاب)؛ يعني: من أعطى هذا الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق؛ لما عجزوا عن إتيان مثله وتأليفه. # وقوله - عز وجل -: (فلا تكونن من الممترين). # يحتمل: لا تكونن من الممترين: أنهم قد غيروا ما في كتابهم من الأحكام ومن ~~نعتك وصفتك. # ويحتمل: فلا تكونن من الممترين: أنه من عند الله نزل، مع علمه أن رسوله ~~لا يكون من الممترين؛ ليعلم الخلق أنه إذا نهى رسوله عن مثل هذا، فغيره ~~أحق. # أو أن يخاطب من طلب حكم غيره، ويقول: لا تكونن من الممترين أنه من عند ~~الله نزل. # وقوله - عز وجل -: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ... (115) # قيل: صدقا في الأنباء والوعد، وعدلا في الأحكام. # تمت أنباؤه بالصدق وأحكامه بالعدل؛ حتى يعرف كل أحد صدق أنبائه وعدل ~~أحكامه. # وقيل: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا بالحجج والبراهين؛ لما يعرف كل من تأمل ~~فيها ونظر صدقها وعدلها: أنها من الله. # PageV04P226 # وقوله - عز وجل -: (لا مبدل لكلماته) هذا تفسير التمام: أنها تمت تماما ~~لا يرد عليها النقص ولا الجور ولا الخلف، ليس ككلمات الخلق؛ أنها تبدل ~~وتنقص وتمنع؛ لما يكون فيها من النقصان والفساد، فإنها تبدل وتنقص ويعجزون ~~عن وفاء ما وعدوا، ويمنعون عن ذلك، فالله يتعالى عن أن يبدل كلماته، أو ~~يمنع عن وفاء ما وعد وأنبأ؛ إذ يجوز في حكمه. # ويجوز أن يستدل بقوله: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) لقول أصحابنا؛ حيث ~~قالوا: من قال لامرأته: " أنت طالق أتم الطلاق وأعدل الطلاق " فإنه يقع بما ~~وافق السنة، ليس يرجع ذلك إلى التمام وإلى العدد؛ لأنه أخبر أن تمت كلمته ~~صدقا وعدلا، والموافق للسنة هو الحق وهو العدل. ms1536 # ويحتمل الاستبدال لكلماته (لا مبدل لكلماته) أي: لا مبدل لوعده ووعيده؛ ~~يكون ما وعد وأوعد. # ويحتمل: لا مبدل لحججه وبراهينه. # وقوله - عز وجل -: (وهو السميع) أي: السميع بما ألقى الشياطين وأوحى ~~بعضهم إلى بعض (العليم) بأفعال هؤلاء وإجابتهم إياهم وأهل التأويل يصرفونه ~~إلى خاص من القول؛ وبعضهم يقولون: إن قوله: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) هو ~~قوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). # وقال آخرون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه أهل الكفر إلى ~~عبادة الأوثان. # ولكن هو يرجع - والله أعلم - إلى كل نبأ ووعد ووعيد وكل خبر يخبر. # وقوله - عز وجل -: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ... ~~(116) في # PageV04P227 # الآية دلالة أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالا، أوعباد الأوثان، والأصنام؛ ~~لأنه قال: (أكثر من في الأرض). # وقوله - عز وجل -: (يضلوك) لأنهم إلى الضلال كانوا يدعونه. # ثم الخطاب وإن كان لرسول الله في الظاهر، فهو لكل مؤمن؛ إذ معلوم أن ~~رسوله لا يطيعهم فيما يدعونه إلى عبادة الأوثان في الأرض. # وفيه أن في الأرض كان من يعبد الله وكان على دين الأنبياء والرسل. # وقوله: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ذكر في القصة أن ~~أهل الكفر دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادة الأوثان، ~~ويقولون: إنهم يعبدون الله في الحقيقة؛ كقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى)، ويقولون (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، كأنهم يعبدون الأوثان ~~ويرتكبون الفواحش ويقولون الله أمرنا بها فأخبر رسوله: أنك لو أطعت هؤلاء ~~إلى ما يدعونك من عبادة هذه الأصنام أضلوك عن سبيل الله؛ لأنهم لا يعبدون ~~هذه الأصنام إلا ظنا يظنون؛ كقوله: (إن يتبعون إلا الظن) أي: ما يتبعون إلا ~~الظن (وإن هم إلا يخرصون) ما هم إلا يكذبون على الله في قولهم: إن ذلك ~~يقربهم إلى الله زلفى، وقولهم: (والله أمرنا بها). # وقوله - عز وجل -: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ~~(117) # يعلم من يزيغ ويضل عن سبيله ms1537 (وهو أعلم بالمهتدين)، ويعلم من يهتدي به. # وفي قوله: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله). دلالة على أنه على علم منه ~~بالضلال والتكذيب بعث الرسل إليهم وأرسل الكتب، لا عن جهل منه، لكن صار بعث ~~ما بعث من الرسل والكتب إليهم حكمة على علم منه بما يكون منهم؛ لأنه إنما ~~يبعث لمكان المرسل إليهم ولحاجتهم. # PageV04P228 # قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) ~~وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ~~(119) وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # قوله - عز وجل -: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ~~صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ~~ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك. # والأشبه أن يصرف الخطاب به إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره (إن كنتم ~~بآياته مؤمنين) ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، ~~كقوله: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر)، وقوله: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)، ونحوه من ~~الآيات. # فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأن قوما من أهل ~~الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ من # PageV04P229 # نحو ما روي في بعض القصة: " أن نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا يتناولوا شيئا ~~من الطيبات، فنهوا عن ذلك. # وقيل: فيهم نزل قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ms1538 ~~لكم) فيشبه أن يكون قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه)، فيهم أو لما علم ~~أن قوما من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك. # فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون أن الخلق والأمر له، وقد ~~أنشأ لكم من الآيات # PageV04P230 # ما تعلمون به ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر ~~اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: (وما لكم ~~ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ... (119) ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح ~~أو بغيره؟ وكذلك قوله: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم)، ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان ~~الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه. # ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، ~~أو عرفوا ذلك بنوازل الأحكام؛ إذ ليس في الآية بيان ذلك. # فكيفما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان ~~عنده رواية، فترك روايته، يفشق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع ~~دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) ذكر لمكان قول ~~الثنوية؛ لأنهم # PageV04P231 # يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له. أو ذكر لمكان ~~قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله. # PageV04P232 # ثم قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه)، وقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه وإنه لفسق) أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله ~~عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: (ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه) ms1539 وبقوله: (وما أهل لغير الله به)، جعل المهل لغير ~~الله ميتة حراما، وجعل المذكور اسم الله عليه ذكيا حلالا؛ فدل أن التسمية ~~شرط في أكل الذبيحة؛ # PageV04P234 # لأنه لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المهل به لغير اسم الله ميتة ~~حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا، والفسق هو الخروج عن أمر ~~الله؛ كقوله: (ففسق عن أمر ربه)، أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها. # ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن ~~كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن ~~إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا. # ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأسا؛ يذهبون ~~مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ~~ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحدا بذبح آخر ويقتله؛ ~~فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمر من كان موصوفا ~~بالرحمة أو بالحكمة. # لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا ~~كراهة العقل. # فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعا في المتعقب نحو ما ~~يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان ~~الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ~~ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه. # PageV04P238 # وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك ~~بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره. # والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق ~~لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا ~~وسخرها لنا. # وبعد، فإن من مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروح ~~من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ ~~من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله ms1540 في العاقبة، على ما كان في الأول. # وأما الجواب عما قاله أهل الشرك: " أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة ~~الله " فوجهان: # أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا ~~وحرم عليهم هذا. # والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار فيما ذكر اسم الله إقامة عبادة ~~تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة ~~عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) هو في الظاهر أمر، لكن ~~الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين: # إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ~~ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه. # وقوله - عز وجل -: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم). # PageV04P239 # هو صلة قوله: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم) أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بين لكم ما حرم عليكم من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير. # (إلا ما اضطررتم) لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ~~ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه) وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: (إلا ما اضطررتم). # قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى ~~قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار أوهو غير مضطر إلى # PageV04P240 # الشبع. # ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما ~~أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها ~~أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في ~~التهلكة، وقد حرم الله علينا أن ms1541 نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله: ~~(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد ~~أحل لنا التناول منها - حتى مات وبين ترك التناول من غيرها من الأطعمة ~~المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء. # ويقول -أيضا-: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى ~~صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغا ما بلغ فهذا بعيد. # لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه ~~البدل؛ لأن # PageV04P241 # من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه ~~البدل دل أنه # PageV04P242 # ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا. # وقوله - عز وجل -: (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم)، دل هذا على أن ~~الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن ~~الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم ~~والعظماء، (إن ربك هو أعلم بالمعتدين). # وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه ... (120) # اختلف فيه: # فقيل: وذروا ظاهر الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: ~~اليد، والرجل، واللسان، والعين. # وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر. # وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم. # وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا. # قال أبو بكر الكيساني: الزنا هاهنا لا يحتمل؛ لأن الآية في ذكر أما يحل ~~من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول ~~الآية في ذي الأطعمة؛ ويصير قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) كأنه قال: ~~وذروا المآثم كلها ما ظهر منها وما بطن. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون). # لا يتركون وما عملوا؛ ولكن يجزون جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد # PageV04P243 # لمن (يكسبون الإثم) ويصرون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه حتى ماتوا ~~على ذلك بما ذكر. # وقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ms1542 وإنه لفسق ... (121) # قال بعضهم: هو الميتة، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله. # وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة ~~بقوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) وصرح بتحريم ما أهل لغير ~~الله به بقوله: (وما أهل لغير الله به): فإذا كان الميتة وما أهل لغير الله ~~به تصريح وتحريم في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر ~~اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله؛ (قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما. . .) الآية؛ فقوله - تعالى -: (قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما) كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه ~~محرما في حادث الوقت، وكذلك وجد كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ~~محرما في حادث الأوقات، كان لا يجد في ذلك الوقت محرما إلا ما ذكر، ثم وجد ~~أشياء # PageV04P244 # محرمة من بعد. # وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه): حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، ~~وأنتم تعظمون ربكم؟! وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر ~~(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم). # لكنا نقول إن ما ذبح وقتل هو ذبيح بالله، وقتيل به أيضا؛ فقد أذن لنا ~~بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض ~~وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم ~~يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في ~~بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك. # والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟ ولم ~~تفعل ذا؟ إنما يقال ذلك في غير ملكه: ms1543 كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم ~~توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا. # والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه فكان في ذكر اسم الله ~~عليه إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا. # وقوله - عز وجل -: (وإنه لفسق)، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، ~~كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو ~~الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله - ~~تعالى - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: (لا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه)؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك ذكر اسم ~~الله ناسيا؟! قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله ~~عليها ناسيا، لأن الذبائح إنما هي من عمل القصابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا ~~أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك. # PageV04P245 # وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلا يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو ~~والنسيان؟! كالأكل في شهر رمضان ناسيا؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم ~~هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه ~~يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة، ولأن الله - تعالى - قال: (وإنه ~~لفسق)، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما ~~يفسق من تركها عامدا؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت ~~التسمية عليها عمدا. # فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: (وإنه لفسق): يريد به أن الذي يأكل منها ~~إذا لم يسم الله عليها عامد أو ساهيا - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ ~~فالآية على الأكل، الدليل، على أن، قوله: (وإنه لفسق) إشارة إلى الذبيح ~~الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمدا، دون أن يكون ذلك، إشارة إلى أن الأكل من ~~تلك الذبيحة فسق - قول الله - تعالى -: (قل لا أجد في ms1544 ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو ~~فسقا أهل لغير الله به): فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقا لمن فعله؛ ~~فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقا ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون ~~قول الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) خاصا في المتعمد لترك ~~التسمية. # فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسيا كتاركها عمدا؛ كما قلتم في ~~التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟ # PageV04P246 # قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت ~~بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن ~~الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: ~~إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمدا؛ ~~فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ ~~فالتارك للتكبير عامدا أو ساهيا؛ تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ~~ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم ما لم يتعمد ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: " ~~اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل ". # وقوله - عز وجل -: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم). # أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض، ~~في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة " حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم ~~فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟! يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن ~~يجادلون في هذا في وحدانية الله - تعالى - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد ~~الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا: (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون) فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما ~~يجادلونكم ويوحون إليكم (إنكم لمشركون). # PageV04P247 # قوله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا ms1545 له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ~~(122) وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # قوله - عز وجل -: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها). # يشبه أن يكون المثل الذي ضرب الله للمؤمن والكافر في الآية أن من كان في ~~ظلمات البطن لا يبصر ولا يسمع ولا يعقل شيئا، ثم أخرج من ذلك؛ فأبصر وسمع ~~وعقل كمن ترك في تلك الظلمات ولم يخرج منها لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل، ~~يقول - والله أعلم -: لا يستوي من أخرج من ظلمات البطن بعد ما كان لا يبصر، ~~ولا يسمع، ولا يعقل، ولا يفهم، ثم أبصر وسمع وعقل - والذي ترك في تلك ~~الظلمات على الحال التي كان كما هو: لا يبصر، ولا يسمع، ولا يعقل؛ فعلى ذلك ~~لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق ويسمع ويعقل كل خير ويعلمه، وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس بنوره، وله أصحاب يدعون الناس إلى الهدى والخير - ~~والكافر: الذي لا يبصر الخير ولا يسمع ولا يعقل، وليس له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى والخيرات، أي: ليس هذا الذي يبصر ويسمع ويعقل كالذي لا يبصر ولا يسمع ~~ولا يعقل. # وجائز أن يكون المثل الذي ضرب الله: أن يكون المؤمن والكافر جميعا حيين ~~في الجوهر، لكن المؤمن اكتسب ما به يحيا أبدا من العلم، والقرآن، والإيمان. # PageV04P248 # والكافر لم يكتسب من ذلك شيئا؛ فهو كالميت الذي لا يبصر ولا يسمع الحق ~~ولا يعقل. # ويحتمل ms1546 هذا المثل وجها آخر، وهو أن المؤمن يكتسب في الدنيا الخيرات، ~~والأعمال الصالحة، ويكون له نور في الآخرة بالأعمال التي اكتسب في الدنيا، ~~ويمشي بنور ذلك فيما بين الناس في الآخرة، وأما الكافر فإنه لم يكتسب من ~~ذلك شيئا؛ فيبقى في الظلمات، كقوله: (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا). # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا له نورا يمشي به في الناس): والمعتزلة يقولون: ~~هم جعلوا لأنفسهم نورا يمشون به في الناس، وقد أخبر أنه هو الذي يجعل لهم ~~ذلك النور؛ فذلك تحريف منهم ظاهر للقرآن. # وكذلك قوله: (وهو على كل شيء قدير)؛ وهم يقولون: هو قدير على بعض ~~الأشياء. # وقال: (خالق كل شيء): وهم يقولون: هو خالق بعض الأشياء. # وقال: (ولو شاء ربك ما فعلوه)، وهم يقولون: يشاء ألا يفعلوا ما فعلوا، ~~ولكن فعلوا غير ما شاء الله. # وكذلك قوله: (جعلنا لكل نبي عدوا): وهم يقولون: لم يجعل لكل نبي عدوا وهم ~~جعلوا أنفسهم لهم أعداء. # وكذلك قوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها): # وهم يقولون: جعل الأكابر فيها؛ لئلا يمكروا فيها. # وقوله - عز وجل -: (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون). # اختلف فيه: # قال بعضهم: كما زينا للمؤمنين عبادة الله كذلك زينا للكافرين عبادة الله، ~~لكنهم عاندوا وصرفوا العبادة إلى غير الله، وهو تأويل المعتزلة. # PageV04P249 # وقال قائلون: زين لهم أعمالهم التي يعملونها. # ثم اختلف في الذي زينها: قال الحسن: زين الشيطان أعمالهم لهم. # وقال غيره: زينها الأكابر على الأصاغر. # وقال قائلون: زينها الله، ولكن ما أضيف إلى الشيطان من التزيين والإضلال ~~إنما يضاف إلى ما يدعوهم ويحثهم على ذلك ويوحي إليهم، وما يضاف إلى ~~الأكابر: القول والدعاء إلى ذلك، وما يضاف إلى الله من: التزيين، والإضلال، ~~والإزاغة، وغير ذلك يضاف للخلق، أي: خلق منهم: فعل الضلال، وفعل التزيين، ~~وفعل الزيغ، يضاف إلى الله خلقا، وإلى الشيطان والأكابر: دعاء ووحيا ~~وإلقاء، على هذا يخرج جميع الإضافات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها). # أي: جعل في ms1547 كل قرية من أهل الكفر أكابر مجرميها، وعظماءها، كما جعل في ~~قريتك أكابر مجرميها؛ يصبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ليعلم أنه ~~ليس بمخصوص هو بهذا دون غيره من الأنبياء. # ثم اختلف في قوله: (جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها)، وقد ذكرنا أقاويلهم ~~في قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا)، ثم قوله: (جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها). # قالت المعتزلة: لم يجعل الأكابر فيها ليمكروا فيها؛ ولكن لما وسع الدنيا ~~وبسطها عليهم مكروا فيها، وكذلك قالوا في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس) لا يجوز أن يخلقهم لجهنم؛ ولكن لما عملوا أعمال الكفر والضلال ~~صاروا لجهنم. # وقالوا: هو على الإضمار؛ كأنه قال: كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ~~لئلا # PageV04P250 # يمكروا أفيها، لكنهم مكروا فيها لما ذكرنا. # لكن قوله: (جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) ليكون أدعى ~~وأظهر للحجج؛ لأنه لو كان بعث الرسل أكابر لكان الناس يتبعون الأكابر وإن ~~لم يأتوا بالحجج وغيرهم لا يتبعون إلا بالحجج والآيات. # ومنهم من يقطع قوله: (ليمكروا فيها) عن قوله: (جعلنا في كل قرية أكابر)، ~~يقول: معناه: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، ثم قال: (ليمكروا ~~فيها)، أي: ما جعل ذلك لهم ليمكروا. # ومنهم من يقول: هو إخبار عما إليه صار أمرهم؛ كقوله: (فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا): وهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا؛ إنما التقطوه ~~ليكون لهم وليا، لكنه لما صار في العاقبة عدوا لهم أخبر عما آل إليه أمره؛ ~~فعلى ذلك قوله: (ليمكروا فيها): أخبر عما إليه صاروا من المكر. # وعندنا: لا يخلو هذا إما أن يقال: إنه يخلقهم لغير المكر والضلال، وهو ~~يعلم أنهم لا يكونون لما يخلقهم؛ فذلك ليس فعل حكيم: أن يعمل عملا يعلم أنه ~~لا يكون، نحو: من يبني بناء يعلم أنه لا يسكن، أو يقصد قصد موضع يعلم أنه ~~لا يصل إليه؛ فهو بالقصد عابث ليس بحكيم؛ فعلى ذلك الله - سبحانه - لا يجوز ~~أن يخلقهم للهدى ms1548 والعبادة له مع علمه أنهم لا يكونون لما يخلقهم، أو أن ~~يخلقهم لذلك وهو لا يعلم أنهم يكونون كذلك؛ فهو جهل بالعواقب؛ فالله يتعالى ~~عن ذلك؛ فدل أنه خلقهم ليكونوا على ما علم أنهم يكونون ويختارون ذلك. # وقوله: (ليكون لهم عدوا وحزنا): كان عند الله أنهم يلتقطونه ليكون لهم ~~عدوا. # وقوله - عز وجل -: (وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون). # أي: ما يشعرون أن عاقبة مكرهم ترجع إليهم أو واقع فيهم. # وأصله أن الله - تعالى - جعلهم وخلقهم على ما علم منهم أنهم يختارون ~~ويكون # PageV04P251 # منهم ذلك. # وقوله: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~... (124) # يخبر - عز وجل - عن غاية سفههم وتعنتهم وأنهم على علم يعاندون ويتكبرون ~~على رسول الله لأنهم علموا أن ما نزل على رسول الله آية، وأنه رسول حيث ~~قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله وعلموا أن الرسالة لا تجعل ~~إلا في المعظم عند الله والمفضل لديه حيث تمنوا أنهم لا يؤمنون حتى يؤتوا ~~من الآيات مثل ما أوتي رسل الله، ولو لم يكن كذلك لم يكونوا يتمنون إيتاء ~~ما أوتي الرسل، وعلموا أن هذا القرآن الذي أنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - آية وحجة، وأنه من عند الله نزل؛ حيث قالوا: (لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم)، وعلموا -أيضا- أن الرسالة لا تجعل إلا في عظماء ~~من البشر وكبرائهم؛ حيث قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم)، لكنهم ظنوا أنها إنما تجعل في العظماء الذين هم عند الخلق عظماء؛ ~~فقال الله - تعالى -: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فتناقضت أقاويلهم ~~وحجاجهم بما ذكرنا من إقرارهم بالرسل والآيات، وتفضيلهم على غيرهم من البشر ~~ثم قال: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). # جملة جواب ما قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) # على أن يقال: إنكم عرفتم أن الله عالم قادر؛ فهو أعلم حيث يجعل رسالته. ~~ثم اختلف في قوله: (الله أعلم حيث ms1549 يجعل رسالته): # قال بعضهم: جعل الرسالة في أوساط الناس أظهر للحجج وأبين من جعلها في ~~أكابر الناس وعظمائهم في الدنياوية؛ لأن الناس مجبولون على اتباع الأكابر ~~والأعاظم؛ فلو جعلت الرسالة فيهم لكانت الحجج لا تظهر؛ لأنهم جبلوا على ~~اتباعهم، وأما أوساط الناس في الدنياوية: إذا جعلت فيهم الرسالة لظهرت ~~الحجج والبراهين؛ لأنهم لم يجبلوا على اتباع الأوساط من الناس؛ فكان ~~اتباعهم للحجج والبراهين. # وقال بعضهم: قوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) أي لا تجعل الرسالة فيمن # PageV04P252 # يضيع وليس هو بأهل لها ولا موضعها؛ لأنه لو جعل لكان في ذلك تضييع ~~الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله). # أخبر أن من تكبر على رسول الله وعانده يكن له عند الله: صغار، ومذلة، ~~وعذاب شديد؛ بصنيعهم الذي صنعوا. # وقوله - عز وجل -: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ... (125) # قيل: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية؛ فقال: " نور ~~يقذف فيه "؛ فقالوا: وهل لذلك من علامة قال: " نعم، إذا دخل النور في القلب ~~انشرح وانفسح "؛ قالوا يا رسول الله، وهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: " ~~نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت ~~قبل نزول الموت "؛ فلو ثبت هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~هذا انشراح الصدر للإسلام فقليلا ما يوجد على هذا الوصف، إلا أن يريد به: ~~الاعتقاد واليقين بما ذكر. # ثم اختلف في تأويل قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا). # قال بعض أهل التأويل: الإرادة صفة فعل كل فاعل يفعل على الاختيار؛ كأنه ~~قال: فمن يهد الله يشرح صدره للإسلام، ومن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا. # وقال فريق من المعتزلة من نحو جعفر بن حرب والكعبي وهؤلاء: تأويله: (فمن ~~يرد الله أن يهديه)، أي: من قبل هداية الله في الابتداء شرح الله صدره بعد ~~ذلك بخيرات؛ ثوابا لما قبل من الهداية، ومن ترك قبول هداية الله ms1550 في ~~الابتداء عاقبه الله بضيق صدره؛ # PageV04P253 # عقوبة له في ترك قبول الهداية؛ إذ لله أن يهدي الخلق كلهم وأن يشرح صدرهم ~~للإسلام، لكنهم لم يهتدوا. # وقال فريق منهم: (فمن يرد الله أن يهديه) طريق الجنة في الآخرة شرح صدره ~~في الدنيا للإسلام، ومن يرد الله أن يضله طريق الجنة في الآخرة جعل صدره في ~~الدنيا ضيقا حرجا؛ فيقال لهم: كذلك هو - كما يقولون - قد قلتم: إنه أراد أن ~~يضلهم، ثم يقال لهم: تقولون إنه أراد أن يهدي الخلق كلهم ويشرح صدرهم ~~للإسلام، ثم تقولون: إنه يضل طريق الجنة في الآخرة؛ فهذا على زعمكم جور؛ ~~لأنه أراد في الدنيا أن يهديهم ويريد في الآخرة -أيضا- لهم أن يضلهم عن ~~طريق الجنة لأولئك بعينهم فذا جور على قولكم. # وظاهر الآية يرد قولهم وينقض مذهبهم؛ لأنه قال: (فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره. . .) جعلهم على صنفين: صنف ~~أراد منهم أن يهديهم، وصنف أراد أن يضلهم: من علم منه أنه يختار الهدى ~~ويقبله أراد أن يهديه ويشرح صدره للإسلام، ومن علم منه أنه يختار الضلال ~~أراد أن يضله ويجعل صدره ضيقا حرجا، ولا يجوز أن يريد هو ممن يعلم منه أنه ~~يختار الضلال وعداوته الولاية منه؛ لأن ذلك من الضعف: من أراد عداوته وهو ~~يريد ولايته، أو يريد منه غير الذي علم كونه منه واختاره. # والمعتزلة يقولون: قد أراد أن يهدي الكل لكنهم أرادوا ألا يهتدوا فلم ~~يهتدوا، غلبت إرادتهم إرادة الله - تعالى - فذلك وحش من القول سمج؛ فنعوذ ~~بالله من السرف في القول والزيغ عن الحق، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ضيقا حرجا). # قيل: الحرج ضيق الضيق، وهو شدة الضيق: # وصف قلب المؤمن بالسعة والفسح، ووصف قلب الكافر بالضيق والحرج، وليس قلب ~~هذا في رأي العين أوسع من قلب الآخر، لكنه - والله أعلم - وصف قلب المؤمن ~~بالسعة؛ لما انتفع بقلبه في الدنيا والآخرة، والكافر لم ينتفع بقلبه؛ فوصفه ~~بالضيق والحرج، وهو كما وصف الكافر ms1551 بالصمم والبكم والخرس؛ لما لم ينتفع ~~بهذه الحواس، وكذلك سماه ميتا؛ لما لم ينتفع بحياته، وسمى المؤمن حيا؛ لما ~~انتفع بحياته؛ فعلى ذلك هذا: وصف الكافر بضيق الصدر؛ لما لم ينتفع به. # PageV04P254 # وقوله - عز وجل -: (كأنما يصعد في السماء). # قيل: كالمتكلف للصعود إلى السماء لا يقدر عليه. # وقيل: (كأنما يصعد في السماء): كأنما يشق عليه الصعود. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما تصعد في شيء ما تصعده في ~~الخطبة، أي ما يشق علي شيء ما شق علي الخطبة. # وقوله: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). # اختلف في الرجس قيل: الرجس: الإثم، أي: كما جعل قلوبهم ضيقة حرجة بكفرهم ~~كذلك يجعل في قلوبهم الإثم. # وقيل: الرجس: اللعن والغضب، أي: جعل في قلوبهم اللعن والغضب؛ دليله قوله: ~~(قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب). # * * * # قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) ~~لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # وقوله - عز وجل -: (وهذا صراط ربك مستقيما). # لم يشر بهذا إلى شيء لكن يحتمل قوله: (وهذا): الإسلام الذي سبق ذكره: أن ~~يشرح به صدر المؤمن، ويحتمل قوله: (وهذا صراط ربك مستقيما): الذي يدعى إليه ~~الخلق، وهو التوحيد. # وقوله - عز وجل -: (قد فصلنا الآيات)، أي: بينا وأقمنا دلائل التوحيد ~~وحججه، وقد ذكرناه. # (لقوم يذكرون). # أي: لقوم يت ظون بالمواعظ. # ويحتمل: لقوم يقبلون الدلائل والحجج، ولا يكابرون. # وقوله - عز وجل -: (لهم دار السلام عند ربهم ... (127) # يحتمل السلام اسم الجنة أي: لهم الجنة؛ كقوله: (والله يدعو إلى دار ~~السلام) # PageV04P255 # ويحتمل السلام: هو اسم الله، أي: لهم دار الله، وهي الجنة. # وقوله - عز وجل -: (وهو وليهم بما كانوا يعملون)، قيل: هو أولى بهم، أي: ~~أولى بالمؤمنين؛ كقوله: (فالله أولى بهما)، ويحتمل قوله: (وهو وليهم)، أي: ~~حافظهم وناصرهم. # وقد ذكرنا فيما تقدم " يصعد " و " يصاعد " و " يصعد ": كله لغات، والمعنى ~~واحد. # والضيق: قال الكيساني: الضيق من الضيق في المعاش، فأما في الأمر فإنه ~~الضيق، ومنه قوله: ms1552 (ولا تك في ضيق مما يمكرون). # وأما قوله: (حرجا) ففيه لغتان: حرج وحرج، قال القتبي: الحرج: الذي ضاق ~~فلم بجد منفذا. # وقال أبو عوسجة: الحرج: الضيق، يقال منه: حرج يحرج حرجا؛ فهو حرج. # قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~(130) ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات ~~مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # PageV04P256 # وقوله - عز وجل -: (ويوم يحشرهم جميعا ... (128) # يعني: من تقدم ذكره من الجن، والإنس، أو نحشر الأولين والآخرين. # (يا معشر الجن). # هو على الإضمار؛ كأنه قال: يوم نحشرهم جميعا أيا معشرأ الجن والإنس، ثم ~~نقول للجن: (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، كقوله: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى) أي: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى؛ فكذلك هذا هو على الإضمار. # وقوله - عز وجل -: (قد استكثرتم من الإنس). # قال أهل التأويل في قوله: (قد استكثرتم من الإنس) أي: أضللتم كثيرا من ~~الإنس، وهم قد استكثروا من الأتباع من الإنس: في عبادة غير الله، ومخالفة ~~أمر الله وتوحيده أو: قد استكثرتم عبادا من الإنس. # (وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض). # اختلف فيه: قال بعضهم: تعاون بعضنا ببعض في معصية الله ومخالفة أمره: ~~هؤلاء بالدعاء وأولئك بالإجابة. # وقال قائلون: ربنا استمتع بعضنا ببعض أي: انتفع بعضنا ببعض بأنواع ~~المنافع: ما ذكر - في بعض القصة - أن الرجل من الإنس إذا سافر فأدركه ~~المساء بأرض القفر خاف؛ فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه؛ فيأمن ~~في ذلك بالتعوذ إلى سيدهم؛ فذلك استمتاع ms1553 الإنس بالجن؛ فذلك قوله: (وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) الآية. # وأما استمتاع الجن بالإنس فهو ما يزداد لهم الذكر والشرف في قومهم، ~~يقولون: لقد سودتنا الإنس. ويحتمل استمتاع الجن بالإنس ما ذكر - إن ثبث - ~~أنه جعل طعامهم العظام التي يستعملها الإنسان، ويكون ذلك غذاءهم، وعلف ~~دوابهم أرواث دواب الإنس. # PageV04P257 # وقال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس، فعلمت ~~ذكر جواب الإنس لهم، ولم يذكر جواب الجن لهم. # وقوله - عز وجل -: (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا). # قيل: الموت. # وقيل: البعث يوم القيامة؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث؛ فأقروا عند ذلك: ~~بأنا قد بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وكنا كذبناه، أقروا بما كانوا ينكرون. # (قال) أي، الله: (النار مثواكم) أي مقامكم. (خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله). # اختلف فيه: قال الحسن: (إلا ما شاء الله): وقد شاء الله، أن يخلدهم في ~~النار. # وقال غيره: الاستثناء من وقت البعث إلى وقت الخلود، وهو وقت الحساب أووقت ~~الحساب، هو وقت الثنيا، (خالدين فيها إلا ما شاء الله) وما داموا في ~~الحساب. # وقيل: الاستثناء للمؤمنين الذين اتبعوهم في فعل المعاصي والجرم ولم ~~يتبعوهم في الاعتقاد؛ ففيه دليل إدخال المؤمنين النار بالمعاصي، والعقوبة ~~لهم بقدر معصيتهم، ودليل إخراجهم منها، إن ثبت. # وقوله - عز وجل -: (إلا ما شاء الله) ويحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: أن خلود الآخرة أكبر من خلود الدنيا؛ لأن خلود الدنيا على ~~الانقضاء، وخلود الآخرة لا على الانقضاء. # والثاني: وقع الثنيا قبل دخولهم في النار. # والثالث: لمن لم يتبعهم في الكفر. # PageV04P258 # وقوله - عز وجل -: (إن ربك حكيم عليم). # أي: حكيم بما حكم ووضع كل شيء موضعه، عليم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الولاية إنما تكون بأفعالهم ثم أضاف ~~الولاية إلى نفسه دل أنه من الله في ذلك صنع، وهو أن خلق سبب الولاية، ~~منهم، ثم ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض بقوله: (والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم ms1554 أولياء بعض)، وذكر أن الكافرين بعضهم أولياء بعض بقوله: (لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض). # وقوله - عز وجل -: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ... (130) # اختلف فيه: قال بعضهم: لم يكن من الجن رسل إنما كان الرسل من الإنس، لكنه ~~أضاف إلى الفريقين جميعا؛ كقوله: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، وإنما يخرج ~~من أحدهما، وكقوله: (وجعل القمر فيهن نورا): وإنما جعل في واحدة منهن، ~~وكقول الناس: في سبع قبائل مسجد واحد: وإنما يكون في واحد منها، وقد يضاف ~~الشيء إلى جماعة والمراد منه واحد؛ فعلى ذلك ما ذكر من إضافة الرسل إلى ~~الإنس والجن. # وقال بعضهم: كان من الفريقين جميعا: الرسول من الجن جني، ومن الإنس إنسي؛ ~~لأن الجن يسترون من الإنس، فإنما يرسل إلى الإنس رسلا يظهرون لهم؛ فبعث إلى ~~كل فريق الرسول من جوهرهم. # وقال بعضهم: كان الرسل من الإنس إلى الفريقين جميعا، وكان من الجن نذير؛ ~~كقوله: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن. . .) الآية. ذكر النذر منهم # PageV04P259 # ولم يذكر الرسل، ومرتبة النذر دون مرتبة الرسل، كرتبة الأنبياء من الرسل، ~~ولكن يجوز أن يقوي الرسل - وإن كان من الإنس - على الإظهار لهم، وليس فيما ~~يسترون عنهم منع بعث الرسل إليهم من الإنس، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة؛ ~~إنما الحاجة إلى معرفة الآيات والحجج التي يأتي بها الرسل، وقد عجز الخلائق ~~جميعا عن إتيان مثل هذا القرآن؛ لقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) فقد أعجز الجن والإنس عن أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن، وإن كان الجن أقوى على الأشياء من الإنس؛ فدل أنه آية ودل ~~عجز الجن عن ذلك وإن كانوا أقوى على أن غيرهم أعجز. # ألا ترى: أنه أنزل هذا القرآن على لسان العرب ثم عجزوا هم عن إتيان مثله؛ ~~فدل عجزهم عن ذلك على أن العجم له أعجز. # وجائز أن يكون الرسل إن كانوا من الإنس فإن الجن يستمعون من الرسل؛ ~~فيلزمهم الحجة والعيل بذلك ms1555 والتبليغ إلى قومهم، من غير أن يعلم الرسل بذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يقصون عليكم آياتي). # يحتمل يتلون عليكم آيأتي، ويحتمل: (يقصون عليكم آياتي) يبينون لكم ما في ~~آيات وحدانيته وألوهيته، وآيات البعث الذي تنكرون. # (وينذرونكم لقاء يومكم هذا)، أي: لقاء يومكم الذي تلقون ودل قوله: ~~(وينذرونكم لقاء يومكم هذا) على أن ذلك إنما يقال لهم في الآخرة. # (قالوا شهدنا على أنفسنا). # هذا منهم إقرار لما كان منهم من التكذيب؛ كقوله: (فاعترفوا بذنبهم)، أي ~~شهدنا على أنفسنا بأنا كنا كذبنا الرسل في الدنيا بما قالوا وأخبروا. # وقوله - عز وجل -: (وغرتهم الحياة الدنيا). # PageV04P260 # إن للدنيا معنيين: ظاهرا وباطنا، فيكون للظاهر غرور من كان نظره إلى ~~الظاهر، يغره، ولها باطن ومن نظر إلى ذلك الباطن يعظه. # أما ظاهرها: من تزيينها، وزخرفها فالكافر نظر إلى ظاهرها فاغتر بها. # وأما باطنها: فهو انتقالها من حال إلى حال وزوالها وفناؤها فمن نظر إلى ~~ذلك اتعظ به ويعلم معناها ويعرف أنه لم يخلق لهذه ولكن لعاقبة تتأمل. ثم ~~إضافة الغرور إليها، أي: يكون منها ما لو كان ذلك من ذي عقل وذهن كان ذلك ~~غرور. # وقوله - عز وجل -: (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). # هذا اعتراف بما كان منهم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم). # يحتمل قوله: (ذلك) ما تقدم من قوله: (يا معشر الجن قد استكثرتم من ~~الإنس)، وقوله - عز وجل -: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا)، ونحوهما من الآيات التي ذكر فيها ~~العذاب. # ويحتمل ذلك إشارة إلى الهلاك الذي كان بالأمم الخالية: أن لم يكن يهلك ~~القرى بظلم ظلموا أنفسهم إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يقدم الوعيد لهم ~~في ذلك وسؤال كان منهم بالعذاب، ولا يهلك -أيضا- وهم غافلون عن الظلم ~~والعصيان، لا أنه لا يسعه؛ ولكن سنة فيهم ألا يهلك إلا بعد تقدم ما ذكرنا؛ ~~لئلا يحتجوا فيقولوا: (لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين)، وإن ms1556 لم يكن لهم الاحتجاج بذلك لما مكن لهم وركب فيهم ما به ~~يعرفون أنه لم يخلقهم ليتركهم سدى؛ ولكن خلقهم لعاقبة، لكن سنته قد مضت في ~~الأمم الماضية: أنه لا يهلك قوما إهلاك تعذيب واستئصال إلا بعد ما يسبق منه ~~وعيد وإنذار، والعلم لهم بالظلم، وظهور العناد منهم والمكابرة، والسؤال ~~بالعذاب سؤال تعنت، وذلك منه فضل ورحمة، لا أنه لا يسعه ذلك. # PageV04P261 # وقوله - عز وجل -: (ولكل درجات مما عملوا ... (132) # استدل بعض الناس بظاهر هذه الآية أن الجن لهم ثواب بالطاعات وعقاب ~~بالمعاصي؛ لأنه أخبر أن لكل أمنهم، درجات مما عملوا، وإنما تقدم ذكر ~~الفريقين جميعا بقوله: (شياطين الإنس والجن)، وقوله - عز وجل -: (ويوم ~~يحشرهم جميعا) وقوله، (يا معشر الجن والإنس): ذكر ما كان من الفريقين جميعا ~~من المعاصي والجرم؛ فعلى ذلك قوله: (ولكل درجات): راجع إلى الفريقين جميعا، ~~لكل درجات منهم: إن عملوا خيرا فخير، وإن عملوا شرا فشر وبه قال أبو يوسف ~~ومحمد - رحمهما الله - واحتجوا لأبي حنيفة - رحمه الله - أن قوله: (ولكل ~~درجات) إنما ذكر على أثر آيات كان الخطاب بها للكفرة دون المؤمنين؛ فعلى ~~قوله: (و (ولكل درجات مما عملوا) ويكون لهم هذا الوعيد خاصة، ويكون قوله: ~~(ولكل درجات)، أي: دركات ومراتب من العذاب والعقاب؛ مما عملوا من المعاصي ~~والتكذيب للرسل، ولأن الثواب لزومه لزوم فضل ومنة، والعذاب توجبه الحكمة؛ ~~لأن في الحكية أن يعاقب من عصاه وخالف أمره وأما الثواب فوجوبه الفضل؛ لأنه ~~كان من الله إلى الخلق من النعم والإحسان أما لو حمدوا كل حمدهم، ما قدروا ~~على أن يؤدوا شكر واحد من ذلك، فتكون طاعتهم شكرا لما أنعم عليهم، فإذا كان ~~كذلك لا يكون لأعمالهم ثواب إلا بالبيان من الله، كما لا يقال للملائكة: إن ~~لهم ثوابا. # وقوله - عز وجل -: (وما ربك بغافل عما يعملون)، يحتمل وجهين: # وما ربك بغافل عن أعمالهم التي يعملونها في معصية الله - تعالى - ولكن ~~يؤخر تعذيبهم؛ رحمة منه، وهو كقوله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون إنما يؤخرهم. ms1557 . .) الآية. # والثاني: عن علم بأعمالهم، وصنيعهم خلقهم، لا عن جهل، لكن خلقهم على علم # PageV04P262 # بذلك؛ لما كان ضرر أعمالهم ومنافعها ترجع إليهم لا إليه. # قوله تعالى: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما ~~يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لآت وما أنتم ~~بمعجزين (134) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون ~~له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # وقوله - عز وجل -: (وربك الغني ذو الرحمة)، هذا يرد على الثنوية مذهبهم؛ ~~لأنهم يقولون: إنه إنما - خلق الخلائق لمنافع نفسه؛ لأنه ليس بحكيم من فعل ~~فعلا لا يقصد منفعة نفسه، فأخبر - عز وجل - أنه غني بذاته، وإنما يقصد غيره ~~المنفعة بفعله لحاجة تقع له، وضرورة تصيبه يقصد بالفعل، قصد قضاء الحاجة ~~ودفع الضرورة عن نفسه. # فأما الله - سبحانه وتعالى - فهو الغني بذاته، إنما خلق الخلائق لمنافع ~~أنفسهم، وهو غني عن خلقه على ما أخبر. # وقوله - عز وجل -: (وربك الغني). # يحتمل: غني عن تعذيب أولئك الكفرة، أي: لا لمنفعة له في تعذيبهم يعذبهم ~~أو لحاجة له؛ ولكن الحكمة توجب ذلك. أو أن يكون صلة قوله: (يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم). # يقول: لم يرسل إليكم، ولا امتحنكم بالذي امتحنكم لحاجة نفسه أو لمنفعة ~~له؛ إذ هو غني بذاته. # وقوله - عز وجل -: (ذو الرحمة). # يحتمل وجهين: # يحتمل: ذو الرحمة فلا يعجل عليهم بالعقوبة. # والثاني: ذو الرحمة لما خلق الخلائق، وجعل لبعض ببعض الانتفاع بهم ~~والاستمتاع، وإنما خلقهم لمنافع أنفسهم. # ويحتمل قوله: (ذو الرحمة): من قبل رحمته صار أهلا لها، فأما من لم يقبل ~~رحمته فإنه ذو انتقام منه. # PageV04P263 # وقوله - عز وجل -: (إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء). # لأنه غني بذاته لم يخلقكم لمنافع نفسه أو لحاجته، إن شاء أذهبكم واستخلف ~~غيركم، ولو كان خلقه الخلق لمنافع نفسه لكان لا يذهب بهم ويستخلف من بعدهم ~~ما يشاء. # (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين). # يخبر عن غناه عنهم، وعن سلطانه، ms1558 وقدرته أنه يقدر على إهلاككم واستئصالكم ~~وإنشاء قوم آخرين. # كأن خلق الخلائق من جواهر مختلفة لا توالد فيهم، ثئم جعل في الآخر ~~التوالد والتناسل ويستخلف بعض من بعض بالتوالد والتناسل. # وقوله - عز وجل -: (إن ما توعدون لآت ... (134) # من الوعد والوعيد. # أو أن يكون قوله: (إن ما توعدون): من النصر لرسوله والمعونة له لآت ~~وكائن. # (وما أنتم بمعجزين). # قيل: بفائتين ربكم. # وقيل: وما أنتم سابقين الله بأعمالكم الخبيثة حتى لا يجزيكم الله بها. ~~وأصله: (وما أنتم بمعجزين)، أي: لا تعجزون ربكم عن تعذيبكم وعقوبتكم. # وقوله - عز وجل -: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ... (135) # قيل: على جديتكم. # وقيل: على منازلكم وجدتكم. # ولكن تأويله - والله أعلم -: (على مكانتكم) أي: ما أنتم عليه، ثم يحتمل ~~هذا وجوها: # يحتمل (على مكانتكم)، أي: على ما أنتم عليه من أمر الدين، (إني عامل): ~~على ما أنا عليه من أمر الدين؛ كقوله: (لكم دينكم ولي دين). # PageV04P264 # ويحتمل أن يكونوا هموا أن يمكروا برسول الله؛ فقال: امكروا بي إني ماكر ~~بكم؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله). # ويحتمل أن يكونوا يطلبون الدوائر والهلاك على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويكيدونه؛ كقوله: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون)، هذه الكلمة تستعمل ~~في انتهاء المكابرة غايتها وجود المعاندة غايتها بعد الفراغ من الحجج ~~والآيات؛ كقوله: (لكم دينكم ولي دين). # وقوله - عز وجل -: (فسوف تعلمون). # يحتمل فسوف تعلمون من تكون له العاقبة. # ويحتمل: فسوف تعلمون بالهلاك من كان محقا بالوعيد. # أو سوف تعلمون من المحق بما أوعد وخوف. # وقوله - عز وجل -: (إنه لا يفلح الظالمون) يحتمل: لا يفلح الظالمون، ما ~~داموا في ظلمهم. # ويحتمل: أن يكون ذلك في قوم مخصوصين. # ويحتمل: في الآخرة: لا يفلح الظالمون. # * * * # قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو ~~يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من المشركين ms1559 قتل ~~أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم ~~وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) ~~قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) # PageV04P265 # قوله - عز وجل -: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا ~~هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) # يخبر - عز وجل - عن سفههم من وجوه: # أحدها: أنهم كانوا يجعلون لله نصيبا مما كان لله في الحقيقة مع علمهم أن ~~الله هو الذي أنشأ لهم تلك الأشياء وهو ذرأها، ثم يجعلون لله في ذلك نصيبا ~~وللأصنام نصيبا، يسفههم لأنهم إذا علموا أن الله هو الذي ذرأ لهم تلك ~~الأشياء وأنشاها لهم، فإليه الاختيار في جعل ذلك لا إليهم إذ علموا، أنهم ~~إنما يملكون هم بجعل الله لهم، وهو المالك عليها حقيقة. # والثاني: ما يبين سفههم -أيضا- أنهم يجعلون لله في ذلك نصيبا وللأصنام ~~نصيبا من الثمار والحروث وغيرها، ثم إذا وقع أشيء، مما جعلوا لله وخالط ما ~~جزءوا وجعلوه لشركائهم تركوه، وإذا خالط شيء مما جعلوا لشركائهم، ووقع فيما ~~جعلوه لله أخذوه وردوه على شركائهم وانتفعوا به، وتركوا الآخر للأصنام ~~إيثارا للأصنام عليه، وإعظاما لها. # أو إذا زكا نصيب الأصنام ونما، ولم يزك نصيب الله، ولم ينم تركوا ذلك ~~للأصنام، ويقولون: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإذا زكا الذي كانوا يجعلون ~~لله، ولا يزكو نصيب الأصنام أخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين وبين ~~الأصنام نصفين. # يسفههم - عز وجل - بصنيعهم الذي يصنعون ويبين عن جوهرهم بإيثارهم ~~الأصنام، وإعظامهم إياها، والتفضيل في القسمة والتجزئة، مع ms1560 علمهم أن الله ~~هو الذي ذرأ ذلك وأنشأه لهم، وأن الأصنام التي أشركوها في أموالهم وعبادتهم ~~لله لا يملكون من ذلك شيئا. # وذلك منهم سفه وجور؛ حيث أشركوا في أموالهم وعبادتهم مع الله أحدا لا ~~يستحق بذلك شيئا، وهو كما جعلوا لله البنات، وهم كانوا يأنفون عن البنات، ~~كقوله: (وإذا بشر # PageV04P266 # أحدهم بالأنثى. . .) الآية: وقال: (أم له البنات ولكم البنون)، وقال: ~~(تلك إذا قسمة ضيزى)، تأنفون أنتم عن البنات وتضيفونهن إليه؟! فهو إذا جور ~~وظلم؛ فعلى ذلك تفضيل الأصنام في القسمة وإيثارهم إياها على الله، وإشراكهم ~~مع الله، مع علمهم أنه كان جميع ذلك بالله، وهو أنشأه لهم - جور وسفه. # ثم أخبر أنهم: (ساء ما يحكمون). # أي بئس الحكم حكمهم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك زين لكثير من المشركين ... (137) أي: كما زين ~~لهم جعل النصيب للأصنام والتجزئة لها، وصوف ما خلق الله لهم عنه إلى ~~الأصنام كذلك زين لهم قتل أولادهم. # أو كما زين لهم تحريم ما أحل الله لهم من السائبة والوصيلة والحامي كذلك ~~زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم. # وأصله: أن الشفقة التي جعل الله في الخلق لأولادهم والرحمة التي جبلت ~~طبائعهم عليها تمنعهم عن قتلهم، وخاصة أولادهم الضعفاء والصغار، وكذلك ~~الشهوة # PageV04P267 # التي خلق فيهم تمنعهم عن تحريم ما أحل الله لهم، لكن زين لهم ذلك ~~شركاؤهم، وحسنوا عليهم تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم، فما حسن عليهم ~~الشركاء وزين لهم من تحريم ما أحل لهم وقتل أولادهم غلب على الشفقة التي ~~جبلت فيهم، والشهوة التي خلق ومكن فيهم. # ثم اختلف في شركائهم: # قال بعضهم شركاؤهم: شياطينهم التي تدعوهم إلى ذلك. # وقيل: شركاؤهم: كبراؤهم ورؤساؤهم الذين يستتبعونهم. # ثم يحتمل: قتل الكبراء أولادهم؛ تكبرا منهم وتجبرا؛ لأنهم كانوا يأنفون ~~عن أولادهم الإناث، وقتل الأتباع؛ مخافة العيلة والفقر. # وقوله - عز وجل -: (ليردوهم). # قيل: ليهلكوهم، إنهم كانوا يقصدون في التحسين والتزيين الإرداء والإهلاك، ~~وإن كانوا يرونهم في ذلك الشفقة، وكذلك كانوا يقصدون بالتزيين تلبيس الدين ~~عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء الله ما ms1561 فعلوه). # يحتمل: وجوها: # قال بعضهم: لو شاء الله لأهلكهم فلم يفعلوا ذلك. # وقيل: لأعجزهم ومنعهم عن ذلك؛ كقوله: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم). # وقيل: (ولو شاء الله ما فعلوه)، أي: لأراهم قبح فعلهم؛ حتى لم يفعلوا. # وأصله: أنه إذا علم منهم أنهم يفعلون ما فعلوا ويختارون ما اختاروا من ~~التزيين ولبس الدين عليهم شاء ما فعلوا واختاروا، وقد ذكرنا ذلك في غير ~~موضع. # PageV04P268 # وقوله - عز وجل -: (فذرهم وما يفترون). # أي: ذرهم ولا تكافئهم بافترائهم على الله. # ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن الله يكافئهم ولا يفوتون. # ويحتمل: ذرهم وما يفترون؛ فإن ضرر ذلك الافتراء عليهم، ليس علينا ولا ~~عليك، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم ... (138) # قيل: هذه الآية صلة قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) هذا الذي جعلوا للشركاء هو الحجر ~~الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنهم كانوا لا ينتفعون بذلك ويحرمونه، وهو حجر. # وأصل الحجر: المنع، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الحجر: ما حرموا ~~أنفسهم من أشياء: من الوصيلة، والسائبة، والحامي، وتحريمهم ما حرموا من ~~أشياء: كانوا يحلون أشياء حرمها الله، ويحرمون أشياء أحلها الله في ~~الجاهلية من الحرث والأنعام. # وفي حرف أبي، وابن عباس - رضي الله عنهما -: (حرج)، على تأخير الجيم ~~وتقديم الراء. # وعن الحسن: (حجر)، برفع الحاء. # PageV04P269 # وأصل الحجر: المنع، ممنوع: محجور، يقال: حجرت عليه، أي: منعته، والحجر ~~أيضا: موضع بمكة، والاحتجار: الاستئثار، وهو أن يأخذ الشيء ولا يعطي منه ~~أحدا شيئا. # وقوله - عز وجل -: (لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم). # قال بعضهم: قوله: (إلا من نشاء)، يعني: لا يطعمها إلا من يشاء الله ~~بزعمهم؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء ويأتون أشياء فواحش، فيقولون: إن الله ~~أمرهم بذلك؛ كقوله في الأعراف: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها). # وقال بعضهم: قوله (إلا من نشاء بزعمهم) يعني: الذين سنوا لهم، أي: لا ~~يطعمها إلا من ms1562 يشاء أولئك الذين سنوا ذلك، وحرموا ذلك على نسائهم؛ على ما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن شئت قد ذكرت لكم أول من ~~بدل دين إسماعيل، وبحر البحيرة والسائبة ". # فعلى ذلك أضافوا المشيئة إلى أولئك الذين سنوا لهم ذلك، وحرموا على ~~إناثهم وأحلوا لذكورهم. # وقال بعضهم قوله: (إلا من نشاء) هؤلاء الرجال، كانت مضافة إلى الرجال دون ~~النساء، وفي ذلك تسفيه أحلامهم؛ لأنهم كانوا ينكرون الرسالة لما كان يحرمون ~~من الطيبات، ثم يتبعون الذي حرم عليهم الطيبات التي أحلها الله لهم لأنهم ~~ينكرون الرسالة # PageV04P270 # لما كان، من البحيرة، والسائبة، ونحوهما. # وقوله - عز وجل -: (وأنعام حرمت ظهورها) هو ما ذكر من البحيرة، والسائبة، ~~والوصيلة، والحامي، وهو الحجر الذي ذكر في هذه الآية، يجعلون تلك الأشياء ~~لشركائهم، لا ينتفعون بها. # وقوله - عز وجل -: (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها). # قيل فيه بوجوه: # قيل: (لا يذكرون اسم الله عليها)، أي: لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا أنعم ~~الله؛ ليشكروا الله عليها. # وقيل: (لا يذكرون اسم الله عليها)، أي: لا يذبحون للأكل، ولا يذكرون اسم ~~الله عليها. # ويحتمل: لا يذكرون اسم الله عليها وقت الركوب؛ كما يذكر اسم الله عليها ~~وقت الركوب، وهو قوله: (سبحان الذي سخر لنا هذا) الآية؛ لأنهم كانوا لا ~~يركبونها؛ ولكن يسيبونها. # وقيل: لا يحجون عليها. # والأول كأنه أقرب: كانوا لا ينتفعون بها؛ ليعرفوا نعم الله، ويشكروه ~~عليها. # وقوله - عز وجل -: (افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون). # بأن الله أمرهم بذلك، وهو حرم عليهم، وهو أحل؛ فذلك هو الافتراء على ~~الله، أو بما أشركوا شركاءهم في عبادة الله وفي نعمه. # (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ... ~~(139) # قيل: هو صلة قوله: (وقالوا هذه أنعام وحرث حجر)، يحرمون على النساء، # PageV04P271 # ويحلون للرجال، يعني إذا ولدوا حيا كان ينتفع بذلك رجالهم دون نسائهم، ~~وإذا ولدوا ميتا اشتركوا فيه الإناث والذكور ويذكر في هذا كله سفه أولئك في ~~صنيعهم، ويذكر - في قوله: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) ms1563 إلى آخر منته ونعمه ~~التي أنعم عليهم. # وقوله - عز وجل -: (سيجزيهم وصفهم). # أي: افتراءهم على الله، وتحريمهم ما أحل الله لهم، وتحليلهم ما حرم ~~عليهم. # وقوله - عز وجل -: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افتراء على الله ... (140) # أخبر أنهم قد خسروا بقتلهم الأولاد، وتحريمهم ما أحل لهم ورزقهم. # وقوله - عز وجل -: (قد ضلوا وما كانوا مهتدين). وبالله الهداية والرشاد. # * * * # قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع ~~مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن الأنعام ~~حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ~~ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) # قوله - عز وجل -: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات). # ذكر هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم ~~ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات ~~وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ~~ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟ ~~وكم خرج؟ وأي قدر ثبت؟ ما قدروا على ذلك؛ كقوله: (وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون)، ويخرج من الورق # PageV04P272 # والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت ~~بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتا. ويخرج -أيضا- كل عام ~~من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها ~~مالك حكيم، وضع كل شيء ms1564 موضعه، وأن ما أنشأ أنشأ لحكمة وتدبير لم ينشئها ~~عبثا؛ فله الحكم والتدبير في الحل والحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا ~~تدبير في التحريم والتحليل؛ (هذا حلال وهذا حرام)، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ ~~إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: ~~(وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم)، وقوله: (هذا ~~لله بزعمهم)، (وهذا لشركائنا)، وقوله - تعالى -: (وأنعام حرمت ظهورها ~~وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه)، وغير ذلك من الآيات التي ~~كان فيها ذكر تحكمهم على الله، وإشراك أنفسهم في حكمه. # ثم اختلف في قوله: (معروشات وغير معروشات): # قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، (وغير معروشات): ما ~~يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض. # وقيل: معروشات: ما يتخذ له العريش، من نحو العرجون والقرع وغيره، وغير ~~معروشات: ما لا يقع الحاجة إلى العرش؛ من نحو: النخيل والأشجار المثمرة، ~~وهما واحد. # وقيل: على القلب، معروشات: ما تقوم بساقها، وغير معروشات: ما لا ساق لها، ~~والله أعلم. وتعريشه ما ذكر على أثره. # (والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه). # منها ما يكون متشابها في اللون مختلفا في الأكل والطعم، ومنها ما يكون ~~مختلفا في # PageV04P273 # اللون والمنظر متشابها في الطعم والأكل؛ ليعلموا أن منشئها واحد، وأنه ~~حكيم أنشأها على حكمة، وأنه مدبر: أنشأها عن تدبير، لم ينشئها عبثا. # ومن الناس من يقول: إن قوله: (متشابها) في الذي ذكر، وهو الرمان ~~والزيتون؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة. # ومنهم من يقول: فيهما وفي غيرهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كلوا من ثمره إذا أثمر). # كأنه قال: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولا تحرموا؛ خرج على مقابلة ما كان ~~منهم من التحريم، أي كلوا منها، ولا تحرموا؛ ليضيع ويفسد. # وقوله - عز وجل -: (وآتوا حقه يوم حصاده). # ذكر - عز وجل - الإيتاء مما يحصد بعد ذكر النخيل، والزرع، والزيتون، ~~والرمان، حبا وغير حب، وما يقع فيه الكيل وما لا يقع، مجملا عاما ms1565 ولم يفصل ~~بين قليله وكثيره. # PageV04P274 # ففيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره. # PageV04P275 # وكذلك قوله - تعالى - في سورة البقرة: (ومما أخرجنا لكم من الأرض). # وحديث معاذ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~في كل ما أخرجت الأرض العشر، أو نصف العشر ". # وحديث ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب ~~إلى أهل اليمن بذلك. # PageV04P276 # وما روي عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه، ~~قال: " فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر ". # وخبر معاذ، قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، ~~فأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريا، وأمرني أن آخذ من كل ~~أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعا، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي ~~بالديالي نصف العشر. # PageV04P277 # إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة - رحمه الله - ويوجب الصدقة في قليل الخارج ~~من الأرض وكثيره. # ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله: (وآتوا حقه ~~يوم حصاده): # قال قوم هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت # PageV04P279 # بالمدينة، وهي منسوخة بآية الزكاة. # وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأسا؛ لأنهم ~~كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها. # ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). # والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحد الذي حد له كقوله: (والذين إذا ~~أنفقوا # PageV04P280 # لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما). # وقيل في قوله: (ولا تسرفوا)، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا ~~حقه من بعضه. # وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما ~~رزقكم الله من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي ~~لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به ~~أحد؛ يكون مقابل قوله: (هذه ms1566 أنعام وحرث حجر. . .) الآية. # وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - فإنهما يذهبان إلى ما روي عن أبي ~~سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون ~~خمسة أواق صدقة " وعن أبي # PageV04P281 # سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، " لا صدقة في ~~الزرع، ولا في الكرم، ولا في النخل، إلا ما بلغ خمسة أوسق "، وذلك مائة ~~فرق. # PageV04P282 # وعن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة - رضي الله عنهم - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مثله. # وما روى موسى بن طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليس في ~~الخضراوات صدقة " وعن عمر مثله، وعن علي مثله، وكذلك روي عن جماعة السلف: ~~أن لا صدقة إلا في الحنطة والشعير والحبوب، وقال أبو حنيفة - رحمة الله ~~عليه - معنى ذلك كله لا صدقة، تؤخذ إلا فيما بلغ خمسة أوسق "، وليس في ~~الخضراوات صدقة تؤخذ، وما عليه في نفسه صدقة يؤديها هو. # ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة، فإن الآية تدل - والله ~~أعلم - على أن # PageV04P283 # زكاة الحب والثمار إنما تجب فيما بين: الجنات المعروشات وغير المعروشات؛ ~~فدخل في ذلك - والله أعلم - العنب، وغير العنب، والثمار كلها، وقال: ~~(والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه)، فدخل ~~جميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها، وقال: (كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه يوم حصاده)، فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد؛ فيجوز أن يكون ~~عفي عما قبل ذلك. # فإن كان هذا هو التأويل، فهو - والله أعلم - معنى ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولو لم يكن قوله - تعالى -: (كلوا من ثمره إذا أثمر) عفوا ~~عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأن الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ~~ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال ms1567 ~~- عز وجل -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه. # وإذا كان قوله: (كلوا من ثمره) عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة ~~الكلام، وهو على هذا التأويل - والله أعلم - ما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث ~~فالربع ". # PageV04P284 # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " ليس في العرايا صدقة ". # PageV04P285 # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ~~ويقول له: " إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون ". # وعن مكحول قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خفضوا على الناس ~~في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية ". # فدلت هذه الأحاديث على أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطبا إذا لم يكن ~~فيما يأكلون إسراف. # وقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الثلث أو الربع، وذلك - والله ~~أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن الله - ~~تعالى - قال: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)؛ فاحتمل أن يكون -أيضا- ~~معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك ~~نهيا عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل. # وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذه الأخبار، وأن ~~الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون ~~في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس ~~منها، ويمكن أن يدخر. # PageV04P286 # فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة ~~فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إلا أنا لا نعلم مخالفا ~~أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئته، فهذا يفسد ما احتججنا به ~~لأبي يوسف ومحمد ومن وافقهما، وتأويل ما روي " أن لا صدقة في الخضراوات "، ~~" وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ "، وإنما عليه في ms1568 نفسه أن يؤديها، ~~والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده): على أولئك خاصة في ذلك ~~الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ... ~~(142) # هو صلة قوله: (أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - ~~أيضا - من الأنعام حمولة وفرشا. # PageV04P287 # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها ~~التي لا تحمل. # وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: ~~هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم. # ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط. # وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع ~~المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه الله له، أي: جعله له. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، ~~وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: الحمولة: الإبل، والفرش: البقر ~~والغنم. # وقال أبو عوسجة: الحمولة: مراكب النساء، والفرش: ما يكون للنتاج. # وقال القتبي: الحمولة: كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش: صغارها التي ~~لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق: هي التي تصلح أن تركب، ~~أي: حق ذلك. # وقوله - عز وجل -: (كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان). # قوله: (كلوا مما رزقكم الله) ووجهوا شكر ذلك إليه، (ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان) في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم، رزقا؛ كقوله: (وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا). # PageV04P288 # وقوله: (هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها)، وقوله: (وقالوا ما في بطون هذه ~~الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا)، يقول: كلوا مما رزقكم الله؛ ~~وكذلك قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر)، وانتفعوا به، (ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان): في تحريم ms1569 ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ~~ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره. # ثم قوله: (خطوات الشيطان). # قيل: آثار الشيطان. # وقيل: أعمال الشيطان. # وقيل: دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد. # وأصله: أن كل من أجاب آخر إلى ما يدعو إليه ويأتمر بأمره، يقال: قد اتبع ~~أثره، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (إنه لكم عدو مبين). # أي: إنه فيما يدعوكم إلى تحريم ما أحل الله لكم ورزقكم - يقصد قصد ~~إهلاككم وتعذيبكم، لا قصد منفعة لكم في ذلك، وكل من قصد إهلاك آخر فهو عدو ~~له، وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم، يقول: ~~هو الذي جعل لكم ذلك؛ فلا تصرفوا شكوه إلى غيره. # وقوله - عز وجل -: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ... ~~(143) إلى آخر ما ذكر. # أي: أنشأ -أيضا- ثمانية أزواج، على ما ذكر: أنشأ جنات معروشات وغير ~~معروشات، وأنشأ من الأنعام -أيضا- حمولة وفرشا، وأنشأ -أيضا- ثمانية أزواج ~~مما عد علينا. # ويحتمل أن يكون قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. . ~~.) إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله: (ومن الأنعام حمولة وفرشا) ويكون (ثمانية ~~أزواج) التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى. # ثم في قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين): في الآية ~~تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على ~~الإناث ويحللونها # PageV04P289 # للذكور؛ كقوله: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء)؛ فقال الله - عز وجل: (قل آلذكرين حرم ~~أم الأنثيين): يعرفنا المحاجة معهم، وطلب العلة التي بها حرم، فقال: (قل ~~آلذكرين حرم أم الأنثيين)، فإن قالوا: حرم الذكر، فيجب أن كل ذكر محرم، ثم ~~من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم، وإن قالوا: حرم الأنثى، فيجب أن كل ~~أنثى -أيضا- تكون محرمة، فإذا لم تحرم كل أنثى ظهر تناقضهم؛ لأنه لا يجوز ~~أن يجب حرمة شيء أو حله ms1570 لمعنى، ثم يرتفع ذلك الحكم والمعنى موجود، أو حرم ~~ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإن كان لهذا، فيجب أن لكل مشتمل عليه ~~أرحام الأنثيين محرم، فإذا لم يحرم ذلك دل أن التحريم لم يكن لهذا. # وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة، فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة # PageV04P290 # موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة. # وقوله - عز وجل -: (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين). # أي: ليس عندهم علم يعلمون ذلك وينبئونه، ذكر - هاهنا - (نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين): في مقالتكم: إنه حرم، وقال في الآية التي تليها: (أم كنتم ~~شهداء إذ وصاكم الله بهذا)، أي: بتحريمها، أي: ليس لكم شهداء على تحريم ما ~~تحرمون: لا من جهة الكتاب، ولا رسول، ولا استدلال؛ لأن العلوم ثلاثة: علم ~~استدلال وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان وهو علم الحس، وعلم السمع ~~والخبر؛ فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء. # أما علم الاستدلال: فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم. # ولا علم مشاهدة؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك. # ولا علم من جهة السمع والخبر؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا ~~الرسل فيقولون: أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حرمتها، فبهتوا ~~في ذلك وضجروا. # PageV04P291 # وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد ونبوته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم ~~كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا فيما بينهم، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نشأ بين أظهرهم منذ كان صغيرا إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى ~~أحد عرف ذلك، ثم أخبر الله - عز وجل -، عن حل ما حرموا وفساد ما صنعوا؛ ~~ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا، وحرمة ما أحلوا، لا ~~بأحد من الخلائق. # وقوله - عز وجل -: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا). # أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ لأنه هو الذي أنشأهم وأنشأ لهم ~~جميع ما يحتاجون إليه ويقضون حوائجهم، وبه كان جميع نعمهم التي يتنعمون ~~ويتقلبون فيها؛ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، ms1571 فقال: حرم كذا ولم ~~يكن حرم، أو: أمر بكذا ولم يكن أمر. # ألا ترى: أنه قال - عز وجل -: (ومن أصدق من الله حديثا)، و (قيلا)، فكما ~~لم يكن أحد أصدق منه حديثا، فعلى ذلك لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~بعد علمه: أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشيء ما ذكر. # وقوله: (فمن أظلم). في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب؛ لأنه لا ~~يحتمل الاستفهام؛ كأنه قال: لا أحد أفحش ظلما ممن افترى على الله كذبا على ~~الإيجاب. # وقوله - عز وجل -: (ليضل الناس بغير علم). # لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم. # (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). # أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم. # وقيل: (لا يهدي القوم الظالمين) أي أنهم يختمون بالكفر. # ويحتمل: لا يهديهم؛ إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند ~~أنفسهم عدولا على الحق. # PageV04P292 # قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ~~الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) # قوله - عز وجل -: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه). # قوله: (قل لا أجد) يحتمل وجهين: # أحدهما، أي: لا أجد مما تحرمون أنتم فيما أوحي إلي، وأما مما لا تحرمون ~~فإنه يجد. # والثاني: لا أجد فيما أوحي محرما في وقت، ثم وجده في وقت آخر. # وأيهما كان فليس فيه دليل حل سوى ما ذكر في الآية على ما يقوله بشر. # وقوله - عز وجل -: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه). # مثل هذا الخطاب لا يكون ms1572 إلا في معهود أو سؤال، وإلا مثل هذا الخطاب لا ~~يستقيم على الابتداء. # فإن كان في معهود فهو يخرج جواب ما كانوا يحرمون من أشياء من الأنعام ~~والحرث، وما ذكر في الآيات التي تقدم ذكرها، وما كانوا يحرمون من البحيرة ~~والسائبة، والوصيلة، والحامي؛ فقال: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما): مما ~~تحرمون أنتم، (على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا). # أو كان جواب سؤال في نازلة؛ فقال: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) إلا ~~فيما ذكر في الآية، أو لم يجده محرما في وقت إلا ما ذكر، ثم وجده في وقت ~~آخر، ففي أيهما كان لم يكن لبشر علينا في ذلك حجة؛ حيث قال إن الأشياء كلها ~~محللة مطلقة بهذه الآية: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) إلا ما ذكر: من ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، فقال: لا يحرم من ~~الحيوان إلا ما ذكر. # ويقول: إن النهي الذي جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنه ~~نهى عن كل ذي ناب من # PageV04P293 # السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير "، إنما هو خبر خاص من أخبار الآحاد، ~~وخبر # PageV04P294 # الواحد لا يعمل في نسخ الكتاب، وقد قال: (لا أجد في ما أوحي إلي محرما). # PageV04P295 # وبعد: فإن ذلك الخبر من الأخبار المتواترة؛ لأنه عرفه الخاص والعام، # PageV04P296 # وعملوا به وظهر العمل به حتى لا يكاد يوجد ذلك يباع في أسواق المسلمين؛ ~~دل أنه من المتواتر. # قال الشيخ - رضي الله عنه -: وعندنا أن لفظة " التحريم " على الإطلاق لا ~~تقال إلا في النهايات من الحرمة، ونحن نقول: لا تطلق لفظة التحريم في ~~الحيوان إلا فيما ذكر في الآية من الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، ولكن ~~يقال: منهي عنه مكروه، ولا يقال: محرم مطلقا، ويقال: لا يؤكل ولا يطعم. # وبعد: فإن الآية لو كانت في غير الوجهين اللذين ذكرناهما، لم يكن فيها ~~دليل حل ما عدا المذكور في الآية؛ لأنه قال: (لا أجد)، ولم ms1573 يوجد في وقت، ثم ~~وجد في وقت آخر، وهذا جائز. # وفي قوله: (محرما على طاعم يطعمه) دلالة أن الجلد يحرم بحق اللحمية؛ لأنه ~~أمكن أن يشوى فيؤكل؛ فحرمته حرمة اللحم، فإذا دبغ خرج من أن يؤكل؛ فظل هو # PageV04P298 # مخرج، عن قوله: (على طاعم يطعمه. . .) هو، والله أعلم. # ثم في قوله: (محرما على طاعم يطعمه. . .) الآية دلالة أن الحرمة التي ذكر ~~في قوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية. . .) إلى آخر ما ذكر حرمة الأكل والتناول ~~منها؛ لأنه لم يبين في تلك الآية ما الذي حرم منها سوى ما ذكر حرمته تفسرها ~~هذه الآية. # وقوله - عز وجل -: (محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا) دل هذا أن الحرمة في تلك الآية الأكل والتناول منها؛ وكذلك قوله: ~~(اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم): ~~ذكر الحل، ولم يذكر الحكم، لماذا؟ ثم جاء التفسير في هذه الآية أنه للأكل، ~~ثم الميتة التي ذكر أنها محرمة ليست هي التي ماتت حتف أنفها خاصة. # ألا ترى أنه ذكر: (وما ذبح على النصب)، (وما أهل لغير الله به). # وقال: (والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع)، كل هذا ~~الذي ذكر لم يمت حتف أنفه، ولكن بأسباب لم يؤمر بها؛ فصارت ميتة؛ فدل أن كل ~~مذبوح أو مقتول بسبب لم يؤمر به فهو ميتة، لا يحل التناول منها إلا في حال ~~الاضطرار. # وفي قوله: (أو دما مسفوحا). # دلالة أن المحرم من الدم هو المسفوح، والدم الذي يكون في اللحم ويخالط ~~اللحم ليس بحرام، والدم المسفوح حرام. # PageV04P299 # قال أبو عوسجة: المسفوح المصبوب؛ تقول: سفحت: صببت. # وقال القتبي: مسفوحا، أي: سائلا. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: المسفوح: هو الذي يهراق. # وقوله - عز وجل -: (لحم خنزير). # ذكر اللحم وذكر حرمة الميتة؛ ليعلم أن الخنزير بجوهره حرام، والميتة ~~حرمتها لا بجوهرها، لكن لما اعترض؛ لذلك قلنا: إنه لا بأس بالانتفاع بصوف ~~الميتة ms1574 ووبرها وعظمها، ولا يجوز من الخنزير شيء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد). # قيل: غير باغ: يستحله في دينه، ولا عاد، أي: ولا متعد بألم يضطر إليه ~~فأكله. وقد ذكرنا أقاويلهم والاختلاف في تأويله في صدر الكتاب. # (فإن ربك غفور)، لأكله الحرام في حال الاضطرار، (رحيم)، حيث رخص الحرام ~~في موضع الاضطرار، وهذا -أيضا- قد مضى ذكره في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ... (146) # PageV04P300 # قيل: مثل هذا النعامة والبعير. # وقيل: كل ذي ظفر: مثل الديك، والبط، والبعير، وكل ما لم يكن منفرج # PageV04P301 # الأصابع والقوائم. # وقيل: حرمنا كل ذي حافر من نحو حمار الوحش والوز وغيره. # وقيل: (حرمنا كل ذي ظفر): كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، ~~ومن الدواب: كل ذي ظفر منشق؛ مثل: الأرنب والبعير وأشباههما، وهو قول ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - والأشبه أن يكون ما ذكر من تحريم كل ذي ظفر عليهم ~~هو ما يحل أكله لا ما يحرم وهو ما ذكر بعضهم أنه البعير والغنم لأنه ذكر، ~~في آية أخرى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. . .) ~~الآية. # PageV04P302 # وقوله - عز وجل -: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما). # قيل: تحرم شحوم بطونهما، ومن الثروب، وشحم الكليتين. # (أو الحوايا). وهي المباعر والمصارين، أي: الشحم الذي عليهما. # (أو ما اختلط بعظم). # قيل: الألية. # وقيل: قوله: (إلا ما حملت ظهورهما): هو سمن اللحم، قيل فيه أقاويل مختلفة ~~في هذا، وفي الأول في قوله: (حرمنا كل ذي ظفر)، لكن ليس لنا إلى معرفة ذلك ~~حاجة؛ لأن تلك شريعة قد نسخت، والعمل بالمنسوخ حرام، فإذا لم يكن علينا ~~العمل بذلك فليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة كان ذا أو ذا، وإنما علينا أن ~~نعرف: لم كان ذلك التحريم عليهم؟ وبم كان تحريم هذه الأشياء عليهم؟ # فهو - والله أعلم - ما ذكر في قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ms1575 سبيل الله كثيرا. . .) الآية، أخبر أن ما حرم ~~عليهم من الطيبات؛ بظلمهم للذين ظلموا؛ ولذلك قال الله - تعالى -: # (ذلك جزيناهم ببغيهم). # أخبر أن ذلك جزاء بغيهم الذي بغوا. # والثاني: أنهم كانوا يدعون ويقولون: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، يقول: لو ~~كنتم صادقين في زعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، لكن لا أحد يعاقب ولده أو ~~حبيبه بأدنى ظلم، ولا يحرم عليه الطيبات، فإذا كان الله حرم عليكم الطيبات، ~~وجزاكم بتحريم أشياء؛ عقوبة لكم بظلمكم وبغيكم - ظهر أنكم كذبتم في ~~دعاويكم، وافتريتم بذلك على الله. # PageV04P303 # وفيه دليل إثبات رسالة محمد ونبوته - صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا ~~يحرمون هذه الأشياء فيما بينهم، ولا يقولون: إنهم ظلمة، وإن ما حرم عليهم ~~كان بظلم كان منهم وبغي، ثم أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ما حرم ~~عليهم من الطيبات إنما حرم بظلمهم وبغيهم؛ دل أنه إنما أخبر بذلك عن الله، ~~وبه عرف ذلك؛ فدل أنه آية من آيات نبوته - صلى الله عليه وسلم -، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك جزيناهم ببغيهم). # أي: ذلك التحريم عقوبة لبغيهم وظلمهم. # (وإنا لصادقون) أي: إنا لصادقون، بالإنباء أن ذلك كان بظلمهم وبغيهم، أو ~~إنا لصادقون في كل ما أخبرنا وأنبانا. # وقوله - عز وجل -: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ... (147) # قال الحسن: فإن كذبوك فيما تدعوهم إليه وتأمرهم به: من التصديق، والتوحيد ~~له، والربوبية فقل: ربكم ذو رحمة واسعة، إذا رجعتم عن التكذيب، وصدقتم ~~وعرفتم أنه واحد لا شريك له، يغفر لكم ما كان منكم في حال الكفر، ويكفر ~~عنكم سيئاتكم التي كانت. # وقوله - عز وجل -: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين). # كأنه على التقديم والتأخير، كأنه يقول: فإن كذبوك فقل: (ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين). # ثم قل: (ربكم ذو رحمة واسعة): يسع في رحمته العفو إذا تبتم. # وقال غيره من أهل التأويل: (فإن كذبوك) يا محمد حين أنبأتهم بما حرم الله ~~عليهم بظلمهم وبغيهم، (فقل ربكم ذو رحمة واسعة) ms1576 لا يهلك أحدا وقت ارتكابه ~~المعصية، ولا يعذبه حالة ذلك، لكنه يؤخر، (ولا يرد بأسه) أي: عذابه إذا نزل ~~بقوم مجرمين بجرمهم، والله أعلم. # PageV04P304 # قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ~~والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) # قوله - عز وجل -: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من شيء). # قيل: الآية في مشركي العرب. # قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريمهم ما حرموا من ~~الأشياء، وأضافوا ذلك إلى الله، وهو صلة قوله: (ثمانية أزواج من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين. . .) إلى آخر ما ذكر ~~إلى قوله: (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا)، فلما لزمتهم المناقضة ~~وانقطع حجاجهم فزعوا عند ذلك إلى هذا القول: (لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء)، فيقول الله لنبيه: (كذلك كذب الذين من قبلهم): ~~من الأمم الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء، وكانوا يقولون لرسلهم ما قال لك ~~هؤلاء: (لو شاء الله ما أشركنا. . .) إلى آخر ما ذكر. # ثم اختلف في تأويل قوله: (لو شاء الله ما أشركنا) إلى آخر ما ذكر. # قال الحسن، والأصم: إن المشيئة - هاهنا -: الرضا؛ قالوا: رضي الله بفعلنا ~~وصنيعنا، حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا، وصنعوا مثل ما صنعنا، فلم يحل الله ~~بينهم وبين ذلك، ولا أخذ على أيديهم، ولا منعهم عن ذلك، فلو لم يرض بذلك ~~منهم لكان يحول ذلك عنهم ويمنعهم عنه. # PageV04P305 # وإنما استدلوا بالرضا من الله والإذن فيه بما كانوا يخوفون إياهم الهلاك ~~والعذاب بصنيعهم الذي كانوا صنعوا، ثم رأوهم ماتوا ms1577 على ذلك ولم يأتهم ~~العذاب، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أن الله رضي بذلك، والله ~~أعلم. # وليس للمعتزلة في ظاهر هذه الآية أدنى تعلق؛ لأنهم يقولون: إن الله - ~~تعالى - قد رد ذلك القول الذي قالوا، وعاتبهم على ذلك القول بقوله: (كذلك ~~كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا)، وأوعدهم على ذلك وعيدا شديدا، فلو ~~كان يجوز إضافة المشيئة إلى الله تعالى في ذلك على ما تضيفون أنتم لم يكن ~~يرد ذلك عنهم، ولا عاتبهم على ذلك، ولا أوعدهم وعيدا في ذلك؛ دل أنه لا ~~يجوز أن يقال ذلك، ولا إضافة المشيئة إليه في ذلك. # فنقول - وبالله التوفيق -: إن المشيئة - هاهنا - تحتمل وجوها: # أحدها: ما قال الحسن والأصم من الرضا؛ قالوا: إن الله رضي بذلك. # والثاني: الأمر والدعاء إلى ذلك؛ يقولون: إن الله أمرهم بذلك، ودعاهم إلى ~~ذلك. # والثالث: كانوا يقولون ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الحقيقة، ~~وهكذا أمر المجوس أنهم إذا قيل لهم هذا: لم لا تؤمنون وتسلمون؟ يقولون ما ~~قال هؤلاء: لو شاء الله لآمنا ولا أشركنا؛ فهذا العتاب الذي لحقهم والوعيد ~~الذي أوعدهم إنما كان لما قالوا ذلك استهزاء منهم، أو لما ادعوا من الأمر ~~والدعاء على الله وافتروا عليه، أو الرضا أنه رضي بذلك. # على هذه الوجوه الثلاثة تخرج المشيئة في هذا الموضع - والله أعلم - لا ~~على ما قاله المعتزلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ويقول الإنسان أإذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا) هي كلمة حق، لكن قالها استهزاء وهزؤا، فلحقه العتاب. # وقوله - عز وجل -: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) أي: هل عندكم من ~~بيان وحجة من الله فتبينوه لنا وتظهروه على زعمكم أن الله أمركم بذلك ~~ودعاكم إليه أو ترككم على ذلك لما رضي بذلك دون أن أمهلكم ليعذبكم، أو ليس ~~قد ترك من خالفكم في ذلك، ثم لم يدل تركه إياهم على أنه رضي بذلك، فقال ~~الله: # PageV04P306 # (إن تتبعون إلا الظن). # أي: ما تتبعون في ذلك إلا الظن. # (وإن أنتم ms1578 إلا تخرصون) # أي: ما هم إلا يخرصون ويكذبون في ذلك، ليست لهم حجة ولا بيان على ما ~~يدعون من الأمر والدعاء إلى ذلك، والترك على ما هم عليه من الرضا به. # وقوله - عز وجل -: (قل فلله الحجة البالغة ... (149) # قيل: الحجة البالغة: التي إذا بلغت كل شبهة أزالتها، وكل غافل نائم نبهته ~~وأيقظته. # وقيل: الحجة البالغة: التامة القاهرة، الظاهرة على كل شيء، الغالبة عليه، ~~لم تبلغ شيئا إلا قهرته وغلبته. # وقال الحسن: الحجة البالغة في الآخرة: لا يعذب أحدا ولا يعاقبه إلا لحجة ~~تلزم، لا يعاقب بهوى أو انتقام أو شهوة على ما يعاقب في الشاهد ولا غيره، ~~ما من أحد من الخلائق إلا ولله عليه الحجة البالغة، أما الملك المقرب: فإن ~~الله جبله على الطاعة فلا يعصيه، منا من الله عليه طولا وفضلا، فهو مقصر عن ~~شكر نعمة الله عليه، وأما النبي المرسل والعبد الصالح: فلله عليهما السبيل ~~والحجة من غير وجه. # ثم تحتمل الحجة البالغة وجوها: # أحدها: هذا القرآن الذي أنزله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية ~~معجزة وحجة بالغة ما عجز الخلائق عن إتيان مثله، فدل عجزهم عن إتيان مثله ~~على أنه آية من آيات الله، وحجة من حجج الله أرسلها إلى نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم -. # والثاني: أنه جعل في كلية الخلائق والأشياء ما يشهد أن الخلائق والأشياء ~~كلها له شهادة خلقه، وتدل كلية الأشياء على وحدانيته، فهو حجة بالغة. # والثالث: ألسن الرسل وأنباؤهم؛ حيث لم يؤاخذوهم بكذب قط فيما بينهم، ولا ~~جرى على لسانهم كذب قط، ولا فحش؛ عصمهم - عز وجل - عن ذلك، فدل ذلك على ~~أنهم إنما خصوا بذلك؛ لما أن الله جعلهم حججا وآيات على وجه الأرض حجة ~~بالغة، وبالله العصمة. # PageV04P307 # وقال بعضهم: (فلله الحجة البالغة) في تحريم الأشياء وتحليلها، ليس لهؤلاء ~~الذين يحرمون أشياء لهم في تحريمهم حجة، إنما يحرمون ذلك بهوى أنفسهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلو شاء لهداكم أجمعين). # قال الحسن: المشيئة - هاهنا -: مشيئة القدرة، وقال: لو شاء ms1579 قهرهم وأعجزهم ~~حتى لم يقدروا على معصية قط؛ على ما جعل الملائكة جبلهم على الطاعة حتى لا ~~يقدروا على معصية قط، ثم هو يفضل الملائكة على الرسل والأنبياء والبشر ~~جميعا، ويقول: هم مجبورون على الطاعة، فذلك تناقض في القول لا يجوز من كان ~~مقهورا مجبورا على الطاعة يفضل على من يعمل بالاختيار مع تمكن الشهوات فيه، ~~والحاجات التي تغلب صاحبها وتمنعه عن العمل بالطاعة، أو يقول: فضلهم ~~بالجوهر والأصل، فلا يجوز أن يكون لأحد بالجوهر نفسه فضل على غير ذلك ~~الجوهر؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر فضل شيء بالجوهر إلا مقرونا بالأعمال ~~الصالحة الطيبة؛ كقوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار (26). وغيره. وقوله: (والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه)، وقوله: (والعمل الصالح يرفعه)، ونحوه، لم يفضل أحدا بالجوهر على ~~أحد، ولكن إنما فضله بالأعمال الصالحة؛ لذلك قلنا: إن قوله يخرج على ~~التناقض، وتأويل قوله: (فلو شاء لهداكم أجمعين) عندنا ظاهر، لو شاء لهداهم ~~جميعا، ووفقهم للطاعة، وأرشدهم لذلك، وهو كقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. . .) الآية، فإذا كان ~~الميل إلى الكفر لمكان ما جعل لهم من الفضة والزينة، فإذا كان ذلك للمؤمنين ~~آمنوا، ثم لم يجعل كذلك، دل هذا على أن قولهم: (لو شاء الله ما أشركنا) هو ~~الأمر والرضا، أو ذكروا على الاستهزاء؛ حيث قال: (فلو شاء لهداكم أجمعين). # والمعتزلة يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة قسر وقهر، وقد ذكرنا ألا يكون ~~في حال القهر إيمان، وإنما يكون في حال الاختيار، والمشيئة مشيئة الاختيار، ~~ولا تحتمل مشيئة الخلقة؛ لأن كل واحد بمشيئة الخلقة مؤمن، فدل أن التأويل ~~ما ذكرنا. # PageV04P308 # وقوله - عز وجل -: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ... ~~(150) الذي تحرمون أنتم من الوصيلة، والسائبة، والحامي، ms1580 وما حرموا من الحرث ~~والأنعام (فإن شهدوا). أن الله حزمه (فلا تشهد معهم). # كيف قال: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد ~~معهم) # دعاهم إلى أن يأتوا بالحجة، فإذا أقاموها لا تشهد معهم، لكن هذا - والله ~~أعلم - أنهم يعلمون أن التحريم إلى الله، ليس إلى أحد من الخلائق، فإن ~~شهدوا بأنه حرم، فلا تشهد معهم؛ فإنهم شهدوا بباطل. # ويحتمل: أن يكون أمره أن يسألهم شهداء من أهل الكتاب يشهدون لهم بأن الله ~~حرم هذا؛ لأن هؤلاء كانوا أهل شرك، وعبدة الأوثان يسألون أهل الكتاب وأهل ~~الرسل يشهدون لهم بذلك، فإن شهدوا فلا تشهد معهم أي: لا يشهدون لهم بذلك، ~~فلا تشهد أنت -أيضا- معهم؛ على الإخبار أنهم لا يشهدون؛ وهو كقوله: (لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم. . .) الآية، ~~أخبر عن المنافقين أنهم قالوا: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا ~~أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون. . .)، ثم أخبر عنهم ~~أنهم (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم. . .) الآية، ~~لكنه أخبر أنهم لا يقاتلون رأسا، وإلا لو نصروهم لا يولون الأدبار؛ فعلى ~~ذلك قوله: (هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد ~~معهم)؛ لأنهم لا يشهدون، والله أعلم. # ويشبه أن يسألوا حتى يأتوا بآبائهم حتى يشهدوا؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا ~~وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، وإن الله رضي بصنيع آبائنا؛ حيث لم ~~يهلكهم، وتركهم على ذلك، فيسألون أن يأتوا بأولئك حتى يكونوا هم الذين ~~يشهدون على ذلك، فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا أبدا؛ وهو كقوله: (وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين)، فلا يجدون أبدا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا). # دل أن ما كانوا يحرمون إنما يحرمون بهواهم، لا بحجة وبرهان. # (والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون). # PageV04P309 # أي: يعدلون الأصنام في العبادة والألوهية بربهم. # قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ms1581 شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153) # قوله - عز وجل -: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم)، يقول: تعالوا أقرأ ~~عليكم ما حرم ربكم، وأبين لكم ما حرم بحجة وبرهان، وأن ما حرمتم أنتم حرمتم ~~تقليدا منكم لآبائكم، أو حرمتم بهوى أنفسكم، لا حرمتم بأمر أو حجة وبرهان. # ثم بين الذي حرم عليهم فقال: (ألا تشركوا به شيئا). # الشرك حرام بالعقل، ويلزم كل من عقل التوحيد ومعرفة الرب؛ لما كان منه من ~~تركيب الصور وتقويمها بأحسن صور يرون ويعرفون أنه لم يصورها أحد سواه، ولا ~~قومها، ولا يشركه آخر في ذلك، وما كان منه إليكم من أنواع الإحسان ~~والأيادي، فكيف تشركون غيره في ألوهيته وربوبيته؟! فذلك حرام بالعقل ~~والسمع. # وقوله - عز وجل -: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا). # يخرج على وجهين: # أحدهما: على الوقف والقطع على قوله: (عليكم)، والابتداء من قوله: (ألا ~~تشركوا به شيئا)؛ كأنه لما قال: (أتل ما حرم ربكم عليكم).، فقالوا: أي شيء ~~الذي حرم علينا ربنا؟ فقال: (ألا تشركوا به شيئا). # والوجه الآخر: على الوصل بالأول، ولكن على طرح " لا "؛ فيكون كأنه قال: ~~حرم ربكم عليكم أن تشركوا به شيئا، وحرف " لا " قد يطرح ويزاد في الكلام. # PageV04P310 # وقوله - عز وجل -: (وبالوالدين إحسانا). # أي: برا بهما. # فإن قيل: قال - تعالى -: (أتل ما حرم ربكم عليكم)، وهاهنا يأمر بالإحسان ~~إليهما، ولم يذكر المحرم؟ # قيل: في الأمر بالإحسان إليهما تحريم ترك الإحسان؛ فكأنه قال: حرم عليكم ~~ترك ms1582 الإحسان إلى الوالدين، وفرض عليكم برهما والإحسان إليهما. # ثم فيه: إنكم تعرفون بالعقل أن الإحسان إلى الوالدين واجب، والإساءة ~~إليهما حرام عليكم، ولم يكن منهما إليكم من الإحسان أكثر مما كان من الله ~~إليكم، فكيف تختارون الإساءة إلى الله والإشراك في عبادته غيره، ولا ~~تختارون الإساءة إلى الوالدين؟! بل تختارون الإحسان إليهما. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق). # إنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر والفاقة، فهو مما حرم عليهم، وهذا ~~يدل على أن الحظر في حال لا يوجب الإباحة في حال أخرى؛ لأنه قال: (ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية # PageV04P311 # إملاق)، ليس فيه إباحة القتل إذا لم يكن هنالك خشية الإملاق، لكن ذكر ~~هذا؛ لأنهم أإنما، كانوا يقتلون في ذلك الحال، ففي ذلك خرج النهي. # وقوله - عز وجل -: (نحن نرزقكم وإياهم). # أي: على ما يخرج لكم من الزرع والثمار، والنبات، فرزقكهم من ذلك، فعلى ~~ذلك يرزق أولادكم مما يخرج من الأرض من النبات والزروع والثمار، فلا ~~تقتلوهم، فإذا لم تقتلوا أنفسكم خشية الفقر والفاقة، كيف تقتلون أولادكم ~~لذلك؛ فالذي يرزقكهم هو الذي يرزق أولادكم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن). # يحتمل قوله: (ولا تقربوا)، أي: لا تواقعوها. # ويحتمل: لا تدنوا منها، ولكن اجعلوا بينكم وبين الفواحش والمحرمات حجابا ~~من الحلال، وهكذا الحق على المسلم ألا يدنو من الحرام، ويجعل بينه وبين ذلك ~~حجابا وسترا من الحلال. # ثم اختلف في قوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن): # قيل: الفواحش: الزنا، ما ظهر منها: المخالطة باللسان، والمجالسة معهن، ~~(وما بطن): فعل الزنا نفسه؛ كانوا يجتمعون، ويجالسونهن، ولكن لا يجامعونهن ~~بين أيدي الناس، ثم إذا خلوا بهن زنوا بهن. # وقيل: كانوا يزنون بالحرائر سرا، وبالإماء ظاهرا؛ فحرم ذلك عليهم. # وقيل: (ما ظهر منها): نكاح الأمهات، (وما بطن): هو الزنى، وكان # PageV04P312 # نكاح الأمهات ظاهرا، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، رضي الله عنهما. # وقيل: الفواحش: المحرمات جملتها، فما ظهر منها: فيما بينهم وبين الخلق، ~~وما بطن. ms1583 فيما بينهم وبين الله تعالى. # وقيل: (ما ظهر منها): ما يكون بالجوارح، (وما بطن): ما يكون بالقلب. # وعن مجاهد قال: (ما ظهر): الجمع بين الأختين، وتزوج الرجل امرأة أبيه وما ~~بطن منها: الزنى، وما حرم أيضا. # ويحتمل قوله: (ما ظهر): ما يرى غيره ويبصر، (وما بطن): ما يكون بالعين ~~والقلب؛ على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~العينان تزنيان، واليدان تزنيان " وما بطن: يكون زنى العين والقلب؛ لأنه لا ~~يعلمه غير الناظر، والله أعلم؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل حرف من ذلك، ~~أي: حرم عليكم الشرك، وحرم عليكم ترك الإحسان إلى الوالدين، وحرم قتل ~~الأنفس إلا بالحق؛ فيصير كأنه ذكر التحريم في كل من ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق). # قيل: بالحق: إذا ارتد يقتل به، وفي القصاص، وفي الزنى إذا كان محصنا. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم وصاكم به). # (ذلكم) يعني: المحرمات التي ذكر (وصاكم به) اختلف فيه: # قيل: (وصاكم به): فرض عليكم. # وقيل: (وصاكم به): أمركم به. # وقيل: (وصاكم به): بين لكم المحرم. وكله يرجع إلى واحد. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تعقلون) أنه لم يحرم إلا ما ذكر ولم يحرم ما ~~حرمتم # PageV04P314 # أنتم من الأنعام وغيرها. # و (لعلكم تعقلون) أي: لكي تنتفعوا بعقولكم. # أو نقول: إن ذلكم وصاكم به لتعقلوا؛ لأن حرف " لعل " من الله على الوجوب، ~~أي يعقلون عن الله بما خاطبهم به وأمرهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده ... (152) # قال أبو بكر الكيساني: (ولا تقربوا مال اليتيم)؛ أي: لا تأكلوا مال ~~اليتيم إلا بالتي هي أحسن. # وقال: ثم اختلف في الوجه الذي يحسن: # قال بعضهم: هو أن يعمل له فيأكل من ماله أجرا لعمله. # وقال آخرون: يأكله قرضا، وذلك مما اختلفوا فيه. # وقال غيرهم: هو أن ينتفع بدوابه، ويستخدم جواريه، ونحو ذلك، وقال: وذلك ~~مما لا يحتمل تأويل الآية. # وعندنا أن الآية باحتمال هذا أولى؛ لما يقع ms1584 لهم الضرورة في استخدام ~~مماليكه، وركوب دوابه، والانتفاع بذلك؛ لما يقع لهم المخالطة بأموال ~~اليتامى؛ كقوله: (وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح)، ~~فإذا كان لهم المخالطة، لا يسلمون عن الانتفاع بما ذكرنا. # وقال الحسن: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن)، أي: إلا بالوجه ~~الذي جعل له، والوجه الذي جعل له هو أن يكون فقيرا، وهو ممن يفرض نفقته في ~~ماله، فله أن يقرب ماله، وعندهم أن نفقة المحارم تفرض في مال اليتيم إذا ~~كانوا فقراء، فبان أن # PageV04P315 # جعل له التناول في ماله، وإن كان لا يفرض نفقته في ماله. # ثم الآية تحتمل وجهين عندنا: # أحدهما: ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالحفظ والتعاهد له، أمر كافل اليتيم ~~أن يحفظ ماله ويتعاهده. # والثاني: يقرب ماله بطلب الزيادة له والنماء؛ ولذلك قال أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - بأنه يجوز لكافل اليتيم إذا كان وصيا أن يقرب ماله بيعا إذا كان ~~ذلك خيرا لليتيم؛ إذا وقع له الفضل، وطلب له الزيادة والنماء. # وقوله - عز وجل -: (حتى يبلغ أشده). # قال أبو بكر: قوله: (حتى يبلغ أشده) أي: حتى يبلغ الوقت الذي يتولى ~~أموره؛ كقوله: (فإن آنستم منهم رشدا. . .) الآية. # وقال غيره من أهل التأويل: الأشد: ثمانية عشر سنة. # ويشبه أن يكون الأشد هو الإدراك، أي حتى يدركوا. # وقوله - عز وجل -: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) يشبه أن يكون قوله: ~~(وأوفوا الكيل والميزان) في اليتامى أيضا، أمر أن يوفوا لهم الكيل ~~والميزان، ونهاهم ألا يوفوا لهم على ما نهاهم عن قربان مالهم إلا بالتي هي ~~أحسن، وكذلك قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، أمكن أن يكون هذا ~~في اليتامى أيضا، أي: إذا قلتم قولا لليتامى، فاعدلوا في ذلك القول، وإن ~~كان ذا قربى منكم. # وقوله - عز وجل -: (وبعهد الله أوفوا). # أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في اليتامى، أوفوا بقوله: (ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا # PageV04P316 # بالتي هي أحسن)، وقوله: (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا)، وغير ذلك؛ أوفوا ~~بما عهد إليكم فيهم. # ويحتمل ms1585 أن يكون قوله - تعالى -: (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط): في ~~اليتامى وفي غيرهم في كل الناس، وهو لوجهين: # أحدهما: أن في ترك الإيفاء اكتساب الضرر على الناس، ومنع حقوقهم، فأمر ~~بإيفاء ذلك كقوله: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم). # والثاني: للربا؛ لأنه لزم مثله كيلا في الذمة، فإذا لم يوفه حقه وأعطاه ~~دونه، صار ذلك الفضل له ربا. # وقوله - عز وجل -: (لا نكلف نفسا إلا وسعها). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: لا نكلف أحدا ما في تكليفنا إياه تلفه، وإن كان يجوز له تكليف ما ~~في التكليف تلفه؛ كقوله: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا ~~من دياركم. . .) الآية، وعلى ما أمر من بني إسرائيل بقتل أنفسهم. # والثاني: لا نكلف أحدا ما في تكليفنا إياه منعه؛ نحو: من يؤمر بشيء لم ~~يجعل له الوصول إلى ذلك أبدا، ويجوز أن يؤمر بأمر وإن لم يكن له سبب ذلك ~~الأمر بعد أن يجعل لهم الوصول إلى ذلك السبب؛ نحو: من يؤمر بالصلاة وإن لم ~~يكن معه سبب ذلك وهو الطهارة، ونحو: من يؤمر بالحج بقوله: (ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا) هذا يدل على أن من جعل في وسعه الوصول إلى ~~شيء، يجوز أن يكلف على ذلك، ويصير باشتغاله بغيره مضيعا أمره. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قلتم فاعدلوا). # قال بعض أهل التأويل: هذا في الشهادة؛ كقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. . .) ~~الآية. # ويحتمل قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا): كل قول، والقول أحق أن يحفظ فيه ~~العدالة من الفعل؛ لأنه به تظهر الحكمة من السفه، والحق من الباطل؛ فهو ~~أولى. # وقوله - عز وجل -: (وبعهد الله أوفوا) أي: بعهد الله الذي عهد إليكم في ~~التحليل والتحريم، والأمر والنهي، وغير ذلك. # PageV04P317 # (ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون). # ذكر - هاهنا - (تذكرون)، وفي الآية الأولى: (تعقلون)، وفي الآية الأخيرة: ~~(تتقون)، إذا عقلوا تفكروا واتعظوا، وعرفوا ما يصلح وما لا يصلح أثم اتقوا ~~المحرمات وما لا يصلح. أو. (تذكرون)، ms1586 أي: تتعظون بما وعظكم به وزجركم عنه، ~~وتعقلون مهالككم وتتقون محارمكم. # وقوله - عز وجل -: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153) يحتمل وجوها: # يحتمل: (وأن هذا) الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه، وتحريمه وتحليله ~~(صراطي مستقيما فاتبعوه) على ما قاله أهل التأويل: إنها آيات محكمات، لم ~~ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم. # ويحتمل قوله: (وأن هذا صراطي مستقيما): الذي دعا إليه الرسل من كل شيء هو ~~صراطي مستقيما (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل)؛ لأن الرسل يدعون إلى ما يدعون ~~بالحجج والبراهين. # ويحتمل قوله: (هذا صراطي مستقيما) أصل الدين، ووحدانية الله، وإخلاص ~~الأنفس له على غير إشراك في عبادته وألوهيته، وأن يكون قوله: وأن الذي جاء ~~به محمد - صلى الله عليه وسلم - أو الذي ذكر في القرآن، وإلا ذكر هذا ولم ~~يشر إلى شيء بعينه، فيحتمل ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله). # أمر - عز وجل - باتباع ما ذكر من الصراط المستقيم، ونهى عن اتباع السبل؛ ~~لأن غيره من الأديان المختلفة والأهواء المتشتتة لا حجة عليها ولا برهان، ~~وما ذكر من الصراط المستقيم هو دين بحجة وبرهان، لا كغيره من الأديان، وإن ~~كان يدعي كل من ذلك أن الذي هو عليه دين الله وسبيله. # (ذلكم وصاكم به لعلكم تتقو) # المحرمات والمناهي والمعاصي التي ذكر في هذه الآية، أو لعلكم، تتقون ~~السبل والأديان المختلفة. # وأصله: أن السبيل المطلق: سبيل الله، والدين المطلق: دين الله، والكتاب ~~المطلق: كتاب الله. # PageV04P318 # قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء ~~وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب ~~بآيات ms1587 الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون (157) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) # قوله - عز وجل -: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما). # اختلف فيه؛ قال الحسن: قوله: (تماما على الذي أحسن)، أي: من أحسن صحبته، ~~تمت نعمة الله وكرامته عليه في الآخرة. # وقيل: (تماما على الذي أحسن)، يعني: على المحسنين والمؤمنين، و " على " ~~بمعنى: للذي أحسن وللذي آمن، ويجوز " على " في موضع اللام؛ كقوله: (وما ذبح ~~على النصب) أي: للنصب. # وقتادة قال: فمن أحسن فيما آتاه الله، تمت عليه كرامة الله في جنته ~~ورضوانه، ومن لم يحسن فيما آتاه الله، نزع الله ما في يده، ثم أتى الله ولا ~~عذر له. # وقال أبو بكر الكيساني في قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي ~~أحسن): أي: ثم آتيناكم من الحجج والبيان تماما من موسى وكتابه، أي: موسى ~~وكتابه مصدق وموافق لما أعطاكم؛ بهقوله: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة. . .) الآية. # ويحتمل: تمام ما ذكرنا تماما بالنعمة والكرامة. # ويحتمل: تماما بالحجة والبيان، وتماما بالحكمة والعلم. # وقوله - عز وجل -. (على الذي أحسن). # PageV04P319 # أي: للذي أحسن. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل ~~شيء)، أي: تبيانا لكل شيء، وهدى من الضلال والشبهات، ونعمة، ورحمة من ~~العذاب والعقاب. # (لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون). # أي: ليكونوا بلقاء ربهم يؤمنون؛ هو على التحقيق. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (تماما على الذي أحسن) يقول: أتم له ~~الكتاب على أحسنه على الذي بلغ من رسالته، وتفصيل كل شيء: بيان كل شيء ~~(وهدى)، أي: تبيانا من الضلالة (ورحمة)، أي: نعمة، (لعلهم بلقاء ربهم ~~يؤمنون)، أي: بالبعث بعد الموت، (يؤمنون)، أي: ليكونوا مؤمنين بالبعث. # ومنهم من يقول في ms1588 قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب): إنه وإن أتى بحرف ~~الترتيب، فإنه على الإخبار؛ كأنه قال: ثم قد كنا آتينا موسى الكتاب تماما، ~~معناه: وقد آتيناه. # وقوله - عز وجل -: (وهذا كتاب أنزلناه ... (155) يعني: القرآن أنزلناه. # (مبارك). # قال أبو بكر الكيساني: البركة هي التي من تمسك بها أوصلته إلى كل خير ~~وعصمته من كل شر، وهو المبارك. # وقال الحسن: هو المبارك لمن أخذه واتبعه وعمل به، فهو مبارك له، وسمي هذا ~~القرآن مباركا؛ لما يبارك فيه لمن اتبعه، هو مبارك لمتبعه والعامل به، وإلا ~~من لم يتبعه فليس هو بمبارك له، بل هو عليه شدة ورجس؛ كقوله - تعالى -: ~~(وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم)، فهو ما ذكرنا مبارك لمن اتبعه وتمسك به، وسمي مجيدا -أيضا- ~~وكريما لمن اتبعه يصير مجيدا # PageV04P320 # كريما، وكذلك سمي روحا ووحيا؛ لما يحيا به من اتبعه. # وأصل البركة: هو أن ينتفع بشيء على غير تبعة، فهو البركة؛ وعلى ذلك يخرج ~~قول الناس بعضهم لبعض: بارك الله لك في كذا، أي: جعل لك فيه منافع لا تبعة ~~عليك فيه؛ فعلى هذا يجيء أن يكون القرآن مباركا بكسر الراء، لكن قيل: ~~مبارك؛ لانتفاع الناس به. والبركة تحتمل وجهين: # أحدهما: اسم لكل خير يكون أبدا على النماء والزيادة. # والثاني: اسم لكل منفعة لا تبعة عليه فيها، ولا مؤنة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاتبعوه واتقوا). # أي: اتبعوا إشاراته، (واتقوا) أي: اتقوا مخالفته (لعلكم ترحمون)؛ أي: لكي ~~ترحموا، من اتبع أوامره وإشاراته واتقى، نواهيه ومحارمه رحم. # وقوله - عز وجل -: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن ~~كنا عن دراستهم لغافلين (156) # قال أهل التأويل: أنزل الكتاب على الطائفتين: اليهود والنصارى، ومن أنزل ~~الكتاب على اليهود والنصارى إنما أنزله على المسلمين، لكن المعنى - والله ~~أعلم -: إنما أنزل الكتاب على طائفتين، أي: إنما يظهر نزول الكتاب التوراة ~~والإنجيل عند الخلق بطائفتين من ms1589 قبلنا سموا يهود ونصارى بالتوراة والإنجيل، ~~وإلا لم يكن وقت نزول التوراة يهود، ولا وقت نزول الإنجيل نصارى. # ثم قوله: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب) هو صلة قوله: (وهذا كتاب أنزلناه) ~~لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من فبلنا ولم ينزل علينا. # ويجوز " أن " بمعنى " لن "، أي: لن تقولوا: إنما أنزل الكتاب؛ كقوله: (أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)، أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنا عن دراستهم لغافلين). # PageV04P321 # أي: وقد كنا عن دراستهم لغافلين، ويجيء أن يكون عن دراستها؛ لأنها دراسة ~~الكتب، لكن أضيف إليهم، أي: أولئك القوم. # وقوله - عز وجل -: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ~~... (157) # هو على ما ذكرنا لئلا تقولوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب. # (لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة). # أنزل الله - عز وجل - هذا القرآن؛ قطعا لحجاجهم، ومنعا لعذرهم، وإن لم ~~يكن لهم الحجاج والعذر، وعلى ذلك يخرج قوله: (لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل) لا يكون لهم حجة على الله، وإن لم ينزل الرسل والكتب. # ثم يحتمل عذر هؤلاء أن يقولوا: إنما أنزل الكتاب بلسانهم، لم ينزل ~~بلساننا، ونحن لا نعرف لسانهم، وكنا عن دراستهم لغافلين، ولو كان لهم العذر ~~والاحتجاج بهذا، لكان للعجم الاحتجاج والعذر في ترك اتباع القرآن؛ لما لم ~~ينزل بلسان العجم، ولم يعرفوا هم لسانهم، أعني: لسان العرب، ثم لم يكن ~~للعجم الاحتجاج بذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى معرفته؛ فعلى ذلك لا عذر ~~للعرب في ترك اتباع ما في الكتب التي أنزلت بغير لسانهم؛ لما في وسعهم ~~الوصول إلى معرفتها، والتعلم منهم، والأخذ عنهم، وهذا يدل على أنه يجوز ~~التكليف بأشياء ليست معهم أسبابها، بعد أن جعل لهم سبيل الوصول إلى تلك ~~الأسباب. # والثاني: من احتجاجهم أن يقولوا: إن اليهود والنصارى قد اختلفت وتفرقت ~~تفرقا لا اجتماع بينهم أبدا، فكيف نتبعهم في ذلك؟! # فيقال: إن مذاهبهم وكتبهم إنما تفرقت بهم وبقولهم، ms1590 فقد أنزل من الحجج ~~والبيان ما يعرف ذلك الذي تفرق بهم، فلا حجة لهم في ذلك؛ وهذا كقوله: ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)، وقد جاءتهم آيات ~~فلم يؤمنوا بها؛ فعلى ذلك قوله: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين ~~من قبلنا)، وقوله: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم). # وفي الآية دلالة على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم لو كانوا أهل ~~كتاب # PageV04P322 # صار أهل الكتاب ثلاث طوائف، وقد أخبر أنه إنما أنزل الكتاب على طائفتين، ~~وذلك محال. # PageV04P324 # فإن قيل: إنما هذا حكاية من الله - تعالى - عن المشركين، قلنا: معناه - ~~والله أعلم -: إني أنزلت عليكم الكتاب؛ لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا، فلم يقولوا ذلك، ولكن الله قطع بإنزاله الكتاب حجتهم ~~التي علم أنهم كانوا يحتجون بها لو لم ينزله، وإن لم يكن لهم في ذلك حجة ~~ولا عذر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقد جاءكم بينة من ربكم). # قيل: القرآن. # وقيل: محمد - صلى الله عليه وسلم -. # (وهدى). # أي: هدى من الضلالة وكل شبهة. # (ورحمة). # أي: ذلك منه رحمة ونعمة. # (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله). # أي: لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله. # قيل: بآيات الله: حجج الله. # وقيل: دين الله، وقد ذكرناها في غير موضع. # وقد ذكرنا أن قوله: (فمن أظلم) حرف استفهام في الظاهر، ولكن ذلك من الله ~~على الإيجاب؛ كأنه قال: لا أحد أوحش ظلما ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~وقوله: (وصدف عنها) أي أعرض عنها (سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب ~~بما كانوا يصدفون) يعرضون ويبدلون. . . الآية ظاهرة. # وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا ... (158) # قال أهل التأويل: ما ينظرون، وحرف " هل " هو حرف استفهام وتعجب، لكن # PageV04P325 # أهل التأويل قالوا: ما ينظرون، حملوا على الجواب؛ لأنه لم يخرج له جواب، ~~فجوابه ما قالوا: ما ينظرون؛ كما قالوا في قوله: (ومن أظلم ممن افترى على ~~الله ms1591 كذبا) أي: لا أحد أظلم ممن كذب، هو جواب؛ لأن جوابه لم يخرج، فجوابه ~~ما قالوا: لا أحد أظلم؛ لأنه سؤال واستفهام، فجوابه ما ذكروا؛ فعلى ذلك ~~قوله: (هل ينظرون) هو استفهام ولم يخرج له الجواب، فجوابه: لا ينظرون؛ ~~كقوله: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة). # ثم قوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك). # هذا - والله أعلم - يشبه أن تكون الآية في المعاندين منهم والمتمردين، ~~الذين همتهم العناد والتعنت، خرج على إياس رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، من أولئك الكفرة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصا على ~~إيمانهم مشفقا على أنفسهم؛ حتى كادت نفسه تذهب حسرات عليهم؛ حرصا على ~~إيمانهم وإشفاقا على أنفسهم؛ كقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وكقوله: ~~(فلعلك باخع نفسك. . .) الآية، ونحوه، فآيسه الله - تعالى - عن إيمان أولئك ~~الكفرة؛ لئلا يطمع في إيمانهم وإسلامهم بعد ذلك، ولا تذهب نفسه حسرات ~~عليهم؛ ليتخذهم أعداء ويبغضهم، ويخرج الشفقة التي في قلبه لهم، وليتأهب ~~لعدوانهم، ويتبرأ منهم؛ كما فعل إبراهيم: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ ~~منه)، وكما قال لنوح: (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون): آيسه الله عن إيمان قومه إلا من قد آمن، ونهاه أن يحزن # PageV04P326 # عليهم وعلى فوت إيمانهم؛ فعلى ذلك هذا آيس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن إيمانهم، ونهاه أن يحزن عليهم؛ كقوله: (ولا تحزن عليهم)، إلى ~~الوقت الذي ذكر أنهم يؤمنون في ذلك الوقت، وهو وقت نزول الملائكة وإتيانهم ~~بآياتهم، وهو قوله: (إلا أن تأتيهم الملائكة). # ثم قال بعضهم: تأتيهم الملائكة بقبض الأرواح مع اللعن والسخط؛ فعند ذلك ~~يؤمنون بالله. # وقال بعضهم قوله: (إلا أن تأتيهم الملائكة) يوم القيامة، وهو كقوله: (يوم ~~يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا). # وقوله - عز وجل -: (أو يأتي ربك). # على إضمار الأمر؛ كأنه قال: أو يأتي أمر ربك؛ على ما ذكر في سورة النحل: ~~(أو يأتي ms1592 أمر ربك). # ثم الأمر فيه عذاب الله؛ كقوله - تعالى -: (فلما جآء أمرنا) يعني: ~~عذابنا؛ فعلى ذلك في هذا: أمر الله عذاب الله، والأصل فيما أضيف إلى الله ~~في موضع الوعيد لا يراد به الذات، ولكن يراد به نقمته وعذابه وعقوبته؛ ~~كقوله: (ويحذركم الله نفسه)، لا يريد به ذاته، ولكن يريد به نقمته، وعذابه؛ ~~كقوله: (من كان يرجو لقاء الله)، لا يريد به لقاء ذاته؛ وكذلك قوله: (وإلى ~~الله المصير) (وإلى الله ترجع الأمور)، وغيرها من الآيات، لا يراد به ذاته، ~~ولكن يراد به عذابه ونقمته. # أو نقول: إن كل شيء يراد به تعظيمه، يضاف إلى الله - تعالى - فيراد به ~~تعظيم ذلك الشيء، أو تعظيم عذابه ونقمته. # وقوله - عز وجل -: (أو يأتي بعض آيات ربك): يحتمل بعض آياته ما قال - عز # PageV04P327 # وجل -: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. . .) الآية. # كقوله (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم. . .) الآية. # وكقوله: (سأل سائل بعذاب واقع. . .) الآية، ونحوه من الآيات، يؤمنون عند ~~معاينتهم العذاب، ولا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت. # ويحتمل ما قال أهل التأويل: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج ~~الدابة، وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ثلاث إذا ~~خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا "، ~~وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، ~~وخويصة أحدكم، وأمر العامة "، وخويصة أحدكم: الموت، وأمر العامة: الساعة ~~إذا قامت. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " التوبة معروضة حتى تطلع الشمس من ~~مغربها "، ثم قال: " مهما يأت عليكم عام إلا والآخر شر " ونحوه من الأخبار. ~~فإن ثبتت هذه الأخبار فهي المعتمدة. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: " إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، ~~وجست الخطبة، وشهدت الأجساد على الأعمال ". # PageV04P328 # وقوله - عز وجل -: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل). # أخبر أن الإيمان لا ينفع في ذلك ms1593 الوقت؛ لأنه ليس بإيمان اختيار في ~~الحقيقة؛ إنما هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم؛ كقوله: (فلما رأوا ~~بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)، وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون)، أخبر أنهم لو ردوا إلى الدنيا، لعادوا إلى تكذيبهم الرسل وكفرهم ~~بالله؛ فدل أن إيمانهم في ذلك الوقت إيمان دفع العذاب والبأس وإيمان خوف، ~~وهو كإيمان فرعون؛ حيث قال: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)، لم ينفعه إيمانه في ذلك ~~الوقت؛ لأنه إيمان دفع الهلاك عن نفسه، لا إيمان حقيقة باختيار. # والثاني: أنه في ذلك الوقت - وقت نزول العذاب - لا يقدر أن يستدل بالشاهد ~~على الغائب؛ ليكون قوله قولا عن معرفة وعلم، وإنما هو قول يقوله بلسانه لا ~~عن معرفة في قلبه فلم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لما ذكرنا، وهو كقوله: ~~(وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن)؛ لأنه إيمان دفع الباس والعذاب، أو يبالغ بالاجتهاد؛ حتى يكون إيمانه ~~إيمانا باجتهاد؛ لذلك كان ما ذكرنا. # أو أن يكون في طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ودابة الأرض، وما ذكر ~~من البلاء والشدة والعذاب ما يضطرهم إلى الإيمان به؛ فيكون إيمانهم إيمان ~~اضطرار لا اختيار. # ويشبه أن تكون الأخبار، التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، وبعد خروج الدجال ودابة الأرض، ~~أي: لا يثابون على طاعتهم، وإلا فمن البعيد أن يدعوا إلى الإيمان والطاعات، ~~ثم إذا أتوا بها لم تقبل منهم، لكنه يحتمل ما ذكرنا بألا: لا يثابوا على ~~ذلك، ويعاقبوا ما كان منهم من الكفر وكفران # PageV04P329 # النعم؛ لأن جهة وجوب الثواب إفضال وإحسان، وفي الحكمة ترك الإفضال ~~بالثواب في الطاعات إذا كان من الله - عز وجل - من النعم ما يكون ذلك شكرا ~~له، والعقاب على الكفر مما توجبه الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا واحدا؛ ولهذا ~~يخرج قول أبي ms1594 حنيفة - رضي الله عنه - حيث قال: لا ثواب للجن على طاعتهم؛ ~~لأن طريق وجوبه # PageV04P330 # الإفضال ولم يذكر لهم ذلك، ويعاقبون بما كان منهم من الكفران والإجرام؛ ~~لما ذكرنا من المعنى الذي وصفنا، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (لا ينفع نفسا إيمانها). # عند معاينة العذاب والبأس والآيات، إذا لم تكن آمنت من قبل. # وقوله - عز وجل -: (أو كسبت في إيمانها خيرا). # أي: لا ينفع ذا إلا بذا: إذا عملت خيرا ولم تكن آمنت لا ينفعها ذلك، ولم ~~ينفعها إيمان عند معاينة العذاب والآيات، إذا لم تكن كسبت قبل ذلك خيرا. # وقيل: قوله: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ~~إيمانها خيرا)، أي: لا ينفع نفسا إيمانها إذا لم تعزم ألا ترتد ولا ترجع ~~عنه أبدا. # وقيل: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل)، أي: لا ينفع نفسا ~~إيمانها، (أو كسبت في إيمانها خيرا) أي: وكسبت في نصديقها التعظيم لله ~~والإجلال؛ فعند ذلك تنفع صاحبها؛ لأنه لا كل تصديق يكون فيه التعظيم له ~~والإجلال ينفي التعظيم والإجلال إذا لم يكن من التعظيم له. # وقيل: (أو كسبت في إيمانها خيرا)، أي: لم تكن عملت في تصديقها خيرا قبك ~~معاينة الآيات. # وقوله - عز وجل -: (قل انتظروا إنا منتظرون)، هو يخرج على الوعيد، أي: ~~انتظروا إحدى هذه الثلاث التي ذكرنا؛ فإنا منتظرون، وهو كقوله: (قل تربصوا ~~فإني معكم من المتربصين)، وانتظروا العذاب؛ فإنا منتظرون بكم ذلك. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (160). # PageV04P331 # قوله: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ... (159) # عن عائشة وأبي هريرة - رضي الله عنهما - قال أحدهما: [فتلكم في الكفرة] ~~(1)، وقال الآخر: في أهل الصلاة. # وقيل: هم الحرورية. # وقيل: هم اليهود والنصارى. # ولكن لا ندري من هم، وليس بنا إلى معرفة من كان حاجة. # ثم ms1595 يحتمل وجوها ثلاثة: # يحتمل: فارقوا دينهم حقيقة؛ لأن جميع أهل الأديان عند أنفسهم أنهم يدينون ~~بدين الله، لا أحد يقول: إنه يدين بدين غير الله. # ألا ترى أنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله): فهم وإن كانوا عند أنفسهم أنهم يدينون بدين الله، فهم ~~في الحقيقة فارقوا دينهم، وليسوا على دين الله. # ويحتمل قوله: فارقوا دينهم الذي أمروا به ودعا إليه الرسل والأنبياء - ~~صلوات الله عليهم - فارقوا ذلك الدين. # ويحتمل: فارقوا دينهم الذي دانوا به في عهد الأنبياء والرسل بدين الله، ~~ففارقوا ذلك الدين، والله أعلم؛ كقوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وكقوله: (أكفرتم بعد إيمانكم. . .) ~~الآية. # كانوا مؤمنين به، وصاروا شيعا، أي: صاروا فرقا وأحزابا. # وقوله - عز وجل -: (لست منهم في شيء). PageV04P332 # من الناس من صرف أتأويل قوله: (لست منهم)، أي: لست أنت من قتالهم في شيء؛ ~~كأنه نهاه عن قتالهم في وقت، ثم أذن له بعد ذلك، ثم نسخته آية السيف، وهذا ~~بعيد. # ويحتمل: (لست منهم في شيء)، أي: لست من دينهم في شيء؛ لأن دينهم كان ~~تقليدا لآبائهم، ودينك دين بالحجج والبراهين؛ فلست منهم، أي: من دينهم في ~~شيء. # ويحتمل: (لست منهم في شيء)، أي: لا تسأل أنت عن دينهم ولا تحاسب على ذلك؛ ~~كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء) الآية. # أو يخرج على إياس أولئك الكفرة عن عود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى دينهم؛ كقوله: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إنما أمرهم إلى الله). # يحتمل: أي الحكم فيهم إلى الله؛ ليس إليك، هو الذي يحكم فيهم. # أو أن يكون أمرهم إلى الله في القتال، حتى يأذن لك بالقتال. # وقوله - عز وجل -: (ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). # هو وعيد. # وقوله - عز وجل -: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (160) # ليس في قوله: (فلا يجزى إلا مثلها) ms1596 إيجاب الجزاء في السيئة، وفي قوله: ~~(فله عشر أمثالها) إيجاب الجزاء؛ لأنه قال: فله كذا؛ فيه إيجاب الجزاء، ~~وإنما إيجاب الجزاء في السيئة بقوله: (من يعمل سوءا يجز به)، وغيره من ~~الآيات. # وقد ذكرنا أن إيجاب الجزاء والثواب في الحسنات والخيرات إفضال وإحسان؛ ~~لأنه قد سبق من الله - تعالى - إلى كل أحد من النعم ما يكون منه تلك ~~الخيرات جزاء لما أنعم عليه وشكرا له، ولا جزاء للجازي إلا من جهة الإفضال ~~والإكرام. # وأما جزاء السيئة فمما توجبه الحكمة؛ لما حرج الفعل منه مخرج الكفران لما ~~أنعم # PageV04P333 # عليه؛ فيستوجب بالكفران العقوبة والجزاء على ذلك. # والثاني: أنه خرج الفعل منه في الخيرات والحسنات على موافقة خلقته وصورته ~~وتقويمه وتسويته على ما خلقها الله وأنشأها وبناها؛ فلم يخرج الفعل منه على ~~خلاف ما هو بني عليه؛ فلم يستوجب به الجزاء. # وأما السيئات: فهي إخراجها على خلاف خلقتها وتقويمها وصرفها إلى غير ~~الوجه الذي كانت خلقتها وتقويمها؛ فاستوجب بذلك العقوبة والجزاء عليها؛ ~~لقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). # وقوله - عز وجل -: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). # ليس هو على التحديد حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه، إنما خرج - والله ~~أعلم - على التعظيم لذلك والإجلال؛ لأنه أخبر في النفقة التي تنفق في سبيل ~~الله أنها تزداد وتنمو إلى سبعمائة، ولا يجوز أن يكون في الحسنة التي جاء ~~بها في التوحيد ما يبلغ إلى ما ذكر، وإذا جاء بنفس ذلك التوحيد لا يبلغ ذلك ~~أو يقصر عن ذلك، ولكنها - والله أعلم - على التعظيم له، أو على التمثيل؛ ~~كقوله: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)، ذكر هذا؛ لما لا شيء عند الخلق ~~أوسع منها، وكقوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض)، ومثله هو على ~~التمثيل؛ خرج لعظيم ما قالوا في الله، ليس على أنها تنشق أو تنفطر؛ فعلى ~~ذلك الأول أنه يخرج لما ذكرنا، لا على التحديد له والوقف. # ثم قوله: من جاء بالحسنة فله كذا، ومن جاء بالسيئة فله كذا: ذكر مجيء ~~الحسنة ms1597 ومجيء السيئة، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا، ومن عمل بالسيئة؛ ~~ليعلم أن النظر إلى ما ختم به وقبض عليه؛ فكأنه قال: من ختم بالحسنة وقبض ~~عليها فله كذا؛ لأنه قد يعمل بالحسنة، ثم يفسدها وينقضها بارتكاب ما ينقضه ~~ويفسده من الشرك وغيره؛ على ما روي: " الأعمال بالخواتيم ". # PageV04P334 # ثم اختلف في قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها): قال بعضهم: من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها بعد التوحيد، ومن جاء بالسيئة بعد التوحيد فلا ~~يجزي إلا مثلها. # وقال بعض أهل التأويل: من جاء بالحسنة يعني بالتوحيد فله عشر أمثالها، ~~لكنه ليس على التحديد لما ذكرنا، ولكن على التعظيم له والقدر عند الله، أو ~~على التمثيل. # ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها يعني: الشرك، لا يجزى إلا مثله. فكان ~~التخليد في النار مثل الشرك؛ لأن الشرك أعظم السيئات. # وفي الآية دلالة أن المثل قد يكون من غير نوعه؛ حيث أوجب في الحسنة من ~~الثواب عشر أمثالها ومن السيئة مثلها، وليس واحد منهما من نوع الأصل والعمل ~~الذي يثاب عليه. # وقيل: من جاء بالحسنة في الآخرة: بالتوحيد، فله عشر أمثالها، في الأضعاف. ~~ومن جاء بالسيئة في الآخرة، يعني: الشرك فلا يجزى إلا مثلها في العظم؛ ~~فجزاء الشرك النار؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة، وذلك ~~كقوله (جزآء وفاقا) أي: وفاق العمل. # وقوله - عز وجل -: (وهم لا يظلمون) جميعا لا يزاد على المثل ولا ينقص مما ~~ذكر. # PageV04P335 # قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) قل أغير ~~الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164 # قوله - عز وجل -: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم). # قال أبو بكر الكيساني: قوله (هداني)، أي: دلني ms1598 ربي إلى صراط مستقيم، لكن ~~هذا بعيد؛ لأنه خرج مخرج ذكر ما من عليه بلطفه، وليس في الدلالة والبيان ~~ذلك؛ إنما عليه البيان، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل على ~~الهدى ويبين لهم طريقه. # ثم أخبر أنه لا يهدي من أحب بقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي ~~من يشاء)، دل أن ذلك إكرام من الله - تعالى - بالهداية بالتوفيق له والعصمة ~~بلطفه، لا الدلالة والبيان. # وكذلك قوله - تعالى -: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)؛ فلو كان على الدلالة والبيان لكان منه ~~ذلك، ثم أخبر إن المنة عليهم لله - تعالى - لا لرسوله؛ دل أنه لما ذكرنا من ~~الهداية نفسها لا الدلالة. # وقوله - عز وجل -: (دينا قيما). # قيل: قائما مستقيما لا عوج فيه؛ كقوله: (ولم يجعل له عوجا (1) قيما) # والعوج: هو الذي فيه الآفة، فأخبر أن لا آفة فيه ولا عوج. # وقوله - عز وجل -: (ملة إبراهيم). # إن أهل الأديان جميعا يدعون أن الذي هم عليه هو دين إبراهيم، فأخبر أن ~~دين إبراهيم هو الدين الذي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا هم. # وقوله - عز وجل -: (حنيفا). # PageV04P336 # قيل: مسلما، والحنف: هو الميل، وهو حنيف، أي: مائل إلى دين الله، أخبر ~~أنه يدعو إلى دين الله - تعالى - إلى الدين الذي كان عليه آباؤه وأجداده، ~~أعني به: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. # (وما كان من المشركين). # برأه - عز وجل - من الشرك. # وقيل: كان حنيفا خالضا لله مخلصا لم يشرك أحدا في ربوبيته ولا في عبادته، ~~على ما فعل أولئك الكفرة. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وحفصة: (دينا قيما فطرتكم التي فطرتم ~~عليها ملة إبراهيم حنيفا). # ويقرأ: (قيما)، بالتشديد، و (قيما) بالتخفيف. أو يخرج قوله: (إنني هداني ~~ربي إلى صراط مستقيم) على الشكر له والحمد على ما أنعم عليه وأفضل له، من ~~الإكرام له بالهداية بالطريق المستقيم. # والمستقيم يحتمل: القائم بالحق والبرهان وكذلك قوله؛ (دينا قيما) بالحجج ~~والبراهين، ms1599 ودين أولئك دين بهوى أنفسهم؛ ولذلك قال: (حنيفا). # وقوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم). # PageV04P337 # وقوله - عز وجل -: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~(162) # وقوله - عز وجل -: (قل أغير الله أبغي ربا). # خاطب الله بهذه الآيات رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمراد به: الخلق ~~كله، فمن بلي بمثل ما كان بلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السؤال ~~والدعاء، فله أن يقرأ أو يذكر ما في هذه الآيات. # ولو كان المراد بالخطاب بهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ~~لكان لا يقول له: (قل)، ولكن يقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؛ وعلى ذلك ~~الخطاب في الشاهد في خطاب بعض بعضا ألا يقولوا: (قل)؛ فدل أنه على ما ~~ذكرنا، وكذلك قوله: (قل هو الله أحد): من استوصف صفات الله، فعليه أن يصف ~~له ما في سورة الإخلاص، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغيره من ~~الخلائق سواء في ذلك الخطاب. # ثم في قوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. . .) الآية ذكر منته ~~بما هداه، والاستسلام إلى شكر ما أنعم عليه. وفي قوله: (قل إن صلاتي ونسكي) ~~والأمر بإخلاص العبادة لله - عز وجل - وإسلام النفس له في جميع أحواله ~~محياه ومماته. # وفي قوله: (قل أغير الله أبغي ربا). # فيه الدعاء إلى وحدانية الله وربوبيته. # ثم في قوله: (إنني هداني ربي) دلالة رد قول من يستثني في إيمانه؛ لأنه ~~أمره أن يقول: (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، من غير أن يأمره بالثنيا؛ ~~فمن استثنى فيه لا يخلو استثناؤه من أحد معنيين: # إما أن يكون لشك فيه. # أو لكتمان ما أنعم الله عليه؛ فعلى كل من أنعم الله عليه أن يظهر ذلك، ~~وأن يشكر له على ذلك؛ على ما أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. # وقوله: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين). # يخرج على وجهين: # أحدهما: يخرج على الأمر بالدعاء لنفسه؛ لأنه قال: قل: أجعل صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب ms1600 العالمين. # والثاني: على المنابذة مع أولئك الكفرة والفجرة، يقول: أنا أجعل صلاتي ~~وعبادتي # PageV04P338 # ومحياي ومماتي لله، لا أجعل لغيره شركاء، كما جعلتم أنتم لغيره شركاء في ~~عبادته وصلاته ونسكه، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (صلاتي): # قال بعضهم: الصلاة المفروضة. # وقال بعضهم: الصلاة: الخضوع والثناء؛ يقول: إن خضوعي وثنائي لله، ~~والصلاة: هي الثناء في اللغة. # وقوله: (ونسكي) اختلف فيه. # قال الحسن: نسكي: ديني؛ كقوله: (ولكل أمة جعلنا منسكا) أي: دينا. # وقيل: نسكي ذبيحتي لله في الحج والعمرة وغيره. # وقيل: نسكي: عبادتي، والنسك: اسم كل عبادة؛ وعلى ذلك يسمى كل عابد ناسكا. # وقوله - عز وجل -: (ومحياي ومماتي لله رب العالمين). # أي: أنا حي وميت لله، لا أشرك أحدا في عبادتي ونفسي، بل كله لله لا شريك ~~له في ذلك. # ويحتمل: أن يكون هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل إني أمرت أن ~~أجعل صلاتي ونسكي لله، أو إني أمرت أن أدعو وأسأل الله أن يجعل صلاتي ونسكي ~~وعبادتي له، لا أشرك غيره فيه. # وقوله - عز وجل -: (وأنا أول المسلمين (163) # يحتمل قوله: (وأنا أول المسلمين)، أي: وأنا أول من خضع وأسلم بالذي أمرت ~~أن # PageV04P339 # أبلغ؛ لأنه أمر بتبليغ ما أنزل إليه، فيقول: أنا أول من أسلم بالذي أمرت ~~بالتبليغ. # ويحتمل: أن يكون لا على توقيت الإسلام؛ ولكن على سرعة الإجابة والطاعة له ~~كقوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها): هو على الوصف بغاية ~~العظم، ليس على أن بعضها أكبر وأعظم وبعضها أصغر؛ ولكن كلها أعظم وأكبر؛ ~~فعلى ذلك هذا ليس على وقت الإسلام، ولكن لسرعة الإجابة، والطاعة له، والله ~~أعلم. # الإسلام: هو جعل النفس وكلية الأشياء لله سالمة، أي: أنا أول من جعل نفسه ~~لله سالمة. # وقوله - عز وجل -: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ... (164) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أغير الله أبغي ربا وقد تعلمون أن لا رب سواه؟! # ويحتمل: أغير الله أبغي ربا سواه، وفي كل أحد أثر ربوبحته وألوهيته قائم ~~ظاهر، وفيما تدعونني إليه ms1601 أجد آثار العبودية والربوبية لله فيه، فكيف أتخذ ~~ربا سواه؟!. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها). # يحتمل وجهين: # الأول، يحتمل: لا تكسب كل نفس من سوء إلا عليها، أي: لا يتحمل ذلك غيره ~~عنه في الآخرة؛ وكذلك قوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وكقوله: (فإنما عليه ~~ما حمل وعليكم ما حملتم). # الثاني ويحتمل: أن يكون قوله: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، أي: لا تكسب ~~كل نفس - لو تركت وما تختار - إلا عليها، لكن الله بفضله يمنع بعضها وما ~~تختار على نفسها؛ كقول يوسف - عليه السلام -: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ~~ما رحم ربي): أخبر أنها كاسبة السوء إلا ما عصمها ربي. # وجائز أن يكون على الإضمار؛ كأنه يقول: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولها، ~~ومثله جائز في القرآن؛ كقوله - تعالى -: (ليكون للعالمين نذيرا)، وهو نذير # PageV04P340 # لقوم، بشير لقوم آخرين: نذير في حال، وبشير في حال. # وقوله - عز وجل -: (ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون). # هو على الوعيد وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا كبر ~~للصلاة، أتبع التكبير بهذه الآية: (إن صلاتي ونسكي. . .) إلى آخره. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~افتتح الصلاة كبر، ثم قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين)، (إن صلاتي ونسكي. . . . .) إلى قوله تعالى (وأنا أول ~~المسلمين). # وذكر أنه كان يدعو بعد ذلك دعاء طويلا. # وروي عن عائشة، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء منكبيه، ثم يقول: " سبحانك ~~اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ". # فكان أبو حنيفة - رحمه الله - يختار من ذلك هذا في الفرائض. # وكذا روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قام إلى الصلاة، فكبر، ~~ثم قال: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ". # وكذلك روي عن أبي سعيد أنه ms1602 كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم ~~وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ". # PageV04P341 # وكان أبو يوسف يستحب أن يقول بهذه الكلمات والكلمات التي رواها علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - من غير إيجاب لذلك ولا حظر لما سواه. # وكان أبو حنيفة - رحمه الله - لا يستحب أن يزيد في الفرائض على ما روي عن ~~أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما ~~روت عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما روي ~~عن عمر وعبد الله - رضي الله عنهما -. # وأما في النوافل فله أن يزيد ما شاء فيها من الثناء والدعوات؛ فيحتمل أن ~~يكون ما رواه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان ذلك في النوافل. # * * * # قوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ~~ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # قوله - عز وجل -: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض). # اختلف فيه: # قال بعضهم: (جعلكم خلائف الأرض)، يعني أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جعلهم خلائف من تقدمهم من المكذبين والصديقين؛ ليعلموا ما حل ~~بالمكذبين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحذروا تكذيبه والخلاف له، ~~ويرغبوا في تصديقه والموافقة له والطاعة؛ ليكون لهم بمن تقدمهم عبرة في ~~التحذير والترغيب، ويكون لهم بمن تقدمهم قدوة وعبرة؛ ليعرفوا صحبة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن كيف يجب أن يصحبوه ويعاملوه: من الإحسان ~~إليه، والتعظيم له والتصديق، ويجتنبوا الإساءة إليه والتكذيب. # وقال بعضهم: قوله: (جعلكم خلائف الأرض)، يعني: البشر كلهم، جعل بعضهم ~~خلائف بعض في الوجود وفي الأحوال في الحياة، والموت، والغناء، والفقر، # PageV04P342 # والصحة، والسقم، وفي العز، والذل، وفي كل شيء، وفي الصغر، والكبر؛ ليكون ~~لهم في ذلك عبر ودليل على معرفة منشئهم وخالقهم؛ لأنه لو أنشأهم جميعا معا ~~- لم يعرفوا أحوال أنفسهم وتغيرهم من حال إلى حال، ولكن أنشأهم واحدا بعد ~~واحد ms1603 وقرنا بعد قرن؛ ليعرفوا أحوال أنفسهم وانتقالهم من حال إلى حال؛ ~~ليعرفوا أن منشئهم واحد؛ لأنهم لو كانوا جميعا معا - لم يعرفوا مبادئ ~~أحوالهم من حال نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من حال الصغر إلى حال ~~الكبر، وكذلك هذا في جميع الأحوال: من الغنى والفقر، والصحة، والسقم، ولو ~~كان كله على حالة واحدة - لم يعرفوا ذلك، لكن جعل بعضهم خلائف بعض؛ ليدلهم ~~على ما ذكرنا. # ويحتمل ما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: إنهم صاروا خلف الجان، فالأول ~~يكون في بيان صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسن المعاملة معه. # والثاني في بيان وحدانية الرب. # وقوله - عز وجل -: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات). # يحتمل هذا في الأحوال، ويحتمل في الخلقة جعل لبعض فضائل ودرجات على بعض، ~~وجعل بعضا فوق بعض بدرجات في الدنيا؛ ليكتسبوا لأنفسهم في الآخرة الدرجات ~~والفضائل، على ما رغبوا في الدنيا في فضائل الخلقة ودرجات بعضها فوق بعض، ~~ونفروا في الدون من ذلك؛ ليرغبهم ذلك في اكتساب الدرجات في الآخرة، وينفوهم ~~عن اكتساب ما ينفرون عنه في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ليبلوكم في ما آتاكم). # يحتمل: ليبلوكم فيما آتاكم من الأحوال المختلفة: من الفقر والغناء، ~~والسقم والصحة، والصغر والكبر، وغير ذلك من الأحوال. # ويحتمل: (في ما آتاكم) من النعم، أي: ليبلوكم بالشكر على ما آتاكم من ~~النعم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك سريع العقاب). # PageV04P343 # قال بعضهم هو إخبار عن سرعة إتيان العذاب؛ لأن كل آت قريب كأنه قد جاء، ~~كقوله: (أتى أمر الله)، (اقترب للناس حسابهم)، (اقتربت الساعة)، ونحوه: أنه ~~إذا كان آتيا لا محالة جعل كأنه قد جاء. # وقال بعضهم: ذلك إنباء عن شدة عذابه لمن عصاه. # وقوله - عز وجل -: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم). # قيل: يبتلي الموسر في حال الغناء، والصحيح في حال صحته، ويبتلي الفقير في ~~حال فقره، والمريض في حال مرضه، والابتلاء من الله - تعالى - على وجهين: ~~إما أمرا بالشكر على ما أنعم. # أو صبرا ms1604 على ما ابتلاه بالشدائد، والابتلاء منه هو ما بين السبيلين جميعا ~~سبيل الحق وسبيل الباطل، وبين أن كل سبيل إلى ماذا أفضاه لو سلكه: لو سلك ~~سبيل الحق أفضاه إلى النعم الباقية والسرور الدائم، وإن سلك سبيل الباطل ~~أفضاه إلى عذاب شديد وحزن دائم. # ثم خيره بين هذين؛ فهو معنى الابتلاء. # وقوله - عز وجل -: (وإنه لغفور رحيم). # للمؤمنين، وقد ذكرناه والحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV04P344 ### | سورة الأعراف # قيل إنها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في ~~صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ~~ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) # الحمد لله العليم بخلقه، اللطيف لرشد عباده، ضرب لهم الآيات والبيان؛ ~~لينقلهم بحكمته وتدبيره من الجهالة إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ووصى ~~رسوله أن يدعو عباده إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فبعث محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، وأنزل إليه الكتاب تلا فيه ما في الكتب ~~الأولى؛ ليبين لأهل الكتاب والمشركين أن النبي الأمي العربي لم يعلم ما في ~~الكتب الأعجمية إلا من عند الله؛ ليكون ذلك أوضح لهم في الحجة. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الرسالة معروفا عند الفريقين ~~أنه لم يتل كتابا، ولا خطه # PageV04P345 # بيمينه، ولا كان عندهم من شعرائهم، ولا المعروف بأنسابهم وعلم أنبيائهم؛ # PageV04P346 # وذلك أبلغ في البرهان، فأنبأ فيه علم الغيوب، وفرض الفرائض، وحكم فيه ~~الأحكام، وأنزل فيه الحجج بتأليف يعجز عنه من دون الله؛ ليبين لهم أنه من ~~عند الله، فأنف قومه، وأبوا أن يستمعوه واستكبروا عليه، وقالوا: (لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وقالوا: (لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون) فأتاهم العليم الخبير من قبل أنفسهم وكبرهم؛ ~~فأنزل في الكتاب كلاما افتتح به السورة لم يكن من كلام قومه؛ فلما سمعوه ~~ظنوا أنه بديع ابتدعه محمد - صلى الله عليه وسلم - كإبداعهم البلاغات ~~والأوابد، وأنفوا أن يكون ms1605 محمد يقدر من ذلك على ما لا يقدرون، فتدبروا ~~الكتاب ليعلموا صدوره بما بعده من الكلام، فسمعوا كلاما مجيدا حكيما، ونبأ ~~عظيما، وحججا نيرة، ومواعظ شافية؛ فدخل أكثرهم في الإسلام، وقعد عنه رجلان: ~~معاند متعمد، وجاهل مقلد لا ينظر، وفيما # PageV04P347 # أنزل مما وصف قوله: (كهيعص)، و (طسم) و (المص)، و (الر) وما أشبهها. # فقال: (المص). # ليعطف بها على النظر فيما بعدها. # ثم ابتدأ فقال: (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين (2) # يقول: كتاب من ربك؛ لتنذر به عباده. # (فلا يكن في صدرك حرج منه). # يقول: فلا يضيقن صدرك عن الذي فرض الله عليك فيه من البلاع إلى قومك، ~~وبما فرض عليك من البراءة منهم، ومما يعبدون من دون الله؛ فكأن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - يخاف ما خافت الرسل من بين يديه، فقال موسى: (فأخاف ~~أن يقتلون) وقد كان يعرف قومه بالتسرع إلى القتل فيما ليس مثل ما يأتيهم ~~به، فامنه الله منهم بقوله: (والله يعصمك من الناس)، وقال في آخر هذه ~~السورة: (ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون): يفهمونها عن الله - تعالى - ~~فإنها من أعظم آيات الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه أنهم لا ~~يصلون إلى ما يخاف منهم. وفي الأثر أن الله - تعالى - لما أرسله إلى قومه، ~~فقال: " أي رب إذا يثلغوا رأسي فيذروه مثل خبزة " فأمنه الله - تعالى - من ~~ذلك، فقال: (فلا يكن في صدرك حرج منه) من البلاع، ولا يضيقن صدرك بما فرض ~~الله عليك من العبادة والحكم الدي تخالف فيه قومك. # ثم وصف الكتاب فقال: (وذكرى للمؤمنين). # يقول: يتذكرون بما فيه ويتدبرونه فيعلمون به الحق من الباطل، ويذكرون به ~~ما فرض عليهم. # ويحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطابا خاطب الله بها رسله يفهمونها لا # PageV04P348 # يفهمها غيرهم، على ما يكون لملوك الأرض بينهم وبين خواصهم إشارات يفهمها ~~خواصهم ولا يفهمها غيرهم، هذا متعارف فيما بين الخلق أن يكون لهم فيما ~~بينهم وبين خواصهم ما ذكرنا؛ فعلى ذلك يحتمل ms1606 أن تكون هذه الحروف المقطعة ~~خطابات من الله خاطب بها رسله - وهم خواصه - يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ثم ~~وجه فهمهم يكون لوجهين: # يخبرهم فيقول: إني إذا أنزلت إليكم كذا فمرادي من ذلك كذا، أو كان البيان ~~والمراد منها مقرونا بها وقت إنزالها ففهموا المراد منها بما أفهمهم الله ~~وأراهم ما لم ير ذلك غيرهم؛ كقوله: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله) أرى رسله شيئا لم ير ذلك غيرهم، ولا أطلعهم على ~~ذلك، فهو من المتشابه على غيرهم، وأما على الرسل فليس من المتشابه. # PageV04P349 # وقال الفراء: يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة المتفرقة التي أنزلها من ~~أب ت ث إلى آخرها كأنه قال: إني جمعت هذه الحروف المقطعة فجعلتها كتابا، ~~فأنزلتها؛ من نحو: (المص) و (الم (1) ذلك الكتاب) و (المر) ونحوه، والله ~~أعلم بما أراد به ذلك. # وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب مقدار ما حفظنا وفهمنا من أقاويل أهل العلم ~~في ذلك. # PageV04P352 # وقوله - عز وجل -: (فلا يكن في صدرك حرج منه). # قيل: الحرج: هو الضيق في الصدر، ثم يحتمل ضيق الصدر وجوها: # يحتمل ضيق الصدر ما يحل عليه في ذلك من الشدائد والخطورات بتبليغه إلى ~~الكفرة الذين نشئوا على الكفر والشرك، وخاصة الفراعنة والملوك الذين همتهم ~~القتل والإهلاك لمن استقبلهم بالخلاف. # أو أن يوسوس في صدره الشيطان أنه ليس من عند الله، أو أن يقول له: إنه من ~~أساطير الأولين؛ على ما قال أولئك الكفرة: (ما هذا إلا أساطير الأولين). # ثم يحتمل قوله: (فلا يكن في صدرك حرج منه) على النهي، أي: لا يكن في صدرك ~~منه حرج، أي: لا يضق صدرك مما حمل عليك. # وقال بعضهم: (فلا يكن في صدرك حرج)، أي: شك أنه من عند الله نزل. # وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي؛ لأنه بالنهي ما يكون عصمه. # ويحتمل: ليس على النهي، ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ كقوله: # PageV04P353 # (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون)، وكقوله: ms1607 (فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات): ليس على النهي؛ ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ ~~فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم إن الله - عز وجل - أمنه عما كان يخاف من أولئك بقوله: (والله يعصمك ~~من الناس)، وأمنه من وساوس الشيطان؛ على ما روي في الخبر أنه قيل: ألك ~~شيطان؟ فقال: " كان، ولكن أعنت عليه؛ فأسلم " أمن - عز وجل - رسوله عن ذلك ~~كله؛ لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (لتنذر به). # يحتمل أنه أمره أن ينذر به الكفرة، ويبشر به المؤمنين؛ كقوله: (لينذر ~~الذين ظلموا وبشرى للمحسنين)؛ فعلى ذلك قوله: (لتنذر به) الكفرة. # (وذكرى للمؤمنين). # أي: بشرى على ما ذكرنا، ويكون في الإنذار بشرى؛ لأنه إذا أنذر فقبل ~~الإنذار، فهو له بشرى. # ويحتمل قوله: (لتنذر به)، أي: الكل الموافق والمخالف جميعا؛ كقوله: ~~(للعالمين نذيرا)، (وذكرى للمؤمنين)، أي: الذي ينتفع به المؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (اتبعوا ... (3) # لا تتبعوا أولئك في التحليل والتحريم وفي الأمر والنهي؛ لأنه ليس إلى ~~الخلق # PageV04P354 # التحليل والتحريم. # وقوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). # أمر المؤمنين أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، على ما أمر رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يتبع ما أنزل إليه من ربه؛ كقوله: (اتبع ما أوحي إليك ~~من ربك)؛ ليعلم أن ما أنزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو منزل ~~إلى المؤمنين جميعا. # وقوله - عز وجل -: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). # فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى. # (ولا تتبعوا من دونه أولياء). # قيل: أربابا، أي لا تتبعوا من دونه أولياء فيما يحلون ويحرمون، ويأمرون ~~وينهون، أي: إنما عليهم اتباع ما حرم عليهم، واستحلال ما أحل لهم. وأما ~~إنشاء التحليل والتحريم فلا. # وقال بعض أهل التأويل: أولياء الأصنام، والأوثان. ولكن لا يحتمل هاهنا، # PageV04P356 # ولكن قد ذكرنا أنهم كانوا يتبعون عظماءهم في التحليل والتحريم؛ كقوله: ~~(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)، وكانوا لا يتخذون أولئك ~~الأحبار أربابا في الحقيقة، ولكن كانوا يتبعونهم فيما يحلون ويحرمون ~~ويصدرون ms1608 عن آرائهم؛ فسموا بذلك لشدة اتباعهم أولئك في التحليل والتحريم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قليلا ما تذكرون). # قال أهل التأويل: يعني بالقليل: المؤمنين، ولكن يحتمل قوله: (قليلا ما ~~تذكرون)، أي: لا تتذكرون رأسا؛ لأن الخطاب جرى فيه لأولئك الكفرة، وفيهم ~~نزلت الآية. # * * * # قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) ~~فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسألن ~~الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ~~(7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # PageV04P357 # وقوله - عز وجل -: (وكم من قرية أهلكناها ... (4) # قال أهل التأويل: كان يخوف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم ~~الخالية بتكذيبهم الرسل، بقوله: (وكم من قرية أهلكناها)؛ بتكذيبهم الرسل، ~~فأنتم يا أهل مكة تهلكون بتكذيبكم الرسول، وإن كانوا لا يعرفون هم إهلاك ~~الأمم الماضية أنه إنما أهلكوا بتكذيبهم الرسل، غير أنهم وإن كانوا لا ~~يعرفون هم ذلك بأنفسهم؛ لما ليس عندهم كتاب - لكن يصلون إلى علم ذلك بمن ~~عندهم الكتب - وهم أهل الكتاب - فيلزمهم الحجة، كالعجم وإن كانوا لا يعرفون ~~الكتاب الذي أنزل بلسان العرب، فإن الحجة تلزمهم بذلك؛ لما كان لهم سبيل ~~الوصول إلى علم ذلك بالعرب؛ فعلى ذلك هؤلاء، وإن لم يكن عندهم علم بإهلاك ~~أولئك؛ فتلزمهم الحجة بإعلام أهل الكتاب إياهم. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر عن ~~إهلاك الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، وهو لم ينظر في كتبهم، ولا اختلف ~~إليهم ليعلموه عن ذلك، ثم أخبرهم بذلك، فدل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل. # وقوله - عز وجل -: (فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون). # قال أبو بكر الكيساني: البأس هو كل أمر معضل شديد من المرض والجرح وغيره، ~~ويقول: روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه لما طعن قيل له: لا بأس عليك، ~~فقال: إن كان في القتل بأس كفى بذلك. # وأما غيره ms1609 من أهل التأويل فقالوا: البأس: العذاب، " وبأسنا ": عذابنا. # وقوله - عز وجل -: (بياتا أو هم قائلون). # البيات: بالليل، والقيلولة: بالنهار عند الظهيرة، وهما وقتا الغفلة أو ~~وقتا الأمن. # PageV04P358 # أخبر أنه إنما يأتيهم عذابه في حال الغفلة، أو في حال الأمن؛ لئلا يكونوا ~~غافلين عن أمره، ولا يكونوا آمنين عذابه. # وقوله - عز وجل -: (فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ... (5) # أي: ما كان دعواهم قبل نزول العذاب إلا أنهم قالوا: نحن على الحق وإن ~~غيرهم على الباطل، فإذا جاءهم بأسنا اعترفوا بظلمهم؛ كقوله: (إلا أن قالوا ~~إنا كنا ظالمين). # وقال بعضهم: فما كان دعواهم حين نزول العذاب (إلا أن قالوا إنا كنا ~~ظالمين). # وقوله - عز وجل -: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (6) # يذكر في هذه الآية أنه يسألهم جميعا: الرسل والمرسلين إليهم. # وقال في آية أخرى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان)، وقال: (لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون)، ولكن قوله: (لا يسأل عن ذنبه) أي لا يسأل عما فعل ~~وعن نفس ما ارتكب؛ كم أذنبت؟ وما فعلت؟ ولكن يسأل: لماذا فعلت؟ يسأل عن ~~الحجة: لم أذنبت؟ ولم فعلت ذا؟ أو أن يسأل في وقت، ولا يسأل في وقت آخر. # قال بعضهم: لا يسأل عن ذنبه غيره، وإنما يسأل صاحبه وفاعله، يخبر - والله ~~أعلم - أن أمر الآخرة صلى خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤاخذ غيره ~~بذنب آخر وربما يسأل إحضار قريبه، وأما في الآخرة فإنه لا يؤاخذ غيره بذنب ~~آخر كذلك كان ما ذكرنا. # PageV04P359 # أو أن يكون قوله: (لا يسأل): عما أظهر وأبدى؛ لكن يسأل عما أسر وأخفى؛ ~~لأن الملائكة قد يكتبون ما أبدوه وأظهروه؛ كقوله: (ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد) فيقع السؤال عما أسروا على التقرير، ولا يسأل بعد ذلك. # وقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين). # قال بعض أهل التأويل: يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى الأمم، ويسأل ~~قومهم: هل بلغ الرسل إليهم الرسالة؟ ويكون سؤالهم الرسل سؤال شهادة - ~~كقوله: (لتكونوا شهداء على الناس. ms1610 . . . .) الآية - أنه قد بلغ الرسالة. # وقال بعضهم: يسأل الملائكة عن تبليغ الرسالة إلى الأنبياء، ويسأل ~~الأنبياء - عليهم السلام - عن تبليغ الملائكة إليهم، وأمكن أن يكون السؤال ~~للرسل عما أجيبوا، وكان سؤال الأمم عما أجابوا الرسل؛ كقوله: (يوم يجمع ~~الله الرسل فيقول ماذا أجبتم)، وكقوله: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين). # أو أن يكون سؤال القوم سؤال تقرير عندهم، وإقرار لما كانوا ينكرون ~~التبليغ إليهم؛ كقوله: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله). # هذا السؤال سؤال تقرير وتعيير لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يكن قال لهم ~~ذلك، لكنه سألهم سؤال تقرير؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك؛ ~~لأنهم قالوا: عيسى هو الذي قال لهم ذلك؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) # عن عملهم وصنيعهم؛ ولكن يسألون لما ذكرنا، والله أعلم. # يشبه أن يكون: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) ذكر هذا؛ لما يحتمل أن ~~يظن به الخفاء عليه؛ لما ذكر من المسألة لهم والسؤال، وهو الاستخبار عما ~~يسر ويضمر؛ ليظهر ذلك، هذا هو معنى السؤال في الشاهد والاستخبار؛ فأخبر - ~~عز وجل - بقوله: (فلنقصن # PageV04P360 # عليهم بعلم) على أن سؤاله ليس بسؤال استخبار واستظهار له؛ ولكن سؤال ~~توبيخ وتقرير، أو سؤال شهادة؛ وعلى هذا يخرج الابتلاء منه والامتحان؛ ~~لتقرير الأمر والنهي، لا لإظهار شيء خفي عليه، وإن كان في الشاهد يكون ~~كذلك. # أو أن يصير ما قد خفي عليهم باديا ظاهرا عندهم؛ فسمى ذلك الأمر منه ~~والنهي؛ ابتلاء وامتحانا؛ لما هو عند الخلق ابتلاء وامتحان، وإن كان عند ~~الله لا يحتمل ذلك؛ فسمي بالذي فيما بينهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك). # قال الحسن: يكون ميزانا له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات؛ فمن ثقلت ~~موازينه دخل الجنة، ومن خفت موازينه دخل النار. # وقال غيره من أهل التأويل: يريد ب " الموازين " الحسنات والسيئات ms1611 نفسها؛ ~~فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل ~~النار. إلى هذا ذهب أكثر أهل التأويل، ولا يحتمل ما قالوا. # أما قول الحسن: ميزان له كفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات - لا يحتمل؛ ~~لأنه قال: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون). إذا ثقلت إحدى الكفتين ~~خفت الأخرى، وإذا خفت إحداهما ثقلت الأخرى؛ فكل واحدة منهما فيمن تثقل ~~موازينه وتخف، وقد أخبر في الآية أن من ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ~~ومن خفت # PageV04P361 # موازينه (فأولئك الذين خسروا أنفسهم). # ولا يحتمل -أيضا- ما قال غيره من أهل التأويل: إنه أراد ب " الموازين " ~~الحسنات، والسيئات؛ لأن الآية في المؤمنين والكافرين، فلا سيئة ترجح في ~~المؤمن مع إيمانه، ولا حسنة ترجح في الكافر مع شركه، إلا أن يقال: إن توزن ~~حسناته وتقابل بسيئاته دون إيمان، وكذلك الكافر تقابل سيئاته بحسناته دون ~~الشرك؛ فذهبت حسناتهم التي كانت لهم في الدنيا بما أنعم الله عليهم في ~~الدنيا؛ فقد عجل لهم جزاء حسناتهم التي عملوا في الدنيا؛ بما أنعم عليهم في ~~الدنيا. # وأما المؤمن فيتجاوز عن سيئاته ويتقبل عنه أحسن ما عمل؛ كقوله: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم). # أو أن يكون ما ذكر من الميزان هو الكتاب الذي ذكر في آية أخرى؛ كقوله ~~تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب ~~إلى أهله مسرورا (9) وكما قال: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم ~~اقرءوا كتابيه) (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه). # وقال بعضهم: الوزن هو العدل؛ كقوله: (ونضع الموازين القسط)، لم يقل: نضع ~~الموازين بالقسط، ولكن قال: (ونضع الموازين القسط)، والقسط: هو العدل، فهو ~~إخبار عن العدل أنه يعدل بينهم يومئذ. # PageV04P363 # وقال بعضهم: الوزن يومئذ الحق، أي: الجزاء يومئذ الحق؛ يجزي للطاعة ~~الحسنة والثواب، وللسيئة عقاب وعذاب، فهو حق. # وقال بعضهم: قوله: (والوزن يومئذ الحق) أي: الطاعة حق، كل مطيع يومئذ فهو ~~حق. # ويحتمل أن يكون الوزن الحدود، والتقدير كقوله: (وأنبتنا ms1612 فيها من كل شيء ~~موزون) أي: محدود مقدر؛ فعلى ذلك قوله: (والوزن يومئذ الحق)، أي: الحد ~~يومئذ الحق، لا يزاد على السيئات، ولا ينقص من الحسنات التي عملوا في ~~الدنيا، والله أعلم بما أراد بالوزن. # ثم قال أهل التأويل في قوله: (فأولئك الذين خسروا أنفسهم)، أي: غبنوا؛ ~~وذلك أنه ما من أحد من مؤمن وكافر إلا وله في الجنة والنار منزل وأهل، فيرث ~~المؤمن المنزل الذي كان للكافر في الجنة، ويرث الكافر المنزل الذي للمؤمن ~~في النار؛ فذلك الخسران الذي خسروا، لكن هذا لا يحتمل أن يكون الله - تعالى ~~- يجعل للكافر في الجنة منزلا وأهلا مع علمه أنه لا يؤمن، ويختم على كفره، ~~ويحتمل الخسران الذي ذكر هو أنهم خسروا في الدنيا والآخرة لما فات عنهم ~~النعم التي كانت لهم في الدنيا ولم يصلوا إلى نعيم الآخرة، فذلك هو الخسران ~~المبين في الدنيا والآخرة. # وقوله عز وجل: (بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) قال الحسن: (بآياتنا): ~~ديننا يكذبون، ولكن كذبوا حججنا. (يظلمون) أي: يضعونها في غير موضعها، وهو ~~ما ذكر من ظلمهم الآيات؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ثم المسألة ~~فيمن ارتكب كل ذنب وكبيرة في حال كفره عمره ثم آمن في آخره، صار ما كان ~~ارتكب في حال كفره من الكبائر مغفورا معفوا عنه غير مؤاخذ بها، ومن ارتكب ~~ذلك في حال إيمانه، وختم على الإيمان لم يعمل الإيمان في تكفيره وكان ~~مؤاخذا به، وذلك والله أعلم؛ لوجهين: # PageV04P364 # أحدهما: أن ليس على الكافر أنفس أفعال الطاعات وأعينها، إنما عليه قبول ~~تلك الأعمال، فإذا أسلم، فقد قبلها ولم يكن عليه في ذلك الوقت إلا القبول؛ ~~لذلك لم يؤاخذ بما كان منه من الأعمال. # وأما المؤمن فعليه أنفس أفعال تلك الطاعات، وتلك الأعمال، وقد كان منذ ~~القبول آخذا بما كان منه التفريط في تلك الأعمال. # والثاني: أن الكافر إذا أسلم بعد ما ارتكب من الكبائر؛ لم يجرح إيمانه، ~~ولا أدخل فيه نقصا؛ فلم يؤاخذ بما كان منه لما قدم على ms1613 ربه بإيمان كامل. # وأما المؤمن إذا ارتكب كبائر فقد جرح الإيمان، وأدخل فيه النقصان بعمله ~~الذي يخالف الإيمان، ولا يوافقه؛ لذلك افترقا. # ويشبه أن يكون قوله: (فمن ثقلت موازينه) (ومن خفت موازينه) على التمثيل ~~ليس على تحقيق الميزان والخفة، ولكن على الوصف بالعظم لأعمال المؤمنين ~~وبالخفة والتلاشي لأعمال الكافرين؛ لأن الله - عز وجل - ضرب لأعمال ~~المؤمنين المثل بالشيء الثابت والطيب، ووصف أعمالهم بالثبات والقرار فيه، ~~وضرب لأعمال الكافرين المثل وشبهها بالشيء التافه التالف، ووصفها بالبطلان ~~والتلاشي كقوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء): وصف أعمالهم بالطيب والثبات والقرار، ووصف أعمال ~~الكافرين بالخبث والتلاشي والبطلان كقوله: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) وقال في آية أخرى: (والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا) وقال: (والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) وكقوله: (فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، ونحوه من الآيات: ~~وصف أعمال المؤمنين بالثبات # PageV04P365 # والقرار، وأعمال الكفرة بالذهاب والبطلان؛ فعلى ذلك قوله: (فمن ثقلت ~~موازينه) وصف بالعظم والقرار والثبات، وقوله: [(ومن خفت موازينه)] وصف ~~بالبطلان والتلاشي ألا يكون لهم من الخيرات: أشيء ينتفعون به، في الآخرة، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما ~~تشكرون (10) # وقوله عز وجل: (ولقد مكناكم في الأرض) قال أبو بكر الكيساني: " مكناكم "، ~~أي: ملكناكم في الأرض (وجعلنا لكم فيها معايش) تتعيشون بها، يذكرهم نعمه ~~ومنته عليهم بما ملكهم في الأرض، وجعل لهم منافع ليشكروا عليها. # وقال الحسن: " مكناكم "، أي: جعلناكم مستخلفين في الأرض: يذكرهم - عز وجل ~~-أيضا- نعمه عليهم بما جعلهم خلفاء الأولين، وجعل لهم معايش ويخوفهم زوال ~~ذلك عنهم بما صار ذلك لهم بزوالها عن الأولين، وأمكن أن يذكرهم هذا بما جعل ~~لهم مكان القرار، وموضع الانتشار والتقلب والتعيش، والبشر لا بد له من ذلك، ~~وكله ms1614 يرجع إلى واحد كقوله: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا)، أي: جعلنا ~~الحرم آمنا لكم بحيث تأمنون فيه وتتقلبون وتتعيشون فيه، ويتخطف الناس من ~~حولهم، فهو يذكر لهم عظيم نعمه ومننه التي جعلها لهم هذا إذا كان الخطاب به ~~لأهل مكة، وإن كان الخطاب به للناس كافة، فيخرج على تذكير النعم لهم حيث ~~جعل الأرض لهم بحيث يقرون فيها ويتقلبون فيها. # وقوله عز وجل (قليلا ما تشكرون) هو يحتمل وجوها، وكذلك قوله: (قليلا ما ~~تذكرون): # أحدها: أنهم كانوا يقرون أنه خالقهم بقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله) كانوا يقرون بألوهيته ويصرفون العبادة إلى غيره؛ فلذلك ~~قال: # PageV04P366 # (قليلا ما تشكرون). # والثاني: ألا تشكرونه ولا تذكرونه ألبتة. # والثالث: يحتمل (قليلا ما تشكرون) أي: المؤمنون يشكرون، ولا يشكر أولئك، ~~والمؤمنون قليل وهم أكثر. # والرابع: أي: ليس في وسعهم القيام بشكر أجميع ما أنعم عليهم؛ لكثرة نعمه ~~لا يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة، فكيف يشكرون، الجميع؟! فذلك الشكر قليل. # * * * # قوله تعالى: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون ~~لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) # قوله عز وجل: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) قال الحسن: قوله (خلقناكم ثم ~~صورناكم) أراد آدم خاصة؛ لأنه قال: (خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم) أخبر: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد الخلق، ولو كان ~~المراد منه نحن، لكان السجود بعد خلقنا، وقد كان السجود قبل ذلك. # وقال غيره: المراد منه البشر كله؛ لأنه قال (ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم) أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولو كان المراد آدم بقوله ~~(خلقناكم ثم صورناكم) خاصة، لكان لابد أن يذكر آدم ثانيا؛ فدل أنه أراد به ~~ذريته. # وقال بعضهم خلقناكم: أي، آدم، (ثم صورناكم) في أرحامكم، ويحتمل ما قال ~~الحسن، ويحتمل وجها آخر: وهو ms1615 أن قوله: (ولقد خلقناكم) أي: قدرناكم من ذلك ~~الأصل وهو نفس آدم؛ لأن الخلق هو التقدير؛ كما تقول: أنا خلقته، أي: قدرته، # PageV04P367 # يقول: - والله أعلم - (خلقناكم): أي قدرناكم جميعا من ذلك الأصل والكيان، ~~ومنه صورناكم، (ثم قلنا للملائكة) أي: وقد قلنا للملائكة (اسجدوا لآدم) ~~وذلك جائز في اللغة. # وقد يقول بعض أهل الكلام: إن النطفة هي إنسان بقوة، ثم تصير إنسانا بفعل. # ويقول بعضهم: هي كيان الإنسان، فجائز أن يكون إضافته إلى ذلك الطين كما ~~هو كيان وأصل لنا. # وقوله: (فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين) قال الحسن: إبليس لم يكن ~~من الملائكة، وذلك أن الله - عز وجل - وصف الملائكة جملة بالطاعة له ~~والخضوع بقوله: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) وقال: (لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وغيره من الآيات ولم يكن من إبليس إلا كل ~~سوء، وقال أيضا: خلق الملائكة من نور وإبليس من نار على ما ذكر، والنار ~~ليست من جوهر النور؛ دل أنه ليس من الملائكة. # وقال في قوله: (فسجدوا إلا إبليس): مثل هذا يجوز أن يقال: دخل هذه الدار ~~أهل البصرة إلا رجلا من أهل الكوفة، دل الاستثناء على أن دخل هنالك أهل ~~الكوفة؛ فعلى ذلك يدل استثناء إبليس على أن كان هناك أمر بالسجود لآدم لغير ~~الملائكة أيضا، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك فائدة: أنه كان من الملائكة أو ~~من غيره، إنما علينا أن نعرف أنه عدو لنا، وقد ذكرنا هذا فيما سبق. # وقوله عز وجل: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ... (12) قيل: قوله: (ما منعك ~~ألا تسجد) أي: ما منعك أن تسجد على ما ذكر في آية أخرى وألا زائدة. # وقوله عز وجل: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. . .) بم علم ~~عدو الله أن المخلوق من النار خير من المخلوق بالطين إلا أن يقال بأن النار ~~جعلت لمصالح الأغذية، # PageV04P368 # فمن هنا وقع له ذلك أنها خير من الطين، فيقال: إن النار وإن جعلت لصلاح ~~الأغذية؛ فالطين ms1616 جعل لوجود الأغذية فالذي جعل لوجود الشيء هو أنفع وأكبر ~~مما جعل لمصالحه، ولعل الأغذية تصلح للأكل بغيرها بالشمس وغيرها. # وبعد فإن الطين مما يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ~~ولا تتلفه؛ فإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقع من هذا الوجه أنها أفضل وأخير من ~~الطين. # ثم اختلف في الجهة التي كفر عدو الله إبليس: # قال بعضهم: إن إبليس عدو الله لم ير لله على نفسه طاعة بأمر السجود لآدم؛ ~~لذلك كفر. # وقال آخرون: إنما كفر عدو الله لما لم ير الأمر بالخضوع والطاعة ممن فوقه ~~لمن دونه حكمة؛ فكفر لما لم ير أنه وضع الأمر بالسجود موضعه، بل رآه - لعنه ~~الله - واضعا أمرا في غير موضعه. # وقال غيرهم: كفر عدو الله بالاستكبار والتكبر على آدم لا لمعنى آخر. # وقيل: أول من أخطأ في القياس وزل فيه إبليس لعنه الله. # وقوله عز وجل: (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ... (13) # اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله: (فاهبط منها)، يعني من السماء؛ لأنه لعنه الله كان في ~~السماء، فأمر بالهبوط منها؛ لما جعل السماء معدنا ومكانا للخاضعين ~~المتواضعين، فأمر بالهبوط منها إلى مكان جعل ذلك المكان مكان الخاضعين ~~والمتكبرين جميعا وهي الأرض، والأرض معدن الفريقين جميعا. # وقال بعضهم: الأمر بالهبوط منها أمر بالخروج من الأرض إلى جزائر البحور؛ ~~لأن الأرض هي قرار أهلها وجزائر البحور ليست مكان قرار لأحد؛ ليكون فيها ~~على # PageV04P369 # الخوف أبدا؛ ألا ترى أنه قال: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) ~~والبحار مما تميد بأهلها. # وأمكن أن يكون الأمر بالهبوط منها أمرا بالخروج من الصورة التي كان فيها ~~إلى صورة أخرى لا يعرف أبدا ولا يرى عقوبة له لتركه أمر الله وارتكابه نهيه ~~(فما يكون لك أن تتكبر فيها) في تلك الصورة أو في تلك الأرض؛ حتى لا يقر ~~أبدا، ويكون على خوف أبدا. # ويحتمل في السماء؛ لما ذكرنا. # وقوله عز وجل: (فاخرج إنك من الصاغرين) وجه صغاره: أنه ما من أحد ذكره ~~إلا ms1617 وقد لعنه، ودعا عليه باللعن، فذلك صغاره، وأمكن أن يكون صغاره؛ لما ~~صيره بحال يغيب عن الأبصار، ولا يقع عليه البصر، أو لما طرده عن رحمة الله. # * * * # قوله تعالى: (قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) ~~قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) # وقوله عز وجل: (أنظرني إلى يوم يبعثون). # اختلف فيه: # قال بعضهم: أنظره إلى النفخة الأولى؛ لئلا يذوق الموت؛ فيصل حياة الدنيا ~~بحياة الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (فإنك من المنظرين (37) إلى يوم ~~الوقت المعلوم) وقال بعضهم: أنظره إلى يوم البعث. # وظاهر ما خرج من الخطاب أن يكون أنظره إلى يوم البعث؛ لأنه سأل ربه أن ~~ينظره إلى يوم البعث حيث، قال: (أنظرني إلى يوم يبعثون)، فقال: (إنك من ~~المنظرين) خرج ذلك جوابا لسؤاله، وما ذكر من الوقت المعلوم. # وفي آية أخرى يجيء أن يكون هو ذلك اليوم. # وقال غيره: أنظره ولم يبين له ذلك الوقت الذي أنظره إلى ذلك الوقت؛ حتى ~~يكون أبدا على خوف ووجل؛ ألا ترى أنه قال: (فلما تراءت الفئتان نكص على ~~عقبيه وقال إني # PageV04P370 # بريء منكم) لو كان الوقت الذي أنظره معلوما عنده، لكان لا يخاف الهلاك ~~بدون ذلك الوقت؛ دل أنه كان غير معلوم عنده. # وقوله عز وجل: (فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # قال الحسن: قوله: (فبما أغويتني)، أي: بما لعنتني. # والإغواء هو اللعن كقوله (فإنك من المنظرين)، أي: من الملعونين؛ فيعني ~~ذلك قوله (أغويتني) أي: لعنتني. وقال أبو بكر الكيساني: أضاف الإغواء إلى ~~نفسه؛ لما كان سبب ذلك منه، وهو الأمر الذي أمره بالسجود لآدم والخضوع له. # ويجوز أن يضاف إليه ذلك؛ لما كان منه السبب نحو قوله: (ومنهم من يقول ~~ائذن لي ولا تفتني)، فطلب منه الإذن بالقعود، ولا تكلفني بما لا أقوم ~~فتفتنني بذلك، وقال: إنما أضاف ذلك إليه؛ لما كان منه سبب ذلك الافتتان؛ ~~فعلى ذلك هذا. # وقال ms1618 بعض المعتزلة: هذا قول إبليس (فبما أغويتني) وقد كذب عدو الله لم ~~يغوه الله؛ فيقال لهم فإن كان إبليس عدو الله قد كذب في قوله (فبما ~~أغويتني) فيما أغويتني فتقولون بأن نوحا - صلوات الله عليه - قد كذب حيث ~~قال: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم)، ~~أضاف الإغواء إليه؛ دل هذا على أن إبليس لم يكذب بإضافة الإغواء إلى الله. # ولكن عندنا أنه أضاف الإغواء إلى نفسه؛ لما خلق فيه فعل الغواية والضلال، ~~على ما ذكرنا في غير موضع، ليس كما قال هؤلاء: إنه أضيف إليه لمكان ما كان ~~منه سبب ذلك؛ لأنه لو جاز أن يضاف فعل الإغواء إليه لسبب الإغواء لجاز أن ~~يضاف ذلك إلى الرسل والأنبياء؛ لأنه كان منهم الأمر لقومهم والدعاء إلى ~~توحيد الله، ثم كذبوا في ذلك؛ فكان سبب إغواء أولئك هم الرسل، وذلك بعيد. # وكذلك لو كان الإغواء هو اللعن، لكان كل لاعن عليه فهو مغويه. # وقال بعضهم: (أغويتني) أي: خذلتني. # والوجه فيه: ما ذكرنا: أنه خلق فيه فعل الغواية والضلال، وكذلك من كل ~~كافر خذله؛ # PageV04P371 # لما علم منه أنه يختار الغواية والضلال. # وقوله عز وجل: (لأقعدن لهم) هو المكث، ليس على حقيقة القعود، ولكن على ~~المنع عن السلوك في الطريق أو على التلبيس عليهم الطريق المستقيم والستر ~~عليهم؛ لأن من قعد في الطريق منع الناس عن السلوك فيه. # وقوله عز وجل: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) قال: الحسن: (من بين أيديهم) من قبل ~~الآخرة؛ تكذيبا بالبعث والجنة والنار، (ومن خلفهم) قال: من قبل دنياهم ~~يزينها لهم ويشهيها إليهم، (وعن أيمانهم) قال: من قبل الحسنات يثبطهم عنها، ~~(وعن شمائلهم) قال: من قبل السيئات يأمرهم بها، ويحثهم عليها، ويزينها في ~~أعينهم. # وعن مجاهد: (ثم لآتينهم من بين أيديهم) قال: من حيث يبصرون (ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمائلهم) من حيث لا يبصرون. # وقيل (من بين أيديهم) من قبل ms1619 آخرتهم، فلأخبرنهم أنه لا جنة ولا نار ولا ~~بعث، على ما ذكر الحسن. # (ومن خلفهم) من قبل دنياهم: آمرهم بجمع الأموال فيها لمن بعدهم من ~~ذراريهم وأخوف عليهم الضيعة، فلا يصلون من أموالهم زكاتها، ولا يعطون لها ~~حقها، (وعن أيمانهم) من قبل دينهم، فأزين لكل قوم ما كانوا يعبدون، فإن ~~كانوا على ضلالة زينتها لهم، وإن كانوا على هدى شبهته عليهم، حتى أخرجهم ~~منه، (وعن شمائلهم) من قبل اللذات والشهوات فأزينها لهم. # هذا الذي ذكر أهل التأويل يحتمل. # ثم ذكر الأمام والخلف وعن أيمان وعن شمال، ولم يذكر فوق ولا تحت؛ فيحتمل ~~أن يدخل ما فوق وما تحت بذكر أمام واليمين والشمال والخلف؛ كقوله تعالى: ~~(أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا # PageV04P372 # من السماء)، دخل " ما فوق " بذكر ما بين أيديهم، ودخل " ما تحت " بذكر ما ~~خلفهم؛ فعلى ذلك هذا يدخل " ما تحت " و " ما فوق " بذكر ما ذكر؛ فيصير كأنه ~~قال: فيأتيكم من كل وجه. # ويحتمل أنه لم يذكر هذا؛ لما أنه لا سلطان له على منع الأرزاق والبركات؛ ~~لأن أرزاق الخلق والبركات مما ينزل من السماء من المطر، ويخرج من الأرض من ~~النبات؛ فليس له سلطان يمنع إنزال المطر وإخراج النبات من الأرض، وله سلطان ~~على غير ذلك. # أو يكون لما يشغلهم ويشهيهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم من اللذات والشهوات لما إذا رأى أشياء أعجبته أتبع النظر إليها ~~واحدا بعد واحد من أمام ووراء ويمين وشمال، ولا كذلك من تحت ولا من فوق أو ~~أن يكون؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه لما تلا هذه الآية قال: ~~إن الله منعه من أن يأتيهم من فوقهم، ولو كان ذلك لما نجا أحد، فأعمالهم ~~تصعد إلى الله، ورحمته تنزل عليهم. # وقال قتادة: أتاك اللعين من كل نحو يا ابن آدم، غير أنه لا يستطيع أن ~~يحول بينك وبين رحمة ms1620 ربك؛ إنما تأتيك الرحمة من فوقك. # والذي ذكرنا أنه على التمثيل أنه يأتيه من كل جانب أشبه. # وقوله - عز وجل -: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم) يخرج على وجهين: # أحدهما: ليس على إرادة " بين " و " خلف " و " أيمان " و " شمال " ولكن ~~على إرادة # PageV04P373 # الجهات كلها؛ كأنه يقول: لآتينهم من كل جهة. # والثاني: ما ذكر الحسن وأهل التأويل: (من بين أيديهم): الآخرة تكذيبا ~~بها، (ومن خلفهم): الدنيا تزيينا بها عليهم، (وعن أيمانه): الحسنات، (وعن ~~شمائلهم): السيئات. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجد أكثرهم شاكرين). # هذا من عدو الله ظن ظنه لا قاله حقيقة، لكن الله - عز وجل - أخبر أنه قد ~~صدق ظنه بقوله: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه). # * * * # قوله تعالى: (قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم ~~منكم أجمعين (18) ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ~~ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ~~(21) # وقوله - عز وجل -: (اخرج منها). # يحتمل (منها): من السماء. # ويحتمل من الأرض. # ويحتمل من الصورة التي كان فيها على ما قلنا في قوله: (فاهبط منها فما ~~يكون لك أن تتكبر فيها). وقيل: الجنة. # وقوله - عز وجل -: (مذءوما مدحورا). # قيل: [مذءوما] مدحورا، أي: مذموما ملوما عند الخلق جميعا. # مدحورا قيل: مقصيا مبعدا عن كل خير. قال أبو عوسجة: مذءوم ومذموم # PageV04P374 # ومدحور واحد مباعد مطرود. # وقوله: (اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين). # أخبر - عز وجل - أنه يملأ جهنم من إبليس ومن تبعه وأطاعه؛ لأنهم إنما ~~يتبعونه ويطيعونه في الكفر والشرك بالله. # تعلق الخوارج بظاهر قوله: (لمن تبعك منهم)، وكل مرتكب معصية تابع له؛ ~~لذلك استوجب الخلود. # وقالت المعتزلة: كل مرتكب كبيرة بوعيد هذه الآية؛ لأنه تابع له. # وعندنا: ليس لهم في الآية حجة في تخليد ms1621 من ذكروا في النار؛ لأنه إنما ~~ذكرت على أثر نقض الدين ورد التوحيد؛ فكأنه قال: لمن تبعك في نقض الدين ورد ~~التوحيد لأملأن جهنم منكم أجمعين. # وقوله - عز وجل -: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ... ~~(19) # كان السكون في موضع من القرار فيه والأمن؛ كقوله: (جعل لكم الليل لتسكنوا ~~فيه)؛ لتقروا فيه وتأمنوا؛ فقوله لآدم: (اسكن أنت وزوجك الجنة) أسكنهما عز ~~وجل ليقروا فيها ويأمنوا من كل ما ينقصهما من تلك النعم التي أنعم عليهما؛ ~~لأن الخوف، مما [ينغص] النعم ويذهب بلذتها، فلما أسكنهما عز وجل الجنة ~~أمنهما عن ذلك كله. # ثم فيه أن أول المحنة والابتلاء من الله لعباده إنما يكون بالإنعام ~~والإفضال عليهم، ثم بالجزاء والعدل بسوء ما ارتكبوا؛ لأنه عز وجل امتحن آدم ~~أولا بالإفضال والإنعام عليه؛ حيث أسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، ووسع عليه ~~نعمه، ثم امتحنه بالشدائد وأنواع المشقة؛ جزاء ما ارتكبوا من التناول من ~~الشجرة التي نهاه عن قربالها، فهو ما ذكرنا أن أشرط، امتحانه عباده في ~~الابتداء يكون بالإفضال والإنعام، ثم بالعدل والجزاء لسوء صنيعهم. # PageV04P375 # ألا ترى أنه قال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) أخبر أن ما ~~يصيبنا هو من كسب أيدينا وهو جزاء ما كسبنا. # وفيها وفي غيرها من القصص والذكر دليل إثبات، رسالة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ونبوته؛ لأنه أخبر عما كان من غير أن اختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك ~~ولا نظر في الكتب التي فيها ذكرها، دل أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. # ثم اختلف أهل التأويل في الجنة التي أسكن عز وجل آدم فيها وزوجته: # قال بعضهم: هي الجنة التي يكون عود أهل الإسلام إليها في الآخرة، ولهم ~~وعد عز وجل تلك. # وقال بعضهم: هي جنة أنشأها لآدم ليسكن فيها في السماء، ولكن لا ندري ما ~~تلك الجنة، وليس لنا إلى معرفة تلك الجنة حاجة، إنما الحاجة إلى ما ذكر من ~~المحن. # واختلف -أيضا- في الشجرة التي نهي آدم عن قربانها: # قال بعضهم: ms1622 هي شجرة العلم. # وقال بعضهم: هي شجرة الحنطة. # وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل واختلافهم في صدر الكتاب قدر ما حفظناه. # وكذلك اختلفوا في وسوسة الشيطان لآدم وحواء: أنه كيف وسوس إليه ومن أين # PageV04P376 # كان، وهذا -أيضا- قد ذكرناه في تلك القصة. والحسن يقول: إنما وسوس إليهما ~~من الدنيا لا أن كان دخل الجنة. # وقال بعضهم: وسوس إليهما من رأس الجنة ومن فيها بكلمتهما. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقربا هذه الشجرة). # لم يرد به الدنو منها، ولكن أراد الذوق والأكل منها؛ لأنه قال: (فلما ~~ذاقا الشجرة) دل أن النهي لم يكن للدنو منها، ولكن للذوق والأكل منها. # وفيه: أن الامتحان من الله مرة يكون بالحل، ومرة يكون بالحرمة؛ لأنه أذن ~~له التناول مما فيها من أنواع النعم، وحرم عليه التناول من واحدة منها؛ ~~فذلك محنة منه، ثم النهي عن التناول من الشيء يخرج على وجوه: # أحدها: ينهى بحق الحرمة لنفسه، وينهى بحق إيثار الغير عليه، وينهى عن ~~التناول منه لداء فيه وآفة، وينهى لما يخرج التناول منها بحق الجزاء فلم ~~يكن بعد وقت الجزاء له. # وقوله - عز وجل -: (ما ووري عنهما من سوءاتهما ... (20) # قوله: (ما ووري) أي: ستر وغطي، وسوءاتهما: عورتهما، والسوءة: العورة في ~~اللغة. # PageV04P377 # وفيه أنه يجب أن نكون على حذر من شر إبليس اللعين؛ لئلا يجد فرصة علينا؛ ~~فإنه أبدا على سلب النعم التي أنعمها الله على عباده، حيث احتال كل حيلة؛ ~~حتى أبدى لهما ما ووري وستر عنهما من العورة وعمل في إخراجهما من النعم ~~واللذات، وأوقعهما في الشدائد والمشقة. # وفيه أنه ليس حال عليه أشد من أن رأى أحدا في النعم والسعة. # وقوله - عز وجل -: (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين) # قد ذكرنا معنى هذا -أيضا- في صدر الكتاب. # PageV04P378 # وقوله - عز وجل -: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) # قال الحسن قاسمهما في وسوسته إياهما إني لكما لمن الناصحين وهذا الذي ~~يقول الحسن يومئ إلى أن آدم قد علم أنه الشيطان. # وقال ms1623 أبو بكر الكيساني: إنه قد وقع عند آدم أن الشجرة التي نهاه ربه أن ~~يتناول منها هي المفضلة على جميع الشجر، فلما وسوس إليه الشيطان، وقال له ~~ما قال: (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)؛ فوافق ظنه قول اللعين وما ~~دعاهما إليه، ثم اشتغل فنسي ذلك؛ فتناول على النسيان، والنسيان على وجهين: # نسيان الترك على العهد، ونسيان السهو، ولا يحتمل أن يكون آدم ترك ذلك ~~عمدا؛ فهو على نسيان السهو، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم أو كلام نحوه. # وقرأ بعضهم قوله: (إلا أن تكونا ملكين)، بكسر اللام من الملك؛ ذهب في ذلك ~~إلى ما قال: (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). وقراءة العامة ~~الظاهرة: (إلا أن تكونا ملكين)، بنصب اللام من الملائكة، وقد ذكرنا جهة ~~رغبة آدم في أن يصير ملكا؛ # PageV04P380 # حيث تناول منها، في صدر الكتاب على قدر ما حفظنا. # * * * # قوله تعالى: (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم ~~في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون (25) # قوله - عز وجل -: (فدلاهما بغرور). # قال أبو عوسجة: (فدلاهما بغرور)، أي: أوردهما، يقال: دلاني فلان بحبل ~~غرور، أي: أنه زين ألك، القبيح حتى يرتكبه، وأصل التدليه من الدلو، وهو من ~~الدعاء، أي: دعاهما بغرور، ودعاؤه إياهما بغرور، هو قوله: (هل أدلك على ~~شجرة # PageV04P381 # الخلد وملك لا يبلى)، وقوله: (إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين). # وقوله: (بدت لهما سوءاتهما). # فإن قيل: كيف خص السوءة بالذكر، ومنته في اللباس في كل البدن لا في ~~السوءة خاصة؟ وكذلك قوله: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم)، ذكر منته فيما أنعم علينا من ستر العورة وذلك في العورة وفي غيرها ~~من البدن في ms1624 دفع البرد والحر وغير ذلك؟! # قيل: لأن كشف العورة مستقبح في الطبع والعقل جميعا، وأما كشف غيرها من ~~البدن فليس هو بمستقبح في الطبع ولا في العقل، وربما يبدي المرء لغيره من ~~البدن سوى العورة عند الحاجة، ويستر عند غير الحاجة، وأما العورة فإنه لا ~~يبديها إلا في حال الضرورة؛ لذلك كان ما ذكر. # أو أن يقال: إن المفروض من الستر هو قدر الضرورة، والآخر يلبسه: إما بحق ~~التجمل، وإما بحق دفع البرد والحر والأذى؛ لذلك كان تخصيصه بالذكر، وإلا ~~المنة والنعمة عظيمة في لباس غيره من البدن. # فإن قيل: إن الله كنى عن الجماع مرة باللمس ومرة بالغشيان، وعن الخلاء ~~بالغائط، وهو المكان الذي تقضى فيه الحوائج، وكذلك جميع ما لا يستحسن ذكره # PageV04P382 # مصرحا فإنما ذكره بالكناية، وهاهنا ذكر السوءة في العورة؟! # قيل: السوءة والعورة هما كناية، لم يذكر الفرج ولا الذكر والدبر؛ فهو ~~كناية. # والثاني في ذكر تخصيص السوءة؛ وذلك أن قصد الشيطان إنما كان إلى إبداء ~~عورتهما لا غير. # ألا ترى أن ذلك لم يجعل لغير البشر عورة تستر؛ ولذلك خص الستر بالقبر إذا ~~مات يقبر؛ لأجل عورته، ولا يقبر غيره من الدواب إذا هلك، ولا يستر في حال ~~حياته؛ فخرج ذكر تخصيص السوءة لما ذكرنا أن اللعين قصد بذلك قصد إبداء ~~عورتهما لا غير. # ألا ترى أنه قال: (ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما) كان قصده إلى ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وطفقا يخصفان). # قال أبو عوسجة: طفقا، أي: أخذا، تقول طفقت أفعل كذا، أي: أخذت، والخصف: ~~الخياطة في النعل والخف، وهو مستعار هاهنا. # وقال مجاهد: يخصفان، أي: يرفعان كهيئة الثوب. # وقيل: يخصفان: يغطيان. # ثم قوله: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة). # إما حياء أحدهما من الآخر أو حياء من الله تعالى؛ ولهذا نقول: إنه يكره ~~للرجل في الخلوة أن يكشف عورته ويبديها، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: " ~~فالله أحق أن # PageV04P383 # يستحيا منه " أو حياء أحدهما من الآخر؛ لما بدت لكل واحد منهما عورة ms1625 ~~صاحبه؛ ولهذا كره أبو حنيفة - رحمه الله - أن ينظر الرجل إلى فرج زوجته، ~~والمرأة إلى فرج زوجها. # أو لما وقع بصر كل واحد منهما على عورته؛ فذلك يكره -أيضا- أن ينظر المرء ~~إلى فرجه. # ألا ترى أنه قال: (ليبدي لهما) ولم يقل: ليبديهما؛ فهذا يدل على أنه لا ~~ينبغي أن ينظر إلى فرج زوجته، ولا الزوجة إلى فرجه. # وقوله - عز وجل -: (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة. . . . .) ~~الآية. # يحتمل قوله: (وناداهما ربهما) وحيا أوحى إليهما على يدي ملك؛ كقوله: ~~(فنفخنا فيها من روحنا) أضاف إلى نفسه؛ لما ينفخ فيه بأمره؛ فعلى ذلك هذا. # أو إلهاما؛ ألهمهما كقوله: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه). # وكقوله: (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت). # وكقوله (وأوحى ربك إلى النحل)، ونحوه؛ وإنما هو إلهام. # PageV04P384 # وقوله - عز وجل -: (ربنا ظلمنا أنفسنا ... (23) # حيث أوقعناها في الشدائد وكد العيش. # والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. # وقوله - عز وجل -: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا)، قال الحسن هن الكلمات التي ~~تلقاها آدم من ربه؛ بقوله: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)، قال آدم ما # PageV04P385 # ذكر في الآية، وكذلك قال نوح: (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ~~وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)، وقال إبراهيم: (ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين)، وقال نوح: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا) ~~بعضه خرج على الأمر، وبعضه على السؤال، وكله على الدعاء والسؤال ليس على ~~الأمر، وإن خرج ظاهره مخرج الأمر؛ لأن الأمر ممن هو دونه لمن فوقه دعاء ~~وسؤال، وممن هو فوقه لمن دونه أمر، لو أن ملكا من الملوك إذا أمر بعض خدمه ~~بأمر أو بعض رعيته فهو أمر، وإذا أمره بعض خدمه أو رعيته - الأمير - شيئا، ~~فهو ليس بأمر، ولكنه سؤال ودعاء؛ فعلى ذلك دعاء الأنبياء - عليهم السلام - ~~ربهم. # فإن قيل: إن الرسل سألوا ربهم المغفرة لزلاتهم، فلا يخلو: إما أن أجيبوا ~~في ذلك، أو لم يجابوا؛ فإن لم ms1626 يجابوا فيما سألوا، فهو عظيم، وإن أجيبوا في ~~ذلك - والمغفرة في اللغة: الستر - كيف ذكرت زلاتهم في الملأ إلى يوم ~~القيامة؟ # قيل: لوجوه: # PageV04P386 # أحدها: أنهم لما ارتكبوا تلك الزلات عظم ذلك عليهم، واشتغلت قلوبهم بذلك؛ ~~لعظيم ما ارتكبوا عندهم، لم يخطر ببالهم عند سؤالهم المغفرة ستر ذلك على ~~الناس، وكتمانها عنهم بعد أن أجاب الله بالتجاوز عنهم في ذلك. # أو أن يقال: أراد بإفشاء ذلك وإظهاره إيقاظ غيرهم وتنبيههم في ذلك؛ ~~ليعلموا أن الرسل مع جليل قدرهم، وعظيم منزلتهم عند الله لم يحابهم في ~~العتاب والتوبيخ بما ارتكبوا؛ فمن دونهم أحق في ذلك. # أو أن ذكر ذلك؛ ليعلموا أنه ليس بغافل عن ذلك، ولا يخفى عليه شيء، والله ~~أعلم بذلك. # وقوله: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا)، وقال: (وعصى آدم ربه فغوى)، وقال: ~~(فنسي ولم نجد له عزما)، فأعلمنا الله - عز وجل - أن آدم نسي أمر ربه؛ فقال ~~قوم من أهل العلم: أكل آدم من الشجرة وهو ناس لنهي الله إياه عن أكلها، ~~وكان أكله منها ظلما منه لنفسه وعصيانا لربه، وإن كان فعل ذلك ناسيا. # ثم إن الله تفضل على أمة محمد؛ فرفع عنهم في الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه. # وقال قوم يعني قوله: (فنسي) أي: ترك أمر ربه من غير نسيان، وقالوا: هذا ~~كقول الله: (نسوا الله فنسيهم). # ولا ندري كيف كان ذلك. # وقال بعض أهل العلم: إن الخطأ والنسيان في الأحكام موضوع بهذا الحديث، ~~فيقال: فما تقولون في قتل الخطأ: هل فيه الدية والكفارة؛ وما تقولون في رجل # PageV04P387 # أفسد متاع رجل وأحرقه ناسيا أو مخطئا؟ # فإن قالوا: ذلك لازم عليه؛ قيل فكيف قلتم: إن الحديث جاء في الأحكام، ~~وأنتم توجبون الضمان؟ # وقال بعضهم وجه الحديث عندنا: أن الأمم قبل أمتنا كانت مأخوذة بالخطأ ~~والنسيان فيما بينها وبين ربها، فرفع الله تعالى الحرج عن هذه الأمة في ~~ذلك؛ تفضلا منه علينا من بين الأمم، فأما الغرامات والضمانات في الأحكام ~~التي بين الناس فهي لازمة لهم خطأ فعلوا أو عمدا، والله ms1627 أعلم. # وفي قوله: (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) دلالة النقض على المعتزلة؛ لأنهم # PageV04P388 # يقولون: الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر. ثم من قوله: إن الرسل والأنبياء ~~معصومون عن الكبائر، فزلة آدم لا شك أنها صغيرة لما ذكرنا، ثم قال: إن لم ~~يغفر لكان من الخاسرين فإذا لم يكن له أن يعذبه فيصير وكأنه قال أجرمت ~~وخطئت علينا لتكونن من الخاسرين، وفائدة تقدير آدم وحواء أن يكونا من ~~الملائكة # PageV04P389 # لأن الملك كما ذكرنا أنه لا يفتر عن العبادة، ولا يعصي. . . ربه، ولا ~~يحتاج إلى شيء من المؤنة، ومن قرأ: ملكين؛ لأن الملك يكون نافذ الأمر ~~والنهي في مملكته، وذلك مما يرغب فيه. # أو أن يكون أراد بذلك؛ ليشغلهما عن نهي ربهما؛ حتى ينسيا ذلك فيتناولا من ~~تلك الشجرة على ما فعلا وفيما ذكر الخلود لأنه ليس بشيء ألذ ولا أشهى من ~~الحياة. # والأشبه أن يقال: إنه لم ينسيا نهي الله إياهما عن التناول منها ولكن ~~نسيا قوله: (فتكونا من الظالمين)؛ لذلك تناولا، ولو ذكرا قوله: (فتكونا من ~~الظالمين) ما تناولا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو ... (24) # PageV04P391 # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: آدم وحواء وإبليس والحية. وقال ~~الحسن: آدم ووسوسة الشيطان لأن من قوله: إن الشيطان لم يكن في السماء، إنما ~~وسوس آدم وحواء من بعد؛ فالأمر بالهبوط لوسوسة الشيطان؛ ولذلك بقت في ~~أولاده إلى يوم القيامة. # وقال بعضهم: دل قوله: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) على أن الأمر ~~بالهبوط إنما كان من السماء وكانوا في السماء. # ثم قوله: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) كأن الأمر بالهبوط لم يكن معا؛ لأن ~~إبليس أمر بالهبوط حين أبى السجود وآدم وحواء حين تناولا من الشجرة، ثم ~~جمعهم في الأمر بالهبوط؛ ليعلم أن ليس في الجمع بالذكر دلالة وجوب الحكم ~~والأمر مجموعا. # وقوله - عز وجل -: (اهبطوا) لا يفهم منه الهبوط من الأعلى. # ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (اهبطوا مصرا) أي انزلوا فيه. # وقوله: (عدو)، وهو عدو لنا إما بالكفر، وإما ms1628 بالسعي في هلاكنا، وكل من ~~يسعى في هلاكنا فهو عدو لنا ونحن عدو له. # وقوله - عز وجل -: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين). # قيل: إلى منتهى آجالكم، وإبليس: إلى النفخة الأولى. ويشبه أن يكون هذا ~~ليس على التوقيت، ولكن على الدوام والقرار فيها. # وقوله - عز وجل -: (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) # قيل: الأرض فيها تعيشون، وفيها تموتون عند انقضاء آجالكم، ومنها تخرجون ~~في القيامة. # * * * # قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا بني آدم لا ~~يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع # PageV04P392 # عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) # قوله - عز وجل -: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ~~... (26) # قال ابن عباس - رضي الله عنه - والحسن: أنزلنا ماء القراح من السماء ~~ليتخذ منه اللباس ما يواري عوراتهم، ويتخذ منه الطعام والأشياء التي بها ~~قوام أنفسهم. # ويحتمل قوله: (قد أنزلنا عليكم لباسا) أنزل الماء والأسباب التي بها يتخذ ~~اللباس والأطعمة والأشربة، والعلم في ذلك الماء والأسباب، والعلم بذلك، ~~وإلا ما عرف الخلق أن كيف يتخذ ذلك لباسا والأطعمة والأشربة. # وفيه دليل إثبات الرسالة؛ لأنهم لم يعرفوا ذلك إلا بوحي من السماء. # أو أن يكون قوله: (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا)، أي: جعل ~~لكم وأنشأ لكم ما تتخذون منه اللباس والطعام والشراب ليس على الإنزال، ولكن ~~على أن جعل لكم ذلك؛ كقوله: (جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون). # وقوله: (جعل لكم) أي: أنشأ لكم (سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم)، ~~وهو أن خلق لنا ذلك. # وفيه دليل خلق أفعال الخلق؛ لأنه إنما صار طعاما بفعل من العباد لا أنه ~~أنزل من السماء هكذا، ثم أخبر أنه جعل ذلك لنا، دل أنه خلق فعل الخلق فيه. # وقوله - عز وجل -: (وريشا)، قال بعضهم: مالا. # وقال بعضهم: معاشا. ms1629 # وقال القتبي: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش ما ستر به. # وقوله - عز وجل -: (ولباس التقوى). # في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (ولباس التقوى)، بالرفع على الابتداء ~~أي # PageV04P393 # لباس التقوى خير، ومن نصبه -أيضا- فإنما ينصبه على الجواب لما تقدم؛ وإلا ~~الحق فيه الرفع. # ثم اختلف فيه أهل التأويل قال الحسن: لباس التقوى: الدين. # وقال أبو بكر الأصم: القرآن. # PageV04P394 # وقيل: العفاف. # وقيل: الحياء. # وقيل: الإيمان، فكله واحد، أي: كل ما ذكر من لباس التقوى خير من اللباس ~~الذي ذكر؛ لأن الدين والإيمان والقرآن والحياء يزجره ويمنعه من المعاصي فهو ~~خير لأنه لباس في الدنيا والآخرة؛ لأن المؤمن التقي العفيف الحيي لا يبدو ~~له عورة، وإن كان عاريا من الثياب وأن الفاجر لا يزال تبدو منه عورته، وإن ~~كان كاسيا من الثياب، لا يتحفظ في لباسه؛ فلباس التقوى خير، وهو كقوله (فإن ~~خير الزاد التقوى) هذا التأويل للقراءة التي تقرأ بالرفع: (ولباس التقوى) ~~على الابتداء. # وأما من قرأ بالنصب فهو رده إلى قوله: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يواري سوءاتكم وريشا)، ثم أنزلنا عليكم -أيضا- لباسا تتقون به الحر والبرد ~~والأذى؛ فيكون فيه ذكر لباس سائر البدن، وفي الأول ذكر لباس العورة. # وقوله - عز وجل -: (ذلك من آيات الله). # يحتمل قوله: (ذلك) الذي اتخذ منه اللباس والأطعمة والأشربة من آيات ~~الرسالة؛ لأن كل ذلك إنما عرف بالرسل بوحي من السماء، وهو ما ذكرنا أن فيه ~~دليل إثبات الرسالة. # ويحتمل ذلك من آيات الله أي: من آيات وحدانية الله وربوبيته؛ لما جعل ~~منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما؛ دل ذلك أن منشئهما ~~ومدبرهما واحد؛ لأنه لو كان تدبير اثنين، ما اتسق تدبيرهما؛ لاتصال منافع ~~أحدهما بالآخر. # PageV04P395 # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يذكرون). # أي: لعلهم يوفقون للتذكير، ولعلهم يتقون، أي: لعلهم يوفقون للتقوى، ~~ولعلهم يوفقون للشكر لأنه حرف شك هذا يحسن أن يقال، والله أعلم، أو نقول: ~~لكي يلزمهم التذكر والتشكر. # وقوله - عز وجل -: (يا بني آدم لا يفتننكم ms1630 الشيطان كما أخرج أبويكم من ~~الجنة ... (27) # قال بعضهم: خاطب به أهل مكة في تكذيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومخالفتهم أمره في ألا يخرجكم من الأمن والسعة، كما أخرج أبويكم من دار ~~الأمن والسعة. # وقال بعضهم: قوله: (لا يفتننكم الشيطان) أي: احذروا دعاءه إلى ما يدعوكم ~~إليه؛ فإنه يمنع عنكم في الآخرة الكرامة والثواب؛ كما أخرج أبويكم من دار ~~الكرامة والمنزلة. # وقال أهل التأويل (لا يفتننكم الشيطان)، أي: لا يضلنكم الشيطان ويغويكم، ~~كما فعل بأبويكم: أخرجهما من الجنة. # وقال آخرون: قوله: (لا يفتننكم الشيطان) بما تهوى أنفسكم، ومالت إلى ~~شهواتها وأمانيها، كما أخرج أبويكم من الجنة بما هوته أنفسهما واشتهائهما، ~~يحذرهم اتباع هوى النفس وشهواتها وأمانيها؛ فإن السبب الذي به كان إخراجهما ~~هو هوى النفس وأمانيها. # وقوله - عز وجل -: (ينزع عنهما لباسهما). # يحتمل قوله: (ينزع) أي: نزع، عنهما لباسهما وهذا في القرآن كثير يفعل ~~بمعنى فعل. # ويحتمل على الإضمار؛ كأنه قال: أراد أن ينزع عنهما لباسهما؛ ليريهما ~~سوءاتهما، وقد ذكر أن المفروض من الستر هو ستر العورة لا غير، احتيج إليه ~~أو لم يحتج، وأما غيره من الستر فإنما هو لدفع الأذى من الحر والبرد أو ~~للتجمل، والمفتون بالشيء هو المشغوف به والمولع به. # يقول: لا يمنعنكم عن دخول الجنة، كما أخرج أبويكم من الجنة، وكان قصده ما # PageV04P396 # ذكر من نزع اللباس وإبداء العورة وهو ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). # قيل: قبيله: جنوده وأعوانه، حذرنا إبليس وأعوانه؛ بما يروننا ولا نراهم، ~~فإن قيل: كيف كلفنا محاربته، وهو بحيث لا نراه وهو يرانا ومثله في غيره من ~~الأعداء لا يكلفنا محاربة من لا نراه أو لا نقدر القيام بمحاربته وليس في ~~وسعنا القيام بمحاربة من لا نراه؟ قيل إنه لم يكلفنا محاربة أنفسهم، إذ لم ~~يجعل، له السلطان على أنفسنا وإفساد مطاعمنا ومشاربنا وملابسنا، ولو جعل ~~لهم لأهلكوا أنفسنا وأفسدوا غذاءنا، إنما جعل له السلطان في الوساوس فيما ~~يوسوس في صدورنا، وقد ms1631 جعل لنا السبيل إلى معرفة وساوسه بالنظر والتفكر، نحو ~~قوله: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. . .) الآية، وقوله - ~~تعالى -: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) وقوله: (إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا) علمنا ما به ندفع وساوسه وهمزاته، وجعل لنا ~~الوصول إلى دفع وساوسه بحجج وأسباب جعلت لنا، فهذا يدل على أن الله يجوز أن ~~يكلفنا بأشياء لم يعطنا أسباب تلك الأشياء، بعد أن جعل في وسعنا الوصول إلى ~~تلك الأسباب، وإن لم يكن لنا وقت التكليف تلك الأسباب، من نحو: الأمر ~~بالصلاة، وإن لم نكن على الطهارة؛ إذ جعل في وسعنا الوصول إلى الطهارة، ~~ونحو الأمر بأداء الزكاة، وإن لم # PageV04P397 # يكن وقت الأمر من نؤدي إليه حاضرا، أو نحو الأمر بالحج وغيره من ~~العبادات، وإن كان لا يصل إلى أداء ما افترض عليه إلا بعد أوقات مع احتمال ~~الشدائد، وهذا يرد - أيضا - على من يقول: إنه لا يلزم الأوامر والمناهي من ~~جهلها، ولا يكلف إلا بعد العلم بها؛ لأنه يتكلف حتى لا يلزمه فرض من فرائض ~~الله وعبادة من عباداته؛ لأنه لا يكسب أسباب العلم؛ لئلا يلزمه ذلك، فهذا ~~بعيد محال، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون). # اختلف أهل الاعتزال فيه؛ قال أبو بكر الأصم: الجعل من الله على وجوه: # أحدها: السبب أي: أعطينا لهم السبب الذي به صاروا أولياء لهم، كما يقول ~~الرجل لآخر: جعلت لك الدار والعبيد والمال، وهو لم يجعل له ذلك، ولكن أعطاه ~~ما به صار ذلك، وهو إنما أعطاه سبب ذلك؛ فيضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك ما أضاف ~~الجعل إليه؛ لما أعطاه السبب. # وقال جعفر بن حرب: " الجعل " هو التخلية، خلى بينهم وبين أولئك؛ فأضاف ~~ذلك إليه بالجعل، كما يقال للرجل: جعلت عبدك قتالا ضرابا، إذا خلى بينه ~~وبين ما يفعله، وهو قادر على منعه عن ذلك، فعلى ذلك فبما أضاف الجعل إلى ~~نفسه: هو أن خلى بينهم وبين ms1632 أولئك، يعملون ما شاءوا. # PageV04P398 # وقال الحسن: من حكم الله أن من عصى يكون عدوا له، ومن أطاع يكون وليا له، ~~ومن أطاع الشيطان فهو وليه، ومن عصاه يكون عدوا له؛ فكذا حكم الله - تعالى ~~- في كل من أطاعه يكون وليا له، ومن عصاه يكون عدوا له. # وقال غيرهم من المعتزلة قوله: (جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)، ~~أي: وجدناهم كذلك أولياء لهم. # ولكن لو جاز إضافة ذلك إلى الله - تعالى - كما ذكر هؤلاء - لجاز إضافة ~~ذلك إلى الأنبياء؛ لأنه قد كان منهم التخلية في ذلك، والتسمية لهم بذلك، ~~والحكم على ما قال الحسن، فإذا لم يجز إضافة ذلك إليهم؛ دل أنه قد كان من ~~الله في ذلك صنع لم يكن ذلك من الأنبياء، وهو أن خلق منهم فعل الولاية لهم؛ ~~لما علم منهم أنهم يختارون ولايتهم ويتولونهم؛ كقوله: (إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه)، وبالله العصمة والنجاة. # * * * # قوله تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ~~قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ~~ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # قوله - عز وجل -: (وإذا فعلوا فاحشة). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كل معصية فاحشة، والفاحشة: كل ما عظم فيه ~~النهي، فإذا ارتكبوا ذلك فهو فاحشة. # وقال مجاهد: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة. # وقال غيره من أهل التأويل: الفاحشة هو ما حرموا من الحرث والأنعام ~~والبنات، وغيره من نحو السائبة والحامي وغيره، لكن الفاحشة ما ذكرنا: أن كل ~~ما عظم النهي فيه والزجر فهو فاحشة، والفاحشة هو ما عظم من الأمر، يعرف ذلك ~~بوجهين: # PageV04P399 # أحدهما: يعظم ذلك في العقل، والثاني: بالسمع يرد فيه. # وقوله - عز وجل -: (والله أمرنا بها). # ادعوا في ذلك أمر الله ورضاه به، ويقولون: لو لم يرض بذلك ولم يأمر، لكان ~~ينكلهم وينتقم منهم، ms1633 يعنون آباءهم، فاستدلوا بتركهم وما فعلوا على أن الله ~~قد كان رضي بذلك، وأمرهم أن يفعلوا ذلك؛ فدل تركه إياهم على ذلك على أنه قد ~~أمرهم بذلك، ورضي عنهم؛ كمن يخالف في الشاهد ملكا من الملوك في أمره ونهيه، ~~فإنه ينكله على ذلك وينتقم منه؛ إذا كان قادرا على ذلك، فإذا لم يفعل ذلك ~~به دل ذلك منه على الرضا به؛ فعلى ذلك الله: لما لم ينتقم منهم ولم ينكلهم، ~~دل ذلك على الرضا والأمر به. # والثاني: كأنهم أخذوا ذلك من المسلمين لما سمعوا من المسلمين قالوا: " ما ~~شاء الله كان " ظنوا أن ما كان من آبائهم كان بأمر من الله ورضاه، لم ~~يفصلوا بين المشيئة والأمر: المشيئة والإرادة هي صفة فعل كل فاعل يفعله على ~~الاختيار، نحو أن يقال: شاء فعل كذا، أو أراد أمر كذا، ولا يجوز أن يقال: ~~أمر نفسه بكذا، أو نهى نفسه عن كذا. # وأما قولهم: إن لم ينكل آباءهم، ولم ينتقم منهم بما فعلوا، دل أنه رضي ~~بذلك، فيقال: إن فيهم من فعل على خلاف فعلهم وغير صنيعهم ضد ما فعل أولئك، ~~ثم لم يفعل بهم ذلك؛ فهل دل ذلك على الرضا منه بذلك؛ فإن قلتم: بلى فقد رضي ~~بفعلين متضادين. # وإن قلتم: لا فكيف دل ذلك في أولئك على الرضا والأمر، ولم يدل فيمن فعلوا ~~بخلاف فعلهم؛ فهذا تناقض؟! وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (قل) لهم يا محمد. # (إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون). # إن الله أمر بهذا وحرم هذا، وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء) الفحشاء: هو ما ذكرنا ما عظم النهي فيه، أو كل ما يشتد فيه النهي ~~ويغلظ أو يكثر هو الفحشاء. # ألا ترى أنه يقال لكل شيء يكثر: فحش، من نحو الكلام وغيره أنه إذا خرج عن ~~حده # PageV04P400 # وجاوزه يقال: فحش؛ فعلى ذلك الفحشاء - هاهنا - هو ما جاوز حده في القبح، ~~أو جاوز الحد من الكثرة، وهم قد ms1634 أكثروا الافتراء على الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (أتقولون على الله ما لا تعلمون). # قال بعضهم: بل تقولون على الله ما لا تعلمون: إنه أمر بذلك. # وقيل: قوله: (أتقولون على الله) أي: تعلمون أنكم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون؛ لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالرسل، ولا كان لهم كتاب، فكيف تعلمون أن ~~الله أمركم بذلك، وهو كقوله: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا ~~في الأرض) لا يجوز ألا يعلم الله، ولكن على النفي لذلك، ليس كما تقولون ~~وتنبئون، ولكن يعلم خلاف ذلك وضده، ويكون في نفي ذلك إثبات غيره؛ فعلى ذلك ~~يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون. # وأسباب العلم بهذا: إما الرسل يخبرون عن الله ذلك، وإما الكتاب يجدونه ~~فيه مكتوبا، فيعلمون فتتسع الشهادة بذلك، وهم قوم لا يصدقون الرسل، ولا ~~يؤمنون بخبرهم، وليس لهم كتاب -أيضا- يقرءونه، فما بقي إلا وحي الشيطان ~~إليهم؛ كقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم). # وقوله - عز وجل -: (قل أمر ربي بالقسط ... (29) # والقسط: هو العدل في كل شيء: في القول والفعل وغيره، كقوله: (وإذا قلتم ~~فاعدلوا)، وكقوله - تعالى -: (كونوا قوامين بالقسط). وأصل العدل: هو محافظة ~~الشيء على الحد الذي جعل له، ووضعه موضعه. # PageV04P401 # وقوله - عز وجل -: (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد). # اختلف فيه؛ قيل: (أقيموا)، أي: سووا وجوهكم نحو الكعبة، (عند كل مسجد)، ~~أي: في كل مكان تكونون فيه، وهو كقوله: (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي: اجعلوا ~~بيوتكم نحو الكعبة؛ كقوله - تعالى -: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). # وقيل: (وأقيموا وجوهكم)، أي: اجعلوا عبادتكم لله، ولا تشركوا فيها غيره؛ ~~كقوله: (وادعوه مخلصين له الدين)، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن ~~الأنفس؛ كأنه قال: أقيموا أنفسكم لله، لا تشركوا فيها لأحد شركا كقوله: ~~(ومن يسلم وجهه إلى الله) أي بجعل نفسه لله سالما. # وقوله - عز وجل -: (وادعوه مخلصين له الدين). # يحتمل الدعاء نفسه، أي: ادعوه ربا خالقا ورحمانا، (مخلصين له الدين): ~~بالوحدانية والألوهية والربوبية. # ويحتمل قوله: (وادعوه)، أي: اعبدوه مخلصين له العبادة، ms1635 ولا تشركوا غيره ~~فيها. # ويحتمل: أي دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به. # وقوله - عز وجل -: (كما بدأكم تعودون). # قال قائلون: هو صلة قوله: (فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون)؛ كأنهم ~~سألوا مما يعودون إذا بعثوا، فقال: (كما بدأكم): خلقكم، (تعودون) مثله. # ويحتمل أن يكون هو صلة قوله: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، يعودون كما كانوا ~~في البداءة: الكافر كافرا، والمؤمن مؤمنا. # وقوله - عز وجل -: (كما بدأكم تعودون): هو من الدائمة، ليس من الابتداء؛ ~~لأنه # PageV04P402 # لا يجوز أن يقال لصبي: كافر أو مؤمن، وهو الدوام والمقام فيه إلى وقت ~~الموت، وهو في الدنيا البداءة، وفي الآخرة الإعادة، وهو كقوله: (وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده) وقوله: (يبدأ) ليس يريد ابتداء نشوئه؛ ولكن كونه في ~~الدنيا؛ فعلى ذلك قوله: (كما بدأكم تعودون. . . . .) الآية، يخرج على ~~وجهين: # أحدهما، أي: كما كنتم في الدنيا تعودون في الآخرة كذلك: المؤمن مؤمن ~~والكافر على كفره. # والثاني: كما أنشأكم في الدنيا لا من شيء؛ فعلى ذلك يبعثكم كذلك، لا ~~يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (فريقا هدى ... (30) # بما هداهم الله بفضله. # (وفريقا حق عليهم الضلالة). # بما اختاروا من فعل الضلال؛ فأضلهم الله؛ كقوله: يضل من يشاء) وقوله: (من ~~يضلل الله فلا هادي له). # وقوله - عز وجل -: (ويحسبون أنهم مهتدون). # PageV04P403 # فيه دلالة لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحيث الإدراك ~~والوصول إليه؛ لأنه قال: (ويحسبون أنهم مهتدون)، فيه أنهم عند أنفسهم ~~مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن ~~لم يعرف بعد أن كيف يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن ~~فرائض الله لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة. # * * * # قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32) قل ms1636 إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) # قوله - عز وجل -: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد). # يحتمل أن يكون الخطاب - وإن خرج مخرج الأمر - بأخذ الزينة واللباس، فهو ~~على النهي عن نزعها؛ لأن الناس يكونون آخذين الزينة وساترين عوراتهم غير ~~بادين بها فإذا كان كذلك فهو على النهي عن نزع لباسهم وإبداء عوراتهم، وهو ~~ما ذكر في بعض القصة أن أهل الشرك كانوا إذا طافوا بالبيت نزعوا ثيابهم، ~~ويقولون: لا نطوف في ثيابنا التي أذنبنا فيها، فإن كان التأويل ما قال ابن ~~عباس وهؤلاء: فيكون فيه إضمار؛ كأنه قال: خذوا زينتكم عند هذا المسجد، كما ~~تأخذون عند كل مسجد سواء. # وإلا خرج تأويل الآية على وجوه: # أحدها: يقول: صلوا في كل مسجد، ذكر هذا لمن لا يرى الصلاة إلا في مسجده، ~~على ما روي: " أن لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ". # والثاني: يقول: صلوا بكل مسجد، وبكل مكان؛ كقوله - عليه السلام -: # PageV04P404 # " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". # والثالث: بجعل الزينة العبادة نفسها؛ بقوله: (خذوا زينتكم). # ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: كانوا يستعيرون من أهل مكة ثيابا يطوفون ~~فيها، فإن لم يجدوا بها طافوا فيها عراة بادين عوراتهم، فنهاهم الله - ~~تعالى - عن ذلك، وقال: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، أي: لا تنزعوا ثيابكم ~~التي على عوراتكم؛ فهو على النهي عن نزع الثياب وإبداء العورة، وكذلك قوله: ~~(وكلوا واشربوا). # يخرج على النهي عما حرموا على أنفسهم من أنواع المنافع والنعم التي أحل ~~الله لهم: من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ومن نحو ما حرموا ~~من الزرع والطعام، وكقوله: (وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام ~~حرمت ظهورها). خرج قوله: (وكلوا واشربوا) على النهي عما حرموا مما أحل لهم، ~~لا على الأمر بالأكل والشرب؛ لأن كل أحد يأكل ويشرب، ولا يدع ذلك؛ فدل أنه ~~خرج على النهي عما ms1637 حرموا؛ كأنه قال: لا تحرموا ما تحرمون، ولكن كلوا ~~واشربوا وانتفعوا بها. # فإن كان على ابتداء الأمر بأخذ الزينة، فهو - والله أعلم - أمر بأخذ ~~الزينة والتجمل عند كل مسجد، والمسجد هو مكان كل عبادة ونسك، على ما يكون ~~في غير ذلك من الأوقات يتزينون ويتجملون عند اجتماع الناس؛ فعلى ذلك يكونون ~~في مكان العبادة والنسك. # أو أن يكون لما في المسجد من اجتماع الناس للعبادة، فأمروا بستر عوراتهم ~~في ذلك. # PageV04P405 # ويكون قوله: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، أي: كلوا واشربوا واحفظوا الحد ~~في ذلك ولا تجاوزوه، وهو نهي عن الكثرة. # أو ما ذكرنا أنه نهاهم عن التحريم وترك الانتفاع بها، وفي تحريم ما أحل ~~الله وترك الانتفاع بها إسراف. # (إنه لا يحب المسرفين)؛ لأنه لا يحب الإسراف، وقد ذكرنا أن المفروض من ~~الستر هو ما يستر به العورة، وأما غيره فإنما هو على دفع الأذى والتجمل. # ألا ترى أنه قال: (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما)، وقال: (يا بني ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم)، من علينا بما أنزل مما نستر به ~~عوراتنا، وإن كانت له المنة في الكل، وذلك -أيضا- قبيح في الطبع أن ينظر ~~أحد إلى عورة آخر، وعلى ذلك جاءت الآثار في الأمر بستر العورة، روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ~~ملكت يمينك "، فقيل: يا رسول الله؛ فإن كان بعضنا في بعض؟، فقال: " إن ~~استطعت ألا تظهر عورتك فافعل ". فقيل: فإذا كان أحدنا خاليا، فقال: " فالله ~~أحق أن يستحيا منه ". # وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا ~~المرأة إلى عورة المرأة "، ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية؛ وعلى ذلك يخرج ~~الأمر بالإخبار بستر العورة؛ ألا ترى أنه قال - تعالى -: (فبعث الله غرابا ~~يبحث في الأرض ليريه. . . . .) الآية، لئلا ترى عورته؛ لأنه يكون جفاء. # وقوله - عز وجل -: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق ... (32) # PageV04P406 # قال أبو بكر الأصم: الزينة - هاهنا ms1638 -: هي اللباس؛ لأنه ذكر على أثر ذلك ~~اللباس، وهو قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، والطيبات من الرزق: ما حرموا ~~مما أحل الله لهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك، مما ~~كانوا يحرمون الانتفاع به؛ كقوله: (وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم). # وقال الحسن: زينة الله هي المركب؛ كقوله: (والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة)، جعل الله ما يركب زينة للخلق، وهم كانوا يحرمون الركوب ~~والانتفاع بها، فقال: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)، وقال: ~~(والطيبات من الرزق): ألبانها ولحومها. # وقال غيره من أهل التأويل: زينة الله - هاهنا -: النبات وما يخرج من ~~الأرض مما هو رزق للبشر، والدواب جميعا؛ كقوله: (إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم. . . .) وكقوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) سمى ~~لنا ما أخرج من الأرض: زينة. # وقوله - عز وجل -: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة). # اختلف فيه؛ قال الحسن: هي، يعني: الطيبات خالصة للمؤمنين في الآخرة لا ~~يشاركهم الكفرة فيها، فأما في الدنيا فقد شاركوهم؛ فالتأويل الأول يخرج على ~~التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل هي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة، وفي ~~الحياة الدنيا لهم جميعا؛ كقوله: (قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار). # ويحتمل قوله: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا)؛ لأنهم لم يحرموا ~~الطيبات التي أحل الله لهم، بل انتفعوا بها، وحرمها أولئك ولم ينتفعوا بها، ~~فكانت هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ لما انتفعوا بها في الدنيا، ~~وتزودوا بها للآخرة، وكانت لهم خالصة يوم القيامة، وإنما كان خالصا لهم يوم ~~القيامة، لما لا يكون لأهل الشرك ذلك؛ لما لم يتزودوا للمعاد، وقد كانت لهم ~~في الدنيا لو لم يحرموها وانتفعوا بها. # PageV04P407 # وفي قوله - تعالى -: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق) دليل إباحة الزينة والتناول من الطيبات، وقد يحتمل أن يكون خرج على ~~النهي والإنكار على ما كان يفعله أهل الشرك؛ من نحو تحريم البحيرة، ~~والسائبة، ms1639 والوصيلة، فقال: قل من حرم ما حرمتم إذا لم يحرمه الله. # ألا ترى أنه قال: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) يقول - ~~والله أعلم - لم يحرم ما حرمتموه من هذه الأشياء؛ ولكن حرم الفواحش وما ~~ذكر، ولم يذكر جوابهم أنهم ماذا يقولون؛ فهو يخرج على وجهين: # إن قالوا: حرمه الله، فيقال لهم: من حرمه وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل ~~والكتب؟! فإن قالوا: حرمه فلان، فيقال: كيف صدقتم فلانا في تحريم ذلك، ولا ~~تصدقون الرسل فمما يخبرون عن الله - تعالى - مع ظهور صدقهم؟! يذكر سفههم في ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (قل من حرم زينة الله)؛ كأنه يقول: ليس لأحد تحريم ما ~~ذكرنا؛ إنما التحريم إلى الله، وإنما حرم ما ذكر، وقد يحتمل ما ذكرنا من ~~نزعهم الثياب عند الطواف ويطوفون عراة، على ما ذكر في القصة، وإلى هذا يذهب ~~ابن عباس والحسن وقتادة وعامة أهل التأويل، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. حيث قال: " ألا لا يطوفن بهذا البيت عريان ~~ولا محدث ". وقوله - عز وجل -: (كذلك نفصل الآيات). أي: نبين الآيات. (لقوم ~~يعلمون). أي: لقوم ينتفعون بعلمهم، أو نقول): (كذلك نفصل الآيات)، أي: كذلك ~~نفصل حكم آية من حكم آية أخرى، نفصل هذا من هذا، وهذا من هذا. # وقوله: (قل من حرم زينة الله) إنه إذا لم يفهم من زينة الله ما يفهم من ~~زينة الخلق - لأن زينة الخلق ما يتزينون به ويتجملون - لا يجب أن يفهم من ~~استوائه استواء الخلق، ولا # PageV04P408 # من مجيئه مجيء الخلق؛ لأن استواء الخلق هو انتقال من حال إلى حال، ولا ~~يجوز أن يفهم منه ذلك، على ما لم يفهم من زينة الله. # وقوله - عز وجل -: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق ... (33) # يشبه أن تكون هذه الآية مقابل قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى)، كما خرج آخر الآية وهو قوله: (وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي)، ms1640 مقابل الأول وهو قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، والنهي ~~هناك نهي تحريم كالتنصيص على التحريم هاهنا، وتكون الفحشاء التي ذكر في هذه ~~الآية الفواحش التي ذكر في تلك، والمنكر الذي ذكر هاهنا هو الإثم الذي ذكر ~~في تلك، وذكر البغي هاهنا وهنالك. # ثم الفحشاء: هو الذي ظهر قبحه في العقل، والسمع. # والمنكر: هو الذي ظهر الإنكار فيه على مرتكبه. # والإثم هو الذي يأثم المرء فيه. # PageV04P409 # والبغي: هو من مظالم الناس يظلم بعضهم على بعض. # PageV04P410 # وقال بعضهم: الفواحش هن الكبائر، والإثم هو الصغائر، والبغي هو أخذ ما ~~عصم من مال أو نفس بعقد الإسلام، على ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها "، فكل ما صار معصوما بالإسلام ~~من مال أو نفس، فأخذ ذلك بغي وظلم إلا ما ذكر بحقها. # وأصل البغي هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له. # وقال أهل التأويل: الفواحش هي الزنى، ما ظهر منها علانية، وما بطن منها: ~~سرا، لكن الفواحش ما ذكرنا أن ما أظهر قبحه، في العقل وفحشه السمع فهو ~~فاحشة، والفواحش هي ما ذكرنا أن ما قبح في العقل والسمع وأفحش فيهما، فهي ~~الفاحشة. # وأصل المنكر: كل ما لا يعرف؛ كقول إبراهيم: (إنكم قوم منكرون) والمنكر: ~~ما أنكره العقل والسمع أيضا. # PageV04P411 # وقوله - عز وجل -: (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا). # أي: وحرم -أيضا- أن تشركوا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ما لم ينزل به سلطانا): ليس على أنه ينزل سلطانا على ~~الإشراك بحال؛ ولكن على أنهم يشركون بالله من غير حجج وسلطان؛ لأن أهل ~~الإسلام هم الذين يدينون بدين ظهر بالحجج والآيات، وهم يدينون بدين لا يظهر ~~بالحجج والآيات، ولكن بما هوت أنفسهم واشتهت. # ويحتمل قوله: (ما لم ينزل به سلطانا)، أي: عذرا؛ لأنه يجوز أن يعذر المرء ~~بحال في إجراء كلمة الكفر على لسانه عند الإكراه، ولا يصير به كافرا إذا ms1641 ~~كان قلبه مطمئنا بالإسلام ومنشرحا به؛ كقوله: (إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان) أي: يشركون بالله من غير أن ينزل بهم حال عذر. # وقوله - عز وجل -: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). # أي: يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون أنه حرم كذا، وأمر بكذا. # وقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) يحتمل وجهين: # أحدهما: أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون، هذا على الجهل، والأول على ~~العلم؛ كقوله: (أتنبئون الله بما لا يعلم) أي: تنبئون الله بما يعلم أنه ~~ليس ما تقولون. # * * * # قوله تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(34) يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36) # قوله - عز وجل -: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون). # اختلف فيه: # قال بعضهم: (ولكل أمة أجل): هو بعث الرسول إليها أي لا يهلكون إلا بعد، ~~بعث الرسل إليهم، فإذا أتاهم الرسول، فكذبوه وعاندوا، فعند ذلك يهلكون، وهو ~~كقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا). # ويحتمل أن لكل أمة أجلا لا تهلك قبل بلوغ أجلها لا تستأخر ولا تستقدم. ~~فهذا يرد # PageV04P412 # على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن من قتل إنما هلك قبل بلوغ أجله، ويجعلون ~~القاتل منه مستقدما لأجل ذلك المقتول، والله - تعالى - يقول: (لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون). # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون): إذا ~~جاء لا يستأخرون، وإذا لم يجئ لا يستقدمون. # وقوله - عز وجل -: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ... (35) # قال أهل التأويل: (إما يأتينكم رسل منكم)، أي: سيأتينكم رسل منكم، أو سوف ~~يأتيكم يقصون عليكم ثم يحتمل قوله: # (يقصون عليكم آياتي)، أي: هداي؛ كقوله: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع ~~هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، ms1642 فعلى ذلك قوله (يقصون عليكم آياتي) أي: ~~هداي، (فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # ويحتمل الآيات: الحجج والبراهين التي يضطر أهلها إلى قبولها إلا من عاند ~~وكابر. # (فمن اتقى). اتقى الشرك. (وأصلح). وآمن بالله وعمل صالحا. # (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # وقوله: (فمن اتقى) يحتمل: اتقى ما نهى الرسل أو اتقى المهالك، وأصلح فيما ~~أمر به الرسل، أو أصلح أمره وعمله. (فلا خوف عليهم) في ذهاب ما أكرمهم به ~~مولاهم ولا فوته؛ لأن [خوف الفوت مما ينقص النعم]. # (ولا هم يحزنون): تبعاته وآفاته: يخبر أن نعيم الآخرة على خلاف نعيم ~~الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (36) # ظاهر تأويلها، وقد ذكرنا في غير موضع حتى لم يأخذوا على أحد منهم. # PageV04P413 # وفي قوله: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم) له على خلقه منن كثيرة ونعم ~~عظيمة، حيث بعث الرسل من جنس المرسل إليهم: # أحدها: أن كل ذي جنس وجوهر يستأنس بجنسه وجوهره، ويستوحش بغيره، فمن ~~عليهم؛ حيث بعث الرسل من جنسهم وجوهرهم، يستأنس بعضهم ببعض ويألف بعضهم ~~بعضا؛ فذلك آخذ للقلوب وأدعى إلى الاتباع والإجابة. # والثاني: بعث الرسل من قومهم الذين نشئوا بين أظهرهم، وعرفوا صدقهم ~~وأمانتهم؛ ليعلموا أنهم صادقين فيما يدعون من الرسالة؛ حيث لم يظهر منهم ~~الكذب والخيانة قط، حتى لم يأخذوا على أحد منهم الكذب. # والثالث: أن الرسل لو كانوا من غير جنسهم وغير جوهرهم، لم يعرفوا ما ~~أوتوا من الآيات والبراهين أنها آيات وحجج؛ لما لا يعلمون أن وسعهم لا يبلغ ~~هذا، وطوقهم لا يصل إلى ذلك، وإذا كانوا منهم يعرفون ذلك إن أتوا بشيء خرج ~~عن وسعهم أنها آيات. # وقوله - عز وجل -: (والذين كذبوا بآياتنا). # قال الحسن: ديننا. ويحتمل (بآياتنا) حججنا أي: كذبوا بحججنا، فإذا كذبوا ~~بحججه كفروا به؛ لأنه - عز وجل - لا يعرف من طريق الحس والعيان؛ ولكن إنما ~~يعرف من طريق الحجج والآيات والدلائل؛ فيكون الكفر بآياته وحججه كفرا به، ~~ويشبه ms1643 أن تكون آياته آيات الرسالة وحججها. # ويحتمل آياته - هاهنا - رسله، أي: كذبوا برسلنا، سمى رسله آياته؛ لأن ~~أنفس الرسل كانت آيات للخلق تدلهم على وحدانية الله، ورسالتهم من أعلام ~~جعلت من أنفسهم من صدقهم وأماناتهم. # (واستكبروا عنها). # أي: استكبروا عن التدبر فيها والنظر. # PageV04P414 # (أولئك أصحاب النار). # لأنهم يصحبون النار والسبب الذي يوجب لهم النار أبدا؛ فسموا أصحاب النار ~~بذلك؛ كما يقال: صاحب الدار وصاحب الدابة؛ لأنه هو يصحبها دائما؛ فعلى ذلك ~~هؤلاء سموا أصحاب النار؛ لما هم يصحبونها دائما أبدا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ~~(37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~(39) إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) # وقوله - عز وجل -: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته). # قد ذكرنا فيما تقدم أن قوله: (فمن أظلم): إنما هو حرف استفهام وسؤال لم ~~يخرج له جواب، لكن أهل التأويل عرفوا ذلك، فقالوا: لا أحد أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا، أجابوا على ما عرفوا من السؤال؛ وإلا ليس قولهم: لا أحد ~~أظلم، نفس قوله: (فمن أظلم)، أي: لا أحد أفحش ظلما ولا أقبح ظلما ممن افترى ~~على الله كذبا، مع علمه أنه خالقه، وأنه متقلب في نعمه، وأحاطت به أياديه ~~وإحسانه. # وقوله - عز وجل -: (فمن أظلم): أي لا ms1644 أحد، أفحش ظلما ولا أقبح ظلما ممن ~~افترى على الله كذبا. # وقوله: (افترى على الله كذبا)، قيل: الافتراء هو اختراع الكذب من نفسه من ~~غير أن سبق له أحد في ذلك؛ كقوله: (يفترينه بين أيديهن وأرجلهن)، وأما ~~الكذب، فقد يكون مما أنشأ هو أو مما قد سبق له أحد فسمع منه ثم افتراه على ~~الله فهو أنواع: # يكون بما قالوا: إن له ولدا، وقالوا: إن له شريكا وصاحبة، وبما عبدوا غير ~~الله # PageV04P415 # وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) و (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله) ويكون ما قالوا، (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها) ويكون بما حرموا من أشياء على أنفسهم فأضافوا ذلك إلى الله، ~~ونحو ذلك من الافتراء. # وقوله - عز وجل -: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب). # اختلف فيه: قال الحسن: إن من أطاع الله في أمره ونهيه، وأطاع رسله، فقد ~~كتبت له الجنة خالدا فيها أبدا، فذلك نصيبه وحظه من الكتاب الذي كتب له، ~~ومن عصى # الله وخالف رسله، كتبت له النار خالدا فيها أبدا، فهو نصيبه من الكتاب. # وقال أبو بكر الكيساني: # في قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب)، أي: حظهم من الخير والعقاب في ~~الآخرة، وهو قول القتبي ويحتمل وجهين آخرين غير هذين: # أحدهما: ما حرفوا من الكتب وغيروها، ثم أضافوا ذلك ونسبوه إلى الله؛ ~~كقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) ~~وقوله - عز وجل -: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من ~~الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله)، فصار ~~ما حرفوا هم وغيروه سنة فيهم يعملون بها إلى يوم القيامة، فينالون هم جزاء ~~ذلك يوم القيامة. والثاني: قوله: (ينالهم نصيبهم) مما كتب لهم من الرزق ~~والنعمة، يستوفون ذلك المكتوب لهم، ثم يموتون. # ثم قوله: (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم). # على هذا التأويل جاءتهم الرسل بقبض أرواحهم، وهو ظاهر. # PageV04P416 # وعلى تأويل من حمل ذلك على الجزاء في الآخرة: فهو ms1645 يجعل المتوفى في النار؛ ~~لشدة العذاب، وإن كانوا لا يموتون، وهو كقوله: (ويأتيه الموت من كل مكان ~~وما هو بميت)، أي تأتيه أسباب الموت. # وعلى تأويل من يجعل قوله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب): في الدنيا في ~~استيفاء الرزق وما كتب لهم؛ يكون قوله: (حتى) على الإثبات وعلى تأويل من ~~يقول بأن ذلك في الآخرة فيجيء أن يكون على الصلة والإسقاط. # وقوله - عز وجل -: (أين ما كنتم تدعون من دون الله). # تقول لهم الملائكة في النار على تأويل هؤلاء وعلى تأويل أولئك: عند قبض ~~أرواحهم، أو بعد قبض أرواحهم. # وقوله: (أين ما كنتم تدعون من دون الله)، أي: تعبدون من دون الله، ~~وتقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى) أو الأكابر التي ذكر بقوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها)، أين أولئك الذين كنتم تعبدون من دون الله؟! # (قالوا ضلوا عنا). # وهلكوا، أي: بطل عبادتنا التي عبدناهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ~~(أإذا ضللنا في الأرض)، أي: هلكنا وبطلنا. # (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). # فإن كان قوله: (أين ما كنتم تدعون من دون الله): الكبراء منهم والرؤساء ~~يكون قوله: (ضلوا عنا)، أي: شغلوا بأمرهم عنا، وإن كان الأصنام يكون قوله: ~~(ضلوا عنا) أي: بطل ما كنا نطمع من عبادتنا إياهم، وهو قولهم: (شفعاؤنا عند ~~الله). # وقوله - عز وجل -: (قال ادخلوا في أمم ... (38) # قوله: (في أمم) يحتمل مع أمم، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: جاء فلان في ~~جنده. # وقوله: (قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار). # PageV04P417 # المتبوعين والأتباع جميعا معا والعرب تضع حروف الخفض بعضها في موضع بعض؛ ~~كقوله: (فادخلي في عبادي) قيل: مع عبادي. ويحتمل " في " موضعه كأن ~~المتبوعين يدخلون النار قبل الأتباع فقيل لهؤلاء الأتباع (ادخلوا في أمم قد ~~خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار). وفيه دليل أن الكفار من الجن ~~يعذبون كما يعذب الكفار من الإنس. # وقوله - عز وجل -: (كلما دخلت أمة ms1646 لعنت أختها). # لعن الأتباع المتبوعين؛ لما هم دعوهم إلى ذلك، وهم صرفوهم عن دين الله؛ ~~كقولهم: (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا. . . .)، وكقوله: ~~(وقال الذين استضعفوا. . . .)، وغير ذلك من الآيات. # ولعن المتبوعون الأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع وبقدرهم؛ ~~فيلعن بعضهم بعضا. # وفيه دليل أن أهل الكفر وإن اختلفوا في مذاهبهم فهم إخوة وأخوات بعضهم ~~لبعض، كالمؤمنين بعضهم إخوة وأخوات لبعض. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا اداركوا فيها جميعا). # قال بعضهم: هو من التدارك، أي: حتى إذا تداركوا وتتابعوا فيها. # وقيل: هو من الدرك؛ لأن النار دركات، لا يزال أهل النار يهوون فيها لا ~~قرار لهم في ذلك؛ وفي القرار بعض التسلي والراحة، فلا يزالون يهوون فيها ~~دركا فدركا. # وقيل: ولذلك سميت هاوية. # وقيل: (حتى إذا اداركوا فيها جميعا)، أي: اجتمعوا فيها؛ فعند ذلك يتلاوم ~~بعضهم بعضا، فإن كان على التدارك فهو كقوله: (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم). وإن كان على الاجتماع فهو للتضييق؛ كقوله: (وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين) ويجتمعون يلعن بعضهم بعضا. # PageV04P418 # وقوله - عز وجل -: (قالت أخراهم لأولاهم). # يحتمل قوله: (أخراهم): الذين أكانوا، في آخر الزمان، (لأولاهم): الذين ~~شرعوا لهم ذلك الدين. # (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار). # ويحتمل قوله: (أخراهم) الذين دخلوا النار أخيرا وهم الأتباع، (لأولاهم) ~~الذين دخلوا النار أولا، وهم القادة والمتبوعون، (ربنا هؤلاء)، يعني: ~~القادة والسادة، (أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار) هو؛ كقوله: (يوم تقلب ~~وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا)، ويشبه أن ~~يكون قوله: (قالت أخراهم لأولاهم): ليس على القول بعضهم لبعض، ولكن على ~~الدعاء عليهم واللعن؛ كقوله: (والعنهم لعنا كبيرا). وقوله: (فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف). # قال بعضهم: لكل ضعف النار؛ لأنها لا تزال تزداد وتعظم وتكبر فذلك الضعف، ~~وذلك للأتباع والمتبوعين جميعا. # وقال بعضهم: قوله: (لكل ضعف)، أي: للمتبوعين والقادة ضعف، قال لهم مالك، ~~أو خزنة النار، أو من كان: ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة بعد أن ms1647 يقال لهم ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولكن لا تعلمون). # في الدنيا أن لكم ضعفا منها. # وقيل: (لكل ضعف ولكن لا تعلمون): للحال بأن لكل ضعفا من النار. # وقوله - عز وجل -: (وقالت أولاهم لأخراهم ... (39) # يحتمل (أولاهم) هو ما ذكرنا: الذين شرعوا لهم ذلك الدين، وسنوا لهم ~~(لأخراهم) الذين كانوا في آخر الزمان. # PageV04P419 # ويحتمل (أولاهم): الذين دخلوا أولا، (لأخراهم): هم الذين دخلوا النار ~~أخيرا، وهم الأتباع. # (فما كان لكم علينا من فضل). # قيل فيه بوجهين: # يحتمل ماكان لكم علينا من فضل في شيء؛ فقد ضللتم كما ضللنا، أي: لم يكن ~~لنا عليكم فضل سلطان، ولا كان معنا حجج وآيات قهرناكم عليها، إنما دعوناكم ~~إلى ذلك فاستجبتم لنا، وقد كان بعث إليكم الرسل مع حجج وآيات فلم تجيبوهم، ~~وهو كخطبة إبليس حيث قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم. . .) ~~فيقول هؤلاء القادة للأتباع مثل قول الشيطان لجملتهم. # وقيل: قوله (فما كان لكم علينا من فضل)، يعني: تخفيف العذاب. # أي: نحن وأنتم في العذاب سواء، لا فضل لكم علينا من تخفيف العذاب في شيء. # أحد التأويلين في قوله: (فما كان لكم علينا من فضل) يرجع إلى الآخرة ~~والآخر إلى الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون). # من الشرك والتكذيب لآيات الله، وكذلك جزاء بما كانوا يكسبون ويعملون. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها ... (40) # هذا قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (لا تفتح لهم أبواب السماء). # قال بعضهم: يعني بأبواب السماء أبواب الجنان؛ لأن الجنان تكون في السماء؛ ~~فسمى أبواب السماء لأن الجنان فيها، # ألا ترى أنه قال: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) وما يوعد لنا هو # PageV04P420 # الجنة، ثم أخبر أنها في السماء. # ألا ترى أنه قال: (ولا يدخلون الجنة) أكأنه قال: لا تفتح لهم أبواب ~~الجنان ولا يدخلون الجنة، - أيضا. # وقال آخرون: أبواب السماء هي أبواب السماء؛ وذلك أن أعمال المؤمنين ترفع ~~إلى السماء وتصعد إليها أرواحهم، وأعمال الكفرة وأرواحهم ترد إلى أسفل ~~السافلين؛ كقوله: (إليه ms1648 يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)، وقال في ~~الكافر: (ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، ~~فإذا كانت أعمال المؤمنين وأرواحهم ترفع إلى السماء وتصعد إليها، أخبر أن ~~الكافرين، لا تفتح لهم أبواب السماء ولا لأعمالهم، ولكن ترد إلى السجين. # وأمكن أن يكون على التمثيل ليس على تحقيق السماء؛ ولكن ذكر السماء لما أن ~~السماء هي مكان الطيبات من الأشياء وقرارها، لا مكان الخبائث والأقذار، ~~والأرض هي مكان ذلك، وأعمال الكفرة خبيثة؛ فكنى عن أعمالهم الخبيثة بالأرض ~~لما أن الأرض هي معدن الخبائث والأنجاس. # وكنى عن أعمال المؤمنين الطيبة بالسماء، وهو كما ضرب مثل الإيمان: ~~بالشجرة الطيبة الثابتة وفرعها في السماء، وضرب مثل الكفر: بالشجرة الخبيثة ~~المجتثة من فوق الأرض، ليس على أن يكون قوله: (وفرعها في السماء) على تحقيق ~~السماء، ولكن على الوصفت بالطيب والقبول؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (لا تفتح لهم أبواب السماء). # لا يستقيم مثله على الابتداء إلا على نوازل تسبق، خرج ذلك جوابا لها؛ نحو ~~قوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. . . .) الآية. # أو أن ذكروا أعمال أنفسهم أنهم يعملون كذا؛ فقال: (لا تفتح لهم أبواب ~~السماء ولا يدخلون # PageV04P421 # الجنة). # فإن قيل: كيف خوفهم بما ذكر من سد الأبواب عليهم، وجعل النار لهم مهادا ~~وغواشيا، وهم لا يؤمنون بذلك كله، فكيف خوفوا به؟ # قيل: إن المرء إذا خوف بشيء فإنه يخاف ويهاب ذلك، وإن لم يتيقن بذلك، ولا ~~تحقق عنده ما خوف به؛ حتى يستعد لذلك، ويتهيأ وإن كان على شك من ذلك وظن؛ ~~فعلى ذلك هؤلاء خوفوا بالنار وأنواع العذاب، وإن كانوا شاكين في ذلك غير ~~مصدقين؛ لما يجوز أن يهابوا ذلك، أو أن يخوف بذلك المؤمنين؛ كقوله: (فاتقوا ~~النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين)، وقوله: (وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين). # أو أن يكون التخويف لمن آمن منهم بالبعث؛ لأن منهم من قد آمن بالبعث ~~والجزاء والثواب. # وقوله - عز وجل -: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ms1649 في سم الخياط) هذا ~~على الإياس أنهم لا يدخلون أبدا الجنة كما لا يدخل ما ذكر في سم الخياط ~~فإنه لا يدخل أبدا ثم قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط). # قال بعضهم: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: حتى يدخل الجمل الذي يشد به السفينة في ~~خرق الإبرة. # وقال أبو عوسجة: يعني خرق الإبرة أو المسلة، والجمل: الحبل، والخياط: ~~الإبرة # PageV04P422 # أو المسلة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ليس بالجمل ذي القوائم أولكنه الجمل، ~~يعني: القلس. # وقال ابن مسعود: هو الجمل ذو القوائم - الأربع، والله أعلم بما أراد. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نجزي المجرمين). # أي: كذلك نجزي كل مجرم. # وقوله - عز وجل -: (لهم من جهنم مهاد ... (41) # قيل: الفرش. # (ومن فوقهم غواش). # هي اللحف أو الحواشي، ما يتغشاهم فيه النار تحيط بهم من تحت ومن فوق ~~وأمام وخلف؛ كقوله: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) أي: لا يتقي ~~لما يحيط بهم العذاب، وهو كقوله - تعالى -: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل. . . .) الآية، أخبر أن النار تحيط بهم؛ فعلى ذلك الأول، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم ~~الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون (43) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ~~(45) # قوله - عز وجل -: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها). # PageV04P423 # قال أبو بكر الكيساني: قوله: (لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك): ليس من جنس ~~ما ذكر من قوله: (آمنوا وعملوا الصالحات)؛ لكنه صلة قوله: (يا ms1650 بني آدم إما ~~يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح)، يقول فيما تقدم ذكره: ~~(لا نكلف نفسا إلا وسعها). # وأما عندنا: فإنه يستقيم أن يجعل صلة ما تقدم، أي: لا نكلف نفسا من ~~الأعمال الصالحات إلا وسعها، بل نكلفها دون وسعها ودون طاقتها (أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون). # وقال الحسن: قوله: (لا نكلف نفسا): إلا ما يسع ويحتمل، وهو صلة قوله: ~~(وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا)، يقول: لا يكلف نفسا إلا ما ~~يسع ويحتمل، لا ما لا يسع ولا يحتمل. # قوله - عز وجل -: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ... (43) # قأل القتبي: الغل: الحسد والعداوة. # وقيل: الغل والغش واحد، وهو ما يضمر بعضهم لبعض من العداوة والحقد. # وقيل: الغل: الحقد. # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله: (ونزعنا ما في صدورهم من غل): في الدنيا، ينزع الله - ~~عز وجل - من قلوبهم الغل، يعني: من قلوب المؤمين، ويجعلهم إخوانا بالإيمان؛ ~~كقوله: (إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوان) الآية، أخبر ~~أنهم كانوا أعداء (فألف بين قلوبكم) بالإيمان الذي أكرمهم به؛ حتى صاروا ~~إخوانا بعد ما كانوا أعداء. # قال الحسن: ليس في قلوب أهل الجنة الغل والحسد؛ إذ هما يهمان ويحزنان؛ ~~إنما فيها الحب. # PageV04P424 # وقال بعضهم: هذا في الآخرة، ينزع الله - تعالى - من قلوبهم الغل الذي كان ~~فيما بينهم في الدنيا، ويصيرون جميعا إخوانا؛ كقوله: (ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل إخوانا على سرر متقابلين). # وروي عن علي - رضي الله عنه - قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله - تعالى -: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا ~~على سرر متقابلين). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: نزلت في علي وأبي بكر وعمر وعثمان ~~وطلحة والزبير وابن مسعود وعمار وسلمان وأبي ذر - رضوان الله عليهم أجمعين ~~- # PageV04P425 # فينزع في الآخرة ما كان في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في الدنيا من العداوة ~~والقتل الذي كان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر ms1651 الذي اختلفوا ~~فيه، فيدخلون الجنة؛ هذا - والله أعلم - لأن الذي كان بينهم من الاختلاف ~~والقتال كان دنيويا لم يكن؛ بسبب الدين، فذلك يرتفع في الآخرة ويزول، وأما ~~العداوة التي هي بيننا وبين الكفرة: فهي لا تزول أبدا في الدنيا والآخرة؛ ~~لأنها عداوة الدين والمذهب، فذلك لا يرتفع أبدا. # ويشبه أن يكون قوله: (ونزعنا) على ابتداء النزع، لا على أن كانوا فيه؛ ~~كقوله - تعالى -: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، على ابتداء: المنع، أي: ~~لولا إخراجه إياهم من ذلك، وإلا كانوا فيه؛ فعلى ذلك قوله: (ونزعنا) أي: لم ~~نجعل في قلوبهم الغل رأسا، ولو تركهم على ما هم عليه لكان فيهم ذلك. # وفيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعا؛ لأن الغش والغل، من فعل العباد ~~يذمون على ذلك. ثم أخبر أنه نزع ذلك من قلوبهم، واستأدى منهم الشكر بذلك ~~بقوله: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا. . . . .) الآية. # وقد ذم من طلب الحمد على ما لم يفعل؛ فدل طلب الحمد منهم على أن له فيه ~~صنعا؛ بذلك طلب منهم الحمد، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (تجري من تحتهم الأنهار). # ذكر هذا - والله أعلم - لما علم عز وجل من طباع الخلق الرغبة في هذه ~~الأنهار الجارية في الدنيا، فيما يقع عليها الأبصار، فرغبهم في الآخرة بما ~~كانت طباعهم وأنفسهم تميل إلى ذلك في الدنيا؛ ليرغبوا فيما أمر وينتهوا عما ~~نهى، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القصور والخيام والجواري والغلمان ~~والأكواب والأباريق، وغير ذلك مما ترغب طباع الخلق في ذلك في الدنيا وتميل ~~أنفسهم # PageV04P426 # إلى ذلك؛ وأعدها لهم في الآخرة ترغيبا منه لهم في ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي)، ~~قال الحسن وغيره: هدانا: دلنا لهذا. # (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). # وأما عندنا: ليس هو هداية الدلالة والبيان؛ ولكن الهداية التي أكرمهم ~~الله بها بفضله ولطفه، وهي توفيقه إياهم إلى الهدى؛ لأنه خرج مخرج الامتنان ~~والفضل، ولو كان دلالة وبيانا لكان ms1652 لا معنى لتلك المنة وذلك الفضل؛ لأن ~~عليه الدلالة والبيان. # والثاني: أنه لو كان على الدلالة والبيان لكان ذلك على كل أحد: على الرسل ~~وغيرهم؛ لأن عليهم البيان والدلالة، فدل أنه ليس على الدلالة والبيان، ولكن ~~غيره. # والثالث: أنه لا أحد عند نفسه أنه يزيغ ويضل وقت ما هداه الله ووفقه. وقد ~~يجوز أن يكون ذلك في الدلالة والبيان؛ دل أنه لم يحتمل ما قال أولئك من ~~الدلالة والبيان، والله الموفق. # وقال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا الله عما أخبر، وخالفوا الرسل عما ~~أخبروا عن الله تعالى، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: # أما مخالفتهم الله فقوله: (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ونحوه. # أما مخالفتهم الرسل فقوله: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ... ) ~~الآية، وقول أهل النار قالوا: (لو هدانا الله لهديناكم)، وقول إبليس: (قال ~~رب بما أغويتني): هو أعلم بالله من المعتزلة. # وقوله - عز وجل -: (لقد جاءت رسل ربنا بالحق). # يحتمل وجوها: يحتمل جاءوا بالحق، أي: بالدين الذي هو حق، أو جاءوا ~~بالأعمال التي من عمل بها كان صوابا ورشدا، وكل حق هو صواب ورشد، ويحتمل ~~جاءت رسل ربنا بالحق، أي: بالصدق ونحوه. # PageV04P427 # (بالحق): له وجهان: # أحدهما: بالحق الذي استحقه الله على عباده. # والثاني: أنهم جاءوا بالذي هو حق في العقول وصواب. # وقوله - عز وجل -: (ونودوا أن تلكم الجنة). # قوله: (تلكم): إنما يتكلم عن غائب، وهم فيها، لكن تأويله - والله أعلم - ~~أن تلكم الجنة التي كنتم وعدتم في الدنيا وأخبرتم عنها هذه. # (أورثتموها بما كنتم تعملون). أي: أورثكم أعمالكم. # وفيه دلالة أن الإيمان من جملة أعمالهم؛ حيث قال: أورثتموها بما كنتم ~~تعملون، وإنما يورث ذلك بالإيمان وسائر الأعمال بل إنما يصح بالإيمان، ذكر ~~أنهم أورثوا الجنة بما عملوا، وإن كانوا ينالونها بفضل الله جزاء وشكرا؛ ~~لقولهم الذي قالوا: (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). # وقوله - عز وجل -: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ms1653 حقا قالوا نعم ... (44) # ما وعد المؤمنين - عز وجل - الجنة وما فيها من النعيم واللذات والشهوات، ~~بقوله: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين)، وقوله: (لذة للشاربين): هذا ~~الذي وعد للمؤمنين، ووعد الكفار النار، وما فيها من الشدائد وأنواع العذاب، ~~فأقروا أنهم قد وجدوا ما وعدهم ربهم. وقوله - عز وجل -: (فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا): إن المراد بالحق الذي ذكر: الوعد الذي وعدهم وتفسير الحق الصدق، ~~وإن كان الموعود فتأويله: وجدتموه كائنا حاضرا، وهو ما ذكرنا في قوله: ~~(وليعلم الله الذين آمنوا). # (فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين). # أي: وجبت لعنة الله على الظالمين الذين وعدوا في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فأذن مؤذن بينهم) يحتمل الملك، ويحتمل غيره، وليس ~~يعرف ذلك إلا بالخبر، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # فإن قيل: يذكر في الآية نداء أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، ~~ونداء # PageV04P428 # بعضهم بعضا لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريبا من بعض، وقد جاء في ~~الأخبار من وصف الجنة وسعتها ما روي أن أقل ما يكون لواحد من الجنة مثل عرض ~~الدنيا، وما ذكر أن الحور العين لو نظرت نظرة إلى الدنيا لامتلأت الدنيا من ~~ضوئها ونورها، وكذلك من ريحها وعطرها، وقد جاء في وصف النار أن شرارة منها ~~لو وقعت في - الدنيا لأحرقتها أو كلام نحو هذا؛ فإذا كان بعضهم من بعض بحيث ~~يسمعون بعضهم نداء بعض، ألا يتأذى أهل الجنة بالنار، وألا ينتفع أهل النار ~~بنعيم الجنة، وكيف يعرف ذلك؟ قيل - والله أعلم وذلك أن الله قادر -: أن ~~يوقع نداء هؤلاء بمسامع أولئك ونداء أولئك بمسامع هؤلاء، مع بعد ما بينهما؛ ~~فيسمع كل فريق نداء الفريق الآخر. # أو أن يكون الله - تعالى - ينقض بنية هذا الخلق، وينشئهم في الآخرة على ~~غير هذه البنية، مع ارتفاع الآفاق أوالحجب فيسمع بعضهم من بعض من بعد الذي ~~ذكر، وينظر بعضهم بعضا لأن في الدنيا الآفات، والحجب هي التي تمنع ذلك، ~~فإذا ارتفع ذلك كان ما ذكر، والله ms1654 أعلم. # أو يقرب الجنة من النار والنار من الجنة؛ بحيث يسمع بعضهم من بعض ما ذكر ~~من النداء. # أو يجعل ذلك في مسامعهم بما شاء وكيف شاء؛ كتسبيح الجبال وخطاب النمل ~~وجوابه. # وقوله - عز وجل -: (الذين يصدون عن سبيل الله ... (45) # الصد: يكون منع الغير، ويكون منع نفسه. # PageV04P429 # وقوله - عز وجل -: (سبيل الله)، قيل: دين الله. # قال الحسن: سبيل الله: دين الله الذي ارتضى لعباده، وأمرهم بذلك، وإلى ~~ذلك دعاهم رسله. # وقوله - عز وجل -: (ويبغونها عوجا) # أي: يبغون الدين الذي فيه عوج، وهو دين الشيطان؛ كقوله: (ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله)، فالعوج هو التفرق الذي ذكر في تلك الآية، وأمكن ~~أن يكون قوله: (ويبغونها عوجا)، أي: طعنا في دين الله، وقد كانوا يبغون ~~طعنا في دين الله. # * * * # قوله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا ~~أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى ~~أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون (49) # قوله - عز وجل - (وبينهما حجاب). # يشبه أن يكون ما ذكر من الحجاب ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: (فضرب ~~بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) فأمكن أن يكون ~~الحجاب المذكور بينهما هو السور الذي ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم). # قال بعضهم: هم قوم استوت حسناتهم بسيئاتهم، لم يبشروا بالجنة حتى لا # PageV04P430 # يخافوا عقوبته، ولا أيسوا حتى لا يطمعوا ولا يرجوا دخولهم فيها. # وقال آخرون: هم أهل كرامة الله، أكرمهم بذلك، يرفعهم على ذلك السور ~~لينظروا إلى حكم الله في الخلق وعدله فيهم، وينظرون إلى إحسان الله فيمن ~~يحسن إليه، وعدله فيمن يعاقبهم. # وقيل: هم الأنبياء. # والأشبه أن الأنبياء يكونون على الأعراف يشهدون على الأمم؛ كقوله: (فكيف ~~إذا ms1655 جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) وقال قائلون: هم ~~الملائكة، لكن ملائكة الله ما يسمون رجالا، ولم نسمع بذلك، والله أعلم ~~بذلك. # ثم اختلف فيه: قيل: سموا أصحاب الأعراف، وهو سور بين الجنة والنار سمي ~~بذلك؛ لارتفاعه، وكل مرتفع عند العرب أعراف، وهو قول القتبي. # وقال غيره: الأعراف: هو عرف كعرف الديك والفرس، وهو أيضا من الارتفاع. # وقال الحسن: هم أصحاب التعريف، يعرفون أهل النار عدل الله فيهم وحكمه، ~~وأن ما حل بهم من الشدائد وأنواع العذاب إنما حل بهم مما كان منهم في ~~الدنيا من صدهم الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على الرسل، يعرفونهم أن ما ~~نزل بهم إنما نزل بعدل منه، ويعرفون أهل الجنة فضل الله وإحسانه إليهم أن ~~ما نالوا هم إنما نالوا بفضل منه # PageV04P431 # وإحسان. # أو قوم نصبهم الله لمحاجة أهل النار؛ كصقوله: (ما أغنى عنكم جمعكم وما ~~كنتم تستكبرون) فهذه هي المحاجة التي يحاجون بهها أهل النار. # أو أن يقال: هم قوم نصبوا يترجمون بين أهل الجنة وأهل النار، يؤدون كلام ~~بعضهم إلى بعض، وينهون مخاطبات بعض إلى بعض، من ذلك قوله: (ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء)، وقوله: (ونادى أصحاب الجنة ~~أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ~~قالوا نعم)، ونحوه. والله أعلم من هم؟ # وقوله - عز وجل -: (يعرفون كلا بسيماهم)، # قيل: المؤمن يعرف ببياض وجهه، والكافر: بسواد وجهه. # ويحتمل ما قال الحسن: هو أن يعرفوا بالمنازل والأماكن. # وقوله - عز وجل -: (ونادوا أصحاب الجنة). # يعني: نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة. # (أن سلام عليكم). # ليس أن يقولوا سلام عليكم باللسان خاصة؛ ولكن في كل كلام سديد وقول حسن ~~وصواب؛ كقوله: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، أي: سديدا صوابا، وكذلك ~~قوله: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، ليس على أن يقولوا: سلام عليكم، ~~ولكن يقولون لههم قولا صوابا محكما؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله عز وجل -: (لم يدخلوها وهم يطمعون). # اختلف ms1656 فيه: قال عامة أهل التأويل: هم أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة # PageV04P432 # وهم يطمعون دخولها. # وقيل: هم كفار أهل النار يطمعون أن ينالوا منها؛ كقوله: (ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين)، إلى هذا الوقت كانوا يطمعون دخولها والنيل ~~منها، ثم أيسوا بهذا. # وقال بعضهم: هم أهل الجنة يطمعون دخولها قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة، ~~وقبل أن يدخل أهل النار النار. # وقوله - عز وجل -: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ... (47) # قيل: وإذا صرفت أبصار أصحاب الأعراف إلى أهل النار. # (قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين). # من شدة ما يرون من العذاب وما نزل بهم. # وقيل: وإذا صرفت أبصار أهل الجنة تلقاء أصحاب النار، قالوا ذلك. # وفي حرف أبي: وإذا قلبت أبصارهم نحو أصحاب النار، قالوا: عائذون بك أن ~~تجعلنا ربنا مع القوم الظالمين. # وقوله - عز وجل -: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين). # إن كان ذلك الدعاء من الأنبياء أو من أهل كرامة الله من الذين كانوا على ~~الأعراف، فذلك منهم شهادة أنهم ظلمة وكفرة، ومعنى التعوذ منهم من النار؛ ~~لأنهم لم يدخلوا الجنة بعد؛ فيخافون لقصور كان منهم في شكر المنعم، أو ~~بالطبع يتعوذون كما يتعوذ كل أحد إذا رأى أحدا في البلاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ... (48) # قال عامة أهل التأويل: يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون، ولكن أمكن أن ~~يعرفوا بالأعلام التي كانت لهم في الدنيا سوى سواد الوجوه؛ لأنهم يخاطبونهم ~~بقوله: (قالوا ما # PageV04P433 # أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون)، فلو لم يعرفوهم بآثار كانت لهم في ~~الدنيا، لم يكونوا يعاتبونهم بجمع الأموال والاستكبار في الدنيا، ولا يقال ~~للفقراء ذلك، إنما يقال للأغنياء؛ لأنهم هم الذين يجمعون الأموال وهم ~~المستكبرون على الخلق؛ كقوله: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين). # ويشبه أن يخاطب الكل، وفيهم من قد جمع واستكبر، وذلك جائز، هذا على تأويل ~~من يجعل أصحاب الأعراف ms1657 الذين استوت حسناتهم بسيئاتهم. # وقوله - عز وجل -: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ... (49) # قال عامة أهل التأويل: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، ~~ولكن يدخلون النار، فتقول الملائكة لأهل النار: هؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمته (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). # ويحتمل أن يكون القسم الذي ذكر في الآية كان منهم في الدنيا، كانوا ~~يقسمون أنه لا يدخلون هؤلاء الجنة، يعنون: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ كقوله (لو كان خيرا ما سبقونا إليه)، كانوا يقولون: إن الذي هم ~~عليه لو كان خيرا لنالوا هم ذلك؛ إذ نالوا هم كل خير في الدنيا، يعنون ~~أنفسهم؛ فعلى ذلك ينالون في الآخرة مثله، ونحو ذلك من الكلام الذي يقولون ~~في الدنيا؛ فيقولون لهم في الآخرة: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة). # وأمكن أن يكون قوله: (ادخلوا الجنة) لأهل الجنة قبل أن يدخلوها. # وقوله - عز وجل -: (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). # قال الأصم: يكون الحزن في فوت كل محبوب، والخوف في نيل كل مكروه؛ كقول ~~يعقوب: (إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب)، ذكر الحزن عند ~~فوت محبوبه، أوالخوف، عند نيل المكروه، ولكن عندنا الحزن إنما يكون بفوت ~~الموجود من المحبوب، والخوف بما سيصيبه من المكروه. # PageV04P434 # قوله تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم ~~لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ~~وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة ~~لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير ~~الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # قوله - عز وجل -: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من ~~الماء أو مما ms1658 رزقكم الله). # قال الحسن: الماء مما رزقهم الله، ولكن مكرر مثنى. # وقال أبو بكر: طلبوا الماء؛ ليدفعوا عن أنفسهم ما اشتد بهم من الظمأ ~~والعطش، ثم تقع لهم الحاجة إلى الطعام؛ لأن الرجل إذا اشتد به العطش والظمأ ~~لا يتهيأ له الأكل. # ولكن يشبه أن يكون طلب بعضهم الماء وبعضهم الطعام الذي رزقهم الله، وهذا ~~جائز، وإن لم يذكر؛ كقوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى) لم يكن هذا القول من الفريقين؛ ولكن كان من اليهود (إلا من كان ~~هودا)، ومن النصارى: (أو نصارى)، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله حرمهما على الكافرين). # قيل: هذا مقابل قولهم في الدنيا للمؤمنين: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~قال لهم المؤمنون في الآخرة مقابل ما قالوا لهم في الدنيا: (إن الله حرمهما ~~على الكافرين). # وهذا - والله أعلم - ليس على التحريم، ولكن على المنع؛ لأن الكفرة لا ~~ينالون بعد أن نالوا ذلك حراما كان أو حلالا، ولكن على المنع؛ كقوله - ~~تعالى -: (وحرمنا عليه المراضع) ليس هو تحريم حرمة أكل، ولكن منع، ويشبه أن ~~يكون ذلك محرما على المؤمنين إطعام الكافرين من ذلك. # PageV04P435 # وقوله - عز وجل -: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ... (51) # قال الحسن: اتخذوا دينهم الذي كلفوا به وأمروا أن يأتوا به لهوا ولعبا. # وجائز أن يكون قوله: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) أي: اتخذوا دينهم ~~الملاهي التي كانوا يلهون ويلعبون؛ كقوله: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية) أي: اتخذوا دينهم الذي دانوا به لهوا ولعبا؛ لأنهم كانوا ~~ينكرون البعث، وفي إنكارهم البعث إنكار الجزاء للحسنات والسيئات، وفي ~~الحكمة إيجاب ذلك، فمن لم ير ذلك فهو لاه ولاعب، واللهو واللعب هو الذي لا ~~عاقبة له، وكل من عمل عملا لا عاقبة له فهو لعب ولهو، وكل من يعمل لعاقبة ~~فهو ليس بلعب ولا لهو، وهم كانوا يعملون لا لعاقبة؛ لذلك كان لهوا ولعبا. # وقوله - عز وجل -: (وغرتهم الحياة الدنيا). # قال بعضهم: إن الحياة الدنيا ms1659 لا تغر أحدا، ولكن أضيف إليها التغرير لما ~~كانت سببا من أسباب الاغترار بها، فاضيف إليها؛ كقوله: (فلم يزدهم دعائي ~~إلا فرارا)، أضاف الفرار إلى الدعاء، وقد يضاف الشيء إلى سببه؛ كقوله: ~~(والنهار مبصرا) أي: يبصر به. # وقال بعضهم: أضيف ذلك إليها؛ لما كان منها من السبب من الهيئة ما لو كان ~~ذلك من ذي العقل والتمييز كان ذلك غرورا؛ من نحو التزيين وغيره. # وجائز إضافة التغرير إليها على إرادة أهلها، أي: غرهم أهلها، وهم القادة ~~والرؤساء. # وقوله - عز وجل -: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا). # لا يجوز أن يضاف النسيان إلى الله - تعالى - بحال، ولكن يجوز أن يقال: ~~يجزيهم جزاء نسيانهم، فسمي الثاني باسم الأول، وإن لم يكن الثاني نسيانا؛ ~~نحو قوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، والثانية ليست بسيئة، ولكن جزاء ~~السيئة، لكنه سماها باسم السيئة؛ لما هي جزاء لها؛ فعلى ذلك هذا، وكقوله: ~~(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) والثاني ليس باعتداء، ولكنه جزاء الاعتداء، ~~فسماه باسم الاعتداء؛ لما هو جزاؤه؛ فعلى ذلك سمى الثاني نسيانا؛ لأنه جزاء ~~النسيان، وإن كان الله لا يجوز أن ينسى، أو يسهو عن شيء، أو يغفل، ولأن في ~~النسيان تركا، وكل منسي متروك، فيتركهم # PageV04P436 # في العذاب والهوان كما تركوا هم أمر الله ونهيه في الدنيا. # وقال الحسن: إن الله لا ينسى شيئا ولا يسهو، ولكن الكفرة يكونون على ~~الكرامة والرحمة والمنزلة كالشيء المنسي، وعن العذاب والهوان لا، أو كلام ~~نحو هذا. # وقوله - عز وجل -: (وما كانوا بآياتنا يجحدون) قال بعضهم: " ما " هاهنا ~~صلة؛ كأنه قال؛ وكانوا بآياتنا. # وقال بعضهم: هو على ما ذكر، أي: اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، ~~وكما كانوا بآياتنا يجحدون. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون (52) يحتمل بكتاب. # أي: بيناه؛ والتفصيل: التبيين. # ويحتمل قوله: (فصلناه) أي: فرقناه في إنزاله، لم ننزله جملة واحدة؛ ~~كقوله: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس) أي: فرقناه في الإنزال على قدر ~~النوازل بهم؛ ليعلموا حكم كل ms1660 آية نزلت بالنوازل التي وقعت بهم، لا تقع لهم ~~الحاجة إلى معرفة ما في كل آية نزلت عليهم على حدة، بل يعرفون ذلك ~~بالنوازل. # أو أنزله مفرقا. # أو أن يكون معرفة ما فيه من الأحكام إذا كان منزلا بالتفاريق أهون وأيسر ~~على الطباع من معرفة ما فيه إذا نزل جملة. # ثم قوله: (فصلناه على علم) يحتمل وجوها: # يحتمل: فصلناه، أي: بيناه بالحجج والبراهين على علم منه أن الخلائق لا ~~تقوم بإتيان مثله؛ ليعلم أنه من عنده نزل. # أو أنزله مفصلا على علم منه بمن يصدقه ويتبعه، وبمن يكذبه ولا يتبعه. # أو على علم منه بمصالح الخلق إن أنزله صلح الخلق، أي: على علم منه ~~بمعاملة القوم إياه أنزله؛ لأن المنفعة في إنزاله للمنزل عليهم، لا للمرسل ~~والمنزل، فضرر الرد والمنفعة لهم. # PageV04P437 # وقوله - عز وجل -: (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) قال أبو بكر: هو هدى للكل: ~~للمؤمن والكافر جميعا، ورحمة للمؤمنين خاصة. # وأما عندنا: فهو هدى للمؤمنين، وعمى على الكافرين؛ على ما ذكر: (وهو ~~عليهم عمى)، خص المؤمنين بالهدى لهم؛ لأنهم هم المخصوصون بالانتفاع به دون ~~أولئك، وعلى أولئك عمى ورجس؛ على ما ذكر، وصار للمؤمنين حجة على أولئك، ~~وقوله: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، هذا للكافرين، وقال للمؤمنين: (فزادهم ~~إيمانا). # وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا تأويله ... (53) أي: ما ينظرون إلا ~~وقوع ما وعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نزول بأس الله بهم، أي ~~لا يؤمنون إلا بعد وقوع البأس بهم، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت: ~~(يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل)، والتأويل هو ما ينتهي إليه ~~الأمر ويئول، وما يقع بهم من البأس الموعود لهم، وإيمانهم ما ذكر من قولهم: ~~(قد جاءت رسل ربنا بالحق)، يعني: بالحق الواقع بهم من بأس الله الذي كانت ~~الرسل تعدهم، أي: إن ما وعدوا من وقوع الباس بنا كان حقا. # ويحتمل قوله: (قد جاءت رسل ربنا بالحق) أي: بالتوحيد، أي: إن الذي جاءت ~~به الرسل في الدنيا من التوحيد ms1661 كان حقا. # أو أن الذي أخبر الرسل عن هذا اليوم كان حقا. # وقوله - عز وجل -: (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا). # كأنهم إذا حل بهم ووقع ما أوعد لهم الرسول من البأس، تمنوا عند ذلك ~~الشفعاء الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا؛ كقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله). # أو طلبوا الشفعاء كما كانوا يطلبون في الدنيا شفعاء إذا بدا لهم أمر ~~عظيم، فيشفع بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا في هذه الدنيا، فعلى ما كان لهم ~~في الدنيا تمنوا في الآخرة ذلك، فإذا أيسوا عن ذلك وأيقنوا أن لا شفيع يشفع ~~لهم، فعند ذلك قالوا: (أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل)، لا أنهم قالوا ذلك ~~مجموعا؛ كقوله: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا. . .) إلى قوله: (لعادوا ~~لما نهوا عنه). # قال بعضهم: لو ردوا في الدنيا، لعادوا إلى ما نهوا عنه. # PageV04P438 # وقال آخرون: لو ردوا إلى المحنة إلى الأمر والنهي لصاروا إلى العمل الذي ~~كانوا يعملون. # ثم أخبر أنهم قد خسروا أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا، وبعبادتهم ~~غير الله: (وضل عنهم ما كانوا يفترون)، أي: بطل عنهم ما كانوا يفترون أن ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ~~وغير ذلك من الافتراء؛ ذلك كله قد بطل عنهم، فبقوا حيارى، وانقطع رجاؤهم ~~وأملهم الذي طمعوا. # قوله: (قد خسروا أنفسهم) من رحمة الله. # وقيل: مما وعدوا لو أطاعوا. # وقيل: أهلكوها. # * * * # قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ~~وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذي يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ~~(57) والبلد الطيب ms1662 يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك ~~نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) # قوله - عز وجل -: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام). # وذكر ما بينهما في مواضع، ولم يذكر في مواضع، وذلك داخل في ذلك بقوله: ~~(قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين) الذي صنع ذلك (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها)، ثم جمع اليومين الأولين مع هذا الذي ذكر فيه وقال: (في أربعة ~~أيام سواء للسائلين) ليعلم أن ذا خلق في يومين، ثم قال: (استوى إلى ~~السماء)، إلى قوله: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) فتصير ستة الأيام التي ~~أبهمها في غير ذلك، والله أعلم. # PageV04P439 # ثم قد بين - عز وجل - فساد قول كل من عبد غيره، وعجز كل ذلك عما له يعبد ~~وجهله بمعنى العبادة، وخروجه عن الاستحقاق بما فيه من آثار التدبير، وعليه ~~من دلالة التقدير واستحقاق جميع معاني الخلقة، ودخوله تحت الصنعة، وحاجته ~~إلى من احتاج إليه كل مما هي التي تبعث على العبادة وتوجب إظهار الذلة ~~والخضوع لمن هو كذلك في الخلقة والجوهر، فألزمهم الفزع إلى من يدلهم إلى ~~الرب الحق، ويدعوهم إلى المعبود المتعالي عن الأشباه والأضداد بما يوجب ~~الشبه والمشاكلة، وفي وجوب ذلك دليل جاعل أخذ له شكلا، وذلك آية الصنعة ~~ودلالة الحدث، وفي تحقيق الضد خوف ذهاب وفساد فتضمحل الألوهية وتستوجب حق ~~الدخول تحت التقدير، والقيام على ما شاء من له التدبير؛ جل الله سبحانه عن ~~توهم ذلك، فأكرم من بعثته الحاجة إلى معرفته ورفعته الخلقة إلى العلم بمن ~~أنعم عليه واختصه من بين كثير من خلقه بما ركب فيه ما به يدبر أمر غيره، ~~وبه يعرف قدر النعم عليه لمن أكرمه به؛ ليشكر له فيما أولاه ويحمده على ما ~~أعطاه، فمن بإظهار ذلك على لسان رسوله الذي عرف خلقه بما نصب من أدلة صدقه، ~~وأبان من حجج عصمته عن الكذب فيما ينبئ، وإصابته فيما يخبر، فقال: ms1663 (إن ربكم ~~الله) أي، الذي لا رب لكم سواه ولا لأحد من الخلائق، هو الله الذي لا إله ~~غيره؛ ليوجهوا إليه العبادة في الحقيقة، وليؤدوا إليه شكر ما أنعم عليهم، ~~وإن كانت نعمه أعظم من أن يجزيها العباد، وحقه أجل من أن يقوم به العباد، ~~ولولا أن الله - سبحانه - لم يورد من البيان على ربوبيته، والدليل على ~~ألوهيته سوى ما أنطق به على لسان رسوله بعد الإيضاح أنه لا ينطق إلا بالحق، ~~ولا يقول إلا الصدق لكان ذلك بيانا شافيا، لكنه بفضل رحمته بين الأدلة التي ~~تحقق ذلك وتعلم أنه كما جاء به رسوله، إلا أن يعاند الحق ويكابر العقل، ~~فقال عز وجل: (الذي خلق السماوات والأرض) إلى آخر ما ذكر دلالة خلق ما ذكر ~~من آثار التدبير وعجيب التقدير الذي به قوام كل ممن يحتمل المنافع والمضار ~~واتصال ما بين السماء والأرض على تباعد بعض من # PageV04P440 # بعض في المنافع مع جميع الأضداد التي من طبعها التنافر في أصل ما ذكر حتى ~~صارت كالأشكال، بعد أن كانت السماوات والأرض مشبهة لا تشعر بما فيها من ~~الحكمة، ولا بالذي فيه من أنه من أي وجه يقضي الحاجة؛ ليدل أن مدبر الكل ~~واحد، وأنه عليم حكيم وضع كل شيء موضعه ودل كل ذي عقل على الوجه الذي يظفر ~~بحاجته، ويقيم به أوده، ويصل إلى بغيته، وسخر الذي ذكر، فصير كلا من ذلك ~~جاريا دائبا بما لا ينتفع هو به، ولا مضرة عليه فيه؛ ليعلم أنه لغيره قدر ~~ولحاجة غيره سير، وكذلك الذي جبل على القرار وأمسك عن الزوال من غير أن كان ~~له في حقيقة أحد الوجهين نفع أو ضرر؛ ليعلم أن تدبير ذلك جرى لا له، ولكن ~~لأهل الممتحنين الذين بهم يظهر العز والشرف ونيل الجود والكرم، ويعظم الملك ~~والسلطان؛ إذ عندهم تمييز الأحوال، وتفريق الأمور، وتوجيه إلى حقه وإعطاء ~~كل ذي فضل فضله. فيعلم من هذا وصفه أنه لم ينشأ عبثا، ولا خلق باطلا؛ إذ به ~~يعظم قدر كل خلق، ms1664 ويشرف جلالة كل جليل، لم يجز إمهال مثله، فيكون خلق ~~الجميع لغير شيء مما في ذلك من فنائه وتبدده الذي في الحكمة قصد مثله في ~~العقل يوجب العبث ثبت أنه خلق للمحنة ولدار البقاء، لكن جعل البقاء جزاء، ~~والفناء محنة؛ ليكون البقاء هو المنتهى، فيعظم القصد في الابتداء؛ إذ فاسد ~~أن يجعل المحنة للبقاء، فيدل على حاجة الممتحن مع ما في ذلك زوال الجزاء؛ ~~إذ محال تقديمه على ما له الجزاء، والله الموفق. # ثم الأصل أن الله سبحانه جعل العقل جزءا من عالمه، وجعله دليلا لأهله في ~~معرفة المساوئ والمحاسن، وعلما للتمييز بين الحكمة والسفه، وبين الإتقان ~~والعبث، وجعله بالذي يعرف المحمود من المذموم، والمرغوب فيه من المزجور ~~عنه، فلم يجز أن يكون إنشاء كل العالم على غير الحكمة؛ لأنه سفه، وهو بالذي ~~جزء من العالم يعلم به الذميم من الحميد ثبت أنه أنشئ للحكمة. # وعلى ذلك تقدير كل عاقل على احتمال ما يضره وينفعه بحق الجزاء والمحنة، ~~فثبت أن ذلك للمحنة، وأن المحنة ثم الهلاك بلا جزاء ولا نقع للممتحن عبث ~~-أيضا- وسفه، فلزم به القول بالبعث وإثبات دارين مما كان لكل شاهد دليل ~~غائب يحمد عليه أو يذم، وكذا فعل كل ذي عقل إنما هو لعاقبة يحمد عليها، أو ~~بفعل عبث فيذم عليه. # فعلى ذلك أمر تدبير هذه الدار من أخرى، فلا يجوز أن يخلي الجملة عن ~~الدلالة، ولا # PageV04P441 # يخلو كل جزء منها؛ إذ جملة الأفعال عن العواقب، والواحد منها إذا خرج ~~يصير عبثا وسفها، فثبت بالذي ذكرت القول بالتوحيد، وبالدارين، وبالرسالة؛ ~~إذ بها تعرف العواقب بما هي غائبة، وحقائق كل غائب تعرف بالإخبار عنها ~~والدلالة عليها، ثم لا دلالة على ماهية الجزاء ولا بالشكر ولا العبادة، ~~إنما الدلالة من حيث التدبير على العلم بها جملة، فلزم القول بالرسل، ولا ~~قوة إلا بالله. # ثم قوله: (في ستة أيام) يحتمل وجهين. # أحدهما: خلق أصول الأشياء التي يكون غيرها بحق التولد عن ذلك والانقلاب. # ويحتمل أن يكون على خلق كلية كل ms1665 شيء، مما عليه تركيب هذا العالم إلى أن ~~يبدل بعالم آخر، لا يبيد ولا يفنى؛ فإن كان على الأول فهو ستة من السبعة ~~التي عليها مدار المدد والأزمنة؛ إذ جعل - جل ثناؤه - جميع ما ذكر من ~~الخلائق تحت الأزمنة والأوقات، ويزول بزوال مدارها، وكذلك عندنا كل ~~الحوادث؛ إذ لكل منها بدء يصير # PageV04P442 # ذلك وقت ابتدائه، وذلك ينقض على الباطنية قولهم: المبدع الأول لا يقع عن ~~الزمان والمكان، وأنه لا يبيد ولا يفنى، ولو كان كذلك لم يكن مبدعا، ولكن ~~كان قديما لا يقع عليه الإبداع، فلما وقت ثبت له البدء؛ فيجب وصفه بالوقت ~~من حيث الابتداء، وهو - أيضا - معلول عندهم، وعلته فيه وهو الإبداع، مما لو ~~زالت علته لباد، وإذا ثبت أنه معلول ثبت أن علة أوجبته وأحدثته بعد أن لم ~~يكن، فوجب له وقت به كان أو كان فيه، والله أعلم. # ثم على هذا كان إنشاء من ذكر في الأيام الستة، ولم يذكر في ذلك ممتحنا؛ ~~فيشبه أن يكون وقت كون الممتحنين يوم السابع، وبهم تم ظهور الملك، واستوى ~~على العرش، وهو الملك إذا لم يكن قبل ذلك من له التمييز، ومعرفة الملك ~~والسلطان، وقدر العلم بالمحامد والمعالي، وأضداد ذلك إنما يكون بأولئك ~~الذين ركب فيهم العقول، وأكرموا بالتمييز، ومما لهم يجعل العالم وهم ~~المقصودون من الإنشاء؛ لذلك جعل كل من سواهم مسخرا لمنافعهم، داخلا تحت ~~أفهامهم، مما يحتمل أكثر ذلك تدبير ليعلم أنهم قصدوا لأنفسهم، أو لمعرفة ما ~~عليهم من شكر النعم والعبادة، فكان بهم ظهور تمام الملك، وبلوغه النهاية، ~~فأخبر بالاستواء إذ هو وصف العلو والرفعة، ووصف التمام في الرتبة والقدر؛ ~~كقوله: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) وذلك في معنى الاستواء ~~على العرش؛ من حيث ظهور الملك، وبيان الحجة والربوبية للمستدلين والمعبرين. # وإن كان التأويل هو الثاني يخرج على وجهين. # أحدهما: ما قال بعض أهل التفسير: إن كل يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف ~~سنة، لم يبين لنا مقدار ذلك؛ فجائز أن يكون منتهى تدبير ms1666 هذا العالم إلى ذلك ~~ستة أيام، بمعنى ستة آلاف سنة على القدر الذي قدره الله، ثم يكون اليوم ~~السابع هو يوم القيامة، لا يبيد أبدا، ولا ينقضي، فيه يبدل العالم، ويقر كل ~~ممتحن له بالملك والجلال، وإن كان كذلك في الأزل ففي ذلك اتفاق القول من ~~طريق الاختيار، والعلم بذلك من كل جبار وغيره. # وعلى نحو ما قيل: (لمن الملك اليوم) وقيل: (وبرزوا لله جميعا) وقيل: ~~(والأمر يومئذ لله)، ونحو ذلك. # على أن له الملك أبدا، وكذلك لم يكن يخفى عليه شيء، لكن ذلك مما يعلم كل ~~أنه كذلك، فبذلك يتم ظهور كل معنى من ذلك، وإن كانت حقيقته موجودة قبل ذلك. # وعلى ذلك القول: (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)، ونحو ذلك. # PageV04P443 # إنه إذ ذلك يظهر لكل معلومه: فأضيف إليه بحرف الابتداء، وهو عن ذلك ~~متعال؛ فعلى هذا جميع ما بينا، وبذلك ظهور تمام شرائط الملك، والاعتراف من ~~الكل بذلك، والله أعلم. # والثاني: أن تكون تلك الأيام الستة على ما في علم الله تعالى تقديرها، لا ~~يعلمه أحد سواه إلا من طريق الجملة التي أدى، وقد بين يوما كخمسين ألف سنة، ~~ويوما كألف سنة حده لا يعلمه غيره، ثم كان يوم السابع يوم تبلى السرائر ~~وتقع العقوبة والمثوبة، وهو المقصود من خلق العالم الأول؛ فيكون ما ذكرت من ~~تمام الظهور، والله الموفق. # وعلى هذا لو قيل لما قيل يحملون العرش، (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية) قيل: ليس أن المراد من هذا العرش الأول، وجائز أن يكون هذا هو ~~السرير المعروف، منشأه من النور، ومما شاء؛ ليكرم به أولياءه يوم القيامة، ~~والأول هو الملك الذي ظهر تمامه وعلوه على ما بينا. # ثم لو كان العرش الذي قال - عز وجل -: (الرحمن على العرش استوى)، هو ما ~~فهمه أهل التشبيه من مكان، لم يكن ليجب أن يفهم من الاستواء عليه ~~[الاستقرار]. # PageV04P444 # وأن يكون لله مكان يوصف بالكون فيه وعليه؛ لأنه ليس في كون أحد في مكان - ~~وإن جل قدره، وعظم خطره - رفعة ms1667 ولا نباهة فيما يتعارف من أمر الملوك ~~والأجلة، بل كل منسوب إلى مكان من جهة التمكين فيه والقرار، منسوب إلى ~~استعانة وحاجة منه إليه، جل الله عن ذلك، وعلى أنه إما أن يكون مثله أو ~~أعظم منه، لكان له عديلا بالعظمة أو دونه، ومن السخف الجلوس على مكان لا ~~يطمئن به أو يقصر عنه، إذ قد يجوز أن يزاد فيه؛ فيكون أعظم منه، جل الله عن ~~هذا الوصف وتعالى. # " بل كان ولا مكان فهو على ما كان يتعالى عن الاستحالة والتغير ": إذ هو ~~أثر # PageV04P450 # الحدث، وأمارة الكون، بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله. # ثم الأصل أنه لو كان فهو بإضافة الله إلى العلو عليه تعظيما له، وعلى ذلك ~~في كل شيء يضاف إلى الله أو الله إليه من جهة الخضوع فهو على تعظيم ذلك، لا ~~على أن يفهم منه ما يفهم مثله من الخلائق؛ نحو القول بأن المساجد لله، ~~وناقة الله وزينة الله، وحدود الله، ونحو ذلك. # فما بال المشبهة فهمت من إضافة الاستواء على العرش المعنى المكروه على ~~احتمال الاستواء معاني سوى الذي ذكر، أو أن يقال: استوى: ثم واستوى: قصد، ~~واستوى: علا، واستوى: استقر، واستوى: استولى؛ فإذا كان معناه يتوجه إلى هذه ~~الوجوه، لم يحتمل أن يكون أحد يقدر من ذلك؛ إذ هو ما يتوجه إليه، ويعتمد ~~عليه لولا الجهل به. # ثم الأصل أن الإضافات إلى الأشياء يفترق المقصود بها، وإن كان في ظاهر ~~المخرج واحدا باختلاف من إليه القصد بالإضافة، والإضافة جميعا. يقال: جاء ~~الحق، وجاء فلان، وبيت فلان، وبيت الله. # وقيل في الملائكة: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)، وقال في الفسقة: ~~(أولئك أصحاب النار)، ونحو ذلك لا على الجمع في المعنى، فالاستواء الذي ~~يتوجه إلى وجوه أحق بذلك، والله الموفق. # ثم قد قيل في قوله: (ثم استوى على العرش) بوجوه. # أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: هو على التقديم والتأخير، كأنه قال: إن ~~ربكم الله الذي استوى على العرش ثم خلق ما ذكر؛ ms1668 فيكون معناه: خلق كذا، وقد ~~استوى على # PageV04P451 # العرش؛ كقوله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) بمعنى: وقد ~~جعل منها زوجها، وعلى هذا ليس في قوله: (إن ربكم الله. . .) (. . . ثم ~~استوى على العرش) الشبهة التي في الأول كما لم يكن في قوله: (ولو ترى إذ ~~وقفوا على ربهم) إذا صرف إلى " عند " شبهة؛ فيكون: وقد استوى: خلق العرش؛ ~~كقوله: (ثم استوى إلى السماء) بمعنى: ثم خلق السماء أو قصد خلقها، ونحو ~~ذلك. # وقال الحسن: (ثم استوى على العرش) أي: استوى عليه أمره، وصنعه، أي: لم ~~يختلف عليه صنع العرش، وأمره - وإن جل - أمر غيره وصنعه، كقوله: (ما خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) على استواء الأمر في التدبير والصنع. # وقال الحسن: معناه: استولى على العرش، كما يقال، استوى فلان على بغداد، ~~بمعنى: استولى. # وقال قوم: معناه: استوى عليه، وهو فوق كل شيء في القدرة والعظمة، تعظيما ~~له على غير اختلاف عليه في التحقيق بينه وبين غيره؛ كالذي ذكر بأن الأمر ~~كله يوم القيامة له، والمساجد له، على التفصيل دون تخصيص له في ذاته من حيث ~~ذلك. # وقال قوم: إذ كان العرش فوق كل شيء في تقدير المعارف، فقال: هو علاه ~~بمعنى لا يوصف في الخلق، ولكن على ما كان، ولا خلق. # ونحن نقول - وبالله التوفيق -: قد ثبت من طريق التنزيل بأنه استوى على ~~العرش، وقد لزم القول بأنه ليس كمثله شيء، وعلى ذلك اتفاق القول ألا يقدر ~~كلامه بما عرف من كلام الخلق، ولا فعله به، وما يوجبه، ولا علمه، ولا ما ~~قيل: هو رب كذا، أو مالك # PageV04P452 # كذا، لا يراد به المفهوم من الخلق، لكن الوجه الذي يليق به، وما يوجبه حق ~~الربوبية؛ فمثله في الأول. # ثم يلزم تسليم المراد لما عنده إذ لم يبينه لنا، وقد ثبت نفي ما يفهم من ~~غيره. # وبعد؛ فإن القول فيه بالمكان يفسد بالذي به يحتج بوجوه. # أحدها: إن قوله: (ثم استوى على العرش) إخبار عن فعله الذي في التحقيق، ~~يضاف ms1669 إليه في خلق الخلق على اختلاف المخرج في القول؛ نحو: أن ذكر مرة أبدع، ~~ومرة (فطر)، (وجعل)، (وأنزل) وأثبت، وكتب، (وأعطى)، وأنشأ، وغير ذلك من ~~الألفاظ. # حقيقة ذلك: أنه خلق إذ ذلك معنى فعله في الحقيقة، وعلى ذلك كون وفعل وأمر ~~في بعض المواضع، ثم يجب توجيه كل من ذلك إلى الوجه الذي يليق فيه القول ~~بخلق، وكذا في (هدى) (وأضل) (وزين) وأتقن وأحكم، ونحو ذلك. # PageV04P453 # فكذلك في قوله: (ثم استوى على العرش) يجب أن يقابل ذلك بخلق؛ إذ هو إضافة ~~إلى فعله. # ثم يخرج على وجهين. # أحدهما: ثم خلق العرش، ورفعه، وأعلاه، بعد أن كان العرش على الماء؛ ~~كقوله: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)، وليس ثم تنقل من حال إلى حال؛ إذ ~~لو كان كذلك لكان يصير حيث ثم ينتقل من خلق إلى خلق فيما يخلق، فيكون في ~~الوقت الذي يصير إلى العرش صائرا إلى الثرى، وفي الوقت الذي يحدث خلق ما في ~~الأرض؛ وما في السماء، متنقلا من ذا إلى ذا، وذلك تناقض فاسد، وفي ذلك ~~بطلان معنى القول بالاستواء على العرش، بل يكون أبدا غير مستو عليه حتى ~~يفرغ من خلق جميع ما يكون أبدا، وذلك متناقض فاسد، جل الله عن هذا التوهم، ~~وبالله التوفيق. # والثاني: أن يكون قوله: (ثم استوى على العرش) أي: إلى العرش في خلقه، ~~ورفعه، وإتمامه، دليل احتماله على ذلك أن على من حروف الخفض وقد يوضع بعض ~~موضع بعض؛ كقوله: (إذا اكتالوا على الناس)، بمعنى: عن الناس، وقوله: (إذ ~~وقفوا على ربهم)، بمعنى: عند ربهم، مع ما قال الله: (إن علينا بيانه)، ~~(وعلى الله قصد السبيل)، بمعنى إليه، وعلى ذلك: (ثم استوى على العرش) أي: ~~إلى العرش وهو على الماء كما ذكر ما فرفعه وأتمه؛ كما قال: (ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان) فخلق ما ذكر، والله أعلم. # PageV04P454 # والوجه الثاني: المذكور في الآية من اسم الرب وخلق ما ذكر وتسخير الذي ~~وصفه ثم لم يتوهم في شيء من ذلك المعنى الذي ms1670 يضاف إلى الخلق أنه رب كذا أو ~~سخر كذا أو صنع كذا ملحد ولا موحد فكيف احتمل قلبي المشبهي في قوله: ~~(الرحمن على العرش استوى)، لولا جهله به وتقديره بالذي عليه أمر نفسه، ~~والله الموفق. # والثالث: أن الناس في خلق الله الخلق مختلفون. # فمنهم من جعله الخلق نفسه، دون أن يكون الله بذاته يلحقه وصف سوى إضافة ~~الخلق إليه في أن كان به، فعلى ذلك قوله: (ثم استوى على العرش) إنما هو ما ~~ذكر من غير أن كان سبحانه يلحقه وصف لم يكن له. # ومنهم من يراه خالقا بذاته؛ ليكون جميع الخلائق إلى الأبد بتكوينه الذي ~~يعبر عنه بقوله: كن من غير أن كان ثم كاف أو نون على كون كل شيء عليه به من ~~غير تغيير عليه، ولا زوال عما كان عليه إذ لا شيء غيره، فكل معنى لو حقق ~~أوجب تغيرا أو زوالا أو قرارا أو نحو ذلك، فالله يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك ~~علم الحدث، وأمارة الغيرية، ولا قوة إلا بالله. # والرابع: هو الذي يرى فعله على ما عليه فعل الخلق من التحرك والزوال ~~والسكون والقرار، إضافة من ذلك وصفه إلى مكان دون مكان، وحال دون حال، محال ~~فاسد؛ لذلك بطل القول بالمكان في جميع الأقاويل، وأيد الذي ذكرت ما ختم به ~~الآية من قوله: (تبارك الله رب العالمين) وصف ذاته بالربوبية وبالتعالي عن ~~جميع معاني المربوبين؛ إذ من حيث التشاكل يوجب خروجه من أن يكون ربا، ~~والآخر من أن يكون مربوبا، فإذا ثبت أن كل شيء من كل جهة مربوب؛ ثبتت ~~سبحانيته من ذلك # PageV04P455 # الوجه، والله الموفق. # ثم قوله: (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) هو على وجهين: # أحدهما: إضمار ما بينهما على ما جرى الذكر به في غيره. # والثاني: أن ذكر من وقت ابتداء الكون إلى الانتهاء لا على تحقيق ذلك في ~~كل وقت كما يقال: كان كذا في شهر كذا، لا على إحاطة كلية أجزاء الشهر به؛ ~~فمثله معنى (ستة أيام) ومعنى التوقيت ليس ms1671 على حاجة إلى ذلك؛ إذ الوقت داخل ~~فيما خلق، لكن على وجوه، وإن كان الله سبحانه وتعالى قادرا على إنشاء جميع ~~ما ذكر بدفعة واحدة: # أحدها: ما ذكرت من معنى أن الأيام لمدار مدد الخلق وأطول ما عليه تفنى ~~الأعمار. # والثاني: على بيان منتهى العالم. # والثالث: على إدخال كل ذلك مع علو درجات كثير منها وجلالة أقدارها في ~~الأعين، حتى لا أحد ينظر إليها إلا بعين التعظيم، وحتى بكثير منها قام ~~تدبير العالم وحتى عبد دون الله تعظيما، وإن كان في ذلك دلالة خروجه عن ~~الاستحقاق، فصيرها الله داخلة تحت الأزمنة والمدد مقهورة بها، حتى لو أريد ~~بكل جهد وحيل إخراج شيء من ذلك أو تخليص الجبابرة من ذلك، لما تهيأ لهم ~~ليعلم ذلة الخلق وأمارات الحدث، وعلامة الحاجة، ثم كانت الأوقات مترادفة ~~متتابعة، لو أسقطت عنها الأولية لبطل الكل، ولما جاوز الحساب بالواحد، ولما ~~انتهى إلى ما هو بعد لما مضى ليعلم به أولية كل شيء من العالم، وحدثه مع ما ~~جعلت الأيام تدور على أمر واحد بها بجميع المحتاجين ممن ذكرت، فثبت لذلك ~~بأسماء معروفة أمكن قصد كل منها على الإشارة إليه باسمه المعروف يحفظ فيه ~~المواعيد، ويعلم به ما يجب من الحقوق، ويبطل، والله أعلم. # ثم الأصل إذ جعلت هذه الدار دار المحنة، والمحنة إنما كونها تختلف ~~الأحوال جعلت الأحوال مختلفة، نحو: موت وحياة، وصحة وسقم، وغنى وفقر، وجمع ~~الخلق # PageV04P456 # على حالة منها بأضدادها، وفي ذلك الجهل باللذات والآلام، فيجب بذلك ~~اختلاف الأحوال، وعلى ذلك جرى أمر خلق الخلائق، وعلى هذا أمر الأرزاق وغير ~~ذلك، فعلى ذلك أمر خلق ما ذكر في أيام مختلفة ثم يجمع في البعث بمرة، وفي ~~حال من حال اللذات، والبعث بمرة مع ما كان اختلاف الأحوال أقرب إلى ~~الدلالة، وأوضح للحجة؛ فلذلك جعل في هذه الدار إلزام الحجة وإظهار المحنة ~~والكلفة، والله الموفق. # والأصل أن العقول إنشاءات متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء، ~~والأفهام متناقصة عن بلوغ غاية الأمور؛ إذ هن من ms1672 أجزاء العالم الذي هو ~~بكليته متناه، وأسباب الإدراك التي يدرك بها باداء المشاعر التي تعجز عن ~~كنه ما يقع عليها من الظواهر، فضلا عما استتر منها، وإذا كان هذا وصف ما ~~يدرك به مبلغ الحكمة، فهو قاصر عن الإحاطة بالحكمة الموضوعة من البشر، فمن ~~رام الإحاطة بها أو بلوغ حكمة الربوبية من غير إشارة منه، فهو يظلم العقل، ~~ويحمل عليه ما يعلم عجزه عنه، ومعلوم أن المذكور من الأيام في خلق ما ذكر ~~حكمة بالغة، وإن قصرت العقول عن الإحاطة بها؛ إذ الذي قدرها هو الذي حمد ~~الحكمة، وأوجب لأهل العقل في ذم السفه وأهله، فأوجب ذلك تحقيق الحكمة لذلك، ~~وإن لم يبلغها إلا مقدار ما يكرم به، والله الموفق. # وقوله: (مسخرات) ما ذكر، فكذلك سخرهن بالسير فيما يرجع إلى منافع الخلق، ~~وجعل فيهن آية لولا العيان لم يكن يصدق به أحد ممن يجحد البعث والرسل ~~ونحوهم، إذ الخبر عن سير جوهر واحد في اليوم الواحد مسيرة أكثر من ألف سنة، ~~وتولد جواهر بمعونة من يبعد عنه مقدار خمسمائة عام، ونضج كل شيء وصلاحه به ~~أبعد عن احتمال القبول من إعادة شيء بعد الفناء أو إرسال الرسل بإعلام ما ~~خفي من المصالح والأمور، إذ ذلك أمر متعالم في صنع الخلق معاني ذلك فيما به ~~تقلب الزمان من # PageV04P457 # الليل والنهار، ولكن الله سبحانه أظهر لهم من قدرته، وعظيم حكمته بما بسط ~~لهم الأرض، بغلظها وسعتها، ورفع عليها السماء بغير عمد ترى، فأقر كلا من ~~ذلك لحاجة أهلها إلى إقرارها، وسير فيها بالتسخير ما ذكر؛ لحاجة الأهل في ~~تسيير ذلك؛ ليعلم ألا يعجزه شيء ولا يخفى عليه أمر، ولا يدخل في تدبيره ~~عوج، ولا في خلقه تفاوت، وأن الذي أظهر إذا قوبل بالذي وعد يضاعف عليه ~~بوجوه له مع ما كان الذي أظهر هو إبداع على غير احتذاء، وإنشاء الإعادة. ~~والله الموفق. # ثم من عجيب قدرته سبحانه في قوله: (يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا) أن ~~الله تعالى يظهر النور في ابتداء النهار ms1673 من طرف من أطراف السماء، والظلمة ~~في أول الليل، ثم ينشر ذلك ويبسطه في جميع أطراف السماء والأرض، وما بينهما ~~من جميع الأقطار والجوانب، في قدر لحظة بصر، وطرفة العين، ما لو أريد تقدير ~~ذلك بالهندسة، وبجميع ما في الخلق من المقادير لما أحيط بالذي انبسط ذلك ~~النور والظلام؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد لخلق جميع ما ~~ذكر في أدق مدة وألطف وقت، وأنه القادر على البعث، وجميع ما جاءت به الرسل، ~~على أنه بالذي ذكرت يلبس وجوه كلية الأشياء السنن، ويجليها بطرف عين ~~بالتدبير، والعلم الذي له يوجب ذلك مما يعجز عن توهم مثله جميع الحكماء، ~~فضلا عن إدراكه؛ ليعلم أنه عليم لا يجهل، عزيز لا يعجزه شيء، حكيم لا ~~يتفاوت صنعه، ولا يتناقض تدبيره، ولا قوة إلا بالله. # وقريبا من ذلك ما جعل في جوهر الإنسان من البصر الذي يبصر بأول أحوال ~~الفتح # PageV04P458 # قدر خمسمائة سنة، والفكر الذي يبلغ به من غير أن يزول عن مكانه، منتهى ~~مرجع الخلق من الجنة والنار، ويبصر به المعاد والمعاش، والعقل الذي يعرف ~~حقائق من غاب عنه وحضر، مما له صورة وطينة أو إحداهما وما ليس له واحد من ~~الأمرين على قصور الحواس عن إدراك صورة شيء لا طينة له؛ ليعلم أن الذي قدر ~~على تقدير مثله في جوهر واحد وعلم كيف يصنع فيه؛ ليعلم ذلك العلم، قادر على ~~كل شيء، حكيم، عليم. # وهذا معنى ما قيل إن الإنسان هو العالم الصغير، بمعنى أنه يوجد فيه لكل ~~أمر من الأمور للعالم الكبير فيه مثالا، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (بأمره). # قال أبو بكر: يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه أمره كما يقال: أتاه أمر الله، أي: الموت، والعذاب، ونحو ذلك ~~على إرادة ذلك الذي نزل به. # والثاني: أن يطلعن ويغربن بأمر توحيد الله والإيمان به بما هو فيهن من ~~عجيب الحكمة، ورفع التقدير. # وقال الحسن: بأمره الذي به كون الأشياء من " كن ". # فالقول الأول هو قول من لا يرى ms1674 خلق الخلق غير الخلق. # والثاني قول من يرى " كن " عبارة عن التكوين الذي يكون به الخلق أبد ~~الآبدين، من غير أن كان ثم في الحقيقة كاف أو نون. # لكنه جاء ما يفهم به المراد من الكلام يراد في ذلك نفي الصعوبة عنه، ~~وتيسير الأمر عليه، وذلك يكون في الحقيقة غير الخلق إذ أخبر في الخلق أنه ~~كان به، وكل شيء يكون بشيء في المتعارف من القول يكون غيره. # وكذلك قوله: (ألا له الخلق والأمر) فيه وجهان: # أحدهما: الإخبار عن تكوين الخلق الذي هو له. # PageV04P459 # والثاني: عن الأمر في خلقه بما شاء ولا يرد شيء من أمره عن الوجه الذي ~~أمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يغشي الليل النهار) يذهب بضوء النهار ظلمة الليل، ~~وضوء النهار بظلمة الليل، إذا جاء هذا ذهب سلطان الآخر. # (يطلبه حثيثا) قيل: سريعا، وهو أن الله - عز وجل - يظهر النور في ابتداء ~~النهار في طرف من أطراف السماء، والظلمة في أول الليل، ثم ينشر ذلك في جميع ~~أطراف السماء والأرض وما بينهما من جميع الآفاق والجوانب في قدر لحظة بصر ~~وطرفة عين، ما لو أريد تقدير ذلك بجميع ما في الخلق من المقادير ما قدروا ~~عليه؛ ليعلم أن الله على ما يشاء قدير، وأنه لو أراد أن يخلق جميع ما ذكر ~~أنه خلق في ستة أيام لقادر أن يخلقه في طرفة عين، لكنه خلقه في ستة أيام ~~لحكمة في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (يطلبه حثيثا) لا يكون مما ذكر طلب حقيقة، لكن ذكر ~~الطلب؛ لأن ما كان من كل واحد منهما للآخر لو كان ممن يكون له الطلب كان ~~طلبا وهربا من غلبة كل واحد منهما صاحبه، وهو ما ذكرنا في قوله تعالى: ~~(وغرتهم الحياة الدنيا) أنها أنشئت على هيئة وجهة لو كان ذلك ممن يكون منه ~~التغرير كان غرورا. # وقوله - عز وجل -: (مسخرات بأمره) أي: بتكوينه، أي أنشأها، وكونها مسخر ~~ات لهم. # وقال بعضهم بأمره ينفعن البشر. # وقوله - عز وجل -: (ألا له الخلق والأمر). # قال ms1675 بعضهم: الأمر ها هنا هو التكوين. # وقيل: ألا له الخلق والتدبير في الخلق. # وقيل: له الأمر في الخلق. # وقوله - عز وجل -: (تبارك الله رب العالمين): تعالى الله عما فهمت ~~المشبهة من قوله: (ثم استوى على العرش). # PageV04P460 # وقوله: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) # قال بعضهم: ادعوا، أي: اعبدوا ربكم؛ كقوله: (ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي)، ذكر في الابتداء الدعاء وفي آخره العبادة، فكان الأمر ~~بالدعاء أمرا بالعبادة. # وقال بعضهم: الدعاء ها هنا هو الدعاء، وقد جاء " أن الدعاء مخ العبادة "؛ ~~لأن العبادة قد تكون بالتقليد، والدعاء لا يحتمل التقليد، ولكن إنما يكون ~~عند الحاجة لما رأى في نفسه من الحاجة والعجز عن القيام بذلك؛ فعند ذلك ~~يفزع إلى ربه، فهو مخ العبادة من هذا الوجه. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (ادعوا ربكم) أي: وحدوا ربكم (تضرعا ~~وخفية). # قيل: (تضرعا) خضوعا، (وخفية) إخلاصا. # وقيل: (تضرعا): ظاهرا. (وخفية): سرا. # وأصله: أن اعبدوا ربكم في كل وقت وكل ساعة، أو ادعوا خاضعين مخلصين. # وقوله - عز وجل -: (إنه لا يحب المعتدين): قيل: المجاوزين الحد بالإشراك ~~بالله. # وقيل: لا يحب الاعتداء في الدعاء؛ نحو أن يقول: اللهم اجعلني نبيا أو ~~ملكا أو أنزلني في الجنة منزل كذا، وموضع كذا. # وروي عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: " اللهم إني أسألك الفردوس " # PageV04P461 # وأسألك كذا، فقال له عبد الله: سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني ~~سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور ". # ويحتمل الاعتداء في الدعاء: هو أن يسأل ربه ما ليس هو بأهل له؛ نحو: أن ~~يسأل كرامة الأخيار والرسل. # وأصل الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له. # وعن الحسن، قال في قوله: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية): علمكم كيف تدعون ~~ربكم، وقال للعبد الصالح حيث رضي دعاءه: (إذ نادى ربه نداء خفيا). # وقال أنس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عمل البر كله نصف ~~العبادة، والدعاء نصف العبادة ". # ومنهم ms1676 من صرف قوله: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) إلى الدعاء، وقال: يكره ~~للرجل أن يرفع صوته في الدعاء، ويروون على ذلك حديثا عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه سممع قوما يرفعون أصواتهم في الدعاء، فقال: " أيها الناس ~~إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن. . . ". # PageV04P462 # وقوله: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله ~~قريب من المحسنين (56) # قال بعضهم: قوله: (بعد إصلاحها) بعد ما بعث الرسل بإصلاحها من الدعاء إلى ~~عبادة الله، والطاعة، ويأمرون بالحلال، وينهون عن الحرام. # وقال بعضهم: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها): بعد ما خلقها طاهرة عن ~~جميع أنواع المعاصي، والفواحش، وسفك الدماء، وغير ذلك. # ويقال: (بعد إصلاحها) بعد ما أعطاكم أسبابا تقدرون بها على الإصلاح، وما ~~به تملكون إصلاحها. # وجائز أن يكون المراد بإصلاح الأرض: أهلها، أي: لا تفسدوا أهلها؛ وهو ~~كقوله: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها)، والقرية لا توصف بالعتو، ولكن ~~أهلها. # وقوله - عز وجل - (وادعوه خوفا وطمعا). # قال بعضهم: خوفا: لما كان في العبادة من التقصير، وطمعا في التجاوز ~~والقبول؛ لأنه لا أحد يقدر أن يعبد ربه حق عبادة لا تقصير فيها. # وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يدخل ~~الجنة أحد إلا برحمته، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟: قال: " ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمته ". # وعلى ذلك ما روى: " أن الملائكة يقولون يوم القيامة: ما عبدناك حق عبادتك ~~". # ويجب على كل مؤمن أن يكون في كل فعل الخير خائفا، راجيا الخوف للتقصير، ~~والرجاء للقبول. # وقال بعضهم: خوفا من عذابه ونقمته، وطمعا في جنته. # وقوله - عز وجل -: (إن رحمت الله قريب من المحسنين). # قال أهل التأويل إن الجنة قريب من المحسنين، ويقولون: أراد بالقريب: ~~الوقوع فيها، # PageV04P463 # والنزول، ويحتمل أن يكون المراد بالرحمة صفته، فيكون تأويله: إن منفعة ~~رحمة الله قريب من المحسنين. # وقال الحسن: إن رحمة الله - وهي الجنة - قريب من الخائفين. # وقال بعضهم: في قوله: (إن رحمت الله قريب) ms1677 أي: إجابة الله قريب إلى من ~~استجاب دعاءه، ويحتمل ما ذكرنا من منفعة رحمة الله قريب إلى من ذكر. # ثم المحسنين يحتمل المحسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى خلقه، أو ~~المحسنين إلى نعم الله، أي: أحسنوا صحبة نعمه، والقيام لشكرها، واجتناب ~~الكفران بها. أو يريد الموحدين. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ... (57) # يذكرهم عز وجل في هذا حكمته وقدرته ونعمه؛ ليحتج بها عليهم بالبعث، أما ~~حكمته فبما يرسل الرياح والأمطار، ويسوقها إلى المكان الذي يريد أن يمطر ~~فيه ما لم يعاينوا ذلك وشاهدوه ما عرفوا، أن كيف يرسل المطر من السماء، ~~وكيف يرسل الريح، ويسوق السحاب، ففي ذلك تذكير حكمته إياهم. وأما نعمه: فهو ~~ما يسوق السحاب بالريح إلى المكان الذي فيه حاجة إلى المطر، فيرسل على ذلك ~~المكان المطر، وذلك من عظيم نعمه؛ ليعلم أن ذلك كان برحمته، لا أنهم كانوا ~~مستوجبين لذلك. # وأما ما ذكرهم من قدرته: فهو ما ذكر من إحياء الأرض بعد ما كان ميتة؛ ~~ليعلم أن الذي قدر على إحياء الأرض، وإخراج النبات والثمر بعدما كان ميتا، ~~لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد موتهم، على ما قدر على إحياء الأرض ~~بالنبات وإحياء النخل بالثمار بعدما كان علم كل أن لا نبات فيها ولا ثمار ~~فيه؛ فإذا خرج النبات منها والثمار من النخيل على ما خرج في العام الأول، ~~دل ذلك على وحدانيته وقدرته على إحياء الموتى وبعثهم بعدما ماتوا وصاروا ~~ترابا على قدر ما ذكرنا، والله أعلم. # وفي قوله: (بين يدي رحمته) دلالة ألا تفهم من اليدين الجارحتين على ما ~~يفهم من الخلق، كما لم يفهم أحد بذكر اليد في المطر الجارحة؛ لأنه لا جارحة ~~له؛ فعلى ذلك لا يفهم من ذكر اليد له الجارحة من قوله: (بل يداه مبسوطتان) ~~وكذلك قوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، لم يفهم من قوله: ~~(لا يأتيه الباطل من بين يديه) الجارحة للقرآن، فعلى ذلك لا يفهم مما ذكر، ~~من ms1678 يديه # PageV04P464 # الجارحة، ومن فهم ذلك فإنما يفهم لفساد في اعتقاده. # وكذلك ما ذكر من الاستواء على العرش، والاستواء إلى السماء، لا يفهم منه ~~ما يفهم من استواء الخلق؛ لأنه بريء عن جميع مشابه الخلق، ومعانيهم، وهو ما ~~وصف حيث قال: (ليس كمثله شيء). # وقوله - عز وجل -: يرسل الرياح - نشرا - نشرا - بشرى - والنشر: هو من جمع ~~نشور، وهو من الإحياء، ونشرا من التفريق، وبشرى بالباء -: من البشارة، ثم ~~قيل في قوله: " نشرا " الله عز وجل هو الذي يفرق ويسوق ذلك السحاب. # وقيل: الريح هو الذي يرسل، ويسوق ذلك السحاب. # وقوله - عز وجل -: (إذا أقلت سحابا ثقالا) قيل: أقلت: حملت. وقيل: رفعت ~~الماء، وهو واحد، ثقالا مما فيه من الماء (سقناه لبلد ميت) إلى بلد ميت، ~~(فأنزلنا به الماء) أي: البلد. # (فأخرجنا به من كل الثمرات). # قال بعضهم: من كل الثمرات ما يشاهدون من الثمرات. # كذلك يخرج الموتى بعد ما ماتوا وذهب أثرهم كما أخرج النبات والثمار من ~~الأرض والنخل من بعد ما ماتوا وذهب أثر ذلك النبات وذلك الثمار، فعلى ذلك ~~يخرج الموتى بعد ما ذهب أثرهم حتى لم يبق شيء. # (لعلكم تذكرون): وتتفكرون وتعرفون قدرته وسلطانه على الإحياء بعد الموت، ~~أو تذكرون، أي: تتعظون. # وبعد، فإن إعادة الشيء في عقول الخلق أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء. # ألا ترى أن الدهرية والثنوية وهؤلاء قد أنكروا الإنشاء لا من شيء، ورأوا ~~وجود الأشياء وخروجها وإعادتها عن أصل وكيان وهو ما ذكر. # (وهو أهون عليه)، أي: في عقولكم. # PageV04P465 # وقوله - عز وجل -: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا ... (58) # ذكر المثل ولم يذكر المضروب، وأهل التأويل قالوا: ضرب المثل للمؤمن ~~والكافر، ثم يحتمل ضرب المثل وجوها. # أحدها: أنه وصف الأرض التي يخرج منها النبات بالطيب، ووصف الأرض التي لا ~~يخرج منها النبات بالخبث، فعلى ذلك المؤمن لما كان منه من الأعمال من ~~الطاعة لربه، والائتمار لأمره موصوف هو بالطيب، وجعله من جوهر الطيب، ~~والكافر لما يكون منه من الأعمال ms1679 الخبيثة، ولا يكون له من الأعمال الصالحة ~~من الطاعة لربه خبيث، كما أن الأرض التي يخرج منها النبات الذي ينتفع به ~~موصوفة بطيب الأصل والجوهر، والتي لا يخرج منها النبات ولا ينتفع به موصوفة ~~بخبث الأصل. # وأمكن أن يكون من وجه آخر، وهو أن الله - عز وجل - جعل هذا القرآن ~~مباركا، شفاء للخلق على ما وصفه الله تعالى في غير موضع من الكتاب، ووصف ~~الماء الذي ينزل من السماء بالبركة والرحمة، فإذا نزل ذلك الماء المبارك في ~~الأرض الطيبة الجوهر، خرج منها النبات، والأنزال ينتفع بها، وإذا نزل في ~~الأرض السبخة الخبيثة، لم يخرج لخبث أصلها، فعلى ذلك هذا القرآن هو مبارك ~~شفاء، فيسمعه المؤمن، فيتبعه، ويعمل به، والكافر يسمعه ولا يتبعه، ولا يعمل ~~به، فصار مثل المؤمن الذي يسمع هذا القرآن ويتبعه ويعمل بما فيه، كمثل ~~الماء الذي يدخل في الأرض فيخرج منه النبات؛ لطيب جوهرها وأصلها، والكافر ~~مثل الأرض التي لا يخرج منها النبات لخبث أصلها وجوهرها، وأصله: أنه ضرب ~~مثل الذي هو مستحسن بالعقل بالذي هو مستحسن # PageV04P466 # بالطبع؛ لأن ما حسن في الطبع فإنما معرفته حسن، وما حسن في العقل فإنما ~~يعرف حسنه بالدلائل وهو غائب، فضرب مثل الذي معرفة حسنه بالعقل وهو غائب ~~بالذي معرفة حسنه حس ومشاهدة فالإيمان حسن وغائب ضرب مثله بالذي طريق معرفة ~~حسنه بالحس والمشاهدة، وهو ما ذكر من النبات الذي يخرج من الأرض، وذلك يدل ~~على طيب أصلها وجوهرها، والتي لا تخرج شيئا هو لخبث جوهرها وأصلها، فعلى ~~ذلك المؤمن والكافر، ثم حسن عمل هذا وطيبه وقبح عمل الآخر وخبثه إنما يظهر ~~في الآخرة وذلك يوجب البعث لأنهما جميعا استويا في هذه الدنيا، فدل أن ~~هنالك دارا أخرى فيها يظهر الطيب من الخبيث طاب عمل المؤمن، وجميع ما يكون ~~منه حسنا لطيب أصله، وخبث عمل الكافر وقبح ما يكون منه لخبث أصله، كالأرض ~~التي ذكر. # وقوله - عز وجل -: " بإذن ربه " يحتمل بعلمه وتكوينه. # وقوله - عز وجل -: (إلا نكدا). # قال الحسن: خبيثا، ms1680 أي: لا يخرج إلا خبيثا. # وقال أبو بكر: نكدا، أي: لا منفعة فيه. # وقيل: إلا عسيرا. # وقيل: إلا قليلا وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون). # أي: لقوم ينتفعون بالآيات. # * * * # قوله تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا ~~لنراك في ضلال مبين (60) قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب ~~العالمين (61) أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون ~~(62) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) # PageV04P467 # قوله - عز وجل -: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... (59) كما أرسلناك إلى ~~قومك ولست أنت بأول رسول؛ كقوله: (قل ما كنت بدعا من الرسل). # وفيه دلالة أن الإيمان يصح بالأنبياء والرسل، وإن لم تعرف أنسابهم؛ لأن ~~الله - عز وجل - ذكر الأنبياء والرسل بأساميهم، ولم يذكر أنسابهم، دل ذلك ~~أن الإيمان يكون بهم إيمانا وإن لم تعرف أنسابهم؛ وكذلك يصح الإيمان وإن لم ~~تعرف أسماؤهم؛ لأن هن الأنبياء هن لا يعرف اسمه، فيصح الإيمان بجملة ~~الأنبياء، وإن لم تعرف أسماؤهم، وفي ذلك دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأنه أخبر عن رسالة نوح، فدل أنه بالله عرف ذلك. # وقوله - عز وجل -: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). # قيل: قوله: (اعبدوا الله).، أي: وحدوا الله، سموا التوحيد عبادة لأن ~~العبادة، لا تكون ولا تصح إلا بالتوحيد فيها لله خالصا سمي بذلك مجازا إذ ~~يجوز أن يكون عبادة. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم من إله غيره). # أي: ما لكم من الإله الحق الذي ثبتت ألوهيته وربوبيته بالدلائل والبراهين ~~من إله غيره. # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). # قال بعضهم: (إني أخاف)، أي: إني أعلم أن ينزل عليكم عذاب يوم عظيم إن متم ~~على هذا. ms1681 # أو قال بعضهم: الخوف هو الخوف، وهو خوف إشفاق، وذلك يحتمل أن يكون في ~~الوقت الذي كان يطمع في إيمان قومه، ثم آيسه الله عن إيمان قومه بقوله: (لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن). # وقوله - عز وجل -: (عذاب يوم عظيم). # هو يوم عظيم للخلق؛ كقوله (ليوم عظيم). (يوم يقوم الناس لرب # PageV04P468 # العالمين)، وهو عظيم للخلق على ما وصف. # وقوله - عز وجل -: (قال الملأ من قومه ... (60) # هم أشراف قومه وسادتهم؛ كقوله: (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا. . . .)، ~~الآية، وكانوا هم أضداد الأنبياء والرسل؛ لأنهم كانوا يدعون الناس إلى ما ~~يوحي إليهم الشياطين، والرسل كانوا يدعون إلى ما يوحي إليهم الله، وينزل ~~عليهم؛ لذلك قالوا: (إنا لنراك في ضلال مبين)؛ لأنهم ظنوا أن ما أوحى إليهم ~~الشيطان هو الحق، وأن ما يدعو إليه الرسل هو ضلال وباطل. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم ليس بي ضلالة ... (61) # أي: لست أنا بضال؛ لأنه إذا نفى الضلال عنه، نفى أن يكون ضالا، وهو حرف ~~رفق ولين، وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل أن يعاملوا قومهم؛ لأن ذلك أنجع في ~~القلوب، وإلى القبول أقرب. # (ولكني رسول من رب العالمين)، والعالم هو جوهر الكل. # ويحتمل قوله: (إنا لنراك في ضلال مبين) أي: لفي خطإ مبين، ثم يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: نسبوه إلى الخطأ؛ لما رأوه خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانت ~~همتهم القتل لمن خالفهم. # والثاني: نسبوه إلى الخطأ؛ لأنه ترك دين آبائه وأجداده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أبلغكم رسالات ربي ... (62) # رسالته التي أمرني بتبليغها إليكم، قبلتم أو رددتم؛ أوعدتم أو وعدتم، ~~لأني أبلغها # PageV04P469 # على أي حال استقبلتموني، أو يقول: (أبلغكم رسالات ربي) رسالته التي ~~أرسلها إلي. # وقوله - عز وجل -: (وأنصح لكم) يحتمل قوله: (وأنصح لكم): أي: أدعوكم ~~وآمركم إلى ما فيه صلاحكم، وأنهاكم عما فيه فسادكم، والنصيحة هي الدعاء إلى ~~ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، وتكون النصيحة لهم، ولجميع ~~المؤمنين. # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: " ألا إن الدين النصيحة ~~قيل: لمن ms1682 يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولجميع المؤمنين ". # قال الشيخ أبو الفدا الحكيم - رحمة الله عليه -: النصيحة: هي النهاية من ~~صدق العناية، ثم أخبر أنه يبلغهم رسالات به، ولم يبين فيم ذا؟! في كتاب ~~أنزله عليه، أو بوحي في غير كتاب يوحى إليه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ~~سوى التصديق له فيما يبلغ إليهم. # وقوله - عز وجل -: (وأعلم من الله ما لا تعلمون). # قد أتاه من الله العلم بأشياء ما لم يأت أولئك مثله، وهو كقول إبراهيم - ~~عليه السلام - لأبيه: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني) ~~ويحتمل قوله: (وأعلم من الله) من العذاب أنه ينزل بكم (ما لا تعلمون) أنتم ~~إذا دمتم على ما أنتم عليه. # وقوله: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ... (63) # أي: تعجبون بما جاءكم ذكر من الله على يدي رجل منكم ما لا أقدر أنا ولا ~~تقدرون أنتم على مثله، كانوا يعجبون وينكرون أن يكون رسل الله من البشر ~~بقولهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم) (يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ~~ملائكة)، ونحو ذلك كانوا ينكرون رسالة البشر وما ينبغي لهم أن ينكروا ذلك؛ ~~لأنهم قد كانوا رأوا # PageV04P470 # تفضيل بعض البشر على بعض، وفي وضع الرسالة فيهم - أعني في الرسل - ~~تفضيلهم، وذلك قد رأوا فيما بينهم، ولله تفضيل بعضهم على بعض؛ إذ له الخلق ~~والأمر، ولكل ذي ملك وسلطان أن يصنع في ملكه ما شاء من تفضيل بعض على بعض ~~وغيره. # أو يقول: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم): على يدي رجل منكم، ولو كان جاء ~~الذكر على من هو من غير جوهركم، كان في ذلك لبس واشتباه عليكم. # وقوله - عز وجل -: (لينذركم) عذاب الله: (ولتتقوا) معاصيه (ولعلكم ~~ترحمون): إن اتقيتم ما نهاكم عنه، أو كان في قومه من يجوز أن يرحم. # وقوله - عز وجل -: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) # يعني نوحا فيما دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ونهاهم عن ms1683 عبادة غير ~~الله، أو كذبوه فيما آتاهم من آيات يبوته ورسالته. # وقوله - عز وجل -: (فأنجيناه). # يعني نوحا، والذين آمنوا في الفلك. # (وأغرقنا). # الذين كذبوا بآياتنا، إذا كان إهلاك القوم إهلاك تعذيب وعقوبة، ينجي ~~أولياءه ويبقيهم إلى الآجال التي قدر دهم، ويكون ذلك نجاة لهم من ذلك ~~العذاب الذي حل بالأعداء. # وقوله - عز وجل -: (كذبوا بآياتنا): أي: بآياتنا، التي جعلناها لإثبات # PageV04P471 # رسالته ونبوته، ويحتمل: كذبوا بآياتنا التي أعطيناه لوحدانية الله ~~وألوهيته. # (إنهم كانوا قوما عمين). # عموا عن الحق. # * * * # قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب ~~العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) قالوا أجئتنا ~~لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) # قوله - عز وجل -: (وإلى عاد أخاهم هودا). # أي: وأرسلنا هودا إلى عاد، وهو على ما ذكر في نوح، وهو قوله: (لقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه)؛ فعلى ذلك قوله: (وإلى عاد أخاهم هودا)، أي: إلى عاد أرسلنا ~~هودا. # ثم تحتمل الأخوة وجوها أربعة: # أخوة النسب، وأخوة الجوهر، ويقال هذا إذا كان من جوهره، ولا يقال ذلك في ~~غير جوهره، وأخوة المودة والمحبة، وأخوة الدين، ثم لم يكن بين هود وقومه ~~أخوة الدين، ولا أخوة المودة، لكن يحتمل أخوة النسب؛ لأن البشر على بعد من ~~آدم كلهم أولاده، فإذا كانوا كذلك فهم فيما ms1684 بينهم بعضهم أخوة بعض؛ كأولاد ~~رجل واحد، يكون # PageV04P472 # بعضهم أخوة بعض، وأخوة الجوهر على ما ذكرنا، يقال: هذا أخ هذا إذا كان من ~~جنسه وجوهره، فهذين الوجهين يحتملان، والوجهان الآخران لا. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). # أي: اعبدوا الله الذي يستحق العبادة و (ما لكم من إله غيره) أي: ليس لكم ~~من معبود سواه، وهو المعبود في الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: (أفلا تتقون). # عبادة غير الله، أو: أفلا تتقون الله في عبادتكم غيره، وفي تكذيبكم هودا، ~~أو أن يقول: أفلا تتقون عذاب الله ونقمته عليكم بمخالفتكم إياه. # وقوله - عز وجل -: (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ~~وإنا لنظنك من الكاذبين (66) # قد ذكرنا قول الملأ من قومه، أي: أشراف قومه وساد، تهم (إنا لنراك في ~~سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين). # ذكر هاهنا ظنهم في تكذيبهم الرسول، وفي موضع آخر قطعوا في التكذيب وهو ~~قوله: (إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين)، فكان قوله: ~~(وإنا لنظنك من الكاذبين) في ابتداء ما دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، ~~كانوا على ظن فيه لما كان عندهم صدوقا أمينا قبل دعائهم إلى ما دعاهم، فلما ~~أن أقام عليهم آيات الرسالة والنبوة وأظهر عندهم عيب ما عبدوا غير الله، ~~وأبطله، وتحقق ذلك عندهم - عند ذلك قالوا: (إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا وما نحن له بمؤمنين) ليعلم أنهم عن عناد، كذبوا الرسل، فقال: (قال يا ~~قوم ليس بي سفاهة ... (67) إن الرسل - عليهم السلام - كانوا أمروا أن ~~يعاملوا الخلق بأحسن معاملة، وهو على ما أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ حيث قال له: (خذ العفو وأمر بالعرف). وقوله - عز وجل -: (ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة)، ونحوه، فعلى ذلك الرسل الذين كانوا من قبل كانوا ~~مأمورين بذلك؛ لذلك قال لهم هود لما تلقوه بالتكذيب والتسفيه قال: ليس بي ~~ما تقولون وتنسبونني إليه، (ولكني رسول من رب العالمين (67) أبلغكم # PageV04P473 # رسالات ms1685 ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أي: أدعوكم إلى وحدانية الله، ~~وعبادته، والتمسك بالدين الذي به نجاتكم، وكل من دعا آخر إلى ما به نجاته ~~فهو ناصح له. # ويحتمل قوله: (وأنا لكم ناصح أمين)، أي: كنت ناصحا لكم قبل هذا أمينا ~~فيكم، فكيف تكذبونني وتنسبونني إلى السفه، وأنا أمين على الرسالة والوحي ~~الذي وضع الله عندي؟! # وقوله - عز وجل -: (أبلغكم رسالات ربي): شئتم أو أبيتم. # أو يقول: أبلغكم رسالات ربي خوفتموني أو لم تخوفوني، قبلتم عني أو لم ~~تقبلوا. # أو يقول: أبلغكم رسالات ربي، فكيف تنسبونني إلى السفه والافتراء على ~~الله؟! # وقوله - عز وجل -: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) # يحتمل قوله: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء) وجوها: # أحدها: أنه جعلكم خلفاء قوم أهلكهم بتكذيبهم الرسل، ولم يهلككم، فاحذروا ~~أنتم هلاككم بتكذيبكم الرسول كما أهلك أولئك بتكذيبهم الرسل. # أو أن يقال: جعلكم خلفاء قوم صدقوا رسولا من البشر وهو نوح، فكيف ~~كذبتموني في دعوى الرسالة لأني بشر ودعائي إلى عبادة الله ووحدانيته؟! هذا ~~تناقض. # والثاني: أن اذكروا نوحا وهو كان رسولا من البشر، فكيف تنكرون أن يكون ~~الرسول أبشرا؛ وكان الرسل جميعا من البشر. # والثالث: أن اذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم من السعة في المال، ~~والقوة في الأنفس، وحسن الخلقة، والقامة، وكان لعاد ذلك كله؛ كقوله: (ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7). . . .). هذا في السعة في ~~المال، وأما القوة في الأنفس والقامة ما ذكر في قوله: (فترى القوم فيها ~~صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية) أو قوله: (كأنهم أعجاز نخل منقعر)، فيه وصف ~~لهم بالقوة، وطول القامة، وعلى ذلك فسر بعض أهل التأويل. # وقوله: (وزادكم في الخلق بسطة) يعني: قوة وقدرة. # وقال غيره: هو الطول والعظم في الجسم، وذكر الله - عز وجل - في عاد أشياء ~~أربعة خصهم بها من بين غيرهم. # أحدها: العظم في النفس؛ كقوله: (وزادكم في الخلق بسطة). # PageV04P474 # والقوة، في قوله: (من أشد منا قوة). # والسعة ms1686 في الأموال بقوله: (بعاد (6) إرم ذات العماد). # وفضل العلم بقوله: (وكانوا مستبصرين). # وقوله - عز وجل -: (فاذكروا آلاء الله). # قال بعضهم: الآلاء: هي في دفع البلايا، والنعماء هي في سوق النعماء إليه، ~~ولكن هما واحد؛ لأنه ما من بلاء يدفع عنه إلا وفي ذلك سوق نعمة أخرى إليه؛ ~~ولأن الله - تعالى - ذكر في سورة الرحمن الآلاء بجميع ما ذكر إنما ذكر على ~~سوق النعم إليه قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) حيث قال: (الرحمن (1) علم ~~القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4)، إلى آخر ما ذكر من السورة، ~~وهو ذكر في سوق النعم لا في دفع البلايا. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تفلحون). # أي: تفلحون إن ذكرتم نعمه، وشكرتم له عليها، ولم تصرفوا عبادتكم وشكركم ~~إلى غيره، أو يقول: لكي يلزمكم الفلاح، أو حتى تكونوا من أهل الفلاح. # وقوله - عز وجل -: (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~آباؤنا ... (70) # هذا يدل أن رسالته التي يبلغها إليهم هي دعاؤه إياهم إلى عبادة الله وحده ~~وتركهم عبادة من دونه، حيث قالوا: (أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا) ولا شك أنه إنما جاءهم ليعبدوا الله وحده، وجاءهم ليذروا ما ~~كان يعبد آباؤهم. # ثم في قولهم تناقض؛ لأنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسول بقولهم: ~~(ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون)، لم يرضوا ~~برسالة البشر، ورضوا بألوهية الأحجار والخشب، ثم يقلدون آباءهم في عبادتهم ~~غير الله، وفي آبائهم من يعبد الله لا يعبد غيره، وهم الذين نجوا مع نوح، ~~فكيف لم # PageV04P475 # يقلدوا من نجا منهم، ولم يعبدوا غير الله دون أن قلدوا الذين عبدوا غير ~~الله؛ فذلك تناقض، حيث اتبعوا من هلك منهم بتكذيبهم الرسل وعبادتهم غير ~~الله، ولم يتبعوا من نجا منهم. # يذكر - عز وجل - سفههم وتناقضهم في القول في إنكارهم الرسول من البشر، ~~ولكن ذكر سفههم وتناقضهم بالتعريض لا بالتصريح، وكذلك عامة ما ذكر في كتابه ~~من سفههم إنما ذكر بالتعريض. # وقوله - عز وجل -: (فأتنا ms1687 بما تعدنا إن كنت من الصادقين). # إنه كان يعدهم العذاب إن لم يصدقوه فيما يدعوهم إليه، وترك تقليدهم ~~آباءهم في عبادتهم غير الله " # وقوله - عز وجل -: (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ... (71) # قال بعضهم: الرجس: العذاب، أي قد وجب عليكم العذاب بتكذيبكم هودا، ~~وتقليدكم آباءكم في عبادتكم غير الله، (وغضب): وهو العذاب أيضا. # وجائز: أن يكون الرجس هاهنا الخذلان، وحرمان التوفيق والمعونة، أي: قد ~~وقع عليكم ووجب الخذلان، وحرمان التوفيق باختياركم ما اخترتم. # وقال بعضهم: الرجس: هو الإئم والخبث؛ كقوله - تعالى -: (فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان واجتنبوا قول الزور)، وقوله: (رجس من عمل الشيطان) وقوله: " ~~اللهم إني أعوذ بك من الرجس " النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم ". # وقوله - عز وجل -: (أتجادلونني في أسماء سميتموها). # ومجادلتهم ما قالوا: (أجئتنا لنعبد الله وحده) ويحتمل في (أشمآ) أي: ~~بأسماء سميتموها. # وقوله - عز وجل -: (ما نزل الله بها من سلطان). # PageV04P476 # قيل: حجة، أي: لم ينزل لهم حجة في عبادتهم غير الله. # وقيل: السلطان هاهنا عذر، أي: لم ينزل لهم عذرا في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فانتظروا). # أي: انتظروا أنتم وعد الشيطان. # (إني معكم من المنتظرين) وعد الرحمن. # وقوله - عز وجل -: (ما نزل الله بها من سلطان) أي: من حجة في تسميتهم ~~الأصنام التي عبدوها دون الله ما سموها آلهة وشفعاء ونحوه، كأنهم إنما ~~جادلوه في تسميتهم آلهة وشفعاء، وأن ليس لهم حجة ولا عذر في عبادتهم غير ~~الله، ولا في إشراكهم غيره في العبادة والألوهية. # (فانتظروا): قال الحسن: انتظروا أنتم مواعد الشيطان، (إني معكم من ~~المنتظرين): لمواعد الله. # وقوله - عز وجل -: (فأنجيناه ... (72) # يعني هودا (والذين معه برحمة منا). # إن من حكم الله أنه إذا أهلك قوما إهلاك تعذيب، استأصلهم وأنجى أولياءه ~~ونصر هم. # وقوله - عز وجل -: (برحمة منا) يحتمل قوله (برحمة منا): برحمته التي ~~هداهم عز وجل، ولولا رحمته ما اهتدوا، لكنه رحمهم فهداهم، فبرحمته اهتدوا، ~~ويحتمل أنه إنما أنجاهم من العذاب برحمة منه، وإلا كانت لهم ذنوب وخطايا ~~يستحقون بها العذاب، لكنه ms1688 أنجاهم بإحمة منه وفضل، والله أعلم. # وفيه: أن من نجي إنما نجى برحمته وفضله، وإن كان رسولا لا باستيجاب منه ~~النجاة، وهو ما روي حيث قال: " لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قيل: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # PageV04P477 # وقوله - عز وجل -: (وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) قيل دابر الذين ~~كذبوا أي: أواخر الذين كذبوا واستأصلهم فلم يبق منهم أحد، وقيل (وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا)، أي: أصل الذين كذبوا بآياتنا، ولم يبين لنا آياته التي ~~أعطاها هودا، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما أخبر أن ما حل بهم من ~~العذاب إنما حل بتكذيبهم الرسول، وذلك كان سنة وحكمة في الأمم السالفة. # * * * # قوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من ~~بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا ~~فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ~~ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم ~~به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا ~~تحبون الناصحين (79) # قوله - عز وجل -: (وإلى ثمود أخاهم صالحا). # قد ذكرنا أنه صلة قوله: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه)، كأنه قال: وأرسلنا ~~إلى ثمود أخاهم صالحا. # PageV04P478 # وقوله - عز وجل -: (أخاهم) قد ذكرنا أنه تحتمل الأخوة وجوها أربعة: أخوة ~~النسب، وأخوة الجوهر والشكل على ما يقال: هذا أخو هذا إذا كان من جوهره ~~وشكله، وأخوة المودة والخلة، وأخوة الدين، ثم يحتمل أن ms1689 يكون ما ذكر من أخوة ~~صالح كان أخوهم في النسب، أو في الجوهر على ما ذكرنا في هود، ولا يحتمل أن ~~يكون في المودة والدين، وأما أخوة النسب فإنه يحتمل لما ذكرنا أن بني آدم ~~كلهم إخوة، وإن بعدوا؛ لأنهم كلهم من أولاد آدم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). # قد ذكرنا أن الرسل بأجمعهم إنما بعثوا ليدعوا الخلق إلى وحدانية الله، ~~والعبادة له؛ وأن لا معبود سواه يستحق العبادة من الخلق. # وقوله - عز وجل -: (قد جاءتكم بينة من ربكم) قيل فيه بوجهين. # قيل: (بينة من ربكم)، ما ذكر من الناقة التي جعلها الله آية لرسالة صالح، ~~وهي: (هذه ناقة الله لكم آية). # وقيل: (بينة من ربكم) آيات ظهرت لهم على لسان صالح، وجرت على يديه ما يدل ~~على رسالة صالح ونبوته، لكنهم كابروا تلك الآيات في التكذيب وعاندوا. # وقوله - عز وجل -: (هذه ناقة الله لكم آية). # وجه تخصيص إضافة تلك الناقة إلى الله يحتمل وجوها، وإن كانت النوق كلها ~~لله في الحقيقة: # أحدها: لما خصت تلك بتذكير عبادته تعالى إياهم ووحدانيته تعظيما لها، على ~~ما خصت المساجد بالإضافة إليه، بقوله: (وأن المساجد لله)؛ لما جعلت تلك ~~البقاع لإقامة عبادة الله، فخصت بالإضافة إليه تعظيما لتلك البقاع فعلى ذلك ~~هذه الناقة خصت بالإضافة إليه، لما جعلها الله آية من آياته خارجة من غيرها ~~من النوق # PageV04P479 # مخالفة بنيتها بنية غيرها؛ إما خلقة، وإما في ابتداء إحداثها وإنشائها أو ~~في أي شيء كان، فأضافها إليه لذلك، والله أعلم. # ثم لا يجب أن يتكلف المعنى الذي له جعل الناقة آية؛ لأنه - جل وعلا - لم ~~يبين لنا ذلك المعنى، فلو تكلف ذكر ذلك فلعله يخرج على خلاف ما كان في ~~الكتب الماضية، فهذه القصص وأخبار الأمم الماضية إنما ذكرت في القرآن؛ ~~لتكون آية لرسالة محمد - صلوات الله عليه وسلامه - فلو ذكرت على خلاف ما ~~كان كان لهم في ذلك مقال. # ويحتمل معنى الإضافة إليه وجها آخر، وهو: ms1690 أنه لم يجعل منافع هذه الناقة ~~لهم، ولا جعل عليهم مؤنتها، بل أخبر أن ذروها تأكل في أرض الله، جعل مؤنتها ~~فيما يخرج من الأرض، ليست كسائر النوق التي جعل مؤنتها عليهم، ومنافعها لهم ~~بإزاء ما جعل عليهم من المؤن، فمعنى التخصيص بالإضافة إليه لما لم يشرك ~~فيها أحدا ولا في منافعها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فذروها تأكل في أرض الله. # دلالة أن تلك الناقة كان غذاؤها مثل غداء سائر النوق، وإن كانت خارجة عن ~~طباع سائر النوق من جهة الآية؛ ليعلم أنها وإن كانت آية لرسالته ودلالة ~~لنبوته فتشابهها لسائر النوق في هذه الجهة لا يخرجها عن حكم الآية، فعلى ~~ذلك الرسل وإن كانوا ساووا غيرهم من الناس في المطعم والغذاء لا يمنع ذلك ~~من أن يكونوا رسلا، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولا تمسوها بسوء). # يحتمل: لا تتعرضوا لها قتلا ولا قطعا ولا عقرا لما ليست هي لهم، (فيأخذكم ~~عذاب # PageV04P480 # أليم)، وفي مواضع أخر: (فيأخذكم عذاب قريب)، فهذا يدل على أنه إنما أراد ~~بالعذاب الأليم عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة؛ لأنه قد يأخذهم عذاب الآخرة ~~بكفرهم، فالوعيد بأخذ العذاب لهم عذاب الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ... (74) قد ذكرنا ~~تأويله في قصة هود. # (وبوأكم في الأرض). # قيل: أنزلكم فيها تتخذون من سهولها قصورا. # (وتنحتون الجبال بيوتا) يذكرهم - عز وجل - ما أنعم عليهم من سعة المال، ~~وبسط الرزق لهم، وما خصهم من اتخاذ البيوت من الجبال دون غيرهم من الناس، ~~خص هؤلا بسعة الرزق وبسط الأموال، وقوم هود بالقوة والبطش، بقوله: (وزادكم ~~في الخلق بسطة)، وقال في آية أخرى: (وقالوا من أشد منا قوة)، وقال: (وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين)، كان خصهم بفضل القوة والبطش والطول من بين غيرهم، ~~وهؤلاء بسعة الأرزاق لهم وبسط الأموال، (فاذكروا آلاء الله)، من السعة في ~~الأموال والبسط، وبما جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبما أقدركم على اتخاذ ~~البيوت من الجبال لم يقدر على مثله أحد؛ ms1691 لأن غيرهم من الخلائق إنما ينتفعون ~~بالجبال على ما هي عليها، وأما هم فقد مكن لهم على نحتها واتخاذها بيوتا. # (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). # أي: اذكروا نعمته، ولا تشركوا في عبادتكم غيره. # وقوله - عز وجل -: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه ... (75) # قد ذكرنا أن الملأ من قومه هم كبراؤهم وسادتهم، استكبروا عليه لما رأوه ~~دون أنفسهم في أمر الدنيا، فلم يتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (للذين استضعفوا لمن آمن منهم). # PageV04P481 # فيه دلالة أن من المستضعفين من قومه من لم يكن آمن؛ حيث خص لمن آمن منهم. # وفيه: أن أول من اتبع الرسل هم الضعفاء، وكذلك كان الأتباع للرسل جميعا ~~الضعفاء. # وقولهم: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون)، ~~قول هؤلاء الذين آمنوا بصالح وصدقوه في رسالته لم يخرج في الظاهر جواب ما ~~سألوا؛ لأنهم قالوا: (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه)، إنما سألوهم عن علمهم ~~برسالته، لم يسألوهم عن إيمانهم به، فهم إنما أجابوا عن غير ما سئلوا في ~~الظاهر، لكن يجوز أن يكنى بالعلم عن الإيمان، فكأنهم قالوا لهم: تؤمنون ~~بصالح وتصدقونه؟ لأن العلم بالشيء قد يقع بلا صنع، والإيمان لا يكون إلا ~~بصنع منهم؛ فكأنهم إنما سألوهم عن الإيمان به؛ لذلك قالوا: (إنا بما أرسل ~~به مؤمنون). # والثاني: كأنهم قالوا: بل علمنا أنه مرسل من ربه، وإنا بما أرسل به ~~مؤمنون. # وفيه: دلالة أن من مكن له من العلم بأسباب جعلت له يصل بها إلى العلم، لم ~~يعذر بجهله في ذلك بعد ما أعطي أسباب العلم؛ حيث قالوا: أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه، أي: لا تعلمون. # وقوله - عز وجل -: (قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) ~~فيه دلالة أن الإيمان: هو التصديق في اللغة، والتكذيب: هو ضد ما يكون به ~~التصديق؛ حيث أجابوا بالتكذيب لإيمانهم به؛ لقولهم: (إنا بما أرسل به ~~مؤمنون) فهؤلاء لم يعرفوا جميع الطاعات إيمانا على ما عرفه بعض الناس، إنما ~~عرفوه تصديقا. # وقوله - عز وجل -: (فعقروا الناقة ms1692 ... (77) # أضاف هاهنا العقر إليهم جميعا، وفي موضع آخر أضاف إلى الواحد بقوله: ~~(فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر)، وفي سورة (والشمس وضحاها) كذلك أضاف إلى ~~الواحد: (إذ انبعث أشقاها)، لكن فيما كان مضافا إليهم # PageV04P482 # جميعا يحتمل أن تولى واحد منهم عقرها بمشورتهم جميعا، ومعونتهم، ~~وتدبيرهم، وتراضيهم على ذلك، فأضيف إليهم ذلك لاجتماعهم على ذلك، وإلى ~~الواحد فيما تولى جرحها ومنعها عن السير، ففيه دلالة لمذهب أصحابنا أن قطاع ~~الطريق إذا تولى بعضهم القتل، وأخذ الأموال، ولم يتول بعضهم يتشاركون ~~جميعا: من تولى منهم، ومن لم يتول في حكم قطاع الطريق بعد أن يكون بعضهم ~~عونا لبعض، وكذلك إذا اجتمع قوم على قتل واحد، فتولى بعضهم القتل ولم يتول ~~بعض بعد أن كانوا في عون أولئك، فإنهم يقتلون جميعا، وعلى ذلك يخرج قول عمر ~~- رضي الله عنه - حيث قال: " لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم " وأهل صنعاء ~~إذا اجتمعوا لا سبيل للكل أن يتولوا قتله، فدل أنه على العون والنصر لبعضهم ~~بعضا فيتشاركون جميعا في القصاص على ما تشارك أولئك جميعا في العذاب: من ~~تولى عقرها ومن لم يتول، بعد أن كان ذلك العقر بمعونتهم، وبتراضيهم على ~~ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ~~(77) فأخذتهم الرجفة ... ) # إنما أخذهم العذاب لما استعجلوا منه العذاب، وكذبوه فيما يوعدهم العذاب ~~ويعدهم. # وقوله - عز وجل -: (وعتوا عن أمر ربهم). # العتو: هو النهاية في التمرد، والخلاف لأمره على العلم منهم بالخلاف لا ~~على # PageV04P483 # الغفلة والجهل. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الرجفة ... (78) # قيل: الزلزلة. # وقيل: الصيحة، وقال في آية أخرى (فأخذتهم الصيحة) وقال في آية أخرى: ~~(فأخذتهم الصاعقة)، والقصة في ذلك كله واحد، فجائز أن يكون ذلك واحدا، وإن ~~اختلفت ألفاظه، وهو عبارة عن العذاب، وجائز أن تكون الصيحة لما صيح بهم ~~صعقوا جميعا فماتوا، وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحوا في دارهم جاثمين). # قيل: ميتين وقيل لازقين بالأرض قد ماتوا وذهبوا، ويقال: جثم الطائر: إذا ~~لزق بالأرض، يقال: أجثمته، أي: ms1693 ألزقته بالأرض، والمجثمة يقال: طائر يشد ~~جناحاه # PageV04P484 # ورجلاه، ثم يوضع بالأرض، ثم يرمي بالنبل حتى يموت، يقال: جثمت الطائر، ~~أي: شددت رجليه وجناحيه. # يقال: جثم يجثم جثما: إذا فعل ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فتولى عنهم ... (79) # أي: أعرض عنهم، وخرج من بينهم حين علم أن العذاب ينزل بهم. # وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، والنصيحة ما ذكرنا أن كل ~~من دل آخر على ما به نجاته وسعى على دفع البلاء والهلاك عنه، فهو ناصح له، ~~فعلى ذلك صالح وغيره من الرسل قد دلوا قومهم على ما به نجاتهم، وسعوا على ~~دفع الهلاك عنهم، لكنهم لم يقبلوا النصيحة منهم. # * * * # قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ~~(81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ~~(82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) # قوله - عز وجل -: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة). # ذكر في غيره من الأنبياء دعاءهم قومهم إلى عبادة الله ووحدانيته، على ما ~~قال نوح: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، وكذلك قال هود، وصالح، ~~وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، ولم يذكر في لوط ذلك هاهنا، ولا يحتمل أن لم ~~يكن منه الدعاء إلى ما كان من غيره من الأنبياء إلى توحيد الله وعبادته قبل ~~النهي عن # PageV04P485 # الفواحش، والتعيير عليها، وهو ما ذكر في آية أخرى: (كذبت قوم لوط ~~المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين ~~(162) فاتقوا الله وأطيعون (163). لأنه كان من الأنبياء - صلوات الله ~~وسلامه عليهم - دعاء قومهم إلى عبادة الله، ووحدانيته أولا، ثم النهي عما ~~ارتكبوا من الفواحش والمعاصي، والتعيير عليها. # وقوله - عز وجل -: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) ~~قوله: (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) يحتمل أن يكون منهم ما كان ms1694 من ~~سائر الأقوام تقليد الآباء في العبادة لغير الله؛ كقولهم: (أجئتنا لنعبد ~~الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) وقولهم: (وإنا على آثارهم مهتدون)، و ~~(مقتدون)، وقوله: (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون)، ونحو ما قالوا؛ فعلى ذلك ~~من قوم لوط للوط لما دعاهم إلى عبادة الله، ووحدانيته، فأجابوه بما أجاب ~~الأقوام لأنبيائهم من التقليد لآبائهم؛ فقال: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين)، أي: تعملون أنتم أعمالا لم يعملها آباؤكم، ولا تقلدون ~~آباءكم في تركها من نحو ما ذكر من إتيان الفاحشة، فقال: (ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين) يعيرهم، ويسفه أحلامهم في إتيان ما يأتون من الفاحشة التي ~~لم يسبقهم أحد من العالمين، على علم منهم أن ذلك فاحشة. # ألا ترى أنهم قالوا: (إنهم أناس يتطهرون) دل هذا القول على أن ما يأتون ~~من الفواحش يأتون على علم منهم أنها فواحش؛ حيث قالوا: (إنهم أناس ~~يتطهرون). # ثم قوله: (الفاحشة) لما في العقل والشرع؛ لأن ما حرم من المحرمات على ~~الخلق، وأحل المحللات محنة منه لهم على ذلك، ثم جعل فيما أحل لهم من ~~الأطعمة # PageV04P486 # والأشربة والاستمتاع بالنساء والجواري دواما لهذا العالم؛ لأنهم لو تركوا ~~التناول من ذلك لهلكوا، فإذا هلكوا انقطع هذا العالم لما ينقطع نسلهم، ثم ~~ركب فيهم الشهوات # PageV04P487 # والحاجات التي تبعثهم على التناول مما أحل لهم ليدوم هذا العالم؛ لأنه ما ~~أحل لهم للشهوة خاصة، ولكن لما ذكرنا فأخبر أن ما يأتون هم هو فاحشة؛ لما ~~ليس إتيانهم إياها إلا لنفس قضاء الشهوة، إذ ليس في ذلك دوام العالم ~~وبقاؤه، فهو في العقل فاحش محرم، وإن لم يرد فيه النهي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل أنتم قوم مسرفون (81) الإسراف: هو الإكثار من ~~الشيء، والمجاوزة عن الحد؛ كقوله: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما)، القتر: هو التضييق، والإسراف: هو الإكثار، حيث قال: # PageV04P488 # (وكان بين ذلك قواما)، فإذا كان الإسراف هو الإكثار من الشيء، فكأن لوطا ~~سماهم مسرفين لما أكثروا ms1695 من ذلك النوع من الفواحش، وجاوزوا الحد، والله ~~أعلم. # ويحتمل قوله: (قوم مسرفون) وجوها ثلاثة: # أحدها: ما ذكرنا من إكثار الفعل. # والثاني: مسرفون؛ لما ضيعوا ما أنعم الله عليهم؛ حيث أعطى لهم الأزواج ~~فضلا منه ونعمة، حيث أخبر: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها) وكقوله: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) ونحوه من جل وعلا بما جعل ~~لهم من الأزواج، ثم هم لم يشكروه على ما أنعم عليهم، بل ضيعوها، وجعلوها في ~~غير ما جعل هو لهم، فذلك إسراف منهم. # والثالث: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم، فنهم قد جاوزوه. # وقوله - عز وجل -: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون (82) # قوله: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) # كذا كان من قومه أجوبة ليس على أنه لم يكن منهم من أول الأمر إلى آخره ~~هذا، ولكن لم يكن من جواب قومه وقت ما نهاهم عما ارتكبوا من الفواحش وعيرهم ~~عليها إلا ما ذكر: (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) لما ينهاهم ~~ويعيرهم على ذلك، ويحتمل ما قال أهل التأويل: (يتطهرون): من أدبار الرجال. # PageV04P489 # وقيل: يتحرجون عن ذلك، ويعيبون عليهم، في ذلك. # والثاني: ما كان جواب قومه لبعضهم إلا أن قالوا أخرجوهم وأما للوط كان ~~منهم له أجوبة؛ كقوله: (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) كذا، وقال في آية ~~أخرى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)، هذا فيما بينهم ~~وبين لوط؛ ولأول فيما بينهم قال بعضهم لبعض: (أخرجوهم)، أو لاختلاف المشاهد ~~والمجالس. # وقوله - عز وجل -: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) # الغابر: الغائب، يقال: غبرت، أي: غبت، أي: كانت من الغائبين عن لوط وأهله ~~وقت العذاب. # وقيل: من الغابرين، أي: من الباقين في العذاب. # وقوله - عز وجل -: (وأمطرنا عليهم مطرا ... (84) # اختلف فيه؛ قال بعضهم: قلبت قرية لوط، وجعل عاليها سافلها على ما ذكر في ~~الآية (فجعلنا عاليها سافلها)، ثم أمطر على من كان ms1696 غاب منهم الحجارة. # وقال بعضهم: قلبت القرية فأمطرت على أهلها كالمطر. # وقال آخرون: قلبت الأرض وأمطر عليها حجارة من سجيل تسوى الأرض، أو كلام ~~نحو هذا. # ثم العذاب في الأمم لم يأتهم في الدنيا بنفس الكفر، ولكن لما كان منهم من ~~استحلال أشياء حرمت عليهم، ومن قتل الأنبياء، وأذاهم، والمكابرات التي كانت ~~منهم # PageV04P490 # بعد علمهم أنهم على باطل وعناد. # وقوله - عز وجل -: (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين). # هذا الخطاب جائز أنه ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ولكن ~~لكل أحد أمر بالنظر فيما حل بالأمم السالفة؛ بتكذيبهم الرسل، وعنادهم؛ ~~ليكونوا على حذر من صنيعهم، لئلا يحل بهم ما حل بأولئك. # وجائز أن يكون الخطاب لرسوله خاصة، فإن كان له فكأنه أمره أن ينظر في ~~عاقبة المجرمين ليرحمهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك والعذاب. # * * * # قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ~~ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان ~~طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا وهو خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا ~~شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين ~~(88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ~~وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) وقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا ms1697 هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) # قوله - عز وجل -: (وإلى مدين أخاهم شعيبا). # هو ما ذكرنا فيما تقدم، أي: أرسلنا شعيبا إلى مدين رسولا. # وقوله: (أخاهم) قد ذكرنا فيما تقدم الأخوة وأنها تكون لوجوه: أخوة النسب، ~~وأخوة الجوهر، وأخوة المودة والخلة، وأخوة الدين، فلا تحتمل أخوة الأنبياء ~~أولئك أخوة الدين والمودة، لكن تحتمل أخوة الجوهر والنسب. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). # PageV04P491 # قد ذكرنا -أيضا- أن الرسل إنما جاءوا، وبعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، ~~والعبادة له، وأن لا معبود يستحق العبادة سواه. # وقوله - عز وجل -: (قد جاءتكم بينة من ربكم). # قال بعضهم: كانت نفس شعيب بينة وحجة لقومه لكنا لا نعلم ذلك، غير أنا ~~نعلم أنه كانت معه آيات وبراهين، لكن الله لم يبين لنا ذلك، ونفس محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - كانت حجة وبينة بالأعلام التي جعلت له في نفسه؛ من ~~ذلك الختم الذي كان بين كتفيه، والنور الذي # PageV04P492 # كان في وجه من كان في صلبه وقت كونه فيه، والضوء الذي روي أنه كان وقت # PageV04P494 # ولادته، والغمام الذي أظله وقت غيبته عن أهله، وحفظه نفسه عن جميع ما كان ~~يتعاطاه قومه من عبادتهم الأصنام وتعاطيهم الفواحش، فهو - صلى الله عليه ~~وسلم - كان بريئا من ذلك كله، # PageV04P495 # ولم يؤخذ عليه كذب قط، وقد كان نشأ بين أظهرهم، وغير ذلك من الأعلام التي ~~كانت في نفسه ظاهرة لقومه، فلو لم يكن له آيات غيرها، لكانت واحدة منها ~~كافية لمن لم يكابر، فكيف وقد كانت له آيات حسية وعقلية سوى ما ذكرنا تقهر ~~المنصفين على قبولها! # ويحتمل قوله: (قد جاءتكم بينة من ربكم) أي: حجة على أنه رسول أو على ~~توحيد الله. # وقوله - عز وجل -: (فأوفوا الكيل والميزان) وذكر في هود في قصته: (ويا ~~قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط)، وليس في قوله: (فأوفوا الكيل ~~والميزان) أنهم كانوا لا يوفون ولكن فيما ذكر في سورة ms1698 هود. (ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم). # ودل قوله: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) وإن الأشياء ملك لهم، وإن كانت في ~~قبض أولئك، وفي أيديهم، ثم يحتمل الأمر بإيفاء الكيل والميزان وجوها: # أحدها: لما كانوا أمناء؛ لئلا تذهب عنهم تلك الأمانة التي كانت لهم في ~~قومه. # والثاني: لئلا يظلموا الناس في منع حقوقهم وأموالهم. # والثالث: للربا، كان ما منعوا منه من الكيل والوزن ربا لهم، يدل على ذلك ~~قوله: (بالقسط) ذكر العدل، فلو كان يجوز تلك الزيادة والنقصان إذا طابت ~~أنفسهم بالزيادة والنقصان، لكان لا معنى لذكر القسط فيه؛ لأن من زاد آخر ~~على حقه لم يمنع عن ذلك، ولم يذم، دل النهي عن ذلك على أنه للربا ما منعوا ~~عن ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). # أي: بعد أن جعلها لكم صالحة لمعاشكم ومقامكم فيها، أو بعد ما أمر وبين ~~لكم ما به صلاحكم وصلاح دينكم، أو بعد ما أرسل من الرسل ما بهم صلاح الأرض ~~وأهلها. # (ذلكم خير لكم). # PageV04P496 # قال بعض أهل التأويل: قوله: (ذلكم خير لكم)، أي: وفاء الكيل والميزان خير ~~لكم من النقصان؛ لما ينمو ذلك الباقي ويزداد، فذلك خير لكم من النقصان الذي ~~تمنعون، فلا ينمو شيئا، وهو كقوله: (بقيت الله خير لكم). # ويحتمل: (ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)، أي: أمنكم في الآخرة خير لكم من ~~نقصان الكيل والميزان في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ... (86) # يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن كبراء أهل الشرك ورؤساءهم كانوا يقعدون في ~~الطرق أناسا يصدون الذين يأتون شعيبا للإيمان من الآفاق والنواحي، ويكون ~~معنى قوله: (من آمن به) على هذا التأويل، أي: من أراد أن يؤمن به. # ويحتمل قوله: (ولا تقعدوا) ليس على القعود نفسه، ولكن على المنع من إقامة ~~الشرائع التي شرع الله لشعيب؛ كقول إبليس: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) ليس ~~هو على القعود نفسه، ولكن على المنع؛ يمنعهم عن صراطه المستقيم، فعلى ذلك ~~قوله: (ولا تقعدوا بكل ms1699 صراط توعدون) كانوا يمنعون من آمن به عن إقامة ~~الشرائع والعبادات التي دعوا إلى إقامتها، ويوعدون على ذلك # PageV04P497 # ويخوفونهم؛ فعلى هذا التأويل يكون معنى قوله: (من آمن به) على وجود ~~الإيمان، # PageV04P498 # وعلى التأويل الأول يكون: من أراد أن يؤمن به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتبغونها عوجا). # قيل: تلتمسون لها أهل الزيغ. # وقيل: تبغون هلاكا للإسلام، وإبطالا. # وقيل: تبغون السبيل عوجا عن الحق، وكله واحد. # وقوله - عز وجل -: (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم). # يحتمل وجهين: إذ كنتم قليلا في العدد، فكثر عددكم زمن لوط، كأنهم إنما ~~توالدوا من بقية آل لوط. # ويحتمل: إذ كنتم قليلا في الأموال والسعة في الدنيا فكثركم، أي: كثر لكم ~~الأموال ووسع عليكم الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين). # أمر بالنظر فيما حل بالأمم الخالية بإفسادهم في الأرض، وتكذيبهم الرسل؛ ~~لأن من نظر في ذلك، وتفكر فيما حل بهم منعه ذلك عن الفساد في الأرض ~~والتكذيب للرسل؛ إذ علم أن ما حل بهم إنما حل بهم لما ذكر، والله أعلم. # كأنه أمر بالنظر في الأسباب التي صار بها من تقدمهم أهل فساد، ونزل بهم ~~الهلاك لينزجروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهل صلاح لا أهل ~~فساد. # وقوله - عز وجل -: (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم ~~يؤمنوا فاصبروا ... (87) # PageV04P499 # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان قوم شعيب قليلا حين أدرك ذلك شعيب، ~~وقوم آخرون معه يقول لهم ذلك شعيب عليه السلام، وإن كان طائفة منكم آمنوا ~~بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا يا معشر المؤمنين، (حتى يحكم ~~الله بيننا): يقضي عليهم بالهلاك، ولم يكن شعيب أمر بالقتال. # وقال بعضهم: قوله: (وإن كان طائفة منكم)، يعني المؤمنين، (آمنوا بالذي ~~أرسلت به): من العذاب، (وطائفة): يعني الكفار، (لم يؤمنوا): بالعذاب، ~~(فاصبروا): يا معشر الكفار، (حتى يحكم الله بيننا): في أمر العذاب في ~~الدنيا، (وهو خير الحاكمين) ويحتمل غير هذا، وذلك أنهم كانوا يعبدون ~~الأصنام، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ms1700 إلى الله زلفى)، ويقولون: الله ~~أمرهم بذلك في أشياء يفعلونها، ويقول هؤلاء: إن الذي نحن عليه هو الذي ~~أمرنا الله بذلك، فيقول لهم: اصبروا حتى يحكم الله بيننا بأنه بماذا أمر: ~~بالذي عليه الكفار، أم بالذي نحن عليه. # وقوله - عز وجل -: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) ~~قد ذكرنا في غير موضع أن الملأ من قومه هم كبراؤهم ورؤساؤهم. # وقوله - عز وجل -: (استكبروا) أي استكبروا، عن الخضوع والطاعة لمن هو ~~دونهم عندهم؛ لأنهم كانوا يضعفون شعيبا فيما بينهم ويزدرونه كقولهم له: ~~(وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) ثم لم ~~يروا الأمر بالخضوع لمن هو دونهم في أمر الدنيا عدلا، وهم إنما أخذوا من ~~إبليس اللعين وإياه قلدوا حيث قال: (أنا خير منه)، حين أمر بالسجود لآدم، ~~ولم ير اللعين الأمر بالخضوع لآدم من الله عدلا، فعلى ذلك هؤلاء لم يروا ~~الخضوع لمن دونهم عندهم عدلا؛ فاستكبروا عليه، فكفروا لذلك. # وقوله - عز وجل -: (لنخرجنك يا شعيب). # قال الحسن: لنخرجنك، أي: لنقتلنك، والذين آمنوا معك من قريتنا. # وقال غيره: لنخرجنك: الإخراج نفسه، أي: نخرجنك ومن معك من المؤمنين من ~~قريتنا إن لم تتبع ديننا، وقد كان منهم للأنبياء المعنيين جميعا التوعد ~~بالقتل والإخراج # PageV04P500 # جميعا؛ كما قال: (ولولا رهطك لرجمناك)، وكقول قوم لوط للوط: (لئن لم تنته ~~يا لوط لتكونن من المخرجين)، وكقول قوم نوح: (لتكونن من المرجومين) وما ~~أخبر عن قول هؤلاء لرسولنا حيث قال: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك)، قد كان من القوم إلى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - ~~المعنيان جميعا التوعد بالقتل والإخراج جميعا؛ فعلى ذلك يحتمل ذلك من قوم ~~شعيب ما ذكرنا، والله أعلم. وكذلك كانوا يقولون للرسل جميعا؛ حيث قالوا: ~~(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا. . .)، هكذا كانت عادة جميع ~~الكفرة أنهم كانوا يخوفون الرسل بالإخراج مرة وبالقتل مرة ثانية. # وقوله - عز ms1701 وجل -: (أو لتعودن في ملتنا). # يحتمل قوله: (أو لتعودن في ملتنا) لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم ~~عليه لما لم يروا منه عبادته لله فيما عبده سرا، فقالوا: (لتعودن في ملتنا) ~~على ما كان عندهم أنه على ذلك؛ وهو كما قالوا لصالح: (قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا) كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء ~~لتعودن من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك. # ويحتمل على ابتداء الدخول فيها والاختيار؛ كقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور). # على منع الدخول فيها؛ لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (قال أولو كنا كارهين). # يقول: لنعودن في ملتكم، وإن كنا كارهين، أي: قد تأبى عقولنا، وتكره ~~طباعنا من الدخول في ملتكم فكيف نعود فيها؟ (قد افترينا على الله كذبا إن ~~عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها ... (89) # يحتمل قوله: (إن عدنا في ملتكم) وجوها ثلاثة: # PageV04P501 # أحدها: أن ذلك منه إخبار عن قومه لا عن نفسه، أي: افتروا على الله كذبا ~~إن عادوا في ملتكم بعد إذ نجاهم الله منها، وما يجوز لهم أن يعودوا فيها، ~~وأما هو فإنما أجابهم عن نفسه بما ذكر في سورة هود: (ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل). أجاب هو قومه كما أجاب غيره من الرسل قومهم حين أوعدوهم ~~بالقتل والعقوبة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ثم كيدون ~~فلا تنظرون "، وكما قال هود: (أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني ~~جميعا ثم لا تنظرون)، ونحو ذلك من الجوابات التي كانت من الأنبياء - عليهم ~~السلام - لأقوامهم. # ويحتمل أن يكون على الابتداء من غير أن كان فيها؛ كقوله: (رفع السماوات) ~~رفعها ابتداء من غير أن كانت موضوعة، وكقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور)، إخراج ابتداء لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم. # ويحتمل ما ذكرنا أنه أجابهم على ما عندهم أنه كان على دينهم، فأجاب لهم ~~على ما عندهم أنه على ذلك، والله أعلم. ms1702 # وقوله - عز وجل -: (وما يكون لنا أن نعود فيها) أي: ما يجوز لنا أن نعود ~~فيها، وقول شعيب: (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم) تعريض تسفيه ~~منه إياهم أنكم قد افتريتم على الله كذبا لا تصريح؛ حيث لم يقل: قد افتريتم ~~أنتم على الله كذبا، قال: (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم)، ~~وذلك منه تلطف بهم وترقق. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما). # اختلف في تأويله: # قال الحسن: من حكم الله - عز وجل - أن من قبل دينه وأطاع رسوله أن يكون ~~وليا له، وسمى مؤمنا، ومن رد دينه وعصى رسوله يتخذه عدوا له، ويكون كافرا. # وقال أبو بكر الكيساني: قوله: (إلا أن يشاء الله ربنا): أن يتعبدنا، ~~ويمتحننا ببعض ما كانوا يتقربون به. # ويشرع لهم ما يحل ويسع، لم يرد به الدين الذي هم عليه، لكن هذا لا يحتمل؛ ~~لأن سؤالهم كان العود إلى ملتهم، فعلى ذلك خرج الثنيا. # وقال أبو جعفر بن حرب: قوله: (إلا أن يشآء الله): إلا أن يأمرنا الله بما ~~يؤيسهم # PageV04P502 # بذلك على الإياس، وقطع الرجاء، أي: لا يشاء الله ألبتة ذلك؛ كما يقال: ~~كان كذا إن صعدت السماء، وكقوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) فعلت كذا، ~~مما يعلم أنه لا يكون؛ فعلى ذلك هذا كله بعيد محال. # أما قول الحسن: إن من حكم الله أنه من رد دينه وعصى رسوله، أنه يكون من ~~الكافرين، ومن قبل دينه وأطاع رسوله، يكون من المؤمنين، فليس فيه سوى أنه ~~يقول: إنه يعلم من كفر به ومن آمن به، فلا معنى للاستثناء لو كان التأويل ~~ما ذكر. # وأما قول أبي بكر: إنه يتعبدهم ويمتحنهم بما يتقربون في دينهم وملتهم مما ~~يجوز أن يأذن في ذلك، فذلك لا يحتمل؛ لأنه ذكر الملة التي كانوا هم عليها، ~~فإليها ترجع الثنيا لا يجوز أن تصرف الثنيا، إلى غيرها. # PageV04P503 # وأما قول من يقول بالإياس وقطع الطمع عن ذلك: فذلك ms1703 -أيضا- بعيد؛ لأن ~~الإياس إنما يكون فيما يعلم أنه لا يكون ألبتة من نحو ما ذكر من قوله: (ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)، ونحوه، وأما مثل هذا فإنهم لا ~~يفهمون منه الإياس وقطع الرجاء، بل كانوا يأتون بالفواحش، ويقولون: الله ~~أمرهم بذلك، فأني يقع لهم الإياس بذلك؟! # وأما عندنا فإنه على حقيقة المشيئة، وذلك أن من علم الله منه أنه يختار ~~الكفر، ويؤثر ذلك على فعل الإيمان والطاعة - يشاء ذلك له على ما علم أنه ~~يختار، ومن علم منه أنه لا يختار ذلك لا يشاء؛ إذ لا يجوز أن يعلم منه غير ~~الذي يكون أو أن يشاء غير الذي علم أنه يكون منه؛ لأنه جهل وعجز. # وأصله: أن شعيبا خاف أن تسبق منه زلة ويصير منه الاختيار لذلك فيشاء الله ~~بذلك الزيغ والضلال، وكذلك جميع الأنبياء خافوا ذلك؛ كقول إبراهيم - عليه ~~السلام - حيث قال: (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا)، وقول ~~يوسف حيث قال: (إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء)، كان خوف الأنبياء - ~~عليهم السلام - أكثر من خوف غيرهم. # وقوله - عز وجل -: (وسع ربنا كل شيء علما). # معناه - والله أعلم - أنه لا نعلم إلى ماذا تصير عاقبة أمرنا، وعلم الله. # وقوله - عز وجل -: (على الله توكلنا). # قيل: على الله اعتمدنا فيما تخوفننا من الإخراج، وإليه نلجأ في سلطانه ~~وملكه، وبه نثق في وعده بما يعدنا من النصر والظفر على الأعداء. # وقوله - عز وجل -: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق). # PageV04P504 # قيل: قوله: (افتح)، أي: احكم بيننا وبين دومنا بالحق. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما كنت أعلم ما معنى الفتح في ~~الآية حتى تزوجت امرأة من بني كذا، فوقعت بيننا مخاصمة، فقالت لي: تعال حتى ~~أفاتحك إلى فلان، فعند ذلك عرفوا أن المفاتحة هي المحاكمة. # وقوله: (بالحق) قيل: هو العذاب الذي كان وعد لهم أن ينزل عليهم بتكذيبهم ~~شعيبا وبأذاهم إياه. # ثم ليس، للمعتزلة أدنى تعلق بقوله: (ربنا افتح ms1704 بيننا وبين قومنا بالحق)، ~~يقولون: هو الدعاء والسؤال، وإن كان لا يحكم إلا بالحق، فعلى ذلك يقولون في ~~قوله: (رب احكم بالحق)، ونحوه وكذلك يقولون في قوله: (إلا أن يشاء الله) ~~لكن عندنا يخرج قوله: (احكم بالحق) و: (افتح بيننا وبين قومنا بالحق) على ~~وجوه: # أحدها: يقول: ربنا افتح بيننا بحكمك وهو الحق. # والثاني: يقول: رب احكم بالحق في حادث الوقت كما حكمت في الوقت الماضي، ~~وهو كقوله: (اهدنا الصراط المستقيم)، وهو النبوة والهداية. # والثالث: على استعجال العذاب. # وقوله - عز وجل -: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه ... (90) # قد ذكرنا أن الملأ هم كبراؤهم وسادتهم، يقولون للأتباع والسفلة: (لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون). # قال أبو بكر: لجاهلون، # ثم يحتمل قوله: (إنكم إذا لخاسرون) وجوها: # أحدها: أن شعيبا كان يحذر قومه بالتطفيف في الكيل والوزن، ويأمرهم بوفاء ~~حقوق الناس، بقوله: فأوفوا الكيل ولا تكونوا كذا. وقوله - عز وجل -: (ويا ~~قوم أوفوا # PageV04P505 # المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، فيقول الكبراء ~~والرؤساء للسفلة: لئن اتبعتم شعيبا في دينه وما يأمركم به من وفاء الحق ~~للناس، فإنكم إذا لخاسرون للأرباح. # والثاني: أنه كان يحذرهم ويمنعهم عن عبادة الأصنام والأوثان، ويدعوهم إلى ~~عبادة الله، ويرغبهم في ذلك، وهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لتقربهم عبادتهم ~~إياها إلى الله زلفى، وتكون لهم شفعاء في الآخرة، فقالوا: لئن اتبعتم شعيبا ~~فيما يدعوكم إليه وينهاكم عنه، لكنتم من الخاسرين، لا شفعاء لكم في الآخرة. # والثالث: أنهم كانوا يوعدون شعيبا بالإخراج بقولهم: (لنخرجنك يا شعيب) ~~فقالوا: (لئن اتبعتم شعيبا) وهو يخرج لا محالة فتخرجون أنتم فصرتم من ~~الخاسرين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الرجفة ... (91) # قيل: الصيحة. # وقيل: الزلزلة. # قيل: أصابهم حر شديد، فرفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها يطلبون الروح تحتها ~~فلما كانوا تحتها، سال عليهم العذاب، ورجفت بهم الأرض، فهلكوا، وهو ما ذكر ~~في آية أخرى عذاب يوم الظلة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحوا في دارهم جاثمين). # قد ذكرنا قوله: (جاثمين) فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (الذين ms1705 كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا ~~شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) # PageV04P506 # هو - والله أعلم - مقابل قولهم: (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) ~~وجواب لهم يقول: الذين كذبوا شعيبا هم الخاسرون لا الذين اتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (كأن لم يغنوا فيها). # قيل: كأن لم يعيشوا فيها، ولم ينعموا قط. # وقيل: كأن لم يقيموا فيها. # قال القتبي: يقال: غنينا بمكان كذا وكذا، أي: أقمنا، ويقال للمنازل: ~~مغان، واحدها: مغنى، ويقال: كأن لم يغنوا فيها، أي: كأن لم يكونوا فيها قط. # وهو - والله أعلم - لما كانوا يستقلون نعم الله عليهم، ويستحقرونها، حتى ~~قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، وقوله: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار)، ~~ونحوه، وكله إخبار عن قطع آثارهم أنه لم يبق منهم أحد يحزن عليهم أو يبكي ~~عليهم، حتى قال شعيب: (فكيف آسى على قوم كافرين). # وجائز أن يكون قول شعيب حيث قال: (فكيف آسى على قوم كافرين) حين علم أنهم ~~يهلكون، وينزل بهم العذاب، أي: لا أحزن عليهم على ما ذكر. # وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قال ذلك في الوقت الذي قال: (ولا ~~تقعدوا بكل صراط) ويقول: كيف أحزن على قوم وعملهم ما ذكر. # وقوله: (فتولى عنهم). # حين رآهم هلكى، فقال: فكيف آسى على قوم، أي: كيف أحزن على قوم قد كذبوني، ~~واختاروا عداوتي، وصاروا علي أعداء، فكيف أحزن عليهم بالهلاك، وهم أعدائي. # وقوله: (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم). قد ذكرنا هذا. # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) # قوله - عز وجل -: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء). # PageV04P507 # في الآية إضمار - والله أعلم - من وجهين: # أحدهما: قوله: وما أرسلنا في قرية من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها ~~المكذبين له بالبأساء، وما ذكر، وإلا لا يحتمل أن يرسل إليهم رسولا ثم ~~يأخذهم بما ms1706 ذكر من غير أن كان منهم رد وتكذيب له. # والثاني: (وما أرسلنا في قرية) أهلكناها (من نبي إلا أخذنا أهلها) وقبل ~~الهلاك (بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون) ثم لم يأخذ الله قوما بالهلاك قبل ~~أن يبعث رسولا إليهم، وقبل: أن يغتروا هم ما أنعم عليهم بأنفسهم؛ كقوله: ~~(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا. . . .) الآية؛ وقوله (وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وقال: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم) وقال: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)، وغير ذلك من ~~الآيات، أخبر أنه لا يأخذهم بالعذاب والهلاك إلا بعد قطع العذر لهم من جميع ~~الوجوه، وإن كان له الإهلاك قبل أن يبعث إليهم الرسول لما ركب فيهم من ~~العقول السليمة مما بها يوصل إلى فهم كل ما جعل فيهم من آثار وحدانيته ~~وآيات ربوبيته، وما جعل لهم من السمع والنطق ما به يوصل إلى سمع كل ما غاب ~~والنطق بكل ما يريدون، ما لم يجعل ذلك لغيرهم من البهائم، وما أنعم عليهم ~~من تصوير الصور ما لم يتمن أحد تحويله منها إلى غيرها من الصور، لكنه لا ~~يهلكهم إلا بعد بعث الرسل إليهم لما أن الخلق على مراتب؛ منهم من يفهم ~~بالعقل لا يحتاج إلى معونة السمع، وهم الحكماء والعلماء الذين يدركون ~~الأشياء بالبديهة، ومنهم من لا يدرك إلا بمعونة السمع وهم كالصبيان، إنهم ~~لا يدركون إلا بالسمع وفضل التنبيه، ومنهم من لا يدرك بالعقل ذلك ولا ~~بالسمع حتى تصيبهم الشدائد والعبر في أنفسهم وفيما أنعم عليهم، وهم ~~كالبهائم الذين لا عقل لهم ولا سمع، ولكن يعرفون الشدائد وما يصيبهم من ~~البلاء، فعلى ذلك يمتحنهم عز وجل، ويبتليهم بالشدائد والبلايا أولا، فإن ~~رجعوا عن ذلك وعرفوا نعمه، وإلا أهلكهم بعد ذلك فعند ذلك ينتهون ويتذكرون، ~~وذلك قوله، (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون). # PageV04P508 # وقوله: (بالبأساء والضراء) قد ذكرناه في صدر الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يضرعون). # أي: لكي يكون عليهم التضرع، أو لكي يلزمهم التضرع ms1707 والتذكر. # وقوله - عز وجل -: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ... (95) # وهو ما ذكر أهل التأويل السعة والرخاء بعد الشدة والقحط، وما حل بهم من ~~البلايا (حتى عفوا). # قيل: جمعوا وأكثروا، أي: كشف عنهم ذلك حتى كثروا فعند ذلك أهلكهم بغتة؛ ~~لأن الهلاك في حال الشدة والبلاء لا يكون أخذا ببغتة؛ لأن كل من حل به بلاء ~~وشدة يخاف فيه الهلاك فإذا أهلك في تلك الحال لم يكن أخذا بالهلاك بغتة. # ألا ترى أنه سمى الموت الذي يموت به المؤمن من غير مرض حل به بغتة، والذي ~~يموت بمرض يتقدم الموت لا، وأن الموت في الوجهين جميعا لا يعلم بحلوله، ~~لكنه إذا لم يتقدمه مرض فهو لا يخاف منه، وإذا كان به مرض خاف منه فلم يكن ~~فجأة، فعلى ذلك إذا أخذوا في حال الشدة لم يكن أخذا بالبغتة لما يخافون فيه ~~الهلاك، وإذا كانوا في سعة ورخاء لا يخافون فيؤخذون في تلك الحال، فذلك أخذ ~~ببغتة. # وقال: (حتى عفوا)، # PageV04P509 # قيل: كان أهلك بعضهم وترك بعضا حتى عفوا، أي: كثروا من ذلك البعض، ولكن ~~الوجه فيه ما ذكرنا من البأساء والضراء والشدائد والقحط، ثم كشف ذلك عنهم ~~فكثروا، ثم أهلكهم، والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (قد مس آباءنا الضراء والسراء). # قالوا: إن آباءنا قد كان ينزل ذلك بهم وتصيبهم مرة شدة ومرة نعمة ولم يكن ~~ذلك بعقوبة لهم، فعلى ذلك ما يصيبنا من الشدائد والبلايا ليس ذلك بعقوبة ~~لنا، ولكن دوران الدهر وتصرفه على الشدة والبلاء مرة، ومرة على الخصب ~~والسعة، ثم أخبر أنه أخذهم بغتة بعد قولهم: (قد مس آباءنا الضراء والسراء). # * * * # قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ~~ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون (99) # قوله - عز وجل -: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا). # قيل: آمنوا ms1708 واتقوا قبل أن يهلكوا بعد ما أصابهم من الشدائد والبلايا؛ # (لفتحنا عليهم بركات. . . .) الآية. # أي: لأعطوا كل خير ينال من السماء والأرض، والبركة ما ينال من كل خير على ~~غير - مؤنة وقيل: البركة: كل شيء ينال بلا تبعة عليه ولا شدة - ذكر هاهنا ~~أنه يفتح عليهم بركات من السماء والأرض لو آمنوا واتقوا، وذكر إذا لم ~~يؤمنوا ونسوا ما ذكروا به أنه يفتح عليهم أبواب كل شيء، ولم يذكر البركة، ~~ففيما لم يذكر البركة ينقصهم ما فتح عليهم من كل شيء ويسوؤهم وفيما ذكر فيه ~~البركة بعد الإيمان لا يلحقهم من ذلك تبعة ولا غرم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) يحتمل قوله: ~~ولكن كذبوا النعم التي أنعمها عليهم، أي: الرسل، فأخذناهم بما كانوا يكسبون ~~من التكذيب، والله أعلم. # PageV04P510 # وقوله - عز وجل -: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ~~(97) # خرج هذا في الظاهر مخرج الاستفهام، ولكن في الحقيقة على الإيجاب؛ كقوله: ~~(أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون). . .)، الآية، هذا في الظاهر وإن ~~خرج مخرج الشك والارتياب، فهو في الحقيقة على الإيجاب؛ كأنه قال: في قلوبهم ~~مرض وارتابوا وخافوا أن يحيف الله عليهم، فعلى ذلك قوله: (أفأمن أهل القرى) ~~(أوأمن أهل القرى)، على الإيجاب، كأنه قال: قد أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بياتا، (أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى) الآية. # ثم اختلف في قوله: (أفأمن أهل القرى) (أوأمن أهل القرى) إلى آخر ما ذكر: ~~قال الحسن: هذه الآيات في الأمم السالفة، أخبر عن أمنهم بنزول بأس الله ~~وعذابه بهم، لكن ذكر في هذه الأمة ليكونوا على حذر عن مثل صنيعهم. # وقال الآخرون: هذه الآيات في قرى هذه الأمة لا في الأمم السالفة، يقول: ~~أمن هؤلاء بأسنا كما أمن أولئك منه فإنهم إذا صنعوا مثل صنيعهم ينزل بهم في ~~الآخرة من العذاب مثل ما أنزل بأولئك في الدنيا من العذاب. # وقوله: (بياتا وهم نائمون) و (ضحى وهم يلعبون) # أخبر أن العذاب إنما ms1709 نزل بهم في حال الأمن وهو وقت النوم واللعب؛ لأنه هو ~~وقت الغفلة والسهو، وآمن ما يكون الإنسان إنما يكون في حال النوم، وإنما ~~نزل بهم في وقت الغفلة والسهو، يذكر بهذا - والله أعلم - أهل مكة وغيرهم من ~~الكفرة بتكذيبهم رسول الله؛ لئلا يكونوا آمنين عن بأس أبدا في وقت من ~~الأوقات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون (99) # المكر في الشاهد: هو أن يراقب من عدوه حال غفلة لينتقم منه وينتصر، فإذا ~~كان ما ذكرنا فسمى ما ينزل بهم من العذاب في حال الغفلة مكرا، وعلى ذلك ~~الامتحان فيما بين الخلق: هو استظهار ما خفي على بعضهم من بعض، فيأمرون ~~بذلك وينهون، فسمى الله - تعالى - ذلك امتحانا لمعنى الأمر والنهي، وإن ~~لمحانت الخفيات عن الخلق ظاهرة له بادية عنده. # وقوله - عز وجل -: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). # فالآية على المعتزلة؛ لأنهم يأمنون مكر الله في الصغائر حيث قالوا: ~~الصغائر # PageV04P511 # مغفورة، ليس له أن يعذبهم عليها، فهو أمن من مكره، وييأسون من رحمته ~~لقولهم في الكبائر: إنه ليس له أن يعفو عنهم، وقد أخبر (إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون) وهم قد أيسوا من رحمة الله في الكبائر، وأمنوا ~~مكره في الصغائر، فهاتان الآيتان على المعتزلة. # وقوله: (أفأمنوا مكر الله) أي: جزاء مكرهم سمي جزاء المكر مكرا، كما سمى ~~جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء، ولا ~~سيئة، فعلى ذلك تسمية جزاء المكر مكرا، وإن لم يكن الثاني مكرا، والله ~~أعلم. # ألا ترى أنه لم يجز أن يسمى مكارا ولو كان على حقيقة المكر لسمي بذلك؛ ~~فدل أنه جزاء، وجائز أن يكون المراد من مكره جزاء مكرهم سمي الجزاء باسم ~~المكر؛ لأنه جزاؤه؛ كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، والثانية ليست بسيئة. # * * * # قوله تعالى: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) تلك ms1710 القرى نقص عليك ~~من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ~~كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن ~~وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # قوله - عز وجل -: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها). # على تأويل من يجعل الآية في الأمم السالفة، يقول: أو لم يوفقوا ولم يهدوا ~~للصواب بهلاك أمة بعد أمة، وقوم بعد قوم، وعلى تأويل من يقول بأن الآية في ~~هذه الأمة، يقول: ألم يبن لهؤلاء الذين ورثوا الأرض من بعد هلاك أهلها أن ~~لو نشاء أصبناهم بعذاب بذنوبهم، كما أصاب أولئك العذاب بذنوبهم. # وقوله: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها)، أي: من بعد هلاك ~~أهلها. # وقوله: (أولم يهد) على إسقاط الواو والألف، أي: لم يهد للذين يرثون ~~الأرض، # PageV04P512 # ثم يحتمل قوله: لم يهد لهم أولم يتفكروا بما أهلك الأولين وما حل بهم ~~بتكذيبهم الرسل أنهم كانوا إذا تركوا التفكر والنظر فيهم وما نزل بهم لم ~~يهد لهم. # والثاني: قد هداهم لكن نفى ذلك عنهم لما لم ينتفعوا به، وهو ما نفي عنهم ~~من السمع والبصر والعقل لما لم ينتفعوا به. # ويحتمل على غير إسقاط وكأنه قال: أو لم يهد للذين يرثون الأرض، أو لم ~~يهدهم الرسول قدرة الله في إهلاك الأمم الخالية، فعلى ذلك، هو قادر على ~~إهلاك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها يحتمل هذه الوجوه التي ذكرنا. والله ~~أعلم. # أو يقول: أو لم يهد لهم وراثة الأرض من بعد هلاك أهلها أنهم بما أهلكوا ~~حتى يرتدعوا ويمتنعوا عن مثله. # وقوله: (أولم يهد للذين يرثون الأرض) يخرج على وجهين: # أحدهما: قد هداهم وبين لهم أن من تقدمهم، إنما هلكوا بما أصابوا من ~~ذنوبهم من التكذيب والعناد، لكن لم يهتدوا لعنادهم. # والثاني: لم يهدهم لما لم يتفكروا فيها، ولم ينظروا، على التلاوة قرئت ~~بإسقاط الواو. # وقوله: (أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم). # فإن كانت في الأمم السالفة، فقوله: أن لو نشاء أصبنا قوما بعد قوم ~~بذنوبهم. # وإن ms1711 كانت في المتأخرين فيكون قوله: أن لو نشاء أصبنا هؤلاء بذنوبهم على ~~ما أصاب أولئك بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون، والطبع يحتمل ~~الختم، أي ونختم على قلوبهم، ويحتمل الطبع ظلمة الكفر، أي: ستر قلوبهم ~~بظلمة الكفر؛ كقولهم: وكل شيء ستر شيئا وتغشاه فهو طبع. # (فهم لا يسمعون) يحتمل وجهين: # يحتمل لا يسمعون لما لاينتفعون به. # ويحتمل: لا يسمعون، أي: لا يجيبون؛ كقوله: سمع الله لمن حمده، قيل: # PageV04P513 # أجاب الله لمن حمده، أي: دعاءه. # وقوله - عز وجل -: (تلك القرى نقص عليك من أنبائها ... (101) # قوله: (تلك القرى) أي: قصصنا عليك: بما قص عليه من الأنبياء، يخبر رسوله ~~أن القرى التي كانت من قبل قد سألوا رسلهم الآيات، فجاءوا بها، ولم ~~يصدقوها، فعلى ذلك هؤلاء، إنك لو أتيت ما سألوك من الآيات لم يؤمنوا بها، ~~ولم يصدقوها، يخبره عن تعنتهم ومكابرتهم وعنادهم. # والثاني: يذكر أن الآيات ليس يجب أن يأتوا بها من الجهة التي يريدون، ~~إنما يجب أن يأتوا بما هو حجة. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات) يحتمل وجوها: # يحتمل الأنباء التي أنبأت الرسل أقوامهم من نزول العذاب بهم بالتكذيب ~~والكفر بها. # ويحتمل البينات التي تدل على صدق الرسل بما يقولون ويخبرون بعد ما سألوهم ~~الآيات، لكن ردوها رد عناد ومكابرة بعدما عرفوا أنها حق. # وقوله - عز وجل -: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل). # أي: ما كانوا ليؤمنوا لما رأوا بأسنا بما كذبوا من قبل، أي: لا ينفعهم ~~إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله؛ كقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من ~~قبل). # ويحتمل: ما كانوا ليؤمنوا بسؤالهم الآيات إذا أتاهم الآيات بما كذبوا من ~~قبل؛ لأن تركهم الإيمان وتكذيبهم الرسل ليس لما لم يكن لهم الآيات، ولكن ~~للتعنت، فأخبر أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يؤمنون. # والثالث: ما كانوا ليؤمنوا بما يخبرهم الرسول من إتيان العذاب بهم بما ~~كذبوا من قبل من الأنباء. # وقوله - عز وجل -: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد ... (102) # يحتمل العهد المذكور وجوها ثلاثة: # أحدها: ms1712 عهد الخلقة؛ لما في خلقة كل أحد من الشهادة بالوحدانية له ~~والألوهية، فلم يوفوا بتلك العهود بل نقضوها. # PageV04P514 # والثاني: العهد الذي أخذ الله عليهم على ألسن الرسل؛ كقوله: (وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . . . .) الآية، ~~فلم يوفوا بذلك. # والثالث: ما أعطوا هم من أنفسهم من العهد؛ كقول فرعون لموسى: (يا أيه ~~الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون)، فلم يوفوا بما أعطوا هم من ~~العهود. # وقوله - عز وجل -: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). # أي: وقد وجدنا أكثرهم فاسقين بنقض العهد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملإه فظلموا بها ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب ~~العالمين (104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ~~ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين (106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي ~~بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن ~~حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) # قوله - عز وجل -: (ثم بعثنا من بعدهم موسى). # يحتمل قوله: ثم بعثنا من بعد هلاك قرون كثيرة موسى رسولا بآياتنا إلى ~~فرعون وملئه، يحتمل قوله: (بآياتنا)، حججنا، ثم يحتمل حجج وحدانية الله ~~وألوهيته، ويحتمل آيات رسالته ونبوته، وعلى قول الحسن: بآياتنا: ديننا، ~~وعلى ذلك يتناول جميع الآيات التي ذكرت في القرآن. # وقوله - عز وجل -: (إلى فرعون وملإه). # إن موسى كان مبعوثا إليهم جميعا إلى فرعون والملأ والأتباع جميعا، لا أنه ~~كان مبعوثا إلى فرعون وملئه خاصة دون الأتباع، وكذلك ذكر في مكان آخر إلى ~~فرعون خاصة، وهو بعث إليهم جميعا، لكن يخرج تخصيص ذكر هؤلاء القادة - والله ~~أعلم - لما أن # PageV04P515 # الذي ينازع الأنبياء والرسل هم الكبراء والرؤساء دون الأتباع والسفلة، ~~والأتباع هم الذين يصدرون لآراء الكبراء، ويتبعونهم ms1713 فيما يدعونهم إليه، ~~وعلى ذلك سموا الكبراء والرؤساء أضداد الرسل، وإلا كان موسى مبعوثا إليهم ~~جميعا؛ الوضيع منهم والرفيع. # وقوله - عز وجل -: (فظلموا بها). # قال بعضهم: قوله: (فظلموا بها) أي: ظلموا بالآيات والحجج التي أتى بها ~~موسى إلى فرعون وقومه، سمي ظلما؛ لأنهم سموا تلك الآيات سحرا بعد ما عرفوا ~~أنها منزلة من الله، فوضعوها غير موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير ~~موضعه. # وقال قائلون: قوله: (فظلموا بها) أي: ظلموا نعم الله التي أنعمها عليهم ~~حيث عبدوا غيره، فصرفوا شكر تلك النعم إلى غير الذي أنعمها عليهم، فذلك ~~ظلم، شكروا من لم ينعم عليهم وصرفوا عمن أنعم عليهم، والله أعلم. # ويحتمل: ظلموا الأتباع بتلك الآيات حيث منعوهم عن اتباع الرسول ~~واستتبعوهم. # أو يقول: ظلموا بها أنفسهم حيث تركوا اتباعها. # وقوله - عز وجل -: (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين). # هذا الخطاب في الظاهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان المراد ~~بالخطاب غيره، أمر كلا بالنظر في عاقبة المفسدين لما حل بهم بفسادهم؛ لأن ~~من نظر في عاقبة ما حل بغيره بمعصية أو فساد يمتنع عن مثله، وأمكن أن يكون ~~الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوجهين: # أحدهما: لما له بما حل بهم بعض التسلي لأذاهم إياه؛ لأن من توسم حلول ~~الهلاك على عدوه في العاقبة صبر على أذاه، ويكون له بعض التسلي في ذلك ~~والثاني يذكرهم وينبئهم بما يحل بهم في العاقبة؛ ليمتنعوا عما ارتكبوا من ~~المعاصي؛ لأن ذلك أزجر. # وقوله - عز وجل -: (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) # فإن قيل: كيف قال إني رسول الله وذلك يخرج في الظاهر مخرج الامتداح ~~والتزكية، وقد نهينا عن ذلك؛ لأنه أخبر أنه بمحل الذي توضع الرسالة فيه، ~~وأنه # PageV04P516 # أهل لها؟ قيل: ليس فيه امتداح نفسه ولا تزكية له؛ لأنه إنما يذكر منة ~~الله تعالى أنه جعله بحيث توضع فيه الرسالة، وجعله أهلا لها والتزكية ~~والامتداح إنما يقع فيما هو فعله حقيقة لا فعل الله، أو إن كان تزكية ms1714 ~~وامتداحا فهو أمر بذلك، فجاز ذلك بالأمر. # أو أراد بذلك تعريفه؛ لما كان من عادة الملوك أنهم إذا بعث بعضهم إلى بعض ~~رسولا فإنهم لا يستقبلون الرسل بالمكروه والشر، بل يعظمون الرسل ويكرمونهم، ~~وإن كان بينهم معاداة، فذكر أنه رسول من رب العالمين؛ لئلا يستقبل ~~بالمكروه. # وقوله: (من رب العالمين) قيل: العالم: هو جوهر الكل، وهو قول الفلاسفة. # وقال أبو بكر الأصم: رب العالمين، أي: مليك الخلائق. # وقوله - عز وجل -: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ... (105) # قال أهل التأويل: إن موسى لما قال لفرعون إني رسول من رب العالمين فقال ~~له كذبت فعند ذلك قال له موسى (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق)، ~~وأمكن أن يكون ذلك منه على غير تكذيب القول من فرعون ولكنه قال ذلك؛ لما ~~أنه حقيق على كل أحد أكرمه الله بالرسالة واختاره لها ألا يقول على الله ~~إلا الحق، أو أن يقول: إني رسول من رب العالمين حقيق على بعد ما أكرمني ~~بالرسالة أن لا أقول على الله إلا الحق. # وقوله: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق): قد ذكرنا ألا يصح ~~الابتداء بهذا إلا بعد أن يسبق من فرعون كلام خرج ذلك الكلام من موسى جوابا ~~لما كان منه، وهو ما قال أهل التأويل: أنه قال له: لما قال: إني رسول من رب ~~العالمين إليك -: كذبت؛ لم يرسلك إلينا، وكلاما نحو هذا؛ فعند ذلك قال: ~~(حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) أي ما كان ينبغي لي أن أقول على ~~الله الكذب وهو كما، قال عيسى: (سبحانك ما # PageV04P517 # يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)، لما قال له: (أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله) كان ذلك القول من عيسى بعد ما ادعى قومه على عيسى ~~أنه قال لهم ذلك، وكذلك قول الملائكة: (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم)، ~~بعد ما قال لهم: (أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون)، فعند ذلك قالوا: (سبحانك ms1715 أنت ~~ولينا من دونهم)، خرج ذلك القول منهم جواب ما تقدم، فعلى ذلك قول موسى: ~~(حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق)، خرج على تقدم قول كان منهم، ~~والله أعلم. # ومن قرأ: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) فتأويله: محقوق: علي ~~ألا أقول على الله إلا الحق، ومن قرأ بتشديد (علي) فتأويله: حق علي ألا ~~أقول على الله إلا الحق. # PageV04P518 # وقوله - عز وجل -: (قد جئتكم ببينة من ربكم). # يحتمل: (ببينة من ربكم) ما يبين وحدانية الله تعالى وألوهيته. # ويحتمل: ببينة الرسالة ما يبين أني رسول رب العالمين، غير كاذب عليه ولا ~~مفتر. # وقوله - عز وجل -: (فأرسل معي بني إسرائيل) أي: لا تستعبدهم؛ فإنهم ليسوا ~~بعبيد، لم يرد إرسالهم معه، ولكن طلب استنقاذهم من العبودة " كقوله: (أن ~~عبدت بني إسرائيل). # وقوله - عز وجل -: (قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) # دل قول فرعون: (إن كنت جئت بآية) أن موسى أراد بقوله: (قد جئتكم ببينة من ~~ربكم. . . .): الآية. # ودل قوله: (إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين) أنه لعنه الله، ~~قد كان عرف أنه ليس بإله، وعرف عبودة نفسه حيث طلب منه الآية على صدق ما ~~ادعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إله، لكان قال لموسى: أنا الإله فمتى ~~أرسلتك، ولم يطلب منه الآية. # وقوله - عز وجل -: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # قال أبو عوسجة الثعبان: الحية: قال: كل حية تسمى ثعبانا، والثعابين ~~جماعة. # PageV04P519 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الثعبان هي الحية الذكر. # وقوله: (مبين) أي: مبين أنها حية، وهو كما ذكر: (فإذا هي حية تسعى). # (مبين): لا يشك أحد أنها ليست بحية، ويحتمل (مبين) أي: مبين أن ذلك ~~التغيير والتحويل لا يكون إلا من الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) # ذكر نزع يده ولم يذكر من ماذا، فهو ما ذكر في آية أخرى: (وأدخل يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من ms1716 غير سوء) أي: من غير أذى ولا آفة، وقال أهل التأويل: من ~~غير برص، ولكن عندنا: من غير سوء من غير أن تستقبح أو تستقذر؛ لأن خروج ~~الشيء عن خلقته وجوهره مما يستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك. # فإن قيل لنا: ما الحكمة في إدخال يده جيبه على ما هي عليه وإخراجه إياها ~~بيضاء من غير أن كانت كذلك قبل أن يدخلها، وكذلك صيرورة العصا حية بعد ما ~~طرحها على الأرض دون أن تصير حية وهي في يده قبل ذلك؟ قيل - والله أعلم -: ~~إنه إنما أراهم آيته بعد ما أخرج العصا عن سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنها إنما ~~صارت لا بتدبيره وتغييره ولكن بالله عز وجل، وكذلك اليد صيرها آية بعدما ~~غيبها عن بصره وتدبيره؛ ليعلم أنها صارت كذلك لا به ولكن بالله عز وجل ~~والآية: هي التي تخرج عن وسع الخلق وتدبيرهم. # PageV04P520 # وقوله - عز وجل -: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) # وقال في آية أخرى: (قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم) يحتمل أن يكون ~~فرعون قال للملأ: إن هذا كذا، ثم قال الملأ لقومه: إن هذا لساحر عليم، أراد ~~- والله أعلم - تلبيس ما أتى به موسى من الآية على قومه، وأراد بقوله: ~~(يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، إغراء قومه عليه. # والسحر عندنا هو من آيات الرسالة ولو كان ما أتى به موسى سحرا كان ذلك # PageV04P521 # من آيات رسالته ونبوته؛ لأنه لا يستفاد إلا بعلم من السماء وخبر منها، ~~وكذلك هذه الحرف والمكاسب التي تكتسب في الخلق؛ لأنه لا يعلم إلا بالوحي من ~~السماء، لكنه ليس بآية على الإشارة، ولو كان ما أتى به سحرا لكان له آية؛ ~~لأنه نشأ بين أظهرهم لم يروه اختلف إلى ساحر قط ولا عرفوا أنه تعلم ذلك من ~~أحد، فدل ذلك أنه من الآية، لكنه أخرج ذلك عما عرفوا من السحر لما لا أحد ~~يعرف أنه لم يختلف فهب ذلك، ولا تعلم من أحد، فأخرجه عن وسع السحرة ~~وتدبيرهم؛ ليعرف ms1717 كل أحد أنه من آيات رسالته # PageV04P525 # ونبوته لا السحر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) # كان موسى لا يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن - والله أعلم - كأنه قال ~~فرعون لقومه: لو اتبعتم موسى وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه لأخرجتكم من ~~أرضكم، لكن أضاف ذلك إلى موسى لما كان هو سبب إخراجهم، والله أعلم. # أو يقول: يريد أن يذهب بعيشكم الطيب وراحتكم وتلذذكم بأنواع التلذذ؛ ~~لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل، ويستخدمونهم، ويستريحون هم وينعمون، ~~فيقول للقبط: يريد أن يذهب بذلك كله عنكم. # وجائز أن يكون موسى لم يكن يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن يريد أن يخرجهم ~~من دينهم الذي كانوا عليه، ولكنه كان يغري قومه عليه. # وقوله: (فماذا تأمرون). # دل هذا القول من فرعون أنه كان يعرف أنه ليس بإله ولا رب؛ لأنه لو كان ما ~~يقول: (أنا ربكم الأعلى) لكان لا يطلب من قومه الأمر والإشارة في ذلك، دل ~~ذلك أنه كان يعرف عجزه وضعفه؛ لكنه يكابر ويلبس على قومه ويموه بقوله: (إن ~~هذا لساحر عليم). # وقوله: (يريد أن يخرجكم من أرضكم) هذا الحرف حرف إغراء وتحريش عليه، ~~وقوله: (فماذا تأمرون) هو حرف تقريب حيث جعل إليهم الأمر والإشارة، وجعلهم ~~من أهل مشورته. # وقوله: (قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) # هذا الحرف لا يقال ابتداء إلا أن يكون هنالك تقدم شيء، فكأنه هم بقتله؛ ~~كقوله: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه)، فقالوا له: (أرجه)، أي: أخره واحبسه ~~ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق جميعا، كانوا يمنعون فرعون عن قتله. # ألا ترى أنه قال: (ذروني أقتل موسى)، لو لم يكن منهم منع عن قتله لم يكن ~~ليقول لهم: (ذروني أقتل موسى). # PageV04P526 # وقوله: (قالوا أرجه وأخاه). # قال القتبي: أرجه وأخاه هارون، يقول: احبسه، أي: أخره، ومنه قوله: ترجي ~~من تشاء، ومنه سميت المرجئة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: (أرجه وأخاه) ولا تقتلهما (وأرسل في ~~المدائن حاشرين) أي: أرسل إلى المدائن الشرط، يأتون من المدائن ms1718 حاشرين، أي: ~~يحشرون عليك السحرة والناس. إلى هذا يذهب ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله: (يأتوك بكل ساحر عليم (112) لا تقتله حتى يأتوك بكل ساحر عليم، ~~أي: ليجتمع كل أنواع السحر عنده، ليتبين سحره، وإلا كان ساحر واحد كافيا، ~~ولكن أرادوا والله أعلم بقوله: (يأتوك بكل ساحر عليم) ليجتمع جميع أنواع ~~السحر عنده لتبين سحره. # * * * # قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ~~(113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن ~~نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~وجاءوا بسحر عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا ~~صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب ~~موسى وهارون (122) # قوله - عز وجل -: (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114): في المنزلة والقدر عندي، ~~هذا يدل أن همة الساحر ليس إلا الدنيا؛ لأنهم طلبوا من فرعون الأجر والقدر ~~والمنزلة عنده إن كانوا هم الغالبين، ولا # PageV04P527 # يجوز من همته الدنيا، وما ذكر أن يكون له الرسالة بحال، وهمة الأنبياء ~~كانت الدين وطلب الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ~~(115) # هذا ليس على إلقاء هذا، وترك أولئك الإلقاء؛ لأنه لو كان على إلقاء ~~أحدهما لكان لا يتبين السحر من الآية، لكن إلقاء الأول كأنهم قالوا: يا ~~موسى إما أن تلقي أولا أو نحن الملقون أول مرة، وهو كما ذكر في آية أخرى: ~~(إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى) وقول موسى: (ألقوا ... (116) كأنه ~~أمره ربه أن يأمر بذلك؛ قال موسى: (فلما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم) هذا يدل أن السحر إنما يأخذ الأبصار على غير حقيقة كانت له، ~~وهو كالسراب الذي يرى من بعيد؛ كقوله: (يحسبه الظمآن ماء. . .) الآية، فعلى ~~ذلك السحر يأخذ الأبصار ظاهرا، فإذا هو ms1719 في الحقيقة باطل لا شيء، وكالخيال ~~في القلوب لا حقيقة له، وكان قصدهم بالسحر استرهاب الناس، وتخويفهم به. # ألا ترى أنه ذكر في آية أخرى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى)، وقد ذكرنا أن ~~ما جاء به الرسل لو كان سحرا في الحقيقة، لكان ذلك حجة لهم في إثبات ~~الرسالة؛ لأن قومهم لم يروهم اختلفوا إلى ساحر قط، فيدل ذلك أنهم إنما ~~عرفوا ذلك بالله تعالى، وهو كالأنباء التي أتى بها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله: (فأوجس في نفسه خيفة موسى)، يخرج على وجهين: # أحدهما: أخذ سحرهم بصره كما أخذ أعين الناس. # والثاني: خاف أن سحرهم يمنع أولئك عن رؤية حقيقة ما جاء به. # وقوله: (سحروا أعين الناس) أي: أخذوا كقوله: (مسحورون). # أي: مأخوذ أعينكم. # PageV04P528 # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ... (117) فيه أن موسى ~~كان لا يلقي عصاه إلا بعد الأمر بالإلقاء، وكذلك قوله: (اضرب بعصاك الحجر) ~~و (أن اضرب بعصاك البحر فانفلق)، ونحوه، كان لا يضرب بالعصا، ولا يلقي إلا ~~بعد الأمر بالإلقاء والضرب؛ ليعلم أن في ذلك امتحانا لموسى فيما يؤمر ~~بالإلقاء على الأرض لتصير حية، وفيما يأمره بالضرب بها الحجر والبحر، ولله ~~أن يمتحن عبده بما شاء من أنواع المحن، وإلا كان قادرا أن يفلق البحر على ~~غير الأمر بالضرب بالعصا، وكذلك يفجر الحجر، ويشقه على غير ضرب بالعصا، ~~وكذلك يصير العصا حية وهي في يده، ولكن أمره بذلك كله - والله أعلم - ~~امتحانا منه إياه وابتلاء، إذ هي دار محنة وابتلاء؛ إذ في زمن موسى كان ~~السحر هو الظاهر، وكان الناس وقتئذ يعملون بالسحر، فجاء موسى من الآيات على ~~رسالته بنوع ما كانوا يعملون به، ومن جنس ذلك؛ ليعرفوا بخروجه عن وسعهم أن ~~ذلك أليس بسحر، ولكن آية سماوية، وكذلك ما جاء عيسى من الآيات جاء بنوع ما ~~كان يعمله قومه، وهو الطب، فجاء بنوع الطب ليعلموا أنه بالله عرف ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فإذا هي تلقف ما يأفكون). # قال القتبي: تلقف: تلتقم ms1720 وتلقم، اشتقاقه من اللقم والابتلاع. # PageV04P529 # وقوله: (ما يأفكون) قيل: ما يكذبون. # قال الحسن: (تلقف ما يأفكون) حبالهم وعصيهم. # وقيل: (تلقف ما يأفكون) ما جاءوا به من الكذب. # وقوله - عز وجل -: (فوقع الحق ... (118) # قيل: أي: ظهر الحق، (وبطل ما كانوا يعملون). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (وبطل ما كانوا يعملون)، أي: بطل ما عملوا من السحر. # والثاني: (وبطل ما كانوا يعملون) أي: ترك السحرة العمل بالسحر إذ ظهر ~~الحق لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فغلبوا هنالك ... (119) # أي: عند ذلك غلب السحرة؛ لأنهم قالوا لفرعون في الابتداء: (إن لنا لأجرا ~~إن كنا نحن الغالبين)، فذكر هاهنا أنهم غلبوا عند ظهور الحق، لا أنهم صاروا ~~غالبين، وقوله: (فغلبوا هنالك) وليس غلبة القهر والقسر، ولكن غلبة بالحجج ~~والبراهين، أي: غلبوا بالحجج والآيات. # وقوله - عز وجل -: (وانقلبوا صاغرين). # قال بعض أهل التأويل: رجع السحرة لما غلبوا صاغرين مذللين. # لكن نقول: رجع فرعون وقومه إلى منازلهم مذللين لا السحرة؛ لأن السحرة قد ~~آمنوا فلا يحتمل أن يوصفوا بالرجوع صاغرين مذللين، وقد رجعوا مع الإيمان. # وقوله: (وألقي السحرة ساجدين (120) اختلف فيه: # PageV04P530 # قال بعضهم: قوله: (وألقي)، أي: أمروا بالسجود، فسجدوا. # وقال آخرون: قوله: (وألقي)، أي: لسرعة ما سجدوا، كأنهم ألقوا، والآية ترد ~~على المعتزلة؛ لأنهم ينكرون أن يكون لله تعالى في فعل العباد صنع، وهاهنا ~~قد أضيف الفعل إلى غيرهم بقوله: (وألقي السحرة ساجدين) دل أن لله في فعل ~~العباد صنعا. وهو أن خلق فعل السجود منهم. # وقال جعفر بن حرب: يجوز أن يضاف الفعل إلى غير، وإن لم يكن لذلك الغير في ~~ذلك الفعل صنع؛ نحو: ما يقال في السفر: إن هؤلاء خلفوا أولئك، وهم لم ~~يخلفوا أولئك في الحقيقة، ولا صنع لهم في التخليف، ثم أضيف إليهم فعل ~~التخليف، فعلى ذلك هذا. # يقال: إن لهم في ذلك صنعا، وهو أنهم إذا لم ينتظروهم فقد خلفوهم، فلهم في ~~ذلك صنع، فأضيف إليهم. # أو أن يقال: إنهم لا يملكون تخليف هؤلاء فأما الله سبحانه وتعالى فهو ~~قادر أن ms1721 يلقيهم أي: بما يخلق منهم فعل السجود، فأضيف الفعل إليه لذلك. # وقوله - عز وجل -: (قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) ~~قال بعض أهل التأويل: إنهم لما قالوا: آمنا برب العالمين، قال لهم فرعون: ~~إياي تعنون، فعند ذلك قالوا: لا، ولكن رب موسى وهارون، ولكن لا ندري هذا، ~~وموسى أول ما جاء فرعون ودعاه إلى دينه قال له: (إني رسول من رب العالمين)، ~~فلا يحتمل أن يشكل عليه قولهم: (آمنا برب العالمين) وإنهم إياه عنوا بذلك، ~~وجائز أن يكون آمنا برب الذي أرسل موسى وهارون رسولا. # PageV04P531 # قوله تعالى: (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في ~~المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم ~~منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ~~(126) وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك ~~وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى ~~لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ~~قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) # قوله: (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم). # هذا يدل على أن الإيمان هو التصديق لا غير؛ لأنه لما قال السحرة (آمنا ~~برب العالمين) وقال لهم فرعون: (آمنتم به) وهم لم يأتوا بسوى التصديق، دل ~~على أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها) ~~هذا من فرعون نوع من التمويه على قومه كما قلنا في الابتداء (إن هذا لساحر ~~عليم) هو حرف التمويه والتلبيس على قومه فعلى ذلك قوله: (إن هذا لمكر ~~مكرتموه) هو تمويه منه وتلبيس على قومه، لئلا يؤمنوا كما آمن السحرة برب ~~موسى. # وقوله: (إن هذا لمكر مكرتموه). # أي: شيء ms1722 صنعتموه فيما بينكم وبين موسى، وهو كما قال في آية أخرى: (إنه ~~لكبيركم الذي علمكم السحر). # وقوله - عز وجل -: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين ~~(124) # هذا لجهله بأشد العقوبة والنكال، وإلا لم يوعدهم بقطع الأيدي والأرجل من # PageV04P533 # خلاف؛ إذ ذلك أيسر وأقل في العقوبة من القطع من جانب، والقطع من جانب أشد ~~وأنكل من القطع من خلاف؛ إذ القطع من خلاف لا يمنع القيام ببعض المنافع، ~~ولا يعمل في إتلاف النفس؛ إذ جعل ذلك حدا في بعض العقوبات، ولم يجعل القطع ~~من جانب عقوبة بحال، فدل أنه أشد وأنكل، ويعمل في إهلاك النفس، والقطع من ~~خلاف لا يعمل، دل أنه لجهله ما قال. # أو أن اختار القطع من خلاف ليكون مؤنة الصلب عليهم لا عليه؛ لأن المقطوع ~~من خلاف قد يمكن له الصعود على الخشبة، والثاني: لا، والله أعلم. وقوله: ~~(قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # وقال في موضع آخر (لا ضير)، هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: على الإقرار منهم بالبعث، والإيمان به. # والثاني: وعيد منهم لفرعون لعنه الله؛ حيث أوعدهم بقطع الأيدي والأرجل ~~والصلب وغير ذلك من العقوبات، فقالوا: إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فتجزى ~~وتعاقب جزاء صنيعك بنا. # وقوله - عز وجل -: (وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ... ~~(126) # قيل فيه بوجهين: # قيل: قوله: (وما تنقم منا) أي: وما تعيب علينا، وتطعن إلا بما كان منا من ~~الإيمان بآيات ربنا لما جاءتنا، وهو ما جاءهم من الآيات. # وقيل: وما تعاقبنا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا، وكان الحق عليك ~~- وعلينا - أن تؤمن بها كما آمنا نحن. # PageV04P534 # وقوله - عز وجل -: (ربنا أفرغ علينا صبرا). # قوله: (أفرغ). قيل: أنزل علينا صبرا. # وقيل: أتمم لنا صبزا. # وقيل: اصبب علينا صبرا، وهو كله واحد. # ثم يحتمل سؤالهم الصبر لما لعله إذا فعل بهم بما أوعد من العقوبات لم ~~يقدروا على التصبر على ذلك، فيتركون الإيمان؛ لذلك سألوا ربهم الصبر على ~~ذلك ليثبتوا على الإيمان به. ms1723 # (وتوفنا مسلمين). # سألوا ربهم -أيضا- التوفي على الإسلام، وهكذا كان دعاء الأنبياء، كما فال ~~يوسف: (توفني مسلما. . .) الآية. # PageV04P535 # وكذلك أوصى إبراهيم، بنيه؛ حيث قال: (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون)، وهكذا الواجب على كل مسلم ومؤمن أن يتضرع إلى الله في ~~كل وقت، ويبتهل إليه في كل ساعة؛ لئلا يسلب الإيمان لكسب يكتسبه؛ إذ ~~الأنبياء والرسل - عليهم السلام - مع عصمتهم كانوا يخافون ذلك ليعلم أن ~~العصمة لا تسقط الخوف، ولا تؤمن عن الزلات. # وقوله: (ربنا أفرغ علينا صبرا) دلالة على أنهم علموا أنهم إذا أفرغ عليهم ~~الصبر صبروا؛ إذ لو لم يعلموا ذلك لم يكن لسؤالهم الصبر معنى، فهذا على ~~المعتزلة في قولهم: إنه يفرغ ولا يصبرون، وإنه قد أعطاهم غاية ما يصلح في ~~الدين، فدل سؤالهم ذلك على أنه لم يعطهم، وأن عنده مزيدا لو أعطى لهم ذلك ~~كان. # (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ... (127) # قال بعضهم: في إخراجكم من أرض مصر وإفسادهم العيش عليكم، أو ما ذكروا # PageV04P537 # من ترك عبادة فرعون وخدمته. # (ويذرك وآلهتك) وقد قرئ: [(وإلاهتك)] فمن قرأه: [(وإلاهتك)] حمله على ~~العبادة، أي: يذرك وعبادتك، ومن قرأه [(وآلهتك)]، وهو قول ابن عباس ومجاهد، ~~قالوا: إن # PageV04P538 # فرعون لعنه الله، قد كان جعل لقومه آلهة يعبدونها؛ ليتقربوا بعبادتهم تلك ~~الأصنام إلى فرعون، على ما كان يعبد أهل الشرك الأصنام دون الله، ويقولون: ~~(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فقالوا: (ويذرك وآلهتك) التي جعلت ~~لهم. # وقال آخرون: إن فرعون كان يعبد الأصنام والأوثان على ما عبد غيره. # وقال غيرهم: لا يحتمل أن يكون هو عبد الأصنام، ولكن جعل لقومه الأصنام ~~على ما ذكرنا. # ألا ترى أنه قال: (أنا ربكم الأعلى) ثم قال اللعين: (سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم). # قال بعضهم: قوله: (سنقتل أبناءهم) يعني: رجالهم، (ونستحيي نساءهم)؛ لأنه ~~لا يحتمل قتل الأبناء، ولم يكن منهم إليه صنع إنما كان ذلك من الرجال. # وقال بعضهم: قد كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في ms1724 العام الذي قيل له: ~~إنه يولد مولود يذهب بملكك، ويغير دين أهل الأرض، فلم يزل يقتلهم في ذلك ~~العام الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكه، ويترك البنات، فذلك قوله: ~~(سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنا فوقهم قاهرون) قيل: مسلطون عليهم. # فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر هذه القصص والأنباء السالفة في القرآن؟ # قيل: لوجوه - والله أعلم -: # أحدها: أن فيها دليل إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوته؛ ~~لأن هذه القصص والأنباء كانت في كتبهم ثابتة مبينة، وقد علموا أن لسانه كان ~~على غير ما كانت كتبهم، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك؛ ليتعلم ~~منه، ولا سمع عن أحد منهم ثم أنبأهم على ما كانت، دل أنه إنما عرف ذلك بمن ~~يعلم علم الغيب. # PageV04P539 # والثاني: أن البشر جبلوا على حب السماع للأخبار والأحاديث، وحبب ذلك في ~~قلوبهم حتى إن واحدا منهم يولد أحاديث وينشئها من ذات نفسه لأن يستمعوا في ~~ذلك إليه ويسمعوا منه، فذكر لهم هذه الأنباء والقصص ليكون استماعهم إليها ~~وسماعهم لها، وذلك أحسن وأوفق إذ أخبر أن ذلك أحسن القصص؛ بقوله: (نحن نقص ~~عليك أحسن القصص). # والثالث: ذكر لهم هذا ليعلموا ما حل بهم في العاقبة من الهلاك ~~والاستئصال، وأنواع العذاب لفسادهم وتكذيبهم الرسل، وما عاقبة المفسد منهم ~~والمصلح؛ ليكون ذلك زجرا لهم عن صنيع مثلهم. # والرابع: ذكر ذلك ليعرفوا كيف كانت معاملة الأنبياء والرسل أعداءهم، ~~ومعاملة الأعداء الرسل ليعاملوا أعداءهم مثل معاملتهم. # والخامس: أنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسول، فأخبر أن الرسل الذين ~~كانوا من قبل كانوا كلهم من البشر. # والسادس: أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان، ويقولون: بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون، (وإنا على آثارهم مقتدون)، فأخبر أن كان في آبائهم ~~السعداء، وهم الأنبياء والأشقياء، فكيف اقتديتم أنتم بالأشقياء منهم؟! وهلا ~~اتبعتم السعداء دون الأشقياء! # والسابع: فيها أن كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عرفنا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يأمر به، ms1725 ومن ينهى عنه. # وأيضا إن فيه ذكر الصالحين منهم بعدما ماتوا وانقرضوا فكانوا بالذكر ~~كالأحياء. # وقوله - عز وجل -: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ... (128) # يحتمل قوله: (استعينوا بالله): على أداء طاعته، وبما يتقربون إلى الله ~~تعالى ويكون لهم زلفى لديه. # PageV04P540 # أو أن يقول لهم: استعينوا بالله بالنصر لكم والظفر، واصبروا على أذاهم ~~والبلاء. # (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل أن يخرج ذلك من موسى مخرج الوعد لهم بالنصر والظفر على الأعداء، ~~وجعل الأرض لهم من بعد إهلاك العدو، وهو كما ذكر في موضع آخر: (ونريد أن ~~نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين). # ويحتمل أن يخرج ذلك منه مخرج التصبر على الرضا بقضاء الله - تعالى - أن ~~الأرض له يصيرها لمن يشاء، فاصبروا أنتم على البلاء، وارضوا بقضائه. # (والعاقبة للمتقين). # قال الحسن: (والعاقبة)، أي: الآخرة للمتقين خاصة، وأما الدنيا فإنها ~~بالشركة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، يكون لهؤلاء ما لأولئك، وأما الآخرة ~~فليست للكفار إنما هي للمؤمنين خاصة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. . .) ~~الآية، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقال غيره: (والعاقبة للمتقين) أي عاقبة الأمر بالنصر، والظفر للمتقين ~~على أعدائهم، وإن كان في الدفعة الأولى عليهم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ... ~~(129) يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: أن يخرج مخرج استبطاء النصر والظفر لهم، كأنهم استبطئوا النصر # PageV04P541 # وإهلاك العدو والظفر عليهم، فقال لهم موسى عند ذلك: (قال عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض). # والثاني: أن يخرج ذلك منهم مخرج الاعتذار لموسى لما خطر ببال موسى أنهم ~~يقولون: إن ما أصابهم من البلايا والشدائد إنما كان لسببه ولمكانه، فقالوا ~~ذلك له اعتذارا منهم له أن قد أصابنا ذلك نحن من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا؛ لئلا يوهم أنهم يقولون ذلك أو يخطر بباله ذلك، والله أعلم. ms1726 # وجائز أن يكونوا قالوا ذلك على التعيير له والتوبيخ، يقولون: لم يزل ~~يصيبنا من الأذى لسببك ولأجلك من قبل أن تأتينا من الاستخدام، ومن بعد ما ~~جئتنا من أنواع الضرر. # وقوله - عز وجل -: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض) والعسى ~~من الله واجب، فوعدهم إهلاك العدو واستخلافهم في الأرض. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (أوذينا): في سببك (من قبل أن تأتينا) ~~بالرسالة، يعنون بالأذى: قتل الأبناء واستخدام النساء، (ومن بعد ما جئتنا) ~~بالرسالة: من الشدائد التي أصابتهم من بعد، لكن الأول أقرب وأشبه. # وقوله - عز وجل -: (فينظر كيف تعملون). # يحتمل هذا -أيضا- وجهين: # أحدهما: أن يجعل لكم الأرض، ويوسع عليكم الرزق يمتحنكم في ذلك ويبتليكم، ~~لا أنه يجعل لكم ذلك على غير امتحان تعملون ما شئتم في ذلك. # والثاني: يمتحنكم بالشدائد والبلايا؛ لينظر كيف تصبرون على ذلك. # ويحتمل وجها آخر وهو: أن يقول لهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض، فينظر كيف تشكرون ربكم فيما أنعم عليكم. # وقوله: (فينظر) كيف الواقع لكم من الجزاء والثواب. # وقوله: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا): أمرهم - والله أعلم - ~~بطلب المعونة من الله تعالى على قضاء جميع حوائجهم دينا ودنيا، ويحتمل أن ~~يكون على طلب التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذر عنه، وكذلك الأمر البين ~~في الخلق من طلب التوفيق والمعونة من الله، والعصمة عن المنهي عنه جرت به ~~سنة الأخيار، وبالله المعونة. # PageV04P542 # ثم لا يصح ذلك على قول المعتزلة؛ لأن الدعاء بالمعونة على أداء ما كلف ~~وقد أعطى؛ إذ على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفا قد بقي شيء مما به أداء ما ~~كلف عند الله، وطلب ما أعطى كتمان للعطية؛ وكتمان العطية كفران، فيصير كأن ~~الله أمر بكفران نعمه وكتمانها وبطلبها منه تعنتا، وظن مثله بالله كفر، ثم ~~لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعط التمام إذا، أو ليس عنده، ~~فيكون طلبه استهزاء به؛ إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس ms1727 عنده فهو هازئ ~~به في العرف مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف، ~~فيبطل قولهم لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطي، أو ليس ~~له ألا يعطي فكأنه قال: اللهم لا تجر ولا تظلم ومن هذا علمه بربه فالإسلام ~~أولى به، فهذا مع ما لا يدعو الله أحد بالمعونة، وإلا ويطمئن قلبه أنه لا ~~يزل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثله يملك الله عند المعتزلة، ~~ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ~~(130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) وقالوا مهما ~~تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما ~~مجرمين (133) # قوله - عز وجل -: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات). # عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (بالسنين) قال: بالجوع، وقيل: بالقحط. # ومجاهد: (بالسنين) قال: بالجوائح ونقص من الثمرات دون ذلك. # وقال القتبي: بالسنين: بالجدب؛ يقال: أصاب الناس سنة: أي جدب. # فإن قيل: ذكر أنه أخذ آل فرعون، وكان فيهم بنو إسرائيل فما معنى التخصيص؟ # قيل: يحتمل أن يكون ذلك لهم خاصة دون بني إسرائيل، وإن كانوا فيهم؛ على ~~ما ذكر # PageV04P543 # في بعض القصة أن القبط كانوا يشربون الدم وبنو إسرائيل الماء، أو كان ~~الجدب والنقص من الثمرات يضر آل فرعون، ولا يضر بني إسرائيل؛ لما أنهم ~~كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، فمن يأكل للحاجة كان أقل حاجة ~~إلى الطعام ممن يأكل للشهوة؛ فإذا لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان أضر بهم. # ألا ترى أنه قيل: " يأكل المؤمن في معي واحد والكافر لسبعة أمعاء ". # أو خرج تخصيص ذلك لهم لما أن في عقد بني إسرائيل أن لله أن يمتحنهم بجميع ~~أنواع المحن: مرة بالشدة ومرة بالسعة، ومن عقد ms1728 القبط لا، فأضيف إليهم ذلك ~~لما لم يكن في عقدهم ذلك، وإن كانوا جميعا في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يذكرون). # أي: يتعظون، " ولعل " من الله واجب قد اتعظوا لكنهم عاندوا وكابروا، وإلا ~~قد لزمهم الاتعاظ. # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ... (131) # أي: الخصب والسعة (قالوا لنا هذه)، أي: هذا ما كنا نعرفه أبدا وما جرينا ~~على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له. # (وإن تصبهم سيئة). # قيل: الضيق والقحط. # (يطيروا بموسى). # وقالوا بشؤمه، وهذا كما قال العرب لمحمد: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من # PageV04P544 # عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)، كانوا يضيفون ما يصيبهم من ~~الحسنة إلى الله؛ لأنهم كانوا يقرون بالله، والقبط لا فيقولون ذلك من فرعون ~~أو على الاعتياد. # فقال: (قل كل من عند الله)؛ فعلى ذلك قال ها هنا: (ألا إنما طائرهم عند ~~الله). ثم يحتمل هذا وجوها: قيل: جزاء تطيرهم عند الله في الآخرة. # وقيل: طائرهم وشؤمهم الذي كانوا تطيروا بموسى كان بتكذيبهم موسى، أضاف ~~ذلك إلى ما عنده من الآيات؛ لأنهم بنزول تلك الآيات وإرسالها عليهم تطيروا ~~بموسى، أوبتجدد، تلك الآيات تجدد تطيرهم وتشاؤمهم. # وقال بعضهم: قوله: (إنما طائرهم عند الله)، أي: حظهم عند الله، وكذلك قال ~~في قوله: (ألزمناه طائره)، وهو كما ذكر: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) لما ~~كذبوا تلك الآيات زاد ما نزل بهم من الآيات من بعد رجسا إلى رجسهم، فعلى ~~ذلك شؤمهم وطائرهم الذي كان بتكذيبهم موسى. # وقوله - عز وجل -: (يطيروا بموسى): من الطيرة، وهو من التشاؤم، يقال: ~~تشاءمت بفلان، أي: قلت: هو غير مبارك، وتطيرت بفلان -أيضا- مثله، ويقال: ~~تبركت به إذا قلت: هو مبارك، ويقال: تطيرت واطيرت منه وبه. # (ألا إنما طائرهم)، أي: شؤمهم ذلك الذي يخافون منه هو من عند الله، (ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون): بأنه كان من عند الله، كان بتكذيبهم موسى. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين (132) # PageV04P545 # قال أبو ms1729 بكر الكيساني: تأويله: كل ما تأتينا به تزعم أنه آية، تريد أن ~~تسحرنا بها، فما نحن لك بمؤمنين. # وقال ابن عباس، والحسن: هو: أي ما تأتينا (به من آية لتسحرنا بها. . .) ~~الآية. # وقوله " مه " زيادة، وهو قول القتبي، ومعناه: أي ما تأتنا. # وقال الخليل: هو في الأصل " ما " " ما "، إحداهما زيادة، فطرحت الألف ~~وأبدلت مكانها هاء؛ طلبا للتخفيف. # وقال سيبويه النحوي: قوله: (مهما تأتنا به من آية) أي: مه أي كأنهم قالوا # PageV04P546 # له: مه، أي: اسكت، كما يقول الرجل لآخر: مه، أي: اسكت، " ما تأتنا به من ~~آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ". # والسحر: هو التحيير، وأخذ الأبصار، ولا حقيقة له؛ كقوله: (إني لأظنك يا ~~موسى مسحورا)، أي: متحيرا، وقوله: (سحروا أعين الناس). # ثم دل قولهم: (مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين) أن ~~ما قالوا: إن هذا ساحر، وإنه سحر عن علم بالآية والنبوة له قالوا ذلك، لا ~~عن جهل وغفلة حيث قالوا: (مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك ~~بمؤمنين) ذلك منهم إياس من الإيمان به، وقبول الآيات لأنهم أخبروا أنهم لا ~~يقبلون الآيات، ولا يصدقونه في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد ... (133) إلى آخر ما ~~ذكر. # قال أهل التأويل: لما قالوا ذلك أرسل الله بعد السنين ونقص الثمرات ~~الطوفان والآيات التي ذكر، ويحتمل أن يكون هذا وإن كان مؤخرا في الذكر فهو ~~مقدم؛ لما قال: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات) (فأرسلنا ~~عليهم الطوفان والجراد) إلى آخره. (لعلهم يذكرون) أي: يتعظون. # ثم اختلف أهل التأويل في الطوفان: # قال بعضهم: الطوفان: الماء والمطر حتى خافوا الهلاك، وهو قول ابن عباس. # وعن عائشة، قالت: " سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطوفان، فقال: ~~الموت "، فإن ثبت فهو. # وقيل: الطوفان: هو أنواع العذاب. # PageV04P547 # والجراد: هو المعروف. # والقمل، قال بعضهم: هو بنات الجراد، يقال: الدباء. # وقيل: هو الجراد الصغار التي لا أجنحة لها. # (والضفادع والدم آيات مفصلات). # قيل: مفصلات، ms1730 أي معرفات، واحدا بعد واحد، لم يرسل آية إلا بعد ذهاب أخرى، ~~بعضها على إثر بعض. # وقيل: مفصلات، أي: بينات واضحات، ما علم كل أحد أنه ليس من أحد # PageV04P548 # وليس من عمل السحر، ولكن آية سماوية إذ لو كان سحرا لتكلفوا في دفعه، ~~واشتغلوا بالسحر على ما اشتغلوا بسحر العصا والحبال، فإذ لم يتكلفوا في ~~ذلك، ولم يشتغلوا بدفع ذلك، بل فزعوا إلى موسى ليكشف ذلك عنهم، ووعدوه ~~الإيمان به، وإرسال بني إسرائيل معه، دل فزعهم إليه في كشف ذلك عنهم على ~~أنهم قد عرفوا أنه ليس بسحر، ولكنه آية أقروا بها أنها ليست بسحر، وأنها ~~آيات إلا أنهم فزعوا عند ذلك إلى موسى فقالوا: (ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) ووعدوه ~~الإيمان به، وبعث بني إسرائيل معه إن كشف عنهم الرجز. # وقوله - عز وجل -: (بما عهد عندك) اختلف فيه: # قال بعضهم: (بما عهد عندك) ما عهد لك أنك متى دعوته أجابك. # وقيل: (بما عهد عندك) أنا متى آمنا بك وصدقناك كشف عنا الرجز، فقالوا: ~~لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. # * * * # قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ~~(135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها ~~غافلين (136) وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ~~التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ~~ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) # قوله - عز وجل -: (فلما كشفنا عنهم الرجز). # قيل: الرجز: ألوان العذاب الذي كان نزل بهم من الطوفان والجراد والقمل # PageV04P549 # والضفادع، والدم، وما ذكر. # قالوا: (لئن كشفت عنا الرجز) يحتمل أن يكون كلما حل بهم نوع من العذاب ~~سألوا أن يكشف عنهم، فقالوا: لئن كشفت لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، ~~فلما كشف عنهم الرجز نكثوا ذلك، وعادوا إلى ما كانوا من قبل. # ويحتمل أن يكون قولهم لموسى: (ادع لنا ربك بما عهد ms1731 عندك لئن كشفت عنا ~~الرجز لنؤمنن لك): بعدما حل بهم أنواع العذاب، عند ذلك قالوا: (لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك) فلما كشف ذلك عنهم نكثوا عهدهم، وهو قولهم: لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن بك، وعادوا إلى ما كانوا، فعند ذلك كان ما ذكر من قوله: ~~(فانتقمنا منهم) وقوله: (لنؤمنن لك): بما تدعى بأنك رسول، (ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل): أمكن أن يكون ليس على نفس الإرسال، ولكن على ترك الاستعباد، أي: ~~لا نستعبدهم بعد هذا؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل. # وقوله - عز وجل -: (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ~~ينكثون (135) # قال الحسن: قوله: (كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه) لو أطاعوا وأوفوا ~~بالعهد الذي عهدوا ولكنهم لما نكثوا ذلك انتقم منهم وهذا الحرف يؤدي إلى ~~مذهب الاعتزال؛ لأنهم يقولون: إن من قتل أو عذب تعذيب إهلاك إنما هلك قبل ~~أجله، وأجله الموت، لكن هذا يصلح ممن يجهل العواقب، وأما الله سبحانه ~~وتعالى يتعالى عن ذلك أن يجعل له أجلين؛ أحدهما: الموت، والآخر: القتل، ~~ولكن جعل أجل من في علمه أنه يقتل القتل، ومن يموت حتف أنفه الموت، وكذلك ~~ما روي في الخبر أن: " صلة الرحم تزيد في العمر "، أي: من علم منه أنه يصل ~~رحمه، جعل عمره أزيد ممن يعلم أنه لا يصل رحمه، لا أنه يجعل عمره إلى وقت، ~~ثم إذا وصل رحمه زاد؛ لما ذكرنا أن ذلك أمر من يجهل العواقب، وأما من يعلم ~~ما كان وما يكون أنه لو كان كيف يكون - لا. # PageV04P550 # وقوله - عز وجل -: (فانتقمنا منهم ... (136) يحتمل أن يكون قوله: ~~(فانتقمنا منهم) ما ذكر على إثره من الغرق: (فأغرقناهم في اليم). # ويحتمل أن يكون قوله: (فانتقمنا منهم) من الطوفان وأنواع العذاب الذي كان ~~حل بهم، ثم كان الإغراق من بعد. # وقوله - عز وجل -: (بأنهم كذبوا بآياتنا). # يحتمل الآيات التي جاء بها موسى على وحدانية الله تعالى وربوبيته، وهي ~~الحجج والآيات التي تقدم ذكرها من الطوفان والجراد والقمل، وما ذكر. # وقال ms1732 الحسن: بآياتنا: ديننا. # وقوله: (وكانوا عنها غافلين) قيل: معرضين مكذبين بها، لا أنهم كانوا على ~~غفلة وسهو عنها، لكنهم أعرضوا عنها مكابرين معاندين كأنهم غافلين عنها، ~~وجائز أن يكون: غافلين عما يحل بهم من العقوبة بتكذيبهم. # وقوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ... ~~(137) # هو ما سبق من الوعد لهم بوراثة الأرض، وإنزالهم فيها، وهو قوله: (عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض)، وكقوله: (ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)، كان وعدهم الاستخلاف ~~والإنزال في أرض عدوهم، ثم أخبر أنه أنزلهم وأورثهم على ما - وعدهم بقوله: ~~(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) باستعبادهم، وقوله:، (مشارق الأرض ~~ومغاربها) قيل: فيه بوجوه: # قيل: مشارق الأرض ومغاربها: مملكة فرعون مصر ونواحيها، ما يلي ناحية ~~الشرق وناحية الغرب. # وقيل: كان في بني إسرائيل من بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها من نحو ذي ~~القرنين، وداود، وسليمان. # PageV04P551 # وقيل: مشارق الأرض ومغاربها: أن فضلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ ~~كقوله: (وفضلناهم على العالمين)، قيل: على عالمي هذا الزمان، ثم تفضيله ~~إياهم على البهائم بالجوهر، والخلقة، وعلى الجن بالرسالة والنبوة والمنافع، ~~وعلى جوهرهم من بني آدم بالرسالة والحكمة والملك؛ كقوله: (وجعلكم ملوكا ~~وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين). # وقوله - عز وجل -: (التي باركنا فيها). # قيل: أرض الشام. # وقيل: أرض مصر ونواحيها. # وقيل: سماها مباركة لأنها مكان الأنبياء - عليهم السلام. # وقيل: مباركة لكثرة أنزالها وسعتها. # وقوله - عز وجل -: (وتمت كلمت ربك الحسنى). # PageV04P552 # قيل: هي الجنة، أي: تمت لهم الجنة بما صبروا، وقيل: (وتمت كلمت ربك ~~الحسنى) بما كان وعدهم أنه ينزلهم فيها، ويستخلفهم، تم ذلك الوعد لهم وهو ~~كما قال: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) تم ما وعد لهم أن يمن ~~عليهم. # وقوله - عز وجل -: (بما صبروا) يحتمل: بما صبروا على أذى فرعون، ويحتمل: ~~(بما صبروا) من أداء ما أوجب عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون). # قال بعضهم: قوله: ms1733 (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه): على الوقف على ~~(وقومه) (وما كانوا يعرشون): معطوف على قوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) (وما كانوا يعرشون): وهو من العرش الذي ~~يتخذه الملوك. # وقيل: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) -أيضا-،أي: ~~أهلكنا ما كانوا يعرشون. # قال القتبي: يعرشون، أي: يبنون، والعرش: بيوت، والعرش: سقوف. # وقال أبو عوسجة: (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه)، أي: أهلكنا وأفسدنا، ~~(وما كانوا يعرشون) عرش، يعرش ويعرش يعني: يبنون من البيوت والكروم ~~والأشجار. # وقيل في قوله: (كانوا يستضعفون): يعني بالاستضعاف: قتل الأبناء واستحياء ~~النساء بأرض " مصر "، ورثهم الله ذلك. # PageV04P553 # وقيل في قوله: (وتمت كلمت ربك الحسنى) هي النعمة التي أنعمها على بني ~~إسرائيل بما صبروا على البلاء حين كلفوا ما لا يطيقون من استعباد فرعون ~~إياهم، والكلمة التي ذكر ما ذكر في القصص من قوله: (ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض). # * * * # قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) ~~إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم ~~إلها وهو فضلكم على العالمين (140) وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # قوله - عز وجل -: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر). # دل هذا على أن لله في فعل العباد صنعا وفعلا؛ حيث أضاف ونسب المجاوزة إلى ~~نفسه، وهم الذين جاوزوا البحر، دل أن له في فعلهم صنعا، وهذا ينقض على ~~المعتزلة حيث أنكروا خلق أفعال العباد، وبالله المعونة والعصمة. # وقوله - عز وجل -: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم). # العكوف: هو المقام والدوام، وقوله: (يعكفون على أصنام لهم)، أي: وجدوهم ~~عكوفا على عبادة الأصنام مقيمين على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها). # يشبه أن يكون سؤالهم إلها يعبدونه لا على الكفر بربهم والتكذيب لرسوله، ~~ولكن لما ms1734 لم يروا أنفسهم أهلا للعبادة لله، والخدمة له؛ لما رأوا في الشاهد ~~أنه لا يخدم الملوك إلا الخواص لهم، والمقربون إليهم، ومن بعد منهم يخدم ~~خواصهم، فعلى ذلك هؤلاء سألوا موسى إلها يعبدونه؛ لما لم يروا أنفسهم أهلا ~~لعبادة الله، والخدمة له؛ لتقربهم # PageV04P554 # عبادة تلك الأصنام إلى الله، ويخرج ذلك مخرج التعظيم لله والتبجيل، لا ~~على الكفر وصرف العبادة عنه إلى غيره، وكذلك كان عادة العرب أنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام لتقربهم عبادتها إلى الله زلفى، وكذلك ما ذكر في بعض القصة ~~أن فرعون كان يتخذ لقومه أصناما يعبدونها؛ لتقربهم تلك الأصنام إليه زلفى، ~~فعلى ذلك سؤال هؤلاء لموسى: (اجعل لنا إلها)، والله أعلم. # أو كان سؤالهم ذلك لما لم يروا في الشاهد أحدا يخدم إلا لحاجة تقع له إلى ~~ذلك، فرأوا أن الله يتعالى عن أن يعبد ويخدم للحاجة، وهم يخدمون القادة ~~والرسل ويعبدونهم لما رأوا أنهم ينالون من النعم، وأنواع المنافع من ~~الرؤساء والكبراء؛ لذلك كانوا يخدمونهم، وأما أهل التوحيد فإنهم لا يرون ~~العبادة لغير الله؛ لأنه ما من أحد وإن بعد منزلته ومحله إلا وآثار نعم ~~الله عليه ظاهرة حتى عرف ذلك كل أحد، حتى لو بذل له جميع حطام الدنيا، أو ~~أوعد بكل أنواع الوعيد؛ ليترك الدين الذي هو عليه، ما تركه ألبتة. # وفي أمر موسى - صلوات الله عليه - خصلتان، إحداهما: أن يعلم أن كيف يؤمر ~~بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكيف يعامل مرتكب الفسق والمنكر يعامل على ما ~~عامل موسى قومه باللين والشفقة، وإن استقبلوه بالعظيم من الأمر والمناكير. ~~والثانية: [ ### | ..... # ويحتمل أن يكون سؤالهم إلها يعبدونه لما أن أهل الكفر قالوا لهم: إن ~~الرسل هم الذين أمروهم بعبادة الأصنام؛ كقوله: (والله أمرنا بها)، فعلى ما ~~قالوا إن الرسل هم الذين أمروهم بذلك، سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم ~~آلهة. # وقوله: (إن هؤلاء متبر ما هم فيه ... (139) # أي: أن عبادتهم لهؤلاء متبر، أي: مهلكهم ومفسدهم. # (وباطل ما كانوا يعملون). # PageV04P555 # أي: باطل ما يأملون بعبادتهم هؤلاء. # وقال ms1735 القتبي: التبار: الهلاك، وقال أبو عوسجة: المتبر: المفسد، يقال: ~~تبرت الشيء، أي أفسدته، ويقال: رجل متبر، أي مفسد. # وقوله - عز وجل -: (قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ~~(140) # يحتمل قوله: فضلكم على العالمين بما هداكم ووفقكم للهداية بما لم يوفق ~~ولم يهد أحدا من العالمين من عالمي زمانكم. # ويحتمل قوله: (أبغيكم إلها) دونه وقد فضلكم بما استنقذكم من استخدام ~~فرعون وقهره إياكم وإخراجكم من يده، وأعطاكم رسولا يبين لكم عبادة إلهكم ~~الحق. # وقوله: (أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم) يقول: أما تستحيون من ربكم أن ~~تسألوا إلها تعبدونه دونه، وقد فضلكم بما ذكر من أنواع النعم، والله أعلم، ~~وهو ما ذكر في قوله: (وإذ أنجيناكم من آل فرعون. . . . (141) الآية، يذكرهم ~~نعمه عليهم بما استنقذهم من فرعون وآله وأهلكهم. # وقوله - عز وجل -: (يسومونكم). # قيل: يعذبونكم (سوء العذاب) قتل الأبناء، واستحياء النساء، فذلك قوله: ~~(يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، قيل في ذلك: ~~يعني فيما أنجاكم من آل فرعون بلاء من ربكم عظيم، يعني: نعمة من ربكم ~~عظيمة، ويقال: البلاء - بالمد -: هو النعمة، وبغير المد مقصورا: الشدة. # * * * # PageV04P556 # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين (142) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين (143) قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما ~~آتيتك وكن من الشاكرين (144) # وقوله - عز وجل -: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر). # ذكر هاهنا ثلاثين ليلة ثم ذكر التمام بالعشر، وذكر في السورة التي فيها ~~ذكر البقرة أربعين ليلة بقوله: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)، وهو واحد ~~كان الميعاد له أربعين ليلة، لكن يحتمل ذكر ثلاثين مرة ms1736 وعشرا وجهين: # أحدهما: أن ثلاثين ليلة كان لأمر وعشرا كان لأمر آخر، فذكرت متفرقة لما ~~كان الأمرين مختلفين. # والثاني: أنه كان في وقتين، كان هذا في وقت والآخر في وقت، والقصة واحدة، ~~والميعاد واحد، فذكر التمام بعشر؛ كقوله: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة)، وإن كانت في وقتين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتم ميقات ربه أربعين ليلة). # قيل: تم الميعاد الذي وعد له أربعين ليلة. # وقوله - عز وجل -: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي). # فإن قيل: ما معنى قول موسى لأخيه هارون: (اخلفني في قومي)، وهو كان ~~مبعوثا معه، رسولان إلى فرعون مشتركان في تبليغ الرسالة إلى فرعون بقوله: ~~(وأشركه في أمري) وقوله: (إنا رسول رب العالمين)، وقوله: (فأتياه فقولا إنا # PageV05P003 # رسولا ربك)، وقوله: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا ~~يصدقني)، فإذا كان هو رسولا كموسى في تبليغ الرسالة، كيف احتاج إلى أن يقول ~~موسى: اخلفني في قومي وهما - شرعا - سواء في الرسالة؟ # قيل: يحتمل هذا وجهين: # يحتمل أن يكونا كما ذكر رسولين، لكن من ولى اثنين أمرا لم يكن لواحد ~~منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر، فعلى هذا كأنه قال له: اخلفني في الحكم ~~بينهم، وأصلح ذات بينهم، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين. # أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولا وكان إليه الحكم، وهارون كان ~~دخيلا في أمره ردءا له على ما قال: (فأرسله معي ردءا يصدقني)، ولأن موسى ~~كان هو المأمور بها أولا والمبعوث إليهم دونه. # ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون، وكان هو المعطى الألواح دون ~~هارون؛ كقوله: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء)، وهو الذي قال: (إني آنست ~~نارا)، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون، وغير ذلك من الآيات، فإذا كان ~~كذلك استخلفه موسى في قومه. # وقوله - عز وجل -: (ولما جاء موسى لميقاتنا ... (143) أي: لميعادنا الذي ~~وعدناه. # قوله تعالى: (وكلمه ربه). # لا يجوز لنا ms1737 أن نصف كيفية الكلام وماهيته، سوى أنه أنشأ كلاما وصوتا ~~أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق. # (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني. . . .) الآية. # قال قائلون: إن موسى لم يسأل ربه الرؤية لنفسه، ولكن سأل لقومه لسؤال ~~القوم له؛ كقوله: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)، لكن هذا بعيد؛ لأنه لو ~~كان سؤاله إياه لسؤال قومه، لكان لا يقول: (رب أرني أنظر إليك)، ولكن يقول: ~~أرهم ينظرون إليك، فدل أنه لم يكن لذلك. # وقال قائلون: لم يكن سؤال ربه رؤية الرب، ولكن سأل ربه رؤية الآيات ~~والأعلام والأدلة التي بها يرى، وذلك جائز سؤال الرؤية: سؤال رؤية الآيات ~~والأعلام، وذلك أيضا بعيد؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له ~~الحاجة إلى غيرها من الآيات؛ من # PageV05P004 # نحو: العصا التي كان يضرب بها الحجر فتفجر منه اثنتي عشرة عينا، وما كان ~~من فرق البحر وإهلاك العدو، واليد البيضاء، وغير ذلك من الآيات، فإذا بطل ~~ذلك، دل أنه سأل حقيقة الرؤية، والقول بها لازم عندنا في الآخرة، وحق من ~~غير إدراك ولا تفسير، والدليل على ذلك قوله: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار)، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة؛ إذ لا يدرك غيره بغير ~~الرؤية، فمع نفي الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له، ~~والله الموفق. # PageV05P005 # وأيضا قول موسى: (رب أرني أنظر إليك. . . .) الآية ولو كان لا يجوز ~~الرؤية لكان منه جهل بربه، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعا لرسالته، ~~أمينا على وحيه. # وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه، وبدون ذلك قد نهى نوحا وعاتب آدم وغيره من ~~الرسل، وذلك لو كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال: (فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني). # فإن قيل: لعله سأل آية ليعلم بها؟ # قيل: لا يحتمل ذا؛ لوجوه: # أحدها: أنه قال: (لن تراني)، وقد أراه الآية. # وأيضا أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت؛ إذ قد أراه الآيات على ما ms1738 ذكرنا، ~~وذلك # PageV05P012 # صنيع الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات، وإن كانت الكفاية قد أثبتت، ~~لهم فمثله ذلك أيضا. # وأيضا إنه قال: (فإن استقر مكانه فسوف تراني. . . .) والآية التي يستقر ~~معها الجبل هي دون التي لا يستقر معها؛ ثبت أنه لم يرد بذلك الآية. # وأيضا محاجة إبراهيم - عليه السلام - قومه في النجوم وما ذكر بالأفول ~~والغيبة، ولم يحاجهم بألا يحب ربا يرى، ولكن حاجهم بألا أحب ربا يأفل؛ إذ ~~هو دليل عدم الدوام، ولا قوة إلا بالله. # وأيضا قوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) # ثم لا يحتمل ذلك الانتظار؛ لوجوه: # أحدها: أن الآخرة ليست بوقت للانتظار، إنما هي الدنيا، وهي دار الوقوع ~~والجود إلا في وقت الفزع، وقيل: أن يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع. # والثاني: قوله: (وجوه يومئذ ناضرة): وذلك وقوع الثواب. # والثالث: قوله: (إلى ربها ناظرة): و (إلى) حرف يستعمل في النظر إلى الشيء ~~لا في الانتظار. # والرابع: أن القول به يخرج مخرج البشارة لعظيم ما نالوه من النعم، ~~والانتظار ليس منه، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله، فيلزم ~~القول بالنظر إلى الله، كما قال على نفي جميع معاني الشبه عن الله سبحانه ~~على ما أضيف إليه من # PageV05P013 # الكلام والفعل والقدرة والإرادة أن يجب الوصف به على نفي جميع معاني ~~الشبه، # PageV05P014 # وكذلك القول بالهيئة، فمن زعم أن الله تعالى لا يقدر أن يكرم أحدا ~~بالرؤية، فهو يقدر في الرؤية التي فهمها من الخلق، وإذا كان القول ب ~~(الرحمن على العرش استوى) وغير ذلك من الآيات لا يجوز دفعها بالعرض على ~~المفهوم من الخلق، بل يحقق ذلك على نفي الشبه، فمثله خبر الرؤية. # وأيضا قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، وجاء في غير خبر النظر إلى ~~الله، وقد يحتمل غير ذلك مما جاء فيه التفسير، لكنه لولا أن القول بالرؤية ~~كان أمرا ظاهرا، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجئ فيها إليها ويدفع به الخبر، ~~والله أعلم. # وأيضا ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه ms1739 وسلم - في غير خبر أنه قال: " ~~إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون "، وسئل: ~~" هل رأيت ربك؟ فقال: بقلبي # PageV05P025 # قلبي "، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل أن رؤية القلب إذ هي ~~علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر الله المؤمنين عن السؤال عن ~~أشياء قد كقوا عنها بقوله: (لا تسألوا عن أشياء)، فكيف يحتمل أن يكون ~~السؤال عن مثله يجيء، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم، ثم لا ينهاهم عن ذلك ~~ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، والله ~~الموفق. # وأيضا: إن الله وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا، ولا شيء أحسن ~~من التوحيد، وأرفع قدرا من الإيمان به؛ إذ هو المستحسن بالعقول والثواب ~~الموعود من جوهر الجنة، حسنه حسن الطبع، وذلك دون حسن العقل؛ إذ لا يجوز أن ~~يكون شيء حسنا في العقول لا يستحسنه ذو عقل، وجائز ما استحسنه الطبع طبعا ~~لا يتلذذ به كطبع الملائكة، ومثله في العقوبة؛ لذلك لزم القول بالرؤية ~~لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب ~~شهودا كما صار المطلوب من الثواب حضورا، ولا قوة إلا بالله. # ولا يحتمل العلم؛ لأن كلا يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا ~~يعتريه الوسواس، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال، وكثرة الآيات لا تحقق ~~علم الحق الذي لا يعتريه ذلك، دليله قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة. ~~. . . .) الآية، وما ذكر من استعانة الكفرة بالكذب في الآخرة وإنكار الرسل ~~عليهم، وقولهم: # PageV05P026 # (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)، وغير ذلك. # وبعد، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان بحق علم الاستدلال، لم يجز أن ~~يصير علم الاستدلال بحق علم العيان، فثبت أن الرؤية توجب ذلك. # وبعد، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خص بها ~~المؤمن، ولا قوة إلا بالله. # ولا نقول بالإدراك؛ لقوله: (لا تدركه الأبصار)؛ ms1740 فقد امتدح بنفي الإدراك ~~لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: (ولا يحيطون به علما)، كان في ذلك إيجاب العلم، ~~ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وبالله التوفيق. # وأيضا إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، والله يتعالى عن وصف الحد؛ ~~إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحد وصف المتصل ~~الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو ~~على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدا يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق ~~والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل الله لكل شيء من ذلك وجها ~~يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر الله تعالى أنه ليس بذي حدود ~~وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول ~~بالرؤية والعلم جميعا، ولا قوة إلا بالله. # وبعد، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا ~~بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له ~~الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها. # PageV05P027 # وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء. # ألا ترى أن الظل في التحقيق يرى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان ~~مرئيا على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له ~~الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن ~~طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء، وإن كان يرى لا بها؛ ~~ولذلك ضرب المثل بالقمر؛ لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى ~~بيقين، ولا قوة إلا بالله. # والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر ~~بما لم يجئ، والله الموفق. # ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم، فكذلك لا ~~يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى، ولما حل فيه ms1741 المرئي ~~بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد، ولو جازت ~~الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به. # وقال الشيخ - رحمه الله -: وهذا خطأ؛ لأنه قدر برؤية جوهره، وقد علم أن ~~غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلا عن ~~إدراكه ببصره؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم مما يروننا من حيث لا نراهم، ~~والجثة الصغيرة نحو البق، ونحو ذلك مما يرى لنا لو توهم مثل ذلك البصر لما ~~احتمل الإدراك، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا، ويسمع جميع أقوالنا على ~~ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله، وذلك عظيم، ~~وكذلك ما ذكر من نطق الجلود، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد ~~عظيما. # وبعد، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر ~~تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله ~~وجده مستنكرا، وإذا # PageV05P028 # كان كذلك يطل التقدير بالذي ذكر، والله الموفق. # وأيضا: إنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم، ثم جائز ~~العلم بالغائب خارجا منه، فمثله الرؤية. # والثالث: ما ذكرنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك ~~الوجوه. # والرابع: أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية، إما بالحجب ~~أو بالجوهر، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل ~~بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم؛ إذ وجد جسم لا كذلك، فيجوز وجود ذلك ~~ولا جسم، فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا الرؤية يجوز أن يبلغه ~~بصر غيرنا، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب، فإذا ارتفع جاز، ولا قوة إلا ~~بالله. # وبعد، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام ~~والأعراض؛ إذ كيف سبيل الرؤية له. # وبعد، فإن كل جسم يرى، وإن كانت الدقة والبعد يحجبان فيجوز ارتفاعهما عن ~~بصر غير فيرى على ما يرى ملك الموت من بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ~~ذلك ببصر البشر، لما احتمل الإدراك، ms1742 فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ~~ما يبصره، ولكن بسبب تعريف ما يحجب به البصر، فإذا ارتفع رأى مع ما كان ~~المنفي رؤيته لذاته عرض، وإلا فكل جسم يرى، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس ~~بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر للزم الإقرار به؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو ~~العرض، وإلا فكل غير يرى، ولا قوة إلا بالله. # وعورض بأمر الدنيا ومحال العرض بذلك لا تسقط المحنة وترفع الكلفة والدنيا ~~هي لهما. # ثم ذكر في أمر موسى أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات، وقد بينا فساد ذلك، ~~وما ذلك العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق، وذلك لا يكون ~~بغير الممتحن؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة، بل سأل ~~الرؤية؛ ليجل قدره وليعرف عظيم محله عند الله، أو أن يكون الله أمره به؛ ~~ليعلم الخلق جواز # PageV05P029 # ذلك، وبالله التوفيق. # ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أري الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه ~~وليراه، فيقال له: ولو كانت الآية فالجبل لا يراها ولا يعقل، وإذا كان كذلك ~~فالآية إذا صار اندكاك الجبل وانشقاقه لا أن أراه الآية يستدل بها، وفي هذا ~~آية قد أرى موسى الآية، وهو اندكاك الجبل، والله يقول: (لن تراني)، وحملته ~~على الآية، وقد رآها، ولا قوة إلا بالله. # فإن قيل: ما معنى توبته لو كان سؤاله على الأمر؟ # قيل: على العادة في الخلق من يحدثه عند الأهوال بلا حدوث ذنب، أو لما رأى ~~من جلال الله وعظمته فزع إلى التوبة وإحداث الإيمان به، وإن لم يكن ما يوجب ~~ذلك، وذلك متعارف في الخلق. # ويحتمل أن يكون قوله: (لن تراني) كان عنده جواز الرؤية في الشاهد، ~~واحتمال وسعه ذلك بما وعد الله في الآخرة فرجع عما كان عنده، وآمن بالذي ~~قال: (لن تراني)، وإن كان في الأصل إيمانه داخلا على نحو إحداث المؤمنين ~~الإيمان بكل آية تنزل، وبكل فريضة تتجدد، وإن كانوا في الجملة ms1743 مؤمنين ~~بالكل، والله الموفق. # وقد بينا ما قالوا في قوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)، ~~والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود، أو يقرن به المقصود إليه صرف ~~عن حقيقته، وإلا لا، وذلك نحو قوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، و (ألم ~~تر كيف فعل ربك). # وأصله: أن من قال: رأيت فلانا، أو نظرت إلى فلان، لم يحتمل غير ذاته، ~~وإذا قال: رأيته يقول كذا، ويفعل كذا، أنه لا يريد به رؤية ذاته، فمثله أمر ~~قصة موسى، وهذه الآية. # وروي عن ضرار بن عمرو أنه أتى البصرة، فقال: يا أهل البصرة، إما أن كان # PageV05P030 # موسى مشبها، في ما أن كان الله يرى؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل ربه ~~رؤيته، كان جاهلا به، مشبها خلقه به، فدل أنه يرى. # ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب؛ لأنه لم ~~يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط، إنما أخبر أنه كذلك ~~وجد، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسما، وكذا كل عالم، فيجب ~~مثله في الغائب، ثم ذكر معنى رؤية الجسم، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى ~~يكون له دليلا. # وبعد، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله تعالى، ثم احتج ~~بامتداح الله تعالى: (لا تدركه الأبصار)، وقال: لا يجوز أن يزول فمثله عليه ~~في قوله: (خالق كل شيء)، وقوله: (وهو على كل شيء قدير) فلا يجوز أن يزول، ~~ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن كنه ~~ما به الرؤية. # فإن قيل: كيف يرى؟ # قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام، وقعود، ~~واتكاء، وتعلق، واتصال، وانفصال، ومقابلة، ومدابرة وقصر، وطول، ونور، ~~وظلمة، وساكن، ومتحرك، ومجانس، ومباين، وخارج، وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم ~~أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا. . . .) الآية. ms1744 # قال أبو بكر الأصم: تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى لا رؤية الذات، ~~وكذلك قال في قوله: (رب أرني أنظر إليك): إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام ~~التي بها يرى لا رؤية الذات، وقد بينا بعده وإحالته؛ لما قد أعطاه من ~~الآيات والأعلام: ما فيه غنية عن غيرها، فلا يحتاج إلى غيرها. # PageV05P031 # وقال الحسن: إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية، وهو يقر بالرؤية، ~~لكنه يقول: سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك. # ألا ترى أنه قال: (فإن استقر مكانه فسوف تراني)، أخبر أن الجبل لا يستقر ~~له، فكيف تستقر أنت؛ لكنه ينشيء بنية تحتمل ذلك. # وقال الحسن: لذلك قال موسى: إني (تبت إليك وأنا أول المؤمنين) أن ليس في ~~الدنيا الرؤية، إلى نحو هذا يذهب الحسن، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما ~~حضر لنا. # وقال أهل التأويل: قوله: (تجلى ربه للجبل)، أي: ظهر، لكن لا يفهم من ~~ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله: (استوى على العرش)، ~~وقوله: (وجاء ربك)، وغيرهما من الآيات، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق، ~~وكذلك مجيئه، فعلى ذلك ظهوره، وبالله العصمة. وروي أن في التوراة " أنه جاء ~~من طور سيناء، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران " وتأويله جاء وحيه # PageV05P032 # على موسى في طور سيناء، وظهر على عيسى في جبل ساعور، واطلع على محمد في ~~جبل فاران، ثم العجب أن كيف اجترأ موسى بالسؤال بسؤال مثله؟! (أرني أنظر ~~إليك)، لكنه يحتمل وجوها: # أحدها: على الأمر بالسؤال على ذلك؛ ليعلم أنه يرى، ويعتقدوا ذلك. # أو على الظن منه لما رأى أنه أعطاه أشياء لا يكون مثلها في الدنيا إنما ~~يكون في الآخرة، خص بها؛ من نحو انفجار العيون من الحجر من غير مؤنة تكون ~~لهم في ذلك من حفر الأنهار وإصلاحها وأنواع المؤن، ونحو ما أعطاهم من ~~اللباس الذي ينمو ويزداد على قدر قامتهم وطولهم، ومن نحو ما أعطاهم من المن ~~والسلوى على غير مؤنة ولا ms1745 جهد، وذلك كله وصف الجنة، فلما رأى ذلك ظن أن ~~الرؤية -أيضا- تكون في الدنيا على ما كان له من أشياء لم يكن مثلها لأحد في ~~الدنيا، أو لما رأى أنه سمع كلام ربه، وألقى على مسامعه كلامه لا من مكان، ~~ولا من قريب، ولا من بعيد، ولا من أسفل، ولا من أعلى، ولا من فوق، ولا من ~~تحت، لكنه سمعه بما شاء، وكيف # PageV05P033 # شاء، بلطفه، فعلى ذلك ظن أنه يجوز له أن يسأل ربه الرؤية، فيريه بما شاء ~~كيف شاء بلطفه كما أسمع كلامه بلطفه لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ~~... (144) # سمى الله - عز وجل - موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - بأسماء ~~الجوهر: موسى، وعيسى، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وسمى نبينا محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - نبيا ورسولا، وذلك يدل على تفضيله، وكذلك سمى سائر ~~الأمم المتقدمة ب (يا بني إسرائيل)، و (يا بني آدم)، وسمى أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -: (يا أيها الذين آمنوا)، وقال: (كنتم خير أمة) ونحوه، # PageV05P034 # فذلك يدل -أيضا- على تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على غيرها من ~~الأمم. # وقوله - عز وجل -: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي). # كان مصطفى ومفضلا بالكلام على الناس كافة الأنبياء وغيرهم؛ لأن الله ~~تعالى لم يكلم أحدا من الرسل إلا بسفير سوى موسى؛ فإنه كلمه، ولم يكن ~~بينهما سفير. # وأما قوله: (اصطفيتك على الناس برسالاتي) على أناس زمانه، وأهله خاصة، ~~ويحتمل: برسالاتي التي بين موسى وبين الله تعالى، وهذا ينقض على المعتزلة ~~قولهم: إن الله تعالى لا يرسل رسولا إلا وهو يستحق الرسالة، ولو كان طريقه ~~الاستحقاق لا الإفضال والإحسان، لم يكن للامتنان معنى، دل أن طريقه الإفضال ~~والإحسان لا الاستحقاق، والله أعلم. # وعلى قول المعتزلة لا يكون الله مصطفيا موسى ولا غيره من الأنبياء، ولكن ~~هم الذين اصطفوا أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (فخذ ما آتيتك) يخرج على وجهين: # أحدهما: القبول، أي: اقبل ما أعطيتك؛ كقوله: (خذ من أموالهم صدقة). # ويحتمل ms1746 قوله: (فخذ ما آتيتك)، أي: اعمل بما آتيتك بأحسن العمل، (وكن من ~~الشاكرين) لنعمته التي أنعمها عليه، من التكليم والرسالة وغيرهما من النعم، ~~والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ~~فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن ~~يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء ~~الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147) # وقوله - عز وجل -: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء). # يحتمل قوله: (وكتبنا له في الألواح) وجهين: # أحدهما: أنه إنما أضاف ذلك إلى نفسه لما تولى كتابتها الملائكة البررة ~~الكرام، # PageV05P035 # أضاف ذلك إلى نفسه تفضيلا لهم وتعظيما على ما ذكر في الكتاب في غير موضع؛ ~~من نحو قوله: (فنفخنا فيه من روحنا)، وقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله)، أخبر أن طاعة الرسول له طاعة، وغير ذلك، فكذلك هذا، والله أعلم. # أو أضاف ذلك إلى نفسه لما كان ويكون إلى يوم القيامة، إنما يكون ب كن ~~الذي كان منه في الأوقات التي أراد أن يكون، فعلى ذلك كتب تلك الألواح كان ~~تحت ذلك الكن، وإن كان أضاف بعض تلك الأشياء إلى نفسه؛ كقوله: (جعل لكم ~~الليل والنهار) و (جعل الشمس ضياء والقمر نورا)، (وأنزل لكم من السماء ~~ماء)، كذا وخلق لكم كذا (وجعل لكم السمع والأبصار)، ونحو ذلك، فذلك كله كان ~~تحت قوله: (كن) فكان على ما أراد أن يكون، في الأوقات التي أراد أن تكون، ~~والله أعلم. # وقوله: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء). # يحتمل قوله: (من كل شيء): مما يقع للعباد الحاجة إليه، ويحتمل: (من كل ~~شيء) من أمره ونهيه، وحله وحرامه. # وقوله - عز وجل -: (موعظة). # قال: الموعظة: هي التي تحمل القلوب على القبول، والجوارح على العمل. # وقال بعضهم: الموعظة: هي ms1747 التي تنهى عما لا يحل. # قال أبو بكر: الموعظة: هي التي تلين القلوب القاسية، وتدمع العيون ~~الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة. # قال الشيخ رحمه الله -: وعندنا الموعظة: هي تذكر العواقب، وتحمله على ~~العمل بها. # وقوله - عز وجل -: (وتفصيلا لكل شيء). # PageV05P036 # قيل: تقصيلا لما أمروا به، ونهوا عنه. # وقيل: بيانا لكل ما يحتاج إليه. # وقوله: (فخذها) يحتمل -أيضا- وجهين: # يحتمل قوله: (فخذ)، أي: اقبل، على ما ذكرنا في قوله: (فخذ ما آتيتك). # ويحتمل: اعمل بما فيها. # وقوله - عز وجل -: (بقوة) قال أهل التأويل: بجد ومواظبة، ولكن قوله: ~~(فخذها بقوة) القوة المعروفة، وعلى قول المعتزلة لا يكون أخذا بقوة، وقد ~~أخبر أنه أخذها بقوة؛ لأنهم يقولون: إن القوة تكون قبل الفعل، ثم يقولون: ~~إنها لا تبقى وقتين، فيكون في الحاصل لو كانت قبل الفعل أخذا بغير قوة دل ~~أنها مع الفعل، وتقول المعتزلة: دل قوله: (فخذها بقوة) على أن القوة قد ~~تقدمت الأمر بالأخذ، لكن لا يكون ما ذكروا؛ لأنه أمر باخذ بقوة دل أنها ~~تقارن الفعل لا تتقدم. # وقوله - عز وجل -: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها). # يحتمل قوله: (يأخذوا) ما ذكرنا من الوجهين القبول أو العمل، أي: مرهم ~~يقبلوا بأحسن القبول. # ويحتمل: مرهم يعملوا بأحسن ما فيها من الأمر، والنهي، والحلال، والحرام. # ويحتمل قوله: (بأحسنها)، أي: بما هو أحكم وأتقن. # أو بأحسن مما عمل به الأولون؛ إذ فيه أخبار الأولين. # وقوله - عز وجل -: (سأريكم دار الفاسقين). # قال بعض أهل التأويل: قال ذلك لبني إسرائيل: سأريكم دار الفاسقين، يعني: ~~سنة الفاسقين، وهو الهلاك؛ كقوله تعالى: (فقد مضت سنت الأولين). # وسنته في أهل الفسق والكفر والهلاك. # PageV05P037 # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (سأريكم دار الفاسقين): جهنم، وأمكن ~~أن يكون الخطاب للفسقة، سأريكم يا أهل الفسق دار الفاسقين. # وقوله - عز وجل -: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ... ~~(146) # يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: (سأصرف عن آياتي) أي: سأصرفهم عن قبولها وتصديقها؛ إذ لم ~~يستقبلوها بالتعظيم لها، بل استهزءوا بها واستخفوا بها على علم منهم ms1748 أنها ~~آيات من الله وحجة. # والثاني: سأصرف عن وجود الطعن والقدح فيها والكيد لها، ثم إن كل واحد من ~~هذين الوجهين يتوجه على وجهين: # قال الحسن: إن للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد يطبع عليه، فلا يقبل ~~ولا يصدق آياته بعد ذلك. # والثاني: أنهم كانوا يتعنتون في آياته ويكابرون في ردها مع علمهم أنها ~~آيات وحجج من الله، فإذا تعانتوا صرفهم عن قبولها وتصديقها، وهو كقوله ~~تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم)، أي: خلق منهم فعل الزيغ وفعل الانصراف، وهكذا كل من يختار عداوة ~~الله، فالله لا يختار له ولايته، ولكن يختار له ما اختار هو. # وأما قوله: (سأصرف) عن وجود الطعن فيها والقدح؛ وذلك أن الله - عز وجل - ~~جعل للرسل والأنبياء أضدادا من كبراء الكفرة وعظمائهم، وكانوا يطعنون في ~~الآيات، ويقدحون فيها، فأخبر أنه يصرفهم عن وجود الطعن فيها والقدح والكيد ~~لها، أي: لا يجدون فيها مطعنا ولا قدحا. # والثاني: قوله: (سأصرف عن آياتي) الهلاك والإبطال، بل هم المهلكون ~~والآيات هي الباقية، ثم اختلف في الآيات: # PageV05P038 # قال الحسن: آياتي: ديني، وتأويله ما ذكرنا أنهم إذا بلغوا ذلك الحد صرفهم ~~عنها. # وقال غيره: آياته: حججه وبراهينه. # وقوله - عز وجل -: (الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق). # كانوا يتكبرون هم على الرسل لما لم يروهم أمثالا لأنفسهم وأشكالا، وهكذا ~~كل من تكبر على آخر يتكبر لما لم يره مثالا لنفسه ولا شكلا، أو يتكبر لما ~~يرى نفسه سليمة عن العيوب، ويرى في غيره عيوبا، أو يرى لنفسه حقوقا عليه ~~فيتكبر، فإذا كان التكبر لهذا، فالخلق كلهم أكفاء بعضهم لبعض؛ لأنهم أمثال ~~وأشكال، وفيهم العيوب والحاجات، فلا يسع لأحد التكبر على أحد، وإنما التكبر ~~لله تعالى، فله يليق لما لا مثل له ولا شكل، منزه عن العيوب كلها والحاجات؛ ~~لذلك كان هو الموصوف بالكبرياء والعظمة. # وقوله - عز وجل -: (بغير الحق)، أي: ليسوا هم بأهل الكبر. # وقوله - عز وجل -: (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) أمكن ms1749 أن يكون قوله: ~~(يروا)، أي: إن علموا أنه آية لا يؤمنون به أبدا، هذا في قوم علم الله أنهم ~~لا يؤمنون أبدا. # (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا). # أي: وإن علموا أنه سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ولا يتبعوه؛ مخافة أن تذهب ~~بأسهم ومكانتهم (وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) أي: وإن علموا، أن ذلك ~~هو سبيل الغى والباطل يتخذوه سبيلا. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا). # يحتمل قوله: (ذلك) الصرف الذي ذكر عن آياته لما كذبوا الآيات بعد علمهم ~~أنها آيات من الله، (وكانوا عنها غافلين) غفلة الإعراض والعناد لا غفلة ~~الجهل والسهو. # وقوله - عز وجل -: (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ... (147) # أي: الذين كذبوا بالآيات والبعث بعد الموت. # وقوله - عز وجل -: (حبطت أعمالهم). # يحتمل هذا وجهين: # PageV05P039 # يحتمل: أنهم كانوا مؤمنين من قبل فكذبوا الآيات، فكفروا بها، فحبطت ~~الأعمال التي كانت لهم في حال الإيمان، وبطلت. # ويحتمل: (حبطت أعمالهم): المعروف الذي كانوا يفعلون في حال الكفر؛ من نحو ~~صلة الرحم، والصدقات وغيره من المعروف، والخيرات التي عملوا بها، حبط ثواب ~~ذلك كله إذا لم يأتوا بالإيمان. # وقوله - عز وجل -: (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). # أي: ما يجزون إلا ما كانوا يعملون من الاستهزاء بالآيات والاستخفاف. # * * * # قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط ~~في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن ~~من الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني ~~من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن ~~أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين (151) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا ms1750 من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) # وقوله - عز وجل -: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا). # قوله: (واتخذ قوم موسى) كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله: ~~(فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي. . .)، ~~الآية، وصف الله - تعالى - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق ~~بقوله: قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، وبعضهم ~~وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: (اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة) وقال: هاهنا: اتخذوا العجل إلها عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - ~~لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في ~~آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ~~ولا نضيعها على # PageV05P040 # ما ضيع قوم موسى. # وقوله: (من بعده) أي: من بعد مفارقة موسى قومه. # وقوله: (من حليهم)، وقال في موضع آخر: (أوزارا من زينة القوم)، وكانت تلك ~~الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: (أوزارا من زينة القوم) أضاف إلى ~~فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: (من حليهم) دل أن العارية يجوز أن ~~تنسب إلى المستعير. # وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل دارا له عارية عنده يحنث. # وقوله: (عجلا جسدا). # PageV05P041 # قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلا في جوهره. # وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ~~ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) ~~لكنه كأنه قال: عجلا له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ~~ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر. # وقوله: (له خوار) قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك ~~القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار. # وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلا؛ ms1751 فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خوارا. # وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه ~~وحركه: خار. # وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، ~~فعند ذلك يخور. والله أعلم. # وقوله: (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا). # ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، وفي سورة طه: (ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا) ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرا ونفعا يجوز أن يعبد؛ ~~ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حال لا يوجب إباحة ذلك في حال أخرى. # وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في ~~الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها. # PageV05P042 # وفي قوله: (لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) (ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) ذكر ~~سفههم لعبادتهم شيئا لا يملك لهم ضرا ولا نفعا. # وقوله: (اتخذوه) أي: اتخذوه، إلها عبدوه، (وكانوا ظالمين) في عبادتهم ~~العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها. # وقوله - عز وجل -: (ولما سقط في أيديهم ... (149) هذا حرف تستعمله العرب ~~عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، ~~أي: ندموا على ما كان منهم. # وقوله - عز وجل -: (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا) أي: لئن لم يرحمنا ~~ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة ~~للعجل، والتفريط في العصيان (لنكونن من الخاسرين). # ويحتمل قوله: (لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا) ابتداء طلب الرحمة ~~والمغفرة؛ كقوله: (واستغفروا ربكم. . .) الآية. # ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو. # وفي قوله: (ألم يروا أنه لا يكلمهم) بعد قوله: (له خوار) دلالة أن الكلام ~~هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خوارا، ثم أخبر ~~أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل ~~لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلانا، ثم خاطبه بشيء لا يفهم ms1752 مراده ~~أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث. # PageV05P043 # وقوله - عز وجل -: (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ... (150) والأسف: ~~هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله: (يا أسفى على يوسف)، هو النهاية في ~~الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم)، أي: ~~أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه. # وقوله - عز وجل -: (غضبان) أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم ~~عبادة الله حزنا على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا ~~الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته ~~المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ~~ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله - عليه السلام - ~~بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزنا عليهم؛ حيث قال: ~~(لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، ~~ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر. # وقوله - عز وجل -: (قال بئسما خلفتموني من بعدي). # يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله. # والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم ~~إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أعجلتم أمر ربكم) اختلف فيه: # قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله: (ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) أي: ~~أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: (وواعدنا موسى ثلاثين ~~ليلة). # وقال آخرون: قوله: (أمر ربكم) أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل # PageV05P044 # واتخاذكم له إلها، وقد سمى الله تعالى العذاب في غير موضع من القرآن: ~~أمرا؛ كقوله: (أتى أمر الله)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (وألقى الألواح). # قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضبا منه، فوقع ~~منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: (وألقى الألواح) ~~طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه ms1753 قال: (وألقى في الأرض رواسي)، ليس يفهم منه ~~الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: (وألقى الألواح) ~~أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن ~~يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، ثم أخذ رأسه ولحيته ~~يجره إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: (يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا ~~برأسي) دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعا لشدة غضبه لله على صنيع قومه. # وفي الآية دلالة العمل بالاجهاد؛ لأنه قال: (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي)، ~~ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: ~~لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا. # وفيه أيضا: أن هارون لما قال له: (يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت) إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل) لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله ~~فلا تشمت بي الأعداء. # وقوله: (وأخذ برأس أخيه يجره إليه). # فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج ~~إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه. # وكذلك قوله: (يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي)، فيه دلالة لأصحابنا أن من # PageV05P045 # مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم ~~سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأسا، وسمى اللحية لحية، ~~وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني). # خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له: (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري)، فقال عند ذلك: (إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين). # وقوله - عز وجل -: (قال رب اغفر لي ولأخي ... (151) # قال بعضهم: إنما خص أخاه ms1754 بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعا قد عبدوا العجل سوى ~~أخيه هارون؛ لذلك خضه بسؤال المغفرة. # وقال بعضهم: إنما قال ذلك جوابا عما قال هارون: (فلا تشمت بي الأعداء. . ~~.) الآية. # ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له ~~وزيرا بقوله: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري ~~(31) وأشركه في أمري (32)، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، ~~فعلى ذلك خصه بسؤال المغفرة. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنت أرحم الراحمين). # لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته. # وقوله؛ (إن الذين اتخذوا العجل ... (152) # أي: عبدوا العجل. # PageV05P046 # (سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا). # قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، (وذلة في ~~الحياة الدنيا) والقتل والهلاك في الدنيا. # وقال بعضهم: قوله: (غضب من ربهم): القتل، والهلاك، (وذلة في الحياة ~~الدنيا) الجزية والسبي والقهر. # ويحتمل قوله تعالى: (وذلة في الحياة الدنيا) وذكر الذم بصنيعهم وثناء ~~الشر، على ما كان بصنيع الخير المحمدة في الدنيا وثناء الخير. # وقوله - عز وجل -: (سينالهم غضب من ربهم). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر. # والثاني: أن يكون هذا مذكورا في كتبهم أن من اتخذ العجل معبودا سينالهم ~~غضب من ربهم، فإن كان هذا خبرا عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، ~~وإلا على الخبر، أي: قد نالهم. # (وكذلك نجزي المفترين). # أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ... ~~(153) # قال أهل التأويل: قوله: (والذين عملوا السيئات) يعني: الذين عبدوا العجل. # (ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) وهو: في كل من ~~عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله ~~المغفرة، غفر له. # PageV05P047 # قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون (154) واختار موسى قومه سبعين رجلا ms1755 لميقاتنا فلما ~~أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء ~~منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # وقوله - عز وجل -: (ولما سكت عن موسى الغضب). # الذي غضب لله على قومه بعبادتهم العجل. # ولا يحتمل ما قاله أبو بكر الأصم: أن الغضب عقوبة وشتم؛ لأن الغضب معروف، ~~لا بجوز أن يتأول ما قال هو. # وقوله - عز وجل -: (أخذ الألواح). # يعني: الألواح التي وضعها على الأرض. # وقوله - عز وجل -: (وفي نسختها هدى ورحمة). # قال بعضهم: يعني في نسخة الألواح لما كانت نسخت من اللوح المحفوظ. # وقال بعضهم: قوله: (وفي نسختها هدى) أي: الكتب التي انتسختها بنو إسرائيل ~~من تلك الألواح. # وقوله: (هدى ورحمة) أي: هدى من كل ضلالة، وبيان من كل غي وشبهة، ورحمة من ~~كل سخط وغضب. # (للذين هم لربهم يرهبون). # أي: للذين يخشون ربهم فيعملون بها. # وقوله - عز وجل -: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ... (155) # قال بعضهم: قوله: (لميقاتنا)، أي: لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون # PageV05P048 # الذي وعد، ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر؟ # وقوله: (واختار موسى قومه) قال بعضهم: السبعون الذين اختارهم موسى ~~ليكونوا مع هارون، فعبد العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا ولم يغيروا عليهم، ~~فأخذتهم الرجفة. # وقال الحسن: إنهم جميعا قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم ~~إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل، ولسنا ندري من أولئك السبعون الذين ~~اختارهم موسى؟ وأمكن أن ms1756 يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه؛ فيكونوا ~~شهداء له على إنزال التوراة عليه وكلام ربه. # وقيل: هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة قالوا: (لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة) وهلكوا لقولهم ذلك، وقد ذكرنا ~~أنا لا ندري من كانوا؟ # وقيل: اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم. # وقوله: (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي). # قال بعض أهل التأويل: لو شئت أمتهم وإياي بقتل القبطي. # وقال آخرون: لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة، أي: تقدر ~~على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه ذلك، ويشبه أن يكون قوله: # PageV05P049 # (لو شئت أهلكتهم) إهلاك فتنة وإياي. # وقوله - عز وجل -: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم -: لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك السفهاء بما ~~فعلوا. # والثاني: يقول: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل، ولم تهلكنا يومنا؛ لأن موسى ~~إذا - أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا لم يصدقه قومه بذلك، ولكنهم ~~يتهمونه، ويقولون: أنت فتلتهم على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى ~~بعض الجبال فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك فكذبوه، وقالوا: أنت قتلته؛ ~~فعلى ذلك جائز أن يكون هاهنا خاف أن يتهمه قومه في أولئك ولا يصدقوه فيما ~~حل بهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا). # يحتمل هذا وجوها: # يحتمل: يراد به التقرير. # ويحتمل الإنكار والرد. # ويحتمل الإيجاب. # أما الإنكار: فيكون معناه: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، أي: لا تفعل ولا ~~تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ومثل هذا قد يقال: يقول الرجل لآخر: أتفعل أنت ~~كذا؟ على الإنكار، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هذا. والله أعلم. # ويراد به: الإيجاب؛ كأنه قال: لك أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا، وما هي ~~إلا # PageV05P050 # فتنتك أن يكون ذلك امتحانا وابتلاء ابتداء، أي: تفعله امتحانا وابتلاء لا ~~تعذيبا. # ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج ms1757 له الجواب؛ كقوله: (أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت)، وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله) ونحوه ~~مما لم يخرج له جواب؛ فعلى ذلك هذا. # ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم، وإن كان بعضهم ~~برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة ~~عليهم محنة منه إياهم؛ كقوله: (إذ تحسونهم بإذنه. . .) الآية؛ فعلى ذلك ~~هذا. # وقوله - عز وجل -: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء). # قال أبو بكر: تضل بها، أي: تنهى من تشاء نهيا ما لولا ذلك النهي لم يكن ~~الفعل فعل الضلال، (وتهدي من تشاء) أي تأمره أمرا ما لولا ذلك الأمر لم يكن ~~الفعل، فعل الاهتداء، لكن حرف " من " إنما يعبر به عن الأشخاص دون الأفعال، ~~فلو كان على ما ذكر هو، لقال: (تضل بها من تشاء)، فإن لم يقل ذا، ثبت أنه ~~ليس على ما ذكر. # وتأويله عندنا: أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل ~~الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك، وهو خالق كل شيء. # وأصل ذلك: أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة ~~باختلاف وجوهها حقيقة، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق ~~وصفه بأنه خالقه؛ فعلى ذلك قوله: (تهدي) و (تضل). # ويحتمل: توفق وتخذل. # وقوله - عز وجل -: (أنت ولينا) أي: أنت أولى بنا. # ويحتمل: أنت ولي هدايتنا. # أو: أنت ولي نعمتنا. # (فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين). # PageV05P051 # وأنت خير الراحمين؛ لأن كل أحد دونه إنما يرحم ويغفر برحمته. # وقوله - عز وجل -: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ... (156) # تحتمل الكتابة الإيجاب، أي: أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة أو ~~الإثبات، أي: أثبت لنا وأعطنا في هذه الدنيا حسنة ويكون كقوله: (آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة). # وقال بعضهم: قوله: (واكتب لنا)، أي: وفق لنا العمل الذي نستوجب به الحسنة ~~في الدنيا والآخرة. ms1758 # ويحتمل: اكتب لنا في الدنيا الحسنات، ولا تكتب علينا السيئات، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في هذه الدنيا حسنة) تختم بها الدنيا وتنقضي بها، ~~وإلا ما من مسلم إلا وله في هذه الدنيا حسنة أتاه إياها، وعلى ذلك يخرج ~~قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) أنهم إنما سألوا حسنة ~~لأن يختموا عليها، ويكون قوله: (من جاء بالحسنة فله)، كذا، والله أعلم ~~بذلك. # وقوله - عز وجل -: (إنا هدنا إليك). # قال بعضهم: قوله: (هدنا إليك)، أي: ملنا إليك. # وقال غيرهم: (إنا هدنا إليك)، أي: تبنا إليك. # وقيل: لذلك سمت اليهود أنفسهم يهودا، أي: تائبين إلى الله، لكن لو كان ~~كما ذكر، كان قوله: (ما كان إبراهيم يهوديا) أي: تائبا، وذلك بعيد، ولكن # PageV05P052 # إن كان لذلك سموا فهو - والله أعلم - (ما كان إبراهيم يهوديا)، أي: لم ~~يكن على المذهب الذي عليه اليهود، وكذلك لم يكن على المذهب الذي ادعت ~~النصارى أنه كان عليه، ولكن كان حنيفا مسلما. # وقوله - عز وجل -: (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء). # قال الحسن: يشاء أن يصيب عذابه من كفر بالله وكذب رسله، وشاء من أطاع ~~الله وصدق رسله أن يصيب رحمته. # ودل قوله: (عذابي أصيب به من أشاء) أنه لما شاء أن يصيبهم عذابه شاء ~~العمل والفعل الذي كان به يصيبهم؛ لأن حرف " من " إنما يعبر به عن بني آدم، ~~وليس جائز أن يشاء لهم الإيمان ثم يشاء لهم أن يصيبهم عذابه، ولكن إذا علم ~~منهم أنهم لا يؤمنون ويختارون فعل الضلال على فعل الهداية، شاء لهم ما ~~اختاروا. # وقوله: (ورحمتي وسعت كل شيء). # ما من أحد من مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها ~~يتعيشون ويؤاخون ويوادون، وفيها يتقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، ~~لا حظ للكافر فيها، وذلك قوله: (فسأكتبها للذين يتقون): معصية الله والخلاف ~~له، (ويؤتون الزكاة)، وهو كقوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا ms1759 في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) ~~جعل طيبات الدنيا نعمها مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم ~~القيامة، لا حظ للكافر فيها؛ فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، ~~لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة. # ويحتمل قوله - والله أعلم -: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) ~~أنهم إنما سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، ~~والله أعلم. # وقوله: (ويؤتون الزكاة) يحتمل: يؤتون الزكاة المعروفة. # ويحتمل: تزكية النفس؛ كقوله: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها ~~(10). # PageV05P053 # ومعلوم أنه لم يرد به زكاة المال، ولكن زكاة النفس بالتوحيد والتقوى، ~~وكذلك قوله: (والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين)، هو تلك ~~الزكاة لا الزكاة المعروفة زكاة المال؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وإن كان على الزكاة المعروفة فذلك في قوم ثقل عليهم واشتد إخراج الزكاة ~~من أموالهم؛ كقوله: (الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة. . .) كذا. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم بآياتنا يؤمنون). # قد ذكرنا في غير موضع أن من آمن بآيات الله وصدقها فقد آمن بالله وبرسله، ~~ومن كذب بآياته كذب بالله وخالف رسله؛ لأن طريق معرفة الله ورسله إنما هو ~~من طريق الآيات والحجج، ليس من طريق المشاهدات والمحسوسات؛ لذلك كان ~~الإيمان بالآيات إيمانا بالله وبرسله، والتكذيب بها كفر بالله ورسله. # وقوله - عز وجل -: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ... (157) # أي: يقفون أثر الرسول في كل سيرته، وفي كل أمره ونهيه، ويطيعونه؛ سماه ~~رسولا ونبيا بقوله: (الرسول النبي) والرسول: المبعوث على تبليغ الرسالة ~~والمأمور بها على كل حال، والنبي: المنبئ لهم أشياء عند السؤال والاستخبار، ~~والرسول هو المأمور بالتبليغ سألوه أو لم يسألوا شاءوا أو أبوا، وكان لمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - كلاهما: الإنباء والتبليغ؛ كقوله: (ما أنزل إليك من ~~ربك)، وقوله: (إن عليك إلا البلاغ). # وقوله - عز وجل -: (الأمي الذي يجدونه مكتوبا). # الأمي: ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك. . .) الآية. ms1760 # PageV05P054 # (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة). # أي: يجدونه مكتوبا في التوراة أنه رسول نبي، وأنه أمي. # PageV05P055 # قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب). # لئلا يقولوا: إنك أخذت هذا من الكتب المتقدمة ومن علومها وحكمتها، (ولا ~~تخطه بيمينك)؛ لئلا يقولوا: إنه من تأليفك، ويعلموا أنه من عند الله جاء ~~به، لا من ذات نفسه. # PageV05P058 # وفي قوله: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر. . .) إلى آخر ما ذكر - دلالة إثباث رسالة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة، والإنجيل فيقولون: لا نجد ~~ما تذكر في التوراة والإنجيل؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك، والله ~~أعلم. # وقوله: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر). # أي: يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما ~~نهى الله عنه. # (ويحل لهم الطيبات). # ما أحل الله لهم. # (ويحرم عليهم الخبائث) ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر ~~بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئا ولا يحرم إلا بأمر من الله له، لكنهم ~~ينكرونه إنكار عناد ومكابرة؛ كقوله - تعالى -: (يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم)، وغيره. # ويحتمل قوله: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) الآية، أي: يأمرهم بما ~~هو معروف في العقل وشهادة الخلقة، وهو التوحيد، وكذلك ينهاهم عما هو في ~~العقل وشهادة الخلقة منكر، وهو الكفر رجميع المعاصي. # (ويحل لهم الطيبات) أي: يحل ما هو طيب في العقل والطبع، ويحرم ما هو خبيث ~~في العقل والطبع جميعا؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء ~~البشر فيه، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب، ~~ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام؛ هذا محتمل، والله أعلم. # ثم المعروف الطيبات لو تركت العقول والطباع على ما هي عليه، لكانت لا ~~حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر، ولكن ~~تعرف العقول والطباع ذلك كله، لكن يعترض العقول من الشبه فتمنعها من معرفة ms1761 ~~ذلك، فاحتاجت إلى رسول يخبر عن ذلك. # PageV05P059 # وقوله - عز وجل -: (ويضع عنهم إصرهم). # قيل: ما غلظوا على أنفسهم من الشدائد. # وقيل: إصرهم: شدة من العبادة والعمل. # وقيل: إصرهم: عهدهم. # وقيل: إصرهم: أي الثقل الذي كان بنو إسرائيل ألزموه. # وقال القتبي: (ويضع عنهم إصرهم) أي: ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي: عقوبة ~~الذنب الذي أذنبوا في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (والأغلال التي كانت عليهم). # قال الحسن: إن اليهود قالوا: يد الله مغلولة، أي: محبوسة عن عقوبتنا، ~~فقال - عز وجل -: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا)، أي: غلت أيديهم إلى ~~أعناقهم في النار، فأخبر أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لما آمنوا به ~~وصدقوه، رفعت تلك الأغلال التي كانت عليهم عن هذه الأمة بطاعتهم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: الأغلال التي كانت عليهم: الشدائد التي كانت عليهم، من نحو ما لا ~~يجوز لهم العفو عن الدم العمد، ولا أخذ الدية، وما لا يجوز غسل # PageV05P060 # النجاسات إلا العظم، وغير ذلك من الأشياء التي لم تحل لهم، فأحلت لهذه ~~الأمة. # ويحتمل أن يكون الإصر والأغلال التي كانت عليهم: من نحو ما حرم من أشياء ~~بظلم كان منهم وتحريم؛ نحو قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم) وقوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)، إلى قوله: ~~(ذلك جزيناهم ببغيهم)، حرمت تلك الأشياء عليهم؛ عقوبة لبغيهم وظلمهم الذي ~~كان منهم، أخبر أنه وضع عن هؤلاء ذلك، لم يحرم ذلك عليهم. # وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر ~~أنه أمي، والأمي ما ذكر في قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك) كان لا يتلوه ولا يخطه بيده، ثم أخبر على ما كان في كتبهم من غير ~~أن عرف ما في كتبهم، أو نظر فيها وعرف لسانهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله. # وقوله: (فالذين آمنوا به). # PageV05P061 # أي: صدقوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # (وعزروه). # قيل: أعانوه بأموالهم. # (ونصروه). # بأيديهم بالسيف. # وقال ms1762 الحسن: قوله: (وعزروه ونصروه) إنما هو كلام مثنى، وهو إعانة. # وقيل: (وعزروه) أطاعوه (ونصروه) أعانوه، وقيل: (عزروه)، أي: عظموه. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا النور الذي أنزل معه). # يعني: القرآن؛ سماه نورا؛ لما ينير الأشياء عن حقائقها بالعقول؛ لأن ~~النور في الشاهد هو الذي يكشف عن الأشياء سواترها؛ فعلى ذلك القرآن هو نور؛ ~~لما يرفع الشبه عن القلوب، ويكشف عن سواترها. # وقال بعضهم: سمى نورا؛ لما ينير الأشياء ويعرف به ما غاب وما شهد، فيصير ~~الغائب به له كالشاهد. # * * * # قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك ~~السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي ~~الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # وقوله - عز وجل -: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). # فيه دلالة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثا إلى الناس ~~كافة، وكذلك روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " بعثت إلى الأحمر ~~والأسود "، وسائر الأنبياء بعثوا إلى أقوام خاصة، وإلى البلدان والقرى ~~المعروفة المحدودة. # وفيه أنه لما خاطبه أن يقول للناس: (إني رسول الله إليكم) أنه لا سبيل له ~~إلى أن # PageV05P062 # يخاطب الناس والخلق جميعا فيقول: (إني رسول الله إليكم جميعا)، ولكن إنما ~~يكون ببعث الرسل إليهم، فينزل قول الرسول أنه رسول الله إليكم منزلة قول ~~نفسه: (إني رسول الله إليكم)، فانتشر ذكره بتبليغ الرسل إليهم، كأنه هو بلغ ~~ذلك وقال لهم: (إني رسول الله إليكم)، أو أن الله - عز وجل - سخر الخلق حتى ~~بلغ بعضهم بعضا رسالته، حتى فشا خبره، وانتشر ذكره في جميع آفاق الأرض شرقا ~~وغربا، وذلك من عظيم آيات نبوته ورسالته. # ثم بين أنه رسول من فقال: رسول (الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا ~~هو يحيي ويميت)، وذكر تخصيص السماوات والأرض وإن كان له ملك الكل؛ لما هما ~~النهاية في ملك البشر عند البشر. # أو ذكر هذا؛ ليعلموا أن من في السماوات والأرض له عبيده وإماؤه. # أو ms1763 ذكر هذا؛ ليعلموا أن التدبير فيهما جميعا لواحد؛ حيث اتصلت منافع ~~السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما. # وقوله - عز وجل -: (لا إله إلا هو) ذكر هذا؛ لأن العرب سمت كل معبود ~~إلها، وهم كانوا يعبدون الأصنام دونه ويسمونها آلهة، فنفى الألوهية عمن ~~يعبدونهم دونه، وأثبتها له، وأخبر أنه هو المستحق لاسم الألوهية والعبادة ~~لا غيره؛ لأنه يحيي ويميت، ومن يعبدون دونه لا يملك الإحياء ولا الإماتة، ~~وذكر هذا - والله أعلم - الحياة والموت؛ لأنه ليس شيء ألذ وأشهى في الشاهد ~~من الحياة، ولا أمر ولا أشد من الموت؛ ليرغبوا في ألذ ما غاب عنهم، وينفروا ~~عن الأمر والأكره مما غاب عنهم، والله أعلم. # أو ذكر أنه يحيي ويميت؛ ليدل أنه فعل واحد، لا عدد. # وقوله - عز وجل -: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله). # كان - صلى الله عليه وسلم - هو السابق إلى كل خير؛ فعلى ذلك دعا الخلق ~~إليه؛ كقوله: (وأنا أول المؤمنين)، (وأنا أول المسلمين)؛ فعلى ذلك إنما أمر ~~بالإيمان به بعد ما آمن هو. # PageV05P063 # وجائز أن يكون قوله: (يؤمن بالله وكلماته) أي: آمن رسول الله بالله ~~وكلماته التي كانت في الكتب الماضية، فأخبر بها على ما في كتبهم؛ ليعرفوا ~~أنه إنما عرفها بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وكلماته) اختلف فيه؛ قال عامة أهل التأويل: كلماته: ~~القرآن. # وذكر في بعض القراءات: " وكلمته " بلا ألف، فصرف التأويل إلى عيسى؛ كأنه ~~قال: آمنوا بالله وبمحمد وبعيسى. # ويحتمل أن يكون قوله: (وكلماته) ما أعطاه من الحلال، والحرام، والأمر، ~~والنهي، والحكمة، والأحكام التي أمر بها وشرعها لنا، على ما ذكر في إبراهيم ~~أنه ابتلاه بكلمات فأتمهن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوه لعلكم تهتدون). # قد ذكرنا الاتباع له، فإذا اتبعوه اهتدوا. # * * * # قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) وقطعناهم ~~اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك ~~الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم ~~الغمام وأنزلنا عليهم المن ms1764 والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها ~~حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ~~(161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) # PageV05P064 # وقوله - عز وجل -: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ... (159) # قيل: أمة يدعون إلى سبيل الحق. # (وبه يعدلون). # أي: به يعملون وهو كقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة). ~~فعلى ذلك يحمل الأول على الإضمار والدعاء إلى سبيل الحق، فقال الحسن: ~~(يهدون بالحق) أي: يعملون، بالحق وبه يعدلون فيما بينهم؛ لكن الأول أقرب، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق) جائز أن تكون الأمة التي أكرم ~~من قوم موسى كانت في زمنهم يدعون الناس إلى الإيمان برسول الله. # أو أن تكون الأمة من قومه في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقية ~~من قوم موسى، مؤمنين به يدعون الناس إليه وبه يعملون. # وقوله: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ... (160) # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو ما ذكره: (وقطعناهم في الأرض أمما) ~~أي: جماعة. # وقيل: (وقطعناهم)، أي: جعلناهم (اثنتي عشرة أسباطا أمما) فرقا. # وقال غيرهم: قوله: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما) أي: جاوزنا بهم ~~البحر، وجعلنا لهم اثنتي عشرة أسباطا. # قال أبو عوسجة: الأسباط: الأفخاذ، والسبط واحد. # وقال القتبي: الأسباط: القبائل، واحدها: سبط. # PageV05P065 # وقيل: الأسباط لهم كالقبائل للعرب. وقيل:، الفخذ دون القبيلة. # وقيل: إن أولاد إسحاق تسمى: أسباطا، وأولاد إسماعيل: قبائل وأفخاذا؛ ~~ولذلك يقال للعرب: قبيلة كذا، وفخذ كذا، ولسنا ندري كيف هو؟ # وقيل: سبط الرجل: ولد ولده؛ على ما روي أن الحسن والحسين - رضي الله # PageV05P066 # عنهما - سبطا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه). # قيل: دل قوله: (إذ استسقاه قومه) أنهم كانوا في المفازة، لا في البلدان ~~والقرى؛ لأنهم لو كانوا في القرى، والقرى لا تخلو عن أنهار تجري ms1765 فيها أو ~~عيون الأرض. # ألا ترى أنه قال: (وظللنا عليهم الغمام) دل أنهم كانوا في المفازة؛ لأنه ~~هنالك تقع الحاجة إلى الغمام، وأما في القرى فلا. # وقوله - عز وجل -: (فانبجست منه اثنتا عشرة عينا). # قال بعضهم: انفجرت؛ على ما ذكر في سورة أخرى. # وقيل: إن هذه الكلمة بلسانهم، لا بلسان العرب. # وقوله - عز وجل -: (قد علم كل أناس مشربهم). # قال بعضهم: تعبدهم عز وجل بمعرفة كل منهم مشربه. # وقال بعضهم: لا، ولكن لئلا يزدحموا في ذلك فيقع في أولادهم التقاتل ~~والإفساد والتنازع والاختلاف. # وقوله - عز وجل -: (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى). # فيه أن جميع مؤنتهم كانت من السماء بلا مؤنة ولا تعب على أنفسهم. # وقوله - عز وبرل -: (كلوا من طيبات ما رزقناكم). # ما ذكر من المن والسلوى وغيره. # (وما ظلمونا). # لا أحد يقصد قصد ظلم الله، ولكن إذا تعدوا حدود الله التي جعل لهم ~~وجاوزوها # PageV05P067 # فقد ظلموا أنفسهم؛ لما رجع ضرر ذلك التعدي إليهم. # وهذه النعم التي ذكر لهم - جل وعلا - إنما جعلها لهم في حال العقوبة ~~والابتلاء من المن والسلوى، والعيون، والغمام، ويدل هذا على أن عقوبات ~~الدنيا قد يشوبها لذة ونعمة، وكذلك لذات الدنيا قد يمازجها شدائد وهموم، ~~فإنما تخلص وتصفو هذه النعم في الآخرة، وكذلك العقوبة هنالك تخلص وتفارق ~~اللذات. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ... (161) # قال عامة أهل التأويل: قوله: (اسكنوا هذه القرية) بيت المقدس. # وأمكن أن تكون القرية التي ذكر - هاهنا - هي الأرض التي ذكرت في سورة ~~المائدة، وهو قوله: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ~~على أدباركم) أمرهم بالدخول فيها، ونهاهم عن الارتداد على أدبارهم، وأمرهم ~~- هاهنا - بالسكون فيها، وأباح لهم التناول منها مما شاءوا. # وقوله - عز وجل -: (وقولوا حطة). # أي: ارجعوا إلى السبب الذي يحط الأوزار، لا قولهم: حط عنا كذا، وهو كما ~~قال: (استغفروا ربكم)، أي: ائتوا بالسبب الذي به يغفر، وهو التوحيد. # (وادخلوا الباب سجدا) الآية. # قد مضى ذكر هذا في السورة التي ms1766 فيها ذكر البقرة. # وقوله - عز وجل -: (فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) # هذا -أيضا- ذكرناه فيها، سوى أنه ذكر - هاهنا - (فأرسلنا عليهم رجزا)، ~~وذكر في سورة البقرة: (فأنزلنا)، والقصة واحدة؛ ليعلم أن اختلاف الألفاظ لا ~~يوجب اختلاف المعاني والأحكام، ولا تغييرها، وذكر هاهنا: (بما كانوا ~~يظلمون)، وذكر، هنالك: (بما كانوا يفسقون)، والفسق هو الخروج عن الأمر، ~~والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد كان منهم الأمران جميعا: الخروج # PageV05P068 # عن أمر الله، ووضع الشيء -أيضا- في غير موضعه. أكرم الله - عز وجل - هذه ~~الأمة كرامات من الطاعة لرسولها، والخضوع له، والتعظيم له، حتى لم يخطر ~~ببال أحد الخلاف له بعد ما اتبعه وآمن به، وأكرمهم -أيضا- من الفهم والحكمة ~~والفقه، حتى ذكر: كأنهم من الفقه أنبياء، وقوم موسى وغيرهم من الأمم لم ~~يكونوا مثل ذلك؛ ألا ترى أن قوم موسى قد خالفوه في أشياء أمرهم موسى بها. # * * * # قوله تعالى: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ~~ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما ~~كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(166) # وقوله - عز وجل -: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) قال بعض ~~أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة. # وقال آخرون: أريحا. # PageV05P069 # ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا ~~منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عز وجل. # وقوله: (واسألهم عن القرية التي كانت. . . .). # أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: (إذ يعدون في السبت)، ~~والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبدا إنما يلزم المسئول ms1767 دون المستخبر، لكن ~~الاستخبار يكون من وجهين: # أحدهما: ابتداء إخبار. # والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب ~~التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؟ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم. # وقال قائلون: لم يأمره بالسؤال حقيقة، ولكنه على التمثيل؛ كأنه قال: لو ~~سألتهم يقولون لك كذا؛ كقوله: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة) ليس ~~على الأمر أن اسألهم، ولكن لو سألتهم كان كذا، وأجابوك بكذا، فعلى ذلك هذا. # وقوله - عز وجل -: (إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم). # عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ابتدعوا السبت فعظموه، فابتلوا فيه، ~~فحرمت عليهم فيه الحيتان. # وقال مجاهد: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت تأتيهم يوم السبت شرعا ~~بلا مؤنة أولا، تكلف، ابتلوا به، ولا تأتيهم في غير مثله. # وقال أبو عوسجة: قوله: (شرعا) هي التي قد دنت من الشط، والواحد: شارع. # وقوله - عز وجل -: (لا يسبتون). # أي: لا يدخلون في السبت؛ كما يقال: لا يربعون ولا يخمسون، أي: لا يدخلون # PageV05P070 # فيه، ويسبتون أي يدخلون فيه، وكذلك يربعون ويخمسون. # وقال القتبي: (شرعا) أي: شوارع، (إذ يعدون) أي: يتعدون الحق، ويقال: عدوت ~~على فلان: إذا ظلمته. # وقال الكيساني: يقرأ: (يسبتون) بالرفع، ويقرأ بالفتح؛ فمن قرأها (يسبتون) ~~بالفتح أراد سبتوا أي عظموا يقال: سبت يسبت سبتا وسبوتا إذا عظم، ومن قرأها ~~برفع الياء أراد أنهم، دخلوا في السبت. # وقال قائلون: قوله: (شرعا) أي: كثيرة، أي: تكثر لهم الحيتان يوم السبت، ~~وهو اليوم الذي حرم عليهم الحيتان، وتقل في غير ذلك. # وقال بعضهم: ابتلاهم الله بتحريم السمك في السبت؛ ليرى الخلق المطيع منهم ~~من العاصي. # وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السر؛ ليكون فسقهم ~~وتعديهم ظاهرا عند الخلق كما كان عند الله؛ لئلا يقولوا عند التعذيب إنهم ~~عذبوا بلا ظلم ولا تعد - والله أعلم -. # وذلك قوله: (كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون). # وقال - قائلون في قوله: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر): إنما ~~أمره أن يسألهم أما عذبهم ms1768 الله بذنوبهم؟ ثم أخبر عن ذنوبهم فقال: (إذ يعدون ~~في السبت) أي: يعتدون في السبت. # PageV05P071 # وقوله: (شرعا) أي: شارعات من غمرة الماء، أي: خارجات. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا ... (164) # وذكر في الأول أنهم كانوا ثلاث فرق: # فريق عدوا، وتركوا أمر الله، وارتكبوا ما نهوا عنه. # وفريق نهوا أولئك الذين اعتدوا وانتهكوا حرم الله. # وفريق، قيل: لم يعتدوا، ولم يرتكبوا نهيه، ولا نهوا أولئك الذين اعتدوا، ~~وهم الذين قالوا: (لم تعظون قوما. . .) الآية، وكذلك روي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - قال: هم كانوا ثلاث فرق: فرقة وعظت، وفرقة موعوظة، وفرقة ثالثة، ~~وهم الذين قالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم). # وهو ما ذكرنا أنه ذكرهم في الابتداء ثلاث فرق، وذكر في آخر الحال فرقتين: ~~فرقة هي التي هلكت بالاعتداء، وفرقة هي التي نهت ونجت. # ثم اختلف أهل التأويل في الفرقة الثالثة: # قال بعضهم: كانوا في الفرقة التي هلكت؛ لوجهين: # أحدهما: لما لم ينهوا أولئك الذين اعتدوا، وكان فرض عليهم النهي عن ~~المنكر والأمر بالمعروف، فإذا لم ينهوا أولئك هلكوا وشركوا في العذاب؛ ~~كقوله: (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم. . .) الآية. # والثاني: كانوا معهم لما نهوا الناهين بقوله: (وإذ قالت أمة منهم لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم). # وقال قائلون: كانوا في الناجين. # قال الحسن: لأنهم كانوا نهوا أولئك عن الاعتداء والظلم الذي كان منهم، ~~وكان قولهم: (لم تعظون قوما) بعد ما نهوهم ووعظوهم فلم يتعظوا، فإنما قالوا ~~لأولئك: # PageV05P072 # (لم تعظون قوما) بعد ما نهوا ووعظوا، فقالوا: كيف تعظون قوما لا يتعظون ~~ولا ينتهون، فإنما قالوا ذلك بعد ما نهوا. # وقال قائلون: هذا القول منهم نهي؛ لأنهم أتوا بوعيد شديد بقولهم: (لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا)، فنفس هذا القول منهم نهي ~~وزجر عما ارتكبوا؛ حيث أتوا بالنهاية من الوعيد، وهو الهلاك والعذاب ~~الشديد. # ولكنا لسنا نعلم أنهم كانوا في الهلكى أو في الناجين، وليس لنا ms1769 إلى معرفة ~~ذلك حاجة، ولو كان لنا حاجة إلى ذلك لبينه لنا - عز وجل - ولم يترك ذلك ~~لآرائنا، سوى أنه بين من نجا منهم بالنهي عن الظلم والعدوان، وبين من أهلك ~~وعذب بالظلم والعدوان بقوله: (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون). # وقوله - عز وجل -: (قالوا معذرة إلى ربكم). # قرئ بالرفع والنصب أيضا (معذرة) فمن قرأ بالرفع أضمر فيه هذه؛ كأنهم ~~قالوا: هذه معدرة إلى ربكم؛ كقوله: (سورة أنزلناها)، قيل: هذه سورة ~~أنزلناها. # ومن قرأ بالنصب قال: (معذرة) أي: اعتذارا منهم إلى ربهم (ولعلهم يتقون) ~~عما نهوا. # وقوله - عز وجل -: (فلما نسوا ما ذكروا به ... (165) أي: توكوا وأعرضوا ~~عما ذكروا به. # PageV05P073 # (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس). # قال القتبي: شديد؛ وكذلك قال أبو عوسجة. # وقال غيره: أي: موجع، وهو واحد. # وقال الحسن: (وأخذنا الذين ظلموا بعذاب) على الوقف، ثم قال: (بئيس بما ~~كانوا يفسقون). # وقوله - عز وجل -: (فلما عتوا عن ما نهوا عنه ... (166) # قال أبو عوسجة: قوله: (عتوا) أي: استكبروا؛ يقال: عتا يعتو عتوا، وكأن ~~العتو هو النهاية في البأس، فكذلك قيل في قوله: (عتوا) بائسا، لكن سمي مرة: ~~قساوة، ومرة: استكبارا. # وقوله - عز وجل -: (قلنا لهم كونوا قردة خاسئين). # قال بعضهم: حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة، وكانت عقولهم على حالها عقول ~~البشر لم تحول؛ ليعلموا تعذيب الله إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم الله. # وقال قائلون: حول طباعهم طباع القردة، وأما الصورة والجسد على حاله. # وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله: (خاسئين) قال بعضهم: هو من خسأ الكلب: صار قاصيا مبعدا؛ يقال: ~~خسأته. # وقال أبو عوسجة: (خاسئين): مبعدين؛ وكذلك قال في قوله: (اخسئوا فيها) أي: ~~ابعدوا فيها وارجعوا فيها؛ يقال: خسأت فلانا وأخسأته، أي: باعدته، فخسأ، ~~أي: تباعد. # PageV05P074 # وقيل: الخاسئ: الذليل. # وفي قوله: (وإذ قالت أمة منهم. . . .) إلى آخر ما ذكر من القصة وجهان: # أحدهما: دليل إثبات الرسالة والنبوة له؛ حيث أخبر عما كان من غير نظر له ~~في ms1770 كتبهم، ولا اختلاف إلى أحد ممن له علم في ذلك؛ دل أنه إنما عرف ذلك ~~بالله تعالى. # والثاني: إنباء عن عواقب الظلمة والفسقة، وما حل بهم بظلمهم وانتهاكهم ~~حرم الله؛ ليكون ذلك زجرا لنا عن ارتكاب مثله. # * * * # قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في الأرض أمما ~~منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~(168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر ~~لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (169) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين (170) # وقوله - عز وجل -: (وإذ تأذن ربك) قيل، تأذن: أي: قال ربك: ليبعثن. # وقال أبو عوسجة: (وإذ تأذن ربك) هو من الأذان، أي: أعلم ربك. # وقوله: (وإذ تأذن ربك. . .) الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام ~~واتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم الله ليبعثن عليهم من يقاتلهم ~~ولأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ # PageV05P075 # جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والإجابة له فيما يدعو إليه. # وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: (وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين. . .) إلى قوله: (عسى ربكم أن يرحمكم وإن ~~عدتم عدنا)، أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في ~~هذه الآية بقوله: (ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب). # وقال قائلون: هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله: (أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس). # قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هؤلاء؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ~~ذلك، ومن صار منهم ms1771 قرودا لم يحتمل -أيضا- بعد ما صاروا قرودا، فهو - والله ~~أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك لسريع العقاب). # يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم ~~إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب. # أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه. # وقوله: (لسريع العقاب): لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم. # وقوله - عز وجل -: (وقطعناهم في الأرض أمما ... (168) # يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين. # ثم يحتمل الجمع وجهين: # كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفارا وبعضهم مؤمنين. # أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا ~~متفرقين في المكان والمعاش وغيره. # أو كانوا في الدين واحدا، ثم صاروا أصحاب أهواء. # ويحتمل قوله: (وقطعناهم في الأرض أمما) أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد ~~جماعة، # PageV05P076 # بعضهم خلفاء لبعض؛ على ماذكر: (فخلف من بعدهم خلف). # وقوله - عز وجل -: (منهم الصالحون ومنهم دون ذلك). # فإن كان قوله: (وقطعناهم في الأرض) في الدين والمذهب، فيكون تأويله: ~~أمنهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: (دون ذلك) أي: ~~غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي: غير الله. # وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد ~~على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق. # أو بعضهم دون بعض في الدين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات). # ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من ~~الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات. # (لعلهم يرجعون). # يتوبون ويرجعون عن ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) فهو يخرج ~~على وجوه: # أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا ~~إليه بالشكر والثناء، و (والسيئات)، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب ~~والضيق؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء ~~والتوبة. # والثاني: معناه: أي: بلوناهم ms1772 بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم ~~أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه أبتسليم، النفس لأمره وحكمه. # والثالث: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) المؤمن منهم والكافر، حتى إذا ~~رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى ~~الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء. # والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذة الموعود في الآخرة، ~~وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعا؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في ~~الآخرة، والله # PageV05P077 # أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فخلف من بعدهم خلف ... (169) # قال قائلون: هو صلة قوله: (منهم الصالحون ومنهم دون ذلك)، والصالحون هم ~~الذين آمنوا بالله، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، (فخلف من بعدهم) يعني: ~~الصالحين (فخلف) لم يحفظوا حدوده ومحارمه. # وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف ~~من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء (ورثوا الكتاب) ووهو كما ذكر في ~~سورة مريم، وهو قوله: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)، ~~وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورثوا الكتاب) علموا ما فيه. # (يأخذون عرض هذا الأدنى). # إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة: # منهم من كان يأخذها مستحلا لها؛ كقوله - تعالى -: (أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات). # وكقوله: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله). # ومنهم من كان يأخذها بالتبديل، أعني: تبديل الكتاب؛ كقوله: (وإن منهم ~~لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب. . . .) ~~الآية وقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا). # ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة، وهاهنا لا ~~يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - ~~أقرب، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له. # (ويقولون سيغفر لنا) يحتمل هذا وجوها: # يحتمل ما قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه). # فيغفر لنا؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها، ثم يقولون: سيغفر لنا؛ ~~لأنا أبناء ms1773 الله وأحباؤه. # PageV05P078 # والثاني: يحتمل أنهم قالوا: سيغفر لنا، مع علمهم أنه لا يغفر لهم؛ لما ~~كان في كتابهم ألا يغفر لهم إذا تناولوا مستحلين. # أو أنهم إذا عوتبوا على ما فعلوا قالوا: سيغفر لنا. # وقوله - عز وجل -: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق ودرسوا ما فيه). # يحتمل قوله: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتابه) أنهم إذا استحلوا ذلك أضافوا ~~ذلك إلى الله، وقالوا: الله أمرنا بذلك، فقال: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق)، أي: لا يضيفوا إلى الله ما ~~استحلوا. # أو أن يقال: أخذ عليهم ألا يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. # وقال بعضهم: قوله: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق) فيما يوجبون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون ~~لها، ولا يتوبون عنها. # قال بعضهم: قوله: (يأخذون عرض هذا الأدنى) قال: يأخذونه إن كان حلالا أو ~~حراما (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه)، ومال: قوله: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتاب) بعد أنبيائهم، ورثهم الله الكتاب، وعهد إليهم في سورة مريم (فخلف ~~من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)، (يأخذون عرض هذا الأدنى)، ~~وهو ما ذكرنا. # وقال القتبي: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام؛ يقال: هذا خلف من ~~القول. # وقوله - عز وجل -: (ودرسوا ما فيه). # أي: فرءوا ما فيه وعلموه. # (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). # أي: يتقون الشرك، أو يتقون مخالفة الله ومعاصيه، (أفلا تعقلون) ما في ~~كتابهم أن ترك مخالفة الله خير في الآخرة. # ثم أخبر عن المؤمنين فقال: (والذين يمسكون بالكتاب ... (170) ما فيه من ~~الحلال، والحرام (وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين). # PageV05P079 # قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) # وقوله: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة). # قيل: رفعنا الجبل؛ كقوله: (ورفعنا فوقهم الطور). # وقيل: نتق: قطع. # وقال بعضهم: حرف أخذ من كتبهم فلا ms1774 ندري كيف كان. # وقيل: حركنا؛ وهو قول القتبي. # وقال أبو عبيد: كل شيء قلعته من موضعه فرميت به. # ذكر هذا - والله أعلم - ليصبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سفه ~~قومه؛ لأن قوم موسى مع كثرة ما عاينوا من الآيات التي جرت على يدي موسى، ~~وعظيم ما كان لهم من موسى من النعم؛ من استنقاذه إياهم من استرقاق فرعون، ~~وإخراجهم من يده، وفرق البحر لهم، ومجاوزته بهم، وتفجير الأنهار من الحجر، ~~وإنزال المن والسلوى لهم؛ فجميع ما كان لهم من موسى ما ذكرنا لم يقبلوا ~~التوراة ولم يقروا بها إلا بعد رفع الجبل عليهم والإرسال، فعند ذلك قبلوا؛ ~~يصبر رسولنا؛ لئلا يضجر على مخالفة قومه إياه وكثرة سفههم. # ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من رفع الجبل فوقهم وجهين: # أحدهما: أنهم لما عاينوا ذلك آمنوا به وقبلوا الكتاب، لكن ذلك منهم إيمان ~~دفع؛ إذ ذلك قهر، ولا يكون في حال القهر إيمان. # والثاني: صير ذلك آية عظيمة وحجة واضحة معجزة، فقبلوها وحققوا الإيمان ~~به، ثم تركوا ذلك، يدل على ذلك ما ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: (ثم توليتم ~~من بعد # PageV05P080 # ذلك). # وقيل: فخلف من بعد بني إسرائيل خلف السوء وهم اليهود. # (ورثوا الكتاب)، قيل: التوراة عن آبائهم وأوائلهم. (يأخذون عرض هذا ~~الأدنى) قالوا: رشوة (ويقولون سيغفر لنا) وكانوا يرتشون ويقولون: يغفر لنا؛ ~~لأنهم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه). # قيل: رشوة مثله أخذوها. # وقوله - عز وجل -: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب). # قالوا: لقد أخذ عليهم في التوراة ألا يستحلوا محرما، ولا يقولوا على الله ~~إلا الحق في التوراة (ودرسوا ما فيه). # وقوله: (والدار الآخرة خير للذين يتقون). # استحلال المحارم وأكلهم الحرام. # وقوله - عز وجل -: (والذين يمسكون بالكتاب). # قيل: بالتوراة ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يستحلون محرما (وأقاموا الصلاة ~~إنا لا نضيع أجر المصلحين). # وقوله - عز وجل -: (وظنوا أنه واقع بهم). # أي: أيقنوا أنهم إن لم يقبلوا واقع بهم. # وقوله - عز وجل -: (خذوا ما آتيناكم ms1775 بقوة). # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # قوله: (خذوا ما آتيناكم بقوة) يحتمل وجهين: # أحدهما: (خذوا)، أي: اقبلوا ما فيه. # والثاني: اعملوا بما فيه. # وفيه دلالة كون القوة مع الفعل. # وقوله: (واذكروا ما فيه) قيل: اعملوا بما فيه من الحلال والحرام، (لعلكم # PageV05P081 # تتقون): العقوبة والمعصية. # * * * # قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) # تكلم الناس في تأويل قوله: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم. . . .) ~~الآية؛ فمنهم من يقول: ذلك عندما خلق آدم، أخرج من يكون من ذريته مثل الذر، ~~فعرض عليهم قوله: (ألست بربكم قالوا بلى) لكن اختلفوا؛ فمنهم من يقول: جعل ~~بالمبلغ الذي يجري على مثله القلم؛ وهو قول الحسن. # ومنهم من يقول: عرض ذلك على الأرواح دون الأجساد. # ومنهم من يقول: بلا عرض أنه خلق صنفين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء ~~للنار، ولا أبالي. # ومنهم من يقول: عرض الكل على ما عليه أحوالهم وآجالهم في الدنيا، والله ~~أعلم كيف كانت القصة، أو كيف ترى أحوال الفقر والغناء في الذر، أو كيف ~~هؤلاء في النار، ولا أبالي مع اجتماعهم على القول " ببلى " لما عرض عليهم ~~في قوله: (ألست بربكم). # وقد رأينا في تلك الأخبار ما كان الكف عما له المراد، وبخاصة حفظ العوام ~~وأهل الضعف عن تبليغها ألزم وأعظم في النفع وأبعد عن الشبهة من روايتها ~~وتكلف الكشف عنها، فنسأل الله العصمة عما به الهلاك، والتوفيق للنصح بما به ~~نجاة كل سامع ودفع كل شبهة وحيرة، فإنه لا قوة إلا بالله. # ومنهم من ذهب في تأويل الآية إلى المعروف من أمر ذرية آدم، والأخذ عن # PageV05P082 # الأصلاب، والإنشاء في الأرحام؛ على ما كان ويكون إلى يوم القيامة؛ على ما ~~قال الله - سبحانه وتعالى -: (فلينظر الإنسان مم خلق. . .)، إلى قوله: ms1776 ~~(يخرج من بين الصلب والترائب)، وقال: (إن كنتم في ريب من البعث فإنا. . .) ~~الآية، وقال: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. . .). وقال: (ما لكم لا ~~ترجون لله وقار. . .)، وغير ذلك مما احتج الله به من أول ما جرى به تدبير ~~البشر إلى آخر ما ينتهي به أمره، مما يعجز عن تقديره وسع الخلق، ويستتر عن ~~عقولهم كيفية بدء ذلك، وما عليه تنقله من حال إلى حال في كل طرفة عين، ولحظ ~~بصر، مع ما فيه من عجيب التدبير وحسن التقويم الذي لو تكلف الخلق تصوير ~~مثله بكل أنواع الحيل من الأصول الظاهرة، بحيث يبصره كل بصر - لكان يعجز ~~عنه، فكيف في الظلمات الثلاث، مع ما ركب فيه من العقل والسمع والبصر، وما ~~جعل في كل ما أنشأ فيه، ومنه مما لا يبلغ الأوهام فضلا عن الإحاطة بما في ~~ذلك من الحكمة؛ ولذلك قال الله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)، وكأن ذلك هو ~~العهد إلى جميع الذرية وإشهاد أنفسهم عليهم، يتعالى من دبرهم على ذلك ~~وأنشأهم على ما فيهم عن أن يكون له شريك، أو يقدر أحد قدره، فذلك هو معنى ~~إشهادهم على أنفسهم، أي: جعلهم على أنفسهم شهودا أن يعلموا أن مدبرهم هو ~~ربهم، لا رب لهم غيره، وأنه ليس كمثله شيء، مع ما في جعل ذلك ذرية يعرف كل ~~بما يرى من عجزه تدبير ولده، وجهله بأحواله في حال كونه في رحم أبويه بيان ~~على أنه لا كان بآبائه وأمهاته علم، ولكن برب العالمين، وذلك هو الذي ~~يمنعهم عن القول بالغفلة عن ذلك؛ إذ قد علمه كل منهم لآجال كونهم في الوقت ~~الذي لا يذكره أحد. # والذي يبين أن هذا التأويل أحق من الأول ما دل عليه سياق الآية من ذلك ~~قوله: (وإذ أخذ ربك من بني آدم)، وأقاويل من ذكرت على الأخذ من ظهر آدم. # PageV05P083 # والثاني: قوله: (من ظهورهم) وفي قولهم: من ظهر آدم. # والثالث: قوله: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) وفي ~~التأويل ألا ms1777 تقولوا، فكيف يحذرهم عن القول بذلك وقد علم أنهم كذلك، ليس أحد ~~منهم يذكر ذلك، ولا مما يتقرر عنده لو نبه بكل أنواع التنبيه؟ # والرابع: قوله: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)، ~~ما في ذلك العرض مما يمنع عن هذا القول، وأيضا أنه أذكر في بعض ذلك القول ~~بأن هؤلاء، في النار ولا أبالي، وفي القرآن الجمع بينهم في القول ب بلى، ~~وذلك عد توحيدا منهم مع ما في القرآن: (وكنتم أمواتا. . .) الآية، (قالوا ~~ربنا أمتنا اثنتين. . .) الآية، وفي إثبات ذلك إثبات الموت والحياة أكثر من ~~العدد الذي جاء به القرآن في الكل، ولا قوة إلا بالله. # ثم قد يتوجه التأويل الثاني في قوله: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى) إلى أوجه. # فأما ابتداء الآية فهو ذلك عند التحقيق؛ لأنه ذكر الأخذ من بني آدم ثم من ~~ظهورهم، والمأخوذ من بني آدم ثم من ظهورهم هو النطف، وهو الماء الدافق الذي ~~يخرج من بين الصلب والترائب، (وأشهدهم على أنفسهم) أعلمهم ما منه أنشأهم ~~وقلبهم من حال إلى حال، إلى أن تمت النسمة وظهرت البشرية على ما أعلم كل في ~~ذريته خروج بدئه من تدبير والديه، وقيامه على ما عليه مداره وقراره، ~~وبتدبير من لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر؛ ليقولوا: إن الذي ذكر هذا هو ~~ربهم الذي رباهم على ذلك، ليس كمثله شيء، فكان ذلك إعلاما من الله إياهم ~~على أنفسهم، وشهادة منها بالخلقة أنه ربهم الذي رباهم وملكهم على ما جرى ~~فيهم من تدبير الله - جل ثناؤه - ولئلا يقولوا غدا: إنهم عن هذا غافلين؛ إذ ~~قد عرف ذا كل ذي عقل، وعرف أنه كان بالله - سبحانه وتعالى - لا بوالديه؛ ~~ليجعلوا شرك الآباء والأمهات لأنفسهم حجة من حيث كانوا منهم، والله أعلم. # والثاني: أن يكون الله أشهدهم على أنفسهم بما أراهم من أحوال ذريتهم في ~~الانتقال # PageV05P084 # على أحوال على أن أنفسهم كذلك كانت دخل كل منهم بجوهرهم في ذلك التدبير؛ ~~ليعلموا أن الذي ms1778 دبرهم على ذلك دبر الكل، فيزول عنهم شبهة أن الكون بغير ~~الرب الذي ليس كمثله شيء، فيزول عنهم به عذر الغفلة وعلاقة الشبهة بكفر ~~الوالدين من حيث حق التبعية، أو سفه التقليد بما يعلم خروج الجميع من ~~التدبير، ورجوع التدبير إلى غير؛ ليكون موضع الاستدلال بما أمرهم هو ودعاهم ~~إليه، لا بما أمرهم به الآباء والأمهات. # ثم القول ببلى يكون نطقا، ويكون خلقة، ويكون جواب الفطرة بحق التأمل، ~~فالنطق أنه لا يسأل أحد قبل التلقين إلا وهو يقول بالرب والخالق؛ وعلى ذلك ~~قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله). والخلقة بما كان ~~من حاجته إلى مقيم وإلى مدبر على شركة كل في ذلك إقرار له بالربوبية، وذلك ~~معنى نفي التفاوت عن خلقه وفطرته بما يقلبه عن أحوال لو تأمل الخلائق إدراك ~~كل حال منها ووجه التنقل وقدر التغير في كل حال لما تهيأ لهم؛ ليعلم أن في ~~الفطرة شهادة بالتوحيد، وهذا معنى ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " كل مولود يولد على الفطرة " أي: على حال لو تركت العقول ~~والفكر فيها لشهدت بالتوحيد، وذلك أمعنى، قوله: (بلى) لا أن ثم قول لسان؛ ~~بل نطق حال؛ كما قال الحكيم: كل صامت ناطق؛ لأن صمته دليل تدبير آخر، فهو ~~ناطق بالبيان عن الواحد العزيز، ولا قوة إلا بالله. # وقد يحتمل الإشهاد أن جعلهم شهداء على أنفسهم بالعبودة لله، وأنه ربهم ~~والمالك عليهم، والقول ب " بلى " بما يلزم ذلك بالتأمل؛ فكأنه قال، والله ~~أعلم. # وفي الآية دلالة إثبات خلق الله فعل الخلق، وقد أخبر الله أنه أخذ ذلك، ~~والله أعلم. # فإن قيل: على ماذا يخرج تأويل السلف؟ # قيل: لعلهم وجدوا فيه خبرا ظنوا أن الآية تخرج عليه، فأولوها على ذلك، ~~فإذا أريد # PageV05P085 # تسوية ذلك بالآية لابد من زيادات تلحق بها أو تخرج عنها، وإلا لا يخرج من ~~ذلك عن أن يقول: (وإذ أخذ ربك من بني آدم) أن يجعل " من " صلة؛ كأنه قال: ~~وإذ أخذ ربك ms1779 من بني آدم، وقد تكون كقوله: (ويكفر عنكم من سيئاتكم). # وبنو آدم يؤخذ من ظهر آدم كما يؤخذ ابن كل من ظهورهم، أي: أصل ابن كل من ~~ظهره، وذكر ظهورهم؛ لما كان منسوبا إليهم، وإن كان لو طرح حرف الصلة تزول ~~الشبه، فحفظ في ذكرهم حق الوصل وإن كان حقه الإسقاط؛ كقوله: (وكأين من قرية ~~عتت. . .) الآية، وغير ذلك مما كنى عن أهل القرية باسمها، وعلى ذلك أجري ~~ذكر الفعل وإن لم يكن لها في الحقيقة فعل؛ فعلى ذلك هذا، فيصير في التحصيل ~~كأنه قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهره، ثم يكون المأخوذ الذي عرض عليه ~~مجعولا على حد يعقل الخطاب، ومعنى قوله: (ألست بربكم) فأجاب بالذي ذكر. # والخبر الذي فيه القسمة إما أن كان لا في هذا فوصل به، أو كان في الآية ~~ذكر إجابة أحد الفريقين، أو كان بين الجميع اتفاق في هذا الحرف واختلاف ~~فيما جاوز هذا، فالقسمة لما عداه، وقد يوجد في هذا القدر -أيضا- اتفاق. # ثم قوله: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين). # على إضمار بعث الرسل وإنزال الكتاب بالإخبار عن ذلك؛ لئلا يدعوا الغفلة ~~بما كانت منهم ذلك بما أوقظوا ونبهوا، أو بما لا يحتجون بما اعترضهم من ~~الغفلة؛ إذ قد قطع عذرهم بغير ذلك من الأدلة والرسل، والله أعلم. # أو لا يقولوا: (إنما أشرك آباؤنا من قبل) أي: بعث الرسل، وإنزال الكتب ~~لقطع هذا النوع من الشبه على الوجهين اللذين ذكرت؛ كقوله: (ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله. . .) الآية، وقوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة. . . ~~.) الآية وقوله: (وما كنا معذبين. . .) الآية، ويكون في التأويل الأول ظهور ~~أمر الذرية للأولاد في الخروج عن تدبير الآباء والأمهات لقطع # PageV05P086 # الحجاج بهذين الحرفين، وفي الثاني نزول الكتب وإرسال الرسل مع ما أمكن ~~جعل هذا في التأويلين جميعا، والله أعلم. # وقوله: (وكذلك نفصل الآيات ... (174) هو على وجهين: # أحدهما: على البيان، أي: نبين ما يكشف العمه ويزيل الشبهة. # والثاني: أن نفرقها ونضع كل واحدة منها ms1780 في أحق مواضعها وأولى ذلك؛ لقطع ~~العذر ودفع العلل. # وقوله: (ولعلهم يرجعون) إن تأملوا ما هم عليه من الباطل، والله أعلم. # وقوله: (أفتهلكنا بما فعل المبطلون). # يخرج على وجوه: # أحدها: أن يكون ذلك الإهلاك ليس هو التعذيب، لكنه الإماتة؛ كقوله - تعالى ~~-: (إن امرؤ هلك)، أي لك أن تميتنا إذ فعل السفهاء ما تبقيهم، وألا يبقيهم؛ ~~لما يرجى من التوبة، أو يحدث منهم من لم يسفه، والإضافة إلى الجملة بوجهين ~~أحدهما: على إرادة من سفه منهم. # والثاني: على الكل؛ إذ الموت حق مكتوب على جميع البشر، لا على التعذيب، ~~والثاني على التعذيب، على معنى: لا تفعل أنت ذلك، كما يقول الرجل: أنا أفعل ~~هذا، أو أنت تفعل هذا؛ على التبري والتبرئة، وقوله: (إن هي إلا فتنتك)، أي؛ ~~تفعله ابتلاء لا تعذيبا. # والثالث: أن يكون على الإيجاب يجمعهم في ذلك، وإن كان الذي استحق بعضهم ~~بحق المحنة؛ إذ له ذلك ابتداء، وذلك نحو أمر أحد بما ابتلاهم، وإن لم يكن ~~منهم # PageV05P087 # جميعا المعصية، وعلى ذلك أمر جميع أنواع المصائب يجمع فيها بين أهل الخير ~~والشر بحق المحنة لا العقوبة، وإن كان ذلك في بعضهم عقوبة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض ~~واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدي ~~ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # وقوله - عز وجل -: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها). # اختلف أهل التأويل في نبأ هذا: # قال بعضهم: كان هذا نبيا فانسلخ منها، يعني: من النبوة وكفر بها. # لكن هذا بعيد محال أن يجعل الله الرسالة فيمن يعلم أنه يكفر به، أو ~~يختاره لوحيه، وهو يعلم أنه ليس هو بأهل له؛ بقوله: (الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته). # وقال بعضهم: كان ms1781 بلعم بن باعوراء أعطاه الله - تعالى - آيات فكفر بها ~~وانسلخ منها. # PageV05P088 # وقيل: أعطي الاسم المخزون الذي كان يستجاب له به، جميع ما يسأل ربه. # وقال بعضهم: كان أمية بن أبي الصلت؛ على ما قال عنه - عليه السلام -: إنه ~~" آمن شعره وكفر قلبه ". # وقال بعضهم: نزلت الآية في منافقي أهل الكتاب؛ قد كان أعطاهم الله ~~الآيات، فكفروا بها وكذبوها. # ولكن لا ندري فيمن نزلت، وهو في جميع مكذبي الآيات، ليس يجب أن ننص ~~واحدا، أو يشار إلى واحد نزلت فيه، ولكن نقول: إنها في جميع مكذبي الآيات. # وقوله: (فانسلخ منها): خرج منها، وقيل: نزع منها. # PageV05P089 # وقيل: تركها؛ وكله واحد. # ثم يحتمل قوله: (فانسلخ منها) أي: كانوا قبلوها مرة، ثم ردوها من بعد ~~القبول. # ويحتمل: أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها. # وقوله - عز وجل -: (فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين). # فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه ~~الاختيار للضلال والميل إليه؛ حيث قال: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان ~~من الغاوين) إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع. # وقوله: (فكان من الغاوين) قيل: كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من ~~الغاوين. # وقيل: كان من الغاوين، أي: صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج، والغاوي: ~~الضال. # وقوله - عز وجل -: (ولو شئنا لرفعناه بها ... (176) # يحتمل قوله: (لرفعناه بها): عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها، أي: ~~لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها. # أو أن يقال: لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار، لكنه إذ علم منه أنه ~~يختار ذلك ويميل إليه، شاء ألا يعصمه، ولا يوفقه، فكيفما كان فهو على ~~المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه لو شاء لرفعه بها، وكان له مشيئة الرفع، ثم أخبر ~~أنه لم يرفع، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس ~~هو بأصلح في الدين، وهم يقولون: إن، المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، ~~لا مشيئة الاختيار، لكن ما ms1782 ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا ~~يكون إيمانا، فلا معنى لذلك، ولا يكون ذلك رفعا؛ فيبطل قولهم. # وقوله - عز وجل -: (ولكنه أخلد إلى الأرض): # هو ما ذكرنا؛ لما علم منه أنه يخلد إلى الأرض ويميل إليها، لم يعصمه ولم ~~يرفعه. # والإخلاد إلى الأرض: قال الحسن: سكن إلى الأرض. # PageV05P090 # وكذلك قال الكيساني: إن الإخلاد في كلامهم: السكون إلى الشيء والركون ~~إليه. # وقال أبو عبيدة: هو اللزوم للشيء. # وفي قوله: (ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه) دلالة أن الإزاغة من الله ~~وترك العصمة له؛ لما يكون من العبد الميل والركون إلى مخالفته، وترك ~~الائتمار له، واتباع الهوى. # قال قتادة: قوله: (ولو شئنا لرفعناه بها) يقول: لو شئنا لرفعناه من ~~إيتائه الهدى، فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن يبتلى من عباده من يشاء. # وقوله: (أخلد إلى الأرض) ذكر الأرض يحتمل أن يكون كناية عن الدنيا؛ ~~كقوله: (وغرتهم الحياة الدنيا). # ويحتمل أن يكون كناية عن الذل والهوان؛ لأن كل خير وبركة إنما يطلب من ~~السماء، وهم إذا اختاروا ذلك اختاروا الذل والهوان. # وقال الحسن في قوله: (فأتبعه الشيطان) الآية، قال: حال الشيطان بينه وبين ~~أن يصحب الهدى بما مناه وزين له واتبع هواه، (فمثله كمثل الكلب) قال: هذا ~~مثل الكافر، أميت فؤاده كما أميت فؤاد الكلب. # وقوله: (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) ~~أي: ساء مثل الأفعال التي ضرب الله مثلها بانذي ذكر في القرآن، قال: (ساء ~~مثلا)، صدق الله وبئس المثل (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)، فتدبروا وتفكروا ~~في أمثال الله التي ضرب واعقلوها؛ إلى هذا ذهب الحسن. # PageV05P091 # وقال غيره: وجه ضرب مثل الذي كذب بالآيات بالكلب، هو أن الكلب من عادته ~~أنه يذل ويخضع لكل أحد؛ لما يطمع أن ينال منه أدنى شيء، ولا يبالي ما يصيبه ~~من الذل والهوان في ذلك بعد أن ينال منه بشيء؛ فعلى ذلك الكافر والمكذب ~~بالآيات لا يبالي ما يلحقه من الذل والهوان بعد أن يصيب من الدنيا شيئا. # ويشبه أن يكون ms1783 وجه ضرب المثل بالكلب؛ لما أن من عادة الكلاب أنها إذا ~~ظفرت بالجيف تنكب لها، حتى إذا ينادي لها وتدعى لا تكترث إليه ولا تلتفت؛ ~~فعلى ذلك هذا الكافر ينكب لكل جيفة ويخضع، ولا يلتفت إلى ما نودي ودعي ~~إليه. # وقوله - عز وجل -: (إن تحمل عليه يلهث). # أي: يخرج لسانه ويتنفس تنفسا أشديدا. # (أو تتركه يلهث) ومعناه - والله أعلم - أن الكلب إذا أصابه العطش والجوع ~~لهث، وإذا لم يصبه لهث أيضا، فعلى ذلك الكافر يميل إلى ذلك ويختار، أصابته ~~شدة أو لم تصبه؛ أو كلام نحو هذا. # وقال قتادة: هذا مثل الكافر، ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب. # (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) ضرب الله - عز وجل - مثل الكافر مرة ~~بالكلب، ومرة بالميت، ومرة بالأعمى، ومرة بالتراب، ومرة بالأنعام، # PageV05P092 # ونحو هذا؛ وذلك لما فيه من معاني ما ذكر. # وقوله: (فاقصص القصص لعلهم. . .)، وقوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا) أمر رسوله ليقص أنباء الأمم السالفة على هؤلاء؛ ليكون زجرا وتحذيرا ~~للكفار؛ ليعلموا ما حل بأولئك بصنيعهم؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم، ويكون عظة ~~وتذكيرا للمؤمنين؛ كقوله: (وموعظة للمتقين). # وقوله - عز وجل -: (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا ~~يظلمون (177) قد ذكرنا في غير موضع أن آياته، قيل: دينه. # وقيل: حججه وبر اهينه. # وقوله: (ساء مثلا) أي ساء مثل، الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في ~~القرآن. # وقوله - عز وجل -: (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ~~(178) # شهد الله - تعالى - أن من هداه فهو المهتدي؛ أي: من هداه الله في الدنيا ~~فهو المهتدي في الآخرة، ومن يضلل الله في الدنيا فهو الخاسر في الآخرة، فلو ~~كانت الهداية البيان والأمر والنهي - على ما ذكر قوم - لكان الكافر والمؤمن ~~في ذلك سواء؛ إذ كان البيان والأمر والنهي للكافر على ما كان للمؤمن فلم ~~يهتد، فدل أن في ذلك من الله زيادة معنى للمؤمن لم يكن ذلك منه إلى الكافر، ~~وهو التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى ms1784 كما اهتدى ~~المؤمن، ولو كان بيانا لكان ذلك البيان من الرسل وغيره على قولهم؛ وكذلك ~~قوله: (ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) أخبر أن من أضله فقد خسر؛ دل أنه كان ~~منه زيادة معنى، وهو الخذلان والترك، أو خلق فعل الضلال، وليس على ما يقوله ~~المعتزلة أنه قد هداهم جميعا، لكن لم يهتدوا؛ فيقال لهم: أنتم أعلم أم ~~الله؟! كما قال لليهود: (قل أأنتم أعلم أم الله)، فظاهر الآية على خلاف ما ~~يقولون ويذهبون. # PageV05P093 # قوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين ~~يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون (181) # وقوله - عز وجل -: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) قالت ~~المعتزلة: لم يخلقهم الله - تعالى - لجهنم، ولكن خلقهم وذرأهم وأعطاهم من ~~القوة ما يكسبون الجنة، غير أنهم عملوا أعمالا استوجبوا بها النار، فصاروا ~~للنار بما عملوا من الأعمال، لا أن خلقهم لجهنم. # ثم اختلفوا هم في تأويل قوله: (ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس)؛ قال ~~بعضهم: ذكر ما إليه آل عاقبة أمرهم؛ كقوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا) لم يلتقطوه ليكون لهم ما ذكر، ولكن إنما التقطوه ليكون لهم ما ~~ذكر بقوله: (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا)، لهذا التقطوه، لكنه صار لهم ما ~~ذكر، أخبر عما إليه آل أمره؛ فعلى ذلك هذا، وكما يقال: # . . . . . . . . . . . . لدوا للموت وابنوا للخراب # ولا أحد يلد للموت ولا يبني للخراب، ولكنه أنبأ بما يئول إليه عاقبة أمره ~~من الموت والخراب؛ إلى هذا يذهب عامة المعتزلة. # وقال أبو بكر الأصم: الآية على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولقد ذرأنا ~~كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ~~ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك لجهنم، وأولئك كالأنعام. # لكن هذا بعيد؛ لأنه لو ms1785 جاز هذا في هذا لجاز مثله في جميع القرآن أن يجعل ~~أول الآية في آخرها، وآخرها في أولها، فهذا محال. # PageV05P094 # وأما قولهم: إنه إخبار عما آل إليه عاقبة أمرهم، واستشهادهم بقوله: ~~(فالتقطه آل فرعون ليكون لهم. . .)، فهو يصلح: لمن يجهل عواقب الأمور، يخرج ~~ذلك منه على التنبيه والإيقاظ؛ لما لم يعرفوا عاقبة ما أبه أصار إليه ~~الأمر، فأما الله - سبحانه عالم السر والعلانية وما كان ويكون في الأوقات ~~التي تكون - لا يحتمل ذلك. # وقول الناس: # لدوا للموت، وابنوا للخراب. # فهو إنما يذكرون هذا عند التنبيه والإيقاظ لجهلهم بعواقب الأمور، وإن ~~كانوا لا يبنون، ولا يلدون للموت والخراب، وما قصدوا له. # وأما التأويل عندنا على ما ذكر في ظاهر الآية أنه خلق لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس، لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الكفر والأعمال الخبيثة ~~التي يستوجبون بها النار خلقهم لجهنم؛ لما علم منهم ذلك في الأزل أنهم ~~يختارون الأعمال الخبيثة فذرأهم على ما علم منهم أنهم يختارون ويكون منهم، ~~وكذلك خلق المؤمنين للجنة؛ لما علم في الأزل أنهم يختارون فعل الهدى، ~~ويعملون أعمالا طيبة يستوجبون بها الجنة، خلقهم للجنة لا أن خلقهم للجنة ~~مرسلا أو خلقهم لجهنم مرسلا، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم. # وأما قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). # إنما خلق منهم للعبادة من علم أنه يعبده ويطيعه، وأما من علم أنه يكفر به ~~ويعصيه فهو إنما خلقه لما علم أنه يكون منه؛ فمن كان علم منه في الأزل أنه ~~يكون منه العبادة خلقه للعبادة، ومن كان علم منه أنه يكون منه الكفر خلقه ~~لذلك؛ لأنه لا يجوز أن يعلم منه المعصية وفعل الكفر فيخلقه على خلاف ذلك؛ ~~دل أنه على ما ذكرناه، والله أعلم. # أو أن يقال: قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، الفريق الذي علم ~~منه العبادة، لا الكل؛ دليله قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس)، ولم # PageV05P095 # يقل: ذرأنا الكل؛ فهذه في فريق، وهذه في فريق آخر، وهذا التأويل يرجع إلى ms1786 ~~الخصوص؛ ألا ترى أن الصبيان والمجانين لم يدخلوا فيه؟! # أو أن يكون قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي: إلا لأكلفهم ~~العبادة وآمرهم بها؛ فإن كان هذا فهي على الكل: على الكافر والمؤمن جميعا، ~~والله أعلم. # ويحتمل: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي: ما خلقت الجن والإنس إلا ~~لتشهد خلقتهم على وحدانية الله، وصرف العبادة إليه، وقد شهدت خلقة كل كافر ~~ومؤمن على وحدانية الله، وألوهمته. # وقوله - عز وجل -: (لهم قلوب لا يفقهون بها). # الفقه: هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، أو معرفة الشيء بمعناه ~~الدال على مدبره؛ فهؤلاء الكفرة لم يفقهوا؛ لما لم ينظروا إلى الأشياء ~~لمعناها وحقائقها، إنما نظروا إلى الأشياء لظواهرها، وكذلك قوله: (ولهم ~~أعين لا يبصرون بها) لما نظروا إلى ظواهرها، لم ينظروا إلى معانيها ~~وحقيقتها؛ ليدلهم على تدبير منشئها وحكمته. # وكذلك قوله: (ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام) لما كانت للأنعام ~~قلوب وأعين وآذان، لكن لا يفقهون معناها وحقيقتها، وإن كانوا يسمعون ~~النداء، وينظرون ظواهر الأشياء؛ فعلى ذلك هؤلاء الكفار، وإن كانوا يسمعون ~~ويبصرون ما ذكرنا بعد أن لم # PageV05P096 # يفقهوا معانيها وتدبير مدبرها، فهم كالأنعام. # وأصله: أنهم لما لم يستعملوا تلك الحواس فيما جعلت لهم، وإنما جعلت لهم ~~لمعرفة حقائق الأشياء، وما أدرج فيها من المعاني والحكمة، فصاروا في ~~الحقيقة كمن لا حواس له؛ إذ لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم تلك؛ بل كانوا ~~كمن ليس لهم تلك؛ لذلك نفى عنهم، والله أعلم. # وقال قائلون: نفى عنهم هذه الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع من لهم ~~تلك؛ بل كانوا كمن ليس لهم تلك الحواس للمعنى الذي جعلت تلك الحواس، فهم ~~كالأنعام، بل هم أضل؛ لأن هؤلاء إذا ضلوا الطريق فهدوا وأرشدوا لا يهتدون ~~ولا يرجعون عن ذلك، والدواب إذا ضلوا الطريق فهدوا اهتدوا، وعرفوا، ومالوا ~~إليه، فهم أضل من الأنعام لما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل هم أضل) لأن بنية الأنعام لا تحتمل فهم ذلك، وبنية ~~هؤلاء تحتمل؛ إذ ms1787 جعل لهم عقولا تميز وتعرف حكمة مدبرها ومنشئها، لكنهم ~~ضيعوها، ولم يكن من الأنعام تضييع؛ لذلك كان أولئك أضل. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها) لما ختم الله على قلوبهم؛ كقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) فمن ثم لم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم ~~تسمع آذانهم. # وقال: ثم ضرب لهم مثلا فقال: (أولئك كالأنعام) في الأكل؛ لأن همتهم ليست ~~إلا الأكل والشرب، كهمة الأنعام والبهائم ليست همتهم إلا الأكل والشرب ~~وقضاء الشهوة، فهي تسمع النداء ولا تعقل؛ فعلى ذلك الكافر. # وقوله - عز وجل -: (أولئك كالأنعام) في فهم ما ألقي إليهم (بل هم أضل)؛ ~~لأنهم أعطوا سبب فهم ذلك، والأنعام لا. # وقوله - عز وجل -: (بل هم أضل)؛ لأن الأنعام تعرف ربها، وتوحده، وتذكره؛ ~~لقول الله - تعالى -: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)، الآية، وكقوله: (كل # PageV05P097 # قد علم صلاته وتسبيح)، وهؤلاء لا يعرفونه، ولا يوحدونه؛ فهم أضل. # أو أن يقال: هم أضل لا يهتدون وإن هدوا ودعوا، والأنعام تهتدي. # أو هم أضل؛ لأنهم يضلون ويضلون غيرهم، والأنعام لا. # أو هم أضل؛ لأنهم لا ينتفع بهم، والأنعام ينتفع بها. # وقوله - عز وجل -: (أولئك هم آلغفلون). # عن فهم ما ألقي إليهم وأمروا به. # أو غافلون عما أوعدوا. # وقوله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ... (180) # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل أنهم قد ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إيجاب إثبات عدد من الذات، ~~فأخبر أن ليس في إثبات عدد الأسماء إثبات أعداد من الذات؛ إذ قد يسمي الشيء ~~الواحد بأسماء مختلفة، ثم لا يوجب ذلك إثبات عدد ذلك ولا تجزئته؛ من نحو ما ~~تسمي الحركة: حركة، عرضا، شيئا، خلقا، من غير أن أوجب ذلك إثبات عدد الحركة ~~أو تجزئتها، وكذلك في جميع الأشياء؛ فعلى ذلك يخبر أنه ليس في إثبات عدد من ~~الأسماء إثبات عدد من الذات؛ على ما ms1788 ذكرنا. # ويحتمل أن يكون خرج هذا مقابل قول كان منهم، وهو أن وصفوا الله بشيء لا ~~يحسن أن يوصف به، وأضافوا إليه أشياء لا يصلح أن تضاف؛ من نحو قولهم: يا ~~خالق الخنازير، ويا خالق الخبائث، ويا إله القردة، ونحوه؛ فأخبر أن ادعوه ~~بالأسماء الحسنى مما ثبت عند الخلق أنه مسمى به، من نحو ما أعطاهم؛ يقال: ~~يا هادي، يا مرشد، ونحوه. # ويقال بما أعطاهم من النعم: يا كريم، يا جواد، يا لطيف، ونحوه. # ويقال: يا خالق، يا رازق، يا الله، يا رحمن، يا رحيم؛ لما ظهر في أنفسهم ~~من ألوهيته وربوبيته، فقال: لا تدعوا بكذا، ولكن ادعوا بالأسماء التي ثبت ~~عند الخلق تحقيقها، وأنه يسمى بها، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # PageV05P098 # وقد روي على هذا المعنى أخبر؛ روي أن رجلا دعا في صلاته فقال: يا الله، ~~ويا رحمن، ويا رحيم، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم ~~يعبدون إلها واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟! فأنزل الله تعالى: (ولله ~~الأسماء الحسنى) ويحتمل قوله: (ولله الأسماء الحسنى) أي: له الأسماء الحسنى ~~لا الأصنام التي تعبدونها، نحو ما سموها آلهة وأربابا، فقال: هذه الأسماء ~~التي تدعون بها الأصنام لله فادعوه بها، ولا تدعوا بها الأصنام. # وقوله - عز وجل -: (وذروا الذين يلحدون في أسمائه). # يحتمل أي: لا تكافئهم بصنيعهم ولا تجازهم بأذاهم إياك؛ فإن الله هو ~~المكافئ لهم والمجازي بصنيعهم؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (سيجزون ما كانوا ~~يعملون). # وقوله: (يلحدون في أسمائه). # قيل: الإلحاد هو الجور والميل عن الحق، والوضع في غير موضعه، وهم سموا ~~ملحدين لما سموا غيره بأسمائه، أو لإشراك غيره في أسمائه. # أو سموا بذلك لما صرفوا شكر نعمه إلى غيره، وعبدوا دونه، مع علمهم أنه لم ~~يكن منهم إليهم شيء من ذلك، إنما كان ذلك لهم من الله. # قال ابن عباس: الإلحاد: الميل، في جميع القرآن. # وقيل: الإلحاد: التكذيب. # قال القتبي: (يلحدون) أي: يجورون عن الحق ويعدلون. # وأصله: الجور والميل. # PageV05P099 # وقوله - عز وجل ms1789 -: (سيجزون ما كانوا يعملون). # قال: هذه بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر له، والظفر على ~~أعدائه في الدنيا. # وقال قائلون: هو حرف وعيد؛ أوعدهم - عز وجل - بأذاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وقوله - عز وجل -: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) أي: ~~يهدون الخلق بالحق الذي عندهم، وهو القرآن والكتب التي عندهم. # وأمكن أن يكون الحق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، به يهدون الناس، ~~وبه يعملون. # وجائز أن يكون قوله: (يهدون بالحق) أي: يدعون الخلق إلى سبيل الله؛ على ~~ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة). # ويحتمل الحق - هاهنا - هو الله؛ كقوله: (أن الله هو الحق المبين). # وقوله - عز وجل -: (وبه يعدلون) أي: بالحق الذي يهدون يعملون؛ كقوله: ~~(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) ~~وأملي لهم إن كيدي متين (183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا ~~نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله ~~فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) # وقوله - عز وجل -: (والذين كذبوا بآياتنا). # قد ذكرنا هذا في غير موضع. # PageV05P100 # وقوله - عز وجل -: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون). # قال قائلون: هو صلة قوله: (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا. . .) ~~الآية. # وقال بعضهم: فيه الوعد لرسول الله بالنصر له، والظفر على أعدائه. # والاستدراج: هو الأخذ في حال الغفلة من حيث أمن الرجل بغتة؛ كقوله: ~~(فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون). # وقال قائلون: الاستدراج: المكر، لكن معنى ما يضاف الاستدراج والمكر إلى ~~الخلق غير المعنى الذي يضاف إلى الله، والجهة التي تضاف إلى الله غير الجهة ~~التي تضاف إلى الخلق والجهة التي تضاف إلى الخلق مذمومة، والجهة التي تضاف ~~إلى الله محمودة، وكذلك ما أضيف إلى الله من المكر، والخداع والاستهزاء ~~ونحوه، هو ms1790 ما ذكرنا على اختلاف الجهات، والمعنى في الجهة التي تضاف إلى ~~الله غير الجهة التي تضاف إلى الخلق؛ لأن الله - تعالى - يأخذهم بما ~~يستوجبون ويستحقون بحق الجزاء والمكافأة، فلا يلحقه في ذلك ذم، وأما الخلق ~~فيما بينهم يمكرون ويكيدون، لا على الاستحقاق والجزاء. # وعن الحسن في قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) قال: كلما جددوا لله ~~معصية، جدد الله لهم نعمة؛ ليستهزءوا ويأشروا ويبطروا، ثم يهلكهم. # PageV05P101 # وقال بعضهم: يظهر لهم النعم وينسيهم الشكر. # وجائز أن يكون ما ذكر من الاستدراج والمكر والكيد عبارة عن العذاب، أي: ~~إن أخذي إياهم وعذابي شديد؛ حيث قال: (إن كيدي متين)، أي: عقوبتي شديدة. # وقوله - عز وجل -: (وأملي لهم إن كيدي متين (183) # أي: كيدوه أنتم وأمهلهم وأكيد لهم؛ كقوله: (إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد ~~كيدا. . .) الآية. فيخرج قوله: (وأكيد كيدا)، مخرج جزاء كيدهم؛ وكذلك قوله: ~~(ومكروا مكرا ومكرنا مكرا)، أي: جزيناهم جزاء مكرهم؛ وكذلك قوله: (سنمنتذ ~~جهم)، أي: نجزيهم جزاء استدراج وما هو عندهم كيد، وكذلك نفعل بهم ما هو ~~عندهم مكر وخداع، وإن لم يكن من الله مكر وخداع؛ كقوله: (وهو أهون عليه)، ~~أي: إعادة الشيء عندع أهون من الابئ اء، وإنى شت الإعادة والابتداء أسواء ~~على الله؛، فعلى ذلك قوله: (سنستدرجهم)، (كيدي متين) ونحوه، أي: نفعل بكم ~~ما هو استدراج وكيد عندكم، والله أعلم. # ودل قوله: (وأملي لهم) وعلى أنه لم ينشئهم لحاجة له إليهم، أو لمنفعة له ~~فيهم، ولكن أنشأهم لحوائج أنفسهم، ولمنافع ترجع إليهم، حتى إن عملوا نفعوا ~~أنفسهم، وإن تركوا ضروا أنفسهم. # - وقوله: (متين). # قيل: شديد، أي: عقوبتي شديدة، والمتين: هو المحكم القوي. # وقوله - عز وجل -: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ... (184) # إن الكفرة كانوا ينسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجنون أحيانا، ~~والذي حملهم على ذلك - والله أعلم - أنهم كانوا أهل العز والشرف في الدنيا، ~~وكان لا يخالفهم أحد، ولا يستقبلهم بالمكروه إلا أحد رجلين: رجل ذو قوة ~~وهيبة، وله أعوان # PageV05P102 # وأنصار، أو رجل به جنون؛ لأنهم كانوا ms1791 يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر، ~~فلما رأوا رسول الله خالفهم واستقبلهم بما يكرهون، ولم يروا ماله أنصارا ~~ولا أعوانا ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه، فنسبوه إلى الجنون لذلك، ~~والله أعلم. # ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عايهم عبادة الأصنام ~~والأوثان التي كانوا يعبدونها، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ~~ولم يحرموا ذلك، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة، لذلك ~~حملهم بالنسبة إلى الجنون، والله أعلم. # ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة)؛ ~~ليتبين لهم أنه ليس به جنون، وذلك يحتمل وجهين: # أنهم لو تفكروا في رسول الله بما أخبرهم من المرغوب والمرهوب والمحذور في ~~كتابهم على غير لسانهم، واختلاف منه إلى أحد منهم، ولا تعلم - لعلموا أنه ~~رسول، وأن ما أخبر إنما أخبر بالله. أو أن يكون قوله: (أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم من جنة)، أي: قد تفكروا فيه وعرفوا أن ليس به جنون؛ وكذلك في قوله: ~~(أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض. . . . .) الآية، أي: قد تفكروا في ~~ذلك، وعرفوا أن مثل هذا لم يخلق عبثا باطلا؛ كما يقال: أولم تفعل كذا، أي: ~~قد فعلت، لكنهم عاندوا وكابروا آياته وحججه. # وأمكن أن يكون قوله: (أولم ينظروا) أي: في أنفسهم، وفي أولئك الذين عبدوا ~~من الأصنام والأوثان؛ ليظهر لهم أنهم على باطل وسفه، وفي نبين لهم أن الحق ~~هو ما يدعوهم إليه محمد - صلى الله عليه وسلم -، لا ما كانوا هم عليه. # وفيه دلالة أن الحق يلزم وإن كان لا يعلم ذلك إلا بالتنكر والتدبر؛ لما ~~لحق هؤلاء من الوعيد الشديد والعقاب العظيم لما تركوا هم التفكر، وكان لهم ~~سبيل الوصول إلى معرفة ذلك. # وقوله: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم) أنه ليس به جنة:! هذا جواب من الله. # ويحتمل: لو تفكروا في صاحبهم، لعرفوا أنه ليس به جنة. # ثم أخبر أنه نذير مبين، ليس كما يقولون: إنه مجنون؛ إذ معه آيات وبراهين، ~~فهو نذير مبين. ms1792 # وقوله - عز وجل -: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ... (185) # يحتمل هذا على الابتداء. # PageV05P103 # ويحتمل على الصلة بالأول، وهو أنهم إذا تفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ~~عرفوا ألوهية الله وربوبيته؛ لما يرون من اتصال منافع بعض ببعض على بعد ما ~~بينهما، واتساق التدبير في ذلك، فعرفوا أن ذلك كله مسخر لمن له التمييز، ~~وأن المقصود في خلقه أهل التمييز، فإذا عرفوا ذلك عرفوا أنهم يحتاجون إلى ~~من يعرفهم ذلك، ويعلمهم ما يحتاجون في ذلك. # ويحتمل على ابتداء الأمر بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض (وما خلق الله ~~من شيء)؛ ليدلهم على وحدانية الله، وربوبيته. # وقوله - عز وجل -: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم). # كأن هذا نزل فيمن عرف صدقه، لكنه عاند في تكذيبه، فقال: (وأن عسى أن يكون ~~قد اقترب أجلهم) يحذرهم؛ ليرجعوا إلى تصديقه، مخافة الخروج من الدنيا على ~~ما هم عليه. # وقوله - عز وجل -: (فبأي حديث بعده يؤمنون). # هذا يتوجه وجهين: # أحدهما: أنكم ممن تقبلون الأخبار والحديث، فإذا لم تقبلوا حديث رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وخبره ولم تصدقوه، فبأي حديث بعده تقبلون وتصدقون، ~~ومعه حجج وبراهين؟ والله أعلم. # والثاني: أن يكون قوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون) يعني، بعد القرآن ~~يؤمنون، وهو كما وصفه: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. . .) ~~الآية، وقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله)، فإذا لم تقبلوا هذا ولم تصدقوه وهو بالوصف الذي ذكر، وأنتم ~~ممن تقبلون الحديث، فبأي حديث بعده تقبلون. # وجائز أن يكون قوله: (فبأي حديث بعده يؤمنون) يريد به في الآخرة؛ يقول: ~~إذا اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون، أي: لا حديث بعده يؤمنون به، ~~والتأويل الآخر في الدنيا. # PageV05P104 # وقوله - عز وجل -: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ~~(186) # وفي موضع آخر: (ومن يهد الله فما له من مضل)، ولو كانت الهداية الأمر ~~والبيان على ما قاله قوم، لكان ذلك من غيره، وكذلك لو كان الإضلال والإزاغة ms1793 ~~والنهي هو التخلية، لكان ذلك يكون من غيره، وكل من أراد الله أن يهديه أضله ~~غيره، وكل من أضله الله هداه غيره، فذلك محال مع ما في كل ما أضاف الله ~~الإضلال إلى الخلق ذمه، وفيما أضاف الهداية إليه مدحه، ثم أضافهما جميعا ~~إلى نفسه؛ دل أن هنالك زيادة معنى ليس ذلك في الإضافة إلى الخلق، وهو ما ~~ذكر في غير موضع: # إما خلق فعل الضلال من الكافر، وخلق فعل الاهتداء والإيمان من المؤمن، أو ~~كان منه التوفيق والمعونة في الهدى، والخذلان في الكفر. # وهذان الوجهان اللذان ذكرناهما لا يكونان من الخلق، إنما يكونان من الله؛ ~~لذلك كان معنى الإضافة إليه، وإنما يكون من الخلق الدعاء وغيره، لا ما ~~قالته المعتزلة من البيان والأمر والنهي والتخلية؛ إذ لا يكون ذلك من ~~الخلق، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (من يضلل الله فلا هادي له) أي: من أهانه الله ~~بالضلالة، فلا أحد يملك إكرامه بالهدى. # وقوله - عز وجل -: (ويذرهم في طغيانهم يعمهون). # لا ضرر يلحقه في طغيانهم؛ لذلك تركهم فيه، ودل ذلك على أنه لم ينشئهم ~~لحاجة نفسه، ولا لدفع مضرة نفسه، ولكن لحاجة أنفسهم؛ كقوله: (سنستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون)، وكقوله: (إن كيدي متين)، وهو حرف الوعيد. # * * * # قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك ~~كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ~~من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # PageV05P105 # وقوله - عز وجل -: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها ... (187) قيل: ~~(أيان): متى قيامها. # وقال القتبي: (أيان مرساها) أي: متى ثبوتها؛ يقال: رسا في الأرض: إذا ~~ثبت، ورسا في الماء، ويقال للجبال: رواس؛ لثبوتها. # ثم اختلف في السؤال عما كان: # قال بعضهم: كان السؤال عن الفناء وفناء الخلق وهلاكهم؛ ms1794 لأنه قال في آخره: ~~(لا تأتيكم إلا بغتة) وونحوه قوله: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة. . .) الآية، ~~وذلك يكون في الدنيا. # وقال قائلون: كان السؤال عن البعث وقيام الساعة؛ إنكارا منهم إياها ~~واستعجالا للعذاب؛ كقوله: (وما يدريك لعل الساعة قريب (17) يستعجل بها ~~الذين لا يؤمنون بها) وقولهم: (أإذا متنا وكنا ترابا. . .) الآية، وغير ذلك ~~من الآيات؛ يدل على أن السؤال كان عن الساعة، وليس قوله: (لا تأتيكم إلا ~~بغتة) وأنه كان عن الفناء؛ إذ كانوا يعاينون الفناء؛ فلا يحتمل أن يكون ~~السؤال عن ذلك. # ثم يحتمل بعد هذا وجهين: # أحدهما: إن كان السؤال من المكذب بها فهو سؤال استهزاء واستعجال لما ~~ذكرنا، وإن كان من المصدق فهو سؤال استعلام وإشفاق؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا؛ ~~كقوله: (والذين آمنوا مشفقون منها)، لما سمعوا من الآيات ما يقرب وقوعها؛ ~~كقوله: (اقتربت الساعة)، وقوله: (اقترب للناس حسابهم)، وقوله: (أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه)، ونحوه من الآيات، وما سمعوا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # وفي بعض الأخبار قال: " كادت الساعة أن تسبقني " وغير ذلك من الأخبار، # PageV05P106 # حملهم ذلك على السؤال عنها؛ ليتأهبوا لها ويستعدوا، زم أمره أن يقول: ~~(إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو)، أي: لا يكشفها ولا يظهر ~~وقتها إلا هو، ليس كالأمور التي تجري على أيدي الخلق، ويكون لغيره فيها ~~تدبير من اخراج الثمار والنبات والأمطار، وغير ذلك من الأمور التي تجري على ~~أيدي الخلق ويكون لهم فيها تدبير، أعني الملائكة الذين سلطوا على حفظ المطر ~~والنبات، وأما الساعة فإنها تقوم من غير أن كان لأحد من الخلائق تدبير فيها ~~أو علم، وهو ما وصفها الله - عز وجل -: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب)، أخبر أن أمر الساعة خارج عن تدبير الخلق؛ بل تقوم بتدبير الله من ~~غير أن يجريها على يد أحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثقلت في السماوات والأرض). # قيل: ثقلت على أهل السماوات والأرض. # ثم اختلف فيه: قال قائلون: ms1795 قوله: (ثقلت) أي: خفيت على أهل السماوات ~~والأرض، فذكر الثقل؛ لأن كل من خفي عليه شيء ثقل عليه، فذكر أنها ثقيلة ~~عليهم؛ لخفائها عليهم. # وقال قائلون: ثقل وقوعها على أهل السماوات والأرض؛ لكثرة أهوالها وشدة ~~وقوعها. # وأمكن أن يكون قوله: (ثقلت في السماوات والأرض) على نفس السماوات والأرض؛ ~~على ما ذكر في قوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه) الآية، وذلك من شدة هولها، ~~ولكن إن كان على نفس السماوات والأرض، أي: لو كانت هي بحيث تعرف وتميز، ~~وبنيتها بنية من يعرف ثقل شيء لثقلت عليها، وهو ما قلنا في قوله: (وغرتهم ~~الحياة الدنيا) والدنيا لا تغر أحدا، أي: ما كان منها لو كان ممن يكون منه ~~التغرير لكان تغريرا؛ فعلى ذلك الأول. # PageV05P107 # وقوله - عز وجل -: (يسألونك كأنك حفي عنها). # اختلف فيه: # قال قائلون: قوله: (كأنك حفي عنها)، أي: مكرم مشرف عنده ذو منزلة فيعلمك ~~عنها، وكذلك قيل: (إنه كان بي حفيا)، قيل: بارا رحيما. # وقال قائلون: (كأنك حفي عنها) أي: عالم بها. # وقال قتادة: (كأنك حفي عنها) بهم، كأنك تحب أن يسألونك عنها. # وقال غيره: هو على التقديم والتأخير: يسألونك عنها كانك أحفي يعني كانك، ~~استحفيت السؤال عنها حتى علمتها. # ثم قال: (قل) مالي بها من علم (إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) أنها كائنة. # ويحتمل: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أنك لا تعلم أنها متى تكون؟ أو لا ~~يعلمون ما عليهم وما لهم. # وقال الحسن في قوله: (ثقلت في السماوات والأرض): إذا جاءت ثقلت على أهل ~~السماوات والأرض، وكبرت عليهم. # وقال بعضهم: ثقل ذكرها على أهل السماوات والأرض. # وقال قتادة: أثقل علمها على أهل السماوات والأرض. # وأصله: ما ذكرنا، أي: خفي علمها على أهل السماء والأرض، وإذا خفي الشيء ~~ثقل. # وقوله: (كأنك حفي عنها) ما ذكرنا من التأويل، والله أعلم. # PageV05P108 # وعلى قول بعضهم: الحفي: الخبير العالم، وقالوا: هو المشرف المكرم البار ~~الذي لا يستخفي منه شيء ولا يلبس عليه. # وقوله - عز وجل -: (قل لا أملك لنفسي نفعا ms1796 ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير ~~لقوم يؤمنون (188) # قال بعض أهل التأويل: قوله: (لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا): الهدى ~~والضلالة. # وقال قائلون من أهل التأويل: لا أملك جر النفع إلى نفسي ولا دفع الضر ~~عنها (إلا ما شاء الله)، أي: إلا إن أقدرني الله على ذلك فأملك ذلك. # ويشبه أن يكون قوله: (لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) قال ذلك؛ لئلا يتخذوه ~~معبودا، لا ينسبوه إلى الله بالذي لا يليق النسبة به أنحو، ما قالت ~~النصارى: (المسيح ابن الله)، (وقالت اليهود عزير ابن الله)، وقال مشركو ~~العرب: الملائكة بنات الله؛ لعظيم ما وقع عندهم من محل هؤلاء وقدرهم، فقال: ~~(لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا)؛ لئلا ينسبوه إلى الله من الوجه الذي نسب ~~أولئك، أظهر من نفسه العجز والعبادة، وهو ما قال عيسى صلوات الله عليه حيث ~~قال: (إني عبد الله آتاني الكتاب. . .) الآية. # وقال ابن عباس في قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا): وذلك أن أهل ~~مكة قالوا: ألا يخبرك ربك يا محمد بالتجارة المربحة فتتجر فيها فتربح، أو ~~لا يخبرك بسنة القحط والجدوبة، أو يخبرك بوقت السعة والخصب؟! فقال عند ذلك: ~~(ولو كنت أعلم الغيب) من جدوبة الأرض والقحط؛ (لاستكثرت من الخير) يقول: ~~لتهيأت لذلك (وما مسني السوء) من الضر والشدة؛ إلى هذا ذهب عامة أهل ~~التأويل. # وقالوا في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) قال بعضهم: لو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ومن العمل الصالح. # ولكن الوجه فيه غير ما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان لا يعلم متى يموت؟ لا ~~يستكثر من # PageV05P109 # الخير ومن العمل الصالح، أو لو كان يعلم الغيب لاستكثر المال على ما قال ~~بعضهم؛ هذا بعيد. # ولكن التأويل - والله أعلم - أن يجعل قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا) أي: لا أعلم لكم نفعا ولا ضرا، ولو كنت أعلم لكم الغيب لاستكثرت ms1797 من ~~الخير عند الله، أي: لو كنت أعلم لكم ذلك لصدقتموني وآمنتم بي ولاستكثرت من ~~الخير عند الله بإيمانكم بالله وتصديقكم إياي. # أو أن يقال: لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، ولو كنت أملك لكم ذلك لاستكثرت ~~من الخير؛ لأنكم إذا رأيتموني أملك نفع ما غاب عنكم ودفع ضر ما غاب، لآمنتم ~~بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا كثيرا، يجعل قوله: (ولو كنت ~~أعلم الغيب) جواب ما تقدم من الكلام، والله أعلم. # وقال بعضهم: قوله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) أي: لا أعلم الغيب ~~إلا قدر ما أوحي إلي (لاستكثرت من الخير). # وقال بعضهم: لا أعلم الغيب قبل أن يوحى إلي، ولو كنت أعلم ذلك لاستكثرت ~~من الخير بذلك. # وحاصل التأويل في قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير): ما ~~ذكرنا بتصديقكم إياي وإيمانكم بي، أو ما ذكرنا من السعة والخصب في الدنيا ~~لأهله ولأصحابه، أو ما ذكرنا، أي: لو كنت أملك لكم نفع ما غاب عنكم ودفع ~~ضرر ما غاب -أيضا- لآمنتم بي وصدقتموني، فأنا بذلك استوجبت عند الله خيرا ~~كثيرا. # وجائز أن يكون قوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) أي: لو كنت ~~أعلم من المصدق ومن المكذب لاستكثرت من الخير؛ لأنه لا يشتغل بمن يعلم أنه ~~يرد ولا يجيب، وإنما يشتغل بمن يعلم منه أنه يجيب ولا يكذب، فيستكثر أتباعه ~~والمطيعين لله. # وقال بعضهم: (وما مسني السوء) هو صلة قوله: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من ~~جنة) كانوا يقولون: إن به جنونا، فقال: (وما مسني السوء) من النسبة إلى ~~الجنون، ويقول: ما مسني السوء منكم: سوء رد وتكذيب؛ لأنه لو علم الذي يجيبه ~~ويصدقه من الذي لا يجيبه ولا يصدقه، لم يمسه سوء من الرد والأذى؛ لأنه لا ~~يشتغل به # PageV05P110 # يعد ما أقام عليه الحجة وعلم من المجيب منكم ومن الراد. # وقوله - عز وجل -: (إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) [ ### | ..... # ]. # * * * # قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ms1798 إليها ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم ~~يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # وقوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا. . .) الآية. # قال عامة أهل التأويل: إن آدم وحواء لما أهبطا تغشاها آدم، فحملت، فأتاها ~~إبليس فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: لا أدري، قال: لعله بهيمة ~~من هذه البهائم: ناقة، أو شاة، أو بقرة، قالت: لا أدري، فأعرض عنها، فلما # PageV05P111 # أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك؟ قالت: إني لأخاف أن يكون الذي ذكرت، ما ~~أستطيع القيام إذا قعدت إلا بجهد، قال: أفرأيت إن دعوت الله يجعله إنسانا ~~مثلك ومثل آدم أتسمينه بي؟ قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتاني ~~آت فخوفني بكذا، وإني لأخاف مما ذكر، فدعوا الله في ذلك بقوله: (دعوا الله ~~ربهما لئن آتيتنا صالحا)، يقول: جعلته إنسانا (لنكونن من الشاكرين)، فكان ~~هذا دعاؤهما قبل أن تلد، فلما ولدت أتاها إبليس وقال: ألا تسمينه بي كما ~~وعدتني؟ قالت: نعم، ما اسمك؟ قال: اسمي الحارث، فسمته: عبد الحارث؛ فذلك ~~قوله: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما)؛ على هذا حمل أهل ~~التأويل الآية وإلى آدم وحواء صرفوها، وذلك وخش من القول، قبيح في آدم ~~وحواء ذلك، ولو ثبت ما قالوا: إنهما سميا ولدهما باسمه ونسباه إليه، لم يكن ~~في ذلك إشراك؛ إذ لو كان في مثله إشراك لكان فيما أضاف العبيد والمماليك ~~إلى الخلق إشراك في ألوهيته. # ثم التأويل عندنا على غير ما ذهبوا إليه - والله أعلم - وهو أن قوله: (هو ~~الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني: من آدم، (وجعل منها زوجها): حواء، أي: خلق ~~الذكور كلهم من آدم، وخلق الإناث كلهن من حواء؛ كقوله: (ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا)، ms1799 أخبر أن الأزواج خلقهن من نفس الأزواج، فلما أضاف ~~الزوجات # PageV05P112 # إلى أنفس الأزواج وأنهن من أنفسهم خلقهن؛ كان قوله: (خلقكم من نفس واحدة ~~وجعل منها زوجها ليسكن إليها) كل زوجة وزوج إذا تغشاها وحملت دعا آدم ~~وحواء: (لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) إذ جميع الأولاد أولادهما، ~~يدعون الله في ذلك ليكون صالحا؛ فمن كان مسلما منهما كان بدعائهما؛ فعلى ~~هذا التأويل يحصل دعاؤهما لأولادهما الذين يولدون إلى يوم القيامة؛ لأنهما ~~أب وأم، وقد يدعو الوالدان لأولادهما بالصلاح والخير؛ على هذا يجوز أن يخرج ~~تأويل الآية، وأما ما قال أولئك فهو بعيد محال، والله أعلم. # وقال بعضهم: إن العرب كان إذا ولد لهم أولاد ذكور ينسبون إلى الأصنام ~~التي يعبدونها ويضيفون إليها؛ تعظيما لها؛ يقولون: ابن اللات، وابن العزى، ~~وابن المناة، ونحو ذلك، وكانوا يقتلون البنات، وكان إذا أصابتهم الشدة ~~يفزعون إلى الله ويتضرعون إليه؛ كقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين) وكقوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه. . . .) الآية (وإذا ~~غشيهم موج. . . .) الآية، فلما ذهب ذلك عنهم وانجلى عادوا إلى ما كانوا من ~~قبل؛ كقوله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)، وقوله: (ثم إذا خوله ~~نعمة منه. . .) الآية، فإذا كان من عادة العرب ما ذكرنا، كان إذا حملت زوجة ~~منهم وثقل ما في بطنها، جعلا يدعوان الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ذكرا ~~وسلمت من الولادة (لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا) يعني: ذكرا (جعلا ~~له شركاء # PageV05P113 # فيما آتاهما) أي: جعلا لله شركاء في الولد الذي ولد لهما، وينسبونه إلى ~~الأصنام التي كانوا يعبدونها، فذلك قوله: (جعلا له شركاء فيما آتاهما) ~~فتعالى الله عما يشركون، والله أعلم بذلك. # وقال الحسن: الآية في مشركي العرب، إلا قوله: (خلقكم من نفس واحدة وجعل ~~منها زوجها) فإن ذلك في آدم وحواء. # ألا ترى أنه قال: (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) دل أنه ما ذكرنا. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (خلقكم من نفس واحدة) وهي نفس آدم (وجعل ms1800 منها ~~زوجها) أي: خلق كل نفس منكم من تلك النفس، وجعل لكل نفس منكم زوجة من تلك ~~النفس ليسكن إليها؛ فعلى هذا التأويل يصرف آخر الآية إلى غير آدم وحواء. # وقال القتبي: قوله (فمرت به) أي: استمرت بالحمل، وقوله: (هو الذي خلقكم ~~من نفس واحدة) إن العرب كانت تعبد الأصنام تقليدا لآبائهم وسلفهم، فيذكر ~~سفههم أن النفس التي خلقتم منها لم تقلد أحدا، ولم تشرك أحدا، إنما اتبعت ~~ما في العقل حسنه، أو ما في السمع من الأمر، فكيف اتبعتم أنتم النفس التي ~~خلقتم منها، وهي لم تتبع إلا ما ذكرنا دون ما اتبعتم في الإشراك له آباؤكم. # ولو كانت القصة في آدم على ما يقول أهل التأويل، فيكون للعرب بها تعلق ~~واقتداء، فيقولون: إنه أشرك، ونحن نشرك، فدل أنه ليس على ما قالوا، ولكن ~~على الوجوه التي ذكرنا. # وفي قوله: (خلقكم من نفس واحدة) دلالة أن ليس لأحد من البشر على آخر فضل ~~من جهة الخلقة والنسبة؛ إذ كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، وهم إخوة # PageV05P114 # وأخوات، وإن كان لأحد فضل على آخر فإنما يكون لأعمال يكتسبها، وأخلاق ~~محمودة ومحاسن يختارها، وأما من جهة الخلقة فلا فضل لبعض على بعض؛ كقوله: ~~(إن أكرمكم عند الله أتقاكم). # وقوله - عز وجل -: (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # يذكر سفههم أنهم يشركون في عبادته وألوهيته من يعلمون أنه لم يخلقهم، ~~وإنما خلقهم الله - سبحانه وتعالى - وهم مخلوقون؛ فصرف العبادة إلى غير ~~الذي خلقهم سفه وجور. # وقوله - عز وجل -: (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # يسفههم -أيضا- أن في الشاهد لا يخضع أحد لأحد ولا يشكر له إلا مجازاة لما ~~سبق منه إليه من النعمة، أو لما يأمل في العاقبة من المنفعة، وأنتم تعبدون ~~هذه الأصنام ولم يسبق منها إليكم شيء، ولا لكم رجاء يقع في العاقبة؛ فكيف ~~تعبدونهم؟! # (ولا يستطيعون لهم نصرا) لا يدفعون عنهم الضر (ولا أنفسهم ينصرون) أي: ~~ولا من قصد قصدهم بالكسر والإتلاف يملكون دفعه عن أنفسهم، والله ms1801 أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون (193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا ~~شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين (196) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ~~(197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ~~(198) # وقوله - عز وجل -: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم). # يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: (وإن تدعوهم) يعني: الأصنام، (إلى الهدى): ليهتدوا، (لا يتبعوكم) ~~أي: لا يجيبوكم ولا هم يهتدون. # والثاني: (وإن تدعوهم) إلى ما لكم إليه من حاجة (لا يتبعوكم): لا يقضون ~~ولا يملكون ذلك. # ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين؛ يقول: (وإن تدعوهم) أي: أهل مكة # PageV05P115 # (إلى الهدى لا يتبعوكم) أي: لا يجيبوكم. # وجائز أن يكون يخاطب به أهل مكة؛ يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدونها ~~إلى الهدى لا يملكون إجابتكم؛ يسفههم في عبادتهم من حاله ما وصف. # وقوله - عز وجل -: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون). # أمكن أن تكون الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ كقوله: (سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). # وقال بعضهم: قوله: (وإن تدعوهم) يعني: المشركين (إلى الهدى لا يتبعوكم)؛ ~~فعلى ذلك يخرج قوله: (سواء عليكم أدعوتموهم). # وأمكن أن يكون قوله: (سواء عليكم أدعوتموهم) في الأصنام، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ... (194) # يحتمل قوله: (تدعون) أي: تعبدون من دون الله، وقد كانوا يعبدون من دون ~~الله أصناما وأوثانا. # ويحتمل (تدعون) أي: تسمونهم من دون الله آلهة. # وقوله: (عباد أمثالكم) في الخلقة والدلالة على وحدانية الله في التدبير ~~دونهم؛ لما قال: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها. . . .) إلى ~~آخر ما ذكر، أي: ليس لهم ما ذكر فهم ms1802 دونهم في التدبير والمعونة. # ويحتمل قوله: (تدعون من دون الله عباد أمثالكم) الملائكة الذين عبدوهم ~~أهم، عباد أمثالكم، فلا تسموهم آلهة، أي: لا تعبدوا عبادا أمثالكم، ولكن ~~اعبدوا من لا مثل له ولا نظير له. # وإن كان قوله: (عباد أمثالكم) الملائكة، فقوله: (ألهم أرجل يمشون بها. . ~~. . .) الآية، هو منه مقطوع منصرف إلى الأصنام. # وقوله - عز وجل -: (فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين). # ذكر الدعاء والاستجابة، ولم يبين في ماذا يستجيبون، ولا يجب أن تفسر ~~الاستجابة في الشفاعة، أو في التقريب إلى الله، أو في غيره؛ إلا أن يعلم ~~أنهم كانوا يدعونهم بكذا، # PageV05P116 # ويطلبون منهم كذا وقوله: (إن كنتم صادقين) أنهم آلهة على ما تزعمون. # أو (إن كنتم صادقين) فيما تزعمون أن عبادتكم إياها تفربكم إلى الله زلفى. # وقوله - عز وجل -: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم ~~أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا ~~تنظرون (195) # يسفه عقولهم بعبادتهم الأصنام التي لا أرجل لهم يمشون بها يهربون ممن ~~يقصدهم بالسوء، أو يقصدون بها قصد من أراد الضر بهم والسوء، وكذلك يعبدون ~~ما لا أيدي لهم يبطشون بها ويدفعون عن أنفسهم من أراد السوء، أو يأخذون من ~~يقصدهم، وكذلك قوله: (أم لهم أعين يبصرون) يبصرون من يقصدهم بالسوء، (أم ~~لهم آذان يسمعون بها) من يشتمهم ويذكرهم بالسوء، يسفههم في عبادتهم من لا ~~يملك دفع من يقصده بالسوء، إما هربا منه، وإما قصدا منه إليه بالسوء، فإذا ~~كانوا لا يملكون ذلك كيف تعبدونهم؟! وهو كقول إبراهيم - عليه السلام -: (يا ~~أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، فإذا كانوا لا يملكون ~~دفع ما يحل بهم، فكيف يملكون جر النفع إليكم، أو دفع الضر عنكم؟! # وقوله - عز وجل -: (قل ادعوا شركاءكم). # قال بعض أهل التأويل: خاطب به كفار مكة بقوله: (قل ادعوا شركاءكم) الذين ~~تزعمون أنهم آلهة دون الله. # ويحتمل قوله: (شركآءكم) أي: ادعوا من شاركوكم في عبادة من ms1803 دونه ثم كيدون. # ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الكفار الذين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان ~~من دون الله، قال ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم: (ثم ~~كيدون فلا تنظرون) فلم يقدر أحد الكيد به والضرر مع قوتهم وعدتهم بالكثرة ~~والأعوان، وضعف رسول الله، وقلة أعوانه؛ دل عجزهم عن ذلك أنه كان آية في ~~نفسه، وأنه بالله - تعالى - ينتصر، وبه قوي على أعدائه، وذلك من عظيم ~~آياته؛ لأنه قال ذلك لمن كانت همتهم # PageV05P117 # القتل والإهلاك لمن خالفهم فيما هم فيه، ثم لم يقدر أحد منهم الضرر به؛ ~~دل أنه كان بالله حفظه، وكذلك سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم - حيث ~~قالوا بين ظهراني قومهم - من نحو هود ونوح وهؤلاء -: (فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون)، وقال نوح: (قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. . . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ~~(196) # ذكر هذا على إثر قوله: (ثم كيدون فلا تنظرون)؛ كما ذكر هود: (إني أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ~~(55) إني توكلت على الله ربي وربكم). وكما قال نوح: (إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون). فزعوا إلى الله - عز وجل - ~~عند وعيد قومهم بالإهلاك، وعليه اعتمدوا، وبه وثقوا؛ فعلى ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين) أي: هو وليي يحفظني، وهو يتولى حفظ الصالحين، أي: بتوليه صلحوا. # أو يتولى ويحفظ الصالحين مقابل قول من ذكرنا من الرسل لقومهم. # ثم قوله: (إن وليي الله) عز وجل. # يحتمل: حافظي وناصري. # أو وليي تدبيري الله (الذي نزل الكتاب). # أو ولي أمري. # أو أولى بي الله (الذي نزل الكتاب) الذي عجزت الخلائق عن إتيان مثله (وهو ~~يتولى الصالحين). # وقوله - عز وجل -: (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا ms1804 أنفسهم ~~ينصرون (197) يذكر سفههم بعبادتهم من عجز عن دفع الضرر عن نفسه، فضلا أن ~~يدفع ذلك عنهم أو يجروا إلى أنفسهم منفعة، وأخبر عن جهلهم أنهم يعبدون من ~~لا يملك دفع ضر ولا جر نفع. # وقوله: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون (198) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يخاطب به المؤمنين بقوله: # PageV05P118 # وإن تدعو أهل مكة إلى الهدى، (لا يسمعوا) أي: لا يجيبوا (وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون) أي: لا ينتفعون به، أو لشدة تعنتهم لا يبصرون. # وجائز أن يكون يقول: وإن تدعوا الأصنام التي تعبدون إلى الهدى (لا ~~يسمعوا) أي: لا يجيبوا، ولا يملكون الإجابة. # ويحتمل (لا يسمعوا) حقيقة السمع، (وتراهم ينظرون إليك) على التمثيل، أي: ~~كأنهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة. # * * * # قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ~~لا يقصرون (202) # وقوله - عز وجل -: (خذ العفو) يتوجه وجهين: # أحدهما: على حقيقة الأخذ. # والثاني: على العمل بالعفو. # فإن كان على الأخذ فهو على وجهين: # الأول:، يحتمل أن خذ الفضل الذي لا حق فيه، وهو القليل من ذلك واليسير. # والثاني: أن خذ ما يفضل من أنفسهم وحوائجهم من غير مسألة، أي: اقبل منهم ~~ما أعطوك، ولا تلح في المسألة؛ كقوله: (ولا يسألكم أموالكم (36) إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا). أخبر أنه إن يسألهم أموالهم حملهم ذلك على ~~البخل. # وإن كان على العمل فهو على وجوه: # أي: اعف عن الظلمة، عن ظلمهم، وأعرض عن السفهاء واحلم معهم؛ أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعامل الخلق بأشياء ثلاثة: أمر أن يعفو عن ~~الظلمة عن ظلمهم، لا يكافئهم بظلمهم، وأمر أن يعرض عن السفهاء والجهال ~~ويحلم معهم، وأمر أن يعامل المؤمنين باللين والرفق؛ ولذلك وصفه بالرحمة ~~والرأفة بقوله: (بالمؤمنين رءوف رحيم). # PageV05P119 # وروي عن عبد الله بن الزبير قال: ms1805 (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين) قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. # وعن قتادة: (خذ العفو وأمر بالعرف) قال: خلق حسن أمر الله به نبيه ودعاه ~~إليه. # إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وإلى ذلك صرف تأويل الآية. # وقال بعضهم: هو أخذ الفضل من المال على ما ذكرنا؛ فهو منسوخ بآية الزكاة. # وروي في حرف ابن مسعود وأبي: (خذ العفو وأمر بالعرف وانه عن المنكر وأعرض ~~عن الجاهلين). # وفيه دلالة أنه أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # والمعروف: هو اسم كل خير، وأمره بأن يأخذ بالعفو عن الظلمة، على ما ~~ذكرنا، وعلى ذلك روي عن عائشة قالت: كان رجل يشتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويؤذيه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوسع له، وأدناه، ~~ورحب به؛ قالت: فقلت: يا رسول الله، أليس هذا كان يشتمك؟ قال: " بلى يا ~~عائشة؛ إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء شرورهم وألسنتهم " إلى مثل هذا ~~دعى رسول الله بالعفو والصفح عن الظلمة وترك المكافأة. # وقوله: (وأمر بالعرف) أي: مر الناس بالعرف، وهو ما تشهد خلقتك وتأمرك به ~~أشياء ثلاثة، اثنان فيما بينه وبين ربه، والواحد فيما بينه وبين الناس؛ أما ~~الاثنان اللذان فيما بينه وبين ربه: # أحدهما: تأمر خلقته، وتشهد على وحدانية الله، والدلالة على ألوهيته. # PageV05P120 # والثاني: تشهد على نعم الله إليه فيدعوه إلى الشكر له فيما أنعم الله ~~عليه. # وأما الوجه الذي تدعو خلقته فيما بينه وبين الناس: فهو ما ترغب نفسه في ~~كل محاسن ومرغوب فيه، وتنفر نفسه عن كل أذى وسوء، فأمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يعامل الخلق بما ترغب نفسه وتطمع في المحاسن، وتنفر ~~عنه وتكره، يفعل إليهم في كل ما ترغب نفسه فيه وتطمع، ويمتنع عن كل أذى ~~وسوء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع ~~عليم (200) # قال بعضهم: النزغة هي أدنى أفعال المعصية؛ وكذلك فسره ابن عباس - رضي ~~الله ms1806 عنه - يقول: إذا أذنبت ذنبا فاستعذ بالله. # وقال القتبي: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ) أي: يستخفنك، ويقال: نزغ ~~شيئا: إذا أفسده. # وقال أبو عوسجة: النزغ: التحريك للفساد. # وقال بعضهم: قوله: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) أي: يوسوسك ~~الشيطان وسوسة فاستعذ بالله. # ثم في الاستعاذة وجهان: # أحدهما: أمره بالفزع إلى الله عند ما يوسوسه الشيطان والالتجاء إليه؛ لما ~~رأى نفسه عاجزة عن دفع ما يوسوس إليه، ورد ما يكون؛ فهو الدافع عنه ذلك وهو ~~الراد. # وقال الخليل: أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله - تعالى - وكذلك قوله: ~~أستعيذ بالله، ومعاذ الله معناه: أعوذ بالله، ومنه الإعاذة والتعوذ ~~والتعويذ. # وقال غيره: أعوذ بالله، أي: أمتنع بالله. # وقيل: أعوذ بالله، أي: أتحصن بالله. # وقيل: الاستعاذة: هي الاستغاثة بالله؛ لدفع ما اعترض له من الشيطان. # وكله قريب بعضه من بعض. # ثم الحكمة فيما جعل عدوهم من غير جنسهم من حيث لا يرونه ويراهم وجهان: # PageV05P121 # أحدهما: ليكونوا أبدا على التيقظ والانتباه، غير غافلين عنه. # والثاني: ليكونوا أبدا فزعين إلى الله - تعالى - متضرعين إليه، مبتهلين؛ ~~ليكون هو الحافظ لهم، والدافع عنهم شره ووسواسه. # وفيما أمر بالفزع إلى الله والاستعاذة به عند نزغ الشيطان نقض على ~~المعتزلة؛ لأنهم يقولون: قد أعطاهم جميع ما يدفعون به وساوسه ونزغاته، حتى ~~لم يبق عنده شيء يعيذه؛ فعلى قولهم يخرج طلب الإعاذة مخرج كتمان النعمة، أو ~~مخرج الهزء به؛ أما الهزء به، لأنه يسأله ما يعلم أنه ليس ذلك عنده. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون (201) # وقرئ: (طيف من الشيطان)؛ فمن قرأ: (طيف) قال: أي، اللمة والخطرة # PageV05P122 # والشيء يغشيك. # وقال: وأما الطائف فهو من الطواف. # وقيل: الطيف: الوسوسة. # وقيل: ما يأتيك من الشيطان. # وقيل: الطائف والطيف سواء. # وعن ابن عباس: (إذا مسهم طائف من الشيطان) قال: إذا أذنبوا ذنبا (تذكروا ~~فإذا هم مبصرون) يقول: تذكروا ذنوبهم فتابوا منها، وكذلك قال في قوله: ~~(ينزغنك من الشيطان نزغ): هو أدنى ذنب يرتكبه، فإن ms1807 كان على هذا فهو يخرج ~~على النهي عن ذلك، فهو كالمخاطبات التي خاطب بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كقوله: (ولا تكونن من المشركين)، (فلا تكونن من الجاهلين)، (فلا تكونن ~~من الممترين)، وإن كان يعلم أنه لا يشك ولا يجهل ولا يشرك غيره في أمره؛ ~~فعلى ذلك هذا الخطاب الذي خاطبه بقوله: (ينزغنك من الشيطان نزغ). # وإن كان ما ذكر هو من أدنى ذنب يرتكبه، فهو يخرج ذلك على تعليمه أمته أن ~~كيف يفعلون إذا اعترض لهم ذلك، والله أعلم. # وقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم). # PageV05P123 # يحتمل أن يكون قولهأ: (اتقوا) مكائد الشيطان؛ إذا أصابهم شيء من ذلك ~~تذكروا ذلك، فعرفوا أنه من الشيطان، (فإذا هم مبصرون) أي: أبصروا أنه من ~~الشيطان. # أو أن يقال: أي: هم من أهل البصر يبصرون عما اتقوا به أنه من الشيطان. # ويحتمل قوله: (إن الذين اتقوا) المعاصي، إذا أصابتهم وسوسة من الشيطان ~~تذكروا ذلك. # وقال أهل التأويل: قوله: (إن الذين اتقوا) أي: اتقوا الشرك، لكن لا كل من ~~اتقى الشرك يكون كما ذكر. # وقوله: (إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا. . .) الآية. # يحتمل وجوها: # أحدها: إذا مسهم ذلك تابوا عما كان منهم؛ كقوله: (والذين إذا فعلوا ~~فاحشة. . .) الآية. # والثاني: (تذكروا) وجوه حيل دفع وساوسه. # والثالث: (تذكروا) واستعاذوا به حيث أمرهم بالاستعاذة به عند النزغة. # وقوله - عز وجل -: (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) # قال بعض أهل التأويل: قوله: (وإخوانهم) يعني: إخوان الكفار الشياطين، ~~(يمدونهم في الغي) قالوا: في الشرك والمعصية، (ثم لا يقصرون)، عنها؛ أي: لا ~~ينتهون عنها، ولا يبصرونها كما أبصر الذين اتقوا عنها حين أبصروها. # ويحتمل أن يكون قوله: (وإخوانهم) يعني: أصحاب الذين اتقوا، وهم شياطينهم ~~من الإنس يدعونهم إلى دينهم، لكنهم لا يجيبونهم ولا يطيعونهم فيما يدعون ~~إليه؛ إذ يجوز أن يكون لكل مؤمن شيطان من الإنس وشيطان من الجن؛ كقوله: ~~(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن) فقد دعا أولئك شياطين الجن ~~فتذكروا فلم يجيبوهم، ثم دعاهم شياطين ms1808 الإنس -أيضا- فلا يجيبونهم، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما ~~يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) # وقوله - عز وجل -: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها). # ظاهر الآية في سؤال أهل الكفر رسول الله الآية أنهم كانوا إذا أتى لهم ~~بآية استهزءوا # PageV05P124 # بها وتعنتوا، وإذا لم يأتهم بها سألوه الآية سؤال المستهزئين المتعنتين، ~~وإذا لم يأتهم بها قالوا: (لولا اجتبيتها): لولا ابتدعتها وأحدثتها ~~وأنشأتها، وهلا أنشاتها من قبل نفسك، فقال: (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي) أي: لا أفتعلها، ولا أنشئها من نفسي، إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. # وأمكن أن يكون سؤال الآية من المؤمنين؛ فإن كان منهم فهو سؤال الاسترشاد؛ ~~لما يزداد لهم بكل آية تنزل عليهم يقينا وقوة في دينهم؛ كقوله: (وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. . .) الآية، (وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا) الآية، وكقوله: (فإذا أنزلت سورة محكمة. . .) ~~الآية فإذا كان السؤال من المؤمنين فهو سؤال الاسترشاد وطلب زيادة الهدى، ~~وإن كان من الكفار فهو سؤال الاستهزاء والتعنت، ثم أخبر أنه لا يتبع إلا ما ~~يوحى إليه، ثم أخبر أنه (بصائر من ربكم). # قيل: بيان، أي: هذا القرآن بيان من ربكم يبصر به من لم يعاند ولم يكابر ~~عقله كك ما له وما عليه، وأنه البيان من الحق والباطل، (وهدى) من الضلالة ~~(ورحمة لقوم يؤمنون) أي: ورحمة من العذاب. # * * * # قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) ~~واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن ~~من الغافلين (205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون (206) # وقوله - عز وجل -: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا. . . . .) ~~الآية. # أمر الله - تعالى - بالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له إذا قرئ، وإن ~~كان في العقل أن من خاطب آخر بمخاطبات يلزمه الاستماع إلى ما يخاطبه ~~ويشافهه، ms1809 فالله - سبحانه - إذا خاطب بخطاب أولى أن يستمع له مع ما ذكر في ~~غير موضع من القرآن آيات ما يوجب في العقل الاستماع إليه؛ كقوله: (هذا ~~بصائر من ربكم وهدى ورحمة)، وقوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) وغير ~~ذلك من الآيات، ولا سبيل إلى أن يعرف أنه بصائر، وأنه هدى وما ذكر إلا ~~بالاستماع إليه والتفكر فيه؛ فدل أن الاستماع لازم في العقل من له أدنى ~~عقل؛ على ما ذكرنا من المخاطبات، لكنه ذكر - # PageV05P125 # هاهنا - الاستماع إليه - والله أعلم - لوجهين: # أحدهما: مقابل ما كانوا يقولون: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه)، أمر ~~- عز وجل - المؤمنين بالاستماع إليه مكان قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن) ~~وأمر بالإنصات مكان ما يقولون: (والغوا فيه). # والثاني: يجوز أن يكون أمر بالاستماع إليه في الصلاة؛ على ما قال بعض أهل ~~التأويل أنه في الصلاة. # وقال بعضهم: في حال الخطبة؛ لما يسبق إلى أوهامهم أنه لما اشتغلوا بغيرها ~~من العبادات ولزموا أنواع القرب أن يسقط عنهم حق الاستماع، فأمر بالاستماع ~~إليه، والإنصات له؛ ليعلموا أن حق الاستماع لازم في كل حال. # ثم الاستماع إليه يكون لتفهم ما أودع فيه من الأمر والنهي، والوعد، ~~والوعيد، وغيره، والإنصات للتعظيم والتبجيل. # ثم الاستماع له لم يلزم لنفس التلاوة، ولكن إنما يلزم لما أودع فيه من ~~الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغيره؛ ليفهموا ما فيه، ويقبلوه، ويقوموا ~~بوفاء ذلك، وأما سائر الأذكار إنما صارت عبادة لنفسها؛ لذلك لم يلزم ~~الاستماع إلى سائر الأذكار، ولزم لتلاوة القرآن. # ولأن القرآن كلام الله وكتابه، ومن الجفاء والاستخفاف أن يكتب إنسان إلى ~~أخيه كتابا لا ينظر فيه ولا يستمع له؛ فترك الاستماع إلى كتاب الله أعظم في ~~الجفاء والاستخفاف. # PageV05P126 # ولأن القرآن يجهر به، وسائر الأذكار لا تجهر، فإن كانت تجهر فيستمع لها ~~كما يستمع إلى القرآن، والله أعلم. # وذكر في بعض القصة أن الآية نزلت في الصلاة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قرأ في صلاته كانوا يقولون مثل ما قال، فنزلت الآية ms1810 بالنهي عن ~~ذلك، والأمر بالاستماع إليه والإنصات له. # وذكر أنهم كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار؛ ~~فنزلت الآية لذلك، فلا ندري كيف كانت القصة؟ وفيم كانت؟ وقد يحتمل ما ذكرنا ~~آنفا. # ثم إن كانت الآية في الصلاة ففيه دلالة النهي عن القراءة خلف الإمام؛ ~~لأنه أمر بالاستماع إليه والإنصات له، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن أبي ~~العاليه قال: كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قرأ أصحابه ~~أجمعون خلفه، حتى نزل: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) فسكتوا. # وعن علباء بن أحمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة الفجر " ~~الواقعة "، وقرأها رجل خلفه، فلما فرغ من الصلاة قال: " من الذي ينازعني في ~~هذه السورة " فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ فأنزل الله: (وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا) وغير ذلك من الأخبار. # فقال قوم: إن الإنصات الذي أمر به المؤتم معناه ألا يجهر بقراءته، وليس ~~فيه نهي أن يقرأ في نفسه. # PageV05P127 # وزعم بعضهم أن القارئ خفيا يسمى ناصتا ومنصتا، واستدل بما روي عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر ~~سكت بين التكبير والقراءة، قلت: بأبي أنت، أرأيت سكاتك بين التكبير ~~والقراءة، أخبرني ما تقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: " أقول: اللهم باعد ~~بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق " وغير ذلك من الدعوات، ~~فقال هذا القائل: قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم القارئ مخفيا ساكتا، ~~والصامت مثل الساكت، فيجوز أن يسمي صامتا، وهو أن يقرأ مخفيا، كما يسمى ~~ساكتا. # قال القتبي: غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت؛ لأن الأسماء لا ~~تقاس، قوله تعالى: وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه. # ومما يبين غلطه أن الله يقول: (فاستمعوا له وأنصتوا)، فلو كان القارئ ~~مخفيا يسمى صامتا ناصتا ما كان مستمعا، وإنما يكون مستمعا صامتا إذا صمت ~~فلم يقرأ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم ms1811 يستمع، ولا أنصت. # ومما يدل على غلطه -أيضا- أن العلماء جميعا ينهون المؤتم عن القراءة ~~وإمامه يجهر بالقراءة، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ ~~إذا سكت إمامه، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ ~~المؤتمون، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهرا صامتا ما ~~أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة؛ فهذا يبين غلط المستدل ~~بحديث أبي هريرة في استدلاله. # ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة - ~~فظن أنها الصبح - فلما سلم أقبل على الناس، قال: " هل يقرأ أحد منكم؟! فقال ~~رجل: أنا، فقال النبي: " إني أقول: ما لي أنازع القرآن " قال أبو هريرة: ~~فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي صلى الله عليه # PageV05P128 # وسلم. # فقال قوم: إن أبا هريرة قال: انتهى الناس عن القراءة خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما جهر فيه. # فيقال: إن أبا هريرة لم يرو ذلك عن النبي. # ثم مما يدل على أن المؤتم لا يقرأ جهر الإمام أو خافت قول النبي: " ما لي ~~أنازع القرآن؟ " وقد علمنا أن المؤتم لم يجهر بقراءته؛ فيتأول متأول ~~منازعته النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه شغله؛ فلا وجه لقوله: " ما ~~لي أنازع القرآن؟ " إلا بنهيه المؤتم عن أن يقرأ، جهر إمامه أو خافت. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يبين النهي عن القراءة خلف ~~الإمام فيما يجهر فيه أو يخافت: ما روي عن عمران أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى بأصحابه الظهر، فلما قضى صلاته قال: " أيكم قرأ بسبح اسم ربك ~~الأعلى؟ " فقال بعض الناس: أنا يا رسول الله، فقال: " قد عرفت أن بعضكم ~~خالجنيها ". # فبين عمران بن حصين أن الرجل خافت بقراءته؛ دل أن النهي الذي رواه أبو ~~هريرة لم يكن في حال جهر الإمام دون مخافتته، وأن المؤتم منهي ms1812 عن القراءة ~~خلف الإمام في كل الصلوات. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن القراءة خلف الإمام ~~أحاديث كثيرة منها: ما روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعمران بن حصين عنه، وما روي عن عبد الله: كنا نقرأ خلف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خلطتم علي القرآن ". # فإن قيل: لعلهم كانوا يجهرون بالقرآن، فنهى عن الجهر. # قيل له: لم ينقل لنا في شيء من الأخبار أن المؤتمين كانوا يقرءون جهرا، ~~ولو كانوا يقرءون جاهرين، لأدي ذلك إلينا كما أدي أنهم كانوا يقرءون. # PageV05P129 # وفي ذلك وجه آخر: أنه لم يكن النهي عن الجهر خاصة، ولكن للقراءة نفسها ما ~~روي عن أبي وائل قال: سألت عبد الله ابن مسعود عن القراءة خلف الإمام، ~~فقال: أنصت، فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك ذلك الإمام. # وعن عبد الله بن شداد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من كان له ~~إمام فقراءة الإمام له قراءة ". # وعن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ورجل خلفه ~~يقرأ، فنهاه رجل من أصحاب النبي عن القراءة في الصلاة، فتنازعا فيه، حتى ~~ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " من صلى خلف إمام فقراءة الإمام ~~له قراءة ". # وعن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " وإذا قرأ ~~الإمام فأنصتوا ". # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما ~~جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر # PageV05P130 # فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا " وغير ذلك من الأحاديث. # وأكثر ما يحتج به المخالف لعلمائنا - رحمهم الله - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " يرويه عبادة ابن ~~الصامت. # قال سفيان: هذا عندنا فيمن يصلي وحده؛ فذلك يحتمل، والأحاديث التي جاءت ~~مفسرة في النهي عن القراءة خلف الإمام. # فإن قال: يترك المؤتم القراءة فيما يجهر فيه إمامه بحديث أبي هريرة، ~~ويقرأ فيما يخافت بحديث ms1813 عبادة بن الصامت؛ ليصلح حديث أبي هريرة وحديث عبادة ~~جميعا. # قيل له: فهلا جعلته في المصلي وحده ليصح حديث عبادة، وحديث عمران بن ~~حصين؛ لأن حديث عمران بن حصين، ينهى عن القراءة خلف الإمام، فيما خافت، ~~وحديث أبي هريرة عن القراءة فيما يجهر فيه؛ فإن جعلت حديث أبي هريرة خارجا ~~عن عموم حديث عبادة، فذلك يوجب ألا يقرأ المؤتم فيما يجهر فيه إمامه ~~ويخافت، ويقال له: هل رأيت فرضا من فرائض الصلاة يسقط عن المؤتم في حال، ~~ويجب عليه في حال؟ # PageV05P131 # فإن قال: لا. # قيل: ففي إسقاطك تلك القراءة عنه في حال الجهر ما أوجب عليك أن تسقطها ~~عنه في حال المخافتة. # وقد احتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قالوا: وجدنا الرجل إذا جاء إلى الإمام ~~وهو راكع فكبر ودخل في صلاته ولم يقرأ، فكل يجمع أن صلاته تجزئه، فدل ذلك ~~أن القراءة غير فرض عليه. # فإن قال: إنما أطلق له ذلك للضرورة. # قيل: لو جاء إلى الإمام وهو ساجد، لم يعتد بتلك الركعة والضرورة قائمة، ~~فلو كانت الضرورة تزيل فرضا لأزالت الركوع عمن لحق إمامه وهو ساجد، فهي لا ~~تزيل فرض القراءة عمن لحق إمامه، ولكن لا يلزمه القراءة خلف الإمام؛ فلذلك ~~أجزأته صلاته لا للضرورة التي ذكرت، والله أعلم. # وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: لا قراءة على من خلف الإمام، ~~منهم: علي، وابن مسعود، وجابر، وسعد، وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس، وزيد ~~بن ثابت، رضي الله عنهم. # أما عن علي - رضي الله عنه - قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة. # وعن عبد الله قال: من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا. # وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له. # وعن سعد قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فمه جمرة. # وعن ابن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: لا، فإذا صلى ~~أحدكم وحده فليقرأ. # PageV05P132 # وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. # وعن أبي سعيد ms1814 أنه سئل عن القراءة خلف الإمام، قال: يكفيك ذلك الإمام. # وعن ابن عباس أن رجلا سأله: أقرأ خلف الإمام؟ قال: لا. # إلى مثل هذه الأحاديث ذهب أصحابنا، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة وإجماع ~~الصحابة، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول ~~بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) # PageV05P133 # اختلف أهل التأويل في الذكر الذي ذكر في الآية؛ منهم من صرف التأويل إلى ~~كل ذكر. # ومنهم من صرفه إلى التلاوة؛ فإن كان ذكر الغدو والآصال كناية عن الليل ~~والنهار فهو ذكر أحواله يذكر الله - عز وجل - بنعمه وإحسانه، وذكره بنعمه ~~شكره، أو يذكره بقدرته وسلطانه، وذلك يحمله على الخضوع له والتواضع، أو ~~يذكر أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وذلك يوجب الإقرار بالتقصير، والخوف ~~لعقوبته، والرغبة في وعده؛ كأنه قال: واذكر ربك في كل حال من الليل والنهار ~~إما شكرا لنعمه وإحسانه، وإما الإقرار بالتقصير في أمره ونهيه، وإما الخوف ~~لوعيده، وإما الرغبة لوعده، فكأنه قال: اذكر ربك تضرعا وتواضعا وخيفة مع ~~الخوف. # وإن كان تأويل الغدو والآصال كناية عن الغداة والعشي، فهو كناية عن ~~التلاوة، وهو ما سبق من ذكر التلاوة من قوله: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له) وقوله: (هذا بصائر من ربكم وهدى)، وهو كقوله: (ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها) وتأويله - والله أعلم -: ولا تجهر بصلاتك في بعض صلاتك، ولا ~~تخافت في بعضها. # أو أن يقال: لا تجهر الجهر العالي، ولا تخافت غاية المخافتة، ولكن بين ~~ذلك. أو أن يقول: لا تشتغل بالجهر، ولا بالمخافتة، ولكن اقرأ لما فيه، فعلى ~~ذلك قوله: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال). # وقرأ بعضهم: (وخفية) وهو من الإخفاء؛ حيث قال: (واذكر ربك في نفسك)، وأما ~~ظاهر القراءة فهو (وخيفة)، وهو من الخوف. # وقال مجاهد: رخص الله أن تذكره في نفسك تضرعا وخيفة، وأنت خلف الإمام ~~تسمع قراءته. # (والآصال)، قال أبو عوسجة: العشيات، الواحد: أصل وأصيل. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكن من ms1815 الغافلين). # PageV05P134 # معلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من الغافلين في حال، ~~ولكن على النهي لأمته؛ كقوله: (فلا تكونن من الممترين) و (ولا تكونن من ~~المشركين) ونحوه، نهاه أن يكونن ما ذكر؛ لما ذكرنا نهيا لغيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ... (206) # قالت المشبهة: لو لم يكن بين الله وبين الملائكة قرب الذات لكانوا هم ~~والبشر بقوله: (عند ربك) سواء، لكان لا معنى لتخصيص الملائكة بذلك. # لكن التأويل عندنا في قوله: (عند ربك): في الطاعة والخضوع، أو في الكرامة ~~والمنزلة، ليس على قرب الذات، ولكن على ما وصف - عز وجل -: (لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقوله: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ~~(19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، وصفهم بالطاعة له والخضوع؛ فعلى ذلك ~~الأول، ليس على قرب الذات، ولكن على ما ذكر من الطاعة والخضوع. # ألا ترى أنه قال: (واسجد واقترب)، ليس على أنه في الأرض يقترب منه إذا ~~سجد؟!. # وأصل ما يضاف إلى الله من جزئية الأشياء يخرج مخرج تعظيم تلك الجزئيات؛ ~~كقوله: (وأن المساجد لله)، خص المساجد بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها ~~له؛ تعظيما لها، وكذلك قوله: الكعبة بيت الله الحرام، وإن كانت البيوت كلها ~~له، ونحو ذلك مما أضاف ذلك إلى نفسه من جزئيات الأشياء؛ تعظيما لذلك ~~وإجلالا؛ فعلى ذلك الأول، أضافهم إلى نفسه إما لطاعة لهم إياه والخضوع، ~~وإما لكرامة لهم والمنزلة، وإضافة كلية الأشياء إلى الله تخرج مخرج تعظيم ~~الرب؛ من ذلك قوله: (له الخلق والأمر)، وقوله: (والله على كل شيء قدير)، ~~وقوله: (خالق كل شيء). # ومن الناس من استدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لكنا نقول: إن ~~الأفضل عند الله الأطوع له والأخضع والأتقى والأقوم لأمره ونهيه؛ على ما ~~ذكرنا: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، لا نشير أن هؤلاء أفضل من هؤلاء، وقد ~~ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم. # PageV05P135 # وتأويل الآية - والله أعلم - في قوله: (إن الذين عند ربك ms1816 لا يستكبرون عن ~~عبادته. . .) الآية، أي: إنهم وإن لم تكن لهم حاجة إلى المأكل والمشرب ~~وأنواع الحاجات لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم مع حاجتكم إلى الأكل والشرب ~~وأنواع الحوائج أحرى وأولى ألا تستكبروا عن عبادته. # أو أن يقول: إن الذين تعبدون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، فأنتم ~~أحق ألا تستكبروا عن عبادته؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، فخرج هذا جواب ~~ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويسبحونه). # التسبيح: هو وصف الرب - عز وجل - بالرفعة، والعظمة والجلال، والتعالي عن ~~الأشباه والأمثال، وعما وصفه الملحدون. # والتسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئته عن جميع معاني الخلق. # وقوله - عز وجل -: (وله يسجدون). # السجود: هو الخضوع في الغاية، وليس في الآية دليل وجوب السجدة على من ~~تلاها أو سمعها، إنما فيها الإخبار عن الساجدين أنهم سجدوا غير مستكبرين، ~~وفي ذلك # PageV05P136 # ترغيب في السجود، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - روي أنه سجد وسجد ~~من معه. # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضعا يسجد ~~فيه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد ~~في " ص ". # وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~القرآن في غير صلاته، فيسجد ونسجد معه. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ كبير من قريش ~~أخذ كفا من جص فرفعه إلى جبهته، فلقد رأيته قتل كافرا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه ذكر سجود القرآن - أو عد - فقال: ~~الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والحج - سجدة واحدة - ~~والفرقان، # PageV05P137 # وطس، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل، وقال: وليس في المفصل سجود. # وعن ابن مسعود قال في السورة يكون في آخرها السجدة نحو الأعراف والنجم: ~~إن شئت فاسجد ثم قم فاقرأ، ms1817 وإن شئت فاركع. # وعن ابن مسعود: كان يسجد في الأعراف، وفي بني إسرائيل، والنجم، و (إذا ~~السماء انشقت)، و (اقرأ باسم ربك). # واحتج بعض مشايخنا أن السجود على من تلا آية السجدة واجب: بما أجمع أهل ~~العلم أن على المصلي إذا تلا الآية فيها السجدة أن يسجد في صلاته، فلو كان ~~السجود تطوعا ما كان لأحد أن يزيد في صلاته ما ليس منها؛ فدل ذلك على أن ~~السجود واجب في الصلاة، وإذا كان في الصلاة واجبا فهو على كل واجب. # ومن الحجة لنا -أيضا- ما روي أن النبي - عليه السلام - قرأ آيات فسجد ~~فيها، فكان السجود فيها واجبا، كما أنه لما صلى صلاة العيدين كانت واجبة. # * * * # PageV05P138 ### | سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) # قوله - تعالى -: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول). # اختلف فيه؛ قال بعضهم: الأنفال: هي المغانم التي يغنمها المسلمون من أهل ~~الحرب. # وقال بعضهم: الأنفال: هي الفضول عن حقوق أصحاب الغنائم. # PageV05P139 # فإن كانت الأنفال الغنائم، فالسؤال يحتمل وجهين: # يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأن الغنائم كانت لا تحل في الابتداء. # قيل: إنهم كانوا يغنمونها ويجمعونها في موضع، فجاءت نار فحرقتها، فسألوا ~~عن حلها وحرمتها، فقال: (الأنفال لله والرسول)، أي: الحكم فيها لله ~~والرسول، يجعلها لمن يشاء. # ويحتمل السؤال عنها: عن قسمتها، وهو ما روي في بعض القصة أن الناس # PageV05P140 # كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، وثلث خلفهم ردء لهم، وثلث ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرسونه، فلما فتح الله عليهم اختلفوا ~~في الغنائم؛ فقال الذين كانوا في نحر العدو: نحن أحق بالغنائم، نحن ولينا ~~القتال. وقال الذين كانوا ردءا لهم: لستم # PageV05P141 # بأولى بها منا، وكنا لكم ردءا. # وقال الذين أقاموا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لستم بأحق بها ~~منا، كنا نحن حرسا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا فيها إلى ~~رسول الله، ms1818 فنزل: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول). # وقال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا ~~نزلت معشر أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت فيه أخلاقنا، إذ انتزعه الله من ~~أيدينا فجعله إلى رسوله، فقسمه على السواء. # ومجاهد وعكرمة قالا: كانت الأنفال لله والرسول فنسخها: (واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول). # وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الأنفال: المغانم كانت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصة، ليس لأحد فيها شيء، ما أصابت ~~سرايا المسلمين من شيء أتوه به، # PageV05P142 # فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها، ~~فقال: (قل الأنفال لله والرسول)، ليس لكم فيها شيء. # ويحتمل أن تكون الأنفال هي فضول المغانم؛ على ما قال بعضهم؛ نحو ما روي ~~في الأخبار أن منهم من أخذ كبة فقال: اجعلها لي يا رسول الله، وأخذ الآخر ~~سيفا وقال: اجعله لي، ونحو ذلك كانوا يسألون رسول الله ذلك، فقال: (قل ~~الأنفال لله والرسول). # ويحتمل أن يكون سؤالهم عن التنفيل: أن ينفلهم الرسول بعد ما وقع في ~~أيديهم، أو بعد ما انهزم الكفار وأدبر العدو، وإنما يجوز للإمام التنفيل في ~~حال إقبال الحرب، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: ~~النفل ما لم يلتق الزحفان أو الصفان، فإذا التقيا فهو مغنم. # وروي عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد قال: نزلت في أربع آيات: جرى أنه يوم # PageV05P143 # بدر أصبت سيفا، فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: نفلنيه، ~~فقال: " ضعه ثم أقام، "، فقلت: يا نبي الله، نفلنيه أجعل كمن لا عمل له؟! ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ضعه من حيث أخذته "، فنزلت هذه ~~الآية: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول). # ثم قال سعد: دعاني رسول الله فقال: " اذهب فخذ سيفك " فدل حديث سعد أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينفل قبل الحرب أحدا شيئا منه مما لا ~~يأخذه؛ لأنه لو ms1819 كان نفلهم لم يمنع سعدا - رضي الله عنه - السيف الذي جاء ~~به، ويدل على أن النبي لم يؤمر في الغنيمة بشيء حتى نزلت آية النفل، فرد ~~الله الأمر في الغنيمة إلى رسوله، فأطلق له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لما رد الأمر إليه. # ويجوز أن يكون النبي لم ينفل أحدا قبل الحرب شيئا، ولكنه كان ينفل مما ~~يؤتى به من يشاء ممن قتل بغير إيجاب متقدم؛ يبين ذلك قول سعد: أجعل كمن لا ~~عمل له؟! # وحديث عبادة يخبر أن النبي نفل ما يأخذون من أهل الحرب قبل أن يأخذوه، ~~وهذا موضع الاختلاف بين الحديثين، والظاهر من ذلك أن الفعل قد كان وقع في ~~الغنائم؛ لأن الله قد سماها أنفالا قبل أن يحلها، فلولا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان نفلهم إياها قبل الحرب أو بعدها، لم يسمها الله ~~أنفالا، والله أعلم. # وفي حديث عبادة أن قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول) نزل بعد ذكر النفل، وأنه الحكم الناسخ الثابت، وكذلك قول ابن # PageV05P144 # عباس يدل على ذلك. # وقد أجمع أهل العلم على ما ذكره عبادة في آخر حديثه، فقالوا جميعا: إن ~~الغنيمة # PageV05P145 # يخرج خمسها للأصناف الذين ذكرهم الله إلا ما اختلفوا فيه من سهم ذوي ~~القربى، # PageV05P148 # ثم تقسم الأربعة الأخماس بين أهل القسمة، وجعلوا للإمام أن ينفل السلب ~~وغيره، # PageV05P149 # فيقول: " من قتل قتيلا فله سلبه "، يحرض بذلك المقاتلة، وينفل السرية ~~ويخرج من العسكر شيئا بعد الخمس، ومما أجمعوا عليه من قسمة الغنيمة أخماسا ~~نزول القرآن، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الغنيمة ~~لم تحل لأحد قبلنا، وقد أحلت لنا ". # PageV05P150 # وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لم تحل ~~الغنيمة لقوم سود الرأس قبلكم، كانت نار تنزل من السماء فتأكلها "، فلما ~~كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله - تعالى -: (لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)، ~~ونحو ms1820 ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يسألونك عن الأنفال) يحتمل وجوها: # أحدها: يسألونك عمن له الأنفال، فقال: (قل الأنفال لله والرسول). # والثاني: يسألونك الأنفال: على إسقاط عن، وقد كانوا يسألون الأنفال ~~والمغانم. # والثالث: يسأل كل عن نفل له الذي جعل له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاتقوا الله وأصلحوا). # قال أهل التأويل: اتقوا الله في أخذ الأنفال، ولكن في الأنفال وفي غيرها ~~اتقوا معصية الله ومخالفته في أمره ونهيه. # (وأصلحوا ذات بينكم). # أمر بإصلاح ذات البين؛ لما ذكر من عظيم منته ونعمه التي أنعم عليهم ~~بقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، أخبر أنهم كانوا أعداء ~~فألف بين قلوبهم، # PageV05P151 # وذلك من عظيم نعمه عليهم، فأمر - هاهنا - بإصلاح ذات البين؛ ليكونوا على ~~النعمة التي أنعمها عليهم مجتمعين غير متفرقين. # وقوله - عز وجل -: (وأطيعوا الله ورسوله). # أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه، ورسوله في آدابه وسننه (إن كنتم مؤمنين). # أو يقول: أطيعوا الله فيما دعاكم إليه ورغبكم فيه، ورسوله فيما بين لكم ~~(إن كنتم مؤمنين). # يعني: مصدقين به. # * * * # قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم (4) # وقوله - عز وجل -: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) إلى ~~آخر ما ذكر. # يحتمل وجوها: # يحتمل قوله: إنما المؤمنون الذين حققوا إيمانهم بما ذكر من الأفعال. # والثاني: إنما المؤمنون الذين ظهر صدقهم عندكم بما ذكر من الأفعال من وجل ~~القلب والخشية والثبات واليقين على ما كانوا عليه، ليس كالمنافقين الذين ~~كانوا مرتابين # PageV05P152 # في إيمانهم، كما وصفهم في آية أخرى؛ حيث قال: (وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى)، وكانوا إذا أنفقوا أنفقوا كارهين، وكانوا لا يذكرون الله إلا ~~قليلا مراءاة للناس، وأما المؤمنون فهم الذين يقومون بوفاء ذلك كله حقيقة، ~~فيظهر صدقهم بذلك، وهو ms1821 ما وصفهم به في آية أخرى: (إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون). # ويحتمل أن يكون على الاعتقاد خاصة، ليس على نفس العمل؛ كأنه قال: إنما ~~المؤمنون الذين اعتقدوا في إيمانهم ما ذكر من وجل القلوب والخشية عند ~~ارتكاب المعصية، والتقصير عن القيام بما عليه، وما يرتكب المؤمن من المعاصي ~~إنما يرتكب عن جهالة ثم يتوب عن قريب؛ كقوله: (إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب)، يرتكب ذلك إما لغلبة شهوة، أو ~~يعتقد التوبة من بعده، أو يرجو رحمة الله وفضله في العفو عن ذلك، فيكون ~~قوله: إنما المؤمنون الذين اعتقدوا لإيمانهم ما ذكر من الأفعال؛ وهو كقوله: ~~(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، هو على الاعتقاد ~~والقبول له: أنهم إذا اعتقدوا ذلك وقبلوا، يخلى سبيلهم وإن لم يقيموا ~~الصلاة وما ذكر وكذلك الأول يحتمل ذلك. # PageV05P153 # والرابع: يحتمل قوله: إنما المؤمنون هم الذين فعلوا هذا وأتوا بذلك كله، ~~لكنهم أجمعوا: أن من آمن بقلبه وصدق كان مؤمنا وإن لم يأت بغيره من ~~الأفعال؛ نحو أن يؤمن ثم يخترم ويموت من ساعته مات مؤمنا؛ فدل أنه لم يخرج ~~ذلك على الشرط لما ذكرنا، ولكن على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) يخرج ~~على وجوه: # أحدها: يخبر أن المؤمن هو على وصف ما ذكر. # أو يقول: إن المؤمنين الذين ينبغي أن يكونوا ما ذكر. # أو يقول: إنما المؤمنون المختارون ما ذكر، جعل الله تعالى ما ذكر من وجل ~~القلب وغيره علما بين الذين حققوا الإيمان في الظاهر والباطن وبين الذين ~~أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر والخلاف، وكذلك ما ذكر في آية أخرى: (إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا). # وقوله - عز وجل -: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) يحتمل قوله: ~~(آياته): حججه وبراهينه إذا تليت عليهم ذلك ms1822 يزداد لهم ثباتا وقوة على ما ~~كانوا، وأما المنافقون فإن الآيات التي نزلت كانت تزداد لهم بها رجسا وبعدا ~~فإن المؤمنين يزيد لهم ذلك ثباتا وقوة. أو ذكر الزيادة؛ لأن للإيمان حكم ~~التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة، فإذا كان له حكم الحدوث والتجدد فهو ~~زيادة على ما كان، فإن شئت سميتها زيادة وإن شئت سميتها ثباتا. وقال أبو ~~حنيفة - رحمه الله -: يزيد الإيمان بالتفسير على الإيمان بالجملة، فإذا ~~فسروا لهم وقالوا: فلان رسول ونبي، ازداد بذلك له إيمانا وإن كان قد آمن به ~~بالجملة، وكذلك الإيمان بجميع الكتب والأمر وإن كنا نؤمن في الجملة أن له ~~الخلق والأمر، فإذا عرف ذلك الأمر ازداد له إيمانا في ذلك - والله أعلم - ~~لأن من آمن بالله وأن له الخلق والأمر فقد أتى بعقدة الإيمان، فإذا جاء ~~بالتفسير واحدا بعد واحد ازداد له إيمانه بالتفسير على إيمانه بالجملة. # وقوله - عز وجل -: (وعلى ربهم يتوكلون) أي: على ربهم يتقون ويعتمدون في ~~كل أمورهم لا يتوكلون على غيره إنما يتوكلون على الله وليس كالمنافقين هم ~~إنما يتوكلون على النعم التي أعطوا؛ كقوله: (ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن # PageV05P154 # أصابته فتنة انقلب على وجهه)، ونحو ذلك، وأما المؤمن فإنه في جميع أحواله ~~يتوكل على الله ومنه يخاف، وإن كان يصل ذلك إليه ويجري على يد غيره فهو في ~~الحقيقة من الله. # وقوله - عز وجل -: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) بحق ~~الله الذي عليهم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك هم المؤمنون حقا ... (4) يحتمل وجهين: # يحتمل: أولئك الذين حققوا إيمانهم. # والثاني: أولئك المؤمنون الذين وعد لهم وعدا حقا، وهو ما وعد لهم من ~~الدرجات والمغفرة حق لهم ذلك الوعد، والله أعلم. # (لهم درجات عند ربهم) قيل: فضائل عند ربهم (ومغفرة) أي: يستر عليهم ~~ذنوبهم التي كانت لهم في الدنيا في الجنة وينسونها؛ لأن ذكر ذلك [ينغص] ~~عليهم نعمتهم التي أنعم عليهم (ورزق كريم) قيل: الحسن ورزق يكرم به أهله. # * * * # قوله ms1823 تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ~~(5) يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) # وقوله - عز وجل -: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) لم يخرج لهذا الحرف ~~جواب في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يفعل بك ~~كذا، ثم أهل التأويل اختلفوا في جوابه: # قال بعضهم: هو صلة قوله: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) ~~يقول: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) ~~يجادلونك) وكما كرهوا الخروج وجادلوك في قسمة الأنفال، جادلوك في أمر ~~العير. # ومنهم من يقول: جوابه في أمره بالقتال، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق وهم كارهون لذلك كذلك يكلفك القتال وهم كارهون لذلك. # ومنهم من يقول: جوابه في قوله: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت ~~به الأقدام) ويقول: كما أجبتم الله في الخروج للقتال على غير تدبير منكم في ~~ذلك ولا نظر، فعلى ذلك يجيبكم في النعاس أمنة منه وإنزال الماء من السماء ~~والتطهير به وتثبيت الأقدام، على غير علم منكم ولا تدبير. # ومنهم من يقول: قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك) غير متأهبين للقتال ولا ~~مستعدين # PageV05P155 # له، كذلك يعدكم النصر والظفر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بالحق) يحتمل وجوها، يحتمل: بالحق الذي لله عليهم من ~~الأمر بالخروج والقتال، ويحتمل بالحق: بالوعد الذي وعد؛ إذ وعد لهم النصر ~~والظفر، وقال بعض أهل التأويل (بالحق) أي بالقرآن، ولكن إن كان فهو ما ~~ذكرنا بالأمر الذي يأمر القرآن. # وقوله - عز وجل -: (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) يحتمل وجهين: # يحتمل: فريقا من المؤمنين في الظاهر وهم المنافقون كرهوا الخروج للقتال. # ويحتمل: أن يكون المؤمنون في الحقيقة كرهوا الخروج للقتال كراهة الطبع لا ~~كراهة الاختيار، لما أمروا بالخروج للقتال أوهم غير متأهبين للقتال، ولا ~~مستعدين؛ فكرهت أنفسهم ذلك كراهة الطبع لما لم يكن معهم أسباب القتال، ms1824 لا ~~أنهم كرهوا أمر الله كراهة الاختيار. # وفي هذه الآية دلالة أن الأمر قد يكون في الشيء وإن لم يعلم وقت الأمر ~~فيما يؤمر، وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنهم أمروا بالخروج للقتال ولم ~~يعلموا وقت الخروج على ماذا يؤمرون. # وقوله - عز وجل -: (يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت ~~وهم ينظرون (6) قيل: في القتال، وقيل: قوله: (في الحق) الذي أمرت به أن ~~تسير إلى القتال، ويحتمل أن يكون قوله: (في الحق) الوعد الذي وعد لهم ~~بالنصر والظفر. (بعدما تبين) يحتمل قوله: (بعدما تبين) الوعد الذي وعد لهم ~~الله عز وجل بالنصر. # وقوله عز وجل: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) فإن كانت الآية في ~~المنافقين فهو ظاهر وهم كذلك، وصفوا بالكسل في جميع الخيرات والطاعات، ~~كقوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله ~~إلا قليلا). وإن كان في المؤمنين الذين حققوا الإيمان فهو لما كانوا غير ~~مستعدين للقتال ولا متأهبين له كانوا # PageV05P156 # كارهين لذلك كراهة الطبع لا كراهة الاختيار. # وقال قائلون قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون) أي: وإن فريقا من المؤمنين أجابوا ربهم وإن كانوا كارهين للخروج ~~من شدة الخوف وإن كانوا من الخوف كانما يساقون إلى الموت، فأجاب الله تعالى ~~لهم بالنصر والظفر وأمنهم من ذلك الخوف، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ~~ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) # وقوله - عز وجل -: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) ذكر في بعض ~~القصة أن عير قريش حين أقبلت من الشام، خرج أصحاب رسول الله نحوهم على ما ~~يخرج إلى العير غير متأهبين للحرب، وخرجت قريش من مكة تغيث عيرها فهي ~~الطائفة الأخرى، ووعد لهم أن إحدى الطائفتين لهم إما العير وإما العسكر ~~أنهم ينصرون عليهم (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) أي: ms1825 التي ليس فيها ~~حرب، ثم يكون لكم العير وهي أهون شوكة وأعظم غنيمة، كانوا يودون ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) لما لم تكونوا ~~مستعدين للقتال والحرب، وكان بهم ضعف وفي أولئك قوة وعدة، والله أعلم. # قال الله تعالى: (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) يحتمل - والله أعلم - ~~يريد أن يظهر الحق بأنه منه من غير وجود الأسباب منهم، وهو كما ذكر في ~~قوله: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين)، أخبر أن في غلبة أولئك مع ضعف أبدانهم وقلة ~~عددهم وقصور أسباب الحرب من السلاح والعدة وغير ذلك، وقوة أبدان أولئك ~~وكثرة عددهم وعدتهم # PageV05P157 # وتأهبهم واستعدادهم لذلك - آية عظيمة، فأراد أن يظهر الحق بالآية؛ ليعلم ~~كل منهم أنه إنما كان ذلك بالله لا بهم، وهو ما قال: (فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، أخبر أنه كان بالله ذلك لا ~~بهم. # ويحتمل قوله (بكلماته) بالوعد الذي وعد رسول الله بمكة بالنصر والظفر ~~لهم، فأراد أن يظهر ذلك ويحققه. # ويحتمل (بكلماته) بعلمه وأمره. # ويحتمل (بكلماته) بحججه، أي يوجب الحق، ويظهر بحججه وبراهينه. # ويحتمل (بكلماته) البشارات التي بشر بها المؤمنين بالنصر لهم والظفر ~~والعداوة التي كانت منهم. # ويحتمل (بكلماته) ملائكته الذين بعثهم أمددا لهم، يوم بدر على ما ذكر، ~~فأضافهم إليه تعظيما لهم وإجلالا، على ما سمى عيسى روح الله وكلمته وموسى ~~كليم الله؛ تعظيما لهم وإجلالا، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # (ويقطع دابر الكافرين) يحتمل: يقطع آثار الكافرين يقتلون جميعا ويستأصلون ~~حتى لا يبقى لهم أثر، ويحتمل: يقطع ما أدبرهم حتى لا يأتيهم مدد. # وقوله - عز وجل -: (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) أي ~~ليظهر الحق ويوجبه، يقال: حق كذا، أي وجب: ويحتمل ليظهر حق الحق ويظهر ~~بطلان الباطل، أو أن يقال: قوله: (ليحق الحق ويبطل الباطل) ما ذكرنا: يجب ~~الحق ويجيء ويذهب الباطل؛ كقوله: (جاء الحق وزهق ms1826 الباطل)، أي ذهب، فعلى ذلك ~~هذا: يجيء الحق ويجب، ويذهب الباطل وإن كره المشركون فإن قيل في قوله ~~(كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون). # [وقوله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم (9)] كيف خافوا كل هذا الخوف حتى # PageV05P158 # وصفهم بشدة الخوف كأنما يساقون إلى الموت وقد وعد لهم النصر والظفر ~~بقوله: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) كيف استغاثوا ربهم في ذلك ~~وقد سبق منه لهم الوعد بالظفر والنصر. # قيل: قد يمكن أن تصرف الآية إلى المنافقين، وهو قوله: (كأنما يساقون إلى ~~الموت وهم ينظرون) غير أنه ذكر في بعض القصة أنه لم يكن ببدر منافق بل ~~كانوا كلهم مؤمنين حتى افتخر بذلك من شهد بدرا، أو إن كان في المؤمنين فهو ~~ما ذكرنا لقلة عددهم وضعفهم وكثرة أولئك وعدتهم كانوا كما وصف، والله أعلم. # لكن الآية تحتمل وجوها: # أحدها: أمكن أن يكون الوعد لهم بالنصر بين لرسوله ولم يبين لهم؛ فألقى في ~~قلوبهم الرعب والخوف لما لم يبين لهم الوعد بالنصر. # أو بين لهم وبلغهم الوعد بذلك لكن لم يبين لهم الوقت متى يكون ذلك؛ ألا ~~ترى أنهم أمروا بالخروج ولا يدرون إلى ماذا يؤمرون. # والثالث: يجوز أيضا أن بين لهم الوعد بالنصر وبلغهم ذلك، غير أنهم خافوا ~~ذلك وكرهوا خوف طبع وكراهة النفس لا كراهة الاختيار، وجائز الخوف في مثل ~~هذا وكراهة الطبع وإن كانوا على يقين بالنصر والظفر وتحقيق ذلك لهم. # والرابع: يجوز أن يكون الوعد لهم بالنصر والظفر بالتضرع إليه والاستغاثة ~~منه، على ما يكون في الدعوات، يكون شقاوة بعض ودخوله النار بمعاصي يرتكبها، ~~وسعادة آخر ودخوله الجنة بخيرات يأتي بها فيصير من أهلها. # والخامس: جائز أن يكون ذلك من الله لهم محنة يمتحنهم بها كقوله: ~~(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع. . .) الآية، يحتمل معنى الآية الوجوه ~~التي ذكرنا، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم. . .) الآية؛ ~~قال بعضهم: هو صلة قوله: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة). # قالوا قوله: (بألف من ms1827 الملائكة مردفين) ألفان، وقوله: (بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين)، فيكون خمسة آلاف مسومين. # ومنهم من يقول: ثلاثة كان في أحد؛ إذ ذكر على أثر قصة أحد، فإن كان ما ~~ذكروا # PageV05P159 # فكأن قوله: (من الملائكة مردفين) إما في أرداف الكفرة وهو المتتابع، تابع ~~أهل بدر المشركين وهم منهزمون، أو أن يكون الإرداف الإمداد فيكون ألفان. # وقال بعض أهل التأويل: إن قوله: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) هو رسول ~~الله، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى كثرة المشركين ببدر ~~علم أنه لا قوة لهم إلا بالله، فدعا ربه وتضرع إليه، ولكن ذلك قولهم عندنا ~~والله أعلم، أعني قول المؤمنين؛ ألا ترى أنه قال: (إذ تقول للمؤمنين ألن ~~يكفيكم أن يمدكم ربكم) بكذا والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ~~سوى أن فيه البشارة لهم بالنصر والطمأنينة لقلوبهم وإنباء أن حقيقة النصر ~~إنما يكون بالله لا بأحد سواه، وذلك قوله: (وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز (10) لا يذله شيء ولا يعجزه (حكيم) في أمره ونهيه لا يأمر بشيء ~~ولا ينهى عن شيء إلا وفيه حكمة، وفائدة ما ذكر من بعث مدد ألف ملك وثلاثة ~~آلاف، وما ذكر لطمأنينة قلوب أولئك المؤمنين، وإلا ملك واحد كاف لهم وإن ~~كثروا لأنه يراهم ولا يرونه، وإهلاك مثله سهل. # * * * # قوله تعالى: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ~~(11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك ~~بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ~~ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # وقوله - عز وجل -: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به) ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ~~ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته ms1828 الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما ~~من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد ~~الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: (كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون). # PageV05P160 # وقوله: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) ذكر في بعض القصة أن ~~المشركين سبقوا فأخذوا الماء؛ فبقي المسلمون في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى، ~~فوسوس إليهم الشيطان أنهم لو كانوا على حق ما بلوا يمثل ذلك في رمل لا تثبت ~~أقدامهم عطشى؛ فأبدل الله مكان الخوف أمنا يأمنون به، وأنزل عليهم من ~~السماء ماء ليطهرهم به ويشربون ويشدد به الرمل وتثبت أقدامهم، فذلك قوله: ~~(إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام) قال أهل التأويل: ~~الرجز: وسوسة الشيطان التي وسوس إليهم. # وقيل: الرجز: الإثم؛ أذهب ذلك عنهم؛ كقوله: (رجس أو فسقا). # وقوله - عز وجل -: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) ذكر هذا - ~~والله أعلم - على المبالغة في المنة أنه أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل ~~عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ~~ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد ~~منه سبب الرجز. # وقوله - عز وجل -: (وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام). # يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام. # ويحتمل: الثبات على ما هم عليه. # والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: (وليربط على قلوبكم) أي شدها حتى لا # PageV05P161 # يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيغ عن ذلك، وإن ابتلاه الله - تعالى - ~~بأنواع الشدائد والبلايا؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: ~~(كذلك لنثبت به فؤادك) وقوله: (وليربط على قلوبكم)، وقوله: (وربطنا على ~~قلوبهم، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو - والله أعلم ~~- عقوبة لهم لما اختاروا ذلك. # وقوله: (ويذهب عنكم رجز الشيطان). # قيل: وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف ~~شديد، وألقى ms1829 الشيطان في قلوبهم القنوط، ويوسوسهم، ويقول لهم: تزعمون أنكم ~~أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون ~~مجنبين، فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب عنهم ~~رجز الشيطان، ونشف الرمل حين أصابه المطر، فمشى الناس عليه والدواب فساروا ~~إلى القوم، وأمد # PageV05P162 # الله - عز وجل - نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فذلك قوله: (بألف من ~~الملائكة مردفين). # ثم قال: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ... (12) # الوحي وكان يسمى وحيا لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها؛ ولذلك سمى - ~~والله أعلم - وساوس الشيطان: وحيا بقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم) أي: يقذفون في قلوبهم، ويدعونهم إلى أشياء من غير أن علموا بذلك ~~أنه ممن جاء ذلك، وما سبب ذلك؛ لسرعة قذفه ووقوعه في القلوب، وكذلك سمى ~~الإلهام وحيا لسرعة وقوعه في القلوب؛ قال - تعالى -: (وأوحى ربك إلى ~~النحل). # وقيل: هو الإلهام؛ أي: ألهم النحل لتتخذ من الجبال بيوتا، وقال - عز وجل ~~-: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء)، أخبر أن ليس له أن يكلمه إلا وحيا، وهو ما ألهمه، ~~سمى وحيا لسرعة وقوعه في القلب وقذفه أفيه، على غير علم منهم أنه من أين ~~كان؟ ومم كان. # وفيه دلالة أن غيرا هو الذي أخطر ذلك في القلوب وقذفه فيها، لا أنه يحدث ~~ذلك بنفسه على غير إخطار أحد ولا قذفه، فإن كان ما قذف فيه خيرا فهو من ~~الملك، وإن كان شرا فهو من قذف الشيطان ووسوسته؛ ففيه دليل ثبوت الملك ~~والشيطان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أني معكم). # قيل: إني معكم، في النصر، والمعونة، ودفع العدو عنكم. # أو يقول: إني معكم في التوفيق. # PageV05P163 # ويحتمل أن يكون قوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة) أي: أخبر المؤمنين أني ~~معكم بما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع. # وقوله - عز وجل -: (فثبتوا الذين آمنوا). # أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر لهم والأمن، بعد ما كانوا ~~خائفين ms1830 فشلين جبنين لما أجابوا ربهم، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، فأبدلهم ~~الله مكان الخوف لهم أمنا، ومكان الضعف القوة والنصر، ومكان الذل العز، ~~وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفا، ومكان العز الذل، ومكان الكثرة الضعف ~~والفشل؛ فذلك - والله أعلم - قوله: (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب). # وقوله: (فثبتوا الذين آمنوا). # جائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم؛ لأنهم سبب تثبيتهم، أو ثبتهم من ~~غير أن علم المؤمنون بهم. # وقوله - عز وجل -: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان). # قال قائلون: قوله: (فاضربوا فوق الأعناق) إذا ظفروا بهم ووقعوا في ~~أيديهم، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب؛ لما ~~نهى عن المثلة، وفي الضرب في غير ذلك مثلة. # ويحتمل قوله: (فاضربوا فوق الأعناق)، أي: اضربوا الأعناق وما فوق ~~الأعناق. # (واضربوا منهم كل بنان) معناه - والله أعلم - أي: اضربوا على ما تهيأ لكم ~~من الأطراف وغيرها. # وأما قوله: (واضربوا منهم كل بنان) في الحرب؛ لأنه لا سبيل في الحرب إلى ~~أن يضرب ضربا لا يكون مثلة؛ فكأنه قال: فاضربوا فوق الأعناق إذا قدرتم ~~عليهم ووقعوا في أيديكم، (واضربوا منهم كل بنان) كيفما تقدرون، وحيثما ~~تقدرون، والله أعلم. # PageV05P164 # وقوله: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب (13) # يعني - والله أعلم -: ذلك الضرب والقتل. # (بأنهم شاقوا الله). # أي: حاربوا الله ورسوله، والمشاقة: الخلاف؛ خالفوا الله ورسوله. # (ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب): له في الآخرة. # وقوله: (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # أي: ذلكم العقاب والعذاب. # (فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار). # بالخلاف لله ورسوله، والمحاربة معهم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن ~~الله سميع عليم (17) ذلكم وأن ms1831 الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم ~~شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار). # كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك؛ لأنه ذكر الزحف، ~~والزحف هو الجماعة والعدد الذي لا يعد، وليس للواحد القيام للجماعة، فكان ~~فرض القتال لبذل الأنفس للقتل؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين) وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به، ويجوز ~~أن يفرض بذل الأنفس للقتال؛ كقوله: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم)، أخبر أنه لو أمر بذلك لم ~~يفعل إلا القليل منهم، فجائز الأمر بذلك امتحانا منه لهم، فإن احتمل ما ~~ذكرنا كان قوله: (كأنما يساقون إلى الموت) هو على التحقيق؛ إذ إلى ذلك ~~يساقون. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن الله - عز وجل - أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل ~~أحد # PageV05P165 # أنه إنما قام بالله، لا بقوة نفسه؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو ~~لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة ... (16) # والمتحرف للقتال: هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة: ~~هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب، يقال: تحوزت وتحيزت، ~~بالواو والياء جميعا، وهما تحوز الحرب. # وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو، إلا ما ذكر من التحرف للقتال ~~أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم. # PageV05P166 # ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر (فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم ~~وبئس المصير). # قالت المعتزلة: دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة ~~بقوله: (فقد باء بغضب من الله) - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه ms1832 ذكر ~~في أول الآية المؤمنين، ولهم خرج الخطاب بقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا)، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير ~~أهل الإيمان؛ فدل أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار. # وقالوا: لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن ~~يوم بدر منافق. # لكن هذا غلط؛ قال الله - تعالى -: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض غر هؤلاء دينهم)، وإنما قالوا ذلك يوم بدر؛ كذلك ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة)، فإن كان مستثنى ~~من قوله: (فقد باء بغضب من الله)، لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع ~~الوعيد الذي ذكر، وإن كان مستثنى من قوله: (ومن يولهم يومئذ دبره)، ففيه ~~رخصة التولي إلى ما ذكر. # ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من ~~الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر، وكذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " أنا فئة لكل مسلم ". # وبعد، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها، فدل أنها في ~~المنافقين # PageV05P168 # وأهل الكفر، والله أعلم. # ثم يقال: يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر ~~والإعراض، لا لنفس التولية عن الدبر؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية ~~أخرى، والعفو عن ذلك، وهو قوله - تعالى -: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. . .) الآية. # فإن قيل: لعل التوبة مضمرة فيه، تابوا فعفا عنهم. # قيل: إن جاز أن تجعل التوبة مضمرة فيها، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر ~~الردة، فليست تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة، وفي الآية معان ~~تدل على الإضمار؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم -: # أحدها: ذكر التحيز إلى الفئة، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها، فإذا ~~تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، ms1833 فهو الردة التي ذكرنا. # والثاني: ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يديه، فقال: " يا رب، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في ~~الأرض أبدا "، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال، لم يول إلا لقصد ألا ~~يعبد، فهو كفر. # والثالث: قد وعد لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر، لم يول إلا ~~لتكذيب بالوعد الذي وعد لهم. # وقوله - عز وجل -: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # قيل فيه بوجوه: # يحتمل قوله: (فلم تقتلوهم)، أي: لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة ~~المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح، ولا كانت قاتلة، ولكن الله - تعالى - ~~صيرها قاتلة مصيبة المقتل، عاملة في استخراج الروح؛ لأن من الجراحات ما إذا ~~أصابت لم تصب المقتل، ولا عملت في استخراج الروح. # PageV05P169 # وقوله: (فلم تقتلوهم. . .) الآية. يخرج على وجوه: # أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل ~~الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك؛ لأن الضربة والجرح قد يكون ولا موت ~~هنالك؛ وكذلك الرمي، ليس كل من أرسل شيئا من يده فهو رمي، إنما يصير رميا ~~بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ؛ فكأنه لا صنع له في ~~الرمي. # ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله لملك رده؛ ولهذا ~~قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن الاستئجار على القتل باطل. # والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره؛ كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، ~~وإنما قتله فلان، أي: بمعونة فلان قتلته؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، أي: ما أصاب رميك المقصد الذي ~~قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدتم. # والثالث: (فلم تقتلوهم)، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا ~~بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، ~~فإذا كانوا ms1834 بالمحل الذي ذكر فيقول - والله أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم ~~وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، ~~وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: (وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى) لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن الله ~~رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في ~~القصة أنه رمى كفا من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك. # PageV05P170 # ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف ~~كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: (يمنون عليك أن أسلموا. . .) الآية. ~~وقوله: (ولكن الله يهدي من يشاء)، وقوله: (اهدنا الصراط المستقيم)، وغير ~~ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت له؛ فعلى ذلك ~~نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا). # أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة ~~أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ~~ربكم عظيم بقوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله سميع). # أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه. # أو أن يقول: (سميع)، أي: مجيب لدعائكم، (عليم): بأقوالكم وأفعالكم، التي ~~تسرون وتعلنون، والله أعلم. # وقول - عز وجل -: (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) # قوله: (ذلكم)، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف ~~كيدهم تعالى. # ويحتمل أن يكون صلة قوله: (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا)، أي: ذلك ~~الإنعام والإبلاء الذي من الله عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة ~~المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه ~~كيد الكافرين. # وقوله: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ... (19) # الاستفتاح يحتمل وجوها ثلاثة: # يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: ms1835 (وكانوا ~~من قبل # PageV05P171 # يستفتحون على الذين كفروا)، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين ~~الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على ~~طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم؛ فقد بين ~~الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا # PageV05P172 # وبين محمد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره. ففعل ~~الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية. # وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ ~~فكان ما ذكرنا؛ فقد بين الله - عز وجل - أحق الدينين، وأعز الجندين لما هزم ~~المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، ~~وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره. # وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: (اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، ~~فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: (وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا. . .) الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا. # قال الحسن: الفتح القضاء. # ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: ~~(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. . .) الآية. # وقال القتبي: قوله: (إن تستفتحوا): تسألوا الفتح، وهو النصر، (فقد جاءكم) ~~وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (وإن تنتهوا فهو خير لكم). # يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: (إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # PageV05P173 # وقيل: وإن تنتهوا عن قتل محمد، فهو خير لكم من أن ينتهي محمد عن قتالكم. # وقوله: (وإن تعودوا نعد) يحتمل: وإن تعودوا إلى قتال محمد، نعد إليكم من ~~القتل، والقتال، والأسر، والقهر. # ويحتمل: وإن تعودوا نعد إلى البيان والكشف إلى ما كنتم من قبل البيان من ~~التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب؛ كقوله: (وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت الأولين). # وقوله - عز وجل -: (ولن تغني عنكم ms1836 فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع ~~المؤمنين). # بالنصر والمعونة. # فإن قيل: ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم يوم ~~أحد؛ حيث ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين. # قيل: هذا لوجهين: # أحدهما: أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كان في الابتداء كان عليهم ~~فلن يغني عنهم ذلك؛ على ما ذكر؛ لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء ~~والعاقبة. # والثاني: أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان كان منهم؛ ~~لقوله: (ولقد صدقكم الله وعده. . .) الآية، فما أصاب المؤمنين من النكبات ~~إنما كان بسبب كان منهم، لا بالعدو؛ لذلك كان الجواب ما ذكر، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه ~~وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله). # أي: أطيعوا الله في أمره ونهيه، (ورسوله): في بيانه، وفيما دعا إليه. # وقيل: أطيعوا الله في فرائضه، ورسوله في سننه وآدابه. # (ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون): آياته وحججه. # (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) أي: لا تكونوا في ~~الإيمان والتوحيد والآيات. # PageV05P174 # (كالذين قالوا سمعنا) بذلك (وهم لا يسمعون) أي: لا يجيبون، ولا يسمعون، ~~ولا يؤمنون. # ويحتمل أن يكون: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا): الآيات والحجج، (وهم ~~لا يسمعون) أي: لا ينتفعون بسماعهم، أو لا يعقلون كالدواب وغيرها. # قال أبو بكر الأصم: قوله: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) ~~استثقالا، وبغضا؛ أي: لا يستمعون إليه؛ لأن من استثقل شيئا وأبغضه لم يستمع ~~إليه؛ كقوله: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه). # وقوله - عز وجل -: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ~~(22) # تأويله - والله أعلم -: أن الذي هو من شر الدواب عند الله هو الأصم الذي ~~لا ينتفع بسمعه، والأبكم الذي لا ينتفع بلسانه ونطقه؛ ms1837 لأنهم لم ينتفعوا ~~بسمعهم لما جعل له السمع، ولم ينتفعوا بنطقهم لما جعل له النطق، ولم ~~ينتفعوا بعقلهم لما جعل له العقل، فهم شر الدواب؛ كقوله: (أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل)، وأشر؛ لأن الدواب والأنعام انتفعت بهذه الحواس لما جعلت لها ~~هذه الحواس، عرفت بهذه الحواس المهالك والمضار فتوقت عنها، وعرفت الملاذ ~~والمنافع بها فترغب فيها وتقع، فانتفعت الدواب بالحواس التي جعلت لها لما ~~جعلت، ولم يجعل لها هذه الحواس إلا للمقدار الذي عرفت وفهمت وانتفعت، ~~وهؤلاء الكفرة لم ينتفعوا بالحواس التي جعلت لهم لما جعلت له ذلك؛ ليعرفوا ~~النافع لهم والملاذ في العاقبة كذلك ويعرفوا الضار لهم في العاقبة والمهلك ~~فيتوقوا عنه، فلم ينتفعوا بحواسهم لما جعلت الحواس، والدواب انتفعت بها؛ ~~لذلك كانوا أضل وأشر أمنها. # وقوله - عز وجل -: (إن شر الدواب) الذين اكتسبوا الصمم الدائم والعمى ~~الدائع، وذلك في الآخرة؛ كقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما) وقوله: (اخسئوا فيها ولا تكلمون)، أي: تركوا اكتساب البصر ~~الدائم، والسمع الدائم، والحياة الدائمة والباقية، سماهم صما وبكما وعميا؛ ~~لما لم يكتسبوا بصر القلب، ونطق القلب، وسمع القلب؛ فهذه هي الحواس التي ~~تكون # PageV05P175 # بالاكتساب، ولم يكتسبوها، إنما لهم الحواس الظاهرة. # أو يقول: شر الدواب التي لم ينتفعوا بالذي ذكر من الحواس، وتركوا ~~استعمالها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا ~~وهم معرضون (23) # قيل: نزلت الآية في المردة من الكفرة. # وقال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار، كانوا يسألون رسول الله آية بعد ~~آية، وقد أعطاهم آية بعد آية قبل ذلك لم يقبلوها، فقال: (ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم) أنهم يقبلون جواب المسائل التي سألوا، لأوحى إليهم ولأسمعهم، ~~ولكن علم أنهم وإن أسمعهم جواب مسائلهم - لا يقبلون. # وقالت المعتزلة: دلت الآية أنه قد أعطاهم جميع ما كان عنده، لكنهم لم ~~يقبلوا؛ لأنه قال: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم)، فدل أنه لم يكن عنده ~~ما يعطي، وإلا لو كان عنده ms1838 ما يقبلون لأسمعهم. # لكن هذا بعيد؛ لأنه لم يقل: لو علم الله عنده خيرا لأسمعهم، ولكن قال: ~~(ولو علم الله فيهم خيرا)، فإنما نفى أن عندهم خيرا. # والوجه فيه ما ذكرنا أنه لو علم فيهم خيرا يعملون به لأوحى إليهم ~~وأسمعهم، لكنه علم أنهم لا يقبلون بقوله: (ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)، ~~أي: مكذبون بجواب ما سألوا تعنتا وتمردا منهم، وأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت ~~وتمرد، لا سؤال استرشاد. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم # PageV05P176 # خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ~~لعلكم تشكرون (26) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ~~لما يحييكم ... (24) # قال بعضهم: هذه الآية صلة قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا ~~من المؤمنين لكارهون)، يقول - والله أعلم -: أجيبوا لله وللرسول إلى ما ~~يدعوكم، وإن كانت أنفسكم تكره الخروج لذلك؛ لقلة عددكم، وضعف أبدانكم، ~~وكثرة عدد العدو وقوتهم. # وقوله - عز وجل -: (إذا دعاكم لما يحييكم). # بالذكر، والشرف والثناء الحسن في الدنيا، والحياة في الآخرة اللذيذة ~~الدائمة، وإن متم وهلكتم فيما يدعوكم إليه، يكون لكم في الآخرة حياة الأبد. # ويحتمل أن تكون الآية في جملة المؤمنين، أي: استجيبوا لله في أوامره ~~ونواهيه، وللرسول فيما يدعوكم إليه، وإنما كان يدعو إلى دار الآخرة؛ كقوله ~~- تعالى -: (والله يدعو إلى دار السلام)، ودار الآخرة هي دار الحياة؛ ~~كقوله: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)؛ كأنه قال - والله ~~أعلم -: أجيبوا لله وللرسول، فإنه إنما دعاكم إلى ما تحبون فيها، ليس ~~كالكافر الذي لا يموت فيها، ولا يحيا بتركه الإجابة. # (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه). # يخرج على وجهين: # يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر. # ويحول بين الكافر والإيمان. # وقوله: (واعلموا أن الله ms1839 يحول بين المرء وقلبه). # أمكن أن يخرج هذا على الأول، أي: اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، ~~يجعل القوي ضعيفا، والعزيز ذليلا، والضعيف قويا، والذليل عزيزا، والشجاع ~~جبانا، والخائف آمنا، والآمن خائفا، فأجيبوا للرسول بالخروج للجهاد، وإن ~~كنتم تخافون لضعفكم # PageV05P177 # وقوتهم. # ويحتمل في جملة المؤمنين، أي: من أجاب لله وللرسول إذا دعاه، يجعل قلبه ~~هو الغالب على نفسه، والحائل بينه وبين ما تدعو إليه النفس، وإذا ترك ~~الإجابة، يجعل نفسه هي الحائلة بينه وبين ما يدعو إليه قلبه والداعية إلى ~~ذلك (وأنه إليه تحشرون). # وقيل: (استجيبوا لله وللرسول): بالطاعة في أمر القتال، (إذا دعاكم): إلى ~~الحرب، (لما يحييكم) يعني: بالحرب التي أعزكم الله؛ يقول: أحياكم الله بعد ~~الذل، وقواكم بعد الضعف، وكان ذلك حياة. # (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) يخرج على وجهين: # أحدهما: يستعجل التوبة قبل أن ينزل به الموت؛ يقول: أجيبوا لله وللرسول ~~قبل أن # PageV05P178 # يحال بين المرء وبين التوبة بالموت. # والثاني: يحول بين المرء وقلبه بالأعمال التي يكتسبها، ينشئ الفعل الذي ~~يفعله طبع قلبه وختمه، وينشئ ظلمة تحول بينه وبين ما يقصده ويدعى إليه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ... (25) # قال بعضهم: (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: " واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا ~~منكم # PageV05P179 # خاصة ". # أي: اتقوا الفتنة التي تصيب الظلمة منكم خاصة بظلمهم، وهي العذاب؛ كقوله: ~~(واتقوا النار التي أعدت للكافرين)؛ فعلى ذلك قوله: واتقوا فتنة تصيبن ~~الذين ظلموا في الآخرة، وهي العذاب، وذلك جائز في الكلام؛ نحو ما قرأ بعضهم ~~قوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)، بكسر الألف وطرح (لا) (أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون)، أي: أنها وإن جاءت لا يؤمنون. # وأما على إثبات (لا): فإنه يحتمل وجوها: # PageV05P180 # قيل: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم)، أي: اتقوا أن تكونوا فتنة ~~للذين ظلموا؛ كقوله: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) (ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين)، ووجه جعله إياهم فتنة للذين كفروا: هو أن يجعل ms1840 العدو ~~غالبا عليهم منتصرين وهم المغلوبون، فيظنون أنهم على حق والمؤمنون على ~~باطل؛ فذلك معنى دعائهم: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين)؛ لئلا ~~يقولوا: لو كانوا على حق ما غلبوا، ولا قهروا، ولا انتصر منهم. # وقيل: قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا): نهى الأتباع منهم؛ أن ~~يسعوا فيما بين الظلمة بالفساد، ولا يغري بعضهم على بعض، فيقع فيما بينهم ~~الفساد، فيكون هؤلاء الأتباع فتنة للذين ظلموا بإغراء بعضهم على بعض، وذلك ~~معروف فيما بين الخلق في الظلمة، يغري الأتباع بعضهم على بعض؛ فذاك فتنة. # ويحئمل وجها آخر: وهو أن الله - تعالى - يغير الأحوال في الخلق: مرة سعة ~~وخصبا، ومرة قحطا وضيقا، ومرة غلبة العدو على الأولياء، ونحوه، ويدفع ~~العذاب عن الظلمة بمن لم يظلم ما لم يشاركوا الظلمة، فإذا شاركوا أولئك يحل ~~بأولئك بظلمهم، وأهل الصلاح والعدل بتركهم الظلمة، وأهل الفساد ولهم قوة ~~المنع لهم عن ذلك؛ فيقول: (لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، ولكن تصيبهم ~~وتصيبكم، فقال: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أخذ الظلمة ~~العذاب لمشاركة أهل العدل أولئك، فيكونون فتنة لهم؛ كقوله: (ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). # أو أن يدفع عن الظلمة البلاء والعذاب ما دام أهل العدل يأمرونهم ~~بالمعروف، ويغيرون عليهم المنكر، فإذا تركوا ذلك، ولا يغيرون عليهم المنكر، ~~نزل بهم البلاء، فيعمهم البلاء، الظالم وغيره. # والفتنة على وجهين: # الأول، فتنة الجزاء، جزاء أعمالهم، وتلك تأخذ أهلها خاصة. # والثاني، فتنة المحنة، وتلك تعم الخلق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # PageV05P181 # إن أهل الإسلام في ابتداء الأمر كانوا قليلي العدد، مستضعفين عند الكفرة، ~~حتى كانوا يخافون أن يسلب الكفرة أرواحهم، وكانوا لا يأمنون على أنفسهم ~~بالمقام في البلدان؛ لقلة عددهم وضعفهم؛ خوفا على أنفسهم وإشفاقا فتركوا ~~المقام بالبلدان، وخرجوا إلى الجبال والغيران، فأقاموا فيها، وأكلوا الحشيش ~~والكلأ طعام الأنعام؛ خوفا على أبدانهم وإشفاقا ms1841 على دينهم، ثم إن الله - عز ~~وجل - آواهم، وأنزلهم في البلدان والأمصار، وأيدهم ونصرهم على عدوهم، ~~ورزقهم الطيبات طعام البشر بعد ما أكلوا الحشيمش طعام البهائم. (لعلكم ~~تشكرون): ليلزمهم الشكر على ذلك، ولا يجوز لهم ألا يشكروا بعد ما أصابوا؛ ~~ذكر هذا - والله أعلم - لنكون نحن من الإشفاق في الدين مثل أولئك حين هربوا ~~منهم، واتخذوا الجبال والغيران بيوتا، والحشيش طعاما، وتركوا أموالهم ~~ونعمهم، ورضوا بذلك؛ إشفاقا على دينهم. # وقال عامة أهل التأويل: نزلت الآية في أهل بدر، وكانوا قليلي العدد ~~والعدة، ضعيفي الأبدان، والعدو كثير العدد، وقوي الأبدان، فاشتد عليهم ~~الخروج لذلك؛ كقوله: (كما أخرجك ربك من بيتك. . .) الآية.، فكيفما كان ففيه ~~ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون). # أي: إذ كنتم قليلا. # وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيمن قال: هذا الشيء لفلان ~~اشتريته منه، صدق، ويصير كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه؛ دليله ~~قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) أي: إذ كنتم قليلا. # وقوله: (وأيدكم بنصره). # على هذا التأويل أي: بالملائكة. # PageV05P182 # (ورزقكم من الطيبات). # المغانم التي رزقهم وأحل لهم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون (27) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم (28) يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم). # جعل الله - عز وجل - هذه الأمة وسطا عدلا بقوله: (جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس)؛ فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم الله ~~أمناء عدلا وسطا، فلا تخونوا الله فيه؛ كقوله: (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم. . .) الآية، وقال: (ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وقال. (إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض. . .)، أخبر أنه ألزمهم الأمانة - أعني: البشر - دون ~~ما ذكر ms1842 من الخلائق فمنهم من ضيع تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين، ~~وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله: (ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات. . .) الآية، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا، قد قبلتم أمانة ~~الله فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها؛ كما قال: (وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم)، (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر ~~الأمانات، نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونون كأنهم خانوا أمانتهم. # ويحتمل قوله: (يا أيها الذين آمنوا)، إن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم ~~أمانة استحفظكم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم؛ لأن من استحفظ أحدا ~~في شيء ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له - صار خائنا فيها ~~ضامنا؛ فعلى ذلك # PageV05P183 # أنفسكم وأموالكم لله عندكم أمانة استحفظكم فيها، فإن استعملتموها في غير ~~ما أذن لكم فيها، خنتم الله والرسول فيها، فتخونوا أماناتكم التي لكم عند ~~الله إذا ضيعتم # PageV05P184 # الأمانة؛ كقوله: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم). # وقال بعضهم: قوله: (وتخونوا أماناتكم)، أي: لا تخونوا الله والرسول، ولا ~~تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم. # وأصله: أنه - عز وجل - امتحنهم فيما امتحنهم لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، ~~فيصيرون فيما خانوا فيما امتحنهم كأنهم خانوا أنفسهم وخانوا أماناتهم؛ ~~كقوله: (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، وقوله: (إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، وقوله: (من عمل صالحا فلنفسه. .) الآية. # ثم خيانة المنافقين والمشركين في الدين، وخيانة المؤمنين في أفعالهم، ~~فوعدهم التوبة عن خيانتهم، وأوعد أولئك على ما خانو! بقوله: (ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات). # وقوله - عز وجل -: (وأنتم تعلمون). # أن أنفسكم وأموالكم ليست لكم، إنما هي لله عندكم أمانة، فلا تخونوا فيها. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله ~~عليها العباد، يعني: الفريضة؛ يقول: (لا تخونوا الله)، أي: [لا تنقضوها]. # ثم اختلف أهل التأويل في نزول الآية: # قال بعضهم: نزلت في أبي لبابة؛ وذلك أنه قيل في بعض القصة: إن النبي - ~~عليه # PageV05P185 # السلام - حاصر يهود قريظة، فسألوا الصلح على أن يسيروا ms1843 إلى إخوانهم إلى ~~أذرعات، فأبي النبي، إلا أن ينزلوا على الحكم، فأبوا، فقالوا: فأرسل إلينا ~~أبا لبابة، وكان مناصحهم، فبعثه النبي إليهم، فلما أتاهم قالوا: يا أبا ~~لبابة، أننزل على حكم محمد؟ فأشار أبو لبابة بيده ألا تنزلوا على الحكم، ~~فأطاعوه، وكان أبو لبابة ماله وولده معهم، فخان المسلمين؛ فنزلت الآية في ~~شأنه. # وقال بعضهم: نزلت في شأن - حاطب بن أبي بلتعة - حيث فعل ما فعل أبو ~~لبابة. # وقيل: نزلت في شأن قوم بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد ~~الذين كانوا يعبدون الأوثان والأصنام. # لكنا لا ندري في شأن من نزلت، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أن فيه ~~ما ذكرنا من النهي عن الخيانة في أمانة الله، والأمر بحفظها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده ~~أجر عظيم (28) # PageV05P186 # أي: لم يعطهم الأولاد والأموال لعبا وباطلا، أو لتكون لهم الأموال ~~والأولاد، ولكن أعطاهم محنة وابتلاء، وكذلك جميع ما أنشأ في الدنيا من ~~الأشياء إنما أنشاها لنا فتنة ومحنة؛ كقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع. . .) الآية، وقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، ~~وقال: (وبلوناهم بالحسنات. . .) الآية، وغيرها من الآيات؛ يدل على أن جميع ~~ما أنشأ فتنة ومحنة يمتحن به البشر؛ كقوله: (أنما أموالكم وأولادكم فتنة) ~~أي: محنة وابتلاء امتحنا به في أنواع التأديب والتعليم والحفظ والحقوق التي ~~جعلها لهم عليهم، وهو كقوله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم. .) الآية، ~~وأوجب في الأموال حقوقا امتحننا بأداء تلك الحقوق التي فيها، وكذلك في جميع ~~ما أمر الله به الخلائق بأمور ونهاهم إنما أمر ونهى لمنفعة الخلائق، ودفع ~~الضرر عنهم، لا لمنفعة نفسه، أو ضرر، أو حاجة يدفع بها عن نفسه؛ إذ له ملك ~~ما في السماوات والأرض، وهو العزيز بذاته لا تمسه حاجة، يتعالى عن ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله عنده أجر عظيم). # لمن لم يخن الله والرسول؛ وعدهم الأجر العظيم إذا قاموا بوفاء ما امتحنهم ~~الله وابتلاهم به من الأموال ms1844 والأولاد؛ حيث قال: (وأن الله عنده أجر عظيم ~~عظيم). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~... (29) # قال بعض أهل التأويل: إن هذه الآية صلة ما سبق من الأمر بالجهاد ببدر ~~والخروج إليه؛ كأنه قال: إن تتقوا الله وأطعتم الله وأجبتم له فيما دعاكم ~~إليه، (يجعل لكم فرقانا)، يحتمل قوله: (يجعل لكم فرقانا)، أي: يجعل خروجكم ~~إليه وجهادكم آية عظيمة يظهر بها المحق من المبطل؛ كقوله: (ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته)، وقال: (ليحق الحق ويبطل الباطل) أي: ليظهر الحق من ~~الباطل، وقد كان بحمد الله ذلك، وبان الحق من الباطل، والمحق من المبطل. # وقيل: قوله: (فرقانا)، أي: مخرجا في الدين من الشبهات. # PageV05P187 # وقيل: مخرجا في الدنيا والآخرة. # ويحتمل: (فرقانا) أي: بيانا لما ذكرنا؛ جعل الله - تعالى - التقوى مشتملة ~~على كل خير، وأصلا لكل بر، وصيرها مخرجا من كل شبهة، ومن كل ضيق وشدة، ~~وجعلها سبيلا يوصل به إلى كل لذة وسرور، وينال به كل خير وبركة؛ على ما ذكر ~~في غير آي من القرآن. # وقوله - عز وجل -: (ويكفر عنكم سيئاتكم): التي سبقت، (ويغفر لكم) أي: ~~يستر عليكم ذنوبكم، لا يطلع أحدا عليها، وذلك من أعظم النعم، وأصل المغفرة: ~~الستر. # وقوله - عز وجل -: (والله ذو الفضل العظيم). # أي: عند الله فضل؛ يعطيكم خيرا مما تطمعون بالتقوى الذي ذكر. # * * * # قوله تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30) وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ~~قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين (31) # وقوله - عز وجل -: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك)، من الناس من يقول بأن هذه الآية صلة قوله - تعالى -: (إذ أنتم ~~قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)، كانوا ضعفاء أذلاء فيما ~~بين الكفرة، خائفين فيما بينهم، فهموا أن يمكروا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، والمكر به ما ذكر من القتل والإثبات؛ وهو الحبس والإخراج؛ ~~كأنهم ms1845 تشاوروا فيما بينهم، واستأمروا ما يفعل به، فذكر في القصة أن بعضهم ~~أشاروا إلى القتل، وبعضهم إلى الحبس، وبعضهم بالإخراج؛ فكأن مشاورتهم # PageV05P188 # وأمرهم رجعت إلى أحد هذه الوجوه: إما القتل، وإما الحبس، وإما الإخراج ثم ~~أخرج الله رسوله من بين أظهرهم على الوجه الذي يكون مطيعا لله، متعبدا له ~~فيما كان خروجه بأمره، فيكون خروجه على غير الجهة التي أرادوا هم به، وسمى ~~خروجه هجرة، وليعلموا أنه إنما علم بكيدهم ومكرهم به بالله؛ لتكون آية من ~~آيات نبوته ورسالته بعد خروجه من بين أظهرهم، ومفارقته إياهم كما كان له من ~~الآيات وقت مقامه بين أظهرهم، وهو كما كان لعيسى آيات وقت مقامه بين ~~أظهرهم، وآية كانت له بالرفع بعد مفارقة قومهم؛ فعلى ذلك الأول. # ولو كانوا لم يتوافقوا بما ذكرنا من القتل أو الحبس دون الإخراج، لم يكن. ~~ليخرج رسوله من بين أظهرهم، وهم قد هموا بإخراجه، والله أعلم. # وفي قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك. . .) إلى آخر ما ذكر، تذكير ~~ما أنعم على رسوله وأصحابه؛ لأنه آواهم إلى الأمن بعد ما كانوا خائفين ~~فيهم، وأنزلهم المدينة بعد ما كانوا في الغيران في الجبال هاربين منهم، ~~ورزقهم من الطيبات طعام البشر بعد ما كانوا يتناولون من طعام البهائم ~~والسباع؛ يذكر نعمه عليهم باستنقاذه إياهم من بين ظهرانيهم، والحيلولة بينه ~~وبين ما قصدوا وهموا بالمكر به والهلاك بقوله: (ويمكرون ويمكر الله والله ~~خير الماكرين). # فيه من الوجوه احتجاجا عليهم وجهان: # أحدهما: ما ذكرنا أنهم تشاوروا فيما بينهم بالمكر به لم يطلعوا أحدا، ثم ~~علم ذلك هو فخرج؛ ليعلموا أن الله هو الذي أطلعه على ذلك. # والثاني: كان يخوفهم الهلاك بمكرهم برسوله، فخرج من بينهم من غير أن ~~أصابه ما هموا به، وقد أصابهم من الهلاك الذي كان يخوفهم، وحل بهم ما كانوا ~~هموا به وقصدوه، وذلك ما ذكر من مكر الله بهم. # وقوله - عز وجل -: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين). # قال بعضهم: أرادوا هم بمكرهم به شرا، وهو أن ms1846 يطفئوا هذا النور؛ ليذهب هذا ~~الدين وتدرس آثاره، وأراد أن يسلم منهم نفر ليكونوا أعوانا ونصرا له، ~~ليأخذوا حظهم # PageV05P189 # بذلك؛ فهو خير الماكرين. # وقيل: (ويمكرون ويمكر الله)، أي: أرادوا قتله، (ويمكر الله): أراد قتلهم ~~فقتلهم، ببدر، (والله خير الماكرين) أي: أفضل مكرا منهم، غلب مكره مكرهم. # وقال بعضهم: قوله: (ويمكرون ويمكر الله)، أي: يجزيهم جزاء مكرهم. # وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (31) # يحتمل قوله: (آياتنا): آيات القرآن التي كان يتلو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ويحتمل آياته: حججه وبراهينه التي توجب التوحيد وتصديق الرسل. # وقوله - عز وجل -: (قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا). # قالوا ذلك متعنتين؛ إذ كان يقرع أسماعهم قوله: (قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)، وقوله: (فأتوا بسورة ~~من مثله. . .) الآية، ثم لم يكن يطمع أحد منهم أن يأتي بمثله، وتكلفوا في ~~ذلك؛ دل أن قولهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) تعنت وعناد. # (إن هذا إلا أساطير الأولين) كذلك كان يقول العرب: إنه أساطير الأولين. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون ~~عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (34) وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون (35) # وقوله: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السماء. .) الآية. # يذكر نهاية سفههم، وغاية جرأتهم على الله، وبغضهم الحق، مع علمهم أن الله ~~هو الإله، وأنه قادر على إنزال العذاب، وله السلطان على إمطار الحجارة ~~بقولهم: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ~~ائتنا بعذاب أليم)، فلم يبالوا هلاك ms1847 أنفسهم؛ لشدة سفههم، وجرأتهم على الله، ~~وبغضهم الحق، وذكر # PageV05P190 # هذا - والله أعلم - ليعلم الناس ما لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بدعاء هؤلاء السفهاء إلى دين الله الذين لم يبالوا هلاك أنفسهم؛ لشدة بغضهم ~~الحق، وجرأتهم على الله، وما يتحمل منهم من العظيم. # وقوله: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون (33) # يحتمل قوله. (وأنت فيهم) أي: في جملة المؤمنين أنه لا يعذب أحدا في ~~الدنيا ما دام هو فيهم، وما دام مؤمن فيهم بقوله: (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون)، أي: يؤمنون، وهو كما ذكر أنه أرسله رحمة بقوله: (وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين) ومن رحمته ألا يعذب أحدا من أمته في الدنيا، إنما يؤخر ~~ذلك إلى يوم التناد بقوله: (إنما يؤخرهم ليوم. . .) وقوله: (والساعة أدهى ~~وأمر). # ويحتمل أن يكون قوله: (وأنت فيهم): في أهل مكة خاصة أنه لا يعذبهم ما دام ~~هو فيهم، وما دام فيهم أحد من المسلمين؛ من نحو النساء والذراري؛ كقوله: ~~(ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير. . .) الآية. أي: لا نعذبهم وأنت يا محمد فيهم، أي: بين أظهرهم حتى ~~نخرجك من بينهم، (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، أي: يصلون. # وقيل: يؤمنون؛ وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ولكن يعذبهم تعذيب ~~القتال والجهاد، ولا يعذبهم تعذيب استئصال على ما أهلك سائر الأمم. # ثم إن المعتزلة تعلقت بظاهر قوله - تعالى -: (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون)، أي سيؤمنون؛ أي: لا يعذبهم ما دام يعلم أن فيهم أحدا يؤمن في ~~آخر عمره، أو من قولهم ألا يجوز لله أن يهلك أحدا إذا كان في علمه أنه ~~سيؤمن في آخر عمره؛ لقولهم في الأصلح: إن الله لا يفعل بخلقه إلا ما هو ~~أصلح لهم في الدين؛ فعلى ذلك تأولوا ظاهر هذه الآية أنه لا يعذبهم م وهم ~~يستغفرون، أي: سيؤمنون. # لكن لو كان كما قالوا، لكان لا يجوز الجهاد معهم أبدا، ويسقط الأمر ~~بالقتال؛ ms1848 إذ لعل فيهم من يسلم، فإذا أمره بالجهاد والقتال معهم، دل أن ذلك ~~ليس ما توهموا، والله أعلم. # PageV05P191 # وقال بعضهم في قوله: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون): أي: وهم يدخلون ~~في الإسلام. # وقيل: يسلمون. # وقال بعضهم: (وهم يستغفرون): بقية من بقي في مكة من المسلمين، فلما خرجوا ~~منها قال: (وما لهم ألا يعذبهم الله ... (34) # وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: فيكم أمانان: # أحدهما: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لقول الله تعالى: (وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم). # والآخر: الاستغفار؛ لقول الله تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون). # قال: فذهب أمان، وهو رسول الله، وبقي أمان، وهو الاستغفار. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين؛ ~~لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم؛ فأمان قبضه الله ~~إليه، وأمان بقي فيكم، وهو الاستغفار الذي ذكر. # وروي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ساجدا ~~في آخر سجوده في صلاة الآيات، فقال: " أف! أف! "، فقال: " رب ألم تعدني ألا ~~تعذبهم وأنا فيهم؟ رب ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون ". # PageV05P192 # وعن بعضهم: أمانان أنزلهما الله؛ أما أحدهما: فمضى، وهو نبي الله، وأما ~~الآخر: فأبقاه الله - تعالى - بين أظهركم، وهو الاستغفار والتوبة. # وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم، وجعل ذلك كتابا ~~يتلى عليهم في الصلوات - أوجه ثلاثة من الحكمة: # أحدها: تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادوا في غيهم واستقبلوه ~~بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء ~~بالنبي أنه لم يترك دعاءهم، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم. # والثاني: ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه، إذا ~~كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر؛ إذ لو علموا حقيقة العلم ~~أنه الحق، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك. # والثالث: يكون فيه بيان. ms1849 # وقوله - عز وجل -: (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام ~~... (34) # أي: ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما ~~كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب؛ من تكذيبهم الرسول والآيات ~~التي أرسلها إليهم، وصدهم الناس عن المسجد الحرام، وهو مكان العبادة، ~~وسؤالهم بقولهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، أي: ~~ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل ~~رسولا بقولهم: (لولا أرسلت إلينا رسولا. . .) الآية؛ بل أرسل إليهم الرسول، ~~فكذبوه، وبعث إليهم الآيات فكذبوها، وصدوا الناس عن المسجد الحرام، فلا عذر ~~لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب عنهم، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف ~~العذاب عنهم ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم - واستغفار المؤمنين، وإلا ~~قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها. # PageV05P193 # وقوله: (وهم يصدون عن المسجد الحرام). # أي: عن الصلاة فيه. # ويحتمل أن يكونوا صدوا الناس عن رسول الله، لكنه ذكر المسجد لما كان رسول ~~الله فيه؛ لئلا يروا رسول الله فيتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (وما كانوا أولياءه). # أي: لم يكونوا أولياء ليصرفوا العذاب عن أنفسهم بالولاية، وهو صلة قوله: ~~(وما لهم ألا يعذبهم الله)، وهم ليسوا بأوليائه. # ويحتمل قوله: (وما كانوا أولياءه): أنهم كانوا يصدون الناس عن المسجد ~~الحرام؛ لما ادعوا أنهم أولياؤه، وأنهم أولى بالمسجد الحرام منهم، أخبر ~~أنهم ليسوا أولياءه، إنما أولياؤه المتقون الذين اتقوا ما أتوا هم، أو ~~أولياؤه الموحدون، لا الذين أشركوا غيره في عبادته وألوهيته. # وقوله - عز وجل -: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (35) # قال بعضهم: كان أحسن حالهم التي هم عليها هي حال الصلاة، فإذا كان صلاتهم ~~مكاء وتصدية فكيف حالهم في غير الصلاة؟! # وقال بعضهم: قوله: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) وذلك أن ~~النبي - عليه السلام - وأصحابه إذا صلوا في المسجد الحرام، قام طائفة من ms1850 ~~المشركين عن يمين النبي وأصحابه، فيصفرون كما يصفر المكاء، وطائفة تقوم عن ~~يسارهم فيصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي وأصحابه صلاتهم، فنزل قوله - ~~تعالى -: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية). # ثم اختلف في المكاء والتصدية؛ قال بعضهم: المكاء: هو مثل نفخ البوق، ~~التصدية هي طوافهم على الشمال # PageV05P194 # وقال القتبي: المكاء: الصفير؛ يقال: مكا يمكو، وهو مثل ما قيل للطائر: ~~مكاء؛ لأنه يمكو، أي: يصفر، يعني: يصوت، والتصدية: هي التصفيق؛ يقال: صدى: ~~إذا صفق بيديه. # وقال أبو عوسجة: المكاء: شبه الصفير، والتصدية: ضرب باليدين، وهو من ~~الصدى؛ من الصوت. # وقيل: المكاء: صفير كان أهل الجاهلية يلعبون به، والتصدية: الصد عن سبيل ~~الله ودينه. # وقوله: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). # قال بعض أهل التأويل: ذوقوا العذاب يوم بدر، وهو الهزيمة والقتل الذي كان ~~عليهم يوم بدر. # ويحتمل قوله: (فذوقوا العذاب): في الآخرة؛ بكفرهم في الدنيا. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ~~(36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. ~~. .) الآية. # يذكرهم - والله أعلم - النعم التي أنعمها عليهم؛ من أنواع النعم: # أحدها: ما أنزلهم في بقعة خصت تلك البقعة وفضلت على غيرها من البقاع؛ وهو ~~مكان العبادة، ثم صدوا الناس عن الدخول فيها والعبادة فيها، ومن ذلك بعث # PageV05P195 # الرسول منهم فيهم فكذبوه، وما أعطاهم من الأموال، فانفقوها في الصد؛ صذ ~~الإنسان عن مكان العبادة وإقام العبادة فيه. # ثم اختلف في معنى الصد؛ قال بعضهم: إن كفار قريش استأجروا لقتال بدر ~~رجالا من قبائل العرب؛ عونا لهم على قتال النبي - عليه السلام - وأصحابه؛ ~~فذلك نفقتهم التي أنفقوا، فصار ذلك حسرة عليهم لما كانت الهزيمة عليهم. # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: تلك قد ~~خلت؛ إن ناسا في ms1851 الجاهلية كانوا يعطون ناسا أموالهم فيقاتلون نبي الله، ~~فأسلموا عليها، فطلبوها، فكانت عليهم حسرة. # وعن سعيد بن جبير قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد أجراء ~~من الأحابيش من كنانة، فقاتلهم النبي، عليه السلام. # ويحتمل أن يكون قوله: (تكون عليهم حسرة) يوم القيامة، أي: النفقة التي ~~أنفقوها تصير عليهم حسرة في الآخرة؛ لما أنفقوها في غير حل؛ لصد الناس عن ~~سبيل # PageV05P196 # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا إلى جهنم يحشرون). # أي: يجمعون، وهو ظاهر، يجمعون إلى جهنم بكفرهم بالله. # وقوله - عز وجل -: (ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) # جعل الله - تعالى - الخبيث مختلطا بالطيب في الدنيا في سمعهم، وبصرهم، ~~ونطقهم، وجميع جوارحهم، ولباسهم، وطعامهم، وشرابهم، وجميع منافعهم من ~~الغنى، والفقر وأنواع المنافع، جعل بعضهم ببعض مختلطين في الدنيا؛ على ما ~~ذكرنا، لكنه ميز بين الطيب والخبيث في الآخرة بالأعلام، يعرف بتلك الأعلام ~~الخبيث من الطيب؛ من نحو ما ذكر في الطيب: قوله: (وجوه يومئذ ناضرة (22) ~~إلى ربها ناظرة (23). (وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39)، وقال في ~~الكافرة: (ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41)، وقال: (ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا) وقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما ~~وصما)، وقال: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. . .)، وغير ذلك من ~~الآيات؛ ميز الله - تعالى - بين الخبيث والطيب بالأعلام التي ذكرنا في ~~سمعهم، وبصرهم، ووجوههم، ولباسهم، ومأكلهم، ومشربهم؛ حتى يعرفوا جميعا با ~~لأعلام. # ويحتمل ما ذكر من التمييز بين الخبيث والطيب: بالمباهلة التي جرت بين أبي ~~جهل وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال أبو جهل: انصر من أهدانا ~~سبيلا، وأبرنا قسما، وأوصلنا رحما، فأجيب بنصر رسوله وأصحابه، فميز بين ~~المحق والمبطل. # ويحتمل ما ذكر من التمييز في الآخرة؛ كقوله: (فريق في الجنة وفريق في ~~السعير). # وقوله - عز وجل -: (الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يجعلهم دركات بعضها أسفل بعض؛ كقوله تعالى: (إن ms1852 المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار). # والثاني: يحتمل أن يجعل بعضهم على بعض مقرنين في الأصفاد. # PageV05P197 # (فيركمه جميعا) وقيل: يجمعه جميعا بعضهم على بعض. # ويحتمل قوله: (فيركمه جميعا) إخبارا عن الضيق؛ كقوله: (وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا). # وقال القتبي: (فيركمه جميعا)، أي: يجعله ركاما بعضه فوق بعض. # وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ركمت المتاع: إذا جعلت بعضه فوق بعض. # وقوله: (فيجعله في جهنم). # الجهنم: هو المكان الذي يجمع أهل النار في التعذيب. # * * * # قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا ~~فقد مضت سنت الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ~~فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # وقوله - عز وجل -: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # ذكر - عز وجل - غاية كرمه وجوده بما وعدهم من المغفرة والتجاوز عما كان ~~منهم من الإشراك في ألوهيته، وصرف العبادة إلى غيره، وصد الناس عن عبادته ~~وطاعته، ونصب الحروب التي نصبوا بينهم وبين المؤمنين، وغير ذلك من أنواع ~~الهلاك، فمع ما كان منهم وعدهم المغفرة بالانتهاء عن ذلك؛ ليعلم غاية كرمه ~~وجوده. # والمغفرة تحتمل التجاوز أي يتجاوز عنهم؛ ما كان منهم لا يؤاخذهم بذلك. # PageV05P198 # ويحتمل: يستر عليهم معاصيهم التي كانت منهم، ولا يذكرون ذلك؛ لأنهم لو ~~ذكروا ذلك تنغص عليهم النعم. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنهم إن انتهوا وتابوا غفر لهم ~~ما قد كان منهم، وإنما كانوا منتهين بالإيمان، ولم يجعل بين الإيمان والكفر ~~منزلة ثالثة، وهم يجعلون بينهما منزلة ثالثة، ويقولون: إذا ارتكب كبيرة خرج ~~من الإيمان، ويخلد في النار أبدا، ولم يكن داخلا في الكفر. # وفيه دليل نقض قول من يقول بأن على الكافر فعل العبادات؛ من نحو الصلاة، ~~والزكاة، والصيام؛ لأنه ذكر الانتهاء، والانتهاء عما كان من ترك العبادات ~~القيام # PageV05P199 # بقضائها، وإذا ما تركوا، فلما لم يجب عليهم أداء شيء من ذلك، دل أنه لم ms1853 ~~يكن عليهم في حال كفرهم فعل تلك العبادات، إنما عليهم اعتقاد تلك العبادات؛ ~~إذ لو كانت عليهم لكان الانتهاء بقضاء ذلك؛ كقوله - عليه السلام -: " من ~~نام عن صلاة أو نسيها، فعليه أن # PageV05P200 # يصليها إذا ذكرها أو إذا استيقظ، وذلك كفارته "؛ وكذلك قوله - تعالى -: ~~(فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ليس على الفعل، ~~ولكن في حق الاعتقاد أنه لا سبيل إلى القيام بفعل ما ذكر إلا بعد حول ووقت ~~طويل. # وفي هذه الآية دلالة على أن ليس بين الشرك والإيمان منزلة ثالثة؛ على ما ~~يقوله المعتزلة في صاحب الكبيرة؛ لأنه لو كان بين الكفر والإيمان منزلة ~~ثالثة، لكانوا إذا انتهوا عن الكفر ولم ينتهوا عن تلك المنزلة لا يغفر لهم؛ ~~على قولهم؛ فدل ما ذكر من المغفرة على أن ليس بينهما منزلة، ولكن إذا ~~انتهوا عن الكفر دخلوا في الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين). # قال بعضهم: (وإن يعودوا) إلى الكفر وقتال محمد بعد ما انتهوا عنه، (فقد ~~مضت. . .)، يعني: القتال. # ويحتمل أن يكون قوله: (يعودوا) أي: ما داموا فيه، لا أن كانوا خرجوا منه؛ ~~نحو قوله - تعالى -: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، كانوا فيه، لا أن ~~كانوا خرجوا منه ثم دخلوا في غير ذلك. # ثم يحتمل وجهين بعد هذا: # أحدهما: أن للكفر حكم التجدد في كل وقت. # والثاني: ما ذكرنا أن ذكر العود فيه لدوامهم فيه وإن لم يخرجوا منه، وذلك ~~جائز في اللسان؛ كقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى النور) ابتداء إخراج من غير ~~أن كانوا فيه، وكقوله: (رفع السماوات) ابتداء رفع، لا أن كانت موضوعة ~~فرفعها من بعد؛ فعلى ذلك قوله: (وإن يعودوا) يحتمل: أي: داموا فيه. # وقوله: (فقد مضت سنت الأولين). # مضت، يحتمل ما ذكرنا من القتال. # والثاني: سنة الأولين: الهلاك الذي كان. # وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن ~~الله بما يعملون بصير (39) # PageV05P201 # قيل: الفتنة: الشرك، أي: قاتلوهم حتى لا يكون الشرك، (ويكون الدين كله ms1854 ~~لله). # ويحتمل قوله: (حتى لا تكون فتنة) أي: محنة القتال؛ كأنه قال: قاتلوهم إلى ~~الوقت الذي ترتفع فيه المحنة، وهو يوم القيامة. # وفيه دلالة لزوم الجهاد إلى يوم الدين، والفتنة: هي المحنة التي فيها ~~الشدة، # PageV05P202 # (ويكون الدين كله لله). # وقوله - عز وجل -: (ويكون الدين كله لله). # PageV05P203 # يخرج على وجهين: # أحدهما: ويكون من الدين الذي هو الدين كله لله، لا نصيب لأحد فيه، وهو ~~السبيل التي كانت للشيطان؛ كأنه قال: وتكون الأديان التي يدان بها دينا ~~واحدا، وهو دين الله الذي يدعى الخلق إليه، وبذلك بعث الرسل والكتب، والله ~~أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون الحكم كله لله؛ كقوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك)، أي: في حكم الملك. # وقوله - عز وجل -: (فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير). # وقوله: (وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ... (40) # قيل: ناصركم. # وقيل: المولى: المليك. # (نعم المولى ونعم النصير). # أي: نعم الناصر والمعين، (ونعم النصير)؛ لأنه لا يعجزه شيء. # وقيل: (مولاكم)، أي: أولى بكم. # * * * # قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) إذ أنتم ~~بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم ~~في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من ~~حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات ~~الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) # وقوله - عز وجل -: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى). # قال عامة أهل التأويل: إن الغنيمة: هي التي أصاب المسلمون من أموال ~~المشركين بالقتال عنوة، والفيء: ما يعطون بأيديهم صلحا. # PageV05P204 # والغنيمة يأخذ الإمام الخمس منها، والباقي يقسم بينهم، ms1855 والفيء يأخذه ~~الإمام فيضعه في مصلحة المسلمين، وليس فيه الخمس. # وقال بعضهم: الغنيمة والفيء واحد. # ثم قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه. . .) إلى آخر ما ذكر، ~~ذكر الخمس، ولم يذكر الأربعة أخماس أنها لمن، لكنها للمقاتلة بقوله: (فكلوا ~~مما غنمتم حلالا طيبا)، فكانت الغنيمة كلها لمن غنمها بظاهر هذه الآية، إلا ~~ما استثنى الله منها بالآية الأولى، وهو الخمس، وهذا مما أجمع عليه أهل ~~العلم، وعلى ذلك تواترت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~صحابته موقوفة من بعده. # روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المال - يعني الغنيمة - ~~فقال: " لي خمسه، وأربعة أخماسه لهؤلاء " يعني: المسلمين. # وروي أنه قسمها بين المقاتلة، يعني: الأربعة الأخماس. # وفي بعض الأخبار أن أبا الدرداء وعبادة بن الصامت والحارث بن معاوية ~~كانوا # PageV05P205 # جلوسا، فقال أبو الدرداء: أيكم يذكر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث صلى إلى بعير من المغنم، فلما انصرف فتناول من وبر البعير، فقال: " ~~ما يحل لي من غنائمكم ما يزن هذه إلا الخمس، ثم هو مردود فيكم ". # وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء، ثم ~~يسهم عليها، فما صار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو له. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كانت الغنيمة تغتنم على خمسة أخماس؛ ~~فأربعة منها لمن قاتل عليها. # وغير ذلك من الأخبار، وعلى ذلك اتفاق الأئمة. # ومنهم من يقول: يقسم على ستة: سهم لله يجعل في ستر الكعبة، وسهم لرسوله ~~ينتفع به. # ومنهم من قال: يقسم على خمسة: سهم لرسوله، وأربعة أخماسه لمن غنم. # ومنهم من يقول: يقسم على أربعة: سهم لرسوله، وثلاثة أرباعه لمن غنم. # ثم قوله: (فأن لله خمسه وللرسول) تحتمل إضافة ذلك إلى نفسه وجهين: # أحدهما: لما جعل ذلك لإقامة العبادات وأنواع البر والخير والقرب التي هي ~~لله، فأضيف إليه على ما أضيفت المساجد إليه بقوله: (وأن المساجد لله)، وإن ~~كانت البقاع كلها لله، وكذلك ما سمى ms1856 الكعبة: بيت الله، وإن كانت البيوت ~~كلها # PageV05P206 # لله؛ لما جعلها لإقامة العبادات وأنواع القرب، فأضيف إلى الله ذلك؛ فعلى ~~ذلك تحتمل إضافة ذلك السهم إلى الله؛ لما جعله لإقامة العبادات والقرب ~~وأنواع البر، والله سبحانه أعلم. # والثاني: أضاف ذلك إلى نفسه خصوصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~كان ذلك لرسوله، وكان رسول الله في جميع أحواله وأموره ألله، خالصا، لم يكن ~~لنفسه ولا لأحد من الخلق؛ فعلى ذلك جميع ماله وما كانت تحويه يده لم يكن ~~له، إنما كان ذلك لله خالصا، يصرف ذلك في أنواع القرب والبر؛ في القرابة، ~~واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، الأحياء منهم والأموات جميعا، والقريب ~~منهم والبعيد جميعا. # ألا ترى أنه قال: " إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة "، هذا ~~يدل أن ما يتركه صدقة لا يورث عنه، ولو كان له لتوارث ورثته ما يورث عن ~~غيره؛ دل أن نفسه وماله كان لله خالصا، وكذلك جميع أموره لله. # ألا ترى أنه روي في الخبر أنه كان يجوع يوما، ويشبع يوما، ويجوع ثلاثا، ~~وكان يربط الحجر على بطنه للجوع. # فإذا كان ذلك، كان إضافة ذلك الخمس إلى الله لخصوصية له، وخلوص نفسه ~~وماله له، وإن كان جميع الخلائق وما تحويه أيديهم لله حقيقة، لكن لهم فيها ~~الانتفاع وقضاء الحوائج والتدبير لأنواع التصرف في ذلك، ولمشاركته غيره في ~~ذلك لم يخصه بالإضافة إليه، وإن كان ذلك كله لله حقيقة. # ولما كانت نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما تحويه يده لله لا ~~تدبير له في ذلك، ولا شرك لأحد فيه، خص بإضافة ذلك إليه وكله لله حقيقة، ~~وهذا كما قال - والله أعلم -: (الملك يومئذ لله)، وقال: (لمن الملك اليوم ~~لله)، وقال: (مالك يوم الدين)، وقال: (وبرزوا لله جميعا)، خص بالذكر ملك ~~ذلك اليوم والبروز له؛ لما ينقطع يومئذ تدبير جميع ملوك الأرض، ويذهب ~~سلطانهم # PageV05P207 # عنهم، ويصفو البروز له، وإن كان الملك في الأحوال كلها والأوقات جميعا، ~~وكذلك البروز له، والمصير إليه، وإن كان ذلك ms1857 راجعا إليه في كل الأحوال؛ ~~فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # ثم ليس في ظاهر الآية دليل أن المراد بقوله: (ولذي القربى) قرابة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بل في ظاهرها دلالة أنه أراد به قرابة أهل ~~السهام في ذلك؛ لأنه خاطب به الكل بقوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى)، وظاهره أنه أراد به قربى من خاطب، وكان ~~الخطاب لهم جميعا. # ألا ترى أنه لم يفهم من قوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون)، ~~قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن قرابة المخاطبين، وكذلك لم ~~يرجع قوله: (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين)، إلى قرابة رسول الله ~~بل إلى قرابة المخاطبين به؛ فعلى ذلك الظاهر من قوله: (ولذي القربى)، إلا ~~أن يقال: أراد قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدلالة أخرى سوى ~~ظاهر الآية، وهو ما روي أنه قسم الخمس بين بني هاشم، وما روي أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " مالي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم " ~~وما روي أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى فكتب إليه: كتبت ~~تسألني عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وهل هو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا ~~إلى أن ينكح منه # PageV05P208 # أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. # فدل فعل عمر هذا على أن التأويل في الخمس كان عنده أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يصل به قرابته، ويسد بالخمس حاجتهم؛ إذ كان جعل سبيل ~~الخمس ما ذكرنا أنه لله، بمعنى أنه يصرف في وجوه التقرب إليه، فلو كان ~~الخمس حقا لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم، وما يأخذه الأغنياء من ~~الخمس فإنه لا يجري مجرى الصدقة، ولا يجري مجرى القرابة، فبان بذلك أنه لا ~~يعطى منه أغنياؤهم؛ بل يصرف إلى فقرائهم على قدر حاجتهم؛ إذ لم يكن له ~~مكاسب سواه يصل بها كما يكون لغيره من الناس من ms1858 المكاسب وأنواع الحرف. # ومما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى بعض القرابة دون ~~بعض: ما روي عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان، فقلنا: يا ~~رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله فيهم، ~~أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: ~~" إنهم لا يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء ~~واحد "، وشبك بين أصابعه. # وقوله: (فأن لله خمسه وللرسول. . .) إلى آخر ما ذكر، بين أن خمس الغنيمة ~~يصرف في وجوه البر والقرب إلى الله، ثم فسر تلك الوجوه فقال: (وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى # PageV05P209 # والمساكين وابن السبيل)، فكانت تسمية هذه الأصناف - والله أعلم - تعليما ~~لنا أن الخمس يصرف فيمن ذكر من أهلها دون غيرهم، وليس ذلك إيجابا منه لكل ~~صنف منهم شيئا معلوما، ولكن على بيان الأصل والموضع، وهو كقوله: (إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين. . .) الآية، حمل أصحابنا ذلك على أن الصدقة لا ~~تجوز إلا لمن كان من أهل هذه الأصناف دون غيرهم، ولم يحملوا الأمر على أن ~~لكل صنف منهم شيئا معلوما محدودا، ولكن على بيان أهلها، وعلى ذلك روي عن ~~جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم: عمر، وعلي، وحذيفة، وابن عباس، ~~وجماعة من السلف ممن يكثر عددهم، قالوا: إذا وضعت الصدقة في صنف واحد ~~أجزأك. # PageV05P210 # فلو كان لأهل كل صنف الثمن منها، كان المعطى بها صنفا واحدا مخالفا لما ~~أمر به؛ فعلى ذلك قوله: (فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى. . .) ~~الآية، معناه - والله أعلم - أن الخمس الذي يتقرب به من الغنيمة إلى الله ~~لا يستحقه إلا الرسول ومن كان من الأصناف التي ذكرها، فإلى أيهم دفع ذلك ~~الخمس أجزأه. # وإذا كان التأويل ما وصفنا لم يكن لأحد من أهل هذه الأصناف أن يدعي منه ~~خمسا ولا ربعا، ولكن يعطى كل من حضر منهم بقدر ms1859 فاقته وحاجته، وعلى قدر ما ~~يراه الإمام، فإذا جاء فريق آخر، أعطوا مما يدفع إلى الإمام من ذلك الخمس ~~من المال كفايتهم. # PageV05P211 # وكذلك روي عن ابن عمر أن ابن عباس قال: كان عمر يعطينا من الخمس نحوا مما ~~كان يرى أنه لنا، فرغبنا عن ذلك، وقلنا: حق ذي القربى خمس الخمس، فقال عمر: ~~إنما جعل الله الخمس لأصناف سماها، فأسعدهم بها أكثرهم عددا وأشدهم فاقة، ~~فأخذ ذلك ناس. وتركه ناس، وكذلك فعل عمر لما ولي الأمر؛ روي عن ابن عباس ~~قال: عرض علينا عمر أن يزوج من الخمس أيمنا، ويقضي منه مغرمنا، فأبينا عليه ~~إلا أن يسلمه إلينا، فأبى ذلك علينا. # فدل فعل عمر على أن القرابة يعطون من الخمس قدر حاجتهم وما تسد به ~~فاقتهم؛ إذ لو كان الخمس حقا لجميع القرابة أعطى من ذلك غنيهم وفقيرهم. # ومما يدل أيضا على أن الخمس لو كان حقا لجميع القرابة غنيهم وفقيرهم؛ ~~لقسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم كما قسم أربعة الأخماس بين ~~المقاتلة؛ بل أعطى منه بعض القرابة وحرم بعضا كما ذكرنا في جبير ابن مطعم. # ومما يدل -أيضا- أن ذلك لأهل الحاجة منهم دون الكل: ما روي أن الفضل ابن ~~عباس وفلان دخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ عند زينب ~~بنت جحش، فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا ~~النكاح. # PageV05P212 # فجئناك لتأمرنا على هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي العمال، ونصيب منها ~~ما يصيبون، فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه ثانيا، حتى جعلت زينب تلمح إلينا ~~من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: " ألا إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، ~~إنما هي أوساخ الناس ادعوا إلي محمية، " - وكان على الخمس - ونوفل بن ~~الحارث بن أعبد، المطلب، فجاءاه، فقال لمحمية: " أنكح هذا الغلام ابنتك: ~~للفضل " فأنكحه، وقال # PageV05P214 # لنوفل: " أنكح هذا الغلام ابنتك " فأنكحه، ثم قال لمحمية: " أصدقهما من ~~الخمس " وكذا دل هذا على أن الحق لهم فيه لأهل الحاجة منهم. # ومما ms1860 يدل أيضا على ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم " لم يخص القرابة ~~بشيء منه، كان سبيلهم سبيل أمر المسلمين يعطي من يحتاج منهم كفايته؛ وعلى ~~هذا أمر الأئمة الراشدين، ولم يغيره علي - رضي الله عنه - لما ولي الأمر، ~~وكان ذلك عندنا مما لا يجوز مخالفتهم عليه. # فإن قيل: لو كان قرابة النبي إنما يعطون من الخمس على سبيل الفقر ~~والحاجة، فهم على هذا يدخلون في عموم المساكين، فما وجه ذكره إياهم إذن؟ # قيل: إن الله تبارك - وتعالى - قال في الصدقات: (إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين)، ثم روي عن النبي - عليه السلام - قال: " لا تحل الصدقة لمحمد ~~ولا لآل محمد ". # فلو لم يسهم لهم في الخمس، جاز أن يقول قائل: لا يجوز أن يعطوا من الخمس، ~~وإن كانوا فقراء؛ كما لا يجوز أن يعطوا من الصدقة وإن كانوا فقراء، فكان ~~سبب ذكر الله إياهم في الخمس لذلك، والله أعلم. # ثم اختلف أهل العلم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سهم ~~الرسول وسهم ذي القربى. # فقال طائفة: سهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - للخليفة من بعده، وسهم ذي ~~القربى لقرابة الخليفة. # وقال طائفة: سهم القربى لقرابة الرسول. # وقال الحسن: سهم القرابة لقرابة الخلفاء. # وقال غيره: القرابة قرابة رسول الله. # وقد ذكرنا أنه يحتمل أنه كان له يصل به قرابته بحق الصلة، أو يعطيهم بحق ~~القرابة ما دام حيا. # ثم قد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا نورث، ما ~~تركناه صدقة "، فإذا لم يورث عنه ما قد حازه من سهامه، فكيف يورث عنه ما ~~غنم بعد وفاته؟! ولو كان سهمه # PageV05P215 # الذي لم يلحقه موروثا عنه، كان سهمه الذي قد حازه أحرى أن يورث عنه، فإذا ~~لم يورث الذي قد حازه وملكه عنه، لا يورث الآخر، والله أعلم. # وعن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ms1861 ~~- صلى الله عليه وسلم - وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، ~~فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا نورث، ما ~~تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال حق الغنائم " أي: من الغنائم، ~~والله، لا أدع أمرا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنعه فيه إلا ~~أصنعه. # وفي بعض الأخبار قال: " لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت سوى ~~نفقة عاملي ومؤنة نسائي فهو صدقة ". # وعن عمر: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله عليه نفقة ~~سنة، ويجعل ما بقي في مال الله. # وروي -أيضا- عنه أنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV05P216 # وكانت له خالصة، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في ~~الكراع والسلاح. # فهذه الأخبار تبين أنه لم يورث سهم النبي بعد وفاته، فهي تدل على ألا ~~نقدر بعد موت النبي من خمس الغنائم للخليفة شيئا، وأن ذلك إنما كان خصوصا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كالصفي الذي كان له خاصة دون غيره، ~~وكما لم يوجف عليه المسلمون بخيل # PageV05P217 # ولا ركاب، فكان له ذلك خاصة، فليس لأحد غير النبي - عليه السلام - خصوص ~~من الخمس؛ كما ليس له خصوص من الصفي وغيره، وإذا كان الأمر في سهم الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - كما وصفنا، ولم ينقص من الخمس الذي هو لله شيء بعد ~~موت النبي، ويخرج ذلك الخمس كله من الغنيمة - فذلك يدل على أن الخمس ليس ~~لأهل هذه السهام حقا مقسوما، ولكن يعطون منه بقدر فاقتهم. # ويدل ذلك -أيضا- على أنه لا يجب لكل صنف من هذه الأصناف سهم معلوم؛ لأنا ~~قد رددنا سهم النبي من الخمس على سائر السهام، فكما جاز أن يرد عليهم سهم ~~النبي، فكذلك يجوز أن يجعل سهم اليتامى أو بعضه للمساكين إذا حضروا وطلبوا ~~ولم يحضر اليتامى؛ لأن المعنى في الآية - والله أعلم - ألا يعطى إلا من كان ~~من ms1862 أهل هذه الأصناف فقد وضع الحق في موضعه، ولم يتعد به إلى غيره. # ثم الخطاب في قوله: (واعلموا أنما غنمتم من شيء) لا يحتمل كلا في نفسه؛ ~~كالخطاب بأداء الزكاة وغيرها من الحقوق، بل الخطاب راجع إلى الجماعة الذين ~~غنموا. # ألا ترى أن العسكر أو السرايا إذا دخلوا دار الحرب، فتفرقوا فيها، فغنم ~~واحد منهم - يجب ضم ذلك إلى جميع العسكر والسرايا، فعند ذلك يخرج الخمس ~~منه؟! دل أن الخطاب بذلك راجع إلى جماعة، وهي الجماعة التي لهم منعة يقومون ~~للعدو، لا أنه خاطب كل أحد في نفسه؛ فهذا يدل على أن الواحد أو الاثنين إذا ~~دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام فغنم غنائم لا يخمس، ولكن بسلم الكل له، ~~وأما الغنيمة نفسها لا يحتمل أن ترجع إلى أحد معلوم، أو مقدار محدود؛ ~~كالزكاة وسائر الحقوق؛ لأن الغنيمة شيء يؤخذ من أيدي الكفرة، وإنما يؤخذ ~~قدر ما يظفر به ويوجد؛ فلا يحتمل أن يرجع الخطاب به إلى قدر، دون قدر؛ بل ~~القليل من ذلك والكثير سواء، لا حد في ذلك ولا مقدار، ليس كالزكاة وغيرها ~~من الحقوق التي جعل فيها حدا، ومقدارا للوجه الذي ذكرنا. # وأما المصيبون لها والآخذون فلهم في ذلك مقدار، وهم الذين لهم منعة. # ثم نذكر مسألة في قسمة السهام بين الرجالة والفرسان، وإن لم يكن في الآية ~~ذكر ذلك: # PageV05P218 # روي عن ابن عمر قال: أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر ~~الراجل سهما، والفارس ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أسهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم خيبر للراجل سهما، وللفارس ثلاثة أسهم، سهما له وسهمين للفرس. # وعن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى الزبير يوم ~~خيبر أربع أسهم: سهم ذي القربى وسهم له وسهمين للفرس. # ثم روي -أيضا- عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم ~~للفارس سهمين، وللراجل سهما. # وعن المقداد أن رسول الله - صلى الله ms1863 عليه وسلم - أسهم له يوم بدر سهما، ~~ولفرسه سهما. # وعن علي قال: للفارس سهم. # وعن المنذر قال: بعثه عمر في جيش إلى مصر، فأصاب غنائم، فقسم للفارس ~~سهمين وللراجل سهم فرضي بذلك عمر. # فجعل بعض أهل العلم ما ذكر في هذه الأحاديث من الإسهام للخيل، وقول بعض ~~الرواة ثلاثة أسهم للفرس سهمين. # وقول بعضهم: أسهم للفارس سهمين - اختلافا وتضادا، فحملوا على التناسخ، ~~وقد يجوز ألا يكون كذلك، وقد تكون زيادته التي زادها النبي للفرس على سهم ~~إن كان محفوظا ثابتا لنفل نفله للأفراس حينئذ؛ ترغيبا منه للمقاتلة في ~~اتخاذها # PageV05P219 # وتحريضا؛ كما يجوز أن يقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن جاء برأس ~~كذا فله كذا؛ يحرض بذلك المقاتلة في القتال؛ فعلى ذلك زيادة سهم لمكان ~~الأفراس ترغيبا منه وتحريضا على اتخاذها. # فأما إذا كثرت الأفراس، فإن سهمانها لا تكون أكثر من سهمان أصحابها؛ لأن ~~الفارس كثر غنمه من فرسه، فإن لم يزد عليه لم ينقص عنه بسهم. # وكان أبو حنيفة - رحمه الله - يسهم للفارس بسهمين، وأبو يوسف - رحمه الله ~~- يرى أن يسهم للفرس سهمين، ولصاحبه بسهم. # واحتج في ذلك بقوله: قال الله - تعالى -: (وما أفاء الله على رسوله منهم ~~فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب)، فكانت النضير خالصة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولم يكن لمن حضرها من المسلمين شيء؛ إذ لم يوجفوا عليها ~~بخيل ولا ركاب، وقد أتوها مشاة، فلما منع الرجالة من السهمان؛ لاستغنائهم ~~في فتحها عن الخيل، جاز أن تزاد الخيل في السهمان على سهمان الرجالة، إذا ~~كان الرجالة يمنعون السهام، وإن حضروا إذا لم يلجئوا إلى ركوب الخيل. # لكن الحجة على هذا ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يحاربوا على النضير فرسانا ولا رجالة، ولو احتاجوا إلى الحرب لاحتاجوا ~~إلى الخيل، فمن حيث لم يحاربوا عليها لم يستحقوا منها شيئا، وإنما ذكرنا ~~الله - تعالى - على سهولة أمرها، # PageV05P220 # وأنهم لم يحاربوا عليها خيلا ولا ركابا، وإذا لم يحاربوا على ms1864 مدينة ~~فغنموا مالا، فهو مصروف في مصالح المسلمين لا تجري فيه السهام، فكانت ~~النضير على ما ذكر خالصة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، يأخذ منها نفقة ~~نسائه، ويصرف سائرها إلى مصالح المسلمين. # ومن الدليل على أن النضير لو احتيج فيها إلى حرب حاربهم النبي وأصحابه ~~رجالة وجرت في غنائمهم القسمة -: أن قوما من المسلمين لو حاربوا اليوم على ~~مدينة من مدائن الشرك رجالة، قسم ما يغنم منها؛ كما يقسم لو كان معهم ~~فرسان. # ومن الدليل على ذلك -أيضا-: أن الرجالة إذا كانوا مع الفرسان في الحرب، ~~قسم لهم كما يقسم للفارس خاصة، فلو كانت الغنيمة إنما تقسم لسبب الخيل ما ~~أعطى الرجالة منها شيئا؛ إذ لا أفراس لهم، وذلك يفسد ما ذكرنا لأبي يوسف. # وقوله - عز وجل -: (إن كنتم آمنتم بالله). # قال بعضهم: هو صلة قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله)، ثم قال: (وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم) أي: وإن تولوا هم وقد ~~آمنتم أنتم، فاعلموا أن الله مولاكم، ليس بمولى لهم. # وقالت طائفة: قوله: (إن كنتم آمنتم بالله) ليس على الشرط على ألا تكون ~~غنيمة إذا لم يكونوا مؤمنين، ولا يجب العدل في القسمة إذا كانوا غير ~~مؤمنين، ولكن على التنبيه والإيقاظ؛ كقوله: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين)، ليس على أنه لا يجب أن يذروه إذا لم يكونوا مؤمنين، ولكن على ما ~~ذكرنا؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان). # قيل: قوله: (وما أنزلنا على عبدنا): الملائكة الذين أرسلهم يوم بدر لنصرة ~~المؤمنين، وأنزل عليهم المطر حتى شد الأرض بذلك، فاستقرت أقدامهم وثبتت بعد ~~ما كانت لا تقر الأقدام فيها ولا تثبت، وشربوا منه ورووا بعد ما أصابهم ~~العطش؛ إذ كان المشركون أخذوا المال. # PageV05P221 # وقوله: (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان). # قيل: يوم فرق بين الحق والباطل؛ لأنه - عز وجل - جعل يوم بدر آية؛ حيث ~~غلب المؤمنون المشركين مع قلة عددهم، ms1865 وضعف أبدانهم، وفقد الأسباب التي بها ~~يحارب ويقاتل، وكثرة العدو وقوتهم، ووجود أسباب الحرب والقتال؛ ليعلموا ~~أنهم غلبوا أولئك وهزموهم بنصر الله إياهم، فكان آية فرق المحق منهم ~~والمبطل. # وقيل: هو يوم الفرقان، ويوم الجمع: جمع النبي والمؤمنين، وجمع المشركين، ~~ويوم الافتراق: افتراق المشركين من المؤمنين أنهزامهم، وهو كما سمى يوم ~~القيامة: (يوم الجمع) في حال، ويوم الافتراق في حال أخرى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ... (42) # قال بعضهم: العدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى، والعدوة الدنيا: شفير ~~الوادي الأدنى. # وكذلك قال القتبي: العدوة: الشفير، شفير الوادي. # وقال أبو عوسجة: العدوة: ناحية الوادي التي تليهم، وقال: إنما سميت ~~الدنيا؛ لأنها دنت منك، والآخرة؛ لأنها استأخرت. # وقيل في حرف ابن مسعود: (إذ أنتم بالعدوة العليا وهم بالعدوة السفلى). # وقال أبو معاذ: العدوة والعدوة لغتان، والركب والركبان والركاب والراكبون ~~كله لغة. # قال في حرف حفصة: (إذ أنتم بالعدوة القصيا). # PageV05P224 # وقال بعضهم: (إذ أنتم): معشر المؤمنين، (بالعدوة الدنيا): من دون الوادي ~~على الشط مما يلي المدينة، (وهم بالعدوة القصوى): من الجانب الآخر مما يلي ~~مكة، يعني: مشركي مكة. # وقوله - عز وجل -: (والركب أسفل منكم). # يعني: أصحاب العير على ساحل البحر، أو على الماء. # وقال قتادة: جمع الله المشركين والمسلمين ببدر على غير ميعاد، وهما شفيرا ~~الوادي، كان المسلمون بأعلاه، والمشركون بأسفله، (والركب أسفل منكم): أبو ~~سفيان انطلق بالعير في ركب نحو الحرب. # وقيل: إذ أنتم بأدنى المدينة، وهم بأقصى مما يلي مكة؛ على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد). # يحتمل: أن: لو علمتم أنكم تخرجون إلى الحرب دون العير، لم تخرجوا إلا ~~بميعاد لتتأهبوا للحرب والقتال فاختلفتم في الميعاد، إما للخروج نفسه، وإما ~~للميعاد نفسه: أتخرجون أو لا تخرجون أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت ~~الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأسا لينقضي ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا). # يحتمل: لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر. # أو ليقضي ms1866 الله أمرا كان في علمه مفعولا، أن إحدى الطائفتين أنها لكم؛ ~~كأنه قال: [(وعد الله مفعولا)]، أي: منجزا. # PageV05P225 # ويحتمل القضاء: إنثاء وخلق، ولكن لينشيء الله ما قد علم أنه يكون كائنا، ~~والله أعلم. # وقوله: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة). # قال بعض أهل التأويل: ليكفر من كفر بعد ذلك عن بينة وحجة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان على الحق، وكان صادقا ويؤمن من آمن على مثل ذلك. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (ليهلك من هلك عن بينة) قال: ليموت ~~من مات، (ويحيى من حي عن بينة) يقول: عن بيان وحجة. # وهو - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان أتاهم ~~بآيات حسية، فسموه ساحرا، وأخبرهم بالأنباء الماضية التي كانت في كتبهم، ~~فقالوا: (إن هذا إلا أساطير الأولين)، وقالوا: إنه معلم (إنما يعلمه بشر). # وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخالفهم في جميع صنيعهم من ~~عبادتهم الأصنام والأوثان دون الله، وكان يخوفهم ويوعدهم بأشياء، وكان لا ~~يخافهم، وهم كانوا رؤساء كبراء، لا يخالفهم أحد في أمرهم ونهيهم إلا من كان ~~به جنون، فلما رأوا رسول الله خالفهم في جميع أمورهم نسبوه إلى الجنون، ~~وقالوا: (ساحر أو مجنون)، و (معلم مجنون)؛ فأراد الله أن يجعل له آية ~~عظيمة؛ حتى لا يقدروا بالنسبة إلى شيء مما كانوا ينسبونه من قبل، فوعدهم ~~النصر والفتح يوم بدر بعد ما علم أولئك ضعف المؤمنين، وقلة عددهم، وقوة ~~أنفسهم، وكثرة عددهم؛ لتكون حياة من حيي بعد ذلك عن بينة، وموت من مات على ~~مثل ذلك، وإن كان له من الآيات ما لو لم يعاندوا ولا يكابروا عقولهم، لكانت ~~واحدة منها كافية. # فإن قيل: ما الحكمة في ذكر القصة من أولها إلى آخرها، وهم قد علموا ذلك ~~كله وشاهدوه؟! # قيل: يذكرهم الله - والله أعلم - الحال التي كانوا عليها أمن الضعف ~~والقلة والخوف وفقد أسباب الحرب والقتال وكثرة العدو وقوتهم ووجود أسباب ~~الحرب والقتال؛ ليعلم ms1867 الخلق أن النصر والغلبة ليس يكون بالكثرة، والقوة ~~والأسباب؛ ولكن بالله - عز # PageV05P226 # وجل - لئلا يكلوا إلى الكثرة، ولا يعتمدوا على القوة، ولا يضعفوا، ولا ~~يجبنوا، ولا يخافوا غيره؛ ليعرفوا أن ما أصابهم من الهزيمة والغلبة أصابهم ~~لمعصية كانت منهم، أو إعجابا بالكثرة، واعتمادا بالقوة والأسباب، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ... (43) # اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله: (في منامك قليلا) المنام نفسه، كان الله يرى ~~رسوله المشركين في منامه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا ~~النبي حق، القوم قليل، ليس كما بلغنا أنهم كثير. فلما التقوا ببدر، قلل ~~الله المشركين في أعين المؤمنين؛ تصديقا لرؤيا رسول الله. # وقال الحسن: قوله: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا) أي: في عينيك اللتين ~~تنام بهما، وهو في اليقظة؛ لأنه ذكر أنه قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " تنام عيني ولا ينام قلبي "، وإنما أراه إياهم قليلا في العين ~~التي بها ينام، وهما عينا الوجه، ويدل على ذلك ما روي عن ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لصاحب لي: تراهم ~~سبعين، فقال: أراهم مائة، حتى أخذنا رجلا منهم، فسألناه، فقال: كنا ألفا. # فإن كان التأويل هذا الثاني أنه أراهم رسوله قليلا في اليقظة بالذي ينام، ~~فهو ظاهر. # وإن كان أراه إياهم في المنام حقيقة، فلقائل أن يقول: إن رؤيا الرسول ~~وحي، فكيف أراه إياهم قليلا وهم كثير خلاف ما هو في الحقيقة؟! # قيل: يحتمل أن يكون أراه بعضهم لا الكل، فهو حقيقة ما أراه إياهم؛ فكذلك ~~قيل، والله أعلم. # وجائز أن يكون أرى أصحابه إياهم قليلا، وإن أضاف ذلك إلى رسول الله؛ ~~دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم)، وذلك في القرآن ~~كثير أن يخاطب به رسوله والمراد به غيره. # PageV05P227 # ألا ترى أنه قال: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما ~~أف) ومعلوم أن نزول هذه الآية بعد وفاة والديه. # وقوله - عز ms1868 وجل -: (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) أي: لجبنتم. # (ولتنازعتم في الأمر). # أي: اختلفتم في أمر القتال والحرب. # (ولكن الله سلم). # قيل: سلم وأتم للمسلمين أمرهم على عدوهم، فهزمهم ونصرهم عليهم. # ويحتمل قوله: (سلم) أي: أجاب للمسلمين؛ لما استعانوا واستنصروه بالنصر ~~والظفر لهم. # (إنه عليم بذات الصدور). # أي: عليم بما في قلوب المؤمنين من الجبن والفشل وأمر عدوهم، والله أعلم. # PageV05P228 # وقوله - عز وجل -: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) يحتمل قوله: ~~(وإذ يريكموهم. . .) الآية، لما رأوا الملائكة لأنفسهم أنصارا وأعوانا؛ إذ ~~كان قد وعدهم النصر والإعانة بالملائكة، وكان العدو مع الملائكة فاستقلوا؛ ~~لأن العدو وإن كانوا كثيرا فهم قليل مع الملائكة، فرأوهم قليلا على ما ~~كانوا، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء؛ لأنهم كذلك كانوا قليلا، فرءوا على ما ~~كانوا، ولم يروا الملائكة. # وقال بعض أهل التأويل: قلل هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ~~إذا التقوا؛ ليغري بعضهم على بعض وليجترئ بعضهم على بعض على القتال، والله ~~أعلم. # وقوله: (ليقضي الله أمرا كان مفعولا). # هو ما ذكرنا أنه لينجز ما كان وعدهم من النصر والظفر للمؤمنين، والغلبة ~~والهزيمة على أولئك، وكذلك ذكر في القصة أن قوله: (سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر)، في بدر فيه وعد ذلك؛ كقوله: (كان وعد ربنا لمفعولا). # ويحتمل قوله: (ليقضي الله)، أي: ليخلق الله وينشئ ما قد علم أنه يكون ~~كائنا، أو ليفصل بين الحق والباطل مما قد علم أنه يكون. # وقال بعض أهل التأويل: (ليقضي الله أمرا كان): في علمه، (مفعولا): كائنا؛ ~~يقول: فيوجب أمرا لابد كائن؛ ليعز الإسلام وأهله بالنصر، ويذل الشرك وأهله ~~بالقتل والهزيمة، والله أعلم. وهو قريب مما ذكرنا. # (وإلى الله ترجع الأمور). # أي: إلى الله يرجع تدبير الأمور وتقديرها، له التدبير في ذلك في الدنيا ~~والآخرة. # وذكر في بعض القصة أن أبا جهل - لعنه الله - لما رأى قلة المؤمنين ببدر ~~قال: والله لا يعبد الله بعد اليوم، فأكذبه الله وقتله، ms1869 فقال: (وإلى الله ~~ترجع الأمور) لا إلى الخلق، والله أعلم. # وأمر بدر من أوله إلى آخره كان آية، حتى عرف كل أحد ذلك، إلا من عاند ~~وكابر عقله. # PageV05P229 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا). # قيل: الفئة: اسم جماعة ينحاز إليها، وهو من الفيء والرجوع، يفيئون إليها ~~ويرجعون. # ذكر - هاهنا - الفئة، أوذكر في الآية التي تقدمت الزحف، وهو قوله: (إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا) مكان الفئة، ونهى أولئك عن تولية الأدبار بقوله: ~~(فلا تولوهم الأدبار)، وقال هاهنا: (فاثبتوا)؛ ليعلم أن في النهي عن تولية ~~الأدبار أمر بالثبات، وفي الأمر بالثبات نهي عن تولية الأدبار، فيكون في ~~النهي عن الشيء أمر بضده، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والله أعلم. # PageV05P230 # وقوله - عز وجل -: (واذكروا الله كثيرا). # قال أبو بكر الكيساني: قوله: (واذكروا الله): فيما تعبدكم من طاعته، ~~ووعدكم من نصره، ولا تنظروا إلى الكثرة فتظفروا. # ويحتمل قوله: (واذكروا الله) فيما لكم من أنفسكم وأموالكم، أي: إن أنفسكم ~~وأموالكم له، إن شاء أخذها منكم بوجه تتقربون به إلى الله، فاذكروا الله ~~على ذلك، وهو ما ذكر في قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم. ~~. .) الآية. # ويحتمل: اذكروا الله كثيرا في النعم التي أنعمها عليكم. # أو يقول: اذكروا المقام بين يدي رب العالمين، وذلك بالذي يمنعكم من ~~المعاصي والخلاف لأمره، وبعض ما يرغبكم في طاعته؛ فيكون على هذا التأويل ~~الأمر بذكر الأحوال. # ويحتمل الأمر بذكر الله باللسان، وذلك بعض ما يستعان به في أمر الحرب ~~(لعلكم تفلحون) لكي تفلحوا، بالنصر والظفر، أو (تفلحون) أي: تظفرون. # وقوله - عز وجل -: (وأطيعوا الله ورسوله ... (46) # أطيعوا الله فيما يأمركم بالجهاد والثبات مع العدو، ورسوله فيما يأمركم ~~بالمقام في ms1870 المكان، والثبات، وترك الاختلاف والتنازع في الحرب، وذلك بعض ما ~~يستعان به في الحرب. # (ولا تنازعوا فتفشلوا). # أي: لا تنازعوا رسوله فيما يأمركم في أمر الحرب وعما ينهاكم؛ كقوله: ~~(يجادلونك في الحق بعدما تبين)؛ لأنكم إذا تنازعتم اختلفتم وتفرقتم، فإذا ~~تفرقتم فشلتم وجبنتم؛ فلا تنصرون ولا تظفرون على عدوكم؛ بل يظفر بكم عدوكم. # PageV05P232 # أو أن يقال: لا تنازعوا؛ لأنكم إذا تنازعتم تباغضتم، فيفشلكم التباغض ~~بأنفسكم، في الجهاد مع العدو، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -، (وتذهب ريحكم). # قال بعضهم: يذهب نصركم وظفركم. # وقال بعضهم: تذهب ريح دولتكم. # ويحتمل: (ريحكم)، الريح التي بها تنصرون، وعلى ذلك ما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور "، وهو ما ~~ذكرنا: (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها). # وقوله: (واصبروا). # أي: اصبروا للجهاد ولقتال عدوكم. # (إن الله مع الصابرين). # بالنصر والظفر. # وفي هذه الآية تأديب من الله للمؤمنين، وتعليم منه لهم فيما ذكرنا، أي: ~~في أمر الحرب وأسباب القتال والمجاهدة مع العدو؛ لأنه أمرهم بالثبات، ~~وأمرهم بذكر الله، ونهاهم عن التنازع والاختلاف، وذلك بعض ما يستعان به في ~~الانتصار على عدوهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ~~... (47) # قوله: (بطرا)، أي: كفرا بنعم الله؛ كقوله: (وضرب الله مثلا قرية كانت ~~آمنة مطمئنة. . .) الآية؛ فعلى ذلك خرجوا من ديارهم كفرا بأنعم الله؛ لأنهم ~~خوجوا إلى قتال محمد، وهو من أعظم نعم الله على خلقه وهم كفروا تلك النعم ~~حيث خرجوا لقتاله. # وكذلك قالوا في قوله: (بطرت معيشتها)، أي: كفرت. # PageV05P233 # وقوله (بطرا)، كفرانا وتكبرا، أي: خرجوا متكبرين كافى ين. # (ورئاء الناس) يحتمل ومراءاتهم وجهين: # أحدهما: ومراءاتهم في الدين؛ لأنهم قالوا: اللهم انصر أهدانا سبيلا، ~~وأوصلنا رحما، وأقرانا ضيفا عندهم أنهم على حق، وأن المؤمنين على باطل. # ويحتمل: ومراءاتهم في أمر الدنيا؛ لأنهم كانوا أهل ثروة ومال، وأهل عدة ~~وقوة، خرجوا مرائين للناس. # وقوله: (ورئاء الناس) لأنهم كانوا أهل الشرف عندهم، فخرجوا لمراءاة ~~الناس. # (ويصدون عن سبيل الله). ms1871 # أي: يصدون الناس عن دين الله؛ أخبر - عز وجل - عن خروج أولئك الكفرة أنهم ~~خرجوا لما ذكر، فكان فيه أمر للمؤمنين بالخروج على ضد ذلك؛ كأنه قال: ~~اخرجوا على ضد ما خرجوا هم. # وقوله - عز وجل -: (والله بما يعملون محيط). # أي: علمه محيط بهم، لا يغيب عنه شيء من مكائدهم وحيلهم والمكر برسول الله ~~في الدفع عنه والنصر له. # والثاني: محيط بما يعملون، يجزيهم ويكافئهم، ولا يفوت عنه شيء؛ على ~~الوعيد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) إذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن ~~الله عزيز حكيم (49) # وقوله - عز وجل -: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم). # قال بعضهم: زين لهم الشيطان أعمالهم بالوساوس، وقال: (لا غالب لكم اليوم ~~من الناس)، وإنما قال لهم هذا ووسوس لهم لما ألقى إليهم: إنكم أهل حرم الله ~~وسكان بيته وحفاظه، فيقول: يدفع عنكم نكبة هؤلاء، يعني: أصحاب محمد كما دفع ~~عنكم فيما كان من قبل. # PageV05P234 # وقوله - عز وجل -: (وإني جار لكم). # قيل: مجير لكم: مغيث؛ فعلى هذا التأويل كان قوله: (وإني جار لكم)؛ كأنه ~~يخبر عن الله أنه يغيثهم كما أغاثهم من قبل في غير مرة. # وقال بعضهم: إن الشيطان تمثل في صورة رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم، ~~فأتاهم فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل فتأمن عيركم ~~ونحو هذا من الكلام. # وقال صاحب التأويل الأول: لا يحتمل هذا؛ لأن أهل مكة كانوا جبابرة، وأهل ~~قوة وبطش وبأس، فلا يحتمل أن يصدروا عن آراء رجل هو دونهم وهم بالوصف الذي ~~ذكرنا. # وعلى هذا التأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله: (وإني جار لكم) ما ذكر في ~~بعض القصة أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا واستشاروا فيما بينهم، فأتاهم إبليس ms1872 ~~متمثلا بسراقة، فامتنعوا عنه واستأخروا، فلما رأى ذلك منهم، فقال: إني جار ~~لكم وكان جارا لهم؛ فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية. # وقوله - عز وجل -: (فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه)، أي: رجع مستأخرا ~~مقبلا # PageV05P235 # بوجهه إليهم فقال: (إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب): إذا عاقب. # قيل: رأى جبريل مع الملائكة ينزلون، فخاف منهم؛ ففيه دلالة أنه كان يخاف ~~الهلاك قبل يوم الوقت المعلوم. # وقوله - عز وجل -: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء ~~دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) # قال بعضهم: الذين في قلوبهم مرض هم المشركون (غر هؤلاء دينهم). # وعن الحسن: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض)، قال: هم قوم لم ~~يشهدوا القتال يوم بدر؛ فسموا منافقين. # وقال بعض أهل التأويل: إن قوما كانوا أسلموا بمكة، فأقاموا بها مع ~~المشركين، ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى بدر خرج هؤلاء ~~معهم، فلما عاينوا قلة المؤمنين وضعفهم، شكوا في دينهم وارتابوا فقالوا: ~~(غر هؤلاء دينهم)، يعنون: أصحاب محمد. # يقول الله: (ومن يتوكل على الله) فيثق بوعده في النصر ببدر؛ لقولهم: (غر ~~هؤلاء دينهم)، (فإن الله عزيز): لا يعجزه شيء. # وقوله: (غر هؤلاء دينهم)؛ لأنه لم يكن معهم عدة ولا أسباب الحرب من ~~السلاح وغيره، فلم يكونوا يقاتلون إلا بقوة دينهم. # وقوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم). # فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر قول المنافقين في القرآن حتى نتلوه في ~~الصلاة؟! # قيل: ذكر - والله أعلم - لنعرف عظيم منزلة الدين وخطير قدره في قلوبهم، ~~أعني: قلوب المؤمنين، وذلك أنهم بذلوا أنفسهم للهلاك؛ لخروجهم لقتال عدوهم ~~مع ضعفهم، # PageV05P236 # وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم وقوتهم؛ رجاء أن يسلم لهم دينهم، يذكره لنا ~~لنعرف عظيم محل الدين في قلوبهم؛ ليكون محل الدين في قلوبنا على مثل قدره. # وفي قوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) ~~دلالة إثبات ms1873 رسالة محمد؛ لأنهم إنما قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فأطلع الله ~~رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه عرف ذلك بالله. # ثم اختلف في قوله: (والذين في قلوبهم)؛ قال بعضهم: هم المشركون، قال ~~المنافقون والمشركون للمؤمنين: (غر هؤلاء دينهم). # وقال بعضهم: هم قوم أسلموا وقد كانوا ضعفاء في الإسلام والدين، فلما ~~خرجوا إلى بدر، فرءوا ضعف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوة ~~أولئك القوم قالوا عند ذلك: (غر هؤلاء دينهم). # وقد ذكر في بعض القصة أن قوما كانوا أسلموا بمكة، ثم أقاموا مع المشركين ~~ولم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر خرج هؤلاء معهم، ~~فلما عاينوا قهلة المسلمين شكوا في دينهم وارتابوا، فقالوا مع المنافقين: ~~(غر هؤلاء دينهم)، يعنون: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~الله: (ومن يتوكل على الله): من المؤمنين فيثق به في النصر ببدر؛ لقولهم: ~~(غر هؤلاء دينهم). # وقوله: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض): يجيء أن يكون هم ~~المنافقون؛ على ما فسره في آية أخرى، فإن كان على ذلك فيكون على إسقاط ~~الواو، وكأنه قال: يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض، إلا أن يقال: إن ~~المنافقين هم الذين أضمروا الكفر حقيقة، والذين في قلوبهم مرض هم الذين لم ~~يضمروا الكفر، لكنهم ارتابوا وشكوا، واعترضهم شك وارتياب من بعد إذ رأوا ~~تأخر الموعود. # وقوله - عز وجل -: (غر هؤلاء دينهم) يخرج على وجهين: # أحدهما: قالوا: غر هؤلاء الموعود الذي وعدهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الفتوح لهم والنصر في الدنيا؛ يقولون: غر هؤلاء ذلك الموعود الذي ~~كانوا به من الفتوح والنصر الذي وعدهم. # والثاني: يقولون: غر هؤلاء الموعود الذي وعدوا في الآخرة من النعيم ~~الدائم والحياة الدائمة. # PageV05P237 # فيكون أحد التأويلين بالموعود في الآخرة، وهو بالإسلام يكون، والثاني ~~بالموعود في الدنيا، وهو الفتح والنصر الذي ذكرناه. # وقوله: (غر هؤلاء دينهم). # لما رأوا أنهم تركوا آباءهم وأولادهم وجميع شهواتهم، وبذلوا أنفسهم ~~للقتال؛ ليسلم لهم دينهم؛ لذلك قالوا: (غر هؤلاء دينهم) لما ms1874 لم يكن خروجهم ~~وبذلهم أنفسهم لذلك إلا إشفاقا وخوفا على دينهم، وطلبوا - لما بذلوا أنفسهم ~~- حياة الأبد في الآخرة فقالوا: (غر هؤلاء دينهم) والله أعلم. # وقوله: (ومن يتوكل على الله). # أي: اعتمد على الله في حرب بدر - على ما ذكر أهل التأويل - والنصر فيه. # وقوله: (فإن الله عزيز). # لا يعجزه شيء، يعز من يشاء بالنصر، ويذل من يشاء بالقتل والهزيمة. # أو يتوكل على الله في كل أموره، ويكل إليه أموره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عزيز حكيم). # العزيز في هذا الموضع: هو الغالب، حكيم لما أمر بالقتل. # * * * # قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد (51) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل ~~فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل ~~فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # وقوله - عز وجل -: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم). # قال بعضهم: الآية مقابلة قوله: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ~~ورئاء الناس)؛ يقول - والله أعلم -: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا)، أي: ~~يقبض أرواح الذين كفروا كيف يقبضون أرواحهم، وكيف يضربون وجوههم وأدبارهم؛ ~~كأنه قال - والله أعلم -: لو رأيت الحال التي تقبض فيها أرواحهم وما ينزل ~~بهم، لرأيت أن ما عملوا من # PageV05P238 # صد الناس عن سبيل الله، واستكبارهم على المؤمنين، وخروجهم لقتال أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما عملوا بأنفسهم، لا بالمؤمنين. # وقوله: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم). # يحتمل ما ذكر من فعل الملائكة يوم بدر؛ لأن الآية ذكرت في قصة بدر. # ويحتمل أن يكون ذلك في كل كافر أن الملائكة يفعلون به ما ذكر؛ كقوله: ~~(ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ms1875 أيديهم. . .) الآية، ~~هذا في كل كافر. # وقوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم). # ليس على إرادة حقيقة الوجه والدبر، ولكن على إرادة إيصال الألم إليهم بكل ~~ضرب وبكل جهة؛ كقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، ليس على ~~إرادة التحت والفوق، ولكن على إرادة إحاطة العذاب بهم؛ فعلى ذلك الأول. # وقال بعضهم: يضربون وجوههم في أحال، إقبالهم على المؤمنين، وإدبارهم ~~وانهزامهم منهم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) # ذكر تقديم اليد، وإن كان الكفر من عمل القلب؛ لما باليد يقدم في العرف. # وقوله: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد). # في الآية دلالة الرد على المجبرة؛ لأنهم لا يجعلون للعبيد في أفعالهم ~~صنعا، يجعلون حقيقة الأفعال لله، وذكر (بما قدمت أيديكم)، فلو لم يكن لهم ~~صنع، لم يكن لقوله: (بما قدمت أيديكم) معنى، وكذلك قوله: (وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد)، فلو لم يكن لهم حقيقة الفعل، لكان الئعذيب ظلما؛ دل أن لهم ~~فعلا، والله أعلم. # قوله: (ليس بظلام للعبيد). # فيما شرع من القتال، والإهلاك، والتعذيب في الآخرة؛ لأنه مكن لهم ما ~~يكسبون به النجاة والحياة الدائمة، فما لحقهم مما ذكر، إنما كان باكتسابهم ~~واختيارهم. # وقوله - عز وجل -: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله ~~فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب (52) # قال بعضهم: صنيع هؤلاء، أي: صنيع أهل مكة بمحمد كصنيع فرعون وقومه # PageV05P239 # بموسى يعني في التكذيب والكفر بآياته. # وقال قائلون: صنع الله بأهل مكة من العقوبة كصنيعه بفرعون وآله ومن سبق ~~من الأمم من الإهلاك والتعذيب، وقد فعل بأهل مكة يوم بدر بسوء معاملتهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما فعل ذلك بفرعون وآله بسوء معاملتهم ~~موسى. # (كدأب). # قيل: كصنيع. # وقيل: كفعل. # وقيل: كأشباه. # وقيل: كعمل؛ وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب). # وقوله: (شديد العقاب)، أي: لا يضعفه شيء يمنعه عما يريد. # وقوله: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ms1876 أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) # أي: ذلك العذاب والعقاب الذي ذكره. # (بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). # قال قائلون: النعمة التي أنعمها عليهم هم الرسل الذين بعثهم إليهم والكتب ~~التي أنزلها عليهم ألم يكن، مغيرا لتلك النعم (حتى يغيروا ما بأنفسهم) ~~بالتكذيب والرد وترك القبول، وهو كقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، ~~وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا. ~~. .) الآية. # وقال قائلون: قوله: (لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم)، أي: حتى يصرفوا شكر نعمه إلى غير الله ويعبدون دونه، أي: لا يغير ~~النعم التي أنعمها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، يعبدون غير الله، ويشكرون ~~غير الذي أنعم عليهم، فعند # PageV05P240 # ذلك غير الله ما بهم من النعمة، وكذلك قال ابن عباس: نعمة من النعم إن ~~تولوا عن شكرها، غير الله عليهم وأخذها منهم. # والثاني: يحتمل النعمة الدينية، وهو تكذيبهم الرسل وردهم الكتب بعد ما ~~أقسموا أنهم يكونون أهدى من إحدى الأمم، واختيارهم الشرك والكفر على ~~الإسلام والتوحيد، فإذا اختاروا تغيير ذلك، غير عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم). # يخرج على وجهين: # أحدهما: النعمة الدنيوية، لا تتغير تلك عليهم إلا بتغيير من قبلهم؛ إما ~~بترك الشكر لها، وإما بصرفه إلى غير الذي أنعمها عليهم، ولو غيرت عليهم ~~غيرت ببدل، فليس ذلك - في الحقيقة - تغيير (وأن الله سميع عليم). # قيل: أي: سميع لشكر من يشكره ويحمده، عليم بزيادة النعمة إذا شكر. # ويحتمل: (سميع) أي: مجيب، (عليم): بمصالحهم. # ويحتمل أنه سميع لما أسروا من القول وجهروا به، عليم بما أضمروا من العمل ~~والشرور. # وقوله - عز وجل -: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) # فإن قيل: ما فائدة تخصيص ذكر آل فرعون من بينهم؟ # وما الحكمة في ms1877 تكرار قوله: (آل فرعون)؟ # قيل: لما كانوا أقرب إلى هؤلاء من غيرهم ممن كان قبلهم. # ألا ترى أنه قال: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا). # أو أن يذكر أهل الكتاب منهم؛ لما كانوا ينكرون بعث الرسل من غيرهم، ~~ويقولون: إن محمدا أمي بعث إلى الأميين مثله، فقال: إن موسى لم يكن من ~~القبط، فبعث رسولا إليهم؛ فعلى ذلك محمد وإن كان أميا فبعث إلى الأميين ~~وغيرهم، والله أعلم بذلك. # وأما فائدة التكرار - والله أعلم -: فهو أنه ذكر في الآية الأولى الأخذ ~~بالذنوب والتعذيب، ولم يبين ما كان ذلك العذاب، فبين في الآية الأخرى أن ~~ذلك العذاب هو # PageV05P241 # الإهلاك والاستئصال؛ حيث قال: (فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون. . .) ~~الآية. # ويحتمل قوله: (فأهلكناهم بذنوبهم) في الآخرة بكفرهم بآيات الله في ~~الدنيا؛ ذكر في إحدى الآيتين العذاب في الآخرة، وفي الآية الأخرى الإهلاك ~~في الدنيا؛ لأنه ذكر في الآية الأولى الكفر بآيات الله، ولم يبين ذلك، وذكر ~~في الآية الأخرى التكذيب بآياته، فبين الله أن الكفر بآياته هو تكذيبها، ~~والتكذيب إنما يكون في الأخبار، وكذلك التصديق. # وفيه دلالة أن الإيمان هو التصديق؛ لأنه جعل مقابله وضده التكذيب. # وفيه أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن مقابلها الجهل بالله، ليس هو ~~التكذيب، لكن بالمعرفة يكون التصديق، وبالجهل يكون التكذيب. # * * * # قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) ~~الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن الذين ~~كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ~~وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) # وقوله ms1878 - عز وجل -: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) ~~ذكر هاهنا شر الدواب عند الله الذين لا يؤمنون وذكر، في آية أخرى: (إن شر ~~الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا ~~الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في ~~مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا ~~بما عقلوا. # ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صما بكما عميا؛ لما لم ~~ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ~~عميا وبكما وصما. . .) الآية. # PageV05P242 # وقوله: (إن شر الدواب عند الله). # (الذين كفروا فهم لا يؤمنون) وهو كما ذكر في آية أخرى: (أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل)، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا ~~فائدة قوله: (بل هم أضل) في موضعه. # ويحتمل قوله: (شر الدواب) أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين ~~(الذين كفروا فهم لا يؤمنون)، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك ~~الإيمان. # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول الله، ثم أعانوا مشركي مكة ~~على رسول الله بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول الله، وكانوا يقولون: نسينا ~~وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: (ثم ينقضون عهدهم في ~~كل مرة وهم لا يتقون (56): نقض العهد، أو لا يتقون الشرك. # وقال بعضهم: نزل قوله: (إن شر الدواب. . .) إلى آخر الآية، في المردة ~~والفراعنة من الكفار، كانوا عقلوا ما سمعوا ودرسوا، ولكن غيروه فلم يؤمنوا ~~به؛ على هذا حمل أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكرنا، وإلا صرف الآية إلى ~~أهل النفاق أولى؛ لأنهم هم المعروفون بنقض العهد مرة بعد مرة. # وقوله - عز وجل -: (فإما تثقفنهم في الحرب ... (57) # قيل: تأمرنهم في الحرب. # وقيل: تلقينهم في الحرب. # وقيل: تجدنهم في الحرب. # (فشرد بهم من خلفهم). # قيل: نكل بهم من بعدهم، أي: اصنع بهم ما ms1879 ينكلون من خلفهم، أي: يمتنعون. # وقيل: فعظ بهم من خلفهم، أي: من سواهم. # الآية نزلت في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت عادتهم نقض العهد، ~~فأمر - عز # PageV05P243 # وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء؛ ليكون ذلك عبرة وزجرا لمن بعدهم إن لم يكن ~~ذلك لهم زجرا، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم، إذا رأي غيرهم أنه فعل ~~بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجرا لهم عن مثل صنيعهم؛ ولهذا قال: (ولكم في ~~القصاص حياة)، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر، فيكون في ذلك حياة ~~الخلق. # وكذلك جعل الله في القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة؛ لأن في ~~الطباع النفار عن القتل، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك؛ ~~إشفاقا على نفسه، وخوفا على تلف مهجته، فيكون في القتال رحمة، وكذلك جميع ~~ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر ~~وموانع عن المعاودة إلى مثله؛ فعلى ذلك قوله: (فشرد بهم من خلفهم): عظة ~~وزجرا لمن بعدهم. # (لعلهم يذكرون). # لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب ~~جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد ~~في الآخرة في الجنة، وكل كريه وقبيح زاجرا له عن الموعود في الآخرة في ~~النار؛ على هذا بناء أمر الدنيا. # والتشريد: قال أبو عبيدة: معناه من التفرقة، أي: فرق بهم. # PageV05P244 # وقال القتبي: قوله: (فشرد بهم من خلفهم) أي: افعل بهم فعلا من العقوبة ~~والتنكيل يتفرق به من وراءهم من الأعداء. # قال: ويقال: شرد بهم: سمع بهم، بلغة قريش. # وقيل: نكلهم، أي: اجعلهم عظة لمن وراءهم وعبرة، وهو ما ذكرنا. # وقال أبو عوسجة: التنكيل: التخويف والرد عما يكره، والنكال: العذاب. # وقال غيره: (فشرد بهم من خلفهم)، أي: اخلفهم بهم بما صنع هؤلاء. # وقال أبو عبيدة: التشريد في الكلام: التبديد والتفريق؛ وبعضه قريب من ~~بعض. # قال أبو عوسجة: قوله: (فشرد بهم)، أي: نكل بهم حتى يخافك من ms1880 خلفهم، ~~والشريد: الطريد، والشريد -أيضا-: القليل. # وقوله - عز وجل -: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن ~~الله لا يحب الخائنين (58) # قال بعضهم: قوله تخافن: تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء. # أي: لا تفعل بهم مثل ما فعلوا من الخيانة فتكون أنت وهم في الخيانة سواء؛ ~~لأن عندهم أنكم معاهدون على عهد بعد عهد، ولكن انبذ إليهم، ثم ناصب فيما ~~بينهم الحرب. # وقال بعضهم: هو على حقيقة الخوف، يقول: إذا خفت منهم النقض أو الخيانة ~~(فانبذ إليهم)، أي: ألق إليهم نقضك؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء. # قال أبو عبيدة: قوله: (فانبذ إليهم على سواء)، أي: أظهر لهم أنك عدو، ~~وأنك مناصب لهم؛ حتى يعلموا ذلك فيصيروا على ذلك سواء. # وقال بعضهم: (سواء)، أي: على أمرين. # قال أبو عبيد: قال غير واحد من أهل العلم: (فانبذ إليهم على سواء): ~~أعلمهم أنك # PageV05P245 # تريد أن تحاربهم؛ حتى يصيروا مثلك في العلم؛ فذلك السواء. # قال الكيساني: السواء: العدل. وقال: (فانبذ إليهم على سواء)، أي: سر ~~إليهم، وقد علموا بك وعلمت بهم. # وبعضه قريب من بعض. # وحاصل التأويل: هو التأويلان اللذان ذكرتهما، والله سبحانه أعلم. # وأصل العهد ما ذكر عز وجل في آية أخرى، وهو قوله: (إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم) # أمر - عز وجل - بإتمام العهد إلى المدة، إذا لم ينقضونا شيئا ولم يخونوا، ~~ولم يظاهروا علينا أحدا منهم، فإذا فعلوا شيئا من ذلك فلنا أن ننقض العهد ~~الذي كان بيننا وبينهم. # وكذلك ابتداء العهد فيما بيننا وبينهم إذا سألونا ليس للإمام أن يعطي لهم ~~العهد إذا لم يكن في العهد منفعة للمسلمين - منفعة ظاهرة - وخير لهم، فعلى ~~ذلك ما دام يرجو في العهد منفعة للمسلمين وخيرا لهم فعليه مراعاة ذلك العهد ~~وحفظه، فإذا خاف منهم أو اطلع على خيانة منهم، فله نقضه، والله أعلم. # ثم إذا كانت تلك الخيانة من جملتهم أو ممن له منعة، ms1881 فله أن يناصبهم ~~الحرب، وإن لم ينبذ إليهم. # وإذا كان ذلك من بعض على سبيل التلصص والسرقة، فليس له أن يحاربهم إلا ~~بعد النبذ إليهم. # PageV05P246 # وقوله - عز وجل -: (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # قال بعضهم: لا تحسبن الذين نجوا وتخلصوا منك - يا محمد - من المشركين يوم ~~بدر أني لا أظفرك بهم في غيره من الحروب والمغازي، وأنهم يفوتون ويعجزون ~~الله عن ذلك. # وقال بعضهم: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم يعجزون ويفوتون عن نقمة الله وعذ ~~ابه. # وقرأ بعضهم بنصب الألف: (أنهم لا يعجزون)، فمن قرأ بالنصب طرح " لا " ~~وجعلها صلة، وقال: لا تحسبن أنهم يعجزون. # وأما قراءة العامة: فهي بالخفض: (إنهم) فهو على الابتداء، فقال: إنهم لا ~~يعجزون على الابتداء. # وقيل: العجز: السبق. # وقوله - عز وجل -: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... (60) # قال بعضهم: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ولا تخرجوا إلى الحرب في ~~المغازي، كما خرجتم إلى بدر بلا سلاح ولا قوة؛ لأنه أراد أن يجعل حرب بدر ~~آية؛ ليميز بين المحق والمبطل، وبين الحق والباطل؛ لذلك أمركم بالخروج ~~إليها بلا سلاح ولا عدة، # PageV05P247 # وأما غيرها من الحروب والمغازي فلا تخرجوا إليها إلا مستعدين لها. # وبعد: فإنهم إنما تركوا الاستعداد طاعة لربهم، وفي الاشتغال بالاستعداد ~~ترك للطاعة له، وأمر - عز وجل - بالاعتداد لهم ما استطاعوا من الأسباب؛ لما ~~أن ذلك أرهب للعدو من ترك الاستعداد، وإن كان - عز وجل - قادرا أن ينصرهم ~~على عدوهم بلا سبب يجعله لأنفسهم، وهو كقوله: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله). # فأمر الله بالأسباب في الحروب، وإن كان قادرا على نصر أوليائه على عدوه ~~بلا سبب، لكنه أمر بالأسباب؛ لما أن جميع أمور الدنيا جعلها بالأسباب، من ~~نحو الموت والحياة وجميع الأشياء، وإن كان يقدر على إبقاء الإنسان والخلائق ~~جميعا بلا غذاء يجعل لهم، والموت بلا مرض ولا سبب، ولكن فصل بما ذكرنا. # ثم اختلف في قوله: (من قوة)؛ قال بعضهم: القوة: الرمي، وعلى ذلك رووا عن ~~رسول الله ms1882 - صلى الله عليه وسلم - قال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ~~فقال: " ألا إن القوة الرمي "، قال ذلك ثلاثا. # ويحتمل قوله: (ما استطعتم من قوة): ما تقوون به في الحروب. # قال بعضهم: الفوة: السلاح. # وقال غيرهم: الخيل. # وأمكن أن تكون جميع أسباب الحرب. # وفيه دلالة أن القوة التي هي أسباب الفعل يجوز أن تتقدم، ويكون قوله: (لو ~~استطعنا لخرجنا معكم)، أراد استطاعة الأسباب لا استطاعة الفعل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، أمر ~~برباط # PageV05P248 # الخيل والإعداد للحرب؛ رهبة للعدو. # (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) اختلف أهل التأويل فيه: # قال بعضهم: ترهبون برباط الخيل المشركين. # وقال: (وآخرين من دونهم). # اليهود والنصارى، وهؤلاء الذين كانوا فيما بينهم يرهب هؤلاء أيضا. # وقال بعضهم: (وآخرين من دونهم): المنافقين الذين كانوا فيما بينهم لا ~~يعرفونهم كانوا طلائع للمشركين وعيونا لهم يخبرونهم عن حال المؤمنين ما ~~يرهب هؤلاء أيضا. # وقال آخرون: قوله: (وآخرين من دونهم): هم الشياطين، ورووا على ذلك خبرا ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " هم الشياطين "، وقال: " لن ~~يخبل الشياطين إنسانا في داره فرس عتيق ". # ويحتمل أن يكون قوله: (وآخرين من دونهم) هم الأعداء الذين يكونون من بعد ~~إلى يوم القيامة (لا تعلمونهم الله يعلمهم)، فإن كان ذلك، ففيه دلالة بقاء ~~الجهاد إلى يوم القيامة. # وقال بعضهم: (وآخرين من دونهم): الشياطين، (لا تعلمونهم الله يعلمهم) وهو ~~كقوله: (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). # فإن قيل: أي رهبة تقع للشياطين فيما ذكر من رباط الخيل والسلاح الذي ذكر؟ ~~قيل: يكون لهم رهبة في قمع أوليائهم، أو يكون لأوليائهم رهبة نسب ذلك ~~إليهم، وذلك كثير في القرآن. # وقوله: (عدو الله وعدوكم). # سمى عدوا لله وعدوا للمؤمنين؛ ليعلم أن من اعتقد عداوة الله صار عدوا ~~للمؤمنين، ومن اعتقد ولاية الله صار وليا للمؤمنين، ومن كان وليا للمؤمنين ~~يكون وليا لله. # PageV05P249 # وقوله - عز وجل -: (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم). ms1883 # أخبر أن ما أنفقوا في سبيل الله يوفى إليهم ذلك، إما الخلف في الدنيا؛ ~~كقوله: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)، وإما في الآخرة الثواب. # (وأنتم لا تظلمون) يحتمل وجهين: # يحتمل: (وأنتم لا تظلمون): # فيما يأمركم بالجهاد في سبيل الله، واتخاذ العدة والإنفاق فيها؛ إذ ~~أنفسكم وأموالكم لله له أن يأخذها منكم. # والثاني: (وأنتم لا تظلمون) وفي الثواب في الآخرة، أي: يعطيكم الثواب في ~~الآخرة أو الخلف في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ... (61) # قرئ بالنصب: (للسلم)، وقرئ بالخفض: (للسلم). # PageV05P250 # وقال أهل اللغة: من قرأ بالنصب: (للسلم)، حمله على المصالحة والموادعة، ~~ومن قرأ بالخفض: (للسلم)، جعل ذلك في الإسلام. # وتأويله - والله أعلم -: أي: إذا خضعوا للصلح وطلبوه منك فاجنح لهم، أي: ~~مل إليهم، ولا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من نقض العهد؛ على ما ذكر ~~في قوله: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة)، يقول: لا يمنعك عن ~~الصلح إذا طلبوا ذلك ما كان منهم من النقض ونكث العهود. # (وتوكل على الله). # ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد، فإن الله يطلعك ويكفيك على ذلك. # ومنهم من قال: قوله: (وإن جنحوا للسلم)، أي: إذا خضعوا وتواضعوا للإسلام، ~~فاقبل منهم واخضع لهم؛ كقوله: (واخفض جناحك للمؤمنين) أمره بخفض الجناح ~~لهم. # ذكر - هاهنا - أنهم إذا طلبوا الصلح منا يلزمنا أن نعطيهم، وإذا لم ~~يطلبوا منا ذلك لا يحل لنا أن نطلب منهم الصلح، إلا أن نضطر إلى ذلك، وهو ~~ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)، ~~نهانا أن ندعوهم إلى الصلح ولنا قوة وعدة للقتال معهم، وأما إذا كانوا ~~طلبوا منا ذلك أولا فيجابون إلى ذلك. # ويحتمل ما ذكرنا، أي: لا يمنعك ما كان منهم من نقض العهد. # وقوله: (فاجنح لها) يحتمل ذكره بالتأنيث، أي: للمسالمة والمصالحة. # وقال بعضهم: السلم هو مؤنث؛ كقول القائل: # السلم تأخذ منا ما رضيت به ... والحرب يكفيك من أنفاسها جرع # PageV05P251 # فإن قيل: ما ms1884 المعنى في قول من قال بالإسلام بقوله: (فاجنح لها) وهو كان ~~يدعو إلى الإسلام، وهو لا شك أنه كان يقبل منهم الإسلام؟ # قيل: يحتمل أن يكون الأمر بالقبول أمرا بترك المؤاخذة بما كان منهم في ~~حال نقض العهد؛ لأن من قولنا: أن ما أصابوا في حال العهد من الجراحات ~~والأخذ يتبعون بها ويؤاخذون إذا أسلموا، وإذا نقضوا العهد ثم أصابوا شيئا ~~من ذلك ثم أسلموا، لم يؤاخذوا بذلك، فيحتمل أن يقول له: فاجنح لها، ولا ~~تؤاخذهم بما كان منهم في حال نقض العهد. # وقال الحسن: هذا منسوخ، نسخه قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) ~~الآية. # وقال بعضهم نسخه قوله: (فاقتلوا المشركين. .) الآية. # وقال بعضهم: نسخه قوله: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون). # والوجه فيه ما ذكرنا: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نظرا للمسلمين، ~~أجابهم إلى ذلك وصالحهم، فإذا طلبوا منه الصلح وبالمسلمين قوة القتال ~~والحرب معهم، لم يجبهم إلى ذلك، وما ذكر هؤلاء من نسخه فذلك لا نعرفه، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) # وقوله - عز وجل -: (وإن يريدوا أن يخدعوك). # في الصلح ويخونوك. # (فإن حسبك الله). # أي: مكنك الله منهم؛ كقوله: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل). # فأمكن منهم، وإن كان قوله: (فاجنح لها) في الإسلام، فيكون قوله: (فإن # PageV05P252 # حسبك الله) أي: يطلعك الله على ما في قلوبهم من النفاق، أي: وإن خفت منهم ~~أنهم يظهرون لك الإسلام في الظاهر ويكونون في السر على ما كانوا من قبل، ~~فلا يمنعك ذلك عن قبول الإسلام منهم، فإن الله يطلعك على ذلك، ويكفيك ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). # يحتمل قوله: (وبالمؤمنين): بالملائكة الذين أنزلهم معونة للمؤمنين يوم ~~بدر. # ويحتمل: بالمؤمنين الذين كانوا معه، فأخبر أنه يؤيده بنصره وبنصر ~~المؤمنين، وكان النصر ms1885 له بالله في الحقيقة، فقوله: (وما النصر إلا من عند ~~الله)، النصر من الله مرة يكون بالأسباب بالمؤمنين، وبغير ذلك من الأسباب، ~~ومرة باللطف منه بلا سبب. # وقوله - عز وجل -: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) # قال بعضهم: ألف بين قلوبهم بالدين الذي اجتمعوا عليه؛ كقوله: (إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار)، أخبر أنهم كانوا أعداء ما داموا في الكفر، فلما أسلموا صاروا ~~إخوانا. # ولكن عندنا الإسلام يوجب التأليف والاجتماع بينهم، ولكن يجوز ألا يوجد ~~التأليف - وإن وجد الإسلام؛ ليعلم أن الله هو الذي يؤلف بينهم بلطفه وفضله ~~لقوله: (ولكن الله ألف بينهم). # وقد يجوز أن يكون ما ذكر من تأليف القلوب يكون مرة بالدين، ومرة باللطف ~~من الله، فإذا كان الخلاف والعداوة بينهم بسبب الدين فإنه إذا وجد الوفاق ~~ارتفع الخلاف والعداوة، وإذا كان للأطماع فهو يرتفع باللطف من الله. # (إنه عزيز حكيم). # عزيز: لا يعجزه شيء، حكيم: في أمره وحكمه. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا ~~أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # PageV05P253 # وقوله - عز وجل -: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # قال بعضهم: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، أي: كفاك الله في ~~العون والنصر لك، وكفاك المؤمنين -أيضا- فيما ذكرنا. # وقال بعضهم: (حسبك الله): نصر الله، وحسبك نصر المؤمنين، وهو على ما ذكر: ~~(هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). # والأول أشبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ... (65) # التحريض على القتال يكون بوجهين: # أحدهما: أن ms1886 يعدهم من المنافع في الدنيا، ويطمع لهم ذلك، من نحو ما جاء من ~~التنفيل: أن من فعل كذا فله كذا، أو يعدهم المنافع في الآخرة؛ كقوله: (إن ~~الله اشترى من المؤمنين. . .) الآية، وما ذكر من الثواب في الآخرة بالنفقة ~~التي ينفقونها في سبيل الله؛ كقوله: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم). فما ذكرنا فيه وعد المنافع لهم في الدنيا والآخرة، ووعد النصر لهم. # والثاني: يكون التحريض بضرر يلحق أولئك، ونكبة تصل إليهم؛ كقوله: (ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم. . .) الآية، إلى قوله: (قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ~~ويتوب الله على من يشاء)، جمع الله - عز وجل - في هذه الآية جميع أنواع ~~الخير الذي يكون في القتال مع العدو، من وعد النصر للمؤمنين عليهم، وإدخال ~~السرور في صدورهم، ونفي الحزن عنهم، وتعذيب أولئك بأيديهم. # وفيه إغراء على العدو بقوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول)، فذلك كله يحرض على القتال، ويرغبهم في الحرب مع العدو، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا. . .) الآية. # اختلف في معنى هذا: # PageV05P254 # قال بعضهم: قوله: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا. . .)، على الأمر، ~~كأنه قال: ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا؛ أمر العشرة القيام للمائة؛ ~~وقالوا: دليل أنه على الأمر قوله: (الآن خفف الله عنكم) الآية، ولو لم يكن ~~على الأمر والعزيمة، لم يكن لذكر التخفيف معنى. # وقال آخرون: هو على الوعد أنهم إذا صبروا وثبتوا لعدوهم غلبوا عدوهم؛ على ~~ما أخبر: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. . .) الآية. ليس على ~~الأمر؛ لأنه قال: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)، أخبر أنهم إذا ~~صبروا غلبوهم، وهو كذلك - والله أعلم - إذ ظاهره وعد وخبر. # والأشبه: أن يكون على الأمر، ليس على الخبر، على ما ذكرنا من قوله: (الآن ~~خفف الله عنكم). # وقوله - عز وجل -: (بأنهم قوم لا يفقهون). ms1887 # ما لهم وعليهم. # وقوله - عز وجل -: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ... (66) # فإن قيل: ما معنى قوله: (وعلم أن فيكم ضعفا)، وقد كان يعلم أن فيهم ضعفا ~~وقت ما أمر العشرة القيام لمائة، والعشرين لمائتين؟! # قيل: أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفا، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم، وذلك ~~منه عدل؛ إذ له الأنفس إن شاء أتلفها بالموت، وإن شاء بالقتل بقتل العدو، ~~والتخفيف منه رحمة وفضل، أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ~~ابتداء؛ امتحانا منه، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم ~~فيه، وفي الحكمة ذلك؛ إذ له الأنفس، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء، وهو ما ~~ذكر بقوله: (ولو أنا كتبنا عليهم. . .) الآية. ولو لم يكن له في الحكمة ذلك ~~لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم. # والثاني: يعلم فيهم الضعف كائنا شاهدا كما علم أنه يكون، وهو ما ذكرنا في ~~قوله: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين. . .) الآية، أي: ~~يعلمه مجاهدا كما علم أنه يجاهد؛ فعلى ذلك هذا. # ثم ذكر العشرة والعشرين يحتمل على التحديد. # ويحتمل لا على التحديد. # PageV05P255 # ألا ترى أنه ذكر في الناسخ عددا غير العدد الذي في المنسوخ؛ ذكر العشرين ~~لمائتين، وفي الناسخ ذكر الألف لألفين بقوله: (وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله). # فإن كان لا على التحديد فيلزم الواحد القيام لاثنين، وفي الأول الواحد ~~لعشرة؛ وعلى ذلك روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: إذا لقي الرجل رجلين من ~~الكفار فاستأسر، فلا فداء له علينا، فإذا لقي ثلاثة فأسر، فعلينا فداؤه. # ولم يجعل للواحد الفرار من اثنين؛ حيث لم يوجب عليه الفداء، وقد جعل له ~~الفرار عن ثلاثة؛ حيث جعل عليه الفداء. # وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال ذلك. # ويحتمل على التحديد، إذا كمل العدد الذي ذكر لم يسع الفرار، ويلزمهم ~~القيام لهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يلزم. # وكذلك قال الحسن: أمر أن يصبر عشرون لمائتين، إن ms1888 فروا منهم لم يعذروا، ~~وأن يصبر الألف لألفين، إن فروا منهم لم يعذروا. # قال: ثم أنزل الله: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) فأمر أن يصبر ~~مائة لمائتين، وإن فروا منهم لم يعذروا، وأن يصبر الألف لألفين، إن فروا ~~منهم لم يعذروا؛ فإن كان على التحديد، فهو على ما يقولون أنهم ما لم يكونوا ~~منعة فإنه يسعهم ألا يقاتلوا. # وقوله - عز وجل -: (فإن يكن منكم مائة صابرة). # قال بعضهم: الصبر: هو حبس النفس على ما أمر الله، وكفها عن جميع شهواتها ~~ولذاتها، فإذا فعل ذلك غلب على العدو وقهره. # وقال بعضهم: الصبر: هو أن يوطن نفسه في القتال مع العدو ويحبسها في ذلك. # والشكر، قيل: هو أن يبذل نفسه وما تحويه يده لله، لا يجعل لغيره، فيكون ~~الشكر والصبر في الحاصل سواء، وإن كانا في العبادة مختلفين؛ لأن الشكر: هو ~~بذل النفس وما حوته يده لله، والصبر: هو الكف والإحباس على جميع ما أمر ~~الله، وأداء ما فرض الله عليه، فإذا حبسها عن غيره يكون باذلا؛ ولهذا سمي ~~الصبر إيمانا بقوله: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات. . .) الآية، ذكر ~~الصبر - هاهنا - مكان ما ذكر في غيرها الإيمان بقوله: (إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) الآية. # PageV05P256 # وقوله - عز وجل -: (والله مع الصابرين). # في النصر لهم على عدوهم والغلبة عليهم. # * * * # قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله ~~إن الله غفور رحيم (69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ~~(70) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ~~(71) # وقوله - عز وجل -: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض). # قالا أبو بكر الكيساني: عاتب الله رسوله ms1889 وأصحابه في أخذ الأسارى بقوله: ~~(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض). # وبالغ في العتاب في أخذ الفداء من الأسارى بقوله: (تريدون عرض الدنيا ~~والله يريد الآخرة). # وكذلك روي عن رسول الله أنه لما استشار أصحابه في الأسارى، أشار أبو بكر ~~إلى أخذ الفداء، وعمر إلى القتل، فقال: " لو نزل من السماء عذاب ما نجا إلا ~~عمر ". # عاتبهم بالأخذ أخذ الأسارى، وأشد العتاب في أخذ الفداء، وأمر بالقتل وضرب ~~الرقاب بقوله: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، إنما أمر بضر ~~الرقاب وضرب البنان، وكذلك يخرج قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم) على العتاب؛ إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم. # وعلن بن عباس قال: لم يكن الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيما مضى يكون ~~لهم أسارى حتى يثخنوا في الأرض. # وعن سعيد بن جبير قال: لا يفادى أسارى المشركين، ولا يمن عليهم حتى ~~يثخنوا بالقتل، ثم تلا: (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق)؛ إلى هذا ذهب ~~هؤلاء. # وقوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى). # يخرج تأويل الآية على وجهين: # PageV05P257 # أحدهما: يقول: ما كان لنبي أن يأخذ من الأسرى الفداء، (حتى يثخن في ~~الأرض) أي: يغلب، حتى إذا أخذ الفداء وسرحهم بعد ما غلب في الأرض، يكون ~~رجوعهم إلى غير منعة وشوكة، وإذا لم يغلب في الأرض، أي: حتى يصير الدين كله ~~لله؛ كقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) الآية، هذا كان لمن قبله، فرخص ~~لرسوله ذلك. # وقيل في قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ~~بوجوه: # أحدها: ما قال أبو بكر الأصم: تأويله: لولا كتاب من الله سبق ألا يعذب ~~المخطئين في عملهم على خلاف أمره، وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم من الأسارى ~~والفداء منهم عذاب عظيم. # وقال آخرون: قوله: (لولا كتاب من الله سبق): أي: أحل الغنائم لهذه الأمة، ~~وإلا لمسكم العذاب فيما أخذتم واستحللتم عذاب عظيم. # وقال بعضهم: لولا كتاب من الله سبق أنهم يتوبون عما ms1890 عملوا من الأخذ ~~وغيره، وأنه يتوب عليهم، وإلا لمسكم العذاب أبذلك وأمكن أن يكون التأويل في ~~غير هذا كان في قوله: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، دلالة ~~إباحة الأمر ورخصته؛ لأنه قال: (فاضربوا فوق الأعناق) وهو الإبانة من ~~المفصل الذي تبان به الرءوس، وذلك قلما يمكن في القتال، ولا يقدر إبانة ~~الرءوس في الحرب، إنما يمكن ذلك بعد ما أخذوا أو وقعوا في أيديهم. # وأما ما ذكر من ضرب البنان: فهو في الحرب؛ لأنه في الحرب إنما يضرب فيما ~~ظفر ووجد السبيل إلى ذلك، ففيه دلالة. # وتأويل قوله: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) ~~يحتمل أن يكون ملحقا على ما سبق من قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق. . .) الآية، أي: لولا أن ~~من حكم الله أن يجعل لكم الظفر على إحدى الطائفتين، وإلا لمسكم العذاب ~~بمجادلتكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV05P258 # ومخالفتكم إياه في الخروج وإرادتكم العير. # أو أن يقال: لولا أن من حكم الله ألا يعذب أحدا ولا يؤاخذه في الخطأ في ~~العمل بالاجتهاد وإلا (لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)، ويكون قوله: (أخذتم) ~~أي: # PageV05P259 # عملتم. # ثم قالت المعتزلة: في قوله: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) دلالة ~~على أن الله لا يريد ما أراد العباد إذا أرادوا المعصية؛ لأنه أخبر أنهم ~~أرادوا عرض الدنيا، وهو يريد الآخرة، فهم أرادوا المعصية، وهو يريد لهم ~~الآخرة. # ولكن التأويل عندنا أن قوله: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)، أي: ~~تريدون عرض الدنيا، والله يريد حياة الآخرة وعرضها. # وبعد، فإنه قد كان الله أراد لهم الآخرة وحياتها، وهم أرادوا العير وعرض ~~الدنيا، وقد كان ما أراد الله لهم لا ما أرادوا هم، أي: اختار لهم غير ما ~~اختاروا هم. # وأصله أن الله - عز وجل - أراد الآخرة لأهل بدر، فكان ما أراد، ولأولئك ~~الكفرة النار، فكان ما أراد؛ كقوله: (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في ~~الآخرة). # والأشبه ms1891 أن تكون الإرادة هاهنا - المودة والمحبة، أي: تودون وتحبون عرض ~~الدنيا، والله يريد الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) كانوا ~~يودون أن القتال مع غير ذات الشوكة؛ حتى تكون لهم الغنائم. # والإرادة التي تضاف إلى الله تخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: الرضا؛ كقوله: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا) كانوا ~~يستدلون بتركه إياهم على أن الله قد رضي بصنيعهم. # والثاني: الإرادة: الأمر؛ كقوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا). # والثالث: الإرادة هي صفة فعل كل فاعل يخرج فعله على غير سهو وغفلة ولا ~~طبع؛ بل يخرج على الاختيار. # PageV05P260 # وقال بعض أهل التأويل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استشار في ~~أسارى يوم بدر أصحابه، فقال لأبي بكر: " يا أبا بكر، ما تقول فيهم؟ " فقال: ~~يا رسول الله؛ قومك وأهلك، فاستبقهم واستأمنهم، لعل الله يتوب عليهم، وقال ~~عمر: يا رسول الله؛ كذبوك وأخرجوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن ~~رواحة: يا رسول الله، انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه وأضرمه عليهم ~~نارا، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله فلم يجبهم شيئا، ثم قام ~~فدخل، فقال ناس: يقول بقول أبي بكر، وقال ناس: يقول بقول عمر، وقال ناس: ~~يقول بقول عبد الله، ثم خرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~" إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد ~~قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، ~~قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم)، وإن مثلك يا أبا بكر ~~كمثل عيسى؛ حيث قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك)، وإن مثلك يا عمر كمثل موسى؛ ~~حيث قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم)، وقال: يا عمر، إن مثلك ~~كمثل نوح؛ حيث قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ms1892 ولا يسألن أحد ~~منكم إلا بفداء أو ضربة عنق "، قال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته ~~يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة ~~في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إلا سهيل بن ~~بيضاء "، فأنزل الله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) إلى آخر ما ذكر. # PageV05P261 # ثم يحتمل قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) قبلكم، ~~وأما أنتم فقد أحلت لكم الأسارى والغنيمة، ويدل -أيضا- ما روي من الأخبار ~~والآيات على أنه إذا أثخن في الأرض جاز له الأسر؛ لأنه لو لم يجز ذلك كما ~~لا يجوز قبل الإثخان في الأرض، زالت فائدة الخصوص، وقد بين الله ذلك بقوله: ~~(حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق). # ثم اختلف أهل العلم في فداء الأسارى بالمال؛ قال ابن عباس - رضي الله عنه ~~- كان ذلك يوم بدر والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله - ~~تعالى - في # PageV05P262 # الأسارى: (فإما منا بعد وإما فداء)، فجعل النبي والمؤمنين بالخيار: إن ~~شاءوا فدوهم. # وعن الحسن قال: يصنع به ما صنع رسول الله بأسارى بدر يمن عليه أو يفادي. ~~وقال غيرهم بخلاف ذلك. # وقال أصحابنا: إن احتاج الإمام إلى مال فاداهم. # وقد دل ما ذكرنا من الآيات والأخبار على جواز الفداء بعد الإثخان فيهم، ~~فإن لم يكن إلى المال محتاجا فله قتلهم؛ لأن ذلك إنكاء في العدو وأشد ~~لرهبتهم من المؤمنين، وقال: وله أن يسترقهم، فهو كما قالوا: إذا كان الأسير ~~من أهل الكتاب أو من العجم، فأما عرب عبدة الأوثان فلا يسترقون؛ لأنا لا ~~نعلم أحدا منهم استرقه النبي لما أسره، ولم # PageV05P263 # يبلغنا أن أبا بكر استرق واحدا من أهل الردة، وكيف يجوز استرقاقهم وقد ~~قال الله - تعالى -: (تقاتلونهم أو يسلمون). # وأما الفداء والقتل: فقد ظهر من فعل رسول الله في أسارى بدر. # وفيما روي من الاستشارة - استشارة النبي أصحابه في الأسارى - دلالة العمل ~~بالاجتهاد، وفيما روي في الخبر ms1893 عن نبي الله - عليه السلام - قال لأبي بكر، ~~وعمر: " يا أبا بكر ويا عمر، إن ربي يوحي إلي أن أشاوركما، ولولا أنكما ~~تختلفان ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما فيه " - أنه لا يجوز لأحد أن ~~يخالفهما، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لولا أنكما تختلفان ~~ما عصيتكما، أو ما عملت بخلاف رأيكما ". # ثم ما أخذ من الأسارى من الفداء لا يدري على أي وجه أخذ على الترك أو ~~الرد إلى أوطانهم من غير أن تركهم بالجزية؛ إذ من قولهم ألا يجوز أخذ ~~الجزية منهم، والترك على ذلك. # وفي الآية دلالة ذلك، وهو قوله: (تقاتلونهم أو يسلمون). # وفي الخبر: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " إلا أن يقال: إن المفاد ~~إلا التي ذكر كان هذا، وهذا كان بعده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور ~~رحيم (69) # قال بعضهم: قوله: (حلالا طيبا) واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، وإنما ~~يطيب إذا حل، ويخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: (حلالا) بالشرع، (طيبا) في ~~الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل ~~والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع. # والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه ويذهب ~~بطيبه ولذته. # وجائز ما ذكر من الطيب - هاهنا - لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ~~ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها ~~لتلك الأسباب # PageV05P264 # الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: (طيبا). # وفيه دليل جواز التقلب في البيع الفاسد وطيب التناول منه، وإن كان مكتسبا ~~بأسباب # PageV05P265 # فاسدة بعد أن يكون بإذن؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا. # وفيه دلالة أن أهل الكفر لا يؤاخذون بالأفعال التي كانت لهم في الكفر، ~~ولا ما كانوا تركوا من العبادات؛ لما ليست عليهم، إنما يؤاخذون بالاعتقاد. # وقوله: (واتقوا الله). # فيما أمركم به ونهاكم عنه فلا تعصوه. # (إن الله غفور رحيم). # لمن تاب ورجع عما فعل. # وقوله - عز وجل -: (يا ms1894 أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم ~~الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ~~(70) قال عامة أهل التأويل: إن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب ~~وأصحابه، وكذلك يقول ابن عباس: قالوا للنبي: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك ~~رسول الله؛ فنزل: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا)، أي: إن يعلم الله اعتقاد ~~الإيمان والتصديق له في قلوبكم، (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم)، أي: إيمانا ~~وتصديقا، فيخلف عليكم خيرا مما أصيب عليكم. # لكنها فيه وفي غيره: من فعل مثل فعله فهو في ذلك سواء، يكون له من ~~الموعود الذي ذكر ما يكون له. # وقوله: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا). # وهو الإيمان الذي علم أنهم اعتقدوا في قلوبهم. # وقوله: (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم). # أي: آتاكم خيرا - وهو الإيمان - مما أخذ منكم من المال الذي ذكر في ~~القصة. # PageV05P266 # ويجوز " يفعل " مكان " نعل "؛ كقوله: (إذ يقول المنافقون)، أي: قال ~~المنافقون، وذلك كثير في القرآن؛ فعلى ذلك قوله: (يؤتكم خيرا). # ويحتمل قوله: (يؤتكم) أيضا، أي: يثيبكم ويعطيكم أفضل مما أخذ منكم في ~~الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويغفر لكم والله غفور) لما كان في الشرك؛ كقوله: (فإن ~~انتهوا فإن الله غفور)، للذنوب، وذو تجاوز، (رحيم) يرحم في الإسلام. # ويحتمل قوله: (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) من الفداء، أو ما أخذ منهم بمكة؛ ~~أخبر أنه يؤتهم خيرا من ذلك في الدنيا من الأموال وغيرها. # والإثخان: قال ابن عباس: القتل. # قال أبو معاذ: (يثخنون)، أي: يذلون، المثخن: الذليل. # وقال أبو عوسجة: (حتى يثخن في الأرض) أي: يثخن في أهل الأرض، يكثر القتلى ~~والجراحات؛ يقال: أثخنت في القوم: إذا أكثرت فيهم القتل والجراحات، ويقال: ~~ضربه حتى أثخنه، أي: ضربه حتى لا يقدر على القيام، وهو ما ذكر محمد في بعض ~~مسائله: أنه إذا رمى صيدا بسهم فأصابه حتى أثخنه، ثم رمى آخر بسهم فأصابه - ~~فإنه للأول؛ لما أنه صيره بالإثخان خارجا من أن يكون ms1895 صيدا، وهو الضرب الذي ~~وصفناه. # وثخن يثخن ثخانة فهو ثخين، وثخن يثخن ثخونة واحد، أي: غلظ. # وقوله - عز وجل -: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ~~والله عليم حكيم (71) # يحتمل أن تكون الآية صلة ما سبق من الآيات، وهو قوله: (الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة. . .) الآية، وقوله: (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن ~~حسبك الله. . .) الآية، وغير ذلك (وإما تخافن من قوم خيانة) ونحوه، فقال: ~~(وإن يريدوا خيانتك): في نقض العهد وغير ذلك من الأمانات، (فقد خانوا الله # PageV05P267 # من قبل) يحتمل قوله: فقد خانوا الله من قبل، فيما عاهدوا أن يوفوا ذلك ~~كقولهم: (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)، فقد أنجاهم الله عن ذلك ~~فلم يكونوا من الشاكرين، وكقوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين)، فقد آتاهم الله ذلك فلم يفوا ما عاهدوا، وغير ~~ذلك من العهود التي عاهدوا، والأمانات التي اؤتمنوا فيها، فخانوا الله في ~~ذلك. # أو ما عهد إليهم في أمر محمد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، ~~وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا ~~الله من قبل، فأمكن الله منهم، فإذا خانوك يمكنك الله منهم أيضا. # وقوله: (فأمكن منهم) قال بعضهم: أمكن منهم، أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، ~~وقال بعضهم: أمكنك حتى انتقصت منهم. # وقوله: (وإن يريدوا خيانتك) ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ ~~كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا الله من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة ~~كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة. # وقوله: (والله عليم): بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، (حكيم): ~~في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم. # وقال بعضهم في قوله: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل) أي: ~~خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك. # (فقد خانوا الله من قبل) أي: فقد كفروا بالله قبل هذا؛ يقول: إن خانوك ~~أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم؛ كما فعلت بهم ببدر. # (والله ms1896 عليم): بخلقه، (حكيم): في أمره. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا ~~بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ~~حقا لهم مغفرة ورزق # PageV05P268 # كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله ... (72) # قوله: (آمنوا)، أي: صدقوا آيات الله وحججه، أو صدقوا رسوله في جميع ما ~~جاء به؛ كأنه مقابل قوله: (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ~~ربهم)، ذكر - هاهنا - التصديق مكان التكذيب في ذلك. # وقوله: (وجاهدوا): في إظهار دين الله ونصره. # (بأموالهم وأنفسهم) أي: بذلوا ذلك. # (والذين آووا) أي: ضموا النبي. # (ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) قال ابن عباس وعامة أهل التأويل: ~~الولاية التي ذكرت في الآية في التوارث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار ~~دون ذوي الأرحام الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى المدينة، وكذلك قالوا في ~~قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) يعني: الميراث. # وروي عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة " والطلقاء من قريش ~~والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة. # وعن جرير بن عبد الله، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:. . . ~~كذلك روي. # وعن المسعودي عن القاسم قال: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أصحابه، فآخى بين # PageV05P269 # عبد الله بن مسعود والزبير بن العوام أخوة يتوارثون بها؛ لأنهم هاجروا ~~وتركوا قراباتهم، حتى أنزل الله آية المواريث. # PageV05P270 # وعن ابن ms1897 عباس في قوله: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم)، قال: كان ~~المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحمهم بالأخوة التي آخى ~~النبي بينهم، فلما نزل قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان ~~والأقربون)، نسخها: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر، ~~والنصيحة، والرفادة، ويوصي له ولا ميراث. # وعن الحسن في قوله - تعالى -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله) فكان # المسلطون يتوارثون بالهجرة، فكان الأعرابي لا يرثه المهاجر، والمهاجر لا ~~يرثه الأعرابي، فحرضهم بذلك على الهجرة، حتى كثر المسلمون، فأنزل الله - ~~تعالى -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. . .) الآية، فورث الأعرابي ~~المهاجر وتوارثوا بالأرحام. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، وكانوا يرون أن ~~الهجرة كانت مفترضة، فزال فرضها بقول النبي - عليه السلام -: " لا هجرة بعد ~~الفتح، ولكن جهاد ونية ". # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: انقطعت الهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ~~ونية، فإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله، والمؤمنون يفرون بدينهم من أن ~~يفيئوا عنه، وقد أفشى الله الإسلام. # هذا الذي ذهب هؤلاء في قوله: (بعضهم أولى ببعض) في التوارث محتمل. # ويحتمل غير هذا، وهو أن قوله: (إن الذين آمنوا وهاجروا. . .) إلى قوله: ~~(والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) أي: بعضهم أولياء بعض، في ~~تمام الولاية، في التناصير، والتعاون، والحقوق، والديانة، فهم أولى بعضهم ~~ببعض من الذين آمنوا ولم يهاجراوا؛ لأنهم آمنو اوهاجروا، أي: تركوا منازلهم ~~وأهلهم وقراباتهم وبلدهم الذي كانوا فيه مقيمين؛ إشفاقا على دينهم، ~~واستسلاما لهم ولأنفسهم، والأنصار آووهم، وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا ~~أنفسهم وأموالهم، وتحملوا جميع مؤنتهم من غير أن كان سبق منهم إليهم شيء، ~~فصاروا لهم أعوانا وأنصارا، فصار بعضهم أولياء بعض في تمام ما ذكرنا من ~~الولاية: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا)، أي: (ما لكم من # PageV05P273 # ولايتهم)، أي: من تمام ما ذكرنا من ولاية الدين، وليس لهم ولاية التناصر، ~~والتعاون، والحقوق، والمنافع التي تكتسب بالدين. # وفي قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ms1898 حتى ~~يهاجروا) دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه جل وعلا أبقى في المهاجرين الذين لم ~~يهاجروا اسم الإيمان، وكانت الهجرة عليهم مفروضة، وهم في تركهم الهجرة ~~مرتكبين كبيرة، فدل أن صاحب الكبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض). # أي: أولو الأرحام إذا آمنوا وهاجروا بعضهم أولى ببعض من غيرهم؛ لأنهم إذا ~~آمنوا وهاجروا ولهم قرابة سابقة ورحم متقدم، كانوا هم أولى من غيرهم الذين ~~لا قرابة بينهم ولا رحم؛ إذ اجتمع فيهم الرحم، والمعونة، والنصر، والديانة، ~~والحقوق، اجتمع فيهم أشياء أربعة، وفي أولئك ثلاثة، فهم أولى بهم من غيرهم؛ ~~هذا على التأويل الذي ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن استنصروكم في الدين). # يعني: الذين لم يهاجروا؛ يحتمل وجهين: # الأول: يحتمل: إذا طلبوا منكم المعونة والنصرة على عدوهم، فعليكم النصر ~~والمعونة لهم، إذا لم يكن بينكم وبين أولئك ميثاق. # والثاني: إذا علمتم أنهم يخشون على أنفسهم من عدوهم ويخافونه فانصروهم ~~(إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: إذا استنصروكم في الدين على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم، أي: وليس عليكم أن تنصروهم، تأويله: حتى ~~تنبذوا إليهم العهد؛ يقول: إذا استنصركم يا معشر المهاجرين - إخوانكم ~~المؤمنين الذين لم يهاجروا إليكم فأتاهم عدوهم من المشركين فقاتلوهم ~~ليردوهم عن الإسلام - فانصروهم، ثم استثنى فقال: (إلا على قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق)؛ يقول: إن استنصروكم الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم، ~~فلا تنصروهم. # (والله بما تعملون بصير): في المعونة، والنصرة، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم من ولايتهم من شيء). # PageV05P274 # قرئ بالخفض: (ولايتهم)، وبالنصب جميعا: (ولايتهم) أعني: بنصب الواو ~~وخفضها، وكذلك التي في الكهف: (هنالك الولاية لله. . .) الآية. بالخفض ~~والنصب جميعا. # ثم قال بعض أهل الأدب: الولاية - بفتح الواو -: النصرة والمعونة، ~~والولاية - بخفض الواو -: السلطان، أي: السلطان لله. # وقال بعضهم: الولاية - بالخفض -: المعونة والنصرة، والولاية: السلطان. # وقال آخرون: هما سواء، وهو النصرة والمعونة، والولاية في الإمارة ~~والسلطان، والولاية في الدين. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا بعضهم ms1899 أولياء بعض ... (73) # على قول ابن عباس وعامة أهل التأويل: بعضهم أولياء بعض في التوارث؛ على ~~ما قالوا في المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض. # ويحتمل ما ذكرنا أن بعضهم أولياء بعض في التناصر، والتعاون، والدين، ~~والحقوق جميعا؛ على ما ذكرنا في المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). # قيل: فيه بوجوه: # PageV05P275 # أحدها: أن إخوانكم الذين لم يهاجروا إذا استنصروكم على عدوهم فلم ~~تنصروهم، تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، أي: إن لم تكونوا بعضكم أعوانا ~~وأنصارا لبعض، على ما كان أهل الكفر بعضهم أنصارا لبعض غلبكم العدو وقهركم، ~~فيكون في ذلك فتنة وفساد، ويكون كقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله). # وقال بعصهم: قوله: (إلا تفعلوه تكن فتنة) ملحق بقوله: (إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق)، أي: إذا استنصركم إخوانكم على قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فنصرتموهم، تكن فتنة وفساد كبير. # وقال بعضهم: قوله: (إلا تفعلوه) فيما أمركم به من جعل التوارث فيما بين ~~المؤمنين، وجعلتم الميراث والتوارث فيما بينكم وبين الكفار (تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير)؛ لأن الله - عز وجل - ذكر المواريث، ثم ذكر في آخر ~~الآية: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله)، وما ذكر من ترك حدود الله، ~~وطاعة رسوله، وجعل الميراث في غير ما أمر - عز وجل - (تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير). # وقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) # أي: ضموا رسول الله والمهاجرين ونصروهم. # (أولئك هم المؤمنون حقا). # أي: المهاجرون والأنصار الذين ضموا (أولئك هم المؤمنون حقا)؛ لما حققوا ~~إيمانهم بأعمالهم؛ لأنهم هاجروا من بلادهم وأهلهم وأموالهم؛ إشفاقا على ~~دينهم، واستسلاما له، وأجابوا رسول الله وأطاعوه في ذلك، وأولئك الأنصار ~~ضموهم إلى أنفسهم وأنزلوهم في منازلهم، وبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم، ~~ونصروهم على عدوهم، فقد حققوا جميعا إيمانهم بأعمالهم التي عملوا. # ويحتمل قوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) أي: صدقا في السر والعلانية، ليس ~~كإيمان # PageV05P276 # المنافقين ms1900 يكون في العلانية ولا يكون في السر؛ كقوله: (ولقد فتنا الذين ~~من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. . .) الآية، وقال: ~~(وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين. . .) الآية. # ويحتمل قوله: (أولئك هم المؤمنون حقا)، أي: وعدهم وعدا حقا، وهو ما ذكر ~~في آية أخرى: (لهم مغفرة ورزق كريم). # ويحتمل: (أولئك هم المؤمنون حقا)، أي: أولئك المؤمنون الذين حققوا ~~الإيمان به. # وظ له: (لهم مغفرة ورزق كريم). # أي: حسن يكرم أهله به. # وقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ~~(75) # أي: من آمن بعد هؤلاء وهاجروا بعد مهاجرة أولئك، فإنهم يلحقون أوائلهم في ~~جميع ما ذكر في أولئك الذين هاجروا من قبل؛ يذكر هذا - والله أعلم - لنعمل ~~نحن على ما عمل أولئك من الهجرة، والنصرة، وبذل الأنفس والأموال، وغير ذلك ~~للدين، على ما بذل أولئك وأشفقوا على دينهم. # وقوله - عز وجل -: (فأولئك منكم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله). # هم ما ذكرنا أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض بالتركة والتوارث من جملة ~~المؤمنين، فإذا لم يكن أولو الأرحام فجملة المؤمنين أولى؛ على ذلك يخرج قول ~~أصحابنا: # PageV05P277 # إن أولي الأرحام بالميراث أولى من جملة المؤمنين، وهو بيت المال، فما دام ~~واحد من هؤلاء فهو أولى بالميراث، وعلى ذلك يخرج قولهم في العقل: إنه على ~~ذوي الأرحام ما داموا هم، فإذا لم يكن أحد منهم فهو على جملة المؤمين في ~~بيت المال. # وقوله - عز وجل -: (إن الله بكل شيء عليم) بالعباد وما يكون منهم، و (بكل ~~شيء عليم) بما يحتاجون وما لا يحتاجون، وهو حرف وعيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض). # أي: بعضهم أولى ببعض في حق التوارث من المؤمنين الذين هاجروا، فنسخت هذه ~~الآية حكم الميراث الذي ذكر في قوله: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء)؛ لأنه كان جعل التوارث بينهم بحق الإيمان والهجرة، ms1901 ثم نسخ ~~ذلك وجعل الميراث بالرحم؛ حيث قال: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض)؛ وكذلك ~~ما ذكر في سورة الأحزاب حيث قال: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله من المؤمنين والمهاجرين) فإذا لم يبق من الرحم أحد فبعد ذلك يكون جملة ~~المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (في كتاب الله). # PageV05P280 # في حكم الله، أو (في كتاب الله)؛ لأنه ذكر في كتاب الله. # ثم لزوم الهجرة على الذين هاجروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى الذين تأخرت هجرتهم سواء، قد سوى بينهم في اللزوم، وجمع بين المهاجرين ~~والأنصار في حق الشهادة لهم بالتصديق والإيمان؛ حيث قال: (أولئك هم المؤنون ~~حقأ)، وجمع بينهم في حق الولاية وما يكتسب بها من المنافع؛ حيث قال: (أولئك ~~هم المؤمنون حقا)، وجمع بينهم في الثواب والدرجة؛ حيث قال: (لهم مغفرة ورزق ~~كريم)، وجمع بينهم في هذه الخصال وإن قدم ذكر المهاجرين في غير واحدة من ~~الآيات؛ لما كانوا مستوين في الأسباب التي استوجبوا ذلك؛ لأن من المهاجرين ~~من ترك الأوطان والمنازل، والخروج منها والمفارقة عن أهليهم وأموالهم، وكان ~~من الأنصار مقابل ذلك: إنزالهم في منازلهم وأوطانهم، وبذل أموالهم، وقيام ~~أهليهم في خدمتهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله تعالى أعلم، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # * * * # PageV05P281 ### | سورة التوبة # قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين (2) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ~~إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) # قوله ms1902 - عز وجل -: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) ~~قال بعضهم من أهل التأويل: ذلك في قوم كان بينهم وبين رسول الله عهد على ~~غير مدة مبينة، فأمر بنقض العهد المرسل وجعله في أربعة الأشهر التي ذكر في ~~قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر). # وقال بعضهم: هي في قوم كان لهم عهد دون أربعة أشهر، فأمر بإتمام أربعة ~~أشهر؛ ودليله قوله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). # وقال أبو بكر الكيساني: الآية في قوم كانت عادتهم نقض العهد ونكثه؛ ~~كقوله: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة)، فأمر أن يعطي العهد ~~أربعة أشهر التي ذكر في الآية ثم الحرب بعد ذلك. # وقال بعضهم: لما نزل قوله: (براءة من الله ورسوله) بعث رسول الله، عليا ~~إلى الموسم ليقرأه على الناس، فقرأ عليهم: (براءة من الله ورسوله) من العهد ~~غير أربعة # PageV05P282 # أشهر (إلا الذين عاهدتم من المشركين). # على ما ذكرنا حمل هؤلاء كلهم قوله: (براءة) على النقض. # وعندنا يحتمل غير هذا، وهو أن قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين) في إمضاء العهد ووفائه، والبراءة هي الوفاء، وإتمامه ~~ليس على النقض؛ لأنه قال: إلى الذين عاهدتم من المشركين والبراءة إليهم هي ~~الأمان والعهد إليهم، ولو كان على النقض لقال: " من الذين عاهدتم من ~~المشركين " فدل أنه هو إتمام إعطاء العهد إليهم، وإمضاؤه إليهم، ويؤيد هذا ~~ما قال بعض أهل الأدب: إن البراءة هي الأمان؛ يقال: كتبت له براءة، أي: ~~أمانا؛ هذا الذي ذكرنا أشبه مما قالوا، أعني: أهل التأويل. # وقوله - عز وجل -: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي ~~الله وأن الله مخزي الكافرين (2) # أي؛ سيروا واذهبوا في الأرض (أربعة أشهر) أي: في مدة العهد. # وقوله - عز وجل -: (واعلموا أنكم غير معجزي). # أي: اعلموا أن المؤمنين وإن أعطوا لكم العهد في وقت فإنكم غير معجزي الله ~~وأولياءه، ولا فائتين عنكم في تلك المدة. # (وأن الله مخزي الكافرين) الخزي: هو العذاب الفاضح الذي يفضحهم ويظهر ms1903 ~~عليهم. # ويحتمل أن يكون ذلك العذاب والإخزاء الذي ذكر في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا ~~أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) # PageV05P283 # قال القتبي: (وأذان من الله ورسوله)، أي: إعلام، ومنه أذان الصلاة، وهو ~~الإعلام؛ يقال: آذنتهم إيذانا. # وكذلك قال أبو عوسجة. # وقوله - عز وجل -: (أن الله بريء من المشركين ورسوله) يكون في قوله: (أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله) دلالة ما قال أهل التأويل من النقض؛ لأن ~~قوله: (براءة من الله ورسوله) يكون فيه انقضاء العهد وإتمامه إلى المدة ~~التي ذكر، ويكون ما روي في الخبر وذكر في القصة أن نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لما نزل (براءة) بعث أبا بكر على حج الناس، يقيم للمؤمنين ~~حجهم، وبعث معه ب (براءة) السورة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب، فأدركه فأخذها ~~منه، ورجع أبو بكر إلى النبي، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: بأبي أنت ~~وأمي، نزل في شيء؟ قال: " لا، ولكن لا يبلغ غيري أو رجل مني، أما ترضى يا ~~أبا بكر أنت صاحبي في الغار، وأنت أخي في الإسلام، وأنت ترد على الحوض يوم ~~القيامة؟! " قال: بلى يا رسول الله. # فمضى أبو بكر على الناس، ومضى علي بن أبي طالب بالبراءة، فقام على ~~بالموسم، فقرأ على الناس: (براءة من الله ورسوله): من العهد، غير أربعة ~~أشهر؛ فإنهم يسيحون فيها. # ثم قوله: (يوم الحج الأكبر). # قال عامة أهل التأويل: هو يوم النحر؛ لأن فيه ذكر طواف البيت وحج البيت. # PageV05P284 # قال بعضهم: هو يوم عرفة؛ لأنه هو الذي يوقف فيه بعرفة، وبه يتم الحج على # PageV05P285 # ما روي في الخبر: " الحج عرفة، ومن أدرك عرفة بليل وصلى معنا بجمع، فقد ~~تم حجه وقضى تفثه، بإدراكه يتم الحج، وبفوته يفوت ". # وعن الحسن أنه سئل فقيل له: ما الحج الأكبر؟ فقال: سنة حج المسلمون ~~والمشركون جميعا، اجتمعوا بمكة، ms1904 وفي ذلك اليوم كان لليهود عيد، وللنصارى ~~عيد، لم يكن قبله ولا بعده، فسماه الله الحج الأكبر. # قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يسمي الله عيد النصارى واليهود يوم الحج ~~الأكبر، وهو يوم نزول السخط عليهم واللعنة، ولكن جائز أن يسمى بذلك؛ ~~لاجتماع الخلائق فيه من كل نوع؛ على ما سمي يوم الحشر يوما عظيما؛ كقوله: ~~(ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس # PageV05P286 # لرب العالمين). # وقوله: (فإن تبتم فهو خير لكم). # أي: إن تبتم عما كنتم عليه فهو خير لكم؛ لأنهم يأمنون من الرعب الذي كان ~~في قلوبهم ويكون ذلك الخوف والرعب في قلوب المشركين؛ على ما روي في الخبر ~~أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". # وقوله - عز وجل -: (وإن توليتم): عما ذكرنا، (فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله) أي: غير فائتين من نقمة الله وعذابه. # ويحتمل قوله: [(إن تبتم)] عن نقض العهد فهو خير لكم في الدنيا، والأول: ~~فإن تبتم وأسلمتم فهو خير لكم في الدنيا والآخرة. # وروي في بعض الأخبار عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل: بأي شيء بعثت؟ ~~قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين النبي - عليه ~~السلام - عهد فعهده أربعة أشهر، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الحرم ~~مشرك بعد هذا. # وفي بعض الأخبار: ولا يحج المشرك بعد عامه هذا، وكذلك قال في الآية ~~الأخرى: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، ففيه دلالة إثبات رسالة ~~محمد؛ لأنه قال في ملأ من الناس بالموسم: لا يحج مشرك بعد هذا، مع كثرة ~~أولئك وقوتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم، ثم لم يتجاسر بعد ذلك النداء أحد أن ~~يدخل مكة للحج وغيره، دل أن ذلك كله كان بالله - تعالى - لا بهم. # ثم من الناس من استدل بالخبر الذي روي أنه بعث أبا بكر الصديق على الحج ~~وبعث معه ببراءة، ثم أتبعه عليا، فأدركه فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل # PageV05P287 # نزل في شيء؟ قال: " لا، ولكن لا يبلغ عني غيري ms1905 أو رجل مني " - على أن ~~عليا هو المستحق للخلافة، وهو الأحق بها دون أبي بكر؛ حيث قال: " لا يبلغ ~~عني غيري أو رجل مني ". # PageV05P288 # لكن يحتمل أنه ولى ذلك عليا؛ لما كان من عادة العرب أنهم إذا عاهدوا عهدا ~~أنه لا ينقض ذلك عليهم إلا من هو من قومهم، فولى ذلك عليا؛ لئلا يكون لهم ~~الاحتجاج عليه فيقولون: لم ينقض علينا العهد. # أو أن يقال: ولى عليا أمر الحرب، وهو كان أبصر وأقوى بأمر الحرب من أبي ~~بكر، وولى أبا بكر إقامة الحج والمناسك، فكان أبو بكر هو المولى أمر ~~العبادات، وعلي أمر الحروب، والحاجة إلى الخلافة لإقامة العبادات. # أو أن يقال: إن أبا بكر كان أمير الموسم، وعليا كان مناديه، فالأمير في ~~شاهدنا أجل قدرا وأعظم منزلة من المنادي، وأمر عليا ذلك؛ لما أن ذلك كان ~~أقبل وأسمع من غيره من الأمير نفسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا (4) ~~قال بعضهم: هذا صلة قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين) (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). # أمر بإتمام العهد للذين لم ينقضوا المسلمين، ولا ظاهروا عليهم أحدا، وأما ~~الذين كانت عادتهم نقض العهد ونكثه فإنه لا يتم لهم، ولكن ينقض، وكذلك ~~تأولوا قوله: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين): النقض. # ويحتمل أن يكون صلة قوله: (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)، ويكون العذاب ~~الأليم هو القتل والأسر؛ كأنه يقول: وبشر الذين كفروا بالقتل والأسر (إلا ~~الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا). # ثم يحتمل قوله: (لم ينقصوكم شيئا) أي: لم يخونوكم شيئا ما داموا في ~~العهد، (ولم يظاهروا عليكم أحدا) أي: لم يعاونوا ولا أطلعوا أحدا من ~~المشركين عليكم، (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)؛ كقوله: (وإما تخافن من ~~قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) أمر بالنبذ إليهم عند خوف ms1906 الخيانة، وأمر ~~بالإتمام إذا لم يخونوا ولم # PageV05P290 # يظاهروا عليهم أحدا. # ودل قوله: (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين) على أن قوله: (واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي: غير معجزي ~~أولياء الله في عذاب الدنيا؛ لأنهم جميعا سواء في عذاب الآخرة، مشتركون ~~فيه. # وقوله: (إلى مدتهم) قال بعضهم: مدة القوم أربعة أشهر بعد يوم النحر لعشر ~~مضين من ربيع الآخر لمن كان له عهد، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ~~خمسون ليلة. # وقال بعضهم: إلا الذين عاهدتم من المشركين بالحديبية فلم يبرأ الله ~~ورسوله من عهدهم في الأشهر الأربع ثم لم ينقصوكم في الأشهر الأربع، (ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا) أي: لم يعينوا على قتالكم أحدا من المشركين، أي: إن لم ~~يفعلوا ذلك (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) وهو الأربعة الأشهر (إن الله ~~يحب المتقين): الذين اتقوا المعاصي والشرك. # وقوله - عز وجل -: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) # قال بعضهم: الأشهر الحرم هي أشهر # العهد والأمان، فإذا انسلخ تلك الأشهر ومضت، (فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم). # وقال بعضهم: الأشهر الحرم هي الأشهر التي خلقها الله وجعلها حراما؛ ~~كقوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم). # وقوله - عز وجل -: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم): # قال بعضهم: حيث وجدتموهم وخذوهم في الأماكن كلها؛ لأن " حيث " إنما يترجم ~~عن مكان، وأمر بقتلهم في الأماكن كلها؛ لأنه لم يخص مكانا دون مكان. # PageV05P291 # وقال آخرون: هو في الأماكن كلها إلا مكان الحرم، دليله ما ذكر في السورة ~~التي ذكر فيها البقرة، وهو قوله: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)، وقال: (ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام)، أمرهم بقتالهم في الأماكن كلها إلا المسجد ~~الحرام. # وأمكن أن يكون أنهم يقتلون إلا أن يدخلوا الحرم، فإذا دخلوا الحرم وقد ~~نهوا عن الدخول فيه والحج هنالك، على ما روي ms1907 أن عليا نادى بالموسم: ألا لا ~~يحجن بعد العام مشرك - فإذا دخلوا يقتلون، ويكون دخولهم فيه بعد النهي ~~كابتداء مقاتلتهم إيانا، فإذا قاتلونا عند المسجد الحرام قاتلناهم؛ كقوله: ~~(ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم)، ~~والله أعلم. # وقوله: (وخذوهم) قيل: ائسروهم. # وقوله: (واحصروهم) قيل: احبسوهم، (واقعدوا لهم كل مرصد)، والمرصد الطريق؛ ~~كأنه أمر بقوله: (فاقتلوا المشركين) بقتلهم إذا قدروا عليهم، وأمكن لهم ~~ذلك، والأسر عند الإمكان والحبس إذا دخلوا الحصن، وحفظ المراصد عند غير ~~الإمكان؛ لئلا يغروا، ويقال: أرصدت له، أي: انتظرت أن أجد فرصتي، ويقال: تر ~~صد ته، أي: انتظرته. # وقال بعضهم: قوله: (كل مرصد) أي: كل طريق يرصدونكم؛ كأنه أمر بذلك؛ ليضيق ~~عليهم الأمر؛ ليضجروا وينقادوا. # وفيه دليل النهي عما يحمل إلى دار الحرب من أنواع الثياب والأمتعة وما ~~ينتفعون به؛ لأنه أمر بالحصر وحفظ الطرق والمراصد؛ ليضيق عليهم الأمر ~~ويشتد، فينقادوا، وفيما يحملون إليهم توسيع عليهم. # وقوله: (وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) يحتمل أن يكون قوله: ~~(وخذوهم واحصروهم) أي: أقيموا عليهم الحجج والبراهين؛ ليضطروا إلى قبول ~~ذلك، فإذا انقادوا لكم وإلا فاقتلوهم حيث وجدتموهم. # وقوله - عز وجل -: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم): # قال بعضهم أمر الله في أول الآية بقتل المشركين، فقال: (فاقتلوا المشركين ~~حيث # PageV05P292 # وجدتموهم) وقال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ~~فوجب بظاهر الآية أن نقاتل من آمن ولم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة؛ لأن الله ~~- تعالى - إنما رفع القتل عنهم بالإيمان واقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا ~~لم يأتوا بذلك فالقتل واجب عليهم، وكذلك فعل أبو بكر الصديق لما ارتدت ~~العرب ومنعتهم الزكاة حاربهم حتى أذعنوا بأدائها إليه. # روي عن أنس قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب ~~كافة، فقال عمر: يا أبا بكر، أتريد أن تقاتل العرب كافة؟! فقال أبو بكر: ~~إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا شهدوا أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، ms1908 وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، منعوني دماءهم ~~وأموالهم " والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قاتلتهم عليه. قال عمر: فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح عرفت أنه ~~الحق. # وفي بعض الأخبار قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ونصلي، ولكن لا نزكي، ~~فمشى عمر والبدريون إلى أبي بكر، فقالوا: دعهم؛ فإنهم إذا استقر الإسلام في ~~قلوبهم وثبت أدوا، فقال: والله، لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قاتلتهم عليه، قيل: أو قاتل رسول الله على ثلاث: شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقال الله: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، والله لا أسأل فوقهن ولا أقصر ~~دونهن، فقالوا: إنا نزكي، ولكن لا ندفعها إليك، فقال: والله حتى آخذها كما ~~أخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأضعها مواضعها. # وقال آخرون: قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) في قبولهم ~~والاعتقاد بهما دون فعلهما، لما لا يحتمل حبسهم ومنعهم إلى أن يحول الحول ~~فيؤخذون بأداء الزكاة - دل على أنه على القبول والإقرار بذلك، واستدلوا بما ~~روي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها " وقالوا في بعض الأخبار: أمرت أن أقاتل # PageV05P293 # الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، فإذا قالوا ذلك: ~~عصموا مني. . . " كذا، وفي بعضها: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وإني ~~رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك منعوا مني. . . " ~~كذا دل ما ذكرنا من الزيادات والنقصان أن ذلك في قوم مختلفين، وأنه على ~~القبول لذلك والاعتقاد، لا على الفعل نفسه، فمن كان لا يقر بشيء من ذلك، ~~فإذا قال: لا إله إلا الله، كان ذلك منه إيمانا في الظاهر، ومن كان يقول: ~~لا إله إلا الله، ولا يقول: محمد رسول الله، فإذا قال ذلك كان ذلك ms1909 منه ~~إيمانا، ومن كان يقر بهذين ولا يقر بالصلاة والزكاة، فإذا أقر بذلك كان ذلك ~~منه إيمانا، فهو على الإقرار به والاعتقاد، لا على الفعل، ألا ترى أن ~~للأئمة أن يأخذوا منهم الزكاة شاءوا أو أبوا؟! فلو كان الأداء من شرط ~~الإيمان لكانوا غير مؤمنين بأخذ هؤلاء. # واختلف الصحابة والروايات في الحج الأكبر: # روي عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال النبي - عليه السلام - يوم ~~عرفة: " هل تدرون أي يوم هذا؟ " قالوا: نعم، اليوم الحرام، يوم الحج ~~الأكبر، قال: " فإن الله قد حرم دماءكم وأموالكم عليكم إلى يوم القيامة ~~كحرمة يومكم هذا ". # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن الحج الأكبر، فقال: يوم عرفة. # وعنه: أنه وقف عليهم يوم عرفة فقال: إن هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه ~~أحد. # وعن ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر. # وفي بعض الأخبار عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه خطب على ناقة حمراء يوم ~~النحر، فقال رسول الله: " أتدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج ~~الأكبر ". # وفي بعض الأخبار عن ابن عمر قال: رأيت أو قال: سمعت - رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول # PageV05P294 # يوم النحر عند المحراب في حجة الوداع، فقال: " أي يوم هذا؟ "، قالوا: هذا ~~يوم النحر، قال: " فأي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام، قال: " فأي شهر هذا؟ "، ~~قالوا: شهر حرام، قال: " هذا يوم الحج الأكبر، فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم ~~عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد في هذا اليوم "، ثم قال: " هل بلغت ". # وعن الحارث قال: سألت عليا عن الحج الأكبر، فقال: يوم النحر. # وعن المغيرة بن شعبة: أنه خطب يوم العيد، فقال: " هذا يوم النحر، ويوم ~~الأضحى، ويوم الحج الأكبر ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " الحج الأكبر: يوم النحر ". # وفيه قول ثالث: ما روي أنه كان في كتاب رسول الله الذي كتبه لعمرو بن ~~حزم: " والحج الأصغر العمرة ". # وعن ابن عباس: العمرة: هي الحجة الصغرى. # وسئل عبد الله بن شداد عن الحج ms1910 الأكبر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، ~~والأصغر العمرة. # PageV05P295 # فأما حديث عمرو بن حزم: فهو حكاية عن كتاب، وليس فيه بيان عن يوم الحج ~~الأكبر، إنما يذكر فيه الحج الأصغر، ولولا خبر علي وابن عمر لجاز أن يقال: ~~يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر؛ لأنه يقضي فيه فرض الحج وهو الوقوف، ومن فاته ~~ذلك فقد فاته الحج، وجاز أن يقال: هو يوم النحر؛ لأنه فيه يقضي طواف ~~الزيارة، وهو فرض ويقضي فيه أكبر مناسك الحج؛ بل يوم النحر أولى أن يكون ~~يوم الحج الأكبر؛ لأن الحاج يفعل في يوم عرفة فرضا من فرائض الحج، وهو ~~الوقوف، ويقضي في يوم النحر فرضا آخر من فرائضه، وهو طواف الزيارة، ويقضي ~~مع ذلك أكثر مناسك الحج، فقد استوى هذان اليومان في أنه يقضى في كل واحد ~~منهما فرض من فرائض الحج، وزاد يوم النحر على يوم عرفة بما يفعل في يوم ~~النحر من مناسك الحج، ولا يفعل في يوم عرفة شيئا من النسك إلا الوقوف ~~بعرفة. # واحتج بعض الناس بفرضية العمرة بما رواه عمرو بن حزم أن الحج الأصغر هو # PageV05P296 # العمرة، والأكبر هو الحج، بما سميت العمرة حجا، وقد ذكرنا الوجه في ذلك ~~فيما تقدم. # وعن علي وأبي هريرة وابن أبي أوفى - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: الحجة ~~الكبرى: يوم النحر. # وعن عمر وابن عباس أنهما قالا: يوم عرفة. # * * * # قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله ~~وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا ~~لهم إن الله يحب المتقين (7) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ~~والله عليم حكيم (15) # PageV05P298 # وقوله - عز وجل -: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ... (6) وقد قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) الآية، ms1911 فأمر بالآية الأولى ~~عند الوجود بالإجارة، وفي هذه بالقتل والأسر، وأمر في الأولى بتبليغه ~~مأمنه، وفي هذه بأن يقعد له كل مرصد، وحال هذه هي حال الأولى في رأي العين، ~~ويتهيأ له في كل وقت يظفر به أن يستجير؛ لما ذكر، وفي كل حال يرصد له أن ~~يحتال ليرد إلى مأمنه، وفي ذلك زوال القيام بما في إحدى الآيتين في الظاهر، ~~فألزم ذلك طلب المعنى الموفق بين الأمرين من طريق التأمل بالأسباب التي هي ~~تدل على حق المعاملة بالآيتين جميعا. # فقال أصحابنا: إنه إذا قصد نحو مأمن أهل الإسلام غير مظهر أعلام الحرب، ~~ولا بما يدل أنه على ذلك مجيئه؛ بل يمشي مشي من ينقلب لحاجة، ومن يتعاهد ~~ومن ينادي إليه بالاستجارة - فيجار. # ولو كان مقبلا نحو مأمننا، كالطالب لأحد، عليه أعلام الحرب، لكنه كالغافل ~~عن الذين يرصدون له أو الذين لهم منعة ولا قوة به - فلا يقبل قوله، وذلك ~~على تسليم الأمر الغالب من الأحوال؛ إذ لا وجه لعلم الحقيقة في ذلك، وعلى ~~ذلك عامة الأمور بين أهل الدارين، وما ذكرت من الآية في لزوم ذلك الاعتبار؛ ~~إذ لا وجه له غيره هو دليله، والله أعلم. # ثم دل قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك) بعد العلم بأنه من مأمنه لا ~~يقدر على الاستجارة لبعد مأمن كل من مأمن الآخر، ثم لا يكون مأمن الفريقين ~~في إحدى الدارين؛ لما كان تحقيق أمن كل فريق منهما نفي أمن الآخر؛ إذ به ~~خوفه؛ فثبت أنه قد يؤذن له بالخروج للاستجارة من مأمنه والدخول في مأمن ~~المسلمين إلى أن يبلغوا مساكنهم فيستجيروا؛ فلذلك لا يوجب ذلك الوجود حق ~~الأسر ولا القتل، ويجب رده لو لم يجر، ولم يسع تعرضه لشيء من ذلك. # PageV05P299 # ثم قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك) من غير أن يبين استجارته لماذا، ~~يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: (حتى يسمع كلام الله)، ~~وذلك كقوله: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة)، أنه في الجواب بيان ما ~~استفتوا. ms1912 # ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام الله بمعنى حجته لأي وجه دخل ~~بأمان. # وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول ~~للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من ~~آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، ~~رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم. # وقد روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ ~~إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، ~~والله أعلم. # PageV05P300 # قوله: (حتى يسمع كلام الله) فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام ~~نفسه؛ إذ الذي به يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له ~~يسمع؛ نحو # PageV05P301 # اللسان، والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي ~~يتكلم وقوله فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي ~~به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازا لا حقيقة؛ فعلى ذلك ~~ما قيل من سماع كلام الله. # ثم هو يخرج على وجوه: # أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم ~~والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى الله، فقيل بذلك كلام الله؛ لما ~~إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك. # والوجه الثاني: أن يكون الله ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب ~~إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعا من غيره؛ على ما تنسب ~~القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ~~ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء ~~الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله: " حتى يسمع كلام الله ". # والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلاما، وبه يرجع ~~إلى ذلك، وإن كان الله - تعالى - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، ~~والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان ms1913 إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ~~ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال الله - تعالى -: (خلقكم من نفس واحدة)، ~~وقال: (خلقكم من تراب)، من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس ~~الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما ~~قيل من لقاء الله والمرجع إلى الله والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر ~~المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، ~~فمثله لما قيل: كلام الله. # ثم الله - تعالى - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول فعلى ~~ذلك # PageV05P302 # صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ~~ولا تقدر بها العقول، إلا من طريق القول بالحقيقة لهم على ما هن أغيار لهم، ~~فالله - تعالى - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ~~ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، فتدبر فيه. # وقال الثلجي: يقال: كلام الله، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ~~ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد. # وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام الله يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى ~~مثل ما يقال: يعرف الله من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه والله أعلم ~~من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن الله - سبحانه - كذلك سماع كلامه. # وفي قوله: (ثم أبلغه مأمنه) دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو ~~قبل لكان يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا ~~العود إليها. # ثم معلوم أن كلام الله هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين: # أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع ~~المقابلين لرسول الله بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء ~~نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم. # والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول ms1914 ~~على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما ~~لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام ~~من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابرا، وحق ~~مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل ألما لم يكن يضمن أمانة القبول، ولا أن ~~يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، والله ~~أعلم. # ثم قوله: (أبلغه مأمنه) ويحتمل وجهين: # PageV05P303 # أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار ~~لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه. # والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ~~ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجارة بعض، وعلى ذلك كل مسلم. # ثم سماع كلام الله يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع ~~أوامر الله ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة ~~والتوحيد من القرآن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون). # أي: ما لهم وما عليهم. # ويحتمل نفي العلم: بما لم ينتفعوا بما علموا. # ويحتمل ذلك تعليم من مع رسول الله كيفية معاملة الكفرة؛ إذ هم لم يكونوا ~~يعلمون من قبل، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله ~~يحب المتقين (7) # هو - والله أعلم - أن كيف يستحقون العهد، وكيف يعطى لهم العهد، وقد نقضوا ~~العهود التي بينهم وبين ربهم وبين رسول الله؟! # فأما العهود التي بينهم وبين ربهم فهي عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كل أحد ~~الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، والشهادة على الرسالة. # وما عهد إليهم في كتبهم من إظهار صفة محمد ونعته للخلق، فنقضوا ذلك كله ~~ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول الله ولم يحفظوها؛ يقول - والله أعلم ~~-: كيف ms1915 يستحقون أن يعطى العهد لهم، وقد نقضوا العهد الذي عهد الله إليهم ~~والعهود التي أعطاهم رسول الله؟! لا يستحقون ذلك، إلا أن الله - عز وجل - ~~بفضله وإحسانه أذن أن يعطي لهم العهود: (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، ~~أي: أوفوا لهم العهد إذا أوفوا لكم وإن انقضت المدة؛ يقول - والله أعلم -: ~~إذا استقاموا لكم في وفاء العهد، فاستقيموا لهم في وفائه، وإن انقضت المدة. # PageV05P304 # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام). # استثنى الذين عاهدوا عند المسجد الحرام، يحتمل ألا يعطى العهد إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام. # ويحتمل قوله: (إلا الذين عاهدتم)، فإنهم إن وفوا لكم فأوفوا لهم، (إن ~~الله يحب المتقين) إن الله يحب من اتقى الشرك واتقى كل جور وظلم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) يقول: كيف تعطون لهم ~~العهد وكيف يستحقون العهد، ولو ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة؟! # وقال بعضهم: وكيف لا تقاتلونهم (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة)، قال: الإل: الله، والذمة: العهد. # وقيل: الإل: القرابة. # وقيل: الإل: العهد، والذمة، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (لا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة). # وقال القتبي: الإل: العهد. # قال: ويقال: القرابة. # وقال أبو عوسجة: الإل: القرابة. # وقال أبو عبيدة: الإل: العهد، والذمة: التذمم. # PageV05P305 # وقال ابن عباس: الإل: الله، بمنزلة جبريل، تفسيره: عبد الله؛ لما قيل: ~~جبريل هو عبد الله. # وقيل: الإل: الحرم؛ يقول: كيف تعطونهم العهد وهم وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم القرابة ولا العهد، ولا يرقبوا الحرم فيكم؟! وقد كانوا يحفظون ~~فيما بينهم القرابة والرحم حتى يعاون بعضهم بعضا ويناصر، إذا وقع بين ~~قرابتهم ورحمهم وبين قوم آخرين مباغضة وعداوة، وكانوا يرقبون حرم الله حتى ~~لا يقاتلون في الأشهر الحرم وعند المسجد الحرام، وكانوا يحفظون العهود فيما ~~بينهم من قبل، ولا يرقبونها فيكم ولا يحفظونها. # هذا - والله أعلم - تأويل قوله: (لا يرقبوا فيكم إلا ms1916 ولا ذمة)، وقد كانوا ~~يرقبون من قبل. # وقوله - عز وجل -: (يرضونكم بأفواههم). # بأنهم يوفون العهد ويحفظونه. # (وتأبى قلوبهم) إلا النقض. # وقوله: (وأكثرهم فاسقون) في نقض العهد. # والفسق: هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: (ففسق عن أمر ربه). # وقوله - عز وجل -: (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون (9) # يحتمل: حججه وبراهينه. # ويحتمل: آيات القرآن ومحمد. # ويحتمل: آياته: دينه. # وقوله - عز وجل -: (فصدوا عن سبيله). # أي: صدوا الناس عن متابعة النبي. # وقيل: صدوا الناس عن دين الله الإسلام. # (إنهم ساء ما كانوا يعملون). # أي: بئس ما عملوا بصدهم الناس عن دين الإسلام ومتابعة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ... (10) هذا قد ~~ذكرناه. # PageV05P306 # (وأولئك هم المعتدون). # في نقض العهد، والاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل لهم. # وقوله - عز وجل -: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في ~~الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) # قال بعض أهل التأويل: انظروا إلى كرم ربكم وجوده، قوم قد افتروا على الله ~~كذبا، وكذبوا رسول الله، وهموا بقتله وإخراجه من بين أظهرهم، وطعنوا في ~~دينهم، وعملوا كل بلية من نصب الحروب والقتال فيما بينهم، ثم إنه وعدهم ~~التوبة والمغفوة والتجاوز عما كان منهم بقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف)، وجعل فيما بينهم الأخوة والمودة بقوله: (فإخوانكم في الدين)، وقال: ~~(وجعل بينكم مودة ورحمة)، وقال: (إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا)، وغير ذلك من الآيات، وفيه أن من كان له بمكان آخر ذنب أو ~~جفاء، فإذا رجع عن ذلك وتاب لزمه أن يتجاوز عنه وألا يذكر بعد ذلك ما كان ~~منه من الذنب؛ على ما جعل الله فيما بين هؤلاء الأخوة والمودة إذا تابوا، ~~وقال: (فإخوانكم في الدين) وقد كان منهم ما كان، ومن حق الأخوة ألا يذكر ما ~~كان منهم من المساوئ. # ثم قوله: (فإن تابوا) من الشرك وما كان منهم. # وقوله: (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة). ms1917 # يحتمل قوله: (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) وجهين: # الأول: يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، زكاة المال، وهو ما ~~ذكرنا فيما تقدم من الإقرار بهما والاعتقاد والقبول لذلك دون فعلهما، وهو ~~في الكبراء والقادة الذين كانوا يأنفون عن الخضوع لأحد، ولا يؤتون الزكاة، ~~ولا يتصدقون؛ لما ظنوا أنهم يخلدون في الدنيا؛ إشفاقا على أنفسهم. # والثاني: يحتمل أن يكون المراد من الصلاة: الخضوع والخشوع، لا الصلاة ~~المعروفة، والمراد من الزكاة زكاة النفس وإصلاحها، فإن كان هذا فهو لازم في ~~الأوقات كلها، ما من وقت إلا وله على كل أحد الخضوع له والخشوع له، ويزكي ~~نفسه ويصلحها، وهو كقوله: (قد أفلح من زكاها). # وقوله: (ونفصل الآيات لقوم يعلمون) أي: نبين الآيات لقوم يعلمون ينتفعون ~~بعلمهم. # PageV05P307 # ويحتمل: (لقوم يعلمون) أي: لقوم إذا نظروا فيها وتدبروا يعلمون لا لقوم ~~لا يعلمون. # وقوله - عز وجل -: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) قوله: أيمانهم: ~~العهود نفسها كقوله: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها). # يحتمل قوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) أيمانهم، أيمانا يحلفونها ~~بعد إعطاء العهد توكيدا؛ لئلا ينقضوا العهد إذ عادتهم نقض العهد ونكثه. # وقوله - عز وجل -: (وطعنوا في دينكم) أطعنهم، في الدين ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (فقاتلوا أئمة الكفر). # أي: أئمة الكفرة، وتخصيص الأمر بمقاتلة الأئمة؛ لما أن الأتباع أبدا ~~يقلدون الأئمة، ويصدرون عن آرائهم وتدبيرهم، فإذا قاتلوهم اتبع الأتباع ~~لهم. # والثاني: لنفي الشبه أي: ليس الأئمة منهم كأصحاب الصوامع، وإن كانوا هم ~~أئمة في العبادة، فلا تترك مقاتلتهم؛ كما تترك مقاتلة أصحاب الصوامع؛ لأن ~~أصحاب الصوامع قد عزلوا أنفسهم عن الناس وعن جميع المنافع، وحبسوها ~~للعبادة، والأئمة ليسوا كذلك. # والثالث: خص الأئمة بالقتال؛ لأنهم إذا قتلوهم لم يبق لهم إمام في الكفر، ~~فيذهب الكفر رأسا، وهو كقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة. . .) الآية. # وقوله: (إنهم لا أيمان لهم). # يحتمل: (لا أيمان لهم) أي: لا عهد لهم بعد نقضهم ms1918 العهد، أي: لا توفوا لهم ~~العهد الذي كان لهم إذا نقضوا. # PageV05P308 # ويحتمل: (لا أيمان لهم) أي: لا يعطي لهم العهد مبتدأ بعدما نقضوا العهد؛ ~~لأنهم اعتادوا نقض العهد. # والثاني: قال ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا. # وفيه لغة أخرى: (لا إيمان لهم)، بكسر الألف: (لا إيمان لهم) أي: لا ~~يؤمنون أبدا فإن كان كذلك وذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا. # وفائدة قوله: (إنهم لا أيمان لهم) تخرج على وجهين: # أحدهما: أن أهل العهد إذا نقضوا العهد ينقض ذلك، ويتركون على النقض، ~~ويقاتلون بعد النقض، وليس كأهل الذمة إذا نقضوا الذمة لا يتركون على ذلك، ~~ولكن يردون إلى الذمة ولا تنقض الذمة فيما بينهم. # وقال الحسن: قوله: (لا أيمان لهم) يقول: لا تصديق لهم. # وقوله: (لعلهم ينتهون). # عن نقض العهد. # وقوله - عز وجل -: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ~~وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) أي: ~~كيف لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم، وأيمانهم ما ذكرنا، وهو حرف الإغراء ~~على مقاتلة من اعتقد نقض العهود والتحريش عليهم (وهموا بإخراج الرسول). # يحتمل قوله: (وهموا بإخراج الرسول): القتل، أي: هموا بقتله، وفي القتل # PageV05P309 # إخراجه. # أو هو إخراجه من المدينة، على ما ذكر في بعض القصة: أن اليهود قالوا ~~لرسول الله: إن مكان الأنبياء والرسل بيت المقدس، لا المدينة، فانتقل إليه. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه معلوم ~~أنهم أسروا في أنفسهم وفيما بينهم إخراجه وقتله، لا أنهم أظهروا ذلك، ثم ~~أخبرهم بذلك، دل أنهم إنما علموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وهم بدءوكم أول مرة). # يحتمل قوله: (وهم بدءوكم أول مرة) في نقض العهد، أي: هم بدءوكم بنقض ~~العهد. # ويحتمل: بدءوكم بالقتال أول مرة والإخراج. # وقوله - عز وجل -؛ (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه) أي: لا تخشوهم واخشوا ~~الله؛ فإنهم لا يقدرون أن تصل إليكم نكبة إلا بإقدار الله إياهم، فلا ~~تخشوهم ms1919 واخشوا الله. # ويحتمل قوله: (أتخشونهم) فالله القادر بنصركم وبقهر عدوكم (فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين): إذ هو القادر على منعهم عنكم ونصركم عليهم. # وقوله - عز وجل -: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ~~ويشف صدور قوم مؤمنين (14) # علم الله - عز وجل - كراهة القتل وثقله على الخلق، فأمر المؤمنين بمقاتلة ~~الكفرة، ووعدهم النصر. # والتعذيب بأيديهم: يحتمل وجهين: # الأول: يحتمل: القتل والإهلاك. # والثاني: يحتمل الأسر والسبي. # (ويخزهم) يحتمل أيضا وجهين: # الأول: يحتمل: الهزيمة والإذلال. # والثاني: يحتمل قوله: (ويخزهم): في الآخرة؛ كقوله: (ربنا إنك من تدخل ~~النار فقد أخزيته)، الخزي: العذاب الذي فيه الفضيحة والذلة. # وفي قوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) دلالة نقض قول المعتزلة؛ ~~لقولهم: إنه لا قدرة لله على أفعال الخلق، وقد أخبر أنه يعذبهم بأيديهم، ~~ولو كان غير قادر على # PageV05P310 # أفعالهم، كان يعذبهم بيده لا بأيديهم. # (وينصركم عليهم). # وعدهم النصر عليهم والظفر وخزي الكفرة، وهو ما ذكر: (قل هل تربصون بنا ~~إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو ~~بأيدينا) وكذلك في قوله: (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا)، دلالة ~~نقض قولهم أيضا، لأنه أخبر أنهم يصيبهم العذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين؛ ~~كما ذكرناه. # وقوله: (ويشف صدور قوم مؤمنين). # يحتمل أن تكون قلوبهم توجعت وتألمت بكفرهم بالله وتكذيبهم الرسول، فوعدهم ~~شفاء صدورهم، وذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم يسلمون، فيصيرون إخوانا، فيدخل فيهم السرور والفرح بإزاء ما ~~حزنوا وتألموا، وذلك شفاء صدورهم. # والثاني: يشف صدورهم بالقتل والهزيمة، يقتلون ويهزمون، ففي ذلك شفاء ~~صدورهم، لما تألمت وتوجعت بالتكذيب والكفر بالله وآياته. # وقوله - عز وجل -: (ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم ~~حكيم (15) # هذا يحتمل -أيضا- وجهين: # يذهب الغيظ الذي كان في قلوبهم بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله ~~بإسلامهم يسلمون فيكونون إخوانا. # أو يقتلون ويهلكون فيذهب عنهم الغضب الذي كانوا غضبوا عليهم بالذي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ويتوب الله على من يشاء) أي: من شاء عذب، ومن شاء تاب ~~عليه. ms1920 # وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أن يتوب على جميع ~~الكفرة، لكنهم لا يتوبون، فأخبر أنه يعذب بعضا ويتوب على بعض، فإنما شاء أن ~~يعذب غير الذي شاء أن يتوب عليه وشاء أن يتوب على غير الذي شاء أن يعذبه. # PageV05P311 # (والله عليم حكيم). # بما كان ويكون، أي: عن علم بما كان منهم خلقهم، لا عن جهل؛ إذ خلقه إياهم ~~ليس لمنافع نفسه وحاجته، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم (حكيم) وضع كل شيء ~~موضعه. # ويحتمل: (عليم): بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته، ~~(حكيم) أي: فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه. # * * * # قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون ~~(16) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين (18) # وقوله - عز وجل -: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم). # وأيضا قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين)، وقوله أيضا: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم) الآية، وقوله: (أحسب الناس أن يتركوا. . .) الآية هذه ~~الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان، وأروا المؤمنين ~~الذين حققوا الإيمان وأخلصوا الإسلام الموافقة لهم، فقال: (أم حسبتم أن ~~تتركوا) على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلون بالقتال؛ جعل لله - ~~تعالى - القتال مع الكفرة - والله أعلم - وأمر به لمعنيين: # أحدهما: تطهيرا للأرض من الكفر؛ كقوله - تعالى -: (وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله). # والثاني: امتحانا للمنافقين؛ ليبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراءاة، ~~وصدق من أظهره حقيقة؛ ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي؛ لأن القتال ~~هو أرفع أعلام ms1921 يظهر بها نفاق المنافق؛ لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة ~~لهم؛ طمعا في الدنيا؛ لتسلم # PageV05P312 # لهم المنافع التي كانوا ينتفعون بها، وفي الأمر بالقتال خوف الهلاك، فإذا ~~خافوا الهلاك على أنفسهم امتنعوا عنه؛ كقوله: (قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) خوفا وإشفاقا على أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم ~~إنما كانوا يظهرون الإيمان باللسان؛ ليسلم لهم ما طمعوا من المنافع؛ كقوله: ~~(ومن الناس من يعبد الله على حرف) الآية، هذا وصف المنافق. # وأما المؤمن المحق للإيمان، المخلص للإسلام: فإنه يسلم نفسه لله في جميع ~~أحواله، وإن كان فيه تلف نفسه؛ لما لم تكن عبادته لله على حرف ووجه ~~كالمنافق، ولكن على الوجوه كلها، والأحوال جميعا، عبادته تكون لله، لا ~~يمنعه خوف الهلاك عن القتال؛ بل نفسه تخضع لذلك وترضى، ولا كذلك المنافق. # وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام. # ثم قوله: (أم حسبتم) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: قد حسبتم أن تتركوا على ما أظهرتم من الموافقة والخلاف في ~~السر، ولا تبتلون وتمتحنون بما يظهر منكم ما أضمرتم، فلا تحسبوا ذلك. # والثاني: (أم حسبتم) أي: لا تحسبوا أن تتركوا على ذلك، ولا تمتحنوا ~~بالجهاد والقتال. # أحد التأويلين يخرج على النهي، والثاني على الإخبار عما حسبوا، وعما ~~عندهم. # ثم قوله: (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم). # أي: ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا، ويعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، ~~لا على حدوث علمه بذلك؛ إذ هو موصوف بالعلم بكل ما يكون في وقت ما يكون على ~~ما يكون؛ فيكون قوله: ليعلم المجاهدين من كذا، وليعلم الصابرين من كذا؛ أي: ~~ليعلم من قد علم أنه يجاهد مجاهدا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا؛ لأنه ~~لا يجوز أن يوصف الله بالعلم بما ليس يكون أنه يعلمه كائنا، كما لا يجوز أن ~~يوصف أنه يعلم من الجالس القيام في حال جلوسه، ومن المتحرك السكون في حال ~~حركته، ومن المتكلم السكوت في حال كلامه، إنما يوصف بالعلم على الحال ms1922 الذي ~~عليه الخلق، لا يوصف بالعلم في حال غير الحال الذي هو عليه، والله الموفق. # ويحتمل هذا وجها آخر: أن فيما أضاف العلم إلى نفسه كان المراد منه ~~أولياؤه؛ # PageV05P313 # كقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)، أي: إن تنصروا أولياءه ينصركم، أو إن ~~تنصروا دينه ينصركم، أو إن تنصروا رسوله ينصركم؛ فعلى ذلك قوله: (ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم)، أي: ليعلم أولياءه المنافق المرائي، والمؤمن ~~المحقق المخلص، وليبين لهم، كقوله: (يخادعون الله)، أي: يخادعون أولياءه إذ ~~الله لا يخادع ولا ينصر؛ إذ هو ناصر كل أحد، ولا يخفى عليه شيء، عالم بما ~~يكون في وقت ما يكون. # أو أن يكون المراد من العلم الذي ذكر المعلوم، وذلك جائز في اللغة جار، ~~وفي القرآن كثير. # وقوله - عز وجل -: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة). # أي: لم يجدوا ملجأ يلجئون إليه من دون ما ذكر، ولو وجدوا ذلك لاتخذوا ~~ذلك، ولكن لما لم يجدوا لم يتخذوا؛ كقوله: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما ~~هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ) الآية. # أخبر أنهم لو وجدوا ملجأ يلجئون إليه لولوا، ولا يظهرون ذلك. # وقوله: (وليجة) قال بعض أهل الأدب: الوليجة: البطانة من غير المسلمين، ~~وأصلها من الولوج، وهو أن يتخذ الرجل من المسلمين دخيلا من المشركين وخليطا ~~ودودا، وجمعه: الولائج. # وقال البعض: الوليجة أصلها من الدخول؛ كقوله: (حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط) يقال أيضا: فلان وليجة فلان، أي: خاصته. # وقال بعضهم: الوليجة: الخيانة. # وقال بعضهم: الوليجة: ما يلجأ إليه. # وقال بعضهم: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة؛ وبعضه قريب من # PageV05P314 # بعض. # (والله خبير بما تعملون). # هو على الوعيد خرج. # وقوله - عز وجل -: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) قال بعض أهل ~~التأويل: نزلت الآية في العباس بن عبد المطلب أنه أسر يوم بدر، فأقبل ناس ~~من المهاجرين والأنصار، منهم علي بن أبي طالب وغيره، ms1923 وعيروه بالكفر بالله، ~~والقتال مع النبي، وقطيعة الرحم، فقال: ما لكم تذكرون مساوئنا وتذرون ~~محاسننا؟! فقالوا: أولكم محاسن؟ قال: إي والله، إنا لنعمر المسجد الحرام، ~~ونحجب البيت، ونسقي الحاج ونفك العاني. فأنزل الله ردا عليه. # لكن في آخر الآية دلالة أنه لا يحتمل أن تكون في العباس؛ على ما قالوا؛ ~~لأنه # PageV05P315 # قال: (أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) والعباس قد أسلم من بعد، ~~فلا يحتمل هذا الوعيد بعد الإسلام. # وقال غيرهم من أهل التأويل: قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله)، أي: ما كان بالمشركين عمارة مساجد الله، إنما كان بهم خراب مساجد ~~الله، إن المساجد إنما تعمر بالذكر فيها، والصلاة وإقامة الخيرات؛ كقوله: ~~(في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) الآية، وهم لم يعمروها لذكر ~~اسم الله فيها، إنما عمروها لذكر الأصنام والأوثان، فكان بهم خراب المسجد، ~~لا العمارة. # وقال بعضهم: قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) على ما عندهم؛ ~~لأن الذي منعهم عن الإيمان بالله حبهم الدنيا وميلهم إليها، فما ينبغي لهم ~~أن يعمروها وينفقوها، ويضيعوا أموالهم فيها، ولا ينتفعوا، أي الذي منعهم عن ~~التوحيد والإيمان حبهم الدنيا، وشهواتهم، وميلهم إليها؛ فعلى ما عندهم ما ~~ينبغي لهم أن يعمروها. # وقال بعضهم: قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) أي: ما كان ~~على المشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم لا ينتفعون بها في الآخرة، ولا ~~يؤمنون بالآخرة، وإنما يقصد بعمارة المساجد والإنفاق عليها الثواب في ~~الآخرة، وهم لا يؤمنون بها، فتضيع نفقتهم في ذلك؛ إذ لا مقاصد لهم ولا ~~منفعة، إنما ذلك على المسلمين. # ويجوز " له " بمعنى عليه؛ كقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها)، أي: فعليها. # وقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) يحتمل هذا: أي: ما كان ~~بالمشرك عمارة مساجد الله، إنما تكون عمارته بمن آمن بالله واليوم الآخر، ~~لا بمن أشرك بالله وكفر بالآخرة. # وقوله: (شاهدين على أنفسهم بالكفر) قال بعضهم: (شاهدين على أنفسهم)، أي: ~~على نفس ms1924 محمد ومن آمن معه؛ سماهم أنفسهم؛ لأنهم من قرابتهم وأرحامهم، وقد ~~سمى الله المتصلين بهم بذلك؛ كقوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) وقوله: ~~(فسلموا على أنفسكم)؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ما ذكرنا. # أو (شاهدين على أنفسهم بالكفر) عند الضرورات عند نزول العذاب بهم، وعند # PageV05P316 # الهلاك؛ كقوله: (فلما رأوا بأسنا) الآية، وغير ذلك من الأحوال التي كانوا ~~يقرون بالكفر ويرجعون عنه، شهدوا عليهم بالكفر. # وقال بعضهم: قوله: (شاهدين على أنفسهم بالكفر) أي أنفسهم، تشهد بالكفر ~~عليهم؛ لأن خلقتهم تشهد على وحدانية الله، وأنفسهم تشهد على فعلهم بالكفر، ~~وهو ما قال الله - تعالى -: (بل الإنسان على نفسه بصيرة)، قيل: بل الإنسان ~~من نفسه بصيرة، أي: بيان من نفسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(أولئك حبطت أعمالهم)]، إلى آخر الآية. # في قوم ماتوا على الكفر. # وقوله - عز وجل -: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين (18) # الوجوه التي ذكرنا في قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) إن ~~لم يكن عليهم، فذلك كله على المسلمين أي: عليهم عمارة المساجد، وبهم تعمر ~~المساجد، ولهم ينبغي أن يعمروها. # (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ولم يخش إلا الله). # قال بعضهم: هو صلة قوله: (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) ~~أمر أن يخشوا الله، ولا يخشوا غيره، ثم ذكر - هاهنا - (من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله). # وقال بعضهم: الخشية: العبادة؛ كأنه قال: ولم يعبد إلا الله. # (فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) والعسى من الله واجب، أي كانوا من ~~المهتدين. # * * * # قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل # PageV05P317 # الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) ~~يبشرهم ربهم برحمة منه ms1925 ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) # وقوله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر ... (19) # في الآية إضمار فعل أو فاعل لكي تصح المقابلة؛ لأنه إنما يقابل فعل بفعل، ~~أو فاعل بفاعل، لا يقابل فعل بفاعل، ولا فاعل بفعل، فهاهنا ذكر السقاية ~~وعمارة المسجد مقابل من آمن بالله، فهو - والله أعلم -: أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟! # أو أن يقال: أجعلتم القائم بإصلاح سقاية الحاج وعامر المسجد الحرام كمن ~~آمن بالله واليوم الآخر؟! ليكون مقابلة شخص بشخص، أو فعل بفعل. # ثم لا يصح أن يجمع بين الكافر والمؤمن، فيقال: لا يستويان عند الله، وإن ~~كان الكافر قد أتى بالمحاسن، إلا أن يقال: ليس من فعل محاسن في حال كفره ثم ~~آمن من بعده كمن آمن وفعل محاسن وهو مؤمن، هذا يجوز أن يجمع فيقال: لا ~~يستوون عند الله، وأما الكافر الذي مات على الكفر وإن عمل خيرات، والمؤمن ~~الذي عمل الصالحات فمات على ذلك، فيجمع فيقال: لا يستويان فلا. # أو أن يقابل بالجهاد الذي ذكر: لا يستوي من بذل نفسه للقتل والتلف كمن ~~سقى الحاج وعمر المسجد الحرام ولم يبذل نفسه لذلك؛ فأما أن يقال: لا يستوي ~~الكافر والمؤمن، فذلك غير محتمل؛ لأنه إنما يقابل الشيء بالشيء إذا قرب ~~بعضه من بعض، وأما عند البعد منه فلا يقال ولا يقابل. # وقوله - عز وجل -: (والله لا يهدي القوم الظالمين). # ما داموا في ظلمهم، وما داموا اختاروا الظلم، لا يهديهم وقت اختيارهم ~~الظلم، أو لقوم مخصوصين، وقد ذكرنا معناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) قوله: (آمنوا)، أي: ~~صدقوا رسول الله في جميع ما يخبر عن الله أنه صادق، وفي جميع ما دعا إليه # PageV05P318 # وأمرهم به ونهاهم عنه أنه محق، وإلا كانوا مؤمنين بالله؛ كقولهم: (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى ms1926 الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ~~كانوا مؤمنين بالله، لكنهم يكذبون الرسل ورسالتهم. # أي: فارقوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموالهم ومنازلهم وبلدهم، وهجروا ~~جميع ما تحبه أنفسهم وتهواه، وتميل إليه القلوب مما ذكر في الآية التي تتلو ~~هذه الآية، وفارقوا ذلك الكل؛ إشفاقا على دينهم؛ ليسلم ما لو أعطوا قبل ~~الإسلام الدنيا وما فيها مما أوعدوا بكل وعيد وخوف، ما فارقوا آباءهم ~~وإخوانهم وعشائرهم وأولادهم الذين ذكر في الآية، ثم إذا أسلموا فارقوهم ~~وأجابوا رسول الله في ذلك ابتغاء مرضاة الله، وطلبا لرضوانه؛ ليعلم عظيم ~~قدر الدين في قلوبهم، وخطير منزلته عندهم؛ ليعلم أن محن أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أعظم وأشد من محننا؛ لأن محنهم كانت على خلاف عادتهم ~~وخلاف ما طبعوا عليه؛ لأن الإنسان مطبوع على حب ما ذكرنا، مجبول عليه، فهم ~~مع ذلك تركوا وفارقوا ذلك، وتحملوا كراهة ذلك؛ ابتغاء مرضاة ربهم. # وأما محننا: فإنها على سبق من العادة، فهي أهون وأيسر. # وقوله: (وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم). # أي: بذلوا لله ألذ الأشياء وأحبها وهي الأموال والأنفس. # وقوله - عز وجل -: (أعظم درجة عند الله). # قال بعض أهل التأويل: من صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا إلى المدينة، ~~وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم - أعظم درجة عند الله من الذين افتخروا ~~بعمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار. # وكذلك قالوا في قوله: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله) ولكن الوجه في ~~ذلك عندنا ومعنى المقابلة: أولئك الذين ذكر أعظم درجة عند الله من الذين ~~أسلموا أمن بعد ولحقوا. # وقوله: (وأولئك هم الفائزون). # PageV05P319 # الفوز: هو الظفر في اللغة، أي: أولئك هم الظافرون بنعيم الله وكرامته، ~~والناجون من عذاب الله ونقمته (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم (21) # يحتمل قوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه): بالنصر لهم في الدنيا، والظفر لهم ~~على عدوهم؛ كقوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم)، ~~إلى آخر ما ذكر، كله إنما ms1927 كان برحمته. # ويحتمل رحمة منه: الثواب لهم في الآخرة والكرامة. # وقوله - عز وجل -: (ورضوان). # أي: يبشرهم -أيضا- أن ربكم عنكم راض. # (وجنات لهم فيها نعيم مقيم). # أي: يبشرهم بجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وكرامة. (خالدين فيها أبدا إن ~~الله عنده أجر عظيم (22) قال الحسن: ما سمى الله عظيما فهو عظيم لا تدرك ~~عظمته. # * * * # قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم ~~أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) ~~تحتمل الولاية: الموافقة لهم في الحقيقة في الدين، ومن تولاهم - في الحقيقة ~~- فهو منهم، وهو ظالم، فإن كان هذا فهو ظالم لا شك، فلم يكن لقوله: (ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) معنى. # وتحتمل الولاية: الموافقة لهم في الظاهر على غير حقيقة، لكن إظهار على ~~غير # PageV05P320 # حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين، فيجوز أن يكون قوم ~~أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر؛ إشفاقا ~~على دينهم، وخوفا على أنفسهم، فيباح لهم ذلك؛ لما ذكرنا. # فلما أن جعل الله الهجرة، وجعل للمؤمنين مأوى وأنصارا يلجئون ويأوون ~~إليهم - لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم، وإن كانوا في السر ليسوا على ~~دينهم؛ لما ذكرنا. # فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافرا؛ ~~على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا تولوهم في الظاهر، ~~وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك، وهذا أشبه، وهو ما قال - عز وجل -: (إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. . .) الآية، لم يعذروا في تركهم ~~الهجرة؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ms1928 ما جعل لهم المأوى ~~والأنصار، صاروا هم - في الحقيقة - كذلك، نهانا عن موالاة الكفرة جملة ~~بقوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) وقال: (لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء)، وقال: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) هذا النهي لنا في ~~جملة الكافرين، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ كقوله: (لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء ~~والأمهات وغيرهم من القرابات؛ لما تقع الشبه في موالاة المختصين بهم، فخص ~~النهي فيه، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى؛ لما بيننا وبينهم موافقة في ~~التوحيد والكتب، فخص النهي في ذلك. # ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه: # PageV05P321 # أحدها: المودة والمحبة، أي: لا تودوهم ولا تحبوهم. # والثاني: ألا نتخذهم موضع سرنا وبطانتنا؛ كقوله: (لا تتخذوا بطانة. . .) ~~الآية. # والثالث: ولاية الطاعة لهم، أي: لا تطيعوهم؛ كقوله: (إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب يردوكم) الآية، وقوله: (إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم)، ~~نهانا أن نحبهم ونودهم، ونهانا -أيضا- أن نتخذهم موضع سرنا، ونفشي إليهم ~~سرائرنا، ونهانا أن نطيعهم فيما يدعوننا إليه ويسرون - والله أعلم - للخلاف ~~الذي بيننا وبينهم في الدين. # وقوله - عز وجل -: (إن استحبوا الكفر على الإيمان). # أي: اختاروا الكفر على الإيمان، والمحبة - هاهنا - محبة الاختيار ~~والإيثار. # وقوله - عز وجل -: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ... (24) هو مقابل قوله: (الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)، إلى آخره. # وقوله - عز وجل -: (إن كان آباؤكم وأبناؤكم) وما ذكر، أي: إن كان طاعة ~~هؤلاء ورضاهم أححت إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه، وأحب من جهاد في ~~سبيله (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره): هو حرف وعيد، أي: انتظروا (حتى يأتي ~~الله بأمره)، أي: بعذابه. # وقال أهل التأويل: حتى يأتي بأمره في فتح مكة. # ودل ما ذكر في قوله: (إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم) على أن المراد من قوله: (لا تتخذوا آباءكم) الآباء والأبناء ~~جميعا، (وإخوانكم) الإخوان، وجميع المتصلين بهم؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث ~~قال: (إن ms1929 كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم)، ذكر الأبناء ~~والأزواج والعشيرة، والله أعلم. # وقوله: (وأموال اقترفتموها). قال بعضهم: اكتسبتموها. # وقال أبو بكر الأصم: (وأموال اقترفتموها)، أي: أموال جعلوها حلالا ~~وحراما، ويقولون: الله أذن لنا في ذلك؛ كقوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ~~من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم). # PageV05P322 # وقوله - عز وجل -: (وتجارة تخشون كسادها). # كانوا يخشون فواتها وذهابها، لا الكساد؛ إذ في الهجرة تركها رأسا. # * * * # قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم ~~أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين ~~كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله ~~غفور رحيم (27) # وقوله - عز وجل -: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين). # أي: نصركم في مواضع كثيرة كان فزعكم إلى الله - تعالى - ونصركم يوم حنين ~~- # PageV05P323 # أيضا - بعد ما هزمكم العدو بإعجابكم بالكثرة فصرفكم الفزع إلى الله، ~~ونصركم - أيضا - يوم حنين. (إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا). # يعني: الكثرة. # يذكرهم - عز وجل - منته عليهم وفضله أن النصر والظفر متى كان إنما كان ~~بالله، لا بكثرتهم وقوتهم؛ لأنه لو كان على الكثرة لوكلوا إليها. # فإن قيل: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله: (وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة. . .) الآية، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن ~~الإعجاب بالكثرة والقوة؟ وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن ~~نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو ~~لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟ # معناه - والله أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى ~~لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل الله ومنته الذي من علينا ~~وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا ms1930 ~~لذلك ثوابا في الآخرة وأجرا عظيما، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ~~ذلك يعجبنا فضل الله ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، والله ~~أعلم. # PageV05P324 # فإن قيل: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟ ~~وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟ # قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء. # ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين ثم في الأمر بالجهاد أمرا على غير ~~وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس ~~في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - والله أعلم - لما أن له أن يكلف قتل ~~أنفسهم وإتلافها. # ألا ترى أنه قال: (ولو أنا كتبنا عليهم. . .) الآية، ولو لم يجز له أن ~~يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ ~~فعلى ذلك له أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل ~~أنفسهم؛ فعلى ذلك له أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك ~~تلف أنفسهم. # وكذلك أمرنا بمجاهدة الشيطان عدونا، وأخبر أنه يرانا ولا نراه نحن بقوله: ~~(إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)، والمحاربة مع عدو لا نراه وهو ~~يرانا أمر صعب شديد، لكن الله علمنا أسباب ما نحارب معه ونجاهد فنغلبه، ~~وقال في الشيطان: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، وقال: (إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) الآية، علمنا أسبابا نقاتل ~~بها الشيطان فنغلبه ونقهره، وهي ما ذكر من ذكره لا يقوم هو لذلك، وكذلك قال ~~في العدو الذي نراه من البشر؛ حيث قال: (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا)، وقال: (واصبروا إن الله مع الصابرين)، قد علمنا أسباب الجهاد ~~معه، وأعلمنا الحيل التي تجوز لواحد القيام لاثنين فصاعدا بالحيل، وإذا لم ~~يكن له الوسع به بالقوة نفسها. # ثم الفرق بين الجهاد وغيره من العبادات؛ لما يحتمل أن جعل الله الجهاد ~~آية من آيات الحق والرسالة؛ ليعلم ms1931 الخلائق أن النصر والظفر كان بالله، لا ~~بغيره؛ ليظهر الحق من الباطل، والمحق من المبطل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت). # هذا على التمثيل؛ يقال عند شدة الحزن والغضب وعند بلوغها الغاية ~~والنهاية: # PageV05P325 # ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، يقال ذلك، لسعة الأرض في أوهام الخلق. # وقوله - عز وجل -: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل ~~جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) قال بعضهم: ~~السكينة: الملائكة؛ كقوله: (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به. ~~. .) الآية. # وقال بعضهم: (أنزل الله سكينته)، أي: نصرته. # وقيل: وقاره. # وقيل: رحمته. # وقيل: طمأنينته. # وأصله: سكنت قلوبهم واطمأنت بعد شدة الخوف والحزن بأي وجه ما، تسكن ~~بالملائكة أو بغيرها، فأسكن قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشتد ~~عليه رجوع أصحابه ومفارقتهم إياه (وأنزل جنودا لم تروها): وهم الملائكة، ~~(وعذب الذين كفروا): بالقتال والهزيمة، وذلك جزاؤهم. # وفي قوله: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) دلالة نقض قول ~~المعتزلة؛ لأنه سماهم مؤمنين بعد ما كان منهم التولي، والتولي لم يخرجهم من ~~الإيمان على ما قالوا. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم (28) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا) اختلف فيه: # قال بعضهم: النهي عن دخول المسجد الحرام نفسه. # وعندنا أن النهي عن دخول المسجد الحرام نهي عن دخول مكة # PageV05P326 # نفسها للحج وإقامة العبادات؛ دليله وجوه: أحدها: قوله: (بعد عامهم هذا) ~~ولو كان لدخول المسجد، لكان ذلك العام أحق عن المنع في دخوله من غيره. # والثاني: قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ms1932 الله من فضله). # والثالث: قوله: " ألا لا يحجن بعد العام مشرك ". وفي آخر الآية دلالة ~~ذلك؛ لأنه قال:، (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) وخوف العيلة ~~إنما يكون عن دخول مكة؛ لأنه لو كان النهي عن دخول المسجد نفسه، لكان لا ~~خوف عليهم في ذلك؛ لأنهم يحضرون ويدخلون مكة للتجارة، فلا خوف عليهم في ~~ذلك. # أو أن يقال: إنه ذكر المسجد الحرام؛ لما أنهم كانوا يقصدون البيت والحج ~~به، فيكون النهي عن دخول المسجد نهيا عن الحج نفسه، وهو ما روي في الخبر ~~أنه بعث عليا في الموسم بأربع، وأمره أن ينادي في الناس ألا يدخل الجنة إلا ~~نفس مؤمنة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فاجله إلى مدته، فإذا مضت مدته ~~فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحج بعد ~~العام مشرك. # فالنهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه؛ لأن البيت هو ~~الذي يقصد إليه فيه. # ألا ترى أنه قال: (ولله على الناس حج البيت. . .) الآية، وقال: (فمن حج ~~البيت أو اعتمر. . .) الآية، وقال: (وليطوفوا بالبيت العتيق)، ذكر البيت، ~~وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعا؛ فعلى ذلك خرج النهي، لكنه ذكر ~~المسجد؛ لما أن البيت فيه. # فإذا كان ما ذكرنا: فإن شئت فاجعل آخر الآية تفسير أولها، وهو قوله: (وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله)، وهو ما ذكرنا أن النهي لو كان لدخول ~~المسجد # PageV05P333 # نفسه دون غيره من البقعة، لكان ليس عليهم خوف العيلة؛ لأنهم يدخلون مكة، ~~ويتجرون فيها، ولا يدخلون المسجد. # وإن شئت فاجعل أول الآية تفسير آخرها، وهو قوله: (فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا) وهو ما ذكرنا. # فإذا كان ما ذكرنا، دل أن المشرك لا يدخل المسجد الحرام، وخبر علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - أيضا يدل على ذلك، فأما من كان من أهل الذمة والعبيد ~~منهم: فليسوا - والله أعلم - بداخلين في الآية إذا كانوا ممن لا يحج. # فإن ms1933 قيل: فقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه نادى: ألا لا ~~يدخل الحرم مشرك، ولم يذكر الحج. # قيل له: روي عنه أنه قال: ناديت ألا يحج بعد العام مشرك؛ فيكون قوله: لا ~~يدخل الحرم مشرك؛ على الحج؛ على ما ذكرنا. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رخص في دخول المسجد ~~للعبيد والإماء، وروي عن جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا، إلا أن يكون عبدا أو ~~أمة ". يحتمل استثناء العبد والأمة؛ لأن العبد لا يدخل للحج ولإقامة ~~العبادة، إنما يدخل لخدمة المولى إذا كان مسلما. # وفي بعض الأخبار: " أو أحدا من أهل الذمة ". # وعن جابر بن عبد الله موقوفا كذلك: " أو أحدا من أهل الذمة ". # وفيه دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: " أن لا بأس للكافر أن يدخل ~~المسجد "، # PageV05P334 # وقال: أرأيت لو أراد أن يسمع كلام الله ليؤمن فيمنع عن ذلك، ويؤمر ~~المستمع إتيان ذلك المشرك فيسمع كلامه، فيكون الآمر إبلاغ المأمن لذلك ~~المشرك الإمام دل أنه لا بأس لذلك. # وقد ذكرنا أن ليس في ظاهر الآية دلالة النهي عن دخول المسجد؛ بل المراد ~~من ذكر المسجد ما ذكرنا من الحج وإقامة العبادة لغير الله. # ألا ترى إلى قول الله: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد) وأن سبيل مكة كلها هذا السبيل، وكذلك قوله: (ثم محلها إلى ~~البيت العتيق) والحرم كله منحر؛ إلا أن المعنى في ذلك - والله أعلم - ما ~~ذكرنا ألا يدخل المشركون حجاجا؛ ألا ترى أنا نعلم أن المشركين لم يزالوا ~~مقيمين في الحرم بعد النداء، ولم يخلو عنه. # ومما يدل على ذلك -أيضا- قول الله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ~~فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)، فإن كان يعني به موضع العهد، فإن ذلك ~~العهد يوم الحديبية عند الشجرة، فقد صار ذلك الموضع من المسجد الحرام، وهو ~~في المسافة بعيد منه، وإن كان يعني به ms1934 الذين عوهدوا، فإنهم كانوا يوم نادى ~~علي - رضي الله عنه - فذلك خارج من مكة؛ لأن أهل مكة فد كانوا أسلموا قبل ~~ذلك حين فتحها النبي، فحاضري المسجد الحرام هم من كان نازلا خارج مكة في ~~الحرم وما حوله. # وقوله: " ولا يقرب المسجد الحرام مشرك ". # يخرج على وجوه: # أحدها: لا تدعوهم يقربوا المسجد الحرام. # والثاني: قولوا لهم: لا تقربوا المسجد الحرام. # PageV05P335 # والثالث: على البشارة؛ أي: إذا قلتم لهم ذلك فلا يقربوا بعد ذلك. # وقوله: (إنما المشركون نجس) أي: أفعال المشركين نجس، والعبادات التي ~~يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حيث قال: (إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان) صير عمل الشيطان رجسا؛ فعلى ذلك العبادات ~~التي يقيمونها نجسة، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله؛ لأن ~~تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادة لغير الله. # ثم اختلف في قوله: (إنما المشركون نجس) قال بعضهم: هو نجس الأفعال. # وقال بعضهم: هو نجس الأحوال. # والأشبه أن يكون نجس الأفعال؛ لأن قوله: (إنما المشركون نجس) يخرج مخرج ~~الذم، ولا يحتمل أن يذموا ويشتموا بنجاسة الأحوال؛ دل أنه إنما لحقهم ذلك ~~الذم بما اكتسبوا من الأفعال الذميمة، وهو كقوله: (إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان)، رجس نجس؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ~~قوله: (إنما المشركون نجس)، أي: نجسة الأفعال؛ لأن ذلك من كسبهم، فاستوجبوا ~~المذمة لكسبهم، وأما الأحوال فلا صنع لهم فيها. # وقوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله). # قيل: خافوا من العيلة لما نفي المشركون من مكة؛ لأن معايش أهل مكة إنما ~~كانت من الآفاق، وبأهل الآفاق كانت سعتهم وتجارتهم، لكن الله وعدهم السعة ~~والغنى بقوله: (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء)، قال بعضهم: دل قوله: (إن ~~شاء) على أنه إنما وعدهم الإغناء في بعض الأوقات. # وقال بعضهم: قوله: (إن شاء) كان من رسول الله؛ لأنه أمر رسوله أن يعدهم ~~الإغناء، وهو مأمور أن يستثني في جميع ما يعده؛ بقوله: (ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ms1935 ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله). # ويحتمل أن يكون قوله: (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء): بهؤلاء الذين ~~نفوا # PageV05P336 # عنه؛ لأنه حبب إليهم التجارة والمكاسب وما ينالون الأرباح بها يحملهم ذلك ~~على الإسلام فيسلمون، فيدخلون فيها يحملهم حب التجارة على الإسلام، فيكون ~~لهم بهم غنى، كما كان يحملهم حب التجارة والربح على الهجرة، وقوله: (وتجارة ~~تخشون كسادها)، فعلى ذلك الأول. # وقال بعضهم: قوله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله): الجزية ~~التي ذكرها في الآية التي تتلو هذه. # وقوله: (إن الله عليم حكيم). # بما أضمروا من خوف العيلة أو (عليم) بما لهم وعليهم، وممن يكون لهم ~~الغنى. # قوله تعالى: (حكيم) في أمره وحكمه. # وفي قوله: (وإن خفتم عيلة) دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ دل ~~أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بالله. # وقوله - عز وجل -: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) # ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى، أخبر أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر؛ وهم في الظاهر يقرون بوحدانية الله واليوم الآخر فما المعنى منه؟! # قيل: هم وإن آمنوا في الظاهر بالله واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإله له ~~ولد كما ذكره على أثره، وهو قوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله) فالإيمان بإله له ولد ليس بإيمان بالله، فهم غير ~~مؤمنين، وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في ~~الآخرة، فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به. # أو أن يقال: إنهم وإن أقروا بما ذكرنا وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء ~~حرمها الله عليهم، وحرموا أشياء أحلها الله لهم، ومن آمن بالكتب كلها ~~والرسل ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم، فهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر ~~ولا مصدق له. # PageV05P337 # وقوله: (قاتلوا الذين لا ms1936 يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. . .) إلى آخر ~~الآية. # فإن قال لنا ملحد: إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئا من ~~المال تركتم مقاتلتهم، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا، لكنتم ~~لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه، ~~لكان النساء في ذلك والرجال سواء؛ إذ هم في الكفر شرعا سواء. # وقالوا: لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمة، والآمر بذلك حكيم ~~لكان الناس جميعا في ذلك سواء، ولا تتركون أحدا لشيء من ذلك؛ بل يقاتلون ~~أبدا ولا ترضون منهم غيره. # فيقال لهم: إنا لن نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن ~~أجابوا إلى ذلك وإلا قتلناهم ليضطرهم القتل إلى الإسلام؛ لهذا ما نقاتلهم ~~لشيء سواه فإذا كان في أخذ الجزية، معنى ما ندعوهم إلى الإسلام، فإذا قبلوا ~~ذلك تركناهم على ذلك؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا؛ ~~لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعا في ذلك. # وأصله المحنة؛ إذ الدار دار المحنة، ليست بدار الجزاء، والمحنة تكون ~~بمختلف الأشياء لا يجوز تلفها؛ مرة يمتحنهم بالقتال، ومرة بأخذ الأموال، ~~ومرة بالشدائد؛ كقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف. . .) الآية، وقوله: ~~(ونبلوكم بالشر والخير)، وقوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، ونحو ذلك، ~~فإذا كان ذلك محنة لا جزاء جاز ذلك، وكان ذلك حكمة. # وأما قولهم بأنا نقاتل الرجال ولا نقاتل النساء ونسترقهن؛ لأنهن أتباع ~~الرجال في جميع الأحوال وخدم لهم، فإذا أسلموا أسلمن؛ هذا معروف فيما ~~بينهم؛ إذ هن في أيدي الرجال يفعلون بهن ما شاءوا، وأصله ما ذكرنا أن ~~القتال محنة، ليس هو جزاء الكفر؛ إذ الدار دار محنة، فله أن يمتحن بعضا ~~بالقتل، وبعضا بأخذ المال، وبعضا لا بذا ولا ذاك، # PageV05P338 # ولو كان جزاء لسوى بينهم، وهو التخليد في النار أبدا. # فإن قيل: ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب ~~أو المجوس، وترك الأخذ من مشركي العرب؟ # قيل: لوجوه: # أحدها: أن ليس لمشركي العرب دين يدينون ms1937 به يقاتلون عن ذلك الدين، ولا لهم ~~أصل يعتمدون عليه، أو كتاب يكلون إليه، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم، ~~ويتناصرون بهم، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به، وأصل يعتمدون عليه، ~~ويحاجون الناس بالحجاج التي # PageV05P339 # لهم؛ فإذا كان كذلك، أمكن إقامة الحجج على هؤلاء، وإلزام البراهين، ولا ~~كذلك مشركو العرب؛ إذ لا دين لهم ينسبون إليه، ولا مذهب يدعون غيرهم إليه ~~بالحجاج، وأمكن في غيرهم؛ لذلك افترقا، والله أعلم بذلك. # والثاني: أنهم تمنوا أن يكون لهم رسول من جنسهم يتبعونه فيما يدعوهم ~~إليه، ونذير يجيبونه، حتى أقسموا على ذلك، وأكدوا القول في ذلك؛ كقوله: ~~(وأقسموا بالله جهد أيمانهم) الآية، ولم يكن من غيرهم من الكفرة ما كان ~~منهم؛ فإذا كان كذلك فهم يقاتلون أبدا حتى يوفوا ما وعدوا؛ كقوله: ~~(تقاتلونهم أو يسلمون). # والثالث: لفضل رسول الله؛ إذ كان منهم ومن جنسهم، فلا يترك أحد في تلك ~~البقعة على غير دينه. # وأمكن أن يكون وجه آخر: وهو أن مشركي العرب في حد القليل أمكن المقاتلة ~~معهم والقيام لهم؛ فلا يرضى منهم إلا الإسلام، وأما غيرهم من الكفرة في ~~بقاع مختلفة: فهم كثير، إذا اجتمعوا لم يكن في وسع أهل الإسلام القيام لهم ~~والقتال معهم، فيلحق المسلمين في ذلك ضرر بين؛ لذلك كان ما ذكر. # وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون. . .) الآية. # قد ذكرنا أنهم وإن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر عند أنفسهم أنهم - في ~~الحقيقة - غير مؤمنين؛ لأن شرط إيمانهم الإيمان بالرسل جميعا والكتب أجمع، ~~فهم قد تركوا الإيمان ببعض الرسل، وببعض الكتب، ومن كفر برسول من الرسل، أو ~~بكتاب من الكتب، أو بحرف منها - كان كافرا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله). # يحتمل أنهم لا يحرمون تحريف الكتب وكتمان نعت رسول الله، والله حرم ذلك ~~عليهم. # أو لا يحرمون عبادة الأوثان، والله ورسوله يحرم ذلك. # أو لا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الخمر والخنزير وغيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يدينون دين الحق). # وهو الإسلام؛ ms1938 لأنه دين توجبه العقول كلها، وتشهد به خلقة الخلائق كلها. # أو أن يقول: لا يدينون دين الذي له الحق، إنما يدينون بدين الذي لا حق ~~له، وهو دين الشيطان، وهو ما يدعوهم إلى عبادة الأصنام، فيجيبونه، والله ~~أعلم. # PageV05P340 # وقوله - عز وجل -: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). # يحتمل قوله: (يعطوا الجزية)، أي: يقبلوها، لا على الإعطاء نفسه، وهو ما ~~ذكرنا في قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)، هو على القبول ~~لها، لا على الفعل نفسه. # ويحتمل: نفس الإعطاء، وهو - والله أعلم - لما جعلت الجزية لحقن الدماء، ~~فتقدم؛ لتحقن بها الدماء. # وقوله: (عن يد وهم صاغرون) قال بعضهم: (عن يد)، أي: لا يؤخر قبضها عن وقت ~~قبولها؛ بل تؤخذ يدا بيد، وقال بعضهم: عن يد، أي: عن قهر وغلبة. # وقيل: (عن يد)، أي: عن طوع وطيب. # وقيل: عن جماعتهم. # لكنا لا ندري ما يعنون بالجماعة. # وقوله: (صاغرون) قيل: ذليلون، وهو من الذل؛ يقال: صغر الرجل يصغر صغارا، ~~فهو صاغر، أي: ذل؛ فهو ذليل. # وقيل: (صاغرون) أي: مذ مو مون. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: يمشون بها متبلين. # وأصله: الذلة، وهو الخضوع - والله أعلم - الذلة التي ذكر الله في قوله: ~~(ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا)، فإذا قبلوا ذلك، فقد أذعنوا بالذل ~~والصغار. # وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) الآية، أما اليهود والنصارى: ~~فلا خلاف بيهن أهل العلم في أن من بذل منهم الجزية، أخذت منه وأقر على ~~دينه. # وأما المجوس: فإنه تؤخذ منهم الجزية؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: ما أدري ما أصنع بالمجوس فإنهم ليسوا بمسلمين، ولا من أهل الكتاب ~~قال عبد الرحمن بن عوف: أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ". # PageV05P341 # وفي بعض الروايات: أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية ~~من مجوس هجر. # وعن علي أن أبا بكر وعمر أخذا الجزية من المجوس. وقال علي ابن أبي طالب: ~~أنا أعلم ms1939 الناس بهم، كانوا أهل كتاب يقرءونه، وأهل علم يدرسونه، فنزع ذلك ~~من صدورهم. وعن أبي رزين عن أبي موسى قال: لولا أني رأيت أصحابي أخذوا ~~الجزية من المجولس ما أخذتها. # وعن أبي عبيدة بن الجراح قال: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المنذر: " من استقبل قبلتنا، # PageV05P342 # وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا - فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ~~ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن، ومن أبى فعليه الجزية ". # وفي بعض الروايات: " استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، له ما ~~لنا، وعليه ما علينا، ومن ترك ذلك فعليه الجزية ". # وعلى ذلك مضت الأئمة، ولم ينكر أحد من السلف، حتى قال قوم في المجوس: ~~إنما أخذت منهم الجزية؛ لأنهم أهل كتاب، فأحلوا ذبائحهم ونساءهم، وذهبوا ~~إلى ما روي عن علي. # وقال آخرون: ليسوا من أهل كتاب، ولكن الجزية تؤخذ منهم؛ اتباعا لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ~~ولا آكلي ذبائحهم "، وما روي عن الصحابة وأئمة الهدى. # ثم المسألة في تقدير الجزية: # روي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث معاذا ~~إلى اليمن، فقال له: " خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا ". # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه بعث عثمان بن حنيف إلى السواد، وأمره ~~أن يضع على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما، وأربعة وعشرين درهما، ~~واثني # PageV05P343 # عشر درهما. # وفي بعض الروايات أنه ضرب على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ~~أربعين درهما وجعل مع ذلك إرزافا للمسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. # وأصحابنا يجعلونهم ثلاث طبقات: أغنياء، وأوساطا، وفقراء، فيأخذون من ~~الغني # PageV05P344 # الموسر ثمانية وأربعين درهما، ومن الوسط أربعة وعشرين درهما، ومن الفقير ~~المحترف اثني عشر درهما. # وفي بعض الأخبار: أربعين درهما وأربعة دنانير، وضيافة ثلاثة أيام وعشرين ~~درهما # PageV05P345 # ودينارا، وهو ما ذكرنا ثمانية وأربعين بغير الضيافة وغير المؤنة. # وما روي من أربعين درهما أو أربعة دنانير مع الضيافة والرزق الذي ذكر في ~~الخبر، ms1940 وهذا من عمر بحضرة المهاجرين والأنصار، فلم يأت عن أحد منهم النكير ~~عليه ولا الرد، # PageV05P346 # فهو كالاتفاق منهم على ذلك. # ثم لا يحتمل أن يكون عمر قدر ذلك التقدير رأيا منه؛ لأن المقدرات ~~والمحدودات سبيل معرفتها التوقيف والسمع، لا العقل؛ فهو كالمسموع عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV05P347 # وما روي من حديث معاذ حين أمره النبي - عليه السلام - أن يأخذ من أهل ~~اليمن من كل حالم دينارا، فذلك يحتمل أن يكون أمر بذلك؛ لما كانوا أهل ضعف ~~وفقر، على ما روي عن عمر في الضعفاء من أهل مصر والشام، وليس هو الحد الذي ~~لا يلزم أكثر من ذلك؛ لما ذكرنا أن عمر ألزم المياسير أكثر من دينار، ولم ~~ينكر ذلك أحد من الصحابة؛ فدل فعلهم على ما وصفناه. # ثم المسألة في تمييز أصحاب الطبقات بين الموسر الغني، وبين الوسط ~~والفقير. # قال بعضهم: الفقير: من يحترف وليس له مال تجب في مثله الزكاة على ~~المسلمين، وهم الفقراء المحترفون، فمن كانت له أقل من مائتي درهم فهو من ~~أهل هذه الطبقة، والطبقة الثانية: أن يبلغ مال الرجل مائتي درهم. # فقال بعضهم: إذا بلغ ماله أربعة آلاف درهم وزاد عليها، صار من أهل الطبقة ~~الثالثة، واحتجوا بقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عمر؛ حيث ~~قالا: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما فوق ذلك كنز. # وقد يجوز أن يجعل الطبقة الثانية من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم، ~~وما زاد على ذلك يجعل من الطبقة الثالثة؛ لحديث روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - برواية أبي هريرة قال: " من ترك عشرة آلاف درهم، جعلت ~~صفائح يعذب بها يوم القيامة ". # PageV05P348 # ثم في قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) دلالة على ~~أن الجزية إنما تؤخذ ممن يجب أن يقاتل إن لم يبذلها، والنساء والصبيان ألا ~~يقاتلون، ولا يفتلن إن ظهر بهم، فلا يجب أن توضع عليهم الجزية بدليل ~~الكتاب؛ إذ كان الله إنما أمر أن تؤخذ الجزية ms1941 ممن يقاتل، وكذلك فعل عمر ~~والأئمة بعده. # روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الجيوش: لا تقاتلوا إلا من ~~قاتلكم، ولا تقتلوا الصبيان والنساء، ولا تقتلوا إلا من جرت عليه المواسي. # وكتب إلى عماله: أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان. # وفي بعض الروايات أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تأخذوا الجزية إلا على ~~من جرت عليه المواسي، قال: والجزية أربعون درهما أو أربعة دنانير. # وفي خبر معاذ دلالة لذلك؛ حيث قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا. # بين معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يأخذ ذلك من ~~الرجال دون النساء والصبيان. # PageV05P349 # فإن قيل: روي عن معاذ: قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~آخذ من كل حالم وحالمة دينارا. # وفي بعض الروايات عنه أنه قال: أن آخذ من كل حالم ذكرا أو أنثى دينارا؛ ~~فإن كان هذا مثبتا محفوظا، فهو دليل لما يؤخذ من نصارى بني تغلب، ويكون حكم ~~نساء # PageV05P350 # العرب من أهل الكتاب فيما يؤخذ منهم خلاف نساء العجم منهم. # أو أن يقال: إنه غير محفوظ؛ لما عمل الأمة بخلافه؛ لأن الوفاق قد جرى على ~~أن لا جزية على النساء، ولو كان محفوظا لظهر العمل به. # أو أن يكون قوله: " خذ من كل حالم وحالمة، دينارا "، أي: خذ منهما دينارا ~~ولا # PageV05P351 # تأخذ من كل واحد دينارا؛ كقوله: " لكل سهو سجدتان لا يلزمه أكثر من ذلك ~~". # ثم نذكر مسألة ليس في الآية ذكرها، وهي أن الجزية إذا ضربت، فدخلت سنة ~~أخرى قبل أن يؤديها - أخذت منه للسنة الثانية، ولم تؤخذ للسنة الأولى ~~الماضية، ليس كسائر الديون؛ لأن مجوسيا لو أسلم بعد مضي السنة لم يطالب ~~بجزية العام الماضي، فلو كانت كسائر الديون لطولب بها المسلم كما يطالب ~~بمال يكون عليه إذا أسلم أو بقي على مجوسيته، فلما لم يطالب، دل أنه ليست ~~كسائر الديون. # فإن قيل: أليس ms1942 الخراج يطالب به من أخره من سنة إلى سنة؟! # قيل: ليست الجزية مثل الخراج؛ لأن الخراج يجب على المسلم في أرضه، فهو ~~كسائر الديون. # فإن قيل: إن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة، طولب بالجزية للسنة ~~الماضية. # قيل: روي عن عمر أنه رفع الجزية بالإسلام، فقال: والله، إن في الإسلام ~~لمعاذا إن فعل ترفع عنه الجزية. # وروي في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ليس ~~على مسلم جزية "، فمن طالبه بالجزية بعد الإسلام، فقد خالف الخبر. # فإن قيل: إنما يزول عن المسلم ما كان عليه من الجزية في حال كفره؛ لأنه ~~صار إلى حال لا يجوز أن توضع عليه ابتداء. # PageV05P352 # قيل: إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين، فصار إلى حال لا يجوز أن ~~يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهما لفقره - لم يجز أن يلزم ~~أكثر منها؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت، فأسلم صاحبها حكم ~~الابتداء في توظيف الجزية عليه، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان ~~حكم ابتدائه، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم، فإذا مضت سنة، صار دمه ~~محقونا في السنة الماضية؛ لذلك لم تؤخذ. # وقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) إلى آخره. # تضمنت هذه الآية أحكاما: منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، وهم يقرون بالأمرين، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد؛ ~~إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض، وإذا كان كذلك ~~فهو غير مؤمن - في الحقيقة - بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به، وأنه به ~~تكون الآخرة دون الذي ادعوه. # والثاني: أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد ~~من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة، فلما كذبوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق، وشهادة كتبهم به، ~~وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون ms1943 بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك - ثبت أنهم في ~~الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق، وأن ذلك لا يكون إلا ~~لتكذيب منهم بالله؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل، وعلى ذلك ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وفد عبد قيس أنه قال: " آمر ~~بأربع: آمركم بالإيمان بالله "، ثم قال: " أتدرون ما الإيمان بالله؟ أن ~~تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله "؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله ~~إيمانا حتى يؤمنوا برسول الله، وعلى هذا يحاربون. # والثالث: أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم؛ إذ أقل ~~المنفعة به الإيمان برسله، والقبول عنهم بالتعظيم، فإذا ظهرت منهم هذه ~~المنفعة تركوا القتال. # PageV05P353 # ثم الترك على قبول الجزية جائز، وإن كان الأمر قد تقدم بالقتل من غير أن ~~يكون دليل، إما لأجل ذلك المال نقاتل، كما كتب على كل نفس الموت. # ثم قد يتركون على ما هم عليه من اختلاف الأديان وتفرق الأهواء، وإن كان ~~لا يدل ذلك على الإقرار بما هم عليه، والرضا بما اختاروا، فمثله في الأول ~~لا يدل على الرضا بكفرهم، ولا على القتال لأخذ تلك الأموال منهم. # ثم الأصل أن القتال لم يجعل ليكون القتل، عقوبة للكفر؛ إذ نوع القتل ~~ومعناه قد يوجد في الأخيار والأشرار جميعا، وهو الموت ثبت أنه لم يجعل ~~لذلك، ولكن لوجهين: أن يضطرهم إلى الإجابة على ما فيه نجاتهم وبه نيل كرامة ~~الأبد، وكان ذلك بعد أن ألزمناهم كل أنواع الحجج، فلم يقنعهم، قاتلناهم بما ~~كان الذي يمنعهم عن النظر في الحجج حب اللذات وألذها الحياة، قاتلنا حتى ~~ييأسوا عن تلك اللذة المانعة عن النظر في الحجج، والصادة عن الإجابة فتزول ~~عنهم. # وفي قبول الجزية - قيل - بعض الذل والصغار الذي تنفر عنه الطباع، ويدعو ~~إلى ما فيه الزوال، فينظرون في الحجج، ويقبلون ما دعوا إليه؛ فتكون به ~~نجاتهم، وزيادة لنا في الكرامة. # والثاني: أن المحن كلها منقسمة على الحسنات والسيئات، والخيرات والشرور؛ ~~ولذلك جعل الموت والحياة، ms1944 وعلى ذلك جميع أمور الدنيا هو التقلب على مختلف ~~الأحوال، فمثله الدعاء إلى الإسلام يكون مرة بمحاجة إليه، ومرة باللسان، ~~ومرة بالترك، لا أن جعل شيء من ذلك لشيء، ولكن بما عليه أمر المحن؛ ليتذكر ~~به وجود الموعود بالآثار له في أحوال المحن، فعلى هذا أمر القتال في قوم، ~~والعفو عن قوم، والدعاء إلى الإسلام في قوم، وإلى قبول الذل في قوم على ما ~~في علم الله من المصلحة، وعلى ما عليه حق الحكمة. # ثم الفرق بين مشركي العرب وغيرهم يخرج على وجوه: # أحدها: أنهم قد كانوا أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم، فجاءهم، فكذبوه، ثم أقسموا لئن جاءهم نذير ليؤمنن به، ~~فجاءتهم آيات # PageV05P354 # فلم يؤمنوا، فاستوجبوا القتال إلى أن يفوا بالعهد الذي سبق، والقسم الذي ~~جهدوا به، وليس غيرهم هكذا. # أو على قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم. . .) الآية، فبين الإياس عن ~~إيمانهم إلا أن يشاء الله، فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: الإياس عن إيمانهم. # وقبول الجزية ليخالطوا أهل شريعة الله، فيسمعوا منهم الحجج، ويعاينوا ~~الأفعال المحمودة في العقول، والأخلاق الكريمة التي جاء بها الرسول ~~فيؤمنوا، وهؤلاء قد أيأس الله من إيمانهم، وأخبرهم أنهم ييأسون أبدا؛ فلذلك ~~لم يعط لهم عهد، وعلى ذلك ظهر نقضهم العقود مرة بعد مرة، والله أعلم. # والثاني: أنه استثنى فيهم ألا يؤمنوا بالآيات إلا أن يشاء الله، فلعل ~~الله شاء أن يكون إيمانهم بالقتال خاصة، ففرض فيهم ذلك إلى أن يؤمنوا. # ووجه آخر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو بعث فيهم ومنهم؛ ~~فأوجبت لهم الفضيلة به ألا يقبل منهم غير الإيمان، كما فضلت البقعة التي ~~فيها بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها ألا يترك فيها غير المؤمن تفضيلا. # ووجه آخر: أنهم قوم ليس لهم أس، ولا أئمة في الدين إليهم يرجعون في ~~التأسيس، ومعلوم أن لا قوام في العقول لأمر الدين إلا بالأئمة؛ كالسياسات ~~كلها والأمور فيها القوام من الملك وغيره؛ بل إنما كانوا جروا على ms1945 عادتهم، ~~وقاتلوا خن القبائل فلا يرجعون - في الحقيقة - إلا إلى عادة خارجة عن ~~التدبير، وغيرهم يرجعون إلى مذاهب أسست مما أسس أمر الديانات، فقد تعلقوا ~~بضرب من ذلك، فتركوا إذا خضعوا وأذعنوا لهم بحق التبع، فيتركون رجاء أن ~~يتأملوا؛ إذ لكل مذهب نظر، وليس لأولئك سوى العادة وتقليد الآباء، ومن ذلك ~~وصفه لا ينظر فيمهل للنظر، والله أعلم. # وأيضا: إن لسائر المذاهب أصول يكثر أهلها، وفي الإقامة على القتال إلى ~~الفناء # PageV05P355 # ينضم بعض إلى بعض فيتناصرون، فيخاف على المسلمين بما به رجاء التكثر ~~الفناء، والعرب يقل عددهم حتى لم يكونوا يقدرون على المناوأة إلا بمعونة ~~أهل الكتاب وغيرهم، فأمكن أن يضطروا به إلى القتل مع ما ليست لهم مذاهب ~~معلومة؛ إذ لا يذكر في شيء من الكتب لهم مذاهب، وقد ذكر لجميع الفرق، فإنما ~~أمرهم على العادة، وقد تترك العادات بما يعترض فيها ما يمنع الاستمرار ~~عليها من القتال والحرب فيتركونها، وأهل المذاهب عندهم أنهم لزموا بالحجج، ~~ومثل ذلك لا يترك إلا بالحجج، وذلك يكون بقبول الذمة والعهد. # وأيضا: إنه يمكن إلزام كل ذي مذهب بما يوجد في مذهبه ما يثبت القول ~~بالإسلام وبالعهد رجاء الوصول إليه، وليس لمشركي العرب ذلك؛ لما لم يبن ~~مذهبهم على الحجج أو الشبه، إنما هو تقليد وعادة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون ~~أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ~~(32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ms1946 أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون (35) # وقوله - عز وجل -: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله). # PageV05P356 # وقال في آية أخرى: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91)، أخبر أن السماوات تكاد أن تتفطر، وتنشق ~~الأرض، وتخر الجبال؛ لعظيم ما قالوا في الله - سبحانه - من البهتان والفرية ~~عليه أن له ولدا، ثم بين الذي ذكر ذلك فقال: (وقالت اليهود عزير ابن الله ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله): فذكر الآية، وأخبر - والله أعلم - أنهم ~~قالوا في الله ما قالوا لوجوه: # أحدها: دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن هؤلاء ~~المتأخرين لم يقولوا هذا، ولكن إنما قال ذلك أوائلهم، لكن كتموا ذلك، فأخبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أوائلهم قالوا ذلك، وهم كانوا يكتمون ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله. # والثاني: يخبر رسوله سفه أوائلهم، ويصبره على سفه هؤلاء؛ ليصبر على سفههم ~~وأذاهم. # والثالث: يخبر أنهم مشبهة؛ لأنهم نسبوا المخلوق إليه، وقالوا: إن فلانا ~~ابنه؛ لما رأوا منه أشياء، فلولا أنهم عرفوا الله بمثل معرفتهم المخلوق ~~وإلا ما قالوا ذلك، ولا اعتقدوا من التشبيه، وغير ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ذلك قولهم بأفواههم). # أي: ذلك قول قالوه بلا حجة ولا برهان كان لهم في ذلك. # أو قالوا ذلك بأفواههم على غير شبه اعترضت لهم تحملهم على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل). # يحتمل هذا أن قد كان قبل هؤلاء من قد قال مثل قول هؤلاء (يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل) من الشرك أو الكفر أو غير ذلك من الكذب والافتراء على ~~الله، كقوله: (تشابهت قلوبهم) بالكفر وكقوله: (كذلك يحي الله الموتى) ليس ~~أن يحي الموتى كلهم إحياء كما أحيا ذلك القتيل بضرب بعض من البقرة، ولكن ~~يحييهم إحياء، فعلى ذلك قوله: (يضاهئون قول الذين ms1947 كفروا من قبل) في الكفر ~~نفسه. # ويحتمل: ضاهى قول النصارى قول اليهود، والمضاهاة: المشابهة والإشباه. # PageV05P357 # وقوله أيضا: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)، أي: يشبه النصارى بقولهم ~~لعيسى إنه ابن الله قول اليهود من قبل: عزير ابن الله؛ فضاهى النصارى في ~~عيسى اليهود قبلهم في عزير. # وقوله - عز وجل -: (قاتلهم الله أنى يؤفكون). # هذه الكلمة كلمة اللعن، تستعمل عند مناكير القول والفعل من غير حصول ~~المنفعة. # وقوله: (أنى يؤفكون) يحتمل: من أين يؤفكون ويفترون على الله على غير شبهة ~~اعترضت لهم. # ويحتمل: (أنى يؤفكون)، أي: كيف يؤفكون بلا منفعة تحصل لهم. # وقوله - عز وجل -: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ~~ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما ~~يشركون (31) # قيل: الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد. # وقيل: الأحبار: هم أصحاب الصوامع من اليهود، والرهبان: من النصارى. # وقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) يحتمل أن يكون هذا ~~في السفهاء والأتباع، وقوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله): في العلماء منهم والرؤساء، فاتخذ الأتباع أولئك أربابا ~~يتبعونهم في جميع ما يدعونهم إليه، يأتمرون بهم في جميع أوامرهم ونواهيهم؛ ~~لا أنهم عبدوهم، ولكن ذكر أربابا لما ذكرنا من اتباعهم وانتظارهم إياهم ~~فيما يدعونهم إليه ويأمرونهم؛ كقوله: (يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان)، ~~وقول إبراهيم لأبيه: (لا تعبد الشيطان)، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ~~وطاعته، ولكن نسب العبادة إليه؛ لما يجيبونه في كل ما يدعوهم إليه ويأمرهم ~~به؛ فعلى ذلك هذا. # ويحتمل ما روي في الخبر - إن ثبت - أنهم لم يعبدوهم، ولكن هم أحلوا لهم ~~أشياء حرمها الله، عليهم فاستحلوها، أو حرموا عليهم أشياء أحل الله ذلك ~~لهم، فحرموا ذلك فقيل: اتخذوهم أربابا - والله أعلم - يخرج هذا في الأحبار ~~والرهبان على # PageV05P358 # التمثيل، أي: اتخذوهم في الطاعة لهم والاتباع لأمرهم؛ كأنهم اتخذوهم ~~أربابا، لا على التحقيق، وهو ما ذكر من عبادتهم الشيطان، لا أحد يقصد قصد ~~عبادة الشيطان، لكن ms1948 صاروا بالطاعة للشيطان والاتباع لأمره كأنهم عبدوه. # وأما في المسيح فهو على التحقيق؛ لأنهم قالوا: ابن إله، وقالوا: ابن ~~الإله إله؛ فهو يخرج في المسيح على التحقيق، وفي الأحبار والرهبان على ~~التمثيل. # وقوله - عز وجل -: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا). # يحتمل: إلا ليوحدوا إلها واحدا الذي لا إله إلا هو. # ويحتمل: أي: ما أمروا أن يعبدوا آلهة على ما يعبدون من الأصنام والأوثان، ~~ولكن أمروا أن يعبدوا إلها واحدا. # وقوله - عز وجل -: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) # قيل: (نور الله): ذكر الله وتوحيده. # وقيل: (نور الله): القرآن. # وقيل: (نور الله): هو الإسلام. # فإذا كان النور هو الذكر والتوحيد فهو - والله أعلم - أنهم لم يكونوا ~~يعرفون ذكر الله، ولا يذكرونه، إنما كانوا يعرفون ذكر الأصنام، وإياها ~~يذكرون، وبحق القرابة والرحم يتناصرون فيما بينهم، فلما أن بعث الله رسوله ~~محمدا بذكر الله وتوحيده، وأمر بالتناصر بحق الدين، أزادوا أن يطفئوا ذلك ~~النور. # ومن قال: أراد بنور الله القرآن، أرادوا إطفاءه؛ كقوله: (ما هذا إلا ~~أساطير الأولين) و (إن هذا إلا سحر مبين)، و (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ~~فيه)، ونحوه، أرادوا إطفاءه بنحو ما ذكرنا (ما هذا إلا إفك مفترى) وقولهم: ~~(إنما يعلمه بشر. . .) الآية. # ومن قال: نور الله هو الدين؛ كقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه)، وقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره. . .)، في # PageV05P359 # حرف أبي: (مثل نور المؤمن)، ومثله - أرادوا إطفاء هذا النور؛ لتسلم لهم ~~المنافع التي كانت ألهم. # وقوله: (يريدون أن يطفئوا) يحتمل وجهين: # (يريدون)، أي: يجتهدون أن يطفئوه، فما يقدرون على إطفائه. # ويحتمل: (يريدون)، أي: يحتالون أن يطفئوه بأسباب يتكلفونها ويحتالونها. # وقوله - عز وجل -: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره). # بالحجج والبراهين، أو بالنشر والإظهار، وقد أتمه؛ كقوله: (اليوم أكملت ~~لكم دينكم). # وقوله - عز وجل -: (ولو كره الكافرون). # وقد كره الكافرون. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ms1949 على ~~الدين كله ولو كره المشركون (33) # يحتمل قوله: (بالهدى): هدى يهديهم إلى ما به تكون جميع المحاسن والخيرات ~~محاسن وخيرات؛ لأن المحاسن والخيرات إنما تقوم بالإيمان، وبه ينتفع بها، ~~بعثه لذلك. # ويحتمل قوله: (بالهدى): وهو القرآن، يهديهم، ويبين لهم المحاسن من ~~المساوئ، والحسنات من السيئات، وهو هدى يهديهم إلى ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ودين الحق) وهو دين الحق. # أي: الإيمان الذي به تصير المحاسن محاسن، والخيرات خيرات - هو دين الحق. # ويحممل قوله: (ودين الحق) أي: أرسله بالهدى وبدين الحق. # ويحتمل قوله: ودين الحق، أي: دين الله؛ كقوله: (ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين). # وقوله - عز وجل -: (ليظهره على الدين كله). # يحتمل وجوها: # PageV05P360 # يحتمل: ليظهر رسوله على أهل الدين كله بالحجج والآيات، فقد أظهره بحمد ~~الله على الأديان كلها بالحجج والبراهين، حتى لم يتعرض أحد في شبه ذلك فضلا ~~أن يتعرض في إبطاله. # ويحتمل: ليظهره على أهل الدين كله بالقهر والغلبة والإذلال، فقد كان، حق ~~خضعوا له كلهم وذلوا، حتى لم يبق في جزيرة العرب مشرك ولا كافر إلا خضع له، ~~وصار أهل الكتاب ذليلين صاغرين في أيدي المسلمين. # فإن كان المراد من قوله: (ليظهره على الدين كله)، فهو بالحجج والبراهين ~~كلها. # وإن كان أراد به الدين أن يظهره على الأديان كلها فبعد لم يكن، ويكون - ~~إن شاء الله تعالى - هو الظاهر على الأديان كلها يوم القيامة. # وقوله - عز وجل -: (على الدين كله). # ولم يقل: على الأديان كلها؛ فالدين يتناول الأديان كلها؛ كقوله: (يا أيها ~~الإنسان) يدخل فيه كل إنسان. # وجائز أن تكون أديانا مختلفة فهو واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وهو دين ~~الشيطان، فسماه بذلك. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # أما الأحبار والرهبان فقد ذكرناهما. # وقوله - عز وجل -: (ليأكلون أموال الناس بالباطل). # لأنهم كانوا يأكلون أموالهم بما يحرفون كتاب الله ويبدلونه؛ كقوله: ms1950 ~~(يحرفون الكلم عن مواضعه)، وقوله: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب) الآية، فهم إنما حرفوا ذلك # PageV05P361 # وبدلوه؛ لتسلم لهم تلك الأموال، فذلك أكل بباطل؛ لأنهم خافوا ذهاب تلك ~~المنافع والأموال إذا أسلموا، فيجوز أن يكون إنما سماهم أربابا في الآية ~~الأولى؛ لما أنهم جعلوا أموالهم أموالا لأنفسهم، وأنفسهم عبيدا لهم، فهم ~~كالأرباب لهم. # وقوله - عز وجل -: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله). # يحتمل أن يكون هذا صلة ما قال: (ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن ~~سبيل الله)، أي: أخذوا أموالهم لصد الناس عن سبيل الله، وكنزوها، ولم ~~ينفقوها في سبيل الله، إنما أنفقوها لصد الناس عن سبيله. # ومن الناس من حمل الآية في منع الزكاة. # روي في الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن بعض الصحابة - ~~رضوان الله عليهم - أن كل مال أديت الزكاة عنه فهو ليس بكنز، وإن كان تحت ~~سبع أرضين، وكل مال لم تؤد الزكاة عنه فهو كنز، وإن كان على وجه الأرض. # ومن أصحابنا من استدل بلزوم ضم الفضة والذهب بعضه إلى بعض في الزكاة بهذه ~~الآية؛ لأنه ذكر الذهب والفضة جميعا، وألحق الوعيد بترك الإنفاق من الفضة ~~بقوله: # PageV05P362 # (ولا ينفقونها في سبيل الله)، فلولا أن الضم واجب ويكون المؤدى عن أحدهما ~~مؤدى عن الآخر، وإلا لم يكن لذلك معنى. # ثم في متعارف الناس أنهم يؤدون من الفضة عن الذهب؛ لأن الذهب أعز عندهم، ~~والفضة دونه. # ثم إن كانت الآية في الكفرة فهي في القبول؛ كقوله: (فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، وقوله: (الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون)، وذلك على القبول، لا في الأداء نفسه. # وقوله - عز وجل -: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) # جعل الله تعذيب الكفرة في الآخرة بالأسباب التي منعتهم عن طاعة الله، ~~ودعتهم إلى مخالفة أمره، ويجمع بينهما في النار؛ كقوله: (ومن ms1951 يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين)، وقوله: (يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين) وقوله: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم)، ونحو ذلك؛ ~~فعلى ذلك ما كنزوا يحمى عليها، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، يعذبهم ~~بها؛ لما منعتهم تلك الأموال من طاعته، ودعتهم إلى صد الناس عن سبيل الله؛ ~~يجعل عذابهم في الآخرة بها. # ويحتمل قوله: (وجباههم): كناية عن التقديم إلى الآخرة، أي: لم يقدموها ~~ولم ينفقوها في سبيل الله. # وقوله: (وجنوبهم): لما أخذوها مما يحل ومما لا يحل من كل جهة. # وقوله: (وظهورهم): لما أنفقوها في الصد عن سبيل الله. # ويحتمل ذكر هذا إحاطة العذاب بهم من كل الجهات؛ كقوله: (لهم من جهنم مهاد ~~ومن فوقهم غواش)، وقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) أي: ~~يحيط العذاب بهم؛ فعلى ذلك هذا - والله أعلم - كقوله: (أفمن # PageV05P363 # يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) أي: يحيط بهم حتى لا يقدروا على دفعه ~~عن وجوههم. # وقوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم. . .) الآية. # روي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من صاحب ~~ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها ~~في نار جهنم، يكوى بها جنبه وجبهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما ~~من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها، إلا أتى بها يوم القيامة تطؤه بأظلافها، ~~وتنطحه بقرونها " ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول، قالوا: يا رسول الله، فصاحب ~~الخيل؟ قال: " هي لثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر؛ فأما من ربطها ~~عدة في سبيل الله، فإنه لو أنه طول لها في مرج خصب أو في روضة، كتب الله له ~~عدد ما أكلت حسنات، وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طولها ذلك فاستنت شرفا ~~أو شرفين، كتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لا ms1952 يريد السقي ~~به فشربت، كتب الله له عدد ما شربت حسنات. ومن ارتبطها فخرا وعزا على ~~المسلمين، كان له وزر إلى يوم القيامة؛ ومن ارتبطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس ~~حق الله في رقابها وظهورها، كانت له سترا من النار يوم القيامة ". # فإن ثبت هذا الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففيه دلالة وجوب ~~الزكاة في الخيل، وهو حجة لأبي حنيفة؛ لأنه قال: " ثم لم ينس حق الله في ~~رقابها "، والحق الذي في رقابها هو # PageV05P364 # الزكاة، والذي في ظهورها هو الجهاد عليها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) ~~إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا ~~يهدي القوم الكافرين (37) # وقوله - عز وجل -: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله). # من الناس من يقول: إن الشهور كانت التبست عليهم واختلطت؛ لكثرة ما كانوا ~~يؤخرونها ويقدمونها، حتى لم يكونوا يعرفون الشهور بعينها كل شهر على حدة، ~~فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بالموسم، فقال: " ألا إن ~~الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر ~~شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ~~ورجب الذي هو بين جمادى وشعبان ". # ثم قال لهم: " أي بلد هذا؟ وأي شهر هذا؟ وأي يوم هذا؟ "، قالوا: بلد ~~حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، فقال: " ألا هل بلغت "، قالوا: بلى، قال: " ~~اللهم اشهد ". # وفي بعض الأخبار زيادة: فقال: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين ~~كفروا. . .) الآية، وقالوا: وذلك أنهم كانوا يجعلون صفرا عاما حراما وعاما ~~حلالا، # PageV05P365 # ويجعلون المحرم عاما حراما وعاما حلالا، فكان النسيء من الشيطان. # وصف رسول ms1953 الله في هذه الأحاديث الأشهر الحرم وبينها؛ فدل ذلك على أن ~~النسيء كان يحرم القتال فيها؛ على ما كان أهل الجاهلية يحرمونه، وزاد ذلك ~~بيانا يصيب أصحاب النسيء؛ إذ كانوا يستحلون القتال في المحرم، ويؤخرونه إلى ~~صفر، فيحرمون صفرا مكان المحرم، فعاب الله عليهم تحليل ما حرم من الشهر، ~~وجعله زيادة في الكفر، وقال: (يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما ~~حرم الله فيحلوا ما حرم الله) أي: عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله، ~~وقال: (فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم). # ومنهم من قال: إن الله جعل عدة الشهور اثني عشر شهرا بالأهلة على ما ~~عرفته العرب لما وفقوا إلى معرفة ذلك، ولم يوفق غيرهم، وإنما يعدون السنة ~~بالأيام، والعرب تعرفها بالأهلة على ما خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض ~~(منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم). # قال بعضهم: في الأشهر كلها لما جعل هذه الأشهر شهودا عليهم، يشهدون بما ~~يعملون فيها من المعاصي والخيرات، وبها تنقضي آجالهم؛ يخبر ألا تظلموا في ~~هذه الأشهر التي تأتي لكم بكل خير، وبكل نعمة، فإنها تنصرف بما تعملون فيها ~~من الخير والشر. # وقال بعضهم: قوله: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم). # أي: في الأربعة الحرم، خص الأربعة وإن كان الظلم في الأشهر كلها لا يحل ~~على ما خص مكة بترك الظلم، وإن كان الظلم حراما في الأماكن كلها؛ كقوله: ~~(سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم. . .) الآية، أي: لا ~~تقاتلوا فيها؛ إذ كل ظلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الدين القيم). # قيل: ذلك الحساب حساب الأشهر قيم، أي: صحيح مستقيم على ما خلقه الله. # PageV05P366 # وقيل: ذلك الحساب هو القضاء العدل. # وقوله - عز وجل -: (في كتاب الله). # يحتمل: (كتاب الله): اللوح المحفوظ؛ على ما قيل. # ويحتمل: (في كتاب الله) أي: في حكم الله ذلك. # وقوله: (عند الله). # يحتمل ما ذكرنا من اللوح المحفوظ أن ذلك عند الله، لم يطلع عليه غيره. # ويحتمل (عند الله) أي: في علمه؛ على ما عرفته ms1954 العرب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). # يحتمل قوله: (كافة) أي: مجتمعون، أي: قاتلوهم مجتمعين على ما يقاتلونكم ~~هم مجتمعين. # ويحتمل: (كافة)، أي: جماعة. # ويحتمل: (كافة): إلى الأبد، إلى يوم القيامة، أي: قاتلوهم إلى الوقت الذي ~~يقاتلونكم كما يقاتلونكم. # (واعلموا أن الله مع المتقين). # في النصر والمعونة. # وقوله - عز وجل -: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ~~زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # كأن هذه الآية والتي قبلها قوله: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) ~~في مشركي العرب، وسائر الآيات التي قبلها وهو قوله: (اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله)، وقوله: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل)، في أهل الكتاب. # يخبر أن ملوك العرب اتخذوا أنفسهم أربابا والأتباع عبيدا من دون الله حتى ~~يتبعوهم في جميع ما يحلونه ويحرمونه، كما أن اليهود والنصارى اتخذوا أنفس ~~أولئك عبيدا؛ فكأنه قال للمؤمنين: إن ملوك العرب وأحبار اليهود ورهبان ~~النصارى اتخذوا أنفسهم أربابا، والأتباع عبيدا، فأنتم يا معشر المؤمنين لا ~~تتخذوا أنفسكم أربابا، والأتباع عبيدا. # PageV05P367 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره ~~الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) انفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (41) # ألا ترى أنه قال في الآية التي تتلو هذه: (يا أيها الذين آمنوا ما ms1955 لكم ~~إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، قال بعضهم: الآية في ~~المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك؛ كقوله: (وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون ومن أهل المدينة. . .) الآية، فيفهم ذكر ذلك الوعيد. # PageV05P368 # وقال بعضهم: الآية في المؤمنين؛ أمروا أن ينفروا في سبيل الله. # (اثاقلتم إلى الأرض). # قيل: استثقلتم النفر في سبيل الله وأقمتم. # ويحتمل التثاقل: هو أن يروا من أنفسهم الثقل من غير أن أقاموا؛ كما يقال: ~~يتصامم ويتعامى، من غير أن كان به الصمم والعمى، ولكن لما يرى من نفسه ذلك. # وقال بعض أهل الأدب: قوله: (اثاقلتم). # أي: تثاقلتم وركنتم إلى المقام، وذلك في القرآن كثير؛ كقوله: (حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا) أي: تداركوا. # وقوله: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل). # أي: ما متعكم في الدنيا قليل بما وعد أن يمتعكم في الآخرة. # أو أن يقال: متاع الحياة الدنيا من أولها إلى آخر ما تنتهي قليل من متاع ~~الآخرة وكراماتها؛ لأن كرامات الدنيا على شرف الزوال، وكرامات الآخرة على ~~الدوام أبدا. # أو أن يقول: متاع الحياة الدنيا قليل من متاع الآخرة؛ لأن متاع الدنيا ~~ومنافعها تشوبه الآفات والمضرات، ومتاع الآخرة لا تشوبه الآفات والمضرات. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله. . ~~.) الآية. # عاتب المؤمنين بالتثاقل بالخروج إلى الأرض، ونهاهم عن الركون إلى الدنيا. # PageV05P370 # وقوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر). # أي: لما أحدث أولئك الملوك من تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله ~~زيادة في كفر أولئك أحدثوا من وقت إحداثهم. # وقوله - عز وجل -: (يضل به الذين كفروا). # يحتمل وجهين: # يحتمل: (يضل به الذين كفروا)، أي: يهلك به الذين كفروا، أي: الذين ~~أحدثوا. # ويحتمل: (يضل به الذين كفروا) أي: ما أحدثوا أولئك الملوك إنما أحدثوا؛ ~~ليضلوا به الأتباع (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) على ما ذكر في القصة أنهم ~~كانوا يستحلون المحرم عاما فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاما فلا ms1956 ~~يستحلون فيه الدماء والأموال. # وقوله - عز وجل -: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، قيل: ليوافقوا عدد ما حرم ~~الله؛ كان عندهم أن التحريم إنما كان لعدد الأشهر لا للأشهر؛ لما في ~~الأشهر، فحفظوا عدد الأشهر، ولم يحفظوا الوقت، وذلك تأويل قوله: (ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم) أي: زين تأخير ~~المحلل وتقديم المحرم (والله لا يهدي القوم الكافرين). # قيل: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ولا يهديهم في الآخرة طريق الجنة؛ ~~لكفرهم في الدنيا، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع. # قال أبو عوسجة: النسيء: التأخير؛ يقال: نسأت الشهر، أي: أخرته، ويقال: ~~أنسأ الله في أجلك، أي: أخره الله. # وقوله: (ليواطئوا). # المواطأة: أن يدخلوا شهرا مكان شهر، وهو التتابع؛ يقال: تواطأ القوم على ~~حديث كذا وكذا، أي: تتابعوا، وواطأت فلانا، أي: تابعته. # وقال القتبي: النسيء: التأخير، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم منها سنة، ~~ويحرمون # PageV05P371 # غيره مكانه؛ لحاجتهم إلى القتال فيه، ثم يردونه إلى التحريم في سنة أخرى؛ ~~كأنهم ينسئون ذلك. # (ليواطئوا) أي: ليوافقوا (عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله)، يقول: ~~إذا حرموا من الشهور عدد الشهور المحرمة، لم يبالوا أن يحلوا الحرام ~~ويحرموا الحلال. # وقوله - عز وجل -: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39) # أي: إن لم تنفروا يعذبكم عذابا أليما، فإن كانت الآية في المنافقين فهو ~~ظاهر، وإن كانت في المؤمنين فيحتمل قوله: (يعذبكم عذابا أليما): يحل بهم، ~~ولم يبين ما ذلك العذاب. # وقال بعضهم: شدد الله الوعيد في تركهم النفر والخروج في سبيل الله، على ~~ما شدد ببدر في التولية للدبر بقوله: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة) الآية، غير أنه شدد يوم بدر لما لم يكن ملجأ، ~~وكان نفارهم نفار نفاق، وهاهنا شدد لغير ذلك؛ لوجوه: # أحدها: لما في تخلف المؤمنين عنه موضع العذر للمنافقين بالتخلف عنه أنهم ~~إن تخلفوا للعذر، فنحن نتخلف -أيضا- للعذر، ولنا في ذلك عذر. ms1957 # والثاني: يكون للكفار موضع الاحتجاج عليهم، يقولون: إنهم يرغبوننا في ~~الآخرة ويحثوننا في ذلك، ثم إنهم ينفرون عن ذلك ويرغبون عنه. # والثالث: يكون في تخلفهم الشوكة على المؤمنين؛ إذ يقلون إذا تخلفوا. # وقوله - عز وجل -: (ويستبدل قوما غيركم). # قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول الله على ما استبدل ~~يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب. # وقيل: يستبدل قوما غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه. # وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قوما غيركم، أي: ينشئ قوما غيركم. # لكن تأويل الأول أشبه. # PageV05P372 # ألا ترى أنه قال في آخره: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40) # وقوله: (ولا تضروه شيئا). # هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول الله بالتخلف عنه. # وقال بعضهم: لا تضروا الله شيئا. # والأول أشبه؛ لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (إلا تنصروه فقد نصره الله) يقول: إن لم تنصروا رسول ~~الله فالله ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد ~~من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فالله كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره ~~في الحال التي لم يكن معه من البشر أحد إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من ~~الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟! # وكان ما استنفرهم رسول الله وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم ~~لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن الله كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ~~ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا بذلك قربا وثوابا عند الله وزلفى؛ ~~ألا ترى أنه قال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما)، وقال: (ولا تضروه ~~شيئا)، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول الله فلا تضروه شيئا؛ إذ الله ~~كافيه في نصره. # وإنما عاتبهم بترك النفر والخروج؛ لئلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يرضوا ~~بالحياة الدنيا من ms1958 الآخرة على ما ركن أولئك الكفرة؛ لأن ركونهم إلى الدنيا ~~وحبهم إياها هو الذي منعهم عن اتباع محمد، وهو الذي حملهم على الكفر بالله، ~~والتكذيب لرسوله، وترك الإجابة له فيما يدعوهم إليه، فيقول - والله أعلم - ~~للمؤمنين: ولا تركنوا إلى الدنيا، ولا ترضوا بها من الآخرة؛ ليمنعكم ذلك عن ~~النفر والخروج إلى ما يأمركم رسول الله، على ما منع أولئك الكفرة؛ على ما ~~ذكرنا. # وأصله: أنه إنما استنصرهم لا لحاجة له إلى نصرهم؛ إذ هو قادر أن ينصر ~~رسوله بما شاء، لكن طلب منهم النصر له؛ ليكتسبوا بذلك ثوابا لأنفسهم، وذكرا ~~في الأجل، وكذلك ما طلب منهم الشكر له على نعمه، لا لحاجة له في ذلك، ولكن ~~ليستديموا النعمة، ويصلوا إلى الباقية الدائمة. # وقوله - عز وجل -: (إذ أخرجه الذين كفروا). # PageV05P373 # أي: اضطروه إلى الخروج حين هموا بقتله، حتى خرج من بين أظهرهم. # وقوله - عز وجل -: (ثاني اثنين إذ هما في الغار). # ثاني اثنين، أي: لم يكن معه من البشر إلا واحد؛ ليعلموا أن النصر لم يكن ~~بأحد من البشر، إنما كان بالله - تعالى - إذ بالواحد لا تكون النصرة والحفظ ~~من ألوف، يذكر فضل أبي بكر، وكان هو ثانيه في كل أمره. # وقوله - عز وجل -: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) لم يكن حزن أبي ~~بكر خوفا على نفسه، ولكن إشفاقا على رسول الله أن يصاب، وكذلك روي في الخبر ~~أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، إنك إن تصب يذهب ~~دين الله، ولن يعبد الله على وجه الأرض. # وفي بعض الأخبار أن أبا بكر كان يبكي إشفاقا على رسول الله، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما يبكيك؟ "، فقال له: " يا أبا بكر، ما ~~ظنك باثنين ثالثهما الله ". # وقيل: إنهما لما أتيا باب الغار سبق أبو بكر فدخل الغار، وكان الغار ~~معروفا بالهوام، فألقمها أبو بكر قدميه، فأطال ذلك، فقال: إن كان فيه شيء ~~بدا لي، أو كلام نحو هذا - والله أعلم -. # وقوله، ms1959 (إن الله معنا): ليس بنهى عن الحزن والخوف على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولكن على تخفيف الأمر عليه وتيسير الحال التي هو عليها. # وقوله - عز وجل -: (فأنزل الله سكينته عليه). # قيل: أنزل سكينته على أبي بكر حين قال له رسول الله: " ما ظنك باثنين ~~ثالثهما # PageV05P374 # الله؟! "، حتى سكن قلب أبي بكر من الحزن والخوف على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقال بعضهم: أنزل السكينة على رسول الله؛ فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه أنزل السكينة عليه حتى رأى هو جنودا لم يروها هم؛ حيث قال: ~~(وأيده بجنود لم تروها). # والثاني: أنزل سكينته بالحجج والبراهين، لكنه إن كان ما ذكر، فهو قد أنزل ~~السكينة عليه في البدء؛ لأنه كان رسول الله لا يخاف سوى الله، ويعلم أنه ~~ينصره، وكذلك روي عن ابن عباس قال: فأنزل الله، سكينته على أبي بكر؛ لأن ~~النبي لم تزل السكينة معه؛ وهو أشبه. # وقوله: (وأيده بجنود لم تروها). # يحتمل: في ذلك الوقت. # ويحتمل: في الغزوات التي نصره بالملائكة يوم بدر وغيره؛ يخبر أنه قادر أن ~~ينصره لا بالبشر؛ ليعلموا أنه إنما يأمرهم بالنصر، لا لنصر رسول الله، ولكن ~~ليكتسبوا بذلك ما ذكرنا من الثواب. # وقوله - عز وجل -: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا). # يحتمل (كلمة الذين كفروا): وهو ما مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهموا بقتله جعل مكرهم ومكيدتهم واجتماعهم على ذلك هي السفلى وكلمة الله ~~هي العليا. # أي: مكر الله بهم، ونصرة رسوله هي العليا؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا. . .) الآية. # ويحتمل قوله؛ (كلمة الذين كفروا): دينهم الذي يدينون به، ومذهبهم الذي ~~ينتحلونه. # (السفلى)، أي: جعل ذلك السفلى بالحجج، وجعل دين محمد هو العليا بالحجج ~~والبراهين على ذلك ما كان. # PageV05P375 # ويحتمل قوله: (كلمة الذين كفروا السفلى) أي: جعل أهل الكلمة الذين كفروا ~~هم السفلى، وأهل دين الله هم الأعلون؛ كقوله: (وأنتم الأعلون). # وقوله - عز وجل -: (والله عزيز) لا يعجزه شيء (حكيم): في أمره. # وقوله - عز وجل ms1960 -: (انفروا خفافا وثقالا ... (41) # اختلف فيه؛ قيل: شبابا وشيوخا. # وقيل: مرضى وأصحاء. # وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. # وقيل: فقراء وأغنياء. # وقيل: نشاطا وغير نشاط. # وأصله: انفروا مستخفين ومستثقلين، أي: انفروا، خف عليكم الخروج أو ثقل، ~~وما ذكر أهل التأويل من الشيوخة والشغل والفقر والمرض؛ لأن ذلك بالذي يثقل ~~الخروج والنفر. # وأصله ما ذكرنا أن انفروا، خف عليكم ذلك أو ثقل. # PageV05P376 # وقوله: (انفروا خفافا وثقالا). # انفروا، خف على النفس أو ثقل، أو خف على العقل أو ثقل. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم خير لكم). # في الدنيا والآخرة، أي: اعلموا أن ذلك خير لكم من المقام وترك النفر، (إن ~~كنتم تعلمون). # * * * # قوله تعالى: (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم ~~الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم ~~إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين (43) لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو ~~أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من ~~قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48) ومنهم من ~~يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ~~(49) # وقوله - عز وجل -: (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك). # قال بعض أهل التأويل: (لو كان عرضا قريبا): أي: غنيمة قريبة، (وسفرا ~~قاصدا لاتبعوك): في غزاتك: (ولكن بعدت عليهم الشقة) يعني: المسير. # وقيل: العرض: الدنيا، (وسفرا قاصدا): ليس فيه مشقة. # وأصل قوله: (لو كان عرضا قريبا) أي: منافع حاضرة، (وسفرا قاصدا) أي: ~~منافع غائبة، والعرض: هو المنافع؛ يقول: لو كانت لهم منافع حاضرة أو منافع ~~غير حاضرة، لاتبعوك فيما استتبعتهم؛ لأن عادتهم اتباع المنافع، يعني: ms1961 ~~المنافقين؛ كقوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه) أخبر أنهم يعبدون الله على حرف، وهو ما ~~ذكر: (فإن أصابه خير اطمأن به) # PageV05P377 # فمن عادتهم أنهم إنما يتبعون المنافع، وإليها يميلون، وأما المؤمنون ~~فإنهم يعبدون الله في كل حال: في حال السعة، وفي حال الضيق، ويتبعون رسول ~~الله، ولا يفارقونه، كانت لهم منافع أو لم تكن، أصابتهم مشقة أولا، هم لا ~~يفارقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل حال. # وقوله - عز وجل -: (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم). # أي: لو كان لنا ظهر وسلاح لخرجنا معكم، ولو كان لنا زاد وما نشتري ما ~~نحارب به لخرجنا معكم. # ثم أخبر أن لهم استطاعة على ذلك، وأنهم كاذبون أنه لا استطاعة لهم؛ حيث ~~قال: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة). # وقالت المعتزلة: دل قوله: (لو استطعنا لخرجنا معكم) أن الاستطاعة تتقدم ~~الفعل؛ لأنه أخبر أنهم كاذبون فيما يقولون: إنه ليس معنا ما ننفق وما نشتري ~~به السلاح. # لكنا نقول: إن الاستطاعة على وجهين: # استطاعة الأسباب، والأحوال. # واستطاعة الأفعال، واستطاعة الأسباب والأحوال يجوز أن تتقدم، وهذه ~~الاستطاعة هي استطاعة الأسباب والأحوال. # ألا ترى أنه قاك: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة). # ومن قولهم أيضا: إن استطاعة الأفعال لا تبقي أوقاتا، ثم إن هذه أخبر أنها ~~كانت باقية أوقاتا؛ دل أنها هي استطاعة الأسباب والأحوال. # وقوله - عز وجل -: (يهلكون أنفسهم). # قيل: يهلكون أنفسهم بأيمانهم الكاذبة أنهم لا يستطيعون. # وقيل: يهلكون أنفسهم بتركهم الخروج؛ لأنهم يقتلون إذا تركوا الخروج؛ ~~كقوله: (ملعونين. . .) الآية. # ويحتمل: يهلكون أنفسهم في الآخرة بنفاقهم في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (عفا الله عنك لم أذنت لهم ... (43) بالتخلف. # PageV05P378 # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين # (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين). # يحتمل قوله: (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين)، أي: يطلعك الله ~~على نفاقهم، فيكون ذلك آية من آيات النبوة إن لم ms1962 تأذن لهم بالتخلف. # أو إن لم تأذن لهم يتبين لك نفاقهم؛ لأنهم يتخلفون ويفارقونك؛ وإن لم ~~تأذن لهم، والذين صدقوا لا يفارقونك، فيتبين هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب ~~هؤلاء من صدق هؤلاء المؤمنين. # وفي قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) دلالة أن النبي إنما أذن لهم ~~بالتخلف بلا أمر. # وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه لو كان أذن لهم بالتخلف بالأمر، ~~لم يكن ليعاتبه على الإذن، دل أنه إنما أذن لهم بالتخلف بالاجتهاد لما ظن ~~أنهم إنما يستأذنونه بالقعود للعذر. # فإن قيل: كيف عاتب رسوله بما أذن لهم بالقعود، وقد أخبر أنه إنما كان ~~يحكم بما أراه الله بقوله: (لتحكم بين الناس بما أراك الله). # قيل: يحتمل أنه إنما عاتبه على ترك الأفضل؛ لأن ترك الإذن لهم بالقعود ~~أفضل من الإذن؛ إذ به يتبين له الصادق من الكاذب، ويكون فيه آية من آيات ~~الرسالة، ويجوز أن يعاتب على ترك الأفضل. # ويحتمل أن يكون قوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) تعليم من الله أن كيف ~~يعامل الناس بعضهم بعضا، ليس على العتاب. # ومن الناس من استدل على تفضيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غيره ~~من الأنبياء - صلوات الله عليهم - بهذه الآية؛ لأنه بدأ بذكر العفو، وكذلك ~~في جميع ما ذكر من العتاب، لم يذكر زلته، وذكر في سائر الأنبياء الزلات. # وقوله - عز وجل -: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) # أي: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله لغير عذر، إنما يستأذنونك لعذر (إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ... (45) بالقعود لغير عذر. # (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون). # PageV05P379 # أي: عن شكهم يترددون. # وعن الحسن قال: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله) إلى قوله: (يترددون). # نسختها الآية التي في سورة النور: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين ~~يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله). # لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه ذكر أن ms1963 سورة التوبة من آخر ما نزل. # أو أنهم إذا كانوا في أمر جامع لم يذهبوا إلا بعد الاستئذان؛ لأنهم كانوا ~~يظهرون الموافقة للمؤمنين في الأمور الجامعة، وأما في الخلوات فلا. # وقوله - عز وجل -: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) # يحتمل أن يكون هذا في غزوة تبوك؛ على ما قاله أهل التأويل، أمروا بالخروج ~~والتأهب للغزو فعزموا ألا يخرجوا، فعوتبوا على ذلك. # ويحتمل أن يكون في جميع الغزاة عزموا واعتقدوا ألا يخرجوا، ولا يتأهبوا ~~له قط، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، فأكذبهم الله - تعالى - أنهم كذبة، ~~وأنهم أغنياء، لكنهم عزموا ألا يخرجوا، ولا يعدوا له عدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن كره الله انبعاثهم). # يحتمل قوله: (كره الله انبعاثهم) أي: لم يرض الله بخروجهم وانبعاثهم. # ثم بين الوجه الذي لم يرض ما ذكر في قوله: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا)، أي: فسادا، لم يرد الله خروجهم لما علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم ~~لا يزيد في الجهاد إلا ما ذكر من الخبال والفساد. # وقوله - عز وجل -: (فثبطهم). # قيل: حبسهم، أي: إذا علم منهم أن خروجهم وانبعاثهم لم يزدهم إلا فسادا، ~~حبسهم. # ويحتمل: أن خلق منهم الفعل الذي كان منهم من الكسل والتثاقل. # وفيه دلالة خلق الله فعل الشر، ويكون في ذلك خير لغيره، وإن كان شرا لهم، ~~فعلى ذلك خلق فعل المعصية من العاصي، وهو شر له، ويكون ذلك خيرا لغيره. # وقوله - عز وجل -: (وقيل اقعدوا مع القاعدين). # PageV05P380 # يحتمل قوله: (وقيل اقعدوا): لما استأذنوا رسول الله بالقعود، أذن لهم في ~~ذلك؛ على ما وقع عنده أن لهم عذرا في ذلك. # وإن كان من الله - عز وجل - فهو على التهديد والوعيد. # ويحتمل أن يكون من الشيطان، وسوس إليهم أن اقعدوا؛ ترغيبا منه إياهم ~~بالقعود والتخلف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # قوله: (لو خرجوا فيكم)، ms1964 أي: لو كانوا خرجوا فيكم؛ ألا ترى أنه قال: (ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم)؛ دل هذا أنهم لم يكونوا خرجوا، ولو كانوا خرجوا ~~لم يكن يثبطهم، دل أنه ما ذكرنا. # والانبعاث: هو الخروج، وكذلك في حرف ابن مسعود: (ولكن كره الله ~~انبعاثهم). # والتثبيط: الحبس، وأصل التثبيط: التثقيل. # وقال أبو عوسجة: الانبعاث: هو القيام، والخبال: قيل: الفساد والشر. # وقيل: الغي، وهو واحد. # وقوله: (ما زادوكم إلا خبالا)، يحتمل زيادة الخبال وجوها: # يحتمل: أن يكونوا عيونا للعدو، ويخبروهم عن عورات المسلمين، أو كانوا ~~يجبنون أهل الإسلام؛ كقولهم: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (ولأوضعوا خلالكم) قيل: هو من إيضاع الإبل (خلالكم) ~~يتخلل فيما بينكم. # وقيل: (ولأوضعوا خلالكم). # أي: رواحلهم حتى يدخلوا بينكم حتى لا يصيبهم الأذى، كانوا يستترون ~~بالمسلمين؛ لئلا يصيبهم شيء من البلاء والشدة. # PageV05P381 # وقال القتبي: (ولأوضعوا خلالكم): من الوضع، وهو سرعة السير. # وقال أبو عوسجة: هو من الإيضاع يكون على الإبل. # وهو عندي من عدو الإبل، يقال: أوضعت البعير، وركضت الفرس، وأجريت الحمار. # (خلالكم): بينكم. # وقيل: الخلال: القتال، وهو ما ذكرنا أنهم يدخلون فيهم النقصان والقتال ~~والفشل. # وقوله - عز وجل -: (يبغونكم الفتنة). # قيل: يبغون منكم الفتنة، وهو الشرك الذي كانوا هم عليه. # ويحتمل ما ذكرنا من القتل، وإدخال الفشل والجبن فيهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفيكم سماعون لهم). # هذا يحتمل وجهين أيضا: # يحتمل: أن هؤلاء المنافقين يكونون سماعا لهم وخبرا وعيونا، يخبرونهم عن ~~عورات المسلمين وضعفهم. # ويحتمل قوله: (وفيكم): من المؤمنين. # (سماعون لهم)؛ لأنه قيل: إنه كان من أصحاب النبي أهل محبة لهم وطاعة؛ ~~لشرفهم فيهم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم): ~~كان الرجل يرى الجماعة من المسلمين فيضرب دابته حتى يدخل بينهم، ثم يقول: ~~أبلغكم ما بلغني؛ إن العدو أمامكم قد غوروا المياه، وفعلوا كذا، وهيئوا. # ويحتمل قوله: (وفيكم سماعون لهم) أي: فيكم من المنافقين الذين قعدوا ولم ~~يخرجوا يسمعون المؤمنين الذين لم يخرجوا -أيضا- ما يكرهونه يقولون: الدبرة ms1965 ~~على المؤمنين، ونحو ذلك من الهزيمة. # وقوله: (والله عليم بالظالمين). # أي: لا عن جهل أمهلهم على ما هم عليه، ولكن أخرهم ليوم؛ كقوله: (ولا ~~تحسبن # PageV05P382 # الله غافلا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء ~~الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48) تحتمل الفتنة الوجهين اللذين ذكرتهما. # وقول - عز وجل -: (وقلبوا لك الأمور). # أي: تكلفوا واجتهدوا ليطفئوا هذا النور، (وظهر أمر الله) قيل: دين الله ~~الإسلام. # ويحتمل: حجج الله وأدلته، وهو ما ذكر: (يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره). # ويحتمل قوله: (وقلبوا لك الأمور): ظهرا لبطن؛ ليمكروا برسول الله، ~~ويقتلوه؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك. . .) الآية، ~~وقوله: (وظهر أمر الله) ما ذكرنا من دين الله وحججه، (وهم كارهون) لذلك؛ ~~كقوله: (ليظهره على الدين كله)، فظهر دين الإسلام وهم كارهون له. # وقوله - عز وجل -: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا ~~وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49) # فيه دلالة أنه لا كل المنافقين قالوا، إنما قال ذلك بعضهم، وبعضهم قالوا ~~غير هذا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تفتني). # قيل: لا تؤثمني. # وقيل: ولا تخرجني. # وقيل: ولا تكفرني، والكل واحد، يقول: ومنهم من قال: ولا تفتني، أي: لا ~~تكن سبب فتنتي ومعصيتي، أي: لا تأمرني بالخروج، ولكن ائذن لي بالقعود؛ لأنك ~~إن # PageV05P383 # أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت، كنت عاصيا، تاركا ~~لأمرك، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي. # والثاني: قوله: (ولا تفتني)، أي: لا تأمرني المشقة والشدة، ولكن الدعة ~~والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم؛ كقوله: (ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف. . .) الآية يقول: لا تكن سبب إثمي وانقلابي. # ومنهم من قال: إن رجلا منهم يقال له: الجد بن قيس قال: إني إذا رأيت ~~النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمال، ففيه نزل قوله: (قل أنفقوا ~~طوعا أو كرها لن يتقبل منكم)، وهو قول ابن عباس؛ يقول: لا تأمرني بالخروج؛ ~~فإني مولع بالنساء، ms1966 لا أصبر إذا رأيتهن. # ولا ندري كيف كانت القصة، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفا. # وقوله: (ولا تفتني)، أي: ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة، ~~فقال: (ألا في الفتنة سقطوا) أي: ألا في المشقة والفتنة والبلاء والهلاك ~~سقطوا؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة. # وقوله: (ألا في الفتنة سقطوا) أي: ألا في الشر والإثم سقطوا؛ على تأويل ~~من تأول قوله: (ولا تفتني): لا تؤثمنى، ولا تخرجني. # وعلى تأويل من قال: (ولا تفتني): لا تشق على، ولا تأمرني بالمشقة والشدة ~~والضيق، يقول: ألا في الشدة والضيق يسقطون. # وقوله - عز وجل -: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين). # أي: تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذا ولا مخلصا. # أو تحيط بهم من تحت ومن فوق، وأمام وخلف، ويمين وشمال، تحيط بهم حتى تصيب ~~كل جارحة منهم؛ كقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار. . .)، أخبر أنها تحيط ~~بهم. # وفيه دلالة: أن المنافقين هم كفار؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين، ~~ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين. # PageV05P384 # قوله تعالى: (إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم ~~متربصون (52) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين ~~(53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون (55) # وقوله - عز وجل -: (إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا ~~أمرنا من قبل). # قيل: (إن تصبك حسنة)، أي: الغنيمة، والظفر، والنصر على الأعداء، يسؤهم ~~ذلك، وإن تصبك مصيبة النكبة والهزيمة فرحوا بها. (يقولوا قد أخذنا أمرنا من ~~قبل). # أي: أخذنا ms1967 أمرنا بالوثيقة والاحتياط؛ حيث لم نخرج معهم حتى لم يصبنا ما ~~أصابهم. # ويحتمل أن يكون قوله: (قد أخذنا أمرنا من قبل)، أي: قد أظهرنا الموافقة ~~للمؤمنين في الظاهر، وكنا مع الكافرين في السر، وواليناهم في الحقيقة، وهو ~~ما ذكر من انتظارهم أحد أمرين في قوله: (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح ~~من الله قالوا ألم نكن معكم. . .) الآية. # (ويتولوا وهم فرحون). # يحتمل: يتولوا أولئك الكفرة وهم فرحون. # وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوته؛ لأنه ~~معلوم أن ما يسوءهم كانوا يضمرونه ويسرونه عنهم، ثم أخبر عما أسروا ~~وأضمروا؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله. # وقوله - عز وجل -: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (51) # قال بعضهم: (إلا ما كتب الله لنا)، أي: قضى الله لنا، أي: لن يصيبنا إلا ~~ما # PageV05P385 # قضى الله لنا. # وقال بعضهم: (إلا ما كتب الله لنا)، أي: ما جاء به القرآن، وهو قوله: (إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا). # ويحتمل قوله: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا): من الكرامة، والمنزلة، ~~والنعيم الدائم في الآخرة، أي: لن يصيبنا إلا ذلك، وإن كنتم أنتم تفرحون ~~بذلك، فذلك الذي كتب الله لنا. # (هو مولانا). # أي: هو ربنا ونحن عبيده، يكتب لنا ما يشاء من الخير والشر؛ أي: ما أكرمنا ~~الله لنا، أي: ما أحل لنا وأباح، وأما القضاء فإنه قل ما يقال فيما يكون ~~لهم، وإنما يقال فيما قضى عليهم، وأما الكتاب لهم فهو فيما ... ويحل لهم ~~ويبيح. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون). # يحتمل وجهين: # الأول: يحتمل: على الإخبار، أي: على الله يتوكل المؤمنون، لا يتوكلون على ~~غيره. # والثاني: يحتمل: أن يكون على الأمر، أي: على الله توكلوا أيها المؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ... (52) # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (قل هل تربصون بنا إلا ms1968 إحدى الحسنيين) ~~يعني: الشهادة، والحياة، والرزق الدائم، والكرامة؛ كقوله - تعالى -: (ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا. . .) الآية. # ويحتمل: إلا إحدى الحسنيين في الدنيا: الغنيمة والظفر؛ يقول: هل تربصون ~~بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الحياة الدائمة في الآخرة، والرزق الحسن، ~~والكرامة، وإما الغنيمة والنصر في الدنيا، هذا تتربصون بنا ونحن نتربص بكم ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: العذاب في الآخرة إن قتلتم، أو بأيدينا، أي: ~~القتل بأيدينا. # PageV05P386 # (تربصون بنا) الشر (إنا معكم متربصون) العذاب بكم، هم كانوا لا يتربصون ~~بنا إلا الدوائر والهلاك، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال: (ويتربص بكم ~~الدوائر) هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى، ولكن ما ذكرنا من الدوائر، لكن ~~ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة، فهو للمؤمنين الحسنى في ~~الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما ~~فاسقين (53) # قال بعضهم: الآية في الجهاد، أن المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال ~~مع الكفرة على ما أمر أهل الإيمان بذلك، ثم منهم من كان يخرج للجهاد، ومنهم ~~من كان يجهز غيره ويقعد، ومنهم من كان يخرج كارها، ونحوه، فنزل قوله: (قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها)، أي: خوفا، (لن يتقبل منكم). # ومنهم من قال: الآية في الزكاة؛ أن الله - عز وجل - فرض الزكاة في أموال ~~المؤمنين، والمنافقون قد أظهروا الإيمان، وكانوا ينفقون، ويؤدون الزكاة، ~~لكن منهم من كان يؤدي طوعا، ومنهم من يؤدي كرها، فقال: (قل أنفقوا طوعا أو ~~كرها لن يتقبل منكم)؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة، وكانوا ينفقون وهم ~~كارهون في الباطن. # ألا ترى أنه قال: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون)؛ دل أنهم كانوا ينفقون ~~جميعا وهم كارهون لذلك في الباطن، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم، وهو ما ~~ذكر: (إنكم كنتم قوما فاسقين). # وقال: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) في الآية ~~وجهان: # أحدهما: دلالة ms1969 إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر أنهم ~~لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما ~~كان يأتي المؤمنون، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى؛ دل أنه إنما عرف ذلك ~~بالله، تعالى. # وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة ~~لموافقيهم، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين لذلك في السر؛ دل أنه إنما علم ذلك ~~بالله # PageV05P387 # تعالى. # والثاني: ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام ~~هذه العبادات وقبول القرب، لا أن أنفسها إيمان؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ~~ويسرون الكفر؛ دل أنه ما ذكرنا، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (إنكم كنتم قوما فاسقين). # أي: إنكم كنتم فاسقين. # ويحتمل قوله: (كنتم)، أي: صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون؛ إذ هم قد ~~أظهروا الإيمان ثم تركوه؛ كقوله: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا)، أخبر أنهم ~~آمنوا ثم كفروا؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -؛ (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) وكسلى وكسالى فيه ~~لغات ثلاثة والمعنى واحد، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين؛ لأنهم ~~كانوا لا يرونها قربة. # وقوله - عز وجل -: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) # قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي ~~الحياة الدنيا. # والتعذيب في الدنيا: هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال، فكان ~~يشق ذلك عليهم ويشتد، فذلك التعذيب لهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: (أشحة ~~عليكم فإذا # PageV05P388 # جاء الخوف رأيتهم. . .) الآية. # أو التعذيب في الدنيا هو القتل؛ يقتلون إن لم يخرجوا. # وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يعطي الله أحدا ~~شيئا إلا ما هو أصلح له في الدين، ثم قال لرسول الله: (فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم)، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح، ~~فكأنه قال: لا ms1970 يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح، فذلك بعيد؛ فدل أنه قد ~~يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين. # وكذلك في قوله: # (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات. . .). ~~الآية، دلالة الرد على قولهم؛ لأنه قال: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات)، ثم قال: (بل لا يشعرون)، أنه يمدهم به ~~لا للخيرات؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين. # وفي قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) دلالة الرد ~~عليهم أيضا؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة، ولا يعذبهم مجانا ~~فيما لا فعل لهم في ذلك؛ دل أن لهنم صنغا في ذلك، وأنه إنما يعذبهم بفعل ~~اكتسبوه. # وفي قوله: (إنما يريد الله ليعذبهم بها) دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما ~~يعطيهم ليرحمهم به، ولكن يعطيهم لما علم منهم، فإن كان علم منهم أنهم ~~يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم، أعطاهم لذلك، ومن ~~علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به، فإنما أعطي كلا ما علم ~~أنه يكون منهم؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئا. # وقوله - عز وجل -: (وتزهق أنفسهم وهم كافرون). # قيل: تخرج أنفسهم وتهلك خوفا. # قال أبو عوسجة: يقال: خرج نفسه من فمه. # وقيل: تذهب أنفسهم؛ كقوله: (وزهق الباطل) أي: - ذهب. # وكذلك قال أبو عبيد: تزهق، أي: تذهب. # PageV05P389 # وفي الآية دلالة إثبات رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ~~أخبر أن أنفسهم تزهق وهم كافرون، فكان ما ذكر؛ دل أنه علم ذلك بالله. # * * * # قوله تعالى: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ~~(56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) # وقوله - عز وجل -: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم). # في الباطن في الدين؛ لأنهم كانوا معهم في الظاهر. # وقال: (وما هم منكم): في الباطن في الدين. # (ولكنهم قوم يفرقون)، أي: يخافون القتل، فيظهرون الموافقة لهم. # وقوله - عز ms1971 وجل -: (لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ~~يجمحون (57) # قيل: لو وجدوا حرزا (أو مغارات) يعني: الغيران في الجبال، (أو مدخلا) أي: ~~سربا في الأرض في الجبال - (لولوا إليه)، أي: رجعوا إليه (وهم يجمحون)، أي: ~~يسعون. # وعن ابن عباس: قال: الملجأ: الحرز في الجبال، والمغارات: الغيران، ~~والمدخل: السرب. # قال أبو عوسجة: المغارات مثل الملجأ، وهو شيء يتحصنون فيه، (مدخلا): هو ~~موضع يدخلونه أيضا: (وهم يجمحون) أي: يسرعون، يقال: جمحت الدابة، تجمح ~~جماحا، فهو جامح، وهو من الإسراع، وكذلك قال القتبي. # وقال أبو معاذ: الجموح: الراكب رأسه وهواه. # وقال بعضهم: قوله: (أو مدخلا) لو يجدون ناسا يدخلون بينهم، (لولوا إليه): ~~دونكم. # وأصله: أنهم لو وجدوا مأمنا يأمنون (لولوا إليه) أي: لصاروا إليه مسرعين، ~~ولا يظهرون لكم الإيمان، ولكن ليس لهم ذلك، والله أعلم. # PageV05P390 # قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) # وقوله - عز وجل -: (ومنهم) يعني: المنافقين (من يلمزك في الصدقات) اختلف ~~فيه: قال بعضهم: (يلمزك) ويزورك لمكان الصدقات؛ طمعا فيها؛ لتعطيهم ~~الصدقات، و (يلمزك)، أي: يزورك؛ ليسألك من الصدقات، أي: إنما يزورونك لمكان ~~الصدقات لتعطيهم، لا يزورونك ولا يأتونك لمكان الرسالة، أو رغبة في الدين، ~~ولكن لمكان الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا عنك ويعظمونك، وإن لم تعطهم إذا ~~هم يسخطون؛ لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة، فإذا لم ~~يعطوا منها شيئا سخطوا. # ومنهم من قال: قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات) أي: يطعن عليك في ~~الصدقات، أو في قسمة الصدقات. # روي عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم ~~قسما له، فجاءه رجل يقال له: ابن ذي الخويصرة التميمي، ms1972 فقال: اعدل يا رسول ~~الله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ~~أنا؟! "، فقال عمر - رضي الله عنه -: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " دعه؛ فإن له أصحابا يحقر أحدكم ~~صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم "؛ لحسن صلاتهم وصيامهم، فيحقر صلاته ~~عند صلاة أولئك، " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ذكر حديثا ~~طويلا، وهو كأنه # PageV05P391 # كان من الخوارج، وهو الذي قتله علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) # ما آتاهم الله من الرزق، ورسوله من الصدقات. # (وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله). # أي: من دينه ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، كان خيرا لهم مما طمعوا في هذه ~~الصدقات، وطعنوا رسول الله في ذلك. # وقال بعضهم: لو رضوا ما آتاهم الله ورسوله من فضله مما رزق لهم، لكان ~~خيرا لهم مما فعلوا. # وقال بعض أهل التأويل: (وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله)، أي: من ~~الصدقات التي كان أعطاهم رسول الله منها وإلى الله رغبوا، لكان خيرا مما ~~طمعوا في تلك الصدقات، وطعنوا رسول الله، وسخطوا عليه. # ويقرأ (ويلمزك): برفع الميم. # قال أبو عوسجة: اللمز: العيب؛ يقال له: لماز ولامز، وهماز وهامز. # وقال القتبي: (يلمزك)، أي: يعيبك ويطعن عليك؛ يقال: همزت فلانا ولمزته: ~~إذا اغتبته وعبته، وكذلك قول الله: (ويل لكل همزة لمزة). # وقوله - عز وجل -: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... (60) # يشبه أن تكون الآية في بيان موضع الصدقة؛ على ما تقدم من الذكر بقوله: ~~(ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا. . .) الآية، ما ذكر أن ~~المنافقين كانوا يأتون رسول الله، يسألونه من الصدقات، فإن أعطاهم رضوا ~~عنه، وإن لم يعطهم طعنوا فيه، وعابوا عليه، فبين أن الصدقات ليست لهؤلاء، ~~ولكن للفقراء من المسلمين، والمساكين من المسلمين، وكذلك ما ذكر من ~~الأصناف: ms1973 # PageV05P392 # المكاتبين والغارمين. . . أنها لهؤلاء من المسلمين، لا لهم. # PageV05P396 # ويدل على ذلك ما جاء من الأخبار: وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه وضع صدقات بأعيانها حملت إليه في صنف واحد مثل: ما روي أنه أعطى ~~الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى فلانا كذا. # وروي عن الصحابة أنهم وضعوا الصدقة في صنف واحد. # PageV05P398 # وروي عن حذيفة أنه قال: هؤلاء أهلها، ففي أي صنف وضعتها أجزأك. # وعن ابن عباس أنه قال كذلك. # وعن عمر: أنه كان إذا جمع صدقات الناس، المواشي والبقر والغنم، نظر ما ~~كان منتجة للبن، فيعطي لأهل البيت على قدر ما يكفيهم، فكان يعطي العشرة شاة ~~للبيت الواحد، ثم يقول: عطية تكفي خير من عطية لا تكفي، أو كلام نحو هذا. # وقد روي عنه أنه سئل عن ذلك، فقال: والله، لأردن عليهم الصدقة حتى يروح ~~على أحدهم مائة ناقة، أو مائة بعير. # PageV05P399 # وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه أتي بصدقة، فبعثها إلى أهل بيت ~~واحد. # هؤلاء نجباء الصحابة استجازوا وضع الصدقة في صنف واحد، ولو كان حق كل ~~صدقة أن تقسم بين هؤلاء الأصناف الذين ذكر بالسوية على ما قال القوم، لكان ~~قال الله - عز وجل -: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من معهم من الأصناف، ~~كما يقال: الميراث لقرابة فلان، أي: ليس للأجنبيين في ذلك حق، ولا يقال: ~~الميراث بين قرابة فلان؛ لأن لكل في ذلك حقا؛ لأن حرف " بين " يقتضي ~~التسوية بجميعهم، وقوله: " لهم " يقتضي أنه لا حق فيه لغيرهم. # ألا ترى أنه يقال: الخلافة لولد العباس، يراد أنه لا حظ فيها لغيرهم، ~~والسقاية لبني هاشم، ونحوه، ليس يراد ذلك بينهم بالتسوية، وإنما يراد ذلك ~~أن لا حق لغيرهم فيها؟! # وبعد، فإنه لو كان في الآية: إنما الصدقات بين الفقراء وبين من ذكر معهم، ~~لكان لا يجب قسمة كل صدقة بين هؤلاء الأصناف المذكورة في الآية؛ لأنه ليس ~~للصدقات انقطاع، بل لها مداد إذا دفع صدقة واحدة إلى صنف واحد، فإذا أتى ms1974 ~~بصدقة أخرى دفع إلى صنف آخر، هكذا يعمل في الأصناف كلها. # وبعد، فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها ~~بينهم، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنهم دفعوا صدقة واحدة بين ~~هؤلاء الذين ذكر؛ فدل أنه خرج على ما ذكرنا؛ لأنه لو كان على تسوية كل صدقة ~~بينهم، لم يجز ألا يقسموها كذلك ويضيعون حق البعض من هؤلاء. # PageV05P400 # وبعد، فإنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك، دل ~~أنه لم يخرج الخطاب على توهم خصومنا. # ولأن الحق لو كان التسوية بينهم في كل صدقة، لكان إذا لم يجد في بلدة ~~مكاتبين أو واحدا من هؤلاء الأصناف، فيجب أن يسقط مقدار حصة من لم يجد عن ~~أربابها، فذلك بعيد؛ فقد جاء في الخبر أنه بعث معاذا إلى اليمن، فقال له: " ~~خذ من أغنيائهم ورد في فقرائهم ". # ويكره إخراج صدقة كل بلد إلى غيره من البلدان. # PageV05P401 # ثم تحتمل الآية جميع الصدقات التي يتصدق بها على الفقراء والمساكين من ~~الفيء وغيره، فبين أن هؤلاء موضع لذلك كله، من نحو قوله: (وآتوا حقه يوم ~~حصاده) وقوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). # ويحتمل زكاة الأموال المفروضة، والوجه فيه ما ذكرنا. # فإن قيل: إن الرجل إذا أوصى فقال: ثلث مالي لفلان وفلان وفلان، أليس هو ~~مقسوما بينهما بالسوية؟ ما منع أن الأول بمثله؟ # قيل: لا تشبه الصدقات الوصايا؛ وذلك أن الوصية إنما وقعت في مال معلوم، ~~لا يزيد فيه بعد موت الميت شيئا، ولا يتوهم له مدد، والصدقات يزيد بعضها ~~بعضا، وإذا فني مال جاء مال آخر، وإذا مضت سنة جاءت سنة أخرى بمال جديد، ~~فإذا دفع الإمام صدقة جميع ما عنده إلى الفقراء ثم حضره غارمون فتحمل إليه ~~صدقة أخرى يجعلها فيهم، فيصلح بذلك أحوال الجميع؛ لما لا انقطاع للأموال ~~إلى يوم القيامة. # وكيف تقسم الصدقة على ثمانية أسهم؟ ولا خلاف في أن للعاملين بقدر عمالتهم ~~زاد ذلك على الثمن أو ms1975 نقص منه، فإذا زالت القسمة في أحد الأصناف زالت في ~~الجميع، فأعطي كل صنف منهم بقدر حاجته كما أعطي العاملون، وكيف يصنع بسهم ~~المؤلفة قلوبهم وقد ارتفع ذلك ونسخ؟ وعلى ذلك جاء عن بعض الصحابة، من نحو ~~أبي بكر وعمر أنهم لم يعطوهم شيئا، أليس يرد ذلك على سائر السهام؟! فإذا ~~جاز أن يزاد على الثمن في وقت، جاز أن ينقص منه في وقت. # وفي قوله: (والعاملين) دلالة أن لا بأس للأئمة والقضاة أخذ الكفاية من ~~بيت المال، ولكل عامل للمسلمين أخذ كفايته ورزقه من ذلك إذا فرغ نفسه لذلك، ~~وكفها عن # PageV05P402 # غيره من المنافع والأعمال. # ثم اختلف في الفقراء والمساكين؛ قال بعضهم: الفقراء: هم من المهاجرين؛ ~~كقوله: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم)، والمساكين: من الذين ~~لم يهاجروا. # وقال بعضهم: الفقير: الذي به زمانة، والمسكين: الذي ليست به زمانة، وهو ~~محتاج. # وقال بعضهم: الفقراء: هم المتعففون الذين لا يخرجون ولا يسألون الناس؛ ~~كقوله - تعالى -: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) والمساكين: هم الذين ~~يسألون، وكذلك قال الحسن. # وعن عمر قال: ليس المسكين الذي لا مال له، ولكن المسكين الذي لا يصيب ~~المكسب. # وعن ابن عباس قال: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين: الطوافون. وهو ~~قريب مما قاله الحسن. # وعن الأصم قال: الفقير: الذي لا يسأل، وهو ما ذكرنا بدءا، والمسكين: الذي ~~يسأل إذا احتاج، ويمسك إذا استغنى. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برواية أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - قال: " ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة ~~واللقمتان، والتمرة والتمرتان " قيل: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: " ~~الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا # PageV05P403 # يقوم فيسأل الناس ". # فهذا لو حمل على ظاهره لدفع قول من قال: إن المسكين هو الذي يسأل الناس، ~~ولكن يجوز أن يكون معناه - والله أعلم - أن الذي يسأل وإن كان عندكم ~~مسكينا، فإن الذي لا يسأل أشد مسكنة منه، ولا يحمل على غير ذلك؛ لأن الله ~~قد سمى الذين ms1976 لا يسألون الناس فقراء، ولا يجوز أن يجعل الحديث مخالفا للآية ~~ما أمكن أن يكون موافقا لها؛ قال الله - تعالى -: # (يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16). # فقوله (ذا مقربة) قيل: هو الذي لا حائل بينه وبين التراب لفقره؛ فدل بذلك ~~- والله أعلم - على أن المسكين هو الشديد الفقر، والفقير هو الذي لا يملك ~~شيئا، ولم يبلغ في الفقر والضرورة حال المسكين، ويدل لذلك قول عمر: ليس ~~المسكين من لا مال له، ولكن المسكين من لا مكسب له؛ كأنه يقول: إن الذي لا ~~مال له وله مكسب هو فقير، والمسكين أشد حالا من الفقير، وليس له مال ولا ~~مكسب. # وإن حمل قول النبي - عليه السلام -: " ليس المسكين الذي يسأل، ولكن ~~المسكين الذي لا يفطن له ولا يسأل " على أن ذلك الذي لا يفطن به هو أشد ~~مسكنة من الآخر، وإن كان الآخر مسكينا -أيضا- كان موافقا للمعنى الذي ~~ذكرنا؛ لأنا قلنا: إن المسكين هو الشديد الفقر، وقد يكون فقيرا وإن لم يبلغ ~~به الضر مبلغ الضر الأول. # وقد يخرج قول من قال: إن المسكين الذي يخرج هذا المخرج؛ لأن من شأن ~~المسلم الفقير أنه يتحمل ما كانت له حيلة، ويتعفف، ولا يخرج فيسأل وله حيلة ~~فخروجه يدل على شدة ضيقه، وعلى الزيادة في سوء حاله، فكان القولان جميعا ~~يرجعان إلى معنى واحد. # وإذا كان الفقير أحسن حالا من المسكين لما ذكرنا، فقد يجوز أن تدفع ~~الصدقة إلى من له مال قليل؛ لأنه فقير، وإن لم يكن حاله في فقره حال ~~المسكين الذي لا يملك شيئا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والعاملين عليها). # اختلف فيه: # PageV05P404 # قال بعضهم: يعطى لهم الثمن. # وقال بعضهم: يعطى لهم قدر عمالتهم. # وقال بعضهم: يعطى لهم قدر كفايتهم وعيالهم. # أما قول من قال: يعطى لهم الثمن: فلا معنى له؛ لما يجوز ألا يبلغ الثمن ~~الوفاء أو عمالته لا تبلغ عشر عشر ذلك. # ومن قال: يعطى لهم قدر كفايتهم وكفاية عيالهم، فهو - والله أعلم - إذا ~~كان هو يسلم نفسه ms1977 لذلك واستعمله الإمام في جميع أمور المسلمين، فإذا كان ~~كذلك يعطى له عند ذلك الكفاية له ولعياله، وأما إذا تولى شيئا من تلك ~~العمالة في وقت، فيعطي له الكفاية فلا. # والأشبه عندنا: أن يعطى لهم قدر عمالتهم، وهكذا الإمام إذا استعمل أحدا ~~في عمل من أعمال اليتيم فإنه يعطى له قدر أجر عمله. # وقوله - عز وجل -: (والمؤلفة قلوبهم). # قد ذكرنا فيما تقدم أنه - عليه السلام - كان يعطي الرؤساء من المنافقين ~~من الصدقات، يتألف به قلوبهم ليسلموا؛ على ما روي أنه كان يعطي فلانا مائة ~~من الإبل، وفلانا كذا. # روي أنه قسم ذهبة أو أديما مقروطا، بعثها علي - رضي الله عنه - من اليمن، ~~بين الأقرع بن حابس وبين فلان وفلان. # والحديث في هذا كثير أن النبي كان يخص به الرؤساء منهم بالصدقة يتألفهم، ~~والإسلام في ضعف وأهله في قلة، وأولئك كثير ذوو قوة وعدة، فأما اليوم فقد ~~كثر أهل # PageV05P405 # الإسلام، وعز الدين، وصار أولئك إذ لا يحمد الله، فقد ارتفع ذلك وذهب " ~~إذ قوي المسلمون وكثروا، فيقاتلون حتى يسلموا، وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي ~~بكر وعمر - رضي الله عنهما - فدل على ما ذكرنا. # روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن جاءا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ~~فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، ~~فإن رأيت أن تقطعناها، فأقطعنا إياها، وكتب لهما عليها كتابا، وأشهد عمر - ~~رضي الله عنه - وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه، فلما سمع عمر ما ~~في الكتاب، فتناوله من أيديهما، ثم نظر فيه، فمحاه، فتذمرا وقالا له مقالة ~~سيئة، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتألفكما والإسلام ~~يومئذ قليل، وإن الله - تعالى - قد أعز الإسلام، اذهبا فاجهدا # جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما. # ونحن نذهب إلى هذا الحديث؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله، فصار ~~ذلك وفاقا منه له، فكفى بقولهما حجة لنا. # ولنا في ذلك وجهان من الحجج: # أحدهما: ms1978 أن النبي - عليه السلام - كان يعاهد قوما وهو إلى مداراتهم ~~ومعاهدتهم محتاج؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلما أعز الله ~~الإسلام وأكثر أهله رد إلى أهل العهود عهودهم، ثم أمر بمحاربتهم جميعا. # والثاني: ما قال الله - تعالى -: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~في الأرض)، فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا # PageV05P406 # مخالفة للحال الأولى في هذه الأشياء، فكذلك أمر المنافقين جائز الرضا في ~~الحال الأول محظور في الحال الثانية، والله أعلم. # وفي الآية دلالة جواز النسخ بالاجتهاد؛ لارتفاع المعنى الذي به كان؛ ~~ليعلم أن النسخ قد يكون بوجوه. # وفي خبر أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - دلالة أن إذن الإمام شرط في ~~إحياء الأرض الموات التي لا تملك إلا بالإذن؛ لأن ذينك الرجلين اللذين أتيا ~~أبا # PageV05P407 # بكر، والأرض لا كلأ فيها، وذلك صورة أرض الموات. # وقوله - عز وجل -: (وفي الرقاب). # اختلف فيه؛ قال بعضهم: معناه: العتق، ويجوز أن يعتق عن الزكاة. # PageV05P408 # وقال بعضهم: هم المكاتبون، يستأدونهم في كتابتهم، وقالوا: لا يشبه ~~الإعتاق ما يدفع إلى المكاتب فيؤدي فيعتق؛ لأن العتق ليس بتمليك، وإنما هو ~~إبطال ملك، وما يدفع إلى المكاتب فهو تمليك، فذلك مختلف، وإنما تكون الزكاة ~~زكاة إذا زالت من مالك إلى مالك. # والثاني: أن العتق يوجب الولاء للمعتق، فحقه فيه باق، والذي يديم الزكاة ~~إلى مكاتب لغيره لا يرجع إليه بذلك حق، ولا يجب فيه ولاء، فهما مختلفان. # والثالث: وهو أن الله - تعالى - قال: (والغارمين)، ولو أن رجلا قضى من ~~غارم دينه بغير أمره، لم يجز من زكاة ماله، وإنما يكون زكاة إذا دفعها إلى ~~الغارم، فعتق المزكي العبد بمنزلة قضاء دين الغارم؛ لأنه لا يحتاج في واحد ~~منهما إلى قبول من الغارم والعبد، وإعطاؤه المكاتب في الزكاة كدفعه إياها ~~إلى الغارم؛ لأنه قد دفعها في كلا الحالين إلى من قبلها منه من زكاة ~~وقبضها، وفي ذلك وجه آخر: وذلك أن أشتري عبدا من رجل لأعتقه، فقد صار ثمنه ms1979 ~~دينا في ذمتي قبل أن أنقد المال، فإذا أقبضته فإنما قضيته عن ذمتي دينا قد ~~لزمني، ولا يجوز أن أقضي ديني. # وقوله - عز وجل -: (وفي سبيل الله). # قيل: هم الغزاة. # PageV05P409 # ويحتمل: (وفي سبيل الله)، أي: في طاعة الله أن كل من سعى في طاعة الله ~~وسبيل الخيرات، فإنه داخل في ذلك. # وقوله: (وابن السبيل) # قيل: الضيف ينزل به. # وقيل: هو المار عليك وإن كان غنيا، المنقطع عن ماله. # وقوله: (فريضة من الله) يحتمل: بيانا من الله وإعلاما أهل الصدقات منهم ~~من غيرهم. # ويحتمل قوله: (فريضة من الله) أي: واجبا من الله وفرضا (والله عليم ~~حكيم). # * * * # قوله تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم ~~يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ~~ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين (66) # PageV05P410 # وقوله - عز وجل -: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير ~~لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول ~~الله لهم عذاب أليم (61) # أخبر أنهم يؤذون النبي، ولم يبين بما كانوا يؤذونه، فيحتمل: يؤذون النبي ~~بتكذيبهم إياه، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه. # ويحتمل: يؤذونه بكلمات يسمعونه، وطعن يطعنونه، ويعيبون عليه (ويقولون هو ~~أذن). # قيل: الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه، ويسمع من كل أحد يعتذر ~~إليه ويقبل، وكذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يقبل العذر ممن اعتذر إليه ~~ويسمع، منه سواء كان له عذر أو لا عذر له؛ لكرمه وشرفه، وحسن خلقه، فظن ms1980 ~~أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما ~~يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه، وصغر همته، وقصور يده، وهم كانوا أهل ~~كبر وأنفة، قالوا: هو أذن، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا، ~~ويقبل عذرنا؛ قال الله - تعالى -: (قل) يا محمد (أذن خير لكم) أي: الذي ~~يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع، فكيف تؤذونه، وتطعنون ~~عليه وتعيبونه، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به؟ يخبر عن سفههم. # قال أبو عوسجة: الأذن: الذي من قال له شيئا، أو حدثه حديثا، صدقه واستمع ~~منه، وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدق كل من قال له شيئا ~~أو حدثه حديثا، واستمع منه؛ لكرمه، وشرفه، ومجده، وحسن خلقه، لا لما ظن ~~أولئك. # وقيل: يقولون: هو أذن، أي: يسر في نفسه ويكتم، ولا يكافئ من آذاه، ولا ~~يجازيه؛ قال الله: (قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين). # وقال بعضهم: (يؤمن بالله)، أي: يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته. # (ويؤمن للمؤمنين)، أي: يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم، وأيمانهم على ~~حقوقهم، وفروجهم، وأموالهم. # ويحتمل قوله: يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سر المنافقين، وما استكتموه ~~منه من # PageV05P411 # الكيد له، والمكر به، ويؤمن للمؤمنين بما يخبرونه من قبل أولئك المنافقين ~~من الطعن فيه، والعيب عليه، والإيمان بآخر هو التصديق بجميع ما فيه، ~~والإيمان له من خبره وحديثه. # وقوله: (ويؤمن للمؤمنين). # فيما يشهدون في الآخرة له بالتبليغ إليهم؛ كقوله؛ (فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين) أو أن يكون قوله: (ويؤمن للمؤمنين)، أي: يؤمن ~~بالمؤمنين فيما بينهم بالأخوة في الدين؛ كقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة). # وقوله - عز وجل -: (ورحمة للذين آمنوا منكم). # كان - صلى الله عليه وسلم - رحمة للمؤمنين؛ لما استنقذهم من الكفر إلى ~~الإيمان، ومن الهلاك إلى النجاة، يشفع لهم في الآخرة بإيمانهم في الدنيا. # (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم). # في الآخرة، بقية من الآية الأولى. # وقوله: (والغارمين). # جعل الله الغارم موضعا للصدقة، ms1981 وهو الذي عليه الدين والغرم من أي وجه ~~لحقه؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن ~~المسألة لا تحل إلا لإحدى ثلاث: من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو لذي دم موجع ~~". # وفي بعض الأخبار: " إن الصدقة لا تحل إلا لخمس: للعاملين عليها، أو رجل ~~اشتراها، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني ". # وروي عن الحسن، والحسين وابن عمر، وابن جعفر أن رجلا سألهم شيئا فقالوا: # PageV05P412 # إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك: في فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو ~~دم موجع. # هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة، قل دينه أو كثر. # فإن قيل: في الخبر: " أو غرم مفظع "، قيل: لا خلاف بينهم في أن من دينه ~~غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر ~~إنما هو لكراهة المسألة، لا على التحريم، وهكذا نقول: إن المسألة لا تحل له ~~إذا كان غرمه غير مفظع، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له. # مسألة: قوله: (وابن السبيل) هو ما ذكرنا أنه المنقطع من ماله، جعله الله ~~موضعا للصدقة، وإن كان غنيا في مقامه للحاجة التي بدت له؛ وعلى ذلك روي عن ~~أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تحل الصدقة ~~لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه ~~فأهدى له ". # وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال: " لا تحل الصدقة إلا لخمس، وفيه: أو ~~فقير تصدق عليه فأهداها لغني ". # وقد يكون الرجل غنيا بأن يكون له دار يسكنها، ومتاع يتهيأه، وثياب وعزم ~~على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره، وسلاح يستعمله في غزوه، ومركب ~~يغزو عليه، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته، ~~فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره، فهو في ~~مقامه ms1982 غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا، وهو في حال سفره ~~غير غني، فيحتمل أن يكون معنى قوله: " لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ~~" على من كان غنيا في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره؛ لما أحدث ~~له السفر من الحاجة. # ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه، والدابة لا يركبها، ~~فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة، فإن عرض له مرض أو ~~سفر فاحتاج إلى دابة # PageV05P413 # ليركبها، أنه يخرج من الغناء بما حدث له من الحاجة إلى الركوب، وكان له ~~أن يأخذ من الصدقة عندنا لا يستغني عما هو له، وإنما الغني من استغني عما ~~يملكه. # فكذلك الغارم على العرف قد تحدث له الحاجة إلى أكثر مما يملك، وصار ممن ~~يجوز أن يعان، وإن كان ملكه الذي كان به غنيا قبل ذلك لم ينقص، فهذا - ~~والله أعلم - يحتمل. # وابن السبيل -أيضا- ما ذكرنا من الخبر ألا تحل الصدقة لغني إلا لابن ~~السبيل ومن ذكر معه، وعلى ذلك اتفاق الأمة، وهو ما قيل: المجتاز من أرض إلى ~~أرض. # وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - في تأويل قوله: (إلا عابري سبيل): ~~هو المسافر. وهو ما ذكرنا أنه المنقطع عن ماله وإن كان غنيا في مقامه، ~~والفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة. # روي عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " للسائل حق وإن جاء على فرس ". # وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أعطوا السائل ولو جاء ~~على فرس ". # وجاء في بعض الأخبار عن رسول الله قال: " لا يسأل عبد - أو قال: أحد - ~~مسألة ما يغنيه إلا جاءت يوم القيامة خدوشا وكدوحا في وجهه " قيل: يا رسول ~~الله، وماذا # PageV05P414 # يغنيه؟ أو ما أغناه؟ قال: " خمسون درهما أو حسابها من الذهب ". # وفي بعض الأخبار يقول: " من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف ". # وعن علي وعبد الله ms1983 قالا: لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما، أو عوضها من ~~الذهب. # وعن عمر كذلك. # وعن ابن عباس قال: سال رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن لي ~~أربعين درهما، أمستكثر أنا؟ قال: " نعم ". # وفي بعض الأخبار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ". # وفي بعض الأخبار: # ولا " لقوي مكتسب ". # وإنما يحمل قوله: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " على الزجر عن # PageV05P415 # العرض على الصدقة والمسألة عليها. # ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الصدقة لا تحل إلا في ~~إحدى ثلاث "، فذكر إحداها: " أو فقر مدقع "، فذلك يبيح لذي المرة السوي أن ~~يقبل. # ألا ترى أن الرجلين اللذان سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لهما: " إن شئتما أعطيتكما "، فلو كان حراما عليهما ما أعطاهما الحرام، ~~ولكن ذلك على الزجر عن المسألة. # وروي عن سلمان أنه حمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة، فقال ~~لأصحابه: " كلوا " ولم يأكل هو، ولا يتوهم متوهم أن أصحابه كانوا زمنى، ~~فهذا يبين أن النبي أراد الزجر عن المسألة والتعرض لها إلا في حال الضرورة، ~~لا على التحريم لها وأن من أخذها وله أقل من مائتي درهم أو قيمتها، فله ~~فيها ملك سداد من عيش، فذلك مكروه. # ألا ترى أنه روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يأخذون الصدقة ولأحدهم من السلاح والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف ~~درهم. فهذا حسن، والتعفف عنها أحسن؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله ". # وقوله: " لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل الناس شيئا أعطوه ~~أو منعوه ". # وقوله - عز وجل -: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~إن كانوا مؤمنين (62) # بما حلفوا عليه. # ذكر بعض أهل التأويل أن الأنصار مشت إليهم - يعني: إلى المنافقين - ~~فقالوا: قد # PageV05P416 # عيرنا بما نزل ms1984 فيكم فحتى متى؟! فكانوا يحلفون للأنصار: والله ما كان شيء ~~من ذلك، فاكذبهم الله فقال: (يحلفون بالله لكم): ما كان الذي بلغكم، ~~(ليرضوكم): بما حلفوا، (والله ورسوله أحق): منكم يا معشر الأنصار، (أن ~~يرضوه): حيث اطلع على ما حلفوا وهم كذبة، (إن كانوا مؤمنين) يقول: ولكن ~~ليسوا بمصدقين. # والأشبه أن تكون الآية نزلت في معاتبة جرت بين المؤمنين والمنافقين ~~باستهزاء كان منهم برسول الله، أو طعن فيه، أو استهزاء بدين الله، فاعتذروا ~~إليهم وحلفوا على ذلك ليرضوهم، فقال الله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين) حقيقة ولكن ليسوا بمؤمنين. # وأما ما قاله بعض أهل التأويل أن رجلا من المنافقين قال: والله، لئن كان ~~ما يقول محمد حقا لنحن شر من [الحمير]، فسمعها رجل من المسلمين، فأخبر بذلك ~~رسول الله، فدعاه، فقال: " ما حملك على الذي قلت " فحلف والتعن ما قاله، ~~فنزل قوله: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم)، هذا لو كان ما ذكر، لكانوا يحلفون ~~لرسول الله، لا يحلفون لهم؛ دل أن الآية في غير ما ذكر. # ويذكر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول ~~الله في غزوة تبوك، فجعلوا يحلفون لرسول الله حين رجع أنهم لا يتخلفون عنه ~~أبدا وكذلك قال غيره من أهل التأويل، ولكن لو كان ما قالوا لكانوا يحلفون ~~لرسول الله ويرضونه، لا للمؤمنين؛ دل أن الأشبه ما ذكرنا، وفيه وجوه: # أحدها: أن فيه دلالة تحقيق رسالته - صلى الله عليه وسلم - ليعلموا أنه ~~حق؛ حيث اطلع على ما أسروا في أنفسهم وكتموا من المكر به وأنواع السفه. # PageV05P417 # والثاني: ليحذروا ويمتنعوا عن مثله والمعاودة إليه؛ لما علموا أنه يطلع ~~على جميع ما يسرون عنه ويكتمون. # والثالث: تنبيها للمؤمنين وتعليما لهم منه بأنه إذا وقع لهم مثل ذلك لا ~~يشتغلون بالحلف طلبا لإرضاء بعضهم بعضا، ولكن يتوبون إلى الله، ويطلبون منه ~~مرضاته. # وقوله - عز وجل -: (والله ورسوله أحق أن يرضوه). # ذكر نفسه ورسوله ثم أضاف الرضاء إلى رسوله بقوله: (أحق أن يرضوه)، ms1985 ولم ~~يقل: أحق أن يرضوهما؛ فهو - والله أعلم - لأنهم إذا أرضوا رسوله رضي الله ~~عنهم، وكان في إرضائهم رسوله إرضاء له، فهو ما ذكر أنهم (إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم) ثم أضاف الحكم إلى رسوله؛ لأنهم إنما دعوا إلى أن يحكم ~~الرسول بينهم. # وقوله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)؛ لأن الخلاف والخيانة كان في حق ~~الله، وفي حق رسوله، لم يكن في حق المؤمنين؛ لذلك قال: (والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه) من المؤمنين. # ثم ذكر محادة الله ورسوله، ثم اقتصر على رضاء رسوله؛ لأنهم لم يقصدوا قصد ~~مخالفة الله، وإنما قصدوا قصد مخالفة، رسوله، أو أن يكون ذكر إرضاء أحدهما؛ ~~لأن في إرضاء رسوله رضاء الرب؛ كقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله). # وقوله - عز وجل -: (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (63) # وفي الآية دلالة أنهم علموا أنهم معاندون في صنيعهم، وعلموا أن من عاند ~~وكابر بغير حق فإن له نار جهنم. # وقوله: (يحادد الله). # يحتمل: يعاند الله. # وقيل: (يحادد الله): يشاقق الله ويخالفه؛ وهو واحد. # PageV05P418 # ثم قوله: (ألم يعلموا) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: قد علموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له ما ذكر، لكنهم ~~عاندوا أوقصدوا، الخلاف والمحادة له مع علمهم. # والثاني: أي: علموا أنه من يحادد الله ورسوله، فإن له ما ذكر؛ على ما ~~ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على الإيجاب والإلزام. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الخزي العظيم). # يحتمل وجهين: # الأول: يحتمل الخزي، أي: الفضيحة العظيمة في الدنيا. # والثاني: يحتمل ذلك الخزي العظيم في الآخرة، أي: نار جهنم خزي عظيم. # وقوله - عز وجل -: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) # يحتمل قوله: (يحذر المنافقون)، أي: الحق عليهم أن يحذروا؛ لما أطلع الله ~~رسوله مرارا على ما أسروا وكتموا. # ويحتمل على الخبر: أنهم كانوا يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم عما في ~~قلوبهم؛ ms1986 لكثرة ما أطلع الله رسوله من سرائرهم وسفههم. # وقوله - عز وجل -: (قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون). # فهو - والله أعلم - ليس على الأمر؛ ولكن على الوعيد، يقول: استهزئوا؛ فإن ~~الله مظهر ومبين ما أسررتم وكتمتم من العيب والاستهزاء برسوله والطعن فيه. # وقوله - عز وجل -: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (65) # ذكر السؤال، ولم يبين عئم يسألهم، ولكن في الجواب بيان أن السؤال إنما ~~كان على الاستهزاء؛ حيث قال: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) ذكر ~~أن نفرا من المنافقين كانوا اختفوا في بعض الطريق، ليمر رسول الله، ويرجع ~~من الغزو فيقتلونه، فأطلع الله نبيه على اختفائهم في ذلك أنه لماذا؟ فقال: ~~(ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب). # وذكر بعض أهل التأويل أن النبي لما رجع من غزوة تبوك بينا هو يسير إذ هو ~~برهط يسيرون بين يديه يضحكون ويستهزئون، فأطلع الله رسوله أنهم يستهزءون ~~بالله وكتابه ورسوله؛ فقال: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب). # وقيل بغير ذلك. # وقيل: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض)، أي: لو سألتهم: ما تقولون؟ # PageV05P419 # فيقولون لك: مما يخوض فيه الركب إذا ساروا. # وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا ~~من خبر المنافقين تنبيها للمؤمنين وتحذيرا لهم؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا ~~على ألسنتهم؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون. # وقوله: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون). # قوله: (أبالله) يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس المؤمنين؛ لأنه لا ~~أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله، ولكنهم كانوا يستهزئون برسول الله ~~وبالمؤمنين؛ فأضاف إلى نفسه؛ كقوله: (يخادعون الله)، وكذلك قوله: (إن ~~تنصروا الله. . .) الآية؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزئون برسول الله ~~وبالمؤمنين، فأضاف إلى نفسه؛ تعظيما لهم وإكراما. # وقوله: (وآياته) يحتمل أنهم كانوا يستهزئون بالأحكام التي لها آيات، ~~فاستهزءوا بتلك الأحكام؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات؛ كقوله: (ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا) الآية. # (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) هم لم يتخذوا ms1987 آيات الله هزوا؛ ولكن هزوا ~~بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته، ولكن من استخف بحكم من ~~الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة ~~منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) # أي: لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ~~ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلا والكذب في ذلك؛ كقوله: (يعتذرون إليكم ~~إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم)، ~~أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم. # وقوله: (قد كفرتم بعد إيمانكم). # يحتمل: كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان. # ويحتمل: (قد كفرتم بعد إيمانكم) حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا. # وقوله - عز وجل -: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة). # PageV05P420 # قال بعضهم: قوله: (إن نعف عن طائفة) ذلك أن المنافقين قد آمن منهم بعد ~~النفاق وتاب، فأخبر أنه إن يعف عنهم يعذب طائفة: الذين لم يؤمنوا ولم ~~يتوبوا. # وقيل: إن يعف عن طائفة منكم يعذب طائفة؛ لأن من المنافقين من قد ماتوا ~~على الإيمان، ومنهم من قد مات على الكفر؛ فوعد العفو لمن مات على الإيمان؛ ~~كقوله: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم): أخبر أنه إن شاء تاب ~~عليهم؛ فقوله: (إن نعف عن طائفة منكم) الطائفة التي يتوب الله عليهم. # وقوله: (قل أبالله وآياته ورسوله) يحتمل وجهين: # أحدهما: على الإيجاب، أي: يفعلون بالله ورسوله ذلك. # وقيل: على الوعيد والهتوبيخ؛ أبالله يفعلون هذا؟! والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون ~~عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) ~~وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر ~~أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك ms1988 حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) # وقوله - عز وجل -: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض). # ذكر في أهل الإيمان أن بعضهم أولياء بعض بقوله: (والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض)، وذكر في الكافرين الولاية لبعضهم ببعض بقوله: (والذين ~~كفروا بعضهم أولياء بعض)، وقال في المنافقين: (بعضهم من بعض)، فهو - والله ~~أعلم - أن لأهل الإيمان دينا يدينون به ويتناصرون، ويدعون الناس إليه، # PageV05P421 # وأهل الكفر يدينون -أيضا- بدين ويتناصرون به، ويعاون بعضهم بعضا؛ فصار ~~لكل واحد من الفريقين موالاة فيما بينهم: موالاة الدين. # وأما المنافقون: فإنه لا دين لهم يدينون به، ولا مذهب ينتحلونه، ولا ~~يناصر بعضهم بعضا، ولا يعاون بعضهم بعضا، ولا يجري بينهم التناصر والتعاون، ~~فإنما هم عباد النعمة والسعة، مالوا حيثما مالت النعمة والسعة فلا موالاة ~~بينهم لما ذكرنا. # وفي قوله: (والمنافقات) دلالة أن من نافق بالتقليد لآخر أو كفر بالتقليد ~~لآخر، أو نافق لا بتقليد - سواء في استيجاب الإثم والتعذيب في ذلك والوعيد؛ ~~لأن النساء هن أتباع وأهل تقليد للرجال، ثم سوى بينهم وبين النساء في ~~الوعيد. # وقوله - عز وجل -: (يأمرون بالمنكر). # يحتمل قوله: (يأمرون بالمنكر)، أي: ما تنكره العقول، وهو الشرك بالله ~~والخلاف له. # (وينهون عن المعروف)، أي: ينهون عما تعرفه العقول وتستحسنه، وهو التوحيد ~~لله والإيمان به، ويدخل في ذلك كل خير وحسن، وفي المنكر يدخل فيه الشرك وكل ~~معصية. # وقوله - عز وجل -: (ويقبضون أيديهم). # من الإنفاق في سبيل الخير، لكن يحتمل أن يكون على التمثيل لا على تحقيق ~~قبض اليد، ولكن على كف النفس ومنعها من الاشتغال بالخيرات وخوضها فيها وفي ~~جميع الطاعات، لكنه ذكر اليد؛ لما بالأيدي يعمل بها ويكتسب الخيرات ~~والسيئات؛ كقوله: (ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم)، وذلك مما ~~لم تقدمه الأيدي ولا كسبت؛ إنما ذلك كسب القلب، لكنه ذكر اليد؛ لما ذكرنا ~~أنه باليد ما ms1989 يقدم وبها يقبض في الشاهد، وجائز أن يكون ما ذكر من قبض اليد ~~كناية عن بخلهم وقلة إنفاقهم في الجهاد؛ كقوله: (ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون). # وقوله - عز وجل -: (نسوا الله فنسيهم). # قيل: جعلوا الله - عز وجل - كالشيء المنسي لا يذكرونه أبدا؛ فنسيهم، أي: ~~جعلهم كالمنسيين في الآخرة من رحمته لا ينالونها ويحتمل (نسوا الله)، أي: ~~نسوا نعم الله التي # PageV05P422 # أنعمها عليهم فلم يشكروها؛ فنسيهم على المجازاة لذلك، وإن لم يكن نسيانا؛ ~~كما سمي جزاء السيئة سيئة، وإن لم يكن الثاني سيئة؛ فعلى ذلك ذكر النسيان ~~على مجازاة النسيان، وإن لم يحتمل النسيان. # والثالث: (نسوا الله)، أي: بسؤال المعونة والنصرة وسؤال التوفيق؛ فنسيهم ~~الله، أي: لم ينصرهم ولم يوفقهم. # وقوله - عز وجل -: (إن المنافقين هم الفاسقون). # فإن قيل: اسم النفاق أشر وأقبح من اسم الفسق؛ فما معنى ذكر الفسق لهم؟! ~~فهو - والله أعلم - لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين باللسان؛ فأخبر ~~أنهم ليسوا على ما أظهروا، والله أعلم. # أو أن يكون اسم النفاق أشر وأقبح عند الناس من اسم الفسق؛ فيحتمل عندهم ~~أن يكون اسم الفسق أكبر في القبح. # أو سماهم فاسقين؛ لما أن كل أهل الأديان يأنفون عن النسبة إلى الفسق ~~والتسمية به. # أو أن يكونوا يعلمون في أنفسهم أنهم أهل نفاق، ولا يعرفون أنهم فسقة. # وأصل الفسق: هو الخروج عن أمر الله. # وقوله - عز وجل -: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ~~خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) # كأن جهنم هي المكان الذي يعذبون فيه والنار فيه بها يعذبون. # (خالدين فيها هي حسبهم). # أي: حسبهم جزاء لصنيعهم، يقول الرجل لآخر: حسبك كذا، أي: كفاك ذلك جزاء ~~ذلك. # PageV05P423 # وقوله: (ولعنهم الله). # قيل: اللعن: هو الطرد في اللغة، أي: طردهم عن رحمته. # (ولهم عذاب مقيم). # لا يفارقهم ألبتة. # وقوله - عز وجل -: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في ms1990 الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون (69) # أي: هؤلاء المنافقون والكفرة كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وبطشا. # (وأكثر أموالا وأولادا). # في الشاهد: إنما يدفع العذاب أو العقوبة لهذا، وبه يتناصرون بعضهم من ~~بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك عن أنفسهم، فأنتم دونهم في القوة وما ذكر؛ ~~كيف تقدرون على دفع ذلك، هذا قد قيل. # وقيل: (كالذين من قبلكم): أي: صرتم بما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك ~~بما اختاروا من الأعمال، وكل أنواع الخلاف لله، وتكذيب الرسل، وتعاطي ما لا ~~يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم. # (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم). # قيل: انتفعوا بخلاقهم، أي: أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك ~~الدنيا بدينهم. # وقيل: (فاستمتعوا بخلاقهم) أي بنصيبهم من الدنيا ولم يقدموا شيئا للآخرة. # والخلاق: النصيب؛ كقوله: (أولئك لا خلاق لهم في الآخرة)، أي: لا نصيب ~~لهم. # وقال أبو هريرة: الخلاق: الدين، وكذلك قال الحسن في قوله: (بخلاقهم)، أي: ~~بدينهم. # وقوله - عز وجل -: (وخضتم كالذي خاضوا). # أي: خضتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية. # PageV05P424 # قال أبو عبيدة: قوله: (وخضتم)، أي: لعبتم (كالذي خاضوا)، أي: لعبوا ~~بالتكذيب. # (أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة). # فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة؛ لأنها كانت في غير إيمان، فثواب الأعمال ~~إنما يكون في الآخرة بالإيمان. # (وأولئك هم الخاسرون). # خسرانا مبينا، وبطلان أعمالهم في الدنيا لما يقبل واحد من الفريقين من ~~المؤمنين والكفار صنيعهم؛ لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما، ~~وما كانوا مع واحد من الفريقين؛ كقوله: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء). # وقوله - عز وجل -: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: قوله: (ألم يأتهم)، أي: قد أتاهم خبر الذين من قبلهم وما حل بهم ~~وما انتقم الله منهم؛ بتكذيبهم الرسل وسعيهم في قتلهم وهلاكهم، وهم من ms1991 جنس ~~أنفسكم، وأشد قوة وبطشا منكم، وأنتم تقلدونهم في ذلك، ثم حل بهم ما حل ~~بتكذيبهم الرسل، والخلاف لهم، فأنتم دونهم في كل شيء، وأقل منهم في القوة ~~والبطش - أولى بذلك أن يصيبكنم. # والثاني: يحتمل قوله: (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم) أي: يأتيهم نبأ ~~الذين من قبلهم وما حل بهم؛ كقوله: ألم تر كذا، أي: سترى؛ فعلى ذلك هذا ~~يحتمل، وهو حرف وعيد، يحذرهم ما حل بأولئك؛ ليمتنعوا عن مثل صنيعهم. # وقوله - عز وجل -: (والمؤتفكات أتتهم رسلهم). # قال أهل التأويل: هى [قريات] لوط. . مؤتفكات: أي منقلبات. # قال القتبي: ائتفكت، أي انقلبت. # PageV05P425 # وقال أبو عوسجة: المؤتفكات: هي من الإفك؛ وهو الصرف (أنى يؤفكون)، أي: ~~يصرفون. # وقال بعضهم: المؤتفكات: المكذبات؛ # (أتتهم رسلهم بالبينات) وفكذبوهم فاهلكوا. وهو من الانقلاب؛ كأنه أشبه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فما كان الله ليظلمهم). # بتعذيبه إياهم، ولا يعذبهم وهم غير مستوجبين لذلك العذاب، ولكن هم ظلموا ~~أنفسهم؛ حيث كذبوا رسله وردوا ما جاءوا به من البينات والبراهين. # * * * # قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) # وقوله - عز وجل -: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). # يحتمل قوله: (بعضهم أولياء بعض) على الإيجاب والإخبار أن الدين الذي ~~اعتقدوا أو تمسكوا به يوجب لهم الولاية، ويصير بعضهم أولياء بعض؛ كقوله: ~~(إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم. . .) الآية، وقوله: (إنما المؤمنون إخوة) ~~ونحوه، فهي أخوة الدين وولايته. # ويحتمل قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض): على الأمر، أي: ~~اتخذوا بعضكم أولياء بعض، ولا تتخذوا غيركم أولياء؛ كقوله: (لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء) وقوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، نهى ~~المؤمنين أن يتخذوا أولياء من غيرهم، فكأنه أمر أن يتخذ المؤمنون بعضهم ~~بعضا أولياء، لا يتخذوا من غيرهم. # ثم يحتمل الولاية ms1992 وجهين: # الأولى: ولاية روحانية؛ وهي ولاية في الدين توجب مراعاة حقوق تحدث بالدين ~~الذي جمعهم وحفظها. # PageV05P426 # والثانية: ولاية نفسانية، وهي الولاية التي تكون في الأنفس والأموال؛ من ~~نحو ولاية النكاح والميراث وغيره، فهذه الولاية هي الولاية النفسانية التي ~~كانت بالرحم والنسب، فإذا اجتمعوا في دين واحد وجبت تلك الولاية لهم؛ وهي ~~الولاية نفسها. # والولاية الروحانية هي المودة والمحبة، فيجب مراعاتها بالدين وتعاهدها، ~~وهذا كما تقول: حياة روحانية وحياة جسدانية، والحياة الروحانية: هي العلم ~~والآداب، يرى أشياء ويعرفها من بعد الحياة الجسدانية: وهي الروح الذي به ~~يحيا الجسد، وبذهابه يموت الجسد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يأمرون بالمعروف). # يحتمل المعروف: الذي توجبه العقول، وهو التوحيد لله والإيمان به. # (وينهون عن المنكر). # أي: ينهون عما ينكر بالعقول؛ وهو الشرك بالله والتكذيب له. # وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فيما بين الكفرة، يأمرهم ~~المؤمنون بذلك، ويدعونهم إلى ذلك، وينهونهم عن ضد ذلك. # وإن كان فيما بين المؤمنين فهو أمر شرع ونهي شرع، يأمر بعضهم بعضا بما ~~جاء به الشرع، وينهاه عما لم يجئ به الشرع. # أو يأمر بعضهم بعضا بكل خير وبز، وينهى عن كل شر ومعصية. # (ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) في كل أمره ونهيه. # (أولئك سيرحمهم الله) وعد أنه يرحمهم. # (إن الله عزيز حكيم). # قيل: (عزيز) ترى آثار عزه في كل شيء، (حكيم): ترى آثار حكمته وتدبيره في ~~كل شيء. # وقوله - عز وجل -: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو ~~الفوز العظيم (72) # PageV05P427 # أي: رضاء الله عنهم أكبر من كل ما أعطاهم؛ لأن فيه حياة الروح ولذته، وما ~~أعطاهم من الجنة والمساكن الطيبة فيه حياة الجسد ولذته، وحياة الروح أرفع ~~وأكبر من حياة الجسد؛ لأنه لا يؤثر زيادة في الجسد، كذلك العز والحمد، وذكر ~~الحسن فيه حياة الروح ولذته؛ إذ ليس فيه زيادة في الجسد، إنما هو فرح وسرور ~~يدخل فيه، وإذا أصابه شيء ms1993 من الذل أو سمع مكروها، حزن واهتم من غير أن ~~يتألم جسده أو يجد ألما وشدة في نفسه، وذلك لما أصاب روحه لم يصب جسده، ~~وأصله أن العمل في الدنيا لطلب مرضاة الله، ومرضاته أكبر من العمل لطلب ~~ثوابه؛ لأن العمل لطلب رضائه أمر عليه، والعمل لطلب الثواب أمر له، فالذي ~~قام بأداء ما عليه أعظم درجة وأكبر فضلا من الذي قام بعمل ما له؛ لأن كل ~~أحد يعمل ما له وله فيه نفع، ولا كل أحد يعمل لغيره؛ لذلك كان ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (هو الفوز العظيم). # لأنه فوز ونجاة، لا خوف بعده، ولا هوان ولا ذل. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) ~~يحتمل الأمر # بالجهاد الفريقين جميعا جهادا بالسيف. # ويحتمل: مجاهدة بالحجج والبراهين الفريقين جميعا. # PageV05P428 # ويحتمل -أيضا-: الأمر بالمجاهدة الكفار، يجاهدهم بالسيف، ويغلظ القول ~~ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود. # فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعا بالسيف، فهو - والله أعلم - في ~~المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين، وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا ~~الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم، فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ~~ويقاتلون به، وهو كقوله: (لئن لم ينته المنافقون)، إلى قوله: (ملعونين) ~~الآية، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون أينما وجدوا، فيشبه أن تكون الآية في ~~الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون ~~عليه، فأطلع الله رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون ~~فيه ويذكرونه بسوء، فيقول - والله أعلم -: جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك ~~بسوء بعد ذلك. # وإن ms1994 كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج، فهو - صلى الله عليه وسلم - ~~قد حاج الفريقين جميعا بالحجج، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة ~~المنافقين. # ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصة، وفي المنافقين تغليظ القول ~~والتشديد، وإقامة الحدود التي ذكرنا، والتعزير إذا ارتكبوا شيئا مما يجب ~~فيه الحد أو التعزير - والله أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين ~~مظهرين لهم الموافقة. # وقوله: (ومأواهم جهنم وبئس المصير) هذا في المنافقين الذين ماتوا على ~~النفاق. # وقوله - عز وجل -: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) # PageV05P429 # قال بعض أهل التأويل: الآية نزلت في شأن رجل منافق قال يوما: والله، لئن ~~كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير. فسمع ذلك غلام وهو ربيب ذلك ~~القائل، فقال له: تب إلى الله. وجاء الغلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأخبره، فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتاه، فجعل يحلف: ما ~~قال ذلك؛ فنزلت الآية فيه: (يحلفون بالله ما قالوا. . .). # لكن غير هذا كان أشبه؛ لأن الآية: (ولقد قالوا كلمة الكفر) وقول الرجل: ~~لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير - هذا القول نفسه ليس هو كلام ~~كفر؛ إنما كلام ذم، ذم به نفسه في الآية (يحلفون بالله) وفهو قول جماعة. # وقيل: نزل في شأن عبد الله بن أبي، قال أصحابه: فوالله، ما مثلنا ومثل ~~محمد إلا كما قال القائل: " سمن كلبك يأكلك "، وقال: (لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله فجعل ~~يحلف بالله ما قاله. # ولكن يشبه أن تكون الآية صلة قوله: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب. . .) الآية. كانوا يستهزءون بالله وبآياته وبرسوله، والاستهزاء بذلك ~~كفر، أو أن قالوا قول كفر لم يبين الله ms1995 لنا ذلك فلا أنهم قالوا كذا؛ لما ~~ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة. # وقوله: (وكفروا بعد إسلامهم): # يحتمل: كفروا بعد ما أسلموا إسلام تقية. # ويحتمل قوله بعد ما أظهروا الإسلام، أي: رجعوا عما أظهروا من الإسلام. # وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد؛ لأنه قال: (وكفروا بعد ~~إسلامهم) وقال في آية أخرى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه)، ثم ~~قال: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم)، وقال في آية أخرى: (كفروا ~~بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا)؛ فدل أن الإسلام والإيمان واحد. # وقوله: (وهموا بما لم ينالوا). # PageV05P430 # قيل: هموا بقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمكر به، فلم ينالوا ~~ما هموا به. # وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أسروا ما هموا به، ثم أخبر عن ذلك وهو ~~غيب، دل أنه بالله علم ذلك. # وقوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله). # قال بعض أهل التأويل: إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك، فقبل منه ذلك، ~~وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه ~~ديته، فاستغنى بذلك. # وقال ابن عباس: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله): كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات، يقول: ما ~~نقموا ما أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغنيمة والصدقة. # وقوله: (نقموا)، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره -: نقموا، أي: ~~طعنوا، فيه لغتان: نقموا - بالخفض - ونقموا - بالنصب - يقال: نقم ينقم، ~~ونقم ينقم - بكسر القاف - فهو - والله أعلم - يقول: ما طعنوا مني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم الله؛ لأنهم لو كانوا ~~أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول الله وما ذكروه بسوء، ولكن ~~طعنوا فيه لما أغناهم الله. # ويحتمل قوله: (ورسوله من فضله): ما عاملهم رسول الله معاملة الكرام وتبسط ~~إليهم حتى قالوا: إنه أذن يقبل العذر، فذلك الذي حملهم على الطعن. # وقوله: (فإن ms1996 يتوبوا يك خيرا لهم) فيه أن المنافق تقبل منه التوبة. (وإن ~~يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة) بما ذكرنا في الدنيا: ~~الأمر بالجهاد والقتل والخوف، هذا التعذيب في الدنيا، والتعذيب في الآخرة. # وقوله: (وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير) قد ذكرنا هذا في غير موضع. # * * * # قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ~~(78) # PageV05P431 # وقوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ... (75) # قال بعضهم: نزلت الآية في ثعلبة بن حاطب، سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يدعو الله ليرزقه مالا، وقال: (لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين). # ومنهم من قال: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، أنه كان له أموال في ~~الشام، فقال: لئن آتاني تلك الأموال لأصدقن وأكن من الصالحين، فقد آتاه ~~الله تلك الأموال، فبخل ومنع ما وعد. # ومنهم من قال: نزلت في المنافقين جملة، ولكن ليست في شأن واحد منصوص مشار ~~إليه، ولكن في المنافقين جملة، وهكذا كانت عادتهم أنهم إذا وعدوا شيئا ~~أخلفوا ولم يوفوا الوعد. # ثم يحتمل قوله: (ومنهم من عاهد الله) أنه كان منافقا وقت ما وعد الله، ~~ووعد الله لئن أتاه من فضله ليصدقن. ويحتمل أنه لم يكن منافقا في ذلك ~~الوقت، لكنه صار بما بخل وكذب واعتقد الخلاف واستحل الخلف لما وعد - ~~منافقا، فإن كان إنما صار منافقا بما بخل واستحل الخلاف له والمنع؛ فيكون ~~قوله: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم) أي: أعقبهم الدوام على النفاق إلى يوم ~~القيامة ببخلهم ومنعهم ما وعدوا؛ فيكون هذا كقوله: (ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات. . .) الآية. # وفي قوله: (ومنهم من عاهد الله) إلى قوله: (بما أخلفوا الله ما وعدوه) ~~دلالة أن النذور يلزم أهلها الوفاء بها، ms1997 ويؤاخذون بها إن تركوا الوفاء، ~~ويكفرون إن استحلوا نقض ما عاهدوا. # وقوله: (ولنكونن من الصالحين) قال بعضهم: من المؤمنين، فهو على تأويل من ~~قال: # PageV05P432 # إنه كان منافقا وقتئذ. ويحتمل (ولنكونن من الصالحين) أي: من الشاكرين. ~~وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة لما سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يسأل الله له مالا فقال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه. أو كلام ~~نحو هذا. # وقوله: (فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # يحتمل: تولوا عن وفاء ما وعدوا، أو تولوا عن طاعة الله، (وهم معرضون): ~~أيضا عن طاعة الله، أو معرضون عما وعدوا وعاهدوا أن يوفوا. # وقوله: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) # قال بعضهم أثابهم نفاقا بما بخلوا به إلى يوم القيامة. # وقال بعضهم: أعقبهم الدوام على النفاق (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون). # ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد؛ فإنه سبب النفاق أو نوع من ~~النفاق، وعلى ذلك روي في الخبر: " أن اجتنبوا الكذب؛ فإنه باب من النفاق، ~~وعليكم بالصدق؛ فإنه باب من الإيمان "، وفي بعضها عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: " أربع من كن فيه كان منافقا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~عاهد غدر، وإذا خاصم فجر "، وفي بعضها: " وإذا اؤتمن خان ". # فإن قيل: إن أولاد يعقوب اؤتمنوا فخانوا، وحدثوا فكذبوا بقولهم: (أكله ~~الذئب) ووعدوا فأخلفوا، فترى أنهم نافقوا؟ # قيل: ما روي أن من إذا حدث كذب هو الكذب في أمر الدين، وأما الكذب في غير ~~أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق. # وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير الخبر في ذلك من الله؛ ~~ألا ترى أن ثعلبة لما ألح على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالسؤال أن ~~يسأل ربه ليرزقه مالا ففعل، فأعقبه الله نفاقا إلى يوم القيامة؟! # ولأن أولاد يعقوب قد قدموا التوبة والإصلاح قبل صنيعهم الذي صنعوا على ~~خوف ms1998 منهم بما فعلوا والمنافقين، وأصله: أن اعتقاد الكذب، واستحلال الخلاف ~~لما عهد، والخلف في الوعد - هو الموجب للنفاق، فأما ترك الوفاء على غير ~~استحلال منه فلا يوجب ما ذكر، والله أعلم. # PageV05P433 # وقوله: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) # يحتمل هذا وجهين: # أن قد علموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم؛ لكثرة ما يطلع رسوله على ما ~~أسروا من الخلاف له وذكرهم السوء في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: ألم يعلموا أي: الذين نافقوا أن يعلموا أن الله يعلم سرهم ~~ونجواهم، فيطلع رسوله على سرهم ونجواهم فيتركوا الطعن في رسول الله، وذكر ~~ذلك والخلاف له. # وقوله: (وأن الله علام الغيوب). # أي: علام بالغيوب التي غابت عن الخلق، وإلا ليس شيء يغيب عنه، ما غاب عن ~~الخلق وما لم يغب عنده بمحل واحد. أو (علام الغيوب)، أي: علام بما يكون ~~أبدا في جميع الأوقات التي تكون. وفيه دلالة أنه عالما بما في الضمائر ~~والسرائر وما كان غائبا عن الخلق والغيب: هو ما علم أنه يكون له أنه كان ~~ولم يزل عالما؛ لما ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر ~~لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم ~~كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # وقوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات. . .) الآية. # يشبه أن تكون الآية صلة قوله: (ومنهم من عاهد الله) إلى قوله: (وتولوا). # إن أهل النفاق كانوا أهل بخل لا ينفقون إلا مراءاة وسمعة، فظنوا بمن أنفق ~~من المسلمين وتصدق ظنا بأنفسهم، فقالوا: إنهم أنفقوا وتصدقوا مراءاة وسمعة. # وقد ذكر في بعض القصة أن عبد الرحمن بن عوف أتى بنصف ماله في غزوة تبوك ~~يتقرب به إلى الله، وقال: يا نبي الله، هذا نصف مالي أتيتك به، وتركت نصفه ~~لعيالي، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ms1999 يبارك له فيما أعطى وفيما ~~أمسك، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى إلا رياء وسمعة. وجاء رجل آخر من ~~فقراء المسلمين بصاع من تمر فنثره في تمر الصدقة، فقال له نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خيرا ودعا له، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صاع هذا، ~~فذلك لمزهم. # PageV05P434 # فأنزل الله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين ~~لا يجدون إلا جهدهم) يعني: الذي جاء بصاع. # قال القتبي: الذين يلمزون المطوعين، أي: يصيبون المتطوعين بالصدقة، ~~(والذين لا يجدون إلا جهدهم) أي: طاقتهم، والجهد: الطاقة، قال: والجهد: ~~المشقة. # وقال أبو عوسجة: الجهد: إنفاق الرجل من الشيء القليل، يقال: جهد الرجل، ~~إذا كان من الضعف أو من الفقر. # ويقال: جهد في العمل، يجهد جهدا؛ إذا بالغ في العمل. # قال أبو عبيد: الجهد مثل الوسع، والجهد: الطاقة، وكذلك قال أبو معاذ. # وفي الآية معنيان: # أحدهما: دلالة إثبات رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه معلوم ~~أن ما كان منهم من اللمز لم يكن ظاهرا، ولكن كان سرا، ثم أخبرهم رسوله ~~بذلك، دل أنه إنما عرف ذلك بالله. # والثاني: أن الأمور التي فيما بين الخلق إنما ينظر إلى ظواهرها، وإن كان ~~في الباطن على خلاف الظواهر، حيث عوتبوا هم بما طعنوا فيهم بالرياء ~~والسمعة؛ ليعلم أن الأمور التي فيما بين الخلق تحمل على ظواهرها، ولا ينظر ~~فيها إلى غير ظاهرها، والحقيقة هو ما بطن وأسروا به يخلص العمل لله، والسر: ~~هو ما يسر المرء في نفسه، والنجوى: هو اجتماع جماعة على نجو؛ من الأرض، أي: ~~المرتفع من المكان. # وقوله: (فيسخرون منهم سخر الله منهم). # قال بعضهم: إن من اعتذر إلى آخر فيقبل عنه، على علم من المعتذر إليه أنه ~~لا عذر له فيما يعتذر إليه، وأنه كاذب في ذلك - فقبول المعتذر إليه ما ~~يعتذر من المعتذر: سخرية من المعتذر إليه إلى المعتذر. # وقال بعضهم: قوله: (سخر الله منهم) أي: يجزيهم جزاء السخرية؛ فسمى جزاءه ~~باسم السخرية، وإن لم يكن الجزاء سخرية، كما ms2000 سمي جزاء [السيئة: سيئة] (1)، ~~وإن لم تكن الثانية [سيئة]، وكذلك سمي جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن ~~الثاني اعتداء، فعلى ذلك سمي جزاء السخرية سخرية، وإن لم يكن سخرية. ~~PageV05P435 # ويحتمل قوله: (سخر الله منهم) أي: سخر أولياء الله منهم، فأضيف إليه، ~~وكذلك يحتمل قوله: (الله يستهزئ بهم)، أي: يستهزئ بهم أولياؤه، وهو قوله: ~~(ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، فذلك استهزاؤهم بهم، وذلك جائز في اللغة ~~إضافة الشيء إلى آخر، والمراد منه غير مضاف إليه. # وقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) ~~قال عامة أهل التأويل: إنه لما مات عبد الله بن أبي أراد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه، فقال: أأمرك ~~الله بهذا؟ قال: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم) فقال: " قد خيرني ربي، افعل أو لا تفعل ". وفي بعض الروايات ~~قال له عمر: لا تستغفر؛ فإن الله قد نهاك عن هذا. فقال رسول الله " إنما ~~خيرني الله فقال: استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~وسأزيد على سبعين " أو كلام نحو هذا. فأنزل الله عند ذلك: (سواء عليهم ~~أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)، لكن هذا يبعد أن يفهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآية التخيير، وعمر يمنعه من ذلك، ~~ولا يجوز أن يفهم التخيير في ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون منسوخة ~~بالتي في " المنافقين "؛ لأنه وعيد، والوعيد لا يحتمل النسخ. # والوجه فيه - والله أعلم -: إن استغفرت لهم فإن استغفارك ليس بالذي يرد ~~فلا يجاب، لكنهم قوم كفروا بالله ورسوله، وقد تعلم من حكمي أني لا أغفر لمن ~~مات على ذلك. على ذلك يخرج على الاعتذار لرسوله في ذلك، والنهي له عن ~~الاستغفار لهم؛ كقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ms2001 للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى) وقد علم شرك المنافقين وكفرهم بالله ورسوله؛ فنهاهم ~~عن الاستغفار لهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يطلع رسوله على كفرهم؛ ~~فدل على أنه بعد العلم بذلك نهاه. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: " إن صاحب الكبيرة لا يغفر له "؛ ~~لأنه أخبر أنه لا يغفر لهم بما كفروا بالله ورسوله؛ فدل أن من لم يكن كفر ~~بالله ورسوله فإنه يغفر له، وأن له الشفاعة، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، دل ~~أنه ما ذكرنا. # PageV05P436 # ثم طلب المغفرة من الله والشفاعة لو يجيء لا يكون إلا للخواص من الخلق ~~وهم الرسل والأنبياء، على ما يكون في الشاهد لا يرفع إلى ملوك الأرض الحاجة ~~ليقربهم إلا الخواص لهم ولا يشفعون إلا أهل الشرف عندهم والمنزلة، لكن الله ~~- تعالى - أذن لنا في استغفار غيرنا بقوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان). # وقوله: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). # يحتمل قوله: (عليهم) أي: سواء عندهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ويكون ~~طلب استغفارهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاء منهم به، حيث ~~قال: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا)، ~~يخرج قولهم: (فاستغفر لنا) مخرج الاستهزاء على هذا التأويل. # ويحتمل قوله: (سواء عليهم) أي: سواء عند الله أستغفرت لهم، أم لم تستغفر ~~لهم - فإنه لا يغفر لهم بكفرهم بالله ورسوله. ثم قوله: (إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة) يحتمل: ذكر السبعين؛ لأن السبعين هو النهاية والغاية في ~~الاستغفار، على ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستغفر في كل يوم ~~سبعين استغفارا، فأخبر: أنك وإن انتهيت النهاية فيه لا يغفر لهم ولا ينفعهم ~~ذلك. # وقوله (والله لا يهدي القوم الفاسقين). # وقت اختيارهم الفسق، أو لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة؛ لفسقهم في ~~الدنيا، إذا ماتوا على ذلك. # * * * # قوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم ms2002 في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا ~~يكسبون (82) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين (83) ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # وقوله: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله. . .) الآية. # جمعوا - أعني المنافقين - جميع خصال الشر التي فعلوا: # PageV05P437 # أحدها: ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله. # والثاني: كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم. # والثالث: صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم: (لا تنفروا ~~في الحر). # جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية. # وقوله: (فرح المخلفون)، ذكر المخلفون، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة، ~~لكنه يحتمل وجهين: # مخلفون خلفهم الله لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالا، وأنهم يبغون ~~الفتنة خلفهم عن ذلك؛ كقوله: (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم)، قيل: حبسهم؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن ~~خروجهم لا يزيدهم إلا خبالا وفسادا. # ويحتمل: مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم لو ~~أرادوا أن يخرجوهم كرها لقدروا على ذلك، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو ~~أرادوا إخراجهم أخرجوهم، وإن كانوا متخلفين في الحقيقة. # وقوله: (بمقعدهم خلاف رسول الله) أي: مخالفة رسول الله، وقرئ: (خلف رسول ~~الله)، أي: فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (بمقعدهم). # يحتمل: القعود، أي: بقعودهم خلفه. # ويحتمل: (بمقعدهم)، أي: موضع قعودهم، وهو منازلهم وأوطانهم، وكرهوا أن ~~يجاهدوا بأموالهم؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم. # وقوله - عز وجل -: (لا تنفروا في الحر) هذا في الظاهر يخرج على إظهار ~~الشفقة للمؤمنين، ولكن لم يكونوا أرادوا ذلك؛ إنما أرادوا ms2003 حبسهم عن الخروج ~~في سبيل # PageV05P438 # الله، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله؛ إذ قالوا لهم ~~مطلقا: " لا تنفروا "، وهو كقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم) كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو، وكانوا يحتالون ~~في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله، ولو أطلقوا القول في المنع ~~وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك، ولظهر نفاقهم. # وجائز أن يكون قولهم: (لا تنفروا في الحر) قالوا ذلك لأتباعهم، لا ~~للمؤمنين؛ كقوله: (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى). # وقوله - عز وجل -: (قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) أي: لو كانوا ~~يفقهون، ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرا من حر الدنيا. # أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصة، ولكن خلقهم ~~فيها ليمتحنهم؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ~~(82) # يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ ~~يقول: افرحوا وسروا قليلا، وتحزنون في الآخرة طويلا كثيرا. # ويمكن أن يكون على حقيقة الضحك؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزئون بالمؤمنين ~~في الدنيا؛ يقول: ضحكوا قليلا؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع، ويبكون كثيرا في ~~الآخرة؛ لأنها لاتنقطع (جزاء بما كانوا يكسبون). # وقوله - عز وجل -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل ~~لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين (83) # دل قوله: (رجعك الله إلى طائفة منهم)، أي: ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو ~~منافق، ولا كل المنافقين امتههوا وتخلفوا عنه. # وقوله - عز وجل -: (فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا). # لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالا وفسادا، فيقول: (لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة)، أي: عوقبوا ~~بالقعود أول مرة لنفاقهم. # وقوله: (فقل لن ms2004 تخرجوا معي أبدا) أي: لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبدا، ولن ~~آذن # PageV05P439 # لكم أن تقاتلوا معي أبدا. # ويحتمل: لن تخرجوا، أي: وإن أذنت لكم بالخروج فلن تخرجوا أبدا. # (فاقعدوا مع الخالفين). # قيل: مع المتخلفين، وهم المنافقون؛ على ما ذكر. # ويحتمل: أن اقعدوا مع أصحاب الأعذار. # وقال بعضهم: مع النساء والزمنى؛ وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون (84) # يعني: المنافقين. # (ولا تقم على قبره). # ذكر في بعض القصة أنه لما مات عبد الله بن أبي، فجاء ابنه إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إن أبي مات وأوصانا أن نكفنه ~~في قميصك، وأن تصلي عليه، فخلع النبي قميصه فأعطاه، ومشى فصلى، وقام على ~~قبره. # وروي في بعض الأخبار أنه صلى عليه، وألبسه قميصه، فقيل له: تلبس عدو الله ~~قميصك، فقال: " إني لأرجو أن يسلم بقميصي من بني الخزرج ألف "، فذكر أنه ~~لما # PageV05P440 # فعل ذلك أسلم ألف رجل من المنافقين. # وروي أنه لم يصل عليه، فلا ندري كيف كان الأمر بعد أن جاء النهي. عن ~~الصلاة على المنافقمن بقوله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)، سماهم فسقة، واسم الكفر ~~أقبح وأذم، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق؛ ليعلم أن اعتقادهم الكفر ~~والمذهب الذي يذهبون إليه إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل أذي، ~~مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن ~~بشيء كفر بضده، وأصل الفسق: هو الخروج عن الأمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # قال بعضهم من أهل التأويل: إنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة. # وفيه نقض قول المعتزلة في ms2005 الأصلح، وقد ذكرنا الوجه الذي يدل على نقض ~~قولهم فيما تقدم. # ويحتمل قوله: (إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا): وهو القتال ~~والحروب التي أمروا بها؛ كقوله: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا). # وهو التعذيب الذي ذكر؛ لأنهم يصيرون مقتولين. # وقوله - عز وجل -: (وتزهق أنفسهم). # PageV05P441 # قيل: تذهب وتهلك (وهم كافرون). # * * * # قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك ~~أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) # وقوله - عز وجل -: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله). # أي: إذا أنزلت سورة فيها (أن آمنوا بالله)، لا أنها تنزل سورة بهذا ~~الحرف، ولكن فيها ذكر (أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله)، وهو كقوله: (فإذا ~~أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال)، وقوله: (أن آمنوا بالله) بقلوبهم؛ ~~لأنهم قد أظهروا الإيمان باللسان، وهم لم يكونوا مؤمنين بالله حقيقة. # وقوله - عز وجل -: (استأذنك أولو الطول منهم). # قيل: أولو الطول: هم أهل الغنى والسعة. # وقيل: أولو الطول: أهل الفضل والشرف الذين كانوا يصدرون لآرائهم، وينظرون ~~إلى تدبيرهم، وقد كان في أهل النفاق أهل السعة والغناء، وأهل النظر ~~والتدبير. # وقوله - عز وبرل -: (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين). # استأذنوا في القعود عن الجهاد - والله أعلم - لما كانوا يوالون أهل الكفر ~~سرا، فكرهوا القتال مع الأولياء، أو كانوا يتخلفون ويمتنعون عن الخروج إلى ~~القتال؛ لفشلهم وبغيهم؛ لأنهم لم يكونوا يعملون لعواقب نتأمل إنما كانوا ~~يعملون لمنافع حاضرة؛ لذلك كانوا يمتنعون عن الخروج إلى القتال، وأما أهل ~~الإيمان: فإنهم إنما يعملون للعواقب، وكذلك أهل الكفر إنما يقاتلون أهل ~~الإيمان إما غنيمة في العاقبة يتأملون، لكنهم كانوا يستأذنون في القعود، ~~ويكونون مع القاعدين، يرون من أنفسهم أن لهم العذر في القعود. # ثم قوله: (ذرنا نكن مع القاعدين) يحتمل: مع القاعدين من الضعفاء والمرضى ~~والصبيان، حتى إذا أتاهم العدو من بعد ما خرج الرجال منهم إلى قتال العدو، ~~يقومون لدفع العدو عن هؤلاء. # أو ms2006 يكون قولهم: ذرنا نكن مع القاعدين من أهل العذر، يرون أنفسهم أنهم أهل ~~العذر، # PageV05P442 # ولم يكن لهم عذر في ذلك؛ كقوله: (إن بيوتنا عورة وما هي بعورة)، الآية، ~~فعلى ذلك الأول يحتمل هذا. # وقوله - عز وجل -: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا ~~يفقهون (87) # قيل: مع النساء، فهذا حرف تعيير وتوبيخ، أي: رضوا بأن يكونوا في مشاهد ~~النساء دون مشاهد الرجال. # وقوله - عز وجل -: (وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون). # أن للإيمان نورا يبصر به عواقب الأمور، ويرفع الحجاب والستر عن القلوب ~~وعن الأمور فتراها بادية ظاهرة، وللكفر ظلمة تستر الظاهر من الأمور والبادي ~~منها، فتستر تلك الظلمة قلبه، فذلك الطبع، وقد ذكرنا الوجه فيه في غير ~~موضع، والله أعلم. # (فهم لا يفقهون). # ما يلحقهم من التعيير برضاهم بالقعود مع الخوالف، والفقه: هو معرفة الشيء ~~بمعناه الدال على نظيره، منعت تلك الظلمة أن تعرف الأشياء بمعانيها ~~وبنظائرها للحجاب الذي ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89) # وقوله - عز وجل -: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم) # يقول - والله أعلم -: إن الرسول والذين حققوا الإيمان والتصديق جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم، أي: بذلوا أنفسهم وأموالهم لنصر دين الله، وإظهار سبيله، ~~ولم يبخلوا كما بخل أهل النفاق في بذل أموالهم وأنفسهم في نصر دينه ~~بالمجاهدة مع أعدائه، ولم يحققوا الإيمان والتصديق؛ أخبر أن للمؤمنين الذين ~~حققوا الإيمان والتصديق، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، وجاهدوا بها في نصر دين ~~الله، وإظهار سبيله - لهم الخيرات. # قال بعضهم: (لهم الخيرات): بالذكر في الدنيا، والثناء الحسن، وسلوك الناس ~~طريقهم، وفي الآخرة الثواب والجزاء. # وقيل: الخيرات في الآخرة؛ لما بذلوا أنفسهم وأموالهم في نصر دينه، ~~والمجاهدة مع # PageV05P443 # عدوه. # وقيل: الخيرات: الحور العين؛ كقوله: (فيهن خيرات حسان)، والله أعلم. # (وأولئك هم المفلحون). # المفلح: هو الذي يظفر بحاجته؛ يقال: قد أفلح، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. ms2007 # وقوله - عز وجل -: (أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ذلك الفوز العظيم (89) # ليعلم أن الأعظم ليس يقع فيما فيه الغلظ والكثافة، ولكن القدر والمنزلة. # * * * # قوله تعالى: (وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على ~~المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون (92) # وقوله - عز وجل -: (وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم). # قال بعضهم من أهل التأويل: المعذرون هم الذين يستأذنون في القعود ولا عذر ~~لهم في ذلك. # وقال الكلبي: المعذرون هم الذين لهم عذر وبهم علة. # وبعضهم قال: المعذرون: هم المعتدون. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قرأ " المعذرون " بالتخفيف، # PageV05P444 # وقال: لعن الله المعذرين؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر، ~~والمعذر بالتشديد: الذي لا عذر له؛ لذلك لعن المعذر. # قال أبو معاذ: وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر، وهو قولهم: قد أعذر ~~من أنذر. # وقال أبو عوسجة: - المعذر بالتشديد -: الذي لا يناصح، إنما يريد أن يعذر، ~~ويقال: عذرت في الأمر: إذا لم تبالغ فيه، وأعذرت في الأمر، أي: بالغت فيه. # وقال القتبي: المعذرون - بالتشديد -: هم الذين لا يجدون أما ينفقون، إنما ~~يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه؛ يقال: عذرت في الأمر: إذا قصرت، وأعذرت: ~~جددت. # ثم قال بعض أهل التأويل: دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين: صنف ~~كانوا يستأذنون في القعود، وصنف لا يستأذنون، ولكن يقعدون بقوله: (وجاء ~~المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين ~~كفروا منهم). # دل قوله: (الذين كفروا منهم عذاب أليم) على أن من أهل النفاق من قد آمن، ~~وأن من تاب يقبل ذلك منه؛ لأنه قال: (سيصيب الذين كفروا) ms2008 ولم يقل: سيصيبهم ~~عذاب أليم. # وقال بعضهم: المعذرون - بالتخفيف -: هم المؤمنون الذين لهم عذر في ~~التخلف، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق: إن كان الخروج لهم أوفق ~~يخرجون، وإن كان القعود أوفق يقعدون؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي ~~قوله " - عز وجل -: (ليس # PageV05P445 # على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) الآية. # فإن قيل: كيف احتمل أن تكون آية واحدة في فريقين مختلفين، إذا قرئ ~~بالتخفيف فهي في الذين لهم عذر، وإذا قرئ بالتشديد فهي في الذين لا عذر ~~لهم؟ # قيل: تصير على اختلاف القراءة كآيتين في حالتين ووقتين مختلفين، إن كان ~~تأويل المعذر بالتشديد هو الذي يعتذر ولا عذر له، والمعذر - بالتخفيف - هو ~~الذي له عذر. # أو كان تأويل إحدى القراءتين على ضد الأخرى كان لهم عذر في حال، ولا عذر ~~لهم في حال أخرى، وإلا لا يحتمل أن تكون القراءتان جميعا في وقت واحد، ~~وتأويلهما على الاختلاف الذي ذكروا، وهو كقوله: (فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا)، و (ربنا) بالرفع (باعد بين أسفارنا) أحدهما: على الدعاء، والآخر: ~~على الإيجاب، هما آيتان صارتا آية واحدة لاختلاف القراءة، والله أعلم. # وقوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~(91) # لو لم يذكر المرضى ولا الذين لا يجدون ما ينفقون، لكان المفهوم من قوله: ~~(ليس على الضعفاء) المرضى والذي لا يجد ما ينفق. # وكذلك إذا ذكر المريض كان في ذكره ما يفهم منه كل ضعيف، وكل ما لا يجد ما ~~ينفق. # PageV05P446 # وفي كل حرف من هذه الحروف ما يفهم منه معنى الآخر، فلما ذكر دل أن المراد ~~من ذكر الضعفاء الزمنى؛ من نحو الأعمى والأعرج، فكان كقوله: (ليس على ~~الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج)، فتكون الآيتان واحدة؛ أعني: معناهما واحد. # وفيه دلالة أن ليس في ذكر عدد من الأشياء حظر دخول غير المذكور في حكم ~~المذكور ms2009 إذا كان في معناه؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه ليس فيما ذكر رسول الله ~~عدد في الربا بقوله: " والحنطة بالحنطة، والذهب بالذهب، والفضل ربا " على ~~أنه لا لمعنى ورد، # PageV05P447 # ولا يدخل فيه ما لم يذكر؛ لما ذكرنا أنه لو ذكر الضعفاء لذكر المريض، ~~والأعمى، والأعرج، وجميع من ضعف عن الخروج من أنواع الأعذار، ثم لم يدل ما ~~ذكر من العدد وتخصيصه على أنه لا لمعنى ذكر؛ فعلى ذلك خبر الربا. # PageV05P449 # ثم جعل العمى والعرج والمرض وعدم النفقة ونحوه عذرا في ترك الخروج، ولم ~~يجعل شدة الحر وبعد المسافة ونحوه عذرا بقوله: (وقالوا لا تنفروا في الحر ~~قل نار جهنم أشد حرا). # PageV05P450 # وأصله - والله أعلم -: أن كل ما لم يعمل في المنع عن الخروج لشهوة، أو ~~لطمع يرجو نيله من التجارة ونحوها - لم يكن ذلك عذرا في ترك الخروج؛ إذ شدة ~~الحر وبعد السفر وخوف العدو مما لا يمنعهم عن الخروج للتجارة، فلم يصر ذلك ~~عذرا في التخلف عن الخروج للجهاد، وأما حال المرض والزمانة وعدم النفقة ~~فيمنعهم ويعجزهم عن الخروج في كل ما يهوون ويشتهون، فصار ذلك عذرا لهم ~~بالتخلف عن الخروج للجهاد. # والثاني: أن كل ما يقدر على دفعه بحال لم يجعل ذلك عذرا في التخلف، وكل ~~ما لا سبيل لهم إلى دفعه فهو عذر، والحر وبعد السفر وخوف العدو يجوز أن ~~يدفع فيصير كأن ليس، وهو ما ذكر: (قل نار جهنم أشد حرا)، فإذا ذكر شدة حر ~~جهنم وبعد سفر الآخرة وأهواله، وإن عليه الخروج وسهل، فارتفع ذلك؛ فلذلك ~~صار أحدهما عذرا والآخر لا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذا نصحوا لله ورسوله). # قيل: لم يخدعوا أحدا في دينه، ولم يغشوه في دنياه. # وقيل: (إذا نصحوا لله ورسوله)، أي: أطاعوا الله ورسوله في الحضرة، ولم ~~يتركوا طاعته. # وقوله: (ما على المحسنين من سبيل) أي: ما على المحسنين من سبيل في تركهم ~~الخروج إذا لم يقدروا على الخروج؛ لما ذكرنا من الزمانة وعدم ما ينفقون، # وقوله - عز وجل -: (والله غفور ms2010 رحيم). # بتركهم الخروج وتخلفهم عن الجهاد مع أصحاب الأعذار. # وقوله - عز وجل -: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما ~~أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # PageV05P452 # ذكر في بعض الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لولا أن أشق ~~على أمتي - أو قال: على المؤمنين - وإلا لخرجت في كل سرية بعثتها "؛ لأنهم ~~لا يجدون ما ينفقون فيخرجون ولا أجد ما أحملهم عليه، فيشق عليهم مفارقتهم ~~إيانا، فلا حرج بتركهم الخروج إذا لم يجدوا ما ينفقون ولا ما يحمل عليه. # * * * # قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم ~~إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى ~~الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون (94) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا ~~عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا ~~عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) # ثم قال: ولكن السبيل على الذين يجدون ما ينفقون فيتركون الخروج بقوله: ~~(إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف)، ~~يعني: النساء، (وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون)، هذا قد ذكر هاهنا ~~(وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون)، وذكر في الآية الأولى: (وطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون). # والفقه: هو معرفة الشيء بغيره، والعلم: هو وقوع العلم لا بغيره؛ ولذلك ~~يقال: الله عالم، ولا يجوز أن يقال: فقيه، فأخبر - عز وجل - أنهم لا عرفوا ~~الشيء بغيره ولا بنفسه؛ عنادا منهم ومكابرة. # وقوله - عز وجل -: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن ~~لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # فيه إنباء عما يقول لهم المنافقون إذا رجعوا ms2011 إليهم، وتعليم من الله ~~لرسوله والمؤمنين ما يقولون لهم، وماذا يجيبون عليهم فقال: (يعتذرون إليكم ~~إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم)، أي: لن نصدقكم بما تعتذرون، ~~أي: بما تظهرون لأنفسكم من العذر. # PageV05P453 # وقوله: (لا تعتذروا) ليس على النهي، ولكن على التوبيخ والتعيير. # وقوله - عز وجل -: (قد نبأنا الله من أخباركم). # يحتمل قوله: (قد نبأنا الله من أخباركم): أنكم لا تصلحون أبدا؛ كما قال: ~~(إنهم رجس ومأواهم جهنم) الآية، أخبر أنهم رجس وأن مأواهم جهنم. # وقيل: (قد نبأنا الله من أخباركم، حين قال لهم: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا. . .)، إلى قوله: (يبغونكم الفتنة)، قالوا: وهذا الذي نبأنا الله ~~من أخباركم. # وقوله - عز وجل -: (وسيرى الله عملكم ورسوله). # قال بعضهم: سيرى الله عملكم ورسوله فيما تستأنفون. # ويحتمل قوله: (وسيرى الله عملكم ورسوله). # أي: سيرى الله ورسوله عملكم باطلا. # أو يقول: سيرى الله عملكم، أي: يجزيكم جزاء عملكم، ورسوله والمؤمنون ~~يشهدون عليكم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (تردون إلى عالم الغيب والشهادة). # قد ذكرنا أنه ليس شيء يغيب عنه، أو يكون شيء عنده أظهر من شيء، ولكن ما ~~يغيب عن الخلق وما لا يغيب عنده بمحل واحد. # وقوله - عز وجل -: (فينبئكم بما كنتم تعملون). # يخرج على الوعيد. # وقوله - عز وجل -: (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ~~فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) # يحتمل قوله: (لتعرضوا)، أي: لتجاوزوا عنهم ولا تكافئوهم، فيكون قوله: ~~(فأعرضوا عنهم) لما سألوا من المجاوزة عنهم وترك المكافأة. # ويحتمل قوله: (لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم)، أي: لا تحاجهم ولا تشتغل بهم؛ ~~فإنهم # PageV05P454 # لا يصلحون أبدا، (إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون). # وقوله - عز وجل -: (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين (96) # وتقبلوا منهم ما يظهرون من العذر، ثم أخبر أنكم إن رضيتم عنهم وقبلتم ما ~~يذكرون من عذرهم فإن الله لا يرضى عنهم؛ لما يعلم أنه لا عذر لهم فيما ~~يظهرون لكم ms2012 من العذر، والله أعلم. ليس على النهي عن إرضاء أولئك؛ لأن إرضاء ~~الخلق بعضهم لبعض إنما يكون بالحلف، وما يكون من الظاهر، ولكن النهي عن ترك ~~الموافقة في الباطن، وفيه يتحقق رضاء الله. # * * * # قوله تعالى: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ~~ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا ~~إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) # وقوله - عز وجل -: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا) يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: طائفة من الأعراب أشد كفرا ونفاقا، وهو أن رسول الله دعا كفار ~~المدينة ومنافقيها، فأيأس عن إيمانهم بقوله: (فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم. . .) الآية، فلما أيس عن إيمان هؤلاء، أقبل نحو طائفة من ~~الأعراب الذين كانوا بقرب المدينة وحواليها، فأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا من ~~أهل المدينة. # ويحتمل أنه أراد الأعراب جملة أنهم أشد - أي: الكفار منهم وأهل النفاق - ~~كفرا ونفاقا من أهل الأمصار والمدائن، فهو لوجهين: # أحدهما: أن أهل الأمصار والمدن كانوا يسمعون الآيات والحجج، ويخالطون أهل ~~رحمة ورأفة، وأهل مودة، وأما الأعراب وأهل البادية فكانوا لا يسمعون الآيات # PageV05P455 # والحجج، ولا خالطوا أهل رحمة ورأفة، فهؤلاء أقسى قلوبا وأضيق صدورا وأهل ~~المدن والأمصار ألين قلوبا وأوسع صدورا، فهم أسرع للإجابة وأولئك أبعد ~~وأبطأ إجابة. # والثاني: أنهم وصفوا بأهل الجهل ما لم يوصف أهل المدن والأمصار، بذلك ما ~~روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يؤمنكم أعرابي "، وفي ~~بعضها: " لا يؤمن أعرابي مهاجرا "، وفي بعض الأخبار: " من بدا جفا "؛ وذلك ~~- والله أعلم - لأنهم كانوا لا يدخلون الأمصار والمدن ليتأدبوا ويتعلموا ~~الآداب، فإذا كانوا كذلك فهم أجهل، والإيمان هو التصديق، والتصديق إنما ~~يكون بعد العلم؛ لأنه ما لم يعلم لم يصدق، فإذا كانوا بالجهل ما وصفنا، ~~كانوا أشد إنكارا وتكذيبا من غيرهم، ms2013 وهو ما ذكر: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله)، وصفهم بالجهل، وبالجهل ~~يكون التكذيب، وبالعلم يكون التصديق، وهو ما ذكرنا. وأجدر وأخلق وأحرى ~~واحد. # وقوله - عز وجل -: (حدود ما أنزل الله على رسوله). # قال بعضهم: هم أقل علما بالسنن. # وقيل: بالفرائض. # ويقال: الحدود ما بين من طاعة الله ومعصيته. # وأصله: أنهم أهل جهل بجميع الأوامر، والمناهي، وجميع الآداب، وما لا يحل ~~وما يحل. # (والله عليم). # PageV05P456 # أي: على علم بما يكون منهم خلقهم. # (حكيم). # حيث وضع الخلائق بموضع يدل على وحدانيته وألوهيته، لو تدبروا فيه ونظروا. # وقوله - عز وجل -: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم ~~الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) # أي: كان لا ينفق حسبة. # وقال بعضهم: ينفق ولا يراه حقا، إنما يراه غرما يلحقه، وغرما يغرمه. # وأصله: أنهم لو كانوا علموا حقيقة أنهم وما حوته أيديهم لله ليس لهم، لم ~~يعدوا ذلك غرما وتبعة ألحقتهم، ولكن لما لم يروا لله تعالى في أموالهم حقا ~~ولم يعلموا أن أموالهم لله حقيقة لا لهم عدوا ذلك غرما وتبعة. # وقوله - عز وجل -: (ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء). # قيل: الدوائر: هو انقلاب الأمر، وهو من الدوران. # ثم يحتمل قوله: (ويتربص بكم): ما قال بعضهم: موت محمد. # وقيل: دوائر الزمان وحوادثها. # (عليهم دائرة السوء)، أي: عليهم انقلاب الأمر وعليهم ما تربصوا على ~~المؤمنين. # وقوله: (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله). # ليس على حقيقة الإنزال من موضع، ولكن على خلق ذلك؛ كقوله: (وأنزل لكم من ~~الأنعام) (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا). # وقوله: (والله سميع): لما قال، (عليم): بما أسروا وأضمروا. # وقوله - عز وجل -: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ~~ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في ~~رحمته إن الله غفور رحيم (99) # ذكر في الآية أن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ليعلم أن قوله: ~~(الأعراب # PageV05P457 # أشد كفرا ونفاقا) ms2014 كان في طائفة مشار إليها، لا كل الأعراب؛ لأنه ذكر - ~~هاهنا - أن منهم من ينقق ويتخذ ما ينفق قربات عند الله، وذكر في الآية ~~الأولى أن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما، أي: لا يراه حقا واجبا، ولكن غرما ~~يلحقه، ومنهم من يرى ذلك حقا لله واجبا في أموالهم، فيجعلون ذلك قربة لهم ~~عند الله، وأولئك يرونه غرما لحقهم، لا قربة. # ثم في الآية خوف دخول المؤمنين في وعيد هذه الآية، الذين لا يؤدون ~~الزكاة، ولا ينفقون، وخوف لحوق النفاق؛ لأنه أخبر أنهم يتخذون ما ينفقون ~~مغرما، فمن ترك أداءه إنما يتركه؛ لأنه لا يرى ذلك حقا؛ لأنه لو رأى ذلك ~~حقا واجبا لأداه على ما أدى غيره من الحقوق، أو لو كان موقنا بالبعث لأنفق ~~وجعل ذلك قربة له عند الله؛ لأن المؤمن إنما ينفق ويعمل للعاقبة، فإذا ترك ~~ذلك يخاف دخوله في وعيد الآية، ولحوق اسم النفاق به، وإن كنا لا نشهد عليه ~~بذلك. # وقوله: (ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول). # قال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا قربات عند الله بصلوات الرسول؛ لأنهم إذا ~~أنفقوا كان الرسول يدعو لهم بذلك ويستغفر، فكان ذلك لهم قربات عند الله ~~باستغفار الرسول ودعائه. # وقال بعضهم: جعلوا ما أنفقوا وصلوات الرسول قربات عند الله، ويكون لهم ما ~~أنفقوا قربة عند الله، وصلوات الرسول طمأنينة لهم وبراءة من النفاق؛ لأن ~~الرسول كان لا يدعو لأهل الكفر والنفاق، فإذا دعا لهؤلاء وصلى عليهم كان ~~ذلك طمأنينة لقلوبهم، وعلما لهم بالبراءة من النفاق؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ~~(إن صلاتك سكن لهم). أي: تسكن قلوبهم بصلاة الرسول وتطمئن بأنهم ليسوا من ~~أهل النفاق، وأنهم برآء من ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا إنها قربة لهم). # ذكر هذا مقابل ما ذكر في الآية الأولى، وهو قوله: (ويتربص بكم الدوائر ~~عليهم دائرة السوء) أخبر - هاهنا - أن ما يتربصون هم بهم من الدوائر عليهم ~~ذلك، وهاهنا أخبر أن ما ينفق المؤمنون ويطلبون بذلك قربة عند الله أنها ms2015 ~~قربة لهم. # ثم وعدهم الجنة بقوله: (سيدخلهم الله في رحمته)، أي: جنته، سمى جنته ~~رحمة؛ # PageV05P458 # لما برحمته يدخلون، لا استيجابا لهم منه بذلك، بل رحمة منه وفضلا. # (إن الله غفور رحيم): لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا، ~~(رحيم): حيث لم يؤاخذهم بذلك. # * * * # قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100) # وقوله - عز وجل -: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان). # يحتمل هذا أن يكون مربوطا معطوفا على قوله: (سيدخلهم الله) مع السابقين ~~الأولين، أي: أولئك الذين آمنوا من بعد أولئك المهاجرين والأنصار يدخلهم في ~~الجنة مع السابقين الأولين. # ويحتمل أن يكون على الابتداء، لا على العطف على الأول، ثم اختلف فيه: قال ~~بعضهم: السابقون الأولون في الإسلام والنصرة. # وقال بعضهم: الأولون في الهجرة والنصرة. # (والذين اتبعوهم بإحسان) أي والذين اتبعوا أولئك في الإسلام على تأويل من ~~جعل السابقة في الإسلام، وعلى تأويل من جعل على الهجرة اتبعوهم بإحسان ~~فريقين: المهاجرين والأنصار، ولا يجعل طبقة ثالثة، وأما قراءة العامة من ~~القراء فهي على إثبات الواو، وجعل طبقة ثالثة. # ثم منهم من قال من أهل التأويل: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: # PageV05P459 # الذين بايعوا بيعة الرضوان. # وقال بعضهم: هم الذين صلوا إلى القبلتين. # وقال بعضهم: السابقون إلى الإسلام: الأولون من المهاجرين والأنصار الذين ~~صلوا إلى القبلتين، والذين اتبعوهم على دينهم إلى يوم القيامة بإحسان. # ثم خصوص تسمية أهل المدينة أنصارا وإن كانوا هم والمهاجرون جميعا نصروا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا أنصارا له؛ فهو - والله أعلم - ~~لأنهم نصروا المهاجرين؛ حيث آووهم، وأنزلوهم في منازلهم وأوطانهم، وبذلوا ~~لهم أنفسهم وأموالهم، وإن كانوا جميعا في النصر لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - شرعا سواء. # ثم في الآية دلالة الرد على الروافض؛ لأنهم يجعلون أبا بكر، وعمر، وهؤلاء ~~- رضي الله عنهم - ظلمة، على الحق بتوليهم أمر الخلافة والإمامة؛ لأنه ~~معلوم أنهم ms2016 # PageV05P460 # كانوا فيما ذكر عز وجل من المهاجرين والأنصار. # ثم أخبر أن الله راض عنهم، وأنهم راضون عنه، دل أنهم كانوا على حق وصواب ~~من الأمر، وأن من وصفهم بالظلم والتعدي هو الظالم. والمتعدي: واضع الشيء ~~غير موضعه. # وفيه دلالة جواز تقليد الصحابة والاتباع لهم، والاقتداء بهم؛ لأنه مدح - ~~عز وجل - من اتبع المهاجرين والأنصار بقوله: (والذين اتبعوهم بإحسان)، ثم ~~أخبر عن جملتهم أن الله راض عنهم دل - والله أعلم - أن التقليد لهم لازم، ~~والاقتداء بهم واجب، وإذا أخبروا بخبر أو حدثوا بحديث يجب العمل به، ولا ~~يسع تركه، والله أعلم بذلك. # * * * # قوله تعالى: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ~~إن الله غفور رحيم (102) # وقوله: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق). # أحنبر أن من حولهم من الأعراب ومن أهل المدينة -أيضا- منافقون مردوا على ~~النفاق، فقال بعضهم: المرد في الشيء: هو النهاية في الشر. # وقال بعضهم: (مردوا على النفاق)، أي: ثبتوا عليه وداموا. # PageV05P461 # وقال بعضهم: (مردوا) أي: عتوا عليه وبالغوا فيه. # أخبر أنهم لشدة مكرهم وخداعهم وعتوهم (لا تعلمهم): أنت، (نحن نعلمهم)؛ ~~لأن من المناففين من كان يعرفهم الرسول في لحن القول؛ كقوله: (ولتعرفنهم في ~~لحن القول) ومنهم من كان يعرفهم في صلاته؛ كقوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى)، ومنهم من كان يعرف نفاقه في تخلفه عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعني: عن الغزو - فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء لشدة عتوهم ومكرهم ~~وفضل خداعهم لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم. # ثم أخبر أنه سيعذبهم مرتين؛ قال بعضهم: القتل والسبي. # وعن الحسن قال: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر. # وقال بعضهم: يعذبهم بالجوع والقتل. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (سنعذبهم مرتين) القتل والسبي قبل الموت، ~~والعذاب الآخر يعذبون في القبر (ثم يردون إلى عذاب عظيم). # ويشبه ms2017 أن يكون تعذيبه إياهم مرتين؛ حيث أخذوا بالإنفاق على المؤمنين ~~وبينهم وبين المؤمنين عداوة، وأمروا أيضا بالقتال مع الكفار وهم أولياؤهم؛ ~~هذا أحد العذابين؛ لأنهم أمروا بالإنفاق على أعدائهم، وأمروا -أيضا- أن ~~يقاتلوا أولياءهم، والعذاب الثاني: القتل في القتال. # فإن قيل: لم يذكر أن منافقا قتل. # قيل: لم يذكر لعلة أنهم كانوا لا يعرفونهم؛ لقوله (لا تعلمهم)، فإذا لم ~~يعرفوا فيقتلون كما يقتل غيرهم من المؤمنين، والله أعلم. # PageV05P462 # وقال بعضهم: سنعذبهم مرتين: عند الموت ضرب الملائكة الوجهه والأدبار؛ ~~كقوله: (يضربون وجوههم وأدبارهم)، وفي القبر منكر ونكير (ثم يردون إلى عذاب ~~عظيم): في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم (102) # قال عامة أهل التأويل: الآية نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن غزوة ~~تبوك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فندموا على ذلك، واعترفوا، ~~ورجعوا عن ذلك، وتابوا، فقبل الله توبتهم، ووعدهم المغفرة بقوله: (عسى الله ~~أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم). # وذكر في بعض القصة أنه لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~غزوته تلك جاء هؤلاء الذين تخلفوا عنه بأموالهم إلى رسول الله، فقالوا: يا ~~رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، فكره أن ~~يأخذها، فقال: " لم أومر بذلك "، فنزل: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها وصل عليهم)، وهذا الوعد لكل مسلم ارتكب ذنبا لم يخرجه من الإيمان، ثم ~~ندم على ذلك وتاب يرجو - والله أعلم - أن يكون في وعد هذه الآية؛ لأنه ذكر ~~المؤمنين وما هم عليه، وذكر المنافقين وما هم عليه، ثم ذكر الذين خلطوا ~~أعمالهم الصالحة بأعمالهم السيئة ثم ندموا على ذلك وتابوا، وعد الله لهم ~~قبول التوبة والمغفرة. # PageV05P463 # قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك ~~سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ~~ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) وقل ms2018 اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم ~~تعملون (105) # وقوله - عز وجل -: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) اختلف في هذه ~~الصدقة التي أمر الله رسوله بأخذها من أموالهم: # قال بعضهم: هي صدقة فريضة، ثم اختلف فيها أية فريضة هي؟ فقال بعضهم: ~~فريضة زكاة الأموال. # وقال بعضهم: هي فريضة كفارة المآثم، وذلك أن أولئك الذين تخلفوا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ندموا على تخلفهم، فلما رجع رسول ~~الله جاءوا بأموالهم فقالوا له: تصدق بأموالنا عنا؛ فإن أموالنا هي التي ~~خلفتنا عنك، فأمر الله رسوله أن يأخذ منهم ذلك ويتصدق به كفارة لما ~~ارتكبوا. # ومن قال: هي فريضة زكاة المال؛ لما روي عن أبي أمامة قال: إن ثعلبة بن ~~حاطب أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال رسول ~~الله: " ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه "، ثم جاء ~~فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، قال: " ويحك يا ثعلبة! أما ~~أترضى أن تكون مثل، رسول الله لو سألت الله أن يسيل الجبال علي ذهبا لسالت ~~"، ثم أتاه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فوالله لو أتاني ~~الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه. فدعا له فقال: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " ~~ثلاث مرات، وذكر أنه اتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت # PageV05P464 # عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يصلي الصلوات كلها مع رسول الله ~~ويخرج إليها، ثم ضاقت عليه بها مراعى المدينة فتنحى بها فكان يصلي الظهر ~~والعصر مع رسول الله ثم يتبعها، ثم تنحى بها، فكان يصلي الجمعة مع رسول ~~الله ثم يتبعها، ثم بلغ أمره إلى أن ترك الجمعة والجماعات، فتنحى بها ~~ويتلقى الركبان فيسألهم عن الخبر وعما أنزل على رسول الله فأنزل الله: (خذ ~~من أموالهم صدقة. . .) الآية، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصدقة رجلين فكتب لهما فرائض ms2019 الصدقة، وأمرهما أن يسعيا في الناس ويأخذا ~~صدقاتهم، وأن يمرا بثعلبة ورجل من بني سليم فيأخذا صدقاتهما، فخرجا بصدقات ~~الناس، فمرا بالسلمي فأقراه كتاب رسول الله فأطاع بالصدقة، ومرا بثعلبة ~~فأقرآه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: والله ما أدري ما هذه ~~إلا جزية أو أخت الجزية، فإذا فرغتما فمرا بي حتى أرى رأيي، فلما فرغا من ~~الناس مرا به فقال لهما مثل، مقالته الأولى، وقال: انطلقا فإني سألقى رسول ~~الله، فأنزل الله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله. . .)، إلى قوله: ~~(فأعقبهم نفاقا)، إلى هذا ذهب عامة أهل التأويل أنها نزلت في شأن ثعلبة. # ومنهم من قال ما ذكرنا أنها نزلت في شأن أهل تبوك الذين تخلفوا عن رسول ~~الله. # ومنهم من قال: الصدقة التي أمر الله رسوله أن يأخذها من أموالهم هي صدقة ~~تطوع وتبرع، وهو ما ذكر أن رسول الله كان يحث الناس على الإنفاق في غزوة ~~تبوك، فجاء عبد الرحمن بن عوف بكذا، وفلان بكذا، فأخذها منهم، وفيه نزل ~~قوله: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات). # ومنهم من قال: هو في كل صدقة تطوع، قلت الصدقة أو كثرت، أمر رسوله أن ~~يأخذ من أموالهم ما رأى لا يأخذ الكل؛ لأن أخذ الكل يحوجهم ويشغلهم عن جميع ~~الطاعات # PageV05P465 # والعبادات، ولكن أمر أن يأخذ قدرا منها وطائفة، مقدار ما يكفر ما ارتكبوا ~~من المآثم. وقوله: (تطهرهم وتزكيهم بها). # إن كانت صدقة الزكاة، فهي تطهر آثامهم وتزكي أخلاقهم حتى يتيسر عليهم ~~إخراج الصدقة وأداؤها إلى أهلها، وإن كان صدقة كفارة لمن تخلف عن غزوة ~~تبوك، فهي تكفر آثامهم التي لحقتهم بذلك (وتزكيهم). # قيل: وتصلحهم، وهو ظاهر. # وإن كانت صدقة تطوع فهي مما يطهرهم أيضا، ويزكيهم؛ لما ينفي عنهم البخل، ~~ويؤدي إلى الجود والكرم؛ ألا ترى أنه مدح من أعطى، وذم من بخل ومنع بقوله: ~~(فأما من أعطى واتقى. . .)، (وأما من بخل. . .) الآية. # وقوله: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). # قال بعضهم: كان رسول الله - صلى ms2020 الله عليه وسلم - إذا أتى أحد بصدقة دعا ~~له ويستغفر، وكان لا يستغفر لأهل النفاق، وكانت قلوبهم تسكن وتطمئن ~~باستغفار النبي؛ لما علموا بذلك أنهم ليسوا من أهل النفاق؛ هذا يحتمل. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن الله أمر رسوله أن يستغفر لهم ويصلي عليهم، ثم ~~لا يحتمل أن يأمره بذلك فلا يفعل، أو يفعل فلا يجيبه، فكانت قلوبهم تسكن، ~~وتطمئن باستغفار النبي لهم لما قبلت توبتهم، وكفرت سيئاتهم، والله أعلم. # (والله سميع عليم). # قد ذكرنا هذا غير مرة. # PageV05P466 # وفي قوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد ~~المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم ~~تصل إليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يحل له الصدقة، ثم ~~أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية. # وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده ~~وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزا، وكان وقفا صحيحا. # PageV05P467 # ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن للإمام أن يطالب بزكاة الأموال، ~~وكذلك # PageV05P468 # مضت السنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعث المصدقين إلى ~~أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في مواضعها، ~~وعلى ذلك فعل الأئمة من بعد: أبو بكر، وعمر، والأئمة الراشدون، وظهر العمل ~~بذلك من بعدهم إلى هذا الوقت، حتى قال أبو بكر لما امتنعت العرب من إعطائه ~~الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حاربتهم عليها. فذلك يؤيد ما ذكرنا من مطالبة الإمام أصحاب ~~الأنعام والمواشي بزكاة أنعامهم ومواشيهم. # وقد بين الله تعالى وجوب ذلك بيانا شافيا بقوله: (إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين) الآية، فجعل للعاملين عليها حقا، فلو لم يكن على الإمام أن ~~يطالب بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداء ذلك إلى أرباب الأموال؛ ما كان ~~لذكر العاملين وجه، ولم يبلغنا أن النبي بعث في مطالبة المسلمين بزكاة ms2021 ~~الورق وأموال التجارة، # PageV05P469 # ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومن حمله منهم إلى الأئمة يقبلون ما يحمل ~~إليهم منه، ولا يسألون أحدا عن مبلغ ملكه، ولا يطالبون به إلا ما كان من ~~توجيه عمر العشار في الأطراف، وكان ذلك منه عندنا - والله أعلم - للتخفيف ~~عمن بعد عن داره، وشق عليه أن يحمل صدقته إلى إمامه، فجعل في كل طرف من ~~الأطراف عاشرا لتجار أهل الحرب والذمة، وأمره أن يأخذ من تجار المسلمين ما ~~يدفعونه إليه، وكان ذلك من عمر تخفيفا على المسلمين؛ لأنه ليس على الإمام ~~مطالبة أرباب الأموال بأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة سوى ~~المواشي والأنعام، فإن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحد منهم الإمام ~~بشيء من ذلك، فيقبله منه ولا يتعدى ما جرت به السنة إلى غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) # يحتمل قوله: (ألم يعلموا)، أي: قد علموا أن الله يقبل توبة من تاب. # ويحتمل على الأمر، أي: اعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده. # ويحتمل قوله: (ألم يعلموا) أي: قد علموا (أن الله هو يقبل التوبة) ممن ~~تاب. # PageV05P470 # (ويأخذ الصدقات)، قيل: يقبل. # ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله: (خذ من أموالهم ~~صدقة) وذلك كثير في القرآن. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله هو التواب الرحيم) قال أبو بكر الأصم: ~~التواب هو صفة العافي، وهو اسم للتائب. # والتواب عندنا: هو الموفق للتوبة. # ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة، وإن ~~كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته ~~التوبة والكفارة جميعا؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من ~~الشرائع، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج عن شرائعه وأدخل نقصانا فيما اعتقد حفظه، ~~فإذا ترك حفظه وأدخل فيه النقصان، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي ~~أدخل فيه، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع، إنما ms2022 عليه أن يتوب عن ~~الشرك ويأتي بالإيمان؛ لذلك افترقا. # وقوله - عز وجل -: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) اختلف فيه: # قال بعضهم: ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا وتابوا عن ذلك، ~~فتاب الله عليهم؛ يقول: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، أي: إن ~~عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك ~~(وستردون إلى عالم الغيب والشهادة) أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب ~~والشهادة. # PageV05P471 # وقال بعضهم: الآية في المنافقين؛ يقول: اعملوا فيما تستأنفون؛ فإن الله ~~يطلع رسوله والمؤمنين على نفاقكم فتفتضحون، حيث يطلعون على سرائركم. # (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة). # أي: تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة. # (فينبئكم بما كنتم تعملون). # أي: يجزيكم جزاء ما كنتم تعملون؛ يخرج ذلك على الوعيد. # وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد جنازة ~~والمؤمنون -أيضا- شهدوها، فأثني عليها، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " وجبت "، فقيل: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: " الملائكة شهداء ~~الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فإذا شهدتم وجبت ". # ثم قرأ قوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). # فإن ثبت هذا ففيه دلالة جواز حجة الإجماع؛ لأنه قال: " الملائكة شهداء ~~الله في # PageV05P472 # السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض فإذا شهدتم وجبت، "، فإذا شهدوا على ~~شر فهو شر، وإذا شهدوا على خير فهو خير، فعلى ذلك إذا شهدوا على حكم يلزم ~~العمل به. # وقوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). # ليس على الأمر أن يقول لهم جميعا: اعملوا كذا، ولكن أن كل من بلغته هذه ~~الآية يتفكر فيها ويتدبر، فلا يقدم على عمل، لا يستحسنه أن يكون رسول الله ~~والمؤمنون بحضرته فإذا خلا به لا يعمله، وكذلك قوله: (قل سيروا في الأرض ثم ~~انظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، ليس على الأمر بالسير على الأرض، ولكن على ~~الأمر بالتفكر والتدبر ms2023 فيما نزل بهم بالتكذيب، وكذلك قوله: (قل هو الله ~~أحد)، ليس على الأمر أن يقول لهم ذلك، ولكن يتفكر كل فيه أنه واحد. # قوله تعالى: (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله ~~عليم حكيم (106) # وقوله - عز وجل -: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~عسى الله أن يتوب عليهم). # قال بعضهم: هو صلة قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا) # PageV05P474 # كانوا موقوفين محبوسين، لا يدرون ما يحكم الله فيهم، أيعذبهم أو يتوب ~~عليهم؛ فنزل قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا). # وقال بعضهم: هو صلة (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) كانوا اتخذوا مسجدا ~~فكانوا مرجون لأمر الله، ثم بين أن اتخاذهم المسجد ضرارا، (وكفرا وتفريقا). # وقال بعضهم: قوله: (وآخرون مرجون لأمر الله) قال: هم الثلاثة الذين ~~خلفوا. # وقال أبو عوسجة: (وآخرون مرجون لأمر الله) أي: محبوسون: يقال: أرجيته: أي ~~حبسته. # وقال القتبي: مرجون لأمر الله، أي: مرجون على أمره؛ كأن هذه الآية نزلت ~~في الذين تخلفوا عنه للركون إلى الدنيا ورغبة فيها، وهم المؤمنون، والآية ~~التي كانت قبل هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا للركون إلى الدنيا ~~وكفرا ونفاقا. # * * * # قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن ~~أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) # PageV05P475 # وقوله: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ... (107) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن المنافقين اتخذوا مسجدا، فلما فرغوا منه ~~جاءوا إلى نبي الله وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: يا رسول ms2024 الله، بنينا ~~مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، وإنا نحب يا رسول الله أن ~~تأتينا فتصلي فيه، قال رسول الله: " إنا على سفر وحال شغل، ولو قدمنا من ~~سفرنا أتيناكم فصلينا لكم فيه إن شاء الله "، فأنزل الله على رسوله: ~~(والذين اتخذوا مسجدا ضرارا. . .) الآية؛ أخبر فيه أنهم لم يقصدوا ببناء ~~مسجدهم ذلك ما ذكروا؛ إنا بنينا مسجدا، لذي العلة والحاجة، والليلة ~~المطيرة، والإشفاق على الدين، وحفظ الصلاة بالجماعة، ولكن يقصدون به ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين. # وقوله: (ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين). # يكون قوله: (وتفريقا بين المؤمنين) تفسيرا لقوله: (ضرارا)، يقصدون ببناء ~~المسجد الذي بنوا ريبة أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا ~~جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر ~~بهم من أن كانوا مجموعين. # روي عن رسول الله كيوإنه قال: " لن يغلب اثنا عشر ألفا كلمتهم واحدة ". # وقوله: (ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم)، جعل الاجتماع في الدين ~~نعمة، ونهاهم عن التفرق وهم كانوا يقصدون قصد التفريق بينهم؛ لما ذكرنا، أو ~~كانوا يقصدون بذلك أن يفرقوا بين ضعفة من المؤمنين وبين رسول الله، فيلبسوا ~~عليهم الدين؛ لأنهم كانوا أهل لسان وجدل، وذلك كله كفر على ما ذكر. # وفيه دلالة إثبات رسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه معلوم ~~أنهم أسروا وأضمروا فيما بينهم # PageV05P476 # الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأطلع الله نبيه على ما أسروا؛ ~~ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله). # أي: بنوا ذلك المسجد إرصادا لمن حارب الله ورسوله. # قال عامة أهل التأويل: هو أبو عامر؛ ذكر أن أبا عامر حارب رسول الله، ثم ~~فر # PageV05P477 # منه، فقال للمنافقين: ابنوا مسجدا واستعدوا، فإني ذاهب إلى قيصر بالشام، ~~فآتي # PageV05P478 # بجند فنخرج محمدا وأصحابه من المدينة. فذهب إلى قيصر بالشام، فبنوا مسجدا ~~إرصادا لمن حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر. # قال القتبي: ضرارا، أي: مضارة، وإرصادا، أي: ترقبا بالعداوة. # وقال أبو عوسجة: (ضرارا)، أي: ms2025 مضارة، (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله)، ~~أي: وقوفا وانتظار الفرصة لمن حارب الله على المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (وليحلفن إن أردنا). # أي: حلفوا ما أردنا باتخاذ المسجد. # (إلا الحسنى) والخير. # (والله يشهد إنهم لكاذبون). # فيه ما ذكرنا من الدلالة على إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق ~~أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # قيل: لا تصل فيه؛ لأنهم سألوه أن يصلي فيه. # وقيل: (لا تقم)، أي: لا تأته، ولا تدخل؛ وهو واحد. # (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه). # قال بعضهم: هو مسجد قباء. # PageV05P479 # وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # روي عن أبي سعيد الخدري قال: اختصم - أو قال: اختصمنا - في المسجد الذي ~~أسس على التقوى؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " هو مسجدي هذا ". # وعن أبي بن كعب قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المسجد الذي ~~أسس على التقوى فقال: " هو مسجدي هذا ". # PageV05P480 # وظاهر ما ذكر أن يكون مسجد قباء؛ لأنه ذكر لما نزل قوله: (فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين)، قال لأهل قباء: " إن الله قد أحسن عليكم ~~الثناء في الطهور، فماذا تصنعون؟ " قالوا: نغسل عنا أثر الغائط والبول. # وفي بعض الأخبار قالوا: يا رسول الله، إنا نجد مكتوبا علينا في التوراة ~~الاستنجاء # PageV05P481 # بالماء، فلا ندعه، فقال: " لا تدعوه ". # وقوله - عز وجل -: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا). # يحتمل: أي: فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان، والتوحيد، والصلاة فيه، وكل ~~مسجد هذا فيه فهو مؤسس على التقوى، أي: تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ~~ومناهيه. # أو يقول: فيه رجال يحبون، أي: يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة ~~على غيرها من الأعمال التي تنجسهم. # ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقذار والأنجاس؛ كأنه قال: ~~فيه رجال يؤثرون الإبلاع في التطهير من الأقذار والأنجاس التي تصيبهم. # وقوله - عز وجل ms2026 -: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) # أي: على الطاعة لله والإخلاص له. # PageV05P482 # (ورضوان). # له وطلب مرضاته. # (خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار). # أي: بني للاختلاف والتفريق بين المؤمنين والكفر بالله؛ هذا المثل مقابلة ~~مكان بمكان؛ يقول: من بني بناء على قرار من الأرض مما يقر به وينتفع به خير ~~ممن بني بناء على المكان الذي لا يقر، ويؤدي إلى الهلاك، ولا ينتفع به، ~~والأول مقابلة فعل بفعل، وهو قوله: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين) وكالذي بنى الضد من ذلك، أي: ليسا بسواء، ثم قال: ~~(لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) هذا مقابلة فعل بفعل؛ ~~يقول: الذين بنوا المسجد على الطاعة لله، والإخلاص له، وطلب مرضاته، ~~والاجتماع فيه خير ممن بني للكفر بالله، والتفريق بين المؤمنين، وضرارا ~~بهم؛ هذا مقابلة فعل بفعل. # وقوله: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه ~~على شفا جرف هار). # هذا مقابلة مكان بمكان؛ لما ذكرنا. # وقوله: (أسس). # أصل الأس والأسس والتأسيس واحد. # وقوله - عز وجل -: (شفا جرف هار). # قال أبو عوسجة: (شفا جرف) قال: شفاه: فمه، والجمع: أشفاء، وجرف: أرض يسيل ~~فيها السيل حتى يحفرها، والجرفة جمع. # وقوله: (هار) وقال: الهار: الهش الذي ليس بصلب، ويقال: أنهار ينهار، أي: ~~انهدم، ويقال: رجل هار، أي: ضعيف، وهي أرض هشة، أي: رخوة، سريعة الانهدام، ~~والهش: الرخو. # PageV05P483 # وقال القتبي: (شفا جرف هار) أي حرف جرف هار، والجرف: ما ينجرف بالسيول من ~~الأودية، والهائر: الساقط، ومنه يقال: تهور البناء: إذا سقط وانهار. # وقال أبو عبيدة: (على شفا جرف) الشفا: هو الشفير، والجرف: ما ينجرف من ~~السيول من الأودية، وهار، يريد: هائر. # وقوله - عز وجل -: (فانهار به في نار جهنم). # قال بعضهم: خسف الله مسجدهم في نار جهنم. # وفي حرف ابن مسعود: (فخر ms2027 من قواعده في نار جهنم) وقال: حفرت فيه بقعة ~~فرؤي منها دخان سطع، وقال: يهوى ببنائهم الذي بنوا في نار، ولا ندري كيف ~~هو؟ وما معناه؟. # وقوله - عز وجل -: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110) # قال بعضهم: (بنوا ريبة)، أي: حسرة وندامة. # وقال بعضهم: ريبة: أي شكا وريبا. # ومن قال: حسرة وندامة، فهو على وجهين: # الأول: يحتمل: أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا. # والثاني: يحتمل: حسرة وندامة؛ لما افتضحوا بما صنعوا، وبما أرادوا بقوله: ~~(والله يشهد إنهم لكاذبون). # ومن قال: شكا ونفاقا (إلا أن تقطع قلوبهم) إلى الممات، أي: هم على الشك ~~والنفاق إلى الموت، وهو كقوله: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه). # PageV05P484 # وأصل الريبة: التهمة؛ يقال: فلان مريب: إذا كانت به تهمة. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن تقطع). # هذا -أيضا- على وجهين: # أحدهما: على التمثيل أن الخوف والحزن إذا بلغ غايته؛ يقال: فلان متقطع ~~القلب [ ### | ..... # ]. # * * * # قوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ~~(112) # وقوله - عز وجل -: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة). # يحتمل قوله: (اشترى)، أي: استام؛ لأن قوله: (اشترى) خبر، ولكن يحتمل ~~الاستيام، أي: استام أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم لله؛ ليجعل لهم الجنة. # ثم بين فقال: (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون). # ويحتمل أن يكون قوله: (اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم): خبرا عن قوم ~~باعوا أنفسهم وأموالهم؛ كقوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله)، وقوله: (يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله. . .) ~~الآية، فإذا صاروا بائعين أنفسهم، كان الله - عز وجل - مشتريها منهم. # ثم بين أن كيف تباع وكيف تشترى فقال: (يقاتلون في سبيل ms2028 الله فيقتلون) أي: ~~يقتلون العدو، (ويقتلون) أي: يقتلهم العدو. # وقد قرئ الأول بالرفع: فيقتلون، والثاني بنصب الياء، فهو ليس على الجمع ~~أن # PageV05P485 # يقتلوا ويقتلوا، ولكن أن يقتلوا العدو أو يقتلهم العدو، أيهما كان، أو ~~يقاتلون العدو وإن لم يقتلوا؛ كقوله: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما) وقال: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله. . .) الآية؛ سمي الإيمان بالله والمجاهدة في سبيله تجارة، ثم قال: ~~(بأن لهم الجنة) بحق الوعد لهم فضلا منه، لا بحق البذل. # ثم قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم). # ذكر شراء أنفسهم وأموالهم منهم، وأنفسهم في الحقيقة لله أن يأخذ منهم ~~أنفسهم وأموالهم، وأن يتلفهم بأي وجه ما شاء، لكنه عامل عباده معاملة من لا ~~ملك له في ذلك، ولا حق؛ كرما منه أوفضلا، وجودا، ووعدهم على ذلك أجرا ~~وبدلا، وكذلك ما ذكر من القرض له، ووعدهم على ذلك الأجر مضاعفا، وكذلك ما ~~وعدهم من الثواب فيما يعملون لأنفسهم كالعاملين له؛ حيث قال: (جزاء بما ~~كانوا يعملون)، وقال: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)، ونحوه، وإن كانوا في ~~الحقيقة عاملين لأنفسهم بقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. . .) الآية، ذكر ~~ما ذكر ففلا منه وإكراما؛ إذ هي له في الحقيقة، وهو كما قال: (لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)، فإنما طلب بذل حق أنفسهم ~~وأموالهم، أو ذكر - والله أعلم - شرى ماله في الحقيقة؛ ليعلم الخلق أن كيف ~~يعامل بعضهم بعضا، وكذلك قال الله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)، ~~عاملهم معاملة من لا حق له في أموالهم وأنفسهم؛ ليعامل الناس بعضهم بعضا في ~~أموالهم وأنفسهم، كمن لا حق له في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وعدا عليه حقا). أي: وعدا واجبا حقا. # PageV05P486 # (في التوراة والإنجيل والقرآن). # أي: وعد ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن. # وفي حرف ابن مسعود: (عهدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والفرقان). ms2029 # وقوله - عز وجل -: (وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل). # هذه الآية تنقض قول من يقول بأن الإنجيل نزل على التخفيف والتيسير ~~والتوراة بالشدائد، وكذلك قوله: (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة)، ~~وذلك مذكور في حكم الإنجيل، إلا أن يقال بأن قوله: (وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل)، أي: كان هذا مذكورا لهذه الأمة في التوراة والإنجيل وما ~~ذكر. # أثم، قال: (ومن أوفى بعهده من الله). # هذا على أن قوله: (اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم. . .) الآية إنما ~~هو عهد إليهم؛ حيث قال: (ومن أوفى بعهده من الله)، أي: لا أحد أوفى وأصدق ~~بعهده من الله إن وفيتم أنتم بعهده الذي عهد عليكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به). # يشبه أن يكون الاستبشار الذي ذكر وقت الموت أن تقول لهم الملائكة: ~~استبشروا ببيعكم الذي بايعتم به في الحياة؛ وهذا يدل أن البيع يكون بيعا ~~بالبدل وإن لم يتلفظ بلفظة البيع، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأحكام لم تتعلق ~~بالألفاظ والأسامي؛ إنما علقت بمعاني فيها، فإذا وجدت المعاني حكم بها. # PageV05P487 # (وذلك هو الفوز العظيم) الذي ذكر. # وقوله - عز وجل -: (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر ~~المؤمنين (112) # قال بعضهم: هو على الصلة بالأول فيما ذكر من الشرى والوعد لهم الجنة إذا ~~كانوا على الوصف الذي ذكر. # وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي - رضي الله عنهما -: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين التائبين العابدين الحامدين)، على الصلة بالأول بالكسر إلى قوله: ~~والحافظون لحدود الله)، قرآها: والقائمين على حدود الله أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة). # ومنهم من قال على الابتداء بالرفع: (التائبون العابدون الحامدون. . .) ~~إلى آخره. # ويشبه أن يكون الشراء الذي ذكر في أول الآية وما وعد لهم ببذل أنفسهم ~~وأموالهم في الجهاد، يكون ذلك أيضا في غيره من الطاعات والخيرات، من بذل ~~نفسه لله فيما ذكر من العبادة له والجهد، وما ذكر في الآية - فهو بائع نفسه ~~منه؛ كقوله: (ومن الناس ms2030 من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) ونحوه. # وقوله: (التائبون). # يحتمل: التائبون من الشرك، أو من جميع المعاصي. # PageV05P489 # (العابدون). # يحتمل: الموحدون. # ويحتمل: العابدون: جميع أنواع العبادة. # (الحامدون). # قيل: الشاكرون. # وقيل: المثنون على الله. # فإن كان قوله: (العابدون) من العبادة، فيكون الحامدون: المثنون على الله؛ ~~لأن العبادات كلها شكر. # وإن كان قوله: (العابدون): الموحدون، فيكون قوله: (الحامدون) والشاكرون ~~للنعم التي أنعمها الله عليهم. # (السائحون). # قيل: الصائمون؛ وعلى ذلك روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنه ~~سئل عن السائحين؟ فقال: هم الصائمون "، وقال: " وسياحة أمتي الصيام ". # وقال القتبي: وأصل السائح الذاهب في الأرض، ومنه يقال: ساح إذا جرى وذهب، ~~والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات، فشبه الصيام به؛ لإمساكه في صومه عن ~~المطعم والمشرب وجميع اللذات. # وقال أبو عوسجة: هم الذين يمضون على وجوههم في الأرض ليست لهم منازل، ~~يقال: ساح يسيح سيحا وسياحة. # (الراكعون الساجدون). # PageV05P490 # قيل: المصلون. # وقيل: الخاضعون لله والخاشعون له؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة. # (الآمرون بالمعروف). # يحتمل التوحيد، أي: آمرون الناس بتوحيد الله. # ويحتمل: الآمرون لهم بالخيرات والمعروف كله. # (والناهون عن المنكر). # الشرك، ويحتمل: كل معصية. # (والحافظون لحدود الله). # قال بعضهم: لفرائض الله التي فرضها على عباده. # وقال بعضهم: لسنن الله، ولكن حافظون جميع أحكام الله، لا يجاوزون ما حد ~~لهم ولا يفرطون فيها. # (وبشر المؤمنين). # يحتمل البشارة لهؤلاء الذين سبق ذكرهم. # ويحتمل: على الابتداء، أي: بشر جميع المؤمنين؛ كقوله: (وبشر المؤمنين بأن ~~لهم من الله فضلا كبيرا)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ~~إن إبراهيم لأواه حليم (114) وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض ~~يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ms2031 ولا نصير (116) # وقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين). # دلت الآية بما نهانا أن نستغفر لمن علمنا أنه من أهل النار؛ لما أن الله ~~لا يغفر له؛ لما # PageV05P491 # علم أنه لا يؤمن، فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له فلم يجز لنا ~~أن نقول: إنه أراد الإيمان لمن يعلم أنه لا يؤمن أبدا؛ كما لم يجب أن يغفر ~~لمن وجبت له النار، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أراد لكل ~~كافر الإيمان، لكنه لم يؤمن. # ثم قوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين). # قال بعض أهل التأويل: إن رسول الله قد استغفر لأحد والديه، وذكر أنه دخل ~~على أبي طالب عمه فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فأبى، ثم استغفر له ~~وقال: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه أو كلام نحو هذا، فنزل قوله: (ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى. . .) الآية. # قال الحسن: لا يحتمل أن يكون رسول من رسل الله لا يعلم أن الله لا يغفر ~~للكافر؛ إذ في العقل والحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبدا، وعندنا في ~~الحكمة تعذيب الكافر أبدا وألا يغفر له لوجوه: # أحدها: أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه، ومن سوى بين عدوه ووليه فهو ليس ~~بحكيم؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما. # والثاني: أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله، وتلك الجهالة ~~لا ترتفع أبدا؛ لأنه إذا غفر له فيقع عنده أنه إنما جزى وغفر له لعبادة غير ~~الله. # والثالث: أنه لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال؛ لأن الأفعال إنما يؤمر ~~بها لعواقب تتأمل: # إما حمدا وإما ذما، فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها، ففي ~~ذلك خروجها عن الحكمة. # وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين، قبل أن يتبين له أنهم ~~منافقون، فلما تبين # PageV05P492 # له نفاقهم كف عن استغفاره لهم، فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه ~~كافر ms2032 فلا يحتمل، على ما يقوله بعض أهل التأويل: إنه استغفر لعمه ولأحد ~~والديه. # وقوله - عز وجل -: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) # قال بعضهم: وعدها إياه: الإسلام، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام، ~~فإنما كان استغفاره بعد إسلامه. # ألا ترى أنه قال: (ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي ~~وللمؤمنين)، فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم وقد كان وعده الإسلام؛ لذلك ~~كان استغفر له. # ألا ترى أنه تبرأ منه؛ إذ تبين له أنه من أهل النار. # ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب ~~المغفرة وهو التوحيد والإسلام؛ وهو كقول هود لقومه: (ويا قوم استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه)؛ وكقول نوح: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) ليس يأمرهم أن ~~يقولوا: نستغفر الله، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل ~~المغفرة، فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه؛ وكذلك قوله: (واغفر لأبي إنه كان ~~من الضالين) أي: أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد، كان سؤاله ~~سؤال التوحيد؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر ~~له. # فإن قيل: فإن كان على ما ذكرتم كيف استثنى قول إبراهيم: (لأستغفرن لك) ~~بعد ما أخبرنا أن في إبراهيم قدوة بقوله: (قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم)؟ # قيل: يحتمل الاستثناء لقول إبراهيم: (لأستغفرن لك) لأبيه، أي: حتى نعلم ~~المعنى من استغفاره؛ لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه؛ وكذلك ~~استغفار الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لقومهم والمتصلين بهم، ~~فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم. # وقوله - عز وجل -: (إن إبراهيم لأواه حليم) # قيل: الأواه: الدعاء، وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~" أنه سئل عن الأواه؟ # PageV05P493 # فقال: الدعاء الخاشع المتضرع ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الأواه: المؤمن. # وقيل: الأواه: الفقيه، الموقن. # وقيل: المسبح. # وقيل: الأواه: المتأوه حزنا وخوفا. # و" حليم " قيل: ms2033 الحليم ضد السفيه. # وقيل: العليم. # والحليم: هو الذي لا يغضب ولا يسفه عند سفه السفيه. # وقوله: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن ~~الله بكل شيء عليم (115) # اختلف أهل التأويل: # قال بعضهم: الآية في استغفار المؤمنين للمشركين. # PageV05P494 # وقال بعضهم: الآية في نسخ الأحكام والشرائع التي تحتمل النسخ. # فإن كانت في الاستغفار للمشركين، فإنه ليس هنالك نسخ؛ لأنه لم يسبق لهم ~~الأمر بالاستغفار ولا الإباحة لهم في ذلك، فكأنه قال: ما كان الله ليجعل ~~قوما ضلالا بالاستغفار بعد أن جعلهم مهتدين حتى يعلموا بالنهي عن ذلك، ~~والله أعلم. # وهو يحتمل ما ذكرنا من استغفارهم للمنافقين قبل أن يتبين لهم؛ يقول: لا ~~يجعلهم ضلالا بذلك. # (حتى يبين لهم ما يتقون)، أي: حتى يعلموا بالذي يلزمهم الانتهاء عنه، وهو ~~النسخ؛ هذا في الأحكام التي تحتمل النسخ. # وأما الأحكام التي لا تحتمل النسخ فلا. # وأصله: أن كل ما كان في العقل امتناع نسخه فإنه لا يرد فيه النسخ، وكل ما ~~كان في العقل لا امتناع على نسخه فإنه يجوز أن يرد فيه النسخ. # PageV05P495 # ثم المسألة فيما عملوا بالمنسوخ قبل العلم بالنسخ ما حال العمل الذي ~~عملوا به يجرحون ويأثمون في عملهم بذلك في حال نسخه، أو يثابون ويؤجرون على ~~ذلك؟ فإن كان الفعل فعل طاعة وقربة، فإنه يثاب في قصده وفعله ولا يجرح فيه. # وإن كان فعله ليس بفعل قربة وطاعة، ولكن فعل حل وحرمة - فإنه في فعله قبل ~~بلوغ العلم بنسخه لا يجرح في فعله؛ نحو ما روي أنهم كانوا يشربون الخمر ثم ~~أتاهم آت فقال: ألا إن الخمر قد حرمت، فصبوها وكفوا عنها، فهم في شربهم بعد ~~التحريم قبل بلوغ الخبر إليهم لا يجرحون. # وأما الفعل الذي هو فعل قربة وطاعة: فإن لهم القربة في فعلهم وهو الصلاة؛ ~~ونحوه ما روي أن نفرا كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فمر عليهم مار فقال: ألا ~~إن القبلة قد حولت - وهم في الركوع - إلى الكعبة، فتحولوا نحوها، فأخبروا ms2034 ~~عن ذلك رسول الله فلم يأمرهم بالإعادة؛ لأن الفعل فعل قربة وطاعة، فالطاعة ~~والقربة موجودة في فعلهم؛ لأن الأفعال التي فرضت لم تفرض لنفس الأفعال إنما ~~فرضت للطاعة والقربة لله فيها، فإنه يؤجر على ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله بكل شيء عليم). # بما فيه مصالح الخلق وما ليس فيه؛ كان هذا - والله أعلم - خرج لإنكار من ~~أنكر النسخ في الشرائع؛ يقول: إن الله يعلم بما فيه مصالح الخلق وأنتم لا ~~تعلمون، وفي الناسخ مصالح لهم وأنتم لا تعلمون، ويؤكد ذلك قوله - عز وجل -: ~~(إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت (116) # PageV05P496 # وأنتم عبيده، وليس للعبد إنكار شيء على سيده، وإنما على العبد الطاعة ~~لسيده والائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه. # قوله تعالى: (يحيي ويميت). # أي: كما له أن يميت بعد الحياة ويحيي بعد الموت، فله أن يتعبدهم في حال ~~بعبادة، وفي حال بعبادة أخرى. # * * * # قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رءوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) # وقوله - عز وجل -: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار. . .) ~~الآية. # قال بعض من أهل التأويل: تاب الله عليهم لزلات سبقت منهم، ولهفوات تقدمت ~~من غير أن كان منهم زلات في هذا - يعني: في غزوة تبوك - وهفوات، أما التوبة ~~على النبي فقوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا) ~~وعلى المهاجرين والأنصار ما كان منهم يوم أحد ويوم حنين، وهو قوله: (إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم). # وقال بعضهم: تاب عليهم لهفوات كانت منهم في غزوة تبوك، هموا أن ينصرفوا ~~في غير وقت الانصراف على غير إذن لشدائد أصابتهم، فقال: (تاب عليهم)، لما ~~هموا بالانصراف في ms2035 غير وقت الانصراف. # ويشبه أن تكون التوبة التي ذكر على وجهين سوى ما ذكروا: # أحدهما: وهو أنه تاب عليهم، أي: جدد عليهم التوبة للهفوات التي تقدمت، أو # PageV05P502 # الثبات عليها من غير أن كان منهم في الحدوث شيء، ولكن يكون لذلك حكم ~~التجديد أو الثبات عليها كسؤال الهدى وهم على الهدى؛ كقوله - عز وجل -: ~~(اهدنا الصراط المستقيم). # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) أي: يا أيها الذين ~~آمنوا فيما مضى من الوقت آمنوا في حادث الوقت، أو اثبتوا على ذلك؛ فعلى ذلك ~~يحتمل أن يكون قوله: (ثم تاب عليهم) أي: جدد عليهم التوبة من غير أن كان ~~منهم هفوة، أو ثبتهم على التوبة التي كانت منهم. # والثاني: أنه ذكر التوبة، وذلك أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الشدائد ~~والجهد، كشف الله عنهم أشياء كانت مستورة عندهم وجلالهم أغطية كانت لا ~~تنجلي لهم من قبل، لكن انجلى ذلك لهم وانكشف؛ لصبرهم على الشدائد التي ~~أصابتهم؛ كقوله: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون)، لما صبروا على ما أصابهم من المصائب ازداد لهم تفويض وتسليم الأمر ~~والمرجع إليه؛ وكقوله: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله. . .) الآية، ازداد ~~لهم بما صبروا هدى وتجلى لهم أشياء لم تكن من قبل؛ فعلى ذلك يحتمل التوبة ~~التي ذكر أنهم لما صبروا على ما أصابهم من الشدة والجهد، تجلت لهم أشياء ~~كانت مغطاة - والله أعلم - فإنه ذكر: (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم)، ~~ولم يذكر أنها زاغت وذكر قلوب فريق منهم، ولم يذكر قلوب الكل فهو ما ذكرنا. # ويحتمل ذكر التوبة على النبي على الإشراك مع المؤمنين من غير أن كان له ~~ذنب؛ لأنه أخبر أن ذنبه مغفور بقوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر)، فهو كما أشركه في الاستغفار؛ بقوله: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات) أمره بالاستغفار لذنبه على الإشراك له مع استغفار المؤمنين؛ إذ ~~أخبر أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ms2036 # PageV05P503 # والتوبة من الله تعالى تخرج على وجوه: # أحدها: التوفيق وفقهم للتوبة وأكرمهم بها؛ كقوله: (ثم تاب عليهم ليتوبوا) ~~أي: وفقهم للتوبة فتابوا. # والثاني: التوبة منه قبولها منهم، أي: يقبل منهم التوبة؛ كقوله: # (إن الله هو التواب الرحيم). # والثالث: (تاب عليهم)، أي: تجاوز عنهم وعفا وصفح عنهم. # على هذه الوجوه الثلاثة تخرج إضافة التوبة إلى الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة). # قيل: في عسرة النفقة وعسرة الظهر. # وقوله - عز وجل -: (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم). # ذكر في بعض القصة أنه قد أصابهم من الجهد والشدة حتى أن الرجلين يقسمان ~~التمرة بينهما، وكانوا يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ~~الماء، ثم يمصها هذا، ذكر نحو هذا، ولكن لا ندري كيف كان الأمر سوى أنه ~~أخبر أن قلوبهم كادت تزيغ من الجهد. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) # قال بعضهم: خلفوا، عن التوبة؛ نحو قوله: (لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار). فكانوا يبتهلون ويدعون الله حتى تاب الله عليهم ~~فتابوا. # وقال قائلون: خلفوا عن رسول الله لما تقدمهم القوم، فهم المخلفون بتقدم ~~أولئك. # وقال قائلون: خلفوا خلفهم الله، أي: خلفهم. # ويشبه أن يكون قوله: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) هم الذين تخلفوا فخلفهم ~~رسول الله، وهو ما ذكرنا. # وقوله: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم). # PageV05P504 # يحتمل هذا على التحقيق، ويحتمل أن يكون على التمثيل. # وللتحقيق وجهان: # أحدهما: (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت): ما ذكر أنهم شدوا أنفسهم بالسواري ~~والأسطوانات، وأتوا بأموالهم التي منعتهم عن الخروج مع رسول الله، وتصدقوا ~~بالأرضين التي منعتهم عن الخروج، وضاقت عليهم الأرض بعد ما كانت عليهم ~~متسعة يتسعون فيها؛ لأنه ذكر في القصة أن واحدا من هؤلاء ممن حبسته أرضه عن ~~الخروج فتصدق بها على الفقراء، وكان ms2037 له التوسع بتلك الأرض ثم ضاقت عليه. # والثاني: (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت): لما حبسوا أنفسهم عن أراضيهم، ~~وتركوا شهواتهم وأمانيهم وما يتلذذون به؛ ذلك ضيق الأرض. # (وضاقت عليهم أنفسهم): لما شدوا أنفسهم بالأسطوانات. # ويحتمل أن يكون على التمثيل؛ وذلك أن الخوف إذا اشتد بالإنسان وبلغ غايته ~~حتى يمنعه عن القرار في الأرض والتلذذ فيها يقال: ضاقت عليه الأرض بسعتها، ~~وضاقت عليهم أنفسهم؛ لما ذكر كان الناس لا يكلمونهم ولا يخالطونهم ولا ~~يبايعونهم ولا يكلمهم أهاليهم. # وقوله - عز وجل -: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه). # قال بعضهم: ظنوا أن لا نجاة من عقوبة الله إلا عفوه، أي: أيقنوا أن لا ~~مخلص لهم ولا احتراز لهم من عقابه. # وقيل: ظنوا أن لا ملجأ من عذاب الله إلا إلى رحمته. # وقيل: وظنوا أن لا ملجأ من رسول الله إلا إلى الله؛ لأنه ذكر أنهم سألوا ~~رسول الله، التجاوز عن ذلك فلم يجبهم، فأيقنوا عند ذلك أن المفزع والملجأ ~~إلى الله لا إلى أحد دونه. # وقوله - عز وجل -: (ثم تاب عليهم). # أي: وفقهم للتوبة فتابوا. # PageV05P505 # (إن الله هو التواب الرحيم). # أي: يقبل التوبة، أي: قابلها. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) ~~ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ~~(121) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). # في ظاهر الآية أن قوما عرفوا بالصدق فأمروا بالكون معهم، ويشبه ms2038 أن يكون ~~أمر هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله بالكون مع المهاجرين والأنصار الذين ~~كانوا مع رسول الله. # وفيه دلالة على أن الإجماع حجة؛ لأنه أمر بالكون مع الصادقين في دين ~~الله، فلو لم يلزمهم قبول قولهم لم يكن للأمر بالكون معهم وجه. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (وكونوا مع الصادقين)، وهو ظاهر. # وقوله: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). # يحتمل وجوها: # أحدها: يقول: احفظوا الله في حقه ولا تضيعوه، وكونوا مع الصادقين في وفاء ~~ذلك وحفظه. # أو: اتقوا الله فيما نزل ما امتحنكم به من الخروج والجهاد مع رسول الله ~~وغير ذلك من المحن. # أو يقول: اتقوا مخالفة الله ورسوله فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافقين ~~لأمره، والله أعلم. # PageV05P506 # وقوله - عز وجل -: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) # يشبه أن يكون هذا صلة ما سبق منهم من المبايعة والعهود التي جرت بينهم ~~وبين رسول الله؛ يقول - والله أعلم -: (ما كان)، أي: لم يكن لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، بعد ما قبلوا النصر له ~~والمعونة وبايعوه على ذلك؛ هذا محتمل. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن يكون صلة ما ذكر على أثره وهو قوله: (ذلك بأنهم ~~لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله)؛ يقول - والله أعلم -: ما ~~كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، وقد جعل ~~بكل ما يصيبهم في أنفسهم من العناء والشدة، وفي أموالهم من النقصان وما ~~ينفقون من النفقة قليلة كانت أو كثيرة، أو يصيبون من العدو ومن القتل ~~والغنيمة - إلا كتب لهم بذلك العمل الصالح، أي: ما كان ينبغي لهم أن ~~يتخلفوا عنه، وقد كتب لهم ms2039 بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء وما يصيبون من ~~الخير - العمل الصالح والأجر لهم، والله أعلم. # أو يقول: ما كان لأهل المدينة إذ تخلفوا عن رسول الله أن يتخلفوا عنه. # وقوله - عز وجل -: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه). # يحتمل قوله: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)، أي: ولا يرغبوا بالتخلف عن ~~نفسه؛ يقال: جاء فلان بنفسه، ورأيت أنا بعيني ونحوه، أي: جاء هو ورأى هو؛ ~~فعلى ذلك هذا (ولا يرغبوا)، أي: ما كان ينبغي لهم أن يرغبوا عن رسول الله. # ويحتمل (ولا يرغبوا بأنفسهم)، أي: لأنفسهم عن نفسه، وذلك جائز ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ) قيل: عطش، (ولا نصب): ~~العناء والمشقة، (ولا مخمصة في سبيل الله)، أي: مجاعة. # (ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار)، قال بعضهم: ولا يقفون موقفا. # وقال بعضهم: هو من الوطء والموطئ: الشيء الذي يوطأ. # (ولا ينالون من عدو نيلا)، قيل: فيهم أو إغارة عليهم، (إلا كتب لهم به ~~عمل صالح)، أي: يكتب ما لهم وما عليهم العمل الصالح مكان من تخلف منهم ~~مخافة # PageV05P507 # أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة؛ يقول: كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل ~~الصالح، (إن الله لا يضيع أجر المحسنين). # وقوله - عز وجل -: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا ~~إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) # هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي ~~أموالهم من النقصان وما ينفقون. # (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون). # أي: يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها، ولا يجزيهم لسيئاتهم؛ وهو كقوله: ~~(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)، أخبر أنه ~~يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه ~~يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو، ويتجاوز عن سيئاتهم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~(122) # اختلف أهل التأويل: # قال ms2040 بعضهم: إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعا، فتبقى المدينة ~~خالية عن الرجال، فنهى الله عن ذلك وقال: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين). # وقال بعضهم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية خرجوا ~~جميعا، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل؛ ليخبروا أولئك إذا ~~حضروا. # وقال آخرون: الآية في الوفود، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق ~~المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعا، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون ~~النساء والذراري، أو من كل قوم نفر؛ ليتفقهوا في الدين. # ذكر في هذه الآية: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة)، نهى الكل أن ينفروا، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله: ~~(فانفروا ثبات أو انفروا جميعا)، فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين؛ ليكون لهم الكفاية مع ~~العدو. # PageV05P508 # والثاني: أمر بنفر الكل عند النفير. # فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير، والأخرى في غير حال النفير وما ذكرنا ~~في وقت القلة والكثرة. # فمن يقول: إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا خرج، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله؛ خوفا على ~~أهاليهم وذراريهم، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله: (فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، أي: هلا نفر طائفة منهم فيخبروا ~~الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على ~~الكفار الذين قاتلوا رسول الله، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام. # وإلى هذا ذهب الحسن والأصم ويقولون: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها ~~وهي قوله: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله). # يقول الحسن: إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج، فيقول: هذا منسوخ ~~بالآية التي تليها: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) الآية. # ومن يقول بأن الآية في ms2041 الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة ~~بالنساء والذراري، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ~~ويغلون أسعارهم ونحوه؛ يقول: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم)، أي: يعلمون الدين وأحكامه، ثم ليرجعوا إلى قومهم ~~فيعلموهم. # ومن يقول: الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا، نهاهم عن خروج الكل؛ ~~لما لعله لما نزل على رسول الله شيئا، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ ~~إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم) ما نزل على رسول الله، وليبلغوا ذلك إلى ~~من غاب عنه. # (من كل فرقة منهم طائفة). # قيل: من كل عصبة، ومن كل قبيلة، ومن كل حي، ففي الآية دلالة سقوط فرض # PageV05P509 # السفر لتعلم العلم والتفقه في الدين عن الكل إذا قام بعض بذلك يخرجون ~~ويتعلمون ثم يعلمون قومهم؛ لأنه قال: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة. . ~~.) الآية. # وفيه أيضا دلالة سقوط فرض الجهاد عن الجماعة إذا قام بعضهم عن بعض. # وفيه دلالة لزوم العمل بخبر الأحاد وإن احتمل الغلط؛ لأن ما ذكر من ~~الطائفة # PageV05P510 # يحتمل أن يجتمعوا على ذلك كذبا أو غلطا، ثم ألزم قومهم قبول خبرهم وإن ~~احتمل الغلط والكذب بقوله: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). # الآية تخرج على وجهين: # أحدهما: أن كل أهل بلدة وأهل قبيلة يختارون من يصلح للتفقه في الدين ~~والتعلم فينفر، حتى إذا تفقه وتعلم رجع إلى قومه فيعلمهم. # والثاني: يأمر من يصلح للتفقه بالتخلف عن الجهاد إذا كان بهم غنية ليتفقه ~~عند رسول الله، فينذر قومه إذا رجعوا إليه من غزاتهم. # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار). # اختلف فيه؛ قال بعضهم: نزلت الآية قبل أن ينزل قوله: (وقاتلوا المشركين ~~كافة). # كان الأمر بالقتال بالأدنى ms2042 فالأدنى، ثم جاء الأمر بقتال الكفار عامة. # وقال بعضهم: إن رسول الله كان إذا غزا ربما كان يجاوز كفارا ويتركهم ~~وراءه ويقاتل غيرهم؛ ليكون ذلك آية لنبوته، وليعلم أنه لا يبالي بمن يقاتل ~~ولا يخاف من تركهم وراءه، ثم أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأقرب فالأقرب ~~منهم والأدنى فالأدنى وألا # PageV05P511 # يتركوا العدو وراءهم؛ إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل، وأمكن أن يكون هذا ~~تعليما من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابها، كما علمهم جميع ما يقع لهم من ~~الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آي من القرآن؛ من ذلك: قوله - عز وجل -: (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، وقوله: (إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا) الآية، وقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. . ~~.) الآية، وغير ذلك من الآيات. # أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب فالأقرب منهم كسائر العبادات. # وقوله - عز وجل -: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار). # يخرج على وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين. # والثاني: إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبدا؛ لأنه كلما فتح ~~ناحية وقوما، صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذين يلونهم. # وقوله - عز وجل -: (وليجدوا فيكم غلظة). # قيل: شدة عليهم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وأبي: (وليجدوا عليهم غلظة)، أي: ~~شدة، ويقرأ: (غلظة) برفع الغين، ويقرأ: (غلظة) بكسرها، وهما لغتان ومعناهما ~~واحد. # (واعلموا أن الله مع المتقين). # أي: من اتقى الخلاف له بالنصر لهم على عدوهم. # وقوله: (أن الله مع المتقين). # PageV05P512 # يخرج على وجوه: # أحدها: ما ذكرنا إذا اتقوا الخلاف له فيما علمهم من أمر الحرب يكون معهم ~~بالنصر. # والثاني: معهم في التوفيق والهداية. # والثالث: في الجزاء. # * * * # قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) أولا يرون أنهم يفتنون ~~في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ms2043 (126) وإذا ما أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم ~~قوم لا يفقهون (127) # وقوله - عز وجل -: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا). # قال أهل التأويل: قوله: (فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا) يعني: ~~يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين: أيكم زادته هذه إيمانا؟ ~~استهزاء منهم بها وسخرية، فأجاب الله تعالى فقال: (فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض (125)، أي: شك ~~ونفاق، (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) أي: تكذيبها وكفرا إلى تكذيبهم الذي كان ~~منهم؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة ~~إذا قامت عليهم، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل، فكلما ~~ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عنادا في التكذيب والرد، وأما أهل ~~الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ~~ازداد # PageV05P513 # لهم إيمانا وتصديقا على ما كان لهم. # ثم قوله: (فزادتهم إيمانا): زادتهم ثباتا ودواما على ما كانوا من قبل، ~~بما قامت لهم من الحجج والبراهين، وكذلك ازداد أهل النفاق والكفر بها ~~الثبات على العناد في تكذيب الحجج والآيات. # والثاني: ازداد لهم إيمانا بالتفسير على إيمانهم بالجملة، وإذا كانوا ~~مصدقين لذلك كله جملة، فإذا نزلت لهم نوازل وفرائض ازداد لهم بذلك التصديق ~~والثبات. # وأصله أنه لو ما كان منهم من الإيمان والتصديق، لكان هذا منهم ابتداء ~~إيمان وإحداث تصديق، وكذلك لو لم يكن من أهل النفاق ما سبق من العناد، لكان ~~ذلك منهم إحداث تكذيب وعناد، فإذا كان منهم ما ذكرنا كان ذلك زيادة على ما ~~كان لما ذكرنا. # وقال بعضهم: يزداد لأهل الإيمان خيرات، ولأهل النفاق شر، ولكن هو واحد ~~وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فزادتهم رجسا). # يخرج على وجهين: # أحدهما: زادت المؤمنين إيمانا على الذي كان لهم من الإيمان والتصديق. # والثاني: زاد لهم حجة وبرهانا لما كان، وكذلك يزداد لأهل النفاق ضد ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وهم يستبشرون). ms2044 # قيل: يفرحون بنزولها، ثم إضافة الزيادة إلى السورة بقوله: (فزادتهم ~~إيمانا) لوجهين: # أحدهما: أضيف إليها الزيادة على ما أضيف الغرور إلى الدنيا، وهو لما ~~ذكرنا أنه يبدو منها لهم من التزيين ما لو كان ذلك من ذوي الأفعال والتغرير ~~كان ذلك غرورا. # والثاني: إضافة التغرير إليها لما بها اغتر أهلها، وكذلك إضافة الزيادة ~~إلى السورة لما بها ازداد لهم التكذيب والكفر، وازداد لأهل الإيمان بها ~~التصديق، فأضيف الزيادة إليها. # وقال بعضهم: هو ما ذكرنا أنها حجة ودلالة، فبالحجة يزداد لأهل الإيمان ~~الإيمان بها؛ إذ هم قد اعتقدوا قبول الحجج والدلائل، وأما أهل النفاق ~~والكفر فإنهم أهل # PageV05P514 # عناد ومكابرة؛ إذ قد اعتقدوا العناد ورد الحجج، فكلما ازداد لهم الحجة ~~ازداد لهم عنادا وكفرا. # وقال أبو بكر الأصم: إنما أضيف الزيادة إليها؛ لأنها كانت سبب الزيادة، ~~وقد تضاف الأشياء إلى أسبابها كما تضاف إلى حقيقة الأفعال، ولكن لا يحتمل ~~أن تكون السورة التي نزلت سببا لزيادة الكفر، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا ~~يتوبون ولا هم يذكرون (126) # قيل: يبتلون بالجهاد والغزو فيتخلفون عنه، فيظهر بذلك نفاقهم وكفرهم. # وقيل: يبتلون بالشدة والجوع فيظهر أيضا بذلك نفاقهم؛ كقوله: (ومن الناس ~~من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه). # وقيل: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين؛ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا ~~بالكفر فيما بينهم، ثم إذا أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بما ~~تكلموا به في الخلوة فيفتضحون بذلك، فذلك افتتانه إياهم وابتلاؤه لهم، كان ~~يظهر بما ذكر نفاقهم: مرة في الجهاد في سبيل الله، ومرة بالشدة والخوف، ~~ومرة بما يطلع الله نبيه بما يضمرون ويتكلمون به في الخلاء. # وتحتمل هذه الآية الوجوه الثلاثة: الجهاد معه، والابتلاء بالشدائد، ~~والإفزاع. # وتحتمل إظهار الأسرار التي أسروا في أنفسهم والافتضاح مما أخفوا، لكن لو ~~كان هذا فذلك مما يكثر منهم، أعني: ms2045 كتمان النفاق وإسرار الخلاف لهم، لكن ~~ذكر المرة والمرتين يرجع إلى الافتضاح والإظهار، فذلك يحتمل أن يكون في ~~العام مرة أو مرتين. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا يتوبون): عن نفاقهم. # (ولا هم يذكرون): بما ابتلوا من الافتضاح وظهور النفاق منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من # PageV05P515 # أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) قال بعضهم: ~~الآية صلة قوله: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا) ~~أي: كان ينظر بعضهم إلى بعض ثم يقولون ما ذكر. # ومنهم من يقول: إذا كانت السورة التي نزلت حجة في إظهار الدين والإيمان، ~~يسمعون ويقولون: (أيكم زادته هذه إيمانا) وإذا أنزلت في إظهار نفاقهم ~~وافتضاحهم نظر بعضهم إلى بعض، ثم انصرفوا ولا يسمعون منه السورة؛ إشفاقا ~~لئلا يظهر نفاقهم. # وقوله: (صرف الله قلوبهم) يحتمل خلق الله منهم انصرافهم فأضيف إليه ~~الصرف، ويشبه أن يكون قوله: (صرف الله قلوبهم) عقوبة، أي: عاقبهم الله بصرف ~~قلوبهم باعتقادهم العناد وردهم الحجج وتركهم القبول. # * * * # قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم (129) # وقوله - عز وجل -: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم). # اختلف فيه: # قال بعضهم: (من أنفسكم) أي: من البشر وهو امتنان منه عليهم؛ حيث بعث ~~الرسول من البشر وله أن يبعث من غير البشر، لكنه بعث من البشر؛ ليعرفوا ~~الآيات التي يأتي بها من التمويهات؛ لأنهم يعرفون مبلغ وسع البشر في ~~الأشياء وقدر إمكانهم بعلم الأشياء، فإذا جاء بالأشياء التي هي خارجة عن ~~الطباع ووسع البشر في التعليم، عرفوا أنها آيات لا تمويهات، مع ما يألف كل ~~ذي جنس بجنسه وينفر من غير جنسه، هذا ظاهر في الخلائق أن كل ذي جنس يألف ~~بجنسه ولا يألف بغير جنسه، فبعث الرسول من البشر ومن جنسهم؛ ليألفوا به، ~~ويقبلوا منه ما ms2046 يأتيهم به ويجيبوه إلى ما يدعوهم إليه. # وقال بعضهم: (رسول من أنفسكم)، أي: من المكان الذي أنتم فيه وهو الحرم. # وقال آخرون: (من أنفسكم)، أي: من أنسابكم، وهو أيضا موضع الامتنان عليهم؛ ~~حيث بعثه من أنسابهم يعرفون نسبه ومولده ومنشأه من بين أظهرهم سليما عن ~~جميع الآفات بريئا عن جميع المطاعن والعيوب؛ لأن المرء إذا كان مولده ~~ومنشؤه من # PageV05P516 # غير أظهرهم في قبيلة أو في مكان لا يعرف له النسب، ربما يتمكن فيه الطعن ~~والعيب، ويقع التناكر في نسبه؛ لجهلهم بنسبه ومولده ومنشئه على السلامة ~~والصحة والبراءة من العيوب، فبعث رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم -؛ لئلا ~~يتمكن فيه ما ذكرنا من المطاعن، ولا يعرف شيء من العيوب والآفات التي ذكرنا ~~فيه. وقال بعضهم: قوله: (من أنفسكم)،أي: من العرب أميا كما هم، لا يكتب ولا ~~يقرأ ولا يخطه بيمينه على ما وصفه في كتابه: (النبي الأمي الذي يجدونه. . ~~.) الآية، وقال: (ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون)، وذلك أن العرب ~~تتمنى أن يبعث رسول منهم بقوله: (لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم)، ذكر مجيء الرسول من أنفسهم؛ ليكون أبعد من المطاعن التي طعنوا فيه ~~والآفات التي ذكروا فيه، وأبرأه من العيوب التي رموه بها من نحو السحر ~~والكهانة والجنون والافتراء على الله، وليكون أقرب إلى المعرفة بأنه رسول؛ # PageV05P517 # لأن ما يأتي به من الآيات والحجج يعرفون أنها سماوية؛ لما عرفوا أنه لم ~~يتعلم السحر ولا أخذوا عليه بكذب قط ولا جن قط بما كان منشؤه فيما بين ~~أظهرهم. # وقوله: (عزيز عليه ما عنتم). قيل: شديد عليه ما أعنتكم، أي: ما ضيق عليكم ~~وضركم. وقال القتبي: العنت: الضيق. وقال بعضهم: العنت: الإثم، أي: شديد ~~عليه ما أثمتم. وقال أبو عوسجة: هو إلى الإثم أقرب. وهو يحتمل كل إثم: ~~الكفر وغيره. # (حريص عليكم). قال بعضهم: حريص على من لم يسلم أن يسلم، وحريص عليكم ~~بالهدى والرشد. (بالمؤمنين رءوف رحيم): رحمة الدين والإسلام، لا رحمة ~~الطبع. # قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله ms2047 - في قوله: (بالمؤمنين رءوف رحيم): سماه ~~بفعله العمل الحسن وبرأفته ورحمته بذلك، أي: استحق ذلك الاسم بفعله، وإنما ~~سماه بذلك؛ لأن عمله كان لله لم يكن عمل لنفسه شيئا، وكذلك ماله وأكسابه؛ ~~فلذلك لم يكن ماله ميراثا بين ورثته. وقوله - عز وجل -: (فإن تولوا فقل ~~حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) أي: أعرضوا ~~عن إجابتك ودعائك إياهم إلى الإيمان والتوحيد. # (فقل حسبي الله). أي: يكفيني الله لا إله إلا هو. ويحتمل قوله: (فإن ~~تولوا): عنك، وردوا إجابتك والطاعة لك والانقياد وهموا أن يكيدوك ويمكروا ~~بك، (فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت)، أي: على ما وعدني من النصر ~~والظفر (توكلت)، أي: اتكلت على وعده ووكلت أمري إليه. ويحتمل قوله: (فإن ~~تولوا): عن نصرك ومعونتك على الأعداء، (فقل حسبي الله) في النصر والمعونة ~~على الأعداء يكفيني عليهم. هذا في الموضع أقرب؛ لأنه ذكر على أثر ذكر ~~المنافقين، ويحتمل ما ذكرنا من الإعراض عن التوحيد والإجابة. وقوله - عز ~~وجل -: (وهو رب العرش العظيم). قيل: هو رب الملك العظيم، أي: كل ملك عند ~~ملكه صغير ليس بملك. فإن كان العرش هو السرير على ما قاله بعض أهل التأويل ~~- والله أعلم - فهو السرير الذي يكرم به الأخيار من الخلائق والأبرار منهم، ~~وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # * * * # PageV05P518 ### | سورة يونس # عليه السلام # بسم الله الرحمن الرحيم # السورة التي فيها ذكر يونس عليه السلام # قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) # قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب الحكيم): قد ذكرنا الوجه في الحروف ~~المقطعات في صدر الكتاب. # وقوله: (تلك آيات الكتاب الحكيم): قال بعضهم: الحكيم هو الله، كأنه قال: ~~ذلك الكتاب آيات الله. # وقال بعضهم: الحكيم هو صفة القرآن. # والكتاب يحتمل وجهين: # يحتمل أنه ms2048 سماه حكيما فعيلا بمعنى أنه محكم، وجائز تسمية المفعول باسم ~~الفعيل؛ نحو: قتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح ونحو ذلك، فيه الحلال ~~والحرام، والأمر والنهي، أو محكم متقن مبرأ من الباطل والكذب والاختلاف، ~~وهو ما وصفه تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه. . .) الآية. # والثاني: حكيما لما أن من تأمل فيه ونظر وفهم ما أودع فيه وأدرج، صار ~~حكيما وهو ما وصفه وسماه مجيدا، أي: من تأمله ونظر فيه صار مجيدا شريفا. # والحكيم هو المصيب في الحقيقة إن كان صفة القرآن أو صفة الله، فإن كان ~~صفة لله، فهو حكيم واضع كل شيء موضعه، رإن كان صفة للقرآن فهو كذلك أيضا ~~واضع كل شيء موضعه. # وقوله: (آيات): يحتمل آيات الكتاب المعروف، ويحتمل الحجج والبراهين، أي: ~~حجج الكتاب وبراهينه أو أعلامه، وقد تقدم ذكر الآيات في غير موضع، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر ~~الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر ~~مبين (2) يحتمل وجهين: # يحتمل أي قد عجبوا أن أوحينا إلى رجل منهم. # PageV06P003 # ويحتمل: أيعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم على الاستئناف، كانوا يعجبون من ~~ثلاث: من إنزال القرآن على رجل منهم يعجز الخلائق عن إتيان مثله، ويعجبون ~~من الوحي إلى رجل منهم وإرساله رسولا من بين الكل أو من البشر؛ كقوله: ~~(أبعث الله بشرا رسولا)؛ وكقوله: (أأنزل عليه الذكر من بيننا. . .)، وكانوا ~~يعجبون من البعث؛ كقولهم: (أإذا متنا وكنا ترابا. . .) الآية. # ثم يحتمل قوله: (إلى رجل منهم) أي: من البشر، أي: لا تعجبوا أن أوحينا ~~إلى رجل من البشر؛ فإن الإيحاء إلى من هو من البشر أبلغ في الحجاج وأقطع ~~للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة؛ لأن البشر يعرفون خروج ما هو خارج عن طوق ~~البشر ووسعهم، ولا يعرفون ذلك من غير جوهرهم وغير جنسهم، ويألف كل جنس ~~بجنسه وكل جوهر بجوهره، ولا يألف غير جوهره ولا غير جنسه، فإذا كان ما ~~وصفنا كان ms2049 بعث الرسول من جنس المبعوث إليهم وجوهرهم أبلغ في الحجاج وأقطع ~~للعذر، وأقرب إلى الرأفة والرحمة. # ويحتمل قوله: (أن أوحينا إلى رجل منهم) أي: من الأميين، أي: لا يعجبون أن ~~أوحينا إلى رجل منهم، أي: أمي فإن ذلك أبلغ في التعريف والحجاج؛ لأنه بعث ~~أميا لم يعرفوه بدراسة الكتب المتقدمة أو تلاوة شيء منها، ولا عرفوه اختلف ~~إلى أحد منهم في تعليم كتبهم، ولا عرف أنه كتب شيئا ولا خط خطا قط، ثم أخبر ~~عما في كتبهم على موافقة ما فيها، وكانت كتبهم بغير لسانه؛ دل أنه إنما عرف ~~ذلك بالله تعالى؛ فذلك أبلغ في إثبات الرسالة والحجاج، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -، (أن أنذر الناس): قال بعضهم: الإنذار يكون في كل مكروه ~~مرهوب، والبشارة في كل محبوب مرغوب. # وقال بعضهم: (أن أنذر الناس) يعني: الكفار بالنار. # (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) ثم اختلفوا في قوله: (قدم ~~صدق عند ربهم): قال بعضهم: إن لهم الجنة عند ربهم. # وقيل: إن لهم الأعمال الصالحة يقدمون عليها. # PageV06P004 # وقيل: قدم صدق: محمد - صلى الله عليه وسلم - يشفع لهم عند ربهم. # وقيل: إن لهم الجنة عند ربهم. # وقيل: إن لهم ثواب أعمالهم الصالحة التي قدموها بين أيديهم (قدم صدق)، ~~أي، سلف خير أو سلف وعد وعد لهم بذلك وكأن أصله من القدم. # قال أبو عوسجة: يقال في الكلام: لفلان عندي قدم صدق ويد صدق، أي: نعمة قد ~~أسلفها إلي. # وقال القتبي: قدم صدق: يعني عملا صالحا قدموه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: سبق لهم السعادة في الذكر الأول. # من قال: قدم صدق هو الشفاعة، فالقدم كناية عن الشفاعة والصدق، أي واقعة. # ومن قال: وعدوا ثواب أعمالهم أي تقدم لهم وعد حق وصدق. # ويحتمل (قدم صدق) أي: ثبتت قدمهم لا تزل، على ما وصف من ثبوت قدم ~~المؤمنين والقرار فيه، وتزل قدم الكافرين؛ كقوله: (فتزل قدم بعد ثبوتها). # وقوله - عز وجل -: (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين): ومن قرأ (لسحر) ms2050 عنى ~~هذا القرآن. # ومن قرأ (لساحر) بالألف عنى به النبي. # ثم السحر هو الذي يتراءى في الظاهر أنه حق وهو في الحقيقة باطل لا شيء، ~~ثم هو يأخذ الأبصار ويأخذ العقول. # فأما الذي يأخذ الأبصار فهو ما يتراءى الشيء على غير ما هو في الحقيقة، ~~والذي # PageV06P005 # يأخذ العقول هو أن يذهب بعقله فيصير مجنونا. # وقال فرعون لموسى: (إني لأظنك يا موسى مسحورا) أي: مجنونا، لكن هؤلاء لم ~~يريدوا بقولهم: (لساحر مبين): السحر الذي يأخذ العقول، ولكن أرادوا السحر ~~الذي يأخذ الأبصار؛ يقولون: إنه وإن كان أخذ الأبصار في الظاهر فهو لا شيء ~~في الحقيقة، ولكن في قولهم: (إن هذا لساحر مبين) دليل أنهم عجزوا عن رده، ~~وعرفوا أنه حق، ولكن هم أرادوا التمويه على الناس؛ كقول فرعون لسحرته حين ~~آمنوا برب موسى: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) أراد أن يموه على الناس؛ ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من ~~حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل ~~الآيات لقوم يعلمون (5) إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في ~~السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون (6) # وقوله - عز وجل -: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) ~~إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا ~~من دون الله؛ يقول: إن ربكم الله الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي ~~خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه. # PageV06P006 # وقوله: (في ستة أيام ثم استوى): قد تقدم ذكره في صدر الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (يدبر الأمر): وهو -أيضا- على الأول: إن الذي يستحق ~~صرف العبادة إليه وتوجيه ms2051 الشكر إليه هو الذي يدبر الأمر في مصالح الخلق في ~~جر المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، لا الذين لا يملكون المنافع إلى أنفسهم ~~أو دفع المضار عنهم، فضلا عن أن يملكوا أجرها إلى من يعبدهم أو دفع المضار ~~عنهم. # وقال بعض أهل التأويل: (يدبر الأمر) أي يقضيه، والتدبير والقضاء واحد. # وقال بعضهم: (يدبر): يقدر، وهو ما ذكرنا التدبير والتقدير سواء. # وقوله - عز وجل -: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه): الشفيع هو ذو المنزلة ~~والقدر عند الذي يشفع إليه، لا أحد في الشاهد يشفع لآخر إلى آخر إلا بعد أن ~~يكون الشفيع عند الذي يشفع إليه ذا منزلة وقدر، فإذا كان كذلك فمع ذلك أيضا ~~يشفع إلا من بعد ما أذن له بالشفاعة لمن جاء بالتوحيد. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم الله ربكم فاعبدوه) يقول: ذلكم الذي يستحق ~~العبادة هو ربكم، الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ودبر أموركم، فاعبدوه ~~ولا تعبدوا الذي لا يملك شيئا من ذلك. # (أفلا تذكرون): أنه هو المستحق للعبادة، وهو المستوجب للشكر، لا الذين ~~تعبدون أنتم. أو أن يقول: أفلا تذكرون أن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ~~هو ربكم، وهو مدبر أمور الخلائق في مصالحهم ما يرجع إلى مصالحهم في دنياهم ~~ودينهم، لا الذي يعبدون من دون الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من ~~حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) إليه مرجع الخلائق كلهم في جميع # PageV06P007 # الأوقات، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون ~~يومئذ أنهم راجعون إليه؛ وكذلك قوله: (وبرزوا لله جميعا)، هم بارزون له في ~~الدنيا والآخرة، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له. # وكذلك: (الملك يومئذ لله)، الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات ~~جميعا، لكنه خص ذلك اليوم لما لا يازع في الملك في ذلك اليوم، ويقرون ~~بالملك له في ذلك اليوم، وفي الدنيا من قد نازع في ملكه. ms2052 # هذا - والله أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك، وإن كان الملك في ~~الدارين جميعا فعلى ذلك المرجع، أو سمى البعث رجوعا إليه؛ لما المقصود من ~~إنشائه البعث، فسماه بذلك لما ذكرنا؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه ~~إياهم سوى الإنشاء والإفناء، كان خلقه اياهم عبثا وباطلا؛ كقوله: (أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). وقوله - عز وجل -: (وعد الله ~~حقا). # يحتمل (وعد الله حقا): البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده. ويحتمل ~~(وعد الله حقا) من الثواب والعقاب في الآخرة؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب ~~للمسيء. # وقوله: (إنه يبدأ الخلق ثم يعيده) أي: عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق ~~جميعا، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم ~~من إعادته على مثال؛ كقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون علي) ~~أي: إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه. # وقوله - عز وجل -: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط). # قيل: بالعدل، لكن ما يجزيهم، إنما يجزيهم إفضالا وإحسانا لا استيجابا ~~واستحقاقا. # ثم يحتمل قوله: (بالقسط) وجوها: # أحدها: أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، ويفصل بين ~~العدو والولي في الآخرة في الجزاء، ويجعل للولي علامة وأثرا يعرف بهما من ~~العدو؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق ~~إليهم من النعيم، # PageV06P008 # ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا ~~من هذا، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه أن يكون هو ذلك. # ويحتمل (بالقسط) الوزن، أي: يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على ~~القدر، أي: يجزي بالحسنة قدرا لا يزيد على ذلك، ولكن يجزي للخير خيرا ~~وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة. # ويحتمل قوله: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط)، بالعدل، أي: ~~يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم، ولكن ~~عملوا بالعدل فيه، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا ~~بالعدل، أي: لا يعذبهم في النار إذا ms2053 آمنوا، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله، والله أعلم بالصواب ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) أي: ~~يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا، فيكون القسط على هذا ~~التأويل نعتا لهم. # وإن كان ما ذكر من القسط راجعا إلى الله ووصفا له فهو يخرج على وجوه: # أحدها: يجزي فريقا من المؤمنين بالعدل، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان، ~~ولإساءتهم جزاء الإساءة؛ فيكون جزاء بالعدل، ويجزي فريقا آخر منهم بالفضل ~~والإحسان: يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة، ويكفر عن سيئاتهم؛ وهو كقوله: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) الآية، وقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به. . .) الآية. # والثاني: يجزيهم بالفضل؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه، أي: يضع الفضل في ~~أهله لا يضعه في غير أهله، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل، إذ هم أهل له - ~~والله أعلم - وهو كقوله: (ويؤت كل ذي فضل فضله). # والثالث: العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد ~~الجور؛ كقوله: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) الآية، لا يحتمل أن ~~يقول: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور؛ لأن في ~~مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم؛ فعلى ذلك قوله: (ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات) بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل؛ إذ للفضل درجات، ~~وأصله # PageV06P009 # أن جزاء الآخرة كله إفضال وإحسان وإنعام لا استحقاق واستيجاب. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا لهم شراب من حميم). # قيل: الحميم: هو الشراب الذي انتهى حره غايته. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (5) ذكر في الشمس الضياء وفي القمر النور فهو - والله أعلم - لأن ~~الليل مظلم يظهر نور القمر فيه ويغلب على ظلمة الليل ويقهرها، وأما النهار ~~فهو مبصر على ما ذكر - عز وجل -: (والنهار مبصرا) جعل فيه النور، فلو جعل ~~الشمس في النور خاصة، ms2054 لكان لا يظهر نور الشمس ولا غلب نورها على نور ~~النهار، ويغلبه ويقهره ليظهر المنافع التي جعل فيها ولو كان نورا مثله لم ~~يظهر نور هذا من هذا ولم يوصل إلى المنافع التي جعلت فيها للخلق، وهو ما ~~ذكر أنه مد الظل، وأخبر أنه لو شاء لجعله ساكنا ولو كان ساكنا ممتدا على ما ~~جعل بقوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، لكان لا يعرف الظل، ثم أخبر أنه ~~جعل الشمس دليلا عليه ليعرف بها الظل، فتنسخ الشمس ذلك الظل الممدود شيئا ~~بعد شيء، فصارت الشمس بها يعرف الظل وبها يظهر فضل ذلك الضياء الذي في ~~الشمس كان به يعرف نورها من نور النهار وبه يوصل إلى منافع الشمس، ولو كان ~~نورا لكان لا يعرف ولا يظهر؛ إذ لا يغلب أحدهما صاحبه - والله أعلم - ولا ~~يعرف آية الشمس من آية النهار، ثم جعل آية الشمس غالبة على جميع الآيات حتى ~~لا تبصر النجوم بالنهار أصلا والقمر وإن كان نوره يرى بجلاء، فإن نور الشمس ~~قد يغلبه ويقهره حتى لا يظهر أبدا. # وقوله - عز وجل -: (وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب). # يشبه أن يكون التقدير الذي ذكر لهما جميعا ويعرف الحساب وعدد السنين لهما ~~جميعا، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (وقدرهما منازل)، وجائز أن يكون جعل الشمس ~~بالذي يعرف بها أوقات الصلوات والأزمنة من الشتاء والصيف لا يعرف ذلك ~~بالقمر، وجعل في القمر معرفة الشهور والسنين، وفي الشمس معرفة أوقات ~~الصلوات # PageV06P010 # والأزمنة، لا يعرف بها الشهور والسنون إلا بعد جهد؛ وبالقمر لا تعرف ~~أوقات الصلوات والأزمنة، جعل الله تعالى في الشمس منفعتين: منفعة التقلب ~~ومعرفة الأزمنة، ومعرفة نضج الأشياء وينعها، وفي القمر منفعتين أيضا: ~~أحدهما: معرفة حساب الأيام والشهور والسنين، ومعرفة نضج الإنزال والأشياء. # وقوله - عز وجل -: (لتعلموا عدد السنين والحساب) ليس أن يعرف هذا بهما ~~ولا يعرف غيره، بل يعرف ما ذكر وأشياء كثيرة. # وقوله - عز وجل -: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق). # قال أبو بكر الأصم والكيساني: (ما ms2055 خلق الله ذلك إلا بالحق)، أي: ما خلق ~~الله ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفته. وقال قائلون: (ما خلق الله ذلك إلا ~~بالحق)، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفة الشهادة له على ~~الخلق، وهي شهادة الوحدانية والألوهية. # وقال بعضهم: ما خلق الله ذلك إلا بالأمر الكائن لا محالة وهو البعث. # ويحتمل قوله: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أي: بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثا ~~باطلا؛ وهو كقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا)، ولكن ~~بحكمة. # وقوله - عز وجل -: (يفصل الآيات لقوم يعلمون). # قيل: نبين أو نصرفها لقوم ينتفعون بعلمهم، إنما ذكر الآيات فيما ذكر لقوم ~~يعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون الآيات التي ينتفعون بها ويعقلون الشيء، ~~إنما يكون للشيء الذي ينتفع به لا للذي لا ينتفع به. # وقوله - عز وجل -: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات ~~والأرض لآيات لقوم يتقون (6) # إن في اختلاف الليل والنهار آية البعث ودلالة تدبير صانعهما، أما دلالة ~~البعث فهي أن كل واحد منهما إذا جاء ذهب الآخر وفني حتى لا يبقى له الأثر، ~~ثم يتجددان ويحدثان على ذلك أمرهما، ويتلف كل واحد منهما صاحبه حتى لا يبقى ~~له الأثر، فمن قدر على ما ذكرنا قدر على بعثهم وإنشائهم بعد الموت بعدما ~~صاروا ترابا، وأما دلالة التدبير فهو جريانهما وسيرهما على سنن واحد وتقدير ~~واحد من غير تغيير يقع فيهما أو تفاوت أو # PageV06P011 # نقصان يقع فيهما أو زيادة وإن كان أحدهما يدخل في الآخر، دل على ما ذكرنا ~~أنهما يجريان ويختلفان على شيء واحد وجريان واحد؛ أن فيهما تدبيرا غير ذاتي ~~وعلما أزليا وأنه واحد؛ إذ لو كان التدبير فيهما لعدد لكانا مختلفين ولا ~~يجريان على قدر واحد من غير تفاوت فيهما أو نقصان أو زيادة، دل أنه واحد، ~~وبالله التوفيق. # وفي ذلك دلالة وحدانية منشئهما وخالقهما؛ لأنه أنشأهما وبينهما من البعد ~~ما بينهما من البعد، وجعل منافع أحدهما متصلة بمنافع الآخر على بعد ما ms2056 ~~بينهما، دل أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد منع كل منهم فعله عن الوصول ~~بالآخر على ما هو فعل ملوك الأرض. # وقوله - عز وجل -: (لقوم يتقون). مخالفة الله ويتقون جميع الشرور ~~والمساوي. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا ~~بها والذين هم عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ~~(8) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين لا يرجون لقاءنا). # قال قائلون: (لا يرجون لقاءنا) من الرجاء، أي: لا يرجون ما وعد للخلق من ~~الثواب، ولا يرغبون فيما يرجى ويطمع من الرغائب. # وقال بعضهم: (لا يرجون لقاءنا) أي: لا يخافون لقاءنا، فما من خوف إلا ~~وفيه رجاء، وما من رجاء إلا وفيه خوف؛ لأن الخوف الذي لا رجاء فيه هو يأس، ~~والرجاء الذي لا خوف فيه أمن، لكن الغالب في الحسنات والخيرات الرجاء وفيه ~~خوف، والغالب في السيئات والشرور الخوف وفيه أدنى الرجاء، وهو ما ذكرنا في ~~الشكر والصبر أنهما واحد؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الشهوات واللذات، ~~والشكر هو استعمالها في الخيرات، فإذا كفها عن الشهوات استعملها في ~~الخيرات؛ لذلك قلنا: إنهما في الحقيقة واحد؛ ولأن الشكر هو القبول وكذلك ~~الصبر أيضا، غير أن الشكر في قبول النعم والصبر في قبول البلايا والمصائب - ~~والله أعلم - يصير كأنه قال: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها). # PageV06P012 # أي: اختاروا المقام فيما عملوا لها كأنهم يقيمون فيها أبدا. # (والذين هم عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون ~~(8) من ردهم الآيات وكفرهم بها. # وقوله: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) يحتمل وجهين: أحدهما: سروا ~~بها وآثروا ثواب محاسن الدنيا على ثواب الآخرة. والثاني: رضاهم بالدنيا ~~والطمأنينة فيها منعهم عن التفكير والنظر في أمر الآخرة. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري ~~من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم ~~فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين ms2057 آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم). # يحتمل وجوها: يحتمل: يهديهم ربهم بإيمانهم في الدنيا طريق الجنة في ~~الآخرة، وهو يعني ما ذكر في القصة أن المؤمن إذا أخرج من القبر يصور له ~~عمله في صورة حسنة. # والثاني: يهديهم ربهم بإيمانهم، أي: يهديهم ربهم بإيمانهم، فيصيرون ~~مهتدين بهدايته إياهم ويشبه يهديهم ربهم بإيمانهم أي يدعوهم إلى الخيرات في ~~الدنيا بإيمانهم، والله أعلم. # فهذا على المعتزلة؛ لأنهم يمتنعون عن تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا ومعه ~~إيمان، فيلزمهم أن يمتنعوا عما وعد له وإن كان معه إيمان، فإذا ذكر له ~~الوعد مع هذا ألزمهم أن يسموه مؤمنا لما معه من الإيمان. # وقوله - عز وجل -؛ (تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم). يقول أهل ~~التأويل: من تحت أهل الجنة، وقد ذكرنا هذا. # وقوله - عز وجل -: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10) قال قائلون: قوله: (دعواهم) دعوى ~~الإيمان؛ أي: يدعون في الآخرة من الإيمان والتوحيد لله والتنزيه له كما ~~ادعوا في الدنيا وحدانية الله ونزهوه. وقوله: (سبحانك اللهم). # هو حرف تنزيه وتبرئة الرب عن الأشباه وجميع الآفات التي وصفته المشبهة ~~الملحدة بها، فهذا يدل أن ما خرج مخرج الدعوى فإنه لا يختلف باختلاف الدور. # PageV06P013 # وقال عامة أهل التأويل: هو من الدعاء لا من الدعوى، يقولون: إنهم إذا ~~اشتهوا طعاما أو شرابا وتمنوا شيئا فيدعونه بقوله: (سبحانك اللهم) وفيؤتون ~~ما تمنوا واشتهوا؛ لما ذكر أنه لا تنقطع اللذات في الجنة، ولو كان ما ~~يقولون لكان فيه انقطاع اللذات والشهوات، إلا أن يقال: إنهم يلهمون شهوات ~~وأماني فيشتهون، وقال الله - عز وجل -: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم)، ~~(وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21)، ولا نعلم ما أراد به. # وقوله - عز وجل -: (سبحانك اللهم) ويخرج على وجوه: # أحدها: يخبر أنه ليس على أهل الجنة من العبادات شيء سوى التوحيد وهو كلمة ~~التوحيد. # والثاني: يقولون ذلك لعظيم ما رأوا من النعيم وعجيب ما عاينوا. # والثالث: شكرا لما أعطاهم من ألوان النعيم ms2058 والأطعمة. # وقوله - عز وجل -: (وتحيتهم فيها سلام). # قال أهل التأويل: إن الملائكة يأتون بما اشتهوا ويسلمون عليهم ويردون ~~السلام على الملائكة؛ فذلك قوله: (وتحيتهم فيها سلام)، فإذا طعموا وفرغوا ~~قالوا عند ذلك: (الحمد لله رب العالمين)، وهو قول ابن عباس وغيره من أهل ~~التأويل، ويشبه أن يكون قوله: (وتحيتهم فيها سلام) والسلام الذي لا عيب فيه ~~ولا مطعن، أي كلام بعضهم لبعض منزه منقى من جميع العيوب والمطاعن؛ كقوله: ~~(لا يسمعون فيها لغوا) الآية، وقوله: (إلا قيلا سلاما سلاما)، ونحوه. # وقوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). # قال أهل التأويل: يقولون على أثر فراغهم من الطعام والشراب ذلك. # وقال الحسن: إن الله رضي عن عباده بالشكر لما أنعم عليهم في الدنيا ~~والآخرة ب (الحمد لله رب العالمين)، ويشبه أن يكون قوله: (وآخر دعواهم) أي ~~دعواهم في الآخرة: (الحمد لله رب العالمين)، كما كان دعواهم في الدنيا ~~(الحمد لله رب العالمين). # PageV06P014 # قوله تعالى: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم ~~أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان ~~الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا ~~إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # وقوله - عز وجل -: (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي ~~إليهم أجلهم). # كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه ~~كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم، لأنه ليس يذكر في ~~ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار ~~إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ ~~كقوله: (أتى أمر الله) الآية. # وقولهم: (فأمطر علينا حجارة) الآية، ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب ~~استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير ~~إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل ~~الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ms2059 ويشبه أن يكون هذا في ~~جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل ~~الله للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه وقت اكتسابهم، كما يعجل ~~لهم الخير، وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء ~~شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون ~~بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك ~~وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم. # ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند ~~شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو ~~عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم ~~أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة. # أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا. # والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم. # والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون. # وقوله: (لقضي إليهم أجلهم) يحتمل: لقضي أجلهم قبل المدة التي جعل لهم. # PageV06P015 # والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألا يهلك أحد قبل ~~أجله ولا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: (لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون). # وقوله - عز وجل -: (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون). # هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب. أحدا من الكفرة في الدنيا بصنيعه الذي ~~صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ~~ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، والله أعلم. # (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون) أي: نتركهم يترددون في ~~أعمالهم، وجرمهم إلى الوقت الذي وعد لهم العذاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما ~~فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون (12) # قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذكر في القرآن ms2060 الإنسان فالمراد منه ~~الكافر؛ من ذلك قوله: (يا أيها الإنسان إنك كادح)، وقوله: (يا أيها الإنسان ~~ما غرك بربك الكريم) وقوله: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر)، ونحوه، لكن ~~هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون ~~في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من ~~يقبل على الدعاء والتضرع إلى الله عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك ~~وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، ~~فدخل في ذلك. # PageV06P016 # ثم قوله: (دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما): ليس على إرادة حقيقة الجنب ~~والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي: يدعونه في كل حال؛ لما ~~عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من ~~الشدائد والمضار - أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم. # ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال: ~~(فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه): يقول - والله أعلم -: مر ~~كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا واستمر على ترك الدعاء في ~~الرخاء، وقوله: (كذلك) عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان، والتعدي ~~عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون ~~بها في عبادة الأصنام وغيرها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم ~~خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا): فإن قيل: قد ~~أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم ~~لظلمهم، أو أهلك لصلاح من لم يظلم. # قيل: إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك ~~عقوبة واستئصال، إنما هو ms2061 إهلاك بآجالهم التي جعل لهم. # ويحتمل قوله: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات): إنما أهلك أولئك بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات، ~~فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها، فأهلكوا عند ذلك، فأنتم يا أهل مكة إذا ~~سألتم رسولكم الآية ثم # PageV06P017 # كذبتموها، يعذبكم كما عذب أولئك؛ إذ من حكمه الإهلاك على أثر السؤال، ~~كأنه ينهى أهل مكة عن سؤال الآيات، فإن على إثره الإهلاك إذا لم يقبلوها. # وقوله - عز وجل -: (وجاءتهم رسلهم بالبينات) يحتمل البينات التي تبين ما ~~يؤتى وما يتقى، وقد ذكرناها في غير موضع. # (وما كانوا ليؤمنوا): يخبر رسوله أنهم وإن سألوك الآيات فإذا جئت بها ~~فإنهم لا يؤمنون، يعني: أهل مكة. # (كذلك نجزي القوم المجرمين): كل مجرم. # وقوله - عز وجل -: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ~~(14) # يحتمل قوله: (خلائف) أي: جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم، ~~يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة، يذكرهم أنه لو شاء أهلك ~~الكل، فلا يكون هؤلاء خلف أولئك، ولكن بفضله ورحمته أبقاكم. # ويحتمل قوله: (ثم جعلناكم خلائف) أولئك في المحنة والعبادة أي: جعل عليكم ~~من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة. # ويشبه أن يكون قوله جعلناكم خلائف، الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم؛ ~~لأن الذين ظلموا قد أهلكتهم، فأنتم خلائف أولئك الذين لم يظلموا ولم يكذبوا ~~الرسل، فكيف لا تتبعونهم كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، ~~وأنهم على مذاهب آبائهم، يقول: جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، أي: لست ~~أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل الله يرسل رسلا في الأمم، فكان فيهم ~~لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعونهم إليه ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا ~~أهل مكة فيما دعيتم إليه. # وقوله - عز وجل -: (لننظر كيف تعملون): لم يزل الله تعالى عالما بما كان ~~ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين؛ لأن المعصية ~~إنما تكون بعد ما يكون النهي والطاعة إنما تكون بالأمر فيبتليكم ms2062 فيعلمكم ~~عصاة كما علم أنه يكون منكم معصية ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم ~~الطاعة، وقد ذكرنا أمثال هذا فيما تقدم، والله أعلم. # PageV06P018 # قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ~~ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) # وقوله - عز وجل -: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات): البينات قد ذكرنا في ~~غير موضع، والبينات هي التي تبين أنها آيات نزلت من عند الله لم يخترعها ~~أحد من الخلق. # وقد ذكرنا قوله -أيضا-: (قال الذين لا يرجون لقاءنا). # وقوله - عز وجل -: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله): يشبه أن يكون قولهم (ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله) ألا ترى أنه قال: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي)، إنما أجابهم في التبديل؛ دل أن السؤال كان سؤال تبديل، ولكن كانوا ~~يسألون سؤال استهزاء وتكذيب. # ثم اختلف أهل التأويل في التبديل الذي سألوا. # قال بعضهم: سألوا أن يبدل ويجعل مكان آية العذاب آية الرحمة أو يبدل ~~أحكامه. # ويحتمل قوله: (ائت بقرآن غير هذا) أي: بدل أحكامه واترك رسمه. # ويحتمل ما ذكرنا أنهم سألوا أن يتلو مكان آية العذاب آية الرحمة، ومكان ~~ما فيه سب آلهتهم مدحها ونحو ذلك، والله أعلم. # PageV06P019 # ونحن لا نعلم ما أراد بالتبديل تبديل الأحكام أو تبديل الرسم والنظم، ~~إنما نعلم ذلك بالسماع. # ثم أخبر أنه لا يقول ولا يتبع إلا ما يوحى إليه ويؤمر به بقوله: (قل ما ~~يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي). # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف إن عصيت ربي) إن تركت تبليغ ما أمرت ~~بالتبليغ إليكم، وهكذا كل ms2063 من عرف ربه خافه إن عصاه وخالف أمره ونهيه، ومن ~~لم يعرف ربه لم يخفه إن عصاه وخالف. # وقوله: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله): سؤالهم سؤال تعنت واسحهزاء؛ لأنه لا ~~منفعة لهم لو أتى بغيره وبدله سوى ما في هذا ولو جاز لهم هذا السؤال جاز ~~ذلك في كل ما أتى به واحدا بعد واحد، فذلك مما لا ينقطع أبدا ولا غاية ولا ~~نهاية فهو سؤال تعنت واستهزاء. # وقوله - عز وجل -: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) هو صلة ما تقدم من قوله حيث ~~قالوا: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) قد ذكرنا أن هذا يحتمل وجهين: # PageV06P020 # يحتمل أنهم سألوه أن يبدل أحكامه على ترك رسمه ونظمه. # ويحتمل قوله: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) أي: ارفع رسمه ونظمه وأحكامه، ~~كأنهم ادعوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختراع هذا القرآن من ~~نفسه واختلاقه من عنده، فقال: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) تأويله - ~~والله أعلم -: لو شاء الله ألا يظهر دينه فيكم ولا ألزمكم حجته، ولا بعثني ~~إليكم رسولا، (ما تلوته عليكم) (ولا أدراكم به) أي: ولا أعلمكم به. # ويحتمل قوله: (ولا أدراكم به): ولا أعلمكم ما فيه من الأحكام، أو يقول: ~~لو شاء الله لم يوح إلي، ولا أمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم، ولا بالدعاء ~~إلى ما أمرني أن أدعوكم إليه. # وفي قوله: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) دلالة أن الله إن شاء شيئا ~~كان وما لم يشأ لم يكن لأنه أخبر أنه لو شاء ما تلوته عليكم، فلو لم يشأ أن ~~يتلوه ما تلاه؛ دل أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وذلك يرد على ~~المعتزلة قولهم: شاء الله أن يؤمن الخلائق كلهم لكنهم لم يؤمنوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) أي: فقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله ms2064 فلم أدع ما أدعي للحال، ولا تلوت ما أتلو، أفلا ~~تعقلون أني لم أخترع هذا من نفسي، ولكن وحي أوحي إلي؟! إذ لو كان اختراعا ~~مني لكان ذلك مني فيما مضى من الوقت وكنت [لابثا] فيكم، فإذ لم يكن مني ذلك ~~أفلا تعقلون أني لم أخترع من نفسي؟!. # يحتمل هذا الكلام وجوها: # أحدها: أنهم لما ادعوا عليه الاختراع من عنده قال: إني قد لبثت فيكم من ~~قبله، أي: من قبل أن يوحى هذا إلي، فلم تروني خططت بيميني، ولا اختلفت إلى ~~أحد في التعلم والدراسة، فكيف أخترع من عندي؛ إذ التأليف لا يلتئم ولا يتم ~~إلا بأسباب تتقدم؟! # والثاني: فقد لبثت عمرا سنين لم تعرفوني ولا رأيتموني كذبت قط، فكيف ~~أفتري على الله تعالى وأخترع القرآن من عند نفسي؟! ألا ترى أنه قال على إثر ~~هذه: (فمن أظلم ممن # PageV06P021 # افترى على الله كذبا) أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. # والثالث: يحتمل قوله: (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) فلم أسمع أحدا ادعى ~~البعث، ولا أقام حجة عليه، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة، أفلا ~~تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي؟! # وقوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون (17) يشبه أن هذا صلة قوله: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) أي كيف ~~تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف ~~تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته؟ # ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه أنه افتراه من عند نفسه؛ يقول: إنكم لم ~~تأخذوني بكذب قط، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله، وقد ~~عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه؟! # ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا) استفهام، فجوابه ما قاله أهل التأويل: لا أحد أبين ظلما ولا أفحش ممن ~~افترى على الله كذبا؛ لا أن تفسيره ما قالوه، وقد ذكرنا هذا في غير ms2065 موضع. # (أو كذب بآياته): الافتراء على الله تكذيب بآياته، وتكذيب آياته افتراء ~~على الله. # * * * # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لولا أنزل عليه ~~آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) # وقوله - عز وجل -: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم) يحتمل ~~وجهين: # PageV06P022 # ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه. # والثاني: (ما لا يضرهم) أي: ما لا يملكون الضرر بهم، (ولا ينفعهم) أي: ~~ولا يملكون جر النفع إليهم يسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر، ~~ولا يملك جر النفع، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم، ومنه ~~يكون كل خوف وضر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله): يحتمل هذا القول ~~منهم تقليدا لآبائهم؛ كقولهم: (وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)، ظنوا ~~أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق، وأن الله قد ~~رضي بذلك، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام ~~بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة ~~الملك، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند ~~الملك؛ فعلى ذلك هؤلاء طمعوا أن عبادتهم هؤلاء تقربهم إلى الله زلفى، ~~ويكونون لهم شفعاء عند الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض) يقول: أتنبئون الله أي أتخبرون الله بما لا يعلم، أي: تعلمون أنه ~~عالم، أي: أتعلمون من تعلمون أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد ~~تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم. # والثاني: أن تقولوا ms2066 ما لا يعلم، أي: يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس: ~~ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، أي: ما شاء ألا يكون لا يكون. # وقوله: [(سبحانه)]: كلمة جعلت لإجلال الله عما يحتمله غيره من الأشكال ~~والأضداد، ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا ~~يعبدون ما ذكر ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فيقول: سبحانه أن يجعل لأمثال ~~أولئك # PageV06P023 # شفاعة عنده؛ إذ الشفيع يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة ~~تكون للعبيد بما يتعبدهم، فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة، فأما ~~من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر يعني سبحانه أن يجعل الشفاعة لمن ذكر ~~دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضرا ولا نفعا، وفي ~~الشفاعة ذلك. # والثاني: أن يكون عما أشركوا في العبادة، فسبحانه عن أن يكون معه معبود ~~أو يأذن لأحد بعبادة غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة) أي: أهل مكة كانوا كلهم ~~أهل شرك عباد الأصنام والأوثان، لم يكن فيهم اليهودية ولا النصرانية ولا ~~شيء من اختلاف المذاهب، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا: ~~فمنهم من آمن به وصدقه وأخلص دينه لله، ومنهم من عاند وكابر في تكذيبه بعد ~~أن عرف أنه رسول الله ومنهم من شك فيه، ومنهم من لم ينظر في أمره قط ولا ~~تفكر فيه؛ فصاروا أربع فرق. # وقال بعضهم: قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة)، بالفطرة، أي: كانوا ~~جميعا على الفطرة، وفي فطرة كل أحد الشهادة على وحدانية الله تعالى ~~وألوهيته؛ كقوله: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها)، وقوله: ~~(فطرت الله التي فطر الناس عليها)، في خلقة كل أحد الشهادة لله بالوحدانية ~~له والألوهية فاختلفوا: فمنهم من كان على تلك الفطرة، ومنهم من كذب واختار ~~الكفر، ms2067 وهو ما روي: " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه ~~وينصرانه ". # أخبر أنهم على الفطرة لو تركوا على ذلك، لكن أبويه يمنعانه عن الكون ~~عليها. # وقيل: (وما كان الناس إلا أمة واحدة) أي: كان الخلائق جملة أمم؛ كقوله: ~~(وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)، كأنه يعاتب ~~هذه الأمة يقول: إن الأمم مع اختلاف جواهرها وأجناسها كانوا خاضعين لله ~~مخلصين له، # PageV06P024 # فأنتم أيها الناس أمة من تلك الأمم، فكيف اختلفتم وأشركتم غيره في ~~ألوهيته وربوبيته، مع ما ركب فيكم من العقول والتمييز بين ما هو حكمة وما ~~هو سفه، وقد فضلكم على غيرها من الأمم في خلق ما خلق في السماوات وما في ~~الأرض لكم، وسخر لكم ذلك كله ما لم يفعل ذلك بغيرنا من الأمم؟! # ومنهم من قال من أهل التأويل في قوله: (وما كان الناس إلا أمة واحدة): ~~زمن نوح: نوح ومن دخل معه في السفينة كانوا على دين واحد، فاختلفوا بعدما ~~خرجوا. ومنهم من قال: آدم فاختلف أولاده. # ومنهم من قال: زمن إبراهيم. لكنا لا نشهد كيف كان الأمر، فلا نعلم إلا ~~بخبر عن الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) ~~قيل: لولا أن من حكمه ألا يعذب هذه الأمة عند تكذيبهم الآيات إذا سألوها ~~وإلا لأهلكها كما أهلك الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال، ولكن أخر ~~تعذيب هذه الأمة إلى يوم القيامة. # والثاني: سبقت من ربك ألا يستأصل هذه الأمة عند تكذيبهم الرسل والعناد ~~لهم أحد التأويلين في ترك استئصالهم، والآخر في تأخير العذإب عنهم إلى وقت. # وقوله: (لقضي بينهم) ببيان يضطرهم إلى القبول. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب ~~لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) # جوابه - والله أعلم - ما ذكر: لولا كلمة سبقت من ربك ألا يعذب هذه الأمة ~~بتكذيبهم الآيات عند سؤالها، وإلا لعذبتم أنتم كما عذبت الأمم الخالية ~~بتكذيبهم الآيات عند ms2068 السؤال. # وقوله - عز وجل -: (فقل إنما الغيب لله): أي: إنكم تعلمون أن علم الغيب ~~لله، وقد أنزل من الآيات ما يبين ويدل على رسالتي. # PageV06P025 # وقوله: (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) قيل: انتظروا هلاكي إني منتظر ~~هلاككم؛ لأنهم كانوا يوعدونه الهلاك. # وقيل: انتظروا مواعيد الشيطان إني منتظر مواعيد الله، وهو حرف وعيد، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في ~~آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ~~جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) فلما أنجاهم ~~إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع ~~الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) # وقوله - عز وجل -: (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر ~~في آياتنا): قال أهل التأويل: (أذقنا الناس) يعني: أهل مكة إذا أصابهم سعة ~~وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام، ولكن ~~أهل مكة وغيرهم أنهم إذا أيسوا عما يعبدون من الأصنام والأوثان، فزعوا إلى ~~الله ويخلصون له الدين؛ كقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين) الآية، وقوله: (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما. . .) الآية، وقوله: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه. . .) ~~الآية، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى الله عند ~~إصابتهم الشدائد والبلايا؛ لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا ~~يدفعون عنهم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إذا لهم مكر في آياتنا): المكر في الآيات تكذيبها ~~وردها، فيشبه أن تكون الآية هاهنا محمدا، كان هو من أول أمره إلى آخره آية، ~~فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا. ms2069 . .) ~~الآية، ويحتمل سائر الآيات والحجج مكروا فيها، أي: كذبوها وردوها. # (قل الله أسرع مكرا): المكر الأخذ من غير أن يعلم هو به، يقول: الله أسرع ~~أخذا يأخذكم وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول الله وتمكروا ~~به إلا وهو يعلم بذلك، فهو أسرع أخذا منكم. # (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون): فهم الحفظة. # PageV06P026 # ويحتمل قوله: (قل الله أسرع مكرا) أي: أسرع لجزاء المكر منكم، أو أسرع ~~أخذا من حيث لا تعلمون أنتم. # وقال بعض أهل اللغة: المكر بالآيات هو الرد والجحود لها. # وقال بعضهم: استهزاء بها؛ فهو واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين (22) اختلف فيه: # قال: بعضهم: قوله: (هو الذي يسيركم) أي: هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في ~~البر والبحر، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار، وهو كقوله: ~~(لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13). # وقيل: قوله: (هو الذي يسيركم في البر والبحر) أي: سخر لكم البر والبحر ~~وهما مكانا الخوف والهلاك، أي: حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم، وليس ~~في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال، فتولى الله بفضله ~~حفظ السائرين فيهما، حتى قضوا فيهما حوائجهم؛ وهو كقوله: (وهو الذي سخر ~~البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها. . .) إلى آخر ما ~~ذكر من أنواع المنافع، فلولا أن الله سخر لهم ذلك وحفظهم فيه، وإلا لم يكن ~~في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه، يذكرهم نعمه ~~ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه. # ثم قوله: (يسيركم في البر والبحر) يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر ~~والبحر؛ وهو كقوله: (وقدرنا فيها السير ms2070 سيروا فيها ليالي. . .) الآية، ~~والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق؛ لأن ~~السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه؛ دل أنه منشئ فعلهم، والله أعلم. # ويشبه أن يكون قوله: (هو الذي يسيركم في البر والبحر) لم يرد به البر ~~والبحر نفسه، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في ~~كل حال؛ وهو كقوله: (ظهر الفساد في البر والبحر)، لم يرد به البر والبحر ~~أنفسهما، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه، أي: ~~ظهر الفساد في الأماكن كلها؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم ~~في الأماكن كلها والأحوال جميعا، والله أعلم. # PageV06P027 # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا كنتم في الفلك) أي: ركبتم الفلك، (وجرين بهم ~~بريح طيبة) أي: تجري بهم السفن بريح طيبة. # يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء؛ لأن ماءها راكد في ~~الظاهر، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ~~ليست لشدة جريان الماء، ولكن الريح هي التي تهيج الأمواج وتزعجها لا بنفس ~~الماء (وفرحوا بها) وقيل: فرحوا بها: سروا بها. ويحتمل فرحوا بها، أي: ~~بطروا بها وأشروا. # وقوله: (جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان)، أخبر أن من الريح ما ~~هي طيبة تجري بها السفن، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك ~~أهلها؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها، ولكن لحفظ ~~الحدود فيها، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها، ~~وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح، وإن لم يحفظ ~~أفسده، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد لارة، ولكن لحفظ ~~الحدود فيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وظنوا أنهم أحيط بهم) قيل: أيقنوا أنهم مهلكون، ولكن ~~الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا ~~يدري لعل الله يصرف ذلك عنهم، فلا يقع به الإيقان، ولكن جعل ms2071 غالب الظن فيه ~~في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن الله أباح الميتة في حال ~~الضرورة لغالب الظن؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك، وكذلك ما أبيح للمكره ~~بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن، وإلا ليس يعلم بالإحاطة ~~أنه يقتله لا محالة، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين ~~والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن. # وقوله - عز وجل - (دعوا الله مخلصين له الدين): أنهم لما أيسوا عن ~~الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم، فزعوا إلى الله، وأخلصوا ~~الدعاء له، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن ~~سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل، (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم ~~إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون ~~إلى الله عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها، ويخلصون الدعاء ~~له، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل. # والبغي في الأرض هو الفساد فيها، # PageV06P028 # وقوله: (إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا) ويحتمل قوله: (على ~~أنفسكم) أي: بعضكم على بعض. # ويحتمل: (على أنفسكم) أي: حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم. # والبغي هو الظلم؛ فإن كان التأويل: من أنفسكم بعضكم على بعض؛ فيكون ~~الوعيد في قوله: (ثم إلينا مرجعكم) وقوله: (ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون) ما قد ذكرنا، وهو حرف وعيد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم ~~تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # وقوله - عز وجل -: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض) الآية. قيل: في ضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع ms2072 الذي ~~ذكر وجوه. # قال بعضهم: قوله: (إنما مثل الحياة الدنيا) وفي سرعة فنائها وانقطاعها ~~ووجوب زوالها مثل ذلك الزرع الذي ذكر في سرعة هلاكه وانقطاعه وزواله عن ~~صاحبه. أو أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا فيما يسر به ويبتهج مثل صاحب ~~الزرع الذي ذكر، فيما سر به وابتهج، ثم كان ما ذكر: (كأن لم تغن بالأمس). # وقال بعضهم: إنما مثل الحياة الدنيا للحياة الدنيا فيما ينفقون فيها، مثل ~~صاحب الزرع الذي ذكر ينفق عنيه لما يأمل من المنافع ويطمع منه ثم كان ما ~~ذكر ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يئول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق؛ ~~فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه ~~وندامة ما أنفق، كما أن صاحب الزرع # PageV06P029 # الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه، ~~أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة، أي: لو علم أن سروره ~~وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك، أو لو علم أنها تزول ~~عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف. # ويحتمل ضرب مثل الحياة الدنيا بما ذكر من النبات وجهين: # أحدهما: يخبر عن سرعة زوالها وانقطاعها كالنبات الذي ذكر أنه يتسارع إلى ~~الزوال والانقطاع لما يصيبه من الآفة فعلى ذلك الدنيا. # والثاني يخبر عن تغيرها وانقلاب أمرها كالنبات، الذي يتغير في أدنى مدة ~~ووقت. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) قيل: حسنها، ~~وازينت وحسنت فأنبتت من ألوان النبات. # وقال أبو عوسجة: زخرفها: زينتها من النبت، (حصيدا) أي: محصودا كما يحصد ~~الحصاد، والحصاد: الزرع، (كأن لم تغن بالأمس) أي: لم تعش، والمغاني هي، ~~المواضع التي يعيش فيها الناس، قال: وواحد المغاني مغنى. # وقال القتبي: وأصل الزخرف الذهب؛ يقال للنقش والذهبة وكل شيء زين: زخرف، ~~وقال: (كأن لم تغن بالأمس) والمغاني: المنازل واحدها مغنى. # وقال بعضهم: (كأن لم تغن بالأمس) ms2073 أي: لم تنعم. # وقيل: لم تعمر. # وقال بعضهم: هو من الغنى، أي: كأن لم تكن غنيا بالأمس، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) أي: ظن أهل الدنيا فيما ~~ينفقون أنهم قادرون على تلك النفقة، كما ظن صاحب الزرع أنه قادر على ذلك ~~الزرع. # وقوله: (أتاها أمرنا) قيل: عذابنا سمي أمرا؛ لأنه بأمره أتاه، وفيه أنه ~~لم يأته عن غفلة وسهو، ولكن عن علم وأمر؛ عظة لهم وتنبيها؛ ألا ترى أنه ~~قال: (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) كأن الآيات في هذا الموضع المواعظ، ~~أي: فيما ذكر من ضرب مثل الحياة الدنيا بالنبات والزرع الذي ذكر عظة وتنبيه ~~لمن تفكر فيه، والله أعلم. # PageV06P030 # قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(25) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) # وقوله - عز وجل -: (والله يدعو إلى دار السلام) اختلف فيه؛ قيل: الجنة، ~~والسلام: الله أضافها إلى نفسه؛ كقوله: (وأن المساجد لله)، فأضاف الجنة إلى ~~السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي ~~أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى ~~السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله ~~تعالى؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب. # وقال بعضهم: دار السلام: الإسلام. # ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، ~~كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع ~~الأهوال والآفات التي تكون. # والثاني: سمى الإسلام دار السلام، أضافه إلى نفسه؛ كقوله: (أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام. . .) الآية، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة ~~الإسلام إليه. # ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن ~~عن الأهوال كلها والآفات جميعا. # والثاني: دار: الجنة، والسلام: الله أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد ~~تضاف إلى الله على إرادة أوليائه، ms2074 والله أعلم. # PageV06P031 # وروى في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~" قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت ~~أذني، ثم قيل لي: سيد بنى دارا وجعل مأدبة وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي ~~دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل ~~الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، ~~والمأدبة الجنة، والداعي محمد - صلى الله عليه وسلم - ". # إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي ~~خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال: " خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوما فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، ~~قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، ~~إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بنيانا فأتمه، ثم جعل ~~فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ~~ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد ~~الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة ~~أكل ما فيها ". # هذا يدل -أيضا- إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله يدعو إلى دار السلام. . .) الآية: ذكر ~~الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم أن لا كل من يدعو إلى دار ~~السلام يهديه، وإنما يهدي به من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على ~~القدرية. # ثم الهدى على وجوه ثلاثة. # أحدها: الدعاء كقوله: (ولكل قوم هاد). # والثاني: هو البيان كقوله: (هدى ورحمة) يعني القرآن. # والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ~~ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) اختلف فيه؛ قال بعضهم: للذين ~~أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى ms2075 في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى ~~الجنة # PageV06P032 # الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: (أساءوا ~~السوأى) لأنها جزاء السوء؛ كقوله: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، (وزيادة) ~~قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل ~~أحد على غير سلطان له ولا يد. # وقال قائلون: قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) أي: مثل تلك الحسنة ~~وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء الله، يدل على ذلك قوله: ~~(والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها). # وقال قائلون: قوله: (وزيادة) الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله تعالى: ~~(وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23). # وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل ~~حسناته بفضله. وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل ~~والإحسان؛ إذ قد سبق من الله تعالى إليه من النعم ما لا يقدر القيام على ~~وفاء نعمة منها طول عمره. # PageV06P033 # وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: " الزيادة غرفة من لؤلؤة ~~واحدة لها أربعة أبواب ". # فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عز وجل في الآية إلا بالخبر عن الله. # وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما ~~الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ~~". # وقوله - عز وجل -: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) قيل: لا يغشى وجوههم ~~الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: (ووجوه يومئذ عليها ~~غبرة (40) ترهقها قترة (41). ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: (وجوه ~~يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39)، وذلك - والله أعلم - آثار إحسانهم ~~التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم ~~يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار ~~السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى ~~غيره ونحو ذلك من ms2076 صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، والله أعلم. # (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون). # * * * # قوله تعالى: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم ~~من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلو كل نفس ما ~~أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) # وقوله: (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها): جزاء سيئة مما يوجبه ~~الحكمة أن # PageV06P034 # يجزى بمثلها، وأما جزاء الإحسان والخير طريق وجوبه الإفضال والإحسان ليس ~~طريق وجوبه الحكمة، إذ سبق من الله، إلى كل أحد من النعم ما ليس في وسعه ~~القيام بمكافأة واحدة منها عمره وإن طال واجتهد كل جهده، فضلا أن يستوجب ~~قبله جزاء ما كان منه من الخيرات. # وقوله: (وترهقهم ذلة): هو ما ذكرنا من آثار السيئات التي عملوها في ~~الدنيا ذلا وهوانا لهم (ما لهم من الله من عاصم)، وذلك أنهم - والله أعلم - ~~كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله، فأخبر أن ليس لهم ~~من عذاب الله مانع يمنع ذلك عنهم؛ كقولهم: (هؤلآء شفعاؤنا عند الله). # وقوله - عز وجل -: (كأنما أغشيت وجوههم) قيل: ألبست وأغطيت قطعا مثقلا ~~ومخففا قطعا، قيل: القطع بالتثقيل هو جمع القطعة، والقطع بالتخفيف جزء من ~~الليل، يقال: سرنا بقطع من الليل، أي: بجزء من الليل، وقوله: (فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل) أي: بجزء منه، والله أعلم. # ثم شبه وجوههم بظلمة الليل، ولم يشبه بسواد الوجوه على ما يكون من سواد ~~الوجوه في الدنيا؛ فذلك - والله أعلم - أن سواد الوجوه على ما يكون في ~~الدنيا لا يبلغ من القبح غايته؛ إذ قد يرغب من كان جنسه ونوعه في ذلك ويحسن ~~ذلك عنده، فإذا كانت الرغبة قد تقع لبعضهم في بعض لم يبلغ في القبح نهايته، ms2077 ~~وأما ظلمة الليل: فإن الطباع تنفر عنها، ولا تقع الرغبة فيها بحال؛ لذلك ~~شبه وجوه أهل النار بها، والله أعلم. # PageV06P035 # (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) # قال أهل التأويل: يعني العابد والمعبود الذين عبدوا دونه، ولكن نحشر ~~الخلائق جميعا. # (ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم). # وقوله - عز وجل -: (مكانكم أنتم وشركاؤكم) هذا الحرف هو حرف وعيد؛ يقال: ~~مكانك أنت، كذا وإن كان هذا الحرف يجوز أن يستعمل في الكرامات وبر بعضهم ~~بعضا، ولكن إنما يعرف ذا من ذا بالمقدمات، فما تقدم هاهنا يدل أنه لم يرد ~~به الكرامة، ولكن أراد به الوعيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فزيلنا بينهم) قيل: فرقنا بينهم وميزنا بينهم، أي: ~~بين العابد والمعبود. # ثم يحتمل التفريق بينهم وجوها: # أحدها: فرقنا بينهم في الحساب مما عمل ومما صحب. # والثاني: يحتمل فرقنا بينهم لما طمعوا بعبادتهم إياها والشفاعة أن يكونوا ~~لهم شفعاء عند الله، ففرق بينهم في الشفاعة. ويحتمل فرقنا بينهم فيما ضل ~~عنهم ما كانوا يفترون، فصار ما عبدوا ترابا وهم في النار. # وقوله - عز وجل -: (وقال شركاؤهم): يحتمل قوله: شركاؤهم: سماهم شركاء وإن ~~لم يكونوا أشركاء في الحقيقة، لما عندهم أنهم شركاء؛ كما سمى الأصنام آلهة ~~لما عندهم أنها آلهة. # والثاني: (شركاؤهم) لما أشركوها في العبادة فهم شركاؤهم، والله أعلم. # وقوله: (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون): ينطق الله تعالى يوم ~~القيامة هذه الأصنام، وإن لم يكن في خلقتها النطق في الدنيا؛ كقوله: (يومئذ ~~تحدث أخبارها) وقوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. . .) ~~الآية، أنطقهم ليشهدوا عليهم. # وقوله: (ما كنتم إيانا تعبدون): يحتمل الملائكة أن يكونوا هم الذين ~~أنكروا؛ لأن منهم من يعبد الملائكة، أنكروا أن يكونوا يعبدونهم؛ لأن ~~العبادة لآخر إنما تكون عبادة إذا كان من المعبود أمر بها، وكانت عبادتهم ~~الأصنام عبادة للشيطان لأنه هو الآمر لهم بالعبادة # PageV06P036 # للأصنام؛ كقوله: (يا أبت لا تعبد الشيطان)، ولا أحد يقصد قصد عبادة ms2078 ~~الشيطان، لكنه لما كان الآمر لهم بالعبادة للأصنام صار كأنهم عبدوه، وإن لم ~~يقصدوه بها ويحتمل ما ذكر من الإنكار من الأصنام. # وقوله - عز وجل -: (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين (29) أي: كفى الله القاضي والحاكم بيننا وبينكم أنا لم نأمركم ~~بعبادتنا، وهو العالم بأنا كنا بعبادتكم إيانا غافلين. # وقوله - عز وجل -: (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) قيل: عند ذلك، وقيل: يومئذ أي يوم ~~القيامة. # وقوله: (تبلو) أو (تتلو) بالباء والتاء، قيل: تقرأ في الصحف: " ما كتب من ~~أعمالهم " وتبلو بالباء من الابتلاء، يقال: بلوته وابتليته واحد، وخبرته ~~واختبرته أيضا، وقيل: (تبلو) تجد وتعلم كل نفس ما قدمت من الأعمال وقيل: ~~تجزى كل نفس بما عملت. # وقيل: (تتلو) بالتاء أيضا: تتبع، كل نفس ما قدمت من الأعمال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وردوا إلى الله مولاهم الحق) قيل: ملكهم الحق لأن ~~غيره من الآلهة التي عبدوها قد بطل عنهم وضل في الآخرة. # PageV06P037 # ويحتمل: (وردوا إلى الله مولاهم الحق) أي: حق ما تجد كل نفس ما قدمت من ~~أعمالها، أو حق أن تقرأ كل نفس ما عملت وضل عنهم ما كانوا يفترون من ~~العبادة للأصنام وقول الكفر، وقوله: (وردوا إلى الله مولاهم الحق) يحتمل ~~وجهين؛ أي: ردوا إلى ما أعد لهم مولاهم الحق، والثاني أي: ردوا إلى أمر ~~مولاهم الحق، لا إلى أمر الأصنام التي كانوا يعبدونها. # * * * # قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون (31) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون (32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل ~~من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى ~~تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ms2079 أفمن ~~يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ~~(35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم ~~بما يفعلون (36) # وقوله - عز وجل -: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع ~~والأبصار. . .) # الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد والربوبية وكأن هذه السورة نزلت ~~في محاجة أهل مكة في التوحيد، لأنها مكية. # وقوله - عز وجل -: (قل من يرزقكم من السماء والأرض) يحتمل وجهين؛ أي: من ~~ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض. والثاني: من ~~يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في ~~الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ ~~وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع ~~والبصر، ولا أحد أيضا يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ~~ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف ~~يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا يملك أحد سواه إصلاح ما ذكر إذا ~~فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: (فسيقولون ~~الله فقل أفلا تتقون) يقول. والله أعلم -: إذا عرفتم # PageV06P038 # وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك ~~أفلا تتقون، بوائقه ونقمته، أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك ~~غيره في ألوهيته وربوبيته، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد ~~أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه. # أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا ~~أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض ~~عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم ~~الضلال؛ فذلك قوله: (فماذا بعد الحق إلا الضلال). # وقوله تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق ... (32) أي: ذلكم الذي ms2080 ذكر ربكم ~~بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا ~~الضلال؟! لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال. # وقوله - عز وجل -: (فأنى تصرفون): عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى ~~تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم. أو يقول: فأنى تعدلون من لا ~~يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ~~(33) حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا ~~يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك. # وقوله: (كلمت ربك) تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك مواعيد ربك على الذين ~~فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون. ~~ويحتمل كلمة ربك، حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا. # وقوله - عز وجل -: (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: ~~البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك # PageV06P039 # بدء الخلق ولا بعثه. وقال بعضهم: قوله: (ثم يعيده) لا يحتمل البعث؛ لأنهم ~~كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: (ثم ~~يعيده) ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من ~~الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة اللمل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ~~ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار ~~نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت ~~في البشر. # ويحتمل الأمرين جميعا عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ~~ترى أنه قال: (قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون) قيل: تكذبون ~~بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ~~ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: (كيف تكفرون بالله. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (قل هل من شركائكم من ms2081 يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ~~أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون (35) يحتمل قوله: (يهدي إلى الحق) يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء ~~الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ~~ومغ الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو إلى نفع، ~~فهؤلاء دون الخلائق جميعا؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون الضر ~~والنفع،؟! يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا ~~يملكون نفعا ولا ضرا. # ويحتمل قوله: (يهدي إلى الحق) أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على عدم ~~استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون ~~نصب # PageV06P040 # الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟! # (قل الله يهدي للحق): أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق. ثم يحتمل الوجهين ~~اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا ~~إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية. # (أفمن يهدي إلى الحق): الذي يبين البراهين والحجج، (أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي) أي: لا يبين، (إلا أن يهدى)، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي ~~لا يهتدي؟ قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (ما كنتم إيانا ~~تعبدون)، ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم ~~يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: (إلا أن ~~يهدى) لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا. # (فما لكم كيف تحكمون): بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أمن لا يهدي إلا أن يهدى) قال بعضهم: (إلا أن يهدى) ~~لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان. وقال ~~بعضهم: (إلا أن يهدى) إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه ~~فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له ~~في النطق احتمل ms2082 الإجابة والاهتداء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم ~~حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى) وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع ~~أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه. # وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد ~~عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، لكن ما قالوا: (إن هذا إلا سحر مبين)، (ما هذا إلا ~~إفك مفترى)، (إن هذا إلا اختلاق)، ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا ~~على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا ~~وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع # PageV06P041 # أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنا ظنوا. # ويشبه أن يكون قوله: (وما يتبع أكثرهم) يعني: أهل مكة أي ما يتبع أكثر ~~أهل مكة، الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان. (إلا ظنا) لأنهم ~~عبدوا الأصنام ويقولون: (إنا وجدنا آباءنا على أمة. . .) الآية، وآباؤنا ~~كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئا، أي: الظن لا يدرك به ~~الحق إنما يدرك الحق باليقين، (إن الله عليم بما يفعلون) وهو حرف وعيد ~~ليكونوا أبدا على حذر. # * * * # قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين (40) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ~~مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون ms2083 إليك أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا ~~لا يبصرون (43) # وقوله - عز وجل -: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) قال بعضهم: ~~هو صلة قوله: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله)، ~~فيقول: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله)؛ كقوله: (قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع)، أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي. # وقال بعضهم: إن كفار قريش قالوا: إن محمدا افترى هذا القرآن من عند نفسه ~~ويقوله من نفسه، فقال: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) أن يضاف ~~إلى غيره أو يختلق. # (ولكن تصديق الذي بين يديه) أي: يصدق هذا القرآن الكتب التي كانت من قبل، ~~ولو كان محمد هو الذي افتراه واختلقه من عند نفسه لكان خرج هو وسائر الكتب ~~المتقدمة مختلفا، إذ لم يعرف محمد سائر الكتب المتقدمة إذ كانت بغير لسانه، ~~ولم يكن له اختلاف إلى من يعرفها ليتعلم، ثم خرج هو أعني القرآن مصدقا ~~وموافقا لتلك الكتب؛ دل أنه من عند الله جاء؛ كقوله: (وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) يخرج على ~~وجهين: # PageV06P042 # أحدهما: ما كان هذا القرآن بالذي يحتمل الافتراء من دون الله؛ لخروجه عن ~~طوق البشر ووسعهم، فذلك بالذي يحيله كونه مفترى بجوهره. # والثاني: لما أودع فيه من الحكمة والصدق يدل على كونه من عند الله؛ إذ ~~كلام غيره يحتمل السفه والكذب ويحتمل الاختلاف. # (وتفصيل الكتاب لا ريب فيه) قيل فيه بيان الكتب التي نزلت قبله، وتمامه ~~أن هذا وإن كان في اللفظ مختلفا فهو في الحكمة والصدق مبين موافق للأول. ~~وقيل: (وتفصيل الكتاب) أي: تفصيل ما كتب لهم وما عليهم. أو أن يقال؟ إلى ~~الله تفصيل الكتب ليس إلى غير (لا ريب فيه) أنه من عند رب العالمين. # أو ms2084 يقول: مفصل من اللوح المحعوظ. # وقوله - عز وجل -: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) يقول: إن كان محمد افتراه من عند ~~نفسه، فأتوا أنتم بمثله؛ إذ لسانه ولسانكم واحد، فأنتم قد عرفتم بالفرية ~~والكذب، ومحمد لم يعرف به قط، ولا أخذ عليه بكذب قط، فأنتم أولى أن تأتوا ~~بسورة مثله. # (وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) اختلف فيه: # قال بعضهم: ادعوا بآلهتكم التي تعبدونها؛ ليعينوكم على إتيان مثله. # وقال بعضهم: (وادعوا من استطعتم) أي: بمن لسانه مثل لسانكم؛ ليعينوكم على ~~ذلك. # أو يقول: استعينوا بدراسة الكتب؛ ليعينوكم على مثله إن كنتم صادقين أن ~~محمدا افتراه من نفسه؛ فدل ترك اشتغالهم بذلك على أنهم قد عرفوا أنه ليس ~~بمفترى، وأنه سماوي. وقوله - عز وجل -: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ~~يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # قال بعضهم: ما لم يحفظوا نظمه، ولا لفظه، ولا نظروا فيه، ولا تدبروا؛ ~~ليعلموا معناه، بل كذبوه بالبديهة، والشيء إنما يعرف كذبه وصدقه بالنظر فيه ~~والتفكر والتدبر، لا بالبديهة، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: (بل كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه). # الثاني: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) كذبوا على علم منهم أنهم كذبة ~~فيما يقولون، ويتقولون: إنه مفترى ليس بمنزل (ولما يأتهم تأويله)، أي: ولما ~~يأتهم العلم بتأويله، أي: بتأويل القرآن. # PageV06P043 # ومعناه - والله أعلم -: أنهم كذبوه من غير أن حفظوا نظمه، ووعوا لفظه، ~~ولا أتاهم العلم بعاقبته وآخره. # وقيل: التأويل: هو رد كل شيء إلى أولية الأمر. # وقالت الحكماء: التأويل: آخر كل فعل هو قصد في أوله وقصد كل شيء في أوله ~~هو آخر في فعله، أو نحوه. # وقال بعضهم: (ولما يأتهم تأويله) قال: ما وعد الله أن يكون قبل أن يكون. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: تأويل القرآن بما يكون منه في الدنيا، ~~وبما يكون منه يوم القيامة، وهو العذأب الذي وعد. # وقال ms2085 بعضهم: (تأويله): ثوابه. # وقيل: عاقبته. # وقال الواقدي: لم يأتهم عاقبة بيان ما وعد الله في القرآن في الآخرة من ~~الوعيد. # وأصل التأويل: هو النظر إلى ما تئول عاقبة الأمر. # وقوله - عز وجل -: (كذلك كذب الذين من قبلهم)، أي: كذلك كذب الأمم ~~السالفة رسلهم، كما كذب كفار مكة رسولهم، أي: لست أنت بأول مكذب، بل كذب من ~~كان قبلك من إخوانك؛ ليكون له التسلي عما هو فيه من تكذيبهم إياه، وردهم ~~عليه أنه ينزل بهم ما نزل بأولئك إن هم أقاموا على ما هم عليه. # والثاني: أن يكون الخطاب وإن كان خارجا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فهو راجع إلى قومه يأمرهم بالنظر فيما نزل بالأمم السالفة، وأن يتأملوا ~~أحوالهم؛ ليكون ذلك سببا لزجرهم عما هم فيه. # وقوله - عز وجل -: (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) بالتكذيب، أي: كيف ~~يعاقبون ويعذبون، والله أعلم. وقوله - عز وجل -: (ومنهم من يؤمن به ومنهم ~~من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) قيل: من أهل مكة من يؤمن بهذا ~~القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا، منهم من قد آمن به، ومنهم من ~~لا يؤمن به، أي: من لم يؤمن به. # ويحتمل على الوعيد فيما يستقبل، أي: منهم: من أهل مكة من يؤمن بهذا ~~القرآن، ومنهم من لا يؤمن به، وهم كذلك كانوا: منهم من قد آمن، ومنهم من لم ~~يؤمن به. # قال بعضهم: هي في اليهود، ليست في أهل مكة، وظاهره أن يكون في كفار مكة، # PageV06P044 # وعلى ذلك قول عامة أهل التأويل، كأن هذا يخرج على البشارة: أن منهم من ~~يؤمن به؛ لئلا يقطع ويمنع دعاءهم، وأخبر أن منهم من لا يؤمن به، يؤيسه حتى ~~لا يشتد حزنه على كفرهم. # وجائز أن يكون هذا: أي: منهم من، قد يولد من بعد، ويؤمن به، ومنهم من ~~يولد فلا يؤمن. # وقوله: (وربك أعلم بالمفسدين) يشبه أن يكون معناه: أي: على علم بما يكون ~~منهم من الفساد خلقهم وأنشأهم، وليس عن غفلة وجهل بالفساد، ولكن ms2086 عن علم ~~بذلك؛ لما لا يضره فساد مفسد، ولا ينفعه صلاح من يصلح، إنما عليهم ضرر ~~فسادهم، ولهم منفعة صلاحهم. # ويحتمل أن يكون على الوعيد، أي: عالم بفسادهم، فيجزيهم جزاء فسادهم، ~~والله أعلم. # وقوله: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا ~~بريء مما تعملون (41) تأويله - والله أعلم - أي: إن كذبت فيما أخبرتكم: أنه ~~جاء من عند الله، ف (لي عملي)، أي: جزاء عملي فيما أبلغكم، أي: فعلي وزر ~~عملي، (ولكم عملكم)، أي: فعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن الله، وهو ~~كقوله: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون) ~~أي: علي جرم ما افتريت إن افتريت، وعليكم جرم ما رددتم علي فيما بلغتكم عن ~~الله. # ويحتمل: ما قاله أهل التأويل: (لي عملي) أي: لي ديني (ولكم عملكم) أي: ~~لكم دينكم. # (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون). # تأويله - والله أعلم - أي: أنا لا أؤاخذ بما دنتم أنتم، ولا أنتم تؤاخذون ~~بما دنت أنا وعملت، وهو كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء. . .) الآية، ~~وقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل. . .) الآية، وقوله: (وما على الرسول ~~إلا البلاغ المبين. . .) الآية، وكقوله: (لا تسألون عما أجرمنا. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون (42) أخبر أن منهم من يستمع إليه، يعني: # PageV06P045 # إلى رسول الله، وإلى ما يتلو من القرآن، لكنه لا يؤمن، أخبر أنه لا كل ~~مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم، إنما ينتفع ~~بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه. # ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم. # ومنهم من كان يستمع إليه؛ ليسمع غيره، كقوله: (سماعون للكذب سماعون لقوم ~~آخرين). # ومنهم من كان يسمعه، ويطيعه في ذلك، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله: ~~(ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي). # ومنهم من كان يستمع إليه؛ استهزاء منه، وطلب الطعن فيه ms2087 والعيب، كانوا ~~مختلفين في الاستماع، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر؛ لوجهين: # أحدهما: ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه ~~الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس، نفى عنهم ذلك؛ إذ هذه الحواس إنما ~~جعلت، لينتفع بها لا لتترك سدى لا ينتفع بها. # والثاني: كان العقل والسمع والبصر، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب، ~~ومنها ما يكون غريزة، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسبا فنفى عنهم؛ ~~لما تركوا اكتساب ذلك. # ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم. # ثم نفى عمن لا يستمع العقل، حيث قال: (لا يعقلون)، ونفى عنهم الاهتداء ~~والإبصار بترك النظر، فقال: (أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) ~~لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها، ألا ترى أن البهائم قد ~~تبصر الطرق، وتسلك بها، وتتقي بها المهالك، ولا تعقل، لما ليس لها العقل، ~~فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل، وبظاهر البصر تبصر الأشياء. # PageV06P046 # قوله تعالى: [(إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ~~ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45)] # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون) يخبر أن ما حل بأولئك من عذاب استئصال، إنما حل بظلمهم، لا بظلم من ~~الله تعالى وقوله - عز وجل -: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ~~(45) لم يلبسوا إلا ساعة من النهار، قال: في قبورهم يتعارفون بينهم إذا ~~خرجوا من قبورهم. وقال بعضهم من أهل التأويل: (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من ~~النهار): في الدنيا، وأصله كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا ~~فيها؛ لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده، أو استقلوا لبثهم في الدنيا، ~~ومقامهم؛ لطول مقامهم في الآخرة في العذاب. # وفيه وجه ثان: وهو أنه يذكر من شدة سفههم وغاية جهلهم أن ما يعدهم من ms2088 ~~الحشر والعذاب الأبد كأنهم لا يلبثون فيها إلا ساعة من النهار، حتى لا ~~يبالوا ما يلحقهم من ذلك وما يستوجبون عليه من العذاب باكتسابهبم من تلك ~~الأسباب. # وقوله - عز وجل -: (يتعارفون بينهم) أي: يعرف بعضهم بعضا على قدر ما يلعن ~~بعضهم بعضا؛ كقوله: (ويلعن بعضكم بعضا). وعلى قدر ما يتبرأ بعضهم من بعض ثم ~~يفرق بينهم كقوله: (فزيلنا بينهم) أي: فرقنا بينهم. # PageV06P047 # وقوله - عز وجل -: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) أي: خسروا بما وعدوا ~~في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها؛ إذ قد أعطوا ما يكتسبون ~~به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك؛ فهو كقوله: (فما أصبرهم على ~~النار) أي: ما أصبرهم على اكتساب ما به يستوجبون النار. # والثاني: قد، خسروا [ ### | .... # ]. # * * * # قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) # وقوله - عز وجل -: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك): " إما " حرف ~~شك، وكذلك حرف ولكن يكون تأويله - والله أعلم - على حذف إما وإضمار حرف " ~~إن " كأنه يقول: إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم، أو ~~نتوفينك ولا نرينك شيئا. أو أن يكون قوله: إن نرينك بعض ما نعدهم أي: لقد ~~نريك بعض ما نعدهم؛ وهو كقوله: (إن كان وعد ربنا لمفعولا)، فعلى هذا ~~التأويل يريه بعض ما لعدهم، ولا يريه كل ما وعدهم. # وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئا. # فإن قيل: حرف " إما " حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى الله، ~~وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب؟! # PageV06P048 # قيل: جميع حروف الشك الذي أضيف إلى الله هو على اليقين والوجوب ms2089 نحو حرف " ~~عسى " و " لعل " ونحو ذلك، فعلى ذلك حرف " إما " أو، " أو " فهو لم يزل ~~عالما بما كان ويكون في أوقاته. # وأما حرف الاستفهام والشك يخرج على مخرج الإيجاب والإلزام على ما ذكرنا ~~في حرف التشبيه، أو أن يكون رسول الله وعد لهم أن يريهم شيئا، فقال عند ~~ذلك: [(وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك)] لا نرينك شيئا يقول: ليس ~~إليك ما وعدتهم، إنما ذلك إلينا؛ كقوله: (ليس لك من الأمر شيء). # وقوله - عز وجل -: (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون): هذا ~~يحتمل ثم الله شهيد لك يوم القيامة على ما فعلوا من التكذيب بالآيات وردها؛ ~~وهو كقوله: (قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن. . .) الآية. ~~ويحتمل أنه عالم بما يفعلون لا يغيب عنه شيء وهو وعيد؛ كقوله تعالى: (والله ~~بصير بما تعملون)، (وهو بكل شيء عليم)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم ~~لا يظلمون (47) أي: لكل أمة فيما خلا رسول الله بعث إليهم لست أنا أول رسول ~~بعثت إليكم؛ كقوله تعالى: (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم). # (فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط) يحتمل هذا وجهين: يحتمل فإذا جاء ~~رسولهم قضي بينهم بالقسط؛ أي: يقضى بين الرسل وبين الأمم بالعدل بما كان من ~~الرسل من تبليغ الرسالة إليهم والدعاء إلى دين الله، ومن الأمم من التكذيب ~~للرسل والرد للآيات، قضي بينهم بالعدل وهم لا يظلمون لا يزاد على ما كان ~~ولا ينقص. # ويحتمل قوله: (قضي بينهم) أي: يهلك المكذبون منهم وينجي الرسل ومن صدقهم، ~~كقوله تعالى: (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا. . .) الآية، ويجوز أن يقضي بين ~~المعرضين وبين المجيبين والمطيعين يوم القيامة. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) وذلك أنه ~~لما أوعدهم العذاب حين قال: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك) قالوا: ~~متى هذا العذاب الذي توعدنا هذا يا محمد إن ms2090 كنت صادقا بأن العذاب نازل بنا ~~في الدنيا، وهو # PageV06P049 # على التأويل الثاني الذي ذكرنا لقد نرينك بعض ما وعدناهم. # فقال: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا ~~جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) ولا أملك أيضا جز منفعة ~~إليها يقول: لا أقدر على أن أدفع عن نفسي سوءا حين ينزل بي، ولا أملك على ~~أن أسوق إليها خيرا ألبتة، فإذا لم أملك هذا كيف أملك إنزال العذاب عليكم ~~إنما ذلك إلى الله هو المالك عليه والقادر على ذلك، لا يملك أحد ذلك سواه؛ ~~وذلك كقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم). # وقوله - عز وجل -: (لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون) أي: إذا جاء أجلهم لا يقدرون على تأخيره ولا يستقدمون، أي: لا ~~يقدرون على تقديمه، ليس على أنهم لا يطلبون تأخيره ولا تقديمه فيسألون ذلك، ~~ولكن لا يؤخر إذا جاء ولا يقدم قبل أجله. # وفيه دلالة ألا يهلك أحد قبل انقضاء أجله، فهو رد على المعتزلة حيث ~~قالوا: من قتل آخر فإنما قتله قبل أجله، والله يقول: (لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون) وهم يقولون: يستقدمون، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم ~~قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ~~ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل ~~نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون (54) # وقوله: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون) يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟! لا منفعة ~~لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في ~~سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) ms2091 أن عذاب ~~الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد ~~استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، # PageV06P050 # كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه ~~في إنزال العذاب عليهم في قوله: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا). # وقوله - عز وجل -: (أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون ~~(51) قيل: أي العذاب إذا نزل بكم آمنتم به الآن؟! يخبر عنه أنهم إذا نزل ~~بهم العذاب يؤمنون. # ثم يحتمل قوله: (آمنتم به) أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: (فلما رأوا بأسنا ~~قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين)، ثم أخبر أن إيمانهم لا ~~ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا)، وقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل). # ويحتمل قوله: (آمنتم به آلآن) أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، ~~فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: (آمنتم به آلآن وقد كنتم ~~به تستعجلون) استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل بكم ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون (52) قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره. # (ذوقوا عذاب الخلد) لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار. # (هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في ~~الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم ~~بمعجزين (53) أي: يستخبرونك. # (أحق هو) يحتمل هذا وجوها. # يحتمل قوله: (أحق هو) العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله ~~عامة أهل التأويل. # ثم قال: (قل إي وربي إنه لحق) أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم. # (وما أنتم بمعجزين) أي: بفائتين عنه ولا سابقين له. # ويحتمل قوله: (أحق هو) ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ~~(أجئتنا بالحق أم أنت ms2092 من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي فطرهن. . .) الآية؛ فعلى ذلك قولهم: (أحق هو) ثم، أخبر أنه لحق بموله: ~~(قل إي # PageV06P051 # وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) أي: غائبين فائتين عنه. # ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟ قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ ~~كقوله: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين) أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا ~~لعبا، ولكنه حق أمر من الله تعالى؛ فعلى ذلك قوله: (أحق هو). # وقوله - عز وجل -: (ويستنبئونك أحق هو): هذا الحرف يحتمل أن يكون من ~~الشاكين منهم في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال ~~العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استهزاء به ~~وتكذيبا له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ~~(يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها) كانوا فرقا ~~ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه. # وقوله - عز وجل -: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) يخبر عنهم ~~أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم ~~لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها ~~وما فيها بقوله: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها). # وقوله - عز وجل -: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب): الندامة لا تكون ~~إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من ~~التكذيب بالآيات والعناد في ردها. وقال بعضهم: (وأسروا الندامة) أي: أظهروا ~~الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ~~ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر # PageV06P052 # في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار. # وقوله - عز وجل -: (وقضي بينهم بالقسط) يحتمل قوله: (وقضي بينهم بالقسط) ms2093 ~~ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما ~~لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: (بالقسط) ما ذكر، وهم لا يظلمون. # ويحتمل قوله: (بالقسط) وما ذكر: (اقرأ كتابك كفى بنفسك. . .) الآية ~~والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) يا أيها الناس قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قل أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو ~~فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # وقوله - عز وجل -: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) أي: إن ما في ~~السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه وملكه، لا لمن تعبدون دونه من الأصنام ~~والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا ~~يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا إن وعد الله حق): في كل وعد ووعيد أنه كائن لا ~~محالة عذابا أو رحمة. # (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن ~~علموا؛ لما لم ينتفعوا به. # ويحتمل قوله: (لا يعلمون) أي: لم يكتسبوا سبب العلم، وهو التأويل والنظر ~~في آياته وحججه. # ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم، فلم يعلموا، فإن كان على ~~هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك. # PageV06P053 # وفي قوله: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) دلالة إثبات البعث من ~~وجهين: # أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما ms2094 بغلظهما ~~وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر ~~وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم. # والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، ~~والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد ~~وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئا عبثا باطلا ولو ~~كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجا عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر ~~أراد بهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) أي: تعلمون أنه هو ~~أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضا وهو كقوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت ~~الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولا ~~بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي ~~كقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا)، قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله ~~أبدا. وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب ~~وقال بعضهم العظة هي التي تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن ~~جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، ~~وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، ~~وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق. # وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي ~~الصدور # PageV06P054 # المظلمة. # وقوله - عز وجل -: (وشفاء لما في الصدور): إن للدين آفات وداء تضر به ~~وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت ~~لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان المؤرقة المريضة؛ فعلى ذلك ~~جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين ~~وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية ms2095 في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة ~~وشفاء لما في الصدور، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهدى ورحمة) قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه. أو ~~يقول: (وهدى ورحمة) هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي إليه، ورحمة: لمن ~~اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه ~~وهو ما ذكر (وهو عليهم عمى)، وقال: (فزادتهم إيمانا)، أي: زاد للمؤمنين ~~إيمانا إلى إيمانهم، و (فزادتهم رجسا) أي: زاد للكافرين رجسا إلى رجسهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون (58) قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن. # وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن ~~متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) أي: فرحكم بما ذكر ~~هو خير مما تجمعون من الدنيا. # وقال بعضهم: قوله: (قل بفضل الله وبرحمته): إنما خاطب المؤمنين بقول: قل ~~للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل ~~والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار ~~من الأموال من الذهب والفضة وغيره. # PageV06P055 # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (59) # يحتمل (ما أنزل الله لكم من رزق)، أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت ~~الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج ~~الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر ~~الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء ~~البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي ينضج بها الأنزال وبها تينع الأعناب ~~وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا. # وكذلك قوله: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا ~~أن عين ذلك في السماء. # ويحتمل قوله: ms2096 (ما أنزل الله لكم من رزق) أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ~~ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: (وأنزل ~~لكم من الأنعام ثمانية أزواج)، ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فجعلتم منه حراما وحلالا): قال بعضهم: ما حرموا من ~~البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة. # وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ~~ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا. . .) الآية. نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون) أي: الله أذن ~~لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: بل على الله ~~تفترون، وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين ~~بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة المحرم والمحلل بالرسل والكتب والخبر ~~عن الله، وهم لم يكونوا # PageV06P056 # مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراما وحلالا وأنتم لا تؤمنون ~~بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم ~~عليكم؟! يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا ~~على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن ~~الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) فإن قيل كيف أوعدوا ~~بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟! قيل: قد ألزمهم الحجة بكون ~~البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك ~~يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث. # وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط ~~علمه به، فكذلك هذا. # وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ ~~إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن يقول: ms2097 وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو ~~خرج الأمر حقا، وكان صدقا على ما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبو!؟! # وقوله - عز وجل -: (إن الله لذو فضل على الناس): هو ذو فضل على جميع ~~الناس من جهة ما ساق إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما ~~أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان ~~منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ~~ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم. # * * * # قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ~~ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~(63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ~~(65) # وقوله - عز وجل -: (وما تكون في شأن) قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: ~~في # PageV06P057 # أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ~~(وما تكون في شأن) أي: في عبادة. # (وما تتلو منه من قرآن): تبلغهم به الرسالة. # قوله تعالى: (ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا): يخاطب نبيه تنبيها ~~منه وإيقاطا والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: (ولا تعملون) ومن عمل ~~عمهم جميعا في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر ~~بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم ~~شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبدا منتبهين متيقظين (إذ تفيضون فيه) ~~قال بعضهم: (تفيضون فيه) تأخذون فيه وتخوضون فيه. # وقيل: تقولون ms2098 فيه، وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد. # ثم يحتمل قوله: (فيه) في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ~~ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول ~~الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم. # (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء): لا يعزب، أي: لا ~~يغيب، عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا ~~نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب ~~عنه شيء. # PageV06P058 # وقوله - عز وجل -: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض) هو تحذير ~~وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: # أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح. # وقوله - عز وجل -: (إلا في كتاب مبين) قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، ~~أي: إلا في اللوح المحفوظ مبين، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب ~~المنزلة من السماء والله أعلم. # وقال أبو بكر الأصم في قوله: (إذ تفيضون فيه): أي تنتشرون، وتأويله ولا ~~تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهودا. # وقوله - عز وجل -: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ~~قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو ~~كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن أدل ~~أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم ~~-:، (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) # PageV06P059 # على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم ~~لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا ~~دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم. # وقال بعضهم: (أوليآء الله) هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد ~~لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعا، ms2099 لا لأهل الاعتقاد خاصة. # وقوله - عز وجل -: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل ~~لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) # قال بعضهم: (لهم البشرى في الحياة الدنيا) الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت ~~الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن هذه الآية ففسر ~~بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق. # وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على ~~البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة، ~~ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك. # ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: (فبشر عباد (17) الذين ~~يستمعون القول. . .) الآية، وقوله: (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم)، وقوله: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ~~وأمثال ذلك. # وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند ~~الموت وفي الآخرة الجنة. والله أعلم. # PageV06P060 # وقوله - عز وجل -: (لا تبديل لكلمات الله): يحتمل لا تبديل لكلمات الله ~~من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل. # ويحتمل (لا تبديل لكلمات الله) القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد ~~وغيره. # ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك ~~والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: (فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن ~~تجد لسنت الله تحويلا) وقوله: (فقد مضت سنت الأولين). # ويحتمل قوله: (لا تبديل لكلمات الله) أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر ~~لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم. # ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ~~ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك هو الفوز العظيم) أي: تلك البشرى هي الفوز ~~العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا ~~خوف بعده. # وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن ~~يخرجوا من الجنة أبدا، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يحزنك ms2100 قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ~~(65) يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ ~~يقول: لا يحزنك ذلك (إن العزة لله جميعا). # ويحتمل قوله: (ولا يحزنك قولهم) الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه ~~مفترى، أو قالوا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه ساحر وإنه يفتري ~~على الله كذبا. ويشبه أن يكون قوله: (ولا يحزنك قولهم) مكرهم الذي مكروا ~~به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: (إن العزة لله # PageV06P061 # جميعا) أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: (وقد مكر الذين من ~~قبلهم فلله المكر جميعا) أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ ~~فعلى ذلك قوله: (إن العزة لله جميعا) أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك. # و (العزة) القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ~~ومكرهم الذي هموا بك. # (هو السميع العليم): لقولهم الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع ~~المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم. # * * * # قوله تعالى: (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو ~~الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ~~(67) # وقوله - عز وجل -: (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) أي: تعلمون ~~أن من في السماوات ومن في الأرض كلهم عبيده وإماؤه، فكيف قلتم: إن فلانا ~~ولده وإن له شريكا، ولا أحد منكم يتخذ من عبيده وإمائه ولدا ولا شريكا؛ ~~كقوله: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم. . .) الآية؛ فعلى ذلك هذا. # أو كيف يحتمل أن يتخذ ولدا وله ملك ما في السماوات والأرض، وإنما يتخذ في ~~الشاهد الولد لإحدى خصال ثلاث: إما للاستنصار على غيره، وإما لحاجة تمسه، ~~وإما لوحشة أصابته، فهو غني له ملك السماوات والأرض لا حاجة تمسه، فكيف ~~نسبتم الولد إليه والشريك وما قالوا فيه مما لا يليق به؟! وقد ذكرنا هذا ~~فيما ms2101 تقدم. # أو يخبر عن غناه عما يأمرهم وينهاهم ويتعبدهم، أي: ليس يأمر وينهى ويخعبد ~~بأنواع العبادات ويمتحنهم بأنواع المحن لحاجة له أو لمنفعة له في ذلك، ولكن ~~لمنفعة لهم في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) أي: ما ~~يتبعون فيما يدعون من دون الله من الشركاء بالحجج والبراهين أو اليقين ~~بكتاب، أو رسول، إنما يتبعون بالظن والحذر. # قوله تعالى: (وإن هم إلا يخرصون) أي: ما هم إلا يكذبون فيما يتبعون ~~بدعائهم دون الله؛ لأنهم كانوا أهل شرك لم يكونوا أهل كتاب ولا آمنوا ~~برسول، فهم قد عرفوا أنهم مفترون كاذبون # PageV06P062 # في اتباعهم دون الله؛ إذ سبيل معرفة ذلك الكتاب أو الرسول ولم يكن لهم ~~واحد من ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن ~~في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) يبصر فيه، وقال في آية أخرى: (ومن رحمته جعل ~~لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه)، يعني: في الليل (ولتبتغوا من فضله) يعني: ~~في النهار، فهو في موضع الامتنان وتذكير النعم، ليتأدى بذلك شكر ما أنعم ~~عليه. # وفيه أن الليل والنهار يجريان على التدبير والتقدير؛ لأنهما لو كانا ~~يجريان على غير تدبير ولا تقدير لكانا لا يجريان على تقدير واحد ولا سنن ~~واحد، ولكن يدخل فيهما الزيادة والنقصان ولا يجريان على تقدير واحد، وإن ~~كان يدخل بعضه في بعض، فدل جريانهما على تقدير واحد أنهما يجريان على تدبير ~~آخر فيهما؛ إذ لو كان على غير تدبير يجريان على الجزاف على الزيادة ~~والنقصان وعلى القلة والكثرة. # وفيه أيضا أن مدبرهما واحد؛ لأنه لو كان مدبرهما عددا لكان إذا غلب ~~أحدهما الآخر دام غلبته، ولا يصير الغالب مغلوبا والمغلوب غالبا، فإذا صار ~~ذلك ما ذكرنا دل أن مدبرهما واحد لا عدد. # وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ لأن كل واحد منهما إذا جاء أتلف صاحبه تلفا ~~حتى لا يبقى له أثر ولا شيء منه، ثم يكون مثله حتى لا يختلف الذاهب والحادث ms2102 ~~ولا الأول من الثاني، فدل أن الذي قدر على إنشاء ليل قد ذهب أثره وأصله ~~لقادر على البعث، ومن قدر على إحداث نهار وقد فني وهلك لقادر على إحداث ما ~~ذكرنا من الموت. # وفيه أن الشيء إذا كان وجوبه لشيئين لم يجب إذا عدم أحدهما؛ لأنه قال: ~~(والنهار مبصرا) وإنما يبصر بنور البصر ونور النهار جميعا؛ لأنه إذا فات ~~أحد النورين لم يبصر شيء من النور نور البصر أو نور النهار، دل أن الحكم ~~إذا وجب بشرطين لا يوجد إلا باجتماعهما جميعا، والميل يستر وجوه الأشياء لا ~~أنه لا يرى نفسه، والنهار يكشف وجوه الأشياء، وفي لليل فيما يستر وجوه ~~الأشياء دلالة أن الحكم إذا كان وجوبه بشرطين يجوز منعه بعلة واحدة؛ لأنه ~~يستر نور النهار ونور البصر جميعا. # PageV06P063 # وفي قوله: (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) وجوه من الدلالة: # أحدها: ما ذكرنا من تذكير النعم يدعوهم به إلى الشكران وينهاهم عن ~~الكفران، وفيه تذكير القدرة له حيث أنشأ هذا وأحدثه وأتلف الآخر، فمن قدر ~~على هذا لا يعجزه شيء، وفيه دليل السلطان حيث يأخذهم الليل ويستر عليهم ~~الأشياء شاءوا أو أبوا؛ وكذلك النهار يأتيهم حتى يكشف وجوه الأشياء ويجلي ~~شاءوا أو أبوا، وفيه دليل التدبير والعلم لما ذكرنا من اتساق جريانهما على ~~سنن واحد ومجرى واحد. # وفيه دلالة وحدانية منشئهما بين هاهنا فيما جعل الليل حيث قال: (لتسكنوا ~~فيه) أخبر أنه جعل الليل للسكون والراحة، فدل ذكر السكون في الليل على أنه ~~جعل النهار للسعي وطلب العيش، ألا ترى أنه قال في النهار: (مبصرا) أي: ~~يبصرون فيه ما يتعيشون، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ومن رحمته جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون): ولم يقل: يبصرون فظاهر ~~ما سبق من الذكر يجب أن يقال: لقوم يبصرون؛ لأنه قال: (والنهار مبصرا)، لكن ~~يحتمل قوله: (يسمعون) أي: يعقلون؛ كقوله: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون). ms2103 # ويحتمل قوله: (يسمعون) أما ذكر من الآيات من أول السورة إلى هذه المواضع ~~آيات لقوم يسمعون: ينتفعون بسماعهم أو يسمعون، أي: يجيبون كقوله: سمع الله ~~لمن حمده: أي: أجاب الله. # * * * # قوله تعالى: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات ~~وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) ~~قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا ~~مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # وقوله - عز وجل -: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني). # قال بعضهم: أرادوا بقولهم: اتخذ الله ولدا حقيقة الولد؛ كقوله: (ويجعلون ~~لله البنات) [. . . .]. # PageV06P064 # وقوله - عز وجل -: (وقالت اليهود. . .) كذا، (وقالت النصارى. . .) كذا ~~فنزه - عز وجل - نفسه عما قالوا بقوله: (سبحانه هو الغني) أنه لم يلد أحدا ~~ولا ولد هو من أحد؛ ولهذا قال: (لم يلد ولم يولد)؛ إذ في الشاهد لا يخلو ~~إما أن يكون ولد من آخر أو والد، والخلق كله لا يخلو من هذا، فأخبر أنه لم ~~يلد هو أحد ولا ولد من أحد. # PageV06P065 # وقوله: (سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض) تأويله - والله ~~أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة: إما لحاجة ~~تمسه، أو لشهوة تغلبه، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه، فإذا كان له ~~ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه، فلا حاجة تقع له إلى ~~الولد؛ إذ هو الغني وله ملك ما في السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج ~~إلى الولد، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده ~~وإمائه، فإذا كان لله سبحانه الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ ~~الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده. # ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن ~~جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضد ومن ms2104 ~~له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية. # وقال بعضهم: قولهم: اتخذ الله ولدا، لم يريدوا حقيقة الولد، ولكن أرادوا ~~منزلة الولد وكرامته، فهو -أيضا- منفي عنه؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - ~~أعني: حقيقة # PageV06P066 # الولد - امتنع عن منزلته وكرامته؛ لأن الحقيقة انتفت لعيب يدخل فيه، فإذا ~~ثبت له منزلة تلك الحقيقة والكرامة دخل فيه عيب الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: [(إن عندكم من سلطان بهذا)] قيل ما عندكم من حجة على ~~ما تقولون إن له ولدا؛ لأنهم كانوا أهل تقليد لآبائهم وأسلافهم، وكانوا لا ~~يؤمنون بالرسل والكتب والحجج، وإنما يستفاد ذلك من جهة الرسالة والكتب وهم ~~كانوا ينكرون ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أتقولون على الله ما لا تعلمون) أي: تقولون على الله ~~أنه اتخذ ما تعلمون أنه لم يتخذ (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون (69) هو ما ذكرنا أنهم علموا أنه لم يتخذ ولدا، لكن قالوا ذلك ~~افتراء على الله (لا يفلحون) في الآخرة؛ لما طمعوا في الدنيا بعبادتهم دون ~~الله الأصنام بقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). وقوله: ~~(هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، لا يفلحون، أي: لا يظفرون بما طمعوا في الآخرة ~~(متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ~~(70) أي ذلك لهم متاع في الدنيا، ليس لهم متاع في الآخرة. # (ثم إلينا مرجعهم): يخاطب رسوله بذلك لم يخاطبهم إلينا مرجعكم، فهو - ~~والله أعلم - لما اشتد على رسول الله ما افتروا به على الله يقول: إلينا ~~مرجعهم فنجزيهم جزاء افترائهم. والثاني: يقول: إلينا مرجعهم فنذيقهم العذاب ~~الشديد، لا ما طمعوا من الشفاعة عندنا والزلفى، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا ~~يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم ~~من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه ~~فنجيناه ms2105 ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ~~فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم ~~فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على ~~قلوب المعتدين (74) # وقوله - عز وجل -: (واتل عليهم نبأ نوح) أي: خبره وحديثه، (إذ قال لقومه ~~يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله). # PageV06P067 # قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى ~~عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته. قال بعضهم: وتذكيري بعذا به ~~بترككم إجابتي ودعائي. # ويحتمل قوله: (إن كان كبر عليكم مقامي) بما ادعى من الرسالة، (وتذكيري ~~بآيات الله) أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة. # وفي قوله: (واتل عليهم نبأ نوح) وجوه: # أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به. # والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم. # والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه. # وقوله - عز وجل -؛ (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم ~~وشركاؤكم ثم كيدوني، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من ~~الكيد والمكر بي ظاهرا غير ملتبس ولا مشبه. # وقال بعضهم: قوله: (فأجمعوا أمركم) أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ ~~وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم). # (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) أي: اقضوا ما أنتم قاضون. # PageV06P068 # وقال بعضهم: قوله: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي؛ لا يكبر عليكم أمركم. # وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا ~~كلمتكم ظاهرة واحدة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " لا يكن أمركم اغتماما عليكم "، أي: ~~فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: (من كان يظن أن لن ينصره الله. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون) أي: اعملوا بي ما تريدون ~~ولا تنظرون؛ وهو كقوله: (فاقض ما أنت قاض). # وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاع؛ وهو كقوله: (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل. . .) الآية، (وقضينا إليه ms2106 ذلك الأمر) أي: أنهينا إليه وأبلغنا ~~إليه. # وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمة، وإن شئت ~~جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي ~~غطيته، (ثم اقضوا إلي) أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: (فأجمعوا ~~أمركم وشركاءكم. . .) إلى قوله: (ولا تنظرون)، وقول هود: (فكيدوني جميعا ثم ~~لا تنظرون) وقول رسول الله: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) دلالة ~~إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ~~ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتمادا على الله واتكالا بمعونته ~~ونصرته إياهم. # وقال بعضهم في قوله: (ثم اقضوا إلي) أي: فافرغوا إلي يقال " قضى " فرغ، ~~وهو قول أبي بكر الأصم. # PageV06P069 # وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أي امضوا إلي كقوله: (فراغ إلى أهله)، و (فراغ ~~إلى آلهتهم)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ~~وأمرت أن أكون من المسلمين (72) التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ ~~كقوله: (وإذا تولى سعى في الأرض)، واسم للإقبال والقبول أيضا؛ كقوله: (ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا. . .) الآية، ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين ~~جميعا، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، (فما ~~سألتكم من أجر) أي: ما أجري إلا على الله. وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: ~~كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجرا فيكون لكم عذر في الإعراض ~~والرد؟! كقوله: (أم تسألهم أجرا) الآية، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم ~~وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن ~~الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن ~~والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا ~~يتعلموا شيئا من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأمرت أن أكون من المسلمين) أي: مسلما نفسي ms2107 إلى الله، ~~أي: سالما، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من ~~المخلصين لله، والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله. # وقوله - عز وجل -: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) يعني: نوحا ~~كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من ~~العذاب بتكذيبهم إياه. # (فنجيناه) يعني نوحا، (ومن معه في الفلك) أي: من ركب معه الفلك من ~~المؤمنين. (وجعلناهم خلائف) يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكانا يخلف بعضهم ~~بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب. # (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا): يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي ~~أقامها على ما ادعى من الرسالة. # ويحتمل قوله: (كذبوا بآياتنا) العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما ~~وعد. # وقوله - عز وجل -: (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين): كان أنذر الفريقين ~~جميعا # PageV06P070 # المؤمن والكافر جميعا؛ كقوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر)، فإذا كان ما ~~ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من ~~أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب. # ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان ~~عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر)، ~~أي: إنما يقبل الإنذار من اثبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع ~~الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ~~فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ~~أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث ~~الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحدا على أئر واحد. # (فجاءوهم بالبينات): يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ~~ادعوا من الرسالة والنبوة. # ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا. # ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في ms2108 ~~الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) قال بعضهم: ~~ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لبم يصدق به ~~أوائلهم. # وقال بعضهم: قوله: (بما كذبوا به من قبل) أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة ~~أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة. # ويحتمل قوله: (بما كذبوا به من قبل) أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما ~~كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات. # (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا ~~على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء ~~هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل. # وقوله - عز وجل -: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) هو يخرج على ~~وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، ~~وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال. # والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ ~~والله أعلم. # PageV06P071 # قوله تعالى: (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملإه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا ~~لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ~~ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) فما آمن لموسى ~~إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في ~~الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين (85) ونجنا ms2109 برحمتك من القوم الكافرين (86) # وقوله: (ثم بعثنا من بعدهم) أي: من بعد من ذكرنا من الرسل. # (موسى وهارون إلى فرعون وملإه): بعثهما إلى الملأ وغير الملأ. # (بآياتنا): يحتمل الوجوه التي ذكرنا. # (فاستكبروا): هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها ~~آيات، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوما مجرمين. # وقوله - عز وجل -: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين ~~(76) # قال بعضهم: قوله: (فلما جاءهم الحق من عندنا) أي: الحجج والآيات من ~~عندنا، (قالوا إن هذا) يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى، (لسحر ~~مبين) يسمون الحجج والبراهين سحرا لما أن السحر عندهم باطل، لذلك قالوا ~~للحجج إنها سحر، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم ~~فيتبعونه. # وقال بعضهم: الحق هو الإسلام والدين؛ كقوله: (إن الدين عند الله الإسلام) ~~(قالوا إن هذا لسحر مبين) يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه ~~جاءهم بالدين، وجاءهم أيضا بحجج الدين وآياته، قالوا: الحجج: الدين، ~~والإسلام: سحر، ففي التأويلين جميعا سموا الحجج سحرا. # وقوله: (جاءهم الحق من عندنا) أي: بأمرنا، وكذلك قوله: (إن الدين عند ~~الله الإسلام) أي: الإسلام هو الدين الذي أمر الله به، لا أنه يفهم # PageV06P072 # لل (عند) مكان ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن معنى ال (عند) معنى الأمر، ~~وعلى هذا يخرج قوله: (إن الذين عند ربك) يعني الملائكة (لا يستكبرون عن ~~عبادته) أي: إن الذين بأمر ربك يعبدونه لا يستكبرون عن عبادته لما أنه لم ~~يفهم من مجيء الحق من عنده مكان، فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من قوله: (إن ~~الذين عند ربك) المكان أو قرب المكان منه، ولكن التأويل ما ذكرنا أن ~~المفهوم من عند الله أمره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون (77) والحق ما ذكرنا. # (ولا يفلح الساحرون): الإفلاح هو الظفر بالحاجة، يقول: (ولا يفلح ~~الساحرون) أي: لا يظفر الساحر بالحاجة ولا يغلب؛ لأن السحر ms2110 باطل ولا يغلب ~~الباطل الحق، بل الحق هو الغالب. والسحر هو المغلوب على ما غلب الحق الذي ~~جاء به موسى السحر الذي جاء سحرة فرعون. # أو يقول: لا يفلح الساحرون في الآخرة بسحرهم في الدنيا. # ويحتمل قوله: (ولا يفلح الساحرون) بسحرهم في حال سحرهم؛ كقوله: (لا يفلح ~~الظالمون)، و (لا يفلح الكافرون) أي: لا يفلحون بظلمهم في حال ظلمهم، وأما ~~إذا تركوا الظلم فقد أفلحوا، فعلى ذلك السحرة إذا تركوا السحر فقد أفلحوا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون ~~لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) قيل: لتصرفنا وتصدنا. # قال القتبي: لفت فلانا عن كذا إذا صرفته، والالتفات منه وهو الانصراف. # وقال أبو عوسجة: (لتلفتنا) أي: تردنا وتصرفنا على ما ذكر القتبي، قال: ~~يقال: لفته يلفته لفتا. # وقوله - عز وجل -: (عما وجدنا عليه آباءنا): من عبادة الأصنام والأوثان. # ويحتمل ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والطاعة له. # (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) قال عامة أهل التأويل: الكبرياء الملك ~~والسلطان # PageV06P073 # والشرف، أي: الملك الذي كان لفرعون والسلطان يكون لكما باتباع الناس ~~لكما؛ لأن كل متبوع مطاع معظم مشرف ويحتمل (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) ~~أي: الألوهية التي كان يدعى فرعون لنفسه لكما، لأن عندهم أن كل من أطيع ~~واتبع فقد عبد ونصب إلها. # (وما نحن لكما بمؤمنين) أي: بمصدقين فيما تدعوننا إليه أو ما تدعون من ~~الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) هذا من فرعون ~~ينقض ما ادعى من الألوهية؛ حيث أظهر الحاجة إلى غيره ولا يجوز أن يكون ~~المحتاج إلها. # وقوله - عز وجل -: (فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ~~(80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) أي: سيبطل عمل السحر الذي قصدوا به، أي يجعله مغلوبا؛ ~~كقوله: (ولا يفلح الساحرون) أي: لا يغلب الساحرون ولا يظفرون بالحاجة. # (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ms2111 أي؛ لا يصلح ما أفسدوا من أعمالهم ~~فيجعلهم صالحين. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين): هو ما ذكرنا، أي: لا ~~يجعلهم بأعمالهم الفاسدة صالحين، أو لا يجعل أعمالهم الفاسدة صالحة. # وقال بعضهم: (لا يصلح) أي: لا يرضى بعمل المفسدين. # وقوله - عز وجل -: (ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) ذكر أن ~~يحق الحق والحق حق وإن لم يحق الحق، وكذلك ذكر في الباطل ليبطل الباطل ~~والباطل باطل وإن لم يبطل، ولكن يحتمل قوله: (ويحق الله الحق) ويبطل ~~الباطل، أي: ليجعل الحق في الابتداء حقا فيصير حقا، ويجعل الباطل في ~~الابتداء باطلا، فيكون باطلا أي: بإبطاله الباطل يكون باطلا وبتحقيقه الحق ~~يكون حقا وهو ما يقال: هداه فاهتدى، وأضله فضل، أي: بهدايته اهتدى وبضلاله ~~ضل؛ فعلى ذلك بإبطاله الباطل بطل وبتحقيقه الحق حق، والله أعلم. # وقوله: (بكلماته) يحتمل وجوها: # PageV06P074 # يحتمل يحق الحق بكلماته أي: برسله؛ إذ بالرسل يظهر الحق وبهم يظهر بطلان ~~الباطل وهم حجج الله في الأرض وبالحجج يظهر الحق، وكذلك الباطل. # ويحتمل ما ذكر أهل التأويل بكلماته: آياته التي أنزل عليه، بها ظهر حقيقة ~~ما أتى به موسى وبها ظهر بطلان ما أتى به السحرة من السحر. # ويحتمل كلماته، ما وعد موسى قومه من العذاب الذي وعد من الظفر بأعدائهم ~~والنصر عليهم وغير ذلك ما وعد من النعمة لهم؛ كقوله: (اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين). # وقوله - عز وجل -: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون ~~وملإهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) # يحتمل قوله: (من قومه) من قوم موسى لما قيل: إن موسى كان من أولاد ~~إسرائيل، فهم من ذريته من هذا الوجه، يقال: أهل بيت فلان وإن لم يكن البيت ~~له. # ويحتمل قوله: (إلا ذرية من قومه) من قوم فرعون فهو نسب إليه لما ذكرنا. # وقال أهل التأويل: أراد بالذرية القليل منهم، أي: ما آمن ms2112 منهم إلا ~~القليل، ولكن لا ندري ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون). # يحتمل: ما آمن من آمن من قومه إلا على خوف من فرعون وملئه أي: آمنوا، أي: ~~وإن خافوا من فرعون وملئه. # ويحتمل ما ترك من قومه الإيمان بموسى من ترك إلا على خوف من فرعون أن ~~يفتنهم أي: يقتلهم ويعذبهم، ففيه دلالة أن الخوف لا يعذر المرء في ترك ~~الإيمان حقيقة، وإن كان يعذر في ترك إظهاره؛ لأن الإيمان هو التصديق ~~والتصديق يكون بالقلب ولا أحد من الخلائق يطلع على ذلك؛ لذلك لم يعذر في ~~ترك إتيانه لأنه يقدر على إسراره، ألا ترى إلى قوله: (وقال رجل مؤمن من آل ~~فرعون يكتم إيمانه)، كان مؤمنا فيما بينه وبين ربه وإن لم يظهر. # وقوله - عز وجل -: (وإن فرعون لعال في الأرض) وهو ما قال - عز وجل -: (إن ~~فرعون علا في الأرض) أي: قهر وغلب على أهل الأرض وإنه لمن المسرفين. # PageV06P075 # وقوله - عز وجل -: (وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ~~إن كنتم مسلمين (84) فيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد في الحقيقة؛ لأنه ~~بدأ بالإيمان بقوله: (إن كنتم آمنتم بالله) وختم بالإسلام بقوله: (إن كنتم ~~مسلمين) دل أنهما واحد هو اعتقاد ترك نضييع كل حق، والإسلام اعتقاد تسليم ~~كل حق وترك تضييعه، والله أعلم. والإسلام هو جعل كلية الأشياء لله سالمة، ~~والإيمان هو التصديق بكلية الأشياء فيما فيها من الشهادة لله بالربوبية له ~~والألوهية. # وقوله: (فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) يحتمل هذا وجهين: # يحتمل: أن يكون قال ذلك لما خافوا مواعيد فرعون وعقوباته؛ كقوله للسحرة ~~لما آمنوا: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. . .) الآية، فقال عند ذلك: ~~(فعليه توكلوا) في دفع ذلك عنكم، فقالوا: (على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين (85) # قوله: (لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) يحتمل ما قاله على خوف من فرعون ~~وملئه أن يفتنهم ما قيل أي: يقتلهم ويعذبهم، والله أعلم. # هذا يخرج على ms2113 وجهين: # أحدهما: أي لا تجعل لهم علينا الظفر والنصر، فيظنون أنهم على هدى وعلى حق ~~ونحن على ضلال وباطل. # والثاني: لا تجعلنا تحت أيدي الظلمة فيعذبونا؛ فيكون ذلك فتنة لنا ومحنة ~~على ما فعل فرعون بالسحرة لما آمنوا. # وقوله - عز وجل -: (ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) فيه أن قوله: ~~الظالمين والكافرين واحد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك ~~آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) ~~قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ~~واجعلوا بيوتكم قبلة. . .) الآية يحتمل وجهين: # PageV06P076 # أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة # أحدهما: يحتمل قوله: (أن تبوءا لقومكما) أي: اتخذا لقومكما مساجد يصلون ~~فيها، (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي: اجعلوا في بيوتكم التي اتخذتم مساجد قبلة؛ ~~فيكون في قوله:، (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا) الأمر باتخاذ المساجد، ~~ويكون في قوله: (واجعلوا بيوتكم قبلة) الأمر باتخاذ القبلة في المساجد التي ~~أمر ببنيانها. # والثاني: قوله: (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا)، أي: اتخذا لقومكما بمصر ~~مساجد على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي: اجعلوا في بيوتكم التي ~~بنيتم لأنفسكم قبلة تحوجهون إليها، ويكون فيه دلالة أن نصب الجماعة واتخاذ ~~المساجد والقبلة مثوارثة مسنونه ليست ببديعة لنا وفي شريعتنا خاصة، ويؤيد ~~ما ذكرنا أن فيه الأمر باتخاذ المساجد. # وقوله: (وأقيموا الصلاة) دل الأمر بإقامة الصلاة على أن الأمر ببناء ~~البيوت أمر باتخاذ المساجد واتخاذ القبلة. # فإن قيل: هذا في الظاهر أمر باتخاذ المساجد، والآية التي ذكر فيها اتخاذ ~~المساجد تخرج مخرج الإباحة لنا، وهو قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع) هو ~~في الظاهر إباحة. # قيل: هو أمر في الحقيقة، وإن كان في الظاهر إباحة، ألا ms2114 ترى أنه قال: ~~(ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها. . .) الآية، ولا شك أن ذكر اسمه والتسبيح ~~له أمر؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم. # وأما أهل التأويل فإنهم قالوا: إنهم كانوا يخافون فرعون وملأه، فأمروا أن ~~يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا خوفا من فرعون، هذا ~~يحتمل إذا كان قبل هلاك فرعون وقبل أن يستولوا على مصر، وإذا كان بعد هلاكه ~~وبعدما استولوا وملكوا على مصر وأهله فالأمر فيه ما ذكرنا؛ أمر باتخاذ ~~المساجد ونصب الجماعات فيها وإقامة الصلاة فيها. # PageV06P077 # وقال بعضهم من أهل التأويل: وجهوا بيوتكم ومساجدكم نحو القبلة لكن هذا ~~بعيد؛ لأنه لا يكون بيتا إلا ويكون جهة من جهاته إلى القبلة، فلا معنى له. ~~والوجه فيه ما ذكرنا. # ويحتمل الأمر ببناء البيوت لقومهما بمصر وجعل البيوت قبلة وجهين: # أحدهما: الأمر بالانفصال من فرعون وقومه حتى إذا أرادوا الخروج من عندهم ~~قدروا على ذلك ولا يكون المرور عليهم وكان ذلك الانفصال إنما كان من جهة ~~القبلة. # والثاني: ما ذكرنا أرادوا أن يعتزلوهم حتى يتهيأ لهم الصلاة فيها، وكان ~~لا يتهيأ لهم في بيوت فرعون. # وقوله - عز وجل -: (وبشر المؤمنين) يحتمل البشارة في الآخرة بالجنة ~~وأنواع النعيم ويحتمل أن يبشرهم بالملك في الدنيا والظفر على فرعون وأنواع ~~النعم، بعدما أصابوا الشدائد من فرعون؛ كقوله: (اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين). # وقال أبو عوسجة: قوله: (أن تبوءا لقومكما) تهيآ من هيأ، أي: هيئا لهم ~~موضعا؛ كقوله: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) أي: هيأنا لهم مهيأ صدق. # وقوله - عز وجل -: (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في ~~الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) ويحتمل قوله (زينة): من ~~أنواع ما آتاهم من الأنزال والنبات؛ كقوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت)، ونحوه. ويحتمل الزينة التي كانوا يتزينون بها من المركب والملبس، ms2115 ~~وما يتحلون بها من أنواع الحلي وأموال كثيرة سوى ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ربنا ليضلوا عن سبيلك): قالت المعتزلة تأويل قوله: ~~(ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك) أي: آتاهم لئلا يضلوا الناس عن سبيله، ولكن أضلوهم عن سبيله وقالوا ~~هذا كما يقال ألم أقل كذا لأجل كذا، ولكن فعلت ونحوه من الكلام، ولكن عندنا ~~هو ما ذكر: آتاهم الأموال وما ذكر ليضلوا عن سبيله؛ لأنه إذا علم منهم أنهم ~~يضلون الناس عن سبيله آتاهم ما آتاهم ليضلوا وهو كما ذكرنا في قوله: (إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما)؛ وقوله: (نسارع لهم في الخيرات. . .) الآية، ~~وأمثاله فكذا هذا والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) يحتمل هذا ~~وجهين: يحتمل: أي: اطمس على أموالهم، واجعل في قلوبهم قساوة وغلظة تنفر ~~الأتباع ومن # PageV06P078 # يقلدهم عن اتباعهم وتقليدهم، فيكون ذلك أهون علينا في استنقاذ الأتباع ~~منهم وأدعى لهم إلى الإيمان أعني الأتباع ومن يقلدهم، ويكون ذلك سببا ~~لإبعادهم عن اتباعهم وتقليدهم إياهم؛ هذا وجه. # والثاني: قوله: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) أي: اجعل ذلك ~~آية تضطرهم إلى الإيمان، فإنهم لم يؤمنوا بالآيات التي أرسلتها عليهم من ~~الطوفان والجراد وما ذكر من البلايا، فيكون قوله: (فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم) هذا من طمس الأموال وقساوة القلوب وشدتها، والله أعلم. # وقال بعض أهل التأويل: واشدد على قلوبهم واطبعها فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم وهو الغرق فعند ذلك يؤمنون، وأما بهذه الآيات فلا. # هذا يحتمل إذا كان الله - عز وجل - أخبر موسى أنهم لا يؤمنون فيسع له هذا ~~الدعاء، وأما قبل أن يخبره بذلك فلا يسع له أن يدعو بهذا، وهو إنما أرسله ~~إليهم ليدعوهم إلى الإيمان والطمس. # قال أبو عوسجة: هو الذهاب بها، أي: اذهب بها. # وقال القتبي: قوله: (ربنا اطمس) أي: أهلكها، وهو من قولك: طمس الطريق إذا ~~عفا ودرس. # وقال غيره: الطمس هو المسخ؛ كقوله: (لطمسنا على أعينهم) ms2116 أي: مسخناهم. # وقال بعضهم: الطمس هو التغيير عن جوهرها، دعا موسى بهذا الدعاء بالأمر ~~لما أيس من إيمانهم؛ وهو كقول نوح: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~(26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك) الآية، عند الإياس منهم فعلى ذلك موسى، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين ~~لا يعلمون (89) قال بعضهم: إن موسى كان يدعو وهارون يؤمن على دعائه، فقال ~~الله - عز وجل -: (قد أجيبت دعوتكما) سمى كليهما # PageV06P079 # دعاء، ولهذا قال محمد بن الحسن - رحمه الله - في بعض كتبه: إن الإمام ~~يدعو في القنوت في الوتر والقوم يؤمنون. # وقوله تعالى: (فاستقيما) على الرسالة وما أمرتكما به، (ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون)؛ وهو كقوله لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون)؛ وكقوله: (ولا تتبع أهواءهم)، ونحوه، وإن كان العلم ~~محيطا أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يتبعون سبيل أولئك ولا يتبعون ~~أهواءهم لما عصمهم - عز وجل - ولكن ذكر هذا - والله أعلم - ليعلم أن العصمة ~~لا تزيل النهي والأمر بل تزيد حظرا ونهيا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ~~وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) ~~فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (93) # وقوله - عز وجل -: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده): ~~هذا ظاهر. # وفي قوله: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه ~~أضاف إلى نفسه أنه جاوز بهم، وبنو إسرائيل هم الذين تجاوزوا، دل ذلك أنه ~~خالق فعلهم. # وأما قوله: (حتى إذا أدركه الغرق) أي: حتى إذا غرق؛ لأنه ذكر في بعض ~~القصة أن فرعون لما انتهى إلى ساحل ms2117 البحر، فرأى البحر منفرجا طرقا، فقال: ~~إنما انفرج البحر لي، فلما دخل غرق فعند ذلك قال غريقا: (آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) ثم إيمانه لم يقبل في ذلك ~~الوقت لوجهين: # أحدهما: لما يحتمل أن يكون إيمانه عند رؤية البأس وخوف الهلاك، فهو إيمان ~~دفع البأس لا إيمان حقيقة، وهو على ما أخبر عن إيمان الكفرة في الآخرة لما ~~عاينوا العذاب؛ # PageV06P080 # كقولهم: (ربنا أخرنا إلى أجل قريب)؛ وكقوله تعالى: (رب ارجعون (99) لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت)، وكقولهم: (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، وأمثاله ~~(ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)؛ فما عاينوا هم من العذاب أكبر وأشد مما ~~عاين فرعون، ثم أخبر أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما كانوا يعملون لكنهم قالوا ~~ذلك قول دفع، فعلى ذلك إيمان فرعون إيمان دفع البأس عن نفسه لا إيمان حقيقة ~~واختيار. # والثاني: أن الإيمان والإسلام هو تسليم النفس إلى الله، فإذا آمن في وقت ~~خرجت نفسه من يده لم يصر مسلما نفسه إلى الله؛ إذ نفسه ليست في يده ولذلك ~~لم يقبل الإيمان في ذلك الوقت وقت الإشراف على الهلاك. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن الإيمان بالله لا يكون إلا بالاستدلال بالشاهد ~~على الغائب، ولا يمكن الاستدلال بالشاهد على الغائب في ذلك الوقت؛ إذ لا ~~يكون ذلك إلا بالنظر والتفكر وفي ذلك الوقت لا يمكن النظر والتفكر؛ لذلك لم ~~يكن إيمان حقيقة، والله أعلم. # وأما قوله: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس ~~عن آياتنا لغافلون (92) قيل فيه بوجوه: # قيل: قوله: (ننجيك) من النجوة، أي: نلقيك على النجوة وهو مكان الارتفاع ~~والإشراف؛ ليراه كل أحد أنه هلك ليظهر لهم أنه لم يكن إلها على ما ادعى ~~لعنه الله، وأما سائر أبدان قومه لم تلق على النجوة ولكن بقيت في البحر. # والثاني: قيل: (ننجيك) أي: نخرجك من البحر ولا نتركك فيه لتكون لمن خلفك ~~آية. # والثالث: ننجيك ببدنك ولا نتبع بدنك روحك؛ لأنه ms2118 ذكر في القصة أنهم لما ~~غرقوا هم وأغرق، أخذ إلى النار؛ كقوله: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا) ~~أخبر أنه لم يهو جسده بروحه إلى النار، ولكن أخرج بدنه وهوت روحه إلى النار ~~مع سائر قومه - والله أعلم - ليرى جسده ويظهر كذبه ولا يشتبه أمره عليهم. # PageV06P081 # وقوله - عز وجل -: (لتكون لمن خلفك آية) يحتمل وجهين: # يحتمل ليكون هلاكك آية، فلا يدعى أحد الربوبية والألوهية مثل ما ادعى هو، ~~أو يقول: (لتكون لمن خلفك آية) أي: من شاهدك كذلك غريقا ملقى كان آية له. # وقوله - عز وجل -: (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون): قال بعض أهل ~~التأويل: يعني أهل مكة عن آياتنا لغافلون عن هلاك فرعون وقومه لما قالوا: ~~(ما هذا إلا إفك مفترى)، و (ما هذا إلا سحر)، يقول: هم غافلون عما أصاب ~~أولئك؛ إذ مثل هذا لا يفترى، أعني: هذه القصص. # ويحتمل (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)، أي: كثير منهم كانوا ~~غافلين عما أصابهم، والغفلة تكون على وجهين: # أحدهما: غفلة إعراض وعناد بعد العلم به ومعرفة أن ذلك حق. # والثاني: يغفل بترك النظر والتفكر؛ فكلا الوجهين مذموم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات ~~فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (93) قال عامة أهل التأويل: بوأنا أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق. ~~وقال بعضهم: (بوأنا): هيئنا لبنى إسرائيل، (مبوأ صدق): مهيأ صدق حسنا؛ ~~كقوله: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال. . .) الآية، أي: ~~ثهيئ للمؤمنين. # وقال بعضهم: قوله: (بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) أي: مكناهم تمكين صدق؛ ~~وهو كقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين (5). # ونمكن لهم في الأرض. . .) الآية، يحتمل ما ذكر من التبوئة التمكين الذي ~~ذكر في هذه الآية وقوله (مبوأ صدق) قال بعضهم: منزل صدق، أي: كريم وقال: ~~منزل صدق أي حسن. ويحتمل وجهين آخرين: # أحدهما: أنه وعد لهم أن يمكن لهم في الأرض فأنجز ms2119 ذلك الوعد، فهو مبوأ صدق ~~أي تمكين صدق، حيث أنجز ذلك الوعد وصدق الوعد ما ذكر (وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون) الآية. # والثاني: (مبوأ صدق) أي: مبوأ أهل صدق لأن الشام كان لم يزل منزل أهل ~~صدق، # PageV06P082 # وعلى هذا يخرج قوله: (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق. . .) الآية. # أي: أخرجني مخرج أهل صدق وأدخلني مدخل أهل صدق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورزقناهم من الطيبات) قال أهل التأويل: يعني المن ~~والسلوى، ولكن الطيبات هي التي طابت بها الأنفس مما حل بالشرع مما لا تبعة ~~على أربابها مما لم يعص فيها. # وقوله - عز وجل -: (فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) أي: فما اختلفوا في ~~الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه حق. # وقيل: فما اختلفوا في محمد في أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~أنه رسول الله وقيل: فما اختلفوا في القرآن والأديان التي أنزلها على رسوله ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم، أنه منزل من عند الله. ويحتمل قوله: (فما ~~اختلفوا) في موسى أنه رسول الله إلا من بعد ما جاءهم العلم أنه رسول الله. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون. . .) الآية: ظاهرة من الوجوه التي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك يقضي بينهم) يحتمل وجهين: # أحدهما: الجزاء والثواب، والثاني: في تبيين المحق من المبطل. # * * * # قوله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من ~~الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) # وقوله - عز وجل -: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب): اختلف فيه؛ قال بعضهم: الخطاب به لرسول الله والمراد منه غيره. ~~وقال بعضهم: الخطاب به المراد به جميعا غيره. وقال بعضهم، الخطاب به ~~والمراد به رسول الله ما كنت في شك مما أخبرتهم وأنبأتهم، فمن قال: الخطاب ~~لرسول الله والمراد به غيره، وهو ما ظهر في ms2120 الناس أنهم يخاطبون من هو أعظم ~~منزلة عندهم وقدرا ويريدون به غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك ~~فيما أنزل إليه قط أو يرتاب؛ كقوله: (إما يبلغن # PageV06P083 # عندك الكبر أحدهما أو كلاهما. . .) الآية، ومعلوم أنه في وقت ما خوطب به ~~لم يكن أبواه أحياء دل أنه أراد به غيره؛ فعلى ذلك الأول. # ومن قال: الخطاب والمراد به من غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: إن الوفود من الكفرة كانوا يتقدمون رسول الله فيسألونه شيئا فشيئا ~~فيخاطب الذي يتقدم، وكان يحضره الوحدان والجماعة يقول: (فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب). # وقوله: (وأنزلنا إليك) على هذا التأويل هو منزل إليه؛ إذ كل منزل على ~~رسول الله منزل عليه وإليه وإلى كل أحد كقوله: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم) أمرهم باتباع ما أنزل إليهم دل أن كل منزل على رسول الله منزل عليهم. # ومن قال: الخطاب والمراد به رسول الله قال لما لا يحتمل أن يكون رسول ~~الله يشك في شيء مما أنزل إليه، ولكنه يريد به التقرير عنده لقول الكفار إن ~~الذي يلقي على محمد شيطان فيريد به التقرير عنده، أو يخاطب به كل شاك؛ ~~كقوله: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي)، هو يخاطب إنسانا ~~واحدا، ولكن المراد به كل إنسان مغرور وكل كافر، وذلك جائز في القرآن كثير ~~أن يخاطب به كلا في نفسه. # ومن قال: خاطب به رسوله وأراد هو -أيضا- وهو كان في الابتداء على غير ~~يقين أنه يوحى إليه أو لا؛ كقوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب)، وقوله: ~~(ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)، فقال: (فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب) الأنباء التي أخبرتهم وأنبأتهم وادعيت ~~أنها أوحيت إليك ليخبروك على ما أخبرتهم. # وقوله: (فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) قال بعضهم: فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب يعني من آمن منهم. # وقال بعضهم: سل أهل الكتاب منهم يخبرونك؛ لأنه مكتوب ms2121 عندهم؛ كقوله: قوله ~~تعالى: (يجدونه مكتوبا عندهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (لقد جاءك الحق من ربك) قيل: الحق القرآن جاء من ربك، ~~وقيل: جاء البيان أنه من عند الله. # PageV06P084 # وقوله: (فلا تكونن من الممترين): الشاكين. # (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) هو ما ~~ذكرنا أنه يريد بالخطاب غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يكون من الشاكين، أو يكون من الذين يكذبون بآيات الله، أو يكون ~~من الخاسرين. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل ~~آية حتى يروا العذاب الأليم (97) فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا ~~قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى ~~حين (98) ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على ~~الذين لا يعقلون (100) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون). # قوله: (حقت عليهم كلمت ربك) هو قوله - عز وجل -: (لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين)، هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمه ~~ربك لأملأن جهنم، أو (حقت عليهم كلمت ربك) ما ذكر في آية أخرى: (أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب. . .) الآية، أو كلمة ربك ما ذكر: (ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة). # وقوله - عز وجل -: (حقت عليهم كلمت ربك) أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من ~~كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: (من يضلل الله ~~فلا هادي له) أي: من يضلل الله فلا هادي له، وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك ~~قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين)، وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، ~~فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه ~~أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت. # وقوله - عز وجل -: (ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ms2122 (97) قيل: ~~في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا. # وقوله - عز وجل -: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ~~لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ~~أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، ~~فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا ~~يخرج # PageV06P085 # على وجوه: # أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، ~~فلم ينفعهم إيمانهم، إلا قوم يونس، فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب ~~فينفعهم. # والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس، كان نزول العذاب بهم على التخيير ~~والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم. # والثالث: إنما كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار ~~فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ~~ويشبه أن يكون قوله: (فلولا كانت قرية آمنت) بعد وقوع العذاب والبأس، ~~(فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) وفإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع ~~بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من ~~أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في ~~أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ~~وظنوا أنه واقع بهم. . .) الآية، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر ~~الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود ~~وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفا. # وقوله - عز وجل -: (لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا). # قوله: (كشفنا عنهم): بحلول العذاب بهم، (عذاب الخزي): هو العذاب الفاضح ~~وإلا الخزي هو العذاب. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) قالت المعتزلة: قوله: (ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض) مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعا فيؤمنوا وإلا ~~فقد ms2123 شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك ~~بقوله: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). # فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر ~~غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف ~~يصدق هو في الإخبار عن # PageV06P086 # المشيئة التي هي غائبة أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم. # وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي ~~خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله، ~~فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به ~~مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند الله ~~تعالى لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعا، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم ~~يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا ~~يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب ~~والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا ~~يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا ~~يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد. # وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل ~~الفعل عن المكره كان لا فعل له في الحكم. # وقوله: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) فإن قيل: أليس قال الله - ~~عز وجل -: (تقاتلونهم أو يسلمون) أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله ~~إلا الله " فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟! قيل لوجهين: # أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: (تقاتلونهم أو يسلمون)، ~~مدنية، فيحتمل قوله: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) أي: لا تكرههم ~~ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه. # والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: (تقاتلونهم أو ~~يسلمون) أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام ms2124 الإيمان، دليله ~~ما روي: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله "، والقول: بلا لا إله إلا الله على ~~غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين ~~وبالإكراه لا يكونون مؤمنين # PageV06P087 # حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، والله أعلم. # وتأويل قوله: (أفأنت تكره الناس) أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لشدة حرصه ورغبتة في إيمانهم كاد أن يكرههم على ~~الإيمان إشفاقا عليهم؛ كقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين). # وقوله - عز وجل -: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على ~~الذين لا يعقلون (100) قيل: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله، وقيل: بأمر الله ~~وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرإدته في ذلك، ولا ~~يحتمل قوله: (إلا بإذن الله) سوى المشيئة والإرادة؛ لأنه كم من مأمور ~~بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك ~~الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعلم ~~من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج ~~العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما ~~يختار لضعفه وعجز فيه. # وقوله - عز وجل -: (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) قيل: الإثم على ~~الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون ~~عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم. # وقال بعضهم: في قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) أي: لم تكن ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس. # وقال بعضهم: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم ~~آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله تعالى ~~يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه ~~يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ms2125 ~~ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) قيل: وما كان ~~لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا ~~تؤمن إنما يؤمن # PageV06P088 # من في علم الله أنه يؤمن، وأما من في علم الله أنه لا يؤمن فلا يؤمن. # وقيل: (وما كان لنفس) أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله، أي: إذا آمنت ~~إنما تؤمن بمشيئة الله ما يفعل إنما يفعل بمشيئة الله؛ كقوله: (رما لتثآءون ~~إلا أن يشآء الله). # وقال بعضهم: قوله: (إلا بإذن الله) أي: بأمر الله، فمعناه إذا آمنت إنما ~~تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، والله أعلم. # وقوله: (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء ~~الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين (103) # وقوله - عز وجل -: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) تأويله - والله ~~أعلم - أي: انظروا إلى آثار نعمه وإحسانه التي في السماوات والأرض لكي ~~تشكروه أو يقول: انظروا إلى آثار ربوبيته وألوهيته في السماوات والأرض، ~~فتوحدوه وتؤمنوا به أو يقول: انظروا إلى آثار سلطانه وقدرته فتخافوا نقمته ~~وعقابه، أو انظروا إلى أجناس الخلق واتساقه على تقدير واحد ليدلكم على ~~وحدانيته ونحو ذلك، ليس شيء في السماوات والأرض يقع عليه البصر إلا وفيه ~~دلالة الربوبية حتى طرفة العين ولحظه البصر. # وقوله: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) يحتمل وجوها: يحتمل ~~وما تغني الآيات والنذر عن قوم، همتهم المكابرة والمعاندة، إنما تغني ~~الآيات من همته القبول والانقياد، وأما من همته المكابرة والعناد فلا تغني؛ ~~وهو كقوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ms2126 الموتى. . .) الآية. # ويحتمل وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في الدنيا، إنما تنفع ~~وتغني لقوم يؤمنون، فأما من لا يؤمن فلا تغني. # والثالث: (وما تغني الآيات والنذر) يحتمل الرسل، ويحتمل المواعيد التي ~~أوعدوا والأحوال التي تغيرت على أوائلهم، والله أعلم. # PageV06P089 # وقوله - عز وجل -: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) أي: فهل ينتظرون بي يوما من الهلاك ~~إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟! أي: إلا مثل ما انتظر الذين خلوا من ~~قبلهم برسلهم من الهلاك، فهو يخرج على التوبيخ لانتظارهم هلاك الرسل وذهاب ~~أمرهم. ويحتمل وجها آخر: فهل ينتظرون من نزول العذاب بهم إلا مثل ما انتظر ~~أولئك من نزول العذاب بهم؟! إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل. # ويحتمل قوله: فهل ينتظرون من تأخيرهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم ~~إلا مثل ما أخر الذين خلوا من قبلهم الإيمان إلى وقت نزول العذاب بهم، فهذا ~~يخرج على الإياس من إيمانهم، أي لا يؤمنون إلى ذلك الوقت الذي لا ينفعهم ~~إيمانهم. # والوجه الأول على التوبيخ والتعيير. # وقوله: (قل فانتظروا) وبي ذلك (إني معكم من المنتظرين) ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين (103) # قوله: (ننجي) أي: أنجينا الرسل والذين آمنوا؛ لأنه لم يكن بعده رسول، ~~وتأويله - والله أعلم - أنه وعده أن ينجي الرسل والذين آمنوا كذلك حقا ~~علينا أن ينجز ما وعدنا أن ينجي الرسل والذين آمنوا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ~~(104) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من ~~دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من ~~يشاء من عباده ms2127 وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم ~~بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ~~(109) # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني). # قوله: (إن كنتم في شك من ديني): الذي أدين به، أو إن كنتم في شك من ديني ~~الذي أدعوكم إليه. # (فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) أي: إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم ~~إليه كنتم # PageV06P090 # شاكين في دينكم الذي أنتم عليه، فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك، ثم ~~تدعونني إلى دينكم الذي أنتم عليه بالشك، يذكر سفههم بتركهم إجابتهم بالشك ~~ودعائهم إياه بالشك إلى دينهم لأن الشك، يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب ~~الدعاء إليه إنما يوجب الدعاء إليه بطلان غيره لا الشك، هذا - والله أعلم - ~~محتمل وهو يخرج على وجهين أيضا: أحدهما: على الإضمار، والآخر على المنابذة، ~~والإضيار ما ذكرنا: إن كنتم في شك من ديني الذي أدين به وأدعوكم إليه فإني ~~لا أشك فيه، هذا وجه الإضمار، ووجه المنابذة: يقول إن كنتم في شك مما أعبد ~~وأدين به، فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ~~ما تدينون؛ وهو كقوله: (لكم دينكم ولي دين). # وقوله - عز وجل -: (ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم): والتوفي هو النهاية ~~والغاية، في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون توفيكم ولا ~~الإضرار بكم إن لم تعبدوها، يذكر سفههم ويلزمهم الحجة أن الذي يتوفاهم هو ~~المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها. # وقوله - عز وجل -: (وأمرت أن أكون من المؤمنين): يشبه أن يكون قوله: (من ~~المؤمنين) من المرسلين؛ كقوله: (إنهما من عبادنا المؤمنين)، وقال: (إنه من ~~عبادنا المؤمنين)، فعلى ذلك هذا. # ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهي أن يكون من المشركين أو الشاكين؛ فعلى ~~ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms2128 -: (وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ~~(105) أي: أمرت أن أقيم نفسي لله خالصة سالمة لا أشرك فيها غيره ولا أجعل ~~لسواه فيها نصيبا، أو أن يقول: إني أمرت أن أقيم نفسي على ما عليها شهادة ~~خلقتها؛ إذ خلقة كل نفس تشهد على وحدانية الله وألوهيته، أو يقول: أقم وجه ~~أمرك لما تدين به وتقيم عليه. # (ولا تكونن من المشركين): هذا ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ... (106) إن أطعته ~~وأجبته، (ولا يضرك): إن تركت إجابته وطاعته. # PageV06P091 # وقوله: (ولا تدع من دون الله) يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر ~~المنفعة. # ويحتمل الدعاء نفسه، أي: لا تدعوا من دون الله إلها. # وقوله - عز وجل -: (فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين): ذكر هاهنا الظلم إن ~~فعل ما ذكر والمراد منه الشرك، وذكر في قصة آدم وحواء: (ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين)، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة؛ ~~ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون ~~الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب؛ لذلك كان ما ذكروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107): فيه ~~الرجاء والطمع إلى من دونه؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره. # وقوله - عز وجل -: (وإن يردك بخير فلا راد لفضله): أخبر أنه إن أراد خيرا ~~وفضلا فلا راد لذلك الفضل، والخير، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها، فإذا ~~أراده لإنسان، كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده؛ دل أنه إذا أراد ~~الإيمان لأحد كان مؤمنا، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا: إنه أراد ~~الإيمان للخلق كلهم. لكنهم لم يؤمنوا؛ إذ أخبر أنه إذا اراد به خيرا فلا ~~راد لذلك الفضل، وهم يقولون: بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه، ms2129 وبالله ~~العصمة. # وفيه أن ليس على الله فعل لهم - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا، والفضل ~~هو فعل ما ليسر عليه، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه ~~فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يصيب به من يشاء من عباده): يصيب به من يشاء من الفضل ~~والخير أو من الشر، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال: (يصيب به من ~~يشاء من عباده). # (وهو الغفور الرحيم): لا يعجل بالعفوبة. # وقوله - عز وجل -: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) قيل: ~~الحق محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل: الحق: القرآن الذي أنزل عليه، ~~وأمكن أن يكون الحق هو الدين الذي كان # PageV06P092 # يدعوهم رسول الله إليه؛ لأنه قال: (يا أيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني)، فيشبه أن يكون الحق هو الدين الذي شكوا فيه، أي: قد جاءكم ما يزيل ~~عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين. # ويحتمل الحق محمدا - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكره بعض أهل التأويل ~~وكان رسول الله في أول نشوئه إلى آخره آية. # ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر. (لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) سماه بأسماء مختلفة سماه حقا ~~وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه ~~وتمسك به. # وقوله - عز وجل -: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) ~~أي: من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ~~ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه، أي: ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة ~~تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم. # وقوله - عز وجل -: (وما أنا عليكم بوكيل) أي: بمسلط. قال بعض أهل ~~التأويل: هو منسوخ، نسخته ms2130 آية القتال، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا ~~بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط على حفظ أعمالهم، إنما عليه التبليغ؛ ~~كقوله: (إن عليك إلا البلاغ) وكقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ~~ما حملتم)؛ وكقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين (109) يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن. # وقوله - عز وجل -: (واصبر حتى يحكم الله) أي: اصبر على أذاهم لأنهم كانوا ~~يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به، يقول: اصبر على أذاهم ولا تعجل عليهم ~~بالعقوبة حتى يحكم الله عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين، أو ~~اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم الله بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين، ~~أو اصبر على تبيلغ الرسالة والقيام لما أمرت به، والله أعلم. # * * * # PageV06P093 ### | سورة هود - # عليه السلام - # بسم الله الرحمن الرحيم # (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) # قوله - عز وجل -: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت): # قال الحسن: (أحكمت آياته) بالأمر والنهي، (ثم فصلت) بالوعد والوعيد. # وقال بعضهم: (أحكمت آياته) بالوعد والوعيد، (ثم فصلت) بالأمر والنهي. # وقال بعضهم: (أحكمت آياته) حتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من ~~خلفها، ولا يملك أحد التبديل، (ثم فصلت) بينت ما يؤتى وما يتقى، أو بينت ما ~~لهم وما عليهم وما لله عليهم. # وقال بعضهم: (أحكمت آياته) فلم تنسخ، (ثم فصلت) بالحلال والحرام. وقيل: ~~(فصلت) أي: فرقت في الإنزال أنزل شيء بعد شيء على قدر النوازل والأسباب فلم ~~ينزل جملة؛ لأنه لو أنزل جملة لاحتاجوا إلى أن يعرفوا الكل بسببه وشأنه ~~وخصوصه وعمومه، فإذا أنزل متفرقا في أوقات مختلفة على النوازل والأسباب ms2131 ~~عرفوا ذلك على غير إعلام ولا بيان، والتفصيل هو اسم التفريق واسم التبيين، ~~وذلك يحتمل المعنيين جميعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أحكمت آياته): أي: أحكمت حتى لا يرد عليها النقض # PageV06P094 # والانتقاض، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير، أو أحكمت عن أن ~~يقع فيها الاختلاف. # وقال بعضهم: أحكمت آياته بالفرائض، وفصلت بالثواب والعقاب. # ثم (الآيات) تحتمل وجوها: # أحدها: العبر. # والثاني: الحجج. # والثالث: العلامة. # ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي عبرة أو حجة، أو علامة لا تخلو عن ~~أحد هذه الوجوه الثلاثة. # وقوله - عز وجل -: (من لدن حكيم خبير): من عند حكيم عليم جاءت هذه ~~الآيات. # وقوله - عز وجل -: (ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) أي: ~~من الله ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف. # وقوله: (ألا تعبدوا إلا الله) في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل ~~(ألا تعبدوا) ألا توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته. # وقوله - عز وجل -: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ~~إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير ~~(3) إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله: (استغفروا ربكم) أي: أسلموا ثم ~~توبوا إليه، أي: ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها، وإن كان في ~~المسلمين فهو ظاهر، فيكون قوله: استغفروا وتوبوا واحدا. # وقوله - عز وجل -: (يمتعكم متاعا حسنا) أي: يمتعكم في الدنيا متاعا ~~تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع، وأما الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ~~ما متعوا في الدنيا؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا، والمؤمن ما يتمتع في ~~الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها، # PageV06P095 # والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويؤت كل ذي فضل فضله): يحتمل قوله: (ويؤت كل ذي فضل) ~~في الدنيا جزاء فضله في الآخرة. # ويحتمل (ويؤت) بمعنى أتى، أي: ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه ~~بفضله. # وقوله: (ويؤت كل ذي فضل فضله) أي: ويؤت كل ms2132 ذي فضل في دينه في الدنيا فضله ~~في الآخرة، أو يقول: يؤت كل ذي فضل في الدنيا والآخرة فضله؛ لأن أهل الفضل ~~في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة. # (وإن تولوا): ولم يسلموا، (فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) الآية ظاهرة. # وقال بعضهم في موضع آخر، وهذا لما يكبر على الخلق ويعظم ذلك اليوم. # وقال بعض أهل الفقه: في قوله: (الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) دلالة ~~تأخير البيان؛ لأنه قال: (أحكمت آياته ثم فصلت)، وحرف ثم من حروف الترتيب، ~~ففيه جواز تأخير البيان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) أي: إلى ما ~~أعد لكم مرجعكم من وعد ووعيد. # (وهو على كل شيء قدير) أي: وهو على كل ما أوعد ووعد، قدير. # * * * # قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # وقوله - عز وجل -: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه): عن عبد الله بن ~~شداد قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي تغشى بثوبه وحنى صدره. # PageV06P096 # وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله وذكره. # وقال بعضهم: نزلت الآية في رجل يقال له: الأخنس بن شريق الثقفي، كان ~~يجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر ~~حسن الحديث، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه حديثه ويقر به مجلسه، ~~وكان يضمر خلاف ما يظهر، فأنزل الله: (ألا إنهم يثنون صدورهم) يقول: يكتمون ~~ما في صدورهم ويستترون؛ وهو قول ابن عباس. # وأصل تثنية الصدور هو أن يضم أحد طرفي الصدر إلى الطرف الآخر ليكون ما ~~أضمروا أستر وأخفى. # ويشبه ما ذكر من ثني الصدور أن يكون كناية عن ضيق الصدور؛ كقوله: (ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا)، أو عبارة عن الكبر؛ كقوله: (ثاني عطفه ~~ليضل عن سبيل الله. . .) الآية، وكان أصله الميل إلى غيره، وهو ما قال أبو ~~عوسجة: (يثنون صدورهم) أي: يميلون إلى غيره؛ ms2133 وكذلك قوله: (ثاني عطفه). # وقوله: (ليستخفوا منه) قال بعضهم: من الله، وقال بعضهم: منه أي من رسول ~~الله، لكن إن كانت الآية في المنافقين على ما ذكره بعض أهل التأويل، فهو ~~الاستسرار والاستتار من رسول الله؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة ويضمرون ~~الخلاف له والعداوة، وإن كانت الآية في المشركين فهو على الاستسرار ~~والاستتار من الله؛ لأنهم لا يبالون الخلاف لرسول الله وإظهار العداوة له، ~~وعندهم أن الله لا يطلع على ما يسرون ويضمرون في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما ~~أسروا وما أعلنوا، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~لأنهم كانوا يسرون ذلك عنه ويضمرونه، فأخبرهم بذلك ليعلم إنما علم ذلك ~~بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ألا حين يستغشون ثيابهم) أي: يستترون بها. قال الحسن: ~~(ألا حين يستغشون ثيابهم) في ظلمة الليل وفي أجواف بيوتهم يعلم تلك الساعة ~~ما يسرون # PageV06P097 # وما يعلنون، وأصله أنهم يعلمون أن الله هو الذي أنشأ هذه الصدور والقلوب، ~~والثياب هم الذين نسجوها واكتسبوها، ثم لا يملكون الاستتار بما كسبوا هم ~~[فلئلا] يملكوا الاستتار، بما تولى هو إنشاءه أحق. # وقوله: (ألا حين يستغشون) ألا إنما هو تأكيد الكلام، وهو قول أبي عبيدة ~~وغيره. # وقوله - عز وجل -: (إنه عليم بذات الصدور): قال أهل التأويل عليم بما في ~~الصدور ولكن يشبه أن قوله: (عليم بذات الصدور) عبارة عن صدور لها تدبير ~~وتمييز وهو البشر. # * * * # قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب ~~إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزءون (8) # وقوله - عز وجل -: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها): قال ~~بعضهم: عنى بالدابة الممتحن به وهو البشر، وأما ms2134 غيره من الدواب فقد سخرها ~~للمتحن به. # وقال قائلون: أراد كل دابة تدب على وجه الأرض من الممتحن به وغيره ~~وتمامه: ما من دابة في الأرض، جعل قوامها وحياتها بالرزق إلا على الله ~~إنشاء ذلك الرزق لها، ثم من الرزق ما جعله بسبب، ومنه ما جعله بغير سبب. # وقوله - عز وجل -: (إلا على الله رزقها): اختلف فيه أيضا: # قال بعضهم: قوله: (على الله رزقها)، أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها ~~الذي به قوامها وحياتها؛ وهو كقوله: (وفي السماء رزقكم) أي: ينشئ ويخلق ~~رزقنا بسبب من السماء من المطر وغيره؛ فعلى ذلك قوله: (على الله رزقها) أي: ~~على الله إنشاء رزقها وخلقه لها. # وقيل: (على الله رزقها) أي: على الله أن يبلغ إليها رزقها وما قدر لها ~~وما به معاشها كقوله: (وقدر فيها أقواتها. . .) الآية. عليه تبليغ رزقها ~~وما به معاشها. # PageV06P098 # ثم قوله: (على الله رزقها): قال بعضهم: ما جاءها من الرزق إنما جاءها من ~~الله لم يأتها من غيره وعلى الله بمعنى من الله وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ~~(إذا اكتالوا على الناس) أي: من الناس؛ وهو قول مجاهد. ويحتمل قوله: (على ~~الله رزقها) أي: على الله وفاء ما وعد، وقد كان وعد أن يرزقها، فعليه وفاء ~~وعده وإنجازه. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنه علم لما خلقها علم أنه يبقيها إلى وقت عليه ~~تبليغ ما به تعيش إلى ذلك الوقت والأجل الذي خلقها ليبقيها إلى ذلك؛ وبعضه ~~قريب من بعض. # وقوله - عز وجل -: (ويعلم مستقرها ومستودعها): اختلف فيه: # قال بعضهم: مستقرها بالليل، ومستودعها بالنهار في معاشها. # وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب. # وقال بعضهم: المستقر: الصلب، والمستودع: الرحم. # وقال بعضهم: المستقر: المتقلب في الدنيا، والمستودع: مثواها في الآخرة؛ ~~كقوله: (والله يعلم متقلبكم) في الدنيا وتحرككم في معاشكم (ومثواكم) أي: ~~قراركم ومقامكم في الآخرة. # وقال بعضهم: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر. # ويشبه أن يكون هذا إخبارا عن العلم بها في كل حال في حال سكونها وفي حال ~~حركتها؛ لأنها ms2135 لا تخلو إما أن تكون ساكنة أو متحركة، أي: يعلم عنها كل ~~حالها ويشبه أن يكون صلة ما تقدم وهو قوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه. . .) الآية. يخبر أنه إذا لم يخف عليه كون كل دابة في بطن ~~الأرض، وما تغيض به الأرحام وما استودع في الأصلاب، كيف يخفى عليه أعمالهم ~~التي عليها العقاب ولكم بها الثواب وفيها الأمر والنهي؟! والله أعلم. # PageV06P099 # و (كل في كتاب مبين) أي: مبين في كتابه. قيل: في اللوح المحفوظ، ويحتمل ~~القرآن وغيره. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) # وقال في موضع آخر: (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)، وقال ~~في موضع آخر: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين)، وقال: (فقضاهن ~~سبع سماوات في يومين)، وقال: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام). # يجوز أن يكون جعل للأرض يومين: يوما لوجودها ويوما لعدمها، وكذلك السماء ~~جعل يوما لوجودها ويوما لعدمها؛ كقوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض. . .) ~~الآية. وكقوله: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)، (ويوم تشقق السماء ~~بالغمام). وكذلك ما بينهما جعل يوما لوجوده ويوما لعدمه، فيكون يوم السابع ~~يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان: يوم لوجوده، ويوم لعدمه، وقد ذكرنا شيئا ~~في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف. # وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا تحت الأوقات بقوله: (في ~~ستة أيام)، إذ الأيام عند الناس إنما هي مضي الأوقات، فإذا دخلتا تحت ~~الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتان - كانا ~~كذلك، والله أعلم، وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن ~~فيه، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء، أعني من البشر، وقوله: # (وكان عرشه على الماء) إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض ~~أهل التأويل، فتأويله - والله أعلم - كان ms2136 أظهر ملكه عن الماء " على " بمعنى ~~" عن " # PageV06P100 # وذلك جائز في اللغة؛ لأن بالماء ظهور كل شيء وبدأه؛ كقوله: (وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي)، وإن كان العرش اسم السرير والكرسي على ما قاله بعض ~~الناس، فهو عرش الملك وسريره خلقه ليكرم به أولياءه؛ ليمتحن ملائكته بحمله ~~والخدمة له على ما يكون لملوك الأرض سرير يستخدمون خدمهم في ذلك، وهو خلق ~~من خلائقه أضافه إليه كما تضاف الأشياء إلى الله، لكنه يضاف الأشياء إليه ~~مرة بالإجمال مرة جملة ومرة بالإشارة والإفراد، لكن ما أضاف إليه بالإشارة ~~فهو على تعظيم ذلك الشيء، وما أضيف إليه من الأشياء بالإجمال والإرسال فهو ~~على ذكر عظمته وكبريائه، كقوله: (له ملك السماوات والأرض)، (خلق السماوات ~~والأرض)، ونحوه فيه ذكر سلطانه وعظمته، وقوله: بيت الله (وأن المساجد لله) ~~ونحوه، وهو يخرج على ذكر تعظيم البيت والمساجد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي: خلق السماوات والأرض وما ~~فيهما للممتحن لم يخلق هذه الأشياء لأنفسها إنما خلقها للممتحن فيهما؛ ~~كقوله: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)؛ لأن خلقها ~~لأنفسها عبث؛ لأنها مخلوقة للفناء خاصة، فكل مخلوق للفناء خاصة فهو عبث؛ ~~لذلك كان ما ذكر والله أعلم. وقوله تعالى: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين). # وقوله: (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت): هذا القول نفسه: (إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت) ليس يقولون هذا سحر، ولكن إذا أخبرهم أنهم مبعوثون ~~من بعد الموت، وأقام الحجج والبراهين على البعث فحينئذ قالوا لحجج البعث ~~وبراهينه: ما هذا إلاسحر. # ويحتمل وجها: وهو أن يذكر سفههم أنهم اعتادوا نسبة كل شيء إلى السحر، حتى ~~الأشياء التي لا تحتمل السحر وهو الإخبار؛ لأن السحر إنما يكون في تقليب ~~الأشياء، وأما فيما يخبر عن شيء يكون فلا. # وقوله - عز وجل -: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما ~~يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما ms2137 كانوا به يستهزءون (8) ~~قيل: إلى وقت # PageV06P101 # معلوم وهو البعث، ذكر (أمة) - والله أعلم - لأنه وقت أبه ينقضي، آجال ~~الأمم جميعا. # قوله تعالى: (ليقولن ما يحبسه) أي: كانوا يقولون: ما يحبس عنا العذاب ~~الذي يعدنا لم تزل عادتهم استعجال العذاب استهزاء بهم. # وقوله - عز وجل -: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم): ذلك العذاب؛ إذا ~~جاء لا يملك أحد صرفه عنهم؛ كقوله: (ما لهم من ولي ولا نصير)، وقوله: (وما ~~لهم من الله من واق)، ونحوه. # وقوله: (وحاق بهم): قيل: نزل بهم، وقيل: لحق بهم ما كانوا به يستهزئون ~~جزاء استهزائهم بالرسول والكتاب. # وقوله: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) أي: لا يصرف عنهم بشفاعة من ~~طمعوا بشفاعته؛ كقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا). أي: لا ~~يكون ردا على ما طمعوا ورجوا لعبادتهم. # وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون)، ونحو ذلك؛ لأنهم كانوا ~~يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم. # * * * # قوله تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ~~(9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # وقوله - عز وجل -: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة) قيل: سعة في المال ~~ونعمة. # (ثم نزعناها منه إنه ليئوس) إياسه ذهاب ذلك المال عنه ونزعه منه عن العود ~~ذلك إليه ويقنطه، والإياس قد يكون كفرا؛ كقوله: (إنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم # PageV06P102 # الكافرون). # ويحتمل قوله: (إنه ليئوس كفور) في حال ذهاب النعمة، والكفور في حال ~~النعمة والسعة، كفور لما رأى نزع ذلك المال والسعة منه جورا وظلما فهو ~~كفور. # وعن ابن عباس قال: (ولئن أذقنا الإنسان) يعني الكافر، (منا رحمة) يقول: ~~نعمة العافية وسعة في المال وما يسر به، (ثم نزعناها منه) يعني الرحمة (إنه ~~ليئوس) ويعني قنوط آيس وأقنطه من رحمة الله؛ وهو كقوله: (وإذا أذقنا الناس ~~رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون). # (ولئن ms2138 أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) الفرح هو الرضا؛ كقوله: (وفرحوا بالحياة الدنيا) أي: رضوا بها. # وقيل الفرح: البطر يبطر في حال السعة والرخاء؛ كقوله: (إن الله لا يحب ~~الفرحين) والفرح فد يبلغ كفرا، ويكون الفرح سرورا ولا يكون كفرا. # فخور: يفتخر على الفقراء بالمال الذي أعطي، أو يفتخر على الأنبياء والرسل ~~بالتكذيب، وكذلك كان عادة رؤسائهم أنهم كانوا ذوي مال وسعة، فلا بد يرون ~~الرسالة تكون فيمن دونهم في المال والسعة؛ كقولهم: (لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم)؛ وكقولهم: (نحن أكثر أموالا وأولادا)، ونحوه. # ويحتمل قوله: (ليئوس) في حال الشدة، كفور لله في نعمه في الرخاء وأصل ~~ذلك، أنهم كانوا لا ينظرون في النعم إلى من أنعم عليهم، إنما ينظرون إلى ~~أعين النعم وأنفسها؛ لذلك حملهم نزع ما أعطوا منهم على الإياس والقنوط، ~~وإعطاؤها إياهم على الكفران والفرح والفخر، ولو نظروا في تلك النعم إلى ~~المنعم لم يقع لهم إياس عند النزع، ولا الكفران والفرح عند النيل، بل ~~يصبرون عند النزع من أيديهم ويشكرون للمنعم عليهم في حال النيل. # ثم استثنى فقال: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات (11) قال بعض أهل ~~التأويل: إلا الذين صبروا على البلايا والشدائد وعملوا الصالحات يعني: ~~الطاعات ويشبه أن يكون # PageV06P103 # قوله:، (إلا الذين صبروا) أي: آمنوا على ما ذكر في غير واحد من الآيات: ~~(إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)؛ كقوله: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر ~~(2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، ويكون قوله: (إلا الذين صبروا) وعن ~~المعاصي فلم يرتكبوها، (وعملوا الصالحات) أي: الطاعات والإيمان نفسه هو ~~اعتقاد الانتهاء عن المعاصي كلها، والاتقاء عن جميع ما يدخل نقصا فيها ~~وإتيان الطاعات جميعا، وهكذا يعتقد كل مؤمن أن يتقي وينتهي كل معصية، ويأتي ~~بكل طاعة ويعمل بها، هذا اعتقاد كل مؤمن وحقيقة الوفاء بذلك كله. # وقوله - عز وجل -: (أولئك لهم مغفرة وأجر كبير): يشبه أن يكون قوله: (لهم ~~مغفرة) لما ارتكبوا على الصغائر من الذنوب، وانتهوا عن الكبائر ms2139 منها، (وأجر ~~كبير) على ما أتوا وعملوا من الكبائر من الطاعات. # ويحتمل قوله (لهم مغفرة) الستر في الدنيا ستر عليهم تلك الذنوب في الدنيا ~~فلم يطلع عليها الخلق (وأجر كبير) بما أظهر منهم ما كان من الطاعات ~~والخيرات حتى نظر الناس إليهم بعين تعظيم بما ظهر منهم من الخيرات وخفي ~~عليهم ما ارتكبوا من المعاصي. # هذا التأويل يكون في الدنيا، والأول في الآخرة. # * * * # قوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ~~وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) # وقوله: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك)، وإن كان معلوما أنه لا يترك؛ ~~كقوله: (ولا تكونن من المشركين)، (فلا تكونن من الممترين)، وأمثاله، نهاه ~~وإن كان معلوما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل ذلك، وإنما ~~احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك. # والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: (لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا)، يقال: حرف " كاد " عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه ~~في # PageV06P104 # إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر ~~العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها. وكذلك يخرج قوله: (لعلك باخع ~~نفسك) على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقا على أنفسهم ~~ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه. # والثاني: على التخفيف؛ كقوله: (ولا تحزن عليهم. . .) الآية، وقوله: (ولا ~~تخافي ولا تحزني)، هو على التخفيف ليس على النهي. # وفي قوله: (فلعلك تارك. . .) الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة ~~له بما، كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له ~~فيه تأخير في إبلاغ ms2140 ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه. # والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن ~~الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله ~~كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير ~~التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و (بعض ما ~~يوحى إليك) يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه. # وقوله - عز وجل (وضائق به صدرك): يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك ~~الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه ~~من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك): لأن للكنز ~~والملك محلا في قلوب أولئك وقدرا فقالوا: لولا أنزل عليه كنز فيعظموه فيصدق ~~على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه. # وقوله: (إنما أنت نذير) أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك ~~أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على الله ~~تعالى وأماني، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله: (إن عليك إلا البلاغ). # (والله على كل شيء وكيل) أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو ~~الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله: (لست عليهم بمصيطر)، وقوله: (وما أنت عليهم ~~بوكيل)، ونحوه، والله أعلم. # PageV06P105 # وقوله - عز وجل -: (أم يقولون افتراه) أي: قالوا: إنه افتراه، أي: محمد ~~افترى هذا القرآن من عند نفسه. # (قل): يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون، (فأتوا): أنتم، (بعشر سور ~~مثله مفتريات): لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم ~~الكذب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود ~~نفسه الافتراء والكذب أقدر عليه ممن لم يعرف به قط، فأتوا بعشر ms2141 سور مثله ~~وادعوا أيضا شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على ~~إتيان مثله، (إن كنتم صادقين) وإنه افتراه من عنده. # أو يقول: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) أي أن محمدا قد جاء بسور فيها ~~أنباء ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من ~~جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ~~ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا ~~من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه. # أو يقول: إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله ~~من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضا من لسانه ~~مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)، وقال في موضع آخر: ~~(فأتوا بسورة من مثله). # قال بعضهم: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله: (فأتوا بسورة من ~~مثله) دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: ~~(فأتوا # PageV06P106 # بسورة من مثله). # وقوله: (بعشر سور مثله مفتريات) فإن قيل: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات؟ ~~قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم ~~لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن ~~لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم ~~أولئك على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا أنه إنما أنزل بعلم الله وبأمره ~~أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لا إله إلا الله لا ~~ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان. # والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يقدروا على مثله، فاعلموا ms2142 أنتم أنه إنما أنزل بعلم الله ومن عنده نزل ~~على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله: ~~(فاعلموا أنما أنزل بعلم الله)، على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم ~~فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (فهل أنتم مسلمون): خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل ~~الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من ~~الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون (17) # وقوله - عز وجل -: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. . .) الآية اختلف ~~فيه: # قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق ~~يقول: (نوف إليهم أعمالهم فيها) من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم ~~في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي ~~عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما # PageV06P107 # كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، ~~وإلى هذا يذهب ابن عباس. # وروي في بعض الأخبار أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - سئل: ما بال ~~العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشر يهون عليه ~~الموت؟! فقال: " المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله ~~في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت ~~يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة " أو كلام نحوه. # وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: ~~التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر ~~صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص ms2143 منها ~~شيثا فهو ما وسع عليهم الدنيا. # وجائز أن يكون قوله: (نوف إليهم أعمالهم) أي: نرد إليهم أعمالهم التي ~~عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد. # وقوله - عز وجل -: (وهم فيها لا يبخسون) أي: لا ينقصون ما قدر لهم من ~~الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله. # وقوله: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون (16) على هذا التأويل أظاهر ليس لأهل الكفر في ~~الآخرة إلا النار، وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا ~~يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها ~~لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه ~~وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) فيه دلالة نقض قول ~~الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إئبات العلم له بقوله: ~~(أنزل بعلم الله). # وقوله - عز وجل -: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله ~~كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # وقوله: (أفمن) حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن # PageV06P108 # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس على بينة من ربه كما ~~قال في آية أخرى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق)؛ وكقوله: (أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق كمن هو أعمى)، لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: (أفمن كان ~~على بينة من ربه) كمن لا يكون على بينة من ms2144 ربه، لكن الجواب عندنا يكون على ~~وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على ~~غير تصريح. # ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها. . .) الآية، يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو ~~قوله: (ومن يكفر به من الأحزاب) كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، ~~كقوله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، ~~لم يخرج لهذا أيضا جواب التصريح. # ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله (قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن ~~يعلم كمن لا يعلم. # ومنهم من يجعل جوابه في قوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار) يقول: من جعل لله أندادا ~~وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجذا وقائما ~~أي: ليسا بسواء. # وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم. # وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ~~ومن قبله كتاب موسى. . .) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك ~~يؤمنون به. # ثم قوله: (بينة من ربه ويتلوه شاهد منه): قال بعضهم: دين من ربه، أي: من ~~كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد ~~منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟! وقال بعضهم قوله: (أفمن ~~كان على بينة من # PageV06P109 # ربه)، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ms2145 ذلك، كمن لا على ~~برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟! ثم قال بعضهم: قوله: (ويتلوه ~~شاهد منه) جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن. وقال بعضهم: يتلوه شاهد ~~منه: لسانه. # وقال بعضهم (ويتلوه شاهد منه) وهو القرآن ونحوه. # ثم قوله: (أفمن كان على بينة من ربه): يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به. # (ومن قبله كتاب موسى) أصحاب التوراة الذين آمنوا. # (أولئك يؤمنون به) أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - ~~عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة): قيل فيه بوجوه: ~~قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن ~~إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم. # ويحتمل قوله: (ومن قبله) يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها ~~أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله: (يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل) وقوله: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، وأمثاله. # ويحتمل قوله: (إماما ورحمة) أما روي، عن ابن عباس قال: إماما ورحمة: كان ~~كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم. ~~ويحتمل قوله: (أولئك يؤمنون به) أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ~~ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكفر به) أي: بالقرآن (من الأحزاب) الأحزاب: ~~الفرق والأصناف. يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق. # ويحتمل يكفر به أي: بمحمد. ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه. # PageV06P110 # (فالنار موعده): إن مات على ذلك، وأما إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا ~~تكون النار موعده. # وقوله - عز وجل -: (فلا تك في مرية منه): يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة ~~التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره ~~لما ذكرنا في قوله: (فلا تكونن من الممترين)، (ولا تكونن من المشركين)، ~~(فلا تكونن من الجاهلين)، وأمثاله؛ ms2146 فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل ~~النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي ~~والمحظور. # وقوله - عز وجل -: (إنه الحق من ربك): يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي ~~عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، (ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون). # * * * # قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) أولئك ~~لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم ~~العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ~~(22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) هو ما ذكرنا أن لا ~~أحد أظلم على نفسه ممن أخذ نفسه من معبوده وشغلها في عبادة من لا يملك له ~~نفعا إن عبده ولا ضر إن ترك عبادته، أو يقول: لا أحد أظلم على نفسه ممن ~~ألقى نفسه الطاهرة في عذاب الله ونقمته أبدا بافترائه على الله، وبالله ~~العصمة والقوة. # وفي التأويل لا أحد أظلم على نفسه ممن افترى على الله كذبا، وفي المعنى ~~لا أحد أفحش ظلما ممن افترى على الله كذبا بعد معرفته أن جميع ما له من ~~الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (أولئك يعرضون على ربهم) أي: أولئك الذين تعرض أعمالهم ~~على أنفسهم عند ربهم، فإن وافقت أعمالهم ما في شهادة خلقتهم أدخلوا الجنة، ~~وإن خالفت أعمالهم شهادة خلقتهم أدخلوا النار، تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ~~ربهم؛ # PageV06P111 # لأن الله عز وجل عالم بما كان منهم من الأعمال والأقوال على ربهم، أي: ~~عند ربهم؛ كقوله: (ولو ترى إذ وقفوا على ms2147 ربهم) أي: عند ربهم، وتأويله ما ~~ذكرنا يعرضون على ربهم لأنفسهم؛ لأنهم إنما يؤمرون وينهون ويمتحنون لأنفسهم ~~ولمنفعة أنفسهم فيكون عرضهم لهم، أو أن يكون قوله: (أولئك يعرضون) على ما ~~وعدهم ربهم في الدنيا، أو يقول: أولئك يعرضون لأنفسهم على ربهم من غير غيبة ~~كانت منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم): اختلف ~~فيه: # قيل: الأشهاد: الرسل والأنبياء. # وقال بعضهم: الأشهاد: الملائكة. # وقال بعضهم: الأشهاد: المؤمنون. فمن قال: هم الأنبياء والمؤمنون؛ فهو ~~كقوله: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)؛ وكقوله: ~~(وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، ومن قال: هم الملائكة؛ كقوله: (ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد)، وقوله: (وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12). ونحوه. # ومعناه - والله أعلم - أنه: تعرض أعمالهم وأقوالهم على أنفسهم فإن أقروا ~~بها بعثوا إلى النار، وإن أنكروا يشهد عليهم ما ذكر من الشهداء فإن أنكروا ~~يقال له: (اقرأ كتابك. . .) الآية، فإن أنكروا ذلك فعند ذلك تشهد عليهم ~~جوارحهم؛ كقوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون الملائكة نادوا في ملأ الخلق قبل أن يدخلوا النار: هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم. # ويحتمل ما ذكر من شهادة الذين كانو موكلين بكتابة أعمالهم وأقوالهم ~~يخبرون عما # PageV06P112 # كتبوا في الكتب. # وقوله - عز وجل -: (ألا لعنة الله على الظالمين): اللعنة: قال بعضهم: هي ~~الطرد عن جميع المنافع والإبعاد عن رحمة الله في الدنيا عن دينه وفي الآخرة ~~عن ثوابه. وقال بعضهم: اللعنة هي العذاب. # وقوله - عز وجل -: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة ~~هم كافرون (19) # يصدون يحتمل وجهين: # يحتمل أن أعرضوا هم بأنفسهم عن دين الله. # ويحتمل صرفوا الناس عن دين الله، لكنه يتبين ذلك بالمصدر أنه أراد ذا أو ~~ذا، يقال في الإعراض بنفسه: صد يصد صدودا؛ كقوله: (يصدون عنك صدودا) ويقال ~~في صرف غيره: صد يصد صدا. # وقوله - عز وجل -: (ويبغونها عوجا): قال بعضهم: هم بغاة على دين الله ~~بالجور. # وقال ms2148 بعضهم: يبغون من النساء الميل عن دين الله إلى دينهم، فذلك هو بغي ~~العوج، كل سبيل غير سبيل الله فهو عوج وبغي، كأنه يقول: يبغون سبيلا غير ~~سبيل الله. # (وهم بالآخرة هم كافرون): في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون ~~الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ~~(20) أي: أولئك لم يكونوا معجزي الله في الدنيا من أن يعذبهم وينتقم منهم ~~إن شاء. والثاني: أولئك لم يكونوا سابقي الله في الآخرة في دفع العذاب عن ~~أنفسهم. وجائز أن يكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة يخبر أنهم غير معجزي ~~الله فيما يريد منهم من التعذيب لهم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لهم من دون الله من أولياء) هم حسبوا أن ~~أولئك الذين عبدوهم من دون الله يكونون لهم أولياء؛ لأنهم يقولون: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله) و (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) كانوا يطمعون ~~في شفاعة الأصنام التي كانوا يعبدونها، أو الذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء ~~فأخبر أن ليس لهم أولياء على ما ظنوا وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء؛ كقوله: ~~(وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء. . .) الآية، وأمثاله كثير؛ وكقوله: (ثم ~~يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)؛ وكقوله: (واتخذوا من دون ~~الله آلهة ليكونوا لهم عزا)، أي: لم يكن لهم ما طمعوا، وقوله: (سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)، صاروا لهم أعداء على ما ذكر. # ويحتمل (وما كان لهم من دون الله من أولياء) أي: لا ينفعهم ولاية من ~~اتخذوا أولياء؛ # PageV06P113 # كقوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (يضاعف لهم العذاب): هذا يدل على أن قوله: (الذين ~~يصدون عن سبيل الله) وفي الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله؛ لأنه أخبر ~~أنه يضاعف لهم العذاب. # وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: لما ضلوا هم بأنفسهم، والآخر: لما صرفوا الناس عن دين الله ~~تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون): قالت ~~المعتزلة ms2149 فيه بوجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يسمعون ويبصرون، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا ~~يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول الرجل: ما أستطيع أن أنظر إلى ~~فلان ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه سامع كلامه، لكنه يقول ذلك لاستثقاله ~~النظر إليه وسماع كلامه؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون، لكنهم كانوا ~~يستثقلون السمع والنظر إليهم فنفى عنهم ذلك. # والثاني: كانوا لا يستطيعون السمع، أي: كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ~~ولا النظر، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمي، كانوا يتصامون ويتعامون الحق. # وأما عندنا: الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما ~~كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول، فهم من ~~ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون. # والثاني: يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع ~~القلب وبصر القلب؛ كقوله: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور) وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال؛ إذ ~~جوارحهم كانت سليمة صحيحة؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ~~ذكرنا. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (يضاعف لهم العذاب بما كانوا # PageV06P114 # يستطيعون السمع)، ثم سئل الحسن عن ذلك؟ فقال: هو قول الله: (الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا)، إذا سمعوا الوحي تقنعوا ~~في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك. # وفي حرف حفصة: (وما كانوا يستطيعون السمع) بالواو. # وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا ~~يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع ~~المكتسب والبصر المكتسب عندنا، ما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب ~~والبصر المكتسب والحياة المكتسبة؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان، وحياة ~~الدنيا والسمع والبصر مخلوقة. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~(21) أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع، ~~وما لحقهم بذلك من الذل والصغار، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم ~~بدلا عن النعم ms2150 الدائمة. # (وضل عنهم) أي: بطل عنهم، (ما كانوا يفترون): (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) و ~~(ما نعبدهم إلا ليقربونا. . .) الآية. وأمثاله. # وقوله - عز وجل -: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22) قال أبو ~~عوسجة: لا جرم واجب من الكلام، أي: الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقال ~~بعضهم: لا جرم أي: نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقال الفراء: قوله: (لا ~~جرم) أي: لا بد، لكن الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا، ولا بد في ~~الحقيقة حقا؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق. # PageV06P115 # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) تأويله - والله أعلم - أن الذين ~~آمنوا بالله وبجميع ما أنزل على رسوله، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى ~~صاروا إلى الله أولئك أصحاب الجنة؛ وهو كقوله: (وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى) أي: من تاب من الشرك وآمن بالله وعمل صالحا ثم اهتدى ~~أي: ثم لزم ذلك حتى صار إلى الله هكذا؛ فعلى ذلك قوله: (إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى الله. # ويحتمل قوله: (ثم اهتدى) سنن الذين أولئك كذا. # وقوله: (وأخبتوا إلى ربهم) اختلف فيه: # قال بعضهم: الإخبات التخشع والتواضع، أي: تخشعوا وتواضعوا فرقا من ربهم. # وقال بعضهم: أخبتوا أي: اطمأنوا على ذلك أولئك كذا. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: أخبتوا قال: خافوا من ربهم. # وقال القتبي: أخبتوا أي: تواضعوا لربهم، وقال: الإخبات التواضع والوقار. # وقال أبو عوسجة: الإخبات التوبة والمخبت التائب. # وقال غيرهم: الإخبات الإنابة، أخبتوا أي: أنابوا إلى الله؛ وبعضه قريب من ~~بعض. # ومن قال: الإخبات هو التواضع والخشوع فمعناه - والله أعلم - أي: تواضعوا ~~وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه. # وقوله - عز وجل -: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) أي: الصنفين اللذين سبق وصفهما، وهو قوله: ~~(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. . .) الآية، فهو وصف الكافر، والفريق ms2151 ~~الآخر قوله: (أفمن كان على بينة من ربه)، إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن. ~~أو يكون وصف الكافر ما ذكر: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك ~~يعرضون على ربهم. . .) إلى قوله: (وضل عنهم ما كانوا يفترون) هو وصف أحد ~~الفريقين وهم الكفار، والفريق الآخر ما ذكر: (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وأخبتوا إلى ربهم) هذا - والله أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما ~~بالأعمى # PageV06P116 # والأصم والبصير والسميع. # ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع، فهو - ~~والله أعلم - أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من ~~الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر؛ وكذلك ~~إنما سمع ظواهر من الأمور وبواديها، لم ينظر إلى الغائب من الموعود ولا سمع ~~ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد وأوعد في ~~الغائب. # والمؤمن أبصر ذلك الغائب وسمع ما غاب من الموعود، فيقول كما لم يستو ~~عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم لم يستو من كان أعمى القلب ~~بمن كان بصير القلب بذلك، ولم يستو أيضا من به صمم القلب بمن كان سميعا ~~بذلك. # (أفلا تذكرون): أنهما لا يستويان، أو يقول: (أفلا تذكرون) أي: أفلا ~~تتعظون بما نزل من القرآن وتنتهون عما تنهون، والله أعلم. # وفي قوله: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون) وجوه من الأسئلة: # أحدها: أن يقال: كيف احتج عليهم وهو ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان ~~والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع؟! # والثاني: يقولون: إنا بصراء سمعاء، ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان ~~والصم. # والثالث: كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون ولا ينظرون في المثل ولا ~~يلتفتون إليه؟! # PageV06P117 # أما جواب الأول: فإنه احتج عليهم؛ لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة وسمع ~~سماع الآخرة، فنفى عنهم السمع والبصر والحياة؛ لأنه ببصر المخلوق يكتسب ~~بصرا في الدين وسمعا في أمر الدين وحياة الدين، فيصير بذلك ms2152 مكتسب الحياة ~~الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء ~~أحياء؛ كقوله: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم). # والثاني: نفى عنهم هذه الحواس؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ لأن هذه الحواس ~~إنما أنشئت لهم وخلقت لينتفعوا بها، وهو المقصود بإنشائها، فإذا تركوا ~~الانتفاع بها فكأنها ليست لهم. # وأما جواب ما قالوا: إنا بصراء وسمعاء، وأنتم العميان والصم، فيقال لهم: ~~إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك قد اشتغلوا بالتفكر فما فرغ سماعهم من الآيات ~~والنظر فيها، وأنتم لا بل تعاموا عنها وتصاموا، فدل تفكرهم ونظرهم فيها على ~~أنهم بصراء وسمعاء وأحياء، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات. # والثاني: أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل مكة، وهم قد علموا أن ~~آباءهم لم يكونوا حكماء ولا علماء، فلم يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا ~~سمعاء، فصاروا صفا عميانا أمواتا؛ ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر نحن، ~~أوهم ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما؛ فدل ~~أنهم بما ذكر أولى. # وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل ولا ينظرون ~~بأنه إنما ذكر لأهل الإسلام؛ ولأن ذكر المثل به ربما يبعثهم على النظر فيه ~~والتفكر. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا ~~من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها ~~كارهون (28) # PageV06P118 # ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويا قوم من ينصرني من ~~الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا ms2153 أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ~~الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... (25) أخبر أنه أرسله ~~إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: (لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم) ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ~~ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال. # وقوله - عز وجل -: (إني لكم نذير مبين) أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه ~~بين الإنذار. # وقوله - عز وجل -: (أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ~~(26) أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم ~~تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان. # ويحتمل قوله: (أن لا تعبدوا إلا الله) أي: وحدوا الله ولا تصرفوا ~~الألوهية إلى غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم): أضاف الألم إلى اليوم ~~واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو ~~كقوله: (الليل سكنا)، والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن، فيه، وكذلك ~~قال: (والنهار مبصرا)، والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ~~(يوم أليم) لما فيه يكون العذاب الأليم. # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف عليكم) أي: الخوف في غيره لا يكون في ~~الحقيقة خوفا؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه ~~يكون في الحقيقة خوفا ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ~~ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في ~~غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن ~~نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: # PageV06P119 # أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: (وإن ~~خفتم شقاق بينهما)، أي: علمتم. # وقوله: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله)، ms2154 أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود ~~الله. # والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل ~~بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره. على هذين الوجهين يخرج ~~الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه ~~رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون)، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: (فلا يأمن مكر الله ~~إلا. . .) كذا. # وقوله - عز وجل -: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا ~~من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قيل: أشراف قومه وأئمتهم. # (ما نراك إلا بشرا مثلنا): وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا ~~إليهم: (مآ أنتم إلا بشر مثلنا) أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات ~~يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون ~~من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ~~والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى ~~لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا ~~دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور ~~الظاهرة سواء؟! أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك ~~كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى ~~السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم. # نجواب هذا كله ما ذكر: (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء ~~من عباده)، وما قال لهم نوح: (يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني ~~رحمة من عنده) أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني ~~رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم. # ويقال أيضا: إنكم لا ms2155 تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ~~ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض ~~بفضل الدين والرسالة؟!. # PageV06P120 # وقوله: (ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادي الرأي): احتجوا أيضا في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل ~~من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ~~ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم ~~يتبعك أحد من الأصول. # لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة ~~والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا ~~اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا ~~الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه. # والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء. # وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا. # و (بادي الرأي) قال بعضهم: ظاهر الرأي؛، من قولك: بدا لي ما كان خفيا. # وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ~~ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من ~~يعرف حقائق الأمور والأصول. # وقد قرئ: (بادي الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز. ومن قرأ بالهمز فهو من ~~الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور. ومن قرأ ~~بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه. # وقوله - عز وجل -: (وما نرى لكم علينا من فضل. . .) الآية: يحتمل هذا أي: ~~فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق. # وقوله - عز وجل -: (بل نظنكم كاذبين): هكذا كانت عادة الكفرة، يردون ~~دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني ~~رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) أي: على بيان ~~من # PageV06P121 # ربي، أو على حجة من ms2156 ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته. والرحمة تحتمل ~~النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم ~~وهو مثلهم؟! فيقول: (وآتاني رحمة) أي: النبوة، وآتاني -أيضا- على ذلك بينة ~~وحجة. وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فعميت عليكم): قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو ~~التبس عليكم حيث أعرضتم عنه. # ومن قرأ، بالتشديد: (فعميت عليكم) يرجع إلى الأقباع والسفلة، أي: عميت ~~عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست. (فعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على ~~القادة والرؤساء. # وقوله - عز وجل -: (أنلزمكموها) أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه ~~آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضا أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا ~~نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان. # (وأنتم لها كارهون) أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة. # وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله ~~وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ~~على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة غلى ما أدعي من الرسالة، أو ~~على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون ~~عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟! وكذلك يخرج ~~قوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) أي: لا تسألهم أجرا على ما ~~تبلغه إليهم ويدعوهم إليه، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك ~~الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق ~~للخلق والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق ~~لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ~~(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ليس على أنه إذا سألهم على ذلك ~~أجرا يكون لهم عذر في رد ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم ms2157 الإجابة ~~والطاعة له بالمال وبغير المال. # PageV06P122 # والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالا، مع ~~حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من ~~الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم. # وقوله - عز وجل -: (إن أجري إلا على الله) أي: ما أجري إلا على الله في ~~ذلك ليس عليكم. # وقوله - عز وجل -: (وما أنا بطارد الذين آمنوا): فيه دلالة أنهم كأنهم ~~كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل ~~والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: (ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي. . .) الآية. # وقال أهل التأويل: (وما أنا بطارد الذين آمنوا) أي: ما أنا بالذي لا يقبل ~~الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: (وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي)، لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهرا، وأما ~~في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم)، يعني: ما في قلوب السفلة ~~فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهرا الله أعلم بما في قلوبهم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم ملاقو ربهم) يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون ~~مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم. # والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهرا كان إيمانهم أو باطنا أي في أي ~~حال هم يلاقون، ربهم فيجزيهم بما هم عليه؛ كقوله: (إن حسابهم إلا على ربي ~~لو تشعرون). # وقوله - عز وجل -: (ولكني أراكم قوما تجهلون) يحتمل تجهلون ما أدعوكم ~~إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في ~~السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ~~(30) أي: من يمنعني من عذاب الله، (إن طردتهم): على ما تدعونني إليه، أو من ~~يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان. ms2158 # PageV06P123 # (أفلا تذكرون): أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد ~~إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون. # وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها ~~نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون. # وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: ~~لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم ~~بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) يخرج على وجوه: # أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في ~~المال والسعة. # والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه ~~افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن ~~لتعلموا أني مكلف في ذلك. # والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول إني ملك): هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: # أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ~~(لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك)، وقولهم لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة)، ~~وقولهم: (أو يكون لك بيت من زخرف)، وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك ~~عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده. # (ولا أعلم الغيب) يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل ~~أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ~~ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى ~~الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا ~~بشر مثلكم. # PageV06P124 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (ولا أقول ms2159 لكم عندي خزائن الله) أي: ~~مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ~~ذلك. # ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار ~~من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر، # ومنهم من قال: إنه ابن الله. # ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء ~~غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك ~~الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا (30) وجعلني مباركا) هو - عليه السلام - كان يعلم في نفسه أنه عبد ~~الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا ~~إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك. # وقال بعض أهل التأويل: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله)، أي: مفاتيح الله ~~بأنه يهدي السفلة دونكم، (ولا أعلم الغيب) أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن ~~الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: (وما علمي بما كانوا يعملون). # وقوله: (الله أعلم بما في أنفسهم): من الصدق. # (ولا أقول إني ملك) أي: إنما أنا بشر لقولهم: (ما نراك إلا بشرا مثلنا. . ~~.) إلى آخر الآية. # ثم قال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة ~~والأتباع. وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) ~~يعني إيمانا الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم ~~إن لم أقبل منهم الإيمان، أو طردتهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ~~(33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا ~~بريء مما تجرمون (35) # PageV06P125 # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ... (32) ~~قالوا ذلك ms2160 لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فأكثر ~~حجاجه ومجادلته إياهم. # فقالوا: (فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) وكان يعدهم ~~العذاب إن لم يجيبوه؛ كقوله: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)، وما كان وعد ~~لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا: (فأتنا بما تعدنا) من ~~العذاب، فقال: (إنما يأتيكم به الله إن شاء ... (33) أي: ليس لي إتيان ذلك ~~إنما ذلك إلى الله، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت؛ وهو كقول ~~رسول الله لقومه: (لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم). # وقوله - عز وجل -: (وما أنتم بمعجزين) أي: لا تعجزون الله عن تعذيبكم ~~فتفوتون عنه، وقيل: وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها؛ ~~وهو واحد، والله أعلم. # وقوله: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ~~هو ربكم وإليه ترجعون (34) تأويله - والله أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما ~~به نجاتكم إن كان الله يريد أن يغويكم ثم اختلف في وقت ذلك: قال بعضهم: لا ~~ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم الله ألا تكونوا من ~~الغاوين في ذلك الوقت. # وقال بعضهم: قوله: (ولا ينفعكم نصحي) (إن كان الله يريد أن يغويكم)، أي: ~~لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ ~~كقوله: (فسوف يلقون غيا)، أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام. # وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في ~~الغواية أبدا، وأصله أن الله أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية ~~وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار ~~الغواية، والضلال اختار عداوته، ولا يجوز # PageV06P126 # أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن ~~يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية ms2161 لمن علم منه ~~اختيار الغواية والضلال. # ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغا وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل ~~غواية وزيغ. # والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك ~~الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى ~~الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه ~~بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون ~~على ذلك وليس من الله تعالى من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ~~ذكرناهما. # وفي قوله: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم) دلالة تعليق الشرط على الشرط. # وقوله - عز وجل -: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا ~~بريء مما تجرمون (35) أي: بل يقولون. # إنه افتراه من عند نفسه قل: (إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون): اختلف فيه؛ قال بعضهم: قال قوم نوح لنوح - عليه السلام -: إنه ~~افترى على الله أنه رسول إليهم من الله على ما سبق من دعائه قومه إلى دين ~~الله، فقالوا له: إنه افتراه. # وقال بعضهم: هو قول قوم محمد قالوا: افترى محمد هذا القرآن من نفسه ليس ~~هو من الله على ما يزعم، وهو ما قال في صدر السورة، وهو قوله: (أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) إلى آخر ما ذكر، فعلى ذلك هذا هو ~~قولهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه افترى هذا القرآن الذي يقول ~~هو من الله من نفسه فقال: (قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون) أي: إن افتريته فعلي جرم افترائي وجزاؤه. # (وأنا بريء مما تجرمون) معناه - والله أعلم - أي: لا تؤاخذون أنتم بجرم ~~افترائي إن افتريته، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم؛ كقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ~~ما حمل وعليكم ما حملتم) وكقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء)، ms2162 فعلى ذلك ~~إجرامي، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم؛ كقوله: (لا حجة ~~بيننا # PageV06P127 # وبينكم)، لما أيس عن إيمانهم، وانقطع طمعه ورجاؤه عن إسلامهم، قال لهم ~~ذلك أن لا محاجة بيننا وبينكم بعد هذا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس ~~بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه ~~قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # وقوله - عز وجل -: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) ~~وقال بعضهم: إن نوحا عليه السلام لم يدع على قومه بالهلاك ما دام يرجو ~~ويطمع من قومه الإيمان، فإذا أيس وانقطع رجاؤه وطمعه فحينئذ دعا عليهم ~~بالهلاك؛ كقوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)، أي أحدا، (إنك ~~إن تذرهم يضلوا عبادك. . .) الآية، وعرف الإياس عن إيمانهم بقوله: (وأوحي ~~إلى نوح. . .) الآية؛ وكذلك سائر الأنبياء والرسل لم يؤذن لهم بالدعاء على ~~قومهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم، ما داموا يرجون ويطمعون منهم الإيمان ~~والإجابة لهم، فإذا أيسوا وانقطع رجاؤهم وطمعهم عن ذلك، فعند ذلك أذن لهم ~~بالدعاء عليهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم أوعلى ذلك عوتب يونس بالخروج ~~من بين أظهرهم قبل أن يؤذن له بالخروج من بينهم. # وفي قوله: (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) دلالة أن للإيمان حكم التجدد ~~والابتداء في كل وقت وفي كل حال؛ لأنه أخبر أن الذي قد آمن قد يؤمن في حادث ~~الوقت؛ وعلى ذلك يخرج الزيادات التي ذكرت في الإيمان فزادتهم إيمانا ونحوه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) قيل: لا تحزن بما كانوا ~~يفعلون، فهو يحتمل وجهين: # PageV06P128 # أحدهما: لا تحزن بكفرهم بالله وتكذيبهم إياك، ليس على النهي عن الحزن في ~~ذلك، بل ms2163 على دفع الحزن عنه والتسلي به؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - ~~كانوا يحزنون بكفر قومهم بالله وجعلهم أنفسهم أعداء له؛ كقوله لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: (لعلك باخع نفسك. . .) الآية، وقوله: (فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات)، وأمثاله، كان الأنبياء - عليهم السلام - أشد الناس حزنا بكفر ~~قومهم بالله وتكذيبهم آياته وأشدهم رغبة في إيمانهم، وكان حزنهم لم يكن على ~~هلاكهم ألا ترى أن نوحا دعا عليهم بالهلاك وكذلك سائر الأنبياء - عليهم ~~السلام - دل أن حزنهم كان لمكان كفرهم بالله وتكذيبهم آياته، لا لمكان ~~هلاكهم إشفاقا على أنفسهم. # والثاني: قوله: (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) يحتمل أنهم كانوا هموا قتله ~~والمكر به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعون في هلاكك فإني كافيهم قال أبو ~~عوسجة: قوله: (فلا تبتئس) هو من الحزن، يقال: ابتأس يبتئس ابتئاسا. قال ~~الكسائي -أيضا- لا تبتئس أي: لا تحزن هو من البأس، يقال: لا تبتئس بهذا ~~الأمر. # وقوله - عز وجل -: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون (37) قال بعض أهل التأويل: (بأعيننا) بأمرنا ووحينا، ~~وقال بعضهم: بمنظرنا ومرآنا، ولكن عندنا يحتمل وجهين، أحدهصا: قوله: ~~(بأعيننا) أي: بحفظنا ورعايتنا، يقال: عين الله عليك أي حفظه عليك، ثم لا ~~يفهم من قوله: (بأعيننا) نفس العين على ما لا يفهم من قوله: (ذلك بما قدمت ~~أيديكم)، و (كسبت أيديكم)، ولكن ذكر الأيدي لما في الشاهد إنما يقدم باليد ~~ويكتسب باليد؛ فعلى ذلك ذكر العين لما بالعين يحفظ في الشاهد. # والثاني: قوله: (بأعيننا) أي: بإعلامنا إياك؛ لأنه لولا تعليم الله إياه ~~اتخاذ السفينة # PageV06P129 # ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر، إنما عرف ذلك بتعليم الله ~~إياه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون): هذا يحتمل ~~وجهين. يحتمل أي: لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم ~~الله. # والثاني: لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم الله أنهم يموتون ظلمة، ~~أي: لا تسألني إيمان من في علم الله أنه ms2164 لا يؤمن، وفيه نهي السؤال عما في ~~علم الله أنه لا يكون؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان ~~يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون، وفيه أنه إذا أراد الله إيمان ~~أحد آمن، ومن لم يرد إيمانه لم يؤمن. # وقوله - عز وجل -: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) الملأ هم الأشراف والرؤساء ~~من قومه. # (سخروا منه): هم الذين سخروا منه، قال بعضهم: سخريتهم منه أن قالوا: صار ~~نجارا بعدما ادعى لنفسه الرسالة. # وقال بعضهم: سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ~~ولا مياه جارية، إنما هي آبار لهم فقالوا: يتخذوا السفينة ليسيرها في ~~البراري والمفاوز ونحوه من الكلام. # رقال: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم) وقالوا: سخريته منهم أنه إذا ركبوا ~~الفلك رأوهم يغرقون، قالوا: كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام، لكن هذا ~~لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا ~~منه. # ويحتمل قوله: (فإنا نسخر منكم) أي: نجزيهم جزاء سخريتهم. # وقوله: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) هو ~~وعيد، أي: سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم؛ كقوله: (وما يخدعون. . .) ~~الآية، أي: سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم من (يأتيه عذاب يخزيه) ~~أي: عذاب يفضحه ويهلكه وهو # PageV06P130 # الغرق. # (ويحل عليه عذاب مقيم) أي: عذاب يدوم. # وقال بعضهم: (عذاب مقيم) هو عذاب الآخرة؛ كقوله: (أغرقوا فأدخلوا نارا). # وأما قول أهل التأويل إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا، فليس لنا ~~بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان ~~لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق، فذلك أيضا لا نعرفه، ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه ms2165 القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال ~~اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم ~~في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين (42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور). # قوله: (جاء أمرنا) أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: ~~(فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة ~~استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، ~~وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة ~~أمر الله؛ لما بأمره يصلي. # وقوله - عز وجل -: (وفار التنور): قال أبو عوسجة: (وفار التنور) يقال: ~~فار الماء أي خرج يفور فورا، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: (وهي ~~تفور (7) تكاد. . .)، قالوا: فار أي: خرج وظهر. # والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت ~~الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب. # وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت ~~الماء نبع من # PageV06P131 # تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: ~~(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا)، لكن جعل علامة ~~وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها. # وقوله - عز وجل -: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين): يحتمل هذا وجهين: ~~يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين. # ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين. # ويحتمل وقوله - عز وجل -: (من كل زوجين اثنين): الزوج هو اسم فرد لذي شفع ~~ليس هو اسم افمفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد ~~لذي شفع كان ms2166 الإناث صنفا وزوجا والذكور صنفا وزوجا، فيكون الذكر والأنثى ~~زوجين، والله أعلم. # وقوله: (زوجين اثنين) أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح ~~التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم. # ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأهلك إلا من سبق عليه القول): قال بعضهم: قوله: ~~(وأهلك) أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، ~~واحمل أهلك أيضا إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه ~~لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك. # وقال بعضهم: قوله: (وأهلك) أراد أهله خاصة، ثم استثنى من سبق عليه القول، ~~وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو ~~قوله: (ومن آمن وما آمن معه) أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق ~~عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين. # أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ~~ظالما كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما آمن معه إلا قليل): يذكر هذا - والله أعلم - ~~تذكيرا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ ~~لأن نوحا مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه ~~لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع # PageV06P132 # قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد ~~قول من يقول: إن المواعظ إنما تنفع، الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس ~~هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحا - عليه ~~السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه ~~إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا. # وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم ~~يعطه إلا ms2167 أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون ~~فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما ~~يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في ~~غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي ~~لغفور رحيم (41) يحتمل قوله: (بسم الله مجراها) أنه لما قال لهم نوح: ~~اركبوا فيها قولوا (بسم الله مجراها ومرساها)، وهو كقول الناس باسم الله من ~~أوله على ما يقال، ويذكر اسم الله في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول ~~وغيره. # ويحتمل قوله: (بسم الله مجراها ومرساها) أي: بالله مجراها ومرساها، أي: ~~به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم ~~الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله ~~وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربي لغفور رحيم): هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ~~ينجيه من الغرق والهلاك. # وقوله - عز وجل -: (وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في ~~معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) هذا يدل على ما ذكرنا أنها ~~كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما ~~سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ~~ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم. # وقوله: (وهي تجري بهم في موج كالجبال): هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن ~~الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من ~~جريانها دل أنه أراد أن تصير آية لهم. # PageV06P133 # وقوله - عز وجل -: (ونادى نوح ابنه وكان في معزل). # يحتمل قوله: (وكان في معزل) أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، ~~أو ما كان. # وقوله - عز وجل -: (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) يحتمل لاتكن ~~مع الكافرين: لتغرق، ms2168 أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله. # وقوله - عز وجل -: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من ~~أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) أي: سأنضم ~~إلى جبل، (يعصمني من الماء): ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي ~~يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر عليه السلام أنه (لا عاصم اليوم من ~~أمر الله) أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر ~~تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج لقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه. . ~~.) الآية، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج، على ~~من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو ~~النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب. # وقوله - عز وجل -: (إلا من رحم) بهدايته إياه، أو إلا من سبقت له الرحمة ~~من الله بالهداية له والنجاة. # وقوله: (وحال بينهما الموج): يحتمل قوله: (بينهما) بين ابنه وبين نوح، ~~ويحتمل بينه وبين السفينة. # (فكان من المغرقين) وقوله: (فكان من المغرقين): يحتمل صار من المغرقين، ~~ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: (وكان من ~~الكافرين)، أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان ~~من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل. # * * * # قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال ~~رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) قال يا نوح إنه ~~ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم # PageV06P134 # وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط بسلام منا ~~وبركات عليك وعلى ms2169 أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) ~~تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # وقوله: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ... (44) قال بعضهم: عاد ~~كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض ~~في الأرض وغار فيها. # وقال بعضهم: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه. # وقوله - عز وجل -: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) ليس على ~~القول لهم، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه. # ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا. # (وغيض الماء) أي: غار الماء في الأرض. # (وقضي الأمر): بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر (واستوت على ~~الجودي) أي: استقرت على الجودي وهو جبل (وقيل بعدا للقوم الظالمين) أي ~~هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله. وقال القتبي: مرساها أي ~~تقف. # وقوله - عز وجل -: (يعصمني من الماء): يمنعني من الماء، وقال: (لا عاصم ~~اليوم من أمر الله) قال القتبي: لا معصوم اليوم من عذاب الله؛ كقوله: (من ~~ماء دافق) # PageV06P135 # أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ~~ولا دافع لهم منه. # وقوله - عز وجل -: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~... (45) الآية، فقال: (يا نوح إنه ليس من أهلك). # هذا - والله أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر ~~الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابني من أهلي ويسأله نجاته، وقد ~~سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون) ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما ~~نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، ~~والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن ms2170 الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في ~~الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره ~~فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون ~~نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو ~~لذلك خرج سؤاله فقال: (إنه ليس من أهلك (46) الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس ~~من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح. # روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ: (عمل غير صالح) ~~بغير تنوين. وعن # PageV06P136 # ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قرأه: (عمل غير صالح) بالتنوين. فمن قرأ ~~بالنصب: (عمل غير صالح) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: (عمل) يكون ~~معناه - والله أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف ~~إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، (عمل غير صالح) أي: الذي ~~كان عليه عمل غير صالح، والله أعلم. # وقوله: (إن ابني من أهلي) ثم قال: (إنه ليس من أهلك): هذا في الظاهر يخرج ~~على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك ~~فيما بشرتك من نجاة أهلك. # وقوله: (وإن وعدك الحق): يحتمل وجهين: # يحتمل وأن وعدك بإغراق الظلمة حق. # والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين. # وقوله - عز وجل -: (فلا تسألن ما ليس لك به علم): يحتمل هذا نهيا عن سؤال ~~ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئا ~~إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتابا ~~لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ ~~نحو قوله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~حتى يتبين لك الذين ms2171 صدقوا)، وقد كان له - صلى الله عليه وسلم - الأمر ~~بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: (فقل لن تخرجوا معي أبدا)، ونحوه. # PageV06P137 # وقوله - عز وجل -: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين): هو كما نهى رسول ~~الله: (فلا تكونن من الجاهلين) وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من ~~الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر ~~العصمة. # وقوله - عز وجل -: (قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا ~~تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا ~~أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل. # وقوله: (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) أي: إن لم ترحمني بالعصمة ~~من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون. # ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة الله ~~وفضله، على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لن يدخل ~~أحد الجنة إلا برحمة الله "، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا، ~~إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وقوله تعالى: (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين): هو طلب المغفرة ~~بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: (وإلا تغفر ~~لي وترحمني) قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألا يملك أحد ذلك، وليس في ~~قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال ~~آدم وحواء المغفرة حيث قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا. . .) الآية، هو سؤال ~~بالكناية فهو أبلغ في السؤال. # وقوله - عز وجل -: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن ~~معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) قال بعضهم: أي: أنزل من ~~الجودي إلى قرار الأرض، وقال بعضهم: قوله: (اهبط) أي: انزل وأقم على المقام ~~والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر. # وقوله - عز وجل -: (اهبط بسلام منا وبركات عليك): ms2172 السلام هو أن يسلم عن ~~الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبر على غير تبعة، ثم هما في ~~التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم عن كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير ~~سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو ~~كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ~~ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ # PageV06P138 # لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، واذا كسب كل خير وبر اتقى كل ~~معصية وشر؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، ~~والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضا في العبارة مختلفان وفي ~~الحقيقه واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا ~~استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام ~~والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس لله خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، ~~والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة ~~واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما ألله تعالى، ~~أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، واذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه ~~وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له. # هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد. # ثم قوله: (اهبط بسلام منا): جائز أن يكون جواب قوله: (وإلا تغفر لي ~~وترحمني) آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة. # والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: (سلام على نوح في ~~العالمين). # وقوله - عز وجل -: (وبركات عليك): يحتمل أن يكون جواب قوله: (أنزلني ~~منزلا مباركا)، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة ~~له عليه فيه. # ثم قوله: (بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم)، على ~~قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام ms2173 لما ~~سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع. # وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعا في الآخرة. # ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل ~~منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: (والعاقبة للمتقين)، وبقوله: ~~(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) ثم قال: (قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، أشرك المؤمن والكافر في ~~زينة الدنيا، ثم جعل للمؤمنين خالصة يوم القيامة، فذلك قوله: (وأمم سنمتعهم ~~ثم # PageV06P139 # يمسهم منا عذاب أليم) أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن ~~أيضا في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل ~~العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلى أمم ممن معك): ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما ~~كانوا معه نفرا، لكنه أراد - والله أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه ~~قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعا دين ~~واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا ~~كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعا على دينه ~~وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: (رب اغفر لي ولوالدي. . . الآية، دعاء ~~بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: ~~(ولا تزد الظالمين إلا تبارا). # وقوله - عز وجل -: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ~~ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) يحتمل قوله: (تلك) أي: ~~قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا، إن كان المراد من قوله: (تلك من أنباء الغيب) قصة نوح خاصة ~~وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على ~~الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد ms2174 ~~هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء. ويحتمل قوله: ~~(تلك من أنباء الغيب) القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء ~~الغيب، غاب عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من ~~الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبرهم على ما ~~أخبر أولئك الذين عرقوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك أبالله ~~تعالى إذ تلك، الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ ~~دل أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر) يحتمل قوله: (فاصبر) على تكذييهم إياك، وعلى ~~أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: ~~(كما صبر أولو العزم من الرسل)، ونحوه. # PageV06P140 # وقوله - عز وجل -: (إن العاقبة للمتقين) يشبه أن يكون قوله: (للمتقين) ~~الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون ~~المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: (وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا ~~عذاب أليم) فهو في العقد أشبه. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (اهبط بسلام) من السفينة بسلام منا، فسلمه ~~الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، (وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) يعني ~~بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: (وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) ~~ممن سبق له في علم الله البركات والسعادة من النبيين وغيرهم. # * * * # قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا ~~هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ms2175 آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) ~~إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على ~~الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ~~(56) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم ~~القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) # وقوله - عز وجل -: (وإلى عاد أخاهم هودا): هذا والله أعلم صلة قوله: ~~(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) فيقول: ولقد أرسلنا هودا إلى عاد أخاهم. # ثم يحتمل قوله: (أخاهم) الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو ~~هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف ~~وأمثاله. # وأخوة النسب. وأخوة الدين؛ كقوله: (إنما المؤمنون إخوة)، فهو لم يكن أخا ~~لهم في الدين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ~~ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم ~~لبعض # PageV06P141 # إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره): يعبد ~~أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة إنما الإله الذي يستحق ~~العبادة، الله الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء. # وقوله - عز وجل -: (إن أنتم إلا مفترون) أي: ما أنتم إلا مفترون، لا ~~يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ~~ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ ~~كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: (فقولا له قولا لينا) ~~الآية، ولكن كأنه ms2176 قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام ~~عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: (يا هود ما ~~جئتنا ببينة. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن أنتم إلا مفترون): يحتمل في تسميتهم الأصنام التي ~~عبدوها آلهة، يقول: إن أنتم إلا مفترون في ذلك. # ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا الله أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون ~~فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة. # وقوله - عز وجل -: (يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي ~~فطرني أفلا تعقلون (51) # هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - والله أعلم -: إني لا أسألكم على ما ~~أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم ~~عن الإجابة لي ويحملكم على الرد بل أدعوكم إلى ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم ~~عن الإجابة والنظر فيما أدعوبهم إليه؟! # (أفلا تعقلون): أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها ~~آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن الله واحد وأنه رب كل شيء وخالق ~~كل شيء ومنشئه. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء ~~عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) يحتمل أن يكون ~~قوله # PageV06P142 # استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا. # ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من ~~المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم. # وقوله: (استغفروا ربكم): معلوم أن هودا لم يرد بقوله: (استغفروا) أن ~~يقولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة ~~وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: ~~اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله تعالى: (إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف). # وقوله - عز وجل -: (يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم): قال ~~بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن ~~تبتم إلى ms2177 الله، واستغفرتم ربكم (يرسل السماء عليكم مدرارا. . .) الآية حتى ~~تناسلوا وتتوالدوا. # ويحتمل قوله: (ويزدكم قوة) أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم ~~كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة. # ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم. # فقوله: (ولا تتولوا) عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا (مجرمين) ولا تتولوا عما ~~أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين. المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، ~~وقيل: هو المكتسب. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا ~~عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من ~~الرسالة، فعند ذلك قال لهم هود: (إن أنتم إلا مفترون). # (وما نحن بتاركي آلهتنا) أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: ~~بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم ~~وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: (وما ~~نحن لك بمؤمنين) فيما تدعونا إلمه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا. # وقوله - عز وجل -: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) قيل: هو كان يسب آلهتهم ويذكرهم ~~بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب ~~أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان، # PageV06P143 # أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقا عليك لئلا يصيبك ~~شيء منها. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: قالوا: " شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك ~~بالجنون، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ~~ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه ~~آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون وليطمعون بعبادتهم إياها ~~شفاعتها لهم؛ قال: (إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) به ~~وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضا بأني بريء من ذلك، (فكيدوني جميعا ~~... (55) أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك ms2178 أو السوء، (ثم لا تنظرون) ~~أي: ثم لا تمهلون في ذلك. # ويحتمل قوله: (فكيدوني جميعا) أنتم وآلهتكم؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم ~~جميعا التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، (ثم لا تنظرون). أي: لا تمهلون، ~~وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيدا، فلولا أنه ~~يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، والا ما اجترأ ~~أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله تعالى؛ وكذلك قول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون. . .) ~~الآية، وقول نوح: (ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. . .) الآية وقول شعيب: (ويا ~~قوم اعملوا على مكانتكم. . .) الآية. وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ~~ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات ~~النبوة. # وقوله - عز وجل -: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) أي: فوضت أمري إلى الله، أو وكلت في ~~جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو ~~توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي ~~تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟! وهو كما قال إبراهيم: ~~(وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها): يميتها متى شاء. # PageV06P144 # وقوله: (آخذ بناصيتها) أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، ~~وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد ~~أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته. # (إن ربي على صراط مستقيم) أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون ~~قوله: (إن ربي على صراط مستقيم) أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط ~~مستقيم؛ كقوله: (إن ربك لبالمرصاد). # وقال أبو عوسجة: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته. # وقال القتبي: الاعتراء هو ms2179 الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: ~~أعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي ~~قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) يحتمل على الإضمار ~~أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم رسالات ربي؛ لأن قوله: ~~(تولوا) إنما هو خبر. # وقوله - عز وجل -: (أبلغتكم): خطاب، وأمكن أن يكونا جميعا على الخطاب، ~~يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم وليس على إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: (وما على الرسول إلا ~~البلاغ)؛ وكقوله: (إن عليك إلا البلاغ)، يقول: إنما علي إبلاع الرسالة ~~إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم) ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويستخلف ربي قوما غيركم) فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن ~~هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوما غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون ~~غيرهم خلفهم: لأنهم كانوا يقولون: (من أشد منا قوة)، يقول - والله أعلم -: ~~إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم، وفيه أن عادا ليسوا هم ~~النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، والله أعلم. # PageV06P145 # وقوله - عز وجل -: (ولا تضرونه شيئا) أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي ~~وردكم رسالة الله إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ~~ذلك. # والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا. # والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ~~ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم ~~لحاجة أنفسكم والمنفعة. لكم. # ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئا جواب قوله: (فكيدوني جميعا. . .) الآية. # (إن ربي على كل شيء حفيظ) ألا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه ~~أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها. أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ: ~~فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، ms2180 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) # قوله: (جاء أمرنا نجينا) أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: (إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ~~ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا): هذا يدل أن ~~من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته "، لا على ما ~~يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته. # ثم يحتمل قوله: (برحمة منا) وجوها؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم ~~به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة ~~معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم ~~معاقبون قبل بعث الرسل إليهم. # ويحتمل قوله: (برحمة منا) أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم. # والثالث: (ونجيناهم من عذاب غليظ) قال بعضهم: نجيناهم من العذاب الذي ~~أهلك هؤلاء. ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ. # وقوله - عز وجل -: (وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل ~~جبار عنيد (59) أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم # PageV06P146 # وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر ~~بالرسل جميعا وبالله؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع ~~الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات، والكفر ~~بواحد منها كفر بالله وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله؛ ~~لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر ~~الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم. قيل: ms2181 الجبار هو المتجبر ~~الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على ~~الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم. # قال أبو عوسجة: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف. # وقال القتبي: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك. # وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر. # وقوله - عز وجل -: (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا ~~كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60) قال بعضهم: اللعن هو العذاب، أي: ~~أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: (ألا لعنة الله على ~~الظالمين)، أي: عذاب الله. # وقوله - عز وجل -: (وأتبعوا) أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا ~~عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عادا ~~كفروا ربهم (ألا بعدا لعاد قوم هود)، أي: ألا بعدا لهم من رحمة الله. # * * * # قوله تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ~~ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها ~~تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء # PageV06P147 # فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن ~~خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود (68) # وقوله - عز وجل -: (وإلى ثمود أخاهم صالحا ... (61) هو ما ذكرنا، أي: ~~أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. # وقوله: (أخاهم): فد ذكرنا أيضا أن الأخوة تتجه إلى وجوه ms2182 ثلاثة: أخوة في ~~الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب أفهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في ~~الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره): إن ~~الرسل صلوات الله عليهم جميعا أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله ~~وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما ~~دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحهيد الله ~~والعبادة له. # وقوله - عز وجل -: (هو أنشأكم من الأرض): وقال بعض أهل التأويل: (هو ~~أنشأكم من الأرض) يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق ~~الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة. . .) الآية ~~أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته ~~إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من ~~الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا. # ويشبه أن يكون قوله: (هو أنشأكم من الأرض) أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ~~ونماءهم # PageV06P148 # وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم ~~منها. # وقوله - عز وجل -: (واستعمركم فيها): قال بعضهم: أسكنكم فيها، وقال ~~بعضهم: استخلفكم فيها. وقال بعضهم: قوله: (واستعمركم فيها)، أي: جعلكم عمار ~~الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين ~~يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد. وقال ~~بعضهم في قوله: (واستعمركم) أي: جعل عمركم طويلا. # وقوله - عز وجل -: (فاستغفروه ثم توبوا إليه): هذا قد ذكرنا فيما تقدم في ~~قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف)، كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربي قريب): لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم ~~وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزع إليه، مجيب لدعاء كل داع ms2183 استجاب له؛ ~~كقوله: (وإذا سألك عبادي عني .. .) الآية؛ وكقوله: (وأوفوا بعهدي. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) قال بعضهم: ~~قولهم: (قد كنت فينا مرجوا) كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من ~~الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك. # وقال بعضهم: (كنت فينا مرجوا) كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي ~~تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة ~~تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام. # (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) قالوا هذا؛ احتجاجا لهم عليه فيما ~~دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد ~~عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب، أي: يريبنا أمرك ودعاؤك ~~لنا إلى هذا الدين. # PageV06P149 # قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا ~~له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين ~~والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا. هذا نعلمه ~~ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: (قد كنت فينا مرجوا قبل هذا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه ~~رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) أي: إن كنت ~~على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة ~~إليه. # والثاني: قوله: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) أي: قد كنت على بينة من ~~ربي (وآتاني منه رحمة) يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده. # (فمن ينصرني من الله) أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى ~~دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ~~ينصرني ms2184 دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه. # ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة ~~الأصنام التي عبدوها. # وقوله - عز وجل -: (فما تزيدونني غير تخسير): قيل فيه بوجوه: # قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسرانا. # وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسرانا لأنفسكم. # وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان. # وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته ~~الخسران. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) قال لهم هذا حين سألوا منه ~~الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو ~~هذه ناقة الله لكم فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه ~~الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية، أي: لكم آية التي سألتموها من ~~الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (ناقة الله): أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ~~ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته # PageV06P150 # خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة ~~عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية. # ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب ~~بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوما لهم بقوله: (لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم) ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: (فذروها تأكل في أرض الله)، ~~وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم ~~كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، ~~سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو ~~كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف ~~جزئية الأشياء إلى الله تعالى فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، ~~وإذا أضيف ms2185 إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو ~~قوله: (له ملك السماوات والأرض)، (وله كل شيء)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (ولا تمسوها بسوء) نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ~~ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك. وقال بعض أهل ~~التأويل: (ولا تمسوها بسوء) أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك ~~على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: (فعقروها فقال تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) وما ذكر أيضا أن وجوههم اصفرت في اليوم ~~الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم ~~العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضا مما لا نعرفه. # وقوله - عز وجل -: (عذاب قريب) قيل: سريغا لا تمهلون حتى تعذبوا. # وقوله: (ذلك وعد) من الله (غير مكذوب): ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما ~~نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم ~~العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم ~~يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها. . .) الآية، والله ~~أعلم. # PageV06P151 # وقوله - عز وجل -: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) أي: جاء ما أمر به كما ~~يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ~~ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ~~ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم. # (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا): بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ~~ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ومن خزي يومئذ) قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، ~~وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك ms2186 هو القوي العزيز) قيل: القوي: هو الذي لا ~~يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر ~~لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه ~~شيء. # وقوله - عز وجل -: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~(67) قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب ~~فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه ~~بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحوا في ديارهم جاثمين): قال هاهنا: ديارهم، وقال ~~في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة. قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم ~~منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواء. # وقوله: (جاثمين) قيل: خامدين موتى وأصل قوله: (جاثمين) أي: منكبين على ~~وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما ~~تقدم. # وقوله - عز وجل -: (كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود (68) قيل: كان لم يعيشوا فيها، وقيل: كان لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن ~~لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كان لم يكونوا فيها لما لا يذكرون يعد ~~هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كان لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار ~~فإنهم وأن ماتت أبدانهم وصارت كان لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون ~~بعد موتهم. # PageV06P152 # وقوله - عز وجل -: (ألا إن ثمود كفروا ربهم) قيل: كفروا نعمة ربهم، أو ~~كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله. # وقوله - عز وجل -: (ألا بعدا لثمود) أي: ألا بعدا لثمود من رحمة الله. # * * * # قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم ~~خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا إن ms2187 هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع ~~وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا ~~إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى): اختلفوا في هذه ~~البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد. وهو قوله: (فبشرناها ~~بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب). وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط ~~وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى ~~الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: (إني لعملكم من ~~القالين. . .) الآية، حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن ~~أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه ~~بسوء عملهم. قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعا: ببشارة الولد والحافد، وبشارة ~~هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل. # وقوله - عز وجل -: (قالوا سلاما قال سلام): هذا يدل أن السلام هو سنة ~~الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان ~~سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: (سلام ~~عليكم طبتم)، ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا. # ثم انتصاب قوله: (سلاما) وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول ~~عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم. # وقوله - عز وجل -: (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ). # PageV06P153 # وقوله: (فما لبث أن جاء) أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، ~~وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويا، فإن لم يكن ~~مشويا فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما ~~يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن ~~نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه ms2188 من أين وإلى أين؟ وما حاجتهم؟ ~~ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - إنما اشتغل ~~بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل ~~حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف ~~أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة ~~والملائكة لا يتناولون شيئا من الطعام. # وقوله: (بعجل حنيذ)، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ~~(فجاء بعجل سمين). # وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدا، فحمي فشوي بالحجر ~~المحمي. # وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء. # وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج. # PageV06P154 # وقوله - عز وجل -: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) # قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم ~~يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة ~~من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئا عندهم. # وقيل: نكرهم أنهم برمن البشر. # (وأوجس منهم خيفة). # قيل: أضمر منهم خوفا، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم ~~يتناولوا شيئا مما قدم إليهم. # وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئا مما ~~قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من ~~البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا ~~علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ ~~فخاف لذلك؛ فقالوا: (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) وقال في موضع آخر: ~~(إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة. . .) الآية. وقال في ~~موضع آخر: (إنا أرسلنا إلى قوم لوط). # وقال في موضع آحر: (لا تخف وبشروه بغلام عليم)، وقال: (فما خطبكم أيها ~~المرسلون) يذكر هاهنا أن قولهم: (إنا أرسلنا) على أثر سؤال، وفيما نحن ms2189 فيه ~~لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم ~~بقوله: (فما خطبكم)، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان ~~مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم ~~في كلام العرب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق ~~يعقوب (71) # قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ~~ألا ترى إلى قول الله - تعالى - (والقواعد من النساء. . .) الآية. # PageV06P155 # وقال بعضهم: (قائمة) من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟ # وقوله - عز وجل -: (فضحكت). # قال بعضهم: ضحكت، تعجبا من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو ~~أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم - عليه السلام - يبلغ عددهم ثلاثمائة، ~~على ما ذكر في القصة ضحكت تعجبا؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده ~~من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا. # وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجبا مما بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من ~~الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا. # وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن ~~عباس وعكرمة. وقال الفراء: (فضحكت): حاضت غير مسموع ولا معروف فعلى تأويل ~~من قال: إنها ضحكت تعجبا مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه ~~قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت. # وقال بعضهم: ضحكت سرورا بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم. # وقوله: (ومن وراء إسحاق يعقوب). # ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم ~~يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق ~~فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ~~(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة). # وقال في هذه السورة: (وامرأته قائمة فضحكت)، وقال في موضع آخر: (فأقبلت ~~امرأته في صرة فصكت). # PageV06P156 # فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ ms2190 فيكون إقبالها خروجها ~~إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ~~ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها ~~من صك وجهها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا ~~لشيء عجيب (72) وقال في موضع آخر: (وبشروه بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته ~~في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم) وقال هاهنا: (يا ويلتى أألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب). # هي لم تتعجب من قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها ~~تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا ~~هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال ~~الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا ~~بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: (رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر) وفي موضع آخر: (وقد بلغت من الكبر عتيا)، وقوله: ~~أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ~~(أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب). # وقوله - عز وجل -: (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت إنه حميد مجيد (73) # قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟ لكنه يحتمل وجهين: # أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل ~~بيتك. والثاني [ ### | ..... # وقوله - عز وجل -: (رحمت الله وبركاته عليكم). # يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (قالوا سلاما)؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا ~~سلاما حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم. # (أهل البيت). # بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله - عليه السلام - حيث قال: " تركت ~~بعدي # PageV06P157 # الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي ms2191 "، أي: يا أهل بيتى. # (إنه حميد مجيد). # يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: ~~من المجد والشرف. # وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط (74) # قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة. # (وجاءته البشرى). # في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: (ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى). # وقوله - عز وجل -: (يجادلنا في قوم لوط). # قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصة أنه قال ~~لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟ قالوا: لا ونحوه من ~~الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم وأمكن أن تكون مجادلته ~~إياهم في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: (يا إبراهيم أعرض عن هذا ~~إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) ويحتمل مجادلته إياهم في ~~استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ ~~لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أدق يبقيهم ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) # قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل ~~سفيه (أواه)، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو ~~الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، ~~وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربه. في هذه الأحرف الثلاثة جميع ~~أنواع الخير والطاعة ما كان فيما بينه # PageV06P158 # وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه ~~منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ~~ذكرنا هذا في سورة التوبة. # وقوله - عز وجل -: (يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود (76) يعني: عن المجادلة التي كان يجادلهم (إنه قد ms2192 جاء ~~أمر ربك) أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم (آتيهم عذاب غير ~~مردود) أي: غير مدفوع لا يحتمل الرد بالشفاعة. # ويحتمل قوله: (يا إبراهيم أعرض عن هذا) عن المجادلة التي، ذكر أنه قد جاء ~~أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك. # ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم. # * * * # قوله تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم ~~عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ~~(78) قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما ~~هي من الظالمين ببعيد (83) # وقوله - عز وجل -: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم): قوله (سيء بهم) قيل: ~~أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ~~(وضاق بهم ذرعا) أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء ~~قومه. # والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته (وقال هذا يوم ~~عصيب) قيل: فظيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال. # وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فبعد لم يظهر له شدته ~~لكنه قاله اجتهادا، والله أعلم. # PageV06P159 # ثم قوله: (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا) يحتمل: أن يكون ~~قوله: (سيء بهم وضاق بهم ذرعا) لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق ~~به ذرعا كذلك أيضا. ويحتمل قوله: (سيء بهم وضاق بهم ذرعا)، بسوء صنيع قومه ~~بأضيافه، الحرفان جميعا ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان ms2193 أضيافه، أو ~~يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ~~قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس ~~منكم رجل رشيد (78) قال بعضهم: يسرعون إليه. # وقال بعضهم: (يهرعون إليه) أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين ~~المشي بين بينين. # وقال بعضهم: قوله، (يهرعون إليه) أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين ~~إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن قبل كانوا يعملون السيئات) هذا يحتمل وجهين: ~~يحتمل قوله: (ومن قبل) أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون ~~السيئات. # ويحتمل قوله: (ومن قبل) أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون ~~السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، ~~والله أعلم. # وقوله: (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) اختلف في قوله: (بناتي هن ~~أطهر لكم) قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ~~ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم). # وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي ~~أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: (هؤلاء بناتي) أراد بنات قومه فنسبهن إلى ~~نفسه؛ # PageV06P160 # لما ذكرنا أنه كالأب لهم. # ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: # أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم. # أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين ~~الوجهين. # وقال بعضهم: أراد بنات نفسه. # ثم اختلف فيه. # قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر ~~لكم نكاحا إن كنتم قابلين للإيمان. # ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، ~~وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمدا - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه ms2194 محمدا آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه ~~يشتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن جعل الشاتم في قلبه غيره، ~~وكذلك إذا أكره على أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم ~~أنه إنما يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: (هن أطهر لكم) ~~تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد. # وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن ~~الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل ~~فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك. # أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر ~~وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر ~~من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراما فذلك مما يحل ~~بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال. # وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبى أن يزوجهن منهم؛ لما لم ~~يكونوا # PageV06P161 # كفؤا لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا ~~بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) وقال في موضع آخر: ~~(فلا تفضحون)، ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح ~~من نزل به. # وقوله - عز وجل -: (أليس منكم رجل رشيد) قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته ~~من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه. # وقوله - عز وجل -: (أليس منكم رجل رشيد) أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ~~ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما ~~يريدون ويقصدون. # وقوله - عز وجل -: (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ~~(79) على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق ~~الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة ms2195 أهل ~~التأويل: (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) أي: من حاجة (وإنك لتعلم ما ~~نريد) يعنون: الأضياف (قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) أي: ~~قوة في نفسي (أو آوي إلى ركن شديد) قيل: عشيرته. والركن الشديد عند العرب: ~~العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه ~~دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله. # وقوله - عز وجل -: (ما لنا في بناتك من حق) تأويله - والله أعلم -: أنك ~~تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا ~~عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم. # (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا ~~يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب (81) قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، ~~وهو كقوله: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر). # وقال قائلون قالوا ذلك للوط لما أوعدوا للوط، حين طمست أعينهم أن ضيفك ~~سحروا أبصارنا، فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا ~~إليك بسوء غدا بأنهم يهلكون. # ودل قوله: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) على أنهم قد هموا للوط ~~وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا ~~إليك، فهذا على ما ذكرنا. # PageV06P162 # وقوله - عز وجل -: (فأسر بأهلك بقطع من الليل) قيل: قطع من الليل: آخره ~~وهو وقت السحر. # وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل): (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) قيل: لا يتخلف أحد ~~منكم إلا أمرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك. # وقال بعضهم: (ولا يلتفت) من الالتفات والنظر. # وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما ms2196 ~~أصاب أولئك. # وقوله - عز وجل -: (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) يحتمل النهي عن ~~الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد. # ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فذلك ~~علامة لخلافها له. # وقوله - عز وجل -: (إن موعدهم الصبح)، فقالوا: (أليس الصبح بقريب): كأن ~~لوطا استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل ~~أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، ~~وأسفلها أعلاها، ولكن قال ذلك - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين ~~أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل منضود (82) # يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا. # أو أمره هو جعله عاليها سافلها. # ثم قال أهل التأويل قوله: (جعلنا عاليها سافلها) أدخل جبريل جناحه تحت ~~قريات لوط، فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما هو أعلاها أسفلها، فهوت ~~إلى الأرض؛ فذلك قوله: (والمؤتفكة أهوى) قيل: أهوى بها، جبريل من السماء ~~إلى الأرض. # PageV06P163 # وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، لكن ~~أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك. # وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها، على ما ذكر، وأرسل الحجارة ~~على من كان غائبا عنها. # وقوله - عز وجل -: (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل). # قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل. # وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها جبريل، فسواها، وكل واحد ~~منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه [فقتلته] حيث كان، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من سجيل) قال بعضهم: السجيل: هو اسم المكان الذي منه ~~رفع الحجر الذي أمطر. # وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: [سنك وكل] (1) (منضود) نضد الحجر ~~بالطين وألصق بعضه ببعض. (مسومة (83) معلمة، مخططة، سود الحمرة. ~~PageV06P164 # وقال بعضهم: (مسومة)، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها. # وقوله - عز وجل ms2197 -: (وما هي من الظالمين ببعيد). # قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد. # وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل أمكة، وحواليهم ببعيد، أي: عذاب الله ليس ~~ببعيد، فهو، يعذبهم إن شاء. # ويحتمل قوله: (وما هي من الظالمين ببعيد) أي: تلك القرى والأمكنة التي ~~أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: (وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين (137) # وبالليل) الآية، وفيه تذكير منته على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب ~~استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو ~~أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ~~وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد ~~آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا ~~قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا ~~بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ~~ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) ~~واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه ~~كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا ~~بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ~~ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون ~~من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء ~~أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة ms2198 منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ~~ثمود (95) # PageV06P165 # وقوله - عز وجل -: (وإلى مدين ... (84) أي: إلى مدين أرسلنا، (أخاهم ~~شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) هذا قد ذكرنا فيما تقدم: ~~أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له. # وفي قوله: (أخاهم شعيبا) وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل ~~من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: (أخاهم شعيبا)، ~~ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة ~~المؤاخى له؛ لأنه ذكر أن الرسل، إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد ~~قول الروافض في تفضيل علي على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله ~~وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه عليه السلام أنه قال: " لو ~~اتخذت سوى ربي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا ". # وقوله - عز وجل -: (ولا تنقصوا المكيال والميزان)، ذكر أنهم كانوا ينقصون ~~المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله ~~أعلم - لوجهين: # أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من ~~صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا. # PageV06P166 # والثاني: فيه أن أهبة، المشتري للبائع، وتقلبه أفيه، قبل قبضه على قيام ~~البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني أراكم بخير) قيل: في سعة من المال. # وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - ~~عز الشيء وضيق الحال، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر. # أو يقول: (إني أراكم بخير) في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، ولا ~~تمنعوا حقوقهم، (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط)، أي: يوم يحيط بهم العذاب ~~إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة ~~إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، ms2199 وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ~~ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ ~~جزءا دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على ~~أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر ~~فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: (أتأتون ~~الذكران من العالمين) و (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد. . .) ~~الآية. ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن ~~خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) خص المكيال والميزان. والله ~~أعلم - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري ~~الربا، كما ذكرنا. # PageV06P167 # وقوله - عز وجل -: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، فيه دلالة أن المشتري ~~يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أضاف إلى ~~الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان أشياء ~~البائع، فإنما نقص ماله. # وقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، وهو ما ذكر في موضع آخر: (ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). # وقوله - عز وجل -: (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم ~~بحفيظ (86) قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن ~~آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال. # وقال بعضهم: (بقيت الله خير لكم) أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم ~~مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، (بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) ~~بالحلال أو بالآخرة. # وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما ~~تفعلون. # وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ~~ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms2200 -: (وما أنا عليكم بحفيظ) يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: ~~لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن ~~إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: (وما أنا عليكم بحفيظ) أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، ~~كقوله: (ما على الرسول إلا البلاغ). # PageV06P168 # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ~~أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال بعض أهل ~~التأويل: صلاتك، أي: قراءتك تأمرك هذا. # وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيبا كان يكثر الصلاة، كأنه يخرج على ~~الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا. # وقوله: (أصلواتك) يحتمل أنها كانت صلوات، معروفة يفعلها، فيقولون: ~~أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ~~(أصلاتك)، وخصوا الصلاة من بين غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر ~~طاعاته عندهم، فقالوا له هذا. # ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: كأنهم، قالوا: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل. ~~. .) كذا على التسفيه له والتجهيل، كمن يوبخ آخر ويسفهه، فيقول له: أعلمك ~~يأمرك بذلك، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم)، ~~ونحوه من الكلام يخرج على التسفيه له أو التجهيل. # والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو ~~علمك يأمرك بهذا، أي: لا يأمرك بذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: (أصلاتك # PageV06P169 # تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) أي: لا ~~تأمرك بذلك، هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن ~~مرضية، فالتأويل هو الأول. # وقوله - عز وجل -: (ما يعبد آباؤنا)، الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في ~~عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، أفمنعهم هذا، عن ~~النظر في الحجج والآيات؛ لما حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم ~~عن النظر في آيات الله والتأمل في حججه أحد هذه ms2201 الوجوه التي ذكرنا: حب ~~اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله ~~وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك. # ثم قوله: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) يحتمل: قضاء جميع الشهوات. # ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد ~~فيها حق، نفعل فيها مانشاء. # وقال بعضهم: قوله: (أو أن نفعل): الألف صلة " وأن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء ". # وقوله - عز وجل -: (إنك لأنت الحليم الرشيد) قال بعضهم من أهل التأويل: ~~قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد عن ~~الضال، أي: أنت السفيه الضال؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، الضال، ~~حيث تركت ملتهم ومذهبهم. # وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد. # PageV06P170 # ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه ~~كذبا قط، ولا رأوه على خلاف ولا على سفاهة قط؛ فقالوا: (إنك لأنت الحليم ~~الرشيد)، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث ~~قالوا: (قد كنت فينا مرجوا). وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب (88) أي: على علم وبيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، ~~أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربى وحجج، (ورزقني منه رزقا حسنا): يحتمل ~~هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: (وآتاني رحمة من عنده) أي: قال شعيب: ~~(ورزقني منه رزقا حسنا)، الدين والهدى، والنبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون ~~الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ ~~وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل. # وقوله - عز وجل -: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) من الناس من ~~يقول: قال لهم ms2202 ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: (لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) يقول: أدعوكم إلى الإيمان ~~بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما ~~أدعوكم إليه؟! # وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأرتكبه، وهو واحد (إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت) أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت، وفيه دلالة على ~~أن الاستطاعة تكون مع الفعل لا غير، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو ~~استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، ~~ففيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة ~~تتقدم على الفعل، وهي لا # PageV06P171 # تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم في غير زمن الاستطاعة. # وقوله - عز وجل -: (وما توفيقي إلا بالله)، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة ~~كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص. # وقال بعضهم: التوفيق: هو ما يوفق بين فعله وقوله في الطاعة، والخذلان ما ~~يفرق بين قوله وفعله في المعصية. # وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة ~~كل شر ومعصية. # وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن ~~يفرق بين عمل الخير والاستطاعة. # أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (عليه توكلت) أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه ~~توكلت، (وإليه أنيب)، أي: أرجع. # أو يقول: إليه أقبل بالطاعة. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم ~~نوح ... (89) بالغرق، (أو قوم هود) بالريح الصرصر، (أو قوم صالح) بالصيحة ~~على ما ذكر. # قال بعضهم: (لا يجرمنكم) أي: لا يحكملنكم (شقاقي) قيل: خلافي أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب أولئك. # وقال بعضهم قوله: (لا يجرمنكم) أي: لا يؤثمنكم (شقاقي) أي: عداوتي أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب أولئك. # وقيل: (لا يجرمنكم) أي: لا يكسبنكم عداوتي. # وقال الحسن: (شقاقي): ضراري. # PageV06P172 # لكن كله ms2203 يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض ~~والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد. # وأصل الجرم: الإثم والذنب. # ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: # أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من ~~الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا ~~يؤمنون به. # والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ~~ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم ~~-أيضا- فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، ~~فإذا قلدتموهم في العبادة فهلا تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟ # أو يقول لهم: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا ~~تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد أعرفتم أن من هلك منهم بم هلك؟ ومن نجا ~~منهم بم نجا؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (وما قوم لوط منكم ببعيد) أي: إن نسيتم من مضى منهم، ~~فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم. # وقوله - عز وجل -: (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) ~~أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ~~ربكم، وهو التوحيد (ثم توبوا إليه) أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما ~~كنتم من قبل. # PageV06P173 # وقوله - عز وجل -: (ثم توبوا إليه) أي: ارجعوا إليه رجوعا حتى لا تعودوا ~~إلى مثل صنيكعم أبدا (إن ربي رحيم) يرحم من تاب إليه، والله يرحمه (ودود) ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: ودود: أي: حق أن يود؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على ~~حب من أحسن إليهم. # والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك ~~فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قوله: (ما نفقه) ~~يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيرا مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء ~~والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما ms2204 تقول؛ لأن كلامك ~~كلام مجانين. وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون. # ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيرا مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ~~(وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)، وهم كانوا في يقين: ~~فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: (قلوبنا غلف) فإن كان ما ~~تقول حقا نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: (قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر) كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن ~~قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية ~~للعلم، فلو كان حقا لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى ~~الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنا لنراك فينا ضعيفا) يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك ~~الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي ~~والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال ~~فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك ~~قالوا ما قالوا. # PageV06P174 # والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفا في بصره ~~ونفسه. # ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله اعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا رهطك) أي: قبيلتك. # وقيل: عشيرتك (لرجمناك) الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم. # ثم يحتمل قوله: (ولولا رهطك لرجمناك) وجهين: # أحدهما: (ولولا رهطك) أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا ~~يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم ~~عليه. # والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفا منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، ~~والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أنت علينا بعزيز) أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، ~~إنما أنت من أوساطنا أو (وما أنت علينا بعزيز) أي: ما ms2205 أنت من أجلتنا؛ لأن ~~العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون العز في غير ذلك، ولم ~~يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: # أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: (وإنا لنراك فينا ضعيفا) ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، ~~أرهطي أعظم حقا عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتمونى من النقمه ~~لحقهم وحرمتهم؟! # والثاني: قوله: (يا قوم أرهطي أعز عليكم) أي: رهطي أشد خوفا عليكم وأكثر ~~نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: (ولولا رهطك لرجمناك) أنه يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة ~~لهم. # والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا ~~له خوفا من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، ~~وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية. # PageV06P175 # أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه ~~إليكم وانعامه عليكم. # وقوله - عز وجل -: (واتخذتموه وراءكم ظهريا) قال بعضهم: قوله: (واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا) أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، ~~قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه. ولكن لا ~~ندري أيقال هذا أم لا. # فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم. # وقال غيره من أهل التأويل: قوله: (واتخذتموه وراءكم ظهريا) أي: نبذتم ~~الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ~~ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على ~~التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا ~~يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: (نكص على ~~عقبيه)، وقوله: (انقلبتم على أعقابكم) على التمثيل، أي: ms2206 الذي أنتم عليه في ~~القبح كالانقلاب على الأعقاب (إن ربي بما تعملون محيط) هذا يخرج على وجهين ~~-أيضا-: # أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ~~ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) هذا يخرج على ~~وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ ~~كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: (لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) فقال لهم هذا عند ذلك، ~~وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: (لا حجة بيننا وبينكم)، ~~وأمثاله. # والثاني: قوله: (اعملوا على مكانتكم إني عامل) أي اعملوا في كيدي، والمكر ~~في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: (فكيدوني جميعا ثم ~~لا تنظرون) وقوله: (فانتظروا إني معكم من المنتظرين)، ونحوه. # PageV06P176 # وقوله - عز وجل -: (سوف تعلمون) في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو ~~سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، ~~وتعلمون -أيضا- في العاقبة من الكاذب منا فحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من ~~الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف ~~تعلمون في العاقبة من الكاذب منا والمفتري على الله، والصادق عليه ~~(وارتقبوا إني معكم رقيب) أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ~~ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ... (94) هذا قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ ~~أي: هلكوا بصيحته. # وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء ~~مختلفة: مرة صاعقة، ومرة صيحة، ومرة رجفة. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحوا في ms2207 ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا ~~بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) هذا -أيضا- قد ذكرناه فيما تقدم. # قال بعض أهل التأويل: قوله: (ألا بعدا لمدين) في الهلاك (كما بعدت ثمود): # كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من ~~بين الأمم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ ~~فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم. # قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، ~~فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، ~~فذلك قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلة). # وقوله: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) من رحمته. # ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم. # PageV06P177 # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملإه ~~فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد ~~المرفود (99) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين) وهي الحجج. # يحتمل قوله: (بآياتنا وسلطان مبين) واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات ~~هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: (وسلطان مبين) هي الحجج ~~والبراهين على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إلى فرعون وملإه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون ~~برشيد (97) قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة ~~والأشراف، وهو كان مبعوثا إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعا؛ خص ~~بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثا إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم ~~إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان المقصود من الخطاب، الكل. # وقوله - عز وجل -: (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) قال بعضهم: ~~هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا ~~سبيل الرشاد) فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول الله: (وما أمر فرعون برشيد) أي: ~~يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي ms2208 عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال. # ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام ~~وغيره، وهو ما ذكر: (فاستخف قومه فأطاعوه). # وقوله - عز وجل -: (وما أمر فرعون برشيد) أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ~~ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا. # PageV06P178 # وقوله - عز وجل -: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد ~~المورود (98) قال بعضهم: أي: صار قدامهم. # وقال بعضهم: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار. # ويحتمل قوله: (يقدم قومه) أي: يكون إماما لهم يوم القيامة يتبعون أثره، ~~كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)، ~~وكقوله: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)، أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في ~~الآخرة. # ويشبه أن يكون قوله: (فأوردهم النار) أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور ~~توردهم النار تلك الأعمال كقوله: (فما أصبرهم على النار)، أي: ما أصبرهم ~~على عمل أهل النار. # وقال بعضهم: يتبعونه حتى يدخلهم النار. # وقوله - عز وجل -: (وبئس الورد المورود) قال بعضهم: بئس المدخل المدخول، ~~والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو ~~دخول منهم، قوله: (وبئس الورد المورود) وقوله: (وإن منكم إلا واردها)، ~~وقوله: (أنتم لها واردون) (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا)، فقال: والله ~~ليردنها كل بر وفاجر (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا). ~~وقوله: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) يحتمل: ~~اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم. # ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم. # وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعا. # يحتمل: يعذبون في الآخرة -أيضا- كما عذبوا في الدنيا. # ويحتمل: لعن الخلائق -أيضا- من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: ~~طردوا عن رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا، ولا يرحمون في عذاب الآخرة. # PageV06P179 # وقوله - عز وجل -: (بئس الرفد المرفود) عن ابن عباس: (بئس الرفد المرفود) ~~يقول: لعنة الدنيا والآخرة. # وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ms2209 ~~ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف. # وقال بعضهم؛ الردف العون، وهو قول القتبي. # وقال القتبي: الرفد: العطية، والمرفود: المعطى؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته ~~وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطى، وكذلك قال أبو عوسجة: بئس ما أعطوا ~~وأعينوا، وبئس المعطى، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ~~ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود (104) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين ~~سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء ~~غير مجذوذ (108) # وقوله - عز وجل -: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد) قوله: ~~(ذلك من أنباء القرى): ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من ~~أنباء الغيب نقصه عليك؛ ألتفهم رسالتك بها، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم ~~تشاهدها، ولا اختلفت إلى أحد منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك ~~فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ~~ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك. # PageV06P180 # وقوله: (منها قائم وحصيد) قال بعض أهل التأويل (منها قائم): ترى مكانها ~~وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثرا ولا مكانا. # وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة. # وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى ~~أكثر. # وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت ~~القرى لأهل الإسلام؛ لأنه ms2210 يقول في قرى عاد: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) ~~الآية، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعا نحو قوم نوح؛ أهلكوا ~~ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضا حتى لم يبق لا الأهل ولا ~~البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: (منها قائم) هلك أهلها وبقي ~~البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه ~~وجوه ثلاثة: # أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ~~(إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجرا ~~لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه. # هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم ~~التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) ~~قوله: (وما ظلمناهم) فيه وجهان: # أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله - تعالى - وكل ذي ملك له أن يهلك ~~ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم ~~في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم. # والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم ~~بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل ~~هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا ~~غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله ~~لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا ~~بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان. # PageV06P181 # وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوها: # أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله. # والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله ~~وتوحيده إلى عبادة غير الله. # والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب. # وقوله: (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء ms2211 أمر ~~ربك) في هذا وجهان: # أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ~~ربك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: (ما نعبدهم. . .) الآية، يخبر أن عبادتهم ~~الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا. # والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال ~~إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) فإذا لم ~~يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما زادوهم غير تتبيب) يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها ~~غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب. # والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير. # وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد. # وكذلك قال في قوله: (وما كيد فرعون إلا في تباب) أي: فساد. # وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير. # وكذلك قالوا في قوله: (تبت)، أي: خسرت. # وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك. # وكذلك قالوا في قوله: (تبت يدا أبي لهب وتب) وكذلك قالوا في قول الناس: ~~تبا لك. # PageV06P182 # وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتب: الشر والخسران، ~~وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ~~شديد (102) أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا ~~الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة لكن أخر عن هذه ~~الأمة، وفيه رحمة (إن أخذه أليم شديد)، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، ~~الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن ~~لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود (103) هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف ~~عذاب الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ذلك يوم مجموع له الناس) خص الناس بالذكر وإن كان ~~الجمع لهم ms2212 ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون ~~بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون (وذلك ~~يوم مشهود). # قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) أي: ما نؤخر العذاب ~~عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من ~~العذاب بقولهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) ونحوه، ~~فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل ~~معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدودا عند ~~الناس، ويكون وقت القيامة معلوما على قوله، وقد أخبر الله: (لا يجليها ~~لوقتها إلا هو) والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) ~~أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى)، أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: (مهطعين مقنعي ~~رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم # PageV06P183 # هواء) وكقوله: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) أو لا تكلم ~~نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمنهم شقي وسعيد): فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي ~~إذا اختارها وعملها أدخلته النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات ~~التي إذا اختارها وعملها أدخلته الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو ~~سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به. # روي في ذلك خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية: (فمنهم شقي وسعيد) سألت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أو ~~شيء لم يفرغ منه؟ قال: " بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ~~ولكن كل ميسر ms2213 لما خلق له " فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأما الذين شقوا ففي النار ... (106) لما ذكرناه (لهم ~~فيها زفير وشهيق) قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ~~ينهق، وأما الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، ~~فهو شهيق. # وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء ~~يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: (سمعوا لها تغيظا وزفيرا)، والشهيق هو ما يرتفع ~~منه الصوت يسمى شهيقا. # ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم ~~حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم. # PageV06P184 # وقوله - عز وجل -: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ~~إن ربك فعال لما يريد (107) عن الحسن قال: (ما دامت السماوات والأرض): تبدل ~~سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ ~~لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: (ويوم تشقق السما)، و ~~(يوم نطوي) و (يوم تبدل)، ونحوه. # وقال بعضهم: قوله: (ما دامت السماوات والأرض) إنما هو صلة الكلام؛ كأنه ~~قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة. # وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبدا ما دامت السماوات والأرض الأهل الدنيا ~~ما كانوا فيها؛ لأئهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، ~~فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض. # وقال بعضهم: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) أي: ما دامت سماء ~~الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل ~~الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا ~~قبل هلاك سمائها وأرضها. # وقال بعضهم: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) أي: ما دامت الأرض ~~أرضا والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ ~~يقول الرجل لآخر: لا ms2214 أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبدا. # هذا تأويل قوله: (ما دامت السماوات والأرض) وأما قوله: (إلا ما شاء ربك) ~~قال بعضهم: إن ناسا من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم ~~وخطاياهم ثم يخرجون منها. وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري ~~وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة "، يعني: # PageV06P185 # الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد (إلا ما شاء ربك) يقول: لم يشقوا ~~شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين ~~لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار. # وفي بعضها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أما من يريد الله ~~إخراجه من النار، فإنهم يماتون فيها إماتة ". # وقال في خبر آخر: " أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها " وأمثال ~~هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد. # وقال بعضهم: قوله: (إلا ما شاء ربك) أي: قد شاء لأهل النار الأبد ~~والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع. # ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: (ما دامت السماوات ~~والأرض) في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: (إلا ما شاء ربك) وفي الأخرى: (ما ~~دامت السموت والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما ~~لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء ~~الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود ~~الأبد في الجنة. وقال في ذلك أقوالا لا أدرى إلى من تسند، إلا أن لها مخارج ~~في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني ~~العربية، والله أعلم بما أراد. # قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ~~ليفعلنه، ثم يقول -: إن شاء الله، وعزمه وضميره مع استثنائه أنه ms2215 فاعله، لا ~~يريد غيره. # ومما يقوي هذا المذهب قول الله - تعالى -: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين)، فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة. # ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: " ولا ~~تحل لقطتها إلا لمنشد ". # PageV06P186 # وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره. # والوجه الثاني بأن يكون " إلا " في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: ~~عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف ~~التي قبل ذلك وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك، فيكون ~~المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة ~~والمنزلة التي لم يذكرها لهم. # ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~قال الله - تعالى -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه " ثم قرأ: (فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين. . .) الآية. أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم ~~عليه. # والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما ~~بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ ~~الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن ~~الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب. # ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) ~~قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فقد اختلف القراء في ~~قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة. بضم السين (سعدوا) وأما أبو عمرو وأهل ~~المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سعدوا) على قياس (شقوا). # قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما ms2216 هو سعدوا بفتح السين. # وقال أبو عوسجة (غير مجذوذ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: (فجعلهم جذاذا) أي ~~قطعا، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له. # PageV06P187 # قوله تعالى: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد ~~آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا موسى الكتاب ~~فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110) ~~وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # وقوله - عز وجل -: (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما ~~يعبد آباؤهم من قبل) تأويله - والله أعلم -: لا تكن يا محمد في شك بأن ~~هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في ~~عبادتهم الأصنام والأوثان فأهلكوا إذا بلغوا ذلك الحد، فهؤلاء -أيضا- قد ~~بلغوا ذلك المبلغ؛ أي: مبلغ الهلاك، لكن الله برحمته وفضله أخره عنهم إلى ~~وقت. # أو يقال: إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة ~~المبلغ الذي كان بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله. # أو كان في قوم قد أظهروا الموافقة لهم، وكانوا يعبدون الأصنام في السر ~~على ما كان يعبد آباؤهم، فقال: هؤلاء وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا ~~بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم، والله أعلم هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم؛ ليجعل شغله بغيرهم. # والثاني: إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لم يؤمن قوم موسى بأجمعهم؛ بل قد ~~آمن منهم فريق، ولم يؤمن فريق، فعلى ذلك يكون قومك. # وقوله - عز وجل -: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) قال بعضهم: قوله: ~~وإنا لموفوهم نصيبهم في الدنيا من الأرزاق، وما قدر لهم من النعم (غير ~~منقوص)، لا ينقص ما قدر لهم؛ أي: لا يهلكون حتى يوفى لهم الرزق. # وقال قائلون: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) أي: لا ينقصون من أعمالهم ~~شيئا، ولا يزادون عليها، إن كان حسنا فحسن، وإن كان ms2217 شرا فشر؛ فهو على ~~الجزاء. # وقال بعضهم: قوله: (وإنا لموفوهم نصيبهم) يقول: إنا نوفر لهم حظهم من # PageV06P188 # العذاب في الآخرة، غير منقوص عنهم ذلك العذاب. # وقوله: (وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) إن كان التأويل في قوله: (فلا تك ~~في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل) على الإياس ~~من قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى: ~~(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم. . .) الآية، وإن ~~كان الثاني فهو ما ذكر في آية أخرى قوله: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا موسى الكتاب (110) أي: التوراة (فاختلف ~~فيه) أي: اختلف في الكتاب، والاختلاف فيه يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: في الإيمان به والكفر منهم، من آمن به، ومنهم من كفر. # والثاني: اختلفوا فيه: في الزيادة والنقصان، والتبديل والتحويل والتحريف؛ ~~كقوله: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب. . .) الآية، وكقوله: (فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم. . .) الآية. وقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) ~~وأمثاله من الآيات. # والوجه الثالث: من الاختلاف: اختلفوا في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا ~~به وقبلوه، فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا، وأما التبديل والتحويل ~~والتحريف، والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب ~~بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال: (لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه. . .) الآية وجعله ميسرا على ألسن الناس وقلوبهم، حتى ~~من زاد، أو نقص، أو بدل، أو حرف شيئا أو قدم، أو أخر عرف ذلك، فهو - والله ~~أعلم - لما لا يحتمل إحكام هذا نسخها ولا شرائعه تبديلها، وأما الكتب ~~السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله: (بما استحفظوا من كتاب الله) فهو - ~~والله أعلم - لما احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها، لذلك كان الأمر ~~ما ذكرناه. # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) ذكر هذا لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصبره على ما اختلف فيه قومه في الكتاب الذي أنزل عليه؛ ms2218 ~~يقول: وقد اختلف فيما أنزل على من كان قبلك كما اختلف فيما أنزل عليك. # PageV06P189 # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة سبقت من ربك) بالهلاك إهلاك استئصال ~~واستيعاب. # وكلمته التي سبقت تحتمل ما كان من حكمه أن يختم الرسالة بمحمد وأن يجعله ~~خاتم النبيين، وأمته آخر الأمم، بهم تقوم الساعة، يحتمل أن يكون كلمته التي ~~ذكر هذا الذي ذكرناه. # وتحتمل وجها آخر: وهو أن كان من حكمه أنهم إذا اختلفوا في الكتاب والدين، ~~وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، ولا يجدون سبيلا إلى الدين أن يبعث رسولا ~~يبين لهم الدين، ويدعوهم إلى الهدى؛ لولا هذا الحكم الذي سبق وإلا لقضي ~~بينهم بالهلاك. # والثالث: لولا ما سبق منه أن يؤخر العذاب عن هذه الأمة إلى وقت وإلا لقضي ~~بينهم بالهلاك. # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) يحتمل الكملة ~~التي ذكر أنها سبقت في قوم موسى، وهو أنه لا يهلكهم بعد الغرق إهلاك ~~استئصال، والتوراة إنما أنزلت من بعد، فقد آمن أمن قومه قوم، وهو ما قال: ~~(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وإنهم لفي شك منه مريب) يحتمل قوله: (لفي شك منه) في ~~الدين (مريب). # وقال بعضهم: (لفي شك منه) يعني: من العذاب مريب وقد ذكرنا الفرق بين الشك ~~والريب فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون ~~خبير (111) قيل: (لما) هاهنا صلة، يقول - والله أعلم -: وإن كلا ~~[(ليوفينهم)] ربك جزاء أعمالهم في الآخرة إن كان شرا فشر، وإن كان حسنا ~~فحسن. # ومن قرأ (لما) بالتشديد فتأويله يحتمل وجهين: # PageV06P190 # أحدهما: إلا. # والثاني: لما؛ أي: " لممما " اجتمع فيها ميمات طرحت الواحدة وأدغمت ~~إحداهما في الأخرى. # وقوله - عز وجل -: (إنه بما يعملون خبير) وهو وعيد. # * * * # قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ~~(112) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون (113) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ms2219 من الليل إن ~~الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (115) # وقوله - عز وجل -: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) وقال في موضع ~~آخر: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت) قال بعضهم قوله: (فاستقم كما أمرت ومن ~~تاب معك) الاستقامة هو التوحيد؛ أي: استقم عليه حتى تأتي به ربك؛ كقوله: ~~(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على ذلك حتى أتوا على الله به. # وقال بعضهم: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا) بما تضمن قوله: (ربنا الله) ~~لأن قوله: (ربنا الله) إقرار منه له بالربوبية، فيجعل في نفسه وجميع أموره ~~الربوبية لله، والألوهية له، ويجعل في نفسه العبودية له؛ هذه هي الاستقامة ~~التي ذكر، والله أعلم، أن يجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، ~~والألوهية له، ويأتي ما يجب أن يؤتى، وينتهي عما يجب أن ينتهي، ويتبع جميع ~~أوامره ونواهيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاستقم) لرسول الله، يحتمل على تبليغ الرسالة إليهم. # وقوله: (فاستقم كما أمرت) يخرج على وجهين: # أحدهما: استقم على ما أمرت ومن آمن معك -أيضا- يستقيم على ما أمروا. # والثاني: يقول: امض إلى ما أمرت حرف (كما) يخرج على هذين الوجهين اللذين ~~ذكرناهما على ما أمرت، وإلى ما أمرت. # PageV06P191 # وقوله: (ومن تاب معك) من الشرك، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا ~~وأدوا بلسانهم (ولا تطغوا) قال بعضهم الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل ~~له. # وقوله: (إنه بما تعملون بصير) هذا وعيد. # وقوله - عز وجل -: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من ~~دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113) قال الحسن: هو صلة قوله: فاستقم كما ~~أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. # قال الحسن: بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة. # الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن ~~إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد ms2220 هذه الآية. # (وما لكم من دون الله من أولياء) في دفع العذاب عنهم، أو إحداث نفع لهم. # (ثم لا تنصرون) لا ناصر لهم دونه، ولا مانع، والله أعلم. # وتأويل قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) في ظلمهم (فتمسكم النار. . .) ~~الآية، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسه ~~النار، وكأنه إنما خاطب به الأتباع؛ يقول: لا تركنوا إلى الكبراء منهم ~~والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار. # وقال بعض أهل التأويل نزل قوله: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) في رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه؛ يقول: ولا ~~تميلوا إلى أهل الشرك، ولا تلحقوا بهم. # وقوله - عز وجل -: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ... (114) ~~صلاة المغرب، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث: صلاة الفجر في الطرف ~~الأول، وصلاة العصر في الطرف الأخير (وزلفا من الليل) صلاة المغرب؛ لأنه ~~ذكر زلفا من الليل، والزلف هي القرب منه؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة ~~إليه؛ فيكون قوله: (وزلفا من الليل)، أي: قريبا من طرفي النهار من الليل، ~~وهو المغرب، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق الليل)، ذكر دلوك الشمس، وهو زوال الشمس، وغسق الليل: العشاء، أو في ~~قوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون)، (حين تمسون): صلاة العصر، (وحين تصبحون): صلاة ~~الفجر (وعشيا): صلاة العشاء (وحين تظهرون): صلاة الظهر، وليس لصلاة المغرب ~~ذكر في الآية، لكنها ذكرت في قوله: (وزلفا من الليل). # PageV06P192 # وقال بعضهم: (وزلفا من الليل): هو ساعات الليل، إلا أن بعض أهل التأويل ~~صرفوها إلى الصلوات الخمس، وقالوا: قوله: (طرفي النهار): صلاة الصبح والظهر ~~والعصر (وزلفا من الليل) المغرب والعشاء. # وقال الحسن: هما زلفتان من الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى ذلك ~~جاءت الآثار في قوله (إن الحسنات يذهبن السيئات) الحسنات هي الصلوات الخمس. # وروي أن رجلا أصاب من امرأة كل شيء ms2221 إلا الجماع، فندم على ذلك، فأتى رسول ~~الله، فسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أدري ما أرد عليك ~~حتى يأتيني فيك شيء من الله. # قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت الصلاة، فلما فرغ من صلاته نزل عليه جبريل ~~بتوبته فقال: (وأقم الصلاة طرفي النهار) غدوة وعشية، صلاة الغداة والظهر ~~والعصر (وزلفا من الليل) صلاة المغرب والعشاء (إن الحسنات) يعني: الصلوات ~~الخمس (يذهبن السيئات). (ذلك): يعني: الصلوات الخمس (ذكرى للذاكرين) قال: ~~توبة للتائبين، فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا رسول ~~الله، أخاص له أم عام؟ قال، " لا، بل عام للناس كلهم " فإن ثبت هذا فهو ~~الأصل في ذلك. # وعن عثمان - في بعض الأخبار - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: " الصلوات الخمس الحسنات يذهبن السيئات " فقالوا: فما الباقيات ~~الصالحات يا عثمان؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان # PageV06P193 # الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الصلوات ~~كفارات الخطايا، واقرءوا إن شئتم: (إن الحسنات يذهبن السيئات). # وعن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات) قال: الصلوات الخمس. # وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مثل الصلوات ~~الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ". # والأخبار في هذا كثيرة. # وقال بعضهم: فيه ذكر أربع صلوات، يقول: (طرفي النهار): الفجر والعصر ~~(وزلفا من الليل): المغرب والعشاء. # وقد جاءت الآثار في أن الحسنات هن خمس صلوات. # وقوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) قال بعضهم: فعل الصلوات نفسها، وهو ما ~~ذكرنا من الأخبار إن ثبت. # وقال بعضهم: نفس الصلاة لا تكفر، ولكن تذكر ما ارتكب من الذنوب فيندم ~~عليها؛ فذلك يكفر، وهو كقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. . .) ~~الآية، أخبر أن الصلاة تنهى، ولا تنهى إلا بعد أن تذكر ذلك. # وقال بعضهم قوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء)؛ أي: تمنع عن ms2222 الفحشاء؛ أي: ~~ما دام فيها. # ويحتمل قوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات) الصلوات وغيرها من الحسنات؛ فيه ~~إخبار أن من الحسنات ما يكفر شيئا من السيئات، والله أعلم. # وقوله: (ذلك ذكرى للذاكرين) (ذلك) الذي سبق ذكره (ذكرى) عظة للمتعظين. # PageV06P194 # وقوله - عز وجل -: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) ظاهر ما ~~ذكر من الكلام أن يقول: فإن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ لأنه ذكر الصبر ~~بقوله: (واصبر)، لكن يحتمل قوله: (واصبر) عن الشرور كلها وأحسن، فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم. # أو يقول: اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات، أو تبليغ ما كلفت التبليغ ~~إليهم. # ويحتمل وجها آخر: اصبر على أذاهم ولا تكافئهم فإذا لم تكافئهم، فقد أحسنت ~~إليهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أو يقول هو له: (إن الحسنات) والله ~~أعلم. # قال أبو عوسجة: قوله: (وزلفا من الليل): ساعات من الليل. وقال: الزلفة: ~~المرحلة، والزلفة: القربة؛ كقوله: (وإن له عندنا لزلفى) أي: لقربة. # وقال أبو عبيدة: الزلف: جمع زلفة، وهي الساعة، وهي المنزلة على ما قلناه. # * * * # قوله تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين (116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ~~ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين (120) # وقوله - تعالى -: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض إلا قليلا) وظاهر هذا يخرج على المعاتبة أو التنبيه ~~والتذكير؛ لأنه يقول: (فلولا كان من القرون) أي: لم لا كانوا كذا؟ فليس ثم ~~من أولئك من يعاتب أو ينبه، لكنها تخرج على وجهين: # PageV06P195 # أحدهما: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية) أي: فهلا كانوا ms2223 ذوي ~~بقية (ينهون عن الفساد في الأرض) معناه - والله أعلم -: هلا كثر أهل ~~الإسلام فيهم حتى قدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ لأنهم إذا كانوا ~~قليلا لم يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ نحو لوط وأهله، كانوا عددا ~~قليلا كيف كان يقدر على النهي عن الفساد، أو المنع عن ذلك، وكنوح -أيضا- ~~كان معه نفر يقل عددهم، لم يقدروا على منع قومه عن الفساد ونحوه. # فإذا كان ما ذكرناه فكأنه - والله أعلم - يقول: هلا كثر أهل الإسلام ~~وأولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض. # والثاني: (فلولا كان من القرون من قبلكم) أي: قد كان منهم أولو بقية، ~~لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعا إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم، وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا بين أولئك. # حاصل هذا يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما: # أحدهما: لم يكن منهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ على ما قاله ~~بعض أهل التأويل. # والثاني: كان فيهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوهم عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا منهم فإنهم قد نهوهم عن ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) هو يخرج على وجهين: ~~يحتمل: واتبع: الأتباع والسفلة الذين ظلموا من أترفوا فيه من الأموال أي: ~~وسع عليهم وأعطوا الأموال وهم الأجلة والأئمة منهم أي: آثروا اتباع الأئمة ~~والأجلة الذين أترفوا فيه على اتباع الرسل والأنبياء. # والثاني: (واتبع الذين ظلموا) وهم الأجلة والأئمة (ما أترفوا فيه) أي: ما ~~أعطوا من الأموال أي: آثروا الدنيا وما فيها على اتباع الرسل والأنبياء. # أحد التأويلين يرجع إلى السفلة والأتباع، وهو الأول، والثاني إلى الأجلة ~~والأئمة هم آثروا اتباع الدنيا على اتباع الرسل، ثم تبعهم الأتباع والسفلة ~~في ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ~~أي: ما كان ربك ليهلك القرى إهلاك استئصال وانتقام وأهلها كلهم مصلحون، أو ~~أكثر أهلها # PageV06P196 # مصلحون، إنما يهلك القرى إذا كان أهلها كلهم ms2224 مفسدين، أو عامة أهلها ~~مفسدين؛ هذا يدل على أن الحكم في الدار إنما يكون بغلبة أهلها: إن كان أكثر ~~أهلها أهل الإسلام فالحكم حكم الإسلام، وإن كان عامة أهلها أهل الحرب ~~والكفر فالحكم حكمهم، ولا يسمى أهلها كلهم بالكفر والفساد إذا كان أكثر ~~أهلها مصلحين؛ ألا ترى أنه قال في قوم لوط: (إنا منزلون على أهل هذه القرية ~~رجزا من السماء) سمى أهل القرية، قرية وإن كان فيها لوط وأهله مصلحون لم ~~يعد لوطا وأهله من أهلها. # وقوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) أي: لا يكون في إهلاكهم ظالما. # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الخلق له، فهو بإهلاكه لم يكن ظالما؛ لأنه أهلك ماله. # والثاني: أنه إنما يهلكهم بظلم كان منهم؛ كقوله: (وما ظلمناهم. . .) ~~الآية، أي: إنما يهلكهم بشيء اكتسبوه، فهم بما اكتسبوا ظلموا أنفسهم، وهو ~~كقوله: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). # وقوله: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) قالت ~~المعتزلة: هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر، وذلك مما يدفع المحنة، ويزول ~~لديه المثوبة والعقوبة، وكذلك في قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا). # وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة، مشيئة لا تزول معها المحنة، والذي ~~يدل عليه خصال: # أحدها: أن الله تعالى قد عرفنا الإيمان والدين الذي يقع به اجتماع، أو ~~فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ~~ومجازاتها، ومحاسن الأمور وقبيحها، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس ~~بالأمرين جميعا أنه لا يكون إلا بالاختيار، ولا يوصل إلى السبب الذي به ~~يدان إلا بالاستدلال أو التعليم؛ إذ هو طاعة وتصديق، وذلك يكون ممن لا يحس، ~~وطريقه الاجتهاد، وكل ذي أضداد القسر، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه ~~قد عرفنا أنه لا يكون سمعا وعقلا، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن ~~يكون لا يكون، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم، وهو منذ كان ~~الخلق بين أن ms2225 كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم # PageV06P197 # يشأ، فكان عندهم، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز، ثم يدع أن له ~~القدرة بها، يقهر ما يشاء، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه ~~يقدر على الصعود، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض. ~~على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفه والكذب، إذ ~~من يقدر على فعل شيء لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة. # ثم لو كان ذلك كله بلا غير، يصير له فعلا، فكان يكون في الحقيقة سفيها ~~كذوبا، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره ~~أو حكمته تحتمل المضادات، فهو مسئول عما يفعل، مطالب بالحجج، فأنى يكون لمن ~~ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك. # والثاني: أن الذي يكون بالقسر والقهر يكون أمر الخلقة، لا أمر فعل العبد، ~~وذلك في الحقيقة لله، لا للبشر، وما هو له من جهة الخلقة موجود؛ لأن نفس كل ~~أحد بالخلقة مؤمن، وقد شاء الله تلك المشيئة، فالقول ب لو شاء لا معنى له؛ ~~بل قد شاء وكان، ولا قوة إلا بالله. # والثالث: أنه وعد أن لو شاء أن يجعل كذا لفعل؛ وهو لو فعل لكان يجعل من ~~قد آمن منهم في الحقيقة مؤمنا في المجاز، كافرا في الحقيقة؛ لأنهم بهذا ~~يصيرون أمة واحدة؛ إذ صار كثير منهم مؤمنين بالاختيار، لا يحتمل أن يجعلهم ~~على غير ذلك، فيكون محمودا عدلا، والله الموفق. # ثم الأصل أن الله - تعالى - قد جعل أدلة كل موعود في الحس ظاهرا، وكل ~~مقدور عليه بالوعد والدعوى له مما جبل عليه أمرا بينا، وهذا النوع من ~~المشيئة عندهم والدعوى بما جعل جميع مانع لأن يكون كائنا، فيصير بالذي به ~~ادعى لنفسه من القدرة مكذبا بما جعل لمنع مثله الأدلة، ومن ذلك وصفه، فهو ~~غير حكيم، جل الله عن هذا. # على أن المتأمل بما أخبر يجد حقيقته دون أن ms2226 يحتاج إلى دليل يوضح قدرته ~~على ما ادعى على بقاء المحنة سبيلا سهلا بحمد الله لا يحتاج إلى ما ذكروا ~~من المكابرة، وهو ما قال الله - تعالى -: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة. ~~. .) الآية. # PageV06P198 # ومعلوم أنهم لو كفروا جميعا بما ذكر لكانوا مختارين، وإلى ما جاءوا به ~~غير مضطرين، فإذا استقام كونهم على دين الكفر بذلك لا يحتمل ألا يوجب ذلك ~~بقاء على الإيمان لو كانوا مختارين لذلك يستقيم كونهم على دين الإيمان ~~مختارين، أو لو جعل ذلك للمؤمنين، فيقدرون على قولهم أن يجعلهم كفارا ~~بالمحنة، لا يقدر على أن يجعلهم مؤمنين بها؛ لأن ذلك وصف العجز عندهم، وإن ~~كان لا يكون كذلك عندنا؛ لأنه يستقيم القول بالأقدار على إحداث غيره، ومحال ~~القول على جعل غيره قديما، أو على إحواج غيره إليه لا يحتمل الوصف بالقدرة ~~على إغناء غيره عنه، وعليهم أوضح؛ إذ أجازوا له القدرة على كل حركة للعبد ~~وسكون بالاضطرار، ولم يجوزوا في ذلك بالاختيار، اللهم إلا أن يقولوا: لا ~~يجوز أن يكون العبد غير كامل القدرة، وهي القدرة على مضادات الأشياء، والله ~~يجوز له الوصف بالقدرة الناقصة، فيكون قريبا مما جعلوا للعبد قدرة على ما ~~يجهل الرب، ويجعله كاذبا فيما يخبر على بقاء الربوبية له، والله لا يقدر ~~على مثله في العبد على بقاء العبودية له بالمحنة، أو ما أقدروا العبد على ~~إهلاك من وعد الله فيه الإبقاء، ويريد ذلك، وذلك فضله، ووعد له مع ذلك أن ~~يعطيه كذا، فيأتي معاند فيقتله، ويمنع الرب عن إنجاز وعده، وعن سلطان ~~بقائه؛ جل الرب عن هذا، وذلك في قولهم فيما يضرب الله لنبي أو صديق أجلا ~~يرى به مصلحة عباده يقدر الكافر على قتله قبل مجيء ذلك الأجل، وإبطال جميع ~~ما وعد [والإيفاء] بما هو صنيعه من إبقاء الحياة فيه، ولا يقدر الله على ~~إنجاز ما وعد وإيفائه على ما أراد، والعبد بحاله إلا أن يعجزه، أو يميته، ~~أو يجعله زمنا، والله المستعان. # ثم الأصل أن كل مريد بفعله ms2227 فيما فعله أمرا لا يكون ذلك، وهو لم يكن فعله ~~إلا لذلك يوجب أحد أمرين في الحكمة: إما جهلا بالعواقب وخطأ بالفعل؛ كمن ~~يفعل فعلا يحزن عليه أو يلحقه به مكروه، فهو لا يفعله له يظهر فاعله أنه عن ~~جهل فعل، وعلى الخطأ خرج فعله، وعلى ذلك معنى التحذير في الخلق والتنبيه ~~بقولهم: " لدوا للموت وابنوا للخراب " وسرق ليقطع، وبارز ليقتل من حيث كان ~~والثاني متصلا بالأول ينبه عن الغفلة على إرادة التحذير أنه إليه يئول أمر ~~فعله وعلى ذلك قوله: (فالتقطه آل فرعون. . .) # PageV06P199 # أو أن يقال ذلك على أنه كذلك في فعله عند الله وإن جهله هو، أو يوجب ~~السفه في الفعل والعبث؛ إذ هو يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون، أو يريد ما ~~يتيقن أنه لا يبلغ، وإذا كان كذلك فإعطاء الله - تعالى - القدرة ليؤمن، أو ~~خلقه ليعبد، وأراد أنه يفعل ذلك، واختار ذلك الفعل، لذلك يوجب أحد ذينك ~~الوجهين جل الله عنهما وتعالى، وقد ثبت أن الله - تعالى - عالم بالعواقب، ~~متعالي عن العبث، ثبت أنه خلق من خلق، وأعطى ما أعطى لما علم أنه يكون، وقد ~~علم ما يكون، وعلى هذا التقدير يخرج الأمر في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم. . ~~.) الآية، وقوله: (ولا تعجبك أموالهم، الآية. # وقوله - عز وجل -: (ولا يزالون مختلفين) أنه خلقهم للذي علم أنهم يصيرون ~~إليه من اختلاف أو اتفاق، أو عداوة أو ولاية، لا يريد غير الذي علم، ولا ~~يعلم غير الذي يكون ممن يعلم ما يكون، ولا قوة إلا بالله. # وقالت المعتزلة: قوله: (ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم ... (119) أي: للرحمة خلقهم؛ فقال: بعض متكلمي أصحابنا: إن الرحمة ~~تذكر بالتأنيث وهو إنما ذكر بالتذكير؛ حيث قال: (ولذلك خلقهم) ولم يقل: ~~ولتلك خلقهم دل أنه ليس على ما يقولون. # وقال قائلون: للاختلاف خلقهم إلا من رحم ربك. # وقال بعضهم: هو صلة قوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) ~~أي: خلقهم لئلا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. # وعندنا ما ms2228 ذكرنا أنه خلقهم للذي علم أنه يكون منهم، وأنهم يصيرون إليه من ~~ألاختلاف أو الاتفاق، أو العداوة أو الولاية، لا يخلقهم لغير الذي علم أنه ~~يكون منهم، ولا يريد -أيضا- غير ما علم أنهم يصيرون إليه، ولا يعلم غير ما ~~يكون منهم، والله الموفق. # وتأويل المعتزلة في قوله: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أنها مشيئة ~~القسر والقهر، فذلك بعيد؛ لأنه لا يكون في حال القهر والاضطرار إيمان؛ لأن ~~من أكره واضطر على الإيمان حتى آمن فإنه لا يكون إيمانه إيمانا، إنما يكون ~~الإيمان إيمانا في حال الاحنتيار إذا آمن مختارا ممتحنا فيه، فعند ذلك يكون ~~إيمانه إيمانا دل أن تأويلهم فاسد. # PageV06P200 # وقوله - عز وجل -: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك ~~في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) تأويله - والله أعلم -: كل الذي ~~نقص عليك أو قصصنا عليك من أنباء الرسل، نبأ بعد نبإ، ونبأ على إثر نبإ؛ ما ~~نثبت به فؤادك. # وقوله: (ما نثبت به فؤادك) يحتمل وجوها. # أحدها: نثبت به فؤادك؛ لما يحتمل أن نفسه كانت تنازعه وتناقشه بأن الذي ~~أنزل عليه أو يأتي به ملك، أو كان ذلك من إيحاء الشيطان وإلقائه عليه ~~ووساوسه، فقص عليه من أنباء الرسل وأخبارهم؛ ليكون له آية بينه وبين ربه؛ ~~ليعلم أن ما أنزل عليه وما يأتي به إنما هو ملك من الله؛ جاء ليدفع به ~~نوازع نفسه وخطراته؛ إذ لا سبيل للشيطان إلى معرفة تلك الأنباء، ولا في ~~وسعه إلقاؤها عليه، فيكون له بها طمأنينة قلبه، وهو كقول إبراهيم؛ حيث قال: ~~(رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى. . .) الآية، كأن نفس ~~إبراهيم تنازعه في كيفية إحياء الموتى، فسأل ربه ليريه ذلك؛ ليطمئن بذلك ~~قلبه، وإن كان يعلم أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك. # والثاني: قص عليه أنباء الرسل واحدا بعد واحد؛ ليثبت به فؤاده ليعلم ~~كيفية معاملتهم قومهم، وماذا لقوا من قومهم، وكيف صبروا على أذاهم ليصبر هو ~~على ما صبر أولئك، ms2229 وليعامل هو قومه بمثل معاملتهم. # ويشبه أن يكون قوله: (ما نثبت به فؤادك) بنبإ بعد نبإ؛ لتنظر وتتفكر في ~~كل نبأ # وخبر، وتعرف ما فيه، فيكون ذلك أثبت في قلبه، وهو كقوله: (وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك)، بإنزال الآية ~~واحدة بعد واحدة، وسورة بعد سورة، وذلك أثبت في فؤاده من إنزاله جملة؛ لأنه ~~يزدحم في مسامعه وفؤاده، وإذا كان بالتفاريق نظر وتفكر، فهو أثبت في قلبه ~~وفؤاده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجاءك في هذه الحق) قال بعضهم: (وجاءك في هذه) أي: في ~~هذه الأنباء التي قصها عليك جاءك فيها الحق، وهو ما ذكرناه. # وقال بعضهم: (وجاءك في هذه) أي: في هذه السورة (الحق)، وهو ما ذكر من # PageV06P201 # الأنباء: نبأ بعد نبإ، وهو كالأول. # وقال بعضهم: (الحق) أي: في هذه الدنيا الحق؛ يعني: الآيات والحجج ~~والبراهين لرسالته ودينه (وموعظة وذكرى للمؤمنين) أي: جاءك ما تعظ به قومك، ~~وتذكر به المؤمنين. # وقوله: (وموعظة وذكرى للمؤمنين) خص المؤمنين بذلك لما يكون منفعة الموعظة ~~والذكرى للمؤمنين، وإلا هو موعظة وذكرى للكل. # * * * # قوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) ~~وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ~~فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) # وقوله - عز وجل -: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم) المكانة هي: ~~المنزلة والقدر، يقول: اعملوا أنتم على مكانتكم ومنزلتكم التي لكم عند ~~أتباعكم، كأنه يخاطب به الأشراف منهم والرؤساء (إنا عاملون) على المكانة ~~والمنزلة التي لنا عند الله فننظر أينا أرجح؟ نحن أو أنتم؟ وأينا أخسر نحن ~~أو أنتم؟ # وقوله - عز وجل -: (اعملوا على مكانتكم إنا عاملون) يخرج على وجهين: # أحدهما: على التوبيخ والتخويف عندما بالغ في الحجاج فلم ينجع فيهم، فقال ~~عند ذلك كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، ونحوه. # والثاني: على الإعجاز مما أرادوا به من المكر والكيد بقوله: اعملوا ما ~~تريدون وأنا أعمل. # وقوله - عز وجل -: (وانتظروا ... (122) أنتم بنا ذلك (إنا ms2230 منتظرون) بكم ~~ذلك. # أو يقول هذا لما كانوا يوعدونه ويخوفونه من أنواع الوعيد، فيقول: انتظروا ~~بنا ذلك ما تخوفوننا إنا منتظرون بكم ما نخوفكم نحن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ~~فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (123) قال بعض أهل التأويل: ~~ولله غيب # PageV06P202 # نزول العذاب وغيب ما في الأرض؛ كأنه خرج جواب ما سألوه من العذاب؛ كقوله: ~~(ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب)، وكقوله: (ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين)، وقوله: (ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) ~~فقال: (ولله غيب السماوات والأرض) أي: علم ذلك عند الله، وكقوله: (قل لو أن ~~عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم)، وأمثاله. # ويشبه أن يكون جواب ما تحكموا على الله من إنزال القرآن، وجعل الرسالة في ~~غيره كقولهم: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، و ~~(لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)، فقال: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا ~~بينهم. . .) الآية، وقال: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فعلى ذلك قوله: ~~(ولله غيب السماوات والأرض) لا إلى الخلق، والله أعلم بما أراد (وإليه يرجع ~~الأمر كله) إليه يرجع أمر الخلق كله وتدبيرهم (فاعبده) أي: اعبده في خاص ~~نفسك (وتوكل عليه) في تبليغ الرسالة إليهم؛ أي: لا يمنعنك كيدهم ومكرهم بك ~~عن تبليغ الرسالة، ولا تخافن منهم، فإن الله يحفظك من كيدهم ومكرهم بك؛ ~~كقوله: (والله يعصمك من الناس)، و (وما ربك بغافل عما تعملون) هذا يؤيد ما ~~ذكرناه؛ أي: ما ربك بغافل عما يريدون بك من كيدهم ومكرهم؛ بل يعلم ذلك، ~~وينصرك، وينتصر منهم، وهو كقوله لموسى وهارون: (فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال ~~لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46). أي: اسمع قوله وجوابه إياكما، وأرى ما ~~يفعل، أي: أنصركما فلا تخافا؛ فعلى ذلك الأول، والله سبحانه وتبارك وتعالى ~~أعلم. # * * * # PageV06P203 ### | سورة يوسف # عليه السلام # بسم ms2231 الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون (2) # قوله - عز وجل -: (الر تلك آيات الكتاب المبين). # ذكر تلك، وهي كلمة إشارة إلى شيء سبق ذكره، ولم يتقدم فيه ذكر شيء يشار ~~إليه، وذكر آيات -أيضا- وليس هنالك ذكر آيات أو شيء يكون آية في الظاهر، ~~لكنه يشبه أن يكون قوله: (تلك) بمعنى: هذه آيات، ويجوز استعمال " تلك " ~~مكان " هذه "، على ما يجوز ذكر " ذلك " مكان " هذا "؛ كقوله: (الر تلك آيات ~~الكتاب) أي: هذا الكتاب. # أو أن يكون قوله: (تلك) إشارة إلى ما في السماء، أي: الذي في السماء آيات ~~الكتاب. # أو يقول: (تلك) إشارة إلى أما في اللوح المحفوظ أو إشارة إلى ما في الكتب ~~المتقدمة، أي: تلك آيات الكتاب. # (المبين) يحتمل المبين أنها آيات الرسالة، أو بين أنها من عند الله. # وقوله: (آيات الكتاب) هذا -أيضا- يشبه أن يخرج على وجهين: # أحدهما: إشارة إلى الحروف المقطعة المعجمة فقال: تلك الحروف المقطعة إذا ~~جمعت كانت آيات الكتاب. # أو أن يكون الله أراد أمرا لا نعلم ما أراد، فيقول: (تلك آيات الكتاب)، ~~أي: ذلك الذي أراد هو آيات الكتاب، والله أعلم بما أراد. # وقوله: (المبين). # قيل: (المبين)، أي: ليبين فيه الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى؛ كقوله: ~~(تبيانا لكل شيء). # وقال بعضهم: ليبين بركته وهداه ورشده، أو بين فيه الحق من الباطل، والعدل ~~من الجور. # والكتاب هو اسم ما يكتب، وسمي قرآنا؛ لما يقرأ، وكتابا؛ لما عن كتاب أخذ ~~ورفع والقرآن لما قرئ عليه. # PageV06P204 # وقوله - عز وجل -: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) قوله: ~~(أنزلناه): الهاء كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره. # (قرآنا عربيا) أنزله بلسان العرب، ولا ندري بأى لسان كان في اللوح ~~المحفوظ، غير أنه أخبر أنه أنزله بلسان العرب، وهكذا كل كتاب أنزل إنما ~~أنزل بلسان المنزل عليهم، لم ينزل بغيو لسانهم. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تعقلون). # ما لكم وما عليكم، وما تأتون وما تتقون، أو تعقلون أن هذه الأنباء التي ~~يخبركم ms2232 بها محمد - صلى الله عليه وسلم - من الله - تعالى - لأنها كانت في ~~كتبهم بغير لسانه، فأخبر على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله ~~تعالى. # أو لعلكم تعقلون بأن فيه شرفكم؛ لأنكم تصيرون متبوعين لما يحتاج الناس ~~إلى معرفة ما فيه، ولا يوصل ذلك إلا بكم فتكونون متبوعين والناس أتباع لكم؛ ~~وهو كقوله: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم)، قال أهل التأويل: أي: فيه ~~شرفكم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) قال يا بني لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) # وقوله - عز وجل -: (نحن نقص عليك أحسن القصص). # قال بعضهم: قوله: (نحن نقص)، أي: نبين عليك أحسن البيان (بما أوحينا إليك ~~هذا القرآن). # وقال بعضهم: (نحن نقص) أي: نخبرك أحسن ما في كتبهم من القصص، وأحسن ما في ~~كتبهم من الأنباء والأحاديث. # وقوله: (أحسن القصص): أصدقه، وكذلك قوله (الله نزل أحسن الحديث كتابا) ~~وأحسن الحديث: أصدقه وأحسن القصص؛ أي: أصدقه. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنت من قبله) أي: وقد كنتم من قبله (لمن ~~الغافلين). # PageV06P205 # عن هذه الأنباء، وعن قصصهم؛ فهذا يدل أن الإيمان بجملة الأنبياء والرسل ~~إيمان، وإن لم يعرف أنفس الأنبياء وأنفس الرسل وأساميهم؛ لأنه أخبر أنه كان ~~غافلا عن أنبائهم، وعن قصصهم، ولا شك أنه كان مؤمنا بالله مخلصا، وبالله ~~العصمة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: أحسن القصص: كلام الرحمن. # وقال مجاهد: (الله نزل أحسن الحديث): كلام رب العالمين. # وقوله: (تلك آيات الكتاب) يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون الذي سألوا عنه رسول الله عن قصة يوسف صيرورة بني ~~إسرائيل بمصر، وقد ms2233 كانوا من قبل بالشام، فقال: تلك الأنباء والقصص نجعلها ~~آيات هذه السورة التي هي من الكتاب المبين. # أو تلك آيات حجج وبراهين لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ هي من ~~أنباء الغيب عنهم، فعلم الأنباء عنها بالله سبحانه وتعالى. # وقوله - عز وجل -: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) دل قوله: (إني رأيت أحد عشر كوكبا) إن ~~إخوة يوسف كانوا علماء وعيون الأرض، نجوما يقتدى بهم ويهتدى؛ إذ بالنجوم ~~يقتدى في الأرض، وبها يهتدون الطرق والمسالك. # ودل قوله: (والشمس والقمر) حيث - خرج على أبويه - أنه كان بهما جميع ~~منافع الخلق؛ إذ بهما صلاح جميع الأغذية في الأرض، ونضج جميع الفواكه ~~والأنزال، وجميع المنافع التي بالناس حاجة إلى ذلك. # ودل قوله: (إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) أن ~~الرؤيا تخرج على عين ما رأى، وتخرج على غيره بالمعنى الذي يتصل به؛ لأنه ~~رأى الكواكب # PageV06P206 # والشمس والقمر فخرج على إخوته وأبويه؛ كأن المراد بالكواكب والنجوم، غير ~~الكواكب، وغير الشمس والقمر، وذلك لمعنى، وذكر السجود وخرج على عين السجود ~~وحقيقته، وكذلك ما رأى إبراهيم في المنام ذبح ولده خرج الذبح على حقيقة ~~الذبح هو ذبح الكبش، ورأى ابنه، وكان المراد منه الكبش، فهذا أصل لنا أن ~~الخطاب يخرج والمراد منه على عين ذلك الخطاب لا غير، وقد يخرج لمعنى فيه، ~~فإذا اتصل ذلك المعنى بغير، وجب ذلك الحكم. # وفيه جواز الاجتهاد وطلب المعنى في المخاطبات، وكذلك ما ظهر في الناس من ~~تعبير الرؤيا على الاجتهاد، يدل على جواز العمل بالاجتهاد. # قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما قص رؤياه على أبيه بين يدي إخوته قال ~~له: هذه رؤيا النهار ليست بشيء. # وقال ليوسف في السر: إذا رأيت رؤيا بعد هذا، فلا تقصها على إخوتك. # لكن هذا كذب؛ فلا يجوز أن يكذب رسول الله يعقوب يقول له: رؤيا النهار ~~ليست بشيء، ثم يعبر له في السر، ولا يتوهم على نبي ms2234 من أنبياء الله الكذب، ~~وهو كذب، فإن كان فهو بالأمر. # وقوله - عز وجل -: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين (5) # دل قوله: (لا تقصص رؤياك على إخوتك) على أن ما رأى يوسف من سجود الكواكب ~~له، وسجود الشمس والقمر أنه إنما كان رأى ذلك في المنام، ويدل ما ذكر في ~~آخره أيضا على ذلك، وهو قوله: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل)، ودل قوله: ~~(لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) أن يعقوب إنما عرف ذلك بالوحي؛ ~~حيث قطع القول في قوله: (فيكيدوا لك كيدا)، ولم يستثن في ذلك، وقد فعلوا به ~~ما قال. # وفيه دلالة أن إخوته قد كانوا يعرفون تعبير الرؤيا، وكانوا علماء حكماء؛ ~~حيث قال: (لا تقصص رؤياك على إخوتك)، لأنهم لو كانوا لا يعرفون تأويلها ولا ~~علموا تعبيرها لم يكن لينهاه عن أن يقص على إخوته؛ لأنه لو قصها أو لم ~~يقصها إذا لم يعلموا سواء، وفيه دلالة أن الأخ لا يتهم في أخيه، ويكون من ~~الأخ الخيانة إلى أخيه، والأب والأم # PageV06P207 # يتهمان في الابن، والولد يتهم في والديه، ولا يكون من بعض إلى بعض خيانة ~~في الغالب؛ لأن يعقوب نهى ولده يوسف أن يقصها على إخوته، وأخبر أنهم إذا ~~علموا بذلك كادوه وحسدوه، ولم ينهه بمثله في أمه؛ دل أن الأخ لا يتهم في ~~شهادة أخيه، ويتهم الأب والأم في شهادتهما لولدهما، وكذلك الولد يتهم في ~~والديه، ولهذا قال أصحابنا: إن شهادة الوالد لولده لا تقبل، وكذلك شهادة ~~الولد لوالديه، وأما شهادة الأخ لأخيه تقبل وإنما كان كذلك؛ لما ينتفع ~~الولد بمال والديه، والوالد بمال ولده، ولا ينتفع الأخ بمال أخيه، وكل من ~~انتفع بمال آخر اتهم في شهادته له، ولم تقبل شهادته، وكل من لم ينتفع به ~~قبلت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الشيطان للإنسان عدو مبين). # ظاهر العداوة. # وقال موسى حين قتل ذلك الرجل: (هذا من عمل الشيطان) بدء كل شر يكون ms2235 من ~~الشيطان، يقذف في القلوب، ويخطر في الصدور، ثم تكون العزيمة على ذلك والفعل ~~من العبد، وهو ما قال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) وقال: ~~(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف. .) الآية. # والطيف والنزغ: هو القذف والوسوسة، فإذا ذكر الله ذهب. # وقيل: الكيد والمكر سواء، وهو قول أبي عوسجة. # وقال القتبي: الكيد: هو الاحتيال والاغتيال. # وقيل: الكيد: هو أن يطلب إيصال الشر به على غير علم منه؛ وكذلك المكر. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم ~~نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ~~ربك عليم حكيم (6) # تأويله - والله أعلم - أي: كما اجتبى ربك أبويك بالرسالة والنبوة، ~~واصطفاهم بأنواع الخيرات، وأتم نعمته عليهم، كذلك ليجتبيك ربك ويتم نعمته، ~~عليك وعلى آل يعقوب. # PageV06P208 # ويحتمل قوله: (وكذلك يجتبيك ربك) أي: كما اجتباك ربك بالرؤيا التي أراك، ~~يفعل ذلك بك. # وقوله - عز وجل -: (ويعلمك من تأويل الأحاديث)، قيل: تدبير الرؤيا. # وقال بعضهم: علمه تأويل الصحف التي كانت لإبراهيم وغيره، وعلمه تأويل تلك ~~الصحف والأحاديث. # وقوله - عز وجل -: (ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها). # قال بعضهم: كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق حين أراد ذبح ~~ابنه، فجعل مكانه كبشا؛ فعلى ذلك يتم نعمته عليك، ويسجد لك إخوتك وأبويك. # ثم من الناس من استدل بهذا أن الذبيح كان إسحاق؛ لأنه ذكر إتمام نعمته ~~على إبراهيم وإسحاق. # ودل قوله: (وعلى آل يعقوب) على أنه قد اجتباهم بالنبوة من بعد - أعني: ~~أولاد يعقوب - لأن ولده من آله، وقد أخبر أنه يجتبيهم ويتم نعمته عليهم؛ ~~كما فعل بأبويه: إبراهيم وإسحاق، وكذلك روي عن الحسن أنه قال في إخوة يوسف: ~~نبئوا بعد ما صنعوا بيوسف ما صنعوا. # وقال بعضهم: تأويل الأحاديث: العلم والكلام. # قال: وكان يوسف أعبر الناس، وهو ما قال الله - تعالى -: (ولما بلغ أشده ~~آتيناه حكما وعلما). # وقوله - عز وجل -: (إن ربك عليم حكيم) بما صنع به إخوته، أو عليم بما ms2236 ذكر ~~من التمام، (حكيم): وضع كل شيء موضعه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف ~~أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) قال ~~قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم ~~فاعلين (10) # وقوله - عز وجل -: (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين). # PageV06P209 # آية للسائل إذا كان السائل مسترشدا، وكذلك القرآن كله، هو حجة وآية ~~للمسترشد، وأما المتعنت فهو آية عليه. # ثم يحتمل قوله: (آيات للسائلين): السائلين الذين سألوا؛ على ما ذكر في ~~بعض القصة أن اليهود سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمر يوسف ~~ونبيه، فأخبرهم بالحق في ذلك على ما كان، فهو آية لهم إن ثبت ذلك. # ويحتمل قوله: (آيات للسائلين): السائلين الذين يسألون من بعد إلى آخر ~~الدهر عن نبأ يوسف، كل من سأل عن خبره ونبيه فهو آية لهم. # ثم وجه جعله آية يحتمل وجوها: # أحدها: أنه جعل قصة يوسف ونبأه سورة، وتلك السورة هي آيات الكتاب؛ على ما ~~ذكر: (تلك آيات الكتاب المبين)؛ جعل قصة يوسف ونبأه، آيات من الكتاب. # ويحتمل -أيضا- أنه جعل آية؛ أي: حجة لنبوة رسوله ورسالته؛ لأن قصته ونبأه ~~كان في كتبهم بغير لسانه من غير ترجمة أحد منهم ولا تعليم، ثم أخبرهم على ~~ما كان في كتبهم من غير زيادة ولا نقصان دل أنه أنما علمه بالله - تعالى - ~~لا أنه أخذه من كتبهم، وهو ما ذكر في القصة أن اليهود سمعوا النبي يقرأ ~~سورة يوسف، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟ قال: " الله علمنيها " فعجبوا من ~~قراءته إياها على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرفها بالله تعالى. # ثم يحتمل أن يكون آية لمن سأل عن حجة رسالته، أو هو آية لمن سأل عنها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ms2237 إن ~~أبانا لفي ضلال مبين (8) # في الآية دلالة أن لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالعطف عليه والميل ~~إليه، إذا كان فيه معنى ليس ذلك في غيره؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه لا بأس ~~للرجل أن يخص بعض ولده بالهبة له أو الصدقة عليه إذا لم يقصد بها الجور على ~~غيرهم من الأولاد. # ثم يحتمل تخصيص يعقوب يوسف وأخاه بالحب لهما وجوها: # PageV06P210 # أحدها: لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما، والعجز في أبدانهما، فازدادت ~~شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك، وهذا مما يكون فيما بين الخلق. # أو كان ذلك منه لهما لصغرهما، وهذا -أيضا- معروف في الناس أن الصغار من ~~الأولاد يكونون عندهم أحب، وقلوبهم إليهم أميل، وعليهم أعطف، ولهم أرحم من ~~الكبار منهم. # أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين، أو العلم، أو ~~غيره، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما. # أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف، فكان يفضله على سائر أولاده، ويؤثره عليهم ~~لذلك. # وإنما قالوا: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا) بآثار تظهر عندهم، وإلا ~~حقيقة المحبة لا تعرف. # وقوله - عز وجل -: (ونحن عصبة). # قيل: العصبة: الجماعة. # وقال بعضهم: العصبة من عشرة إلى أربعين، والعصبة: الجماعة، أي: نحن جماعة ~~ولنا منعة؛ ولهذا قال أصحابنا: إن التسعة مع الإمام تكون منعة يستوجبون ما ~~تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب، فغنمت غنائم يخمس منها. # وقوله: (ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين). # لم يعنوا ضلال الدين؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على ~~دفع من يروم الضرر به، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله، ونحن أولو قوة، بنا ~~يقوم معاشه وأسبابه، فكيف يؤثر هؤلاء علينا؟! وكذلك قوله: (ووجدك ضالا ~~فهدى)، لم يرد به ضلال الدين، ولكن وجها آخر، وقالوا ذلك؛ لما كانت له ~~منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه، وأبدا إنما يؤثر المرء ~~حب من له منافع من قبله، لا حب من لا منفعة له منه، فهو فيه في ضلال مبين؛ ~~حيث ms2238 يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله، ~~والله أعلم. # وقولهم: (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين (9) # لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله، ولكن على المشاورة فيما بينهم: نفعل ~~ذا أو ذا؛ # PageV06P211 # كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك. . .) الآية، ليس على العزيمة ~~على واحد، ولكن على المشورة فيما بينهم، يدل على ذلك قوله: (يخل لكم وجه ~~أبيكم) أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، لا قتله، إنما أرادوا غيبته ~~عنه. # وقال بعضهم: (يخل لكم وجه أبيكم). # أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه. # وقال بعضهم: أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف. # وقوله - عز وجل -: (وتكونوا من بعده قوما صالحين). # يحتمل: (صالحين)، أي: تائبين. # وقال بعضهم: تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده. # وقال بعضهم: يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف. # وجائز أن تكونوا قوفا صالحين في الآخرة، وقالوا: إنهم تابوا قبل أن يزلوا ~~ويعصوا. # وقوله - عز وجل -: (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب ~~يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين (10) # قال أبو عوسجة: يعني: في قعر البئر، والغيابة: ما يغيبه ويواريه، والجب: ~~البئر، والجباب جمع. # وقال أبو عبيدة: الغيابة: كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة. # وقوله - عز وجل -: (يلتقطه بعض السيارة). # أي: يرفعه بعض السيارة؛ ولذلك يقال للطائر: يلتقط الحب، ويلقط؛ أي: يرفع. # (إن كنتم فاعلين): إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه. # وأما قول أهل التأويل إن قوله: (لا تقتلوا يوسف) قاله فلان أو فلان، فذلك ~~مما لا نعرفه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم. # وقال أبو عوسجة: السيارة أصلها من السير، هو مثل المسافر، وهي القافلة؛ ~~يعني: العير. # وقيل: الجب: الركية التي لم تطو بالحجارة، فإذا طويت فليس بجب. # PageV06P212 # قوله تعالى: (قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ~~(11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن ms2239 ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا لئن أكله ~~الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف). # دل قوله؛ (ما لك لا تأمنا على يوسف) على أنهم قد طلبوا إخراجه من أبيهم ~~غير مرة؛ لأن مثل هذا الكلام لا يتكلم به مبتدأ على غير مسابقة شيء من ~~أمثاله، فدل أنهم قد استأذنوه في إخراجه غير مرة. # (وإنا له لناصحون). # الناصح: هو الدال على ما به نجاته، أو الدال على كل خير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) # كأن يعقوب صلى الله عليه وسلم خاف على نفسه - أعني: يوسف - الضيعة بتركهم ~~حفظه، فأمنوه على ذلك بقولهم: (وإنا له لحافظون). # وخاف عليه الضياع من جهة الجوع بتركهم حفظه أوقات الأكل فأمنوه على ذلك ~~بقولهم: (يرتع) أي: يأكل. # وخاف قلبه أن يكلفوه أمرا يشق عليه ويشتد، فأمنوه أيضا على ذلك، بقولهم ~~(ويلعب) لأنه ليس في اللعب مشقة ولا شدة، فخاف عليه الضياع بالوجوه التي ~~ذكرنا، فأمنوه على تلك الوجوه كلها حتى استنقذوه من يديه. # وقوله: (يرتع ويلعب). # قال بعضهم: يرتع: يأكل، ويلعب: يلهو كأنه خرج جوابا لقوله: (قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به)، قالوا له: لا تحزن عليه فإنه برتع ويلعب؛ على ~~التقديم والتأخير. # وقال بعضهم: يرتع: ينشط، ويلعب: يتلهى. # PageV06P213 # وقرئ بالنون: (نرتع ونلعب). # قال القتبي: نرتع، أي: نأكل؛ يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وارتعتها: إذا ~~تركتها ترعى، ويقرأ نرتع، بكسر العين، والمراد منه أن نتحارس ويرعى بعضنا ~~بعضا؛ أي: يحفظه، ومنه يقال: رعاك الله؛ أي: حفظك الله. # وقوله: (يرتع ويلعب) قالوا: يلعب فيما يحل ويسع من نحو الاستباق وغيره، ~~وهو ما ذكروا: (إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعن)، واللعب في مثل هذا ~~يحل، وقد روي -أيضا- في الخبر أنه قال: " لا يحل اللعب إلا في ثلاث " وفيه: ~~" معالجة الرجل فرسه أو قوسه، وملاعبة الرجل امرأته "، أخبر أنه لا يحل إلا ~~ثلاث؛ والله ms2240 أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون (13) # قال: إني ليحزنني، عند الواقع به والغائب عنه من النعمة التي أنعمها ~~عليه؛ لأنه كان نعمة عظيمة له فات النظر إليه، فذكر الحزن على ما فات عنه، ~~وذكر الخوف لما خاف وقوعه في وقت يأتي وما سيقع؛ فهذا تفسير قوله: (ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون)، لا يحزنون؛ لأنه موجود للحال، غير فائت (ولا خوف ~~عليهم)، أي: لا يخافون فوته؛ لأن خوف فوت النعمة [ينغص] على صاحبه النعمة، ~~فآمنهم على ذلك، وهو ما ذكرنا أن الحزن يكون بالواقع للحال، والخوف على ما ~~سيقع، والله أعلم. # PageV06P214 # وقوله: (وأخاف أن يأكله الذئب). # قال بعض أهل التأويل: كان يعقوب - عليه السلام - رأى في المنام أن يوسف ~~أخذه الذئب، فمن ثمة قال: (وأخاف أن يأكله الذئب)، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن ~~رؤيا الأنبياء أكثرها أصدق وحق، فلا يحتمل أن رأى ذلك ثم يقول: (وأخاف أن ~~يأكله الذئب) أو يدعه يذهب معهم، لكنه خاف عليه أكل الذئب على ما يخاف على ~~الصبيان في المفاوز والبراري؛ إذ الخوف على الصبيان في المفاوز والبراري ~~والضياع عليهم يكون بالذئب أكثر من أي وجه آخر؛ لأنه جائز أن يفترسه سبع من ~~السباع عند مغافصته إخوته واشتغالهم بما ذكر من الاستباق، ولا يحتمل الضياع ~~من الناس يأخذه واحد من بين نفر. # وقال بعض أهل التأويل: إن قوله: (وأخاف أن يأكله الذئب) كناية عن بنيه؛ ~~أي: أخاف أن تهلكوه وتضيعوه. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ... (14) # أولو قوة. # (إنا إذا لخاسرون). # تأويله - والله أعلم -: لئن أكله الذئب ونحن عصبة؛ أي: جماعة (إنا إذا ~~لخاسرون) أي: كأنا نحن سلمناه إلى الذئب، وعرضناه للضياع؛ هذا - والله أعلم ~~- معنى الخسران الذي ذكروا، وإلا لم يلحقهم الخسران إذا أكله الذئب؛ لأنه ~~إذا كان بهم قوة المنع فلم يمنعوه فكأنهم ضيعوه. # * * * # قوله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم ms2241 هذا وهم لا يشعرون (15) وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) ~~قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18) # وقوله - عز وجل -: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب): ~~غيابة الجب، قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون). # يحتمل قوله: (وأوحينا إليه): وحي نبوة، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب، ~~أو # PageV06P215 # بشارة الملك له والعز. # ثم قوله: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون). # قال بعضهم: هو قول يوسف حيث قال لهم: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف. . .) ~~الآية، (قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي)، هذا الذي نبأهم يوسف ~~وهم لا يشعرون بذلك. # ويشبه أن يكون قوله: (وأوحينا إليه) أي: إلى يعقوب (لتنبئنهم بأمرهم هذا ~~وهم لا يشعرون)، ويكون قوله: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون) هو ما قال لهم: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه. . .) الآية، ~~أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره؛ كأنه علم أنه حي؛ كقوله:، (وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) أنه حي؛ ألا ترى أنه قال: (إني لأجد ~~ريح يوسف)، ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد بصيرا: (إني أعلم من ~~الله ما لا تعلمون) وذلك تأويل قوله: (وهم لا يشعرون) إن كانت الآية في ~~يعقوب، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون (16) # في الآية دلائل: # أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافرا، ومن ~~ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف هموا بقتل يوسف، أو طرحه في ~~الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون ~~صغيرة أو كبيرة: # فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: (قالوا يا أبانا استغفر ms2242 لنا ~~ذنوبنا. . .) الآية؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها. # وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا ~~قوما صالحين؛ حيث قالوا: (وتكونوا من بعده قوما صالحين). # دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، ~~وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ~~ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافرا مشركا. # PageV06P216 # وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمدا أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير ~~منافقا؛ لأن إخوة يوسف اؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم ~~يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، ولم يأكله، وهو كذب، واؤتمنوا، ~~فخانوا حين ألقوه في الجب، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه. # فإن قيل: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ثلاث من ~~علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، " فكيف ~~يوفق بين الآية والخير؟! إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل ~~النسخ. # قيل يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة ~~من نعت محمد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم ~~بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقا بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدين، وأما في ~~غيره: فإنه لا يصير به منافقا، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) # هذا القول منهم له في الظاهر عظيم؛ لأنهم قالوا: (وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين)، ولا يحتمل أن يكونوا عنده صدقة ثم يكذبهم، يكون نبي من ~~الأنبياء يعلم صدق إنسان ثم لا يصدقه؛ هذا بعيد، لكن يحتمل قولهم: وما أنت ~~بمؤمن لنا في هذا ولو كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا. # أو يكون قوله: (وما أنت بمؤمن لنا)، أي: تتهمنا ولا تصدقنا؛ لأنه اتهمهم؛ ~~حيث قال: (إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله ms2243 الذئب) فاعترضت له ~~التهمة، وليس في الاتهام تكذيب؛ إنما فيه الوقف؛ لأن من اشمن آخر في شيء ثم ~~اتهمه فيه، لا يكون في اتهامه إياه تكذيبه؛ فعلى ذلك قولهم: (وما أنت بمؤمن ~~لنا)، أي: تتهمنا لما سبقت من التهمة ولو كنا صادقين # PageV06P217 # على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء ~~يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله. # فإن قيل في قوله: (وأخاف أن يأكله الذئب): كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب: ~~(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب. . .) أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم عليه نعمته، ~~فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من ~~الله والوحي إليه؟ # قيل: يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما ~~قال من الاجتباء، وتعليم الأحاديث، وإتمام النعمة عليه. # أو خاف ذلك على ما خافوا جميعا على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما ~~خافوا جميعا؛ حيث قال إبراهيم: (رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام) ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف: (توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين)، وأمثاله، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل ~~الخوف، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار ~~والأبرار؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذهبنا نستبق). # قال بعضهم: أي: نشتد إلى الصيد. # وقال أبو عوسجة: (نستبق) هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيهم يسبق؛ ~~أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو. # وقال القتبي: (نستبق)، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: ~~سابقته فسبقته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم ~~أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18) # الدم لا يكون كذبا، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد ms2244 كذبوا ~~فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن. # PageV06P218 # وقال الفراء: (بدم كذب): بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع ~~المفعول. # ثم قال: (بل سولت لكم أنفسكم). # أي: زينت لكم أنفسكم. والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - والله ~~أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ~~ابني. # لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك ~~قوله: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فصبر جميل) يحتمل وجهين: # يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضى بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس ~~عن الجزع. # والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما ~~فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة. # فقال: (فصبر) كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله المستعان على ما تصفون. . .) الآية؛ أي: وبالله ~~أستعين على الصبر بما تصفون. # أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ~~ونحوه. # * * * # قوله تعالى: (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا ~~غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ~~وكانوا فيه من الزاهدين (20) وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) # وقوله: (وجاءت سيارة). # السيارة: هي جماعة السائرين كالمسافرين. # PageV06P219 # (فأرسلوا واردهم). # الوارد: هو طالب الماء ومستقيه. # (فأدلى دلوه). # أي: أرسل دلوه في البئر. # وقوله: (قال يا بشرى هذا غلام). # قال بعضهم: بشرى هو اسم ذلك الرجل الذي كان مع المدلي الدلو، فقال له: ~~(يا بشرى هذا غلام)؛ كما يقال: يا فلان، هذا غلام. # وقال بعضهم: هو من البشارة؛ كأنه قال له: أبشر بهذا الغلام. # وفي بعض القراءات: (يا بشراي) على الإضافة إلى نفسه؛ ms2245 فكأنه بشر نفسه؛ أي: ~~البشرى لي بهذا الغلام. # ويشبه أن يكون هذا كناية كلام كان هنالك، لكن لم يبين لنا ذلك، والله ~~أعلم بذلك؛ كقوله: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) أخبر أنه أقسم؛ لكن لم ~~أيبين لنا، ما ذلك القسم. # وقوله - عز وجل -: (وأسروه بضاعة). # قال بعضهم: الإسرار: هو اسم الإخفاء والإظهار جميعا؛ كقوله: (وأسروا ~~الندامة لما رأوا العذاب)، أي: أظهروا الندامة، فإن كان ما ذكر أنه اسم ~~لهما جميعا فكأنه قال: أظهروه بضاعة؛ فإنا كان على حقيقة الإخفاء والإسرار ~~فهو على الإضمار؛ كأنه قال: وأسروا على ما كان وأظهروا بضاعة لئلا يطلب ~~أصحابهم في ذلك شركة. # (والله عليم بما يعملون). # أي: عليم بما عمل إخوة يوسف بيوسف، أو عليم بما عمل السيارة من الإسرار ~~والإظهار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ~~(20) أي: باعوه بثمن بخس (دراهم معدودة). # قال بعضهم: البخس: هو النقصان؛ أي: باعوه بثمن لا يباع مثله بمثله. # وقال بعضهم: البخس هو الظلم؛ باعوه ظلما، وأخذوا ثمنه ظلما؛ لأنهم # PageV06P220 # باعوا حرا، وبيع الحر حرام، وأخذوا ثمنه ظلما حراما؛ لأن ثمن الحر حرام. # وقال بعضهم: (بثمن بخس دراهم) أي: دراهم مبهرجة وزيف. # (وكانوا فيه من الزاهدين) # أي: كانت السيارة في يوسف من الزاهدين؛ حيث باعوه بثمن الدون والنقصان ~~بما لا يباع مثله بمثل ذلك الثمن؛ خشية أن يجيئهم طالب؛ لما علموا أن مثل ~~هذا لو كان مملوكا لا يترك هكذا لا يطلب، فباعوه بأدنى ثمن يكون لهم، لا ~~كما يبيع الرجل ملكه على رغبة منه؛ خشية الطلب والاستنقاذ من أيديهم. # وقال عامة أهل التأويل: قوله: (وشروه بثمن): إن إخوة يوسف هم الذين باعوه ~~من السيارة (بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين)، أي: لم يعرفوا ~~منزلته ومكانه. # والأول أشبه. # وقوله: (وكانوا فيه من الزاهدين). # أي: كانوا في شرائه من الزاهدين؛ لما خافوا ذهاب الثمن إن كان مسروقا. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ... ~~(21) # أي: مقامه ms2246 ومنزلته. # (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا). # إن صدق التجار أنه بضاعة عندهم. (أو نتخذه ولدا). # إن ظهر أنه مسروق، وأنه حر؛ لما وقع عندهم أن البضاعة لا تباع بمثل ذلك ~~الثمن الذي باعوه. # وقوله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض) تأويله - والله أعلم -: كما مكنا ~~ليوسف عند العزيز وامرأته كذلك نمكنك عند أهل الأرض، ولكن ذكر (مكنا) على ~~الخبر؛ لأنه كان ممكنا في ذلك اليوم عند العزيز والملك. # ويشبه أن يكون قوله: (مكنا)، أي: كذلك جعلنا ليوسف مكانا ومنزلة عند ~~الناس، وفي قلوبهم مكان ما خذله إخوته، ولم يعرفوا مكانه ومنزلته وبعد ما ~~كان شبه المملوك عند أولئك، والله أعلم. # PageV06P221 # وقوله - عز وجل -: (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) هذا قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (والله غالب على أمره). # أي: لا مرد لقضائه إذا قضى أمرا كان كقوله، (لا معقب لحكمه)، (ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون) وقال أهل التأويل: إنه بيع بعشرين درهما أو بعشرين ونيف؛ ~~فذلك مما لا يعلم إلا بخبر سوى أن فيه أنه بيع بثمن الدون والنقصان بقوله: ~~(بخس) والبخس هو النقصان؛ يقال: بخسته؛ أي: نقصته؛ كقوله: (ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم) أي: لا تنقصوا، وهو ما قال: (ولا تنقصوا المكيال والميزان). # وقيل: البخس: الظلم والحرام، وقد ذكرناه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) ~~وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ولقد همت به وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب ~~قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي ~~راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) فلما ~~رأى قميصه ms2247 قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا ~~واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) # وقوله - عز وجل -: (ولما بلغ أشده) الأشد: هو اشتداد كل شيء ونهاية كل ~~نوع في الكمال يحتمل أشده: انتهاء بلوغه أو انتهاء شبابه، أو انتهاء عقله ~~في التمام؛ لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة. # وقول أهل التأويل: من ثماني عشرة سنة إلى أربعين؛ لأنه به يتم ويكمل كل ~~نوع من ذلك إلى ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (آتيناه حكما وعلما). # يحتمل قوله: حكما: الحكم بين الناس، والعلم: في الحكم. # PageV06P222 # ويحتمل قوله: (حكما) أي: أعطيناه النبوة، (وعلما): علم الأحاديث ~~وتأويلها؛ على ما تقدم ذكره. # أو أن يكون إذا أعطاه الحكم أعطاه العلم، وإذا أعطاه العلم أعطاه الحكم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نجزي المحسنين). # يحتمل: الإحسان في الأعمال؛ أي: عمل أعمالا حسنة صالحة. # ويحتمل: الإحسان إلى الناس؛ أي: أحسن إليهم، أو أحسن إلى نفسه؛ لا يخلو ~~من هذه الأوجه الثلاثة. # أو أن يكون قوله: (وكذلك نجزي المحسنين) أي: كذلك نجزي من أحسن صحبة نعم ~~الله وإحسانه، وقام بشكر ذلك كذلك؛ أي: مثل الذي جزى يوسف لا يريد أنه يجزي ~~غيره عين ما جزى يوسف، ولكن يجزيه جزاء الإحسان. # وقوله - عز وجل -: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ~~وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # دل قوله: (في بيتها) أن البيت قد يجوز أن يضاف إلى المرأة، وإن كان البيت ~~في الحقيقة لزوجها؛ على ما أضاف بيت زوجها إليها. # وقوله: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) المراودة: قيل: هي الدعوة ~~والطلبة، راودته، أي: دعته إلى نفسها. # وقال أهل التأويل: (وراودته) أي: أرادته. # (وغلقت الأبواب وقالت هيت لك). # قيل: إن هذه كلمة أخذت مرت الكتب المتقدمة، ليست بعربية، ونحن لا نعرف ما ~~[أرادت] بها، لكن أهل التأويل قال بعضهم: هلم لك. # وقال بعضهم: تهيأت لك. # PageV06P223 # وفي بعض القراءات: (هئت لك) بالهمز، ومعناه ms2248 ما ذكرنا؛ أي: تهيأت لك. # PageV06P224 # ويشبه أن يكون قوله: (هيت لك): هأنا لك. # (قال معاذ الله). # أي: أعوذ بالله وألجأ إليه. # (إنه ربي أحسن مثواي). # قال أهل التأويل: (ربي) أي: سيدي الذي اشتراه (أحسن مثواي) أي: أكرم ~~مقامي ومكاني؛ دليله: قوله لزوجته: (أكرمي مثواه)، هذا يدل أن قوله: (أكرمي ~~مثواه) أي: أحسني مثواه، ولكن يشبه أن يكون أراد بقوله: (إنه ربي أحسن ~~مثواي) ربه الذي خلقه. # وقوله - عز وجل -: (إنه لا يفلح الظالمون) بظلمهم وقت ظلمهم، والمثوى: ~~الموضع الذي يثوى فيه، والثواء: المقام، والثاوى: المقيم، و (معاذ الله) ~~قيل: أعوذ بالله، وألجأ إليه، وأتحصن به. # أو: لا يفلح الظالمون: إذا ختموا بالظلم، وأما إذا انقلعوا عنه فقد ~~أفلحوا. # وقوله - عز وجل -: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # أما ما قاله أهل التأويل إنها استلقت له (وهم بها) أي: حل سراويله، ~~وأمثال هذا من الخرافات؛ فهذا كله مما لا يحل أن يقال فيه شيء من ذلك، ~~والدلالة على فساد ذلك من وجوه: # PageV06P225 # أحدها: قوله: (هي راودتني عن نفسي)، ولو كان منه الإرادة والمراودة، لم ~~يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك. # والثاني: قوله: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء)، ولو كان شيء مما ذكروا ~~من حل السراويل والجلوس بين رجليها، لم يكن السوء مصروفا عنه. # والثالث: قوله: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب)، ولو كان منه ما ذكروا ~~لقد خانه بالغيب. # والرابع: قولها: (ما علمنا عليه من سوء)، وقوله (الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه). # هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ~~ذلك، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير؛ إذ ليس فيه سوى ~~أن همت به وهم بها. # ثم تحتمل الآية وجوها عندنا: # أحدها: همت به: هم عزم، وهم بها هم خطر، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ~~ولا مؤاخذة عليه، وهو قول ms2249 الحسن. # والثاني: همت به هم الإرادة والتمكن، وهم بها هم دفع، لكنه يدخل عليه ~~قوله: (لولا أن رأى برهان ربه)، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله: (لولا ~~أن رأى برهان ربه) معنى، لكنه يشبه أن يكون هم بها، أي: هم بقتلها، فإذا ~~كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها لما لا يحل قتلها. # والثالث: كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط؛ كان يهم بها لولا ~~ما رأى من برهان ربه، وهو كقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم)، ~~لولا ما كان من تثبيتنا إياك، وكذلك يخرج قول إبراهيم: (بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون) أي: لو كان هو الذي ينطق لفعل هو. # ثم اختلف في قوله: (لولا أن رأى برهان ربه): قال بعض أهل التأويل: رأى ~~يعقوب عاضا على شفتيه. # PageV06P226 # وقال بعضهم: مثل له يعقوب وصور له، فرآه عاضا على أصبعه. # وقال بعضهم: رأى برهان ربه. # وقال بعضهم: رأى آية من كتاب الله: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة. . ~~.). # هذا كله لا يدري. # وأصل البرهان: الحجة؛ أي: لولا ما رأى من حجة الله، وإلا كان يهم بها، ~~ولكن لا ندري ما تلك الحجة، والله أعلم بذلك. # والبرهان: هو الحجة والآية؛ لولا أن رأى حجة ربه، وبرهان ربه وآياته، أو ~~الرسالة، ويشبه الحجة أي: النبوة. # وقوله - عز وجل -: (واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا ~~الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) # قال بعضهم: استبقا الباب: استبقت هي لتغلق الأبواب، واستبق هو ليخرج ~~ويفر. # لكن قوله: لتغلق الباب، لا يحتمل؛ لأن الأبواب كانت مغلقة بقوله: (وغلقت ~~الأبواب)، ولكن استبقت هي لتحبسه وتمنعه، واستبق هو ليخرج ويهرب. # وقوله - عز وجل -: (وقدت قميصه من دبر). # لما جرته لتحبسه. # وقوله - عز وجل -: (وألفيا سيدها لدا الباب). # أي: وجدا سيدها؛ هذا يدل أن قوله: (ربي أحسن مثواي) لم يرد به العزيز ~~الذي أشتراه، ولكن العزيز الذي خلقه؛ ms2250 لأنه قال: (سيدها)، ولم يقل: سيدهما. # وقوله - عز وجل -: (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم). # هذا يدل أن الإرادة تكون مع الفعل؛ لأنها كانت لا تعلم إرادة ضميره، فإذا ~~أخبرت عما عرفت من الميل وإظهار الفعل، وكذلك قول إخوة يوسف: (ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا)، وكانوا هم لا يعرفون ما في ضميره من الحب سوى ما ظهر ~~لهم منه من الميل # PageV06P227 # إليه وإبداء الشفقة له، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) # أي: دعتني، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة؛ كقوله: (سنراود عنه أباه) ~~أي: سندعوه منه ونطلبه. # فإن قيل: كيف هتك سترها بقوله: (راودتني عن نفسي)؟ # قيل: ليس فيه هتك الستر عليها؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه، فالواجب ~~على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف. # وقوله - عز وجل -: (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد) من كذا فهو كذا، ~~وإن كان كذا فهو كذا من كذا. # قال بعض أهل التأويل: ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا. # وقال بعضهم: شق القميص من دبر هو الشاهد، وأمثاله؛ لكن هذا لا يعلم من ~~كان ذلك الشاهد. # وقيل: صبي في المهد. # PageV06P228 # وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله - عز وجل -: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) ~~وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين). # هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها، ~~وإذا كان القميص مقدودا من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها، لا ~~من دفعها إياه عن نفسها؛ هذا هو الظاهر في العرف؛ لذلك قال الشاهد: (إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من) وكذا (وإن ms2251 كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن. . .) الآية؛ ~~استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها، ففيه دلالة ~~جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر من ~~وراء، ولا من قبل إلا عن دفع من قدام، لذلك دل على ما ذكرنا، والله أعلم. # وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك، لكن نظر إلى الغالب. # وقال أبو عوسجة: قوله: (وقدت قميصه)، أي: شقت ومزقت، ومقدود: أي: مشقوق، ~~من دبر: أي: من خلف، ومن قبل: أي: من قدام، وهو مأخوذ من القبل، من قبل ~~المرأة. # وقوله: (وألفيا سيدها لدا الباب) ولم يقل: سيدهما؛ فهذا يدل على ما ~~ذكرناه. # (لدا البابا). # أي: عند الباب، وهو ظاهر؛ أي: وجدا سيدها عند الباب. # PageV06P229 # وفي قوله: (إن كان قميصه قد من قبل) فهو كذا (وإن كان قميصه قد من دبر) ~~فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه ~~لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلئي، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك ~~للؤلئي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد؛ على ~~ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها ~~يقضى فيها بالدلالة الغالبة، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر. # وقوله - عز وجل -: (فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم (28) # يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك ~~وإفشائه عليه، فأفشت عليه ذلك؛ حيث أبى إجابتها، فقالت: (ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا) ذلك القول منها من كيدهن، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على ~~الأمن، والله أعلم. # وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان: فإن كان من ~~متاع الرجال فهو في يد الرجل، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة ms2252 في ~~قول أبي يوسف ومحمد. # وقوله - عز وجل -: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ~~(29) # يحتمل قوله: (أعرض عن هذا)، أي. عن قوله: (هي راودتني عن نفسي). # ويشبه أن يكون قوله: (أعرض عن هذا): عن جميع ما كان بينهما؛ أي: استر ~~عليها، ولا تهتك عليها سترها. # وقوله - عز وجل -: (واستغفري لذنبك). # قال ليوسف ذلك القائل: (أعرض عن هذا)، وقال للمرأة: (واستغفري لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين)، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها. # ثم اختلف في قائل هذا القول؛ قال بعضهم: هو زوجها؛ قال ليوسف: أعرض عن ~~هذا، ولا تهتك عليها سترها، لكنهم قالوا: إنه كان قليل الغيرة. # وقال بعضهم: ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها؛ وهذا أشبه. # وقوله: (واستغفري لذنبك). # قال بعضهم: قال هذا لها؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ~~ليقربوهم # PageV06P230 # إلى الله زلفى؛ حيث قال لها: واستغفري لذنبك. # وقال بعضهم من أهل التأويل: قوله: (واستغفري لذنبك) أي: إلى زوجك حيث ~~خنتيه، فإن كان التأويل هذا فذلك يدل أن القائل لذلك رجل آخر، لا زوجها. # فإن كان التأويل هو الأول فإنه يحتمل كليهما أنهما كان، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن ~~وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه ~~أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) ~~قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما ~~آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه ~~فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين (35) # وقوله - عز وجل -: (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن ms2253 ~~نفسه). # يشبه أن تكون استكتمت سرها عند نسوة في المدينة، فأفشين سرها عند أهل ~~المدينة، ليبلغ ذلك الخبر الملك. # أو أن لم تكن أعلمت تلك النسوة، فلابد من أن يعلم ذلك بعض خدمها؛ فالخادم ~~أعلمت سرها وأفشته عند نسوة في المدينة، فقلن عند ذلك: (تراود فتاها عن ~~نفسه) أي: تدعو عبدها إلى نفسها. # وقوله - عز وجل -: (قد شغفها حبا). # قال بعضهم: الشغاف: هو حجاب القلب وغلافه، (قد شغفها حبا) أي: بلغ حبها ~~إياه الشغاف، ومنه يقال: مشغوف. # والمشغوف: قيل: المجنون حبا، وهو من العشق. # قال الحسن: الشغف: أن يكون قد بطن لها حبه، والشغف: أن يكون مشغوفا به. # قال أبو عوسجة: (شغفها حبا) أي: دخل الحب في شغاف القلب، وهو غطاؤه. # وقال: من قرأها (شغفها) أي: ذهب بعقلها؛ أي: عشقها. # لكن هذا قول أولئك النسوة، فلا ندري ما أردن بذلك، إنما ذلك خبر أخبر عن ~~قول # PageV06P231 # قلنه هن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا لنراها في ضلال مبين). # حيث خانت زوجها. # أو (في ضلال مبين)، أي: في حيرة من حبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما سمعت بمكرهن ... (31) # أي: بقولهن المكر: هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة فيما اؤتمن ~~واستكتم؛ فهذه كأنها استكتمت سرها وحبها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك لنسوة ~~في المدينة، على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك؛ فذلك المكر الذي ~~سمعت، والله أعلم. # إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل. # وأمكن أن تكون المرأة لم تفش سرها إليهن، لكن بعض خدمها التي اطلعت على ~~ذلك هي التي أفشت إليهن، فأفشين هن ذلك، فلما سمعت ذلك منهن أرسلت إليهن: ~~إما تنويشا ودعاء للضيافة، وإما استزارة يزرنها، وأما قول أهل التأويل: إن ~~النسوة كانت امرأة الخباز والساقي؛ ولا أدري من ماذا، فذلك لا نعلمه، وليس ~~لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله - عز وجل -: (وأعتدت لهن متكأ) قال الحسن: متكأ: طعاما وشرابا ~~وتكأة. # وقال بعضهم: الأترج والترنج. # وقال بعضهم: متكأ: وسائد وما يتكأ عليه. # وقال أبو عوسجة: متكأ: ممدودا؛ ms2254 يعني: هيئات المجلس وما يتكأ عليه. # PageV06P232 # ومن قرأ: (متكا) مقصورا، وهو الأترنج وطعام؛ على ما قال الحسن. # وكذلك قال القتبي؛ قال: ويقال: البزماورد. # وقوله - عز وجل -: (وآتت كل واحدة منهن سكينا). # أي: أعطت كل واحدة منهن سكينا؛ ظاهر. # (وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه). # هاهنا كلام أن كيف أطاع يوسف بالخروج على النساء بقولها إياه: (اخرج ~~عليهن) فذلك مما لا يحل، لكنه يخرج على وجوه: # أحدها: أنه إنما يكره الدخول عليهن، والخلوة بهن، وأما الخروج عليهن فهو ~~ليس بمكروه؛ إذ فيه الخروج منهن؛ لأنه إذا خرج عليهن كان يقدر أن يخرج ~~منهن؛ فكأنه لما أذنت له بالخروج عليهن خرج رغبة أن يخرج من عندهن؛ إذ لم ~~يكن ليقدر، أن يخرج من البيت عليهن بغير إذن منها؛ فالأمر بالخروج عليهن ~~أفاد له إذنا بالخروج من البيت؛ إذ لا سبيل له إلى الخروج منه بلا إذن له ~~منها، فخرج عليهن ثمت من عندهن إلى غيره من المكان، وذلك مما لا يكره إذا ~~كان مما لا سبيل إلى ما سواه. # ويشبه أن يكون منها الأمر بالخروج حسب إذا خرج ولم تقل عليهن، ولم يعلم ~~يوسف أنها إنما تأمره بالخروج على النساء فخرج، لكن الله - عز وجل - أخبر ~~عن مقصودها، وكان مقصودها من الأمر بالخروج خروجا عليهن، فأخبر عن مقصودها ~~بقوله: # PageV06P233 # (وقالت اخرج عليهن) ومثل هذا قد يكون في الكلام. # وجائز أن يكون قوله: (اخرج عليهن)، أي: عنهن، وذلك جائز في اللغة: (على) ~~مكان (عن) كقوله: (إذا اكتالوا على الناس) أي: عن الناس، وأمثاله كثير. # وفي هذه الآية دلالة أن مشتري يوسف كان يمنع يوسف عن أن يخرج إلى البلد ~~والسوق، ومن أن تخالطه الناس: إما إشفاقا على نفسه، أو لئلا يفتن به ~~النساء، أو لئلا يطلع على نفس يوسف؛ لما وقع عنده أنه مسروق، فكيفما كان ~~ففيه: أن على المرء أن يحفظ ولده أو عبده إشفاقا عليه. # وقوله: (فلما رأينه أكبرنه). # أي: أكبرنه وأعظمنه من حسنه أن يكون مثل هذا بشرا؛ ألا ترى ms2255 أنهن قلن: ~~(حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) # وقوله: (وقطعن أيديهن)؛ قيل: حزا بالسكين. # قوله - عز وجل -: (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). # (حش لله): قال أهل التأويل: أي: معاذ الله. # وقال بعضهم: (حاش لله): كلمة تنزيه من القبيح، ودل هذا القول منهن أنهن ~~كن يؤمن بالله؛ حيث قلن: (حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). # قوله: (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). # كان الملك وإن لم يرونه حسنا عندهم، ينسبون كل حسن إلى الملائكة، ~~والشيطان - لعنه الله - عندهم قبيح؛ فنسبوا كل قبيح إليه. # وقوله: (بشرا). # قرأه بعضهم: (بشرى) بالتنوين، أي: ما هذا بمشترى. # وقوله - عز وجل -: (قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) # PageV06P234 # بقولهن: (امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه)، أي: إنكن لمتنني فيه أني ~~أراوده عن نفسه، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه، وأنكرتن أن يكون هذا بشرا؛ ~~فذلك أعظم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد راودته عن نفسه). # أي: دعوته إلى نفسي فاستعصم؛ قيل: امتنع؛ كقوله: (لا عاصم اليوم من أمر ~~الله) أي: لا مانع، ويشبه قوله: استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله، ~~هذا يدل على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حل السراويل ونحوه؛ حيث ~~قالت: (فاستعصم). # وقوله - عز وجل -: (ولئن لم يفعل ما آمره). # قالت ذلك امرأة العزيز. # (ليسجنن وليكونا من الصاغرين). # يشبه أن يكون قولها: ليسجنن وليكونن في السجن من الصاغرين، أو ليسجنن ~~وليكونن من المذلين الصاغرين: هو: الذليل لأنه قال لامرأته: (أكرمي مثواه)، ~~فكان مكرما عندها معظما؛ فلما أبي ما راودته فقالت: (ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين) أي: من الذليلين. # وقوله - عز وجل -: (قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) # فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز ~~من المراودة ms2256 والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: (السجن أحب إلي مما يدعونني ~~إليه)؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)، ~~وكذلك قالت امرأة العزيز: (فذلكن الذي لمتنني فيه) أي: كنتن لمتنني فيه أني ~~راودته عن نفسه؛ وأنتن قد راودتنه عن نفسه. # وقول يوسف: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه). # أي: ذلك الذل والصغار أحب إلي، أي: آثر عندي وأخير في الدين مما يدعونني ~~إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن ~~أحب إليه، أي: آثر وأخير في الدين، إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه، ألا ترى ~~أنه قال: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)؟! فهذا يدل على ~~أن ما قال: (السجن أحب إلي مما # PageV06P235 # يدعونني إليه) وإنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدين، لا محبة ~~النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: ~~(أصب إليهن وأكن من الجاهلين). وليس الدعاء في قوله: (السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه) كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه ~~السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: (وإلا تصرف عني كيده)، وهو ~~كقول آدم وحواء: (ربنا ظلمنا أنفسنا. . .) الآية. ليس الدعاء في قوله: ~~(ربنا ظلمنا أنفسنا) لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: (وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، وكذلك قول نوح: (رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني). # وفي قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن) دلالة على أن عند الله لطفا ~~لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفا عنه؛ حيث ~~قال: (وإلا تصرف عني كيدهن) ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ~~ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة ~~وقوة كل خير والدفع عن كل شر، وقوله: (وإلا ms2257 تصرف عني كيدهن) أي: لا أحد ~~يملك صرف كيدهن عني لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: (وإلا تغفر لي وترحمني) ~~وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللهم اغفر لي وارحمني. # وقوله: (أصب إليهن). # قال بعضهم: أمل إليهن. # وقال بعضهم: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن. # ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل من خرج عن دينه فقد صبا. # وبهذا كان المشركون يسمون النبي - صلى الله عليه وسلم -: صابئا، أي: خرج ~~مما نحن عليه. # وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب. # وقوله: (وأكن من الجاهلين). # أي: يكون فعلي فعل الجهال لا فعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عنى ~~كيدهن. # وقوله - عز وجل -: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ~~(34) # PageV06P236 # أي: أجاب له ربه؛ فصرف عنه كيدهن. # هذا يدل على أن الدعاء كان في قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن)، ~~ليس في قوله: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)، إنما هو خبر أخبره؛ حيث ~~أخبر أنه أجاب له ربه فصرف عنه كيدهن. # وقوله - عز وجل -: (إنه هو السميع العليم). # السميع لكل قول وكلام؛ خفيا كان على الخلق أو ظاهرا، العليم به؛ لا يخفى ~~عليه شيء. # وفي قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن)، (فصرف عنه كيدهن). # دلالة على أنهن كن يدعونه إلى ذلك من وجه كان يخفى عليه ولم يشعر به؛ ~~فالتجأ إلى الله في صرف ذلك عنه. # وقوله: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) # ذكر في بعض القصة أنها قالت لزوجها: ما زال يوسف يراودني عن نفسي فأبيت ~~عليه فصدقها؛ فحبسه في السجن. # وقوله - عز وجل -: (من بعد ما رأوا الآيات). # قال أهل التأويل: هو قد القميص من دبره وخمش الوجه وغيره، ولكنه يشبه أن ~~يكون الآيات التي رأوها هي آيات نبوته ورسالته. # وقال بعضهم: حبسوه، لينفوا عن المرأة ما رميت به، ولينقطع ذلك عن الناس، ~~ويموت ذلك الخبر ويذهب، فيه أنهم حبسوه بعد ما رأوا آيات عصمته وبراءته عما ms2258 ~~اتهموه، وأنهم ظلمة في حبسه. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك ~~من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما # PageV06P237 # كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) يا صاحبي السجن أما أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) # وقوله - عز وجل -: (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ~~وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا ~~نراك من المحسنين (36) # قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك. # (قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا). # وقال بعضهم: أرض يدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمرا باسم سببه وباسم أصله، ~~وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله. # (وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا) # كان أحدهما خبازا للملك، والآخر ساقيه. # (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين) # قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضى، ويعزي حزينهم، ~~ويجتهد في نفسه في العبادة لربه. هذا يحتمل لعله كان يبر أهل السجن ويصلهم، ~~ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما ~~بينه وبين ربه، فسمياه محسنا لذلك. # ويشبه أن ms2259 يكون قالوا: (إنا نراك من المحسنين) لما رأوا به سيما الخير ~~وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام ~~والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسنا لذلك. # PageV06P238 # ويحتمل قوله: (إنا نراك من المحسنين) لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ~~ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء. # وقوله - عز وجل -: (نبئنا بتأويله). # سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه ~~تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ ~~من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، ~~أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه. والآخر كان خبازا؛ على ما ذكر، وهو ~~إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - ~~علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل ~~يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه ~~أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائما منتصبا، فأول على ماى ن أمره. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون (37) هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ~~ذلك؛ علم ما لا يحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - ~~والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم ~~غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: # (ذلكما مما علمني ربي) # هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف ~~الملائكة إليه، وذلك لطف من الله تعالى للرسل عليهم السلام. # وقوله: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما). # تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام ~~إلا نبأتكما بتأويل ms2260 ذلك قبل أن يأتي ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله). # أخبر أنه ترك: (ملة قوم لا يؤمنون بالله. . .) الآية. # وقوله: (تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن ~~تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذا بغيره؛ وهو كقوله: (رفع ~~السماوات)، ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها. وكذلك ~~قوله: (والأرض وضعها) # PageV06P239 # ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشاها مرفوعة وموضوعة. # وكقوله: (يخرجهم من الظلمات إلى النور)، ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ~~ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها. فعلى ذلك الأول. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ... (38) # قال في الآية الأولى: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله)، وأخبر أنهم ~~كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو ~~كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ~~ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير ~~مؤمن بالله، وهو ليس بكافر. # ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه ~~إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر. # (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) # عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، ~~وصرف العبادة إليه. وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملة كفر، وملة إسلام. ~~وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر. ثم خص بذكر هؤلاء: ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل ~~الدين يدعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام. # والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: (ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين). # وفي قوله: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) دلالة أن الكفر كله ملة ~~واحدة؛ حيث أخبر أنه ms2261 ترك ملة قوم لا يؤمنون على اخثلاف مذاهبهم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس). # أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى ~~الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته ~~بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من ~~العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس ~~يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم. # PageV06P240 # وقول الله - عز وجل -: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار (39) يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ~~ودلهم عليه؛ فقال: (ذلكما مما علمني ربي)، وقال: (يا صاحبي السجن أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار)، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم ~~عبادة عدد وإرضاء نفر؟ لأنه إذا عبد بعضا واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ ~~فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم ~~جميعا، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في ~~عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده. # والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة ~~الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين. # وقوله - عز وجل -: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40) # من الأصنام والأوثان. # (إلا أسماء سميتموها). # آلهة. # (أنتم وآباؤكم). # ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي ~~خلقكم وخلق السماوات والأرض. # (ما أنزل الله بها من سلطان). # أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا ~~برهان. # (إن الحكم إلا لله). # أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله ليس كما ~~تقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). # وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، يقول: ms2262 ما الحكم في العبادة والألوهية ~~إلا لله. # أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: (ألا له الخلق والأمر)، أي: ~~له الخلق وله الأمر في الخلق. # و (أمر ألا تعبدوا إلا إياه). # حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الدين القيم). # PageV06P241 # أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة ~~والبرهان، وأما سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان. # والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: ~~المستقيم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). # يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا ~~فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدل أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له ~~العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به. # أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) # هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من ~~قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل. # وعبر رؤيا الخباز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا ~~خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ~~ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما ~~رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه ~~يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه. # وقوله - عز وجل -: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان). # قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب ~~والقتل: لم أر شيئا؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: (قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان) أي: فرغ وانتهى، لكن هذا ms2263 لا يعلم: قالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن ~~فيه أنه عبر رؤياهما، وكان ما عبر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ ~~بقوله: (ذلكما مما علمني ربي). # وقوله - عز وجل -: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) # قال بعضهم: ظن الذي صدق يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج. # PageV06P242 # وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان ~~الذي ظن، هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظان هو يوسف - ~~فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما ~~يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: (ويعلمك من تأويل الأحاديث) ~~وقال: (ذلكما مما علمني ربي). # ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره ~~عند ربه، وهو على التقديم والتأخير. # وقوله - عز وجل -: (اذكرني عند ربك). # قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله وطلب إخراجه من السجن ~~من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا ~~بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله ~~بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على ~~يديه، وأنه بقي فيه منسيا؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في ~~السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، ~~أو لينقطع ذلك الخبر عن ألسن الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكره؛ ~~لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ~~ورفع قلبه عن الله. # وهكذا جعل الله تعالى أمور الدنيا كلها بأسباب. # وعلى ذلك تعبد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ ~~نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي ms2264 اتخذت ~~للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ~~ومن عنده ينصرون. # وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ~~وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك ~~الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن ~~يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ~~ذكرناه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اذكرني عند ربك). # PageV06P243 # يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ ~~لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في ~~حبسه؛ فقال لذلك ما قال. # والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى ~~التوحيد؛ حيث قال: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار). # وقوله - عز وجل -: (فأنساه الشيطان ذكر ربه). # قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم ~~يدع ربه الذي هو في الحقيقة رب. # وقال بعضهم: قوله: (فأنساه الشيطان) الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ~~ذكر ربه، وهذا أشبه، والأول بعيد؛ لأنه قال في آخره: (وادكر بعد أمة)، أي: ~~بعد حين (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ~~ذلك الرجل فلم يذكره عنده حينا. # وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمدا؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ~~ما تقدم من المقال فيزداد غضبا عليه، فتركه عمدا إلى أن جاء وقته - والله ~~أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: (وما أنسانيه إلا ~~الشيطان)، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شر يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر ~~بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، ~~وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله تعالى أراد أن يظهر آية رسالته ~~وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة ms2265 أولئك ~~النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها. # وقوله - عز وجل -: (فلبث في السجن بضع سنين). # قال بعضهم: خمس سنين. وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك. # PageV06P244 # ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أنه لبث فيه حينا. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (يا صاحبي السجن) سماهم: أصحاب السجن؛ لأنهم ~~كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ~~ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى ~~نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن. # وقوله: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان). # قيل: فرغ. # وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: (وقضينا إلى بني ~~إسرائيل. . .) الآية. # وقوله: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) كأنه بلغ إليهما وحيا أوحى إليه ~~وأمر به أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون (43) قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال ~~الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها ~~الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا ~~فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك ~~عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) # وقوله - عز وجل -: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان). # ذكر أنه رأى، وليس فيه ذكر أنه رأى في المنام، ولكن ذكر في آخر الرؤيا؛ ~~دل أنه رأى في المنام بقوله: (إن كنتم للرؤيا تعبرون). # وفيه: أن من الرؤيا ما هو حق ولها حقيقة، ومنها باطل لا ms2266 حقيقة لها؛ لأنه ~~قال: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون) فكأن، الرؤيا ~~هي حق، ولها حقيقة؛ بتأويل عواقبها، وأضغاث أحلام: لا حقيقة لها. # PageV06P245 # وقوله - عز وجل -: (إني أرى سبع بقرات سمان). # أما البقرات: هي السنون، والسمان: هي المخصبات الواسعات. # (يأكلهن سبع عجاف). # العجاف: هي المجدبات. # (وسبع سنبلات خضر). # السنبلات: سنبلات، وخضر: عبارة عما يحصد. # (وأخر يابسات). # عبارة عما لا يحصد أي: لا يكون فيه ما يحصد. # فيه دلالة أن في الرؤيا ما يكون مصرحا مشارا إليه يعلم بالبديهة، ومنها ~~ما يكون كناية مبهما غير مفسر؛ لا يعلم إلا بالنظر فيها والتفكر والتأمل؛ ~~لأنه قال: (أرى سبع بقرات)، وسبع: هو سبع لا غير، وبقرات: هن كناية عن ~~السنين، وسمان: كناية عن الخصب والسعة، يأكلهن على حقيقة الأكل لا غير. # وكذلك (سبع عجاف) السبع: هو سبع، والعجاف: كناية عن الشدة والجدب، وسبع ~~سنبلات: هن عين السنبلات، وخضر: هن كناية عما يحصد، ويابسات: كناية عما لا ~~يكون فيه ما يحصد. # ففيه: أن من الخطاب ما لا يكون مصرحا مبينا مشارا إليه؛ يفهم المراد منه ~~بالبديهة وقت قرع الخطاب السمع، ومنه ما يكون مبهما غير مفسر؛ فهو على ~~وجهين: # منه ما يفهم بالنظر فيه والتفكر. # والثاني: لا يفهم بالبديهة ولا بالنظر فيه والتفكر، إلا ببيان يقرن به ~~سوى ذلك، على هذا تخرج المخاطبات فيما بين الله وبين الخلق والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون). # خاطب الأشراف من قومه والعلماء بقوله: (يا أيها الملأ) على ما ذكرنا فيما ~~تقدم أن الملأ: هو اسم للأشراف منهم والرؤساء، وهكذا العادة في الملوك؛ ~~أنهم إذا خاطبوا إنما يخاطبون أعقلهم وأعظمهم منزلة عندهم وأكرم مثواهم. # دل قوله: (أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون) أنه إنما رأى ذلك في ~~المنام والله أعلم. # وقوله: (أفتوني في رؤياي. . .) الآية. # PageV06P246 # كأنه نهاهم أن يتكلفوا التعبير للرؤيا التي رآها؛ إذا لم يكن لهم بها ~~علم، وكذلك الواجب على كل من ms2267 سئل عن شيء لا يعلم ألا يشتغل به، ولا يتكلف ~~علمه؛ إذا لم يكن له به علم؛ حيث قال: (أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون). # وقوله - عز وجل -: (قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ~~(44) # قال بعضهم: أباطيل أحلام كاذبة وقال بعضهم: أخلاط أحلام؛ مثل أضغاث ~~النبات تجمع فيكون فيها ضروب مختلفة، وهو كما قيل في قوله: (وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث)، أي: جماعة من أغصان الشجر. # وقال بعضهم: (أضغاث أحلام): الضغث، والأضغاث: ما لا يكوت له تأويل، ويقال ~~لنوع من الكلأ: ضغث وهو الحلفا؛ يشبه البردي وغيره. # وقيل: إن الضغث والأحلام: هما اسمان لشيء لا معنى له، ولا تأويل، وهما ~~واحد، وأصل الأحلام: كأن مخرجه من وجهين: # أحدهما: العقول؛ دليله: قوله: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) أي: عقولهم (أم ~~هم قوم طاغون). # والثاني: من الاحتلام، وهو ما ذكرنا من الحلم؛ كقوله: (وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم. . .): الآية فيشبه أن يكون يخرج على هذا؛ لأن الصبي ما لم يعقل ~~لا يلعب به الشيطان، ولا يحتلم؛ لأن الاحتلام هو من لعب الشيطان به، فسمى ~~الرؤيا الباطلة الكاذبة أحلاما؛ لأنها من لعب الشيطان به، كما سمى احتلام ~~الصبي حلما؛ لأنه إذا بلغ العقل لعب به الشيطان. # وقوله - عز وجل -: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين). # يحتمل قوله تعالى: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) لما لا تأويل لها؛ ~~كقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، وقوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ~~أي: لا شفيع لهم. # PageV06P247 # ويحتمل قوله: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) لها تأويل، ولكن نحن لا ~~نعلمها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون (45) # من الهلاك، وهو الساقي الذي ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وادكر بعد أمة). # أي: تذكر بعد أمة، قال الأمة - هاهنا -: الحين، أي: ذكر بعد حين ووقت؛ ~~كقوله تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة)، قيل: حين ووقت ~~معدود، وقال الحسن: (وادكر بعد أمة) أي: بعد أمة من الناس. # ويقرأ ms2268 (بعد أمه) قال أبو عوسجة: الأمه: النسيان والسهو؛ أي: تذكر بعد ~~نسيان وسهو؛ كقوله: (فأنساه الشيطان ذكر ربه)، يقال منه في الكلام: أمه ~~يأمه أمها؛ فهو آمه، وأمه؛ أي: نسي. # والأمة: من الأمم والقرون التي مضت. # والأمة: النعمة، والأمم جمع. # والأمة أيضا: الذين والسنة؛ كقوله تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون) أي: على دين. # PageV06P248 # ويقال: الأمة: القامة أيضا؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، ~~ويقال: الأمم: القريب. # فهو يحتمل هاهنا الوجهين اللذين ذكرناهما؛ أي: ذكر بعد حين ووقت، أو بعد ~~نسيان؛ من درأه بالنصب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أنا أنبئكم بتأويله). # معناه: أي أنا أنبئكم ببيان تأويلها لا أنه كان ينبئهم هو بنفسه؛ ألا ترى ~~أنه قال: (فأرسلون). (يوسف ... (46) فيه إضمار؛ كأنه قال: فأرسلوني إلى ~~يوسف، وليس في تلاوة الآية أنه أرسل إليه، ولا إتيانه إليه، ولكن فيه دليل ~~أنه أرسل إليه فأتاه؛ فلما أتاه قال له: (أيها الصديق). # قيل: الصديق: هو كثير الصدق؛ كما يقال: شريب وفسق وسكير؛ إذا كثر ذلك ~~منه، والصديق: هو الذي لم يؤخذ عليه كذب قط، أو سماه صديقا لما عرف أنه ~~رسول الله، وهو ما قال في إبراهيم (إنه كان صديقا نبيا). # أو يقول: (أنا أنبئكم بتأويله) أي: أنا أتعلم منه؛ فأنبئكم بتأويله. # وقوله - عز وجل -: (أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات). # فأفتاها له وعبرها عليه؛ وهو ما قال: (تزرعون سبع سنين دأبا) إلى آخر ما ~~ذكر. # وقوله: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون). # هذا تفسير رؤيا الملك للذي سأله. # وقوله - عز وجل -: (لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون). # هذا يحتمل وجوها: # يحتمل: يعلمون أن هذه الرؤيا حق ولها حقيقة؛ ليس كما قال أولئك: أضغاث ~~أحلام. # والثاني: يعلمون فضلك على غيرك من الناس، أو يعلمون أنك تصلح لحاجاتهم ~~التي في حال يقظتهم؛ فرفعونها إليك؛ كما أصلحت ما كان لهم في حال نومهم، ms2269 ثم ~~علمهم الزراعة، وجمع الطعام والادخار أن كيف يذخر حتى يبقى إلى ذلك الوقت، ~~فقال: # PageV06P249 # (تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ~~(47) # قال بعضهم: أي: دائما؛ أي: تداومون الزراعة فيها. وقال أبو عوسجة: دأبا: ~~من الدوب؛ من الجد والتعب. # وقال القتبي: دأبا: أي: جدا في الزراعة ومتابعة. وكله واحد. # وقوله - عز وجل -: (فما حصدتم فذروه في سنبله). # لا تنقوه؛ لأن ذلك أبقى له من إذا نقي وميز، إلا قليلا مما تأكلون؛ ~~فتنقونه إن شئتم؛ أي: قدر ما تأكلون. # وقوله: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون (48) # قيل: مجدبات من الشدة. # (يأكلن ما قدمتم لهن). # أي: ما ادخرتم لهن. # (إلا قليلا مما تحصنون). # قال بعضهم: تدخرون. # وقال بعضهم: تحرزون. # قال أيو عوسجة: أحصنته، أي: ادخرته. # وقوله - عز وجل -: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ~~(49) # قال بعضهم: هو من الغيث؛ وهو المطر؛ أي: يمطرون. وقيل: يغاثون بالمطر؛ من ~~الإغاثة والغوث. # وقوله - عز وجل -: (وفيه يعصرون). # قال بعضهم: هو من عصر الأعناب والدهن والزيت وغيره؛ إنما هو إخبار عن # PageV06P250 # الخصب والسعة. # وقال بعضهم: قوله: (يعصرون) أي: ينجون؛ يقول: من العصر يعني الملجأ: أي ~~يلجئون إلى الغيث، والعصرة المنجاة؛ وهو قول أبي عبيدة. وأما قول غيره من ~~أهل الأدب والتأويل: فهو من العصر؛ يعني: عصر العنب وغيره والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما ~~خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت ~~العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما أبرئ ~~نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) وقال ~~الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ms2270 فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ~~(54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ~~(56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # وقوله - عز وجل -: (وقال الملك ائتوني به) يعني: يوسف فلما جاءه الرسول، ~~قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديه): فيه دلالة أن ~~قول يوسف، للرجل. # (اذكرني عند ربك). # إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه ~~لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم. # وقوله: (فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديه). # يحتمل هذا من وجهين: # أحدهما: أهن على كيدهن بعد، أم رجعن عن ذلك؟ # والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم. ليظهر عنده أنه كان بريئا ~~مما قرف به واتهم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربي بكيدهن عليم). # إنهن كدن ثم قال لهن الملك: (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه (51) هذا ~~يدل أن # PageV06P251 # الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: (ما خطبكن إذ راودتن) ~~ولم يقل لهن: راودتن أم لا؟ ولكنه قطع القول فيه. # وقوله - عز وجل -: (قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء). # بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئا ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك ~~بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: # (الآن حصحص الحق). # قيل: الآن تبين الحق وتحقق. # (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) وفي قوله: (راودتني عن نفسي). # وقوله: (ما خطبكن) ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه. # وقوله: (قلن حاش لله). # قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح. # وقوله: (ما علمنا عليه من سوء). # قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: (ما علمنا عليه من سوء) هو السوء ~~الذي قالت، (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها ~~قلن ما علمنا منه ذلك. ms2271 # وقوله: (حصحص الحق). # قد ذكرناه أنه تبين وتحقق. # وفي قوله: (ما علمنا عليه من سوء). # دلالة أن لم يكن منه ما قاله أهل التأويل من حل السراويل وغيره؛ لأنه لو ~~كان منه ذلك لكن قد علمن منه السوء. # وقوله - عز وجل -: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين (52) # قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: (ائتوني ~~به) # PageV06P252 # ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردا لقولها: (ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا) أن وتصديقا لقوله؛ حيث قال: (هي راودتني عن ~~نفسي). # وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، ~~لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب. # وقول أهل التأويل لما قال يوسف: (ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال له ~~الملك: ولا حين هممت ما هممت؟ فقال: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء): هذا مما لا نعلمه. # وقد ذكرنا التأويل في قوله: (ولقد همت به وهم بها) ما يحل ويسع أن يتكلم ~~به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا. # PageV06P253 # ومعنى قوله: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ~~ربي غفور رحيم (53) # أي: عصم ربي. والله أعلم. # إنه لما قال ذلك؛ (ليعلم أني لم أخنه بالغيب)؛ لما عصمنى الله عن ذلك، ~~ولو لم يكن عصمنى لكنت أخونه (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) أي: ~~ما عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى ~~فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: (فأما من ~~طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41). أثبت للنفس ~~الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: (رب السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه) هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ms2272 ما تختار النفس ~~وتؤثر، النفس أبدا تختار وتؤثر ما هو ألذ وأشهى، وتنفر عن الشدائد ~~والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) أي: لا يجعل، فعل ~~الكيد والخيانة هدى ورشدا، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية. # وقوله - عز وجل -: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال ~~إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) أي: أجعله لنفسي خالصا لحوائجي وأن يكون ~~قوله: (أستخلصه لنفسي): # أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: (مكنا ~~ليوسف. . .) الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصا دون الناس لا يشرك غيره ~~فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حفصة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين). # وقوله - عز وجل -: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين). # ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به ~~وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين) قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ~~ما استأمناك. # وقوله - عز وجل -: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) # سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ~~ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، ~~والقيام بحاجة الأحق من غيره. وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، ~~وبه قوام أبدانهم؛ فسأله # PageV06P254 # ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري. # ولذلك قال: (إني حفيظ عليم). # قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره. # وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها. وقيل: حفيظ لما في الأرض من ~~غلة؛ عالم بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه: حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس. # وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما ~~استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا ms2273 من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) # يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ ~~مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه. # أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له ~~في الأرض. وجائز أن يكون قوله: (وكذلك مكنا ليوسف) جوابه: كما مكنا ليوسف ~~في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ ~~بعدما أخرجك من عليه إيواؤك. # وقوله - عز وجل -: (يتبوأ منها حيث يشاء). # أي: ينزل منها حيث يشاء، ويسكن منها حيث يشاء. # وقوله - عز وجل -: (نصيب برحمتنا من نشاء). # يحتمل قوله: (برحمتنا) سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: (ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها). # ويحتمل (برحمتنا): أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم ~~يقولون: ليس لله أن يختص أحدا برحمته ولا يصيب من رحمته إنسانا دون إنسان، ~~وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله. # PageV06P255 # وقوله - عز وجل -: (ولا نضيع أجر المحسنين). # أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء ~~إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له. # وقوله - عز وجل -: (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) # أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها. # وقوله: (آمنوا). # صدقوا. # (وكانوا يتقون) الشرك. (آمنوا) صدقوا؛ (وكانوا يتقون) المعاصي والفواحش. # * * * # قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما ~~جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا ~~خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) ~~قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) # وقوله - عز وجل -: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون). # لما أراد الله أن يبلغ أمر يوسف؛ فيما أراد أن ms2274 يبلغ جعلهم بحيث لا ~~يعرفونه؛ لذلك قال: (فعرفهم وهم له منكرون) أي: لا يعرفونه؛ كقوله: (قوم ~~منكرون) أي: غير معروفين عند إبراهيم، والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشرع ~~ولا في العقل. # وقوله - عز وجل -: [(ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ~~ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59)] # أي: أعطى لهم الطعام الذي طلبوا منه. # قال أبو عوسجة: الجهاز: المتاع. والجهاز -أيضا-: متاع المرأة التي تجهز ~~به، ولا يقال: جهاز بخفض الجيم. # وقال أهل التأويل: إن يوسف - عليه السلام - قال لهم حين دخلوا عليه أنتم ~~عيون؛ بعثكم ملككم تنظرون إلى أهل مصر ثم تأتونه بالخبر وتأتونه بكذا. # ذلك مما لا نعلمه أنه قد كان قال لهم ذلك أم لا، وغير ذلك من الكلمات ~~التي قالوا: إنه قال لهم كذا وقالوا هم له كذا، نحن كذا كذا رجلا؛ فهلك منا ~~كذا، ولنا أب كذا: مثل # PageV06P256 # هذا لا يكون كلام الأنبياء إنما هو كلام بعض العوام الغوغاء. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين). # مثل هذا لا يحتمل أن يقوله يوسف ابتداء؛ على غير سبب أو كلام كان هنالك، ~~لكنه لم يذكر الذي كان؛ ونحن لا نعرف ما الذي كان جرى هنالك فيما بينهم. # وكذلك قوله: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) # أما أهل التأويل فإنهم قالوا: قال لهم ائتوني بأخ لكم من أبيكم إلى آخر ~~ما ذكر؛ لأنه لما قال لهم: إنكم جئتم عيونا لملككم؛ فأمر بحبسهم، فقالوا: ~~نحن بنو يعقوب النبي، وكنا اثني عشر رجلا؛ فهلك منا رجل في الغنم، ووجدنا ~~على قميصه دما؛ فأتينا أبانا فقلنا: كذا، وقد خلفنا عند أبينا أخا له؛ من ~~أم الذي هلك؛ فعند ذلك قال لهم: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني ~~أوفي الكيل وأنا خير المنزل) لكن هذا الذي ذكروا لا يكون سببا ولا جوابا ~~له، وقد ذكرنا أنه لا يصح ms2275 هذا الكلام مبتدأ، لكنا نعلم بالعقل أنه كان ~~هنالك سبب، ومعنى أمر يوسف أن يقول لهم ذلك، وإلا لا يحتمل أن يقول لهم ~~يوسف: (فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) وهو كان يعلم أن أباه يعقوب يحتاج إلى ~~طعام، ويعرف حاجتهم في ذلك - هذا لا يسع إلا بسبب كان؛ فأمر يوسف بذلك. # وقوله: (فلا كيل لكم عندي ولا تقربون) فيما يستقبل؛ أي: لا تأتوني. والله ~~أعلم. # ويحتمل قوله: (ألا ترون أني أوفي الكيل) وجهين: # أحدهما: قال ذلك لهم؛ إنه يوفي لهم الكيل؛ لأن أهل ذلك المكان كانوا ~~ينقصون ويخسرون الكيل في الضيق؛ فقال هو: ألا ترون أني أوفي الكيل ولا ~~أبخس. # والثاني: ألا ترى أني أوفي الكيل على غير الحاجة؛ وكان يجعل لغيرهم ~~الطعام على الحاجة؛ لضيق الطعام. # إني أوفي الكيل على قدر الحاجة وأنا خير المنزلين في الإحسان إليكم ~~والتوسيع عليكم؛ لأن أهل ذلك المكان لا يحسنون إلى النازلين بهم، ولا ~~يوسعون عليهم؛ لضيق الطعام. وكأن قوله: (ألا ترون أني أوفي الكيل) مؤخر عن ~~قوله: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون)؛ كأنه قال: (ائتوني ~~بأخ لكم من أبيكم) (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون)؛ فعند ~~ذلك قال: (ألا ترون أني أوفي الكيل) والله أعلم. # PageV06P257 # وقوله - عز وجل -: (سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) # هذا الكلام في الظاهر ليس هو جواب قول يوسف؛ حيث قال: (ائتوني بأخ لكم من ~~أبيكم) وجوابه أن يقولوا له: نأتي به أو لا نأتي، فأما أن يجعل قولهم: ~~(سنراود عنه أباه (وإنا لفاعلون) جوابا له؛ فلا يحتمل مع ما أن في قلوبهم ~~سنراود عنه اضطراب؛ يملكون أو لا يملكون. # قولهم: (وإنا لفاعلون). # على القطع؛ لكن يشبه أن يخرج على وجهين: # أحدهما: على الإضمار؛ سنراود عنه أباه فإن أذن له وإنا لفاعلون ذلك. # أو على التقديم والتأخير يكون جواب قوله: (ائتوني بأخ لكم من أبيكم) في ~~قولهم: (وإنا لفاعلون) كأنه لما قال لهم يوسف: ائتوني بأخ لكم من أبيكم ms2276 ~~قالوا إنا لفاعلون، ثم قالوا فيما بينهم: سنراود عنه أباه. # على هذين الوجهين يشبه أن يخرج والله أعلم. # وقوله: (سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون). # قال أبو عوسجة: المراودة: الممارسة، وهي شبه المخادعة، وهي المعالجة. ~~وقيل: سنراود: أي سنجهد وسنطلب. # وقوله - عز وجل -: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم ~~يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) # لفتيته. # الفتية: الخدم؛ والفتيان: المما ليك. # (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم). # قيل: اجعلوا دراهمهم في أوعيتهم، فيه دلالة أن الهبة قد تصح - وإن لم ~~يصرح بها - إذا وقع في يدي الموهوب له وقبضه - وإن لم يعلم هو بذلك - وقتما ~~جعل له؛ لأن يوسف جعل بضاعتهم في رحالهم؛ هبة لهم منه؛ وهم لم يعلموا بذلك، ~~وهو وقتما جعل ذلك لهم، ملك ليوسف؛ ولهذا قال أصحابنا: إن من وضع ماله في ~~طريق من طرق المسلمين؛ ليكون ذلك ملكا لمن رفعه كان ما فعل. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون). # PageV06P258 # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: يرجعون؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة لما عسى يقع عندهم أن واحدا منا ~~جعل هذا في متاعنا وأوعيتنا سرا منهم ففعل يوسف هذا؛ ليرجعوا؛ مخافة أن ~~يعرفوا بالسرقة. # والثاني: ما قاله أهل التأويل: لما تخوف يوسف ألا يكون عند أبيه من الورق ~~ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في أوعيتهم؛ لكى يرجعوا إلينا؛ فلا ~~يحبسهم عنا عدم الدراهم؛ لأنهم كانوا أهل ماشية. # * * * # قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل ~~معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم ~~على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم ~~وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ~~ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله ~~معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم ~~قال الله على ما نقول ms2277 وكيل (66) وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا ~~من أبواب متفرقة وما أغني # PageV06P259 # عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون (67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون (68) # وقوله - عز وجل -: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل ~~... (63) # فيما يستقبل وششانف لقوله: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا ~~تقربون). # (فأرسل معنا أخانا نكتل) بالنون؛ وبالياء: (يكتل)، وبالنون أقرب؛ لأنهم ~~قالوا: منع الكيل منا فأرسل معنا أخانا نكتل؛ نحن، يشبه: ويكتل هو إن ~~أرسلته. # (وإنا له لحافظون). # لا يحتمل أن يقولوا له هذا من غير سبب كان هنالك: من خوف خاف عليه أبوهم ~~من ناحيتهم، وقد اتهمهم؛ لأنه كان أخوهم من أبيهم، خاف عليه أن يضيعوه أو ~~إن استقبله أمر لا يعينونه أو أمر كان لم يذكر، ولسنا ندري ما ذلك المعنى ~~والله أعلم بذلك. # (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) # وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه: (هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من ~~قبل). # في هذا دلالة أن من ظهرت منه تهمة أو خيانة في أمر، يجوز أن يتهم فيما لم ~~يظهر منه # PageV06P260 # شيء؛ حيث اتهمهم يعقوب في بنيامين بخيانة كانت منهم في يوسف؛ وإن لم يظهر ~~له منهم في أخيه شيء، وهو حجة لأصحابنا: أن من ظهر فسقه في شيء وكذبه في ~~أمر، صار مجروح الشهادة في غيره. # وقوله: (فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين). # أي: إن أرسلته فإنما أعتمد على حفظ الله، وإليه أكل في حفظه؛ لست أعتمد ~~على حفظكم. # (وهو أرحم الراحمين). # أي: هو بكل مكروب وملهوف أرحم من كل راحم؛ لأن كل من يرحم إنما يرحمه ~~برحمة نالها منه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولما فتحوا ms2278 متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا ~~أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل ~~بعير ذلك كيل يسير (65) # هذا قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (ما نبغي) هذا يحتمل: ما نبغي سوى الثمن؛ فقد رد إلينا ~~دراهمنا أو يكون قوله: (ما نبغي) وراء هذا كبير شيء؛ إنما نبغي ثمن بعير ~~واحد وثمن بعير واحد يسير؛ لأنه قد ردت بضاعتنا؛ وهو ثمن عشرة أبعرة. # (ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير). # لأنه ذكر أن يوسف كان لا يعطي كل رجل إلا حمل بعير واحد، ولا يعطي أكثر ~~من ذلك؛ فقالوا: ونزداد كيل بعير به؛ ومن أجله. # (ذلك كيل يسير). # قال بعضهم: (ذلك كيل يسير) أي: سريع لا حبس فيه: وقال بعضهم: (ذلك كيل ~~يسير) أي: ييسر علينا الكيل، ولا يحبس عنا الطعام، ولا يثقل عليه ذلك؛ ~~بقوله: (ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي ولا تقربون). فإن لم نأته به فلا كيل لنا؛ وقد حبسنا عنه. ~~والله أعلم. # ويشبه أن يكون فيه وجه آخر أقرب مما قالوا وهو: أن قوله: (ذلك كيل يسير) ~~أي: طلب ثمن كيل بعير يسير؛ لأنه قد ردت إليهم بضاعتهم؛ وهو ثمن كيل عشرة ~~أبعرة؛ فإنما احتاجوا إلى ثمن كيل بعير واحد؛ فقالوا: طلب ثمن كيل بعير ~~واحد يسير، وتكلفة سهلة؛ وهو ثمن كيل بعير بنيامين. والله أعلم. # PageV06P261 # وقوله - عز وجل -: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني ~~به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) # أي: حتى تأتوني بمواثيق من الله؛ وبعهود منه. # (لتأتنني به). # فيه دلالة أنه وإن قال: (فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين) واعتمد في ~~الحفظ على الله، ورأى الحفظ منه، لم يرسله معهم إلا بالمواثيق والعهود من ~~الله، وهذا أمر ظاهر بين الناس؛ أنهم وإن كان اعتمادهم على الله وإليه ~~يكلون في جميع أمورهم في الأموال والأنفس، ومنه يرون ms2279 الحفظ فإنه يأخذ بعضهم ~~من بعض المواثيق والعهود؛ فعلى ذلك يعقوب أنه وإن أخبر أن اعتماده واتكاله ~~في حفظ ولده على الله لم يرسله معهم إلا بعدما أخذ منهم العهود والمواثيق. # (لتأتنني به إلا أن يحاط بكم). # أي: إلا أن يجمعكم أمر ويعمكم، ويحيط بكم الهلاك جميعا؛ فعند ذلك تكونون ~~معذورين؛ فإما أن يخص به أمر فلا. # والثاني: إلا أن يجيء أمر عظيم يمنعكم عن رده؛ كأنه خاف عليه من الملك؛ ~~حيث طلب منهم أن يأتوه به. # وقوله - عز وجل -: (فلما آتوه موثقهم قال) يعقوب (الله على ما نقول وكيل) ~~أي: الله على المواثيق والعهود التي أخذتها منكم شهيد، أو يقول: الله له ~~حفيظ؛ كما قال: (فالله خير حافظا). والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون (67) # قال بعضهم من أهل التأويل: إن يعقوب خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا ذوي ~~صور وجمال وبهاء؛ فخشي عليهم العين؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا متفرقين. # وقال بعضهم: خشي عليهم البيات والهلاك؛ لأنهم كانوا أهل قوة ومنعة؛ ~~فيخافهم أهل البلد ويفرقون منهم السرقة؛ فأمرهم بالتفرق، وهو قول ابن عباس؛ ~~فإذا كانوا # PageV06P262 # متفرقين فلا يهلكون الكل؛ وإنما يهلك بعضهم وينجو بعض أو لا يدري ما أراد ~~بهذا. # وقال بعضهم: علم يعقوب أنهم لا يهلكون؛ لما رأى يوسف من الرؤيا أن يسجد ~~له إخوته، ولكن خاف عليهم أن تصيبهم النكبة؛ لذلك أمرهم أن يدخلوا من أبواب ~~متفرقة، أوص ن سكك متفرقة، أو من طرق متفرقة، أو ما قالوا. # وقوله - عز وجل -: (وما أغني عنكم من الله من شيء). # أي لا أدفع عنكم من الله من شيء؛ إن أصابكم نكبة أو عين، فإن قيل: لو كان ~~أمره إياهم بالتفرق؛ لخوف العين؛ أو لخوف أهل البلد منهم السرقة والإغارة، ~~كيف لم يأمرهم بذلك في المرة الأولى؛ وخوف العين؟ لم يخش ذلك لما قد يقع ms2280 ~~الاجتماع ما ذكر ابن عباس رضي الله عنه: أنه يخافهم أهل البلد إذا رأوهم ~~مجتمعين أنهم لصوص وأنهم كذا، ولكن جائز أن يكون في المرة الأولى لم يخش ~~ذلك؛ لما قد يقع الاجتماع في أمثال أولئك من الرفقاء والصحابة، فلا يكون في ~~ذلك الخوف الذي ذكروا. وإذا عادوا في المرة الثانية؛ قد يحتمل ذلك الخوف من ~~العين؛ وغيره، إذا علم أهل البلد أن ذلك العدد تحت أب واحد، أو أمرهم ~~بالتفرق على الأبواب؛ بمحنة امتحن بذلك، وأمر به، أو لمعنى غاب عنا لا ~~نحتاج إليه. والله أعلم. # وقوله: (وما أغني عنكم من الله من شيء) أي: لا أدفع عنكم من الله من شيء ~~إن أصابكم نكبة أو عين وإن تفرقتم إن الحكم إلا لله، هذا تفسير قوله: (وما ~~أغني عنكم من الله من شيء) أي: لا أدفع عنكم، بما أحتال ما قدر الله وقضاه؛ ~~أن يصيبكم؛ فيصيبكم لا محالة وينزل بكم (إن الحكم إلا لله) أي: ما الحكم في ~~ذلك إلا لله ما في حكمه وقضائه أن يصيبكم فيصيبكم لا محالة. # وقوله - عز وجل -: (عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون). # هذا أصل كل أمر يخاف المرء، وأن يأخذ بالحذر، ويتوكل - مع ذلك - على ~~الله؛ على ما أمر يعقوب - عليه السلام - بنيه بالحذر في ذلك، ثم توكل على ~~الله في ذلك. # PageV06P263 # والحذر هو العادة في الخلق، والتوكل: تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد ~~عليه. والله أعلم. # وقوله: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ... (68) من أبواب متفرقة. # (ما كان يغني عنهم من الله من شيء). # أي: ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أنه يصيبهم. # وقوله - عز وجل -: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاه). # الحاجة في النفس: أحد شيئين: إما الرغبة، وإما الرهبة؛ كقوله: (ولا يجدون ~~في صدورهم حاجة) فعلى ذلك حاجة يعقوب، لا تخلو: إما أن كانت رغبة منه؛ في ~~تفرقهم، أو رهبة في اجتماعهم؛ قضى تلك الحاجة. # وقوله - عز وجل -: (وإنه لذو علم لما علمناه). # يشبه أن يكون هذا صلة ms2281 ما قال يعقوب لبنيه: (لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة) أي: وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق؛ ~~والنهي عن الاجتماع. # وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). # ما أراد. بقوله: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم): من السكك ~~المتفرقة، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئا إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها، يقول: بدأها فتكلم بها. # (وإنه لذو علم لما علمناه) يقول: حافظا لما علمناه، وقيل: حافظا له؛ ~~عالما به، وقيل؛ (لذو علم لما علمناه) أي: عمل بجميع ما علم وانتفع به، ~~(ولكن أكثر الناس) لم ينتفعوا بما علموا. # ويحتمل: وإنه لذو علم بقصة يوسف من أولها إلى آخرها؛ كما أخبرناه (ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون) ذلك. # وجائز أن يكون قوله: (وإنه لذو علم لما علمناه) أي: ما أصابه من الحزن؛ ~~بذهاب يوسف وأخيه، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي ~~علمناه، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه، أي علمه بما علمناه بعدما أصابه ما ~~أصابه؛ كهو ما كان قبل ذلك، # PageV06P264 # لم يعمل فيه ولم يؤثر. # وعن الحسن - فيما أظن - في قول يعقوب لبنيه: (لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة) قال: أما والله ما كانت به طيرة تطير بها؛ ولكن ~~قد علم أو ظن أن يوسف سيلقى أخاه؛ فيقول: إني أنا أخوك. # وأكثر أهل التأويل قالوا: قوله: (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) أي: خيفة ~~العين على بنيه؛ لجمالهم، وبهائهم، وحسن صورهم، أو لما يكون لواحد كذا كذا ~~عددا من البنين فيقصدون قصدهم بالنكاية عليهم لما ذكرنا أو ما أراد بذلك. ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ~~ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا ~~تفقدون (71) قالوا نفقد ms2282 صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) ~~قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ~~كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع ~~درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من ~~قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما ~~تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا ~~نراك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا ~~إذا لظالمون (79) # وقوله - عز وجل -: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه). # هذا يحتمل وجهين: # يحتمل أنهم لما دخلوا البلد الذي فيه دعا يوسف أخاه وحن إليه ويحتمل أنهم ~~دخلوا جميعا على يوسف؛ فضم أخاه إلى نفسه؛ فقال: إني أنا أخوك. # قال بعض أهل التأويل لم يقل له: أنا أخوك: بالنسبة؛ ولكنه قال: أنا أخوك: ~~مكان أخيك الهالك. # وقوله - عز وجل -: (فلا تبتئس). # يقول: لا تحزن. # PageV06P265 # (بما كانوا يعملون). # هذا يحتمل وجهين: # يحتمل: لا تبتئس بما كان عمل إخوتك؛ كأنه لما دعاه فضمه إلى نفسه - شكا ~~إليه من إخوته؛ فقال عند ذلك: (فلا تبتئس بما كانوا يعملون). # ويحتمل: فلا تبتئس بما يعمل بك هؤلاء؛ أي: خدمه وعماله، كأنه أخبره بما ~~كان يريد أن يكيد بهم؛ من جعل الصاع في رحله؛ فقال: (فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون) بك؛ لأنه لا يجوز أن يجعل أخاه متهما، يقرف به من غير أن ظهر منه ~~شيء؛ وقد أخبره أنه أخوه. والله أعلم. # دل أنه أراد أن يعلمه ما يريد أن يكيد بهم؛ ليكون هو على علم من ذلك. ~~وقوله - عز وجل -: (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن ms2283 ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) هو ما يهيأ للخروج؛ ولذلك يقال لمتاع ~~المرأة: جهاز، وقوله: - عز وجل -: (جعل السقاية في رحل أخيه). # السقاية: قيل: هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وقيل: هو الصاع الذي ~~كان يكال به الطعام؛ ولكن لا نعلم ما كان ذلك سوى أنا نعلم أنها كانت ذات ~~قيمة وثمن؛ ألا ترى أن ذلك الرسول قال: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به ~~زعيم) فلولا أنها كانت ذات قيمة وثمن وإلا لم يعط لمن جاء به حمل بعير ~~الطعام، وكان قيمة الطعام عندهم في ذلك الوقت ما كان. # (ثم أذن مؤذن). # أي: نادى مناد: (إنكم لسارقون). # لا يحتمل أن يكون يوسف يأمر رسوله أن يقول لهم: (إنكم لسارقون)؛ وقد علم ~~أنهم ليسوا بسارقين، ولكن قال لهم ذلك المنادي الذي ناداه - والله أعلم -: ~~(إنكم لسارقون) من نفسه، وهو من بعض من يتولى كيل الطعام على الناس، ~~وأمثاله لا يبالون الكذب أو قال، لهم ذلك قوم كانوا بحضرتهم: (أيتها العير ~~إنكم لسارقون). أو أن يكون على # PageV06P266 # الاستفهام والتقرير. فإن كان هذا - فهو يحتمل من يوسف؛ وأما غيره فلا؛ ~~لأنه كذب. وضم يوسف أخاه يحتمل وجهين: # يحتمل لمكان سؤاله إياهم أن يأتوا به، أو لمكان فضله ومنزلته ليعلموا أن ~~ما كان ليوسف وأخيه عند أبيهم من فضل المحبة والمنزلة من الله؛ إذ جعل ذلك ~~لهما عند الملك وغيره. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد ~~صواع الملك). # أي: إناء الملك؛ سقاه مرة صاعا؛ ومرة سقاية، فيجوز أن يستعمل في الأمرين ~~جميعا؛ في الاستسقاء والكيل جميعا. # (قالوا) - لمناديه - (ماذا تفقدون). # قال أبو عوسجة: أي أضللتم؛ يقال: افتقدتك وتفقدتك أي: تعهدتك. # وقال القتبي: (فلا تبتئس): هو من البؤس، والسقاية: المكيال؛ وقيل: مشربة ~~الملك، وصواع الملك؛ وصاعه - واحد. # وقوله - عز وجل -: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) # قيل: ضمين لذلك الطعام؛ وكفيل به. والزعيم: كأنه أيضا اسم لرئيس من ~~القوم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا تالله لقد ms2284 علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما ~~كنا سارقين (73) # هذا يحتمل وجوها: # يحتمل أنهم قالوا ذلك؛ لأنكم رددتم إلينا الدراهم وجعلتم في أوعيتنا، ثم ~~رددنا عليكم؛ مخافة أن نعرف بالسرقة والفساد في الأرض؛ فكيف تقرفونا بهذا؟! # والثاني: أنكم تعلمون أنا أبناء النبي والرسول، والأنبياء لا يكون منهم ~~السرقة ولا الفساد في الأرض، ومثل هذا لم يظهر في أهل بيتنا قط ولا قرفنا ~~به؛ فكيف قرفتمونا بهذا؟! # PageV06P267 # والثالث: أنكم تروننا صؤامين قوامين؛ ومن هذا فعله ورأيه فإنه لا يتهم ~~بالسرقة. أو أن يكون قوله: (لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض) لما رأوهم ~~دخلوا من أبواب متفرقة، ولو كانوا سراقا لدخلوا مجموعين؛ لأن عادة السراق ~~الاجتماع لا التفرق. # ثم قالوا: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) # أي: إن كان فيكم من يكذب ويظهر ذلك منه؛ فما جزاؤه؟. # (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) # هذا يحتمل وجهين: # يحتمل قوله: (فهو جزاؤه) أي يصير رقيقا مملوكا بها له، أو يصير محبوسا ~~بها عنده. # والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء ~~أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ~~نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) # ظاهر هذا الكلام: أن يكون يوسف هو الذي فتش أوعيتهم، وطلب ذلك فيها؛ حيث ~~نسب ذلك إليه بقوله: (قبل وعاء أخيه). # لكنه نسب إليه؛ لما بامره فتش؛ إذ الملوك لا يتولون ذلك بأنفسهم وفيه أنه ~~قد فصل بينهم وبين بنيامين؛ حيث سفى هذا أخاه، ولم يسم أولئك؛ بقوله: (فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه)، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه قد ذكر لهذا أنه أخوه؛ حيث قال له: (إني أنا أخوك)؛ ولم يذكر ~~لأولئك فسمى هذا أخا له، ونسب إليه بالأخوة؛ لما كان ذكر له، ولم يسم ~~أولئك؛ لما لم يذكر لهم أنه أخوهم. # والثاني: أنه لم يكن لهذا - أعني بنيامين لمكان يوسف - سوء صنيع، ولا شر، ~~بل ms2285 هو على الأخوة والصداقة التي كانت بينه وبينه. وأما أولئك - أعني غيره ~~من الإخوة - فقد كان منهم إليه ما كان من سوء صنيعهم، وقبح فعالهم؛ فيخرج ~~ذلك مخرج التبري من الإخوة بسوء ما كان منهم إليه؛ وهو كقوله لنوح - عليه ~~السلام - حين قال: (إن ابني من أهلي) (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح) نفى أن يكون من أهله؛ بسوء عمله وفعله؛ غير صالح. # فعلى ذلك الأول يشبه أن يكون على هذا. والله أعلم. # PageV06P268 # وقوله - عز وجل -: (ثم استخرجها من وعاء أخيه). # دل هذا أنه قد كان منه أيضا التفتيش والطلب في وعاء أخيه؛ على ما كان في ~~أوعيتهم لا يستخرجها على غير تفتيش. # وقوله - عز وجل -: (كذلك كدنا ليوسف). # هذا يحتمل وجهين: # يحتمل (كذلك كدنا) أي علمنا يوسف - من أول الأمر إلى آخره - ما يكيد ~~ويحتال في إمساك أخيه عنده ومنعه عنهم؛ لأن يخلو لهم وجه أبيهم جزاء ما ~~طلبوا هم: أن يخلو لهم وجه أبيهم؛ بتغييب يوسف عن أبيه؛ لأن أباهم قال: ~~(حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم)، فلما بلغه ذلك ~~الخبر - تولى عنهم؛ وهو قوله: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف. . .) ~~الآية؛ هذا - والله أعلم - جزاء كيدهم الذي كادوا بيوسف ليخلو لهم وجه ~~أبيهم؛ ليتولى عنهم أبوهم، هذا يشبه أن يكون. # والثاني: (كدنا ليوسف) أي: علمناه أن كيف يفتش أوعيتهم لئلا يشعروهم أنه ~~عن علم استخرجها من وعاء أخيه؛ لا عن جهل وظن، فعلمه البداية في التفتيش ~~بأوعيتهم؛ لئلا يقع عندهم أنه عن علم ويقين يأخذه. # يشبه - والله أعلم - أن يخرج قوله: (كذلك كدنا ليوسف) على هذين الوجهين. ~~أو (كدنا ليوسف) أي: أمرنا يوسف بالكيد بهم؛ جزاء ما عملوا بمكانه لما ~~اهتموا بإمساك أخيهم. # وقوله - عز وجل -: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك). # أي في حكم الملك، ذكر أن حكم إخوة يوسف وقضاءهم فيهم: أن من سرق يكون ~~عبدا بسرقته للمسروق منه، ويستعبد بسرقته، ومن حكم الملك: ms2286 أن يغرم السارق ~~ضعفي ما سرق؛ ويضرب ويؤدب؛ ثم يخلى عنه، ولا نعلم ما حكم الملك في السرقة، ~~سوى أنه أخبر أن ليس له أخذ أخيه في دين الملك. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن يشاء الله) أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، أو ~~يجعل له حق الأخذ وحبسه؛ وإن لم يكن ذلك في حكمه. # أو أن يكون قوله: (إلا أن يشاء الله) على ما كان من إبراهيم: (ولا أخاف ~~ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) وكان الأنبياء - عليهم السملام - ~~يذكرون الثنيا على حقيقة المشيئة، أو يقول: إلا أن يكون في علم الله مني ~~زلة؛ فاستوجب عند ذلك الكون في دين ذلك الملك؛ فيشاء ما علم مني، وكذلك قول ~~إبراهيم حيث قال: # PageV06P269 # قوله تعالى: (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا) أي: لا أخاف ~~ما تشركون به؛ إلا أن يكون مني ما أستوجب ذلك بزلة؛ فيشاء الله ذلك منى. # وقوله - عز وجل -: (نرفع درجات من نشاء). # الدرجات: هن الفضائل؛ يرفع بعضهم فوق بعض بالنبوة والعلم، وفي كل شيء. # (وفوق كل ذي علم عليم). # ما من عالم وإن لطف علمه وكثر إلا قد يكون فوقه من هو ألطف علما منه ~~وأكثر وأعلم في شيء أو يكون قوله: (وفوق كل ذي علم عليم) وهو الله تعالى؛ ~~فوق كل ذي علم؛ يعلمهم العلم، والله أعلم. # من يقول: إنه عالم إلا بعلم يحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: (وفوق كل ذي ~~علم عليم) أثبت لغيره العلم ولم يذكر لنفسه؛ بل قال: (عليم)؛ لكنه إذا قال: ~~(عليم) أثبت العلم ولأنه إذا قال: وفوق كل العلماء عليم يكون كذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ~~ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) # قال بعض أهل التأويل: كانت سرقته: أنه كان صنم من ذهب لجده أبي أمه ~~يعبده؛ فسرق ذلك منه لئلا يعبد دون الله، ولكنا لا نعلم ذلك؛ ونعلم ms2287 أنهم ~~كذبوا في قولهم (فقد سرق أخ له من قبل) وأرادوا أن يتبرءوا منه، وينفوا ذلك ~~عن أنفسهم، ليعلم أنه ليس منهم. # فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم (قال أنتم شر مكانا) عند الله. # قيل: إن يوسف أسر هذه الكلمة في نفسه؛ لم يظهرها لهم أو أسر ما اتهموه ~~بالسرقة. # وجائز أن يكون قولهم: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) خاطبوا به أخاه ~~بنيامين دون يوسف: إن سرقت، فقد سرق أخ له من قبل؛ يقولون فيما بينهم. # وقد ذكر في بعض الحروف: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) بالتشديد فإن # PageV06P270 # ثبت؛ فالتأويل هو لقولهم. # وقال بعضهم: قوله: (أنتم شر مكانا) أي أنتم شر صنعا بيوسف. # (والله أعلم بما تصفون) من الكذب أنه سرق أخ له من قبل. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا ~~مكانه إنا نراك من المحسنين (78) # أرادوا والله أعلم أن يرقوا قلبه بهذا، (إن له أبا شيخا كبيرا) لما يكون ~~قلب الشيخ بولده الصغير أميل؛ وهو عنده آثر وأكثر منزلة منا. # (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين). # لما أحسن إليهم في الكيل؛ والإنزال في المنزل والضيافة والقرى؛ قد رأوه ~~وعلموه محسنا. # وقوله - عز وجل -: (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا ~~إذا لظالمون (79) # قيل: هذا قول يوسف. (معاذ الله) أي أعوذ بالله (أن نأخذ) ونحبس بالسرقة ~~(إلا من وجدنا متاعنا عنده) فإن قيل: كيف تعوذ على ترك أخذه؛ وأخذ غيره ~~مكانه، ولم يكن وجب له حق الأخذ؛ إذ لم يكن سرقه وإنما يتعوذ على ترك ما لا ~~يسع تركه؟ # قيل: إنه لم يتعوذ على ترك أخذ أخيه، إنما تعوذ على أخذ غير من وجد ~~المتاع عنده. # (إنا إذا لظالمون) عندكم لو أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده؛ إذ في حكمهم ~~أخذ من سرق بالسرقة والحبس بها. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن ms2288 ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض ~~حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ~~(81) واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ~~(82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ~~إنه هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه ~~من الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون ~~من الهالكين (85) قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون (86) يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ~~إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # PageV06P271 # وقوله - عز وجل -: (فلما استيأسوا منه ... (80) # قيل: أيسوا عن أن يرد إليهم أخوهم. # (خلصوا نجيا). # قيل: خلوا من الناس وخلصوا منهم؛ يتناجون فيما بينهم في أمر أخيهم، أو في ~~الانصراف إلى أبيهم، أو في المقام فيه. # (قال كبيرهم ألم تعلموا). # قال أهل التأويل: كبيرهم في العقل ليس في السن؛ وهو فلان. # قال بعضهم: وهو يهوذا، وقال بعضهم: هو شمعون. ولكن لا نعلم من وإن قائل ~~هذا لهم، ولا نحتاج إلى معرفة ذلك؛ سوى أن فيه: (قال كبيرهم إما أن كان ~~كبيرهم في العقل؛ أو كبيرهم في السن. # (ألم تعلموا أن أباكم) (ألم تعلموا) و (ألم تروا) حرفان يستعملان في أحد ~~أمرين: في الأمر؛ أن اعلموا ذلك، أو في موضع التنبيه والتقرير؛ وهاهنا كأنه ~~قال ذلك على التقرير والتنبيه؛ أي: قد علمتم (أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف). # هذا يدل أن التأويل في قوله: (إلا أن يحاط بكم)، هو إلا أن يعمكم أمر ~~ويجمعكم؛ فتهلكون فيه جميعا، وليس كما قال بعض أهل التأويل: إلا أن يجيء ما ~~يمنعكم عن رده؛ ms2289 أي: إلا أن تغلبوا فتعجزوا عن رده؛ لأنه قد جاء ما يمنعهم ~~عن رده، ثم أبى أكبرهم الرجوع إلى أبيه؛ دل أن التأويل هو هذا، ومن يقول: ~~إن التأويل في قوله: (إلا أن يحاط بكم)، إلا أن يجيء ما يمنعكم عن الرد؛ ~~استدل بقوله: (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق)؛ فلو كان على ~~ما يعمهم ويجمعهم، لم يكن ليأمرهم بالرجوع إلى أبيهم؛ دل أنه ما ذكر. # PageV06P272 # وأما أهل التأويل الأوله يقولون: إن قوله: (ارجعوا إلى أبيكم) ليس على ~~الأمر؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم؛ فقولوا: إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله: ~~(واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) ليس على الأمر؛ ولكن ~~لو سألت أهل الفرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه كما قلنا؛ فعلى ذلك قوله: ~~(ارجعوا) ليس على الأمر؛ ولكن لو رجعتم إليه؛ فقولوا كذا. # وقوله عز وجل -: (ومن قبل ما فرطتم). # أي: من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في ~~يوسف. # (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي). # هذا يحتمل وجهين: يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه؛ إذا ظهر عنده ~~عذرنا وصدقنا في أمر ابنه أو يأذن لي أبي، بالمنازعة في القتال مع الملك ~~حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه. # (أو يحكم الله لي) في الرجوع أيضا أو في القتال معه. # (وهو خير الحاكمين) أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا. # (وهو خير الحاكمين) في إظهار العذر؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك ~~في الخلق جميعا، ولا كذلك حكم غيره؛ لأن كل من يحكم بحكم؛ يجوز إنما يحكم ~~بحكم؛ هو حكم الله؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله: (وهو أرحم الراحمين) لأن ~~من رحم من الخلق؛ إنما يرحم برحمته؛ فهو أرحم الراحمين. # وقوله - عز وجل -: (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما ~~شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) # يحتمل على الأمر؛ على ما هو في الظاهر. ويحتمل ما ذكرنا؛ أي: لو ms2290 رجعتم ~~إليه؛ فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضا في ~~التخطئة؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد؛ أي الذي كنت تؤثره علينا ~~بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق، ويشبه أن يكون ليس على التعريض؛ ولكن ~~على الإخبار؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر. # (وما شهدنا إلا بما علمنا) بما أخرج المتاع من وعائه. # (وما كنا للغيب حافظين). # PageV06P273 # هذا على التأويل الذي قيل في قوله: (إلا أن يحاط بكم) أي: يعمكم ويجمعكم؛ ~~أي: ما كنا نعلم - وقت إعطاء العهد والميثاق - أنه يسرق؛ وإلا لم نعطك ~~العهد على ذلك. # ويحتمل: (وما كنا للغيب حافظين) وقت ما أخرج المتاع من وعائه؛ واتهم أنه ~~سرق، أو لم يسرق، أو هو وضع الصاع في رحله، أو غيره وضع أي: ما كنا نعلم في ~~الابتداء أن الأمر يرجع إلى هذا؛ وإلا لم نخرجه معنا. # وقوله - عز وجل -: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ~~وإنا لصادقون (82) # أي لو سألت أهل القرية وأهل العير؛ لأخبروك أنه على ما نقول. # (وإنا لصادقون) على ذلك؛ على ما ظهر لنا؛ من استخراج الإناء من وعائه ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) # فإن قيل: كيف قال لهم: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا) وجعل ما أخبروه من ~~تسويل أنفسهم وتزيينها؛ ولم يخالفوه فيما أمرهم في أمر بنيامين، ولا تركوا ~~شيئا مما أمرهم به؛ وليس هذا كالأول؛ الذي قال لهم في أمر يوسف: (بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا. . .) الآية؛ لأنه قد كان منهم خلاف لما أمرهم به؛ والسعي ~~على إهلاكه، فكان ما ذكر من تسويل أنفسهم وتزيينها في موضع التسويل ~~والتزيين، وأما هاهنا فلم يأت منهم إليه خلاف، ولا ترك لأمره؛ فكيف قال: ~~(بل سولت لكم أنفسكم أمرا) ولكن يشبه أن يكون قال # PageV06P274 # ذلك؛ لأنهم لما اتهموا جميعا بالسرقة؛ فقيل: (إنكم لسارقون)، قالوا: (لقد ~~علمتم ما ms2291 جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين)، قطعوا فيه القول؛ أنهم لم ~~يكونوا سارقين، وهو كان فيهم؛ فكيف قطعتم فيه القول بالسرقة (إن ابنك سرق)؛ ~~ولكن سولت لكم أنفسكم أمرا من البغض والعداوة؛ من الإيثار له وليوسف عليهم؛ ~~والميل إليهما دونهم؛ حيث قالوا: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة) والله أعلم. # فسولت لكم أنفسكم ببغضكم وعداوتكم حتى تركتم التفحص عن حاله وأمره، أن لا ~~كل من وجد في رحله شيء يكون هو واضع ذلك الشيء؛ بل قد يضع غيره فيه؛ على ~~غير علم منه. # وقوله: (فصبر جميل). # قد ذكرناه. # وقوله: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا). # قال أهل التأويل: قال: (يأتيني بهم جميعا)؛ لأنهم صاروا جماعة؛ يوسف ~~وبنيامين أخوه، ويهوذا وشمعون قد تخلفا لسبب حبس يوسف أخاه، أو يوسف وأخوه. # وقال بعض أهل التأويل: إن جبريل أتى يعقوب على أحسن صورة؛ فسأله عن يوسف؛ ~~أفي الأحياء أم في الأموات؟ فقال: بل هو في الأحياء؛ فقال عند ذلك: (عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا). # أو علم يعقوب أن يوسف في الأحياء، وأنه غير هالك؛ لما رأى يوسف؛ من ~~الرؤيا؛ من سجود الكواكب والشمس والقمر له؛ علم أنه في الأحياء، وأنه لا ~~يهلك إلا بعد خروج رؤياه، وغير ذلك من الدلائل، لكنه كان لا يعلم أين هو؟ ~~فقال ذلك). (إنه هو العليم الحكيم). # وقوله - عز وجل -: (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من ~~الحزن فهو كظيم (84) # أي أعرض عنهم وعاتبهم؛ حين أخبروه أن ابنه سرق. # وقال: (يا أسفى على يوسف). # PageV06P275 # قيل: يا حزنا على يوسف، وقيل يا جزعا. # وقال القتبي: الأسف أشد الحسرة؛ وأصله: أن الأسف كأنه النهاية في الحزن: ~~أن الحزين إذا بلغ غايته ونهايته؛ يقال: أسف. وهو النهاية في الغضب أيضا. # كقوله: (فلما آسفونا) أي: لما أغضبونا (انتقمنا منهم)، وقوله تعالى: ~~(ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا). # وقوله: (يا أسفى على يوسف). # يحتمل أن يكون لا على إظهار القول باللسان؛ ولكن إخبار عما في ms2292 ضميره، ~~وذلك جائز؛ كقوله: (إنما نطعمكم لوجه الله)، أخبر عما في قلوبهم؛ لا أن ~~قالوا ذلك باللسان. ويحتمل القول به على غير قصد منه. # وقوله - عز وجل -: (فهو كظيم). # الكظم: هو كف النفس عن الجزع؛ وترديد الحزن في الجوف على غير إظهار في ~~أفعاله، والجزع هو ما يظهر في أفعاله؛ والذي يهيج الحزن هو الذي يهيج ~~الغضب، إلا أن الحزن يكون على من فوقه؛ والغضب على من تحت يده، وسبب ~~هيجانهما واحد، أو أن يكون الكظيم: هو الذي يمسك الحزن في قلبه والغم، كأنه ~~هو الذي يستر ويغطي القلب؛ إذا حل به، والهم: هو ما يبعث على القصد من الهم ~~به. والحزن: هو على ما يؤثر التغيير في الخلقة؛ ولا يظهر في الأفعال والجزع ~~يظهر في الأفعال، ولا يغير الخلقة عن حالها، لذلك عمل في ضعف نفس يعقوب، ~~وعمل في إهلاك بعضه، حيث ذهبت عيناه وابيضت من الحزن، والكظيم: ما ذكرنا؛ ~~هو الذي يردد الحزن في جوفه ولا يظهر ويكفه عن الجزع. # وقوله - عز وجل -: (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين (85) # هو يمينهم مكان: والله أو بالله، وكذلك قال إبراهيم: (وتالله لأكيدن ~~أصنامكم) # PageV06P276 # قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالك # وقوله - عز وجل -: (تفتأ تذكر يوسف). # أي لا تزال تذكر يوسف ولا تنسى ذكره؛ حتى تسلو؛ من حزنه، كأنهم دعوه إلى ~~السلو من حزنه؛ لأنه بالذكر يتجدد الحزن ويحدث، فقالوا له: لا تزال تذكر ~~يوسف. # (حتى تكون حرضا). # قيل: دنفا وقيل: (حرضا): هرما؛ وأصل الحرض: الضعف. # (أو تكون من الهالك). # كذلك صار يعقوب ضعيفا في بدنه من الحزن؛ وصار بعض بدنه من الهالكين؛ حيث ~~ابيضت عيناه؛ وذهبتا من الحزن. # وقوله - عز وجل -: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما ~~لا تعلمون (86) # قال القتبي: الحرض: الدنف، والبث: أشد الحزن؛ لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى ~~يبثه؛ أي: يشكوه، وكذلك روي في الخبر: (من بث فلم يصبر)؛ ms2293 أي: شكا، وما ذكر ~~من الشكاية إلى الله ليس على إظهار ذلك باللسان؛ ولكن إمساك في القلب. # وقال الحسن: (أشكو بثي) أي: حاجتي وحزني إلى الله، ويشبه أن يكون البث ~~والحزن واحدا ذكر على التكرار. # وقال بعضهم: الحرض: الذي قد ذهب عقله من الكبر. # (أو تكون من الهالكين) فتموت والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأعلم من الله ما لا تعلمون). # قال بعض أهل التأويل: قوله: أعلم من الله من تحقيق رؤيا يوسف؛ أنه كائن ~~ما لا تعلمون: أنتم وأنا سنسجد له. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: قوله: (وأعلم من الله ما لا تعلمون) أنه ~~حي # PageV06P277 # لم يمت وهو ما ذكر؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم. # ويشبه أن يكون قوله: أعلم من الله؛ أي: أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم، ~~وأصله: أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما ~~قصدوا قصد تغييبه عن والده، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره، لكنهم ~~لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئا لم يبين ما لا يعلمون هم؛ كقول ~~إبراهيم [ ### | .... # ]، وما ذكر أهل التأويل: أن يعقوب قال: كذا؛ من النياح على يوسف والجزع ~~عليه؛ لا يحتمل ذلك؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك -: (فصبر جميل) وما ذكروا ~~هم منه ليس هو بصبر؛ فضلا أن يكون جميلا. # وقوله: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه ~~لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # قال أهل التأويل: تحسسوا: اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه، لكن غير هذا ~~كأنه أقرب؛ وهو من وقوع الحس عليه؛ كأنه قال: اذهبوا فانظروا إليه وإلى ~~أخيه؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من ~~حال أخيه بنيامين أنه أين هو؟ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار؛ على ما ~~قاله أهل التأويل؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه؛ إذ هم كانوا ~~يعلمون مكانه وأين هو؟ ms2294 وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين هو، وهو إنما ~~أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعا؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحس والبصر ~~عليهما؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك ~~وأخوه معه، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون ~~عن الذهاب إليه؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح. # أو أن يكون قوله: (فتحسسوا من يوسف) على الإضمار؛ أي: تحسسوا من يوسف ~~واسألوا منه رد أخيه؛ لما علم أن أخاه يكون معه. # وقال عامة أهل التأويل: إنما قال لهم هذا؛ وعلم أنه في الأحياء؛ لأنه رأى ~~ملك الموت؛ فقال له: هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح؛ قال: لا. # PageV06P278 # وقال بعضهم: رأى في المنام ملك الموت؛ فقال له ما ذكرنا؛ فعند ذلك قال ~~هذا القول. # لكنا نقول: إنه كان عالما بأنه في الأحياء؛ ليس بهالك؛ لما رأى من الرؤيا ~~وغيره؛ فعلم أنه لا يهلك إلا بعد خروج رؤياه على الصدق والحق، لكنه لم يكن ~~يعلم أنه أين هو من قبل، ثم علم من بعد بالوحي عن مكانه وحاله؛ فأمر بنيه ~~أن يأتوه؛ فينظروا إليه وإلى أخيه. # وأصل هذا: أن ما حل بيعقوب - من فوت يوسف وغيبته عنه - محنة امتحنه ربه، ~~وبلية ابتلاه بها؛ يبتلى بذلك؛ حسرة عليه؛ ألا ترى أن يوسف لو أراد أن يعلم ~~أباه يعقوب عن مكانه وحاله؛ لقدر عليه؛ لأنه كان يعلم بمكان أبيه، وأن ~~يعقوب لا يعلم بمكان يوسف؛ فلم يعلمه إلا بعد الأمر بالإعلام. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تيأسوا من روح الله). # قيل: من رحمة الله. # (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون). # أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ لأن من آمن يعلم أنه ~~متقلب في رحمة الله ونعمته فلا ييئس من رحمته، وأما الكافر؛ فإنه لا يعلم ~~رحمة الله ولا تقلبه في رحمته؛ فييئس من رحمته. # فنهاهم عن الإياس؛ لما كان عندهم أنه هالك؛ ms2295 حيث قالوا: (إنك لفي ضلالك ~~القديم)، لما قال لهم: (إني لأجد ريح يوسف)، وأخوه كان محبوسا بالسرقة؛ ~~والمحبوس لا يرد في حكمهم. # أو يقول: نهاهم؛ وإن لم يكونوا آيسين؛ ثم قوله: (إنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرون) وخبر عن الله؛ أخبر أنه لا ييئس من رحمة الله إلا ~~القوم الكافرون، وكذلك ما بشر إبراهيم بالولد؛ حيث قالوا: (بشرناك بالحق ~~فلا تكن من القانطين)، نهاه عن القنوط؛ ولا يحتمل أن يكون إبراهيم قانطا عن ~~ذلك؛ لكنه نهاه ثم أخبر فقال: # PageV06P279 # (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)، والآية ترد على المعتزلة قولهم؛ ~~لقولهم: إن صاحب الكبيرة خالد مخلد في النار وأنه ليس بكافر؛ وهو آيس - على ~~قولهم - من روح الله، وقد أخبر أنه (لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون) وهم يقولون: إن صاحب الكبيرة آيس من روح الله، وهو ليس بكافر. # * * * # قوله تعالى: (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ~~وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ~~(88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك ~~لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ~~(92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ~~(93) # وقوله - عز وجل -: (فلما دخلوا عليه) أي على يوسف (قالوا يا أيها العزيز) ~~سموه عزيزا، لما لعلهم يسمون كل ملك عزيزا، أو سموه عزيزا؛ لما كان عند ذلك ~~عزيزا؛ بقوله: (أكرمي مثواه)، أو لما كان بالناس إليه حاجة بالطعام الذي في ~~يده؛ وهو كان غنيا عما في أيديهم والله أعلم. # قولهم: (مسنا وأهلنا الضر). # قال أهل التأويل: أصابنا الشدة والبلاء من الجوع. # (وجئنا ببضاعة مزجاة). # قيل: دراهم نفاية مبهرجة لا تنفق في الطعام؛ كاسدة؛ لأنه كان ms2296 في عزة؛ ~~وتنفق في غيره. # وقال أبو عوسجة: (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي قليلة. وكذلك قال القتبي: أي ~~قليلة. وقال ابن عباس: هي الورق الرديئة التي لا تنفق حتى يوضع منها. # PageV06P280 # وقال أبو عبيد: الإزجاء في كلام العرب: الدفع والشوق؛ وهو كقوله: (ألم تر ~~أن الله يزجي سحابا)، أي يسوق ويدفع. وقال بعضهم: ناقصة. وقال بعضهم: جاءوا ~~بسمن وصوف. وقيل: جاءوا بصنوبر وحبة الخضراء، وأمثال هذا. # قالوا: ويشبه أن يكون (مزجاة) من التزجية: كما يقال: نزجي يوما بيوم. # وقوله - عز وجل -: (فأوف لنا الكيل). # قال بعضهم: أوف لنا الكيل بسعر الجياد؛ وتأخذ النفاية وتكيل لنا الطعام ~~بسعر الجياد. # لكن قوله: (فأوف لنا الكيل) أي سلم لنا الكيل تاما؛ لأن الإيفاء هو ~~التسليم على الوفاء؛ كقوله: (وأوفوا الكيل والميزان)، وتصدق علينا بفضل ما ~~بين الثمنين في الوزن. وقيل: ما بين الكيلين. # وقال بعضهم: وتصدق علينا: أي زد لنا شيئا يكون ذلك صدقة لنا منك. # لكن يشبه على ما قالوا: وطلبوا منه الصدقة؛ حط الثمن؛ لأن الصدقة لا تحل ~~للأنبياء، ويجوز الحط لهم، ويجوز حط من لا يجوز صدقته؛ نحو العبد المأذون ~~له في التجارة؛ يجوز حطه ولا يجوز صدقته، وكذلك نبي الله كان يجوز له ~~الشراء، بدون # PageV06P281 # ثمنه؛ ولا تحل له الصدقة. # ويحتمل أن يكون قوله: (مسنا وأهلنا الضر) بذهاب بصر أبيهم؛ مسهم بذلك ~~وأهلهم الضر. # وقوله - عز وجل -: (وتصدق علينا). # أي رد علينا بنيامين؛ لعل الله يرد بصره عليه. # (إن الله يجزي المتصدقين). # قال أهل التأويل: إن الله يجزي المتصدقين إن كانوا على دين الإسلام؛ ~~كأنهم ظنوا أنه ليس على دين الإسلام؛ ولو أنهم ظنوا أنه مسلم؛ لقالوا: إن ~~الله يجزيك بالصدقة. # وقوله - عز وجل -: (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ~~(89) # هو ظاهر لا يحتاج إلى ذكره وأما ما فعلوه بأخيه: قال أهل التأويل: هو ما ~~قالوا إنه سرق؛ لكنهم لم يقولوا إلا قدر ما ظهر عندهم؛ فلم يلحقهم بذلك ~~القول فضل تعيير؛ لكن يشبه أن يكونوا ms2297 آذوه بأنواع الأذى، ولا شك أنهم كانوا ~~يبغضون يوسف وأخاه؛ حيث قالوا: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا). # وقوله: (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه). # قد كانوا علموا هم ما فعلوا بيوسف لكنه كأنه قال: هل تذكرون ما فعلتم ~~بيوسف؛ أو أنتم جاهلون ذلك؛ ناسون؟ يقول لهم: اذكروا ما فعلتم بيوسف، ~~وتوبوا إلى الله عن ذلك، ولا تكونوا جاهلين عن ذلك. أو يقول لهم: هل رجعتم ~~وتبتم عن ذلك؟، أو أنتم بعد فيه؟. # وقوله - عز وجل -: (إذ أنتم جاهلون). # قال بعض أهل التأويل: (إذ أنتم جاهلون) أي: مذنبون؛ ولكن إذ أنتم جاهلون ~~قدر يوسف ومنزلته، لأنهم لو علموا ما قدر يوسف عند الله؛ وما منزلته ما ~~قالوا: (ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا)، وما خطئوا أباهم في حبه إياه حيث ~~قالوا: (إن أبانا لفي ضلال مبين)، وما فعلوا به ما فعلوا. والله أعلم. # (قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) # كأنهم عرفوا أنه يوسف؛ بقول يوسف لهم: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) ~~أو عرفوا بقول أبيهم؛ حيث قال: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه)، لما ~~ذكر أخاه # PageV06P282 # ورأوه معه عرفوا أنه يوسف؛ لذلك قالوا. والله أعلم. # (قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر). # يحتمل: من يتق معاصيه، ويصبر على بلاياه. أو اتقى مناهيه؛ وصبر على أداء ~~ما أمر به. أو من اتقى وصبر؛ فقد أحسن. أو يقول: إنه من يتق الجفاء؛ ويصبر ~~على البلاء؛ فقد أحسن. # (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين). # ويشبه أن يكون قوله: (وتصدق علينا). # أي رد أخانا علينا، وهو ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ~~(91) # (تالله) وقسم قد اعتادوه في فحوى كلامهم؛ على غير إرادة يمين بذلك؛ هكذا ~~عادة العرب؛ وإلا كان يعلم يوسف أن الله قد آثره عليهم. # ويشبه أن ms2298 يكون يخرج القسم هاهنا على تأكيد معرفتهم فضله ومنزلته؛ أي: لم ~~تزل كنت مؤثرا مفضلا علينا. # (وإن كنا لخاطئين). # أي: وقد كنا خاطئين؛ فيما كان منا إليك من الصنيع. # أو أن يكون قوله: (لقد آثرك الله علينا)؛ فيما قالوا: (ليوسف وأخوه أحب ~~إلى أبينا منا) أي لما كان يؤثرهما عليهم؛ فقالوا: كنت مؤثرا على ما كان ~~أبونا يؤثرك علينا وقد كنا (لخاطئين)؛ فقال يوسف. # (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) # قال القتبي: قوله: (لا تثريب): أي لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم؛ بما ~~صنعتم. وقال بعضهم " (لا تثريب عليكم) أي: [لا تعنيف عليكم] (1). وقيل: أصل ~~التثريب: الإفساد؛ يقال: ثرب علينا الأمر: أي أفسده. # وقال أبو عوسجة: التثريب: الملامة " يقول: لا لوم عليكم في صنيعكم. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لا تثريب عليكم: أي لا أعيركم بعد هذا ~~اليوم أبدا؛ ولا أعيره عليكم. PageV06P283 # وهو يحتمل هذين الوجهين: # أحدهما: لا تعيير عليكم ولا ملامة؛ أي ليس عليكم في العقل تعيير ولا ~~ملامة؛ إذا تبتم وأقررتم بالخطأ، وهكذا كل من أذنب ذنبا أو ارتكب كبيرة؛ ثم ~~انتزع عنها وتاب منها؛ لا يعير - هو - عليه ولا يلام. وكذلك قيل في قوله: ~~(ولا تنابزوا بالألقاب) ذكر أنهم كانوا يعيرون أهل الكفر في كفرهم؛ ~~وينابزونهم؛ ثم أسلموا؛ فنهوا أن ينابزوهم؛ ويصنعوا بهم مثل صنيعهم بهم في ~~حال كفرهم، ولو وجب التعيير والملامة بعد الانتزع عنه والتوبة؛ أو يجوز ذلك ~~لكان أصحاب رسول الله معيرين ملامين؛ لأنهم كانوا أهل الكفر في الابتداء، ~~فهذا مما لا يحل في العقل. # والثاني: قوله: (لا تثريب عليكم): لا أعيركم؛ على ما قال ابن عباس - رضي ~~الله عنه - أي: لا أذكر ما كان منكم إلينا؛ أمنهم عن أن يذكر شيئا مما كان ~~منهم إليه؛ ولذلك قال: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي). # ذكر أن الشيطان هو الذي فعل ما كان بينه وبين إخوته؛ وكذلك فعل؛ حيث قال: ~~(من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، ms2299 أضاف ذلك إلى الشيطان، ولم يضف ~~إلى إخوته. # وقوله - عز وجل -: (يغفر الله لكم). # قطع فيه القول بالمغفرة لهم؛ حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا، وهكذا ~~كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه؛ أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة. # وقوله: (يغفر الله لكم) يخرج على الدعاء لهم بالمغفرة، أو على الإخبار ~~بالوحي أنه يغفر لهم، أو قد غفر لهم، أو يقول: استغفروا الله؛ الذي كان بين ~~الله وبينكم يغفر لكم. # (وهو أرحم الراحمين) لأن كل من يرحم من الخلائق؛ إنما يرحم برحمة منه ~~إليه؛ فهو أرحم الراحمين؛ بما قلنا؛ على ما قلنا في قوله: (خير الحاكمين)، ~~و (أحكم الحاكمين)، لأن من يحكم من الخلائق بحكم يجوز إنما يحكم بحكم ناله ~~منه. # وقوله - عز وجل -: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ~~وأتوني بأهلكم أجمعين (93) # دل هذا من يوسف؛ حيث قطع القول فيه أنه يصير بصيرا؛ إنه عن وحي قال هذا ~~لا عن رأي منه واجتهاد؛ إذ قطع القول فيه أنه إذا ألقي على وجهه يصير ~~بصيرا. # PageV06P284 # وقوله: (يأت بصيرا) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يصير بصيرا على ما ذكرنا. # والثاني: يأتيني بصيرا. # وقوله - عز وجل -: (وأتوني بأهلكم أجمعين). # أراد - والله أعلم - حيث أمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمع - أن يبرهم ويكرمهم؛ ~~حين تابوا عما فعلوا به؛ وأقروا له بالخطأ في أمره. # * * * # قوله تعالى: (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ~~ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ~~(96) قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر ~~لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # وقوله - عز وجل -: (ولما فصلت العير). # قيل خرجت؛ وفصلت؛ وانفصلت - واحد. # (قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف). # قال أهل التأويل: كان بينهما ثمانون فرسخا؛ يعني: بين مصر وبين كنعان ~~مكان يعقوب. وقيل: مسيرة ثمانية أيام؛ ما بين الكوفة والبصرة. ms2300 # ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أن كم كان بينهما؛ سوى أنا نعلم أنه كان ~~بينهما مسيرة أيام؛ ثم وجد يعقوب ريح يوسف من ذلك المكان؛ ولم يجد غيره ممن ~~كان معه؛ فذلك آية من آيات الله؛ حيث وجد ريحه من مكان بعيد لم يجد ذلك ~~غيره، وذلك من آثار البشارة والسرور الذي يدخل فيه بقدومه. # قال بعض أهل التأويل: ذلك القميص هو من كسوة الجنة؛ كان الله كساه ~~إبراهيم، وكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف؛ لذلك ~~وجد # PageV06P285 # ريحه؛ لأنه كان من ثياب الجنة، فهو - وإن ثبت ما قالوا - فذلك أيضا حيث ~~وجد هو ذلك، ولم يجد غيره. وكان أيضا هو لا يجد ذلك الريح قبل فصول العير، ~~وكان مع يوسف. # احتمل ما قالوا، أو احتمل أن يكون قميصا من قمصه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لولا أن تفندون). # قيل تحزنون، وقيل: تهرمون، وقيل: تكذبون، وقيل: تضعفون، وقيل: تعجزون، ~~وقيل: تجهلون، وقيل: تسفهون، وقيل: تحمقون، وقيل: لولا أن تقولوا ذهب عقلك. # والمفند: معروف عند الناس: هو الذي يبلغ من الكبر غايته؛ كقوله: (ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر). # وقوله: (لولا) وإذا كان على الابتداء؛ فهو على النهي؛ أي لا تفندون، وإذا ~~كان على الخبر؛ فهو على النفي؛ كقوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها) أي: لم ينفع. # PageV06P286 # وقوله - عز وجل -: (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) هو ما ذكرنا ~~أنه يمين اعتادوه في كلامهم؛ على غير إرادة القسم به. # (إنك لفي ضلالك القديم). # قيل في حمث يوسف، وذكره القديم كان عندهم؛ بأنه هالك؛ لذلك أنكروا عليه ~~وخطئوه؛ فيما يجد من ريحه، وعنده أنه في الأحياء؛ لذلك كان ما ذكروا. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ~~ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) # أي رجع بصيرا على ما كان: قال أهل التأويل: البشير كان يهوذا، وقيل: ~~البريد، ولا ندري من كان؛ وليس بنا إلى معرفة ذلك ms2301 حاجة - سوى أن المدفوع ~~إليه [الثوب] كان واحدا؛ وإن قال في الابتداء: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه ~~على وجه أبي). # وقوله - عز وجل -: (قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون). # قال بعض أهل التأويل: وذلك أن يعقوب قال لهم قبل ذلك: (إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) أنتم؛ من تصديق رؤيا يوسف؛ ~~وأنه حي، وكان يعلم هو من الله أشياء ما لا يعلمون هم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ~~(97) قال يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي. # طلبوا من أبيهم الاستغفار؛ فأخرهم ذلك إلى وقت، وطلبوا من يوسف العفو ~~وأقروا له بالخطأ والذنب؛ فعفا عنهم وقت سؤالهم العفو، فمن الناس من يقول: ~~إنما أخر يعقوب الاستغفار؛ وعفا عنهم يوسف؛ لأن قلب الشاب يكون ألين وأرق ~~من قلب الشيخ؛ لذلك كان ما كان، لكن هذا ليس بشيء؛ إنما يكون هذا في عوام ~~من الناس؛ فأما الأنبياء # PageV06P287 # كلما مضى وقت فتزداد قلوبهم لينا ورقة وخشوعا. ومنهم من يقول: إنما كان ~~كذلك؛ لأن وجد يعقوب كان أكثر من وجد يوسف؛ لذلك كان أجابهم يوسف وقت ~~سؤالهم العفو؛ وأخر يعقوب إلى وقت. # قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: والوجه فيه عندنا - والله أعلم -: ~~أنهم إنما سألوا يعقوب؛ وطلبوا منه الاستغفار من ربهم؛ ليكون لهم شفيعا؛ ~~فأخر ذلك إلى وقت الاستغفار والشفاعة؛ إذ ليس كل الأوقات يكون وقتا ~~للاستغفار، وطلبوا من يوسف العفو منه؛ فعفا عنهم وقت طلبهم منه العفو؛ لهذا ~~الوجه، يحتمل أن يخرج معناه. والله أعلم. # أو أن يكون يعقوب أخر الاستغفار؛ لأن الذنب في ذلك كان بينهم وبين ربهم؛ ~~فأخر إلى أن يجيء الإذن من ربه، وأما الذنب في يوسف؛ ففيما بينهم وبين ~~يوسف؛ فعفا عنهم في ساعته. # ويحتمل قوله: (قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) # إن استغفرتم أنتم، أو قال: سوف أستغفر لكم ربي؛ إذا جاء وقته؛ وهو ما قال ~~ابن عباس - رضي الله ms2302 عنه -: إنه أخر وقت الاستغفار إلى وقت السحر، أو أن ~~يكون أخره إلى أن يقدم شيئا بين أيدي، الاستغفار والشفاعة؛ ليكون أسرع إلى ~~الإجابة. # * * * # قوله تعالى: (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل ~~رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو ~~العليم الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم ~~يمكرون (102) # وقوله - عز وجل -: (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر ~~إن شاء الله آمنين). # ظاهر هذا أن يوسف كان تلقاهم خارجا من المصر؛ فقال لهم: (دخلوا مصر إن ~~شاء # PageV06P288 # الله آمنين) ثم لما دخلوا المصر آوى إلى نفسه أبويه وضمهما إليه. # ويشبه أن يكون قال لهم هذا القول؛ وقت ما قال لهم: (وأتوني بأهلكم ~~أجمعين) و (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)، ثم لما جاءوا هم ودخلوا مصر - ~~ضم إليه أبويه؛ وأمره إياهم أن يدخلوا مصر آمنين؛ لأن المصر كان أهله أهل ~~كفر؛ فكأنهم خافوا الملك الذي كان فيه؛ فذكر لهم الأمن لذلك. والله أعلم. # وذكر الثنيا فيه؛ لأنه وعد منه؛ وعد لهم؛ والأنبياء - عليهم السلام - كان ~~لا يعدون شيئا إلا ويستثنون في آخره؛ كقوله: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا (23) إلا أن يشاء الله). وإنما ذكر الثنيا في الأمن؛ لم يذكر في ~~الدخول؛ لأن الدخول منه أمر وما ذكر من الأمن فهو وعد؛ فهو ما ذكرنا: أنه ~~يستثني في الوعد ولا يستثني في الأمر. # وقوله - عز وجل -: (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا ~~تأويل رؤياي من قبل قد ms2303 جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء ~~بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء ~~إنه هو العليم الحكيم (100) # يشبه أن يكون قوله: (آوى إليه أبويه) هو ما ذكر من رفعه إياهما على ~~العرش، وخص بذكر أبويه بالرفع على العرش؛ فيحتمل أن يكون رفع أبويه والإخوة ~~جميعا؛ لأنه لو لم يرفعهم - وقد كان عفا عنهم - لما أقروا بالخطأ. وقال: ~~(لا تثريب عليكم اليوم) لكان يقع عندهم أنه قد بقي شيء مما كان منهم إليه؛ ~~لكنه خص أبويه بالذكر؛ لشرفهما ومجدهما؛ على ما يخص الأشراف والأعاظم؛ نحو ~~قوله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملئه)، ~~ونحوه. # ودل رفع أبويه على العرش - على أن اتخاذ العرش والجلوس عليه لا بأس به؛ ~~إذ لو كان لا يحل أو لا يباح ذلك؛ لكان يوسف لا يتخذه؛ ولا كان يعقوب يجلس ~~عليه، دل ذلك منهما أن ذلك مباح لا بأس به. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وخروا له سجدا). # قال بعضهم - من أهل التأويل - كانت تحيتهم يومئذ - فيما بينهم - السجود؛ ~~يسجد بعضهم لبعض مكان ما يسلم بعضنا على بعض، وأما اليوم فهو غير مباح؛ ~~وإنما التحية في السلام، لكن السجود لغير الله؛ ليس يكره لنفس السجود؛ ~~وإنما يكره وينهى عما في السجود؛ وهو العبادة والتسفل، لا يحل لأحد أن يجعل ~~العبادة والتسفل له دون الله، وأما نفس السجود فإنه كالقيام والقعود؛ وغيره ~~من الأحوال يكون فيها المرء. والله أعلم. # PageV06P289 # ويحتمل قوله: (وخروا له سجدا) أي خروا له خاضعين له ذليلين، وقال بعضهم: ~~(وخروا له سجدا) أي: خروا له سجدا، شكرا له؛ لما جمع بينهم ورفع ما كان ~~بينهم، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا). # أي: حقق تلك الرؤيا التي رأيتها من قبل؛ وجعلها صدقا لي، رأى يوسف رؤيا ~~فخرجت رؤياه بعد حين ووقت وزمان طويل؛ ms2304 فهذا يدل أن الخطاب إذا قرع السمع ~~يجوز أن يأتي بيانه من بعد حين وزمان، ويجوز أن يكون مقرونا به، وليس في ~~تأخر بيان الخطاب تلبيس ولا تشبيه، على ما قال بعض الناس. # وقوله - عز وجل -: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن) ذكر إحسانه إليه ~~ومنته ولم يذكر محنته بالتصريح، إنما ذكرها بالتعريض، حيث قال: (وقد أحسن ~~بي إذ أخرجني من السجن)، ولم يقل: سجنت أو حبست، وأمثاله، ما كان ابتلاه ~~الله به. # وقوله - عز وجل -: (وجاء بكم من البدو). # قيل: من البادية؛ لأنهم كانوا أهل بادية أصحاب المواشي. # وقوله - عز وجل -: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي). # قال بعضهم: نزغ: أي فرق أي: بعدما فرق الشيطان بيني وبين إخوتي، وكأن ~~النزغ هو الإفساد؛ على ما ذكره أهل التأويل؛ أي: بعدما أفسد الشيطان بيني ~~وبين إخوتي، وأضاف ذلك إلى الشيطان؛ لما كان قال لهم: لا تثريب عليكم حين ~~أقروا له بالفضل؛ والخطأ في فعلهم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربي لطيف لما يشاء). # اللطيف: هو اسم لشيئين: اسم البر والعطف؛ يقال: فلان لطيف؛ أي بار عاطف. # والثاني: يقال: لطيف؛ أي عالم بما يلطف من الأشياء ويصغر، كما يعلم بما ~~يعظم ويجسم. # أو يقال: لطيف: أي يعلم المستور من الأمور الخفية على الخلق؛ كما يعلم ~~الظاهرة منها والبادية، لا يخفى عليه شيء؛ يعلم السر وأخفى، يقال له: عظيم، ~~ولطيف؛ ليعلم # PageV06P290 # أن ليس يفهم من عظمه ما يفهم من عظم الخلق؛ إذ لا يجوز في الخلق أن يكون ~~عظيما لطيفا؛ ويجوز في الله، ليعلم أن ما يفهم من هذا غير ما يفهم من ~~الآخر. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه هو العليم الحكيم). # أي العليم بما كان ويكون، وما ظهر وما بطن، وما يسر وما يعلن، وبكل شيء، ~~أو عليم بعواقب الأمور وبدايتها، (الحكيم): حكم بعلم، ووضع كل شيء موضعه؛ ~~لم يحكم بجهل ولا غفلة ولا سفه؛ على ما يحكم الخلق، تعالى الله - عز وجل - ~~عن ذلك علوا كبيرا. # مسألة: ms2305 ثلاث آيات في سورة يوسف على المعتزلة: قوله: (وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن)، أخبر أنه لو لم يصرف عنه كيدهن مال إليهن، وهم يقولون: قد صرف ~~عن كل أحد السوء والكيد؛ لكن لم ينصرف عنه ذلك. # وكذلك قوله: (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، أخبر أنه إذا رحمه ~~امتنع عن السوء والأمر به، وهم يقولون: إنه - وإن رحم - لا يمتنع السوء ولا ~~الأمر به. # وكذلك قوله: (نصيب برحمتنا من نشاء)، وهم يقولون: ليس له أن يصيب أحدا ~~دون أحد من رحمته؛ ولا أن يخص أحدا بذلك. # وقوله - عز وجل -: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين (101) # قال أبو بكر الأصم: ذكر (من الملك)؛ لأنه لم يؤته كل الملك؛ إذ كان ووقه ~~ملك أكبر منه، لكن لا لهذا ذكر (من الملك)؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ~~ملك الدنيا؛ قال الله تعالى: (تؤتي الملك من تشاء)، ويكون في وقت واحد ~~ملوك. # وقال مقاتل: (من) صلة: كأنه قال: رب قد آتيتني من الملك. لكن الوجه فيه ~~ما ذكرنا. # وقوله: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث. . .) إلى آخر ~~ما ذكر، قدم دعاءه؛ وسؤاله ربه ما سأل؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه؛ ليكون ~~ذلك له وسيلة إلى ربه في الإجابة. # وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين: # أحدهما: يقولون: إن كل أحد شفيعه عمله؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه: أني ~~فعلت # PageV06P291 # كذا؛ فافعل بي كذا، ولكن ذكر نعم الله وإحسانه إليه. # والثاني من قولهم: إنه لا يؤتي أحدا ملكا ولا نبوة إلا بعد الاستحقاق به ~~ولا يكون من الله إلى أحد نعمة وإحسان إلا بعد الاستحقاق. # ومن قولهم: إن كل أحد هو المتعلم؛ لا أن الله يعلم أحدا، وقد أضاف يوسف ~~التعليم إلى الله؛ حيث قال: (وعفضتنى من تأويل آلأصاديث وهم يقولون: لم ~~يعلمه ولكن هو تعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلمتني من ms2306 تأويل الأحاديث). # قال أهل التأويل: تعبير الرؤيا، ولكن الأحاديث: هي الأنباء، والتأويل: هو ~~علم العاقبة وعلم ما يئول إليه الأمر، كأنه قال: علمتني مستقر الأنباء ~~ونهايتها؛ كقوله - تعالى -: (لكل نبإ مستقر). والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاطر السماوات والأرض). # كأنه على النداء والدعاء؛ ذكر: يا فاطر السماوات والأرض؛ لذلك انتصب. # وقوله - عز وجل -: (أنت وليي في الدنيا والآخرة). # يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة؛ كما يقال: فلان ~~ولي نعمة فلان. # ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا ~~والآخرة. # وقوله - عز وجل -: (توفني مسلما). # تمنى - عليه السلام - التوفي على الإسلام، والإخلاص بالله والإلحاق ~~بالصالحين؛ فهو - والله أعلم - وذلك أن الله قد آتاه النهاية في الشرف ~~والمجد في الدنيا دينا ودنيا؛ لأن نهاية الشرف في الدين هي النبوة ~~والرسالة، ونهاية الشرف في الدنيا الملك؛ فأحب أن يكون له في الآخرة مثله؛ ~~فقال: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) ثم يحتمل سؤاله: أن يلحقه ~~بالصالحين؛ بكل صالح. # ويحتمل: أنه سأله أن يلحقه بالصالحين؛ بآبائه وأجداده وبجميع الأنبياء ~~والرسل. # وقوله: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) هو ينقض على المعتزلة أيضا؛ ومن ~~قولهم: إنه أعطى كل أحد ليس له ألا يتوفاه مسلما؛ فيكون في دعائه عابثا؛ ~~على قولهم. # PageV06P292 # والثاني: على قولهم، لا يملك أن يتوفاه مسلما؛ لأن من قولهم: إنه أعطى كل ~~أحد ما به يكون مؤمنا حتى لم يبق عنده شيء، ومن سأل آخر شيئا يعلم أنه ليس ~~عنده؛ فهو يهزأ به، أو يكون فيه كتمان النعمة؛ وفي كتمان النعمة كفرانها. # وقوله - عز وجل -: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ ~~أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) # (ذلك): أي خبر يوسف وإخوته؛ وقصصهم التي قصصنا عليك وأخبرناك به؛ من أوله ~~إلى آخره، (من أنباء الغيب) ولم تشهدها أنت أولم تحضرها كقوله: (ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا)، هذا ليعلم أنك إنما علمت وعرفتها بالله ~~وحيا؛ ليدلهم على رسالتك ونبوتك. والله تعالى أعلم. # وقوله ms2307 - عز وجل -: (وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون). # أي: ما كنت لديهم ولا بحضرتهم؛ ثم أنبأت على ما كان؛ ليدل على ما ذكرنا ~~من الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (وهم يمكرون). # بأبيهم وأخيهم: أما مكرهم بأبيهم؛ حيث قالوا: (يا أبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون)، أخبروه أنهم له ناصحون؛ فخانوه. # ومكرهم بأخيهم؛ حيث قالوا: (أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) ~~ضمنوا له الحفظ؛ فلم يحفظوه - مكروا بهما جميعا. # والمكر: هو الاحتيال؛ في اللغة؛ والأخذ على جهة الأمن، وقد فعلوا هم ~~بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف عليهما السلام. # * * * # قوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسألهم عليه من ~~أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) ~~أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ~~(107) # وقوله - عز وبرل -: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). # أي ما أكثر الناس بمؤمنين؛ ولو حرصت يا محمد أن يكونوا مؤمنين؛ كقوله: ~~(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بلخ من شفقته ورحمته على الخلق؛ ورغبته في إيمانهم؛ حتى كادت نفسه ~~تهلك في ذلك؛ حيث قال: # PageV06P293 # (لعلك باخع نفسك. . .) الآية، وقوله: (فلا تذهب نفسك)، (ولا تحزن عليهم)، ~~كان حرصه على إيمانهم بلغ ما ذكر؛ حتى خفف ذلك عليه بهذه الآيات. # وقال بعض أهل التأويل: قوله - تعالى -: (وما أكثر الناس) يعني أهل مكة، ~~(ولو حرصت بمؤمنين) وهم كذلك؛ كانوا أكثرهم غير مؤمنين، وأهل مكة وغيرهم ~~سواء كلهم؛ كذلك كانوا. # وقوله - عز وجل -: (وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104) ~~أي: على ما تبلغ إليهم وتدعوهم إلى طاعة الله؛ وجعل العبادة له؛ وتوجه ~~الشكر إليه؛ لا تسألهم على ذلك أجرا؛ فما الذي يمنعم عن الإجابة لك فيما ~~تدعوهم؛ والائتمار بأمرك؟! هذا يدل أنه لا يجوز أخذ الأجر ms2308 على الطاعات ~~والعبادات؛ حيث نهى وأخبر أنه لا يسألهم على ما يبلغ إليهم أجرا، وهو لم ~~يتول تبليغ جميع ما أمر بتبليغه بنفسه إلى الخلق كافة، بقوله: (وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس. . .) الآية، ولكنه ولى بعضه غيره؛ كقوله: " ألا فليبلغ ~~الشاهد الغائب "؛ فإذا لم يجز له أخذ الأجر فيما يبلغ هو؛ فالذي كان مأمورا ~~أن يبلغ عنه أيضا لا يجوز أن يأخذ الأجر على ما يبلغ. # وفي قوله: (وما تسألهم عليه من أجر) وجهان: # أحدهما: أنه ليس يسألهم على الذي يبلغه إليهم ويدعوهم أجرا؛ حتى يمنع بذل ~~ذلك وثقله عن الإجابة. # والثاني: إخبار أن ليس له أن يأخذ؛ وأن يجمع من الدنيا شيئا؛ كقوله: (ولا ~~تمدن عينيك. . .) الآية، ومعلوم أنه لا يمد عينيه إلى ما لا يحل؛ فيكون ~~النهي عن أخذ المباح. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا ذكر للعالمين). # أي هذا القرآن الذي تبلغهم ليس إلا ذكرى؛ وموعظة للعالمين، أو هو نفسه ~~عظة وذكرى للعالمين؛ أعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (إن هو إلا ذكر للعالمين) أي شرف وذكرى لمن اتبعه وقام به، وهو ما ~~ذكر في آية أخرى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)، وقوله: (آية ~~للعالمين)، أي منفعته تكون لمن اتبعه؛ فعلى ذلك هذا. # PageV06P294 # وقوله - عز وجل -: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون (105) # أي كم من آية في السماوات والأرض. قال بعض أهل التأويل: الآيات التي في ~~السماء مثل: الشمس والقمر والنجوم والسحاب؛ وأمثاله، والآيات التي في ~~الأرض: من نحو: الجبال والأنهار والبحار والمدائن؛ ونحوها، لكن السماء ~~نفسها آية، والأرض نفسها آية؛ وما يخرج منها من النبات آية. # (يمرون عليها وهم عنها معرضون). # أي: هم عنها معرضون عما جعلت من آيات؛ لأنها إنما جعلت آيات لوحدانية ~~الله وألوهيته؛ فهم عما جعلت من آيات معرضون. وبالله الهداية والعصمة. # وقال بعضهم في قوله: (وكأين من آية) أي: كم من آية دليل وعلامة على ~~وحدانية الله؛ في خلق السماوات والأرض، وهو قريب ms2309 مما ذكرنا. # وقال بعضهم: آيات السماء؛ ما ذكرنا من نحو الشمس والقمر والكواكب. وآيات ~~الأرض؛ فمثل آثار الأمم التي أهلكوا من قبل؛ من نحو قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم لوط؛ وغيرهم؛ ممن قد أهلكوا؛ يمرون عليها ويرونها ولا يتعظون بهم. # والوجه فيه ما ذكرنا: أنهم معرضون عما جعلت تلك آيات؛ وإنما جعلت آيات ~~لوحدانية الله وألوهيته، أو معرضون عن التفكر فيها والنظر إعراض معاندة ~~ومكابرة. # ثم يحتمل الإعراض وجهين: # أحدهما: أعرضوا: أي لم ينظروا فيها؛ ولم يتفكروا؛ ليدلهم على وحدانية ~~الله وألوهيته؛ فهو إعراض عنها. # والثاني: نظروا وعرفوا أنها آيات لوحدانية الله؛ لكنهم أعرضوا عنها ~~مكابرين معاندين، ليس في السماوات ولا في الأرض شيء - وإن لطف - إلا وفيه ~~دلالة على وحدانية الله، وآية ألوهيته. # وقوله - عز وجل -: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: في الاعتقاد؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الإله؛ إلا وهم ~~مشركون الأصنام والأوثان في التسمية، وسموها آلهة؛ كقوله - تعالى -: (قل لو ~~كان معه آلهة كما # PageV06P295 # يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا). # والثاني: إشراك في الفعل؛ أي: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم عبدوا غيره؛ ~~من الأصنام والأوثان، أو أن يكون (وما يؤمن أكثرهم بالله) بلسانهم (إلا وهم ~~مشركون) بقلوبهم أو يقول: وما يؤمن أكثرهم بالله في النعمة أنها من الله ~~تعالى؛ إلا وهم مشركون في الشكر له تعالى. # وقوله - عز وجل -: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم ~~الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) # أي: كيف أمنوا أن يأتيهم عذاب الله أو تاتيهم الساعة بغتة؛ وقد سمعوا ~~إتيان العذاب بمن قبلهم وهلاكهم، وقد جاء ما يخوفهم إتيان الساعة؛ وخافوا ~~عنها؛ وإن لم يعلموا بذلك حقيقة؛ لما تركوا العلم بها ترك معاندة ومكابرة؛ ~~لا ترك ما لم يبين لهم؛ ومن لم يأت له التخويف والإعلام. # و (غاشية من عذاب الله): قال أبو عوسجة - رحمه الله -: أي مجللة تغشيهم، ~~ومنه قوله: (هل أتاك حديث الغاشية)، وهو ما يأتيهم العذاب من فوقهم. ms2310 # وقال غيره: غاشية من عذاب الله: أي عذاب من عذاب الله تعالى؛ وهو كقوله: ~~(ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك)؛ يجب أن يكون أهل الإسلام معتبرين بقوله: ~~(وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها)، وكذلك بقوله: (أفأمنوا أن ~~تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة) وإن كانت الآيتان نزلتا ~~فيهم؛ لأنهم يمرون بما ذكر من الآيات ولا يعتبرون بما ذكر، وكذلك يكون ~~آمنين عن غاشية من عذاب الله تعالى. # * * * # قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس ~~الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن ~~القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا ~~يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(111) # وقوله - عز وجل -: (قل هذه سبيلي). # قيل: السبيل يؤنث ويذكر. ويحتمل: هذه الطاعة أو العبادة لله. # PageV06P296 # يحتمل قوله - تعالى -: (سبيلي) هذه التي أنا عليها، # ويحتمل: هذه سبيلي التي أدعوكم إلى الله. # (على بصيرة أنا ومن اتبعني). # البصيرة: العلم والبيان والحجة النيرة؛ أي هذه سبيلي التي أنا أدعوكم ~~إليها؛ إنما أدعوكم على بصيرة؛ أي على علم وبيان وحجة قاطعة؛ وبرهان نير؛ ~~ليس كسائر الأديان التي يدعى إليها على الهوى والشهوة بغير حجة ولا برهان؛ ~~(ومن اتبعني) أي: ومن اتبعني، -أيضا- فإنما يدعوكم أيضا على حجة وبرهان؛ إذ ~~من يجيبني؛ فإنما يجيب على بصيرة وبيان وحجة. # (وسبحان الله وما أنا من المشركين). # قيل: كأن هذا صلة قوله: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) سبحان ~~الله: تنزيها لما قالوا؛ وتبرئة عما قالوا في الله بما لا يليق به. # (وما أنا من المشركين) في ألوهيته وربوبية غيره؛ أو في عبادته. والله ~~أعلم. ms2311 # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار ~~الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) # ذكر رجالا - والله أعلم - أي: لم نبعث رسولا من قبل إلا بشرا؛ لم نبعث ~~ملكا ولا جنا؛ فكيف أنكرتم رسالة محمد بأنه بشر؛ ولم يروا رسولا من قبل ولا ~~سمعوا إلا من البشر؛ كقولهم: (أبعث الله بشرا رسولا)، وكقوله: (ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا) هذا والله أعلم. # (إلا رجالا) مثلك؛ بشرا لا ملكا ولا جنا، أو ذكر رجالا؛ لأنه لم يبعث ~~امرأة رسولا. # وقوله - عز وجل -: (نوحي إليهم من أهل القرى). # أي: إنما أرسل الرسل جملة من أهل الأمصار والمدن؛ لم يبعثوا من أهل ~~البوادي وأهل البراري والقرى؛ إنما يريد الأمصار والبنيان، وقال الله - ~~تعالى -: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان)، قيل: هي مكة، جميع ما ذكر في القرآن من القرية والقرى؛ يريد به ~~الأمصار والمدن؛ وإنما بعث الرسل والأنبياء من الأمصار؛ ولم يبعثهم من ~~البوادي ومن أهل البراري - لوجهين - والله أعلم -: أحدهما: لأن لأهل ~~الأمصار والمدن؛ اختلاطا بأصناف الناس؛ وامتزاجا بأنواع # PageV06P297 # الخلق، ويكون لهم تجارب بالخلق؛ فهم أعقل وأحلم وأبصر من أهل البادية ~~والبرية، إذ اختلاطهم وامتزاجهم إنما يكون بالماشية وأنواع البهائم؛ لذلك ~~بعثوا من الأمصار دون البادية. # وبعد فإن الرسل يكون لهم أسباب وأعلام تتقدم عن وقت الرسالة تحتاج إلى أن ~~يظهر ذلك للخلق؛ ليكون ذلك أسرع إلى الإجابة لهم؛ وأدعى وأنفذ إلى القبول، ~~فإذا كانوا من أهل البوادي لا يظهر ذلك للخلق. # والثاني: أنه يراد من الرسالة إظهارها في الخلق؛ في الآفاق والأطراف ~~والأمصار، والمدن هي الأمكنة التي ينتاب الناس إليها في التجارات وأنواع ~~الحوائج من الآفاق والأطراف؛ فيظهر ذلك فيها. وفي أهل الآفاق وأما أهل ~~البوادي والبراري؛ ليس يدخلها ولا ينقلب إليها؛ إلا الشاذة من الناس؛ ولا ~~يقضي فيها الحوائج؛ فلا يظهر في الخلق الرسالة وما يراد ms2312 بها. # وقوله - عز وجل - (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم). # أي: ألم ينظروا ويتفكروا؛ فيمن هلك من قبلهم من الأمم؛ بتكذيبهم الرسل أن ~~كيف كان عاقبتهم بالتكذيب في الدنيا؛ ليمتنعوا عن تكذيب رسولهم. # وقوله: (أفلم يسيروا في الأرض. . .) الآية؛ يخرج على وجهين: # أحدهما: أي قد ساروا ونظروا كيف كان عاقبة المكذبين؛ لكنهم عاندوا ولم ~~يعتبروا. # والثاني: أي سيروا في الأرض؛ وانظروا، ولكن ليس على نفس السير في الأرض؛ ~~ولكن على السؤال عما نزل بأولئك. # وقوله - عز وجل -: (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا) الشرك أو خلاف الله ~~ورسوله. # (أفلا تعقلون) أن ذلك أفضل وخير؛ ممن لم يتق ذلك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا (110)، و ~~(كذبوا)؛ كلاهما لغتان، قال بعضهم: أيس الرسل عن إيمان قومهم وتصديقهم ~~الرسل، ثم # PageV06P298 # يحتمل استيئاسهم عن إيمانهم؛ لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم ~~في ردها؛ أيسوا عن إيمانهم، أو كان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون؛ ~~كقوله: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. . .) الآية، ~~وأمثاله. # وقوله: (وظنوا أنهم قد كذبوا) قال بعضهم: وظن الرسل أن أتباعهم الضعفة قد ~~كذبوهم؛ لكن هذا إن كان من الرسل فهو ظن من الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ ~~لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، فوقع ~~عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم وإن كان من الأعداء فقد استيقن الرسل أنهم ~~كذبوهم. # وروي عن عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة؛ قال: فقلت: أرأيت قول الله: (حتى ~~إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) أو (كذبوا) قال: فقالت: بل كذبهم ~~قومهم، قال: فقلت: أرأيت قول الله (حتى)، والله لقد استيقنوا أن قومهم قد ~~كذبوهم؛ وما هو بالظن؛ فقالت: يا عروة لقد استيقنوا بذلك، قال: قلت: فلعلهم ~~ظنوا أن قد كذبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها، قال: وما ~~هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا ms2313 بربهم وصدقوهم؛ وطال عليهم ~~البلاء واستأخر عنهم النصر؛ حتى إذا استيئست الرسل ممن كذبهم من قومهم؛ ~~وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم؛ جاءهم نصر الله عند ذلك. # وقال بعضهم: حتى إذا استيئس الرسل عن إيمان قومهم؛ وظن قومهم أن الرسل قد ~~كذبوا فيما أوعدوا من العذاب أنه نازل بهم؛ لما أبطأ عليهم العذاب. # وقال بعضهم: وظنوا أنهم؛ أي ظن قومهم؛ أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء ~~جاءهم نصرنا. # فإن كان الآية في أتباع الرسل؛ على ما ذكر بعضهم؛ فهو كقوله: (والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب). # فإن كانت في غيرهم من المكذبين؛ فقد جاء الرسل نصر الله. # PageV06P299 # وقوله: (فنجي من نشاء) من المؤمنين؛ فهو في ظاهره خبر على المستقبل؛ أي: ~~ينجي من يشاء من هؤلاء المؤمنين. # ويشبه أن يكون على الخبر في أولئك؛ فإن كان على هذا؛ فيجيء أن يكون نجينا ~~من نشاء منهم؛ وأهلكنا من نشاء منهم، لكن يجوز هذا في اللغة، أو يكون في ~~الآخرة ننجي من نشاء. # وقوله - عز وجل -: (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين). # أي لا يرد عذابنا إذا نزل عن المجرمين. # وقوله - عز وجل -: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا ~~يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(111) # يحتمل قوله: (في قصصهم) قصة يوسف وإخوته وغيره؛ عبرة لأولى الألباب. # ويحتمل (قصصهم): قصص الرسل والأمم السالفة جميعا عبرة لأولى الألباب، ~~والاعتبار إنما يكون لأولى الألباب؛ الذين ينتفعون بلبهم وعقلهم. # وقوله - عز وجل -: (ما كان حديثا يفترى). # يحتمل؛ أي: ما حديث محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وما أخبر من القصص ~~وأخبار الرسل والأمم السالفة؛ بالذي افتري؛ بل إنما أخبر ما كان في الكتب ~~السالفة على غير تعلم منه ولا دراسة كتب. # ويحتمل: ما كان هذا القرآن بالذي يقدر أن يفترى. # (ولكن تصديق الذي بين يديه) # أي: تصديق الذي نزل على رسول الله - الكتب التي كانت من قبل. # (وتفصيل كل شيء). # أي تفصيل ما ms2314 للناس حاجة إلبه. # (وهدى) من الضلالة لمن اهتدى. # (ورحمة لقوم يؤمنون) وفيما ذكر من قصة يوسف وإخوته على رسول الله دلالة ~~التصبير على أذى قريش؛ يقول: إن إخوة يوسف - عليه السلام - مع موافقتهم ~~إياه في الدين والنسب والموالاة - عملوا بيوسف ما عملوا من الكيد والمكر ~~به؛ فقومك - مع مخالفتهم إياك في الدين - أحرى أن تصبر على أذاهم. وبالله ~~العصمة. # * * * # PageV06P300 ### | سورة الرعد # ذكر أنها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون (1) # قوله - عز وجل -: (المر تلك آيات الكتاب). # يحتمل أن يكون قوله: (المر) كناية عن الأحرف المقطعة المعجمة؛ فيكون ~~قوله: (تلك آيات الكتاب) تفسير (المر). # هذا هو الظاهر: أن يقال في كل الحروف المعجمة والمقطعة: أن يكون ما ذكر ~~من بعدها على أثرها كان تفسيرا لها. # والثاني: يشبه أن يكون قوله: (المر) كناية عن الحجج والبراهين وسائر ~~الكتب؛ كأنه قال: تلك الحجج والبراهين وسائر الكتب - جعلناها آيات القرآن ~~وحججه، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم. # ثم اختلف في قوله: (تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك) هو القرآن ~~الذي أنزل. # قال بعضهم: (تلك آيات الكتاب): التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، ~~وقوله: (والذي أنزل إليك من ربك) هو الحق: القرآن الذي أنزل على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: (تلك آيات الكتاب) هو القرآن والذي أنزل إليك من ربك -أيضا- ~~هو القرآن، لكنه أخبر أنه منزل من ربك الحق. # وقوله: (الحق) يحتمل: هو الحق؛ أي: منزل من الله؛ ليس كما قال أولئك إنه ~~ليس من الله؛ إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه. # ويحتمل: (الحق) أي: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) أنه من الله، أو أكثر ~~الناس لا يؤمنون أنه آيات الله وحججه والله أعلم. # PageV06P301 # وقوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على ~~العرش وسخر الشمس والقمر ms2315 كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم ~~بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون (3) وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون (4) وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (5) # وقوله - عز وجل -: (الله الذي رفع السماوات). # قوله: (رفع) أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها ~~في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: (والأرض وضعها للأنام)، (مد الأرض)، ~~(والجبال أرساها)، ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت ~~مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك. # وقوله - عز وجل -: (بغير عمد ترونها). # قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد. # وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها ~~بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم ~~يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما ~~يرفع بعمد، ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر. # وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: (لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون) أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبعدها - بلا عمد؛ لقادر ~~على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها ~~وبعدها، بلا عمد، أكبر من # PageV06P302 # إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد ~~فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد. من ذا الوجه أمكن أن ~~يحتج. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم استوى على العرش). # لما لم يفهم من قوله: (سميع عليم)، مدبر المكان؛ ms2316 وإن كان في الشاهد يفهم ~~منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه أما يفهم من ~~استواء الخلق. # وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ ~~لم يفهم منه المكان، بل فهم منه نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم ~~يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان. # وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ ~~وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضا من جميع ~~الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضا بجهة، ثم صاروا جميعا أشكالا وأشباها؛ بتلك ~~الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذا الله سبحانه وتعالى لما أخبر أنه (ليس ~~كمثله شيء)، دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي يقع بها التشابه والمثل؛ فهو ~~يخالف الخلق من جميع الوجوه. # وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو ~~الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في ~~إنشاء ذلك كله. # وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا ~~البعث يكون إنشاؤهم عبثا باطلا؛ كقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون) جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثا. # وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك. # وقوله - عز وجل -: (يدبر الأمر) على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ ~~وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم. # PageV06P303 # وقوله - عز وجل -: (يفصل الآيات) يحتمل: يبين الحجج والبراهين. # ويحتمل: (يفصل الآيات) أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة. # (لعلكم بلقاء ربكم توقنون). # هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة ~~البعث والإحياء بعد الموت. # وقوله - عز وجل -: (بلقاء ربكم) هو كما ذكرنا في قوله: (إليه مرجعكم ~~جميعا) ومصير هم وبروزهم؛ وأمثاله. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي مد الأرض ... (3) وقال في ms2317 آية أخرى: (والأرض ~~بعد ذلك دحاها)، وقال في موضع آخر: (وإلى الأرض كيف سطحت)، وكله واحد، ~~وقال: (الأرض فراشا)، و (مهادا). # يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم. # (مد الأرض) أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت ~~تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثقال؛ فاستقرت ~~وثبتت. # وذكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو ~~كان أنها ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض ~~والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك ~~النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات ~~والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ ~~فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: ~~إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز ~~وجل -: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم)، فإن كان # PageV06P304 # على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان. # أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل ~~والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء. والله ~~أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (مد الأرض). # أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ماذكر من ~~رفع السماء ونحوه. # (وجعل فيها رواسي وأنهارا). # جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليما منه الخلق؛ ليكون ذلك ~~عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب وبغير أسباب سواء؛ إذ هو قادر ~~بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ ~~وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ~~ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض ~~بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ~~ليعرفوا قدرته. # وقوله - عز وجل -: (وأنهارا) أي: وجعل فيها أنهارا؛ أخبر أنه مد الأرض ms2318 ~~وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها ~~أنهارا؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل ~~الثمرات زوجين. # قال بعض أهل التأويل: (زوجين اثنين) أي: لونين. # وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، ~~وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضا وحلوا ومرا ومزا، إلا أن ~~يقال: (زوجين اثنين): الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ~~ذا ألوان وذا طعوم. # وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ~~ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر. وأما على ~~غير هذا فإنه لا يصح. # وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن # PageV06P305 # الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل ~~الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في ~~حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء. # وقوله - عز وجل -: (يغشي الليل النهار). # أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس ~~أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار باد ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو ~~مستور خفي على الخلق والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). # فيما ذكر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة ~~الوحدانية. # (لقوم يتفكرون) في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها. # وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). # ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن ~~تصير آيات مجانا بالبديهة. # أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر. ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (4) # دل قوله: (قطع متجاورات) أن ms2319 التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض ~~قطعا، وأما إذا كانت الأرض، أرضا واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا ~~يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما ~~فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأما عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه ~~إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعا. # وقوله - عز وجل -: (قطع متجاورات وجنات من أعناب). # القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع. # (وجنات من أعناب) أي: جنات متجاورات أيضا، والجنات هي البساتين المحفوفة ~~بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار. # (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان). # PageV06P306 # قيل: (صنوان) وهو النخلتان في أصل واحد، (وغير صنوان): النخل المتفرق ~~وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحدا؛ وهو متفرق، (وغير صنوان) والتي تنبت ~~وحدها: وقيل: (صنوان): هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت لعد خروج الأصل؛ ~~فهو الصنوان، ولهذا قيل: " عئم الرجل صنو أبيه ". # (يسقى بماء واحد). # أي: يسقى ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد. # (ونفضل بعضها على بعض في الأكل). # يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ ~~بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ ~~كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء ~~واحد؛ ثم يخرج مختلفا في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم ~~أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحد مدبر عليم ~~حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة ~~في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا ~~طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف. # وقوله - عز وجل -: (ونفضل بعضها على بعض في الأكل). # قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ~~ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض. # وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، ms2320 والماء واحد أيضا؛ ثم ~~خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو ~~عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله؛ ~~لأنه لو # PageV06P307 # كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية. # (إن في ذلك لآيات) لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته. # (لقوم يعقلون) أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، ~~لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم. # وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة ~~واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعا متجاورات؛ فينزل عليها ~~الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا ~~مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو ~~كان الماء مالحا؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم ~~- عليه السلام - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترق قلوب؛ فتخشع ~~وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه. # ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو ~~نقصان؛ ثم تلا قوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا). # وقوله - عز وجل -: (وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق ~~جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (5) # قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ ~~حيث قالوا: (أإنا لفي خلق جديد). # وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في ~~الصافات - (بل عجبت ويسخرون). # (فعجب قولهم) أي: أعجب أيضا قولهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين ~~قالوا: (أإنا لفي خلق جديد) تكذيبا للبعث. # وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في ~~الرسالة؛ ولم أتكن، رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث ~~والإحياء # PageV06P308 # بعد الموت أعجب؛ إذ قد ms2321 رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا ~~وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله تعالى ~~بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم ~~إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق ~~من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه. # وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن ~~منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان ~~والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله ~~سبحانه ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين كفروا بربهم). # يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفرا بالله؛ لأنهم ~~عرفوه عاجزا، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزا - فهو ~~لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: (وأولئك الأغلال في أعناقهم). # قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ~~ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال ~~في أعناقهم. # وقال بعضهم: قوله: (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) # في الآخرة كقوله: (خذوه فغلوه. . .)، (وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون). # * * * # قوله تعالى: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ~~وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين ~~كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) # وقوله - عز وجل -: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة). # الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ~~(ادعوني أستجب لكم)، قيل: أجيب لكم، وقوله تعالى: (فليستجيبوا لي) # PageV06P309 # أي: ليجيبوا لي، وقوله: (ويستعجلونك) فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما ~~سألوا رسول الله العذاب، كقوله: (سأل سائل بعذاب واقع)، وكقوله: (وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب)، وقولهم: (إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر ms2322 علينا حجارة من السماء. .) الآية، فبدءوا بسؤالهم الهلاك قبل سؤالهم، ~~تأخير العذاب وإمهاله، وتأخير العذاب عندهم وإمهاله، من الحسنة؛ فاستعجلوا ~~بهذا قبل هذا. # وإن كان الفعل نفسه. # فقوله: (ويستعجلونك) أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون ~~منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك ~~إحسان من قبل والله أعلم بذلك. # وقيل: (بالسيئة): العذاب؛ على ما ذكرنا. # (قبل الحسنة). # أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ ~~لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق، فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا ~~يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ~~ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية. # فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من ~~جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه ~~رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد خلت من قبلهم المثلات). # قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم ~~العذاب # PageV06P310 # والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه ~~قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم ~~الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم ~~العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء. # وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه. وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت ~~من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: (وقد خلت من قبلهم الأمثال)؛ ~~ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم). # قال بعضهم: (لذو مغفرة) أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ ~~كقوله: (إنما يؤخرهم ليوم)، وقوله: (وما نؤخره إلا لأجل معدود). # وقال بعضهم: لذو مغفرة للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون ~~قوله (لذو مغفرة) للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب، لمن ms2323 لم يتب، ~~ومات على الظلم والشرك. وقوله: (وإن ربك لشديد العقاب) للكفار؛ وعلى ~~التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ... (7) ~~وقال في موضع آخر: (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون)، وقال في آية أخرى: (لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم ~~الآية قوله تعالى: (كما أرسل الأولون)، عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل ~~الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج ~~عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعا لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات ~~مختلفات، كل جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما ~~أنت منذر. أو سألوا آيات سؤال الاعتناد # PageV06P311 # لدى هلاكهم، أعلى ما فعل الأولون؛ فقال: (إنما أنت منذر) قد عفا هذه ~~الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم، وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات ~~معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، ~~لكنهم يعاندون. # وقوله - عز وجل -: (إنما أنت منذر): لا تملك إتيان الآيات، (قل إنما ~~الآيات عند الله)، وقال: (لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر) الآية. أو ~~يقول: (إنما أنت منذر): ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ (قل إنما الآيات ~~عند الله). # وقوله - عز وجل -: (ولكل قوم هاد). # أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير). # وقوله: (ولكل قوم هاد) يحتمل: لكل وقت هاد. # ثم اختلفوا أنه: من ذلك الداعي؟ # قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل ~~سوى النبي. # وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوما مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن ~~عندنا معصوما أو لم يكن معصوما، فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك ~~منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق. # PageV06P312 # (ولكل قوم هاد) أي: داع وهو كما قال: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). # قوله ms2324 تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل ~~شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من ~~أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) له معقبات من ~~بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ~~(11) # وقوله - عز وجل -: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى). # قيل: يعلم أنها حملت ذكرا أو أنثى مستويا أو غير مستو مؤفا؛ يخبر - عز ~~وجل - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فإن قيل: هذا ~~دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟ قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ~~ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستويا غير مؤف سليما عن الآفات، ونماء ~~الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها أكبر وأعظم وبعضها أنقص وبعضها ~~أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل ~~تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدل ذلك ~~على العلم له به والتدبير. # وقوله - عز وجل -: (وما تغيض الأرحام وما تزداد). # أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد. # قال عامة أهل التأويل: (وما تغيض الأرحام): ما تنقص عن التسعة الأشهر، ~~(وما تزداد): على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع ~~لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر. # وفي حرف أبي: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تضع) ولكن يحتمل قوله: (وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد) وجهين: # أحدهما: (وما تغيض الأرحام) أي: ما لا تحمل شيئا؛ وهي التي تكون عقيما لا ~~تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال الله - تعالى -: (وغيض الماء)، # PageV06P313 # أي: ذهب. # (وما تزداد) أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد ~~النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء. # أو (وما تغيض الأرحام وما تزداد) ms2325 في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل ~~واحدا أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من ~~الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ~~ينمو ويزداد؛ وأمثاله. والله أعلم. # (وما تغيض الأرحام وما تزداد) مقدر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما ~~يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير. # (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) قال بعضهم: لا يغيب عنه شيء، ~~ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما ~~يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به. # وقال بعضهم: (عالم الغيب): ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: ~~هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد ~~بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؟ ومتى يوجد؟ وفي أي: وقت ~~يوجد؟ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهدا موجودا. # على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ والله أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما ~~شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر ~~والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق. # وقوله - عز وجل -: (الكبير المتعال). # المتعال، عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا ~~واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من ~~حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ ~~فعلى ذلك لا يفهم مما وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر ~~النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أول ~~وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف ~~هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم ~~يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أول - لم يقل # PageV06P314 # له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه ms2326 الآخر، وذلك ~~مما وصف به اوخائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف ~~إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سواء منكم من أسر القول ... (10) في نفسه في حال ~~انفراده (ومن جهر به) لغيره (ومن هو مستخف بالليل) وفي ظلمة الليل (وسارب ~~بالنهار). # قيل: ظاهر بالنهار، وقال بعضهم: (وسارب بالنهار): من يكون في السرب وهو ~~الغار بالنهار، وقال بعضهم: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، ~~وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه. # ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: (يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام) ~~ويعلم -أيضا- ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول -أيضا-: يعلم ~~من أسر القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفيا بالليل أو ساربا بالنهار، أي: ~~يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرا من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم. # يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه ~~رقيبا حفيظا يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك. # وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند الله؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم ~~من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة ~~الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند ~~الله؛ سواء. # في ذلك تذكير أمرين: # أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون ~~إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبدا ما كانوا. # والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبدا على حذر من ~~معاصيه، والخلاف له. # أما علمه هو ما ذكر الله: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى. . .) إلى قوله: ~~(سواء منكم. . .) الآية. # PageV06P315 # وأما نعمه فهو ما ذكر. # (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم ms2327 سوءا فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال (11) # وقوله: (له معقبات) قال بعضهم: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر ~~من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: (سواء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به. . .) الآية؛ حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر ~~من أمره. # وقال بعضهم: (له معقبات): الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة ~~الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه "، مثل قوله: (عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد)، قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه. # وقوله - عز وجل -: (له معقبات) يحتمل قوله: (له)، أي: لله معقبات ~~يحفظونه، ويحتمل: (له) من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: (يعلم ما تحمل كل ~~أنثى). # وقوله: (يحفظونه من أمر الله) يحتمل قوله: (يحفظونه من أمر الله)، أي: ~~يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ ~~نفسه فقوله من أمر الله؛ أي: من عذاب الله وبلاياه؛ كقوله: (حتى إذا جاء ~~أمرنا)، وهو عذابنا. # ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر الله، ثم يحتمل قوله: (من بين يديه ومن ~~خلفه) وجوها: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه: الشرور ~~والسيئات، ويحتمل قوله: (من بين يديه): ما قذم من الأعمال، (ومن خلفه): ما ~~بقي وأخر؛ كقوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)، ويحتمل (من بين يديه): ما مضى ~~من الوقت، (ومن خلفه): ما بقي. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). # PageV06P316 # يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون ~~منهم؛ كقوله: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)؛ وكقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم). # ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا ~~يغير ذلك ms2328 عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم. # فإن قيل: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ~~ذلك منهم البداية في التغيير. # قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيرا منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ~~ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها. # ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون ~~التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها ~~حق البقاء؛ يكون التغيير من الله من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة ~~والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات [والمعاصي]. # وقوله - عز وجل -: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له). # الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح ~~لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءا؛ (فلا مرد له. . .) الآية. # دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن ~~يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد ~~الخير يملكون رد ذلك، والله يقول: (فلا راد لفضله)، ولا مرد لسوئه. # وقوله - عز وجل -: (وما لهم من دونه من وال). # أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ ~~كقوله (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير). # * * * # قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه ~~لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) # وقوله - عز وجل -: (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا). # PageV06P317 # أي: مخوفا ومطمعا أو ما تخافون وتطمعون. # وقال أهل التأويل: خوفا للمسافر وطمعا للمقيم. # وقيل: خوفا لأهل ms2329 البنيان؛ وطمعا لأهل الأنزال. # وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ~~ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ~~ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه. # ويحتمل وجها آخر في قوله: (يريكم البرق خوفا وطمعا) أي: يريكم خوفا ~~موعودا وطمعا موعودا؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في ~~الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها نارا؛ ألا ترى أنه ~~إذا اشتد خيف على من أصابه. # وقوله - عز وجل -: (وينشئ السحاب الثقال). # قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء. قال أبو عوسجة: ~~(وينشئ السحاب الثقال)، يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمى ~~الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، ~~نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا. والله أعلم. # (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) # اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ ~~صوته تسبيحه. # وعلى ذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: أقبلت يهود إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ~~" ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث ~~شاء الله "؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: " زجرة السحاب إذا زجره؛ ~~حتى ينتهي إلى حيث أمر "، قالوا: صدقت. # PageV06P318 # فإن ثبت هذا؛ فهو هو. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن البرق والرعد؟ فقال: الرعد: الملك، ~~والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد. # وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت ~~سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق. # وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذا صوتت؛ ~~فذلك صوتها. # وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر ~~يحك الحجر. ms2330 وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه ~~فذلك الصوت منه. # أي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل ~~شيء، على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: (وإن من شيء ~~إلا يسبح بحمده)، فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة ~~منشئه من كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته. # ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه ~~الخلق. # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، ~~والبرق صوته الذي يزجي به السحاب. قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، ~~وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه ~~وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك. # وقوله: (ويسبح الرعد بحمده) أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، ~~وما ذكروا من سلطانه وعظمته، (والملائكة من خيفته) أي: تسبيح الملائكة من ~~خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه ~~والملائكة يسبحونه # PageV06P319 # فيما بينهم وبين ربهم، فلم يذكر فيهم التسبيح بحمده، وذكر في الرعد ~~والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: # أحدهما: خوفا من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: (ومن ~~يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. . .) الآية. # والثاني: خوف رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله تعالى وصفهم بالطاعة له ~~والاستسلام، كقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، وقوله: ~~(ولا يستحسرون. . .) الآية، ونحو ذلك. # ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول. # وقوله - عز وجل -: (ويرسل الصواعق) قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت ~~البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: (فصعق من في السماوات ومن في الأرض). وقيل: ~~هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار أن رجلا أتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فسأله عن شيء من أمر الرب ms2331 فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ~~(ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال). # وقوله - عز وجل -: (وهم يجادلون في الله) أي: في توحيد الله؛ لأن أهل ~~الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: (وهو ~~شديد المحال) قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: ~~شديد الأخذ. # وقال القتبي: (وهو شديد المحال) من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، ~~لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة ~~وجزاء الاعتداء # PageV06P320 # اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون ~~به. # وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر. # وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته ~~أي: حفظته، وأما قوله (لا معقب لحكمه)، أي: لا راد لحكمه قال ويقال في غير ~~هذا أعقب فلان فلانا، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما ~~من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء. # وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى ~~فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله. # وقوله: (وما لهم من دونه من وال) أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ ~~وذلك جائز في اللغة. # وقوله - عز وجل -: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ~~بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال (14) يحتمل وجهين: # يحتمل أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق ~~للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق له، ليس لمن ~~دونه. # والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة ~~من دعا بالحق. # فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: ~~له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من ~~عبد دونه ودعي دونه لا ms2332 يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: (والذين يدعون من دونه ~~لا يستجيبون لهم بشيء) أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا ~~يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر (إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط ~~كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو ~~الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل ~~أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على ~~بعد من # PageV06P321 # الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ~~ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل ~~إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله. # وقوله - عز وجل -: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي: دعاؤهم وعبادتهم ~~لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما ~~يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: (وضل عنهم ما كانوا يفترون). # وقوله - عز وجل -: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال (15) يحتمل قوله: (يسجد) على حقيقة السجود يسجد له المؤمن ~~والكافر جميعا أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع. # ويحتمل ما ذكر من السجود وجوها: # أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة. # والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في ~~خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته. # والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعا أما المؤمن فهو يسجد ~~له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد ~~له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر ms2333 يكون سجوده لله اختيارا ~~وطوعا حيث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله) إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، ~~لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وظلالهم بالغدو والآصال). # أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل ~~حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل. # ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي ~~الروح وغير ذي الروح. # (وظلالهم بالغدو والآصال) أي: ظلالهم تخضع له أيضا بالغدو والآصال. # PageV06P322 # ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد. ~~فإن قيل: ما معنى الغدو والآصال؟ قيل: يحتمل: أبدا دائما: ليس على مراد ~~الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها. # * * * # قوله تعالى: (قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه ~~أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ~~قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) # وقوله - عز وجل -: (قل من رب السماوات والأرض قل الله). # أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟ ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول ~~الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو ~~قوله: (لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا)، وقوله: (خلقوا كخلقه) لأنهم يقرون ~~بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جر النفع. # وقوله: (قل من رب السماوات والأرض). # (قل) إنما أمره أن يسألهم من رب ms2334 السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما ~~أمره أن يسألهم ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب ~~السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا ~~أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ ~~السموات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان رب السماوات والأرض - كان ~~رب ما فيهما. # وقال بعضهم: (قل من رب السماوات والأرض قل الله) أمره أن يسألهم ثم ~~يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات ~~والأرض. # دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض ~~قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل ~~خير. # وقوله - عز وجل -: (أفاتخذتم من دونه أولياء). # يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو ~~الإله؛ فكيف # PageV06P323 # اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أربابا وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس ~~هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟ والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا) إذ لا يملكون نفعا ~~لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضر عن غيره؟ ~~فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ~~ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟. # فيخرج تأويله على وجهين: # أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فكيف اتخذتم دون الله ~~آلهة؟. # والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف ~~تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله). # وقوله: (قل هل يستوي الأعمى والبصير). # أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئا؛ والله هو ~~البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟ هل يستوي ذلك؟ أي: ~~لا يستوي. # أو يقول لهم: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي ~~وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيرا ms2335 في الشاهد؟ أو هل رأيتم من لا يبصر ~~يكون دليلا لبصير؟ فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك. # وقال أهل التأويل: (قل هل يستوي الأعمى والبصير): الأعمى: الكافر، ~~والبصير: المؤمن. # (أم هل تستوي الظلمات والنور). # الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان. ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، ~~والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستركل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب ~~وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل ~~شيء. والكفر ليى له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضئ له شيئا، ~~والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا. ~~فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئا؛ # PageV06P324 # لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج. # وقوله - عز وجل -: (أم جعلوا لله شركاء). # أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم ~~نفعا إن عبدوها ولا ضرا إن تركوا العبادة لها. # وقوله: (خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم). # أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ ~~فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئا كما خلق ~~الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا ~~أن الله هو خالق كل شيء. # وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ~~ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - ~~فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد ~~مذهبهم. والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (قل الله خالق كل شيء) في السماوات والأرض (وهو الواحد ~~القهار). # أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تعبدونها مقهورة ~~مغلوبة. # وقوله - عز وجل -: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل ~~زبدا رابيا. . . (17)، إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله (كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض). # قال ms2336 بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه ~~القلوب على قدر يقينها وشكها: فأما الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين ~~فينفع الله به أهله، وهو قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) أوهو الشك، (وأما ~~ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ ~~خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ~~ابن عباس رضي الله عنه. # PageV06P325 # وقال قتادة: قوله: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) الصغير بصغره ~~والكبير بكبره. # (فاحتمل السيل زبدا رابيا) يقول: رابيا (ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفاء) والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث ~~في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل. # يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء ~~لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا ~~الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، ~~وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض. # (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية) يقول: يبقى خالص هذا الذهب ~~والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله. # (أو متاع) يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع، يقول: كما ~~بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق ~~لأهله كما بقي خالصهما. # وقال الكلبي: قوله: (أنزل من السماء ماء) وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب ~~بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء ~~باطلا كثيرا وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، ~~والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية. # قال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض) فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل " من ~~أصاب من ms2337 هذا شيئا لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله. ~~وأما الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئا منه انتفع به، وكذلك ~~صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق. أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما ~~المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به ~~حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه. # وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل ~~الحق # PageV06P326 # والباطل، فقال: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها)، سال الوادي ~~الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبدا رابيا أي: ~~عاليا، ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية)؛ الذهب والفضة، ثم ~~قال: (أو متاع) الشبه والحديد والصفر والرصاص، (زبد مثله): أي: للسيل زبد ~~مثله لا ينتفع به؛ أوالماء ينتفع به، وللحلي والمتاع أيضا زبد مثل زبد ~~السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلى والمتاع ما خلص منهما ~~ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء ~~والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع ~~الذي لا ينتفع به مثل، الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع ~~الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ~~ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع ~~أهله في الآخرة (كذلك) أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر ~~من مثل الحق والباطل، (فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: يعني يابسا؛ فلا ينتفع ~~به، (وأما ما ينفع الناس) من الماء؛ (فيمكث في الأرض) فيسقون ويزرعون عليه ~~وينتفعون به. # فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال ~~والأشباه (للذين استجابوا لربهم الحسنى) أي: أجابوا (لربهم) في الدنيا؛ ~~بالإيمان والتوحيد (الحسنى) لهم؛ وهي الجنة في الآخرة. # ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض ~~الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانيا، وضرب ms2338 مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ ~~والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: (ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين. . .)، ~~وقال: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)، ~~وقال: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه. . .) الآية، وضرب مثل المؤمن مرة ~~بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: (مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا)، وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ~~ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه. # فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ ~~إذ # PageV06P327 # ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل ~~يستوي ذا مع ذا؛ لا يستوي على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير ~~والسميع أو الأصم والأعمى؛ أو الميت أو لحي؛ أو الظلمات والنور؛ وأمثاله، ~~هذا كله غير مستو. وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا ~~الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى ~~والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه. فليس في نفس الأمثال ~~التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل ~~والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر (وتلك الأمثال نضربها للناس. . .) الآية، ~~فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ ~~فللإيمان والحق دلائل وحجج يعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما ~~يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم ~~الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشر. # وقال القتبي: (زبدا رابيا) أي: عاليا على الماء (ابتغاء حلية) أي: حلي أو ~~متاع آنية يعني من فلز الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب ~~والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء. والجفاء ما رمي به الوادي ~~إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بزبدها: إذا ألقت زبدها عنها. # وقال أبو عوسجة: (رابيا): أي: مرتفعا فوق ظهر الماء؛ وهو ms2339 واحد، ويقال: ~~زبد الماء: إذا صار له زبد (ابتغاء حلية) هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ ~~مما يتحلى به؛ (فيذهب جفاء) أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار ~~التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به. وقال: الجفاء هو ~~الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء. # قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما ~~يشبه ذلك. # وقال القتبي: قوله: (فجعله غثاء أحوى)، أي: يبسا. # قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ~~ثم # PageV06P328 # يذهب بمائها. # وقال الفراء يذهب جفاء: أي: يذهب سريعا كما جاء. # وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين ~~وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أديانا ~~متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل)، فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من ~~السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ~~ذلك السبل. أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من ~~السماء أنزل طيبا عذبا، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه ~~خرج مالحا أجاجا، وبعضه مرا لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر ~~الأرض، وإلا كان المنزل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو ~~العذب. فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها ~~كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن ~~لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم ~~جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ~~إنما يتذكر أولو الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ~~(20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ms2340 ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ~~(21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) # وقوله - عز وجل -: (للذين استجابوا لربهم الحسنى) أي: أجابوا ربهم فيما ~~دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة ~~بقوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، دعاهم ~~إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له ~~دار السلام، والحسنى الذي ذكر، # PageV06P329 # ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي ~~وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار ~~السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم ~~والهوان. # والأمثال التي ذكر أنها (للذين استجابوا لربهم الحسنى) هو هكذا للمؤمنين؛ ~~لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، ~~وأما على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال. وكذلك قوله: (ويشف صدور قوم مؤمنين)، ~~وأما قلوب الكفرة فما ذكر: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، و (في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا)، وأمثاله. # وقوله - عز وجل -: (له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به). # أي: ضعفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم ~~عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ ~~يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعا ~~أن يفتدوا به. # (أولئك لهم سوء الحساب). # أي: يحاسبون حسابا يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الانتفاع بها ~~- لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: (يحسبه الظمآن ms2341 ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا) ولم يتجاوز عن سيئاتهم (ومأواهم جهنم وبئس المهاد) أي: الذي ~~يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ~~إنما يتذكر أولو الألباب (19) أي: من يعلم الحق حقا كمن هو يعمى عنه ولا ~~يعلم؟ أو من يعلم الحق أنه حق؛ كمن يعلمه باطلا؟ ليسا بسواء؛ كقوله: (هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). # وقوله - عز وجل -: (إنما يتذكر أولو الألباب). # أي، إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون ~~بعقولهم ولبهم. # ثم بين من هم فقال: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) # يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم من العهد؛ إذ في خلقة كل ~~أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد. # PageV06P330 # ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ~~ما ذكر في آية أخرى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين. . .) الآية، (وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) الآية. (ولا ينقضون الميثاق). # العهد والميثاق واحد، وسمى العهد ميثاقا؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن ~~الاشتغال بغيره. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ~~ويخافون سوء الحساب (21) # الصلات التي أمر الله بها # أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألا يحب لهم إلا ما ~~يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن ~~يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها. وأما فيما ~~بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعا؛ والكتب ~~كلها. # هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها. # (ويخشون ربهم) إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، ~~وترك الصلة. # (ويخافون سوء الحساب) # أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ ms2342 ~~فذلك يسوءهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين صبروا ... (22) قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: ~~هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها. # ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله ~~عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على ~~الوجوه الثلاثة التي ذكرنا. والله أعلم. # PageV06P331 # وقوله: (ابتغاء وجه ربهم) يحتمل وجهين. يحتمل: ابتغاء رضوان الله. # ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي ~~الرفيع وذو المنزلة: وجيها كقوله: (وجيها في الدنيا والآخرة)، أي: ذو منزلة ~~ورفعة في الدنيا والآخرة. وعلى ذلك يخرج قوله: (فأينما تولوا فثم وجه ~~الله)، أي: ثم الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا (صبروا ~~ابتغاء وجه ربهم) أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء ~~رضوان الله ومرضاته والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأقاموا الصلاة). # أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على ~~إقامتها، وعلى ذلك قوله: (أقيموا الصلاة)، أي: دوموا على إقامتها. ويحتمل ~~قوله: (وأقاموا الصلاة) أي: جعلوها قائمة أبدا. # وقوله - عز وجل -: (وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية). # يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، (سرا وعلانية) ~~أي: ينفق في كل وقت؛ سرا من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ ~~وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، ~~بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم. # وقوله - عز وجل -: (ويدرءون بالحسنة السيئة). # أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: (ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة. . .) الآية. والثاني: يدرءون ~~الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ ~~السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير. # وقال بعضهم: في قوله: (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي: إذا سفه عليهم حلموا، # PageV06P332 # والسفه سيئة؛ والحلم حسنة. # (أولئك لهم عقبى الدار). # أي: عقبى أولئك ms2343 الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي ~~أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء ~~عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: (والله يدعو إلى دار السلام). # والثاني: (أولئك لهم عقبى الدار) أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم ~~عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة. # ثم نعت تلك الدار؛ فقال: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) # عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن ~~هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام. # وقوله: - عز وجل -: (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم). # فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ~~(الذين يوفون بعهد الله) وفي قوله: (يصلون ما أمر الله به أن يوصل) (والذين ~~صبروا ابتغاء وجه ربهم) فما معنى تخصيصهم بالذكر؟ # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ~~ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء يدخلونها -أيضا- ويلحقون بأولئك. # والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم ~~درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم. . .) الآية يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في ~~الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة. # وفي قوله: (ومن صلح من آبائهم) وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه ~~لا ينفعه؛ # PageV06P333 # حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: (ومن صلح من آبائهم. . .) إلى آخر ما ~~ذكر؛ وهو ما قال لنوح: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح)، دل هذا أن صلاح ~~والده أو قريبه لا يجدي له نفعا في الآخرة والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب). # هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك. # والثاني: يحتمل أن يكون يأتي ms2344 كل ملك بتحفة غير التحفة التي أتى بها الآخر ~~على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم. # (من كل باب) أي: من كل نوع من التحف. وفيه وجهان: # أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل البشر عليهم. # أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ ~~لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآحرة والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) كقوله: ~~(تحيتهم فيها سلام). # وقوله - عز وجل -: (فنعم عقبى الدار) هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى ~~الدار. # وقوله - عز وجل -: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) ~~والعهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض. # وقوله - عز وجل -: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض). # كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، ~~والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا ~~قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا ~~أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون بينهم وبين ربهم، وكذلك ~~قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان ~~بالنبيين والكتب جميعا؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض ~~بالفساد فعل أيضا؛ من زنا أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي ما ~~كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم. والإفساد في الأرض يحتمل: # PageV06P334 # منعهم الناس من الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي، أو قطع الطريق. # وقوله - عز وجل -: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) يحتمل ما أمر الله ~~به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ~~ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك. # أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما ms2345 اعتقدوا. # وقوله - عز وجل -: (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار). # اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة ~~الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا. # (ولهم سوء الدار). # قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن ~~أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ فإن لم يحذروا فلهم ~~دار السوء والهوان. # أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار ~~مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى. # * * * # قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ~~آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من ~~قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) # وقوله - عز وجل -: (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر). # يرغبهم فيما عنده ويؤيسهم عما في أيدي الخلق، ويقطع رجاءهم عن ذلك؛ لأن ~~الذي كان يمنعهم عن الإيمان به، ويحملهم على تكذيب الرسل؛ وترك الإجابة - ~~هذه الأموال التي كانت في أيدي أولئك، وبها رأوا دوام الرياسة والعز والشرف ~~لهم في هذه # PageV06P335 # الدنيا؛ فقال: هو الباسط لذلك؛ والقاتر لا أولئك، هو يوسع على من يشاء، ~~ويقتر على من يشاء؛ ليس ذلك إلى الخلق، وذكر أنه يبسط الرزق لمن يشاء من ~~أوليائه وأعدائه، ويقتر على من يشاء من أعدائه وأوليائه، ليعلموا أن ~~التوسيع في الدنيا والبسط لا يدل على الولاية، ولا التقتير والتضييق على ~~العداوة، ليس كما يكون في الشاهد؛ يوسع على الأولياء ويبسط، ويضيق على ~~الأعداء؛ لأن التوسيع في الدنيا والتضييق بحق المحنة وفي الآخرة، بحق ~~الجزاء، ms2346 [ويستوي] في المحنة الولي والعدو، ويجمع بينهما في المحنة؛ ويفرق ~~بينهما في الجزاء. # وقوله - عز وجل -: (وفرحوا بالحياة الدنيا). # يحتمل قوله: (وفرحوا) صلة ما تقدم؛ وهو قوله: (والذين ينقضون عهد الله. . ~~.) إلى قوله: (ويقطعون ما أمر الله به)، ويفرحون بالحياة الدنيا. # ثم الفرح يحتمل وجوها: # يحتمل: فرحوا بالحياة الدنيا؛ أي: رضوا بها؛ كقوله: (ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها) أي: فرحوا، سرورا بها. # فإن قيل: إن المؤمن قد يسر بالحياة الدنيا؟ # قيل: يسر ولكن لا يلهيه سروره بها؛ ولا يغفل عن الآخرة، وأما الكافر: ~~فإنه لشدة سروره بها وفرحه عليها؛ يلهي عن الآخرة؛ وعن جميع الطاعات. وهكذا ~~العرف في الناس أنه إذا اشتد بالمرء السرور بالشيء؛ فإنه يلهي عن غيره ~~ويغفل عنه. # أو يكون قوله: (وفرحوا) أي: أشروا وبطروا؛ كقوله تعالى: (إذ قال له قومه ~~لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين)، وهو الأشر والبطر. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع). # تأويله - والله أعلم - أي: ما الحياة الدنيا - مع طول تمتعهم بها بتمتع ~~الآخرة - إلا كمتاع ساعة أو كمتاع شيء يسير؛ وهو كقوله: (لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها) وكقوله: (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)، يظنون - مع طول # PageV06P336 # ما متعوا في هذه الدنيا - عند متاع الآخرة كأنهم ما متعوا بها إلا ساعة؛ ~~فعلى ذلك قوله: (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع)، وهو ما ذكر في ~~موضع آخر: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)، عند متاع الآخرة؛ ~~لأن متاع الآخرة ونعيمها دائم متصل غير منقطع؛ لا يشوبه آفة ولا حزن ولا ~~خوف، ومتاع الدنيا منقطع غير متصل؛ مشوب بالآفات والأحزان؛ لذلك كان قليلا ~~عند متاع الآخرة ونعيمها. # وقال بعض أهل التأويل: (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) أي: إلا ~~لهو وباطل لكن الوجه فيه ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن ~~الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) # يحتمل سؤالهم الآية ms2347 أنفس الآيات التي أتت بها الرسل من قبل قومهم، أو ~~سألوا آيات سموها، كقوله: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا. . .) الآية، (أو يكون ~~لك بيت من زخرف. . .)، إلى آخر ما ذكر من الآيات، سألوها منه، أو سألوه ~~آيات تضطرهم وتقهرهم على الإيمان؛ كقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت أعناقهم لها خاضعين). # وفيه دلالة أنه لو شاء لأنزل عليهم آيات؛ لآمنوا كلهم بها، واهتدوا، ~~وعنده أشياء لو أعطاهم لكان ذلك سبب اهتدائهم وتوحيدهم؛ وكذلك لو أعطى ~~أشياء لكان ذلك سبب كفرهم جميعا؛ كقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. . .) الآية، لكنه لا ينزل ~~الآية على شهواتهم وأمانيهم، ولكن ينزل أشياء؛ تكون عند النظر والتأمل حجة؛ ~~فمن تأمل فيها وتفكر لاهتدى وآمن بالاختيار، ومن أعرض عنها ولم يتفكر ضل ~~وزاغ بالاختيار. # ويحتمل قوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) أي: إن نشأ إيمانهم ~~واهتداءهم ننزل عليهم آية، وذلك تأويل قوله على أثر سؤالهم الآية. # (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب). # أي: ينزل من الآيات ما يهتدي بها المنيب إليها والمقبل، ويضل المعرض ~~عنها؛ # PageV06P337 # والصادر بالاختيار، ويكون اهتداؤهم باختيارهم؛ أوضلالهم باختيارهم؛ لا ~~بالاضطرار والقهر؛ ألا ترى أنه قال: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) ~~وهو القرآن الذي أنزله على رسوله؛ فهو وصف المقبل المنيب إلى ذكر الله؛ ~~يسكن وتطمئن قلوبهم بالتأمل والتفكر فيها وأصله أن الله - عز وجل -: شاء ~~اهتداء من علم أنه يختار الاهتداء والإيمان، وشاء ضلال من علم أنه يختار ~~فعل الضلال والزيغ، يشاء ألكل؛ لما علم منه أنه يختار ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وتسكن إليه. # وقال بعض أهل التأويل: هو في الحلف في الخصومات؛ ألا في الحلف بالله؛ ~~أتطمئن وتسكن، قلوب الذين آمنوا لا تطمئن بالحلف بغير الله. # وقال بعضهم: ألا بالقرآن؛ وبما في القرآن من الثواب، تسكن وتطمئن قلوب ~~الذين آمنوا. ويشبه أن يكون قوله: (الذين آمنوا وتطمئن ms2348 قلوبهم بذكر الله) ~~أي: تفرح وتستبشر قلوب الذين آمنوا بذكر الله ألا بذكر الله تستبشر وتفرح ~~قلوب الذين آمنوا؛ لأنه ذكر في الكفرة الفرح بالحياة الدنيا؛ وهو قوله: ~~(ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها)، وذكر في المؤمنين الاستبشار والفرح ~~بذكر الله، وفي أولئك ذكر أن قلوبهم تشمئز بذكر الرحمن وتستبشر بذكر من ~~دونه؛ وهو قوله: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) أخبر الله تعالى أن قلوب المؤمنين ~~تستبشر وتفرح بذكر الله، وقلوب أولئك تستبشر وتفرح بذكر من دونه. # وقوله - عز وجل -: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ... (28) يخرج ~~على وجهين: # أحدهما: تطمئن قلوبهم بذكر الله لهم، وذكر الله لهم التوفيق والتسديد ~~والعصمة، ونحوه. # والثاني: تطمئن قلوبهم بذكرهم الله، وذكرهم الله: إحسانه ونعمه وعظمته ~~وجلاله، ونحوه. # PageV06P338 # وقوله - عز وجل -: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) # طوبى، قيل: خير لهم وغبطة، وقيل: حسنى لهم ونعمى لهم، وقيل: يقال: طوبى ~~لك؛ إن أصبت خيرا، وقيل: هو اسم الجنة بلسان الحبشة. وقيل: بالهندية، وقيل: ~~اسم شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~وأغصانها في دار أمته، فإن كان هذا، وهو اسم شجرة؛ فذلك لا يستقيم إلا على ~~تقدمة كان أهل الكتاب؛ ادعوها لأنفسهم؛ فأخبر أنها للذين آمنوا لا لهم ~~كقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ثم قال - عز وجل -: (بلى ~~من أسلم وجهه لله وهو محسن)، ادعوا الجنة لأنفسهم؛ فأخبر أنها ليست لهم؛ ~~ولكن للذي أسلم وأخلص وجهه لله؛ فعلى ذلك يشبه أن يكونوا ادعوا طوبى ~~لأنفسهم فأخبر أنها ليست لهم، ولكن للذين آمنوا. # وإن كان في مشركي العرب؛ فهم ينكرون البعث والجنة والنار، فيشبه أن ~~يكونوا قالوا: إن كان بعث على ما تقولون وجنة وطوبى؛ فهي لنا؛ كقوله: ~~(لأجدن خيرا منها منقلبا). وقال بعضهم: (طوبى): كلمة مدح الله ثوابهم، ~~وغبطهم بها. # وقال بعضهم: (طوبى): كرامة أعد الله لأوليائه، وهي مذكورة في ms2349 الكتب. # وقوله - عز وجل -: (كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم ~~الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وإليه متاب (30) # أي: كما أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا (وهم يكفرون بالرحمن) وقال كل واحد ~~من الرسل: (ربي لا إله إلا هو عليه توكلت. . .) الآية أي: كل رسول كان # PageV06P339 # أرسل قبلك كان أمر أن يقول ما ذكر؛ كذلك أرسلناك إلى قومك رسولا، وإن ~~كانوا يكفرون بالرحمن؛ فقل أنت ما قال أولئك الرسل: (ربي لا إله إلا هو ~~عليه توكلت. . .) الآية، لم تخل أمة عن رسول؛ كقوله: (وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير). # (لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (لولا أنزل ~~عليه آية من ربه)، يقول: أرسلناك لتتلو أنباء الرسل والأمم الذين كانوا من ~~قبلك عليهم؛ ليكون آية لرسالتك؛ ليعلموا أنك إنما علمت تلك الأنباء بالله ~~تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وهم يكفرون بالرحمن). # يقول - والله أعلم - هم يكفرون بالرحمن؛ وفي كل الخلائق آية توحيد الرحمن ~~وألوهيته؛ ولا في كل الخلائق آية لرسالتك، وهم مع ذلك كله يكفرون بالرحمن؛ ~~فعلى ذلك يكفرون بآيات رسالتك. # وقال أبو بكر الأصم: (وهم يكفرون بالرحمن) هو صلة قوله: (لولا أنزل عليه ~~آية من ربه)، وكانوا هم أهل التعبد من الكبراء؛ فقال: لو جئتهم بقرآن سيرت ~~به الجبال؛ أو قطعت به الأرض؛ أو كلم به الموتى، يقول: لو جئت بذلك كله كان ~~أمرهم التكذيب والعناد؛ وهو كقوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة. . .) ~~الآية وقوله: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء. . .) الآية، يخبر - عز وجل ~~- عن عنادهم أنهم لا يؤمنون بالآية - وإن عظمت - إلا أن يشاء الله. # وقوله - عز وجل -: (بل لله الأمر جميعا) كقوله: (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله) أي: الأمر لله؛ من شاء أن يؤمن فيؤمن، ومن شاء ألا يؤمن فلا ~~يؤمن ألبتة. # وقال بعضهم: قوله: (وهم يكفرون بالرحمن) أي: يكفرون باسم الرحمن؛ لأنهم ~~قالوا: إن محمدا ms2350 كان يدعونا إلى عبادة الله وتوحيده فالساعة يدعونا إلى ~~عبادة الرحمن وألوهيته؛ فذلك عبادة اثنين؛ فقال: (قل هو ربي لا إله إلا هو ~~عليه) أي: دعائي إلى عبادة الرحمن وألوهيته وهو دعائي إلى عبادة الله، وهو ~~واحد ليس هو باثنين ولا عدد؛ كقوله: # PageV06P340 # (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) أي: عدد الأسماء لا يوجب عدد الذات؛ إذ ~~يكون لشيء واحد في الشاهد أسماء مختلفة؛ فاختلاف الأسماء لا يوجب اختلاف ~~الذات؛ فعلى ذلك في الله تعالى. # وقال بعضهم: (الرحمن) اسم من أسماء الله في الكتب الأول، قالوا: كتبها ~~رسول الله؛ أبوا أن يقرءوا به، قالوا: وما الرحمن، إنا لا نعرفه؛ فنزل: ~~(وهم يكفرون بالرحمن). والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى ~~الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من ~~دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) # وقوله - عز وجل -: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) إلى آخر ما ذكر. # قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا ما، غير قرآنك؛ سيرت به ~~الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك ~~أيضا، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من ~~قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي. # (بل لله الأمر جميعا). # يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من الله؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل ~~بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (بل لله الأمر جميعا) إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم ~~يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ ~~وهو قوله: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه)، فيقول: لو ms2351 أن ~~قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به ~~الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل ~~الخلائق له آية لوحدانيته # PageV06P341 # وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ ليعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن سؤالهم الآية سؤال ~~تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء. # وقال بعضهم: قوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال). # أي: لو أن قرآنا ما عمل ما ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيما لهذا القرآن. # والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفلم ييأس الذين آمنوا). # قال بعضهم: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: (وهم يكفرون بالرحمن) (ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال. . .) الآية، يقول - والله أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا ~~عن إيمان من كان على ما وصف الله، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم ~~الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول الله؛ فيقول: (أفلم ييأس الذين ~~آمنوا) عن إيمان هؤلاء؛ وهو كما قال: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءتهم آية ليؤمنن بها)، كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: ~~(وما يشعركم) يا أيها المؤمنون (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) أي: يؤمنون على ~~طرح (لا) على هذا التأويل. # وقال بعضهم: (أفلم ييأس الذين آمنوا): أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا ~~يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة. # فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف ~~والظن ونحوه جعلوه يقينا، وعلما للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين ~~والعلم. # وقال بعضهم: (أفلم ييأس الذين): أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله يفعل ~~ذلك، لو شاء لهدى الناس جميعا. # PageV06P342 # وقوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) قالت عائشة - رضي الله عنها -: قوله: ~~(أفلم ييأس) خطأ من الكاتب، إنما هو (أفلم يتبين للذين آمنوا أن لو يشاء ~~الله) (1) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا. # وقال بعضهم: قوله: (أفلم ييأس) أي: أفلم ms2352 يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم ~~الذين آمنوا، لو شاء الله إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا. # وقال صاحب هذا التأويل: إن هذا جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة ~~" نخع " وغيرها. والله أعلم. # وقال بعضهم قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) مقطوع من قوله (أن لو يشاء ~~الله. . .) الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: (ويقول الذين كفروا لولا ~~أنزل عليه آية من ربه) ثم قال جوابا لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء الله ~~لهدى الناس جميعا ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار ~~الضلال، ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ~~ويكون قوله: (أفلم ييأس الذين آمنوا) مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ~~ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد ~~رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقا عليهم؛ ~~فيقول - والله أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى ~~للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم؛ كقوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة. ~~. .) الآية، فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم، ~~ولو شاء الله لهدى الناس جميعا؛ وقوله: (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) ~~صلته قوله: (وهم يكفرون بالرحمن) (أن لو يشاء الله PageV06P343 # لهدى الناس جميعا) كقوله: (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله). # وقوله - عز وجل -: (ولا يزال الذين كفروا). # قال بعضهم: الذين حاربوا رسول الله. # (تصيبهم بما صنعوا قارعة). # القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ ~~من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم [وبغنم] المسلمين أموالهم. # (أو تحل قريبا من دارهم). # قال بعضهم: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم. # وقال بعضهم: لا تزال سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحل ~~ببعضهم؛ أو ينزل هو قريبا منهم؛ حتى يأتي وعد الله، ms2353 وعد الله يكون بوجهين: # أحدهما: أن يظفره بهم جميعا، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم. # والثاني: يكون وعد الله فتح مكة؛ كقوله: (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط ~~الله بها. . .). # (إن الله لا يخلف الميعاد) ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره. # وقوله - عز وجل -: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة). # يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل ~~القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم. # وقوله: (أو تحل قريبا من دارهم) نزول السرايا بقرب من دارهم. # (حتى يأتي وعد الله) يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ما ~~وعد الله؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد الله هو البعث والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف كان عقاب (32) # يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومهم؛ كما استهزأ بك قومك، يعزي نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - ليصبر على تكذيبهم. # PageV06P344 # وقال أبو بكر الأصم: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) من تقدم من الرسل سألهم ~~قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا ~~الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية). # وقوله - عز وجل -: (فأمليت للذين كفروا) يقول: أمهلتهم في كفرهم وهزئهم. # هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم. # وقوله: (ثم أخذتهم فكيف كان عقاب) يقول: أحللت بهم جزاء ما كانوا يهزءون ~~منه. # وقال بعضهم: فكيف كان عقاب الله؟ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: (وكأين من ~~قرية أمليت لها. . .) الآية، وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه ~~شديدا. # والثالث: (فكيف كان عقاب): أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقا ~~وصدقا. # * * * # قوله تعالى: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل ~~سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له ms2354 من هاد (33) لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) مثل الجنة ~~التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين ~~اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # وقوله - عز وجل -: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت). # قال أبو بكر الأصم: يقول: من الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت الله أم ~~شركاؤكم فالقائم هو المدبر الحافظ بكل ما فيه الخلق ويشبه أن يكون تأويله: ~~(أفمن هو قائم) أي: حافظ وعالم على كل نفس بما كسبت؛ أو بالرزق لهم والدفع ~~عنهم، كمن هو أعمى عن ذلك، ليسا بسواء كقوله: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ~~ربك الحق. . .) الآية. # أو يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت؛ كمن هو غير قائم عليه؟ ليسا ~~بسواء. # وقال مقاتل: أفمن هو قائم على رزقهم وطعامهم. # ثم قال: (وجعلوا لله شركاء). # أي: وصفوا لله شركاء وعبدوها؛ والله أحق أن يعبد من غيره. # PageV06P345 # يقول الله: أنا القائم على كل نفس؛ أرزقهم وأطعمهم؛ أفأكون أنا وشركائي ~~الذين لا يفعلون ذلك سواء؟!! # والوجه فيه ما وصفنا: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أي: يرزق ويبصر ~~ويعلم ما تعمل وتكسب ويحفظ، عن أنواع البلايا؛ كمن هو أعمى جاهل عاجز عن ~~ذلك كله؟ أي: ليس هذا كذلك. ويسفههم في إشراكهم الأصنام التي عبدوها في ~~الألوهية والعبادة، وهي بالوصف الذي ذكر؛ كمن هو أعمى عاجز عن ذلك؟ أي: ~~ليسا بسواء. # وقوله: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) يحتمل قائم على كل نفس بما ~~كسبت؛ فيما قدر لها وقواها أو في الجزاء يجزي على ما تكسب. # (وجعلوا لله شركاء) في العبادة؛ أو في تسميتهم آلهة، لا يعلمون ما كسب ~~لها، ولا يملكون جزاء ما كسبوا لها أيضا. # يبين سفههم في - جعلهم هذه الأصنام والأوثان شركاء لله في العبادة؛ ~~وتسميتهم آلهة؛ مع علمهم أنهم لا يقدرون ولا يملكون شيئا من ذلك. # وقوله - عز وجل -: (قل سموهم). # قال ms2355 بعض أهل التأويل: قوله: (قل سموهم) بذلك الاسم؛ ولو سموهم، سموهم ~~بكذب وباطل وزور. # وعندنا قوله: (قل سموهم) أي: لو سميتموها آلهة واتخذتموها معبودا؛ فسموهم ~~أيضا بأسماء سميتم الله؛ من نحو: الخالق والرازق والرحمن والرحيم؛ ونحوه. # يقول - والله أعلم - إذ سميتم هذه الأصنام آلهة ومعبودا، سموهم أيضا: ~~خالقا ورازقا ورحمانا ورحيما، وهم يعلمون أنها ليست كذلك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض). # أي: أم تنبئون الله؛ وهو عالم بما في السماوات وما في الأرض؛ وعالم بكل ~~شيء، وهو لا يعلم في الأرض ما تقولون من الآلهة وما تصفونه بالشركاء؟! ~~وكذلك يخرج قوله: # PageV06P346 # (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض)، أم تنبئونه بما ~~ليس في الأرض شيء مما تقولون وتصفون شيء؛ أي: يقول: أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات والأرض، وهو عالم بكل شيء؟ أي: تقرون بأنه عالم بكل شيء؛ ~~وهو لا يعلم ما تقولون وتسمونه من الشركاء وغيره. # والثاني: أم تنبئونه بما لا يعلم؛ أي: ليس في الأرض. # وقوله - عز وجل -: (أم بظاهر من القول). # قال أهل التأويل: (أم بظاهر من القول) أي: بل بباطل من القول وزور. # ويشبه أن يكون بظاهر من القول؛ أي: بضعيف من القول وخفيف، يسمون الشيء ~~الذي لا حقيقة له ولا ثبات ظاهرا باديا؛ كقوله: (إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي) أي: ضعيف الرأي: وخفيفه؛ لا حقيقة له ولا قرار. # ويحتمل قوله: (أم بظاهر من القول) في الخلق والأسلاف؛ أي: لم يظهر ما ~~يقولون؛ ويصفون؛ إشراك هذه الأصنام؛ وتسميتها آلهة ومعبودا؛ فيكون (أم) في ~~موضع حقيقة ويقين؛ على هذا التأويل والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل زين للذين كفروا مكرهم). # قال بعض أهل التأويل: (مكرهم): قولهم الذي قالوه من الكذب والزور؛ أنها ~~آلهة وأنها شركاء الله # لكن يشبه أن يكون قوله: (مكرهم) أي: مكرهم برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حيث احتالوا حيلا؛ ليقتلوه لئلا يظهر هذا الدين في الأرض، ويطفئون ~~هذا النور؛ ليدوم ms2356 عزهم وشرفهم في هذه الدنيا؛ وهو كقوله: (وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا)، والمكر: هو الاحتيال؛ والأخذ من حيث الأمن. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وصدوا عن السبيل). # صدوا؛ لما علموا من مكرهم واختيارهم ما اختاروا والسبيل، المطلق هو سبيل ~~الله؛ وإلا كان جميع الأديان والمذاهب يسمى سبيلا؛ كقوله: (ولا تتبعوا ~~السبل) # PageV06P347 # لكن ما ذكرنا أن السبيل المطلق هو سبيل الله، والكتاب المطلق كتاب الله، ~~والدين المطلق دين الله. # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فما له من هاد). # من أضله الله فلا يملك أحد هدايته، ومن هداه فلا يملك أحد إضلاله. # وقوله - عز وجل -: (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم ~~من الله من واق (34) # العذاب لهم في الحياة الدنيا يحتمل: القتل والقتال؛ والخوف والجوع؛ ~~وأنواع البلايا؛ كقوله: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان. . .) الآية. وقوله - عز وجل -: (ولعذاب الآخرة أشق) ~~أي: أشد. # (وما لهم من الله من واق) أي: مالهم من عذاب الله من واق يقيهم من عذابه. # وقوله - عز وجل -: (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # يحتمل: وصف الجنة التي وعد المتقون؛ أو صفة الجنة التي وعد المتقون. ~~ويحتمل: أي: شبه الجنة التي وعد المتقون. # كشبه النار التي وعد الكافرون؛ أي: ليسا بشبيهين ولا مثلين، لا تكون هذه ~~مثل هذه ولا تشبهها؛ كقوله: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء ~~غير آسن. . .) الآية. يقول - والله أعلم - يقول: الذي وصفه كذا من النعم ~~الدائمة - كالذي يكون عذابه ووصفه كذا؛ أي: لا يكون؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم). # أي: ثمار الجنة دائمة لا تزول ولا تنقطع؛ ليس كثمار الدنيا، ونعيمها ليس ~~من ثمرة من ثمار الدنيا إلا وهي تزول وتنقطع في وقت؛ فأخبر أن ثمار الآخرة ~~- وما فيها من النعيم - غير زائلة ولا منقطعة، وكذلك عذابها أدائم، لا ms2357 ~~يزول. # (وظلها) أيضا. # أخبر أن ظل الجنة لا يزول ولا ينقطع، لا يكون فيها شمس يزول ظلها ~~بزوالها. # وصف جميع ما فيها بالدوام والمنفعة: الظل شيء لا أذى فيه؛ وفيه منافع، ~~والشمس فيها أذى ومنافع، وكذلك جميع ما يكون من الأشياء في الدنيا؛ يكون ~~فيها منافع ومضار؛ وأنها تزول وتنقطع؛ فأخبر أن ظل الآخرة وما فيها من ~~النعم دائمة باقية؛ غير زائلة ولا # PageV06P348 # منقطعة، ولا مضرة فيها؛ ليس كنعيم الدنيا وظلها. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار). # أي: جزاء الكافرين النار، ظاهر هذا أن يكون: الذين اتقوا تقى الشرك؛ لأنه ~~ذكر عقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء وعقبى ما ذكرنا؛ أي: تلك الجنة جزاء ~~الذين اتقوا الشرك، وعقبى الكافرين النار؛ أي: جزاء الكافرين النار. أو ~~عقبى هذه للذين اتقوا الجنة، وعقبى أولئك النار. # وقال بعضهم: (تلك عقبى الذين اتقوا) أي: عاقبة أعمالهم وحسناتهم الجنة؛ ~~وعاقبة أعمال الذين كفروا بتوحيد الله النار. # * * * # قوله تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ~~ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب (36) ~~وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من ~~الله من ولي ولا واق (37) # وقوله - عز وجل -: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك). # يشبه أن تكون الآية صلة قوله: (وهم يكفرون بالرحمن)؛ فأخبر - عز وجل -: ~~(والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك)؛ بذكر الرحمن. # ثم اختلف في قوله: (والذين آتيناهم الكتاب): قال بعضهم: أصحاب محمد؛ ~~فرحوا بما أنزل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: (والذين آتيناهم الكتاب): أهل التوراة يفرحون بما أنزل إليك ~~يذكر هاهنا أنهم يفرحون بما أنزل إليك، ويذكر في موضيع: (ما يود الذين ~~كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم). # وقال في موضع آخر: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون ~~به) فمن تلا منهم الكتاب حق تلاوته ولم يبدله ولم يغيره ms2358 - فهو يؤمن به؛ ~~ويفرح بما أنزل على محمد، ومن غيره وبدله - فهو لم يفرح بما أنزل عليه. # وقوله: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك) تأويله - والله ~~أعلم - كأنه قال: والذين آتيناهم منافع الكتاب أولئك يفرحون بما أنزل إليك، ~~وهو ما قال في آية # PageV06P349 # أخرى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته)، لأن أكثرهم لا يؤمنون ~~بما أنزل على محمد. # وقوله - عز وجل -: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه). # يحتمل: أهل الكتاب كانوا ينكرون بعض ما أنزل إليه؛ لا ينكرون كل ما أنزل ~~إليه؛ وإنما ينكرون نعته وصفته؛ لأنهم كتموا نعته وصفته التي في كتبهم. # ويحتمل قوله: (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) مشركي العرب؛ وهم أيضا أنكروا ~~بعض ما أنزل إليه؛ وهو ما ذكر: (وهم يكفرون بالرحمن)، في قوله: (أجعل ~~الآلهة إلها واحدا)، ونحوه، لم ينكروا كله. # وقوله - عز وجل -: (قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو). # كأن هذا قاله على إثر قول كان منهم؛ كأنهم دعوه إلى أن يشاركهم في عبادة ~~الأصنام، أو دعوه أن يكون على ما كان آباؤهم؛ فقال: قل إنما أمرت أن أعبد ~~الله وأمرت ألا أشرك به. # ويحتمل قوله: (ولا أشرك به) قال ذلك من نفسه. # (إليه أدعو) يقول: إلى توحيد الله أدعو غيري ثم أخالف وأعبد غيره؟ # (وإليه مآب) أي: إليه المرجع. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما ~~جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37) أي: كما علمناك آدابا ~~وأعطيناك النبوة - كذلك أنزلنا عليك. # (حكما عربيا) قيل حكمة عربية، وكانت العرب لا تفهم الحكمة؛ أو أنزلنا ما ~~فيه حكم. وتفسير قوله: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا) ما ذكر في آية أخرى؛ وهو ~~قوله: (الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا) سمى ~~القرآن حكما؛ لأنه للحكم أنزل. # وقوله - عز وجل -: (ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم). # هذا يدل أنهم كانوا يدعونه إلى أن يشاركهم في بعض ما هم فيه. # (ما لك من ms2359 الله من ولي) وينصرك ويمنعك من عذاب الله. # (ولا واق) يعني العذاب. # PageV06P350 # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية). # قال بعض أهل التأويل: نزل هذا وذلك: أن اليهود عيروا رسول الله، وطعنوا ~~في كثرة النساء والأولاد؛ وقالوا: لو كان نبيا على ما يزعم لكان لا يمتع ~~بالنساء؛ ولا يطلب الأولاد، كما يفعله غيره؛ وكانت النبوة تشغله عن ذلك. ~~فأنزل الله تعالى: (ولقد أرسلنا. .) الآية، أي: الاستمتاع بالنساء ~~واستكثاره أمنهن، - لم يمنع عن الاختصاص بالنبوة والرسالة، على ما لم يمنع ~~غيره من الرسل الذين كانوا من قبله. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن). # أي: لا يملكون إنزال الآيات من أنفسهم؛ إنما يتولى الله إنزالها إذا شاء ~~ذلك؛ وهو كقول عيسى؛ حيث قال: (وأبرئ الأكمه والأبرص. . .) الآية، أخبر أن ~~ما يأتي من الآيات إنما يأتيها بإذن الله وبأمره؛ لا من نفسه. # يحتمل أن يكون جواب ما ذكر أهل التأويل، وجواب غير ذلك أيضا؛ وهو طعنهم ~~الرسل باكل والشرب والمشي في الأسواق، وسؤالهم الآيات التي سألوهم، وجواب ~~إنكارهم الرسل من البشر يقول: لست أنت بأول رسول طعنت بما طعنك به قومك؛ ~~ولكن كان قبلك رسل طعن قومهم بما طعن به قومك؛ وسألوهم من الآيات ما سأل به ~~قومك؛ فلم يكن ذلك لهم عذرا في رد ما ردوا وترك ما تركوا؛ بل نزل بهم ~~العذاب، فعلى ذلك قومك. # وقوله - عز وجل -: (لكل أجل كتاب). # اختلف فيه: قال قائلون: لكل كتاب أجل؛ وهي: الكتب التي أنزلت على الرسل؛ ~~يعمل بها إلى وقت؛ ثم تنسخ أو يترك العمل بها. # وقال قائلون: هو ما قال: لكل أجل كتاب؛ أي: لكل ذي ms2360 أجل أجله؛ إلى وقت ~~انقضائه؛ ليس يراد به الكتابة باليد؛ ولكن الإثبات؛ كقوله: (أولئك كتب في ~~قلوبهم # PageV06P351 # الإيمان) أي: أثبت؛ ليس أن كتب هنالك باليد، فعلى ذلك قوله: (لكل أجل ~~كتاب) أي: إثبات إلى وقت. # ويحتمل قوله: لكل كتاب أجل؛ أي: لكل ما كتب له الأجل؛ وجعل له الوقت؛ من ~~العذاب ينزل بالمعاندين والنصر للرسل؛ فإنه لا يكون قبل ذلك الوقت، ولا ~~يتأخر أيضا عن ذلك الوقت؛ وهو كقوله: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة. . ~~.) الآية. # وقوله - عز وجل -: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # قال قائلون: قوله: (يمحو الله ما يشاء) المحو - هاهنا -: أن أنشأه في ~~الابتداء بمحو؛ ليس على أن كان مثبتا فمحاه، ولكن أنشاه هكذا ممحوا؛ وهو ~~كقوله: (فمحونا آية الليل) ليس أنه كان منشأ كذا ثم محي؛ ولكن أنشأه في ~~الابتداء ممحوا، وكقوله: (رفع السماوات) ليس أنها كانت موضوعة ثم رفعها؛ ~~ولكن أنشأها مرتفعة كما هي، فعلى ذلك هذا. # ثم يحتمل ذلك الأعمال التي كانت معفوة في الأصل؛ من نحو أعمال الصبيان؛ ~~والأعمال التي لا جزاء عليها. # وقال قائلون: على إحداث محو؛ ثم هو يحتمل وجوها: يحتمل: ما ينسخ من ~~الأحكام - فهو على محو الحكم به؛ والعمل ليس على محو نفسه؛ (ويثبت): وهو ما ~~لا ينسخ؛ ولا يترك العمل به والحكم. # ويحتمل المحو: محو الأحوال؛ وهو ما ينقل ويحول من حال إلى حال؛ من حال ~~النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، يحوله وينقله من ~~حال إلى حال أخرى؛ فذلك هو المحو. # ويحتمل المحو -أيضا-: هو ما يختم به العمر؛ السعادة أو الشقاء: إذا كان ~~كافرا ثم أسلم في آخر عمره - محيت الأعمال التي كانت له في حال كفره؛ ~~فأبدلت حسنات، # PageV06P352 # وإذا كان مسلما ثم ختم بالكفر - محيت أعماله التي كانت له من الصالحات، ~~فلم ينتفعوا بها. # أو أن يكون ما ذكر من المحو والإثبات: هو ما يكتب الحفظة من الأعمال ~~والأفعال يمحي عنها ما لا جزاء لها ولا ثواب؛ ويبقي ms2361 ما له الجزاء والثواب ~~ويترك مكتوبا كما هو. # أو يكون للخلق مقاصد في أفعالهم؛ والحفظة لا يطلعون على مقاصدهم؛ فيكتبون ~~هم ما هو في الحقيقة حسنة؛ لقصده سيئة؛ على ظاهر ما عمل، أو حسنة في ~~الظاهر؛ وهو في الحقيقة سيئة؛ فيغير ذلك؛ فيجعل ما هو في الحقيقة شر وفي ~~الظاهر خير - شرا بالقصد، وما هو في الحقيقة خير وفي الظاهر شر - خيرا. # أو أن يكون في كتابة الحفظة لكنه من وجه آخر؛ وهو أن الحفظة يكتبون ~~الأعمال؛ ثم يعارض ذلك بما في اللوح المحفوظ؛ فمحى من كتابة الحفظة من ~~الزيادة؛ ويثبت فيها ما كان فيه من النقصان. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعنده أم الكتاب). # هذا يحتمل: عنده الذي يعارض به كتب الملائكة. # ويحتمل: وعنده أم الكتاب الذي يستنسخ منه الكتب التي أنزلت على الأنبياء ~~والرسل؛ وهو في اللوح المحفوظ. # وفيه دلالة أن اختلاف الألسن لا يوجب تغيير المعنى؛ لأنه لا يدري أن تلك ~~الكتب في اللوح بأي لسان هي، ثم أنزل منه كل كتاب على لسان الرسول الذي نزل ~~عليه، وكذلك الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم؛ لا يحتمل أن يكتبوا ~~بلسان الخلق؛ لأنه يظهر لو كانوا يكتبون بلسان هؤلاء؛ فدل أنهم إنما يكتبون ~~بلسان أنفسهم، فهذا كله يدل أن اختلاف اللسان لا يوجب اختلاف المعنى. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب (40) # كأنه صلوات الله وسلامه عليه طمع أو سأله أن يريه جميع ما وعد له من ~~إنزال # PageV06P353 # العذاب عليهم، وأنواع ما وعد؛ فقال: إن شئنا نريك بعض ما وعدناهم، وإن ~~شئنا نتوفاك ولم نرك؛ فإنما عليك البلاغ؛ أي: ليس لك من الأمر شيء؛ أي: ليس ~~إليك هذا إنما عليك البلاغ؛ وهو كقوله: (ليس لك من الأمر شيء. . .) الآية. ~~إنما عليك كذا؛ فيخرج مخرج العتاب والتوبيخ؛ ليس مخرج الوعد والعدة؛ إذ ~~قوله: ذا، وذا، بحرف شك أولا يجوز أن يضاف إليه ذلك. وقوله: (وإن ما نرينك ~~بعض ms2362 الذي نعدهم أو نتوفينك) هذا في الظاهر حرف شك، فهو يخرج على الوعد أو ~~على النهي عن سؤال كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فإن كان على ~~النهي - فكأنه نهاه أن يسأل إنزال العذاب عليهم؛ يقول: إن شئنا أنزلنا وإن ~~شئنا لم ننزل، وإن كان على الوعد؛ يقول: نريك بعض ما وعدنا؛ ولا نريك كله، ~~وإلا ظاهره حرف شك. # وقوله: (وعلينا الحساب) يحتمل حساب ما وعد وجزاءه، ويحتمل الحساب ~~المعروف؛ الذي يحاسبهم يوم القيامة. والله أعلم. أي: لا يتركهم هملا سدى، ~~أو قوله: (وعلينا الحساب) أي: إلينا الحساب، أو لنا الحساب، وذلك جائز في ~~اللغة. # * * * # قوله تعالى: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا ~~معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ~~يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا ~~لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) # وقوله - عز وجل -: (أولم يروا). # قد ذكرنا في ما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر. # والثاني: على الأمر؛ أي: أروا أنا، فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: ~~(أولم يسيروا في الأرض) أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا. # (أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها). # قال بعضهم: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على # PageV06P354 # أولئك؛ والإخراج من سلطان أولئك الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي ~~المسلمين؛ فذلك النقصان. وهو، والله أعلم لما وعد لرسوله أن يريه يعض ما ~~وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟ فقال عند ذلك: (أولم ~~يروا أنا نأتي الأرض ننقصها) أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من ~~الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهؤلاء؛ لقادر أن ~~يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون. # هذا والله أعلم ما أراد بما ذكر ms2363 من النقصان. # وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها. # ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح ~~الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو ~~قوله: (لفسدت الأرض)، وقوله: (ظهر الفساد في البر والبحر) فالأرض لا تفسد ~~بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن ~~وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها. # ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول الله في الأمم ~~السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأولئك الذين قبضوا ~~وتفانوا من علمائهم؟ فلا بد من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما ~~درس من الرسوم وذهب، من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟ وفي بعث الرسول حدوث ~~العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين ~~وففهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، ~~بذهاب العلماء والفقهاء. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله يحكم لا معقب لحكمه). # قيل: لا راد لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا ~~راد للعذاب الذي حكم عليهم؛ أوهو كقوله: (رب احكم بالحق)، أي: # PageV06P355 # احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم. # ويحتمل قوله: (لا معقب لحكمه) أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد ~~سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: ~~(له معقبات من بين يديه ومن خلفه)، يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما ~~سلطوا. والله أعلم. # (وهو سريع الحساب) هذا قد ذكرناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) # أي: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هؤلاء بك يصبر رسوله على أذاهم به. # ثم يحتمل المكر به وجهين: # أحدهما: مكروا بنفسه؛ هموا قتله وإهلاكه. # والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك ~~وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا. ms2364 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلله المكر جميعا). # هذا أيضا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: فلله جزاء المكر جميعا؛ يجزى كلا بمكره. # والثاني: أي: لله حقيقة المكر يأخذهم جميعا بالحق من حيث لا يشعرون، وأما ~~هم فإنما يأخذون ما يأخذون لا بالحق ولكن بالباطل، ولا يقدرون على الأخذ من ~~حيث لا يشعرون إلا قليلا من ذلك، فحقيقة المكر الذي هو مكر بالحق في ~~الحقيقة لله لا لهم. # ويحتمل قوله: (فلله المكر جميعا) أي: لله تدبير الأمر جميعا، إن شاء ~~أمضاه؛ وإن شاء منعه، إليه ذلك لا إليهم. # أو لله حقيقة المكر يغلب مكره مكر أولئك. # وقوله - عز وجل -: (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير أو شر. # (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار). # يشبه أن يكون عقبى الدار معروفا عندهم؛ وهي الجنة، فيكون صلة قولهم: (لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، فيقول - والله أعلم - سيعلمون هم ~~لمن عقبى الدار؛ أهي لهم أم هي للمؤمنين؟ # أو أن يكون جواب قوله: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا). # PageV06P356 # أنهم لما رأوهم مفضلين في أمر الدنيا ووسع عليهم الدنيا - ظنوا أن لهم في ~~الآخرة كذلك؛ فقال ذلك جوابا لهم. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الذين كفروا ... (43) أي: قالوا. # (لست مرسلا) أي: لن يبعثك الله رسولا، وهم كانوا يقولون كذلك له فأمره أن ~~يقول لهم. # قوله تعالى: (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) إني نبي رسول الله إليكم ~~بالآيات التي آتي بها، أو كان قال لهم ذلك؛ لما بالغ في الحجاج والبراهين ~~في إثبات الرسالة والنبوة؛ فلم يقبلوا ذلك فأيس من تصديقهم؛ فعند ذلك قال: # قوله تعالى: (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) أي: يعلم ~~من كان عنده علم الكتاب؛ يعني التوراة؛ فيشهد أيضا أني رسول نبي؛ أي: يعلم ~~من كان عنده علم الكتاب أني على حق؛ وأني رسول الله؛ وهو كقوله: (أولم يكن ~~لهم آية. . .) الآية. وقوله: (فاسألوا أهل الذكر)، ومن قرأ بالخفض: (ومن ~~عنده علم الكتاب) فتأويله - والله ms2365 أعلم -: أي: من عند الله جاء علم هذا ~~الكتاب؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وكذلك روي في بعض ~~الأخبار؛ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يقرأ: (ومن عنده علم ~~الكتاب) بالخفض، وأما القراء جميعا فإنهم يختارون النصب (ومن عنده علم ~~الكتاب). # قال أبو عبيد: وقرأ بعضهم: [(ومن عنده علم الكتاب) بخفض الميم والدال ~~ورفع العين؛] وقال: لكن لا أدري عمن هو. # وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: في نزل: (قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب) هذا يؤيد أن يثبت قول أهل التأويل؛ حيث قالوا: ~~(ومن عنده علم الكتاب): عبد الله بن سلام وأصحابه. والله أعلم. # * * * # PageV06P357 ### | سورة إبراهيم # عليه السلام # قيل: مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # * * * # قوله تعالى: (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على ~~الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # قوله - عز وجل -: (الر كتاب): الر: كناية عن حروف مقطعة جعلها - بالحكمة ~~- كتابا. # (أنزلناه): أي: جمعناها أوأنزلناها، وجعلناها كتابا، أعني تلك الحروف ~~المقطعة كتابا؛ وأنزلناه إليك بعدما لم تكن تدري ما الكتاب؛ وهو كما قال: ~~(ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)؛ وقوله: (ولا تخطه بيمينك). # (لتخرج الناس). # وما يضاف الإخراج إلى الله فإنه يكون بإعطاء الأسباب، وحقيقة ما يكون به ~~الأفعال، وهي القدرة، وما يضاف الإخراج إلى الرسل؛ فإنه لا يكون إلا بإعطاء ~~الأسباب؛ لأنه لا يملك أحد سواه إعطاء ما به يكون الفعل، ثم الأسباب تكون ~~بوجهين: # أحدهما: الدعاء إلى ذلك. # والثاني: ما أتى بهم من البيان والحجة على ذلك؛ فهو الأسباب التي يملك ~~الرسل إتيانها، وأما ما به حقيقة الفعل؛ فإنه لا يملكه إلا الله. # وقوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) قيل: من الكفر إلى الإيمان، ~~سمى الكفر: ظلمات؛ وهو ms2366 واحد؛ لأنه يستر جميع منافذ الجوارح؛ من البصر ~~والسمع واللسان؛ يبصر ما لا يصلح؛ ويسمع ما لا يصلح، وكذلك القول: يقول ما ~~لا يصلح، وكذلك جميع الجوارح والإيمان يرفع ويكشف جميع الحجب والستور؛ ~~ويضيء له كل مستور. # والثاني: قوله: (من الظلمات) أي: من الشبهات إلى النور؛ أي: إلى الإيمان ~~والهدى. # وقوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) الإخراج المضاف إلى الله ~~والهداية تخرج # PageV06P358 # على وجوه أربعة: # أحدها: يأمر ويدعوهم إلى ما ذكر. # والثاني: يكشف ويبين. # والثالث: يرغب ويرهب، حتى يرغبوا في المرغوب ويحذروا المرهوب. # والرابع: تحقيق ما يكون به الهداية، وذلك لا يكون إلا بالله؛ وهو التوفيق ~~والعصمة، وأما الوجوه الثلاثة الأول فإنها تكون برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ يأمر ويدعو؛ ويرغب ويرهب؛ وببين ويكشف. والله أعلم. # وقوله: (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس) كأنه قال: كتاب أنزلناه ~~إليك؛ لتأمر الناس بالخروج مما ذكر إلى عا ذكر. # الثاني: أنزلناه لتخرج به الناس مما ذكر. # (بإذن ربهم). # قيل: بأمر ربهم؛ أي: تدعوهم بأمر ربهم. # وقال قائلون: بعلم ربهم؛ أي: أنزل هذه الحروف المقطعة بعلمه. # والثالث: يحتمل بتوفيق رجهم الإذن من الله، يحتمل أحد هذه الوجوه التي ~~ذكرنا: الأمر والعلم والتوفيق. # وقوله - عز وجل -: (إلى صراط العزيز الحميد). # (العزيز الحميد) هو الله؛ أي: يدعوهم إلى طريق ألله الذي من سلكه نجا. # (العزيز الحميد) سمى عزيزا؛ لأن كل عزيز به يعز، أو يقال: عزيز؛ لأنه ~~عزيز بذاته ليس بغيره كالخلائق، أو العزيز: هو الذي لا يغلب، والحميد: هو ~~الذي لا يلحقه الذم في فعله؛ كالحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره. # وقال أهل التأويل: العزيز: المنيع، والحميد: الذي هو يقبل اليسير من ~~العبادة. # وقوله: - عز وجل -: (الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد (2) # من قرأ بالخفض صيره موصولا بالأول، وجعله كلاما واحدا؛ وأتبع الخفض # PageV06P359 # بالخفض. ومن قرأ بالرفع: (الله الذي) وجعله مقطوعا عن الأول أعلى أحق ~~الابتداء؛ فقال: (الله الذي له ما في السماوات ms2367 وما في الأرض). # ذكر قوله: (الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض)؛ ليعلم أنه بما ~~يأمر الخلق؛ ويدعوهم إلى دينه؛ ويمتحنهم بأنواع المحن لا يفعل ذلك لمنافع ~~نفسه أو لحاجته في ذلك؛ بل لحاجة الممتحنين ولمنافعهم. # وقوله - عز وجل -: (وويل للكافرين من عذاب شديد). # قال قائلون: الويل: هو الشدة، وقيل: الويل: هو اسم واد في جهنم. # وقال الأصم: الويل: هو نداء كل مكروب وملهوف من شدة البلاء، وقول الحسن ~~كذلك. # وقوله - عز وجل -: (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # وصف أولئك الذين ذكر أن فيهم الويل من هم؛ فقال: (الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة) أي: آثروا واختاروا الحياة الدنيا على الآخرة؛ أي: رضوا ~~بها واطمأنوا فيها؛ كقوله: (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها)، اختاروا ~~الحياة الدنيا للدنيا؛ لم يختاروا للآخرة؛ فالدنيا أنشئت لا للدنيا ولكن ~~إنما أنشئت للآخرة؛ فمن اختارها لها؛ لا ليسلك بها إلى الآخرة - ضل وزاغ عن ~~الحق. # وقوله: (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) وهو ما ذكرنا: يستحبون ~~الحياة الدنيا على الآخرة؛ حتى يلهوا عن الآخرة؛ ويسهوا فيها ويغفلوا، وإلا ~~أهل الإسلام ربما يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وهو ما ذكرنا: أنهم ~~يختارون ذلك للآخرة، وأولئك للدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ويصدون عن سبيل الله). # يحتمل (ويصدون): وجهين: # أحدهما: أعرضوا هم بأنفسهم. # والثاني: صرفوا الناس عن سبيل الله؛ الذي من سلكه نجا، لكن إنما يتبين ~~ويظهر ذلك بالمصدر صد يصد صدا: صرف غيره، وصد يصد صدودا: أعرض هو بنفسه. # PageV06P360 # (ويبغونها عوجا). # أي: طعنا وعيبا فيه، دك هذا على أن الآية في الرؤساء منهم والقادة الذين ~~كانوا يصدون الناس عن سبيل الله ويبغون في دين الله الطعن والعيب؛ فما ~~وجدوا إلى ذلك سبيلا قط. # وقوله - عز وجل -: (أولئك في ضلال بعيد). # الضلال: يحتمل وجوها: # يحتمل: (الضلال): أي: هلكوا هلاكا لا نجاة فيه قط. # ويحتمل الحيرة والتيه؛ أي: تحيروا فيه وتاهوا حتى لا يهتدوا أبدا. # ويحتمل (الضلال) البطلان؛ ms2368 أي: في بطلان بعيد؛ حتى لا يصلحوا أبدا، وهو في ~~قوم علم الله أنهم لا يهتدون أبدا؛ ويختمون على الضلال، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن ~~أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ~~(8) # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه). # لو كان غيره من الكتب أرسلت بغير لسان الأمم لكان هذا الكتاب يجب أن يكون ~~مبعوثا بلسان قومه؛ لأنه جعل هذا الكتاب نفسه حجة وآية لرسالته؛ لأنهم ~~يعجزون عن إتيان مثله؛ وهو كان بلسانهم؛ ليعلموا أنه جاء من الله؛ إذ لو ~~كان من اختراع الرسول - لقدروا هم على اختراع مثله؛ لأن لسانهم مثل لسانه، ~~فإذا عجزوا عن إتيان مثله - دل أنه منزل من الله تعالى لا من عند الخلق. # ثئم يحتمل قوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) وجوها: # قال قائلون: هذا بعد ما اختلفت الألسن؛ أرسل هذا وفيه أنباء أوائلهم ~~الذين كان # PageV06P361 # لسانهم غير لسان هؤلاء، وأخبارهم ليعلموا أنه إنما عرف تلك الأنباء ~~والأخبار اشتي كانت بغير لسانهم بالله. # وقال بعضهم: أرسل بلسان قومه؛ لئلا يكون لهم مقال كقوله: (لولا فصلت ~~آياته. . .) الآية. # والثالث: أنه إذا كان بلسانهم يكون آلف وأقرب إلى القبول؛ من إذا كان ~~بغيره؛ إذ كل ذي نوع وجنس يكون بجنسه ونوعه آلف من غير نوعه وجوهره؛ وهو ~~كقوله: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)، إذ ليس في وسع البشر رؤية الملك ~~والنظر إليه على ما هو عليه، فعلى ذلك: كل ذي ms2369 لسان يكون بلسانه أفهم وأقرب ~~للقبول وآلف من غيره. # وقوله - عز وجل -: (ليبين لهم). # قال قائلون: ليكون أبين لهم وأفهم. # وقال قائلون: ليبين لهم فيفهموا قول رسولهم. # وقوله: (ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء). # أي: يضل الله من آثر سبب الضلال، ويهدي من آثر سبب الذي به يهتدي؛ يهديه ~~ذلك. # وقال قائلون: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء: هذا حكم الله؛ أن يضل ~~المكذبين ويهدي المصدقين، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءا أنه يضل من آثر سبب ~~الضلال؛ # PageV06P362 # ويهدي من يشاء هذا حكم الله: أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين؛ أي: من آثر ~~سبب الاهتداء. # (وهو العزيز الحكيم) العزيز؛ لأن جميع الخلائق مفتقرون إليه لأنه يعز من ~~عز. # أو أن يكون العزيز: هو الذي لا يغلب، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في ~~الحكم والتدبير، أو الحكيم في بعث الرسل وفي جميع فعله، ولم يؤخذ عليه في ~~فعله خطأ قط، مصيب وضع كل شيء موضعه. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات ~~إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # يحتمل آياته: حججه وبراهينه التي أرسل بها على وحدانية الله وألوهيته. # ويحتمل آياته: التي بعثها إلى موسى ليقيمها على رسالته. إن شئت قلت: ~~آياته: حججه وإن شئت سميتها أعلاما، والآيات والأعلام والحجج - كله واحد؛ ~~فيكون أعلام وحدانية الله وألوهيته أو أعلام رسالته. # وقال قائلون: (بآياتنا): أي: بديننا، أي: أرسلنا موسى بديننا، ليدعوهم ~~إليه. # (أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور). # وعلى ذلك بعث جميع الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من الظلمات إلى ~~النور، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وذكرهم بأيام الله). # التذكير: هو العظة؛ أي: عظهم بأيام الله. # قال قائلون: أيام الله: نعمه. # قال قتادة: أمره أن يذكرهم بنعم الله التي أنعمها عليهم؛ فإن لله عليكم ~~أياما من النعم؛ كأيام القوم؛ كم من خير قد أعطاه الله تعالى لكم؛ وكم من ~~سوء قد صرفه ms2370 # PageV06P363 # الله تعالى عنكم، أوكم من كرب نفسه الله تعالى عنكم، وكم من غم فرجه الله ~~تعالى عنكم؛ فاللهم ربنا لك الحمد. # وقال قائلون: أيام الله: وقائعه؛ أي: ذكرهم بوقائع الله في الأمم ~~السالفة؛ كيف أهلكهم لما كذبوا الرسل. # هذا يحتمل: أن يذكرهم بنعم الله التي كانت على المصدقين بتصديقهم؛ وهو ما ~~أنجى المصدقين من التعذيب والإهلاك؛ إهلاك تعذيب. # أو ذكر المكذبين منهم بالوقائع التي كانت على أولئك بالتكذيب؛ وهو ~~الإهلاك. # ويشبه أن يكون قوله: (بأيام الله): الأيام المعروفة نفسها، أمره أن ~~يذكرهم بها؛ لأن الأيام تأتي بأرزاقهم؛ وتمضي بأعمالهم وأعمارهم؛ إن كان ~~خيرا فخير وإن كان شرا فشر، وتفني أعمارهم وآجالهم، وفيما تأتى بأرزاقهم ~~نعمة من الله عليهم، وفي ذهاب أعمارهم وآجالهم إظهار سلطان الله وقدرته، ~~فأمره أن يذكرهم بذلك. والله أعلم. # هذا يشبه أن يكون أمر موسى أن يذكر بني إسرائيل ما كان عليهم من فرعون؛ ~~من أنواع التعذيب، ثم الإنجاء من بعد، يقول - والله أعلم - ذكرهم الأيام ~~الماضية وما يتلوها، وهذا أشبه وأقرب. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) وقد ذكرنا أن الصبر: ~~هو كف النفس عن معاصي الله وعن جميع مناهيه، والشكر: هو الرغبة في طاعته، ~~أخبر أن فيما ذكر آيات لمن كف نفسه عن المعاصي؛ ورغب في طاعته، لا لمن ~~تطاول على الرسل؛ وتكبر عليهم؛ وترك إجابتهم؛ ولم يرغب فيما دعوه إليه، ليس ~~لأمثال هؤلاء عبرة وآية ولكن لمن ذكرنا. # ويشبه أن يكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن لأن كل من آمن بالله ووحده ~~- اعتقد الكف عن جميع معاصيه، والرغبة في كل طاعته، وإن كان يقع أحيانا في ~~معصيته، فكأنه قال: إن في ذلك لآيات للمؤمنين، على ما ذكر في غيره من ~~الآيات؛ # PageV06P364 # من ذلك قوله: (إن في ذلك لآية للمؤمنين)، و (للموقنين)، و (للمتقين)؛ ~~ونحوه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم ~~من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون ms2371 نساءكم وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم (6) # يشبه أن يكون هذا على الإضمار؛ وهو ما ذكر في آية أخرى؛ أي: اذكروا نعمة ~~الله عليكم (إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا. . .) الآية. # واذكروا أيضا: (إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم) قيل يعذبونكم (سوء ~~العذاب). # وقال قائلون: يكلفونكم سوء العذاب (ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم). # السوم: الإذاقة والتعريض؛ يقال: سامني كذا: أي: أذاقني وعرضني، ويقال: ~~سمت الدابة على الحوض: أي: عرضتها. # (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) هذا أيضا قد ذكرناه؛ فيما تقدم في سورة ~~البقرة والأعراف. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد (7) # قال بعضهم: (وإذ تأذن) قال ربكم. وقيل: إذ أعلم ربكم وأخبر، والعرب ربما ~~قالت: أفعلت في معنى تفعلت؛ فهذا من ذلك، ومثله في الكلام: أوعدنى وتوعدنى؛ ~~وهو قول الفراء، وحقيقته: وعد ربكم أو كفل ربكم؛ لئن شكرتم لأزيدنكم، لم ~~يقل: لئن شكرتم نعمة كذا، ولا بين أي نعمة: النعم كلها، أو نعمة دون نعمة، ~~ولا قال: شكرتم بماذا، وقال لأزيدنكم؛ لم يذكر الزيادة في ماذا؛ ومن أي: ~~شيء هي. # فيشبه أن يكون قوله: (لئن شكرتم) بالتوحيد؛ أي: وحدتم الله في الدنيا؛ ~~فيما خلقكم خلقا؛ وركب فيكم ما تتلذذون وتتنعمون في الدنيا؛ وفيما قومكم من ~~أحسن تقويم. (لأزيدنكم) النعم الدائمة في الآخرة؛ فيصير على هذا التأويل ~~كأنه قال: لئن أتيتم شاكرين في الآخرة لأزيدنكم النعم الدائمة، وإلى هذا ~~يذهب ابن عباس رضي الله عنه؛ أو قريب منه؛ ألا ترى أنه قال: # (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) أي: ولئن كفرتم ولم توحدوه؛ وأشركتم غيره ~~فيه؛ # PageV06P365 # وصرفتم شكر تلك النعم إلى غيره إن عذابي لشديد. # ويحتمل أن يكون كل نعمة يشكرها يزيد له من نوعها في الدنيا؛ ويدوم ذلك ~~له. # وفي قوله: (لئن شكرتم لأزيدنكم) لطف وفضل؛ لأن الشكر هو المجازاة ~~والمكافأة لما سبق، والله تعالى لا يكافئ فيما أنعم؛ لأنهم يستزيدون ~~لأنفسهم الزيادة بالشكر الذي ذكر؛ فهو ليس بشكر في الحقيقة، لكن ms2372 هذا منه ~~لطف، ذكره؛ وهو كما قال الله تعالى: (وأقرضوا الله قرضا حسنا. . .) الآية، ~~وقال: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم. . .) الآية، فهذه ~~الأنفس والأموال في الحقيقة لله؛ ليست لهم؛ فهم فيما يقرضون، يقرضون ~~لأنفسهم، وكذلك في الشراء يشترون لأنفسهم من مولاهم، لكنه ذكر شراه من ~~أنفسهم؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك فيما ذكر من الشكر له يطلبون الزيادة ~~لأنفسهم؛ لطفا منه، وإن كان الشكر في الظاهر موضوعه المكافأة لما سبق، فهو ~~فيما بين الرب والعباد ليس بمكافأة؛ ولكن سبب الزيادة، ولكن سمي شكرا؛ لطفا ~~منه وفضلا على ما ذكر التصدق قرضا؛ والله أعلم، ألا ترى أنه قال: (إن ~~تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) أي: غني بذاته، ليس ~~يأمر ما يأمر لحاجة نفسه، ولا لمنفعة له، ولكن ما امتحنكم إنما امتحنكم ~~لحاجة أنفسكم، ولمنفعة أبدانكم. وقال بعضهم: قوله: (إن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا فإن الله لغني حميد) أي: غني، عن عبادة خلقه؛ حميد عند خلقه؛ ~~وهو ما ذكرنا أنه ليس يأمرهم فيما يأمر لمنفعة نفسه أو لحاجة نفسه؛ ولكن ~~لمنافع تحصل للخلق ولحوائج تبدو لهم، وكذلك النهي عما ينهى ليس ينهى لخوف ~~مضرة تلحقه؛ ولكن للضرر يلحقهم ولآفة تتوجه إليهم. # يخبر - عز وجل - عن غناه؛ عما يأمر خلقه من طاعته وعبادته وتوجيه الشكر ~~إليه. # والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، يقول - والله أعلم -: إنهم وإن ~~كفروا، وكان علم الله منهم أنهم يكفرون؛ فعلمه بذلك لا يجعله في إنشائهم ~~مذموما. والله أعلم. # PageV06P366 # قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) ~~قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا ms2373 فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله ~~وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي ~~وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ~~ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~ومن ورائه عذاب غليظ (17) # وقوله - عز وجل -: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح. . .) الآية. # يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عز وجل - تصبيرا ~~منه لهم، وتنبيها على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: ~~(ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم) أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه ~~مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره: (ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر). إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، لذكر هذا ~~لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركا فيما بلي به وامتحن كان ~~ذلك عليه أهون، وأخف من أن يكون هو المخصوص به. # ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: (ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم) أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل ~~واستهزائهم يأتياعهم؛ فينزل بكم، ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي ~~قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج التوقيح والتوبيخ والتعيير والوعيد؛ ~~ليحذروا # PageV06P367 # عن صنيع أولئك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يعلمهم إلا الله). # فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن ~~فيهم من لا يعلمه إلا الله وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مضر، ولا ينسب ~~إلى أكثر ms2374 من ذلك. # قال أبو بكر الأصم: قوله: (لا يعلمهم إلا الله) يكذب من ادعى معرفة ~~الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: (لا يعلمهم إلا الله)، وقد أخبر أيضا أنه لم ~~يقص عليه خبر الكل بقوله: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)، فمن ~~البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصق على رسوله والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جاءتهم رسلهم بالبينات). # قيل: البينات: بينات على وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا ~~بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة. # وقال بعضهم: البينات: ما يتقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم. # وقوله - عز وجل -: (فردوا أيديهم في أفواههم). # يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد ~~الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله: (كباسط كفيه إلى الماء. . .) ~~الآية، إذا ترك إجابته، وقوله: (يردوكم على أعقابكم)، وأمثاله. # ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: (فردوا أيديهم في أفواههم) في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة. # ويحتمل: رد الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون وشمتهزئون بهم وبأتباعهم؛ ~~كقوله: (وما كان صلاتهم عند البيت. . .) الآية، وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ ~~فعلى ذلك هذا يحتمل ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به. . .) الآية. # وقد ذكرنا معناه؛ يحتمل قوله: (بما أرسلتم به) التوحيد؛ لأنهم أرسلوا ~~بالدعاء إلى توحيد الله والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: (وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه # PageV06P368 # مريب) وقول الرسل (أفي الله شك. . .) الآية. # ويحتمل قوله: (إنا كفرنا بما أرسلتم به) من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة ~~عليها، (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) من التصديق بالرسالة والنبوة. # (مريب): هذا يدل أنهم كانوا على شك مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ ~~لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: (وإنا ~~لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم ~~كانوا على شك وريب في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها. # ثم ms2375 الشك والريب؛ قال بعضهم: هما سواء، وقال بعضهم: الشك: هو الشك ~~المعروف، والريب: هو النهاية في الشك. # وقال بعض أهل التأويل في قوله - تعالى -: (فردوا أيديهم في أفواههم): أي: ~~عضوا على أصابعهم غيظا على ما دعوا. # وقال بعضهم: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءا؛ وقال: ردوا ~~عليهم بأفواههم. # وقوله - عز وجل -: (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) # أي: أفي ألوهية الله شك؟ أو في عبادة الله شك؟ أي: ليس في ألوهيته ولا في ~~عبادته شك إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله ~~وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك؛ إنما كان الشك في عبادة من ~~تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية ~~الله وأنه معبود، حيث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ~~وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وأقروا أنه خالق السماوات والأرض، وفاطر ~~جميع ما فيهما بقولهم: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، ~~وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئا؛ فليس في الله شك عندكم إنما الشك ~~فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية الله. # أو يقول: أفي الله شك أنه معبود؟ أي: ليس في الله شك أنه لم يزل معبودا ~~إنما الشك # PageV06P369 # في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأما في ~~الله فلا شك أنه لم يزل معبودا فاطر السماوات والأرض. # يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي الله شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات ~~والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما. # ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي الله شك وهو فاطر السماوات ~~والأرض؟! أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما. # وقوله - عز وجل -: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم). # هذا يحتمل وجهين: يحتمل: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة ~~إذا ms2376 أسلمتم. # وفيه دلالة - والله أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - ~~مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا. # والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على الله؛ ~~والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن ~~افتريتم على الله وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم ~~وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه. # ويحتمل أيضا قوله: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) # وجواب ما قالوا: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا). # أويحتمل أيضا قوله: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم) ويقول: إذا أسلمتم ~~وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمى. # يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان ~~فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في ~~العواقب ممن من يجهل العواقب، فأما الله سبحانه وتعالى فهو عالم بما كان ~~ويكون؛ فلا يحتمل أن # PageV06P370 # يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون ~~منه؛ في الوقت الذي جعله، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا). # في قولهم تناقض من وجهين: # أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ ثم أطاعوا ~~آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم، حيث قالوا: (تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) وفذلك تناقض في القول. # والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ لأنهم بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم ~~من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعا لغيرهم؛ حيث ~~قالوا: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، فذلك تناقض في ~~القول. # (فأتونا بسلطان مبين). # سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله تعالى وربوبيته، أو على ما ~~ادعوا من الرسالة من الله، وفي كل شيء ms2377 وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله ~~وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ~~ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في رد ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ ~~تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل ~~فقالوا: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله) أي: ما كان لنا أن ~~نأتيكم بآية تكون بها هلاككم؛ إنما ذلك إلى الله: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم ~~يفعل. # وقوله: (إن نحن إلا بشر مثلكم ... (11) # أي: ما نحن إلا بشر مثلكم، أولكن الله يمن على من يشاء، في دلالة، رد قول ~~الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون ~~الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا ~~قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: (إن نحن إلا بشر ~~مثلكم) ولم يذكروا شيئا سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: ~~(إن نحن إلا بشر مثلكم). # (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده). # PageV06P371 # فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يختص أحدا ~~بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات الله عليهم؛ لم ~~يذكروا سوى منة الله عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء من ~~الاستحقاق ويكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله). # هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور ~~في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق ~~به، قال الله تعالى: (فهزموهم بإذن الله)، أي: بنصر الله؛ لأن الهزيمة هي ~~موضع النصر؛ تحمل عليه، وتال: (وأحي الموتى بإذن الله) أي: بإنشاء الله؛ ~~فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن ~~الله) أي: بإنشاء الله، السلطان وإجرائه على أيدينا. # ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ms2378 ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره. # ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر الله نأتي أي: إن أمرنا الله بذلك ~~نأتى به. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون). # يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على ~~الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم. # وقوله: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على الأمر؛ أي: على الله توكلوا أنها المؤمنون؛ في جميع ما ~~يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم. # ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله، وبه ~~يعتمدون في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبر، لا بالأسباب التي لهم ولا ~~يرون منها. وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل ~~سعة وخير. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # كأن هذا يخرجع على إئر جواب كان منهم؛ لما قال الرسل: (وما كان لنا أن ~~نأتيكم # PageV06P372 # بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فأجابوهم بحرف؛ فعند ~~ذلك قال الرسل: (وما لنا ألا نتوكل على الله) لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ~~ولكن ذكر جواب الرسل لهم: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا) ~~قال بعضهم: وقد بين لنا سلوك سبلنا. # وعندنا قوله: (وقد هدانا) أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن ~~نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ ~~وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام ~~للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولنصبرن على ما آذيتمونا). # يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا ~~بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: (ولنصبرن على ما آذيتمونا). # ويشبه أن يكون قوله: (وما لنا ألا نتوكل على الله) أنهم قالوا ذلك؛ لما ~~كان أهل الكفر ms2379 في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل ~~الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: (وما لنا ألا نتوكل على الله) ~~بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) كأنه يخرج على الأمر؛ ~~أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا على غيره. # ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على الله؛ لا يتوكل ~~على غيره؛ كقول الرسول حيث قال: (إني توكلت على الله. . .) الآية، وهو قول ~~هود، وقول المؤمنين: (على الله توكلنا ربنا افتح بيننا. . .) الآية، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن ~~في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) # الإخراج يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين. # ويحتمل الإخراج: الحبس (لنخرجنكم)؛ أي: لنحبسنكم عن الانتفاع بالبلد، ~~وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر ~~يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا. . .) الآية # PageV06P373 # ونحوه. # ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوها ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل ~~بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج: # أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلطين على أولئك؛ قاهرين عليهم، وكانوا أهل كبر ~~وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد)، دل هذا أنهم كانوا ~~رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر. # والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل ~~وبراهينهم؛ فهموا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا ~~الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول ~~إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهم بقتله ويقصد إهلاكه. # والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن ~~منه. # وقوله - عز وجل -: (أو لتعودن في ملتنا). # الملة: الدين؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يتوارث أهل الملتين " ~~وقوله تعالى: (ملة إبراهيم حنيفا) أي: دين إبراهيم. # وقوله: ms2380 (لتعودن) ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول ~~فيها على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين). # وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة عدد أتباع الرسل ~~وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي ~~من الله؛ ووعده إياهم، لا من حيث أنفسهم، والله أعلم. فكان على ما أخبروا؛ ~~فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا لهم من الرسل الآيات ~~والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما ~~دعوهم إلى وحدانية الله تعالى وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما ~~عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ ~~فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين # PageV06P374 # والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قوما معاندين مكابرين لا ~~يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتا منهم وتكبرا، لم ينظروا في خلق الله ~~ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون ~~لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك لمن خاف مقامي. . .) الآية. # قوله - تعالى - ذلك يحتمل وجوها؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع ~~هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك. # أحدها: قوله: (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) ~~فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضا قوله: ~~(وما لنا ألا نتوكل على الله) أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ~~ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضا: (فأوحى إليهم ~~ربهم. . .) الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد. # ثم قوله: (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) قال بعضهم: خاف مقامي في الدنيا ~~والآخرة، وتأويله - والله أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا ~~والآخرة، أما في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه ~~في الآخرة حيث ms2381 وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة. # وقال بعضهم: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: (يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين) يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار. # ثم قوله: (مقامي) حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: (استوى ~~على العرش)؛ وأقل من قوله: (وجاء ربك والملك)، وقوله: (هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله. . .) الآية، وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على أهل التشبيه؛ ولم ~~يشتبه قوله: (مقامي)؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن ~~أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: (إليه ~~المصير)، (إليه مرجعكم)، (وإليه مآب)، و (ومتاب)، ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق ~~جميعا في الدارين جميعا - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم ~~يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛ # PageV06P375 # إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن ~~خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، ~~فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف ~~المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة ~~صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وبالله النجاة. # ذكر الله - عز وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما ~~عامل بعضهم بعضا، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب ~~والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على ~~أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتابا بالحكمة؛ يتلى ~~ليعلم؛ أن كيف يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من ~~الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله ~~وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات ~~والكرامات إلى الله؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: (إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)، ذكر قوله: (إن نحن إلا بشر ~~مثلكم) ليعلم أن الخير ليس يكون ms2382 بالجوهر؛ ولكن بفضل من الله تعالى وبرحمته، ~~وقوله - عز وجل -: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا) وأمثاله، ~~أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك. # وذكر الله - عز وجل - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال ~~في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعل كان منهم؛ وهو قوله: (ذلك) أي: ذلك ~~النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه (لمن خاف مقامي وخاف وعيد) ذكر أنهي ~~استوجبوا ذلك، لا أن كان، (ذلك) من الله بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا ~~معاملة الله رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) # يحتمل وجهين: # أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا الله على أعدائهم؛ كقوله: (وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا) أي: يستنصرون. # PageV06P376 # والثاني: (واستفتحوا) أي: تحاكموا إلى الله في النصر للأحق منهم؛ والأقرب ~~إلى الحق؛ كقوله: (ربنا افتح بيننا. . .) الآية، وهو التحاكم إليه. # وقوله - عز وجل -: (وخاب كل جبار عنيد). # هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى الله؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر ~~أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أينا كان أحب إليك ~~وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء. # وقوله: (وخاب كل جبار عنيد) أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: ~~المعرض المجانب عن الحق والطاعة. # وقال بعضهم: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (من ورائه جهنم ... (16) أي: من وراء عذاب الدنيا لهم ~~عذاب جهنم. # وقوله: (من ورائه جهنم): الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما ~~حل بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (ويسقى من ماء صديد). # أي: يسقى في جهنم صديدا مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من ~~القروح والجروح، جعل الله للكافرين في الآخرة مكانا بما كان لهم في الدنيا؛ ~~لباسا وشرابا وطعاما؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا ~~من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام ms2383 في الدنيا - ~~في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين ~~والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين)، إذ ذلك كله يمنعهم عن دين الله؛ ويصدهم عن ~~ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته. # ثم قال بعضهم: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل ~~- من ذلك - الصديد؛ فيسقون من ذلك. # PageV06P377 # وقال بعضهم: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديدا؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم ~~من غير أصل. # وقوله: (ويسقى من ماء صديد) ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في ~~الحقيقة صديد. ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديدا؛ لكن يشربون؛ رجاء ~~أن يدفع عطشهم. # وقوله - عز وجل -: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) # قال أبو عوسجة: التجرع: ما يشربه مكرها عليه. # (ولا يكاد يسيغه). # يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلق؛ يقال: أسغته فساغ، أي: دخل سهلا من ~~غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله: (سائغ شرابه) أي: سهل في الحلق، وساغ في ~~حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه. # وقوله - عز وجل -: (ويأتيه الموت من كل مكان). # قال قائلون: يأتيهم الغم والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا ~~اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غما. # وقال بعضهم: (ويأتيه الموت) أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت ~~فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكن قضاؤه؛ ألا يموتون فيها. # قوله تعالى: (وما هو بميت) موت حقيقة يستريح من العذاب. # PageV06P378 # وقوله: (من كل مكان) قال بعضهم: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ ومن خلف، ~~ومن قدام؛ كقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، وقال: (لهم ~~من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)، أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ~~ومن كل جهة. # ويحتمل (من كل مكان): أي: ومن كل سبب من ms2384 تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو ~~كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب. # وقال بعضهم: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه ~~منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه. # وقوله - عز وجل -: (ومن ورائه) أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ~~ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه. والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # وقوله - عز وجل -: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد) هو - والله ~~أعلم -: على التقديم أوالتأخير؛ أي: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ~~اشتدت به الريح. # ثم تحتمل (أعمالهم): الأعمال التي كانت لهم في حال إيمانهم، ثم كفروا، ~~بما أحدثوا من الكفر؛ أبطل ذلك الأعمال الصالحة في الإيمان؛ وهو ما ذكر: ~~(ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله). # أو يكون محاسنهم التي كانت لهم في حال الكفر؛ طمعوا أن ينتفعوا بتلك ~~المحاسن في الآخرة؛ فما انتفعوا بها؛ فصارت كالرماد الذي تذروه الريح ~~الشديدة؛ لم ينتفع صاحب ذلك الرماد به بعد ما عملت به الريح ما عملت؛ فعلى ~~ذلك: الأعمال الصالحة التي عملوها في حال كفرهم، أو أعمالهم الصالحة التي ~~كانت لهم في حال الإيمان؛ ثم أحدثوا الكفر - لا ينتفعون بها. # وقال في آية أخرى: (أعمالهم كسراب بقيعة)، فيشبه أن يكون هذا في أعمالهم ~~السيئة في أنفسها فرأوها صالحة حسنة؛ كقوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا)، فشبه ما كان في نفسه سببا بالسراب؛ لأنه لا شيء هنالك؛ إنما يرى # PageV06P379 # خيالا، فعلى ذلك: أعمالهم السيئة في أنفسها فرأوها حسنة صالحة، وما كان ~~وما شبه بالرماد - فهي أعمالهم الصالحة في أنفسها؛ لكن الكفر أبطلها. # وقوله - عز وجل -: (في يوم عاصف). # اليوم لا يكون عاصفا؛ ولكن على الإضمار؛ كأنه قال: في يوم فيه ريح عاصف، ~~كقوله: (والنهار مبصرا)، النهار لا يبصر ولكن يبصر فيه أو ms2385 يبصر به. # والعاصف: قيل: هو القاصف الكاسر الذي يكسر الأشياء. أو يكون قوله: (اشتدت ~~به)، والعاصف والقاصف - حرفان يؤديان جميعا معنى واحد. # وقوله - عز وجل -: (لا يقدرون مما كسبوا على شيء) كالرماد الذي ذكرنا أن ~~صاحبه لا يقدر به بعدما عملت به الريح وذرته. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك هو الضلال البعيد). # يحتمل: ذلك الكفر هو الضلال البعيد؛ لا نجاة فيه أبدا. # أو ذلك الكفر الذي أتوا به بعيد عن الحق والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض). # (ألم تر) حرف تنبيه عن عجيب بلغه وعلم به غفل عنه، أو نقول: حرف تنبيه عن ~~عجيب لم يبلغه بعد ولم يعلم به. على هذين الوجهين يشبه أن يكون والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق). # قال عامة أهل التأويل: بالحق أي: للحق، وتأويل قولهم - والله أعلم -: ~~للحق: أي: للكائن لا محالة؛ وهي الآخرة؛ لأنه خلق العالم الأول للعالم ~~الثاني؛ والمقصود في خلق هذا العالم هو العالم الثاني؛ فكان خلقهما للثاني ~~لا للأول الأنه لو كان للأول، # PageV06P380 # دون الثاني؛ يحصل خلقهما للفناء، وذلك خارج عن الحكمة؛ وهو ما قال: ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). # وقال قائلون: للحق الذي وجب له عليهم بالامتحان والابتلاء، خلقهما ~~للشهادة له على الممتحن. # أو يقول: خلقهما بالحق: أي: بالحكمة. وقوله: (أن الله خلق السماوات ~~والأرض بالحق). # إن كان الخطاب به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصير كأنه قال: قد ~~رأيت وعلمت أن الله خالق السماوات والأرض بالحق. # وإن كان الخطاب به لغيره من أولئك يقول: اعلموا أن الله خلق السماوات ~~والأرض بالحق؛ لم يخلقهما عبثا باطلا. # وقوله - عز وجل -: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد). # قال بعض أهل التأويل: هذه المخاطبة يخاطب بها أهل مكة؛ يذكر قدرته ~~وسلطانه على بعثهم بعد الموت والهلاك؛ يقدر ms2386 على إذهابكم وإهلاككم، ويقدر ~~أيضا أن يأتي بغيركم، فعلى ذلك: يقدر على بعثكم بعد مماتكم. # وقوله - عز وجل -: (وما ذلك على الله بعزيز (20) # قال أهل التأويل: أي: عليه هين يسير، ولكن عندنا - والله أعلم -: (وما ~~ذلك): أي: ذهابكم وفناؤكم عليه ليس بشديد عليه ولا شاق؛ ليس كملوك الأرض ~~إذا أذهب، شيء من مملكتهم يشتد ذلك عليهم، فأما الله سبحانه وتعالى لا يزيد ~~الخلق في سلطانه ولا في ملكه؛ ولا ينقص فناؤهم وذهابهم منه شيئا؛ كقوله: ~~(أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) أي: شديد عليهم وهو ما وصفهم - عز ~~وجل -: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، ذكر مكان العزة الشدة، ومكان الذلة ~~- هاهنا - الرحمة. # أو أن يكون قوله: (وما ذلك على الله بعزيز) أي: ما بعثكم وإحياؤكم بعد ~~الممات على الله بشاق ولا شديد. # * * * # قوله تعالى: (وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم ~~سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضي ~~الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم # PageV06P381 # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # وقوله - عز وجل -: (وبرزوا لله جميعا ... (21) # قال مقاتل: خرجوا إلى الله من قبورهم جميعا، وقال: (جميعا) لأنه لا يغادر ~~أحد إلا بعث. # ويحتمل وجوها أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: (وبرزوا لله): أي: لأمر الله؛ أو ~~لوعده الذي وعد أنهم يبعثون. أو يريد الحكم، الله يحكم في بعثهم. # (وبرزوا): أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون به موجودين ظاهرين بعد أن كانوا ~~فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم كانوا فائتين غائبين عن ~~الله؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء ms2387 من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ~~ذكرنا في قوله: (ليعلم الله من يخافه بالغيب)، وقوله (حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين)، وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير ~~مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: (عالم الغيب والشهاد) يعلمهم شهودا كما علمهم ~~غيبا. # فعلى ذلك قوله: (وبرزوا لله جميعا) أي: يكونون له موجودين ظاهرين والله ~~أعلم. # وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعا، وكذلك ~~المصير، إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - والله أعلم - لما لا ينازع ~~أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا. # أو خص ذلك البروز بالإضافة إليه؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ~~ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه. ~~والله أعلم. # PageV06P382 # وقوله: (وبرزوا لله جميعا) أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ ~~وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء). # قال قائلون: قوله: (فهل أنتم مغنون عنا): أي: دافعون عنا من عذاب الله؛ ~~إذ كنا لكم أتباعا وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك. لكن هذا بعيد؛ أن ~~يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع ذلك ~~عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في ~~الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى. . .). # والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة ~~الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل ~~بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: (فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار)، طلبوا ~~منهم تحمل بعض ما حل بهم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لو هدانا الله لهديناكم). # قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعا - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية ~~الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: (لو هدانا الله لهديناكم) علموا أن الله - ~~عز وجل ms2388 - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله ~~جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أدت يهدي أحدا لم ~~يمكلك، والكفرة - حيث قالوا: (لو هدانا الله لهديناكم) رأوا وعلموا أن الله ~~لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى ~~أتباعهم (لهديناكم)، وكذلك، قال إبليس: (رب بما أغويتني)، أضاف الإغواء ~~إليه؛ وهم يقولون: لا يغوي الله أحدا، فإبليس أعلم بهذا من المعتزلة. # وقولهم. (لو هدانا الله) أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ~~ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا. # وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: (لو هدانا الله لهديناكم): لو كان الذي ~~كنا عليه # PageV06P383 # هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا ~~جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع أن الأتباع؛ قد علموا أن ~~الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا. # وقوله - عز وجل -: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص). # قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل الله ~~يرحمنا؛ فجزعوا حينا؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا؛ ~~فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) ~~لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك ~~بالذي سمعوا؛ وهو قوله: (فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون)، ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ~~ما لنا من محيص) أي: منجى ومخلص، لا يحتمل أن يقولوا: (سواء علينا أجزعنا ~~أم صبرنا ما لنا من محيص) في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل ~~التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس. # وقوله - عز وجل -: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم ms2389 بمصرخي إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) # قال بعضهم: (قضي الأمر): أي: أدخل أهل الجنة الجنة؛ وأهل النار النار؛ ~~يقوم إبليس خطيبا في النار؛ فخطب كما ذكر. # وقال قائلون: (قضي الأمر) أي: ميز وبين أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن ~~يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيبا فخطب لأتباعه كما ذكر. # ويحتمل قوله: (لما قضي الأمر) أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك ~~يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله: (فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) أي: لما فرغ من ~~السماع؛ فعلى ذلك هذا. # وقال بعضهم: (لما قضي الأمر) أي: لما نزل بهم العذاب. # ويشبه أن يكون قوله: (لما قضي الأمر) هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس ~~خطيبا لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر ~~لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)؛ وكقوله: (فيحلفون له كما يحلفون لكم. . ~~.) الآية، # PageV06P384 # يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون ~~فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ ~~فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات ~~واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيبا بينهم وقال: ~~(وما كان لي عليكم من سلطان) حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي ~~طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن الله وعدكم وعد الحق). # يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، ~~والحساب، والعذاب - كائن لا محالة. أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله ~~حق أي: كائن لا محالة. # (ووعدتكم). # يحتمل ما ذكر؛ حيث قال: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم)، ~~وأمثاله من عداته؛ كانت كلها أماني وغرورا وكذبا. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لي ms2390 عليكم من سلطان) يحتمل السلطان وجهين: # أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا ~~الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعا. ويحتمل قوله: (من سلطان): من حجة وبرهان؛ أي: لم ~~يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع ~~الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم ~~أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر ~~والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر ~~معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة. # وقوله - عز وجل -: (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم). # ليس مراده - لعنه الله - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة ~~أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء. # وقوله - عز وجل -: (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي). # قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم ~~بمغيثين # PageV06P385 # لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد. # وقوله: (ما أنا بمصرخكم) أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم ~~بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا. # وقوله - عز وجل -: (إني كفرت بما أشركتمون من قبل). # أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافرا. # ويحتمل: (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة ~~الله وطاعته، أي: كنت بذلك كافرا، ويحتمل (إني كفرت)، أي: تبرأت اليوم؛ مما ~~أشركتموني مع الله في الطاعة والعبادة من قبل. # أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيبا. # والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه (إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم). # وقوله - عز وجل - (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) أي: أذن لهم بالدخول ~~في الجنة. # قوله: (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)، ~~وقوله: ms2391 (خالدين فيها بإذن ربهم). # الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم. # (تحيتهم فيها سلام). # يحتمل السلام الثناء، أي: يثنون على ربهم؛ كقوله: (الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (تحيتهم فيها سلام) قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ~~ويحيي بعضهم بعضا بالسلام. # وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال: (لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما. . .) الآية، والله أعلم. # PageV06P386 # قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ~~ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر). # قد ذكرنا أن كلمة (ألم تر) حرف تنبيه عن عجيب كان بلغه؛ فغفل عنه، أو ~~تنبيه عن عجيب لم يبلغه. # وقال أبو بكر الأصم: هي كلمة يفتتح بها العرب عند الحاجة؛ يقول الرجل ~~لآخر: ألم تر إلى ما فعل فلان؛ ونحوه. هذا يحتمل في غيره من المواضع وأما ~~في هذا فإنه غير محتمل. # وقوله - عز وجل -: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا) قيل: بين الله مثلا وأظهر. # (كلمة طيبة كشجرة طيبة). # قال أبو بكر الكيسانى: (كلمة طيبة): هو هذا القرآن، (كلمة خبيثة): هي ~~الكتب التي أحدثها الناس، شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ وهي النخلة؛ على ما ~~ذكر؛ إن ثبت، أو كل شجرة مثمرة. وشبه الكتب التي أحدثها الناس بالشجرة ~~الخبيثة؛ وهي التي لا تثمر. # وقال: إنما شبه القرآن بالشجرة الطيبة؛ لأن الشجرة الطيبة هي باقية إلى ~~آخر الدهر؛ ينتفع بها الناس بجميع أنواع المنافع، لا يقطعونها؛ فهي تدوم ~~وتبقى دهرا، فعلى ذلك القرآن ينتفع به الناس وهو دائم أبدا. # وقوله - عز وجل -: (أصلها ثابت وفرعها في السماء). # أصلها ثابت لها قرار، فعلى ذلك: القرآن هو ثابت بالحجج والبراهين؛ والكتب ms2392 ~~التي أحدثها أولئك هي باطلة فاسدة؛ لا حجة معها ولا برهان؛ كالشجرة الخبيثة ~~التي هي غير مثمرة؛ لا بقاء لها ولا قرار ولا ثبات. # وقال بعضهم: الكلمة الطيبة: هي الإيمان والتوحيد؛ شبهها بالشجرة الطيبة؛ ~~وهي التي تثمر وتنمو وتزكو هي على ما وصفها - عز وجل - في قوله: (تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها)، فعلى ذلك الإيمان والتوحيد لا يزال يثمر لأهله ~~الخيرات والأعمال # PageV06P387 # الصالحات؛ كالشجرة التي وصفها أنها تؤتي أهلها أكلها في كل حين وكل وقت، ~~أصلها ثابت بالحجج والبراهين، وفرعها في السماء، في كل وقت يرتفع ويصعد به ~~العمل إلى السماء. # والكلمة الخبيثة: هي الكفر؛ لأنه لا منفعة لأهلها فيها، إذ لا عاقبة له ~~ولا حجة معها ولا برهان، إنما شيء أخذوه عن شهوة وأماني، فكان كالشجرة ~~الخبيثة التي لا ثمرة لها، ولا منفعة لأحد فيها، فهي لا تبقى ولا تدوم. ~~فذلك قوله: (اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار). # ويشبه أن يكون ضرب المثل لغير هذا المعنى؛ وهو أنه ذكر جواهر طيبة وجواهر ~~خبيثة؛ مما يقع عليها الحواس ويقع عليها البصر؛ ليكون كل جوهر من هذه ~~الجواهر التي يقع عليها الحواس؛ ويقع عليها البصر - من خبيث أو طيب - دليلا ~~وشاهدا على ما غاب عن الخلق؛ ولا يقع عليها الحواس. وهكذا جعل الله تعالى ~~هذه المحسوسات والأشياء الظاهرة - دليلا وشاهدا لما غاب عنهم؛ ولا يقع عليه ~~الحس، تدرك بالعقول التي تركب فيهم؛ ليرغب الطيب؛ مما يقع عليه الحس ~~والبصر؛ على الموعود الغائب، ويحذر الخبيث المحسوس عما غاب وأوعد، وكذلك ~~هذه الآلام والأمراض والشدائد التي جعل في هذه الدنيا؛ لتزجرهم عن الأفعال ~~التي بها يستوجبون مثلها في الآخرة، وكذلك النعم التي في الدنيا واللذات، ~~جعلها لتدلهم على النعم الدائمة. # على هذا يجوز أن يخرج لا أنه أراد بالشجرة الطيبة الشجرة نفسها أو ~~بالشجرة الخبيثة الشجرة نفسها ولكن ما وصفنا. والله أعلم بذلك. # وقال قائلون: ضرب الله مثل الشجرة الطيبة مثلا للمؤمن؛ هو في الأرض وعمله ~~يصعد إلى السماء كل ms2393 يوم؛ فكما تؤتي الشجرة أكلها كل حين كذلك المؤمن يعمل ~~لله في ساعات الليل والنهار. # PageV06P388 # وقوله - عز وجل -: (كل حين ... (25) # قال قائلون: كل عام؛ لأنها تثمر في كل عام مرة. # وقال قائلون: ستة أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها. # وقال قائلون: كل عشية وغدوة؛ كقوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون). # وقال قائلون: شهرين؛ وأمثاله. # ويشبه أن يكون ما ذكرنا: أنه ليس في وقت دون وقت، ولكن الأوقات كلها في ~~كل وقت وكل ساعة. # فإن قال لنا ملحد: إن الكلمة التي ضرب الله مثلها بالشجرة الطيبة - هي ~~كلمتنا، ونحن المراد بذلك. والكلمة الخبيثة التي ضرب الله مثلها بالشجرة ~~الخبيثة - هي كلمتكم؛ وأنتم المراد بها لا نحن. # قيل: قد سبق لهذا المثل أمثال ودلائل على أن الكلمة الطيبة هي التي لها ~~عاقبة وآخرة، وكل أمر له عاقبة والنظر في آخره - فهو الحق، والذي أنتم عليه ~~لا عاقبة له ولا آخرة، وفي الحكمة: إن كل أمر لا عاقبة له - فهو باطل؛ ~~والكفر لا عاقبة له. # والثاني: أن الإيمان والتوحيد له الحجج والدلائل، والكفر مما لا حجة له ~~ولا دلائل؛ إنما هو مأخوذ بالأماني والشهوة: من تسويل الشيطان وتزيينه؛ ~~لذلك كان ما ذكرنا. # وتحتمل الكلمة الطيبة -أيضا-: أن تكون الوحي الذي أوحى الله إلى رسوله، ~~والكلمة الخبيثة: ما أوحى الشيطان إليهم؛ كقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم. . .) الآية. # PageV06P389 # فوحي الله: هو ثابت دائم ينتفع به أهله في الدنيا والعاقبة، ووحي ~~الشيطان: هو باطل مضمحل لا عاقبة له؛ ولا ينتفع به أهله. والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (اجتثت من فوق الأرض ... (26) # قال بعضهم: استؤصلت، وقيل: انتزعت. وقال أبو عوسجة: اقتلعت من أصلها؛ ~~يقال: جثثت الشجرة أجثها جثا: إذا قلعتها من أصلها. # وقوله - عز وجل -: (ما لها من قرار). # هو ما ذكرنا. وقال بعض أهل التأويل: شبه كلمة الشرك بحنظلة قطعت؛ فلا أصل ~~لها في الأرض ولا فرع في السماء؛ أي: لا يصعد له عمل، وشبه كلمة الإيمان؛ ~~في نفعها وفضلها وثباتها وقرارها ms2394 في الأرض؛ بما ذكر من الشجرة. والله أعلم. # ثم من الناس من احتج بهذا المثل في خلق الإيمان والكفر؛ فقال: لأنه ضرب ~~مثله بما هو خلق؛ وهو الشجرة؛ فعلى ذلك الإيمان. # ولكن عندنا لا بهذا يجب أن يستدل على خلقه، ولكن لما ثبت أن منشئهما واحد ~~لأنه لو كان منشئهما مختلفا لكان لا يضرب مثل هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ فإذا ~~ضرب دل أن منشئهما واحد؛ فإذا ثبت ذلك دل على ما وصفنا. # ومن الناس من استدل بهذا أنه يزداد وينقص؛ حيث شبهه بالشجرة؛ وهي تزداد ~~وتنقص، ونحن نقول: ليس فيه دلالة ما ذكروا؛ لأن الشجرة في نفسها ليست بذي ~~حد، والإيمان ذو حد؛ فما يزداد إنما هو في حق التزيين والتحسين. وأما ~~الإيمان نفسه: فإنه لا يزداد؛ كالشجرة إذا تورقت وخرجت ثمارها توصف بالزينة ~~والحسن، فأما نفس الشجرة: فلا توصف بالزيادة؛ فعلى ذلك الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (ويضرب الله الأمثال). # يحتمل: يبين الله الأمثال التي يقع عليها الحس، ويقع عليها البصر، ~~والأشياء الظاهرة؛ لتدلهم على ما استتر وغاب عنهم، يدركون بالعقول ما استتر ~~وخفي بالظاهر والمحسوس. # PageV06P390 # (لعلهم يتذكرون) لعلهم يتعظون. # وقوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة) الكلمة الطيبة: تحتمل ~~التوحيد وفروعها: هي الخوف، والخشوع، والخضوع، والرغبة والرهبة. وأكلها: هو ~~الأعمال الصالحة والخيرات تكون منه. # والكلمة الخبيثة: هي الشرك. وفروعها: ما يكون منه في الشرك؛ من القساوة، ~~والتمرد، والعناد. وأكلها: هو الأعمال التي تكون منه في الشرك. # أو أن يكون الكلمة الطيبة: هي الأعمال. وفروعها: هي الشرائع والأحكام ~~التي تعمل. وأكلها: هو ما يثاب عليه في الدنيا والآخرة أبدا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # ذكر مرة بالتثبيت ومرة بذكر الزيادة؛ بقوله: (ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم)، ومرة بذكر الابتداء والتجديد؛ بقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله). # وقوله: (اهدنا الصراط المستقيم)، فالتجديد والابتداء في حادث الوقت؛ لأن ~~تلك الأفعال تنقضي ms2395 وتذهب ولا تبقى، وأما الزيادة على ما كان يضم شيئا إلى ~~ما كان، والثبات على ما كان فكله واحد في الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: (ويضل الله الظالمين). # أضاف الإضلال مرة إلى نفسه؛ ومرة إلى الشيطان، ولا شك أن ما أضيف إلى ~~الشيطان إنما أضيف على الذم، فإذا كان ما ذكر؛ فتكون الجهة التي أضيف إلى ~~الله - غير الجهة التي أضيف إلى الشيطان، الجهة التي أضيف إلى الله: هو أن ~~خلق فعل الضلال من الكافر، وما أضيف إلى الشيطان: هو على التزيين والتسويل؛ ~~لتصح الإضافتان. ولو كان على التسمية - على ما يقوله المعتزلة: إذ سماه ~~ضالا - لكان كل من سمى آخر ضالا كافرا جاز أن يسمى مضلا، فإذا لم يسم - ~~بتسميته ضالا أو كافرا - مضلا دل أنه إنما سمى الله نفسه مضلا؛ لتحقيق ~~الفعل له فيه؛ وهو ما ذكرنا: أن خلق فعل الضلال منه. # والمعتزلة يقولون: إن الله هدى الخلق جميعا؛ لكنهم لم يهتدوا وضلوا من ~~غير أن يكون الله أضلهم. فهذا صرف ظاهر الآية إلى غيره بلا دليل. # PageV06P391 # وقوله - عز وجل -: (ويفعل الله ما يشاء). # وعلى قول المعتزلة: لا يقدر أن يفعل ما يشاء؛ لأنهم يقولون: شاء إيمان ~~جميع البشر؛ ولكنهم لم يؤمنوا؛ وكذلك قال: (فعال لما يريد)، وهم يقولون: ~~أراد إيمانهم؛ لكنه لم يفعل ما أراد؛ ولا يملك، وقد أخبر أنه: (فعال لما ~~يريد) و (ما يشآء) وهم يقولون: لم يملك أن يفعل ما شاء وأراد، بل العباد ~~يقولون ما شاءوا غير ما شاء هو، فتأويلهم خلاف لظاهر القرآن. والله أعلم. # وقوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة) ~~على تأويل من يقول: إن الكلمة الطيبة هي القرآن، يكون القول الثابت هو ~~القرآن. # يقول - والله أعلم - يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا؛ حيث تلقوه ~~بالإجابة والقبول والعمل به، وفي الآخرة؛ أي: بالآخرة والبعث؛ يقرون به، ~~(ويضل الله الظالمين)؛ حيث تركوا ms2396 الإجابة له، وتلقوه بالرد، والمكابرة، ~~والعناد. # ومن يقول: الكلمة الطيبة: التوحيد والإيمان - يكون القول الثابت: هو ~~الإيمان؛ يثبتهم في الحياة الدنيا باختيارهم؛ وفي الآخرة، قيل: في قبورهم؛ ~~يثبتهم لإجابة منكر ونكير، ويمكن لهم ذلك، ويضل الله الظالمين الذين تركوا ~~الإجابة له في الحياة الدنيا وفي القبور؛ حيث تركوا الإجابة في الدنيا. # ويحتمل أن يكون قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا)؛ هو ما ذكر، (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم)، ثبت من أجاب الله إلى ما دعا في الدنيا، وفي الآخرة يهديه الطريق ~~الذي به يوصل إلى دار السلام، والكافر حيث ترك إجابته إلى ما دعاه، ويضله ~~في الآخرة طريق دار السلام؛ بترك إجابته في الدنيا. والله أعلم بذلك. # وقوله: (ويفعل الله ما يشاء) في هداية من اختار الإجابة والاهتداء، ~~وإضلال من اختار ترك الإجابة والغواية. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار ~~البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن ~~سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا). # PageV06P392 # اختلف في نزوله: قال بعضهم: هذه السورة، كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية ~~فإنها نزلت بالمدينة. وقال بعضهم: نزلت بمكة كلها. # فمن يمول: نزلت بالمدينة - يقول: قوله: (وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم) هو بدر؛ أي: حملوهم إلى بدر حتى قتلوا؛ لأنه لم يكن بمكة بدر؛ إنما ~~كان بالمدينة. # ومن يقول: نزلت بمكة - يقول: (دار البوار): هي جهنم؛ على ما فسره ظاهر ~~الكتاب، وهو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه بين تلك الدار؛ فقال: (جهنم). # وفي الآية دلالة أن الآية كانت في عظمائهم وكبرائهم؛ حيث قال: (وأحلوا ~~قومهم. . .) الآية. # ثم اختلف في النعمة؛ التي ذكر أنهم بدلوها كفرا؛ فهي تحتمل وجوها: # أحدها: أن الله - عز وجل - قد أنعم عليهم في هذه الدنيا؛ ووسعها عليهم؛ ~~فحرموا تلك النعم على أنفسهم؛ فجعلوها للأصنام التي عبدوها وسيبوها؛ ولم ~~ينتفعوا بها، من ms2397 نحو البحيرة التي ذكر، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وما ~~جعلوا للأصنام هو ما ذكر (وهذا لشركائنا)، فذلك تبديل النعمة كفرا؛ حيث ~~حرموا ما أنعم الله عليهم وأحل لهم. # والثاني: تلك النعمة محمد أو القرآن أو الإسلام وهو نعمة، كذبوهم ~~أوكفروهم. # أو أن يكونوا بدلوا الشكر الذي عليهم - بما أنعم عليهم كفرا، جعلوها سببا ~~للكفر؛ فلم يشكروه بما أنعم عليهم. # وقوله - عز وجل -: (بدلوا نعمت الله كفرا) حقيقته يخرج على وجهين: # أحدهما: بدلوا وصرفوا ما أنعم الله عليهم؛ وهو محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- عن أنفسهم؛ حتى أخذ منهم؛ بدلوا به كفرا. # والثاني: بدلوا به كفرا بعدما سألوا ربهم (وأقسموا بالله. . .) الآية؛ ~~فلم يشكروا ما أنعم عليهم، وبدلوا الشكر كفرا. # وقوله - عز وجل -: (وأحلوا قومهم دار البوار). # PageV06P393 # أي: أنزلوا، دل هذا أن الآية نزلت في الرؤساء من الكفرة، والأئمة منهم؛ ~~حيث أخبر أنهم أحلوا قومهم دار البوار. ذكر (وأحلوا قومهم) على الماضي؛ ~~لأنه قد وجد منهم الجناية بالإحلال في دار البوار، وذكر في دخولهم جهنم على ~~الاستئناف؛ بقوله: (جهنم يصلونها وبئس القرار (29) لما لم يوجد بعد سيوجد، ~~ويجوز أن يستدل بهذا لأصحابنا لمسألة: وهي أن العبد إذا حفر بئرا ثم أعتق؛ ~~فوقع في البئر إنسان: ينظر إلى قيمة العبد يوم حفر؛ لأن الحفر منه جناية، ~~وإلى الواقع فيه يوم الوقوع لا يوم الحفر؛ لأنه لم يوجد بعد يوم الحفر ~~جناية. # أو أن يقال: أحلوا أرواحهم دار البوار؛ فتدخل أجسادهم يومئذ، لم تدخل ~~بعد. # وقوله - عز وجل -: (وجعلوا لله أندادا ... (30) ثم فسر أنهم لم أحلوا ~~قومهم دار البوار؟ # فقال: (وجعلوا لله أندادا): أعدالا وأمثالا، (ليضلوا عن سبيله). # يحتمل قوله: (وجعلوا لله أندادا) في العبادة؛ يعبدون كما يعبد الله، أو ~~في التسمية؛ يسمونها آلهة؛ كما يسمى الله، جعلوا له أندادا في هذين ~~الوجهين، يذكر سفههم؛ حيث جعلوا ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يدفع، ~~ولا يضر أمثالا وأعدالا، لله؛ على علم منهم أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، ~~وينعم عليهم، وهو الذي ms2398 يدفع عنهم كل بلاء وشدة. # وجائز أن يكون قوله: (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله) هو تفسير ما ~~ذكر؛ من تبديل النعمة كفرا. # وقوله - عز وجل -: (تمتعوا) بهذه النعم التي ذكر أنهم بذلوها كفرا. # (فإن مصيركم إلى النار) هذا في قوم ماتوا على الكفر، أو يقول: قل تمتعوا ~~في الدنيا أو تمتعوا بالكفر فإن مصيركم إلى النار، هذا في قوم علم الله ~~أنهم لا يؤمنون أبدا وفيه دلالة إثبات الرسالة. # وقال أبو عوسجة: البوار: الهلاك والفناء، يقال: بار الرجل يبور بورا؛ فهو ~~بائر، # وقوم بور أي: هالكون. ويقال: بارت السوق، وبارت السلعة: إذا كسدت ويقال: ~~بارت المرأة تبور بوارا؛ فهي بائرة: إذا كبرت. وفي حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " نعوذ بالله من بوار الأيم "؛ قيل: يعني من كسادها. والله ~~أعلم. # PageV06P394 # قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) # وقوله - عز وجل -: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة). # يحتمل إقامة الصلاة، إقامة الإيمان بها؛ كقوله: (فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، هو إقامة الإيمان به، إذ لا يحتمل ~~الحبس إلى أن يقيموا إقامة الفعل والوفاء؛ إذ في ذلك حبسهم أبدا. # ويحتمل إقامة الوفاء بها والفعل؛ لأنه إنما خاطب المؤمنين على إقامتها، ~~وقد سبق منهم ما ذكرنا من الإيمان بها. كيف يحتمل الأمر بإقامتها إقامة ~~الإيمان به، وقد سبق منهم ما ذكرنا من الإيمان بها، قيل: هذا جائز يأمرهم ~~بإقامة الإيمان بها في حادث الوقت؛ إذ للإيمان حكم التجدد في كل وقت؛ وهو ~~كقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله)، أي: آمنوا في حادث الوقت؛ فعلى ~~ذلك هذا يحتمل الأمر بإقامتها - إقامة الإيمان بها. # ويحتمل ما ذكر من إقامة الصلاة في الآية؛ والإنفاق - هي الصلاة المعروفة ~~المعهودة، والزكاة المعروفة المفروضة؛ والإدامة لهما واللزوم بهما، ويحتمل ~~القبول والوفاء بهما. # وقوله - عز وجل -: (وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية). # قال الحسن: الأمر بالإنفاق مما رزقناهم الزكوات المفروضات؛ ms2399 ألا ترى أنه ~~ذكر الوعيد في آخره وقال: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) ولا ~~يحتمل الوعيد في صدقات التطوع؛ وهو ما ذكر أيضا في آية أخرى: (وأنفقوا من ~~ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت)، ولا يحتمل طلب الرجوع والتأخير ~~إلى أجل في النوافل؛ دل أنه أراد به الزكوات المفروضات. # وقال بعضهم: (وينفقوا مما رزقناهم سرا): هي التطوع، والعلانية: الفريضة؛ ~~لأن الفريضة لا بد من أن تظهر وتعلن، وليس في أدائها رياء والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال). # PageV06P395 # (لا بيع فيه): أي: يوم لا يقدر أحد أن يبيع نفسه من ربه؛ وفي الدنيا يقدر ~~أن يبيع نفسه من ربه؛ كقوله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)، ~~وقوله: (إن الله اشترى)، وقوله: (من قبل أن يأتي يوم) لا يقدر أحد بيع نفسه ~~من ربه، ويحتمل نفسه. قوله: (لا بيع فيه): أي: لا ينفعه بيع نفسه منه في ~~ذلك اليوم؛ وإن باع؛ كقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) ~~وقوله: (فلما رأوا بأسنا. . .) الآية، فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (ولا خلال): هو مصدر خاللت؛ وهو من الخلة والصداقة. # ثم هو يحتمل وجهين: # أحدهما: ألا تنفعهم الخلة التي كانت بينهم في الدنيا؛ لأن كل خلة كانت في ~~الدنيا مما ليست لله فهي تصير عداوة في الآخرة؛ كقوله: (الأخلاء يومئذ. . ~~.) الآية. أخبر أن الأخلاء؛ الذين كانوا يخالون في الدنيا؛ للدنيا - فهم ~~الأعداء إلا الخلة التي كانت لله؛ فهي تنفع أهلها؛ وهو ما ذكر - عز وجل -: ~~(ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) وأمثاله، يخبر أن الخلة ~~التي كانت بينهم في الدنيا؛ لا لله؛ فهي تصير عداوة في الآخرة؛ حتى يتبرأ ~~بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا. # والثاني: أن يكون لهم شفعاء وأخلاء؛ ولكن لا يشفعون؛ كقوله: (ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى)، أو يشفع لهم لكن لا تقبل؛ كقوله: (فما تنفعهم شفاعة ms2400 ~~الشافعين). # * * * # (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر ~~لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) # وقوله - عز وجل -: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) إلى آخر ما ذكر. فيه دلالة أن تدبير الله ~~محيط متسق بجميع ما في السماوات والأرض، وعلمه محيط بجميع الخلائق؛ حيث ذكر ~~أنه:، (وأنزل من # PageV06P396 # السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) يعني البشر، جعل منافع السماء ~~متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما؛ دل أنه عن تدبير، فعل هذا وعلم، ~~وأنه تدبير واحد؛ عليم؛ قدير. # ثم ما ذكر: من تسخير السماوات والأرض؛ مع شدة السماء وصلابتها، وغلظ ~~الأرض وكثافتها، وتسخير البحر؛ مع أهواله وأمواجه، وتسخير الأنهار الجارية، ~~وتسخير الشمس، والقمر، والليل، والنهار لهذا البشر. # في ذلك كله وجهان: # أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من المنافع التي جعل لهم؛ في ~~تسخير هذه الأشياء التي ذكر لهم؛ على جهل هذه الأشياء أنهن مسخرات لغيرهن؛ ~~يستأدي بذلك شكرها. # والثاني: يذكر سلطانه وقدرته؛ حيث سخر هذه الأشياء؛ مع شدتها، وصلابتها، ~~وغلظها، وأهوالها. ومن قدر على تسخير ما ذكر - قادر على البعث والإحياء بعد ~~الموت. # ويحتمل ما ذكر؛ من تسخير الأشياء التي ذكر: أنه أنشأ هذه الأشياء مسخرة ~~مذللة لنا، والثاني: سخر لنا؛ أي: علمنا من الأسباب والحيل التي يتهيأ لنا ~~الانتفاع بها والتسخير. # وقوله - عز وجل -: (وآتاكم من كل ما سألتموه ... (34) # فيه لغتان وتأويلان قال بعضهم: (وآتاكم من كل)؛ على التنوين؛ (ما ~~سألتموه) على الجحد؛ أي: آتاكم من غير أن سألتم الأشياء التي ذكر أنه سخرها ~~لنا؛ أي: آتاكم من غير سؤال ولا طلبة. # والثاني: وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه؛ لأنه أعطانا أشياء قبل ~~أن نعلم أنه يجب أن نساله؛ ms2401 حيث خلق هذه الأشياء التي ذكر من قبل أن يخلقنا. # وقال الحسن: (من كل ما سألتموه)؛ قال: ما لم تسألوه؛ وهو ما ذكرناه؛ فإن ~~قيل: إنا نسال أشياء لم نعطها، فما معنى الآية؟ قيل بوجوه: # أحدها: ذكر حرف التبعيض؛ وهو ما قال: (من كل ما سألتموه). والثاني: ~~وآتاكم علم منافع ما سألتموه قبل أن تسألوا؛ وجهه علم الانتفاع به. # والثالث: وآتاكم من كل ما يحق السؤال ويليق به. # PageV06P397 # على هذه الوجوه تخرج الآية. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها). # قال بعضهم: لا تحصوها؛ أي: لا تشكروها؛ أي: لا تقدروا شكرها. وقال بعضهم: ~~أي: لا تقدروا إحصاءها وعدها، وهكذا إن أقل الناس نعمة لو تكلف إحصاء ما ~~أعطاه ما قدر عليه؛ من حسن الجوهر والصورة، واستقامة التركيب والبنية، ~~وسلامة الجوارح، وغير ذلك مما لا سبيل له إلى ذكرها وإحصائها؛ إلا بعد طول ~~التفكر والنظر. # وقال بعضهم: (وإن تعدوا نعمت الله): لا تحيطوا بكنهها ونهايتها. # وقوله - عز وجل -: (إن الإنسان لظلوم كفار). # الظلوم: أي: ظلم نفسه؛ حيث صرفها إلى غير الجهة التي جعلت وأمر، وأدخلها ~~في المهالك، وألقاها في التهلكة. # كفار لنعمه؛ حيث صرف شكرها إلى غير الذي جعلها له. والله أعلم. # واستدل بعض المعتزلة بقوله: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) ~~أن صاحب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه أوعد بترك الصلاة والزكاة التخليد ~~أبدا، وترك الصلاة والزكاة من غير عذر - من الكبائر، دل أنه ما ذكرناه. # فنقول نحن - وبالله التوفيق -: إن الآية تحتمل الأمر بإقامة الصلاة؛ وما ~~ذكر من الزكاة والصدقة إقامة الإيمان بها؛ على ما ذكرنا من تأويل بعض ~~المتأولين، فإن كان على هذا على إقامة الإيمان بها - فمن ترك ذلك فهو - ~~يخلد أبدا لا شك فيه، أو يكون من استحل تركها؛ فهو بالاستحلال يكفر؛ فهو ~~يخلد، أو يترك لعذر؛ فهو لا يخلد على اتفاق القول. فإذا كان ما ذكرنا ms2402 ~~محتملا دل أن الآية مخصوصة. # ثم معرفة تخليد صاحب الكبيرة إنما هي بالدلائل سوى هذا، إذ ليس في ظاهر ~~الآية دلالة التخليد؛ لما ذكرنا من احتمال الخصوص، دل أنه إنما يطلب الدليل ~~من وجه آخر. # PageV06P398 # قال القتبي: (ولا خلال) ومصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة، والاسم الخلة ~~والمخلة؛ وهي الصداقة. # وقال أبو عوسجة: (ولا خلال): قال: من المخالة؛ يعني المودة. (دائبين): ~~قال: يجريان أبدا، وهو من الدوب؛ أي: التعب. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند ~~بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ~~ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا). # أي: مأمنا، سمي آمنا، لما يأمن الخلق فيه؛ كما سمي النهار مبصرا، والنهار ~~لا يبصر ولكن يبصر فيه، ومثله كثير. # ثم يحتمل قوله: (اجعل هذا البلد آمنا) قال بعض أهل التأويل: إنما طلب ~~إبراهيم أن يجعله آمنا على أهله وولده خاصة، لا على الناس كافة؛ إذ قد سفك ~~فيه الدماء، وهتك فيه الحرم؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة، ولكن ~~لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع بقوله: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا. ~~. .) الآية، وقوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا)، وغيره من الآيات. # أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمنا للخلق يأمنون فيها. # ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: جعله آمنا بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن ~~سفك الدماء فيها، وهتك الحرم، وغير ms2403 ذلك من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، ~~وعملوا فيها ما لا يصلح؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم ~~أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس ~~قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي ~~أخبر أنه جعله مأمنا. # PageV06P399 # والثاني: جعله مأمنا بالخلقة من ذا الوجه، يجوز أن يقال: كيف سفك فيه ~~الدماء وهتك فيه الحرم؛ وهو بالخلقة جعله مأمنا؟ # قيل: يجوز هذا بحق العقوبة؛ وإن كان بالخلقة آمنا؛ ألا ترى أنه قال: ~~(فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. . .) الآية، الطيبات ~~بالخلقة حلال؛ لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم؛ بحق العقوبة ~~والانتقام، فعلى ذلك الحرم؛ جعله مأمنا بالخلقة، ثم قتل فيه عقوبة؛ لما كان ~~منهم من المعاصي. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) الآية. # فإن قيل: كيف دعا وطلب منه العصمة؛ وقد عصمه بالنبوة والرسالة؛ واختارهما ~~له من ذلك كله؟ # قال بعض أهل التأويل: إنما سأل عصمة ولده وذريته؛ لما علم أن ذريته قد ~~يختلفون في دين الله وتوحيده، وما ذكر نفسه؛ لما المعروف أن من دعا لآخر ~~بدأ بنفسه. # قالت المعتزلة: دعاء إبراهيم وطلبه العصمة؛ مما ذكر؛ يدل أنه قد يجوز أن ~~يدعى بدعوات عبادة؛ وإن كان قد أعطاه ذلك، أو يعلم أنه مغفور. # قيل: دعاء إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام؛ يجوز أن يكون عصمتهم ~~كانت مقرونة بما طلبوه منه، وسألوه وتضرعوا إليه؛ إذ معلوم أنهم لم ~~يستفيدوا تلك العصمة؛ بإهمالهم أنفسهم، وتركهم إياها سدى؛ بل إنما أوجب لهم ~~ذلك بما أجهدوا أنفسهم في طاعة الله. # ثم الآية على المعتزلة من وجهين: # أحدهما: أن إبراهيم طلب منه العصمة عن عبادة الأصنام، وهو علم أنه يعتصم ~~إذا عصمه عن ذلك، واهتدى إذا هداه، وهم يقولون: الله يعصم ولا يعتصم العبد، ~~ويهدي ولا يهتدي العبد. ويقولون: إذا أعطى أحدا ذلك، خرج ذلك من يده، ولا ~~يملك إعطاء ms2404 ذلك، فعلى قولهم تخرج دعوات الرسل على الاستهزاء أو على ~~الكتمان؛ لأن من سأل من آخر شيئا يعلم أنه ليس ذلك عنده؛ فهو هزء، أو سأل ~~وهو يعلم أنه قد أعطاه ذلك؛ فهو كتمان، وكان خوف الأنبياء والرسل والكبراء ~~من الخلق أشد وأكثر على دينهم، والزيغ عما هم عليه؛ لما خافوا أن يكونوا ~~عند الله على غير ما هو عند أنفسهم، كانوا أبدا # PageV06P400 # وجلين خائفين على سلب ما هم عليه، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من ~~نعمه عليه أكثر؛ فخوفه أشد. # وقال أبو عوسجة: (واجنبني) أي: باعدني، وجنبني أيضا. وقال القتبي: أي: ~~جنبني وإياهم. # وقوله - عز وجل -: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم (36) # نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ~~ضلوا، وكانت الأصنام سبب إضلالهم، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب، وإن لم ~~يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله: (وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم. . .)، والسورة لا تزيدهم رجسا، لكن نسب الرجس ~~إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها ~~تكذيبا وكفرا بها، فنسب ذلك إليها، فعلى ذلك الأول. # والثاني: ينسب إلى الأحوال التي كانت بها؟ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح، ~~لكانت تضل وتغوي كذي الروح، ممن يكون منه الإضلال، لأنها تزين وتحلى ~~بالأشياء؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا؛ وإن كانت الدنيا لا تغر؛ لأنها ~~تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريرا، فعلى ذلك نسبة ~~الإضلال إلى الأصنام. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن تبعني فإنه مني). # يشبه أن يكون (مني): أي: موافقي في الدين، أو في الولاية، وحاصله - والله ~~أعلم -: معي في الدين وفي أمر الدين، وكذلك معنى ما روي:، " من غش فليس منا ~~" أي: ليس بموافق لنا، أو ليس معنا، أو ليس من ملتنا، وكذلك قوله: (فإنه ~~مني) أي: من ملتي. # وحاصله: فمن تبعني ms2405 وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني؛ أي: مما ~~أنا عليه، وكذلك قوله: " من غش فليس منا " أي: ليس مما نحن عليه. # PageV06P401 # وقوله - عز وجل -: (ومن عصاني فإنك غفور رحيم). # يشبه قوله: (ومن عصاني) ليس عصيان شرك، ولكن عصيان ما دون الشرك؛ فإنه ~~غفور رحيم. أو من عصاني فإنك غفور؛ أي: ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم؛ إذ ~~الغفران: هو الستر؛ فستر عليه إلى أجل؛ كقوله: (إنما يؤخرهم ليوم) أو يقول: ~~(ومن عصاني فإنك غفور رحيم): أي: تمكن له من التوبة والإسلام؛ فيسلم ويتوب؛ ~~فتغفر له ما كان منه من العصيان؛ وترحم عليه. # وقوله: (ومن عصاني) فيما دعوته إليه وأمرته به (فإنك غفور رحيم) تمكن له ~~من التوبة، والرجوع عما كان؛ فتغفر له وترحمه. # وقوله - عز وجل -: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون (37) # لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة؛ لأنه قال: (عند بيتك ~~المحرم) ولا بيت هنالك، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات: (ربنا إني أسكنت من ~~ذريتي) وما ذكر (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا. . .)، إلى آخر ما ذكر؛ ~~بعد ما رفع البيت. وقوله - عز وجل -: (أسكنت من ذريتي) دل أنه إنما أسكن ~~بعض ذريته؛ لم يسكن ذريته كلها؛ حيث قال: (من ذريتي). # قد امتحنه الله بمحن ثلاثة؛ لم يمتحن بمثلها أحدا من الأنبياء: # أحدها: امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع؛ وغير ذي ماء، مما لا يحتمل ~~قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله، دل أنه إنما فعل بأمر من الله تعالى. # والثاني: امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه الله تعالى ~~بكبش. # والثالث: امتحنه بإلقائه في النار؛ فألقى حتى إذا أشرف على الهلاك - ~~جعلها الله # PageV06P402 # تعالى عليه بردا وسلاما. # ففي ذلك كله دلالة رسالته. # وكانت له هجرتان: إحداهما إلى مكة؛ حيث أسكن فيها ولده، والهجرة الثانية ~~إلى بيت ms2406 المقدس؛ وهو ما ذكر: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها. . ~~.) الآية. # ثم قوله: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) هو دعاء بتعريض لا ~~بتصريح، والدعاء بالتعريض؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال ~~بالتصريح، وهو كدعاء آدم وحواء: (ربنا ظلمنا أنفسنا. . .) الآية، فهذا أبلغ ~~في السؤال من قوله: اغفر لنا وارحمنا؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه؛ ولا ~~يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران. # وقوله: (من ذريتي) يحتمل أن يكون كلمة (من) صلة؛ أي: أسكنت ذريتي، ويحتمل ~~على التبعيض؛ أي: أسكنت بعض ذريتي، على ما ذكر في بعض التأويلات: إسماعيل ~~وإسحاق. # وقوله - عز وجل -: (عند بيتك المحرم). # يحتمل قوله: (المحرم) وجهين: # أحدهما: حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح؛ لكنه خص تلك البقعة ~~بالذكر؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع؛ لفضل الحرمة التي جعلها ~~الله لها، كما خص المساجد بأشياء؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع. # والثاني: قوله: (عند بيتك المحرم): أي: الممنوع؛ يقال: حرم: أي: منع؛ ~~كقوله: (وحرمنا عليه المراضع)، ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع؛ ~~ولكن على المنع؛ أي: منعنا عنه؛ لنرده إلى أمه، فعلى ذلك قوله: (عند بيتك ~~المحرم) أي: الممنوع عن الخلق لله؛ حتى لم يقدر واحد من الفراعنة والملوك ~~الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم، بل هي ممنوعة عنهم؛ على ما كان، ~~وفيه آية الوحدانية له والألوهية. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربنا ليقيموا الصلاة). # قال بعض أهل التأويل: فيه تقديم يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ~~ليقيموا الصلاة لك عند بيتك. # PageV06P403 # ويحتمل أيضا غير هذا؛ وهو أن يقال: (أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) أي: ~~ليس فيه ما يشغلهم عن الصلاة؛ لأن الزرع وغيره من النعيم يمنع الناس عن ~~إقامة الصلاة، والعبادة لهم، أي: أسكنت من ذريتي بواد ليس فيه زرع يشغلهم ~~عن إقامة الصلاة، ثم يحتمل الصلاة: الصلاة المعروفة، ويحتمل الصلاة: الدعاء ~~والأذكار؛ وغيرها من الدعوات، ويحتمل قوله: (ربنا ليقيموا ms2407 الصلاة): الصلاة، ~~نفسها؛ وغيرها من الطاعات، وكذلك قوله: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي). # وقوله - عز وجل -: (فاجعل أفئدة من الناس). # يحتمل سؤاله ربه - أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم - وجهين: # أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع؛ ففي مثل ~~هذا المكان يستوحش المقام فيه؛ فسأل ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ~~ليأتوا ذلك المكان؛ فتذهب عنهم تلك الوحشة؛ فيستأنس بهم، أو سأله أن يجعل ~~أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطعمة إذ ~~أسكنهم في مكان لا زرع فيه، ولا ماء يعيشون فيه به، وقد جعل الله بنية هذا ~~البشر؛ أن لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه؛ ليتعيشوا بما يحمل ~~إليهم. # وقال أهل التأويل: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) للحج، وقالوا: لو ~~قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ولم يقل (من) لحجه الخلق جميعا: الكافر ~~والمؤمن، لكن لا يحتمل عندنا أن يكون سؤاله للخلق جميعا أو يكون قوله: ~~(وأذن في الناس بالحج) للخلائق جميعا: للكافر والمؤمن، بل يرجع ذلك إلى ~~خصوص. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). # يحتمل: (وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) تلك الثمرات، ويحتمل: لعلهم ~~يشكرون بما جعل لهم من التعيش بما يحمل إليهم من الأغذية والأطعمة. # وقوله: (وارزقهم من الثمرات) ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات ~~وما # PageV06P404 # به غذاؤهم وقوامهم. # وقوله - عز وجل -: (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من ~~شيء في الأرض ولا في السماء (38) # لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء منه مبتدأ، بل كأنه - والله أعلم - عن ~~نازلة دعاه؛ إذ يعلم صلوات الله عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون، ~~لكن لم يبين: ما تلك النازلة؛ وأهل التأويل يقولون: قال هذا؛ أي: (تعلم ما ~~نخفي) من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بواب لا ماء فيه ولا ~~زرع، ويقولون: (وما نعلن) وهو قوله: (ربنا إني أسكنت من ذريتي)، ms2408 لكن لا ~~نعلم ذلك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السما). # كان هذا جوابا عن الله وإخبارا منه إياه؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء؛ أي: لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء؛ فكيف ~~يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر؟ # وقوله - عز وجل -: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ~~ربي لسميع الدعاء (39) # قال أهل التأويل: إنه وهب له الولد؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا؛ لكن ~~لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن ~~الولد؛ حيث بشر بالولد؛ فقال: (أبشرتموني على أن مسني الكبر)، وحيث قالت ~~امرأته لما بشرت بالولد (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا)، يعلم أنه وهب له ~~الولد؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد. # وقوله: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) يكون حمده على ~~الأمرين جميعا: على الهبة؛ وعلى الولادة في حال الكبر؛ وهو حال الإياس؛ إذ ~~كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء. # وقوله - عز وجل -: (إن ربي لسميع الدعاء) قيل: لمجيب الدعاء. # وقوله - عز وجل -: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ~~(40) # قد سبق من الله الأمر بإقامة الصلاة؛ وهو المقيم لها؛ فدل الدعاء منه ~~والسؤال؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند الله لطفا سوى الأمر لم يعطه؛ ~~فسأله ذلك؛ هو التوفيق. # وعلى قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما ~~يعطيه. # وقوله - عز وجل -: (ربنا وتقبل دعاء). # PageV06P405 # قال بعضهم: تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته؛ لكن لا يجب أن يخص ~~دعاء من الدعوات التي سأل ربه؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة؛ نحو ما قال: ~~(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، وقوله: (ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم)، وقال: (ربنا واجعلنا مسلمين لك)، وغير ذلك من ~~الدعوات. # وقوله - عز ms2409 وجل -: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # طلب من ربه المغفرة لوالديه. # قال الحسن: إن أمه كانت مسلمة، وأما أبوه: فكان كافرا؛ لأنه قال: (واغفر ~~لأبي إنه كان من الضالين)، فخص والده بالضلال؛ دل أن أمه كانت مسلمة؛ لكنا ~~لا نعلم ما حال الأم: أمه كانت مسلمة أو كافرة، وأما أبوه فهو لا شك أنه ~~كان كافرا. # ثم لا يحتمل دعاؤه لوالديه؛ وهما كافران؛ إن كانت أمه كافرة؛ إلا على ~~إضمار الإسلام؛ أي: اغفر لهما إن أسلما، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما ~~سؤال الإسلام نفسه، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا، وألا ~~يفضحهما ولا يخزيهما، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب. ولا يحتمل طلب ~~الستر إلا أن يفصل بين قوله: (ربنا اغفر لي ولوالدي) ووبين قوله: ~~(وللمؤمنين) يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ~~ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب؛ الذي يستحقان به ~~المغفرة من ربها، ويكونان أهلا لها؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى؛ وهو ما ~~ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له، وكذلك قول هود؛ حيث قال: (ويا قوم ~~استغفروا ربكم. . .) الآية، وقوله - عز وجل -: (يوم يقوم الحساب). # يحتمل قوله: (يوم يقوم الحساب): بالعدل؛ يقول الرجل لآخر: أقم حسابي أي: ~~اعدل فيه. وإقامة الحساب: العدل فيه؛ على ما توجبه الحكمة، لا يزاد ولا ~~ينقص؛ كقوله: (ونضع الموازين القسط)، قال بعضهم: (يوم يقوم الحساب): يوم ~~يحاسبون، قيام الحساب: هو المحاسبة نفسها والله أعلم. # PageV06P406 # ويحتمل قوله: (إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) كانت له حاجات أخفاها، طلب ~~قضاءها؛ فقال: تعلم حاجاتي؛ أخفيتها، أو أعلنتها فاقضها لي، أو أن يكون ~~قومه طعنوا في شيء؛ فقال ذلك على التبري من ذلك؛ إنه يعلم ما نخفي وما ~~نعلن، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في (مني) والله أعلم؛ كقول عيسى: (تعلم ما ~~في نفسي)، أو أن يكون قال ذلك؛ لأن أهل الأديان جميعا كانوا يوالون إبراهيم ~~ويدعون أنه على دينهم؛ ولذلك قال: (ما كان إبراهيم ms2410 يهوديا ولا نصرانيا. . ~~.) الآية. # برأه الله مما ادعى كل فريق. # ثم منهم؛ من كان من هذه الفرق؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه؛ فقال ~~هذا ليعلم الناس توحيده؛ أنه لا يخفى عليه شيء؛ أخفي أو أعلن؛ ليعرفوا ~~توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى ~~أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ~~(44) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا ~~لكم الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) وترى ~~المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم ~~النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا بلاغ ~~للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (52) # وقوله - عز وجل -: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون). # قال بعضهم: المخاطب بهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ على علم ~~منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به ~~كما خاطب به في قوله: (ولا تدع مع الله إلها آخر)، وقوله: (ولا تكونن من ~~المشركين)، وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يفعل ذلك، وأصله في هذا أن ~~العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة ~~المحنة؛ والأمر والنهي؛ # PageV06P407 # لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ~~ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها. # ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظان يظن بالله الغفلة عن ظلم ~~الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: (يا أيها الإنسان ما ms2411 غرك بربك الكريم)، إنما ~~خاطب به كل غار بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: (ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون) وكل ظان بالله الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم ~~إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب ~~عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما ~~رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم أحدا منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر ~~على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على ~~القول بالغفلة. ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر ~~بالله، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا ~~بذلك على رضاه بفعلهم، وأمره إياهم بذلك. فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب ~~عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة عنه، ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ~~ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال. # (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد ~~إليهم طرفهم (43) # قال بعضهم: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ~~ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم ~~طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع ~~والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار. # ومنهم من صرف قوله: (تشخص فيه الأبصار)، و (لا يرتد إليهم طرفهم) إلى ~~البصر، وصرف قوله: (مهطعين مقنعي رءوسهم) إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع ~~آخر: (مهطعين إلى الداع)، أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة ~~عما حل بهم؛ بترك الإجابة. # PageV06P408 # والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، ~~مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: ~~مسرعين؛ على ما ذكرنا. وقال بعضهم: (مقنعي رءوسهم): أي: رافعيها؛ ملتزقة ~~إلى أعناقهم. # وقوله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون). يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون)، وقت خلقه ms2412 الخلق ~~وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين ~~أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على ~~علم منه؛ بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه ~~إياهم على علم منه ذلك، عن الحكمة. # والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما ~~في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب ~~مشاهدة. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأفئدتهم هواء). # قيل: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من ~~بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: ~~أي: خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله. # وقال بعضهم: (وأفئدتهم هواء) أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا ~~الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ~~ربنا أخرنا إلى # PageV06P409 # أجل قريب ... (44) # يحتمل قوله: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) قولهم الذي يقولون يومئذ: ~~(ربنا أخرنا إلى أجل قريب). ويحتمل: (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب) الذي ~~يحل بهم. # ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: (ربنا أخرنا إلى أجل قريب) ~~قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا ~~أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد، لكن طلبوا ~~- والله أعلم - الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم ~~في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم الإجابة، في حال الأمن؛ ~~فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: (نجب ~~دعوتك ونتبع الرسل). # وقوله - عز وجل -: (أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال). # لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: (وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت). # ثم قوله: (ما لكم ms2413 من زوال): قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: ~~كنتم تقولون: أن ليس إلا الدنيا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: ~~(إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا. . .) الآية، على ما ذكر من قسمهم ~~أنهم لا يبعثون. # وقال قائلون: قوله: (ما لكم من زوال) جواب لسؤالهم: (ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب) على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من ~~المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل. # وقال بعضهم: في قوله: (وأفئدتهم هواء): أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في ~~حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم ~~وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن ~~أسفل منكم. . .) لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب ~~الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل ~~الموت فيها، فدل أن ذلك على التمثيل لشدة خوفهم. # وقوله - عز وجل -: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ... (45) ~~بتكذيبهم الرسل. # PageV06P410 # وتأويله - والله أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ~~ليجيبوا بقولهم: (ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل)؛ والله ~~أعلم، فقال: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم) بتكذيبهم الرسل أي: ~~سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين ~~صنعوا مثل صنيعكم. # وذلك قوله - عز وجل -: (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) من التعذيب والاستئصال ~~ثم لم يتعظوا بما حل بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما ~~حل بكم في هذه الحال، وهو ما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون) فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - والله أعلم - تأويله. # وقال بعض أهل التأويل: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم): أي: عملتم ~~مثل أعمالهم، (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم ~~الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضا إذا رددتم. والله أعلم. # وفي قوله: (وسكنتم في ms2414 مساكن الذين ظلموا أنفسهم. . .) إلى آخر ما ذكر: ~~دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان ~~لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به. # أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم): فهلا نظرتم ما حل بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به. # ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ لأنهم اشتركوا في ~~المعنى الذي نزل بأولئك؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم. # وقوله - عز وجل -: (وضربنا لكم الأمثال): أي: (وضربنا لكم الأمثال)؛ ما ~~لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجزا عن مثل صنيعكم. أو ~~يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو ~~تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل ~~بكم ما نزل بهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول ~~منه الجبال (46) # مكروا، واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك. . .) الآية، وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل ~~الله؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعا، ومكروا أيضا بدين الله الذي أتت به ~~الرسل، مكروا # PageV06P411 # واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى ~~نوره إلى يوم القيامة، كقوله: (يريدون ليطفئوا نور الله) كأن مكرهم وحيلهم ~~يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم. # والثاني: يرجع إلى إطفاء الدين؛ الذي أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا ~~إليه. # وقوله - عز وجل -: (وعند الله مكرهم). # يحتمل: عند الله جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل الله وبدينه. # أو (وعند الله مكرهم): أي: عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا ~~يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة. # أو (وعند الله مكرهم): أي: عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله ~~استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب ~~فيهم؛ بما قدروا على المكر ms2415 والاحتيال عند الله ذلك كله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال). # اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله: # قرأ بعضهم: (وإن كان مكرهم) بالدال (1)؛ وهو حرف عبد الله بن مسعود، ~~وأبي، وابن عباس رضي الله عنهم. وقرأ بعضهم (وإن كان مكرهم) بالنون. # ثم اختلف في قوله: (وإن كان). # وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: ~~(ما) كثير في القرآن، كقوله: (لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين) أي: ما كنا ~~فاعلين؛ وكقوله: (إن نحن إلا بشر مثلكم) أي: ما نحن إلا بشر مثلكم. ~~PageV06P412 # وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: (إن كان وعد ربنا لمفعولا) أي: قد ~~كان وعد ربنا لمفعولا. # فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن ~~وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ~~ودين الله، بل رسالة الرسل؛ ودين الله أثبت من الجبال، لأن دين الله، ورسله ~~معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في ~~إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين. # ومن قال: (وإن كان): قد حمله على الاستعظام بمكرهم. # وعلى ذلك: من قرأ (كاد)، بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: (تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا ~~(91) من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم ~~جميعا الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث ~~الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه ~~- ضعيفة. والله سبحانه أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو ~~انتقام (47) # الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه ~~يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ ms2416 من وقت ظلمهم عن ~~غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - ~~إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد. # والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى الله عن ذلك كله. # وقول - عز وجل -: (إن الله عزيز ذو انتقام). # قال بعضهم: عزيز: لا يعجزه شيء. وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق ~~كلهم أذلاء دونه. # وقوله: (عزيز): أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب ~~الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء. # PageV06P413 # وأما ما قال أهل التأويل في قوله: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال). إنه نزل في شأن نمرود، وإنه اتخذ تابوتا، ~~وربط ثورا على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه ~~أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية. # و" لتزول " بنصب اللام الأولى، وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و ~~(لتزول) بكسر اللام الأولى، ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال ~~لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ... (48) # قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا ~~جبال، ولا آكام، قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. # وقال بعضهم: تبدل هذه الأرض أرضا غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ~~ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات. # ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل ~~لآخر: تبدلت يا فلان، لا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدين، ~~فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات. # والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: (يومئذ تحدث ~~أخبارها) وقال: (وإذا الأرض مدت)، وقال: (ويوم تشقق) (إذا السماء انشقت)، ~~(إذا السماء انفطرت)، (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب)، و ~~(ويوم نسير الجبال)، وقال: (ويسألونك عن الجبال)، وقال: (فجعلناه # PageV06P414 # هباء منثورا)، ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها ms2417 تخبر وتحدث عما عمل ~~عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ~~ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله. # فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ~~ممتد؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ (فهم لا يتساءلون)؛ قال في آية: ~~(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)، وقال: (ولا يتساءلون)، وقوله: (يسأله من ~~في السماوات والأرض)، فهو - والله أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، ~~فعلى ذلك الأول، والله أعلم بذلك. # وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين: # أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ ~~كقوله: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها)، وقوله: ~~(قرية كانت آمنة. . .) الآية، ونحوه كثير. # والثاني: تبديل نفس الأرض. # ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين: # إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في ~~الدنيا كذلك. # والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة ~~الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعا مشتركين ~~- الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام. # فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين أيضا: # أحدهما: تبديل زينتها وصفتها. # والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك ~~وزعفران، ونحو ما روي في الخبر والله أعلم. كأن قوله: (يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض) صلة قوله: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله. . .) الآية فقالوا: متى ~~يكون ذلك؟ فقال: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) يخرج جوابا لسؤالهم والله ~~أعلم. # PageV06P415 # وقوله - عز وجل -: (وبرزوا لله الواحد القهار). # قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا ~~العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذا ~~العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم. # وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا ~~لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في ~~الدنيا: فإنما ms2418 يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة. # وقوله: (وبرزوا لله): يحتمل وجهين: # أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا ~~كذلك. # والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا ~~إليه، ورغبوا فيه. # والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له. # وقوله - عز وجل -: (الواحد القهار). # الواحد: الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: ~~الجبابرة، والفراعنة. # أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر تعالى (ليجزي الله كل نفس ما كسبت) ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم ~~من قطران) وذكر (من قطران): قيل: (القطر) هو النحاس أو (آن) أي: قد انتهى ~~حره، كقوله: (وبين حميم آن). # وقيل: الصفر وقال بعضهم (من قطران) أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به،. ~~وقال بعضهم: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشد ~~إحراقا واشتعالا. # PageV06P416 # وقوله: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) إلى آخر ما ذكر: جعل ~~الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في ~~الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة ~~الرسل فيما دعوهم إليه؛ فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: ~~(وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: ~~(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا. . .) الآية؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر ~~بأمره؛ وكقوله: (احشروا الذين ظلموا. . .) الآية، وكذلك الرؤساء منهم، ~~والمتبوعون. # وقوله: (سرابيلهم من قطران ... (50) لما كانوا يفتخرون في الدنيا ~~بلباسهم، وكذلك كل نوع كانوا يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ ~~إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # والأصفاد: قيل: الأغلال: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ ~~وهو قول القتبي، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: ~~صفاد، والصفد العطية. # (سرابيلهم): قمصهم، واحدها: سربال. # (من قطران): القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي قد اشتد حره، وهو قول ~~القتبي ms2419 وأبي عوسجة. # ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ~~ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما ~~رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: (لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل)، وقوله: (ليهلك من هلك عن بينة. . .) الآية، ونحوه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتغشى وجوههم النار). # لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتقوا النار بأيديهم ذكر ~~هذا؛ لأن في الشاهد: من أصاب وجهه، أذى يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما ~~يتقون ذلك بوجوههم. والله أعلم. # PageV06P417 # (ليجزي الله كل نفس ما كسبت (51) # لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر. # وقوله - عز وجل -: (إن الله سريع الحساب). # قال بعضهم: كان قد جاء حسابه. # والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن ~~يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء يشغله عنه، ~~أو لجهل بالحساب. فأما الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء ~~عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب. والله أعلم. # أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر ~~أوالنظر، والتذكر في ذلك، فالله سبحانه متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء ~~محفوظ عنده. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولو الألباب (52) # يحتمل قوله: (هذا بلاغ): القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر ~~السورة: قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك. . .) الآية، هو بلاغ على ما ذكر. ~~والله أعلم. # (ولينذروا به): أي: بالقرآن أيضا على ما ذكر: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها)، ويحتمل قوله: (هذا بلاغ) ~~ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد) ~~إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر. # (وليعلموا أنما هو إله واحد). # لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها ms2420 على وحدانية الله وألوهيته. # (وليذكر أولو الألباب) أي: ذوو العقول، والله أعلم. # * * * # PageV06P418 ### | سورة الحجر # ذكر أنها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # * * * # قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا ~~لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) ~~وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لو ما ~~تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما ~~كانوا إذا منظرين (8) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) # قوله - عز وجل -: (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين). # قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يحتمل أن الحروف المقطعة كناية عن كتابه وآياته، ~~أو آياته؛ أنه جمعها على ما توجبه الحكمة؛ فجعلها كتابا أو آيات كتاب يتلى، ~~أو يكون كناية عن الإنباء والإخبار عن الأمم السالفة؛ التي لم يشهدها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، تلك الأنباء والأخبار التي جعلناها كتابا أو ~~آيات؛ ليعلموا أن هذا الكتاب إنما نزل من السماء، وأنه إنما علم بالوحي من ~~الله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. # (وقرآن مبين). # قال: بين فيه ما يؤتى، وما يتقى. أو (مبين): يبين بين الحق والباطل. ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) # قال عامة أهل التأويل: إنما يودون الإسلام والتوحيد، بعد ما عذب بالنار ~~قوما من أهل التوحيد بذنوبهم، ثم أخرجوا منها بالشفاعة أو بالرحمة، فعند ~~ذلك يتمنى أهل الشرك؛ ويودون الإسلام والتوحيد؛ لكن هذا بعيد ألا يتمنوا ~~إلا في النار بعد ما أخرج أولئك وقد أصيبوا الشدائد والبلايا؛ من قبل أن ~~يأتوا النار، قال الله تعالى: (حتى إذا جاء # PageV06P419 # أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا) الآية، أخبر أنه يتمنى ~~عند حلول الموت - الإسلام؛ حيث طلب الرجوع إلى الدنيا، دل أنهم يودون ~~الإسلام؛ قبل الوقت الذي ذكروا، أو يتمنون الإسلام إذا حوسبوا، أو إذا بعث ~~أهل الجنة إلى الجنة وبعثوا ms2421 هم، إلى النار، يتمنون الإسلام قبل ذلك بمواضع، ~~وربما يتمنى الآحاد من الكفرة، ويودون لو كانوا مسلمين في أحوال؛ وأوقات؛ ~~يظهر لهم الحق، وقد بان لهم الحق؛ لكن الذي يمنعهم عن الإسلام - فوت شيء من ~~الدنيا، وذهاب شيء قد طمعوا فيه. # وقال الحسن في قوله: (الر تلك آيات الكتاب): قسم؛ لما ذكر: (ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين)؛ يقول: أقسم بالحروف المقطعة أنهم يوذون ~~الإسلام. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) ~~هذا ليس على الأمر، ولكن على الوعيد، والتهديد، والإبلاغ في الوعيد، ~~وتأكيد؛ كقوله: (اعملوا ما شئتم. . .) الآية،، هو على الوعيد؛ حيث قال: ~~(إنه بما تعملون بصير)، فعلى ذلك قوله: (ذرهم يأكلوا) وعيد بقوله: (فسوف ~~يعلمون)، ويشبه أن يكون: ذرهم ولا تكافئهم بصنيعهم. # وقوله - عز وجل -: (فسوف يعلمون) المحق من المبطل، وأن المحق والمبطل من ~~أنت أو هم؛ أو سوف يعلمون نصحك إياهم، وشفقتك لهم، أنك نصحت لهم، وأشفقت ~~عليهم لا أن خنتهم أو يعلموا بما سخروا بكم وهزءوا. # وقوله: (ويلههم الأمل). # الأمل: الطمع، اختلف فيه: قال بعضهم: أي: منعهم طمعهم أنهم وآباءهم قد ~~أصابوا الحق، ذلك منعهم عن الإجابة، والنظر في الآيات والحجج. # والثاني: تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم الرياسة، والشرف، ذلك الذي ~~كان # PageV06P420 # يمنعهم عن الإجابة له، والانقياد له، والنظر في الآيات والحجج. # والثالث: يطمعون هلاك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويتمنون ذلك، ~~وانقطاع ملكه، وأمره، والعود إليهم، فذلك الذي كان منعهم. # وفي حرف حفصة: (ذرهم يخوضوا ويلعبوا ويلههم الأمل). # وقوله: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا. . .) الآية في قوم علم الله أنهم لا ~~يؤمنون، آيس رسوله عن إيمانهم؛ وهو كقوله: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون). # وقوله - عز وجل -: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) # قال الحسن: وما أهلكنا من أهل قرية إهلاك تعذيب؛ إلا وقد أرسلنا إليهم ~~رسلا بكتاب معلوم، نتلو ذلك الكتاب المعلوم عليهم، فإذا كذبوهم وأيسوا من ~~إيمانهم؛ فعند ذلك يهلكون هلاك تعذيب، وهو ما قال: (وما كان ربك مهلك ms2422 القرى ~~حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا)، فعلى ذلك الأول. # وقال بعضهم: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) يقول: كتاب فيه ~~أجل معلوم مؤقت لها؛ على هذا التأويل؛ كأنه قد خرج جوابا لقول كان من أولئك ~~الكفرة من استعجالهم الإهلاك. # وقوله - عز وجل -: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) # أي: ما تسبق أمة عن أجلها الذي جعل الله لها بالإهلاك، وما تستأخر عنه، ~~وهو ما قال: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أي: ما يستأخرون ساعة عن ~~الوقت الذي جعل لهم ولا يستقدمون. # فهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله يجعل لخلقه آجالا، ثم ~~يجيء آخر فيقتله قبل الأجل الذي جعله له، والله يقول: (لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون)، وقال: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب)، ~~يخبر أنه لجاءهم العذاب؛ لولا ما جعل من أجل مسمى؛ قد وعد جل وعلا أن يفي ~~بما وعد؛ من البلوغ إلى الأجل الذي سمى. # PageV06P421 # وعلى قول المعتزلة: لا يملك إنجاز ما وعد؛ لأنه يجيء إنسان؛ فيقتله؛ ~~فيمنع الله عن وفاء ما وعد، فذلك عجز وخلف في الوعد، فنعوذ بالله من السرف ~~في القول، والزيغ عن الحق. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ... (6) يعني: ~~القرآن. # (إنك لمجنون). # قال الحسن: قوله: يا أيها الذي تدعي أنه نزل عليه الذكر: إنك لمجنون؛ ~~فيما تدعي من نزول الذكر، هو على الإضمار الذي قال الحسن، وإلا في الظاهر ~~متناقض؛ لأنهم كانوا لا يقرون بنزول الذكر عليه؛ لأنهم لو أقروا نزول الذكر ~~عليه لكان قولهم متناقضا فاسدا. # (إنك لمجنون) سموه مجنونا، والذي حملهم على تسميتهم إياه مجنونا وجوه: # أحدها: أنهم لما رأوه أنه قد أظهر الخلاف لذوي العقول منهم والأفهام، ~~والدعاء إلى غير ما هم فيه؛ فرأوا أنه ليس يخالف أهل العقول والفهم إلا ~~بجنون به؛ فسموه مجنونا. # والثاني: رأوه قد أظهر الخلاف للفراعنة والجبابرة، الذين كانت عادتهم ~~القتل والهلاك من أظهر الخلاف لهم؛ في أمر من أمورهم الدنياوية؛ ms2423 فكيف من ~~أظهر الخلاف لهم، في الدين؟ فظنوا أنه ليس يخالفهم، ولا يخاطر بنفسه وروحه ~~إلا لجنون فيه. # والثالث: قالوا ذلك لما رأوه؛ كان يتغير لونه عند نزول الوحي عليه؛ فظنوا ~~أن ذلك لآفة فيه، ومن تأمل حقيقة ذلك علم أن من قرفه بالجنون فيه هو ~~المجنون لا هو؛ حيث قال: (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة. . .) الآية، ~~وقال: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون)، أخبر أنهم لو تفكروا عرفوا أنه ليس به ~~جنة، ولكن عن معاندة ومكابرة؛ يقولون؛ وجهل، وسموه مرة ساحرا؛ فذلك تناقض ~~في القول؛ لأنه لا يسمى ساحرا إلا لفضل بصر وعلم؛ فذلك تناقض. # وقوله - عز وجل -: (لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) # تأويله - والله أعلم - يقولون له: إنك تزعم أن الملائكة يأتونك بالوحي، ~~فهلا أظهرت # PageV06P422 # لنا إذا أتوك؛ فننظر إليهم ملائكة هم - على ما تزعم - أم شياطين؟ # وقال بعضهم: لو ما تأتينا بالملائكة فيشهدون أنك رسول الله، وأنك أرسلت ~~على ما تدعي من الرسالة؛ فقال: (ما ننزل الملائكة إلا بالحق ... (8) إلا ~~بالموت، (وما كانوا إذا منظرين). # قال بعضهم: أن ليس في وسع البشر رؤية الملائكة على صورتهم؛ فقال: (ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق): إلا بالموت، لو رأوا لماتوا؛ لما لم يجعل في ~~وسعهم رؤية الملائكة، وهو كقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك. . .) الآية، ~~أخبر أنه لو أنزل عليهم الملك - لماتوا؛ إذ ليس في وسعهم رؤية أن ملائكة ~~على صورتهم، ثم أخبر أيضا أنه لو جعله ملكا لجعله رجلا، ويكون في ذلك لبس ~~على أولئك. # وقال بعضهم: (ما ننزل الملائكة): أي: إلا بالحجج والآيات والبراهين على ~~الرسل، وعلى من هو أهل لذلك، ليس على كل أحد. # وقال بعضهم: (إلا بالحق): أي: إلا بالعذاب الذي يكون فيه هلاكهم، وهكذا ~~إن الملائكة لا تنزل إلا بالعذاب الذي فيه هلاكهم أو بالحجج والبراهين. ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا نحن نزلنا الذكر ... (9) يعني القرآن وإنا له ~~لحافظون) # حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيما وكل ms2424 الحفظ إلى نفسه؛ ~~لم يقدر أحد من الطاعنين مع كثرتهم منذ نزل موضع الطعن فيه، وذلك يدل أنه ~~سماوي، وأنه محفوظ. # وقال بعضهم: (وإنا له لحافظون): أي: محمدا عليه أفضل الصلوات: أي: نحفظه ~~بالذكر الذي أنزل عليه؛ كقوله: (والله يعصمك من الناس)، وكقوله: (قل إن ~~ضللت فإنما أضل على نفسي. . .) الآية. أخبر أنه إنما يهتدي بما يوحي إليه ~~ربه، فعلى ذلك يحفظه بالقرآن الذي أنزل عليه. # ويحتمل أن يكون الذكر: النبوة؛ أي: إنا نحن نزلنا النبوة، وإنا له: أي: # PageV06P423 # لرسوله؛ لحافظون له: بالنبوة والرسالة. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا ~~يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا ~~فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين). # قيل: في ملك الأولين. وقيل: في فرق الأولين. وقيل: في جماعات الأولين، ~~وهو واحد. # (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) # يصبر رسوله على استهزاء قومه إياه، وأذاهم له. # يقول - والله أعلم -: لست أنت المخصوص بهذا، ولكن لك شركاء وأصحاب في ~~ذلك؛ ليخف ذلك عليه ويهون؛ لأن العرف في الخلق أن من كان له شركاء وأصحاب ~~في شدة أصابته أو بلاء يصيبه - كان ذلك أيسر عليه، وأهون من أن يكون مخصوصا ~~به، من بين سائر الخلائق. والله أعلم. # كان هذه الآية صلة قولهم: (يا أيها الذي نزل عليه الذكر)، فكأنه لما سمع ~~هذا اشتد عليه، وضاق صدره بذلك؛ فعند ذلك قال: (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين. . .) إلى آخره، يصبره على أذاهم وهزئهم به؛ فإنما يشتد عليه ذلك؛ ~~على قدر شفقته ونصيحته لهم، وكان بلغ نصيحته وشفقته لهم ما ذكر: (لعلك باخع ~~نفسك) وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، كادت نفسه تهلك، أو ذكر هذا له ~~لما أن هؤلاء - أعني قومه - إنما استهزءوا به تقليدا لآبائهم، واستهزاء بهم ms2425 ~~وتلقنوا منهم، لا أنهم أنشئوا ذلك من أنفسهم، وأولئك - أعني: الأوائل - ~~إنما استهزءوا برسلهم، لا تقليدا بأحد، ولكن إنشاء من ذات أنفسهم، فمن ~~استهزأ بآخر فشتمه تقليدا واقتداء وتلقنا - كان ذلك أيسر عليه وأخف ممن فعل ~~به من ذاته؛ لأنه إنما يلقن المجانين والصبيان ومن به آفة، بمثل ذلك؛ فهم ~~الذين يعملون بالتلقين، وأما العقلاء السالمون عن الآفات - فلا، فذلك أهون ~~عليه من استهزاء أولئك برسلهم والله أعلم. # PageV06P424 # وقوله - عز وجل -: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) # اختلف فيه: قال بعضهم: كذلك نسلك التكذيب والاستهزاء في قلوب المجرمين؛ ~~لا يؤمنون به، يقول: من حكم الله أن يسلك التكذيب في قلب من اختار التكذيب ~~وكذبه، ومن حكمه أن يسلك التصديق في قلب من صدقه واختاره؛ كقوله: (فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، وكقوله: (وما يضل به إلا الفاسقين). # وقال بعضهم: قوله: (كذلك) نجعل الكفر والتكذيب (في قلوب المجرمين) ~~بكفرهم؛ كقوله: (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. . .) الآية، وقوله: ~~(وجعلنا قلوبهم قاسية)، ونحوه. # ويحتمل قوله: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) الحجج والآيات؛ ليكون ~~تكذيبهم وردهم الآيات والحجج، وتكذيبهم تكذيب عناد ومكابرة، لا يؤمنون به. # وقوله: (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) أي: مثل الذي سلكنا في قلوب ~~المؤمنين؛ من قبول الآيات والحجج، والتصديق لها؛ لما علم أنهم يختارون ذلك ~~- نسلك في قلوب المجرمين؛ من تكذيب الآيات والحجج وردها؛ لما علم منهم الرد ~~والتكذيب لها. هذا يحتمل، ويحتمل غير هذا مما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد خلت سنة الأولين (13) # يحتمل قوله: (وقد خلت سنة الأولين) بالتكذيب، والرد، والمعاندة، ~~والمكابرة، بعد قيام الحجج والآيات. # ويحئمل: (وقد خلت سنة الأولين): الهلاك والاستئصال عند مكابرة حجج الله، ~~ومعاندتهم إياها. # وقال بعض أهل التأويل: (كذلك نسلكه) أي: نجعله؛ على ما ذكرنا، الكفر ~~بالعذاب (في قلوب المجرمين)، (لا يؤمنون به) أي: لا يصدقون بالعذاب (وقد ~~خلت سنة الأولين) بالتكذيب لرسلهم بالعذاب، فهؤلاء يستنون بسنتهم. # وقال أبو عوسجة: (كذلك نسلكه): أي: ندخله؛ يقال: السالك: الداخل، ~~والسلوك: الدخول، وسلكت أدخلت، وتصديقه: ms2426 قوله: (كذلك سلكناه). # PageV06P425 # وقال: (اسلك يدك في جيبك) أي: أدخل. # وقوله - عز وجل -: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ~~(14) # يخبر - عز وجل - عن سفههم وعنادهم في سؤالهم الآيات؛ وطلب نزول الملائكة ~~بقوله: (لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين) يقول: إن سؤالهم ~~الآيات؛ وما سألوا متعنتين مكابرين؛ ليسوا هم بمسترشدين، لكن أهل الإسلام ~~لا يعرفون تعنتهم بالذكر؛ حيث قال: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ~~آية. . .) الآية، ثم قال: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)، وذلك أن ~~المؤمنين كانوا يشفعون لهم بسؤالهم الآيات لعلهم يؤمنون؛ فأخبر: (وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) وفعلى ذلك قوله: (ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون) يخبر أنهم بسؤالهم نزول الملائكة؛ معاندين ~~مكابرين - ليسوا بمسترشدين. # ثم اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: (ولو فتحنا عليهم): يعني على الملائكة ~~بابا حتى رأوا، وعاينوا الملائكة ينزلون من السماء ويصعدون؛ فلا يؤمنون؛ ~~وقالوا: (إنما سكرت أبصارنا) وقيل: حيرت وسدت، (بل نحن قوم مسحورون): أي: ~~سحرت أعيننا؛ فلا نرى ذلك. # وقال بعضهم: قوله: (ولو فتحنا عليهم) أي: لهم (بابا من السماء) وكقوله: ~~(وما ذبح على النصب) أي: للنصب. # وقوله - عز وجل -: (فظلوا فيه) حتى (يعرجون) فيه ويعاينون نزول الآيات ~~ويشاهدون كل شيء (إنما سكرت أبصارنا) ويؤيس رسوله وأصحابه عن إيمانهم، ~~وقوله تعالى: (لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) يقولون ~~ذلك لشدة تعنتهم وسفههم، وينكرون معاينة ذلك. # * * * # قوله تعالى: (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها ~~من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم ~~فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه وما # PageV06P426 # أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه ~~حكيم عليم ms2427 (25) # وقوله - عز وجل -: (ولقد جعلنا في السماء بروجا (16) قيل: نجوما، ويحتمل ~~البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك ~~منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة. ويحتمل ما ذكر من البروج: هي ~~مطالع ما ذكر من الشمس والقمر والنجوم. # وقوله - عز وجل -: (وزيناها للناظرين) يعني السماء للناظرين. # وفي قوله: (وزيناها للناظرين) دلالة نقض قول من ينهى عن النظر إلى السماء ~~من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها للناظرين، ~~ثم ينهى عن النظر إليها، دل أنه لا بأس أللناظرين، وقال في آية أخرى: (وهو ~~الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها. . .) الآية، وقال في موضع آخر: (ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح)، وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: ~~يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه ~~زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ~~ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا ~~أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما ~~بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباها؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ~~ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في ~~الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع ~~بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها ~~كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر ~~مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد منهما بسلطان الآخر؛ # PageV06P427 # كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال ~~كالأضداد في حق المنفعة. # وقوله - عز وجل -: (وحفظناها ... (17) # يعني: السماء، (من كل شيطان رجيم) ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء ~~فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ~~ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، ~~فيقولون: ألم ms2428 نخبركم بالمطر في يوم كذا وكذا، وكان حقا، ثم منعوا عن ذلك - ~~عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله ~~الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو قوله: (ويقذفون من كل جانب (8) دحورا). ~~وقوله: (فأتبعه شهاب ثاقب). # ويحتمل (وحفظناها): أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء ~~من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن ~~أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من ~~الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله: (إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه. . .) الآية. # ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: (ويقذفون. . .) الآية. # ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن. # وقال بعضهم: (رجيم): اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان ~~لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر (دحورا). # وقوله - عز وجل -: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ... (19) وقال في، ~~آية أخرى: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) يعني الجبال، في ظاهر هذا ~~أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها ~~التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ~~ثباتها بشيء كان طبعه التسفل والتسرب؟ إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب ~~والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ~~ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، ~~بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # PageV06P428 # وقوله - عز وجل -: (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون). # قال بعضهم: (فيها): يعني في الجبال، (من كل شيء موزون): يعني: ما يوزن من ~~نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ~~ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما ~~يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا ~~فيها، أو خلقنا فيها. # وقال بعضهم: (وأنبتنا فيها): يعني: في الأرض؛ من كل ألوان ms2429 النبات، ~~(موزون): أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: (وما ننزله إلا بقدر معلوم). # ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزونا في الآخرة من الزروع وغيرها من ~~الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما ~~يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير. # ويحتمل قوله: (من كل شيء موزون): ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما ~~يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من ~~الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ~~وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت. والله أعلم. # قال أبو عوسجة: (فظلوا فيه): أي صاروا يومهم (يعرجون): يرتفعون ويصعدون. # وقال غيره: ظلوا: أي: [مالوا]، كقوله: (فظلت أعناقهم لها خاضعين)، أي: ~~مالت، وقال: قوله: (سكرت أبصارنا): أي تحيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، ~~وقال: يقال أيضا تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر ~~سكرا: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكرا: أي: ~~حبسته، # PageV06P429 # والسكر: السد، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكرا؛ فهو سكران، وقوم ~~سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: (وجاءت ~~سكرة الموت بالحق)، أي: شدته. # وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سد، فالسكر اسم ما ~~سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين. # وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت. وقوله - عز وجل - (بروجا): قال: ~~اثنا عشر برجا، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: (وحفظناها من كل شيطان رجيم ~~(17) إلا من استرق السمع) يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من ~~أمرها شيئا إلا استراقا، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء. # وقال أبو عوسجة: (إلا من استرق السمع (18) # يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوما حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، ~~وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ~~ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم. و (شهابا): ~~كوكب، ms2430 وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة. # وقال بعضهم: (شهاب مبين) لرسول الله كان له خاصة لم يكن قبل والله أعلم. # وقوله: (وجعلنا لكم فيها معايش ... (20) أي: في الأرض والجبال. # وقوله - عز وجل -: (ومن لستم له برازقين). # قال الحسن: أي: جعلنا لكم في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم ~~أيضا، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم ~~وإياكم. # وقال بعضهم: (ومن لستم له برازقين): الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه ~~قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة ~~كانوا يمنون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: نحن ربيناه، ~~وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جوابا لهم: ~~(وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) أي: محمدا. # PageV06P430 # وقوله - عز وجل -: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم (21) # يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ ~~أي: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي ~~خزائننا. # (وما ننزله إلا بقدر معلوم). # على هذا (وما ننزله): أي: ما نعطيه (إلا بقدر معلوم): أي: وإن كان عندكم ~~مخزونا محبوسا - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء. # ويحتمل قوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) والخزائن: هي الأمكنة الخفية ~~التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء ~~كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن ~~تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره ~~وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه. # وقال الحسن: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه): أي: الماء الذي جعل به حياة ~~كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، ~~وقال: ألا ترى أنه قال: (وما ننزله إلا بقدر معلوم)، ذكر الإنزال: وهو الذي ~~ينزل ms2431 من السماء طاهرا. هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء ~~خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه ~~حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب ~~عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ~~ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك. # ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر ~~على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه ~~أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ~~ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال ~~في آخره: (وإن ربك هو يحشرهم). # PageV06P431 # وقوله: (إلا بقدر معلوم) على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا ~~بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه. ويحتمل: (إلا بقدر معلوم) أي: بقدر سابق ~~معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون ~~لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره. # أو (بقدر معلوم) محدود؛ أي: ليس ينزل جزافا، ولكن معلوما محدودا. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) # قال بعضهم: (لواقح): حوامل. # وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات. # وقال أبو عوسجة: (لواقح) تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: ~~يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: ~~شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح ~~الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت ~~إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: ~~لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل. # قال القتبي: قال أبو عبيدة: (لواقح): إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد ~~أنها تلقح الشجر، وتلقح ms2432 السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من ~~الأشجار، والسحاب، وغيره. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له ~~بخازنين). # هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: (فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ~~وما أنتم له بخازنين)، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر. # (وما أنتم له بخازنين): أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ ~~الذي ذكر أنه أنزل من السماء. ويحتمل (وما أنتم له) أي: لله (بخازنين): أي: ~~ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل. # وعلى تأويل الآخر: (وما أنتم له بخازنين): بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن. # وقوله - عز وجل -: (وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) # PageV06P432 # أي: الباقون، يفنى الخلق كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثا؛ ~~لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باق وكذلك يخرج قوله: (إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ~~(24) # قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، ~~وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم. # وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون ~~منهم ويولد؛ ولذلك قال: (وإن ربك هو يحشرهم): من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ ~~إلى يوم القيامة. # وقال الحسن: (ولقد علمنا المستقدمين منكم) وفي الخير (المستأخرين) في ~~الشر. # وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد. # وقوله - عز وجل -: (إنه حكيم عليم (25) # الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها. # والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع ~~الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله. # وقوله: (عليم): عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم. أو عليم بوضع ~~الأشياء مواضعها. # * * * # قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ms2433 ساجدين ~~(29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ~~(31) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر # PageV06P433 # خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال ~~فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40) ~~قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم (44) # وقوله - عز وجل -: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) وقال ~~في آية آخرى: (خلقكم من طين)، وقال: (من طين لازب)، وقال في آية أخرى: ~~(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)، وقال: (خلقناكم من تراب)، ذكر مرة ~~الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة ~~الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على ~~الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول ترابا، وفي حال طينا لازبا، ~~وفي حال حمأ مسنونا؛ وهو الذي اسود وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخارا. فقبل ~~أن يكون خلقا مركبا الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ~~ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: (خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم من # مضغة)، ذكر فيه أحوالا ثلاثة قبل أن يخلق لحما وعظما، في حال كان نطفة، ~~ثم صار علقة، ثم صار مضغة. # فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على ~~اختلاف الأحوال على ما ذكرنا. # أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن ~~الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي ~~يكون منه البنيان، والأوانى، والقدور، وجميع أنواع المنافع. وأما الطين ~~الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ms2434 ذكرنا، ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، ~~فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في ~~آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب. # ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب ~~وطين؛ # PageV06P434 # وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ~~ليس في النطفة التي خلق البشر منها من أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على ~~إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي ~~خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه شيء، ولا في النطفة التي خلق منها ~~أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ~~ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم ~~قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها ~~عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين ~~الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك ~~الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به لا من اتخاذ البنيان، والأواني، ~~والقدور، ولا ينبت الزروع أيضا، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على ~~التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة. فدل أنه إنما خلقه من طين ~~لازب؛ طاب أصله. # فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب ~~شيئا، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال: (من ماء دافق)، وقال: (من ~~ماء مهين). # والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس. والحمأ: الطين الأسود. والمسنون: ~~المنتن المتغير. # وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام ~~والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنه. # وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نقرته ~~صوت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون ~~-أيضا-: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبا سهلا، وسن ms2435 الماء على وجهك، ~~وهو قول القتبي. # PageV06P435 # وقال أبو عوسجة: (من حمإ مسنون): الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل ~~البئر، ومن هذا سمي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، ~~والتنور، يحمى: إذا اشتد حره. ومسنون: أي: مخلوق. # وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ ~~أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا. والله أعلم بذلك. # وقوله تعالى: (والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) # قال بعضهم: الجان: هو إبليس. وقال بعضهم: الجان: هو أبو الجن، وإبليس: هو ~~أبو الشياطين؛ سقوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى ~~أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله: (شياطين الإنس والجن) وذلك ~~لتمردهم، والجان مقتدر عن الجن. والله أعلم بذلك. # والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من ~~نار، والمارج هو المنقطع منها. # وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: (من نار السموم): ~~الحارة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار ~~- فمن طبعه الارتفاع والعلو، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ ~~وهو الجان الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما ~~خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها. # والجان: قال أبو عوسجة: الجن: واحد الجان، والجمع: جان؛ سمي ذلك ~~لاستجنانه. وقال غيره: الجن: الجماعة، والجان الواحد. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ ~~مسنون (28) فإذا سويته (29) # أي أتممته (ونفخت فيه من روحي) وقال في آية أخرى: (فنفخنا فيها من ~~روحنا). # PageV06P436 # لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا أمن قوله: (ونفخت فيه من روحي)، ~~(فنفخنا فيه من روحنا)، ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: ~~(ثم استوى على العرش)، و (استوى إلى السماء)، ونحوه - استواء الخلق؟ بل فهم ~~نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ~~ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه ms2436 اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل ~~الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: حدود الله، ~~وحكم الله، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله. وقد أخبر أنه (ليس كمثله شيء)، ~~أو تلقين من الشيطان. # وقوله: (روحي) (روحنا) أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون ~~به حياة الخلق على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فقعوا له ساجدين). # يحتمل أن يكون قوله: (خالق بشرا) ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم ~~بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدل أنه قد يجوز تقدم ~~الأمر عن وقت الفعل. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن ~~يكون مع الساجدين (31) # ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ ~~لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم ~~وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه. # قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ ~~نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهما، يسقط الاستثناء ما أجمل من ~~الاسم حتى صار تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم ~~- فلابد أن يكون الكل فيه مضمرا؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا ~~فلانا - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل ~~علماء بلدة كذا إلا # PageV06P437 # فلانا، فعلى ذلك تخصيص العموم. # وقال الحسن: في قوله: (من صلصال من حمإ مسنون) قال: الصلصال: هو الطين ~~الحر الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون ~~خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله: (ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين)، يقول: استلها من بين ظهراني الطين؛ لا من ~~كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: (ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين) ليس من كل ما؛ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء. وقال: ms2437 ~~الجان: إبليس؛ هو أبو الجن (خلقناه من قبل): أي: من قبل آدم (من نار ~~السموم): يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه ~~خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) (قال لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون) وقال في موضع آخر: (إلا إبليس أبى ~~واستكبر) وقال له: (قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين)، وقال في ~~موضع آخر: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)، وقال في موضع آخر (ما منعك أن ~~تسجد)، وقال في موضع آخر: (خلقتني من نار وخلقته من طين). # ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم تكن ~~معه مرارا؛ ولكن بمرة واحدة. # وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله تعالى قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعا في ~~مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في ~~كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه ~~دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألا يغير ~~المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أدي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، ~~وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاخرج منها فإنك رجيم (34) # قوله: (فاخرج منها): قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض. وقال بعضهم: # PageV06P438 # اخرج من الأرض إلى جزائر البحر. وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو ~~اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: ~~تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك. # وقوله - عز وجل -: (رجيم) قيل: الرجيم: الملعون. وقيل: الرجيم: ما يرجم ~~بالكواكب. # وقوله - عز وجل -: [(وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35)] # اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، ~~حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ms2438 ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة ~~القائمة. # وقوله - عز وجل -: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من ~~المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) # لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن ~~الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما ~~لزمه؛ ووجب عليه. # مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله تعالى إبليس؛ مع علمه ما يكون ~~منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ ~~وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، فمع ما علم أنه يكون منه فما الحكمة ~~في خلقه؟ # قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق ~~لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصانا في ~~ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ~~ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم. # وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظرا للأولياء؛ ليعلم أولياؤه ~~الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعا أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ ~~واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس ~~الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم ~~يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله # PageV06P439 # لهم، وفضائله التي أكرمهم بها. # وقال بعضهم: خلق الأعداء نظرا للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر، ~~وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها ~~علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة ~~معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها ~~حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعصاة الخلق؛ لحكمة ~~جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ~~ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله تعالى خلق ~~الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار ms2439 والإيثار ~~- ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - ~~نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم ~~باختيارهم. وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ~~ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم ~~المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان. # وقوله - عز وجل -: (فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) # قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ~~ونحوه. لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه تعالى أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين ~~له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال: (وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان ~~نكص على عقبيه. . .) أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان ~~بين له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل على ما ~~ذكرنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ... (39) # قال الحسن: قوله: (بما أغويتني): أي: لعنتني. وهذا منه احتيال وفرار عن ~~مذهب # PageV06P440 # الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: (أغويتني) يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن ~~اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال ~~سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء. # وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز ~~أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأن الشاتم والساب لآخر - في الشاهد بما ~~يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم. وأصله: أن ~~قوله: (رب بما أغويتني) يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم ~~أنه يختار الغواية والضلال. # وقوله: (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين): كأنه ~~يقول: رب بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا ~~وأمثاله فيما تقدم. # فإن قيل: قوله: (أغويتني) قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه. قيل: لو ~~كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذبا ms2440 لكذبه فيه، ورد عليه قوله، كما كذبه في ~~قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال: (فاهبط ~~منها فما يكون لك أن تتكبر فيها)، فلما لم يرد عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف ~~إليه حرف الإغواء دل أن إضافة الإغواء إليه، والإضلال حقيقة أو أن يكون ~~قوله: (خلقتني من نار وخلقته من طين) إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث ~~أخبر أنه خلفه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر. ~~وأما قوله: (أغويتني) ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله ~~إذا كان كاذبا فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك ~~اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذبا فما تصنعون بقول نوح - ~~عليه السلام - حيث قال: (إن كان الله يريد أن يغويكم)، وقول موسى: (فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم). # ثم قوله: (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا ~~عبادك منهم المخلصين (40) يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوه ~~بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك ~~جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا) لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا ~~منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند # PageV06P441 # التصدق؛ لكنه إخبار عما قصدوا وعزموا، بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون ~~هذا من الله إخبارا عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ~~ذكر (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون)، أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا. # ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: ~~(وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين ~~أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: (رب بما أغويتني): أي: لعنتنى وشهدت علي ~~بذلك (لأزينن لهم في الأرض ms2441 ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين ~~(40) المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، ~~والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك. ~~والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم ~~بذلك؛ برحمة الله وفضله. # والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا ~~يستوجب بالله. # ويقولون: الله لا يغوي أحدا لا إبليس، ولا أحدا من أتباعه؛ فإبليس أعرف ~~بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحدا ولا يختص أحدا إلا بصنع ~~يكون منه. # وقوله - عز وجل -: (هذا صراط علي مستقيم (41) # قال بعضهم: قوله (علي) بمعنى إفي: أي: علي صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا ~~بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء. # ويحتمل قوله: (علي مستقيم): أي: علي بيانه وهو مستقيم؛ كقوله: (وعلى الله ~~قصد السبيل): أي: بيان قصد السبيل. # وقال بعضهم: لما قال إبليس: (ولأغوينهم أجمعين) قال الله تعالى: (هذا ~~صراط علي مستقيم) يقول: علي ممر من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته ~~-: إن طريقك علي. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ... (42) # يحتمل قوله: (ليس لك عليهم سلطان) أي: ليس لك عليهم حجة (إلا من اتبعك من # PageV06P442 # الغاوين) فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان. # ويحتمل قوله: (ليس لك عليهم سلطان): تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك ~~من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن ~~يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطانا. # وقوله تعالى: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) # أي: لموعد إبليس وأتباعه. # وقوله - عز وجل -: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ~~ألا ترى أنه قال: (لكل باب منهم جزء مقسوم) فهذا يدل أن المراد بالأبواب: ~~الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا ~~يكون ms2442 للأبواب نفسها. # قال الحسن، والأصم: (لها سبعة أبواب) يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، ~~لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين ~~أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضا بابا لفريق ~~أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين، والدهرية. # وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: (ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين) والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: (ولأغوينهم) فإذا ~~كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل ~~الكبائر فيه. # ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا ~~يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم ~~الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم ~~يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، ~~وباب للمنافقين. فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ~~ذلك كله لأهل الكفر. # * * * # قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب ~~وما هم منها بمخرجين (48) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم (50) # وقوله - عز وجل -: (إن المتقين في جنات وعيون). # PageV06P443 # إن كان أهل الكبائر في قوله: (لها سبعة أبواب) فيكون قوله: إن المتقين ~~الذين اتقوا الكبائر؛ وإن كان أصحاب الكبائر لم يدخلوا في قوله: (لها سبعة ~~أبواب)، فيكون قوله: (إن المتقين) للذين اتقوا الشرك. # وقوله - عز وجل -: (في جنات). # أي: في: بساتين، والبساتين: هي التي التقت بالأشجار والنخيل. # والعيون قد تكون جارية في الدنيا، وقد تكون غير جارية، فأخبر في آية أخرى ~~بأن عيون الآخرة تكون جارية؛ بقوله: (فيهما عينان تجريان). # (وعيون): قال بعضهم: ذكر العيون؛ ليعلم أن مياه الجنة - ليست تكون من ~~الثلوج والأنهار العظام - على ما تكون في الدنيا - ولكن تنبع فيها. # وقال بعضهم: ذكر العيون؛ لأنه ينبع في بستان كل أحد عين على حدة، لا يأتي ~~بستانه من ملك آخر، ومن بستان آخر، على ms2443 ما يكون في الدنيا؛ ولكن تنبع في ~~جنة كل أحد عين على حدة، على ما أراد الله، ليس أنها تتصل بالأرض؛ كما ذكر ~~في قصة بني إسرائيل: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا)، أنشأ الله في ذلك ~~الحجر ما يخرج لهم على غير اتصاله بالأرض، ولكن بلطفه ينشئ فيه ماء، فعلى ~~ذلك في الجنان التي وعد. # ويشبه أن يكون ذكر هذا لما يختلف رغائب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في ~~العين؛ ويتلذذ بالنظر إليها، ومنهم من يرغب في النهر الجاري، فذكر مرة ~~العيون، ومرة الأنهار؛ كقوله: (تجري من تحتها الأنهار)، على ما ذكر مرة ~~الخيام، والقباب، والغرف، وأنواع الفرش والبسط، والكيزان والأكواب، ~~والجواري والغلمان، وغير ذلك على ما يرغب الناس في الدنيا: منهم من يرغب في ~~نوع لا يرغب في نوع آخر؛ فذكر فيها كل ما يرغبون في الدنيا؛ ليبعثهم ذلك ~~على العمل الذي به يوصل إلى ذلك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ادخلوها بسلام آمنين (46) # قال بعضهم: قوله: (ادخلوها بسلام آمنين): أي: اجعلوا دخولكم فيها بسلام؛ ~~على ما أمرهم في الدنيا أن يجعلوا الدخول في المنازل بالسلام؛ كقوله: (فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا # PageV06P444 # على أنفسكم. . .) الآية، وعلى ما أخبر أن الملائكة يسلمون عليهم؛ كقوله: ~~(سلام عليكم طبتم)، وكقوله: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما)، وقال بعضهم: قوله: (ادخلوها بسلام آمنين): أي: ادخلوها ~~بسلام لا يصيبكم مكروه؛ آمنين لا ينغصهم خوف ولا حزن، على ما أخبر (فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون). وقال بعضهم: [ ### | .... # ]. وقوله - عز وجل -: (ونزعنا ما في صدورهم من غل (47) # قال بعضهم: هو صلة قوله: (إن المتقين في جنات وعيون) أي: نزعنا ما في ~~صدورهم من غل؛ الذي كان في الدنيا بالكفر؛ فصاروا إخوانا بالإسلام الذي ~~هداهم إليه؛ فكانوا إخوانا، ثم قيل لهم: ادخلوا الجنة بلا غل، وهو ما قال: ~~(فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)، قد نزع ~~من قلوبهم الغل في الدنيا، فصاروا إخوانا فدخلوا الجنة. # وقال بعضهم: قوله: ms2444 (ونزعنا ما في صدورهم من غل) وفي الآخرة إذا دخلوا ~~الجنة وتقابلوا واتكئوا على سرر، فعند ذلك ينزع الغل من قلوبهم، والمظالم ~~التي كانت بينهم، فإذا كان هذا فهو بين أهل الإسلام. # وعلى ذلك يحتمل أن يكون كل من جفا آخر في الدنيا أن ينسى الله ذلك منهم ~~في الجنة؛ لأن ذكر الجفاء ينغص النعم التي فيها، وكذلك ما يكون بين الرجل ~~وولده من الجفاء والعقوق - يجوز أن ينسى ذلك عليهم. وعلى ذلك ما روي عن علي ~~رضي الله عنه؛ قال: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال ~~الله: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين). # وقوله - عز وجل -: (متقابلين): قال بعضهم: يجعل الله منازلهم بعضها مقابل ~~بعض؛ فينظر بعضهم إلى بعض، ويزور بعضهم بعضا. # وقال بعضهم: يأمر الله السرر التي هم عليها جلوس؛ ليكون بعضها مقابل بعض، ~~إذا # PageV06P445 # اشتهى بعضهم زيارة بعض، ولا يكونون مدبرين؛ ولا معرضين، بل مقبلين، يخبر ~~عن اجتماعهم في الآخرة في الشراب، وأنواع المطاعم على ما يستحسن في الدنيا ~~الإخوان بينهم الاجتماع على الشراب والطعام، والتلذذ، والنظر بعضهم إلى ~~بعض، فعلى ذلك أخبر أن لهم في الآخر كذلك اجتماع في الشراب، والنظر، وأنواع ~~التلذذ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يمسهم فيها نصب (48) # أي: عناء ومشقة، أخبر أنه لا عناء يمسهم كما يكون في الدنيا؛ لأن في ~~الدنيا: من أطال المقام في موضع يمل عن ذلك ويسأم، وكذلك إذا أكثر من نوع ~~من الطعام؛ أو الشراب، أو الفاكهة - يمل عن ذلك ويسأم، ويؤذيه، ولا يوافقه، ~~فأخبر أن أهل الجنة لا يملون ولا يؤذيهم طعامها؛ وإن أكثروا. # وقوله - عز وجل -: (وما هم منها بمخرجين). # أخبر أنهم لا يخرجون منها، ولا هم يطلبون الخروج منها؛ كقوله: (لا يبغون ~~عنها حولا)؛ لأن خوف زوال النعم ينغص على صاحبها تلك النعمة، وطعمها؛ فأخبر ~~أنهم فيها أبدا، وتلك النعمة لهم دائمة غير زائلة عنهم والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (نبئ عبادي أني أنا الغفور ms2445 الرحيم (49) # قال بعضهم: (نبئ عبادي) أي: أخبرهم (أني أنا الغفور الرحيم) لمن استغفرني ~~وتاب عما ارتكب من معاصيه، (وأن عذابي هو العذاب الأليم) لمن عصاني، ولم ~~يستغفر، ولم يتب إليه. # ويحتمل غير هذا؛ وهو أن يقول: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) لئلا ~~ييئسوا من رحمتي، ولا يقنطوا مني، ولكن يرجون رحمته وعفوه، ويخافون عذابه ~~ونقمته، ونبئهم أيضا أن عذابي هو العذاب الأليم لئلا يكونوا آمنين أبدا؛ ~~فيكون فيه أمر بأن يبشر، وأن ينذر؛ كأنه قال بشر أوليائي أني أنا الغفور ~~الرحيم لأوليائي، وأن عذابي شديد أليم لأعدائي. # وفي قوله: (نبئ عبادي) فيه بشارة ونذارة: أما البشارة: فهو قوله: (أني ~~أنا الغفور الرحيم)، وأما النذارة: فهو قوله: (وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم). # PageV06P446 # قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال ~~إنا منكم وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال ~~أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن ~~من القانطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم ~~أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) # وقوله - عز وجل -: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم). # أي: نبئ قومك عن ضيف إبراهيم؛ أي: نبئهم بتمام ما فيه من الزجر والموعظة؛ ~~لأن في ذلك أخبار ما نزل بالمكذبين؛ بتكذيبهم الرسل، وهو الإهلاك، ونجاة من ~~صدق الرسل، ففيه تمام ما يزجرهم، ويعظهم، من الترهيب والترغيب، فإن فيهم ~~آية لرسالتك ونبوتك؛ لأنه يخبرهم على ما في كتبهم لم يشهدها هو، فيدلهم أنه ~~إنما عرف ذلك بالله. # أو نبئهم؛ فإن ذلك ما يزجرهم عن مثل صنيعهم، وفيه ذكر نعم الله؛ لأنهم ~~جاءوا بالبشارة؛ بشارة الولد، وجاءوا بإهلاك قوم مجرمين، فذلك بالذي يزجرهم ~~عن مثله، والبشارة ترغبهم في مثل صنيع إبراهيم، فنبئهم فإن فيه ما ذكرنا. # ودل قوله: (ضيف إبراهيم) أن الضيف اسم لكل نازل على آخر، طعم عنده أو لم ~~يطعم، وكان نزله ms2446 للطعام أو لا. # وقوله - عز وجل -: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ... (52) # أي: سلموا على ايراهيم، فرد إبراهيم عليهم السلام. # وقال أبو بكر الأصم: السلام جعله الله أمانا بين الخلق، وعطفا فيما ~~بينهم، وسببا لإخراج الضغائن من قلوبهم. # وقال بعضهم: جعل الله السلام تحية على كل داخل على آخر، وهو ما ذكرناه. # وقال بعضهم: السلام: هو اسم كل خير وبز وبركة؛ كقوله: (لا يسمعون فيها ~~لغوا إلا سلاما)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا منكم وجلون) أي: خائفون. # قال بعض أهل التأويل: إنما خاف؛ لأنه ظن أنهم لصوص وأهل ريبة، لكن هذا لا ~~يحتمل أن يخاف منهم؛ ويظن أنهم لصوص وأهل ريبة، وقد سلموا عليه وقت ما ~~دخلوا # PageV06P447 # عليه، واللصوص وأهل الريبة إذا دخلوا بيت آخر لا يسلمون عليه، لكنه إنما ~~خافهم إذ رأى أيديهم لا تصل إليه؛ كما قال: (فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم وأوجس منهم خيفة)، عند ذلك خافهم؛ فلما رأى ذلك ظن إبراهيم أنهم ~~ملائكة؛ إنما جاءوا لأمر عظيم؛ حيث لم يتناولوا مما قرب إليهم؛ وبين ~~إبراهيم وبين المكان الذي يرتحل منه - مكان يقع لهم الحاجة إلى الطعام. # وقوله - عز وجل -: (لا توجل ... (53) أي: لا تخف: (إنا نبشرك بغلام ~~عليم). # وقال في آية أخرى: (فبشرناه بغلام حليم)، والحلم: هو الذي ينفي عن صاحبه ~~كل أخلاق دنية، والعلم: هو الذي يدعو صاحبه إلى كل خلق رفيع؛ ليعلم أنه ~~اجتمع فيه جميع الخصال الرفيعة، ونفى عنه كل خلق دنيء. # وقوله - عز وجل -: (أبشرتموني على أن مسني الكبر ... (54) # أي: أبشرتموني أن يولد لي، وأنا على الحال التي أنا عليها، أو يرد إلي ~~شبابي وشباب امرأتي. # (فبم تبشرون) على الحال التي أنا عليها وامرأتي، أو يرد الشباب إلينا، ~~وإلا لا يحتمل أن يخفى عليه قدرة الله هبة الولد في حال الكبر، لكنه لم ير ~~الولد يولد في تلك الحال، فاستخبرهم أنه يولد في تلك الحال، أو يرد إلى ~~حالة أخرى حالة الشباب. والله سبحانه أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا بشرناك ms2447 بالحق فلا تكن من القانطين (55) # أي: بما هو كائن لا محالة، أي: وعد كائن لا محالة، والواجب على كل من ~~أنعم عليه بنعمة أن يشتغل بالشكر للمنعم، لا يستكشف عن الوجوه التي أنعم، ~~والأحوال التي يكون عليها. # ثم في بشارة الولد بشارتان: # إحداهما: بشارة بالغلام. # والثانية: بالبقاء والبلوغ إلى وقت العلم؛ حيث قالوا: (إنا نبشرك بغلام ~~عليم)، وهو ما قال في آية أخرى: (ويكلم الناس في المهد وكهلا)، ففي قوله " ~~كهلا " دلالة وبشارة: إلى أنه يبقى إلى أن يصير كهلا، وإلا الكهل يضعف. # PageV06P448 # وقوله - عز وجل -: (فلا تكن من القانطين). # قد ذكرنا فيما تقدم أن الأنبياء قد نهوا عن أشياء قد عصموا عنها ما لا ~~يحتمل أن يكون منهم ما نهوا عنه؛ نحو قوله: (فلا تكن من الممترين)، (ولا ~~تكونن من المشركين)، و (من الظالمين)، (الكافرين)، وأمثاله، وذلك مما لا ~~يتوهم كونه منهم؛ وذلك لما ذكرنا أن العصمة لا ترفع المحنة؛ لأنها لو رفعت ~~لذهبت فائدة العصمة؛ لأنها إنما يحتاج إليها عند المحنة، وأما إذا لم يكن ~~محنة فلا حاجة تقع إليها، فعلى ذلك إبراهيم لم يكن قنط من رحمة ربه؛ أنه لا ~~يهب له الولد في حال كبره؛ ولكن ما ذكرنا، ثم بين أنه لا يقنط من رحمة ربه ~~إلا الضالون: أخبر أن القنوط من رحمة الله هو ضلال، والإياس من رحمته كفر، ~~فعندهم تضيق رحمته حتى لا يسع فيها الكبائر، والمعتزلة يقنطون من رحمة ~~ربهم؛ لقولهم في أصحاب الكبائر ما يقولون. # وقوله - عز وجل -: (قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) # قيل: فما خبركم، وما قصتكم، وما شأنكم؟ والخطب: الشأن؛ أي: على أي أمر ~~وشأن أرسلتم. # (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) # لم يحتمل أن يكون أول ما أخبروا إبراهيم وقالوه هذا، ولكن كان فيه ما ذكر ~~في آية أخرى: (قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين)، ~~(إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)، فقال ~~إبراهيم (إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم ms2448 بمن فيها)، يذكر هاهنا على الاختصار؛ ~~فذلك يدل أن الخبر إذا أدى معناه يجوز، وإن لم يؤت بلفظه على ما كان. # وقوله - عز وجل -: (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط ~~(59) كأن الثنيا هاهنا تكون عن الأشخاص، وأنفس أهل القرية؛ عن قوله: ~~(مجرمين)؛ لأن آل لوط لم يكونوا مجرمين؛ فلا يحتمل الاستثناء من ذلك. # أو لا يكون على حقيقة الثنيا، وإن كان في الخبر استثناء. # وقوله - عز وجل -: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته ... ~~(60) # أخبر أنهم يهلكون قومه، ثم استثنى له منهم، ثم امرأته من آله؛ ففيه دلالة ~~أن الثنيا # PageV06P449 # ليس برجوع؛ لأنه لو كان رجوعا لكان يوجب الكذب في الخبر، ولكن في الثنيا ~~بيان تحصيل المراد مما أجمل في اللفظ. # وفيه دلالة أيضا أنه يجوز أن يستثنى من الاستثناء؛ لأنه اسشى امرأته من ~~آله؛ بقوله: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته) فحصلت المرأة ~~من قومه؛ حيث استثناها من آله. # وفيه أنه قد يجوز أن يستثنى من خلاف نوعه؛ لأنه استثنى آل لوط من قومه، ~~والمجرم ليس من نوع الصالح، ثم استثنى امرأته من آله؛ وهي ليست منهم. # وفيه أيضا أن آل الرجل يكون أتباعه؛ حيث استثنى آله منهم، يدخل فيه من ~~تبعه؛ ألا ترى أنه قال: آل فوعون، وإنما هم أتباعه، وآل موسى، وآل هارون، ~~وآل عمران: كل يرجع إلى أتباعهم، فيدخل في قولهم: اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد - كل من تبعه. والله أعلم. # وقوله: (إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين). # قال أبو بكر الأصم: (قدرنا إنها): أي: أخبرنا، لكن هذا منه احتيال على ~~تقوية مذهب الاعتزال؛ لأنهم ينكرون أن يكون أفعال العبيد مقدرة لله مخلوقة، ~~ففي ذلك دلالة أن أفعالهم مخلوقة لله، مقدرة له، وأصله: أي: قدرنا بقاءها ~~من الأصل. # وقوله - عز وجل -: (لمن الغابرين): أي: الباقين. # قال أبو عوسجة: الغابرون: الباقون، والغابرون: الماضون أيضا؛ يقال: غبر ~~يغبر غبرا: إذا بقي، وإذا مضى أيضا. # * * * # قوله تعالى: (فلما جاء آل لوط ms2449 المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) ~~قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث ~~تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء ~~أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ~~ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم ~~فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) ~~فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) # وقوله - عز وجل -: (فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون ~~(62) # PageV06P450 # أي: إنكم قوم منكرون؛ لا تعرفون بأهل هذه البلدة، وإنما قال لهم هذا؛ لأن ~~قومه إنما يعملون ما يعملون بالغرباء؛ لا يعملون بأهل البلد؛ ألا ترى أنهم ~~قالوا له: (أولم ننهك عن العالمين)، أن تضيف أحدا منهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) # هذا ليس بجواب لما سبق من قوله: (إنكم قوم منكرون)، ولكن قالوا ذلك له، ~~والله أعلم بعدما كان بين لوط وقومه مجادلات ومخاصمات من ذلك قوله: (إن ~~هؤلاء ضيفي فلا تفضحون)، (واتقوا الله ولا تخزون)، وغير ذلك من المخاصمات. # وقد كان لوط يعدهم العذاب بصنيعهم الذي كانوا يصنعون؛ ولذلك قالوا له: ~~(فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)؛ فعند ذلك قالوا: # (بل جئناك بما كانوا فيه يمترون). # قال بعضهم: بما كانوا فيه يشكون؛ بما كان يعدهم من العذاب. وقال بعضهم: ~~(بما كانوا فيه يمترون) أي: بما كانوا، يجادلون وينازعون، أو يقول: بل ~~جئناك بجزاء ما كانوا يمترون. # ثم امتراؤهم، يحتمل مجادلتهم إياه، ويحتمل ما كانوا عليه من الريبة. # وقوله - عز وجل -: (وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) # قال بعضهم: (وأتيناك بالحق): أي: بنجاتك؛ ونجاة أهلك وإهلاك قومك. وقال ~~بعضهم: (وأتيناك بالحق): أي: بالعذاب الذي كنت تعدهم. # (وإنا لصادقون) فيما نقول، يحتمل هذا: أن لم يكن هذا منهم قولا ms2450 قالوه؛ ~~لأن لوطا يعلم أنهم صادقون فيما يقولون؛ حيث علم أنهم ملائكة الله، لكن ~~أخبر عنهم على ما كانوا عليه، على غير قول كان منهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت ~~منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) # أي: ببعض من الليل. وقال بعضهم بسحر؛ على ما قال: (نجيناهم بسحر) # PageV06P451 # وهو بعض سحرا كان أو غيره. # (واتبع أدبارهم) أي: سر من ورائهم، وهكذا الواجب على كل مولى أمر جيش أن ~~يتبع أثرهم، أو يأمر من يتبع أثرهم؛ ليلحق بهم من تخلف منهم، ويحمل المنقطع ~~منهم؛ وليكون ذلك أحفظ لهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يلتفت منكم أحد) قال بعضهم (ولا يلتفت) أي: لا ~~يتخلف منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون. # وقال في آية أخرى: (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك). # فإنها تتخلف عنكم؛ فيصيبها ما أصاب أولئك، هذا يدل أن ليس في تقديم ~~الكلام وتأخيره منع، ولا في تغيير اللسان ولفظه بعد أن يؤدي المعنى خطر؛ ~~لأن قصة لوط وغيرها من القصص ذكرت وكررت على الزيادة والنقصان، وعلى اختلاف ~~الألفاظ واللسان، فدل أن اخلاف ذلك لا يوجب تغييرا في المعنى، ولا بأس ~~بذلك. # وقال بعضهم: في قوله: (ولا يلتفت منكم أحد): أي: لا ينظر أحد وراءه، فهو ~~- والله أعلم - لما لعلهم إذا نظروا وراءهم فرأوا ما حل بهم: من تقليب ~~الأرض وإرسالها عليهم - لا تحتمل بنيتهم وقلوبهم؛ فيهلكون أو يصعقون، ألا ~~ترى أن موسى مع قوته لم يحتمل اندكاك الجبل، ولكن صعق؛ فصار مدهوشا في ذلك ~~الوقت، فهؤلاء أضعف، وما حل بقومهم أشد فبنيتهم أحرى ألا تتحمل ذلك. والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ~~(66) قوله: (وقضينا) قيل: أوحينا إليه، كقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب): أي: أوحينا إليهم، وقال بعضهم: قوله: (وقضينا إليه) أي: أنهينا ~~إليه وأعلمناه، وهو قول الكسائي والقتبي. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الأمر). # يحتمل قوله: ذلك الأمر هو ما ذكر: أن دابر هؤلاء مقطوع ms2451 مصبحين، هذا الذي # PageV06P452 # أوحى إليه وأعلمه. # ويحتمل قوله: (وقضينا إليه ذلك الأمر) أي: أوحينا إلى محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -: أن ذلك الأمر الذي بلغك مقطوع مصبحين. # ويحتمل الوحي إلى لوط على البشارة: أن دابر قومه مقطوع مصبحين. # أي: مقطوع نسلهم، فيه إخبار عن قطع نسلهم، وفي الخبر عن قطع نسلهم إخبار ~~عن هلاكهم. # وقوله - عز وجل -: (أن دابر هؤلاء): قال بعضهم: أصل هؤلاء. وقال بعضهم: ~~دابر هؤلاء مقطوع: أي: مستأصلون، (مصبحين): ليس يريد به حين أصبحوا، وحين ~~بدا طلوع الفجر، ولكن أراد طلوع الشمس؛ ألا ترى أنه قال: # (فأخذتهم الصيحة مشرقين)، وإشراق الشمس: هو ارتفاعها وبسطها في الأرض، دل ~~أنه ما ذكرنا. والله أعلم. # والصيحة: تحتمل وجوها: # أحدها: ذكر الصيحة؛ لسرعة هلاكهم أي: قدر صيحة. # والثاني: أهلكوا بالصيحة، أو صاح أولئك لما أهلكوا، والصيحة اسم كل عذاب. # وقوله - عز وجل -: (وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) # يحتمل: يسرون بنزول أضيافه، أو يبشر بعضهم بعضا؛ لما رأوا بهم من حسن ~~الهيئة والمنظر، ورفعة اللباس. # وقوله - عز وجل -: (قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) # يحتمل هذا وجهين: فلا تفضحوني في ضيفي؛ فإنهم إنما نزلوا بنا على أمن ~~منا؛ فلا تفضحوني عندهم، وهو ما قال في آية أخرى: (ولا تخزون في ضيفي)، ~~ويحتمل: لا تفضحوني في الخلق، يقولون: إن في أهل بيت لوط يفعل بالأضياف ~~كذا، وإنما عرف أهل بيتي عند الخلق بالصلاح والأمن فلا تفضحوني في الخلق؛ ~~واتقوا الله في صنيعكم بالرجال، ولا تخزون عند الخلق؛ قيل: هو من الهوان. # ويشبه أن يكون قوله: (واتقوا الله ولا تخزون (69) أن يكون الإخزاء: هو ~~الفضيحة، دليله ما # PageV06P453 # ذكر: أن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون؛ فيكون هذا تفسير ذلك. # ويحتمل الهوان، وكذلئط قيل في قوله: (إن الخزي اليوم)، أي: الهوان اليوم. # وقوله - عز وجل -: (أولم ننهك عن العالمين (70) # هذا يدل على أنه قد كان سبق النهي عن إنزال الأضياف؛ كأنهم قد نهوه عن ~~إنزال الأضياف؛ لذلك قالوا: (أولم ننهك عن العالمين). # قال أبو بكر الأصم: يخرج قولهم: ms2452 (أولم ننهك عن العالمين) مخرج الاعتذار ~~له؛ لأنهم كانوا يعظمون الرسل - أعني: أقوام الرسل جميعا - إذ لم يكن من ~~الرسل، إليهم، سوى الخلاف في الدين والدعاء إلى دين الله، فهم وإن كذبوا ~~الحجج التي أتت بها الرسل فقد كانوا يعظمونهم؛ ألا ترى أنه قال لرسولنا ~~صلوات الله عليه: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. . .) الآية، والأول ~~أشبه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) وفي موضع آخر: ~~(هؤلاء بناتي هن أطهر لكم)، وقد ذكرنا في السورة التي فيها ذكر هود. # قال بعضهم: إنما عرض عليهم نساء قومهم؛ لأنه كالأب لهم على ما ذكر أن ~~نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهاتهم. وقال بعضهم: في ذكر البنات ~~إخبار منه لهم بنهاية فحش صنيعهم؛ لأنه يجوز ورود الشرع على بناته لهم، ولا ~~يجوز حل ذلك بحال. # وقوله - عز وجل -: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) # قال الحسن: يقسم الله بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله، ~~وإنما أقسم بحياة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ولم يقسم بحياة غيره ~~وبغيره. # وقال بعضهم: قوله: (لعمرك) كلمة تستعملها العرب في أقسامهم؛ على غير ~~إرادة القسم بحياة أحد. ومنهم من قال: إنما ذلك على التعريض؛ وأصله: أن ~~الله قد أقسم بأشياء: أقسم بالشمس، والقمر، والليل، والنهار، وأقسم ~~بالجبال، والسماء، وغيرها من الأشياء التي تعظم عند الخلق، فرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقد أخبره أنه أرسله رحمة للخلق وهدى - أولى أن يعظم ~~بالقسم به؛ ألا ترى أنه قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) # PageV06P454 # فمن كان رحمة للعالم كله أولى أن يعظم من غيره؛ إذ منافعه أعتم وأكثر. # وقال بعضهم: (لعمرك): القسم ليس بحياة الرسول؛ ولكن بدينه، وهو قول ~~الضحاك. # وقوله - عز وجل -: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون). # قال بعضهم: السكرة: الشدة التي تحل بهم عند الموت، شبههم بحيرتهم التي ~~فيهم بسكرة الموت، يعمهون أي: يترددون. # وقال بعضهم: في ضلالتهم وكفرهم، يعمهون: يتحيرون. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) # قد ذكرنا ms2453 في غير موضع اختلافهم في الصيحة: قال بعضهم: الصيحة هي العذاب ~~نفسه؛ أي: أخذهم العذاب. وقال بعضهم: سمي (الصيحة) لسرعة نزوله بهم، وأخذه ~~إياهم. # وقوله - عز وجل -: (مشرقين). # قال بعضهم: أشرقت الشمس: إذا ارتفعت وأنارت، وشرقت: إذا بزغت، وهو قول ~~الكسائى. # وقال أبو عوسجة: (مشرقين): أي: إذا أشرقوا، أي: إذا طلعت الشمس عليهم، ~~وقد ذكرنا هذا. # وقوله - عز وجل -: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ~~(74) قد ذكرناه في السورة ألتي فيها ذكر هود. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # قال بعضهم: (للمتوسمين): للمتفرسين؛ من الفراسة، وروي في ذلك خبر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يرويه أبو سعيد الخدري؛ قال: " اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله " قال: ثم قرأ: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين). ~~فإن ثبت الخبر، وثبت تلاوة هذه الآية على إثر ما ذكر فهو هو. # PageV06P455 # وقال بعضهم: (للمتوسمين): المعتبرين. وقيل: المتفكرين. وقيل: الناظرين. ~~ذكروا أنه آية للمعتبرين، ولكن لم يبينوا من أي وجه يكون آية لمن ذكر؛ ~~فيحتمل وجوها: # أحدها: آية للمتوسمين: للمعتبرين لرسالته؛ لأنه ذكر قصة إبراهيم ولوط - ~~على ما كان - وهو لم يشهدها؛ فذلك يدل على صدقه وآية لرسالته. # والثاني: آية لصدق خبر إبراهيم، وصدق لوط؛ لأنهم كانوا يخبرون قومهم أن ~~العذاب ينزل بهم، وغير ذلك من الوعيد، فيدل ذلك على صدق خبر الأنبياء عليهم ~~السلام في كل ما يخبرون. # والثالث: في هلاك من أهلك منهم؛ ونجاة من أنجى منهم - آية لمن ذكر، من ~~هلك منهم هلك بالتكذيب، ومن نجا منهم نجا بالتصديق؛ فيكون لهم آية. # والرابع: قد بقي من آثار من هلك منهم آية؛ فيكون هلاكهم آية لمن ذكر. ~~وأصل هذا أن الله ذكر: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين): أي: المؤمنين المتقين، ~~والاعتبار والتفكر للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون. قال: والمتوسم: هو الذي ~~يعمل بعلامة، وكذلك المتفرس: هو الذي يعمل بعلامة في غيره، ينظر في غيره: ~~بأن هلاكه بم كان؟ # فينزجر عن صنيعه ويتعظ به، وهو كالمتفقه الذي يعمل بالمعنى. ms2454 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنها لبسبيل مقيم (76) # أي: طريق دائم لا يزول، يعلم أن في ذلك لآية للمؤمنين؛ وهو ما ذكرنا أن ~~الآية تكون للمؤمن. والله أعلم. # ذكر في الآية الأولى: (الآيات) لأنه أنبأ إبراهيم وقصته، وقصة قوم لوط؛ ~~ففي ذلك آيات لمن ذكر. وذكر في هذه الآية: (لآية للمؤمنين (77)؛ لأنه ذكر ~~شيئا واحدا؛ وهو السبيل. # PageV06P456 # قوله تعالى: (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا ~~فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم ~~الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) # وقوله - عز وجل -: (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين). # أي: وقد كان أصحاب الأيكة لظالمين. والأيكة: ذكر أنها الغيضة من الشجر؛ ~~وهي ذات آجام وشجر، كانوا فيها فبعث إليهم شعيب وهم في الغيضة. # وذكر أبعض، أهل التأويل: أن شعيبا بعث إلى قومين: إلى أهل غيضة مرة، وإلى ~~أهل مدين مرة؛ على ما ذكر: (وإلى مدين أخاهم شعيبا)، وقال في آية أخرى: ~~(كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177). # وقوله: (وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين) سمى الله تعالى الكفرة بأسماء ~~مختلفة: سماهم مرة ظالمين، ومرة فاسقين، ومرة مشركين، واسم الظلم قد يقع ~~فيما دون الكفر والشرك، وكذلك اسم الفسق يقع فيما دون الكفر والشرك، ثم ~~الكفر لم يقبح لاسم الكفر، وكذلك الإيمان لم يحسن لاسم الإيمان؛ إذ ما من ~~مؤمن إلا وهو يكفر بأشياء ويؤمن بأشياء؛ قال الله تعالى: (فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله)، المؤمن يكفر بالطاغوت وبالأصنام؛ التي كان أهل ~~الكفر عبدوها، وكذلك الكافر يؤمن بأشياء ويكفر بأشياء: يؤمن بالأصنام ويكفر ~~بالله؛ فثبت أن الكفر لاسم الكفر - ليس بقبيح، وكذلك الإيمان لاسم الإيمان ~~- ليس بحسن، ولكن إنما حسن؛ لأنه إيمان بالله، والكفر إنما قبح؛ لأنه كفر ~~بالله. # وأما الظلم: فهو لاسم الظلم قبيح، وكذلك الفسق لاسم الفسق قبيح؛ فسماهم ~~بأسماء هي لاسمها قبيحة، لكن الإيمان المطلق هو الإيمان بالله، والكفر ~~المطلق هو # PageV06P457 # الكفر بالله، ms2455 وإن كان يسمى بدون الله كفرا وإيمانا؛ كما قلنا: الكتاب ~~المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله؛ وإن كان اسم الكتاب والدين يقع ~~على ما دونه. # وقوله - عز وجل -: (فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) # ذكر الانتقام منهم؛ ولم يذكر هاهنا بم كان الانتقام، وقال في آية أخرى: ~~(فأخذتهم الرجفة)، وقال في آية أخرى: (فأخذتهم الصيحة)، وقال في آية أخرى: ~~(فأخذهم عذاب يوم الظلة)، فيحتمل أن يكون الرجفة لقوم؛ والصيحة لقوم؛ وعذاب ~~يوم الظلة لقوم منهم، أو كان كله واحدا؛ فسماها بأسماء مختلفة، وليس لنا ~~إلى معرفة ذلك العذاب حاجة - سوى ما عرف أنهم إنما أهلكوا أو عذبوا ~~بالتكذيب؛ ليكون ذلك آية لمن بعدهم؛ ليحذروا مثل صنيعهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فانتقمنا منهم) للرسل؛ كما انتقمنا من قوم لوط للوط؛ ~~بسوء صنيعهم، وسوء معاملتهم إياه، فعلى ذلك ننتقم من أهل مكة لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ بسوء صنيعهم ومعاملتهم إياه، وقد كان ما نزل بأصحاب ~~الأيكة كفاية مزجر لهم، وعظة لا يحتاج إلى ذكر ما نزل بقوم لوط. # وقوله - عز وجل -: (وإنهما) قال بعضهم: يعني قوم لوط، وقوم شعيب. # وقوله: (لبإمام مبين): أي: طريق مستبين؛ أي: بين هلاكهم. # وقوله - عز وجل -: (وإنها لبسبيل مقيم)، (وإنهما لبإمام مبين) - واحد؛ ~~أي: بين واضح آثارهم من سلك ذلك الطريق؛ أو دخل قراهم ومكانهم - لاستبان له ~~آثار هلاكهم؛ وما حل بهم. # وقوله: (لبإمام مبين): أي: طريق يؤتم، ويقصد؛ بين واضح. # وقوله - عز وجل -: (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) # قال أهل التأويل: أصحاب الحجر: هم قوم صالح ثمود، وقالوا: الحجر: هو اسم ~~واد. وقيل: هو اسم القرية على شط الوادي؛ نسبوا إليه. # وقوله: (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) قال أهل التأويل: يعني بالمرسلين ~~أولم # PageV06P458 # يذكر؛ صالحا وحده، لكن ذكر المرسلين؛ لأن صالحا كان يدعوهم إلى ما كان ~~دعا سائر الرسل، فإذا كذبوه فكأن قد كذبوا الرسل جميعا؛ إذ كل رسول كان ~~يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعا، فإذا كذب واحد منهم - فقد كذب الكل. والله ~~أعلم. ms2456 # وقوله: (وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) # تحتمل الآيات: آيات وحدانية الله وحججه، ويحتمل: جميع الآيات: آيات ~~الوحدانية، وحججه، وآيات رسالتهم. (معرضين): أي: لم يقبلوها؛ فإذا لم ~~يقبلوها - فقد أعرضوا عنها؛ أو أعرضوا عنها، أي: كذبوها. # وقوله - عز وجل -: (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) # يحتمل آمنين عما وعدهم صالح من عذاب الله؛ حيث قالوا: (يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين)، كانوا آمنين عن ذلك. # وقال بعضهم: كانوا آمنين عن أن يقع عليهم ما نحتوا لحذاقتهم، وهو ما قال: ~~(وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين)، على تأويل بعضهم: حاذقين. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) يحتمل: أخذتهم ظاهرة ~~بالنهار. # وقوله - عز وجل -: (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) # يحتمل قوله: (فما أغنى عنهم): أي: ما كانوا ينحتون، لا يغنيهم من عذاب ~~الله من شيء. # ويحتمل: فما أغنى عنهم ما عملوا من عبادة الأصنام والأوثان؛ حيث قالوا: ~~(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ولقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله) أي: لم يغنهم ما عبدوا من عذاب الله. # أو يقول: ما أغنى عنهم ما متعوا وأنعموا في هذه الدنيا؛ في دفع عذاب الله ~~عن أنفسهم؛ كقوله: (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم. . .) الآية، أي: وإن ~~أعطوا ما ذكر؛ من السمع، والبصر، والأفئدة، إذا لم ينظروا، ولم يتفكروا في ~~آيات الله فجحدوها. # PageV06P459 # قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلاق العليم (86) ولقد آتيناك ~~سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين ~~(89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فوربك ~~لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر ~~فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك ~~وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # وقوله - عز وجل ms2457 -: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق). # يحتمل (بالحق): الحق الذي جعل لنفسه على أهلها، والحق الذي لبعض على بعض، ~~والحق: هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل، والباطل: اسم كل مذموم من ~~القول والفعل. # قال بعضهم: تأويله: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهودا لله ~~بالحق على أهلها. # وقوله - عز وجل -: (إلا بالحق): أي: لم يخلقهما لغير شيء؛ ولكن خلقهما ~~للمحنة؛ يمتحنهم بالعبادة فيها، وإلى هذا ذهب الحسن. # وقيل: خلقهما وما بينهما لأمر كائن؛ أي: لعاقبة: للثواب أو الجزاء، لم ~~يخلقهم للفناء خاصة؛ ولكن للعاقبة؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث؛ وهو ما ~~قال: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، أخبر أن خلقهم لا ~~للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وجائز أن يكون قوله: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية) على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة، لوجهين: # أحدهما: ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء ~~خاصة؛ وخلق الشيء للفناء خاصة عبث باطل؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة ~~تقصد - عبث. # والثاني: أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء، وفي الحكمة ~~التفريق # PageV06P460 # بينهما، وما قال: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا. . .) الآية. لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا؛ ولكن لما أنكروا ~~البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا. # وقوله - عز وجل -: (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل). # قال بعضهم: (فاصفح الصفح الجميل) أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بما آذوك ~~بألسنتهم وفعلهم (وإن الساعة لآتية) فإني أكافئهم عنك على أذاهم إياك ~~وصنيعهم يومئذ. # والصفح الجميل: هو ما لا نقض فيه ولا منة في العرف؛ أي: اصفح الصفح ما ~~يوصف فيه بتمام الأخلاق، وما لا نقض فيه ولا منة يحتمل الصفح الجميل: هو أن ~~يصفح ولا يمن عليهم، كأنه أمره أن يصفح صفحا لا منة فيه. # قوله تعالى: (وإن الساعة لآتية) فتجزى أنت على صفحك الجميل؛ وهم على ms2458 ~~أذاك. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك هو الخلاق العليم (86) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم، لا خلقهم ~~عن غفلة وجهل بذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه، ~~ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم. # والثاني: إن ربك هو الخلاق لخلقه؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم، ~~ذلك أصلح في دينهم من المكافأة. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) # اختلف في قوله: (سبعا من المثاني): قال بعضهم: (سبعا من المثاني): ~~المثاني: هو القرآن كله؛ كقوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني). وقيل: سمي مثانيا لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء؛ فإن كان على ~~هذا فيكون قوله: (سبعا من المثاني): أي: سبعا من القرآن العظيم. # PageV06P461 # ثم يحتمل السبع الطوال؛ على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ كأنه قال: آتيناك ~~سبعا من القرآن العظيم. ويحتمل: (سبعا) يعني فاتحة الكتاب من القرآن؛ أي: ~~آتيناك فاتحة الكتاب من القرآن. وقال قوم: يقولون: سبع المثاني: فاتحة ~~الكتاب، ويروون على ذلك حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مروي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني " وعن أبي رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما أنزل الله في التوراة ~~والإنجيل مثل أم القرآن؛ وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي؛ ~~ولعبدي ما سأل ". # ومنهم من يقول: المثاني: القرآن كله؛ يذهب إلى ما ذكرنا من الآية؛ وبما ~~يروى عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما أنزلت في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور والقرآن مثلها - يعني أم القرآن - ~~وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت " ذكروا أنها سبع من ~~المثاني؛ فإن كان سبع المثاني فاتحة الكتاب، يصير كأنه قال: ولقد آتيناك ~~سبعا؛ وهي المثانى، ms2459 وإن كان سبعا من المثاني هي السبع الطوال يكون هكذا: ~~أي: آتيناك سبعا؛ وهو المثاني. وروي أيضا عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقال: " آتاني السبع الطوال مكان التوراة والمثاني مكان الإنجيل، وفضلني ~~ربي بالمفصل " ثم إن ثبت ما روي في الخبر أن سبع المثاني فاتحة الكتاب وإلا ~~الكف والإمساك عن ذلك أولى؛ لأنه لا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، وليس يكون ~~تسميتنا إياها سوى الشهادة، وما خرج مخرج الشهادة - من غير حصول النفع لنا ~~- فالكف عنه والإمساك أولى. # ومنهم من يقول: هن المفضل. # ومن قال: المثاني فاتحة الكتاب - قال: لأنها تثنى في كل ركعة أو ما جعل ~~فيها مكررة معادة؛ لأن كل حرف منها يؤدي معنى حرف آخر؛ فسمي مثاني بذلك. # ومن قال: المثاني: هو القرآن؛ قال: لما ذكرنا؛ لأن أمثاله، وأنباءه، ~~وغيره معادة # PageV06P462 # مرددة. # ومن قال: المثاني السبع الطوال - فقال: لأنه يثنى فيها حدود القرآن، ~~وفرائضه، وعامة أحكامه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والقرآن العظيم). # سماه عظيما، وسماه مجيدا، وحكيما؛ وهو اسم الفاعلين، ولا عمل له ولا فعل ~~في الحقيقة؛ لكنه يخرج - والله أعلم - على وجوه: # يحتمل: سماه عظيما مجيدا؛ لما عظمه وشرفه ومجده، فهو عظيم مجيد حكيم: أي: ~~محكم، الفعيل بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة. # أو سماه بذلك لأن من تمسك به؛ وعمل به؛ يصير عظيما مجيدا، حكيما، أو سماه ~~عظيما مجيدا حكيما: أي: جاء من عند عظيم هو مجيد حكيم، وأصل الحكيم: هو ~~المصيب، الواضع كل شيء موضعه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن ~~عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) # يحتمل المراد بقوله: (عينيك) نفس العين. # ثم هو يحتمل وجهين: # أحدهما: نهى رسوله أن ينظر إلى مامتع أولئك مثل نظرهم؛ لأنهم ظنوا أنهم ~~إنما متعوا هذه الأموال في الدنيا لخطرهم وقدرهم عند الله، وعلى ذلك قالوا: ~~(ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) وقال: (ولئن رجعت إلى ربي. . ~~.) الآية، ونحوه، ظنوا أنهم إنما متعوا في ms2460 هذه الدنيا؛ لخطرهم وقدرهم عند ~~الله؛ لذلك قالوا ما قالوا؛ فنهاه أن ينظر إلى ذلك بعين الذين نظروا هم ~~إليه؛ ولكن بالاعتبار. # والثاني: نهاه أن ينظر إلى ذلك نظر الاستكبار والتجبر على المؤمنين، ~~والاستهزاء بهم على ما نظروا هم؛ لأنهم بما متعوا من أنواع المال استكبروا ~~على الناس، واستهزءوا بهم؛ إذ البصر قد يقع أعلى ما ذكر، من غير تكلف؛ ~~فيصير كأنه نهاه عن الرغبة والاختيار فيما متعوا فيه؛ لأن ما متعوا به هو ~~ما ذكر، (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا)، وقال في آية أخرى (لنفتنهم فيه). # وقوله: (لا تمدن عينيك) فيما متعوا فإنهم إنما متعوا لما ذكر، ويحتمل ~~النهي عن مد # PageV06P463 # العين لا العين نفسه ولكن نفسه؛ كأنه قال: لا تمنين نفسك فيما متعوا هم ~~ولا ترغبنها في ذلك؛ فإنه ليس يوسع ذلك عليهم لخطرهم وقدرهم؛ ولكن ليعلم أن ~~ليس لذلك خطر عند الله وقدر؛ حيث أعطى من افترى على الله، وجحد نعمه وفضله. # وفي الآية تفضيل الفقر على الغنى؛ لأنه نهى رسوله أن يمد عينيه إلى ما ~~متعوا، ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مد إلى ذلك ليس يمد ~~للدنيا ولا لشهواته؛ ولكن يستعين به في أمر جهاد عدوه، ويعين به أصحابه في ~~سبيل الخيرات، ثم نهاه مع ذلك عنه؛ دل أن الأخير والأفضل ما اختاره من ~~الفقر، وقصور ذات يده. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أزواجا منهم). # أي: أصنافا من الأموال، وألوانا من النعم. وقال بعضهم: (أزواجا منهم): ~~أي: الأغنياء منهم وأشباهه؛ فإن كان قوله: (أزواجا منهم) هو أصناف الأموال ~~- فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا منهم ~~أزواجا. # وإن كان أزواجا منهم هو أصناف الناس فهو على النظم الذي جرى به التنزيل؛ ~~أي: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به قوما منهم. # وفي قوله: [(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم)] دلالة نقض قول ~~المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله ms2461 لا يعطى أحدا شيئا إلا ما هو أصلح له في ~~الدين، ولو كان ما متع هؤلاء أصلح لهم في الدين - لم ينه رسوله عن مد عينيه ~~إليه، دل أنه قد يعطي ما ليس بأصلح في الدين، وكذلك قوله: (ولا يحسبن الذين ~~كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، أخبر أنه ~~إنما يملى لهم ليزدادوا إثما، وهم يقولون: يملي لهم ليزدادوا خيرا. وكذلك ~~قوله: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو ~~شر لهم. . .) الآية، هذه الآيات كلها تنقض عليهم قولهم، وقد ذكرنا هذا في ~~غير موضع فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تحزن عليهم). # PageV06P464 # يحتمل النهي نفسه نهاه أن يحزن عليهم؛ إشفاقا عليهم؛ بل أمره أن يغلظ ~~عليهم؛ كقوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)، وعلى هذا يخرج قوله: ~~(واخفض جناحك للمؤمنين) أي: ارفق بهم، ولن عليهم، واشدد على أولئك، واغلظ ~~عليهم؛ وهو ما وصفهم: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، (أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين)، أخبر أنهم أهل شدة على الكفار وأهل غلظة، رحماء بينهم، ~~وأهل ذلة على المؤمنين، وأهل شدة عليهم؛ أي: على الكفار، فعلى ذلك هذا. # ويحتمل أن ليس على النهي؛ ولكن على التخفيف والتسلي، ودفع الحزن عن نفسه؛ ~~لأنه كان يحزن لكفرهم بالله وتركهم الإيمان؛ حتى كادت نفسه تتلف لذلك؛ ~~كقوله: (لعلك باخع نفسك) الآية، وقوله: (فلا تذهب نفسك) الآية، وأمثاله. # ويحتمل أيضا وجها آخر: وهو أنه كان يحزن عليهم، ويضيق صدره؛ لما مكروا به ~~وكادوه؛ كقوله: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون)، فإني أكافئهم. ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل إني أنا النذير المبين (89) # يحتمل: أنا النذير على معاصيه، المبين على طاعاته، أو النذير على العصاة ~~من عذاب الله، المبين لأموره ونواهيه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن ~~عضين (91) # قال الحسن: الكتب كلها قرآن؛ يعني كتب الله اقتسموها وجعلوها عضين؛ أي: ~~فرقوها بالتحريف والتبديل؛ فما وافقهم أخذوه، ms2462 ومالم يوافقهم غيروه وبدلوه؛ ~~كقوله: (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) ونحوه، فذلك ~~اقتسامهم وتعضيتهم على قوله، وكقوله: (قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا)، ~~وقوله: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا)، ونحوه. # وقال بعضهم: اقتسامهم: وهو أن نفرا من قريش كانوا اقتسموا عقار مكة؛ ~~ليصدوا الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فيقول طائفة منهم - إذا ~~سئلوا عنه -: هو كاهن، وطائفة أخرى: هو شاعر، ساحر، مجنون، ونحوه. وعضين: ~~قولهم: هو: سحر، شعر، كهانة، أساطير الأولين، افترى على الله كذبا، وأمثال ~~ما قالوا. فذلك اقتسامهم # PageV06P465 # وعضتهم. # وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه ~~عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب ~~الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. # وقال أبو عوسجة: يقال: عضيت الجزور: أي: قسمتها عضوا عضوا. # وقال غيره: هو من العضة: وهو السحر؛ بلسان قريش؛ يقال للساحر عاض. # وقال القتبي: المقتسمون: قوم تحالفوا على عضة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق، ويخبروا به النزاع إليهم. وعضين: أي: فرقوه ~~وعضوه. وقيل: فرقوا القول فيه، وهو ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) # قوله: (فوربك): قيل: قسم أقسم به تعالى. # (لنسألنهم أجمعين): قال بعضهم: الخلائق كلها؛ كقوله: (فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين)، أخبر أنه يسألهم جميعا: الرسل عن تبليغ الرسالة، ~~والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم. # وقال بعضهم: قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين): هؤلاء الذين سبق ذكرهم؛ ~~المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، والذين استهزءوا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا، والمعنى الذي حملهم على سوء ~~معاملة رسوله وكتابه، لأي: شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر، والكذب، ~~والكهانة، والافتراء على الله؟ لا يسألون ما فعلتم؟ وأي شيء عملتم؛ لأن ذلك ~~يكون مكتوبا في كتبهم؛ يقرءونه؛ كقوله: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا)، وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم، ~~وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة؛ إذ ms2463 لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ~~ملوك البشر يجب أن يخاف؛ فكيف من ربنا؟! # وقوله - عز وجل -: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) # PageV06P466 # قال بعضهم: (فاصدع بما تؤمر): أي: استقم كما تؤمر؛ كقوله: (فاستقم كما ~~أمرت). # فهو في كل ما أمر به. # وقال بعضهم: اصدع: أي: امض بما تؤمر من تبليغ الرسالة. # (وأعرض عن المشركين). # أي: أعرض عن مكافأتهم؛ ومعناه - والله أعلم - امض على ما تؤمر؛ من تبليغ ~~الرسالة إليهم ولا تخفهم، ولا تهبهم، ولا يمنعنك شيء عن تبليغ الرسالة؛ ~~الخوف، ولا القرابة، ولا شيء من ذلك، ولكن امض على ما تؤمر؛ وهو كما قال: ~~(ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا)، وقال: (كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم) أي: لا يمنعكم عن القول بالحق والعدل بغضكم ~~إياهم، ولا قرابتكم التي فيما بينكم، فعلى ذلك قوله: (فاصدع بما تؤمر): أي: ~~امض على ما أمرت من تبليغ الرسالة، ولا يمنعنك عن ذلك: الخوف، والوعيد، ~~والقرابة التي فيما بينك وبينهم. # وقال القتبي: (فاصدع بما تؤمر): أي: أظهر ذلك، وأصله: الفرق والفتح؛ ~~يريد: اصدع الباطل بحقك؛ حتى يأتيك الموقن به؛ وهو الموت. # وقال أبو عوسجة: اصدع: أي: امض على ما تؤمر، وصدعت: أي: مضيت؛ وذلك من ~~المضي، وأصل هذا كله: الشق، ويقال: تصدعوا: أي: تفرقوا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأعرض عن المشركين) أي: أعرض عن مكافأتهم؛ فأنا ~~أكافئهم عنك على ما آذوك. # وقال بعض أهل التأويل: قوله: (وأعرض عن المشركين) وهو منسوخ بآية السيف؛ ~~لكن على الوجه الذي ذكرنا ليس بمنسوخ، ويحتمل: (وأعرض عن المشركين)؛ إن كان ~~أراد به القتال والدعاء إلى التوحيد فهو في وقت دون وقت أو في قوم خاص علم ~~الله أنهم لا يجيبونه ولا يؤمنون به أيئس رسوله عن إيمانهم فقال: أعرض عن ~~هؤلاء ولا # PageV06P467 # تشتغل بهم ولا تدعهم فإنهم لا يؤمنون ولكن ادع قوما آخرين والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كفيناك المستهزئين (95) # قال بعضهم: قوله: (كفيناك المستهزئين): الكفرة جميعا؛ فمنعناهم عن أن ms2464 ~~يصلوا إليك؛ على ما قصدوا إليك من إهلاكك، وغيره؛ كقوله: " نصرت بالرعب ~~مسيرة شهرين ". # وقال بعضهم: قوله: (كفيناك المستهزئين) والذين كانوا على الطرق والمراصد؛ ~~ليصدوا الناس عن سبيل الله؛ على ما ذكر في القصة؛ العدد الذي ذكر سبعة أو ~~خمسة؛ كفاه الله بأن أهلكهم بما ذكر أهل التأويل: أن الذين استهزءوا به ~~هلكوا جميعا بعقوبات مختلفة. # وقوله تعالى: (الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) # قوله: (يجعلون) وليس على الجعل؛ لأنهم لو جعلوا لكان؛ لأن كل مجعول كائن ~~موجود؛ ولكن قوله: (يجعلون): أي: يزعمون أن مع الله إلها آخر؛ إما في ~~التسمية أو في العبادة، وكذلك قوله: (جعلوا القرآن عضين) هم لا يقدرون على ~~أن يجعلوه عضين، ولكن زعموا أنه كذا؛ لأن الله وكل حفظه إلى نفسه؛ بقوله: ~~(وإنا له لحافظون) وقال: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، أخبر ~~أنه يحفظه حتى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فلو قدروا على ~~جعله عضين - لكان قد أتى الباطل من بين يديه، دل أنه على القول الذي قالوا؛ ~~وهو على المجاز كقوله: (فراغ إلى آلهتهم)، وقوله: (أجعل الآلهة إلها ~~واحدا)، فهو على المجاز، على ما عندهم، إما بحق التسمية لها أنها آلهة، ~~وإما بصرف العبادة إليها، ظاهر هذا أن المستهزئين الذين ذكرهم أنه كفاه ~~عنهم هم الكفرة جميعا؛ لكن يحتمل في الذين ذكرهم أهل التأويل كانوا على ~~مراصد مكة، أضاف ذلك إليهم ونسب؛ لأنهم هم الذين أمروا غيرهم أن يجعلوا ~~دونه إلها؛ فكأنهم فعلوا ذلك، وهم قالوا. # PageV06P468 # وقوله: (كفيناك المستهزئين) الذين فعلوا به ما فعلوا ممن تقدم ذكرهم؛ ~~فيكون قوله: (الذين يجعلون) على إضمار (كان)؛ أي: الذين كانوا يجعلون مع ~~الله إلها آخر. # وإن كان في الذين يكونون من بعد - فهو على ظاهر ما ذكر؛ يجعلون على ~~المستقبل. # وقوله - عز وجل -: (فسوف يعلمون). # أي: سوف يعلمون ما عملوا من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء برسول الله ~~وأصحابه، إذا نزل العذاب بهم. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد ms2465 نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) # وما قالوا؛ من الاقتسام، والعضة، والاستهزاء به، وأنواع الأذى الذي كان ~~منهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: نعلم ذلك، وهو محفوظ عندنا، ~~نجزيهم على ذلك فلا يضيقن صدرك؛ لذلك فهو على التصبير على الأذى، والتسلي ~~عن ذلك، وترك المكافأة لهم، والله أعلم. وكان يضيق صدره؛ مرة لتركهم ~~الإجابة له، ومرة للأذى باللسان. # والثاني: على علم منا بما يكون منهم، ومن ضيق صدرك بذلك، لكن أنشأناهم ~~ومكناهم على علم منا بذلك؛ امتحانا منا إياك بذلك وإياهم. # وقوله - عز وجل -: (فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) # قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك وكن من الساجدين؛ أي: من المصلين. # وقوله: (فسبح): هو أمر؛ فإذا فعل ذلك كان بأمر ربه؛ فلا معنى لذكر الأمر ~~من بعد قوله: (بحمد ربك) إن كان الحمد هو الأمر؛ على ما قال بعض أهل ~~التأويل. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن قوله: (فسبح) أي: نزه الله عن جميع ما قالت ~~الملحدة فيه؛ إذ التسبيح هو التنزيه في اللغة (بحمد ربك)؛ أي: بثناء ربك؛ ~~أي: نزهه عن ذلك كله بثناء تثنيه عليه، وكن من الساجدين؛ أي: من الخاضعين؛ ~~إذ السجود هو الخضوع. # أو أن يكون أمره إياه بالتسبيح على التسلي، وتوسيع صدره بالذي يكون منهم؛ ~~أي: فسبح ربك مكان ذلك. # وقوله - عز وجل -: (واعبد ربك ... (99) # يحتمل التوحيد؛ أي: وحد ربك، وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: كل عبادة ~~ذكرت في القرآن - فهو توحيد يأمره باعتقاد الإخلاص له في كل أمر، ويحتمل ~~العبادة # PageV06P469 # نفسها؛ يأمره بالعبادة له؛ شكرا له؛ على ما روي في الخبر عن نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أنه صلى حتى تورمت ساقاه؛ فقيل له: ألم يغفر الله لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: " بلى، أفلا أكون عبدا شكورا؟! ". # وقوله - عز وجل -: (حتى يأتيك اليقين): أي: ما تيقنت به؛ وهو الموقن به. # وكذلك قوله: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)، أي: من يكفر بالمؤمن به ~~فقد ms2466 حبط عمله؛ لأن الإيمان لا يكفر به، فعلى ذلك اليقين لا يأتيه؛ ولكن ~~يأتيه الموقن به. وكذلك ما ذكر: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر الله، وهو ~~المأمور به؛ لأن الصلاة لا تكون أمر الله، لكن بأمر الله، وكذلك ما يجيء من ~~هذا النحو. # ويحتمل قوله: (حتى يأتيك اليقين) فيهم؛ وهو ما وعد من العذاب فيهم؛ أي: ~~يتيقنون بذلك والله أعلم. # * * * # PageV06P470 # سورة النحل # مكية إلا ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # * * * # قوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله ~~إلا أنا فاتقون (2) # قال بعض أهل التأويل: ### | سورة النحل # كلها مكية إلا ثلاث آيات؛ فإنها نزلت بالمدينة والله سبحانه أعلم ~~بالصواب. # قوله - عز وجل -: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). # في قوله: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) وجهان: # أحدهما: أن يعرف قوله: أمر الله، ما أراد به وما الذي استعجلوه، وإنما ~~استعجلوه الساعة والقيامة؛ بقوله: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون به. . .) ~~الآية، ونحوه من الآيات. # وقال بعضهم: أمر الله هو عذابه، وكذلك أجميع، ما ذكر في جميع القرآن من ~~أمر الله؛ المعنى منه عذابه؛ كقوله: (جاء أمر الله)، أي: عذابه، ونحوه. # ويحتمل قوله: (أتى أمر الله): رسوله الذي كان يستنصر به أهل الكتاب على ~~المشركين؛ كقوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا. . .) الآية، ~~وكان يتمنى مشركوا العرب أن يكون لهم رسول كسائر الكفرة؛ كقوله: (وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم. . .) الآية، (فلا تستعجلوه) ذهاب ما كنتم تتمنون بمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - أو شيء آخر. والله أعلم. # ثم إنه لم يرد بقوله: (أتى أمر الله) وقوعه؛ ولكن قربه؛ أي: قرب آثار أمر ~~الله؛ كما يقال: أتاك الخبر، وأتاك أمر كذا؛ على إرادة القرب؛ لا على ~~الوقوع. وجائز أن يكون قوله: (أتى أمر الله) أي: ظهر أعلام أمر الله ~~وآثاره، ليس على إتيان أمره من مكان إلى مكان؛ كقوله: (جاء الحق وزهق ~~الباطل)، وآثاره: هو رسول الله ms2467 - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان به يختم ~~النبوة؛ فهو كان أعلام الساعة على ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فقال: " بعثت أنا # PageV06P471 # والساعة كهاتين " أشار إلى أصبعين لقربها منه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تستعجلوه). # لأنه لا منفعة لكم فيها فلماذا تستعجلونه؟ كقوله: (قل أرأيتم إن أتاكم ~~عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون)، إذ لا منفعة لهم فيه، بل ~~فيه ضرر عليهم. # وقوله - عز وجل -: (سبحانه وتعالى عما يشركون). # سبحان: هو كلمة إجلال الله يجريها على ألسن أوليائه على تنزيه ما قالت ~~الملحدة فيه، وتعاليه عن جميع ما نسبوا إليه من الولد، والصاحبة، والشريك، ~~وغيره من الأشباه والأضداد، تعالى عن ذلك. # سبحان الله: حرف يذكر على أثر شيء مستبعد، أو مستعجب، أو مستعظم؛ جوابا ~~لذلك، وهو ما ذكره على أثر وصف أو قول لا يليق بالله من الولد، والشريك، ~~ونحوه؛ فقال: (سبحان الله) على التنزيه مما وصفوه. # وقوله - عز وجل -: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ~~أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) قال بعضهم: قوله: (بالروح) أي: ~~بالوحي الذي أنزله على رسله، والرحمة، أو الروح: الرحمة؛ وهو الذي به نجاة ~~كل من رحمه الله، وهداه لدينه؛ وهو ما ذكر؛ حيث قال: (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين). وقيل: الرسالة أهي القرآن والرسالة، وما ذكر روحا؛ لأنه به حياة ~~الدين؛ كما سمي الذي به حياة الأبدان أرواحا. # وقال الحسن: قوله: (بالروح من أمره): أي: بالحياة من أمره؛ وهو ما ذكرنا ~~من حياة الدين. # وقوله تعالى: (على من يشاء من عباده). # PageV06P472 # أي: على من يشاء أن يختص من عباده ويختاره، وهو مشيئة الاختيار؛ وإن كان ~~غيره يصلح لذلك، وفيه دلالة اختصاص الله بعضهم على بعض؛ وإن كان غيره يصلح ~~لذلك. # وقوله عز وجل -: (أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون). # على هذا جاءت الوسل والأنبياء عليهم السلام جميعا بالإنذار والدعاء إلى ~~وحدانية الله، وتوجيه العبادة إليه. # وقوله: (أن أنذروا) هو صلة ms2468 ما تقدم من قوله: (ينزل الملائكة) أن أنذروا، ~~ولا يوصل بما تأخر، ثم يخرج على الإضمار؛ أي: أنذروا وقولوا: إنه لا إله ~~إلا أنا فاتقون. # * * * # قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق ~~الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم ~~إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد ~~السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) # وقوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق). # قد ذكرنا قوله: (بالحق) في غير موضع أنه لم يخلقهما وما فيهما عبثا، إنما ~~خلقهم لأمر كائن، أو للمحنة، والجزاء، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (تعالى عما يشركون). # من لا يخلق، ولا ينفع، ولا يضر، ولا يدفع في الذي يخلق، وينفع، ويضر، ~~ويدفع تعالى عن ذلك وتبرأ. # وقوله - عز وجل -: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) # يذكرهم - عز وجل - نعمه عليهم، وقدرته، وسلطانه، وعلمه؛ لأنه لو اجتمع ~~الخلائق كلهم؛ على أن يدركوا المعنى الذي به تصير النطفة نسمة وإنسانا - ما ~~قدروا عليه حيث خلق من النطفة إنسانا على أحسن تقويم؛ وأحسن صورة. # وفيه نقض قول الدهرية؛ حيث أنكروا خلق الشيء من لا شيء؛ لأنهم لم يدركوا ~~المعنى الذي به خلق الإنسان من النطفة؛ فيلزمهم أن يقروا بخلق الشيء من لا ~~شيء، وإن لم يشاهدوا ذلك ولم يدركوا، وفيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على ~~إنشاء الإنسان من النطفة؛ وليس فيها من آثار الإنسان شيء يقدر على البعث ~~وإنشاء الأشياء؛ لا من شيء. # PageV06P473 # وقوله - عز وجل -: (فإذا هو خصيم مبين). # قال بعضهم: (خصيم): هو الذي يجادل بالباطل (مبين): أي: ظاهر مجادلته ~~بالباطل ومخاصمته. # وقال بعضهم: الخصيم: هو الجدل الذي يجادل فيما كان. # قال أبو عوسجة: الخصيم: هو المخاصم، والمخاصم كلاهما خصيم، ويقال: فلان ~~خصيمي أي: خصمي. # مبين: ظاهر خصومته، والخصيم: هو الفعيل، والفعيل: ms2469 قد يستعمل في موضع ~~الفاعل والمفعول جميعا؛ فكأنه قال: فإذا هو خصيم مبين: أي: منقطع عن ~~الخصومة؛ بين انقطاعه، وهو ما ذكر من خصومته في آية أخرى؛ وانقطاع حجته؛ ~~حيث قال: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78)، فهذا احتجاج عليه؛ ~~فانقطعت حجته، وبهت الذي أنكر قدرته على البعث؛ حيث لم يتهيأ له جواب ما ~~احتج عليه. # PageV06P474 # وقوله - عز وجل -: (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) # يحتمل قوله: (خلقها لكم) على الظاهر؛ أن خلق هذه الأشياء وخلق لنا فيها ~~دفئا ومنافع؛ كقوله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا). # ويحتمل قوله: (والأنعام خلقها لكم): أي: هو خلقها، ثم أخبر أنه خلق لنا ~~فيها منافع يذكر أنواع المنافع والنعم التي أنعم علينا، مفسرة مبينة، واحدة ~~بعد واحدة؛ في هذه السورة، وفي غيرها من السور، إنما ذكرها مجملة غير مشار ~~إلى كل واحدة منها؛ على ما أشار في هذه السورة؛ ليقوموا بشكرها، وليعلموا ~~قدرته على خلق الأشياء لا من الأشياء. # ثم قوله: (فيها دفء): قال بعضهم: الدفء نسل كل دابة. # وقال بعضهم: ما ينتج منه. وقال القتبي: الدفء ما استدفأت به، ويشبه أن ~~يكون تفسير الدفء والمنافع الذي ذكر هو ما فسر في آية أخرى؛ وهو قوله: ~~(والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم. . .) الآية، جعل الله - عز وجل - الأنعام وما ذكر ~~وقاية لجميع أنواع الأذى من السماوي وغيره؛ مما يهيج من الأنفس من الحر، ~~والبرد، والجوع، وغير ذلك مما يكثر عدها، ويطول ذكرها، وجعل فيها منافع ~~كثيرة: من الركوب، والشرب، والأكل؛ كما قال: (ولهم فيها منافع ومشارب)، ~~وقال: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة)، وأخبر أيضا أن فيها جمالا وزينة؛ بقوله: (ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون (6) # فإن قال قائل: أي جمال يكون لنا فيها ms2470 حين الإراحة وحين السرح. # وقال بعض أهل التأويل: وذلك أنه أعجب ما يكون؛ إذا راحت عظاما ضروعها، ~~طوالا أسنمتها. (وحين تسرحون) وإذا سرحت لرعيها. # أو أن يكون الجمال عند الإراحة والسرح: شرب ألبانها، وقرى الضيف من ~~ألبانها؛ في الرواح والمساء. # وقال بعضهم قوله: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون): وذلك أنهم ~~كانوا # PageV06P475 # يشرون عند الإراحة والتسريح، وذلك السرور يظهر في وجوههم؛ فإذا ظهر ازداد ~~لهم جمالا وحسنا، وهكذا المعروف في الناس: أنهم إذا سروا يظهر ذلك السرور ~~في وجوههم؛ فيزداد لهم بذلك جمالا، وإذا حزنوا وأصابهم غم - يؤثر ذلك الغم ~~نقصانا في خلقتهم؛ فيزداد لهم قبحا وتشويها. # وقال بعضهم: إنهم إذا أراحوها أو سرحوها رأى الناس أن أربابها أهل غنى؛ ~~وأهل ثروة، وأنهم لا يحتاجون إلى غيرهم، وأن يكون لغير إليهم حاجة؛ فيكون ~~لهم بذلك ذكر عند الناس وشرف، وذلك جمالهم وشرفهم فيها، والجمال لهم فيها ~~ظاهر؛ لأن ما يبسط ويفرش إنما يتخذ منها ومن أصوافها، وكذلك ما يلبس إنما ~~يكون منها، وإنما يبسط، ويفرش، ويلبس للتجمل والبهاء. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) # ذكر أيضا ما جعل فيها لنا من النعم ما تحمل من الأثقال، من مكان إلى ~~مكان، ومن بلد إلى بلد؛ ما لو لم يكن أنشأهن أعني: الأنعام التي أخبر أنها ~~تحمل أثقالنا إلى ذلك بدونه إلا بجهد وشدة، وذلك - والله أعلم - أن الله ~~جعل في هذه الأنفس حوائج وقواما ما لا قوام لها إلا بذلك؛ فلعله لا يظفر ~~بما به قوام النفس إلا في بلد آخر أو مكان آخر، فلو تحمل ذلك بنفسه - لكان ~~في ذلك تلف نفسه، وذهاب ما به قوامه، فذكر أنه خلق لنا ما نحمل به من بلد ~~إلى بلد؛ مما به قوام أنفسنا وحاجاتنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربكم لرءوف رحيم) أي: من رحمته ورأفته ما جعل لكم ~~من المنافع في الأنعام؛ وما ذكر، أو ذكر ms2471 هذا ليرحموا على هذه الأنعام التي ~~خلقها لهم؛ في الإنفاق عليها، والإحسان إليها؛ وذكر فيه: (ومنها تأكلون) ~~وذلك لا يوصل إلى أكله إلا بالذبح؛ ليعلم أن الذبح فيما يؤكل ليس بخارج من ~~الرحمة والرأفة. # وذلك ينقض على الثنوية قولهم؛ حيث أنكروا ذبح هذه الأشياء ويقولون: إنهم ~~يتألمون بالضرب، والقتل، والذبح؛ كما تتألمون أنتم، فمن قصد أحدكم بالقتل ~~فهو # PageV06P476 # سفيه عندكم غير حكيم ولا رحيم، بل موصوف بالقساوة والسفه، فالله سبحانه ~~موصوف بالحكمة، والرحمة، والرأفة، لا يجوز أن يأمر بالذبح والقتل لهذه ~~الأشياء؛ إذ ذلك مما يزيل الرحمة والحكمة. # فيجاب لهم بوجوه: # أحدها: أن الله خلق هذا البشر في هذه الدنيا للمحنة ولعاقبة قصدها، إما ~~ثوابا وإما عقابا، وأخبر أنه خلق هذه الأشياء لنا، وجعل لنا فيها منافع، ~~تتأمل وتقصد، وقد نجد في الشاهد من هو موصوف بالرحمة والرأفة على نفسه، ~~يجرح نفسه الجراحات، ويحمل عليها الشدائد والمكروهات؛ لمنافع تقصد وخير ~~يتأمل في العاقبة، ثم لم يوصف بالسفه، ولا بالخروج عن الحكمة والرحمة، من ~~نحو الحجامة والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة الشديدة ما لو لم يتأمل ما ~~قصد من النفع والعافية في العاقبة؛ ما تحمل تلك المكروهات والشدائد، فدل ما ~~وصفنا أن تحمل الأذى، والألم، والمكروه - غير خارج عن الحكمة والرحمة، ولا ~~الفعل بما فعل سفه؛ إذا كان لمنافع تقصد في العاقبة، وعاقبة تتأمل. # فيبطل قول الثنوية: أن ذلك مما يزيل الرحمة؛ على أن هذه الأنعام والبهائم ~~لم تخلق للمحنة وللجزاء في العاقبة؛ ولكن خلقت لمنافع البشر؛ فلهم الانتفاع ~~بها؛ مرة بلحومها، ومرة بحمل أثقالهم والانتفاع بظهورها، مع ما ذكرنا أن ~~تحمل المكروهات وأنواع الشدائد، والآلام - لا تخرج الفعل عن الحكمة، ولا ~~تزيل الرحمة والرأفة إذا قصد به النفع، في العاقبة، وطمع فيه الخير. # وهذا يدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها؛ والذبح على غير جعل حقيقتها لنا؛ ~~حيث لم يبح لنا إتلافها؛ إذ لو كان أصول الأشياء لنا لكان لا يمنع عن ~~الإتلاف، فدل أنه أبيح لنا الانتفاع بها على غير جعل ms2472 الحقيقة والأصول لنا، ~~فيبطل قول من يقول: إن الأشياء في الأصل على الحل والإباحة حتى يقوم ما ~~يحظر. # قال أبو عبيد: (حين تريحون) يقال منه: أرحت الإبل أريحها إراحة، والإراحة ~~عند العرب: أن يصدر الرعاء مواشيها بالليل إلى مآويها؛ ولهذا سمي ذلك ~~الموضع: المراح. # وقوله: (وحين تسرحون) هو إخراجها إلى المرعى؛ يقال: سرحتها، أسرحها سرحا ~~وسروحا. وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة. والدفء: ما ذكرنا أنه من الاستدفاء. # PageV06P477 # وقوله - عز وجل -: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا ~~تعلمون (8) # قوله: (وزينة) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن الماشي هو دون الراكب، والمشي يؤثر نقصانا في الوجه والركوب ~~لا، وذلك زينة؛ على ما ذكرنا في قوله: (ولكم فيها جمال). # والثاني: أن الراكب إذا نظر إلى الماشي سر بركوبه، فالسرور يظهر في وجهه، ~~وذلك يزيد في حسنه وجماله، وأصله: ما ذكر - عز وجل -: (والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع. . .) الآية، (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) بين ~~أنه لماذا خلق الأنعام وما جعل فيها؛ وهو ما ذكر: أنه جعل فيها الدفء ~~والمنافع ومنها تأكلون، وبين أنه لماذا خلق الخيل؛ وهو ما ذكر: لتركبوها ~~وزينة. # وسئل ابن عباس: عن لحوم الخيل؟ فقرأ: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) ~~ولم يقل: لتأكلوها؛ فكره أكلها لذلك. وتمام هذا أن الله ذكر الأنعام، وما ~~ذكر من النعم والانتفاع بها، وبالغ في ذكرها؛ لأنه قال: (والأنعام خلقها ~~لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون) وقال: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون. . .) الآية، وقال: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب)، ~~وقال: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات)، ~~وقال: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا. . .)، إلى آخر ما ذكر، ~~ذكر جميع ما ينتفع به؛ من أنواع المنافع ذكرا شافيا مبالغا غير مكفي، فدل ~~ما ذكر في الخيل من الركوب، وكذلك في البغال والحمير؛ على أنه ليس فيها ~~منفعة أخرى سوى ما ذكر؛ وهو الركوب؛ إذ خرج الذكر لها على المبالغة ~~والاستقصاء؛ ليس على الاكتفاء، ولو ms2473 كان هنالك منفعة أخرى لذكر على ما ذكر ~~في غيره. والله أعلم. # والثاني من الأشياء: أشياء يعرف خبثها؛ بنفار الطباع، والصبيان أول ما ~~بلغوا يرغبون في ركوبها، لا أحد يرغب في أكلها إلا من غير طبعه عما كان ~~مجبولا به؛ فهو يرغب في أكله، وأما من ترك وطبعه يستخبث وينفر طبعه عن ~~أكله. والله أعلم. # وروي عن جابر قال: لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة، وأخذوا الحمر ~~الأهلية # PageV06P478 # فذبحوها، فحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الإنسية، ~~ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم ~~الخلسة والنهبة. # وروي عن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك ~~قال: أطعمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الخيل ونهانا عن لحوم ~~الحمر. # وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا فرسا في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأكلنا. # وفي بعض الأخبار: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر ~~وأذن لنا في لحوم الخيل. # قلنا: قد يجوز أن يكونوا أكلوه في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن ~~النبي إنما نهى عن أكل لحوم الخيل صحيحا، فقد يجوز أن يكونوا أكلوا لحم ~~الفرس في حال الإباحة؛ إذ لم يذكروا الوقت. # وعن الحسن قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكلون لحوم ~~الخيل في مغازيهم، وكان الحسن لا يرى فيها بأسا على كل حال، وقول الحسن: ~~إنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل في مغازيهم يدل على أنهم كانوا يأكلونها في ~~حال الضرورة. # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الخيل لثلاثة: فهي لرجل ~~كذا، ولرجل آخر كذا، وعلى رجل وزر ". يبين أنها لا تصلح لغير ذلك، ولو صلحت ~~للأكل لقال: الخيل لأربعة؛ # PageV06P479 # ولقال: ولرجل طعام. # ومما يبين ما ذكرنا: أن البغل حرام؛ وهو من الفرسة؛ فلو كانت أمه حلالا ~~كان هو أيضا حلالا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها أو هو ms2474 كبعضها، فمن ~~حرم لحم البغل لزمه أن يحرم لحم الفرسة في حكم النظر والمقاييس؛ ألا ترى أن ~~حمار وحش لو نزا على حمارة أهلية لم يؤكل ولدها، ولو أن حمارا أهليا نزا ~~على حمارة وحشية؛ فولدت أكل ولدها، أفلا ترى أنه جعل حكم الولد حكم أمه؛ ~~ولم يعتبر بالفحل، فلما كان لحم البغل حراما وجب أن يكون لحم الفرسة كذلك. ~~إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - كان لا يطلق تحريم أكلها؛ لما فيها من ~~الشبهة، والاختلاف، والأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لكنه ذكر الكراهة للشبهة التي فيها؛ وكان أبو يوسف - رحمه الله - يبيح ~~أكلها. # وقد يجوز أن يحتج لأبي يوسف؛ في الفرق بين المولود من الفرسة وبين ولد ~~الحمارة الوحشية إذا نزا عليها حمار أهلى بأن ولد الحمارة لم يتغير عن جنس ~~أمه؛ فحكمه حكمها، والبغل ليس من جنس أمه؛ هو من جنس ثالث، فلذلك لم يكن ~~سبيلها بسبيله. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويخلق ما لا تعلمون). # أخبر أنه يخلق ما لا نعلم؛ فليس لنا أن نتكلف في علم ذلك. أو يخلق من ~~النعم - فيما خلق - ما لا تعلمون أنتم أنها نعم. # أو قال: يقول قوم: أن ليس لله أن يخلق شيئا لا يطلعه الممتحن. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم ~~أجمعين (9) # اختلف فيه: قال بعضهم: أي: على الله بيان قصد السبيل، وهو الهدى: يبين ~~الهدى من الضلالة، ويبين من السبل التي تفرقت عن سبيله؛ كقوله: (ثم إن ~~علينا بيانه). # وقوله - عز وجل -: (ومنها جائر) أي: عليه بيان ما يجوز منها؛ من قصد ~~السبيل يعدل ويجار، أو يقال: وبالله يوصل إلى قصد السبيل. وقال بعضهم: ~~(وعلى الله) أي: # PageV06P480 # وبالله يوصل بقصد السبيل؛ وهي السبل التي ذكرنا، (ومنها جائر) كقوله: ~~(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل). # وقال بعضهم: طريق الحق والعدل لله، وقد يستعمل حرف (على) مكان (له) ~~كقوله: (وما ذبح على النصب) أي: للنصب وقوله: (ولو ترى ms2475 إذ وقفوا على ربهم) ~~أي: لربهم، كقوله: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، (ومنها جائر): وهي السبل ~~المتفرقة عن سبيله. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء لهداكم أجمعين). # قد ذكرنا تأويله، وقوله: (ولو شاء لهداكم أجمعين) يخرج على وجهين: # أحدهما: لو شاء أكرم الخلق كله اللطف الذي أكرم أولياءه؛ فاهتدوا به؛ ~~فيهتدون. # والثاني: لو شاء أعطاهم جميعا الحال التي يكون بها الاهتداء؛ وهو ما قال: ~~(ولولا أن يكون الناس أمة واحدة)، إلى آخر ما ذكر؛ لما لا يحتمل أنه إذا ~~كان ذلك مع الكفار لكفروا جميعا، وإذا كان تلك الحال للمسلمين لا يسلمون. # * * * # قوله تعالى: (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ~~إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في ~~الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ~~وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور ~~رحيم (18) # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أنزل من السماء ماء) موصول بقوله: (خلق ~~السماوات والأرض بالحق)، وقوله: (خلق الإنسان من نطفة)، وقوله. (والأنعام ~~خلقها) (والخيل والبغال والحمير). # PageV06P481 # يقول: الذي خلق لكم ما ذكر من الأشياء هو الذي أنزل من السماء ماء لكم؛ ~~منه شراب، ومنه شجر هذا يحتمل ما ذكرنا: أنه أنزل من السماء ماء لنا؛ ثم ~~أخبر أنه منه شراب، ومنه شجر. # ويحتمل: هو الذي أنزل من السماء ماء، ثم أخبر: (لكم منه شراب ومنه شجر). # ثم يحتمل قوله: (منه شراب) جميع ما يشرب من الأشربة؛ إذ منه تكون الأشربة ~~جميعا؛ وجميع الأشياء. # ويحتمل (منه شراب) الماء ms2476 خاصة. # (ومنه شجر): الشجر: معروف؛ هو الذي يعلو ويرتفع في الأرض؛ لا يسمى الحشيش ~~وما ينبسط على وجه الأرض شجرا، فظاهر هذا أن يرجع إلى ذلك المعروف؛ إلا أنه ~~ذكر شجرا (فيه تسيمون): أي: تزرعون، دل هذا أنه إنما أراد بالشجر المنبسط ~~على وجه الأرض والمرتفع عليها. # وقال القتبي: السائمة: الراعية، وكذلك قال أبو عوسحة، وقال أبو عبيدة: ~~أسمت سائمتي: أي: رعيتها؛ وكذلك قوله: (والخيل المسومة)، أي: الراعية. # وقوله - عز وجل -: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) # أي: ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزل من السماء الزرع، والزيتون، وجميع ~~ما ذكر، جعل الله - بلطفه - الماء لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقه، ليس ~~كغيره من الدواب؛ حيث لم يجعل لقاح شيء من جنس آخر، إنما جعل لقاح كل نوع ~~من نوعه، وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع ~~الخلائق على إدراك ذلك - وإن اجتهدوا - لم يقدروا عليه، يعرفون الماء ~~ظاهرا؛ ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية؛ التي يكون بها حياة كل أحد ~~وموافقته. # وقوله: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون). # ذكر أن فيه آية لقوم يتفكرون، ولم يذكر أنه لماذا؟ لكنه ذكر أنه آية لقوم ~~يتفكرون؛ # PageV06P482 # بالتفكر يعرف أنه آية لماذا، وهذا يدل على أن الأشياء التي غابت عنا ~~ظواهرها بالتفكر والنظر تدرك. # وقوله - عز وجل -: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ... ~~(12) وما ذكر. # ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلق هذه الأشياء، وجعل فيها ~~منافع للخلق؛ تتصل تلك المنافع إلى الخلق شئن؛ أو أبين أحببن أو كرهن؛ جعل ~~في النهار معاشا للخلق؛ وتقلبا فيه يتعيشون ويتقلبون، وجعل الليل راحة لهم ~~وسكنا، ينتفعون بهما شاءا أو أبيا، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم ~~من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة ~~الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ~~ليس في وسع الخلق إدراكه، ينتفع ms2477 الخلائق بما جعل فيها من المنافع شاءت هذه ~~الأشياء أو أبت، فذلك وجه تسخيرها لنا. # ويحتمل ما ذكر من تسخير هذه الأشياء لنا: ما جعل في وسعنا استعمال هذه ~~الأشياء؛ والانتفاع بها، والخيل التي بها نقدر على استعمالها في حوائجنا. # ويحتمل تسخيرها لنا: ما ينتفع بهن شئن أو أبين بالطباع. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مسخرات بأمره). # يحتمل وجهين: يحتمل: أي: بأمره تنفع الخلائق ويحتمل (بأمره): أي: كونها ~~في الأصل هكذا؛ بأن تنفع الخلق. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). # قال في الآية الأولى: (لقوم يتفكرون) جعل الله تعالى التفكر سبيلا للعقول ~~إلى إدراك الأشياء المغيبة بالحواس الظاهرة؛ إذ لا سبيل للعقل إلى إدراك ما ~~غاب عنه إلا بالحواس الظاهرة، والتفكر فيها؛ لأن ما غاب عن الحواس الظاهرة، ~~لا يدركه العقل؛ فجعل الحواس الظاهرة سبيلا للعقول إلى إدراك المغيب عنها. # ذكر - عز وجل - في الآية الأولى: (لقوم يتفكرون)، وذكر في الآية الثانية: ~~(لقوم يعقلون)، وفي الآية الثالثة: (لقوم يذكرون)، وفي الرابعة: (لعلكم ~~تشكرون): فهو - والله أعلم - كرره على مراتب؛ لأنه بالتفكر فيها يعقل ~~ويعلم، ثم بعد العلم والعقل والفهم # PageV06P483 # يتذكر، وإذا تذكر عند ذلك شكر نعمه، ثم قوله: (إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون) و (يتفكرون) وما ذكر فيه: دلالة وحدانية الله تعالى، ودلالة تدبيره ~~وعلمه وحكمته، ودلالة بعث الخلائق، ودلالة قدرته وسلطانه؛ لأن الليل ~~والنهار يأتيان الجبابرة والفراعنة، ويذهبان بعمرهم ويفنيانه؛ شاءوا أو ~~أبوا، فذلك آية سلطانه وقدرته؛ ليعلم أن له السلطان والقدرة، لا لهم، ~~وفيهما دلالة البعث؛ لأنه إذا أتى هذا ذهب الآخر حتى لا يبقى له أثر، ثم ~~ينشئ مثله بعد أن لم يبق من الأول شيء ولا أثر، فالذي قدر على إنشاء النهار ~~أو الليل بعد ما ذهب أثره وتلاشى - لقادر على إنشاء الخلق بعد ما ذهب ~~أثرهم. # وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، وما ذكر: لما اتسق هذا كله على سنن واحد؛ ~~وتقدير واحد؛ على غير تفاوت فيها ولا تفاضل، وعلى غير ms2478 تقديم ولا تأخير بل ~~جرى كله على سنن واحد، وتقدير واحد، وميزان واحد؛ من غير تفاوت أولا تفاضل، ~~ولا اختلاف. دل أنه على تدبير واحد خرج ذلك، لا على الجزاف، وأن مدبر ذلك ~~كله واحد؛ إذ لو كان تدبير عدد لخرج مختلفا متفاوتا، فدل أنه تدبير واحد لا ~~عدد، وأنه على تدبير غير خرج وجرى كذلك، لا بنفسه، وأنه على حكمة، وعلم جرى ~~كذلك، فدل على لزوم الرسالة والعبادة له؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ~~(إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). # وقوله - عز وجل -: (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية ~~لقوم يذكرون (13) أي: مختلفا أصنافه وجواهره. # يخبر - عز وجل - عن قدرته، وسلطانه، ونعمه التي أنعم عليهم بها. أما ~~سلطانه وقدرته: ما خلق في الأرض وأنبت فيها بالماء لم يرجع إلى جوهر الأرض ~~وجنسها، ولا إلى جوهر الماء وجنسه، وهما كالوالدين: الماء كالأب، والأرض ~~كالأم، فلم يرجع ما خرج منهما من جنسهما، ولا من جوهرهما؛ كما كان في سائر ~~الأشياء رجع التوالد منها إلى جنس الوالدين وجوهرهما؛ بل رجع التوالد ~~والنشوء من الأرض والماء إلى جنس البذر وجوهره؛ ليعلم قدرته وسلطانه على ~~إنشاء الأشياء؛ بأسباب وبغير # PageV06P484 # أسباب، ومن شيء ومن لا شيء. ويذكر نعمه: حيث أخبر أنه خلق في الأرض من ~~الأصناف المختلفة، والجواهر المتفرقة؛ لينتفعوا بها. # ويحتمل قوله: (مختلفا ألوانه) من جنس واحد؛ من شيء واحد؛ لأنه يكون من ~~جنس واحد ألوان مختلفة، ومن قدر على إنشاء ألوان مختلفة من شيء واحد لا ~~يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآية لقوم يذكرون)، وفي آية: (لقوم ~~يعقلون)، وفي آية (لقوم يتفكرون)، وفي آية: (لكل صبار شكور)، و ~~(للمتوسمين)، وفي آية: (للمؤمنين). # فيحتمل أن يكون كله كناية عن المؤمنين؛ كأنه قال: إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين؛ إذ يجمع الإيمان جميع ما ذكر: من التفكر، والتذكر، والعقل، ~~والاعتبار، والصبر، والشكر، وغيره. # ويحتمل: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)، و (يعقلون)، و (يذكرون): أي: ~~لقوم همتهم الفكر ms2479 والنظر في الآيات، ولقوم همتهم التفهم والاعتبار فيها، لا ~~لقوم همتهم العناد، والمكابرة، والإعراض عن النظر في الآيات والفكر فيها. # وفي ذكر الآية للمتفكرين، والعاقلين، والمتذكرين: لما منفعة الآية تكون ~~لهؤلاء، وإن كانت الآيات لهم ولغيرهم، فمنفعتها لمن ذكر. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا ~~منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ~~(14) # وتسخيره إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق ~~الله فيه: من الحلى والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب: السمك وغيره، ~~فلولا تسخير الله إياه للخلق؛ وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما ~~فيه من الأموال النفيسة؛ وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه والوصول إليه؛ ~~لشدة أهواله وأفزاعه. # وقوله - عز وجل -: (لتأكلوا منه لحما طريا). # يحتمل السمك خاصة. ويحتمل السمك وما فيه من الدواب؛ من نوع ما لو كان ~~بريا أكل؛ من نحو الجواميس وغيرها. # وقوله تعالى: (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها). # يحتمل الحلية: اللؤلؤ والمرجان؛ الذي ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان). # ثم يحتمل قوله: (حلية): أي: ما يتخذ منه حلية. وهذا جائز؛ أن يسمى الشيء ~~باسم ما يتخذ منه؛ وباسم ما يصير به في المتعقب. أو يسمى حلية؛ لأنه زينة. # PageV06P485 # ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة؛ ألا ترى أنه ذكر في الأنعام زينة ~~وجمالا، وفي الخيل والبغال كذلك، فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال ~~فيه أظهر أخبر أنه جعل لنا الوصول إلى ما في قعر البحر وهو ما ذكر من ~~اللؤلؤ وأنواع الحلي، وما في بطن البحر: وهو ما ذكر من اللحم الطري، وما هو ~~على وجه الماء: وهو السفن التي ذكر. # ووجه تسخيره إيانا الخيل والأسباب التي علمنا؛ حتى نصل إلى ما فيه؛ فكأنه ~~قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه. # وفي ذلك دلالات: # إحداها: إباحة التجارة بركوب الأخطار؛ لأن الغائص في البحر يخاطر بنفسه؛ ~~وروحه، وكذلك راكب السفن؛ ms2480 فلولا أنه مباح له طلب ذلك؛ وإلا ما ذكر هذا في ~~منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وترى الفلك مواخر فيه) قال الحسن، والأصم: المواخر: ~~السفن المحشوات؛ الوافرة أحمالها وأثقالها، يذكر منته التي من بها عليهم؛ ~~حيث جعل لهم السفن والفلك؛ التي يحمل بها الأحمال الثقال العظام في البحار ~~ما سبيلها التسفل والانحدار في البحر؛ فأمسكها فيه بالسفن العظام الثقيلة. # وقال بعضهم: مواخر: أي: جارية مقبلة مدبرة بريح واحدة في البحر؛ لأن ماء ~~البحر راكدة؛ فأجرى السفن فيه بالرياح؛ حيثما أرادوا وقصدوا؛ إذ الأشياء قد ~~تجري على الماء، إذا كان له جرية، وأما إذا كان راكدا ساكنا فلا سبيل إلى ~~ذلك؛ فيذكر عظيم منته وقدرته على إجراء السفن في الماء الراكد بالريح. # وقال بعضهم: (مواخر) أي: جواري تشق الماء شقا وتخرقه، يقال: مخرت ~~السفينة؛ ومنه: مخر الأرض: إنما هو شق الماء لها؛ وهو قول القتبي. # وكذلك قال أبو عبيدة: إنه من شق السفن الماء. وقال أبو عوسجة: المواخر: # PageV06P486 # المستقبلة، يقال: استمخر الإنسان الريح: إذا استقبلها. وقال أبو عبيدة: ~~مواخر من الاستدبار؛ يقال: إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح: أي: ~~يستدبرها. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولتبتغوا من فضله). # يحتمل بالتجارة التي جعل فيها؛ حيث جعل سبيل قطع البحار إلى بلاد نائية ~~بعيدة بالسفن؛ ليبتغوا ما به قوام أبدانهم وأنفسهم؛ إذ جعل بنيتهم بنية لا ~~تقوم إلا بالأغذية، ولعلهم لا يظفرون ما به قوام أبدانهم وبنيتهم في ~~بلادهم؛ فيحتاجون إلى البلاد النائية البعيدة عنهم، فمن عليهم بذلك؛ كما من ~~بقطع المفاوز والبراري بالدواب؛ بقوله: (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس). # أو قال: (ولتبتغوا من فضله) بما يستخرج منه، ولعلكم تشكرون جميع ما ذكر: ~~من ألوان النعم والمنافع؛ من أول السورة إلى آخرها؛ يستأدي به شكره. # وفي قوله: (ولتبتغوا من فضله) دلالة إباحة التجارة، وطلب الفضل بركوب ~~الأخطار واحتمال الشدائد؛ حيث أخبر أنه سخر البحر؛ حتى أمكنهم ركوبه بالحيل ~~والأسباب التي علمها ms2481 لهم؛ لأن الغواص يخاطر بروحه ونفسه، وكذلك راكب ~~السفينة. # وقوله - عز وجل -: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون (15) # أي: ألقى في الأرض الجبال؛ لئلا تميد بكم؛ قال بعض أهل التأويل: قوله: ~~(وألقى في الأرض رواسي) لئلا تميد بكم، لأنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو ~~بأهلها؛ كما تكفو السفينة في الماء؛ فأثبتها بالجبال؛ لتقر بأهلها، لكن لو ~~كان على ما ذكروا أنها بسطت على الماء لكانت لا تكفو ولا تضطرب، ولكنها ~~تتسرب في الماء وتنهار فيه؛ لأن من طبعها التسقل والتسرب في الماء؛ إلا أن ~~يقال: إن الله - عز وجل - جعل - بلطفه - طبعها طبع ما يضطرب؛ وتكفو؛ فعند ~~ذلك يحتمل ما ذكروا. والله أعلم. # ولو قالوا: إنها بسطت على الريح لكان يحتمل ما قالوا؛ ويكون أشبه بقولهم؛ ~~ألا ترى أن السراج في الآبار والسروب لا يضيء بل ينطفئ كما أسرج؛ فيشبه أن ~~يكون انطفاؤه لريح تكون في الأرض، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، والله أعلم ~~بذلك. # PageV06P487 # وقال بعضهم: بسطت على ظهر الثور فكانت تضطرب بتحركه فأرساها بما ذكر، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا) يخرج ذكر ذلك ~~منه ذكر الامتنان والنعمة؛ لأن له أن يترك الأرض على ما خلقها؛ ولا يثبتها ~~بالجبال؛ لتميد بأهلها وتميل؛ فلا يقدروا على القرار عليها والانتفاع بها، ~~لكنه - بفضله ومنته - أثبتها بالجبال؛ ليقروا عليها، ويقدروا على الانتفاع ~~بها. وكذلك له ألا يجعل لهم فيها أنهارا جارية؛ فيكون مياههم من آبارها، ~~وكذلك له أن يحوجهم بأنواع الحوائج؛ ثم لا يبين لهم الطرق والسبل التي بها ~~يصلون إلى قضاء حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها يصلون إلى قضاء ~~حوائجهم، ويكلفهم طلب الطرق والسبل التي بها تقضى حوائجهم بأنواع الحوائج، ~~ثم لا يبين لهم الطرق والسبل، لكنه بفضله ومنه بين لهم الطرق والسبل التي ~~تفضي إلى البلدان والأمكنة التي فيها تقضى حوائجهم، وكذلك بفضله جعل لهم في ~~الأرض أنهارا جارية، وأثبت الأرض بالرواسي؛ ليقروا عليها، وذلك ms2482 كله بمنه ~~وفضله. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تهتدون) # يحتمل تهتدون الطرق والسبل التي تفضيهم إلى الحوائج. # ويحتمل: تهتدون الهدى المعروف؛ بما ذكر من نعمه ومننه. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) هذا أيضا يخرج مخرج ~~ذكر المنن والنعم عليهم؛ لأنهم لولا ما جعل الله أعلاما في البحار والبراري ~~يعرفون بها السلوك فيها؛ وإلا لم يقدر أحد معرفة الطرق في البحار والبراري. # ثم يحتمل الأعلام: مرة بطعم الماء والجبال التي جعل فيها وبالرياح، ومرة ~~تكون بالنجم؛ يعرفون بطعم الماء أن هذا الطريق يفضي إلى موضع كذا، وكذلك ~~يعرفون بالجبال وبالرياح، يعرفون السبل إلى حوائجهم ومقصودهم. وكذلك بالنجم ~~يعرفون الطرق؛ فالأعلام مختلفة بها يهتدون الطرق والسبل. # PageV06P488 # ويحتمل: يهتدون بما ذكر من الأعلام والنجبم سبب اهتدائهم إلى توحيد الله. # وقوله - عز وجل -: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: على الاحتجاج عليهم؛ أي: لا تجعلوا من لا يخلق ولا ينفع ولا ينعم ~~كمن هو خالق الأشياء كلها؛ منعم النعم عليكم، (أفلا تذكرون): أي: إن صرف ~~العبادة والشكر إلى غير خالقكم وغير منعمكم جور وظلم. # والثاني: يخرج مخرج تسفيه أحلامهم؛ أنهم يعبدون من يعلمون أنه ليس بخالق، ~~ويتركون عبادة من يعلمون أنه خالق الأشياء كلها، أفلا تذكرون والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ~~(18) # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: وإن تعدوا أنفس نعمة الله التي أنعمها عليكم وأعينها لا تقدروا ~~على عدها لكثرتها. # والثاني: (وإن تعدوا): وإن تكلفتم واجتهدتم كل جهدكم أن تقوموا لشكر ما ~~أنعم الله عليكم ومن، وما قدرتم على القيام لشكر واحدة منها؛ فضلا أن ~~تقوموا للكل. # والثالث: يخرج على العتاب والتوبيخ؛ أي: كيف فرغتم لعبادة من لا يخلق ولا ~~ينعم عن عبادة من خلق وأنعم، وكنتم لا تقدرون على إحصاء ما أنعم عليكم؛ ~~فضلا أن تقوموا لشكره. # وقال الحسن في قوله: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها): لا تعرفوا كل ~~النعم؛ لأنه كم من النعم ما ms2483 لا يعرفه الخلق؛ كقوله: (نعمه ظاهرة وباطنة)، ~~فإذا لم يعلموا لم يقدروا إحصاءها. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لغفور رحيم). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: إنكم وإن افتريتم على الله، وعاندتم حججه وآياته، وكذبتم رسله ~~فإذا استغفرتم؛ وتبتم عما كان منكم؛ يغفر لكم ذلك كله؛ كقوله: (إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف). # PageV06P489 # والثاني: (لغفور): أي: يستر عليكم ما كان منكم؛ ما لو أظهر ذلك لافتضحتم؛ ~~لكنه برحمته ستر ذلك عليكم، رحيم بالستر عليكم. أو ذكر (لغفور رحيم) على ~~أثر ذكر النعم وأنواع المنافع؛ ليكونوا رحماء على ما ذكر مما سخر لنا وأذل. ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون ~~الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ~~يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين (23) # وقوله - عز وجل -: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه ~~رقيبا حافظا بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ~~ليس عليه حافظ ولا رقيب. # والثاني: يعلم ما تسرون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، ~~والإخراج، وغير ذلك أي: يعلم ذلك، كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج ~~على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~(20) يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة. # ويحتمل (يدعون): يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأول؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ # وقوله - عز وجل -: (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # يحتمل المراد بقوله: (أموات غير أحياء): الذين عبدوا الأصنام والأوثان ~~وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله تعالى سمى الكافر في غير ms2484 ~~آي من القرآن ميتا؛ فيشبه أن يكون قوله: (أموات غير أحياء) أيضا. # (وما يشعرون أيان يبعثون). # أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ ~~لم # PageV06P490 # يعلموا ما عملوا. # ويحتمل قوله: (أموات غير أحياء): الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير ~~أحياء. # قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا ~~تضر؛ كالميت (أموات غير أحياء): أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم ~~والأنعام، ويكون قوله: (وما يشعرون أيان يبعثون) راجعا إلى الذين عبدوا ~~الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم ~~يشعرون حين يبعثون. # وقال بعضهم: قوله: (وما يشعرون أيان يبعثون) يبعث الآلهة والذين عبدوها ~~جميعا؛ كقوله: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم) وقوله: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون (22) من دون الله). قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، ~~(وما يشعرون أيان يبعثون): أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما ~~فعلوا ما فعلوا، وإن كان قوله: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون) راجعا إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل ~~قوله: (وما يشعرون أيان يبعثون): أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعا ~~إلى الأصنام، فقوله: (وما يشعرون أيان يبعثون): أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، ~~لا يحتمل أن يكون قوله: (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) وإن يقال ذلك، في ~~الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا ~~تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم. # وقوله - عز وجل -: (إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم ~~منكرة وهم مستكبرون (22) # قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها ~~العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه ~~لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد ~~لا ms2485 العدد الذي عبد أولئك. # وقوله - عز وجل -: (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة). # PageV06P491 # يحتمل قوله: (قلوبهم منكرة): أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد ~~الموت. # أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ ~~كقولهم: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب). # ويحتمل قوله: (قلوبهم منكرة) لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء ~~به من الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وهم مستكبرون) يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه ~~أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل ~~جميعا دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له. # وقوله - عز وجل -: (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب ~~المستكبرين (23) # يحتمل قوله: (ما يسرون): من المكر برسول الله، والكيد له، (وما يعلنون) ~~من المظاهرة عليه. أو يعلم ما يسرون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها وما ~~أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسروا أو أعلنوا. # وقوله: (لا جرم) قال الأصم: (لا جرم): كلمة تستعملها العرب في إيجاب ~~تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقا، ولعمري، وايم الله، ونحوه. # وقال الحسن: هو كلمة وعيد. # وقال بعضهم: لا جرم، وحقا، وبلى، ولا بد، كله في الحاصل: يرجع إلى واحد، ~~وهو وعيد؛ لأن قوله: (يعلم ما يسرون وما يعلنون) وعيد. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه لا يحب المستكبرين). # لأنه لا يحب الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن ينكبر على غيره من ~~الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي مثل وشكل أن يتكبر ~~على شكله ومثله؛ لأن تكبر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا ~~وأشكالا، لذلك كان زورا وكذبا، وقد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحا في ~~العقول. # PageV06P492 # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~ساء ما يزرون (25) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر ~~عليهم ms2486 السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة ~~يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن ~~الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) ~~فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) # وقوله - عز وجل -: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين). # أي: قال الأتباع للرؤساء: ماذا أنزل ربكم؟ قال الرؤساء: أنزل أساطير ~~الأولين، أو يخرج على الإضمار، كأنهم قالوا لهم: ماذا يقول إنه أنزل ربكم ~~عليه؟ فقالوا عند ذلك: أساطير الأولين، وإلا لا يحتمل أن يكون ذكروا أساطير ~~الأولين، جواب سؤالهم: ماذا أنزل ربكم؟ مفردا؛ لأنهم كانوا يقرون بالله ~~بقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). و (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله)؛ فلا يحتمل أن يكونوا إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم؛ فيقولون: أساطير ~~الأولين إلا أن يكون في السؤال زيادة قول، أو في الجواب إضمار؛ فيكون - ~~والله أعلم - كأنه قال: وإذا قيل لهم: ماذا يزعم هذا أنه أنزل عليه ربكم؟ ~~قالوا عند ذلك: إنه يقول: أساطير الأولين؛ كقوله: (وقالوا يا أيها الذي نزل ~~عليه) أي: قالوا: يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر. # أو يكون قوله: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم) فقالوا: لم ينزل الله شيئا ~~إنما يقول أساطير الأولين، ومثل هذا يحتمل أن يكون. # وقوله: (أساطير الأولين) قال أبو عوسجة: أحاديث الأولين والواحد أسطور، ~~وهي الأحاديث المختلقة؛ كقوله: (إن هذا إلا اختلاق) أي: لا أصل له؛ وأصله ~~الكذب. وهكذا عادة أولئك الكفرة يقولون للأنباء: أساطير الأولين، وكانوا ~~ينسبون ما يقرأ عليهم إلى السحر، ولو كان في الحقيقة سحرا أو أحاديث ~~الأولين كان دليلا له. أو قالوا ذلك على الاستهزاء له، وذلك جائز أن يخرج ~~قولهم ذلك على الاستهزاء. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم # PageV06P493 # بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) # هذا ms2487 يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يحتمل: أنهم يحملون أوزارهم كاملة؛ يعني الذين قالوا للرسل: ~~أساطير الأولين، ومن أوزار الذين يقلدون رسلهم، ووفدهم الذين بعثوا عن ~~السؤال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فحملوا أوزار أنفسهم؛ وأوزار ~~الرسل وأوزار الذين يقلدون الرسل ويقتدون بهم بغير علم؛ لأنهم لم يعلموا أن ~~أولئك يقتدون بالرسل فيضلون، وهم وإن لم يعلموا فذلك عليهم؛ لأنهم هم الذين ~~سنوا ذلك؛ وهو كما روي: " من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة " ويحتمل: ليحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين طمعوا الإسلام؛ إذا ~~أسلموا سقط تلك الأوزار عنهم. وقوله: (ليحملوا أوزارهم): هم لم يفعلوا ما ~~فعلوا ليحملوا أوزارهم، ولكن معناه - والله أعلم - أي: ليصيروا حاملين ~~لأوزارهم والذين أضلوهم. # وقوله - عز وجل -: (بغير علم) يحتمل (بغير علم) أي: بسفه. # (ألا ساء ما يزرون) أي: ساء ما يحملون. # وقوله: (بغير علم) أي: لم يعلموا أن تصير أوزارهم عليهم، أو لم يعلموا ما ~~يلحق بهم. # وقوله - عز وجل -: (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ~~فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) # لم يزل كانت عادة الكفرة بالمكر برسل الله؛ والكيد لهم، وكذلك مكر كفار ~~مكة برسول الله، يذكر هذا - والله أعلم - لرسول الله ليصبره على أذاهم ~~إياه؛ كما صبر أولئك على مكر قومهم وترك مكافأتهم إياهم؛ كقوله: (فاصبر كما ~~صبر أولو العزم من الرسل). ثم مكرهم الذي ذكر كان يخرج على وجهين: # أحدهما: فيما جاءت به الرسل؛ كانوا يتكلفون تلبيس ما جاءت به الرسل على ~~قومهم. # والثاني: يرجع مكرهم إلى أنفس الرسل؛ من الهم بقتلهم وإخراجهم من بين # PageV06P494 # أظهرهم؛ ونحوه، فخوف بذلك أهل مكة بصنيعهم لرسول الله؛ أن ينزل بهم كما ~~نزل بأولئك الذين مكروا برسلهم؛ لئلا يعاملوه بمثل معاملة أولئك رسلهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأتى الله بنيانهم من القواعد). # قال الحسن: هذا على التمثيل بالبناء الذي بني على غير أساس؛ ينهدم ولا ~~يعلم من أي: سبب ms2488 أنهدم، فعلى ذلك مكرهم يبطل ويتلاشى؛ كالبناء الذي بني على ~~غير أساس ويشبه أن يكون على التمثيل من غير هذا الوجه؛ وهو أنهم قد مكروا ~~وأحكموا مكرهم بهم؛ فيتحصنون بذلك؛ كالبناء الذي يتحصن به؛ فأبطل الله ~~مكرهم؛ كقوله: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا. . .) الآية، وقوله: (ومكروا ومكر ~~الله. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فخر عليهم السقف من فوقهم). # هو ما ذكرنا من إبطال مكرهم الذي به كانوا يتحصنون؛ كوقوع السقف الذي به ~~يتحصن من أنواع الأذى والشرور. ويحتمل على التحقيق؛ وهو ما نزل بقوم لوط؛ ~~من الخسف، وتقليب البنيان، وإمطار الحجر عليها. # وأما ما ذكر بعض أهل التأويل: من الصرح الذي بنى نمرود وبنيانه، ووقوعه ~~عليهم؛ فإنا لا نعلم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون). # كذلك كان يأتي العذاب الظلمة الكذبة؛ من حيث لا علم لهم بذلك؛ كقوله: ~~(فأخذناهم بغتة. . .) الآية، وقوله: (فأتى الله بنيانهم)، هو من الإتيان، ~~ومعلوم أنه لا يفهم من إتيانه الانتقال من مكان إلى مكان، ولكن إتيان ~~عذابه، أضيف إليه الإتيان؛ لما بأمره يأتيهم، ومنه [ ### | .... # ]، فعلى ذلك لا يفهم من قوله: (وجاء ربك)، وقوله: (إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل. . .) الآية إتيان الانتقال ومجيئه من مكان إلى مكان، وقد ذكرنا هذا ~~وأمثاله في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ثم يوم القيامة يخزيهم ... (27) # أخبر أنه يخزيهم يوم القيامة بعد ما عذبهم في الدنيا؛ بقوله: (وأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون). # PageV06P495 # وقوله: (يخزيهم): قال أهل التأويل: يعذبهم، وكأن الإخزاء هو الإذلال، ~~والإهانة، والفضح، يذلهم، ويهينهم، ويفضحهم في الآخرة؛ مكان ما كان منهم من ~~الاستكبار، والتجبر على النبي وأصحابه، وكذلك قوله: (يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا)، أي: لا يذلهم، ولا يهينهم؛ لتواضعه للمؤمنين، وخفض ~~جناحه لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم) أي: تعادون ~~أوليائي فيهم، أو تعادونني فيهم. # وقوله: (أين شركائي) ليس له بشركاء؛ ولكن أضاف إلى نفسه: شركائي؛ على ~~زعمهم في الدنيا أنها شركاؤه، وكذلك قوله: (فراغ ms2489 إلى آلهتهم) أي: إلى ما في ~~زعمهم؛ وتسميتهم إياها آلهة. # وقوله - عز وجل -: (كنتم تشاقون فيهم) أي: كنتم تخالفون فيهم وتعادون؛ ~~أي: تخالفون المؤمنين في عبادتهم إياها؛ لأنهم يقولون: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى) وهم شفعاؤنا عند الله، ونحوه، كانوا يخالفون ~~المؤمنين، وكانوا يشاقون في ذلك؛ إلا أنه أضاف ذلك إلى نفسه لأنهم أولياؤه، ~~وأنصار دين الله، وأضاف إليه المخالفة والمشافة لأنهم خالفوا أمر الله. # وقوله: (قال الذين أوتوا العلم). # قال أهل التأويل: الذين أوتوا العلم الملائكة الكرام الكاتبون، لكن هم ~~وغيرهم من المؤمنين محتمل. # وقوله - عز وجل -: (إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين) أي: الذل ~~والهوان والافتضاح وكل سوء على الكافرين هكذا يقابل كل معاند ومكابر في حجج ~~الله وبراهينه مكان استكبارهم وتجبرهم في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما ~~كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) # قال الحسن: تتوفاهم الملائكة من بين يدي الله يوم الحساب إلى النار. # وقال بعضهم: تتوفاهم الملائكة - وقت قبض أرواحهم - ظالمي أنفسهم بالشرك ~~والكفر بالله. # PageV06P496 # وعلى تأويل الحسن: يكون قوله: (ظالمي أنفسه) في الدنيا، ويجوز أن يوصفوا ~~بالظلم في الآخرة أيضا؛ بكذبهم فيها في قولهم: (ما كنا نعمل من سوء) ~~وقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، وأمثاله من الكذب؛ حيث ينكرون الإشراك ~~في ألوهية الله وعبادته، كأن هذا الإنكار والكذب منهم في أول حالهم، ظنا ~~منهم أن ذلك ينفعهم، فإذا لم ينفعهم إنكارهم طلبوا الرد إلى الدنيا، أو إلى ~~حال الأمن؛ ليعملوا غير الذي عملوا؛ كقولهم: (أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل)، فإذا لم يردوا وأيسوا عن ذلك؛ فعند ذلك أنطق الله جوارحهم؛ حتى تشهد ~~عليهم بما كان منهم فعند ذلك يقرون، ويعترفون بذنوبهم؛ كقوله: (فاعترفوا ~~بذنبهم). # وقوله - عز وجل -: (فألقوا السلم) قال بعضهم: يسلمون ويستسلمون لأمر ~~الله، ولكن لو كان ما ذكروا لم يكونوا ينكرون عمل السوء، كقولهم: ما كنا ~~نعمل من سوء. # وقال بعضهم: (فألقوا السلم): ms2490 هو الاستخزاء، والخضوع والتضرع. # ويشبه أن يكون قوله: (فألقوا السلم) عند الموت يؤمنون عند معاينة ذلك، أو ~~سلموا عليهم في الآخرة على ما رأوا في الدنيا المؤمنين يسلم بعضهم على بعض. # وقوله - عز وجل -: (ما كنا نعمل من سوء) في الآخرة، والله أعلم بذلك، ~~فأكذبهم الله في قولهم: (ما كنا نعمل من سوء)؛ فقال: (بلى إن الله عليم بما ~~كنتم تعملون) هذا وعيد يخبر ألا يجوز كذبهم في الآخرة، ولا يحتمل كما جاز ~~في الدنيا؛ ولم يظهر. # وقوله - عز وجل -: (فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها (29)، وقوله: (فلبئس ~~مثوى المتكبرين) أي: بئس مقام المتكبرين الذين تكبروا على دين الله، أو ~~تكبروا على ما جاء به الرسل من الله، وما أنزل الله عليهم. # * * * # قوله تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن ~~يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين ~~(31) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون (32) # وقوله - عز وجل -: (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا). # قال أهل التأويل: هذا قول المؤمنين؛ مقابل قول المشركين: (وإذا قيل لهم ~~ماذا أنزل # PageV06P497 # ربكم قالوا أساطير الأولين). # ثم اختلف في قوله: (قالوا خيرا): قال بعضهم: قوله: (قالوا خيرا) أي: ~~قولهم الذي قالوا أنه أرسل بحق، وأنه كذا خير. # وقال بعضهم: قوله: (قالوا خيرا) حكاية عما أنزل على رسول الله عصم: و ~~(خيرا): أي: أنزل عليه ربنا خيرا، أو أن يكون الناس الذين يأتون من الآفاق ~~يسألون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا سألوا المؤمنين: ماذا ~~أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا، وإذا سألوا الكفرة قالوا: أساطير الأولين. # وجائز أن يكون أتباع المؤمنين سألوا كبراءهم: ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: ~~خيرا، مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم أساطير الأولين. # وقوله - عز وجل -: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) من النصر لهم، ~~والظفر على عدوهم. # (ولدار الآخرة خير) لهم مما ms2491 كان أعطاهم في الدنيا. # وقال بعضهم: للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة، ولدار ~~الآخرة خير لهم مما كان أعطاهم في الدنيا؛ أي: الجنة خير وأفضل للمؤمنين ~~مما أوتوا في الدنيا. # (ولنعم دار المتقين): # قال هذا للمؤمنين مكان ما قال للكافرين: (فلبئس مثوى المتكبرين)، ثم نعت ~~الدار التي وعد المتقين؛ فقال: (جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار ~~لهم فيها ما يشاءون (31) من اللذات والشهوات. # فإن قيل: أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار ~~والصديقين؛ أيكون لهم ما شاءوا؟ # قيل: لا يشاءون هذا؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إما حسدا؛ وإما ~~تمنيا، فلا يكون في الجنة حسد؛ لأن الحسد هو أن يرى لأحد شيئا ليس له؛ ~~فيحسد أو يتمنى مثله، فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون ويخطر ببالهم، فلا ~~معنى لسؤالهم ربهم ما لغيرهم، والله أعلم. # PageV06P498 # وقوله - عز وجل -: (كذلك يجزي الله المتقين) ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) # على تأويل الحسن: تتوفاهم الملائكة وهم طيبون من بين يدي الله يوم ~~الحساب، يقولون لهم: (سلام عليكم ادخلوا الجنة) وقد ذكرنا: أن السلام هو ~~تحية؛ جعل الله بين الخلق في الدنيا والآخرة؛ وقد ذكرناه في غير موضع. # وقال بعضهم: الذين تتوفاهم الملائكة بقبضهم الأرواح في الدنيا، يقبضون ~~أرواحهم وهم طيبون. # وقال بعضهم: طيبون أحياء وأمواتا، وهم المؤمنون الذين طابت أعمالهم في ~~الدنيا. # يحتمل السلام وجهين: # أحدهما: تحييهم الملائكة بالسلام في الجنة؛ كما يحيي أهل الإيمان في ~~الدنيا بعضهم بعضا. # والثاني: السلام يكون منهم أمن عن جميع الآفات والمكروهات، والله سبحانه ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34) # وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك). # هذا الحرف يخرج على الإياس ms2492 له من إيمانهم؛ أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا ~~وقت قبض أرواحهم، أو وقت نزول العذاب عليهم؛ أي: لا يؤمنون إلا في هذين ~~الوقتين، ولا ينفعهم إيمانهم في هذين الوقتين؛ لأن إيمانهم إيمان اضطرار؛ ~~كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله)، وكقوله: (وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته) يؤمنون عند معاينتهم بأس الله؛ لكن لا ينفعهم ~~إيمانهم في ذلك الوقت، يخبر أنهم ينظرون ذلك الوقت يؤيس رسوله عن إيمانهم، ~~لما علم أنهم لا يؤمنون؛ ليرفع عنه مؤنة الدعاء إلى الإيمان والقتال معهم. # وقوله: (أو يأتي أمر ربك) يحتمل العذاب في الدنيا، ويحتمل عند معاينتهم ~~العذاب # PageV06P499 # وقوله تعالى: (كذلك فعل الذين من قبلهم). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: كذلك فعل المعاندون، والمكابرون، الذين كانوا من قبل برسلهم؛ من ~~التكذيب لهم، والعناد، وتركهم الإيمان إلى الوقت الذي ذكر، كما فعل قومك من ~~التكذيب لك يا محمد والعناد. # ويحتمل كذلك فعل الذين من قبلهم؛ أي: هكذا أنزل العذاب بمن كان قبل قومك ~~بتكذيبهم الرسل والعناد معهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ظلمهم الله) بما عذبهم (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) حيث وضعوا أنفسهم في غير موضعها الذي وضعها الله، وحيث صرفوها عن ~~عبادة من نفعهم، وأنعم عليهم، واستحق ذلك عليهم إلى من لا يملك نفعا ولا ~~ضرا، ولا يستحق العبادة بحال، فهم ظلموا أنفسهم؛ حيث صرفوها عن الحكمة إلى ~~غير الحكمة لا الله؛ إذ الله وضعها؛ حيث توجب الحكمة ذلك، والظلم: هو وضع ~~الشيء في غير موضعه، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، فهم وضعوا أنفسهم في ~~غير موضعها، فأما الله تعالى فقد وضعها في المواضع التي توجب الحكمة وضعها. # وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك). # كأنه قال: ما ينتظرون للإيمان بعد الحجج السمعيات، وبعد الحجج العقليات، ~~والحجج الحسيات إلا نزول الملائكة بالعذاب من الله تعالى عليهم؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقام عليهم الحجج السمعيات والعقليات ~~والحسيات، فلم يؤمنوا به ولم ms2493 يصدقوه، فيقول: إنهم ما ينتظرون إلا الحجج ~~التي تقهرهم وتضطرهم، فعند ذلك يؤمنون؛ وهو ما ذكر من نزول العذاب بهم. # أو يقول: ما ينظرون بإيمانهم إلا الوقت الذي لا ينفعهم إيمانهم، وهو ~~الوقت الذي تخرج أنفسهم من أيديهم؛ فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم في ذلك، وهو ~~ما قال: (فلم يك ينفعهم إيمانهم. . .) الآية. # PageV06P500 # قوله تعالى: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم)، ~~وقال في سورة الأنعام قوله تعالى: (كذلك كذب الذين من قبلهم)، وقال: (قل هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا)، وقال هاهنا: (فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين). # و (هل): هو حرف استفهام في الظاهر، لكن المراد منه: ما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين؛ على ما قاله أهل التأويل، ما قد كان من الله من البيان أن ~~ليس على الرسل إلا البلاغ المبين. وكذلك قوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة)، أي: ما ينظرون إلا أن تأتيهم كذا. وكذلك قوله: (أم للإنسان ما ~~تمنى) (أم): هو حرف شك، ومراده: ما للإنسان ما تمنى، وأمثاله لما سبق من ~~الله ما يبين لهم أن ليس للإنسان ما تمنى، وقد ذكر تأويل قوله: (وقال الذين ~~أشركوا) في سورة الأنعام. # ويحتمل قولهم هذا وجوها: # أحدها: قالوا ذلك على الاستهزاء به؛ كقوله: (ويقول الإنسان أإذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا). # والثاني: قولهم: (لو شاء الله) أي: لو أمر ms2494 الله أن نعبده ولا نعبد غيره ~~لفعلنا؛ كقوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها. . .) الآية. والثالث: قالوا: لو لم يرض الله منا ذلك ما تركنا فعلنا ~~ذلك؛ ولكن أهلكنا. # وقوله - عز وجل -: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ... (36) # يخبر رسوله أنك لست بأول رسول، مبعوث إلى أمتك؛ ولكن قد بعث إلى كل أمة # PageV06P501 # رسول، وهو كقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، يصبره على ما يصيبه ~~منهم من المكروه والأذى؛ أي: لست أنت بأول من يصيبه ذلك، بل كان لك قبلك ~~إخوان أصابهم من أممهم ما يصيبك من أمتك. # وقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله). # هو على الإضمار؛ كأنه قال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا وقلنا لهم: قولوا: ~~(أن اعبدوا الله. . .) الآية، (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) على ذلك ~~كان بعث الرسل جميعا إلى قومهم بالدعاء إلى توحيد الله؛ وجعل العبادة له، ~~والنهي عن عبادة الأوثان دونه؛ كقوله: (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره). # ويكون قوله: (واجتنبوا الطاغوت): كقوله: (ما لكم من إله غيره) هما واحد. # والطاغوت: قال بعضهم: كل من عبد دون الله فهو طاغوت. # وقال الحسن: الطاغوت هو الشيطان، أضيف العبادة إليه بقوله: (لا تعبدوا ~~الشيطان)، لأن من يعبد دونه يعبد بأمره، فأضيف لذلك إليه، وقد ذكرنا هذا ~~أيضا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة). # هذا يدل أنه لم يرد بالهدى البيان؛ على ما قاله بعض الناسي؛ إذ قد سبق ~~منه البيان لكل واحد، وما ذكر أيضا: (ومنهم من حقت عليه الضلالة) وهذا يرد ~~على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: الهدى: البيان من الله، لكن الهدى منه في ~~هذا الموضع ليس هو البيان، هو ما يكرم الله به عبده؛ ويوفقه لدينه. # وقوله: (فمنهم من هدى الله) لاختياره الهدى (ومنهم من حقت عليه الضلالة) ~~أي: لزمت للزومه الضلالة واختياره إياه. # وقوله - عز وجل -: (فسيروا في الأرض. . .) الآية. # قال ms2495 الحسن: قوله: (فسيروا) ليس على الأمر؛ ولكن كأنه قال: لو سرتم في ~~الأرض لرأيتم كيف كان عاقبة المكذبين؛ بالتكذيب. # وقال بعضهم: سيروا؛ كأنه على الحجاج عليهم أن سيروا في الأرض؛ فإنكم ترون # PageV06P502 # آثار من كان قبلكم الذين أهلكوا بالتكذيب، كان النبي يخبرهم من أنباء ~~الأمم الخالية؛ وما نزل بهم، فينكرون ذلك؛ فقال عند ذلك: فسيروا في الأرض ~~فانظروا إلى آثار من كان قبلكم. # ويشبه أن يكون ليس على السير نفسه؛ ولكن على التأمل والنظر في آثار أولئك ~~وأمورهم أنه بم نزل بهم ما نزل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم ~~من ناصرين (37) # قال أبو بكر الأصم: قوله: (إن تحرص على هداهم):، كان يحب ويحرص على هدى ~~قراباته؛ كقوله: (إنك لا تهدي من أحببت)، فقال: (فإن الله لا يهدي من يضل)؛ ~~أي: لا يهديهم بضلالهم وقت ضلالهم أو لا يهديهم وقت اختيارهم الضلال، أو لا ~~يهدي من علم أنه يختار الضلال أويهلك على الضلال، أو لا ينجي من يهلك على ~~الضلال. # وفيه لغات ثلاث: (فإن الله لا يهدي من يضل) أي: لا يهدى من أضله الله؛ ~~أي: إذا أضله الله فليس أحد يهديه، و (لا يهدي من يضل)؛ ما ذكرنا، و (لا ~~يهدي من يضل)؛ أي: لا يهتدي من أضله الله، والله أعلم بذلك. أو لا يهتدي في ~~الآخرة طريق الجنة من أضله الله في الدنيا لاختياره الضلال، وهو كقوله: ~~(والله لا يهدي القوم الكافرين) (والله لا يهدي القوم الظالمين)، وقت ~~اختيارهم الكفر والظلم، أو لا يهدي من علم منه أن يختار الضلال والظلم، أو ~~لا يهدي من يلزم الضلال وقت لزومه. # وقوله - عز وجل -: (وما لهم من ناصرين). # ظاهر تأويله. # * * * # قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له ms2496 كن فيكون (40) # وقوله - عز وجل -: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت). # PageV06P503 # فإن قيل: لنا: ما الحكمة والفائدة في ذكر قسمهم الذي أقسموا في القرآن؛ ~~وجعل ذلك آية تتلى؟ وذلك القسم الذي أقسموا كان بحضرة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، وهم علموا ذلك ليس كالأنباء والقصص التي كانت من قبل، ~~إذ كان ذلك شيئا غاب عنه لم يشهدها؛ فأخبرهم على ما كان، ففي ذلك إثبات ~~رسالته ونبوته؟ # فالحكمة والفائدة من ذكرها في القرآن؛ وجعلها آيات تتلى؛ ليعلم أنه إنما ~~عرف ذلك بالله تعالى. # وأما القسم الذي أقسموا ليس فيه ما ذكرنا من إثبات الرسالة؛ وهم قد علموا ~~ذلك؛ فما الفائدة في ذكره؟ # قيل: يشبه أن يكون ذكره لنا - عز وجل - لنعلم نحن عظيم سفه أولئك؛ وقلة ~~عقولهم، وحلم الرسول واحتمال ما احتمل منهم من الأذى والمكروه؛ لنعلم نحن ~~أن كيف يعامل السفهاء؛ وأهل الفساد؛ والعصاة من الناس؛ على ما عامل رسل ~~الله أقوامهم؛ مع عظيم سفههم وقلة عقلهم، فذلك فائدة ذكر قسمهم في القرآن ~~قد تكلف أولئك الكفرة الكبراء منهم في تلبيس الآيات والحجج، التي أتت بها ~~الرسل: مرة بالقسم الذي ذكر؛ حيث أقسموا بالله جهد أيمانهم أنه لا يبعثون، ~~ومرة بالنسبة إلى السحر، ومرة بالافتراء، ومرة بالنسبة إلى الجنون، وفي ~~الإنباء بأنه إنما يعلمه بشر منا، يريدون بذلك التلبيس على الأتباع. # ثم البعث واجب بالعقل، والحكمة، وأخبار الرسل؛ إذ ليس خبر أصدق من أخبار ~~الرسل وآثارهم، وهم ممن يقبلون الأخبار، فأخبار الرسل أولى بالقبول ~~والتصديق من غيرهم؛ لأن معهم آيات صدقهم ودلالات تحقيقهم. # وأما العقل فهو أن كون هذا العالم وإنشاءه للفناء خاصة خارج عن الحكمة، ~~إذ كل عمل لا يكون له عاقبة حميدة عبث، وهو كما قال: (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا. . .) الآية، أخبر أنه إذا لم يكن رجوع إليه يكون خلقه إياهم عبثا. # PageV06P504 # وأما الحكمة فهي أن الانتقام لأوليائه من الظلمة واجب لظلمهم، والإحسان ~~لأهل الإحسان، فلو لم يكن بعث والحياة بعد الموت؛ لينتقم من ms2497 الظالم لظلمه، ~~ويجزى المحسن لإحسانه يذهب فائدة الترغيب على الطاعة والإحسان، ووعيد ~~الظالم بالانتقام، فالبعث واجب؛ للوجوه التي ذكرنا، والتفريق بين الأولياء ~~والأعداء؛ وقد جمعهم في هذه الدنيا، وفي الهحكمة التفريق بينهما. # وقوله: (جهد أيمانهم). # ذكر أن مشركي العرب كانوا لا يقسمون بالله إلا فيما يعظم من الأمر، ويشتد ~~عليهم؛ تعظيما له وإجلالا؛ إنما كانوا يقسمون بالأصنام والأوثان التي ~~عبدوها، فإذا حلفوا بالله فذلك جهد أيمانهم. # وقوله - عز وجل -: (بلى وعدا عليه حقا). # قوله: (بلى) رد على قولهم: (لا يبعث الله من يموت) فقال: بلى يبعث. # وقوله: (وعدا عليه حقا). # يحتمل (وعدا): أي: وعد أنه يبعثهم، فحق عليه أن ينجز ما وعد، أو حقا عليه ~~أن يعد البعث والإنجاز له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). # وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه نفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بعلمهم، فهو كما نفى عنهم ~~السمع والبصر وغيرهما من الحواس؛ لما لم ينتفعوا بها انتفاع ما لذلك كان ~~خلقها، فنفى ذلك عنهم. # والثاني: نفى عنهم ذلك على حقيقة النفي؛ لأنهم لم ينظروا؛ ولم يتأملوا في ~~الآيات والأسباب التي بها جعل لهم الوصول إلى العلم، فلم يعلموا، ثم لم ~~يعذرهم بجهلهم ذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالنظر والتأمل في ~~الآيات والحجج، لكنهم شغلوا أنفسهم في غيرها، ولم ينظروا في الأسباب التي ~~جعلها لهم سبيل الوصول إليه، فهذا يدل أن من جهل أمر الله ونهيه يكون ~~مؤاخذا به؛ بعد أن جعل له سبيل الوصول إليه بالدلائل والإشارات، فلا يخرج ~~مؤاخذته إياه؛ وعقوبته بترك أمره عن الحكمة، وأما # PageV06P505 # في الشاهد من أمر عبده شيئا؛ ولم يعلمه ما أمره، ثم عاقبه بذلك؛ فهو خارج ~~عن الحكمة؛ إذ لا سبيل إلى الوصول بما أمر به إلا بالتصريح، ولم يكن منه ~~تصريح إعلام، لذلك كان ما ذكر؛ ألا ترى أنه أوعد لهم الوعيد الشديد في ~~الآخرة بقوله: (ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين (39). # يحتمل قوله: (وليعلم ms2498 الذين كفروا) أي: ليعلم أتباعهم أن الرؤساء كانوا ~~كاذبين، وإلا كان الرؤساء منهم كانوا كاذبين عند أنفسهم. أو أن يكون قال ~~ذلك لما ادممى أولئك الكفرة أن الآخرة لهم؛ كقوله: (ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى. . .) الآية. فقال جوابا له: ليعلم الذين كفروا منهم أنهم ~~كانوا كاذبين؛ لادعائهم الآخرة لأنفسهم. # ثم قوله: (ليبين لهم الذي يختلفون فيه). # قال بعضهم: إنما اختلفوا في البعث: منهم من صدقه، ومنهم من كذبه يقول: ~~يبين لهم ذلك. # ويحتمل قوله: (الذي يختلفون فيه) أي: في الدين والمذهب؛ لأنهم اختلفوا في ~~الدين والمذهب، وكل من ادعى دينا ومذهبا؛ حتى دعى غيره إلى دينه ومذهبه ~~يتبين لهم المحق منهم من غيره؛ والصادق منهم من الكاذب. # وقوله: (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39). # يحتمل كفرهم بالبعث؛ وإنكارهم إياه، أو كفروا برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو وحدانية الله (أنهم كانوا كاذبين). # في إنكار ما أنكروا، يتبين لهم ذلك في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) # يخبر عن سرعة نفاذ أمره، وسهولة الأمر عليه، أنه يكون أسرع من لحظة بصر ~~ولمحة عين وفيه دلالة أن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ لأنه عبر ب (كن) عن ~~تكوينه، ويكون عن المكون، وكذا كنى عنه بالشيء؛ لقوله: (إنما قولنا لشيء) ~~فكنى عنه بوقوع القول # PageV06P506 # عليه، والتكوين ثبت أن التكوين غير المكون، ثم لا يخلو من أن يكون ~~التكوين بتكوين آخر إلى ما لا نهاية له، أو لا بتكوين، وقد بينا فسادهما ~~جميعا، وهما وجها الحديث، ثبت أن الله تعالى به موصوف في الأزل، وبالله ~~التوفيق. # والثاني: من فعله كسب سمي كاسبا، ومن فعله باسم سمي به، فلو كان فعل الله ~~كلية الخلق يسمى به، فيسمى ميتا، متحركا ساكنا، خبيثا طيبا، صغيرا كبيرا، ~~ونحو ذلك، فإذا كان يتعالى عن ذلك وقد سمي فاعلا، مميتا محييا، محركا ~~مسكنا، جامعا مفرقا؛ ثبت أن فعله غير مفعوله، وأنه بذاته يفعل الأشياء؛ لا ~~بغيره، وفي ms2499 ذلك لزوم الوصف له به في الأزل، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا ~~حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون (42) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) # وقوله - عز وجل -: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا). # كان ظلمهم إياهم على وجوه: # منهم من ظلم بالإخراج من الديار والطرد من البلد؛ كقوله: (إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم. . .) الآية، ومنهم من ~~ظلم بالمنع عن الهجرة، ومنهم ظلم بالمنع عن إظهار الإسلام؛ والعمل له، ~~وأنواع ما أوذوا وظلموا بإظهارهم الإسلام، وإجابتهم رسول الله، واتباعهم ~~إياه. # ثم وعد لهم في الدنيا حسنة؛ فقال: (لنبوئنهم): قيل: لنعطينهم، وقيل: ~~لنرزقنهم، وهو واحد. # (في الدنيا حسنة). # تحتمل الحسنة في الدنيا العز بعد الذل، والسعة بعد الضيق، والشدة والنصر ~~والغلبة لهم بعد ما كانوا مقهورين مغلوبين في أيدي الأعداء، والذكر والشرف ~~بعد الهوان، هذه الحسنة التي بوأهم في الدنيا. # PageV06P507 # والمهاجرة: المقاطعة؛ كأنه قال: والذين قاطعوا أرحامهم، وأقاربهم، ~~وأموالهم، ومكاسبهم، وديارهم، فأبدل الله لهم مكان الأرحام والأقارب أخلاء ~~وإخوانا، ومكان أموالهم أموالا أخرى، وكذلك الدور وكل شيء تركوا هنالك؛ ~~فأبدلهم مكان ذلك كله. # وأما قوله: (ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). # يشبه أن يكون ذكر هذا عن حسد كان من الكفرة للمهاجرين؛ لما أنزلهم في ~~المدينة، وبوأهم فيها، وأعزهم، ورفع ذكرهم، وأمرهم، ونصرهم حسدهم أهل الكفر ~~بذلك، فعند ذلك قال: ولأجر الآخرة لهم أكبر وأعظم في الآخرة، لو كانوا ~~يعلمون ما وعد لهم في الآخرة. # ويحتمل أيضا قوله: (ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) هؤلاء المهاجرون ~~فيخف عليهم احتمال ما أوذوا وظلموا، ويهون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) # قال الحسن: أي: على ربهم يثقون في إنجاز ما وعد لهم في الآخرة أنه ms2500 ينجز ~~ذلك. ويحتمل قوله: (صبروا) على أمره، أو صبروا على الهجرة، وانقطاع ما ذهب ~~عنهم، وفراق ما كان لهم. # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) # هذا - والله أعلم - يكون على إثر أمر كان من الكفرة، نحو ما قال أهل ~~التأويل: أنهم قالوا: (أبعث الله بشرا رسولا)، وقالوا: (لولا أنزل علينا ~~الملائكة) ونحوه؛ من كلامهم، فقال: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم) أي: إلا بشرا، أي: لم نرسل من غير البشر، فيكون قوله: (إلا رجالا) ~~كناية عن البشر، أو أن يكون قوله: (إلا رجالا نوحي إليهم) أي:، لم يبعث من ~~النساء رسولا إنما بعث الرسل من الرجال إلى الرجال والنساء، والله أعلم # وقوله - عز وجل -: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). # قال بعضهم: ليس على الأمر بالسؤال، ولكن لو سألتم أهل الذكر لأخبروكم أنه ~~لم يبعث الرسول من قبل إلا من البشر. # وقال بعضهم: هو على الأمر بالسؤال؛ أي: اسألوا أهل الذكر فتقلدوهم؛ أي: ~~إن كان # PageV06P508 # لا بد لكم من التقليد فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ ولا تقلدوا آباءكم ومن ~~لا يعرف الكتاب، ولكن قلدوا أهل الذكر، وقوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر). # قال بعضهم: فاسألوا أهل الذكر فقلدوهم؛ إن كنتم لا تعلمون بالبينات ~~والحجج؛ لأنهم كانوا أهل تقليد، لم يكونوا أهل نظر وتفكر في الحجج ~~والبينات. # ويحتمل أن يكون قوله: (إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر) والحجج ~~التي أتت بها الرسل فيكون تأويله: أي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~البينات والزبر التي أتت بها الرسل ليخبروكم، أن الرسل إنما بعثوا من البشر ~~بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل: وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر. # ويحتمل قوله: (فاسألوا أهل الذكر) أي: أهل الشرف من أهل الكتاب؛ ليبينوا ~~لكم البينات والزبر؛ لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع ~~أهل الكتاب، فالسؤال ms2501 عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال؛ لأنهم يعلمون ~~ذلك. # وقوله: (وأنزلنا إليك الذكر (44) # قيل: أنزل إليك القرآن؛ لتبين للناس ما نزل إليهم. # يحتمل قوله: (لتبين للناس) من أنباء الغيب؛ وما غاب عنهم، وما لله عليهم، ~~وما لبعضهم على بعض، ولتبين لهم جميع ما يأتون وما يتقون، وما يحل وما ~~يحرم. # (ولعلهم يتفكرون) في ذلك. # ويحتمل قوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين) لهم ما حرفوا من كتبهم وبدلوه ~~وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم، حيث ~~ذكر أنه يبين ما أنزل إليه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ~~(46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47) # وقوله - عز وجل -: (أفأمن الذين مكروا السيئات). # PageV06P509 # قوله: (أفأمن). # قد ذكرنا أنه حرف استفهام؛ إلا أنه من الله غير محتمل ذلك، وهو على ~~الإيجاب. # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: على الخبر أنهم قد أمنوا مكره. # والثاني: على النهي؛ أي: لا تأمنوا؛ كقوله: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون). # هذا يشبه أن يكون على هذا الذي ذكرنا أنه إخبار عن أمنهم مكر الله، وعلى ~~النهي ألا يأمنوا، ثم أخبر أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ~~الكافرون؛ لأنهم كذبوا الرسل فيما أوعدوا لهم من العذاب، فأمنوا لذلك، أو ~~لما لم يعرفوا الله، ولم يعرفوا حقوقه، ونعمته، ونقمته، فأمنوا لذلك وأما ~~من عرف الله؛ وعرف حقه، ونعمته، وعرف نقمته؛ فإنه لا يأمن مكره، والله ~~أعلم. # ثم قوله: (مكروا السيئات). # قال بعضهم: مكرهم السيئات: هو ما مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحابه ما لو أصابهم ذلك لساءهم، وما ظاهروا عليهم عدوهم. # وقال بعضهم: مكرهم السيئات: هو أعمالهم التي عملوها، وكل ذلك قد كان ~~منهم، كانوا مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكانوا ~~ظاهروا عليهم عدوهم، وقد عملوا أعمالهم الخبيثة السيئة. # وقوله - عز ms2502 وجل -: (أن يخسف الله بهم الأرض). # أي: أمنوا حين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض، أو يأخذهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون في الحال التي لا يكون لهم أمن ولا خوف. # وقوله - عز وجل -: (أو يأخذهم في تقلبهم (46) # قيل: في أسفارهم وفي تجاراتهم؛ لأن الناس إنما يسافرون ويتجرون في ~~البلدان في حال أمنهم. # PageV06P510 # (أو يأخذهم على تخوف (47) # قال بعضهم: على تقريع، وقال: على تنقيص من الأموال وغيره؛ كقوله: ~~(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع. . .) الآية، وقال بعضهم: (أو يأخذهم على ~~تخوف) أي: يأخذ قرية فقرية؛ وبلدة فبلدة، حتى يأتي قريبا منهم، ثم يأخذهم، ~~كلما أخذ قرية كان لهم من ذلك خوف، فذلك أخذ بتخوف، وهو ما قال: (ولا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم. . .) الآية، ~~وعد الله حلوله قريبا من دارهم، كان يخوفهم حتى نزل بساحتهم، فذلك أخذ ~~بالتخوف، يخبر أن عذابه لا يؤمن حلوله. # وأخذه إياهم في كل حال؛ في الحال التي ليس لهم أمن ولا خوف؛ أي: لم يغلب ~~هذا على هذا، وفي الحال التي يكونون آمنين في تقلبهم وحوائجهم، وفي الحال ~~التي يكونون متخوفين. # وقوله - عز وجل -: (فإن ربكم لرءوف رحيم). # حيث لم يستأصلكم، ولم يأخذكم بما كان منكم من الافتراء على الله، ~~والتكذيب لرسله، والمكابرة، والمعاندة لآياته وحججه وقتئذ، ولكن أمهلكم ~~وأخر ذلك عنكم. # أو رءوف رحيم إذا تبتم ورجعتم عما كان منكم يرحمكم ويغفر لكم ذلك. # * * * # قوله تعالى: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين ~~والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ~~من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون (50) # وقوله - عز وجل -: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله). # قوله: (أولم يروا). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع ~~له، فقال ذلك لهم على ms2503 العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ~~ولم يجعل فيه الفهم والسمع يخضع لله ويسبح له، فأنتم لا تخضعون له مع ما ~~ركب فيكم العقول # PageV06P511 # وجعل فيكم الأفهام وغيرها، # والثاني: على الأمر؛ أي: اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع، ~~وقد أقام عليهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك ~~يخضع ويسبح، والا ظاهر قوله: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله) أن يقولوا: لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل، ~~لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما، ويشبه أن يكون ذكر قوله: (أولم ~~يروا إلى ما خلق الله. . .) الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك ~~الكفرة الأصنام، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا، فقال لذلك: أولم يروا ~~إلى كذا. # وقوله: (يتفيأ ظلاله). # قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص، كما ~~يقال: رأيت ظل فلان؛ أي: شخصه. # وقال بعضهم: أراد بالظل الظل نفسه، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر. # وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعا وسجودا. # ثم معنى سجود: هذه الأشياء الموات وخضوعهن، من نحو قوله: (يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله) # ومن نحو قوله: (يسبحن بالعشي والإشراق)، وقوله: (يا جبال أوبي معه ~~والطير)، وقوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده)، وقوله: (تكاد السماوات ~~يتفطرن منه)، وأمثاله. # يحتمل وجوها: # أحدها: أن يجعل الله عز وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم ~~السجود لله والخضوع له، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب، أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله. # وقوله: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول ~~مرة). # أخبر أنها تشهد وتنطق، ولولا أنها تفهم وتعلم الخطاب؛ والا ما خوطبت، وإن # PageV06P512 # كانت مواتا ms2504 فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سرية هذه ~~الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح وتفهمه. # والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير، جعلها مسخرات لذلك، ~~وإن لم تعلم هي ذلك ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك. # والثالث: أنه جعل خلقة هذه الأشياء دالة وشاهدة على وحدانية الله ~~وألوهيته، فهن مسبحات لله وساجدات وخاضعات له؛ بالخلقة التي جعلها دالة ~~وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، هذا - والله أعلم - معنى سجودهن ~~وخضوعهن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهم داخرون). # قيل: صاغرون ذليلون. # وقوله - عز وجل -: (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) # يذكر هذا - والله اعلم - أنه يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم وهم الملائكة، ~~ويسجد له أشد الخلق وأصلبه وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضا ~~ويخضع أسفه الخلق وأجهله وهو الدواب وغيرها، وأنتم أبيتم السجود له ~~والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون، يخبر عن سفه ~~أولئك في إبائهم السجود له والخضوع، واستكبارهم عليه. # وقوله - عز وجل -: (يخافون ربهم من فوقهم (50) # قال بعضهم: خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله لا خوف نزول شيء من ~~نقمته عليهم، وخوف غيرهم من البشر خوف نزول شيء يضر بهم، وكذلك رجاؤهم ~~وطمعهم رجاء نفع يصل إليهم، ورجاء الملائكة والرسل، وطمعهم رجاء رضاء الله ~~عنهم لا رجاء نفع يصل إليهم. # وقال بعضهم: يخافون خوف العقوبة والانتقام؛ لأنهم ممتحنون، وكل ممتحن ~~يخاف عذاب الله ونقمته، ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد وقال: (ومن ~~يقل منهم إني # PageV06P513 # إله من دونه. . .) الآية، وقال إبراهيم عليه السلام: (واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام)، خاف عبادة غير الله، ومن خاف ذلك يخاف وعيده وعذابه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يخافون ربهم من فوقهم). # الفوق، والتحت، والأسفل، ونحوه في الأمكنة والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ~~ومرتبة؛ لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان والمجلس تحته وأسفل ~~منه؛ فلا يزداد لهذا بما صار فوقه عز وشرف ومرتبة، ولا ms2505 لهذا بما كان تحته ~~ذل، وهوان؛ لأنه لا يفهم من فوقه: فوق المكان ولا تحته؛ لأن من صعد الجبال ~~والأمكنة المرتفعة لا يوصف بالعلو والعظمة، وإذا قيل: فلان أمير على العراق ~~أو على خراسان كان في ذلك تعظيم؛ لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ~~ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم، أو اطلاعه على جميع ما يسرون ويضمرون، ~~ويعلنون، ويظهرون، وعلمه على جميع أفعالهم على هذا يجوز أن يتناول الفوق، ~~والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (ويفعلون ما يؤمرون). # وصفهم الله - عز وجل - بفضل خضوعهم له وطاعتهم إياه، وهو ما قال: (لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون)، وهو ما قال: (لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون)، ومثله. # * * * # قوله تعالى: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون (51) وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون ~~(52) وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53) ثم إذا ~~كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم ~~فتمتعوا فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون (56) # قوله - عز وجل -: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد). # لا نعلم الخطاب بهذا أنه لمن كان الخطاب بهذا لأهل مكة؛ فهم قد اتخذوا ~~آلهة بقولهم: (أجعل الآلهة إلها واحدا. . .) الآية، إلا أن يخاطب به ~~الثنوية والزنادقة، فإنهم يقولون باثنين، ويشبه أن يكون أهل مكة وإن اتخذوا ~~آلهة فإنهم في # PageV06P514 # الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان ~~وطاعتهم إياه، فنسب العبادة إليه؛ لما بأمره يعبدون هذه الأصنام والله ~~أعلم؛ ألا ترى أن إبراهيم قال لأبيه: (يا أبت لا تعبد الشيطان)، وإن كان في ~~الظاهر لا يعبد الشيطان، لكن لما بأمره يعبد الأصنام أضاف العبادة إليه، أو ~~أن يكون المراد من ذكر اثنين: إنما هو على الزيادة على الواحد، كأنه قال: ~~لا تتخذوا ولا تعبدوا أكثر من إله واحد. # وقوله - عز وجل -: (فإياي فارهبون). ms2506 # لا تخافون الأصنام التي تعبدونها؛ فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم. # وقوله - عز وجل -: (وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير ~~الله تتقون (52) # أي: وله يخضع ما في السماوات والأرض وأنتم لا تخضعون، أو ما في السماوات ~~والأرض كلهم عبيده وإماؤه؛ فكيف أشركتم عبيده في ألوهية الله تعالى ~~وربوبيته؟ # وقوله - عز وجل -: (وله الدين واصبا). # قال بعضهم: دائما؛ لأن غيره من الأديان كلها يبطل ويضمحل، ويبقى دينه في ~~الدارين جميعا. # وقال بعضهم: (وله الدين واصبا) أي: مخلضا، من الوصب والنصب، والتعب، ~~وتأويله - والله أعلم -: أي: وله دين لا يوصل إليه إلا بتعب وجهد؛ فاجتهدوا ~~واتعبوا؛ لتخلصوا له الدين؛ هذا معنى قوله: (مخلصا). # وقوله - عز وجل -: (أفغير الله تتقون). # أي: مخالفة غير الله تتقون؛ أي: لا تخافوا ولكن اتقوا مخالفة الله لا ~~تتقوا مخالفة، غيره. # أو يقول: لا تخافوا غير الله ولا تتقوا سواه، ولكن اتقوا الله واتقوا ~~نقمته. # وقوله - عز وجل -: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأرون (53) # أي: تتضرعون؛ يخبر عن سفههم وقلة عقلهم أنهم يعلمون أن له ما في السماوات ~~والأرض، وأن كل ذلك ملكه، وأن ما لهم من النعمة منه، وأن ما يحل بهم من ~~البلاء # PageV06P515 # والشدة هو الكاشف لهم والدافع عنهم، ثم يكفرونه ويصرفون شكرها منه إلى ~~غيره في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في حال الشدة والبلاء؛ فيقول: أنا ~~المنعم عليكم تلك النعم، وأنا المالك للكشف عنكم لا الأصنام التي عبدتموها، ~~فكيف كفرتم بي في وقت الرخاء والسعة وآمنتم بي في وقت الضيق والبلاء؟! ~~كانوا يخلصون له الدين في وقت ويشركون غيره في وقت، فيقول: أديموا لي الدين ~~بقوله: (وله الدين واصب) ولا تتركوا الإيمان بي في وقت وتؤمنوا بي في وقت، ~~وكذلك كان عادتهم: كانوا يكفرون بربهم في حال الرخاء والسعة، ويؤمنون به في ~~حال البلاء والشدة؛ كقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون فرض الجهاد على المسلمين والقتال معهم لهذا المعنى؛ لأن ms2507 ~~من عادتهم الإيمان في وقت البلاء والشدة والخوف، ففرض عليهم القتال معهم؛ ~~ليضطروا إلى الإيمان فيؤمنوا ويديموا الإيمان، ومنذ فرض القتال معهم كثر ~~أهل الإسلام فدخلوا فيه فوجا فوجا، وكان قبل ذلك يدخل فيه واحدا واحدا. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (وما بكم ~~من نعمة فمن الله) فإنما أخبر عما عرفوا وتقرر عندهم أن كل ذلك من عند ~~الله؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يجهعلوا ما آتاهم الله وأنعم عليهم سبب كفرهم بالله. # والثاني: يكفرون بنعم الله - تعالى - بعبادتهم الأصنام، وصرفهم الشكر ~~عنه. # ويشبه أن يكون إخباره عن سفههم من وجه آخر؛ وهو أنهم لم يروا في البشر ~~أحدا يطاع ويخضع إلا أحد رجلين: دافع بلاء عنه، أو جاز نفع إليه، فالأصنام ~~التي عبدوها ليس منها دفع بلاء ولا جز منفعة، فلماذا يعبدونها؟ # وقال أبو بكر: (ليكفروا بما آتيناهم): أي بالقرآن. # وقوله - عز وجل -: (فتمتعوا فسوف تعلمون). # هذا وعيد من الله لهم، يقول: فسوف تعلمون ما ينزل بكم من كفران نعمة وصرف # PageV06P516 # الشكر عنه أنه مهلكهم ومنزل بهم عذابه. # وفي قوله: (وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون). # أي: تتضرعون، موعظة للمؤمنين أيضا؛ لأنهم يجعلون يتضرعون إلى الله إذا ~~أصابهم الضر والبلاء، وإذا انكشف ذلك عنهم تركوا ذلك التضرع ونسوا ربهم؛ ~~فيعظهم لئلا يصنعوا مثل صنيع أولئك، يقول والله أعلم؛ أي: تعلمون أن ما بكم ~~من نعمة فمن الله؛ فكيف تصرفون شكرها إلى غيره في حال؟!. # وقوله - عز وجل -: (ويجعلون ... (56) أي: يقولون (لما لا يعلمون نصيبا ~~مما رزقناهم). # قال بعضهم: يجعلون للأصنام والأوثان التي يعبدونها نصيبا مما رزقناهم، من ~~الأنعام والحرث وغيره الذي جعل الله لهم. # ولا يعلمون لهم نصيبا في ذلك؛ وهو كقوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا)، حرموا على أنفسهم ما ~~جعل ms2508 الله لهم وجعلوه لآلهتهم. # ويحتمل قوله: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا) وهو الشيطان؛ أي: ما يجعلون ~~للأوثان، فذلك للشيطان في الحقيقة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك، وهو الذي ~~دعاهم إلى ذلك، وهو كقوله: (يا أبت لا تعبد الشيطان)، ولا أحد يقصد قصد ~~عبادة الشيطان، لكنهم إذا عبدوا الأوثان فكأن قد عبدوا الشيطان؛ لأنه هو ~~أمرهم بذلك، وهو دعاهم إلى ذلك، فعلى ذلك ما يجعلون للأوثان ذلك للشيطان ~~لما ذكرنا، لكن لا يعلمون أن ذلك له نصيب. # ويحتمل قوله: (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا) أي: يعلمون أن ليس لها نصيب ~~في ذلك، ولكن يجعلون ذلك لها على علم منهم أن لا نصيب للأوثان في ذلك، وهو ~~كقوله: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) أي: ~~أتنبئون الله بما يعلم أنه ليس ونحوه، أي: يعلم غير الذي تنبئون، وقد ذكرنا ~~قوله: (يجعلون) على القول، أي: يقولون: وإلا لا يملكون جعل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (تالله لتسألن عما كنتم تفترون). # PageV06P517 # يحتمل قوله: (تفترون): تسميتهم الأصنام آلهة، ويحتمل افتراؤهم على الله ~~ما قالوا: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)، ~~زعموا أن ما فعل آباؤهم أوفعلوا هم، كان بأمر من الله ورضاه؛ حيث تركهم على ~~ذلك، فذلك افتراؤهم. # وقوله: (تالله لتسألن عما كنتم تفترون). # يحتمل السؤال الجزاء؛ أي: تالله لتجزون عما كنتم تفترون، ويحتمل السؤال ~~سؤال حجة، يسألون على ما ادعوا على الله من الأمر الحجة على ذلك، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) ولو ~~يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ms2509 ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) ~~تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) # وقوله - عز وجل -: (ويجعلون لله البنات). # أي: يقولون: لله البنات، يخبر عن شدة سفههم؛ حيث يأنفون ويستحيون عن ~~البنات، ثم ينسبون ذلك إلى الله ويضيفونها إليه، يصبر رسوله على أذى ~~الكفرة؛ حيث قالوا فيه ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، ونحوه، على علم منهم ~~ويقين أنه ربهم وخالقهم، لمحمن أنكر رسالته أولى بالصبر على قوله والحلم ~~منه. # (سبحانه). # كلمة تنزيه عما قالوا فيه، وحرف تعجيب؛ حيث نسبوا إلى الله ما كرهوا ~~لأنفسهم (ولهم ما يشتهون): يجعلون لأنفسهم البنين ويجعلون لله ما يكرهون ~~لأنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) # PageV06P518 # قال بعضهم: قول العرب: قبح الله وجهك، وسود الله وجهك ليس على إرادة ~~السواد والقبح، ولكن على إرادة ما يكرهه. # وقال الحسن: قوله: (ظل وجهه مسودا أي: متغيرا من الغم وهو كظيم: أي: ~~حزين، وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم، يظهر ذلك في ~~وجوههم قبحا وسوادا. # (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون (59) # يذكر فيه كيف يصنع به: أيمسكه على هون أي: على هوان يضر به ويسيء صحبته ~~أم يدسه في التراب وهو حي؛ فيقول: إن ربي اختار البنات فأبعث بها إلى ربي، ~~فإنه أحق بها، وهي الموءودة التي قال الله: (وإذا الموءودة سئلت)، وإنما ~~كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق؛ كقوله: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق). # وقوله - عز وجل -: (ألا ساء ما يحكمون) في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم، ~~أو في قولهم: (والله أمرنا بها)، أو في قولهم: (هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ms2510 المثل الأعلى ~~وهو العزيز الحكيم (60) # قال بعضهم: قوله: (مثل السوء) أي: لهم جزاء السوء؛ وهو النار. # وقال الحسن: مثل السوء: أي: صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار ~~البنات. # (ولله المثل الأعلى). # أي: الصفة الأعلى التي ليس لها شبه؛ فإن تلك الصفة من صفته، ويشبه أن ~~يكون قوله: (مثل السوء) بما سماهم مرة موتى، ومرة فسقة، ومرة ظلمة، ومرة هم ~~في الظلمات، وأمثاله، لهم ذلك الوصف بما أنكروا الآخرة، وذلك مما توجبه ~~الحكمة والعقل والشريعة، فلهم ذلك الوصف والمثل السوء؛ بما أنكروا ما توجبه ~~الحكمة والعقل والشريعة. # ويحتمل (مثل السوء): شبه السوء. # ويحتمل (مثل السوء): النعت والصفة، فإن كان هو على الشبه فهو في الدنيا؛ ~~لما # PageV06P519 # شبههم في غير آي من القرآن، بالشجرة الخبيثة والكلمة الخبيثة، وبالرماد ~~وبالزبد والتراب، ونحوه. # وإن كان على النعت والصفة فهو في الآخرة، وهو ما ذكر: الذي يحشرون على ~~وجوههم. # وقوله - عز وجل -: (ولله المثل الأعلى). أي: لأولياء الله المثل الأعلى، ~~وهم المؤمنون، لا أن الله وصف المؤمنين بالحياة، والنور، والعدل، وغير ذلك ~~من الأسماء الحسنة، وذلك لله في الحقيقة، لكنه بفضله ومنه وصفهم وسماهم ~~بذلك، فأضيف إلى الله؛ لما بفضله استوجبوا لا باستحقاق أنفسهم. وكذلك قوله: ~~(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، أضيف ذلك إليه؛ لما بفضله يستوجبون تلك ~~الأسماء التي سماهم. ويحتمل قوله: (ولله المثل الأعلى): أي: لأولياء الله ~~المثل الأعلى، كأنه قال: وللذين يؤمنون بالآخرة مثل الأعلى، مقابل ما ذكر؛ ~~حيث قال: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز ~~الحكيم) قال الحسن: العزيز بالغلبة منه في الأشياء كلها على ما أمره، وكل ~~شيء دونه ذليل، الحكيم بالعدل منه في كل قضاء قضى وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (العزيز الحكيم) في هذا الموضع كأنه قال: وهو العزيز بنفسه لا ~~بخلقه وأوليائه؛ كما يكون لملوك الأرض؛ يكون عزهم بخدمهم وحشمهم، فإذا ~~ذهبوا أو عصوه يصير مقهورا مغلوبا، فأما الله - سبحانه وتعالى - فهو عزيز ~~بذاته. # والحكيم: أي: إنشاؤه العصاة منهم ms2511 على علم منه بذلك، لم يخرج ذلك على غير ~~الحكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ~~ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(61) # دل قوله: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم) أن له أن يستأصلهم ويهلكهم بما ~~كان منهم؛ لكنه - بفضله - تركهم إلى المدة التي ضرب لهم؛ لأنه لو لم يكن له ~~ذلك لم يكن للوعيد الذي أوعد معنى. # وقال أبو زيد البلخي إن الله بما أوعد من الوعيد ليس يوعد لمضرة نفسه ولا ~~لنفع # PageV06P520 # يصل إليه، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة، فدل أن الوعيد لازم واجب. # ونحن نقول: يوعد بما توجبه الحكمة، وقد أمهلهم بعد الوعيد، فعلى ذلك يجوز ~~أن يخرجهم من النار بعد ما أدخلهم النار؛ بما ارتكبوا من الكبائر. # ثم في قوله: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم. . .) الآية - دلالة نقض قول ~~المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يهلك قوما قد علم منهم الإيمان في وقت، ~~أو يكون في أصلابهم من يؤمن؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم ~~الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم ~~أنه يؤمن في آخر عمره؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى ~~وقت وفيه دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك باصلح لههم في الدين. # ثم اختلف في قوله: (بظلمهم): قال بعضهم: هذا للكفرة خاصة. # وقال بعضهم: لهم وللمؤمنين كل مرتكب زلة؛ إذ ما من أحد ارتكب زلة إلا وقد ~~استوجب العقوبة بذلك والمؤاخذة به، لكنه بفضله عفا. # وقوله - عز وجل -: (ما ترك عليها من دابة). # قال بعضهم: أراد بالدابة: الدابة التي خلقها لهم، إذا أهلك الناس فقد ~~أهلك الدواب؛ إذ خلقه إياها لهم. # وقال بعضهم: قوله: ما ترك عليها من دابة: أي: على ظهر الأرض من دابة؛ لأن ~~الدواب إنما تتعيش بالذي يتعيش الناس؛ فإذا هلكوا هم هلكت الدواب أيضا؛ ms2512 لما ~~ذهب سبب عيشها. وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر؛ أي: ما تركهم بظلمهم ~~ولكن يهلكهم، وسماهم دابة لأنه إذا ذكرهم في موضع الظلم وإن كان سماهم في ~~غير موضع بالأسماء الحسنة، وهو كما سماهم في موضع آخر دابة؛ حيث قال: (وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)، ولا شك أن البشر دخلوا في هذه ~~التسمية، فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى، وإن كان المراد مما ذكر من ~~الدابة البشر فالأنبياء والرسل إنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم؛ لأن الأنبياء ~~أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة؛ فإذا أهلك # PageV06P521 # آباؤهم لم يولد الرسل والأنبياء، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء ولكن بقطع ~~النسل. # وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب أنفسها فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ~~ولمنافعهم، فإذا أهلكت الدواب أهلك المنشأ لهم، والله أعلم. # وفي قوله: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) دلالة نقض قول المعتزلة؛ ~~لأنهم يقولون: يجعل الله للخلق آجالا، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل ~~الذي جعله الله؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون ساعة - بعد الأجل المضروب لهم - ~~ولا يستقدمون قبل ذلك، وهم يقولون: بل يستقدمه كافر فيقتله، فذلك سرف في ~~القول. # وهذا يخرج على وجهين: # أحدهما: لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك. # والثاني: لا يجاب في التأخير ولا في التقديم. # وقوله - عز وجل -: (ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم ~~الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) # كانوا يجعلون لله أشياء يكرهون ذلك لأنفسهم من نحو البنات، يقولون: لله ~~البنات؛ ويكرهون لأنفسهم البنات، ويجعلون له الشركاء من عبيده؛ وهم كانوا ~~يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم، وأمثاله؛ كقوله: (ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم. . .) الآية. يخبر - عز وجل - عن سفههم وسرفهم في القول، ويخبر عن ~~حلمه؛ حيث لم يستأصلهم ولم يهلكهم مما قالوا في الله من عظيم القول من ~~الولد والشريك؛ لنعلم أنه لم يمهلهم لغفلة ولا سهو ولكن لحلم؛ لأن يحلم ~~الخلق في ذات الله ولا يعجلوا بالعقوبة؛ إذ لو أراد ms2513 إهلاكهم لأهلكهم ساعة ~~قالوا ذلك؛ ولا يمهلهم يعيشون، لكن أخر ذلك ليوم، وهو ما قال: (ولا تحسبن ~~الله غافلا. . .) الآية. # وجائز أن يكون قوله: (ويجعلون لله) أي: يجعلون لأولياء الله مما يكرهون ~~لأنفسهم؛ لأنهم يقولون: إن لهم الحسنى في الآخرة؛ وهي الجنة، وإن للمؤمنين ~~النار؛ بقوله: (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى). # وقوله - عز وجل -: (وتصف ألسنتهم الكذب). # PageV06P522 # قال أبو بكر الأصم: يقولون: إنا على دين الله وعلى الحق لعبادتنا، ~~ويقولون: إن لهم الحسنى يعنون أنهم محسنون في أعمالهم، وبما هم عليه من ~~دين. # وقال بعضهم: قوله: (أن لهم الحسنى) يعنون البنين، لأنهم كانوا يضيفون ~~البنات إلى الله وينسبون البنين إلى أنفسهم، فذلك الحسنى الذي ذكروا. # وقال بعضهم: بأن لهم الحسنى: أي: الجنة؛ كقوله: (ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى. . .) الآية. # ثم كذبهم في قولهم فقال: (لا جرم أن لهم النار) ليس لهم الحسنى على ما ~~زعموا؛ ولكن النار، وقد ذكرنا قوله: (لا جرم) فيما تعدم، كان أهل الكفر ~~فرقا، منهم من ادعى الاشتراك في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك في نعيم ~~الدنيا؛ كقوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات)، ومنهم من ادعى الآخرة ~~لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا، فجائز أن يكون قوله: (ويجعلون لله ما يكرهون) ~~وهم الذين ادعوا الحسنى - وهي الجنة - لأنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وأنهم مفرطون). # هو من الفرط؛ وهو: السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء منهم، أخبر أنهم ~~سابقون أتباعهم إلى النار، وهو كقوله: (وقالت أولاهم لأخراهم)، الأولى هم ~~المتبوعون، وأخراهم الأتباع. # وقال بعضهم: معجلون إليها بين يدي أتباعهم. # وقال بعضهم: (مفرطون) أي: متروكون، منسيون في النار. # وقال بعضهم: (مفرطون) مبعدون عن رحمة الله لكن هذين ليسا بتأويل ألبتة، ~~إذ كل من في النار فهو منسي متروك فيها مبعد عن رحمة الله. # وقال بعضهم: وأنهم مدخلون فيها. # والوجه فيه ما ذكرنا. # PageV06P523 # وقوله - عز وجل -: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) # هذا ms2514 لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء؛ ولكن كأنه عن إنكار كان منهم ~~للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) وأكد ~~بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك) يا محمد. # قوله: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) كما أرسلناك إلى أمتك (فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم) كما زين لأمتك فهو كان وليهم يومئذ كما هو ولي لأمتك ~~اليوم، يصبره. # وقوله - عز وجل -: (فزين لهم الشيطان أعمالهم) يقول ليس هؤلاء بأول من ~~زين لهم الشيطان أعمالهم، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان ~~أعمالهم فيكذبون رسلهم، فلست أنت بأول مكذب، بل كان لك شركاء في التكذيب ~~(فهو وليهم اليوم) قال بعضهم: هو وليهم اليوم، في الدنيا؛ لأن الدنيا هي ~~دار الولاية بينهم، كقوله: (بعضهم أولياء بعض)، وقوله: (أولياؤهم الطاغوت)، ~~وأما في الآخرة فيصيرون أعداء، كقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين) وقوله: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض. . .) الآية وقوله: (قال ~~قرينه ربنا ما أطغيته)، ونحوه، ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ثم ~~يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض، فذلك علامة العداوة. # وقال بعضهم: قوله: (فهو وليهم اليوم) في الآخرة، أي: أولى بهم فيقرن بهم، ~~كقوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين)، فهو وليهم: ~~أي: صاحبهم، كقوله: (احشروا. . .) الآية، وكقوله: (قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته). وقوله - عز وجل -: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) # قال بعضهم: قوله: (الذي اختلفوا فيه): الكتب التي كانت من قبلهم؛ لأنهم ~~اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدل، ومنهم من غير وحرف، فيقول - والله أعلم -: ~~(وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) أي: في كتبهم؛ ~~لأن هذا الكتاب أنزله مصدقا لما بين يديه من الكتاب، يبين هذا الكتاب ما ~~اختلفوا في كتابهم، الحق من الباطل. # PageV06P524 # وقال بعضهم: (إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) ms2515 أي: في الرسل والأديان وفي ~~الكتاب المنزل عليه، اختلفوا عنه في ذلك كله، يبين لهم الحق من الباطل في ~~جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزله عليك؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، ~~وهو لم يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها ثم أنبأهم على ما كانت، فدل ~~أنه إنما عرف ذلك بالله، ومنه نزل ذلك، وفيه دلالة أن الحوادث التي علم ~~الله أنهم يبتلون بها إلى يوم القيامة أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها ~~في الكتاب، إما بيان كناية وإما بيان تصريح، حيث قال: (وما أنزلنا عليك ~~الكتاب. . .) الآية، حيث لم يدعهم في الاختلاف على غير بيان، فعلى ذلك علم ~~أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها نصوص في الكتاب لا يحتمل ألا يبين لهم ~~ذلك ويدعهم حيارى، لكن البيان على وجهين: # بيان تصريح يعقل بديهة العقل. # وبيان كناية يدرك بالنظر والتأفل والاستدلال. # وأصله في قوله: (إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) أي: إلا لتبين لهم الحق ~~فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم اختلفوا في المحق في ذلك؛ لأن كل فريق منهم ادعى ~~أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل، فأخبر أنه أنزل ~~الكتاب عليه ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه. # وقوله - عز وجل -: (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) جعل الله تعالى رسوله وكتابه ~~هدى ورحمة للمؤمنين؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوهما، وقبلوهما، فصار ذلك لهم، ~~هدى ورحمة ونورا، وأما من كذبهما ولم يقبلهما فهو عذاب عليهم وعمى، وهو ~~كقوله: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في ~~قلوبهم مرض. . .) الآية. وهو ما ذكر (وهو عليهم عمى). # * * * # قوله تعالى: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ~~ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ~~من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) # وقوله - عز وجل -: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به ms2516 الأرض بعد موتها) ~~يذكر - عز وجل - # PageV06P525 # قدرته وسلطانه، حيث أخبر أنه ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض وهي ~~ميتة، ويخرج منها نباتا وزروعا وأشجارا، فمن قدر على هذا لقادر على إحياء ~~الأنفس بعد موتها لأنه لا فرق بين الإحياءين إحياء الأرض واحياء الأنفس، إذ ~~من قدر على أحدهما قدر على الآخر (إن في ذلك) فيما ذكر (لآية لقوم يسمعون) ~~قال بعضهم: لآية لقوم يسمعون المواعظ. # وقال بعضهم: لآية لقوم يسمعون الآيات والحجج، وأما من لم يسمع فلا يكون ~~له آية، وأصله: إن في ذلك لآية لقوم ينتفعون بسماعهم، ولآية لقوم يعقلون، ~~أي: ينتفعون بعقولهم، وأصله أن هذا كله يصير آية للمؤمنين على ما ذكر كله؛ ~~لأنهم هم العاقلون عن الله ما أمرهم به ونهاهم عنه، وهم يسمعون آياته ~~ومواعظه، وكله كناية عن المؤمنين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) والعبرة الآية، أي: أنشأ لكم ~~أنعاما فيه الآية، هو صلة قوله: (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها) أي: أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام لكم فيه الآية أنشأ - عز ~~وجل - في الأنعام لبنا غذاء الأولاد، في الوقت الذي لا يحتمل الغذاء ~~بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن وفي الأشياء التي لا يؤكل لحمها ~~لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن، ولم يجعل لها فضل لبن. # وقوله - عز وجل -: (نسقيكم مما في بطونه) ذكر بالتذكير، فظاهره أن يذكر ~~بالتأنيث؛ لأنه إما أن يريد به الأمهات التي يدر منها اللبن أو جماعة من ~~الذكران منها، فكيفما كان فهو يذكر بالتأنيث، لكن بعضهم يقول: ذكر باسم ~~التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل، وهذا يدل لأبي ~~حنيفة وأصحابه - رحمهم الله - لقولهم في لبن الفحل أنه يحرم. # وقال بعضهم: ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر من بين الأجناس # PageV06P526 # والجواهر دون العدد والجماعة. # وقوله - عز وجل -: (من بين فرث ودم ms2517 لبنا خالصا سائغا للشاربين) وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: يعني استخراج اللبن من بين فرث ودم، وذلك أن العلف إذا ~~وقع في الكرش طبخه الكرش، فيجعل الفرث أسفله والدم أعلاه واللبن بين ذلك، ~~ثم يسلط الكبد عليهم فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقي الفرث ~~في الكرش كما هو. # وقال بعض الفلاسفة: إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرثا، ثم يصير منه ~~دما، ثم يصير لبنا خالصا، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم، تصير علقة، ثم ~~تصير مضغة مأكولة، فعلى ذلك اللبن الذي، ذكر والله أعلم. # ويحتمل ما قاله بعض الفلاسفة أن العلف يصير فرثا، ثم دما، ثم لبنا. # ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفرث والدم، فأي الوجهين كان، ~~كان فيه اللطف الذي ذكرنا. ووجه ذكر هذا - والله أعلم - على الامتنان وكذلك ~~ما ذكر من الثمرات والأعناب أنه بلطفه أخرج اللبن الصافي أصفى الأشياء ~~وألطفها من بين أخبث الأشياء وأكدرها في رأي العين، فمن قدر على حفظ هذا ~~مما ذكر بلا حجاب يدرك أو حاجز يعرف لقادر على إنشاء الأشياء من لا شيء لأن ~~الخلائق لو اجتمعوا على أن يدركوا السبب الذي به كان حفظ هذا من هذا ~~وامتناعه عن الخلط بالخبيث ما أدركوا ذلك، وكذلك ما يخرج من النخيل والكروم ~~الثمرات الطيبة والأعناب الحلوة من غير أن يرى أثر ذلك فيها، ومن غير أن ~~يدركوا السبب الذي كان به الأعناب والثمرات، دل أنه قادر على إنشاء الأشياء ~~من لا شيء إذ هي خشبة يابسة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا (67) # قال بعضهم: السكر ما يحرم منه، والرزق الحسن: ما يحل من ثمرها. وقال ~~بعضهم: السكر: ما يتخذ من الشراب، والرزق الحسن: ما يؤكل تمرا وزبيبا، # PageV06P527 # ونحوه. # وقال بعضهم: السكر خمر الأعاجم، والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون. # وروي في بعض الأخبار أنه حرم السكر، ولم يفسر الآية. # وفي بعض الأخبار أنه بعث معاذا إلى اليمن، وأمره أن ينهاهم ms2518 عن نبيذ ~~السكر. # وعن عبد الله قال: إن أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تسقوهم السكر، فإن ~~الله تعالى لم يجعل في حرام شفاء. # وليس بين فقهاء الأمصار في تحريم السكر وفضيخ البسر ونقيع الزبيب إذا ~~أسكر كثيرها ولم يطبخ - اختلاف أنها حرام، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة ~~(إن في ذلك) لما ذكر [(لآية لقوم يسمعون)]: يعقلون. # وقال القتبي: الفرث ما في الكرش؛ لأن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك ~~الطعام دم، وبقي منه فرث في الكرش، وخلص من الدم لبنا سائغا أي: سهلا في ~~الشرب، لا يشجى به شاربه ولا يغص. # وكذلك قال أبو عوسجة: أسغته: أي: أدخلته في حلقي سهلا. # وقوله: (تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) أي: تتخذون منه ما يحرم أكله، ورزقا ~~حسنا: ما يحل منه، وهو كقوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق. . .) ~~الآية. # PageV06P528 # أو يخرج على تذكير النعم في الوقت الذي كان السكر حلالا، أي: تتخذون منه ~~سكرا ما تشربون، ورزقا حسنا سوى الشراب. # * * # قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # وقوله - عز وجل -: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا. . .) ~~إلى آخر ما ذكر. # قال بعضهم: (وأوحى) أي: قذف في قلوبها أن افعلي ما ذكر، والوحي هو القذف؛ ~~سمي بذلك لسرعة وقوعه، ونفاذه في القلوب من غير أن يشعر الملقى فيه ~~والمقذوف في قلبه أن أحدا فعل ذلك أو ألقاه فيه، وهو ما مكن الله للشيطان ~~من الوسوسة في القلوب من غير أن يعلم الموسوس إليه والمقذوف في قلبه أن ~~أحدا دعاه إلى ذلك أو زين له ذلك، وكذلك ما يلهم الملائكة بني آدم من أشياء ~~من غير أن يعلموا أن أحدا دعا إلى ذلك أو زين ذلك له، أو ألقاه في قلوبهم ~~فهذا كله يرد على من ms2519 ينكر الشيطان والملائكة، وهم طائفة من الملحدة يقولون: ~~إن الشهوات والأماني التي جعلت في أنفسهم هي التي تبعثهم وتهيجهم على ذلك ~~لا الشيطان. # فيقال لهم: إن الإنسان قد يناله أشياء من غير أن كان منه تفكر في ذلك، أو ~~أماني أو سابق تدبير، فذلك يدل أن غيرا ألقى ذلك في قلبه وقذف، لا عمل ~~الأماني والشهوات، وهذا أيضا يدل على لطف الله في البشر أنه يوفقهم على ~~الطاعات ويحثهم عليها من غير أن علموا أن لغير في ذلك صنعا، وكذلك الخذلان ~~في المعاصي وأنواع الأجرام التي يكتسبونها. # ثم يحتمل قوله: (وأوحى ربك إلى النحل) أي: النحل وغيرها من البهائم - ~~وجهين: # أحدهما: يحتمل أنه أنشأ هذه البهائم على طبائع تعرف بالطبع مصالحها، ~~ومهالكها، ومعاشها، وما به قوام أبدانها وأنفسها، وما به فسادها وصلاحها من ~~غير أن يعلم أن أحدا يدعوهم إلى ذلك، أو يشير إليها، أو يأمر وينهى، ولكنه ~~بالطبع يعرف ذلك ويعلم من نحو أشياء يعلمهن أشياء بالطباع من غير أن يعلم ~~أن أحدا علمهن ذلك من نحو الوز يسبح # PageV06P529 # في الماء بالطبع من غير أن يعلم أنها تسبح، وكذلك الطير الذي يطير في ~~الهواء من غير أن يعلم بالطيران، فعلى ذلك يحتمل فهم هذه البهائم وعرفانها ~~ما ذكرنا من المصالح والمهالك من غير أن يعلم أنها تعرف ذلك، والله أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون الله - عز وجل - جعل خلقة هذه الأشياء بالذي ~~يقفون على المخاطبات والأمر والنهي، ويعرفون ذلك ما لا يعرف مثله البشر ألا ~~ترى أن البشر لا يعرفون المهالك والمصالح إلا بالتعلم، والبهائم وإن صغر ~~ذلك تعرف حتى تتوقى المهالك وترغب في المصالح، ومما يدل أن هذه الأشياء مما ~~يفهم الأمر والنهي والمخاطبات قوله: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون (20). وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء)، ألا ترى أنهم فهموا الخطاب حيث ردوا عليهم الجواب بقوله: ~~(أنطقنا) فذلك ما ذكرنا، والله أعلم. # فذلك الوحي والقذف لكل البهائم لا للنحل ms2520 خاصة لما ذكرنا من معرفتها ~~المهالك والمصالح، وما به معاشها وغذاؤها مما به فسادها وهلاكها حتى عرفت ~~ذلك من غير أن تعلم، والبشر لا يعرفون إلا بالتعلم، فهو - والله أعلم - ~~لوجهين: # أحدهما: للمحنة أن البشر امتحنوا بالتعليم، فذلك من الله امتحان لهم، ~~والبهائم لا محنة عليهم، فعرفوا ذلك على غير تعلم، أو كان ذلك للبشر ~~بالتعلم؛ لفضل بعض على بعض في العلم بالتعليم؛ إذ البهائم يستوي صغيرها ~~وكبيرها في معرفة ذلك، وفي بني آدم تتفاضل وتتفاوت بالتعلم، والله أعلم. # فإن قيل: فإذا كانت البهائم كلها مشتركة في ذلك الإلهام والوحي فما معنى ~~تخصيص النحل بالذكر من غيرها من البهائم؟ # قيل: يحتمل تخصيص النحل بالذكر - والله أعلم - لما أن هذه الأشياء غير ~~النحل لا تعطي تلك المنافع التي جعلت فيها، ولا تبذل للبشر إلا بالرياضة ~~والتعلم، والنحل تعطي ذلك لهم وتبذل من غير تعلم ولا رياضة، والله أعلم. # ثم قوله: (أن اتخذي من الجبال بيوتا) وقوله: (ثم كلي من كل الثمرات (69)، ~~وقوله: (فاسلكي # PageV06P530 # سبل ربك ذللا) ونحوه، ظاهره أمر، لكن حقيقته تمكين وتسهيل، نحو قوله: ~~سيروا في كذا، هو في الظاهر أمر، وفي الحقيقة تمكين وتيسير. # ثم في هذه الآية، وفي قوله: (يخرج من بطونها شراب) وفيما سبق من الآيات، ~~وهو قوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه) وفي قوله: (ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) دلالة قدرته على إنشاء ~~الأشياء من لا شيء، ودلالة علمه وتدبيره؛ لأنه أخرج من هذه الجواهر ~~المختلفة أشياء من غير جوهرها وجنسها ما لم يكن شيء مما أكل منها هذه ~~البهائم من الجواهر التي أخرج منها، من نحو العسل الذي أخرج من الفواكه ~~التي أكلت، واللبن من العلف الذي أكل، والعصير والسكر والأعناب من الكروم؛ ~~إذ ليس شيء خرج منها من جنس ما أكل، ولا من جوهر ما سقى، دل أنه كان فعل ~~عليم قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وفيه دلالة علمه وتدبيره ~~وحكمته؛ لأن ms2521 إنشاء ذلك اللبن في البطن على غير جوهر ما تناولت، ومن خلاف ~~لونه في تلك الظلمات دل أن علمه وتدبيره غير مقدر بعلم الخلق، وأن حكمته ~~غير مقدرة بحكمة الخلق، وكذلك قدرته غير مقدرة بقدرة الخلق، ثم قوله: ~~(فاسلكي سبل ربك) قيل: طرق ربك ذللا، وقيل مطيعة، وقيل من الذل، أي: الرفق ~~واللين، كقوله: (أذلة على المؤمنين) وقوله: (واخفض جناحك. . .) الآية من ~~الذل، ومن الرفق واللين، وهذا يخرج على وجهين. # أحدهما: ذللت سبل ربها، وسهل السلوك فيها حتى تسلك كيف شاءت. # وقوله - عز وجل - (ومما يعرشون) قيل: مما يبنون، ويحتمل مما يتخذ من ~~العريش، وهو الذي يتخذ من الخشب. # وقوله - عز وجل -: (مختلف ألوانه). # قال الحسن: الشهد والعسل. # وقال بعضهم: مختلف في الطعم، وقيل: في الألوان: الأبيض، والأحمر، ~~والأصفر. # وقوله - عز وجل -: (فيه شفاء للناس) قال بعضهم: فيه شفاء للناس، من كل # PageV06P531 # داء، حتى القروح، وكل شيء. # وقال بعضهم: قوله: (فيه شفاء) من داء دون داء. # وقال بعضهم: (فيه شفاء) يعني: في القرآن، فيه شفاء القلوب للدين. # ويحتمل قوله: فيه شفاء للأجساد، فإن أراد هذا فهو ظاهر، لا شك أن فيه ذلك ~~الشفاء. # ويحتمل: فيه شفاء للدين، فإن كان هذا فيكون ذلك من جهة النظر فبه يدرك ~~ويوصل إلى ذلك الشفاء. # وقوله: (ثم كلي من كل الثمرات). # قال بعضهم: من نوع ما تأكل النحل. # وقال بعضهم: من جميع الثمرات التي تكون في الجبال. # عن عبد الله قال: القرآن والعسل هما الشفاءان، القرآن شفاء الدين، والعسل ~~شفاء الأبدان. # وقال بعضهم من أهل اللغة: إن الوحي في كلام العرب على وجوه: منها: وحي ~~النبوة، وهو إرسال الله الملائكة إلى أنبيائه ورسله، كقوله: (وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا)، ومنها: وحي الإشارة كقوله: (فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة وعشيا)، ومنها: وحي الإلهام، وهو كقوله: (وأوحى ربك إلى النحل)، ~~وقوله: (وأوحينا إلى أم موسى)، وقوله (بأن ربك أوحى لها)، ونحوه. ومنها: ~~وحي الأسرار، كقوله: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول. . .) الآية. # وقال ms2522 بعضهم: إن أصل الوحي عندنا هو أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا ~~للاستتار والإخفاء وقد يكون ذلك بالإيماء والخط. # وأصل الوحي ما ذكرنا أنه سمي به لسرعة وقوعه وقذفه في القلب. # PageV06P532 # وقال أبو بكر: تأويل الوحي أن يعلم الذي يوحي إليه ويرشده، وذلك من ~~وجهين: # أحدهما: أن الله أرشد كل دابة سوى الإنسان إلى مصلحتها، والهرب عن مهلكها ~~ومتلفها بما فطوها الله عليه، كما أرشد الإنسان إلى ما يصلحه في دينه ~~ودنياه بالتعليم، فمثل الله تعليمه كل دابة ما فيه مصلحتها ومفسدتها بما ~~دبرها عليه، كما علم الإنسان بالقول والبيان، فقال: (وأوحى ربك إلى النحل) ~~أي: أرشدها ودلها بفطرتها (أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر) بيوتا فيها ~~(ومما يعرشون) يعني: واتخذي مما يبني الإنسان لمسكنه. # وقال: العريش: الحيطان التي لا سماء لها، بفطرتها تتخذ خلاياها في كل ذلك ~~لمنافع الخلق، ثم قال: (ثم كلي من كل الثمرات) والثمرات مختلفة الطعم ~~والمنظر والمشبم: (فاسلكي سبل ربك ذللا) وهو ما سبل الله لها من الرزق ~~والمأوى (ذللا) قال: يقول: ذلك ذلل لك كل شيء قدره لرزقك ومسلكك، وذللك في ~~طلب ما سبل لبني آدم وجعلها سببا لمنافعهم وصغر قدرك لديهم فذلك قدرته ~~وسلطانه على ما شاء؛ ليعلموا أن خالقهم لا يعجزه شيء، وأنه القدير على ما ~~يعدهم من البعث والثواب والعقاب. # وقوله: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه) يقول: الجنس واحد، ثم هو ضروب ~~كألوان التمر والعنب وسائر الثمار في مذاقه ومشامه ومنظره، وكله عسل فيه ~~شفاء للناس لمنافعهم وملاذهم وفيما أراهم الله من قدرته على ما يشاء من ~~ذلك، فيه شفاء لهم في الدين والعلم، يعلمون بما يشاهدون من تدبير الله ~~وقدرته، على ما بينا. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآية) يقول: لعبرة ودليلا وبرهانا (لقوم ~~يتفكرون) فيما يشاهدون من تدبير الله وتقديره وقدرته على ما يشاء، والله ~~أعلم. # وقال في قوله: (ومن ثمرات النخيل والأعناب) يقول: ولكم عبرة ودليل أن ~~النخل أجذاع خشب لا طعم فيها والكرم خشب ms2523 أيضا وما فيهما من سعف وورق لا عسل ~~فيها ولا عنب، فأخرج الله منهما ثمرات مختلفات، فيه عسل، وفيه تمر وزبيب، ~~وتتخذون منه ما تلذون من الشراب. وقال: هذا قبل تحريم الخمر، والسكر: كل ما ~~أسكرهم، وتتخذون منه أيضا رزقا حسنا، أي: طيبا، وهو ما تأكلون منها، سوى ما ~~تشربون، وتكسبون بها أموالا كثيرة، من الله به عليهم. # وقال بعضهم: السكر: كل شيء حرمه الله من ثمارها من الشراب، الخمر من ~~العنب، والسكر من التمر، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرها، الزبيب، والتمر، # PageV06P533 # والنبيذ، وقال السكر: ما أسكر، والرزق الحسن: الخل، وأشباهه (إن في ذلك ~~لآية) ودليلا وبيانا (لقوم يعقلون) ما ينبهون، فيعلمون أن الذي لم يعجز عما ~~خلق لهم من الثمار من خشب يابس يقدر أن يحيي الموتى، ويخلق ما يشاء، وما ~~عرفه الخلق أنه يكون من النطفة الولد، ومن الماء والأشجار الفواكه، ومن ~~العلف اللبن، وغير ذلك من الحوادث التي تحدث من الأشياء، وتلك أسبابها ما ~~لم يدرك كون تلك الأشياء فيها ولا يرى لا يعرف ذلك إلا بتعليم من هو عالم ~~بذاته لأن علم ذلك لو كان لا بتعليم لو اجتهدوا كل جهدهم لم يدركوا حدوث ~~تلك الأشياء مما ذكرنا، ولا كونها منها، دل أن الذي علمهم هو عالم بذاته؛ ~~فإذا ثبت كونه بعالم بذاته وإن كانوا لم يشاهدوا إلا عالما بغير، فعلى ذلك ~~هو قادر على إنشاء الأشياء من لا شيء وإن كانوا لم يعاينوا في الشاهد شيئا ~~إلا من شيء، وفيه أن ما يحدث ويكون من اللبن بالعلف الذي يؤكل، أو الطعام ~~الذي يتناول، أو الفواكه والثمار التي تخرج ليس يكون بنفس الماء، أو بنفس ~~الطعام والعلف، ولكن باللطف من الله تعالى؛ لأنه قد يسقي ذلك الماء الشجر ~~والنخل في حال ثم لا يكون فيه الثمر، وكذلك الدواب تعلف في حال لا يكون ذلك ~~منه. # * * * # قوله تعالى: (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله ms2524 عليم قدير (70) والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ~~أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم ~~يكفرون (72) # وقوله - عز وجل - (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~لكي لا يعلم بعد علم شيئا) فإن قيل لنا أي منة له علينا في ذكر خلقنا ثم ~~توفيه إيانا ورده لنا إلى الحال التي ذكر وهو حال الجهل حتى لا نعلم شيئا. # قيل ذكر هذا - والله أعلم - يحتمل وجوها: # أحدها: يذكرهم أنه هو الذي خلقكم، ثم هو يتوفاكم، ثم هو يملك ردكم إلى ~~الحال التي لا تعلمون شيئا، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون، فكيف عبدتم الأصنام ~~والأوثان التي لا يملكون شيئا من ذلك وأشركتموها في ألوهيته وعبادته، أو ~~يذكر هذا أنه خلقكم ولم تكونوا شيئا، ثم يتوفاكم بعد ما أحياكم، ثم يردكم ~~إلى الحال التي لا تعقلون شيئا بعدما # PageV06P534 # جعلكم عقلاء علماء، فمن يملك هذا ويقدر على هذا، يقدر على الإحياء بعد ~~الموت والبعث بعد الفناء. # أو يذكر هذا؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة، لكن لأمر ~~آخر قصد بخلقهم، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من ~~الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة؛ إذ لو كان ~~الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم ~~والأشياء التي سخرها لهم. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (والله خلقكم) وكنتم نطفا أمواتا فأحياكم، ثم ~~يتوفاكم أطفالا وشيوخا، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر، يقول: يرده بعد قوة ~~وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر ~~والرزق ليس بهما ربي وقوي؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى ~~الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه، لا بالأغذية، والله أعلم. # (إن الله عليم) بما دبر في ms2525 خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه ~~الأمور، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء، ~~والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبدا خائفين راجين؛ لأنه لو كانت ~~آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن، لما يعلمون وقت نزول الموت ~~بهم. # والثاني: ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم؛ لأن ~~التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد. # وقوله - عز وجل -: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا ~~برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) # قال بعض أهل التأويل: يذكر هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته ~~وعبادته، يقول: فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة ~~والموالي فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، ~~فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء، إلى هذا ذهب بعض أهل ~~التأويل. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (فضل بعضكم على بعض في الرزق) أغنى بعضكم، ~~وأفقر بعضا، وجعل منكم أحرارا وعبيدا (فما الذين فضلوا) بالغنى والتمليك ~~(برادي رزقهم # PageV06P535 # على ما ملكت أيمانهم) من عبيدهم (فهم فيه سواء) إذ يستوي المولى وعبده ~~فيما ملكت يمينه، يقول: فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته فيما يملك ~~سواء، فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك ~~بينه وبين أحجار حتى أشركتم ما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة ~~وفيما آتاكم من رزق، فقلتم: هذا لله، وهذا لشركائنا (أفبنعمة الله يجحدون) ~~يقول أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير ~~الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم بها عصوا، وبها كفروا، ثم ألزمهم النظر ~~في الفضل الذي ذكر أنه فضل بعضهم على بعض إلى عين الفضل الذي كان من الله، ~~لا إلى الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل ~~باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا بفضل منه ورحمة، فيكون ms2526 ذلك دليلا لهم فيما ~~أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم بالرسالة والنبوة، وإن كانوا جميعا ~~من بشر، ومن جنس واحد على ما فضل بعضهم على بعض في الرزق، والسعة، والملك، ~~والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعا في الجنس واحد، فإذا لم تنكروا هذا ~~النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص ~~بالرسالة من فضله ورحمته، فلذلك قال - والله أعلم -: (أهم يقسمون رحمت ربك ~~نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات)، ~~أخبر أنه برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها، لا بالاستحقاق ~~والاستيجاب كان منهم، أو أن يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ~~ومماليكهم في ملكهم وأموالهم ولهم بهم منافع من الخدمة والإعانة في الأمور، ~~فما بالهم يشركون أحجارا وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله ~~وربوبيته وفي عبادته: (أفبنعمة الله يجحدون) على تأويل النبوة بفضل الله ~~وبرحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم ~~الله من النعم، فيصوفون نعمه إلى غيره، وهي الأصنام التي عبدوها، فقالوا: ~~هذا لشركائنا، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي الأوثان التي عبدوها، ~~والله أعلم. # وقوله: - عز وجل - (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين # PageV06P536 # وحفدة ... (72) # قال الحسن وغيره: الحفدة: الخدم والمماليك، فهو على التقديم، على تأويل ~~هؤلاء، يقول: جعل لكم من أنفسكم أزواجا وخدما من جنسكم؛ لأنه ذكر فيما ~~تقدم: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق. . .) الآية، يذكرهم نعمه وفضله ~~الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجا وخدما تحت أيديهم، يستمتعون ~~بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم، يذكرهم فضله ~~ومننه عليهم. # أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا. . ~~.) الآية، كانوا يأنفون عن البنات، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن، ~~يقول - والله أعلم -: كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجا ~~تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين ms2527 الذين ~~ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن، ~~ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ~~ترغبون فيهم، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن، ومن البنات ~~يكون ما يرغبون فيهم؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج، ويصرن تحت ~~أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب، ثم جعل - عز وجل ~~- التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال، وتنقلهم أبدا ~~كذلك ليكون أذكر لتدبيره، وأنظر في آياته ودلالاته، ولو شاء لأنشأ الخلق ~~كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع ~~النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم ~~بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره، ليكون ذلك لهم أدعى إلى ~~المرغوب، وأحذر للمرهوب، وكذلك ما ردد من الأنباء والقصص، والمواعيد، وذكر ~~الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته ~~وتدبيره، ويركبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب، ثم ~~قوله: (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) وقال في آية أخرى: (قوا أنفسكم)، وقال: ~~(ولا تقتلوا أنفسكم)، ونحوه، ذكر الأنفس في هذا كله، ثم لم يفهم أهل الخطاب ~~من هذا كله معنى واحدا وشيئا واحدا، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا ~~لكنهم فهموا في كل # PageV06P537 # غير ما فهموا في آخر، فهذا يدل أنه لا يفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ~~ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب، ومن اعتقد في ~~الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة فيه والمعنى؛ لأنه يجعل المراد منه ~~الظاهر. # وقوله - عز وجل -: (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) هو ما ذكرنا، وحفدة ~~اختلف فيه، قال بعضهم: الحفدة: الخدم والمماليك. # وقال بعضهم: الحفدة: ولد الولد. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الحفدة: الأختان وروي عنه أنه قال: الحفدة: ~~الأصهار فالأصهار والأختان عنده واحد، وقيل: الحفدة: الأعوان والأنصار ~~يذكرهم التناقض فيما يأنفون من ms2528 البنات أن كيف يأنفون عنهن ومنهن يكون لكم ~~الأعوان والأنصار، والأختان في أمر الدنيا. # وقال أبو عوسجة: الحفدة: بنو البنين، وقال أيضا: الحفدة: الأعوان، ~~والحافد: المجتهد في العبادة وفي العمل، يقول: حفد يحفد، أي: خدم واجتهد، ~~وقوله: وإليك نسعى ونحفد، أي: نجتهد. # وقال القتبي: الحفدة: الخدم والأعوان، يقال: هم بنون وخدم. وقال: أصل ~~الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل لهم: ~~حفدة، واحدها: حافد. وقال: ومنه يقال في دعاء الوش: وإليك نسعى ونحفد. وقال ~~أبو عبيد: وأصل الحفد: العمل وقال: ومنه الحرف في القنوت: نحفد، أي: نعمل، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورزقكم من الطيبات) قال بعضهم: الطيبات: الحلالات. # وقال بعضهم: الطيبات: أي: كل ما طاب ولان ولطف، ورزق غيركم من الدواب # PageV06P538 # والبهائم كل ما خشن، وخبث يذكرهم مننه عليهم ونعمه عليهم، ليستأدي بذلك ~~شكره. # وقوله - عز وجل -: (أفبالباطل يؤمنون) قال بعضهم: أبالشيطان يصدقون، ~~ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات، وبنعمة الله هم يكفرون، أي: ~~هذه البنات لكم نعمة، فكيف تكفرونها، وقال: (أفبالباطل يؤمنون) أي: ~~أبالشيطان إلى ما دعاكم وبنعمة الله أي: بمحمد يكفرون، أو بالإسلام، أو ~~بالقرآن. # وقال أبو بكر الأصم: (أفبالباطل يؤمنون) يقول: تقرون بأنكم عبيد لأحجار. ~~وثذلون لها وتعبدونها، (وبنعمت الله هم يكفرون) يقول: وبما أنعم الله عليكم ~~في أنفسكم وما خولكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~(75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة ms2529 إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) # وقوله - عز وجل - (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا) فائدة ذكر هذا لنا - والله أعلم - لئلا نتبع بعض المخلوقين ~~بأهوائنا، ولا نكل في أمورنا إلى من نعلم أنه لا يملك ضرا ولا نفعا، ولا ~~يستطيع شيئا من الرزق، كما تبع أولئك في عبادة من يعلمون أنه لا يملك شيئا، ~~ولا نفعا ولا ضرا فيعبدونه؛ يذكر سفههم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يملك ~~شيئا من النفع والضر والرزق لئلا نعمل نحن مثل صنيعهم بمن دون الله من ~~المخلوقين. # ثم اختلف في قوله: (ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا) وقال ~~الحسن: هو على التقديم، أي: يعبدون من دون الله شيئا لا يملك لهم ما ذكر. # PageV06P539 # وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض، ~~ولا يستطيعون شيئا. # وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~ولا يستطيعون شيئا. # وقال بعضهم: يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~ولا شيئا (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) أي: ~~لا تتخذوا لله أمثالا من الخلق وأشباها في ألوهيته وعبادته، أو لا تقولوا ~~لله إن له أشباها وأمثالا. # أو يقول: فلا تجعلوا لله أمثالا في العبادة له، وأشباها في تسميتها آلهة، ~~على علم منكم أن ما يكون لكم إنما يكون بالله لا بالأصنام التي تجعلونها ~~أمثالا لله في العبادة والألوهية. وجائز أن يكون قوله: (فلا تضربوا لله ~~الأمثال) أي: فلا تضربوا لأولياء الله الأمثال، فإنه قد بين محل أوليائه ~~ومكانهم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يعلم) أن لا مثل له من الخلق ولا شبه (وأنتم ~~لا تعلمون) ذلك، أو أن الله يعلم بمصالحكم، وأنتم لا تعلمون ما به ms2530 صلاحكم ~~وهلاككم. # وقوله: - عز وجل -: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) ضرب المثل بهذا من وجهين: # أحدهما: أن من لا يقدر ولا يملك أن ينفق في - الشاهد عندكم ليس كمن يملك ~~ويقدر أن ينفق، فهو كقوله: (هل يستوي الأعمى والبصير). # وقوله: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. . .)، أي: ليس ~~يستوي البصير والأعمى، ولا الأصم والسميع، فعلى ذلك لا يستوي من يملك ~~الإنفاق والإنعام على الخلق، وهو المعبود الحق، كمن لا يملك ذلك، وهو ~~المعبود الباطل. # والثاني: ضرب مثل المؤمن والكافر، أن الكافر لا ينفق ما أنعم عليه من ~~المال في طاعة الله وفي خيراته، والمؤمن ينفق جميع ما أنعم عليه وأعطى في ~~طاعة الله وخيراته فليسا بسواء من أنفق في طاعة الله كمن لا ينفق شيئا ~~أحدهما يكون ضرب مثل الإله الحق والمعبود الحق بالمعبود الباطل، والثاني ~~مثل المؤمن بالكافر ثم في الآية وجوه من الدلائل. # PageV06P540 # إحداها: أن القدرة لا تفارق الفعل، حيث قال: (عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شيء) ثم قال: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه) جعل مقابل الفعل ~~القدرة، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة قدرة مثلها، أو مقابل ~~الفعل فعلا مثله، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل، ~~وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك، حيث ذكر عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ~~وإن قدر على ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك، وكذلك الخلائق كلهم لا ~~يملكون حقيقة الإملاك، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدراوا على ما ~~يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم. # وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق، حيث قال: (عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء) ثم قال فيمن يملك: (ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه) دل ~~أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة. # وقوله - عز وجل -: (هل ms2531 يستوون الحمد لله) قال بعضهم: ذكر الحمد لله على ~~إثر ما ذكر؛ لأنه عرف رسوله النعم وأنواع المنافع، ثم عرفه على إثر ذلك ~~الحمد لله. # وقال بعضهم: الحمد لله ثناء، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه. # وقوله: (ومن رزقناه منا رزقا) أي: من أوليائنا، أو من أولياء ديننا، وذلك ~~جائز سائغ في اللغة، ثم قوله: (لا يعلمون) يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ~~ينتفعوا بما علموا، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج، ~~ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه ... (76)، إلى آخر الآية " # قالوا: هذا المثل كالأول، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأول. # أحدهما: المؤمن والكافر، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على ~~شيء وهو كل على مولاه، لا يأتي المولى بخير، ولا ينتفع به، وشبه المؤمن ~~بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع، يقول: هل استوى هذا مع هذا عندكم؟ لا ~~يستوي، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئا من طاعة الله، ولا يأتي ~~بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله، ويأتي بكل خير، ويأمر بكل عدل. # PageV06P541 # والثاني: ضرب مثل الإله المعبود الحق بالمعبود الباطل، يقول: هل يستوي من ~~أتاكم بكل نعمة وكل خير، ويأمر بكل عدل، بمن هو أبكم لا يقدر على شيء، ولا ~~يضر، ولا ينفع، ولا يجيب، وهو عيال على من يعبده ويخدمه، هل يستوي هذا مع ~~ذلك؟ لا يستويان مثلا ألبتة غير أن المثل هاهنا ضرب بالذي لا ينفق بالحق، ~~ولا يأمر بالعدل، ذكر مقابل الأبكم الذي يأمر بالعدل، وفي الأول ضرب مثل ~~الذي لا يملك الإنفاق بالذي يملك الإنفاق. # وقوله - عز وجل -: (وهو على صراط مستقيم) أي: هو على الحق المستقيم، وهو ~~المعبود بالحق. # قال أبو عوسجة الكل: العيال، وكذلك قال غيره من أهل الأدب. # وقال بعضهم: الكل الفقير، وهو واحد، والأبكم: الأخرس، وهو الذي لا ينطق ~~ألبتة. # وقال: (ومن ms2532 يأمر بالعدل) بالتوحيد. # وقوله - عز وجل -: (ولله غيب السماوات والأرض ... (77) هذا يحتمل وجوها: # أحدها: ما ذكر أهل التأويل من السؤال عن الساعة وعن وقتها، كقوله: ~~(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض) لخفائها على أهلها؛ لأن كل خفي ثقيل، أخبر ~~أنه لا يجليها إلا لوقتها، فوقت قيامها لا يعلمه غيره. # والثاني: ولله علم ما غيب أهل السماوات وأهل الأرض، أي: ما غيب بعضهم من ~~بعض، فذلك ليس بمغيب عن الله بل ما غاب عن الخلق وما ظهر لهم، فذلك لله كله ~~ظاهر بمحل واحد، وهو كقوله: (يعلم ما تسرون وما تعلنون). # والثالث: قوله: (ولله غيب السماوات والأرض) أي: له علم ما في سرية هذه ~~الأشياء الظاهرة ما لا سبيل للخلق إلى علم ذلك، وإن كانوا يعلمون هذه ~~الأجسام والأشياء الظاهرة، وتقع حواسهم عليها لا يعلمون ما في سريتها: من ~~نحو الماء الذي به حياة كل شيء، ونحو النطفة التي يخلق منها الإنسان - لا ~~يعلمون المعنى الذي به يصير إنسانا، ومن نحو السمع والبصر والعقل يعلمون ~~ويرون ظواهر هذه الحواس، ولكن لا يدركون المعنى الذي به يسمع وبه يبصر وبه ~~يعقل ويفهم. # PageV06P542 # يقول - والله أعلم -: ولله علم ما غاب عن الخلق ما في هذه الأشياء ~~الظاهرة والأجسام المرئية. # أو يقول: ولله ملك ما غاب عن أهل السماوات والأرض، وملك ما لم يغب عنهم ~~وظهر؛ فيكون كقوله: (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير) كأنه ~~قال - والله أعلم - ولله العلم الذي غيب عن أهل السماوات وأهل الأرض، وهي ~~الساعة: لم يطلع عليها غيره. # وقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر). # قال بعضهم قوله: (وما أمر الساعة) أهون على الله وأيسر من لمح البصر؛ إذ ~~ليس شيء أيسر وأهون على الإنسان من لمح البصر؛ لأنه يلمح البصر، (أو هو ~~أقرب). # أي: بل هو أقرب، أي: أيسر من لمح البصر. # وقال الحسن: إعادة الخلق على الله أيسر وأهون من لمح ms2533 البصر؛ لأنه يلمح ~~بصره فيبصر به - بلحظة - ما بين الأرض إلى السماء، وهو مسيرة خمسمائة عام. ~~يقول: من قدر أن ينشئ في خلق من خلائقه ما يبصره بلمحه البصر مسيرة خمسمائة ~~عام - لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد الفناء، بل هو أقرب أي: إعادته ~~إياهم أسرع وأقرب من لمح البصر، إلى هذا يذهب الحسن. # وقال بعضهم: (وما أمر الساعة) أي: ما وقت قيام الساعة إلا لمح البصر، أي: ~~ليس بين وقت قيامها وبين كونها إلا لمح البصر، بل هو أقرب من لمح البصر، ~~لكنه مثل لمح البصر لما ليس شيء عند الناس أسرع وأهون من لمح البصر، ولما ~~ذكرنا أنه يلمح البصر، ولا يشعر به لسرعته ولخفته عليه؛ فذكر هذا على ~~التمثيل، ليس على إرادة حقيقة الوقت بقدر لمح البصر، ولكن على المبالغة في ~~السرعة، وذكر أقصى ما يقع في الأوهام ويتصور؛ من نحو ما قال: (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8)، وما قال: (ما ~~يملكون من قطمير) (ولا يظلمون فتيلا)، (ولا يظلمون نقيرا)، وأمثاله كله ~~يذكر على التمثيل ليس على التحقيق، أي: فمن يعمل من قليل وكثير يره، # PageV06P543 # شرا كان أو خيرا، وكذلك (ولا يظلمون فتيلا) و (نقيرا)، أي: لا يظلمون ~~شيئا، وكذا (ما يملكون من قطمير) أي: لا يملكون شيئا؛ لأن القطمير لا يملك؛ ~~فإنما يذكر هذا وأمثاله على التمثيل الذي ذكرنا. # أو أن يكون تأويل قوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، أي: ~~ليس ما بين الساعة وبينكم مما مضى من الوقت إلا قدر لمح البصر، أي: لم يبق ~~من وقت قيامها مما مضى إلا ما ذكر من لمح البصر أو أقرب مما ذكر على ~~الاستقصار مما بقي. # (إن الله على كل شيء قدير). # وعلى البعث والإعادة، وعلى كل شيء، لا يعجزه شيء. # وظاهر الآية ينقض على المعتزلة قولهم؛ لإنكارهم خلق أفعال العباد؛ لأنه ~~أخبر أنه على كل شيء قدير، وعلى قولهم: هو غير قادر على العالم بشيء. ms2534 # وقوله - عز وجل -: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) # يذكر بهذا قدرته وسلطانه على ما سبق: من ذكر سرعة القيامة، والعلم بها، ~~والحكمة التي جعل في البعث؛ فقال: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا): خلق الولد في ظلمات ثلاث، وجعل غذاه بغذاء الأمهات وبقواهن، ثم ~~تقلبه في تلك الظلمات من حال إلى حال: ما لو اجتهد الخلائق أن يعلموا ~~اغتذاءه بغذاء الأمهات، وتقليبه من حال إلى حال، ومن جوهر إلى جوهر - ما ~~قدروا على ذلك؛ فيدل هذا على أن من قدر على هذا، وعلم هذا في تلك الظلمات ~~لقادر على البعث وإعادة الخلق بعد الفناء، وعلم ما غاب عن الخلق. # ويذكرنا ابتداء أحوالنا أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئا، ~~ثم صيرنا بحال صرنا عالمين أشياء، يذكرنا نعمه ومننه علينا في بلوغنا إلى ~~الأحوال التي صرنا إليها بعدما كنا ما ذكر. # والثاني: يذكرنا أنكم كنتم بالحال التي ذكر؛ لنعلم أنه صيرنا في البطون ~~بلا استعانة بأحد منا ولا عون منه إلى أحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة). # PageV06P544 # فمن قدر على جعل السمع حتى يسمع الأصوات ويميز بينها، والبصر ليبصر ويميز ~~بين ألوان الأجسام، والفؤاد ليفهم ويعقل ما له وما عليه، ما لا يدركون ~~ماهية ما به يسمعون ويبصرون ويعقلون، وما به يميزون بين ما ذكرنا فهو قادر ~~على إنشاء الخلق بعد الفناء والإعادة بعد الموت. ثم ذكر على أثر قوله: (لا ~~تعلمون شيئا): السمع والبصر والأفئدة؛ فذلك يدل على أن هذه الأشياء من ~~أسباب العلم بالأشياء، بها يوصل إلى العلم بالأشياء؛ فمن أعطي أسباب العلم ~~بالشيء فكأن قد أعطي له العلم به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تشكرون). # هو حرف شك في الظاهر؛ ذكر - والله أعلم - لأنه لا كل الناس يشكرون نعمه، ~~أو لكي يلزمهم الشكر. # * * * # قوله تعالى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ~~إن ms2535 في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا ~~وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ~~كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) # وقوله - عز وجل -: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن ~~إلا الله). # أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا ~~إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم ~~بعد الفناء. # PageV06P545 # أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ ~~فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع ~~الخلائق جميعا أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه. # وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله ~~حيث قال: (ما يمسكهن إلا الله): دل ذلك أن لله في ذلك صنعا وفعلا. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون). # جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع. # قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجو السماء: هواؤها، ويقال: بطن ~~السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجو: ما اطمأن من الأرض. والأول أشبه. # وقوله - عز وجل -: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) # ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت -أيضا- ما ليس بسكن؛ لأنه قال: (جعل ~~لكم من بيوتكم سكنا)، وهو ما ذكر في قوله: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة): وهو كالمساجد والرباطات وغيرها. ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ~~ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرون ms2536 عليها ويمكن لهم المقام ~~بها؛ بالرواسى التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، ~~أخبر أنه أجعل، فيها رواسى أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتا ~~تسكنون فيها. # ثم قوله: (جعل لكم من بيوتكم سكنا) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتم على اتخاذ المساكن فيها تسمكنون. # أو جعل لكم بيوتا، أي: علمكم تسكنون فيها. # ثم قوله: (جعل لكم من بيوتكم سكنا): أي أعلمكم، ما تبنون فيها من البيوت # PageV06P546 # ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، ~~والله أعلم. # وفي هذه الآيات في قوله: (جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا). ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتا ~~سكنا، والسكن فعل العباد؛ دل أن لله في فعلهم صنعا. # (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا)، قال أهل التأويل: (وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا)، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود ~~يخرج، ومنها يجز ويؤخذ، وهو ما ذكر. # (ومن أصوافها): وهو صوف الغنم. # (وأوبارها): وهو صوف الإبل. # (وأشعارها): ما يخرج من المعز. # (يوم ظعنكم): قيل: ليوم سفركم وسيركم. # (ويوم إقامتكم): قال بعضهم: في المصر. وقال بعضهم: في السفر حين النزول. # والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: (جعل لكم من بيوتكم ~~سكنا): أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم. # ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكنى؛ حيث قال: (من بيوتكم ~~سكنا)، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ~~ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة. # وقوله - عز وجل -: (أثاثا) قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال. # وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة. # وقوله - عز وجل -: (ومتاعا إلى حين). # يحتمل إلى حين، إلى وقت بلى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم. # PageV06P547 # وقوله - عز وجل -: (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ms2537 ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون (81) # يحتمل قوله: (ظلالا) البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار. # (وجعل لكم من الجبال أكنانا). # وهى الغيران والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحر والبرد. # (وجعل لكم سرابيل). # قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل ~~تقيكم الحر، وتقيكم أيضا بأس العدو. # (كذلك يتم نعمته عليكم). # على ما ذكر من أنواع النعم. # وقوله - عز وجل -: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر). # ذكر أنها تقى من الحر، وهي تقى الحر والبرد جميعا؛ فكان في ذكر أحدهما ~~ذكر الآخر ذكر كفاية. # PageV06P548 # وقوله: (كذلك يتم نعمته عليكم). # أي: كذلك يتم ذكر نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة ~~على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تسلمون). # جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ إنما ~~ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: (لعلكم تسلمون). وما ذكر (لعلكم تشكرون) و ~~(لعلكم (تهتدون): يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحدا، ويحتمل أن يكون لكل ~~حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) # عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه. # (فإنما عليك البلاغ المبين). # أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم. # وقوله - عز وجل -: (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) # يحتمل النعمة - هاهنا - محمدا - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعرفونه ~~لكنهم أنكروه؛ كقوله: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)، وما ذكر: (يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل). # ويحتمل: (نعمت الله): يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ~~(ثم ينكرونها)؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: (ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما ~~لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة ~~الله. # PageV06P549 # وقال أبو عوسجة: (يوم ظعنكم): يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: ms2538 ~~القميص. يقول: (تقيكم)، أي: تستركم. # وقال القتبي: (ظلالا)، أي: ظلال الشجر والجبال. # وقوله: (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون). # هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع ~~النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا ~~بنعمته. # وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر ~~النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها. # * * * # قوله تعالى: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم ~~يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون ~~(85) وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ~~ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ ~~السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا ~~عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # وقوله: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا). # قال بعضهم: شهيدها: أن يشهد عليهم من نحو ما ذكر من شهادة جوارحهم عليهم، ~~وهو قوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. . .) الآية وقوله: ~~(شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم. . .) الآية، وقوله: (يومئذ تحدث ~~أخبارها)، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر الشهادة عليهم؛ عند إنكارهم ~~أعمالهم التي عملوها. # وقال بعضهم: شهيدها: رسولها الذي بعث إليهم يشهد عليهم أنه قد بلغ إليهم ~~رسالات ربهم، وهو كقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، والنذير: هو ~~الرسول المبعوث إليهم، وهو ما ذكر -أيضا-: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) # PageV06P550 # وكقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا)، وقال: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء). # أخبر أنه يجيء بمحمد - صلى الله عليه وسلم - شهيدا على أولئك: أن الرسل ~~قد بلغوا الرسالة إليهم، وهو ما ذكر: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ms2539 ~~المرسلين)، وقوله: (يوم يجمع الله الرسل. . .) الآية، وقوله: (ويوم ~~يناديهم): يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عما أجابوا ~~الرسل. إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل، والله أعلم. # جميع ما ذكر في القرآن من مجيئه وإنبائه ونحوه جائز أن يكون ذلك البعث ~~تفسير ذلك كله. # قوله: (ويوم نبعث من كل أمة): كذا من ذلك، وقوله: (وجاء ربك والملك) و ~~(هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله)، وقوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد)، ~~فهو البعث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا يؤذن للذين كفروا). # قال الحسن: لا يؤذن لهم بالاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم، وهو ما قال: (هذا ~~يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36)؛ لأنه لا عذر لهم، وأعذارهم ~~لا ينفع لهم شيئا؛ إذ اعتذارهم من نحو قولهم: (ربنا هؤلاء أضلونا)؛ وقولهم: ~~(لولا أنتم لكنا مؤمنين)، ونحو هذا مما لا ينفعهم ذلك؛ فلا يؤذن لهم لذلك. # (ولا هم يستعتبون). # قال الحسن: ولا هم يقالون، وكذلك قال في قوله: (وإن يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين)، أي: من المقالين، أي: لا يقالون مما كان منهم. # وقال بعضهم: لا يؤذن لهم ولا يمكن لهم من التوبة والرجوع عما كانوا؛ لأن ~~ذلك الوقت ليس هو وقت التوبة والرجوع، كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله). وهذه الآية، وقال: (فلم يك ينفعهم)، ونحوه - (ولا هم يستعتبون) ~~العتاب في الخلق: هو تذكير ما كان من الفرط؛ ليرجع عما كان منه، وذلك في ~~الآخرة لا يحتمل. # PageV06P551 # ويحتمل قوله: (ثم لا يؤذن للذين كفروا)، أي: لا يؤذن لهم بالكلام، كقوله: ~~(اخسئوا فيها ولا تكلمون)، أو: لا يؤذن للشفعاء أن يشفعوا للذين كفروا، ~~ويؤذن للشفعاء أن يشفعوا للمؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون (85) # أي: وقعوا فيه؛ دليله ما ذكر. # (فلا يخفف عنهم). # دل هذا أنه لم يرد به رؤية العذاب؛ ولكن الوقوع فيه؛ فلا يخفف عنهم؛ لأنه ~~يدوم، ولا تخفيف مما يدوم من العذاب. # (ولا هم ms2540 ينظرون). # أي: يمهلون من العذاب. # والثاني: لا يخفف عنهم عما استحقوا واستوجبوا، أو ما ذكرنا: أنه لا يكون ~~لعذابهم انقطاع. # وقوله - عز وجل -: (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) # قال الحسن: قوله: (شركاءهم)، أي: قرناءهم وأولياءهم من الشياطين، كقوله: ~~(احشروا الذين ظلموا وأزواجهم. . .) الآية، وكقوله: (وقيضنا لهم قرناء. . . ~~الآية، وقوله: (نقيض له شيطانا فهو له قرين) وقوله: (نحشرهم جميعا ثم نقول ~~للذين أشركوا. . .) الآية. # وقوله: (شركاءهم): أولياءهم الذين كانوا لهم في الدنيا فهم شركاؤهم الذي ~~ذكر. # وقولهم: (هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك)؛ على هذا التأويل: كنا ~~ندعوك وإياهم من دونك. # (فألقوا إليهم القول). # أي: يقولون لهم: # (إنكم لكاذبون). # PageV06P552 # وقال بعضهم قولهم: (هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك): الأصنام التي ~~عبدوها. # (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون): أي: يكذبونهم، وهو ما ذكر: (إن كنا ~~عن عبادتكم لغافلين)؛ يكذبونهم فيما قالوا، ويخبرون أنهم كانوا غافلين عن ~~عبادتهم. # وقال بعضهم: شركاؤهم الملائكة الذين عبدوهم، كقوله: (ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم بل كانوا يعبدون الجن): أخبر أنهم إنما عبدوا الجن بأمرهم ولم ~~يعبدوهم، أو يكون شركاؤهم رؤساءهم الذين انقاد الأتباع لهم ويحتمل الأصنام ~~وما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون). # هو ما ذكرنا: يقولون لهم: إنكم لكاذبون، أو يكذبونهم فيما يزعمون ويدعون. # وقوله - عز وجل -: (وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (87) # أي: يخضعون كلهم لله يومئذ، ويخلصون له الدين، ويسلمون له الأمر ~~والألوهية. # (وضل عنهم ما كانوا يفترون) # أي: بطل عنهم ما طمعوا بعبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها من الشفاعة ~~وغيرها؛ كقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله): بطل عنهم ما طمعوا ورجوا من عبادة أولئك من الشفاعة ~~لهم، والقربة إلى الله. # وقوله - عز وجل -: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا ms2541 فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون (88) # قال بعضهم: هؤلاء كانوا رؤساء الكفرة وقادتهم ضلوا هم بأنفسهم وأضلوا ~~أتباعهم؛ فلهم العذاب الدائم بكفرهم بأنفسهم، وزيادة العذاب بإضلال غيرهم، ~~وهو كقوله: قوله تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار ~~الذين يضلونهم بغير علم). وكقوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم. . ~~.) الآية: أخبر أنهم يحملون أوزارهم، وأوزار الذين أضلوهم ومنعوهم عن ~~الإسلام؛ فعلى ذلك قوله: (زدناهم عذابا فوق العذاب)؛ بما أضلوا أتباعهم، ~~وسعوا في الأرض بالإفساد، وهو قول # PageV06P553 # أبي بكر الأصم. # وقال بعضهم؛ إن عذابهم كلما أراد أن يفتر بنضج الجلود، زيدت لهم - بتبديل ~~الجلود - نارها كلما أرادت أن تخمد زيد لهم سعيزا؛ كقوله: (بدلناهم جلودا ~~غيرها)، وقوله: (كلما خبت زدناهم سعيرا)؛ فذلك هو الزيادة في العذاب. # ويحتمل غير ذلك، وهو أن عذاب الكفر دائم أبدا؛ فيزداد لهم عذابا بما كان ~~لهم في الكفر - سوى الكفر - أعمال ومساو، كما يعفى ويتجاوز عن المؤمنين ما ~~كان منهم من المساوي؛ كقوله: (أولئك الذين نتقبل عنهم)؛ مقابل ما كان يعفى ~~عن المؤمنين المساوي، زيد لأهل الكفر، على عذاب الكفر؛ لمساويهم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (زذناهم عذابا ضعفا بما كانوا ~~يفسدون)، وأصله أن جزاء الآخرة من الثواب والعذاب على المضاعفة؛ لأنه دائم ~~لا انقطاع له. وما ذكر من الزيادة والفوق وغيره - فهو على المضاعفة. # وقوله - عز وجل -: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين (89) # يحتمل قوله: (من أنفسهم)، أي: من البشر، ويحتمل ما ذكرنا من شهادة ~~الجوارح عليهم. # وقوله - عز وجل -: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء). # هو ما ذكرنا: يشهد الرسول عليهم بالتبليغ، ويشهد لمن أجابه وأطاعه، وعلى ~~من رد كذبه بالرد والتكذيب. # وقوله - عز وجل -: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء). # يحتمل قوله: (تبيانا لكل شيء): ما ذكر في هذه السورة؛ لأنه ذكر فيها جميع ~~أصناف النعم وجواهرها، ووجوه الأسباب التي بها يوصل إليها، وذكر فيها ما ms2542 ~~سخر لهم من أنواع الجواهر، وفيه ذكر ما وعد وأوعد، وأمر ونهى، وذكر ما حل ~~بالأعداء وما ظفر أولياؤه بهم. وفيه ذكر سلطانه وقدرته، وذكر سفه الكفرة ~~وعنادهم، وذكر ما يؤتى ويتقى؛ فذلك تبيان لكل شيء. # أو أن يكون في الكتاب تبيان كل شيء، وفي القرآن ما ذكرنا: من الأمر ~~والنهي، والوعد والوعيد، وأخبار الأمم الماضية وأمثالهم، وجميع ما يؤتى ~~ويتقى؛ ففيه تبيان # PageV06P554 # كل شيء من الوجه الذي ذكرنا. # أو أن يكون أنزل عليه الكتاب أتبيانا، لكل ما دعا به الرسل وجاءت به ~~الرسل والكتب جميعا. في هذا الكتاب جميع ما أتى به الرسل والكتب من الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد، كقوله: (ومهيمنا عليه). # ثم اختلف في ذلك البيان: # قال بعضهم: تحتمل الآية وجهين: # أحدهما: الخصوص على الأصول دون الفروع؛ كذكر الكمال للدين، لكن ذلك وصف ~~الدين، وقد يقع له الكمال بالكتاب والسنة، وهذا للكتاب؛ فلم يجز التقصير عن ~~الاشتمال عما لزمت الحاجة في أمر الديانة. # وذكر أن الكتاب تبيان لكل ما وقعت إليه حاجة في أصول الدين: من الإيمان، ~~وأنواع العبادات، والأحكام مع الحدود والحقوق، ومكارم الأخلاق: تنتظم صلة ~~الرحم، وعشرة الإخوان، وصحبة الجيران، ونحو ذلك؛ فتشتمل هذه الجملة على ~~أصول الدين، وما وراءها يكون موكولا إلى بيان الرسول؛ ليفي الكتاب بما شرط ~~له تلاوة ودلالة الوجه. # والوجه الثاني: أن يكون تبيانا لكل شيء منتظما لما فيه، مجمله ومبهمه ~~ومشكله، ولبيان الرسول مجمله وتفسيره مبهمه، وإيضاحه، ودلالته على مشكله. # وقال: والسنن كلها بيان للكتاب؛ لارتباط بعض ببعض. ثم قد يحتمل الآيات ~~التي فيها ذكر البيان والتفصيل وجوها غير الوجهين اللذين ذكرتهما: # أحدها: أنه تبيان كل شيء ظهر فيه التنازع بين أهل الأديان، وألزمتهم ~~الضرورة فيه إلى البيان؛ فجعل الله الكتاب تبيانا ألزمهم بالتدبر العلم ~~بأنه من عند الله؛ بخروجه عما عليه وسع القوم عن نوع ما ذكر فيه من الحجج ~~والأدلة، وبما أعجزهم عن الطمع في تأليف مثله ونظمه؛ ليعرفوا أن الله قد ~~أعانهم فيما مستهم الحاجة، وألجأتهم الضرورة إلى ms2543 من يطلعهم على الحق فيما ~~لو أهملوا عن ذلك لتولد منه العداوة والعناد؛ فأنعم الله عليهم به، وبين ~~فيه جميع ما بين إليه من الحاجة لدوام الأخوة. # والثاني: أن يكون فيه تبيان كل شيء بالطلب من عنده، وبالبحث فيه الظفر ~~بكل ما ينزل بهم من الحاجات إلى الأبد؛ فيكون هو أصل ذلك. لكن باختلاف ~~الأسباب يوصل إلى حقيقة العلم به، وذلك نحو ما جعل الماء حياة لكل شيء ووصف ~~أن في السماء رزق # PageV06P555 # جميع الخلق؛ فأخبر أنه أنزل من السماء اللباس والرياش لكل شيء، وأخبر أنه ~~خلقنا من تراب، ثم أخبر أنه خلقنا جميعا من نفس واحدة؛ على رجوع كل ما ذكر ~~باختلاف الأسباب والتوالد إليه، والله أعلم. # وذلك كما قال أهل الكلام في جعل المحسوسات أدلة لكل غائب: جعلها الله ~~أدلة توصل إليه بالتأمل والنظر فيكون المحسوس مبينا من ذلك، وإلا على ~~اختلاف الدرجات في حد البيان مع ما قد جعله الله كذلك، حتى إن في الفلاسفة ~~من تكلف استخراج كلية أمور العالم العلوي والسفلي. وما على ذلك مدار ما ~~عليه من هذا المحسوس؛ فمثله أمر القرآن، والله الموفق. # والثالث: أن يكون فيه بيان على الرمز والإشارة مرة، وعلى الكشف ثانيا؛ ~~فما كان منه على الرمز فهو مطلوب في المعاني وطريق الرسول إلى ما في تلك ~~المعاني من الأمور المختلفة: # منها ما يقع بمعونة الوحي من غير الكتاب على اختلاف وجوه الوحي من إرسال ~~على لسان ملك، أو رؤيا، أو إلهام. # والتأمل في ذلك، أو الاستدلال بما قد أوضحه بعد توفيق الله للحق في ذلك ~~وعصمته عن الزيغ. # أو على ما شاء من ترتيب الحكماء في حق التفاهم لغوامض الأمور، أو غير ذلك ~~مما يريد الله أن يطلع عليه نبيه؛ فإن لطف رب العالمين بما عامل به الأخيار ~~يجل عن احتمال العبارة عنه أو تصويره في الأوهام، نحو كتابة الحفظة، وقبض ~~ملك الموت أرواح الخلق في وقت واحد في أطراف الأرض، ونحو ذلك، وذلك كله حد ~~اللطف الذي يعجز ms2544 البشر عن الإحاطة؛ فعلى ذلك أمر تبيان كل شيء مع ما يحتمل ~~الرجوع بتأويل الآية إلى أغلب الأمور وأعمها، كقوله - تعالى -: (وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي)، وغيره، ولا قوة إلا بالله. # والأصل عندنا: أن ليس للبيان عدد يجب حفظ العدد، على ما ذكره قوم: أنه ~~على خمسة أوجه؛ إنما هو أمران: # أحدهما: ما يبين هو. # والثاني: ما يبين غيره، لكن الوجه الذي به يقع ما غاب عن الحواس بالبيان ~~أصله # PageV06P556 # الواقع تحت الحواس؛ إذ البين الذي من جحده حرم أول درجات البيان ومنع عن ~~فهم المجحود عنه؛ إذ الجحود يكفى كلا مؤنة خصومته، ثم غيره مما يصير ~~بالتأمل على الوجوه التي جعلت للوصول إليه، وإن بعد أو قرب بدليله ~~كالمحسوس؛ إذ التأمل في الأسباب هو سبب الوصول إلى ما غاب، كاستعمال الحواس ~~فيما يشهد؛ فمن أراد القطع على حد أو شيء يحتاج إلى دليل فيه. # وأصل البيان - حقيقة - هو الظهور، وأسباب إظهار الأشياء متفاوتة، وعلى ~~ذلك مقاديرها من الظهور، وجملته ارتفاع التواتر عن القلوب، وتجلي حقائق ~~الأمور لها؛ على قدر العقول في الإدراك وما يتجلى للقلوب على مقدار ما ~~يحتمل من الظهور. # وقوله - عز وجل -: (وهدى ورحمة). # يجب أن يكون قوله: (تبيانا لكل شيء)، وقوله: (وهدى ورحمة) - كله واحد ~~الرحمة والهدى والبيان، وبرحمته وبهداه يتبين لهم ويتضح، لكنهم قالوا: ~~البيان للناس كافة يبين ويتضح إلا من عاند وكابر، والهدى والرحمة للمؤمنين ~~خاصة؛ على ما ذكر وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين؛ ذلك للمسلمين خاصة، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله ~~يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة ms2545 ~~واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93) ولا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن ~~سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند ~~الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) # وقوله - عز وجل -: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان. . .) إلى آخر ما ذكر. # PageV06P557 # قال الحسن: قوله: (إن الله يأمر بالعدل) فيما بين الناس، أي: يأمر بالحكم ~~فيها بينهم بالعدل، (والإحسان): هو ما كلفهم بالطاعة له، أو أن يكون الأمر ~~بالإحسان إلى أنفسهم أو إلى الناس، وجائز أن يكون الأمر بالعدل فيما بينه ~~وبين الله، والإحسان فيما بينه وبين الخلق، أي: يعامل ربه بالعدل؛ لأن ~~العدل هو وضع الشيء موضعه، وهو لا يقدر على المجاوزة عن العدل حتى يكون في ~~حد الإحسان فيما بينه وبين ربه، ويقدر أن يصنع إلى خلقه أكثر مما يصنعون هم ~~إليه؛ فيكون محسنا إليهم، وأما إلى الله فلا يكون محسنا. # (وإيتاء ذي القربى). # أي: إعطاء ذي القربى الصدقة من غير الزكاة المفروضة. # (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي). # هي المعاصي، أي: نهى عن المعاصي كلها. وقال أبو بكر الأصم: (يأمر ~~بالعدل)، أي: بالحق الذي له عليهم، والإحسان: هو ما تعبدهم من العبادات ~~والطاعات التي جعل بسبب عطف بعضهم على بعض. # (وإيتاء ذي القربى). # صلة القرابة والأرحام. # (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي). # قال ابن عباس ومقاتل وقتادة وهؤلاء: قوله: (يأمر بالعدل): بالتوحيد، ~~(والإحسان)، أي: أداء الفرائض، وهو قول ابن عباس وقتادة. # وقال مقاتل: قوله: (والإحسان): هو فيما بينهم، يحسن بعضهم إلى بعض، ~~(وإيتاء ذي القربى): صلة الأرحام، (وينهى عن الفحشاء)، أي: الزنى، ~~(والمنكر)، أي: السكر، (والبغي): مظالم الناس. # PageV06P558 # وقال بعضهم: المنكر: ما لا يعرف في الشرائع والسنن. ويقال: المنكر: ما ms2546 ~~أوعد الله عليه النار، والبغي: الاستطالة، والظلم، ثم يجب أن نقرر حقيقة ~~العدل: ما هو؟ فهو - والله أعلم -: وضع كل شيء موضعه؛ فيدخل فيه كل شيء: ~~التوحيد وغيره؛ بجعل الربوبية والألوهية لله لا شريك فيها غيره، ولا يصرفها ~~إلى غيره، ولا يضيف، بل ينسب الربوبية والألوهية إلى الله، والعبودية إلى ~~العباد، ولا يضاف العبودية إلى الله، ولا الربوبية والألوهية إلى العباد؛ ~~فذلك العدل ووضع كل شيء موضعه: الربوبية في موضعها، والعبودية في موضعها، ~~هذا - والله أعلم - معنى العدل. # وأما الإحسان: فهو ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن جبريل سأله ~~عن الإحسان حين سأله عن الإيمان والإسلام؛ فقال ما الإحسان؟ فمال: " أن ~~تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". ومن يعمل لآخر بحيث يراه ~~وينظر إليه يكون أبدا طالب رضاه في ذلك العمل، وإخلاصه له وطلب مرضاته فيه؛ ~~فهو يحتمل وجوها ثلاثة - أعني الإحسان -: أحدها: ما ذكر أنه يعمل له كأنه ~~يراه، وذلك فيما بينه وبين ربه. # والثاني: فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يحب لهم كما يحب لنفسه فيما أذن ~~له في ذلك، أو نقول على الإطلاق يحب لهم كما يحب لنفسه. # فإن عورض بالقتال والحروب التي بيننا وبين أهل الحرب، وذلك بالذي لا نحب ~~لأنفسنا ونحب لهم - قيل: في ذلك طلب نجاتهم وتخليصهم من الهلاك والعذاب ~~الدائم الأبدي، وذلك ما نحبه نحن لأنفسنا: أن يسعى أحد في نجاة أحدنا من ~~المهلكة؛ ألا ترى أنه قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وليس في القتال ~~في الظاهر رحمة، لكن في الحقيقة رحمة؛ حيث يحملهم القتال على الإسلام؛ إذ ~~كان قبل نصب القتال والحروب معهم لم يسلم إلا قليل منهم؛ فلما نصب الحروب ~~معهم والقتال دخلوا في الإسلام أفواجا أفواجا؛ فصار ذلك في الحقيقة رحمة، ~~وإن كان في رأي العين في الظاهر ليس برحمة. # PageV06P559 # وكذلك هذه المصائب والبلايا التي تحل بالخلق، هي في الحقيقة نعمة ورحمة؛ ~~ولذلك عدها وسماها بعض الناس؛ لما تعقب من الثواب والنعمة إذا ms2547 صبر عليها، ~~ورأى ذلك منه حقا وعدلا، ورأى حال الضراء والسراء منه؛ فهو بطيب نفسه في ~~جميع الأحوال تنصرف به من الشدة والضيق، فإذا رأى نعمة، لما تعقب من الخير ~~والنفع في العاقبة - فمن هذه الجهة يجوز أن يقال: ذلك نعمة ورحمة، وأما في ~~ظاهر الحال فلا؛ وذلك أن كل بلاء ينزل بأحد، فصبر عليه كان في ذلك خصال ~~أربعة: # أحدها: تكفير ما كان ارتكب من المعاصي. # والثاني: معرفة العبودة وملك غيره عليه. # والثالث: ما يعقب من الثواب والنعيم الدائم. # والرابع: معرفة النعم من الشدة؛ لأنه بالشدة يعرف النعم. # وأما الإحسان إلى نفسه: فهو أن يحفظها عما فيه هلاكها. # وقوله: (وينهى عن الفحشاء). # هو ما يكبر ويفحش من الشيء. # (والمنكر). # هو الشيء الغريب الذي لا يعرف؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم: (سلام قوم ~~منكرون) سماهم منكرين لما لم يعرفهم؛ فالمنكر: ما يفعل من هو معروف بالخير ~~والصلاح من الزلات لما يكون ذلك منهم غريبا؛ إذ لم يعرفوا بذلك، فذلك منهم ~~منكر. # و (الفحشاء). # ما يكون من أهل الفساد والشرور، وذلك مما يكبر ويفحش ذلك منهم. # (والبغي). # هو الظلم، ويحتمل أن يكون هذا كله المنكر والفحشاء والبغي وكله واحد: ~~الفحشاء هو المنكر، والفحشاء هي البغي، والمنكر هو الفحشاء والبغي، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعظكم). # PageV06P560 # قال بعضهم: أي: ينهاكم عما ذكر كله. # (لعلكم تذكرون). # وتنتهون عنه، وقال بعضهم: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية، وتصرفها ~~إلى طاعة الله، وقد ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) # يحتمل أمره بوفاء العهد، العهود التي يعطي بعضهم لبعض، أمرهم بوفاء ذلك، ~~ونهاهم عن نقضها، ويلزمهم وفاء عهد الله وإن لم يعاهدوا في ذلك، لكنه ذكر ~~وفاء العهد إذا عاهدوا وئهى عن النقض؛ لأن ترك وفاء ما عاهدوا، ونقض ما ~~أعطوا على ذلك شرطا أقبح وأفحش مما لم يعاهدوا، وهو كقوله: (واذكروا نعمة ~~الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم ms2548 به إذ قلتم سمعنا وأطعنا)؛ ترك الوفاء ~~ونقضه بعد قولهم: (سمعنا وأطعنا): أفحش، وأفحش من نقضه إذا لم يكن لهم عهد ~~سابق وشرط متقدم، وهذا - والله أعلم - معنى أمره بوفاء العهد إذا عاهدوا، ~~وإن كان وفاء العهد لازما لهم، وإن لم يعاهدوا؛ إذ جعل الله البشر بحيث ~~يقبلون الحكمة والمحنة، وجعل بنيتهم وخلقتهم بحيث يقدرون على القيام بذلك، ~~كقوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها. ~~. .) الآية، أي: أبى خلقتهم وبنيتهم، أي: لم يجعل خلقة هذه الأشياء وبنيتها ~~بحيث تحتمل ذلك، (وحملها الإنسان)، أي خلقته وبنيته تحتمل ذلك والقيام بها، ~~وتحتمل أن تكون العهود التي أمر بوفائها إذا عاهدوا على الأيمان التي ~~يقيمون بها، حيث قال: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها): ذكر الأيمان ونهى ~~عن نقضها، ثم لا يحتمل أن يكون النهي عن النقض في الأيمان التي يأثم بها ~~المرء إذا حلف؛ لأنه نهى عن نقضها، ولو كان يأثم بعقدها لكان لا ينهى عن ~~نقضها؛ لأن الأيمان التي ياثم بها المرء إذا حلف يؤمر بنقضها أو لا يؤمر ~~بوفائها وحفظها، ثم ذكر فيه بعد توكيدها، ولم يسغ نقض اليمين، وإن لم ~~يؤكدها إذا لم يكن في الوفاء بها إثم، لكنه ذكر التوكيد؛ لأن النقض بعد ذلك ~~أفبح وأفحش من النقض على غير التوكيد؛ على ما ذكر من القبح والفحش في بعض ~~العهود بعد ما عاهدوا. # وقال بعضهم: قوله: (بعد توكيدها) هو حلفهم بالله؛ لأن مشركي العرب كانوا ~~لا # PageV06P561 # يقسمون بالله إلا ما يعظم من الأمر ويجل، وذلك آخر أقسامهم؛ ولذلك قال ~~بعض أهل التأويل في قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم): يقول: جهد أيمانهم ~~هو قسمهم بالله. # وقوله - عز وجل -: (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا). # قيل: كانوا يحلفون فيما بينهم على جعل الله كفيلا عيهم، وقيل: الكفيل: هو ~~الشهيد الحافظ، وهكذا يؤخذ الكفيل فيما يؤخذ؛ ليحفظ المال أو النفس. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يعلم ما تفعلون). # من الوفاء بما عاهدوا أو النقض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms2549 -: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ~~تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به ~~وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) # اختلف في تأويل الآية: # قال بعضهم: الآية نزلت في مخالفة أهل الكفر بعضهم بعضا، وهو أن يرث بعضهم ~~بعضا، وينصر ويعين بعضهم بعضا، ويحلفون على ذلك ويقسمون؛ فإن هلكوا في ذلك ~~- أي: في نصر بعضهم بعضا وإعانة بعضهم بعضا، - ثم إذا رأوا الكثرة والغلبة ~~مع غير الذين خالفوهم - نقضوا ذلك، ورجعوا إلى الذين معهم الكثرة والغلبة؛ ~~فنهوا عن ذلك. # وقال بعضهم: الآية في الذين يكونون بعد رسول الله وأصحابه لما علم أنه ~~يكون خوارج وأهل اختلاف في الدين، فربما كانت الكثرة والغلبة لهم على أهل ~~العدل؛ فنهى من عاهد أهل العدل وبايعهم - أن يترك بكثرتهم وغلبتهم الكون مع ~~أهل العدل، وإعانتهم، ونقض ما عاهدوا؛ ولذلك قال: # (إنما يبلوكم الله به). # وقال: هذا يدل أنه في أهل الإسلام. # وقال بعضهم: الآية في أهل النفاق؛ أنهم كانوا يقسمون بالله إنهم ينصرون ~~رسول الله وأصحابه، ويقولون: إنا معكم، كقوله: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم ~~وما هم منكم. . .) الآية، كانوا يرون من أنفسهم الموافقة لهم، والنصر، ~~والعون # PageV06P562 # لهم على أعدائهم ويحلفون على ذلك، ثم إذا رأوا الكثرة مع الكفرة والغلبة، ~~وقلة المؤمنين - تحولوا إلى أولئك، ونقضوا أيمانهم، وكانوا معهم، كقوله: ~~(فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ~~ألم نستحوذ عليكم. . .) الآية. # ويحتمل قوله: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة. . .) أي: لا ~~تكونوا في نقض العهود والمواثيق كالمرأة التي تنقض غزلها من بعد قوة، وجائز ~~أن يكون غير هذا. # يقول: ولا تظنوا في الله أن يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت غزلها ~~من بعد قوة؛ فلو لم يكن بعث لكان يكون في إنشاء الخلق كالمرأة التي نقضت ~~غزلها من بعد قوة، وقد عرفتم قبح ذلك؛ فعلى ذلك: إنشاء الخلق إذا لم يكن ~~بعث ms2550 يكون في القبح ما ذكر. ثم ضرب الله مثل من أعطى العهد والمواثيق ووكد ~~الأيمان في ذلك، ثم نقض ذلك بامرأة تغزل ثم تنقض ذلك الغزل من بعد قوة ~~أنكاثا؛ يقول - والله أعلم -: كما لم تنتفع هذه المرأة بغزلها إذا نقضته من ~~بعد إبرامها إياه؛ كذلك لا ينتفع ولا يوثق بمن أعطى العهد، ثم نقضه. يقول: ~~فلا هي تركت الغزل تنتفع به، ولا هي تركت القطن والكتان كما هو؛ فكذلك الذي ~~يعطي العهد ثم ينقضه فلا هو حين أعطاه وفى به، ولا هو ترك العهد، فلم يعطه ~~ونحوه. ثم اختلف في تلك المرأة: # قال بعضهم: هي امرأة من قريش حمقاء بمكة، كانت إذا غزلت نقضته. # وقال بعضهم: هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: أي لو سمعتم بامرأة ~~نقضت غزلها من بعد إبرامه - لقلتم: ما أحمق هذه!! فعلى ذلك من أعطى العهد ~~والميثاق، ثم نقض - فهو كذلك. # وقوله - عز وجل -: (أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا). # قال أبو بكر الأصم: الدخل: الذي لا يصح ولا يستقيم؛ يقال: هذا مدخول، أي: ~~غير صحيح. وقال غيره: (دخلا)، أي: خديعة ومكرا يخدع بعضكم بعضا، وهو قول # PageV06P563 # أبي عوسجة أيضا. وقال القتبي: (دخلا بينكم)، أي: خيانة ودغلا بينكم. # (أن تكون أمة). # أي: فريق. # (أربى). # من فريق. # وقال أبو عوسجة: (أنكاثا): هي جمع " نكث "، والنكث - من الحبل - خيوط ~~تنكث ثم تطرق وتصير صوفا، ثم من بعد ذلك تفتل. قال: والمطرق: قضيب يضرب به ~~الصوف حتى ينفش ويلين كما يندف القطن، يقال: طرقت الصوف - أطرقه طرقا - أي: ~~ضربته، ويقال: نفشته - أنفشه نفشا - أي: فرقت بينه فتفرد، ومنه قوله: قوله ~~تعالى: (كالعهن المنفوش). ويقال: حبل مثني: إذا كان طاقين، ومثلوث، ومربوع، ~~ومخموس ومسدوس ومسبوع، ومثمون ومتسوع، ومعشور. # وقال القتبي: الأنكاث: ما نقض من غزل الشعر وغيره، واحدها: نكث. # يقول: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا؛ ~~فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك فجعلته أنكاثا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ms2551 يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93) # قال الحسن: (ولو شآء الله) المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، أي: لو ~~شاء لجبرهم وقهرهم على الإيمان فآمنوا جميعا. فهذا فاسد؛ لأنه لا يكون ~~بالقهر والجبر إيمان؛ لأنه لا صنع للعبد في حال القهر والجبر؛ فيبطل ~~تأويله؛ إذ لا يجوز أن يثبت إيمان في تلك الحال. # وقال أبو بكر: تأويله قوله: لو شاء لأنزل لهم آية حتى يؤمنوا جميعا بتلك ~~الآية، كقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين): ~~أخبر أنه لو أنزل آية يكونون لها خاضعين، لكن عندنا أنهم ليسوا يؤمنون ~~ويخضعون للآية، ولكن بما شاء لهم ذلك، ولا يحتمل أن تحملهم الآية على ~~الإيمان، شاءوا أو أبوا؛ ألا # PageV06P564 # ترى أنهم يكذبون يوم الحشر عند معاينتهم الآيات، وهو قوله: (ويوم نحشرهم ~~جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم) إلى قوله: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين): أخبر أنهم يكذبون وقد عاينوا الآيات، وليست الآية التي تنزل عليهم ~~في الدنيا بأعظم من الآيات التي يعاينونها يوم القيامة، ثم لم يمنعهم ذلك ~~عن الكذب؛ دل أن الآية ليست تحملهم على الإيمان، ولا تضطرهم عليه، ولكن لو ~~شاء لآمنوا بالاختيار فيبطل تأويله. # ثم الآية تحتمل عندنا وجهين: # أحدهما: قوله: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) بظاهر السبب الذي إذا ~~أعطاهم لآمنوا له، (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة. . .) الآية: أخبر أنه ~~لو ما يرغب الناس في الكفر فيكونون كفارا كلهم، وإلا جعل سقف أهل الكفر ~~ومعارجهم من فضة؛ فلو أنه جعل ذلك بعينه لأهل الإسلام وفي أيديهم لآمنوا ~~-أيضا- كلهم؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ذلك في أيدي الكفرة؛ فيحمل أهل الإسلام ~~على الكفر، وإذا كان ذلك بعينه لأهل الإسلام - لا يحمل أهل الكفر على ترك ~~الكفر والدخول في الإسلام. # والوجه الثاني: لو شاء لجعلهم أمة واحدة بلطف منه: يشرح صدره للإسلام من ~~غير أن يعلم أن أحدا ألقى ذلك في قلبه، من نحو ما مكن للشيطان عدو الله؛ ~~حتى ms2552 يقذف في قلوب الخلق ويلقي وساوس، من غير أن يعلموا أن أحدا دعا إلى ذلك ~~وألقى إلى قلوبهم؛ ألا ترى أن إبليس لما وسوس إلى آدم - عليه السلام - ~~ليتناول من الشجرة التي نهى عنها ربه لو علم أنه إبليس لما أجابه، وكذلك ما ~~مكن للملائكة من تثبيت قلوب الذين آمنوا، وإلقاء أشياء في قلوبهم، ~~ويلهمونهم، وهو قوله: (إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا)، من غير أن يعلموا أن أحدا دعاهم إلى ذلك، أو ألقى أحد ذلك في ~~قلوبهم؛ فمن ملك تمكين عدوه وملائكته على ما ذكرنا يملك شرح الصدر للإسلام ~~والدعاء إلى ذلك من غير أن يعلموا أن أحدا فعل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء). # على قول الحسن: على الحكم لذلك. # وقال أبو بكر الأصم: يضل بالنهي من نهى، ويهدي بالأمر. لكن هذا فاسد؛ ~~لأنه لو كان بالنهي مضلا وبالأمر هاديا - لكان مضلا للأنبياء والرسل؛ لأنه ~~قد نهاهم بمناه؛ فيكون مضلا لهم. # PageV06P565 # فإن قيل: لم يصر ما ذكرت؛ لأنهم لم يرتكبوا المناهي - قيل: الارتكاب ~~فعلهم؛ فلا يحتمل أن يكون بفعلهم ذلك؛ فدل أن ما ذكرنا فاسد، وعلى قولهم ~~يكون بالنهي عاصيا مضلا، وعندنا قوله: (يضل من يشاء) أي: يخلق فعل الضلال ~~منهم، أو يضل من علم أنه يختار الضلال على الهدى ويخذلهم. # وقوله - عز وجل -: (ولتسألن عما كنتم تعملون). # هو ظاهر. # وقوله: (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) # قد ذكرنا. # وقوله: - عز وجل -: (فتزل قدم بعد ثبوتها). # قال أبو بكر: دل قوله: (فتزل قدم بعد ثبوتها) أن الآيات التي تقدم ذكرها ~~في أهل الإسلام؛ لأنه أخبر أنه تزل قدم بعد ثبوتها، وهو الكفر بعد الإسلام. # وعندنا هو ما ذكرنا أن قوله: (فتزل قدم) بالخوف، (بعد ثبوتها) أي: بعدما ~~كانوا آمنين؛ لأنهم بأيمانهم كانوا يأمنون، وبنقضهم العهود والأيمان ~~يخافون، فيكون قوله: (فتزل قدم) كناية عن الخوف، والثبوت كناية ms2553 عن الأمن، ~~أي صاروا خائفين بنقضهم العهود والأيمان بعدما كانوا آمنين بها، والله ~~أعلم. # PageV06P566 # وقوله - عز وجل -: (وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله). # على هذا التأويل: يذوقون ذلك في الدنيا؛ بالقتل والقهر، ويحتمل في ~~الآخرة؛ بما صدوا الناس عن دين الله، واستبدلوا به الكفر بعد الإيمان. # (ولكم عذاب عظيم). # وقوله - عز وجل -: (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (95) # قال بعضهم: عهد الله: دين الله. # وقال بعضهم: عهد الله الذي عهد إليهم. # ويحتمل عهد الله: ما أعطوا من العهد والأيمان، أي: ينقضوها بشيء يسير؛ ~~إنما عند الله هو خير لكم دائم باق، وهذا زائل فان، أو ما يجزي بوفاء ما ~~عهدوا خير لكم من هذا، أي: يجزيكم بوفاء ما ذكر من العهد - خير لكم من ~~غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) # أي: ما أخذتم من الأموال واكتسبتم بنقض العهود والأيمان ينفد ويفنى، وما ~~عند الله من الجزاء والثواب بوفاء العهد بافي. # (ولنجزين الذين صبروا أجرهم). # يحتمل قوله: (صبروا) على ما أمروا به، ونهوا عنه، وصبروا على وفاء العهد. # (بأحسن ما كانوا يعملون). # يحتمل قوله: (بأحسن)، أي: الجزاء الذي يجزيهم على الصبر أحسن من وفاء ~~العهد، أو يجزيهم بأحسن ما عملوا، أي: يجعل سيئاتهم حسنات؛ كقوله: (فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات)، وقوله: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) # اختلف أهل التأويل في قوله: (فلنحيينه حياة طيبة): # قال بعضهم: قوله: (حياة طيبة) في الآخرة، وهي الجنة. # PageV06P567 # وقال بعضهم: (حياة طيبة) في الدنيا. # فمن قال: الحياة الطيبة هي الجنة، في الآخرة، يكون تأويله: من يكن عمله ~~في الدنيا صالحا فليحيينه الله في الآخرة حياة طيبة؛ وإلا ظاهر قوله: (من ~~عمل صالحا) إنما ms2554 هو على عمل واحد، وى لك قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة): ~~ظاهره على حسنة واحدة، لكن الوجه به ما ذكرنا: من يكن عمله في الدنيا صالحا ~~فيفعل ما ذكر. وقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، أي: ما تؤتينا في الدنيا ~~آتنا حسنة، أو أن يكون على الختم به، أي: من ختم بالعمل الصالح فيحييه الله ~~حياة طيبة في الجنة، كقوله: من جاء بالحسنة فله كذا. # وقال الحسن: الحياة الطيبة هي الجنة؛ لأن في الدنيا ما ينغص حياته. # وقال بعضهم: الحياة الطيبة في الدنيا؛ فتأويله: من يكن همه وجهده في ~~الدنيا العمل الصالح فلنحيينه حياة طيبة، أي: نوفقه ونيسره الخيرات والعمل ~~الصالح والطاعات، وهو ما روي أنه قال: " كل ميسر لما خلق له "، وكقوله: ~~(فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7)، وكقوله: ~~(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ونحوه؛ فذلك هو الحياة الطيبة في ~~الدنيا؛ حيث يسر عليه العمل الصالح، ووفق للطاعات والخيرات. # وقال بعضهم: قوله: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى)، أي: قنع في الدنيا بما ~~قسم الله له ورزقه، ورضي به، (فلنحيينه حياة طيبة) مما أزال عنه هم طلب ~~الفضل، وغمه، وذله وحرصه عليه؛ لأن أكثر هموم الناس في الدنيا وذلهم؛ لما ~~لم يرضوا بما قسم الله لهم، ولم يقنعوا به؛ فهو يحيا حياة طيبة لما عصم من ~~ذلك، والله أعلم. # PageV06P568 # وقوله - عز وجل -: (ولنجزينهم) # أي: في الآخرة. # (أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). # على تأويل من قال: الحياة الطيبة في الدنيا. # وقال بعضهم - وهو قول أبي بكر -: (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون): في الدنيا، ما ذكر هؤلاء. # وقال بعضهم: (حياة طيبة) الرزق الحلال. # وقوله: (بأحسن ما كانوا يعملون): وقد ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ~~ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) وإذا بدلنا آية مكان آية والله ~~أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ms2555 (101) قل نزله روح ~~القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم ~~أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ~~(104) إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ~~(105) # وقوله - عز وجل -: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم). # وقال في آية أخرى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله). # وقال في آية أخرى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) الآية. # فيجب أن يتعوذ من همزاته على ما أمر رسوله، أو عند نزغ الشيطان على ما ~~ذكر، لكنه إذا تعوذ منه - تعوذ من همزاته ونزغاته. # فإن قيل: كيف خصت قراءة القرآن بالتعوذ منه دون غيره من الأذكار، ~~والعبادات، والأعمال الصالحة؟ # قيل: قد يتعوذ منه دون غيره -أيضا- في غيره من العبادات والأذكار؛ ~~بقولهم: " بسم # PageV06P569 # الله "؛ إذ لا يفتتح شيء إلا به؛ فذلك تعوذهم منه، لكن التعوذ في هذا ~~تعوذ بكناية، والتعوذ في قراءة القرآن بالتصريح؛ وذلك أنه حجة وبرهان؛ فطعن ~~الأعداء فيما هو حجة في نفسه أكثر من الأفعال التي فعلوها؛ ألا ترى أنه كان ~~يلقنهم - أعني الشيطان وأولياءه - أنه سحر، وأنه: أساطير الأولين، وأنه ~~إنما يعلمه بشر، ونحوه. وقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم): كانوا يطلبون الطعن في القرآن؛ لأنه حجة وبرهان، ولم يشتغلوا ~~في طعن فعل من الأفعال أو ذكر من الأذكار؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون التعوذ ~~منه - فيما هو حجة - بالتصريح، وفي غيره بكناية، والله أعلم. # ثم في هذه الآية، وفي غيرها من قوله: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم)، وقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) - لم ~~يفهم أهلها منها على ظاهر المخرج؛ ولكن فهموا على مخرج الحكمة؛ لأن ظاهر ~~المخرج أن يفهم التعوذ بعد فراغه من القراءة، وكذلك يفهم من الأمر بالقيام ~~إلى الصلاة الوضوء بعد القيام إليه، ثم لم يفهموا - في هذا ونحوه - هذا؛ ~~ولكن فهموا: ms2556 إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وكذلك فهموا من قوله: ~~(إذا قمتم) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة (فاغسلوا)، ولم يفهموا كل ~~قيام؛ إنما فهموا قياما دون قيام، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم ~~محدثون، وفهموا من قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)، وفهموا من ~~قوله: (فإذا طعمتم فانتشروا)، وكذلك فهموا من قوله: (فإذا قضيتم الصلاة ~~فاذكروا الله) - الفراغ منها؛ دل أن الخطاب لا يوجب المراد والفهم على ظاهر ~~المخرج؛ ولكن على مخرج الحكمة والمعنى. # وأصل التعوذ هو الاعتصام بالله من وساوس عدوه وكيده. # وقوله - عز وجل -: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~(99) # قال بعضهم: ليس له سبيل على الذين آمنوا. # وقال بعضهم: السلطان: الحجة، أي: ليس له حجة على الذين آمنوا. # وقال بعضهم: أي ليس له ملك على الذين آمنوا - ملك القهر والغلبة - إنما ~~ملكه على الذين يتولونه، لكن ليس له ملك القهر على الذين يتوتونه أيضا؛ ~~إنما يتبعونه ويطيعونه # PageV06P570 # بإشارات منه طوعا؛ فدل أن تأويل الملك لا يصح في السلطان، ويكون تأويله ~~السبيل أو الحجة. # ثم يحتمل قوله: (ليس له سلطان على الذين آمنوا) - بالقرآن؛ لأنه ذكر على ~~أثر ذكر القرآن، ويحتمل: الذين آمنوا بربهم، وهما واحد في الحاصل؛ (إنما ~~سلطانه): حجته أو سبيله على الذين يتخذونه وليا، فيطيعونه في كل أمره وجميع ~~إشاراته وما يلقي إليهم، وأصله: ليس له سلطان على الذين آمنوا بربهم. # (وعلى ربهم يتوكلون). # في جميع أحوالهم وساعاتهم؛ أي: لا سلطان له ولا سبيل على من آمن به وتوكل ~~عليه. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم به مشركون (100) # يحتمل قوله: (به مشركون). # إبليس يتبعونه ويعدلون بربهم، ويحتمل (به مشركون): بربهم، والتوكل: هو ~~الاعتماد به، وتفويض الأمر إليه في كل حال: السراء والضراء وفي وقت الضيق ~~والسعة؛ فذلك التوكل به. # وقوله - عز وجل -: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا ~~إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) # الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: ما قاله أهل التأويل على التناسخ ms2557 أن يبدل آية مكان آية، وهو على ~~تبديل حكم آية بحكم آية أخرى، لا على رفع عينها. # والثاني: قوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية)، أي: بدلنا حجة بعد حجة، وآية ~~بعد آية لرسالته. # (قالوا إنما أنت مفتر) # كلما أتاهم حجة على أثر حجة، وآية بعد آية يقولون: إنما أنت مفتر. ينسبون ~~إليه # PageV06P571 # الافتراء: أنه افترى، وكذلك كان عادتهم المعاندة والمكابرة؛ كقوله: (وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)، وكقوله: (ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون)، ونحوه من الآيات. كلما أتى بهم ~~حجة وآية بعد آية كانوا يستقبلونه بالتكذيب لها، ونسبة رسول الله إلى ~~الافتراء من نفسه؛ ويزداد لهم بذلك كفرا، وهو ما قال: (وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم): أخبر ~~أنه كان يزداد لأهل الإيمان بما ينزل عليهم من سورة إيمانا، ويزداد لأهل ~~الشرك رجسا وكفرا إلى كفرهم مثل هذا. # ولو كان يحتمل أن يكون حرف (إذا) مكان (لو) - لكان أقرب، ويكون تأويله: ~~ولو أنزلنا حجة بعد حجة وآية على أثر آية جديدة - فما آمنوا؛ كقوله: (ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما ~~كانوا ليؤمنوا)، وكقوله: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال. . .) الآية، أي: لو ~~أن هذا القرآن - قرآن سيرت به الجبال أو كلم به الموتى - فما آمنوا به؛ ~~لعنادهم؛ فعلى ذلك: الأول قد يحتمل قوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية) ~~بالسؤال مكان آية (قالوا إنما أنت مفتر). # وقوله - عز وجل -: (والله أعلم بما ينزل). # يحتمل قوله: (والله أعلم بما ينزل) به صلاحهم وغير صلاحهم، أو أن يكون: ~~(والله أعلم بما ينزل) من تثبيت قلوب الذين آمنوا؛ كقوله: (ليثبت الذين ~~آمنوا)، أو أن يكون (والله أعلم بما ينزل): جبريل على رسوله؛ جوابا لقولهم: ~~(إنما أنت مفتر)، وكقوله: (قل نزله روح القدس من ربك بالحق)، ms2558 أي: ليس ~~بمفتر؛ ولكن نزله جبريل من ربه. # وقوله - عز وجل -: (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ~~وهدى وبشرى للمسلمين (102) # يحتمل قوله: (بالحق)، أي: بالحق الذي عليهم، أو بالحق الذي لبعضهم على ~~بعض. والحق في الأقوال: هو الصدق، وفي الأفعال: صواب ورشد، وفي الأحكام: ~~عدل وإصابة، والحق: هو الشيء الذي يحمد عليه فاعله. # وقوله - عز وجل -: (ليثبت الذين آمنوا وهدى). # PageV06P572 # هذا تفسير قوله: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا)؛ لأنه أخبر أنه: ~~ليثبت الذين آمنوا؛ نذكر من زيادة الإيمان - هو التثبيت - الذي ذكر هاهنا - ~~قوله: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا)، وذكر قوله: (إنما أنت مفتر) - ~~مقابل قوله: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم)؛ ليعلم أن ~~الزيادة التي ذكر في سورة التوبة - هي ما ذكر هاهنا من التثبيت والطمأنينة ~~ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (وهدى وبشرى للمسلمين). # أي: هدى من الجهالات والشبهات التي كانت تعرض لهم، أو من الضلالة، وبشرى ~~للمسلمين. وقال: في آية أخرى: (وهدى ورحمة للمؤمنين)؛ ليعلم أن الإيمان ~~والإسلام واحد. # وقوله - عز وجل -: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) # هم لم يقولوا إنما يعلمه بشر؛ ولكن كانوا ينصون واحدا فلانا، لكن الخبر ~~من الله على ذكر البشر؛ ألا ترى أنه أخبر أن (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين). # دل أن البشر - الذي أخبر عنهم أنهم يقولون: إنه يعلمه - كان منصوصا عليه ~~مشارا إليه؛ حيث قال: لسان هذا أعجمى، ولسان النبي عربي؛ فكيف فهم هذا عن ~~هذا، وهذا من هذا، ولسان هذا غير لسان هذا؟! وما قاله أهل التأويل: أنه كان ~~يجلس إلى غلام يقال له كذا، وهو يهودي يقرأ التوراة؛ فيستمع إلي قراءته، ~~وكان يعلمه الإسلام حتى أسلم، فعند ذلك قالت له قريش: (إنما يعلمه بشر)، ~~ولو كان ما ذكروا أنه كان يعلمه الإسلام فأسلم؛ فلقائل أن يقول: كيف فهم ~~ذلك الرجل منه لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms2559 - ولسانه غير لسانه؟! ~~على ما أخبر؛ لكن يحتمل أن يكون ذلك في القرآن؛ حيث قالوا: (إنما أنت ~~مفتر)، ثم يقولون: (إنما يعلمه بشر)؛ فيقول - والله أعلم -: إنه كيف علمه ~~هذا القرآن، وهو لا يفهم من لسانه إلا يسيرا منه؛ فأنتم لسانكم عربي لا ~~تقدرون أن تأتوا بمثله، ولا بسورة من مثلها، ولا بآية؛ فكيف قدر على مثله ~~من لا يفهم لسانه، ولا كان ذلك بلسانه؟! يخرج ذلك على الاحتجاج عليهم. # وبعد، فإن في قولهم ظاهر التناقض؛ لأنهم قالوا: (إنما أنت مفتر)، ثم ~~قالوا: # PageV06P573 # (إنما يعلمه بشر)، فالذي علمه غيره ليس بمفتر؛ إنما يكون الافتراء من ذات ~~نفسه فهو ظاهر التناقض. # وقوله: (عربي مبين). # يحتمل: مبين ما لهم وما عليهم، أو مبين للحقوق التي لله عليهم وما لبعضهم ~~على بعض، أو مبين: أي بين أنه من عند الله نزل؛ ليس بمفترى. # وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن رسول الله هو الذي ~~ألف هذا القرآن بلسانه، ولم ينزله الله عليه بهذا اللسان؛ فلو كان على ما ~~ذكروا ما كان لأولئك ادعاء ما ادعوا على رسول الله من الافتراء. # قوله: (يلحدون إليه). # قال بعضهم: يميلون إليه، وهو قول أبي عوسجة والقتبي؛ قالوا: الإلحاد: ~~الميل، وكذلك سمي اللحد لحدا؛ لميله إلى ناحية القبر. # وقال الكسائي: هو من الركون إليه، أي: يركنون. # قوله - عز وجل -: (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم ~~عذاب أليم (104) # قال الحسن: إنه - والله - من كذب بآيات الله فهو ليس بمهتد عند الله. # وقال أبو بكر: لا يهديهم الله بتكذيبهم الآيات. # فهو كله خيال على كل من يشكل ويخفي أن من كذب بآيات الله فهو غير مهتد من ~~يظن هذا، وقول أبي بكر -أيضا- من يتوهم أن من كذب بآيات الله أنه يهديه - ~~هذا فاسد، خيال كله، وأصله عندنا قوله: (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا ~~يهديهم الله)؛ لعنادهم ومكابرتهم؛ لأنهم كانوا يعاندون بآيات الله ~~ويكابرونها، ويكذبون مع علمهم أنها آيات، وأنها حق أو قال ms2560 ذلك في قوم علم ~~أنهم لا يؤمنون، ويموتون عليه؛ فمن علم منه أنه لا يؤمن لا يهديه. # وقوله - عز وجل -: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ... ~~(105) # لا الذين يؤمنون بها ويصدقونها. # (وأولئك). # PageV06P574 # الذين كذبوها. # (هم الكاذبون). # * * * # قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ~~ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون (108) لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) ~~يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) # وقوله - عز وجل -: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان). # قوله: (من كفر بالله من بعد إيمانه) يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله ~~-: أحدهما: كفر بالله في زعم المكره؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله؛ ~~لطلبه ذلك منه، وهو كقوله: (فراغ إلى آلهتهم): في زعمهم؛ لأنهم لم يكونوا ~~آلهة، وكقوله: (وانظر إلى إلهك): سماه إلها؛ لأنه - في زعم السامري - إله. ~~والثاني: من كفر بالله شارحا صدره بالكفر هو الكافر به حقا، وأما من أظهر ~~الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنا به - فهو ~~ليس بكافر. وأصله: أن من اعتقد مذهبا أو دينا أن يعتقده بخصال ثلاث: # إحداها: يقلد آخر؛ لما رآه أبصر وآخذ وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، ~~فيقلده؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه. # والثانية: يعتقد للشبهة؛ لما يتراءى عنده أنه الحق؛ فيعتقده لذلك للشبهة ~~التي ذكرنا. # والثالثة: يعتقد لما يتضح له الحق فيعتقده. # فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد دينا أو مذهبا، فأما أن يعتقد ~~الإنسان مذهبا مجانا على الجزاف فلا؛ فكان إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه ~~لم يصر ms2561 كافرا. # وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار؛ فإن الإكراه يزيل اختيار ~~من كفر؛ # PageV06P575 # لذلك يبقى على الإيمان على ما كان؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر. # فإن قيل: أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر؛ ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه؟! ~~وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله: (تقاتلونهم أو يسلمون)، وقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ~~"، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاما في الظاهر ما يمنع كذلك أنه ~~إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفرا في ~~الظاهر؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه؛ فما الفرق فيه؟! # قيل: إن ذلك كان يجيء إلا أن الله - تعالى - أعفى عباده عن ذلك؛ فأبقاهم ~~على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم ~~مطمئنة بذلك؛ فضلا منه ونعمة، وإلا: القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم ~~بكلام الكفر، وأما الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه، وهو ظاهر على ما تكلم به، ~~عامل واقع؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما مما يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره، ~~فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به، قاصد له؛ لأن المكره لو أحب ~~أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه؛ دل أنه على الاختيار يتكلم، ~~وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه؛ إذ قد يكون # PageV06P576 # بالأخذ والتسليم دون التكلم به؛ لذلك عمل الإكراه في إبطاله كما أبقاهم ~~على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنا ~~بذلك، وعلى ذلك ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " رفع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "؛ وذلك في الكفر ليس في غيره؛ ~~لأن الإكراه على الكفر كان ظاهرا يومئذ، ولم # PageV06P577 # يكن في غيره من طلاق وغيره. # وأما قتالنا إياهم؛ ليسلموا - فهو يحتمل وجوها: # أحدها: على المجازاة؛ كقوله: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) ~~فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على ms2562 المجازاة. # والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ ~~فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال: (إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات)؛ سماهن مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن، بقوله: (فامتحنوهن)؛ فإنما ~~يمتحن؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك. # وأصله: أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيره من ~~الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأما القلب فإنه لا ~~يملك أحد سواه # PageV06P579 # استعماله، وذلك بفضله ومنه. # (ولكن من شرح بالكفر صدرا). # ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه؛ لما ذكرنا أنه ~~باختياره الكفر ينشرح له الصدر لما لا يعمل الإكراه على القلب. # (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم). # ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله ~~لا يهدي القوم الكافرين (107) # أي: ذلك الغضب والعذاب بأنهم. # (استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة). # يحتمل وجهين: # أحدهما: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ جحودا وإنكارا، وإلا نفس ~~الاستحباب قد يكون من المؤمن؛ فلا يزيل عنه اسم الإيمان؛ كقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله) إلى قوله - تعالى - ~~(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم ~~واستحبابهم الحياة الدنيا؛ فدل أن الأول عن الجحود له والإنكار، وهذا على ~~الميل إليه دون الجحود؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ~~ولكن ظنا ظنوا لعلها كائنة؛ كقولهم: (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين)، ~~وأما أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين متشككين؛ ولكن متحققين ~~مستيقنين؛ فاستحقوا بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله لا يهدي القوم الكافرين). # وقت اختيارهم الكفر؛ لأن الله لا يهدي القوم المختارين الكفر على ~~الإيمان؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على ~~الكفر؛ فلا يهديهم. # PageV06P580 # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون (108) # الطبع: هو التغطية: تغطي ظلمة الكفر نور القلب ms2563 والسمع ونور البصر، كأن ~~لكل أحد نورين وبصرين، ظاهر وباطن يبصر بهما جميعا؛ فإذا ذهب أحدهما أو عمي ~~- صار لا يبصر؛ كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره ونور الهواء؛ ~~فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئا؛ فعلى ذلك للقلب ~~بصر خفي، وبصر ظاهر الذي هو معروف؛ فإنما يبصر بهما؛ فإذا غطى ظلمة الكفر ~~بصر القلب صار لا يبصر شيئا؛ ألا ترى أنه قال: (لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور)، أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعم؛ ولكن عميت القلوب ~~التي في الصدور، هذا يدل على - ما ذكرنا والله أعلم - معنى طبع السمع ~~والبصر. # وقوله - عز وجل -: (وأولئك هم الغافلون). # PageV06P581 # يحتمل: غافلون عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل: غافلون عما يحل بهم؛ ~~بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه. # وقوله - عز وجل -: (لا جرم ... (109) # قد ذكرنا ما قيل فيه: لا بد، وحقا، وقيل: هو حرف وعيد. # (لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون). # قال الحسن: إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم ~~الذي كان لهم في الجنة، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار. # وقال أبو بكر الأصم: خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، ~~وخسروا أنفسهم؛ حيث قتلوا، وأسروا في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا ~~وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) # قيل: عذبوا على الإيمان بمكة، ثم جاهدوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه عدوهم، وصبروا على ذلك. # (إن ربك من بعدها لغفور رحيم). # قيل: من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم، (رحيم) ذكر مرتين: # أحدهما: قوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا)، ثم قال: (إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم)، قيل: من بعد الفتنة، فيجيء أن يكتفى بواحد يقول: لغفور رحيم موصولا ~~بقوله: للذين فعلوا ما ذكر، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم: إنه لغفور لهم ~~يعني: لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا، ولغيرهم. # ذكر أهل التأويل أن أناسا من المؤمنين خرجوا ms2564 إلى المدينة فأدركهم ~~المشركون؛ ليردوهم؛ فقاتلوهم؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله - ~~تعالى -: (ثم إن ربك للذين هاجروا. . .) الآية. # ومنهم من يقول -أيضا-: فيهم نزل قوله: (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا. . .) الآية. # وأكثرهم قالوا: إن قوله: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه # PageV06P582 # مطمئن بالإيمان): إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة؛ إنما ~~الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه والحكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت ~~وهم لا يظلمون (111) # قال الحسن: (تجادل)، أي: تخبر، (عن نفسها): عما عملت من خير أو شر. # وقال أبو بكر الأصم: إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائرا في ~~عنقه. # ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة، المجادلة: المخاصمة؛ كأنها تخاصم عن ~~نفسها من ارتكاب أشياء، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية؛ من قوله: (ثم ~~لم تكن فتنتهم). # وقال بعضهم: إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ~~وقد جثا بركبتيه؛ خوفا منها؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها، ويشبه ~~أن يكون مجادلتهم على غير هذا، وهو ما ذكر: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا ~~الله)؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: (ثم لم تكن فتنتهم)، وكذلك ما ذكر في ~~المنافقين: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له. . .) الآية. # وذلك كله مجادلتهم أنفسهم، أو أن يقال: (تجادل) لكن لا يفسر: ما تلك ~~المجادلة؛ لأن الله - تعالى - ذكر المجادلة، ولم يذكر ما تلك المجادلة؟ # وقوله - عز وجل -: (وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون). # أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم. # وهذه الآية ترد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد ~~أخبر أنه: توفى كل نفس ما عملت من سوء، ولا توفى ما عملت من الخيرات ~~والطاعات. # * * * # قوله تعالى: (وضرب ms2565 الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~(112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون # PageV06P583 # على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى ~~الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) # وقوله: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ... (112) # اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها: # قال بعضهم: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ ~~بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول الله نزول ~~العذاب بهم كما نزل باوائلهم. # وقال بعضهم: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل ~~المدينة؛ لئلا يكذبوا محمدا كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من ~~الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب. # وقوله - عز وجل -: (قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان). # قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم ~~من كل مكان. ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (فكفرت بأنعم الله) # PageV06P584 # أي: كفرت بالشكر لأنعم الله، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من الله ~~- تعالى - وقوله - عز وجل -: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف). # اللباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباسا؛ لما ستر ~~وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الذي كان قبل الجوع؛ لأن ~~الجوع إذا ms2566 اشتد غير وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع ~~حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة. والخوف: ما ذكر أنه بعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم؛ ألا ترى أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة ~~شهرين "، وقيل: الخوف: القتل. # وقوله: (رغدا). # قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالا أو عيشا من غير عناء وكد. # وقال القتبي: رغدا، أي كثيرا واسعا. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ~~ظالمون (113) # قوله: (رسول منهم)، أي: من أنفسهم، من نسبهم وحسبهم، يعرفونه، كقوله: ~~(يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). # (منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون). # بالتكذيب؛ حيث وضعوا الشيء في غير موضعه، أو ظالمون على أنفسهم. # أخبر أنه بعث الرسول من جنسهم ومن حسبهم؛ لأنه إذا كان من غير جوهرهم لم ~~يظهر لهم الآية من غير الآية، ولا الحجة من الشبهة؛ لأنه إذا خرج على غير ~~المعتاد والطوق عرفوا أنه آية، وأنه حجة؛ إذ لا يعرفون من غير جوهرهم ~~الخارج عن المعتاد والطوق، ويعرف ذلك من جوهرهم، وكذلك يعرف صدق من نشأ بين ~~أظهرهم من كذبه، ولا يعرف إذا كان من غيرهم. # وقوله - عز وجل -: (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله ~~إن كنتم إياه تعبدون (114) # قال بعضهم: الحلال والطيب: واحد، وهو الحلال، كأنه قال: كلوا ما أحل لكم؛ ~~كقوله: (فانكحوا ما طاب لكم)، أي: ما حل لكم. وقال بعضهم: (حلالا طيبا)، ~~أي: حلالا يطيب لكم ما تتلذذون به؛ لأن من الحلال ما لا تتلذذ به النفس ولا # PageV06P585 # تستطيب؛ بل تكره، وقوله: تستطيب له أنفسكم وتتلذذ به، لا ما تستخبث به؛ ~~لأن الله جعل غذاء البشر ما هو أطيب وألذ، وجعل للبهائم والأنعام ما هو ~~أخبث وأخشن؛ لأن ما هو أطيب أدعى للشكر له. # ويحتمل أن يكون قوله: (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا): لا تبعة عليكم. # وفي الآية دلالة أنه قد يرزق ما يخبث ولا يحل على ما يختاره؛ حيث شرط فيه ~~الحلال. # وقوله - عز وجل -: (واشكروا ms2567 نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون). # الشكر له عليهم لازم، وإن لم تعبدوا؛ وهو كقوله: (وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين): طاعته وطاعة رسوله واجبة، وإن لم يكونوا مؤمنين، أو يقول: ~~وجهوا شكر نعمه إليه إن كنتم عابدين له بجهة، أي: افعلوا العبادة له والشكر ~~في الأحوال كلها. # وقوله - عز وجل -: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # أي: حرم أكل الميتة وما ذكر؛ كأنه قال هذا، وذكر على أثر تحريمهم أشياء ~~أحل لهم - لحوما حرموا على أنفسهم - أشياء أحل لهم: من الزرع والأنعام، ~~والبحيرة والسائبة، وما ذكر؛ فقال: لم يحرم ذاك؛ ولكن إنما حرم ما ذكر من ~~الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوه، على هذا يجوز أن يخرج تأويله، وأما على ~~الابتداء فإنه يبعد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن اضطر). # إلى ما ذكر من المحرمات. # (غير باغ). # على ما نهى عنه، وهو الشبع؛ كقوله: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم). # (ولا عاد). # إليه. وقال بعضهم: (غير باغ): يستحله في دينه؛ فلا عاد ولا متعد في أكله. # وقال بعضهم: (غير باغ) على المسلمين مفارق بجماعتهم مشاق لهم، ولا عاد: ~~عليهم؛ يستفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم وأقاويلهم. # وأما تأويله عندنا: (غير باغ): على المسلمين سوى دفع الإهلاك عن نفسه، ~~(ولا # PageV06P586 # عاد): متعد ومتجاوز اضطراره، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس: غير باغ على ~~الناس ولا متعد عليهم؛ لوجهين: # أحدهما: أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار؛ لأنه لا يقدر ~~عليه والحال ما ذكر. # والثاني: أنه - وإن كان باغيا على ما ذكروا - لم يبح له التناول من ~~الميتة؛ يكون باغيا على نفسه؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه؛ فيصير باغيا ~~على نفسه فدل أنه على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) ~~يحتمل: ms2568 أي: لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام، ~~وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لا تقولوا لما أحللتموه: هذا حلال، ~~ولما حرمتموه: هذا حرام، وهو كقوله: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق. . ~~.) الآية. # وفي هذه الآية دلالة ألا يسع لأحد أن يقول: هذا مما أحله الله وهذا مما ~~حرمه الله؛ إلا بإذن من الله، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة ~~أو على الحظر؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ~~ذلك؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لتفتروا على الله الكذب). # أي: تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا. # فإن قيل: كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالا، والحلال - ~~حراما؟ # قيل: لأن التحليل والتحريم، والأمر والنهي - ربوبية، فإذا حرموا شيئا ~~أحله الله، أو أحلوا شيئا حرمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو ~~أحل، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله - تعالى - أنه هو الذي حرم ~~أو أحل فقد افتروا على الله؛ لأن من أحل شيئا حرمه الله، أو حرم شيئا أحفه ~~الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر؛ ~~إنما يصير آثما مجرما، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يفترون على الله الكذب). # PageV06P587 # في تحليل ما حرم عليهم، وفي تحريم ما أحله، وقولهم: (والله أمرنا بها). # وقوله - عز وجل -: (لا يفلحون). # أي: لا يفلحون وهم مفترون على الله، وأما إذا انتزعوا من الافتراء وتابوا ~~أفلحوا، ولا يفلحون في الآخرة؛ إذا كانوا مفترين على الله في الدنيا. # ثم قوله: (متاع قليل ... (117) # على الابتداء؛ وإنما سمي قليلا - والله أعلم - لوجوه: # أحدها: أن متاع الدنيا على الزوال والانقطاع؛ فكل ما كان على شرف الزوال ~~والانقطاع فهو قليل، كما قيل لكل آت: قريب؛ لما يأتي لا محالة؛ فعلى ذلك كل ms2569 ~~زائل منقطع - قليل. # والثاني: سمي قليلا؛ لما هو مشوب بالآفات والأحزان وأنواع البلايا ~~والشدائد؛ فهو قليل في الحقيقة، أو أنه سماه قليلا؛ لما أن متاع الدنيا ~~قليل عما وعد في الآخرة؛ فمتاعها من متاع الآخرة قليل؛ لما ليس فيها الوجوه ~~التي ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ~~ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) # وهو ما قمق في سورة الأنعام، وهو قوله: (حرمنا عليهم شحومهما) إلى قوله: ~~(ذلك جزيناهم ببغيهم)، وقوله: (فبظلم من الذين هادوا. . .) الآية. # طوقوله - عز وجل -: (وما ظلمناهم). # بتحريم ما حرمنا عليهم؛ لأنا إنما حرمنا عليهم تلك الطيبات عقوبة لهم، ~~وهو ما قال في سورة النساء، وهو قوله: (فبظلم من الذين هادوا)، وهو ما قال: ~~(ذلك جزيناهم ببغيهم)، أخبر أنه إنما حرم عليهم ذلك؛ بظلم كان منهم عقوبة ~~وجزاء لبغيهم، لكن هم ظلموا أنفسهم في ذلك. # أو أن يكون قوله: (وما ظلمناهم)؛ لأنهم عبيده وإماؤه؛ ولله أن يمتحن ~~عباده وإماءه بتحريم مرة، وبتحليل ثانيا، ولكن ظلموا أنفسهم؛ حيث وجهوها ~~إلى غير مالكها، أو صرفوا شكر ما أنعم عليهم إلى غيره. # وقوله - عز وجل -: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) # أي: عمل السوء بجهالة، ويحتمل وجهين: # أحدهما: أن الفعل فعل جاهل وسفيه وإن لم يجهل؛ يقال لمن عمل السوء: يا ~~جاهل يا سفيه. # PageV06P588 # والثاني: جهل ما يحل به بعمله السوء. # ثم قوله (إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة. . .) إلى آخره، يمكن أن يكون ~~في الآية إضمار لم يذكر؛ لأنه قال: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) ثم كرر ذلك الحرف على الابتداء من غير أن ذكر له ~~جواب، وهو قوله (إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة) (من بعدها لغفور رحيم). # فظاهر الجواب أن يقول: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من ~~بعد ذلك) (لغفور رحيم)؛ على ما ms2570 ذكرنا في قوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا. . ~~.) الآية؛ لكن يخرج على الإضمار، أو على التكرار: على إرادة التأكيد، أو ~~على الابتداء والاكتفاء بجواب ذكره في موضع آخر. # ثم قال: [(ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)]: ~~هذا - والله أعلم - جوابه، أي: إن ربك من بعد التوبة لغفور رحيم، فهموا قبل ~~أن يعمل السوء، والعرب قد تكرر أشياء على إرادة التأكيد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ~~(120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا ~~فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124) # وقوله - عز وجل -: (إن إبراهيم كان أمة قانتا). # قال عبد الله بن مسعود: الأمة: الذي يعلم الناس الخير، والقانت؛ المطيع ~~لله. # وقال بعضهم: أمة قانتا، أي: مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. # وقال بعضهم: كان أمة، أي: إماما يقتدى به في كل خير؛ كقوله: (إني جاعلك ~~للناس إماما). # PageV06P589 # وقال الحسن: كان أمة، أي سنة يقتدى به. # ويحتمل أن يكون سماه: أمة، لما كان كالأمة والجماعة من القيام مع ~~الأعداء؛ لأنه، وإن كان منفردا وحده، فكان قيامه مع الأعداء والأكابر منهم ~~كالجماعة والأمة، والممتنع عنهم كالمتفرد. وأصل الأمة؛ قيل: الجماعة ~~والعدد. # ويحتمل قوله: (كان أمة)، أي: مجمع كل خير وكل طاعة؛ لما عمل هو من الخير ~~عمل الجماعة، واجتمع فيه كل خير؛ فسمي أمة لهذا الذي ذكرنا، أو أن يكون ~~تفسير الأمة ما ذكر على أثره: (قانتا لله حنيفا)، والقانت، قيل: المطيع، ~~والقنوت هو القيام - كما ذكر - أنه سئل عن أفضل الصلاة؟ فقال: " طول القنوت ~~"؛ أي: # PageV06P590 # طول القيام؛ فعلى هذا: المعنى: هو القائم لله في كل ما يعبده وأمر به. # وقيل: (أمة)، أي: دينا؛ لقوله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، أي: دينكم دينا ~~واحدا. # وقوله - عز ms2571 وجل -: (حنيفا). # قيل: الحاج، وقيل: الحنيف: المسلم، وقيل: المخلص، وفيه كل ذلك: كان حاجا ~~مسلما مخلصا لله، وأصل الحنف: الميل، أي: كان مائلا إلى أمر الله وما يعبده ~~به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولم يك من المشركين). # لا شك أنه لم يكن من المشركين، لكنه ذكر هذين الوجهين. # أحدهما: لما ادعى كل أهل الأديان أنهم على دينه وانتسب كل فرقة إليه ~~فبرأه الله من ذلك، وأخبر أنه ليس على ما هم عليه من الدين؛ وهو ما قال: ~~(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا. . .) الآية. # والثاني: ذكر هذا: أنه لم يكن من المشركين بقوله: (هذا ربي)؛ لأنه هو كان ~~ذلك عنه على ظاهر ما نطق: كان ذلك في الظاهر إشراكا، ففيه مشبه في ظاهره؛ ~~فبرأه الله عن ذلك وأخبر أن ذلك منه لم يكن إشراكا، ولكن على المحاجة خرج ~~ذلك منه محاجة قومه؛ لقوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) # أي: لم يصرف شكر نعمه إلى غير المنعم، بل صرف شكرها إلى منعمها، والشكر ~~في الشاهد هو المكافأة، ولا يبلغ أحد من الخلائق في المرتبة التي يكافئ ~~الله في أصغر نعمة أنعمها عليه، ولا يتفرغ أحد عن أداء ما عليه من إحسان ~~الله عليه فضلا أن يتفرغ لمكافأته؛ لكن الله - عز وجل - بفضله ومنه سمي ذلك ~~شكرا، وإن لم يكن في الحقيقة شكرا؛ كما ذكر الصدقة التي تصدق بها العبد ~~إقراضا كما سمى تسليمه لنفسه وبذله الأمر لله - شراء، وإن كانت أنفسهم ~~وأموالهم في الحقيقة - له، ولا يطلب المرء في العرف القرض من عبده، وكذلك ~~شراء؛ لكنه بلطفه وفضله عامل عباده معاملة من لا ملك له في أنفسهم ~~وأموالهم؛ فعلى ذلك في تسمية الشكر؛ والله أعلم. # PageV06P591 # وقوله - عز وجل -: (اجتباه). # قال بعضهم: لرسالته ونبوته، واجتباه من بين ذلك القوم وجعله إماما يقتدى ~~به. # وقوله - عز وجل -: (وهداه إلى صراط مستقيم). # وهو دين الإسلام، وهو ما ذكر: (قل إنني ms2572 هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~(122) # قال بعضهم: الثناء الحسن، وقال بعضهم: الحسنة في الدنيا؛ لأن جميع أهل ~~الأديان يتوئونه ويرضونه. # ويحتمل أن يكون قوله: (وآتيناه في الدنيا حسنة)، أي: ما آتاه الله - لم ~~يؤته إلا حسنة؛ على ما ذكر في قوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) - أي: ما ~~آتيتناه في الدنيا، آتنا كلها حسنة؛ لأن قوله: (حسنة) إنما هي اسم حسنة ~~واحدة أو أن يكون (وآتيناه في الدنيا حسنة) عند قبض روحه، أي: على الحسنة ~~قبض روحه. # وقوله - عز وجل -: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين). # أي: لم ينقص ما آتاه في الدنيا عما يؤتيه في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: ~~(وآتيناه في الدنيا حسنة): النبوة والرسالة، أو أن يقال: إنه لم يبين ~~الحسنة التي أخبر أنه آتاها إياه؛ لكنه خص به كما هو خص في قوله: اللهم صل ~~على محمد كما صليت على إبراهيم. قد كان من إبراهيم معنى؛ حتى خص الله ~~إبراهيم به من بين غيره؛ فذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (123) # أي: دين إبراهيم وسبيله، وذكر في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم - صلوات الله على ~~نبينا وعليه - يوم التروية، فراح به إلى منى فعلمه المناسك كلها، وأراه ~~أباه، فأوحى الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -: (أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين)؛ فنحن أمرنا أن نتبع ملته في الحج وفي غيره. # PageV06P592 # وأصل الملة: الذين، والله أعلم؛ كقوله: " لا يتوارث أهل ملتين "، أي: أهل ~~دينين. # وقوله - عز وجل -: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124) # قال بعضهم: اختلافهم؛ وذلك أن موسى - عليه السلام - أمر بني إسرائيل أن ~~يتفرغوا في كل سبعة أيام يوما للعبادة، وهو يوم الجمعة، ms2573 وينزعوا فيه عمل ~~دنياهم؛ فقالوا: نتفرغ يوم السبت؛ فإن الله لم يخلق يوم السبت شيئا؛ فقال ~~فريق منهم: انظروا إلى ما يأمركم نبيكم؛ فخذوا به، فذلك اختلافهم؛ فجعل لهم ~~يوم السبت على ما سألوا، فاستحلوا فيه المعاصي؛ فحرم الله عليهم العمل فيه؛ ~~عقوبة لهم. # وقال الحسن وقتادة: (إنما جعل السبت)، أي: إنما لعن في السبت؛ فمسخوا ~~قردة (الذين اختلفوا فيه)، وكان اختلافهم أنه حرمه بعضهم، واستحله بعض. # وقال أبو بكر: اختلافهم كان في تكذيب الرسل والأنبياء فمنهم من صدق، ~~ومنهم من كذب؛ فحرم عليهم يوم السبت؛ عقوبة لهم؛ أو أن يكون اختلافهم ما ~~سألوا موسى من الآيات العجيبة والأسئلة [الوخشة]؛ كقولهم: (لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة) # PageV06P593 # وكقوله: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، ونحوه بعدما أقام عليهم من الآيات ~~ما كانت لهم فيها كفاية فيشبه أن يكون اختلافهم الذي ذكر ذلك. # وقوله: (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه): يخرج على وجهين: # أحدهما: (إنما جعل محنة السبت على الذين اختلفوا فيه)، أي: على الذين ~~فسقوا فيه؛ حيث قال: (بما كانوا يفسقون). # والثاني: إنما جعل عقوبة السبت على الذين اعتدوا فيه دون الذين اختلفوا ~~فيه؛ لأن فريقا منهم قد نهوهم عن ذلك، وفريقا قد اعتدوا؛ فاهلك الذين ~~اعتدوا دون الذين نهوهم. # وقوله: (اختلفوا فيه): يحتمل فيه، أي: في موسى، أو في يوم السبت الذي ~~اختلفوا فيه وعوقبوا فيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون). # يحكم بينهم بالجزاء، ويحكم بما بين لهم المحق من المبطل: # لكن لو قيل: قد بين في الدنيا: بين المحق من المبطل؛ حيث أهلك فريقا؛ ~~وأنجى فريقا؛ فكيف قال: يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟ لكن يشبه أن ~~يكون ذلك بالجزاء على ما ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ms2574 لهو خير للصابرين (126) واصبر وما ~~صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # وقوله: (ادع إلى سبيل ربك). # قيل: دين ربك. # (بالحكمة). # قال الحسن: الحكمة: القرآن، أي: ادعهم إلى دين الله بالقرآن. # وقال بعضهم: بالحكمة: بالحجة والبرهان، أي: ادعهم إلى دين الله بالحجج ~~والبراهين؛ أي: ألزمهم دين الله بالحجج والبراهين؛ حتى يقروا به. # وقوله - عز وجل -: (والموعظة الحسنة). # قال الحسن: أي عظهم بالمواعظ التي وعظهم الله - تعالى - في الكتاب. # PageV06P594 # وقال أبو بكر: أي ذكرهم النعم التي أنعم عليهم، (وجادلهم بالتي هي أحسن)، ~~أي: جادلهم أحسن المجادلة بلين القول، وخفض الجانب والجناح؛ لعلهم يقبلون ~~دينهم، ويخضعون لربهم. # وكذلك اختلفوا في قوله: (وإذ علمتك الكتاب والحكمة)، وقوله: (لما آتيتكم ~~من كتاب وحكمة): قال الحسن: الكتاب والحكمة: واحد؛ اسم شيء، وهو القرآن. # وقال بعضهم: الكتاب هو القرآن، وهو سماع الوحي، والحكمة: وحي الإلهام، ~~وهو السنة. # وقال بعضهم: الكتاب: هو التنزيل، والحكمة: هي المعنى المودع فيه؛ فمن ~~يقول: إن الكتاب والحكمة واحد، وهي القرآن يقول في قوله: (ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة): القرآن، ومن يقول عنه: إنهما غير - يقول - هاهنا -: إن الحكمة: ~~الحجة والبرهان، إما من جهة الإلهام أو من جهة الانتزاع من الكتاب. # ويحتمل أن يكون قوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة): التي ذكر في هذه ~~السورة؛ من ذلك قوله: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه): يعني: من بطون ~~النحل، وقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) وما ذكر أنه يخرج من الخشب اليابسة - ~~الأعناب وأنواع الثمرات ونحوه؛ فذلك كله بحكمته، أي: ادعهم إلى دينه وذكرهم ~~بهذا، وهم يقرون به؛ ليقبلوا دينه ويخضعوا لأمره. # والموعظة الحسنة: ما ذكر في قوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان. . .) ~~الآية. وذلك كله مستحسن في العقل وتوجبه الحكمة؛ لأن العدل والإحسان، وما ~~ذكر من إيتاء ذي القربى - الصدقة - مستحسن في عقل كل أحد. والانتهاء -أيضا- ~~عن ms2575 الفحشاء والمنكر مستحسن، مستقبح ارتكابه وإتيانه؛ كأن الحكمة هي التي ~~تشتمل على العلم والعمل جميعا؛ كأنه قال: ادعهم إلى دين الله بالعلم والعمل ~~جميعا؛ حتى ينجع ذلك فيهم؛ أو: ادعهم باللين وخفض الجناح مرة، وبالعنف ~~والخشونة ثانيا؛ فيكون وضع الشيء موضعه، ثم قال: (يعظكم لعلكم تذكرون). # وقوله - عز وجل -: (وجادلهم بالتي هي أحسن). # يحتمل - والله أعلم - أي: جادلهم بالذي يقرون على ما ينكرون، وهو ما ذكر: ~~(أفمن يخلق. . .) الآية، وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا) # PageV06P595 # وقوله: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا. . .) الآية، وقوله: (وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء. . .) الآية، وقوله: (والله فضل بعضكم ~~على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم. . .) ~~الآية، ونحو هذا. # يجادلهم بأحسن المجادلة بالذي يقرون أنه كذلك على الذي ينكرون؛ فيلزمهم ~~القبول والخضوع له. # ثم في الآية دلالة تعليم المناظرة في الدين وكيفية المعاملة - بعضهم لبعض ~~- فيها؛ حيث قال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة): التي عنده بالقرآن أو غيره ~~من الحجج والبينات، (والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن): هكذا يجب أن ~~يناظر بعضهم بعضا بالوجه الذي وصف الله، وعلى ذلك ما ذكر الله في كتابه: ~~مناظرة الأنبياء والرسل مع الفراعنة والأكابر، وهو ما قال: (ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه. . .) إلى آخر ما ذكر، وقوله: (وحاجه قومه قال ~~أتحاجوني في الله. . .) الآية ومناظرة فرعون مع موسى - صلوات الله عليه - ~~حيث قال: (وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض. . .) الآية، ولما ~~قال: (رب المشرق والمغرب)، وقوله: (فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى ~~عصاه)، وما قال: (قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى (50)، وأمثاله مما يكثر، فهذه مناظرة الرسل والأنبياء مع ~~الفراعنة والأعداء؛ فكيف المناظرة بين الأولياء؟! فهذا كله يرد على من يأبى ~~المناظرة في الدين ويمتنع عن التكلم فيه والاحتجاج. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله). # في الآية ms2576 نسبتهم إلى الضلال إشارة وكناية لا تصريحا؛ لأنه لم يقل لهم ~~مصرحا: إنكم قد ضللتم عن سبيله؛ لحسن معاملته التي علم رسوله وأمره أن ~~يعاملهم؛ لأن ذلك أقرب إلى القبول وأميل إلى القلوب وآخذ؛ ألا ترى أنه قال ~~لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى). # وقوله - عز وجل -: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين (126) # اختلف في سبب نزول ذلك: # PageV06P596 # قال بعضهم: نزلت في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن ~~نفرا منهم قد مثلوا يوم أحد مثلة سيئة: من قطع الآذان، وتجديع الأنوف، وبقر ~~البطون، ونحوه؛ فقال أصحابهم: لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن كذا ~~وكذا. فأرادوا أن يجازوا بذلك؛ فأنزل الله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به. . .) الآية. # وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم؛ لأنه لو لم يكن لهم الظفر ~~فكيف يقدرون على معاقبة مثل ما عاقبوا؛ دل أنه على البشارة لهم بالنصر ~~والظفر بهم. وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتول القتل والأخذ والضرب؛ لما ~~لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولوا ذلك، لكن لا يؤاخذ إخوانهم بهم؛ لما ~~بمعونة بعضهم بعضا فيها، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع، ~~وإن كان الذي تولى ذلك بعض منهم؛ لما أن من تولى ذلك إتما تولى بمعونة من ~~لم يتول. # وقال بعضهم: إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة ~~قتل مجازاة؛ مثل قوله: (وقاتلوا المشركين كافة)، وكقوله: (فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم)، ومثله؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم، ولكن ~~بمثله، وأما إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعا إذا ~~أبوا الإسلام؛ بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) الآية، وقوله - ~~عليه السلام -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "، وقوله ~~- تعالى - (تقاتلونهم أو يسلمون). # وقال بعضهم: لا، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام، وحكمه في القصاص والقطع ~~فيما دون النفس والجراحات: أمر ألا ms2577 يتجاوزوا حقوقهم؛ كقوله: (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها)، وقوله: (فمن اعتدى عليكم. . .) الآية، وقوله: # PageV06P597 # (كتب عليكم القصاص في القتلى. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ولئن صبرتم). # على ذلك. # (لهو خير) أي: الصبر خير (للصابرين). # ودل قوله: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) على أن الآية في القصاص لا في ~~الحرب؛ لأنه في الحرب لا يقال اصبر ولا تصبر، بل يكون الصبر جهادا؛ دل أنه ~~في غير المحاربة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ~~ضيق مما يمكرون (127) # أي: ما توفيقك على الصبر إلا بالله؛ كقول شعيب: (وما توفيقي إلا بالله. . ~~.) الآية # PageV06P598 # والثاني: واصبر وما صبرك إلا بالله، أي: تركك القصاص لأمر الله؛ حيث أمرك ~~به، لا لضعف أو عجز فيك. # وقوله - عز وجل -: (ولا تحزن عليهم). # قال: إنه كان يحزن ويضيق صدره؛ لمكان كفرهم بالله، وتركهم الإيمان بالله؛ ~~كقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)؛ فقال: (ولا تحزن عليهم): لذلك على التسلي والتخفيف لا على النهي عن ~~ذلك. # ويحتمل: أن يكون قوله: (ولا تحزن): على المؤمنين الذين قتلوا واستشهدوا؛ ~~لأنهم مستبشرون فرحون عند ربهم بما آتاهم الله من فضله؛ كقوله: (بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله)، أي: لا تحزن عليهم، ~~وهم فيما ذكر. # أو لا تحزن على المؤمنين، ولا يضيقن صدرك مما يمكر بك أولئك الكفرة؛ إذ ~~كانوا يكفرون برسول الله وبأصحابه ويؤذونهم، أخبر أن لا يضيقن صدرك لذلك. # وقال بعضهم: نزلت في أمر حمزة سيد الشهداء: أنه مثل به وجرح جراحات ~~عظيمة؛ فاشتد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لئن ظفرنا بأولئك ~~لنفعلن كذا ولنفعلن كذا "؛ فنزلت الآية: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به. . .)، لكن إن ثبت هذا فإنه يكون في الوقت الذي كان يؤخذ غيره - ~~القاتل والجارح - بالقتل، وذلك قد كان في الابتداء؛ ألا ترى أنه قال: (الحر ~~بالحر والعبد بالعبد. . .): كانوا هموا أن يأخذوا الحر بالعبد والذكر ~~بالأنثى، ms2578 حتى نزل هذا فصار منسوخا به، وبقوله: (ولكم في القصاص حياة). ولو ~~كان يؤخذ غير القاتل بالقصاص - لم يكن فيه حياة، أو إن قالوا في الحرب مع ~~الكفرة فذلك لا يحتمل؛ لأنه في الحرب لهم أن يقتلوا الكل، وألا يتركوا ~~واحدا منهم؛ دل أنه يخرج على أحد وجهين: # على النسخ الذي ذكرنا. # أو على النهي عن أخذ أكثر من حقه، وكقوله: (فاعتدوا عليه. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن الله مع الذين اتقوا ... (128) # PageV06P599 # يحتمل: اتقوا، مخالفة الله ورسوله بالنصر لهم والعون؛ فإن الله ناصركم ~~ومعينكم عليهم. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم محسنون). # في العمل والتوحيد، أو يقول: إن الله مع الذين اتقوا محارم الله وارتكاب ~~مناهيه بالنصر لهم والمعونة. # (والذين هم محسنون) # إلى نعم الله - عز وجل - بالقيام بالشكر لها. # وبالله التوفيق، وصلى الله - تعالى - على سيدنا محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV06P600 ### | سورة بني إسرائيل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # قوله - عز وجل -: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا). # (سبحان): كلمة إجلال الله عن الأكفاء، وتنزيهه عن الشركاء، وتبريئه عما ~~قالت المعطلة فيه وظنت الملاحدة به: من الولد، والحاجات، والآفات، وجميع ~~معاني الخلق. # وروي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~تفسير: (سبحان الله)؛ قال: هو تنزيه الله عن كل سوء. # ومعنى قوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصا) هو - والله أعلم - كأنه ذكر أن من قدر على أن يسري بعبده ليلا ~~مسيرة شهر يقدر على إحياء الموتى بعد الموت، ويملك: حفظ رسوله والنصر له ~~وإظهار آيات نبوته ورسالته، وقطع جميع حيل المكذبين له والمخالفين. # وقوله: (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا). # سماه أقصى، وهو الأبعد، من قصا يقصو قصوا؛ فهو قاصي، كأنه لم يكن يومئذ ~~إلا المسجد الحرام - ومسجده بالمدينة ومسجد بيت المقدس؛ فسماه لذلك - والله ~~أعلم - المسجد الأقصى. ms2579 # وقوله - عز وجل -: (الذي باركنا حوله) # سمي: مباركا؛ لكثرة أنزاله وخيراته وسعته. # وقيل: سمي: مباركا؛ لأنه مكان الأنبياء ومقامهم؛ فبورك فيه ببركتهم ~~منافع، والله أعلم. # PageV07P003 # وقوله - عز وجل -: (لنريه من آياتنا). # أي: لنريه من آياتنا الحسية بعد ما أراه الآيات العقلية؛ لأن الآيات ~~الحسية أكبر في قطع الشبه ودفع الوساوس من العقلية؛ إذ لا يشك أحد فيما كان ~~سبيل معرفته الحسق والعيان. وقد يعترض ربما الشبه والوساوس في العقليات؛ ~~لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو؛ فأحب - عز وجل - أن يري رسوله آيات حسية ~~تضطر المنصفين على قبولها، والإيمان بها، والإقرار له أنه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لما يعلمون أن ما كان يخبرهم من أخبار - حيث قال: إنه ~~رأى عير فلان، وأمورا - يعلمون أنه لا يقول إلا عن مشاهدة وعيان؛ لأنه كان ~~ما أتى من الآيات العقليات قالوا: إنه سحر، وما ذكر من الأشياء التي كانت ~~في كتبهم المتقدمة - قالوا: (أساطير الأولين)، و (إنما يعلمه بشر). # ليس ذلك عمل سحر ولا إفكا ولا افتراء ولا أساطير الأولين؛ على ما نسبوه ~~إلى السحر مرة وإلى الإفك والافتراء ثانيا، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (إنه هو السميع البصير). # أي: من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يخفى عليه شيء من قول أو عمل، ثم ما ~~روي من الأخبار أنه عرج به إلى السماء حتى رأى إخوانه الأنبياء الماضين ~~قبله، وما ذكر فيها - فنحن نقول ما قال الصديق - رضوان الله عليه -: " إن ~~كان قال ذلك فأنا أشهد على ذلك "، وإلا نقل على مقدار، ما في الآية: إنه ~~أسرى به إلى بيت المقدس المسجد الأقصى، ولا نزيد عليه؛ لأته من أخبار ~~الآحاد فلا تسع الشهادة له. # * * * # قوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى ~~بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا ~~جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي ms2580 بأس شديد فجاسوا خلال الديار ~~وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء ~~وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما ~~علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين ~~حصيرا (8) # وقوله - عز وجل -: (وآتينا موسى الكتاب). # يعني: التوراة. # PageV07P004 # (وجعلناه هدى لبني إسرائيل). # كل كتب الله: هدى لمن استهدى، ورشد لمن استرشد، وبيان لمن استوضح؛ لأنها ~~دعت إلى ثلاث خصال: دعت إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وصالح الأعمال. # ونهت عن ثلاث: عن مساوي الأعمال، وعن سفاسف الأمور، ودناءة الأخلاق ~~ورداءتها. # ذكر أنه جعل الكتاب هدى لبنى إسرائيل؛ لأن منفعة الكتاب حصلت لهم: أنهم ~~هم الذين استهدوا به؛ فعلى ذلك هو هدى لمن استهدى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا تتخذوا من دوني وكيلا). # أي: معتمدا، أي: قلنا لهم فيه، أو ذكرنا لهم فيه، أو أمرناهم فيه: ألا ~~تتخذوا من دوني وكيلا، أي: معتمدا موكولا، الوكيل: هو موكول الأمر إليه، ~~معتمد في الأحوال عليه، قائم في جميع ما وكل إليه بالتبرع والتفضل. # وقوله - عز وجل -: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) # قال بعضهم: يعني بالذرية الأنبياء الذين كانوا من قبل، أي: كانوا من ذرية ~~نوح ومن حمل معه، وهم بشر؛ قال: ذكر هذا لإنكارهم، بعث الرسل من البمثمر؛ ~~حيث قالوا: (أبعث الله بشرا رسولا). # والثاني: يحتمل غيره، أي: من ذرية من حملنا مع نوح، أي: هؤلاء من ذرية من ~~حملنا مع نوح؛ فكيف خالفوا آباءهم الذين كانوا على الهدى، وتابعوا غيرهم؟! ~~أو يذكر أن هؤلاء الرسل من ذرية من حملنا مع نوح، وهم بشر، فكيف أنكروا ~~الرسول من بشر؟! # ثم قال بعضهم: هو على النداء والدعاء: يا ذرية من حملنا مع نوح، في ~~السفينة - في أصلاب الرجال وأرحام النساء زمان الطوفان - لا تتخذوا من دوني ~~وكيلا، قيل: رئا وإلها، وقيل: شريكا. وأصله ما ذكرنا أن الوكيل: ms2581 هو ~~المعتمد. # (إنه كان عبدا شكورا). # يعني: نوحا، قال بعضهم: سماه شكورا؛ لأنه كان يذكر ربه في كل أحواله، ~~وقال بعضهم: الشكور هو الذي يبتغي مرضات منعمه، ويجتنب مساخطه، وقال بعضهم: ~~الشكور هو المطيع لله. # PageV07P005 # وقد ذكرنا معنى الشكر: أنه اسم المكافأة، أو يقال: كانت عبادته لله عبادة ~~شكر لا عبادة استغفار، أي: كان شكورا في عبادته لا مستغفرا. # وقوله - عز وجل -: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض ~~مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) # اختلف في قوله: (وقضينا): # قال الحسن وغيره: أوحينا إليهم وأخبرناهم وأعلمناهم في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين. # وقال بعضهم: قضينا عليهم. # وقال بعضهم: كتبنا عليهم فكيفما كان، ففيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر: ~~أنه أخبرهم وأعلمهم؛ على تأويل من زعم أن القضاء - هاهنا - هو الإعلام ~~والإخبار لهم؛ فيقال لهم: كان أخبرهم وأعلمهم؛ ليصدق في خبره أو لا: فإن ~~كان أخبرهم ليصدق في خبره - فذلك منه حكم أنهم: ليفسدن في الأرض مرتين؛ فإن ~~كان تأويل القضاء: الكتاب والحكم، فهو ظاهر، وهو ما نقول: إن كل فاعل فعلا ~~طاعة كانت أو معصية - كان بحكمه. # ثم من سأل آخر عن المعصية أنها كانت بقضاء الله؛ فلا يجب أن يجاب له على ~~الإطلاق: ب (نعم) أو ب (لا)، إلا أن يبين أنه ما يريد بالقضاء وما يفهم ~~منه؛ لأن القضاء يتوجه إلى وجوه: # يرجع إلى الخلق؛ كقوله: (فقضاهن سبع سماوات)، أي: خلقهن. # والقضاء: الأمر؛ كقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)، أي: أمر ربك. # والقضاء: الحكم؛ كقوله: (فاقض ما أنت قاض) أي: احكم ما أنت حاكم. # ولم يعرف القضاء: الحمل والدفع؛ على ما يقوله المعتزلة، ونحوه، فلا يجاب ~~على الإطلاق إلا أن يبين أنه ما أراد بالقضاء؟ فإن أراد بالقضاء: الحكم: ~~فعند ذلك يقال: نعم، كان بقضائه وحكمه، وليس فيما قضى وحكم دفعه في ~~المعصية. # ثم اختلف في قوله: مرتين: # قال بعضهم من أهل التأويل: إن بني إسرائيل عصو ربهم؛ فسلط الله عليهم # PageV07P006 # جالوت؛ فقتلهم، وسبى ذراريهم وأموالهم، فكانوا ms2582 كذلك زمانا، ثم تابوا ~~ورجعوا عن ذلك، ثم بعث الله داود؛ فقتل جالوت، واستنقذهم من يديه، وردهم ~~إلى مكانهم، ثم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ ثم سلط عليهم بختنصر؛ ففعل بهم ~~ما فعل جالوت، ثم تابوا، فبعث محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: بعث - أولا - بختنصر، ثم فلانا وفلانا، وهو ما قال: (فإذا ~~جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم) إلى قوله: (وإن عدتم عدنا) أي: عدتم إلى ~~العصيان عدنا إلى العقوبة، ولكن ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من ~~وجوه الحكمة والدلالة: # أحدها: فيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر ~~عما كان في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم، ولا اختلف إلى أحد منهم؛ فكان ~~- على ما أخبر - دل أنه إنما عرف ذلك بالله بما أخبره في كتابه. # وفيه أنه لم يهلك قوم بنفس الكفر إهلاك استئصال، حتى كان منهم مع الكفر ~~السعي في الأرض بالفساد، والعناد للآيات. # وفيه أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم وإعطاؤه في الدين؛ حيث لم يمتهم على ~~الإيمان، ولكن تركهم حتى عصوا ربهم، ثم سلط عليهم من قتلهم على تلك الحال، ~~ودعاهم إلى دينه وهو كفر؛ فلو كان عليه إعطاء الأصلح لأماتهم على الإسلام؛ ~~فذلك أصلح لهم في الدين. # وقوله - عز وجل -: (ولتعلن علوا كبيرا). # قيل: لتجترئون جراءة عظيمة، وقيل: لتقهرن ولتعلن غلبة؛ كقوله: (إن فرعون ~~علا في الأرض) أي: قهر وغلب، ألا ترى أنه قال: (وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم)، ثبت أنه على الغلبة والقهر. # وقيل: العلو هو العتو والجراءة والتكبر، وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5) # أي: جاء وعد هلاك من عصى منهم أولا، وخالف أمر الله وكفر به. # (بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد). # قال الحسن: قوله: (بعثنا عليكم) ليس على بعث الوحي إليهم؛ ولكن على ~~التخلية، أي: خلينا بينهم وبين عباد ms2583 أولي بأس شديد، أي: أولي بطش شديد ~~وقوة؛ # PageV07P007 # كقوله: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين)، أي: أخلينا بينهم ~~وبين الشياطين. # وقال بعضهم: (بعثنا عليكم) أي: أسلطنا عليكم. # وقوله: (بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد) رد على المعتزلة؛ لأنه ذكر ~~أنه بعث عليهم عبادا أولي بأس شديد، وإنما بعثهم لجزاء إساءتهم ولسوء ~~صنيعهم، وذلك شريفعل بهم؛ دل أن لله صنعا في جميع فعل العباد. # وقوله - عز وجل -: (فجاسوا خلال الديار). # قال بعضهم: جاسوا - من التجشس)، أي: يتجسسون أخبارهم ويسمعون أحاديثهم، ~~وهم جنود جاءوا من فارس. # وقال بعضهم: (فجاسوا) أي: قتلوا الناس في الأزقة، وقيل: في الطرق. # وقوله - عز وجل -: (وكان وعدا مفعولا). # أي: الذين قالوا: (لتفسدن في الأرض مرتين) وعدا كائنا مفعولا، أي: كان ~~وعدا موعودا مفعولا كائنا، وإلا الوعد لا يأتي، وكذلك قوله: (إنه كان وعده ~~مأتيا) أي: موعودا مأتيا، وكذلك ما أشبه هذا. # وقوله - عز وجل -: (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين ~~وجعلناكم أكثر نفيرا (6) # أي: الغلبة والهلاك عليهم. # (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا). # أي: أكثر رجالا منكم - قبل ذلك - وعددا، ثم إذا عصوا ثانيا، وكفروا بربهم ~~سلط الله عليهم قوما آخرين! فدمروا عليهم، فذلك قوله: # (فإذا جاء وعد الآخرة). # الهلاك والتدمير، أي: موعود الآخرة. # (ليسوءوا وجوهكم). # ثم وعد لهم الرحمة إن تابوا ورجعوا عن ذلك بقوله: (عسى ربكم أن يرحمكم). ~~ثم أوعدهم العود إليهم بالعقوبة بقوله: (وإن عدتم عدنا)، أي: وإن عدتم إلى ~~المعاصي عدنا # PageV07P008 # عليكم بالعقوبة. # ثم قول أهل التأويل: إنه سلط عليهم بختنصر وجالوت ثم فلانا وفلانا - فذلك ~~لا يعلم إلا بالخبر عن رسول الله، وليس في الآية سوى أنه بعث عليهم (عبادا ~~لنا أولي بأس شديد)؛ فلا يزاد على ذلك إلا بالخبر، سوى أنه ذكر هذا لنا، ~~وفيه وجوه من الحكمة: # أحدها: ما ذكرنا من إثبات نبوة محمد ومن صدق رسولهم؛ حيث حذرهم العقوبة ~~بعصيانهم، فكان كما قال. # وفيه تحذيرنا عن مثل صنيعهم؛ لأنهم ليسوا بذلك أولى من غيرهم. # وقال ms2584 القتبي: (فجاسوا خلال الديار)، أي: عاثوا بين الديار، وأفسدوا. ~~ويقال: جاسوا، وحاسوا. # (ثم رددنا لكم الكرة). # أي: الدولة. # وقوله - عز وجل -: (أكثر نفيرا). # أي: عددا، وقال أبو عوسجة: (أكثر نفيرا): هو من الخروج والنفر، ومعناه: ~~أكثر عددا، وقال أبو عبيدة: (فجاسوا خلال الديار): معناه، أي: فقتلوا في ~~ديارهم. # وقال قتادة: النفير: المقاتلة الذين يستنفرون للقتال، أي: لو استنفرتم ~~أنتم، واستنفر أولئك كنتم أكثر منهم. ثم جاء قوله: (فإذا جاء وعد أولاهما) ~~إلى قوله: (فجاسوا خلال الديار)، معلوم أنه لم يكن في كتابهم هذا اللفظ: ~~(بعثنا عليكم)؛ (فجاسوا) - على الابتداء، ولكن كان - والله أعلم -: إذا جاء ~~وعد أولاهما لنبعثن عبادا أولي بأس شديد يتجسسون أو يجوسون، لكنه خاطب بهذا ~~- والله أعلم - الذين كانوا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~كانوا هم لم يفعلوا ما ذكر؛ لكن لما فعل أوائلهم خاطب هؤلاء؛ لما كانوا ~~يفتخرون بأوائلهم ويقولون: هم أبناء الله وأحباؤه، فيذكر هؤلاء نعمه التي ~~أنعم على أولئك، ويحذرهم صنيعهم، وهو ما خاطبهم بقوله: (وإذ قلتم يا موسى ~~لن نؤمن لك. . .) وقوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد)، ونحوه: ~~خاطب هؤلاء الذين كانوا بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاتبهم ~~على صنيع أولئك وفعلهم؛ وإن كان هؤلاء لم يقولوا ذلك لما رضوا بصنيع أولئك ~~وفعلهم؛ استئداء منهم # PageV07P009 # الشكر؛ لما أنعم على أولئك، وتحذيرا لهم عن مثل صنيعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء ~~وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما ~~علوا تتبيرا (7) # لا لله؛ إذ إليكم يرجع منفعة ذلك، وأنتم تجزون على ذلك: # (وإن أسأتم فلها). # أي: فعليها؛ كقوله: (من عمل صالحا فلنفسه. . .) الآية، أي: عليها ضرر ~~ذلك، وعلى ذلك جميع ما أمر الله عباده من الأعمال أو نهاهم عنها إنما أمر ~~ونهى؛ لمنفعة أنفسهم ولحاجتهم؛ لا لمنفعة له أو لحاجة له. # وقال بعضهم: (وإن أسأتم فلها)، أي: إليها، أي: إلى أنفسكم تسيئون. ms2585 # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاء وعد الآخرة). # أي: إذا جاء وعد موعود الآخرة، وهو العقوبة بعصيانهم وتكذيبهم رسل الله، ~~وقوله: (فإذا جاء وعد الآخرة)؛ بالتغيير وتبديل الدين. # (ليسوءوا وجوهكم). # بواوين: على الجماعة، وبواو واحدة: على الواحد: (لنسوء وجوهكم)، ولم يبين ~~من يسوء وجوههم؛ فيشبه أن يكون يبعث قوما يسوءون وجوههم، كما ذكر في الوعد ~~الأول: (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد)؛ فهم ~~يسوءون وجوهكم. # ومن قرأ بالنون: (لنسوء وجوهكم): أضاف إلى نفسه؛ لما بأمره ما كان يفعل ~~وبتسليطه إياهم عليهم. # وقال بعضهم: ذكر الوجه - هاهنا - كناية عن الحزن والهم والإهانة لهم؛ كما ~~يقال في السرور: أكرم وجهه، أي: أدخل فيه سرورا، أو ذكر الوجه؛ لما بالوجه ~~يظهر ذلك التغير والقبح، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مر). # في ظاهر الآية أن يدخل الأولون المسجد في المرة الثانية كما دخلوا في ~~المرة الأولى؛ لأنه قال: (كما دخلوه أول مر)، لكن يحتمل ليدخل عباد آخرون ~~المسجد في المرة الثانية كما دخل الأولون في المرة الأولى. # PageV07P010 # وقال بعضهم: المسجد - هاهنا - الكنيسة أو البيعة. # وقوله: (وليتبروا ما علوا تتبيرا). # أي: ليهلكوا ما علوا به، أي: ما غلبوا به وقهروا، أي: الأسباب التي بها ~~عصوا. # وقال أبو عوسجة: (ما علوا)، أي: ليفسدوا ما أهلكوا، والتبار: الفساد، ~~يقال: علوت الشيء، أي: ملكت: # وقوله - عز وجل -: (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم ~~للكافرين حصيرا (8) # يحتمل: أن يكون ذلك لأولئك الذين تقدم ذكرهم، وفيهم نزل ما نزل، يرحمهم ~~إن تابوا، ويشبه أن يكون على الابتداء: عسى ربكم أن يرحمكم بمحمد. # (وإن عدتم عدنا). # أي: وإن عدتم إلى التكذيب والعصيان عدنا إلى العقوبة والقتال إلى يوم ~~القيامة. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا). # قيل: سجنا لا يخرجون منها، وقيل: محبسا، وحصيرا يحصرون فيها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا ms2586 يؤمنون بالآخرة أعتدنا ~~لهم عذابا أليما (10) ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ~~(11) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ~~(12) وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14 # وقوله - عز وجل -: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). # معنى: التأنيث في قوله (للتي هي أقوم) قيل بوجوه: # قيل: إن هذا القرآن يهدي للملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، والملة هي ~~الدين، دين الله # PageV07P011 # وقال بعضهم: يهدي إلى الأمور التي هي أعدل الأمور وأصوبها. # وقيل: يهدي إلى السبيل التي هي أقوم السبل وأعدلها. # يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها. # وجائز أن يكون قوله: (يهدي للتي هي أقوم)، أي: للأعمال الصالحات ~~وللخيرات، لأن الأعمال الصالحات قوامها به. # ثم قوله: (يهدي): يحتمل وجهين: يحتمل: يبين، والثاني: يدعو؛ فهو يهدي ~~الكل لو استهدوا، لكن خص هؤلاء لما منفعة تكون لمن ذكر، وقد ذكرنا أن هذا ~~القرآن وغيره من كتب الله هدى ورحمة يدعو إلى ثلاث خصال: إلى معالي الأمور، ~~ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال ومصالحها. وينهى عن مساوي الأعمال، وداني ~~الأمور، وسوء الأخلاق ودناءتها؛ فهو هدى ورحمة على ما أخبر لمن استهدى به، ~~ورشد لمن استرشد. # وقوله - عز وجل -: (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات). # البشارة المطلقة إنما جعلت للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، لم يذكر ~~للمؤمنين خاصة على غير العمل الصالح؛ فالمسألة فيهم غير المسألة في هؤلاء. # وفيه دلالة أنه يقع اسم المومنين بدون العمل الصالح؛ لأنه قال: (المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات)؛ دل أن ذلك الاسم يقع بدون ذلك الاسم. # وفيه دلالة أن اسم الإيمان قد يستحق بدون العمل الصالح؛ حيث يشرط فيه ~~العمل الصالح. # وقوله - عز وجل -: (أن لهم أجرا كبيرا). # سماه كبيرا؛ لكبير خطره عند الله، كما سمى عذاب النار عظيما؛ لعظم خطره ~~عنده، أو سماه كبيرا؛ لأنه أكبر ما يقصد إليه ويرغب فيه، ms2587 وهو ثواب الجنة، ~~والنار أعظم ما يحذر بها ويرهب عنها. # وقوله - عز وجل - (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ~~(10) # إنكارهم البعث، وكفرهم به - هو الذي حملهم على تكذيبهم الرسل وكفرهم ~~بالله، ليسلم لهم شهواتهم في الدنيا؛ لأن الرسل جميعا دعوهم إلى ترك ~~شهواتهم في الدنيا، ورغبوهم بما يوجب لهم الثواب في الآخرة وحذروهم عما ~~يوجب العقاب، فأنكروا # PageV07P012 # الآخرة والبعث رأسا ليسلم لهم الدنيا فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل ~~وتكذيبهم إياهم؛ ألا ترى أف قال: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)، أي: ~~بالقرآن أو بمحمد، إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان بالقرآن والرسول، ~~وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ~~(11) # قال بعضهم: إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله، ويلعن، كدعائه ~~عليهم بالخير؛ لذلك انتصب قوله: (دعآءه). # وقال الحسن: إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء يكره؛ فيلعن على ~~نفسه وأهله؛ فلا يجيبه الله، ثم يدعو بالخير؛ فيعطيه، أو نحوه من الكلام. # وقوله: (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: ويدعو الإنسان بالشر على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم ~~منه بذلك. # والثاني: يدعو الإنسان بالشر لو أجيب فيه على الجهل منه والغفلة، كدعائه ~~بالخير لو أجيب في ذلك. ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر فهو يدعو على ~~الاستهزاء؛ كقوله: (فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية، وكذلك قوله: (سأل ~~سائل بعذاب واقع)، ونحوه. وإن كان مسلما فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند ~~الغضب على علم منه به، ويدعو أيضا بالشر على السهو والغفلة منه، نحو ما ~~يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شر له. # وقوله - عز وجل -: (وكان الإنسان عجولا). # قال بعضهم: هذا لازم؛ لأنه لما خلقه الله فنفخ الروح في بعض جسده - هم أن ~~يقوم؛ فسماه عجولا، لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولا؛ ألا ترى ~~أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة ms2588 لم يصبر عليها؛ ~~ولكن يمل عنها؟! وكذلك في أدنى شدة وبلاء إذا بلي به لم يصبر عليه، فأبدا ~~يريد الانتقال من حال إلى حال؛ ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله ~~بكرامات: من إنزال المن والسلوى # PageV07P013 # عليهم من غير كد ولا جهد ولا مؤنة، وكذلك اللباس؛ ثم لم يصبروا على ذلك ~~حتى قالوا: (لن نصبر على طعام واحد)، فسألوا ربهم - الفوم، والبصل، ونحوه؟! ~~على هذا طبع الإنسان ملولا عجولا؛ ألا ترى أن الله مكن في باطنه، وجعل في ~~سعة رياضة نفسه، وصرفها إلى أحد الوجهين اللذين يجهد عليه ولا يذم، وهو أن ~~يروضها ويعودها على الصبر والحكم والوقار، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات ~~والطاعات التي يحمد عليها المرء بالعجلة، وإلا: ففي ظاهر الخلقة والطبع ~~منشأ على العجلة وما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا ~~مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21). إلا كذا، وهو ما ذكرنا - ~~والله أعلم - لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب ~~صيره بحيث يملك إخراجه عما طبع وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا؛ ~~ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع، ثم استثنى إلا كذا؟! وعلى ذلك خلق الله ~~الخلق على همم مختلفة وأطوار متشتتة، لم يخلقهم جميعا على همة واحدة، بحيث ~~يرغبون جميعا في معالي الأمور ومعاظم الحرف وأرفع الأسماء؛ بل طبعهم على ~~أطباع مختلفة: فمنهم من يرغب في معالي الأمور ومعاظم الأمور والحرف، ومنهم ~~من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف في الحجامة والدباغة ~~والحياكة ونحوها، وكذلك في الأسماء، ومنهم بخلاف ذلك، ولو كانت همتهم همة ~~واحدة - لذهب المنافع والمعارف جميعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا ~~آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا (12) # اختلف فيه: قال بعضهم: المراد بالليل والنهار: الشمس والقمر، أي: جعلنا ~~في الشمس والقمر؛ ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حيث قال: ~~(فمحونا آية ms2589 الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)، وحيث قال -أيضا-: (ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب) وإنما يعلم ذلك بالقمر؛ ألا ترى أنه قال -أيضا-: (هو ~~الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا. . .) الآية، إنما أضاف معرفة عدد السنين ~~والحساب إلى القمر، دل أنه بالقمر يعلم ذلك، وهو قول علي وابن عباس - رضي ~~الله عنهم - وغيرهم من أهل التأويل؛ ويكون تأويل المحو الذي ذكر في قوله: ~~(فمحونا آية الليل) # PageV07P014 # ما قالوا في محوه، وهو السواد الذي يرى فيه والنقصان الذي يكون فيه في ~~آخره. # وقال بعضهم: محى منه تسعة وستون جزءا من سبعين جزءا، إلى هذا يذهب هؤلاء. # وأما الحسن وأبو بكر وهؤلاء، فهم يقولون: ليس في الآية ذكر الشمس والقمر، ~~إنما ذكر الليل والنهار وأخبر أنه جعل آيتين؛ فهما كذلك آيتان، وبهما يعلم ~~عدد السنين والحساب؛ لأنه بالأيام يعرف ذلك، فأما الشهور فإنه إنما تعرف ~~بالقمر لا تعرف بالأيام؛ ويكون قوله تأويل: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة)، أي: جعلنا آية الليل في الابتداء ممحوة مظلمة، وجعلنا آية ~~النهار مبصرة مضيئة في الابتداء ليس أن كانا جميعا مبصرتين مضيئتين ثم محي ~~آية الليل وأبقيت آية النهار مضيئة؛ ولكن إنشاء آية الليل في الابتداء ~~مظلمة، وإنشاء آية النهار في الابتداء مبصرة، وهو كقوله: (وإلى السماء كيف ~~رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19)، أي: إنشاؤها في الابتداء كذلك، لا أن ~~السماء كانت موضوعة فرفعها، ولا كذلك الجبال كانت مبسوطة ثم نصبها؛ ولكن ~~إنشاءهما في الابتداء كذلك؛ فعلى ذلك قوله: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة)، أي: جعلهما في الابتداء: هذا مظلما ممحوا، وهذا مبصرا ~~مضيئا. # (وجعلنا الليل والنهار آيتين): هما آيتان مختلفتان، بل متضادتان تضاد كل ~~واحدة منهما صاحبتها؛ إذ كل واحدة تنسخ الأخرى حتى لا يبقى لها أثر، وهما ~~آيتان دالتان على وحدانية الله تعالى؛ لأنه لو كانا فعل عدد - لكان إذا أتى ~~هذا على هذا وغلب عليه - منع من أن يكون للآخر سلطان أو أمر؛ فإذ لم يكن دل ~~أنه صنع واحد، وفيهما ms2590 دلالة تدبيره؛ حيث جريا على سنن واحد ومقدار واحد، ~~على غير تفاوت يكون فيهما وتفاضل، أو تغير على ما كان ومضى؛ دل أنه عن ~~تدبير خرجا وكانا كذلك. # وفيه دلالة علمه وحكمته لما جعل فيهما من المنافع ما لو كان الليل سرمدا ~~ذهب منفعة الليل نفسه، ولو كان النهار سرمدا لذهب منفعة النهار رأسا. # وفيه دلالة البعث؛ لأنه يتلف أحدهما إذا جاء الآخر حتى لا يبقى له أثر ~~بتة، ثم يعيده على ما كان من غير أن يعلم أنه غير الأول. # PageV07P015 # ثم قول (آيتين)، والآية علامة، وعلامتهما لا تعرف إلا بالتأمل والنظر ~~فيهما؛ فعلى ذلك ألا يفهم، مراد ما في القرآن والمعنى المودع فيه - إلا ~~بالتأمل والنظر فيه. # وفيهما دلالة نقض قول أصحاب الطبائع وأصحاب النجوم والدهرية وجميع ~~الملاحدة: # أما نقض قول أصحاب الطبائع: لما ذكرنا من اتساق مجراها على سنن واحد وأمر ~~واحد، دل أنه بالتدبير صار كذلك لا بالطبع. وأما نقض قول أصحاب النجوم لما ~~جعل النجوم مسخرة لمنافع الخلق ومغلوبة يغلبها ضوء الشمس ونور القمر حتى لا ~~ترى؛ دل أنه لا تدبير لها وأن التدبير لغيرها. وعلى غيرهم من الملاحدة ما ~~ذكرنا من اتصال منافع هذا بهذا ومنافع هذا بهذا، دل أنه ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لتبتغوا فضلا من ربكم). # يحتمل الفضل الذي ذكر: الرزق والمعاش الذي ذكر في آية أخرى: (وجعلنا ~~النهار معاشا)، ويحتمل أنواع فضل تكون في الذين. # (ولتعلموا عدد السنين والحساب). # هو ما ذكرنا أنه بهما يعرف عدد السنين والحساب. # وقوله - عز وجل -: (وكل شيء فصلناه تفصيلا). # يحتمل التفصيل تفصيل آية من أخرى، أي: لم يجعلهما آية واحدة؛ على ما ذكر. # وقال الحسن: أي فصل بين ما أمر عباده ونهاهم، أي: بين وفصل ما يؤتى مما ~~يتقى، و (فصلناه): أي: فصله تفصيلا لم يتركه مبهما؛ بل بين غاية البيان. # وقوله - عز وجل -: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) # اختلف في قوله: (طائره): # قال بعضهم: ms2591 (طائره): شقاوته وسعادته، ورزقه وعيشه. # وقال بعضهم: عمله الذي عمل من خير أو شر. # وقال بعضهم: حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه ونحو ذلك، فذلك كله يرجع إلى # PageV07P016 # معنى واحد؛ لأنه إنما يسعد ويشقى بعمله الذي يعمله، وكذلك جزاء عمله؛ ~~ولذلك قال الحسن في تأويل قوله: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا)، أي: ~~بأعمالنا التي عملناها، ثم يخرج تسمية العمل وما ذكروا طائرا؛ لوجهين: # أحدهما: على وجه التفاؤل والطيرة؛ كانوا يتفاءلون ويتطيرون بأشياء: ~~بالطائر وغيره، ويقولون جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من ~~الشر؛ على طريق الفأل والطيرة؛ فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم ~~أعناقهم، وهو ما قال الله - تعالى -: (يطيروا بموسى ومن معه)، وكقوله: ~~(فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه)، وقوله -أيضا-: (قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك. . .) الآية، ونحوه. # والثاني: سمى الأعمال التي عملوها طائرا؛ لما أن الذي يتولد منه تلك ~~الأعمال كالطائر، وهو الهمة، أو لا يخطر بباله شيء؛ ففي الأخطار لا صنع له ~~فيه، ثم يهم، ثم تبعث الهمة على الإرادة، ثم الإرادة تبعث على الطلب ~~والعمل، فالهمة التي في النفس التي يتولد منها الأعمال كالطائر؛ فسماه لذلك ~~باسمه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في عنقه). # يحتمل أن يكون العنق كناية عن النفس، أي: ألزمناه نفسه، وذلك جائز؛ يقال: ~~هذا لك علي وفي عنقي. # والثاني: ذكر العنق؛ كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص من عمل: قلدتك ~~هذا العمل وجعلته في عنقك، أي: تكون أنت المأخوذ به إثما إن كان في ذلك شر، ~~وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير. # والمعنى في قوله: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)، أي: لا يؤخذ غيره ~~بعمله وشقائه؛ ولكن هو المأخوذ به، وهو ما قال: (من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه)، وقوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)؛ هذه الآيات الثلاثة معناها واحد، ~~وهو ما ذكرنا ألا يؤخذ غيره بعمل آخر، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ~~ولكن كل نفس هي تحمل خطيئة نفسها. # وقوله - عز ms2592 وجل -: (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا). # هذا يحتمل وجهين: # PageV07P017 # أحدهما: أي: يجعل ما لزم عنقه كتابا يلقاه منشورا. # والثاني: أي: يجعل بما ألزم عنقه كتابا. # وقوله - عز وجل -: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) # قيل: شهيدا، وقيل: كافيا وحاسبا، وهو واحد: أن المؤمن بما سبق من صالحاته ~~يقف فيها لا يقطع القول لرجائه في رحمته ولخوفه عن مساويه؛ فلا يشهد على ~~نفسه بالعقوبة. # وأما الكافر فإنه يشهد على نفسه بالنار؛ لما لم يكن له ما يطمع رحمته. # وقوله: (اقرأ كتابك)، أي: (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا)؛ ~~فيقال له: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا). # وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان؛ لأنه لم يبين بأي لسان ~~يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره، وقد ينسى الرجل عملا يعمل في أدنى ~~مدة، لكن هذا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملا منه. # * * * # قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم ~~أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # وقوله - عز وجل -: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه). # أي: من اهتدى إلى ما جعل الله عليه من أنواع النعم، وقام بأداء شكرها ~~فإنما فعل ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به. # أو يقول: من اختار الهدى وأجابه إلى ما دعاه مولاه فإنما يهتدي لنفسه، ~~أي: فإنما اختار ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به وهو الساعي في فكاك رقبته. # وقوله - عز وجل - (ومن ضل). # أي: من ضل، أي: من اختار الضلال (فإنما يضل عليها)، أي: فإنما يرجع عليها ~~ضرره، وهو ما ذكر: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). # وقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها). # وقوله: (ومن ضل) عن ذلك (فإنما يضل عليها). # أي: إلى نفسه يرجع ضرر ضلاله على ms2593 نفسه؛ كقوله: (ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه). # وقوله - عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). # PageV07P018 # هو ما ذكرنا، أي: لا تحمل نفسق خطيئة أخرى، ولا تأثم بوزر أخرى، والله ~~أعلم؛ ذكر هذا ليعلم أن أمر الآخرة خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤخذ ~~نفس مكان أخرى، ويحتمل نفس مؤمنة أخرى، وفي الآخرة لا تؤخذ نفس بدل أخرى. # والثاني: قد يتبرع بعض عن بعض بتحمل المؤنات والقيام في فكاكها، وأما في ~~الآخرة فلا يتبرع بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # يحتمل: ما كنا معذبين تعذيب استئصال في الدنيا إلا بعد دفع الشبه - ~~ودفعها عن الحجج - من كل وجه، وبعد تمامها، وإن كانت الحجة قد لزمتهم بدون ~~بعث الرسل؛ ليدفع عنهم عذرهم من كل وجه، أو أن يكون قوله: (وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا) إفضالا منه ورحمة، وإن كان العذاب قد يلزمهم، والحجة قد ~~قامت عليهم، والعذاب الذي كانوا يعذبونهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر؛ لأن ~~عذاب الكفر دائم أبدا لا انقطاع له، وهذا مما ينقطع وينفصل، لكن يعذبون ~~بأشياء كانت منهم من العناد ودفع الآيات، وأما عذاب الكفر فهو في الآخرة ~~أبدا لا ينقطع. # وفي الآية دلالة أن حجة التوحيد قد لزمتهم وقامت عليهم بالعمل، حيث قال: ~~(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)؛ فلو لم تلزمهم لكان الرسل إذا دعوهم إلى ~~ذلك يقولون: من أنتم ومن بعثكم إلينا؛ فإذا لم يكن لهم هذا الاحتجاج دل أن ~~الحجة قد قامت عليهم، لكن الله بفضله أراد أن يدفع الشبه عنهم ويقطع عنهم ~~عذرهم برسول يبعث إليهم؛ لما أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة: # فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم ويعلم بالتأمل ~~والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه. # وقال القتبي: (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا) وهو ما ذكرنا، ~~أي: نخرج بذلك العمل كتابا. # وقال أبو عوسجة: أي نكتب ما عمل ثم نقلده في عنقه فيجيء به يوم القيامة. # PageV07P019 # وقال أبو عبيدة: ms2594 طائره حظه. # وقال غيره من المفسرين: ما عمل من خير وشر ألزمناه عنقه. # قال القتبي: وهذان المعنيان يحتاجان إلى بيان. # والمعنى فيما أرى - والله أعلم - أن لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه ~~الله؛ فهو لازم عنقه، والعرب تقول: إن كل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه، وهو ~~لازم طائر في عنقه، وهذا لك علي وفي عنقي حتى أخرج منه؛ وإنما قيل للحظ من ~~الخير والشر: طائر؛ لقول العرب ما ذكرنا: جرى له الطائر بكذا من الخير، ~~وجرى له الطائر بكذا من الشر؛ على وجه الفأل والطيرة على مذهبهم في تسمية ~~الشيء بما كان له سببا، وهو ما ذكر. # وقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # التعذيب يكون على وجوه ثلاثة: # أحدها: يعذبهم في الدنيا ابتداء بتعذيب؛ امتحانا وابتلاء بلا جريمة كانت ~~منهم؛ كقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقوله: (وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات)، ونحوه؛ فيكون تنبيها وتذكيرا لهم لا تكفيرا. # والثاني: يعذب تعذيب العناد والمكابرة، وهو تعذيب إهلاك استئصال؛ فهو ~~عقوبة لهم، وموعظة للمتقين، وعبرة لغيره، وهو الذي يأتي على أثر وعيد. # والثالث: عذاب الموعود في الآخرة؛ يقول: وما كنا معذبين في الآخرة حتى ~~نبعث رسولا في الدنيا. # والأشبه أن يكون ما ذكر من التعذيب هو تعذيب استئصال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ~~فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) # بالتخفيف، والتثقيل: (أمرنا مترفيها)، ثم من قال (أمرنا) بالتثقيل يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: (أمرنا مترفيها) من الإمارة والتسليط عليهم، أي: أمرنا عليهم ~~وسلطنا # PageV07P020 # مترفيها، أي: أكثرنا عددهم وسلطنا مترفيها فساقها ومستكبريها. # والثاني: (أمرنا مترفيها)، أي: أكثرنا عددهم ومنعميهم؛ يذكر لهم هذا ~~لقولهم: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة. .) الآية. وقولهم: (نحن أكثر أموالا وأولادا. . .) ~~الآية: كانوا يزعمون أنهم لا يعذبون؛ لأنهم قد أنعموا في هذه الدنيا ~~وأكثروا أموالهم وأولادهم؛ فأخبرهم - عز وجل - أنه ما أهلك من الأمم ~~الخالية إلا بعد ما كثر عددهم ms2595 ووسع عليهم الدنيا؛ لم يهلكوا في حال القلة ~~والضيق؛ كقوله: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا)، أي: كثروا؛ وقوله: ~~(حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) لم يأخذ بالعذاب ~~الأمم الخالية إلا في حال كثرتهم وأمنهم وغرتهم بالسعة؛ يحذر هؤلاء؛ لئلا ~~يغتروا بكثرة أموالهم وأولادهم وعددهم. # ومن قال: (أمرنا مترفيها) بالتخفيف هو من الأمر، أي: أمرنا عظماءهم ~~وكبراءهم طاعة الرسل والإجابة إلى ما دعاهم إليه، حتى إذا عصوا رسله وتركوا ~~إجابتهم - على العناد والمكابرة - فعند ذلك يهلكون؛ لما ذكرنا أنه لم ~~يستأصل الأمم الخالية إلا بعد عنادهم في آيات الله، ومكابرتهم في دفعها ~~وتكذيبها، لا يهلكهم في أول ما كذبوا آيات الله وخالفوا رسله. # وقوله: (مترفيها)، قال بعضهم: المترف: المنعم، وقال بعضهم: المترف: ~~المكرم والمستكبر، وكله واحد. # وفي قوله: (وإذا أردنا أن نهلك قرية) دلالة أن الإرادة غير المراد؛ لأنه ~~أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الإهلاك؛ دل أنها غيره؛ وفيه أنه أراد السبب ~~الذي به يهلكون، وهو التكذيب والعناد؛ لما علم منهم أنهم يختارون ذلك؛ إذ ~~لا يحتمل أن يريد هلاكهم، وهو يعلم منهم غير سبب الهلاك؛ فهذا يرد قول ~~المعتزلة: إن الإرادة هي المراد، وأنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فحق عليها القول). # بما أراد إهلاكهم وجب عليهم، أو يكون قوله: (فحق عليها القول) بما أخبر ~~عن الأمم الخالية، وهو قوله: (سنة الله في الذين خلوا من قبل. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فدمرناها تدميرا). # PageV07P021 # أي: أهلكناهم إهلاكا. # وقوله - عز وجل -: (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا (17) # يحتمل أن يكون الخبير والبصير واحدا، ويشبه أن يكون بينهما فرق؛ الخبير: ~~العالم بأعمالهم، والبصير بمصالحهم ومعاشهم وبجزائهم؛ يقال: فلان بصير في ~~أمر كذا، وفلان أبصر من فلان. # ويحتمل أن يكون بذنوب عباده، وهو مكرهم الذي كانوا يمكرون برسول الله؛ ~~فقال: وكفى بمكرهم الذي يمكرون بك. # * * * # قوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له ms2596 فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ~~(22) # وقوله - عز وجل -: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد). # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يعملون بأعمالهم الحسنة في حال كفرهم من نحو الإنفاق ~~والصدقات وبذل الأموال، وغير ذلك - يريدون بذلك العز والشرف والذكر في ~~الدنيا؛ فأخبر أنه من أراد بما يفعل ذلك (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد). # والثاني: يكون قوله: (من كان يريد العاجلة)، أي: لا يريد بها إلا جمع ~~الأموال وسعتها (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)، ثم أخبر أنه لا كل من ~~أرادها يعجل له ذلك، ولا كل ما أراد يعجل له ذلك؛ ولكن إنما يعجل ما أراد ~~الله ولمن أراد شيئا يعطي له ذلك، ثم أخبر عما يعطي في الآخرة من أراد ~~العاجلة فقال: # (ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا). # أي: مذموما: يسمى بأسماء قبيحة دنية مذمومة عند الخلق، أو يذم ويلام في ~~النار، (مدحورا): مطرودا من الأسماء الحسنى ومن الخيرات، أو مبعدا عن ~~رحمته. # وقوله: (مذموما): عند نفسه، أي: يذم نفسه يومئذ، أو مذموما عند الملائكة ~~والخلق جميعا. # وفي قوله: (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح) وجهان: # PageV07P022 # أحدهما: يحتمل أن يكون أراد بإهلاكه إياهم موتهم بآجالهم. يقول: هم كانوا ~~عددا قليلا زمن نوح، ثم كثروا حتى صاروا قرونا، ثم ماتوا حتى لم يبق منهم ~~أحد. # ويحتمل أن يكون الإهلاك - هاهنا - إهلاك استئصال: فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه قد استووا في هذه الدنيا - أعني العدو والولي - وفي الحكمة: ~~التمييز بينهما والتفريق؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها ويميز. # والثاني: قد هلكوا جميعا، وفي العقل والحكمة إنشاء الخلق للإفناء ms2597 خاصة ~~بلا عاقبة تقصد - عبث باطل؛ فدل أن هنالك دارا أخرى هي المقصودة حتى صار ~~خلق هولاء حكمة، وفيه إلزام البعث. # وقوله - عز وجل -: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا (19) # تفسير قوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)؛ كأنه ~~قال: من كان يريد العاجلة، وهو كافر بربه مكذب بالآخرة (عجلنا له فيها ما ~~نشاء لمن نريد)، ومن كان يريد الآخرة، وهو مؤمن بربه مصدق بالآخرة، (وسعى ~~لها سعيها وهو مؤمن)، هذا يدل أنهم إنما أرادوا العاجلة بكفرهم بالآخرة، ثم ~~أخبر أن من أراد بعمله في الدنيا الآخرة، ولها سعيها ما سعى، وهو مؤمن بها. # (فأولئك كان سعيهم مشكورا). # أي: مجز، لا مقبولا. # وقوله - عز وجل -: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء ... (20) # أي: المؤمن والكافر يعطى هذا وهذا، أي: لا نحرم عن العاجلة من أراد ~~الآخرة؛ يخبر أولئك الكفرة بكفرهم بالآخرة أنه ليس يعطي الدنيا وسعتها لمن ~~يكفر بالآخرة؛ ولكن يعطي من كفر بها ومن آمن بها؛ لئلا يحملهم ذلك على حبهم ~~الدنيا وطلب العز والشرف فيها - على كفرهم بالآخرة؛ حيث قال: (كلا نمد ~~هؤلاء وهؤلاء)، أي: يعطي المؤمن والكافر، والبر والفاجر. # وقوله - عز وجل -: (وما كان عطاء ربك محظورا). # أي: ما كان رزق ربك وفضله محظورا. قال بعضهم: محبوسا ممنوعا. وقال بعضهم: ~~محظورا: منقوصا؛ فهو في الآخرة، أي: لا ينقصون في الآخرة من جزائهم، وروي ~~في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله يعطي الدنيا ~~على نية الآخرة، ولا يعطي # PageV07P023 # الآخرة على نية الدنيا ". # وعن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان العبد ~~همه الآخرة كفى الله له من ضيعته، وجعل غناءه في قلبه، وإذا كان همه الدنيا ~~أفشى الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه؛ فلا يمسي إلا فقيرا، ولا يصبح ~~إلا فقيرا ". # وقوله: (من كان يريد العاجلة)؛ للعاجلة - (عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد)، وأما من كان يريد العاجلة؛ للآخرة ms2598 - فهو ليس بمذموم؛ فهو ما ذكر في ~~قوله: (فأولئك كان سعيهم مشكورا)، وهو ما قال: (من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم. . .) الآية، وقوله: (اعلموا أنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو. . .). # وأما من أراد الحياة الدنيا؛ لحياة الآخرة - فهو ليس بلعب ولا لهو؛ لأن ~~الدنيا لم تنشأ لنفسها؛ إنما أنشئت للآخرة؛ فمن رآها لها وأرادها لنفسها - ~~فهو لعب ولهو، ومن رآها للآخرة وأرادها للآخرة فهو ليس بلعب ولا لهو. # وقوله - عز وجل -: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا (21) # في الدنيا في الرزق وفي الخلقة: يكون بعضهم أعمى، وبعضهم بصيرا، أو يكون ~~أصم ويكون سميعا، ونحوه؛ فعلى ما يكون في الدنيا على التفاوت والتفاضل ~~يكونون في الآخرة كذلك في المنزلة والقدر عند الله، لا في الضيق والسعة ~~والأحوال التي يكونون في الدنيا؛ حيث قال: (وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا). # ولم يقل: أكثر ولا أوسع، دل أنه على القدر والمنزلة عند الله، لا على ~~اختلاف الأحوال التي يكونون في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22)] # قد ذكرنا فيما تقدم أن النهي في مثل هذا والخطاب - لرسوله، وإن كان غير ~~موهوم ذلك منه؛ للعصمة التي عصمه؛ فإنه غير مستحيل في ذاته؛ لما ذكرنا أن ~~العصمة إنما # PageV07P024 # ينتفع بها مع النهي والأمر؛ لأنه لولا الأمر والنهي ما احتيج إليها، أو ~~خاطبه به على إرادة غير؛ على ما يخاطب به ملوك الأرض الأقرب إليهم والأعظم ~~والخطر منهم دون خسائس الناس ورذالهم. # والثاني: أنه يخاطب كلا في نفسه، ليس أنه يخص رسوله بذلك، ولكن كل موهوم ~~ذلك منه. # ويحتمل أن لخاطب به كقوله: (يا أيها الإنسان)، و (يا أيها الناس)؛ ليس ~~إنسان أحق بهذا الخطاب من إنسان؛ فعلى ذلك الأول، أو يقول: إنه يخاطب ~~رسوله؛ ليعلم من دونه أن ليس لأحد وإن عظم قدره عند الله وارتفع محله ~~ومنزلته - محاباة في الدين؛ لأن الرسل هم المكرمون على الله المعظمون عنده؛ ~~فإذا ms2599 لم يعف عنهم في هذا - لم يعف من دونهم؛ ألا ترى أنه قال للملائكة: ~~(ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم)، وهم أكرم خلق الله؛ حيث ~~وصفهم الله أنهم: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)؟!؛ فعلى ذلك ~~الرسل؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) إلى ~~قوله: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما)، ومعلوم أن أبويه كانا ~~ضالين؛ فلا يحتمل أن يخاطب رسوله في قوله: (وقل رب ارحمهما)؛ دل أنه خاطب ~~به كل محتمل ذلك منه وموهوم. # وقوله - عز وجل -: (فتقعد مذموما). # عند الناس. # (مخذولا). # أي: ذليلا مقهورا؛ لأن الخذلان هو ضد النصر والعون؛ ألا ترى أنه قال: (إن ~~ينصركم الله. . .) الآية. ذكر الخذلان مقابل النصر؛ فعلى ذلك قوله: ~~(مخذولا)، أي: مقهورا ذليلا غير منصور، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين ~~غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر # PageV07P025 # تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ~~(27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) ~~إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # وقوله - عز وجل -: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه (23) # قال بعضهم: (وقضى): حكم، وقال بعضهم: (وقضى) - هاهنا -: أمر، أي: أمر ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه، وقال بعضهم: (وقضى ربك)، أي: وصى ربك، وكذلك ذكر في ~~حرف ابن مسعود وأبئ - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقرآن: (ووصى ربك)، وقال ~~بعضهم: (وعهد ربك). # وقال القتبي: (وقضى ربك)، أي: حتم ربك، وهو من الفرض والإلزام، أي: فرض ~~ربك ms2600 وألزم ألا تعبدوا إلا إياه، وكذلك " حكم " ربك وهو أشبه؛ ألا ترى أنه ~~قال في آية أخرى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن ~~يكون لهم الخيرة من أمرهم) ثم قال: (ومن يعص الله ورسوله): دل قوله: (ومن ~~يعص الله ورسوله) أن قوله: (إذا قضى الله ورسوله) - معناه، أي: فرض الله ~~ورسوله وحكما أمرا. # ثم قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه): فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا ~~إلا إياه، إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية، لا تعبدوا ~~دونه أحدا، وقد أبان لنا أنه هو الإله والرب المستحق للعبادة والألوهية ~~والربوبية، لا الذين تعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة: # أحدها: عجز العقول وجهالتها عن درك كيفية العقول وما بينها؛ لأن العقول ~~لا تعرف كيفية أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها؛ فقد عرفت ~~الألوهية لله، وحسن العبادة له، وقبحها لغيره. # PageV07P026 # والثاني: ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيته وربوبيته، وجعل ~~العبادة له شكرا له؛ وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة؛ ~~شكرا له لما فيها من آثار ألوهيته. # والثالث: السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهية لسواه دونه؛ ~~فذلك معنى ما فرض على خلقه وأمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، وتأويل حكم ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه؛ لما أنشأ في خلقة كل أحد آثار وحدانيته، وشهادة ربوبيته ~~استحقاق العبادة له، فذلك تأويل من قال: قضى، أي: حكم. وأما تأويل من قال: ~~قضى، أي: أمر ربك وكلف ألا تعبدوا إلا إياه - يكون فيه أمر بالعبادة له، ~~والنهي عن عبادة غيره؛ كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه، ونهاكم أن تعبدوا ~~غيره، ثم الفرق بين الطاعة والعبادة: يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد ~~غيره؛ لأن الطاعة هي الائتمار؛ كقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم) أي: ائتمروا، وأما العبادة هي الاستسلام والخضوع له والشكر له، ~~ولا يجوز ذلك لغيره سوى الله، أو أن يكون في العبادة معنى لا ms2601 يدرك، كمعنى ~~الرحمن؛ لا يدرك، حيث لم يجوز تسمية غيره به؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: وبالوالدين إحسانا. # كأنه قال: وفرض عليكم -أيضا- وحكم إحسان الوالدين، أو أمركم بإحسان ~~الوالدين، ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه: إنما هو فضل ~~ومعروف يصنعه إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة، لكن المراد ~~بالإحسان إلى الوالدين هو الشكر، لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند ~~الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى: (أن اشكر لي ولوالديك)، لأن الشكر هو ~~المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف؛ فهو، والله أعلم. # وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله: (ألا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا)، وقال في آية أخرى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا)، وغيرها من الآيات - فالمراد منه، والله أعلم: ~~الشكر لهما؛ لما ذكر في آية أخرى: (أن اشكر لي ولوالديك) والشكر هو ~~المكافأة: أمره أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية، ~~والبر، والعطف عليه، والوقاية من كل سوء ومكروه: في البطن، وبعد ما خرج من ~~البطن حتى # PageV07P027 # كانا يؤثرانه على أنفسهما في السرور، ويجعلان أنفسهما وقاية له من كل سوء ~~ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه؛ جزاء ومكافأة لما كان منهما مما ذكر. # وهذا ذكر في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر أنفسهما، والحوائج لهما، ~~وذلك - والله أعلم - لأنهما إذا كانا قويين، قادرين لحوائج أنفسهما ~~ومنافعهما يبران ولدهما، ويحسنان إليه؛ فيحمل برهما وإحسانهما إليه على ~~الطاعة لهما في البر، والإحسان إليهما على المجازاة، وهكذا المعروف عند ~~الناس أنه إذا بر بعضهم بعضا يبعث ذلك على المكافأة؛ ليدوم ذلك عليهم وألا ~~ينقطع؛ لذلك ذكر - والله أعلم - الإحسان إلى الوالدين في الحال التي هي حال ~~ضعف وعجز؛ حيث قال: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما). # ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره: أن كيف ~~ربياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا له - قولا ms2602 وفعلا - حتى لم يستقذرا منه ~~شيئا مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم ~~من بعض من أنواع الأذى والخبث؟! فأمره أن يعاملهما إذا بلغا الحال التي كان ~~هو عليها: من الجهل والضعف، والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، ~~وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما ويبعد عنهما، أي: لا يستقذر هو منهما، ولا ~~يبعد عنهما؛ كما لم يستقذرا هما منه، ولا ينهرهما عند السؤال والحاجة إليه؛ ~~كما لم يفعلا هما له؛ بل يلين لهما ويذل كما لانا هما له وخضعا، وهو ما ~~قال: (والله خلقكم ثم يتوفاكم. . .) الآية، وقال في آية أخرى: (الله الذي ~~خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة)، أخبر ~~أنه يرد من بعد القوة والعلم إلى الحال التي كانوا عليها. وهو حال الضعف ~~والجهل؛ حيث قال: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم. . .) الآية، وقال: (خلقكم ~~من ضعف. . .) الآية. # فقال: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما). # وقال بعضهم: قوله: (فلا تقل لهما أف): هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في ~~الوجه، (ولا تنهرهما)، أي: لا تعنفهما في القول والكلام على ما لم يفعلا ~~هما بك. # وقال بعضهم: (أف) المراد به: هو (أف) لا غير، (ولا تنهرهما)، أي: لا ~~تعنفهما، # PageV07P028 # ولا تخشن، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وأخرها، أي: لا تقل ~~لهما (أف) على ما يستثقل الناس شيئا ويكرهون في أول حال يرون شيئا مستثقلا ~~مكروها - يقولون: أف، أي: لا تقل أف؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة ~~والنهر؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم. . .) الآية قال بعضهم: يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم؛ ~~لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور. # وقال بعضهم قوله: (يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم): ذكر أول حال ~~وآخرها؛ ليمتنعوا عن كل ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما): ذكر أول الحال وآخرها. # والثاني، أي: ms2603 لا تظهر في وجهك من الكراهة وإلاستئقال ليحمل ذلك على العنف ~~وإلاثتهار - فإن كان تأويل قوله: (أف) - (أف) لا غير، ففيه حجة لأبي حنيفة ~~- رحمه الله - في قوله: إذا نفخ المصلي في موضع سجوده، فهو كلام يقطع ~~صلاته؛ حيث قال (فلا تقل لهما أف)، أي: لا تتكلم به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل لهما قولا كريم). # حيث نهاه أن يقول لهما: أف، ونهاه أن ينهرهما؛ فإذا امتنع عن الأف والنهر ~~كان بعد ذلك قولا لينا لطيفا. # قال أبو عوسجة: يقال: نهرته وانتهرته، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد. # وقال أبو بكر الكيساني: الكريم: هو الذي يولي على آخر نعمه، ويهنيه بترك ~~الأذى والمن؛ كقوله: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)، وقال غيره: في وصف ~~السخي، فقال: الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه، وقطع طمعه عما احتوى ~~عليه غيره عند حاجته إليه. ويشبه أن يكون الكريم قريبا منه. # فإن قيل: إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البر لأولادهما، والشفقة ~~عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولا به مطبوعا عليه - بر ~~من لم يكن ذلك بطبعه. # قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل ~~الوالدان من البر والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ~~ذكر والله أعلم. ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ ليس ~~القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة ~~والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛ # PageV07P029 # فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ~~ذلك هذا في البر والإحسان. # فإن قيل: ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من ~~القرآن: (اشكر لي ولوالديك). # قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية ~~والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر. # وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في ms2604 المكاتب: إذا اشترى والده أو ~~أمه صار مكاتبا، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتبا؛ لأن ~~الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأما الأخ وغيره من ~~المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك. # والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره؛ لأن رسول الله ~~معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب؛ دل أنه ~~أراد بالخطاب غيره - كل محتمل منه، ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما ~~بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا (24) # يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع ~~الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه؛ فكأنه قال: اخفض واخضع لهما بيديك كما ~~أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله: (وقل لهما قولا كريما)، أي: اخضع لهما ~~قولا وفعلا. # ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي: اخضع لهما بجميع النفس ~~والجوارح، وقوله: (الذل): يحتمل أن يكون المراد من الذل: الذل نفسه، أي: كن ~~لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلا ~~كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه. ويحتمل أن يكون الذل كناية عن الرحمة ~~التي تكون في القلب، أي: اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعا؛ ألا ترى ~~أنه قال: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، أي: رحماء على المؤمنين ~~أشداء على الكافرين؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم). وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا، ومقابل العزة - ~~الشدة؟! فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله: جناح الذل كناية عن الرحمة؛ فيكون ~~معناه: أن اخضع لهما # PageV07P030 # بالظاهر والباطن جميعا على ما ذكرنا في قوله: (فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا). # قال بعضهم: (رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ ~~فيكون - والله أعلم - كأنه قال: رب ارحمهما ms2605 كما رحماني وربياني صغيرا. # وقول أهل التأويل: إن هذا منسوخ نسخه قوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين. . .) الآية - بعيد؛ وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين ~~والكافرين؛ فالرحمة التي ذكر: تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم ~~أهلا للرحمة والمغفرة؛ وذلك جائز كقول نوح لقومه: (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا) أي: استهدوا ربكم؛ فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم؛ إنه كان لم يزل ~~غفارا؛ إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار ويعدهم بالمغفرة على الحال التي ~~هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه. # أو أن تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم أعضا، والشفقة التي تكون بين ~~الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء، ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن ~~يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعاملهم الناس ~~بعضهم بعضا، غير أن هذا فيما بين الناس ليس بفرض لازم، وذلك فرض لازم؛ ~~لأنها بحق الشكر والجزاء لهما لما كان منهما إليه من البر والإحسان، وحق ~~التربية والتعظيم حقهما وجليل قدرهما وخصوصيتهما، وهو كما يقال لرسوله: ~~(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم ~~على بعض؛ على ما ذكر: (رحماء بينهم)، وأمرهم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ربكم أعلم بما في نفوسكم (25) # قال بعضسهم: قوله: (أعلم بما في نفوسكم) من أسرار المحبة لهما والبر ~~والكرامة. # وقال بعضهم: (ربكم أعلم بما في نفوسكم)، أي: أعلم ما تفعله نفوسكم، وهو ~~كما # PageV07P031 # قال عيسى - عليه السلام -: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)، أي: ~~تعلم ما تفعله نفسي، ولا أعلم ما في نفسك من التدبير والتقدير؛ فعلى ذلك ~~هذا. # وجائز أن يكون قوله: (ربكم أعلم بما في نفوسكم) - صلة قوله: (فلا تقل ~~لهما أف. . .) الآية، أي: ربكم أعلم بما في ضميركم: من الاستقذار إياهما، ~~والاستثقال، والكراهة إذا بلغا المبلغ الذي ذكر، ولكن لا تظهر ذلك لهما ولا ~~يوافق ظاهرك باطنك. أو أن يقول: ربكم أعلم بما في نفوسكم أولا يعلم غيره ما ~~في نفوسكم؛ فلا تراءون ms2606 الناس بما في قلوبكم؛ ولا تصرفوا ما في ضميركم إلى ~~من لا يعلم ذلك؛ يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره؛ بل ~~يخلص له، أو أن يكون قوله: أي: ما تفعله أنفسكم وتدبرها. # وقوله - عز وجل -: (إن تكونوا صالحين). # أي: تصيروا صالحين؛ لأن قوله: (تكونوا) إنما هو في حادث الوقت. # وقوله - عز وجل -: (فإنه كان للأوابين غفورا). # يشبه أن يكون قوله: (إن تكونوا صالحين) صلة قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه)، و (إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا) أي: لم يزل غفورا ~~للأوابين ولمن يشاء. # ثم اختلف في الأواب: # قال بعضهم: الأواب: الرجاع التواب، وهو قول أبي عوسجة. # قال القتبي: الأواب: التائب مرة بعد مرة، وهو من: آب يئوب، أي: رجع، وهما ~~واحد. # وقال بعضهم: الأواب: المطيع، وقيل: المسبح ونحوه. # وقال أبو عوسجة في قوله: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)، أي: لن لهما ~~وارفق بهما؛ ذكر بر اللسان للوالدين ولطفه إياهما قولا وفعلا، وليس في ظاهر ~~الآية ذكر البر بالمال والإنفاق عليهما؛ فيشبه أن يكون ذلك داخلا في قوله: ~~(وبالوالدين إحسانا)، أو # PageV07P032 # لم يذكر ذلك؛ لما أن المال للولد مال لهما؛ ألا ترى إلى ما روي عن جابر ~~بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبوه ~~فقال: يا رسول الله، إن لي مالا، وإن لي أبا وله مال، وإن أبي يريد أن يأخذ ~~مالي؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنت ومالك لأبيك " أولا ترى - ~~أيضا - أنه أضاف بيوت الولد إليهما؛ حيث قال: (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ~~آبائكم)؛ قوله: (من بيوتكم) - معناه: بيوت أبنائكم. # وقال بعضهم في قوله: (فإنه كان للأوابين غفورا): إنه صلاة الضحى، ويروى ~~في ذلك خبر: روى زيد بن أرقم قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~قوم وهم يصلون الضحى؛ فقال: " صلاة الأوابين، إذا رمضت الفصال "، وفي خبر ~~آخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أمرني رسول الله - صلى الله ms2607 عليه ~~وسلم - بثلاث: " أمرني أن أصوم ثلاثا في كل شهر، وألا أنام إلا على وتر، ~~وأن أصلي ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين "، وقد يروى أحاديث كثيرة في ~~الحث على صلاة الضحى وفعلها، وأنه صلى هو: ركعتين، وأربعا، وستا، وثمانيا - ~~ما يكثر ذكرها ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع، ليس على سبيل ~~اللزوم الواجب والسنة المؤكدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها مرة ~~وتركها مرة؛ فكان كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل. # وقوله - عز وجل -: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا (26) # كان الآية هي صلة قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا)، أي: وقضى -أيضا- أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي: فرض، وحتم، ~~وحكم؛ على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا. . .) الآية. أمر - عز وجل - ببر الوالدين، والشكر لهما، ~~وصلة ذي القربى، فريضة، ومن ذكر. # ثم اختلفوا في قوله: (حقه): # قال بعضهم: ذلك الحق فريضة، وهو الزكاة؛ حيث جعل تلك صلة ما هو فرض، # PageV07P033 # وهو الشكر لله، وجعل العبادة له وشكر الوالدين؛ جزاء لما كان منهما إليه، ~~وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم؛ فعلى ذلك صلة هؤلاء؛ إذ صلتهم فريضة؛ لما جاء ~~من المواعيد الشديدة في قطع الرحم، والترغيب في صلتهم. # ومنهم من قال: ذلك الحق نفل؛ ألا ترى أنه قال: (ولا تبذر تبذيرا)، (ولا ~~تبسطها كل البسط)، وقال: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) فلا ~~يحتمل ما ذكر من الإعراض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها في الفرض، دل ائه ~~في النفل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تبذر تبذيرا). # قال بعضهم: التبذير والإسراف: واحد، وهو المجاوزة عن الحد الذي جعل في ~~الإنفاق والحقوق، والمجاوزة: عن المحق، إلى غير المحق. # روي عن ابن مسعود أنه سئل عن التبذير؛ فقال: إنفاق المال في غير حقه. ~~وكذلك قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وقال بعضهم: التبذير هو الإنفاق فيما لا ينتفع به. ويحتمل ما ms2608 ذكرنا أنه ~~يترك الإنفاق على المحق وهم ذوو القربى، وينفق على الأجنبيين. # وقوله - عز وجل -: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه ~~كفورا (27) # أي: كانوا أولياء الشياطين. # (وكان الشيطان لربه كفورا). # أي: كفورا لنعم ربه. # وقوله - عز وجل -: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم ~~قولا ميسورا (28) # عن الحسن قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل فيقول: " ما لآل ~~محمد - وإنهم لتسعة أهل أبيات - إلا صاع من طعام " فأنزل الله تعالى: (فقل ~~لهم قولا ميسورا)، أي: عدهم أن # PageV07P034 # سوف يأتي بالرزق. # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله: (وإما تعرضن عنهم): إذا ~~سألوك، وليس عندك شيء انتظرت من الله رزقا يأتيك، (فقل لهم قولا ميسورا): ~~يكون - إن شاء الله - شبه العدة. وأمثال هذا قالوه. # ويحتمل قوله: (وإما تعرضن عنهم): إعراض الوجه، ويحتمل إعراض الإجابة؛ ~~فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف، ولما ليس عنده شيء يعطيهم ثانيا، لكن لا ~~نعرف أن الإعراض كان للاستثقال والاستخفاف، أو لما ليس عنده ما يعطيهم؛ ~~فأمر أن يبين لهم أن الإعراض عنهم ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك ~~الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء؛ ليعلموا أن الإعراض عنهم ليس ~~للاستخفاف ولا للاستثقال؛ ولكن لما ليس عنده ما يعطيهم، أو يطلب ما يعطيهم، ~~وهو ما قال: (فقل لهم قولا ميسورا). # أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض هو السؤال؛ لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ~~ما يعطيهم، فذلك الإعراض يرجع منفعته إلى السؤال. # ثم اختلفوا في قوله: (ميسورا): # قال بعضهم: عدهم عدة حسنة: إذا كان ذلك أعطيناك. # وقال بعضهم: أي: عدهم خيرا. # وقال بعضهم: قل لهم قولا لينا وسهلا. # وقال أبو عوسجة: (ميسورا)، أي: حسنا، وهو من التيسير، ونحو ذلك قالوا، ~~أي: # PageV07P035 # اردد عليهم ردا حسنا؛ ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عنده شيء لا لوجه ~~آخر والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا (29) # في الإنفاق إذا كان عندك. # (ولا تبسطها كل ms2609 البسط). # فيلومك من رجاك؛ ولكن كما قال: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا. ~~. .) الآية، أمر الله أن ينفقوا نفقة ليس فيها سرف ولا إقتار، وهو قول ابن ~~عباس - رضي الله عنه - وغيره. # وقال بعضهم: لا تمسك عن النفقة فيما أمرك ربك به من الحق، ولا تبسطها كل ~~البسط فيما نهاك عنه؛ فتقعد كذا. # وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسرف، فلئن كان هذا نهيا عن البخل كان ~~قوله: (ولا تبسطها كل البسط) نهيا عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى أحد عن ~~البخل والجود؛ لأنهما غريزتان طبعيتان، ولا ينهى أحد عما كان سبيله الطبع ~~والغريزة، ولكن ما ذكرنا - والله أعلم - من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في ~~الحق وذي الحق، وبسطها في غير الحق وذي الحق. # وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) أن قول ~~اليهود: (يد الله مغلولة): أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن التضييق ~~والتقتير، وكذلك لم يرد بقوله: (بل يداه مبسوطتان) - حقيقة بسط اليد، ولكن ~~أراد التوسيع في الرزق والتكثير؛ ألا ترى أنه قال: (ينفق كيف يشاء). # ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فيما تقدم في ~~غير موضع: أحدها: أنه خاطب رسوله بذلك كله، وشارك فيه قومه، وفي القرآن ~~كثير أنه خاطب رسوله بأشياء فيشرك قومه في ذلك. # والثاني: خاطب كلا في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله: (يا أيها الإنسان)، و ~~(يا أيها الناس)، وقوله: (قل هو الله أحد) # PageV07P036 # و (قل أعوذ برب الفلق)، أو (قل أعوذ برب الناس)، ونحوه من الخطابات، خاطب ~~كل أحد في نفسه؛ إذ لا يحتمل أن يخاطب في: (قل هو الله أحد) رسول الله ~~خاصة، ولا يخاطب غيره؛ بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان. # والثالث: خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له، نحو ما يخاطب ~~ملوك الأرض خواصهم وأعقلهم من رعيتهم؛ على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين؛ ~~فعلى ذلك يحتمل هذا، أو أن يكون خاطب بقوله: (ولا تجعل يدك ms2610 مغلولة إلى ~~عنقك) غيره ممن يمسك، ويخاطب بقوله: (ولا تبسطها كل البسط) رسول الله؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل ~~البسط؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتقعد ملوما محسورا). # يحتمل قوله: (ملوما): عند نفسك وعند الناس، تلوم نفسك بأنك: لم أنفقت؟! ~~وعند الناس: لما لم تجد ما تنفق عليهم، وعند الله -أيضا- إذا أنفقت في غير ~~حق. # (محسورا): قال القتبي: أي: تحسرك العطية وتقطعك، كما يحسر السفر البعير ~~فيبقى منقطعا: # وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة، يقال: حسر الرجل فهو محسور، ~~وقال: التبذير: الفساد، و (ملوما)، أي: ملوما محزونا. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا (30) # أي: هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتر ويضيق على من يضيق ويقتر، أي: ~~ذلك إلى الله لا إلى الخلق؛ ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله لا ~~يرون من غيره. # والثاني: ذكر هذا؛ ليدوم الفضل لمن ذكر الفضل، ويتبين لهم حيث قال: (انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا). # ومن الناس من قال بأن قوله: (إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) صلة ~~قوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)، يقول - والله ~~أعلم - إنك إن منعته وحرمته، وكان في تقدير الله التوسيع عليه والبسط - لم ~~يضره منعك ولا حرمانك، ولو وسعت عليه وبسطت، وكان في تقديره التضييق ~~والتقتير لم ينفعه بسطك ولا توسيعك؛ ليعلموا أن التوسيع والبسط، والتضييق ~~والمنع من الله، أو ذكر ليقطعوا الرجاء من الخلق # PageV07P037 # ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا). # أي: عالما بأعمالهم، بصيرا بمصالحهم وما لهم وما عليهم، أو أن يكون ~~الخبير والبصير واحدا، أو ذكر هذا؛ ليعلم أنه على علم بما يكون - منهم ~~أنشأهم -: من الخلاف لأمره والرد والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه ~~إياهم على علم بما ms2611 يكون منهم عن الحكمة؛ لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه ~~وائتمارهم، ولا مضرة ولا منفعة في خلافهم إياه؛ بل المضرة والمنفعة في ذلك ~~راجعة إليهم، لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك ~~الأرض سفهاء وجهلاء؛ لأن ما يرسلون من الرسل، ويعملون من الأعمال، ويسعون ~~لمنافع أنفسهم، ولدفع مضارهم؛ فإذا فعلوا شيئا يضرهم - على علم منهم بالضرر ~~- كان ذلك سفها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم ~~كان خطئا كبيرا (31) ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (34) ~~وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ~~ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ~~(36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) ~~كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) # وقوله - عز وجل -: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق). # قال أبو بكر الأصم: إن من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات ويقتلون ~~البنين؛ إذا صاروا بحيث لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات؛ إذا ~~بلغوا أرذل العمر؛ فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن ~~يبزوا الآباء والأفهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما لمحال: (وبالوالدين ~~إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما. . .) إلى آخر ما ذكر. # وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان ~~المقصود من إنشاء هذا العالم؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ~~ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه، ثم قال: # PageV07P038 # (نحن نرزقهم ms2612 وإياكم). # أي: هم لا يأكلون من أرزاقكم؛ بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم ~~نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة؛ بل كل يأكل رزقه، أو لا ترون أنه قد ~~أنشأ لهم رزقا لا شركة لكم فيه، وهو ما أنشأ لهم من اللبن في الضرع، ولا ~~تنتفعون أنتم به؟! فظهر أن كلا يأكل رزقه، لا يدخل بعض في رزق بعض نقصانا. ~~ثم قال: # (إن قتلهم كان خطئا كبيرا) أي: إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيرا، لما ~~ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه، أو يقول: (إن ~~قتلهم كان خطئا كبيرا): في الأمم الخالية. ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب ~~هؤلاء الآيات: من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك ما ~~تقدم وما تأخر؛ لوجهين: # أحدهما: ما كان للعرب أفعال وعادات السوء مما يخرج على السفه والقبح في ~~العقل، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك. # والثاني: ذكر هذا ونهى؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ~~ذكر، ويحملهم ذلك على ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) # أي: في العقل كان وقت ما كان فاحشة؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف ~~التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة في الحكمة؛ ألا ترى أنه ~~قال: (إن الله لا يأمر بالفحشاء): دل قوله: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) - ~~على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل، حتى قال: (لا يأمر ~~بالفحشاء)؛ إذ لو لم يكن - لكان قال: لا يأمر، حسب، وفي إباحة قتل الأنفس ~~ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم. # أخبر - عز وجل -: في قتل الأولاد أنه، (كان خطئا كبيرا)، وهو ما يعظم في ~~العقل، وذكر في الزنى فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل ~~النفس الإسراف، وقال: (فلا يسرف في القتل)، والإسراف هو المجاوزة عن الحد ~~الذي جعل له. ms2613 # ويحتمل قوله: (ولا تقربوا الزنا)، أي: لا تزنوا؛ فإنه كان فاحشة، ويحتمل: ~~لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى. # PageV07P039 # وقوله - عز وجل -: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) # والحق ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا في ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير ~~حق ". # حرم الله قتل النفس بغير حق؛ إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء هذا ~~العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، ~~وفي تحريمه: حياة المعارف وإبقاؤها. والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب ~~بعضهم من بعض؛ إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم؛ ففي ذلك ذهاب العلوم ~~والحكمة. # وفي القتل على الذين - إذا استبدله - حياة الذين؛ لأن من تفكر قتل نفسه ~~إذا ترك الذين - أعني دين الإسلام - ورجع عنه، لم يترك دينه الإسلام، ومن ~~تفكر رجمه بالزنى - امتنع عن الزنى وتركه، ومن تفكر أنه يقتل إذا قتل غيره ~~- امتنع عن قتله؛ ولذلك قال: (ولكم في القصاص حياة). # فإن قيل - في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام -: إنها لا تقتل. # قيل: لأنه ليس في قتلها حياة الذين؛ لأن النساء أتباع للرجال في الدين؛ ~~لأنهن يسلمن # PageV07P040 # بإسلام أزواجهن ويصرن ذمة بذمة الأزواج؛ فإذا كان كذلك - فليس في قتلهن ~~حياة؛ ألا ترى أنه روي أنه فلانا أسلم وأسلم معه كذا وكذا نسوة؟! والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق): والحق ما ~~ذكرنا، وقوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) يحتمل بالإسلام، أو بالذمة ~~بإعطاء الجزية، وإلا بالحق: ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا). # قيل: سلطانا، أي: تسلطا وقهرا. وقال بعضهم: سلطانا، أي: حجة على القتل ~~فيما يستوجب به القصاص. # ثم ذكر أنه جعل لولى القتيل سلطانا، ولم يذكر أي ولي؛ فيشبه ms2614 أن يكون ~~المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة؛ إذ هو حق كغيره من ~~الحقوق؛ فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال: ومن قتل مظلوما قد ~~جعلنا لورثته سلطانا، أي: حجة فيما يستوجب. وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن ~~للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ~~ذلك الإسراف الذي ذكر: (فلا يسرف في القتل)؛ إذ لو ضر به كل الورثة لصار في ~~ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك، فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي ~~حنيفة - رحمه الله، حيث قال -: إن الورثة إذا كان بعضهم صغارا وبعضهم كبارا ~~كان للكبار أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينتظروا بلوغ الصغار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا يسرف في القتل). # قال بعضهم: لا يقتل غير قاتل؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل. # وقال بعضهم: قوله: (فلا يسرف في القتل) أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له في ~~القصاص من المثلة والقطع والجراحات. # وقال بعضهم: (فلا يسرف في القتل)، أي: في القتل الأول؛ حيث قتل نفسا بغير ~~حق، فذلك إسراف؛ كما قال: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا). # PageV07P041 # وقوله: (فلا يسرف في القتل) هذا يحتمل أن يكون خاطب به ولي القتيل فقال: ~~(فلا يسرف في القتل)، أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له؛ على ما روي: " إذا ~~قتلت فأحسن القتل "، والثاني خاطب به القاتل: يقول له لا تقتل؛ فإنه إسراف، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان منصورا). # قال بعضهم: إن المقتول كان منصورا بالولي ينصره الولي؛ بقوله: (فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا). ويحتمل منصورا بالمسلمين، أي: على المسلمين وغيرهم دفع ذلك ~~الؤشل عنه؛ هذا على تأويل من يتاول في قوله: (فلا يسرف في القتل) - قتل غير ~~قاتل وليه، أو يزيد في جراحاته، ويمثل مثلا بقول: احذروا ذلك؛ فإن على ~~المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصورا في الآخرة. # وفي ظاهر ms2615 هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد، وبين أهل ~~الإسلام وأهل الذمة؛ لأن الله - تعالى - قال: (ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق)؛ فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية؛ لأنها ~~محرمة وفيه ما ذكرنا أن للكبير من الورثة قتله، وإن كان فيهم صغار. # وروي أن الحسن بن علي - رضي الله عنه - قتل قاتل أبيه فلانا، وفي الورثة ~~صغار لم يدركوا يومئذ. # ويحتمل أن يكون (إنه كان منصورا) في ظاهر هذا: أن القاتل هو كان منصورا، ~~ثم # PageV07P042 # إنه قال: (كان منصورا): هو منصور، فجائز أن يقول: (كان منصورا)، قيل: قتل ~~هذا إذا كان على المسلمين مضرة، فلما قتل كان غير منصور، إلا أن يقال: إن ~~الولي صار منصورا، وذلك جأئز وفي قوله: (ولا تقربوا الزنا): يحتمل النهي عن ~~نفس الزنى، ويحتمل أسباب الزنى: من نحو القبلة، والمس، وغيره؛ على ما ذكر: ~~" العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذب ". # وقوله - عز وجل -: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا (34) # قوله: (أحسن): هو أفعل، فإن كان في الأشكال فهو على غاية الحسن، وإن كان ~~في الجوهرين فهو على طلب الحسن؛ كقوله: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم) أي: اتبعوا ما هو طاعة؛ كأنه قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا ما هو ~~خير له وحسن، وهو ما قال: (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا)، يقول: لا ~~تأكلوا إسرافا وبدارا، ولكن اقربوا ما هو خير له. وإن كان على طلب الغاية ~~من الحسن، فهو ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: اذا قرب مال اليتيم لمنفعة ~~نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة جوة، وإذا ~~قرب مال اليتيم لليتيم فإنه يجوز أن يقربه لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه ~~منفعة حاضرة، وقد ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - فيما تقدم في سورة الأنعام. # ثم من الناس ms2616 من احتج بهذا الآية لقول أبي حنيفة حيث قال: إن للوصي أن ~~يبيع مال اليتيم من نفسه إذا كان خيرا له لأن له أن يبيع من غيره بمثل ~~قيمته؛ فدل أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه. # وقوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن): كأنه على الإضمار، ~~أي: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له ~~وطلب الربح والنماء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى يبلغ أشده) # أي حتى يستحكم عقله ويستتم تدبيره في ماله وأمره؛ فعند ذلك يكون الأمر # PageV07P043 # إليه، وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي إن كان؛ ولكن بإذنه ~~يبيع ويشترى. # وقوله - عز وجل -: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). # يحتمل أن يكون قوله: (بالعهد) - العهود والمواثيق التي بين الناس أمروا ~~بوفاء ذلك، ويحتمل الأمر بوفاء العهد ما ذكر في هذه الآيات من الأمر ~~والنهي: من نحو ما قال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، ~~إلى هذا الموضع، أي: وأوفوا بذلك كله؛ فإن ذلك كله كان مسئولا يسأل عنه: ~~وفاء كان ذلك أو نقضا. # وقال بعضهم: (إن العهد كان مسئولا)، أي: ناقض العهد كان مسئولا، ثم إن ~~العهد على وجوه: # أحدها: عهد خلقة، أو العهد الذي أخذ عليهم على ألسن الرسل أو العهد الذي ~~يجري بين الناس؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك ~~خير وأحسن تأويلا (35) # أمر بتوفير الكيل إذا كالوا والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما ~~قال: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، ~~إن من عادتهم إذا كالوا أو وزنوا يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم؛ ~~فنهاهم عن ذلك، وأوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله: (ويل للمطففين (1) الذين ~~إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3). ذكر ~~تخصيص للكيلي والوزني من بين سائر الأشياء يحتمل وجهين: # أحدهما: لما بهما يجري عافة معاملة الناس؛ فأمرهم بإيفاء ذلك. # والثاني: ms2617 لخوف الربا؛ لأن الكيلي والوزني هما اللذان يكونان دينا في ~~الذمة؛ فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان دينا في الذمة، فإن نقص أو زاد ~~فيكون ربا؛ لذلك خص، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وزنوا بالقسطاس المستقيم). # قال بعضهم: القسطاس: حرف أخذ من الكتب السالفة ليس بمعرفة، وقال بعضهم: ~~هو العدل، أي: زنو ابالعدل، وقال بعضهم: هو الميزان؛ كقوله: (وأوفوا # PageV07P044 # الكيل الكيل والميزان بالقسط)، وقال بعضهم: (بالقسطاس): القبان؛ فكيفما ~~كان ففيه ما ذكرنا: من الأمر بتوفير الكيل والوزن، والإيفاء لحقوقهم، ~~والنهي عن البخس والنقصان. # وقوله - عز وجل -: (ذلك خير وأحسن تأويلا). # يحتمل قوله: (ذلك خير) - ما ذكر من توفير الكيل والوزن وإيفاء الحقوق - ~~خير في الدنيا؛ لما فيه أمن لهم من النا. # (وأحسن تأويلا)، أي: أحسن عاقبة في الآخرة، ويحتمل قوله ذلك - ما ذكر في ~~هذه # الآيات من أولها إلى آخرها: إذا عملوا بها خير لهم في الدنيا وأحسن ~~تأويلا، أي: عاقبة. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسئولا (36) # قيل: لا تقف، أي: لا -، وقيل: لا ترم، وقيل: لا تتبع؛ فكيفما كان - ففيه ~~النهي عن القول والرمي لا علم له به، ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل ما ~~ليس لك به علم. # (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). # قال بعضهم: (كل أولئك) يعني: الشمع والبصر والفؤاد - يسأل عما عمل صاحبه؛ ~~كقوله: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم. . .) الآية، وقوله: (شهد ~~عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم)، تسأل هؤلاء عما عمل صاحبها؛ فيشهدون عليه. # وقال بعضهم: هو عن كل أولئك كان مسئولا، أي: يسأل المرء عما استعمل هذه ~~الجوارح؛ وأنه: فيم استعملها. # وقال بعضهم، قوله: (أولئك كان عنه): يعني الخلائق جميعا، (عنه): يعني عما ~~ذكر من السمع والبصر والفواد (مسئولا). # وقال بعضهم في قوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، يقول: لا تقل: رأيت، # PageV07P045 # ولم تر، وسمعت، ms2618 ولم تسمع، وعلمت، ولم تعلم. # ومنهم من قال: في شهادة الزور؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس ~~والاجتهاد؛ فيقول: إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم، لكن ليس كذا؛ ~~لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تكلموا في الحوادث بآرائهم، ~~وشاوروا في أمورهم، وولى أبو بكر عمر - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير ~~نص من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يرو ذلك عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا نقول: إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا: قالوا ما لم ~~يعلموا؛ فدل ما ذكرنا أن معنى قول الله - تعالى -: (ولا تقف ما ليس لك به ~~علم) - ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل ~~المنصوص عليه، والله أعلم. # وقال القتبي: (حتى يبلغ أشده)، أي: يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ~~ويقال: ثماني عشرة سنة، وقال: أشد اليتيم غير أشد الرجل في قوله: (حتى إذا ~~بلغ أشده وبلغ أربعين سنة)، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ~~ألا يؤخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون ~~على الزيادة والنماء. # ويحتمل قوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد)، أي: ~~لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر، وجائز ~~أن يكون: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا): يسأل عن شكر ~~هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء. # وفي قوله: (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم) - دلالة جواز ~~الاجتهاد؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد ~~الكائل والوازن؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص، وربما كال الرجل ~~الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن ~~كانا من رجل واحد، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو ~~النقصان فيه؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب، # PageV07P046 # وهذا عندنا أصل الاجتهاد ms2619 والاستحسان؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته ~~الحق، ولا يعلم يقينا أنه وفي ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد؛ ~~فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا ~~لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به، والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ ~~الجبال طولا (37) # ليس النهي عن المشي نفسه؛ إنما النهي للمشي المرح، ثم النهي عن الشيء ~~يوجب ضده، وكذلك الأمر، ثم إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده؛ والأمر ~~بالشيء يوجب النهي بضده، وهاهنا نهي عن المرح؛ فيكون أمرا بما ذكر؛ كقوله: ~~(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)، وقال بعضهم: مرحا: بطرا وأشرا، ~~وقيل: متعظما متكبرا بالخيلاء. # وقوله - عز وجل -: (إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا). # قال بعضهم: ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولا؛ لأن من الخلائق من يخرق ~~الأرض ويدخلها، ويبلغ طول الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبروا على الله ~~ولا تعظموا عليه ولا على رسوله؛ بل خضعوا له؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدة ~~ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر. # ويحتمل أن يكون ذكر هذا؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين، وقهر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقول: كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض ~~وبلوغ الجبال طولا - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله، وقهر رسوله، وهو ما ذكر: ~~(إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه)، أو يذكر هذا يقول: إنك لن تبلغ ~~بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم، على هذا التمثيل يحتمل أن ~~يخرج، والله أعلم. # أو يقول: إنك لن تخرق الأرض، أي: لا تقدر أن تخرق الأرض؛ فتستخرج ما فيها ~~من الكنوز والمنافع؛ فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولا؛ فتنتفع بما ~~في رءوس الجبال من المنافع، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوة ~~والشدة. وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من ms2620 الأحداث والآفات ~~وأنواع الحوائج - لم يتكبر على مثله، والله أعلم. # PageV07P047 # وقوله - عز وجل -: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) # أي: كل ما أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات. # (كان سيئه). # بالعقل. # (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها): # مسخوطا، وفيه دلالة أن الأمر الذي أمر في هذه الآيات ونهاهم عنه - لم يكن ~~أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم؛ حيث ذكر أن ذلك عند ربك: ~~(مكروها)؛ إذ لو كان أدبا لم يكره أي شيء ما ذكر في مكروه عند ربك، وهو ~~كقوله: (فيتبعون أحسنه) أي: يسمعون الكل؛ فيتبعون أحسنه، ويتركون غيره؛ ~~فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) # أي: ذلك الذي أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة - ليس من ~~السفه، أي: ما أمر فيها هو حكمة وما نهى عنه إنما نهى عنه؛ لأنه سفه. # وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - القرآن، قوله: (ذلك)، أي ذلك الذي أوحى ~~إليك هو حكمة، وقال بعضهم: الحكمة: الإصابة، أي: ذلك الذي أوحى إليك صواب. # وقوله: (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة)، أي: ما ذكر في هذه الآيات ~~وأمر به ونهى عنه - هو من الحكمة، والحكمة: هي وضع الشيء موضعه، يقول: ~~حكمه: وضع الشيء موضعه لا وضع الشيء غير موضعه. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ~~مدحورا). # معلوم أن رسول الله لا يجعل معه إلها آخر؛ إذ عصمه واختاره لرسالته، لكنه ~~ذكر هذا ليعلم أنه لو كان منه ذلك فيفعل به ما ذكر؛ فمن هو دونه أحق أن ~~يفعل به ما ذكر، وهو ما قال في الملائكة: (ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم. . .) الآية. أنه عصمهم حتى أخبر أنهم: (لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون)؛ فمن لم يكن معصوما - لم يوصف أنه لا يسبق بالقول؛ فعلى ~~ذلك ms2621 قوله: (ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا): عند ~~الله، أو عند نفسك، أو عند الخلق. # PageV07P048 # (مدحورا): # مبعدا مطرودا من رحمته في النار، أو: خاطب به رسوله، وأراد به غيره؛ على ~~ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما (40) ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا (41) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ~~(42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع ~~والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان ~~حليما غفورا (44) # وقوله - عز وجل -: (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا). # يخبر من سفه مشركي العرب أنهم نسبوا إلى الله البنات، والبنين إلى أنفسهم ~~- بقوله: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)، والذي حملهم على ذلك ~~قول أهل الكتاب؛ حيث وصفوا الله بالولد؛ فرأوا أن ما يكون له الولد يكون له ~~البنات؛ فقال: (إنكم لتقولون قولا عظيما). # لم يزد على هذا العظيم ما قالوا في الله؛ فلم يضرب لقولهم ذلك مثلا؛ لما ~~ليس وراء ذلك مثل يضرب؛ لأنه ضرب مثل ما قالوا بالولد له بانفطار السماء، ~~وانشقاق الأرض، وخرور الجبال؛ حيث قال: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا. . .) الآية: أخبر أن السماوات وما ذكر كادت أن ~~تنقلب عن وجهها؛ لعظيم ما قالوا في الله من الولد. وقال في الشريك: (ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء. . .) الآية، فهذا غاية ما ذكر من الأمثال ~~لمن قال له بالولد والشريك؛ فليس وراء هذا يذكر لمن قال له البنات، ولكن ~~قال: (إنكم لتقولون قولا عظيما) لم يزد على ذلك؛ لأن الذي قالوا له ونسبوا ~~إليه نهاية في السفه والسرف في القول، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # أو يقول: (إنكم لتقولون قولا عظيما): في عقولكم، لو تفكرتم وتدبرتم ~~لعلمتم أن ما قلتم في الله - سبحانه ms2622 وتعالى - عظيم. # قال أبو عوسجة: (أفأصفاكم ربكم)، أي: أعطاكم ربكم؛ يقال: أصفيته: أي: ~~أعطيته، وأصفاكم، أي: اختاركم. # PageV07P049 # وقوله - عز وجل -: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا (41) # قال الحسن: قوله: (صرفنا) - يقول: بينا في هذا القرآن ما نزل بمكذبي ~~الرسل من الأمم الخالية؛ بتكذيبهم الرسل أفة قائمة؛ (ليذكروا): ما نزل بهم؛ ~~فينتهوا عن تكذيبهم الرسل، (وما يزيدهم): ما بين لهم. (إلا نفورا) أي: ~~تكذيبا للرسل. # وقال بعضهم: ولقد صرفنا في هذا القرآن، أي: بينا في هذا القرآن والآيات ~~التي تقدم ذكرها - جميع ما يؤتى ويتقى، وما لهم وما عليهم؛ ليعتبروا به، ~~فيؤمنوا، وما يزيدهم القرآن إلا تباعدا من الإيمان به، وهو ما ذكر: (ذلك ~~مما أوحى إليك ربك. . .) الآية. # وقال بعضهم: صرفنا في هذا القرآن من المواعيد الشديدة أنه ما ينزل بهم في ~~الآخرة من العذاب والعقوبة؛ بصنيعهم وتكذيبهم الرسل، لكن إذ لم يؤمنوا ~~بالآخرة، لم يزدهم ذلك الوعيد إلا نفورا وبعدا؛ فإن الله قد ذكر في القرآن ~~المواعظ الكثيرة: ما لو نظروا فيه وتأملوا لكانت تمنعهم وتزجرهم عن مثل ~~صنيعهم، لكن لم ينظروا إليه بالتعظيم؛ ولكن نظروا إليه بالاستهزاء ~~والاستخفاف به؛ لذلك أضيف زيادة النفور إليه، أو أضاف ذلك إليه؛ لما أحدثوا ~~بنزوله الكفر والتكذيب له؛ فأضاف ذلك إليه لما ازداد لهم التكذيب، وحدث لهم ~~الكفر به إذا نزل، كما كان لأهل الإسلام يزداد لهم الإيمان واليقين إذا ~~نزل. # وجائز أن يكون قوله: (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا)، أي: يشرفوا؛ ~~كقوله: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم)، أي: شرفكم، أو ليذكروا ما نسوا ~~وتركوا وغفلوا عنه. ثم قوله: (صرفنا في هذا القرآن ليذكروا)، معناه - والله ~~أعلم -: أنزله؛ ليلزمهم الذكر، أو ليكون عليهم، أو ليأمرهم بالذكر، وهو ما ~~ذكرنا في قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وقوله: (وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله)، أي: ليلزمهم العبادة والطاعة، أو ليأمرهم ~~بالعبادة والطاعة، أو أرسل وخلق لمن علم منه العبادة والطاعة. # وقوله - عز وجل -: (ليذكروا)، ms2623 أي ليكون لهم الذكرى بذلك؛ لأنه لا يحتمل ~~أن يبين لهم ويجعل لهم بيانا؛ ليذكروا، ثم لا يكون؛ ولكن ما ذكرنا ليكون ~~لهم الذكرى، وقد كانت لكن لم تنفعهم. # وقوله - عز وجل -: (وما يزيدهم إلا نفورا): # PageV07P050 # ليس القرآن بالذي يزيدهم نفورا، ولكن لما نظروا إليه بعين الاستخفاف ~~والاستهزاء زاد لهم بذلك نفورا عندهم وتكذيبا، وإلا: القرآن لا يزيد إلا ~~هدى ورشدا؛ على ما وصفه. # وقوله - عز وجل -: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا (42) # قال عامة أهل التأويل: في الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، أي: لو ~~كانت هي آلهة معه كما تقولون إذا لابتغوا التقرب والزلفى إلى ذي العرش ~~سبيلا. # وقال بعضهم: لو كانت لهم عقول لابتغت، وأمكن لها من الطاعة والعبادة إذا ~~لابتغت إلى ذي العرش سبيلا بالطاعة له والعبادة، وهو ما قال في الملائكة: ~~(أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) الآية، لكن الأشبه أن يكون ~~الله - تعالى - ألا يقول في الأصنام مثل هذا: لو كان معه آلهة، إنما هي ~~خشب، لكن قال فيها ما قال: لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر، وما ذكر في آية ~~أخرى: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا)، وما قال: (إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا. . .) الآية: مثل هذا أن يقال في ~~الأصنام، وأما ما ذكر: (لو كان معه آلهة كما يقولون. . .) الآية، معلوم ~~أنها ليست من أهل الابتغاء، إلا أن يقال ما ذكر بعضهم، أي: لو كانت الأصنام ~~التي تعبدونها آلهة؛ على ما تزعمون، إذا لابتغوا إلى الله سبيلا، بالطاعة ~~لو لم يكن لهم ذلك، وكانوا من أهلها، لكن الأشبه - إن كان - فهو في الذين ~~يعبدون الملائكة، ويتخذونهم معبودا أو في الذين يقولون بالعدد الذين لهم ~~تدبير، أو الذين يقولون بقدم العالم وأصوله؛ فهو يخرج على وجوه، فنقول - ~~والله أعلم -: (لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا)، أي: إذا لأظهروا ~~دلالة ربوبيتهم وألوهيتهم بإنشاء الخلائق، كما أظهر ms2624 الله - سبحانه - ~~ألوهيته وربوبيته بما أنشأ الخلائق، ولم يظهر ممن يدعون لهم ألوهيته إنشاء ~~شيء من ذلك فدل أنه ليس هنالك إله غيره. # وقال بعضهم: (لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا)، أي: صاروا ~~كهؤلاء: يعني الله، أي: في الإنشاء والإفناء والتدبير، ومنعوه عن إنفاذ ~~الأمر له: في خلقه، والمشيئة له فيهم، واتساق التدبير؛ فإذ لم يكن ذلك منهم ~~دل أنه لا إله معه سواه؛ ولكون كقوله: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق. . .) الآية. # وقال بعضهم: لو كان معه آلهة كما يزعمون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا، # PageV07P051 # في القهر والغلبة؛ على ما عرف من عادة الملوك بالأرض: أنه يسعى كل منهم ~~في غلبة غيره وقهر آخر ويناصبه؛ كقوله: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)، أي: غلب وقهر وناصب. # ويحتمل غير هذا، وهو أن يمنع كل منهم أن يكون لله الواحد بالخلق دلالة ~~ألوهية وربوبية، وجهة الاستدلال له بذلك؛ فإذا لم يمنعوا ذلك دل أنه لا ~~ألوهية لسواه، وهو الأول بعينه. # وقال بعض أهل التأويل: لعرفوا فضله ومرتبته عليهم، ولابتغوا ما يقربهم ~~إليه، وقيل: ولابتغت الحوائج إليه، وهذا هو الذي ذكرناه بدءا من طلب الطاعة ~~له. # وقوله: (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) # نزه نفسه وبرأها عما يقول الملحدة فيه ووصفوه بالشركاء والأشباه والولد ~~وما لا يليق به؛ فقال: (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا). # ثم قال: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) # ثم يحتمل تسبيح ما ذكر وجهين: # أحدهما: جعل الله - تعالى - في خلقه السماوات والأرض وما ذكر دلالة على ~~وحدانية الله وألوهيته، وشاهدة له أنه واحد لا شريك له ولا شبيه؛ فإن كان ~~على هذا فيدخل فيه كل شيء: ذو الروح وغيره؛ فيكون قوله: (ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم): الكفرة خاصة، وأما أهل الإسلام يفقهون ذلك. # والثاني: أنه جعل ms2625 الله في سرية هذه الأشياء ما ذكر من التسبيح والتنزيه، ~~لكن لا نفقه نحن ذلك ولا نفهمه؛ علي ما أخبر: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم). ~~وهي لا تعرف - أيضا - أن ذلك تسبيح على ما جعل في الجوارح والأعضاء تسبيحا ~~وعبادة له، وإن كانت هي لا تعرف ذلك أنه تسبيح. # والئاك: أنه جعل صوت هذه الأشياء تسبيحا له حقيقة على معرفة هذه الأشياء ~~أنه تسبيح، وإن كان لا يعرف ذلك إلا خواص من الناس، وهم الأنبياء، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان حليما غفورا). # الحليم: هو ضد السفيه، والثاني: يقال حليم: ليس بعجول، أي: لا يعجل ~~بالعقوبة. # PageV07P052 # (غفورا) إذا تابوا، أو (غفورا) حيث ستر عليهم فضائحهم، الحلم ما ذكرنا: ~~ضد السفه والعجلة. ذكر هاهنا على أثر ما ذكر منهم من القول الوخش فيه ~~والعظيم أنه حليم؛ ليعلموا أنه عن علم لم يأخذهم بالعقوبة عاجلا، و ~~(غفورا)؛ ليعلموا أنهم، وإن أعظموا القول فيه؛ يغفر لهم ويتجاوز عنهم إن ~~رجعوا وتابوا. # فإن قال لنا ملحد: إنكم تصفون ربكم بالحلم والرحمة، ثم تقولون: إنه يعذب ~~أبد الآبدين في النار بكفر كان منه؛ فأنى يكون فيه رحمة أو حلم؟! # قيل: إنكم لا تعرفون ما الحلم وما الرحمة، ولو عرفتم - ما قلتم ذلك، ولو ~~لم يعذب على الكفر أبد الآبدين لم يكن حليما ولكن سفيها، وكذلك الرحمة، ~~وليس خروج الشيء على غير موافقة الطبع بالذي يخرج صاحبه عن حد الحكمة ~~والرحمة، فأنتم إنما تصورتم الحكمة والرحمة على موافقة طباعكم، وليس كذا. # وكذلك يقال للمعتزلة؛ حيث قالوا: إنه لا يعقل إلا ما هو أصلح لنا في ~~الدين؛ لأنه جواد؛ فلو منع الأصلح والأخير لم يكن جوادا موصوفا بالجود، ~~وإنما قدرتم وقلتم على ما وافق طباعكم وأنفسكم، ولو عرفتم حقيقة الجود ما ~~قلتم ذا ولا خطر على بالكم شيء من ذلك، وإنما على الله أن يختار لكل ما علم ~~منه أنه يختار ويؤثر؛ لأنه لا يجوز أن يختار الولاية لمن علم منه أنه يختار ~~عداوته، وكذلك لا يجوز ms2626 أن يختار العداوة لمن علم منه أنه يختار ولايته، ~~وليس على الله - تعالى - حفظ الأصلح لأحد في الذين؛ بل عليه حفظ ما يوجبه ~~الحكمة والربوبية. # وفي ذكر تسبيح ما ذكر من جميع الموات على أثر ما ذكر من قول أولئك الكفرة ~~من وصف الله - تعالى - بالولد والشركاء، ونحوه يخرج على وجوه: # أحدها: يذكر سفههم؛ أنهم مع ادعائهم العقل والعلم والتمييز والسؤدد - ~~وصفوا الله بالذي لا يليق به، وما يسقط الألوهية والربوبية عنه، على زعمهم، ~~فالذين ليس لهم شيء من ذلك التمييز والفهم والعقل نزهوه عن ذلك كله وبرءوه ~~عن جميع ذلك. # والثاني: ذكر تسبيحهم على أثر ذلك؛ ليعلم أنه لا حاجة إلى تسبيحهم، ولا ~~منفعة له في ذلك أن سبح له جميع الخلائق سواهم؛ بل منفعة تسبيحهم ترجع ~~إليهم. # والثالث: ذكره لإثبات الرسالة للرسل؛ لأنهم ذكروا تسبيح الموات، ولا يفهم ~~ذلك ولا يعقل إلا بوحي من السماء؛ فذلك يدل على الرسالة. # فعلى هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا يجوز ذكر تسبيح ما ذكر على أثر ما ~~ذكر، وكذلك ذكر سجود الموات يخرج على هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم. # PageV07P053 # قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا (45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون ~~به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) # وقوله - عز وجل -: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا). # قال بعضهم: إن الكفرة كانوا يمنعون رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس ~~وقراءة ما أنزل إليه من القرآن عليهم، وقد أمر بتبليغ الرسالة، فأنزل الله ~~عليه هذه الآية، فأخبر أنه جعل بينه وبين أولئك حجابا مستورا، ومكن له ~~التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر، ثم اختلف في ذلك الحجاب: # قال بعضهم: شغلهم في أنفسهم بأمور وأشغال ms2627 حتى بلغ إليهم. # ومنهم من يقول: ألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى لم يقدروا على منع ذلك. # ومنهم من يقول: صيرهم بحيث كانوا لا يرونه، ويستمعون قراءته وتلاوته، ولم ~~يقدروا على أذاهم به والضرر عليه؛ فبلغهم. # وجائز أن يكون ما ذكر من الحجاب هو حجاب الفهم؛ وذلك أنهم كانوا ينظرون ~~إليه بالاستخفاف والاستهزاء به، فحجبوا عن فهم ما فيه، وهو كقوله (سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق. . .) الآية، يدل على ذلك قوله: ~~(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. . .) الآية. # ثم قال الحسن في قوله: (جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا)، أي: طبع على قلوبهم حتى لا يؤمنوا ومذهبه في هذا أنه يقول: إن ~~للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه فلا يؤمن أبدا، واستوجب ~~بذلك العقوبة والإهلاك بالذي كان منهم، إلا أن الله بفضله أبقاهم؛ لما علم ~~أنه يولد منهم من يؤمن، أو يبقيهم لمنافع غيره، وإلا قد استوجب الهلاك، ~~فيقول الحسن: أضاف ذلك إلى نفسه لما استوجبوا هم بفعلهم. # وقال أبو بكر الأصم: أضاف ذلك إليه؛ لأنهم أنفوا عن اتباع الرسل وتكبروا ~~عليهم فاستكبروا، لكن نقول له: الاستكبار الذي ذكرت فعلهم، لا فعل الله؛ ~~فما معنى إضافة ذلك إليه؟! فهو خيال وفرار عما يلزمهم في مذهبهم. # وقال جعفر بن حرب: في الآية إضمار؛ لما هم أضافوا ذلك إليه أنه هو جعل ~~كذلك، # PageV07P054 # وهو ما قالوا: (قلوبنا في أكنة)، و (قلوبنا غلف)، ونحوه من الخيال؛ فلو ~~جاز صرف هذه الآيات إلى ما ذكروا من الخيال لجاز لغيرهم صرف الكل إلى مثله؛ ~~فهذا بعيد، ولكن عندنا أن إضافة ذلك إلى نفسه تدل على أن له فيه صنعا ~~وفعلا، وهو أن يخذلهم باختيار ما اختاروا هم، أو أضاف ذلك إليه؛ لما خلق ~~ظلمة الكفر في قلوبهم، وهذا معروف في الناس: أن من اعتقد الكفر يضيق صدره ~~ويحرج قلبه؛ حتى لا يبصر غيره، وهو ليس يعتقد الكفر لئلا يبصر غيره ولا ~~يهتدي إلى غيره، ms2628 لكن لا يبصر غيره، فيدل هذا أنه يصير كذلك؛ لصنع له فيه. ~~وكذلك من اعتقد الإيمان يبصر بنوره أشياء، وهو ليس يعتقد الإيمان ليبصر ~~بنوره أشياء غابت عنه؛ دل أنه بغيره أدرك ذلك، وكذلك المعروف في الخلق أن ~~من اعتقد عداوة آخر، يضيق صدره بذلك، وكذلك من اعتقد ولاية آخر ينشرح صدره ~~له بأشياء. # فهذا كله يدل أن لغيره في ذلك فعلا، وهو ما ذكرنا من الخذلان والتوفيق، ~~أو خلق ذلك منهم - والله أعلم - فيدخل فيما ذكرنا في قوله: (وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة. . .) الآية. وأصله أن ما ذكر من الحجاب والغلاف والأكنة إنما ~~هو على العقوبة لهم لعنادهم ومكابرتهم الحق؛ لأنهم كلما ازدادوا عنادا ~~وتمردا ازدادت قلوبهم ظلمة وعمى، وهو ما ذكر في غير آية؛ حيث قال: (فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم. . .) الآية. وقال: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، ~~وقال: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون): أخبر أن ما ران على قلوبهم ~~بكسبهم الذي كسبوا، وأزاغ قلوبهم باختيارهم الزيغ، وصرف قلوبهم باختيارهم ~~الانصراف؛ فعلى ذلك ما ذكر من جعل الحجاب والأكنة عليها بما كان منهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ~~(46) # قال بعضهم: الشيطان إذا ذكر الله ولى عنه أوأعرض، وفر منه، وهو ما ذكر: ~~(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. . .) الآية، وقال: (إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا. . .) الآية. # وقال بعضهم: (ولوا على أدبارهم نفورا): الإنس، أي: ولوا عما دعوهم إليه، ~~وأقبلوا نحو أصنامهم التي عبدوها. # وقوله: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) يحتمل: وإذا ذكرت دلالة وحدانية ~~ربك # PageV07P055 # وألوهيته وربوبتته، أو ذكرت دلالة رسالاتك أو دلالة البعث، يحتمل ذكر ~~دلالة هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنهم كانوا منكرين لهذه الأشياء؛ فعند ذلك ~~ذكرها. # يولون على أدبارهم نفورا: يحتمل الهرب والإعراض، ويحتمل الكناية عن ~~الإنكار والتكذيب. # وقوله - عز وجل -: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ~~إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا ms2629 رجلا مسحورا (47) # كأنهم يستمعون إلى القرآن: إما لما يستحلون نظمه ورصفه، أو يستمعون إليه؛ ~~لما فيه من الأنباء العجيبة، أو يستمعون إليه؛ ليجدوا موضع الطعن فيه، فإن ~~كان استماعهم للوجهين الأولين فإذا جاء موضع الخلاف والتنازع، وهو ما يذكر ~~فيه من دلالة الوحدانية ودلالة الرسالة ودلالة البعث، عند ذلك كانوا يولون ~~الأدبار نافرين؛ لإنكارهم، وإن كان الاستماع لطلب الطعن - فهو محتمل أيضا. # واختلف في قوله: (نحن أعلم بما يستمعون به). # قيل: كانوا يستمعون إليه ليكذبوا عليه؛ كقوله: (فمال الذين كفروا قبلك ~~مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين)، كانوا يسرعون إلى استماع ما يقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكذبوا عليه. # وقال بعضهم: كانوا يستمعون إليه؛ ليجدوا موضع الطعن فيه. # وقال بعضهم: استمعوا إليه ليروا الضعفة والأتباع أنهم إنما يطعنون فيه ~~بعدما استمعوا إليه وعرفوه؛ فيقع عندهم أن الطعن كان في موضع الطعن، والله ~~أعلم. # وقوله: (وإذ هم نجوى). # قيل: أي: يتناجون فيما بينهم أنه مسحور وأنه مجنون وأنه كاهن، ثم أخبر ~~الله نبيه ما أسروا فيه وتناجوا بينهم؛ ليدلهم على رسالته وأنه إنما عرف ~~بالله، وسماهم ظالمين؛ لما علموا أنه ليس بمجنون ولا مسحور ولكن قالوا ذلك ~~له ونسبوه إلى ما نسبوه من السحر والجنون، على علم منهم أنه ليس كذلك. # وقوله - عز وجل -: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ~~(48) # بالمجانين والسحرة والكهنة؛ (فضلوا)، أو ضربوا لك الأسباب التي تزجر ~~الناس وتمنعهم عن الاقتداء بك مما وصفوا له ونسبوه إليه من السحر والجنون ~~والكهانة؛ فذلك # PageV07P056 # كان يمنعهم عن إجابة من أراد إجابته والاقتداء به. # وقوله - عز وجل -: (فضلوا فلا يستطيعون سبيلا). # اختلف فيه: # قال بعضهم: لا يستطيعون إلى ما قصدوا من منع الناس عنك وصدهم سبيلا. # وقال بعضهم: لا يستطيعون إلى المكر به والكيد له سبيلا؛ لأنهم قصدوا به ~~ذلك، # وقال بعضهم: لا يستطيعون إلى ما نسبوه إليه سبيلا. # وقال الحسن: لا يجدون إلى الهدى والإيمان سبيلا؛ لما طبع على قلوبهم ~~وجعلها في أكنة وغلف. # ويحتمل ms2630 أن يكون قوله: فلا يستطيعون إلى الاحتجاج على الحجج والدلالات ~~التي أقامها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التوحيد والرسالة والبعث ~~سبيلا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ~~(49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى ~~أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ~~(52) # وقوله - عز وجل -: (وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا) # أي: أئذا كنا عظاما بالية ناخرة (ورفاتا)، قيل: ترابا، وقيل: غبارا، وقيل ~~(ورفاتا): أي: بالية؛ حتى إذا فتتت - تكسرت وذهبت، كقوله: (أإذا كنا عظاما ~~نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة)، أي: غير كائنة، قالوا ذلك كله: إنكارا ~~للبعث واستهزاء به أنهم يبعثون ويجزون بأعمالهم، وهذا كأنهم قالوا ذلك على ~~التعجب، والاستبعاد عن كون ذلك، والاستهزاء بذلك، والجهل به هو الذي حملهم ~~على التعجب والاستهزاء بما ذكر. # أنكر هؤلاء الكفرة قدرة الله على البعث كما أنكر المعتزلة قدرته على خلق ~~أفعال العباد، وليس لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة بإنشاء الأول؛ لأن لهم ~~أن يقولوا: إنكم تقرون بالقدرة على خلق الأول، وتنكرون خلق أفعالهم، وليس ~~لكم الاحتجاج. # وقوله - عز وجل -: (قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم). # PageV07P057 # قال بعض أهل التأويل: أي: لو كنتم حجارة أو حديدا فيميتكم، لكن هذا بعيد؛ ~~لأنهم لم يكونوا ينكرون الموت؛ إذ كانوا يشاهدون الموت؛ فلا يحتمل الإنكار، ~~ولكن كانوا ينكرون البعث بعد الموت وبعدما صاروا ترابا ورفاتا، إلا أن ~~يقال: إنكم لو كنتم بحيث لا تبعثون ولا تجزون بأعمالكم لكنتم حجارة أو ~~حديدا، لم تكونوا بشرا؛ لأن الحجارة والحديد ونحو ذلك يخر ممتحن، ولا مأمور ~~بشيء، ولا منهي عن شيء، وأما البشر فإنهم لم ينشئوا إلا للامتحان بأنواع ~~المحن والأمر والنهي والحل والحرمة، فلا بد من الامتحان؛ فإذا امتحنوا ~~بأشياء لا بد من البعث للجزاء والعقاب، فإذا لم تكونوا ms2631 ما ذكر ولكن كنتم ~~بشرا فاعلموا أنكم تبعثون وتجزون بأعمالكم على هذا يحتمل أن يصرف تأويلهم، ~~لا إلى ما قالوا؛ وإلا ظاهر ما قالوا وتأولوا لا يحتمل؛ لما لا أحد أنكر ~~الموت. # ويحتمل قوله: (قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في ~~صدوركم)، أي: لو كنتم ما ذكر حجارة أو حديدا أو أشد ما يكون من الخلق لقدر ~~أن ينشئكم بشرا من ذلك؛ فكيف إذا كنتم بشرا في الابتداء؟! أي: يعيدكم بشرا ~~على ما كنتم كما أنشأكم في الابتداء من ماء وتراب، وليس في ذلك الماء ~~والتراب من آثار بشر شيء من العظام واللحوم والعصب والجلد وغيرها؛ فمن قدر ~~على إنشاء هذا قدر على إنشاء البشر بعد الموت وبعد ما صار ترابا ورفاتا، ~~على هذا يجوز أن يتأول. # ووجه آخر أن يقال: ظنوا أن لو كنتم حجارة أو حديدا أو ما ذكر لبعثكم؛ ~~فكيف تظنون أنه لا يبعثكم إذا كنتم ترابا ورفاتا أو كلام نحوه. # وقوله - عز وجل -: (أو خلقا مما يكبر في صدوركم ... (51) # ذكروا هذا وكل ما يكبر في صدورهم على ما ذكر. # (فسيقولون من يعيدنا). # استهزاء منهم به. # (قل الذي فطركم أول مرة). # إنهم، وإن قالوا ما قالوا استهزاء به وسخرية، فقد أمر الله - تعالى - ~~أولياءه المؤمنين أن يحاجوهم محاجة العقلاء والحكماء مع الحجج والبراهين، ~~وإن كانوا قالوا سفها واستهزاء، وعلى ذلك عاملهم الله، وإن كانوا سفهاء في ~~قولهم مستهزئين، وكذلك أمر رسله أن يعاملوا قومهم أحسن المعاملة؛ حيث قال: ~~(وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)، وإنما ~~ذكر الله # PageV07P058 # هذه الآيات؛ ليحاج بها هؤلاء، ويعلم أن كيف المعاملة مع هؤلاء؛ إذ قد ~~أقام الله - تعالى - من الآيات والحجج على بعثهم وإحيائهم حججا كافية ما لم ~~يحتج إلى مثل هذا، لكنه ذكر هذا؛ لما ذكرنا - والله أعلم -: كأن الذي حملهم ~~على إنكار ذلك وجوه من الاعتبار: # أحدها: أنهم لم يروا من الحكمة إماتتهم ثم الإحياء على مثل ذلك إذ لو كان ~~يحييهم ms2632 ثانيا - لكان لا يميتهم؛ كنقض البناء على قصد بناء مثله. # والثاني: لما رأوا أقواما قد ماتوا منذ زمن طويل ثم لم يبعثوا؛ فيقال ~~لهم: إنه قد تأخر كونكم وإنشاؤكم، ثم لم يدل تأخركم على أنكم لا تكونون؛ ~~فعلى ذلك لا يدل تأخر البعث على أنه لا يكون. # وأما جواب الأول فإنه يقال لهم: إنكم تقرون أنه أنشأكم أول مرة وأنه ~~يميتكم، فليس من الحكمة إنشاء ثم الإماتة؛ لأنه يكون كمن بني بناء للنقض ~~والإفناء؛ فإذا كان الأول، حكمة كان الثاني -أيضا- حكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل الذي فطركم أول مرة). # أي: يعيدكم الذي خلقكم أول مرة ولم تكونوا شيئا على ما ذكرنا وإعادة ~~الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ لا أحد في الشاهد يتكلف تعلم ~~إعادة الشيء، ومعرفته، وإنما يتكلفون تعلم ابتداء الصناعات ومعرفتها، ثم ~~يعرفون إعادة ذلك بمعرفة ابتدائية؛ فدل ذلك أنه أهون وأيسر، وهو ما قال: ~~(وهو أهون عليه) أي: في عقولكم ذلك أهون وأيسر. # وقوله - عز وجل -: (فسينغضون إليك رءوسهم). # أي: يحركون رءوسهم؛ استهزاء به وهزوا. # (ويقولون متى هو). # على الاستهزاء أيضا، أي: لا يكون. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون متى هو): قالوا ذلك جهلا به وإنكارا، وإلا لو ~~علموا أنه كائن لا محالة لكانوا لا يقولون ذلك؛ بل يخافون كما خاف الذين ~~آمنوا به. # وقوله - عز وجل -: (قل عسى أن يكون قريبا). # PageV07P059 # و (عسى) من الله واجب، أي: يكون لا محالة. # وقوله - عز وجل -: (قريبا)، أي: كائنا، القريب يقال على الكون، أي: ~~كائنا، ويقال على القريب والبعيد كذلك يقال على الإنكار رأسا، ويقال على ~~الاستبعاد؛ كقوله: (إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7)، أي: هم لا يرونه ~~كائنا، ونراه نحن كائنا؛ كقوله: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ~~آمنوا مشفقون منها): كانوا يستعجلون بها؛ لما لم يكونوا يرونه كائنا ~~والمؤمنون يرونه كائنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا (52) # يحتمل هذا الدعاء، والإجابة: دعاء الخلقة، وإجابة الخلقة؛ لما ms2633 كانت ~~خلقتهم تعظم ربهم، وتحمده في كل وقت، وتنبئ على ما ذكرنا في غير آية من ~~القرآن. # ويحتمل دعاء القول وإجابة القول والدمل؛ لما كانوا عاينوا قدرته وعظمته ~~أجابوا له بحمده وثنائه؛ كقوله: (مهطعين إلى الداع)، ونحوه أو أن يكون ~~قوله: (يوم يدعوكم): يوم القيامة - كقوله: (يوم يدع الداع إلى شيء نكر. . ~~.). # وقوله: (مهطعين مقنعي رءوسهم. . .) الآية: أخبر أنهم يجيبون داعيهم يومئذ ~~ويثنون على الله؛ لما رأوا من الأهوال من ترك الإجابة له في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فتستجيبون بحمده)، أي: تجيبون داعيه بثنائه وبحمده، ~~أي: تثنون على الله وتخمدونه. # وقوله - عز وجل -: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا). # قال الحسن: قوله: (وتظنون) أي: تعلمون وتيقنون أنكم ما لبثتم في الدنيا ~~إلا قليلا، وكذلك قال قتادة، أي: يستحقرون الدنيا ويصغرونها؛ لما عاينوا ~~القيامة وأهوالها. # وجائز أن يكون قوله: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) في القبر وجائز أن يكون ~~في الدنيا يستقصرون المقام فيها لطول مقام الآخرة وأهوالها، ثم من أنكر ~~عذاب القبر احتج بظاهر هذه الآية؛ حيث قال: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا)، ~~وقوله: (لبثنا يوما)، ومثله قالوا في العذاب والشدة: لم يكونوا يستقصرون ~~ويستصغرون المقام فيه؛ إذ كل من كان في عذاب وبلاء وشدة - يستعظم ذلك ~~ويستكثر ولا ينساه أبدا، هذا المعروف عند الناس فإذا هم استقلوا ذلك ~~واستصغروه حتى قالوا: (يوما أو بعض يوم)، وقالوا: # PageV07P060 # (قليلا)، ويسيرا، دل ذلك أنهم لم يكونوا في عذاب وبلاء. # ويتأولون قوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا)، على التقديم والتأخير، ~~يقولون تأويله: ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا - ليس على ألا يكون لهم عذاب فيما بين ذلك؛ ولكن على ما ~~ذكر في الجنة: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا). # ومن يقول بالعذاب في القبر يقول: قوله: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) في ~~الدنيا، أو يقولون ذلك في وقت وهو ما بين النفختين. # كذلك يقولون: إنه يرفع عنهم العذاب ما بين النفخة الأولى والثانية، وهذا ~~احتيال. # ويقال -أيضا-: ليس في ms2634 استقلالهم المقام والاستقصار ما يدل على أن لم يكن ~~لهم عذاب في القبر؛ لأن العرف في الناس أنهم إذا كانوا في بلاء وشدة ونوع ~~من المرض، ثم نزل بهم ما هو أشد من ذلك وأعظم؛ استصغروا ما كانوا هم فيه ~~ونسوا ذلك؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا عاينوا عذاب القيامة وأهوالها وأفزاعها ~~استصغروا ما كان بهم من العذاب في القبر، ونسوا ذلك؛ ألا ترى أنهم إذا ~~عاينوا الجنة ونعيمها نسوا ما كان لهم من النعم في الدنيا، ولا شك أنه قد ~~كان لهم نعيم في الدنيا فعلى ذلك العذاب. # وقال أبو عوسجة: (ورفاتا)، قال: رفاتا منكسرة، وفتته، أي: كسرته. # وقال القتبي: (أكنة): جمع كنان، مثل غطاء وأغطية. # (وإذ هم نجوى)، أي: يتناجون، يسار بعضهم بعضا أنه مجنون، وأنه ساحر كاهن ~~وأساطير الأولين. # وقال بعضهم: كان نجواهم ما ذكر في سورة الأنبياء حين قالوا: (هل هذا إلا ~~بشر مثلكم أفتأتون السحر. . .) الآية؛ فذلك قوله: (وقال الظالمون إن ~~تتبعون)، أي: ما تتبعون (إلا رجلا مسحورا). قال أبو عبيدة: (مسحورا)؛ أي: ~~قد سحر به، وهو يناقض قولهم، وقد ذكرنا وجه تناقض قوله فيما تقدم، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (53) # PageV07P061 # ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا ~~(54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~وآتينا داوود زبورا (55) # وقوله - عز وجل -: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ... (53) # يحتمل قوله: (التي هي أحسن) الوجوه الثلاثة: # أحدها: الدعوة؛ كقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) أمره ~~أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فالتأنيث للدعوة، كأنه قال: ~~ادع لهم الدعوة التي هي أحسن الدعوة، على إضمار الدعوة. # وجائز على إضمار الحسنة، أي: قل لهم أن يقولوا لهم الحسنة التي هي أحسن. # أو على إضمار الأقوال؛ كأنه قال: يقولوا لهم الأقوال التي هي أحسن ~~الأقوال، وإلا ظاهره أن يقول: " يقولوا ms2635 الذي هو أحسن ". # والثاني: على إضمار المجادلة - المناظرة - معهم؛ كقوله: (وجادلهم بالتي ~~هي أحسن): أمر رسوله أن يجادلهم أحسن المجادلة والمحاجة معهم. # والثالث: في حسن المعاملة معهم والعفو والصفح عما كان منهم إلى المسلمين ~~من أنواع الأذى فأمرهم أن يحسنوا معاملتهم ويصفحوا عنهم، كقوله: (فاعف عنهم ~~واصفح إن الله يحب المحسنين)، وكقوله: (ادفع بالتي هي أحسن. . .) الآية ~~وقوله: (والكاظمين الغيظ. . .) الآية، ونحوه من الآيات: أمرهم أن يعاملوا ~~أولئك أحسن المعاملة، وهو أن الله يتركهم، ولا يكافئهم بسوء صنيعهم، ولكن ~~يعفون عنهم، ويصفحون لما لعلهم يكونون أولياء وحميما على ما أخبر، ويصيرون ~~إخوانا لهم من بعد هذا في حق هذه الآية. # وأما من جهة الحكمة، وهو أن الله - تعالى - أنشأ هذا اللسان وجعله ~~ترجمانا بين الخلق: به يفهم بعضهم من بعض، وبه يقضي الحوائج بعضهم من بعض، ~~وبه قوام معاشهم ومعادهم، وبه بعث الرسل والكتب جميعا، فإذا كان كذلك ~~فالواجب ألا يستعمل إلا في الخير والحكمة، ولا ينطق به إلا ما هو أحسن ~~وأصوب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -؛ (إن الشيطان ينزغ بينهم). # أي: يفسد بينهم ويوسوس إليهم ويغري بعضهم على بعض؛ ليفسد بينهم، وذلك ~~كقوله: (إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا). # أي: كان الشيطان منذ كان للإنسان عدوا ظاهرا عداوته بئنا. جعل الله - ~~تعالى - # PageV07P062 # الشيطان بحيث يوسوس إليهم ويدعوهم إلى أشياء يظنون أن ذلك خير لهم، وأبدا ~~يلقي إليهم ما يقع عندهم أن ذلك أنفع لهم ويحبب إلى كل مذهبا يقع عنده هو ~~الحق؛ فيقع بذلك الإفساد وإبقاء العداوة بينهم أبدا هذا دأبه وشأنه يجبر ~~كلا إلى جهة، ويري كل أحد جهة غير الجهة التي أرى الآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما ~~أرسلناك عليهم وكيلا (54) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (أعلم بكم): بمصالحكم، وما لا يصلح لكم في الدنيا والآخرة. # والثاني: (ربكم أعلم بكم): بما تسرون وما تعلنون، وما تعلمون وتفعلون، ~~وإلا: لا شك أنه أعلم بنا منا. # وقوله - عز ms2636 وجل -: (إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم). # قال بعضهم: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أذى هؤلاء، أو إن يشأ يعذبكم ~~فيسقطهم عليكم. # والثاني: إن يشا يرحمكم، فيهديكم إلى دينه، ويوفقكم لسبيله، أو إن يشأ، ~~يترككم ويخذلكم، ولا يهديكم إلى سبيله، ولا يوفقكم لدينه. # وقوله: (إن يشأ يرحمكم): يحتمل الرحمة في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: ~~هو أن يوفقهم على الطاعة، ويعينهم على ذلك وفي الآخرة: ينجيهم ويدخلهم ~~الجنة. وأما التعذيب في الدنيا: أن يخذلهم ويتركهم على ما يختارون، وفي ~~الآخرة يعذبهم في النار بالذي اختاروا في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلناك عليهم وكيلا). # قال بعضهم: أي: لم نجعلك حفيطا على ردهم وإجابتهم وعلى صنيعهم. # وقال بعضهم: وكيلا، أي: ثقيلا بأعمالهم، أي: لا تؤخذ أنت بصنيعهم؛ كقوله: ~~(ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء)، وكقوله: (فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم). # وقال بعضهم: (وما أرسلناك عليهم وكيلا)، أي: مسلطا عليهم وقاهرا لهم. # وقوله - عز وجل -: (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا (55) # PageV07P063 # يحتمل ما ذكرنا: أنه أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وما يسرون وما يعلنون، ~~ويحتمل غير هذا؛ جوابا لقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم)، وقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). # يقول - والله أعلم - (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض)، أي: أعلم بمن ~~يصلح للنبوة والرسالة، وبمن لا يصلح، ومن هو أهل لها أومن ليس بأهل لها. # أو يقول: أعلم بمن في السماوات والأرض، أي: عن علم بما يكون منهم أنشأهم ~~لا عن جهل، أو أعلم بهم من أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض). # مثل هذا لا يكون إلا في نازلة، لكنه لم يذكر النازلة التي عندها نزلت، ثم ~~اختلف فيما ذكر من تفضيل بعض على بعض: # قال بعضهم: إنه أعطى كلا شيئا لم يعط غيره؛ من نحو ما ذكر أنه كلم موسى، ~~واتخذ إبراهيم ms2637 خليلا، وأعطى عيسى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وهو ~~روح منه وكلمته، وأعطى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطى داود ~~زبورا، وأعطى سيدنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن بعث إلى الناس كافة، ~~وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومثله. # وقال بعضهم: فضل بعضا على بعض في الدرجة والمنزلة والقدر عنده. # فالأول: يكون التفضيل في الآيات والحجج، والثاني: في أنفسهم: في المنزلة ~~والقدر. # ويحتمل ما ذكر من تفضيل بعض على بعض في الآيات والحجج. # ويحتمل في كثرة الأتباع: يفضل بعضهم على بعض بكثرة الأتباع. # والثالث: يفضل بعضهم على بعض في القيام بشكر ما أنعم عليه وصبره على ما ~~ابتلاه به. والرابع: [ ### | ..... # وعلى قول المعتزلة: لا يكون لأحد فضيلة عند الله إلا باستحقاق منه. # وقوله - عز وجل -: (وآتينا داوود زبورا). # جميع كتب الله: زبور؛ لأن الزبور هو الكتاب. وقد ذكرنا أنا لا ندري لأية ~~نازلة ذكر هذا، ولا يحتمل ذكر مثله على الابتداء والاستئناف، لكن فيه أن ~~التفضيل والمنزلة إنما يكون من عند الله، ومن عنده يستفاد لا بتدبير من ~~أنفسهم واستحقاق؛ حيث قال: (انظر # PageV07P064 # كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) لئلا يرى أحد ~~الفضل والمنزلة لنفسه بأسباب منه؛ ولكن من عند الله. # وقال الأصم في قوله: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) يقول: يخاطب به ~~أهل الكتاب: أن أوائلكم كانوا يرون لبعض على بعض فضلا في الدنياوية. # ثم إن أولئك المفضلين كانوا يتبعون الرسل؛ لما رأوا لهم من الفضل ~~والخصوصية؛ فما بالكم يا أهل مكة لا تتبعون محمدا، وقد ترون له فضائل ~~وخصوصية ما لا ترون ذلك لأنفسكم ولا لأحد سواه، وكلام نحو هذا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن ~~مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا ms2638 كان ذلك في الكتاب مسطورا ~~(58) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ~~في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) # وقوله - عز وجل -: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا). # وفي سورة سبأ: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة. . ~~.) فيشبه أن يكون الآية عندما نزل بهم البلايا والشدائد على ما قاله أهل ~~التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك عنهم من الذين يعبدون من دون ~~الله، فيقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة دونه يكشفوا عنكم ما نزل ~~بكم. # ويشبه أن يكون لا على نازلة؛ ولكن على تبيين سفه أولئك، حيث قالوا: (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله): ~~أخبر أن ليس لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن عبادتهم إياها لا تقربهم إلى الله ~~زلفى، كقوله: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون) أخبر أنهم لا يملكون ما يطعمون بعبادتهم إياها. # PageV07P065 # أو أن يذكر هذا؛ لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضر عنهم ودفعه، أو جر ~~نفع إليهم وسوق خير، على ما أخبر أنه لا يملك ذلك أحد سواه كقوله: (ما يفتح ~~الله للناس من رحمة. . .) الآية، وقوله: (وإن يمسسك الله. . .) الآية: أخبر ~~أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكها، ولو أمسك هو لا يملك أحد ~~إرسالها دونه، ولو من ضر لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيرا لا يملك أحد دفعه ~~ورده. # هذا يذكر - والله أعلم - للمسلمين؛ لئلا يرجوا أحدا من الخلائق دون الله ~~ولا يخافوا أحدا سواه. # ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود ~~دون الله: الملائكة والجن والأصنام التي عبدوها. # وأما الآية ms2639 الثانية التي تتلوها ظاهرها في الملائكة والجن، وهو قوله: ~~(أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ... (57) # أي: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب (ويرجون رحمته ويخافون عذابه. . .) الآية: اختلف فيه: منهم من صرفها ~~إلى الملائكة. # ومنهم من صرفها إلى الجن، وهو قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ~~يقول: إن قوما من العرب كانوا يعبدون الجن، ثم أسلم الجن، فبقي أولئك كما ~~كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم؛ فيقول: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة؛ فكيف تعبدونهم؟! # ومن قال: إنها في الملائكة - اختلفوا في قوله: (ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه): قال الحسن: يرجون محبته ورضاه، (ويخافون عذابه)، أي: خوف الهيبة ~~والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته؛ لأن الله - تعالى - عصمهم من أن ~~يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب؛ حيث قال: (لا يعصون الله ما أمرهم)، ~~وقال: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون)، وقال في قوله: (ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم): هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم ~~ما ذكر ليس # PageV07P066 # على أن يقول أحد منهم ذلك. # وقال أبو بكر: (ويرجون رحمته): ثوابه، (ويخافون عذابه): نقمته؛ حيث قال: ~~فهم من الوعيد ما قال: (ومن يقل منهم. . .) الآية؛ فقد أثبت لهم الوعيد ~~فيه، لكن ثوابه ما يتلذذ به وعذابه ما يتألم به ويتوجع. # ومنهم من يقول من أهل التأويل (ويرجون رحمته)، أي: جنته، لكن هذا يشبه أن ~~يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة؛ كقوله: (يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام ~~عليكم بما صبرتم. . .) الآية. # وجائز عندنا صرف قوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) إلى ~~الأصنام التي عبدوها من دونه أيضا، ويكون تأويل: (يدعون): يبتغون، أي: لو ~~لم يكن لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابها لكانوا كما ذكر، وهو ~~كقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) أي: لو مكن له وركب فيه ما ركب في ~~البشر ومكن لهم (لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) ms2640 على ما ذكر من سفه ~~أولئك الذين عبدوا من دون الله؛ يقول: كيف تعبدون من لو مكن من العبادة ~~والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم؟! أو كيف تعبدون من هو بطاعة ~~ربه يبتغي الوسيلة إليه؟!؛ إن كانت الآية في الملائكة؛ كأنه يذكر سفه أهل ~~مكة؛ حيث سألوا العذاب بقوله: (فأمطر علينا حجارة. . .) الآية، ونحوه، وأهل ~~السماء والأوض جميعا يحذرون عذابه. # وقوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون) ما ذكر: ليس هو بأمر ~~في الحقيقة، وإن كان ظاهره أمرا؛ ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه، ~~وتعجيز ما ذكر من كشف الضر ودفعه والتحويل، وكذلك قوله: (قل كونوا حجارة. . ~~.) الآية. ليس هو بأمر؛ إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن ~~بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها. # وقوله - عز وجل -: (فلا يملكون كشف الضر عنكم)، أي: دفعه ورده، ولا ~~تحويلا): يحتمل وجهين: # أحدهما: فلا يملكون تحويل ذلك الضر إلى غيركم ولا صرفه. # والثاني: (ولا تحويلا) من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر والأهون. # PageV07P067 # وقوله - عز وجل -: (إن عذاب ربك كان محذورا). # أي: يحذره أهل السماء وأهل الأرض. # وقوله - عز وجل -: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو ~~معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) # قال أبو بكر الأصم: وإن من قرية إلا نحن مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في ~~موضع الموت؛ كقوله: (امرؤ هلك)، أي: مات، ويقال -أيضا-: هلك فلان، أي: مات، ~~فعلى ذلك يكون قوله: (إلا نحن مهلكوها) أي: مميتوها (قبل يوم القيامة)؛ ~~كقوله: (كل نفس ذائقة الموت)، وكقوله: (كل من عليها فان). # (أو معذبوها)، أي: منتقموها (عذابا شديدا)؛ فعلى تأويله يصح على جميع ~~القرى والمدن، ليس قرية دون قرية، ولا مدينة دون مدينة؛ ولكن على الكل على ~~ما أخبر من إهلاك الكل بقوله: (كل نفس ذائقة الموت)، و (كل من عليها فان). # ويحتمل ما ذكر من إهلاك القرية: إهلاك الأهل؛ من إهلاك القرية بعد ~~إهلاكهم؛ على ما فعل بكثير من القرى. # وجائز أن ms2641 يكون يهلك الأهل ويبقى القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل ~~يوم القيامة، والله أعلم. # وعلى تأويل أبي بكر يفص ذا أو ذا: إما يميتهم أموتا، بآجالهم، أو يعذبهم ~~عذاب إهلاك. # وقال الحسن: قوله: (إلا نحن مهلكوها)، أي: مميتوها؛ على ما قال أبو بكر؛ ~~(أو معذبوها عذابا شديدا): يقول: إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة؛ كقوله: ~~(ونفخ في الصور فصعق من في السماوات. . .) الآية، وقوله: (إن زلزلة الساعة. ~~. .) الآية. فذلك كله قبل يوم القيامة، وهو يقول: إن الساعة تقوم على شرار ~~الناس؛ فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين تقوم بهم الساعة على قوله. # وقال قتادة: هذا قضاء من الله كما تسمعه ليس منه بد: إما أن يهلكها بموت؛ # PageV07P068 # كقوله: (كل نفس ذائقة الموت)، وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا ~~أمره وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام. # وقال بعضهم: يميت أهل القرية الصالحة بآجالهم، وأما القرية الظالمة ~~فيأخذها بالعذاب الذي ذكر؛ فهو في القرون الماضية إن احتمل ذلك. # ويشبه أن يكون قوله: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة)، وهو ~~أن يهلك رؤساء الكفرة وقادتهم؛ فيصير الذين كله دينا واحدا، وهو الإسلام؛ ~~على ما قال بعض أهل التأويل في قوله: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها) قالوا: هو أن يهلك أهل الكفر؛ فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام؛ ~~فذلك نقصانها من أطرافها: لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة؛ ~~حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام، وهو ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ~~ما زوي لي منها "، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: قوله تعالى: (وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها)، أي: نهلك أهل الكفر. # وبشبه أن يكون قوله: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو ~~معذبوها عذابا شديدا): على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه ~~الأرض، ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ms2642 ولا ارتفاع، حيث قال: (كل من عليها ~~فان) وقال: (ويسألونك عن الجبال. . .) الآية، وقال: (وبست الجبال بسا. . .) ~~الآية. أخبر أنه لا يبقي عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها (قاعا صفصفا (106) ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107)؛ فذلك إهلاكها وتعذيبها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كان ذلك في الكتاب مسطورا). # قال بعضهم: كان ذلك في الكتاب الذي عند الله - وهو اللوح المحفوظ - ~~مكتوبا. # وقال بعضهم: كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوبا، أي: ~~ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه (كل من عليها فان)، و (كل نفس # PageV07P069 # ذائقة الموت) مسطورا، والله أعلم. # وقوله عز وجل -: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ~~وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال الآيات إلا تكذيب الأولين بها. # فإن قيل: فأي شيء فيما يكذب الأولون بالآيات؛ ما يمنع إنزالها على هؤلاء؟ # قيل: كأنه على الإضمار، أي: ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن ~~الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأولون. # فإن قيل: عن هذا يسأل: أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم ~~لم يمنع علمه بتكذيب الأولين إياها إنزالها كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ~~ذلك؟! أو ليس قد أرسل الرسول، وأنزل الكتاب على علم منه أنهم يكذبون الرسول ~~والكتاب، ثم لم يمنع علمه بذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول؟! فكيف منع ~~علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول ~~والكتاب على بعث الرسول وإنزال الكتاب؟! # قيل: إنه قد مضى من سنته أنه إذا أنزل الآيات على أثر السؤال - أعني: ~~سؤال الآيات - فكذبوها أهلكهم؛ هكذا مضت سنته في القرون الماضية، ثم قد سبق ~~من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدنيا؛ رحمة منه ~~وفضلا على ما أخبر رسوله؛ حيث قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ~~فرحمته أن من عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم في الدنيا واستئصالهم؛ ~~فكأنه قال ms2643 - والله أعلم -: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ما سبق من وعدنا ~~ورحمتنا: ألا نهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وتعذيب، فذلك الوعد والرحمة ~~الذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منا أنهم يكذبونها إذا أرسلناها ~~إليهم، وقد مضت السنة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على أثر سؤالهم ~~إياها ثم التكذيب من بعد، ثم قد سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا ~~إهلاك تعذيب؛ رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين. # وأصله: أن الله - عز وجل - قد أنزل الآيات والحجج على إثبات رسالة الرسل ~~آيات كافية، وحججا تامة ما لم يقع لهم الحاجة إلى غيرها من الآيات والحجج، ~~فما سألوا من الآيات والحجج من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال ~~استرشاد واستهداء، # PageV07P070 # فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت - أهلكوا إذا كذبوها، ولم ~~ينظروا؛ كقوله: (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون)، وقوله: (ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين)، ونحوه؛ ألا ترى أن عيسى - ~~عليه السلام - سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لتكون لهم ~~آية منه؛ فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم، ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا ~~بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد؛ نقال: (إني منزلها عليكم فمن ~~يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) الآية. # هكذا كانت سننه فيمن سأل الآيات سؤال تعنت وعناد. # وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على أثر السؤال وإهلاك هذه ~~الأمة: ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد نبيهم، وإبقاء التناسل إلى ~~يوم القيامة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة). # قيل: آية لرسالة صالح. # وقال بعضهم: (مبصرة)، أي: معاينة يعاينونها أنها آية من الله لهم؛ حيث ~~رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال: (هذه ناقة الله لكم آية). # (فظلموا بها)، أي: كذبوا بها وجحدوها ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من ~~الله لهم؛ حيث رأوها ms2644 وعاينوها خلافا لنوقهم، خارجة عن نوق البشر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا). # قال ابن عباس والحسن وغيرهما: الموت الذريع، أي: السريع. # وقال بعضهم: (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) للناس؛ فإن لم يؤمنوا بها ~~عذبوا في الدنيا. # أو يقول: وما نزل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت فكذبوها - (إلا ~~تخويفا) للهلاك، على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها. أو أن يكون قوله: ~~(وما نرسل بالآيات): على أثر السؤال بها ثم التكذيب لها، (إلا تخويفا) لمن ~~تأخر ممن سأل مثلها فكذب # PageV07P071 # بها، أو كلام نحوه. # ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا ~~تخويفا للناس، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا ~~التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم ~~إلا طغيانا كبيرا (60) # أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه ~~الثلاثة: أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله: (وظنوا أنهم أحيط بهم) ~~أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم. # والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله: (وكان الله بما يعملون محيطا) أي: ~~عالما، وقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه)، أي: لا يعلمون. # والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضا، فذلك لا ~~يحتمل في الله سبحانه وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم ~~بهم، أو القدرة عليهم والغلبة. # ثم قوله: (أحاط) اختلف فيه: # قال بعضهم: (أحاط) بأعمالهم بما لهم، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما ~~يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله: (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض). # وقال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا. . .) الآية؛ فيقول (إن ربك أحاط بالناس)، أي: قد علم بمكرهم بك، على ~~علم منه بمكرهم بك بعثك رسولا إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه ~~وعد أن يعصمك منهم ويمنعك عنهم حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: (والله يعصمك من ms2645 ~~الناس)، وقوله: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. . .) الآية. كان - ~~عز وجل - يبعث الرسل ويكلفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من ~~قومهم من المنع والمكر # PageV07P072 # برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: ~~(إن ربك أحاط بالناس) بالعلم والقدرة والغلبة عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس): # قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ~~ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه ~~روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " تنام عيناي، ولا ينام قلبي "، ~~فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم. # قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رأى قوما على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالا؛ فذلك فتنة ~~لهم. # وقال بعضهم: إنه أري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام كأنه ~~يدخل المسجد الحرام آمنا، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام ~~الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما ~~أخبر، لكنه لم يبين له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمنا، وهو ما ~~قال: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إلا فتنة للناس)، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ~~ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا ~~يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ~~ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر أمن الآيات، لا يتوهم، مثل ~~ذلك بتعليم بشر، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والشجرة الملعونة في القرآن). # PageV07P073 # أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القرآن -أيضا- فتنة لهم؛ كقوله: ~~(إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في ms2646 أصل الجحيم. . .) ~~الآية. # ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصة: أنهم قالوا: إن محمدا يقول: إن في ~~النار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، ~~وهي تأكلها؟ ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، ~~وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار. # ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟! فيدعون ~~بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: أن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة -أيضا- كانت ~~فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله وتكذيبه. # وسماها (الملعونة) قال بعضهم: إن العرب سمت كل ضار مؤذ ملعونا؛ فلذلك ~~سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية. # قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما ~~سمي النهار مبصرا، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك ~~هذا. # وأصل اللعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله: (رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس): أضاف الإضلال إلى الأصنام والأصنام لا صنع لها في ~~ذلك؛ لكن كثيرا من الناس ضلوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: (وغرتهم الحياة ~~الدنيا)، أي: اغتروا بها. # وقوله - عز وجل -: (في القرآن)، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا ~~تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله: (ما أصاب من مصيبة ~~في الأرض. . .) الآية، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم ~~بما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) هو ما ذكرنا في قوله: ~~(ما زادهم إلا نفورا) وقوله: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم) فرادهم ما ذكر. # PageV07P074 # لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء فزادهم ما ذكر، وأما أهل ~~الإسلام فزاد لهم إيمانا وهدى؛ لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد ~~لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال ms2647 اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم ~~جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # وقوله - عز وجل -: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ~~أأسجد لمن خلقت طينا). # قوله: (أأسجد)، أي: لا أسجد؛ كقوله: (لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال) ~~فدل هذا أن قوله: (أأسجد) معناه، أي: لا أسجد. ذكر في قصة إبليس ألفاظا ~~مختلفة: # مرة قال: (يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين)، وقال في موضع آخر: (ما ~~منعك أن تسجد)، وفي موضع آخر: (ما منعك ألا تسجد) ونحوه؛ فجائز أن يكون ذكر ~~هذا على اختلاف الأحوال لا في حال واحدة. # هذا على ما ذكر في قصة آدم من اختلاف الأحوال حيث قال مرة: (من تراب)، ~~وقال مرة: (من طين)، ومرة: (من صلصال)، ونحوه، وذلك إخبار عن أحوال تغيرت ~~فيها. # وجائز أن يكون ذلك بغير هذا اللسان؛ فذكر هاهنا بألفاظ مختلفة؛ والزيادة ~~والنقصان؛ لأن اختلاف الألفاظ لا يغير المعنى. # وقوله - عز وجل -: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (62) # قد أقر إبليس - لعنه الله - بالفضيلة لآدم والإكرام له إما من جهة الطاعة ~~له والنبوة التي أعطاها الله له، وإن ادعى لنفسه الفضيلة عليه من جهة ~~الخلقة؛ بأنه ناري وهو طيني، حيث: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي): أقر ~~بالفضل له عليه، والإكرام: إما لطاعتهم له، أو لما جعله رسولا إلى خلقه. # PageV07P075 # وقوله - عز وجل -: (لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا): # لا يحتمل أن يخاطب ربه ويقول: لئن أخرتني إلى كذا لأحتنكن؛ لأنه لما طلب ~~التأخير والبقاء إلى يوم القيامة كان طالب نعمة منه ومنة؛ فيقول مقابل ما ~~يطلب من النعمة: لئن أعطيتني ذلك لأعصينك؟! إنما يذكر مقابل طلب النعمة ~~الطاعة له والشكر؛ على ما قال: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ms2648 من فضله ~~لنصدقن): إنما يقابل بطلب النعمة الطاعة له، وأما مقابلة المعصية - فلا ~~تعرف. # ثم يخرج قوله: (لئن أخرتن إلى يوم القيامة) على وجهين: # أحدهما: على التأكيد، يقول: أي إنك، وإن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته. # أو على التمني منه الأمرين جميعا: التأخير، واحتناك ذريته، وسؤاله ~~إياهما. # ثم اختلف في قوله: (لأحتنكن ذريته): # قال بعضهم: لأحتوينهم ولأحيطن بهم. # وقال بعضهم: لأضلنهم؛ على ما ذكر في آية أخرى: (ولأضلنهم ولأمنينهم). # وقال بعضهم: (لأحتنكن): لأستزلن. # وقيل: لأ ستو لين. # وقال القتبي: (لأحتنكن)، أي: لأستأصلنهم. # ويقال: هو من حنك الدابة، حنك دابته: يحنكها، حنكا، إذا شد في حنكها ~~الأسفل حبلا يقودها به. # وقال القتبي: أي: لأقودنهم كيف شئت. # ثم قوله: (لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته) كأنه سأل ربه ~~التأخير، على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون)؛ ~~كأن اللعين لما سمع قوله: (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين)، أعلم، أنه لا ~~تناله الرحمة في الإيمان به؛ حيث ذكر اللعنة عليه إلى يوم الدين، واللعين ~~هو المطرود عن رحمته، # PageV07P076 # فعند ذلك سأل ربه النظرة إلى يوم القيامة؛ ليغوين عباده، وعلم اللعين: أن ~~طاعة خلقه له لا تزيد في ملكه شيئا، وعصيانهم لا ينقص في ملكه شيئا. لذلك ~~قال: (لأحتنكن ذريته)، (ولأغوينهم)، (ولأضلنهم)، وما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ~~(63) # مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم. # (فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا). # وقوله - عز وجل -: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على التمكين له ذلك والإقدار على ما ذكر، أي: مكن له ذلك، وأقدر ~~عليه؛ لخذلانه إياه لما عصى ربه وترك أمره؛ لما رأى أمره بالسجود لآدم جورا ~~منه، حيث قال له: (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين). مكن له ذلك، لتتم له ~~اللعنة والخذلان. # والثاني: قال ذلك له على التوعد والتهدد؛ ألا ms2649 ترى أنه ذكر هذا على أثر ~~وعيد، وهو قوله: (فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا)، فيخرج على ~~إثر ذلك مخرج الوعيد له ولمن تبعه وأجابه، كقوله: (اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير)، لهذا وإن كان ظاهره أمرا فهو وعيد؛ فعلى هذا قوله: (واستفزز ~~من استطعت منهم) فإن لك ولمن تبعك كذا. # أو لما ذكرنا من التمكين له ذلك والإقدار على ذلك ليتم له اللعنة ~~والخذلان. # والثاني: قال ذلك الذي لعنه، وإلا لا يجوز أن يكون الله يأمره بما ذكر أن ~~يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر أنه: لا يأمر ~~بالفحشاء والمنكر، وإنما يأمر بالعدل؛ كقوله: (إن الله لا يأمر بالفحشاء)، ~~وقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي)؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمرا بالفحشاء والمنكر فدل ~~أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما، أو على الاستبعاد والإياس عن أن ~~يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه، وهو ما ذكر: (إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان. . .) الآية. والله أعلم. # PageV07P077 # وقوله - عز وجل -: (واستفزز): قال القتبي، أي: استخف، والرجل: الرجالة. # وقال أبو عوسجة: (واستفزز)، أي: استخف، أي: دعاه فأجابه وأمره فأطاعه؛ ~~وعلى هذا يخرج قوله: (فاستخف قومه فأطاعوه)، أي: أمرهم فأطاعوه، أو دعاهم ~~فأجابوه. # وقوله - عز وجل -: (بصوتك). # يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: على حقيقة الصوت، يكون له صوت يدعو الناس به، فيسمع ذلك الصوت ~~النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس ~~الظاهرة، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين ~~جاء؟ ومن أين هيجانه؟ وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ~~ذلك ويطلع عليه؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به، وإن كنا لا ~~نسمعه؛ لكنه يسمع النفس الخفية بما يسمع النفس الظاهرة، وبها نبصر - أعني: ~~بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون ms2650 في أقصى الدنيا، ونفسه ~~الظاهرة ملقاة هاهنا؛ فذلك كله بالنفس الخفية. # والثاني: على التمثيل، ليس على تحقيق الصوت، لكن ذكر الصوت؛ لما بالصوت ~~يوصل إلى إعلام بعضهم بعضا، وبه يدعو بعضهم بعضا عند البعد؛ فذكر الصوت له ~~مكان الوسوسة التي يوسوس الناس أشياء من بعد، ويدعوهم به إلى معاصي الله - ~~تعالى - وكذلك قال الحسن في قوله: (فوسوس إليه الشيطان): من بعد من غير أن ~~كان هنالك تقرب منه. # والثالث: على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره، أو ما ~~يضاف عمل كل طاغ وكل ضال إليه؛ أضيف ذلك إليه كما أضاف إليه موسى حيث قال: ~~(هذا من عمل الشيطان)، وقوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان)، ولم يكن ذلك عمل ~~الشيطان حقيقة، ولكن قال ذلك وأضافه إليه؛ لما بأمره ودعائه يعمل ذلك. # PageV07P078 # وقال عامة أهل التأويل: (بصوتك)، أي: بدعائك. # وقوله - عز وجل -: (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك). # قال بعضهم: (وأجلب)، أي: اجمعهم، ويقال: وأجلبتهم، أي: أعنتهم -أيضا- وهو ~~قول أبي عوسجة. # وقوله: (بخيلك ورجلك). # يخرج على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: # أحدها: أن يكون له خيل ورجالة من جنسه وجوهره يجلبهم بهم، وإن كنا لا ~~نراهم؛ كما قال: (إنه يراكم هو وقبيله. . .) الآية؛ فجائز أن يكون له خيل ~~ورجالة وجنود لا نراهم نحن، وهم يروننا. # والثاني: على ما ذكرنا: أنه على التمثيل، لكنه ذكر الخيل والرجل؛ لما ~~بالخيل والمشي يصل بعض إلى بعض عند الحاجة إليه في البعد والقرب؛ فذكر ذلك ~~له على ما ذكرنا في الصوت. # والثالث: أنه أضاف كل خيل راكب في معصية الله، أو كل ماش مشى في معصية ~~الله إليه؛ على ما ذكرنا في الصوت: أنه أضاف كل صوت في معصية الله إليه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جزاؤكم جزاء موفورا): # قال القتبي: (موفورا)، أي: موفرا. # وقال غيره: وافرا. # وفي قوله: (لئن أخرتن إلى يوم القيامة) دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن ~~إبليس سأل ربه التأخير والإبقاء له إلى يوم القيامة، وقد علم أنه إذا أعطاه ~~ذلك له يفي ما ms2651 وعد، وأبقاه إلى ذلك الوقت، وهم لم يعرفوا ذلك؛ بل قالوا: ~~إنه يجيء عبد فيقتله؛ فيمنعه عن وفاء ما وعد، والإبقاء إلى الوقت الذي وقت ~~له؛ فهو أعرف بربه منهم، وكذلك قال: (رب بما أغويتني)، وهم يقولون لم يغوه؛ ~~فهو أعرف به منهم. # وقوله - عز وجل -: (وشاركهم في الأموال والأولاد). # PageV07P079 # قال بعض أهل التأويل: مشاركته في الأموال: هي أن يجعلوا له البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحامي؛ على ما كانوا يفعلونه. # وأما الأولاد: فإنهم هودوهم ونصروهم، ومجسوهم، وهو قول قتادة. # وقال بعضهم: مشاركته في الأموال: هي أن يكتسبوها من خبيث وحرام، ~~وينفقونها في مثله وفيما لا يحل. # وأما الأولاد: ما ولدوا من الزنا. # وقال بعضهم: الأموال: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، ويجعلون لها من الحرث ~~والأنعام. # والأولاد: ما ولدوا من الزنا. # وجائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك. . .)، إلى آخر ما ذكر؛ حتى تشاركهم في الأموال ~~والأولاد. # ثم معنى المشاركة له - فيما ذكر، والله أعلم - هو أن هذه الأموال ~~والأولاد لله - تعالى - حقيقة؛ لما هو أنشأها وخلقها؛ فحقيقة الملك له بما ~~ذكرنا، وظاهر الانتفاع لعبيده؛ إذ هذا كله لله بحق المحنة يمتحنهم وحق ~~الانتفاع لهم؛ إذ لا يجوز أن يخلق الله شيئا لمنفعة نفسه، ولكن يخلق لمنافع ~~أنفسهم؛ ليمتحنهم بها. وقد شرع الله لهم شرائع، وشرع لهم إبليس شرائع، وهو ~~ما ذكر: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، فإذا صرفوا ~~ذلك إلى ما شرع لهم إبليس دون ما شرع الله - فقد أشركوه فيها، وكل ما أطيع ~~فيها مما سن لهم إبليس وشرع لهم - فذلك شركته فيها؛ وذلك أن الأولاد في ~~الشاهد إنما تطلب لأحد الوجوه الثلاثة: # إما للاستئناس بهم في حال الوحشة. # وإما للاستنصار بهم والعون على أعدائهم. # PageV07P080 # وإما للذكر بعد الوفاة. # وكذلك الأموال يطلب منها ما ذكرنا: # الانتفاع بها في حال الحياة. # وإما للمعونة على الأعداء. # أو الذكر بعد الموت؛ لخيرات يتركونها، فإذا صرفوها إلى ms2652 ما أمرهم إبليس ~~أشركوه فيها، ومشاركته إياهم في الأموال هي أن يأمرهم ويدعوهم إلى اكتساب ~~ما يحرم، والإنفاق فيما لا يحل وفي الأولاد، وكذلك يأمرهم بالمعصية، ~~ويدعوهم إليه فيطيعونه ويجيبونه في ذلك، فذلك - والله أعلم - مشاركته. # وقوله - عز وجل -: (وعدهم). # قال عامة أهل التأويل: أي: وعدهم أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث، لكن يعدهم ~~بخلاف ما وعد الله، وخوفهم على ضد ما خوفهم الله: ما كان من الله لهم وعد ~~رجاء يكون منه وعد خوف، وما كان من الله وعد خوف، لكون منه وعد رجاء؛ وهو ~~ما قال: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم): أخبر أن ما وعد هو قد ~~أخلف، فذلك تأويل قوله: # (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)، أي: كذبا وباطلا؛ لأنه يخرج كله على خلاف ~~ما وعد. # وقوله - عز وجل -: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # يحتمل قوله: (سلطان) وجوها ثلاثة: # أحدها: القدرة والقهر. # والثاني: في الحجة والبرهان. # والثالث: الولاية. # فأما القدرة والقهر: فليس له عليهم ذلك؛ لأنه لم يجعل له قدرة القهر ~~عليهم شاءوا أو أبوا، وكذلك ليس له عليهم الحجة فيما يدعوهم إليه ويأمرهم ~~به، كقوله يوم القيامة حيت يقول: (وما كان لي عليكم من سلطان. . .) الآية. # وأما سلطان الولاية فإن له ذلك على من اختار اتباعه وتوليه؛ كقوله: (إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه)، وقوله: (إن عبادي) المخلصين الذين أخلصوا # PageV07P081 # إلي، (ليس لك عليهم سلطان) يحتمل قوله: (سلطان)، أي: حجة؛ لأنهم إنما ~~يتبعون أمر الله بحججه؛ فلا يتبعون الشيطان بأمانيه التي يمنيهم، وشبهاته ~~التي يشبه عليهم. # أو أن يكون قوله: (ليس لك عليهم سلطان)، أي: سلطان القهر والغلبة؛ إنما ~~له عليهم الدعاء والتزيين لا غير. # أو أن يكون قوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان): من الحجة والملك على ما ~~ذكرنا؛ إنما سلطانه عليهم سلطان الولاية على الذين يتولونه. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بربك وكيلا). # يحتمل: (وكيلا): عاصفا يعصمك عن تمويهاته وتسويلاته، وناصرا ينصرك على ~~مكائده، أو مفزعا تفزع إليه، أو ms2653 معتمدا تعتمد عليه في جميع أمورك، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم ~~إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو ~~يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا ~~به تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # وقوله - عز وجل -: (ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر). # (يزجي) يجري وشمير ويسوق الفلك في البحر. # قال الحسن: أي: سخر الفلك والسفن لنا في البحر، والدواب في البر؛ لنقطع ~~بها البحار والمفاوز والبراري؛ لنصل بذلك إلى حوائجنا التي جعلت لنا في ~~البلدان النائية والأمكنة البعيدة. # وكذلك قال في قوله - تعالى -: (يسيركم في البر والبحر)، أي: سخر لنا ذلك. # ونحن نقول كذلك: سخر لنا ما ذكر، إلا أن إضافة ذلك إليه على قولنا: إن ~~أفعالنا مخلوقة له. ثم يذكر فيه قدرته وسلطانه وعلمه حيث خلق الخشب، وجعل ~~فيه معنى: يقر على وجه الماء مع ثقله، ومن طبع الشيء الثقيل التسرب في ~~الماء والتسفل فيه، ولا # PageV07P082 # نفهم المعنى الذي به تقر على وجه الماء، وإن كان دون ذلك في الثقل يتسفل ~~فيه ويتسرب. # أو جعل ذلك بطبعه بحيث يقر على وجه الماء ولا يتسرب فيه؛ لطفا منه؛ فمن ~~قدر على إنشاء ما يقر على وجه الماء لمعنى جعل فيه لا نعقله نحن، أو بلطفه ~~- لقادر على إنشاء هذا الخلق وإعادته بعد فنائه وذهابه، وإن كانت عقول ~~الخلائق لا تدرك ذلك، وأفهام البشر تعجز عن دركه؛ فكما قدر على إنشاء ما هو ~~طبعه التسرب في الماء والتسفل فيه، بحيث يقر ويركد على الماء يقدر على ما ~~ذكرنا، وحيث قدر على تسكين الأمواج في البحر؛ ليعبر فيها، ms2654 وخلق رياحا فيها ~~لتجري السفن كما تجري بالماء الجاري؛ فمن قدر على هذا يقدر على ما ذكرنا من ~~الإحياء بعد الفناء. # وفيه ما ذكرنا من تذكير نعمه لنا؛ لنشكره، وتذكيره قدرته وسلطانه؛ لنهاب ~~منه، ولا ننكر قدرته وسلطانه في شيء من الأشياء على ما أنكر قدرته بعض ~~خلقه؛ لقصور عقولهم عن درك ذلك. وفيه وجوه من الدلالة: # أحدها: تعليم الأسباب التي بها يوصل إلى قطع البحار والبراري من اتخاذ ~~السفن والحمل عليها وغير ذلك. # والثاني: تسخير البحار والبراري لنا ما لولا ذلك ما تهيأ لنا استعمال ~~ذلك. # والثالث: دلالة الرسالة؛ إذ لولا خبر السماء، وإلا: ما يعرف أن ما يحتاج ~~إليه هو في تلك البلدان النائية والأمكنة البعيدة، وما يعلم أن ذلك الطريق ~~يفضي إلى تلك الأمكنة إلا بخبر الرسول عن الله، تعالى. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان بكم رحيما). # قال بعضهم: أي: من رحمته أن جعل لكم الفلك والدواب؛ لتصلوا بها إلى ~~أرزاقكم التي في البلاد النائية البعيدة. # وقال بعضهم: إنه لم يزل بكم رحيما إذا تبتم ورجعتم عن ذلك. # أو كانت الآية في المؤمنين؛ فهو لم يزل بهم رحيما، وإن كانت في الأرزاق ~~فيهم جميعا. # فإن قالت الثنوية: إنكم تصفون ربكم بالرحمة والرأفة، وهو يميتكم، ~~ويقتلكم، ويحمل عليكم الشدائد والمؤن العظام؛ فذلك ليس من صفة الرحيم. # PageV07P083 # قيل: إنا قد ذكرنا لكم في غير موضع جواب السؤال: إن المرء رحيم على نفسه، ~~وله الرحمة والشفقة عليها، ثم مع ذلك يحمل على نفسه الشدائد والمؤن العظام؛ ~~لما يأمل من النفع في العاقبة: من نحو الحجامة، والافتصاد، وشرب الأدوية ~~الكريهة، ما لولا ما يأمل من النفع في العاقبة - ما تحمل ذلك. # وكذلك الوالدان فيهما من الرحمة والرأفة لولدهما ما لا يخفى ذلك على أحد، ~~ثم يحملان على ولدهما ما ذكرنا من الشدائد والمؤن العظام؛ لما يأملون من ~~النفع لهم في العاقبة، ثم لا يمنع ذلك من الوصف بالرحمة والرأفة؛ فعلى ذلك ~~الله - سبحانه وتعالى - لا يمنع ما يحمل علينا من الشدائد ms2655 عن أن يوصف ~~بالرحمة، ولا يخرجه ذلك عن الحكمة؛ بل هو على ما قال: (وهو أرحم الراحمين). # وقوله - عز وجل -: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما ~~نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) # أي: بطل ما كانوا يأملون من عبادتهم الأصنام إلا العبادة التي كانت لله؛ ~~فإنه لم يبطل ما يؤمل من عبادتهم إياه؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ~~والأوثان، ويقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، و (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى): فأخبر - عز وجل - عن سفههم؛ لعبادتهم الأصنام، وعجزهم عما ~~ياملون منها في الآخرة، حيث لم يملكوا دفع شيء مما مسهم، وكشف ما أصابهم في ~~الدنيا؛ فكيف يأملون ذلك في الآخرة. # أو أن يكون (ضل من تدعون إلا إياه) أي: ضل الآلهة التي عبدوها دون الله ~~إلا إله الحق المستحق للعبادة؛ فإنه أعانكم ونجاكم من الهلاك. # وقوله - عز وجل -: (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم): # هكذا كانت عادتهم أنهم إذا خافوا الهلاك على أنفسهم - أخلصوا الدعاء لله، ~~كقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين)، الآية، وكقوله: ~~(وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) فلما أنجاهم. . .)، (إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون)، ونحوه. # ويحتمل قوله: (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) عن وفاء ما عهدتم، وإنجاز ما ~~وعدتم؛ لأنهم قالوا: (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)، فأعرضوا عن ~~هذا الوعد، ولم يوفوا ذلك. # PageV07P084 # وقوله - عز وجل -: (وكان الإنسان كفورا). # لنعم ربه، يذكر سفههم من وجهين: # أحدهما: عبادتهم من يعلمون أنه لا ينعم عليهم في حال الرخاء، ولا يدفع ~~عنهم البلاء في حال الشدة. # والثاني: أن في الشاهد من أنعم على آخر نعمة، وأحسن إليه - يشكر له ويثني ~~عليه، وإذا حل به بلاء وشدة من أحد من الخلائق يدعو عليه ويلعنه، فمعاملة ~~أولئك الكفرة مع الله على خلاف معاملة الخلق بعضهم بعضا: يخلصون له الدعاء ~~في حال الشدة والبلاء، ويكفرون نعمه ms2656 في حال الرخاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ~~ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) # على ما خسف قوفا في البر، (أو يرسل عليكم حاصبا). # على ما أرسل على قوم من الحصباء، وهي الحصى؛ فأهلكهم، (ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا): ناصرا ينصركم، أو معتمدا تعتمدون عليه. # وقوله - عز وجل -: (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) # أي: يحوجكم إلى ركوب البحر مرة أخرى، (فيغرقكم بما كفرتم). # أو يذكر هذا أن من قدر على إنشاء ما ذكر من الفلك وإجرائها في البحر، ~~وتسكين أمواجه ودفع أهواله عنكم - لقادر على إهلاككم في البر، وإعادتكم في ~~البحر ثانيا، وإغراقكم فيه. # وفي قوله: (يزجي لكم الفلك في البحر) وقوله: (يسيركم في البر والبحر) - ~~دلالة أن لله في فعل العباد صنعا؛ لأنهم هم الذين يسيرون في البحر، وهم ~~الذين يجرون الفلك فيه. # ثم أضاف الإجراء إلى نفسه، وكذلك السير؛ ليعلم أن له فيه صنعا وفعلا. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا): # قال بعضهم: (تبيعا)، أي: من يتبعنا بدمائكم، ويطالبنا بها. # وقال أبو عوسجة: التبيع: الكفيل، ويقال: المتقاضي في موضع. # وقال غيره: هو من التبعة، أي: لا تجدوا لكم علينا به تبعة، وهو ما ذكرنا. # وقال القتبي: الحاصب: الريح؛ سميت بذلك، لأنها تحصب، أي: ترمي # PageV07P085 # بالحصباء، وهي الحصى الصغار، والقاصف: الريح الشديدة التي تقصف الشجر، ~~أي: تكسرها. وكذلك قال أبو عوسجة: القاصف: الشديدة من الرياح. # وقوله - عز وجل -: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم ~~من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # كرمهم بأن خلقهم في أحسن صوه:؛ كقوله: (وصوركم فأحسن صوركم)، وقومهم في ~~أحسن تقويم وأحسن قامة؛ كقوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، وكرمهم ~~بأن ركب فيهم العقول التي بها يعرفون الكرامات من الهوان، ويعرفون بها ~~المحاسن من المساوي، والحكمة من السفه، والخير من ms2657 الشر، وكرمهم بأن جعل لهم ~~لسانا يتكلمون بها الحكمة وكل خير، وبها يتوصلون إلى درك الحكمة وجمعها، ~~وكرمهم بأن جعل أرزاقهم أطيب الأرزاق وجعل لغيرهم ما خبث منها وما فضل ~~منهم، وكرمهم بأن خلق جميع ما على وجه الأرض لهم؛ كقوله: (خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا)، وكرمهم بأن سخر لهم جميع الخلائق: (وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه)، وجعل بني آدم هم المقصودون بخلق جميع الخلائق ~~ونحوه، وكرمهم حيث جعلهم بحيث يتهيأ لهم استعمال السماء والأرض، واستعمال ~~الشمس والقمر، واستعمال البحار والبراري، وجميع الصعاب والشدائد في حوائجهم ~~ومنافعهم ما لا يتهيأ لغيرهم من الخلائق ذلك؛ فذلك تفضيلهم. # وجائز أن يكون كرم بني آدم؛ لأنه كرم آدم، أوكرم آدم؛ لأنه أسجد ملائكته ~~له، وبعثه رسولا إليهم؛ حيث قال: (أنبأهم بأسمائهم)؛ فلما كرم آدم صار بنوه ~~مكرمين -أيضا- ولهذا نقول بأن الأب يصير مشتوما بشتم ابنه. # وما قال أهل التأويل: إنه فضل بني آدم على غيرهم من الحيوان والدواب؛ حين ~~أكلوا وشربوا هم بأيديهم وسائر الدواب يأكلون بأفواههم - هذا الذي ذكروا هو ~~من التفضيل، إلا أن ذكره له خاصة ليس فيه كثير حكمة وفضل؛ لكن فضلهم وكرمهم ~~بما ذكرنا من وجوه الكرامات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحملناهم في البر والبحر). # هذا تفسير ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم، ثم يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: أن جعل لهم البر والبحر مسخرين؛ حتى يصلوا إلى ما في باطن البحر ~~وظاهره من أنواع المال والمنافع. # PageV07P086 # وكذلك البر سخر لهم؛ حتى يصلوا إلى ما في باطنه من الأموال والمنافع ~~وظاهره. # والثاني: أن جعلهم بحيث يقضون حوائجهم التي كانت لهم من وراء البحر ووراء ~~البر - ما لم يجعل ذلك لغيرهم من الخلائق - قضاء الحوائج من ورائهما، وذلك ~~معنى تفضيلهم الذي ذكر، ثم ما ذكر على أثر قوله: (كرمنا بني آدم)، هو تفسير ~~تفضيله وإكرامه؛ حيث قال: (وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات). # وجائز أن يكون ما ذكر من تكريم بني ms2658 آدم وتفضيله إياهم - هو ما جعل فيهم ~~من الأنبياء، والرسل، والأتقياء، والأخيار منهم - ما لم يجعل ذلك من غيرهم؛ ~~ألا ترى أن موسى - عليه السلام - قال: (اذكروا نعمة الله عليكم) الآية. # وقوله: (ورزقناهم من الطيبات). # هو ما ذكرنا: أن جعل أرزاقهم وغذاءهم ما بلغ في الطيب غايته، ولا كذلك ~~غذاء غيرهم من الدواب ورزقهم؛ لأنهم لا يأكلون إلا بعد أن يستخرجوا منه ما ~~فيه من أذى وخبث وخشونة: من النخالة وغيرها، وفي الطبخ والنضج حتى يبلغ في ~~الطيب واللين غايته. وأما غيرهم من الدواب فإنما يأكلون كما هو نيئا غير ~~مطبوخ ولا نضيج، وفيه من الخبث والأذى. # (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا). # أما بعض أهل التأويل فإنه قال: فضلناهم على كثير ممن خلقنا: على الجن ~~والشياطين، وأصحابهم غير الملائكة. # وقال بعضهم: على كثير ممن خلقنا: من الحيوان والدواب، (تفضيلا): بالأكل ~~بالأيدي، وجعل رزقهم من غير رزق الدواب. # ويحتمل (على كثير ممن خلقنا تفضيلا): ممن على وجه الأرض من الجن وغيرهم؛ ~~لما لم يرسل إلى الجن رسول منهم، ولا أنزل عليهم كتاب على حدة، وما جعل ~~أرزاقهم مما يفضل من البشر من العظام والسرجين وغيره، على ما ذكر؛ فذلك وجه ~~تفضيلهم عليهم. # وأما الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر - فإنا لا ~~نتكلم في شيء من ذلك؛ لما لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ ~~فالأمر فيه إلى الله في تفضيل هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، ليس ~~إلينا من ذلك شيء، ولا جائز أن يجمع بين أشر البشر وأفسقهم وبين الملائكة ~~الذين لم يعصوا الله طرفة عين، فيقال: هم أفضل من الملائكة؛ ولكن إن كان لا ~~بد فإنما يجمع بين الأنبياء والرسل # PageV07P087 # وأتقى الخلائق وبين الملائكة، فيتكلم حينئذ بتفضيل بعض على بعض؛ فهو ما ~~ذكرنا أن الأمر في ذلك إلى الله، ليس إلينا من ذلك شيء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك ~~يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ms2659 (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا (72) # وقوله - عز وجل -: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم). # قال الحسن: هذا صلة قوله: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، فيقول: أي: يوم ~~ندعو كل أناس بإمامهم. # ثم اختلف في قوله: (بإمامهم). # قال بعضهم: ندعو بإمامهم، أي: بدينهم الذي دانوا به وذبوا عنه، ويدعى كل ~~بدينه الذي دان به وذب عنه. # وقال بعضهم: (بإمامهم)، أي: برؤسائهم وأئمتهم الذين أضلوهم، أي: يدعى ~~الأتباع بأئمتهم ورؤسائهم الذين أضلوهم حتى يلوم بعضهم على بعض، ويلعن ~~بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من ~~الذين اتبعوا. . .) الآية، وقوله: (ويلعن بعضكم بعضا)، وقوله: (يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين)، يدعى الأتباع بالمتبوعين. # وقال بعضهم: يدعى كل أناس بداعيهم الذي دعاهم: إن كان رسولا فبالرسول، ~~وإن كان شيطانا فبالشيطان، وهو قريب مما ذكرنا. # وقال بعضهم: (بإمامهم): كتابهم الذي كتب الملائكة أعمالهم فيه. # وقال بعضهم: يدعى بكتابهم الذي أنزل عليهم، يدعى كل بما ذكر؛ ليعلموا أن ~~الحجة قد قامت عليهم، ووجب لهم العذاب باتباعهم ما اتبعوا بلا حجة ولا ~~برهان. # وحاصل أقاويل هؤلاء ترجع إلى وجوه ثلاثة: # PageV07P088 # أحدها: يوم ندعو إمام كل أناس: كان إمامهم في خير أو شر فيجزى له جزاؤه، ~~ثم يكلف هو دعاء أتباعه إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب. # والثاني: يدعى كل إمام ورئيس في خير أو شر بأتباعه الذين يتبعونه فيما ~~يدعوهم إليه نحو كل رسول يدعى بقومه الذين اتبعوه، وكل رئيس وشيطان ~~استتبعهم. # والثالث: (بإمامهم): كتابهم الذي كتب لأعمالهم الذي كتبوا؛ كقوله: (ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم): # كلهم قد يقرءون كتابهم، غير أن المؤمن إذا نظر في الكتاب - فرح به ~~واستبشر بما فيه؛ فسهل عليه القراءة، وهانت لما كان يتبع حجج الله. # وأما الكافر إذا نظر في الكتاب، حزن واغتم به؛ فعسر عليه قراءة كتابه، ~~وهو كقوله: (فأما من أوتي كتابه ms2660 بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه (19) إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه (20) الآية. ويقول الكافر: (يا ليتني لم أوت كتابيه. ~~. .) الآية؛ لأنه اتبع ما اتبع بلا حجة. # أو أن يكون المؤمن إذا نظر في كتابه، رأى سيئاته مغفورة، كقوله: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم) - فرح بذلك، والكافر ~~إذا رأى سيئاته باقية عليه، وحسناته قد بطلت - حزن بذلك واغتم؛ لذلك قال ما ~~قال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~(72) # قال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن توحيد الله والإيمان به مع كثرة ~~آياته ودلالته على وحدانيته - فهو عن الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت - ~~أعمى. # وقال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق - فهو في الآخرة أعمى عن ~~حججه؛ لأنه إذا عمي عن الحق نفسه فهو عن حججه أعمى؛ فتكون (في) بمعنى (عن)؛ ~~إذ الآيات والدلالات على وحدانية الله أكثر وأظهر من الدلالة على البعث ~~والآخرة؛ إذ ليس شيء إلا وفيه أثر وحدانيته ودلالة ألوهيته، ولا كذلك ~~الآخرة؛ فهو عن الإيمان بها أشد عمى. # وقال بعضهم: من عمي في هذه الدنيا عن الإيمان بالله - فهو في الآخرة أعمى ~~عن الإيمان به؛ لأن الدنيا مما يقبل فيها الإيمان، وفي الآخرة لا يقبل؛ وهو ~~ما قال: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون)، أي: حيل بينهم وبين ما يشتهون من ~~الإيمان به، (كما # PageV07P089 # فعل بأشياعهم من قبل)، أي: كما حيل بين أشياعهم وبين الإيمان به، عند ~~معاينة بأس الله وعذابه، وهو قول الحسن. # وقال أبو بكر قريبا من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا؛ ~~لجهله به - فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى، أو كلام نحو هذا. # وقال بعضهم: من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له - فهو ~~في الآخرة يكون أعمى الوجه والحواس؛ كقوله: (لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا)، وكقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما. ms2661 . .) ~~الآية: ما ذكر ذاهبة حواسهم لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم ~~الحواس. # ويشبه أن يكون قوله: (ومن كان في هذه أعمى): بالافتراء على الله (فهو في ~~الآخرة أعمى)، أي: مفتر على الله -أيضا- كقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)، ونحوه: يفترون في الآخرة ويكذبون كما ~~كذبوا في الدنيا، وكقوله: (أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل)، ثم أخبر عنهم ~~فقال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). # وقال قتادة: (ومن كان في هذه أعمى): يقول: ومن كان في الدنيا فيما أراه ~~الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم أعمى (فهو في ~~الآخرة) الغائبة عنه التي لم يرها - (أعمى وأضل سبيلا)، وهو قريب مما ~~ذكرنا. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - ومن كان في هذه النعم أعمى أن يعلم أنها ~~من ألله - فهو في الآخرة أعمى عن حجته، ويقال: عن دين الله، وأضل طريقا، ~~ويقال: أضل عن حجته. # وقال غيره من أهل التأويل: من كان في هذه النعم أعمى - يعني: الكافر - ~~عمي عنها، وهو يعاينها؛ فلا يعرف أنها من الله فيشكر ربها؛ فهو في الآخرة ~~أعمى، يقول: عما غاب عنه من أمر الآخرة من البعث والجزاء - أعمى وأضل سبيلا ~~وأخطأ طريقا، وبعضه قريب من بعض، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~(74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) ~~وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها # PageV07P090 # وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا ~~تجد لسنتنا تحويلا (77) # وقوله - عز وجل -: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ~~غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) # دل هذا على أنه قد كان من الكفرة شيء من الدعاء إلى شيء: يصير به مفتونا ~~لو أجابهم إلى ذلك، وكذلك كانت عادة الكفرة: كادوا أن ms2662 يضلوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ويفتنوه عن الذي أوحي إليه، ويصرفوه عنه، كقولهم: ~~(ائت بقرآن غير هذا أو بدله)، هكذا كانت عادتهم: كانوا يطلبون منه الافتراء ~~على الله والضلال على وجه المكر به، لا ضلال تصريح وكفر تصريح؛ ولكن معنى؛ ~~يؤدي ذلك إلى الضلال والكفر، يريدون منه المساعدة لهم في بعض ما هم فيه بما ~~كانوا يرونه من الموافقة له والمساعدة، لكن الله عصم رسوله عن جميع ما ~~كانوا يطلبون منه؛ بالآيات والحجج التي ذكر في كتابه، وبالعقول؛ كقوله: ~~(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. . .) الآية: أخبر أنهم لا ~~يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضى. ومن لم يكن معصوما يجوز أن ~~يوجد منه حرج مما قضى به، وكقوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة)، ومن لم يكن معصوما يجوز أن يؤذي ولا يلحقه اللعنة، ~~وقوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة. . .) الآية، فمن لم يكن معصوما يجوز أن ~~يكون الخيرة من أمره، وقوله: (وأطيعوا الله ورسوله)، وأمثاله من الآيات مما ~~يكثر عدها. # وكذلك العقول تشهد أنه كان معصوما؛ فمن أراد أن يصرف ويزيل عنه العصمة ~~بتأويل يتأوله في بعض الآيات، أو بحديث يرويه - فإنا لا نقبل تأويله، ولا ~~خبره الذي روى، ونشهد أنه كذب. # ويجوز أن يكون في خبره الذي روى معنى آخر سواه؛ فليس له أن يروي إلا ~~بالمعنى الذي كان فيه؛ فتأويل أهل التأويل أنه ألقى الشيطان ولقنه عند ~~تلاوته: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) - تلك ~~الغرانيق العلا، وشفاعتهن ترتجى. # وقال بعضهم: لا ندعك تستلم الحجر إلا أن تستلم آلهتنا، ونحوه. # PageV07P091 # إن ذلك كله فاسد خيال؛ أنه كان لا يحوم حول أصنامهم في حال صغره، ولا ~~رأوه دنا منها؛ حتى لم يطمعوا ذلك منه ما دام صغيرا؛ فكيف طمعوا ذلك ~~الاستسلام لها بعد ما أوحي إليه وصار رسولا؟! # وكذلك ما ذكروا أنهم طلبوا منه أن يطرد بعض الذين اتبعوه - عنه؛ ليكونوا ~~هم أتباعه؛ فهم أن يفعل ms2663 ذلك فنزل: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك)، لكن ذلك كله فاسد خيال، لا يحتمل ما توهموا فيه؛ لأنهم لم يعرفوه حق ~~معرفته، وإلا لو عرفوه حقيقة المعرفة ما توهموا فيه شيئا من ذلك، وبالله ~~التوفيق والمعونة. # ثم قوله: (ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره). # قد ذكرنا أن عادتهم ذلك إلا أن الله عصمه عن ذلك. # ثم قوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) # فظاهر الآية يرد جميع ما قال أهل التأويل في هذه الآية؛ لأنه يقول: ~~(ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم): أخبر أنه قد ثبته؛ فلم يركن؛ لأنه ~~أخبر أنه قد ثبته؛ فلم يكد أن يركن إليهم. وقال: (شيئا قليلا): سمي ذلك: ~~شيئا يسيرا، ولو كان ما قال أولئك لكان شيئا كبيرا عظيما، بل يبلغ الكفر؛ ~~دل أنه لم يكن ما ذكروا، وقال: (لقد كدت تركن إليهم)، و (كاد): هو حرف ~~بمعنى: قارب، أي: قارب أن يركن؛ كقوله: (تكاد السماوات)، أي: قارب أن ~~يتفطرن، وليس فيه أنه ركن إليهم؛ فقولهم فاسد للوجوه التي ذكرنا أحدها: أنه ~~ذكر، (شيئا قليلا): وما قالوا: كبير عظيم يخاف أن يبلغ الكفر. # والثاني: قال (كدت)، وهو حرف تقارب. # والثالث: ذكر على الشرط: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا)؛ فلم يركن لما ثبته، وهو ما قال إبراهيم: (بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، وما ذكرنا في قصة يوسف: (ولقد همت به وهم بها ~~لولا أن رأى برهان ربه): ليس فيه أنه هم، ولا فيه أنه ركن؛ لأنه خرج على ~~الشرط. # وقال الحسن في قوله: (لقد كدت تركن إليهم)، أي: هممت، لكنه هم به هم خطر ~~خطره إبليس. وكذلك قال في قصة يوسف: همت به هم عزم، وهم بها هم خطر. # PageV07P092 # وقال غيره: أرادوا منه أن يجعل لهم مجلسا على حدة؛ ليسلموا، فهم به أن ~~يفعل ذلك؛ لحرصه على إسلامهم، وإشفاقا عليهم، فمثل هذا يجوز الفعل إلا أن ~~الرسل لا يجوز لهم أن ms2664 يفعلوا شيئا، وإن صغر، إلا بإذن من الله - تعالى - ~~ألا ترى أن يونس - عليه السلام - لما خرج من عند قومه مغاضبا عليهم بغير ~~إذن منه - عاتبه ربه بذلك معاتبة عظيمة؛ حيث قال: (فلولا أنه كان من ~~المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144). ومثل هذا لو فعله غيره ~~من دونهم كان ممدوحا محمودا في ذلك؛ فهذا يدل أن الأنبياء لم يكن لهم صنع ~~شيء وإن قل إلا بإذن من الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا (75) # أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات. # وقال أبو عوسجة: (ضعف الحياة)، أي: مثل الحياة. # وغيره قال: (ضعف الحياة): عذاب الدنيا، (وضعف الممات): عذاب الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا تجد لك علينا نصيرا)، قيل: مانعا. # وقيل: ناصرا ينصرك، وشافعا يشفعك إلينا، والله أعلم. # وقوله: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك ~~إلا قليلا (76) # قال الحسن: قوله: (ليستفزونك)، أي: كادوا ليقتلونك، وليخرجوك منها ~~بالقتل، وقد كانوا هموا قتله، لكن الله عصمه عن ذلك؛ بقوله: (والله يعصمك ~~من الناس). # وقوله - عز وجل -: (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا): # هكذا كان سنة الله في الأمم الخالية أنهم إذا قتلوا نبيهم: لم يلبثوا ~~بعده إلا قليلا حتى أهلكوا. وقال بعضهم: هو على الإخراج نفسه، إلا أن الله ~~أخرجه إخراج هجرة إلى المدينة لما سبق من رحمته وفضله ألا يهلك هذه الأمة ~~إهلاك استئصال؛ فلو كانوا هم أخرجوه - لاستوجبوا به الإهلاك؛ لما كان من ~~سنته في الأولين إهلاكهم إذا أخرجوا رسولهم من بينهم. # وقال بعضهم: على حقيقة الإخراج منهم: أخرجوا رسول الله من بينهم، وفعلوا # PageV07P093 # ذلك؛ فلم يلبثوا بعده إلا قليلا، حتى أهلكهم الله بالقتل يوم بدر وغيره، ~~وهو ما قال: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ~~ناصر لهم): ففيه دلالة أنهم أخرجوه، وأنهم أهلكوا بذلك، وكذلك كانت سنة ~~الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ms2665 ذلك. # وقال أهل التأويل في قوله: (وإن كادوا ليستفزونك)، أي: ليستنزلونك من أرض ~~المدينة؛ حيث نزل بالمدينة؛ قالت له اليهود: إن هذه الأرض ليست بأرض ~~الأنبياء والرسل إنما أرض الأنبياء والرسل أرض الشام؛ فإن كنت نبيا رسولا ~~فاخرج إليها فخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - متوجها إلى الشام، فعسكر ~~على رأس أميال؛ لينتاب إليه أصحابه؛ فنزل به جبريل بهذه الآية، لكن ذكرنا ~~أن هذا وأمثاله لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن يخرج رسول الله من أرض المدينة ~~إلى أرض الشام بقول أولئك اليهود، من غير أن كان من الله إذن له في ذلك، ~~هذا لا يحتمل ولا يتوهم منه ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # ويشبه أن يكون قوله: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك)، أي: ~~كادوا أن يفتنونك بالمكر والكيد والخديعة لك؛ ليستفزونك من الأرض، لا أنهم ~~كانوا يطمعون أن يفتنوه ويضلوه عن الذي أوحي إليه على التصريح والإفصاح؛ ~~ولكن على جهة المكر به والخديعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا (77) # على قول الحسن: السنة في الأمم الذين قبله: أنهم إذا قتلوا الرسول أهلكوا ~~أو عذبوا. # وعلى قول بعضهم: السنة فيهم: أنهم إذا أخرجوا الرسول من بينهم؛ على علم ~~منه: أنهم لا يؤمنون، بعده الإهلاك. وعلى قول بعضهم: على الإخراج نفسه، ~~وهؤلاء قد أخرجوا رسولهم من بيهم بقوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين. . .) الآية. # وقوله: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ~~ناصر لهم)، لكنهم عذبوا تعذيب رحمة وإهلاك رحمة، لا إهلاك استئصال. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجد لسنتنا تحويلا). أي: لعذابنا تحويلا. # PageV07P094 # قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا (78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا (79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا (80) وقل ms2666 جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ~~(82) # وقوله - عز وجل -: (أقم الصلاة). # يحتمل الأمر بإقامة الصلاة: الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي: الزم ~~بها وأدها. # أو اسم التمام والكمال، أي: أتممها وأكملها بالشرائط التي أمرت بها. # ويحتمل قوله: (أقم): فعلها، ولم يفهم من قوله: (أقم الصلاة) الانتصاب على ~~ما ينصب الشيء ويقام به؛ فدل أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره. # وقوله - عز وجل -: (لدلوك الشمس). # اختلف فيه: قال بعضهم: (لدلوك الشمس) زوالها (إلى غسق الليل)، أي: إلى ~~ظلمة الليل (وقرآن الفجر)، أي: صلاة الفجر، فيقول بعض الناس: في هذه الآية ~~بيان أوقات الصلوات الخمس جميعا؛ لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة وهي الظهر ~~إلى ما ينتهي وهي الفجر؛ فعلى هذا التأويل (إلى) لا تكون غاية، ولكن تكون ~~كأنه قال: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لدلوك) اختلف فيه: # قال بعضهم: دلوك الشمس: زوالها (إلى غسق الليل)، أي: إلى ظلمة الليل. # ومنهم من يقول: فيه ذكر صلوات النهار؛ لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها ~~(إلى غسق الليل)، وغسق الليل هو بدؤ ظلمة الليل. # فيدخل زيه الظهر والعصر؛ فعلى تأويل هذا يكون حرف (إلى) غاية لا تدخل ~~صلاة # PageV07P095 # الليل فيه. # ثم تخصيص الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر له بإقامة ~~الصلاة يكون كأنه قال: (أقم لهم الصلاة)، فإن كان هذا، ففيه دلالة صحة صلاة ~~القوم بصلاة الإمام، وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حيث قال: (أقم لهم الصلاة)، ~~ولو كان كل أحد يقيم صلاة نفسه، لكان لا يقول: (أقم لهم الصلاة)، ولكن يقول ~~(صل الصلاة)؛ فدل أنه على ما ذكرنا. # ثم قوله: (لدلوك الشمس): يحتمل وجهين: # أحدهما: أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس أي: تسجد، كقوله: (يتفيأ ظلاله. . ~~.) الآية. # والثاني: أقم الصلاة للوقت الذي يتلو دلوك الشمس الصلاة وأقم قراءة ~~الصلاة. # ثم تخصيص الفجر لما ذكر حيث قال: (إن قرآن الفجر ms2667 كان مشهودا)، التخصيص ~~لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها بقوله: أقم قرآن الصلاة على ما ~~ذكرنا. # ثم قوله: (إن قرآن الفجر كان مشهودا) أي: لم يزل في علم الله كان مشهودا، ~~أو صار مشمهوذا، ثم قال: (وقرآن الفجر): وهي صلاة الفجر، وإنما ذكر صلوات ~~النهار فدخل صلوات الليل بقوله: (ومن الليل فتهجد به)، لكنهم يقولون: إن ~~التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء فلا يصح هذا. # ومنهم من يقول: (لدلوك الشمس) غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره. # وقال بعضهم: فيه ذكر صلوات الليل؛ لأنه ذكر بدو ظلمة الليل، وذلك ~~بالغروب، وقرآن الفجر وهو آخر ما ينتهي ظلمة الليل؛ لأنه يبقى ظلمة الليل ~~إلى وقت الفراغ من الفجر. # وقوله - عز وجل -: (وقرآن الفجر). # PageV07P096 # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال: أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس، وأقم -أيضا- صلاة الفجر؛ لأنه نسق على الأول، ويحتمل قوله: (وقرآن ~~الفجر)، أي: قراءة الفجر، أي: أقم قراءة الفجر. # ويجوز أن يقال: (القرآن) مكان (القراءة)، كقوله: (فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه) أي: قراءته. # ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا؛ لأنه نسق على الأول ~~على ما ذكرنا كأنه قال (أقم القراءة). # ومنهم من يقول: إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول ~~القراءة فيها لتقصيره عن الأربع؛ لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين فحث ~~على قراءتها لهذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن قرآن الفجر كان مشهودا). # قال عامة أهل التأويل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي: حرس الليل ~~وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعن الصحابة. # وقوله: (إن قرآن الفجر كان مشهودا): أي: قراءة الفجر تشهدها ملائكة الليل ~~وملائكة النهار، على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار، وإلا ~~جاز أن يقال فيه بوجه آخر: وهو أن تشهده القلوب والسمع والعقول؛ لأن ذلك ~~الوقت هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل ms2668 عن الاستماع ~~والفهم عنه ما لا يكون # PageV07P097 # ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء؛ لأنها بقرب من ~~الأشغال والحوائج، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي ~~أوقات الفراغ عن الاشتغال: وهي المغرب والعشاء، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت ~~عن غيره؛ لأنه بعد فراغ النوم، وقبل هجوم وقت التقلب، فالقراءة فيها ~~والقلوب أشهد لها، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا (79) # قال بعضهم: النافلة: الغنيمة، كقوله: (يسألونك عن الأنفال) أي: الغنائم، ~~وقوله - عز وجل -: (نافلة لك)، أي: غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو ~~هذا. # وقال الحسن: قوله: (نافلة لك): أي: خالصة لك، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو ~~عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء. # وقال بعضهم: ذكر أنه نافلة له؛ لأنه كان مغفورا له فما يعمل يكون له ~~نافلة، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم ~~نافلة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). # قال: (يبعثك ربك مقاما محمودا)، تحمد عاقبته بالتهجد، أي: يبعثك ربك ~~مقاما تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا. # وقال بعضهم: (مقاما محمودا) ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون. # وقال بعضهم: (مقاما محمودا) هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي: تشفع لأمتك ~~وأهل العصيان منهم. # وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: (فتقعد مذموما مخذولا)، ~~وقوله: (فتقعد ملوما محسورا)، وقوله: (فتلقى في جهنم ملوما مدحورا)، وما ~~ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: (عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا) إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه، ~~وأقمت له الصلاة والصيام. # وقوله - عز وجل -: (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا (80) # PageV07P098 # ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله ms2669 - صلى الله عليه وسلم - حيث أمره أن ~~يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: (رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق)، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن ~~يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه. # وق ل تكلم أهل التأويل في ذلك. # قال بعضهم: قوله: (رب أدخلني مدخل صدق)، كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب ~~أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى ~~مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهرا عليهم)؛ ألا ترى أنه قال: (واجعل لي ~~من لدنك سلطانا نصيرا) عليهم ففعل الله ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير ~~موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة: # يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة. # ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة. # ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضا، وقد كان - بحمد الله ومنته - ~~لرسول الله على الكفرة ذلك كله. # وقال بعضهم: (رب أدخلني مدخل صدق) في مكة؛ ليعلم أهل مكة أني قد بلغت ~~الرسالة (وأخرجني مخرج صدق)؛ ليعلم يهود المدينة أني نصرت وبلغت ما أمرت ~~به. # وقال الحسن: أخرجني من مكة مخرج صدق. وأدخلني في الجنة مدخل صدق. # وقال بعضهم: (رب أدخلني مدخل صدق) فيما حملتني من الرسالة والنبوة، وما ~~أمرتني به لأؤديها على ما أمرتني، وأبلغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني، ~~(وأخرجني مخرج صدق)، أي: أخرجني مما كلفتني سالما لا تبعة علي، أو كلام ~~نحوه. # وأصله: كأنه أمره أن يسأل ربه الصدق في جميع أفعاله وأقواله؛ وفي جميع ما ~~يعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه؛ إذ لا يخلو العبد من هذين: من ~~الدخول في أمر والخروج منه، سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج. # PageV07P099 # وقال مجاهد: (رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) في الرسالة والنبوة، ~~وهو ما ذكرنا. ms2670 # وقوله - عز وجل -: (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا). # قال بعضهم: حجة منه، وقد أقامها على الكفرة. # وقال بعضهم: (سلطانا نصيرا)، أي: اجعل في قلوب الناس هيبة، ليهابوني، وقد ~~كان من الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين. # وقال بعضهم: هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام ~~ونحوه. # وقيل: السلطان: هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية؛ ~~لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا: أن الولاية إقامة الأحكام. # ثم قيل في الصدق والإخلاص: # قال بعضهم: الإخلاص: هو ألا يجعل الشخص بقلبه نصيبا لأحد سواه، والصدق ~~وإن جعل لا يجد لذلك لذة، الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله لا ~~يجعل لنفسه شيئا من الفضل، وعلى ذلك يلزمه الشكر لرته في جميع خيراته. # وعن الحسن قال: لما مكر كفار مكة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فأراد الله بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج ~~منها مهاجرا إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله: (وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)؛ وعده الله لينزعن ~~ملك فارس والروم ويجعله لأمته. # وقوله - عز وجل -: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # قال بعضهم: (جاء الحق) وهو الإسلام. # وقيل: (جاء الحق): القرآن. # وقيل: (جآء ألحق) أي: محمد. # أو يقول: جاءت آثار الحق فذهب الباطل وآثاره. # PageV07P100 # أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته، والحق: يحتمل ما ~~ذكرنا من الإسلام ورسول الله. # وقوله - عز وجل -: (وزهق الباطل)، أي: ذهب وبطل غيره من الأديان، وغيره ~~من المذاهب، وعبادة الأصنام ونحو ذلك. # قالوا: وأصله: أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول؛ لما كانوا ~~فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل ~~الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى حتى بعث الله محمدا، ليدعوهم إلى ~~دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله، ويخرجهم من ~~تلك ms2671 الحيرة التي كانوا فيها، ففعل - صلى الله عليه وسلم - فذلك الذي قال ~~الله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل)، أي: (جاء الحق) الذي كانوا فقدوه ~~فسروا بذلك، (وزهق الباطل)، أي: ذهب واضمحل، (إن الباطل كان زهوقا)، أي: ~~ذاهبا مضمحلا، لا يجدي خيرا، ولا يعقب لأهله نفعا، والحق هو الذي يعقب ~~ويجدي نفعا لأهله. # ثم قوله: (جاء الحق وزهق الباطل) لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق: ~~الانتقال من مكان إلى مكان، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان ~~وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل ~~وذهابه: فناه واضمحلاله وتلاشيه، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما ~~فهموا من مجيء الأجسام والأجساد؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله: (وجاء ~~ربك): الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك لا يفهم من قوله: (ثم استوى على ~~العرش) استواء الخلق، ولا من نزوله: نزول الخلق؛ على ما لم يفهم مما أضيف ~~إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا من الله ~~غير الذي فهموا من الآخر؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله تعالى ما ~~يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في ~~معنى من المعاني، أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه؛ (ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير)، وقوله: (سبحانه وتعالى عما يصفون)، وتعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا (82) كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر، حيث قال: (وننزل) ~~ولم يقل: (ونزلنا من القرآن ما هو شفاء). # وجائز أن يكون قوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء): نفس القرآن، وهو ما ~~ذكرنا. # PageV07P101 # ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم، وكأن في ذلك شفاء ~~للمؤمنين، كقوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم. . .) الآية. # أو نقول بأنه يجوز (نفعل) بمعنى (فعلنا)، وذلك كثير في القرآن. # ثم قوله: ms2672 (ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)، أي: شفاء للمستشفين في الدنيا، ~~ورحمة لمن تمسك به في الآخرة، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا، ورحمة في ~~الآخرة لمن تمسك به، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين ~~الاستخقاف والاستهزاء والاستثقال، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال ~~فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن تفسه شفاء ونورا، وهكذا في الشاهد أن من ~~أبصر شيئا إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين ~~جميعا؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئا، وإن كان نور الهواء متجليا ~~وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجليا، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء. # فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئا إلا بنورين: نور البصر، ~~ونور الهواء، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه؛ لما سترت الظلمة نور ~~قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه، وهكذا الأدوية؛ فإنها لا تجدي ~~نفعا وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة؛ لأن الطبع إذا لم ~~يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها، ولم تكن له شفاء، وصارت ~~كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه ~~شفاء ونورا - ضار للكافر عمى وخسارا، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ~~ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجسا وطغيانا ونفورا، وهو ما قال: (ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~كان يئوسا (83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) ~~ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا ~~رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ولقد ~~صرفنا للناس في هذا القرآن من ms2673 كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) # وقوله - عز وجل -: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه): # PageV07P102 # فيشبه أن يكون النعمة التي ذكر هو محمد؛ لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة ~~وعمى لا يجدون السبيل إلى دين الله، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا)، فذلك ~~الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم، فبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~ليدعوهم إلى دين الله ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة أعرضوا عنها ~~وتباعدوا عنها. # ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل إنه إذا وسع عليه الرزق والعيش أعرض ~~عن الدعاء له وتباعد بجانبه. # وقوله - عز وجل -: (وإذا مسه الشر كان يئوسا)، أي: يائسا من الخير ألا ~~يعود إليه أصلا، وهكذا كانت عادتهم أنهم كانوا يخلصون الدعاء له إذا مسهم ~~سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا تجلى ذلك عنهم وانكشف، كقوله: (فإذا ~~ركبوا في الفلك. . .) الآية. (وإذا أنعمنا على الإنسان. . .) الآية. ~~وأمثاله، وكان الناس كلهم فرقا أربعة: # منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا: أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة ~~ويكفرون في حال الرخاء. # ومنهم من كان يؤمن به في حال الرخاء والنعمة ويكفر به في حال الشدة، ~~كقوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) الآية. وهم أهل النفاق. # ومنهم من يكفر به في الأحوال كلها كقوله: [ ... ]. # والفرقة الرابعة هم أهل الإسلام يؤمنون به في حال الرخاء وحال الشدة في ~~الأحوال كلها، على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله: (وإذا ~~مسه الشر كان يئوسا) من الأصنام، كقوله: (ضل من تدعون إلا إياه)، فيكون ~~إياسهم من الأصنام التي عبدوها. # لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس عن الخير من أن يعود ~~إليهم. # وقوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ~~لسنا نعلم إزاء أي سبب كان هنالك حتى قال: (قل كل يعمل على شاكلته)؛ إذ إنه ~~يجوز أن يقال ms2674 هذا بلا سبب كان منهم، لكن يشبه أن يكون، قال هذا على الإياس ~~من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة # PageV07P103 # آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عنادا وإنكارا، فقال عند ذلك: (قل ~~كل يعمل على شاكلته)، أي: على دينه وطريقته، كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، ~~وكقوله: (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء ~~مما تعملون) فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه، ثم قال: ~~(فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا)، أي: ربكم أعلم بمن منا على الهدى، ومن ~~ليس. # أو من منا أهدى سبيلا نحن أو أنتم؟ # وقال أبو عوسجة: الشاكلة: الحاضرة أي: على ناحيته. # وقال القتبي: شاكلته، أي: على خليقته وطبيعته. # وقال قطرب: على طريقته، وكأن هذا أشبه. # وقال بعضهم: على نيته. # وقيل: على دينه ومذهبه. # وقيل: على جديلته ومنهاجه، وكله يرجع إلى واحد. # ويشبه أن يكون: أي: كل يعمل بما هو الشبيه به وما هو يشبهه؛ لأن الشكل هو ~~ما يشبه الشيء، يقال: هذا شكل هذا، وقوله: (قل كل يعمل على شاكلته) على قول ~~من يقول على خليقة خلق عليها؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها، ~~والله أعلم. # وقوله: (إن الباطل كان زهوقا) قيل: ذاهبا باطلا، لا يجدي لأهله نفعا؛ ~~لأنه يتلاشى ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعا ويبقى، وعلى ذلك ضرب الله مثل ~~الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت؛ ~~فقال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض) وقد ذكرناه في موضعه: ضرب مثل الباطل بالزبد وهو ~~يتلاشى، لا ينتفع به؛ فعلى ذلك الباطل، وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في ~~الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل -أيضا- بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من ~~فوق الأرض ما لها من قرار بقوله: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة. . .) ~~الآية، وضرب مثل الحق # PageV07P104 # بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات قرار وثبات بقوله: (ألم تر ms2675 كيف ضرب ~~الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء). # فهو على ما وصفها: الحق ثابت باق وله قرار ينفع أهله، والباطل يرى ثم ~~يتلاشى ولا بقاء. # وقوله - عز وجل -: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا (85) اختلف فيه: # قال أبو بكر الأصم: الروح: القرآن هاهنا، كقوله: (ينزل الملائكة بالروح ~~من أمره) وكذلك قوله: (أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان. . .) الآية، (قل الروح من أمر ربي)، أي: من تدبير ربي، ما لو ~~اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله. # فإن قيل: كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن؟ فقال: سموه: قرآنا ~~وروحا على ما عنده - أعني: عند رسول الله - كقوله: (وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام) وهم لم يكونوا أقروا أنه رسول، ولكن سموه: رسولا؛ لما أنه عند ~~نفسه وزعمه رسول، أي: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام؟ فعلى ذلك ~~قوله: (ويسألونك عن الروح) وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي: ~~من تمسك به نجا من هلاك الضلال. # وقوله - عز وجل -: (قل الروح من أمر ربي)، أي: بأمر ربي ينزل. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (الروح من أمر ربي)، أي: من خلق ربي، ~~وهما واحد. # وقال بعضهم: الروح: هو الملك وإنما سألوه عنه، كقوله: (تنزل الملائكة ~~والروح فيها): يعني: الملك. # وقال بعضهم: إنما سألوا عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم ~~يجبهم، فوكل أمره إلى الله لما لا يدركون ذلك لو بين لهم وأمثاله. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج ~~بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، ~~وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله: (يسألونك عن الخمر والميسر. . ~~.) الآية. و (يسألونك عن الأنفال. . .) الآية، (ويسألونك عن اليتامى) # PageV07P105 # (يسألونك عن المحيض)، (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن)، مثل ~~هذا ms2676 ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بيانا شافيا، وقال ~~هاهنا: (قل الروح من أمر ربي). # وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله: (وجادلهم. . ~~.) الآية، وقال: (فلا تمار فيهم. . .) الآية. ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في ~~الكلام؟ # لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض ~~فيه إلا حيرة وضلالا نحو ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق " لأنه لا يدرك، فالتفكر ~~فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيها، وأما الخوض في الذي يدرك ويعقل ~~فإنه لم ينه عن مثله. # وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من ~~الآيات مق ذلك قوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن. . .) الآية. ونحوه. # قال الشيخ - رحمه الله -: أو لا نفسر الروح ما هو؟ لما لا يعلم ما أرادوا ~~بالروح وهم قد علموا ما أرادوا. # أو علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوا، وإنما سألوا ذلك عما ~~في كتبهم؛ ليعلموا صدقه فيما يدعي من الرسالة؛ لما علموا أن غير الرسول لا ~~يعلم ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). # قال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم وما جاءكم إلا قليلا. # وقال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي أنشأه والعلم الذي عنده إلا ~~قليلا، وهو هكذا: أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم ~~نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها، وذلك أما نعلم أن البصر يبصر، والسمع ~~يسمع، واللسان ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرجل تمشي، والعقل يدرك، لكن لا ~~نعلم المعنى الذي جعل فيه به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يأخذ وبه يمشي وبه ~~يدرك، وكذلك نعرف هذه الحيوانات التي نشاهدها ونعايشها بأن هذا حمار، وهذا ~~ثور، وهذا كذا، ولكن لا نعرف المعنى الذي به صار هذا حمارا، أو ms2677 هذا ثورا، ~~وكذلك كل جواهر وأجناس، فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل ~~منها - ظواهرها - وأما الحقائق فلا. # وقوله - عز وجل -: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا (86) من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي ~~أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: (لئن # PageV07P106 # اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) لما ~~خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدل أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية ~~فريقان: الحشوية، والمعتزلة. # أما الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل ~~به موصوفا، وإنه لا يزايله، ثم إنهم يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو ~~في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا ~~يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب. # قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أما الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ~~ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك. # وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن ~~مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل ~~العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بين. # وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا ~~على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ ~~فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا ~~كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتا يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك ~~الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك. # وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: ~~(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)، أن يكون صلة قوله: (ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي) (ولئن شئنا لنذهبن ms2678 بالذي أوحينا إليك) حتى لا ~~يظفر به، وإلا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنه لو شاء لذهب ~~بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن. # وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن ~~يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، ~~وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولا إليهم فضلا واختصاصا لا استحقاقا ~~منه واستيجابا، كقوله: (والله يختص برحمته من يشاء)، وقوله: (قل إن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء) أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصا منه ~~وفضلا، لا استحقاقا منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه. # PageV07P107 # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: # أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحدا لرسالته ونبوته إلا من كان ~~مستحقا لها ومستوجبا لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولا، ~~وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله. # والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم ~~برفع ما أوحى إليه وأرسله، وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما ~~أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة ~~وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوا عن ذلك، دل أنه قد ~~يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين. # وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولا ولا أوحى إليه ~~وحيا؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان ~~خلقه إياهم عبثا ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ~~ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: (إلا ~~رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) وقوله: (إلا رحمة من ربك). # أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله -أيضا- في إبقاء ذلك كبيرا. # وفيه ms2679 أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ ~~حيث قال: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)، أخبر أنه لو شاء، لذهب ~~بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دل أن له قدرة في فعل العبد. # وفي قوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) وجه آخر من الحكمة؛ وهو ~~أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلا ~~ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجري على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)، ثم لو ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: ~~به، كقوله: (ليس كمثله شيء)، أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدل أن قوله: ~~(لا يأتون بمثله)، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا ~~يقدروا على # PageV07P108 # إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشد وأبعد؛ إذ نظم الشيء ~~وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن ~~يعاينوها ويشاهدوها. # وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثا إلى الإنس والجن جميعا حيث ~~قال: (لئن اجتمعت الإنس والجن)؛ لأنه لو لم يكن مبعوثا إلى الفريقين جميعا ~~لم يكن لذكرهما معنى وفائدة. # وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن كذلك لم يكن ~~لذكر أولئك معنى، ثم جائز أن يكون قوله: (لئن اجتمعت الإنس والجن)، أي: ~~الإنس مع الجن، أو هؤلاء مع هؤلاء، (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله). # وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر، ~~وقولهم: (ما هذا إلا إفك مفترى)، وقولهم: (إن هو إلا رجل افترى على الله ~~كذبا)، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا ms2680 من هذين، من ~~الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه. # والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ذلك إلا سفيه أظهر ~~الله سفهه وكذبه في القرآن؛ حيث قال: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين). (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء)، لم يسأل التوفيق إن كان هو حقا، ولكن سأل العذاب؛ دل أنه ~~كان سفيها، فآية السفه: (إن هذا إلا أساطير الأولين)، ثم ارتاب فيه وشك ~~بقوله: (إن كان هذا هو الحق من عندك)، وإلا لم يطمع ولم يخطر ببال أحد من ~~الخلائق التكلف لذلك، دل أنه آية معجزة من الله تعالى. # ثم اختلف في قوله: (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) # قيل: مثل نظمه ورصفه. # وقيل: مثل حقه وصدقه. # ويحتمل مثل حججه وبراهينه. # ويحتمل مثل علمه وحكمته. # ويحتمل مثل إحكامه وإتقانه. # يحتمل قوله: (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) هذه الوجوه ~~الخمسة التي # PageV07P109 # ذكرنا. # ثم قوله: (بمثله) يحتمل ما ذكرنا؛ أي: بالذي رفع وذهب به؛ على التأويل ~~الذي جعلناه صلة قوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)، (لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) الذي ذهب به ورفع (لا يأتون ~~بمثله)، أي: لا يقدرون على إتيانه. # وإن كان على الابتداء، فهو على المثل؛ أي: لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، ~~على ما لم يقدروا عليه بعدما قرع سمعهم هذا فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ~~ليخرج قولهم صدقا وقول الرسول كذبا، فإذ لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا؛ دل ~~أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا (89) # أي: بينا، وتحتمل ضربنا، وتحتمل فرقنا للناس: # (من كل مثل)، أي: ذكرنا للناس مثلا على أثر مثل، ومثلا بعد مثل ما لو ~~تفكروا فيه، وتأملوا ms2681 لعرفوا صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذب ~~أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمحق من المبطل، ولكن لم يتفكروا ~~فيه ولم يتأملوا وعاندوا. # وقوله - عز وجل -: (من كل مثل). # لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكرنا من كل مثل لو تأملوا فيه، وتفكروا، ~~لكان لهم معتبرا. # وفي قوله: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)، يكون ما ذكر من ~~تصريف الأمثال وضربها للناس من وجوه ثلاثة: # أحدها: ضرب المثل لهذه الأمة من شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وغيره من مكذبهم ومصدقهم بالأمم الماضية ماذا حل بهم بالمكذبين منهم رسل ~~الله من نقمته وعذابه، وقد أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن ~~سنته تلك لا تحول، ولا تبدل، وهو قوله: (ولن تجد لسنة الله تبديلا)، و ~~(تحويلا)، فهي لا تبدل، ولا تحول فكانت لأولئك معجلة ولهذه الأمة مؤخرة، ~~وهي غير محولة ولا مبدلة لواحدة من الأمم. # والثاني: يحتمل تصريف الأمثال هو ما بين لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ~~ومعادهم، وصلاح دينهم ودنياهم ما لو تأملوا فيه وتفكروا، أدركوا ذلك. # PageV07P110 # والثالث: يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، كقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة). # إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) يحتمل أبى أكثر الناس إلا ~~كفورا بالأمثال التي ضربها في القرآن، وصرفها لهم. # أو يقول: فأبى أكثر الناس إلا كفورا بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو ~~كفورا في وحدانية الله وألوهيته. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو ~~تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من ~~زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي ms2682 هل كنت إلا بشرا رسولا (93) # وقوله. عز وجل.: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب. . .). # إلى آخر ما ذكر من الأسئلة، يشبه أن تكون هذه الأسئلة جميعا من فريق ~~واحد. # ويجوز أن يكون من كل فريق سؤال، لم يكن ذلك من غيره من الفرق؛ كقوله: ~~(وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا)، كان من كل فريق غير ما كان من الآخر؛ ~~كان من اليهود: كونوا هودا تهتدوا، ومن النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ~~ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك. # ثم إن الذي حملهم على هذه الأسئلة المحالة الفاسدة وجوه: # أحدها: سؤاله بما كان يعدهم رسول الله الجنان، والأنهار الجارية، ~~والبساتين المثمرة إن هم تابوا وأجابوا، وكان يعدهم العقوبات إن تركوا ~~إجابته من إسقاط السماء كسفا كقوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ~~من الغمام. . .) الآية، سألوه ذلك استعجالا منهم؛ على الاستهزاء، كقوله: ~~(يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) أو أن يكون أهل الكتاب علموا مشركي العرب ~~الذين لا كتاب لهم هذه الأسئلة الفاسدة المحالة التي عرفوا أنهم لا يجابون ~~فيها ليسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فإنه لا يجيبهم ليرى ~~السفلة منهم والأتباع أن لو كان رسولا لأجابهم؛ فيتمادون في طغيانهم ~~وضلالتهم، ويبغون عليهم ثم عليه. # أو أن يكون الرؤساء منهم والقادة سألوه عن ذلك، على علم منهم أنه لا ~~يجيبهم؛ # PageV07P111 # ليرى، أتباعهم وسفلتهم أنهم قد حاجوا رسول الله، واعترضوا لحججه وبراهينه ~~لئلا ينظروا إلى حججه وبراهينه؛ لتبقى لهم الرئاسة والمنافع التي كانت لهم، ~~ولا يذهب ذلك عنهم. # ثم بين أن أسئلتهم التي سألوها سؤال تعنت عن عناد لا سؤال استرشاد، وحاجة ~~- ما ذكر في قولهم: (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا (92) # وقوله. عز وجل -: (أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه (93) # دل هذا كله أن سؤالهم إياه كله سؤال معاندة، لا سؤال استرشاد واستهداء؛ ~~لأنه ms2683 لو كانوا يسألون ما يسألون سؤال استرشاد واستهداء، لكانوا لا يسألون ~~إسقاط السماء عليهم؛ إذ لا منفعة لهم في ذلك وإن في سؤالهم الجنة منفعة، ~~يذكر سفه القوم وتعنتهم وسوء معاملتهم رسول الله. # ثم الحكمة والفائدة في جعل سفههم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة؛ ليعرف ~~المتأخرون معاملة السفهاء إذا بلوا بهم أن كيف يعاملونهم بمثل معاملة رسول ~~الله؟! # وقوله. عز وجل.: (قل سبحان ربي) أمره أن ينزه ربه عن أن يكون لأحد ~~الاحتكام عليه والحكم، والذي سألوه احتكام منهم على الله. # وفي قوله: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا). # ينزه ربه عن أن يملك سواه ما سألوا من إتيان الجنة وغير ذلك مما ذكر في ~~الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هل كنت إلا بشرا رسولا). # أي: هل كنت إلا بشرا كغيره من الرسل الذين كانوا من قبل من البشر، فلم ~~يسألوهم بمثل الذي تسألونني أنتم من الأسئلة. # أو إن سألوا ذلك فلم يجابوا، كقوله: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل)، أو أن يكون قوله: (هل كنت إلا بشرا رسولا)، أي: ليس للرسول ~~أن يعترض على المرسل بشيء، إنما على الرسول تبليغ ما أرسل وأمر بتبليغه. # أو يقول: إني لا أملك مما تسألونني سوى تسبيح ربي وتنزيهه. # وقوله: (قل سبحان ربي) أي: تعاظم ربي، وتعالى عن أن يكون لعباده عليه ~~احتكام # PageV07P112 # أو اختيار. # وقال أبو عوسجة والقتبي: الينبوع: العين، والينابيع: جمع؛ والكسفة: ~~القطعة، والكسف: جمع. # وقال غيره: الكسف - بالجزم -: عذاب، وكسفا مثل قطعا، قال أبو عوسجة: ~~(قبيلا)، أي: معاينة، وقال: هو من المقابلة. # (بيت من زخرف)، أي: من زينة. # وقال أبو عوسجة: المزخرف: المزين، يقال: زخرفت البيت، أي: زينته. # (أو ترقى في السماء)، أي: تصعد. # (ولن نؤمن لرقيك)، أي: لارتقائك، وهو من الارتفاع. # وقال بعضهم: (كسفا) بالجزم، أي: جانبا، وكسفا: مثل: قطعا. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا (94) قل لو كان ms2684 في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم ~~أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم ~~جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ~~أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله ~~الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ~~فأبى الظالمون إلا كفورا (99) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا (100) # وقوله - عز وجل -: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) أي: إذ ~~جاءهم الرسول بالهدى (إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا)، وقال في آية ~~أخرى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين)، لكن هذا على الإياس عن إيمانهم، إنهم لا يؤمنون إلا ~~عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم. # PageV07P113 # وأما قوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا)، فيخرج هذا القول منهم مخرج الاحتجاج: لو شاء الله أن ~~نؤمن لأنزل ملائكة كقوله: (قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة). ففيه يوضح ~~الشبهة لهم أن يقولوا: هو بشر ونحن بشر، فليس هذا أولى بالرسالة إلينا من ~~أن نكون نحن رسلا إليه، فذلك موضع الشبهة، فأجابهم لذلك لما استنكروا ~~واستبعدوا بعث الرسول إليهم من جوهرهم وجنسهم، فقال: (قل لو كان في الأرض ~~ملائكة يمشون مطمئنين ... (95) أي: مقيمين ساكنين فيها (لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا)؛ ثم اختلف فيه. # قال بعضهم: (لو كان في الأرض ملائكة)، أي: لو كان سكان الأرض ملائكة، ~~فبعث إليهم رسولا منهم أكان لهم أن يقولوا: (أبعث الله بشرا رسولا)، أي: ~~أبعث الله إلينا من جوهرنا؟! أي: ليس لهم أن يقولوا ذلك؛ فعلى ذلك إذا كان ~~سكانها ms2685 البشر ليس لهم أن يقولوا: أبعث الله إلينا من جوهرنا رسولا. # والثاني: لو كانت الأرض مكان الملائكة، وهم سكانها، لكان لكم أن تقولوا: ~~(أبعث الله بشرا رسولا) من غير جوهرنا، فاما إذا كانت الأرض مكان البشر، ~~وهم سكانها، فليس لهم أن ينكروا بعث الرسول منهم ومن جوهرهم؛ لأنهم لا ~~يعرفون الملائكة، ولا من كان من غير جوهرهم، ويعرفون من كان من جوهرهم، ~~فبعث الرسول من جوهرهم أولى بهم من غير جوهرهم. # أو يقول: لو كان في الأرض ملائكة وبشر، فعرفوا الملائكة، لكان لهم أن ~~يسألوا رسولا من الملائكة لما عرفوهم، فأما إذا كان سكان الأرض ليسوا إلا ~~بشرا فليس لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا قوى الملائكة، ولا قوى الجن، ~~وقد عرفوا قوى البشر فيعرفون الآيات والحجج من التمويهات إذ عرفوا قواهم ~~ولم يعرفوا قوى الملائكة والجن؛ فلا يعرفون ما أقاموا أنها آيات وحجج، أو ~~كان ذلك بقواهم، ويعرفون ذلك من البشر إذا خرجت من احتمال وسعهم وقواهم. # وبعد فإنهم قد أقروا برسالة البشر؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة إلا بخبر من ~~البشر أنه ملك؛ إذ لم يكن لهم خلطة معهم ليعرفوهم؛ وإنما يعرفونهم بخبر من ~~البشر: أنه # PageV07P114 # ملك؛ فليس لهم أن ينكروا رسالة البشر. # وأصله ما قال: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)؛ لما ذكرنا أنهم لا يعرفون ~~الملائكة، ومن كان من غير جوهرهم؛ فلا بد من أن يكون رجلا، فكان في ذلك ~~تلبيس عليهم على ما أخبر، والله أعلم. # وقوله. عز وجل.: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا (96) # قال بعضهم: كفى بما أقام الله من الآيات والحجج على رسالتي وأني رسول ~~إليكم؛ إذ كان ذلك في قول كان من أولئك الكفرة من إنكار الرسالة. # وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على الإياس من إيمانهم كقوله: (لا حجة بيننا ~~وبينكم الله يجمع بيننا. . .)، الآية. # وقوله - عز وجل.: (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا). # يذكر هذا. والله أعلم. بأنه عن علم بإجابتهم وردهم. بعثه إليهم رسولا لا ~~عن ms2686 جهل بأحوالهم، وليس فيما يعلم أنهم يردون، ولا يجيبون رسله خروج عن ~~الحكمة؛ لأنه ليس في إجابتهم منفعة للرسل، ولا في ردهم ضرر له، وإنما ~~المنفعة في الإجابة لهم، وفي الرد الضرر عليهم؛ لذلك لم يكن في بعث الرسل ~~على علم منه بالرد خروجا عن الحكمة أوفي الشاهد كان خروجا عن الحكمة؛ لأن ~~في الشاهد إنما يبعث الرسول لمنفعة تتأمل وتصل إليه أو دفع ضرر عنه، فإذا ~~علم أنه يرد رسالته، ولا يجيب، كان في بعث الرسول إليه بعد علمه بالرد خروج ~~من الحكمة. # أو يخرج قوله: (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) على الوعيد، وكذلك أمثاله. # وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى)، يقولون له: منعنا القضاء والقدر؛ إذ من قولهم: إن ما يفعل الإنسان ~~من فعل أو معصية أو طاعة، فإنما يفعل بقضائه وتقديره؛ فيكون لهم الاحتجاج ~~عليه بأن يقولوا: منعنا قضاؤك وتقديرك. # لكن هذا فاسد؛ لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم لأن الله. ~~تعالى - قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم هذا الاحتجاج لأنه كذلك قضى وقدر، فإذا ~~كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون؛ لأنه كذلك قضى وقدر، لم يكن لهم ~~الاحتجاج عليه # PageV07P115 # بذلك؛ لأن القضاء والقدر، لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه، بل كان ~~غيره ممكنا لهم؛ لذلك لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك؛ لأن القضاء، بهذا ~~أعني بالقضاء والقدر، لكان لهم الاحتجاج عليه. أيضا. بالعلم؛ إذ لا شك أنه ~~علم ذلك منهم، فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك؛ إذ لا يقدرون ~~أن يفعلوا غير الذي علم منهم، فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء ~~والقدر؛ لأن القضاء والقدر لما علم أنه يختار ذلك ويؤثره على ضده لجاز ذلك ~~لهم بالعلم ونحوه، دل أن ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر، وإذا كانوا ~~هم عند أنفسهم لا يفعلون وقت فعلهم؛ لما كذلك قضى عليهم؛ فلم يكن الاحتجاج ~~لهم عليه بذلك؛ إذ ms2687 القضاء والقدر لم يمنعهم عن ذلك لما لا يضطرون على ذلك، ~~وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون ويختارون ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وكذلك ~~كل من قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي؛ لما سبق منه العلم به. # وقوله. عز وجل.: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء ~~من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما ~~خبت زدناهم سعيرا (97) # أي: من وفقه لقبول ما كان من الهدى وعصمه عما وسوس إليه الشيطان، فهو ~~المهتدي عند الله وعند من عقل الهدى، (ومن يضلل)، أي: من خذله ولم يعصمه ~~حتى يقبل من الشيطان ما جاء من وساوسه هو ضال. # (فلن تجد لهم أولياء من دونه). # يحتمل: لن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم لدينهم ويوفقونهم. # أو لن تجد لهم أولياء ينصرونهم من دونه، ويدفعون عنهم ما نزل بهم من ~~العذاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل.: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما). # قال الحسن: يحاسبون حتى يعلموا سوء صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، ثم ~~يحشرون إلى جهنم ما ذكر عميا وبكفا وصما، أو كلام نحو هذا. # ثم يحتمل قوله: (ونحشرهم يوم القيامة) ما ذكر في آية أخرى: (يوم يسحبون ~~في النار على وجوههم)، وقوله: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب. . .) الآية، ~~إنما يتقي بوجهه؛ لما تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وقوله: (عميا وبكما ~~وصما) هذا يحتمل وجهين: # PageV07P116 # أحدهما: أسماهم: عميا وبكما وصفا لذهاب منافع هذه الحواس ولذاتها في ~~الآخرة، ليس على حقيقة ذهابها، لكن حال بينهم وبين الانتفاع بها ما ذكر ~~لهم: (من فوقهم ظلل. . .) الآية، فتلك الظلل تحول بينهم وبين رؤية الأشياء. # وسماهم في الدنيا: عميا وبكما وصما ليس على حقيقة ذهاب أعينها، ولكن لما ~~لم ينتفعوا بهذه الحواس في الدنيا، ولم يستعملوها فيما أمروا باستعمالها - ~~نفى ذلك عنهم، فعلى ذلك في الآخرة. # ويحتمل على حقيقة ذهاب أعين هذه الحواس؛ عقوبة لما لم يستعملوها في ~~الدنيا لما له خلقت، كقوله: (لم ms2688 حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا). # وقوله. عز وجل.: (مأواهم جهنم) # أي: مقامهم جهنم، وإليها يأوون. # وقوله: (كلما خبت زدناهم سعيرا) اختلف فيه: # قال الحسن: قوله: (كلما خبت زدناهم)، أي: كلما خبا لهبها، وسكن (زدناهم ~~سعيرا)، قال: يخمد لهبها من غير أن يذهب وجع ما أصابهم، ثم يزداد لهم ~~سعيرا. # وقال بعضهم: (كلما خبت)، أي: نضجت جلودهم، وسكنت النار (زدناهم سعيرا)، ~~أي: نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر؛ كقوله: (كلما نضجت ~~جلودهم). # وقال بعضهم: وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم غير العظام وصاروا ~~فحما، سكنت النار؛ فهو الخبت، ثم بدلوا جلودا غيرها، فتكون وقودا لها، ~~والله أعلم، وكله واحد. # وقال بعضهم: (كلما خبت)، أي: كلما أحرقتهم النار، فصاروا رمادا، خلقوا ~~لها خلقا جديدا، فتعاودهم النار فتحرقهم، وذلك قوله: (زدناهم سعيرا)، وهو ~~قول الله: (لا تبقي ولا تذر)، لا تبقي منهم شيئا إذا أخذت حتى تحرقهم. # وقوله - عز وجل.: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) # أي: ذلك الذي ذكر جزاؤهم (بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا)، ثم قال: (أولم يروا ... (99) # أي: أو لم يعتبروا، ولم ينظروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم. # PageV07P117 # هذا الاعتبار يحتمل وجهين: # أحدهما: أنكم تقرون: أن الله هو خالق السماوات والأرض، وخالقكم، فخلق ~~السماوات والأرض على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتذاء، ~~تقدم وسبق - أعظم وأكبر من خلق من دونه، فمن قدر على إنشاء ذلك، فهو على ~~إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ~~ابتدائه. # والثاني: تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضا، فلم يخلقهما ~~للفناء خاصة؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب؛ فدل أنه خلقكم، ~~وخلق السماوات والأرض؛ لعاقبة، وهي البعث. # وعلى ذلك يخرج قوله: (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) أنه كائن لا محالة. # وجائز أن يكون قوله: (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) ms2689 جوابا لما استعجلوا من ~~العذاب، فقال: وجعل لهم أجلا لا يتقدم عنه ولا يتأخر. # أو أن يكون قوله: (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه). # الموت الذي به تنقضي آجالهم، لكنه لم يخلقهم للموت خاصة ولكن للعاقبة، ~~وهو ما ذكرنا. # وقال القتبي: " خبت " أي: سكنت: يقال: خبت، إذا سكن لهبها تخبو، فإذا سكن ~~لهبها ولم يطفأ الجمر، قلت: خمدت تخمد خمودا، فإذا طفئت، ولم يبق منها شيء، ~~قيل: همدت تهمد همودا. # وقوله. عز وجل.: (زدناهم سعيرا). # أي: نارا تتسعر، أي: تتلهب # وقال أبو عوسجة: " السعير ": النار، يقال: سعرت النار: إذا أوقدتها، ~~ويقال: نار مسعورة، أي: موقدة. # وقوله - عز وجل -: (فأبى الظالمون إلا كفورا). # أي: كفرا بالبعث، و " الظالمون " هاهنا هم الكافرون، ولو قال: فأبى ~~الكافرون إلا ظلموا، ما كان واحدا. # وقوله عز وجل.: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق وكان الإنسان قتورا (100) # تحتمل الآية وجوها: # PageV07P118 # قال بعضهم: هي صلة ما تقدم من أسئلتهم، وهو قوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ~~خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه). # وقوله: (أو تكون له جنة يأكل منها). # كانوا يسألون هذه الأشياء على التعنت والعناد والاستهزاء، فأخبر أنه وإن ~~أعطاهم ما سألوا لا ينفقون، بل يمسكون عن الإنفاق، ومن سنته: أنه إذا ~~أعطاهم ما سألوا على السؤال، فتركوا الإيمان به والوفاء -: أنهم يهلكون، ~~فأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت، لا سؤال ما يتوسعون بها. # وفي الآية إثبات الرسالة؛ وهو ما بين من بخلهم وإمساكهم عن الإنفاق. # وقال بعضهم: قوله: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق) في قوم خاص يعلم الله أنهم لو أعطوا ما سألوا لفعلوا ما ذكر، لا ~~في كل منهم، وهو كقوله: (أأنذرتهم أم لم ms2690 تنذرهم لا يؤمنون. . .) الآية، ~~وكقوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) الآية، كان في قوم علم الله أنهم ~~لا يؤمنون فعلى ذلك الأول. # ويحتمل أن تكون الآية في قوم ضمنوا آية الإنفاق والتوسيع، وعاهدوا الله ~~على ذلك إن وسع عليهم، فأخبر أنهم لا يوفون ما عاهدوه وضمنوا؛ كقوله: ~~(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين). # ويحتمل أن يكون هذا إخبارا منه عن طبع الخلق وعادتهم: وذلك أنهم إذا ~~استكثروا من الأموال وجمعوا يزداد لهم بذلك حرص على جمعها، وبخل على ~~التوسيع والإنفاق ما لم يكن قبل الجمع والاستكثار، هذا هو المعروف في ~~الناس، فأخبر أنهم يمسكون عن الإنفاق والتوسيع إذا ملكوا ما ذكر على ما طبع ~~الإنسان بالبخل والتضييق عند الاستكثار ما لم يكن قبل ذلك. # وقوله. عز وجل: (وكان الإنسان قتورا). # يحتمل أن يكون هذا صفة كل كافر، وكذلك قوله: (إن الإنسان خلق هلوعا) و ~~(منوعا)، يكون عادتهم البخل والجزع عند المصائب. # وجائز أن يكون هذا صفة كل إنسان في الابتداء هكذا يكون، ثم بالامتحان ~~والتجربة، يكونون أسخياء صابرين. # أو يكون يخبر أنهم لو ملكوا وأعطوا جميع ما يرزقون في عمرهم على التفاريق ~~بدفعة واحدة مجموعا، لأمسكوا عن الإنفاق؛ خشية الفقر في آخر عمرهم؛ إذ لا ~~يعلمون إلى ما # PageV07P119 # ينتهون من آجالهم؛ فيحملهم ذلك على البخل والإمساك. # أو يذكر لما أنه جبلهم، وأنشأهم على الإمساك والمنع في الابتداء، وإن لم ~~تكن حاجة لهم إلى ذلك: ترى الصبيان والصغار من الأولاد يمنعون ما في أيديهم ~~عن غيرهم وإن لم يكن لهم حاجة إلى ذلك، هذا معروف فيهم، وإنما جبلهم ~~وأنشأهم هكذا؛ ليمتحنهم بالجود والتوسيع، والبخل والتضييق، وإلا كانوا في ~~أصل خلقتهم وابتداء إنشائها على ما ذكرنا أشحة بخلاء وهو أما أخبر، (إن ~~الإنسان خلق هلوعا)، و (جزوعا)، (وكان الإنسان عجولا) أنشأهم جزوعين عن ~~الألم والمصائب غير صابرين عليها، وكذلك أنشأهم عجولين لا يصبرون على أمر ~~واحد، ولا حال واحد. # ثم امتحنهم على الصبر، وترك الجزع والعجلة؛ ms2691 فعلى ذلك قوله: (وكان الإنسان ~~قتورا) أي: طمغا بخيلا ممسكا مضيقا، والله أعلم. # ثم ترك ذلك بالامتحان واعتياد ذلك، وخلافه. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) فأراد أن ~~يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) # وقوله. عز وجل.: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات). # هذا - والله أعلم. فيما آتاه من الآيات وأمره أن يحاج بها فرعون، وإلا ~~كانت آيات موسى - عليه السلام - أكثر من تسع، كأنها تبلغ عشرين، وتزداد ~~عليها؛ إذ كان في عصاه أربع من الآيات: # إحداها: حيث ضرب بها البحر فانفلق. # والثانية: حيث كان يضرب بها الحجر فينفجر منه عيونا. # وا الثالثة: حيث ألقاها فصارت ثعبانا. # وا الرابعة: حيث كانت تلقف حبالهم وعصيهم، وأمثاله، كأنها تبلغ إلى ما ~~ذكرنا، لكنه ذكر تسع آيات بينات التي أمره أن يحاج بها فرعون، وقومه. # PageV07P120 # وقوله - عز وجل -: (بينات). # أنها من عند الله جاءت، وأنها ليست من البشر، وأنها سماوية. # و (بينات)، أي: مبينات ما يبين صدق موسى في جميع ما يخبر، ويقول، ويبين ~~عدله في حكمه وفعله؛ لأن في آيات الرسل يحتاج إلى هذا: أن تبين للناس صدقهم ~~في قولهم، وعدلهم في حكمهم، وأنهم يدعون إلى عبادة الله، والطاعة له، وذلك ~~يجب على كل ذي عقل وطبع سليم، فالحاجة إلى الآيات ليست إلا لصدقهم وعدلهم ~~في حكمهم. # ثم اختلف في الآيات: # قال بعضهم: العصا، واليد، والحجر، والطمس، والخمس التي ذكر في سورة " ~~المص "، وهو قوله: (فأرسلنا عليهم الطوفان. . .). # وقال بعضهم: الخمس التي ذكر في سورة " المص "، والعصا، والموت الذي أرسل ~~عليهم، واليد البيضاء، وانفلاق البحر. # وقال بعضهم: إنها الخمس التي ذكر في سورة " المص "، واليد، وحل العقدة ~~التي بلسانه، وفي العصا آيتان. # وقال ابن عباس - رضي ms2692 الله عنه - العصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات. # ثم منهم من يجعل السنين ونقصا من الثمرات آية واحدة، ومنهم من يجعلهما ~~آيتين، وكذلك العصا، منهم من يجعلها آية واحدة، ومنهم من يجعلها آيتين، ~~ومنهم من يعد الطمس، ومنهم من لا يعد. # ونحن نجعل العصا آية واحدة، والسنين، ونقصا من الثمرات آية واحدة والطمس ~~آية، والخمس التي ذكرت في سورة " المص "، فتكون ثمانيا فتكون التاسعة قوله: ~~(قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر)؛ لأنه قال: لقد ~~علمت أنها آيات، ولم يكذبه فرعون، ولم يستقبله بشيء يكذبه في قوله، وهو ما ~~قال: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)، أخبر أنهم جحدوا بها ~~بعدما استيقنوا أنها آيات، وحجج ظلما وعلوا، وما روى صفوان بن عسال ~~المرادي: أنه قال: إن يهوديين أتيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألاه عن التسع آيات التي ذكر أنه آتاها موسى فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ~~فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم ~~خاصة يا يهوديان ألا تعدوا في السبت "، قال: فقبلا يديه، # PageV07P121 # ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي الله، فقال - عليه السلام -: " فما يمنعكما ~~أن تسلما؟ " قالا: إنا إن أسلمنا يقتلنا اليهود. # فإن ثبت هذا الخبر، فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره من التأويل، والله أعلم. # وقوله. عز وجل.: (فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم). # يعني: موسى، صلوات الله عليه. # قال بعضهم: أمر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل بني إسرائيل ~~الآيات التسع التي كانت في كتبهم على التقرير عندهم أنه إنما عرف ذلك ~~بالله، وأنه رسول؛ لما علموا أن تلك الآيات في كتبهم بغير لسانه، وكان لا ~~يخط بيده، ولا كان اختلف إلى أحد منهم؛ ليعرف ذلك؛ فدل أنهم علموا أنه إنما ~~عرف ذلك بوحي السماء. # وقال بعضهم: ليس هو على ms2693 الأمر أن يسألهم ذلك، ولكن لو سألتهم لأخبروك ~~عنها كقوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. . .) الآية. # وقوله. عز وجل.: (إني لأظنك يا موسى مسحورا). # في عقلك، أي: سحرت، و " المسحور ": هو المغلوب في العقل. # وقولهم متناقض؛ لأنهم قالوا مرة: ساحر، ومرة: مسحور، فالساحر: هو الذي ~~يبلغ بالبصيرة غايته، والمسحور: المغلوب. # وقوله. عز وجل -: (قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) # قوله: (علمت) بالنصب والرفع جميعا قد قرئا، وأمكن أن يكون قال في ابتداء ~~الأمر: قد علمت ما أنزل هذه الآيات إلا رب السماوات والأرض، وقال في آية ~~أخرى لما أقامها عليه (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر). # ما يبصر بها الحق من الباطل من لم يعاند، ولم يكابر. # وقوله - عز وجل.: (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا). # قال موسى. عليه السلام. لفرعون: (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)، مقابل ما ~~قال له فرعون، حيث قال: (إني لأظنك يا موسى مسحورا). # قال بعضهم: امثبورا ": هالكا. # وقيل: ملعونا. # وقال بعضهم: مبدلا. # ويحتمل قوله: (لأظنك يا فرعون مثبورا) أي: تدعو على نفسك بالثبور، وهو ~~الهلاك كقوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) أي: ~~هلاكا. # PageV07P122 # والظن يكون في موضع الظن، ويكون في موضع العلم. # وقوله - عز وجل (فأراد ... (103) # يعني: فرعون. # أن يستفزهم من الأرض). # قال أهل التأويل: أراد أن يخرجهم، ويستخفهم (من الأرض) أي: من أرض مصر، ~~لكنهم قد كانوا خرجوا طائعين قبل أن يخرجهم من حيث أمر موسى بإحراجهم، ~~بقوله: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون)؛ فيكون تأويل قوله: ~~فأراد أن يخرجهم من الأرض بالقتل والهلاك من الدنيا؛ ألا ترى أنه قال: ~~(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها)، أراد: من ~~مشارق الأرض، وإلا قد كانوا هم قد خرجوا من أرضه على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأغرقناه ومن معه جميعا). # هو ما قال في آية أخرى: (فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا. ms2694 . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء ~~وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) أي: بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل (اسكنوا ~~الأرض). # اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله (اسكنوا الأرض): أرض مصر التي كان يسكن فرعون، وهو ~~كقوله: (وأورثكم أرضهم وديارهم). # وقال بعضهم: اسكنوا الأرض: أرض الشام، والأرض المقدسة؛ كقوله: (يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم. . .). # وقال بعضهم: (اسكنوا الأرض) ليس في أرض دون أرض، ولكن اسكنوا أي أرض ~~شئتم، مشارقها ومغاربها، آمنين لا خوف عليكم على ما أرادوا أن يخرجوكم من ~~مشارق الأرض ومغاربها بالقتل كقوله: (وأورثنا القوم الذين كانوا. . .) ~~الآية، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه. # وعلى هذا قال في قوله: (فإذا جاء وعد الآخرة) بعث عيسى ابن مريم (جئنا ~~بكم لفيفا) أي: جميعا مجتمعين من مشارق الأرض ومغاربها على ما تفرقوا. # وقال بعضهم: (فإذا جاء وعد الآخرة) يعني: حياة عيسى، ونزوله من السماء ~~(جئنا بكم لفيفا) أي: جميعا بانتزاع من القرى هاهنا، وهاهنا لفوا جميعا، ~~وهو مثل الأول. # وأما عامة أعل التأويل فإنهم قالوا: (فإذا جاء وعد الآخرة): يوم القيامة ~~(جئنا بكم لفيفا) أي: جميعا أنتم وفرعون وجنوده حتى يروا كراماتكم التي ~~أكرمتم بها ويروا هوانهم. # PageV07P123 # قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~(105) وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل ~~آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ~~ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # وقوله عز وجل: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل). # قال الحسن: إن في القرآن حكما وأنباء وحكمه عدل وأنباؤه صدق وحق، وهو ~~كقوله: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا): (صدقا): ما فيه من الأنباء، (وعدلا) ما ~~فيه من الحكم، فبذلك الحق الذي فيه من الحكم العدل والأنباء الصدق أنزله. # ويقال: الصدق في الأخبار والأنباء، والعدل في الأحكام والحق. # وقوله - عز وجل -: (وبالحق أنزلناه). # أي: بذلك الحق ms2695 الذي به دام وقر فيكم، أو كلام نحو هذا. # ويحتمل قوله: (وبالحق نزل) أي: بالحق الذي لله على عباده أنزله، وبالحق، ~~الذي لبعضهم على بعض. # (وبالحق نزل) أي: بذلك الحق الذي لله على خلقه دام واستقر وبالحق الذي ~~لبعضهم على بعض ثبت واستقر. # وأصله أن قوله: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) الحق: اسم كل محبوب ومحمود، ~~والباطل: اسم كل مكروه ومذموم، فمن اتبعه صار محبوبا محمودا، ومن خالفه، ~~وترك اتباعه صار مذموما، أو أن يكون قوله: (وبالحق نزل) أي: لم يأته ~~التغيير والتبديل. # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا). # أخبر أنه لم يرسله إلا للبشارة والنذارة، لكن هذا في حق الرسالة لم يرسله ~~إلا لهذين اللذين ذكروا؛ لأنه قد كان امتحنه في نفسه بمحن كثيرة فلم يكن في ~~جميع الأوقات مشغولا بهذين خاصة، لكنه في حق الرسالة لم يرسله إلا لبشارة ~~ونذارة، أي: لم يرسلك حافظا، ولا وكيلا، ولا مسلطا عليهم، بل أرسلك لتبليغ ~~الرسالة إليهم، ثم البشارة # PageV07P124 # والنذارة؛ وهما أمران يكونان في عواقب الأمور البشارة تكون عاقبة كل ~~محبوب ومحمود، والنذارة عاقبة كل فعل مكروه ومذموم. # ثم لقائل أن يقول في قوله: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) البشارة: لمن ~~أجابه فيما أمره به ودعاه إليه، والنذارة: لمن ارتكب ما نهي عنه، فكيف لا ~~دل هذا على أن النهي يوجب الحظر والتحريم، حيث ألحقه النذارة بارتكاب ما ~~نهي عنه؟ # قيل: إن النذارة: عاقبة كل مكروه ومذموم، والبشارة: عاقبة كل محبوب ~~ومحمود، فيكون ذلك في الآداب وغيرها، ولأن الرسل لم يبعثوا إلا لتغيير ~~مناكير وفواحش ظهرت في الخلق وغيره من الفواحش والمناكير، لم يبعثوا لصغائر ~~ظهرت فيهم، ثم دخل الصغائر والآداب فيما أرسل تبعا، وإلا كان سبب إرسالهم ~~الكبائر والفواحش، فإذا كان ما ذكرنا، كان في النهي نهي أدب، ونهي حتم ~~وحكم. # وبعد فإن الله - تعالى - قد أخبر أنه قد يعفو عن كثير من السيئات وما عفي ~~عنه، لم يلحق فيه النذارة والوعيد، والله أعلم. # وقوله عز وجل - (وقرآنا فرقناه ms2696 لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ~~(106) بالتخفيف والتثقيل (فرقناه). # قال بعضهم: (فرقناه) بالتخفيف، أي: أحكمناه، وثبتناه؛ حتى لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. # وقال بعضهم: فرقناه، وقطعناه في الإنزال سورة فسورة، وآية فآية على ما ~~أنزل. # (لتقرأه على الناس على مكث). # فهو. والله أعلم. لوجوه: # أحدها: ما ذكر في قوله: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة ~~واحدة كذلك لنثبت به فؤادك. . .)، أخبر - عز وجل - أنه إنما أنزله ~~بالتفاريق؛ ليثبت به فؤادك؛ لأن ذلك أثبت في القلب وأيسر في الحفظ. # والثاني: أنزله بالتفاريق على قدر النوازل؛ لتتجدد لهم البصيرة، وتزداد ~~لهم الحجة بعد الحجة، ولو كان جملة لم يكن ليتجدد لهم ذلك، ولا تزداد لهم ~~البصيرة. # أو أن يكون أنزله بالتفاريق للتنبيه؛ لينبههم في كل وقت، ويعظهم في كل ~~حال؛ إذ ذلك أنبه لهم، وأوعظ من أن يكون منزلا جملة واحدة، ألا ترى أن ~~الآية إذا دامت تكون في التنبيه أقل، وإذا كانت متقطعة في الأوقات، كانت ~~أخوف وأنبه، نحو كسوف الشمس بالليل، صار بالدوام غير مخوف، ولا منبه لهم ~~للدوام، وكسوفها بالنهار، صار تنبيها؛ # PageV07P125 # للانقطاع؛ على ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) ظاهر هذا خرج على التخيير، ~~لكن المراد منه يخرج على حتم المواعظ، وتأكيد الوعيد، وتغليظه، وكذلك قوله: ~~(اعملوا ما شئتم)، ظاهره على التخيير لكن الحكماء لم يفهموا منه على ما خرج ~~ظاهره، لكن فهموا منه تأكيد الوعيد وحتم الوعظ، وهكذا المعروف في الشاهد أن ~~إنسانا لو أمر آخر بأمره ووعظه مرارا فلم ينجع فيه، يقول له: إن شئت فافعل، ~~وإن شئت لم تفعل على ما لو فعلت، أو لم تفعل فإنما ضرر ذلك عليك إن تركته، ~~ونفعه يرجع إليك لو فعلت؛ فعلى ذلك قوله: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) فلا ~~ضرر علينا في ترككم الإيمان به، ولا يرجع نفعه إلينا لو آمنتم ms2697 به، إنما ~~نفعه لكم وضرره عليكم إن شئتبم فعلتم وإن شئتم لم تفعلوا، فهو كقوله: (إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، وكقوله: (من عمل صالحا فلنفسه. . ~~.) الآية، ونحو ذلك مما يخبر؛ إذ كل من عمل خيرا فلنفسه عمل، ومن عمل شرا ~~فعلى نفسه ضرر ذلك؛ فهذا ينقض على أصحاب الظواهر، حيث قالوا: يفهم من ~~الخطاب ظاهره لا يتعدى عن ظاهره، حيث لم يجب أن يفهم من قوله: (قل آمنوا به ~~أو لا تؤمنوا) التخيير، لكن فهموا الوعيد الوكيد الغليظ، وحتم المواعظ. # فإن قيل: ما الحكمة في لزوم الأمر وافتراضه، إذا كان ما يأمرنا وينهانا ~~لمنافع أنفسنا ولضرر على أنفسنا، ومن لم يعمل في الشاهد لنفسه، ولا سعى ~~لنفع نفسه، فلا لائمة عليه، ولا مؤاخذة. # قيل: في الحكمة أن يفرض علينا السعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عن ~~أنفسنا، وفي أمره إيانا أمر بالسعي في فكاك أنفسنا، ودفع الهلاك عنها، ~~وحاصل أمره ونهيه يكون المنفعة لنا لا له، وكذلك الضرر، وعلى ذلك يخرج ~~قوله: (وما ظلمناهم. . .) والآية، وعلى ذلك يخرج دعاء آدم وغيره: (ربنا ~~ظلمنا أنفسنا. . .) الآية. # وقوله عز وجل: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا). # وهذا أيضا ينقض على أصحاب الظواهر؛ لأنه لا كل من أوتي العلم منهم يخر ~~للأذقان على ما خرج ظاهره، فدل أن الاعتقاد ليس بالظاهر على ما قرع السمع، ~~ولكن على ما توجبه الحكمة. # ثم قوله: (إن الذين أوتوا العلم) أي: إن الذين أوتوا منفعة العلم يخرون ~~للأذقان سجدا. # PageV07P126 # ثم يحتمل قوله: (يخرون للأذقان سجدا) على التمثيل، ليس على حقيقة السجود، ~~ولكن على الانقياد لما سمعوا، والخضوع له، والذلة؛ على ما ذكرنا من التمثيل ~~في قوله: (انقلبتم على أعقابكم)، ليس على حقيقة الانقلاب على الأعقاب، ولكن ~~على التمثيل للرجوع وترك العمل، فعلى ذلك الأول، وكقوله: (فنبذوه ورآء ~~ظهورهم)، على ترك العمل به. # ويحتمل: أن يكون السجود كناية عن الصلاة، أي: يصلون لله. # ويحتمل أن يكون على حقيقة السجود، خروا ms2698 لله سجدا إذا تتلى عليهم آيات ~~الله وحججه، وهو كسجود سحرة فرعون حين عاينوا آيات الله، وحججه، وهو كقوله: ~~(وألقي السحرة ساجدين)، فعلى ذلك يحتمل سجود هؤلاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون سبحان ربنا ... (108) عما قالت الملاحدة فيه. # (إن كان وعد ربنا لمفعولا) أي: قد كان موعود ربنا لمفعولا وكذلك قوله: ~~(أمر الله مفعولا)، (وكان أمر الله قدرا مقدورا) أي: كان ما يأمر الله ~~كائنا ومفعولا أي: قد كان ما يأمر ووعده مفعولا وهو ما ذكرنا " كان وعد ~~الله مفعولا ". # وقوله - عز وجل -: (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # فإن كان التأويل من السجود: الصلاة، ففيه دليل لقول أبي حنيفة - رحمه ~~الله -: إن المصلي إذا بكى في صلاته؛ خوفا على نفسه، وإشفاقا أو سرورا على ~~ما أنعم الله عليه وأكرمه به، لم تفسد صلاته، وإذا كان البكاء للتسلي مما ~~حل به من الشدائد والبلايا تفسد صلاته، وأصله: أن البكاء إذا كان لله فهو ~~لا يفسد الصلاة، وإذا كان للدنيا أو لحاجة نفسه فهو يفسد. # وقوله عز وجل: (ويزيدهم خشوعا). # أي: يزيد ما يتلى عليهم من القرآن خشوعا وخضوعا لهم أو للآيات. # وقال الحسن: الخشوع: هو الخوف الدائم في القلب. # * * * # قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا (111) # وقوله - عز وجل -: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى). # PageV07P127 # ذكر هذا - والله أعلم - لأن العرب كانت لا تعرف الرسل والكتب المنزلة من ~~السماء ولا يؤمنون بهما، وكانت لا تعرف ذكر الرحمن ولا التسمية به وكذلك ~~غيره من الأسماء، لما لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بألسن الرسل والأنبياء، ~~وإما بالكتب المنزلة من السماء، فإذا لم يؤمنوا بالرسل، ولا عرفوا الكتب، ~~حملهم ذلك على الإنكار والجحود لأسمائه، ولذلك قالوا: (وما الرحمن)، ms2699 وقوله: ~~(وهم يكفرون بالرحمن) أي: يكفرون بذكر الرحمن واسمه؛ لما ذكرنا. # أو أن يكونوا أنكروا اسم الرحمن؛ لما لم يعرفوا أنه مأخوذ من الرحمة، ولو ~~عرفوا: أنه من الرحمة ما أنكروا؛ على ما لم ينكروا " الرحيم "؛ لأنهم عرفوا ~~أن الرحيم مأخوذ من الرحمة، وأما الله فهم يسمون كل معبود إلها، وعلى ذلك ~~سموا الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، ويقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى) و (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فيسمون الله لما هو المعبود ~~عندهم، ورجعت عبادتهم الأصنام إلى الله؛ حيث زعموا (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى)، كانوا يطلبون بعبادتهم الأصنام القربة إلى الله؛ لذلك ~~أنكروا غيره من الأسماء؛ على أن العرب لم ينكروا لشيء واحد اسمين وأكثر، ~~وعرفوا أن اختلاف الأسماء، وكثرتها لا يوجب اختلاف المسمى بها، ولا يوجب ~~عددا منه، وأن ما قالوا: إنه كان يدعو حتى الآن إلى عبادة واحد، فالساعة ~~يدعو إلى عبادة اثنين وأكثر، إنما قالوا على التعنت والعناد، وإلا قد عرفوا ~~لشيء واحد اسمين وأكثر، لكنهم أنكروا لله ذلك؛ لما ذكرنا؛ تعنتا منهم، ~~وعنادا، على هذا يجوز أن - تتأول الآية - والله أعلم. # ثم اختلف في تخصيص ذكره بهذين الاسمين: # قال بعضهم: وجه تخصيصهما؛ لأنهما اسمان مخصوصان له، لا يجوز أن يسمى غيره ~~بهذين الاسمين، وأما غيرهما من الأسماء فإنه يجوز أن يسمى غيره بها. # وقال الحسن: خص بذكرهما؛ لأنهما اسمان معظمان عند الخلق ما لم يجعل ~~لغيرهما من الأسماء من التعظيم ما جعل لهذين. # وقال أبو بكر الأصم: خص بذكر هذين؛ لأن غيرهما من الأسماء أسماء أخذت عن ~~صفاته، وأما هذان فهما ليسا أخذا عن صفته. # PageV07P128 # وقال الزجاج: الرحمن: هو مأخوذ من الرحمة إلا أنه النهاية في الرحمة؛ ~~لأنه " فعلان "، وهو ما يقال: غضبان، إذا انتهى غضبه غايته، وإلا قوله: " ~~الرحيم " و " الرحمن " كلاهما من الرحمة إلا أن الرحمن " فعلان " والفعلان ~~هو النهاية من وصف الرحمة؛ لما ذكرنا، وغيره من الخلائق لا يبلغون في ~~الرحمة ذلك المبلغ؛ لذلك خص بذكر ms2700 " الرحمن " دون " الرحيم ". # وهذا كله واحد ليس فيه خلاف، وأصله ما ذكرنا لا يشرك غيره في هذين، ويجوز ~~في غيره. # وقوله عز وجل: (فله الأسماء الحسنى) أي: أسماؤه التي يسمى بها كلها ~~الحسنى، ليس شيء منها قبيحا. # أو أن يكون قوله: (فله الأسماء الحسنى) أي: كل أعمال صالحة، وأمور حسنة ~~له، أي: تنسب إليه، وتضاف، ولا يجوز أن يضاف وينسب ما قبح منها، وسمج، ~~وأصله: ما ذكرنا أنه ينسب إليه كل حسن، وكل صالح على الإشارة، ولا يجوز أن ~~ينسب إليه كل قبيح سمج على الإشارة، والتسمية به، وهو ما يذكر: " التحيات ~~لله، والصلوات والطيبات. . . " إلى آخره، ينسب إليه كل طيب، وكل حسن. # وقوله - عز وجل -: (فله الأسماء الحسنى). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: له أسماء حسنة يسمى بها. # والثاني: أن كل حسن يسمى به غيره فهو راجع إليه في الحقيقة، وهو مسمى به، ~~وكل حسن منسوب إليه. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)، ~~اختلف أهل التأويل في ذلك: # قال: قوله: (ولا تجهر بصلاتك) أي: لا تجعل صلاتك في مكان غيظا للمشركين ~~(ولا تخافت بها)، أي: ولا تسر عن أصحابك فتخفى عنهم، لكن ابتغ بين ذلك ~~سبيلا. # وقال بعضهم: لا تجعل كل صلواتك في جماعة، ولا تخافت بها، ولا كلها في غير # PageV07P129 # جماعة. # (وابتغ بين ذلك سبيلا)، ولكن اجعل بعضها بالجماعة، وبعضها لا بالجماعة. # وقال بعضهم: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)، أي: لا تجاوز الحد في ~~الأمور والأعمال التي أمرتك بها، ولا تقصرها عن الحد الذي حددت لك فيها، ~~ولكن ابتغ بين ذلك سبيلا. # وقال بعضهم: (ولا تجهر بصلاتك) مراءاة للناس، (ولا تخافت بها) أي: ولا ~~تعجب بها للإخفاء. # وجائز أن يكون قوله: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) أي: لا تجهر بجميع ~~الأذكار التي في الصلاة أو بجميع القراءات التي فيها ولا تخافت بالكل، ولكن ~~بعضها بالجهر وبعضها بالمخافتة. # وقال بعضهم: إنه كان يجهر في صلاته بحيث يسمعه المشركون فيؤذونه، فأمره ~~ألا ms2701 يجهر بها لئلا يؤذوه، ولا يخافت كل المخافتة، فيسمع أصحابك فيأخذوا ~~قراءتك. # وقال بعضهم: ذلك في الدعاء إلى الله وتوحيده في حق التبليغ، والمسألة ~~وأمثاله، ولكن لا يجوز أن يقطع التأويل في هذا وأمثاله، فيقال: إنه كان كذا ~~إلا بخبر منه ثابت؛ لأن الخطاب به خطاب له، فقطع التأويل فيه والقول على ~~شيء واحد شهادة على الله وعلى رسوله، ولا تحل الشهادة على الله، ولا على ~~رسوله إلا بالإحاطة أنه أراد ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) # ذكر في هذه الآية جميع ما يقع به الحاجة إلى التوحيد؛ لأن من نفى التوحيد ~~وأنكره إنما نفى لأحد الوجوه التي ذكر: # منهم من قال له بالولد، وهم اليهود والنصارى. # ومنهم من قال بالشريك، وهم مشركو العرب. # ومنهم من قال له بالولي والعون من الذل وهم الثنوية وغيرها حيث قالوا: ~~أنشأ هذا النور؛ ليستعين به على التخلص من ويلات الظلمة فنزه نفسه، وبرأها ~~عن جميع ما قالوا # PageV07P130 # فيه ونسبوا إليه؛ لأن الولد في الشاهد إنما يطلب، إما للتسلي، وإما ~~للاستئناس والله يتعالى عن أن يقع له الحاجة إلى ذلك، ويتعالى عن أن يكون ~~له شريك لأن الشركاء في الشاهد؛ إنما تتخذ للمعونة، والتقوي بهم على بعض ما ~~لهم، وما هم فيه، والولي من الذل إنما يتخذ في الشاهد؛ للاستنصار ~~والاستعانة على أعدائه، والله يتعالى عن أن تقع له الحاجة إلى شيء من ذلك ~~فنفى عنه جميع معاني الخلق وجميع ما ينسب إليهم ويضاف ويصفون به. # وقوله - عز وجل - (وكبره تكبيرا): # أي: صفه بما وصف نفسه، وانف عنه جميع معاني الخلق فيكون في ذلك تعظيمه ~~وتكبيره. # أو يقول: اعرفه بما ذكر، فإذا عرف هكذا فقد عظمته وكبرته. # والولد في الشاهد إنما يتخذ، ويطلب لوجوه: # أحدها: للتسلي به والاستئناس عن وحشة. # أو لحاجة تمسه فيستعين به على قضائها. # أو لذل يخافه من عدو له ms2702 فيستنصر به عليه، والله يتعالى عن أن يصيبه شيء ~~من ذلك. # وقوله (ولم يكن له ولي من الذل) # أي: لم يتخذ الأولياء؛ ليستعزز بهم من الذل، بل إنما اتخذ أولياء رحمة ~~منه، وفضلا؛ ليتعززوا هم بذلك ويكونوا عظماء، وذكر: (لم يتخذ ولدا) وقد خلق ~~الأولاد للخلق؛ ليعلم أن ليس في خلق الشيء ما يصلح أن يتخذ لنفسه. # وقوله: (ولم يكن له شريك في الملك) ولو كان على ما تقوله المعتزلة، لكان ~~له شريك في الملك على قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد لأحد من الكفرة ~~الملك لهم وإنما أراد لأوليائه؛ فعلى قولهم صار الفراعنة شركاء له في الملك ~~حيث لم يكن ما أراد هو وكان ما أرادوا هم، والله أعلم والحمد لله رب ~~العالمين. # * * * # PageV07P131 ### | سورة الكهف # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) ~~قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ~~(4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ~~ما عليها صعيدا جرزا (8) # قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب): # تأويل الحمد هاهنا وفي أمثاله - والله أعلم - أي: حق الحمد للذي منه وصلت ~~إلى كل أحد نعمة أي: أنها وصلت على أيدي من وصلت إلى كل من وصلت فإن حق ~~الحمد والثناء له في تلك النعمة وإن حمد من دونه؛ إذ منه ذلك، لا من الذي ~~وصلت على يده، وأن الذي وصلت على يديه كالمستعمل له؛ فحق الحمد والثناء له ~~لا من دونه. # أو أن يكون قوله: (الحمد لله) أي: قولوا: له الحمد والثناء؛ لأنه في جميع ~~ما ذكر الحمد له ألحق به شيئا: إما قدرته وسلطانه، وإما ms2703 نعمه التي أنعم على ~~الخلق كقوله: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض. . .) الآية. # (الحمد لله فاطر السماوات والأرض. . .) الآية، و (الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا). # وقوله: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ونحوه. # ما ذكر الحمد لنفسه والثناء إلا ذكر على أثره ما قدرته وسلطانه. # وأما نعمه، فما كان المذكور على أثره النعمة فهو يستأدي به شكره وحمده. # وإن كان الملحق به القدرة والسلطان فيخرج القول منه مخرج الأمر بالتعظيم ~~له والهيبة والإجلال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) أي: لم ~~يجعله عوجا، ويجوز زيادة اللام في مثله؛ كقوله: (ردف لكم)، وردفكم؛ هذا ~~جائز في اللغة ثم قوله: (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما) أي: ~~لم يجعله عوجا، وهو يخرج على وجهين: # PageV07P132 # أحدهما: على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التأويل، أي: أنزل على ~~عبده الكتاب قيما ولم يجعله عوجا. # والثاني: على زيادة (بل) كأنه قال: (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له ~~عوجا بل جعله قيما)؛ على أحد هذين الوجهين يخرج والله أعلم. # ثم قوله: (ولم يجعل له عوجا قيما) إذا لم يكن عوجا كان قيما، وإذا كان ~~قيما كان غير عوج، في كل واحد من الحرفين معنى الآخر، إلا أن من عادة العرب ~~تكرار الكلام وإعادته على التأكيد، كقوله: (محصنات غير مسافحات)، وإذا كن ~~مسافحات لم يكن محصنات، حرفان مؤديان معنى واحدا، إلا أنه كرر، لما ذكرنا ~~أن من عادة العرب التكرار، وكذلك ما ذكر: (لينذر بأسا شديدا) البأس: هو ~~الشديد، والشديد هو البأس، هما واحد، فعلى ذلك الأول. # ثم اختلف في قوله (قيما) قال بعضهم: # القيم: هو الشاهد، أي: القيم على الكتب المتقدمة، والشاهد عليها في ~~الزيادة والنقصان، وفي التغيير والتحريف يبين ما زادوا فيها، وما نقصوا وما ~~حرفوه، وما غيروه، كقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم. . .) الآية. ~~وقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه). وقوله: (وإن منهم لفريقا. . .) الآية. ~~كانوا يحرفون نظمه ورصفه، ومنهم من ms2704 كان يحرف أحكامه وشرائعه؛ فهذا القرآن ~~شاهد، وقيم في بيان ما فعلوا. # وقال بعضهم قوله: (قيما (2) أي: ثابتا قائما أبدا لا يبدل، ولا يغير، ولا ~~ينسخ ولا يزداد، ولا ينقص، وهو على ما وصفه (لا يأتيه الباطل. . .) الآية. ~~وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام والباطل بالذهاب والتلاشي (كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل. . .) الآية، وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام ~~لها، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب فعلى ذلك هذا القرآن، لأنه حق. # وقال بعضهم: (قيما)، أي: مستقيما، وتأويل المستقيم: المستوي الموافق، أي: ~~يصدق بعضه بعضا، ويوافق أوله آخره، وآخره أوله، أي: لم يخرج مختلفا، وهو ~~على ما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، ولو كان ~~من عند غير الله على ما قال أولئك الكفرة، لكان خرج مختلفا متناقضا، ينقض ~~أوله # PageV07P133 # آخره، وآخره أوله، فإذ لم يكن دل أنه من عند الله نزل، ولو كان على ما ~~يقولون أصحاب العموم والظاهر أيضا لم يكن قيما ولا مستقيما، بل يخرج مختلفا ~~متناقضا؛ لأنهم يعتقدون على العموم والظاهر، ثم يخصون بدليل، فهو مختلف، ~~وأصله قيم بالحجج والبراهين على أي تأويل كان، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (لينذر بأسا شديدا): # أي: أنزله على عبده، لينذركم بأسا شديدا، أي: لينذر ببأس شديد، والبأس: ~~العذاب. # وقوله - عز وجل -: (من لدنه). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنزل على عبده الكتاب من لدنه، أي: من عنده. # والثاني: لينذركم الكفار بأسا شديدا ينزل من عنده، والله أعلم. # وقوله: - عز وجل - (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات). # فيه دلالة: أنه قد يكون المؤمنون يستحقون اسم الإيمان، وإن لم يعملوا ~~الصالحات، حيث ذكر المؤمنين، ثم ذكر الأعمال الصالحات، خص المؤمنين بعمل ~~الصالحات، لكن البشارة المطلقة إنما تكون للمؤمنين الذين عملوا الصالحات؛ ~~لأنه لم يذكر البشارة المطلقة في جميع القرآن إلا للمؤمنين الذين عملوا ~~الصالحات، ثم المؤمنون الذين عملوا غير الصالحات في مشيئة الله: إن شاء عفا ~~عنهم، وإن شاء عذبهم بقدر عملهم الذي كانوا عملوا، وإن شاء قابل سيئاتهم ms2705 ~~بحسناتهم فإن فضلت حسناتهم على سيئاتهم، بدل سيئاتهم حسنات على ما أخبر: ~~(فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات. . .)، هم في مشيئة الله على ما ذكر، ~~وليست لهم البشارة المطلقة التي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات. وقوله - عز ~~وجل -: (أن لهم أجرا حسنا): # لاسوء فيه ولا قبح. # وقوله: (أن لهم أجرا حسنا) هو دون قوله: (. . . لهم أجرا كريما)، ~~(كبيرا)، في الذكر لكنه صار مثله بقوله: (ماكثين فيه أبدا (3) لا يخرجون ~~منه أبدا، وهم مقيمون فيه. # ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: (ماكثين فيه أبدا)، أي: لا تأخذهم سآمة ولا ملالة فيه؛ فيريدون ~~التحول منه إلى غير؛ على ما يكون في الشاهد: أنه يسأم المرء ويمل من طعام - ~~وإن كان رفيعا - # PageV07P134 # ويرغب فيما دونه، وهو ما قال: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا). # والثاني: (ماكثين فيه أبدا)؛ لأن خوف الخروج والزوال عن النعمة [ينغص ~~النعمة على صاحبها] (1)، وهو ما قال (خالدين فيها أبدا)؛ وقال: (فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون). # وقوله - عز وجل -: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من ~~علم ... ) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: يعلمون أنه لم يتخذ ولدا، ولكن يقولون ذلك على العلم منهم ~~كذبا وزورا؛ كقوله: (وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ~~ما ليس لي به علم) أي: أشرك ما أعلم منه: ليس هو لشريك له، وكقوله: (قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات) أي: أتنبئون الله بما لا يعلم أنه ~~ليس على ما تقولون. # والثاني: يحتمل قوله: (ما لهم به من علم)، أي: عن جهلهم يقولون ما يقولون ~~من الولد والشريك لا عن علم؛ تقليدا لآبائهم؛ لأنهم ليسوا بأهل كتاب يعرفون ~~به، ولا كانوا يؤمنون بالرسل، وأسباب العلم هذان: الكتاب والرسل، فما قالوا ~~إنما قالوا عن جهل لا عن علم، وكذلك آباؤهم، فإن كان على هذا، ففيه دلالة ~~أن من قال شيئا عن جهل فإنه يؤاخذ به حيث قال: (وينذر الذين قالوا. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (كلمة تخرج من أفواههم ... (5) # أي: كبرت وعظمت تلك الكلمة ms2706 التي قالوها على من عرف الله حق المعرفة حتى ~~كادت السماوات والأرض أن تنشق؛ لعظم ما قالوا في الله كقوله: (تكاد ~~السماوات يتفطرن منه. . .) الآية. # وقوله: (إن يقولون): # أي: ما يقولون إلا كذبا، ثم تكلم أهل الأدب في نصب (كلمة). # قال بعضهم: انتصب على المصدر، أي: كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة؛ كقوله: ~~(وكلم الله موسى تكليما). # وقال قطرب: هو على الوصف؛ كما يقال: بئس رجلا، ونعم رجلا؛ على الوصف به، ~~وذلك جائز في اللغة فعلى ذلك هذا. # وقال الخليل: إنما انتصب، لأنها نعت لاسم مضمر معرفة، وهو بمنزلة قوله: ~~(ساء مثلا)، وإنما كان نعتا لاسم مضمر؛ لأنه قال: (وينذر الذين قالوا ~~PageV07P135 # اتخذ الله ولدا)، فهذا القول هو فرية، فتأويله: كبرت الفرية كلمة. # وقد قيل: كبرت المقالة كلمة، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: - عز وجل - (تخرج من أفواههم): # أي: كبرت كلمة: تكلموا بها. # أو يقول: كبرت كلمة تتكلمونها. # وقوله - عز وجل -: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا (6) # وقال في آية أخرى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، أخبر أنه فاعل ما ~~ذكر، ولم يقل له، افعل أو لا تفعل في هذا، فيشبه أن يكون النهي ما ذكر في ~~آية أخرى، وهو قوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)؛ ولهذا قال بعض الناس: إن ~~في قوله: (فلعلك باخع نفسك). نهيا عن الحزن عليهم. # وعندنا: ليس يخرج على النهي، ولكن على التسلي والسلوة. # ثم اختلف في قوله: (إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا): في الأسف. # قال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: (فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم)، قال أهل التأويل: (آسفونا) أغضبونا. # وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الحزن، كقوله: (يا أسفى على يوسف)، أي: ~~يا حزني. # ويحتمل أن يكون منه الحزن؛ إشفاقا عليهم أن تتلف أنفسهم في النار بتركهم ~~الإيمان، أو كانت نفسه تغضب عليهم؛ بتركهم الإجابة، والقول في الله سبحانه ~~على ما قالوا فيه، وكلاهما يجوزان، إذا كان ذلك لله كادت نفسه أن تتلف حزنا ~~عليهم؛ ms2707 إشفاقا منهم، أو كادت تتلف غضبا عليهم، وفيه دلالة أنه لم يكن يقاتل ~~الكفرة، للقتل والتلف، ولكن كان يقاتلهم؛ ليسلموا حيث كادت نفسه تتلف؛ ~~إشفاقا عليهم منه؛ فلا يحتمل أن يكون يقاتلهم للقتل وفي القتل ترك الشفقة، ~~ولكن كان يقاتلهم، ليضطرهم القتال إلى الإسلام، فيسلموا فلا يهلكوا، وفيه ~~تذكير للمسلمين وتنبيه لهم من وجهين. # أحدهما: ما أخبر عن عظيم محل الذنوب في قلبه، فلعل ذلك يؤذيه، فيلحقهم # PageV07P136 # اللعن؛ كقوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله. . .) الآية، وفي ~~ذلك زجر عن ارتكاب ما يسوءه، ويؤذيه. # والثاني: تعليم منه لأمته: أن كيف يعامل الكفرة وأهل المناكير منهم، ~~يقاتلون في الظاهر، ويضمرون الشفقة لهم في القلب على ما فعل بهم رسول الله، ~~وعاملهم. # وقوله: (بهذا الحديث) سمى القرآن: حديثا، وهو ما قال: (الله نزل أحسن ~~الحديث)، سماه بأسام: قصصا، وحديثا، وذكرا، وروحا، وأمثاله. # والنهاية في الحزن والغضب للأنبياء، أنفسهم تقوم لهذين، وأما غيرهم من ~~الخلائق، فلا تحتمل أنفسهم إلا لأحدهما إذا كان الحزن؛ ذهب الغضب وإذا جاء ~~الغضب ذهب الحزن؛ فالأنبياء هم المخصوصون بهذا. # وقوله: - عز وجل - (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا (7) # اختلف فيما أخبر أنه جعل للأرض زينة: # قال بعضهم: كل ما على وجه الأرض من النبات والشجر والإنسان وغيره هو زينة ~~لها (لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، فإن كان التأويل على هذا فيكون قوله: (وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) القيامة، يعني: جميع ما على وجه الأرض فتبقى ~~قاعا صفصفا، وذلك إخبار عن القيامة. # وقال بعضهم: (زينة لها): هو النبات الذي عليها، وما جعل لهم من الرزق؛ ~~ليبلوهم بما جعل لهم من الأرزاق بالأمر والنهي والعبادات وغيره، لم يجعل ~~ذلك النبات عليها وتلك الأرزاق مجانا، ولكن ليختبرهم ويبتليهم بأنواع ~~الامتحان، فإذا كان كذلك ففيه دلالة: أن ليس لأحد أن يتناول مما عليها إلا ~~بإذن، ولا يقدم على شيء منها إلا بأمر من أربابها. # وقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: زينة لها: أهلها، جعل ذلك، ms2708 ليبلوهم، ~~ذكر هاهنا: أنه جعل ما على الأرض؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملا. # وقال في آية أخرى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، ثم ~~من الناس من يجمع بين الآيتين، فيقول: جعل الحياة للابتلاء والموت للجزاء؛ ~~فيستدل على ذلك بقوله: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا). # أخبر: أنه يبلوهم بالزينة والحياة لا بالضيق والموات. # PageV07P137 # ومنهم من يقول: امتحنهم بهما جميعا بالحياة؛ ليتزودوا فيها لما بعد ~~الموت؛ كما يتزود في حال السعة والرخاء لحال الضيق والشدة فمن لم يتزود في ~~حال السعة فلا زاد له في حال الضيق؛ فعلى ذلك من لم يتزود في الحياة فلا ~~زاد له بعد الموت. # وقوله - عز وجل -: (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) # أي: نبتليهم ونختبرهم أيضا بذهاب النبات والأنزال وتأويله: أن يبتليهم ~~بالرخاء والسعة وبالضيق والشدة، كقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، ~~وقوله: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع. . .) الآية. وقوله: (وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات)، ونحوه، فعلى ذلك قوله: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة ~~لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا). والله ~~أعلم. # أي: نبتليهم بالسعة والرخاء والضيق والشدة. # وقال القتبي: (باخع نفسك)، أي: مهلك نفسك. # وقال أبو عوسجة: (باخع): بخع نفسه، أي: أخرجها. # وقالا جميعا: الأسف: الحزن. # وقال غيرهما: الأسف: الغضب أيضا، دليله قوله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) ~~أي: أغضبونا. # وقال القتبي: الصعيد: المستوي، ويقال: وجه الأرض، ومنه قيل للتراب: صعيد، ~~لأنه وجه الأرض، والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئا، يقال: أرض جرز، وأرضون ~~أجراز، وكذلك قال أبو عوسجة: والجرز: التي لا نبت فيها، والصعيد: التراب. # * * * # قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) ~~إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا (10) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ~~آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ ms2709 قاموا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر ~~لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) # وقوله - عز وجل -: (أم حسبت). # PageV07P138 # قيل: أحسبت. # وقيل: قد حسبت. # ويحتمل بمعنى: بل حسبت، كقوله: (أم يقولون افتراه)، أي: بل يقولون، فعلى ~~ذلك قوله: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم). # وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب ~~والإلزام، ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: على الأمر: احسب واعلم: أن أبناء الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا. # أو ما ذكرنا: بل حسبت، وهو كذلك. # أو يقول: لا تحسبن أن أصحاب الكهف والرقيم من آياتنا عجب ليس أعجب منها، ~~بك أتاك آيات أعجب منها بكثير، والله أعلم. # ثم اختلف في (والرقيم) وقال بعضهم: (والرقيم): الكتاب؛ كقوله: (كتاب ~~مرقوم) أي: مكتوب. # وقال بعضهم: (والرقيم): الوادي الذي فيه كهفهم. # وقيل: (والرقيم): اللوح الذي كتب فيه أسامي الفتية. # وقيل: (والرقيم): القرية التي خرجت الفتية منها وكذلك روي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنه - أنه قال: ما أدري ما الرقيم؟ لكني سألت كعبا عنها فزعم أنها ~~القرية التي خرجوا منها. # وقيل: (والرقيم): الكلب الذي كان معهم. # قالوا أمثال ما ذكرنا، وليس بنا إلى معرفة الكهف والرقيم حاجة، إنما ذلك ~~بلسانهم ولم يسألوا عن الكهف والرقيم، وإنما سألوا عن أصحاب الكهف والرقيم ~~مما ينبغي لهم أن يشتغلوا به. # PageV07P139 # ثم قال أهل التأويل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قصة ~~أصحاب الكهف والرقيم وأنبائهم، فقال: أخبركم غدا ولم يستثن، فعاقبه الله ~~فيه أن حبس عنه الوحي كذا وكذا يوما، فنزل: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا (23) إلا أن يشاء الله). # لكن ذلك فاسد، وما توهموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محال؛ ~~لأنه كذب لا ms2710 يجوز أن يكون رسول الله يقول: (أخبركم غدا) والله لم يأمره ~~بذلك، أو قال ولم يستثن؛ فيحبس الله الوحي عنه، ولا يخبرهم في الوقت الذي ~~قال إنه يخبرهم؛ فيظهر كذبه عندهم بعدما اختاره لرسالته، واصطفاه لموضع ~~وحيه، ثم يكذبه فيما أخبر؛ هذا فاسد محال غير محتمل ما توهموا به على الله ~~وعلى رسوله، قد كان من كفار مكة السعي في منع رسول الله عن تبليغ الرسالة ~~إلى الناس، والحيلولة عن الدعاء إلى ما أمر أن يدعوهم، واستقبال حججه ~~وبراهينه بتمويهاتهم، وقد ذكر في غير قصة وخبر: أنهم سألوا اليهود عنه، وعن ~~نعته: هل تجدون نعته في كتبكم؟ أن لم يكونوا أهل كتاب يعلمون ذلك؛ فاحتاجوا ~~إلى من يعلمهم ويخبرهم عنه، فسألوا يهود المدينة عنه وعن خبره، فقالوا: نجد ~~نعته في كتابنا كما يقولون، فهذا وقت خروجه وأوانه، فقالوا لهم: حدثونا ~~بشيء نسأله لا يعلمه إلا نبي، فقالوا: سلوه عن ثلاث خصال، فإن أجابهن، فهو ~~نبي، وإلا فهو كذاب، اسألوه عن أصحاب الكهف، واسألوه عن ذي القرنين فإنه ~~كان ملكا، وكان من أمره كذا وكذا، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم فهو نبي، ~~وإن لم يخبركم فهو كذاب، فسألوه، فأخبرهم عن ذلك. # وفي بعض القصة: اسألوه عن الروح، فإن أخبركم عنه، فهو ليس بنبي وإن لم ~~يخبركم، ولكنه وكل أمره إلى الله فهو نبي. # ثم قوله: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا): # يحتمل أن يكون الخطاب وإن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمراد ~~به غيره، على ما خاطبه في غير آي من القرآن والمراد به غيره. # ويحتمل أن الخطاب له والمراد هو، وإن كان هو المخاطب بهذا، فإنه يحتمل ~~قوله: (أم حسبت. . .) إلى آخره وجهين: # أحدهما: يقول: قد حسبت أن أنباءهم وأخبارهم كانت من آياتنا لرسالتك ~~ونبوتك # PageV07P140 # عجبا؛ فيكون الحساب على هذا التأويل في موضع العلم واليقين، كأنه قال: قد ~~علمت أن أنباء أصحاب الكهف وأخبارهم آية عجيبة لرسالتك. # والثاني: إخبار عن أحوالهم وتقلبهم من حال ms2711 إلى حال، فإن كان على هذا، ~~فيكون الحسبان في موضع الحسبان، كأنه قال: قد حسبت أن أحوالهم وتقلبهم كان ~~من آياتنا عجبا، هذا إذا كان الخطاب به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأما إذا كان الخطاب به لغيره، فإنه يجوز على الحسبان والظن وغيره، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك ~~رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (10) أي: انضم. # قال بعضهم: الكهف: الغار في الجبل. # وقيل: الفضاء. # وقيل: الملجأ. # ولكن قد ذكرنا: أنا لا ندري ما الكهف وما الرقيم؟ ذلك بلسانهم، وليس لنا ~~إلى معرفة ذلك حاجة، وهم الفتية اسم الأحداث منهم والشبان، لا اسم المشيخة، ~~ثم يكون المماليك والخدم، ويكون الأحرار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة): # قال الحسن: (ربنا آتنا من لدنك رحمة) أي: جنة، (وهيئ لنا من أمرنا رشدا) ~~أي: يسيرا، وهو ما ذكر في قوله: (ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من ~~أمركم مرفقا). # فهذا ليس بدعاء، إنما هو تلقين وإلهام منه إياهم، فيكون تفسيرا للأول. # وقال بعضهم: قوله: (آتنا من لدنك رحمة) أي: رزقا؛ لأنهم كانوا يفارقون ~~قومهم؛ لكفرهم؛ ليسلم لهم بينهم الذي هم عليه، وهو الإسلام، وقد عرفوا أنه ~~يسع مفارقة الناس طلبا لسلامة الدين، ولكن لم يعرفوا أنه يسع قوتهم، وما به ~~قوام أنفسهم إلى مكان خال عن ذلك فسألوا ربهم الرزق؛ إشفاقا على أنفسهم ~~بقولهم: (آتنا من لدنك رحمة) أي: رزقا (وهيئ لنا من أمرنا رشدا) أي: احمل ~~جميع أمورنا على الصواب والرشد على ما ذكرنا: أنهم عرفوا سعة المفارقة ~~للدين، ولكن لم يعرفوا سعة ذلك؛ إذا كان فيه خوف هلاك أنفسهم، فسألوا ربهم ~~أن يحمل أمرهم ذلك على الرشد والصواب. # PageV07P141 # ويحتمل (آتنا من لدنك رحمة): نعمة وسعة، وهيئ لنا من أمر ديننا صوابا، ~~يقول (آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا). # وقوله عز وجل: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) # الضرب على الآذان: ms2712 هو المحو، محو الأسماع، ويقال: اضرب على حديث كذا: ~~امحه. # ثم يحتمل محو الأسماع وجهين: # أحدهما: محو الأرواح التي بها تحيا الأنفس؛ فيكون كناية عن الموت. # أو يكون محو أرواح الأسماع التي تسمع لا الموت، فلما قال في آية أخرى: ~~(وتحسبهم أيقاظا وهم رقود)، دل أنه إنما أراد محو أرواح الأسماع، لا محو ~~الأرواح التي بها حياة الأنفس، وهو كقوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل. . .) ~~الآية. وقوله - عز وجل -: (ثم بعثناهم ... (12) من رقودهم؛ (لنعلم أي ~~الحزبين) أي: لنعلم ما قد علمناه غائبا شاهدا؛ إذ كان عالما بما يكون منهم، ~~وتأويله: ما ذكرنا: ليعلم الخلق شاهدا، كما علم هو غائبا. # أو ليعلم المخطئ منهم من المصيب؛ إذ محال وصفه بالعلم بالمخطئ ولا مخطئ ~~ثم، وبالمصيب ولا مصيب ثمة، فإذا كان كذلك فيكون قوله: ليعلم المخطئ من ~~المصيب، والمصيب من المخطئ إذا كان، وأصله: أنه يعلمه كائنا على ما علم أنه ~~يكون. # وقوله - عز وجل -: (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا). # يضشمل: (لنعلم أي الحزبين) قال بعضهم: مشركيهم ومؤمنيهم. # ومنهم من قال: الملك والفتية. # وقال بعضهم: هم اختلفوا في مكثهم إذ بعثوا. # قال بعضهم: (لبثنا يوما أو بعض يوم)، وقال بعضهم: (ربكم أعلم بما لبثتم) ~~ولكن لسنا ندري من أي الحزبين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أنا ذكرنا ~~قول أهل التأويل. # وقوله - عز وجل -: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى (13) الحق في النبأ: الصدق، والحق في الأحكام: العدل، وفي ~~الأفعال: الصواب. # وقال بعضهم: الحق - هاهنا -: هو القرآن، فيكون قوله (بالحق) أي: في الحق، # PageV07P142 # وهو القرآن: نقص عليك نبأهم في القرآن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى). # هذان الحرفان معناهما واحد: الزيادة والربط، كل واحد منهما يؤدي معنى ~~صاحبه زيادة الهدى، أي: ثبتناهم على الهدى. # ويجوز أن يقال: هو التثبيت والربط. # وكذلك يجوز أن يقال على التجديد والابتداء، إذ للإيمان حكم التجدد في كل ~~وقت؛ إذ هو يكون منكرا جاحدا للكفر ms2713 في كل وقت؛ فهو مجدد للإيمان كذلك في كل ~~وقت؛ فإن شئت حملته على الثبات والزيادة على ما كان، وإن شئت على الابتداء ~~والتجدد، وكذلك قوله: (فزادتهم إيمانا). # وقال الحسن في قوله: (وزدناهم هدى) أي: من حكم الله أن من اهتدى زاده ~~هدى؛ كقوله: (والذين اهتدوا زادهم هدى)، لكن هذا لو كان على ما ذكر، لكان ~~لا يجوز أن يكفر إذا اهتدى مرة، لا يزال يزيد له هدى، فإذا لم يكن دل أنه ~~لا يصح ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) # يحتمل قوله: (إذ قاموا) بالحجج والبراهين. # ويحتمل: (إذ قاموا) بالنهوض إلى الكهف، حين انضموا إليه. # أو قاموا لله ولدينه. # أو قاموا من عند أولئك الكفرة، فقالوا ما ذكر: (ربنا رب السماوات والأرض) ~~أي: قالوا: ربنا هو رب السماوات والأرض ورب ما فيهن. # وقوله - عز وجل -: (لن ندعو من دونه إلها). # يحتمل قوله: (لن ندعو من دونه إلها) أي: لن نسميهم آلهة؛ على ما سمى ~~قومهم الأصنام التي عبدوها: آلهة. # وقوله - عز وجل -: (لقد قلنا). # من دونه إلها، فسموهم: آلهة، على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ كقوله: (فراغ إلى ~~آلهتهم)، وقوله: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا) لا يجوز أن يسمي ~~الأنبياء الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، وهي ليست بآلهة، ولكن قالوا ~~ذلك على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ فعلى ذلك قوله: # (لن ندعو من دونه إلها)، أي: لن نعبد، فإن كان على العبادة، ففيه إضمار، ~~أي: # PageV07P143 # لن نعبد من دونه إلها غير الله، كفعل قومنا، ولو فعلنا لقد قلنا شططا، ~~أي: جورا وظلما. # ثم قال: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ... (15) يعبدونها (لولا يأتون ~~عليهم بسلطان بين)، أي: هلا يأتون على تسميتهم آلهة أو استحقاق العبادة لها ~~بحجة بينة. # ثم حرف (هلا) يستعمل في الماضي، ويستعمل في المستقبل، فإن كان على الماضي ~~فهو على الإنكار، أي: لم يكن؛ وإن كان على المستقبل ms2714 فهو على السؤال، أي: ~~ائتوا بحجة بينة على أنها آلهة، كما أتوا هم: أن الله هو الإله الحق، وأنه ~~خالق السماوات والأرض، ورب ما فيهما. # قال القتبي: (فضربنا على آذانهم) أي: أنمناهم، والأمد: هو الغاية، ~~(وربطنا على قلوبهم)، أي: ألهمناهم الصبر، وثبتنا قلوبهم. # وقوله: (شططا)، أي: غلوا، يقال: أشط علي؛ إذا غلا في القول. # وقوله - عز وجل -: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا). # أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله آلهة، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله ... (16) وفي حرف ~~ابن مسعود - رضي الله عنه -: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله) ~~فتأويل الآية على القراءة الظاهرة: وما يعبدون إلا الله، أي: وإن ~~اعتزلتموهم، والذين لا يعبدون إلا الله، فلا تعتزلوا عبادته؛ لأنه كانوا ~~يعبدون الأصنام، ويعبدون الله أيضا ويرونه معبودا؛ فكأنهم قالوا: وإذ ~~اعتزلتموهم والذين يعبدون إلا الله فلا تعتزلوه، وهو كقول إبراهيم - عليه ~~السلام - لقومه حيث قال: (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون (76). الآية، استثنى عبادة رب العالمين من بين عبادة من يعبدون من ~~دونه؛ إذ كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الله ويرونه معبودا، إلا أن بعضهم ~~لا يرون أنفسهم بلغت مرتبة عبادة الله، فيعبدون الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم ~~عنده، أو تقرب عبادتهم إلى الله زلفى وأمثاله. # وجائز أن يكون قوله: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله): على التقديم ~~والتأخير، أي: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف؛ لأنهم كانوا لا يعبدون إلا ~~الله يعني: أصحاب الكهف. # PageV07P144 # والثاني: ما ذكرنا: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدونهم في الحقيقة إلا الله، ~~وإن كانوا في الظاهر يعبدون غير الله. # وتأويل قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: وإذ اعتزلتموهم وجميع ~~ما يعبدون من دون الله. # ويحتمل أن يكون هذا منهم ليس على القول والنطق؛ ولكن ألقى في قلوبهم ~~وقذف: أنهم إذ فارقوا قومهم وباينوا يأوون إلى الكهف وينشر لكم ربكم من ~~رحمته. # وقال الحسن: إن في قومهم من قد آمن سواهم؛ ms2715 فقالوا: إنكم إذا باينتم ~~وفارقتم فأووا إلى الكهف، فلا تقعدوا معهم فلعلهم يلحقونكم ويطلبون لقاءكم، ~~فلا تقعدوا معهم. ويشبه أن يكون قوله: # (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته)، لما عزموا أن يفارقوا قومهم ~~اعترض لهم الشيطان، فقال: إنكم تفارقون قومكم إلى مكان، وليس معكم شراب ولا ~~طعام؛ فتهلكون أنفسكم؛ فدفعوا وساوسه؛ بقوله: (ينشر لكم ربكم من رحمته ~~ويهيئ لكم من أمركم مرفقا). # ثم قوله: (ينشر لكم ربكم من رحمته)، قال بعضهم: يخلق لكم ربكم، كقوله: ~~(وانظر إلى العظام كيف ننشرها) بالراء، أي: كيف نخلقها. # وقال بعضهم: (ينشر لكم)، أي: يبسط، والنشر: هو البسط. # قوله عز وجل: (من رحمته): يحتمل الرزق، ويحتمل كل شيء به يدفع الهلاك عن ~~أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا). # أي: ما ترفقون به وتنتفعون به، وهو قول أبي عوسجة، وهو من الرفق، والمرفق ~~- أيضا - مثله؛ لأنه: ينتفع أبه. # وقال القتبي: (مرفقا): ما يرتفق به. # وقال أبو عبيدة: المرفق: ما ارتفقت به، فأما في اليدين فهو مرفق، والله ~~أعلم. # PageV07P145 # قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال ~~قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق ~~منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو ~~يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20) وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن ~~وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا ~~عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ~~(21) # وقوله - عز ms2716 وجل -: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم). # قيل: تميل عن كهفهم. # (ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال). # كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات ~~النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس. # وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن ~~هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعلهم ذلك آية من آياته، وكرامة من ~~كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما ~~الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث ~~لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها -أيضا- لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية ~~وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر ~~الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تزاور عن كهفهم ذات اليمين) يمينهم، أو يمين القبلة، ~~وكذلك (ذات الشمال): شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، ~~على # PageV07P146 # ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال. # وقوله - عز وجل -: (وهم في فجوة منه): # قال بعضهم: الفجوة: الظل. # وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء. # وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم ~~إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا ~~هكذا يكون؛ بل يكون ضيقا. # وقوله - عز وجل -: (ذلك من آيات الله). # هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب ~~الكهف عددا من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم ~~قومهم لسلامة دينهم. # أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوما خارجا عن طبع الخلق ~~وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز ~~وجل. # والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ~~ترى أنهم قالوا ms2717 حين بعثوا: (لبثنا يوما أو بعض)، ولو كانت ثيابهم بالية أو ~~متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوما أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم ~~فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: (فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة)، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم ~~إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولى. # والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات ~~الشمال. # والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا ~~وكثرا. # والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن ~~أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت. # والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث ~~قال: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا): خوفا مما ترى ~~فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف لمن دونه؟!. # PageV07P147 # والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من ~~الخلائق. # والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى ~~بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها. # كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع البشر وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين ~~الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم ~~يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي ~~الله أحدا من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ~~ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر. # وقول أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم ~~كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يستفتي فيهم منهم أحدا حيث قال: (ولا تستفت فيهم ~~منهم أحدا) وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى رسوله عن ذلك. # قال أبو عوسجة: (تزاور) أي: ms2718 تميل، وتزور مثله. # (تقرضهم)، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة ~~عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضا، ويقال: قرضت موضع ~~كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور ~~يتزاور، أي: عدل ومال (وهم في فجوة منه): أي سعة، وفجوات جمع. # ويحتمل قوله: (ذلك من آيات الله) أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب ~~الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته. # أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره. # وقوله - عز وجل -: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا). # قد ذكرناه في غير موضع. # وقال بعضهم ت (تزاور) و (تقرضهم) كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم ~~فتدعهم ذات اليمين، (وإذا غربت تقرضهم) أي: تدعهم ذات الشمال. # وقوله: (وهم في فجوة منه) أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: ~~قدر ما يصلح. # PageV07P148 # وقال بعضهم في قوله: (ويهيئ لكم) أي: يبوئ لكم؛ كقوله: (تبوئ المؤمنين) ~~أي: تهيئ، (وهيئ لنا من أمرنا رشدا) الرشيد: الصالح. # وقال مقاتل: (رشدا)، أي: مخرجا. # (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا): قال ابن عباس - رضي الله عنه -: غذاء ~~تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا. # وقوله - عز وجل -: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات ~~الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا (18) # قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان. # وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظا؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين ~~والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا. # وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع ~~عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادرا أن ~~يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان ذلك مما ~~يفعله من لا يملك دفع الأذى إلا بما ذكرنا، فأما من كان قادرا بذاته ms2719 ~~مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل. # وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقى الأذى؟ وكيف يدفع الضرر؟ فإذا ~~لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له. # وقال بعضهم: قوله: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود)؛ لأنهم كانوا في مكان ~~الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب ~~عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، ~~فقال: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) ولما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، ~~كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم. # ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟ ~~وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر. # وقوله - عز وجل -: (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) هو ما ذكرنا أنهم: ~~قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر ~~بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها. # PageV07P149 # أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم. # وقوله: (ذات اليمين وذات الشمال) وإذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء ~~أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ ~~فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم. # وقوله - عز وجل -: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد). # قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب. # وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب. # قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إلي؛ لأنهم ~~يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه. ومنها (إنها عليهم مؤصدة) أي مطبقة، وأصله: ~~أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته. # فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن ~~كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضا أنه أبقى الكلب ~~ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه. # وقوله - عز وجل -: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا). # قال بعض أهل التأويل: وذلك أن شعورهم قد طالت ms2720 وأظفارهم قد امتدت وعظمت، ~~فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب. # لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: (لبثنا يوما أو بعض يوم) فلو كانوا على ~~الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم ~~يكونوا ليقولوا: (لبثنا يوما أو بعض يوم)؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير ~~الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف ~~والهيبة لا لذلك. # وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ~~ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ~~ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف. # PageV07P150 # أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا ~~يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل ~~هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكرن قوله: (لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) وذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، ~~على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " نصرت بالرعب ~~مسيرة شهرين "، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من ~~هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى ~~مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك ~~لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم ~~لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا ~~أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ~~وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ~~ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم. # وقوله: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم) بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، ~~وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما ms2721 يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه ~~يكون منهم؛ كقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا. . .) الآية، ذرأهم؛ لما علم ~~أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون) من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما ~~يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل ~~بالعواقب، فإذا كان الله عالما بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله ~~عبثا - لم يجز أن يخلق شيئا لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل ~~عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله ~~العصمة. # وقوله - عز وجل -: (قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم). # وتأويله ما ذكر: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا). # وقوله: (لبثنا يوما أو بعض يوم) قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثارا ~~وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى ~~النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ~~ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ~~ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: (ربكم أعلم بما لبثتم). # وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى ~~الله حيث # PageV07P151 # قال: (قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم)؛ لأنه كان ميتا، والميت لا ~~يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل ~~الأمر إلى الله. # وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك ~~وكلوا الأمر إلى الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة). # فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث ~~بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له ms2722 ~~فيه نصيب حيث قال: (بورقكم هذه)، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار ~~وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست ~~بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة. # وقوله - عز وجل -: (فلينظر أيها أزكى طعاما). # اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: (أزكى طعاما) أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل ~~تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن ~~يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه. # وقال بعضهم: (أزكى): أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، ~~فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه. # وقال بعضهم: (أزكى طعاما) أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح ~~للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك ~~في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول ~~يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة. # وقوله - عز وجل -: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا). # يحتمل قوله: (وليتلطف) أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين ~~فارقوهم لدينهم. # أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: " ~~رحم الله # PageV07P152 # سهل البيع سمح الشراء ". # (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا) أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون ~~أنه من أصحاب الكهف. # أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس. # وقوله - عز وجل -: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا (20) # يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم. # (أو يعيدوكم في ملتهم)، أي: في دينهم الكفر. # وقوله - عز وجل -: (ولن تفلحوا إذا أبدا). # أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو ~~أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا. # أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم ~~فيها. # أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن ms2723 وعد الله حق وأن ~~الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ~~ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # اختلف في قوله: (وكذلك)؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من ~~الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ~~(وكذلك أعثرنا عليهم)، أي: أطلعنا عليهم. # وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى ~~آخرها، (وكذلك أعثرنا عليهم) أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (وكذلك أعثرنا عليهم) أي: كما ضرب على آذانهم ~~ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق. # ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: # قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، ~~لكن حيل بينهم وبين أولئك. # وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدوا باب الكهف، ~~فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك ~~القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد ~~قالوا، فلا ندري # PageV07P153 # كيف كانت القصة؟ وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، ~~وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟ ~~ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص ~~عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له. # وقوله - عز وجل -: (ليعلموا أن وعد الله حق). # يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفرا يهربون من ملكهم؛ ~~إشفاقا على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، ~~فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: (أعثرنا عليهم ليعلموا) ~~أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق. # والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم ~~يبعثون، فأطلع ms2724 على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في ~~إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ~~ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء ~~الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا ~~تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث ~~هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث أن من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة ~~بلا غذاء تغتذي به لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت. # أو أن يكون ما ذكرنا بدءا: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة ~~أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم ~~الرسل حق وصدق، والله أعلم. # ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء ~~لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة ~~فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ ~~فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة. # فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد ~~الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا ~~وعد من الله وخبر عن الله؟ # قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: # أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من ~~الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا ~~من دراهم # PageV07P154 # أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، ~~فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق. # والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم ~~من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم ms2725 أن ~~الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن ~~تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، ~~لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد. # والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتا طويلا، وحفظهم عن ~~جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل ~~وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة ~~تقصد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ يتنازعون بينهم أمرهم): # لسنا تدري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بإهم: # قوله - عز وجل -: (فقالوا ابنوا عليهم بنيانا)، أو تنازعوا في السبب الذي ~~به التجئوا إلى الكهف؟ # ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في ~~عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله جث قال. (ربهم ~~أعلم بهم). وقوله - عز وجل -: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا)، ثم قوله: (لنتخذن عليهم مسجدا) يحتمل بناء المسجد عليهم إكراما لهم ~~وإعظاما؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام ~~الله إياهم. # أو يتخذون مسجدا لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من ~~بركتهم ونحوه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن ~~لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى ~~أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين ~~وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به ~~وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) # وقوله - عز وجل -: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ms2726 سادسهم ~~كلبهم رجما # PageV07P155 # بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم). # قال بعضهم: عددهم كان سبعة والثامن الكلب؛ لأنه ذكر في الثالث والخامس ~~(رجما بالغيب)، أي: قذفا بالغيب وظنا، وقيل: ترجمة بالغيب، أي: بلا علم ولم ~~يذكر في قوله: (سبعة وثامنهم كلبهم)، وكذلك قال ابن عباس - رضي الله عنه - ~~وقال: " أنا من القليل الذين استثناهم الله، وكانوا سبعة والثامن الكلب "، ~~لعل ابن عباس قال: " أنا من القليل " ظنا واستدلالا بالذي ذكر، أو كان ~~سماعا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك. # وقال الحسن وأبو بكر وغيرهما: إن الله تعالى قال: (قل ربي أعلم بعدتهم)، ~~ثم استثنى قليلا من عباده، فلا نعلم بأن أولئك القليل من الملائكة أو من ~~البشر أو منهم؟ فلا ندري من هم؟ ولا كم عددهم؟ وبه نقول نحن، وهو ما قال: ~~(فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا) نهى رسوله أن ~~يستفتي منهم أحدا؛ لما يحتمل أن يكون ذلك غير مبين في كتبهم، فلا يطلع ~~رسوله خوف التكذيب. # ثم اختلف في وقتهم: قال بعضهم: كان فيما بين عيسى ومحمد. # وقال بعضهم: ذلك كان قبل بعث موسى، وهو قول الحسن وأبي بكر وهؤلاء، وهذا ~~أشبه؛ لأنهم إنما سألوا عنهم أهل التوراة وهم اليهود، فلا يحتمل أن يكون ~~بعد عيسى وهم لا يؤمنون بالإنجيل. # وقول أهل التأويل: كان أساميهم وعددهم كذا، ليس لنا إلى معوفة أساميهم ~~وعددهم، حاجة، ولو كانت لتولى الله بيان ذلك في الكتب. # وقال القتبي: (رجما بالغيب) أي: ظنا بالغيب، أي: يقولون بالظن. # وقيل: قذفا بالغيب على غير استيقان، وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) إلى قوله: (إلا أن ~~يشآء الله) يحتمل الخطاب بهذا لكل الناس، ليس أحد أولى به من غيره؛ فيخرج ~~ذلك مخرج التعليم لهم في ترك المراء مع الكفرة إلا مراء ظاهرا، وكذلك في ~~ترك الاستفتاء، وكذلك علمهم # PageV07P156 # وأدبهم ألا يعدوا عدة إلا والثنيا بها ملحقة. # ويحتمل أيضا أن يكون الخطاب به لرسول الله، لكن ms2727 ليس لأنه قد كان منه ما ~~ذكر من المراء والاستفتاء والوعد بغير ثنيا، ولكن خاطب به رسول الله ليتأدب ~~غيره من الناس بذلك الأدب، وهو كما خاطبه بقوله: (ولا تكونن من المشركين)، ~~ونحوه من الخطاب الذي خاطبه به، فخاطبه به لا لأنه كان منه ذلك أو كان فيه ~~ما ذكر، ولكن لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم. # ثم اختلف في قوله: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا): # قال بعضهم: ذلك في أمر أصحاب الكهف، أي: لا تمار فيهم ولا تستفت فيهم ~~منهم إلا قدر ما كان في كتبهم، فإنك لو ماريتهم بما ليس في كتابهم كذبوك، ~~ولكن قدر ما في كتبهم؛ هذا كان على المسألة، فإن كان على غير المسألة في ~~غير أمر أصحاب الكهف على ابتداء المحاجة والحجاج فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: لا تمار فيهم إلا بما هو أظهر ويعرفون ذلك ظاهرا، من نحو ما ~~يعرفون أن الأصنام التي عبدوها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، ونحو ~~ذلك مما يعرفون أنها كذلك. # والثاني: لا تحاجهم بلطائف الحكمة ودقائقها، ولكن بشيء محسوس ظاهر من ~~الآية، لا بما يلطف ويدق، على ما يحاجهم الأنبياء بآيات حسيات. # وفي قوله: (ولا تستفت فيهم منهم أحدا) دلالة ألا يسع النظر في كتاب ~~الفلاسفة إلا على جهة العرض لما فيها على كتاب الله فيؤخذ بما يوافقه ويترك ~~الباقي. # وقوله - عز وجل -: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء ~~الله ... (24) # لو كان فهم الخطاب على ظاهر ما خرج، لكان في قوله: (ولا تقولن لشيء إني ~~فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله) نهى عن العدة بالثنيا، فإذ لم يفهم ~~هذا، ولكن فهموا: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله، ~~على إضمار القول؛ دل أن الخطاب ليس يحمل على ظاهر المخرج، ولكن على ما ~~توجبه الحكمة والدليل. # ثم نهى أن يعد عدة ولا يستثني فيها، وقاس بعض الناس الأيمان على العدات ~~فيقول: إذا حلف، فإنه ms2728 يلزمه أن يستثني فيها، وذلك فاسد؛ لأن الأيمان تخرج ~~على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثنيا فيها؛ لأن الثنيا نقض ~~ذلك التعظيم، # PageV07P157 # وكذلك ما روي: " إذا حلفتم فاحلفوا بالله ولا تحلفوا بآبائكم ولا ~~بالطواغيت " نهى عن الحلف بغير الله؛ لما في الحلف به تعظيم لذلك الشيء، ~~وأما العدة، فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك تحقيقه؛ لذلك أمر ~~أن يلحق الثنيا فيه؛ لئلا يلحقه الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد، وعلى ~~ذلك ذكر عن الأنبياء أنهم إذا وعدوا استثنوا فيه؛ كقول موسى: (ستجدني إن ~~شاء الله صابرا. . .) الآية، ثم إذا لم يصبر لم يعاتبه بترك الصبر، ولو كان ~~خلفا لعاتبه، كما عاتب موسى حيث قال: (إنك لن تستطيع معي صبرا)، وقد ظهر من ~~الأنبياء والرسل الأيمان والقسم، ثم لم يذكر عن أحد منهم الثنيا في ذلك؛ دل ~~أن الثنيا في العدات لازمة وفي الأيمان لا. # وفي قوله: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله) ~~دلالة الا يكون شيء إلا بمشيئة الله حيث ندبه إلى الثنيا، ثم إذا خرج على ~~غير ما وعد لم يلحقه الخلف في الوعد؛ دل أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ ~~شيئا لم يكن؛ لأنه لو كان شيئا لم يشأ هو، أو شاء شيئا فلم يكن - لم يكن ~~لقوله: (إلا أن يشاء الله) معنى إذا كان ما لم يشأ هو، ولم يكن ما هو شاء؛ ~~دل أن ما شاء هو كان، وما لم يشأ لم يكن. # وفيه أنه قد شاء كل طاعة وخير من العبد، فلو لم يشأ ما ليس بطاعة، لكان ~~لايستثني، وقد علم أنه قد شاء ذلك، فدل ثنياه على أنه قد يشاء ما ليس بطاعة ~~إذا علم أنه يختار ذلك، وذلك على المعتزلة. # فإن قيل: إنما أمر بالثنيا في العدة؛ لما لعله سيموت قبل أن يفعل ما وعد، ~~أو تذهب عنه القدرة فيعجز عما وعد. # قيل: إن الأوهام لا ترجع إلى ذلك، ms2729 بل الإمكان مشررط فيه وإن لم يذكر؛ نحو ~~ما لا يؤمر الإنسان بالطيران؛ لعدم الإمكان فيه موجودا فهو كالمشروط وإن لم ~~يذكر، فعلى ذلك في العدات والأيمان وغيرها. # PageV07P158 # وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي، وهو الأشبه؛ لما لا يحتمل ~~أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يعد عدة ولا يذكر الثنيا؛ لما يعرف ~~ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك؛ ~~لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم. # وقول - عز وجل -: (واذكر ربك إذا نسيت): # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (واذكر ربك إذا نسيت) أي: إذا ذكرته بعدما نسيت فاذكره؛ كقوله: ~~(وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)، فعلى ذلك ~~هذا. # والثاني: (واذكر ربك إذا نسيت)، أي: الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله ~~- أعني: الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك؛ كقوله: ~~(وإنا إن شاء الله لمهتدون)، استثنوا أولا ثم وعدوا، فهو المستحب، فكأنه ~~قال: (واذكر ربك): الثنيا في آخر كلامك (إذا نسيت) في أوله وهو الثنيا، ~~وهذا يرد على أصحاب الظاهر؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا، ~~ولا يجوز أن يخاطب أحدا في حال نسيانه، فإذ لم يفهم من هذا هذا، دل أنه لا ~~يفهم على ما خرج ظاهره، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا). # قال بعضهم: أي: قل: عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي ~~وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا: يسألونه عن خبرهم ~~فيستدلون على رسالته وصدقه؛ فيقول: قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي ~~أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته. # وقال الحسن: قوله: (وقل عسى) وعسى من الله واجب، أي: قد هداني ربي الرشد ~~والصواب، وأما غيره من أهل التأويل يقولون: إنه وعد لأولئك أن يخبرهم غدا ~~عما يسألونه، وقال: ms2730 عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) # قال بعضهم: هو صلة قول أولئك الذين قالوا: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم. ~~. .) الآية، مع قوله: إنهم لبثوا في كهفهم ما ذكرنا، فأمره أن يقول لهم: ~~(الله أعلم بما لبثوا. . .) الآية. # PageV07P159 # وقال بعضهم: هو قول الله، أخبر أنهم لبثوا ما ذكر من المدة، وازدادوا ~~تسعا، قال بعضهم: تسع سنين، لكن ليس فيه بيان أنه أراد تسع سنين أو تسعة ~~أشهر أو تسعة أيام، فلا ندري أراد بذلك ذا أو ذا؟ فالأمر فيه إلى الله على ~~ما أمر رسوله أن يقول لهم: (الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض). # فإن قيل في قوله: (ثلاث مائة سنين): ألا قال: ثلاثمائة سنة، كما يقال: ~~ثلاثمائة رجل وثلاثمائة درهم ونحوه؟ # قال بعض أهل الأدب: إنه لم يضف ثلاثمائة إلى سنين، ولكنه أراد إتمام ~~الكلام بقوله: (ثلاث مائة)؛ لذلك نون فيها، ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة؟ ~~فقال: سنين على القطع من الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر ~~به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) # هو ما ذكرنا: أنه جعل علم مدة لبثهم في كهفهم إلى الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (له غيب السماوات والأرض). # يحتمل هذا وجوها ثلاثة: # أحدها: له علم ما غاب عن أهل السماوات وأهل الأرض؛ كقوله: (عالم الغيب ~~والشهادة). # والثاني: له علم ما غيب وأسر أهل السماوات والأرض بعضهم من بعض. # والثالث: له علم غيب ما شاهد أهل السماوات وأهل الأرض؛ لأن فيما شاهدوا ~~من الأشياء وعاينوها غيبا وسرية لم يعلموه، من نحو الشمس شاهدوها وعرفوا ~~أنها شمس، ولكن لم يعلموا ما فيها من المعنى الذي به صلاح الأشياء ~~ومنافعها، وكذلك القمر، وإنما شاهدوا هذه الأشياء، ولكن لم يعرفوا المعنى ~~الذي به صارت نافعة للأشياء ومصلحتها، وكذلك السمع والبصر والعقل ونحوه من ~~الحواس، ms2731 عرفوا هذه الحواس على ظواهرها ولكن لا يعرفون المعنى الذي به ~~يسمعون ويبصرون ويفهمون، فيقول: له علم ما غاب عنكم من هذه الأشياء التي ~~شاهدتموها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أبصر به وأسمع). # هذا كلام يتكلم على النهاية والغاية والإبلاع من الوصف، ويقال: أكرم به ~~من فلان، # PageV07P160 # إذا كان بلغ الكرم به غايته، وكذلك يقال: أحسن به من فلان: إذا بلغ في ~~الحسن غايته ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أبصر به وأسمع) هو وصف له على النهاية؛ ~~كما يقال: ما أعلمه، وما أبصره، وما أكرمه، وما أحسنه: يعلمهم أنه يعلم ما ~~غاب عن الخلق وما شاهدوا أبصر به من الأفعال التي يفعلون، وأسمع به من ~~الأقوال التي يتفوهون، أي: يعلم ما غاب عنهم مما لم يفعلوا ولم يقولوا، ~~فالذي قالوه وفعلوه أحق أن يعلم؛ يحذرهم عز وجل عن أفعالهم وأقوالهم، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ولا يشرك في حكمه أحدا). # يحتمل: لا يشرك في ألوهيته وربوبيته أحدا. # ويحتمل: ولا يشرك في حكمه، أي: الحكم له ليس لأحد دونه حكم، إنما عليهم ~~طلب حكم الله فيما يحكمون. # أو لا يشرك في تقديره وتدبيره الذي يدبر في خلقه أحدا. # ويحتمل: ولا يشرك في قسمته التي يقسم بين الخلق أحدا، (ولا يشرك في ~~حكمه)، أي: فيما جاءت به الرسل ودعت الخلق إليه. # * * * # قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من ~~دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا ~~يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنات ~~عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ms2732 ثيابا خضرا ~~من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) # وقوله - عز وجل -: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك). # يحتمل: (من كتاب ربك): اللوح المحفوظ، أي: بلغ ما أوحي إليك من اللوح ~~الذي عند الله من متلو وغير متلو؛ كقوله: (بلغ ما أنزل إليك من ربك)، وهو ~~جميع ما أنزل إليه من المتلو وغير المتلو. # ويحتمل: (من كتاب ربك): الكتاب الذي أنزل عليه، وهو القرآن، أي: اتل ~~عليهم ذلك الكتاب، فإن كان هذا ففيه أن القرآن مما يتقرب بتلاوته. # PageV07P161 # ثم في قوله: (بلغ ما أنزل إليك من ربك)، وقوله: (واتل ما أوحي إليك) ~~فريضة ضيعناها؛ وذلك أنه أمر رسوله بتبليغ رسالته وما أنزل إليه، ثم معلوم ~~أن من كان في أقصى الدنيا وأبعد أطرافها لم يقدر رسوله أن يتولى التبليغ ~~بنفسه وكذلك بعد وفاته لا يجوز أن يتولى بتبليغه، فكان ذلك القيام يلزم ~~المسلمين وأئمتهم بتبليغه فضيعوا ذلك؛ ولهذا ما رخص - والله أعلم - بدخول ~~المسلمين دار الحرب للتجارة، ودخول أولئك دار الإسلام للتجارة أيضا؛ لينتهي ~~إليهم خبر هذا الدين؛ حيث علم أنه يكون أئمة في آخر الزمان لا يهتمون لدينه ~~ولا يتولون بتبليغ ما أمروا بتبليغه، ويضيعون أمره، فيلزمهم حجة الله، وإلا ~~ما الحاجة في تلك التجارة والأموال التي يتجرون فيها؟! ولكن ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا مبدل لكلماته): # قال بعضهم: لا مبدل لسنته؛ إذ سنته في المكذبين الإهلاك، والمصدقين ~~النجاة، هذا سنته وإن أمكن تعجيلها وتأخيرها، فأما نفس سنته فهي لا تبدل ~~ولا تحول؛ كقوله: (ولا تجد لسنتنا تحويلا)، و (تبديلا). # وقال الحسن في قوله: (لا مبدل لكلماته): ما وعد وأوعد لهم في الدنيا، ~~فذلك في الآخرة لا يبدل ولا يحول؛ إذ وعد للمؤمنين الجنة، وللكافرين ~~العذاب، فذلك لا يبدل. # وقال بعضهم: (لا مبدل لكلماته) وهي القرآن لا يتبدل، ولا يغير، ولا ~~يزداد، ولا ينقص؛ كقوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه). # وقال بعضهم: (لا مبدل لكلماته) لحججه وبراهينه التي جعل لدينه ms2733 وأقام له ~~ذلك، يلزم الإسلام ودينه، إلا من قصر عليه في العبادة، أو كان المقام عليه ~~الحجة معاندا مكابرا. # وأما من لم يكن هذين المعنيين يسلم لا محالة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولن تجد من دونه ملتحدا). # هذا الخطاب وإن كان في الظاهر لرسول الله، فهو يخرج مخرج التنبيه على ما ~~ذكرنا في غير آي من القرآن. # وقوله: (ملتحدا) قال بعضهم: مدخلا؛ ولذلك سمي اللحد: لحدا؛ لما يدخل # PageV07P162 # وقال بعضهم: ملجأ، والله أعلم. # وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) # يحتمل: واصبر نفسك بالغداة والعشي مع الذين يدعون ربهم، فيكون فيه الأمر ~~بالجلوس لهم بالغدوات والعشيات؛ للتذكير وتعليم العلم، على ما تعارف الناس ~~الجلوس للناس لذلك في هذين الوقتين؛ إذ ذانك الوقتان خاليان عن الأشغال ~~التي تشغلهم عن ذلك ذكر، الغداة والعشي لما لم يجعل عليهم بعد صلاة الغداة ~~صلاة، وكذلك بعد العصر؛ للذكر الذي ذكرنا وتعليم ما يحتاجون في ليلهم ~~ونهارهم. # أو أن يكون ذلك كناية عن صلاة الفجر والعصر؛ لما جاء لهما من فضل وعيد لم ~~يجئ في غيرهما من الصلوات؛ نحو ما ذكر: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا) وما روي في العصر من الوعيد: " من فاته العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله "، ونحوه أمر بصبر نفسه على حفظ هذين؛ لما ذكرنا مع من ذكر. # أو أن يكون لا على إرادة غداة أو عشي، ولكن بالكون مع أتباعه في كل وقت ~~والصبر معهم. # وقال أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن رؤساء كفار مكة سألوه أن يطرد أتباعه من ~~عنده ويتخذ لهم مجلسا، فنزل قوله: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي. . .) الآية وقوله: (واصبر نفسك. . .) الآية. # وقالوا في قوله: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته) في ~~أصحاب الكهف، يقول: وأخبرهم ما سألوك مما أوحينا إليك من أخبار أصحاب الكهف ms2734 ~~ولا تزيد ولا تنقص عليه. # PageV07P163 # فإن كان في أمرهم نزل هذا فرسول الله كان لا يخبرهم إلا ما أوحي إليه ~~وأنزل عليه من أمرهم، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تعد عيناك عنهم). # قيل: لا تتعد عنهم إلى غيرهم. # وقيل: لا تصرف ولا ترفع عينيك عنهم تجاوؤهم إلى غيرهم. # (تريد زينة الحياة الدنيا) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: إن كان على تأويل أهل التأويل أنهم سألوه أن يتخذ لهم مجلسا دون ~~أولئك، فيكون تأويل قوله: (تريد زينة الحياة الدنيا) أي: تريد أولئك الذين ~~يطلبون منك مجلسا على حدة يريدون بذلك وينة الحياة الدنيا لا يريدون بذلك ~~وجه الله. # والثاني: لو فعلت ما سألوك كان فعل ذلك كفعل من يريد زينة الحياة الدنيا؛ ~~لأن المجلس الذي يحضره الأشراف والرؤساء إنما يراد به زينة الحياة الدنيا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من أغفلنا قلبه عن ذكرنا). # تأويل الآية على قولنا ظاهر، نحن نقول على ما نطق ظاهر الآية: من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا، أي: من خلقنا ظلمة الكفر بكفرهم في قلوبهم، أو خذلناهم ~~بكفرهم الذي فعلوا. # وأما المعتزلة فإنهم قد تحيروا فيه وتاهوا وأكثروا التأويلات فيها، حتى ~~أن منهم من صرف القراءة عن وجهها فقال: (ولا تطع من أغفلنا) بنصب اللام، و ~~(قلبه) برفع الباء، معناء: أن من أغفل قلبه عن ذكرنا على قول المعتزلة، على ~~صرف الفعل إلى القلب، وكذلك قالوا في قوله: (من شر ما خلق)؛ ليصح على ~~مذهبهم ويستقيم. # ومنهم من قال: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)، أي: لا تطع من وجدنا ~~قلبه غافلا، وقال: ذلك مستقيم في اللغة؛ يقال: قاتلناهم فما أجبناهم، أي: ~~ما وجدناهم جبناء، ويقال: فسألناهم فما أبخلناهم، أي: ما وجدناهم بخلاء، ~~ونحوه من الكلام، وهو تأويل الجبائي فيما أظن. # وقال بعضهم: (ولا تطع من أغفلنا قلبه)، أي: من خلينا بينه وبين ما يفعل ~~وهو كما يقال لمن خلى عبده حتى أفسد كثيرا من الناس يقال: سلطت عبدك على ~~الناس، وهو ms2735 لم يسلطه عليهم، لكنه يقال له؛ لما قدر على منعه عن ذلك ~~والحيلولة بينه وبين ما فعل # PageV07P164 # أضيف ذلك إليه؛ فعلى ذلك قوله: (أغفلنا قلبه عن ذكرنا) أي: خلينا بينهم ~~وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، وهو تأويل جعفر بن حرب. # وقال بعضهم: أضاف ذلك إلى نفسه للأسباب التي أعطاهم من السعة والغناء ~~والشرف في الدنيا، فتلك الأسباب التي أعطاهم هي التي حملتهم على ذلك؛ فأضيف ~~إليه ذلك لذلك، وهو ما قال: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا) وهو تأويل أبي بكر الأصم. # وقال الحسن: (أغفلنا قلبه) أي: خذلناهم وطبعنا على قلوبهم، وهو يقول: إن ~~للكفر حدا إذا بلغ ذلك الحد يخذله ويطبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبدا. # فيقال: خذله في أول حال الكفر أو بعد ذلك بأوقات وزمان. # فإن قال: في أول حال كفره فهو قولنا. # وإن قال: لا في أول حاله، ولكن بعد زمان، فهو كافر موفق ومؤمن مخذول على ~~قوله، فنعوذ بالله مما قال. # ثم الجواب للأول ما ذكرنا من صرف التنزيل عن وجهه وظاهره، فلو جاز لهم ~~ذلك لجاز، لغيرهم صرف جميع الآيات عن ظاهر التنزيل، وذلك بعيد محال. # وأما تأويل الجبائي، أي: ما وجدناهم كذا، فإنما يسوغ له هذا إذا كان جميع ~~حروف (أفعل) يخرج على ما يقوله في اللغة، فأما أن يقال في بعض، فإن ذلك غير ~~مستقيم. # وبعد فإنه لو كان كما ذكر لكان يقول: (ولا تطع من أغفلته عن ذكرنا)، أي: ~~وجدته غافلا عن ذكرنا؛ لأنه نهى عن أن يطيع من وجده غافلا، فهو لا يعلم من ~~وجده الله غافلا، إنما يعلم من وجده بنفسه غافلا. # فأما إذا كان ما ذكرنا لم يكن للنهي عما ذكر معنى؛ فدل أن تأويله فاسد ~~وخيال، وأن إضافته إليه لمعنى يكون من الله. # وأما جواب جعفر بن حرب أنه على التخلية والتسليط، فهو إنما يقال: سلطت ~~عبدك على كذا على الذم لا على المدح؛ فلا يجوز أن يقال ذلك في الله على ~~الذم ويضاف ms2736 إليه أيضا ذلك. # وكذلك يقال لأبي بكر حيث قال: إنما أضاف ذلك إليه للأسباب التي ذكر أنه ~~أعطاهم، يقال له: ذلك يضاف على الذم: إنك أعطيت كذا حتى فعل كذا، فأما أن ~~يقال على المدح فلا؛ فيبطل قوله وتأويله؛ فدل إضافة ذلك إلى نفسه أنه كان ~~منه في ذلك معنى يستقيم إضافته إليه، وهو ما ذكرنا من خلق الظلمة في قلوبهم ~~بكفرهم الذي اختاروا # PageV07P165 # وخذلانه إياهم لما اختاروا وآثروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان أمره فرطا). # قال بعضهم: (فرطا) أي: ضياعا وهلاكا. # وقال بعضهم: (فرطا) أي: خسرانا وخسارا. # وقال أبو عوسجة: هو من التفريط. # وقال غيره: أفرط في القول كما قال: (إنا رءوس من مضر إن نسلم يسلم الناس ~~بعدنا) على ما ذكر في بعض القصة. # وقال أبو عبيدة: فرطا، أي: ندما. # وقوله - عز وجل -: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا ~~أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) # كأنه على الإضمار، أي: قل: قد جئتكم بالحق من ربكم. # أو يقول: قل لهم: قد تعلمون أني قد جئتكم من الآيات والحجج على ما أدعوكم ~~إليه ما لا يحتمل بليتي ويخرج عن وسعي وطاقتي. # وقوله - عز وجل -: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). # ثم يحتمل هذا وجوها: # أحدها: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإنه إنما يعمل لنفسه ليس يعمل ~~لأحد سواه؛ كقوله: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)، وقوله: (إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. . .) الآية؛ فعلى ذلك يقول، والله أعلم. # والثاني: يقول: إني بلغت الرسالة إليكم فلا أكرهكم أنا على الإسلام ولا ~~أحد سواي، فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإنه إنما يؤمن باختياره ~~ومشيئته، ومن كفر فإنما يكفر باختاره ومشيئته لا يكره على ذلك. # والثالث: أن الإيمان والكفر قد يين الله لهما العواقب ما عاقبة من اختار ~~الإيمان وما عاقبة من اختار الكفر، وهو ما قال: (إنا أعتدنا للظالمين نارا ~~أحاط بهم سرادقها. ms2737 . .) إلى آخر ما ذكر، وقال للمؤمنين: (إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنات عدن. . ~~.) الآية. يقول: قد بين لكل واحد منهما عاقبة، فمن شاء اكتسب لنفسه في ~~العاقبة الجنان وما فيها من النعيم، ومن شاء اكتسب ما ذكر في العاقبة من ~~النار وأنواع العذاب، فذلك كله يخرج على الوعيد. # PageV07P166 # وقوله - عز وجل -: (إنا أعتدنا للظالمين) وقت دخولهم النار أو هو في ~~الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (أحاط بهم سرادقها) يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: على إرادة حقيقة السرادق. # والثاني؛ على التمثيل، أي: يحيط بهم النار فلا يقدرون على الخروج منها ~~على ما يمنع السرادق من الخروج في الدنيا ودفع الحر والبرد، فإن كان على ~~حقيقة السرادق فهو - والله أعلم - على ما جعل الله لهم من أنواع ما كانوا ~~يتفاخرون في الدنيا من اللباس والطعام والشراب وغير ذلك يجعل لهم في الآخرة ~~من ذلك النوع من النار، وهو ما ذكر: (سرابيلهم من قطران)، وما قال: (ليس ~~لهم طعام إلا من ضريع) والشراب ما ذكر من الصديد والغسلين، وغير ذلك من ~~النوع الذي كانوا يتفاخرون به في الدنيا ويمنعهم عن الإيمان جعل لهم في ~~الآخرة من ذلك النوع من النار وبه يعاقبهم، فعلى ذلك جائز أن يكونوا ~~يتفاخرون به في الدنيا بالسرادق إذا خرجوا في السفر، فيعاقبهم الله في ~~النار بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل). # يحتمل استغاثتهم هو ما ذكر في الآية (أن أفيضوا علينا من الماء)، فيغاثون ~~(بماء كالمهل)، ويحتمل: أن يطلبوا في النار الماء بعدما طعموا فيها منها ~~فيغاثون بالمهل. # ثم المهل: قال عامتهم: المهل: هو دردي الزيت أو العصير، لكنهم اختلفوا في ~~معنى التشبيه به: # قال بعضهم: يشبهه به لغلظه؛ لأن الشيء الغليظ يكون ألصق وآخذ من غيره. # وقال بعضهم: شبهه به لسواده. # وقال الحسن وأبو بكر: تشبيهه به؛ لكثرة تلونه من الحمرة والصفرة والسواد ~~ونحوه لشدته، وهو ما ذكر: (يوم تكون السماء كالمهل)، شبهه كالمهل لتلونه؛ ms2738 ~~لشدة ذلك اليوم وهوله. # وقوله - عز وجل -: (يشوي الوجوه) ذلك الشراب، (بئس الشراب وساءت مرتفقا) ~~أي: ساءت النار مرتفقا، اختلف فيه: # قال بعضهم: المرتفق: المتكأ. # PageV07P167 # وقال بعضهم: المجتمع، أي: بئس الاجتماع. # وقال بعضهم: مجلسا. # وقال بعضهم: بئس المنزل النار قرناؤهم فيها الكفار والشياطين. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من ~~أحسن عملا (30) # قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير كأنه قال: إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا منهم، ثم قال: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا. أولئك لهم جنات عدن. . .) إلى آخر ما ذكر. # وقال بعضهم: ليس على التقديم والتأخير، ولكن على ما ذكر أن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم بين ما لهم فقال: ~~(أولئك لهم جنات عدن ... ) إلى آخر ما ذكر. # قال أبو عوسجة: السرادق: البناء الذي يبنى من الكرابيس يشبه الدار ~~والحجرة، (وساءت مرتفقا)، أي: متكأ ومنزلا. # وقال القتبي: السرادق: الحجرة التي تكون حول الفسطاط، قال: وهو الدخان ~~يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الظل ذو الثلاث الشعب، و (كالمهل) دردي ~~الزيت، ويقال: ما أذيب من النحاس والرصاص، (وساءت مرتفقا)، أي: مجلسا وأصل ~~الارتفاق: الاتكاء على المرفق. # وقوله: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور ~~من ذهب (31) # يذكر ثواب المؤمنين الذين تركوا شهواتهم في الدنيا لها. # (ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق). # قالوا: الإستبرق: الديباج الغليظ، والسندس: وهو الرقيق والغليظ منه لا ~~يلبس، لكنه كأنه جمع بين ما يلبس وبين ما يبسط، فذكر اللبس لما يلبس، كما ~~يقال: أطعمت فلانا طعاما وشرابا والشراب لا يطعم. # PageV07P168 # وقيل: إن الإستبرق هو الرقيق من الديباج بلغة قوم، فإن كان ما ذكر فكأنه ~~إنما ذكر ذلك لأولئك، والله أعلم، # وقوله - عز وجل -: (متكئين فيها على الأرائك). # قال بعضهم: (الأرائك): السرر في الحجال، والأريكة: السرير في الحجلة. # وقال بعضهم: (الأرائك: السرر عليها حجال. # وقال أبو عوسجة: (الأرائك: الوسادة. # (وحسنت مرتفقا) ms2739 قيل: منزلا. # وأصل هذا: أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ~~ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة، وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء ~~تنفر أمنها، أنفسهم وطباعهم في الدنيا؛ ليحذروا ما يستوجبون الموعود في ~~الآخرة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم ~~منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا ~~أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد ~~هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا (36) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) ~~فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا ~~زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح ~~يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك ~~بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) ~~هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # وقوله - عز وجل -: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب. ~~. .) إلى آخر ما ذكر. # جائز أن يكون هذا المثل كان في الأمم المتقدمة وكتبهم، سئل رسول الله عن ~~ذلك ليعلم وليتبين لهم صدقه بأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ~~يدعي على ما سئل هو عن قصة ذي # PageV07P169 # القرنين وبنائه ونبأ أصحاب الكهف وأخبارهم؛ ليتبين لهم صدقه؛ إذ علموا أن ~~تلك الأنباء والقصص لا يعلم ولا يعرفها إلا من علم كتاب الله؛ إذ كان ذلك ~~في كتب الله، وهو لم يعرف تلك الكتب؛ لأنها ms2740 كانت بغير لسانه، ولم يروه ~~اختلف إلى من يعرفها ليتعلم منه، ثم أنبأهم على ما كان في كتبهم، فدل أن ~~ذلك إنما عرف بالله وأنه صادق فيما يدعي من الرسالة، على هذا يجوز أن يقال ~~- والله أعلم - فيكون في ذلك آية لرسالته ونبوته. # أو أن يكون قوله: (واضرب لهم مثلا رجلين. . .) إلى آخره، أي: اضرب لهم ~~مثلك ومثلهم مثل رجلين، فيكون مثلك ومثلهم مثل ما ذكر من رجلين. . . إلى ~~آخره. # أو أن يكون قوله: (واضرب لهم مثلا رجلين. . .) أي: اضرب للمعتبرين ~~والمتوسمين مثل رجلين، كل رجلين هذا سبيلهما، يرغب أحدهما في الدنيا ~~وزينتها ويطلبها لا يرى غيرها، والآخر يرغب في الزهد فيها وترك الطلب لها ~~والرغبة في الآخرة، فإن كان على هذا أو ما ذكرنا من ضرب مثله ومثل أولئك، ~~فهو على الابتداء، فيخرج على الاعتبار والتفكر فيما ذكر تنبيها وإيقاظا، ~~وإن كان على السؤال عما كان فهو ليس على الاعتبار، ولكن على الإنباء أنه ~~رسول، ففيه آية لرسالته ونبوته. # ثم قوله: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا)، أي: بين الجنتين، (كلتا الجنتين آتت أكلها ... ~~(33) أي: حملها، ولم يقل: (آتت أكلها)، خرج على اسم واحد وإن كان في المعنى ~~على التثنية، وذلك جائز في اللغة؛ كقولك: كلتا المرأتين صالحة، وكلانا ~~صالح، وفيه قول الشاعر: # كلانا شاعر من حي صدق ... ولكن الرحى نقلوا الثفالي # وقوله - عز وجل -: (ولم تظلم منه شيئا) أي: لم تنقص من ثمرها شيئا. # وقوله - عز وجل -: (وفجرنا خلالهما نهرا) أي: أجرينا بينهما مياها جارية. # وقوله: (وكان له ثمر ... (34) # قال بعضهم: من قرأ: (ثمر) بالرفع فهو كل ما كان يملك من الجنان وغيرها، ~~ومن قرأ بالنصب فهو على الثمر. # وقال بعضهم: الثمر بالنصب فهو الثمر، والثمر بالرفع فهو جميع الثمار، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقال لصاحبه وهو يحاوره) يكلمه أو يجيبه أو ينازعه ~~ويناظره: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) لا يحتمل أن يكون هذا الخطاب منه ~~على الابتداء؛ ms2741 لأنه لا يصلح على الابتداء؛ فيشبه أن يكون كان من صاحبه له ~~وعيد وتخويف، فعند ذلك قال له # PageV07P170 # ما ذكر. # أو أن يكون قال: يعطيني ربي في الآخرة مثل ذلك أو خيرا منها، فقال له عند ~~ذلك: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا)، أي: قد تفضل علي في الدنيا وفضلني ~~عليك فيفضلني أيضا في الآخرة عليك، حيث قال: (لأجدن خيرا منها منقلبا) إن ~~كان ما تزعم صدقا أنا نبعث ونرد إلى الله وإلا على الابتداء لا يصلح. # وقوله - عز وجل -: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا (35) # يحتمل: أي: ظالم نفسه، ويحتمل: أن يكون قوله: (لنفسه): بدنه، وهو ظالم # المعنى الذي يكون في النفمص به يستعملها فيما تستعمل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أظن أن تبيد هذه أبدا). # قال بعضهم: (ما أظن)، أي: ما أثق وما أعلم. # وقال بعضهم: هو الظن؛ لأن صاحبه كان يناظره فيه، فاضطرب في فنائها وقيام ~~الساعة فشك فيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أن تبيد هذه أبدا) ما دامت نفسه، أو كأنه لم يشاهد ~~الهلاك، ولم ينظر إليه؛ فقال ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) أي: ~~لو رددت إلى ربي - على ما تزعم - الأجدن، خيرا منها منقلبا إن كنت صادقا. # وقوله: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا (37) # أي: خلق أصلك من تراب، وخلقك من نطفة، ثم سواك رجلا، أي: صححك وقومك ~~رجلا. # جائز أن يكون محاجته إياه في هذه، لإنكاره البعث، أي: كفرت وأنكرت قدرة ~~الله على البعث والإعادة، وهو خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، فأنت ~~إذا مت وهلكت تصير ترابا أو ماء، فإذا قدر على خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك ~~من ماء فإنه لقادر على إعادتك وبعثك بعد ما صرت ترابا أو ماء. # أو يكون محاجته في إنكاره حكمة الله؛ فيقول: خلق أصلك من تراب، وخلق ms2742 نفسك ~~من نطفة، ثم سواك رجلا وصححك؛ فإن لم يبعثك ويعدك كان خلقك وخلق أصلك بما ~~ذكر عبثا غير حكمة؛ إذ من بني بناء ثم نقضه على غير قصد الانتفاع به كان في ~~بنائه عابثا في الابتداء تائها سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك: خلقك وخلق أصلك ~~من غير إعادة من بعد يكون سفها على غير حكمة، وهو ما قال: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا. . .) الآية # PageV07P171 # صير خلقهم على غير رجوع إليه عبثا. # أو يكون محاجته في تسفيهه إياه في عبادته غير الله، يقول: أكفرت نعمة ~~الذي خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك صحيحا، فصرفت شكر نعمه ~~إلى غيره، وعبدت غيره على هذه الوجوه الثلاثة. # ويحتمل محاجته إياه إما في إنكار قدرته في بعثه وإعادته، أو إنكاره ~~الحكمة في البعث، أو في إنكاره نعمه وصرفه الشكر إلى غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) # كأنه قال: لكن الذي خلق أصلك من تراب، وخلق أصلك من نطفة هو ربي، ولا ~~أشرك بربي أحدا. # وقال الخليل: (لكنا) إنما هو على تأويل: لكني أنا أقول هو الله ربي؛ ~~كقوله: (إني أنا أخوك) إنهم حين ألقوا الألف من (أنا) أثبتوها بعد النون، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا إذ دخلت جنتك ... (39) نظرت إلى ما أنعم الله ~~عليك وقمت بشكره دون أن اشتغلت بازدرائي، ونظرت إلى قلة ذات حالي ويدي، ~~واشتغلت بالافتخار على، وكذلد قال: (إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا). # ثم ذكر طمعه ورجاءه على ربه وخوفه؛ حيث قال: (فعسى ربي أن يؤتين خيرا من ~~جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) # ويرسل على جنتك حسبانا من السماء. # قال أهل التأويل: الحسبان: العذاب، إلا أن أبا بكر الأصم قال: عذابا على ~~حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين ~~أهلكهما؛ حيث قال: (ذواتي أكل. . .)، إلى قوله: (ذلك جريناهم. . .) الآية. # وقال أبو عوسجة: (حسبانا) أي: عذابا زاده على ms2743 حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه ~~في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين له، والحسبان: الصغار من النبل، ~~والحسبانة واحدة، والحسبان جمع، والأول عذاب. # وقوله - عز وجل -: (فتصبح صعيدا زلقا). # قال أبو عوسجة (صعيدا زلقا): الذي ليس عليه نبت، و (زلقا)، أي: تسوية. # وقال القتبي: الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي يزول عنه الأقدام. # PageV07P172 # وقوله - عز وجل -: (أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: (ويرسل عليها حسبانا) من السماء، أي عذابا، فتصير (صعيدا ~~زلقا) أملس لا نبات عليها، أو يذهب بمائها؛ فتهلك بذهاب الماء؛ إذ هلاك ~~البساتين يكون بذهاب الماء مرة، وبالعذاب النازل عليها ثانيا. # وقوله - عز وجل -: (فلن تستطيع له طلبا). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لن تستطيع له طلبا، أي: تصير بحال لا تستطيع له طلبا، أو لن ~~تستطيع له وجودا. # وقال في قوله: (إن ترن أنا أقل منك)، بالنصب؛ لأن الكلام مبني على قوله: ~~(إن ترن)، وجعل (أنا) صلة، وأما قوله: (أنا أكثر) فوصف (أنا) ب (أنا أكثر)؛ ~~فارتفع. # وقوله - عز وجل -: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي ~~خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) # أي: أهلك بثمره. # (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها). # هكذا عادة الناس: أنهم إذا أصابهم خسران أو مصيبة، يقلبون كفهم بعضهم على ~~بعض؛ على الندم والحسرة على ما فات. # وقوله - عز وجل -: (وهي خاوية على عروشها). # قيل: ساقطة على عروشها. # ويحتمل (خاوية): ذاهبة البركة. # وقوله - عز وجل -: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدا). # إن كان هذا القول في الدنيا؛ فذلك منه توبة؛ لأن التوبة هي الندامة على ~~ما كان منه. # وقال بعضهم: هذا القول منه في الآخرة، فإن كان في الآخرة فإنه لا ينفعه ~~ذلك، والله أعلم، وهكذا كل كافر يؤمن في الآخرة، لكن لا ينفعه. # وقوله: (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) # هذا - والله أعلم - مقابل ما قال: (أنا أكثر منك مالا وأعز ms2744 نفرا)، أي: لم ~~يغنه عن عذاب الله ما ذكر من النصر، ولا قدر أن يقوم بنفسه منتصرا بالمال ~~الذي ذكر. # وقوله - عز وجل -: (هنالك ... (44) # قال بعضهم: عند ذلك. # PageV07P173 # وقال بعضهم: هنالك، أي: هكذا ولاية الله، ثم اختلف في تلاوته وتأويله: # قرأ بعضهم (الولاية لله) بالفتح، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (هنالك ~~الولاية لله الغفور وهو الحق): بالرفع، وفي حرف حفصة: (هنالك الملك ~~والولاية لله الغفور ذي الرحمة). # وقرأ بعضهم: (لله الحق)، أي: الولاية الحق لله، و (الولاية) بالنصب من ~~الموالاة. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: لا يبقى أحد إلا تولى الله وآمن به وعلم ~~أنه حق، والولاية بالكسر من الإمارة والملك على ما ذكر في حرف حفصة. # وفي حرف أبي (هنالك الولاية لله الحق لله) يقرأ: الولاية لله وهو الحق، ~~ويقرأ: هنالك الولاية لله الحق، بالخفض، ويقرأ: هنالك الولاية الحق لله. # وذكر هذا المثل لرسول الله - والله أعلم - لأن فيه دلالة رسالته، وحجة ~~توحيد الله وقدرته وسلطانه. # وقوله - عز وجل -: (هو خير ثوابا وخير عقبا)، أي: ثواب هذا المؤمن منها ~~أفضل ثوابا في الآخرة وأفضل عاقبة من عقبى ذلك الكافر. # قال ابن عباس - رضي الله عنه - قوله: (واضرب لهم): يعني: لأهل مكة (مثلا ~~رجلين): أخوين من بني مخزوم: # أحدهما مسلم والآخر كافر، وهما الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة ~~الصافات: (إني كان لي قرين. . .)، إلى قوله: (فرآه في سواء الجحيم): تصدق ~~المسلم منهما بماله وطلب الآخرة، وطلب الآخر به الدنيا. # وعن ابن مسعود قال: كانا أخوين ورثا من أبيهما مالا فاقتسماه، فأما ~~أحدهما التمس بماله الدنيا وزينتها، وأما الآخر تصدق به وطلب الآخرة حتى لم ~~يبق له شيء إلى هذا يذهب هؤلاء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط ~~به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) ~~المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) # وقوله - عز وجل -: (واضرب لهم مثل ms2745 الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء). # PageV07P174 # اختلف أهل التأويل في ضرب هذا المثل: # قال بعضهم: ضرب هذا لمشركي العرب؛ لأنهم ينكرون فناء الدنيا وهلاكها؛ ~~لأنها لا تبيد أبدا، فيقول: إن الذي يعاينون من فناء ما ذكر من النبات ~~وغيره وهلاكه - هو جزء منها؛ فإذا احتمل جزء منها الفناء والهلاك؛ فعلى ذلك ~~الكل. # وقال بعضهم: وجه ضرب هذا المثل، وهو أن أهل الدنيا وطلابها إذا ظفروا ~~بالدنيا وطمعوا الانتفاع بها والاستمتاع بها، كما طمع الزراع الظفر بذلك ~~الزرع، والوصول إلى الانتفاع به، ثم حيل بينهم وبين الانتفاع بالزرع ~~والوصول إلى مقصودهم فعلى ذلك الدنيا يحال بين أهلها وطالبيها وبنيها. # وقال بعضهم: وجه ضرب مثل الدنيا بما ذكر من النبات - للتزيين والتحسين ~~لأهلها والتعجيب لهم؛ لأنها تتزين وتحسن لأهلها كالنبات الذي ذكر أنه يعجب ~~أهلها ويتزين لهم ثم يفسد ويصير مواتا؛ فعلى ذلك الدنيا، وهو ما ذكر في آية ~~أخرى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته. . .) الآية: هكذا وما فيها كله مشوب ~~بالآفات والفساد. # في هذا المثل وجوه من الحكمة والدلالة. # أحدها: العظة والاعتبار للمتفكرين والمعتبرين، والحجة على المعاندين ~~والمكابرين: في إنكارهم حدث العالم ومحدثه، وإنكارهم فناء العالم، وإنكارهم ~~البعث. # أما حدث العالم؛ لما عاينوا حدوث أشياء منه واحدا بعد واحد؛ فعلى ذلك ~~الكل، وأراهم أيضا فناء أشياء منها حتى لم يبق لها أثر، ثم حدث مثلها، فإذا ~~ظهر هذا في بعض منها؛ فكذلك الكل؛ فإذا ظهر حدوثه وفناؤه لابد من قاصد ~~يحدثها. # وفيه دلالة البعث بما أراهم أنه يجدد ويحدث هذه الأنزال والأشجار والنبات ~~وغيره والعود على ما كان بعد فنائه؛ فعلى ذلك إعادة العالم الذي هو المقصود ~~في إنشاء تلك الأشياء، وذلك أولى بالإعادة من غيرهم من الأشياء؛ إذ هم ~~المقصودون في خلق غيرهم من أن شياء. # وبعد، فإنهم قد اتفقوا على أن خلق الشيء وفناءه للهلاك خاصة من غير مقصود ~~وعاقبة - عبث ليس بحكمة، فلو لم يكن بعث ولا إعادة لم يكن في خلقه إياهم ~~حكمة؛ لأنه يحصل خلقه للفناء ms2746 والهلاك خاصة. # وفي قوله: (كماء أنزلناه من السماء. . .) الآية دلالة علمه وتدبيره ~~وقدرته؛ لأنه أخبر أنه ينزل من السماء ماء يختلط به نبات الأرض، والماء من ~~طبعه إفساد النبات إذا اختلط به # PageV07P175 # فإذا لم يفسده ولكن أحياه بالاختلاط - دل أن في الماء معنى به يحيا ~~النبات لا يعلم ذلك غيره، دل أنه عالم بذاته. # والتدبير هو ما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما؛ ~~دل أن ذلك كان بواحد عليم مدبر قادر بذاته. # وأن من قدر على ما ذكر من الإحداث والإفناء - قادر على الإعادة والبعث، ~~والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فأصبح هشيما). # قيل: كسيرا مكسورا. # (تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا). # هو مفتعل من (قدرت). # وقوله - عز وجل -: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) كأن هذا ذكر على مقصود الناس: أن من كان ~~قصده في الدنيا: كثرة المال والبنين، فهو زينة الحياة الدنيا، وهو الفاني ~~والذاهب على ما ذكر، ومن كان مقصوده في هذه الدنيا الخيرات والآخرة - فهي ~~الباقيات أبدا. # ثم اختلف في (والباقيات الصالحات): قال بعضهم: هو قوله: سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ ~~وعلى ذلك روى في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا ~~وإن سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هن الباقيات ~~الصالحات ". # وفي بعض الأخبار أنه قال لأصحابه: " خذوا جنتكم "، قالوا من عدو حصرنا؟ ~~قال: " خذوا جنتكم من النار؛ فقولوا: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن المقدمات المؤخرات ~~الباقيات الصالحات ". # وفي بعض الأخبار لأبي الدرداء: " خذهن قبل أن يحال بينك وبينهن؛ فإنهن ~~الباقيات # PageV07P176 # الصالحات، وهن كنز من كنوز الجنة "؛ قال: وما هي يا رسول الله؟ فذكر: " ~~سبحان الله. . . . " إلى آخره. # فإن ثبتت هذه الأخبار فهي الأصل لا يجوز غيره. # وقال بعضهم: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، ms2747 وهو قول ابن عباس وغيره، ~~فأيهما كان، ففيه معنى الآخر، وإن كل واحد منهما يجمع جميع أنواع الخيرات ~~والعبادات في الحقيقة؛ لأن " سبحان الله " هو تنزيه الرب عن كل آفة وعيب، و ~~" الحمد لله " هو الثناء له بكل نعمة وصلت منه إلى الخلق، وجعله مستحقا ~~للحمد والثناء له دون من سواه، وإن " لا إله إلا الله ": هو لا معبود سواه، ~~وألا يستحق العبادة غيره، و " الله أكبر ": هو الإجلال عن كل ما قيل فيه ~~ونفي كل معاني الخلق عنه، و " لا حول ولا قوة إلا بالله ": هو التبرى، وقطع ~~الطمع عمن دونه وتفويض الأمور بكليتها إليه والتسليم له؛ فكل حرف من هذه ~~الحروف يجمع في الحقيقة كل أنواع العبادات والخيرات لما ذكرنا، وكذلك ~~الصلوات -أيضا- تجمع كل أنواع العبادات؛ لأنه يستعمل كل جارحة من جوارحه ~~فيها في كل حال منها؛ فهي تجمع جميع العبادات. # والأصل في قوله: (والباقيات الصالحات) أنها كل الخيرات والطاعات؛ لأن ~~الله - تعالى - ذكر ووصف الحق بالبقاء والثبات في غير آي من القرآن، ووصف ~~الباطل بالبطلان والتلاشي والذهاب؛ من ذلك قوله: (كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. . .) ~~الآية، وقال: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة. . .) الآية، وأمثاله؛ ~~فعلى ذلك قوله: (والباقيات الصالحات) هي باقية. # (خير عند ربك ثوابا وخير أملا). # أي: خير ما يأملون. # قال أبو عوسجة: (فأصبح هشيما) أي: يابسا باليا. # وقال القتبي ومنه سمي الرجل: هاشما. # PageV07P177 # وقال أبو عوسجة: (تذروه الرياح)، أي: تطير به. # وقال القتبي، أي: تنسفه؛ كقوله: (فقل ينسفها ربي نسفا). # وعن ابن عباس قال (خير عند ربك ثوابا)، أي: خير ما يثاب الناس عليه (وخير ~~أملا)، أي: خير ما يأمل الناس عن أعمالهم يوم القيامة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا (47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ~~ألن نجعل لكم موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ms2748 مما فيه ويقولون ~~يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49) # وقوله - عز وجل -: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة). # يذكرهم - عز وجل - عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه حيث سار أثبت شيء رأوا ~~في الدنيا، وتكسر أصلب شيء رأوا في الدنيا، وهو الجبال؛ لشدة أهوال ذلك ~~اليوم وأفزاعه. # وقال في آية أخرى: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش (5)، وقال في آية أخرى: (وكانت الجبال كثيبا مهيلا)، وقال ~~في آية أخرى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) وقال في آية ~~أخرى: (هباء منثورا)، وأمثاله يذكرهم عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه؛ حيث ~~صار أثبت شيء في الدنيا وأشده - على الوصف الذي ذكره، وبدون هذه الأهوال ~~والأفزاع التي ذكر - لا تقوم أنفس البشر في الدنيا؛ فقيامها لمثل هذه ~~الأهوال التي ذكر أحرى ألا تقوم؛ ألا ترى أن موسى - عليه السلام - كان أشد ~~الناس وأقوى البشر، ثم لم تقم نفسه؛ لاندكاك الجبل حتى صعق إلا أن الله حكم ~~أن لا هلاك يومئذ بعدما أحياهم، وإلا كانت أنفسهم لا تقوم بدون ما ذكر من ~~الأهوال. # ثم ما ذكر من أحوال الجبال يكون ذلك في اختلاف الأحوال والأوقات: يكون في ~~ابتداء ذلك اليوم ما ذكر أنها تسير وأنهم يرونها جامدة، وهي ليست بجامدة، ~~ثم تصير كثيبا مهيلا، ثم تصير كالعهن المنقوش في وقت، ثم تصير هباء منثورا ~~ثكون على الأحوال التي ذكر، على اختلاف الأحوال والأوقات، على قدر الشدة ~~والهول، والله أعلم. # ثم يحتمل قوله: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب)؛ لشدة ذلك ~~اليوم تتراءى كأنها جامدة، وهي تمر مر السحاب، وقد يتراءى في الشاهد مثله؛ # PageV07P178 # للهول والفزع. # والثاني: تتراءى، أي: لازدحام الجبل واجتماعها، وقد يتراءى في الشاهد: ~~السائر كالجامد والساكن؛ للكثرة والازدحام؛ نحو عسكر عظيم يسير يراه الناظر ~~إليه كأنه ساكن لا يسير؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم يحتمل أن يكون هذه الأهوال ms2749 التي ذكر لأهل الكفر والعصاة منهم، وأما ~~أهل الإيمان والإحسان يكونون في أمن وعاقبة من تلك الأهوال؛ كقوله: (إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وترى الأرض بارزة). # أي: ظاهرة ليس عليها بناء ولا شجر ولا جبال ولا حجر ولا شيء تصير مستوية ~~- على ما ذكرنا - (قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107). # ويحتمل قوله: (وترى الأرض بارزة)، أي: يكون أهلها بارزين له؛ كقوله: ~~(وبرزوا لله جميعا). # وقوله - عز وجل -: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا). # أي: نجمعهم جميعا؛ كقوله: (قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ~~ميقات يوم معلوم (50). # وقوله - عز وجل -: (وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ~~بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) # قال بعضهم: عرضوا على ربك جميعا. # ثم يحتمل قوله: (وعرضوا على ربك) للحساب. وقال بعضهم: يعرضون على مقامهم، ~~أي: يعرض كل فريق على مقامه، أي: يبعث؛ كقوله: (وأزلفت الجنة للمتقين (90) ~~وبرزت الجحيم للغاوين (91). # ويحتمل معنى العرض عليه في ذلك اليوم، وإن كانوا في جميع الأحوال ~~والأوقات في الدنيا والآخرة معروضين عليه عالم بأحوالهم؛ لما يقرون له ~~جميعا يومئذ منكرهم ومقوهم - بالعرض والقيامة، كقوله: (وبرزوا لله جميعا)، ~~(والأمر يومئذ لله)، والأمر في جميع الأوقات لله، وكذلك هم بارزون له في ~~جميع الأحوال، لكنه خص ذلك اليوم بالإضافة إليه بما يقرون له جميعا في ذلك ~~اليوم بالألوهية له والملك، ويعرفون حقيقته؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة). # يحتمل هذا وجوها: # الأول يحتمل لقد جئتمونا بالإجابة والإقرار لنا كما أجاب خلقتكم في أول ~~خلقنا # PageV07P179 # إياها في الدنيا. # والثاني: لقد جئتمونا كما قلنا في الدنيا: إنكم تبعثون، وتحشرون، وتقوم ~~لكم الساعة. # والثالث: ما قاله أهل التأويل: لقد جئتمونا فرادى بلا أنصار ينصرونكم، ~~ولا أعوان يعينونكم على ما كنتم في الابتداء. # وقال بعضهم: كما خرجتم من بطون أمهاتكم عراة وحفاة ليس معكم مال يمانعكم ~~ولا أنصار تناصركم، وهو ms2750 ما قال: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم. . .). # وقوله - عز وجل -: (بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا). # هذا يدل أن تلك الأهوال التي ذكر إنما تكون للعصاة، ومن أنكر البعث؛ حيث ~~قال: (بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا) يعني: القيامة. وهذا يدل أن الأهوال ~~والأفزاع التي ذكر في الآية الأولى تكون للعصاة والفسقة من خلقه دون ~~المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ~~ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49) # قيل: الحساب، ويحتمل: الكتاب الذي كتبته الملائكة، وضع ذلك الكتاب في ~~أيديهم. # وقوله - عز وجل -: (فترى المجرمين مشفقين). # أي: خائفين وجلين وقال بعضهم: لما نظروا في الكتاب فرأوا من أعمالهم ~~الخبيثة فيه عند ذلك خافوا مما فيه. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة). # من الأعمال السيئة. # (إلا أحصاها)، أي: حفظها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الحسنات والسيثات ~~إلا أحصاها. # ويحتمل قوله: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة)، أي: لا يترك شيئا مما يجزى به ~~الإنسان وما لا يجزى به (إلا أحصاها)، أي: حفظها. # (ووجدوا ما عملوا)، في الدنيا، (حاضرا)، في الآخرة، محفوطا غير فائت عنه ~~شيء ولا غائب منه. # وقال بعضهم: إنما هو قول الملك يقول لهم ذلك، كقوله: (ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد)، أي: حفيظ، والله أعلم. # PageV07P180 # وقوله - عز وجل -: (ولا يظلم ربك أحدا). # أي: يجزى كلا على قدر عمله، لا يزيد على قدر عمله ولا ينقص عنه، أي: لا ~~ينقص المؤمن من حسناته، والكافر لا يترك له سيئة، الظلم: هو في الشاهد وضع ~~الشيء غير موضعه. # يقول: لا يظلم رتك أحدا، أي: لا يكون بما يجزى كلا على علمه ظالما واضعا ~~شيئا غير موضعه. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته ms2751 أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت ~~متخذ المضلين عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل ~~مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54) # وقوله: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم). # ذكر الله - عز وجل -: قصة آدم وإبليس في غير موضع من القرآن على الزيادة ~~والنقصان؛ وإنما ذكر كذلك وكرر لما كذلك كان في الكتب المتقدمة مكررا ~~معادا؛ فذكر في القرآن على ما كان في تلك الكتب؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد ~~حيث علموا أنه كان لا يعرف الكتب المتقدمة. # أو أن ما كرره لحاجات كانت لهم ولفوائد تكون في التكرار؛ ليكون لهم عظة ~~وتنبيها في كل وقت وكل حال، وقد يكزر الشيء ويعاد على التذكير والتنبيه، ~~والله أعلم بذلك. # وقوله: (فسجدوا إلا إبليس كان من الجن). # اختلف فيه: قال بعضهم: سمي من الجن؛ لأنه كان من الجان الذين يعملون في ~~الجنان؛ فنسب إليهم. # وقال بعضهم: إن من الملائكة قبيلة يقال لها: الجن، فكان إبليس منها؛ فنسب ~~إليها. # PageV07P181 # وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة قط طرفة عين؛ ولكنه من الجن؛ كما ~~قال الله فهو أصل الجن، وهو أول من عصى ربه من الجن، وإن آدم هو أصل الإنس، ~~وهو أبوهم؛ فعلى ذلك إبليس أبو الجن. # وقال بعضهم: (كان من الجن)، أي: صار من الجن، وكذلك قالوا: (وكان من ~~الكافرين)، أي: صار من الكافرين. # وقال بعضهم: (كان من الجن)، أي: كان في علم الله في الأزل أنه يكون من ~~الجن، وكان في علم الله في الأزل أنه يكون من الكافرين وقت عصيانه ربه ~~وإبائه السجود لآدم. وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ففسق عن أمر ربه). # قيل: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج، أي: خرج عن أمر ربه، وكذلك قال ~~القتبي: ففسق، أي: خرج ms2752 عن طاعته، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها. # وقوله - عز وجل -: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه أراد بقوله: (من دوني) نفسه؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته ~~أربابا وآلهة من دوني وهم لكم عدو، وليسوا بآلهة ولا أرباب؛ فكيف يجوز أن ~~يتخذ العدو ربا وإلها؟! # والثاني: أنه أراد بقوله: (أولياء من دوني)، أي: من دون أوليائي؛ فكأنه ~~قال: أفتتخذونه وذريته أولياء من دون أوليائي، وهم لكم عدو، أي: كيف تتخذون ~~الأعداء أولياء، وتتركون من هم لكم أولياء ولا تخخذونهم أولياء؟! والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بئس للظالمين بدلا)، أي: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم ~~أن عبدوا إبليس وأطاعوه؛ فبئس ذلك لهم بدلا. # أو أن يكون قوله: (بئس للظالمين بدلا): ما اتخذوا أعداءهم أولياء بدلا عن ~~أوليائه أو بدلا عن ألوهيته وربوبيته. # وقوله: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا (51) # PageV07P182 # قال بعضهم: قال هذا لمشركي العرب: حيث قالوا: الملائكة بنات الله، ~~والأصنام التي عبدوها: إنها آلهة وإنها شركاؤه، فيقول: ما أشهدتهم خلق ~~الملائكة وخلق الأرض ولا خلق أنفسهم، ولا كان لهم كتاب، ولا آمنوا برسول؛ ~~فكيف عرفوا ما قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة وشركاؤه؟! وأسباب ~~العلم والمعارف هذا: إما المشاهدة وإما الرسل، فإذا لم يكن لهم واحد مما ~~ذكرنا؛ فكيف عرفوا ربهم؟! وبم علموا ما قالوا في الله من الولد والشركاء؟! ~~وإلى هذا يذهب الحسن. # ومنهم من قال: لاتخاذهم إبليس وذريته أولياء وأربابا، وهو صلة ما قال: ~~(أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو. . .) الآية، وفيه وجوه من ~~التأويل: يقول: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم)، أي: ما ~~استحضرتهم خلق أنفسهم؛ لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت، ولا خلق السماوات ~~والأرض؛ لأنه خلقهما ولم يكونوا - أيضا - شيئا. # أو (ما أشهدتهم) ما أعلمتهم تدبير خلق السماوات والأرض، ولا تدبير خلق ~~أنفسهم؛ فكيف قالوا ما قالوا في الله من الدعاوى؟! # والثالث: (ما أشهدتهم) أي: ما استعنت بهم في خلق ms2753 السماوات والأرض، ولا في ~~خلق أنفسهم؛ فكيف أشركوا في ألوهيتي وربوبيتي، وما استعنت بهم في ذلك. ~~والله أعلم. # وقد استدل كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن خلق الشيء هو غير ذلك ~~المثميء لأنه قال: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم)، وقد ~~شهدوا السماوات والأرض، وشهدوا أنفسهم حتى قال لهم: (وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون)، ثم أخبر أنه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ دل أن ~~خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم - غير السماوات والأرض وغير أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وما كنت متخذ المضلين عضدا). # قال بعضهم: (وما كنت متخذ المضلين عضدا): عن الإيمان والهدى أعوانا ~~لديني. # والثاني: (وما كنت متخذ المضلين) عبادي بنصر ديني، أو بعون أوليائي. # وقال بعضهم: (وما كنت متخذ المضلين) الذين أضلوا بني آدم عونا فيما خلقت ~~من خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهو إبليس وذريته. # PageV07P183 # أو (وما كنت متخذ المضلين): أولياء، إنما اتخذتهم أعداء، وما كنت لأولي ~~المضلين عضدا على أوليالي؛ كقوله: (لا ينال عهدي الظالمين)، ونحوه، وكله ~~قريب بعضه من بعض. # وقوله - عز وجل -: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) # قال (شركائي)؛ على زعمهم، وإلا: لم يكن لله شركاء. # (فدعوهم). # يعني: دعوا الأصنام التي عبدوها. # (فلم يستجيبوا لهم). # قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما ~~قالوا: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين)، ولكن قوله: (فلم يستجيبوا لهم)؛ لما ~~كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنما كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا لهم شفعاء ~~وأنصارا؛ كقولهم (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى) وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا)، فيكون ~~قوله: (فلم يستجيبوا لهم): ما طمعوا هم بعبادتهم الأصنام: من الشفاعة، ~~والنصرة، ودفع ما حل بهم عنهم، والمنع عن عذاب الله، والله أعلم. # وقوله: (وجعلنا بينهم موبقا). # أي: بين أولئك وبين الأصنام، (موبقا)، قال بعضهم: مهلكا. # وقال بعضهم: الموبق: الذي يفرق بينهم وبين آلهتهم في ms2754 جهنم. # وقال بعضهم: نهر فيها. # وقال بعضهم: جعلنا وصلهم في الدنيا الذي كان بين المشركين وبين الأصنام ~~موبقا، أي: مهلكا. # وقوله - عز وجل -: (فظنوا أنهم مواقعوها ... (53) # أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها. # PageV07P184 # (ولم يجدوا عنها مصرفا). # أي: لم تقدر الأصنام التي عبدوها أن تصرف النار عنهم: قال أبو عبيدة: ~~(ولم يجدوا عنها مصرفا)، أي: معدلا. # وقوله - عز وجل -: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا (54) # (ولقد صرفنا) قد ذكرناه وبيناه في غير موضع، وقوله: (من كل مثل) يحتمل ~~وجهين: أحدهما: من ص مثلى، أي: من كل صفة؛ كقوله: (وله المثل الأعلى) أي: ~~الصفات العليا. # والثاني؛ المثل: هو الشبيه؛ كقوله: (ليس كمثله شيء). # فإن كان التأويل: الشبيه؛ فكأنه يقول - والله أعلم - (ولقد صرفنا)، أي: ~~بينا (في هذا القرآن للناس من كل مثل) من كل ما بهم حاجة إلى معرفة ما غاب ~~عنهم؛ جعل لهم شبيها مما شاهدوا أو عرفوا ليعرفوا به ما غاب عنهم. # وإن كان تأويل المثل: الصفة، فكأنه يقول - والله أعلم -: ولقد بينا في ~~هذا القرآن من كل ما يؤتى وما يتقى صفة: يعرفون بها ما لهم وما عليهم، وما ~~يأتون وما يتقون، والله أعلم. # وقوله: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). # قال أهل الشأويل: (وكان الإنسان) يعني: الكافر (أكثر شيء جدلا)، أي: ~~جدالا؛ كقوله: (ويجادل الذين كفروا بالباطل). # ويشبه أن يكون قوله: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)، أي: وكان جوهر ~~الإنسان أكثر جدلا من غيرهم من الجواهر؛ لأن الجن لما عرض عليهم القرآن ~~والآيات قبلوها على غير مجادلة ذكرت؛ حيث قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا. . ~~.) الآية، وكذلك الملائكة لم يذكر منهم الجدال ولا المحاجة في ذلك. # وقد ظهر في جوهر الإنسان المجادلات والمحاجات في الآيات والحجج، من ذلك ~~قوله: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. . .) الآية، وقوله: (وجادلهم ~~بالتي هي أحسن)، وقوله: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، ~~وقوله: (ويجادل الذين كفروا بالباطل)، وأمثال هذا؛ لذا احتيج إلى إنزال ms2755 ~~كثرة الآيات والحجج؛ لكثرة ما ظهرت منهم المجادلة. # وفيه الإذن بالمجادلة والمحاجة في الدين على الوصف الذي ذكر، والله أعلم. # PageV07P185 # قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ~~وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت ~~يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما ~~كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى ~~أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # وقوله - عز وجل -: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى). # أي: لم يمنع الناس أن يؤمنوا إلا التعنت والعناد؛ لأنه قد أكثر عليهم من ~~الحجج والآيات ما لم يعاندوا ولا كابروا؛ لالتزامهم الإيمان بها والتصديق، ~~لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم. # (إلا أن تأتيهم سنة الأولين). # وسنة الأولين: الاستئصال والإهلاك؛ فيقول: لا يؤمنون إلا في ذلك، ~~والإيمان لا ينفعهم في ذلك الوقت؛ كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا). # وقوله: (أو يأتيهم العذاب قبلا) # أي: عيانا وجهرا. # قال أبو عبيدة: (أو يأتيهم العذاب قبلا)، أي: مقابلة، وقبلا: استئنافا. # وقال مجاهد: (قبلا): فجاة، وقال: قبيلا. # قال أبو عوسجة: (قبلا)، أي: مواجهة، وكذلك قبيلا. # وقال القتبي: (قبلا)، أي: مقابلة وعيانا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين ~~كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) # أي: لم نرسلهم إلا بما يوجب لهم البشارة والنذارة إنما أرسلوا للأمر ~~والنهي ليأمروا الناس بالطاعة - طاعة الله - وينهوهم عن معاصيه؛ لهذا ~~أرسلوا، فالبشارة لمن اتبع أمرهم وانتهى ما نهوا عنه، والنذارة لمن ارتكب ~~ما نهوا عنه؛ فيكون البشارة للمتبعين لهم في أمرهم والنذارة للمرتكبين ~~المنهي، والله ms2756 أعلم. # PageV07P186 # وقوله: (ويجادل الذين كفروا بالباطل). # ويحتمل قوله: (ويجادل الذين كفروا بالباطل): ما نسبوه إلى السحر والكهانة ~~والإفك وغيره، به يجادلونه؛ وهو باطل. # أو أن يكونوا عرفوا أن ما يجادلونهم به ويحاجونهم باطل، وأن ما يدعوهم ~~إليه الرسول حق وصدق ونور، لكن يعاندونه ويجادلونه، وعندهم أنهم على باطل، ~~كقوله: (يريدون ليطفئوا نور الله. . .) الآية: عرفوا أنه نور لكنهم عاندوه ~~في المجادلة والمحاجة بالباطل، والله أعلم. # وقوله: (ليدحضوا به الحق). # أي: ليبطلوا به الحق. # وقوله: (واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا). # قال بعضهم: آياته: الشمس والقمر وغيره، (وما أنذروا): ما أنذر به الرسل، ~~هو القرآن. وقال بعضهم: قوله: (واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا): القرآن ~~والحجج التي أقامها وما أمروا به غير القرآن، هي المواعيد - هزوا. # وقال أصحاب هذا التأويل: تأويل الأول باطل لا يصح، لأنه قال على أثره: ~~(ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها)، يقول: هذا يدل أنه أراد بالآيات ~~ما ذكرنا من الحجج والبراهين، لا ما ذكر. # وجائز أنهم إذا لم يعملوا بآياته ولم يستعملوها نسبهم إلى الهزء بها ~~والسخرية، وإن لم يهزءوا بها، وهو ما سماهم: عميا وبكما وصما؛ لما لم ~~ينتفعوا بهذه الحواس، ولم يستعملوها فيما جعلت له، وإن لم يكونوا في ~~الحقيقة كذلك؛ فإذا كان فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم يحتمل مجادلتهم إياهم: ما قالوا: هذا سحر، وكهانة، وإنه إفك، وشعر، ~~ونحوه. # أو أن يكون مجادلتهم قولهم: (أبعث الله بشرا رسولا)، وقولهم: (إن أنتم ~~إلا بشر مثلنا)، وأشباه ذلك من المجادلات التي كانت بينهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت ~~يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) # يحتمل قوله: (ذكر بآيات ربه)، أي: وعظ بالآيات التي نزلت بمكة بمكذبي ~~الرسل من الأمم الماضية؛ فيكون تأويله، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن وعظ ~~بآيات ربه فأعرض عنها ما لو اتعظ بما وعظ كان ms2757 به نجاته. # أو أن يكون تذكيره بآيات ربه، وهو ما أقام من حججه وبراهينه على توحيده ~~ورسالة الرسول، فلم يقبلها ولم يصدقها، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن لم ~~يتعظ بما ذكر من # PageV07P187 # الآيات والحجج ولم يقبلها، والله أعلم. # وقوله: (فأعرض عنها): يحتمل الإعراض في الآية، أي: لم يقبلها، ولم يكترث ~~إليها، ولم ينظر فيها، أو أعرض عنها بعد ما عرفها أنها آيات وحجج؛ تعنتا ~~وعنادا. # وقوله: (ونسي ما قدمت يداه). # يحتمل؛ أي: نسي من الخيانة والشرك. # أو أن يكون قوله: (ونسي ما قدمت يداه) موصولا بالأول، أي: لا أحد أظلم ~~على نفسه ممن وعظ، وجعل له سبيل للتخلص والنجاة مما قدمت يداه، فلم يتعظ ~~به؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ~~وقرا). # إن الكفر مظلم إذا أتى به إنسان يستر على نور القلب وعلى نور كل جارحة ~~منه، والإيمان منير ينير القلب، وينير كل جارحة منه وعضو، وهو ما ذكرنا في ~~غير موضع: أن الإنسان إنما يبصر بنورين ظاهرين: بنور نفسه، وبنور ذلك ~~الشيء، فإذا ذهب أحدهما، ذهب الانتفاع بالآخر، والإيمان ما ذكرنا: أنه ~~منير، وفي القلب نور، فإذا اجتمع النوران معا - فعند ذلك انتفع به، فجعل ~~يفقه ويعقل الشيء بنور القلب وبنور الإيمان، وكذلك كل جارحة منه، الأذن ~~والبصر واللسان، جعل يبصر الحق به، ويعتبر به، ويستمع الحق والصواب. # والكفر مظلم يمنع ويستر على نور الجوارح؛ فجعل لا يبصر، ولا يعتبر، ولا ~~يستمع، ولا يتكلم بالحق، وهو ما ذكرنا: أن الإنسان إنما يبصر الشيء بنور ~~العين وبنور الهواء؛ فإذا ذهب أحدهما صار لا يبصر شيئا؛ فعلى ذلك ما ذكرنا. # وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه لا يخلو الكفر من أن يكون مظلما ~~قبيحا ذميما بنفسه أو بالله تعالى. # فإن قيل: صار كذلك. # قيل: لئن جاز ذا جاز حدوث الأشياء بنفسها؛ إذ لا فرق بين أن يكون الشيء ~~مظلما قبيحا ذميما بنفسه وبين أن تكون الأشياء بأنفسها على ما ms2758 كانت، فإن ~~بطل كونه بنفسه مظلما قبيحا ثبت أن الله هو الذي جعله مظلما قبيحا، وهو ما ~~نقول نحن: إن الله خلق فعل الكفر من الكافر مظلما قبيحا، وخلق فعل الإيمان ~~من المؤمن منيرا حسنا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا). # هذا في قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، وإلا لا يحتمل في جميع ~~الكفار؛ إذ من الكفار من قد آمن. # وقال الحسن: هو في القوم الذين جعل على قلوبهم الغطاء والطبع، إذ من ~~قوله: إن للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبدا. # PageV07P188 # وقال بعضهم: هو في قوم عادتهم العناد والمكابرة وتكذيب الآيات والحجج؛ ~~فأخبر أنهم لا يؤمنون أبدا؛ لعنادهم، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) # يحتمل على وجهين: # أحدهما: (الغفور) حيث ستر عليهم ولم يعاقبهم وقت عصيانهم، و (ذو الرحمة) ~~يقبل توبتهم إذا تابوا. # والثاني: (الغفور) إذا استغفروا أو تابوا، و (ذو الرحمة) يرحمهم ويتجاوز ~~عنهم ما سبق لهم من الذنوب. # وقوله - عز وجل -: (لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب) في الدنيا. # (بل لهم موعد): # قال الحسن: جعل الله لكل أمة يهلكون - لهلاكهم - موعدا وأجلا كقوله: (إن ~~موعدهم الصبح)، وقال في آية أخرى: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب)، وجعل موعد هذه الأمة الساعة؛ وهو قوله: (بل الساعة موعدهم). # قال بعض أهل العلم: أهلك الله كل أمة كذبت رسولها؛ لتتعظ الأمة التي تأتي ~~بعدها، وجعل هلاك أمة محمد بالساعة؛ لأنه ليس بعدها أمة تتعظ به. # وقول: (لن يجدوا من دونه موئلا). # قيل: ملجأ. # وقال القتبي: لا وئلت نفسك، أي: لا نجت، ويقال: وأل فلان إلى كذا، أي: ~~لجأ. # وقوله: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يجعلون المهلك هالكا قبل أجله، وقد ~~أخبر لمهلكهم ms2759 موعدا لا يتقدم ولا يتأخر طرفة عين. # وفي قوله: (قدمت يداه): ذكر تقديم اليد، وإن لم يكن لليد صنع في ذلك؛ لما ~~في العرف الظاهر: أنه إنما يقدم ويؤخر باليد، وكذلك ما ذكر من الكسب: (فبما ~~كسبت أيديكم)؛ لأنه في الشاهد إنما يكتسب باليد ونحوه، فهو يرد على # PageV07P189 # أصحاب الظواهر: أن الخطاب على مخرج الظاهر؛ حيث لم يفهم من ذكر اليد ~~هاهنا اليد نفسها؛ ولكن فهم غير اليد. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي ~~حقبا (60) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا ~~(61) فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) ~~قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن ~~أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على ~~آثارهما قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من ~~لدنا علما (65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال ~~إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ~~ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا ~~تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) # وقوله - وجل -: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح. . .) الآية. # قال أهل التأويل: (لا أبرح)، أي: لا أزال حتى أبلغ كذا، فإن كان على هذا ~~فهو ظاهر، وإلا: حرف البراح، يعرف البراح عن المكان، أي: لا أبرح المكان ~~حتى أبلغ مجمع البحرين، وهو كأنه على الإضمار، أي: لا أبرح أسير معك حتى ~~أبلغ كذا، كأنه سبق من فماه: أنه يسير إلى ذلك المكان دونه؛ على ما يقول ~~الخادم لمولاه إذا أراد أن يسير لحاجة: أنا أسير، وأنا أذهب - فعند ذلك قال ~~له موسى: (لا أبرح)، أي: لا أفارقك، وأسير معك. # (حتى أبلغ). # ما ذكر، أي: أمرت بذلك. # وقال بعضهم: سماه: فتى؛ لأنه كان خادمه يخدمه. # وقال بعضهم: ms2760 سماه: فتى؛ لأنه كان يتبعه ولصحبه؛ ليتعلم منه العلم. # وقوله: (مجمع البحرين). # أي: ملتقى البحرين. # وقوله: (أو أمضي حقبا). # قيل: زمانا ودهرا، وقيل: الحقب: ثمانون سنة. # PageV07P190 # وقال بعضهم: هو بلغة قوم: سنة. # وقال بعضهم: هو على التمثيل: على ما يبعد. # وقيل: سبعون سنة، ونحوه، والله أعلم. # وقوله: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا ~~(61) # أضاف النسيان إليهما، وإن كان الذي نسيه هو فتاه. # وقال بعضهم: أضاف النسيان إليهما على الترك؛ لأنهما فارقا ذلك المكان ~~وتركا الحوت فيه، وإنما أضاف النسيان إليهما؛ لما تركاه جميعا فيه وفارقاه، ~~وإن كان الفتى هو الذي نسيه دون موسى فقد نسى موسى أن يستخبره عنه؛ فقد كان ~~منهما جميعا النسيان: من الفتى الإخبار والتذكير، ومن موسى: الاستخبار عن ~~حاله. # وقال بعضهم: أضاف ذلك إليهما؛ لما نسيا مكان الرجل الذي أمر موسى أن ~~يأتيه ويقتبس منه العلم، فهو على الجهل يخرج على هذا التأويل، أي: جهلا ~~مكانه، والله أعلم. # وقوله: (فاتخذ سبيله في البحر سربا). # قال أبو عوسجة: سربا، أي: دخل في البحر كما يدخل في السرب، والسرب: هو ~~داخل الأرض يقال بالفارسية: سمج. # وقال القتبي: سربا، أي: مذهبا ومسلكا. # وقول أهل التأويل: إن الحوت كان مشويا فأحياه الله. # وقال بعضهم: كان طريا. # ولكن ليس لنا إلى معرفة الحوت أنه كان مشويا أو طريا حاجة، وهو قادر على ~~أن يحييه مشويا أو طريا في أي حال كان، والله أعلم. # وقوله - عزت جل -: (فلما جاوزا ... (62) # يعني: مكانه. # (قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا). # فيه دلالة: أن لا بأس للرجل إذا أصابته مشقة وجهد أن يذكر أصابني كذا، ~~وللمريض يقول: بي من المرض كذا، ولا يخرج ذلك مخرج الشكوى والجزع عن الله؛ ~~حيث قال موسى: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا): تعبا وجهدا. # وقوله: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) # PageV07P191 # وفي حرف ابن مسعود: (أن أذكره). ms2761 # قال الحسن: لم يكن نسيه؛ ولكن تركه متعمدا مضيعا، وإنما أضاف إلى ~~الشيطان؛ يقول: إن الشيطان حملني حتى تركت ذكره لك، وكذلك يقول في قوله في ~~قصة آدم: (فنسي)، أي: ضيع أمره وتركه، ونحوه من المحال، ولكن لا يحتمل أن ~~يترك أن يذكر له عمدا، والشيطان مما يسعى بالحيلولة في مثل هذا: في أمر ~~الذين، وفي النعم إذا كثرت واتسعت على إنسان؛ فيسعى بالإنساء في مثله. # وقوله - عز وجل -: (واتخذ سبيله في البحر عجبا). # قال بعضهم: عجب موسى من الفتى أن كيف نسي أن يذكره، وقد احتاج إلى أن ~~يتحمل مؤنة عظيمة في حمله؟! # وقال بعضهم: عجب موسى منه حين يبس له الماء وأثره فيه، والله أعلم. # ثم ذكر موسى بخبر الحوت، وما صنع فقال. # (ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64) # أي: نطلب من حاجتنا من الظفر بذلك الرجل، يقول ذلك لفتاه. # ثم في الآية وجوه من الفوائد: # أحدها: أن يلزم الإنسان طلب العلم واقتباسه؛ إذ كان به وبالناس حاجة ~~إليه، وإن بعدت الشقة ونأى الموضع؛ حيث قال موسى: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا). # وفيه: أن لا بأس لاثنين أن يسافرا ولا كل واحد واثنين يكونان شيطانين، ~~على ما ذكر في بعض الأخبار: " إن الواحد شيطان، والاثنين شيطانان "، ولكن ~~واحدا دون واحد، واثنين دون اثنين. # وفيه: أنه لا يسافر إلا بالزاد؛ حيث تزود موسى والفتى الحوت الذي ذكر حين ~~خرجا إلى حيث أمر موسى أن يخرج في مجمع البحرين: فأما أهل التأويل فإنهم ~~قالوا جميعا: إنه أمر موسى أن يأتي الخضر؛ ليتعلم منه العلم، ولكن ليس في ~~القرآن ذكر الخضر؛ إنما فيه ذكر عبد من عباده؛ حيث قال: (فوجدا عبدا من ~~عبادنا). # PageV07P192 # وفيه: أن الثنيا إنما تلزم في كل فعل مستقبل مما يشك فيه ويرتاب، فأما ما ~~كان سبيل معرفته الوحي واليقين - فإنه لا يستثنى فيه حيث قال موسى لفتاه ~~(لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا): قال ذلك من غير ثنيا؛ ms2762 لأنه ~~- عز وجل - أمره أن يأتيه، ولا يحتمل أن يؤمر بالإتيان في مكان، ثم هو يشك ~~أنه لعله لا يأتيه؛ لذلك قطع القول فيه، وكذلك قول ذلك العبد الصالح لموسى: ~~(إنك لن تستطيع معي صبرا): قطع القول فيه من غير ثنيا؛ لأنه علم بالوحي أنه ~~لا يصبر على ما يرى منه، وأما موسى فإنه قد استثنى فيما وعد أنه يصبر؛ لأنه ~~أضاف إلى حادث من الأوقات على الشك منه أنه يصبر أو لا يصبر، وعلى الارتياب ~~ليس على اليقين، فقال: (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا) مما ~~ذكرنا. # وفيه: أن الرجل إذا اختلف إلى عالم يقتبس منه العلم ويتعلم منه، فرأى منه ~~مناكير ومظالم - يلزمه أن يفارقه، ولا يتعلم منه العلم؛ كصنيع موسى بصاحبه؛ ~~لما رأى؛ من خرق السفينة، وقتل الغلام، وغيره مما كان منكرا وظلما في ~~الظاهر، وإن كان ما فعل هو فعل الأمر كره موسى صحبته، وندم على ذلك أشد ~~الندامة حتى جعله على علم من ذلك كله، فهكذا الواجب على الرجل إذا رأى ~~مناكير من الذي يأخذ منه العلم ومظالم أن يفارقه ولا يأخذ من علمه، والله ~~أعلم. # وفي قوله: (ستجدني إن شاء الله صابرا) دلالة أن الاختيار والمستحب في ~~الثنيا أن يكون في ابتداء الكلام؛ لأن موسى ابتدأ به، وكذلك قوله: (وإنا إن ~~شاء الله لمهتدون) فإذا تركه في أول كلامه أو نسي يستثنى في آخره؛ فيعمل ~~عمله في دفع الخلف في الوعد والكذب، وعلى هذا تأول بعض الناس قوله: (واذكر ~~ربك إذا نسيت) أي: استثن في آخره إذا نسيت في أول كلامك، والله أعلم. # ثم هذه القصص والأنباء التي ذكرت لرسول الله على أثر سؤال كان منهم، على ~~ما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف وغيرها من القصص، أو على غير سؤال، ولكن كانت ~~في كتبهم؛ فذكرها له ليعلم أنه إنما عرف بالله تعالى. # ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي أمر موسى على طلب العلم من عند ذلك ~~الرجل وبعثه عليه. # قال ms2763 بعضهم: وذلك أن موسى قام خطيبا في قومه، فخطب خطبة لم يخطب قط # PageV07P193 # مثلها؛ فأعجبه ذلك، فوقع عنده أن ليس أحد أعلم منه؛ فأخبر أن في مجمع ~~البحرين رجلا أعلم منك؛ فأمر بالمصير إليه والتعلم منه. # وقال بعضهم: لا، ولكن موسى قد أعطي التوراة، وفيها علوم كثيرة؛ فظن أنه ~~ليس أحد أعلم منه؛ فأخبر: أن في مجمع البحرين عبدا من عبادنا أعلم منك؛ ~~فأمر بالمصير إليه. والتعلم منه؛ فإن كان على ما ذكر أهل التأويل من السبب ~~فيخرج الأمر له بالمصير إليه والتعلم منه مخرج العقوبة له والعتاب لما خطر ~~بباله ووقع في وهمه ما وقع. # وجائز أن يكون الأمر له بالمصير إليه والتعلم منه ابتداء؛ محنة من الله - ~~تعالى - إياه بتعلم العلم من غير سبب كان من موسى على ما يؤمر المرء بتعلم ~~العلم ابتداء من غير سبب؛ محنة من الله يمتحنه بها؛ نحو ما أمر موسى ~~بالمصير إلى طور سيناء، وأعطي هنالك التوراة في الألواح على غير سبب كان ~~منه، ولكن ابتداء محنة يمتحنه بها؛ فعلى ذلك يحتمل أمره له بالمصير إلى ما ~~أمر والتعلم منه ابتداء محنة يمتحنه بها. # وقول أهل التأويل: إن صاحب موسى الذي أمر موسى بالمصير إليه والتعلم منه ~~- الخضر، وفتاه الذي كان يصحبه ويتبعه يوشع بن نون، فذلك لا يعلم إلا ~~بالسمع والخبر عمن يوحى إليه؛ فيعلمه بالوحي، وأما من أخبر بذلك وقاله لا ~~عن وحي - فلا يعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ إنما الحاجة إلى ~~معرفة ما أودع فيه من أنواع الحكمة والعلوم، وأما ما ذكروا أنه فلان، وأنه ~~كان في موضع كذا في البحر، وأن موسى قال له كذا، وهو قال لموسى كذا - فإن ~~سبيل معرفة ذلك السمع، فإن ثبت السمع فيه، وإلا: لم يجب أن يذكر فيه أكثر ~~مما ذكر في الكتاب؛ لأن هذه الأنباء والقصص التي ذكرت في القرآن إنما ذكرت؛ ~~لتكون آية لرسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فلو قيل فيها ما لم ~~يذكر في ms2764 كتبهم من الزيادة والنقصان - لكان ذلك سببا لإكذابه لا تصديقه على ~~ما يدعي من الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (ذلك ما كنا نبغ). # أي: فقد الحوت هو ما كنا نبغي أنه كان ذلك علما لوجود مكان ذلك الرجل. # وقوله: (فارتدا على آثارهما قصصا). # قال بعضهم، أي: رجعا عودهما على بدئهما. # وقال بعضهم: أي: رجعا يقصان طريقهما وآثارهما الذي مشيا فيه يطلبان ~~المكان # PageV07P194 # الذي فقد الحوت فيه، إذ ذلك المكان هو مكان علم وجود ذلك الرجل الذي أمر ~~موسى بالمصير إليه. # وقال بعضهم: اقتفيا أثر الحوت في الماء، لكن الأول أشبه؛ لأن في الآية ~~ذكر آثارهما لا ذكر أثر الحوت. # وقوله: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~(65) # يحتمل قوله: (رحمة من عندنا) النبوة؛ حيث قال لموسى: (إنك لن تستطيع معي ~~صبرا): لا يحتمل أن يقول له هذا إلا على علم وحي، وحيث قال: (وما فعلته عن ~~أمري): أخبر أنه لم يفعل ما فعل عن أمر نفسه، ولكن أمر الله، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (رحمة من عندنا) كل خير وبركة أعطاها الله إياه. # أو أن يكون رحمة القلب والشفقة التي كانت منه على أهل السفينة؛ بخرقها، ~~وقتل ذلك الغلام الذي قتله؛ إشفاقا منه على والديه أو على الناس، وإقامة ~~الجدار الذي كاد أن ينقض فأقامه، وأمثاله. # وقوله: (وعلمناه من لدنا علما): هو ظاهر. # وقوله: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) # في قوله: (هل أتبعك) دلالة أنه كان على سفر، ولم يكن مقيما في ذلك ~~المكان، ومن يتعلم من آخر علما فإنه يتبعه حيث يذهب هو في حوائجه لا يؤمر ~~بالمقام حيث يقيم المتعلم؛ لأنه قال: (هل أتبعك على أن تعلمن). # وقوله: (مما علمت رشدا). # يحتمل: أي: أرشدني إلى ما علمت، أو تعلمني مما علمت من الرشد والصواب. # وقوله - تعالى -: (إنك لن تستطيع معي صبرا (67) # بما ترى مني من الأمور ما يخرج في الظاهر مخرج المناكير. # أو يقول: إنك نبي ورسول، والرسول إذا ms2765 رأى منكرا في الظاهر لا يسع له ترك ~~الإنكار عليه والتغيير، وأنت لا تصبر على ما ترى مني؛ لما لم تعرف سببه؛ ~~ألا ترى أنه وسع له الإنكار عليه والتغيير؛ حيث قال له: (وكيف تصبر على ما ~~لم تحط به خبرا (68). # أي: ما لم تعلم علما، والله أعلم. # وقوله: (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # يحتمل أن الثنيا منه على الأمرين جميعا على الصبر الذي وعد، وعلى قوله: ~~(ولا # PageV07P195 # أعصي لك أمرا)، ويشبه أن يكون على وعد الصبر خاصة دون قوله: (ولآ أعصي لك ~~أمرا)؛ لأن قوله: (ولآ أعصي لك) عهد منه، والثنيا لا يستعمل في العهود، ~~وأما قوله: (ستجدني إن شاء الله صابرا) إنما هو فعل أضافه إلى نفسه، فلابد ~~من أن يستثني فيه. # وقوله - عز وجل -: (فلا تسألني عن شيء ... (70) ما تنكره نفسك وتكرهه، ~~(حتى أحدث لك منه ذكرا) أني لماذا فعلت ما فعلت؟. # * * * # قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا ~~غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم ~~أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ~~قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ~~فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت ~~عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا (78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا ~~أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب ~~رحما (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ~~وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ms2766 أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ~~وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # وقوله: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق ~~أهلها). # هذا الكلام يخرج على وجهين: # يخرج على الإنكار عليه، أي: خرقتها؛ لتغرق أهلها، أو لتعيبها، أو لماذا ~~هذا الخرق؟ استفهام لولا قوله: (لقد جئت شيئا إمرا). # فإنى ن على الأول على الإنكار عليه والرد - فقوله: (لقد جئت شيئا إمرا): ~~ظاهر، أي: جئت شيئا عظيما شديدا. # وإن كان على الاستفهام، فهو على الإضمار؛ كأنه قال: أخرقتها لتغرق ~~أهلها؟! فلئن خرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا إمرا عظيما شديدا؛ وإن كان ~~التأويل على الإنكار - فهو كما يقال لمن يبني بناء ثم يترك الإنفاق عليه في ~~عمارته: بنيت لتخرب أو لتهدم، وكما يقال لمن زرع زرعا، ثم ترك سقيه: زرعت ~~لتفسده، ونحوه، وإن كان لم يبن لذلك، ولم يزرع لما ذكر، ولكن لما كذلك يصير ~~في العاقبة إذا ترك سقيه أو عمارة ما # PageV07P196 # بنى. # فإن قيل: كيف قال له موسى: (أخرقتها لتغرق أهلها)، وبعد لم يعلم أن ذلك ~~الخرق مغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق؟! # قيل: إنما أخبر عما يئول الأمر في العاقبة، والظاهر من الخرق أن يغرق في ~~الآخرة، وهو كما ذكرنا من أمر البناء والزرع: بنيت لتخرب، وزرعت لتفسد، وإن ~~لم يكن بناؤه وزراعته لذلك، فعلى ذلك قول موسى لصاحبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) # هذه الآية أترد، على المعتزلة؛ لأنه قال له: (إنك لن تستطيع معي صبرا): ~~دل أنه كان يحتاج إلى استطاعة تقارن الفعل لا تتقدم الفعل فيكون بها الفعل، ~~وإلا قد كانت له أسباب لو لم يؤثر غيرها لاستطاع الصبر معه؛ دل أن استطاعة ~~الفعل لا تتقدم على الفعل، ولكن تقارنه. # وقال الحسن: إنما يقال هذا؛ للاستثقال كما يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن ~~أنظر إليك بغضا، وهو ناظر إليه، لكن يقال ذلك على الاستثقال والبغض ليس على ms2767 ~~حقيقة نفي الاستطاعة؛ فعلى ذلك الأول، فيقال له هو كما يقال: لا أستطيع أن ~~أنظر إليك نظر الرحمة، فهو وإن كان ناظرا إليه لما ذكر - فهو غير ناظر إليه ~~نظر رحمة وشفقة؛ فهما سواء وهو ما يقوله، والله أعلم. # وقوله عز وجل: (لا تؤاخذني بما نسيت ... (73) # يحتمل هذا الكلام وجوها: # أحدها: على التعريض من الكلام، أي: لا تؤاخذني بما لو نسيت؛ كقول إبراهيم ~~حيث قال: (فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني. .)، ونحوه، أي: سأسقم. # والثاني: على حقيقة النسيان؛ نسي قوله: (فلا تسألني عن شيء) بعدها؛ لما ~~رأى من المناكير في الظاهر، وهكذا كانت عادة الأنبياء أنهم إذا رأوا منكرا ~~لا يملكون أنفسهم حزنا وغضبا على ما رأوا فلا ينكر أن يكون نسي ما قال له. # وقال بعضهم: على التضييع والترك، فهو يخرج على الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا ترهقني من أمري عسرا). # قال بعضهم: لا تكلفني من أمري ما يعسر علي. # وقال بعضهم: الإرهاق: هو الشدة والتعب. # PageV07P197 # وقال بعضهم: (ولا ترهقني)، أي: لا تغشني عسرا. # وقوله: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا (74) # يحتمل هذا الكلام -أيضا- وجهين: # على الإنكار، والرد عليه. # والثاني: على الاستفهام والسؤال على ما ذكرنا في الأول: أقتلت نفسا زاكية ~~بغير نفس؟ أو بحق؟ أو لماذا؟ # أو على الإنكار والرد على ما رأى في الظاهر قتل نفس ولم يعرف الوجه الذي ~~به يجب القتل. # وقوله - عز وجل -: (لقد جئت شيئا نكرا). # هو على ما ذكرنا على الإنكار ظاهر، وعلى الاستفهام والسؤال على الإضمار: ~~أقتلت نفسا زاكية بغير نفس فلئن فعلت لقد جئث شيئا نكرا، أي: منكرا: # ثم اختلف في قوله: (نكرا). # قال بعضهم: (نكرا): أكبر من قوله: (إمرا) لأن فيه مباشرة القتل وإهلاك ~~النفس بغير نفس؛ فهو أكبر وليس في نفس الخرق إهلاك، وإنما هو سبب الإهلاك، ~~وقد يجوز ألا يهلك. # وقال بعضهم: قوله: (إمرا) أكبر من قوله: (نكرا)؛ لأن فيه إهلاك جماعة، ~~وهاهنا إهلاك واحد، ms2768 فهو دون الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) # ما ذكرنا في الأول. # وقوله: (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ~~(76) # في ترك المصاحبة عذر؛ لما قلت لي: (إنك لن تستطيع معي صبرا)، ولم أصبر. # وقوله: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) # سمى: قرية، وهي كانت مدينة؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة)؛ دل أنها كانت مدينة، والعرب قد تسمي المدينة: ~~قرية. # وقوله: (استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه). # قال الحسن: كان ذلك ألجدار بهيئة عند الناظر أنه يسقط. # وقال أبو بكر الأصم: (يريد أن ينقض) الإرادة: صفة كل فاعل له حقيقة ~~الفعل، أو # PageV07P198 # ليس له حقيقة الفعل، بعد أن يضاف إليه الفعل، ألا ترى أنه يقال للجدار: ~~سقط، وإن كان في الحقيقة يسقط. # وعندنا أنه: إنما يقال ذلك لقرب الحال، وعند الإشراف على الهلاك والسقوط؛ ~~ألا ترى أن الرجل يقول: إن أردت أن أموت، وأردت أن أهلك، وأردت أن أسقط، ~~وهو لا يريد الموت ولا السقوط؛ ولكنه يذكر ذلك لإشرافه على الهلاك وقرب ~~الحال إليه، ليس على حقيقة الإرادة؛ فعلى ذلك قوله: (يريد أن ينقض)، أي: ~~شرف وقرب على حال السقوط، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا). # هذا القول من موسى يحتمل وجهين: # أحدهما: قال (لو شئت لاتخذت عليه أجرا)؛ لشدة حاجته إلى الطعام؛ لئلا يقع ~~لهما حاجة إلى أهل تلك البلدة؛ إذ قد وقع لهما إليهم حاجة؛ حيث قال: ~~استطعما من أهلها مرة فلم يطعموهما؛ فأراد أن يأخذ على ذلك أجرا؛ لئلا يقع ~~لهما حاجة إليهم ثانيا. # والثاني: قال له ذلك، لما لم ير أهل تلك البلدة أهلا ليصنع إليهم ~~المعروف؛ لما رأى فيهم من البخل والضنة في ms2769 الطعام؛ حيث استطعماهم فلم ~~يطعموهما؛ بخلا منهم وضنة، والله أعلم. # وذكر في بعض القصة أن الجدار الذي أقامه صاحب موسى كان طوله خمسمائة ~~ذراع، وقامته مائتي ذراع، وعرضه أربعين ذراعا، أو نحوه تحته طريق القوم، ~~لكن لا حاجة لنا إلى معرفة ذلك؛ إنما الحاجة إلى ما فيه من أنواع الحكمة ~~والفوائد. # وقوله - عز وجل -: (قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا (78) # أي: سأنبئك بيان ما قلت لك: (إنك لن تستطيع معي صبرا)، ثم بين وفسره له؛ ~~فقال: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ~~وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) # أي: أجعله، معيبة. # وقوله: (وكان وراءهم ملك): # ذكر في بعض الحروف: (وكان أمامهم ملك). # (يأخذ كل سفينة غصبا). # فعلى ذلك التأويل فيه (فأردت أن أعيبها)، أي: أجعلها معيبة، لئلا يأخذها ~~ذلك الملك غصبا؛ إذ كان لا يأخذ إلا سفينة صالحة صحيحة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا (80) # PageV07P199 # اختلف في سن ذلك الغلام: # قال بعضهم: كان ذلك الغلام كبيرا بالغا، والعرب قد تسمي الرجل البالغ ~~الذي لم يلتح بعد - أولم تستو لحيته - غلاما؛ لقربه بوقت البلوغ، ولذلك قال ~~له موسى: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس)، والصغير مما لا يقتل إذا قتل نفسا ~~بغير حق؛ فلو كان صغيرا لم يكن لقول موسى: (أقتلت نفسا زكية بغير نفس) ~~معنى، وهو كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " إن ~~أيمانكم تحقن دماءكم " إذا ظهر منهم الدم وكقوله: " لولا الأيمان لكان لي ~~ولها شأن " إذا ظهر منها الزنا، فعلى ذلك قوله: (أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس): لو كانت محتملة القتل بالنفس، والله أعلم. # ثم اختلف في سبب قتل ذلك الغلام: # قال بعضهم: قتله؛ لكفره، كان كافرا، وكذلك في حرف أبي بن كعب: (وأما ~~الغلام فكان كافرا)؛ ألا ترى أنه قال: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا): ~~دل هذا أته كان بالغا كافرا؛ إذ لو ms2770 لم يكن كافرا لم يلحق والديه منه ~~الطغيان والكفر. # وقال بعضهم: إنما قتله؛ لأنه كان لصا قاطع طريق؛ يقطع الطريق على الناس ~~ويأخذ أموالهم. # وعلى قول من يقول: إنه كان صغيرا، قتله؛ لأنه علم أنه لو بلغ كان كافرا، ~~والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك السبب الذي قتله - حاجة، ولا أنه ~~كان صغيرا أو كبيرا؛ لأنه أخبر أنه إنما قتله بأمر الله لا من تلقاء نفسه؛ ~~حيث قال: (وما فعلته عن أمري)، ولكن إنما فعلته بأمر الله، ولله أن يأمر ~~عبدا من عباده بقتل الصغير على ما له أن يميته وعلى ما يأمر ملك الموت بقبض ~~أرواح الخلق؛ فعلى ذلك له أن يميته على يدي آخر، وأن يقبض روحه؛ إذ له ~~الخلق والأمر. # وقوله - عز وجل -: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا). # ليس هو الخوف، ولكن العلم، أي: علمنا أنه يرهقهما طغيانا وكفرا، وكذلك ~~ذكر في # PageV07P200 # حرف أبي. # فإن قيل: كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان ~~والكفر، وقد ترك، إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر، على علم منه أنهم ~~يحملون الناس على الطغيان والكفر، ويرهقونهم أنواع المعاصي والفواحش؟! ~~وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس ثم تركهم ~~على علم منه بما يكون منهم؟! فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من ~~إرهاق الطغيان والكفر بالوالدين؟! # قيل: لهذا جوابان: # أحدهما: أن الله - تعالى - قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء، تحملهم تلك ~~المعاني والأشياء على الرغبة والحث فيما امتحنهم، وإن كان له الامتحان لا ~~على تلك المعاني والعلل، نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب ~~وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا، وإن كان له الامتحان بذلك على غير ثواب ولا ~~جزاء، وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن؛ فعلى ذلك الأول. # والثاني: ذكر هذا لتطيب به أنفسهم؛ إحسانا منه إليهم، وإنعاما عليهم؛ إذ ~~له أن يميتهم صغارا وكبارا، وعلى ذلك يخرج قوله: (ولو بسط الله الرزق ~~لعباده. . .) الآية. وقد ms2771 وسع على كثير من الخلق، وكذلك قوله: (ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة. . .) الآية، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك، لكن هذا ~~لما له أن يفعل ذلك للكل، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحسانا منه ~~وإفضالا؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحسانا منه وإفضالا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ~~(81) # قال بعضهم (خيرا منه زكاة)، أي: صلاحا، (وأقرب رحما): أي: أوصل رحما وأبر ~~لوالديه. # وقال بعضهم: (خيرا منه زكاة)، أي: عملا، (وأقرب رحما)، أي: أحسن منه برا ~~لوالديه. # قال أبو عوسجة: (رحما)، من الرحم والقرابة. # وقال القتبي: (رحما)، أي: رحمة وعطفا. # وذكر أنهما قد أعطيا خيرا منه، أي: خيرا من القتيل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان ~~تحته كنز # PageV07P201 # لهما ... (82) # اختلف في ذلك الكنز: # قال بعضهم: كان ذلك الكنز مالا كنزه أبوهما. # قال ابن عباس: حفظ؛ لصلاح أبيهما، ما ذكر منهما صلاح. # وقال بعضهم: كان ذلك الكنز مصحفا فيها علم. # قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل على أن يكون علما؛ لأن العلم مما يعلمه ~~العلماء ويشترك الناس فيه؛ فلا يحتمل أن يحفظ ذلك لهما دون الناس؛ فإن ثبت ~~وحفظ ما روي في الخبر فهو مال وعلم. # وروي عن ابن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان تحت ~~الجدار الذي قال الله في كتابه (وكان تحته كنز لهما) ولوح من ذهب فيه ~~مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن ~~أيقن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف ~~يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله، محمد رسول الله " فإن حفظ هذا عن رسول الله ~~ففيه مال وعلم؛ لأن اللوح من الذهب مما يكثر ويعظم قدره، وليس لنا إلى ~~معرفة ذلك حاجة، والله أعلم. # وقوله: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك). # أي: نعمة من ربك وإحسانا عليهما؛ ms2772 إذ كان له ألا يحفظ ذلك لهما، ولا يوصله ~~إليهما على ما لم يعط لكثير من اليتامى والمساكين شيئا من ذلك، لكن ذلك منه ~~إليهما فضل وإنعام ورحمة عليهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما فعلته عن أمري). # هو ما ذكرنا أنه أخبر عن أمر الله فعل ما فعل، لا عن أمر نفسه. # وقوله - عز وجل -: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا). # أي: تأويل ما قلت لك في بدء الأمر: (إنك لن تستطيع معي صبرا)، ثم لا ~~يحتمل أن # PageV07P202 # يكون موسى حيث أمر بالذهاب إلى ذلك الرجل والاتباع له والصحبة معه؛ ~~ليتعلم منه العلم، فلم يستفد منه إلا علم ما أنكر عليه، وسبب حل ذلك له؛ إذ ~~كان ذلك بإنكار ما أنكر عليه من الأفعال التي هي في الظاهر منكرة، لكن جائز ~~أن يكون استفاد منه علوما كثيرة سوى ذلك، لكنه لم يذكر لنا ذلك، والله ~~أعلم. # وقول أهل التأويل: اسم الغلام الذي قتله صاحب موسى " خشنوذ " أو لا أدري ~~ماذا؟ ووالداه: اسمهما كذا، لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة أساميهم حاجة، ~~وكذا اسم الغلامين اليتيمين صاحبي الجدار: أصرم وصريم، ولا أدري ماذا؟ ولا ~~حاجة بنا إلى ذلك. # وقولهم: كان صاحب موسى خضرا، وأنه إنما سمي: خضرا؛ لأنه جلس على فروة ~~بيضاء فاخضرت؛ فذلك -أيضا- مما لا يعلم إلا بالخبر عن الوحي - وحي السماء - ~~فلا نقول فيه إلا قدر ما ذكره الكتاب؛ فإنه يخرج ذكره مخرج الشهادة على ~~الله من غير حصول النفع لنا في ذلك عمل أو غيره، وليس في الكتاب إلا ذكر ~~عبد من عبادنا، وذكر الغلام، وذكر الفتى، وذكر غلامين يتيمين في المدينة، ~~وأمثاله يقال ما فيه ولا يزاد على ذلك؛ مخافة الشهادة على الله بالكذب، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا (83) إنا ~~مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ms2773 ذا القرنين إما ~~أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول ~~له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها ~~تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ~~(91) ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ~~ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى ~~إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه ~~قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة ~~من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) # وقوله - عز وجل -: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا). # في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال (ويسألونك)، ولم يقل: " سألوك "، ~~والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضا؛ لأنه روى أن نفرا ~~من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن # PageV07P203 # لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما لي ولهم يسألون عما لا أعلم، إنما ~~أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي "، ثم قال: " أبغني وضوءا أتوضأ به "، ~~فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي ~~الشرور في وجهه، ثم قال لي: " اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي "، ~~فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: " إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم ~~"؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل ms2774 عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل. # وأما أهل التأويل قالوا جميعا: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من ~~بعد السؤال، والله أعلم. # ثم اختلف فيه: # قال الحسن: كان نبيا، دليله: ما قال: (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا)؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي ~~الحكم إلا من كان نبيا. # وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكا؟ فقال: لا واحد ~~منهما. # وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر ~~الجهني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن خبره وبنائه، قال: ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان غلاما من الروم أعطي ملكا ~~فسار حتى بلغ كذا. . . "، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ~~ملكا؛ ألا ترى أنه قال: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) # أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، ~~لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: (أولم نمكن لهم حرما آمنا. . ~~.) الآية. وكقوله: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه): هاهنا خص مكانا لهم ~~دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها ~~دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها. # وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيا؛ لأن ~~الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى ~~قوله: (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله): أن الملوك هم الذين كانوا ~~يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا. # PageV07P204 # وقوله: (أما من ظلم فسوف نعذبه)، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام ~~من الله - تعالى - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له ~~بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز ms2775 وجل -: (وآتيناه من كل شيء سببا). # اختلف في ذلك: # قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها. # وقال بعضهم: العلم والقوة. # وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له ~~الحاجة إليه. # وقال بعضهم: ذلك السبب كان أنعاما: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه ~~سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر ~~البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر. # وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم ~~يبين ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) # كانه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟ حيث قال: (وجدها تغرب في عين ~~حمئة)، وفيه لغتان: (حامية) و (حمئة)، قالوا من قرأها: (حامية) أراد: في ~~عين حارة، ومن قرأ (حمئة) - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة ~~السوداء، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ووجد عندها قوما). # قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعا، فقال في الكفار: (إما أن ~~تعذب)، وهو القتل، وقال في المؤمنين: (وإما أن تتخذ فيهم حسنا): ليس على ~~التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة. # وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: (إما أن تعذب): إذا لم ~~يجيبوك، (وإما أن تتخذ فيهم حسنا): إذا أجابوك وآمنوا بالله. # وقوله - عز وجل -: (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه ~~عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى (88) # هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف ~~أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ~~ألهم إلهاما # PageV07P205 # بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وسنقول له من أمرنا يسرا). # قال الحسن: (يسرا)، أي: عارفا. ms2776 # وقال بعضهم: (يسرا): معروفا. # وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك. # وقوله: (ثم أتبع سببا (89) أي: بلاغا لحاجته. # وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما ~~بلغ، والله أعلم. # ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: # قال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ ~~فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر ~~فدعاهم ثانيا فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا ~~القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور. # وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان. # وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها. # وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس ~~لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا بلغ مطلع الشمس ... (90) بالسبب الذي ذكر أنه ~~أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا). # قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء ~~والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا ~~في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا. # وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من ~~غروبها؛ # PageV07P206 # قتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوبا ولا بناء ولا خشبا ولا غيره إلا ~~أحرقته. # وقوله - عز وجل -: (كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # اختلف في قوله: (كذلك): # قال بعضهم: قوله: (كذلك)، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، ~~وخبره على ما كان. # وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها ~~بالسبب الذي ذكر. # وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: (إما أن تعذب وإما أن تتخذ ~~فيهم حسنا)، كما قيل له في المغرب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms2777 -: (وقد أحطنا بما لديه خبرا). # قال بعضهم: هو صلة قوله: (قل سأتلو عليكم منه ذكرا)، (وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا)، أي: عن علم سأتلو عليكم. # وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصلة على الأول، أي: قد ~~أحطنا علمنا بما لديه. # (ثم أتبع سببا (92) # ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السبب حتى بلغ بين ~~السدين في بعض القراءات (السدين (93) بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ ~~فيشبه أن يكون (السدين) بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و (السدين) ~~بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بني هو أو مكان ~~في الخليقة. # ثم اختلف في ذلك السذ. # قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، ~~يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ. # وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين ~~مأجوج؛ فسد ذلك، والله أعلم كيف كان؟ # وقوله - عز وجل -: (وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا). # قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا ~~لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشر، ونحوه. # PageV07P207 # وقال بعضهم: (لا يكادون يفقهون قولا): من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن ~~يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم منه ~~وفقه هو منهم؛ حيث (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ~~فهل نجعل لك خرجا ... (94) أي: جعلا أجرا، (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا). # وقال هو: (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ~~(95) فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضا ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا ~~يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئا قليلا من القول، ~~وإن كانوا لا يفقهون كثيرا؛ لأنه يقول: (لا يكادون يفقهون)؛ فهو يتكلم على ~~العرف لا على النفي رأشا، والله أعلم. # وقوله: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ms2778 فهل نجعل ~~لك خرجا): جعلا وأجرا؛ (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ~~ربي خير ... (95) # على تأويل الحسن يكون قوله: (ما مكني فيه ربي) من النبوة (خير)؛ لأنه ~~يقول: إنه كان نبيا؛ حيث قال له: (إنا مكنا له في الأرض). # وعلى قول غيره يكون (ما مكني فيه ربي): من الملك والسبب الذي أعطاني، ~~وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها (خير) مما تذكرون. # وقوله: (فأعينوني بقوة، أي بما أتقوى به، (أجعل بينكم وبينهم ردما)، أي: ~~سدا. # وقوله - عز وجل -: (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال ~~انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) أي: قطع الحديد. # وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد. # وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللبن أو القطر، ولكن لا ~~يعلم ذلك إلا بالسمع. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا ساوى بين الصدفين). # أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم. # وقوله: (قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا). # أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاسا، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد ~~صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدرا، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، ~~وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ~~ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر ~~بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السد. # وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم. # PageV07P208 # وقوله - عز وجل -: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) # أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقبا في أسفله، ولا يزاد ~~على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفا للشهادة على الله، ~~والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي ~~الكتاب القدر الذي ذكرنا، والله أعلم. # قال القتبي: يقال للجبل: السد و (زبر): قطع، والقطر: النحاس، وقوله: (أن ~~يظهروه) أي: ms2779 يعلوه. يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، ~~وقال: (السدين): ناحيتي الجبل، والردم: السد، و (الصدفين): هو مثل السذين، ~~(أفرغ عليه قطرا)، أي: أصب عليه نحاسا. # وقوله - عز وجل -: (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان ~~وعد ربي حقا (98) يحتمل أنه السذ الذي بني وحال بينهم وبين لاجوج ومأجوج، ~~فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، ~~والرحمة هي النعمة، أي: هذا السد بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم. # ثم فيه وجهان: # أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء ~~حين سالوه أن يجعل لهم السذ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: (فأعينوني بقوة ~~أجعل بينكم وبينهم ردما) دل ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك ~~صنعا. # والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه ~~لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون ~~الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدين الثاني فالأول لم ~~يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه. # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاء وعد ربي)، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي ~~وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود رتي، وهو خروج يأجوج ~~ومأجوج، أو فتح ذلك السد (جعله دكاء) أي: كسرا أو هدفا على ما ذكرنا، و ~~(جعله دكاء) أي: هدمه وسواه بالأرض. # وقال القتبي: (جعله دكاء)، أي: ألصقه بالأرض. # (يموج في بعض) أي: يجول بعضهم في بعض. # وقوله - عز وجل -: (وكان وعد ربي حقا) هذا وعد والأول موعود. # PageV07P209 # قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم ~~جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في ~~غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين ms2780 نزلا (102) قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ~~ورسلي هزوا (106) # وقوله - عز وجل -: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) أي: يجول بعضهم في ~~بعض. # ثم يحتمل قوله: (يموج في بعض)، عند السد الذي بناه ذو القرنين، يموجون ~~عنده في فتح ذلك السد، أو يذكر هذا لكثرثهم وازدحامهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا) ظاهره على الماضي، ~~والمراد منه: المستقبل، أي: ينفخ في الصور فيجمعهم جمعا، ومثل هذا كثير في ~~القرآن يذكر الماضي بحرف المستقبل، والمستقبل بحرف الماضي. # وقوله - عز وجل -: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) # يحتمل: أن يكون عرضها عليهم قبل أن يدخلوا فيها، كقوله: (وبرزت الجحيم ~~للغاوين). # ويشبه أن يكون العرض كناية عن التعذيب بها بعد ما أدخلوا فيها كقوله: ~~(النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). وقوله - عز وجل -: (الذين كانت أعينهم في ~~غطاء عن ذكري ... (101) قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن ظلمة الكفر تستر ~~وتحجب نور القلب، ونور كل حاسة من حواسه من السمع والبصر والفؤاد وغيره؛ إذ ~~لكل حاسة من هذه الحواس نور وضياء في سريتها ألا تبصر ولا تسمع الحق والحجة ~~إلا بنورين جميعا: نور الظاهر، ونور السرية والباطن. # فالكفر يستر ويغطي ذلك النور، فجعل لا يبصر الحق ولا ينظر العبر، ولا ~~يتفكر ولا يتجلى له الحق بنور الظاهر. # وللإيمان نور وضياء، يبصر به، ويسمع، ويرفع له غطاء كل شيء حتى يتجلى له ~~الحق، ويعرف به حسن كل حسن وقبح كل قبيح، فهو كما يرى الإنسان الشيء بنور ~~بصره وبنور الهدى، فإذا ذهب أحدهما صار بحيث لا يبصر ولا يرى شيئا؛ فعلى ~~ذلك إنما يعرف الشيء، ويظهر له حقيقته بنورين: بنور القلب وبنور الحواس، ~~فإذا غطى ظلمة الكفر نور القلب، صار لا يبصر شيئا، ولا يعتبر، ولا يسمع، ~~ولا ينطق بالحق، ms2781 والإيمان # PageV07P210 # ينور ذلك ويضيء، فجعل يبصر كل شيء، ويتجلى له الحق من الباطل، وعرفوا ~~الآيات من التمويهات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكانوا لا يستطيعون سمعا)، فيه وجهان من الدلالة: # أحدهما: أنه نفى عنهم استطاعة السمع، وقد كان لهم السمع؛ فدل أن ~~الاستطاعة التي هي استطاعة الفعل تقترن بالفعل، لا تتقدم ولا تتأخر. # والثاني: فيه دلالة أن هنالك استطاعة، هم يستفيدون بها وعد الله ~~ويستوجبونه؛ فضتعوها باشتغالهم بغيرها حيث عوتبوا واستوجبوا ذلك العتاب ~~والتوبيخ بالتضييع الذي كان منهم. فلو لم يكن كذلك لم يكن للعتاب والتوبيخ ~~الذي عوتبوا ووبخوا معنى. # قال قوم: إنما نفى عنهم ذلك للاستثقال الذي كان منهم. # وقد يقال مثله على المجاز؛ للاستثقال دون الحقيقة، يقول الرجل لآخر: ما ~~أستطيع أن أنظر إليك لكذا، وهو ناظر إليه، لكن قد ذكرنا: أنه على الوجه ~~الذي قال: لا أستطيع أن أنظر إليك وهو ناظر إليه، غير مستطيع النظر إليه ~~وهو نظر رحمة وشفقة. # وقال بعضهم: هو على الطبع، وهو قول الحسن. # وقال بعضهم: إنما نفى ذلك عنهم؛ لما لم ينتفعوا به، كما نفى عنهم السمع ~~والبصر والنطق؛ لما لم ينتفعوا به، ليس على أنهم لم يكن لهم تلك الحواس، ~~فعلى ذلك ما نفى عنهم من الاستطاعة لما لم ينتفعوا بها، ليس على أنها ليست ~~قبل، هكذا نفى عنهم ذلك لما عموا وصموا عن ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ~~إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102) # قيل فيه بوجوه: # الأول: قال بعضهم: تأويله: أفحسب الذين عبدوا في الدنيا الملائكة والرسل ~~واتخذوهم من دوني أولياء أن يكونوا لهم أولياء في الآخرة، ويتولون شفاعتهم ~~يشفعون لهم وينصرون، كلا لن يصيروا لهم أولياء، كقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله) و (ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى). # والثاني: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي) المخلصين (من دوني أولياء) ~~ويتولونهم، أي: لا يقدرون على أن يتخذوا أولياء من دوني، وقد كانوا يدعون ~~المؤمنين إلى دينهم، والتولي لهم، ms2782 وهو ما قال: (إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه على الذين يتولونه). # والثالث: (أفحسب الذين كفروا) أن ما عبدوا واتخذوا (من دوني أولياء) أني ~~أمرتهم # PageV07P211 # بذلك أو أذنت لهم حيث قالوا: (والله أمرنا بها)، ونحوه، كلا إنه ما أمرهم ~~بذلك أو أذن لهم في ذلك. # ومن قرأ: (أفحسب) على الجزم فهو على إسقاط ألف الاستفهام، يعني: فحسب ~~الذين كفروا، فهو يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: فحسب الذين كفروا واتخذوا عبادي من دوني أولياء ما أعتدنا لهم من ~~جهنم، كقوله: (حسبهم جهنم يصلونها. . .) الآية. # والثاني: أحسب الذين كفروا ما اتخذوا من دوني أولياء، أي: أما كفاهم ذلك ~~وما حان لأن يرجعوا إلى عبادتي وألوهيتي، وقد أقمت لهم الآيات والحجج على ~~ذلك. # والثالث: حسب لهم من الذل ما اتخذوا من دوني أولياء. # وقوله - عز وجل -: (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا). # قال بعضهم: نزلا هو النزول وهو من النزول. # وقال بعضهم: هو المنزل والإنزال، أي: يأكلون فيها النار؛ يكون مأكلهم ~~ومشربهم من النار. # قال القتبي: النزل ما يقدم للضيف ولأهل العسكر. # وقوله - عز وجل -: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا). # يشبه أن يكون هذا خرج على مقابلة قول كان من رؤساء الكفرة وجواب لهم، وهو ~~أن الرؤساء منهم كانوا يوسعون الدنيا على بعض أتباعهم ويحسنون إليهم، ثم ~~صار أولئك الأتباع أتباعا لرسول الله ودخلوا في دينه فضاقت عليهم الدنيا، ~~وذهبت المنافع التي كانت لهم منهم، فعيرهم بذلك أولئك الكفرة، ووبخوهم على ~~ما اختاروا من الدين أنه لو كان حقا لاتسع عليهم في الدنيا كما اتسع علينا ~~وعليهم ما داموا على ديننا، أو كلاما نحو هذا، فأجابهم الله بذلك، فقال: ~~(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. . .) الآية. # ويحتمل: أن يكون على الابتداء في أهل الصوامع منهم والرهبان الذين ~~اعتزلوا النساء، وحبسوا أنفسهم لعبادة الأصنام والأوثان، وجهدوها فيها، ~~وحملوا على أنفسهم الشدائد والمشقة، فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء أخسرهم ~~أعمالا وأضلهم سعيا من الذين طلبوا ms2783 الدنيا والرياسة فيها، ولم يفعلوا ما ~~فعل هؤلاء وإن كانوا في الكفر سواء. # والأخسر: هو الوصف بالخسران والنهاية والغاية، وجائز أن يستعمل (أفعل) في # PageV07P212 # موضع (فعل)، هذا في اللغة غير ممثنع، فيكون تأويله: قل هل ننبئكم ~~بالخاسرين أعمالا، كقوله: الله أكبر، أي: كبير. # وقوله - عز وجل -: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ... (104) يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: (ضل): أي: ذلوا لعبادتهم التي عبدوا تلك الأوثان والأصنام، ~~وخذلوا أنفسهم بذلك، وعلى ذلك يخرج قوله: (أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة). أذلوا أنفسهم في الدنيا بعبادتهم الأصنام. # والثاني: (ضل سعيهم) الذي سعوا في الدنيا بعبادتهم الأصنام في الآخرة؛ ~~لأنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، و (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله)، ونحوه، فضل ما أملوا في الآخرة بسعيهم في الدنيا والآخرة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) وهم يحسبون بعبادتهم ~~الأصنام التي عبدوها أنهم يحسنون بما أنفقوا على أولئك ووسعوا أنهم يحسنون ~~صنعا، أي: خيرا أو معروفا، أي: ليس لهم ذلك بصنع للخير، وفيه دلالة أنهم ~~يؤاخذون بفعلهم الذي فعلوا، وإن جهلوا الحق، وهكذا قولنا: إن من فعل فعلا ~~وهو جاهل، فإنه يؤاخذ به بعد أن يكون له سبيل الوصول إلى الحق بالطلب أو ~~بالتعلم، حيث هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ثم أخبر من هم؟ فقال: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ... (105) حججه ~~وبراهينه. # وقال الحسن: دينه، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع. # وقوله: (ولقائه) البعث أو المصير إليه، وهو مذكور أيضا. # وقوله - عز وجل -: (فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا). # أي: لا نقيم لهم وزنا، وهو ما قال - عز وجل -: # (فما ربحت تجارتهم)، فإذا لم تربح لهم كانت حسرات عليهم. # وقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم) هذا ~~يدل أن قوله: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)، قد يقام عليهم الوزن. # ثم أخبر - عز وجل - عن جزائهم؛ فقال: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا ~~آياتي ورسلي هزوا (106) # PageV07P213 # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ms2784 كانت لهم جنات الفردوس نزلا ~~(107) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # ثم ذكر للمؤمنين من الثواب والجزاء بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، ~~واختاروا فيها مقابل ما ذكر للكفرة؛ فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا). # كأن الجنان التي وعد للمؤمين أربعة: جنات النعيم، وجنات المأوى، وجنات ~~عدن، وجنات الفردوس، ثم كان في كل واحدة منها - أعني الجنان - فيها معنى ~~الأخرى؛ لأنه قال: (جنات المأوى)، وهو ما يؤوى إليه، و (جنات النعيم) ظاهر، ~~و (جنات عدن)، من المقام أو غيره، و (الفردوس) سميت فردوسا؛ لأنها تكون ~~ملتفة محفوفة بالأشجار، ففي كل واحدة منها ذلك كله. وقوله - عز وجل -: ~~(نزلا) وقيل: منزلا من النزول. # وقيل: من النزل وهو من الأنزال. # وقوله - عز وجل -: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) أي: تحولا، ~~أخبر أنهم لا يملون ولا يسأمون عن نعيمها، كما يمل أهل الدنيا عن نعيمها ~~ويسأمون؛ لأن المسرور بها يمل عن نعمة، ويرغب في أخرى، فأخبر أن أهل الجنة ~~لا يملون فيها، ولا يسأمون، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يتخيرون. # وروي أن ابن عباس سأل كعبا عن الفردوس؛ فقال: هي جنات الأعناب ~~بالسريانية. # وقال بعضهم: ما ذكرنا أنها سميت: فردوسا، لكثرة أشجارها والتفافها. # وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها ~~درجة من فوقها يكون الفردوس، منها يتفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم ~~الله الجنة فاسألوه الفردوس ". # وقال القتبي: (لا يبغون عنها حولا) أي: تحولا، وكذلك قال أبو عوسجة: هو ~~من # PageV07P214 # التحول، وقال: (نزلا)، قال: هذا من الطعام والشراب، وجمع النزل: أنزال، ~~وجمع الفردوس: فراديس. وقال ms2785 القتبي: النزل: ما يقدم للضيف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) # يشبه أن يكون هذا خرج مقابل قوله: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) ~~وقوله: (وتفصيل كل شيء)، وجوابا لما ذكر فيه تبيانا لكل شيء، وتفصيل كل ~~شيء، فقالوا: كيف يحتمل هذا المقدار أن يكون فيه تبيان كل شيء وتفصيل كل ~~شيء؟ فقال - عز وجل - عند ذلك جوابا لقولهم: إنه لو بسط ما أودع فيه من نحو ~~المعاني والحكمة، وشرح ذلك فكتب بما ذكر لبلغ القدر الذي ذكر وازداد. # وقال الحسن: قوله: (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) أي: لخلق ربي، أي: لو ~~قال ما خلق وأملى: أني خلقت كذا، وخلقت كذا، فيكتب جميع ما خلق، لبلغ القدر ~~الذي ذكر. ويرجع تأويله إلى ما خلق من أصناف الخلق وأجناس الأشخاص. # وقال أبو بكر الأصم: قوله: (لكلمات ربي) لبيان ما خلق ربي، فهو يرجع إلى ~~الأول، وقال: فائدة ما ذكر هو أن يعرفوا أن خلائقه وما أنشأ، لمما يخرج عن ~~الوقوع في الأوهام، فالذي أنشأ ذلك وخلقه أحرى أن يكون خارجا عن الوقوع في ~~الأوهام والتصور فيها. # والثاني: يعرفوا قدرته وسلطانه، وإحاطة علمه بالخلائق، وما أنشأ فيعلموا: ~~أن من قدر على هذا فهو على البعث الذي أنكروا أقدر، ومن أحاط علمه بما ذكر ~~فهو على الإحاطة بأفعالهم وأقوالهم أعلم وأعرف؛ ليكونوا على الحذر أبدا في ~~كل وقت. # ثم يحتمل قوله: (لكلمات ربي) حججه وآياته التي أقامها على وحدانيته ~~وربوبيته، أي: لو كتب ذلك لبلغ ذلك الذي ذكر. # وإن كان المراد من الكلمات: القرآن، فالتأويل ما ذكرنا بدءا: أنه كان خرج ~~على الجواب والمقابلة لقول كان منهم، وهو ما قاله الحسن وأبو بكر إن كان ~~كلماته خلقه أو البيان عن خلقه. # وقوله - عز وجل -: (ولو جئنا بمثله مددا): # PageV07P215 # هذا ليس على التحديد، ولكن على التعظيم والإبلاغ، وهو ما قال: (ولو أنما ~~في الأرض من شجرة ms2786 أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) ~~دل هذا على أن قوله: (ولو جئنا بمثله مددا)، أن ليس لذلك المدد حد ولا ~~نهاية؛ ولكن ذكر على التعظيم له والإبلاع. # وفيه دلالة أن ليس لما خلق الله من العلوم نهاية ولا غاية يدركها ~~الخلائق، ولكن يؤخذ من كل جنس شيء، فيعمل به. # وفيه أن ليس الأمر بتعلم العلم، والمقصود منه العلم نفسه، ولكن المقصود ~~منه العمل بما يعلم؛ إذ ليس للعلوم نهاية ولا يبلغ ذلك البشر، فدل أنه كما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # أمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، ثم يكون لذلك الأمر وإخباره إياهم أنه بشر ~~مثلهم، وجوه من المعنى: # أحدها: أنهم كانوا يسألونه آيات خارجة عن وسع البشر وطوقهم، فأمره أن ~~يخبرهم أنه بشر مثلهم، لا يقدر على ما يسألونه من الآيات التي تخرج عن وسع ~~البشر وطوقهم، وليس لأحد التحكم على الله، والتخير عليه في شيء، إنما ذلك ~~إلى الله إن شاء أنزل وإن شاء لم ينزل، وأنا لا أملك شيئا من ذلك. # والثاني: ذكر هذا ليعرفوا أنه إذا جاء من الآيات التي لا يحتمل وسع البشر ~~أن يأتوا بمثلها، أنه إنما أتى بذلك من عند الله لا من ذات نفسه؛ إذ علموا ~~أن وسع البشر لا يحتمل ذلك، فلما أتاهم بذلك إنما أتى بها من عند الله وأنه ~~رسول على ما يقول. # والثالث: أمره أن يقول لهم هذا: إنه بشر مثلهم؛ لئلا يحملهم فرط حبهم على ~~أن يتخذوه إلها ربا على ما اتخذ قوم عيسى عيسى إلها ربا؛ لفرط حبهم إياه. # وقوله - عز وجل -: (فمن كان يرجو لقاء ربه) فإن كانت الآية في مشركي ~~العرب - فهم ينكرون البعث ولا يرجونه لكنه يكون ذكر لقاء ربه لهم؛ لأنهم ~~عرفوا في أنفسهم قديم إحسان الله إليهم ونعمه عليهم، فأمروا ms2787 أن يعملوا ~~العمل الصالح ليستديموا بذلك الإحسان الذي كان من الله إليهم، فيحملهم ~~العمل على التوحيد بالله والإقرار بالبعث. # وإن كانت الآية في المؤمنين، فيكون تأويله؛ (فمن كان يرجو لقاء ربه)، أي: ~~ثواب ربه (فليعمل عملا صالحا) ليثاب عليه؛ إذ الثواب إنما يكون للعمل ~~الصالح دون غيره، وفيه ما ذكرنا أن المقصود من العلم العمل الصالح، والعلم ~~مما ليس له نهاية فالأمر بطلب ما لا نهاية له ليس لنفسه ولكن للعمل به، ~~والله أعلم. # PageV07P216 # وقوله - عز وجل -: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)، يحتمل: حقيقة الإشراك في ~~العبادة والألوهية، على ما أشرك أولئك: أشركوا الأصنام والأوثان التي ~~عبدوها في عبادته وألوهيته، ويحتمل: المراءاة في العمل الصالح، على ما ~~يرائي بعض أهل التوحيد في بعض ما يعملون من الطاعة والخيرات، والله أعلم ~~بالصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV07P217 ### | سورة مريم # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء ~~خفيا (3) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك ~~وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # قوله: (كهيعص). # قيل: اسم من أسماء القرآن. # وقيل: اسم من أسماء الله تعالى، وعلى ذلك روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: يا كهيعص، اغفر لي. # قال أبو بكر الأصم: لا يصح هذا من علي؛ لأن هذا لم يذكر في أسمائه ~~المعروفة التي يدعى بها. # وقال بعضهم: حروف من أسماء الله افتتح بها السورة فهو ما ذكرنا، وهو ~~الأول، وقال بعضهم: الكاف مفتاح اسمه كاف، والهاء مفتاح اسمه هاد، والعين ~~مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق. # وقال ابن عباس: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من ~~عليم، والصاد من صادق. # وقال الربيع بن أنس: الياء من قوله: (وهو يجير ولا يجار عليه) # وقال الكلبي: هو ثناء أئنى الله على ms2788 نفسه؛ فقال: كاف هاد عالم صادق، ~~يقول: كاف لخلقه، هاد لعباده، عالم ببريته وبأمره، صادق في قوله. # PageV07P218 # وقال بعضهم: لم ينزل الله كتابا إلا وله فيه سر لا يعلمه إلا الله، وسر ~~القرآن فواتحه. # وقال بعضهم: تفسيره ما ذكر على أثره، وهو قول الحسن، وأمثال هذا قد ~~أكثروا فيه، وقد ذكرنا الوجه في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: على الأمر، أي: اذكر لهم رحمة ربك عبده زكريا بالإجابة له عند ~~سؤاله الولد في الوقت الذي أيس عن الولد في ذلك الوقت؛ فيكون فيه دلالة ~~رسالته، حيث ذكر لهم رحمة ربه على زكريا، وأخبرهم على ما في كتبهم. # والثاني: (ذكر رحمت ربك): هذا ذكر رحمة ربك لعبده زكريا في دعائه، وعلى ~~هذا التأويل يكون الذكر هو القرآن، وقد سمى الله القرآن: ذكرا في غير آي من ~~القرآن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ نادى ربه نداء خفيا (3) # قال بعضهم: نداء خفيا في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق به. # وقال بعضهم: نداء خفيا عن قومه ومن حضره. # ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: أخفاه وأسره منهم إخلاصا لله وإصفاء له. # والثاني: أخفاه وأسره منهم حياء أن يعيبوه أن سأل ربه الولد في وقت كبره ~~وإياسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال رب إني وهن العظم مني ... (4) أي: ضعف ورق ~~(واشتعل الرأس شيبا): اعتذر إليه، وقدم زكريا ما حل به من الكبر وبلوغه ~~الوقت الذي لا يطمع في ذلك الوقت الولد، أي: بلغت المبلغ الذي ضعف بدني، ~~ورق عظمي، ثم سأل ربه الولد ليس على أنه كان لا يعرف قدرة الله أنه قادر ~~على هبة الولد، وإنشائه في كل وقت في وقت الكبر والضعف، وبالسبب وبغير ~~السبب؛ لكنه لأنه يعرف أنه لا يسع ويصلح سؤال الولد وهبته - في الوقت الذي ~~كان بلغ هو، وهو الوقت الذي لا يطمع فيه الولد في الأغلب، وهو ما ذكر في ~~سورة آل عمران: ms2789 (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم ~~أنى لك هذا قالت هو من عند الله)، فعند ذلك عرف زكريا أنه يسعه دعاء هبته ~~الولد وسؤاله في وقت الإياس، حيث رأى عند مريم فاكهة الشتاء في الصيف، ~~وفاكهة الصيف في الشتاء غير متغيرة عن حالها، فسأل عند ذلك ربه الولد، وهو ~~قوله: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. . .) الآية، ~~والله أعلم. # PageV07P219 # وقوله - عز وجل -: (ولم أكن بدعائك رب شقيا). # قال بعضهم: أي: كنت تعودني الإجابة في دعائي إياك فيما مضى. # وقال بعضهم: أي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك، وهما واحد، ذكر مننه وفضله ~~الذي كان منه إليه. # وقود - عز وجل -: (وإني خفت الموالي من ورائي ... (5) # قال الحسن: خاف مواليه أن يرثوا ماله، فأما علمه ونبوته فمما لا يورث. # قال أبو بكر الأصم: هذا لا يصح، لا يحتمل أن يخاف زكريا وراثة ماله ~~مواليه؛ فيسأل ربه لذلك الولد ليرثه ماله، ولكن خاف أن يضيع مواليه دينه ~~وسننه من بعده؛ فسأل ربه أن يهب له الولد ليقوم مقامه في حفظ دينه وسننه. # وقال: لا يحتمل وراثة المال؛ لما روي في الخبر: " إنا معاشر الأنبياء لا ~~نورث ما تركناه صدقة "، فلا يخلو هذا من أحد وجهين: # إما أن كان هذا في المال له خاصة دون سائر الأنبياء، وإما إذن لم يكن ~~زكريا نبيا فدل هذا أنه لا يحتمل وراثة المال فدل أنه على العلم: أن يضيع ~~الموالي علمي من ورائي. # ويحتمل قوله: (وإني خفت الموالي من ورائي)، وسؤاله الولد وجها آخر، وهو ~~أنه سأل ربه الولد الرضي الطيب؛ ليذكر هو به بعد وفاته بالأعمال والصنيع ~~الذي كان منه في حياته، ويدعى له، لئلا ينقطع ذكره، ودعاء الخلق له، وهذا ~~هو المعروف في الخلق أنهم يذكرون ويدعون لهم بالخيرات التي كانت في حال ~~حياتهم، إذا كان له ولد صالح فعلى ذلك سؤال زكريا الولد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكانت امرأتي عاقرا) أي: لا ms2790 تلد. # وقوله - عز وجل -: (فهب لي من لدنك وليا. يرثني) أي: يلي أمري. # وقوله: (يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) # قال بعض أهل التأويل: ما ذكرنا: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، ~~وقيل: (فهب لي من لدنك وليا) وارثا يرثني مكاني، ونبوتي، ويرث من آل يعقوب ~~الملك؛ لأنهم كانوا ملوكا، وكانوا أخواله، وهو كان حثرا، والله أعلم بذلك. # ولكن قوله: (يرثني) ما كان له من العلم والحكمة والذين وغيره، ويرث من آل ~~يعقوب ما كان لهم من العلوم وغيرها، فإن ثبت أن آل يعقوب كانوا أخواله، ~~ففيه دلالة أن ذوي الأرحام يرثون بعضهم من بعض، والله أعلم. # PageV07P220 # قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ~~(7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ~~(8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9) قال رب ~~اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج على قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ الكتاب بقوة ~~وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ~~ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # وقوله - عز وجل -: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من ~~قبل سميا). # قال بعضهم: (لم نجعل له من قبل سميا)، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في ~~الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو هم بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه ~~لم يهم بخطيئة ولا عمل بها ". # وقال بعضهم: (لم نجعل له من قبل سميا) أي: لم يسم أحد قبله يحيى. # وجائز أن يكون قوله: (لم نجعل له من قبل سميا)، أي: يتولى الله تسميته ~~يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق ms2791 تولى أهلوهم تسميتهم. # وقوله: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر ~~عتيا (8) # قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبشره، فقال: (أنى يكون لي ~~غلام)، وطلب منه الآية لذلك، فقال: (اجعل لي آية)، فماى به على ذلك، ولا ~~وبخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا. # وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم ~~يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه ~~عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه. # وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: (أنى يكون لي غلام) ~~أي: على أي حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أرد إلى ~~شبابي، ففي تلك الحال # PageV07P221 # يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه ~~الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب ~~وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: (قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا)، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئا. # وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، ~~فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر ~~في الآية: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى)، فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا ~~أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن ~~في الدنيا فكيف يظن بنبي من الأنبياء؟! أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت ~~حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، ~~وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم. # وقوله - عز ms2792 وجل -: (علي هين (9)، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب. # وقوله - عز وجل -: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) # قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سوئ صحيح. # وقال بعضهم: (ثلاث ليال سويا)، أي: ثلاثا تامات بأيامها على ما قاله في ~~آية # أخرى: (ثلاثة أيام إلا رمزا)، ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة ~~أيام والقصة واحدة. # وقوله - عز وجل -: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة ~~وعشيا (11) # قوله: (فأوحى إليهم)، قيل: أومأ إليهم. # وقيل: كتب لهم على الأرض. # وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: (ثلاثة أيام ~~إلا رمزا) والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها. # PageV07P222 # قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: (عتيا) قال: هو ~~أشد الكبر شيبا، أي: كبر الشيب. والمحراب، قال: إن شئت قصرا ودارا، وقال ~~القتبي: (عتيا)، أي: يبسا، ويقال: عتيا و [عتيا]، بمعنى واحد، ويقال: ملك ~~عات، إذا كان قاسي القلب غير لين. وسويا أي: سليما. # وقوله: (فأوحى إليهم)، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم. # وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض. # وقوله: (أن سبحوا بكرة وعشيا). # يحتمل قوله: (أن سبحوا)، أي: صلوا لله بكرة وعشيا، فإن كان التسبيح هو ~~الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل. # ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات. # وقوله - عز وجل -: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) # قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك. # وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه. # وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجد. # قال أبو بكر الأصم: الجد: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل ~~عليه. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا ~~تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذا بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، ~~فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناه الحكم صبيا). # قال بعضهم: ms2793 (الحكم)، أي: النبوة حال صباه. # وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللب. # PageV07P223 # وقال بعضهم: الحكمة والعلم. فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم ~~يقولون: إن الله تعالى لا يخص أحدا بنبوة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن ~~يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى ~~في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدل ~~ذلك أن الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالا منه وإنعاما ورحمة، لا ~~باستحقاق من المختص له واستيجابه. # وفي قوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) دلالة أنه كان نبيا حيث كان أخبر أنه ~~آتاه الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (وحنانا من لدنا ... (13) هو على قوله: (وآتيناه الحكم ~~صبيا) وآتيناه حنانا وزكاة أيضا. # ثم اختلف في قوله: (وحنانا من لدنا): # قال ابن عباس: تعطفا من لدنا. # وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن. # وقال بعضهم: الحنان: المحبة. # وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من ~~التحنن، وهو الترحم. # وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها. # وقوله: (وزكاة وكان تقيا). # قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا ~~يرجو فيه مثلهما الولد. # PageV07P224 # وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحا وما ينمو به من الخيرات. # وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: ~~أعطيناه كل بر وخير. # وقوله - عز وجل -: (وكان تقيا) عن جميع الشرور، كقوله: (وتعاونوا على ~~البر والتقوى)، أي: تعاونوا على البر وتعاونوا أيضا على دفع الشرور. # وقوله - عز وجل -: (وبرا بوالديه ... (14) هو على قوله: (وآتيناه الحكم ~~صبيا) أي: وآتيناه البر بوالديه. # وقوله - عز وجل -: (ولم يكن جبارا عصيا). # بل كان خاضعا لله ذليلا مطيعا. # وقال الحسن: (ولم يكن جبارا عصيا)، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية ~~الله. # وقال أهل التأويل: (ولم يكن جبارا) أي: قتالا، أي: لم يكن ممن يقتل على ~~الغضب ويضرب على الغضب. # وأصله ما ذكرنا: ms2794 أنه كان - على ضد ما ذكر - خاضعا لله، مطيعا له، على ما ~~ذكر أنه لم يرتكب ذنبا ولا هم به. # وقوله - عز وجل -: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) # يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: # أحدها: هو اسم كل بر وخير، أي: عليه كل بر وخير في هذه الأحوال التي ذكر. # والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أول أمره إلى آخره، وبعد ~~الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: (وسلام عليه) أي: السلامة عليه في هذه ~~الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت ~~الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ~~ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليما سالما عن نزغات الشيطان، ~~محفوظا عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا هم بها، والله أعلم. # وفي قوله: (ويوم يموت) دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة ~~مختلفا؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، ~~فهذا يرد على # PageV07P225 # المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: (ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات)، إنما نهانا أن نسميهم أمواتا في جهة ~~ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتا، وهو كان شهيدا على ما ذكر أنه ~~قتل. # وفي قوله: (وآتيناه الحكم صبيا) استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث ~~وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم ~~القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم ~~حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما ~~الحكم والفهم والمعرفة. # * * * # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك ~~غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ولم ms2795 يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ~~(21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ~~(25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # وقوله - عز وجل -: (واذكر في الكتاب مريم). # قال الحسن: هو صلة قوله: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا) أي: اذكر رحمة ربك ~~مريم. # وقال بعضهم: واذكر نبأ مريم وقصتها في الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا)، أي: نحو المشرق. # ثم يحتمل قوله: (إذ انتبذت من أهلها) إذا بلغت مبلغ النساء فارقت أهلها، ~~وانتبذت منهم؛ لئلا يقع بصر غير ذي الرحم المحرم عليها، وألا يراها أحد، ~~ولا يصلح النظر إليها. # وقال بعضهم: (مكانا شرقيا) أي: جلست في المشرقة؛ لأنه كان في الشتاء. # وقوله - عز وجل -: (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا (17) # قال بعضهم: احتجبت من دونهم بالغيبة عنهم. # PageV07P226 # وقال بعضهم: أخذت من دونهم حجابا، أي: سترا. # وقال مقاتل: اتخذت من دونهم الجبل حجابا وسترا، أي: جعلت الجبل بينها ~~وبين أهلها، فلم يرها أحد منهم. # وقوله - عز وجل -: (فأرسلنا إليها روحنا): # قال أبي بن كعب: هو روح عيسى، أرسله الله إلى مريم في صورة بشر، (فتمثل ~~لها بشرا سويا). # وقال غيره من أهل التأويل: (فأرسلنا إليها روحنا): جبريل، وقد سمى الله ~~جبريل: روحا في غير آي من القرآن: (روح القدس)، وغيره. # (فتمثل لها بشرا سويا) أي: لم يكن به أثر غير البشر. # وقال بعضهم: (بشرا سويا) لا عيب فيه ولا نقصان، بل كان سو، لا صحيحا ~~كاملا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) # فإن قيل: كيف تعوذت بالرحمن إن كان تقيا، وإنما ms2796 يتعوذ بالرحمن من الفاجر ~~والفاسق؟ قال الحسن؛ قوله: (إن كنت تقيا) مفصول من قوله: (إني أعوذ بالرحمن ~~منك)، فيكون على الابتداء، كأنها قالت: (إن كنت تقيا) لا ينالني منك سوء ~~ولا يمسني شر. # ويحتمل قوله: (إن كنت تقيا) أي: ما كنت تقيا، أي: حيث دخلت علي من غير ~~استئذان منك ولا استئمار ما كنت تقيا، ويحتمل قوله: (إن كنت تقيا) أي: وقد ~~كنت تقيا، فعلى هذا التأويل كأنه دخل عليها على صورة بشر عرفته بالتقى ~~والصلاح، فكأنها قالت: قد كنت عرفتك بالتقى والصلاح فكيف دخلت علي بلا إذن ~~ولا أمر؟! وقد يجوز أن يستعمل (إن) مكان (ما) ومكان (قد)، وهو في القرآن ~~كثير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) هو ~~على # PageV07P227 # الإضمار، كأنه قال: (إنما أنا رسول ربك) بالقول بأن أهب لك غلاما زكيا، ~~أي: أرسلني إليك بهذا القول وهو قوله: (لأهب لك غلاما زكيا). # وفي حرف ابن مسعود: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا). # وقوله - عز وجل -: (زكيا) أي: صالحا، طاهرا عن جميع الشرور. # وقوله - عز وجل -: (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ~~(20) أي: قالت: لم يمسسنى بشر، يعلم أنه لم يمسها بشر لا تقي ولا غيره، لكن ~~كأنها قالت: لم يمسسني بشر نكاحا ولم أك بغيا، فمن أين يكون لي ولد؟ كأنها ~~لم تعرف الولد إلا بسبب؛ لذلك قالت: (أنى يكون لي غلام). # وقوله - عز وجل -: (قال كذلك قال ربك ... (21) أي: أخلق بسبب وبلا سبب. # وقوله - عز وجل -: (هو علي هين) أي: خلق الشيء بسبب وبغير سبب هين علي. # وقال بعضهم: قوله: (قال كذلك قال ربك) للأنبياء الذين كانوا من قبل: إنه ~~يخلق ولدا بلا أب ولا أم. # وقوله - عز وجل -: (ولنجعله آية للناس)، أي: نجعل ولادته بلا أب على ما ~~أخبر الأنبياء من قبل - آية للناس لرسالتهم؛ لأنهم أخبروا أنه يولد ولد بلا ~~أب ولا أم، فكان ما أخبروا، فدل ذلك أنهم ms2797 إنما عرفوا ذلك بالله؛ فيكون ذلك ~~آية لصدقهم، ويكون قوله: (وكان أمرا مقضيا) أي: ذلك الخبر الذي أخبر ~~الأنبياء من قبل، والوعد الذي وعد لهم أمرا مقضيا كائنا. # وقال أهل التأويل في قوله: (ولنجعله آية للناس)، أي: نجعل عيسى آية للناس ~~حيث ولد بلا أب، وكلم الناس في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كانت فيه. # وجائز أن يكون آية للناس للبعث؛ لأنه أنشأه بلا أب ولا سبب، وهم إنما ~~أنكروا البعث لما لم يعاينوا الولد بغير أب أيضا ثم كان، فعلى ذلك البعث؛ ~~إذ لا فرق بينهما؛ لأن من قدر على إنشاء الولد بلا أب ولا أم قدر على ~~الإحياء بعد الموت، بل هو أولى. # وقوله - عز وجل -: (ورحمة منا) أي: رحمة منا للخلق؛ لأن من اهتدى واتبعه ~~كان له به نجاة، وهو ما قال الله تعالى لرسوله: (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين)، وعلى ذلك جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى خلقه كان ~~ذلك رحمة منه إلى خلقه. # PageV07P228 # وقوله - عز وجل -: (وكان أمرا مقضيا) أي: كان أمره كائنا، وعلى التأويل ~~الذي ذكره أبو بكر الأصم في قوله: (قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله ~~آية للناس) يكون قوله: (وكان أمرا مقضيا) أي: كان وعدا وخبرا معلوما على ما ~~أخبر الأنبياء عن نبأ عيسى وأمه. # وقوله - عز وجل -: (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) # دل هذا على أن الولاد لم يكن على إثر الحمل، ولكن كان بين الولاد وبين ~~الحمل وقت، لكن لا يعلم كم ذلك الوقت إلا بخبر عن الله. # وقوله - عز وجل -: (فانتبذت به مكانا قصيا). # قال بعضهم: تباعدت به؛ حياء من أهلها. # وقال بعضهم: انفردت به مكانا قصيا متباعدا. # وقوله - عز وجل -: (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل ~~هذا وكنت نسيا منسيا (23) # قال القتبي: (فأجاءها المخاض) أي: جاء بها، من المجيء، وألجأها إليها، ~~يقول: جاءت بي الحاجة إليك، وأجاءتني الحاجة. والمخاض: هو الحمل. # ودل قوله: (فانتبذت به مكانا قصيا) أن النخلة التي ms2798 ألجأها المخاض إليها ~~كانت يابسة، على ما قاله أهل التأويل؛ لأنه إنما انتبذت مكانا قصيا وتباعدت ~~حياء من أهلها، فلو كانت تلك النخلة رطبة ذات ثمار، لكان الناس يأوون إليها ~~ويقيمون عندها، فلا يحتمل أن تأوي إليها مريم وعندها يأوي الناس، ثم ~~التجاؤها إلى النخلة لتتساند إليها وتستعين بها على ما تقع الحاجة للنساء ~~وقت الولادة إلى شيء يستعن به عما ينزل بهن من الشدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا). # يحتمل أن يكون (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا)، أي: وكنت غير ~~معروفة. # ويحتمل أن يكون - على ما ذكر - (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا): ~~لا أذكر بعد الموت بذلك، لأنه ذكر أنها كانت من أهل شرف وكرم، ومن أهل بيت ~~النبوة، فتمنت أن تكون غير معروفة؛ لئلا تذكر بسوء بعدها ولا بقذف. # PageV07P229 # وقال أهل التأويل: (وكنت نسيا منسيا) أي: حيضة ملقاة، وكذلك قال أبو ~~عوسجة: النسي: الحيض. # قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل هذا؛ لأنها قد عرفت قدرها عند الله، فلا ~~يحتمل أن تتمنى ما ذكر، لكن الإنسان ربما يتمنى الأمر العظيم إذا اشتد به ~~الأمر، نحو ما يتمنى الموت في بعض الوقت لعظم ما يحل به، فعلى ذلك غير منكر ~~هذا من مريم أن تتمنى ما ذكر أهل التأويل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فناداها من تحتها ... (24) و [(من تحتها)] اختلف فيه: # قال بعضهم: ناداها ملك. # وقال بعضهم: ناداها ابنها عيسى. # قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل أن يكون الذي ناداها ملكا؛ لأنه قال: (من ~~تحتها)، ولو كان ملكا لناداها من فوقها، لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الملك إنما ~~ينادي من حيث يؤمر، من تحت ومن فوق. # وقال بعض أهل التأويل: ناداها جبريل من تحت الوادي: (ألا تحزني قد جعل ~~ربك تحتك سريا). # والأشبه أن يكون ابنها عيسى؛ لأنها كانت تحزن أن تشتم وتقذف به، فعيسى ~~إذا تكلم وصار بذلك المحل تسر هي بذلك، لما ms2799 تعلم أنه ينفي عنها بعض ما طعنت ~~به وقذفت. # ويحتمل حزنها من وجه آخر: وهو أنها كانت حزنت خوفا على نفسها وعلى ولدها؛ ~~لأنها أقامت في مكان لا ماء فيه ولا طعام، فخافت على نفسها وولدها الهلاك، ~~فحزنت لذلك فبشرت حيث قال لها: (ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا): أمنها عن ~~الخوف الذي كان. # ثم السري: قال بعضهم من أهل التأويل: هو الجدول، وهو النهر الصغير. # PageV07P230 # وقوله - عز وجل -: (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) # فيه دلالة لزوم الكسب؛ لأنه أمر مريم أن تهز النخلة ليتساقط عليها الرطب، ~~ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها؛ لتجتني هي، وذلك عليها أهون وأيسر؛ على ~~ما كان رزقها عندما كانت مؤنتها على زكريا. # وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قوته. # وفيه دليل أن زكريا كان أفضل منها وأكبر منزلة عند الله حيث رزقها عندما ~~كانت في عيال زكريا من غير تكلف كان من زكريا ولا مؤنة، فلما فارقت زكريا ~~أمرها بالكسب. # وفيه دلالة: أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي ~~الأنبياء، حيث جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطبا، وحيث جعل من تحتها ~~سريا، أي: نهرا جاريا، وحيث رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف ~~أحد، فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقاربها. # وهذه المحن التي امتحن بها مريم في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن ~~من أعظم كراماته إليها: أنه أخبر أنه - تعالى - اصطفاها على نساء العالمين ~~بقوله: (إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)، وسماها: صديقة ~~بقوله: (وأمه صديقة)، وذلك لا يسمى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر له ~~غاية، والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله: (فناداها من تحتها) أي: من تحت النخلة. # وقوله - عز وجل -: (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي ~~إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # أي: كلي الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من ms2800 السرى الذي جعل تحتك. # (وقري عينا) أي: وارضي مكان ما حزنت عليه وخفت على نفسك وعلى ولدك، أو ~~طيبي نفسا. # وقوله - عز وجل -: (فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما) ~~أي: صمتا وسكونا، وكذلك روى في بعض الحروف، وهو في حرف أبي، وقال: ثم قوله: ~~(فقولي) ليس على القول نفسه، ولكنه إشارة، أشارت إليهم: (إني نذرت للرحمن ~~صوما) فإن كان على هذا، ففيه دلالة أن الإشارة إذا كانت بحالة مفهمة المراد ~~تعمل عمل القول نفسه والكلام؛ ولذلك وقع الطلاق بالإشارة والنكاح، وكل عقد ~~من الأخرس وغيره إذا كانت الإشارة مفهومة معقولة. # PageV07P231 # وقال بعضهم: قوله: (فقولي) هو على حقيقة القول، أي: أمرت أن تقولي: (إني ~~نذرت للرحمن صوما)، فكان نذرها الصوم للرحمن بعد هذا القول، وإلى هذا يذهب ~~الحسن. # * * * # قوله تعالى: (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) ~~يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه ~~قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت ~~حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ~~ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ~~(34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف ~~الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر ~~يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ ~~قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها ~~وإلينا يرجعون (40) # وقوله - عز وجل -: (فأتت به قومها تحمله) أي: بعيسى قومها تحمله: (قالوا ~~يا مريم لقد جئت شيئا فريا). # قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيما من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من ~~التقدير، يقال: فري، ms2801 أي: قدر. # وقال بعضهم: لقد افتريت عظيما، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: (يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن). # وقال بعضهم: (شيئا فريا) كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب ~~فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض ~~القذف مساغ ووجه، والله أعلم. # وقوله: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # قال بعضهم: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روى خبر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ثبت فهو هو. # PageV07P232 # وقال بعضهم: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: [هارون بن ماثان]؛ ~~لذلك نسبوها إليه فقالوا: (يا أخت هارون). # وقال بعضهم: إن هارون كان رجلا صالحا ناسكا فيهم، فشبهوها به ونسبوها ~~إليه؛ لصلاحها ونسكها. # وقال بعضهم: إن بني إسرائيل تسمي كل صالح: هارون؛ حبا لهارون؛ لذلك سموها ~~ونسبوها إلى هارون، لنسكها وصلاحها. # وقوله - عز وجل: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي: ما كان ~~أبوك ما ذكر ولا أمك ولا أنت، فمن أين كان لك هذا؟! هذا تعريض من الكلام: ~~ليس بتصريح، فهو ما ذكرنا: أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح ~~الفرية والقذف لها. # وقوله - عز وجل -: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب ... (30) # أي: آتاني علم الكتاب، ولا نفسر أي كتاب هو: الإنجيل أو التوراة أو غيره؟ ~~لأنه قال في آية أخرى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)، فذكر ~~الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل فهذا يدل أن الكتاب غير التوراة ~~والإنجيل. # وقوله: (وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت (31) # هذا يدل أنه قد تكلم بعد هذه الكلمات، وليس كما قال أهل التأويل: إنه ~~تكلم بهؤلاء، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان؛ ~~لأنه أخبر أنه جعله نبيا وجعله مباركا، فلا يحتمل أن يكون نبيا ولا يتكلم ~~ولا يدعو الناس إلى دين الله، وأي بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير؛ ~~فدل ms2802 ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم، والبركة هي اسم كل خير وصلاح، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا). # يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة. # ويحتمل: الصلاة: الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان، والزكاة: كل ~~ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير. # فإن كان الأول الصلاة المفروضة والزكاة المعروفة، فهو على تعليم الناس، ~~كأنه قال: # PageV07P233 # أوصاني أن أعلم الناس وأعلمهم من الزكاة؛ إذ لم يكن يملك عيسى ما تجب فيه ~~الزكاة، فهو يخرج على إعلام الناس عن حكم الزكاة، أو أن يكون على المواساة، ~~فذلك مما قل وكثر سواء. # وإن كان الثاني فهو وغيره من الناس في تلك الزكاة سواء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) أي: جعلني ~~برا بوالدتي، صلة بقوله: (وجعلني نبيا) و (وجعلني مباركا)، وجعلني برا ~~بوالدتي. # (ولم يجعلني جبارا شقيا)، قد ذكرناه في قصة يحيى. # وقوله - عز وجل -: (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) # هذا -أيضا- قد ذكرناه في قصة يحيى، غير أن الله تعالى هو مسلم على يحيى ~~في تلك الأحوال، وهاهنا ذكر أن عيسى سلم على نفسه. # وذكر في بعض القصة: أن عيسى ويحيى - عليهما السلام - التقيا، فقال يحيى ~~لعيسى: " أنت خير مني ". فقال عيسى: " بل أنت خير مني، سلم الله عليك، ~~وسلمت أنا على نفسي "، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) أي: ~~ذلك عيسى ابن مريم، ليس على ما قالت النصارى وغيرهم أنه ابن الله، وأنه ~~ثالث ثلاثة على ما قالوا، ولكن عيسى ابن مريم عبد الله كما أقر هو ~~بالعبودية حيث قال: (إني عبد الله). # ويحتمل قوله: (ذلك عيسى ابن مريم) أي: ذلك الذي أنباتهم من نبأ عيسى: ~~(قول الحق الذي فيه يمترون) أي: هؤلاء الكفرة حيث أنكروا أنه ليس على ما ~~أنبأتهم من نبيه، أي: الذي يشكون فيه هو قول الحق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms2803 -: (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون (35) # نزه نفسه عن أن يتخذ ولدا؛ لأنه لا تقع له الأسباب التي لها يتخذ الولد ~~ويطلب منه. # أو يقول: إن اتخاذ الولد يسقط الألوهية؛ لأن الولد في الشاهد يكون شكل ~~الأب وشبيها له، فلا يحتمل أن تكون الألوهية لمن يشبه الخلق؛ لأن الولد في ~~الشاهد إنما يتخذ ويطلب لأحد وجوه ثلاثة: # إما لوحشة تأخذه فيستأنس به. # وإما لحاجة تمسه فيستغني به في دفعها. # أو لخوف يخاف من أعدائه فيستنصر به، فإذا كان الله سبحانه يتعالى عن ذلك ~~وله من سرعة نفاذ أمره ما ذكر في قوله: (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون) # PageV07P234 # فمن له من سرعة نفاذ الأمر ما ذكر، لا تقع له الحاجة إلى الولد في معنى ~~من المعاني ولا وجه من الوجوه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ثم قول أهل التأويل: إنه نفخ في جيب مريم، أو في أنفها، أو في غيره، وغير ~~ذلك من القصص التي ذكروها مما ليس في الكتاب ذكرها - فلا يجوز أن يقال ذلك ~~إلا بخبر عن الله تعالى، أو عمن أوحى إليه، فإنه لم يعلم صدقه ولا نبوته، ~~فنذكر مقدار ما في الكتاب لا يزاد على ذلك ولا ينقص؛ لأن هذه الأنباء لما ~~ذكرت لرسول الله لتكون آية لرسالته ونبوته؛ لأنها كانت مذكورة في الكتب ~~المتقدمة، وكان هنالك من يعرفها، فذكرت له هذه الأنباء على ما كانت في ~~كتبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، فلو زيد فيه أو نقص لكانت غير دالة ~~لهم على ذلك. # قال القتبي: الصوم: الإمساك؛ صوما: أي: صمتا، فريا: أي: عظيما عجبا، ~~والبغي: يقال: امرأة بغي ونسوة بغايا، أي: فاجرات، وكذلك قال أبو عوسجة. # وقوله - عز وجل -: (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) # إنهم كانوا يعرفون أن الله هو ربهم حيث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى) ونحوه، فكأن عيسى قال لهم: ارجعوا إلى ms2804 عبادة الذي تعرفون ~~أنه ربي وربكم، واتركوا العبادة لمن تعرفون أنه ليس بربكم. # وقوله - عز وجل -: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد ~~يوم عظيم (37) اختلف فيه: # قال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى في حياته، منهم من قال: هو ساحر. # وقال بعضهم: هو كاهن. # وقال بعضهم: كذا من هذا النحو. # وقال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى بعد ما رفع من بينهم: # فمنهم من قال: هو الله، وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ~~ثلاثة، وأمثال ما قالوا على علم منهم أنه لم يكن على ما وصفوه وقالوا فيه، ~~لكنهم عاندوا وكابروا. # وقال بعضهم: (فاختلف الأحزاب من بينهم): الذين تحزبوا واختلفوا في رسول ~~الله لما بعث، فمنهم من قال: إنه ساحر، وإنه كاهن ومجنون، وإنه مفتر، وإنه ~~كذاب، ونحو ما قالوا فيه على علم منهم أن ما يقول هو يوافق كتبهم، وأن ~~كتابه مصدق لكتبهم، وأنه يؤمن # PageV07P235 # بالرسل الذين يؤمنون هم بهم، لكنهم قالوا ذلك على المعاندة والمكابرة. # وقوله - عز وجل -: (فويل للذين كفروا). # قال أصحاب التأويل: الويل: الوعيد، واختلفوا فيه، وهو - والله أعلم - ~~الويل لكل كافر، ما من كافر إلا وله ذلك الوعيد. # وقوله - عز وجل -: (من مشهد يوم عظيم): # وصف ذلك اليوم بالعظم؛ لما فيه مجمع الأولين والآخرين، ويشهده الجن ~~والإنس والملائكة، فهو مشهد يوم عظيم. # ويحتمل أنه وصفه بالعظم؛ لأنه هو المقصود في خلق العالم في الدنيا، فهو ~~إنما خلقهم لأمر عظيم وهو ذلك اليوم. # وقوله - عز وجل -: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ~~ضلال مبين (38) # قال الحسن: يكونون سمعاء وبصراء في الآخرة، ليس على ما كانوا في الدنيا ~~عميا بكما صما. # وقال بعضهم: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا. # وقال بعضهم: لا يصح هذا؛ لأن هذا ليس على [وجه النهر والتعجب] (1)، ولكن ~~تأويله أي: يسمعون ما قالوا ويبصرون ما عملوا. # وقال بعضهم: (أسمع بهم وأبصر) أي: (أسمع) بحديثهم إليهم وأعلمهم (وأبصر) ~~كيف نصنع بهم يوم يأتوننا، والله أعلم. # وقوله ms2805 - عز وجل -: (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين). # أي: في حسرة بينة، أو في هلاك بين، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون (39) # قال عامة أهل التأويل: الحسرة: هي أن يصور الموت بصورة كبش أملح، فيذبح ~~PageV07P236 # بين الجنة والنار، فينظر إليه أهل النار وأهل الجنة، فيندم أهل النار ~~ويكون لهم الحسرة؛ لما كانوا يطمعون الموت يتأملون منه، فذلك الحسرة التي ~~ذكر، ولكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن رسول الله، فإن ثبت شيء عنه فهو ذاك، ~~وإلا فالحسرة لهم هي أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وهو ما قال: (كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم)، وقوله: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب ~~الله)، وقوله: (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها)، ونحوه كل عمل عملوا في ~~الدنيا يكون لهم ذلك حسرة في الآخرة وندامة. # وقوله - عز وجل -: (إذ قضي الأمر)، أي: أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار. # (وهم في غفلة)، أي: هم كانوا في غفلة من هذا (وهم لا يؤمنون). # وقوله - عز وجل -: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) # هذا - والله أعلم - كناية عن فناء الخلق جميعا وبقاء الخالق، فذلك معنى ~~الوراثة، والله أعلم. # وعلى ذلك سمي الوارث في الشاهد: وارثا؛ لأنه باق بعد فناء مورثه، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال ~~لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت ~~إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا ~~تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ~~لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه ~~كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون ms2806 ~~بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا (50) # وقوله - عز وجل -: (واذكر في الكتاب إبراهيم). # قال الحسن: هو صلة (كهيعص. ذكر رحمت ربك عبده زكريا). # يقول: اذكر رحمة ربك إبراهيم، وكذلك يجعل جميع ما ذكر في هذه السورة من ~~نحو هذا صلة ذلك، كأنه ذكر (كهيعص) في كل ذلك؛ لأنه يجعل تفسير (كهيعص) # PageV07P237 # في كل ذلك على ما ذكر على إثره، وكذلك يقول في جميع الحروف المقطعة: إن ~~تفسيرها ما ذكر على إثرها. # وأما غيره من أهل التأويل فإنه يقول: واذكر لهم نبأ إبراهيم وقصته في ~~الكتاب لهم، واذكر في الكتاب نبأ موسى وخبره وذكره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان صديقا نبيا): # الصديق: إنما يقال لمن كثر منه ما يستحق ذلك الاسم، وكذلك التشديد إنما ~~يشدد إذا كثر الفعل منه وصار كالعادة له والطبع، فكأنه سمي بهذا لما لم يكن ~~يجعل بين ما ظهر له من الحقوق والفعل وبين وفائها وأدائها إليها نظرة ولا ~~مهلة، بل كان يفي بها ويؤديها كما ظهر له، ولذلك سماه - والله أعلم -: وفيا ~~بقوله: (وإبراهيم الذي وفى)، وقال في آية أخرى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن)، سماه: وفيا، كانت عادته القيام بوفاء ما ظهر له وإتمام ما ~~ابتلاه به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ... (42) إذا ~~دعوته (ولا يبصر) ولو عبدته (ولا يغني عنك شيئا) إذا احتجت إليه وسألته. # ويحتمل أن يكون قوله: (ما لا يسمع) أي: لا يجيب لو دعوته واحتجت إليه، ~~(ولا يبصر) حاجتك إذا احتجت إليه، (ولا يغني عنك شيئا)، أي: لا ينصرك. # وقال بعضهم: (ولا يغني عنك شيئا) من عذاب الله في الآخرة. # يقول: كيف لا تعبد من إذا دعوته سمع، وإذا عبدته أبصر، ونصرك إذا احتجت ~~إليه وسألته، والله الموفق. # وقرله - عز وجل -: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ms2807 ما لم يأتك ... (43) ~~أي: من بيان ما يحل بك بعد الموت، إذا مت على ما أنت عليه، (ما لم يأتك) ~~ذلك (فاتبعني) إلى ما أدعوك إليه من دين الله، (أهدك صراطا سويا)، أي: دينا ~~عدلا سويا قيما لا عوج فيه، فهذا يدل منه أنه قد أوحى إليه في ذلك الوقت، ~~ويشبه أن يكون عرف ذلك استدلالا منه واجتهادا على غير وحي، كقوله: (هذا ربي ~~هذا أكبر)، حتى انتهى إلى قوله: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا)، وكل ذلك كان له من الله؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (وتلك حجتنا ~~آتيناها إبراهيم على قومه). # PageV07P238 # وقوله - عز وجل -: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ~~(44) هم لم يكونوا يعبدون الشيطان عند أنفسهم، ولكن يحتمل إضافة عبادتهم ~~إلى الشيطان وجوها: # أحدها: أن الأصنام التي عبدوها كانت لا تأمرهم بالعبادة ولا تدعوهم إليها ~~ثم عبدوها، فإنما عبدوها بأمر الشيطان وبدعائه إياهم، فأضاف ذلك إليه للأمر ~~الذي كان منه بذلك. # والثاني: ذكر أن الشيطان كان ينطق من جوف الصنم، فعبدوها لكلامه، فكأنهم ~~عبدوا الشيطان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون ~~للشيطان وليا (45) # قال بعضهم: قوله: (إني أخاف): أي: أعلم أنه يمشك عذاب من الرحمن لو دمت ~~على الكفر وختمت به، فإن كان تأويله العلم فهو على هذا الشرط يخرج. # ويحتمل أن يكون الخوف في موضع الخوف، أي: (إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن) إن لم تنجز وعدك (فتكون للشيطان وليا) أي: قرينا في العذاب. # وقوله - عز وجل -: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته ~~لأرجمنك واهجرني مليا (46) ولا شك أنه كان راغبا عن عبادة آلهتهم. # وقوله - عز وجل -: (لئن لم تنته لأرجمنك) يحتمل وجوها: # أحدها: (لئن لم تنته) عن دينك الذي أنت عليه (لأرجمنك)، أي: لأقثلنك. # والثاني: (لئن لم تنته) عن قذف آلهتنا وسبها وذكرها بسوء (لأرجمنك)، أي: ~~لأشتمنك مكان شتمك وقذفك آلهتنا، فالرجم يشتمل على ms2808 هذه الوجوه الثلاثة: ~~القتل، والطرد، والشتم، فإن كان على القتل فهو مقابل الدين، أي: لئن لم ~~تنته عن دينك لأقتلنك، وإن كان على الطرد فهو مقابل الدعاء، أي: لئن لم ~~تنته عن دعائك إياي إلى ما تدعو لأطردنك، وإن كان علي الشتم فهو مقابل ~~الشتم، أي: لئن لم تنته عن شتمك آلهتنا لأشتمنك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واهجرني مليا). # قال بعضهم: طويلا. # وقال بعضهم: دهرا. # PageV07P239 # فإن كان (مليا)، أي: بعيدا فهو على بعده منه، أي: ابعد مني، وتباعد مني ~~داره ومقامه. # وإن كان على الدهر والطول فهو يخرج، أي: لا تكلمني أبدا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) # يحتمل أنه ليس على أن سفم عليه، ولكن كلمه بكلام السداد، كقوله: (وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، هو أن يقولوا لهم كلام السداد ليس على أن ~~يسلموا عليهم. # ويحتمل (سلام عليك) على حقيقة السلام المعروف، لكنه يخرج على الإضمار، ~~أي: (سلام عليك) إذا أسلمت. # وقوله - عز وجل -: (سأستغفر لك ربي) إذا أسلمت على نحو ما قلنا. # ويحتمل قوله: (سأستغفر لك ربي) أي: أسأل ربي ليوفقك على السبب الذي ~~تستوجب به الاستغفار، وتكون أهلا للاستغفار. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان بي حفيا). # قال بعضهم: أي: برا لطيفا. # وقال بعضهم: (حفيا): عالما. # وقال بعضهم: إنه كان عودني الإجابة. # قال أبو عوسجة: الحفي: العالم بالأمر، ويقال: حفى الرجل يحفي: إذا سار ~~بلا نعل ولا خف، وجمعه: حفاة، واحتفى يحتفي: إذا اجتنى حشيشا. # وقوله - عز وجل -: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا ~~أكون بدعاء ربي شقيا (48) # الاعتزال - هاهنا - اعتزال هجرة إلى أرض الشام، ومفارقته إياهم مفارقة ~~المكان والدار، كقوله: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين)، فقوله: (ونجيناه) النجاة بالفراق منهم. # وقوله: (وما تدعون من دون الله) أي: وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله ~~أيضا، ففيه إخبار عن اعتزاله عنهم بالدار والمكان، وعن فعلهم أيضا، اعتزلهم ~~عن الأمرين جميعا. # PageV07P240 # وقوله - عز ms2809 وجل -: (وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي أدعو ربي عسى ألا أكون بعبادة غير الله شقيا، كما كان قومه ~~بعبادة غير الله أشقياء. # والثاني: (ألا أكون بدعاء ربي شقيا)، أي: خائبا مردود الدعاء، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) اعتزال الدار والمكان بالهجرة إلى الأرض ~~المباركة التي ذكر أنه نجاه إليها، واعتزل -أيضا- صنيعهم الذي كانوا يصنعون ~~من عبادتهم غير الله. # وقوله - عز وجل -: (وهبنا له إسحاق ويعقوب)، وقال في آية أخرى: (ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب نافلة) ذكر الهبة؛ لأن الولد هبة من الله تعالى، خلقه على ~~الإفضال منه والإنعام عليه؛ لأنه يعطي لا عن حق كان لهم عليه، فذلك فائدة ~~ذكر الولد هبة. # وقوله - عز وجل -: (وكلا جعلنا نبيا) هو ظاهر، وهب له ما ذكر، ثم أخبر - ~~عز وجل - أنه جعلهم أنبياء. # وقوله: (ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) اختلفوا ~~فيه: # قال بعضهم: الرحمة - هاهنا -: هي النبوة، أي: وهبنا لهم النبوة. # وقال بعضهم: الرحمة: النعمة، أي: من نعمته وهب لهم ما وهب من النبوة ~~وغيرها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله: (لسان صدق): هي الكتب التي أنزلها الله فيها أنباء ~~صدقهم وفضلهم، ومنزلتهم. # وقال بعضهم: (لسان صدق عليا) هم أولادهم الذين جعلهم أنبياء ورسلا يذكرون ~~ويعظون من بعدهم؛ لأن جميع الأنبياء والرسل كانوا من نسل إبراهيم من لدنه ~~إلى لدن محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فهم كانوا لسان صدق عليا، حيث يذكرون ~~بكل خير وبكل بركة ويمن. # وقال بعضهم: (لسان صدق عليا) هو ما آمن جميع أهل الأديان به - أعني: ~~بإبراهيم - ودانوا به جميعا، وعلى ذلك يخرج تخصيص إبراهيم وآله بالصلاة ~~وبالبركة # PageV07P241 # عليهم والثناء على قول قوم حيث قالوا: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ". # * * * # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب ms2810 موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) ~~وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه ~~هارون نبيا (53) # وقوله - عز وجل -: (واذكر في الكتاب موسى): هو ما ذكرنا في قوله: (واذكر ~~في الكتاب إبراهيم)، و (واذكر في الكتاب مريم) - على قول الحسن - صلة قوله: ~~(ذكر رحمت ربك عبده زكريا) أي: اذكر رحمة ربك موسى. # وعلى قول غيره من أهل التأويل، أي: اذكر لهم نبأ موسى وقصته في الكتاب، ~~وهو ما ذكرنا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان مخلصا)، و (مخلصا)، وقد قرئ بالنصب والخفض ~~جميعا: # قال بعضهم: (مخلصا): أخلصه الله واصطفاه واختاره لرسالته ونبوته. # وقوله: (مخلصا) بالخفض، أي: أخلص عبادته وتوحيده له. # وقوله - عز وجل -: (وكان رسولا نبيا). # قال بعضهم: الرسول هو الذي ينبئ ويخبر عن التأويل. # وقال بعضهم: الرسول هو الذي ينزل عليه الوحي والكتاب، والنبي هو الذي ~~ينبئ لا عن لسان، وأصل النبي هو الذي ينبئ عن كل خير وبركة، وسمي: نبيا، ~~لاجتماع خصال فيه، كالصديق لا يسمى إلا بعد اجتماع كل خصال الخير والبركة ~~ما لو انفرد بكل خصلة من تلك الخصال سمي: صادقا، فإذا اجتمع ذلك سمي: ~~صديقا، فعلى ذلك النبي سمي نبيا لاجتماع خصال فيه، وهو ما روي في الخبر: " ~~الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة " والسمت الحسن جزء من ~~خمسة وعشرين جزءا من النبوة " # PageV07P242 # فهذا يدل أن النبي إنما سمي: نبيا؛ لاجتماع خصال الخير والبركة فيه، كما ~~ذكرنا في الصديق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) فإن ~~كان الأيمن من اليمن والبركة، فيكون تأويله: وناديناه من جانب الطور ~~المبارك واليمن، وكذلك روي في الخبر أن موسى - عليه السلام - قال: " أتاني ~~من جبل طور سيناء، واطلع من جبل ساعورا، وظهر من جبل فاران "، ومعناه: ~~أتانى وحي ربي من جبل طور سيناء، " واطلع من جبل ساعورا "، أي: أتى وحي ~~عيسى من جبل ساعورا، وأتى وحي محمد في جبل فاران؛ فهو على اليمن: يمن ms2811 الجبل ~~وبركته. # وقال بعضهم: هو يمين الجبل. # وقال بعضهم: يمين موسى. # قال أبو بكر الأصم: هذا لا يعلم إلا بالخبر، ولا نفسره أنه ماذا أراد به؟ ~~مخافة التغيير؛ لأنه ذكر في موضع الاحتجاج عليهم، فإن زادوا أو نقصوا عما ~~في كتبهم يبطل الاحتجاج به عليهم. # وقوله - عز وجل -: (وقربناه نجيا). # قال أهل التأويل: هو تقريب بالمكان، ولكن عندنا هو تقريب المنزلة والقدر ~~والفضل، هذا معروف، وهو أسلم، (نجيا) من المناجاة، أي: ناجاه من حيث لم ~~يطلع على ذلك غيرهما، وسمي موسى بهذا؛ لأنه أخلص نفسه لله وسلمها له، ولذلك ~~سمي المصلي -أيضا-: مناجيا ربه على ما روي في الخبر " انظر من تناجي " حيث ~~فرغ نفسه # PageV07P243 # عن جميع الأشغال وسلمها إليه فسمي لذلك مناجيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) هو ما ~~ذكرنا فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا ~~نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر ~~في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا (58) # وقوله - عز وجل -: (واذكر في الكتاب إسماعيل). # على قول الحسن هو صلة قوله: (ذكر رحمت ربك عبده زكريا) أي: اذكر لهم رحمة ~~ربك إسماعيل. # وعلى قول غيره من أهل التأويل على الابتداء، أي: اذكر لهم نبأ إسماعيل ~~وقصته في الكتاب على الاحتجاج له عليهم؛ لأن هذه الأنباء والقصص كانت في ~~كتبهم، فأخبر رسوله عن تلك الأنباء والقصص على ما كانت؛ ليخبرهم؛ فيعلموا ~~أنه إنما عرفها بالله؛ ليدلهم ذلك على النبوة ورسالته. # ثم اختلف في إسماعيل: قال عامة أهل التأويل: هو إسماعيل بن إبراهيم، ~~صلوات الله عليهما. # وقال بعضهم: هو الذي قالوا: (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله)، ولكن لا ~~نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله، وليس لنا ms2812 إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان صادق الوعد): # قال عامة أهل التأويل: سماه: (صادق الوعد)؛ لأنه وعد رجلا أن يقيم عليه ~~وأن ينتظره حتى يرجع إليه، فأقام مكانه أياما ينتظره للميعاد حتى رجع إليه. # لكن لا يحتمل أن يكون مثل إسماعيل يعد عدة ولا يستثني، وقد نهى الله ~~رسوله أن يقول: إني فاعل كذا غدا حتى يستثني، وهو قوله: (ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا (23) # إلا أن يشاء الله)، ويكون قوله: (صادق الوعد)، أي: صديقا، والصديق هو ~~القائم بوفاء كل حق ظهر له؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه طاعة ربه في ~~كل أمر يأمر به والانتهاء عن كل نهى ينهاه، ووفاء كل حق عليه، فسماه: صادق ~~الوعد؛ لقيامه # PageV07P244 # بوفاء كل حق ظهر له وتجلى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان رسولا نبيا) قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ~~(55) أي: يأمر قومه بالصلاة والزكاة، وإن كانت الصلاة هي الصلاة المعروفة ~~والزكاة المعروفة، ففيه أنهما كانتا في الأمم الماضية، وإن كان الدعاء ~~والثناء وما به تزكو الأنفس وتصلح، فهو على جميع الخلائق، ذلك والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان عند ربه مرضيا) ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (واذكر في الكتاب إدريس ... (56) هو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل: (إنه كان صديقا نبيا) قد ذكرناه أيضا. # وقوله - عز وجل -: (ورفعناه مكانا عليا (57) قال الحسن: " رفعناه "، أي: ~~نرفعه في الجنة. # وقال أهل التأويل: رفعه إلى السماء الرابعة، فهو ميت فيها، وكلام نحو ~~هذا. # ولكن عندنا: يشبه أن يكون رفعه إياه في المنزلة والقدر والرفعة عند الله ~~وعند الناس جميعا، على ما ذكرنا في قوله: (وجعلنا لهم لسان صدق عليا). # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ... (58) أي: ~~بالنبوة أو الرحمة التي ذكر فيما تقدم، والرحمة: هي النعمة؛ فهذا يرد قول ~~أهل الاعتزال؛ لأنهم يقولون: لا يخص الله أحدا بالنبوة أو بشيء من الإفضال ~~إلا من يستحق ذلك ويستوجبه، فأخبر ms2813 الله - عز وجل - أن ذلك منه إنعام وإفضال ~~عليهم. # (من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ~~وممن هدينا واجتبينا): # الأنبياء كانوا من ذرية آدم، ومن ذرية من حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم ~~أيضا، ومن ذرية إسرائيل - أي: يعقوب - ومن ذرية من هداه للتوحيد واجتباه ~~للرسالة والنبوة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا): # قال بعض أهل التأويل: هذا في مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه ~~إذا # PageV07P245 # تتلى عليهم آيات القرآن بعدما آمنوا (خروا سجدا وبكيا). # ويشبه أن يكون هذا في أولئك الذين ذكر أنه أنعم عليهم كانت لهم آيات في ~~كتبهم فيها سجود إذا تليت عليهم خروا لله سجدا وبكيا. # أو أن يكون لا على حقيقة السجود، ولكن على الخضوع له والقبول لحججه ~~وبراهينه التي تليت عليهم، أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات ~~الله وسلطانه، ولكن وقعوا سجدا على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم ~~الآيات، حيث قال: (فألقي السحرة سجدا)، (فألقي السحرة ساجدين)، ليس أن ~~سجدوا له، ولكن يلقون سجدا لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات. # قال أبو عوسجة: (وبكيا)، فيه ثلاث لغات: بكيا، وبكيا، وبكيا، وهو جماعة ~~الباكي. # وقوله: (نجيا) يقال: فلان نجئ فلان، أي: موضع أسره. # ويحتمل قوله: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا): أن يكون ~~كناية عن الصلاة، وصفهم - عز وجل - أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين ~~باكين. # قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) ~~لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة ~~التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات ms2814 والأرض ~~وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) # ثم قال: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)، أي: خلف من ~~بعد أولئك الذين وصفهم - عز وجل - بالصلاة لله، والخشوع لله فيها، والبكاء، ~~(خلف أضاعوا الصلاة)، أي: جعلوها لغير الله، وهي الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي إليه أولئك فقد أضاعوها؛ ~~لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله. # ويحتمل أن يكون قوله: (أضاعوا الصلاة)؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع؛ ~~لأنه روى في الخبر أنه قال: " سينقض عرى الإسلام عروة فعروة، أولها ~~الأمانة، وآخرها الصلاة ". # PageV07P246 # وقال بعض أهل التأويل: (أضاعوا الصلاة)، إضاعتها: تأخيرها عن مواقيتها، ~~لا أن تركوها أصلا، فهذا في أهل الإسلام إن ثبت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا الشهوات)، أي: آثروا الشهوات على العبادات، ~~وجعلوا الشهوات هي المعتمدة دون العبادات. # وقوله - عز وجل -: (فسوف يلقون غيا): # قال بعضهم: الغي: واد في جهنم، لكن هذا لا يجوز أن يقال إلا بالخبر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: واد في جهنم. # وقال بعضهم: الغي: العذاب. # وقال بعضهم: الغي: الشر. # وجائز أن يكون سمى جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا بالغواية باسم ~~أعمالهم: غيا، ويجوز تسمية الجزاء باسم سببه، كقوله: (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها)، ونحوه. # ثم استثنى فقال: (إلا من تاب ... (60) عن الشرك (وآمن) بالله (وعمل ~~صالحا). # وقوله - عز وجل -: (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا)، يشبه أن يكون ~~قوله: (ولا يظلمون شيئا)، أي: لا ينقصون من حسناتهم التي عملوها في حال ~~إيمانهم لمكان ما عملوا من الأعمال في حال كفرهم، بل يبدل سيئاتهم حسنات ~~على ما أخبر تعالى: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)، وقال في آية أخرى: ~~(إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، أخبر أنهم إذا آمنوا وانتهوا عن الشرك لا ~~يؤاخذهم بما كان منهم في حال كفرهم، والله أعلم. # ثم بين أية جنة، فقال: (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان ms2815 ~~وعده مأتيا (61) ثم يحتمل إيمانهم بالغيب، أي: بالله آمنوا به بالخبر وإن ~~لم يروه، ويحتمل الغيب: الجنة، أي: صدقوا بها وإن لم يروها والنار والبعث ~~بالغيب. # PageV07P247 # وقوله - عز وجل -: (إنه كان وعده مأتيا) أي: كان موعوده آتيا، ولكن ذكر ~~(مأتيا)؛ لأن كل من أتاك فقد أتيته، فسمي لذلك (مأتيا). # وقوله - عز وجل -: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ... (62) وقال في موضع ~~آخر: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26)، أي: ~~لا يسمعون باطلا، ولا ما يكره بعضهم من بعض، ولا ما يأثم بعضهم بعضا إلا ~~سلاما، والسلام كأنه اسم كل خير وبركة. # وقوله - عز وجل -: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا). # قال الحسن: إن أطيب العيش وأحبه إلى العرب الغداء والعشاء، فأخبرهم الله ~~- عز وجل - أن لهم في الجنة الغداء والعشاء، وأطيب العيش إلى العجم لباس ~~الحرير واللؤلؤ، فأعلمهم أن لهم في الجنة ذلك بقوله: (يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير). # ويقول أهل التأويل: ليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولا ليل ولا نهار، ولكن ~~يؤتون على ما يحبون من البكرة والعشي. # عن ابن عباس قال: على مقادير الليل والنهار. # ويشبه أن يكون قوله: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) ليس على تخصيص وقت دون ~~وقت، ولكن الأوقات كلها في كل وقت يحبون ويشتهون، كقوله: (وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس)، (وفاكهة مما يتخيرون). # ويخرج ذكر البكرة والعشي: أن زمان الجنة يكون مشبها البكرة من وقت طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس ومثل الوقت الذي يكون بعد غروب الشمس إلى أن يظلم؛ ~~لأنه أخبر أن ظله ممدود بقوله: (وظل ممدود). # ثم أخبر أن تلك الجنة التي ذكر أن فيها كذا هي (التي نورث من عبادنا من ~~كان تقيا (63) يحتمل أن يكون وعد الجنة للبشر كلهم بشرائط شرط عليهم، إن ~~وفوا بها فلهم الجنة جميعا، وإن لم يفوا بها فلا، فمن وفى بشرائطه التي شرط ~~يجعل الذي كان وعد للذي لم يف - إذا وفى - للذي وفي بذلك، فهو الميراث ms2816 الذي ~~ذكر، وعلى ذلك يخرج قوله: # PageV07P248 # (أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس. . .) الآية، والوارث هو ~~الباقي من المورث والخلف عن الميت. # وقوله: (فخلف من بعدهم خلف): # قال بعضهم: الخلف - بالجزم - يستعمل في موضع الذم، والخلف بالتحريك ~~والنصب في موضع الحمد. # وقال بعضهم: هما سواء، ويستعملان جميعا في موضع واحد. # وقوله - عز وجل -: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا ~~وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) # هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول ~~جبريل عليه، فعند ذلك قال له: إنا لا نتنزل إلا بأمر ربك. # ثم فيه أنه لم يقل ذلك له إلا بأمر الله؛ لأن الله أخبر أنهم: (لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون): فلا يحتمل أن يقول له ذلك من تلقاء ~~نفسه؛ فيجعل ذلك آية في كتاب الله تتلى. # قوله - عز وجل -: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). # كان هذا الكلام موصول بقوله: (وما نتنزل إلا بأمر ربك)؛ لأنهما جميعا ~~كانا يعلمان أن له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك؛ فدل ذلك أنه موصول ~~بالأول، وجهة الصلة بالأول هو أن يقال: (وما نتنزل إلا بأمر ربك)، لا نتقدم ~~إلا بأمره، ولا نتأخر ولا نعمل شيئا إلا بأمره، وهو كقوله: (لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله). # وأما غيره من أهل التأويل اختلفوا فيه: # قال بعضهم: قوله: (له ما بين أيدينا): هو الآخرة، (وما خلفنا): ما مضى من ~~الدنيا، (وما بين ذلك): الحال التي نحن فيها. # وقال بعضهم: قوله: (له ما بين أيدينا): الدنيا، (وما خلفنا): الآخرة، ~~(وما بين ذلك): ما بين النفختين، وأمثال هذا، لكن الذي ذكرنا بدءا أولى ~~وأشبه؛ إذ هو على الصلة بالأول؛ إذ لا يتقدم ولا يتأخر ولا يعمل شيئا إلا ~~بأمره، والله أعلم. # PageV07P249 # وقوله - عز وجل -: (وما كان ربك نسيا). # هذا يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إن جبريل قد كان احتبس عنه زمانا، ms2817 فقال ~~أهل مكة: قد ودعه ربه وقلاه؛ فنزل: (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ~~ربك وما قلى (3). على ما قال المشركون، فيخرج على هذا قوله: (وما كان ربك ~~نسيا) على الترك، أي: ما كان ربك تركك لما قال أولئك من التوديع والقلى. # ويحتمل: (وما كان ربك نسيا) كملوك الأرض يطلب خدمهم وخولهم وقت سهوهم ~~وحالة غفلتهم، فيقضون حوائجهم وحوائج من يطلب منهم القيام بها، أي: ما كان ~~ربك بالذي يسهو ويغفل كملوك الأرض. # والثالث: (وما كان ربك نسيا) بتأخير نزوله عن وقت النزول، بل أنزل عليك ~~في الوقت الذي هو وقت النزول. # فهذان الوجهان يخرجان على السهو والغفلة، والأول على الترك. # وقوله - عز وجل -: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ~~هل تعلم له سميا (65) # أي: اصبر نفسك عليها وعلى طاعته. # وقوله - عز وجل -: (هل تعلم له سميا)، أي: ما تعلم له شريكا تشتغل ~~بعبادته عن عبادة الله، إنما هو إله واحد، لا راحة لك عن عبادته ولا ما ~~يشغلك عنه. # وقال بعض أهل التأويل: هل تعلم أحدا اسمه: (الله) سواه؟! # وقال بعضهم: هل تعلم له مثلا وشبيها؟! # * * * # قوله تعالى: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها ~~كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ~~(72) # وقوله - عز وجل -: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا). # PageV07P250 # هذا الكلام يخرج على وجهين: # أحدهما: على إنكار البعث: (لسوف أخرج حيا) أي: ما أخرج حيا. # والثاني: على التهزؤ والهزء، جواب ما قال لهم أهل الإسلام: إنكم تبعثون ~~وتحيون، فقالوا عند ذلك: ذلك على التهزؤ بهم والسخرية. # ثم ذكرهم بدء حالهم حيث لم يكونوا شيئا فخلقهم فقال: (أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ms2818 (67) فإن قدر على خلقه في الابتداء ولم يك ~~شيئا كان على إحيائه وبعثه بعدما كان شيئا أقدر. # ثم أقسم أنهم يبعثون فقال: (فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا (68) أي: لنجعلهم والشياطين الذين أضلوهم، كقوله: (احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا): # قال بعضهم: (جثيا): جماعات، كقوله: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا). # وقال بعضهم: (جثيا) وعلى الركب؛ لأن أقدامهم لا تحمل؛ لشدة هول ذلك ~~اليوم. # وقوله - عز وجل -: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) # قال بعضهم: الشيعة: الصنف، أي: من كل صنف، والشيعة: الأتباع، كقوله: (هذا ~~من شيعته وهذا من عدوه)، أي: من أتباعه. # وقوله - عز وجل -: (أيهم أشد على الرحمن عتيا)، أي: تمردا وعنادا، ~~والعاتي: هو القاسي المتمرد في عتوه. # وقوله - عز وجل -: (ثم لننزعن)، أي: لنخرجن، أي: نبدأ بهم من كان منهم ~~أشد على الرحمن تمردا وعنادا وهم القادة والرؤساء منهم، فيقذفون في النار ~~أولا، ثم الأمثل فالأمثل على المراتب التي كانوا في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) أي: أعلم ~~بمن أولى بها # PageV07P251 # صليا، أي: يصلي بالنار، وهم القادة والكفرة. # وقوله: (يلقون غيا) قال أبو عوسجة: الغي: الشر، (جثيا)، قال: جماعات، # والجاثي: هو الراكب على ركبتيه، والشيعة: الصنف من الناس. # وقال القتبي: (جثيا): جمع جاث، وفي التفسير: جماعات. # وقال قتادة في قوله: (هل تعلم له سميا) قال: لا سمي لله ولا عدل ولا مثل، ~~كل خلقه يقر له ويعرفه ويعلم أنه خالقه. # وقال بعضهم: لا يسمى أحد باسمه، يعني: بالله. # وقال بعضهم: بالرحمن. # وقوله - عز وجل -: (وإن منكم إلا واردها ... (71) # اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في الكفرة خاصة، واستدل بأول الآية بقوله: ~~(فوربك لنحشرنهم والشياطين) إلى آخر ما ذكر، والمؤمنون لا يحشرون مع ~~الشياطين، ولكن إنما يحشر الكفار مع الشياطين، كقوله: (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله)، ويكون قوله: ms2819 (ثم ننجي الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) على ابتداء منع الورود عليها والنجاة منها. # وقال بعضهم: الآية في المؤمنين والكافرين جميعا، لكن اختلف في الورود: # فقال بعضهم: الورود: الحضور دون الدخول؛ لأن الله - عز وجل - أخبر أن من ~~أدخل النار فقد أخزاه بقوله: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته). # وقال بعضهم: الورود: الدخول فيها، واستدل بقوله: (إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون)، وبقوله: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار. . .) الآية، يقول: يدخل الفريقان جميعا فيها، لكنها تصير جامدة ~~وبردا على المؤمنين على ما صارت بردا وسلاما على إبراهيم، ثم تصير # PageV07P252 # حارة محرقة للكفار والظلمة. # قال الحسن: لا يحتمل أن يدخل أهل الإيمان النار؛ لأن الله - عز وجل - آمن ~~المؤمنين أن يكون عليهم خوف أو حزن بقوله: (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ~~فلو كانوا يدخلون النار، لكان لهم خوف وحزن، وقد أخبر أن (لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون) دل أنهم لا يدخلونها. # وجائز أن يكونوا واردين جميعا، داخلين فيها، لا دخول تعذيب فيها وعقاب؛ ~~لأنه ذكر أن ممرهم جميعا على الصراط لجهنم كالسطح للدار؛ كمن حلف ألا يدخل ~~دارا فتسور بسورها أو صعد سطحا من سطوحها حنث ويصير داخلا فيها؛ فعلى ذلك ~~جائز أنهم إذا مروا على الصراط نجا أهل الإيمان فمروا به، وتزل أقدام ~~الكفار فيها؛ فبقوا فيها، فكان الفريقان يوصفان بالدخول على الوجه الذي ~~وصفنا. # وقال بعضهم: ورود المسلمين: المرور بهم على الجسر بين أظهرها، وورود ~~المشركين: أن يدخلوها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الزالون ~~والزالات " وما ذكر الحسن أنه من المرسلين ألا يكون عليهم خوف ولا حزن، ~~فجائز أن يكون الله يدخلهم فيها على غير جهة العقوبة فلا يكون لهم خوف ولا ~~حزن، ألا ترى أنه أخبر أنه جعل الملائكة أصحاب النار بقوله: (وما جعلنا ~~أصحاب النار إلا ملائكة)، ثم لا يكون لهم خوف ولا حزن وهم ممن أوعدوا بها ~~إذا خالفوا أمر الله وعصوه بقوله: (ومن يقل ms2820 منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم. . .) الآية؛ ألا ترى أنه أخبر أن أهل الجنة يطلعون على أهل ~~النار ثم لا يخافون ولا يحزنون بقوله: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) وهم في ~~الدنيا إذا اطلعوا عليها لا شك أنهم يخافون ويحزنون ويسوءهم ذلك أشد الخوف ~~ثم في الآخرة لا، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يردونها ويدخلونها ولا يخيفهم ~~ذلك ولا يحزنهم ولا يسوءهم، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (كان على ربك حتما مقضيا) أي: قضاء واجبا، (ثم ننجي ~~الذين اتقوا ... (72) الشرك والفواحش (ونذر الظالمين فيها جثيا) على ركبهم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن ~~أثاثا ورئيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له # PageV07P253 # الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من ~~هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) # وقوله - عز وجل -: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... (73) قد ذكرناه. ~~وقوله - عز وجل -: (قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا): كأن هذا القول من الكفرة خرج جواب ما احتج عليهم أهل الإيمان ~~بالآيات التي ذكروا حجاجا عليهم، فيقولون: إنكم تقولون: إن الدنيا والآخرة ~~لله، فقد وسع علينا الدنيا وضيق عليكم، فعلى ذلك يوسع الآخرة علينا ويضيق ~~عليكم كما فعل في الدنيا؛ إذ لا يجوز أن يوالينا في الدنيا ويعادينا في ~~الآخرة، وعلى هذا قولهم: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، فظنوا ~~أنه لما وسع عليهم وأحسن بهم الندى والمجلس كذلك يكونون في الآخرة، فأكذبهم ~~الله، ورد عليهم ذلك فقال: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا ~~(74) أخبرهم بما عرفوا هم أنهم كانوا أهل السعة والزينة، ثم أهلكوا ~~بتكذيبهم الرسل وعصيانهم ربهم، فلو كان ما ذكر هؤلاء الكفرة لكانوا لا ~~يهلكون؛ فيلزمهم بما ذكر أن من وسع عليه الدنيا ms2821 وضيق عليه الآخرة إنما يكون ~~بحق المحنة، لا بحق المنزلة والقدر، وأما الثواب والجزاء فهو بحق القدر ~~والمنزلة والخذلان. # وقوله - عز وجل -: (أثاثا) قيل: المتاع والمال، (ورئيا) أي: منظرا. # وقوله - عز وجل -: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ... (75) ~~أي: خيرا وسعة في الدنيا، (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب) هو العذاب ~~والهلاك الذي وعدهم رسول الله في الدنيا، (وإما الساعة) القيامة. # وقوله - عز وجل -: (فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا): # هذا يدل أن قولهم: (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) أرادوا: الخدم ~~والحواشي، حيث قال: (وأضعف جندا). # قال أبو عوسجة: (حتما مقضيا) أي: واجبا، (نديا) أي: مجلسا، وأندية: جمع، ~~والأثاث: المتاع، (ورئيا) ومنظرا، (ونمد له) أي: نطيل عذابه. # وقال القتبي: (نديا) مجلسا، يقال للمجلس: ندي وناد، ومنه قيل: دار الندوة ~~التي كان المشركون يجلسون ويتشاورون بها في رسول الله، والأثاث: المتاع، ~~والرئي: المنظر، والبشارة، والهيئة. # PageV07P254 # وقوله: (فليمدد له الرحمن مدا)، أي: يمد له في ضلالته، (ونرثه ما يقول)، ~~أي: نرثه المال والولد الذي قال: (لأوتين). # وقوله: (ويأتينا فردا) لا شيء معه. # وقوله - عز وجل -: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ... (76) # جميع ما ذكر الله - عز وجل - من زيادة الهداية وابتداء الهداية فهو إنما ~~يزيد له الهداية ويهديه ابتداء إذا كان من العبد رغبة في ذلك وبغية وطلب، ~~وإذا كان مهتديا يزيد له الثبات على ما كان عليه في وقت رغبته وطلبه منه. # أو إن لم يكن مهتديا يهده ابتداء هداية في وقت رغبته وقبوله، على هذا ~~يخرج عندنا ما ذكر بحق الزيادة أو بحق الابتداء. # ويحتمل قوله: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)، أي: يوفقهم - إذا اهتدوا ~~وعرفوا وحدانية الله - لأنواع الخيرات والطاعات. # وقالت المعتزلة: البيان، وهي هداية عامة، والهداية الثانية شرح الصدر لها ~~والتوفيق، وهي هداية خاصة تكون في وقت ثان بحق الثواب، فعلى زعمهم يجيء ألا ~~يكفر أحد بعد ما هداه الله مرة أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا اهتدوا وقبلوا ~~هدايته مرة، يوفقه ويشرح صدره في ms2822 الوقت الثاني، فهو أبدا يكون على الهداية ~~والإيمان، فإذا وجد عن كثير ممن اهتدوا مرة الكفر من بعد، دل أن تأويلهم ~~فاسد، وأن التأويل ما ذكرنا نحن: أنه يزيد لهم الهداية وقت رغبتهها وطلبهم ~~الهداية إن كان بحق الزيادة: أو بحق الابتداء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا). # يحتمل (والباقيات): الأمور الباقيات التي لها البقاء، أي: ما يبقى لكم ~~عند الله خير مما يبطل؛ لأن الله تعالى وصف الحق والخير بالبقاء والمكث، ~~ووصف الباطل بالذهاب والتلاشى بقوله: (فأما الزبد. . .) الآية، وقال في ~~آية: (مثلا كلمة طيبة. . .) الآية، وقال: (ومثل كلمة خبيثة. . .) الآية: ~~وقال في آية: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) أي: ذاهبا. # فيشبه أن يكون قوله: (والباقيات الصالحات خير)، أي: الأعمال التي لها ~~البقاء خير لكم عند الله ثوابا من التي ليس لها البقاء. # ويحتمل (والباقيات)، أي: ما أبقى الله لكم في الآخرة من الثواب خير لكم ~~مما أعطى لكم في الدنيا؛ لأن هذا فان وذاك باق، والله أعلم. # * * * # PageV07P255 # قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع ~~الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ~~مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد ~~لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) # وقوله - عز وجل -: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا). # قال بعضهم: هذا القول قاله العاص بن وائل السهمي لما حاجه أهل الإيمان في ~~أمر الآخرة أنها لهم دون الكفرة، فقال لهم عند ذلك: (لأوتين مالا) في ~~الآخرة إن كان ما تقولون أنتم حقا، إنما نبعث ونحيا كما أوتيت في هذه ~~الدنيا. # وقال الحسن: قائل هذا القول هو ms2823 الوليد بن المغيرة وهو ما قال تعالى: ~~(ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15). وكان يطمع أن أزيد له في ~~الدنيا أبدا، فقال: (كلا) ردا على ذلك، وقال هاهنا: (أطلع الغيب ... (78) ~~أنه يكون له في الآخرة ذلك على التأويل الأول، أو في الدنيا في وقت آخر؛ ~~ذلك على تأويل الحسن، (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) ردا على ما ادعوا (سنكتب ~~ما يقول ... (79) أي: سنحفظ. # (ونمد له من العذاب مدا): # قال بعضهم: قوله: (ونمد له) أي: نزيد له من العذاب في كل يوم، كقوله: ~~(فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا)، وقال بعضهم: (ونمد له من العذاب مدا)، أي: ~~نعذب بلا انقطاع له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونرثه ما يقول ... (80) قال بعضهم: أي: نرثه المال ~~والولد الذي # PageV07P256 # قال: (لأوتين) أي: لله ما يقول بأنه له من المال وغيره لا له. # وقال بعضهم: قوله: (ونرثه): أنه يعطى في الجنة ما يعطى المؤمنون فنرثه ~~عنه ونعطيه غيره، وجائز إضافة الوراثة إليه على إرادة أوليائه، أي: يرثه ~~ذلك أولياؤه. # وقوله - عز وجل -: (ويأتينا فردا) في الآخرة لا شيء معه ولا أهل، كقوله: ~~(ولقد جئتمونا فرادى). # ويحتمل قوله: (ويأتينا فردا) في الدنيا في وقت لا شيء معه ولا أهل ولا ~~ولد، على تأويل من يقول في قوله: (لأوتين مالا وولدا): في الدنيا، والله ~~أعلم. # ثم اختلف أهل التأويل في العهد الذي ذكر: أن له عند الله: قال بعضهم: ~~شهادة أن لا إله إلا الله في الدنيا. # وقال بعضهم: قدم عملا صالحا. # وقال بعضهم: الصلاة، وهو قول مقاتل. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: " اتخذوا عند الرحمن عهدا؛ فإن الله ~~يقول يوم القيامة: من كان له عندي عهد فليقم "، فقيل: كيف هو؟ قال: " اللهم ~~فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة ~~الدنيا أنك لا تكلف إلي بعمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا ~~أثق إلا برحمتك، فاجعله لي عندك ms2824 عهدا تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف ~~الميعاد ". ويرفع ابن مسعود هذا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والأول أشبه إن ثبت الخبر. # وقوله - عز وجل -: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا). # فإن كان على حقيقة العز، فهو في القادة منهم والمتبوعين الذين عبدوا تلك ~~الأصنام والأوثان؛ ليتعززوا بذلك، ولا يذلون، وتدوم لهم الرياسة التي كانت ~~لهم في الدنيا، فظنوا أنهم إن آمنوا تذهب تلك الرياسة والمأكلة عنهم. # ويحتمل قوله: (ليكونوا لهم عزا) أي: نصرا ومنعة، فإن كان هذا فهو في ~~الرؤساء منهم والأتباع في الدنيا والآخرة: # أما ما طمعوا بعبادتهم الأصنام النصر في الآخرة، وهو كقولهم: (ما نعبدهم ~~إلا # PageV07P257 # ليقربونا إلى الله زلفى) و (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)؛ طمعوا بعبادتهم ~~النصر والشفاعة في الآحزة. # وأما في الدنيا ظنوا أن آلهتهم التي عبدوها ينصرونهم في الدنيا، حيث ~~قالوا: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)، فكيفما كان فقد رد الله ~~عليهم ما طمعوا منها - عزا كان أو نصرا - بقوله: (كلا)؛ لأنهم أذلوا أنفسهم ~~لخشب، وحنوا ظهورهم لها، فكفى بذلك ذلا وصغارا. # وقوله - عز وجل -: (سيكفرون بعبادتهم ... (82) # قال الحسن: سجكفر عباد الأصنام في الدنيا بمن عبدوه في الآخرة أنهم ما ~~كفروا وما عبدوها، كقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما ~~كنا مشركين)، ينكرون في الآخرة أن يكونوا أشركوا معه غيره أو عبدوا دونه. # وقال غيره من أهل التأويل: سيكفر المعبودون بالعابدين لهم، ويتبرءون ~~منهم، وهو كقوله: (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون)، وقوله: (فألقوا ~~إليهم القول إنكم لكاذبون) ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (ويكونون عليهم ضدا): # قال بعضهم: (ضدا)، أي: عونا، وتأويل العون: هو أن يلقى تلك الأصنام معهم ~~في النار، فيحرقون فيها معهم، فيزداد لهم عذابا؛ فكانت على إحراقهم، وعلى ~~هذا يخرج. # وقول من يقول: الضد: البلاء، أي. يكونون بلاء عليهم على ما ذكرنا وهو ما ~~قال: (إنكم وما تعبدون. . .) الآية، فإذا صاروا حصبا كانوا بلاء وعونا على ~~إحراقهم. # وقال بعضهم: (ويكونون ms2825 عليهم ضدا): أي: قرناء في النار بعضهم بعضا، ويتبرأ ~~بعضهم من بعض، ويخاصم بعضهم بعضا، ويكذب بعضهم بعضا؛ فذلك كله ضد عليهم، ضد ~~ما طمعوا منها؛ لأنهم عبدوها في الدنيا رجاء أن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة ~~ونصراء، فكانوا لهم على ضد ذلك أعداء. # وقال ابن عباس: يكونون ضدا: أي: حسرة، وكله واحد. # PageV07P258 # وقوله - عز وجل -: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) # قال بعضهم: (أرسلنا): أي: سلطنا عليهم، كقوله: (إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه). # وقال بعضهم: (أرسلنا الشياطين): أي: قيضناهم بهم، كقوله: (ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا)، فهما في الحقيقة واحد؛ لأنه إذا أرسلهم اتصلوا ~~بهم، فإذا اتصلوا بهم قيضوا وقرنوا بعضهم ببعض. # وقال الحسن، وأبو بكر الأصم، وغيرهما: (أرسلنا الشياطين على الكافرين): ~~أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نمنعهم منهم على ما ذكر. # لكن لو كان تأويل الإرسال التخلية وتأويل القيض كذلك، لم يكن لتخصيص ~~الكفار بذلك معنى؛ إذ قد كان ذلك القدر من التخلية بينهم وبين المسلمين. # وإن كان تأويل التخلية: أنه لم يمنعهم عنهم، وخلى بينهم - فدل تخصيص ~~الكفار بهذا وأمثاله على أن ليس هو التخلية لا غير، وأن تخصيص هؤلاء بهذا ~~وأمثاله من قوله: (طبع الله على قلوبهم)، (وجعلنا على قلوبهم أكنة)، ونحوه، ~~وإن كان هنالك من الله معنى في الكفار ليس ذلك في المؤمنين، وفي المؤمنين ~~معنى ليس ذلك في الكافرين، وهو - والله أعلم - إذا علم في المؤمنين الرغبة ~~والإجابة، وفقهم على ذلك وهداهم، وإذا علم من الكفار خلاف ذلك وضده خذلهم ~~وأضلهم، فذلك تخصيصه إياهم بما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تؤزهم أزا): # قال بعضهم: تزعجهم إزعاجا. # وقال بعضهم: تشليهم إشلاء، وتغريهم إغراء. # وقال الحسن: تحركهم تحريكا. # وقال بعضهم: تقدمهم إقداما إلى الشر. # وقال بعضهم: توقعهم إيقاعا، ونحوه، وكله واحد. # وقوله - عز وجل -: (فلا تعجل عليهم ... (84) أي: لا تكافئهم على أذاهم ~~إياك، ولا # PageV07P259 # تعاقبهم، (إنما نعد لهم عدا) أي: أنفاسهم يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة ~~تنقضي آجالهم عن ms2826 قريب، فلا تكافئهم على ذاك وما يستقبلونك بالمكروه والسوء. # ثم وجه ما ذكر من إرسال الشياطين عليهم والتمكين لهم من الوسوسة في ~~الصدور، أعني: صدور المؤمنين، والنزغ في روعهم من غير أن يملكوا القهر ~~والقسر على ذلك، وما جعلهم بمحل لا نراهم نحن، وهم يروننا، على ما أخبر ~~(إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)، فهو - والله أعلم - أن من علم ~~بحضرته وقربه عدوا له يراقبه ويطلب الفرصة عليه يكون أحذر وأهيب له ممن لا ~~يعلم ذلك ولا كان بقربه وحضرته عدو، وعلى ذلك ما جعل الله - عز وجل - من ~~الحفظة والكرام الكاتبين - صلوات الله عليهم - على بني آدم، رقباء عليهم في ~~قليل ما يفعلون ويتفوهون وكثيره، وإن كان قادرا على حفظ ذلك عليهم والتذكير ~~لهم واحدا بعد واحد، شيئا على إثر شيء، وذلك لما ذكرنا أن من علم أن عليه ~~رقيبا يراقبه ويكتب عليه كل قليل وكثير كان أحذر وأهيب ممن لم يعلم ذلك على ~~نفسه رقيبا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) أي: الذين ~~اتقوا مخالفة أمر الله في كل ما لا يغلب عليهم؛ لأن المؤمن لا يرتكب ~~المعصية إلا لغلبة شهوة، أو لغلبة رجاء إلى مغفرة ربه ونحوه، أو توبة ~~يضمرها بعد ارتكابها، وعلى هذا يكون ارتكاب المؤمن مخالفة ربه. # وقوله: (إلى الرحمن) أي: إلى ما وعد لهم الرحمن من الثواب. # وقوله: (وفدا) الوفد في الشاهد: هم أهل الكرامة والمنزلة يبعثون لأمور، ~~فكأنه قال: إن المتقين يحشرون وهم مكرمون معظمون، ولهم منزلة عند الله ~~وقدر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) الوارد: هو طالب ~~الماء، والورد الجمع، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا طلاب ~~الماء، على ما قاله أهل التأويل. # والمجرم، قال أبو بكر الأصم: هو الوثاب في المعصية، وأصل الإجرام: ~~الاكتساب؛ ولهذا قال بعض الئاس في قوله: (ولا يجرمنكم شنآن قوم)، أي: ~~يكسبنكم، وأصله هو كسب الإثم. # وقوله: (ونسوق المجرمين) فيه أنهم إنما يساقون على ms2827 كره منهم؛ إذ ذكر في ~~الكافرين السوق وذكر في المؤمنين الجمع والحشر. # وقوله - عز وجل -: (لا يملكون الشفاعة ... (87) # الشفاعة، إنما تكون فيمن استوجب # PageV07P260 # العذاب والعقوبة، فأما من لا عقوبة عليه مغفور الذنب فإنه لا معنى لها ~~ولا فائدة، فهو يرد على المعتزلة مذهبهم: أن صاحب الكبيرة لا يغفر له، ~~وصاحب الصغيرة مغفور له، فالشفاعة التي ذكر لا تخلو إما أن تكون لأهل ~~الكبائر فيغفر لهم بالشفاعة، فيبطل قولهم، أو لأهل الصغائر وتعذيبهم، ~~فكيفما كان فهو يرد قولهم؛ إذ لا معنى لذكر الشفاعة في المغفورين. # وقالوا: إن الشفاعة في الشاهد أن يذكر نجابة الإنسان عند آخر ليعرف ~~محاسنه ومناقبه ليكون له منزلة وقدر عنده، لكن مثل هذا يجوز ممن يجهل ذلك ~~ولا يعرف بنفسه، فأما الله - سبحانه وتعالى - هو عالم بذاته، يعلم حال كل ~~أحد، فلا يحتمل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) قال بعضهم: شهادة أن لا ~~إله إلا الله. # وقال بعضهم: العمل الصالح. # وقال بعضهم: الصلاة على ما ذكرنا، وأصل العهد هو أن يشترط شروط الوفاء ~~حتى يفي بما شرط عليه وهو الوفاء بما أمر به ونهى عنه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا ~~(91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا (95) # وقوله - عز وجل -: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا): قال بعضهم: الآية في مشركي ~~العرب؛ لأنهم هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله، لكن أهل التأويل قالوا ~~أيضا: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)، فهو في ~~كل من قال ذلك. # ثم قوله: (لقد جئتم شيئا إدا (89) يخرج على الإضمار حين أخبر عنهم أنهم ~~(وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) أن قل لهم يا محمد: (لقد جئتم شيئا إدا) أي: ~~عظيما منكرا. # أو أن يكونوا لما قالوا ذلك أقبل ms2828 عليهم فقال لهم: لقد جئتم شيئا عظيما ~~منكرا، والله أعلم. # PageV07P261 # وقوله - عز وجل -: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91) قال بعضهم: مثل هذا إنما يقال على ~~المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل. # يقول الرجل لآخر: أظلمت الدنيا عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ونحوه، ~~على الإبلاغ في الضيق والشدة؛ فعلى ذلك هذا ذكر على الإبلاغ والنهاية في ~~العظيم من القول لما قالوا عنه سبحانه، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم لله ~~بما يعظم من المحسوسات في العقول، وهو ما ذكر من انفطار السماوات وانشقاق ~~الأرض وهذ الجبال، وهن أصلب الأشياء وأشدها؛ ليعرفوا عظم ما قالوا فيه، ~~وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من ~~الأشياء المشاهدات منها. # وجائز أن يكون ما ذكر من انشقاق الأرض وهذ الجبال وانفطار السماء على ~~حقيقة ما ذكر يكون فيها وإن لم يشاهد ذلك منها ولم يحس، كقوله: (فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا). # وقال قائلون: ذكر هذا في أهل السماوات فثبت أنهم يكونون كما ذكر بما ~~قالوا تعظيما لذلك وإنكارا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) أي: ما ينبغي له ~~ولد. (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) وفي الشاهد لا ~~أحد يتخذ الولد من عبيده، فكيف ينبغي لمن له ملك السماوات والأرض وكلهم ~~عبيده - أن يتخذ ولدا من عبيده. # (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا)، وأسباب الأولاد التي بها يتخذ الولد ~~ليست فيه؛ لأن في الشاهد إنما يتخذ الولد لثلاث، وقد ذكرناها في غير موضع، ~~فإن كان الله - سبحانه - يتعالى عن ذلك كله، لم ينبغ له أن يتخذ الولد. # وقال بعضهم في قوله: (إلا آتي الرحمن عبدا) في الآخرة، أي: كلهم يقرون ~~بالعبودية له يومئذ. # وقوله - عز وجل -: (لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) # يحتمل قوله: (أحصاهم وعدهم عدا) من عد أنفسهم وإحصائه، أي: لا يخفى عليه ~~شيء. # أو أن يكون على ms2829 الوعيد أن يحصي أقوالهم وأفعالهم بما سلط عليهم من ~~الملائكة ما يراقبون ذلك منهم، كقوله: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد)، وقوله: # PageV07P262 # (كراما كاتبين)، قال أبو عوسجة: الضد: الخصم، والإد السوق الشديد، وقوله: ~~(شيئا إدا)، أي: شديدا، والورد، أي: يوردهم إياها، أي: يدخلهم، وقال: ~~الورد: النصيب من الماء، وقوله: (هدا) أي: صوتا يهد، أي: يهدم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ~~فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ~~ودا). # يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: خاطب أهل مكة: إذا آمنتم وعملتم الأعمال الصالحات يرفع الله ما ~~بينكم من التباغض والتعادي، فيبدل سكانه المحبة والمودة، كقواله: (واذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، ~~أخبر أنهم صاروا بالإيمان إخوانا مؤلفة قلوبهم بنعمة من الله وفضله. # والثاني: (سيجعل لهم الرحمن ودا) في الجنة، أي: ينزع عنهم ما في قلوبهم ~~من غل وغش، كقوله: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين). # والثالث: (سيجعل لهم الرحمن ودا) في قلوب الأنبياء والأخيار وأصحاب ~~الدين؛ لأنهم إنما ينظرون إلى الإنسان لدينه ولخلوصه عمله لله وصفائه له لا ~~إلى الدنيا وما تحويه يده. # وجائز أن يكون على ما رويت الأخبار إن ثبتت: روي عن أبي هريرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أحب الله عبدا نادى قد أحببت فلانا فأحبوه ~~" وكذلك هذا في البغض. # وقال كعب: وجدت في التوراة: أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض حتى يكون ~~بدؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض، وكذلك قال ~~في البغض، ثم قال: وكذلك وجدت في القرآن، فقرأ هذه الآية (إن الذين آمنوا ~~وعملوا # PageV07P263 # الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا): يحتهم ويحببهم إلى المؤمنين في صدورهم، ~~فعلى هذا إن ثبت يجب ms2830 أن يخاف المرء على نفسه إذا رأى الناس يكرهونه أن يكون ~~ذلك من سوء عمله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما ~~لدا (97) # قال بعضهم: يسرنا تبليغ الرسالة على لسانه حتى بلغها إلى الفراعنة منهم ~~والأكابر الذين كانوا يقتلون من يخالفهم ويستقبلهم بغير الذي هم عليه قولا ~~وفعلا، ويعاقبون على ذلك، يسر ذلك عليه حتى بلغها إلى أمثال هؤلاء، وقدر ~~على ذلك من غير أن يقدروا على إهلاكه، حيث أخبر أنه عصمه منهم بقوله: ~~(والله يعصمك من الناس). # وقال بعضهم: يسره على لسانه حتى قدر على التكلم به والنطق؛ لأنه كلام رب ~~العالمين. # قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأنه أنزله بلسانه ولسان العرب، فلا ~~يحتمل ألا يقدروا على التكلم بلسانهم. # وقال قائلون: يسره على لسانه حيث جعله بحيث يحفظونه ويقرءونه عن ظهر ~~قلوبهم، ليس كسائر الكتب المتقدمة: أنهم كانوا لا يقدرون على حفظها ~~والقراءة عن ظهر القلب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا)؛ وقال في آية ~~أخرى: (إنما تنذر من اتبع الذكر)، وقال في آية أخرى: (لينذر الذين ظلموا ~~وبشرى للمحسنين). # مرة ذكر النذارة للناس جميعا، ومرة للذين ظلموا خاصة، ومرة للذين اتبعوا ~~الذكر، والأصل في النذارة والبشارة: أن البشارة إذا كانت خاصة لأحد، فهي له ~~على شرط الذوام على ذلك أبدا، وفيها النذارة له إن لم يدم، وكذلك النذارة ~~الخاصة لأحد لدوام ذلك ملتزما، فإن تاب ورجع عن ذلك فله فيها البشارة، على ~~هذا يكون البشارة الخاصة والنذارة الخاصة يكون في كل واحدة منهما أخرى، ~~وأما البشارة المطلقة فهي بشارة لا يكون فيها النذارة، وكذلك النذارة ~~المطلقة لا يكون فيها البشارة، على هذه الأقسام يخرج البشارة والنذارة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع ~~لهم ركزا (98) # يخؤف به أهل مكة بإهلاكه القرون الماضية في الدنيا بتكذيبهم الرسل؛ لئلا ~~يكذبوا # PageV07P264 # محمدا كما كذب أولئك الذين ms2831 من قبلهم فينزل بهم العذاب والهلاك كما أنزل ~~بأولئك، بقوله لنبيه: (هل تحس منهم من أحد)، أي: هل ترى وتبصر منهم أحدا، ~~أي: لا ترى ولا تبصر منهم أحدا (أو تسمع لهم ركزا)، قيل: صوتا، وقيل: ذكرا، ~~أي: لا يذكرون بعد هلاكهم إلا بسوء، يحذر أهل مكة؛ لئلا يكذبوا رسولهم كما ~~كذب الذين من قبلهم الرسل فيكونون كما كان أولئك وصاروا مثلهم. # قال القتبي: اللد: جمع ألد، وهو الخصم الجدل، والركز: الصوت الذي لا ~~يفهم. # وقال أبو عوسجة: الألد: هو شديد الخصومة (هل تحس): هل تراه (ركزا) أي: ~~ذكرا، والركز -أيضا- الصوت وقال: (هدا): صوتا إذا انهدمت. # وقال أبو معاذ: وللعرب في البشرى ثلاث لغات: بشرته بالتخفيف فأنا أبشره، ~~وبشرته بالتشديد فأنا مبشره وأبشرته فأنا مبشره والرجل مبشور ومبشر. # وقوله: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)، أي: وحده ليس معه من دنياه شيء. # وقال الحسن: (قوما لدا)، صما: صم آذان القلوب، وقال بعضهم: فجارا، وقيل: ~~عوجا عن الحق، وأصله ما تقدم ذكره، والله الموفق وبه نستعين. # * * * # PageV07P265 ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى ~~(3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) ~~له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر ~~بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # قوله - عز وجل -: (طه): # قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: (طه): يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: ~~بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من ~~أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير ~~موضع. # وقوله - عز وجل -: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) لا يحتمل أن يكون ~~هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبين السبب الذي به نزل ~~هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوها: # أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ~~(ما ms2832 أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: (فلا يخرجنكما ~~من الجنة فتشقى) أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: (إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى). # والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، ~~فقال أولئك الكفرة: إنه شقي؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئا من شهواتها ~~ولذاتها. # والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه ~~واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل ~~وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنه شقي؛ حيث ~~يخاطر بنفسه، فقال: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) على ما يقول أولئك، بل ~~أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: (والله يعصمك من الناس). أو ~~ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر # PageV07P266 # والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبين، ولا حاجة بنا إلا إلى معرفة ما ذكر، ~~وهو قوله: (إلا تذكرة لمن يخشى)، أي: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، بل ~~أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: (إنما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمن بالغيب). # وقوله - عز وجل -: (إلا تذكرة لمن يخشى (3) أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى. # ويحتمل قوله: (لمن يخشى): كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ~~الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه. # وقوله - عز وجل -: (تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، ~~وإنه مفتر، وإنه شاعر وإنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جوابا لقولهم: (تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى) وليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر ~~وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الرحمن على العرش استوى (5) # قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى ~~كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو ~~مجاوزته عنه أو إحاطته: # فإن كان الأول فهو ms2833 إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو ~~جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز أن يحيط به الأوقات؛ فيصير ~~متناهيا بذاته مقصرا عن خلقه. # وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضا، وفيه ما في ~~الأول. # ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى ~~التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم ~~من المقاعد شيئا. # وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، ~~وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك. # وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ~~ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة ~~على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه؛ حيث فيها ~~ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: (له ما في السماوات وما في الأرض وما ~~بينهما) وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء ~~كان من نور أو جوهر؛ لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: # PageV07P267 # أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته ~~وخلقه ما ذكر. # والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من ~~إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، ~~واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك ~~فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي. . .) الآية. بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ~~ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن ~~يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية ~~أكابر مجرميها). وقوله: (أمرنا منزفيها) على لحوق غير بهم، ويحتمل ms2834 أن يكون ~~على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول ~~شيئا، فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ~~(ما يكون من نجوى ثلاثة. . .) الآية، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى ~~المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى ~~عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) أي: ~~بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ~~(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ويملك كل شيء بقوله: (له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) وبقوله: (له ملك السماوات ~~والأرض)، ثم بعلوه وجلاله بقوله: (وفوق كل ذي علم عليم)، (وهو بكل شيء ~~عليم)، (وهو على كل شيء قدير)، فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم ~~أنه بكل ما سمى به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزه وشرفه ~~ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره. # وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى ~~سمي به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: # أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى. # والثاني: العلو والارتفاع، كقوله: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) ~~وقوله: (إذا استويتم عليه) أي: علوتم. # والثالث: التمام، كقوله: (ولما بلغ أشده واستوى)، أي: تم واستقر. # وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وجه أهل الأدب قوله: (ثم استوى إلى السماء) # PageV07P268 # بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلا أن يكون بالقصد، ~~وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله. # ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولي على ~~جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدل على الأمرين قوله: (وهو ~~رب العرش العظيم) بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ~~ما يحمل ويحف به الملائكة، والله ms2835 الموفق. # وأما على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله تعالى قال: (قل أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين. . .) الآية، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على ~~التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض. . .) إلى قوله: (ثم استوى) بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض ~~والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما ~~بينا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في ~~خلق البشر خاصة بقوله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا. . .) الآية، ~~وقوله: (لكم ما في السماوات)، ونحوه. # وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق ~~لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون. . .) الآية لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله ~~إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق. # والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: (ليس كمثله شيء) فنفى عن ~~نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول ب ~~(الرحمن على العرش استوى) على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما ~~أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتا وفعلا، لم يجز ~~أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ~~ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن. # وفي قوله: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) ~~الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا. # وفي قوله: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) الوصف له بالعلم في ~~الغيب والسر والعلانية جميعا؛ ليكونوا أبدا على حذر وخوف ويقظة في جميع ~~أفعالهم وأقوالهم، وفي # PageV07P269 # الأول؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى ~~غيره. # ثم اختلف في قوله: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) # قال بعضهم: (السر): ما أسررت ms2836 به إلى غيرك، (وأخفى): ما أضمرته وأكننته في ~~نفسك، لم تسره إلى أحد. # قال قائلون: (السر): ما أسررت به وحدثت به نفسك، (وأخفى): ما علم الله ~~أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به. # وقال قائلون: (السر): ما أسره في نفسه، (وأخفى): ما خطر في قلبه، وهو لا ~~يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: (وإن تجهر بالقول) كأنه يقول: وإن تجهر ~~بالقول أو تسر (فإنه يعلم السر وأخفى)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # قال أبو بكر الأصم: أي: من وحد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ~~ذكرناه فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي ~~يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا ~~اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) ~~فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا ~~موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ~~(18) قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا ~~تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء ~~آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) # وقوله - عز وجل -: (وهل أتاك حديث موسى (9) إذ رأى نارا)، ظاهر، هذا سؤال ~~واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب: # قال الحسن وأبو بكر: قوله (وهل أتاك)، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم ~~أخبره وأعلمه بحديثه ونبيه. # PageV07P270 # وقال بعضهم: (وهل أتاك)، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في ~~كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك. # وقواله - عز وجل - (فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها ~~بقبس أو أجد على النار هدى ms2837 (10) # قيل: رأيت نارا، وقيل: علمت نارا؛ (لعلي آتيكم منها بقبس) ليس في هذه ~~الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟ وفي أي وقت؟ لكن في موضع آخر بيان ذلك، ~~وهو ما قال: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا)، هذا ~~يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: (لعلي آتيكم ~~منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون)، فهذا يدل أنه كان في أيام ~~الشتاء والبرد، حيث قال: (لعلكم تصطلون). # قال أبو عوسجة: (لعلي آتيكم منها بقبس) القبس: النار، والأقباس: النيران، ~~ويقال: قبس يقبس قبسا، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست نارا، واقتبست ~~-أيضا-: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، ~~واقتبستك أي النار والعلم. # وقال القتبي: (آنست نارا): أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: (فإن ~~آنستم منهم رشدا)، أي: علمتم منهم رشدا. # وقوله - عز وجل -: (أو أجد على النار هدى): # هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، ~~فقال: (أو أجد على النار هدى)، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق. # أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما أتاها نودي ... ) نداء وحي (يا موسى (11) إني ~~أنا ربك فاخلع نعليك (12) # قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة. # وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من ~~يمنه. # وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج # PageV07P271 # المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعا، والله أعلم بذلك، وليس ~~لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟ إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، ~~وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ ~~فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (إنك بالواد المقدس طوى): # المقدس: المطهر، ولعله سماه مطهرا؛ ms2838 لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو ~~سماه: مطهرا؛ لمعنى خص به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خص بقاعا بفضل عبادة ~~تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره. # وقوله - عز وجل -: (طوى): # قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادى المبارك حافيا. # وقال بعضهم: (طوى): قد قدس مرتين، وهو قول الحسن. # وقال بعضهم: (طوى) يقول: يطوى مسيره. # نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء ~~كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي ~~التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة ~~على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إما بالرسالة ~~والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: (واصطنعتك لنفسي. . .) الآية، وقال في آية ~~أخرى: (إنه كان مخلصا) أخلصه الله لنفسه بأشياء. # وقوله: (فاستمع لما يوحى): # هذا يدل أن النداء الذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: (فلما أتاها نودي). # وقوله - عز وجل -: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني (14) وهو ظاهر، ~~كذلك أمر رسله أول ما أمروا بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأقم الصلاة لذكري): # قال بعضهم: (وأقم الصلاة لذكري) لتكون ذاكرا لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء ~~به # PageV07P272 # إنما يذكر في الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى ~~الصلاة: مناجاة الرب، أو أن يكون قوله: (وأقم الصلاة لذكري)، أي: لتذكرني ~~بها يا موسى. # وقال قائلون: (وأقم الصلاة) إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت ~~الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية ~~إن ثبتت. # وجائز أن يكون قوله: (وأقم الصلاة لذكري) أي: أقم الصلاة لتستوجب بها ~~ذكرى. # وقال القتبي: (وأقم الصلاة لذكري) أي: لتذكرني فيها. # وقوله - عز وجل -: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~(15) # قال الحسن: (أكاد) صلة، كأنه قال: إن الساعة آتية أخفيها، وفي حرف أبي ms2839 بن ~~كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: ~~أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما ~~لم يفهم من قوله: (روحي) و (روحنا)، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم ~~منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله ~~أعلم. # والثاني: أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: ~~أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة ~~والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، ~~بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص ~~عباده وأخيارهم، # PageV07P273 # فكيف من دونهم؛ فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل ~~منزلتهم كقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)، والله لا ينصر، ولكن إن تنصروا ~~دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: (يخادعون ~~الله) والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها ~~من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم. # هذا على إسقاط قوله: (أكاد) وجعله صلة، وأما على إثبات (أكاد) فهو على ~~وجهين. # أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللغة. # والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جار (كاد) على إرادة ~~مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، ~~وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على ~~التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!. # وقال ابن عباس قريبا من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها ~~لكم؟! أي: لا أظهر عليها أبدا غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار ~~باللغة، نحو ما قالوا في قوله: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) أي: ~~أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا ~~الإخفاء مستعملا في الأمرين جميعا، وكذلك قال أبو ms2840 عوسجة: (أخفيها)، أي: ~~أظهرها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لتجزى كل نفس بما تسعى)، أي: لهذا ما أخفيها (لتجزى ~~كل نفس بما تسعى)؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ~~ذلك جزاء، ولكن كان دفعا؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت ~~من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ ~~فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء ~~والمحنة، لا للدفع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) ~~أي: عن الإيمان بها (من لا يؤمن بها) يعني: الساعة، والله أعلم. # لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب ~~تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، ~~أي: لا يصدنك # PageV07P274 # عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب ~~بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا (فتردى) أي: فتهلك لو صدك عنها، فالخطاب ~~وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من ~~القرآن فيما خاطب رسوله به. # وقوله - عز وجل -: (وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها ~~وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) كأن موسى - صلوات الله عليه - ~~لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: (وما تلك بيمينك يا موسى): ~~أنه يسأله عن اسمها وعما له فيها؛ فأجاب الأمرين جميعا عن اسمها وعما له ~~فيها، حيث قال: (هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى). # ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أن في يده عصا، لكنه أراد أن يقرر ~~عنده: أنها عصا لا حية؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك. # أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصا، فيعلم أنها ~~إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، ms2841 والله ~~أعلم. # (قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) ثم يحتمل: جعلها ~~حية تسعى، ثم جعلها حية، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل ~~بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع ~~الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية ~~وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاما لرسله ~~على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك ~~أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحرا ولا كهانة، والله أعلم. # ثم قوله: (خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) على ما كانت في ~~الحالة الأولى عصا، كأن موسى خاف حين صارت حية، وهو ما قال في آية أخرى: ~~(فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا)، فعند ذلك قال له: (خذها ولا تخف)، ~~وأخبره أنه يعيدها عصا على ما كانت، والله أعلم. # وفي قوله: (وما تلك بيمينك يا موسى) دلالة أن العصا إنما تمسك باليد ~~اليمنى. # قال أبو عوسجة: (فتردى)، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل إذا # PageV07P275 # وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: ~~أي: لبست الرداء، وترديت: مثله. # وقوله: (أتوكأ)، أي: أستعين بها على المشي. # وقوله: (وأهش بها على غنمي)، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله ~~غنمه، # والهش: الكريم، والبش: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب ~~-أيضا-: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إربا ~~أقساما: أي: جزأته أجزاء. # وفي قوله: (وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي) دلالة أن الإنسان ~~إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ~~ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربه ~~كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل له حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم ~~به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيما لأمره، والله أعلم. ms2842 # وقوله - عز وجل -: (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى ~~(22) وقال في آية أخرى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)، وكأن ~~في هذا تفسير الأول. # وقوله: (من غير سوء): قال عامة أهل التأويل: (من غير سوء)، أي: من غير ~~برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه ~~لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: (من غير سوء) أي: من غير برص بك (آية أخرى) ~~سوى آية العصا. # وجائز أن يكون (بيضاء من غير سوء) أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأن ~~التغير إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ~~ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها ~~منها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لنريك من آياتنا الكبرى (23) # قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في ~~العصا. # وقال قائلون: آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم ~~في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، ~~يدل على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل ~~وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا ~~يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى. # PageV07P276 # وجائز أن يكون قوله: (لنريك من آياتنا الكبرى) التي ذكر في آية أخرى، هو ~~قوله: (ولقد آتينا موسى تسع آيات. . .) الآية، الآيات الكبرى هي التسع التي ~~ذكر في هذه الآية؛ لا أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر. # أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل ~~بذلك، كقوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)، هو على وصف آياته ~~كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: ms2843 (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) هو على ~~إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر ~~لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من ~~أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك ~~كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى (36) # وقوله - عز وجل -: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) الطغيان: هو المجاوزة عن ~~الحدود التي جعلت، كان فرعون قد تعدى، وجاوز الحد في كل شيء، حتى أدعى ~~لنفسه الربوبتة، حيث قال: (أنا ربكم الأعلى). # وقوله - عز وجل -: (قال رب اشرح لي صدري (25) إن موسى سأل ربه أن يشرح له ~~صدره، وذكر محمد أنه شرح له صدره بقوله: (ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك ~~وزرك)، ثم جائز أن يكون شرح صدرهم لتسع ما حمل عليهم من ثقل النبوة ~~والرسالة؛ ليتسع صدرهم لذلك، ويقدروا على القيام بذلك والوفاء به. # أو أن يكون سأله شرح صدره؛ لما كان الرسل يغضبون لله عند تكذيبهم قومهم ~~حين دعوهم إلى دينه، ويحزنون على ذلك، فيمنعهم غضبهم وحزنهم عن القيام ~~بتبليغ الرسالة، كقوله: (قال رب إني أخاف أن يكذبون)، أخبر أنه يخاف عند ~~تكذيب قومه ضيق صدره وثقل لسانه؛ فسأله لذلك أن يشرح له صدره، ويطلق له ~~لسانه. # ويحتمل ما قاله بعض أهل التأويل: (اشرح لي صدري)، أي: لين لي قلبي؛ لأن ~~الرسل قد امتحنوا في حال واحدة بشيئين متضادين: بالغضب لله عند تكذيب قومهم ~~إياهم، والرأفة لهم، والرحمة بما حل بهم بالتكذيب من العذاب، فذلك أمران ~~يتضادان خص الرسل بهما، فجائز أن يكون سأل ربه أن يشرح له صدره؛ ليتسع ~~للأمرين جميعا: الغضب له، والرحمة عليهم. # PageV07P277 # وقوله - عز وجل -: (ويسر لي أمري (26). # يحتمل: تبليغ الرسالة إليهم، والقيام بها، أو سأله التيسير بجميع ما أمره ~~به ونهاه عنه. # وقوله - عز وجل -: (واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) # يحتمل ms2844 ما ذكرنا أنه إذا اشتد به الغضب يحبس لسانه ويثقل حتى يمنعه عن ~~النطق به؛ فيظن ذلك اللعين أنه لخوف صار كذلك. # أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه ما كان يمنعه عن التكلم به، فسأله ~~أن يحل تلك الآفة والرتوتة التي كانت به. # وأما قول أهل التأويل: إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، ~~فقالت له امرأته: إن فعل ذلك، فإنه لا يعقل. فأتى بطشت من جمر وطشت من حلو، ~~فهم أن يتناول من الحلو، فأهوى، جبريل بيده إلى الجمر، فأخذه وجعله في فيه، ~~فتلك الرتوتة التي سأله أن يحلها لذلك، لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله ~~أنه كذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) سأل ربه ~~أن يجعل أخاه معه وزيرا له ويشاوره؛ ليتحمل عنه بعض ما حمل عليه من ~~الأثقال؛ إذ قيل: الوزير: هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل. # وقوله - عز وجل -: (اشدد به أزري (31) # قال بعضهم: (أزري) وظهرى. # وقال بعضهم: (اشدد به أزري) أي: عوني، وكذلك ذكر في حرف حفصة. # وقرأ بعضهم: [(أشدد به أزري)] على الخبر من موسى، وكذلك في قوله: (وأشركه ~~في أمري)، وأما قراءة عامة القراء فهي على الدعاء والسؤال. # وقال أبو عوسجة: (اشدد به أزري)، أي: ظهري، ويقال: آزرته: أعنته، ويقال: ~~توازروا: أي: تعاونوا، واستوزرته: أي: استعنت به، ومن هذا أخذ الوزير. # وقال القتبي: (أزري): ظهري، ويقال: آزرت فلانا على الأمر، أي: قويته ~~عليه، فأما وازرته: فصرت له وزيرا، وأصل الوزارة من الوزر: وهو الحمل، كأن ~~الوزير يتحمل عن السلطان بعض الثقل ويرفع عنه. # PageV07P278 # موسى سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به فيما حمله، وأن يشركه فيما قلده ~~من الرسالة والقيام بها، فأجابه الله لذلك، حيث قال: (سنشد عضدك بأخيك). # وقوله - عز وجل -: (كي نسبحك كثيرا (33) يحتمل: كي نسبحك كثيرا بالجماعة؛ ~~لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، وأن يعين بعضنا على التسبيح ~~لك والذكر، ونحوه. # وقوله - عز وجل ms2845 -: (إنك كنت بنا بصيرا (35) أي: إنك بضعفنا وعجزنا فيما ~~حملتنا وقلدتنا بصيرا، عالما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) أي: أعطيت ما سألته، وكان ~~سأله أشياء فأوفي، فقوله: (سؤلك)، وسؤالك، ومسألتك لغات ثلاثة، كلها واحد. # * * * # قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ~~(38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو ~~لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول ~~هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا ~~فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا ~~موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) # وقوله - عز وجل -: (ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما ~~يوحى. . .) الآية. يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرد واشتباه ~~الطريق، حتى قال: (إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون)، فتلك المنة الأخرى. # أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه الله حيث قتل ذلك القبطي فاشتد له ~~ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى ~~أمه (أن اقذفيه في التابوت). # وقال بعضهم: (مننا عليك مرة أخرى) مع النبوة مرة أخرى، ثم بين النعمة، ثم ~~قال: (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل ~~التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، والله أعلم. # ثم الكلام فيما ألهم أمه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن ~~يفعل ذلك، ويحل أو لا؟ إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: ~~(لا غالب لكم اليوم من الناس. . .) الآية، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: ~~هو وشيطان أو غيره؟ فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن ~~تعمل ما علمت من الأخطار؟ لكن يجوز ms2846 أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقي إليها ~~- آية ومعنى، # PageV07P279 # عرفت بذلك أن ذلك من الله، لا من أحد سواه. # أو أن يكون رفع الحجاب والموأنع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان. # أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وألقيت عليك محبة مني ... (39) # قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: ~~(قرت عين لي ولك لا تقتلوه. . .) الآية، لكن ألقى عليه محبة في قلب امرأته ~~وقلب فرعون أيضا، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان ~~بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عز وجل - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة ~~التي ذكر، حيث قال: (ولقد مننا عليك مرة أخرى). # وقوله - عز وجل -: (ولتصنع على عيني)، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: ~~لنصنع إليك المعروف والإحسان. # وقوله: (على عيني): قال بعضهم: لتغذى على حفظي، يقال: عين الله عليك: أي ~~كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة. # وقال بعضهم: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأول أشبه. # وقوله - عز وجل -: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك ~~إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ~~فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) أي: من يضمه، يسمى ~~كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: (أيهم يكفل مريم) أي: ~~يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحب الناس إليهم، وأشفقهم عليه، ~~حيث قال: (هل أدلكم على من يكفله)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها) حيث قال لها: (إنا ~~رادوه إليك) وعد لها أن يرده إليها فرده. # وقوله: (كي تقر عينها ولا تحزن)، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت ~~حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: (إن كادت لتبدي به .. .) ~~الآية وهذا يدل أن قوله: (ولا تحزن)، أي: يذهب حزنها الذي كان بها. # وقود - عز ms2847 وجل -: (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم): # يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد ~~مقتل ذلك القبطي، حيث قال: (فأخاف أن يقتلون)، وقوله: (فخرج منها خائفا ~~يترقب)، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم. # PageV07P280 # وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة ~~فيه؛ لأن موسى - صلوات الله عليه - كانت له قوة أربعين نفرا على ما ذكر، ~~فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: (هذا من عمل الشيطان)، هذا يدل أنه ~~كان لا يحل له قتله، ثم قال: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم ~~الظالمين) سماهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ~~ظلمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفتناك فتونا) قال بعضهم: (فتونا): هو جمع فتنة، أي: ~~فتناك فتونا. # وقال بعضهم: (فتونا):، هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، ~~والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم التي ذكر أنه نجاه منها. # ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ~~ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير. # أو فتنه بهما جميعا، على ما أخبر: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ~~ترجعون). # وقوله - عز وجل -: (فلبثت سنين في أهل مدين). # هذا - والله أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: (ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى). # وقوله - عز وجل -: (ثم جئت على قدر يا موسى). # قال بعضهم: بالنبوة والرسالة. # وقال بعضهم: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء ~~العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل ~~الأمور بأسباب، وإن كان يجعل أبعضها، بغير أسباب. # وقوله - عز وجل -: (واصطنعتك لنفسي (41) أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي ~~ونبوتي، فذكر نفسه؛ لأنه بأمره يقوم بأداء ذلك. # * * * # قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى ~~فرعون إنه طغى (43) فقولا # PageV07P281 # له قولا لينا لعله يتذكر ms2848 أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا ~~أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام ~~على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) ~~قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) ~~قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ~~ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) # وقوله: (اذهب أنت وأخوك بآياتي (42) # هو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تنيا في ذكري): أي: لا تضعفا في الدعاء إلى ديني ~~وتوحيدي. # وحرف عبد الله بن مسعود: (ولا تهينا في ذكري) وفي البلاغ (إلى فرعون إنه ~~طغى (43) أمرهما ألا يقصرا ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه، والدعاء إلى ~~دينه، حيث قال: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا). # قال أبو عوسجة؛ (ولتصنع على عيني)؛ أي: تربى بعيني، وسئل عن العين، فقال: ~~العين: العلم هاهنا، والعين في غير هذا: المال، والعين: الأديم المتخرق، ~~والعين: المصدر من عان يعين، فهو عائن، والمفعول به معيون: إذا أصابه بعين، ~~والعين: الحقيقة، كقولك: هذا بعينه، أي: بحقيقته، قال: والعينة: السلف، ~~ومثله قوله: (واصنع الفلك بأعيننا). # (على من يكفله) أي: يضمه لا يضمنه. # وقال أبو عوسجة: (ثم جئت على قدر يا موسى)، أي: وقت المجيء (واصطنعتك)، ~~أي: أخلصتك (لنفسي)، (ولا تنيا في ذكري) أي: لا تقصرا ولا تعجزا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقولا له قولا لينا ... (44) لأن القول اللين يكون ~~أقر وأثبت في القلوب، وأنجع، وأقرب إلى الإجابة والقبول من القول الخشن ~~البارد، وخاصة في الملوك والرؤساء؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا تنجع فيهم، ~~بل ms2849 أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون، ~~فأمر - عز وجل - رسوله موسى وهارون أن يقولا له قولا لينا، ويلطفا معاملته؛ ~~ليكون أقرب وأثبث في قلبه وأنجع؛ ولذلك قال: (لعله يتذكر أو يخشى). # PageV07P282 # قال الحسن: كل (لعل) من الله فهو على الإيجاب؛ لأنه قد تذكر وخشى، حيث ~~قال: (لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك. . .) الآية، وحيث قال: (آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ ~~لأنه إيمان دفع واضطرار. # وقال بعضهم: (لعله يتذكر أو يخشى) في علومكم، فإن كان على هذا فهو يحتمل ~~الشك، وإن كان على الأول فهو على الإيجاب لا يحصل الشك. # ثم اختلف في القول اللين: قال ابن عباس: هو قول الله: (هل لك إلى أن تزكى ~~(18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19)، أي: فتوحد، قال: هذا القول اللين. # وعن الحسن: (قولا لينا): قولا له: إن لك معادا، إن لك مرجعا. # وقال بعضهم: (قولا لينا): قول: لا إله إلا الله. # وقال بعضهم: أي: لينا، ونحوه، وأصله ما ذكرنا بدءا. # وقوله - عر وبئ -: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) ~~قال أهل التأويل: قوله: (أن يفرط علينا)، أي: يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع ~~حجتنا. # أو أن يطغى بقتلنا بعدما سمع الحجة منا. # وجائز أن يكون أحد هذين في الفعل، والآخر في القول: أن يفرط علينا أو أن ~~يطغى أيهما كان؟ لأنه قال في الجواب لهما: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع ~~وأرى)، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، فهذا يدل - والله أعلم - ~~أن قوله: (أن يفرط علينا أو أن يطغى) يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى ~~الفعل؛ لأنه قال في وقت: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تخافا ... (46) يحتمل على نفي الخوف، والأمن منه، ~~كقوله: (ولا تحزن عليهم)، ليس على النهي عن الحزن، فعلى ذلك الأول. # وقوله - عز وجل -: (إنني معكما): في النصر والمعونة ms2850 لكم والذب عنكم ~~والدفع، (أسمع) ما يقول (وأرى) ما يفعل، وقد كان منه إليهما: النصر ~~والمعونة لهما، والدفع عنهما. # وقوله - عز وجل -: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك ... (47) # PageV07P283 # يشبه أن يكون (ولا تنيا في ذكري) هذا، أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة، ~~ولكن قولا: (إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل) لا يحتمل أن يكون أول ~~ما أتياه قالا: (أن أرسل معنا بني إسرائيل) ولكن قد سبق منهما الدعاء إلى ~~توحيد الله والإفراد له بالألوهية والربوبية؛ فإذا ترك الإجابة، فعند ذلك ~~قالا له: (فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم). # وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، ~~فقالا: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام. # أو: كان يستعبدهم، فأمره أن يستنقذهم من يديه، كقوله: (أن عبدت بني ~~إسرائيل) ألا ترى ائه قال: (ولا تعذبهم). # وقوله - عز وجل -: (قد جئناك بآية من ربك) وهو ما قال؛ (لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر). # وقوله - عز وجل -: (والسلام على من اتبع الهدى). # هذا يدل أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن يبدأ بأهل الإسلام، ~~وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام، لا قول الناس: (أطال الله بقاءك)، ~~ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) ~~كأنه قال: # والسلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى. # والسلام هو اسم كل خير وبر. # وقال القتبي: (أن يفرط علينا) أي: يعجل ويقدم، قالوا: الفرط: التقدم ~~والسبق، وفي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنا فرطكم على ~~الحوض "، وهو من السبق، وكذلك قال أبو عوسجة: (أن يفرط علينا) أي: يعجل، ~~يقال: فرط يفرط فرطا: أي: عجل، وقال: (ولا تنيا في ذكري) أي: لا تقصرا ولا ~~تعجزا في البلاغ، (واصطنعتك) أي: استخلصتك لنفسي، فإذا لم يفهم من قوله: ~~(لنفسي): ذاته فكيف يفهم (ولتصنع على عيني) ما لم يفهم من الخلق، ولا يتصور ~~هذا وأمثاله إلا في وهم ms2851 من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربه، وإلا لو عرف ربه حق ~~معرفته، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به، ولا # PageV07P284 # تشبيهه بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى (50) وقال في آية أخرى: (وما رب العالمين. قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهما) الآية، (رب المشرق والمغرب وما بينهما)، سأله عن ~~ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه رب كل شيء، ورب ما ذكر، لم ~~يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته، حيث قال: (فمن ربكما يا موسى)، فجوابه عن ~~الماهية: ربنا فلان، وأنه كذا، ففيه دلالة أن الله لا يعرف من جهة الماهية ~~والكيفية؛ إذ لا ماهية ولا كيفية؛ إذ هما أوصاف الخلق، فالله سبحانه يتعالى ~~عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق. # ثم يحتمل قوله: (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) وجوها: # أحدها: أعطى كل شيء يكون، صورة ما قد كان معاشه وقوامه؛ ليعلم أنه قادر ~~على بعثهم على الصورة التي كانت. # وقوله - عز وجل -: (ثم هدى) فهو على قوله: أعطى كل شيء ثم هدى، فإن كان ~~التأويل: أعطى كل شيء صورته وهيئته، فقوله: (ثم هدى للنجاة، وإن كان أعطى ~~جنسه وشكله ثم هداه للنسل، وإن كان قوله: (أعطى كل شيء) ما به معاشهم ~~وقوامهم، ثم هداه لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداه لما يصلح لهم وما لا ~~يصلح لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في ~~كتاب). # قال بعضهم: إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؛ لأنه سمع من ذلك الرجل ~~المؤمن حين قال: (إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب)، ولم يكن لموسى بهم علم، ~~فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبين له فيها أمرهم. # وقال بعضهم: سأل فرعون موسى ذلك؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث، وخوفه على ذلك، ~~فعند ذلك قال: (فما بال القرون الأولى) لم يبعثوا ms2852 منذ أهلكوا؟ فقال له ما ~~قال. # وقال بعضهم: قوله: (فما بال القرون الأولى) إنما سأله عن حال القرون ~~الأولى أهم في الجنة أو في النار، فقال: (علمها عند ربي ... (52) # وقال بعضهم: إنما سأله عن أعمالهم: فما أعمال القرون الأولى؟ فقال: ~~(علمها عند ربي) أي: أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم، وقوله: (سائق وشهيد)، ~~وقوله: (في كتاب) قال بعضهم: الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم، وقال بعضهم: ~~في اللوح # PageV07P285 # المحفوظ، (لا يضل ربي ولا ينسى) قال: هما واحد: لا يضل ولا ينسى ذلك ~~الكتاب، وقرئ: (يضل) ولا يضل من ختم بالهدى، و (لا يضل) أي: لا يضل ذلك ~~الكتاب الذي ذكر، ليس أنه يرجع إلى قوله: (لا يضل ربي). # وقوله - عز وجل -. (الذي جعل لكم الأرض مهدا ... (53) هو على قوله: (ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، (الذي جعل لكم الأرض مهدا) أي: فراشا، ~~والذي (سلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء) يذكر نعمه التي أنعمها ~~عليهم؛ يقول: جعل لكم الأرض بحيث تفترشون، وتعيشون فيها، وتقرون عليها ~~بعدما كانت تميد بكم، (وسلك لكم فيها سبلا) أي: طرقا تسلكون فيها، وتختلفون ~~إلى البلدان النائية في حوائجكم وما به معاشكم وقوامكم ما لولا ذلك ما قام ~~معاشكم، ولا قضيت حوائجكم (وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به) أي: الماء ~~(أزواجا من نبات شتى): ما به معاشكم وقوامكم وقوام أنعامكم، على اختلاف ما ~~جعل لكل دابة من ذلك قوتا وغذاء، ولم يجعل ذلك لغيرها؛ لأن من الدواب ما ~~يأكل النبات، ومنها ما يأكل الحب، ومنها ما يأكل اللحم، ونحوه. # قوله تعالى: (كلوا وارعوا أنعامكم ... (54) أي: كلوا أنتم وارعوا أنعامكم ~~فيما به قوامها. # (إن في ذلك لآيات لأولي النهى): # قال بعضهم: (لأولي النهى) أي: لأولي العقول. # وقال الحسن: إن في ذلك لآيات للذين يتناهون عما نهوا عنه. # وقال بعضهم: لآيات لأولي الورع، وأولي النهي: هم أهل العقول؛ لأنه بالعقل ~~ينهى، وبه ينتهي، وبه يؤمر ويؤتمر، فذلك آيات لهم، وكذلك قال القتبي: لأولى ~~النهي: أولي العقول، ms2853 وقال: النهية: العقل. # وقال بعضهم: (فما بال القرون الأولى)، أي: ما حالها؟ يقال: أصلح الله ~~بالك، أي: حالك. # وقوله - عز وجل -: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~(55) # يحتمل قوله: (منها خلقناكم) وجوها: # أحدها: منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم، لكنه أضاف خلقنا إليها وإن لم ~~نخلق منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف ~~إليها؛ لأنها أصل # PageV07P286 # الإنسان؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض. # والثاني: نسب إليها؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون ~~قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض؛ فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال: (قد ~~أنزلنا عليكم لباسا) واللباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء، لكنه ~~أضافه إليها؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها. # وقال بعضهم: ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه ~~الإنسان فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد؛ فيخلق من التراب ~~والنطفة، قذلك معنى الإضافة إليهما، لكن هذا سمعي لا يعرف إلا بالخبر، فإن ~~ثبث فهو هو، وإلا لا يجوز أن يقال ذلك رأيا. # وقوله - عز وجل -: (وفيها نعيدكم). # قوله: (وفيها نعيدكم) إذا متم، أي: تقبرون فيها، فيخرج مخرج الامتنان ~~علينا، وذلك لنا خاصة دون غيرنا من الحيوان، لئلا نتأذى بهم، كقوله: (ثم ~~أماته فأقبره)، أو أن يكون قوله: (وفيها نعيدكم)، أي: تصيرون ترابا إذا ~~متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي: من قدر على أن صير الإنسان ترابا، بعد أن ~~لم يكن ترابا لقادر على أن يصيره إنسانا على ما كان بعدما صار ترابا، وهو ~~ما قال: (ومنها نخرجكم تارة أخرى) أي: منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا ~~من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا ~~لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ~~ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال ms2854 لهم موسى ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح ~~اليوم من استعلى (64) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أريناه آياتنا كلها) ولم يره جميع آياته، إنما ~~أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ ~~لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على ~~إعلام غيرها من الآيات، فهو على # PageV07P287 # الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا ~~رب السماوات والأرض)، علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر. # أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه ~~آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدقها ويقبلها فيسلم. # وقوله - عز وجل -: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) قد ~~علم التعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه ~~أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، فهذا ~~إغراء منه قومه عليه. # وقوله - عز وجل -: (فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى (58) # قال بعضهم: (سوى) المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس. # وقال بعضهم: مكانا عدلا لا نخلف نحن ولا أنت ذلك المكان. # وقال بعضهم: (مكانا سوى) أي: منصفا. # وقال القتبي: (مكانا سوى)، أي: وسطا بين فريقين. # وقال الكسائى: سوى وسوى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: " سوى " ~~وقال أبو عبيدة: هو مثل (طوى) وهو المنصف. # وقوله - عز وجل -: (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) # قال بعضهم: يوم عاشوراء. # وقال بعضهم: يوم العيد. # وقال بعضهم: يوم سوقهم، لكا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى ص معرفة ذلك حاجة، # PageV07P288 # وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه. # وقوله - عز وجل -: (وأن ms2855 يحشر الناس ضحى) بينوا اليوم، وبينوا الوقت، وهو ~~وقت الضحى. # (وأن يحشر الناس ضحى) قال بعضهم: أي: نهارا جهارا، كقوله: (أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى)، نهارا، يعني: جهارا. # وقوله - عز وجل -: (فتولى فرعون ... (60) أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ~~ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: (وإذا تولى سعى في ~~الأرض) أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد. # وقوله - عز وجل -: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب وقد خاب من افترى (61) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لا تفتروا على الله كذبا فيما بأن لكم الحق، وظهر لكم الحجة ~~باتخاذكم فرعون إلها؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلها - ولا إله غيره - ~~فقد افتريتم عليه. # والثاني: لا تفتروا على الله كذبا فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا ~~تفتروا على الله كذبا بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب. # وقوله - عز وجل -: (فيسحتكم بعذاب) برفع الياء ونصبها جميعا. # (فيسحتكم): قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره. # وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب. # ثم يحتمل ذلك العذاب في الدنيا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على الله ~~كذبا بعدما بأن الحق، وظهر لهيم البرهان والحجة. # وقوله: (وقد خاب من افترى) في الدنيا والآخرة. # وقوله - عز وجل -: (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قال بعضهم: ~~قوله: (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) أي: تناجى السحرة فيما بينهم ~~سرا من فرعون، فذلك قوله: (وأسروا النجوى) من فرعون، فقال لهم: (إن هذان ~~لساحران) يعنون: موسى وهارون. # وقال بعضهم: (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى) من موسى وهارون، ~~فنجواهم أن قالوا: (إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) والأشبه هنا أنهم اعتزلوا # PageV07P289 # قومهم وأسروا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا. # ثم قوله: (إن هذان) بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: ~~مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللغة. # وقال بعضهم: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ~~ورأيت هذا، ونحوه، فهو ms2856 الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان ~~والتثنية. # وقال بعضهم: (إن هذان لساحران)، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضا، ~~يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته: # . . . . . . . . . . . . فقلت إنه # أي: نعم. # وقال بعضهم: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في ~~الكتاب فقال: إني أرى فيه [لحنا وستقيمه العرب بألسنته] (1)، أو نحو هذا. # وقوله - عز وجل -: (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما) هذا القول إنما ~~أخذوا من فرعون، حيث قال: (يريد أن يخرجكم من أرضكم. . .) الآية، وقوله ~~أيضا حيث قال: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى)، علم فرعون أن ذلك ~~ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (ويذهبا بطريقتكم المثلى) اختلف فيه: # قال الحسن: قوله: (ويذهبا بطريقتكم المثلى)، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ ~~لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدما وخولا يستخدمونهم ~~ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال (ويذهبا بطريقتكم المثلى)، ~~أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: (فأرسل معنا بني إسرائيل). # قال بعضهم: (بطريقتكم المثلى)، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه ~~يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، ~~وإنه سحر PageV07P290 # وفساد، كقوله: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد)، وحيث قال: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، وحيث ~~قالوا: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك)، ونحوه، يدعى أن ~~ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد. # وقال بعضهم: قوله: (ويذهبا بطريقتكم المثلى)، أي: خياركم وأشرافكم ~~والأمثل منكم. # قال القتبي: (فيسحتكم)، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته الله، وأسحته، ~~وقال: (ويذهبا بطريقتكم المثلى)، أي: الأشراف، ويقال: هؤلاء طريقة قومهم: ~~أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و ~~(المثلى): مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر. # (فأجمعوا كيدكم ... (64) أي: حيلتكم. # وقال أبو عوسجة: (طريقتكم المثلى)، أي: بدينكم الأفضل، وهو من ms2857 الأمثل. # وقال أبو عبيدة: (ثم ائتوا صفا) أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن ~~بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتى الصف اليوم أي: المصلى. # وقال القتبي: (صفا): أي: جميعا، وكذلك قال غيره من أهل التأويل. # وقوله: (من استعلى) أي: غلب. # وقوله - عز وجل -: (فأجمعوا كيدكم) حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة ~~والاجتماع ثانيا: # أما في العزم فما ذكر في الخبر: " لا صوم لمن لم يجمع رأيه من الليل " ~~أي: لمن لم يعزم، على ما روى في الخبر: " لا صوم لمن لم يعزم من الليل ". # وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل ~~واحد لا تختلفوا فيه. # وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئا واحدا؛ واقصدوا أمرا واحدا لكي تغلبوا. # PageV07P291 # (ثم ائتوا صفا) قال بعضهم: جميعا غير متفرقين، وقال بعضهم: (ثم ائتوا ~~صفا) أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة. # وقوله - عز وجل -: (وقد أفلح اليوم من استعلى) قيل: من غلب، كقوله: (إن ~~فرعون علا في الأرض)، أي: غلب. # وجائز أن يكون قوله: (استعلى)، أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد ~~فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: (أئن لنا لأجرا إن ~~كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42)، فذلك هو ما ~~طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) ~~قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس ~~في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك ~~تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي ~~السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في ~~جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا ~~من ms2858 البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) ~~إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى (73) # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى. ~~قال بل ألقوا)، إنما ألقوا بأمر من الله وإذن منه. # وقوله - عز وجل -: (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه (66) إلى موسى (من ~~سحرهم أنها تسعى (66) فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) أي: وقع في قلبه الخوف، ~~وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من الشحر، ثم يحتمل ذلك الخوف منه وجهين: # أحدهما: خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع، لا خوف غلبة؛ لأنه قال ~~لهم: (ما جئتم به السحر إن الله سيبطله)، كان يعلم - صلوات الله عليه - أن ~~تمويهات السحر لا تبطل حجج الله وآياته، فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع ~~والجبلة، لا خوف القهر والغلبة. # أو أن يكون خوفه لما أخذ سحر أولئك أعين الناس؛ خاف موسى أن يمنعهم ذلك ~~عن أن يبصروا ما جاء هو من الآية والبرهان. # وقال بعضهم: خاف أن يشكوا فيه فلا يتابعوه، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ~~ذكرنا # PageV07P292 # قريبا منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) # أي: الغالب، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء، فيكون ~~قوله: (لا تخف) على تسكين القلب وتثبيته، وإن كان الثاني فهو على البشارة ~~له، والإخبار على ألا يمنع سحر أولئك عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من ~~الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا (69) هذا ~~يدل أن سحر أولئك إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، لم يكن سحرا وقت كونه ~~في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده لم تكن ~~وقت كونها في يده، وكذلك حيث قال: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا)، أي: ~~تلقم وتأكل ما صنعوا (إنما صنعوا كيد ساحر ms2859 ولا يفلح الساحر حيث أتى) أي: لا ~~يفلح الساحر حيث أتى بسحره، وإلا قد أفلح سحرة فرعون، وفي حرف ابن مسعود: ~~(أين أتى). # وقال بعضهم: حيث كان. وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي. # وقوله - عز وجل -: (فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) ~~لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر، ~~فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون ~~أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى ~~وعاينوا وقتا ينظروا فيه، بل لسرعة معرفتهم، لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا ~~على وجوههم على ما أخبر؛ حيث قال: (فألقي السحرة سجدا)، و (سجدا). # وقال القتبي: (فأوجس في نفسه خيفة موسى): أي: أضمر خوفا. # وقال غيره: وقع في قلبه حيث أنى كان. # وقال أبو عوسجة: (يخيل إليه)، أي: يظن، يقول: يخيل إلى، أي: يريني فهمي ~~وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا، (فأوجس) أي: أحس. (تلقف) وتلقم: واحد. # وقوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~... (71) # قال بعضهم: يعني: موسى. # وقال بعضهم: كبير السحرة الذي علم غيره السحر. # وقال في آية أخرى: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها. ~~. .) الآية. قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به، لكنه أراد أن # PageV07P293 # يموه على قومه ويلبس عليهم أمر موسى وما جاء به من الآيات والحجج؛ لأنه ~~هو الذي رباه ونشأ بين ظهرانيه وأهله، فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، ~~ولما فارقه وخرج من عندهم إلى مدين لم يكن هناك من يتعلم منه السحر، لكنه ~~أراد التمويه والتلبيس على قومه، وكذلك أهل مكة حيث نسبوا رسول الله إلى ~~السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره، علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا ~~مجنون ولا مفتر؛ لأنه نشأ بين أظهرهم صغيرا لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من ~~الخلائق، فكيف على الله تعالى؟ ms2860 ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة ~~في تعلم ذلك، لكنهم أرادوا بذلك التمويه والتلبيس على الناس؛ لئلا يتبعوه ~~ولا يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من دين الله وتوحيده. # ثم الرسل - صلوات الله عليهم - لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج ~~النيرة، كانت أنفسهم وما طبعوا عليه من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة ~~الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة - دالة على رسالتهم ~~ونبوتهم، فكيف وقد جاءوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة؟ وما بطبع ~~السحرة من السيرة المذمومة والأخلاق الدنيئة والأمور الخسيسة، يدل على ~~كذبهم وافتعالهم، فكيف أشكل عليهم صرفة السحر من الرسالة والتمويه من ~~الحجة، لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل). # يشبه أن يكون هذا الوعيد منه في وقتين: أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من ~~خلاف على الإبقاء؛ رجاء أن ينتهوا عما اختاروا، فإذا لم ينتهوا عنه، فعند ~~ذلك أوعدهم بالقتل والصلب؛ إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح، ~~فإن كان على هذا ففيه أن كل حد يراد به الإبقاء، فإنه لا يؤتى على الجوارح ~~كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء؛ لذلك لا يؤتى على الجوارح ~~كلها، وكذلك حد قطاع الطريق؛ إذ يراد به الإبقاء لم يزد على قطع اليد ~~والرجل من خلاف. # وقوله - عز وجل -: (أينا أشد عذابا وأبقى). # لو ذاق اللعين شيئا من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من ~~حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا ويوعدهم أن عذابه أشد من عذاب ~~الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ~~فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) # أي: لن نؤثرك بالربوبية والعبادة لك والطاعة على ما جاءنا من البينات على ~~ربوبية الله وألوهيته وعبادته. # PageV07P294 # وقوله - عز وجل -: (والذي فطرنا). # قال بعضهم: لو نؤثرك على الذي خلقنا، لكن غيره كأنه أشبه، ms2861 وهو أن قوله: ~~(والذي فطرنا) على القسم، أي: بالذي فطرنا، كأنهم أيأسوه عن العود إلى ~~عبادته وخدمته. # وقوله - عز وجل -: (فاقض ما أنت قاض) ليس على الأمر لكن على عناد لك، أي: ~~إنك وإن فعلت بنا ما أوعدت فإنا لا نؤثرك. # وقوله - عز وجل -: (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) أي: إنما تقضي في هذه ~~الحياة الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه ~~من السحر والله خير وأبقى (73) # يحتمل قوله: (والله خير) معبود وثوابه أبقى من ثواب غيره. # أو أن يكون هذا جواب قوله: (ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى) فيقول: عذاب ~~الله أبقى، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: جذوع النخل: ساق النخل وأصله. # * * * # قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ~~(74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات ~~عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) # وقوله - عز وجل -: (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75). # أصل هذا - والله أعلم -: أن من قبل من الله حياته بالشكر وطيبها بالأعمال ~~الصالحات، طيب الله حياته وعيشه في الآخرة، ومن لم يقبل حياته من الله ~~بالشكر في الدنيا، بل كفر بها وخبثها وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة ~~الدنية خبث حياته في الآخرة وعيشه. # وقوله - عز وجل -: (فأولئك لهم الدرجات العلى (75) # هى ما يرتفع ويعلو، والدركات: ما يتسفل وينحدر في الأرض، والدرجات ~~للمؤمنين في الآخرة؛ لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية، ~~فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة العلية، فلهم في الآخرة ~~مقابل ذلك الدرجات العلا، وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في ~~الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة أخزاهم، # PageV07P295 # كمثل من زرع بذر الشوك لم يحيصد برا قط. # وقوله - عز وجل -: (وذلك جزاء من تزكى (76) # أي: ذلك الذي ذكر جزاء من صلح عمله وأنماه، والزكاة: هي ms2862 النماء في اللغة. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد ~~أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى ~~(80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل ~~عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # وقوله - عز وجل -: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي): وهو السير ~~بالليل. # وقوله - عز وجل -: (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) أي: اضرب بعصاك ~~البحر، اجعل لهم طريقا في البحر يابسا؛ كقوله: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (لا تخاف دركا ولا تخشى). # أي: لا تخاف لحوق فرعون وجنوده، ولا تخشى غرق البحر، ليس على النهي، ولكن ~~على رفع الخوف عنه والأمن عن أن يدركهم ويلحقهم؛ ألا ترى أنه قال: (قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي سيهدين). # وقوله - عز وجل -: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) # دل قوله: (بجنوده) على أن كان معه جنود لا جند واحد، وأما العدد فإنهم ~~كذا وكذا ألفا وقوم موسى كذا وكذا ألفا، فذلك لا يعلم إلا بالخبر وليس بنا ~~إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله - عز وجل -: (فغشيهم من اليم ما غشيهم)؛ أي: من الغرق والهلاك. # وقوله - عز وجل -: (وأضل فرعون قومه وما هدى (79) # قال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداه الله. # وقال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداهم حيث قال: (وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد). # وقيل: أضل قومه وما هدى نفسه. # وقال - بعضهم: (وذلك جزاء من تزكى) أي: آمن؛ وذلك أنه بالإيمان تزكو ~~الأعمال وتنمو، وبه يثاب عليها ويؤجر. # PageV07P296 # وقال القتبي: (لا تخاف دركا) أي: لحاقا. # وقوله: (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي: لحقهم. # وقوله - عز وجل -: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب ms2863 ~~الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) # هذا خبر يخبر عما أنعم عليهم ومن على أوائلهم وآبائهم من حضر رسول الله، ~~يذكر هؤلاء بما أنعم ومن على أولئك، وإلا لم يكن هؤلاء يومئذ، وفيه تذكير ~~النعم والمنن على الصحابة في أواخر أمورهم؛ لأنه أمنهم في آخر أمرهم من ~~عدوهم وأيأسهم عن عود هؤلاء إلى دينهم. # وفيه تذكير لنا فيما أنعم علينا ومن في أوائل أمورنا وآخرها، ليس التذكير ~~لبني إسرائيل خاصة، ولكن لكل من أنعم عليه. # وقوله - عز وجل -: (وواعدناكم جانب الطور الأيمن). # لسنا ندري أن الأيمن هو اسم ذلك الجبل، أو سماه الأيمن؛ ليمنه وبركته، ~~وقال - عز وجل - في آية أخرى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن). # أو سماه الأيمن من يمين موسى عليه السلام. # فإن كان هو من اليمن والبركة فهو كذلك؛ لأنه به كان بدء وحي موسى عليه ~~السلام. # وقوله - عز وجل -: (ونزلنا عليكم المن والسلوى). # يذكر هؤلاء ما وسع على أوائلهم من الرزق وأخصهم؛ ليستأدي بذلك الشكر على ~~ما أنعم عليهم، وذلك تذكير لنا ولمن وسع عليه ذلك؛ إذ لم يزل علينا يوسع ~~الرزق من أول عمرنا إلى آخره. # وقوله - عز وجل -: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم ~~غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) # أي: قلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم. # ثم يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون قوله: (طيبات ما رزقناكم) أي: من حلالات ما رزقناكم، فإن ~~كان على هذا ففيه دلالة أنه يرزق ما ليس بحلال. # والثاني: (من طيبات ما رزقناكم) أي: ما تطيب به أنفسكم، ففيه دلالة أنه ~~يجوز لنا أن نختار من الأطعمة ما هو أطيب إن كان على ما تستطيب به الأنفس. # وقوله تعالى: (ولا تطغوا فيه). # الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، أي: لا تطغوا فيما رزقكم من # PageV07P297 # الطيبات وتجعلونه في غير ما جعل وتتجاوزوا عن القدر الذي جعل. # وقوله - عز وجل -: (فيحل عليكم غضبي) برفع الحاء والخفض جميعا، يحل أن ~~ينزل عليكم غضبي، ms2864 ويحل بالرفع: يجب. # وقوله: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى). # قيل: (هوى): هلك، أي: من يجب عليه عذابي فقد هلك، وكذلك قال القتبي: ~~(هوى)، أي هلك، يقال: هوت أمه: هلكت. # وقيل: (فقد هوى)، أي: سقط في النار، يقال: هوى في موضع كذا. # وقوله - عز وجل -: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) # يحتمل قوله: (لغفار لمن تاب) عن الشرك، ورجع عنه، وآمن بتوحيده، وعمل ~~صالحا فيما بين ذلك، (ثم اهتدى): في حفظ أمره والنهي عما نهى. # والثاني: (لغفار لمن تاب): عن جميع المناهي وآمن بجميع ما أمر. # وقوله: (ثم اهتدى) أي: دام على ذلك وثبت؛ كقوله: (إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا). # * * * # قوله تعالى: (وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري ~~وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ~~(85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) ~~قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا (89) # وقوله - عز وجل -: (وما أعجلك عن قومك يا موسى). # قال بعضهم: إن موسى - صلوات الله عليه - خرج بنفر من قومه إلى الجبل؛ ~~ليأخذ التوراة، فعجل حتى خلفهم وتركهم وراءه، فعند ذلك قال له ربه: (وما ~~أعجلك عن قومك يا موسى). # وقال بعضهم: لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من # PageV07P298 # الافتتان بالعجل الذي اتخذه السامري. # وقوله - عز وجل -: (قال هم أولاء على أثري ... (84) # هذا على التأويل الأول، أي: هم يجيئون على أثري. # وعلى التأويل الثاني، أي: تركتهم على ديني وسبيلي، وهو قول الحسن وقتادة. # وقوله - عز وجل -: (وعجلت إليك رب لترضى). # أي: عجلت إليك رب فيما دعوتني إجابة وطاعة ms2865 فيما أمرتني؛ لترضى، هذا على ~~التأويل الذي قال: إنه خرج وحده. # وعلى التأويل الذي يقول: إنه خرج بنفر يقول - والله أعلم -: (وعجلت إليك ~~رب لترضى)؛ إذ لم يكن لي سبب ولا معنى يمنعني عن الإسراع إلى ما دعوتني ~~وأمرتني. # وهكذا عندنا أن من لزمه أمر الله وفرضه، لزمه الإسراع والعجلة إلى القيام ~~بأدائه، إذا لم يكن هناك سبب يمنعه عن التعجيل له والقيام به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) # الفتنة: هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا، ومعنى الافتتان هاهنا: هو ما ~~فتنهم بالعجل الذي اتخذه السامري، جعله جسدا بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه ~~الروح، وجعل له خوار، فذلك معنى الافتتان منه إياهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأضلهم السامري). # أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان سبب إضلالهم حيث اتخذ لهم العجل، ~~ودعاهم إلى عبادته، وقال: (هذا إلهكم وإله موسى)، فأضاف الإضلال إليه؛ لما ~~ذكرنا من دعائه إليه والسبب الذي كان منه، وإلا لم يكن لأحد إضلال أحد، ~~وأضاف الافتتان إلى نفسه؛ لما ذكرنا من جعل العجل جسداني من لحم ودم ~~وروحاني. # فإن قيل: ما معنى إجراء ما أجرى على يدي السامري مع ضلالة من الآية؟ # قيل: هو - والله أعلم - أنه لو ادعى لنفسه الرسالة، لكان لا يتهيأ له ~~ذلك، لكنه إنما ادعى أنه إله وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة يعرف كل أحد ~~أنه ليس بإله، وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس وتلتبس عليهم، ~~فيمنع الله - عز وجل - من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة ~~لاشتباهها على الناس، وأما الألوهية فلا يمنع عن إجراء ذلك؛ لأن آثار ~~العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها كل أحد. # وهكذا من أتى أهل قرية لم يبلغهم هذا القرآن فقرأ هذا القرآن وقال: إني ~~رسول الله إليكم لم يقدره الله على قراءته، ولو ادعى الربوبية لم يمنع؛ لأن ~~آثار العجز عن إتيان # PageV07P299 # مثله ظاهرة وفي الرسالة لا؛ لذلك افترقا، والله أعلم. ms2866 # وقوله - عز وجل -: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~فأخلفتم موعدي (86) # والأسف: هو النهاية في الغضب، والنهاية في الحزن، وهكذا جبل الله رسله ~~وأنشأهم على نهاية الغضب لله والأسف له عند معاينتهم الخلاف لله والتكذيب ~~له؛ كقوله: (لعلك باخع نفسك. . .) الآية، وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا). # على تأويل الحسن: وعدا حسنا، هو الثواب الذي وعد لهم بالدين والسبيل. # (قال هم أولاء على أثري)، أي: على ديني وسبيلي. # وقال بعضهم: (وعدا حسنا) أي: عدلا وصدقا؛ حيث وعد لهم أنه يرجع إليهم عند ~~رأس أربعين أو ثلاثين ليلة، على ما ذكر - عز وجل -: (أفطال عليكم العهد) ~~على تأويل الحسن: أفطال عليكم عهد ما وعد لكم من دون الثواب والجزاء على ~~دينه وسبيله حتى نسيتم ذلك. # وعلى تأويل من قال: إن الوعد هو ما وعد أنه يرجع إليهم على رأس كذا يقول: ~~أفطال عليكم ومضى وعدي حتى فعلتم ما فعلتم. # وقوله - عز وجل -: (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم). # أي: أم تعمدتم الخلاف فيحل عليكم غضب من ربكم. # (فأخلفتم موعدي) يحتمل الموعد الوجهين اللذين ذكرناهما فيما مضى. # وقوله - عز وجل -: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ... (87) برفع الميم ~~وكسره: فمن قرأه بملكنا برفع الميم، أي: بسلطاننا وطاقتنا، أي: لم نفعل ~~بسلطاننا وطاقتنا. # ومن قرأه: (بملكنا) بكسر الميم أي: بما ملكت أيدينا. # وقال الكسائي: من قرأ (بملكنا)، معناه: بسلطاننا، ومن قرأه: (بملكنا) ~~بكسر الميم ونصبه معناهما: وهو ما ملكت أيدينا. # وقوله - عز وجل -: (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم). # قيل: أثقالا من زينة القوم، أي: من حلى القبط. # وقوله - عز وجل -: (فقذفناها)، أي: قذفنا ما حملنا من حليهم. # وقوله - عز وجل -: (فكذلك ألقى السامري). # أي: كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم. # PageV07P300 # وجائز أن يكون قوله: (فكذلك ألقى السامري) ما ms2867 أخذ من قبضته من أثر ~~الرسول؛ كقوله: (فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها). # وقوله - عز وجل -: (فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله ~~موسى فنسي (88) # أي: عجلا جسده جسد عجل، وليس هو بعجل في الحقيقة. # وقال بعضهم: عجلا جسدا لا يتعيش كما يتعيش العجل المولود من البقر، ~~والأول أشبه. # وقوله - عز وجل -: (فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي). # هذا القول إنما قاله السامري. # وقوله: (فنسي) قال بعضهم: نسي السامري حيث قال لهم: هذا إلهكم فنسي هذا ~~القول، فيكون النسيان على هذا التأويل التضييع والترك؛ كأنه قال: ضيع ~~السامري بعد ما علم وعرف رب العالمين ونسب الألوهية إلى العجل. # وقال بعضهم؛ إن السامري لما قال: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا ~~حيث خرج في طلب غيره، ولا يحتمل أن يقبلوا هذا القول منه، ويجعلوا العجل ~~الذي اتخذه السامري إلها، وقد علموا أنه إنما اتخذه من حلي حملوه من القبط، ~~لكنه كان في عقدهم أنه يجوز اتخاذ إله دون إله رب العالمين والعبادة له؛ ~~رجاء أن تقرب عبادتهم تلك الآلهة إلى الله، وعلى هذا كانوا يعبدون الأصنام ~~دون الله؛ كقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، و (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله)، وكذلك قالوا: (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، ~~وكذلك ما اتخذ لهم فرعون من آلهة عبدوها دونه، وإلا لم يحتمل أن يقع عندهم ~~أن رب العالمين هو ذلك العجل، لكنه ما ذكرنا أنهم كانوا يستجيزون في ~~اعتقادهم عبادة من دونه، فقال عند ذلك ورد عليهم اعتقادهم فقال: (أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) أي: ألا يرون أن لا ~~إذن في عبادة من يرجع إليه القول ويملك النفع والضر وهو البشر، فكيف أذن في ~~عبادة من لا يملك شيئا من ذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى ms2868 يرجع ~~إلينا موسى (91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري (93) قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول # PageV07P301 # فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94). # وقوله - عز وجل -: (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ~~ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) # يذكر - والله أعلم - بهذا رسوله: أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك ~~لجهلهم بالرسالة، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون ~~لقومه لما عبدوا العجل حيث قال: (يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن) ~~فكأنه يؤيسه عن إيمان أولئك لعنادهم، وهو ما قال: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله). # وقوله: (إنما فتنتم به) يحتمل وجهين: # أحدهما: (فتنتم)، أي: صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره. # والثاني: (فتنتم) أي: ضللتم به، أي: بالعجل وإن ربكم الرحمن. # وقوله - عز وجل -: (فاتبعوني)، أي: أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به (وأطيعوا ~~أمري)، أي: ما آمركم به. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) # قال بعضهم: (لن نبرح)، أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع ~~إلينا موسى. # وقال بعضهم: (لن نبرح)، أي: لن نفارق عبادته، ثم قال موسى: (يا هارون ما ~~منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) # هذا يدل أن قول هارون لهم: (إنما فتنتم به) أراد به: الضلال؛ حيث قال له ~~موسى: (إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) يحتمل (ألا تتبعن)، ~~أي: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا؟ وقد علمت إلى أين ~~صرت أنا، أو أن يكون قوله: (ألا تتبعن)، أي: ألا تتبع ديني وسنتي وكانت ~~سنته ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله. # فاعتذر إليه هارون فقال: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ~~ترقب قولي (94) # هذا أيضا يخرج على وجهين: # أحدهما: أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي: (فرقت بين ms2869 بني ~~إسرائيل)؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل ~~لعلهم # PageV07P302 # يتبعونك، فحيث لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم. # والثاني: على تأويل القتال والحرب في قوله: (ألا تتبعن) إني خشيت لو ~~فاتلتهم ونصبت الحرب بينهم صاروا فريقين، فإذا تفرقوا اقتتلوا وسفكوا ~~الدماء وتفانوا، فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى ونهاهم ~~عن ذلك، فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان، هذا على تأويل من ~~يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر وأكثر أو أقل على ~~ما ذكر. # وأما الحسن فإنه يقول: كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون، فعلى قوله لا ~~يحتمل الحرب والقتال معهم. # وقوله - عز وجل -: (ولم ترقب قولي). # قيل: هو ما قال: (وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)، ودل قوله: (لا تأخذ ~~بلحيتي ولا برأسي) بأن كان له الشعر، فكنى بالرأس عن الشعر. # * * * # قوله تعالى: (قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به ~~فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن ~~لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ~~ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي ~~لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) # وقوله - عز وجل -: (فما خطبك يا سامري). # قال الحسن: ما حجتك يا سامري على ما فعلت؟ ولا حجة كانت له قط. # وقال غيره: (فما خطبك) ما شأنك وما أمرك، والخطب هو الشأن والأمر في ~~اللغة. # وتأويله - والله أعلم -: فما شأنك؟ أي: ما الذي حملك على صنيعك الذي ~~صنعت؟ ثم قوله: (بصرت بما لم يبصروا به ... (96) بالياء والتاء جميعا، ثم ~~بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم؟ فقال: (فقبضت قبضة من أثر الرسول ~~فنبذتها)، أما عامة أهل التأويل: فإنهم يقولون: إنه قبض قبضة من تراب من ~~أثر فرس جبريل فنبذتها، وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس، ولا أن ms2870 ~~ذلك الرسول جبريل أو غيره. # PageV07P303 # ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس، على ما قاله أهل التأويل، ~~وقد ذكر في حرف أبي: (فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول)، فإن ثبت ما قالوا، ~~وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب من هذه الأنباء والقصص التي كانت في ~~كتبهم، فذكرت في القرآن؛ ليحتج بها رسول الله على أولئك؛ ليعرفوا أنه إنما ~~عرف بالله تعالى، فلو زيد أو نقص عما في كتبهم، لذهب موضع الاحتجاج عليهم، ~~بل يوجب ذلك شبه الكذب عليهم؛ لذلك وجب حفظ ما حكى في الكتاب من الأنباء ~~والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب، إلا إن ثبت شيء يذكر عن رسول ~~الله أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا الكف أولى لما ذكرناه. # وفي قراءة الحسن وقتادة: (فقبصت قبصة) بالصاد، والقبصة: هو الأخذ بأطراف ~~الأصابع، والقبضة: هو بالكف؛ فلا يحتمل أن يصح الحرفان جميعا؛ لأن الأخذ ~~بأطراف الأصابع دون الكف فهو خبر يخبر عما في كتبهم، فإما أن يكون ذا أو ~~ذا؟ فأما أن يكونا جميعا فلا يحتمل، إلا أن يقال: إنه أخذه بأطراف الأصابع، ~~ثم رده إلى الكف؛ فحينئذ يكون، أو أن يكون ثم مرتان، والله أعلم. # وقوله: (وكذلك سولت لي نفسي). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: كذلك سولت لي نفسي أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول فنبذتها ~~في الحلي يحيا. # أو أن يكون سولت له نفسه على ما كان عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون ما ~~لا يرونه ولا يقع بصرهم عليه؛ حيث قالوا: (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة) وكقولهم: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)، فقال: سولت لي نفسي أن ~~أتخذ لهم عجلا يرونه فيعبدونه. # أو سولت لي نفسي أن في قبضة أثر الرسول بناء عظيما. # أو قال ذلك اعتذارا لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخر أمره، والله ~~أعلم. # وقوله تعالى: (فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ... (97) # قال بعضهم: أي: لا تزال ms2871 تقول: لا مساس، لا تقول غيره؛ عقوبة له وجزاء ~~لصنيعه. # وقال بعضهم: أن تقول: لا مساس لم تمسني، ولا أمسك، أي: لا تمسني أبدا، # PageV07P304 # أخرجه من بين أظهرهم؛ لما علم موسى منه. # وقوله - عز وجل -: (وإن لك موعدا لن تخلفه). # يحتمل: أن لك موعدا لعذابك لن تخلفه، يحتمل ذلك في الدنيا والآخرة. # وقوله - عز وجل -: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا). # قوله: (وانظر إلى إلهك) الذي تزعم أنه إله، لا أن موسى سمى ذلك، وهو كما ~~قال: (فراغ إلى آلهتهم)، التي في زعمهم آلهة. # وقوله - عز وجل -: (ظلت عليه عاكفا) فقوله: (ظلت) يقال بالنهار، وفي ~~الليل يقال: بات. # وقوله - عز وجل -: (لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا). # وفي هذا إثبات آية لموسى؛ حيث قال: (لنحرقنه)، والعجل الذي هو من لحم ودم ~~ليس من طبع النار إحراقه، وكذلك الحلي والذهب والفضة ليس من طبع النار ~~إحراقهما حتى تصير رمادا، ولكن من طبعهما الإذابة، ثم أخبر أنه محرقه، فدل ~~أنه آية. # وفي قوله: (لنحرقنه) لغتان: (لنحرقنه) بالتشديد وبرفع النون وهو التحريق ~~بالنار، و (لنحرقنه) بنصب النون وهو القطع بالمبرد. # وقال أبو معاذ: فمن قرأه (لنحرقنه) بنصب النون، فقد كان العجل من الحلي ~~فلم يقدر على تحريقه بالنار فحرق بالمبرد. # ومن قرأه: (لنحرقنه) برفع النون والتشديد يقول: كان لحما ودما فأحرق ~~بالنار صار رمادا ثم نسف في اليم. # قال أبو معاذ: يا سبحان الله، إن كنت أحرقته بالنار فما حاجتك إلى ~~المبرد، لكن أراد مقاتل أن يجمع القراءتين والتأويلين في قراءة واحدة. # لكنه عندنا لا يجوز أن يكون العجل من لحم ودم في إحدى القراءتين وفي ~~الأخرى من الحلي لا لحم فيه ولا دم، وتكون القراءتان جميعا منزلتين. # وما قاله مقاتل: إنه حرق بالنار ثم حرق بالمبرد حسن؛ لأن النار لا تحرق ~~العجل إذا كان لحما ودما، ولكنها تذيبه، فأبرد بالمبرد، فعند ذلك نسف في ~~اليم. # قال أبو معاذ: تقول العرب: نسفت البرد أنسفته نسفا: إذا أخرجت المنسفة ~~فطيرت غباره، ويقال في ms2872 المشي: ما زلنا ننسف يومنا كله نسفا، أي: نمشي. # PageV07P305 # وقال أبو عوسجة: (لننسفنه)، أي: لنرمين به نسفا، أي: رميا، والنسف: القلع ~~من الأصل، وصرفه: نسف ينسفه نسفا. # وقال: (لن نبرح)، أي: لن نزال. # قوله تعالى: (بصرت بما لم يبصروا به) يقال: بصرت وأبصرت، بصر يبصر بصرا. # وقبصت قبصة، والقبص بأطراف الأصابع. # وقال: (لا مساس) أي: لا يمسك أحد ولا يؤذيك. # وقال: " ظلت عليه " لغة سوء، وإنما هو: ظلت، وظللت. # وروى في حرف ابن مسعود: (بصرت بما لم يبصروا به إذ جاء الرسول فقبضت قبضة ~~فألقيتها)، وفي حرف حفصة: (إذ مر الرسول)، وفي حرف أبي بن كعب: (إن لك في ~~الحياة أن لا مساس)، ليس فيه (أن تقول)، وفي حرف حفصة: (إن لك في الحياة ~~الدنيا أن تقول لا مساس). # وقال بعضهم: تأويله: لا تخالط الناس ولا يخالطونك. # قال أبو معاذ: المساس: مصدر ماسه مماسا ومماسة، كما يقال: ضاره ضرارا ~~ومضارة، وساره سرارا ومسارة، ومن قرأه: (لا مساس) كان كقولك: نزال ودراك. # وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا وانظر كيف ~~يفعل بإلهك الذي ظلت). # وقوله: (سولت لي نفسي) قال بعضهم: شجعت، وظاهره: زينت لي نفسي. # وقيل: سمي السامري: سامريا؛ لأنه كان من قبيلة يقال لها: السامرة. # وقول هارون لموسى: (يبنؤم) وكان أخاه لأبيه وأمه، قيل: أراد بذلك أن ~~يرفقه عليه فتركه. # وقوله - عز وجل -: (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما ~~(98) # جائز أن يكون موسى لما أحرق العجل ونسفه في البحر قال عند ذلك: إنما ~~إلهكم الله الذي تعرفونه لا إله إلا هو وسع كل شيء علما، لا يعزب عنه شيء ~~ولا يخفى عليه شيء، فيشبه أن يكون موسى ذكر هذا لهم لما أضمروا هم وأسروا ~~حب العجل في قلوبهم، على ما أخبر الله عنهم بقوله: (وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم)، فقال لهم: (وسع كل شيء علما) يعلم ما تسرون وما تظهرون. # PageV07P306 # أو أن يكون لا يعلمون أنه يعلم ما ms2873 يسرون وما يضمرون وما يغيب عن الخلق ~~ويكون عندهم كملوك الأرض يعلمون الظاهر من الأمور الحاضرة منها ولا يعلمون ~~الغائب، فأخبر أنه عز وجل يعلم الظاهر والباطن والسر والعلانية والحاضرة ~~والغائبة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا ~~(99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم ~~يوم القيامة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) # وقوله - عز وجل -: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق). # أي: هكذا نقص عليك من أنباء ما قد سبق؛ ليكون آية لرسالتك ونبوتك. # أو أن يقول: كما قصصنا عليك هذا النبأ كذلك نقص عليك سائر النبأ، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد آتيناك من لدنا ذكرا). # قال أهل التأويل: الذكر هاهنا: القرآن، وهو الظاهر؛ ألا ترى أنه قال على ~~أثره: من أعرض عنه فإنه كذا، وجائز أن يكون قوله: (آتيناك من لدنا ذكرا) ~~أي: شرفا وذكرا، يذكر هو بعده أبدا، ومن اتبعه وأجابه إلى ما دعاه يصير ~~مذكورا به. # وقوله: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) # والوزر: الحمل، وسميت، الآثام: حملا؛ لأن الآثام تنقض ظهور أصحابها في ~~النار وتكسرها؛ كالحمل في الدنيا ينقض ظهر صاحبه ويكسره، وهو ما ذكر: ~~(ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3). # وقوله - عز وجل -: (خالدين فيه ... (101) أي: في ذلك الوزر، أي: لن ~~تقارقهم أوزارهم أبد الآبدين. # وقوله - عز وجل -: (وساء لهم يوم القيامة حملا). # حمل السوء، حمل يورد صاحبه النار، بئس الحمل حمل يورد صاحبه النار، ~~ويقال: بئسما حملوا على أنفسهم من الأعمال. # وقوله: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) يحتمل الإعراض عنه ~~وجهين: # أحدهما: (أعرض عنه)، أي: كفر به وكذبه ولم يلتفت إليه. # والثاني: (أعرض عنه)، أي: لم يعمل بما فيه، ومن لم يعمل من المسلمين بما ~~فيه # PageV07P307 # يخاف أن يكون ms2874 في وعيد هذه الآية. # وقوله - عز وجل -: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) # قيل: يتسارون بينهم ويتكلمون فيما بينهم كلاما خفيا (إن لبثتم إلا عشرا) ~~مثل هذا الكلام، إنما يقولون تلهفا وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل؛ ~~لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا، يقولون: كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك ~~الوقت القليل؟! # ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا ذلك؛ قال بعضهم: في الدنيا، استقلوا ~~مقام الدنيا؛ لما عاينوا الآخرة، وقال بعضهم: ذلك في القبور، ويستدل من ~~ينكر عذاب القبر بهذه الآية، يقول: لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو ~~كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك واستكثروا؛ لأن قليل اللبث في العذاب ~~يستعظم ويستكثر لا يستقل ولا يستحقر، فلما استقلوا ذلك، دل أنهم لا يعذبون ~~في القبور. # واستدلوا أيضا لنفي العذاب فيه بقوله: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا). # ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوا في القبر يقول: ذلك بين ~~النفختين، يقول: هم يعذبون ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع ~~عنهم العذاب إلى النفخة الثانية، عند ذلك يرقدون فيستصغرون مقامهم للنوم، ~~وقد يستصغر الوقت الطويل ويستقل في حال النوم على ما ذكر في قصة أصحاب ~~الكهف حين قالوا: (لبثنا يوما أو بعض يوم)، وهم قد ناموا ثلاثمائة سنة ~~وزيادة. # وجائز أن يكون عذاب القبر عذاب عرض وعذاب الآخرة عذاب عين؛ كقوله: (النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا)، فاستصغروا عذاب العرض واستقلوه عند معاينة عذاب ~~العين. # ومن يقول ذلك في الدنيا، يقول: تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين ~~عاينوا الآخرة وأهوالها. # وقوله تعالى: (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا ~~يوما (104) # قوله: (أمثلهم) قيل: أعقلهم، وقيل: أفضلهم (إن لبثتم إلا يوما) من كان ~~أبصر وأعلم بأمور الآخرة وأهوالها، كان أكثر استخفافا بالدنيا واستحقارا ~~لها. # PageV07P308 # وفي حرف ابن مسعود: (نحن أعلم بما يقولون إذ عيل عليهم إذ يقول أمثلهم ~~طريقة) قال أبو معاذ: قوله: ms2875 (عيل عليهم) أي: اشتبه وخفي وفاتهم علمه، وقال: ~~ومنه يقول: عالت الفريضة تعول عولا: إذا جاوزت السهام فأشكل على الفارض ~~واشتبه، ومنه قيل: عيل صبري. # * * * # قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا ~~صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج ~~له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ~~ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) # وقوله - عز وجل -: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا). # يشبه أن يكون سؤالهم عن أحوال الجبال في ذلك اليوم لما بين أحوال الناس ~~في الساعة بقوله: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت. . .) الآية، وكقوله: (وترى الناس سكارى. . .) الآية، وصف لهم ~~أحوال الخلق في ذلك اليوم، ولم يصف أحوال الجبال والأرض، فعند ذلك سألوه عن ~~أحوال الجبال، فأمر رسوله أن يخبرهم بما ذكر أنه (ينسفها ربي نسفا)، وما ~~ذكر أيضا في آية أخرى: (هباء منثورا)، قوله تعالى: (كالعهن المنفوش)، ~~(كالفراش المبثوث)، ونحوه، فجائز أن يكون ذلك على اختلاف الأحوال، وقد ~~ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ~~(107) # قال بعضهم: (قاعا صفصفا) أي: مستوية، والقاع والصفصف واحد. # وقال بعضهم: هي الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا زرع. # وقوله: (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) قيل: لا واديا ولا أمتا ولا ~~رابية. # وقال بعضهم: العوج: الارتفاع، والأمت: الهبوط. # PageV07P309 # وقال بعضهم: العوج: أحناء الأودية، والأمت: التلال. # وقيل: لا انخفاضا ولا ارتفاعا، والقاع الصفصف: هو تفسير (لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا)، و (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) تفسير قوله: (قاعا صفصفا). # وقوله - عز وجل -: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن ~~فلا تسمع إلا همسا (108) لا خلاف ms2876 له، ليس كالداعي في الدنيا منهم من يطيعه ~~ويجيبه ومنهم من لا يطيعه ولا يجيبه، فأخبر أنهم في الآخرة يجيبون الداعي ~~في أي حال كانوا لا يخالفونه. # وقوله - عز وجل -: (وخشعت الأصوات للرحمن): لا تخشع، لكن تنخفض وتلين عند ~~خوف أهلها، وترتفع عند الأمن. # أو أن يكون خشوع الأصوات كناية عنهم، أي يخشعون ويذلون لشدة فزعهم لأهوال ~~ذلك اليوم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تسمع إلا همسا). # قيل: الهمس: الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمعه. # وقيل: رفع الأقدام ونقلها وهو تحريكها. # قال أبو عوسجة: (يتخافتون بينهم) أي: أخفى صوته. # وقوله: (أمثلهم طريقة) أي: أفضلهم. # فأما (قاعا صفصفا)، قال: القاع: الأرض الصلبة التي لا شيء فيها، والصفصف: ~~المستوية، والصفاصف جمع، والقيعان: جمع القاع، و (عوجا ولا أمتا) والأمت: ~~هو العوج وهو التل. # وقوله - عز وجل -: (وخشعت الأصوات)، أي: سكنت (فلا تسمع إلا همسا)، ~~والهمس: الخفى. # وقوله - عز وجل -: (لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~(109) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لا تنفع الشفاعة، ليس أن يكون لهم الشفاعة فلا تنفع، ولكن لا ~~شافع لهم إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه، ~~فضلا أن يؤذن لأحد # PageV07P310 # بالشفاعة؛ كقوله: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن)، يقول: الشفاعة أنه ~~لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه فضلا، وقال: صوابا. # والثاني: لا تنفع الشفاعة إلا من وفق له بما يستوجب الشفاعة له ورضي له ~~قولا وسأله ذلك، وهو قول الشهادة والتوحيد. # فيرجع أحد التأويلين إلى الشفعاء: أنه لا أحد يشفع لأحد إلا بإذنه ورضاه ~~بالقول: قول الشفاعة، والثاني: يرجع إلى المشفوع له: أنه لا أحد يستوجب ~~شفاعة إلا من وفق له الرحمن في الدنيا بالتوحيد وشهادة الإخلاص، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ~~(110) # يحتمل قوله: (ما بين أيديهم) قبل أن يخلقوا، (وما خلفهم) بعد ما خلقوا ~~وكانوا. # أو أن يكون قوله: (ما بين أيديهم): ما قدموا من الأعمال، ms2877 (وما خلفهم): من ~~بعدهم. # أو أن يكون قوله: (ما بين أيديهم) كناية عن الخيرات، أي: لا يعلم ما ~~يعملون من الخيرات، (وما خلفهم) من الشرور، وما نبذوا وراء ظهورهم. # وجائز أن يكون المراد من البين والخلف: الأحوال كلها، أي: عالم بجميع ~~أحوالهم وبكل شيء يكون منهم، وهو كقوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، أي: لا يأتيه الباطل ألبتة؛ لأنه ليس للقرآن ~~بين ولا خلف، ولكن المراد ما ذكرنا، فعلى ذلك الأول. # وجائز أن يكون المراد منه: ليس البين ولا الخلف، ولكن إخبار عن إحاطة ~~علمه بهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يحيطون به علما). # هذا يحتمل وجهين: # لا يحيطون بالله علما، ولكن إنما يعرفونه على ما تشهد لهم الشواهد من ~~خلقه؛ لأن الخلق إنما يعرفون ربهم من جهة ما يشهد ويدل لهم من الدلالات من ~~خلقه، والإحاطة بالشيء إنما تكون فيما كان سبيل معرفته الحس والمشاهدات، ~~فأما ما كان سبيل معرفته الاستدلال فإنه لا يحاط به العلم. # والثاني: لا يحيطون به علما، أي: بعلمه؛ كقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء)؛ وكقوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ~~ارتضى # PageV07P311 # من رسول. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) # قيل: (عنت): ذلت وخضعت الوجوه. # وجائز أن يكون ذكر الوجوه، كناية عن أنفسهم؛ لما بالوجوه يظهر الذلة ~~والخضوع، فكنى بها عنهم. # فإن كان ما أخبر من خضوعهم وذلهم في الآخرة، فهو على ما أخبر من خضوع ~~الخلائق له في الآخرة. # وإن كان بعضهم يتكبر في الدنيا، وإن كان في الدنيا فهو على خضوع الخلقة ~~له خضعت خلقة الخلائق كلهم له. # وقوله: (للحي القيوم) قد ذكرنا تأويل الحي القيوم فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وقد خاب من حمل ظلما). # أي: قد خاب من حمل الشرك، والظلم هاهنا الشرك، وقد خاب من حمل ما ذكر من ~~الحمل والوزر، وهو ما ذكر في قوله: (من ms2878 أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا)، أي: خاب من حمل ذلك ~~الحمل، والله أعلم. # وقال بعضهم: في قوله: (يعلم ما بين أيديهم) من أمر الآخرة، (وما خلفهم) ~~من أمر الدنيا، (ولا يحيطون به) يعني: ألا يحيط، الملائكة به (علما)، يقول: ~~هم لا يعلمون من كلامه إلا ما علمهم إياه، فإن كان هذا في الملائكة خاصة، ~~فإنه لا يحتمل ما ذكرنا من التأويل في قوله: (وما خلفهم) من الشرور وما ~~نبذوه وراء ظهورهم؛ لأنهم مطيعون لله لا يعصونه طرفة عين، ويحتمل غيره من ~~التأويلات التي ذكرنا، والله أعلم. # وقال بعضهم: في قوله: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن): في ~~الشفاعة، (ورضي له قولا): قول: لا إله إلا الله، مسلما في الدنيا مؤمنا ~~حقا، فذلك الذي رضي، والشفاعة تحل لهم، فأما غيرهم فلا يشفع لهم، وهو ما ~~ذكرنا فيما تقدم. # وقال بعضهم في قوله: (وعنت الوجوه للحي القيوم) أي: عملت الوجوه للحي ~~القيوم، قالوا: وتأويل (عنت) العمل، أي: خضعت له بالعمل الصالح في الدنيا، ~~على ما ذكر # PageV07P312 # بعضهم من الركوع والسجود وغيره، وهو في المؤمنين خاصة ليس أن يكون تأويل ~~قوله: (وعنت) أي: عملت حقيقة، ولكن من الوجه الذي ذكرنا. # وإن كان التأويل في الآخرة فهو في الفريقين جميعا يذلون له جميعا ويخضعون ~~في الآخرة، وإن كان من بعضهم التكبر في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما (112) # فيه دلالة أنه قد يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحات؛ حيث قال: ~~(ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن). # وفيه أن الإيمان شرط في قبول الطاعات وجعلها طاعة لله؛ حيث شرط الإيمان ~~فيه. # وقوله - عز وجل -: (فلا يخاف ظلما ولا هضما). # الظلم هاهنا على مذهبنا: النقصان، لا ظلم الجور؛ لأن الثواب على الأعمال ~~بحق الإفضال لا بحق العدل، فإذا كان على هذا فيخرج قوله: (ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) أن ينقص من حسناته ms2879 شيئا أو يزيد في سيئاته ~~شيئا، ويجوز في اللغة ذكر الظلم على إرادة النقصان؛ كقوله في ذكر الجنتين: ~~(كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا)، والجنة لا توصف بالظلم الذي ~~هو ظلم جور؛ فدل أنه أراد بالظلم هاهنا النقصان، أي: لم تنقص، بل أتت ~~بثمارها وافية وافرة. # وإن كان على الظلم الذي هو ظلم الجور فهو على النهي، أي: لا تخف منه ~~الظلم والجور. # * * * # قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم ~~يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) # وقوله - عز وجل -: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا). # أي: كما ذكرنا: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، ~~كذلك أنزلناه في القرآن العربى. # (وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون). # حرف (لعل) في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين: # أحدهما: على الوعد أنهم يتقون فهو على الإيجاب. # PageV07P313 # والثاني: لعلهم يتقون، أي: ألزمهم أن يتقوا بما صرف من الوعيد. # وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون. # وإن كان على الإلزام - أي: ألزمهم - فهو في الكل. # ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله: (أو يحدث لهم ذكرا)، فيكون كقوله: (لعله ~~يتذكر أو يخشى)، إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر؛ فعلى ذلك إذا اتقى فقد أحدث ~~له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى، وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو على أو ~~ثم. # ثم قال بعضهم: (ذكرا)، أي: عذابا. # وقوله - عز وجل -: (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) # مثل هذا إنما يذكر على نوازل كانت إما قولا أو فعلا، يقال: فتعالى الله ~~عن ذلك، لكن لم يذكر النوازل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه). # يحتمل ما قاله أهل التأويل أن جبريل كان إذا أتاه بالسورة وبالآي فيتلوها ~~عليه، فلا ms2880 يفرغ جبريل من التلاوة حتى يتكلم رسول الله بأولها؛ مخافة أن ~~ينساها؛ فأنزل الله: (ولا تعجل بالقرآن) فتمرأه من قبل أن يفرغ من تلاوته ~~عليك، وقد أمنه عن النسيان بقوله: (سنقرئك فلا تنسى. . .) الآية، وكذلك: ~~(لا تحرك به لسانك لتعجل به) الآية. ثم أمره عز وجل أن يسأله أن يزيد له ~~علما. # ويحتمل أن يكون قوله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه). # أي: لا تعجل بما ذكر من الوعيد لهم في القرآن من قبل أن يأتي وقته؛ ~~كقوله: (فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا). # وقوله: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) جائز ما قال أهل ~~التأويل: إنه كان يتلو مع تلاوة جبريل، فقال له: (ولا تعجل بالقرآن من قبل ~~أن يقضى إليك وحيه)، إن ثبت عنه أنه كان يتلو مع تلاوة جبريل. # وجائز النهي من غير أن كان منه ما ذكر - والله أعلم - على ما نهى عن ~~أشياء من غير أن كان منه ذلك. # * * * # قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ ~~قلنا للملائكة # PageV07P314 # اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ~~(118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل ~~أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك ~~نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) # وقوله - عز وجل -: (ولقد عهدنا إلى آدم من ms2881 قبل فنسي ولم نجد له عزما ~~(115) # قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله " (فنسي)، أي: ضيع وترك، ليس نسيان ~~السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو ~~والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا ~~يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في ~~رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: # نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه ~~وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ~~ينساه ولا يقع فيه. # ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا ~~يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله تعالى والمحنة: أنه جائز أن ~~يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله ~~إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن ~~استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من ~~آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولم نجد له عزما). # قال الحسن: أي: منعا من الشيطان. # وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره. # PageV07P315 # وقال بعضهم: صبرا، ونحوه. # والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر. # وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ~~(116) # أي: قال بعضهم: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة ~~السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو ~~الخضوع؛ حيث قال: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم)، وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن ~~يتعلم منه العلم. # وقوله تعالى: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) # قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب ms2882 النفس والنصب في العمل. # وقوله - عز وجل -: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ ~~فيها ولا تضحى (119) # أي: لا تصيبك الشمس. # وقوله - عز وجل -: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى (120) # أي: لا يفنى. # قوله تعالى: (فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الجنة ... (121) قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # قال أبو عوسجة: قوله: (وعنت الوجوه)، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، ~~وقال: (ولا هضما)، أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله. # وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: (قاعا صفصفا): القاع: الأرض التي ~~يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (وعصى آدم ربه فغوى). # كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد. # وقوله: (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) # PageV07P316 # قوله: (ثم اجتباه) يحتمل وجوها: # أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها. # أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها. # أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان ~~حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل ~~وقت، فإذا كان مأمورا بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأمورا بالإيمان ~~والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في ~~كل وقت، وإلا ظاهر قوله: (ثم اجتباه ربه): أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك ~~فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه ~~للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) # قال الحسن: قوله: (اهبطا) أي: آدم والشيطان، (بعضكم لبعض عدو)، يعني: ~~ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو. # وقال فيما قال: (اهبطوا)، عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو ~~الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، ~~فجائز أن يكون قوله: (اهبطوا بعضكم لبعض عدو)، أراد ذريتهما: ذرية آدم ms2883 ~~وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: (فإما يأتينكم مني هدى) يعني: الذرية، ~~(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى ~~إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ... (124) هو ~~الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه. # قال بعضهم: (فإن له معيشة ضنكا) في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة ~~عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها ~~تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفا لنفاد ذلك المال وبقاء ~~أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضا ولا عاقبة لها، فذلك ~~الضنك. # وقال بعضهم: (فإن له معيشة ضنكا)؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال ~~وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى ~~عنهم السمع والبصر # PageV07P317 # واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها ~~في الطاعة. # وقال بعضهم: (فإن له معيشة ضنكا) في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في ~~القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، ~~فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى. # وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: (مكانا ضيقا مقرنين). # وقوله - عز وجل -: (ونحشره يوم القيامة أعمى). # قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا ~~حتى يعمى عنها في الآخرة؟! # وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: (ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما)، فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، ~~والله أعلم. # وقال مجاهد: قوله: (رب لم حشرتني أعمى (125) قال: بلا حجة لي، (وقد كنت ~~بصيرا) في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن ~~للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: (وقد كنت بصيرا). # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من ms2884 النار - ~~فعند ذلك يعمى عليه البصر. # وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عميانا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) # أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر ~~فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث ~~إليك ولا ينظر إليك. # أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في ~~النار لا # PageV07P318 # نجاة لك. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ~~أشد وأبقى (127) # أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص ~~بذلك دون غيره، ولكن كل من كان هذا صنيعه في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى). # كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) من ~~العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا. # * * * # قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ~~إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ~~(131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة ~~للتقوى (132) # وقوله - عز وجل -: (أفلم يهد لهم) جميع ما ذكر في القرآن مثل هذا (أفلم ~~يهد لهم)، (أفلم يسيروا) (أولم يروا)، وأمثاله كله أنه قد بين لهم وراء ~~ذلك، أي: قد بين لهؤلاء أنهم قد وافقوا أولئك الذين أهلكهم من القرون ~~الماضية وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل والآيات التي أتوا بها، وهم آمنون ~~يمشون في مساكنهم، فكيف أمن هؤلاء من عذاب الله مع موافقتهم أولئك في جميع ~~صنيعهم. # أو يقول: أفلم نبين لهم سنتي فيمن كان ms2885 قبلهم من القرون الماضية بتكذيبهم ~~الرسل وردهم الآيات، وهم كانوا آمنين في مساكنهم فكيف أمن هؤلاء من عذابه ~~وقد ساووا أولئك في جميع عمنيعهم وفعلهم، وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى). # قال بعضهم: (لأولي النهى): هم الذين انتهوا عما نهاهم الله عنه، وهم ذوو ~~العقول، وقد ذكرنا هذا في غير موضع. # قال أبو عوسجة: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) أي: لا تظهر # للشمس، والظمأ: العطش، والضحى: الحر. # قال أبو عبيدة: وقال أبو عوسجة: وطفقا وعلقا واحد، يقال علق يعلق علقا ~~فهو # PageV07P319 # عالق وطافق. # وقال: يقال من الخصف: خصفت الخف، إذا أنعلته، ونعلت الخف، ويسمى ذلك: ~~النعيلة، والنعائل جمع. # وقال: قوله: (معيشة ضنكا)، أي: ضيقة. # قال أبو عبيدة: وكل ضيق - منزل أو غيره - فهو ضنك. # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) # هو على التقديم والتأخير، أي: لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان ~~العذاب لازما لهم، يقول - والله أعلم -: يلزم كل إنسان بما عمل. # قال: والأجل المسمى: الساعة التي قال: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر). # وجائز أن يكون قوله على غير التقديم والتأخير، لكنه على الإضمار، أي: ~~لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ولكن سيلزمهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكر ~~في آية أخرى: (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى). # وقوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك) بما يكون بحق الإفضال أو توجبه الحكمة، ~~لكان العذاب لازما لهم، وحق الإفضال ما سبق منه من الوعيد أنه يؤخر، ولا ~~يقال فيما كان طريقه الإفضال: لم تفضلت؟ وأصل هذا: لولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما، لولا ما سبق من وعده: أنه لا يعذب هذه الأمة تعذيب إهلاك وقت ~~ثكذيبهم الرسل وردهم الآيات، ولكن يؤخوهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكرنا، وهو ~~قوله: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). # وقوله - عز وجل -: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ms2886 لعلك ترضى (130) يصبر رسوله ~~على أذاهم يلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على الله ~~ونحوه، وإن كان وعد أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه؛ لأن ~~في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته؛ إذ بعثه إلى الفراعنة ~~والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من ~~يستقبلهم بما يكرهون؛ فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم: أنه كان ~~ذلك لآية في نفسه، وأما أذاهم إياه باللسان ليس في حفظه عنه آية؛ لأن ذلك ~~لو كان آية، لمنعهم وذلك مما لم يؤثر نقصا في نفسه أو شيئا؛ ألا ترى أنهم ~~قالوا في الله ما لا يليق به من الولد وغيره، فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن ~~أذاهم بلسانهم آية، إنما الآية فيما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف، والله ~~أعلم. # PageV07P320 # وقوله - عز وجل -: (وسبح بحمد ربك): # قال أهل التأويل: صل بأمر ربك، وتأويل قولهم هذا صل بأمر ربك؛ لأنه أمره ~~أن يصلي لله بقوله: (أقم الصلاة)، وقوله: (أقيموا الصلاة)، فيكون قوله: ~~(وسبح) أي: صل بأمر ربك الذي أمرك بقوله: (أقم الصلاة)، ولولا صرف أهل ~~التأويل التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من ~~الأذكار في كل وقت، لكن صرفوا إلى الصلاة؛ لأن الصلاة تشتمل على معان: قولا ~~وفعلا، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا معنى الذكر قولا، فهي أجمع وأشمل لذكره، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (قبل طلوع الشمس): قبل صلاة الفجر، (وقبل غروبها) وصلاة العصر. # وقال بعضهم: (وقبل غروبها) الظهر والعصر. # وقوله - عز وجل -: (ومن آناء الليل) قيل: صلاة المغرب والعشاء. # وقوله - عز وجل -: (وأطراف النهار)؛ قيل: صلاة الفجر والعصر؛ فهو على ~~التكرار والإعادة تأكيدا؛ كقوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، ذكر ~~الصلوات بجملتها، ثم خص الصلاة الوسطى، بالذكر لمعنى؛ فعلى ذلك جائز أن ~~يكون قوله: (وأطراف النهار) تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر لمعنى. # وجائز أن يكون قوله: (وأطراف النهار) أنه ليس على إرادة وقت ms2887 دون وقت، ~~ولكن يريد به الأوقات كلها، وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله: (وقبل ~~غروبها): صلاة الظهر والعصر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لعلك ترضى) بالنصب والرفع جميعا، أي: يرضيك ربك بما ~~عملت أو يرضى بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) # هذه الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: (ولا تمدن عينيك) أي: لا ترغبن في هذه الدنيا، ولا تركنن إلى ما ~~متع به هؤلاء من ألوانها وزهرتها، وهو كقوله تعالى: (فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم. . .) الآية. # والثاني: قوله: (ولا تمدن عينيك) على حقيقة مد البصر، أي: لا تمدن بصرك ~~إلى أعين الدنيا وإلى ظاهر ما هم عليه من الغرور والتزيين، ولكن انظر إلى ~~الدنيا إلى ما # PageV07P321 # جعلت الدنيا؛ وإلى ما فيها من سمومها وتنغيصها على أهلها، فإن من نظر ~~إليها لما فيها من سمومها وتنغيصها، لزهد فيها ورغب عنها، ومن نظر إليها ~~وإلى عينها وظاهرها وما هي عليها من الغرور والتزيين، لاغتر بها ورغب فيها ~~وركن إليها، ومن نظر إلى حقيقة ما هي عليه وجعلت على ما ذكرنا لزهد فيها ~~ورغب عنها. # ثم معلوم أن رسول الله لم يكن يمد بصره إلى الدنيا أو يركن إليها ويرغب ~~فيها لها، وإنما هو ابتداء نهي رسوله. # ومعلوم أيضا أنه لو رغب في شيء منها لم يكن يرغب ليتمتع هو به، إنما يرغب ~~ويتناوله ليوسع به على أهل الحاجة والفقر، ثم نهاه عن ذلك؛ فدل أن الزهد ~~فيها والرغبة عنها خير من الأخذ منها والوضع في حق؛ حيث نهاه عن ذلك على ~~علم منه أنه لا يتناولها ليتمتع هو بها وليوسع بها على نفسه، ولكن يأخذها؛ ~~ليضعها في المستحقين لها. # ثم اختلف أهل التأويل في التقديم والتأخير: # قال الحسن: هو على تقديم قوله: (منهم) على قوله: (أزواجا) يقول: تأويله: ~~لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به منهم أزواجا (زهرة الحياة الدنيا). # فعلى تأويله: أزواجا: زهرة الحياة الدنيا، ms2888 أي: ألوانا وأصنافا من النبات؛ ~~فذلك زهرة الدنيا. # وقال بعضهم: على غير تقديم، ولكن على سياق ما ذكر في الآية؛ فعلى هذا ~~يكون تأويل الأزواج، أي: رجالا منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لنفتنهم فيه). # قال أهل التأويل: أي: لنبتليهم ونختبرهم، وكأن الفتنة هي المحنة التي ~~فيها شدة وبلاء، كأنه أخبر أنه إنما متعهم بما متع من زهرة الحياة الدنيا ~~ليمتحنهم فيها بالشدائد؛ كقوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم. . .) ~~الآية، وقال في آية أخرى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقال: (وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات) ففي هذه الآيات دلالة أن السعة والضيق فيها ليس لفضل ~~أهلها ولا لهواهم، ولكن إنما هو محنة يمتحنهم، فيمتحن بعضهم بالسعة والغناء ~~وبعضهم بالشدة والضيق، فالتكلم بأن هذا خير من هذا كلام لا معنى له مع ما ~~ذكرنا من البينات في قوله: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به) أن الزهد في ~~الدنيا وترك التناول منها حلالا خير من التناول منها حلالا ووضعها موضعها. # وقوله - عز وجل -: (ورزق ربك خير وأبقى). # PageV07P322 # أي: ما رزق ربك من النبوة والرسالة والتوحيد له والإيمان به خير وأبقى ~~مما متع به هؤلاء من ألوان زهرة الحياة الدنيا وأصنافها. # وقال بعضهم: (ورزق ربك خير وأبقى) أي: حظك من ربك خير في البقاء مما متع ~~به هؤلاء من زهرة الدنيا، وهو قول أهل التأويل: إن نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نزل به ضيف فاستسلف من يهودي طعاما، فأبى أن يعطيه إلا برهن، ~~فرهن درعه عنده، فنزل قوله: (ولا تمدن عينيك. . .) الآية؛ تعزية له عن ~~الدنيا، لكن لسنا نعرف نزول الآية على ما ذكر إلا أن يثبت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن ~~نرزقك والعاقبة للتقوى (132) # قال بعضهم: أراد بأهله: قومه، وقد يسمى قوم الرسل: أهلهم، وجائز أن يكون ~~المراد بالأهل: الذين تأهلهم وكانوا في عياله. # وقوله - عز وجل -: (واصطبر عليها)، أي: داوم عليها والزمها، وفيه أن ~~الصلاة فرضت على الدوام عليها واللزوم. # وقوله - عز وجل ms2889 -: (لا نسألك رزقا) قال بعضهم: لا نسألك جعلا وأجرا على ~~نبوتك ورسالتك. # وقوله - عز وجل -: (نحن نرزقك) قال بعضهم: لا نسألك للخلق رزقا بل نحن ~~نرزقهم. # وقوله - عز وجل -: (والعاقبة للتقوى)؛ كقوله: (والعاقبة للمتقين). # * * * # قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في ~~الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا ~~فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه). # سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عز وجل -: ~~(أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى)، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ~~ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا # PageV07P323 # عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء ~~التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك ~~الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله تعالى، فهذا - والله أعلم - تأويل ~~قوله: (أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) أي: قد أتاهم على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) أي: من قبل ~~رسوله، (لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك)، من الناس من ~~يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه ~~الآية: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا). # وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه تعالى قد أقام ~~عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق الله عليهم، ~~فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكا عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته ~~لا يهلكهم بأول آية ms2890 يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان ~~له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ~~لقالوا. . .) كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول ~~والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا. . .) ~~كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له ~~إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ~~ومن اهتدى (135) كانوا يتربصون هلاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وانقلاب أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم. # قال الحسن: (قل كل متربص فتربصوا)، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن ~~نتربص مواعيد الله. # وقوله - عز وجل -: (فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى). # قوله: (فستعلمون) في الآخرة علم عيان (من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) ~~نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من ~~أصحاب الصراط السوي؟ # قال بعضهم: (الصراط السوي): العدل. # وقال بعضهم: السوي: القيم. # وفي حرف ابن مسعود وأبي (ومن اهتدى ومن على الهدى) # PageV07P324 ### | سورة الأنبياء # وهي كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي ~~يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام ~~بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5) ما آمنت قبلهم من ~~قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا ~~المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # قوله - عز وجل -: (اقترب للناس حسابهم). ms2891 # قال الحسن: أي: محاسبتهم. # وقوله - عز وجل -: (وهم في غفلة معرضون). # ظاهر هذا أنه نزل في المشركين؛ لأنها نزلت بمكة وكان أكثر أهلها أهل شرك، ~~لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك فيما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه، ~~وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب إلا أن غفلة الكفرة غفلة تكذيب وإعراضهم ~~إعراض تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست ~~كذا، قد آمنوا بالحساب وصدقوا بآياته وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب؛ ~~لشهوات مكنت فيهم وغلبت شهواتهم وأغفلتهم عنه، فمن هذه الجهة كانوا كأولئك، ~~فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأولئك. # ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان؛ كقوله: (اقتربت الساعة)، ~~وقوله: (أتى أمر الله)، و (اقترب للناس حسابهم) وأمثاله: هي قريبة كالماهية ~~عند الله؛ لأن الله تعالى عرف جملة الأوقات فهي في جملة ما عرف قريبة ~~كالماهية، وأما الخلق فإنهم قد استبعدوها؛ لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم ~~وأعمارهم وما جاوز أعمارهم، فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إنما يكون بعد ~~ذهاب أعمارهم. # وقال قتادة: ذكر أنه لما نزلت هذه الآية (اقترب للناس حسابهم)، و (أتى ~~أمر الله فلا تستعجلوه)، قال ناس من أهل الضلال: يزعم هذا الرجل أن الساعة ~~قد اقتربت # PageV07P325 # فتناهوا قليلا، ثم عادوا إلى أعمالهم، وكذلك قالوا في قوله: (أتى أمر ~~الله)، تناهوا عنها، ثم لما تأخر ذلك عنهم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ هذا ~~لأنهم فهموا من قرب الساعة وإتيان أمره وقتا يقرب ومدة تدنو، فلما مضى ذلك ~~وقع عندهم أن الخبر كذب فكذبوه؛ لأنهم إنما قدروه بآجالهم وما عرفوا هم من ~~القرب والدنو. # وقوله: (وهم في غفلة معرضون) ما ذكرنا من غفلة تكذيب وإعراض، تكذيب بعد ~~ما عرفوا أنها آيات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون (2) # قوله: (من ذكر) ما يذكرهم ما يأتون وما يتقون. # أو ما يذكر ما أوعدوا وخوفوا. # أو (من ذكر) يذكرهم ما لهم وما عليهم. # وقوله: ms2892 (محدث) قال بعضهم: محدث: محكم أحكمه من أن يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، وأحكمه لما أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله. # وقال بعضهم: محدث؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بالتفاريق وأحدث إنزاله في ~~كل وقت على قدر الحاجة، فعلى ما نزل بالتفاريق أحدثوا هم - أعني الكفرة - ~~تكذيبه ورده على ما ذكر، فزادهم رجسا إلى رجسهم ونحوه، فهو محدث من الوجوه ~~التي ذكرنا؛ لأن كل موصوف بالإتيان فهو محدث. # وقوله - عز وجل -: (إلا استمعوه وهم يلعبون). # دل قوله: (إلا استمعوه وهم يلعبون) أن استماعهم إياه استماع استهزاء به. # وقوله - عز وجل -: (لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا ~~بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) هذا الذي أسووا فيما بينهم (هل ~~هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر)، هذا كان نجواهم. # وقوله: (لاهية قلوبهم)، قيل: غافلة قلوبهم عن الذكر، (وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا) الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم: (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون) السحر. # وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وأسروا النجوى الذين كفروا منهم)، وقال ~~الكسائى: وفي بعض الحروف: (وأسروا النجوى الذين ظلموا)، قال: وفي حرفنا: ~~(وأسروا النجوى). # PageV07P326 # ثم أخبر - عز وجل - عنهم خبرا مستأنفا فقال: (الذين ظلموا)؛ كقول الله ~~تعالى: (ثم عموا وصموا) ثم قال: (كثير منهم)، وهذا على كلامين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع ~~العليم (4) # يشبه أن يكون قوله: (يعلم القول في السماء والأرض) القول الذي أسروا فيما ~~بينهم: (هل هذا إلا بشر مثلكم)، وقوله: (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون)، ~~وقوله: (أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر)، وأمثال ما قالوا فيه ونسبوه ~~إليه، أي: قل لهم: ربي يعلم ذلك القول منكم في السماء والأرض لينتهوا عن ~~ذلك؛ لأن من يعلم في الشاهد أن أحدا يطلع على جميع ما يختاره من القول ~~والفعل، ترك ذلك وامتنع عن التفوه به والإقدام على ما يختاره. # أو أن يكون قال ذلك على الابتداء والاستئناف أنه لا ms2893 يخفى عليه شيء في ~~الأرض ولا في السماء (وهو السميع العليم): السميع لقولهم، العليم بأفعالهم. # ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض فقال: ~~(بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ... (5) فيما نسبوه إلى الشعر ~~والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام تناقض في قولهم؛ لأن السحر هو غير ~~الافتراء، والسحر غير أضغاث الأحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوه ~~إليها يناقض الآخر ويبطله؛ فدل أنهم إنما قالوا ذلك ونسبوه إلى ما نسبوا ~~متعنتين مكابرين لا عن معرفة وعلم قالوا ذلك؛ إذ تناقض قواطم وكلامهم؛ إلأ ~~السحر لا يدوم ولا يبقى في وقت آخر، فإذا عرفوا وعلموا أنه دام وبقي إلى ~~آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام والافتراء، أعني: ما أتى رسول ~~الله به، وبعد فإنه لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ~~ونبوته؛ لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم، فإذا رأوه نشأ بين أظهرهم ~~ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه، ولا اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم ~~منهم السحر، ثم أتى به - لكان ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، ~~فكيف وقد أتاهم بالحجج المنيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع ~~البشر وطوقهم؟ لكنهم كابروا وعاندوا في ردها وتكذيبها، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فليأتنا بآية كما أرسل الأولون). # قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها ولم ~~يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق، لكنهم سألوا في ~~قولهم: (فليأتنا بآية) الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية ~~التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم # PageV07P327 # الآيات والحجج، وهو إهلاكهم واستئصالهم؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين ~~الإهلاك والاستئصال عند مكابرتهم الآيات والحجج، وسنته وحكمه في هذه الآية ~~ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة محمد - صلوات الله عليه - إلى الساعة، وسنته ~~في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم، فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت ~~إهلاكهم الساعة، ms2894 وهو ما قال: (بل الساعة موعدهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) # أي: ما آمنت قبلهم من قرية سألوا الآية سؤال مكابرة وعناد. # وقوله - عز وجل -: (أفهم يؤمنون). # أي: لا يؤمن هؤلاء وإن أتاهم بآية فإنهم لا يؤمنون، كما لم يؤمن أولئك ~~المتقدمون؛ لأنهم يسألون سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد واستهداء. # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) # كان هذا خرج جوابا لقولهم: (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم. . ~~.) كذا، وجواب قولهم: (أبعث الله بشرا رسولا)، وجواب قولهم: (لولا أنزل ~~عليه ملك)، فقال: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا)، أي: بشرا، (نوحي إليهم) إلى ~~عامة الخلق، أي: الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في ~~البشر لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملاثكة وهم ~~الرسل، فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ~~ولكن تجعل في البشر على ما جعلت في الأمم الأولى في البشر. # وجائز أن يكون قوله: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)، أي: جعلها ~~في الذكور منهم لم يجعلها في النساء والإناث؛ لما لم يستكملن شرائط الرسالة ~~والنبوة، فكأن الأول في بيان الجنس، أي: لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق في ~~الملائكة، ولكن جعلها في البشر، والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة ~~واستحقاقها. # وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم)، فعلى ~~حرفهما كأنه خاطب به أولئك الكفرة، أي: ما أرسلنا قبل محمد إلا رجالا نوحى ~~إليهم، وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول الله، أي: قل لهم: ~~إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحي إليهم. # وقوله - عز وجل -: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). # PageV07P328 # قال بعضهم: إنما خاطب به مشرير العرب وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين ~~كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة؛ ليخبروكم: أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى ms2895 ~~عامة الخلق إلا في البشر، وقال بعضهم: إنما خاطب من كفر من أهل الكتاب - من ~~لا يعرف الكتاب وغيره - بمحمد أن اسألوا أهل الذكر، أي: من آمن منهم؛ ~~ليخبروكم أن محمدا رسول الله إليكم إن كنتم لا تعلمون أنتم أنه رسول الله، ~~فهذا التأويل في محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة والتأويل الأول في جميع ~~الرسل. # وقوله - عز وجل -: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ~~(8) # قال بعضهم: ما جعلنا أجسادا لا أرواح فيها لا يأكلون ولا يشربون، ولكن ~~جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق. # وجائز أن يكون قوله: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) من نحو ~~الملائكة والجن، ولكن جعلناهم بشرا. # وحاصله: أنهم كانوا يطعنون الرسل بأشياء، مرة قالوا: (أبعث الله بشرا ~~رسولا)، وقالوا: (هل هذا إلا بشر مثلكم) ونحوه، كانوا لا يرون الرسالة في ~~البشر، ولا يرون الرسول يكون من نوع المبعوث إليه، فألزمهم أن الرسل الذين ~~كانوا من قبل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر بقوله: (وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)، ومرة طعنوا الرسل أنهم يأكلون الطعام ~~ويشربون وينكحون ويمشون في الأسواق كغيرهم من الناس؛ كقولهم: (مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)، ونحوه، فألزمهم - عز وجل - وأخبرهم ~~أن الرسل الذين كانوا من قيل كانوا يأكلون ويشربون ويقضون حوائجهم؛ حيث ~~قال: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) في الدنيا، وما ~~قال في آية أخرى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية)؛ ~~فعلى ذلك الرسول المبعوث إليكم هو كسائر الرسل الذين كانوا من قبل، هو ممن ~~يأكل ويشرب وينكح وهو رسول، وأنه بشر كسائر الرسل، وهو رسول الله؛ على هذا ~~يخرج تأويل الآية. # وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسالة لا ~~تكون في الجوهر الكثيف الجسداني الذي يأكل ويشرب ويفنى ويبيد، إنما تكون في ~~الجوهر البسيط الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يبيد ولا يفنى، فأخبر - عز وجل - ~~أنه ms2896 لم يجعلهم جسدا لا # PageV07P329 # يأكلون الطعام ولا يبيدون، بل جعلهم أجسادا يأكلون ويموتون بقوله: (وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين). # وقوله - عز وجل -: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا ~~المسرفين (9) # أخبر أنه وعد الرسل وعدا، لكنه لم يبين ما كان ذلك الوعد الذي وعد رسله؛ ~~لكن في آخره بيان أن الوعد الذي وعدهم كان وعد أهلاك وتعذيب؛ لأنه قال: ~~(فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين)، دل قوله: (فأنجيناهم ومن نشاء ~~وأهلكنا المسرفين): أن الوعد كان وعد إهلاك، فنقول: كان وعد - عز وجل - ~~الرسل الذين من قبل إهلاك من كذبهم، فكان كما وعدوا، وإن تأخر ذلك الموعود ~~عن وقت الوعد؛ فعلى ذلك ما وعدكم محمد من العذاب فإنه نازل بكم وإن تأخر ~~نزوله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # يحتمل قوله: (ذكركم) ما يذكركم ما تأتون وتتقون، أو يذكركم ما لكم وما ~~عليكم. # وقال بعضهم: (فيه ذكركم)، أي: شرفكم ونبلكم لو اتبعتم. # وقال الحسن في قوله: (فيه ذكركم) أي: فيه دينكم الذي أمسك عليكم به. # وقال غيره: فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه؛ كقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) ~~أي: شرف لك. # * * * # قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين ~~(11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) ~~فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # وقوله - عز وجل -: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة). # قصمنا: أهلكنا، وأصل القصم: الكسر، يخوف أهل مكة بتكذيبهم محمدا ما نزل ~~بأولئك بتكذيبهم الرسل. # وقوله - عز وجل -: (وأنشأنا بعدها قوما آخرين). # وقوله - عز وجل -: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) # قوله: (أحسوا) قال بعضهم: علموا بالعذاب، إذا هم يركضون، أي: يفرون ~~ويهربون. # PageV07P330 # وقال بعضهم: يعدون، وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم ~~تسألون (13) # أي: أنعمتم فيه: مساكنكم، مثل هذا يخرج ms2897 مخرج الاستهزاء بهم. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تسألون). # قال بعضهم: تعذبون. # وقال بعضهم: تحاسبون. # وقال بعضهم: لعلكم تسألون الإيمان كما سئلتموه قبل نزول العذاب. # وقيل: لعلكم تسألون عن قتل نبيكم؛ لأنهم قتلوا نبيهم، تسألون فيم ~~قتلتموه؟ # وقال بعضهم: كان هذا في نازلة - والله أعلم - تلقتهم الملائكة وهم هاربون ~~فارون، فقالوا لهم: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم ~~تسألون) استهزاء بهم. # وقال بعضهم: (لعلكم تسألون): تفقهون. # قال أبو عوسجة: (أضغاث أحلام): قال: الضغث: ما لا تأويل له، ويقال: حلم ~~وأحلام، ويقال: حلم يحلم حلما فهو حالم: إذا رأى شيئا في النوم، واحتلم ~~يحتلم، لا يكون مثل حلم يحلم، ويقال من الحلم: حلم حلما فهو حليم، ويقال: ~~حلمته، أي: جعلته حليما، والافتراء: الكذب، والشاعر: إنما سمى: شاعرا؛ لأنه ~~يشعر من الكلام ما لا يشعر به غيره، والقصم: الكسر، والمراد منه الهلاك، ~~قصمه غيره وانقصم بنفسه، أي: انكسر، وقال: (أحسوا)، أي: استيقنوا بعذابنا، ~~ويقال: أحسست، أي: وجدت، وأحسست: علمت واستيقنت، يقال: أحسست: قطعت، ~~وتحسست، أي: تخبرت، والمحسسة الفرجون. # وقال: يركضون: يهربون (إلى ما أترفتم فيه)، أي: أنعمتم ومتعتم، والإتراف: ~~الإكرام. # PageV07P331 # وقال أبو عبيدة: (يركضون) يعدون، وقوله: (لا تركضوا وارجعوا إلى ما ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون)، ليس على الأمر، ولكن أي: لو رجعتم إلى ~~ما أترفتم فيه، وكذلك (قل سيروا في الأرض فانظروا. .)، كذا، ليس على الأمر، ~~ولكن لو سرتم فانظروا كذا؛ فعلى ذلك قوله: (وارجعوا إلى ما أترفتم فيه)، ~~أي: لو رجعتم لعلكم تسألون كما كنتم تسألون من قبل، فيخرج ذلك مخرج ~~الاستهزاء جزاء لصنيعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) # يقرون يومئذ بالظلم، لكن لا ينفعهم ذلك ويندمون على سوء صنيعهم، فيطلبون ~~العودة إلى دنياهم؛ كقوله: (يا ليتني قدمت لحياتي). # وقوله - عز وجل -: (فما زالت تلك دعواهم ... (15) # أي: ما زالت تلك، أي قولهم: (يا ويلنا إنا كنا ظالمين) دعواهم، (حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين)، فإن كان هذا القول منهم في الدنيا فيكون قوله: (حتى ms2898 ~~جعلناهم حصيدا خامدين) بالقتل بالسيف والإهلاك. # وإن كان ذلك في الآخرة فيكون قوله: (حصيدا خامدين) في النار في الآخرة، ~~والله أعلم. # و (حصيدا)، أي: هالكا وهو محصود، و (خامدين): كما يقال: خمدت النار: إذا ~~طفيت. # * * * # قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات ~~والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون (20) # وقوله - عز وجل -: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين). # أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضا على ما هما ~~عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل ~~في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمرا فهو في عمله عابث لاه؛ ~~ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب ~~لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا # PageV07P332 # لعبا؛ كقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، صير ~~عدم الرجوع إليه بعد خلقهم عبثا باطلا. # وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلاه على ~~وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره. # وقوله - عز وجل -: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا ~~فاعلين (17) # قال بعضهم: (لهوا) أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي ~~الولد بنفي الصاحبة بقوله: (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحب)، فلولا أنهم ~~أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي الولد ~~بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: (لو أردنا أن نتخذ لهوا) أي: ولدا؛ لأن ~~الناس يتلهون بالولد فسماه: لهوا لذلك، قال: (لاتخذناه من لدنا إن كنا ~~فاعلين) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: (لاتخذناه من لدنا) بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن ~~الولد يكون من جنس ms2899 الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال ~~الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟! # والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ~~ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد، إذ هو الواحد ~~المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون. # وقوله: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا)، ليس على أنه يحتمل أن ~~يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولدا، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل ~~أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، ليس ~~أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا. # وقوله - عز وجل -: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم ~~الويل مما تصفون (18) # يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على ~~رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته. # (فيدمغه)، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة ~~وغيره مما لا يليق به. # (فإذا هو زاهق)، أي: هو ذاهب متلاش. # PageV07P333 # وقوله - عز وجل -: (ولكم الويل مما تصفون): من الولد والصاحبة وجميع ما ~~وصفوه مما لايليق به. # وقوله - عز وجل -: (وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون (19) كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردا على وصفهم إياه ~~بالذي وصفوه، فقال: (وله من في السماوات والأرض) أي: له من في السماوات ~~والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولدا من عبيده ~~وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفا من ذلك واستنكافا، فكيف قلتم ذلك ~~في الله سبحانه وتعالى، وأضفتم إليه. # أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد ~~إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - غنيا بذاته بما ذكر ~~أن له ms2900 كذا لا حاجة تقع له إلى الولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون). # يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: " الملائكة بنات الله "، فأخبر أنهم ليسوا ~~كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون. # أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم ~~لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف ~~نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟ أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن ~~استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا منكم، ~~(يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) ينزهون الله ويبرئونه عما وصفه ~~الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به. # وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها ~~متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر ~~والملائكة فيها شرعا سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا ~~تتعبهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه ~~المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق الله - ~~عز وجل - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاما كافيا. # قال أبو عوسجة: (فيدمغه) أي: يبطله. # وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى # PageV07P334 # الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه. # وقوله: (فإذا هو زاهق)، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير ~~هذا السمين. # (ولا يستحسرون) أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضا، (لا يفترون) ~~والفتور: الإعياء أيضا. # * * * # قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر ~~من قبلي بل أكثرهم لا ms2901 يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) # وقوله - عز وجل -: (أم اتخذوا آلهة من الأرض). # قوله: (أم اتخذوا) استفهام في الظاهر من الخلق، لكن ذلك من الله على ~~الإيجاب كأنه قال: قد اتخذوا آلهة، وهكذا كل ما خرج في الظاهر من الله على ~~الاستفهام فإنه على الإيجاب؛ لأنه عالم بما كان ويكون لا يخفى عليه شيء، ~~وأما الخلق فإنه يجوز أن يستفهم بعض من بعض لما يخفى على بعض أمور بعض، ~~فيطلب بعضهم من بعض العلم والفهم بذلك، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (هم ينشرون) يحتمل وجهين: # أحدهما: (هم ينشرون) أي يخلقون، أي: اتخذوا آلهة لا يخلقون؛ كقوله: ~~(خلقوا كخلقه)، وكيف اتخذوا آلهة لا يخلقون؟ وإنما يعرف الإله بالخلق ~~وبآثار تكون في الخلق، فإذا لم يكن من هؤلاء خلق كيف اتخذوها آلهة؟! # والثاني: (هم ينشرون)، أي: يبعثون ويحيون. # فإن كان على البعث والإحياء فكأنه يقول: كيف اتخذوا من لا يملك البعث ~~والإحياء آلهة؟! وخلق الخلق لا للبعث والإحياء بعد الموت يخرج على غير ~~الحكمة في الظاهر؛ لأن من بنى في الشاهد بناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد به ~~كان غير حكيم في فعله عابثا في بنائه، وكذلك قوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) جعل خلق الخلائق لا للرجوع إليه عبثا، فيخرج ~~هذا على وجهين: (أم اتخذوا آلهة)، أي: قد اتخذوا آلهة من الأرض (هم ~~ينشرون). # أو لم يتخذوا آلهة من الأرض هم يملكون النشر أو النشور، والله أعلم. # وقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون (22) # PageV07P335 # وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (لو كان فيهن آلهة لفسدن). # ثم يحتمل قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وجوها: # أحدها: (لفسدتا)، أي: لم يكونا من الأصل؛ لأن العرف في الملوك أن ما بنى ~~هذا وأثبته يريد الآخر نقضه وإفناءه، فلم يثبتا ولم يكونا من الأصل لو كانا ~~لعدد. # والثاني: (لو ms2902 كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا): لم تكن منافع إحداهما ~~متصلة بمنافع الأخرى للخلق؛ إذ يمنع كل واحد منهما منافع ما خلق هو من أن ~~تصل إلى الأخرى، فإذا اتصلت منافع إحداهما بالأخرى، دل أنه صنع واحد وتدبير ~~واحد لا عدد. # والثالث: لو كان عددا، لكان لا يخرج تدبيرهما على حد واحد في كل عام، ~~فإذا اتسق التدبير وجرى الأمر في كل عام على سنن واحد؛ دل أنه تدبير واحد ~~لا عدد؛ إذ لو كان لعدد لكان يختلف الأمر في كل عام ولم يتسق على سنن واحد، ~~ولا جرى على أمر واحد. # وقال بعضهم: هو قول الله: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)، على ما هو من عادة ملوك الأرض. # وقوله - عز وجل -: (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) من الولد والشريك. # وقوله - عز وجل -: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23) # هذا يحتمل وجوها: # أحدهاة أنه لا يسأل؛ لأن ما يفعل يفعل في ملكه وسلطانه، وإنما يسأل من ~~فعل في سلطان غيره وملك غيره، ففي ذلك دلالة أنه لا يجوز التناول في شيء ~~إلا بالأمر والإباحة من مالكه، فيبطل قول من يقول: هو على الإطلاق والإباحة ~~في الأصل. # والثاني: (لا يسأل عما يفعل)؛ لأنه حكيم بذاته لا يخرج فعله عن الحكمة، ~~فإنما يسأل من يحتمل فعله السفه، فأما من لا يحتمل فعله إلا الحكمة، فإنه ~~لا يحتمل السؤال: لم فعلت؟ ولماذا فعلت؟ # والثالث: لو احتمل السؤال عما يفعل لاحتمل الأمر والنهي: أن افعل كذا، ~~ولا تفعل كذا، وذلك محال، ولو ثبت الأمر فيه لكان يخرج سؤاله سؤال حاجة؛ ~~لأن من يأمر من فوقه بأمر فإنما يكون أمره سؤال حاجة، ومن يأمر من دونه ~~فيكون أمره أمرا. # وقوله: (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من ~~قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) # فيه دلالة لزوم الدليل على النافي؛ لأنه ms2903 لما قال: (هاتوا برهانكم) كان ~~لهم أن يقولوا: هات أنت البرهان على ما ادعيت من الألوهية، ونحن ننكر ذلك، ~~فإذا لم يكونوا # PageV07P336 # يقولون ذلك، دل أن الدلالة تلزم النافي. # وقوله - عز وجل -: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي). # أي: هذا القرآن (ذكر من معي وذكر من قبلي). # قال بعضهم: هذا القرآن فيه ذكر من معي من الحلال والحرام، (وذكر من ~~قبلي)، أي: فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وأخبارهم وما صنع الله بهم إلى ما ~~صاروا إليه. # أو أن يكون قوله: (هذا ذكر من معي) أي: خبر من معي وخبر من قبلي؛ فيكون ~~فيه دليل رسالته؛ لأنه أخبر عن أنباء الأمم السالفة وأخبارهم على ما ذكرت ~~في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم بتعلم منهم أو بنظر كان منه فيها؛ ~~ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله. # ويشبه أن يكون تأويل قوله: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) ما ذكر: (وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)، أي: ~~هذا ذكر من معي وذكر الرسل من قبلي ومن معهم، أي: هذا الذكر أرسلني إلى من ~~معي وأرسل الذين من قبلي إلى قومهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون): كذلك كانوا لا ~~يعلمون الحق بإعراضهم عنه. # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون (25) # أخبر: أنه لم يرسل رسولا من قبل إلا بما ذكر من قوله: (أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون). # ثم يحتمل قوله: (فاعبدون) أي: وحدوني في الألوهية لا تصرفوا الألوهية إلى ~~غيري، ولا تشركوا من دوني في ألوهيتي. # أو أن يكون: (فاعبدون) أي: إلي؛ فاصرفوا العبادة إلي، ولا تصرفوا العبادة ~~إلى من دوني، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ms2904 من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) # وقوله - عز وجل -: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون). # PageV07P337 # دل قوله: (بل عباد مكرمون): أنهم لم ينسبوا الولد إليه، ولا قالوا ذلك: ~~إنه اتخذ ولدا على حقيقة الولادة، ولكن قالوا ذلك على الصفوة واصطفائه من ~~أضافوا ونسبوا إليه؛ لأن الذين قالوا: إنهم ولده من نحو عيسى وعزير ~~والملائكة ليسوا كما وصفوا، ولكنهم عباد مكرمون، ثم أخبر بما أكرمهم فقال: ~~(لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) أخبر أنهم لا يتقدمون في قول ولا ~~فعل إلا بإذن منه وأمر. # أو أن يكون قوله: (لا يسبقونه بالقول) أي: لا يأمرون بشيء ولا ينهون عن ~~شيء إلا بإذن من الله وأمر منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) هذا قد ذكرناه في سورة " طه ". # وقوله - عز وجل -: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، وقال في آية أخرى: (يومئذ ~~لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا)، فيكون تأويل قوله: ~~(إلا لمن ارتضى) أي: إلا لمن أذن له. # ثم يتوجه قوله: (إلا لمن ارتضى) إلى الشفيع، أي: لا يؤذن لأحد بالشفاعة ~~إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا، ويتوجه قوله: (إلا لمن ارتضى) إلى ~~المشفوع له: إلا لمن ارتضى عنه الرب مذهبا وعملا؛ حتى لم يدخل في عمله ~~تقصير. # ثم الشفاعة إنما جعلت في الأصل للتجاوز فيما دخل في العمل من التقصير. # ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، ~~أو أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز والعفو عن صاحب الكبيرة؛ لأنا ~~قد قلنا: إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل، ففيه دلالة نقض ~~قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن صاحب الصغيرة معفو عنه الصغيرة حتى لا يجوز ~~أن يعذب عليها، وصاحب الكبيرة لا يجوز العفو عنه والتجاوز، بل هو معذب ~~أبدا. ms2905 # وقوله - عز وجل -: (وهم من خشيته مشفقون) هذا - والله أعلم - كأنه صلة ~~قوله: (لا يسبقونه بالقول. . .) الآية، أي: من خشية عذابه وهيبته لا ~~يتقدمون بقول ولا فعل ولا أمر ولا نهي؛ خوفا منه وهيبة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين (29) # PageV07P338 # هذا كأنه مقطوع عما سبق وتقدم ذكره غير موصول به؛ لأن ما سبق هو القول ~~منهم: إنه اتخذ الرحمن ولذا، فلو كان على اتصاله بالأول، لكان يقول: ومن ~~يقل منهم: إني ولد إله؛ لأنهم قالوا: (اتخذ الرحمن ولدا)، ولم يقولوا: إنه ~~اتخذ الرحمن إلها، فلو كان على الصلة بالأول والجواب له، فهو يخرج على ~~الجواب لهم، ومن يقل منهم: إني ولد إله، لكن كأنهم كانوا فرقا: منهم من ~~قال: اتخذ ولدا، ومنهم من عبد دونه الملائكة واتخذهم آلهة، فخرج هذا جوابا ~~لذلك فقال: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم. . .) الآية، ~~فإن قيل لنا في قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون)، وقد عبد عيسى من دونه، وعبد الملائكة دونه؛ فيكون حصب جهنم على ~~ظاهر ما ذكر، قلنا: تأويل قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ~~أي: (إنكم وما تعبدون من دون الله) بأمر الذين عبدوا وقالوا لهم: اعبدوني ~~(حصب جهنم)، دليله ما ذكر في الآية: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) أي: المشركين (الظالمين) وهاهنا: المشركين ~~الكافرين. # ثم قال الحسن في قوله: (ومن يقل منهم إني إله من دونه): لا يحتمل أن ~~يكونوا يقولون ذلك؛ لما وصفهم بالطاعة له وترك الخلاف لأمره، لكنه ذكر هذا؛ ~~ليعلم الخلق أن من قال ذلك وإن عظم قدره عنده، وجلت منزلته أنه يجزيه بما ~~ذكر أنه يستوجب لذلك. # ولكن عندنا المعصية من الملائكة ممكن محتمل؛ دليله قوله: (ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه)، ولأنه قد مدحهم بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم. . .) ~~الآية. ms2906 وقوله: (لا يستكبرون عن عبادته. . .) الآية، فدل ذلك كله على أنهم ~~مختارون في ذلك غير مجبولين عليه. # وقال بعضهم من أهل التأويل: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه ~~جهنم) وهو إبليس هو كان منهم، وهو الذي قال ذلك (إني إله من دونه) ~~فاعبدونى، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا # PageV07P339 # لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) ~~وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) # وقوله - عز وجل -: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # قوله: (أولم ير) يخرج على وجوه: # أحدها: أن اعلموا وروا: أن السماوات والأرض كانت كذا. # والثاني: لو تفكروا وتأملوا لعلموا أنهما كذا. # والثالث: على التنبيه: أن قد رأوا وعلموا أنهما كانتا كذا، كذلك هذا في ~~كل ما ذكر من قوله: (أولم يروا إلى. . .) كذا، و (ألم تر إلى. . .)، كذا، ~~فهو كله يخرج على هذه الوجوه. # ثم يكون قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) وجعلنا في ~~الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا)، (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر) كل هذا ~~كان في قوله: (أولم ير الذين كفروا) كأنه يقول: أولم يروا كذا ما جعلناهم ~~من أنواع ما ذكر، ثم ذكر هذا لهم يكون لوجوه: # أحدها: أن يذكر نعمه عليهم حيث أخبر أن السماء والأرض كانتا رتقا ففتق ~~منهما أرزاقهم، وذكرهم أنه جعل بالماء حياتهم، وجعل لهم الأرض بحيث تقر ~~بأهلها وتسكن بهم، وجعلها مهادا لهم وفراشا بالجبال حتى قدروا على المقام ~~بها والقرار، ثم قال: إنه جعل فيها فجاجا وسبلا، ليصلوا إلى حوائجهم ~~وشهواتهم ومنافعهم التي جعلت لهم في البلاد النائية، وذكرهم نعمه أيضا في ~~حفظ السماء ms2907 عن أن تسقط عليهم على ما أخبر أنه يمسكها هو بقوله: (إن الله ~~يمسك السماوات والأرض أن تزولا)، وذكرهم أيضا نعمه فيما جعل لهم من الليل ~~والنهار وفي الشمس والقمر من المنافع؛ يستأدي بذلك كله الشكر على ما أنعم ~~عليهم. # أو أن يذكرهم بهذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على فتق السماء من الأرض، ~~وجعل حياة كل شيء من الماء، وإمساك السماء وحفظها عن أن تسقط بلا عمد، وما ~~ذكر من خلق الليل والنهار، وقطع الشمس والقمر بيوم واحد مسيرة خمسمائة عام ~~- أن من قدر على كل ما ذكر لقادر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت وبعد ما ~~صاروا ترابا. # أو أن يذكرهم غناه بذاته وملكه: أن من كان هذا سبيله فأنى تقع له الحاجة ~~إلى اتخاذ الولد أو الشريك أو الصاحبة ردا على ما قالوا: (اتخذ الله ولدا)، ~~و (أم اتخذوا من دونه آلهة)، ونحوه، فبين فساد ذلك كله وبطلانه حيث قال: # PageV07P340 # (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). # وقوله: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) ونحوه، يبين بهذا كله فساد ~~ما ادعوا على الله أنه اتخذ كذا. # ثم اختلف في قوله: (كانتا رتقا): قال بعضهم: فتق السماء بالمطر، والأرض ~~بالنبات: فتق السماء، وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين شيء وهو الماء، وكذلك ~~الأرض فتقها بالين شيء وهو النبات مع شدتها وصلابتها، وهو ما ذكرنا من لطفه ~~وقدرته. # وقال بعضهم: (كانتا رتقا) ملتزقتين، ففتقهما أي: جعل بينهما هواء مكانا ~~لتخلق. # وقال بعضهم: كانت السماء واحدة والأرض كذلك، فجعل من السماء سبعا ومن ~~الأرض كذلك سبعا، فكذلك فتقه إياهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). # قال بعضهم: الماء نطفة الرجال منه يخلق الخلائق. # وقال بعضهم: (وجعلنا من الماء) الذي خلق في الأرض، أو أنزل من السماء ~~حياة كل شيء، يعلم حياة خلائق الأرض بهذا الماء، ولكن لا يعلم حياة أهل ~~السماء بماذا؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها ms2908 فجاجا ~~سبلا لعلهم يهتدون (31) # هذا يدل أن الأرض لم يكن من طبعها في الأصل التسفل والتسرب في الماء على ~~ما قاله بعض الناس؛ لأنه لو كان طبعها التسفل والتسرب لكان الجبال تزيد ~~التسفل في الماء والتسرب، فإذا لم يكن دل أن طبعها كان الاضطراب والزوال ~~والتحرك والميد فأصلها: ليس التسفل والتسرب ولكن على ما ذكرنا فأثبتها ~~بالجبال، وإن كنا نشاهد بعض أجزائها أنها تسفل وتسرب، وهذا كما نقول: إن ~~بعض العالم متعلق ببعض وأنه لا يخلو عن مكان، وكل العالم لا تعلق له به ولا ~~الأمكنة آخذة لها، فعلى ذلك الأرض. # PageV07P341 # أو أن كان طبعها التسفل والتسرب جعلها بحيث تقر وتسكن بشيء طبعه الئسفل ~~أيضا باللطف. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا فيها فجاجا سبلا). # قال بعضهم: الفجاج والسبل واحد، وهي الطرق التي جعلها في الجبال. # وقال بعضهم: الفجاج: السعة والفسحة، والسبل: الطرق. # وقال بعضهم: الفجاج: هي الطرق التي في الجبال، والسبل: هي التي في ~~المفاوز. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) # قال بعضهم: (محفوظا)، أي: محبوسا عن أن يسقط عليهم. # وقال بعضهم: محفوظا من الشياطين، أي: صار محفوظا منهم؛ حتى لا يستمعوا ~~كلام الملائكة بعد ما كانوا يستمعون من قبل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون (33) # قال بعضهم: الفلك: السماء. # وقال بعضهم: استدارة السماء. # وقيل: الفلك: المجرى والسرعة. # وقيل: الفلك: فلكة كفلكة المغزل وهو دورانه، وكذلك فلكة الطاحونة: هو ما ~~يدور به الطاحونة، وهي الحديدة التي تدور بها الطاحونة، وقالوا: إن الفلك ~~استدارة وكل شيء دار فهو فلك وهو ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (يسبحون)، قال بعضهم: يجرون. # وقال بعضهم: يسبحون: يعلمون، وكذلك روي في حرف عبد الله: (كل في فلك ~~يعلمون). # PageV07P342 # وظاهر الآية: أن يكون هنالك بحر ونهر فيه يجري الشمس والقمر وفيه يغربان ~~ومنه يطلعان؛ لأنه قال: (في فلك يسبحون)، والسباحة هي المعروفة عند الناس، ~~وهو ما يسبح المرء في بحر أو نهر، هذا ms2909 ظاهر الآية، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ ~~روي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " خلق الله بحرا ~~دون سماء الدنيا مقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله ~~تعالى، لا يقطر منه قطرة والبحور كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة ~~السهم، ثم انطباقه في الهواء مستو كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، ~~فتجري الشمس والقمر والخنس في ذلك البحر "؛ فذلك قوله: (كل في فلك يسبحون) ~~والخنس: هي التي تخنس بالنهار وتجري بالليل، والفلك: دوران العجلة، في لجة: ~~غمرة ذلك البحر، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " والذي نفسي بيده ~~لو بدت الشمس من ذلك البحر، لحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور، ولو بدا ~~القمر من ذلك البحر لافتتن به أهل الأرض كلها يعبدونه من دون الله إلا من ~~عصمه الله ". # وفي بعض الأخبار: (الفلك: ماء مكفوف يجري فيه الشمس والقمر والنجوم ~~والليل والنهار)، ويقال: الشمس والقمر والليل والنهار كله دون السماء يدور ~~به الفلك، ومثل هذا قد قيل فيه، والله أعلم. # وظاهر الآية في الخبر ما ذكرنا: أن الشمس والقمر هما اللذان يجريان ~~ويسبحان في ذلك الماء. # وعلى تأويل بعضهم أنهما على حالهما لا يجريان، لكن الفلك هو يجري فيظهران ~~ويبدوان في وقت ويختفيان في وقت آخر، ولو كانا هما اللذان يجريان لكانا على ~~حالة واحدة ويظهران في الأحوال كلها، لكنا لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله ~~أنه كذلك، والله أعلم. # قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل ~~نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) وإذا رآك ~~الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم ~~كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن ~~وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا ~~يستطيعون ردها ms2910 ولا هم ينظرون (40) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون (41) # وقوله - عز وجل -: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون). # PageV07P343 # كأنه خرج جوابا لقول أولئك الكفرة في رسول الله صلوات الله عليه، والأشبه ~~أن يكون ما أصابهم من الشدائد والفتن والهلاك كانوا يتشاءمون برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ويتطيرون به أن ذلك إنما يصيبهم به، وقالوا: لولا هو ~~ما يصيبنا من ذلك شيء، فقال جوابا لهم: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) بل ~~حكمه أن يموت الكل على ما أخبر: (كل نفس ذائقة الموت) فإذا لم يكن لأحد من ~~قبلك الخلد بل كلهم قد ماتوا كيف يتشاءمون بك أن ذلك إنما يصيبهم بسببك ~~وشؤمك؟! (أفإن مت فهم الخالدون)، أي: وإن مت أنت وتخرج من بينهم لا يخلدون ~~هم فيها؛ لأن من حكمه أن كل نفس ذائقة الموت. # (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) قد ذكرنا تأويله فيما ~~تقدم في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) # كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر آلهتهم بسوء ويعيبها، يهزءون ~~به مكان ما يعيب هو آلهتهم ويقولون: (أهذا الذي يذكر آلهتكم). # ثم يحتمل أن يكون من القادة منهم والرؤساء؛ إغراء لأتباعهم عليه أنه يذكر ~~آلهتكم بسوء. # أو أن يقول بعضهم لبعض إذا خلوا عنه؛ كقوله: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~قالوا أتحدثونهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وهم بذكر الرحمن هم كافرون). # قال بعضهم: كانوا يقولون: لا نعرف ما الرحمن؟ فيكفرون باسم الرحمن. # ويحتمل أن يكون قوله: (بذكر الرحمن) بنعمة الرحمن وهو محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - أي: يكفرون بنعمته. # أو أن يذكر هذا، ليصبر رسوله ويعزيه على تكذيبهم، ليس أياديك بأكثر من ~~أيادي الرحمن، فهم يكفرون به ويكذبونه ويقولون فيه ما يقولون، فاصبر أنت ~~على أذاهم وما قالوا فيك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (خلق الإنسان من ms2911 عجل ... (37) وقال في آية أخرى: (وكان ~~الإنسان عجولا)، قال الحسن: عجولا، أي: ضعيفا، وضعفه هو أن يضيق صدره ويحرج ~~عند إصابة أدنى شيء، حتى يحمله ضيق صدره على أن يدعو على نفسه وعلى مجيئه ~~بالهلاك لضيق صدره وذلك لضعف فيه. # PageV07P344 # وعندنا: أنه خلقه عجولا حتى لا يصبر على حالة واحدة وإن كانت الحالة حالة ~~نعمة ورخاء حتى يمل عنها ويسأم ويريد التحول إلى حالة هي دون تلك الحالة ~~ويرضى بشيء دون، لكنه وإن خلقه على ما أخبر جعل في وسعه رياضة نفسه حتى ~~يصير صبورا حليما، وهو ما أخبر (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر ~~جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على ~~صلاتهم دائمون (23). أخبر أنه خلقه هلوعا، ثم استثنى المصلين؛ دل أنه ~~بالرياضة يتحول عن الحالة التي خلقه إلى حالة أخرى، وهي حالة الحلم والصبر، ~~وكذلك ما أخبر: (وكان الإنسان قتورا)، كان كذلك في الابتداء، لكنه بالرياضة ~~والعادة يصير سخيا جوادا، وكذلك ما قال: (وأحضرت الأنفس الشح) ثم قال: (ومن ~~يوق شح نفسه)، أخبر أن الأنفس أحضرت الشح، ثم أخبر أن من يوق شح نفسه فله ~~كذا؛ دل بهذا كله أنه بالرياضة والعادة يحتمل التحول إلى حالة السخاء ~~والجود بعد ما كان شحيحا قتورا بخيلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من العجلة والهلع ~~والجزع فيه يحتمل بالرياضة والعادة إلى أن يصير حليما صبورا في الأمور غير ~~ملول فيها، وليست المحنة إلا الرياضة والعادة، فأمره أن يروض نفسه ويعودها ~~القيام بجميع ما أمره الله، ويكفها عن جميع ما نهى عنه، فيعتاد اتباع أمره ~~والانتهاء عن نهيه، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون). # يشبه أن يكونوا سألوا رسول الله الآيات على رسالته أنه رسول، أو سألوه ~~آيات على وحدانية الله وربوبيته، فقال: (سأريكم آياتي)، من الوجه الذي يريد ~~ربي ويبين لكم ذلك، لا من الوجه الذي تريدون أنتم وتسألونه. # وقال بعض أهل التأويل: سأريكم آياتي فيما نزل من العذاب فيهم وفي ~~منازلهم، فلا تستعجلون أنتم ms2912 العذاب على من كان قبلكم من الأمم بتكذيبهم ~~الرسل، فإن سافرتم وضربتم في الأرض رأيتم آثار العذاب فيهم وفي منازلهم؛ ~~فلا تستعجلون أنتم العذاب الذي يعد لكم الرسول، كأنه يخوفهم العذاب ويعد ~~لهم إياه، فكذبوه في ذلك فقال عند ذلك ما قال، ويقولون أيضا: (متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين (38) بأنا نعذب. # وجائز أن تكون الآية فيهم بتكذيبهم الساعة والقيامة وإنكارهم إياها، ~~فقال: (سأريكم آياتي) التي تكون قبل وقوعها (فلا تستعجلون) وقوعها ووجوبها؛ ~~دليله ما ذكر: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون (39) وقوله: (بل تأتيهم بغتة. . .) الآية. # PageV07P345 # وقوله - عز وجل -: (لو يعلم الذين كفروا) ما نزل بهم بوقوع القيامة حتى ~~لا يملكون كفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون، إنما تحيط بهم حتى ~~لا يملكون هم دفعها عن أنفسهم، ولا يملك ما اتخذوا أنصارا وأعوانا في ~~الدنيا دفع ذلك أيضا، وهو كقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار. . .) الآية، ~~وقوله: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة). # وقوله - عز وجل -: (بل تأتيهم بغتة (40) # أخبر أنها تأتيهم بغتة - أي: فجأة - لا يعلم أهلها عن وقت وقوعها ~~(فتبهتهم)، قال أهل التأويل: (فتبهتهم): صتفجأهم، والبهتة كأنها حيرة، ~~يقول: تأتيهم بغتة فجأة فتحيرهم، وهو ما أخبر: (وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى)؛ وذلك لحيرتهم في أنفسهم، وهو ما ذكر: (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار. . .) الآية؛ يصيرون حيارى؛ لشدة أهوالها. # وقوله - عز وجل -: (فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون). # أخبر أنهم لا يملكون دفعها إذا وقعت بهم، (ولا هم ينظرون) في وقوعها أن ~~من ابتلى بالبلايا في الشاهد فإنما يملك دفعه عن نفسه إما بقوة نفسه، وإما ~~بأعوان وأنصار ينصرونه ويعينونه في دفعه عنه، وإما بالتضرع والابتهال ~~والاستسلام، كقوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا. .) الآية، فأخبر عز وجل: ~~لا يملكون دفعها بقوى أنفسهم ولا بأنصارهم الذين استنصروا؛ حيث قال: (ولا ~~هم ينصرون)، (ولا هم ينظرون) بالتضرع والاستسلام. # وقوله - عز وجل -: (ولقد استهزئ ms2913 برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون (41) فيه تصبير رسول الله على ما يستهزئون به؛ لأنه قال: ~~(ولقد استهزئ برسل من قبلك)، أي: لست بأول رسول لله استهزأ به قومه، فيه ~~تخويف أولئك باستهزائهم به بما نزل بأوائلهم باستهزائهم برسلهم. # وقوله - عز وجل -: (فحاق) قال أهل التأويل: حاق: نزل ووجب ووقع وأمثاله. # وقال بعض أهل المعاني: الحيق: هو ما اشتمل على الإنسان من مكروه، أي: ~~بفعله؛ كقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، وقال بعضهم: حاق، أي: رجع ~~عليهم وأحاط بهم. # PageV07P346 # قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم ~~منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ~~ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ~~ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا ~~تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # وقوله - عز وجل -: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن). # أي: من يحفظكم ويحرسكم من عذاب الرحمن. # وقيل: من يدفع عنكم عذاب الرحمن. # ثم هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: قوله: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) أي: لو سألتم من ~~يكلؤكم من عذاب الرحمن لأقروا لك أن الرحمن هو الذي يكلؤهم ويحفظهم من ~~عذابه، لا الآلهة التي يعبدونها، وهو كقوله: (قل من رب السماوات والأرض)، ~~وقل (من بيده ملكوت كل شيء)، ونحوه، فسيقولون: الله، لا الآلهة التي ~~يعبدونها، فقل: أن كيف صرفتم عن عبادته وعبدتم دونه من لا يكلؤكم ولا يدفع ~~عنكم العذاب، وقد عرفتم أن الرحمن هو الذي يكلؤكم بالليل والنهار، وهو إله ~~السماوات والأرض، فكيف عبدتم من ليس هو بإله؟! فيخرج عن الاحتجاج عليهم ~~ولزوم الحجة لهم؛ لئلا يقولوا: (إنا كنا عن ms2914 هذا غافلين). # والثاني: يخرج على التذكير والتنبيه لهم؛ لأنهم كانوا ينكرون الرحمن ~~ويقولون: ما الرحمن؛ وقوله: (وهم يكفرون بالرحمن)، فيخرج قوله: (قل من ~~يكلؤكم بالليل والنهار) أي: كيف تنكرون الرحمن وتكفرون به وهو يكلؤكم ~~بالليل والنهار عن عذابه، وعلى هذا يخرج (بل هم عن ذكر ربهم معرضون)، أي: ~~بل هم عن ذكر ربهم الرحمن معرضون، أي: منكرون له، والله أعلم. # وقوله: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا ~~يصحبون (43) أي: ليس لهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا، هو على النفي، ~~أي: ليس لهم الآلهة من دونه وإن كان ظاهره استفهاما، ثم بين # PageV07P347 # موضع الاحتجاج عليهم، وهو ما أخبر عن عجزهم حيث قال: (لا يستطيعون نصر ~~أنفسهم ولا هم منا يصحبون) أي: لا يستطيع الآلهة نصر أنفسها إذا أرادوا بها ~~سوءا، (ولا هم منا يصحبون) أي: ينصرون، تأويله: أن كيف عبدتم من دونه ~~واتخذتموهم آلهة رجاء شفاعتهم ووسيلتهم حيث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى)، ونحوه، وفي قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فإذا كانوا ~~لا يملكون نصر أنفسهم إن أصابها سوء ولا يصحبها من يدفع عنها السوء، فكيف ~~اتخذتم آلهة دونه، فمن كان عن دفع السوء عن نفسه ونصرها عاجزا، فهو عن دفعه ~~عن الآخر ونصره أعجز. # ثم بين الذي حملهم على ذلك وهو ما قال: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال ~~عليهم العمر (44) ولم يأخذهم بالعقوبة بأعمالهم التي عملوها فظنوا أن الله ~~راض عنهم وأنهم على الحق؛ ولهذا قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا)، ادعوا رضاء الله بما هم عليه وآباؤهم. # ثم بين أنه وإن تركهم وقتا طويلا ومتعهم عليه أنه قد نقص عما كانوا ~~يملكون هم؛ حيث غلب عليهم رسول الله على بعض أملاكهم وجعله ملكا للمسلمين ~~وهو قوله: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)، وجعلناها ملكا ~~للمسلمين. # ثم اختلف في تأويل هذا؛ قال الحسن: قوله: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها) أي: اعكموا ms2915 أنا ناتي الأرض ننقصها من أطرافها، أي: ~~نحشرهم يوم القيامة من أطراف الأرض إلى المحشر، فذلك نقصها. # وقال غيره: أفلا يرون أن رسول الله كلما بعث إلى أرض ظهر عليها، قال: ~~ننقصها بالظهور عليها أرضا فأرضا، (أفهم الغالبون)، أي: ليسوا هم الغالبين، ~~ولكن رسول الله هو الغالب عليهم. # وقال ابن عباس: ننقصها: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. # وقال قتادة: ننقصها بالحرث، وكذلك قال عكرمة: ننقصها من أطرافها بالموت، ~~وقال: لو كانت الأرض تنقص لم يوجد للرجل مجلس يجلس فيه، ونحو هذا قد قالوا ~~فيه. # PageV07P348 # وقوله - عز وجل -: (قل إنما أنذركم بالوحي ... (45) # هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: خرج جوابا لقولهم: (ما أنت إلا بشر مثلنا)، أنهم كانوا ينكرون ~~رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟ فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ~~ولكن إنما أنذركم بالوحي من الله، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته. # والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارة المرسلة غير مضافة إلى ~~الله، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، لم أنذركم من ذات ~~نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - والله أعلم - أي: فيما ~~أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ~~ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات ~~رسالته. # وقوله - عز وجل -: (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون). # هذا - والله أعلم - يقول: إن الأصم إذا أريد أن يدفع عن المهالك لا سبيل ~~أن يدفع عنها ويكف بالدعاء والنداء، ولكن إنما يكف ويدفع عن المهالك ~~بالأيدي والراحات، كأنه قال ذلك لما أكثر دعاءهم إلى ما به نجاتهم فأبوا ~~ذلك ولم يجيبوه، فقال عند ذلك: إنكم لا تسمعون الدعاء والنداء إلى ما به ~~نجاتكم، ولكن تعرفون ذلك بالقتل والسيف. # أو أن يقول ذلك: إنكم صم عن الحق حتى لا تسمعونه كالأصم بالسمع، والأصم ~~يالسمع لا يدعى ولا ينادى؛ لأنه لا يسمع، ولكن يدعى باليد والإشارة، فعلى ~~ذلك أنتم صم عن الحق ms2916 لا تدعون بالنداء، ولكن بالذي يعرف الدعاء وهو اليد، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين (46) # قال الحسن: (نفحة) أي: طائفة من عذاب ربك. # وقال بعضهم: نقمة من ربك. # وقال بعضهم: عقوبة ربك، وأصل النفحة: الرمية؛ ولذلك سمي نفحة الدابة: أي ~~رميها، وهو ما ذكر من رمي الشرر؛ كقوله: (إنها ترمي بشرر كالقصر). # وقوله - عز وجل -: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل؛ لأنه قال: (ونضع ~~الموازين القسط)؛ فكأنه قال: ونضع الموازين التي توضع في الدنيا ويعرف بها ~~حقوق الناس في # PageV07P349 # الآخرة العدل الذي يعرف به حدود الأشياء وأقدارها، فيكون الموازين العدل ~~ما ذكر بقوله: (فلا تظلم نفس شيئا)، أي: لا ينقص من حسناته أو يزاد على ~~جزاء سيئاته، ولكن يوفى كل جزاء عمله. # ويحتمل أن يكون قوله: (ونضع الموازين القسط) على الإضمار، أي: نضع ~~الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل لا تطفف ولا تنقص ولا ~~تحسر، كما تفعلون في الدنيا، ولكن العدل لا تطفف ولا تنقص ذلك تسوى وتستوفى ~~مستويا من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد ~~لوجوه: الجهالة، أو للحاجة، أو للجور، فيحمله كله على الزيادة والنقصان، ~~والله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ لأنه عالم بذاته غنى بذاته ~~عادل، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه. # وقوله - عز وجل -: (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها). # أي: أتينا بجزائها، أو أتينا بها، أي: بعينها لا يفوت شيء ولا يغيب عنه. # وليس المراد من ذكر (مثقال حبة) و (مثقال ذرة)، الذرة، والحبة، ولكن ذكر ~~على التمثيل، أي: لا يفوت عنه شيء ولا يغيب ذلك المقدار من الخير والشر غير ~~فائت عنه ولا منسى، ولكن محفوظ محاسب. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بنا حاسبين). # لا يشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس ms2917 كمن يحاسب آخر في الشاهد أنه إذا كثر ~~الحساب عليه وازدحم شغله ذلك عن حفظ الحساب، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه ~~أفأنتم له منكرون (50) # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان). # فهو ما يفرق بين الحق والباطل، وبين المشتبه والواضح، وبين ما يؤتى ~~ويتقى، وبين ما عليهم ولهم، والنور: ما يتجلى به حقائق الأشياء، والضياء هو ~~ما يظهر به حسن ما يتجلى واستنار، وروح: هو ما به حياة كل شيء، القرآن ~~سماه: روحا؛ لأنه به حياة الدين، وسمى الماء: حياة؛ لأن به حياة الأبدان، ~~والمبارك هو ما ينال به ويصل إليه من كل خير، والذكر: هو ما يذكر ما لهم ~~وعليهم. # (وذكرا). قيل: هو الموعظة، والموعظة: قيل: هي التي تلين القلوب وتوسع ~~الصدور وتفسح ويخشع بها الفؤاد، وعلى هذا الوصف جميع كتب الله الذي وصف هذا # PageV07P350 # القرآن بها، ثم بين أنها على الوصف الذي ذكر لمن، فقال: (للمتقين) وإن ~~كانت هي في أنفسها على الوصف الذي ذكر، فإنها تتجلى بها الشبه من الحقائق ~~والحق من الباطل لمن قبلها وأقبل نحوها ونظر إليها بعين التعظيم والإجلال، ~~فأما من أعرض عنها فليست لهم على ما ذكر، لكن على ما أخبر بقوله: (فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم). # ثم بين من المتقون؟ فقال: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ~~(49) يحتمل قوله: (يخشون ربهم)، أي: يخشون العذاب الموعود في الغيب وهو ~~عذاب الآخرة ونقمتها، إن المؤمنين خافوا العذاب الموعود في الآخرة، فيحذرون ~~ما به يحل ذلك، وأما الكفار فإنهم لم يخافوا العذاب الموعود في الآخرة ولم ~~يصدقوه إنما يخافون العذاب المعاين المشاهد، فأما العذاب الموعود في الغيب ~~فلا يخافونه. # ويحتمل أيضا قوله: (يخشون ربهم)، أي: يهابون ربهم ويخافونه وإن لم يروه؛ ~~لما رأوا من آثار سلطانه وملكه. # وقوله - عز وجل -: (وهم من الساعة مشفقون) يحتمل: هم من أهوال الساعة ~~وأفزاعها خائفون. # أو أن يكون ms2918 قوله: وهم من محاسبة أعمالهم مشفقون خائفون، فحاسبوا أنفسهم ~~في الدنيا؛ إشفاقا على محاسبة أنفسهم في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # الذكر المبارك ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (أفأنتم له منكرون) ظاهره وإن كان استفهاما فهو في ~~الحقيقة إيجاب؛ كأنه قال: وهذا ذكر مبارك أنزلناه وتعرفونه أنه كذلك، فأنتم ~~مع هذا له منكرون، يذكر سفههم وتخبر عن عنادهم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال ~~لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا ~~لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن ~~وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ~~(57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا ~~بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ~~(60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا إبراهيم رشده). # PageV07P351 # قال الحسن: رشده: دينه وهداه. # وقال غيره: رشده: النبوة. # ويثبه أن يكون قوله: (آتينا إبراهيم رشده) حججه وبراهينه التي حاج بها ~~قومه على غير تعليم من أحد، وفيه دلالة أن ليس كل رشد وهدى بيانا؛ لأنه لو ~~كان كله بيانا لم يكن لتخصيص إبراهيم بالرشد كثير معنى؛ إذ هو في ذلك ~~البيان وغيره من الكفرة والفراعنة سواء، فدل قوله: (آتينا إبراهيم رشده) ~~أنه يكون من الله للمهتدين فضل صنع ليس ذلك في الكافرين، وهو التوفيق ~~والعصمة. # وقوله - عز وجل -: (من قبل) قال بعضهم: من قبل الأوقات التي يعطى البشر ~~الرشد وهو حال الصغر. # ويحتمل قوله: (من قبل) أي: من قبل محمد. # وقال بعضهم: من قبل موسى وهارون. # ويحتمل: (آتينا إبراهيم رشده) من قبل إيمان أهل الأديان كلها؛ لأن جميع ~~أهل الأديان يدعون أنهم على دين إبراهيم، فلا يحتمل أن يكون دينه ورشده ~~الذي آتاه الله هو ms2919 كل ذلك، بل إنما كان ذلك واحدا، فوجب النظر فيه والتأمل ~~في ذلك؛ ليظهر الدين الذي كان عليه إبراهيم. # وقوله - عز وجل -: (وكنا به عالمين). # يحتمل قوله: (وكنا به عالمين)، أي: بالرشد والدين الذي عليه إبراهيم ~~عالمين من قبل. # أو أن يكون قوله: (وكنا به عالمين)، أي: كنا بجميع ما يكون من إبراهيم ~~عالمين. # وقوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ~~(52) كأنه قال: ما هذه التماثيل التي اتخذتموها (أنتم لها عاكفون)، أي: ~~إنما يعبد من يعبد لفعل يكون من المعبود إلى من يعبده، فأما أن يعبد ما ~~يفعله من المعبود فلا يحتمل، وهو ما قال إبراهيم: (أتعبدون ما تنحتون (95) ~~والله خلقكم وما تعملون)، يسفههم # PageV07P352 # ويعيب عليهم لعبادتهم ما ينحتون هم بأيديهم ويتركون عبادة من خلقهم وخلق ~~أعمالهم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) # قد انقطع حجاجهم لما قال لهم إبراهيم ما قال وأظهر سفههم، ففزعوا إلى ~~تقليد آبائهم فقالوا: (وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم ~~وآباؤكم في ضلال مبين (54) لم ينكر عليهم فعل آبائهم وعبادتهم الأصنام، ~~ولكن أقر لهم بصنيع آبائهم، ثم جمعهم وآباءهم وأخبر: (أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين) بعبادة الأصنام. # وقوله - عز وجل -: (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) # لما علموا أن مثل هذا القول لا يقوله إلا من كان عنده حجة وبرهان، ~~فقالوا: أجئتنا بما تقول بحجة، (أم أنت من اللاعبين) تلعب بنا وتهزأ؟ وأخبر ~~أنه جاءهم بالحق وبين لهم ذلك الحق فقال: (بل ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن (56) لا الأصنام التي تعبدونها، أي: (ربكم رب السماوات والأرض) الذي ~~يعرف بالدلالات والبراهين وآثار الصنعة في غيره، لا الذي أحدثتم أنتم ~~واتخذتموه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا على ذلكم من الشاهدين). # يحتمل: وإنا على جميع ما قال وكان منه من الحجاج وإقامة الحجج على ألوهية ~~الله تعالى وتسفيه أولئك في عبادة الأصنام - من الشاهدين، أو من الشاهدين ~~على خلقها. # ويجوز أن يقال: الشاهد: المبين، وأنا ms2920 على ذلكم من المبينين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) # إن الأصنام لا يقصد إليها بالكيد، لكن تأويله - والله أعلم - لأكيدن لكم ~~في أصناكم. # وقوله - عز وجل -: (بعد أن تولوا مدبرين) قال عامة أهل التأويل: إن ~~إبراهيم إنما قال ذلك: (لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) من الأصنام ~~إلى عيدهم؛ لأنهم كانوا يخرجون إلى عيدهم من الغد، فقال: (لأكيدن أصنامكم)، ~~أي: لأكيدن لكم في أصنامكم (بعد أن تولوا مدبرين) منها إلى عيدكم. # وجائز أن يكون قوله: (لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) عني، وكانوا ~~في ذلك الوقت بحضرة الأصنام؛ ألا ترى أنه قال لهم: (ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون)، ومثل هذا الكلام لا يقال إلا بحضرة الأصنام؛ لأنه أشار ~~إلى الأصنام فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)، فقال عند ذلك: ~~(وتالله لأكيدن أصنامكم)، أي: لأكيدن لكم في أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ~~عني؛ على التأويل الأول، يكون توليهم الأدبار عن الأصنام إلى عيدهم، وعلى ~~التأويل الثاني يكون توليهم الأدبار عن إبراهيم، والله أعلم. # PageV07P353 # وقوله - عز وجل -: (فجعلهم جذاذا ... (58) # و (جذاذا): قال بعضهم: قطعا. # وقال القتبي: جذاذا: فتاتا، وكل شيء كسرته فقد جذذته؛ ومنه قيل للسويق: # جذيذ، والجد: هو القطع، والمجذوذ: المقطوع، وذلك قوله: (غير مجذوذ) أي: ~~غير مقطوع. # وقوله - عز وجل -: (إلا كبيرا لهم) لم يكسره (لعلهم إليه يرجعون). # يقول: إلى الصنم الأكبر الذي لم يكسره إبراهيم يرجعون من عيدهم. # وقال بعضهم: لعلهم إلى الحجة يرجعون، وقيل: هو أحج القولين، أي: من ~~الحجة. # وقال بعضهم: (لعلهم إليه يرجعون)، أي: يتذكرون. # وجائز أن يكون قوله: (لعلهم إليه يرجعون)، أي: يرجعون إلى ما يريد أن ~~يكيد لهم في أصنامهم؛ لأنه إنما يريد أن يكيد لهم إذا رجعوا إلى الأصنام ~~فرأوها مجذوذة، والكيد: هو الأخذ على الأمن وكذلك المكر. # وقوله - عز وجل -: (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) # لو تأملوا كانوا هم الظلمة في الحقيقة؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام ~~رجاء ms2921 منفعة تكون لهم حيث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، و ~~(هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فإذا رأوهم لا يقدرون على دفع الكسر والقطع عن ~~أنفسهم ودفع من فعل بهم ذلك، كيف طمعوا منها نفعا أو دفع الضر عن أنفسهم؛ ~~لأن من عجز عن دفع الضر عن نفسه فهو عن دفعه عن غيره أعجز، فهم الظلمة في ~~الحقيقة؛ حيث طمعوا النفع ودفع الضر ممن لا يملك ذلك لنفسه، لكن قالوا ذلك ~~سفها منهم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم ... (60) بالكيد لهم حين قال: ~~(لأكيدن أصنامكم)، سمع ذلك القول منه ناس، فأخبروا قومهم لما قالوا: (من ~~فعل هذا بآلهتنا) فعند ذلك قالوا: (سمعنا فتى يذكرهم) بالكيد لهم (يقال له ~~إبراهيم). # وجائز أن يكون قوله: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم): بالعداوة، وهو حين قال: ~~(فإنهم عدو لي إلا رب العالمين)، أخبر أن أولئك الذين عبدوا الأصنام أعداء ~~له، فالمعبود الذي عبدوه يكون عدوا له أيضا، فاستدلوا بذلك القول منه أنه ~~هو فعل بهم ما # PageV07P354 # فعل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) # قال بعضهم: على رءوس الناس. # وقيل: بحيث ينظر الناس إليه، أو بحيث يراه الناس، وهو واحد. # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يشهدون). # اختلف فيه: # قال بعضهم: يشهدون عقوبته بما فعل بأصنامهم؛ فيكون نكالا له وزجرا لغيره ~~عن أن يفعل بها مثل ما فعل هو؛ ولذلك قالوا: (حرقوه) نكالا وزجرا لغيره؛ ~~كقوله: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها)، أي: زجرا، وكقوله: (فشرد ~~بهم من خلفهم). # وقال بعضهم: (لعلهم يشهدون) بفعله الذي فعله بالأصنام، لم يريدوا أن ~~يعاقبوه بلا بينة ولا حجة. # وقال بعضهم: لعلهم يشهدون أنه قال لآلهتهم ما قال، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ms2922 شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون ~~من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ~~(68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأخسرين (70) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ~~(71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا ~~لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من ~~الصالحين (75) # وقوله - عز وجل -: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل ~~فعله كبيرهم # PageV07P355 # هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون). # اختلف في هذا: # قال بعضهم: هذا القول من إبراهيم كذب في الظاهر فيما أراد أن يكيد لهم، ~~وإن لم يكن في الحقيقة عنده كذبا، وكذلك ما قال: (إني سقيم)، وكان صحيحا، ~~وقوله: (هذا ربي)، ومثل هذا قالوا: هذا في الظاهر كذب، وإن لم يرد هو به في ~~الحقيقة كذبا. # وقال بعضهم: إنه إنما قال ذلك على أن يريهم من نفسه الموافقة لهم في ~~الظاهر؛ ليكونوا للحجج أسمع وللبراهين أقبل، فيكون تأويله - والله أعلم -: ~~لعل كبيرهم فعل بهم هذا. # أو أن يقول: أكبر فعل هذا بهم وكذلك قالوا في قوله: (هذا ربي). # قال بعضهم: ليس هذا ولا فيه كذب في الظاهر، ولكن قال ذلك على الشرط حيث ~~قال: (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون (63) أي: بل فعله ~~كبيرهم إن كانوا ينطقون، علق فعله بشرط النطق، فإذا كانوا لا ينطقون لم يجئ ~~منه. # وقوله: (إني سقيم)، أي: سأسقم وكل حي يسقم يوما، وقوله: (هذا ربي)، أي: ~~ليس هذا ربي ومثل هذا قد قالوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فرجعوا إلى أنفسهم ... (64) # أي: رجعوا إلى أنفسهم باللائمة، فقالوا فيما بينهم: (إنكم أنتم الظالمون) ~~هذا يحتمل وجوها: # إنكم أنتم الظالمون حيث نسبتم الفعل بهذه الأصنام والكسر إلى إبراهيم ~~وقلتم: إنه فعل ذلك بهم، وإنما فعل بهم هذا كبيرهم؛ ms2923 لما وقع عندهم أن ~~كبيرهم هو الذي فعل بهم. # والثاني: إنكم أنتم الظالمون حيث اتخذتم مع كبيرهم آخرين شركاء في ~~العبادة حتى غضب عليهم فكسرهم. # أو أن يكون قوله: (إنكم أنتم الظالمون) يعنون الأصنام المكسورة: يا هؤلاء ~~(إنكم أنتم الظالمون)؛ حيث حملتم الكبير على تكسيركم، والله أعلم بما ~~أرادوا بذلك، ولا يجوز لنا أن نزيد أو ننقص في هذه الأنباء المذكورة في ~~الكتاب، أو نقطع على جهة دون جهة؛ لأنها ذكرت ليحتج عليهم بما في كتبهم، ~~فلو زيد أو نقص أو قطع على جهة دون # PageV07P356 # جهة يذهب الاحتجاج بها عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) # قوله: (نكسوا على رءوسهم) للتفكر والنظر في قول إبراهيم حيث قال: (بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، إنما علق فعل الكبير بهم إن ~~نطقوا، فقالوا: لقد علمت يا إبراهيم ما هؤلاء ينطقون، فكيف قلت: (بل فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم)، فإذا كانوا لا ينطقون لم يفعل كبيرهم، ثم قال: ~~(أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) فإن قيل: إن ~~إبراهيم لم يحتج عليهم أن كيف تعبدون من دون الله ما لا ينطق؟ ولكن قال: ~~(أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم). # قيل: قد كان احتج عليهم من ذلك النوع حيث قال: (هل يسمعونكم إذ تدعون ~~(72) أو ينفعونكم أو يضرون)، وبعد فإنه قد احتج عليهم بعجزهم عن النطق حيث ~~قال: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، ثم قال هاهنا: (أفتعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعكم شيئا) إن عبدتموهم (ولا يضركم) إن تركتم عبادته. # (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) أف: هو كلام كل مستخف ~~بآخر ومستحقر له في فعله؛ يقول: (أف لكم)، فإبراهيم حيث قال ذلك لهم إنما ~~قال استخفافا بهم وبما عبدوه، (أفلا تعقلون): أن عبادة من لا ينفع ولا يضر ~~لا تصلح ولا تحل. # وفي أنباء إبراهيم خصال ليست تلك في غيرها من الأنباء: # إحداها: أنه ms2924 لم يترك صنما كان يعبد دون الله إلا وقد نقض ذلك. # والثانية: أنه حاج قومه أولا في فساد مذاهبهم وفساد ما اعتقدوه، ثم بعد ~~ذلك أقام عليهم حججه وبراهينه؛ لأنه قال: (هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين)، وقال: (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، وقال: ~~(فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب)، فلما أراهم فساد ~~مذهبهم، فعند ذلك ذكر حججه وبراهينه حيث قال: (إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا)، وقال: (الذي خلقني فهو يهدين. . .)، وهكذا الواجب ~~على كل متناظر أن يبدأ أولا بإظهار فساد مذهب خصمه، فإذا أراه فساد مذهبه، ~~فحينئذ يذكر حجج مذهبه وبراهين ما يعتقد؛ ليكون لها أسمع وعند إقامتها ~~أقبل. # والثالثة: أنه لم يبتل نبي قط بفرعون مثل فرعونه ولا قوم مثل قومه في ~~السفه والبغض والهم بقتله بالنار. # وجائز أن يكون خصوصية الخلة لهذه الخصال التي ذكرناها، والله أعلم. # PageV07P357 # وقوله - عز وجل -: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) هذا ~~ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) # جائز أن يكون قوله: (كوني بردا وسلاما) أي: جعلها في الخلقة بردا وسلاما ~~على إبراهيم خاصة، وأما على غيره فهي على ما هي في طبعها من الإحراق والحر؛ ~~فيكون ذلك من أعظم آيات رسالة إبراهيم ونبوته. # أو أن يكون على الوحي والإلهام على ما قاله أهل التأويل: إنه أوحى إليها ~~أن (كوني بردا وسلاما على إبراهيم)، لكنه إن كان على هذا فجائز أن يجعل في ~~سريتها ما تفهم أمره ويمكن فيها ما تفطن ذلك فلم تحرقه. # وقول أهل التأويل: إنها بردت حتى لم ينتفع به أهل المشرق والمغرب ثلاثة ~~أيام، فذلك لا يعلم إلا بالسمع. # وقوله - عز وجل -: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) # الكيد: هو الأخذ من حيث الأمن، فجائز أن يكونوا كادوه أن حبسوه في موضع، ~~ثم جمعوا عليه الحطب من غير أن علم هو ذلك، ثم أوقدوا عليه النار. # أو أن يكون أخذوه ms2925 مغافصة، فجعلوه في المنجنيق ثم رموه في النار؛ على ما ~~قاله بعض أهل التأويل. # أو أن يكونوا كادوه كيدا آخر سوى ذلك فنحن لا نعلم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فجعلناهم الأخسرين). # لا شك أنهم في الآخرة من الأخسرين، وأما خسرانهم في الدنيا فلا نعلم ذلك ~~الخسران، والله أعلم به. # وقال بعضهم في قوله: (وأرادوا به كيدا): وذلك أنه لما جعل في النار أنجاه ~~الله منها، وجعلها عليه بردا وسلاما على إبراهيم، وأمره الله تعالى بالخروج ~~إلى الأرض المقدسة، فخرج إليها فطلبوه وبعث ملكهم إلى أصحاب المناظر فقال: ~~لا يمر بكم إنسان يتكلم بالسريانية إلا حبستموه، قال: فحول الله لسانه ~~بالعبرانية، فمر بهم فعبر عليهم، فانطلق إبراهيم متوجها نحو أهله، فذلك ~~قوله: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين)، # PageV07P358 # أي: الأسفلين وأعلاهم إبراهيم صلوات الله عليه. # وقوله - عز وجل -: (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ~~(71) دل هذا على أن إبراهيم كان كالمشرف على الهلاك؛ لأن لفظة (النجاة) لا ~~تقال إلا فيما كان هنالك إشراف على الهلاك. # وفيه أن لوطا كان معه وإن كان إبراهيم هو الممتحن في ذلك وهم كانوا ~~يقصدون قصد إهلاك الرسل والأتباع جميعا. # وقوله - عز وجل -: (إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قال الحسن: ~~بركته ما ذكر في آية أخرى وهو قوله: (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين)، ~~كثيرة المياه والنبت ونحوه. # وقال بعضهم: بركته: سعته على أهلها. # وقال بعضهم: بركته؛ لأنها كانت مكان الأنبياء والرسل صارت مباركة بهم. # وجائز أن يكون صارت مباركة بإبراهيم ولوط؛ لما بهم ظهر الإسلام هنالك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) # قال بعضهم: النافلة: العطية. # وقال بعضهم: النافلة: الفضل. # وأصل النافلة: الغنيمة؛ كقوله: (يسألونك عن الأنفال) أي: الغنائم. # والولد وولد الولد فضل منه وعطية وغنيمة؛ لأنه سمى الولد: هبة بقوله: ~~(يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور)، وسمى الولد: مواهب، وخاصة ~~إبراهيم لم يكن يطمع أن يولد له الولد في ذلك الوقت، فكيف يطمع ms2926 ولد الولد؟! ~~وقوله - عز وجل -: (وكلا جعلنا صالحين). # يحتمل قوله: (صالحين): رسلا، أو صالحين في كل أمر وكل شيء. # وقوله - عز وجل -: (وجعلناهم أئمة ... (73) قادة في أمر الدين، (يهدون ~~بأمرنا) يحتمل قوله: (يهدون)، أي: يدعون الناس بأمرنا؛ كقوله: (ولكل قوم ~~هاد أي: داع. # وجائز أن يكون قوله: (يهدون بأمرنا)، أي: يهدون الناس إلى ما به أمر الله ~~وإلى # PageV07P359 # وقوله - عز وجل -: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات)، دل قوله: (وأوحينا ~~إليهم) أنهم كانوا رسلا ثم يحتمل قوله: (فعل الخيرات)، وقوله: (وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة) فيه أن الصلاة والزكاة كانتا في شرائع المتقدمين. # وقوله: (وكانوا لنا عابدين) موحدين، أو عابدين له في كل وقت. # وقوله - عز وجل -: (ولوطا آتيناه حكما وعلما (74) # قال بعضهم: (حكما) يعني: النبوة. # وقال بعضهم: (حكما) أي: الفهم والعقل، وعلما. # وجائز أن يكون قوله: (حكما) أي: الحكم الذي يحكم بين الناس، (وعلما)، أي: ~~العلم الذي كان به يحكم بين الناس. # ومن قال: (حكما) هو النبوة، قال: لأن الأنبياء إنما يحكمون بين الناس ~~بالنبوة فكتوا بالحكم عن النبوة. # ومن قال بالفهم فهو لأنه إنما يحكم بين الناس بعد ما فهم من الخصوم، وإلا ~~حاصل الحكم هو الحكم بين الناس، (وعلما)، أي: العلم الذي به يحكم، أو علما ~~فيما بينه وبين ربه، والله أعلم. # وقوله: (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث). # أضاف عمل الخبائث إلى القرية، ومعلوم أن القرية لا تعمل شيئا، لكن معناه: ~~نجيناه من القرية التي كان أهلها يعملون الخبائث، وكذلك ذكر في حرف حفصة. # وقوله: (الخبائث): كل أنواع الخبث من الكفر والتكذيب بالآيات واللواطة ~~وغيرها. # وقوله: (إنهم كانوا قوم سوء فاسقين). # أي: (كانوا قوم سوء) في أفعالهم وأعمالهم التي كانوا يعملونها (فاسقين)، ~~أي: خارجين عن أمر الله تاركين له، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ لأنه ~~برحمته يدخل فيها ويدرك. # وقال غيره: (في رحمتنا ... (75) أي: نعمتنا، ونعمته: النبوة؛ كقوله ~~لعيسى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه)، النبوة. # وجائز أن يكون قوله: (في رحمتنا) أي: أعطيناه كل أنواع الخير برحمتنا؛ ms2927 إذ ~~كل من أصاب خيرا في الدنيا والآخرة إنما يدركه برحمته. # وقوله - عز وجل -: (إنه من الصالحين) من النبيين. # PageV07P360 # أو (من الصالحين)، أي: كان يعمل بكل أنواع الصلاح. # * * * # قوله تعالى: (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ~~فأغرقناهم أجمعين (77) # وقوله: (ونوحا إذ نادى من قبل). # قال بعضهم: من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأنه ذكر هؤلاء على أثره، ثم ~~اختلف في ندائه: # قال بعضهم: نداؤه هو قوله: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر). # وقال بعضهم: نداؤه هو قوله: (رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم ~~دعائي إلا فرارا). # أو أن يكون ذلك قوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)، وقوله: # (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا. . .) الآية، وأمثاله. # وقوله - عز وجل -: (فاستجبنا له فنجيناه وأهله). # أهله: أتباعه من أهله ومن غيرهم. # وقوله: (من الكرب العظيم) قال عامة أهل التأويل: (من الكرب العظيم) هو ~~الغرق والهول الشديد الذي كان به. # وجائز أن يكون (من الكرب العظيم): هو ما قاسى من قومه ولقي منهم بدعائه ~~إياهم إلى دين الله في تسعمائة وخمسين عاما، وما كانوا يسخرون به ويؤذونه ~~من أنواع الأذى؛ كقوله: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم)، ونحو ذلك من الأذى ~~الذي قاساه منهم، فأنجاه من ذلك الكرب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم ~~سوء فأغرقناهم أجمعين (77) # وفي حرف أبي بن كعب: ونصرناه على القوم الذين كذبوا بآياتنا، والنصر: هو ~~اسم لأمرين: اسم للمنع، واسم للظفر، فمن قرأه: (ونصرناه من القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا)، أي: منعناه من أن يقتله قومه ويهلكوه، والنصر: المنع؛ ~~كقوله: (فلا ناصر لهم)، أي: لا مانع لهم. # ومن قرأه: (على القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي: أظفرناه على قومه؛ كقوله: ~~(وما النصر إلا من عند الله)، وقد كان له الأمران جميعا: المنع، والظفر. # PageV07P361 # وقوله: (إنهم كانوا قوم سوء) ما ذكرنا من أفعالهم ms2928 وأعمالهم. # وقوله: (فأغرقناهم أجمعين) حتى لم ينج منهم أحد. # قال أبو عوسجة: الكرب: واحد، وجمعه كروب، وهو الهموم والشدائد، والكربة ~~واحدة، والكرب جمع، وهو مثل الكروب، قال: والأكراب تكون للدلاء، وهي جماعة ~~الكرب، وهو حبل يشد في عراقي الدلو، وعراقي الدلو: خشبات الدلو، الواحدة: ~~عرقوة، قال: والكراب: الحراث. # * * * # قوله تعالى: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم ~~من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ~~ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) # وقوله - عز وجل -: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم. . .) الآية. # قال بعض الناس: دل تخصيص سليمان بالتفهيم على أنه لم يفهم داود ذلك، ويدل ~~على ذلك وجوه: # أحدها: إشراكه - عز وجل - إياهما جميعا في الحكم والعلم وغيره؛ حيث قال: ~~(إذ يحكمان في الحرث)، وقال: (وكلا آتينا حكما وعلما)، ذكر ما كانا مشتركين ~~فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في الآخر ~~على أنه كان مخصوصا به دون الآخر. # والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذكرت لنا لنستفيد بها علما لم يكن، فلو لم ~~يكن سليمان مخصوصا بالفهم دون داود، لكان لا يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا ~~نعلم أنهما قد أوتيا حكما وعلما، وكانا يحكمان بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل ~~التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مفهما ذلك، والله أعلم. # والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا حكم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب ~~بتفهيم الله إياه وبتوفيقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما جميعا العلم، ثم خص ~~سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل الله؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه. # ثم إن كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لأصحابنا، فيمن قتل مسلما في دار ~~الحرب أسلم هنالك: أن عليه الكفارة، وليست عليه ms2929 الدية؛ حيث قال: (ومن قتل ~~مؤمنا خطأ # PageV07P362 # فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة)، ذكر في الأولين الدية والكفارة جميعا، ~~ثم خص الثالثة بذكر الكفارة دون الدية؛ فدل التخصيص له بأحدهما على أن ليس ~~عليه الآخر؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يذكر في الأول الدية والكفارة، ولا ~~يذكر في الآخرين، فيكون ما ذكر في الأول غير مذكور في الآخرين، أو لا يذكر ~~ذلك كله في الكل، فإذا لم يفعل هكذا، ولكنه ذكر كل الواجب في الاثنين على ~~الإبلاغ، وترك في الواحد أحدهما وذكر الآخر؛ فدل تخصيص الثالث بأحد الحكمين ~~على أن ليس عليه الآخر. # ثم استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي، فمنهم من ~~استدل بإصابة المجتهد فيما يجتهد، وإن لم يصب هو الحكم الذي هو حكم عند ~~الله فيه حقيقة، وهو قول من يقول: كل مجتهد مصيب فيما عليه من الاجتهاد في ~~تلك الحادثة، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. # ومنهم من يستدل به بخطأ أحد المجتهدين وعذره في خطئه، فيذهب إلى أن ~~المقصود مما كلف من الحكم في ذلك واحد لا حكمين مختلفين، فإذا كان المقصود ~~مما كلف من الحكم فيه واحد؛ فلا يجوز أن يحكم اثنان في شيء واحد بحكمين ~~مختلفين والمقصود فيه واحد، فيكونان جميعا مصيبين، خص أحدهما بالتفهيم ~~بقوله: (ففهمناها سليمان (79) فلو كانا جميعا مصيبين كانا جميعا مفهمين، ~~فإذا أخبر أنه فهم سليمان ولم يفهم الآخر، دل أن المصيب هو المفهم منهما، ~~وهو قول أبي حنيفة وبشر وغيرهما. # ومن استدل بإصابته يستدل بقوله: (وكلا آتينا حكما وعلما) أخبر أنه آتاهما ~~حكما وعلما؛ فدل ذلك على أنه لم يكق عليهما غير ما فعلا وحكما فيه، وإن لم ~~يصيبا الحكم الذي هو حكم حقيقة عند الله. # ثم ذكر في الآية: أنهما يحكمان في الحرث، ولم ms2930 يذكر أنهما حكما بالضمان ~~والبراءة عن الضمان وأى شيء كان حكمهما؛ فدل ترك بيان ما حكما فيه على أن ~~ليس علينا ذلك الحكم؛ إذ بين لنا ما علينا العمل فيه وهو العمل بالاجتهاد؛ ~~حيث قال: (ففهمناها سليمان)، ولم يبين لنا الحكم الذي حكما فيه، فدل بيان ~~أحدهما وترك بيان الآخر على أن ليس علينا الذي ترك ذكره وبيانه، إلا أن أهل ~~التأويل حملوا حكمهما على الضمان والبراءة، وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: روي: أن ناقة لرجل هاربة دخلت حائط رجل ~~فأفسدت ما فيه، فكلم رسول الله فيها، فقضى أن حفظ الحوائط # PageV07P363 # بالنهار على أهلها، وأن حفظ المواشي بالليل على أهلها، وأن على أهل ~~الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما أصابت الماشية ~~بالليل فعلى أهلها، وما أصابت بالنهار فليس على أهلها منه شيء "، لكن الخبر ~~إنما جاء في المدينة، وفي المدينة إنما # PageV07P364 # ترعى الماشية في السكك؛ إذ ليس لها مراع، ونحن نقول: إن من أرسل ماشية في ~~مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته، فالواجب عليه الضمان: ~~ضمان ما أفسدت، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه، فتعدى إلى ~~ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه. # ومن الناس من يجعل الخبر منسوخا بما جاء: (جرح العجماء جبار)، لكن الوجه ~~فيه ما ذكرنا، وإنما يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها، ~~فأما إذا كان بصنع صاحبها فعليه الضمان، والله أعلم. # وقال القتبي: (نفشت) أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش ~~وأنفاش واحدها: نافش، وسرحت وسربت بالنهار. # وقال أبو عوسجة: (نفشت فيه غنم القوم)، يقال: أنفشنا الغنم: إذا أثرناها ~~في الليل فرعت، وهو النفش ونفشت، أي: انتشرت بغير علم أهلها، ونفشت تنفش ~~نفشا فهي نافشة. # قال أبو عبيدة: النفش بالليل: أن تدخل في زرع فتأكله، أو رعت فتأكل. # وقوله - عز وجل -: (وسخرنا ms2931 مع داوود الجبال يسبحن). # ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير، ولكن ذكر في آية أخرى حيث ~~قال: (والطير محشورة كل له أواب): أي: يسبح له. # ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان ~~تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم ~~أن الله جعل لهذه الأشياء تسبيحا يسبحن الله ويذكرونه، كذلك ما روي في ~~الأخبار أن الطعام يسبح في كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي أنه ~~أخذ حجرا فسبح في يده، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله ~~آية لرسل الله على رسالتهم. # PageV07P365 # وقوله - عز وجل -: (وكنا فاعلين). # أي: كنا فاعلين ما نريد: إن أردنا أن يسبحن، يسبحن، وإن أردنا ألا يسبحن، ~~لا يسبحن، أي: كنا فاعلين جميع ما نريد، ليس كالخلائق؛ لأنهم يريدون أشياء ~~لا تلتئم لهم. # وقوله - عز وجل -: (وعلمناه صنعة لبوس لكم ... (80) وقال في آية أخرى: ~~(وألنا له الحديد (10) أن اعمل سابغات. . .) الآية. # ثم يحتمل قوله: (وألنا له الحديد) أي: علمناه السبب الذي به يلين الحديد ~~فيصنع به ما شاء، كما علم غيره من الخلق السبب الذي يلين به الحديد. # ويحتمل أن جعل له الحديد لينا بلا سبب؛ تسخيرا له كما سخر له غيره من ~~الأشياء الشديدة الصلبة، كما أعطى ولده عين القطر حيث قال: (وأسلنا له عين ~~القطر) وذلك لم يكن لأحد سواه. وكذلك الحديد ألان لوالده حتى يعمل به ما ~~شاء ما لم يكن ذلك في حديد سواه، (وعلمناه صنعة لبوس لكم) قيل: دروع الحديد ~~(لتحصنكم من بأسكم) أي: تقيكم من بأسكم، أي: من عدوكم ومن أمر حربكم، وفيه ~~قرأت: (لتحصنكم) بالتاء: و (ليحصنكم) بالياء: و (لنحصنكم) بالنون. # قال الكسائي: من قرأ بالتاء: (لتحصنكم) أي: الصنعة تحصنكم من بأسكم، ومن ~~قرأ بالياء: (ليحصنكم) أي: اللبوس يحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالنون: ~~(لنحصنكم) فإنه يقول: نحصنكم بهن من بأسكم. # وقوله - عز وجل -: (فهل أنتم شاكرون) ما أعطاكم ms2932 من النعمة التي ذكر من ~~تسخير الجبال له والطير والحديد والرياح وغيره، فهل أنتم شاكرون ذلك، أي: ~~اشكروا له في نعمه؛ لأن الاستفهام من الله على الإيجاب والإلزام. # وقوله - عز وجل -: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره ... (81) ذكر هاهنا ~~" عاصفة "، وقال في آية أخرى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) ~~أي: لينة، فهو يحتمل وجوها: قال بعضهم: كأنها تشتد إذا أراد سليمان وتلين ~~إذا أراد. # وقال بعضهم: كانت تشتد وقت حمل السرير وتلين وقت سيره. # ويحتمل أن تكون عاصفة شديدة في الخلقة، لكنها كانت تلين له وترخو؛ فكأنه ~~يقول: سخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديدة حتى كانت تلين له. # وقوله: (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) لا تقصد غيرها. # وقوله - عز وجل -: (وكنا بكل شيء عالمين. ومن الشياطين من يغوصون له # PageV07P366 # ويعملون عملا دون ذلك ... (82) # ذكر نعمه التي كانت عليهم حيث أخبر أنه سخر لهما أشد الأشياء وأصلبها من ~~نحو الجبال والرياح والبحار والحديد والشياطين أيضا - وهم أعداء لبني آدم ~~سخر لهم الأعداء: الشياطين، والرياح. # وقوله - عز وجل -: (وكنا لهم حافظين) يحتمل وجوها: أحدها: وكنا لهم ~~حافظين، حتى لا يضلوا الناس. # وقال بعضهم: وكنا لهم حافظين على سليمان؛ لئلا يتفرقوا عنه؛ لأن سليمان ~~كان لا يملك إمساكهم واستعمالهم، لكن الله سخرهم له حتى عملوا له وذلوا له ~~وخضعوا. # والثالث: وكنا لهم حافظين عن الخلاف له. والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) # وقوله - عز وجل -: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)، وقال في آية أخرى: ~~(أني مسني الشيطان بنصب وعذاب)، ذكر في سليمان أنه سلطه على الشيطان، ~~وجعلهم مسخرين له يستعملهم في كل أمر وعمل شاء، وذكر في أيوب على أثر قصة ~~سليمان أنه سلط الشياطين عليه وصار كالمسخر لهم؛ حيث قال: (أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب) حتى يعلم أن تسخير الشياطين لسليمان كان له ms2933 إفضالا ~~وإنعاما، لم يكن سبق منه ما يستوجب به ذلك ويستحقه، ولا كان من أيوب إليه ~~من العصيان ما يستحق ذلك، وما أصابه من البلاء منه عدل، وكان ما يعطي من ~~السلامة والصحة رحمة منه ونعمة، وله أن يعطي من شاء ما شاء، ويحرم من شاء ~~ما شاء، ألا ترى أنه قال في آخره لما رد عليه ما أخذ وكشف عنه البلاء: ~~(ورحمة منا)، ولو كان ذلك حقا له على الله لم يكن لذكر الرحمة معنى، فهذا ~~يرد على المعتزلة مذهبهم: أن على الله الأصلح لهم في دينهم؛ لأن ما أصاب ~~أيوب من البلايا أضاف ذلك إلى الشياطين حيث قال: (أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب)، ولو كان ذلك أصلح له في دينه لكان لا يضيف فعل الأصلح له في الدين ~~إلى الشياطين؛ فدل على أنه ليس على ما يذهبون إليه. # ثم قوله: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر) شبيه أن يكون فيه إضمار ~~دعاء؛ كأنه قال: أني مسني الضر فارحمني وعافني وأنت أرحم الراحمين؛ ألا ترى ~~أنه قال: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) دل أنه على الدعاء خرج. # والثاني في قوله: (أني مسني الضر) وصرت بحال يرحمني من رآني من الخلق ~~وأنت # PageV07P367 # أرحم بي من كل الراحمين. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ... (84) هو ظاهر أنه ~~كشف عنه ما أصابه من البلاء في بدنه وأهله حتى عاد إلى الحال التي كان قبل ~~ذلك. # وقال بعضهم: أوتي أهله في الدنيا ومثل أجورهم في الآخرة. # وقال بعضهم: (وآتيناه أهله) فأحياهم الله (ومثلهم معهم)، وكانت امرأة ~~أيوب ولدت قبل البلاء أولادا بنين وبنات، فأحياهم الله. # وقال بعضهم: (وآتيناه أهله) أي: ما يتأهل به من الأهل والأنصار على ما ~~كان له من قبل. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) يحتمل وجوها: # أحدها: أن من ابتلي ببلاء، فصبر على ما صبر أيوب على بلائه، ففرجه الله ~~عن ذلك البلاء - فيفرجه عنه كما ms2934 فرج لأيوب. # والثاني: يعلم أن ما أصابه ليس لأمر يسبق منه، ولكن ابتلاء محنة من الله ~~امتحنه بها، وله أن يمتحن من شاء بما شاء من المحن. # * * * # قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم ~~في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) # وقوله - عز وجل -: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل) يشبه أن يكون " ذا الكفل ~~" اسما من أسمائه، وجائز أنه سمي ذا الكفل؛ لأمر كان منه: ذكر أنه كان رجلا ~~صالحا، فكفل لنبي بأمر قومه، فوفى ما تكفل به؛ فسمي لذلك ذا الكفل. # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: هو رجل صالح على ما ذكرنا. # وقال بعضهم: كان نبيا، لسنا نعلم ذلك سوى أنه ذكر أنه من الصابرين، سماهم ~~صابرين على الإطلاق، وكذلك سماهم صالحين على الإطلاق، وذلك - والله أعلم - ~~لأنهم جمعوا جميع أنواع الصبر وجميع أنواع الصلاح. والله أعلم. # وقوله: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) قال الحسن: أدخلناهم ~~في رحمتنا وهي الجنة، وجائز أن يكون جميع ما نالوا من الصبر والصلاح كان ~~ذلك كله رحمة الله وفضله، وهكذا أن من نال شيئا من الخيرات والطاعات فإنما ~~ينال ذلك كله برحمته. والله أعلم. # * * * # (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات # PageV07P368 # أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه ~~من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) # وقوله - عز وجل -: (وذا النون): # قال بعضهم: " ذا النون " هو اسم من أسمائه سمي. # وقال بعضهم: سماه ذا النون؛ لكونه في بطن النون وهو الحوت، أي: صاحب ~~النون، سمي باسمين مختلفين: # أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله وما كان، وهو ما سمى عيسى مرة، ~~وسماه مسيحا أخرى، أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله، وهو مما كان ~~يمسح به المرضى والموتى فيبرءون. # وكذلك " ذا الكفل " يخرج على هذين الاسمين: أحدهما موضوع له، والآخر: ~~مشتق من فعله على ما ذكرنا. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ ذهب مغاضبا) اختلف فيه: # قال بعضهم: (مغاضبا) لربه، أي: حزينا له؛ ms2935 لأنه كان أراد أن يهلك الله ~~قومه لما أيس من إيمان قومه، وقد كثر عنادهم ومكابرتهم، فخرج حزينا لذلك. # وقال بعضهم: مغاضبا للملك، وذلك أو قومه قد أسرهم عدوهم، وقد كان الله ~~أوحى إليهم فقال: إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني، فإذا دعوتموني ~~أستجب لكم، فلما أسروا نسوا أن يدعوه زمانا حتى إذا ذهبت أيام عقوبتهم ~~ونزلت أيام عافيتهم أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن ~~ابعثوا رجلا قويا أمينا فإني ملق في قلوب الذين أسروا قومهم أن يرسلوهم، ~~وفي القصة طول، غير أنا نختصر، فبعث ملكهم يونس إلى أولئك الأسارى ~~ليستنقذهم من أيديهم، فخرج وائتمر بأمره، لكنه غضب عليه لما اشتد عليه، ~~فذلك قوله: (ذهب مغاضبا) للملك، حيث أمره بالخروج إلى أولئك الأسرى. # وقال بعضهم: (ذهب مغاضبا) لقومه، وذلك يخرج على وجوه: # أحدها: خرج من عندهم لما أيس من إيمان قومه خرج مكيدة لقومه؛ لأن السنة ~~فيهم أنه إذا خرج رسوله من بين أظهرهم نزل بهم العذاب، فخرج من عندهم ~~ليخافوا العذاب فيؤمنوا. # والثاني: خرج إشفاقا على نفسه؛ لئلا يقتل؛ لما أن قومه هموا بقتله، فخرج ~~لئلا يقتل # PageV07P369 # إشفاقا على نفسه، كما خرج رسول الله من بين أظهر قومه لما هموا بقتله، ~~لكن رسول الله خرج بإذن، ويونس بغير إذن. # والثالث: خرج من عندهم لما أكثروا العناد والمكابرة وأيس من إيمانهم خرج ~~ليفرغ لعبادته؛ إذ كان مأمورا بعبادة ربه ودعاء قومه إلى ذلك، فلما أيس من ~~إيمانهم خرج كما ذكرنا بغير إذن من ربه، وإن كان في خروجه منفعة له ولقومه، ~~فعوتب لذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فظن أن لن نقدر عليه) قال بعضهم: (فظن أن لن نقدر ~~عليه) أي: لن نضيق عليه، ولا نبتليه بالضيق الشديد لما خرج من عندهم، ~~فيقال: فلان مقدر عليه، ومقتر، ومضيق عليه الأمر، وهو كقوله: (يبسط الرزق ~~لمن يشاء ويقدر) أي: يضيق، وقوله: (فقدر عليه رزقه) أي: ضيق عليه رزقه. # وقوله - عز وجل -: (فنادى في الظلمات) قالوا: في ms2936 ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، ~~وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. # وقال بعضهم: التقم الحوت حوت آخر، فكان في بطن حوت، وحوت آخر، وظلمة ~~البحر، فقال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وحد ربه ونزهه ~~عن جميع ما قيل فيه، ثم اعترف بذلته وذنبه فقال: (إني كنت من الظالمين) ~~فسمع الله دعاءه، وقبل توبته، وأخبر أنه كشف عنه الغم الذي كان له حيث قال: ~~(فاستجبنا له ونجيناه من الغم (88) وأخبر أنه كذلك ينجي المؤمنين، فيرجى أن ~~من ابتلاه الله بالبلاء والشدة فدعا بما دعا به يونوإن يفرجه الله عنه، حيث ~~قال: (وكذلك ننجي المؤمنين)؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " من دعا بدعوة ذي النون استجيب له ". # ثم قال بعضهم: التقن ذلك من الأرض لما بلغ إلى قرار الأرض فقال ذلك. # وقال بعضهم: كان رجلا صالحا عابدا وكان عود نفسه ذلك قبل أن يدخل بطن ~~الحوت، فلما دخل فيه فكان يقول فيه على ما كان يقول من قبل، وهو كقوله: ~~(فلولا أنه # PageV07P370 # كان من المسبحين (143) للبث في بطنه. . .) الآية. # قال بعضهم: هذا أنه كان من المسبحين قبل هذا وإلا للبث فيه إلى ما ذكر. # وقال بعضهم: لولا أنه كان قال هذا القول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين)، للبث فيه، فيكون على هذا التأويل: (كان من المسبحين)، أي: ~~صار من المسبحين، والأول أشبه، ثم اختلف في قوله: (ونجيناه من الغم): # قال بعضهم: ذلك الغم هو ما ابتلاه الله بالضيق في بطن الحوت والبحر، ~~فنجاه من ذلك الغم، ولكن جائز أن يكون نجاه من الغم الذي كان به سبب خروجه ~~من بين أظهرهم. # وقول أهل التأويل: إن يونس مكث في بطن الحوت أربعين يوما، أو ثلاثة أيام، ~~ونحو هذا فذلك لا يعلم إلا بالوحي، فإن ثبت الوحي فهو هو، وإلا ليس بنا إلى ~~معرفة ذلك حاجة. # وقال القتبي: (وذا النون) يعني: ذا الحوت، والنون: الحوت. # وقال أبو عوسجة: إنما سمي: ذا ms2937 النون؛ لأن الحوت التقمه، والنون: الحوت، ~~والنينان: الجمع. # وقال القتبي: قوله: (فظن أن لن نقدر عليه): لن نضيق عليه، قال: فلان مقدر ~~عليه ومقتر، ومنه: (فقدر عليه رزقه)، أي: ضيق عليه، ومنه قوله أيضا: (يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر)، أي: ضيق، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ~~(89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # وقوله - عز وجل -: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا) قوله: (لا ~~تذرني فردا) في الظاهر نهي، وكذلك قوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا): وأمثاله، ~~يخرج في الظاهر مخرج النهي، وقوله: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) ونحوه ~~يخرج مخرج الأمر أوالأمر، والنهي إذا كان من العبد للسيد فهو تعوذ ودعاء، ~~وإذا كان من السيد للعبد فهو أمر ونهي، ليس بتعوذ ولا دعاء، ولكن حقيقة ~~الأمر والنهي، وكذلك سؤال الأمير لرعيته أمر ونهي، وسؤال الرعية للأمير ~~تضرع وتعوذ ودعاء. # PageV07P371 # ثم قوله: (رب لا تذرني فردا) في الطاعة والعبادة والذكر والتسبيح ~~والتحميد ما دمت حيا، ولكن أشرك لي في العبادة والذكر من يعينني على ذلك، ~~وهو كقول موسى: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزري ~~(31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34)، وقوله: ~~(فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب)، إذا مت. # أو أن يكون قوله: (لا تذرني فردا) بعد مماتي في قبري، ولكن هب لي من ~~يذكرني ويدعو لي بعد وفاتي ويحيي أمري. # وقوله - عز وجل -: (وأنت خير الوارثين) أي: وأنت خير من يرث العبادة، على ~~هذا التأويل، وعلى التأويل الأول: وأنت خير من يعين على العبادة والطاعة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاستجبنا له ... (90) أي: دعاءه (ووهبنا له يحيى) قال ~~الحسن: إن كان يحيى على ما سماه الله في الطاعة والعبادة، وفي الآخرة يحيى ~~في الكرامات والثواب الجزيل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله: (وأصلحنا له زوجه) ms2938 يخرج على وجهين: # أحدهما: أن جعلناها بحيث يرغب فيها زوجها ذات هيئة ومنظر؛ لأنه ذكر في ~~القصة أنها بلغت في السن مائة غير شيء، والعرف في النساء أنهن إذا بلغن ~~المبلغ الذي ذكر أنها بلغت زوجة زكريا يكن من القواعد اللاتي لا يرغب فيهن ~~أحد، فأخبر أنه أصلحها وصيرها بحيث يرغب فيها، ذات هيئة ومنظر. # والثاني: (وأصلحنا له زوجه) أي: ولودا بحيث تلد؛ لأنه لما بشر بيحيى قال: ~~(أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا)، والعاقر: التي لا تلد، فيكون قوله: ~~(وأصلحنا له زوجه) ولودا بحيث نلد، والله أعلم. # هذان الوجهان محتملان. # وأما قول من يقول بأن في لسانها بذاء وطولا، وفي خلقها سوءا فذلك لا يحل ~~أن يقال إلا بثبت، وهو على خلاف ما ذكرهم ووصفهم، حيث قال: (إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات) ثم المسارعة في الخيرات أنه كان لا يمنعهم شيء عن ~~الخيرات، وهكذا المؤمن هو يرغب في الخيرات كلها، إلا أن يمنعه شيء من شهوة ~~أو سهو. # وقوله - عز وجل -: (ويدعوننا رغبا ورهبا) أي: يدعوننا رغبا فيما عندنا من ~~جزيل الثواب، ورهبا من أليم عقابنا. # PageV07P372 # والثاني: رغبا فيما عندنا من اللطائف من التوفيق على الخيرات والعصمة عن ~~المعاصي، ورهبا مما عندنا من النقمات والخذلان والزيغ. # وقوله: (وكانوا لنا خاشعين). # قال بعضهم: الخشوع: هو الخوف الدائم الملازم للقلب لا يفارقه. # وقال بعضهم: متواضعين ذليلين لأمر الله، تفسير الخشوع ما ذكر بقوله: ~~(ويدعوننا رغبا ورهبا). # * * * # قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين (91) # وقوله: (والتي أحصنت فرجها) أي: عفت فرجها. # وقوله: (فنفخنا فيها من روحنا) قال أهل التأويل: إن جبريل أتاها فنفخ في ~~جيبها أو في فرجها، وهذا ليس في الآية؛ فلا يجوز القول به إلا بثبت، ولكن ~~قوله: (فنفخنا فيها من روحنا) كقوله في آدم: (ونفخت فيه من روحي)، أي: ~~أنشأت فيه من روحي؛ إذ لم يقل أحد فيه بالنفخ، أي: جبريل نفخ فيه، فعلى ذلك ~~قوله: (فنفخنا فيها من روحنا) أي: أنشأنا ms2939 فيها من روحنا، والله أعلم. # وقوله: (وجعلناها وابنها آية للعالمين) ذكر فيها آية واحدة؛ لأنها ولدت ~~بغير زوج، وولد بلا أب، فهو واحد إذا كانت هي ولدته بغير زوج، فيكون بغير ~~أب فهو آية واحدة، والآية فيها ما ذكر: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نساء العالمين) وآية عيسى حين تكلم في المهد فقال: (إني عبد ~~الله آتاني الكتاب. . .) الآية. # وقال أبو عوسجة: (أحصنت): أي: عفت، ويقال: امرأة حصان، أي: عفيفة، ~~ومحصنة، أي: قد أحصنها زوجها، ومحصنة: أي عفيفة، وامرأة حصان، ونسوة حاصنات ~~وحواصن، قال: والحصان ذكر الخيل، وحصن: جمع. # * * * # قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا ~~أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) ~~حتى إذا فتحت # PageV07P373 # يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ~~ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) # وقوله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) # قال بعضهم: إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة، ~~يعني: شريعة الإسلام، وملة واحدة ليست بمفترقة. # وقال بعضهم: إن هذا دينكم دين واحد، ليس كدين الأمم الخالية أديانا ~~مختلفة. # أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد؛ لأن الأمة هي الجماعة، وهي ~~المقصودة. # وجائز أن يكون إخبارا عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا ~~بمختلفين ولا بمفترقين، كسائر الأمم الخالية، كقوله: (ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا. . .) الآية. وقوله (ولا تفرقوا) الآية، أخبر عنهم أنهم ~~غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون؛ ألا ترى أنه قال على ~~إثره: (وتقطعوا أمرهم بينهم) هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر ~~الأمر ms2940 أنهم على شيء واحد. # وقال الزجاج: (إن هذه أمتكم أمة واحدة) وما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا ~~تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة، والله أعلم. # وقوله: (وأنا ربكم فاعبدون) وقال في آية أخرى: (وأنا ربكم فاتقون) ليعلم ~~أن العبادة والتقوى واحد في الحقيقة؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال ~~والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى ~~بما يجب إتيانه، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، وهو ~~كقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، لأنه بفعله إياها مجتنب عن ~~الفحشاء والمنكر. # وجائز أن يكون قوله: (وأنا ربكم فاعبدون) أي: توحدون، على ما قال أهل ~~التأويل؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة. # وقوله: (وتقطعوا أمرهم بينهم ... (93) أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في ~~دينهم وتفرقوا # PageV07P374 # (كل إلينا راجعون) من تفرق ومن لم يتفرق، كقوله: (وإليه ترجعون)، (وإليه ~~المصير). # وقوله: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ~~(94) فيه دلالة ألا يقبل من الأعمال الصالحات إلا بالإيمان؛ لأنه شرط في ~~قبولها الإيمان، كقوله: (وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) أي: لشكر سعيه، ويقبل ~~ولا يجحد ولا يكفر، كقوله: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه)، بالياء والتاء ~~(فلن تكفروه)، وأصل الكفران: الستر، والشكر: هو الإظهار؛ يخبر - عز وجل - ~~أنه لا يستر ما عملوا من الحسنات والخيرات، بل يشكر ويظهر. # وقوله: (وإنا له كاتبون) أي: يكتب لهم تلك الحسنات والخيرات، كقوله: ~~(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة). # وقوله: (وحرم على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) (وحرام) بالألف ~~أيضا، ثم قوله: (وحرم)، (وحرام) - على قول أهل اللسان واللغة - واحد، يقال: ~~حرم عليك كذا، وحرام، كما يقال: حل وحلال. # وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون: حرم: حتم وواجب ~~(وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) أي: حتم وواجب على قرية إهلاكهم ~~بعد ما علم (أنهم لا يرجعون) أي: لا يتوبون؛ لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم ~~أنهم ms2941 لا يتوبون. # أو أن يكون قوله: (وحرام على قرية) أراد الله إهلاكها (أنهم لا يرجعون). # وظاهر قوله: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) أن يكون لهم ~~الرجوع؛ لأنه يقول: (وحرم. . . أنهم لا يرجعون)، ألا ترى إلى قوله: (حتى ~~إذا فتحت يأجوج ومأجوج) وظاهره أنهم لا يرجعون، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~واقترب الوعد الحق، فعند ذلك يرجعون لقوله: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا). # أو أن يكون ذكر هذا: (أنهم لا يرجعون) ولقول قوم؛ لأن قوما يقولون: إن ~~الخلق كالنبات ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت، فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون ~~ويرجعون. # وبعض من الروافض يقولون: يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردا عليهم ~~وتكذيبا لخبرهم؛ لأن القرآن قد صار حجة عليهم وإن أنكروه لما عجزوا عن أن ~~يأتوا بمثله، والله أعلم بذلك كله. # وقوله: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج (96) كأنه - والله أعلم - أضاف فتح ~~ذلك السد # PageV07P375 # إلى أنفسهم وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السد وجها، والله أعلم. # وقوله: (وهم من كل حدب) قيل: الحدب: الشيء المشرف. # وقيل: الحدب: كل ما ارتفع من الأرض. # وقيل: الحدب: الأكمة. # وقيل: (من كل حدب): من كل جهة ومن كل مكان. # (ينسلون) قيل: يسر عون. # وقيل: يخرجون. # أخبر أنهم من كل، حدب، أي: من كل ناحية، ومن كل جهة يسرعون، كأنهم لما # سد عليهم ذلك السد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بين ما يتعيشون ~~ويرتزقون من هذا العالم - تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به، فإذا ~~بلغهم خبر فتح السد أتوا من كل جهة وناحية التي كانوا متفرقين فيها ~~(ينسلون) يسرعون؛ لأنهم مذ سد عليهم السد في جهد من فتح ذلك السد، فلما فتح ~~خرجوا مسرعين، وهو ما ذكر: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض). # وقوله - عز وجل -: (واقترب الوعد الحق (97) قوله: (اقترب) أي: وقع ووجب ~~الوعد الحق؛ لأنه قد أخبر من قبل هذا الوقت أنه قد اقترب بقوله: (اقتربت ~~الساعة)، و (اقترب للناس حسابهم)، وهو كقوله: (إن ms2942 رحمت الله قريب من ~~المحسنين) ليس على القرب، ولكن على الوجوب، فعلى ذلك الأول يحتمل أن يكون ~~إخبارا عن الوقوع والوجوب. # وجائز أن يكون على القرب أيضا، ويكون وجوبها ووقوعها في قوله: (فإذا هي ~~شاخصة أبصار الذين كفروا) كقوله: (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. . .) ~~الآية، وكقوله: (مهطعين إلى الداع. . .) الآية. # وقوله: - عز وجل -: (يا ويلنا) أي: يقولون: يا ويلنا (قد كنا في غفلة من ~~هذا) كأنهم تذاكروا فيما بينهم: إنما كنا في غفلة من هذا، ثم تداركوا أنهم ~~لم يكونوا في غفلة، ولكن قالوا: (بل كنا ظالمين) في ذلك، ضالين؛ اعترفوا ~~بالظلم والضلال. # وقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) ~~يقال: إن حرف (من) يتكلم عن البشر وحرف (ما) يتكلم عما سواهم من العالم، ~~فإذا كان على هذا الذي # PageV07P376 # ذكروا، فما ينبغي لأولئك أن يفهموا من قوله: (وما تعبدون): عيسى وعزير ~~والملائكة وهؤلاء، ويقولون: هؤلاء عبدوا دون الله فهم حصب جهنم على زعمكم، ~~إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون: ثم نزل قوله: (إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون) قالوا: استثنى من علمه ممن عبد دون الله من سبقت ~~له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهؤلاء، لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يفهم ~~من هذا هؤلاء، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها، كقوله: (وقودها الناس ~~والحجارة)، التي عبدوها. # أو أن يكون قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) الشياطين الذين ~~أمروهم ودعوهم إلى عبادة غير الله، فتكون العبادة لمن دون الله للشيطان ~~حقيقة؛ لأنه هو الآمر لهم بذلك، والداعي إلى ذلك دون من ذكروا؛ لأن هؤلاء - ~~أعني: عيسى وعزيرا والملائكة - لم يأمروهم بذلك؛ فيكون على هذا كأنه قال: ~~إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون الله حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية ~~أخرى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله. . ~~.) إلى قوله: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي ~~قرين) دل هذا أن ms2943 القرين هو الشيطان، كقوله: (نقيض له شيطانا فهو له قرين) ~~وقوله: (حصب جهنم) بالصاد، وقرئ بالطاء: (حطب جهنم) قال ابن عباس: الحصب ~~بلسان الزنجية: هو الحطب. # وقال بعضهم: هو حطب بلسان الحبشة، ويقال -أيضا- بالضاد: (حضب جهنم) قال ~~بعضهم: الحصب: هو الرمي، يحصب جهنم بهم، أي: يرمي بهم، والحطب: هو معروف، ~~والحضب: هو التهيج، أي: يهيج النار عليهم. # وقال الكسائي: حصبت النار، أي: ألقيت فيها الحطب، وعن عائشة: (حضب جهنم) ~~بالضاد. # وقوله: (أنتم لها واردون) أي: واقعون فيها. # وقوله: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) أي: لو كان ~~الذين عبدوا دون الله آلهة على ما زعموا ما وردوا النار. # فإن قيل: إنهم لم يقروا أنها ترد النار. # قيل: لما عجزوا عن إتيان مثله فقد لزمتهم الحجة، فكأنهم أقروا أنهم ~~واردوها، # PageV07P377 # وهو كقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم. ~~. .) الآية؛ هم لم يقروا أنهم يحيون بعدما ماتوا، ولكن لما عرفوا أنهم ~~كانوا أمواتا فأحياهم، فقد لزمهم الإقرار والحجة بالإحياء بعد الموت؛ فعلى ~~ذلك الأول كأنهم أقروا بأنهم واردون بما لزمتهم الحجة. # وقوله: (وكل فيها خالدون) ظاهر. # وقوله: (لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) # قيل: الزفير: هو الصوت الخفيض الذي فيه أنين، والشهيق: هو الصوت الرفيع ~~الذي فيه أنين. # وقيل: الشهيق: أول نهيق الحمار، والزفير: هو آخر نهيقه. # وقوله: (وهم فيها لا يسمعون) قيل: لا يسمعون الخير، ويسمعون غيره. # وقال بعضهم: لا يسمعون؛ لأنهم يكونون صما بكما عميا، وهو كقوله: (ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما). # وقال القتبي: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون): حرام عليهم أن ~~يرجعوا، ويقال: واجب، وقال: هو حرم وحرام: واحد، كما يقال: حل وحلال. # وقال: (وهم من كل حدب ينسلون): ومن كل نشز من الأرض وأكمة (ينسلون) من ~~النسلان، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر. # قال أبو عوسجة: الحدب: ما ارتفع من الأرض، الواحد: حدبة (ينسلون) أي: ~~يجيئون. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم ms2944 منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا ~~يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد ~~كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) إن في ~~هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى). # قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله # PageV07P378 # حصب جهنم) قالت الكفرة: إن عيسى وعزيرا والملائكة قد عبدوا من دون الله ~~فهم حصب جهنم، فنزل قوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) استثنى من سبق له ~~الحسنى منه، وهو عيسى وهؤلاء، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى) على الاستثناء. # عن علي - رضي الله عنه - قال: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى. . .) ~~الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم ~~قال: (ونزعنا ما في صدورهم من غل. . .) الآية. # ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هؤلاء وإلا فهو لكل من ~~سبق له من الله الحسنى. # ثم (الحسنى) يحتمل الجنة، كقوله: (فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى). ~~أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: (سبقت لهم منا الحسنى)، ويحتمل (الحسنى): ~~السعادة والبشارة بالجنة وثوابها. # وقوله: (أولئك عنها مبعدون) أي: لا يعودون إليها أبدا، ليس على بعد ~~المكان كقوله: (أولئك في ضلال بعيد) أي: لا يعودون إلى الهدى أبدا. # أو أن يكون قوله: (مبعدون) وعنها مكانا، لكن قد ذكر في آية: (فاليوم ~~الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34). على الأرائك ينظرون)، وقال في آية: ~~(فاطلع فرآه في سواء الجحيم)، ولا نعلم هذا أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم ~~متى ما أرادوا أن ينظروا إلى أولئك ويروهم يقدرون على ذلك؛ أو تقرب النار ~~إليهم فينظرون إليهم، والله أعلم، والأول أشبه أنهم لا يعودون إليها أبدا. # وقوله: (لا يسمعون حسيسها ... (102) أي: ms2945 صوتها، وهو ما ذكر من الإبعاد، ~~وإذا بعدوا منها لم يسمعوا حسيسها. # وقوله - عز وجل -: (وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون) وهو ما قال في آية ~~أخرى: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون). # وقوله - عز وجل -: (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون (103) أي: لا يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها ~~(وتتلقاهم الملائكة) أي: تتلقاهم الملائكة بالبشارة، كقوله: (إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا. . .) الآية. # PageV07P379 # أو (لا يحزنهم الفزع الأكبر)، أي: لا يحزنهم ما يحل بالكفرة من الفزع ~~والعذاب، كمن رأى في الدنيا إنسانا في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن ~~ويهتم بما حل به، فأخبر أنهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد. # قال أبو عوسجة: (حصب جهنم)، قال: الحصب والحطب واحد، قال: وما أكثر من ~~العرب من يتكلم بهذه اللفظة، قال: ولا أعرف (حضب جهنم) بالضاد. # وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج. # وقوله: (أنتم لها واردون) أي: داخلون. # وقوله: (لهم فيها زفير) الزفير: هو شدة النفس في الصدر، يقال: زفر يزفر ~~زفيرا. # وقال بعضهم: الزفير: هو أنين كل محزون ومكروب، وهو قريب مما ذكرنا. # وقوله: (لا يسمعون حسيسها)، أي: صوتها، وهو من الحس: وهو الصوت. # وقال القتبي: حصب جهنم: ما ألقي فيها، وأصله: من الحصباء، وهي الحصاة، ~~ويقال: حصبت فلانا - أي: رميته - حصبا بتسكين الصاد، وما رميت به حصب، بفتح ~~الصاد، وكما تقول: نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصى الجمار: حصب. # وقوله - عز وجل -: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) كأن هذا خرج على إثر سؤال سألوه على ~~غير ابتداء؛ لأن الابتداء بمثله على غير تقدم أمر لا يحتمل، فكأنه - والله ~~أعلم - لما ذكر أهل النار في قوله: (فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا. . .) ~~إلى قوله: (أنتم لها واردون) وذكر أهل الجنة ووصفهم بقوله: (إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى. . .) إلى آخر ما ذكر ms2946 من قوله: (هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون) فكأنهم قالوا: متى يكون ذلك؟ فقال عند ذلك: (يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب) أخبر أن السماء تطوى كما يطوي السجل الكتب. # ثم ذكر في السماء الطي مرة والتبديل في آية بقوله: (يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض. . .) الآية، وذكر الانفطار والانشقاق في آية، كقوله: (إذا السماء ~~انفطرت)، و (إذا السماء انشقت)، ونحوه، كما ذكر في الجبال أحوالا، مرة قال: ~~(وتكون الجبال كالعهن المنفوش)، وقال في آية أخرى: (ينسفها ربي نسفا)، وقال ~~في آية أخرى: (هباء منثورا) وقال في آية أخرى: (وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهي تمر مر السحاب)، ونحوه، فجائز أن يكون كذلك على اختلاف الأحوال، على ما ~~ذكرنا فيما # PageV07P380 # تقدم، ثم تتلاشى وتفنى حتى لا يبقى منها شيء، كما ذكر (هباء منثورا)؛ ~~فعلى ذلك السماوات والأرضون يختلف عليها الأحوال على ما ذكر، ثم آخرها ~~التبديل كما ذكر (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)، فيما ذكر في هؤلاء ~~الآيات من تغيير الجبال والسماوات والأرضين دليل فناء هذا العالم بجملته ~~وأسره؛ لأن فناء السماوات والأرض والجبال يبعد عن أوهام الخلق، وأما غيرها ~~من الخلائق فإنهم يشاهدون فناءه، فذكر فناء ما يبعد في أوهامهم، ليعلموا أن ~~هذا العالم يفنى بأسره، ويستبدل عالما آخر، يحتمل البقاء للجزاء، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كما بدأنا أول خلق نعيده). # هذا أيضا لا يحتمل إلا على تقدم ذكر، فهو محتمل ما ذكرنا مما سبق من ذكر ~~أهل الجنة وأهل النار، فقالوا: كيف يحيون؛ فقال عند ذلك: (كما بدأنا أول ~~خلق نعيده) ثم اختلف فيه: # فقال بعضهم: نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، ثم عظاما، ثم لحما، ثم ينفخ فيهم ~~الروح. # وقال بعضهم: (كما بدأنا أول خلق نعيده) حفاة عراة على ما خلقوا في ~~الابتداء. # وقال بعضهم: (كما بدأنا أول خلق نعيده) يعني: السماوات السبع يطويها الله ~~فيجعلها سماء واحدة كما كانت أولا قبل أن يخلق فيها ست سماوات، والأرضين ~~كذلك. # وجائز أن يكون ذكر هذا إخبارا أنه قادر على أن ms2947 يعيدهم كما قدر على ابتداء ~~خلقهم. # وقوله - عز وجل -: (وعدا علينا إنا كنا فاعلين) أي: بعثهم (وعدا علينا) ~~لا يختلف ذلك على ما قال: (إن الله لا يخلف الميعاد)، ثم اختلف في السجل، ~~وفي قراءته: # قال بعضهم: السجل: اسم رجل، وهو كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: هو اسم الملك الذي يكتب. # وقال بعضهم: السجل: الصحيفة. # PageV07P381 # ثم قال بعضهم: من قرأ (السجل) بالتشديد فهو الصحيفة، ومن قرأ (السجل) ~~بالتخفيف: هو ملك موكل بالصحف، اسمه: السجل، ويقرأ الكتاب. # قال أبو عوسجة: (كطي السجل للكتب) قال: يقال: أسجلت وسجلت، أي: كتبت، ~~إسجالا وتسجيلا، وسجلت أيضا: عملت، وسجل: خلق، يقال منه: سجل يسجل سجلا، ~~والمساجلة: المفاخرة، ويقال: ساجلته: فاخرته، ويقال: أسجلت الكلام فهو ~~مسجل، أي: أطلقته وأرسلته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون (105) # قال بعضهم: إن كل كتب الله التي أنزلها هي زبور. # (من بعد الذكر) أي: الكتاب الذي عند الله وهو اللوح المحفوظ، معناه - ~~والله أعلم - على هذا التأويل: كتبنا في الكتب التي أنزلناها بعد ما كان ~~مكتوبا في اللوح المحفوظ (أن الأرض يرثها. . .) كذا. # وقال بعضهم: كتب الله في الزبور المعروف، وهو زبور داود بعد ما كتب (من ~~بعد الذكر) أي: التوراة (أن الأرض يرثها) يعني: الجنة (يرثها عبادي ~~الصالحون) وكتب ذلك في هذا القرآن فقال: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين). # وقال بعضهم: (ولقد كتبنا في الزبور)، أي: زبور داود بعد ما كتب في الذي ~~الذي عنده. # وجائز أن يكون قوله: (كتبنا في الزبور): في بعض كتاب، أي: في بعض السور: ~~(من بعد الذكر)، أي: من بعد السورة (أن الأرض يرثها) كذا. # وجائز أيضا: (كتبنا) في كتاب (من بعد الذكر)، أي: من بعد ما ذكرهم ووعظهم ~~(أن الأرض يرثها) كذا. # ثم اختلفوا في قوله: (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون): # قال عامة أهل التأويل: هي الجنة؛ أخبر أن الجنة إنما يرثها عبادي ~~الصالحون، وهو ما ذكر في ms2948 آية أخرى: (أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون) # PageV07P382 # فيكون هذا تفسيرا لذلك. # وقال بعضهم: (أن الأرض) يعني: أرض بيت المقدس (يرثها عبادي الصالحون) وهو ~~كذلك كان، لم يزل بها عباد الله الصالحون إلى يوم القيامة. # وجائز أن يكون قوله: (أن الأرض يرثها) [أمة محمد]، كقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ~~ما زوي لي منها "، فذلك وراثتها، وهم عباده الصالحون، كقوله: (كنتم خير ~~أمة. . .) الآية؛ أخبر أنها خير الأمم، والله أعلم. # وقوله: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) يحتمل قوله: (في هذا) أي: ~~فيما ذكر من قوله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون) في ذلك (لبلاغا لقوم عابدين) أي: لقوم همتهم العبادة، أو ~~لقوم مطيعين موحدين. # وجائز أن يكون قوله: (إن في هذا) فيما تقدم من الآيات، وهو قوله: (واقترب ~~الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا. . .)، إلى قوله: (أنتم لها ~~واردون)، وما ذكر من قوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى. . .) إلى آخر ما ~~ذكر - أن فيما ذكر كله (لبلاغا لقوم عابدين). # وجائز أن يكون بلاغا للناس جميعا، كقوله: (هذا بلاغ للناس)، فيكون قوله: ~~(لقوم عابدين) أي: لقوم يلزمهم العبادة. # وقال بعضهم: (إن في هذا) أي: في هذا القرآن (لبلاغا) أبلغهم عن الله ~~(لقوم عابدين). # وفي حرف ابن مسعود: (إن في هذا) أي: في هذا (لقوم عابدين). # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن ~~أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما ~~تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم ~~بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # وقوله - عز وجل -: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) جائز أن يكون كل رسل ~~الله رحمة من الله للعالمين، وكذلك كل كتب الله رحمة للعالمين على ما ms2949 ذكر ~~في عيسى: (ورحمة منا وكان أمرا مقضيا). # PageV07P383 # وجائز أن يكون لرسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - خاصة؛ فيكون في ~~وجهين: أحدهما: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وما أرسلناك: إلا جعلناك ~~رحمة للعالمين. # أو أن يقال: وما أرسلناك إلا رحمة منا للعالمين، والعالمين: هو الجن ~~والإنس؛ لأنه بعث إليهم، ثم الرحمة فيه يحتمل وجوها: # أحدها: تأخير العذاب عنهم. # والثاني: أنه رحمة، حتى إذا اتبعوه يكون به نجاتهم، وبه عزهم في الدنيا ~~والآخرة. # والثالث: شفاعته لأهل الكبائر في الآخرة، ونحو ذلك. # وقوله - عز وجل -: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم ~~مسلمون (108) كأنه على الدعاء خرج الأمر، كأنه قال: أمرني ربي أن أخبركم: ~~أن إلهكم إله واحد؛ فاصرفوا العبادة إليه، ولا تشركوا فيها غيره. # أو أن يقول: أوحى إفي أن أدعوكم إلى إلهكم الذي هو إله واحد، وإلا كان ~~رسول الله يعلم أنه إله واحد، لكنه خرج على الدعاء والإخبار أنه إله واحد. # أو أن يخبرهم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه وآمركم، إنما أدعوكم وآمركم ~~بالوحي بما أوحى إلي، لا من تلقاء نفسي: (قل إنما أنذركم بالوحي)، والله ~~أعلم. # وقوله: (فهل أنتم مسلمون) ظاهره وإن كان استفهاما فهو على الأمر والإيجاب ~~كأنه قال: قد أوحى إلى أن إلهكم إله واحد، فأسلموا له وأخلصوا العبادة له، ~~لا تشركوا فيها غيره، والإسلام هو أن يجعل كلية الأشياء والأعمال كلها لله ~~عز وجل، ثم هو يكون على وجهين: # أحدهما: على الاعتقاد أن يعتقد كلية الأشياء لله، لا على تحقيق ذلك ~~الفعل. # والثاني: على تحقيق جعل الأشياء كلها لله اعتقادا وفعلا وقولا، منه يخاف، ~~ومنه يرجو، لا يخاف غيره، ولا يرجو من دونه، فهو حقيقة الإسلام. # وقوله - عز وجل -: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم ~~بعيد ما توعدون (109) هذا يدل على أن الأول خرج على الأمر والدعاء، حيث ~~قال: (فإن تولوا) عن الإجابة إلى ما دعوتهم إليه (فقل آذنتكم على سواء) أي: ~~أعلمتكم على عدل وحق، كقوله: ms2950 (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم) أي: عدل بيننا وبينكم، فعلى ذلك هذا محتمل أن يكون قوله: (على ~~سواء) أي: على عدل وحق. # PageV07P384 # ويحتمل أيضا: (آذنتكم على سواء) أي: أعلمتكم، أي: حتى أنا وأنتم في العلم ~~على سواء، أي: على الاستواء في العداوة والمخالفة، وفي كل أمر على ~~الاستواء، وهو كقوله: (فانبذ إليهم على سواء)، على الاستواء في العداوة، ~~أي: انبذ إليهم حتى تكون أنت وهم على الاستواء في العلم بالمنابذة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) أي: ما أدري أقريب ~~أم بعيد ما توعدون؟ # ثم يحتمل قوله: (ما توعدون) دون الساعة والقيامة التي كانوا يوعدون بها ~~وهم كانوا يستعجلون بها، كقوله: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها)، فيقول: ~~ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون؟ # ويحتمل قوله: (ما توعدون) من العذاب الذي كان يعد لهم أنه نازل بهم في ~~الدنيا، وهم كانوا يستعجلون كقوله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين)، فيقول: ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون من العذاب؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) يخرج ~~ذلك على الوعد والتنبيه والزجر عن المكر برسول الله والقول فيه بما لا يليق ~~به؛ يخبر أنه يعلم ما تظهرون من القول (وما تكتمون) أي: ما تسرون من المكر ~~به. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد، حيث أخبرهم عما أسروا فيما بينهم من المكر ~~به. # وقوله: (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) ذكر أنه ما أدري ~~(لعله فتنة لكم)، ولم يبين ما الذي يكون فتنة لهم. # لكن بعض أهل التأويل قال: ما أدري ما قلت لكم من العذاب والساعة: هل يؤخر ~~عنكم لمدتكم ومتاع لكم إلى حين فيصير ما قربت لكم من العذاب والساعة فتنة ~~لكم فتقولون: لو كان ما خوفنا به محمد حقا، لكان نزل بعد؛ فيصير قولي ذلك ~~فتنة لكم؛ هذا محتمل. # ويحتمل وجها آخر، وهو: لما قال: (وإن أدري لعله ms2951 فتنة لكم ومتاع إلى حين): ~~أنه كان خوفهم نزول العذاب بهم، ولكن لم يبين لهم الوقت أنه متى ينزل بهم، ~~فيقول: ما أدري لعل تخويفي إياكم العذاب على بيان وقته فتنة لكم؛ لأنه إذا ~~تأخر عنهم العذاب متاعا لهم يأمنون عنه؛ فيحملهم ذلك على تكذيبه فيما خوفهم ~~من العذاب، ويكون ما يأمنون من العذاب متاعا لهم؛ لأنه لو كان وقت نزول ~~العذاب مبينا لكانوا أبدا على خوف فينقض ذلك الخوف ويمنعهم عن المتاع وإن ~~لم يبين لهم الوقت، فإذا تأخر عنهم يأمنون # PageV07P385 # ويتمتعون، فيقول: ما أدري، لعل تخويفي إياكم لكم فتنة وعندنا: ألا يجب أن ~~يفسر قوله: (فتنة لكم) أنه أي شيء أراد؟ وهم قد عرفوا أنه ما أراد به؟ وليس ~~لنا أن نفسر ذلك: أنه أراد كذا إلا ببيان عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: (قال رب احكم بالحق (112) تعلق أكثر المعتزلة بظاهر هذه الآية في ~~مسائل لهم؛ يقولون: يجوز أن يدعى بدعوات يعلم الداعي أنه قد أعطى ذلك له، ~~من نحو سؤال المغفرة: رب اغفر لي، وهو مغفور له، ورب أعطني كذا، وهو معطى ~~له، ويقول: رب اغفر لي، وهو يعلم أنه لا يغفر له، ونحو هذا من المسائل لهم، ~~فيحتجون بظاهر قوله: [(قل رب احكم بالحق)] أمر رسول الله أن يدعو به على ~~علم منه أنه لا يحكم إلا بالحق. # ونحن نقول: إنه لا يجوز أن يدعى بمثل هذا الدعاء على الإطلاق إلا على ~~اعتقاد معنى آخر في ذلك كان الله فعل ذلك؛ فيكون ذلك منه عدلا وحقا، نحو أن ~~يكون قوله: (قل رب احكم بالحق) أي: بالنصر له، والظفر على أعدائه، وله ألا ~~ينصره، ويكون ذلك عدلا منه وحقا. # أو أن يكون المراد به: (احكم بالحق) أي: بالعذاب الذي هو حكمك على مكذبي ~~الرسل، فأما أن يعتقد من قوله: (رب احكم بالحق) ما اعتقد المعتزلة فيحصل ~~الدعاء به: # اللهم لا تجز ورب اعدل، ومن عرف ربه هكذا فهو ليس يعرف حقيقته. # وقال أبو عبيدة ms2952 في قوله: (رب احكم بالحق)، أي: رب احكم بحكمك وهو الحق، ~~وهو محتمل مستقيم، وقد ذكرنا هذه المسألة وأمثالها فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) أمر رسوله أن ~~يستعين بالله - تعالى - على ما يقولون من تكذيبهم إتاه فيما يدعو ويعد. # قال القتبي: (آذنتكم على سواء) أي: أعلمتكم؛ فصرت أنا وأنتم على سواء، ~~وإنما يريد؛ ب (آذنتكم): أخبرتكم وأعلمتكم ذلك؛ فاستوينا في العلم، وهو ما ~~ذكرنا. # وقال أبو عوسجة: قوله: (آذنتكم على سواء)، أي: كلكم. والله أعلم بالصواب، ~~وإليه المرجع والمآب، وعليه التكلان. # * * * # PageV07P386 ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ~~ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) # قوله - عز وجل -: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) فد ذكرنا تأويله في غير ~~موضع. # وقوله - عز وجل -: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) قال الحسن: إن بين يدي ~~الساعة آيات تحجبن التوبة وقبول الإيمان، منها: الزلزلة التي ذكر، ومنها ~~طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ~~وأمثاله، وهو كقوله: (أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها). # وجائز - عندنا - أن تكون هذه الآيات غاية لقبول التوبة والإيمان، يقبل ~~إلى ذلك الوقت، ولا يقبل بعد ذلك وإن تابوا وآمنوا. # أو أن يكون قوله: (لا ينفع نفسا إيمانها)؛ لأنهم لا يؤمنون لما تشغلهم ~~تلك الآيات عن ذلك فلا يؤمنون؛ لأن تلك الآيات تعم الخلائق كلهم: المؤمن ~~والكافر جميعا؛ فلا يعرف المبطل والضال أنه على الضلال والباطل، فيرجع إلى ~~الهدى، والحق، ليس كعذاب ينزل على قوم خاصة؛ لأن ذلك يعرف أولئك أنه إنما ~~ينزل بهم خاصة؛ لما فيهم من التكذيب والعناد، وإذا كانت الآيات عامة، لم ~~يعرف أهل الضلال أنهم على باطل، وأنه إنما ينزل بسببهم؛ لما يرونه أنه ms2953 قد ~~تعم الخلائق كلها، فقوله: (لا ينفع) لأنهم لا يؤمنون، كقوله: (فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين)، أي: لا يكون لهم من يشفع، ليس أن يكون لهم شفعاء فيشفعون ~~فلا تقبل شفاعتهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (لا ينفع) لأنهم يشغلون عن ~~الإيمان فلا يؤمنون، فلا ينفع لهم، على ما ذكرنا. # ثم اختلف فيه: # قال بعضهم: (زلزلة الساعة): قبل الساعة، وقيل: القيامة. # وقال بعضهم: (إن زلزلة الساعة) هي الساعة، وصفها بالشدة والفزع فقال: ~~(يوم # PageV07P387 # ترونها تذهل (2) أي: تشغل كل مرضعة؛ لشدة أهوالها وأفزاعها (وتضع كل ذات ~~حمل حملها) هذا على قول من يقول: إن زلزلة الساعة قبل الساعة يكون على ~~التحقيق، أي: تذهل عما أرضعت، وتضع حملها؛ لأنها تكون في ذلك الوقت مرضعا ~~وحاملا؛ فتذهل - لأهوال ذلك وأفزاعه - عن ولدها، وتضع ما في بطنها، كقوله: ~~(يوم يفر المرء من أخيه. . .) الآية، فذكر هؤلاء؛ لأن من أصاب شيئا من ~~البلاء في هذه الدنيا يفزع إلى هؤلاء، فيخبر أن في ذلك اليوم يفر بعض من ~~بعض لشدة ذلك اليوم وهوله؛ لشغله بنفسه. # وعلى قول من يقول: إن زلزلة الساعة هي الساعة؛ فيخرج قوله: (تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت. . .) الآية على التمثيل، أي: تذهل عما أرضعت أن لو كانت ~~مرضعة، وتضع حملها أن لو كانت حاملا؛ لشدته وهوله. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) أي: من مكن له وقوي ~~يرى الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى، وإلا لم يجز أن يراهم سكارى وليسوا ~~هم بسكارى في الحقيقة. # وإنما قلنا: إنه يرى من مكن له وقوي، وإلا لو كانوا كلهم سكارى، لكان لا ~~يراهم سكارى؛ لأن السكران لا يرى من كان في مثل حاله سكران. # أو أن يكون خاطب به رسوله، ولا يكون فيه ذلك الهول الذي يكون في غيره. # أو أن يكون ذلك على التمثيل، ليس على التحقيق. # وقول أهل التأويل: يقول لآدم في ذلك: " قم فابعث بعث النار "، فيقول: يا ~~رب كم؟ فيقول: " من كل ألف تسعمائة وتسعة ms2954 وتسعين في النار، وواحد في الجنة ~~"، ويروون الأخبار في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن ثبت ما ~~روي عنه في ذلك وإلا الكف عن مثله أولى؛ لأنه يحزن حيث يؤمر أن يتولى بعث ~~ولده إلى النار من غير أن كان ما يستوجب هذه العقوبة. # قال القتبي: (تذهل): أي تسلو عن ولدها وتتركه. # وقال أبو عوسجة: (تذهل): أي: تنسى، يقال: ذهل يذهل ذهولا، وأذهلته؛ أي: ~~أنسيته. # وقال غيره: أي: تشغل، والحمل بالنصب: ما في البطن، والحمل بالخفض: ما على # PageV07P388 # الظهر، والزلزلة: الرجفة، يقال: زلزلت، أي: حركت، وتزلزلت، أي: تحركت. # * * * # قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ~~(3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها ~~الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل ~~مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي ~~الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور (7) # وقوله - عز وجل -: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) ذكر المجادلة ~~في الله، ولم يبين فيم جادلوا؟ وقد كانت مجادلتهم من وجوه: # منهم من جادل في مشيثة الله تبارك وتعالى. # ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟ # ومنهم من جادل في وحدانية الله تعالى: واحد أو عدد؟ # ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل. # ومنهم من جادل في إنزال الكتب. # ومنهم من جادل في دين الله - تعالى - المدعو إليه. # وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ ~~لأنهم لو ms2955 تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم ~~منشئا، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، ~~وعرفوا أيضا أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم لم ~~يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم. # وقوله - عز وجل -: (ويتبع كل شيطان مريد) يحتمل أن يكون قوله: (ويتبع كل ~~شيطان مريد): الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه. # وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين ~~كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم (وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم ليجادلوكم)، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ~~ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: (ويتبع كل شيطان مريد) قيل: فعيل بمعنى فاعل، # PageV07P389 # على ما ذكر في آية أخرى: (من كل شيطان مارد)، قال بعضهم: كل متمرد في ~~العناد والمكابرة، فهو مارد. # وقال بعضهم: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي ~~لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ~~ستنبه. # وقوله - عز وجل -: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب ~~السعير (4) قال بعضهم: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله ~~(ويهديه) أي: يدعوه (إلى عذاب السعير)، وهو ما قال في آية أخرى: (أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير). # وقال بعضهم: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما ~~به ضلاله وهلاكه. # وقوله: قيل: حكم. # وقيل: قضى. # و (كتب) يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان ~~واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~من تراب ثم من نطفة (5) أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة ~~(ثم من علقة. . .) الآية. # تأويله - والله أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم ~~البعث إلا أن تصيروا ms2956 ترابا أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم ~~ترابا وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم ترابا؟ # أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال ~~النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال ~~بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال ~~إلى حال عبثا؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛ ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، صير خلق الخلق لا ~~للرجوع إليه عبثا، فعلى ذلك الأول. # أو أن يكون تأويله - والله أعلم -: (فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة. . ~~.) إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق ~~البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه ~~أثرا، ولا معنى البشرية فيه، # PageV07P390 # فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب ~~يوجد فيه، ولا وأثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون ~~وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. # وقوله: (مخلقة وغير مخلقة). # قال: (مخلقة): أي مخلوقة خلقا، (وغير مخلقة): أي غير مخلوقة خلقا، نطفة ~~على حالها. # وقال بعضهم: (مخلقة) أي: تامة، (وغير مخلقة) أي: غير تامة خلقا، وهو ~~والأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه ~~قال: (مخلقة)، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، (وغير مخلقة)، أي: ~~غير تامة خلقا. بل ناقصة. # وقوله: (لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى. . .) كأن قوله: ~~(ونقر في الأرحام ما نشاء) موصولا بقوله: (من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ~~مخلقة وغير مخلقة) (ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى): من سثة أشهر ~~إلى سنتين، أو ما شاء الله (ثم نخرجكم) من الأرحام بعد الإقرار فيها (طفلا) ~~قال بعضهم: ثم نخرج # كلا منكم طفلا. # وقال بعضهم: واسم الطفل يجمع ويفرد. ms2957 # (ثم لتبلغوا أشدكم) قال بعضهم: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة. # وقال بعضهم: هو من ثماني عثرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من ~~اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من ~~العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: (لنبين لكم) بعد هذا كله ~~إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم ~~يحتمل قوله: (لنبين لكم) وجوها: # أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال ~~الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة. . . ثم إلى آخر ما ذكر ~~لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا ترابا. # أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال ~~إلى حال # PageV07P391 # في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء. # أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع ~~جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه ~~وصار به بشرا ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا ~~أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن ~~كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ~~ما شاء وكيف شاء. # وقوله: (ومنكم من يتوفى) أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: ~~(ومنكم من يتوفى) أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، (ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر) أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير ~~والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، وهذا لا يرجى منه ولا ~~يؤمل منه العاقبة، كلما مر عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك ~~الصغير، وهو كما قال: (خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة). # قال القتبي: (أرذل العمر): أي: الخرف والهرم. ms2958 # وقوله: (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه ~~شيئا. # ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: (وترى الأرض هامدة) قال بعضهم: ميتة، وقيل: ~~مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية. # وقوله: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) قال الزجاج: (وربت): من ~~الزيادة والنماء، وكذلك قال أبو عوسجة: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من ~~الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله: (وآويناهما إلى ربوة ذات ~~قرار ومعين). # ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ~~ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك ~~النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها. # أو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر. # وقوله: (وأنبتت من كل زوج بهيج) قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا ~~قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر ~~على إحياء # PageV07P392 # الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا ترابا، # وقوله: (من كل زوج بهيج) أي: من كل جنس حسن (بهيج) أي: يسر، وهو وفعيل ~~بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج. # ومال أبو عوسجة: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد ~~أيضا: الخامد، خمدت النار تخمد خمودا. # وقال بعضهم: قوله: (وربت) أي: أضعفت النبات. # وقوله: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) ~~أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق ~~الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض ~~بعد ما كانت هامدة - هو الحق. # (ذلك بأن الله هو الحق) أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: (وأنه يحي ~~الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور (7) هذا كله يدل أن قوله: (ذلك بأن الله هو الحق) في ~~تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، ms2959 عالم ~~بذاته. # وقال بعضهم: (ذلك) يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو ~~الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا ~~الآلهة التي يعبدونها، (وأنه على كل شيء قدير) أي: قدير، على ما يشاء، وهو ~~ما أخبرنا. # وقال الحسن: هو اسم من أسماء الله تعالى سمي به؛ لأنه يحكم بالحق. # * * * # قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # وقوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) يحتمل قوله: (بغير علم) ~~حسي (ولا هدى) أي: لا بيان دليلي من جهة العقل (ولا كتاب منير) أي: ولا وحي ~~ينير ما يجال فيه ويخاصم. # ويحتمل أن يكون قوله: (بغير علم) أي: بغير إذعان ممن عنده العلم (ولا ~~هدى) لا استسلام لمن عنده الدليل، ولا خضوع لمن عنده كتاب منير. # PageV07P393 # وقوله: (ثاني عطفه ... (9) # قال بعضهم: لاوي عنقه إلى معصية الله. # وقال بعضهم: ناظر في عطفه، أي: في جانبه، ومثل هذا. # لكن حقيقته تخرج على وجهين: # أحدهما: على التمثيل والكناية عن إعراضه عن دين الله الحق والصدود عنه، ~~كقوله: (انقلب على وجهه)، وقوله: (انقلبتم على أعقابكم)، ونحوه، كله على ~~التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق والصدود، لا على حقيقة الانقلاب على ~~الأعقاب؛ فعلى ذلك جائز قوله: (ثاني عطفه) يخرج على التمثيل والكناية عن ~~الإعراض عن الحق. # وجائز أن يكون على حقيقة عطف العنق والميل عنهم تكبرا وتجبرا منه عليهم. # ثئم بين أنه لم يفعل؟ فقال: (ليضل عن سبيل الله). # ثم أخبر ما له في الدنيا بصنعه؟ فقال: (له في الدنيا خزي). # قال بعضهم: الخزي: هو العذاب الذي يفضحه، وأصل الخزي: الهوان والذل، وهم ~~لما أعرضوا عن عبادة الله ودينه بلوا بعبادة الأصنام واتباع الشيطان، فذلك ~~الخزي لهم في الدنيا. # ثم أخبر ما له في ms2960 الآخرة من الجزاء؟ فقال: (ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق) وعامة أهل التأويل يصرفون الآية إلى واحد منهم وهو النضر بن ~~الحارث، ويقولون: (له في الدنيا خزي)؛ لأنه أسر يوم بدر، فضرب عنقه، وقتل ~~صبرا، فذلك الخزي له. # والحسن يقول: هذا الخزي لجميع الكفرة؛ لأنه لم يزل هذا صنيعهم منذ كانوا، ~~فلهم الخزي في الدنيا: الخسف والحصب، على ما كان في الأمم الخالية. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بما قدمت يداك ... (10) ليس على تحقيق تقديم ~~الأيدي، ولكن على التمثيل؛ لما بالأيدي يقدم، فذكر اليد لذلك على ما ذكرنا ~~من انقلاب الأعقاب. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله ليس بظلام للعبيد)؛ لأنه لا يأخذ أحدا بغير ~~ذنب ولا يأخذه بذنب غيره. # PageV07P394 # قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) ~~يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو ~~لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) # وقوله - عز وجل -: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) اختلف في قوله: (على ~~حرف): # قال بعضهم: (يعبد الله على حرف)، أي: على شك يمتحن ربه؛ على أنه إن أعطاه ~~طمعه وأمله في هذه الدنيا حقق له الألوهية والعبادة، وإن لم يجد طمعه وأمله ~~لا يحقق له ذلك، ويقول: ليس هو بإله؛ إذ لو كان إلها لأعطاه ما يطلب منه ~~على هذا الشك، يعبد بالامتحان. # وقال بعضهم: (على حرف) أي: على شرط، أي: يعبده على شرط الإعطاء؛ يقول إن ~~أعطاني أملي عبدته، وإن لم يعطني ذلك لم أعبده؛ تكون عبادته على هذا الشرط. # وقال بعضهم: (يعبد الله على حرف) أي: على حال واحدة، وعلى جهة واحدة، ليس ~~يعبده على حالين كالمؤمن يعبده في حالين جميعا: حالة الظاهر، وحالة الباطن، ~~وحالة الضراء والسراء، وحالة السعة والشدة على ما تعبده الله، كقوله: ~~(وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، ونحوه، عبده المؤمن على الحالين جميعا على ~~ما تعبده ms2961 الله، والمنافق إنما يعبده على حالة السعة والخصب؛ لأنه ليس يعرف ~~ربه حق المعرفة، فإنما يعبد السعة والرخاء، وأما المؤمن فإذا عرف ربه عبده ~~في الأحوال كلها لما عرف نفسه عبدا لسيده، ولم ير للعبد سعة ترك العبادة ~~لمولاه في كل حال، ورأى للمعبود حق استعباده واستخدامه في كل حال: في حال ~~الضيق وحال السعة. # أو أن يكون رأى ما يصيبه من الشدائد والبلايا بتقصير كان منه وتفريط؛ ~~فعبده في الأحوال كلها. # أو لما رأى وعرف أن نعم ربه عليه كثيرة، ورأى شكر تلك النعم عليه لازما؛ ~~فعبده في الأحوال كلها؛ شكرا لتلك النعم، وأما أولئك لم يروا لله على ~~أنفسهم نعما فإنما عبدوه على الجهة التي ذكرنا، كانوا فرقا من الكفرة: # منهم من يعبد الله في حال الشدة والضيق ولا يعبده في حال السعة والرخاء، ~~كقوله: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا)، ونحوه. # PageV07P395 # ومنهم من كان يعبده في حال السعة والرخاء، وهو ما ذكرنا من أمر المنافق. # وأما المؤمن فهو يعبده في الأحوال كلها لما رآه معبودا حقيقة، على ما ~~ذكرنا. # وقوله: (وإن أصابته فتنة): قد ذكرنا أن الفتنة هي المحنة التي فيها بلاء ~~وشدة. # وقوله: (انقلب على وجهه): # قال بعضهم: هو على التمثيل؛ على ما ذكرنا في قوله: (نكص على عقبيه)، ~~وقوله: (انقلبتم على أعقابكم). # وقال بعضهم: على تحقيق انقلاب وجهه؛ لأنه كان عبادته ظاهرة، لم يكن يعبده ~~في الباطن في حال السعة، فلما أصابته الشدة ترك عبادته ظاهرا على ما كان ~~باطنه، فهو انقلاب وجهه، والله أعلم. # وقوله: (خسر الدنيا والآخرة): أما خسران الدنيا؛ لأنه فات عنه ما كان ~~يأمله بزوالها، وخسران الآخرة ظاهر: العذاب والشدائد. # وجائز أن يكون خسران الدنيا هو خضوعه لمن لا يضر ولا ينفع للعبادة ~~للأصنام (ذلك هو الخسران المبين)؛ لأنه خسر في الدارين جميعا أمله وطمعه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ms2962 ينفعه ذلك هو ~~الضلال البعيد (12) # قيل: إن الآية في المنافقين، وهم كانوا لا يعبدون على حرف ليست بعبادة ~~الله، إنما هي عبادة للشيطان، فأخبر أنه يعبد ما لا يضره إن ترك العبادة ~~له، ولا ينفعه إن عبده؛ يدل على ذلك: قوله: (ذلك هو الضلال البعيد)؛ لأنه ~~عبد من لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده، فذلك هو الضلال البعيد. # وقوله - عز وجل -: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ~~(13) # قال بعضهم: تأويله: يدعو من ضرره أقرب من نفعه. # وقال بعضهم: قوله: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه)، هذا إن عبده، ضره عبادته ~~إتاه في الآخرة والأولى؛ حيث قال: (ما لا يضره) إن ترك عبادته في الدنيا ~~(وما لا ينفعه) إن عبده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لبئس المولى ولبئس العشير). # قال بعضهم: (لبئس المولى) أي: الولي، وهو الشيطان (ولبئس العشير) يعني: ~~الصاحب، كقوله: (وعاشروهن بالمعروف)، أي: صاحبوهن بالمعروف. # PageV07P396 # وقال بعضهم: (لبئس المولى) أي: الولي، وهو الشيطان، (ولبئس العشير) أي: ~~القرين الذي لا يفارق. # وقال القتبي: أي: الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد. # وقال أبو عوسجة: العشير: الرفيق الذي تعاشره وتصاحبه وتخالطه، والعشير: ~~الزوج أيضا. # وقال القتبي: (ثاني عطفه): يتكبر معرضا، وكذلك قال أبو عوسجة: (ثاني ~~عطفه)، أي: متكبرا متجبرا، والعطف في الأصل: الجانب، والأعطاف جمع. # وقوله: (من يعبد الله على حرف) قال: لا يدري أحق هو أم باطل؟ وهو الشك، ~~يقال: إني من هذا الأمر على حرف، أي: على شك، لست بمستيقن. # وقال القتبي: على حرف واحد، وعلى وجه واحد، وعلى مذهب واحد. # وقال قتادة: على شك، على ما ذكرنا. # وقال أبو عبيدة: على حرف، أي: لا يدوم، ويقول: إنما أنا حرف، أي: لا أثق ~~بك، ونحو هذا، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم. # وقال بعضهم: قوله: (يدعو لمن ضره) في الآخرة (أقرب من نفعه)، (انقلب على ~~وجهه) أي: يرجع إلى دينه. # * * * # قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها ms2963 الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في ~~الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما ~~يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد (17) # وقوله - عز وجل -: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد). # المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: (وأن الله ~~يهدي من يريد)؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثتم لم يفعل ذلك، ~~وأراد جميع الخيرات # PageV07P397 # والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في ~~أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل الله مما أراد واحدا من ~~ألوف، ويقولون: إن الله أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر ~~أنه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا. # ونحن نقول: من أراد الله هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر ~~(فعال لما يريد)، أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: ~~إما على الخلاف في الوعد، وإما على الكذب في القول والخبر، فنعوذ بالله من ~~السرف في القول. # وقوله - عز وجل -: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ~~فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) # تأويل الآية - عندنا - يخرج على وجهين: # أحدهما: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا - عليه أفضل الصلوات - ثم ~~نصره، فغاظه نصره إياه فيدوم غيظه - (فليمدد بسبب) أي: بحبل من السماء ~~فيخنق ويقتل نفسه؛ ليذهب غيظه الذي غاظه نصره؛ يستريح مما غاظه. # والثاني: يخرج على الوعد بالنصر والخبر: أنه ينصره، يقول: من كان يظن أن ~~ما وعد له من النصرة، لا يفعل ذلك له، ولا ينصره، ولا ينجز ms2964 ما وعد؛ (فليمدد ~~بسبب إلى السماء ثم ليقطع)، أي: ليحبس ما وعد له من النصر؛ إن غاظه ما وعد؛ ~~ليذهب غيظه الذي غاظه؛ فعلى هذا التأويل يكون السماء سماء الأصل، أي: يحبس ~~السبب الذي ينزل من السماء. # قال بعضهم: قوله: (من كان يظن أن لن ينصره) أن لن يرزقه الله، ويجعله صلة ~~قوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)، لأنه يجعل الآية في أهل النفاق، ~~يقول: من كان يظن من أهل النفاق: أن الله لا يرزقه إذا كان في ذلك الدين ~~الذي كان فيه ودام - فليمدد بما ذكر. # وقال مجاهد: (كيده ما يغيظ)، قال ذلك خيفة ألا يرزق. # وأهل التأويل صرفوا السماء إلى سقف البيت، ويقولون: القطع: الخنق. # وقال القتبي: (من كان يظن أن لن ينصره الله) أي: لن يرزقه الله وهو قول ~~أبي عبيدة # PageV07P398 # يقال: مطر ناصر، وأرض منصورة، أي: ممطورة. # وقال المفسرون: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا (فليمدد بسبب)، أي: ~~بحبل إلى سقف البيت، (ثم ليقطع)، أي: ليختنق: (فلينظر هل يذهبن كيده) - أي: ~~[حيلته]- غيظه، أي: ليجهد جهده. # وقال أبو عوسجة: (فليمدد بسبب) قال: هذا شيء لا يكون ولا يقدر عليه، وهذا ~~ذم للمقول فيه؛ لأنه جعل السماء سماء الأصل، وقوله: (فليمدد) أي: يمد يده. # وقوله: (بسبب)، السبب في الأصل: الحبل، أي: يعلق سببا فيرتقي في السماء، ~~والسبب: الحمار، وسبوب جمع، أي: حمر. # قال: والسبب: الحبل بلغة هذيل. # وقوله: (ما يغيظ): هو شدة الغضب. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) ~~أي: مثل هذا، وهكذا أنزلناه آيات بينات، يبين ما لهم وما عليهم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد (17) أما الصابئون: فإن الناس اختلفوا فيهم: # قال أهل التأويل: هم عباد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة ~~المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك. # (والذين أشركوا): قيل: هم المشركون من العرب، وهم عبدة ms2965 الأوثان والأصنام. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يفصل بينهم يوم القيامة). # يحتمل قوله: (يفصل بينهم)، أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة؛ لاختلافهم في ~~الدنيا، كقوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست ~~اليهود على شيء) ثم قال: (فالله يحكم بينهم)، أي: يحكم بين هؤلاء يوم ~~القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر في هذه الآية. # ويحتمل قوله: (يفصل بينهم يوم القيامة) في المقام: يبعث هؤلاء إلى الجنة ~~وهؤلاء إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم. # وجائز أن يكون قوله: (يفصل) أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا ~~جميعا بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ. # PageV07P399 # وقوله - عز وجل -: (إن الله على كل شيء شهيد) من أعمالهم، وأفعالهم، ~~وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم ~~الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من ~~القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) # وقوله: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) حرف (من) ~~في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، ~~وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنما يعبر عنه بحرف (ما)، لكن ذكر في ~~آخره - وهو قوله: (والشمس والقمر والنجوم والجبال. . .) الآية - ما يدل أنه ~~أراد الكل: الممتحن، والموات جميعا، حيث قال: (والشجر والدواب وكثير من ~~الناس وكثير حق عليه العذاب) وإلا ظاهره ما ذكرنا: ms2966 أنه إنما يعبرب (من) عن ~~الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل. # وجائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع ~~الذكر والأنثى باسم الذكور. # ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه: # أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح. # والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من إتيانه، وتركه، وهو سجود ~~الممتحن. # والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها ~~لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء. # والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه ~~قال: (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، ألا ترى أنه ألهم الدواب ~~معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، ~~والله أعلم. # PageV07P400 # وقوله - عز وجل -: (وكثير من الناس) في الجنة (وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: من خذله الله وطرده عن عبادته وبابه (فما له من مكرم)، كقوله: ~~(ومن يضلل الله فما له من هاد). # أو أن يقول: ومن أهانه الله في النار بالعذاب، فما له من منج ينجيه عن ~~ذلك. # (إن الله يفعل ما يشاء) هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم ~~يفعل، فهو يقول: (يفعل ما يشاء). # وقوله: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ~~يصب من فوق رءوسهم الحميم (19) # اختلفوا في تأويله: # قال بعضهم: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن ~~المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ~~ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم. # وقال بعضهم: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدين: قالت اليهود والنصارى: ~~نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل ~~دينكم، وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى بالله، آمنا ~~بكتابنا وكتابكم، ونبينا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله ms2967 الله، ثم كفرتم أنتم ~~بنبينا، وكتابنا، وبكل نبي كان قبل نبيكم؛ فأنزل الله تعالى ما فصل بين ~~المؤمنين وأهل الكتاب فقال: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا) ~~بمحمد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، (قطعت لهم ثياب من نار. . .) إلى آخر ~~ما ذكر، وقال في المؤمنين: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار. . .) الآية. # وقال بعضهم: (هذان خصمان اختصموا في ربهم): النار والجنة: قالت النار: ~~جعلني الله للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني الله للرحمة ~~للأنبياء والأولياء، ونحوه. لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو ~~بعيد. # وقال بعضهم: اختصم المسلم والكافر في البعث. # PageV07P401 # وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع، من ذلك ~~قوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)، وقوله: (ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف)، وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا)، يكون اختصامهم بين هؤلاء الذين ذكرهم في هذه ~~السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: (فالذين ~~كفروا قطعت لهم ثياب من نار)، وقال في المؤمنين: (إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار). # ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: (إن الله يفصل ~~بينهم يوم القيامة): ينزل أهل الإسلام في الجنة وأهل الكفر في النار، والله ~~أعلم. # وقوله: (قطعت لهم ثياب من نار) كقوله: (سرابيلهم من قطران. . .) الآية. # وقوله: (يصب من فوق رءوسهم الحميم) قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى ~~حره غايته. # وقوله: (يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) # قال القتبي: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من ~~الألية، وكذلك قال: الصهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: ~~صهرت الشحم: أي أذبت، أصهره صهرا. # (ولهم مقامع من حديد (21) قال بعضهم: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو ~~قول أبي معاذ. # وقال بعضهم: المقامع: شبه العصي، الواحدة: مقمعة. # قال أبو معاذ: يعني قوله: (يصهر ms2968 به ما في بطونهم) أي: يذاب ما في بطونهم ~~خاصة، وأما الجلود فإتها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر ولا ينصهر، وقال: هذا مثل ~~قول العرب: (أتيته فأطعمني والله ثريدا، والله ولبنا قارصا - أي: حامضا - ~~والله فإزارا ورداء، والله وحملانا فارها) تصير لكل شيء فعلا يشاكله، وفي ~~القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان. # وقوله - عز وجل -: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا ~~عذاب الحريق (22) قال بعضهم: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، ~~فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: ~~(وذوقوا عذاب الحريق). # PageV07P402 # وقال بعضهم: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة ~~السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، ~~كقوله: (سأرهقه صعودا). # وقال بعضهم: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ~~ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم ~~بذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ~~(23) أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: (تجري من تحتهم الأنهار). # وقوله: (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا) ذكر هذا - والله أعلم - لقوم ~~رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: ~~(فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب)، وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي ~~بما ذكر إلا النساء خاصة. # فإما أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك ~~(وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين). # وقوله: (ولؤلؤا) قال الكسائي: من قرأ: (ولؤلؤا) بالخفض فهو يخرج على ~~أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور. # ومن قرأ بالنصب: (ولؤلؤا)، أي: يحلون فيها لؤلؤا. # وقوله - عز وجل -: (ولباسهم فيها حرير)، وكذلك ذكر في الخبر: " هو لهم في ~~الدنيا، ولنا في الآخرة ". # وقوله ms2969 - عز وجل -: (وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) # جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، ~~وشهادة الإخلاص، وأما في الآخرة كقوله: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم ~~فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، فهو القول الطيب الذي ~~هدوا إليه. # وقال بعضهم: قوله: (وهدوا إلى الطيب من القول): هو القرآن (وهدوا إلى ~~صراط الحميد): الإسلام وشرائعه. # وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس. # PageV07P403 # وقال: (الطيب من القول): هو كل قول حسن. # وقوله: (الحميد) يحتمل (صراط الحميد)، أي: صراط الله، كقوله: (صراط ~~الله). # ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي ~~جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ~~وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام) قوله: ~~(كفروا) هو خبر ماض، وقوله: (ويصدون) خبر مستقبل، فنسق المستقبل على ~~الماضي. # قال الزجاج: إن الكافرين والصادين عن سبيل الله (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم). # وعندنا تأويله: أن الذين كفروا قبل أن يبعث محمد ويصدون الناس عن سبيل ~~الله إذا بعث محمد. # ثم يحتمل قوله: (والمسجد الحرام) أي: كانوا يمنعون المسلمين عن دخول ~~المسجد الحرام للإسلام والسؤال عنه، والثاني: إخراجهم منه، كقوله: (وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله). # وقوله: (الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد) ظاهر هذا أن يكون ~~الذي جعل فيه العاكف والبادي سواء هو المسجد الحرام؛ لأنه قال: (جعلناه ~~للناس سواء)، لكن ms2970 أهل التأويل صرفوا ذلك إلى مكة، وقالوا: (سواء العاكف فيه ~~والباد) في النزول في المنازل، وظاهره ما ذكرنا. # ثم يحتمل أن يكون المسجد الحرام مخصوصا بهذا ليس كسائر المساجد التي لها ~~أهل: أن أهلها أحق بها من غيرهم، وأما المسجد الحرام فإن الناس شرع، سواء ~~العاكف # PageV07P404 # فيه والبادي. # ويحتمل أنه خص المسجد الحرام بأن الناس سواء فيه؛ ليعلموا أن الحكم في ~~سائر المساجد كذلك: أن الناس فيها سواء أهلها وغير أهلها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قال بعضهم: الإلحاد فيه: هو ~~الشرك والكفر. # وقال بعضهم: الإلحاد: هو كل المعاصي، وأصل الإلحاد: هو العدول والميل عن ~~الطريق. وتأويله: ومن يلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا. # قال بعضهم: من هم فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا. # ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوها: # أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ ~~فيه وهدمها؛ لما روي: " أن صلاة واحدة بمكة تعدل كذا وكذا صلاة في غيرها من ~~الأماكن "، وكذلك حسنة فيها. # والثاني: خصت بالذكر فيه على التغليظ والتشديد، على ما خصت تلك البقعة ~~بتضاعف الحسنات. # والثالث: أن أولئك اذعوا أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، ~~فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في ~~غيره، ولكن بما ذكرنا. # وقال بعضهم: معناه: من يرد فيه إلحادا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: ~~(تنبت بالدهن)، معناه: تنبت الدهن. روي بالخبر عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " احتكار الطعام بمكة إلحاد "، وكذلك روي عن عمر وابن ~~عمر. # PageV07P405 # وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره ~~قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثما وألحد فيه، ~~وجائز ما ذكرنا. # وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: (سواء العاكف فيه والباد)، ~~وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " مكة مناخ، لا يباع ms2971 رباعها، ولا يؤاجر بيوتها ". # وعن عمر - رضي الله عنه -: " يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابا؛ ليرد ~~البادي حيث شاء " ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم. # وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: (والمسجد ~~الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد)، وإنما ذكر ذلك في ~~المسجد الحرام خاصة. # وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: أكره إجارة بيوت مكة في الموسم من الحاج ~~والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسا. وهو قول محمد. # وقوله - عز وجل -: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ~~وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) قال بعضهم: (بوأنا)، أي: ~~هيأنا (مكان البيت)؛ لينزل فيه، والبيتوتة: الإنزال، كأنه قال: (وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت)، أي: أنزلناه مكان البيت؛ ليتخذ فيه بيتا، وقلنا له: ~~لا تشرك بي شيئا، وهكذا بعث الأنبياء جميعا، بعثوا ألا يشركوا بالله، ~~وأمروا أن يدعو الناس إلى ترك الإشراك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وطهر بيتي للطائفين) وادع الناس أيضا إلى ألا يشركوا ~~بالله شيئا. # ثم يحتمل قوله: (وطهر بيتي للطائفين) ومن ذكر، أي: طهره من الأصنام ~~والأوثان التي فيه لئلا يعبد غيره. # وجائز أن يكون قوله: (وطهر بيتي) عن جميع الخبائث، وعن كل أنوع الأذى من ~~الخصومات، والبياعات، وغيرها، وذلك للمسجد الحرام ولغيره من المساجد يطهر ~~ويجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش. # PageV07P406 # وقوله - عز وجل -: (للطائفين والقائمين والركع السجود) قال أهل التأويل: ~~(للطائفين) هم القادمون من البلدان (والقائمين): المقيمين هنالك (والركع ~~السجود): المصلين. # ويحتمل قوله: (للطائفين): لكل طائف به، (والقائمين)، (والعاكفين) 125: ~~لكل عاكف نحوه، والعكوف هو المقام للعبادة، (والقائمين): لكل قائم عاكف ~~نحوه، (والركع السجود) وساجد نحوه، أي: لكل مصل، وهذا أشبه، والله أعلم. # وقوله: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج ~~عميق (27) يحتمل وجهين: # أحدهما: على الإعلام: أن أعلم الناس: أن لله عليهم الحج بالبيت، كقوله: ~~(ولله على الناس حج البيت. . .) الآية. # والثاني: (وأذن في الناس ms2972 بالحج) أي: ادع الناس ونادهم أن يحجوا البيت. # قال أهل التأويل: لما أمر الله إبراهيم ينادي في الناس بالحج، فنادى، ~~فأسمع الله صوته ما بين المشرق والمغرب، حتى أسمع صوته ونداءه من في أصلاب ~~الرجال وأرحام النساء، فقالوا: (لبيك)، ومن حج بيته فهو الذي أجاب إبراهيم ~~لما ناداهم بالحج. # لكن لا يعلم ذلك إلا بالخبر عن رسول الله أنه كان ما ذكروا، وإلا السكوت ~~عنه وعن مثله أولى. # وقالوا: إن قوله: (وأذن في الناس بالحج) موصول بموله: (وإذ بوأنا ~~لإبراهيم. . .) الآية. # وجائز أن يكون قوله: (وأذن في الناس بالحج) لرسول الله، أو لكل رسول بعث ~~الأمر بذلك في كل زمان، والله أعلم بذلك. # وقوله: (يأتوك رجالا) أي: على الأرجل مشاة (وعلى كل ضامر)، أي: يضمر ~~ويذهب سمنه؛ لبعد المضرب، وهو ما ذكر: (يأتين من كل فج عميق) أي: من كل ~~بعيد. # ثم قوله: (وأذن في الناس بالحج) على الدعاء والأمر، فيكون في قوله: ~~(يأتوك رجالا) دلالة لزوم الحج على المشاة، كأنه قال: مرهم يحجون مشاة على ~~الأرجل وركبانا، وإن كان على الإعلام فهو على الوعد والجزاء: أنهم يأتونك ~~على الأرجل مشاة وعلى الدواب. # PageV07P407 # وقوله - عز وجل -: (يأتين من كل فج عميق) أضاف الإتيان إلى الدواب؛ لأنه ~~بالدواب يأتون، فأضاف إليها لذلك، والله أعلم. # وقال أبو عوسجة: (يحلون فيها)، من الحلي من الذهب والفضة، تقول: حليت ~~المرأة، أي: اتخذت حليا، ويقال: حلى الشيء يحلى حلى؛ إذا حسن، ويقال: بعينه ~~إذا حسن في عينه، ويقال: حلى الشيء يحلو حلاوة فهو حلو، ويقال: تحليت، إن ~~شئت جعلته أكلت حلاوته، وإن شئت جعلته من الحلي، ويقال: حلأت الإبل عن ~~الماء، أي: منعت، ويقال: حليت الشيء وأحليته، أي: جعلته حلوا. # وقال القتبي: (سواء العاكف فيه والباد) أي: المقيم، والبادي - وهو الطارئ ~~من البدو - سواء فيه ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه. # (ومن يرد فيه بإلحاد) أي: من يرد فيه إلحادا، وهو الظلم والميل عن الحق، ~~فزيدت الباء، كما يقال: (تنبت بالدهن)، وهو ما ذكرنا. ms2973 # وقوله: (وعلى كل ضامر)، أي: ركبانا على ضمر من طول السفر (من كل فج عميق) ~~أي: بعيد غامض. # وقال أبو عوسجة: (العاكف): المقيم، (والباد): من كان في البادية، ~~والإلحاد: الميل عن الحق، ومنه اشتق اللحد، لحد القبر. # (وعلى كل ضامر)، أي: على كل بعير ضامر، أي: خميص البطن. # (يأتوك رجالا) تقول: رجل الرجل يرجل رجلة، فهو راجل، والفج: الطريق، ~~والعميق: البعيد، يقال: عمق، أي: بعد، يعمق عمقا، فهو عميق. # وقوله - عز وجل -: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) قال ~~الحسن: يشهدون مشاهد فيه، فيذكرون الله فيها ويكتسبون أشياء تنفع لهم في ~~الآخرة، فذلك منافع لهم التي يشهدونها. # وقال غيره من أهل التأويل: (منافع لهم): التجارات والمنافع التي كانوا ~~يكتسبونها إذا خرجوا للحج. # وقال بعضهم: التجارة في الدنيا، والأجر في الآخرة، وهو مثل الأول. # وجائز أن يكون قوله: (ليشهدوا منافع لهم): الأرزاق التي جعلت لهم في ~~البلدان النائية البعيدة ما لو لم يشهدوها لم يسق الله ذلك إليهم؛ لأن من ~~الأرزاق التي جعلت لهم # PageV07P408 # في البلدان ما يساق إلى أهلها وهم في مقامهم وأمكنتهم، ومن الأرزاق ما ~~يساق أهلها إليها ما لو لم يأتوها لم يسق ذلك إليهم، فجائز ما ذكر من ~~المنافع: هو ما غاب عنهم من المنافع والأرزاق التي جعلت لهم في البلدان ~~النائية البعيدة إذا خرجوا للحج نالوها، وإذا لم يخرجوا له لم ينالوا. # وقال بعضهم: (ليشهدوا منافع لهم) أي: متاجرهم وقضاء مناسكهم. # وقوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) اختلف فيه: # قال الحسن: هو يوم النحر خاصة. وجائز إضافة الواحد إلى الجماعة، كقوله: ~~(وجعل القمر فيهن نورا)، وإنما جعل في السماء الدنيا، وكما يقال: (توارى ~~فلان في دور بني تميم)، وإنما توارى في دار من دورهم، ومثل هذا كثير، وذلك ~~جائز في اللسان. # وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هو يوم النحر ويومان بعده. # وقال بعضهم: المعلومات والمعدودات هي أيام التشريق جميعا. # وقال بعضهم: الأيام ms2974 المعلومات: هي أيام العشر؛ لأنها هي أيام الذكر فيها. # وجائز أن يكون قوله: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) كناية عن الذبح، ~~وأيام الذبح ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده؛ ألا ترى أنه قال: (على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام فكلوا منها) ذكر الأكل ولم يذكر الذبح، فذلك يدل على أن ~~قوله: (ويذكروا اسم الله) كناية عن الذبح، وإنما كان كناية عنه؛ لأنه ~~بالذكر يقدم الذبائح ولا يخلو منه دونه، والله أعلم. # وقوله: (فكلوا منها): # قال بعضهم: من الأضاحي؛ لأن التناول من الأضاحي كان لا يحل فخرج ذلك مخرج ~~رخصة التناول منها والحل، لكن الأضاحي لا يحتمل؛ لأن الوقت ليس هو وقت ~~الأضاحي ولا أماكنها، إنما هو وقت دم المتعة والقران ودم التطوع. وفيه ~~إباحة التناول من دم المتعة والقران. # وقوله - عز وجل -: (وأطعموا البائس الفقير): قال بعضهم: البائس: من البؤس ~~وهو ما اشتد به من الحاجة والشدة. # PageV07P409 # وقال بعضهم: البائس: الذي سألك، والفقير: المتعفف الذي لا شيء له. # وقال بعضهم: البائس: هو الذي به زمانة، والفقير: الصحيح الذي لا شيء له، ~~وهو مثل الأول. # وقوله: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) قال ~~بعض أهل الأدب: التفث: لا يعرف في لسان العرب ما يراد به. # وقال الحسن: التفث: هو التقشف، وهو ترك الزينة، يدل على ذلك ما روي أنه ~~سئل عن الحاج، فقال: " كل أشعث تفل ". # وقال أبو عوسجة: التفث في الأصل: الوسخ، يقال: امرأة تفثة: إذا كانت ~~خبيثة الريح، وهو قريب مما قال الحسن: إنه ترك الزينة. # وأهل التأويل يقولون: التفث: هو حلق الرأس، وقص الأظفار والشارب، والرمي، ~~والذبح، ونحوه. # وقال بعضهم: (ثم ليقضوا تفثهم): المناسك كلها. # وروى في الخبر: " من وقف من عرفة بليل، وصلى معنا الجمع، فقد تم حجه وقضى ~~تفثه "، ظاهر " قضى تفثه "، أي: نسكه. # وجائز أن يكون قوله: " قضى تفثه " أي: جاء وقت الزينة، وهو وقت الحلق ~~واللباس، والله أعلم. # وقوله: (وليوفوا نذورهم)، أي: ليوفوا ذبح ما أوجبوا ذبحه، ذكر فيما ساق ~~من الهدي ms2975 لمتعته ولحجته الأكل منه؛ لقوله: (فكلوا منها)، ولم يذكر الأكل ~~مما أوجب بالنذر؛ فلذلك يقول أصحابنا: إنه يجوز له التناول من هدي المتعة ~~والقران، ولا يجوز التناول مما كان وجوبه بالنذر والكفارة، بل عليه أن ~~يتصدق بالكل، وهو ما قال: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)، والله أعلم. # PageV07P410 # (وليطوفوا بالبيت العتيق) هو طواف الزيارة، وهو طواف يوم النحر، وهو ~~الفرض عندنا، ولا يحتمل ما قال بعض الناس: إنه طواف الصدر؛ لأن الله تعالى ~~قال: (ولله على الناس حج البيت)، وحج الببت هو الطواف بالبيت لا غير، وطواف ~~الدخول وطواف الصدر ليس على أهل مكة ذلك الطوافان، وعليهم الحج كما كان على ~~غيرهم من الناس؛ فدل ما ذكرنا على أن قوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) هو ~~طواف الزيارة، وهو حج البيت الذي قال الله: (ولله على الناس حج البيت). ~~وقوله: (بالبيت العتيق) قال بعضهم: سماه: عتيقا؛ لأنه أعتقه عن الجبابرة عن ~~أن يتجبروا عليه، وكم من جبار قد صار إليه ليهدمه فمنعه الله عن ذلك. # وقال بعضهم: سماه: عتيقا؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو ~~البيت العتيق. والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات الله ~~عليه - وأسسه، ويكون قوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) الذي أسسه إبراهيم، لا ~~بالبيت الحادث الذي أحدثه الناس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال لعائشة: " لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لرددت ~~البيت على أساس إبراهيم، وجعلت له بابين: بابا يدخل فيه، وبابا يخرج منه "، ~~وروي في بعض الأخبار يرويه عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV07P411 # " إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار " فإن ثبت هذا فهو هو. # * * * # قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ~~(30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي ms2976 به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ~~من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت ~~العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~(35) والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # وقوله: (ذلك ومن يعظم حرمات الله) قوله: (ذلك) جائز أن يكون الذي تقدم ~~ذكره # PageV07P412 # من قوله: (يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم. . .) إلى آخر ما ~~ذكر ذلك الذي ذكر: (ومن يعطم حرمت الله). # وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصة والفراغ منها ~~مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: (هذا ذكر وإن للمتقين. . .)، كذا (وإن ~~للطاغين. . .)، كذا، قوله: (وإن للمتقين) (وإن للطاغين) يصح دون ذكر هذا، ~~لكنه ذكر على ختم كلام الأول وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ~~(ذلك ومن يعظم حرمات الله) كذلك. # وقوله: (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) كأنه قال: ومن يعظم ~~حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربه من ~~الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات ~~الله خير له ممن لم يعظمها. # وقوله - عز وجل -: (وأحلت لكم الأنعام)، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم ~~بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في ~~سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) جائز أن يكون قوله: ~~(فاجتنبوا الرجس) وهم الأوثان. # وجائز أن يكون ms2977 قوله: (فاجتنبوا عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير ~~الأوثان ليس برجس، كقوله: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، ليس فيه أن يحل ~~قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا. # وقوله: (واجتنبوا قول الزور) يحتمل كل قول زور. # ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به. # (واجتنبوا قول الزور. حنفاء لله) تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول ~~الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به. # وقوله: (حنفآء (31) قد ذكرناه. # وجائز أن يكون قوله: (غير مشركين به) تفسير قوله: (حنفاء لله) أي: كونوا ~~مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم. # PageV07P413 # وقوله - عز وجل -: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو ~~تهوي به الريح في مكان سحيق) يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالساقط من ~~السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوها: # أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: (ومثل ~~كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار)، ونحو ما قال: ~~(والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. . .) الآية، ضرب مثل ~~الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟ ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟ ولا ~~يظفر به، فعلى ذلك الكافر. # والثاني: ضرب مثله بالساقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ~~ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ~~ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله. # والثالث: الساقط من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ~~ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في ~~نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم. # وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه ms2978 وبعده من الهدى، ~~والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا. # وقوله: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) هو ما ذكرنا ~~في قوله: (هذا وإن للطاغين لشر مآب)، (وإن للمتقين لحسن مآب). # وقوله - عز وجل -: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) تأويله - ~~والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى ~~القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو ~~خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضا إذا كان في القلب ظهر في ~~الجوارح. # وقوله: (حرمات الله) و (شعائر الله) قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك. # وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ~~ذكرنا تأويل (شعائر الله) في سورة المائدة، والسحيق: هو المكان البعيد، ~~يقال: # PageV07P414 # سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضا: الشيء الخلق، ~~يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقا، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة. # وقوله: (أو تهوي به الريح) أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب ~~بنفسه. # وقوله: (لكم فيها ... (33) أي: فيما ذكر من الشعائر (منافع إلى أجل مسمى ~~ثم محلها إلى البيت العتيق) قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها ~~وأصوافها (إلى أجل مسمى)، أي: إلى أن تقلد وتهدى، (ثم محلها) إذا قلدت ~~وأهديت (إلى البيت العتيق). # وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع ~~بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل ~~الانتفاع بلحمها. # ومنهم من قال في قوله: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى): إلى وقت محلها من ~~الركوب بظهرها، وحلب اللبن، وجز الصوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من ~~قبل، ويروي في ذلك خبرا: روي أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا ~~ساق بدنة، فقال: " اركبها " فقال: إنها بدنة فقال: " اركبها " فقال: إنها ~~بدنة يا رسول الله، قال: " اركبها ويلك "، وبه يقول # PageV07P415 # بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا ms2979 والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن ~~عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع ~~بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ~~ركوبه لها. # وجائز أن يكون قوله: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) إلى أن تهلك أو ~~تهلكون أنتم، كقوله: (ومتاع إلى حين)، أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول. # ثم يكون قوله: (ثم محلها إلى البيت العتيق) - والله أعلم - ابتداء سؤال ~~سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: (محلها إلى البيت العتيق)، ~~والله أعلم. # والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا. # وقوله: (إلى البيت العتيق) ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس ~~البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في ~~البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد ~~بقوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق)، نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ~~(بالبيت)، فإنما يطاف به، وقال هنالك: (إلى البيت)، أضاف إليه؛ دل أنه لم ~~يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم. # وقوله: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) قال بعضهم: المنسك: ~~الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل ~~العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: (منسكا)، أي: يصيرون ويخرجون إليه ~~للعبادة، وقال: المنسك: الدين، وقال: الشريعة. # وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح. # PageV07P416 # وجائز أن يسمى في اللغة الذبح: نسكا، كقوله: (ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك) وهو الذبح، وقوله: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي)، ولو كان النسك ~~عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك ~~الذبح. # وقوله: (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)، دل قوله: ~~(ليذكروا اسم الله) أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم ~~يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله ms2980 الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى ~~الشافعي فإنه لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعا، حيث لم يجعل ذكر اسم الله ~~من شرط الذبيحة. # وقوله: (فإلهكم إله واحد) كأنه ذكر قوله: (ولكل أمة جعلنا منسكا) لقوم ~~أنكروا الذبائح، فقال: (ولكل أمة جعلنا منسكا)، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم ~~معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد (فله أسلموا)، أي: أخلصوا ذلك كله، ~~(وبشر المخبتين) قال: المتواضعين. # وقال بعضهم: المطمئنين. # وقال بعضهم الخاشعين. # وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت. # ويقال: المخلصين. # وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: (الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم. . .) الآية. # ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمانينة. # قوله: (منسكا) و (منسكا)، فيه لغتان: # قال الكسائي: من قرأ: (منسكا) بكسر السين فهو من نسك ينسك، ومن قرأ: ~~(منسكا) بالنصب فهو من نسك ينسك، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن ~~التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير ~~الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي ~~يحل به؟ وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة. # ولم يختلف في أن معنى قول الله: (ثم محلها إلى البيت العتيق) يدخل فيه ~~الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى ذلك رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله ~~قال: قال # PageV07P417 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، ~~وكل فجاج مكة طريق ومنحر "، وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " كل عرفة موقف، وكل منى منحر "، وفي بعض الأخبار: " ~~في كل أيام التشريق ذبح "، وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: " هذا المنحر، ومنى ~~كلها منحر "، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " إنما المنحر بمكة، ~~ولكنها نزهت عن الدماء، ومنى مكة ". # وقوله: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ms2981 ما أصابهم ~~والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) أي: خافت وفرقت؛ خوفا منه ~~(والصابرين على ما أصابهم) من المصائب والرزايا (والمقيمي الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون) هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال. # وقوله: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) قال بعضهم: من فرائض الله. # وقال الحسن: من دين الله. # والأشبه أن يكون قوله: (من شعائر الله)، أي: من معالم دين الله وعبادته ~~ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصت بها المناسك دون غيرها من ~~العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ~~ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان. # وظاهر ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " البدنة ~~تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة " أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث ~~قال: " البدنة تجزئ عن سبعة، # PageV07P418 # والبقرة تجزئ عن سبعة " فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم. # وقوله (لكم فيها خير) قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، ~~والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هديا. # وقال بعضهم: (لكم فيها خير) إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في ~~الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: (لكم فيها خير) أي: الأجر في ~~الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنه ~~قال في آية أخرى: (لا تحلوا شعائر الله)، وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ ~~لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، # PageV07P419 # وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له: " ~~اركبها " فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: " اركبها "، فقال: ~~إنها بدنة. فقال: " اركبها ويحك "، وفي بعض الأخبار: " ويلك؛ فهذا عندنا ~~لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها ~~يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات ~~يجوز في حال الاضطرار، ms2982 فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله ~~أعلم. # وقوله: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط ~~الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم ~~فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر ~~الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من لئرط جوازها، والله أعلم. # وقوله: (صواف)، فيه لغات ثلاث: # إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له. # والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة. # والثالثة: (صواف) بالتنوين، أي: قياما مصطفة. # وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، ~~والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار. وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، ~~وتأويله ما ذكرنا. # وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنه قال: (فإذا وجبت جنوبها)، وقوله: ~~(وجبت)، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياما لا ~~مضطجعة، والله أعلم. # وقوله: (فكلوا منها) قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير) و (البائس الفقير): من سألك؛ هذا قول بعض. # وقال بعضهم: (البائس): المعروف بالبؤس، و (الفقير): المتعفف الذي لا ~~يسأل. # وقال بعضهم: (البائس): المسكين، و (الفقير): فقير. # قال بعضهم: (البائس): الضرير. # و (القانع والمعتر): # قال بعضهم: (القانع): هو الراضي، وهو من القناعة. # وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، (والمعتر): الذي يعتريك ولا يسأل، # PageV07P420 # و (القانع): هو الجالس في بيته، ونحوه. # وقال القتبي: (القانع): السائل، يقال: قنع يقنع قنوعا، ومن الرضا: قنع ~~يقنع قناعة، (والمعتر): الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، ~~واعتراني. # وقال أبو عوسجة: (القانع): السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، ~~يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت ~~رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها ~~واحد. # وقال: (صواف)، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائما ثلاث ~~قوائم. يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: ms2983 إذا قام على ثلاث قوائم. # وقوله: (وجبت جنوبها)، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو ~~واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت ~~وجبة، أي: صوتا، وقال: (منسكا)، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة. # وعن ابن عباس قال: (القانع): الذي يقنع بما أعطيته، (والمعتر): الذي يريك ~~نفسه ولا يسأل. # وقوله: (كذلك سخرناها لكم) أي: البدن التي ذكرناها. # ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: # أحدهما: (كذلك سخرناها) أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع ~~الانتفاع بهأ في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ~~ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم. # وقوله: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) هذا يحتمل وجهين: ~~أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل ~~الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه ~~لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: (إنما يتقبل الله من ~~المتقين). # والثاني: أن يكون قوله: (لن ينال الله) أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال ~~الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد ~~بها، وهو ما قال: (ولكن يناله التقوى منكم). # وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن ~~[نضحوا] # PageV07P421 # بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن ~~يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم كذلك سخرها لكم) قد ذكرنا ما ذكرنا. # وقوله: (لتكبروا الله على ما هداكم) أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء ~~على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من ~~أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر ~~وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ ms2984 لقوتها ولشذتها وصلابتها. # والثاني: بأن يكون قوله: (على ما هداكم) من أمر الذين والهدي. # وقوله: (وبشر المحسنين) يخرج قوله: (المحسنين) على وجوه: # أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت ~~أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ~~(38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور (41) # وقوله: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وفي بعض القراءات: (إن الله يدفع ~~عن الذين آمنوا) بغير ألف، وتأويل (يدفع)، أي:، يدفع عن الذين آمنوا جميع ~~شرور الكفرة وأذاهم، وتأويل (يدافع)، أي: يدافع الكفار عنهم بنصر المؤمنين ~~عليهم، وكأن قوله: (يدافع عن الذين آمنوا) إنما نزل بمكة، وعد للذين آمنوا ~~هنالك النصر والدفع عنهم في حال قلتهم وضعفهم وكثرة أولئك الكفرة وقوتهم، ~~وهنالك كانوا كذلك - أعني: بمكة - قليلا ضعفاء، ويكون نزول قوله: (إن الله ~~لا يحب كل خوان كفور) بالمدينة؛ لأنه هنالك كان أهل الخيانة؛ لأنهم كانوا ~~أهل كتاب اؤتمنوا على رسالة محمد وأشياء فخانوها وكتموها، ولم يكن يومئذ ~~أحد بمكة منهم، إنما كانوا جميعا أهل شرك، فيشبه أن يكون ما ذكرنا. # أو يكون قوله: (إن الله لا يحب كل خوان كفور) بإزاء ما قالت اليهود: (نحن ~~أبناء الله وأحباؤه)، فأخبر أنه لا يحب كل خوان كفور على ما يقولون، بل ~~يبغضهم، # PageV07P422 # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أخبر أنه ~~ينصرهم ويدفع عنهم أذاهم وشر وأنهم خونة، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه عرف ~~بالله ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن ms2985 الله على نصرهم ~~لقدير (39) قال بعض أهل التأويل: إن المشركين كانوا لا يزالون يؤذون أصحاب ~~رسول الله ويقاتلونهم وهم لم يؤمروا بقتال بعد، فلما هاجروا إلى المدينة ~~أمروا بقتالهم بقوله: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) قال بعضهم: إنه لم ~~يكن لهم الأمر بقتالهم، ولا الإذن حتى أمروا بذلك، وأذنوا، فقال أولئك: لم ~~تؤمروا بقتالنا، فيكف تقاتلوننا؟ فأخبر: أنهم أذنوا وأمروا بالقتال معهم، ~~والله أعلم بذلك. # وظاهره: أنه كان هنالك منع عن القتال حتى أذنوا وأمروا، ولكن لا ندري ~~لأية جهة كان ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن الله على نصرهم لقدير) ظاهر على ما أخبر. # وقوله - عز وجل -: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا ~~الله ... (40) قال بعض أهل التأويل: أخرج الكفار أصحاب رسول الله من مكة ~~بغير حق بأن قالوا: ربنا الله، وآمنوا به ووحدوه؛ لهذا أخرجوهم. # وقال بعضهم: على التقديم والتأخير، يقول: كأنه قال: أذن للذين ظلموا ~~وأخرجوا من ديارهم بغير حق أن يقاتلوهم إلا أن يقولوا: ربنا الله، فإذا ~~قالوا ذلك يرفع عنهم القتال؛ لأن أهل مكة كانوا لا يقرون بالله ولا يؤمنون ~~به، فإذا قالوا ذلك وأقروا أنه ربهم رفع عنهم القتال، وأما من يقر به ~~ويصدقه لكنه ينكر رسالة محمد ونبوته، فما لم يقر بها ولا يصدق بها فإن ~~القتال لا يرفع عنهم، ومن يقر به ويصدقه بأنه رسوله إلا أنه ينكر الشرائع ~~فإنه يقاتل حتى يقر بها ويصدق بها، فإذا أقر بها رفع عنهم القتال، وذلك كله ~~روي في الخبر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~"، وفي خبر آخر: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ~~ذلك عصموا مني. . . " كذا، وفي خبر آخر: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. . . " إلى آخر ما ذكر، ~~فالأول للذين # PageV07P423 # يقرون بوحدانية الله تعالى، فإذا أقروا ms2986 به رفع عنهم القتال، والثاني في ~~الذين يقرون به ولا يؤمنون بالرسالة، فإذا آمنوا بها رفع عنهم القتال، ~~والثالث في الذين يقرون بالله ويؤمنون برسوله لكنهم ينكرون الشرائع، فإذا ~~أقروا بها رفع عنهم القتال. كانوا أنواعا ثلاثة على ما ذكرنا؛ فجاء في كل ~~فريق ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع. . .) إلى آخر ~~ما ذكر، وقال في آية أخرى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ~~وفي موضع آخر: (لفسدت السماوات والأرض)، ونحوه. # قال بعضهم: دفع بالنبيين عن المؤمنين، ودفع بالمجاهدين عن القاعدين ما لو ~~لم يدفع لهدمت كذا وما ذكر، أي: دفع بالأخيار عن الأشرار، وبالأخير عن ~~الأدون، وإلا لهدمت وفسد ما ذكر. # وقال بعضهم: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يصوم عمن لا ~~يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يفعل الخيرات عمن ~~لا يفعل - لفسدت الأرض، ولهدمت الصوامع، وما ذكر، وعلى ذلك روي عن أبي ~~الدرداء - رضي الله عنه - أنه صلى بأهل دمشق صلاة الصبح، فقال: لو يعلم ~~الناس ما في هذه الصلاة من الخير لحضروها. ثم قال: لولا أن الله يدفع بمن ~~يحضر المساجد عمن لا يحضرها، وبالغزاة عمن لا يغزو - لجاءهم العذاب قبلا. ~~أو كلام نحو هذا. # وقال الحسن: إن في الصوامع والبيع والكنائس من الرهبان والأحبار من يتمسك ~~بالإسلام وشرائعه فيدفع بهم عمن لا يتمسك منهم. # وقال بعضههم: لولا دفع الله بأهل هذا الذين كلهم، لكان كذا. # وقال بعضهم: دفع بالمسلمين عن مسجدهم، وبالنصارى عن بيعتهم، وباليهود عن ~~كنيستهم. إلى هذا ذهب أهل التأويل والمتقدمون، ولو قيل غير هذا كان أشبه ~~وأقرب، وهو أن الله خلق هذا الخلق، وجعل بعضهم عونا لبعض وردءا في أمر ~~المعاش والدين جميعا، وجعل لبعضهم منافع متصلة ببعض ما لو كلف كله القيام ~~بنفسه فيه، لهلكوا ولم يكن في وسعهم القيام بذلك، نحو أن يكلف أحدا بالقيام ~~بجميع ما يحتاج إليه من ms2987 الحراثة، والزراعة، والحصاد، والدياس، والتذرية، ~~والطحن، والخبز، وغيره، ما لو كلف بنفسه بذلك كله لهلك، ولكن جعل بعضهم ~~عونا لبعض وردءا لهم، وانتفاع بعضهم ببعض، وكذلك الغزل، والنسج، والخياطة، ~~والقطع، والغسل كله على هذا القياس ما لو كلف بنفسه القيام بذلك كله ~~لهلكوا، ولو هلكوا هلك ما لهم خلق من السماوات والأرض # PageV07P424 # وما فيها، وما سخر لهم. # وقال بعضهم: دفع بما يذكر أهل المساجد في المساجد من اسم الله عن أهل ~~الصوامع والبيع والكنائس، وهو قريب مما ذكرنا من قبل. # ثم اختلف فيما ذكر من الصوامع والبيع والصلوات: # قال بعضهم: الصوامع للراهبين، والبيع للنصارى، والصلوات: الكنائس التي ~~تكون لليهود، والمساجد للمسلمين. # وقال بعضهم: الصلوات للصابئين. # وقال القتبي: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، وصلوات: بيوت صلوات ~~اليهود، والمساجد للمسلمين. # وقال أبو عوسجة: الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى: مصلاهم، والصلوات ~~لليهود، وهي شبه البيعة، على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ولينصرن الله من ينصره) أي: من كان من أولياء الله نصره. # وقال الحسن: من حكمه أن من نصر الله نصره. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في ~~غير موضع. # وقوله: (إن الله لقوي عزيز) يحتمل: قوي لنصر أوليائه، عزيز الانتقام من ~~أعدائه. # أو أن يكون قوله: (لقوي عزيز) أي: قوي، فيضعف كل قوي من دونه عند قواه، ~~ويذل كل عزيز عند عزه. # أو قوي لا قوي سواه، عزيز لا عزيز سواه. # وفي: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات) وما ذكر ~~- دلالة ترك هدم الكنائس والبيع وما ذكر، والنهي عن هدمها؛ لأنه ذكر ~~الصوامع والبيع، وعلى ذلك تركت الكنائس والبيع في أمصار المسلمين لم تهدم، ~~ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وإنما يمنعون عن إحداث البيع والكنائس في ~~أمصار المسلمين وقراهم، وأما العتيقة منها فإنهم يتركون وذلك، والله أعلم. # PageV07P425 # وقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ... (41)، ~~إلى آخره. # قال بعضهم: هذا نعت من الله لأصحاب رسول الله ومن تبعه، ومدح لهم بالدوام ~~على دين الله الذين قبلوه وأخذوه ms2988 في حال الخوف بعد ما مكن لهم في الأرض، ~~وآمنهم من ذلك الخوف الذي كان في الابتداء، وأخبر أنهم داموا على ذلك ولم ~~يتركوا ما داموا عليه، بل زاد لهم حرصا على ذلك وجهدا، وكذلك الآية التي ~~ذكرت في سورة النور، وهو قوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض. . .) إلى آخر الآية. فإن كان التأويل هذا فهو يرد على ~~الروافض قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنه لما ولي أبو بكو ارتدوا جميعا، ~~وتركوا الدين الذي اختاروه، فالآيتان تدلان على نقض قولهم، أنهم ارتدوا؛ ~~لأن الله - عز وجل - أخبر أنه مكن لهم في الأرض، واستخلفهم، ووعد لهم ~~الجنة، وإنما ارتد من كان إسلامه بالقهر والغلبة فإذا مكن لهم تركوا ذلك. # وقال بعضهم: إن الآية وإن كان ظاهرها خبرا ووعدا فهي في الحقيقة أمر: أن ~~افعلوا كذا. . . إلى آخر ما ذكر. # وقوله: (ولله عاقبة الأمور) يحتمل قوله: (عاقبة الأمور) أي: ترجع إليه ~~الأمور في الآخرة، كقوله: (وإلى الله ترجع الأمور). # وجائز أن يكون قوله: (عاقبة الأمور) أن يكون عاقبة الأمور لأوليائه من ~~النصر والقهر على أعدائه، فالمراد بالإضافة إليه: أولياؤه، كقوله: (إن ~~تنصروا الله ينصركم) أي: إن، تنصروا أولياءه، أو تنصروا دينه، ينصركم، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم ~~إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ~~فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها ~~وبئر معطلة وقصر مشيد (45) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ~~أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~(46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) ~~قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51) # وقوله: ms2989 (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح. . .) الآية. # PageV07P426 # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ~~ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، ~~أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه. # وجائز أن يكون قوله: (وإن يكذبوك) في الرسالة وفيما تخبر عن الله من ~~الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب ~~الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: (وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. . .) الآية. # وقوله: (فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) أي: لم يعاقب الله ~~قوما كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب ~~عنهم، وزاد لهم تكذيبا وعنادا، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما ~~أخبر عنهم، وهو كقوله: (لولا يعذبنا الله بما نقول). # قال الحسن: إن الله لم يهلك قوما بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرنا فقرنا، ~~وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون ~~أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم علم ظهور ~~وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم) علم ~~ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي. # وقوله: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر ~~معطلة وقصر مشيد (45) لم يهلك الله تعالى أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب ~~إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون)، وكقوله: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم)، وأمثاله كثير، على ما ~~ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فهي خاوية على عروشها) فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان ~~فهي خاوية على عروشها. # وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها. # وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، ~~وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: # PageV07P427 # منها: ما أهلك أهلها وترك القرى ms2990 والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك ~~فرعون وقومه، وغيره من الأقوام. # ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئا، من نحو قريات لوط وثمود ~~وهؤلاء. # وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: ~~خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: (وبئر معطلة) عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا ~~أنها خربت على أماأ ذكرنا من إهلاك أهلها. # وقوله: (وقصر مشيد) قال بعضهم: (مشيد): مجصص، والشيد: الجص. # وقال بعضهم: (مشيد): أي: مرتفع، والمشيد - بالتشديد -: المطول المرتفع. # قال القتبي: المشيد: المبني بالشيد، وهو الجص، والمشيد: المطول، ويقال: ~~هما سواء، وهو مطول. وكذلك قال أبو عوسجة أو قريبا، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة ~~لوجهين: # أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصنة يتحصنون بها، يخبر أن من ~~كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ~~ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم ~~مثل ما نزل بأولئك. # أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين ~~في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم دوإن كنتم آمنين فينزل بكم ما ~~نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة. . .) الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~(46) هلا ساروا في أن ارض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما ~~حل بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، (أو آذان يسمعون بها) أي: يسيروا ~~فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ ~~لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر # PageV07P428 # إليهم، وإما بالسماع من الأخبار. # أو أن يكون قوله: (أفلم يسيروا في الأرض) أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ~~تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب ~~فيعتبروا بذلك، ms2991 ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول ~~يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السماع، لكنهم ~~لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: (فإنها لا تعمى ~~الأبصار) الظاهرة، (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) وهو ما نفى عنهم ~~السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها (صم بكم عمي). # وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، ~~معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى ~~القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم. # وقوله: (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده (47) أي: لن يخلف الله ~~وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ~~ميعاده. # وقوله: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون). # قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي ~~الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعد كل يوم من تلك ~~الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجها. # وقال بعضهم: وإن يوما عند ربك من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدون في ~~الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة. # ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديدا طويلا؛ لشدة العذاب ~~والبلاء، نحو ما قيل لهم: (كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم)، قصر ~~مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدة؛ إذ الآخرة مما لا غاية لانتهائها، ~~وكل شيء # PageV07P429 # لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ~~(وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)، وقال: (عرضها السماوات والأرض)، ليس على ~~التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ~~ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة (48) أي (أمليت ~~لها) لم آخذها ms2992 وقت ظلمهم (ثم أخذتها) من بعد (وإلي المصير). # وقوله: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) هو ظاهر، قد ~~ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة (50) لذنوبهم ومعاصيهم ~~(ورزق كريم) وقال بعضهم: سماه رزقا كريما؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم ~~قدره. # وقال بعضهم: سماه: كريما؛ لأن الكريم هو الذي يقضي عنده الحوائج ~~والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: ~~كريما، والله أعلم. # وقوله: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) في بعض ~~القرآن: [(معاجزين)] قال بعضهم: (معجزين): مثبطين مبطئين، يبطئون الناس عن ~~اتباع الشيء. # والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: (معاجزين): سابقين فائتين، لكنه على ~~الإضمار، كأنه قال: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين) على ظن منهم أنهم ~~سابقون فائتون عن عذابه (أولئك أصحاب الجحيم). # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية ~~قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ~~من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط ~~مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم (55) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم # PageV07P430 # مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) # وقوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ... (52) أي: ~~تلا (ألقى الشيطان في أمنيته) قيل: في تلاوته، وقراءته الآية. # قال عامة أهل التأويل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تمنى - ~~أي: تلا في صلاته - أو حدث نفسه، ألقى الشيطان ms2993 على لسانه عند تلاوته ب ~~(والنجم إذا هوى) حتى إذا انتهى إلى قوله: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ~~ومناة الثالثة الأخرى). قال: " تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ". ~~ويذكرون أنه أتاه على صور جبريل، فألقى عليه ما ذكروا، ثم أتاه جبريل ~~فأخبره النبي بذلك، فقال له: إنه لم ينزل عليه قط شيئا مثله. وأمثال ما ~~قالوا. # لكنه لو كان ما ذكر هؤلاء كيف عرفه في المرة الثانية أنه جبريل، وأنه ليس ~~بشيطان، ولا يؤمن أنه يلبس عليه في وقت آخر في أمثاله. # وقال قتادة: إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتمنى أن يذكر الله آلهتهم ~~بعيب، فلما قرأ تلك الآية (ومناة الثالثة الأخرى)، قال: " إنهن الغرانيق ~~العلا، وإن شفاعتهن لترتجى عندهم "، يعني به: عند أولئك الكفرة، وهم على ~~ذلك كانوا يعبدونها. # وقال الحسن: إنه أراد بقوله: " تلك الغرانيق العلا وإن، شفاعتهن لترتجى " ~~الملائكة؛ لأنهم كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يشفعوا لهم يوم القيامة، ~~فأخبر أن شفاعة الملائكة ترتجى. # وهذان التأويلان أشبه من الأول. # والأشبه - عندنا -: أن يكون على غير هذا الذي قالوا، وهو أن قوله: (وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي: ~~عند تلاوته القرآن في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول الله ويحاجونه؛ ~~فيشبهون بذلك على الأتباع ليتبعوهم، وهو نحو قولهم: إنه يحرم ما ذبحه الله، ~~ويحل ما ذبح هو بنفسه. ونحو قولهم عند نزول # PageV07P431 # قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) فقالوا: ~~إن عيسى وعزيرا والملائكة عبدوا دون الله فهم حصب جهنم إذن، ونحو صرفهم ~~قوله: (الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه)، إلى حساب الجمل، وأمثال هذا مما حاجوا ~~رسول الله وجادلوه به، فأخبر أنه ينسخ مجادلتهم ومحاجتهم رسوله، وأنه يحكم ~~آياته، حيث قال عند قولهم: إنه يحل ذبح نفسه ويحرم ذبح الله، فبين أنه بم ~~حرم هذا؟ وبم حل الآخر؟ وهو قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق)، ولكن كلوا مما ms2994 ذكر اسم الله عليه. فبين أنه إنما حل هذا بذكر ~~اسم الله عليه، وحرم الآخر بترك ذكر اسم الله عليه. # وبين في قولهم: إن عيسى عبد دون الله والملائكة عبدوا دونه، فهم ليسوا ~~بحصب جهنم، حيث استثنى أولئك فقال: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى. . . ~~الآية. وأبطل مجادلتهم ومحاجتهم، بصرفهم الآية إلى حساب الجمل بقوله: (هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات. . .) الآية، فهذا - والله أعلم - ~~تأويل قوله -: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) نسخ ما ~~ألقى الشيطان في قلوب أولئك الكفرة ما به جادلوه، وأحكم آياته بما ذكرنا. # ثم إن ثبت ما ذكر ابن عباس وعامة من ذكرنا، حيث قالوا: جرى على لسانه ~~ذلك، فجائز عندنا جرى الخطأ على لسان من عصم إذا عرف السامع منه مذهبه ~~ودينه الذي يدين به، عرف أن ما جري غلطا وخطأ، نحو من يعتقد مذهبا وينتحل ~~نحلة، فجرى على لسانه خلاف ما يعرف منه الاعتقاد، يعرف أنه جرى على لسانه ~~غلطا، فعلى ذلك الذي ذكره أهل التأويل؛ إن ثبت ما ذكروا عنه أنه قال ذلك. # والأشبه فيه ما ذكرنا من إلقاء الشيطان في قلوب الكفرة ما يجادلون به ~~رسول الله ويحاجونه، كقوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم. ~~. .) الآية. # وقال القتبي: (إلا إذا تمنى) أي: تلا القرآن (ألقى الشيطان في أمنيته) ~~أي: في تلاوته. وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: أماني مشددة جمع. # وقال غيرهما: إذا تمنى: إذا حدث، وفي أمنيته: في حديثه. # PageV07P432 # قال بعضهم: تمنى وأمنيته: هو من تمني النفس، كقوله: (ولا تتمنوا. . .) ~~الآية، ونحوه وهو قول الحسن: تمنى كبعض ما تمنى الناس من الدنيا. # وقال قتادة: تمنى ما ذكرنا من تمني النفس أن يذكر آلهتهم التي كانت تدعى ~~وترجى شفاعتهن، على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) هذا تأويل القوم: ليجعل ما يلقي الشيطان ~~في قلوب أولئك الكفرة فتنة للذين ذكر؛ لما ظنوا ms2995 لعله لا يقدر الإجابة لهم، ~~أو لا يحضره ما يجيبهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم، والله أعلم. # وقوله: (في قلوبهم مرض) كأنهم هم المنافقون؛ لأنهم هم الموصوفون المسمون ~~بهذا الاسم، كقوله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا). # وقوله: (والقاسية قلوبهم) كأنهم هم الرؤساء المكابرون المعاندون لرسول ~~الله والكفرة كلهم موصوفون بقساوة قلوبهم، كقوله: (ثم قست قلوبكم من بعد ~~ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة). # وقوله: (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) يحتمل: أي: لفي عناد وفي مكابرة ~~بعيد عن الإجابة له، أو بعيد لاستماع الحق وقبوله. # وقيل: شقاق: أي: خلاف بعيد، أي: لا يرجعون إلى الوفاق أبدا. # وقوله: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به (54) ~~وقوله: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) هذه الآية كالآيات التي ذكرناها ~~فيما تقدم، من ذلك قوله (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في ~~قلوبهم مرض. . .) الآية. ونحوها من الآيات التي وصفت أهل التوحيد بالقبول ~~لها والخضوع والإقبال إليها ووصفت أهل الكفر بالرد والتكذيب، فعلى ذلك ~~قوله: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك) علم الذين أوتوا العلم ~~أن القرآن ومحمدا لحق من ربك؛ لأنهم نظروا إليه بالتعظيم والتبجيل والخضوع ~~له، فأقروا به، فزاد لهم بذلك هدى ورحمة وشفاء، وأولئك نظروا إليه ~~بالاستخفاف والاستهزاء والتكذيب، فزاد لهم بذلك رجسا وضلالا وفسادا. # وقوله: (عذاب يوم عقيم (55) # قال بعضهم: هو يوم بدر. # PageV07P433 # وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة وهو شديد. # وجائز أنه سماه عقيما؛ لأنه لا يرجى النجاة منه، وكذلك سميت المرأة التي ~~لا تلد: عقيما؛ لما لا يرجى منها الوليد. # وقوله: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم (56) قال الحسن: الملك في الأحوال كلها لله في الدنيا والآخرة، ~~لكن تأويل قوله: (الملك يومئذ لله) أي: الحكم يومئذ لله، هو يحكم بينهم دون ~~الخلائق؛ لأن في الدنيا من ms2996 قد حكم غيره، فأما يومئذ فالحكم له. # وعندنا: تخصيص الحكم يومئذ له بالذكر وإن كان الملك في الأيام كلها لله؛ ~~لأنهم جميعا يقرون له بالملك يومئذ، لا أحد ينازع، وفي الدنيا من قد ادعى ~~الملك لنفسه، وهو ما ذكره في قوله: (وبرزوا لله جميعا)، (وإلى الله المصير) ~~(وإلى الله ترجع الأمور)، ونحوه، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) ظاهر تأويله. # وقوله: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) أما أهل التأويل فإنهم صرفوا ~~تأويل الآية إلى الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقتلوا أو ماتوا حتف ~~أنفهم، فإن لهم ما ذكر من الرزق الحسن والمدخل المرضي، وظاهره أن يكون في ~~الذين هاجروا إلى رسول الله، فإن كان فيهم ففيه دلالة نقض قول الروافض، حيث ~~قالوا: ارتد عامتهم، حيث شهد الله لهم بالجنة، والرزق الحسن، والمدخل ~~المرضي، قتلوا أو ماتوا حتف أنفهم؛ فلا يحتمل أن يكون منهم ما قالوا. # قال القتبي: قوله: (فتخبت له قلوبهم)، أي: تخضع وتذل، وهو ما ذكرنا في ~~قوله: (وبشر المخبتين). # وقال: (عذاب يوم عقيم) كأنه عقم عن أن يكون فيه خيرا وفرجا للكافر. # وقال أبو عوسجة: (عذاب يوم عقيم): شديد، وهو ما ذكرنا. # وقوله: (ليرزقنهم الله رزقا حسنا) قيل: هو الجنة؛ لأنه إنما ذكر بعد ~~الموت والقتل؛ فلا يكون رزق حسن إلا في الجنة يستحسنها كل طبع وعقل. # PageV07P434 # وقوله: (وإن الله لهو خير الرازقين) أخبر أنه خير الرازقين وإن لم يكن ~~رازق سواه؛ لأنهم كانوا يطمعون ويطلبون الرزق والسعة من عند من سواه، حيث ~~كانوا يعبدون من دونه طمعا في السعة، فأخبر أنه هو الرزاق، ومنه يطمع الرزق ~~والسعة؛ لأنه هو المالك لذلك، وهو ما قال: (أحسن الخالقين)، وإن لم يكن ~~خالق سواه. # وقوله: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) وهو الجنة أيضا، ~~يرضى بها كل طبع وعقل، (وإن الله ms2997 لعليم حليم) عليم بما صنع بأوليائه ~~أعداؤه، أو ما صنع هو بأوليائه، (حليم) حيث أخر الانتقام من أعدائه، لم ~~ينتقم منهم وقت صنيعهم به، صنعوا بأوليائه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور (60) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62) # وقوله: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) قد ذكرنا فيما تقدم أنه جائز في ~~اللغة ذكر حرف (ذلك) وحرف (هذا) على الابتداء وإن كان مما يخبر به عن غائب، ~~نحو قوله: (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب)، وقوله: (هذا وإن للطاغين) ~~يستقيم ذكره بدون ذكر (هذا) وهو أن يقول: وإن للمتقين كذا، وإن للطاغين ~~كذا، فعلى ذلك هذا. # أو أن يكون ذكر ذلك صلة ما سبق من ذكر الأنباء والأخبار، يقول: ذلك الذي ~~ذكرت لك وأنبأتك: (ومن عاقب بمثل ما عوقب به). # ثم اختلف في سبب نزول هذه الآية: # قال بعضهم: هي في القصاص: أن من قتل ولي آخر فاقتص منه، ثم أن المقتص منه ~~بغى على ولي المقتول فقتله، لينصرنه على من بغى عليه، وهو ما ذكر في آية ~~أخرى، وهو قوله (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة)، ثم قال: (فمن اعتدى بعد ذلك فله. . .) كذا، لكن ~~ذكر هاهنا الاعتداء بعد ما أخذ المال وعفا، وفي الأول ذكر البغي بعد ~~القصاص، وهو واحد في معناه. # وقال بعضهم: نزل في المؤمنين والمشركين، وذلك أن المشركين عاقبوا ~~المؤمنين بعقوبات واعتدوا عليهم، ثم إن المسلمين ظفروا بهم، فعاقبوهم جزاء ~~عقوبتهم، ثم إن # PageV07P435 # المشركين بغوا على المؤمنين، فوعد الله لهم النصر عليهم بعد البغي. # وقال بعضهم قريبا من هذا، وهو أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ~~ومن آمن منهم، ويعاقبونهم في أشهر الحج، ms2998 ولم يكن للمؤمنين إذن بقتالهم في ~~ذلك الوقت، فقاتلوهم مكافأة لهم، فأخبر الله - عز وجل - ووعد لهم النصر إذا ~~بغى أولئك عليهم من بعد؛ فعلى هذا التأويل يكون وعد النصر لهم إذا بغى ~~أولئك عليهم من بعد، وعلى التأويل الأول يكون لهم الوعد بالنصر بعد ما بغى ~~أولئك على هؤلاء، والله أعلم بذلك. # وقوله: (إن الله لعفو غفور) للمؤمنين بقتالهم أولئك في أشهر الحج، حيث ~~كان لم يأذن لهم بالقتال. # أو (إن الله لعفو غفور) إذا تابوا ورجعوا عما فعلوا، والله أعلم. # وقوله: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن ~~الله سميع بصير (61) قد ذكرنا أن حرف (ذلك) يستقيم ذكره على الابتداء ~~والائتناف على غير صلة. # وجائز أن يكون صلة قوله: (لينصرنه الله)، أي: ذلك النصر لمن ذكر؛ لأن من ~~قدر على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل - قادر على ما وعد ~~من النصر لهم. # وقوله: (وأن الله سميع بصير) (سميع)، لأقوالهم، (بصير) بحوائجهم، # والسميع، يقال: هو المجيب، أي: مجيب لدعائهم، (بصير) بما يكون من ~~الأعداء. # أو أن يكون على الابتداء في كل أمر، وكذلك: (ذلك بأن الله هو الحق (62) ~~ما ذكرنا. # وقال بعضهم: (ذلك بأن الله) أي: هو الذي يفعل هذا. # وقوله: (ذلك بأن الله هو الحق) قال الحسن: الحق: هو اسم من أسماء الله، ~~به يعطي وبه يحكم بين الخلق، وبه يقضي، ونحوه. # وجائز أن يكون قوله: (ذلك بأن الله هو الحق) أي: عنده يتحقق ما يطمع في ~~العبادة ويطلب؛ إذ هو المالك لذلك. # وقوله: (وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) أي: ما تطمعون بعبادة من دونه ~~باطل، وهو الأصنام التي عبدوها رجاء الشفاعة، أو طمعا في السعة، فأخبر أنها ~~لا تملك ذلك، وإنما ذلك لله. # وقوله: (وأن الله هو العلي الكبير) أي: من عنده يطلب العلو، ومن عنده ~~يطلب ويطمع الرزق، والسعة، والشفاعة، والنصر، والظفر، والإجابة، لا من عند ~~هؤلاء # PageV07P436 # الأصنام التي يعبدونها، يذكر سفههم بعبادتهم الأصنام من دون ms2999 الله. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن ~~الله لطيف خبير (63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني ~~الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر ~~بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم ~~(65) وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) # وقوله: (ألم تر) اختلف فيه: # قال بعضهم: (ألم تر) إنما هو حرف تعجيب، يعجب رسول الله جميع ما يفعل من ~~أفعاله. # وقال بعضهم: (ألم تر) هو حرف إيضاح الحجج وإنارة براهينه، كقوله: (ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل)، ونحوه. # وأصله: أن ظاهره وإن كان استفهاما فهو في الحقيقة تحقيق وإيجاب (ألم تر) ~~أي: قد رأيت، وقد أخبرت، وهكذا جميع ما خرج الظاهر في الكتاب مخرج ~~الاستفهام فهو في الحقيقة إيجاب وإلزام. # ثم في قوله: (أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) وجهان من ~~الاستدلال على منكري البعث: # أحدهما: يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على إنزال الماء من السماء، ~~وشق الأرض، وإخراج النبات منها مع لينه وضعفه وصلابة الأرض وشدتها - قادر ~~على إحياء الخلق بعد الموت، ولا يحتمل أن يعجزه شيء. # والثاني: حيث قدر على إحياء الأرض بعد مواتها ويبسها، لقادر على البعث ~~والإحياء، وقد عرفوا أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، أو يقدر على الإعادة ~~من لا يملك على الابتداء إذا عرف الابتداء. # وقوله: (إن الله لطيف خبير) قال الحسن: اللطيف في الشاهد إنما يقال على ~~وجوه ثلاثة: أحدها: أنه يقال للشيء: لطيف؛ لرقته، وذلك عن الله منفي. # والثاني: يقال: لطيف؛ لما يتأتى له الأشياء ولا يصعب عليه. # والثالث: اللطيف: هو الرحيم الرءوف. وهذان الوجهان يضافان إلى الله، ~~والأول لا يجوز إضافته إليه. # (خبير): عليم. # PageV07P437 # وقوله: (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ~~ويخبر أن له ما في السماوات وما في الأرض، وأنهم ms3000 عبيده وإماؤه، وأنه لم ~~يخلقهم لحاجة نفسه، ولكن إنما خلقهم لحاجة أنفسهم، حيث أخبر أنه الغني ~~بذاته. # والثاني: يخبر أنه لم يأمرهم، ولم ينههم، ولا امتحنهم لمنافع تكون له، ~~ولكن لمنافع الممتحنين (الحميد) هو المحمود في فعاله، أو (الحميد): الحامد. # وقوله: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ~~ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65) ~~يذكرهم نعمه ليتأدى به شكره؛ لأنه أخبر أنه سخر لهم ما في الأرض من أنواع ~~المنافع؛ ليعلموا أنه لم يخلقهم عبثا ليتركهم سدى؛ لأن من كان خلقه لما ذكر ~~لم يكن خلقه - ليكون خلقا - متروكا سدى، ويخبر أنه أعطى لهم الأسباب التي ~~بها يصلون إلى منافع الأرض مع شدتها وصلابتها، والأسباب التي بها يصلون إلى ~~منافع البحر، وهي الفلك التي خلقها لهم؛ ليصلوا بها إلى منافع البحر، حيث ~~خلق الخشب قارا على وجه الماء غير متسرب، وغيره من الأشياء من طبعها التسفل ~~والتسرب في الماء من الحديد، والحجر، ونحوهما من الأشياء؛ ليعرفوا فضله ~~ورحمته أن كيف ثبت وقر هذا على وجه الماء، ولم يثبت الحديد والحجر ونحوه، ~~ثم ثبت الحديد على وجه الماء مع الخشب؛ إذ السفن لا تخلو عن الحديد، وبه ~~تقوم السفن، ثم لم يتسرب، والله أعلم. # وقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) أي: يمسك السماء لا ~~بالأسباب ولا بالأشياء التي تمسك الأشياء في الشاهد، وهو ما قال: (إن الله ~~يمسك السماوات والأرض أن تزولا. . .) الآية. # وقوله: (إن الله بالناس لرءوف رحيم) أي: من رأفته ورحمته ما خلق لهم وسخر ~~ما ذكر. # وقوله: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ... (66) هذا قد ذكرناه. # وقوله: (إن الإنسان لكفور) جائز أن يكون قوله: (إن الإنسان)، أي: الكافر ~~(لكفور) للبعث أي: جاحد له، والكفور لربه في نعمه التي أنعمها عليهم، حيث ~~ذكر أنه سخرها لهم في قوله: (سخر لكم. . .) كذا؛ لأنه ينظر في النعم إلى ~~أسبابه والحيل التي يحتال لا ms3001 إلى فضل ربه وإفضاله في تلك النعم؛ لذلك صار ~~كفورا لربه في نعمه. # وأما المؤمن فإنه ليس ينظر إلى الأسباب والحيل فيها، ولكن ينظر إلى فضل ~~الله وإفضاله وإنعامه عليه فيها؛ فيكون شكورا له فيها غير كفور، والكافر ~~ينظر إلى ما ذكرت؛ لذلك كان ما ذكر. # PageV07P438 # وهذا على المعتزلة في قوله: (إن الإنسان لكفور)؛ لأنه يقول: هو الذي سخر ~~الفلك، وهم يقولون: لم يسخر الفلك، ولكن إنما سخر الخشب الذي منه تتخذ ~~الفلك؛ لأنهم لا يرون لله في فعل العباد تدبيرا ولا صنعا، وهم يكفرون نعمة ~~ربهم فيما ذكر من تسخير الفلك لنا، وهم داخلون في ظاهر هذه الآية على الوجه ~~الذي ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع ~~إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ~~(68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن ~~الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70) # وقوله: (لكل أمة جعلنا منسكا). # اختلف في المنسك: # قال بعضهم: (منسكا)، أي: جعلنا لكل أمة دينا يدعون إليه، أي: كل أمة تدعى ~~إلى دين واحد وهو دين الإسلام، وهو قول الحسن. # وقال بعضهم: (لكل أمة جعلنا منسكا)، أي: شريعة، فهذا على الاختلاف، أي: ~~جعلنا لكل أمة شريعة على حد). # (هم ناسكوه) ذلك كقوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). # وقال عامة أهل التأويل: (منسكا): أي ذبائح وعيدا، قالوا: ذكر هذا - والله ~~أعلم - لأن من الناس من ينكر أن يكون الذبح شريعة الله، فأخبر أن الذبح سنة ~~الله وشريعته في الأمم كلها، ليس على ما قالت الثنوية. # وقوله: (فلا ينازعنك في الأمر) على تأويل من يقول: إن المنسك هو الدين، ~~أي: لا يخالجنك في نفسك أن الذي أنت عليه هو دين الله وادع الناس إليه. # وعلى تأويل من يقول: هو الذبح، يقول: (فلا ينازعنك)، أي: لا يصدنك عن ~~الذبح من ينكر ذلك، كقوله: (ولا يصدنك عن ms3002 آيات الله). # (وادع إلى ربك) أي: ادع إلى توحيد ربك. # أو أن يكون قوله: (وادع إلى ربك): إلى عبادة ربك، وانههم عن عبادة من ~~دونه. # وقوله: (إنك لعلى هدى مستقيم) هذا يدل أن التأويل الذي ذكرنا في المنسك - ~~وهو # PageV07P439 # الدين - أشبه وأقرب؛ لأنه ذكر (إنك لعلى هدى مستقيم) فلا يتخالجن في نفسك ~~شك في ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وإن جادلوك ... (68) # في أمر الذبيحة، أو في الدين، وقد جادلوه في الذين كثيرا، لكن قال ذلك - ~~والله أعلم - عند إياسه عن توحيدهم وإسلامهم، يقول - والله أعلم -: (وإن ~~جادلوك) في الدين والتوحيد فقل: (الله أعلم بما تعملون)، وهو كقوله: (لا ~~حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)، فعلى ذلك قوله: (الله ~~أعلم بما تعملون) من الذين. # قال بعض أهل التأويل: هذه الآية منسوخة، نسختها آية القتال؛ لأن فيها ~~حظرا عن القتال، والترك على ما هم عليه، وتسليم الأمر إلى الله يحكم بينهم ~~يوم القيامة. # لكن جائز ما ذكرنا أنه إنما قال ذلك عند الإياس منهم عن توحيدهم. # وقوله: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض (70) قد ذكرنا في غير ~~موضع أن حرف (ألم) حرف يتوجه إلى وجوه: إلى التعجب مرة، وإلى التنبيه ~~والإيقاظ ثانيا، وإلى إيضاح الحجج والبراهين ثالثا. # وقوله: (إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير). # وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم ~~وما للظالمين من نصير (71) حججا وبراهين، (وما ليس لهم به علم) يخبر عن ~~سفههم أنهم يعبدون غير الله ولا سلطان ولا حجة لهم، ولا لهم بذلك علم؛ ~~لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول يخبرهم، ولا كان لهم كتاب فيعلمون به، فيقول: ~~إنهم يقولون: الله أمرهم بذلك، ولا حجة لهم في ذلك ولا علم. # وفيه أنه إنما بعث الرسل إليهم على علم منهم أنهم يكذبون الرسل؛ لأن من ~~الناس من ينكر بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبهم ويترك إجابتهم كمن لا يبعث ~~في الشاهد رسولا إلى من ms3003 يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، فعلى ذلك يقولون: لا ~~يجوز أن يكون الله يبعث الرسول إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، لكن الله ~~أخبر أنه على علم منهم بالتكذيب وترك الإجابة منهم، حيث قال: (ألم تعلم أن ~~الله يعلم ما في السماء والأرض). # وأما قولهم: إن من علم في الشاهد تكذيب المرسل إليه رسوله فإنه لا يبعثه ~~إليه؛ لأن المرسل إنما يبعثه لحاجة نفسه ومنافعه، فإذا علم منه تكذيبه وترك ~~الإجابة لم يبعثه، فأما الله - سبحانه وتعالى - إنما يرسل الرسول لحاجة ~~المرسل إليه ومنافعه، لا لحاجة نفسه ومنفعته، فلا ضرر يلحقه في تكذيبه ~~وجحوده، فجائز أرسله على علم منه بالتكذيب. # وقوله: (إن ذلك في كتاب) قال بعضهم: إن ذلك العلم في الكتاب الذي عنده. # PageV07P440 # (إن ذلك على الله يسير) يقول: حفظه يسير على الله بغير كتاب، لا يصعب ~~عليه حفظ شيء؛ لأنه عالم بذاته، لا بسبب ولا تعليم، وإنما يصعب حفظه على من ~~كان علمه بالشيء بسبب وتعليم. # وقوله: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ~~ذلك على الله يسير) فيه دلالة رد قول القدرية، حيث قالوا: يكذب من كذب ~~الرسل لا بإرادة الله، فذكر أنه على علم منه ذلك منهم، وكذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي ~~يكذبون بالقدر سيكفيكم من الرد عليهم أن تقولوا: (ألم تعلم أن الله يعلم ما ~~في السماء والأرض) ". # وتأويل هذا - والله أعلم -: أن يسألوا، فيقال لهم: أراد الله أن يصدق ~~خبره الذي أخبر أو يكذب؟ # فإن قالوا: أراد أن يصدق في خبره، لزمهم أن يقولوا: أراد جميع ما كان ~~منهم. # وإ قالوا: أراد أن يكذب خبره، فيكون كفرا محضا. # * * * # قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون ms3004 عليهم آياتنا قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ~~(73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى ~~الله ترجع الأمور (76) # وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا) هو ما ذكرنا أنه ~~يسفههم بعبادتهم دون الله بلا حجة، ولا برهان، ولا علم، وتركهم عبادة الله ~~مع الحجج، والبراهين، والعلم أنه إله، وأنه ربهم مستوجب للعبادة. # وقوله: (وما للظالمين من نصير) ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، ففيه دلالة ~~إثبات رسالته؛ لأنه إنما قال ذلك للرؤساء منهم والقادة فلم يتهيأ لهم نصرة ~~شيء، ولا رد ما قال بشيء دل أنه بالله كان ذلك، والله أعلم. # PageV07P441 # وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... (72) يحتمل الآيات: الحجج ~~والبراهين، ويحتمل: القرآن المنزل عليه. # (تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر): الإنكار، آثروا العناد، والرد ~~لآياته، والكراهية والبغض له. # قوله تعالى: (يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) يخبر عن سفههم ~~وشدة تعنتهم وعتوهم عند تلاوة الآيات عليهم، وإقامة الحجج عليهم، حيث قال: ~~(يكادون يسطون بالذين يتلون) (يسطون)، قيل: يأخذون أخذا، وقيل: يبطشون ~~بطشا. # وقال القتبي: (يسطون)، أي: يتناولونهم بالمكروه من الشتم والضرب. # وقال أبو عوسجة: (يكادون يسطون) أي: يقعون بهم، يقال: سطا يسطو سطوة، ~~ورجل ذو سطوة وبطشة، أي: ذو قوة وقدرة، قال: ويقال: سطوت بفلان، أي: أخذته ~~أخذا شديدا، أو بطشت به كذلك. # ثم قال: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار) ظاهر الآية ليس بجواب لما تقدم، ~~ولا صلته، وليس على الابتداء، ولكن على نازلة وأمر كان منهم، لم يذكر لنا ~~ذلك. # فأما ابن عباس وغيره من أهل التأويل قالوا: إنما أنزلت جوابا لما قالوا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه، ms3005 حيث قالوا: ما نعلم قوما أشقى ~~منكم حيث رأوهم قد حظر الدنيا عليهم، لم يعطوا من الدنيا شيئا، فنزل جوابا ~~لهم: (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار. . .) الآية. # وقال بعضهم: هو جواب قوله: (يكادون يسطون بالذين يتلون) (قل أفأنبئكم بشر ~~من ذلكم النار)؛ كقوله: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله. . .) الآية. # وقوله: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ... (73) قد ذكر معنى ضرب ~~الأمثال والحاجة إليها، وذلك أن العقول يجوز أن يعترض ما يستر عليها سبيل ~~الحق وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول له من درك الحق، لكن ~~يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب فيستكشف ذلك ~~بما ذكرنا من الأمثال، ثم في هذا المثل وجهان: # أحدهما: يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، # PageV07P442 # وهو ما ذكر: (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) وتركهم عبادة من هو خالقهم ~~وخالق جميع الخلائق. # والثاني: يخبر عن قطع ما يأملون ويطمعون من عبادتهم الأصنام، حيث قال: ~~(وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه) ويتركون عبادة من يؤمل منه ويطمع ~~كل خير، والله أعلم. # وقوله: (فاستمعوا له) قال بعضهم: أجيبوا له. # وقال بعضهم: استمعوا استماع من نظر وتأمل الحق ويقبله، إذا أظهر الاستماع ~~من لا ينظر إلى الحق، ومعناه: إذا أظهر له الاستماع من لا ينظر إلى الحق ~~ولا يقبله، والله أعلم. # وقوله: (إن الذين تدعون من دون الله) قال بعضهم: (تدعون)، أي: تعبدون من ~~دون الله، وقال: (تدعون من دون الله) على الدعاء، أي: تسمونهم: آلهة من دون ~~الله، وقد كان منهم الأمران جميعا: العبادة للأصنام من دون الله، وتسميتهم ~~إياها: آلهة من دون الله. # وقوله: (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) فيه ما ذكرنا من الوجهين: من ~~تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق الله، وعجزهم عما يأملون ~~من النفع، وعن دفع من يروم بهم الضرر وسلب ما ذكر منهم. ms3006 # ثم اختلف في قوله: (ضعف الطالب والمطلوب). # قال بعضهم: (الطالب): الصنم، (والمطلوب): هو الذباب، لكن على التأويل ~~يضمر فيه: (لو)، أي: ضعف الصنم لو كان طالبا. # قال بعضهم: (الطالب) هو الذباب، (والمطلوب): هو الصنم. # فإن قيل: وصفهما جميعا بالضعف: الذباب والصنم جميعا، على تأويلهم - أعني: ~~هؤلاء - فالصنم ضعيف، عاجز، على ما وصف، وأما الذباب فهو ليس بضعيف؛ لأنه ~~غلب ذلك الصنم إن كان طالبا أو مطلوبا، فكيف وصفه بالضعف، وهو الغالب عليه ~~في الحالين؛ لكنه كأنه رجع قوله: (ضعف الطالب والمطلوب) إلى العابد ~~والمعبود، كأنه قال: ضعف العابد عما يأمل ويطمع من عبادته إياه، وضعف ~~المعبود عن إيفاء ما يؤمل ويطمع منه، فهذا كأنه أشبه وأقرب إلى التأويل من ~~الأول، والله أعلم. # PageV07P443 # وقوله: (ما قدروا الله حق قدره (74) اختلف فيه: # قال بعضهم: (ما قدروا الله حق قدره) أي: ما عرفوا الله حق معرفته، قالوا ~~له بالشريك والولد والصاحبة، وما قالوا فيه مما لا يليق به؛ لأنهم لو عرفوه ~~حق معرفته، لم ينسبوا إليه، ولا وصفوه، وعرفوا بذاته وتعاليه عن ذلك، لكن ~~حيث لم يعرفوه حق معرفته شبهوه بواحد من خلقه، على ما ذكرنا. # وقال بعضهم: (ما قدروا الله حق قدره) أي: ما عظموا الله حق عظمته، حيث ~~صرفوا العبادة والشكر إلى غيره؛ إذ لو عظموه حق تعظيمه، ما صرفوا عبادتهم ~~وشكرهم إلى غير الذي أنعم عليهم، وما أشركوا غيره في ذلك، على علم منهم أنه ~~إنما وصلت إليهم تلك النعم من الله، لا ممن عبدوه، وبالله العصمة والصواب. # ثم يكون تعظيمه ومعرفته على الحقيقة بتعظيم أموره، وقبولها، والقيام بها، ~~لا في قوله: يا عظيم، يا كبير، ونحوه، ولكن على ما ذكرت من تعظيم أموره، ~~وقيامه بها، وكذلك المحبة لله إنما تكون في القيام بأموره وإقباله نحوها، ~~والانتهاء عن مناهيه، لا في قوله: أنا حبيبك، أو تصوير شيء في قلبه، ولكن ~~على ما ذكرت، والله أعلم. # وقوله: (إن الله لقوي عزيز) يحتمل قوله: (إن الله لقوي عزيز) لنصر ~~أوليائه، وجعل العاقبة ms3007 لهم (عزيز) أي: منتقم من أعدائه. # أو يقول: (لقوي)؛ لأنه تضعف جميع القوى عند قوته (عزيز): يذل جميع الأعزة ~~عند عزته. # أو يقول: (لقوي)؛ لأنه به يقوى من قوي، ومنه يستفيد ذلك (عزيز)؛ لأنه به ~~يعز من عز به، ومنه كان ذلك، والله أعلم. # وقوله: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) ~~يحتمل قوله: (يصطفي من الملائكة رسلا)، أي: اختار رسلا من الملائكة في بعض ~~ما امتحنهم به من أنواع العبادات له والطاعات، بعث منهم إليهم رسلا بتبليغ ~~ذلك على ما اختار من الناس رسلا إليهم فيما امتحنهم. ويحتمل: اصطفى رسلا من ~~الملائكة إلى الرسل من الإنس، أي: اختار منهم - أعني: من الناس - رسلا من ~~الإنس، والله أعلم، كقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). # وقوله: (إن الله سميع بصير) جائز أن يكون قوله: (بصير) لمن يصلح للرسالة # PageV07P444 # ومن لا يصلح، وبصير لمن اختار لها ومن لم يختر، سميع لما يتلقى المرسل ~~إليه الرسول من الإجابة والقبول، والرد والتكذيب، وأنه على علم منه بالرد ~~والتكذيب أرسل أرسله. # وفيه دلالة أنه إنما اصطفاهم للرسالة، لا بشيء يستوجبون منه ذلك ولكن ~~إفضالا منه. # قوله: (يعلم ما بين أيديهم ... (76) أي: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم (وما ~~خلفهم): بعدما خلقهم. # وقال الحسن: يعلم بأوائل أمورهم وبأواخرها. # وقال بعضهم: (ما بين أيديهم): من الدنيا، (وما خلفهم): من الآخرة. # وقال بعضهم: (ما بين أيديهم): من الآخرة، (وما خلفهم): من الدنيا. # وجائز أن يكون قوله: (يعلم ما بين أيديهم): ما عملوا بأنفسهم في حياتهم ~~(وما خلفهم) ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت) ما ~~عملوا هم، وما أخرت: ما سنوا لغيرهم من بعدهم. # وجائز أن يكون لا على حقيقة بين الأيدي ولا خلف، ولكن معناه: لا يخفى ~~عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم. # (وإلى الله ترجع الأمور) قد ذكرنا معناه فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق ms3008 جهاده هو اجتباكم وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير). # في الآية دلالة أن الإيمان هو شيء خاص وشيء واحد، لا اسم جميع الخيرات، ~~وهو التصديق؛ لأنه أثبت لهم اسم الإيمان، ثم أمرهم بالركوع والسجود وفعل ~~الخيرات؛ لأن جميع المخاطبين بهذه الآية عرفوا من خوطب بها، فلو كان اسما ~~لجميع الخيرات لكان لا يعرف المخاطب بها؛ لأنه لا يقدر أحد على جميع ~~الخيرات؛ فدل أنه شيء معروف خاص مما يرجع صاحبه إلى حد المعرفة، حيث عرفه ~~المخاطب به، والله أعلم. # ثم يحتمل قوله: (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير) وجوها: # أحدها: أن اجعلوا ركوعكم وسجودكم وعبادتكم عبادة الله لا ثشركوا فيها ~~غيره على # PageV07P445 # ما أشرك أهل مكة وغيرهم من الكفار في عبادتهم غيره، وهي الأصنام التي ~~عبدوها. # والثاني: اعبدوا ربكم بالأسباب والأشياء التي عرفكم أنها عبادة، وكذلك ~~افعلوا الخيرات التي عرفكم أنها خيرات. # والثالث: أن اجعلوا أحوالكم التي أنتم عليها من قيام وقعود، وحركة وسكون، ~~عبادة لله تعالى، واجعلوا تقلبكم أيضا للمعاش الذي أبيح لكم وأذن فيه ~~عبادة، فالأول هو عبادة بنفسه التي جعلها الله نصا، والثاني هو الذي يصير ~~عبادة بالنية والقصد؛ فيكون في جميع أحواله مؤدي عبادة، وهكذا الواجب على ~~المرء أن يكون في جميع ما يؤذي من الصلاة والصيام وغيره مؤدي فرض، وهو أن ~~يؤدي جميع ذلك بنية الشكر لنعمه، وتكفيرا لمعاصيه، وكلاهما لازمان واجبان، ~~فإن فعل ذلك كان مؤدي لازم، والله أعلم. # وقوله: (لعلكم تفلحون) ظاهره خرج على الترجي، وفي الحقيقة على الوجوب، ~~على ما ذكرنا فيما تقدم. # وقوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده ... (78) ليس لحق الله غاية يوصل ~~إليها، وكذلك قوله: (اتقوا الله حق تقاته)؛ لأنه لو كان لحقه غاية لكان ~~الرسل والملائكة يقومون ms3009 بوفاء ذلك ويتوهم منهم المجاوزة عن ذلك؛ إذ كل ذي ~~حد وغاية يتوهم المجاوزة فيه، فإن لم يحتمل المجاوزة دل أن حقه ليس بذي حد ~~وغاية، ويكون تأويل قوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده) و (حق تقاته)، حقه ~~الذي احتمل وسعكم وبنيتكم وطاقتكم، كقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم)، فيكون ~~هذا تفسيرا لقوله: (حق تقاته) و (حق جهاده). # ثم يحتمل قوله: (وجاهدوا في الله) أي: جاهدوا أنفسكم في شهوتها وأمانيها. # أو جاهدوا أعداء الله في دفع الوسواس والمحاربة معهم. # وقوله: (هو اجتباكم) يحتمل وجهين: # أحدهما: (هو اجتباكم) للإيمان والهدى والتوحيد. # أو (هو اجتباكم) جنسا من أفضل الأجناس وأكرمهم من بين سائر الأجناس، ~~كقوله: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر). # وقال عامة أهل التأويل في قوله: (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) أي: وحدوا ~~ربكم، جعلوا كل عبادة مذكورة في الكتاب توحيدا؛ فيكون ذكر العبادة هاهنا ~~كقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله)، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا ~~وحدوا ربكم. # ثم اختلف في قوله: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا): # قال بعضهم: فيه وجوب سجدة التلاوة على ذلك، وهي في الخبر عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV07P446 # أنه قال: " فضلت سورة الحج بسجدتين على غيرها من السور، فمن لم يسجدهما ~~فلا يقرأها ". # وكذلك روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قرأها فسجد فيها مرتين، ثم قال ما ~~ذكرناه. # وتأويله - عندنا - أن قوله: " فضلت بسجدتين " التي هي من صلب الصلاة، ~~وسجدة التلاوة في أول السورة، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها، وأصله في وجوب ~~سجدة التلاوة: أن كل سجود ذكر في القرآن للخضوع فهو واجب للتلاوة، لازم له، ~~وكل سجود كان الأمر به لحق سجود الصلاة فإنه لا يلزمه السجدة للتلاوة، ~~فالأمر بالسجود في قوله: (اركعوا واسجدوا) أمر بسجود الصلاة لا غير لم يلزم ~~تاليه السجود بالتلاوة، والله أعلم. # وقوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) يحتمل تأويله وجوها: # أحدها: أن عليهم معرفة وحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الأشباه ~~والشركاء، وعليهم ms3010 معرفة نعمه، والقيام بشكرها له، والخضوع له في كل وقت، ~~وإن لم يبعث الرسل، لكنه بفضله ورحمته بعث إليهم الرسل ليكون أيسر عليهم ~~معرفة ذلك وأهون، والقيام بأداء ذلك أخف؛ لأن معرفة الأشياء بالسماع من ~~لسان الصدوق والعدل أيسر، والإدراك أهون من معرفتها بالنظر والتفكر، وهو ما ~~قال: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)، أخبر أنه ~~لولا فضله ورحمته في بعث الرسل، لاتبعوا الشيطان إلا قليلا، والقليل الذين ~~استثناهم: الذين يتفكرون وينظرون فيعرفون بالتفكر والنظر، وذلك لا يعرف إلا ~~بجهد وتكلف، فعلى ذلك قوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ولكن بعث ~~إليكم الرسل ليكون أوضح لسبيل الحق ومعرفته، وإن كان له ألا يرسل، ويكلف، ~~ذلك بالنظر والتفكر. # والثاني: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) قطع ما يقع لهم الحوائج، ~~وتحريم كل أنواع المطاعم والمشارب واللباس عليكم لكنه إذا حرم نوعا منها ~~أباح نوعا آخر بإزائه مما يسد به حاجته ويزيح به علته، ولو حرم كل أنواعها ~~كان حرجا في الدين وضيقا. # والثالث: لم يجعل عليهم من العبادات والفرائض التي كلفهم بها والقيام ~~بأدائها ما لا # PageV07P447 # يحتمل وسعهم، ولا بنيتهم، ولا حمل عليهم أمورا شاقة خلاف ما عليه طباعهم ~~وأمر معاشهم، ولكن كلفهم بعبادات احتمل بها وسعهم وبنيتهم، وحمل عليهم ~~أمورا غير شاقة موافقة لما عليه أمر معاشهم وطباعهم، وإن بعد ونأى عليهم. # والرابع: أنه لم يجعل توبتهم عما ارتكبوا من المعاصي والمآثم قتل بعضهم ~~بعضا، وإهلاك بعضهم بعضا، على ما جعل ذلك لقوم، حيث قالوا لهم: (فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم)، ولو كلف ذلك كان حرجا في الدين، وأمثال ذلك. # والخامس: جائز أن يكون قوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: من شك ~~وشبه، أي: قد أزاح عنكم الشبه والشك بالحجج والبراهين التي أقامها لكم، ~~والله أعلم. # وقوله: (ملة أبيكم إبراهيم) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: على الأمر: أن الزموا ملة إبراهيم. # والثاني: أن هذا الذي ذكر هو ملة أبيكم إبراهيم. # وقوله: (هو ms3011 سماكم المسلمين من قبل وفي هذا) اختلف فيه: # قال عامة أهل التأويل: قوله: (هو سماكم) أي: الله سماكم المسلمين. # وقال بعضهم: إبراهيم (هو سماكم المسلمين من قبل)، حيث قال: (ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون) ورسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - كان من ولد إسماعيل، وقد ~~دعا له ولذريته بذلك. # وقوله: (من قبل وفي هذا): قال بعضهم: (من قبل): في الكتب المتقدمة (وفي ~~هذا)، أي: في القرآن. # وقال بعضهم: (من قبل): في الأمم الذين كانوا من قبل؛ لأنه ما من قوم وأمة ~~إلا وفيهم مسلمون متسمون بهذا الاسم، (وفي هذا): في قومه، أي: كنتم متسمون ~~بهذا الاسم في الأمم الخالية، كقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، أي: كنتم ~~خير أمة في الأمم التي كانت من قبل أنها تخرج في هذا الوقت، والله أعلم. # وقوله: (ليكون الرسول شهيدا عليكم) قال قائلون: (عليكم) بمعنى: لكم، وذلك ~~جائز في اللغة، كقوله: (وما ذبح على النصب) أي: للنصب؛ فعلى ذلك # PageV07P448 # جائز في هذا (عليكم) أي: لكم، ويكون تأويله: يكون الرسول لكم شهيدا ~~بالتصديق له، وتكونوا أنتم شهداء للناس بالتصديق لرسول الله إذا صدقتم ~~إياه. # وقال بعضهم: (ليكون الرسول شهيدا عليكم)، بمعنى: عليكم، وتأويله: يكون ~~شهيدا عليكم إذا خالفتموه ولم تصدقوه، وتكونوا أنتم إذا صدقتم رسولكم ~~ووافقتموه - شهداء على سائر الناس إذا كذبوا رسولهم: أنهم كذبوه وخالفوه. # وفي هذه الآية دلالة اتفاق قرن حجة على من بعدهم، حيث جعلهم شهداء على من ~~بعدهم ومن قبلهم، وقد ذكرنا تأويل الآية في سورة البقرة. # وقوله: (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإذا أراد الصلاة المعروفة والزكاة ~~المعروفة، ففي الأمر بإقامة الصلاة أمر لإصلاح ما بينهم وبين ربهم، وفي ~~الزكاة إصلاح ما بينهم وبين الخلق، كقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر)، وفي حرف عبد الله بن مسعود: (إن الصلاة تأمر بالعدل وتنهى عن ~~الفحشاء والمنكر). # وقوله: (واعتصموا بالله). # قال بعضهم: بدين الله وهو ما ذكر فيما تقدم ms3012 ذكره من قوله: (اركعوا ~~واسجدوا واعبدوا ربكم). # (وافعلوا الخير. . .) إلى آخر ما ذكر؛ فكأنه يقول: اعتصموا بالذي ذكر، ~~وأصل الاعتصام هو الالتجاء إليه؛ فكأنه قال: اعتصموا به من كل ما نهى عنه ~~من الشرور، وبكل ما أمر به من الخير. # وقوله: (هو مولاكم). # قال الحسن: هو مولى كل من تولاه بالطاعة. # وقال بعضهم: المولى: النصير، أي: هو ناصركم وحافظكم. # (فنعم المولى ونعم النصير). # المانع والنصير: المنتصر ينتصر لهم من أعدائهم، ويمنع عنهم الأعداء. # وجائز أن يكون قوله: (هو مولاكم)، أي: ربكم وسيدكم، كما يقال لمولى ~~العبد: هذا مولاه وسيده، والله أعلم. # ويكون في قوله: (ليكون الرسول شهيدا عليكم) أنه قد بلغكم؛ (وتكونوا شهداء ~~على الناس) بأن الرسول قد بلغهم. # قال أبو عوسجة: (ما قدروا الله حق قدره)، أي: ما عرفوا الله حق معرفته، ~~يقال في الكلام: ما قدرتك حق قدرك، أي: ما عرفتك حق معرفتك. # PageV07P449 # وقالوا: الحرج: الضعيف في هذا، وفي غير هذا الموضع، قيل: هو شك في قوله: ~~(فلا يكن في صدرك حرج منه)، أي: شك، والضيق إنما يكون من الشك إذا شك في ~~شيء ضاق صدره فيه. # قال أبو معاذ: وأصل الحرج في الكلام: شجر من شوك ملتف، والواحدة: حرجة، ~~منه: حرجة مسلم. # وقوله: (هو اجتباكم). # أي: اختاركم، وفي حرف ابن مسعود وأبي: (هو اجتباكم وسماكم المسلمين من ~~قبل)، وهذا يؤيد تأويل من يقول: هو سماكم المسلمين، أي: الله سماكم. # وقال بعضهم في قوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، قال: لم يفرض الله ~~على هذه الأمة شيئا إلا جعل فيه رخصة لهم عند الاضطرار؛ مثل التيمم إذا لم ~~يجد ماء، ويصلي قاعدا ومضطجعا في المرض، وتفطر إذا كنت مريضا، ونحو هذا، ~~ليس فريضة إلا فيها رخصة، ولم يكن من قبل ذلك، وهو قول مقاتل بن حيان. # وقال قتادة: قوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، أي: ضيق، قال: أعطيت ~~هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، ~~وقال الله ms3013 لهذه الأمة: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وكان يقال للنبي: ~~أنت شهيد على قومك، وقال الله لهذه الأمة: (وتكونوا شهداء على الناس)، وكان ~~يقول للنبي: سل تعطه، وقال الله لهذه الأمة: (ادعوني أستجب لكم). # وقال بعضهم في قوله: (اركعوا واسجدوا)، أي: صلوا لله، كقوله: (وإذا قيل ~~لهم اركعوا لا يركعون)، يقول: صلوا، لا يصلون. # وقال قتادة: (اركعوا واسجدوا)، قال: لا صلاة إلا بركوع، وإن أقواما ~~أحدثوا بدعا: يسجد أحدهم مائة سجدة لا يركع فيهن، وكان يقال: ثلاث مما أحدث ~~الناس: " رفع الأيدي في الدعاء، والأصوات عند المسألة، والاختصار في السجود ~~". # وقال أبو هريرة: " لا يصلح سجود إلا بركوع "، والله أعلم بالصواب، وإليه ~~المرجع والمآب، وبه نستعين. # * * * # PageV07P450 ### | سورة المؤمنون # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين ~~هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم ~~حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ~~(8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون (11) # قوله - عز وجل -: (قد أفلح المؤمنون). # الفلاح، قال قائلون: الفلاح هو البقاء، أي: بقي المؤمنون. # وقال قائلون: الفلاح: السعادة. # وقال أقائلون: الفلاح: الفوز، وأمثاله. # وفي قوله: (قد أفلح المؤمنون. . .) إلى آخر ما ذكر دلالة أن من المؤمنين ~~من هم بهذا الوصف الذي وصف هؤلاء، وأن اسم الإيمان يقع بدون الذي ذكر في ~~هذه الآية؛ لأنه لو لم يكن لذكر ما ذكر من الخشوع في صلاتهم، والحفظ ~~لفروجهم، والإعراض عن اللغو، يعني: دل أنه يكون مؤمنا بغير الوصف الذي وصف ~~هؤلاء، وكذلك في قوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، وقوله: (ممن ترضون من ~~الشهداء)؛ فدل أن فيهم من ليس بعدل، وفيهم من لا يرضى في الشهداء؛ حيث خص ~~العدل والمرضي في الشهادة. # وقوله: (الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) # قال الحسن: الخشوع هو الخوف الدائم اللازم في القلب. # وقال ms3014 غيره: الخشوع في القلب، وأصل الخشوع كأنه آثار ذل - من الخوف - تظهر ~~في الوجه والجوارح كلها، لا الخوف الذي ذكر هؤلاء؛ ألا لرى أنه قال: (وجوه ~~يومئذ خاشعة)، وقال: (خاشعة أبصارهم) - دل هذا أن الخشوع هو آثار ذل من خوف ~~يظهر في الوجه والجوارح كلها؛ ولذلك قال بعضهم: الخشوع في الصلاة هو ألا ~~يعرف من عن يمينه وشماله؛ لأن ذلك يشغله عن العلم بمن يليه، وأصله ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم عن اللغو معرضون (3) # PageV07P451 # اللغو: كأنه اسم كل باطل، واسم كل ما يلغى ولا يعبأ به، أخبر أنهم يعرضون ~~عن كل باطل وعن كل ما نهوا عنه، ويقبلون على كل طاعة وبكل ما أمروا به. # (والذين هم للزكاة فاعلون (4) # يحتمل الزكاة: الزكاة التي بها تزكو أنفسهم عند الله. # وجائز الزكاة المعروفة المعهودة، أخبر أنهم فاعلون ذلك مؤدون. # وجائز أن يكون ذكر هذا من المؤمنين؛ من الطاعة لله والائتمار لأمره، ~~والرضا به، مقابل ما كان من المنافقين من الكراهية في الإنفاق، والصلاة على ~~الكسل، والمراءاة؛ كقوله: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون ~~الناس. . .) الآية، وقوله: (ولا ينفقون إلا وهم كارهون)، وقولهم: (لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله) نعتهم بالكسل، والخلاف، وترك الإنفاق ~~والمراءاة في الطاعات، ونعت المؤمنين بضد ذلك، وبالرغبة في أوامره، ~~والانتهاء عن معاصيه ونواهيه. # وقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) # استثنى في هذا؛ لأن هذا مما يحل في حال ويحرم في حال، وأما اللغو وما ذكر ~~من أول الآية إلى آخره لا يحل بحال، واللغو حرام في الأحوال كلها، وكذلك ~~ترك أداء الأمانة والزكاة والصلاة مما لا يحل تركه بحال. # وقوله: (فإنهم غير ملومين). # ذكر ألا يلحقهم لائمة في ذلك - والله أعلم - لوجهين: # أحدهما: لقول الثنوية؛ لأنهم لا يرون التناكح، فأخبر أن اللائمة ليست في ~~هذين وإنما اللائمة في غير هذين. # والثاني: ذكر لإبطال المتعة؛ لأنه استثنى الأزواج وما ملكت أيمانهم، ~~والمتعة ليست في ms3015 هذين اللذين استثناهما، ثم أخبر أن لا لائمة في هذين، ~~وفيما عداهما لائمة، والمتعة مما عدا هذين، وهو ما قال: (ولا تكرهوا ~~فتياتكم على البغاء)، وإلى هذا يصرف حفظ الفروج، وإلا: كان عامة الناس ~~يحفظون فروجهم عن الزنا، ويعرفون حرمته، لكنهم كانوا يستبيحون المتعة ~~والإجارة فيه؛ فحرم ذلك. # ثم قال: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # والعادي: هو المجاوز عن الحد الذي حد له. # وقوله: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) # PageV07P452 # يحتمل الأمانات: العبادات والفرائض التي فرضت عليهم، راعوها، أي: أدوها ~~في أوقاتها، والعهود التي فيما بينهم وبين ربهم. # أو أن يكون الأمانات التي وضعت عندهم والعهود التي فيما بينهم وبين ~~الخلق، راعوها، أي: حفظوها، وأدوها إلى أربابها ولم يضيعوها، والله أعلم. # وقوله: (والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) # يكون محافظة الصلاة بوجوه: # أحدها: يحافظونها بأركانها وفرائضها ولوازمها وآدابها. # والثاني: يحافظونها بأسبابها التي جعلت لها من الأوقات والطهارات وستر ~~العورة وغيرها من الأسباب التي لا تقوم الصلاة إلا بها. # والثالث: يحافظونها بالخشوع والوقار وإظهار الذل له والإخلاص، وغير ذلك ~~من الأشياء مما ندب المصلي إليه، وعلى ذلك جميع ما ذكر من الأمانات وغيرها، ~~والله أعلم. # وقوله: (أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # الوارث: هو الباقي عن المورث. # وقال الله - عز وجل -: (إنا نحن نرث الأرض) أي: إنا باقون عن الخلق، أي: ~~يفني الخلائق، وهو يبقى. # أو أن يكون قوله: (الذين يرثون الفردوس) هكذا هو ما وعد الله عباده الجنة ~~إن أجابوه، وإليها دعاهم بقوله: (والله يدعو إلى دار السلام)؛ فمن ترك ~~إجابته يصير الموعود الذي وعد له إن أجاب لمن أجابه؛ فذلك الوراثة التي ذكر ~~الله. # وقوله: (الفردوس)، قيل: هو بلسان الروم: بستان، سمى الله الجنة بأسماء ~~مختلفة: منها عدن، ونعيم، ومأوى، وفردوس، وهي في الحقيقة واحد؛ لأن العدن ~~هو المقام، والنعيم هو ما ينعم، ومأوى فهي كذلك، ثم فردوس وعدن، ومأوى ~~نعيم. # وروي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~الفردوس ربوة ms3016 الجنة العليا، وهي أوسطها، وأحسنها "، فإن ثبت هذا فهو ما ~~ذكر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)، قال: ~~الإقبال عليها، والذلة فيها. # PageV07P453 # وعن علي - رضي الله عنه - قال: الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء ~~المسلم، وألا تلتفت في صلاتك. # وقيل: التواضع، وأصله ما ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في ~~قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~(14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) # وقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين). # قال بعضهم: إنما ذكر سلالة؛ لأنه سل من كل تربة. # وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل شيء، وقوله: (من سلالة من طين) ~~حز، أي: من أجود الطين؛ ذكر مرة: (من سلالة من طين)، ومرة: (من صلصال من ~~حمإ مسنون)، ومرة قال: (فإنا خلقناكم من تراب)، ومرة: (كالفخار)، ونحوه، ~~وهو آدم - عليه السلام - وذلك على تغيير الأحوال، والله أعلم بالصواب. # وقوله: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) أي: ثم خلقنا ولده وذريته من ~~نطفة، أخبر عن أصل ما خلق آدم منه، وأصل ما خلق ولده منه، وهي النطفة. # وقوله: (في قرار مكين). # قال بعضهم: الرحم. # وجائز أن يكون القرار هو صلب الرجل؛ لأن النطفة لا تخلق في الصلب أول ما ~~خلق الإنسان، ولكن تجعل فيه من بعد؛ فيكون الصلب قرارها ومكانها إلى وقت ~~خروجها منه إلى الرحم؛ وعلى ذلك قوله: (فمستقر ومستودع): الرحم. # وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب. # وجائز أن يكونا جميعا واحدا، أيهما كان: الرحم أو الصلب؛ لأن كليهما قرار ~~وما يستودع فيه. # PageV07P454 # وقال ابن عباس وغيره: السلالة: صفوة الماء. # وقوله: (ثم خلقنا النطفة علقة ... (14) والنطفة هي المعروفة، والعلقة ~~والدم والمضغة: القطعة من اللحم إلى آخر ما ذكر، يخبرهم عن تحويله إياهم ~~وتقليبه من حال إلى حال لوجوه: # أحدها: يخبر عن قدرته وسلطانه ms3017 وعلمه وتدبيره؛ ليعلموا أن من قدر على ~~إنشاء العلقة من النطفة ما لو اجتمع الخلائق جميعا على أن يعرفوا سبب خلق ~~هذا عن هذا، مع إحاطة علمهم أن ليس فيها من آثار العلقة شيء - ما قدروا على ~~ذلك، وعلى ذلك جميع ما ذكر من النطفة والمضغة، ومن العلقة والعظم، ومن ~~المضغة والإنسان، دل ذلك كله على أنه قادر؛ فمن قدر على هذا يقدر على ~~إنشائهم من الأصل من لا شيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا ترابا، ~~والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه ~~إياهم من التراب من الوجوه التي ذكرنا. # وفيه دلالة علمه الذاتي؛ لأن من قدر على تحويلهم من حال إلى حال التي ذكر ~~في الظلمات الثلاث؛ دل أنه عالم بذاته لا بعلم مستفاد من أحد، ولا قوة ~~مكتسبة؛ ولكنه بالعلم الذاتي والقوة الذاتية؛ لأن من علمه مستفاد، ومن قوته ~~مستفادة ومكتسبة لا يبلغ ذلك # وفيه دلالة تدبيره؛ لخروج الخلق جميعا وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ~~ينتهون على جري واحد وسنن واحد، على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي ~~جعل فيهم، وكذلك جميع ما يخرج من الأرض من النبات والأشجار والأوراق في كل ~~عام، وفي كل سنة يخرج على جرية واحدة وسنن واحد لا يتغير ولا يتفاوت وقت ~~خروجه؛ بل على تقدير واحد وميزان واحد؛ دل أنه على تدبير ذات خرج، لا على ~~الجزاف، وبالله الحول والقوة. # وفيما ذكر من تحويله إياهم وتقليمه من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم ~~لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشاه لهم، وأنشا أنفسهم ~~لعاقبة؛ لأنه لو كان إنشاؤه إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله: (ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون) لكان يتركهم على حالة واحدة ولا يحولهم من حال إلى ~~حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم ~~خاصة بقوله: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون)؛ ولكن لعاقبة # PageV07P455 # تقصد، وهو البقاء الدائم لا فناء ms3018 فيه، وهو ما ذكر: (ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون). # وقوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر). # أما أهل التأويل فمنهم من قال: نفخ الروح فيه، وهو قول ابن عباس وغيره. # وقال بعضهم إنبات الشعر ونحوه، وهو قول قتادة وغيره. # وعن الحسن وغيره: ذكر أو أنثى. # وجائز أن يكون قوله: (أنشأناه خلقا آخر): غير ما قال هؤلاء، وهو إظهار ~~الجوارح والأعضاء وتركيبها، ما فيه دلالة؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئا واحدا ~~مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب ~~فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا، فذلك هو إنشاء خلق آخر، ويكون ~~نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا، والله أعلم. # ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك؛ لما لم ~~ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء، فيقال له: وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على ~~إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر، فإذا لم تر هذا في الشاهد، وقد رأيت في ~~الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأول منه، نحو النطفة تصير علقة على ~~تلف النطفة فيها، والعلقة مضغة على إتلاف العلقة فيها. . . إلى آخر ما ذكر، ~~كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل، فهلا دل ذلك على أن عدم ~~الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب، وأنه حيث قدر على ~~هذا يقدر على كله. # وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين). # من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقا لم يكن لقوله: (أحسن ~~الخالقين) معنى؛ كقوله: (أرحم الراحمين)، و (أحكم الحاكمين)، ونحوه، إنما ~~قال هذا لما يكون سواه رحيما حكيما كريما؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم ~~الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: (أحسن الخالقين). # ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك ~~حقيقة، وهو يخرج على وجوه: # PageV07P456 # أحدها: (أحسن الخالقين) مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقا عندكم؛ ~~كقوله: (فراغ إلى آلهتهم): إبراهيم لم ms3019 يسم معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل ~~الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، ~~حيث قال: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)، على ما عندهم، ليس على ~~تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم ~~يكن هنالك سواه إلها خالقا، وكذلك قوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين): ليس ~~على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا. # والثاني: تأويل (أحسن الخالقين)، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان ~~هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى مما يخلق ما يشاء) أي: لو جاز أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ذكر، لكن لا ~~يجوز، وكذلك قوله: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا)، أي: لو جاز ~~أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: (ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق. . .) الآية، أي: ~~لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: (فتبارك ~~الله أحسن الخالقين)، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن ~~الخالقين، ولكن لا يجوز، والله الموفق. # والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمي كل صانع شيء خالقا؛ فخرج ~~الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث ~~قال: (أني أخلق لكم من الطين)، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن ~~العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة. # أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من ~~الماء، والأرض، والنار، وغيره. # فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم. # وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقا لكان الخلق غير دال على الخالق، ~~وقد جعل ms3020 الله الخلق سببا لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقا، لكان الخلق ~~غير دال على معرفة الخالق؛ لأنه قال: (خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم): ~~أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم؛ فإذا تشابه لم يكن سببا ~~لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله: (وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق) فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية ~~لغيره، فعلى ذلك # PageV07P457 # في الخلق على الوجوه التي ذكرنا. # وقوله: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) # قد ذكرنا فيما تقدم أن المقصود من خلق هذا العالم - لم يكن الإماتة ~~والإفناء؛ ولكن عاقبة تتأمل وتقصد حيث قلبهم من حال إلى حال، ثم لم يتركهم ~~على حالة واحدة، فلو كان المقصود من خلقهم الفناء والهلاك لا غير، لكان ~~تركهم على حالة واحدة، ولم يقلبهم من حال إلى حال؛ فدل التحويل والتقليب من ~~حال إلى حال على أن المقصود من الخلق العاقبة، على ما ذكرنا والله أعلم؛ ~~لأنه أخبر أن خلقهم لا لعاقبة يقصد بها عبث؛ حيث قال: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا)، صير خلقهم لا للرجوع إليه عبثا، وقال في آية أخرى: (ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها. . .) الآية: صير نقض الغزل بعد إبرامه وقوته سفها ~~منها؛ فلا جائز أن يسفه تلك المرأة تنقض غزلها بعد الإحكام والإبرام بلا ~~نفع يكون لها، ثم هو يفعل ذلك؛ إذ خلق الخلق للفناء والهلاك خاصة - عبث ~~ولعب، وعلى ذلك بناء البناء في الشاهد لا لعاقبة ومنفعة، ولكن للهدم والنقض ~~سفه ولعب. # قلنا: إن خلق الخلق لا للموت خاصة، ولكن لما ذكر من قوله: (ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون (16) أي: تحيون. # قال القتبي: يقال للولد: سلالة أبيه، وللخمر: سلالة، ويقال: إنما جعل آدم ~~من سلالة؛ لأنه سل من كل تربة. # وقال أبو عوسجة: السلالة: الخالص من كل شيء. # قال أبو معاذ: النسل: الولد يسل من تحت كل شعرة. # وقال القتبي: المضغة: اللحمة الصغيرة؛ سميت بذلك لأنها بقدر ms3021 ما يمضغ؛ كما ~~قيل: غرفة، بقدر ما يغرف. # وقوله: (في قرار مكين). # أي: مكان حريز، أو هو الرحم أو الصلب، أيهما كان فهو ما وصف. # * * * # قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) ~~وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون ~~(18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب # PageV07P458 # لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت ~~بالدهن وصبغ للآكلين (20) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ~~ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # وقوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ... (17) # قال بعضهم: سبع سماوات. # وقال بعضهم: سبعة أفلاك. # يذكر هذا - والله أعلم - أيهما كان السماوات أو الأفلاك التي جعل لأمر ~~الخلق ولحوائجهم؛ لوجهين: # أحدهما: يخبر عن قدرته وسلطانه وغناه: أن من قدر على خلق ما ذكر وإنشائه ~~بلا سبب، لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء. # والثاني: أن من قدر على هذا يقدر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت. # قال القتبي: سبع طرائق، أي سبع سماوات: كل سماء طريقة، ويقال عن الأفلاك: ~~كل واحد طريق. # وإنما سمي طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت الشيء؛ إذا جعلت بعضه ~~على بعض. ويقال: وبشر طرائق. # وغيره قال: طرائق أهواء مختلفة. # وقوله: (وما كنا عن الخلق غافلين). # أي: لم نخلقهم على جهل منا بأحوالهم؛ ولكن على علم منا بذلك. # ولا يحتمل أن يكون خلقه إياهم على علم منه، ثم يخلقهم للفناء لا لعاقبة ~~تتأمل؛ لأن من يفعل هذا في الشاهد إنما يفعل إما للجهل به أو لحاجة، والله ~~يتعالى عن ذلك كله. # أو أن يكون قوله: (وما كنا عن الخلق غافلين): خلق ما ذكر، أي: إذا عرفتم ~~أن خلق هذه الأشياء لا لأنفسها، ولكن لأنفسكم ولمنافعكم، فلا يحتمل أن يكون ~~خلقها لكم بلا محنة ولا ابتلاء، فإن ثبت المحنة فيكم ثبت الثواب والعقاب؛ ~~فإن ثبت هذا ثبت البعث والحياة، والله أعلم. # وقوله: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر ms3022 فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به ~~لقادرون (18) # قال بعضهم: بقدر: بعلم منا. # PageV07P459 # وقال بعضهم: ما يقع لهم الحاجة والكفاية. # وجائز أن يكون قوله: (بقدر)، أي: معلوم مقدر، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا ~~يزداد ولا ينتقص، ولكن على ما قدر، وكذلك جميع الأشياء. # وقوله: (فأسكناه في الأرض). # يذكر هذا ويخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على استنزال الماء من السماء ~~يقدر على البعث وعلى خلق الشيء لا من شيء؛ إذ لا أحد من الخلائق يقدر على ~~ذلك إلا بالحيل التي علمه الله. # أو أن يكون يقول: إنه حيث جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ومنافع ~~السماء متصلة بمنافع الأرض؛ على بعد ما بينهما، دل اتصال منافع أحدهما ~~بالآخر، أمع، بعد ما بينهما على أن منشئهما واحد، ومدبرهما واحد عالم ~~بذاته. # وقوله: (وإنا على ذهاب به لقادرون). # كقوله: (أو يصبح ماؤها غورا. . .) الآية. # وقوله: (فأنشأنا لكم به .. (19) # أي: بالماء. # (جنات من نخيل وأعناب). # أي: الكروم؛ يذكر نعمة الله التي أنعمها عليهم من الماء الذي به حياة ~~الأبدان والأشياء جميعا؛ ليتادى به شكره وعبادته. # وقوله: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة). # إن كان قوله: (لكم فيها)، أي: في الجنات؛ حيث ذكر أنه أنشأ لنا فواكه ~~كثيرة؛ ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن من حلف ألا يأكل فاكهة، فأكل ~~عنبا - لم يحنث؛ حيث ذكر النخيل والأعناب، وذكر فيها الفواكه على حدة. # وإن كان يعني به النخيل والأعناب، فليس فيه حجة له. # وقوله: (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) # أي: أنشأنا لكم -أيضا- شجرة في طور سيناء، ثم الشجرة التي تكون في الجبال ~~لا صنع للخلق في إنباتها، وما يكون في الجنان والبساتين إنما يكون بإنبات ~~الخلق، ثم أضاف كليهما: ما يكون للخلق فيه صنع وما لا يكون؛ دل إضافة ذلك ~~إليه كله على أن لله في فعل العباد صنعا، وأن جميع ما يكون إنما يكون بصنع ~~منه ولطف، ويذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم: من ms3023 إنشاء الجنان لهم، والنخيل ~~والأعناب والفواكه التي ذكر ليتأدى # PageV07P460 # بذلك شكره. # وفيه دلالة قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الشجرة، وأخرجها من الجبل، وهو أشد ~~الأشياء وأصلبها، وجعل في تلك الشجرة الدهن، وهو ألين الأشياء وألطفها؛ ~~فيخبر أن من قدر على إخراج ألين الأشياء من أشدها وأصلبها لا يعجزه شيء. # وفيه أن لا بأس بقران شيء إلى شيء، فهو كان جميعا وضم بعضهم بعضه إلى ~~بعض، ويجمع في الأكل حيث قال: (تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) هو الإدام. # ثم اختلف في قوله: (طور سيناء): # قال بعضهم: الطور: الجبل، بالسريانية، والسيناء: الحسن، بالحبشية. # وقال بعضهم: الطور: الجبل وما ذكر، والسيناء: الشجرة الحسناء. # وقال بعضهم: الطور: هو الجبل الذي كلم الله موسى وأوحى إليه، والشجرة: هي ~~شجرة الزيتونة. # وقال بعضهم: السيناء: الحجارة. وقال بعضهم: الطور: السيناء المبارك بما ~~أوحى على موسى. # وقال بعضهم: الطور: الجبل، والسيناء: شجر حوله. # وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (وشجرة تخرج من طور سيناء تخرج الدهن وصبغ ~~الآكلين). # قال بعضهم: تخرج الثمر. # قال أبو معاذ: أنبت النبات ونبت: لغتان؛ كقولك: أسرى وسرى. # وقال زهير: حتى إذا أنبت البقل. # قال الكسائي: تقول: خرجت بزيد وأخرجت زيدا، ولا تقول: أخرجت بزيد، إلا أن ~~تقول: أخرجت بزيد عمرا. # قال القتبي: (وصبغ للآكلين) مثل الصباغ كما يقال: دبغ دباغا، ولبس لباسا. # أبو عوسجة: (وصبغ للآكلين) أي: الصباغ، وهو ما اصطبغت به من شيء، # PageV07P461 # أي: غمرته فيه. # وقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة ومنها تأكلون (21) # في سورة النحل (مما في بطونه)، قال بعضهم: إنما ذكره على الفرد والوحدان، ~~وفيما ذكره على التأنيث على الجمع. # وقال بعضهم: فيما ذكره بالتذكير أراد به جنسا من الأنعام مما في بطونه، ~~وهذا أشبه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # ثم قوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) وجه العبرة فيها من وجوه: # أحدها: ما قال ابن عباس، وهو ما ذكر - عز وجل -: (من بين فرث ودم. . .) ~~الآية؛ ففي ذلك عبرة ودلالة على وحدانيته وربوبيته ms3024 وعلمه وقدرته وتدبيره ~~ولطفه؛ إذ ليس شيء منها إلا وفيها دلالة وحدانيته وربوبيته، ودلالة علمه ~~وقدرته وتدبيره. # وفيه أنه لم ينشئ هذه الأنعام لأنفسها، ولكن أنشأها للبشر؛ حيث أخبر أنه ~~سخرها لهم؛ ليمتحنهم بها. # ثم اختلف في الأنعام: # قال مقاتل: الأنعام: كل شيء يؤكل لحمه ويشرب لبنه، وما لا يؤكل لحمه ولا ~~يشرب لبنه - فليس من الأنعام. # وقال أبو معاذ: إن من الأنعام ما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه. # وقال بعضهم: الأنعام: كل بهيمة حتى الوحش. # والأشبه أن تكون الأنعام هي الإبل، ولكنا لا نعلم حقيقته؛ إنما هو ~~اللسان، فهو على ما يسميه أهل اللسان. # وقوله: (ولكم فيها منافع كثيرة). # قيل: من الحمولة وغيرها، وقد ذكرنا هذا في سورة النحل. # وقوله: (وعليها وعلى الفلك تحملون (22) # يذكرهم نعمه فيما سخر لهم من الأنعام والسفن؛ ليتأدى به شكره. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله # PageV07P462 # لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة ~~فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن ~~اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي ~~نجانا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير ~~المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) # وقوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره (23) # يردد - عز وجل - أنباء أولي العزم من الرسل وأخبارهم، ويكررها على رسول ~~الله؛ ليكون أبدا يقظانا منتبها، ويعرف أن كيف عامل أولو العزم قومهم، وكيف ~~صبر أولو العزم من الرسل على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ ms3025 ليعامل هو قومه مثل ~~معاملتهم، ويصبر هو على أذى قومه؛ على ما صبر أولئك على أذى قومهم وتكذيبهم ~~إياهم؛ لهذا ما يردد ويكرر أنباءهم عليه، ويعرف قومه -أيضا- ألا يظفروا بما ~~يأملون من تكذيبهم العاقبة؛ بل العاقبة تصير له على ما صارت لأولي العزم من ~~الرسل لا لقومهم، والله أعلم. # وقوله: (أفلا تتقون)، يحتمل وجوها: # أحدها: (أفلا تتقون) مخالفة الله ومخالفة رسوله. # أو (أفلا تتقون) عذابه ونقمته ووعيده. # أو (أفلا تتقون) عبادة غير الله. # وقوله: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن ~~يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ~~(24) # هذا الذي قالوا: هو تناقض؛ لأنهم قالوا: إنه بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم بما ادعى من الرسالة والإجابة له إلى ما دعاهم، ثم هم - أعني: ~~الرؤساء منهم والقادة - ادعوا لأنفسهم الفضل بما استتبعوا هم السفلة، ~~وطلبوا منهم الموافقة لهم والإجابة، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول، ~~ثم أقروا بتفضيل بعض الخلق على بعض، وعرفوا قدرة الله على ذلك؛ حيث قالوا: ~~(ولو شاء الله لأنزل ملائكة). # فإن قدر على تفضيل الملائكة على البشر، قدر على تفضيل بعض البشر على بعض، ~~ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم؛ ولكن يريد ~~النصح لهم والإشفاق عليهم؛ حيث قال: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ~~لكم)، # PageV07P463 # وقال: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)، (عذاب يوم الظلة)، ونحو ما قال؛ ~~أخبر أنه إنما أراد النصح والشفقة لا التفضل الذي قالوا هم. # وقوله: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين). # هذا قولهم، وقد كذبوا في قولهم. # وقوله: (إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) # قد عرفوا أن ليس به جنون؛ ولكن أرادوا التلبيس والتمويه على قومهم؛ حيث ~~خالفهم في جميع أمورهم، وعادى الرؤساء منهم والقادة، ويقولون: ما يفعل هذا ~~إلا لجنون فيه وآفة أصابته في عقله، وإلا: عرفوا هم في أنفسهم - أعني: ~~القادة - أنه ليس بمجنون؛ ms3026 ولكن أرادوا التمويه على قومهم، ثم قالوا: ~~(فتربصوا به حتى حين). # لسنا ندري ما أرادوا بالحين: أرادوا الموت؟ أو وقت ارتفاع ما قالوا فيه ~~من الجنون؟ أو أرادوا وقتا آخر. # قال مقاتل: يريد أن يتفضل عليهم بالرسالة، وليس له عليكم فضل في شيء ~~فننبعونه. # وقوله: (ما سمعنا بهذا). # قال بعضهم: أي: بالعذاب في آبائنا الأولين. # ويقال: ما سمعنا التوحيد في آبائنا الأولين، كما يدعو نوح. # وقوله: (قال رب انصرني بما كذبون (26) # لم يدع عليهم بأول ما كذبوه؛ ولكن إنما دعا عليهم بعد ما أيس من عودهم ~~إلى تصديقه، وهو ما قال: (أني مغلوب فانتصر). # وقال أهل التأويل: (انصرني): بتحقيق ما وعدت لهم من العذاب؛ فإنه نازل ~~بهم في الدنيا وعذابهم (بما كذبون): في قولي بأن العذاب نازل بهم في ~~الدنيا. # أو أن يكون قوله: (انصرني بما كذبون)، أي: اجعل لي الظفر عليهم بالتكذيب، ~~ونحوه. # وقوله - تعالى -: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء ~~أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه ~~القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) # قال بعضهم: بمنظر منا. # PageV07P464 # وقال بعضهم: بمرأى منا. # وجائز أن يكون - صلوات الله عليه - ظن لما أمر باتخاذ الفلك: أنهم لا ~~يتركونه أن يتخذ الفلك؛ فأخبره - عز وجل -: أنك تتخذه بحيث تراه، وننصرك ~~عليهم بحيث لا يملكون منعك عن اتخاذها. # وقوله: (ووحينا)، أي: بأمرنا. # وقوله: (فإذا جاء أمرنا وفار التنور)، أي: إذا جاء الموعود بأمرنا وفار ~~التنور. # أو أن يقول: إذا جاء وقت أمرنا بالعذاب وفار ما ذكر، أي: خرج الماء من ~~التنور وظهر. # وقوله: (فاسلك فيها). # قيل: أدخل فيها، يقال: سلكت، وهو الإدخال؛ كقوله: (اسلك يدك في جيبك)، ~~أي: أدخل. # وتفسير (اسلك): ما ذكر في آية أخرى: (قلنا احمل فيها). # وقوله: (من كل زوجين اثنين). # يحتمل أن يكون قوله: (اثنين) نعتا لقوله: (من كل زوجين): من الذكر ~~والأنثى. # وجائز أن يكون قوله: (من كل زوجين)، أي: من كل زوجين عددين لونين: ms3027 أبيض، ~~وأسود، وطيب وخبيث. # وقوله: (وأهلك)، أي: احمل أهلك -أيضا- في السفينة. # وقوله: (إلا من سبق عليه القول). # بالعذاب والهلاك، وقد ذكرنا هذا في سورة هود. # وقوله: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون). # اختلف فيه: # قال قائلون: إنما نهاه عن مخاطبته الذين ظلموا؛ حيث قال: (إن ابني من ~~أهلي)، أنهاه، أن يسأله؛ فإن كان على هذا أفقوله: (ولا تخاطبني)، أي: لا ~~تراجعني الكلام في الذين ظلموا. # وقال قائلون: قوله: (ولا تخاطبني) في الذين ظلموا في جميع ظلمة قومه؛ ~~(إنهم مغرقون)؛ وإن كان على هذا فهو نهي عن ابتداء السؤال في نجاتهم، والله ~~أعلم. # PageV07P465 # وقوله: (فإذا استويت أنت ومن معك ... (28) # من المؤمنين (على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين). # هكذا الواجب على كل من أنجاه الله من الظلمة أن يحمد ربه على ذلك ويسأله ~~النجاة إذا ابتلي بهم؛ كما علم نوحا أن يقول ما ذكر ويحمده على النجاة ~~منهم، وكما قال موسى حين خرج من عندهم خائفا: (رب نجني من القوم الظالمين)، ~~وكما سألت امرأة فرعون النجاة من فرعون وقومه حين قالت: (ونجني من فرعون ~~وعمله ونجني من القوم الظالمين). # ثم علمه ربه أن يسأله الإنزال في منزل مبارك؛ حيث قال: (وقل رب أنزلني ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) # ثم يحتمل سؤاله المنزل المبارك: جميع الخيرات والحسنات وعمل الصالحات. # ويحتمل سؤاله المنزل المبارك: الموضع الذي فيه السعة والخصب؛ على ما قاله ~~بعض أهل التأويل، المبارك بالماء والشجر وغيره؛ فإن كان هذا ففيه دلالة ~~إباحة سؤال السعة والخصب، والله أعلم. # وقوله: (إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) # قال قائلون: قوله: (إن في ذلك لآيات)، أي: في هلاك قوم نوح وإغراقهم ~~لآيات لمن بعدهم، (وإن كنا لمبتلين) بآيات؛ تفضلا منا وإحسانا سوى ذلك. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله: (وإن كنا لمبتلين): بسور الآيات التي ~~كانت؛ وجائز في اللغة (إن) بمعنى (ما). # ويحتمل وجها آخر: وهو أن قوله: (وإن كنا لمبتلين)، أي: وقد كنا لمبتلين، ~~أي: قد ابتلاهم قبل ms3028 إهلاكه إياهم، ولسنا نعرف ما حقيقة هذا الكلام وما ~~مراده، والله أعلم. # وقال القتبي: (فاسلك فيها)، أي: أدخل فيها، يقال: سلك الخيط في الإبرة ~~وأسلكته، وقال أبو عبيدة كذلك. # وقال أبو عوسجة: (وإن كنا لمبتلين): هذا من الابتلاء، أي: اختبار، ومن ~~البلاء: مبلون. # * * * # قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملأ من ~~قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا ~~إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا # PageV07P466 # مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما ~~أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما ~~نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن ~~نادمين (40) فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) # وقوله: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) # قيل: من بعد قوم نوح قرنا آخرين: عادا وغيرهم. # (فأرسلنا فيهم رسولا منهم ... (32) # قالوا: هودا. # (أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). # جميع الأنبياء والرسل إنما بعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة ~~له. # وقوله: (أفلا تتقون). # مخالفته، أو عبادة من دونه، وجميع معاصيه، على ما ذكرنا من قبل. # وقوله: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ... (33) # أي: بالبعث. # (وأترفناهم في الحياة الدنيا). # قال بعضهم: أترفناهم، أي: بسطنا لهم في الدنيا حتى ركبوا المعاصي. # وقال بعضهم: المترف: الغني الطاغي. # وقوله: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ~~ولئن أطعتم بشرا مثلكم. . .) الآية. # قد ذكرنا فيما تقدم أنهم تناقضوا في قولهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم. . .) ~~إلى قوله: (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون)؛ لما أنهم منعوا ~~الأتباع عن أن يتبعوا الرسول ويطيعوه؛ لأنه بشر مثلهم، ثم طلبوا منهم ~~الطاعة لهم والاتباع في أمورهم، وهم ms3029 بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول ~~وفساد. # وقوله: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات ~~هيهات لما توعدون (36) قال بعضهم: قوله: (هيهات هيهات): استبعاد الأمر ~~وإنكاره، أي: بعيدا بعيدا، أي: أمر لا يكون. # PageV07P467 # وقوله: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) # إن كان هذا القول من الثنوية والدهرية فقوله: (نموت ونحيا): هم بأنفسهم؛ ~~لأنهم يقولون: يموت الإنسان فيحيا غيره من البقر والحمر وغيره من تراب إذا ~~أكل. # وإن كان هذا القول من غير الثنوية فنقول: قوله: (نموت ونحيا)، أي: نموت ~~نحن ويحيا الأبناء. # وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: (نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين). # وقوله: (إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) هذا ~~قولهم. # وقوله: (قال رب انصرني بما كذبون (39) # قد ذكرناه. # (قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) # أي: عما قريب يندمون بالتكذيب عن هذا القول الذي قالوه والإنكار الذي ~~أنكروه، لا شك في ذلك. # وقال القتبي: (وأترفناهم)، أي: وسعنا عليهم حتى أترفوا، والترفة منه، ~~ومثلها: تحفة، كان المترف هو الذي يتحف. # وقال غيره: (وأترفناهم)، أي: أنعمنا عليهم وبسطنا لهم؛ فكله يرجع إلى ~~واحد. # قال أبو عوسجة: قوله: (هيهات هيهات) هذا تبعيد للأمر، أي: أنه أمر بعيد؛ ~~على ما ذكرنا أنه لا يكون. # وقوله: (فأخذتهم الصيحة بالحق ... (41) # قد ذكرناه. # وقوله: (فجعلناهم غثاء) # قال بعضهم: الغثاء: اليابس الهامد كنبات الأرض إذا يبس. # وقال بعضهم: الغثاء: هو الذي يحمله السيل بالموج. # وقال أبو معاذ: (غثاء أحوى)، أي: أسود. # وقال بعضهم: غثاء، أي: موتى. # PageV07P468 # وجائز أن يكون تأويل قوله: (غثاء)، أي: كالشيء المنسي الذي لا يذكر ~~ألبتة؛ لأن أولئك الفراعنة والأكابر إذا هلكوا لم يذكروا ألبتة، ولا افتخر ~~أحد من أولادهم بهم من بعد الهلاك، كما افتخر أولاد الأنبياء والرسل ~~والصالحين بآبائهم وأجدادهم من بعدهم، وصاروا مذكورين إلى أبد الآبدين، ~~فأما أولئك: صاروا خاملي الذكر كالشيء الخسيس المنسي المتروك. # وقوله: (فجعلناهم غثاء)، الغثاء: ما ذكرنا على قول بعضهم كالريم الهامد ~~الذي يحمله السيل، ms3030 وعلى قول بعضهم: هو كالشيء البالي المتغير. # وعلى قول بعض: الغثاء: ما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به، وكله واحد. # وقال القتبي: غثاء، أي: هلكى كالغثاء، وهو ما على السيل من الزبد والقش؛ ~~لأنه يذهب ويتفرق. # وقال أبو عوسجة: الغثاء: ما يحمله السيل من العيدان والبعر والأغشية ~~جميعا، والغثاء: حميل السيل. # ثم ذكر أنفس قوم عاد وثمود، وشبهها بما ذكر من الغثاء، وكذلك يذكر أنفس ~~جميع أهل الشرور والفساد، وذكر في أهل الخير أعمالهم لا أنفسهم؛ لأن لهم ~~أعمال الخير والصلاح؛ فتجعل أنفسهم حئة بالأعمال؛ كقوله: (فجعلناهم ~~أحاديث)، جعل أعمالهم أحاديث فيما بينهم، وأما أهل الكفر والشر فإنه لا ~~أعمال لهم تذكر؛ فتذكر أنفسهم بعدا وسحقا. # * * * # قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها ~~وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ~~فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # وقوله: (ثم أنشأنا من بعدهم)، قيل: من بعد قوم عاد وهؤلاء. # (قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) # كأنه ذكر هذا لما كانوا يستعجلون العذاب الموعود والهلاك الذي أوعدوا؛ ~~فأخبر أن لكل أمة أجلا: لا تسبق أجلها باستعجال من يستعجل، ولا يستأخرون ~~أجلها الذي جعل لهم. # وقوله: (ثم أرسلنا رسلنا تترا ... (44) # PageV07P469 # قال بعضهم: (تترا) تباعا، واحدا بعد واحد، وبعضا على أثر بعض. # (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا). # في الهلاك الأول فالأول. # (وجعلناهم أحاديث). # لمن بعدهم ولمن بقي منهم، يعني: الذين أهلكوا. # (فبعدا لقوم لا يؤمنون). # * * * # قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى ~~فرعون وملإه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى ~~الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات ~~قرار ومعين (50) يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما ~~تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا ~~أمرهم بينهم ms3031 زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) # قوله: (ثم أرسلنا موسى). # قد ذكرناه. # (فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) # كقوله: (إن فرعون علا في الأرض). # وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين. # قال أبو عوسجة: هو من العلو، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق. # قال القتبي: (تترا)، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، ~~والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و ~~(التكلان). # وقال أبو عوسجة: (تترا) بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة. # وفي قوله: (ثم أرسلنا رسلنا تترا) دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين ~~بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر ~~وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل ~~تباعا: بعضا على إثر بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج ~~والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، # PageV07P470 # والله أعلم. # وقوله: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) # قال بعضهم، تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!! نجعلهم غالبين علينا ~~وكانوا لنا عابدين؟! أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم ~~تحتنا، كيف نصنع ذلك؟! وذلك والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة. # (فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) # صاروا من المهلكين بالتكذيب. # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) # يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون ~~عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: ~~على النهي؛ كقوله: (لعلك باخع نفسك)، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: (فلعلك تارك ~~بعض ما يوحى إليك)، أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول ~~الرجل لآخر: لعلك " كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، و (لعل) من الله يحتمل ~~الإيجاب والإلزام والنهي، من الخلق: يحمل على النهي والترجي، والله أعلم. # وقوله: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ~~(50) # خص - عز وجل - وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ ~~خلقوا جميعا من نطفة، ثم ms3032 حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي ~~إليه؛ فيصير إنسانا؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا ~~إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصهما ~~بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة ~~فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج والأسباب التي للتوالد والتناسل ~~الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ وجهما عن الأمر ~~المعتاد والعادة الظاهرة خصهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر. النطقة، ~~وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خص بني إسرائيل بالخطاب ~~بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ~~(اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون). # ، وقال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين) # PageV07P471 # وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المن والسلوى ~~ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصهم بذكر المن والسلوى واستأدى منهم الشكر ~~بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم ~~كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن ~~الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض ~~أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها. # وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيا، ونحوه: من ~~إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله. # وقوله: (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين). # ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ ~~إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر (ذات قرار ومعين) هو المكان ~~الذي يستقر فيه ويتعيش. # وقوله: (ومعين)، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع ~~عليه الأبصار. # وقوله: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم (51) # قال عامة أهل ms3033 التأويل: إنما خاطب بهذا محمدا خاصة، على ما يخاطب هو، ~~والمراد منه: جميع أمته في ذلك. # ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعا مخاطبون بهذا كله: ~~من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعا ~~بهذا. # ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ~~ألا ترى أنه قال: (واعملوا صالحا)، أي: اعملوا صالحا، ولا تعملوا سيئا؛ ~~فعلى ذلك قوله: قوله تعالى: (كلوا من الطيبات)، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا ~~حراما: ما خبث. # وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي. # ويحتمل -أيضا- قوله: (كلوا من الطيبات): ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن ~~كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن ~~تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم. # وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم. # PageV07P472 # وقوله: (إني بما تعملون عليم). # ظاهر، وهو وعيد. # وقوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) # جائز أن يكون قوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة): في الكتب المتقدمة، وعلى ~~لسان الرسل السالفة؛ كقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، أي: كنتم خير أمة ~~في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا. # وقال بعضهم: قوله (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ~~ملة واحدة، وهي الإسلام. # وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد. # وجائز أن يكون قوله: (أمتكم أمة واحدة): لا تختلفون في رسولكم إلى يوم ~~القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا ~~على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم من جعل ~~الرسول ابنا له؛ كقوله: (وقالت اليهود عزير ابن الله)، والنصارى، وأما ~~هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، الله أعلم. # وقوله: (وأنا ربكم فاتقون)، وقال في آية أخرى: (فاعبدون): جائز أن يكونا ~~واحدا، وجائز أن يكون قوله: (فاتقون) أي: مخالفتي، (فاعبدون)، أي اعبدوني ~~وأطيعوني. ms3034 # وقوله: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) # قال بعضهم: (فتقطعوا أمرهم) و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ نحو: تفرقوا ~~وفرقوا. # (زبرا): برفع الباء، و (زبرا) بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ~~(زبرا)؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: (آتوني زبر الحديد)، و (زبرا) بالرفع، أي: ~~كتبا؛ كقوله: (تجعلونه قراطيس)، وقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم)، ونحوه. وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم). # قال أبو معاذ: (قطعوا) (تقطعوا): لغتان؛ كقيلك: علقت الشيء وتعلقته، ~~وحولت وتحولت، ووليت وتوليت ونحوه كثير. # PageV07P473 # وقوله: (كل حزب بما لديهم فرحون). # راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) # وقوله: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)، وقال في آية أخرى: (فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا)، وقال: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون)، فذلك يحتمل وجوها: # أحدها: قال ذلك عند الإياس عن إجابتهم لما علم أنهم لا يؤمنون، وذلك في ~~قوم مخصوصين؛ كأنه قال: ذر هؤلاء، وأقبل على هؤلاء الذين يقبلون أمرك، ~~ويجيبون دعاءك ويسمعونه. # والثاني: فذرهم في غمرتهم، ولا تكافئهم حتى أنا أكافئهم؛ كقوله: (فذرهم ~~حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون). # والثالث: أمره أن يعرض عنهم؛ لئلا يخوضوا في سب الله والطعن في الآية، ~~كقوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا. . .) الآية. # وقوله: (حتى حين): يحتمل القيامة، ويحتمل وقتا آخر لم يبين، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: قوله: (إلى ربوة): المكان المرتفع، و (آويته)، أي: أويته. # وقال القتبي: الربوة: الارتفاع، وكل شيء ارتفع أو زاد فقد ربا، ومنه ~~الربا في البيع. # قال أبو معاذ: للعرب في الربوة أربع لغات: ربوة وربوة وربوة ورباوة. # وقوله: (ذات قرار ومعين)، قال أبو عوسجة: المعين: الماء الظاهر الجاري، ~~والقرار: الثبات، وتقول منه: يقر قرارا فهو قار، وأقررته، أي: أثبته، وكذلك ~~قال القتبي، وقال: معين ماء ظاهر، وهو مفعول من العين: كان أصله (معيون)؛ ~~كما يقال: ثوب مخيط، وبر مكيل. ms3035 # وقوله: (في غمرتهم)، قيل: في ضلالتهم وغفلتهم. # PageV07P474 # وقال بعضهم: الغمر: الماء الكثير، وغمرة الحرب وسطها، وغمرة الموت: شدته، ~~ورجل غمر، أي: سخي، ليس به شح، وجمعه: غمار، ويقال: غمره الماء، أي: صار ~~فوقه. قال بعضهم: والغمر: عداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، وقوم أغمار، ~~والغمر: الوسم، والغمرة: الشدة، والغمرات جمع، والغمر: القدح الصغير، ~~والمغامرة: المخاطرة، تقول: غامر بنفسه، أي: خاطر بها. # وقوله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات ~~بل لا يشعرون (56) # حسب أولئك الكفرة أن ما أمد لهم من الأموال والبنين - ما أعطى لهم - إنما ~~أعطى خيرا لهم وبرا لا شرا، فأخبر - عز وجل - وكذبهم في حسبانهم الذي ~~حسبوا، فقال: (بل لا يشعرون) أنه إنما أعطى لهم ذلك شرا، وإنما مثل ما حسب ~~أولئك الكفرة فيما أعطوا من الأموال والبنين إنما أعطوا خيرا - حسب ~~المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له ~~في الدين؛ فأخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح لهم، وهو ما ذكر في ~~قوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، وهم يقولون: إنما يملي لهم ليزدادوا ~~خيرا وبرا. # وكذلك قالوا في قوله: (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها)، وهم يقولون: لا؛ بل إنما أراد: ليرحمهم بها. # فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟! كما قال لأولئك الكفرة؟! حيث قال: (أأنتم ~~أعلم أم الله) إلا أن يكابروا في قوله: (بل لا يشعرون)؛ لما أنهم قالوا ذلك ~~على الظن والحسبان، لا على العلم؛ حيث قال: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين)؛ فقال: (بل لا يشعرون)؛ حيث قالوا ذلك ظنا وحسبانا، وإنما الواجب ~~عليهم أن يعلموا ذلك علم إحاطة ويقين. # فجواب هذا أن يقال: إن عندهم أن ذلك إنما أعطى لهم وأملى خيرا وبرا لهم؛ ~~فكانوا على يقين من ذلك وإحاطة عند أنفسهم، وإنما ذلك الظن والحسبان لهم ما ~~عند الله، وإلا: كانوا على حقيقة العلم عند أنفسهم: أنه إنما أعطاهم ms3036 ذلك ~~وأمد لهم خيرا؛ فأكذبهم الله في ذلك ورد عليهم قولهم: إنه إنما أعطاهم ذلك ~~لما ذكروا؛ بل أخبر أنه إنما أعطاهم؛ لمضادة ذلك. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في # PageV07P475 # الخيرات وهم لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق وهم لا يظلمون (62) # وقوله: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) # جائز أن يكون هذا موصولا بقوله: (نسارع لهم في الخيرات)؛ على التقديم ~~والتأخير؛ فكأنه قال: إنما نسارع في الخيرات للذين هم من خشية ربهم مشفقون ~~إلى آخر ما ذكر لأولئك الكفرة، جائز أن يكون على الابتداء وصف الذين آمنوا ~~ونعتهم، فقال: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)، أي: من عذاب ربهم ~~خائفون. # وقوله: (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) # الإيمان بالآيات يكون إيمانا بالله حقيقة؛ لأن الآيات هن الأعلام التي ~~تدل على وحدانية الله وربوبيته، والإيمان هو التصديق، فإذا صدق آياته، وهن ~~أعلام وأخبار تخبر عن وحدانية الله؛ فإذا صدقها صدق الله وآمن به؛ لذلك ~~قلنا: الإيمان بآياته يكون إيمانا بالله. # وقوله: (والذين هم بربهم لا يشركون (59) # أي: لا يشركون غيره في عبادتهم. # وقوله: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) # وفي بعض القراءات: (والذين يأتون ما أتوا)، مقصورة، وهي قراءة عائشة. # فمن قرأ: (والذين يأتون ما أتوا) تأويله، أي: الذين يعملون من عمل وجلت ~~له قلوبهم، أي: يتقبل منهم أم لا؟ # ومن قرأ: (يؤتون ما آتوا) فهو من الإعطاء والإنفاق؛ يقول: والذين يعطون ~~وينفقون ما أنفقوا، وقلوبهم وجلة: أن ذلك يقبل منهم أم لا؟ # وفيه دلالة أن المطيع فيما يطيع ربه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته، ~~وكذلك روي عن عائشة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه ~~الآية، قالت: " أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟ فقال: لا؛ ولكنهم ~~الذين يصومون، ويصلون، ms3037 ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: (أولئك يسارعون ~~في الخيرات) ". # PageV07P476 # وجائز أن يكون قوله: (وقلوبهم وجلة) لا على ذلك؛ ولكن على ما يذكر، أي: ~~قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم: على السعادة أم على الشقاوة؟ والله ~~أعلم. # وقوله: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # أخبر أن الذين نعتهم ووصفهم هم الذين يسارعون في الخيرات، لا أولئك ~~الكفرة الذين تقدم ذكرهم، (وهم لها سابقون): يحتمل، أي: سبقوا أولئك الكفرة ~~بها، والله أعلم. # وقوله: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ~~(62) # جائز أن يكون ذكر هذا وقاله؛ لما عمل أولئك من الأعمال التي لا تسع ولا ~~تحل، وقالوا: الله أمرهم بذلك بقولهم: (والله أمرنا بها)؛ فقال: (ولا نكلف ~~نفسا إلا وسعها)، أي: إلا ما يسعها، أي: إلا ما يسعها ويحل؛ كقوله تعالى: ~~(إن الله لا يأمر بالفحشاء)؛ ردا لقولهم، وتكذيبا. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقول: لا نكلف نفسا من الأعمال إلا وسعها، أي: ~~طاقتها، وذلك يحتمل وجهين: # أحدهما، أي: لا نكلف أحدا من الأعمال ما يتلف طاقة وسعه فيه: لا يكلف ~~الغني من الإعطاء ما يتلف به غناه، وكذلك لا يكلف كل حي من العمل ما يتلف ~~به طاقته وحياته؛ ولكنه إنما أمره وكلفه بأمور يحتمل طاقتهم ذلك العمل ~~والأمر؛ فإن كان كذلك؛ فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته؛ ولكن طاقة ~~الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأحوال. # والثاني: ذكر هذا؛ لئلا يقولوا: إنا لم نطق ما كلفنا؛ لأنهم تركوا ~~الأعمال التي أمروا بها، وكلفوا بأعمال مثل التي تركوها، وهي المعاصي التي ~~عملوها، فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها؛ ولكن مثلها؛ فلا يكون ~~لهم في ذلك احتجاج. # وقوله: (ولدينا كتاب ينطق بالحق). # قال قائلون: هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات ~~والسيئات، وذلك كله محفوظ محصى عليهم؛ كقوله: (ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد)؛ فإن كان هذا فيكون قوله: (بالحق)، أي: بالتصديق. # وقال قائلون: هو الكتاب الذي ms3038 أنزل إلينا، وهو هذا القرآن؛ ينطق عليكم ~~بالحق، أي: بالحق الذي لله علينا، وبالحق الذي يكون لبعض على بعض، وهو ~~كقوله: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق)، وهو ما ذكرنا من الحق الذي له ~~علينا، ومن الحق # PageV07P477 # الذي لبعضنا على بعض. # وجائز أن يكون هو اللوح المحفوظ؛ فإن كان هذا، ففيه أن الله لم يزل عالما ~~بما كان ويكون في الأوقات التي يكون أبد الآبدين. # (وهم لا يظلمون). # فإن كان على الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم فيكون قوله: (وهم لا يظلمون)، ~~أي: لا ينقص من أعمالهم التي عملوا من الخيرات، ولا يزاد فيه على سيئاتهم، ~~بل يحفظ ما عملوا. # أو أن يكون (لا يظلمون)، أي: لا يزاد على الجزاء على قدر أعمالهم، ولا ~~ينقص من قدرها؛ بل يجزون على قدر أعمالهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما ~~لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم ~~يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم ~~معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) # وقوله: (بل قلوبهم في غمرة من هذا). # قيل: في عماية وجهالة وغفلة، (من هذا): من الكتاب الذي فيه أعمالهم، ~~وأحصى عليهم. وقال قائلون في قوله: (بل قلوبهم في غمرة من هذا): أي: من هذا ~~القرآن الذي ينطق بالحق، أي: قلوبهم في عماية وغفلة من هذا القرآن. # وجائز أن يكون قوله: (من هذا) من الأعمال التي ذكر للمؤمنين فيما تقدم: ~~من ذلك قوله: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون. . .) إلى آخر ما ذكر من أعمالهم، فأخبر أن ms3039 قلوب أولئك الكفرة في ~~غفلة وعماية من الأعمال التي عملها المؤمنون؛ والله أعلم. # وقوله: (ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون). # PageV07P478 # اختلف فيه: قال بعضهم: (ولهم أعمال من دون ذلك)، أي: من دون ما عمل أولئك ~~الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها: من قوله: (فذرهم في غمرتهم حتى حين ~~(54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون (56) إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) على ما ذكر، ثم أخبر أن ~~لهم أعمالا دون ما ذكر. # وقال قائلون: (ولهم أعمال)، يعني: المؤمنين الذين ذكر أعمالهم، أي: لهم ~~أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال. # وقوله: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) # قال أهل التأويل: ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع ~~الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه. # لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة؛ ألا ترى أنه يقول: (إذا هم ~~يجأرون) أي: يتضرعون. # ويقول أيضا: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) فإنما ~~يخبر: أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر: (إذا هم يجأرون)؛ فلا يحتمل أن ~~يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع، أو ينهاهم عن التضرع ~~بقوله: (لا تجأروا اليوم (65) فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر: (فلما ~~رأوا بأسنا. . .) الآية؛ مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر: (ولقد ~~أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون): ذكر في عذاب الدنيا أنهم ~~لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم، ولا يقبل منهم التضرع ~~والاستكانة؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: (لا تجأروا اليوم). # نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك. # وقوله: (إنكم منا لا تنصرون). # أي: لا تمنعون من عذابه. # وقوله: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) # قوله: (على أعقابكم) ترجعون على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأنهم إذا ~~رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم؛ ms3040 فكأنهم نبذوا ذلك وراء ~~ظهورهم. # أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم # PageV07P479 # عند جميع من رآه وعاينه؛ لهذا شبه به وضرب مثله به، والله أعلم. # وقوله: (مستكبرين به سامرا تهجرون (67) # قال عامة أهل التأويل: قوله: (به)، أي: بالبيت. # ووجه هذا: أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم الله، ~~وأهل سائر البقاع في خوف - ظنوا أن ذلك لهم؛ لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند ~~الله؛ فحملهم ذلك على الاستكبار على رسول الله ومن تابعه. # وقال بعضهم: (مستكبرين)، أي: بالقرآن وتأويله، أي: استكبروا على الله ~~ورسوله لما نزل القرآن، وإضافة الاستكبار إلى القرآن؛ لأنهم بنزوله تكبروا ~~على الله؛ فأضاف استكبارهم إليه؛ لأنه كان سبب تكبرهم، وهو كقوله: (وإذا ما ~~أنزلت سورة. . . فزادتهم رجسا إلى رجسهم. . .) الآية: أضاف زيادة رجسهم إلى ~~السورة؛ لما بها يزداد رجسهم وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجسا في ~~الحقيقة. # وقوله: (سامرا تهجرون). # قال الزجاج: السامر: هو ظل القمر، فيه كانوا يهجرون، والسمر: هو حديث ~~بالليل. # قوله: (تهجرون) قال قائلون: تهتدون. # وقال بعضهم: تهجرون القرآن، أي: كانوا لا يعملون به ولا يعبئون؛ فهو ~~الهجر، وفيه لغة أخرى: تهجرون، وهو كلام الفحش والفساد. # وقوله: (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) # قيل: أي: في القرآن؛ يحتمل قوله: (أفلم يدبروا) أي: فهلا دبروا ذلك القول ~~الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم: (أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل)، وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله: (إذا هم يجأرون). # وجائز أن يكون قوله: (أفلم يدبروا القول)، أي: قد دبروا القول، لكنهم ~~تعاندوا # PageV07P480 # وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له؛ أنفا واستكبارا؛ أو لا ترى أنه إذا قرع ~~أسماعهم قوله: (فأتوا بسورة من مثله)، وقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله. . .) الآية، لا يحتمل ألا ~~يدبروا فيه؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا وكابروا ~~واستكبروا؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا ms3041 عن اتباعه والخضوع له. # قال أبو عوسجة: (إذا هم يجأرون)، أي: يستغيثون، قال: وأصله من الصياح. # وقال بعضهم: (يجأرون): يصرخون. # وقيل: يصيحون. # وقيل: (سامرا تهجرون) ما ذكرنا من الحديث بالليل، (تهجرون)، أي: تهذون ~~كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض. # قال: وأهجر يهجر، من الهجر: وهو الفحش، وهجر يهجر: إذا سار في الهاجرة، ~~وهي شدة الحر. # وقوله: (تنكصون): قال بعضهم: ترجعون، وقال بعضهم: تستأخرون؛ كقوله: (نكص ~~على عقبيه): ترجعون، وتستأخرون واحد. # وقوله: (أفلم يدبروا القول): قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: على ترك التدبر فيه والتفكر، والإعراض عنه، أي: لم يدبروا فيه، ~~ولم يتفكروا. # والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبروا فيه، وعرفوا ~~أنه منزل من الله، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمردا وإشفاقا على ذهاب ~~رياستهم، وطمعا في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج ~~الله وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، ~~حيث استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم ~~سبيل الوصول إلى معرفتها. # وظاهر قوله: (أفلم يدبروا) استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا ~~يجوز أن يستفهم الله أحدا؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب. # وقوله: (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم ~~الأولين من # PageV07P481 # الرسل، ثم لم يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ ~~فكيف أنكروه؟! ألا ترى أنهم قالوا: (لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم): قد أقروا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: (ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم). # وعلى ذلك يخرج قوله: # (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) # أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن ~~من أحد الوجهين؛ عنادا وتكبرا؛ إشفاقا على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه ~~قال: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. . .) الآية. # وعلى هذا، (أم يقولون به جنة). # أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة. # وجائز أن يكون قوله: ms3042 (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين): جاء هؤلاء ما ~~لم يأت آباءهم، وخص هؤلاء ما لم يخص آباءهم. وكذلك قال ابن عباس: لعمري لقد ~~جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين. # وجائز أن يكون قوله: (أفلم يدبروا القول): إلى ما ذكر من قوله: (أم ~~يقولون به جنة)؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه، ومعرفة الرسول أنه ليس ~~كما يصفونه من الجنون وغيره؛ كقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم)، أي: تفكروا ~~فيه؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه، أو على ما ذكرنا: أنهم تفكروا وعرفوا: ~~أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على ~~أتباعهم وسفلتهم؛ إشفاقا على إبقاء ما ذكرنا. # وقال بعضهم: قوله: (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين): من البراءة من ~~العذاب. # وقوله: (بل جاءهم بالحق (70) # بالرسالة والقرآن من عند الله، وجعل العبادة له من دون الأصنام التي ~~عبدوها. # وقوله: (وأكثرهم للحق كارهون). # كرهوا الحق؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم ~~على أتباعهم، بعد معرفتهم أنه حق، أو كرهوا؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه ~~حق، وإلا لا أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه؛ إلا ~~للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم. # وقوله: (ولو اتبع الحق أهواءهم (71) # PageV07P482 # قال عامة أهل التأويل: الحق - هاهنا - هو الله، أي: لو تبع الله أهواءهم ~~في كفرهم وشركهم (لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)، وتأويل هذا أن الكفر ~~والشرك مما لا عاقبة له، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد ~~باطل غير مستحسن. # وقال بعضهم: الحق - هاهنا - كتاب الله، وهو القرآن على ما يهوون هم؛ ~~ليفسد ما ذكر؛ لأنه يكون خارجا عن الحكمة. # وجائز أن يوصل قوله: (ولو اتبع الحق أهواءهم) الحق الذي سبق ذكره، وهو ~~قوله: (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون)، أي: لو اتبع ذلك الحق أهواءهم ~~وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير الله، وتسميتهم إياها آلهة، ~~وإنكارهم البعث والتوحيد، وغير ذلك من ms3043 الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها ~~- لفسدت السماوات والأرض وما ذكر؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات ~~والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر ~~لأفعالهم التي يفعلون؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل، ~~بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق، ومن أجلها أنشئ، كذلك؛ إذ خلق ~~الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة، والله أعلم بذلك. # وجائز أن يكون الحق هو رسول الله، أي: رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ~~ذكر. # وقوله: (بل أتيناهم بذكرهم). # قال أهل التأويل: لشرفهم وذكرهم؛ كقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك). # وقوله: (بل هم عن ذكر ربهم معرضون). # أي: عن شرفهم معرضون. # وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي: لو قبلوا ذلك الحق الذي ~~جاءهم وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم؛ كما يذكر أصحاب رسول ~~الله من بعد ما ماتوا؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون: أنا من ~~بني فلان؛ فيبرهم الناس بذلك ويكرمونهم، وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء ~~من ذلك؛ فذلك يدل على ما ذكرنا. # ويحتمل قوله: (بل أتيناهم بذكرهم) الثناء عليهم أن لو آمنوا؛ كقوله: ~~(كنتم خير أمة أخرجت للناس. . .) الآية، وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) # PageV07P483 # وقوله: (والسابقون الأولون. . .) الآية، ونحو ذلك مما أثنى الله على من ~~آمن منهم؛ فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء. # وجائز أن يكون قوله: (بل أتيناهم بذكرهم)، أي: يدعى لهم، وهو ما دعا ~~الملائكة والرسل للمؤمنين، كقوله: (ويستغفرون للذين آمنوا. . .) الآية، ~~وقوله: (واستغفر لذنبك)، وقول نوح: (رب اغفر لي ولوالدي. . .) الآية، وقول ~~إبراهيم ودعائه لهم: لو آمنوا استوجبوا دعاء هؤلاء الملائكة والرسل جميعا، ~~أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة؛ كما بقي ذكر أولئك ~~الذين آمنوا به وصدقوه؛ فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم؛ على ما قاله أهل ~~التأويل، والله أعلم. # وقوله: (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) # جائز أن يكون ms3044 هذا صلة ما تقدم من قوله: (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين)، اي: قد عرفوا رسولهم، (أم يقولون به جنة)، أي: ليس به جنة، أي: ~~ليس به شيء يمنعهم عن الإجابة والإيمان به بما يعذرونهم في ترك الإيمان به؛ ~~فعلى ذلك قوله: (أم تسألهم خرجا)، أي: لم تسألهم أجرا على ما تدعوهم إليه ~~حتى يمنعهم ثقل ذلك الأجر عن إجابته وتصديقه؛ كقوله -أيضا-: (أم تسألهم ~~أجرا فهم من مغرم مثقلون)، يقطع ما ذكر جميع أعذارهم وحجاجهم، وإن لم يكن ~~عذر ولا حجة في ترك الإجابة له. # وقال بعضهم: الخراج: الرزق، أي: لا تسألهم رزقا، ثم أخبر: (فخراج ربك خير ~~وهو خير الرازقين). # * * * # قوله تعالى (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في ~~طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ~~(76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # وقوله: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم). # المستقيم: القائم بالآيات والحجج، ليس كالسبيل التي يسلكون هم بلا آيات ~~ولا حجج ولا برهان. # وقوله: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط ~~المستقيم. # PageV07P484 # والثاني: الصراط الذي في الدنيا هو المجعول للآخرة؛ فإذا تركوا سلوكه؛ ~~لشهوات منعتهم عن ذلك - أنكروا الآخرة، أو كلام نحو هذا، وقوله: (لناكبون)، ~~أي: لعادلون، من العدول عنه والمجانبة والميل إلى غيره. # وقوله: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) # ذكر الضر، ولم يذكر أي شيء كان، وليس لنا أن نقول: كان الجوع أو كذا إلا ~~بثبت، وفيه وجهان من المعتبر: # أحدهما: أن رفع المحن التي امتحنهم من البلايا والشدائد إنما يكون برحمة ~~منه وفضل، لا على ما قاله بعض الناس بالاستحقاق؛ حيث ذكر رحمته بكشف ذلك ~~عنهم. # والثاني: فيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أخبر ~~أنه، ms3045 إن كشف ذلك الضر عنهم، (للجوا في طغيانهم يعمهون)؛ فكشف عنهم ذلك ~~فلجوا في طغيانهم على ما أخبر؛ فدل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # يخبر عن سفههم وجهلهم بالله، وقسوة قلوبهم، وتمردهم وعنادهم؛ حيث أخبر ~~أنهم وإن أخذوا بالعذاب لم يتضرعوا إليه، وما استكانوا له بجهلهم بعذاب ~~الله؛ حيث أخبر أنهم، وإن أخذوا ألم يستكينوا. # وقوله: (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # اختلف في قوله: (مبلسون): # قال بعضهم: المبلس: الآيس من كل خير، وهو ما وصفهم أنهم: (ليئوس كفور)، و ~~(فيئوس قنوط)، ونحوه. # وقال الزجاج: المبلس: الساكن المتحير لا يدري ما يعمل به فعلى ذلك هم ~~كانوا حيارى لما نزل بهم العذاب، لا يدرون ما يعملون به في دفع ذلك عنهم. # وقال الكسائي: المبلس: المقطع السيء الظن، قال: ومنه سمي إبليس؛ لأنه أيس ~~من رحمة الله، وانقطع رجاؤه عنده. # وقال أبو عوسجة: المبلس، البائس الحزين، ويقال: أبلس الرجل، أي: أيس ~~فحزن، وأبلس غيره أيضا، وإنما سمي إبليس إبليس؛ لأنه يئس عن رحمة الله ~~فحزن. # قال: وقوله: (فما استكانوا لربهم)، أي: لم يذلوا لربهم بالطاعة له، ~~والخضوع لما ذكرنا. # PageV07P485 # قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله ~~اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) ~~قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) # وقوله: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون). # يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ ليتأدى بذلك الشكر له عليها، لكنه ذكر ~~هنا أمهات النعم، لم يذكر غيرها، وهو السمع والبصر والفؤاد الذي ذكر، إذ ~~بها يوصل إلى معرفة: كل نافع وضار، وكل طيب وخبيث، وكل لين وخشن، وكل سهل ~~وشديد، وكل حلو ومر، وكان الإنسان مطبوعا على حب النافع ms3046 والطيب واللين ~~والسهل، واختياره على أضداده، والهرب من كل ضار ومؤذ، والفرار عن أضداد ما ~~ذكرنا من المختارات عنده؛ فأخبر أنه أعطى لهم ما يعرفون به: النافع من ~~الضار، والطيب والخبيث، ونحوه شهادة وخبرا، وما به يميزون ذا من ذا، ~~ويختارون ما هو المختار عندهم من غيره، وما ينفعهم مما يضرهم؛ ليتأدى بذلك ~~شكره. # ويذكرهم في قوله: (وهو الذي ذرأكم في الأرض (79) # أي: جعلكم سكان الأرض بقدرته وسلطانه، وأخبر أنه لم يخلقكم عبثا؛ ولكن ~~للبعث بعد الموت، والحشر إليه؛ لما ذكرنا في غير موضع: أن خلق الخلق للفناء ~~خاصة لا للبعث والإحياء بعد الموت - عبث ولعب، وأخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث ~~قال: (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار (80) # أي: من قدر - والله أعلم - على إحياء الموتى وإماتة الحي لقادر على ~~البعث، ومن ملك على إنشاء الليل بعد ما ذهب أثر النهار وإنشاء النهار بعد ~~ما ذهب أثر الليل لقادر على الإحياء والبعث بعد الموت. # ثم قال: (أفلا تعقلون). # أي: أفلا تعقلون أنه كذلك؛ فكيف تنكرون قدرته على البعث والإحياء بعد ما ~~صرتم رمادا وترابا؟! وكيف تشكرون غيره في عبادتكم إياه وتصرفون الشكر إلى ~~غيره فيما أنعم عليكم. # وأهل التأويل صرفوا قوله: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) ~~إلى آخره إلى الكفار، وهم يكفرون بنعمته التي ذكر وينكرونها، وهم لا يشكرون ~~رأسا؛ بقوله: (قليلا ما تشكرون)، إلا أن يقال: إنهم في بعض الأحايين ربما ~~يشكرون الله ويتضرعون إليه؛ نحو قوله: (فإذا ركبوا في الفلك. . .) الآية، ~~ونحوه من الآيات التي ذكر فيها دعاءهم وتضرعهم إلى الله عندما أصابهم الضر؛ ~~فذلك منهم شكر، أو أن يقال: إن # PageV07P486 # قوله: (قليلا ما تشكرون)، أي: قليلا ما تشكرون رأسا؛ كقول الرجل: لآخر ~~قليلا ما تفعل كذا، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هنا إن كان المراد منها والخطاب ~~بها أولئك الكفرة، وإلا: الخطاب بها يجيء أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ~~يقومون بفرض الشكر لنعمه وقليله، وأما الكفرة فهم يكفرونها وينكرون رأسا. # وقوله: (بل ms3047 قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا). # يخبر - جل وعلا - رسوله: سفه قومه، وقولهم الذي قالوا له بعد ما تبين لهم ~~حكمته في خلقهم وإنشاء ما أنشأ لهم، وذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، وذكر ~~قدرته وسلطانه فيما ذكر من قوله: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة)، وقوله: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)، وقوله: (وهو ~~الذي يحيي ويميت): ذكرهم ما ذكر في هؤلاء الآيات خلقهم وقدرته في إنشاء ما ~~أنشأ لهم، وعرفهم ذلك؛ حتى عرفوا ذلك كله، ثم بين سفههم في جوابهم رسوله، ~~فقال: (بل قالوا مثل ما قال الأولون): يخبر رسوله أن هؤلاء ليسوا بأول ~~مكذبي الرسل؛ ولكن كان لهم شركاء وأصحاب في التكذيب فقلد هؤلاء أولئك ~~الأولين، يصبر رسوله على سفه هؤلاء، وأذاهم؛ ليصبر على ذلك كما صبر إخوانه ~~الذين كانوا من قبل؛ إذ يذكر لرسوله سبيل بعض ما تداخل فيه بتركهم إجابته، ~~وخوضهم فيما فيه هلاكهم؛ لأنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاد أن ~~تهلك نفسه لذلك؛ حتى قال: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات):، (فلعلك باخع ~~نفسك): فبين ما قالوا: (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) ~~لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) # يقولون: قد وعد آباؤنا بمثل ما وعدنا نحن، فلم ينزل بهم ما وعدوا من ~~العذاب؛ ولا ينزل -أيضا- بنا ما تعدنا، وهو أساطير الأولحن، أي: أحاديث ~~الأولين، ثم أمر رسوله أن يسألهم ما يلزمهم الإيمان والاعتراف بما كانوا ~~ينكرون، فقال: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون). # * * * # قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم ~~لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب ms3048 كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون (92) # وقوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون). # PageV07P487 # فقالوا: لله، لم يجدوا بدا من أن يقولوا: لله وأن يقروا؛ لأنهم لو أنكروا ~~ذلك لظهر جهلهم عند كل الخلائق؛ فقالوا: لله؛ فيقول: فإذا عرفتم أن ذلك كله ~~له، وهو خالقهم، فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا إلى ذلك: أن تجعلوا ~~الأرض وما فيها كله لله؛ أفلا تتعظون وتقرون بما أدعوكم إليه؛ وعلى ذلك ~~قوله: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله) لابد ~~لهم من أن يقروا بذلك، فإذا عرفتم بذلك وأقررتم به: (أفلا تتقون): مخالفته، ~~وتتقون نقمته. # وكذلك ما قال: (قل من بيده ملكوت كل شيء ... (88) # فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به، (فأنى تسحرون (89) # قيل: فانى تصرفون عن ذلك. # وقال بعضهم: فأنى تخدعون وتفرون في ذلك؛ إذا عرفتم أن ذلك كله لله. # وجائز أن يكون قوله: (فأنى تسحرون): رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتقولون: إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم واعترفتم به؛ ~~فأنى تنسبونه إلى السحر، والله أعلم. # وقوله: (ملكوت كل شيء): قد ذكرناه فيما تقدم. # قوله: (وهو يجير ولا يجار عليه). # أي: هو يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه هو، وهو كقوله: (وإن ~~يمسسك الله بضر. . .) الآية. # قال أبو عوسجة: قوله: (وهو يجير ولا يجار عليه)، أي: لا يمنع، (ولا يجار ~~عليه)، أي: لا يقدر أحد أن يمنع منه أحدا؛ (فأنى تسحرون)، أي: تغرون ~~وتخدعون، تقول: سحرت، أي: خدعت وغررت، وقال: تسحرون، أي: تخدعون وتصرفون عن ~~هذا، وسمي السحر من هذا. # وقوله: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) # قد ذكرنا أنه يحتمل وجوها: # أحدها: بالحق، أي: بوحدانية الله، وألوهيته، وتعاليه عن الشركاء والولد، ~~وعما وصفوه. # أو أن يكون قوله: (بالحق)، أي: بالقرآن الذي عرفوه أنه حق، وأنه من عند ~~الله. # أو أن يريد (بالحق): محمدا - صلى الله عليه وسلم ms3049 - عرفوا أنه حق وأنه ~~رسول الله إليهم. # أو أن يكون (بالحق) ما ذكر: من ذكرهم، وما فيه شرفهم ومنزلتهم. # PageV07P488 # و (بالحق) الذي يكون لله عليهم، وما لبعضهم على بعض من الحقوق، والله ~~أعلم. # وقوله: (وإنهم لكاذبون). # في وصفهم ربهم ما وصفوه بما لا يليق وصفه به. # أو كاذبون في قولهم بأن القرآن مفترى مختلق من عند الله. # أو كاذبون في قولهم: بأنه ساحر، وأنه مجنون، وأنه ليس برسول؛ كذبوا في ~~جميع ما أنكروا، والله أعلم. # وقوله: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) # جائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف موصولا بعضه ببعض لما تقدم. # وجائز أن يكون كل حرف من هذه الأحرف منفصلا من الأول مستبدا بذاته. # فإن كان على الأول فيكون قوله: (ما اتخذ الله من ولد)، ولو كان اتخذ ولدا ~~لكان إلها؛ إذ الولد يكون من جنس الوالد ومن جوهره، لا يكون من خلاف جوهره ~~ولا من غير جنسه في المتعارف؛ فإذا كان إلها من الوجه الذي ذكرنا لذهب إذن ~~كل إله بما خلق. # وإن كان منفصلا، فهو على ما ذكر من فساد ذلك كله؛ لأنه قال: ولو كان معه ~~إله - على ما زعموا - إذن لذهب كل إله بما خلق من: الخير، والشر، والدلالة ~~على ألوهيته. # (ولعلا بعضهم على بعض). # أي: فهر وغلب بعضهم بعضا على ما يكون من عادة ملوك الأرض؛ فإذا كان ما ~~قالوا # ذهب دلالة الألوهية والربوبية؛ فإذا لم يكن ذلك دل أنه واحد لا شريك معه ~~ولا ولد؛ إذ اتساق التدبير، وجري الأشياء على حد واحد وسنن واحد دل على ~~ألوهية واحد لا لعدد؛ إذ لو كان لعدد لكان ما ذكر من غلبة بعض على بعض، ~~وقهر بعض على بعض، ثم ما ذكر: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). # ثم معلوم أن مثل هذا الاحتجاج لا يكون مع الذين ينكرون ألوهية الله ~~ويعبدون الأصنام، ms3050 وهم مشركو العرب وكفار مكة، ولكن إنما يكون مع الذين ~~يقرون بألوهية الله، لكن يجعلون معه شريكا لحاجة تقع له، وهم: الثنوية ~~والدهرية والمجوس، وأولئك الذين يجعلون خالق الشر غير خالق الخير، وخالق ~~هذا غير خالق هذا؛ فيكون قوله: (سبحان الله عما يصفون) على هذا، أي؛ يتعالى ~~عما وصفوه بالحاجة له في خلق ما خلق، والنفع له في ذلك، وكذلك قوله: ~~(وتعالى عما يشركون). # وأما على ظاهر ما تقدم ذكره: من اتخاذ الولد والشريك - سبحان الله عما ~~يصفونه من الولد والشريك، وما قالوا فيه ونسبوا إليه ما لا يليق به. # PageV07P489 # أو أن يكون قوله: (سبحان الله عما يصفون) كما يوصف المخلوق المحدث؛ لأنهم ~~وصفوه بالولد، والولد في متعارف الخلق لا يكون إلا من الوالد والأم، هذا هو ~~التوالد المعروف فيما بين الخلق، فإذا وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق ~~المحدث من الوجه الذي ذكرنا؛ فنزه نفسه عن ذلك. # * * * # قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) # وقوله: (قل رب إما تريني ما يوعدون. رب فلا تجعلني في القوم الظالمين). # وقوله: (ردث اقا ترلنى ما يوعأون): يحتمل على وجهين: # أحدهما: (رب إما تريني ما يوعدون. رب فلا تجعلني في القوم الظالمين)؛ ~~لأنه كان وعد له أن يريه بعضا وعد لهم بقوله: (فإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك)؛ فلا نريك شيئا؛ فقال: رب إن أريتني ما يوعدون أو لا تريني فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين. # والثاني: أنك، وإن أريتني ما تعدهم على التحقيق، فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين. # ثم يحتمل قوله: (فلا تجعلني في القوم الظالمين) وجهين: # أحدهما: لا تجعلني في القوم الظالمين: في العذاب الذي وعدت لهم أن ينزل؛ ~~لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل؛ كأنه يقول: رب لا ~~تعاملني معاملتك إياهم، وإن كان ms3051 ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل ~~أولئك؛ لأن رسول الله، وإن لم يكن له زلات ظاهرة، فلقد كان من الله إليه من ~~النعم والإحسان: ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا ~~عن أن يؤدي شكر الكل؛ ألا ترى أنه روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال:: لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله؛ فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # ويحتمل قوله: (فلا تجعلني في القوم الظالمين): في الزيغ والغواية، يسأل ~~ربه أن يعصمه عن الزيغ بالضلال والغواية الذي عليه القوم الظالمون، وهو ~~كدعاء إبراهيم ربه وسؤال العصمة عن الزيغ بقوله: (رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد # PageV07P490 # الأصنام)، وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) # هذا أيضا يحتمل وجهين: # أحدهما: يخبر رسوله أنه ليس لعجز يؤخر ما وعد لهم من العذاب؛ ولكن لحلم ~~منه وعفو، وهو كقوله - عز وجل -: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ~~إنما يؤخرهم ليوم): على التنبيه والإيقاظ؛ فعلى ذلك يحتمل هذا. # والثاني: يعزي رسول الله ويصبره على أذاهم إياه، يقول: إني مع قدرتي على ~~إنزال العذاب عليهم والانتقام منهم أحلم عنهم وأؤخر عنهم؛ فأنت مع ضعفك عن ~~ذلك أولى أن تصبر على أذاهم، وعلى هذا يخرج قوله: (ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة (96) أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشغل بهم بمجازاة ذلك أوادفع، ~~بأحسن من ذلك وكل مكافأتهم إلي حتى أنا أكافئهم. # (نحن أعلم بما يصفون) من الكذب والأذى الذي يؤذونك. # والثاني: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)، أي: ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان ~~يكون منك إليهم؛ ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات، وهو كقوله: ~~(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). # وقوله: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون ~~(98) وقال في آية أخرى: (وإما ينزغنك من ms3052 الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، علم ~~رسوله وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه - ونزغه: ~~وسوسته - وأمره أيضا أن يتعوذ من همزه، وهو: همه وقصده بذلك، وأمره أن ~~يتعوذ بحضورهم مكان الوسوسة؛ حتى يدفع عنهم ولا يحضرون ذلك المكان، وكأن ~~التعوذ عن نزغهم؛ ليدفع عنه؛ لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه ووسوسوه. # والتعوذ عن همزهم: هو أن يدفع عنه طعنهم ونخسهم؛ لئلا يشغلوه بالذي قصدوه ~~به، والتعوذ عن حضورهم مكان الوسوسة. # قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال: " ~~في همزه، ونفخه، ونفثه ". # PageV07P491 # وقال بعضهم: همزاته ونزغاته: واحد. # وقال القتبي همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: همزة؛ كأنه ~~يطعن ويعيب. # وقال أبو عوسجة: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزا، أي: ~~وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزا، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: (ويل لكل همزة ~~لمزة). # ثم في قوله: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) إلى آخر ما ذكر وجهان ~~على المعتزلة: # أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفا لم يعطه: ~~ما لو أعطاه الله لدفع به ما ذكر وأنه مالك لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكا ~~لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئا يعلم أنه ليس ~~عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا. # والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل الله له الإعاذة مما يتعوذ منه. # فالوجهان جميعا ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن الله قد أعطى كلا ~~الأصلح في الدين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال. # * * * # قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ~~(100) فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن ms3053 خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم ~~تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ~~وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال ~~اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ~~ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون ~~(111) قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~فاسأل العادين (113) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # PageV07P492 # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) # وقوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) # ظاهر هذا أن يكون قوله: (رب ارجعون) بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال ~~الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء ~~يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ~~ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، ~~والأول أشبه وأقرب. # ثم قوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت): ليس هو صلة قوله (وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون)، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا ~~من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: (بل أتيناهم بالحق وإنهم ~~لكاذبون)، وجواب قوله: (وأكثرهم للحق كارهون)، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: ~~وإنهم على ذلك (حتى إذا جاء أحدهم الموت)، فعند ذلك يرجع إلى الحق ~~والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت (قال رب ارجعون)، ولم يقل: رب ~~ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: ~~افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله ~~وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا. # والثاني: أن يكون قوله: (رب ارجعون): يسأل ms3054 ربه أن يأمر الملائكة الذين ~~يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (لعلي أعمل صالحا فيما تركت (100) # قال بعضهم: (فيما تركت)، أي: فيما كذبت. # وقال بعضهم: (فيما تركت): في الدنيا من الأعمال الصالحة فأعمل بها. # وجائز أن يكون قوله: (فيما تركت): من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من ~~الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: (وويل للمشركين. الذين ~~لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)، فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي ~~تركه؛ ليؤدي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: (فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين)، وقوله: (فأصدق)، أي: فأتصدق بالصدقة ~~التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: (أنفقوا مما رزقناكم. . .) ~~الآية، وهذا أشبه، والله أعلم. # وقوله: (كلا)، هو رد لما سألوا من الرجعة. # PageV07P493 # وقوله: (إنها كلمة هو قائلها). # قال بعضهم: قوله: (إنها كلمة): هو قول الله: (ولن يؤخر الله نفسا. . .) ~~الآية، (قائلها): يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: (ارجعون. لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت). # ثم قوله: (كلا) على هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، ~~أي: أنه وإن رد ورجع لا يعمل؛ كقوله - تعالى -: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه). # والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما ~~يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم ~~يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟! ~~والله أعلم. # وقوله: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). # قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم. # قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك ~~فهو وراءك. # وقال بعضهم: (ومن ورائهم): على حقيقة الوراء. # (برزخ إلى يوم يبعثون)، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين. # وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة. # وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. # وقال ms3055 القتبي وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء ~~بين شيئين فهو برزخ. # وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، الأرض ~~المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: (وجعل بينهما برزخا)، أي: ~~حاجزا، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو ~~كقوله: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون)، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان ~~والأعمال الصالحة. # وجائز أن يكون قوله: (ومن ورائهم برزخ)، أي: من ورائهم أحوالهم أي: الحال # PageV07P494 # التي طلبوا الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل ~~الصالح، والله أعلم. # وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من ~~الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبدا تثاب تلك الصورة الروحانية من ~~الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب ~~وتعذب أبدا، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: ~~البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس ~~البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة. # وقوله: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) # إن كان قوله: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) في الناس كلهم؛ فذلك ~~في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف ~~الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى ~~أنه قال: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)، ونحوه. # وإن كانت الآية في أهل، الكفر خاصة فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ~~ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءا لهم في هذه الدنيا ~~وشفعاء وأعوانا وأنصارا، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم ~~في الآخرة، والعرب خاصة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر ~~أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة. # والثاني: (فلا أنساب بينهم) وما ذكر (يومئذ)؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك ~~اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: (مهطعين ms3056 مقنعي رءوسهم لا ~~يرتد إليهم طرفهم. . .) الآية، وقوله: (يوم يفر المرء من أخيه. . .) الآية، ~~وقال في آية أخرى: (وترى الناس سكارى. . .) الآية، فذلك كله؛ لشدة أهوال ~~ذلك اليوم وأفزاعه كان لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه ~~لشغلهم بأنفسهم. # وإن كان في الناس جميعا فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن ~~والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في ~~موضع، أو # PageV07P495 # يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " كل نسب كان فهو منقطع إلا نسبي " أو كلام نحو هذا، ~~ثم يحتمل قوله: " إلا نسبي " وجهين: # أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا ~~فهو على حقيقة نسبه. # والثاني: أراد بقوله: " إلا نسبي ": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه ~~فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل ذى شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، ~~فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني. # وقوله: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) # جائز أن يكون قوله: (فمن ثقلت موازينه)، أي: من عظم قدره ومنزلته عند ~~الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت ~~منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، ~~والله أعلم. # وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم. # وقوله: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) # قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحفا على عظم إلا ألقته. # (وهم فيها كالحون)، قال بعضهم: عابسون. # وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح. # وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل. # وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ~~ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحا فهي لافحة. # PageV07P496 # والكالح: العابس. # وقوله: (ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) # كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (قالوا ربنا ms3057 غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) # أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم ~~يقولون ذلك القول؛ اعتذارا لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا ~~يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذرا فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان ~~في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذرا لأنفسهم؛ ولكن ~~يقرون بما كان منهم؛ كقوله: (فاعترفوا بذنبهم)، لكن يحتمل وجهين: # أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا ~~قوما ضالين. # والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك ~~الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا. # وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: (غلبت)، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه ~~إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه ~~يفعله ويختاره، والله أعلم. # قوله: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) # قوله: (فإنا ظالمون): ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقزوا بالظلم ~~بقولهم: (فاعترفوا بذنبهم). # وقوله: (وكنا قوما ضالين): قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم ~~سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: (أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون): ظلم عيان، ~~والله أعلم. # وقوله: (قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) # قال بعضهم: قوله: (اخسئوا)، أي: اسكتوا. # PageV07P497 # وقال بعضهم: (اخسئوا)، أي: ابعدوا فيها. # قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد. # وقوله: (ولا تكلمون). # يحتمل الوجهين: # أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أول ما أدخلوا، فقال لهم: ~~(اخسئوا فيها ولا تكلمون) فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما ~~سألوا الملك الموت مرة بقوله: (ونادوا يا مالك. . .) الآية، وسألوا مرة ~~تخفيف العذاب بقوله: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب)، فلما أيسوا منه ~~فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: (اخسئوا فيها)، ~~أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة ~~العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم ms3058 الشهيق والزفير. # وقوله: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون ~~(110) # يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد ~~اتخذتم فريقا من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - ~~والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية. # وقوله (سخريا) اختلف في قراءته: فقرئ، بكسر السين فهو من الاستهزاء ~~والهزء. # وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعا، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة ~~إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء. # وقوله: (حتى أنسوكم ذكري)، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل ~~بطاعتي. # وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا عندما يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر ~~الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك ~~إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة ~~لا تزيد رجسا؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه ~~يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه. # وقوله: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) # PageV07P498 # أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، ~~أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه. # أو أن يكون ذلك كقوله: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا)، ~~ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم. # وقوله: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم فاسأل العادين (113) # اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور. # وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول ~~الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، ~~حتى يقول: لبثت يوما أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة ~~وأكثر، قال: إلا أن يكون عني ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا ~~بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة ms3059 من العذاب في ~~القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل. # وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك ~~لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون ~~في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت ~~بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في ~~بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ~~ما حل به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا ~~عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة. # أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال ~~النوم ليس على روح الحياة، مثل النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ~~ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها ~~آثار الأحياء؛ فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها ~~يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا. # وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو ~~كقوله: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)؛ ألا ترى أنه قال: ~~(فاسأل العادين): هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن ~~يسأل الذين يعدون، # PageV07P499 # وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة. # ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في ~~هذه الدنيا ويرقبونهم. # وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه. # وقوله: (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) # أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون. # قال القتبي: (سخريا) بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سخريا): بضمها، أي: ~~يتسخرونهم من السخرية عبثا. # وقوله: (حتى أنسوكم ذكري)، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا ~~فيما تقدم. # وقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # قوله: (أفحسبتم): ms3060 يحتمل وجهين: # أحدهما: (أفحسبتم): قد حسبتم أنما خلقناكم عبثا. # والثاني: (أفحسبتم)، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثا. # (وأنكم إلينا لا ترجعون). # صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثا؛ لوجهين: # أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة ~~وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثا في ~~الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا): سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل ~~فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة ~~تقصد - كان سفها وعبثا. # والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله ~~سخر ذلك كله؛ حيث قال: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)؛ ~~إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن ~~والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من ~~النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصة، فإذا كان # PageV07P500 # كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا ~~يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناه؛ فدل ما أنشأ ~~لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون ~~جميعا: المحسن جزاء الإحسان والمسيء جزاء الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة ~~بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم ~~جميعا في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين ~~الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من ~~التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك دارا أخرى دار الجزاء، هناك ~~يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق. # (لا ترجعون): لا تبعثون. # وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: (يا أيها الإنسان ~~إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)، وقوله: (فاستقيموا إليه واستغفروه). ms3061 # وقوله: (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) # أي: يتعالى الله عوإن يكون خلق الخلق منه عبثا، أو يتعالى أن يكون خلق ~~الخلق لا لحكمة. (الملك الحق). قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو ~~الملك الذي خلق الخلق للحكمة. # (لا إله إلا هو): تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه. # وقوله: (رب العرش الكريم) يشبه أن يكون على الأول: يتعالى الملك الحق ورب ~~الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للعبث. # وقالت الباطنية: العرش: القيامة. # ونحن نقول: يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم ~~يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، رب ~~القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: (لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار): خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعا؛ لما ~~لا يتنازع في ملكه يومئذ، وقد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا ~~له يومئذ. # وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، ~~والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، ~~وهكذا يوصف كل كريم بالحسن. # وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم. # PageV07P501 # قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ~~ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # وقوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر). # ظاهر هذا يوحي أن هنالك إلها آخر؛ لأنه قال: (ومن يدع مع الله إلها آخر)، ~~لكنه يخرج على وجهين: # أحدهما: لا يحتمل مع الله إلها آخر؛ كقوله: (ولا تجعلوا مع الله إلها ~~آخر). # والثاني: (ومن يدع مع الله إلها آخر)، أي: من يسم مع الله إلها آخر؛ إذ ~~كانوا يسمون الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، على هذين الوجهين يخرج ~~تأويل الآية. # وقوله: (لا برهان له به). # أي: لا حجة لهم بذلك؛ لأن الحجة إنما تكون بوجوه ثلاثة: # إما ms3062 بالأخبار التي يجوز الشهادة على صدقها وصحتها. # وأما العقول السليمة. # وأما من جهة الحس يدل على ذلك؛ فلم يكن لهم واحد من هذه الوجوه. # ثم الحس يكون بالدلالة من وجهين: إما بوقوع الحس عليه بالبديهة أو بآثار ~~تدل على الألوهية؛ فلا كان في ظاهر وقوع الحس دلالة ذلك، ولا كان بها آثار ~~تدل على ذلك، بل فيها آثار العبودة والذل، فضلا أن يكون لها آثار الألوهية، ~~فلا عذر لهم في ذلك؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون: إما للنعم والأيادي تكون ~~منه إليه؛ فيعبده شكرا لما أنعم عليه وأحسن إليه، وإما لحوائج يطمع قضاءها ~~له، وإما لما يرى له في نفسه من آثار العبودة له؛ فإذا لم يكن واحد من هذه ~~الوجوه التي ذكرنا فلا عذر لهم في عبادة تلك الأصنام. # فإن قالوا: لنا برهان وحجة في ذلك. # قيل: قطع حجاجكم بما ذكر من قوله: (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره. ~~. .) الآية، وقوله: (فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا)، ونحو ذلك من ~~الآيات: فيها قطع حجاجهم. # وفي حرف حفصة: (لا برهان له)، أي: لا سلطان له به. # وقوله: (فإنما حسابه عند ربه). # قال قائلون: (حسابه عند ربه) هو قوله: (إنه لا يفلح الكافرون)، وقال # PageV07P502 # بعضهم: (حسابه عند ربه) أي: جزاؤه عند ربه؛ كقوله: (إن إلينا إيابهم (25) ~~ثم إن علينا حسابهم (26). # وقوله: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # جائز أن يكون هذا تعظيما من الله لكل أحد سؤال المغفرة والرحمة، وقيل: هو ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: حكمته وعدله ألا يرحم ولا يغفر أحدا، وإن كان في فضله ورحمته أن ~~يرحم ويغفر. # والثاني: يجعل له العصمة والرحمة بهذا الدعاء. # أو أن يكون العصمة تزيد في الخوف، كقول إبراهيم: (رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، وقوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا). # وقوله: (وأنت خير الراحمين)؛ لأن رحمته إذا أدركت أحدا أغنته عن رحمة ~~غيره، ورحمة غيره لا ms3063 تغنيه عن رحمته، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV07P503 ### | سورة النور # كلها مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم ~~تذكرون (1) # قوله - عز وجل -: (سورة أنزلناها). # سماها سورة، وجعل تلاوتها سورة، ولم يجعل لغيرها من السور التلاوة سورة، ~~كما جعل لها، ذلك جائز؛ لكثرة ما فيها من الأحكام: من الفرائض، والآداب: ما ~~بالناس إلى ذلك حاجة، أو لمعنى لم يذكره، أو لا لمعنى، ولكنه ذكر هكذا، وله ~~الخلق والأمر. # قال أبو عوسجة: السورة: القطعة من كل شيء؛ تقول: سورت الشيء، أي: قطعته. # وقال بعض العلماء: إنما سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة مقطوعة من ~~الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنا؛ كقوله: (إن علينا جمعه وقرآنه). ~~أي: تأليف بعضها إلى بعض، (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)، أي: فإذا جمعناه ~~وألفناه، فاتبع قرآنه، أي: ما جمع فيه فاعمل به: من أمر أو نهي، ويقال: ليس ~~لشعره قرآن، أي: نظم وتأليف، ويقال للمرأة: ما قرأت سلى قط، أي: لم تجمع في ~~بطنها ولدا. # وقال بعضهم: سورة - بلا همز - أي: المنزلة والرفعة، وبالهمز: سؤرة: ~~البقية، ومنه سمي: سؤر الكلب، وسؤر الهر، وسؤر الطائر، أي: بقيته والقطعة ~~منه. # ثم قرئت بالنصب: (سورة أنزلناها)، والرفع جميعا: (سورة)، وهي القراءة ~~الظاهرة. # فمن قرأها بالنصب أوقع الفعل عليها، أي: أنزلنا سورة، والفعل إذا وقع على ~~شيء انتصب - تقدم الفعل أو تأخر - كقولك: زيدا ضربناه، وضربنا زيدا. # وقال بعضهم: إنما انتصب لإضمار فيه كأنه قال: اتبعوا سورة، أو: اذكروا ~~سورة أنزلناها؛ كقوله: (ناقة الله)، أي: احذروا ناقة الله. # ومن قرأ بالرفع: على الابتداء، فكل ما يبتدأ به فهو رفع. # وقال بعضهم: رفع على إضمار: هذه سورة أنزلناها، وذلك كله جائز في اللغة، ~~والله أعلم. # وقوله: (وفرضناها). # قرئ بالتخفيف: (وفرضناها)، وبالتشديد: (وفرضناها)، قال الزجاج: قوله ~~(وفرضناها)، بالتشديد، يخرج على وجهين: # PageV07P504 # أحدهما، أي: كثرنا فيها الفرائض والأحكام. # والثاني: (وفرضناها)، أي: فصلنا فيها بين ما يؤتى وبين ما يتقى، وبين ما ms3064 ~~أمر فيها وبين ما نهي. # وقال: وأما التخفيف: (وفرضناها)، أي: الزموا ما فيها من الفرائض وآدابها. # وقال القتبي: فرضنا، بالتخفيف، أي: بينا فيها الفرائض. # وقال أبو عوسجة: من قرأها بالتخفيف: (وفرضناها)، أي: أنزلنا فيها فرائض ~~مختلفة، ومن قرأها: (وفرضناها)، بالتشديد، يقول: فرضناها عليكم وعلى من ~~بعدكم؛ على التكثير، والله أعلم. # وقوله: (وأنزلنا فيها آيات بينات). # يحتمل قوله: (آيات بينات)، أي: حججا بينة يفهمها ويعرفها كل أحد بالبديهة ~~والتأمل. # أو أن يريد بالآيات: الآيات التي جمع فيها أشياء وتتلى؛ لأن الآية إنما ~~تستحق اسم الآية إذا جمع فيها كلمات وحروف، فأما كلمة واحدة وحرف واحد فلا ~~يسمى بهذا الاسم. # أو أن يكون قوله: (آيات بينات): ما ذكر فيها وبين مما يؤتى ويتقى، وبين ~~ما يحل وما يحرم؛ فذلك كله مبين، والله أعلم. # وقوله: (لعلكم تذكرون)، أي: تتعظون بما ذكر فيها من المواعظ، وبين فيها ~~ما يزجر عن المعاودة، وهي الحدود التي ذكر فيها؛ لأن سبب الاتعاظ أحد ~~شيئين: المواعظ التي تلين القلوب، والحدود التي تزجر. # * * * # قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) # وقوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة). # لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض ~~الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدا بظاهر قوله: (فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة)؛ فيقول: الله أمرني بذلك بقوله: (فاجلدوا)، أو أن يضربوا ~~جميعا واحدا من الزنا بظاهر قوله: (فاجلدوا)؛ فيزداد الضرب والحد على ما حد ~~الله أضعافا مضاعفة؛ فدل أن # PageV07P505 # اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج. # أو أن يقول قائل: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو ~~يكذبه ": سمى الناظر إلى ما ms3065 لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ ~~فيلزمه الحد بظاهر قوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة)؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: (الزانية والزاني) ما ذكرنا كله؛ دل أن ~~الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: (الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، ~~وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، ~~واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه. # ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا ~~جميعا أحكام الإحصان. # فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حده الرجم على اتفاق القول منهم ~~جميعا، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر ~~مع الجلد تغريب عام. # والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم ~~يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق. # وقوله: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب)، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: ~~الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: (الزانية ~~والزاني) إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما. # ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به ~~سرق: وهو اليد؛ فهو - والله أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم ~~تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان ~~الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، ~~وبها يقبض؛ لذلك افترقا. # أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل ~~يبقى حيا في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت ~~زواجر # PageV07P506 # عن المعاودة؛ لذلك افترقا. # وفي قوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) دلالة على ~~أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا ms3066 من عقوبتهما؛ لأنه قال: (وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين)، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ ~~فدل أنه ليس من عذابهما. # ويدل عليه -أيضا- قوله: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب)؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد ~~أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات. # أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه أراد به قطع الشين الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من ~~الإجرام أكثر شينا وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس. # أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة ~~الغربة. # أو صار منسوخا لما شدد في الضرب بقوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله)، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله ~~- عليه السلام -: " أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام "؛ فجائز أن يكون ~~الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: ~~كفى بالنفي فتنة، وقال: لا أنفي بعد هذا أبدا. وكذلك روي عن علي - رضي الله ~~عنه - والله أعلم. # وقوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله). # قال بعضهم: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - والله أعلم - لأنه من ~~أعظم الإجرام في الشين. # ثم للمعتزلة تعلق بظاهر قوله: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)؛ ~~قالوا: إن الله وصف نفسه بالرحمة بقوله: (رءوف رحيم)، ووصف المؤمنين ~~بالرحمة فيما # PageV07P507 # بينهم، والشدة على الكفار بقوله: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم) ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحد عليهم؛ دل أن ~~الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما. # لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان ~~يخرج من الإيمان ms3067 بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: (ولا تأخذكم بهما ~~رأفة)؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله: ~~(أشداء على الكفار)، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما ~~رأفة الأيمان والدين في تعطيل الحد أو تخفيفه. # أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحد، وإلا: لم ينتفع به في ~~الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر)، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحد؛ لما ~~يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ ~~لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في ~~حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، والله أعلم. # وقوله: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين). # وقال بعضهم: الطائفة: واحد واثنان فصاعدا، وكذلك قالوا في قوله: (وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: ~~(فأصلحوا بين أخويكم)، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد ~~منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحدا. # وقال بعضهم الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعدا. # ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ ~~فهو - والله أعلم - يحتمل وجوها: # أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب ~~آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله. # والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله. # والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحد ويجاوزه على الحد الذي ~~جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي. # PageV07P508 # والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه ~~الحد بلا سبب كان منه، ولا جرم. # فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من ~~انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون ~~جماعة؛ لأن الواحد غير ms3068 كاف لذلك. # وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه ~~بحضور ذلك الحد؛ ليتألم به. # وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا ~~بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الثيب بالثيب: جلد ~~مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام ": فأما الجلد فلا ~~خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا فيه: فمنهم من رآه واجبا، ~~ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحد. # ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد ~~-أيضا- نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدودا؛ ~~لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحد الدارين أنه منتهاها ~~وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهى الزاني إليه دل أنه ليس بحد؛ ولكن أراد ~~به الوجوه التي ذكرنا، إما حبسا كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع ~~الشين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي ~~حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخا بما يشدد فيه ~~الضرب، والله أعلم. # وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصنا؛ بقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن ~~اعترفت فارجمها "، ولم يذكر جلدا. # وذهبوا أيضا إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي - عليه السلام - ~~باعترافه، ولم يذكر جلدا، وروي أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال له - لما ~~اعترف ثلاثا -: " لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك "، ولم يقل: جلدك: علم ~~أنه ينفي الرجم الجلد. وما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر برجم امرأة ~~زنت، ولم يجلدها. # PageV07P509 # وروي عن ابن عمر عن عمر مثله. إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم ~~الله، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدان: الجلد والرجم جميعا؛ ~~كما لا يجتمع في غيره ms3069 من الإجرام في فعل واحد حدان أو عقوبتان. # وقوله - عليه السلام -: " الثيب بالثيب: يجلد ويرجم " يحتمل الجلد جلد ~~البكر المحصن، ويرجم ثيبا آخر محصنا، أو يجلد ثيبا في حال ويرجم ثيبا في ~~حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء. # وقوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) # في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، ~~وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها ~~الزاني منهم والمشرك. # وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات ~~والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله: (ولا تنكحوا المشركات)، إلا الزناة ~~منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: (ولا تنكحوا ~~المشركين)، إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل ~~للمؤمن - وإن كان زانيا - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج ~~بالزاني من أهل الإيمان. # ثم اختلف أهل التأويل في تأويله: # قال مقاتل، ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: ~~لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة من غير أهل الكتاب، والزانية ~~من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب ~~يزنين علانية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة ~~هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ~~ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهم أولئك المهاجرون أن ~~يتزوجوا بأولئك البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول الله ~~واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: (الزاني) من أهل القبلة المعلن به ~~(لا ينكح إلا زانية) من اليهود (أو مشركة) # PageV07P510 # الآية. # (وحرم ذلك على المؤمنين). # لكن هذا يصلح أن لو كان أولئك المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا ~~مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: (الزاني لا ينكح إلا ~~زانية ms3070 أو مشركة)، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا ~~يفعل ذلك. # وقال بعضهم: قوله: (الزاني لا ينكح)، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية ~~مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو ~~قول الضحاك وهؤلاء. # وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين ~~من عبادكم وإمائكم)، قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. . .) ~~الآية. # وسئل ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟ قال: ~~هما زانيان ما اصطحبا. # وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهيا عن الزنا نفسه لا عن ~~النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن ~~تنكحوا إلا زانية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن ~~في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما ~~قال: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن ~~النهي عن السكر وشرب المسكر. # وكذلك ما روي أنه قال: " لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق ": إنما ~~نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ~~(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك): ~~إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا ~~يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين ~~به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو # PageV07P511 # المشركة. # أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك ~~المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك. # أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك ~~الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا. # (وحرم ذلك على المؤمنين). # وحرم الزنا على المؤمنين. # أو ms3071 إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: (وحرم) أي: منع عن ذلك ~~المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة. # قال أبو عوسجة: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنا يزنا ~~زنيا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ~~ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف. # ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: (لا ينكح): على التزويج ~~- لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ~~ذكرنا بدءا، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان ~~المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن ~~يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: ~~الوطء، فهو كما قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل ~~الآية غير هذين الحالين، والله أعلم بما أراد. # وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما ~~لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي ~~زوجة. # لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أولئك بما وصفنا؛ فلا وجه ~~لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن ~~تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعا من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا ~~يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ امرأة رجل ~~بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت ~~على النكاح مخالفة للنكاح في العدة. # واحتجوا -أيضا- بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق. # لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة # PageV07P512 # أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن ~~الله غفور رحيم (5) والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ms3072 لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت ~~الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ~~(9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # وقوله: (والذين يرمون المحصنات). # ذكر الرمي ولم يذكر بم؟ فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: (ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء)، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره ~~من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا. # ثم قوله: (المحصنات): هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف ~~الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال: (فإن أتين بفاحشة. . .) الآية؛ وألا ~~ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر. # ولأنا لو جعلنا (المحصنات) عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا ~~شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها. # وكذلك يدل قوله: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات): عبارة عن العفائف؛ ~~فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في ~~الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية. # ثم شدد الله - تعالى - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في ~~غيره من الإجرام مثله: # منها: ما نهى عن تعطيل الحد فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: (ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله). # ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصنا مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة. # ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحد إذا لم يأت بأربعة شهداء. # والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - والله أعلم - ~~لقبحه في العقل والطبع جميعا، وكذلك في الشرع. # والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر ~~عنه كل عقل # PageV07P513 # سليم. # فإن قيل: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه. # قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه ms3073 وتمنعه عن النفار ~~عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع ~~المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: " أرأيت لو فعل بابنتك ~~وأمك مثله: أكنت تكره؟ فقال: نعم؛ فقال له: اكره لغيرك ما تكره لنفسك ": دل ~~ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه. # وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي ~~أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، ~~وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على ~~بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر ~~والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما ~~في السماوات والأرض لهم؛ فهذا كله يدل على قبح الزنا ونهايته في الفحش ~~والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم ~~الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأما هذا العالم ~~الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن ~~النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - والله أعلم - ما شدد الله - تعالى ~~- أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه ~~من بين سائر الآثام. # ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم ~~يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع ~~عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحد في ~~الإماء بقوله: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، ~~ولم يذكر في العبيد شيئا؛ فيلزم للعبد ذلك الحد إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ~~ذكر من الحد في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله. # ثم أجمعوا على أن ms3074 على قاذف الأمة التعزير ولا حد عليه، وقد سمى الزوجة ~~وإن كانت محصنة أمة، وقال: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب)، وقال: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم)، ~~سمى ملك اليمين: # PageV07P514 # محصنة بقوله: (أحصن)، أي: تزوجن، وقوله: (فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب)، أي: الحرائر؛ فقد بأن بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ~~ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسفى الطيعة من النساء ~~محصنة، قال - تعالى -: (محصنات غير مسافحات)، يعني: العفائف، فالإحصان على ~~ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحد على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان ~~حرا أو حرة فعليهما الحد ثمانين، وإن كان عبدا أو أمة فعليه الحد أربعين ~~سوطا على ما ذكرنا. # وقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة). # فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو ~~الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتا، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث ~~عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، ~~لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت. # أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود ~~على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد. # والثاني: أن الحد قد لزمه بالفذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة ~~تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو ~~إسقاط ما أفر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ~~ذلك قوله: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء): وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به ~~وإلا حد، والله أعلم. # ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحد عندنا، والقياس ~~ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ ~~إنما يشهده ms3075 الفساق فالفساق أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس ~~كالشهادة على إقامة حد الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة ~~الشهادة وإيجاب الحد على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون ~~بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون الثوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ~~ليس كالكفار والعبيد، وهؤلاء وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل ~~الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقا أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - ~~أنا نحد قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلم كافرا أو ~~قذف حر عبدا، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في ~~هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحر إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر ~~فلا حد على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر ~~والعبد # PageV07P515 # والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - ~~وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ ~~بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحد، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم ~~يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحد عنه؛ لذلك افترقا. # ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس ~~عندنا ألا يحدوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ~~ولا شتمه، وأما الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته ~~فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب ~~بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ ~~فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن الله ~~أكد الشهادة بالزنا بأمرين: # أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، ~~فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة ~~بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن ms3076 واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ~~ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحا؛ فالزنا الذي ~~كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل. # والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، ~~فجلدهم عمر جميعا؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب ~~النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان - لك إجماعا؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال ~~بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهم عمر أن يجلده؛ فقال له علي - رضي الله عنه -: إن ~~جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ ~~إنما أنكر إذا تم، والله أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين ~~صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر. # ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحد؛ ~~لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة ~~عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه ~~لو شهد عليها في الديون والقصاص # PageV07P516 # والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا. # فإن قيل: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حده اللعان إذا ~~قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه. # قيل: إنما يكون حد الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، ~~فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أول ما ~~بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه ~~شيئا وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها ~~مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحد قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحد ~~الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن ~~يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا ms3077 يقال: إن أحدا منهم يدفع عن نفسه ~~شيئا وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج. # وقوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون). # تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئا من ذلك، ~~أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا ~~يعلمه إلا الله؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ~~ربه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عند الله إلا الذين تابوا. # وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عندكم. # (إلا الذين تابوا). # لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو ~~يعزم ألا يقذف بريئا من الزنا أبدا؛ فأي الوجهين كان تسميته فسقهم فإن ~~التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عباس: وإنما ~~توبته فيما بينه وبين الله: إذا تاب غفر الله له ذنبه: الفرية، وكذلك روي ~~عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما ~~بينه وبين ربه. # وقوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم ~~فردها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل ~~شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو ~~قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردت ~~لتهمة فهي لا تقبل أبدا، والتهمة التي بها جلد # PageV07P517 # القاذف هي لا تزول أبدا. # أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت "؛ فكنا نرد شهادته؛ لتهمة ~~الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد. # وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحد، ~~وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله: (إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم)؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في ~~السعي في ms3078 الأرض بالفساد، وأما فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه. # وزعم الشافعي أن حاله قبل الحد وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نص الله عليه؛ ~~قال الله - تعالى -: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة. . .) الآية، وقال: (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون)؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان ~~أمرهم قبل ذلك موقوفا؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما ~~قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل ~~حال المحدود بعد أن ضرب الحد كحاله قبل ذلك مخطئ. # ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز ~~شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا ~~بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد. # ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت ~~قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحا ~~بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافا أنه لا يقبل شهادته ~~بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل ~~الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع ما وصف؟! # وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر ~~الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على ~~بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في ~~قذف ". # PageV07P518 # وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)، وذكر حديث فيه طول، وفيه: " لم يلبثوا ~~إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، ~~قال: يا رسول الله، لقد ms3079 رأيت فلانا مع أهلي؛ فقال رسول الله: ما تقول يا ~~هلال؟! قال: والله يا رسول الله، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على ~~رسول الله للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟! ~~فاشتد ذلك على رسول الله، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في ~~المسلمين؟! # وقول رسول الله: " يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين "، وما ظهر من غمه ~~بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو ~~قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: " ~~تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب "؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: ~~فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن ~~يتوب. # وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله: (إلا الذين تابوا)، قال: فتاب الله عليهم ~~من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز. # وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه. # وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحد فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق ~~في نفسي ولم يلزمني الحد فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، ~~فإذا تاب فهو يقول: كان الحد واجبا علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك ~~أحرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحد. # ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدع - ~~بقوله هذا - شيئا قد يجوز أن يكون حقا، ولكنه يصير قاذفا إذا عجز عن إقامة ~~البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ~~ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته ~~فيه. # فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل ~~شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول. # PageV07P519 # قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، ms3080 والحكم إنما ~~يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار. # فإن قيل: فما تقولون في رجل زنى فحده الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؛ ~~قيل: بلى. # فإن قيل: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع ~~أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟ # قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب ~~القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه ~~بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا. # ومن الدليل -أيضا- على أن شهادة القاذف إذا حد لا تقبل - وإن تاب - أنه ~~إذا قال: تبت من قذفي فلانا، وكنت في ذلك كاذبا؛ فلسنا ندري هل هو صادق في ~~قوله: كنت كاذبا أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة ~~زانيا فقول القاذف: " كنت في قذفي إياه كاذبا " كذب منه، وهو في ذلك آثم؛ ~~فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن ~~التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة ~~وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب ~~المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة. # وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه ~~نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته ~~توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك. # ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول الله: (فأولئك عند الله هم الكاذبون)، ~~فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، ~~فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن ~~في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا. # على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت ~~توبته لا تبطل ما ms3081 لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من ~~الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم. # وقوله: (فاجلدوهم ثمانين جلدة)، إن كان الجلد مأخوذا من الجلود فجائز أن ~~يستخرج منه حد الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ~~ويتوجع، ولا # PageV07P520 # يمزق به الجلود ولا يخرقها. # ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد ~~لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة. # فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إن الشهود إذا ~~شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما ~~أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك ~~لم يضمنوا. # وقول عمر لأبي بكرة: " تقبل شهادتك إن تبت "، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك ~~عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها. # وقد ذكر أن الحكم والحد في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين ~~بقوله: (والذين يرمون المحصنات. . .) الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم ~~يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في ~~المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما ~~قال: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة)، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في ~~المحصنات. # وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكا أو قذف كافرة: أما ~~المملوك فلقوله: (والذين يرمون المحصنات)، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد ~~بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك. # ولأنا لو أوجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حد خمسين؛ فلا يجوز ~~أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو ~~أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك. # وأما الكافر والكافرة: فسقط عن قاذفهما الحد؛ لما ذكرنا من قوله: ms3082 (إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات): شرط فيه الإيمان والإحصان ~~والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم. # ولأنا لو أوجبنا الحد وحددنا، لحد بقذف عدو الله، ولا يجوز أن يجلد مسلم ~~بقذف عدو من أعداء الله، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم ~~في ذلك، والله أعلم. # وقوله: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) # روي عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: إن # PageV07P521 # دخل منا رجل بيته فوجد وجلا على بطن امرأته، وأراد أن يخرج فيجيء بأربعة ~~رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فقتل قتل ~~به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحد، ولاعن امرأته، وإن سكت ~~سكت على غيظ!! ". فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول الله فأخبره ~~بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، ~~فجمع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟! قالت: يا رسول ~~الله، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئا من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على ~~أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده بدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، ~~فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا ~~عاصم، اتق الله في حليلتك، ولا تقل إلا حقا!! قال: يا رسول الله، أقسم ~~بالله ما قلت إلا حقا، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ ~~كذا وكذا؛ فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد ~~أربع شهادات بالله أنه لكما قلت، وأنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: ~~والخامسة: أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال ~~للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين عليها، ~~والخامسة: أن غضب الله عليها إن ms3083 كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا ~~وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمرأة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى ~~تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ~~ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج ~~جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول الله، فنظر إليه ~~فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما فعته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول الله: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان ~~لي فيها رأي. # وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: " فإن الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟! "، وقال: " عذاب الآخرة أشد من عذاب # PageV07P522 # الدنيا "، وفي بعض الأخبار: " أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر ~~فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # ثم في هذا مسائل: # إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: ~~الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف كانا؟! فعندنا ~~أنه إذا كان أحدهما حرا والآخر مملوكا، أو كانا جميعا مملوكين لم يكن ~~بينهما لعان إلا أن يكونا جميعا من أهل الشهادة. # وحجتهم في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحد ~~ثمانين، وجعل حد الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا ~~إجماعهم على أن الحر إذا قذف أمة أو يهودية فلا حد عليه؛ فلما لم يكن على ~~الحر القاذف للأمة من الحد ما على القاذف الحر إذا قذف حرة لم يكن على زوج ~~الأمة من اللعان ما على زوج الحرة. # وأصل هذا: أن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من ~~الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحد إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من ~~الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: (ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ms3084 شهادات بالله)؛ فإذا لم يدخلا في تلك ~~الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذ ~~الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان. # ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب الله إن ~~كان من الصادقين، وغضب الله يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي ~~لها: عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقا، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل ~~حال؛ لذلك بطل. # والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ ~~لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في ~~النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار ~~المسلمين؟! كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا ~~يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءا. # PageV07P523 # ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبى أحدهم حد عند بعض أهل العلم وهو قول ~~الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر ~~قوله: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم): أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذا ~~عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحد إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ ~~عن الزوجين الحد إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله، فوجب إذا أبى ~~أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان. # والثاني: ما قال: (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين (8) جعل الأيمان سبب درء الحد عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحد. # وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من ~~أبى اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحد لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، ~~ولا يظهر بالإباء، وإنما حد في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في ~~الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه ~~على إظهار ما ذكر، وأما فيما ms3085 بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ~~ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند ~~الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن ~~من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب ~~في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب ~~وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن ~~الحد لا يقام بالإباء ألبتة. # ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا ~~عدل بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق. # وأما قوله: (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله): جائز أن يكون ~~ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت بكذا فهو لكذا، وإذا ~~جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا بها قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " كذبها؛ ~~حيث قال: " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن "، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها ~~بالأيمان. # أو أن يكون العذاب الذي درئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبى اليمين ~~حبس، # PageV07P524 # حتى يشهد أربع شهادات بالله، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس ~~عنها بالأيمان التي ذكر. # وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء ~~في الحقيقة إباحة. # ولو أن إنسانا أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو ~~لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صونا لنفسه عن اللعن والغضب الذي ذكر فلم ~~يحد؛ لما ذكرنا. # ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية: # إحداهما: في إلحاق الولد أمه. # والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا. # قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج ms3086 من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن ~~المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك: إنه يلحق بفراغ الزوج من ~~اللعان. # والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ ~~الزوجين جميعا وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الصادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس ~~منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان. # وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت ~~لا يقع بينهما الفرقة، وألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من ~~أيمانه؛ لذلك افترقا. # والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعا؛ لأنه روي عن نافع، عن ~~ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد ~~بالمرأة. # وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما لاعن بينهما فرق ~~بينهما. # وروي في الأخبار: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما: " الله ~~يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟ "، قال ذلك لهما ثلاثا، فأبيا؛ ففرق ~~بينهما. # وفي بعض الأخبار قال: " حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها ~~". # فإن قيل: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا تحل له، وقال: " لا سبيل لك عليها ". # PageV07P525 # قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار ~~يشهد لنا وعلى وهم الخصم. # ثم يقال لهم: ألستم تقولون في المولي إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: ~~هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد ~~فرقت بينكما؟! # فإن قيل: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا. # قيل: هما عندنا طلاق. # فإن قيل: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع ~~الفرقة باللعان بتمام اللعان؟! # قيل: لم يكن للحاكم ms3087 في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا ~~يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي. # ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقا فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل ~~يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟ فإن قالوا: لا يلزم الحكم ~~حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن يكون اللعان مثله؟! # ويقال لهم أيضا: ما تقولون في العنين: أجله الحاكم أيفرق بينهما؟ فإن ~~قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه ~~كذلك؟! # فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها ~~الحاكم، يقول: طلقها أو [فيء] إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في ~~الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولي وامرأة ~~العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك ~~افترقا. # فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك ~~إن أكذب الزوج نفسه حده وترك عنده امرأته. # وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعا وتفريق الحاكم بينهما؛ ~~لأنهما إذا التعنا جميعا عند ذلك يكون أحدهما ملعونا أيهما كذب، والانتفاع ~~بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الجبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ~~ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعا، فأما بالتعان الزوج خاصة ~~فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من ~~صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون ~~إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من ~~العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا. # PageV07P526 # وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا. # ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له ~~أن يتزوجها أم لا؟ # فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي - ~~رضي الله عنهما -: " المتلاعنان ms3088 لا يجتمعان أبدا "، وعن عبد الله كذلك. # وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، ~~وليس في الخبر: " لا يجتمعان أبدا "، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون ~~قوله: " لا يجتمعان أبدا " ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب ~~نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: " لا يجتمعان " قبل التوبة وبعدها، ~~يدل على ما ذكرنا قوله: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا)، وقوله: (ولن تفلحوا إذا أبدا) ما داموا في ملتهم، ~~فأما إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في ~~تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأما إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، ~~واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي. # والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحد، ويكونان ~~على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها. # ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما لاعن بين عويمر وامرأته - قال: " كذبت عليها إن ~~أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا "؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة ~~بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع ~~باللعان: طلاقا. # ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من ~~الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، ~~والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع ~~به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، ~~فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهؤلاء، وكذلك يقول ~~أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة. # فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فثقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع # PageV07P527 # ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، والله أعلم. # ثم قوله: ms3089 (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره. # ويحتمل: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا ~~يشفع بأحدهما مما لحقه اللعن الذي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى ~~أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ~~ثيابها وتخلي سبيلها. # لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان ~~لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة. # وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر ~~الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحد، ~~ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، والله أعلم. # وقوله: (وأن الله تواب حكيم). # جائز أن يكون (تواب): يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما ~~بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة ~~لقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه. # (حكيم): حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو (حكيم): وضع كل شيء موضعه. # وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له ~~في الدين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما ~~فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن يفعل غير الأصلح في الدين. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا ~~إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ~~عند الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ~~لمسكم في ما ms3090 أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه ~~قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك # PageV07P528 # هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ~~(17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) # وقوله: (إن الذين جاءوا بالإفك ... (11) # أي: بالكذب. # (عصبة منكم). # أي: جماعة منكم. # ثم اختلف في قوله: (منكم). # قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية. # وقال بعضهم: كانوا منافقين، من نحو: عبد الله بن أبي رأس المنافقين، ~~وحسان ابن ثابت، وغيرهما. # وقال بعضهم: كان ذلك من الفريقين جميعا: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، ~~والمنافقين أيضا. # فإن كان ذلك من أصحاب عائشة - رضي الله عنها - وقراباتها فذلك يخرج منهن ~~على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين ~~بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك ~~منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام. # وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ~~ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ~~ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا)؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة ~~وزتة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، والله أعلم. # وقوله: (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم). # PageV07P529 # قال بعضهم: لا تحسبوه شرا لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من ~~الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من ~~الأجر. # ويحتمل قوله: (بل هو خير لكم) في الدنيا؛ لما برأه الله مما قرفوا به، ~~ودفع عنهم تمكين ما ms3091 قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: (أولئك مبرءون مما ~~يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس ~~فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (يا نساء النبي ~~من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين)، وقال: (ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله. . .) الآية، كانت كالمؤمنات جميعا موهوم عنهن عند الناس، محتمل ~~ذلك؛ فلما قرفت - رفع الله ما كان موهوما عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم ~~الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: (أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق ~~كريم): فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأولئك الذين رموها حتى لم ~~يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها ~~سوءا، وقصة عائشة - رضي الله عنها - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك ~~حاجة. # أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل الله - تعالى - فيهم آيات فيها ~~براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، ~~والله أعلم. # وقوله: (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم). # إثمه: ما قرفها به. # (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم). # هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، (له عذاب عظيم): فيه دلالة أنه ~~يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعد، قيل: هو عبد الله ~~بن أبي ابن سلول، والله أعلم. وقال بعضهم: (والذي تولى كبره)، أي عظمه من ~~المعصية، يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول (له عذاب عظيم)؛ لأنه كان منافقا. # وقوله: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا ~~إفك مبين (12) # قال بعضهم: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة - رضي الله عنها - بصفوان كذبتم ~~أنتم # PageV07P530 # أولئك القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: (هذا إفك ~~مبين)، يقول الله: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج -أيضا- قوله: ~~(لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء ~~على ms3092 قذفكم إياهم؛ (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون). # ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين. # أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع ~~أزواجه؟! # أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظن ~~بأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن أمهاتكم وأمهات جميع ~~المؤمنين؟! والله أعلم. # وقوله: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون (13) # أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء. # وجائز أن يكون قوله: (لولا)، أي: لم يكن؛ كقوله: (فلولا كان من القرون من ~~قبلكم أولو بقية)، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية (ينهون عن ~~الفساد في الأرض إلا قليلا). وإلا على تأويل (هلا) يبعد؛ لأنه لم يكن لهم ~~شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟! # وقوله: (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون). # وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: ~~(لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟! والله ~~أعلم. # وقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما ~~أفضتم فيه عذاب عظيم (14) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته): حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان ~~آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسكم العذاب في الآخرة بذلك. # والثاني: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم ~~في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى ~~التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، والله أعلم. # PageV07P531 # وقوله: (في ما أفضتم فيه)، أي: خضتم فيه. # وقال بعضهم في قوله: (بأنفسهم خيرا)، أي: بأمثالهم خيرا، تأويله: لولا ظن ~~المؤمنون ms3093 بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا. # وفيما عظم الله - عز وجل - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم ~~يعظم وجوه: # أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات ~~وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا ~~يطمع فيهن ذلك. # والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون ~~فيمن دونهن، ويحدث أيضا الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين ~~بالمقذوفات. # وقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) لكان كذا: هذا من الله على ~~الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافا إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ~~ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا. # وعن ابن عباس أنه قال في قوله: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات)، ~~يقول: قال للمؤمنين: (لولا): هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان (ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا)، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن ~~أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين. # (لولا): هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدقوهم على مقالتهم، ~~فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأولئك عند الله هم الكاذبون، وهو قريب ~~مما ذكرنا فيما تقدم. # وقوله: (إذ تلقونه ... (15) بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - ~~أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة. # وقال أبو عوسجة: (إذ تلقونه)، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت ~~وتلقنت: واحد. # وقوله: (إذ تلقونه بألسنتكم) من غيركم. # (وتقولون بأفواهكم) فيما بينكم. # PageV07P532 # وجائز أن يكونا جميعا واحدا، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم (ما ~~ليس لكم به علم) أي: من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف قد كان، والله ~~أعلم. # وقوله: (وتحسبونه هينا) قال بعضهم: تحسبون القذف ذنبا هينا. # (وهو عند الله عظيم) في الوزر. # وجائز أن يكون قوله: (وتحسبونه هينا): في الدين؛ لأن القذف يحدث نقصانا ~~في الدين، والنقصان في الدين عظيم عند الله وتحسبونه أنتم هينا. # ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: (ولولا) يقول: هلا، (إذ ms3094 سمعتموه) ~~أي: القذف، (قلتم ما يكون لنا) أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا ~~قلتم: (سبحانك هذا بهتان عظيم) لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، ~~فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره. # وقال أبو عوسجة: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب. # (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا (17) أي: القذف أبدا. # (إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات ... (18) في بيان ذلك وبراءتهم، ~~أو يبين أوامره ونواهيه. # (والله عليم حكيم) أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء ~~موضعه. # وقوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) كان أصل النفاق هم الذين ~~أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين (لهم ~~عذاب أليم) في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة. # وأما في المؤمنين فهو ما قال: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين). # وروي عن عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، ~~فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم. # وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب عبد الله بن أبي، ~~وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضا، وقيل: خمسة، ~~لكل واحد ثمانين جلدة. # ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: (وتحسبونه) (وهو عند الله ~~عظيم) ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا ~~لعائشة، وهو كما # PageV07P533 # ذكر في قذف المحصنات (والذين يرمون المحصنات). # وقوله: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) هذا يحتمل ~~وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا ~~إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم. # والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في ~~المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر. # (لهم عذاب أليم في الدنيا ms3095 والآخرة)؛ لأنهم كانوا منافقين ومنهم كان أول ~~بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد. # وقوله: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) أي: والله يعلم حقائق الأشياء وأنتم ~~لا تعلمون حقائقها. # وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق. # وقوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20) لم يذكر ~~جواب قوله: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)، فجوابه ما ذكر في قوله: (ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) أن بفضله يزكو من زكا، ~~وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ~~زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا ~~يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ~~(22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ~~ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ~~(25) الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) نهى المؤمنين أن ~~يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: (ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) فجوابه أن يقول: فإن خطواته ~~كذا، ولم يقل أيضا: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: (فإنه ~~يأمر بالفحشاء والمنكر)، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: (يا أيها الناس ~~كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم # PageV07P534 # عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء. . .) الآية، أخبر أن، من ~~اتبعه أمره بالفحشاء. والخطوات: من الخطوة والخطوة وهما من رفع القدم ~~ووضعه، وأصله نهي عن اتباع آثاره. # وقوله: ms3096 (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله ~~يزكي من يشاء) التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من ~~التوفيق والعصمة. # أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، وهو أشبه. # وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم ~~يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزا عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ~~ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن ~~عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: ~~إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم ~~يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا ~~به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ~~ولم يعط من لم يزك. # وقوله: (والله سميع عليم) أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ~~ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون. # وقوله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) قال بعضهم: قوله: (ولا يأتل) أي: ولا يحلف، وهو ~~(يفتعل) من الإيلاء. # وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، ~~وألا يألو ألوا، وهو التقصير، وترك المبالغة. # ثم يحتمل قوله: (أولو الفضل منكم) أي: من له الفضل والسعة. # ويحتمل (أولو الفضل) من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله. # ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه ~~بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: (ولا يأتل أولو الفضل ~~منكم). # لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس ~~يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك ms3097 النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ~~(ولا تجعلوا الله # PageV07P535 # عرضة لأيمانكم. . .) الآية، ذكر أن قوما كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ~~ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذرا لهم في ترك الإنفاق عليهم، ~~والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في ~~معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة. . ~~.) الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه. # وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على ~~الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في ~~عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو ~~أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كان هذه ~~الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات) فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في ~~الآية، وكل رام محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى ~~الذي نزلت الآية. # وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب بالمرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ~~ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي ~~بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من ~~الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: (وليعفوا وليصفحوا)، أي: اعفوا ~~عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته ~~أيضا؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى)؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير ~~والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة ~~والإساءة جميعا، والله أعلم. # وقوله: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما ~~كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك ms3098 فاعفوا عمن أساء إليكم، والله ~~غفور رحيم. # وقوله: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات (23) قد ذكرنا أن ~~المحصنات هاهنا: # هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر. # وقوله: (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) كان الآية نزلت في ~~المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم ~~اللعن؛ فهو كما قال: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم ~~عذاب أليم في الدنيا والآخرة) والمؤمن لا # PageV07P536 # يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين. # ثم اللعن في الدنيا هو الحد الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في ~~الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، ~~وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في ~~المنافقين قوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم ... (24)،الآية. وإنما تشهد هذه ~~الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأما المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا ~~يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: (اليوم نختم على أفواههم. . ~~.) الآية، ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ~~(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له)، أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما ~~كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما ~~أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ~~(شهد عليهم سمعهم. . .) الآية. # (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا. . .) الآية، تكون شهادة الألسن بعد ما ~~أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم. # وقوله: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ~~(25) يؤمنون به جميعا يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ ~~كقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها)، (ويعلمون أن الله هو الحق المبين)، أي: ~~يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له ~~والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى ~~وما يتقى، وما يحل مما يحرم. ms3099 # وقوله: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ... (26) اختلف فيه: # قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول للخبيثين من الناس والخبيثون من ~~الناس للخبيثات من الكلمات والقول، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، ~~والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. # وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ ~~للكافرين. # وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من ~~كلمة خبيثة # PageV07P537 # فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، ونحوه من الكلام. # ثم قال: (أولئك) يعني: عائشة وصفوان. # (مبرءون) مما يقول أولئك القذفة. # (لهم مغفرة ورزق كريم) أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان ~~وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول. # وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال ~~للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه ~~إلى النكاح شرعا ووجودا، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات ~~بقوله: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا)، وقوله: (الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة) فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، ~~وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك ~~المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو ~~الشرع. # وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب ~~لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كن طيبات ~~لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ~~ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين ~~والخبيئون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: " إن الكلمة الخبيثة لتكون ~~في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل ~~الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل ~~الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى ms3100 يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، ~~فيضمها إلى ما عنده من الخير. ثم تلا عبد الله (الخبيثات للخبيثين ~~والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. . .) الآية. # وجائز أن يكون الخبيئات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا ~~أعمالا خبيثة # PageV07P538 # في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا ~~في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في ~~الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا. # وقال بعضهم: قوله: (إن الذين يرمون المحصنات) إلى قوله: (ويعلمون أن الله ~~هو الحق المبين) أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي ~~وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ~~ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأما المنافقون فقد قصدوا به القذف ~~والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحد واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر (لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأما ~~المؤمنون فقال لهم: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~في ما أفضتم فيه عذاب عظيم). # وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب ~~أولئك. ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا ~~أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك. # وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: ~~كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان. # وروي عن كعب بمثل قيل عبد الله بن مسعود، فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج ~~من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى ~~الأرض فلا تجد لها مستقرا، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكانا، ~~فتقول: ما أجد لي موضعا أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها. ~~ثم تلا كعب هذه الآية: (الخبيثات للخبيثين. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على ms3101 أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا ~~فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على # PageV07P539 # أهلها) روي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرؤها: (حتى تستأذنوا وتسلموا ~~على أهلها). وقال: (تستأنسوا) وهم من الكاتب. # وقال بعضهم: الاستئناس: الاستئذان. # وقال بعضهم: الاستئناس: الاستعلام، وهو أن يطلب من أهل البيت الإذن ~~بالدخول، والاستئذان هو طلب الإذن منهم للدخول. # وروي عن أبي أيوب قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام قد عرفناه فما ~~الاستئذان؟ قال: " أن يرفع صوته بالتحميد أو بالتسبيح أو بالتكبير ليؤذن ~~للدخول ". فإن ثبت هذا فهو إلى الاستعلام أقرب وهو كقوله: (فإن آنستم منهم ~~رشدا)، أي: علمتم. # ثم قال بعضهم: قوله: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها) على التقديم ~~والتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا، وهو أن يبدأ فيقول: السلام عليكم ~~ورحمة الله! أدخل أو لا؟ ثم يستأذن، وهو ما روي: " السلام قبل الكلام ". # ولكن عندنا أن الاستئذان للدخول فإذا أذن بالدخول فدخل فعند ذلك يسلم ~~عليهم كقوله: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية)، فإنما أمر ~~بالسلام بعد الدخول؛ فعلى ذلك هذا يستأذن للدخول فإذا أذن له فدخل فبعد ~~الدخول يسلم عليهم؛ لأنه لو سلم أولا ثم استأذن احتاج إلى أن يسلم ثانيا ~~إذا دخل؛ فهذا الذي ذكرنا أشبه بعمل الناس وظاهر الآية، والله أعلم. ثم ~~قوله: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) لم يرجع إلى المساجد ونحوه بل يرجع ذلك ~~إلى بيوت مسكونة؛ فذلك يدل لقولنا: إن من حلف ألا يدخل بيتا فدخل المسجد لم ~~يحنث. # وقوله: (ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون) أي: ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم ~~من ترك الاستئذان؛ لأنه ترك التأدب بما أدبه الله وعلمه (لعلكم تذكرون)، ~~أي: تتعظون # PageV07P540 # بأدب الله، وروي في ms3102 بعض الأخبار: (أن من دخل بيتا بغير إذن قال له الملك ~~الموكل به: عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كله غير الثقلين، ويصعد صوته إلى ~~السماء الدنيا، فيقول ملائكة السماء: إن فلانا عصى ربه وأذى). # وقوله: (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ~~ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) هذا يدل على أن ~~الاستئذان وطلب الإذن لا لحيث أنفسهم خاصة ولكن لأنفسهم ولما لهم في البيوت ~~من الأموال؛ لأنه قال: (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها) لم يأذن لهم ~~بالدخول فيها وإن لم يكن فيها أحد حتى يأذن أرباب الأموال والمنازل بالدخول ~~فيها؛ ليعلم أن النهي عن الدخول للأنفس والأموال جميعا؛ لأن الناس يتخذون ~~البيوت والمنازل صونا للأنفس والأموال جميعا، فكما يكرهون اطلاع غيرهم على ~~أنفسهم وعيالاتهم فلا يطيب أنفسهم أيضا باطلاع غيرهم، على أموالهم وأمتعتهم ~~فلا يدنجل إلا بإذن من أهلها، والله أعلم. # وقوله: (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم) ذكر في بعض الأخبار أن ~~الاستئذان ثلاث من لم يأذن له فيهن فليرجع؛ أما الأولى: فيستمع الحي، وأما ~~الثانية: فيأخذون حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا. # وقيل: لا تقعدن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، ~~والله أعذر بالعذر. # وفي بعضها: وما تنقبم من شيء بابن آدم هو أزكى لكم. # وقوله: (هو أزكى لكم)؛ لأنه إذا لم يؤذن بالدخول فقعدوا على بابهم ولم ~~يرجعوا، أورث ذلك معاني تكره: # أحدها: تهمة على أهل الدار على ما يقعد على أبواب أهل التهم من الشرطي ~~وغيره فذلك مكروه عند الناس. # والثاني: يكون للناس أشغال وحاجات في منازلهم وخارج المنازل، فإن انتظر ~~وقعد على بابهم ضاق بذلك ذرعهم وشغل قلوبهم ذلك فلعل حاجاتهم لا تلتئم ~~لشغلهم به؛ لذلك كان الرجوع أزكى لهم وخيرا لهم من القعود على الباب ~~والانتظار، والله أعلم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الاستئذان ثلاث فإن أذن لك ~~فيهن ms3103 وإلا فارجع ". # PageV07P541 # وقال بعضهم: معنى (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا): يقول: إن سكت عنكم فلم ~~يؤذن لكم فقد قيل لكم: ارجعوا، وإن لم يقولوا بألسنتهم: ارجعوا. # وقوله: (والله بما تعملون عليم) وعيد؛ كقوله: (والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون). # ثم الاستئذان على محارمه لازم، وإن كان يجوز له أن ينظر إلى شعر ذات ~~محرمه ووجهها فإنه منهي عن النظر إلى ما سوى ذلك من عورتها؛ لما يخشى أن ~~يبدو من عورة المرأة إن دخل عليها بدون إذن. # روي أن رجلا سأل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا أخدم أمي ~~وأفرشتها أستأذن عليها؟ قال: " نعم ". فسأله ثلاثا؛ فقال له: " أيسرك أن ~~تراها عريانة؟! " قال: لا قال: " فاستأذن عليها ". # وكذلك روي عن حذيفة أن رجلا سأله فقال: أستأذن على أختي؟ فقال: إن لم ~~تستأذن عليها رأيت ما يسوءك. # وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس عن أحدهما في الأم وعن الآخر في الأخت. # لكن أمره في الاستئذان على هؤلاء أسهل وأيسر من أمر الأجنبي؛ إذ كان ~~مطلقا له أن ينظر إلى شعر محرمه ووجهها، والله أعلم. # وقوله: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) يحتمل قوله: (بيوتا غير مسكونة) وجهين: # أحدهما: بيوتا غير محتملة للسكنى، وهي الخربات، والمواضع التي يقضي فيها ~~الحوائج، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (بيوتا غير معمورة لكم فيها منافع). # والثاني: بيوتا مسكونة محتملة للسكنى إلا أن أهلها لم يسكنوها؛ لنزول ~~الناس فيها، وهي نحو الخانات والرباط التي تكون للمارة، وعلى ذلك روي في ~~الخبر أنه لما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف بالبيوت ~~التي بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها مساكن؟ فأنزل الله - ~~تعالى -: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم). # وذكر في حرف ابن مسعود: (ليس عليكم جناح في بيت ليس فيه ساكن أن تدخلوه). # PageV07P542 # وقوله: (فيها متاع لكم) إن كان ذلك البيوت الخانات والبيوت التي ms3104 ينزل ~~فيها أهل السفر فيكون قوله: (فيها متاع لكم) أي: فيها منفعة لكم من الدفء ~~في الشتاء، والظل في الصيف، ودفع الحر في أيام الحر، ودفع البرد في أيام ~~البرد. # وإن كان البيوت هي الخربات وقباب وأمتعات التي كانوا يضعون في الطهور ~~لقضاء الحوائج، فيكون قوله: (فيها متاع لكم) أي: الخلاء والبول، والله ~~أعلم. # وقوله: (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) قال: ما تبدون من السلام، وما ~~تخفون منه، أو في كل شيء؛ كقوله: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) يذكر ~~هذا لنكونن أبدا على حذر وخوف، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم ~~إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31) # وقوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) روي عن علي - رضي ~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا علي إن لك ~~كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى ~~وليست لك الآخرة ". وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " يا بن آدم لك أول نظرة فإياك الثانية ". # وعن جرير قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجأة فأمرني ~~أن أصرف بصري. # وعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عن شهواتهم فيما يكره الله. # ثم يحتمل قوله: (يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) وجوها ثلاثة: # PageV07P543 # أحدها: غضوا أبصارهم لكي يحفظوا فروجهم؛ فإن حفظ الفرج إنما يكون بغض ~~البصر وحفظه. # والثاني: يغضوا ms3105 أبصارهم عن النظر إلى من لا تحل من الأجنبيات؛ لأن النظر ~~إلى المحارم يحل، ويحفظوا فروجهم عن الكل من المحارم والأجنبيات إلا الذين ~~استثناهم في آية أخرى. # والثالث: غضوا أبصارهم عما في أيدي الخلق، ولا تفتحوها إلى ما في أيديهم؛ ~~كقوله: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم. . .) الآية. # وقوله: (ذلك أزكى لهم) أي: أطهر لهم، وأدعى لهم إلى الصلاح من النظر. # وعلى هذه يخرج قوله: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ... ~~(31) # وقوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) روي عن عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه - قال: (إلا ما ظهر): الرداء والثياب. # وعن ابن عباس قال: (إلا ما ظهر منها): الكحل والخاتم. # وفي رواية أخرى: الكف والوجه. # وعن عائشة قالت: (إلا ما ظهر منها): القلب والفتخة، وهي خاتم أصبع الرجل. # وعن عبد: الله الزينة زينتان: # زينة باطنة لا يراها إلا الزوج. # وأما الزينة الظاهرة فالثياب. # والباطنة كالإكليل والسوار والخاتم. # فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود حيث جعلها من الثياب وغيره، ففيه ~~دلالة ألا يحل النظر إلى وجه امرأة أجنبية. # PageV07P544 # وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة. # وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتخة، ففيه دلالة جواز النظر إلى ~~الكفين والقدمين؛ لأنهما ظاهرتان باديتان؛ ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض ~~غسل الوضوء، وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم. # وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة، لكن غض ~~البصر وترك النظر أرفق وأزكى، كقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) كما ~~تؤذى الإماء. # والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى ~~وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه - قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لعلي - رضي الله عنه -: " إنما لك الأولى وليست لك الآخرة "، وفي بعضها: " ~~الأولى ms3106 لك والآخرة عليك "؛ لأنه كأنه إنما كرر النظر في الثانية؛ لشهوة ~~تحدث في قلبه. # وإذنه للذي يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى ~~وجه المرأة غير حرام؛ لأنه لو كان حراما لم يأذن فيه النبي لأحد. # ونرى - والله أعلم - أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع في ~~قلب الرجل من ذلك شهوة، فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن يؤدي به ذلك إلى ~~ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح فإنه قد ~~رخص في ذلك؛ روي أن المغيرة أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ". # وقال في بعض الأخبار: " إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها؛ إذا ~~كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم ". # وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال ليس لأن ذلك حرام ~~وإليها معصية، ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة، ووقوع الفتنة بها، ~~فإذا لم # PageV07P545 # يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخا كبيرا، أو كانت المرأة دميمة، أو ~~عجوزا فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، ~~وأصله قول الله - تعالى -: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين). # ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي ~~وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة. # فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة؛ ~~دخل في ذلك معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " العينان تزنيان ~~"؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك ~~معنى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ms3107 يدل على أن الوجه ~~والكفين ليسا بعورة، وهو ما روي عن عائشة قالت: دخلت علي أختي أسماء وعليها ~~ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت "، فقلت: يا رسول ~~الله، زارتني أختي فقلت لها ما قلت، فقال: " يا عائش، إن الحرة إذا حاضت لا ~~ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفاها "، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) قد ~~ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل ~~النظر إلى المرأة الأجنبية؛ ألا ترى أنه روي أن أعميين دخلا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " قوما "، فقالتا: إنهما أعميان يا رسول ~~الله!! فقال لهما: " هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين "، أو كلام ~~نحو هذا، فدل أنه ما ذكرنا. # PageV07P546 # وعلى ذلك أخبار: روي عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تبيت في مكان ~~تسمع فيه نفس رجل ليس بمحرم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست له بمحرم ". # وفي بعض الأخبار: أنه لم يرخص للمرأة أن يرى غير ذي محرم منها إلا الوجه ~~والكف وما ظهر، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كوع عائشة وقال: ~~" هذا ". # وعن الحسن أنه قال في قوله: (إلا ما ظهر منها): الوجه وما ظهر من الثياب. # فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث رخص ~~النظر إلى الوجه والكف؛ لقوله: " إلا الوجه والكف " فاستثنى الوجه والكف من ~~بين سائر الجوارح - كان ذلك تفسيرا لقوله: (إلا ما ظهر منها) كأنه قال: " ~~ولا يبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها وهو ms3108 الكحل والخاتم "، ثم الكحل ~~يكون في الوجه والخاتم في اليد فذكر الزينة يكون كناية عن موضعها؛ لأن ~~النظر إلى الزينة حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة الحلي وما ذكره ~~القوم، فدل أن المراد بذكر الزينة موضع الزينة لا نفس الزينة والحلي، ثم ~~رخص للأجنبيين النظر إلى بعض مواضع الزينة وهو ما ظهر منها من الوجه والكف ~~ولم يرخص ما خفي منها وما بطن. # ثم استثنى المحارم منها، ورخص لهم النظر إلى ذلك بقوله: (ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن) إلى آخر ما ذكر. # ثم مواضع الزينة الخفية منها الصدر، ومنها الأذنان وهما في الرأس، ومنها ~~الساق. # ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة، ولا ~~خلاف في أن الأب لا يجوز له أن ينظر من عورة ابنته إلا إلى رأسها وفي الرأس ~~الأذنان، وقد يكون فيهما القرط ونحوه، وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها ولا ~~خمار عليها؛ فله أن ينظر إلى صدرها وهو موضع الزينة؛ لأنه مما يغطيه ~~الخمار، وينظر إلى ذراعيها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي مواضع ~~الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي النظر إليها. # ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من ~~مواضع الزينة؛ لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن وغيره من مواضع الزينة ليس ~~فيها محاسن لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع؛ لأنها عورة في نفسها؛ ~~فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي؛ ولأن النظر إليها - أعني: مواضع الزينة - ~~لا يكون إلا للشهوة والنظر إليها للشهوة حرام. # PageV07P547 # فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة ولا ~~يقصدون به ذلك ألبتة؛ فأبيح لهم النظر إليها لحاجة. # وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي ~~حيث أبيح النظر إلى الزينة الظاهرة فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها. # ثم غيرها من الزينة لا يحل لأحد النظر إليها: الأب وغيره - إلا للزوج ~~خاصة وللمولى إلى مملوكته وهو ms3109 ما قال: (والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم؛ ~~لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة لا يقع فيه حاجة فلا يباح ذلك إلا ~~لمن له قضاء أن شهوة والوطء وهو الزوج والمولي. # فانقسمت العورة إلى جهتين: # جهة يحل للمحارم منها النظر إليها لحاجة وضرورة تقع لهم. # وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا يقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ~~ذلك؛ ألا ترى أن الأمة ينظر إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد ~~شرائها ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة ~~جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا. # ثم ذكر في الآية المحارم جميعا عدا الأعمام والأخوال، قال بعضهم: إنما لم ~~يذكرا في هذه الآية؛ لأنها تحل لبنيهما بالنكاح فكره أن يصفاها لبنيهما؛ ~~ولهذا كره من كره للمرأة المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية ~~والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف ~~قوله: (أو نسائهن) إلى المسلمات. # لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكثر ~~ذلك من أجناسهم وأمثالهم، فذكر الرخصة في أمثالهم كافية. # وقوله - عز وجل -: (أو نسائهن) يحتمل وجوها: # يحتمل النساء اللاتي يختلطن بهن، أو نساء قرابتهن وأرحامهن، أو النساء ~~اللاتي توافقهن في دينهن، وهن المسلمات على ما قاله أولئك. # وقوله - عز وجل -: (أو ما ملكت أيمانهن). # قال قائلون: (أو ما ملكت أيمانهن) كقوله: إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم)، ونحوه. # وقال قائلون: الإماء والعبيد جميعا. # فإن كان المراد به الإماء فهو ظاهر. # PageV07P548 # وإن كان المراد به الأمة والعبد، ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته ~~على ما يقوله بعض الناس. # والأشبه أن يكون المراد به والله أعلم الإماء دون العبيد؛ لما ذكر في آخر ~~الآية (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) والعبد من الرجال. # أو ذكر التابع والمتابع وإن كان خصيا أو عنينا ms3110 أو معتوها على ما قالوا، ~~فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال فعلى ذلك العبد؛ فيكون ~~الدخول عليهن مضمر في الآية، وكن النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين ~~عليهن؛ لأنه ذكر المتابعين وهم تابعو الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوما ~~عندهن فيتأهبن لهم ويستترن، والله أعلم بذلك؛ ألا ترى أنه لا يحل للمرأة أن ~~تسافر بعبدها، دل أنه ليس بمحرم لها؛ لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته. # فإن قيل: ما معنى ذكر إمائهن ونسائهن وكل النساء يجوز لهن النظر إلى ~~المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا؟ # قيل: خص الله - عز وجل - بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات؛ ~~تأديبا لا حظرا، وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل ~~بيتها، لكثرة رؤيتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها؛ ~~لقلة رؤيتها لها؛ ألا ترى أنه قد نهى المرأة أن تضرب برجلها؛ ليعلم ما تخفي ~~من زينتها، وفي ذلك صيانة للرجل والمرأة وإبعاد لهما عما يحذر عليهما ~~ويخاف؛ فليس ببعيد أن يجعل نهيه المرأة أن تظهر زينتها ومحاسنها للأجنبية؛ ~~لما يخاف على الأجنبية من فساد قلبها وحدوث الشهوات لها؛ صيانة للنساء ~~والرجال جميعا، وإبعادا لهم عن الزينة، ولئلا تصفها لرجل يفتتن بها، ويتكلف ~~الوصول إليها. والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: " لما نزلت هذه الآية، أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل ~~الحواشي، فاختمرن بها "، وعن ابن عباس: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) يقول: ~~وليشددن # PageV07P549 # بخمرهن على جيوبهن، يقول: ليرخين بخمرهن على الصدر والنحر فلا يرين منها ~~شيئا. # قال: وكن النساء قبل هذه الآية إنما يسدلن خمرهن سدلا من ورائهن كما يصنع ~~النبط، فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النحر والصدر. # وفي الآية دلالة أن دروع النساء كانت جيب؛ لأن الجيب إنما تكون للدروع، ~~وذلك كان لباس النساء، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى ~~الرجال عن لبسة ms3111 النساء، وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء. # وروي أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل. # وعن ابن عباس: " لعن النبي المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء ". ~~وكأنه مكروه للرجل - والله أعلم - أن يلبس فراعة وحدها لا قميص تحتها؛ لأن ~~ذلك لباس النساء إلا أن يكون لها شق ذيل، فخرجت من لبس النساء، ولم تكره ~~للرجال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) جائز أن يكون ~~قوله: (إلا ما ظهر منها): إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة، وأما على غير ~~الحاجة فلا يباح؛ لما ذكرنا من قوله: (يدنين عليهن من جلابيبهن. . .) ~~الآية، وقوله: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن)؛ فعلى ذلك ترك النظر إلى وجه المرأة أطهر للنساء وللناس ~~جميعا؛ فلا يباح ذلك إلا عند الحاجة إليه، وهو معرفتها؛ ليقيم به الشهادة. # فإن قيل: أليس النظر يسع إلى مواضع الزينة الخفية للأجنبي؛ للتداوي بها؟ # قيل: يسع ذلك للضرورة وأما للحاجة فلا، ومسألتنا في الحاجة ليست في ~~الضرورة. # ثم قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) إلى آخره ما ذكر: جائز أن يكون ~~المراد برخصة النظر إلى الزينة لهؤلاء المسمين في الآية رخصة النظر إلى نفس ~~الزينة لا موضع # PageV07P550 # الزينة؛ فيدخل في هذه الرخصة من ذكر من التابعين غير أولي، الإربة من ~~الرجال ونحوه؛ لأن الزينة في الصدر وما ذكر إنما تكون من وراء ثياب تكون ~~على الصدر، ثم رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الخفية بغير هذه الآية. # أو أن يكون رخصة النظر للمحارم إلى مواضع الزينة ولغير المحارم من ~~المماليك والتابعين غير أولي الإربة ومن ذكر - رخصة الدخول عليهن؛ فيكون في ~~الآية إضمار الدخول؛ كأنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن ذكر من ~~المحارم، ولا يدخل عليهن إلا العبيد والتابعون ومن ذكر من غير أولي الإربة، ~~فيكن في وقت دخول هؤلاء متأهبات؛ لأن وقت دخول هؤلاء يكون معلوما يعرفن ~~فيتأهبن لهم؛ لأن العبيد إنما يدخلون على ساداتهم ms3112 ومواليهم عند حاجتهن ~~إليهم، والتابعون ومن ذكر إنما يدخلون إذا دخل أزواجهن عليهن فيتأهبن لذلك، ~~ومثل هذا الإضمار جائز في الكلام يتبين ذلك بالثنيا كقوله: (أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم)، دل قوله: (غير محلي ~~الصيد) أنه قد كان الصيد مذكورا فيه مرادا؛ إذ لو لم يكن مذكورا لم يكن ~~استثنى منه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون في الأول إضمار الدخول فيه لهؤلاء الذين ~~لا يحل لهم النظر إلى مواضع الزينة منهن ورخصة الإبداء للمحارم، أو أن يكون ~~ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) قال بعضهم: ~~الشيخ الكبير الذي لا حاجة له في النساء. # وقال بعضهم: المعتوه الأحمق الذي لا يشتهي النساء، ولا يغار عليه ~~الأزواج. # وقال بعضهم: العنين والخصي، وهؤلاء الذين لا يطيقون الجماع. # لكن عندنا لا يسع للعنين ولا للخصي أن يخلو بامرأة أجنبية. # وقال الحسن: (غير أولي الإربة من الرجال) هم المخنثون؛ روي عن عائشة ~~قالت: # PageV07P551 # كان يدخل على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - مخنث، وكانوا يعدونه من ~~غير أولي الإربة، قالت: فدخل النبي ذات يوم وهو ينعت امرأة، فقال: " لا أرى ~~هذا يعلم ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم "؛ فحجبوه. # وعن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها مخنث، ~~فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد الله، إن فتح الله لكم غدا الطائف ~~دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: " لا أرى هذا ~~يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم ". # وقال بعضهم: (غير أولي الإربة) الذين لا تهمهم ولا يخافون على النساء، ~~وكله واحد، وهم الذين ليست لهم الحاجة إلى النساء. # قال أبو عوسجة: الإربة: الحاجة: والإرب جمع، وكذلك قال القتبي. # وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء. # وقوله: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) قال بعضهم: هو ~~الاطلاع، أي: لم يطلعوا، ولم يعلموا، ولم يدروا ما هو ms3113 من الصغر. # وقال بعضهم: لم يظهروا على عورات النساء، أي: لم يبلغوا الحلم. # والأول أشبه عندنا؛ وذلك أن الطفل الذي لم يحتلم قد أمر بالاستئذان في ~~بعض الأوقات؛ لقوله: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم)، فالذي يؤمر بالاستئذان هو الطفل الذي لم يحتلم، وقد يطلع على عورات ~~النساء، والذي لا يؤمر بالاستئذان هو أصغر من ذلك، وهو الذي لا يطلع على ~~عورات النساء لصغره، والله أعلم. # PageV07P552 # وقوله: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي: لا تضربن إحدى ~~رجليها على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال. # (ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي: ما يواري الثياب من الزينة وهو الخلخال ~~قد أخفاه الثياب؛ نهيت المرأة عن ضرب رجلها؛ ليعلم الرجال ما تخفي من ~~زينتها، وذلك محظور عليها، لما يخرج ذلك مخرج ترغيب الناس وحثهم عليها، ~~فالزينة في الأصل ما جعلت إلا للترغيب والتحريض على أنفسهم، وهي الداعية ~~إلى النظر والشهوة، وفي ترك ذلك وترك المرأة الزينة صيانتها، وصيانة ~~الرجال، وإبعادهم جميعا من الزينة، والرغبة، فكشف الشابة عن وجهها، ونظر ~~الرجل بشهوة إليها أحرى أن يكون محظورا عليه، منهيا عنه، والله أعلم ~~بالصواب. # وقوله: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) هذا يحتمل ~~وجهين: # يحتمل قوله: (وتوبوا إلى الله) أي: ارجعوا إلى الله بالطاعة له والخضوع؛ ~~لتكونوا مفلحين. # أو أن يكون قوله: (وتوبوا إلى الله) ارجعوا عما قدمتم من المعاصي ~~والمساوئ، واجعلوا مكان ذلك طاعة له؛ ليعفوا عنكم ما قدمتم من المعاصي، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن ~~يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم آيات ~~مبينات ومثلا من الذين ms3114 خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) # وقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) الأمر ~~بالإنكاح وإن خرج مخرج أمر واحد في الظاهر فهو في الحقيقة على أقسام: # الأمر في تزويج الإماء والعبيد يخرج مخرج الترغيب والتحريض. # وفي الأحرار يخرج مخرج المعونة والتقوية؛ لأن من بلغ ولده النكاح ذكرا أو ~~أنثى استثار أقرباءه، وأهل أنسابه، والمتصلين به في ذلك، واستعانهم على ~~ذلك، ولا كذلك السادات في المماليك؛ دل أن الأمر في أحدهما يخرج على ~~المعونة، وفي الآخر على # PageV07P553 # الترغيب. # ثم تزويج العبد يخرج كأنه فعل المعروف؛ إذ في ذلك إلزام مؤن بلا عوض يحصل ~~له؛ ألا ترى أنه لا يملكه إلا من يملك المعروف من نحو الوصي والأب والمكاتب ~~والعبد المأذون له في التجارة؟ ولا كذلك تزويج الإماء؛ إذ يملك هؤلاء ذلك، ~~وكل مكتسب خير له لنفسه أو لغيره. # ثم جرى الوفاق بينهم: أن للولي أن يزوج أمته شاءت هي أو أبت، واختلفوا في ~~تزويج العبد امرأة: # قال بعضهم: ليس له ذلك إلا برضاء العبد. # وقال بعضهم: له ذلك شاء أو أبى. # ثم الناس اختلفوا في قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) قال بعضهم: الأيامى ~~منهن: الإناث من الأحرار دون الذكور، واستدلوا ببطلان النكاح وفساده إذا ~~كان بغير إذن الولي بهذه الآية؛ لأن الله تعالى أمر الأولياء وخاطبهم أن ~~يزوجوهن؛ كما أمر المولى بتزويج أمته، فأوجب للمولى الولاية كما أوجبها ~~للولي وإن كانا مختلفين في الولاية. # لكن عندنا لو كانت الآية خرجت على التفسير على ما يقول خصومنا (وأنكحوا ~~الأيامى منكم) الإناث - لم يكن فيه دليل على ما قالوا هم، ويخرج ذلك على ~~وجوه: # أحدها: على الترغيب في إنكاحهن لما لا يتولى هن النكاح بأنفسهن حياء، ~~ويستحيين التكلم بذلك حتى من فعلت ذلك منهن بنفسها صارت مطعونة عندهن. # أو أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهن على ما ذكرنا؛ ألا ترى إلى ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنه من بلغ ولده النكاح وعنده ما ~~ينكحه فأحدث، فالإثم بينهما "، فهذا يدل ms3115 - والله أعلم - على وجه المعونة في ~~تزويج الأب الابن البالغ، فإذا كان الأب مأمورا من جهة التأديب على المعونة ~~بتزويج ابنه، ولا يوجب ذلك عليه ولاية إذا كره ذلك؛ فكذلك يكون مأمورا ~~بتزويج ابنه من طريق المعونة، أو جهة الحياء، أو أن يخرج ذلك على ما قال ~~خصومنا من إيجاب الولاية له عليها. # ثم رأينا أنها إذا رغبت في النكاح ورضيت به وكره وليها ذلك، جبر الولي ~~على الإنكاح، وإن هي كرهت النكاح وأبت، ورغب الولي في ذلك وشاء، لم تجبر هي ~~على ذلك؛ دل ذلك على أن الحق لها عليه دون أن يكون الحق في ذلك له عليها، ~~فإذا كان # PageV07P554 # الحق لها عليه جاز ذلك إذا تولت بنفسها؛ لما ذكرنا أن الخطاب للأولياء ~~يخرج على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم. # هذا إذا كان في الآية ذكر الإناث دون الذكور، فكيف أن ليس في الآية ذكر ~~تخصيص الإناث دون الذكور، واسم " الأيم " يقع على الإناث والذكور جميعا؛ ~~ألا ترى أنه روي عن عمر - رضي الله عنه - قال: " لما نزلت هذه الآية ما ~~رأيت مثل ما يلتمس بعد هذه الآية إنما التمسوا الغناء في الباءة ". # وما روي عن نجدة: أن عمر دعانا إلى أن ينكح من أيمنا وفي الشعر: # لله در بني علي ... أيم منهم وناكح # وفي بعضها: # وأيم تأبى من القوم أيماه. # جمع فيها اسم " الأيم ": الرجال والنساء. # ومن الدليل -أيضا- على ذلك قوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) فدل ذلك ~~على أنه حث على تزويج البالغين من الأحرار رجالهم ونسائهم. # فإن قيل: فما وجه أمره بتزويج الرجال والأمر إليهم؟ # فجواب ذلك ما ذكرنا من المعونة، والترغيب فيه. # ثم قوله: (والصالحين من عبادكم) جائز أن يكون قوله: (والصالحين) أي: ~~المؤمنين. # وجائز أن يكون الصالحين: من طلب منكم الصلاح والعفة. # أو ذكر الصالحين لما كانت العادة في الملوك أنهم يخاطبون أهل الصلاح منهم ~~والأخيار، لا على إخراج غيرهم من حكم ذلك الخطاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ms3116 فضله) من الناس من ~~استدل بهذه الآية على أن العبد يملك؛ لأنه ذكر العبيد والأحرار جميعا، ثم ~~ذكر في آخره الغناء دل أنه يملك. # ويستدل بقوله: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن)، أضاف الأجور ~~والإيتاء إليهن؛ دل أنهن يملكن، لكن عندنا أن المماليك يملكون ملك التوسيع، ~~وملك التصرف، ويقع لهم غناء التوسيع وغناء التصرف، ولا يقع لهم التمليك، ~~ولا حقيقة الملك، والدلالة على ذلك قوله: (والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق فما الذين # PageV07P555 # فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء)، لو كان ما ملكت ~~أيمانهم يملكون ما يملك الموالي والسادات لكان المماليك يفضلون على ~~السادات، في الملك؛ إذ هم الذين يتصرفون ويكتسبون الأموال دون السادات، فدل ~~ذكر تفضيل بعض على بعض أنهم لا يملكون ما يملك الموالي. # والثاني قوله: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون. . .) الآية، ولو ~~كانوا يملكون على ما يملك السادات، لكانوا لهم فيه شركاء، دل أنهم لا ~~يملكون حقيقة الملك، ولكن يملكون ملك التوسيع والتصرف. # أو أن يكون قوله: (يغنهم الله من فضله) راجعا إلى الأحرار منهم دون ~~المماليك، وذلك جائز في اللسان كقوله، ثم روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه ~~- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ثلاثة حق على الله تعالى أن ~~يغنيهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء ~~". # وعن عمر قال: " ما رأيت مثل الرجل لا يلتمس الغناء في الباءة " والله ~~تعالى يقول: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله). # وروي في الخبر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا معشر ~~الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن ~~لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "، وروي في الخبر عن نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لعمر بن الخطاب: " ما فعلت ببناتك؟ " قال: هن عندي يا ~~رسول الله. قال: " وقد حضن؟ " قال: نعم. قال: " إنك لم تحبس واحدة منهن عن ~~كفؤ إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط ms3117 "، وفي بعض الأخبار: " من بلغ ولده ~~النكاح، وعنده ما ينكحه، فأحدث فالإثم بينهما ". # وقوله: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ... (33) ~~الاستعفاف: هو طلب العفاف؛ كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا، ~~وتصيره عفيفا حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون أشياء: # PageV07P556 # أحدها: ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا معشر الشباب من ~~استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع ~~فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء " ونحوه، يطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ~~ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن أغناه الله، كقوله عليه السلام: " من ~~استعف أعفه الله ". # وجائز أن يكون قوله: (وليستعفف) أي: يتعفف الذين لا يجدون نكاحا، لم يجعل ~~الله - عز وجل - للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا ~~لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها - رخصة التناول في ملك ~~غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: # أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في ~~الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح. # والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل ~~والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع ~~عنه إبقاء النسل والتوالد. # والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة، وقضاء ~~الشهوة، فإذا كان فقيرا لا يجد ما ينكح زال عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ ~~لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما ~~الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا، والله أعلم. # ثم في قوله: (حتى يغنيهم الله من فضله)، وقوله: (إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله) ووجهان من المعتبر على نقض قول المعتزلة: # أحدهما: أنه أضاف الإغناء إلى نفسه، وهو ليس يعطي أحدا شيئا يطرحه ويلقيه ~~في يده بلا سبب، ولكن إنما يغنيه ويعطيه بأسباب تجعل لهم؛ فدل إضافة ~~الإغناء إلى ms3118 نفسه على أن له في تلك الأسباب التي فيها لهم غناء صنعا وفعلا، ~~ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا صنع لله في أفعال عباده. # والثاني: فيه دلالة: أن غناهم وسعتهم فضل منه ورحمة لا شيء يستوجبون هم ~~بأنفسهم ذلك قبله، لكن إفضالا منه لهم وإحسانا؛ إذ لو كان عليه ذلك كان منه ~~عدلا لا فضلا؛ فدل تسمية الفضل ذلك على أن من أعطاه الله يقال: ذلك أعطاه ~~فضلا منه وإنعاما # PageV07P557 # لا استيجابا واستحقاقا، وذلك رد عليهم في الأصلح في الدين. # ثم من الناس من استدل بهذه الآية بقوله: (يغنهم الله من فضله): حتى ~~يغنيهم الله من فضله على تفضيل الغناء على الفقر قالوا: لأنه سماه فضلا ~~بقوله: (من فضله) وسماه في غير آي من القرآن: رحمة وحسنة، وسماه: خيرا أيضا ~~في غير موضع، وسمى الفقر والضيق: بلاء مرة، وسيئة ثانيا، وضرا: شدة بقوله: ~~(وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، وقال: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وقوله: ~~(هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته)، وغير ذلك من ~~الآيات، وكأن ما سمى من البلاء والشدة والشر والضر والسيئة كله عبارة ~~وكناية عن الضيق والفقر، وما ذكر من الخير والحسنة والرحمة ونحوه، كله ~~عبارة عن السعة والغناء؛ فدل تسمية الغناء خيرا وحسنة ورحمة على أنه أفضل؛ ~~إذ لا شك أن الخير والحسنة والرحمة خير من الشر والسيئة والبلاء؛ لذلك كان ~~الغناء أفضل من الفقر. # فيقال لهم: هو كما قلتم: إنها خير مما ذكرتم، إلا أن هذه الأسباب التي ~~ذكرتم هي الداعية إلى الفساد، الباعثة على قضاء الحاجات، والشهوات، وأنواع ~~المعاصي في أنواع المحرمات، ولا كذلك الفقر والضيق والشدة، بل هي أسباب ~~تمنع صاحبها عن التعاطي في أنواع المعاصي والمحرمات؛ فضلا أن تدعوه وتبعثه ~~إلى ذلك، فقولنا: إنه أفضل؛ للمعنى الذي ذكرنا، لا لمعنى فهمتموه أنتم. # أو أن يكون ما ذكر وسمي: خيرا: السعة عند الناس، وكذلك ما ذكر من الضيق ~~شرا وسيئة عندهم؛ لأنه كذلك عند الناس لا أنهما في الحقيقة كذلك؛ ms3119 لما يحتمل ~~أن يكون الغناء والسعة سبب الفساد، والضيق والفقر سبب منعه عن الفساد. # أو ألا يتكلم في تفضيل أحدهما على الآخر؛ إذ هما محنتان يمتحن بهما ~~العباد: هؤلاء بالصبر على الفقر والضيق، وهؤلاء بشكرهم على الغناء والسعة، ~~فالتكلم في فضل أحدهما على الآخر فضل، والله أعلم. # وقوله: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم): ظاهر هذا ليس ~~على [الكتابة]، ولكن على الكتاب المعروف وهو كتاب الله - تعالى - لأن ~~الكتاب المطلق هو كتاب الله تعالى، يسألون ساداتهم تعليم الكتاب لهم، إلا ~~أن الناس لم يفهموا من هذا هذا، ولكن فهموا كتابة العبيد والإماء حيث صرفوا ~~الآية إليها. # ثم قوله: (فكاتبوهم) ليس على الوجوب والإلزام، ولكن على الترغيب فيها ~~والحث؛ دليله ترك الأمة المماليك بعد موتهم دون مكاتبتهم من لدن رسول الله ~~إلى يومنا هذا، ولو # PageV07P558 # كان على الوجوب واللزوم لم يكونوا يتركون لازما واجبا عليهم؛ فدل تركهم ~~المكاتبة على أنه خرج مخرج الترغيب عليها، والحث لا على الوجوب، والله ~~أعلم. # وقوله: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) اختلف فيه: # قال بعضهم: أي: كاتبوهم إن علمتم أنهم يرغبون في أنواع الخير، وإقامة ~~الصلاة، وأنواع الصلاح، وفرغوا أنفسهم لذلك. # قال بعضهم: إن علمتم فيهم خيرا، أي: وفاء وأمانة وصلاحا، وهو قول الحسن. # وتأويل هذا: أي: كاتبوهم؛ إن علمتم أنهم يقدرون على وفاء ما كوتبوا، ~~وأداء ذلك. # وقال قائلون: (خيرا) أي: حيلة. # وقال قائلون: مالا. # وقال قائلون: (خيرا)، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبرا عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " إن علمتم فيهم خيرا - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كلا على الناس ~~". إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم ~~خيرا، جاز أن يقال: معنى (خيرا) مالا، ولكنه قال: (إن علمتم فيهم خيرا) ~~[الجاه الذي] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - والله أعلم ~~- أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، ms3120 وأمانته، ثم في الآية دلالة أن ~~العبيد لا يملكون شيئا؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على ~~العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل ~~الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى. # وفي الكتابة أيضا نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، ~~وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقا لم يملكوا ردهم إلى ~~منافع أنفسهم، # PageV07P559 # ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، والله أعلم. # وفي قوله: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) دلالة القول بعلم العمل على ~~ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: (إن علمتم فيهم خيرا) وإنما ~~يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة ~~والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن ~~والعلم لا على الحقيقة. # وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) اختلف في خطابه: # قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على ~~وجهين: # أحدهما: ما جعل الله من الحق للمكاتبين في الصدقات؛ لقوله: (إنما الصدقات ~~للفقراء)، إلى قوله: (وفي الرقاب) وهم المكاتبون، أمر أرباب الأموال بدفع ~~الصدقات للمكاتبين، وجعلهم أهلا لها، ليستعينوا بها على أداء ما عليهم من ~~الكتابة. # فإن كان ذلك فذلك حق لهم. # والثاني: جائز أن يأمر الناس بمعونة هؤلاء المكاتبين على أداء ما عليهم ~~من الكتابة بأموالهم سوى الصدقات؛ ليفكوا رقابهم عن ذل الرق والكسب. # وقال قائلون: إنما الخطاب للموالي خاصة؛ لما أن أول الخطاب بالكتابة راجع ~~إلى الموالى؛ فعلى ذلك هذا. # ثم اختلفوا فيه: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: " ~~يترك المولي الثلث من مكاتبته له ". # وروي عنه أنه قال: " ربع المكاتبة ". # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كاتب غلاما له، فحط عنه أول نجمه، وقال ~~له: حط عني آخره، فقال عمر: " لعلي لا أصل ms3121 إليه "، أو كلام نحو هذا، ثم تلا ~~هذه الآية، قوله: (والذين يبتغون الكتاب. . .) الآية. # وروي عن غلام لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: " كاتبني عثمان، ولم ~~يحط # PageV07P560 # عني شيئا "، دل ما روي عن عثمان أنه لم يحط عنه شيئا على أن الأمر ~~بالإيتاء للمكاتبين من الأموال والحط عنهم إنما هو على الاختيار والإفضال ~~ليس على الوجوب واللزوم؛ لأنه لو كان على الوجوب، لكان عثمان بن عفان لا ~~يحتمل ألا يحط عنه شيئا. # ومن جعل ذلك واجبا على المولى أن يؤتيه من ماله، ويعجله له كان ذلك خارجا ~~عما روي عن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - خلافا لهم؛ لأنه روي ~~عن بعضهم الحط عنهم، والوضع دون الإيتاء من ماله. # وروي عن بعضهم: الاستيفاء على الكمال لا حط فيه ولا إيتاء؛ دل أن قول من ~~يأمرهم بالإيتاء من أموالهم دون الكتابة خارج عن قولهم جملة. # ثم يبطل ذلك من وجهين: # أحدهما: أن من قال لعبده: " إذا أديت إلي كذا فأنت حر "، فحط عنه بعض ~~ذلك، فأدى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: (وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم) ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار. # والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حر، وإنما ذكر ~~الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: (فكاتبوهم)، ثم قال: (وآتوهم)، فلو كان ~~على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا). # ليس قوله: (إن أردن تحصنا) بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم ~~يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن ~~فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء ~~المال، وهن كن يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك ~~شرطا فيه. # أو أن يكون ذلك إكراها إذا كن مطاوعات في ذلك. # وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا ms3122 يكرهون إماءهم على أن ~~يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك. # وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد الله بن أبي ~~وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ~~ذكروا، ففيه دلالة أن # PageV07P561 # الزنا حرام في الأديان كلها. # وقوله - عز وجل -: (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) هذا ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: يرجع إلى الإماء يقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، ~~وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور ~~رحيم). # والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن الله لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا. ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ... (34) بخفض الياء ~~ونصبها، ثم يحتمل أن يكون المراد بالآيات: آيات القرآن جميعا، وقوله: ~~(مبينات) بالخفض، أي: تبين للخلق ما لهم، وما عليهم، وما لله عليهم، وما ~~لبعضهم على بعض. # (مبينات) بالنصب، أي: مبينات أنها من عند الله. # وجائز أن يكون المراد بالآيات: الحجج والبراهين، فإن كان هذا، فقوله: ~~(مبينات) بالخفض، أي: تبين وحدانية الله - تعالى - وعلم رسالة رسوله و ~~(مبينات) بالنصب، أي: واضحات بينات أنها حجج وبراهين. # وقوله: (ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) أي: أنزلنا إليكم ~~أيضا مثل الذين، خلوا من قبلكم ما حل بهم، ونزل بالمكذبين من العذاب، ~~وموعظة ما يتعظ المتقون، أو جعل لكنم فيما أنزل من الآيات عليكم أمثالا من ~~الذين خلوا من قبلكم؛ لتتعظوا به والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله ~~لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ms3123 الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم ~~من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) # وقوله - عز وجل -: (الله نور السماوات والأرض) قال بعضهم: الله هادي ~~السماوات # PageV07P562 # والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وما ~~ضرب له من الأمثال، فقال: (مثل نوره)، يقول: نور محمد إذ كان في صلب أبيه ~~(كمشكاة) أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة (فيها مصباح) أي: سراج المصباح. # يقول - والله أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه (في زجاجة)، الزجاجة نعتها ~~الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد الله، والزجاجة وصفاؤها: ~~محمد رسول الله، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، ~~(كأنها كوكب دري) أي: محمد - صلى الله عليه وسلم - ذكره مع أسماء الأنبياء، ~~والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل ~~عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر ~~الكواكب. # وقوله - عز وجل -: (يوقد من شجرة مباركة) يقول - والله أعلم -: استنار ~~نور محمد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، ~~فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله ~~عليهم. # وقوله - عز وجل -: (زيتونة لا شرقية ولا غربية) والزيتونة: المحاسن وطاعة ~~إبراهيم لربه؛ فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، ~~كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ ~~والدهن والدباغة يعني: زيتونة (لا شرقية ولا غربية) يقول: إن إبراهيم صلوات ~~الله عليه لم يكن نصرانيا لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من ~~قبل المشرق، ولا يهوديا لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ~~ببيت المقدس، يقول الله تعالى: لم يكن كما قال هؤلاء، ولكن كان حنيفا مسلفا ~~مصلما إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج. # وقوله: (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) يقول - والله ms3124 أعلم -: لو أن ~~إبراهيم لم يكن نبيا لأصاب بحسن طاعة الله في الدنيا الفضل مع الأنبياء ~~والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة. # وقوله: (نور على نور)؛ لأن محمدا وما جاء به من الدين والكتاب أصل نوره ~~من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه ولممنته وكتابه ومنهاجه. # ثم قال: (يهدي الله لنوره من يشاء) الذي جاء به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو النور، وهو القرآن يهدي إليه من يشاء ممن سبق له في علمه ~~السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن # PageV07P563 # سبق له في علمه الشقاء. # ثم قال: (ويضرب الله الأمثال للناس) يعني: ويصف الله الأمثال للناس؛ ~~ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد ~~- عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل. # وقال أهل الكلام: قوله: (الله نور السماوات والأرض) أي: أنار الله لأهل ~~السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى ~~آخره. # وجائز أن يكون قوله: (الله نور السماوات والأرض) أي: بالله نور أهل ~~السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: (مثل نوره) كذا، ولم يقل: مثله، ولو ~~كان النور هو الله على ما قاله قوم وفهموه، لقال: " الله نور السماوات ~~والأرض مثله كذالا، ولم يقل: (مثل نوره)، فدل قوله: (مثل نوره) كذا أنه لم ~~يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ~~ترى أنه قال في آخره: (يهدي الله لنوره من يشاء) أنه لم يرد بالنور ما ~~فهموا، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) دل أنه ليس على ما فهموه ~~به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا ~~يخرج تأويل ابن عباس حيث قال: الله هادي أهل السماوات والأرض. # وقوله: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ~~دري) جائز أن يكون قوله: (مثل نوره) أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل ~~مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي ms3125 لا منفذ لها يدخل فيها ~~الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا ~~يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم ~~إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ~~ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: " أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه "، أخبر أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: (مثل نوره) إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ~~ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن ~~مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن). # PageV07P564 # وقال الحسن: (مثل نوره) قال: مثل القرآن في قلب المؤمن (كمشكاة) كوة ~~(فيها مصباح)، أو أن يكون قوله: (الله نور السماوات والأرض) أي: به تنجلي ~~الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي ~~الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: ~~نورا، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر ~~والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي ~~الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى الله: نورا؛ لما به ~~يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور. # وقوله: (مثل نوره) قال بعضهم: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم. # وقال بعضهم: (مثل نوره) في صدر المؤمن. # وقال بعضهم: مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره. # وقال بعضهم: مثل نور القرآن. # وقوله: (كمشكاة) قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا. # وقال بعضهم: موضع الفتيلة من القنديل. # وقال بعضهم: الحدايد التي تعلق بها القنديل. # وقوله: (لا شرقية ولا غربية) قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس ~~إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت. # وقال بعضهم: هي شجرة في كن لا تطلع عليها ms3126 الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها ~~إذا غربت. # PageV07P565 # وقال بعضهم: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها ~~شرقية غربية. # فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي ~~الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ~~ولا تصيبه في وقت؟ # وقال بعضهم: (الله نور السماوات والأرض) هو الله سبحانه هادي أهل ~~السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ ~~قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن ~~يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم أفإذا أتاه العلم، ازداد هدى على هدى ونورا ~~على نور، وعن أبي بن كعب قال في قوله: (مثل نوره): يقول: مثل نور المؤمن، ~~وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل. قال: فهو عبد قد جعل ~~القرآن والإيمان في صدره. # قال: (كمشكاة) قال: المشكاة: صدره (فيها مصباح): قال: المصباح: القرآن ~~والإيمان الذي جعل في صدره. # قال: (المصباح في زجاجة) فالزجاجة: قلبه. # قال: (الزجاجة كأنها كوكب دري) يقول: كوكب مضيء. # (يوقد من شجرة مباركة) قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله ~~وحده لا يشرك به. # قال: (لا شرقية ولا غربية) قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ~~ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك ~~هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته الله ~~فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن ~~حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. # قال: (نور على نور) قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه ~~نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة. # قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) وهو ~~يحسبه عند الله خيرا فلا يجده، فيدخله ms3127 الله النار، وقال في آية أخرى له ~~مثلا فقال: (أو كظلمات في بحر # PageV07P566 # لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب)، فهو يتقلب في ظلمات. # وقال بعضهم: في قوله: (الله نور السماوات والأرض) أي: بنوره يهتدي من في ~~السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه (مثل نوره) في قلب المؤمن (كمشكاة) ~~وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا (فيها مصباح) أي: سراج (كوكب دري): ~~مضيء، أي: منسوب إلى الدر؛ وهو قول القتبي. # وقال أبو عوسجة: (كمشكاة): الكوة التي تكون في الحائط؛ ومثال جماعته: ~~الكوة، (كوكب دري): مثل لسانه وصدره وقلبه (يكاد زيتها يضيء) قال: يكاد ~~محمد يبين للناس وإن لم ينطق. # وعن الضحاك بن مزاحم (كأنها كوكب دري) قال: خلقت الكواكب من نار يقال ~~لها: دري؛ فمن ثمة قال: (كوكب دري). # وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: # قال بعضهم: الكوة: التي لا منفذ لها. # وقال بعضهم: الفتيلة. # وقال بعضهم: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه. # وقال بعضهم: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة. # وقال بعضهم: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل. # وأما الزجاجة فهي القنديل. # ثم إن كان قوله: (مثل نوره) أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ~~ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة ~~والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه ~~قال: (كمشكاة)، وهي قلبه (مصباح المصباح) وهو صدره الذي في قلبه المصباح ~~والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: (كأنها كوكب دري) ~~أي: مضيء. # وقال بعضهم: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه ~~والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال ~~المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر ~~من بعد وخبثه حيث قال: # PageV07P567 # (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة). # وإن كان وصف محمد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك ~~أيضا. # وقوله: (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) الذي ms3128 ذكرنا يحتمل المؤمن ~~ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم (نور على نور)، وقوله: (يهدي الله ~~لنوره من يشاء) يحتمل: يهدي الله لنور محمد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: ~~الإيمان والهدى. # وقال بعضهم: (نور على نور) قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، ~~وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور. # ويحتمل قوله: (يهدي الله لنوره من يشاء) أي: بنوره. # وقال بعضهم: (الله نور السماوات والأرض) يقول: بنوره أضاء السماوات ~~والأرض على ما ذكرنا: (مثل نوره) يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن ~~مسعود - رضي الله عنه -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، ~~والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن (كمشكاة) يعني: الكوة، (فيها مصباح) ~~يعني: الإيمان، والقرآن (في زجاجة) يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل ~~هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، ~~فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، ~~فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، والله أعلم ~~بذلك. # وقوله: (ويضرب الله الأمثال للناس) يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: # أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ~~ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين ~~المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب ~~أولئك، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمدا وما كان على اختلاف ما ~~قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين ~~على الإيمان والقرآن ومحمد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن ~~والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك ~~المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار ~~التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان ~~مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق ~~بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: (والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة)، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: (أو كظلمات في ms3129 بحر لجي. . .) الآية، ~~(ومن لم # PageV07P568 # يجعل الله له نورا فما له من نور). # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (كأنها كوكب دري) قال: الأنجم الخمسة ~~دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل. # قال قتادة: الدري: الضخم المنير. # قال الكسائي: من همز " دريء " فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ ~~النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه ~~إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة. # وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ~~ويذهب. # وقد روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الرجل ~~من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري "، ~~وروي أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - لمنهم، وأنعم. # وأيضا روي دري بالرفع. # وفي خبر آخر عنه: " إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة ~~البدر، والذين يلونهم على أضوا كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان ~~اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس محمد بيده ما فيها ~~غرب ". # وقوله: (يوقد من شجرة مباركة) اختلف في قراءته: # قرأه بعضهم: (يوقد) بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد. # ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم ~~طرح إحدى التاءين. # ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد. # وأقرأ، أهل مكة: (توقد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ ~~فلذلك انتصب. # ومن قرأ: (يوقد) يعني: الكوكب أو المصباح. # PageV07P569 # وقوله: (لا شرقية ولا غربية) قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد ~~فيها شيئا. # قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ~~ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه. # وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق، دون المغرب، وليست بغربية يحوزها ~~المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس ~~النهار كله، وهو مثل الأول. # وقال الكسائي: ليست بشرقية ms3130 وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية، ~~كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلانا، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي ~~واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك لا تأتيهما معا، ومثله: والله لا آكل ~~ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب ~~الفتنة إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال الله تعالى: (إنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة)، وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا. # وقال بعضهم: (لا شرقية) يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا ~~غربية عليها ظل من أول النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس ~~والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة. # وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب. # وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب. # والحسن يقول: والله لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو ~~غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره وهو هذا ~~القرآن. # وأما قوله: (نور على نور) قال بعضهم: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو ~~نور على نور. # قال بعضهم: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: ~~الزيت. # وقال بعضهم: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير ~~صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئا إلا ~~بصاحبه. # وقال بعضهم: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم. # PageV07P570 # ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ ~~للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال (36) اختلف فيه: # قال بعضهم: قوله: (أن ترفع) أي: تعظم، ويرفع قدرها -وهي المساجد- على ~~غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم الله فيها، والتسبيح والتنزيه من ~~الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية. # وقال بعضهم: قوله: (أن ترفع) ms3131 أي: تبنى وتتخذ. # فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها. # وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر ~~الله والتسبيح فيها. # ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: # أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها ~~في الأصل جعلت مسجدا؛ حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا ". # فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة ~~الجماعات. # PageV07P571 # والثاني: أمر بها خصوصا للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت ~~وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصا لها؛ إذ لو كان ~~إذنا على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، والله أعلم. # وقوله: (ويذكر فيها اسمه) فإن كان تأويل قوله: (أن ترفع) أي: تعظم ويرفع ~~قدرها؛ فيكون قوله: (ويذكر فيها اسمه يسبح له) تفسيرا لذلك التعظيم والقدر ~~الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم الله فيها، وما ذكر من ~~التسبيح. # وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: (ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها) كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويا مساجد، وأمر أن يذكر فيها ~~اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال. # ثم اختلف في تلاوة قوله: (يسبح له): # قرأ بعضهم (يسبح له) بنصب الباء. # وقرأ بعضهم (يسبح) بخفض الباء. # فمن قرأها بالنصب صيره على الأول (ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال)، ثم ابتدأ فقال: (رجال لا تلهيهم تجارة). # ومن قرأها بالخفض -أعني: خفض الباء- صيره مقطوعا من الأول مبتدأ به، أي: ~~يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: (لا تلهيهم تجارة) ثم ~~قوله: (ويذكر فيها اسمه) جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح. # ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير. # ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة. # ثم قال بعضهم: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في ms3132 أوقاتها. # وقال بعضهم: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف ~~لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع ... (37) أي: لا تشغلهم ~~تجارة ولا بيع، ذكر # PageV07P573 # التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع ~~التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذلك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، ~~وللذي يبيع شيئا خاصا: بائع. # أخبر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. # ثم جائز أن يكون قوله: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) أي: لا ~~يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر الله، وإقامة الصلاة، وما ~~ذكر. # وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم ~~عن ذكر الله، يكونون أبدا في ذكر الله. # ثم قوله: (عن ذكر الله) يحتمل الصلاة. # وقوله: (وإقام الصلاة) أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، ~~وجميع أسبابها، وشرائطها. # وجائز أن يكون قوله: (عن ذكر الله) جميع أنواع الأذكار (وإقام الصلاة) ~~وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة. # وقال بعضهم: جائز أن يكون قوله: (عن ذكر الله) الخطبة (وإقام الصلاة) ~~صلاة الجمعة؛ لأنه قال: (وإذا رأوا تجارة. . .) الآية، وقال: (إذا نودي ~~للصلاة)، وهي الخطبة. وهذا القول، غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) وهو يوم ~~القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعا ~~منه وخوفا، كقوله: (مهطعين مقنعي رءوسهم. . .) الآية، وكقوله: (إذ القلوب ~~لدى الحناجر كاظمين). # وجائز أن يكون قوله: (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) يعرفون ~~مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما ~~لم يقروا. # وقال بعضهم: (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب)، حين زالت عن أماكنها من ~~الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: (والأبصار) أي: تتقلب ~~أبصارهم فيكونون زرقا، وهو قول مقاتل. # وقوله: (ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ... (38) يحتمل قوله: (ليجزيهم الله ms3133 ~~أحسن ما عملوا) أي: # PageV07P574 # يجزيهم الله جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: ~~(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا. . .) الآية، وكقوله: (ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون). # وقوله - عز وجل -: (ويزيدهم من فضله) على قدر حسناتهم، (والله يرزق من ~~يشاء بغير حساب) قال بعضهم: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء ~~بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). # ويحتمل قوله: (بغير حساب) أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة ~~بلا محاسبة. # وجائز أن يكون (بغير حساب) أي: يعطيهم بلا حساب أضعافا مضاعفة ما لا يحصى ~~لا على قدر أعمالهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) # وقوله: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء) جائز أن ~~يكون ضرب مثل أعمال الكفرة بالسراب الذي ذكر من وجهين: # أحدهما: أنهم قد عملوا في الظاهر أعمالا طمعوا أن يصلوا إليها في الآخرة، ~~وينتفعوا بها من نحو الصدقات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونحوه مما هي في ~~الظاهر أعمال الخير، فإذا هم حرموا أجرها ولم يجدوا شيئا كالذي يرى السراب ~~من بعيد يحسبه ماء فسار إليه، فإذا هو لا شيء؛ فعلى ذلك الكفار عملوا تلك ~~الأعمال على طمع منهم أنهم ينتفعون بها، فإذا هم على لا شيء كالعطشان الذي ~~يرى السراب، فحسبه أنه ماء، فإذا هو سراب. # والثاني: ضرب مثل أعمالهم بالسراب الذي ذكر، وذلك أنهم قد عبدوا الأصنام ~~والأوثان رجاء أن ينتفعوا بشفاعتهم في الآخرة؛ كقولهم: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وكانت عبادتهم ~~لما ذكروا من شفاعتهم عند الله ثم لم ينتفعوا فصاروا ms3134 كالعطشان الذي يرى ~~السراب يحسب أنه ماء؛ فإذا جاءه وجده سرابا؛ لم يجده ماء كما حسبه، إلى هذا ~~تمام المثل. # ثم ابتدأ فقال: (ووجد الله عنده فوفاه حسابه) أي: وجد الله يوفيه حساب ~~عمله وجزاءه. # PageV07P575 # أو يقول: قدم على عمله يوم القيامة لم يجد عمله الذي عمل في الدنيا شيئا ~~إلا كما وجد هذا العطشان هذا السراب، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، يقول: ~~قدم على الله فوفاه حسابه؛ أي: عمله. # وقال بعضهم: هذا المثل ضرب للكفار؛ وذلك أنهم يبعثون يوم القيامة وقد ~~تقطعت أعناقهم من العطش، فيرفع لهم سراب بقيعة من الأرض؛ فإذا نظروا إليه ~~حسبوه ماء؛ فأتوه ليشربوا منه فلم يجدوا شيئا، ويؤخذون ثمة فيحاسبون، وكذلك ~~أعمالهم تضمحل يوم القيامة فلا يصيبون منها خيرا. # وقوله: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور (40) # هذا مثل آخر ضربه الله لأحوال الكافر؛ أو (كظلمات) جسده، شبهه بظلمات؛ ~~وذلك أن البحر إذا كان عميقا كان أشد لظلمته؛ فقال: والبحر اللجي: قلب ~~الكافر، (يغشاه موج): فوق الماء (من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات): فهو ~~ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، هذه ظلمات (بعضها فوق بعض)، فكذا ~~الكافر قلبه مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، لا يبصر الإيمان كما أن صاحب ~~البحر إذا أخرج يده في تلك الظلمة (لم يكد يراها)؛ أي: لم يرها ألبتة. # أو أن يكون ضرب المثل بظلمات ثلاث بظلمات أحوال لا يزال يزداد ظلمة كفره ~~في كل وقت وفي كل حال بعمله الذي يعمله؛ كالظلمات التي ذكرها؛ فكان كضرب ~~المثل الذي سبق لأنوار أحوال المؤمن؛ حيث قال: (مثل نوره كمشكاة) والنور ~~جسده وصدره وقلبه. # ثم قوله: (أو كظلمات): ليس هو حرف شك، ولكنه كأنه قال: إن ضربت مثل عمله ~~بالسراب فمستقيم، وإن ضربته بالظلمات التي ذكرها فمستقيم، بأيهما ضربت ~~فمستقيم صحيح، لا أنه ms3135 ذا أو ذا. # ثم ذكر في أعمال الكفرة مثلين: أحدهما: السراب، والثاني: الظلمات. فجائز ~~أن يكون في المؤمن أيضا مثلين: الظلمة التي ذكر مقابل النور الذي ذكر في ~~المؤمن، والسراب الذي ذكر لأعمالهم مقابل ما ذكر من أعمال المؤمنين؛ حيث ~~قال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. . .) إلى قوله: (والله ~~يرزق من يشاء بغير حساب). # وقوله: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور). # قال بعضهم: من لم يجعل الله له إيمانا فما له من إيمان. # وقيل: هدى، فما له من هدى، وهما واحد. # PageV07P576 # والآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يجعل الله للمؤمن من النور إلا ~~وقد جعل مثله للكافر، وفي الآية إخبار أنه لم يجعل للكافر النور؛ إذ لو كان ~~جعل للكافر كما جعل للمؤمن لم يكن لقوله: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور) - معنى؛ دل أنه لم يجعل للكافر النور. # وقوله: (فوفاه حسابه) يقول: فجازاه بعمله فلم يظلمه. # وقوله: (والله سريع الحساب) قد ذكرناه في غير موضع. # قال القتبي: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما ~~رأيته في أول النهار وآخره؛ الذي يرفع كل شيء، والقيعة: القاع. # وقال أبو عوسجة: السراب الذي يثيره الحر فتراه كأنه ماء يجري وهو الذي ~~يكون نصف النهار إلى السماء، والآل في أول النهار إلى قريب من نصف النهار، ~~والقيعة: القاع؛ وهي الأرض اليابسة الطيبة التي يستنقع فيها الماء، وقاع ~~واحد، وقيعان جمع، والظمآن: العطشان، وقوم ظماء، وامرأة ظمأى، ونسوة ظماء، ~~وأظمأته: أعطشته، وظمأته أيضا. # (بحر لجي) اللجي: الكثير الماء، واللجة: وسط البحر (يغشاه موج)؛ أي: يصير ~~فوقه، قال: الموج طرائق في الماء تكون إذا هبت الريح. # وقال الكسائي: الظمآن والصديان والعطشان واحد، قيل: والسراب: الزوال، ~~والآل: بعد الزوال؛ وهو أرفع من السراب، والرواق بعد العصر. # وقال بعضهم في قوله: (إذا أخرج يده لم يكد يراها): يقول: لم يقاربه ~~البصر؛ كقوله: الرجل لم يصب ولم يقارب. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن ms3136 الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات ~~والأرض وإلى الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم ~~يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد ~~فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب ~~الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة ~~من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على ~~أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) # وقوله: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض). # PageV07P577 # قوله: (ألم تر)، و (ألم تعلم)، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول ~~الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، ~~لكنه يخرج من الله على وجهين: # أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه. # والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم وره؛ على ما ذكرنا في غير موضع. # وقوله: (يسبح له من في السماوات والأرض). # يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: # أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن ~~الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له. # والثاني: يجعل الله - تعالى - في هذه الخلائق من الطيور والدواب وغيرها ~~معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم ~~يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان ~~في قوله: (يا جبال أوبي معه والطير)، وقال في آية أخرى: (يسبحن بالعشي ~~والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب). # ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك ~~شرعا سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص ~~الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه ms3137 ~~تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق ~~تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: (قالت نملة ~~يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم. . .) الآية، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله ~~كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ~~ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: (يوم تشهد ~~عليهم. . .) الآية، وقال: (شهد عليهم. . .) الآية، فيفهم هؤلاء من شهادة ~~الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا. # وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أن الله ~~جعل في سرية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى ~~لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك ~~تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سريتهم معنى يعرفون هم ~~من أنفسهم ذلك تسبيحا له # PageV07P578 # وتنزيها؛ وإن لم يفهمه غيرهم، والله أعلم؛ كقوله: (وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). # وقوله: - عز وجل - -: (يسبح له من في السماوات). # حرف " من " إنما يعبر به عن التمييز وحرف " ما " يعبر به عن المميز. # وقوله: (كل قد علم صلاته وتسبيحه). # قال بعضهم: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ~~ولسانه غير كفار الإنس والجن. # وجائز أن يكون قوله: (كل قد علم صلاته وتسبيحه) ما ذكرنا أن كلا منهم ~~يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه ~~عن عبادة هؤلاء والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك ~~عبادة هؤلاء له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر. # أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ~~ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون الله؛ ولذلك ~~قال: (ولله ملك السماوات والأرض) على أثر ms3138 ذلك. # وقوله: (والله عليم بما يفعلون) جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم ~~بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: ~~عليم بجميع ما يفعلون. # وقوله: (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) قد ذكر في غير ~~موضع. # وقوله: (والطير صافات) أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو ~~عوسجة، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها. # وقوله: (ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) قيل: يسوق سحابا (ثم ~~يؤلف بينه) أي: بعضه إلى بعض (ثم يجعله ركاما) قال: فيها تقديم وتأخير (ثم ~~يجعله ركاما) أي: قطعا يحمل بعضه على أثر بعض (ثم يؤلف بينه) أي: يضم ~~السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام. # وقال بعضهم: قوله: (يزجي) أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ~~ثم يجعله ركاما. # وقوله: (فترى الودق يخرج من خلاله) وقيل: " خلله "؛ أي: من خلال السحاب ~~(وينزل من السماء من جبال فيها من برد) قال بعضهم: جبال من ثلج ينزل الله ~~على السحاب # PageV07P579 # منها الثلج والبرد. # وقال بعضهم: جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل. # وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو ~~برد، سوى أنه أخبر أن فيها بردا؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما ~~للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانيا؛ كقوله: (وترى الجبال تحسبها ~~جامدة. . .) الآية؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال ~~التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء ~~والأرض؟ # وقوله: (فيصيب به من يشاء) في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، (ويصرفه عن من ~~يشاء) فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد ~~يفسد في مكان، ويترك ms3139 مكانا لا يعمه، ولكن يصيب مكانا ويخطئ مكانا. # وجائز أن يكون قوله: (فيصيب به من يشاء) من بركته (ويصرفه عن من يشاء) من ~~بركته، (يكاد سنا برقه) قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق ~~بالأبصار من شدة نوره، (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (44) تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر. # يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله: (ولله ملك السماوات والأرض. . .) ~~الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، ~~وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى ~~بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في ~~مكان دون مكان، وتخطيه موضعا دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض ~~على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف. # ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، ~~وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى ~~النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنه تدبير ~~واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضا عما يريد من التدبير ~~والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك ~~قال: (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال ~~والاعتبار. # قال القتبي وأبو عوسجة: (يزجي) أي: يسوق (ركاما) بعضه فوق بعض (فترى # PageV07P580 # الودق) أي: المطر (يخرج من خلاله) و (خلله)، (سنا برقه) ضوءه. # قال أبو عوسجة: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم ~~الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركما: إذا جعلت ~~بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقا: أي: مطرت (يخرج ~~من خلاله) أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، (يكاد سنا برقه) السنا مقصور، ~~وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد. # وقوله: (والله خلق كل دابة من ماء ... (45) هو ms3140 - والله أعلم - صلة قوله: ~~(ولله ملك السماوات والأرض. . .) الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير ~~والعلم والحكمة، وذكر -أيضا- تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير ~~والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: (والله خلق كل دابة من ماء) يذكر ~~قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على ~~اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن ~~بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو ~~كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة. # والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق ~~هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء ~~من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب ~~وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر. # ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثا ~~ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من ~~بعد الممات للجزاء. # ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا ~~يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا. # وقوله: (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين) يذكر هذا - ~~والله أعلم - لأحد وجهين: # إما تذكيرا إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ ~~لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويا من غير أن كان منهم اختيار لذلك. # PageV07P581 # أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين ~~على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة. # أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: (أفمن يمشي مكبا على وجهه ~~أهدى. . .) الآية؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام ~~يمشون منتصبين مستوين (يخلق الله ما يشاء) بسبب وبغير سبب (إن الله على كل ~~شيء قدير)؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة ms3141 بالطباع. # * * * # قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~(46) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ~~وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض ~~أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) ~~إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل ~~لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) # وقوله: (لقد أنزلنا آيات مبينات. . .) الآية؛ قد ذكرناه. # وقوله: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ~~ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) اختلف فيه: # قال بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب ~~وبين عثمان - رضي الله عنه - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه ~~الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا ~~من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك. . إلى آخر ما ذكر. # لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول ~~الله ما ذكر. # وقال بعضهم: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه ~~وبين بشر # PageV07P582 # خصومة، وأن اليهودي دعا بشرا إلى رسول الله، ودعاه بشر إلى كعب بن ~~الأشرف، فقال: إن محمدا يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا ~~نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بيانا أنها إنما نزلت في المنافقين. # وفي ظاهر ms3142 الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ~~ترى أنه ذكر في آخره: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) مسرعين ~~مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان ~~الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا ~~التأويل. # وقوله: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ~~بل أولئك هم الظالمون (50) في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق ~~لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف ~~الله عليهم ورسوله) إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل ~~الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة ~~منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقا؛ ~~ألا ترى أنه قال: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله) ومنهم من قال: ~~كذا، ومنهم من قال: كذا. # أو أن يكون تأويل قوله: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) أي: وإن ~~يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة ~~أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض ~~والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم. # على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا ~~نعلم، والله أعلم. # وقوله: (وما أولئك بالمؤمنين)؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف ~~جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن. # وفي قوله: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون) يخرج على وجهين وإن كان ~~ظاهره حرف شك: # أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ~~ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاما فهو في التحقيق ~~علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك ~~هذا. # والثاني: ما ذكرنا أنه ms3143 في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة ~~منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه. # PageV07P583 # قال القتبي: قوله: (مذعنين) أي: خاضعين. # وقال أبو عوسجة: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق ~~مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفا فهو حائف. # وقوله: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) قوله: (دعوا إلى الله) ~~يحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين: # أحدهما: دعوا إلى كتاب الله وإلى رسوله: (إذا فريق منهم معرضون)، كقوله: ~~(وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا). # والثاني: إضافته إلى الله هي إضافة إلى رسوله، كقوله: (من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله)، جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة ~~الدعاء إلى الله دعاء إلى رسول الله، وعلى ذلك يخرج قوله: (أفي قلوبهم مرض ~~أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله) لا يحتمل أن يكونوا ~~يخافون حيف الله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم. # وقوله: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ... (51) قد ~~ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت ~~المؤمنين. # وقوله: (أن يقولوا سمعنا وأطعنا) يحتمل قوله: (سمعنا) أي: سمعنا الدعاء ~~وأطعنا الأمر. # ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر. # وجائز أن يكون قوله: (سمعنا وأطعنا) ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ~~ولكن إخبار من الله - تعالى - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد ~~في أصل اعتقاده طاعة الله وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: (إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، هذا إخبار عما أطعموهم، ~~ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ~~ذلك الأول. # وقوله: (وأولئك هم المفلحون) المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ ~~يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، والله أعلم. # وقوله: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52) ~~يحتمل قوله: (ويخش الله) أي: ms3144 يخشى الله على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما ~~بقي من عمره. # أو يخشى الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية ~~الله # PageV07P584 # ومخالفته (فأولئك هم الفائزون) وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة (فأولئك هم ~~المؤمنون) فهما واحد. # وقوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة ~~معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قال بعضهم: كل يمين بالله فهي جهد ~~اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من ~~الأمر والخطير، فأما الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل ~~يمين بالله فهو جهد اليمين. # ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ~~ربما، فسمى ذلك جهد اليمين. # أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: (لئن أمرتهم ليخرجن) ~~قوله: (لئن أمرتهم ليخرجن) هو جهد أيمانهم، والله أعلم. # وقوله: (لئن أمرتهم ليخرجن) قوله: (لئن أمرتهم) يحتمل وجوها: # لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ~~ويسلمونها إلى خصمهم. # ويحتمل: لئن أمرتهم (ليخرجن) من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيما ~~لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك. # وجائز أن يكون قوله: (ليخرجن) من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى ~~بلدة أخرى. # وقال بعضهم: (لئن أمرتهم ليخرجن) أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ ~~لأنهم كانوا يتخلفون. # ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: (قل لا تقسموا طاعة ~~معروفة) اختلف فيه: # قال بعضهم: لا تقسموا؛ فإن الله لو بلغ منكم الجهد لم تبلغوه، ثم قال: ~~(طاعة معروفة) يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف. # وقال بعضهم: قوله: (لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا) تم الكلام، ثم قال: ~~(طاعة معروفة). # وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ~~ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة ~~معروفة # PageV07P585 # صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق. # وقال بعضهم: لا تحلفوا، ولتكن ms3145 هذه منكم للنبي طاعة معروفة حسنة. # وقال بعضهم: (طاعة معروفة) يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا ~~تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: (إن الله خبير ~~بما تعملون) فلا تقسموا. # وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي ~~والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه بالله عرف ذلك. # وقوله: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) ~~أي: فإن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله (فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم) قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم ~~من الطاعة لله ورسوله. # ويحتمل: فإنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم ~~من الفرائض. # وجائز أن يكون قوله: (فإنما عليه ما حمل) أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما ~~عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون -أيضا- بما عليه؛ إنما يسأل كل عما ~~عليه؛ كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء)، والله ~~أعلم. # وقوله: (وإن تطيعوه تهتدوا) لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا (وما على الرسول ~~إلا البلاغ المبين) ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون (55) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ~~ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس ~~المصير (57) # وقوله: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~كما استخلف الذين من قبلهم) قال بعضهم: مكث رسول الله بمكة سنين من بعد ما ~~أوحي إليه خائفا هو وأصحابه يدعون الناس إلى الله - تعالى - سرا وعلانية، ~~ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح، ويمسون ~~في السلاح، فقال رجل ms3146 من أصحابه: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ~~ونضع فيه السلاح، فقال رسول الله: " لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل ~~منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس معهم حديدة "، فأنزل الله # PageV07P586 # هذه الآية على أثر ما ذكر. # وقال بعضهم: لما صد المشركون رسول الله وأصحابه يوم الحديبية وعد الله ~~المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقال: وتصديق ذلك ما ذكر في سورة ~~الفتح، وهو قوله: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام. . .) الآية، ~~حتى قال في آخر ذلك: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله. . .) الآية؛ وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض وينزل ~~فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض. # وقال قائلون: كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم ~~خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم، ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في ~~القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان: # أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في ~~النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون في النجاة فضلا أن يطمعوا في الاستخلاف، ~~والتمكن في الأرض، وإظهار الدين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان ~~كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت ~~والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من الله، ووعد منه، فكان ما وعد دل ~~أنه بالله وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أولئك، وبشارة للمؤمنين، والله أعلم. # وقوله: (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون). # قوله: (ومن كفر بعد ذلك) ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك -أيضا- فهو ~~فاسق. # ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره ~~عليها فهو كذا. # وجائز أن يكون قوله: (ومن كفر بعد ذلك) ليس له جواب. # وقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول (56) فيما أمركم به ~~ونهاكم عنه (لعلكم ترحمون) هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم ms3147 في غير موضع. # ثم قال: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس ~~المصير (57) قال بعضهم: (معجزين) أي: فائتين في الأرض هربا من عذابه؛ فلا ~~يدركهم. # وقال بعضهم: سابقين في الأرض هربا -أيضا- حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد # PageV07P587 # (ومأواهم النار ولبئس المصير) قد ذكرناه أيضا. # وقوله: (لا تحسبن) كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنهم ليسوا ~~بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: (ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون)، هما واحد. # وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (حسب الذين كفروا أن يعجزوا الله في ~~السماوات والأرض) إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم ~~حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء ~~اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ~~وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم) قال بعضهم: ذكر أن رجلا وامرأته تسمى أسماء بنت مرثد ~~اتخذا طعاما للنبي، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا ~~يا رسول الله أن يدخل علي الرجل وامرأته بغير إذن وهما في ثوب واحد غلامها ~~المملوك، فأنزل الله: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم). # وقال بعضهم: نزل هذا في شأن عمر بن الخطاب، وهو ما قال: " وافقت ربي في ~~ثلاث "؛ ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث غلاما من الأنصار ~~يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق إليه ليدعوه، فوجده ~~قائلا قد ms3148 أغلق عليه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنه في هذا البيت، قال: ~~فدفع الغلام الباب على عمر وسلم، فلم يستيقظ عمر، فرجع الغلام ورد الباب، ~~فقام من خلفه وحركه، فلم يستيقظ، فقال الغلام: اللهم أيقظه لي، قال: ودفع ~~الباب، ثم ناداه ودخل فاستيقظ عمر فجلس، فانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف ~~عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه، فقال عمر: وددت - والله - أن الله نهى ~~أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذنه، ثم انطلق ~~معه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجده قد نزل عليه هذه الآية ~~وأمر بالاستئذان على دخولهم في هذه الساعات. # PageV07P588 # لكن لا حاجة لنا إلى أن نتعرف أنها نزلت في شأن فلان أو فلان، أو في أمر ~~فلان وسببه، سوى أن نتعرف المودع فيها وما ذكر من أنواع الآداب والأحكام. # ثم خاطب بالاستئذان المستأذن عليه لا المستأذن والسادات والآباء ومن يعول ~~الصغار حيث قال: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم) وذلك الخطاب - والله أعلم - يخرج مخرج الأمر للآباء والسادات بتعليم ~~صبيانهم أمور الدين والقيام بما يحتاجون إليه، والتأديب على ذلك إن أبت ~~أنفسهم، وكذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " مروا ~~صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا ~~بينهم في المضاجع " خاطب به الآباء والأولياء أن يأمروهم بأمور الدين أمر ~~عادة، والتعليم لهم والتأديب إن امتنعوا عن ذلك، ولم يخاطبهم في أنفسهم ~~لجهلهم وقلة معرفتهم بأمرهم، وإذا بلغوا وعرفوا النهي والأمر، فعند ذلك ~~خاطبهم بأنفسهم بالاستئذان؛ حيث قال: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا) خاطبهم إذا بلغوا، وأمرهم بالاستئذان في أنفسهم، وما داموا ~~صغارا خاطب به الآباء والأولياء لما لا يجري عليهم القلم، وليس الخطاب ~~والأمر والنهي إلا لجرية القلم عليهم، وترك الأمر والخطاب لرفع القلم عنهم. # وأما أمر الآباء لهم بذلك فيخرج مخرج الشفقة لهم عليهم والقيام لبعض ~~مصالحهم، وذلك جائز. # PageV07P589 # ثم اختلف فيما ملكت أيماننا: قال جماعة: هن ms3149 النساء دون الرجال، وأما ~~الرجال فإنهم يستأذنون في جميع الأوقات. # وقال بعضهم: هم النساء والرجال جميعا، والنهي عن الدخول في هذه الأوقات ~~الثلاث؛ إذ هي أوقات غرة وساعات غفلة للذكور والإناث جميعا. # ومنهم من يقول: هم الكبار فإنهم دون الصغار. # والأشبه أن يكون في الصغار منهم؛ لأن الكبار منهم والأحرار سواء في حظر ~~النظر إلى العورة وإباحته؛ ألا ترى أنه قال: (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) ~~وهم الأحرار والصغار؛ فعلى ذلك قوله: (ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) ~~الصغار منهم؛ أمر السادات بتعليمهم ما ذكرنا من الأمور، والله أعلم. # وقوله: (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) هذا يحتمل وجهين: # يحتمل قوله: (لم يبلغوا الحلم) أي: لم يحتلموا، ويحتمل الذين لم يبلغوا ~~الحلم أو لم يبلغوا مبلغ الحلم بعد ما جعلهم في مراتب ثلاث؛ أعني: الصغار ~~في حال لا يؤمرون ولا ينهون، وهي الحال التي لا يميزون بين العورة وبين غير ~~العورة، وهو ما قال: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) أي: لا ~~يعرفون العورة من غير العورة، وحال يعرفون ذلك إلا أنه لا يقع لهم الحاجة ~~إليها فيؤمرون بالستر عنهم، وحال يقع الحاجة إليها وقضاء الوطر، فيؤمرون ~~بالحجاب والتفريق في المضاجع، والله أعلم. # وقوله: (ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم) يحتمل قوله: (ثلاث عورات لكم) وجهين: # أحدهما: ثلاث أوقات عورات لكم وساعاتها. # ويحتمل: (ثلاث عورات) أي: ثلاث حالات تظهر فيها العورة؛ كقوله: (إن ~~بيوتنا عورة)، أي: ليس مما يمنع السرق عن السرقة فيها. # وفيه أن العمل بالاجتهاد في الأغلب والأكبر من الرأي والأمر ليس على ~~الحقيقة جائز؛ لأنه قد سمى بثلاث عورات من الأمر، ونهى عن الدخول بلا ~~استئذان، وإن كان يجوز أن تكون العورة مستورة، والمباح في غيرها من الأوقات ~~الدخول بلا استئذان، ويجوز أن يكون هناك كشف العورة؛ حيث قال: (ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن) أي: بعد # PageV07P590 # ثلاث ساعات (طوافون عليكم بعضكم على بعض) لكنه أباح ms3150 وحظر بالأغلب ~~والأكبر، لا على الحقيقة، وهكذا العمل بالاجتهاد، والله أعلم. # وقوله: (طوافون عليكم) أي: يخدمونكم بعد هذه الثلاث ساعات يدخلون عليكم ~~بغير إذن بعضكم على بعض بالخدمة؛ فلا إذن عليهم؛ لما ذكرنا أن الأغلب أن ~~تكون العورات مستورة في غير هذه الثلاث ساعات، وفي الثلاث لا. # قال القتبي: (الذين ملكت أيمانكم): العبيد والإماء (ثلاث عورات لكم) ~~ويريد هذه الأوقات؛ لأنها أوقات التجرد وظهور العورة. # أما قبل صلاة الفجر فللخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار. # وأما عند الظهيرة فلوضع الثياب للقيلولة. # وأما بعد صلاة العشاء فلوضع الثياب للنوم. # (بعدهن) أي: بعد هذه الأوقات. # ثم قال: (طوافون عليكم) يريد: أنهم خدمكم؛ فلا بأس بأن يدخلوا؛ قال الله ~~- تعالى -: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) أي: يطوف عليهم في الخدمة. # وقال أبو عوسجة: الظهيرة: نصف النهار، وظهائر: جمع، وأظهرت، أي: دخلت في ~~الظهيرة. # وقوله: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ... (59) # فقد ذكرنا أنه خاطب به الأولياء في # تعليم الآداب وأمور الدين الصغار، ولم يخاطبهم هو؛ حيث قال: (ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم) وإذا بلغوا خاطبهم ~~بأنفسهم؛ حيث قال: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)، ثم يحتمل ~~قوله: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) وجهين: يحتمل: إذا احتلموا. # ويحتمل: إذا بلغوا وقت الحلم؛ فالأول على حقيقة الاحتلام، والثاني على ~~قرب بلوغ الاحتلام؛ فكأن الأول أشبه؛ لأنه خاطبهم في أنفسهم، وأمرهم ~~بالاستئذان، فلو لم يكونوا بالغين لم يخاطبهم، ولكن خاطب به الأولياء، كما ~~خاطبهم في الآية الأولى. # وفيه دلالة أن الحد في بلوغ الصغير الاحتلام، وعلى ذلك اتفاق القول منهم؛ ~~ألا ترى أنه قال: (فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) يقول - والله ~~أعلم -: ما أمر به قبل هذه الآية البالغين ألا يدخلوا بيتا حتى يستأذنوا ~~على أهله. # أو أن يكون قوله: (كما استأذن الذين من قبلهم) يعني: الكبار، أي: يكون # PageV07P591 # الاستئذان في الكبار معروفا ظاهرا، وفي الصغار لا، فأمر إذا بلغوا أن ~~يستأذنوا كما يستأذن الكبار منهم. # وروي عن النبي - صلى الله ms3151 عليه وسلم - ما يوافق ظاهر الآية، وهو رفع ~~القلم عن ثلاث: أحدهم: الصبي حتى يحتلم، وأما إذا بلغ خمس عشرة سنة فمما ~~اختلف أصحابنا فيه: رآه أبو يوسف ومحمد بالغا؛ لحديث ابن عمر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أجازه في القتال وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجز له ~~وهو ابن أربع عشرة سنة، لكن ليس فيه أنه أجازه لبلوغه، ولم يجزه لأنه لم ~~يبلغ؛ جائز إجازته في العام الثاني لقوته وطاقته على القتال، ولم يجزه في ~~العام الأول لضعفه ووهنه وعجزه عن القتال. # واحتج بعض مشايخنا - رحمهم الله - لقول أبي حنيفة في تحديده بثماني عشرة ~~سنة # لبلوغ الغلام إذا لم يحتلم، قال: لأن الوسط من احتلام الغلمان أن يبلغوا ~~خمس عشرة سنة، وربما احتلموا قبل ذلك، وربما تأخر احتلامهم عنه، ووجد ~~المعروف فيمن نقصت سنه عن اثنتي عشرة ألا يحتلم، فإذا بلغها فربما احتلم، ~~فجعل حد الزيادة على الخمس عشرة سنة التي هي وسط بين المختلفين - ثلاث ~~سنين، كما كان مقدار النقصان عنها ثلاث سنين، وهذا القول من قوله استحسان، ~~والله أعلم. # وقوله: (كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم) قوله: (كذلك يبين ~~الله لكم آياته) أعلامه؛ أي: يبين لكم الأعلام التي تحتاجون إليها وتعرفون ~~ما يسع لكم مما لا يسع وما يؤتى مما يتقى. # وقال بعضهم: آياته - هاهنا -: أمره ونهيه، والله أعلم. # وقوله: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن ~~يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ~~قال أهل التأويل: قوله: (لا يرجون نكاحا) لا يريدون نكاحا، لكن الأشبه أن ~~يكون قوله: (لا يرجون نكاحا) أي: لا يطمعن # PageV07P592 # أن يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وإلا كن يردن النكاح، وإن كبرن وعجزن. # وقوله: (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) قال بعضهم: ~~ثيابهن: الرداء، وكذلك روي في حرف أبن مسعود أنه قرأ: (أن يضعن من ثيابهن) ~~وهو الرداء. # وقال بعضهم: هو الجلباب؛ يقال: الجلباب: هو القناع الذي ms3152 يكون فوق الخمار؛ ~~فلا بأس أن تضع ذلك عند أجنبي وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق (غير ~~متبرجات بزينة) يقول - والله أعلم -: من غير أن تكون وضعت الرداء أو ~~الجلباب تريد بذلك إظهار الزينة والتبرج. # وقوله: (وأن يستعففن خير لهن) أي: وألا يضعن ما ذكرنا من الثياب خير لهن ~~من أن يضعن. # وقال بعضهم: الخمار. لكنه لا يحتمل؛ لأنه معلوم أن المرأة وإن كبرت وعجزت ~~لا تكشف عورتها لأحد. # ثم الزينة ربما تكشف للمحارم، ولا تكشف للغريب، وهو الرأس والصدر ونحوه، ~~فإذا بلغت في السن مبلغا لا تطمع أن يرغب في نكاحها لا تتزين، ومع ما لا ~~تفعل لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، ولا إلى ساقها، ~~وإنها وإن صلت ورأسها مكشوت فصلاتها فاسدة، وإذا كان كذلك فليس يجوز أن ~~يجعل تأويل وضع الثياب الخمار؛ لما ذكرنا، ولكن الرداء والجلباب الذي يلبس ~~إذا خرجن من منازلهن. # فإن قيل: إنما أطلق لها بهذه الآية أن تضع خمارها عن رأسها؛ إذا لم يرها ~~أحد. # قيل: الشابة -أيضا- يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا خلت في البيت؛ ~~فذلك يدل على أن العجوز أذن لها أن تضع ثوبها وهو الجلباب أو الملاءة التي ~~كانت تغطي بها وجهها إذا خرجت، وإذا كان المطلق لها هذا فالواجب على الشابة ~~ألا تظهر وجهها إذا كانت تشتهى ولا يديها، فإذا كان كذلك كان قوله: (إلا ما ~~ظهر منها)، هو الزينة التي لا يمكن سترها بحال، وهو الكحل، والله أعلم. # PageV07P593 # وقوله: (غير متبرجات بزينة) قال بعضهم: أي: غير مظهرات محاسنهن. # وقال بعضهم: (غير متبرجات) أي: غير متزينات بزينة، والمتبرجة: المتزينة؛ ~~لإظهار الزينة، والزينة: هي الداعية المرغبة إلى النظر إليها وقضاء الشهوة، ~~فكأنه أباح لها وضع الثياب إذا كانت غير متزينة، وإذا كانت متزينة فلا، ~~وأباح لها -أيضا- إذا لم يكن بها محاسن يرغب فيها، وإذا كان بها ذلك لم ~~يبح. # وقوله: (وأن يستعففن خير لهن) يحتمل وجهين: # أحدهما: يحتمل: وإن يستعففن ولا يبدين محاسنهن ms3153 خير لهن من أن يبدين. # والثاني: وأن يستعففن ولا يضعن ثيابهن حتى يكون ذلك علما بين معرفة الحرة ~~من الأمة خير لهن من الوضع؛ كقوله: (يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين) أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين كما تؤذى الإماء، والله ~~أعلم. # وقوله: (والله سميع عليم) كأن قوله: (والله سميع عليم) هاهنا صلة قوله: ~~(ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) وإلا ليس في هذه الآية ما يوصل به. # أو أن يكون جوابا له. # قال القتبي: القواعد من النساء: هن العجزة، واحدها: قاعد، ويقال: إنما ~~قيل لها: قاعد؛ لقعودها من الحيض والولد، ومثلها لا ترجو النكاح، أي: تطمع ~~فيه، ولا أراها سميت قاعدا بالقعود عما ذكر، إلا أنها إذا أسنت عجزت عن ~~التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: قاعد، بلا هاء؛ ليدل بحذف ~~الهاء على أنه قعود كبر، كما قالوا: امرأة حامل بلا هاء؛ ليعرف على أنه حمل ~~حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة علي ظهرها، وقال: والعرب ~~تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الثياب، ولا يكون هذا إلا في الهرمة. # وقال أبو عوسجة: (غير متبرجات بزينة) كل واحد من الحرفين يكون معناه معنى ~~الآخر؛ كقوله: (محصنات غير مسافحات) إذا كن محصنات كن غير مسافحات، وإذا كن ~~غير مسافحات كن محصنات؛ فعلى ذلك قوله: (لا يرجون نكاحا)، إذا كن لا يرجون ~~النكاح كن غير متبرجات - والله أعلم - لأن التزين إنما يكون منهن طمعا في ~~النكاح والناس مع ما لا يرجون النكاح يتزين ويتبرجن، فقال: (فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن) غير مظهرات الزينة. # PageV07P594 # على هذين الوجهين جائز أن يخرج تأويل الآية. # وقوله: (وأن يستعففن) عن ذلك كله (خير لهن)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت ms3154 خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند ~~الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # وقوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج. . .) ~~الآية. # اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الرجل الصحيح كان يتحرج من مؤاكلة الأعمى ~~والأعرج والمريض؛ إشفاقا عليهم ورحمة؛ يقول: إنه لا يبصر طيب الطعام، فلعله ~~يأكل الخبيث وأنا آكل الطيب، ويقول: إن الأعرج لا يستوي جالسا إذا قعد فلا ~~يقدر أن يتناول فيما أتناول أنا، وإن المريض لا يأكل مثل ما يأكل الصحيح. # وكان الرجل لا يأكل من بيت أبيه، ولا من بيت أمه إذا لم يكونا فيه، وكذلك ~~ما ذكر. . . إلي آخره، حتى يكونوا فيه، وكذلك الصديق وهؤلاء، فأنزل الله ~~هذه الآية في رخصة ذلك كله. # وقال بعضهم: إن هؤلاء الزمنى والعميان والعرجى والمرضى وأولي الحاجة منهم ~~يستتبعهم رجال إلى بيوتهم ويستضيفونهم، فإن لم يجدوا لهم طعاما أو شيئا ~~يأكلونه ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدد معهم، فكره ذلك المستتبعون ~~التناول من غير بيوت أولئك بلا دعوة ولا إذن سبق منهم؛ فأنزل الله في ذلك ~~إباحة لهم ورخصة، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه. # وقال بعضهم: إن الأعمى والأعرج والمريض وهؤلاء الذين كانت بهم زمانة ~~كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء؛ مخافة أن يتقذذوا منهم ويستقذروا؛ يقول ~~الأعرج: لا أؤاكل الناس؛ لأني آخذ من المجلس مكان رجلين وأضيق عليهم، وقال ~~الأعمى: إني أفسد عليهم طعامهم، وكذلك المريض منهم يقول مثل ذلك؛ فأنزل ~~الله الرخصة في ذلك # PageV07P595 # ورفع عنهم الجناح في مؤاكلتهم، فيقول: إن الحق عليهم أن يرجوكم؛ لما بكم ~~من الزمانة وأن يدعوا لكم بالرفع عنكم، لا التقذذ والاستقذار عنكم. # وقال بعضهم: إن الرجل الغني كان يدخل على الرجل الفقير والزمن فيدعوه إلى ~~طعامه، فيقول: والله إني لأجنح وأحرج أن آكل من طعامك وأنا غني وأنت فقير؛ ~~فأنزل الله في ذلك: (ولا ms3155 على أنفسكم. . .) إلى آخر الآية. # وقال بعضهم: كان هذا في أهل الجهاد، وأن الرجل كان يخرج إلى الجهاد فيخلف ~~آخر في منزله في حفظ ماله وأهله، والقيام بكفايتهم، فكان يحرج ولا يأكل من ~~ماله شيئا ولا من طعامه لما لم يسبق منه الإذن في ذلك؛ فأنزل الله في ذلك ~~رخصة إباحة التناول من ذلك. # إلى هذا انتهت أقاويل أهل التأويل وتأويلهم. # والأشبه عندنا أن يكون تأويل الآية في غير ما ذهبوا هم إليه، وهو أن يكون ~~قوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) أي: ليس ~~على هؤلاء حرج أن يأكلوا من بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بيوت إخوانهم، أو ~~بيوت أخواتهم، أو بيوت أعمامهم إلى قوله: (أو بيوت خالاتكم)؛ لأنهم إنما ~~يأكلون بالحق؛ لأن من كان به زمانة كان له التناول من أموال من ذكر من ~~الآباء والأمهات والقرابات؛ إذ تفرض لهم النفقة في أموالهم؛ فيكون في ذلك ~~دلالة وجوب النفقة لهم في أموالهم، ويكون (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو ~~بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم ~~مفاتحه أو صديقكم) أي: لا بأس أن تأكلوا من بيوتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو ~~من بيوت صديقكم؛ إذ ليس يباح للرجل التناول من مال نفسه ومن مال صديقه في ~~حال عذر، ولا يباح في حال الصحة والسلامة؛ بل يباح في الأحوال كلها دل أن ~~التأويل الذي ذكرنا أشبه، فيصرف تناول الزمنى في أموال القرابات بحق النفقة ~~والحق، ومن ليس به زمانة في ماله ومال صديقه بحق الملك والصداقة؛ لأن ~~الزمانة ترفع الصداقة من بينهم، وكذلك وجوب النفقة في مال الصديق يرفع ~~الصداقة، ولا يرفع القرابة، ولا تزول صلتها. # ثم اختلف في قوله: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) قال بعضهم: من ~~بيوت أولادكم. # PageV07P596 # وقال بعضهم: من بيوت أزواجهم ونسائهم. # وقال بعضهم: من بيوت أنفسهم، ms3156 وهو ما يجد الرجل في بيته من طعام فإنه لا ~~بأس أن يأكله، وكذلك لا بأس للرجل أن يتناول من بيت زوجته؛ لأنه لم يذكر في ~~الآية الولد وبيت الزوجة على الإشارة والتفسير، فيصرفون تأويل قوله: (أن ~~تأكلوا من بيوتكم) إلى هؤلاء. # وقوله: (أو ما ملكتم مفاتحه) أي: خزائنه؛ يحتمل: العبيد؛ لأن السيد يملك ~~مال عبده. # ويحتمل: الوكيل والخازن أن يأكل من طعامه وأدمه بغير إذن السيد. # ويحتمل قوله: (أو ما ملكتم مفاتحه) السيد نفسه صاحب الخزانة ومالكها. # ثم ذكر الأكل من بيوت من ذكر على التأويل الذي ذكرنا، واستدللنا على ~~إيجاب النفقة لهؤلاء الزمنى في أموال من ذكرنا من القربات يخرج على وجهين: # أحدهما: ذكر البيوت؛ لأنهم إذا كانوا زمنى يستوجبون السكنى -أيضا- مع ~~النفقة، فذكر البيوت لكونهم فيها وسكناهم معهم. # والثاني: ذكر الأكل من بيوتهم، لئلا يفهم من الأكل الأخذ منها؛ لأنه ذكر ~~في آيات الأكل، والمراد المفهوم منه: الأخذ؛ كقوله: (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما)، وقوله: (لا تأكلوا الربا)، مفهوم المراد من الأكل المذكور في هذه ~~الآيات: الأخذ، لا الأكل نفسه، فذكر - هاهنا - الأكل من بيوتهم؛ لئلا يفهم ~~منه الأخذ كما فهم من ذلك. # وعلى تأويل أهل التأويل يستقيم ظاهر ذكر البيوت؛ إذ لا يجعلون ذلك الأكل ~~والتناول منه أكلا وتناولا بحق. # وقوله: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) قال بعضهم: ذكر هذا ~~لأن قوما كانوا لا يأكلون وحدهم، ولا يرون ذلك حسنا في الخلق، ويتحرجون من ~~ذلك حتى يكون معهم غير، فرخص الله - تعالى - لهم ذلك ورفع عنهم الحرج، ~~فقال: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا). # وعلى تأويل من يقول: إنهم استضافوا قوما فلم يجدوا في بيتهم شيئا يأكلون ~~ذهبوا بهم إلى بيوت هؤلاء، فتحرج أولئك الأضياف من الأكل من بيوت من ذكر ~~وأرباب البيوت # PageV07P597 # ليسوا فيها فرخص لهم في ذلك. # وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع الأعمى ومن ms3157 ذكر؛ إشفاقا ~~عليهم وترحما؛ لما لا يبصرون طيب الطعام، ولا يأكلون ما يأكل الصحيح، فرفع ~~عنهم ذلك الحرج، ورخص لهم في ذلك. # وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع هؤلاء تقذذا واستقذارا ~~يرغبهم. في الأكل مع أولئك، وترك التقذذ من ذلك. # ويدل للتأويل الأول ما روي عن أصحاب رسول الله؛ روي عن محمد بن علي قال: ~~كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرى أحدهم أنه أحق ~~بالدنانير والدراهم من أخيه المسلم، قال: وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: " ليأتين على الناس زمان يكون الدينار والدرهم أحب إلى الرجل من أخيه ~~المسلم ". # وعن ابن عمر قال: " لقد رأيتني وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من ~~أخيه المسلم ". # وقوله: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) يحتمل قوله: (فسلموا على ~~أنفسكم) أي: يسلم بعضكم على بعض، فيصير المسلمين أجمع بعضهم لبعض كأنفسهم؛ ~~كقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)، أي: لا يقتل بعضكم بعضا، وقوله: (لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل)، ونحو ذلك من الآيات، فصير بعضهم لبعض كأنفسهم؛ ~~لأنهم كشيء واحد، يتألم بعضهم بألم بعض، ويحزن بعضهم بحزن بعض، ويسر بعضهم ~~بسرور بعض، ونحوه؛ فهم جميعا كشيء واحد، وأنفسهم جميعا كنفس واحدة؛ لذلك ~~جعل سلام بعضهم على بعض في حق السلام واحدا. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن بعضهم إذا سلم على بعض يرد عليه مثله؛ فيصير ~~كأنه هو يسلم على نفسه، وكذلك قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا يقتل أحد ~~آخر فيقتل به؛ فيكون قاتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه لم يقتل به، وكذلك قوله: ~~(لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، أنه إذا أكل مال غيره بغير رضاه ضمنه، ~~فإذا ضمنه فكأنه أكل مال نفسه بالباطل. # ويحتمل أنه أراد به السلام على أنفسهم؛ أي: يسلم كل على نفسه إن لم يكن ~~فيه أحد، وكذلك روي عن ابن عباس قال: أراد المساجد: إذا دخلتها فقل: السلام ~~علينا # PageV07P598 # وعلى عباد الله الصالحين، وعلى ذلك رويت الأخبار: " من دخل بيتا أو مسجدا ~~ليس فيه أحد ms3158 فليقل: السلام علينا من ربنا، والسلام على عباد الله الصالحين ~~"؛ وعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) بترك الإنفاق عليها ~~وغيره، وكذلك قوله: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وجائز أن يريد ~~بالأنفس: أهلهم؛ أي: سلموا على أهليكم، وهو الأولى. # ثم اختلف في السلام: قال بعضهم: السلام: من السلامة؛ أي: عليك السلامة من ~~جميع الآفات والنكبات. # وقال بعضهم: السلام هو اسم من أسماء الله؛ فتأويله: عليك اسم الله الذي ~~لا يضرك معه شيء، ولا يلحقك به أذى، وفي الخبر: " باسم الله الذي لا يضر مع ~~اسمه شيء في الأرض ولا في السماء ". # وقوله: (تحية من عند الله) التحية كأنها الكرامة، كأنه قال: كرامة من ~~الله لكم. # وقوله: (مباركة) المبارك: هو الذي ينال به كل خير وبر. # أو أن تسمي مباركة؛ لما بها ينمو الشيء ويزكو وقوله: (طيبة) أي: يستطيب ~~بها كل أحد. # وقال بعضهم: طيبة: أي: حسنة، فتأويله: ما يستحسن به كل أحد. # وقال بعضهم قوله: (تحية من عند الله) يقول: تحية من أمر الله لكم، مباركة ~~بالأجر، طيبة بالمغفرة، والله أعلم. # وقوله: (كذلك يبين الله) أي: مثل الذين يبين الله (لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون) أي: كي تعقلوا ما لكم وما عليكم، وما لله عليكم، وما لبعضكم على ~~بعض. # وقوله (بيوتكم): ما ذكرنا. # قال بعضهم: المساجد. # وقال بعضهم: البيوت المسكونة؛ كقوله: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم). # PageV07P599 # قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله ~~إن الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد ~~يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد ~~يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ~~(64) # وقوله: (إنما المؤمنون ms3159 الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه)، وقال في آية أخرى: (إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا. . .) الآية، وقال في آية أخرى: (إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا)، هذا - والله أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من ~~حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - والله أعلم - أن ~~الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن ~~يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة وما ذكر، ليس على جعله شرطا للإيمان، ولكن ~~ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، والله أعلم. # ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا ~~بالاستئذان منهم من رسول الله، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ~~ولواذا؛ حيث قال: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا) وقال في آية ~~أخرى: (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر)، ذكر أنهم لا ~~يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر) فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في ~~المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة ~~أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير الله بقوله: (ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر ~~المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال. # وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أولئك للخروج ~~منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأولئك يستأذنونه ~~للخروج لا للعذر؛ كقوله - تعالى -: (إن بيوتنا عورة وما هي بعورة)، ونحوه، ~~وأما المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر. # أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون ~~له # PageV07P600 # عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول الله على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب ~~أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه ms3160 أقاموا معه، ~~والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - والله أعلم - جائز أن يخرج ~~تأويل الآيات التي ذكرنا. # ثم قوله: (وإذا كانوا معه) أي: مع رسول الله (على أمر جامع) اختلف فيه: ~~قال بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد. # وقال بعضهم: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون ~~عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، ~~وأصله: (وإذا كانوا معه على أمر جامع) أي: على أمر طاعة (لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه). # قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال ~~في تلك: (عفا الله عنك لم أذنت لهم. . .) الآية. # وقال هاهنا: (فأذن لمن شئت منهم) أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك ~~بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل. # وقوله: (واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم) الأمر بالاستغفار لهم يخرج ~~مخرج الأمر بالتشفع لهم. # وقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله ~~الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم (63) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم ~~بعضا: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضا إذا دعاه مرة، ~~ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول الله في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال ~~تكونون. # والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضا يقول ~~يا فلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول الله، ويا نبي الله؛ على ما ~~أقررتم أنه مخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصا ~~تعظيما له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض). # وقوله: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا). # PageV07P601 # قال بعضهم: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول الله ~~يذكر مثالبهم ومساوئهم ms3161 وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض. # وقال بعضهم: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من ~~عنده بغير استئذان. # وقوله: (لواذا) أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ~~ويخرجون. # وقوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) يحتمل قوله: (يخالفون عن أمره) ~~أي: يخالفون أمره، وحرف " عن " يكون صلة فيه. # وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: (يخالفون عن أمره): فإن كان على هذا ~~فكأنه قال: (يخالفون عن أمره) أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: (ومن ~~يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. # وقوله: (أن تصيبهم فتنة) يحتمل: الفتنة: الكفر. # ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا، أو يصيبهم العذاب في الآخرة، ~~والله أعلم. # وقوله: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم ~~يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) ليس هاهنا ما ~~يستقيم أن يجعل قوله: (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) صلة له، اللهم ~~إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك. # - أو صلة قوله: (ما هذا إلا بشر مثلكم) أي: أن من له ما في السماوات ~~والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة له إلى الولد أو الشريك. # أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشرا أو ملكا، ~~ليس لأحد القول في ذلك، والله أعلم. # وقوله: (قد يعلم ما أنتم عليه) هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع ~~عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبدا على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيبا ~~وحافظا، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك. # أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو ~~أرسل إليكم رسولا لا على جهل بذلك وغفلة. # PageV07P602 # أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ ~~كقوله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. . .) الآية. فعلى ذلك ~~قوله: (قد يعلم ما أنتم عليه). # وقوله: (ويوم يرجعون إليه ms3162 فينبئهم بما عملوا) أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى ~~يوم # الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم. # قال أبو عوسجة: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: ~~انسرق من الناس، أي فارقهم، وهم لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة. # وقوله: (لواذا): يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى. ويقال: لاذ بي، ~~أي: استتر بي. # وقال القتبي: قوله: (يتسللون منكم لواذا) أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ~~ويخرج، يقال: لاذ فلان، واللواذ: مصدر. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبه نستعين. # * * * # PageV07P603 ### | سورة الفرقان # كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # قوله - عز وجل -: (تبارك): قال أهل التأويل: تبارك من التفاعل، وهو من ~~تعالى؛ لأن البركة هي اسم كل رفعة وفضيلة وشرف، فكان تأويله: تعالى من ~~التعالي والارتفاع. # وقال أهل الأدب: تبارك: هو من البركة، والبركة هي: اسم كل فضل وبر وخير، ~~أي: به نيل كل فضل وشرف وبر. # قال أبو عوسجة: (تبارك) هو تنزيه؛ مثل قولك: تعالى. # وقال الكسائي والقتبي: هو من البركة؛ وهو ما ذكرنا. # وقوله: (نزل الفرقان على عبده): سماه؛ فرقانا؛ قال بعضهم: لأنه يفرق بين ~~الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ وعلى هذا جائز ~~أن يسمى جميع كتب الله التي أنزلها على رسله فرقانا؛ لأنها كانت تفرق بين ~~الحق والباطل، وبين ما يحل وما يحرم، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ ولذلك سمى ~~التوراة: فرقانا بقوله: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان). # وأما القرآن: هو من قرن بعضه إلى بعض؛ يقال: قرنت الشيء إلى الشيء إذا ~~ضممته إليه، قرن يقرن قرنا. # PageV08P003 # وقال بعضهم: سمي القران: فرقانا؛ لأنه أنزل بالتفاريق ms3163 مفرقا، وسائر الكتب ~~أنزلت مجموعة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءا، وهو أقرب وأشبه. # وقوله: (ليكون للعالمين نذيرا): جائز أن يكون قوله: (للعالمين نذيرا)، ~~أي: القرآن الذي أنزله على عبده يكون نذيرا لمن ذكر. # ويحتمل قوله: (ليكون للعالمين نذيرا) أي: ليكون محمد بالقرآن الذي أنزل ~~عليه نذيرا؛ كقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)؛ وكقوله: (وأوحي إلي ~~هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)، أي: من بلغه القرآن من الخلق فرسول الله ~~نذيره. # ثم قوله: (للعالمين) جائز أن يراد به الإنس والجن. # ثم ذكر النذارة فيه ولم يذكر البشارة، فإن كان على هذا فهو حجة لأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن ليس للجن ثواب إذا أسلموا سوى النجاة من العقاب، ~~ولهم عقاب بالإجرام؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر لهم الثواب في الكتاب، ~~وذكر لهم العقاب بالعصيان؛ حيث قال: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم. . .) الآية، جعل ثوابهم نجاتهم من عذاب أليم. # وجائز أن يكون في النذارة بشارة -أيضا- ما كان وما يكون إلى يوم القيامة؛ ~~لأنهم إذا اتقوا مخالفة الله ومعاصيه كانت لهم العاقبة، فلهم بشارة في ذلك ~~ونذارة؛ كقوله: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا). # وقوله: (الذي له ملك السماوات والأرض ... (2) جائز أن يكون قوله: (له ملك ~~السماوات والأرض) وصلة قوله: (تبارك الذي نزل الفرفان)، ووجهه - والله أعلم ~~- أي: تعالى عن أن يكون النذير الذي بعثه فيهم، إنما بعثه لحاجة نفسه لجر ~~منفعة إليه، أو لدفع مضرة عنه على بعث ملوك الأرض من الرسل لحوائج أنفسهم: ~~لجر النفع إليهم، أو لدفع مضرة عنهم، ولكن إنما يبعث النذير والبشير إلى ~~الخلق لمنافع أنفسهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون من له ملك السماوات والأرض أن ~~يبعث النذير والبشير لمنافع نفسه ولحاجته؛ لغناه، وأما ملوك الأرض لا ~~يملكون ذلك؛ فلذلك ما يرسلون ويبعثون من الرسل إنما يبعثون ويرسلون لمنافع ~~أنفسهم وحوائجهم؛ لدفع مضرة أو جر منفعة. # وجائز أن يكون قوله: (تبارك) أي: تعالى عن أن يتخذ ولدا أو شريكا في ms3164 ~~الملك على ما نسبوا إليه من الولد والشريك، فقال: تعالى عن أن يكون له ~~الولد أو الشريك؛ إذ له ملك السماوات والأرض، فالولد في الشاهد إنما يتخذ ~~لإحدى خلال ثلاث؛ وقد ذكرناها. # PageV08P004 # وبعد: فإن الولد في الشاهد إنما يكون من جنس الوالد ومن جوهره، ويكون من ~~أشكاله، وكل ذي شكل وجنس يكون فيه منقصة وآفة؛ وكذلك الشريك إنما يكون من ~~جنسه ومن شكله، وإنما يقع الحاجة إلى الولد إما لعجز أو آفة، فإذا كان الله ~~سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو خالقهما - فأنى يقع له الحاجة إلى الولد ~~والشريك؟! # وقوله: (وخلق كل شيء): فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل ~~شيء، وعلى قولهم أكثر الأشياء لم يخلقها من الحركات والسكون والاجتماع ~~والتفرق وجميع الأعراض؛ لأنهم يقولون: إنها ليست بمخلوقة لله ولا صنع له ~~فيها. # وقوله: (فقدره تقديرا): جائز أن يكون قوله: (فقدره تقديرا) لحكمة أو ~~(فقدره تقديرا) لوحدانية الله وألوهيته، أو (فقدره تقديرا) أي: جعل له حدا ~~لو اجتمع الخلائق على ذلك ما عرفوا قدره ولا حده من صلاح وغيره ما لو لم ~~يقدر ذلك لفسد. # وقوله: (واتخذوا من دونه آلهة ... (3) أي: معبودا. # ثم تسميته إياها -أعني: الأصنام التي عبدوها-: آلهة على ما عندهم وفي ~~زعمهم: أنها آلهة؛ والإله عند العرب المعبود، يسمون كل معبود إلها؛ وكذلك ~~قوله: (فراغ إلى آلهتهم)، عندهم وفي زعمهم، وقول موسى: (وانظر إلى إلهك ~~الذي ظلت عليه عاكفا)، في زعمهم وعندهم أن كل معبود إله، وإلا قد عابهم ~~بتسميتهم الأصنام: آلهة. # ثم بين سفههم وقلة فهمهم في عبادتهم الأصنام وتسميتهم إياها: آلهة؛ حيث ~~قال: (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون)، أي: يتركون عبادة من يعلمون أنه خالق كل ~~شيء، ويعبدون من يعلمون أنهم لا يخلقون وهم يخلقون، ويتركون عبادة من ~~يعلمون أنه يملك النفع والضر لأنفسهم أيضا، وهو قوله: (ولا يملكون لأنفسهم ~~ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) لغيرهم؛ فعلى هذا الظاهر ~~يجيء أن يكونوا هم سموا أنفسهم: آلهة ms3165 لا الأصنام؛ لأنهم يملكون ضرر الأصنام ~~ونفعها، والأصنام لا تملك ذلك لهم ولا لأنفسها. # وقال بعضهم في قوله: (ولا يملكون موتا) أي: الموت الذي كان قبل أن يخلق ~~الناس، كقول الله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا). # وأما قوله: (ولا حياة) يقول: لا يملكون أن يزيدوا في هذا الأجل المؤجل، ~~(ولا نشورا) أي: بعثا بعد الموت. # وقال بعضهم: لا يملكون أن يميتوا حيا قبل أجله، (ولا حياة): ولا يحيون ~~ميتا إذا جاء أجله، (ولا نشورا)، أي: بعثا، على ما ذكرنا، وبالله العصمة. # PageV08P005 # قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان ~~غفورا رحيما (6) وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) # وقوله: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه) يعنون هذا القرآن الذي ~~أنزل على رسوله، وكان يقرؤه عليهم، يقولون: ما هذا إلا إفك -أي: كذب- ~~افتراه من تلقاء نفسه ويخترعه من نفسه. # إن أهل الشرك كانوا يكذبون الأنباء والأخبار من غير أن كانت لهم أسباب ~~التي بها ما يوصل إلى معرفة صدق الأخبار وكذبها، وذلك كانت عادتهم وهمتهم، ~~والأسباب التي يعرف بها صدق الأخبار وكذبها هي الكتب السماوية والرسل التي ~~نطقوا عن وحي السماء، فكفار مكة لم يكن لهم واحد من هذين، فكيف ادعوا على ~~رسول الله اختلاق هذا القرآن واختراعه من نفسه، وأنه مفترى، على غير كون ~~أسباب معرفة الكذب والصدق لهم في الأخبار، مع ما ظهرت لهم آيات رسالته ~~وأعلام صدقه في الأخبار؛ حيث لم يؤخذ عليه كذب قط، ولا رأوه اختلف إلى أحد ~~من أهل الكتاب، ولا كان يحسن أن يخط بيده كتابا، وما ms3166 قرع أسماعهم من أول ~~الأمر إلى أخر الأبد قوله: (فأتوا بسورة من مثله) وقوله: (فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات)، فدل عجزهم وترك تكلفهم ذلك على أنهم عرفوا أنه من عند الله، ~~وأنهم كذبة في قولهم: إنه إفك مفترى. # وقوله: (وأعانه عليه قوم آخرون)، وقالوا: إنه إفك مفترى، وأعانه على ذلك ~~قوم آخرون في افترائه واختراعه، وهم قوم من أهل الكتاب أسلموا، وقد كانوا ~~يجدون في التوراة والإنجيل نعته وصفته، وما كان أنبأهم رسول الله ويخبرهم ~~من الأنباء المتقدمة والأخبار الماضية، فأخبروهم بذلك حين سألهم أولئك ~~المشركون عما يخبرهم رسول الله، وقالوا: إنه كما يقول، وإنه صادق في ذلك ~~كله، وإنا نجد ذلك في كتابنا، فلما سمعوا ذلك من أهل الكتاب ما سمعوا من ~~تصديقهم إياه - عند ذلك قالوا: ((وأعانه عليه قوم آخرون). # ثم أخبر أنهم (فقد جاءوا ظلما وزورا)، أما قوله: (ظلما) لأنهم كذبوه، ~~وقالوا: إنه مفترى من غير أن كان لهم أسباب الكذب والصدق، فهو ظلم؛ حيث ~~وضعوا ذلك في غير موضعه. وأما قوله: (وزورا) لأنهم قالوا: إنه مختلق، وإنه ~~سحر، وإنه (إنما يعلمه # PageV08P006 # بشر)، وإنه (وأعانه عليه قوم آخرون)، وإنه (أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قد ظهر كذبهم بهذا فيما بينهم؛ لأنهم متى رأوه ~~اختلف إلى واحد منهم يعلمه ذلك؟! أو متى رأوه كتب شيئا قط أو يحسن الكتابة ~~قط؟! وقولهم: (أساطير الأولين)؟! # فإذا عرف تلك الأنباء والأحاديث التي كانت من قبل -ولا شك أنها لم تكن ~~بلسانه، وإنما كانت بلسان أولئك- دل إخباره عما في كتبهم بلسانه أنما عرف ~~ذلك بالله تعالى. # وقوله: (فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) وقال أهل التأويل: غدوا وعشيا، فلو ~~كان على ذلك لكان يحضرونه في البكرة والعشي، فيسمعون ويشاهدون ما يملى ~~عليه؛ إذ الوقت وقت الحضور، ولكن -عندنا- كأنهم أرادوا بالبكرة والعشي: أول ~~الليل وآخره، الأوقات التي هي ليست بأوقات الحضور والجلوس، يقولون: يأتونه ~~سرا فتملى عليه ويعلمه، فلو كان ذلك أيضا لكانوا يراقبونه ويحافظونه سرا؛ ~~ليعرفوا ذلك ويشاهدوه، فإذا لم ms3167 يفعلوا ذلك دل أنهم كانوا يعرفون صدقه، ~~وأنهم كذبة في زعمهم، لكنهم كابروه وعاندوه في ذلك. # ثم أخبر أنه إنما أنزل عليه الذي يعلم السر في السماوات والأرض؛ حيث قال: ~~(قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) ليس ~~بمختلق منه ولا مفترى، ثم قوله: (يعلم السر في السماوات والأرض) أي: يعلم ~~الأعمال الخفية والسرية من أهل السماوات والأرض، أي: يعلم الكوائن التي في ~~السماوات والأرض وخفياتها. # وقال بعضهم: قوله: (قل أنزله الذي يعلم السر) أي: قل لهم يا محمد: أنزله ~~- أي: هذا القرآن - الذي يعلم السر؛ وذلك أنهم قالوا بمكة سرا: (ما هذا إلا ~~بشر مثلكم)، فإنه بشر مثلكم، بل هو ساحر (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون)، ففي ~~ذلك دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم قالوا سرا فيما بينهم ثم أخبرهم بذلك، دل ~~أنه بالله عرف ذلك. # وقوله: (إنه كان غفورا رحيما) في تأخير العذاب عنهم، (رحيما) حين لا يعجل ~~عليهم بالعقوبة إذا تابوا ورجعوا عن التكذيب إلى التصديق على ما ذكرنا. ~~وقوله: (إنه كان غفورا رحيما) في تأخير العذاب، يحتمل قوله: (غفورا رحيما) ~~إذا تابوا عن ذلك وآمنوا به ورجعوا إلى الحق، أو غفور رحيم لا يعجل ~~بالعقوبة أي: برحمته وفضله لا يعجل بعقوبتهم؛ لعلهم يتوبون. # PageV08P007 # وقال القتبي: " تبارك " مشتق من البركة، وكذلك قال الكسائي، وقد ذكرنا ~~ذلك. # وقال أبو عوسجة: تنزيه، مثل قولك: " تعالى "، على ما ذكرنا، وقال: ~~الفرقان هو الحق؛ فرق بين الحق والباطل، والقرآن: هو من قرن بعض إلى بعض، ~~والزبور: هو اسم كتاب، والزبر: جميع، وزبرت: كتبت، والزبر: قطع الحديد، ~~كقوله: ((آتوني زبر الحديد)، الواحد: زبرة، والتوراة: اسم كتاب لا أظنه ~~بالعربية. # قال أبو معاذ: الأساطير: الأحاديث، واحدها: أسطورة، كأرجوزة وأراجيز، ~~وأحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب. # وفي حرف حفصة: (فهي تمل عليه)، وهما لغتان، وفي سورة البقرة: (أن يمل هو ~~فليملل وليه بالعدل). # وقوله: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل ~~إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) كان الكفرة يطعنون رسول ms3168 الله بشيئين: # أحدهما: أنه من البشر؛ بقولهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم)، و (إن أنتم إلا ~~بشر مثلنا)، كانوا لا يرون أن يكون من البشر رسول كقوله: (لولا أنزل إليه ~~ملك) الآية، وقو لهم: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)، ونحو ذلك. # والثاني: كانوا يطعنون بالفقر والحاجة وصفارة اليد؛ حيث قالوا: (أو يلقى ~~إليه كنز أو تكون له جنة)، وحيث قالوا: (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) ~~كأنهم ينكرون الرسالة في الفقراء وذوي الحاجة، ويرونها في ذوي الملك ~~والأموال؛ ولذلك قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، ~~فعلى ذلك قولهم: (يأكل الطعام) كما يأكل الفقراء، (ويمشي في الأسواق) وفي ~~حوائجه كما يمشي الفقراء، ولو كان رسولا لكان ملكا غنيا يأكل طعام الملوك، ~~لا يقع له الحاجة إلى أن يمشي في الأسواق في حوائجه. # فأجاب لهم في طعنهم فيه أنه بشر مثلهم، وإنكارهم الرسالة في البشر بوجوه: # أحدها: قول: (لولا أنزل إليه ملك)، قال: (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) ~~الآية، معناه - والله أعلم -: أنه لا ينزل الملك إلا بالعذاب، فلو أنزل ~~لأنزل بالعذاب فأهلكوا. # والثاني: ما قال: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)، تأويله - والله أعلم ~~-: أنه لم يجعل في وسع البشر رؤية الملك على صورته وعلى ما هو عليه؛ إذ جنس ~~هذا غير جنس أولئك، وجوهرهم غير جوهر أولئك، ولو جعلناه هكذا كنا لبسنا ما ~~كان # PageV08P008 # يلبس أولئك القادة على الأتباع؛ كقولهم: إنه ساحر وإنه كذاب وإنه مجنون؛ ~~فكان في ذلك تلبيس عليهم. # والثالث: ما قال: (قل لو كان في الأرض ملائكة. . .) الآية، أي: لو كان ~~أهل الأرض ملائكة لكنا أنزلنا عليهم الرسول ملكا من جنسهم وجوهرهم؛ لأنهم ~~أعرف به وأظهر صدقا عندهم ممن هو من غير جوهرهم وجنسهم، فإذا كان أهل الأرض ~~بشرا فالرسول إذا كان منهم، فهم أعرف به وصدقه أظهر عندهم، وقلوبهم إليه ~~أميل لا إلى من هو من غير جنسهم. # وأجاب لطعنهم في أكله ومشيه في الأسواق حيث قال: (وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين ms3169 إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)، في حوائجهم، أي: ~~غيره من الرسل الذين تؤمنون أنتم بهم كانوا فقراء، يأكلون الطعام ويمشون في ~~حوائج أنفسهم، ثم لم يمنع ذلك عن أن يكونوا موضعا لرسالته؛ فعلى ذلك محمد، ~~والفقير وذو الحاجة أحق أن يكون موضعا لرسالته من الغني الثري؛ لأن الناس ~~يتبعون الغني ومن له الملك والثروة، فلو كان الرسول غنيا مثريا لكان لا ~~يظهر متبع الحق من غيره، وإذا كان فقيرا محتاجا لظهر ذلك، اللهم إلا أن ~~يكون ملكا هو آية الرسالة نحو ملك سليمان وداود، وذلك لنفسه آية لرسالته ~~على ما قال: (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي)، والله أعلم. # وقوله: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا): كأنهم قالوا ذلك لما نزل ~~قوله: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)، قالوا عند ~~ذلك: (لولا أنزل إليه ملك)، وقالوا: (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها (8) عند سماع قوله: (الذي له ملك السماوات والأرض)، أي: قالوا: لو كان ~~محمد رسول الله من له ملك السماوات والأرض ونذيرا للعالمين على ما يقول، ~~لكان أنزل معه ملك نذيرا، ولكان أعطي هو كنزا أي: مالا أو تكون له جنة يأكل ~~منها على ما يكون لرسل ملوك الأرض. # لكن الجواب لهم ما ذكرة (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري ~~من تحتها الأنهار. . .) الآية، أي: لو شاء أعطاك خيرا مما يقولون من ~~البنيان والقصور على ما أعطى غيرك، لكن ليس فيما يمنع منقصة لك، ولا فيما ~~أعطاهم فضيلة. # وقوله: (وقال الظالمون إن تتبعون) أي: ما تتبعون، (إلا رجلا مسحورا): لا ~~تزال عادتهم بنسبة الرسول إلى السحر والجنون والكذب. # وقوله: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) فتأويله ~~- والله أعلم - أي: انظر إلى # PageV08P009 # سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال، وشبهوك بها؛ نسبوك مرة إلى السحر وقالوا: ~~إنك ساحر، ومرة إلى الجنون وقالوا: إنك مجنون، ومرة إلى الشعر وقالوا: إنك ~~شاعر، ومرة ms3170 إلى الكذب حيث قالوا: بل هو كذاب أشر، ونحو هذا مما كانوا ~~ينسبونه إليه، فيقول - والله أعلم -: انظر إلى سفههم أن كيف ضربوا لك ~~الأمثال ونسبوك إلى ما ذكروا، على علم منهم أنك لست كذلك ولا على ذلك، وأنك ~~على الحق وهم على باطل وكذب. # أو أن يكون قوله: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) وما قالوا: (لولا أنزل ~~إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) ~~وأمثال ما سألوا، فيقولون: لو كان ما يقول إنه رسول، لكان ذلك له أعلام ~~الرسالة وأمارات صدقه، فيخبر أن الأعلام والآيات ليست تأتي على شهوات سؤال ~~المعاندين وأمانيهم، ولكن إنما تجيء على ما توجبه الحكمة، مما يدل على صدق ~~ما ادعى ويظهر كذب من عاند وتولى، وقد أتاهم محمد صلوات الله عليه وسلامه ~~بحجج وبراهين ما أظهر لهم صدق ما ادعى من الرسالة والنبوة، لكنهم عاندوها ~~وكابروا، فلم يقروا بها خوفا أن يذهب عنهم رياستهم. # وقوله: (فضلوا) لا شك أنهم قد ضلوا عن الهدى، أي: عدلوا بضربهم الأمثال ~~له، ونسبتهم إياه إلى ما نسبوه إليه؛ فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى أو إلى ~~ما سألوا من الأشياء. # وفي حرف حفصة: (فلا يهتدون سبيلا). # وقال بعضهم: فلا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها لك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ويجعل لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا ~~منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا (14) # وقوله: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) قد ذكرنا أنه خرج جواب ما ~~سألوه من الأشياء: من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه، أي: لو ~~شاء لأعطاك # PageV08P010 # خيرا من ذلك. # ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم ~~بالساعة؛ حيث قال: ms3171 (بل كذبوا بالساعة ... (11) هو حيث لم يروا لأمورهم ~~عاقبة ينتهون إليها؛ يثابون عليها أو يعاقبون. # ثم أخبر ما أعد لهم بتكذيبهم الساعة فقال: (وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا). # ثم وصف ذلك السعير فقال: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ~~(12) # وقوله: (رأتهم من مكان بعيد): يحتمل وجهين: أحدهما: يجعل لها أسبابا ~~تراهم كما يرونها. والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم. # وقوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) قيل: ~~إن النار ترفع ويعلو لهبها، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها، ويرد من كان ~~في أسفلها إلى أعلاها، فيجمعهم جميعا فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب، ~~كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد. # وقوله: (مقرنين): قال بعضهم: مقيدين بعضهم ببعض. # ثم قال بعضهم: الشيطان يقرن، ويقتد كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه ~~واتبعه؛ كقوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا. . .) الآية. # وقال بعضهم: يقرن العابد والمعبود من دون الله، وهو الأصنام التي عبدوها؛ ~~كقوله: (احشروا الذين ظلموا. . .) الآية. # وقوله: (دعوا هنالك ثبورا) أي: هلاكا، والثبور: الهلاك؛ كقوله: (وإني ~~لأظنك يا فرعون مثبورا) أي: هالكا. # والثبور والويل: هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة، فقال: ~~(لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) أي: لا تدعوا هلاكا ~~واحدا؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانيا، وأما في النار فإن ~~لأهلها هلكات لا تحصى؛ كقوله: (ويأتيه الموت من كل مكان) أي: أسباب الموت ~~تأتيهم من كل مكان وما هو بميت؛ وكقوله: (كلما نضجت جلودهم. . .) الآية. # وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب؛ ~~وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت. # PageV08P011 # قوله تعالى: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ~~ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (16) # وقوله: (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون): يشبه أن يكون قال ms3172 ~~هذا لقولهم: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو ~~تكون له جنة يأكل منها، فيقول: أذلك الذي سألتموه أنتم خير أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون؟! أو يكون قال ذلك لهم لما رأوا لأنفسهم الفضل والمنزلة ~~في الدنيا؛ لما وسع عليهم الدنيا وأعطوا من حطامها، فقال: أذلك الذي أعطيتم ~~في الدنيا من السعة خير، أم جنة الخلد التي أعطي المتقون؟! والله أعلم. ~~وقوله: (لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (16) يحتمل ~~قوله: (وعدا مسئولا) مما سألته لهم الملائكة؛ كقوله: (ربنا وأدخلهم جنات ~~عدن التي وعدتهم. . .) الآية، وسؤال الرسل؛ كقوله: (ربنا وآتنا ما وعدتنا ~~على رسلك. .) الآية، أو وعدا مسئولا مما سألوا ربهم، فوعد لهم ذلك؛ فهذا ~~يدل أنهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع، لا أنهم يستوجبون ~~ذلك بأعمالهم. # وقال بعضهم في قوله: (وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين): في السلاسل ~~وذلك أنهم إذا ألقوا فيها تضايق عليهم كتضايق الزج في الرمح، فالأسفلون ~~يرفعهم اللهب، والأعلون يخفضهم اللهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة ~~فضايق عليهم، فعند ذلك يدعون بالثبور؛ يقولون: يا ثبوراه ويا ويلاه. # وروي مثله عن عبد الله بن عمر، وكان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق ~~الزج في الرمح. # وقوله: (دعوا هنالك ثبورا) يقول: ويلا وهلاكا، قال الله تعالى: (لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا): ثم قيل: (أذلك خير) يعني: الذي ~~ذكر، (أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء) لأعمالهم، (ومصيرا) هو ~~أي: منزلا. # قال أبو عوسجة: التغيظ: من الغيظ، والزفير: الشهيق يكون في الحلق، وشهق ~~يشهق شهيقا وشهقا، وهو نفس في الحلق شديد له صوت. # وقال: (ثبورا) أي: إهلاكا، وصرفه: ثبر يثبر ثبرا وثبورا، فهو ثبور. # PageV08P012 # وقال القتبي: (تغيظا وزفيرا)، أي: تغيظا عليهم؛ كذلك قال المفسرون. # وقال بعضهم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم واعتبروا ذلك بقول ~~الله تعالى: (لهم فيها زفير وشهيق)، واعتبره الأولون بقوله: (تكاد تميز من ~~الغيظ) هذا أشبه التفسيرين ms3173 إن شاء الله؛ لأنه قال: (سمعوا لها)، ولم يقل: ~~سمعوا فيها، ولا منها. وقال: (ثبورا) أي: بالهلكة؛ كما يقول القائل: ~~واهلاكاه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ ~~من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ~~(18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # وقوله: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي ~~هؤلاء أم هم ضلوا السبيل) اختلف فيه: # قال بعضهم: نحشر أولئك الذين عبدوا دون الله والمعبودين وهم الملائكة؛ ~~لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة؛ كقوله في آية أخرى: (ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم. . .) الآية. # وقال بعضهم: هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه؛ لأنه قد عبد دون الله ~~فيقول له ما ذكر؛ كقوله: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس. . ~~.) الآية. # وقال بعضهم: يحشر الأصنام ومن عبدها، ثم يأذن لها في الكلام فيقول: ~~(أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل)؛ كقوله: (ويوم نحشرهم جميعا ~~ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم) إلى قوله: (إن ~~كنا عن عبادتكم لغافلين)، ولو كان عيسى - عليه السلام - أو الملائكة لكانوا ~~عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون ~~الله وإياها يسألون. # وكل ذلك محتمل؛ إذ قد كان منهم ذلك كله، والله أعلم. # وقوله: (فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل): والله - عز ~~وجل - # PageV08P013 # كان عالما لما كان منهم، لكن السؤال إياهم - والله أعلم - يخرج مخرج ~~توبيخ أولئك الكفرة وتعييرهم؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون الله، ويقولون: ~~هم أمروهم بذلك، وكانوا ms3174 مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون، ~~فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق؛ لذلك سألهم، والله أعلم بالكائن منهم من ~~أنفسهم، لكنه يخرج على ما ذكرنا. # ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو ~~شيء مما نسبه أولئك إليهم، وهو أعلم بهم فقالوا: (سبحانك ما كان ينبغي لنا ~~أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا (18) قال أهل التأويل: (أولياء) أي: أربابا، وهم لم يتخذوا أربابا من ~~دونه، لكنه عندنا يخرج على وجهين: # أحدهما: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون. # الثاني: أو أن يكون: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك. # وفي بعض القراءات: (أن نتخذ من دونك أولياء) برفع النون، لكن أهل الأدب ~~يقولون: هو خطأ. # وقوله: (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر): هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا، حتى ماتوا على ذلك من ~~غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم، ومما أوعدهم الرسل من العذاب ~~والهلاك على ما اختاروا من الدين وصنيعهم، فظنوا أنهم على حق من ذلك؛ حيث ~~لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء؛ فعلى ~~هذا التأويل الذكر: الذي نسوه هو كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم، والله أعلم. # فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم. # ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة، والقادة من هؤلاء الكفرة متعوا في هذه ~~الدنيا بأحوال ورياسة، ووسع عليهم المعيشة، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما ~~هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه، فأجيبوا بالأموال عندهم، فنسوا ~~ما في القرآن من الوعيد. # (وكانوا قوما بورا) والبور: قال بعضهم: الهلاك. # وقال بعضهم: البور: الفساد. # وقوله: (فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا (19) أي: فقد كذبكم أولئك، (بما تقولون): أنهم أمرونا ~~بذلك، وكانوا عندهم صدقة. # PageV08P014 # وقوله: (فما ms3175 تستطيعون صرفا ولا نصرا): هذا يحتمل وجوها: # أحدها: أي: ما يستطيع أولئك الكفرة صرف قول من عبدوهم وتكذيبهم حين ~~كذبوهم في قولهم. # (ولا نصرا) أي: ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم؛ وعلى ذلك يخرج ~~قراءة من قرأه بالتاء: (فما تستطيعون صرفا ولا نصرا). # والثاني: يحتمل: (فما يستطعون) أولئك المعبودون صرف عذاب الله ونقمته ~~عنكم، ولا كانوا لهم نصراء؛ لأنهم قالوا: (هؤلآء شفعاؤنا عند الله)، و (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). # والثالث: (فما تستطيعون صرفا) أي: فداء، (ولا نصرا) أي: لا يقبل منهم ~~الفداء، ولا كان لهم ناصر ينصرهم في دفع العذاب عنهم؛ كقوله: (ولا يقبل ~~منها عدل ولا تنفعها شفاعة). # وقال القتبي وأبو عوسجة: قال بعضهم: الصرف: النافلة، سميت صرفا لأنها ~~زيادة على الواجب، والعدل: الفريضة. وقد روي في الخبر: " من طلب صرف الحديث ~~ليبتغي به إقبال وجوه الناس، لم يرح رائحة الجنة " أي: من طلب تحسينه ~~بالزيادة فيه. # وقال بعضهم: الصرف: الدية، والعدل: رجل مثله؛ كأنه يريد: لا يقبل منه أن ~~يفتدي برجل مثله وعدله، ولا يصرف عن نفسه بديته، ومنه قيل: صارفي، وصرف ~~الدرهم بالدنانير؛ لأنك تصرف هذا إلى هذا، وأصله ما ذكرنا. # قال القتبي وأبو عبيدة: (قوما بورا)، أي: هلكى، وهو من بار يبور؛ إذا هلك ~~وبطل؛ يقال: بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم؛ إذا لم يرغب فيها، وفي ~~الخبر: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من بوار الأيم ". # قال أبو عبيدة: يقال: رجل بور وقوم بور لا يثنى ولا يجمع. # PageV08P015 # وقال أبو عوسجة: (قوما بورا): لا خير فيهم، ورجل بائر؛ وكذلك قال ابن ~~زيد: بورا أي: ليس فيهم من الخير شيء. # وقال قتادة: بورا: فاسدين، بلغة أهل عمان، وقال: " ما نسي قوم ذكر الله ~~قط إلا باروا وفسدوا ". # وقوله: (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا): أما على قول بعض الخوارج: كل ~~ظلم ارتكبه فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم. # وعلى قول المعتزلة: كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد. # وأما على قول ms3176 المسلمين: فذلك الوعيد لمرتكبي الظلم: ظلم كفر وشرك، وأما ~~ما دون ذلك فهو في مشيئة الله: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. # وقوله: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) قد ذكرنا فيما ~~تقدم أن هذا إنما أخرج جوابا لقول أولئك: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق)، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا يأكلون ~~الطعام، ويمشون في الأسواق على ما يأكل هو ويمشي. # ثم من الناس من كره الركوب في الأسواق بهذا، وقال: إنه أخبر عن الأنبياء ~~والرسل جملة أنهم كانوا يمشون في الأسواق، لم يذكر منهم الركوب؛ فدل ذلك ~~منهم أنه مكروه منهي عنه؛ فيشبه أن يكون ما قال هؤلاء، وأنه يكون مكروها؛ ~~لأنه يخرج الركوب في الأسواق مخرج التعزز والمباهاة؛ فالواجب على كل مسلم ~~أن يكون تعززه بالإسلام وبدينه الذي اختاره الله تعالى، وخاصة على العلماء ~~يجب أن يكون تعززهم ومباهاتهم بالعلم الذي أعطاه الله لهم وأكرمهم؛ فإنه عز ~~لا يعقبه ذلا: ولا يورثه صغارا ولا قهرا، وأما كل عز كان سوى ما ذكرنا فهو ~~إلى ذل ما يصير سريعا، كأنه ليس بعز في الحقيقة، ولو تأصل، والله أعلم. # وقوله: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة): الفتنة كأنها هي المحنة التي فيها شدة ~~وبلاء. # ثم قال أهل التأويل: إنه لما أسلم عبد الله وأبو ذر وعمار وبلال وصهيب ~~وأمثال هؤلاء، قال الفراعنة من قريش نحو أبي جهل والوليد وأمثالهما: انظروا ~~إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا، اتبعوه من موالينا وأعرابنا رذالة كل قوم، ~~فازدروهم وآذوهم واستهزءوا # PageV08P016 # بهم؛ فأنزل الله هذه الآية لهؤلاء الفقراء الذين اتبعوا رسول الله؛ ~~ليصبرهم على أذاهم فقال: (فتنة أتصبرون) أي: اصبروا على الأمر؛ هذا محتمل. # وقال الحسن: قوله تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) جعل أهل البلوى فتنة ~~لغيرهم وغير أهل البلوى؛ يقول الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ~~ويقول الفقير؛ لو شاء الله لجعلني غنيا مثل ms3177 فلان؛ وكذلك يقول السقيم: لو ~~شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان، لكنه أعطى لأهل البلوى البلوى وأمرهم ~~بالصبر عليها، وأعطى لأهل النعمة النعمة وأمرهم بالشكر عليها ". # وجائز أن يكون غير هذا، وهو قريب من هذا، وذلك أنه أعطى بعضا النعمة ~~والسعة، وجعل بعضهم أهل ضيق وشدة، ثم جعل كل فريق محتاجا إلى الفريق الآخر؛ ~~جعل الغني والمثري محتاجا إلى الفقير في بعض أموره، والفقير محتاجا إلى ~~الغني لغناه، وجعل لبعض على بعض مؤنة ما لولا فقر الفقير لا يعرف الغني قدر ~~غناه، ولا الفقير قدر فقره، ولا قام بعض بكفاية مؤنة بعض، ثم أمر كلا ~~بالصبر على تحمل مؤنة الآخر بقوله: (أتصبرون) أي: اصبروا على الأمر يخرج، ~~وإن كان ظاهره استفهاما وسؤالا، والله أعلم. # وقوله: (وكان ربك بصيرا) أي: على بصر وعلم؛ جعل بعضا فتنة لبعض ليس على ~~سهو وغفلة. # * * * # قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو ~~نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة ~~لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ~~(24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق ~~للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ~~(28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) # وقوله: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا): قال أهل التأويل: (لا يرجون) أي: ~~لا يخافون ولا يخشون لقاءنا، أي: البعث بعد الموت. # PageV08P017 # وقال أهل الكلام: الرجاء: هو الرجاء لا الخوف، لكن جائز أن يكون في ~~الرجاء خوف، وفي الخوف رجاء؛ لأن الرجاء الذي لا خوف فيه هو أمن، والخوف ~~الذي لا رجاء فيه إياس، فكلاهما مذمومان: الإياس والأمن جميعا. # وقوله: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا): جائز أن يكون قولهم: ~~لولا أنزل علينا الملائكة رسلا دون أن ms3178 أنزل البشر رسلا إلينا؛ لإنكارهم ~~البشر رسولا؛ كقولهم: (ما هذا إلا بشر مثلكم). # ويحتمل قولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة): بالوحي والرسالة لنا دونك، ~~ونحن الرؤساء والملوك والقادة دونك؛ يقولون: لو كان ما تقول حقا وصدقا أنك ~~رسول، وأنه ينزل عليك الوحي والملك فنحن أولى بالرسالة منك؛ إذ نحن الملوك ~~والرؤساء؛ كقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وأمثال ~~هذه الأفكار. # ثم الرسالة لمن هو دونهم في الدنياوية. # أو أن يكون ذلك؛ كقولهم: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو ~~يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) أي: رسول أو نرى ربنا عيانا ~~ونكلمه ونسأله عن ذلك، والله أعلم. # وقوله: (لقد استكبروا في أنفسهم): الاستكبار: هو ألا يرى غيره مثلا له، ~~ولا عدلا ولا شكلا في نفسه وأمره، فإن كان هذا فهو ما لم يروا رسول الله ~~أهلا للرسالة وموضعا لها؛ لفقر ذات يده وحاجته، ورأوا أنفسهم أهلا لها، ~~فاستكبارهم هو ما لم يروا غيرهم مثلا ولا شكلا لأنفسهم؛ فاستكبروا ولم ~~يخضعوا لرسول الله، ولم يطيعوه، ولم يتبعوه أنفا منه، بعد علمهم أنه محق في ~~ذلك وأنه رسول إليهم. # وقوله: (وعتوا عتوا كبيرا): قال بعضهم: العتو: هو الجرأة، وهو أشد من ~~الاستكبار. # وقال بعضهم: العتو: هو الغلو في القول غلوا شديدا. # وقال بعضهم: هو من التكبر. # وقوله: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ~~(22) قال الحسن: حجرا محجورا: كلمة من كلام العرب؛ إذا كره أحدهم الشيء ~~قال: حجرا حرام هذا، فإذا رأوا الملائكة كرهتهم، وقال: حجرا محجورا، فعلى ~~هذا القول الكفرة هم يقولون: # PageV08P018 # حجرا محجورا؛ إذا رأوا الملائكة وما معهم من المواعيد. # قال بعضهم: إن الملائكة يتلقون المؤمنين بالبشرى على أبواب الجنة، ~~ويقولون للكفرة: لا بشرى لكم، ويقولون: حجرا محجورا، أي: تقول الملائكة: ~~حرام البشرى للمجرمين، أو حرام عليهم الجنة أن يدخلوها، والحجر على هذا ~~القول هو الحرام. # وقال بعضهم: الحجر هاهنا هو المنع والحظر، يقولون: إنهم يمنعون ويحظرون ~~عما طمعوا وقصدوا ms3179 بعبادتهم الملائكة والأصنام التي عبدوها، حيث قالوا: ~~(هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، و (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ~~فيقول: يمنع عنهم ما قصدوا وطمعوا بعبادتهم. # أو يكون المنع: ثواب الخيرات التي عملوها في هذه الدنيا من صلة الأرحام ~~والصدقات ونحوها، مما هي في الظاهر خيرات منعوا ثوابها في الآخرة؛ كقوله: ~~(ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا)، وقوله: (ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى)، ونحو ذلك كله، والله أعلم. # وقوله: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) هو ما ~~ذكرنا من الأعمال عملوها في هذه الدنيا رجاء أن يصلوا إليها في الآخرة، ~~فجعلناها هباء منثورا. # قال أهل التأويل: (وقدمنا) أي: عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا من عمل. # لكن عندنا: جعلنا أعمالهم تلك في الأصل هباء منثورا. # وقال بعضهم: منبثا وهو رهج الدواب. # وقال بعضهم: الهباء المنثور: هو غبار الثياب. # وقال بعضهم: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى: الذر. # وقال بعضهم قوله: (حجرا محجورا) أي: عوذا معاذا، يقول: المجرمون يستعيذون ~~من الملائكة. # PageV08P019 # قال أبو عوسجة: (وعتوا عتوا كبيرا): هو من التكبر، ويقال: من الخلاف: عتا ~~عتيا؛ إذا خالف، يقال في الكلام: لا تعت علي، أي: لا تخالفني. # وقال بعضهم: هو من الشدة واليبس؛ كقوله: (وقد بلغت من الكبر عتيا) أي: ~~يابسا. # وقال: (حجرا محجورا) أي؛ حراما محرما، وحجرت عليه ماله، أي: منعته من ~~ماله أحجر حجرا. ويقال: حجرت عينه، أي: لطخت أجفانها بشيء من الدواء. # وقوله: (هباء منثورا) أي: لا شيء، والهباء: هباء النار، أي: رمادا يكون ~~على أعلى النار إذا خمدت ويقال: هبت النار تهبو هبوا إذا خمدت والجمرة على ~~حالها، إلا أنه قد غطاه ذلك الهباء، وكل شيء ليس لشيء فهو هباء، وتقول: هذا ~~هباء، أي: لا شيء، ومنثور: قد نثر. # وقوله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) وصف عز وجل أعمال ~~الكفرة مرة بالهباء المنثور، ومرة بالرماد، ومرة بالسراب، ومرة بالتراب ~~الذي يكون على الصفوان، وهو الحجر ms3180 الأملس إذا أصابه الوابل. ووصف أعمال ~~المؤمنين بالثبات والقرار ونحوه. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: " لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل ~~أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة ثم قرأ: (أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا وأحسن مقيلا). وكذلك ذكر في حرفه في سورة الصافات: (ثم إن مرجعهم ~~لإلى الجحيم) قرأ هو: (إن مقيلهم لإلى الجحيم) أي: إلى الجحيم. # ويشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها) أي: لنا أموال وجنات، وليس له من ذلك شيء، فقال جوابا لهم: (أصحاب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا). # وقوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) وصف السماء ~~لهول ذلك اليوم بأوصاف وذكر لها أحوالا، فقال في آية أخرى: (وإذا السماء ~~كشطت)، و (إذا السماء انشقت)، و (إذا السماء انفطرت)، وقال: (يوم نطوي ~~السماء)، و (يوم تبدل الأرض)، ونحو ذلك، وذلك في اختلاف الأوقات، يكون في ~~كل وقت على الحال التي وصف؛ وكذلك ما # PageV08P020 # وصف مرة بالهباء المنثور، ومرة كالعهن المنفوش، ومرة كثيبا مهيلا، ومرة ~~قال: (وترى الجبال تحسبها جامدة) الآية، ونحوه من الأوصاف التي وصفها، وذلك ~~في أوقات مختلفة، تكون في كل وقت على حال ووصف الذي وصف؛ فعلى ذلك السماء ~~لشدة هول ذلك اليوم وفزعه. # وقوله: (تشقق السماء بالغمام) أي: تنشق عن الغمام فتبقى بلا غمام؛ كقوله: ~~(وإذا السماء كشطت). # وجائز أن يكون قوله: (تشقق السماء بالغمام) أي: يبقى الغمام فوق رءوس ~~الخلائق يظلهم، وهذا يدل أن قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام) إنما معناه: بظلل من الغمام؛ فإن كان على هذا فيرتفع الاشتباه، ~~والله أعلم. # وقوله: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ~~يحتمل إضافة ملك ذلك اليوم إليه، وإن كان الملك له في جميع الأيام في ~~الدنيا والآخرة - وجوها: # أحدها: لما أن ملك الآحنرة ملك دائم باق بلا فناء له، وملك الدنيا جعله ~~فانيا لا دوام ولا بقاء له. # والثاني: لما ms3181 يقر له جميع الخلائق بالملك له في ذلك اليوم، وإن لم يقر له ~~البعض بملك الدنيا. # والثالث: لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وإن كان له منازع في ~~الدنيا. # أو أن يكون المقصود بخلق هذا العالم في ذلك اليوم يظهر للخلق، ويومئذ ~~يعلم كل أن خلقهم في الدنيا لذلك اليوم كان، لا للدنيا خاصة. # وقوله: (للرحمن): ذكر هنا الرحمن، وقال في آية أخرى: (لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار)؛ لتعلم العرب أن الرحمن المذكور في هذه الآية هو الله ~~الذي لا إله إلا هو ذكر في تلك الآية؛ لأن العرب تسمي وتعرف كل معبود: ~~إلها، ولا تعرف الرحمن معبودا ولا تسميه الرحمن، فعرفهم أن الله والرحمن ~~اللذين ذكرهما واحد. # وقوله: (وكان يوما على الكافرين عسيرا): ظاهر لا شك فيه فكذلك يكون. # وقوله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ~~(27) قال بعض أهل التأويل: نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط؛ كان يؤاخي رسول ~~الله ويواده، وكان رسول الله يجيبه إذا دعاه إلى طعامه، فدعا يوما رسول ~~الله إلى طعامه # PageV08P021 # فقال: " لا حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله "، فشهد بذلك ~~فطعم من طعامه، فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه فقال: صبوت يا عقبة أصدقت، محمدا ~~وأجبته إلى ما دعاك؟!! فعيره على ذلك حتى رجع عقبة عن ذلك، وارتد عن دينه، ~~وفي الحديث طول؛ فنزلت الآية في شأنه وصنيعه وندامته وحسرته على ما فعل، ~~فقال: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. . ~~.) إلى آخر ما ذكر. # وذكر أن عقبة وأبي بن خلف قتلا: أحدهما يوم بدر، والآخر يوم أحد، ولكن ~~الآية في كل ظالم وكل كافر يكون على ما ذكر. # ثبم يحتمل قوله: (يعض الظالم على يديه) وعلى التمثيل، والكناية عن ~~الندامة والحسرة؛ لأن من اشتد به الندامة والحسرة والغيظ على شيء كاد أن ~~يعض يديه غيظا منه على ذلك؛ كما كنى بغل اليد عن ترك ms3182 الإنفاق، وبالبسط عن ~~كثرة الإنفاق والمجاوزة فيه؛ وكما كنى بالنبذ وراء الظهر عن ترك الانتفاع ~~وقلة النظر فيه والاكتراث إليه؛ كقوله: (نكص على عقبيه)، عن الرجوع ونحوه، ~~وقوله: (يردوكم على أعقابكم)، وقوله (فتزل قدم بعد ثبوتها)، وأمثال هذا على ~~التمثيل والكناية عن الرجوع والثبات والأخذ والترك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ~~عض الأيدي كناية عن شدة الندامة والغيظ على ما حك به. # ويشبه أن يكون على التحقيق: تحقيق عض اليد، يجعل الله عقوبته بعض اليد؛ ~~كما جعل عقوبة أنفسهم بأنفسهم؛ حيث جعل أنفسهم حطبا للنار يعذبون ويعاقبون، ~~والله أعلم. # وقوله: (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا): السبيل الذي دعاه الرسول إليه. # (يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) يحتمل الإنسان، ويحتمل ~~الشيطان، أي: لم أتخذ الشيطان خليلا، ولم أطعه فيما دعا، أو الإنسان الذي ~~قلده فيما قلده. # وقوله: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ~~(29) يحتمل قوله: (عن الذكر) أي: الشرف الذي يذكر به المرء، أضلني عن ذلك ~~الشرف، أو أضلني عما يذكرني هذا، أو أضلني عن الذكر، أي: عن القرآن: وما ~~فيه من الذكرى، والله أعلم. # وقوله: (وكان الشيطان للإنسان خذولا) أي: تاركا له متبرئا منه، يقول كما ~~قال في آية أخرى حكاية عنه: (إني بريء منك)، ويقول كما قال: (وما كان لي ~~عليكم من سلطان. . .) الآية، أو أن يكون كما ذكر: (ثم يوم القيامة يكفر ~~بعضكم ببعض. . .) الآية. # أو أن يكون ذلك الخذلان منه له في الدنيا يمنيه بأماني ويزين له أشياء، ~~ثم لا يوصله إليها. # PageV08P022 # قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين ~~يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # وقوله: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا): ms3183 قال ~~بعضهم: المهجور: هو الذي لا ينتفع ولا يعمل به وقال أبو عوسجة والقتبي: ~~مهجورا أي: تركوه مهجورا، أي: متروكا، ويقال: مهجورا أي: كالهذيان، والهجر ~~الاسم يقال: فلان يهجر في منامه، أي: يهذي، وهو بالفارسية " بلايه كفتى ". # وقوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~(31) أي: مثل الذي جعلنا لك من العدو من الكفرة جعلنا لكل نبي من قبلك ~~عدوا. # ثم العداوة تكون في الدين مرة، ومرة في الأنفس وأحوالها. # فإن كان العدو عدوا في الدين، فجميع الكفرة له أعداء لخلافهم له في ~~الدين، ويكون حرف (من) صلة، أي: جعلنا لكل نبي المجرمين أعداء. # وإن كان على تحقيق (من) وإثباتها فالعداوة عداوة في الدين والإخوان، وذلك ~~راجع إلى الفراعنة وأضداد الرسل، ما من رسول إلا وله فراعنة وأضداد ~~ينازعونه ويقاتلونه ويهمون قتله. # ثم بشر رسوله بالحفظ له والنصر والظفر على أعدائه، وهو قوله: (وكفى بربك ~~هاديا ونصيرا). # وقوله: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به ~~فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ذكر أهل التأويل أن أهل مكة كانوا يأتون رسول ~~الله فيتبعونه ويسألونه ويقولون: يا محمد، أتزعم أنك رسول من عند الله، ~~أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة؛ كما أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى، ~~والإنجيل على عيسى، والزبور على داود فقال: (كذلك لنثبت به # PageV08P023 # فؤادك): # أي: بمثل الذي نثبت به فؤادك. # ثم يحتمل قوله: (لنثبت به فؤادك) وجهين: # أحدهما: أنزلناه متفرقا لنثبته في فؤادك تحفظه وتذكره؛ لأن حفظ الشيء إذا ~~كان سماعه بالتفاريق كان حفظه أهون، وأيسر من حفظه إذا سمع جملة واحدة، ~~وخاصة إذا كان الكلام من أجناس وأنواع. # والثاني: (لنثبت به فؤادك) أي: لنثبت بما في القرآن من الحكمة والمعاني ~~فؤادك. # ثم يحتمل قوله: (فؤادك) أنه يراد به: فؤاد من يسمع إليه ويسمعه، فإن كان ~~هذا فهو كقوله: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث. . .) الآية، على ~~ما ذكرنا أنه يكون أسرع حفظا وأهون ثباتا من سماعه جملة. # وجائز أن يكون أراد ms3184 فؤاده؛ كقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن ~~علينا جمعه وقرآنه (17). وقوله: (سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله) كان ~~يعجل بحفظه إذا قرئ عليه؛ خوفا أن يذهب، فأخبره أنه يثبت فؤاده وينزله ~~بالتفاريق؛ لكي يحفظه ويذكره. # ثم إن كان المراد تثبيته في الفؤاد: هو ما فيه من الحكمة والمعاني ~~وقراءته على الناس على مكث كذلك فهو - والله أعلم - ينزله على قدر النوازل ~~والحوائج؛ ليكونوا أحفظ لتلك المعاني وأعرف بمواضعها، وتقدير غيرها من ~~النوازل بها من أن نزل جملة في دفعة واحدة، والله أعلم. # وقوله: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) أي: بصفة ~~يشبهون بها على الخلق إلا جئناك بصفة هي أحق مما أتوا بها هم، فترفع تلك ~~الشبهة عنهم، أعني: عن الخلق. # أو أن يقال: ولا يأتونك بصفة هي باطل إلا جئناك بحق - أي: بصفة هي حق - ~~فتبطل تلك وتضمحل. # (وأحسن تفسيرا) أي: بيانا من الأول؛ على التأويل الأول، وعلى التأويل ~~الثاني ظاهر لا شك أنه أحسن وأحق. # قال أبو عوسجة: (ورتلناه ترتيلا) أي: أنزلنا بعضه بعد بعض، وعلى أثر بعض، ~~لم ننزله في مرة واحدة؛ وكذلك قال في قوله: (ونزلناه تنزيلا). # PageV08P024 # وقال بعضهم: قوله: (ورتلناه ترتيلا) أي: بيناه تبيانا. # وقال بعضهم في قوله: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا)، ~~قال: لا يخاصمونك بشيء ولا يجادلونك إلا جئناك بالحق -يعني: القرآن- (وأحسن ~~تفسيرا)، يقول: جئناك بالقرآن بأحسن مما جاءوا به تفسيرا، وهو قريب مما ~~ذكرنا بدءا. # وفي حرف حفصة: (إلا جئناك بأحق منه وأحسن تفسيرا)، وهو شبيه ببعض ~~التأويلات التي ذكرناها. # وقوله: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا) ~~يشبه أن يكون ذكر هذا على مقابلة سبقت، وإلا على الابتداء لا يستقيم ذكره؛ ~~فجائز أن يكون ذكره على مقابلة قوله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا. . .) ~~الآية، هذا ذكر مقام أهل الجنة، فذكر مقابل ذلك مكان أهل النار، فقال: ~~(الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا) أي: شر ms3185 ~~مكانا في الآخرة، وأضل سبيلا في الدنيا، ويكون مقابل قوله: (قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا)، فقال (الذين يحشرون ~~على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا)، من الذين آمنوا، بل ~~مقامهم الجنة -أعني: المؤمنين- ومقام الكفرة النار، فهم شر مكانا منهم. # وفي بعض الأخبار: أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه ~~يوم القيامة؟ فقال: " إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه ~~". # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) ~~فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح ~~لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ~~(37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له ~~الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ~~أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي: التوراة، (وجعلنا معه أخاه هارون ~~وزيرا): ذكر هاهنا أنه كان وزيرا له، وذكر في آية أخرى: (فأتياه فقولا إنا ~~رسولا ربك)، وفي آية أخرى: أنه كان نبيا حيث قال: (ووهبنا له من رحمتنا ~~أخاه هارون نبيا)، فكان ما ذكر ذلك كله نبيا ورسولا، وكان له وزيرا، ~~والوزير هو العون والعضد، فإنه قال: (وجعلنا معه # PageV08P025 # أخاه هارون وزيرا) أي: عونا وعضدا؛ كقوله: واجعل لي وزيرا من أهلي (29) ~~هارون أخي (30) اشدد به أزري)؛ لأنه سأل ربه المعونة له والإشراك في أمره، ~~وقال: (فأرسله معي ردءا يصدقني). # وقال الزجاج: الوزير هو الذي يلجأ إليه في النوائب ويعتصم بأمره؛ وهو ~~واحد. # وقوله: (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) ~~أي: أهلكناهم إهلاكا. # وقوله: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ... (37) جائز أن يكون قوله: ~~(لما كذبوا الرسل) نوحا خاصة؛ لأنه ذكر قوم نوح، فإن كان ذلك، ففيه دلالة ~~جواز تسمية الواحد باسم الجماعة. # وجائز أن يكون نوح دعاهم إلى الإيمان وتصديق الرسل، فكذبوه وكذبوا الرسل ~~جميعا، والله أعلم. ms3186 # وقوله: (أغرقناهم): لم يغرقهم على أثر تكذيبهم إياه، ولكن إنما أغرقهم ~~بعدما دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما. # وقوله: (وجعلناهم للناس آية): يحتمل قوله: (وجعلناهم للناس آية) أي: آية ~~للمكذبين والمصدقين، لما بين حكمه في المكذبين منهم: الإهلاك والاستئصال، ~~وفي المصدقين منهم: النجاة والخلاص منه، فذلك آية لكل مكذب ومصدق؛ لما إليه ~~يئول عاقبة أمرهم: عاقبة المكذبين: الإهلاك، وعاقبة المصدقين: النجاة. # فإن قيل: إنهم جميعا قد هلكوا المصدقون منهم والمكذبون، قيل: أهلك ~~المكذبون منهم إهلاك عقوبة وتعذيب، والمصدقون هلاكهم بانقضاء آجالهم لا ~~هلاك عقوبة. # ثم ذكر: (وجعلناهم للناس آية) فمعنى جعل أنفسهم آية ما ذكرنا. # وقال في آية أخرى: (وجعلناها آية للعالمين) أي: السفينة. # قال بعضهم: جعل السفينة آية؛ لأن من طبع السفن أنها إذا امتدت الأوقات ~~وطال الزمان أنها تفسد وتتلاشى، وهي بعد باقية كما هي -أعني: سفينة نوح- ~~لكن ذلك لا يعلم أنه كما ذكر أو لا، فالوجه فيه ما ذكرنا. # وقوله: (وأعتدنا للظالمين عذابا أليما): هكذا جزاء كل ظالم -ظلم كفر ~~وشرك- أن يعد له العذاب الأليم. # PageV08P026 # وقوله: (وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) أخبر أنه ~~أهلك هؤلاء كلهم بالتكذيب: عادا وهم قوم هود، وثمودا وهم قوم صالح، وأصحاب ~~الرس: قال بعضهم: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في بئر، أي: رسوه ~~فيها. # وقال بعضهم: الرس: هو اسم لبئر كانوا نزولا عليها، فبعث إليها شعيبا ~~فكذبوه، فسموا بذلك ونسبوا إلى تلك البئر. # وعن ابن عباس: أنه سأل كعبا عن أصحاب الرس فقال: إنكم معاشر العرب تدعون ~~البئر: رسا، والقبر: رسا، وتدعون الخد: رسا، فخدوا خدودا في الأرض فأوقدوا ~~فيها النيران للرسولين اللذين ذكر الله في يس: (إذ أرسلنا إليهم اثنين ~~فكذبوهما فعززنا بثالث)، والله أعلم. # وقوله: (وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) أي: ذكرنا لأهل ~~مكة أمثال من تقدم منهم من الأمم من المكذبين والمصدقين، وما حل بهم وما ~~إليه آل عاقبة أمورهم بالتكذيب، حيث قال: (وكلا تبرنا تتبيرا) أي: أهلكنا ~~إهلاكا. # وقال بعضهم: (تبرنا) أي: ms3187 كسرنا بالنبطية، يقول أحدهم للشيء إذا أراد أن ~~يكسره: أتبره. # وقوله: (ولقد أتوا ... (40) يعني والله أعلم: أهل مكة، (على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء): وهي الحجارة، يعني - والله أعلم -: قريات لوط، أي: يمر ~~عليهم أهل مكة في تجارتهم ويأتونها؛ وهو كما قال في الصافات: (وإنكم لتمرون ~~عليهم مصبحين. . .). # (أفلم يكونوا يرونها): ما حل بهم بالتكذيب فيعتبروا، (بل كانوا لا يرجون ~~نشورا) أي: بعثا بعد الموت وإحياء، أي: إنما كذبوا الرسل؛ لأنهم لا يؤمنون ~~بالبعث ولا يخافون نشورا. # * * * # قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ~~(41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ~~(43) أم تحسب أن أكثرهم # PageV08P027 # يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) # وقوله: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) ~~كانوا إذا رأوه هزئوا به، إذا خلا بعضهم إلى بعض يقولون فيما بينهم: أبعث ~~الله بشرا رسولا، هكذا كانت عادة الكفرة يهزءون به إذا حضروه، وإذا غابوا ~~عنه قالوا ما ذكر. # وقوله: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا (42) في قوله: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا) دلالة ~~أنه إنما أراد أن يضلهم عن عبادتهم الأصنام بالحجج والآيات؛ إذ ليس في وسع ~~النبي صرفهم ومنعهم عن ذلك إلا من وجه لزوم الآيات والحجج، إلا أنهم رفضوا ~~تلك الآيات والحجج، وكابروها وثبتوا على عبادة الأصنام والأوثان، وإلا ~~علموا -من جهة الآيات والحجج التي أقامها عليهم- أنه على الحق، وأنهم على ~~باطل. # ثم قوله: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) أي: يعلمون حين لا ~~يقدرون على الجحود والإنكار إذا أنزل بهم العذاب، ووقع: من أضل سبيلا هم أو ~~المؤمنون؟ لأنهم وإن علموا بالآيات والحجج أنه على الحق، وأنهم على باطل، ~~وعلموا الموعود من العذاب فأخبر أنهم يعلمون عند وقوعه ms3188 بهم علما لا يقدرون ~~على جحوده ولا إنكاره؛ كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله) وهذه ~~الآية، وقوله: (أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل)، وقوله: (ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا)، وأمثال ذلك إذا عاينوا الموعود في الدنيا ~~يقرون به لا يقدرون على الجحود؛ فكذلك قوله: (وسوف يعلمون) علما لا يقدرون ~~على الإنكار والجحود (حين يرون العذاب من أضل سبيلا). # وقوله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) قال بعضهم: ~~إنهم كانوا يعبدون أشياء حجرا أو غيره، فإذا رأوا أحسن منه في رأي العين ~~والمنظر، تركوا عبادة ذاك، وعبدوا ما هو أحسن منه. # وقال بعضهم: كلما هوت أنفسهم شيئا عبدوه، وكلما اشتهوا شيئا أتوه، لا ~~يحجزهم عن ذلك ورع ولا تقوى لله. # ويحتمل وجهين آخرين سوى ما ذكر هؤلاء: # أحدهما: تركوا عبادة الإله الذي قامت الحجج والآيات بألوهيته وربوبيته، ~~ولزموا # PageV08P028 # عبادة من لم يقم له الآيات والحجج بذلك بهواهم. # والثاني: أنهم عبدوا ما عبدوا من الأصنام بلا أمر كان لهم بالعبادة؛ لا ~~بد من أمر يؤتمر بها، بل عبدوا بهواهم، أو كلام نحو هذا. # وقوله: (أفأنت تكون عليه وكيلا) أي: لست أنت بوكيل ولا مسلط عليهم ولا ~~حافظ، أي: لا تسأل أنت عن أعمالهم ولا تحاسب عليها، بل هم المسئولون عنها، ~~وهم محاسبون عليها؛ كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم ~~من شيء)؛ وكقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل. . .) الآية، والله أعلم. # وقوله: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا (44) قوله: (أم تحسب) إن كان في الظاهر استفهاما، فهو في الحقيقة ~~على الإيجاب، وهكذا كل استفهام من الله يخرج على الإيجاب أو على النهي؛ ~~كأنه قال: قد حسبت أكثرهم يسمعون أو يعقلون، أي: لا ينتفعون بما يعقلون. # (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا): قال بعضهم: كالأنعام لأن همتهم ~~ليست إلا كهمة الأنعام، وهو الأكل والشرب، ليست لهم همة سواه، ليس للأنعام ~~همة ms3189 العاقبة، فعلى ذلك الكفرة فهم كالأنعام من هذه الجهة. # وقوله: (بل هم أضل): قال قائلون: قوله: (أضل) لأن الأنعام تعرف ربها ~~وخالقها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه. # أو هم أضل لأنهم ينسبون إلى الله ما لا يليق به من الولد والشريك، ~~ويشركون غيره في العبادة والأنعام لا، فهم أضل. # وقال بعضهم: هم أضل؛ لأن الأنعام إذا هديت الطريق اهتدت، وهم يهدون ~~ويدعون إلى الطريق فلا يهتدون ولا يجيبون فهم أضل. # أو أن يقال: هم أضل لأنهم يضلون ويضلون غيرهم ويمنعونهم عن الهدى، ~~والأنعام لا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم ~~الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ~~ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) # وقوله: (ألم تر): قد ذكرنا في غير موضع أن حرف (ألم تر) هو حرف تعجب ~~واستفهام، لكن في الحقيفة على الإيجاب، أي: قد رأيت. # PageV08P029 # وقوله: (ألم تر إلى ربك) أي: إلى تدبير ربك ولطفه أن كيف مد الظل، وهو لا ~~يؤذي ولا يضر ولا يحس، ولا يشعر به أحد بكونه فيه ولا يثقل ولا يخف، ولا ~~يستر ولا يكشف عن وجوه الأشياء، إنما النور هو الكاشف عن وجوه الأشياء، ~~والظلمة هي الساترة لذلك، ونحو ذلك ما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها؛ ~~ليعلم أن من المحسوسات التي يقع عليها الحواس ما لا يدرك حقيقة من نحو الظل ~~الذي ذكرنا هو ما لا يدرك حقيقة، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق ~~باللسان، ونحو ذلك من المحسوسات؛ ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال وهو ~~منشئ هذه الأشياء - أحق ألا يدرك ولا يحاط بتدبيره ولطفه؛ وليعلم أن من بلغ ~~تدبيره ولطفه هذا المبلغ لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء؛ يخبر عن ~~قدرته وتدبيره ولطفه؛ ليعلم ms3190 أنه قادر ومدبر بذاته لطيف. # وقوله - عز وجل -: (ولو شاء لجعله ساكنا) أي: دائبا لا يذهب أبدا، ولا ~~تصيبه الشمس ولا يزول. # وقال بعضهم: (ساكنا) أي: مستقرا دائما لا تنسخه الشمس كظل الجنة. # وقوله: (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا): قال بعضهم: أي: تتلوه وتتبعه حتى ~~تأتي على كله. # وقال بعضهم: قوله: (جعلنا الشمس عليه دليلا) يقول: حيثما تكون الشمس يكون ~~الظل، وأصله: أنه بالشمس يعرف الظل أنه ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل، فهو ~~دليل معرفته وكونه أنه ظل. # وقوله: (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) قال بعضهم: هينا خفيا، وأصله: ~~أنه يقبض بالشمس الظل وينسخه شيئا فشيئا، حتى تأتي على كله. # وقوله: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ... (47) قيل: سكنا يسكن فيه ~~الخلائق. # وقيل: لباسا، أي: سترا. # (والنوم سباتا) قال بعضهم: أي: راحة، يقال: سبت الرجل يسبت سباتا فهو ~~مسبوت. # وقال بعضهم: أصل السبت: التمدد. # وقال بعضهم: سبت الرجل إذا نعس. وقيل: رجل مسبوت: لا يعقل كأنه مسبت. # PageV08P030 # (وجعل النهار نشورا): فمن جعل السبات: النوم، جعل قوله: (النهار نشورا) ~~أي: حياة يحيون فيه. # ومن يقول: السبات: راحة، يجعل النهار نشورا: ينشر فيه للمعاش والكسب ~~وابتغاء الرزق. # وقال بعضهم: يذكر نعمه ومننه على عباده؛ لتأدي شكره. # وقال أبو معاذ: قال مقاتل: (مد الظل) يعني: الفيء من أول وقت صلاة الفجر ~~إلى طلوع الشمس. وأخطأ؛ لا يسمى ذلك الظل: فيئا. # وقال الكسائي: العرب تقول: الظل من حين تصبح إلى انتصاف النهار، فإذا ~~زالت الشمس عن كبد السماء فما خرج من ظل فذلك الفيء ويقال للفيء: الظل، ولا ~~يقال للظل: فيء قبل الزوال. # وقوله: (وهو الذي أرسل الرياح نشرا (1) ... (48) قال بعضهم: (نشرا) أي: ~~حياة. # وقال بعضهم: (نشرا) للسحاب: تنشره، أي: تبسطه. # وعلى التأويل الأول ننشرها، أي: نحييها. # وقوله: (بين يدي رحمته) أي: بين يدي المطر، سمي المطر: رحمة؛ لما برحمته ~~يكون؛ وكذلك ما سمى الجنة: رحمة؛ لأنها برحمة ما يدخل من دخل فيها. # وقوله: (بين يدي رحمته): هذا يدل أنه لا يفهم باليد: ms3191 اليد المعروفة التي ~~هي الجارحة، حيث ذكر للمطر ذلك ولا يعرف -أعني: اليد- ليعلم أنه لا يفهم من ~~قوله: بيد الله، بين يدي الله - ذلك، وبالله العصمة. # وقرأ بعضهم: (بشرا) بالباء، وهو من البشارة؛ كقوله: (ومن آياته أن يرسل ~~الرياح مبشرات)، أي: تبشرهم بالرحمة والسعة، والله أعلم. # وقوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) أي: ما يطهر به الأنجاس والأقذار ~~الظاهر منها والباطن؛ وكذا الطهور أنه يطهر حيثما أصابه. # وقوله - عز وجل -: (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) قال ~~بعضهم: الأناسي: جمع إنسي. # وقال بعضهم: هي جمع إنسان، وأصله بالنون (أناسين)، لكن أبدلت النون ياء. # وقال أبو عوسجة والقتبي: أناسي مشددة، يعني: أناس، وأناسي جماعة الإنسان ~~على PageV08P031 # ما ذكرنا. # ويحتمل قوله: (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا)، أي: نسقيه من ~~الماء الطهور والمنزل من السماء كثيرا من الأنعام، وكثيرا من الإناس، ~~وكثيرا ما يسقى من المياه المنتزعة من الأرض. # * * * # قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) ~~ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا (52) # وقوله: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا)، أي: صرفنا المطر والسحاب بينهم يمطر ~~في مكان، ويسوق السحاب إلى مكان ولا يسوق إلى مكان آخر؛ كقوله: (وتصريف ~~الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض. . .) الآية؛ وكقوله: (فسقناه إلى ~~بلد ميت) الآية. # يذكرهم في هذه الآيات من قوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) إلى قوله: ~~(ولقد صرفناه بينهم) ليذكروا تدبيره وقدرته وحكمته ونعمه؛ أما تدبيره: حيث ~~ترى السحاب في موضع ولا تراه في موضع، وتراه منبسطا في الآفاق ثم يمطر في ~~موضع آخر، ولا يرسل في مكان ويرسل في مكان آخر؛ ليعلم أنه عن تدبير كان ~~هكذا لا بالطبع؛ لأنه لو كان بالطبع كان ذلك لكان لا جائز أن يمطر في مكان ~~ويترك في مكان آخر، دل أنه بالتدبير كان ما كان وبالأمر. # وأما قدرته: فما ذكر من إحياء الأرض الميتة بعد موتها، وإماتتها بعد ~~حياتها مما يعلم كل أحد حياتها ms3192 وموتها، ويقر بذلك، فمن قدر على هذا قادر ~~على إحياء الموتى بعد الموت، ولا يعجزه شيء. # وأما حكمته: أن ما خلق مما ذكر وأنشأه لم ينشئه عبثا، يمهلهم لا يأمرهم ~~ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بشيء، ولا يجعل لهم عاقبة يثابون ويعاقبون، ولا ~~يستأدي بهم شكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم مما يعجز عقولهم عن إدراكه، ~~ويقصر أفهامهم عن تقدير مثله؛ ليعلم أنه قادر بذاته لا يعجزه شيء. # ثم قال: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) قال الكسائي: الكفور برفع الكاف: ~~الكفر، والكفور -بفتح الكاف-: الكافر، والشكور -بضم الشين-: الشكر، والشكور ~~-بفتح الشين-: الشاكر وهو المؤمن؛ فيكون تأويله: فأبي أكثر الناس إلا كفرا ~~بالله وتكذيبا لنعمه؛ بصرفهم العبادة إلى غيره ولتفاؤلهم وتطيرهم أن هذا من ~~نوء كذا، والله أعلم. # PageV08P032 # وقوله: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لو شئنا لرفعنا عنك، يعني: ما حملنا عليك من المؤن من مؤنة ~~التبليغ والقيام بذلك، وحملنا غيرك؛ فيكون عليك أيسر وأهون من القيام ~~بالكل. # والثاني: لو شئنا لجعلنا غيرك -أيضا- أهلا للرسالة وموضعا لها في زمانك ~~وحينك، فبعثناه في بعض القرى والمدن، لكنا لم نجعل غيرك أهلا لها، وخصصناك ~~لها من بين غيرك من الناس؛ فهو على الامتنان يخرج والاختصاص له. # ثم لا يخلو ذلك من أن يكون فيهم من يصلح للرسالة، ويصلح أن يكون أهلا لها ~~وموضعا، فلم يرسل، أو كان لم يكن فيهم من يصلح لذلك؛ فيكون تأويله: لو شئنا ~~لجعلنا فيه من يصلح للرسالة، ويصلح أن يكون أهلا لها وموضعا، فأي الوجهين ~~كان، فهو ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه إن كان فيهم من يصلح لها وأرسل كان ~~أصلح له فلم يرسل، فقد ترك ما هو أصلح له وأخير، أو أن يكون لا يصلح فيهم ~~أحد لذلك، لكنه يملك أن يصلحه ويجعله أهلا لها، فهو أصلح له وأخير ثم لم ~~يفعل؛ دل أن له ألا يفعل الأصلح والأخير في الدين. # وقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) فيه ms3193 وجهان: ~~أحدهما: أنه لا يجوز للرسل النبذ والامتناع عن التبليغ إليهم والقيام ~~بمجاهدتهم، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك؛ حيث قال: (فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا)، ولم يكن معهم يومئذ إلا قليل ممن اتبعه؛ إذ كان ~~ذلك بمكة؛ لأن سورة الفرقان فيها نزلت. # والثاني: فيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أمر بالخلاف لهم، والقيام ~~بمجاهدتهم بالحجج والآيات، وهم يعلمون ألا يكون في وسع واحد القيام لذلك ~~لأمثالهم، وكانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم؛ فعلموا أنه إنما قام ~~لذلك بالله لا بنفسه؛ إذ لا يملك واحد القيام لذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما ~~أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ~~(59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا # PageV08P033 # وزادهم نفورا (60) تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا ~~منيرا (61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا (62) # وقوله: (وهو الذي مرج البحرين (53) # قال بعضهم: مرج، أي: خلع ماء المالح على ماء العذب. # وقال بعضهم: (مرج): أرسل البحرين أحدهما عذب والآخر أجاج. # وقال بعضهم: (مرج) أي: أفاض أحدهما على الآخر. # قال أبو معاذ: العرب تقول: مرجت الدابة إذا خلعتها وتركتها تذهب حيث ~~شاءت، ومرج الوالي الناس من السجون إذا أرسلهم، فإذا رعيت دابة في المروج، ~~قلت: أمرجت دابتي أمرجها إمراجا، وإنما سمي المرج: مرجا؛ لأنه متروك للسباع ~~غير معمور، والممرج الذي يرعى دابته في المرج والدابة الممروجة. # وقال أبو عوسجة: ms3194 مرج البحرين مرجهما، أي: خلطهما فهو مارج، وقال: (فهم في ~~أمر مريج) أي: مختلط، ويقال: مرجت عن كل شيء إذا خلطت، والله أعلم. # ثم اختلف في البحرين؛ قال بعضهم: أحدهما بحر الأرض، والآخر بحر السماء، ~~وجعل بينهما برزخا، أي: حاجزا عن أن يختلط أحدهما بالآخر. # وقال بعضهم: أحدهما بحر السماء، والآخر بحر تحت الأرض، وجعل بينهما برزخا ~~وهو الأرض. # وقال بعضهم: بحران على وجه الأرض: أحدهما بحر الروم والآخر بحر الهند. # وقال بعضهم: أحدهما بحر الشام، والآخر بحر العراق: أحدهما مالح أجاج، ~~والآخر عذب، وكان الأجاج هو الذي بلغ في الملوحة غايته، والفرات هو الذي ~~بلغ في العذوبة غايته؛ ذكر منته وفضله ولطفه؛ حيث لم يخلط أحدهما بالآخر، ~~بل حفظ كلا على ما هو عليه إلى أن تقوم الساعة، فعند ذلك يصير الكل واحدا؛ ~~كقوله: (وإذا البحار سجرت). # ثم إن كان أحدهما بحر السماء والآخر بحر الأرض، وإن كانا بحرين في ~~الهواء، فالحاجز بينهما ليس إلا اللطف؛ وكذلك إن كان الثالث ليعلم أن من ~~قدر على حفظ هذا من هذا بلا حجاب ولا حاجز باللطف، لقادر على إحياء الموتى ~~وبعثهم، ولا يعجزه # PageV08P034 # شيء، وله الحول والقوة. # وقال أبو عوسجة: ماء أجاج: شديد الملوحة، ويقال: أج الماء يؤج أجا فهو ~~أجاج، ويقال: عاج، أي: ماء روي به. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ~~ربك قديرا (54) أي: من النطفة؛ يخبر عن فضله ومنته وقدرته ولطفه. # أما لطفه وقدرته: فحيث خلق البشر من النطفة، ولو اجتمع جميع حكماء البشر ~~على أن يعرفوا أو يدركوا البشر من النطفة أو يدركوا كيفيته - لم يقدروا على ~~ذلك؛ دل أنه قادر بذاته لطيف لا يعجزه شيء. # وأما فضله ومنته: فما أخبر أنه جعل لهم نسبا وصهرا؛ أما النسب فيه ~~يتعارفون ويتواصلون ما لولا ذلك ما تعارفوا ولا تواصلوا، وأما الصهر فلما ~~به يتزاوجون ولوادون ويتوالدون؛ كقوله: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة)، وقال: (وجعل ms3195 بينكم مودة ورحمة)، يذكر ~~فضله ومنته؛ ليتأدى به شكره؛ ليعلم أن خلق مثل هذا لا يخرج عبثا باطلا بلا ~~محنة ولا عاقبة، وكأن النسب: ما لا يجري بينهم التناكح والتزاوج، والصهر: ~~ما يحل ويجري بينهم التناكح والتزاوج. # وفي حرف حفصة: (وهو الذي خلق من الماء نسبا وصهرا). قال أبو معاذ: الصهر ~~الفتى وآله، والختن: أبو المرأة، والختنة: أم المرأة، والأختان: آل المرأة ~~وأهلها، والأصهار، آل الفتى وأهله. # وقال أبو عوسجة: (وصهرا) من المصاهرة، وكلهم أصهار من الجانبين جميعا، ~~والمعروف عندنا: أنه إنما يسمى قرابة الزوج: أختانا، وقرابة المرأة أصهارا، ~~وذلك لسان فهو على ما تعارفوه بينهم، والله أعلم. # وقوله: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا (55) أي: يعبدون من دون الله ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن ~~عبدوه، ولا يضرهم في الدنيا إن تركوا عبادته؛ يذكر سفههم بعبادتهم من ~~يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر، وتركهم العبادة لمن ينفعهم إن عبدوه ويضرهم إن ~~تركوا عبادته؛ وهو كما ذكر: (هل هن كاشفات ضره. .) الآية، وأمثال ما ذكر في ~~غير آي من القرآن سفه أولئك بعبادتهم للأصنام، وتركهم عبادة الله تعالى. # وقوله: (وكان الكافر على ربه ظهيرا) أي: تأويله - والله أعلم -: وكان ~~الكافر للكافر ولوليه ظهيرا على من أطاع ربه، يكون بعضهم ببعض عونا وظهيرا ~~على أولياء الله، وإلا لا يكون الكافر على الله ظهيرا، ولكن على أوليائه، ~~ويكون ذكر الرب على إرادة وليه ومن # PageV08P035 # أطاعه؛ كقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)؛ وكقوله: (يخادعون الله)، ونحو ~~ذلك مما يراد به: أولياؤه لا نفسه. # وقوله: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) مبشرا لمن أطاعه، ونذيرا لمن ~~عصاه. # والبشارة: هي الإعلام لما يلحق من السرور والفرح في العاقبة بالأعمال ~~الصالحة. # والنذارة: هي الإعلام لما يلحق من المكروه والمحذور في العاقبة بالأعمال ~~السيئة القبيحة. # وقوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) ~~أي: ما أسألكم على الدين الذي أدعوكم إليه من ms3196 أجر؛ كقوله: (أم تسألهم أجرا ~~فهم من مغرم مثقلون)، أي: لا أسألكم أجرا على ذلك حتى يمنعكم ثقل الغرم عن ~~إجابتي؛ فعلى ذلك قوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ~~ربه سبيلا) كان فيه إضمار، أي: لا أسالكم عليه أجرا إلا من شاء، ولكن إنما ~~أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا. # أو أن يقول: قوله: (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) أي: ولكن من أراد ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني وأجابني. # ويحتمل قوله: (قل ما أسألكم) على تبليغ الرسالة إليكم، وما أدعوكم إليه ~~(من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) فيبرني. # أو أن يكون قوله: (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) فيوادني؛ كقوله: ~~(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى). # وقوله: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده ~~خبيرا (58) أي: توكل على الله، والتوكل: هو الاعتماد عليه بكل أمر. # وقوله: (وسبح بحمده) أي: نزه ربك وبرئه عن الآفات كلها والعيوب، بثناء ~~تثني عليه وهو التسبيح بحمده. # وقال أهل التأويل: أي صل بأمر ربك، لكن التأويل ما ذكرنا. # وقوله: (وكفى به بذنوب عباده خبيرا) أي: كفى به علما بذنوب عباده، أي: لا ~~أحد أعلم بها منه. # وقوله: (الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ... (59) قد ذكرنا هذا. # وقوله: (فاسأل به خبيرا): قال قائلون: قوله: (فاسأل به خبيرا) لما يسأل ~~عنه محمد، وذلك أن بعض كفار مكة قالوا: يا محمد، إن كنت تعلم الشعر فنحن ~~لك، فقال النبي: " أفشعر هذا؟! إن هذا كلام الرحمن "، فقالوا: أجل لعمر ~~الله إنه لكلام الرحمن # PageV08P036 # الذي باليمامة هو يعلمك، فقال النبي: " الرحمن هو الله الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك "، فقالوا: أيزعم أن الله واحد وهو ~~يقول: الله يعلمني، الرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهان، أو كلام ~~نحو هذا. # وجائز أن يكون قولهم: (وما الرحمن) لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا الله ms3197 ~~فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله: (قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن. . .) الآية. # أو أن يكونوا يعرفون كل معبود: إلها؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها: ~~آلهة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى عبادة الرحمن؛ ~~فظنوا أنه غيره، فقالوا: فلئن جاز أن يعبد غير الله، فنحن نعبد الأصنام فلم ~~تمنعنا عن ذلك؟! فأخبر: أن الرحمن والإله واحد ليس هو غير؛ حيث قال: (تبارك ~~الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. . .) إلى آخر ما ~~ذكر، يقول الله: محال أن يكون الرحمن غير الإله، بل الرحمن هو الذي جعل في ~~السماء بروجا، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم، ~~وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو الله، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا ~~غير. # وفي قول بعضهم: إن قوله: (الذي خلق السماوات والأرض. . .) الآية من ~~المكتوم، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم ويفسر؛ حيث ~~قال: (فاسأل به خبيرا)، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به ~~خبيرا، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألا يخبره؛ دل ذلك أنه ليس من ~~المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، وهو العالم. # ثم يحتمل: الله أو جبريل أو من يعلمه، والله أعلم. # وقوله: (فاسأل به): قال بعضهم: بالله. # وقال بعضهم: بالذي سبق ذكره من قوله: (ثم استوى على العرش). # وقوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ... (60) قد ~~ذكرناه. # (أنسجد لما تأمرنا) بالياء والتاء جميعا. # وقوله تعالى: (وزادهم نفورا) أي: زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن ~~رسول الله. # وقال بعضهم: في قوله: (فاسأل به خبيرا) يقول: ما أخبرتك من شيء فهو كما ~~أخبرتك لا شك فيه، والله أعلم. # PageV08P037 # وقوله: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ~~(61) قوله: (تبارك) قد ذكرنا أن بعضهم يقولون: هو من البركة. # وقال بعضهم: من التعالي. # قوله تعالى: (جعل في السماء بروجا وجعل ms3198 فيها سراجا وقمرا منيرا): هو ما ~~ذكرنا أنه خرج جوابا لقولهم: (وما الرحمن)؛ وكذلك قوله: (وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة (62) أي: جعل أحدهما خلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا. # (لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) أي: يذكر الليل والنهار لمن أراد أن ~~يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه، حيث يقهران ~~الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا، أو كرهوا لا ~~يقدرون دفعهما عن أنفسهم. # وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر ~~بعد أن لم يبق من أثره شيء، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد ~~الموت وذهاب أثره. # ويذكران أيضا نعمه وآلاءه؛ لأنه جعل النهار متقلبا لمعاشهم ومطلبا ~~لرزقهم، وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحا لأبدانهم وسكونهم لا قوام ~~للأبدان بأحد دون الآخر؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما؛ حيث قال: (قل ~~أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة) الآية، وقال: (قل ~~أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه) الآية، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل ~~والنهار؛ ليتأدى بذلك شكره؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله: (جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) النعمة التي جعل لهم. # قال بعضهم: قوله: (خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) أي يكون كل واحد ~~منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر، أي: ما فات في أحدهما ~~من التذكر والتشكر يقضي في الآخر. # وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال: من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ~~ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل. # وعلى مثل ذلك روي عن عمر: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أدرك ~~الصلاة الليلة، فقال عمر: " أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك، وما فاتك من ~~نهارك في ليلك "، ثم قرأ: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة). # وقال بعضهم (خلفة) من الاختلاف، ms3199 أي: يخالف أحدهما الآخر. # ثم يحتمل الاختلاف وجهين: # PageV08P038 # أحدهما: مجيء أحدهما وذهاب الآخر على ما ذكرنا؛ كقوله: (واختلاف الليل ~~والنهار). # والثاني: هو اختلاف اللون من [السواد] والبياض: أحدهما أسود، والآخر ~~أبيض، والله أعلم. # وقوله: (جعل في السماء بروجا): قال بعضهم: البروج هي النجوم العظام، ~~والواحد: برج، وهو قول ابن الأعرابي. # وقال بعضهم: البروج: القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة، وروي ~~مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا قال له: إني لا أستطيع قيام الليل. قال: " إن ~~كنت لا تستطيع قيام الليل، فلا تعجزه بالنهار ". # وذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " أصيبوا من ~~الليل ولو ركعتين ولو أربعا ". # وذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي بيده، إن ~~في كل ليلة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطي له في ~~هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم، تقربان كل ~~بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان كل موعود، حتى يؤدي ذلك إلى يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة وإلى النار؛ لتجزى كل ~~نفس بما كسبت ". # * * * # قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين ~~يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~(67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب ~~إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~(72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين ~~يقولون ربنا هب ms3200 لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ~~(74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين ~~فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم ~~فسوف يكون لزاما (77) # وقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) وصف - عز وجل - هؤلاء # PageV08P039 # الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، ~~وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن. # وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى. # وقوله: (يمشون على الأرض هونا): # قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر. # وقال بعضهم: (هونا) أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحا. # وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار ~~والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة ~~القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم. # وفي بعض الأخبار مرفوعا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة ~~استناخ ". # وأصله: أنهم يمشون هونا من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يلحق بأحد منهم ضرر، ~~والله أعلم. # وقوله: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما): # قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل ~~والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم. # وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاما، أي سدادا وصوابا من ~~القول، وردا مصروفا أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ~~(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. . .) ~~الآية، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفه والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ~~ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم ~~الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال ~~(والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64). # عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم "، ثم قال: " من صلى ~~ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله تعالى ساجدا قائما ". # وقال ms3201 الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجدا لربهم ~~تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما ~~خشع له # PageV08P040 # نهارهم. # وقوله: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) ~~يحتمل أن يكون هذا إخبارا من الله تعالى عما في ضميرهم، ليس على حقيقة ~~القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون ~~أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع. # ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم. # ثم أخبر عن عذابها فقال: (إن عذابها كان غراما). # قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه ~~غير عذاب جهنم. # وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: (إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) أي: ~~جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة ~~حيث قال: (حسنت مستقرا ومقاما). # وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا. # وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا (إنها ساءت مستقرا ومقاما). # وقال أبو عوسجة: (هونا) من الرفق يقال: وإن يهون هونا، فهو هائن. # وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به. # والغرام: الهلاك. # وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة. # وقال: مشيا هونا: رويدا، سلاما، أي: سدادا من القول لا رفث فيه ولا هجر. # وقوله: (إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا (67) # قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصدا وأعطوا فضلا ~~وجادوا، واستبشروا (ولم يقتروا) أي: ولم يتمسكوا عن الحق. # وقوله: (وكان بين ذلك قواما) أي: بين الإسراف والتقتير مقصدا؛ وهو تأويل ~~مقاتل. # وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، (ولم يقتروا) أي: لم ~~يمنعوا عن طاعته، (وكان بين ذلك قواما) أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق ~~في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله. # وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: ~~البحيرة # PageV08P041 # والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها. ms3202 # والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به. # وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في ~~الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له. # (وكان بين ذلك قواما) أي: وسطا؛ كقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط) ولكن بين ذلك. # وأصل (لم يسرفوا)، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه. # (وكان بين ذلك قواما) أي: قائما في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه ~~إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر. # ثم يحتمل هذا وجهين: (لا يدعون (68) أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا ~~يسمون غير الله. # (ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون): أخبر في الآية ~~الأولى في قوله (يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) ~~عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هونا ~~ولا يؤذون أحدا ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم ~~لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديدا؛ هذه ~~معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم ~~بالليل حيث قال: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا ~~اصرف عنا عذاب جهنم) الآية. # ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما ~~أمروا بالوضع فيها. # وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ~~(إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)، وقوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون)، وقوله: (والذين ~~لا يشهدون الزور) موصول بهذا أيضا، ومقدم عن قوله: (ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما)؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر ~~من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاما. # PageV08P042 # قال بعضهم: أثاما: أي: واديا في جهنم. # وقال بعضهم: أثاما: عذابا في النار. # وقوله: (والذين ms3203 لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) قال ~~بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى ~~فيه. # وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب. # وقوله: (وإذا مروا باللغو مروا كراما): مرور الكرام، أي: إن قدروا على ~~تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ~~ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ~~(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه). # وفي قوله: (ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) دلالة نقض قول ~~الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا ~~والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: (ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق) دل أنها محرمة بعد غير كافرة. # (إلا بالحق): إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، واما بحق الارتداد؛ على ما ~~ذكر في الخبر: " لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد ~~إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق " ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر ~~لكانت غير محرمة؛ # PageV08P043 # فدل أنه ما ذكرنا. # وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، (ولم يقتروا) أي: ~~لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم. # قال: والقوام: الوسط. ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي ~~فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد. # قال أبو معاذ: في قوله: (ولم يقتروا) لغات أربع: (ولم يقتروا): برفع ~~الياء وبخفض التاء غير مثقل، و (يقتروا) بنصب الياء، وخفض التاء، و ~~(يقتروا) برفع التاء، والمعنى كله واحد. وقوله: (والذين إذا ذكروا بآيات ~~ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ~~ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن ~~الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله. # وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - ~~أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا ms3204 على تلك الآيات صما ولا عميانا ~~كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين ومتفقهين متيقظين، عالمين بما ~~فيها، عاملين؛ كقوله: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. . .) ~~الآية. # وقوله: (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا): فإن قيل: أخبر ~~هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها)، فما معنى الضعف هاهنا؟ # قيل: يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا ~~المبلغ # PageV08P044 # الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: (وعباد الرحمن) الآية: أن واحدا ~~منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند ~~الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات). أي: ضعف عذاب ~~الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضا - لأزواجه حيث قال: (يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين)، كل من كان أعظم ~~قدرا وأكثر نعما عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ~~ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله. # والثاني: أن يكون ذلك للأئمة -أعني: الكفرة والرؤساء- دون الأتباع؛ لأنهم ~~عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم). # أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة. # ثم استثنى من تاب منهم، فقال: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا. . .) ~~الآية، في الذين قال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)، فكان فيه ~~دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم. # وقوله: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات): هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في ~~الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله ~~سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم ms3205 على ذلك. # والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة ~~والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: ~~" ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا ~~أبا هريرة، ومن هم؟ قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات "؛ وكأنه روي ~~مثله عن عبد الله بن مسعود. # وقوله: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) لا يرجع عنها ~~أبدا، وعلى ذلك يخرج قوله: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)، على ~~الأمر؛ دليله قوله حيث قال: (خفف الله عنكم) الآية. # والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون ~~عنها أبدا، # PageV08P045 # وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبدا. # وقوله: (والذين لا يشهدون الزور): قد ذكرناه، (وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما): قد ذكرناه أيضا. # وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا. # وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه. # وقال أبو عوسجة والقتبي: (يلق أثاما) أي: عقوبة، الآثام: العقوبة. # وقوله: (مروا كراما) أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم. # (صما وعميانا) أي: لم يتغافلوا عنها. # وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعميانا عند ~~تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعا وبصرا؛ وهو ~~واحد. # وقوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا ~~للمتقين إماما (74) قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم ~~بالليل والنهار ونعتهم أيضا في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم ~~نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: (ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم ~~وأهليهم النار بقوله: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا. . .) الآية؛ فعند ذلك دعوا ~~ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا ~~والآخرة. # وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا. # قال الحسن: ms3206 والله ما شيء أحب إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه ~~يطيع الله، ودال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم. # وقوله: (واجعلنا للمتقين إماما): قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى ~~يقتدى بنا. # وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون. # وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار ~~متقيا، لا من اقتدى صار ضالا فاسقا، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا ~~سؤالهم: أن اجعلنا إماما # PageV08P046 # للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ~~ذكرنا، والله أعلم. # ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، ~~فقال: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) ~~والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا)، ~~فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن ~~مسعود. # وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من ~~المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس ~~يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة. # وقوله: (ويلقون) فيها بالتخفيف والتشديد، (ويلقون فيها تحية وسلاما) أي: ~~يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: (سلام عليكم بما صبرتم)، وقوله: ~~(سلام عليكم طبتم). # أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على ~~بعض. # وقوله: (خالدين فيها ... (76) دائمين. # (حسنت مستقرا ومقاما): تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ~~ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم ~~الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام. # وقوله: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم (77) قال بعضهم: (ما يعبأ بكم) ~~أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه. # وقال بعضهم: (ما يعبأ) أي: ما يصنع بكم ربي. # وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم. # وقوله: ms3207 (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما): اختلف فيه؛ قال بعضهم: # PageV08P047 # هو عذاب يوم بدر -يعني: ألزم بعضهم بعضا- وكذلك قال ابن مسعود قال: " مضت ~~آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر "، وقال: لزاما، أي: عذابا ملازما غير ~~مفارق، وهو عذاب الآخرة. # وقال أبو عوسجة: (ما يعبأ بكم ربي) أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ ~~فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: " ما أعبأ بهذا الأمر " أي: ما أصنع به، ~~ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم. # * * * # PageV08P048 ### | سورة الشعراء # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا ~~يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) # قوله - عز وجل -: (طسم) قد ذكرنا تأويل الحروف المعجمة فيما تقدم؛ وكذلك ~~قوله: (تلك آيات الكتاب المبين (2) قد ذكرنا تأويله، أيضا. # وقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) كان يشتد على رسول الله ~~تركهم الإيمان وتكذيبهم إياه؛ إشفاقا وخوفا عليهم، وتعظيما لله وإجلالا ~~لحقه، حتى كادت نفسه تهلك حزنا على ذلك؛ وكقوله: (فلعلك باخع نفسك على ~~آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) والأسف: هو النهاية في الحزن؛ كقول ~~يعقوب: (يا أسفى على يوسف). # وقال بعضهم: الأسف: هو النهاية في الغضب؛ كقوله: (فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم)، قيل: أغضبونا، وقد ذكرنا في سورة يوسف على ما ذكر الله ورسوله ووصفه ~~كان مطبوبا بحزن وتأسف لمكان كفرهم وتكذيبهم؛ كقوله: (عزيز عليه ما عنتم. . ~~.) الآية، يحزن عليهم إشفاقا عليهم، ويغضب عليهم لله تعظيما له وإجلالا ~~لأمره لما ضيعوا أمره ونهيه، وهكذا الواجب على كل من رأى آخر في فاحشة أو ~~كبيرة أن يحزن ويترحم عليه ويغضب لله لما ارتكب من الفاحشة. ms3208 # وقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) ~~قالت المعتزلة: قوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) مشيئة قسر وقهر ~~حتى يضطروا لها فيؤمنوا. # لكن عندنا مشيئة الإيمان والاختيار، أي: إن شاء إيمانهم ينزل عليهم آية ~~فيؤمنوا؛ لأن الآية لا تضطر أحدا ولا تقهر على الإيمان، دليله قوله: (ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى) الآية، أخبر أنهم لا يؤمنون وإن ~~فعل ما ذكر، ولا يضطرهم ذلك على الإيمان؛ وكذلك ما أخبر عنهم في الآخرة، ~~قال: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له. . .) الآية. # وقوله: (ثم لم تكن فتنتهم. . .) الآية، أخبر عن خلفهم وإنكارهم في # PageV08P049 # الآخرة: أنهم لم يكونوا على ما كانوا، ولا تكون آية أعظم مما عاينوا من ~~أنواع العذاب، ثم لم يمنعهم ذلك عن التكذيب، ولا اضطرهم على الإقرار ~~والتصديق؛ دل أن الآية وإن كانت عظيمة لا تضطر أهلها على الإيمان والتصديق، ~~وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ما يغنينا عن ذكرها في هذا الموضع. # وقوله: (فظلت أعناقهم لها خاضعين) أي: مالت وخضعت لها أعناقهم، والأعناق ~~كأنها كناية عن أنفسهم. # وعن ابن عباس قال: (فظلت أعناقهم لها خاضعين) قال: سيكون لنا دولة على ~~بني أمية، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة وهوانا بعد عزة، فقد كان ذلك. # وقال بعضهم: الأعناق: السادة والقادة، والواحد عنق، أي: إذا أسلم القادة ~~أسلم الأتباع اتباعا لهم، والله أعلم. # وقوله: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) قال ~~بعضهم: يقول: كلما نزل شيء بعد شيء من الموعظة والذكر فهو محدث من الأزل. # وجائز أن يكون قوله: (وما يأتيهم من ذكر) مما به فيه ذكرهم في الآخرين ~~وشرفهم في الخلق إلا كانوا عنه معرضين؛ لأنهم لو آمنوا لذكروا في الناس، ~~وبقي لهم ذكر وشرف كذكر الأنبياء والرسل فيهم إلى آخر الدهر. # وقوله: (محدث) هو محدث على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما. # قال القتبي وأبو عوسجة: (فظلت أعناقهم) كما تقول: ظللت اليوم، قالا: ~~والأعناق: السادة والواحد منه: عنق. # وقوله: ms3209 (فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) هي ظاهرة؛ قد ~~ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) هذا ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: قد رأوا ما أنبتنا وأخرجنا منها. والثاني: على الأمر، أي: رأوا ~~ما أنبتنا في الأرض، وأخرجنا منها. # (من كل زوج كريم): قال الحسن: الكريم: الحسن البهيج. وقوله: (من كل # PageV08P050 # زوج) أي: جنس حسن. # وقوله: (إن في ذلك لآية ... (8) يحتمل قوله: (لآية) لوحدانية الله ~~وألوهيته، وآية لسلطانه وقدرته، وآية لعلمه وتدبيره؛ لأن من قدر على إحياء ~~النبات والأرض بعد ما يبس وجف لقادر على إحياء الموتى وبعثهم. # ودل إخراج النبات من الأرض في كل عام على حد واحد، وعلى قدر وميزان واحد، ~~على أنه إنما خرج ذلك عن تدبير وعلم ذاتي وقدرة ذاتية، ليست بمستفادة؛ فدل ~~ذلك كله أنه فعل واحد قادر مدبر عالم، لا يعجزه شيء أو لا يخفى عليه شيء، ~~والله الموفق. # وقوله: (وما كان أكثرهم مؤمنين): يحتمل قوله: وما كان أكثر الذين بعث ~~إليهم محمد مؤمنين، وهم الذين كانوا وقت مبعثه. # وجائز أن يكون: وما أكثر ما يكونوا مؤمنين. # وقوله: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) جائز أن يقال: العزيز: المنتقم من ~~أعدائه، الرحيم بأوليائه. # ويحتمل: العزيز على الخلائق كلهم، وهم أذلاء دونه، به يعز من عز. # * * * # قوله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ~~ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ~~فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا ~~بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ~~(16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) # وقوله: (وإذ نادى ربك موسى) أي: أمر ربك موسى وأوحى. # (أن ائت القوم الظالمين): فيه دلالة أن موسى - صلوات الله عليه - كان ~~مبعوثا مرسلا إلى فرعون وقومه، وإن كان لم يذكر في بعض الآيات قومه حيث ~~قال: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)، وقال في بعضها: (إلى فرعون وملئه)؛ ms3210 فهذا ~~لأنهم كانوا الرؤساء والقادة، فإذا آمنوا هم اتبعهم الأتباع في ذلك، وإلا ~~كان مبعوثا في الحقيقة رسولا إليه وإلى قومه جميعا الأتباع والمتبوعين لما ~~ذكر. # وقوله: (قوم فرعون ألا يتقون (11) كأنه على الإضمار: أن ائت القوم ~~الظالمين، وقل لهم: ألا تتقون. # ثم قوله: (ألا يتقون) يحتمل وجهين: # أحدهما: ألا تتقون مخالفة أمر الله ونهيه. # أو يقول: ألا تتقون نقمة الله وعقوبته، والله أعلم. # PageV08P051 # وقوله: (قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) لم يقطع موسى القول في التكذيب، ~~ولكنه على الرجاء قال ذلك، وذلك - والله أعلم - كقوله: (فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى)، فكأنه رجا ذلك منه لهذا، والله أعلم. # وجائز أن يكون على القطع والعلم منه بالتكذيب؛ كأنه قال: إني أعلم أن ~~يكذبون، وذلك جائز في اللغة. # وقوله: (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) لأن عليه أن ~~يغضب لله إذا كذبوه، فإذا اشتد بالمرء الغضب ضاق صدره وكل لسانه، وهو ما ~~دعا ربه وساله حيث قال: (رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل ~~عقدة من لساني) الآية، وهو ما ذكرنا أن الغضب إذا اشتد بالمرء يضيق صدره ~~حتى يمنعه عن الفهم، ويكل لسانه حتى يمنعه عن العبارة والبيان. # وجائز أن يكون ذلك لآفة كانت بلسانه. # ثم ضيق الصدر يكون لوجهين: # أحدهما: لعظيم أمر الله وجلال قدره إذا كذبوه وردوا رسالته وأمره - ضاق ~~لذلك صدره. # أو يضيق لما ينزل عليهم من عذاب الله ونقمته بالتكذيب؛ إشفاقا عليهم منه، ~~والله أعلم. # وقوله: (فأرسل إلى هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قوله: ~~(فأرسل إلى هارون) لسؤاله إياه حيث قال: (واجعل لي وزيرا من أهلي (29) ~~هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري)؛ فعلى ذلك قوله: (فأرسل ~~إلى هارون) يكون معي في الرسالة؛ وكقوله: (هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا. . .) الآية. # وذنبه الذي ذكر أنه عليه: هو قتل ذلك القبطي وهو قوله: (فوكزه موسى فقضى ~~عليه)، ذلك ذنبه الذي لهم عليه. # ثم قال: (كلا فاذهبا بآياتنا إنا ms3211 معكم مستمعون (15) # وقوله: (كلا) رد على قول موسى: (فأخاف أن يقتلون)؛ كأنه قال: لا تخف، وهو ~~ما قال في آية أخرى حيث قالا: (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى)، فقال ~~عند ذلك (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)؛ فعلى ذلك قوله: (كلا فاذهبا # PageV08P052 # بآياتنا إنا معكم مستمعون)، وقال في تلك الآية: (إنني معكما أسمع وأرى)، ~~أي: أسمع ما يقولون لكما، وأرى ما يفعلون بكم، فأمنعهم عنكما؛ لأنهما ذكرا ~~الخوف منه من شيئين: من الفعل والقول حيث قالا: (إننا نخاف أن يفرط علينا): ~~بالفعل، (أو أن يطغى) باللسان. # وقوله تعالى: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا ~~بني إسرائيل (17) # قوله: (أن أرسل معنا بني إسرائيل) ليس على حقيقة الإرسال معه، ولكن على ~~ترك استعبادهم؛ كقوله: (فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم) أي: خل بينهم ~~وبين استخدامك إياهم واستعبادك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) ~~وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ~~(21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) قال فرعون وما رب ~~العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال ~~لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو ~~جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا ~~هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملإ حوله ~~إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) # ثم قال له فرعون: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين): يذكر ~~نعمته التي أنعمها عايه بتربيته إياه صغيرا، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى ~~لما أنعم عليه وهو ما قال: (وفعلت فعلتك التي ms3212 فعلت وأنت من الكافرين (19) ~~وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقر له موسى بذلك، فأخبر ~~أنه فعل ذلك حيث قال: (فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) # وقوله: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، ~~لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله ~~حيث قال: (هذا من عمل الشيطان)؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه ~~جرى # PageV08P053 # ذلك على يده خطأ وجهلا. # وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب ~~بذلك حيث قال: (فعلتها إذا وأنا من الضالين). # ثم قال: (ففررت منكم لما خفتكم ... (21) وهو حين قال ذلك الرجل: (إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) الآية، فخرج منها خائفا يترقب، وذلك فراره ~~منهم. # وقوله: (فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين): قال بعضهم: قوله: (فوهب ~~لي ربي حكما) أي: نبوة. # وقال بعضهم: حكما، أي: من علي بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له ~~كله. # وقوله: (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) وهو استعبادك ~~إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوها. # أحدها: أن تذكر ما أنعمت علي وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو ~~استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك. # والثاني: أن تلك نعمة تمنها علي حيث لم تعبدني وعبدت بني إسرائيل، يخرج ~~على قبول المنة منه. # والثالث: وتلك نعمة لو خليت عن بني إسرائيل ولم تستعبدهم لولوا ذلك عنك، ~~وتمام هذا يقول موسى لفرعون: أتمن علي يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل ~~عبيدا، وكانوا أحرارا فقهرتهم؟! # وقال موسى: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) أي: من الجاهلين بذلك أنه يتولد ~~من وكزته الموت؛ وكذلك روي في بعض الحروف: (وأنا من الجاهلين)؛ دل أنه على ~~الجهل ما فعل ذلك لا على القصد. # وقال بعضهم في قوله: (وتلك نعمة تمنها علي) يقول: وهذه منة تمنها بقوله: ~~(ألم نربك فينا وليدا) أن ms3213 يقول: تمن بها علي أن تستعبد بني إسرائيل، وتمن ~~علي بذلك. # ثم قال فرعون لموسى: (وما رب العالمين (23) فقال له: (رب السماوات والأرض ~~وما بينهما (24) من خلق، (إن كنتم موقنين)، ثم قال لمن حوله: (ألا تستمعون ~~(25) # PageV08P054 # إنما قال اللعين هذا - والله أعلم - لما وقع عنده أن موسى حاد عن جواب ما ~~سأله؛ لأنه إنما له سأله عن ماهيته فهو إنما أجابه عن قهره وربوريته؛ فظن ~~أنه حائد عن جواب ما سأله؛ وكذلك قال لقومه: (ألا تستمعون) إلى ما يقول ~~موسى؛ تعجبا منه أني أسأله عن شيء وهو يجيبني عن شيء آخر. # ثم قال موسى: (ربكم ورب آبائكم الأولين (26) فقال عند ذلك. (إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون (27) نسبه إلى الجنون لما ذكرنا أنه ظن أنه حائد عن ~~الجواب في كل ما ذكر، إنما كان السؤال منه عن الماهية، وهو لم يجبه عنها، ~~فعند ذلك قال موسى: (رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) لم ~~يجبه موسى في كل ما ذكر عن الماهية، ولكن أجابه في الأول في بيان ربوريته ~~وألوهيته حيث قال: (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) ذلك، ~~فعرف اللعين أنه ليس هو رب السموات والأرض لما يعلم أن لا صنع له في ذلك، ~~وأنه لم ينشئهما ولكن أنشأهما رب العالمين على ما ذكر موسى، لكن كأنه لم ~~يعرف حدوثهما ولا فناءهما بما ذكر له موسى؛ لما لم يشاهد حدوثهما وفناءهما، ~~فلم يتقرر ذلك عنده لما يقع عنده أنهما كذلك كانا ويكونان أبدا، فعند ذلك ~~احتاج إلى أن ذكر له ما يشاهد حدوثهما وفناءهما وهو ما قال: (ربكم ورب ~~آبائكم الأولين)، ذكر له ما شاهد حدوثه وفناءه، فإذا عرف حدوث ما ذكر ~~وفناءه يعرف أنه إذا لم يكن بنفسه ولا كان نفسه، ولكن بمحدث أحدثه وبمدبر ~~دبره. # ثم قال: (رب المشرق والمغرب وما بينهما): ذكر هاهنا قدرته وسلطانه، وهو ~~ما يأتي بالنهار من المشرق، وبالليل من المغرب، ويطلع الشمس من المشرق، ~~ويغربها من المغرب؛ وكذلك القمر ms3214 والنجوم، ففيه دلالة البعث؛ لأن من قدر على ~~أن يأتي بالنهار من كذا، وبالليل من ناحية كذا، والشمس والقمر من كذا - ~~قادر على البعث، لا يعجزه شيء؛ ففي كل حرف من هذه الأحرف دلالة واستدلال ~~على شيء ليس ذلك في الأخرى. # وفي قوله: (رب السماوات والأرض) دلالة ربوبية الله وألوهيته. # وفي قوله: (ربكم ورب آبائكم الأولين) دلالة حدوث ما ذكر وفنائه، ودلالة ~~محدث ومدبر. # وفي قوله: (رب المشرق والمغرب) دلالة قدرته وسلطانه على البعث على الوجه ~~الذي ذكرنا. # وفي ذلك دلالة أن الله تعالى لا يعرف بالماهية ولا بما يحس، ولكنه إنما ~~يعرف من جهة الاستدلال بخلقه، وبالآيات التي تدل على وحدانيته، حيث سأل ~~فرعون موسى عن # PageV08P055 # الماهية، فأجاب على الاستدلال بخلقه. # ثم قال اللعين: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال ~~بعضهم: إنما أوعده السجن ولم يوعده القتل؛ لأنه طلب منه الحجة على ما ادعى ~~من الرسالة حيث قال: (قال فأت به ... (31) ولو قتله لكان لا يقدر على ~~إتيانها. # وقال بعضهم: لا، ولكن كان سجنه أشد من القتل ومن كل عقوبة. # فقال له موسى: (أولو جئتك بشيء مبين) أي: ما يبين ربوبية الله وألوهيته ~~أو ما يبين أني رسول الله، فقال له فرعون: (فأت به إن كنت من الصادقين) ~~بالرسالة، وبما ادعيت، فدل قول فرعون لموسى حيث قال له: (فأت به إن كنت من ~~الصادقين) أنه قد عرف أنه رسول، وأنه ليس بإله على ما ادعى، وأن الإله غيره ~~حيث طلب هذه الآية. # وقوله: (إن كنتم موقنين) بالآيات التي تدل على وحدانية الله تعالى ~~ومشيئته، ذكر هذا مقابل إنكارهم الصانع. # والإيقان: هو العلم الذي يستفاد من جهة الاستدلال؛ ولذلك لا يقال لله. ~~موقن. # وقوله: (إن كنتم تعقلون): صلة قوله: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون). # وقوله: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) قال بعضهم: الثعبان: هو ~~الكبيرة العظيمة من الحيات. وقال في موضع آخر: (تهتز كأنها جان)، وقال في ~~موضع آخر: (فإذا هي حية تسعى)، فجائز أن تكون ms3215 كالثعبان بعد ما طرحها ~~وألقاها، وقبل أن يطرحها كالجان وهي الحية الصغيرة، والله أعلم. # وقوله: (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) بياضا خارجا عن خلقة ~~البشرية، وخارجا عن الآفة على ما ذكر في آية أخرى: (من غير سوء). # وقوله: (قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~بسحره فماذا تأمرون (35) هذا منه إغراء وتحريش منه لقومه على موسى؛ لئلا ~~ينظروا إليه بعين التعظيم؛ لعظيم ما أتاهم من الآية وأراهم، حيث قال: (يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، وموسى كان لم يرد إخراجهم من أرضهم، ولكن ذلك ~~إغراء منه لهم عليه؛ لئلا يتبعوه؛ كأنه يقول: يريد أن # PageV08P056 # يخرجكم من أرضكم فيفسد عليكم معاشكم، ويضيق عليكم مقامكم ومتقلبكم. # وقوله: (فماذا تأمرون): هذا يبين أنه كان عرف أنه ليس بإله، فبين دناءته ~~وقلة معرفته؛ لأنه لا يقول ملك من الملوك لقومه: ماذا تأمرون، وخاصة من ~~يدعي لنفسه الألوهية بقوله: (ما علمت لكم من إله غيري)؛ فدل أنه كان خسيس ~~الهمة في الرأي والبال. # * * * # قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل ~~سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم ~~مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة ~~قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا ~~لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم ~~وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب العالمين ~~(47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ~~(49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) # وقوله (قالوا أرجه وأخاه): احبسه وأخره، (وابعث في المدائن حاشرين): ~~الحاشر: الجامع، والحشر: الجمع، (يأتوك بكل سحار عليم (37). # وكان يجب أن يعرف أن السحر يقابل ms3216 بسحر مثله، ولا يحتاج إلى أن يسأل قومه ~~ذلك، لكنه كان اللعين ما ذكرنا من قلة البصر في الأمر وخساسة الهمة ودناءة ~~الرأي. # وقوله (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون ~~(39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) قال اللعين: نتبع السحرة ~~إن كانوا هم الغالبين، ولم يقل: نتبعهم إن كانت معهم الحجة؛ ليعلم أنه قد ~~علم وعرف أن لا حجة معهم، وأن الحجة مع موسى حيث وعد اتباع الغالبين دون من ~~معهم الحجة. # وفي حرف ابن مسعود: (قال للناس هل أنتم مستمعون إلى السحرة أنهم يتغالبون ~~لعلنا نتبع منهم الغالبين). # وقوله: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ~~(41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) هذا ظاهر، لكن أهل التأويل ~~قالوا: كان السحرة كذا كذا عددا، وأن موسى # PageV08P057 # قال لأكبرهم ساحرا: أتؤمن بي إن غلبتك، وقال الساحر كذا، وغير ذلك من ~~الكلام مما ليس ذلك في الكتاب ذكره، وليس ينبغي لهم أن يشتغلوا بشيء من ~~ذلك، أو أن يتأولوا شيئا ليس في القرآن لما يدخل في ذلك من الزيادة ~~والنقصان؛ فيكون للكفرة مقال في ذلك وطعن في رسالة رسول الله؛ لأن هذه ~~الأنباء كانت في كتبهم، فذكرت لرسول الله لتكون آية له في الرسالة، فإن ~~زادوا أو نقصوا يقولون: هذا كذب لم يذكر في كتابنا ذلك؛ فلهذا الوجه ما ~~ينبغي لهم أن يزيدوا على ما ذكر في الكتاب أو ينقصوا؛ لئلا يجد أولئك مقالا ~~في تكذيب رسول الله. # وقوله: (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فإن قيل: كيف قال موسى ~~لأولئك السحرة: ألقوا، وهو يعلم أن ما يلقون هو سحر، فكيف أمرهم بالسحر؟! # قيل: هذا وإن كان في الظاهر أمرا فهو في الحقيقة ليس بأمر، إنما هو تهدد ~~وتوعد، أي: ألقوا لتروا عجزكم وضعفكم، وذلك في القرآن ظاهره أمر، وهو في ~~الحقيقة توعد؛ كقوله لإبليس: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك. . .) الآية، ~~لا يخرج على الأمر، ولكن على التوعد والتهدد، أي: وإن ms3217 فعلت ذلك فلا سلطان ~~لك عليهم؛ كقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، وقوله: (اعملوا ما شئتم). # والثاني: أمرهم بذلك؛ ليظهر كذبهم ويتبين صدقه وحجته؛ إذ بذلك يظهر. # أو قال لهم ذلك لما كان ذلك سبب إيمان أولئك السحرة، والله أعلم. # وقوله: (فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) ~~هذا يدل أن السحرة كانوا يعبدون فرعون حيث قالوا: (بعزة فرعون)، وقد علموا ~~عجز فرعون وضعفه؛ حيث فزع إليهم وقال: (فماذا تأمرون). # وقوله: (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) وقد قرئ: (تلقف) ~~بالتخفيف. # قال أبو عوسجة: تقول: تلقفت الشيء والتقفته، أي: أخذته، وقال غيره: تلقف، ~~أي: تلقم؛ وهو واحد. # وقوله: (يأفكون): وهو الفاعل بمعنى المفعود، أي: مأفوك، وذلك جائز في ~~اللغة وأمثاله كثير؛ كقوله: (في عيشة راضية). # وقوله: (فألقي السحرة ساجدين (46) أخبر لسرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا لما ~~بان لهم من الحق وظهر، فقالوا: (آمنا برب العالمين (47) # PageV08P058 # قال أهد التأويل: إن فرعون قال عند ذلك: أنا رب العالمين، فقالت السحرة: ~~(رب موسى وهارون (48) # لكن الامتناع عن هذا وأمثاله مما لم يذكر في الكتاب أولى؛ لما ذكرنا أنه ~~إنما يحتج عليهم بهذه الأنباء على تصديق من أهل الكتاب له في ذلك، لما هي ~~مذكورة في كتبهم، فيخاف الزيادة والنقصان فيكذبون في ذلك، فيذكر القدر الذي ~~في الكتاب؛ لئلا يدخل فيه الزيادة والنقصان فيفرق به ويكذب، إلا ما ظهر عن ~~رسول الله القول به فيقال، وإلا الامتناع والكف أولى. # ثم قال فرعون: (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) إن ~~فرعون قد علم أن ما جاء به موسى هو حجة، لكنه كان يلبس على قومه وأصحابه ~~ويغريهم عليه، فقال مرة: (إن هذا لساحر عليم)، وقال: (إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون)، وقال مرة: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون)، ~~وقال: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة. . .) الآية. # ثم أوعد لهم بوعائد فقال: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم ms3218 من خلاف ولأصلبنكم ~~أجمعين)، فقالوا هم: (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) أي: إنا إلى ثواب ~~ربنا الذي وعد لنا لراجعون، لا يضرنا ما توعدنا به. # قال أبو عوسجة والقتبي: لا ضير: هو من ضاره يضوره ويضيره بمعنى: ضره، وقد ~~قرئ: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) بالتخفيف بمعنى: لا يضركم. # فقالوا: (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) ~~قال بعضهم: (أن كنا أول المؤمنين)، وقال بعضهم: أن كنا أول أهل مصر إيمانا. # وجائز: أن كنا أول المؤمنين للحال. # وقال بعض أهل التأويل: إن فرعون قد فعل بهم ما أوعد من قطع الأيدي ~~والأرجل والصلب، لكن ليس في الآية بيان حلول ما أوعد بهم؛ فلا نقول به ~~مخافة الكذب. # * * * # قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل ~~فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا ~~لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ~~ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) ~~فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن # PageV08P059 # اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم ~~الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) # وقوله: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) السرى: سير ~~الليل، وهو ما قال في آية أخرى: (فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون)، أي: ~~يتبعكم فرعون وقومه. # وقوله: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) أي: أرسل في المدائن من يحشر ~~الجنود والعساكر. # وقالوا: (إن هؤلاء ... (54) يعنون: أصحاب موسى (لشرذمة قليلون) قال ~~بعضهم: الشرذمة: الجماعة العصابة، أي: عصابة قليلة. # وقال بعضهم: (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) أي: طائفة قليلة. # (وإنهم لنا لغائظون (55) في الحلي الذي استعاروه منا، أي: ذهبوا به، ~~مغايظة لنا. # وقال بعضهم: (وإنهم لنا لغائظون) بما فعلنا بهم من قتل أولادهم، ~~واستحيائهم نساءهم، ورجالهم يفعلون بنا ما فعلنا ms3219 بهم إن ظفروا. # وقوله: (وإنا لجميع حاذرون (56) وحذرون: قال بعضهم: من الحذر. # وقال بعضهم: (وإنا لجميع حاذرون) أي: مؤدون، أي: مقوون، أي: معنا أداة ~~أصحاب الحرب، والمقوي: الذي دابته قوية. # وقال بعضهم: (حاذرون)، أي: مستعدون للحرب. # وقال بعضهم: (حاذرون) لما حدث لهم من الخوف، والحذر للحال حذر المعاودة، ~~أي: حذروا أن يعودوا إليهم، وحذرون أي: كنا لم نزل منهم على حذر. # وقال أبو معاذ: حاذرون: مؤدون من الأداة، أي: تام السلاح. # وفي خروج موسى ببني إسرائيل مع كثرتهم على ما ذكر أنهم كانوا ستمائة ألف ~~فصاعدا من غير أن علم القبط بذلك - آية عظيمة؛ إذ لا يقدر نفر الخروج من ~~محلة أو ناحية إلا ويعلم أهلها بخروجهم، ففي ذلك كان آية عظيمة؛ حيث خرجوا ~~من بينهم من غير أن علم أحد منهم بذلك. # PageV08P060 # وقوله: (فأخرجناهم من جنات وعيون (57) يعني: فرعون وقومه، (من جنات وعيون ~~(57) وكنوز ومقام كريم (58) أي: حسن، (كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) ~~فأتبعوهم مشرقين (60) أي: تبع فرعون وقومه حين شرقت الشمس أي: طلعت - ~~ومشرقين أي: كانوا في الشمس، أي: قوم موسى صاروا في الشمس، يقال: أشرقنا ~~إذا صاروا فيها. # وقوله: (فلما تراءا الجمعان (61) جمع موسى وجمع فرعون، أي: إذا تراءى ~~بعضهم بعضا، (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) قال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين ~~(62) كان قوم موسى لم يعلموا بالبشارة التي بشرها الله موسى أنهم لا ~~يدركون، وهو ما قال: (لا تخاف دركا ولا تخشى) أي: لا تخاف دركهم ولا تخشى ~~فرعون وقومه؛ لذلك قالوا: (إنا لمدركون) وكانت البشارة لهم لا لموسى خاصة، ~~يدل لذلك قول موسى: (كلا إن معي ربي سيهدين) ءلمى أثر قولهم: (إنا لمدركون) ~~أي: كلا إنهم لا يدركونكم. # وقوله: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق (63) أي: انشق؛ ~~وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (فانشق). # (فكان كل فرق كالطود العظيم) أي: كالجبل العظيم، والطود والطور واحد، ~~وأطواد جماعة. # وقوله: (وأزلفنا ثم الآخرين (64) قال الحسن: أزلفنا، أي: أهلكنا ثم ~~الآخرين. # وقال بعضهم: جمعنا، ومنه قيل: ms3220 ليلة المزدلفة، أي: ليلة الازدلاف وهو ~~الاجتماع؛ وكذلك قيل للموضع: جمع. # فإن كان التأويل هذا ففيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعا وتدبيرا؛ لأنه ~~أضاف الجمع إليه، وهم إنما كانوا خرجوا للمعصية؛ فدل ذلك أنه على ما ذكرنا. # وقال بعضهم: (وأزلفنا ثم الآخرين) أي: أدنيناهم وقربناهم، ومنه زلفك ~~الله، أي: قربك الله، ويقال: أزلفني كذا عند فلان، أي: قربني منه، والزلف: ~~المنازل، والمراقي؛ لأنها تدنو بالمسافر، ومنه: (وأزلفت الجنة للمتقين)، ~~أي: أدنيت وقربت؛ وكذلك قال أبو عوسجة والقتبي. # وقوله: (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) الآية ~~ظاهرة. # وقوله (إن في ذلك لآية ... (67) أي: في هلاك فرعون وقومه، وإنجاء موسى ~~ومن معه متعظ ومزجر لمن بعدهم؛ حيث رأوا أنه أهلك الأعداء، وأبقى الأولياء. # PageV08P061 # وقوله: (وما كان أكثرهم مؤمنين): هذا يحتمل وجوها: # قال بعضهم: لم يكن أكثر أهل مصر بمصدقين بتوحيد الله؛ إذ لو كان أكثرهم ~~مؤمنين لم يعذبوا في الدنيا، ولكن غير هذا كأنه أشبه، أي: لو لم يهلكهم ~~الله تعالى، ولكن أبقاهم لم يؤمن أكثرهم. # وقال بعضهم: (وما كان أكثرهم) من بني إسرائيل (مؤمنين) أي: لم يدم أكثرهم ~~على الإيمان، بل ارتد أكثرهم من بعد ما أنجاهم حيث قالوا لموسى: (اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة)، والله أعلم. # وقوله: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) المنتقم من فرعون. # وقوله: (الرحيم): بموسى ومن معه من المؤمنين، هذا في هذا الموضع يستقيم ~~أن يصرف تأويل العزيز إلى الأعداء، والرحيم إلى الأولياء، كل حرف من ذلك ~~إلى الفريق الذي يستوجب ذلك: الرحمة إلى المؤمنين، والنقمة إلى الأعداء. # * * * # قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ~~(70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون ~~(72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) ~~قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي ~~إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين ~~(79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي ms3221 أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل ~~لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي ~~إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) # وقوله: (واتل عليهم نبأ إبراهيم): أي: اتل على أهل مكة نبأ إبراهيم ~~وخبره؛ لأنهم كانوا من أولاد إبراهيم ومن نسله، وهم يقلدون آباءهم في ~~عبادتهم الأصنام، وإبراهيم وبعض أولاده: إسماعيل وإسحاق وهؤلاء كانوا ~~مسلمين، عباد رب العالمين لا عباد الأصنام، فهل اتبعوا إبراهيم ومن كان معه ~~على دينه من آبائهم، دون أن اتبعوا من عبد الأصنام يسفه أحلامهم في عبادتهم ~~الأصنام وتقليدهم أولئك الذين عبدوا من آبائهم الأصنام، وتركهم تقليد من لم ~~يعبدها وعبد الله. # ثم قول إبراهيم حيث قال لأبيه وقومه: (ما تعبدون (70) يحتمل قوله: (ما ~~تعبدون) على ما ذكر في آية أخرى: (ماذا تعبدون). # PageV08P062 # ويحتمل، (ما تعبدون) أي: من تعبدون؟ فقالوا: (نعبد أصناما فنظل لها ~~عاكفين (71) أي: نقيم عاعابدين، أي: نديم على عبادتها، والعكوف على الشيء: ~~هو الإقامة عليه والدوام. # قال أبو معاذ النحوي: " ظل " لا يقال إلا بالنهار، ومحال أن يقال: ظل ~~ليله يصنع كذا، حتى يقول: بات ليله، ومنه الحديث: " ظل نهاره صائما، وبات ~~ليله قائما ". # ثم قال، يبين سفههم: (يسمعونكم إذ تدعون (72) يحتمل قوله: (يسمعونكم) أي: ~~هل يجيبونكم إذ تدعونهم. # ويحتمل: هل يسمعونكم على السماع نفسه، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم؛ ~~كقوله: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) الآية. # وقوله: (إذ تدعون): يحتمل تعبدون، ويحتمل الدعاء نفسه، وإن كان على ~~العادة فلا يحتمل تأويل السماع. # وقوله: (أو ينفعونكم أو يضرون (73) وهل يقدرون على نفعكم وضركم إن أرادوا ~~ذلك بكم وشاءوا. # أو أن يكون ما ذكر أهل التأويل: هل ينفعونكم إن عبدتموها وأطعتموها، أو ~~يضرونكم إن عصيتموها وتركتم عبادتها، فبهتوا ولم يقدروا على الجواب له سوى ~~ما ذكروا من تقليد آبائهم في ذلك فقالوا: (بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ~~(74) لما ms3222 عرفوا أن تلك التي عبدوها لا تملك ضرا ولا نفعا، لكنهم عبدوها ~~تقليدا لأبائهم؛ لما وقع عندهم أن آباءهم ما عبدوها إلا بأمر، إذ لو لم يكن ~~ذلك بأمر ما تركوا، لكن قد ذكر أن في آبائهم من لم يعبدها قط، ثم لم ~~يقلدوهم فكيف قلدوا أولئك؟! دل أن الاعتلال فاسد. # وقوله: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) ثم قال: ~~إنهم وآباءهم الذين عبدوا الأصنام من قبل عدو له [(إلا رب العالمين (77)] ~~استثنى رب العالمين، يقول: هم عدو لي وأنا بريء منهم، إلا أن يكون فيهم من ~~يعبد رب العالمين، فيكون على الإضمار، # PageV08P063 # أي: فإنهم جميعا عدو لي إلا من عبد رب العالمين. # وقال بعضهم: يقول: إن العابد والمعبود كلهم عدو لي إلا رب العالمين، أي: ~~إلا المعبود بالحقيفة الذي يستحق العبادة، فإنه وليي. # وقال بعضهم: ليس على الاستثناء، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: أنتم ~~وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي، ولكن ربي: (الذي خلقني فهو يهدين (78) ~~والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم ~~يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) ذكر هذا لهم أن ~~الإله المستحق للعبادة هو هذا الذي يصنع هذا، وهو المالك للنفع ودفع الضر، ~~لا الأصنام التي عبدتم أنتم وآباؤكم. # وقوله: (رب هب لي حكما (83) قال بعضهم: فهما وعلما، وجائز أن يكون ~~إبراهيم سأل ربه الإبقاء على الحكم؛ إذ كان قد أعطاه العلم والحكم؛ كقوله: ~~(اهدنا الصراط المستقيم). # أو سأل الزيادة على ما أعطاه؛ كقوله: (وقل رب زدني علما). # ويحتمل أن يكون سأل ربه قبول حكمه في الخلق، ورفع الحرج له عن قلوبهم على ~~ما ذكر في حكم رسول الله؛ حيث قال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم. . .) الآية. # وقوله: (وألحقني بالصالحين) أي: توفني على ما توفيت الصالحين حتى ألحق ~~بهم، هذا - والله أعلم - يعني: آله؛ الإلحاق بالصالحين: أن يتوفاه على الذي ~~توفي أولئك - وهو الإسلام - ليلحق بهم، والله أعلم. # وقوله: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين ms3223 (84) # أي: اجعل لي الثناء الحسن في الناس، وكذلك إبراهيم - صلوات الله عليه - ~~جميع أهل الأديان على اختلافهم قد انقادوا له وانتسبوا إليه، وادعوا أنهم ~~على دينه، وأن دينه هو الذي هم عليه ليس من أهل ملة إلا وهم يتولونه. # وقوله - عز وجل -: (واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) أي: اجعلني باقيا من ~~بعد موتي في جنة النعيم؛ إذ الوارث هو الباقي عن الموروث؛ وكذلك تأويل ~~قوله: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها)، أي: نبقى بعد فناء أهلها؛ إذ الوارث ~~هو الباقي؛ فعلى ذلك قول إبراهيم: اجعلني من الباقين في جنة النعيم، والله ~~أعلم. # وقوله: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) لا يحتمل أن يكون استغفار ~~إبراهيم لأبيه - # PageV08P064 # والله أعلم - على ما ذكر في ظاهر الآية: واغفر لأبي فإنه من الضالين؛ ~~لأنه لا يجوز له أن يدعو له وهو كذلك، لكن كان من إبراهيم الاستغفار له، ~~فأخبر الله له أنه من الضالين؛ فيكون هذا الثاني إخبارا من الله لإبراهيم ~~أنه من الضالين، والأول قول إبراهيم. # وكذلك قال بعض أهل التأويل في قصة بلقيس حيث قال: (قالت إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة)، فصدقها الله تعالى في مقالتها ~~وقال: (وكذلك يفعلون)، يجعلون قوله: (وكذلك يفعلون) تصديقا من الله لقول ~~تلك المرأة، [وأمثال] ذلك كثير في القرآن، يكون بعضه مفصولا من بعض كقوله: ~~(ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك)؛ قوله: (ولو ألقى معاذيره) مفصول ~~من قوله: (لا تحرك به لسانك)، لا وصل بينهما؛ فعلى ذلك دعاء إبراهيم يحتمل ~~أن يكون قوله: (واغفر لأبي) مفصولا من قوله: (إنه كان من الضالين)، هذا ~~جائز أن يكون إخبارا من الله لإبراهيم حين دعا له بالمغفر أنه من الضالين. # وجائز أن يكون قوله: (واغفر لأبي) أي: أعط له ما به تغفر خطاياه وهو ~~التوحيد؛ فيكون سؤاله سؤال التوحيد له والتوفيق على ذلك، وبه يغفر ما يغفر ~~من الخطايا؛ كقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وعلى ذلك يخرج دعاء هود لقومه حيث ms3224 أمرهم أن يستغفروا ربهم، وهو قوله: ~~(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)، (وأسلموا له)، طلب منهم ابتداء ~~الإسلام؛ إذ لا يحتمل أن يقول لهم: قولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن ~~يأتوا ما به يغفر لهم وهو التوحيد؛ وكذلك قول نوح: (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا). # وقول أهل التأويل: " إن إبراهيم كذب ثلاثا " كلام لا معنى له، لا يحتمل ~~أن يكون الله يختاره ويجعل رسالته في الذي يكذب بحال. # وقوله: (ولا تخزني يوم يبعثون (87) قال أهل التأويل: (ولا تخزني) أي: لا ~~تعذبني يوم يبعثون، وكأن الإخزاء هو العذاب الذي يهتك الستر على صاحبه، ~~فسأله ألا يهتك الستر عليه؛ لما خاف أن كان منه ما يهتك الستر عليه، فسأل ~~ربه ذلك؛ إذ العصمة لا ترفع عن أصحابها الخوف، بل كلما عظمت العصمة كان ~~الخوف أشد؛ لأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كان خوفهم أشد على دينهم ~~وأنفسهم من غيرهم، ثم الأمثل فالأمثل، هم كذلك أشذ خوفا ممن هو دونهم؛ ألا ~~ترى إلى قول إبراهيم حيث قال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، وقال يوسف: ~~(توفني مسلما وألحقني بالصالحين) # PageV08P065 # ومثله كثير. # وقوله: (يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) ~~لا ينفع ويضر لا يكون في نفي النفع دفع الضر؛ وكقوله: (ولا يقبل منها عدل ~~ولا تنفعها شفاعة)؛ وكقوله: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم)؛ وكذلك قوله: (لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا)، وقوله: (يوم يفر المرء ~~من أخيه (34) وأمه وأبيه). وقوله: (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه)، وقوله: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، ~~وفي ظاهر ما استثنى من الآية دلالة أنه ينفع المال والبنون إذا أتوا بقلب ~~سليم، حيث قال: (لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم). # ويشبه أن يكون كذلك ينفعهم مالهم وأولادهم إذا أتوا ربهم ms3225 بقلوب سليمة؛ ~~لما استعملوا أموالهم في الطاعات وأنواع القرب، وعلموا الأولاد الآداب ~~الصالحة والأخلاق الحسنة، فينفعهم ذلك يومئذ؛ كقوله: (وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء ~~الضعف بما عملوا)، أخبر أنهم إذا آمنوا وتابوا تقربهم أموالهم وأولادهم ~~عنده. # وجائز أن يكون على غير ذلك، أي: لا ينفع مال ولا بنون، وإنما ينفع من أتى ~~ربه بقلب سليم. # والقلب السليم: هو السالم عن الشرك، أو السليم عن الآفات والذنوب، ~~والخالص لربه لا يجعل لغيره فيه حقا ولا نصيبا. وشرط فيه إيتاءه ربه ما ~~ذكر؛ ليعلم أنه ما لم يقبض على السلامة والتوحيد لا ينفعه ما كان منه من ~~قبل من الطاعات، إذا لم يقبض على التوحيد؛ وكذلك ذكر في الحسنات الإتيان ~~فقال: من جاء بالحسنة فله كذا، ولم يقل: من عمل بالحسنة، وهو ما ذكرنا أن ~~يخرج من الدنيا على التوحيد، ولا يفسد ما عمل من الحسنات، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل ~~لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها ~~يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) ~~وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) ~~فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) # وقوله: (وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين)، وذكر في حرف ~~ابن مسعود # PageV08P066 # وأبي: (وقربت الجحيم الضالين) وفي هذه القراءة الظاهرة: (برزت): أظهرت. # وقوله: (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله ... (93) في ~~الدنيا، أي: ثم يقال لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله في الدنيا، هل ~~ينصرونكم ويمنعونكم من عذاب الله، أو ينتصرون هم من العذاب؟! لأنهم يطرحون ~~جميعا العابد والمعبود في النار؛ كقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم)، وإنما قالوا ذلك لهم؛ لأنهم كانوا ms3226 يقولون في الدنيا: (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله)، و (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، فيقال لهم مقابل ذلك ~~في الآخرة: (هل ينصرونكم) الآية. # وقوله: (فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) قال الزجاج: هو من كب، أي: كبوا، ~~لكن ذكر كبكبوا على التكرار والإعادة مرة بعد مرة، أي: يكبون لم يزل عملهم ~~ذلك، أو كلام نحو هذا. # وقال القتبي: (فكبكبوا فيها): ألقوا على رءوسهم، وقذفوا. # وأصل الحرف كبوا، من ذلك كببت الإناء، فأبدلت مكان الباء الكاف، وهو ~~الطرح والإلقاء على الوجوه؛ يقال: كبكبتهم أي: طرحتهم في النار أو في ~~البئر، هو من قوله: (فكبت وجوههم في النار). # (والغاوون): قيل: الضالون، يقال: غوى يغوى غيا وغواية فهو غاو، أي: ضل؛ ~~وهو قول أبيءوسجة والقتبي. # وقال ألي ومعاذ: (فكبكبوا): أصله: كبوا. # وقال بعضهم: جمعوا فيها: (وجنود إبليس أجمعون (95) # قال بعضهم: (والغاوون) هم الشياطين، (وجنود إبليس): ذريته، أي: الشياطين ~~الذين أضلوا بني آدم؛ وهو قول قتادة. # وقال بعضهم: (والغاوون): هم كفار الجن، (وجنود إبليس) هم الشياطين. # وقال بعضهم: (والغاوون): هم الأئمة من الكفار، (وجنود إبليس): سائر ~~الكفار أتباعهم وذريتهم، والله أعلم. # PageV08P067 # وقوله: (قالوا وهم فيها يختصمون (96) ذكر أنهم يختصمون في النار، ولم ~~يذكر فيم يكون خصومتهم؟ فجائز أن يكون في آية أخرى: (يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين. . .)، إلى آخر ما ذكر، وقوله! ~~(قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار) الآية، وقوله: (ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا) الآية، وأمثاله من المجادلات التي تجري ~~فيما بين الأتباع والمتبوعين. # وقال بعضهم: اختصامهم ما ذكر على أثره، قال: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين ~~(97) إذ نسويكم برب العالمين (98) هذه مخاصمتهم. # وقوله: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين): فإن كان ~~قولهم هذا للأصنام التي عبدوها، وذلك في تسميتهم آلهة، وجعلهم العبادة لها ~~يسوونها برب العالمين في التسمية والعبادة. # وإن كان قولهم هذا للشياطين، فهو في اتباعهم أمرهم ودعاهم الذي دعوهم، ~~وإلا لا أحد من الكفرة يقصد قصد ms3227 عبادة الشيطان أو يسميه: إلها، ولكن على ما ~~ذكرنا من متابعتهم أمرهم. # وفي حرف ابن مسعود: (إذ نسويكم برب العالمين إذ كنا نشرككم برب ~~العالمين). # وقال بعضهم: إذ كنا نطيعكم كما نطيع رب العالمين. # وقال بعضهم: إذ نعدلكم برب العالمين؛ وبعضه قريب من بعض. # وقوله: (وما أضلنا إلا المجرمون (99) أي: ما أضلنا إلا أوائلنا؛ وكذلك في ~~حرف ابن مسعود: (وما أضلنا إلا الأولون). # وتأويل هذا: أنهم لما رأوا الأولين تركوا على ما كانوا عليه من الكفر ~~والشرك، ولم يعذبوا في الدنيا ولا أصابتهم نقمة - ظنوا أنهم أمروا بذلك، ~~وهو ما ذكر في آية أخرى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها). # وقوله: (فما لنا من شافعين (100) لأنهم قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ~~فلم يشفعوا لهم، أي: ليست لنا شفعاء يشفعون، ولو كانت لهم شفعاء لا تنفعهم ~~شفاعتهم، على ما قال: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، وهو ما قال: (لو أن لهم ~~ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به)، ليس أنه كان ينفعهم فعلى ذلك ~~هذا. # وقوله: (ولا صديق حميم (101) الحميم: القريب، أي: ليس لهم حميم يهتم ~~بأمرهم. # PageV08P068 # وقوله: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) # وقوله: (فلو أن لنا كرة) أي: لو أن لنا رجعة إلى المحنة فنكون من ~~المؤمنين، فأخبر الله أنهم إو ردوا لعادوا بقوله: (ولو ردوا لعادوا) إلى ما ~~كانوا فيه لما نهوا عنه، وقد ذكرناه. # وقوله: (إن في ذلك لآية (103) ما ذكرنا من الأخبار والأنباء لآية وعبرة ~~لمن اعتبروا. # (وما كان أكثرهم مؤمنين): قال بعضهم: لو كان أكثرهم مؤمنين ما عذبوا في ~~الدنيا. # وجائز أن يكون لو ردوا إلى المحنة التي سألوا الرجعة إليها، ما كان ~~أكثرهم مؤمنين. # وجائز أن يكون نفر منهم، والله أعلم. # (وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) قد ذكرناه. # قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا ~~تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ms3228 (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) ~~إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ~~(116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد ~~الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (122) # وقوله: (كذبت قوم نوح المرسلين): ذكر كذبت بالتأنيث على إضمار جماعة؛ ~~كأنه قال: كذبت جماعة قوم نوح، وإلا القوم يذكر ويؤنث. # وقوله: (المرسلين): لأن من كذب رسولا من الرسل فقد كذب الرسل جميعا؛ لأن ~~كل رسول يدعو الخلق إلى الإيمان بجميع الرسل. # وبعد: فإن نوحا كان يدعو قومه إلى الإيمان بالرسل الذين يكونون بعده؛ ~~لذلك قال - والله أعلم -: (كذبت قوم نوح المرسلين). # وقوله: (إذ قال لهم أخوهم نوح ... (106) قال أهل التأويل: كان أخاهم في ~~النسب، وليس بأخيهم في الدين. قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: إن الله ~~- تعالى - سمى الناس: بني آدم؛ على بعدهم من آدم، فيجوز -أيضا- تسميتهم: ~~إخوة على بعد بعضهم من بعض. # وقوله: (ألا تتقون): نقمة الله وعذابه في مخالفتكم أمره ونهيه. # PageV08P069 # أو يقول: ألا تتقون عبادة غير الله، وطاعة من دونه. # وقوله: (إني لكم رسول أمين (107) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: كنت أمينا فيكم قبل هذا، فتصدقونني في جميع ما أخبرتكم ~~وأنبأتكم، فما بالكم لا تصدقونني الآن إذا أخبرتكم أني رسول الله إليكم؟! # والثاني: يقول: إني لكم رسول أمين، ائتمنني الله وجعلني أمينا على وحيه، ~~فأبلغكم الرسالة وأؤدي الأمانة شئتم أو أبيتم، قبلتم أو لم تقبلوا، فلا ~~أخافكم ما توعدونني بعد أن جعلني الله أمينا وائتمنني على أمانته؛ كقوله: ~~(فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون). # وقوله: (فاتقوا الله وأطيعون (108) أي: اتقوا نقمة الله وعذابه، أو اتقوا ~~مخالفة الله في أمره ونهيه، وأطيعون فيما أبلغكم عن الله وأدعوكم إليه. # قوله تعالى: (وما ms3229 أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) ~~أي: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم أجرا وشيئا يمنعكم ثقل ذلك عن ~~الإجابة، ولا أحملكم في أموالكم وأنفسكم مؤنة فيما أدعوكم إليه، بل أدعوكم ~~إلى عبادة الواحد، وعبادة الواحد أهون وأخف على أنفسكم من عبادة العدد، ولا ~~أحملكم في أموالكم وأنفسكم مؤنة فيما أدعوكم إليه من عبادة العدد، ولا ~~أحملكم - أيضا - مؤنة يمنعكم ذلك عن إجابتي. # (إن أجري) أي: ما أجري. # (إلا على رب العالمين): (فاتقوا الله وأطيعون (110) (فاتقوا الله) ما ~~ذكرنا، أي: اتقوا نقمة الله وعذابه، واتقوا مخالفة الله في أمره ونهيه، ~~وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. # وقوله: (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) يقولون: نصدقك وإنما اتبعك ~~الضعفاء منا والسفلة ممن لا رأي لهم ولا تدبير، ولو كنت صادقا لاتبعك ~~الأشراف والرؤساء، فكان في اتباع الأراذل له ومن ذكروا أعظم آية من الرسالة ~~من اتباع الأشراف، وذلك أن الأراذل من الناس هم أتباع لغيرهم؛ لما يأملون ~~من فضل مال ونيل منهم، أو رياسة ومنزلة تكون لهم، أو لفضل بصر وحظ وعلم في ~~الدين؛ فيصيرون أتباعا لمن كان عنده من هذه الخصال شيء، فالرسل - صلوات ~~الله عليهم - حيث لم يكن عندهم أموال ولا طمع رياسة ولا منزلة اتبعهم ~~الضعفاء والسفلة، مع خوف لهم على أنفسهم من أولئك الأشراف من القتل والصلب ~~لمخالفتهم إياهم، فما اتبعوهم إلا لما تبين عندهم أنهم على حق، وأن ما ~~يدعون صدق، ففي اتباع من ذكرنا أعظم دلالة على صدق الرسل فيما ادعوا من ~~الرسالة لو تأملوا التفكر في ذلك. # وقول نوح: (وما علمي بما كانوا يعملون (112) يحتمل وجهين: # PageV08P070 # أحدهما: يقول: لم أكن أعلم أن الله يهديهم للإيمان والتوحيد من بينكم - ~~يعني: الضعفاء - ويدعكم لا يهديكم. # ثم قال: (إن حسابهم ... (113) أي: ما جزاء الذين اتبعوني من الأراذل (إلا ~~على ربي لو تشعرون). # والثاني: (وما علمي بما كانوا يعملون)، أي: ما أنا بعالم بما يعملون هم ~~في السر وما ذلك علي، (إن حسابهم إلا على ربي ms3230 لو تشعرون)، أي: حسابهم عليه ~~فيما يعملون في السر؛ فهذا يدل أن التأويل الأخير أشبه وأقرب من الأول، ~~وكان من أولئك طعن في الذين آمنوا بأنهم يعملون في السر على خلاف ما ~~أظهروا، حتى قال لهم ذلك. # وفي بعض القراءات: (لو يشعرون) بالياء، فهو راجع إلى المؤمنين الذين ~~اتبعوه، يقول: حسابهم على الله فيما يعملون في السر، أي: لو يشعرون ذلك ولا ~~يعملون في السر خلاف، ما يعملون في العلانية، والله أعلم. # وقوله: (وما أنا بطارد المؤمنين (114) قال أهل التأويل: إنهم سألوا نوحا ~~أن يطرد أولئك الذين آمنوا به من الضعفاء؛ حتى يؤمنوا هم به، فقال عند ذلك: ~~(وما أنا بطارد المؤمنين). # وجائز أن يكونوا طعنوا في الذين آمنوا أنهم قالوا ظاهرا، وأما في السر ~~فليسوا على ذلك، فقال نوح عن ذلك: وما أنا بطارد الذين آمنوا؛ يدل على ذلك ~~قول نوح حيث قال: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا)، هذا ~~القول منه يدل على أن كان منهم طعن في أولئك الذي آمنوا به، حيث وكل أمرهم ~~إلى الله فقال: الله أعلم بما في أنفسهم، والله أعلم. # وقوله: (إن أنا إلا نذير مبين (115) قد ذكرناه فيما تقدم في غير موضع. # وقوله: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) المرجوم: هو ~~المقتول بالحجارة، وهي أشد قتل؛ لذلك أوعدوه. # وقال بعضهم: لتكونن من المشتومين باللسان. # لكن الأول أقرب؛ لأنه قد كان منهم الشتم فلا يحتمل الوعيد به. # ثم دعا نوح عند ذلك فقال: (رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم ~~فتحا ... (118) أي: اقض # PageV08P071 # بيني وبينهم قضاء، أي: اقض عليهم بالعذاب والهلاك، ألا ترى أنه قال: ~~(ونجني ومن معي من المؤمنين)؛ فدل سؤاله نجاة نفسه ومن معه من المؤمنين على ~~أن قوله: (فافتح بيني وبينهم فتحا) سأل ربه هلاك من كذبه، وهو ما قال في ~~قصة أخرى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، الذي وعدت أنه ينزل بهم، ~~وهو العذاب، فعلى ذلك هذا. # ثم لا يحتمل أن يكون ms3231 هذا منه في أول تكذيب كان منهم، بل كان ذلك بعد ما ~~أيس من إيمانهم؛ لأنه لبث فيهم ما قال الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما، ~~وفي كل ذلك دعاهم إلى توحيد الله، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد ما أخبره ~~الله تعالى عن أمرهم وأياسه عن ابمانهم، فقال: (لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن)، وأذن له بالدعاء عليهم بما دعا؛ إذ الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا ~~يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن من الله في ذلك؛ ألا ترى أنه ذكر عتاب ~~يونس بالخروج من بينهم بلا إذن كان من الله له بالخروج من بينهم، فإذا عوتب ~~هو بالخروج بلا إذن فلا يحتمل أن يدعو بالهلاك بلا إذن، والله أعلم. # وقوله: (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) قيل: المملوء. # قال أبو معاذ: والعرب تقول: شحنت السفينة فلم يبق إلا الدفع: وهو السوق، ~~وتقول العرب: شحنا عليهم بلادهم خيلا ورجالا، أي: ملأناها. # وقال بعضهم: المشحون: المجهز الذي قد فرغ منه فلم يبق إلا دفعه؛ وهو ~~واحد. # وإنما شحنت بأصناف من الخلق وإلا كان المؤمنون قليلي العدد، وهو ما قال ~~فيها: (من كل زوجين اثنين)، أخبر أنه أنجى من كان معه في الفلك المشحون، ~~وأهلك الباقين. # وقوله: (إن في ذلك لآية (121) أي: في نبأ نوح الآية لمن كان بعدهم. # أو إن في هلاك قوم نوح وإغراقهم لعبرة لمن بعدهم. # (وما كان أكثرهم مؤمنين. . .) إلى آخر القصة قد ذكرناه. # * * * # قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون ~~(124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسألكم عليه ~~من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا ~~الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين ~~(133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء ~~علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا # PageV08P072 # إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن ms3232 في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) # وقوله: (كذبت عاد المرسلين (123) هو - والله أعلم - ما ذكرنا، أي: قد ~~كذبت جماعة عاد المرسلين. # وقوله: (المرسلين) ما ذكرنا أن كل رسول كان دعا قومه إلى الإيمان به ~~وبجميع الرسل فمن كذب واحدا منهم، فمد كذب الكل. # وقوله: (إذ قال لهم أخوهم هود (124) هو كان أخاهم في النسب؛ لأنهم جميعا ~~ولد آدم على بعد من آدم؛ فعلى ذلك هم إخوة فيما بينهم على بعد بعضهم من ~~بعض. # وقوله: (ألا تتقون) يحتمل وجهين: أحدهما: ألا تتقون نقمة الله وعذابه. # أو ألا تتقون مخالفة أمر الله ومناهيه. # (إني لكم رسول أمين (125) فيما ائتمنني الله، وبعث على يدي إليكم هدايا، ~~فاقبلوا مني هداياه وأمانته، أو أن يكون ما ذكرنا من قبل، والله أعلم. # وقوله: (فاتقوا الله وأطيعون (126) ما ذكرناه. # (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أي: أسعى في ~~نجاتكم وتخليصكم من عذاب الله، وما أسألكمى لي ذلك أجرا، وفي الشاهد: لا ~~يعمل أحد إلا ويطمع على ذلك منه أجرا، وأنا لا أسالكم اعلى ذلك أجرا، ~~فيمنعكم ذلك عن قبول ذلك مني. # (إن أجري) أي: ما أجري (إلا على رب العالمين). # وقوله أن (أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع ... (129) هذا ~~يحتمل وجوها: # أحدها: كأنهم كانوا يبنون بنيانا لا حاجة لهم إلى ذلك البنيان ولا ~~ينتفعون به فهو عبث؛ لأن كل من بني بناء أو عمل عملا لا ينتفع به ولا يحتاج ~~إليه فهو عابث؛ لذلك سمى ما بنوا: عبثا. # والثاني: جائز أن يكون ذلك المكان لهم كان مكان العبث والاجتماع للهو، ~~فبنوا على ذلك المكنان فسماه: عبثا؛ لما لم يكن اجتماعهم في ذلك إلا للعبث ~~واللهو. # والثالث: أن يكون ذلك المكان مكانا يمر فيه الناس فبنوا فيه أعلاما يضلون ~~الناس بها لما يرون أنه طريق ولم يكن ذلك، فكان قصدهم بذلك البناء باطلا، ~~وكل باطل عبث، والله أعلم. # وقوله: (لعلكم تخلدون): ولا تموتون، أي: تنفقون نفقة ms3233 من يطمع أن يخلد في ~~هذه الدنيا، ليس بنفقة من يموت ويرجو ثوابه وعاقبته. # PageV08P073 # أو أن يكون قوله: (لعلكم تخلدون) لما وسع عليهم الدنيا ورزقهم الدعة ~~يحسبون أنهم يخلدون؛ لأن من وسع عليه الدنيا ويكون له الدعة والسعة في هذه ~~الدنيا، يطمئن فيها ويسكن؛ وهو كما قال: (يحسب أن ماله أخلده)؛ فعلى ذلك ~~الأول، والله أعلم. # وقوله: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) كنى - والله أعلم - بالجبار عن ~~الظالم والمعتدي، أي: وإذا بطشتم بطشتم ظالمين. # والريع: - هو المكان المرتفع. # وقال بعضهم: هو الطريق. # ومصانع: قال بعضهم: البنيان، وقيل: الحياض. # وقال أبو عوسجة: الريع: ما ارتفع من الأرض، وجمع الريع: ريع، وجمع الريع ~~أرياع؛ وهما واحد. والريع: الربح -أيضا- تقول: أراع إذا ربحت عليه، وجمعه: ~~أرياع. # ومصانع في موضع: قصور وفي موضع: حياض يجتمع فيها الماء، الواحد: مصنعة من ~~كلاهما. # وقال: البطش: الأخذ، يقال: بطشت بفلان أبطش بطشا؛ إذا أخذته وقبضت عليه. # وقال القتبي -أيضا-: الريع: الارتفاع من الأرض، والمصانع: البناء، ~~واحدها: مصنعة؛ فكان المعنى: أنهم يستوثقون في البناء والحصون، ويذهبون إلى ~~أنها تحصنهم من أقدار الله وقضائه، وهذا يشبه أن يكون ما ذكر؛ لأنه قال في ~~آخره: (لعلكم تخلدون) أي: يبنون بناء كأنهم يخلدون ولا يموتون. # وقال: (وإذا بطشتم بطشتم) أي: إذا ضربتم بالسياط ضربتم ضرب الجبارين، ~~وإذا عاقبتم قتلتم. وقال بعضهم: بطشتم: أخذتم بالظلم والاعتذار والاستحلال ~~لما حرم الله. # وقال أبو معاذ: وكل بناء مصنعة. وفي حرف حفصة: (وتبنون مصانع كأنكم ~~خالدون). # والآية: العلم. # وقال بعضهم: الريع ما استقبل الطريق من الجبال والظراب. # وقال قتادة: كل نشز في الأرض. # PageV08P074 # وقال محمد بن إسحاق: إنهم كانوا إذا سافروا فلا يهتدون إلا بالنجوم، ~~فبنوا القصور الطوال عبثا علما بكل طريق يهتدون بها في طرقهم. # وقال بعضهم: مصانع، أي: مجالس ومساكن لعلكم تخلدون ما بقيت مصانعكم. # والجبار: هو الذي يضرب أو يقتل بلا حق بلا خوف تبعة في العاقبة. # وقوله: (فاتقوا الله وأطيعون (131) قد ذكرناه. # وقوله: (واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم: قيل: أعطاكم وهو ms3234 من ~~المدد، أي: أعطاكم الكم تباعا واحدة بعد واحدة لا تنقطع. # ثم هو يحتمل وجهين: # أحدهما: اتقوا كفران الذي أعطاكم النعم، فلا توجهوا شكرها إلى من لم ينعم ~~عليكم ولم يمدها لكم وأنتم تعلمون، وهو عبادتهم الأصنام التي لا يقدرون على ~~إعطاء شيء من النعم. # والثاني: اتقوا نقمة الله الذي أعطاكم هذه النعم؛ فإن الذي قدر على ~~إنعامها قدر على الانتقام منكم. # وعلى التأويل الأول: اتقوا كفرانها؛ فإن الذي قدر على إعطائها قدر على ~~صرفها عنكم على هذين الوجهين، والله أعلم. # ثم ذكر الذي أمده لهم من النعم فقال: (أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات ~~وعيون (134) هذا وغيره مما لا يحصى. # (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قال بعضهم: (إني أخاف) أي: أعلم أن ~~ينزل بكم عذاب، يوم عظيم. # وقال بعضهم: الخوف هاهنا هو الخوف نفسه؛ لأنه كان يرجو الإيمان منهم بعد، ~~فقال: إني أخاف عليكم العذاب إذا متم على هذا، فقالوا عند ذلك جوابا له: ~~(سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) الوعظ: هو الإخبار عن عواقب ~~الأمور من ترغيب وترهيب، أي: سواء علينا تخوفنا العذاب أو لم تخوفنا لا ~~نصدقك، ولا نجيبك إلى ما تدعونا إليه. # ثم قالوا: (إن هذا إلا خلق الأولين (137) قيل فيه بوجوه: # أحدها: أي: هذا الذي نحن عليه دين الأولين، وما أتيت أنت وتدعونا إليه هو ~~حادث بديع. # والخلق: يجوز أن يكنى به عن الدين؛ كقوله: (لا تبديل لخلق الله) أي: لدين ~~الله. # PageV08P075 # وقال بعضهم: قوله: (إن هذا) أي: ما هذا الذي تقوله إلا كذب الأولين ~~واختلاقهم، أي: تكذب وتختلق، كما اختلق الذين كانوا من قبلك من الرسل؛ ~~كقوله: (إن هذا إلا أساطير الأولين)، فإن كان على هذا فيكون قوله: (كذبت ~~عاد المرسلين) هذا لأنهم كذبوا الرسل جميعا. # وقال بعضهم: قوله: (إن هذا إلا خلق الأولين) قالوا: هكذا كان الناس قبلنا ~~يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون ولا بعث ولا حساب. # وقال بعضهم: الوعظ: هو النهي؛ كقوله: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا) ~~أي: ينهاكم. # وقوله: ms3235 [(وما نحن بمعذبين (138)] عليه على ما تزعم وتخبر كما لم يعذب ~~الآباء. # وقوله: (فكذبوه فأهلكناهم ... (139) قيل: أهلكوا بالريح؛ كقوله: (وأما ~~عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية. . .) الآية. # وقوله: (إن في ذلك لآية): قد ذكرناه. # وقال أبو عوسجة والقتبي: (خلق الأولين)؛ أي: اختلاقهم وكذبهم؛ يقال: خلقت ~~الحديث واختلقته، إذا افتعلته. # قال الفراء: والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق. # قال ومن قرأ: (خلق الأولين) - بضم الخاء - أراد: عادتهم وشأنهم. # * * * # قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون ~~(142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسألكم عليه ~~من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) ~~في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) ~~الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ~~ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها ~~شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) ~~فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) # PageV08P076 # وقوله: (كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) ~~قد ذكرنا تأويله فيما تقدم. # (إني لكم رسول أمين (143) أي: كنت أمينا قبل ذلك، فكيف تتهموني اليوم؟! ~~ويقال: أمين على الرسالة ناصح لكم، وقد ذكرنا تأويله، إلى قوله: (إن أجري ~~إلا على رب العالمين). # وقوله: (أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) يخرج على وجهين: # أحدهما: أتتركون هذا، وإن خرج على الاستفهام فكأنه قال على الإخبار: ولا ~~تتركون فيما ذكر آمنين. # والثاني: أتتركون: أي: أتظنون أن تتركوا فيما هاهنا آمنين، أي: لا تظنوا ~~أن تتركوا. # (في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) # قال بعضهم: الهضيم: المتهشم. # وقال بعضهم: الذي أرطب بعضه، وهو الذي يسمى: المذنب. # وعن ابن عباس قال: هو الذي قد أرطب واسترخى وهو اللين. # وعن الحسن: الذي ليس له نوى. # وقال بعضهم: هو من ms3236 الرطب الهضيم، وهو الذي ينقطع للينه، ومن اليابس: ~~الهشيم يتكسر ليبوسته. # وقال القتبي: والهضيم: الطلع قبل أن ينشق عنه القشر وينفتح. # وقال أبو عوسجة: الهضيم: الذي لا شوك فيه ولا مشقة. # وقال بعضهم: الهضيم: هو الذي يتراكم بعضه بعضا، ويكون فوق بعض. # ولو قيل: إن الهضيم هو الهنيء المريء الذي لا داء فيه ولا مشقة يهضم كل ~~ما فيه داء ومرض؛ ولذلك سمي الهاضوم: هاضوما، وهو الذي يهني الطعام ويهضمه ~~- لجاز، والله أعلم. # وقوله: (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) بالألف، وفرهين بغير ألف: ~~(فرهين) # PageV08P077 # أي: حاذقين مجيدين، أي: لهم حذاقة وبصر في نحت البيوت في الجبال؛ يقال: ~~فلان فاره في أمر كذا، أي: حاذق. # و (فرهين): أشرين بطرين، أي: فرحين. # قال القتبي: والفرح: قد يكون السرور، ويكون الأشر، ومنه قول الله - تعالى ~~-: (إن الله لا يحب الفرحين) أي: الأشرين. # قال: ومن قرأها (فارهين) - بالألف - فهي لغة أخرى؛ يقال: فره، وفاره؛ كما ~~يقال: فرح، فارح، ويقال: فارهين: حا ذ قين. # وقال أبو عوسجة: فارهين وفرحين، أي: مسرورين، ويقال: فره يفره فرها، فهو ~~فره وفاره. # وقوله: (فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) يقول - ~~والله أعلم -: اتقوا نقمة الله في مخالفتكم أمره، وأطيعون ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين، أي: لا تطيعوا أمر من ظهر لكم منه الإسراف والفساد، ولكن أطيعوا ~~أمري؛ إذا لم يظهر لكم مني إسراف ولا فساد، ولا تطيعوا الذين تعلمون أنهم ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون. # أو أن يكون قوله: (ولا تطيعوا أمر المسرفين) مؤخرا عن قوله: (ما أنت إلا ~~بشر مثلنا)؛ يقول لهم صالح: تتركون طاعتي والإجابة لي لأني بشر مثلكم؛ فلا ~~تطيعوا إذن بشرا هو دوني، وهم الذين ظهر لكم منهم الفساد والإسراف، ولم ~~يظهر لكم مني شيء: يخبر عن سفههم وقلة تمييزهم؛ حيث تركوا اتباع الرسل ~~وطاعتهم؛ لأنهم بشر دونهم في كل شيء، ثم أجابوا صالحا في قوله: (ولا تطيعوا ~~أمر المسرفين). # فقالوا: (إنما أنت من المسحرين (153) اختلف فيه: # قال بعضهم: يقولون: إنما أنت سوقة مثلنا، لست ms3237 بأفضلنا، وإنما نتبع نحن ~~الملوك وذا ثروة من المال، وأنت لست بملك ولا لك ثروة، فهم - والله أعلم - ~~طعنوا صالحا كما طعن كفار مكة رسول الله حيث قالوا: (مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق). # وقال بعضهم: يقولون: أنت بشر مثلنا في المنزلة، لا تفضلنا بشيء لست بملك ~~ولا رسول، (فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) بأنك رسول، فنتبعك كما أطعنا ~~أولئك وأولئك. # PageV08P078 # وقال القتبي: (إنما أنت من المسحرين)، أي: من المعللين بالطعام والشراب؛ ~~وهو مثل الأول. # وقال أبو عوسجة: (من المسحرين) ممن له سحروا السحر ألوية، وأسحار جمع. # وقال بعضهم: من المسحورين، لكنه عند الكثرة يشدد، والله أعلم. # ثم قال صالح: (هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ذكر أهل ~~التأويل أن الماء منقسم بينهم: كان يوم لهم ويوم للناقة، واستدلوا بقوله: ~~(ولكم شرب يوم معلوم)، فلما كان يوم لها معلوم، لكن ليس في الآية دلالة أن ~~الأمر ما وصفوا، ولكن في الآية أن الماء قسمة بينهم: كل يوم لهم ويوم شرب ~~محتضر، وظاهره أن الماء بينهم بالقسمة لا الشرب. # وقوله: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم): جائز أن يكون الماء بينهم بعضه ~~للناقة وبعضه لهم، ثم لهم يوم معلوم ليس للناقة في ذلك اليوم شيء، والله ~~أعلم. # وقد ذكرنا أن هذه الأنباء إنما ذكرت في كتبهم حجة لرسول الله؛ فلا يزاد ~~على ما ذكر في الكتاب، مخافة أن تذهب حجته عليهم - أعني: أهل الكتاب - لئلا ~~يكذبوا رسول الله فيما يخبر من الأنباء التي في كتبهم. # وقوله: (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا ~~نادمين (157) يحتمل قوله: (فأصبحوا نادمين) إذا هلكوا، وإلا لو ندموا على ~~صنيعهم وتابوا قبل أن يهلكوا لقبل ذلك منهم. # وقوله: (فأخذهم العذاب ... (158) كل آية آتاهم الرسل على أثر السؤال ~~فكذبوها أخذهم العذاب فأهلكوا. # وقوله: (إن في ذلك لآية): قد ذكرناه. # * * * # قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما ms3238 أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين ~~(165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا ~~لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين ~~(168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا ~~عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء ~~مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (175) # وقوله: (كذبت قوم لوط المرسلين): قد ذكر بالتأنيث على إضمار جماعة؛ كأنه ~~قال: # PageV08P079 # كذبت جماعة قوم لوط المرسلين. # (إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161). . .) إلى قوله: (العالمين) قد ~~ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (أتأتون الذكران من العالمين (165) وقال في آية أخرى: (إنكم ~~لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين). # وقوله: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) أي: ~~تذرون ما جعل الله ذلك طلبا لإبقاء هذا النسل؛ لأنه لم يجعل النساء لهم ~~لقضاء الشهوات خاصة، ولكن إنما جعل لهم الأزواج لإبقاء هذا النسل ودوامه، ~~فيعيرهم لوط بتركهم إتيان النساء؛ لما في ذلك انقطاع ما جعلن هن له وهو ~~إبقاء النسل، واشتغالهم بالرجال، وليس في ذلك إبقاء النسل، هذا - والله ~~أعلم - معنى قوله: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم)، وإنما خلق لبقاء ~~النسل لا لقضاء الشهوة خاصة، لكن جعل فيهم ومكن قضاء الشهوات؛ ليرغبهم على ~~ذلك ليبقى هذا النسل إلى يوم القيامة، وإلا لو لم يجعل ذلك فيهم لعلهم لا ~~يتكلفون ذلك، ولا يتحملون هذه المؤن التي يتكلفون حملها لذلك. # وفي الآية دلالة أن المرأة هي المملوكة عليها دون الزوج، والزوج هو ~~المالك عليها حيث قال: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم)، وقال في آية ~~أخرى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا. . .) الآية، أخبر أنه خلق ~~النساء لنا لا أنه خلقنا لهن، وفي ذلك حجة لأصحابنا في قولهم: إن المسلم ~~إذا تزوج نصرانية بشهادة نصرانيين جاز النكاح؛ لأنه ms3239 هو المتملك عليها ~~النكاح وهي المملوكة، والله أعلم. # وقوله: (بل أنتم قوم عادون) أي: بل أنتم قوم متجاوزون حده الذي حد لكم. # أو عادون حقه الذي له عليكم. # أو عادون. # وقوله: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) ذكر الانتهاء ~~ولم يبين عن ماذا، فجائز أن يكونوا قالوا: لئن لم تنته يا لوط من تعييرك ~~الذي تعيرنا به لتكونن من المخرجين. # ويحتمل: لئن لم تنته من دعائك الذي تدعونا إليه لتكونن كذا. # وقوله: (لتكونن من المخرجين): يحتمل نفس الإخراج، أي: نخرجك من القرية ~~ومن بيننا. وجائز أن يكون أرادوا بالإخراج: إخراجا بالقتل؛ كقول قوم نوح ~~حيث قالوا: (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين)، وهو أشبه. # PageV08P080 # ثم قال لوط: (إني لعملكم من القالين (168) أي: من المبغضين، أي: كيف ~~توعدونني بالإخراج، وإني لعملكم الذي تعملون من المبغضين؛ أكره المقام ~~فيكم، وأبغض رؤية أعمالكم التي تعملون، فكيف توعدونني بالإخراج؟!. # ثم دعا فقال: (رب نجني وأهلي مما يعملون (169) هذا يحتمل وجوها. # أحدها: رب نجني وأهلى من عذاب ما يعملون وجزائه. # أو أن يكون: رب نجني وأهلي من عمل ما يعملون من الخبائث؛ كقول إبراهيم: ~~(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). # أو أن يقول: رب نجني وأهلى عن رؤية ما يعملون ومعاقبته. # ثم قال: (فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) قد ~~ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) يحتمل أن يكون أمطر ~~عليهم الحجارة بعدما قلبهم ظهرا لبطن وبطنا لظهر؛ كقوله: (جعلنا عاليها ~~سافلها وأمطرنا عليها حجارة). وجائز أن يكون جعل عاليها سافلها بما أمطر ~~عليهم من الحجارة. # وجائز أن يكون جعل القريات ومن فيها عاليها سافلها، وأمطر على من كان ~~غائبا منهم الحجارة. # قال أبو عوسجة والقتبي: (من القالين) أي: من المبغضين، يقال: قليت الرجل ~~إذا أبغضته، ومن ذلك قوله: (ما ودعك ربك وما قلى)، والغابر: الباقي. # * * * # قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ~~(177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما ms3240 أسألكم عليه ~~من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) ~~قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ~~ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم (191) # وقوله: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين): الأيكة: قال بعضهم: هي شجرة نسبوا ~~إليها. # وقال بعضهم: الأيكة: الغيضة. # (إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) قال بعض أهل التأويل: وإنما لم يقل ~~هاهنا في شعيب أخوهم؛ لأن شعيبا لم يكن من نسلهم - أعني: من نسل أصحاب ~~الأيكة - لذلك لم # PageV08P081 # يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وقال في سورة هود حيث قال: (وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا. . .) الآية، كان من نسل أهل مدين، ويقولون: إن شعيبا كان بعث إلى ~~أهل مدين وهو كان منهم، وإلى أصحاب الأيكة وهو لم يكن منهم؛ لذلك قال ثم: ~~أخاهم ولم يقل هاهنا. # لكن ليس فيما لم يقل: إنه أخوهم ما يدل أنه لم يكن من نسلهم ولا من ~~نسبهم؛ لأن جميع أولاد آدم إخوة، إذ يسمى جميع البشر بنيه؛ فعلى ذلك أولاده ~~إخوة وأخوات. # ثم لا ندري أن مدين غير الأيكة والأيكة غير مدين، فبعث شعيب إليهم جميعا ~~أو هما واحد نسبوا إلى الأيكة مرة وإلى مدين ثانيا، والله أعلم. # وقال القتبي: الأيكة: الغيضة، وجمعها: أيك. # وقال أبو عوسجة: الأيكة: شجرة، والأيك: جمع أيكة، وقال: لا أعرف " ليكة " ~~بلا ألف؛ وكذلك قال أبو عبيدة. # وقال أبو زيد: أصحاب الأيكة أصحاب بادية، والله أعلم. # وقوله: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وكذلك قال لأهل مدين ~~في سورة هود: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم)، ذكر فيهما جميعا إيفاء الكيل، فلسنا ندري أنه ms3241 قد ظهر فيهما جميعا ~~نقصان الكيل والوزن، فأمرهما بإيفاء ذلك لو كانت القصة واحدة فذكر فيهما ~~ذلك. # ثم في قوله: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) ~~جواز الاستدلال من وجهين: # أحدهما: وقوع المبيع بملك المشتري، وإن لم يقبضه المشتري. # والثاني: جواز بيع الجزء من الكيلي والوزني شائعا من الكل؛ لأنه قال: ~~(ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، أضاف الأشياء إلى الناس ونسبها إليهم، فلولا ~~أن ذلك ملك لهم وإلا لم تكن، أشياءهم، ولكن كانت أشياء هؤلاء؛ إذ لا يخلو ~~ذلك إما أن كان ثمنا أو كان مبيعا، فكيفما كان فهو موصوف بالملك لهم دون ~~الذين عليهم إيفاء ذلك. # وقوله: (أوفوا الكيل): كأنه قال: أوفوا الكيل والوزن فيما عليكم إيفاؤه، ~~ولا تستوفوا # PageV08P082 # من الناس أكثر مما لكم عليهم. # (وزنوا بالقسطاس المستقيم) القسطاس: قال بعضهم: العدل، أي: وزنوا للناس ~~حقوقهم بالعدل ولا تنقصوها. # وقال بعضهم: القسطاس: هو المبان وهو الميزان. # وقوله: (المستقيم): المستوي؛ كأنه قال: وزنوا بالميزان المستوي، لا ~~تجعلوا إحدى الكفتين أثقل من الأخرى؛ كأنهم يجعلون الكفة التي يوفون بها ~~حقوق الناس أثقل، والكفة التي يستوفون بها من الناس أخف، فأمرهم أن يسووا ~~الكفتين جميعا. # وقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) أي: لا تفسدوا فيها. # وقوله: (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) أي: اتقوا نقمة الذي ~~خلقكم وخلق الجبلة الأولين، أي: كيف عذبهم وانتقم منهم بظلمهم. والجبلة: هي ~~الخليقة؛ يقال: جبل أي: خلق. # (قالوا إنما أنت من المسحرين (185) قال بعضهم: هو الذي سحر مرة بعد مرة؛ ~~فعلى هذا التأويل يكون إنما أنت من المسحورين، لكن التشديد للتكثير. # وقال بعضهم: إنما أنث مخلوق وبشر مثلنا، وقد ذكرناه. # وقوله: (وإن نظنك لمن الكاذبين (186) هذا يدل أنهم إنما قالوا ذلك ظنا ~~منهم لا يقينا وحقا. # (فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) سألوا شعيبا ~~العذاب على التعنت، كما سأل غيرهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم)، فنزل بهم العذاب من حيث سألوا من السماء. # وعن الحسن قال: سلط الله ms3242 الحر على قوم شعيب سبعة أيام ولياليهن، حتى ~~كانوا لا ينتفعون بظل بيت ولا ببرد ماء، ثم رفعت لهم سحابة في البرية ~~فوجدوا تحتها الروح، فجعل بعضهم يدعو بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أشعلها ~~الله نارا فأحرقتهم، فذلك قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلة. . .) الآية. # وقال بعضهم: سقطت عليهم تلك السحابة فقتلتهم. # والظلة: قال أبو عوسجة: حر شديد. # PageV08P083 # وقال القتبي: (كسفا)، أي: قطعة من السماء، والكسف القطع. # وقال بعضهم: أصابهم حر شديد وغم في بيوتهم، فخرجوا يلتمسون الروح قبله، ~~فلما غشيتهم تلك السحابة أخذتهم الرجفة فأصبحوا جاثمين. # وقال بعضهم: ظلل العذاب إياهم، وبعضه قريب من بعض. # وعن ابن عباس قريبا من هذا قال: " بعث الله عليهم وهدة وحرا شديدا، فأخذ ~~بأنفاسهم، فلما أحسوا بالموت بعث لهم سحابة فأظلتهم، فتنادوا تحتها، فلما ~~اجتمعوا سقطت عليهم، فذلك قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلة)، والظلة: السحابة؛ ~~وهو قريب من الأول. # وقول شعيب: (ربي أعلم بما تعملون (188) من نقصان الكيل وغيره من صنيعهم. # وقوله: (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ... (189) كذبوه فيما أخبر من نزول ~~العذاب بهم، أو كذبوه فيما ادعى من الرسالة وما سوى ذلك؛ هو مذكور فيما ~~تقدم. # * * * # قوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) ~~على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر ~~الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو ~~نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك ~~سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) ~~فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا ~~يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ~~(206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ~~ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) # وقوله: (وإنه لتنزيل رب العالمين): وإنه - أي: القرآن - تنزيل رب ~~العالمين، أي: نزله رب العالمين. # (نزل به الروح الأمين): جواب لقولهم: (إنما يعلمه ms3243 بشر). # وقوله: (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك (194) يحتمل وجوها: # أحدها: أن جبريل لما ينزل من القرآن إنما ينزل على قلبه، لا يحجبه شيء عن ~~قلبه. # PageV08P084 # والثاني: (على قلبك) أي: لا يذهب عنه، بل الله يجمعه في قلبك؛ كقوله: (لا ~~تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه). # أو أن يكون قوله: (على قلبك) أي: يثبته على قلبك لقولهم: (لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك). # أو أن يكون قال ذلك لما انتهى إلى قلبه وحفظه غاية حفظه قال: (على قلبك)؛ ~~كأنه ألقي في قلبه وكذلك يقال. # وقوله: (لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) كأنه - والله ~~أعلم - على التقديم والتأخير يخرج، أي: نزل به الروح الأمين على قلبك بلسان ~~عربي مبين لتكونن من المنذرين. # والباطنية يقولون: أنزله على رسوله كالخيال غير موصوف بلسان، ثم إن رسوله ~~أداه بلسانه العربي المبين أي: بينه، لكنه ليس كذا؛ لأنه قال في آية أخرى: ~~(إنا أنزلناه قرآنا عربيا)؛ فيبطل قولهم: إنه أداه بلسانه عربيا من غير أن ~~أنزله كذلك، ولو كان على ما يقوله الباطنية: إنه لم ينزله بهذا اللسان - ~~أعني: اللسان العربي - وأن الرسول هو الذي صيره بهذا اللسان وأداه به لكان ~~لا يصير جوابا لقولهم: (إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين)، ولا حجة عليهم، فإذا ذكر هذا جوابا لقولهم وحجة عليهم؛ دل ~~أنه إنما أنزل عليه عربيا، وأن تأويل الأول ما ذكرنا على التقديم والتأخير. # وقوله: (وإنه لفي زبر الأولين (196) قال بعض أهل التأويل: وإنه - أي: نعت ~~محمد وصفته - كان في كتب الأولين. # وجائز أن يكون قوله: (وإنه) أي: هذا القرآن كان ذكره في كتب الأولين أنه ~~ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أن عينه كان فيها. # أو أن كان بعضه في زبر الأولين لا الكل، والله أعلم. # وقوله: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) قال بعض أهل ~~التأويل: أولم يكن لهم محمد آية أن علماء ms3244 بني إسرائيل كانوا يعلمون أنهم ~~يجدونه مكتوبا عندهم في الكتب. # لكن تأويله: أو لم يكفهم علم علماء بني إسرائيل آية أنه رسوله. ثم الآية ~~تكون بوجهين: # أحدهما: ما ذكر أن أهل مكة أرسلوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم عن رسول ~~الله، فأخبروهم عنه أنه يخرج في وقت كذا، وأن نعته كذا، وهذا وقت خروجه. # والثاني: يقول: أولم يكفهم آية إسلام علماء بني إسرائيل وفقهائهم أنه ~~رسول نحو ابن # PageV08P085 # سلام وغيره؛ إذ كانوا لا يسلمون إلا عن علم وثبت أنه رسول؛ إذ كان في ~~إسلامهم ذهاب مكانتهم ورياستهم، والله أعلم. # وقوله: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين (199) قال بعضهم: نزلناه على رجل منهم عربي فلم يؤمنوا به، فكيف لو ~~نزلناه على أعجمي؟! # وقال بعضهم: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، يقول: ~~إذن لكانوا شر الناس فيهم ما فهموه وما دروا ما هو؛ وهو قريب من الأول. # وقال بعضهم: لو نزلناه على بعض الأعجمين من الدواب فكلمهم هذا ما صدقوه؛ ~~يذكر سفههم وتعنتهم. # ويحتمل قوله: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) أي: لو نزلناه أعجميا فلم ~~يفهموه لقالوا: (لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي)، ولكن نزلناه عربيا؛ لئلا ~~يقولوا ذلك، والله أعلم. # وقوله: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا ~~العذاب الأليم (201) قال بعضهم: هكذا سلكنا الكفر والتكذيب، وأدخلناه في ~~قلوب المجرمين. # وقال بعضهم: كذلك سلكناه - يعني: البيان والحجج - في قلوب المجرمين حتى ~~عقلوه، ولزمتهم الحجة، لكنهم تركوا الإيمان تعنتا وعنادا، لا يؤمنون به حتى ~~يروا العذاب الأليم، حين لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم عند معاينة العذاب ~~إيمان دفع واضطرار لا إيمان اختيار، وهو كما قال: (فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده)؛ لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم حين خرج أنفسهم من بين ~~أيديهم، وإيمان اضطرار لا إيمان اختيار؛ لذلك لم ينفعهم. # وقوله: (فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) أي: يأتيهم العذاب فجأة وهم لا ~~يشعرون؛ لأنه - عز وجل - إذا علم منهم أنهم لا ms3245 يؤمنون أبدا، أنزل بهم ~~العذاب بغتة، ولو علم منهم أنهم يؤمنون حقيقة عند معاينة العذاب؛ لأنزل ~~عليهم العذاب معاينة مجاهرة؛ ليؤمنوا فيقبل منهم ذلك ويدفع العذاب عنهم، ~~كما قبل إيمان قوم يونس حيث قال: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا ~~قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. . .)، قبل ~~منهم الإيمان عند معاينتهم العذاب؛ لما علم منهم أنهم يحققون الإيمان في ~~ذلك، # PageV08P086 # وأما من كان همهم المعاندة والمكابرة فهم لا يحققون الإيمان. # وقوله: (فيقولوا هل نحن منظرون (203) لا يزالون يطلبون الرجعة إلى ~~الدنيا، وتأخير العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم؛ كقولهم: (ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب)؛ وكقوله: (يا ليتنا نرد)، فيتمنون الرجوع والنظرة، لكن لا يجابون. # وقوله: (أفبعذابنا يستعجلون (204) هو كقولهم: (متى هذا الوعد)، وقولهم: ~~(فأمطر علينا حجارة)، ومثله، وإلا ليس هذا في الظاهر جوابا لقوله: (فيقولوا ~~هل نحن منظرون) وجواب هذا - والله أعلم - قوله: (أفرأيت إن متعناهم سنين ~~(205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون. . .): ~~يقول: ما يغني تأخير العذاب عنهم، وإمهالهم عنه وقتا يمتعون فيه - من عذاب ~~الله من شيء؛ لا ينفعهم ذلك. # أو أن يكونوا سألوا العذاب في الظاهر واستمهلوه في الحقيقة، فخرج قوله: ~~(أفرأيت إن متعناهم سنين. . .) الآية جوابا لاستمهالهم. # أو أن يكون بعضهم استعجل العذاب واستمهل غيرهم، فخرج هذا جواب من استمهل. # ثم خوفهم فقال: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى ... ) ~~يقول: (وما أهلكنا من قرية) إهلاك استئصال وانتقام، إلا بعد الإنذار وإقامة ~~الحجة والبيان. # (ذكرى وما كنا ظالمين (209) أي: موعظة وزجرا عما هم فيه. # أو (ذكرى) بذكر ما لهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض. # وقوله: (وما كنا ظالمين): في تعذيبهم، أي: لم نعذبهم بلا ذنب ولا جرم، ~~ولكن بعنادهم ومكابرتهم؛ لأن العذاب في الدنيا لا يكون لنفس الكفر ولكن ~~لعناد ومكابرة، وإنما عذاب الكفر في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا). أي: ما كنا معذبين في الدنيا تعذيب ms3246 انتقام حتى ~~نبعث رسولا، فيظهر منهم العناد والمكابرة، فعند ذلك يعذبهم الله. # وقال بعضهم: (وما كنا ظالمين) أي: ما كنا نعذبهم إلا من بعد البيان ~~والحجة وقطع العذر، والله أعلم. # وفي مصحف أبي: (وما أهلكنا من قرية إلا بذنوب أهلها). # PageV08P087 # وقوله: (وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم) قال بعضهم: ما تنزلت ~~بالقرآن الشياطين، فذلك جواب لقول أهل مكة: إن محمدا كاهن معه رئي يأتيه ~~بما يقول يعنون بالرئي: الشيطان، وكانت الشياطين من قبل يقعدون من السماء ~~مقاعد يستمعون فيها الوحي من الملائكة، فينزلون به على الكهان فمن بين مصيب ~~ومخطيء، فقالوا: محمد كذلك، فأكذبهم الله في مقالتهم تلك، فقال: (وما تنزلت ~~به) أي: بالقرآن (الشياطين. # وما ينبغي لهم) أن ينزلوا بالقرآن (وما يستطيعون)، أي: قد حيل بينهم وبين ~~السمع بالملائكة والشهب، وأخبر أنهم عن السمع لمعزولون. # وفي قوله: (وما يستطيعون. إنهم عن السمع لمعزولون (212) دلالة أن من أراد ~~أن يجعل القرآن حجة لغير الذي جعل هو حجة، لم يقدر على النطق به ولا ~~التلاوة؛ نحو: من يأتي أفقا من آفاق الأرض لم ينته إليهم هذا القرآن، فادعى ~~لنفسه النبوة وجعل يحتج بهذا القرآن، فإنه لا يقدر على تلاوته ولا النطق ~~به؛ لأنه إنما جعل حجة وبرهانا للمحق لا للمبطل حيث قال: وما تنزلت ~~الشياطين وما ينبغي لهم أن ينزلوا وما يستطيعون ذلك وإنهم معزولون عن ذلك. # * * * # قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر ~~عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك ~~فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك ~~حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) # وقد ذكرنا وجه النهي لرسول الله في قوله: (فلا تدع مع الله إلها آخر) ~~وأمثاله، والله أعلم. # وقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين (214) روي عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه ~~الآية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قريشا، فخص وعم فقال: " يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار؛ ms3247 فإني لا ~~أملك لكم من الله نفعا ولا ضرا، يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار؛ ~~فإنى لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، وقال: يا معشر بني عبد مناف، ~~أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا "؛ وكذلك قال ~~لبني عبد المطلب، وقال لفاطمة ابنته: " يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من ~~النار؛ فإني لا أملك لك من الله ضرا ولا نفعا، ولكن لك رحم سأبلها ببلالها ~~" أي: بأصلها. # PageV08P088 # وفي بعض الأخبار: أنه قال عند نزول هذه الآية: " إني أرسلت إلى الناس ~~عامة، وأرسلت إليكم يا بني هاشم وبني عبد المطلب خاصة "، وهم الأقربون وهما ~~أخوان ابنا عبد مناف. # وعن الحسن قال: ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع أهل ~~بيته قبل موته فقال: " ألا إن لي عملي ولكم عملكم، ألا إني لا أملك لكم من ~~الله شيئا، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفنكم يوم القيامة ~~تأتونني بالدنيا تحملونها على رقابكم، ويأتيني الناس بالآخرة ". # وعن قتادة ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بات ليلة على ~~الصفا يفخذ عشيرته فخذا فخذا يدعوهم إلى الله، قال في ذلك المشركون. لقد ~~بات هذا الرجل يهوت منذ الليلة. # يقول يصيح، فأنزل الله في ذلك: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى) الآية. # ومعنى التخصيص في إنذاره عشيرته في هذه الآية يحتمل وجهين - وإن كانوا ~~داخلين في جملة إنذار الناس جميعا في قوله: (للعالمين نذيرا) إذ هم من ~~العالمين -: # أحدهما: جائز أن يكونوا هم يطمعون شفاعة رسول الله يوم القيامة، وإن لم ~~يطيعوه ولم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه؛ على ما روي عنه أنه قال: " كل نسب ~~وسبب منقطع يومئذ إلا نسبي وسببي "، فيشبه أن يكونوا يطمعون شفاعته يومئذ - ~~وإن خالفوه بحق القرابة والوصلة - ما لا يطمع ذلك غيرهم من الناس إلا ~~بالطاعة والإجابة، فأمره أن ينذرهم؛ لئلا يكلوا إلى شفاعته، ولكن احتالوا ~~حيلتهم بالطاعة والعمل لما يأمر، ms3248 وهو ما ذكر في الأخبار التي ذكرنا: " إني ~~لا أملك لكم من الله نفعا ولا ضرا، ألا إن أوليائي منكم المتقون "، أخبر أن ~~لا ولاية إذا لم يتقوا مخالفته. # والثاني [ ### | .... # ]. # وقوله: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) قيل: لين جانبك لمن ~~اتبعك من # PageV08P089 # المؤمنين؛ كأنه أمر رسوله أن يتواضع لهم ويرحم، وقال في الوالدين: (واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة)، وقال في المؤمنين: بعضهم لبعض فيما بينهم ~~(رحمآء بينهم)، (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، ذكر الذل فيما ~~بينهم والرحمة، ولم يذكر في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذل - والله ~~أعلم - لأن الذل كأنه يرجع إلى الخضوع واستخدام بعضهم بعضا، وذلك في رسول ~~الله بعيد لا يحتمل أن يأمره بالخدمة لهم. # وجائز أن يمتحن بعضهم بخدمة بعض، والله أعلم. # وقوله: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) قالوا: إنه راجع إلى ~~قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) وموصول به؛ كأنه قال: وأنذر عشيرتك الأقربين ~~فإن عصوك فقل (إني بريء مما تعملون). # قد كان رسول الله بريئا مما كان يعمل أولئك الكفرة، لكنه يحتمل أن يكون ~~أولئك لما أنذرهم رسول الله، طلبوا منه أن يطيعهم في بعض أمورهم ويشاركهم ~~في بعض أعمالهم؛ حتى يطيعوا أولئك له في بعضا يأمرهم ويدعوهم إليه، ~~ويشاركونه في بعض أعماله، فقال عند ذلك: إنه بريء مما يدعونه إليه، وطلبوا ~~منه مساعدته إياهم والإغماض عما يعملون فقال: (وتوكل على العزيز الرحيم ~~(217) كأنه أمنه عن شرهم وكيدهم فقال: (وتوكل على العزيز الرحيم)، ولا تخف ~~مخالفتهم إياك فيما تدعوهم إليه. # أو أمره أن يكل نفسه إليه، ويفوض جميع أموره في كل وقت فقال: (وتوكل على ~~العزيز الرحيم)، العزيز: المنتقم لأوليائه أو الشديد بأعدائه، الرحيم ~~بأوليائه. # أو ذكر العزيز؛ لأنه به يعز من يعز وهو يرحم من يرحم، من لم يعزه هو لا ~~يكون عزيزا ومن لم يرحمه هو لا ينفعه ترحم غيره، والعزيز هو الذي لا يعجزه ~~شيء. # وقوله: (الذي يراك حين تقوم (218) في ظلمة الليل وحدك قائما وجالسا وعلى ms3249 ~~حالاتك، ويراك في تقلبك -أيضا- في الساجدين في الصلاة مع الناس في الجماعة. # وبعضهم يقول في (وتقلبك في الساجدين (219) في المصلين؛ يقول: كان يرى من ~~خلفه من الصفوف كما يرى من أمامه. # لكن هذا ليس تأويل الآية، بل كلام قاله من ذات نفسه، ولو كان ما ذكر لكان ~~يقول: يريك، برفع الياء لا بالنصب. # وروي في بعض الأخبار: " أنا إمامكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا ~~بالقيام، فإني أركم خلفي كما أراكم أمامي، والذي نفسي بيده لو رأيتم ما ~~رأيت لضحكتم # PageV08P090 # قليلا ولبكيتم كثيرا "، قالوا: يا رسول الله وما رأيت؟ قال: " رأيت الجنة ~~والنار ". # وقال بعضهم: يراك حين تقوم إلى الصلاة فتصلي وحدك، ويراك مع المصلين في ~~جماعة؛ وهو مثل الأول. # وفي حرف حفصة: (وتقلبك في الساجدين). # (إنه هو السميع العليم (220) السميع لمقالتهم مما يخفون ويسرون وما ~~يعلنون، والعليم: بضمائرهم وخفياتهم. # أو السميع: المجيب لمن دعاه، العليم: بأفعالهم وأعمالهم. # * * * # قوله تعالى (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم ~~(222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم ~~تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # وقوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم): خرج ~~هذا - والله أعلم - وما تقدم ذكره من الآيات جوابا لقول كان من رؤساء ~~الكفرة وقادتهم لا يزالون يلبسون على أتباعهم والسفلة أمر رسول الله وما ~~ينزل، فقالوا مرة: (أساطير الأولين)، ومرة: (ما هذا إلا إفك مفترى)، وأنه ~~شاعر وأنه ساحر، ومرة قالوا: (إنما يعلمه بشر)، وأمثال هذا، فجائز أن كان ~~منهم -أيضا- قول: إن الشياطين هم الذين يتنزلون بهذا القرآن عليه، على ما ~~ذكر أنهم قالوا: يجيء به الرئي - وهو الشيطان - فيلقيه على لسانه، فقال عند ~~ذلك جوابا لهم: (وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم. . .) الآية، ولكن ~~إنما يتنزل به جبريل حيث قال: (قل نزله روح القدس. . .) الآية. ms3250 # ثم أخبر عن الشياطين أنهم على من ينزلون حيث قال: (هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم)، ذكر هذا لما عرفوا هم أن الشياطين لا ~~يتنزلون # PageV08P091 # إلا بكذب وباطل، فمن لا ينزل إلا بكذب وباطل لا ينزل إلا على كذاب أفاك، ~~وكان معلوما عندهم أن محمدا لم يكذب قط ولا أفك أبدا؛ إذ لم يأخذوه يكذب ~~فيما بينهم قط، فيقول - والله أعلم - كيف يتنزل عليه الشياطين وهو معروف ~~عندكم أنه ليس بكذاب ولا أفاك، وقد تعلمون أن الشياطين لا ينزلون إلا بكذب ~~وباطل؟! على هذا يخرج تأويل هذه الآيات، وإلا على الابتداء لا يحتمل أن ~~تكون. # ثم أخبر عن صنيع الشياطين دنقال: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) # قال بعضهم: يلقي الشياطين بآذانهم إلى السمع في السماء لكلام الملائكة، ~~وذلك أن الله إذا أراد أمرا في الأرض علم به أهل السماء من الملائكة، ~~فيتكلمون به فيسمع الشياطين ذلك، فيخبرون به الكهنة، فيخبر الكهنة أهل ~~الأرض بذلك، فيقولون: إنه يكون في الأرض كذا في وقت كذا، ثم قال: (وأكثرهم ~~كاذبون) - على هذا التأويل -: وأكثر الشياطين كاذبون فيما يخبرون الكهنة من ~~أخبار السماء. # وقال بعضهم: إن الجن كانوا يصعدون إلى السماء فيسترقون أسماعهم إلى ~~السماء، فيسمعون من أخبار أهلها، ثم ينزلون به على الكهنة، ويسمع الكهنة ~~-أيضا- من أخبار الرسل، ويخلطون ما سمعوا من الرسل من الحق بما سمعوا من ~~الشياطين. # وقال بعضهم: كانوا يسمعون من الجن حقا، لكنهم يخلطون من عند أنفسهم كذبا، ~~فيحدثون به الناس، حتى إذا كان الناس يتركون ما يسمعون منهم من الكذب، ~~حدثوهم بذلك الحق الذي نزل به من السماء، ويراجعونهم ويصدقونهم؛ فذلك قول ~~الله: (وأكثرهم كاذبون) أي: أكثر قولهم كذب، والله أعلم بذلك. # وقوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون (224) قال بعضهم: رجلان شاعران كانا على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم ~~آخرين، فهجوا رسول الله وأصحابه ومع كل واحد منهما غواة من قومه؛ فذلك ~~قوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون). # قال: فاستأذن ms3251 شعراء المسلمين النبي أن يقتصوا من المشركين، فأذن لهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهجوا المشركين ومدحوا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وذلك قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)؛ أخبر في الأول: ~~(والشعراء يتبعهم الغاوون)، فاستثنى شعراء المسلمين بقوله: (إلا الذين ~~آمنوا). # PageV08P092 # وقال بعضهم: الشعراء عصاة الجن يتبعهم غواة الإنس؛ كقوله: (شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض). # وقال بعضهم: هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس؛ وهو مثل الأول. # وقوله: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) قال بعضهم: في كل فن يأخذون، ~~أي: يمدحون قوما بباطل، ويذمون قوما بباطل. # (وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) وأنهم يصفون ما لا يعلمون؛ وكذلك ذكر ~~في بعض الحروف أنه كذلك. # وقال بعضهم: إنهم في كل لغو وباطل يخوضون. # (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) يقول: في أكثر قولهم يكذبون. # وقال بعضهم: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) أي: يقولون: فعلنا كذا، وهم ~~كذبة؛ لم يفعلوا ذلك. # وقال أبو عوسجة: (يهيمون) أي: يذهبون ويمضون ويركبون كل واد، هام يهيم ~~هيما فهو هائم، ويقال: الهائم: العطشان، يقول: هام يهيم هيما، وهيمان: ~~عطشان، وقوم هيم، والهائم، الواهن المحب الذي هو عطشان إلى لقاء من يحب، ~~والتهويم: النوم؛ يقال: هوم يهوم تهويما، وقوله: (فشاربون شرب الهيم) هم ~~العطاش، والواحد: هيمان. # وقال القتبي (في كل واد يهيمون) أي: في كل واد من القول وفي كل مذهب ~~يذهبون؛ كما يذهب الهائم على وجهه. # وقوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من ~~بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) هذا الاستثناء ~~يحتمل أن يكون من قوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون) وهو ما ذكرنا؛ كأنه قال: ~~أولئك الشعراء وهم القادة منهم الذين قالوا: نحن نقول بمثل ما أتى محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وقالوا الشعر وأنشدوه واجتمع إليهم غواة من قومهم ~~يستمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي وأصحابه، قاستثنى شعراء ~~المسلمين الذين قالوا الشعر وأنشدوه في انتصار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه فقال: (إلا الذين آمنوا ms3252 وعملوا الصالحات) فإنهم لا يتبعهم ~~الغاوون. # PageV08P093 # أو أن يكون الاستثناء من قوله: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإنهم لا يهيمون في ~~كل واد، ويقولون ما يفعلون، ولا يقولون ما لا يفعلون، بل يذكرون الله كثيرا ~~وينتصرون لرسوله؛ ولأنفسهم من بعد ما ظلموا؛ فيكون الاستثناء في أحد ~~التأويلين من الاتباع وفي الآخر من الأئمة والقادة؛ فكان منهم قول سبق في ~~ذلك، حتى قال: (والشعراء يتبعهم الغاوون. . .) إلى آخر ما ذكر؛ إذ لا يحتمل ~~على الابتداء دون قول كان منهم على ما ذكرنا في قوله: (وما وما تنزلت به ~~الشياطين. . .)، وقوله: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. . .) الآية، قد ~~كان من أولئك الكفرة قول وطعن بأن الشياطين هم الذين يتنزلون به عليه، حتى ~~خرج جوابا لهم: (وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم)، وإن لم يذكر ذلك، ~~يظهر ذلك في الجواب أن كان منهم قول وطعن، وإن لم يذكر، ثم أوعدهم وقال: ~~(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) يحتمل في الآخرة في منقلب الظلمة ~~وهي النار، أي: يعلمون علم عيان يومئذ، وإن لم يعلموا ذلك في الدنيا علم ~~استدلال لما تركوا النظر فيه. # أو يعلمون ذلك علم عيان في الآخرة، وإن علموا في الدنيا علم استدلال، ~~لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا، والله أعلم وصلى الله على رسولنا محمد ~~وآله أجمعين. # * * * # PageV08P094 ### | سورة النمل # وهي مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء ~~العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ~~(6) # قوله - عز وجل -: (طس): قد ذكرنا فيما تقدم تأويل الحروف المعجمة وأقاويل ~~الناس فيها؛ وكذلك الآيات قد ذكرناها. # وقوله: (وكتاب مبين): يحتمل قوله: (مبين) أي: بين واضح؛ لأن (أبان) قد ~~يستعمل في موضع (بان)، يقال: ms3253 بان وأبان. # ويحتمل: (وكتاب مبين) أي: يبين أنه رسول من الله، أو يبين ما لله عليهم، ~~أو ما لبعضهم على بعض، أو ما لهم وما عليهم. # وقوله: (هدى وبشرى للمؤمنين (2) # قوله: (هدى) يحتمل وجهين: # أحدهما: دعاء؛ كقوله: (ولكل قوم هاد) أي: داع يدعو الخلق إلى توحيد الله ~~تعالى؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (هدى) أي: دعاء، يدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ~~فإن كان هذا فهو للناس كافة. # والثاني: جائز أن يريد بالهدى: الهدى الذي هو نقيض الضلال وضده، فهو ~~للمؤمنين خاصة، وإن كان أراد به البيان والدعاء فهو للكل. # وقوله: (هدى وبشرى للمؤمنين) أي: يدعوهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، فإذا ~~آمنوا كان لهم بشرى. # ثم نعت المؤمنين ووصفهم فقال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ... ~~(3) يحتمل قوله: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) أي: يقرون بهما ~~ويؤمنون؛ لأن من الناس من كان يؤمن بالله وبرسوله، لكنهم أبوا الإيمان ~~بالصلاة والزكاة؛ كقوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم). لا يحتمل أن يأمرهم بحبسهم إلى أن تمضي السنة فتجب الزكاة عليهم ~~فيؤتون، فحينئذ يخلون سبيلهم، ولكن الأمر بحبسهم إلى أن يقروا بها ويؤمنوا، ~~فيخلون عند ذلك سبيلهم. # PageV08P095 # وكذلك قوله: (الذين لا يؤتون الزكاة)، لا يقبلونها ولا يقرون بها ليس على ~~فعل الإيتاء، فعلى ذلك الأول يحتمل هذا. # والثاني: يحتمل الأمرين جميعا: القبول والإقرار بها والإيتاء جميعا، أي: ~~إذا قبلوها وأقروا بها وأعطوها - فحينئذ يستوجبون هذه البشارة التي ذكرت. # وقوله: (وهم بالآخرة هم يوقنون): الإيقان بالشيء: هو العمل به من جهة ~~الاستدلال والاجتهاد، والأسباب التي يستفاد بها العلم بالأشياء لا العلم ~~الذاتي؛ ولذلك لا يوصف الله على الإيقان بالشيء ولا يقال: يا موقن؛ لأنه ~~عالم بذاته لا بالأسباب، وبالله التوفيق. # وقوله: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) ~~الأعمال التي هم فيها بما ركب فيهم من الشهوات والأماني. # ويحتمل (زينا لهم أعمالهم) الأعمال التي هي عليهم، أي: زين لهم الخيرات ~~والطاعات، لكنهم أبوا أن يأتوا بها؛ فالمعتزلة قالوا بهذا التأويل، وأبوا ms3254 ~~أن يقولوا بالأول أن يكون من الله تزيين ما هم فيه من الشرك والكفر وأنواع ~~أفعال الكفر؛ إذ أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان حيث قال: (وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل)، وقال: (الشيطان سول لهم)، ونحو ذلك من الآيات، ~~فقالوا: أضاف إلى الشيطان، ولا يجوز أن يضاف إلى الله ذلك بعينه؛ فدل أن ~~الله إنما زين لهم أعمالهم التي عليهم من الإيمان والخيرات، لا الأعمال ~~التي هم فيها. # لكن عندنا يجوز إضافة تزيين أعمالهم التي هم فيها إلى الله من جهة ما ركب ~~فيهم من الشهوات والأماني التي توافق طباعهم وأنفسهم؛ لأن التزيين يقع بنفس ~~الكفر وأفعاله؛ إذ الكفر نفسه ليس بمزين ولا مستحسن، إنما هو شتم رب ~~العالمين، ولكن تزيينه واستحسانه هو موافقة ما يعمل من الأعمال طباعه ~~والجهة التي تضاف إلى الله؛ إذ الجهة التي تضاف إلى الشيطان هو دعاؤه ~~وتمنيه إلى ما يوافق طباعهم؛ فمن هذه الجهة يجوز إضافته إلى الشيطان، ~~والجهة التي تضاف إلى الله هو ما ركب فيهم من الشهوات والأماني وجعل الطباع ~~موافقة لها، وإلا الصدق وجميع الخيريات إنما يكون مزينا مستحسنا في العقل ~~للعاقبة، والكفر وجميع المعاصي مستقبح في العقل للعاقبة إذا حمد أحدهما ~~وأثيب على فعله، وذم الآخر وعوقب لسوء اختياره. # أو أن يكون إضافة ذلك إلى الله لما خلق أفعالهم وأعمالهم التي عملوها، ~~وأخرجها من العدم إلى الوجود، وهي من هذه الجهة فعله، وهو يرد قولهم في ~~إبائهم خلق أفعال العباد. # PageV08P096 # وقوله: (فهم يعمهون): قيل: يترددون، وأصل العمه: الحيرة، أي: يتحترون. # (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) أي: لهم ما ~~يسوءهم من العذاب في الآخرة؛ لاختيارهم سوء الأفعال في الدنيا. # (وهم في الآخرة هم الأخسرون): الأخسرون والخاسرون واحد. # وجائز أن يقال: (هم الأخسرون) للقادة منهم والرؤساء؛ لأنهم ضلوا بأنفسهم ~~وأضلوا غيرهم هم أخسر من الأتباع؛ كقوله؛ (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة). # وقوله: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لتلقى القرآن من ms3255 الله على يدي رسوله وهو جبريل. # والثاني: جائز أن يكون حكيم عليم هو جبريل نفسه، أي: إنك لتلقى القرآن من ~~لدن جبريل، وهو حكيم يضع الوحي والقرآن حيث أمر بوضعه فيه؛ إذ الحكيم: هو ~~المصيب في فعله الواضع للشيء موضعه، وعليم بما أمر به وأرسل وهو كذلك كان؛ ~~إذ يجوز أن يقال للمخلوق: حكيم عليم؛ ألا ترى إلى قول يوسف: (إني حفيظ ~~عليم)؛ فعلى ذلك هذا جائز، والأول أشبه. # أي: إنك لتأخذ القرآن من لدن حكيم عليم على يدي رسوله جبريل، فما يأخذ من ~~رسوله كأنه يأخذ من عند مرسله؛ إذ الرسول إنما يؤدي كلام مرسله. # وقال أبو عوسجة: (وإنك لتلقى القرآن) يقال: تلقيته: أخذته، # وكذلك قال القتبي: (لتلقى) أي: لتأخذه. # وقال محمد بن إسحاق: (وإنك لتلقى القرآن) أي: لتؤتى بالقرآن؛ كقوله: (وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا) أي: وما يؤتيها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق ~~عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا ~~يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ~~(11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ~~(13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين (14) # وقوله: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا): قيل: رأيت وأبصرت. # PageV08P097 # (سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس) وقال في آية أخرى: (لعلي آتيكم ~~منها بقبس أو أجد على النار هدى)، هذا يدل أنه كان ضل الطريق على ما ذكره ~~أهل التأويل، وقال في آية أخرى: (إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون) ذكر على ms3256 التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ ~~والحروف، والقصة واحدة، والممتحن بذلك موسى لا غير؛ فهذا يدل أن ليس على ~~الناس تكلف حفظ الألفاظ والحروف بلا تقديم ولا تأخير ولا تغيير، بعد أن ~~أصابوا المعنى المودع فيها - أعني: في الألفاظ - وحفظوها من غير تغيير يدخل ~~في المعنى المودع؛ إذ قصة موسى هذه وغيرها من قصص الأنبياء - عليهم السلام ~~- ذكرت في الكتاب في التقديم والتأخير على اختلاف الألفاظ والحروف فدل: أن ~~ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف في كثير من الأحكام في الشهادات ~~والأخبار وغيرها، وإنما عليهم إصابة المعنى. # ثم قوله: (بشهاب قبس) قال بعضهم: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والقبس: ~~النار وشهبان: جمع، ولا تسمى النار: قبسا إلا ما يحمل من موضع إلى موضع، ~~يقال: قبست النار قبسا واقتبست؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي. # وقال بعضهم: القبس: الجمر، والشهاب: النار الموقدة، وهو قول أبي عبيدة. # وقال بعضهم: الشهاب: النور، والشهاب: الكواكب، سمي: شهابا لضوءه. # وقال بعضهم: (بشهاب قبس) أي: شعلة من نار، والجذوة: كأنها خشبة فيها نار؛ ~~وهو مثل الأول. # ودل قوله: (لعلكم تصطلون) على أن الوقت وقت البرد وأيام الشتاء؛ حيث ذكر ~~الاصطلاء وهو الاستدفاء، والله أعلم. # وقوله: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين (8) اضطربت أقاويل أهل التأويل في هذا: # صرف بعضهم تأويله إلى (ما) لا يزيده إلا سماجة وبعدا عن الحق والصواب ~~وعمى، لكن لو جاز أن يعبر ويكنى بحرف (من) عن غير مميز وغير ذي فهم وعقل، ~~لاستقام التأويل فيه ولم يقع فيه شبهة؛ فيجعل كأنه قال: أن بورك ما فيه من ~~النار وما حولها، ويكون عبارة عن المكان الذي فيه النار وما حولها من ~~الأمكنة، أي: بورك في ذلك # PageV08P098 # المكان الذي فيه النار وما حولها؛ لأنه قال له في آية أخرى: (إنك بالواد ~~المقدس طوى)، أي: طوي فيه البركات. # وقال في آية: (باركنا حوله)، عن بركة ذلك المكان؛ فعلى ذلك لو جاز أن ~~يعبر بحرف (من) عن غير المميز والفهم، ms3257 ويكنى به - جاز صرف التأويل إلى ما ~~ذكرنا من المكان. # أو يقال: (بورك من في النار ومن حولها)، أي: بورك ما في النار من النور ~~وما حول ذلك، وما يستنار به ويستضاء، وهو ما استفاد به من النبوة والرسالة. # هذا كله إذا جازت العبارة والكناية بحرف (من) عن غير ذي التمييز والفهم، ~~فإن جاز هذا لاستقام أن يقال هذا. # أو أن يكون التأويل منصرفا إلى ما ذكره في حرف ابن مسعود وأبي على طرح ~~حرف (من) وحرف (في) ذكر: أن في حرفهما: (نودي أن بوركت النار ومن حولها)، ~~وذلك جائز في اللغة أن يقال: بورك في فلان وبورك فلان وبوركت وبورك فيك؛ ~~وكذلك ذكر عن الكسائي أنه قال ذلك، فإن كان ما ذكر عن ابن مسعود وأبئ ثابتا ~~صحيحا - لم يقع فيه شبهة ولا ريب. # أو إن لم يجز العبارة بحرف (من) عن غير ذي التمييز، فجائز أن يصرف حرف ~~(من) إلى موسى؛ فيكون كأنه قال: بورك في الذي أتى النار وهو موسى، أو بورك ~~فيمن جعل له اقتباس النار؛ فينصرف تأويل (من) إلى موسى، وقد جعل له من ~~البركة في تلك النار ما لا يحصى من استفادة النبوة والإرشاد إلى الطريق ~~والاصطلاء وغير ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وسبحان الله رب العالمين): ذكر هذا - والله أعلم - تنزيها عن ~~جميع ما قاله بعض أهل التأويل؛ تبرئة منه عن ذلك كله من نحو مقاتل، ومن قال ~~بمثل قوله مما يؤدي إلى التشبيه والشبه. # وقوله: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) أي: الذي أعطاك ذلك الله ~~العزيز الحكيم. # أو يقول: إن الذي جعل لك ذلك الله العزيز الحكيم. أو أن يقول: إنه الذي ~~أراك هذا وأكرمك به أنا الله العزيز الحكيم. # أو أن يقول: إن الذي أراك - أي: الذي جعل لك ذلك - الله العزيز الحكيم؛ ~~العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: المصيب في فعله غير مخطئ، أو أن يقال: ~~عزيز لا يذل أبدا قط؛ لأنه عزيز بذاته، يضع كل شيء موضعه لا ms3258 يخطئ. # PageV08P099 # قال أبو معاذ: قال مقاتل بن سليمان: إنه يقول: يا موسى، إن النور الذي ~~رأيت أنا الله، وهذا محال لا وجه له؛ لأنك لا تقول: " إن الذي رأيت أنا " ~~لإنسان رآه أو لشيء رآه، ولكن تقول: أنا الذي رأيت. # ومحال -أيضا- قوله؛ لما ذكر في حرف ابن مسعود: (نودي يا موسى لا تخف) ~~يكلمه الله ويخاطبه ثم يقول: إن النور الذي رأيت أنا. # ومحال -أيضا- لقول الله: (إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر)، قال الله: ~~(فلما أتاها)، ولم يقل: أتاه. # ومحال -أيضا-: أن يكون الله نعتا؛ لأنك لا تقول بأن الذي رأيت أنا أخوك. # فقال: قول مقاتل محال من أربعة أوجه خلافا لظاهر الآية، وأصله ما ذكرنا ~~فيما تقدم. وقوله: (وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ~~يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) في الآية الأمر بإلقاء ~~العصا، ولم يذكر أنه ألقاها، ولكن فيه: (وألق عصاك) فألقاها، (فلما رآها ~~تهتز)، أي: تتحرك كأنها جان. # ذكر أهل التأويل أن الجان هي الحية الصغيرة ليست بعظيمة. # لكنه أخبر أن موسى خافها وولى مدبرا، وموسى لا يحتمل أن يخاف من حية ~~صغيرة على الوصف الذي ذكر، فكأنها كانت عظيمة لكنها في تحركها والتوائها ~~كأنها صغيرة؛ إذ الحية العظيمة الكبيرة لا تقدر على التحرك والالتواء ~~كالصغيرة؛ لذلك خافها موسى، حتى نهاه الله عن ذلك وقال له: (لا تخف إني لا ~~يخاف لدي المرسلون). # وقوله: (ولم يعقب): قال بعضهم: لم يرجع. # وقال بعضهم: لم يلتفت، وهو مأخوذ من العقب. # والجان: قال بعضهم: من الجن، والجان: الحية، ولا تكون إلا من الجن. # وقول أبي عبيدة: وقوله: (لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون) فإن قيل: كيف ~~نهاه عن الخوف، وأخبر أنه لا يخاف لديه المرسلون، وقد مدح الله الملائكة ~~وغيرهم من الخلائق بالخوف من ربهم؛ حيث قال: (يخافون ربهم من فوقهم)، وقال ~~في آية أخري: (يدعون ربهم خوفا وطمعا)، و (تدعونه تضرعا وخفية)، وأمثال ذلك ~~من الآيات مما فيها مدحهم ms3259 بالخوف من ربهم؛ لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه ~~قد أمن موسى حيث قال: (ولا تخف إنك من الآمنين)؛ فكأنه قال هاهنا: لا تخف ~~بعدما أمنتك؛ (إني لا يخاف لدي المرسلون) إذا أمنتهم. # PageV08P100 # والثاني: (لا تخف) من غيري؛ (إني لا يخاف لدي المرسلون) من غيري؛ فكأنه ~~قال - والله أعلم - على هذا التأويل: إنما نهاه عن الخوف من غيره، وأخبر ~~أنه لا يخاف لديه المرسلون. # والثالث: أخبر أنه أمنه من خوف الآخرة وأهوالها؛ كأنه قال: لا تخف فإني ~~سأؤمن المرسلين من خوف يومئذ. # ثم استثنى فقال: (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) ~~هذا -أيضا- يخرج على وجوه: # أحدها: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم إذا بدل حسنا بعده سوء. # والثاني: لا يخاف لدي المرسلون، ولكن من ظلم ممن سواهم ثم بدل حسنا بعد ~~سوء فإني غفور رحيم، رجاء المغفرة وطمع العفو عما كان منه. # والثالث: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم منهم؛ نحو: موسى بقتله النفس، ~~وإخوة يوسف، ثم بدل حسنا وتاب عن ذلك - فإنه يخاف أيضا، والله أعلم. # وقوله: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فالله تعالى قادر أن يجعل يده بيضاء من ~~غير إدخاله إياها في جيبه، لكنه امتحن موسى بالأمر بإدخالها في جيبه؛ وكذلك ~~قادر أن يصير عصاه في يده حية، لكنه امتحن بالأمر بإلقائها، ولله أن يمتحن ~~عباده بكل أنواع المحن. # وقوله: (تخرج بيضاء من غير سوء): قيل: من غير آفة من برص أو غيره، وقد ~~ذكرنا معناه فيما تقدم. # وقوله: (في تسع آيات إلى فرعون وقومه): قال بعضهم: موسى من تسع آيات، وقد ~~يجوز استعمال حرف (في) مكان (من) كما يقال: لفلان كذا كذا نوقا فيها فحلان، ~~أي: منها فحلان. # وقال بعضهم: (في تسع آيات): قال أبو معاذ: قد يكون معنى (في) و (مع) ~~واحدا فيما لا يحصى عدده، تقول: (خرجت في أهل مرو إلى مكة)، و ms3260 (مع أهل مرو ~~إلى مكة)، فإذا قلت: (خرجت في تسعة) اختلفا؛ لأنك أحصيت العد في تسعة أنت ~~تاسعهم، و (مع تسعة) أنت عاشرهم. # وقال بعضهم: هو على الانقطاع من الأول؛ كأنه قال لرسوله محمد: ولقد بعثنا ~~موسى في # PageV08P101 # تسع آيات إلى فرعون؛ كما قال: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات). # وقوله: (إلى فرعون وقومه): دل هذا أنه كان مبعوثا إلى فرعون وقومه جميعا؛ ~~إذ ذكر في آية إلى فرعون خاصة، وفي آية أخرى. (إلى فرعون وملئه)، وذكر ~~هاهنا (إلى فرعون وقومه)، فكان مبعوثا إلى الكل. # وقوله: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) أي: يبصر بها ~~ويعلم، كقوله: [(والنهار مبصرا)]، أي: يبصر به. # وقرأ بعضهم: (مبصرة) بنصب الصاد، أي: بينة ظاهرة يبصر فيها؛ وكذلك قال ~~موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر). # وقالوا: (هذا سحر مبين): لم يزل عادة فرعون اللعين تلبيس أمر موسى وآياته ~~على قومه؛ لئلا يؤمنوا به ولا يطيعوه فيما يدعوهم؛ مرة قال: (إن هذا لساحر ~~مبين)، و (إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره). وأمثال ~~ذلك مما يلبس على قومه أمره ويغويهم عليه؛ لئلا يطيعوه فيما يدعوهم إليه ~~ولا يجيبوه. # وقوله: (وجحدوا بها ... (14) بالآيات: جائز في اللغة أن يقال: (جحد بها) ~~و (جحدها)؛ كلاهما واحد. # ثم قال بعضهم: إن الجحود لا يكون إلا بعد العلم به والإيقان. # ولكن يجوز أن يقال: جحد بعد المعرفة والعلم، وقبل أن يعلم به ويعرف؛ إذ ~~الجحود ليس إلا الإنكار، وقد يكون الإنكار للشيء للجهل به وبعد المعرفة. # وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فلما جاءتهم آياتنا ~~مبصرة جحدوا بها ظلما وعلوا. # (واستيقنتها أنفسهم): أنها من الله، وأنها آياته، ليست بسحر، ولو كان ~~سحرا في الحقيقة لكان آية؛ لأن السحر على غير تعلم يكون منه آية سماوية. # وقوله: (ظلما): لأنهم جحدوا الآيات وسموها سحرا، فوضعوا الآيات موضع ~~السحر، لم يضعوها موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه. # وقوله: (وعلوا) ms3261 أي: تكبرا وعنادا. # (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين): ليس على الأمر له بالنظر في ذلك، ولكن # PageV08P102 # على تنبيه أولئك، والزجر لهم عما هم فيه، أي: انظر ما ينزل بهم لجحود ~~الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا ~~على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس ~~علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد ~~النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ~~وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين (19) # وقوله: (ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين): فيه وجهان من الاستدلال: # أحدهما: في خلق أفعال العباد. # والثاني: في ترك الأصلح. # أما الاستدلال على خلق الأفعال: لأنه قال: (آتينا داوود وسليمان علما)، ~~وقال على أثره: (علمنا منطق الطير)، وقال في رسول الله (وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له) وقال: (الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان).، ~~ونحوه من الآيات فيما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه، فلو لم يكن له في ذلك ~~صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى؛ فدل أنه خلق أفعالهم منهم. # فإن قيل: إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم. # قيل: لا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع ~~أسباب الشعر، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم أخبر أنه لم يعلمه الشعر؛ دل أنه لم يرد به الأسباب، ~~ولكن أراد ما ذكرنا. # وأما في ترك الأصلح: فهو ما ذكر من قوله: (ولقد آتينا داوود وسليمان ~~علما)، وقال: (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل ms3262 شيء)، أنه ~~إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال، فلو كان لا يجوز له ألا يعطيه ذلك، ~~ولا كان له ترك ما فعل بهم من الإفضال - لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال ~~والامتنان معنى، ولا كان داود وسليمان يحمدانه على ما أعطاهما، ولا كان هو ~~يستوجب الحمد بذلك؛ إذ فعل ما عليه أن يفعل؛ دل أنه إنما أعطى ذلك لهم وفعل ~~بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان، وكان له ترك ما فعل، وإن كان ذلك ليس ~~أصلح في الدين. فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم # PageV08P103 # في إنكارهم خلق الأفعال، وجواز ترك الأصلح في الدين. # ثم قوله: (علما): قال بعضهم: علما بالقضاء والحكم والعلم بكلام الطير ~~والدواب. # وقال بعضهم: فضلا بالنبوة والعلم. # لكن عندنا ذكر أنه آتاهما العلم، ولم يبين ما ذلك العلم أنه علم ماذا؟ ~~مخافة الكذب على الله، والله أعلم. # وقوله: (وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا ~~من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) قال أهل التأويل: ورث النبوة ~~والحكم، والوارث: هو الباقي بعد هلاك الآخر وفنائه، كقوله: (إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها)، أي: نبقى بعد هلاك أهلها وفنائهم، وقوله: (وإنا لنحن ~~نحيي ونميت ونحن الوارثون) أي: الباقون بعد فنائهم، إلا أنه ورث شيئا لم ~~يكن له من قبل؛ وكذلك قوله: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم. . .) الآية، ~~أي: أبقاكم وترككم في أرضهم وديارهم، وقوله: (وتلك الجنة التي أورثتموها)، ~~أي: أبقيتم فيها، وأمثال ذلك كله راجع إلى البقاء؛ فعلى ذلك قوله: (وورث ~~سليمان داوود) أي: بقي في ملكه ونبوته؛ وعلى ذلك ما سأل زكريا ربه من الولد ~~حيث قال: (فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب)، لا يحتمل أن يسأل ~~ربه ولدا يرث ماله من بعد وفاته، ولكن كأنه سأل ربه الولد؛ ليبقى في نبوته ~~ورسالته بعد وفاته؛ لتبقى النبوة في نسله، والله أعلم. # وقوله: (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء): لا ~~يحتمل أن يذكر هذا ms3263 - صلوات الله عليه - على الافتخار والنباهة، ولكن ذكر ~~فضل الله ونعمه التي أعطاه ومن عليه؛ كقوله: (وأما بنعمة ربك فحدث)، ألا ~~ترى أنه قال: (إن هذا لهو الفضل المبين). # ثم قوله: (وأوتينا من كل شيء): لا يحتمل كل شيء؛ لأنهم لم يؤتوا كل شيء ~~حتى لم يبق شيء، إنما أوتوا شيئا دون شيء، ولكن كأنه قال: وأوتينا من كل ~~شيء سألناه أن يؤتينا. # أو أن يكون (وأوتينا من كل شيء) - مما يؤتى الأنبياء والملوك وما يحتاج ~~إليه، والله أعلم. # PageV08P104 # وقوله: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) قال ~~بعضهم: قوله: (فهم يوزعون) أي: يحبس أولهم على آخرهم؛ كأنه لا يدعهم أن ~~ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين على كل صنف منهم وزعه ترد أولهم على ~~آخرهم، وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر أن يسيروا جنودهم مجموعة غير ~~منتشرة ولا متفرقة. # وقال أبو عوسجة: (فهم يوزعون) أي: يساقون، ويقال: أوزعني، أي: ألهمني، ~~والوزع: من الكف والسوق، تقول: وزع، أي: كف، ووزع، أي: ساق. # وقال مرة: (يوزعون): يجتمعون، يقال: وزعت الإبل - أي: جمعهما - أزع وزعا. # وقال القتبي: (يوزعون)، أي: يدفعون، وأصل الوزع: الكف والمنع، يقال: وزعت ~~الرجل إذا كففته، ووازع الجيش: هو الذي يكفهم عن التفرق والانتشار، وهو على ~~ما ذكر. # وقوله: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) هذا يدل أن النمل ~~وقتئذ لا تخالط الناس؛ حيث أضاف الوادي إليها بقوله: (حتى إذا أتوا على واد ~~النمل)، ولو كانت تخالط الناس كهي الآن لقال: حتى إذا أتوا على الوادي الذي ~~فيه النمل؛ دل أنها كانت لا تخالط الناس، وكان لها مكان على حدة، والله ~~أعلم. # وقوله: (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون): يخرج قوله: (قالت نملة) على وجهين: على حقيقة القول ~~من النملة كما يكون من البشر، أطلع الله سليمان على ذلك، وألقاه على ~~مسامعه؛ لطفا منه وفضلا من ms3264 بين سائر الخلائق على ما ذكرنا في قوله: (وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده. . .) الآية. # والثاني: أن يجعل الله في سرية النمل معنى يفهم بعضها من بعض لما يريدون ~~فيما بينهم من أنواع الحوائج على غير حقيقة القول، أطلع الله سليمان على ~~ذلك؛ حتى فهم منها ما كانت تفهم بعضها من بعض لطفا منه وفضلا؛ وهو كقوله: ~~(إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا)، ليس أحد يقول لآخر ~~إذا تصدق عليه ذلك، لكن الله أخبر عما علم من ضميرهم ومرادهم من التصدق على ~~غير حقيقة القول منهم؛ فعلى ذلك قول النملة، أخبر سليمان عما كان في سريتها ~~فيما بينهم من غير أن كان منها نطق أو كلام يفهم منه الخلق، والله أعلم. # وقالت الباطنية: ليس المراد من ذكر النمل: النملة المعروفة وقولها؛ وكذلك ~~قالوا في # PageV08P105 # الهدهد: إنه لم يرد به: الهدهد المعروف؛ إذ لا يجوز للهدهد من العلم أكثر ~~مما يكون لسليمان ولغيره، ولكن أراد به: الرجل، وهو الإمام الذي يدعو الناس ~~إلى الهدى، ويدلهم على الرشد. # وليس كما قالوا؛ لأنه إنما ذكر هذا على التعجب، ولو كان ذلك إنسانا ممن ~~يكون له قول وكلام، لم يكن لذكر ذلك منه كبير تعجيب ولا فائدة؛ دل أنه ليس ~~كما قالوا. # وقوله: (لا يحطمنكم) أي: لا يكسرنكم، والحطم: هو الكسر. # وفي حرف ابن مسعود: (لا يحطمكم) على طرح النون والتشديد. # وقوله: (وهم لا يشعرون): قال بعضهم: هذا من النملة ثناء على سليمان ومدح ~~عليه لعدله في ملكه وسلطانه: أنه لو شعر بكم، لم يحطمكم ولم يهلككم. # وقال بعضهم: (وهم لا يشعرون) أي: لا يشعر جنوده كلام النملة، وهذا يدل أن ~~النملة كانت رئيسة سائر النمل وسيدته؛ حيث قالت ذلك من بين غيرها من النمل، ~~وعلى كل رئيس وسيد للقوم أن يحفظ رعيته وحواشيه عما يحملهم على الفساد. # وقول من قال: إن النمل يومئذ كان كالذباب عظيما، لا يحتمل؛ لأنها لو كانت ~~كما ذكر لم يكن لقوله: (وهم لا يشعرون) ms3265 معنى؛ لأنها لو كانت كالذباب يشعرون ~~بها، فدل أنها كانت على ما هي اليوم، والله أعلم. # وقوله: (فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ~~(19) قال بعضهم: (فتبسم ضاحكا) أي: سبح الله لما فهم من قول النمل وحمده ~~عليه، وتبسم الأنبياء: التسبيح. # وجائز أن يكون التبسم: هو السرور؛ إذ التبسم إنما يكون لسرور يدخل في ~~الإنسان، فقوله: (فتبسم ضاحكا) أي: سر بما أعطاه الله من عظم النعمة له ~~والملك؛ ألا ترى أنه سأل ربه الإلهام؛ ليشكر نعمه التي آتاه الله حيث قال: ~~(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، سأل ربه الإلهام ~~واللطف الذي يكون منه؛ ليشكر نعمه، ولو كان الإلهام هو الإعلام على ما قاله ~~بعض الناس، لم يكن سليمان ليسأله ذلك؛ لأنه كان يعلم أن عليه شكر نعمه؛ ~~وكذلك يعلم كل أحد أن عليه شكر منعمه، فدل سؤاله الإلهام على الشكر أنه ~~إنما سأل اللطف الذي عنده به يشكر نعمه إذا أعطاه، وهو التوفيق، لا الإعلام ~~الذي قالوه. # وقوله: (وعلى والدي) فيه أنه يجب على المرء شكر النعم التي أنعم الله على ~~والديه. # وسأل ربه -أيضا- أن يوفقه على العمل الذي يرضاه منه، حيث قال: (وأن أعمل ~~صالحا ترضاه). # PageV08P106 # وقوله: (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين): جائز أن يكون سؤاله هذا ~~بإدخاله فيما ذكر كسؤال يوسف حيث قال: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين)، ~~سأل ربه التوفي على الإسلام والإلحاق بالصالحين؛ فعلى ذلك سؤال سليمان يشبه ~~أن يخرج على ذلك. # ثم فيه دلالة أن النجاة ودخول الجنة إنما يكون برحمة الله لا بالعمل حيث ~~قال: (وأدخلني برحمتك) بعدما سأل ربه العمل الصالح المرضي. # وقوله: (أوزعني) أي: ألهمني، والإيزاع: الإلهام، والوزع: الكف والسوق. # وقال القتبي: وأصل الإيزاع: الإغراء بالشيء؛ يقال. أوزعته بكذا، أي: ~~أغريته وهو موزع بكذا ومولع بكذا. # * * * # قوله تعالى: (وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ~~(20) لأعذبنه ms3266 عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير ~~بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من ~~دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ~~(25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ~~(28) # وقوله: (وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين): عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: " تدرون كيف تفقد سليمان الهدهد؟ ثم قال: ~~إنه إذا كان في فلاة من الأرض، دعا الهدهد وسأله عن بعد الماء في الأرض ~~وغوره، فهو يعلمه من بين غيره من الطيور؛ لذلك تفقده وسأل عن حاله ". # وذكر أنه سأل ابن سلام عن ذلك، فأخبر بذلك. # لكن هذا بعيد؛ لأن سليمان - صلوات الله عليه - كانت له الريح مسخرة، ذكر ~~أنها كانت تحمله وتسير به كل غداة مسيرة شهر وكل عشية كذلك، وهو قوله: ~~(ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر)؛ فلا يحتمل أنه إذا وقعت له الحاجة ~~إلى الماء ألا يبلغ إلى الماء حتى يحتاج إلى أن يحفر له البئر، فيستخرج منه ~~الماء، وما كان له من # PageV08P107 # الشياطين والجن مسخرين له مذللين حتى قال واحد منهم: (أنا آتيك به) يعني: ~~عرش بلقيس (قبل أن تقوم من مقامك)، وقال الآخر: (أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك)، فمن له سلطان وقوة على القدر الذي ذكر لا يحتمل أن يقع له ~~الحاجة إلى الماء، وإذا وقعت لا يحتاج إلى أن يتكلف وصوله إليه بالهدهد مع ~~تكلف الحفر في الأرض، هذا يبعد بمرة - والله أعلم - إلا أن يخرج على ~~الامتحان، ويكون تفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعا، ومنعه إياهم عن ~~الانتشار في الأرض والتفرق، ms3267 لا لما ذكروا هم - والله أعلم - لما على كل ملك ~~وأمير حفظ رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم وأسبابهم؛ فعلى ذلك هذا. # ثم يحتمل أن يكون من كل صنف من الطير واحد لا عدد حتى قال: (ما لي لا أرى ~~الهدهد)؛ إذ لو كان عددا من الهداهد لقال: مالي لا أرى هدهدا من الهداهد، ~~إلا أن يكون الذي فقده كان رئيسا لغيره من الهداهد وسيدهم؛ فجائز أن يقال ~~ذلك: (ما لي لا أرى الهدهد) من بين غيرهم يغيب عن بصري ولا أدركه (أم كان ~~من الغائبين) عنهم؛ فكأنه سأل واحدا منهم عن ذلك، فأخبر أنه من الغائبين، ~~فعند ذلك قال: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ~~(21) فقالت الباطنية في ذلك: إن سليمان لا يحتمل أن يعذب من ليس بمخاطب في ~~شيء، ولا يجري عليه القلم؛ فدل وعيده إياه من التعذيب والذبح أنه لم يكن ~~هدهدا معروفا، ولكن كان رجلا ممن يخاطب ويجري عليه القلم؛ وكذلك قالوا في ~~النملة: إنه كان رجلا ممن يكون منه الكلام والفهم، وأما النملة المعروفة ~~فلا يحتمل. # لكن الجواب لهم في ذلك: أن الله خلق هذه الدواب والطير وغيرها من الأشياء ~~لمنافع البشر ولحاجاتهم، فجائز تعذيبها وذبحها للرد إلى منافعهم إذا امتنعت ~~عن الانتفاع بها، على ما تؤدب الدواب وتعذب للرياضة والتعليم؛ لردها إلى ~~الانتفاع بها. # أو يعذبه لما يشغله عن ذكر الله والقيام ببعض أموره، على ما ذكر في آية ~~أخرى حيث قال: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني أحببت حب ~~الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. . .) الآية، لما شغله عن ذكر ربه؛ ~~فعلى ذلك جائز أن يكون تعذيب الهدهد على الوجوه التي ذكرنا. # ومن الناس من استدل بهذا على مخاطبة الطيور والدواب وغيرها، وتكليفها ~~بأمور كما يكلف غيرها من الخلائق، واحتج على هذا بقوله: (وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)، أخبر أن الطير وغيره أمم ~~أمثالنا، وقد أخبر في آية أخرى أنه لم ms3268 تخل أمة عن أن يكون فيها نذير بقوله: ~~(وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، الأمة التي هي أمثالنا من الإنس والجن، ~~دليله قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن # PageV08P108 # والإنس. . .)، ونحوه كثير، وقوله: (إلا أمم أمثالكم)، ليس في الخطاب ~~والتكليف، ولكن في أشياء كثيرة. # وقوله: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~(22) أي: لم يمكث طويلا حتى جاءه. # وفي حرف ابن مسعود: (فمكث غير بعيد ثم جاءه). # (فقال أحطت بما لم تحط به): كأنه سأله: أين كنت؟ فقال عند ذلك له: (أحطت ~~بما لم تحط به). وفي حرف أبي: (أحطت بما لم تحط به أنت ولا أحد من جنودك)، ~~أي: بلغت ما لم تبلغ أنت، أي: علمت ما لم تعلم أنت ولا أحد من جنودك. # ثم قال: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين): لا شك فيه؛ فكأنه سأله عن ذلك النبأ، ~~فقال عند ذلك - والله أعلم -: (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء) ~~يؤتى الملوك على ما ذكرنا في قوله: (وأوتيت من كل شيء). # ثم العجب من أمر بلقيس أن كيف خفي خبرها وأمرها على سليمان كل ذلك ~~الخفاء، وكانت بقرب منه، وكانت ملكة جبارة ذات سلطان وملك، وكان يذهب في كل ~~غدو مسيرة شهر، وفي كل رواح كذلك، كيف لم يطلع على أمرها وخبرها؟! وكانت ~~الجن والشياطين مسخرين له ومذللين، يعملون له الأعمال الصعبة الشديدة، ~~ويطوفون في الآفاق والأفق، وكان هو بعث إلى الدعاء إلى توحيد الله، كيف خفي ~~عليه أمرها وخبرها كل هذا الخفاء، حتى أخبره بذلك الهدهد؟! هذا - والله ~~أعلم - أمر عجيب، ومن عادة الملوك -أيضا- أنهم يطلع بعضهم على أمور بعض، ~~ويعلم بأحواله. # لكن يحتمل خفاء خبرها عليه لما لا يتجاسر كل أحد أن يكلمه في ذلك، وأن ~~يعلمه عن حالها - وإن كان لا يعلم هو ذلك - إلا بعد السؤال وطلب الخبر؛ ~~تعظيما له وإجلالا؛ وهكذا الملوك ليس يتجاسر كل أحد أن ms3269 يخبره عن كل أمر ~~وخبر إلا بعد السؤال إياه؛ تعظيما لهم وتوقيرا، فعلى ذلك أمر سليمان مع ~~بلقيس. # أو أن يكون لأمر وسبب لم يبلغنا ذلك، ولم نشعر به. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد): ~~إنما طلبه وتفقده؛ لأن الطير كانت تظله على رأسه من الشمس، فلما نظر إلى ~~الطير وجد موضع الهدهد خاليا يقع عليه الشمس، فعند ذلك قال: (ما لي لا أرى ~~الهدهد أم كان من الغائبين). # وقالوا في قوله: (لأعذبنه عذابا شديدا) أي: لأنتفن ريشه حتى تصيبه الشمس، ~~فذلك هو العذاب الشديد، لكن لا نفسر ما ذلك العذاب الشديد الذي أوعده ~~سليمان مخافة الكذب والله أعلم. # PageV08P109 # وقوله: (فمكث غير بعيد): قال بعضهم: غير طويل. # وجائز أن يكون: فمكث وقتا يأتي في مثله من كان غير بعيد؛ لأنه إنما يعبر ~~به عن المكان لا عن الوقت في الظاهر. # فقال: (أحطت بما لم تحط به) كأنه يريه المناصحة له والشفقة، يقول: أتيتك ~~من العلم والخبر ما لم تأت أنت ولا أحد من - جنودك، فكيف تعذبني؟! # وفي حرف عبد الله: (فمكث غير بعيد ثم جاءه). # قال أبو معاذ: مكث: بنصب الكاف ورفعها مكث لغتان. # وقوله: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين): قال بعضهم: حق لا شك فيه، أي: عند ~~الهدهد، وأما عند سليمان فلا؛ ألا ترى أن سليمان قال له: (قال سننظر أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين)، وقف في خبره لينظر أصدق ما يقول أم كذب؟ # وقال بعضهم: (بنبإ يقين) أي: عجيب. # ثم اختلف في قوله: (من سبإ بنبإ)؛ قال بعضهم: سبأ: اسم رجل تنسب القرية ~~إليه. # وقال بعضهم: اسم بلدة. # وقال أبو عوسجة: سبأ: أبو اليمن. # فمن جعلها اسم بلدة لم يجر، ومن جعلها اسم رجل جره، والله أعلم. # وقوله: (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) كأنه ~~على الإضمار، أي: وجدت امرأة تملكهم، أي: تملك أهل سبأ، ألا ترى أنه قال في ~~آخره: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس ms3270 من دون الله) ذكر القوم في آخر الآية؛ ~~دل أن (الأهل) كان مضمرا فيه. # وقوله: (وأوتيت من كل شيء) أي: أوتيت من كل شيء كما يؤتى الملوك من ~~الذكور من الأسباب والهيئة وغير ذلك. # وقال بعضهم: وأوتيت من كل شيء في بلادها. # (ولها عرش عظيم): قال أهل التأويل: أي: لها سرير حسن عظيم ضخم، كذا كذا ~~ذراعا طوله، وكذا كذا ذراعا عرضه. # وجائز أن يكون العرش كناية عن الملك؛ كأنه قال: (ولها عرش عظيم) أي: ملك # PageV08P110 # عظيم. # وقوله: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) # (يسجدون للشمس من دون الله)، أي: يعبدون الشمس من دون الله. # وجائز: يطيعون للشمس ويخضعون لها من دون الله. # وقوله: (وزين لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة السيئة حتى رأوها حسنة (فصدهم ~~عن السبيل): وهو سبيل الله؛ لأن السبيل المطلق هو سبيل الله وهو الإسلام، ~~والكتاب المطلق كتاب الله. # وقوله: (فهم لا يهتدون): فإن كان هذا القول من الهدهد؛ فتأويله: فصدهم عن ~~السبيل فهم غير مهتدين؛ لأنه لا يحتمل أن يعرف أنهم لا يهتدون في حادث ~~الوقت. # وإن كان من الله فهو إخبار أنهم لا يهتدون أبدا، لما علم أنهم لا يهتدون، ~~والله أعلم. # وقوله: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون (25) اختلف في تلاوته بالتخفيف والتشديد: فمن قرأه ~~بالتشديد: (ألا يسجدوا) فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: على طرح (لا) كأنه يقول: فهم لا يهتدون أن يسجدوا، أي: هم لا ~~يهتدون أن يسجدوا. # والثاني: صلة قوله: (فصدهم عن السبيل) لئلا يسجدوا. # ومن قرأ بالتخفيف فهو يخرج على الأمر، أي: ألا فاسجدوا لله. # وقال بعضهم: ألا - بالتخفيف -: هلا يسجدون لله؛ وكذلك ذكر في حرف ابن ~~مسعود أنه قرأ: (هلا يسجدوا لله)، وهو حجة من قرأه بالتخفيف. # وفي حرف أبي: (ألا تسجدوا لله)، بالتاء على المخاطبة إلى قوله: (ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون). وذكر في حرف حفصة: (ألا يسجدون) بالنون. # قال الكسائي: ms3271 ومن شدد (ألا) فتأويله: زين لهم الشيطان ألا يسجدوا على ما ~~ذكرنا. # وأما التخفيف فهو على وجه الأمر، أي: اسجدوا و (ألا) صلة والياء صلة أيضا ~~- # ثم قال بعضهم: من قرأه بالتخفيف يلزمه السجود؛ لأنه أمر. # وأما من قرأه بالتشديد فلا يلزم. # لكن عندنا سواء يلزمه السجود بالتلاوتين جميعا؛ لأنه لا يحتمل أن يلزم ~~السجود فيما يأمر غيره بالسجود، ولا يلزم فيما يخبر عنهم أنهم لا يسجدون، ~~بل لزوم السجود فيما يخبر أنهم لا يسجدون أولى؛ خلافا لصنيعهم وإظهارا ~~للطاعة لله في ذلك، والله أعلم. # PageV08P111 # وقوله: (يخرج الخبء في السماوات والأرض) الخبء: ما يخبأ من الشيء ما كان. # قال بعضهم: خبأ في السماء المطر فيخرج، وفي الأرض النبات فيخرج ذلك ~~النبت. # ويحتمل الخبء ما يخبئ بعضهم من بعض وشر بعضهم بعضا، يخبر أنه يظهر ذلك ~~ويعلمه؛ ألا ترى أنه قال: (ويعلم ما تخفون وما تعلنون) على الوعيد؛ ليكونوا ~~على حذر أبدا. # وفي حرف حفصة: (ألا يسجدون لله الذي له الغيب في السماوات والأرض). # وقوله: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) ذكر هذا - والله أعلم - ~~جواب قوله: (ولها عرش عظيم)، يقول: رب العرش العظيم هو الله الذي لا إله ~~إلا هو، لا هي، أعني: بلقيس. # وقوله: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) أي: ننظر أصدقت فيما أخبرت ~~وأتيت من أمر بلقيس، أم كنت من الكاذبين في ذلك؟ وقف في خبره، ولم يصدقه ~~ولم يكذبه إلى أن يظهر له الصدق أو الكذب؛ وهكذا الواجب على كل من أخبر ~~بخبر أن يقف فيه إلى أن يظهر له الحق في ذلك، إذا كان الخبر ممن يحتمل ~~الغلط والكذب. # ثم قال له: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ~~(28) لا يحتمل أن يكون سليمان أمر الهدهد بذهاب الكتاب إليها ويوليه تبليغ ~~ذلك إليها، وهو أعظم من خبره الذي أخبره بذلك بعدما وقف في خبره قبل أن ~~يتبين ويظهر له صدقه في خبره؛ فدل توليته إياه تبليغ الكتاب إليها أنه ms3272 قد ~~ظهر له صدقه فيما أخبره من أمر تلك المرأة، إما بوحي من الله تعالى إليه، ~~أو انتهى إليه من الخبر ما قد علم بذلك علم يقين وإحاطة، فعند ذلك ولاه ~~تبليغ الكتاب إليها حيث قال له: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون). # وقوله: (ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) يحتمل وجهين: # أحدهما: ألق الكتاب إليهم ثم تول، أي: استتر واختف عنهم، فانظر ماذا ~~يقولون، وماذا يرددون فيما بينهم من الكلام والجواب؟ # والثاني: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ألق الكتاب إليهم، فانظر ماذا ~~يرجعون من الجواب؟ ثم تول عنهم، أي: أعرض عنهم؛ ففعل ما قال له سليمان من ~~إلقاء الكتاب إليها، وإن لم يذكر في الآية. # * * * # قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) ~~قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) ~~قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) ~~قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم # PageV08P112 # بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # حيث قالت: (يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) فكأنهم قالوا: ممن ~~ذلك الكتاب؛ فقالت عند ذلك (إنه من سليمان). # وقوله: (كتاب كريم): قال بعضهم: أي: حسن؛ لما رأت فيه من الكلام الحسن ~~والقول اللطيف. # وقال بعضهم: (كتاب كريم) أي: مختوم، وقد ذكر في الخبر عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " من كرم الكتاب ختمه " أو كلام نحو هذا أو شبهه. # وجائز أن يكون فيه إضمار، أي: إني ألقي إلي كتاب من إنسان كريم، وسليمان ~~كان معروفا بالكرم، يشبه أن يكون قد أتاها خبر كرمه. # و (الملأ) قالوا: هم الأشراف وأهل السؤدد. # وقال الزجاج: سموا لما اجتمع عندهم من حاجات الناس، وحسن الرأي والتدبير ~~في كل شيء من الأمور، أو كلام نحو هذا. # وقوله: (إنه من ms3273 سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) هو ما ذكرنا ~~كأنهم سألوها ممن ذلك الكتاب؛ فقالت: (إنه من سليمان)، وسألوها -أيضا-: ما ~~في ذلك الكتاب؛ فقالت: (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين (31) قوله: (ألا تعلوا علي) أي: لا تتكبروا ولا تتعظموا علي. # (وأتوني مسلمين): مخلصين لله بالتوحيد، أي: اجعلوا أنفسكم سالمة لله ~~خالصة له، لا تجعلوا لأحد سواه فيها شركا ولا حقا؛ لأنه أخبر أنهم كانوا ~~يسجدون للشمس من دون الله فيخبر في الكتاب، حيث افتتح ببسم الله الرحمن ~~الرحيم: أن الذي يستحق السجود والعبادة هو الله الرحمن الرحيم لا ما تعبدون ~~أنتم. # ثم إن من عادة الأنبياء والرسل الإيجاز في الكلام والرسائل، لا يشتغلون ~~بفضول الكلام وتطويله، على ما ذكر من كتاب سليمان إلى بلقيس: (بسم الله ~~الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) ذكر هذا القدر كان الكتاب، ~~والله أعلم. # وقوله: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ~~(32) استشارت أشراف قومها وطلبت منهم الرأي في ذلك، وهكذا عمل الملوك ~~وعادتهم أنهم إذا أرادوا # PageV08P113 # أمرا أو استقبلهم أمر يستشيرون أولي الرأي من قومهم وأهل الحجى والتدبير ~~منهم، ثم يعملون بتدبير يكون لهم وما يرون ذلك صوابا؛ وعلى ذلك أمر الله ~~رسوله أن يشاور أصحابه بقوله: (وشاورهم في الأمر)، ثم أمره إذا عزم على ~~الأمر أن يتوكل على الله في ذلك، وأن يكل أمره إليه. # وقوله: (حتى تشهدون): يحتمل وجهين: # ما كنت قاطعة أمرا حتى تحضروا. # أو ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدوا أنه صواب حق. # فأجابوها فيما طلبت منهم الرأي والتدبير في ذلك، فقالوا: (نحن أولو قوة ~~وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) أي: نحن أولو قوة في ~~أنفسنا وأولو بأس شديد، أي: حرب وقتال شديد، أي: لنا معرفة في ذلك، ومع ما ~~قالوا وكلوا الأمر إليها حيث قالوا: (والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)، ~~وهكذا الواجب على وزراء الملوك والرعية أنهم إذا استشاروهم في أمر أن ~~يدلوهم على ms3274 الأصوب والحسن لهم، ثم يكلوا الأمر إليهم. # وقصة سليمان صلوات الله عليه مع ما فيها من العجائب والآداب، ففيها معرفة ~~سياسة الملوك وتعلم آدابهم؛ من ذلك: ما قال سليمان: (فهم يوزعون)، ومن ذلك ~~قوله: (وتفقد الطير. . .) الآية، وقوله: (لأعذبنه عذابا شديدا)، أو من ذلك ~~استشارة بلقيس أشراف قومها في ذلك وجوابات قومها لها، وإخبارها إياهم من ~~طبع الملوك وعاداتهم من الإفساد والقتل والإذلال؛ حيث قالت: (إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) قال أهل ~~التأويل: هذه شهادة من الله لها بما قالت، والتصديق لها فيما أخبرت أنهم ~~كذلك يفعلون بكبرائهم. # ثم قال: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) ذكر أنها ~~قالت: إن لي في هذا رأيا، فإن يك صاحب دنيا فعسى أن نرضيه بالمال فيسكت عنا ~~ويكف شره، وإن يكن نبيا فلا يقبل ذلك منا وسنعرف، فعملت ذلك وأرسلت إليه ~~بهدايا، فلم يقبلها سليمان فعرفت أنه نبي، وهذا كان منها تدبيرا أو حسن ~~الرأي في الأمر واحتيالا وفقت في ذلك، لم تشتغل بالحرب والقتال على ما أشار ~~لها قومها. # وقال ابن عباس: " قالت بلقيس لما أتاها كتاب سليمان، واستشارت قومها في ~~ذلك وطلبت فتياهم، فأفتوا لها بما أفتوا - قالت: أبعث إليه بهدية، فإن ~~قبلها فهو ملك فأحاربه، وإن لم يقبلها فهو نبي أتابعه ". # PageV08P114 # قال أبو عوسجة: (فناظرة) يقال: أنظرته نظرة، أي: أمهلته، والنظرة في ~~الدين خاصة وهو الإنظار. # * * * # قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما ~~آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ms3275 ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ~~(40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) # وقوله: (فلما جاء سليمان): الرسول الذي بعثت معه بلقيس الهدية. # ويحتمل: (فلما جاء سليمان) المال الذي بعثت إليه؛ يحتمل ذا أو ذا. # وقوله: (قال أتمدونن بمال) أي: أتعطونني بمال، وقال أهل الأدب: (أتمدونن ~~بمال) من المدد، والمدد الزيادة كما يمد القوم، ويكون الإعطاء كقوله: ~~(وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون)، ويحتمل هذه الزيادة، والله أعلم. # وقوله: (فما آتاني الله خير مما آتاكم) أي: ما آتاني الله من النبوة ~~والعلم والحكمة خير مما آتاكم من الأموال. # ويحتمل: (فما آتاني الله) فأوتيكم إذا أتيتموني مسلمين (خير مما آتاكم)؛ ~~إذ لم تؤتوني وأوتيتم الإسلام، أو كلام نحو هذا. # وقال بعض أهل التأويل: فما آتاني الله من الملك خير مما آتاكم من الملك؛ ~~لأنه سخر له الجن والإنس والشياطين والطيور والرياح وجميع الأشياء، فذلك ~~خير له وأعظم من ملكها. # والأول أشبه وأقرب؛ إذ لا يحتمل أن يفتخر سليمان بملكه على غيره، إنما ~~يكون افتخاره بالدين والنبوة، والله أعلم. # وقوله: (بل أنتم بهديتكم تفرحون): قال بعضهم: بل أنتم بهديتكم تفرحون إذا ~~ردت إليكم، لكن هذا بعيد: لا تفرح برد الهدية إذا ردت إليها، ولم تقبل بل ~~تحزن على ذلك وتهتم، لكنه يقول - والله أعلم - بل أنتم أولى بالفرح بالمال ~~والهدايا منا؛ إذ مرادكم المال والدنيا، ومرادنا الدين ودار الآخرة، أو ~~كلام نحو هذا، والله أعلم بذلك. # PageV08P115 # وقوله: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة ~~وهم صاغرون (37) قال ذلك - والله أعلم - للرسول الذي أتاه بالهدية: (ارجع ~~إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم به)، أي: لنأتينهم بجنود لا طاقة لهم بها ~~إن لم يأتوني مسلمين، (ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) إن لم يأتوني ~~مسلمين. # ثم قال سليمان - عليه السلام -: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل ~~أن يأتوني مسلمين (38) إنما خاطب به أشراف قومه، وهكذا العادة في الملوك ~~أنهم إذا خاطبوا ms3276 أحدا بثيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمنزلة منهم. # (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين): قال بعض أهل التأويل: إنما ~~قال هذا لأنه علم نبي الله متى أسلموا يحرم أموالهم مع دمائهم، فأحب أن ~~يؤتى به قبل أن يحرم ذلك عليه، لكن هذا محال بعيد وفحش من القول لا يحتمل ~~أن يكون رغبة سليمان في الأموال هذا الذي ذكر بعدما رد هداياها إليها، ~~وأخبر: إنكم تفرحون بها؛ لأنكم أهل دنيا؛ إذ رغبة أهل الدنيا في الأموال، ~~ونحن أهل الدين رغبنا في الدين به نفرح، ويستعجل كل هذا الاستعجال رغبة في ~~مالها وعرشها. # لكنه - والله أعلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه أراد أن يريهم قوته وسلطانه أن يرفع واحد من جنوده عرشها - ~~مع عظمه - بمعاينة منهم ومشاهدة وحمله من بينهم؛ ليعلموا أن من قدر على ذلك ~~لقادر أن يأتيهم بجنود لا طاقة لهم تصديقا لما قال: (فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها)، ويقدر على قهرهم وغلبتهم. # والثاني: أراد أن يريهم آية من آيات نبوته إذا أتوه (قبل أن يأتوني ~~مسلمين)؛ ليعلموا أنه نبي ليس بملك. # وهذا التأويل الذي ذكرنا آية، لكنه قبل أن يأتوه؛ ليعلموا أنه نبي ليس ~~بملك. # وقوله: (قبل أن يأتوني مسلمين) أي: مصالحين، وذلك جائز في اللغة. # وقوله: (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) قال ~~بعضهم: مقامه: مجلسه الذي كان يقضي فيه إلى أن يفرغ من قضائه حتى يؤتى به. # (وإني عليه لقوي أمين): لأن الجن أقوى من الإنس وصف نفسه بالأمانة؛ لأن ~~الجن لا يرغبون في الأهوال ما يرغب الإنس. # PageV08P116 # وقال بعضهم: أمين على فرج تلك المرأة. # مقامه: مجلس الرجل يكون فيه حتى يقوم، ولكن لا ندري ما أراد بمقامه الذي ~~ذكر. # وقال بعضهم: أراد سليمان أن يكون أعجل من ذلك (قال الذي عنده علم من ~~الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من ~~فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما ms3277 يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي ~~غني كريم (40) ذكر أنه كان رجلا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به ~~أجاب: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك). ثم اختلف في ارتداد طرفه. # قال بعضهم: هو أن يبعث رسولا إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. # وقال بعضهم: هو الرجل ينظر إلى الشيء البعيد قبل أن يرجع إليه طرفه. # (فلما رآه مستقرا عنده): قال بعضهم: دخل في نفق الأرض، فخرج بين يدي ~~سليمان - يعني: العرش - كأنه - والله أعلم - أتاه إذ دعاه بذلك الاسم، من ~~غير أن تكلف هو حمله أو إتيانه؛ فهذا يدل أن الآيات قد تجري على غير أيدي ~~الرسل، لكن تكون الآية للرسول وإن كانت تجري على أيدي غيره. # ثم قال: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر): قال بعضهم: والله ما ~~جعله فخرا ولا أشرا ولا بطرا، لكنه جعله شكرا وتواضعا. # وقال بعضهم: لما دعا ذلك الرجل بذلك الاسم فرآه مستقرا عنده، وقع في قلب ~~سليمان شيء وخطر بباله أنى يكون رجل عنده علم ما ليس عنده من العلم، قال: ~~فعزم الله له على الخبر. # وقيل له: إنه ممن خولك الله، فقال سليمان: (هذا من فضل ربي)، يقول: ما ~~أعطى ذلك الرجل ما لم يعطني (ليبلوني أأشكر) إذا كان مثله تحت يدي. (أم ~~أكفر)، لكن لا يحتمل أن يشكر الله على ما أعطى غيره. # ثم يحتمل قوله: (هذا من فضل ربي) إتيانه أولئك مسلمين، أو النبوة والعلم ~~الذي آتاه الله، قال: ذلك من فضل ربي، أراد: تسخير ما سخر له (ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر)، أي: يمتحنني أأشكر أم أكفر؟ (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه)؛ ~~ليعلم أنه إنما يمتحن بالشكر، ويأمره به لا لمنفعة الممتحن ولكن لمنفعة ~~المأمور به. # PageV08P117 # وقوله: (فإن ربي غني كريم): غني: عن شكره، كريم: يقبل القليل منه ~~واليسير. # وقوله: (قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ~~(41) قال أهل التأويل: (نكروا) أي: غيروا لها عرشها؛ كأنه أمر ms3278 أن يغيروا ~~بعض ما عليه من الزيادة والنقصان؛ ليمتحنها أتعرف أنه عرشها أم لا؟ والمنكر ~~هو الذي لا يعرف؛ كقوله: (قوم منكرون)، وقوله: (نكرهم وأوجس منهم خيفة)، ~~أي: لم يعرفهم. # وقوله: (نكروا لها عرشها): كان يجيء أن يقال: نكروا عرشها، ويكون (لها) ~~زائدة، إلا أن يقال: (نكروا لها)، أي: نكروا لأجلها عرشها، وهذا يشبه أن ~~يكون. # وقوله: (ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون): قال أهل التأويل: ~~أتهتدي أنه عرشها أو لا تهتدي إليه؟ # وجائز أن يكون قوله ننظر: أتهتدي إلى دين الله وتوحيده، أم تكون من الذين ~~لا يهتدون إلى دين الله؟ # * * * # قوله تعالى: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من ~~قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم ~~كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين (44) # وقوله: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو): قال بعضهم: شبهت هي ~~عليهم ولبست أمره، كما فعلوا هم بها من تغيير عرشها عليها وتلبيسه عليها، ~~لكن قوله: (كأنه هو) لم تقطع فيه القول لما رأت فيه من التغيير والتنكير، ~~ورأت فيه سررها - وقفت فيه. # ودل قوله: (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك) أن العرش لم يحمل وهي نائمة، على ~~ما قاله بعض أهل التأويل: إنه حمل دونها من قبل، ثم جاءت بعد ذلك - والله ~~أعلم - ألا ترى أنه لو أمرهم أن يغيروا عرشها وهي عليه لم تشعو به - هذا ~~بعيد، والله أعلم بذلك. # وقوله: (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين): إن كان هذا القول من ~~سليمان فكأنه يقول: قد أوتينا العلم من قبل علمها به أنه عرشها، ولنا غنية ~~عن السؤال لها عنه، لكن نسألها مستخبرين عن ذلك ممتحنين لها. # وقوله: (وكنا مسلمين) أي: صرنا مسلمين جميعا، وأن يكون هذا صلة قوله: ~~(ولقد # PageV08P118 # آتينا داوود وسليمان علما)، فهذا العلم الذي ms3279 قال: (وأوتينا العلم من ~~قبلها وكنا مسلمين)، وإلا في الظاهر ليس هذا صلة ما تقدم من قوله: (قالت ~~كأنه هو)، والله أعلم. # وقوله: (وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) ~~قال بعضهم: صدها عبادتها الشمس والأصنام التي عبدوها دون الله عن الإسلام ~~وعبادة الله. # وقال بعضهم: وصدها سليمان عن عبادتها التي كانت تعبد من دون الله؛ لأنه ~~ذكر أنها أسلمت. # وقوله: (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين (44) قال بعضهم: الصرح: صحن الدار؛ وهو قول الزجاج. وقال القتبي ~~وأبو عوسجة وأكثر أهل التأويل: الصرح: هو القصر. # ثم لا ندري ما سبب بناء ذلك الصرح؟ وما سبب أمره إياها بالدخول فيه ~~وكشفها عن ساقيها؟ # أما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا في ذلك: # قال بعضهم: قالت الجن لما أقبلت بلقيس: لقد لقينا من سليمان ما لقينا من ~~التعب، فلو اجتمع سليمان وهذه المرأة وما عندها من العلم لهلكنا، وكانت أم ~~هذه المرأة جنية، فقالوا: تعالوا ننقصها ونكرهها إلى سليمان، فقيل لسليمان: ~~إن رجلها مثل حافر الدواب؛ لأن أمها كانت جنية، فأمر سليمان عند ذلك فبني ~~له بيت من قوارير فوق الماء، وأرسل فيه السمك لتحسب أنه ماء فتكشف عن ~~رجليها، فينظر سليمان أصدقت الجن أم كذبت، فلما رأته حسبته الماء وكشفت عن ~~ساقيها فنظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس قدمين وساقين، فلما رأت الجن ~~أن سليمان رأى ساقيها قالت الجن: لا تكشفي عن ساقيك (إنه صرح ممرد من ~~قوارير). # وقال بعضهم: لا، ولكن ذكر لسليمان أن على ساقيها شعرا وأنهما شعراوان، ~~فأمر بذلك ليعرف ذلك. # وقال بعضهم: لا، ولكن خافت الجن عند ذلك أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه ~~أشياء كانوا أطلعوها عليها وأفشوا إليها، فأرادوا أن يكرهوها إليه، فطعنوها ~~بعيوب في عقلها ونفسها، فقالوا: يا نبي الله، ألا نريك عقلها فإن في عقلها ~~شيئا؟ قال: ms3280 بلى، # PageV08P119 # فجاءت الجن بماء فأجروه فتركوه لجة، ثم جاءوا بالسمك والضفادع فأرسلوها ~~في الماء، ثم جيء بها إلى ذلك الماء، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، ~~فقالوا لسليمان: إن في عقلها آفة؛ ألا ترى أنها لا تعرف الصرح من الماء، ~~ولا تميز بينهما؟ أو نحو هذا من الكلام. # لكن لا نعلم ما سبب ذلك، ولا يحتمل أن يكون سليمان يحتال هذا؛ لينظر إلى ~~ساقها وهي أجنبية. # ثم جائز أن يكون لغير ذلك، أو أراد أن يريها آية من آيات نبوته؛ حيث اتخذ ~~صرحا ممردا من قوارير يرى كالماء للطافته، وذلك خارج عن تدبير البشر؛ لتعلم ~~هي أن ذلك تدبير السماء لا تدبير البشر. # أو أن يكون أراد بذلك - والله أعلم - أن يريها عظم ملكه وسلطانه؛ لتعلم ~~أنه يفعل ما يشاء قادر على ذلك لا ينفعها سوى الطاعة له والإجابة والخضوع ~~لله والإسلام له، فعند ذلك قالت: (رب إني ظلمت نفسي) فيما عبدت دون الله ~~(وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) أي: أخلصت وأسلمت نفسي لله رب ~~العالمين. # قال القتبي: عفريت، أي: شديد وثيق، وأصله العفر زيدت التاء فيه، يقال: ~~عفريت نفريت، وعفريت ونفريت، وعفاريت نفاريت. # وقال أبو عوسجة: العفريت: الخبيث المارد، وعفاريت جمع. # وقال: صدها أي: ردها ومنعها. # وقال الصرح: القصر، والصروح جمع. # واللجة: الماء المجتمع الكثير. # وقال: الممرد: وهو المملس بالطين أو بالجص أو بما كان. # وقال غيره: الممرد الطويل. قال القتبي: ومن ذلك يقال: الأمرد للذي لا شعر ~~على وجهه، ويقال للرملة التي لا تنبت: مرداة، ويقال: للممرد: المطول، ومنه ~~قيل لبعض الحصون: مارد. # وقال الكسائي: الممرد: الأملس، ويقال: منه سمي الأمرد أمرد. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم ~~فريقان يختصمون (45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا ~~تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك # PageV08P120 # وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة ~~تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله ms3281 لنبيتنه ~~وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ومكروا مكرا ~~ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ~~وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم ~~يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) # وقوله: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله (45) يحتمل ~~هذا: لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وأمرناه أن يقول لهم: اعبدوا الله. # وجائز أن يكون قوله: (أن اعبدوا الله) بالرسالة، أي: أرسلناه ليدعوهم إلى ~~عبادة وقوله: (اعبدوا الله): يحتمل: وحدوا الله. # ويحتمل العبادة نفسها: أن اعبدوا الله ولا تشركوا غيره فيها، ولا تشركوا ~~في تسمية الألوهية غيره، ولكن وحدوه، فكيفما كان ففيه أمر بالتوحيد له في ~~العبادة والألوهية له. # وقوله: (فإذا هم فريقان يختصمون): مؤمن بصالح ومكذب به، ولم يبين فيم ~~كانت خصومتهم؛ وبين من كانت في هذه الآية؛ لكنه بين في آية أخرى وفسر وهو ~~ما قال: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون)، هذه الخصومة التي ذكر في قوله: (فإذا ~~هم فريقان يختصمون) بين الرؤساء من المؤمنين بصالح، والله أعلم. # وقوله: (يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) أي: لم تستعجلون العذاب قبل الرحمة، واستعجالهم العذاب والسيئة ~~ذكر في آية أخرى وهو قوله: (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا ~~صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين)، فذلك استعجالهم السيئة قبل ~~الحسنة. # وقوله: (لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون) أي: لولا توحدون الله ولا ~~تشركوا غيره في العبادة وتسمية الإلهية؛ لكي يرحمكم، وفيه إطماع لهم لو ~~آمنوا وتابوا عنه لرحمهم؛ كقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وقوله: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) أي: تشاءمنا منك وبمن معك، لم يزل الكفرة يقولون لرسل الله ms3282 - ~~عليهم السلام - ولمن آمن منهم: اطيرنا بكم، إذا أصابتهم الشدة # PageV08P121 # والبلاء يتطيرون بهم ويتشاءمون، ويقولون: إنما أصابنا هذا بشؤمكم، وإذا ~~أصابهم رخاء وسعة فقالوا: هذا لنا بنا ومن أنفسنا، وهو ما قال موسى حيث ~~قال: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه) الآية؛ وكذلك قال أهل مكة لرسول ~~الله حيث قال: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هذه من عندك)، كانوا يتطيرون برسول الله ويتشاءمون بما يصيبهم من ~~الشدة، وما ينزل بهم من البلاء، فأخبر الله رسوله، وأمره أن يقول لهم: (قل ~~كل من عند الله) أي: الرخاء والشدة من عند الله ينزل، وهو باعث ذلك لا أنا؛ ~~فعلى ذلك قوله: (طائركم عند الله) أي: ما ينزل بكم ويصيبكم من الشدة ~~والرخاء إنما ينزل من عند الله لا بنا ولا بكم. # أو يقال: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيب بتكذيبكم إياي في ~~الدنيا. # أو أن يقال: طائركم عند الله، أي: جزاء طيرتكم عند الله، هو يجزيكم بها ~~بعذاب الدنيا والآخرة. # (بل أنتم قوم تفتنون) يحتمل قوله: (بل أنتم قوم تفتنون) ابتداء: مرة ~~بالشدة ومرة بالرخاء، لا بما تكسبون من الأعمال. # وجائز أن قوله: (تفتنون) بالعذاب بما تكسبون من الأعمال في الدنيا، أي: ~~تعذبون بها. # قال أبو عوسجة: (طائركم عند الله) يقول: الله أعلم بطائركم وما تطيرتم ~~به. # وقال القتبي: (طائركم عند الله) أي: ليس ذلك بي وإنما هو من الله، وهو ما ~~ذكرنا. # وقوله: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قال ~~بعضهم: الرهط: إنما يقال من ثلاثة إلى تسعة، وإذا نقص عن ذلك أو زاد يقال: ~~رجال. # وقال أبو عوسجة: الرهط: النفر، وأراهط ورهوط جمع. # ثم يحتمل الرهط وجهين: # أحدهما: (تسعة رهط) أي: تسعة نفر من الأتباع وغيره يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون. # والثاني: تسعة رهط لا تسعة نفر من الرؤساء، ولكل أحد منهم رهط من الأتباع ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون. # PageV08P122 # جائز أن هذا إخبار من الله ms3283 أنهم يفسدون أبدا في الأرض ولا يؤمنون أبدا. # وجائز أن يكون إخبارا عن حالهم، أي: يعملون الفساد والمعاصي ولا يصلحون، ~~أي: لا يسعون بالصلاح. # وقال ابن عباس: إن هؤلاء التسعة كانوا من أبناء أشرافهم، وكانوا بالحجر، ~~وكانوا فساقا، فقال بعضهم لبعض: لنقتلن صالحا وأهله، ثم لنقولن لوليه - أي: ~~لقومه من ورثته -: ما قتلناه. # وقوله: (لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ~~(49) فتحالفوا على ذلك، فأتوا صالحا ليلا فدخلوا عليه بأسيافهم ليقتلوه، ~~وعند صالح ملائكة جاءوا من الله تعالى يحرسونه، فقتلوا الرهط في دار صالح ~~بالحجارة؛ فذلك قوله: (ومكروا مكرا ... (50): بصالح وأهله، (ومكرنا مكرا) ~~أي: أهلكناهم، (وهم لا يشعرون): أنهم يهلكون. # وقال بعضهم: هؤلاء التسعة الرهط تواثقوا أنهم يبيتون صالحا ويقتلونه ~~وأهله بعدما عقروا الناقة، وقالوا فيما بينهم: فإن خوصمنا في ذلك لنقولن ~~ولنقسمن: ما شهدنا مهلك أهله، أي: ما حضرنا في هلاكهم؛ على هذا التأويل ~~يكون على التقديم والتأخير. # وقال بعضهم: هؤلاء التسعة كانوا شرار قومه، خرجوا بخمر إلى بعض المغار ~~ليشربوها، ثم ليبيتوا على صالح وأهله، فشربوا هنالك فانهدم بهم الصخرة ~~وعذبوا فيه؛ فذلك قوله: (ومكروا): بقتل صالح وهلاكه، (ومكرنا مكرا). بهم ~~حيث أهلكناهم، (مكرا وهم لا يشعرون). والمكر: هو الأخذ بغتة. # وقوله: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا) أي: جزيناهم جزاء مكرهم. # ثم اختلف في قراءة (لنبيتنه وأهله ثم لنقولن) بالنون؛ فذلك قول بعضهم ~~لبعض. # وقرأه بعضهم بالتاء: (لتبيتنه وأهله ثم لتقولن)؛ فذلك قول الرؤساء ~~للأتباع، # ومن قرأ بالياء يجعله خبرا عن الله تعالى لهم. # وقوله: (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) ~~أي: لم نسكن فيها أحدا، ولكن تركناها خالية كذلك. # وقال بعضهم: (خاوية) أي: خربة بما ظلموا كقوله: (وهي خاوية على عروشها) ~~أي: ساقطة خربة، وقد كان ذلك كله: منها ما جعل لغيرهم مسكنا إذا أهلكهم من ~~نحو ما # PageV08P123 # أورث بني إسرائيل ديار القبط وأموالهم، وأنزلهم فيها، ومنها: ما تركها ~~كذلك خالية بعد ما أهلك أهلها وخربها وتركها كذلك. # وقوله: ms3284 (إن في ذلك لآية) أي: في هلاك من ذكر لآية ولعبرة يعتبرون. # (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) مخالفة الله، ومخالفة أمره ~~ونهيه. # * * * # قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (58) # وقوله: (ولوطا إذ قال لقومه): كأن فيه إضمارا كأنه قال: أرسلنا لوطا إلى ~~قومه. # (إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) أي: أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون، وتعلمون أنها فاحشة. # (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) أي: ~~اشتهاء لكم (من دون النساء): يقول: تأتون الذكور وتدعون النساء، وهو ما قال ~~في آية أخرى: (أتأتون الذكران من العالمين. . .) الآية. # وقوله: (بل أنتم قوم تجهلون): قال بعضهم: ولكن أنتم قوم تجهلون، أي: ~~تجهلون الأمر فتعصون. # ويشبه أن هذا جواب قول كان من قومه نحو ما قالوا: (لئن لم تنته يا لوط ~~لتكونن من المخرجين)، فقال عند ذلك: (بل أنتم قوم تجهلون) ما تقولون، أي: ~~على جهل ما تقولون ذلك، أو كلام نحوه، والله أعلم. # وقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم ~~أناس يتطهرون (56) # قوله: (فما كان جواب قومه) في وقت إلا أن قالوا كذا، لا في الأوقات كلها؛ ~~لأنه قد كان منهم قول وجوابات نحو ما قالوا: (ائتنا بعذاب الله. . .) ~~الآية، ونحوه، وقولهم: (إنهم أناس يتطهرون)؛ دل هذا منهم أنهم قد علموا أن ~~ما يأتون ويعملون أنه خبيث وفحش ومنكر حيث قالوا: (إنهم أناس يتطهرون). # ثم يحتمل قولهم هذا وجوها: # أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء منهم بهم. # والثاني: قالوا: (أخرجوا آل لوط)؛ فإنهم يستقذرون أعمالنا وأفعالنا. # والثالث: على التحقيق (إنهم أناس يتطهرون). # PageV08P124 # وقوله: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) فيه دلالة ~~أن غير الزوجة يجوز أن يسمى أهلا. # قال ms3285 عامة أهل التأويل: أهله: بناته. # وفي قوله: (قدرناها من الغابرين) دلالة خلق أفعال العباد؛ حيث أخبر أنه ~~قدرها من الغابرين، والغبور والبقاء فعلها، فأخبر أنه قدر ذلك منها وخلق. # وقوله: (من الغابرين) أي: الباقين في عذاب الله. # وفي حرف ابن مسعود: (ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزا في الغابرين). # وقوله: (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) أي: ساء مطر المنذرين ~~الذين لم يقبلوا الإنذار، ولم تنفعهم النذارة. # * * * # قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~(60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين ~~البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) ~~أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله ~~مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا ~~يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ~~ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) # وقوله: (قل الحمد لله) أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء ~~الرسل الخالية. # ثم قال: (وسلام على عباده الذين اصطفى) وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله ~~عليهم. # وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع ~~النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفا لأعداء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية. # أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من ~~أنواع النعم من النبوة والرسالة ms3286 والهداية ونحوه، والله أعلم. # وقوله: (وسلام على عباده الذين اصطفى): يحتمل الرسل؛ كقوله: (وسلام على # PageV08P125 # المرسلين). ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ~~(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)، أمر رسوله بالسلام على ~~المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين. # ثم في قوله: (اصطفى) دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ~~(اصطفى). # وقوله: (آلله خير أما يشركون) أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك ~~للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا ~~تملك شيئا من ذلك؛ يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر ~~من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئا، ~~فكيف تشركونها في ألوهيته؟! وإلا لم يذكر جواب قوله: (آلله خير أما يشركون) ~~جوابه أن يقولوا: بل الله خير. # وكذلك روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ثبت -: أنه ~~كان إذا قرأ هذه الآية، قال: " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". # وقوله: (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~(60) يذكرهم بهذا؛ لوجهين: # أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال ~~الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله ~~خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم ~~غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟! # والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعا، واتصال منافع ~~أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا ~~عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟! وهو كقوله: (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا). # وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، ~~والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة. # وقوله: (حدائق ذات بهجة): قال بعضهم: الحدائق: ms3287 الحيطان، والبساتين: ما ~~دون الحيطان. # وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة ~~بها. # PageV08P126 # وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة. # وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق ~~بها، أي: تحيط (ذات بهجة): حسن المنظر. # وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر. # وقوله: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا ~~شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد، فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من ~~هو دونكم في كل شيء؟! وقوله: (أإله مع الله) أي: لا إله مع الله. # (بل هم قوم يعدلون): يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: يحتمل (يعدلون) أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله. # والثاني: (يعدلون) أي: يعدلون عن الله، ويميلون إلى غيره من العدول، ~~والله أعلم. # (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين ~~البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) # يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، (وجعل خلالها أنهارا): ينتفعون بها ~~أنواع المنافع ويشربون، (وجعل لها رواسي)، أي: الجبال لئلا تميد بهم، (وجعل ~~بين البحرين حاجزا): قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب ~~حاجزا، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب. # وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق. # وقال بعضهم: قوله: (وجعل بين البحرين حاجزا) بين العذب والمالح حاجزا ~~بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفا منه، يذكرهم نعمه عليهم ~~ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى ~~غير المنعم؟! # (أإله مع الله) أي: لا إله مع الله. # (بل أكثرهم لا يعلمون): لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم ~~العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ ~~لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك ~~جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به. # والثاني: (بل أكثرهم لا يعلمون) لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا ms3288 ~~يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم. # PageV08P127 # وقوله: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله ~~مع الله قليلا ما تذكرون (62) يخرج على الصلة بقوله: (آلله خير أما ~~يشركون)؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء ~~في الأرض خير، أمن لا يملك من ذلك شيئا؟ فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ~~ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك. # أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: # أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله تعالى، لا ~~الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟! # والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ~~ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوبة، والأول على ~~المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسميته الإله. # وقوله: (أإله مع الله) أي: لا إله مع الله (قليلا ما تذكرون). # وعلى ذلك يخرج قوله: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح ~~بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) على الوجوه ~~التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: (أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء ~~والأرض) أي من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ ~~يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر على هذا يقدر على ما ذكر. # (أإله مع الله) أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من ~~يعبدون ويشر كون. # وقوله: (قل هاتوا برهانكم (64) أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك ~~فيه لغيره، (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) في مقالتكم. # وقوله: (بشرا) من البشارة و " نشرا " بالنون من التفريق والرفع. # وقوله: (خلفاء الأرض): يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد ~~خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم. # وقوله: (أإله مع الله) يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل ~~لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ms3289 ويرعى أنعامكم، أو مع الله ~~إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشرا، أو يجيب المضطر ~~ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك ~~وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من ~~دونه لا يملك شيئا أن يفعل ذلك # PageV08P128 # بكم؟! يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم. # ثم قال: (قل هاتوا برهانكم) أن مع الله إلفا فعل ذلك بكم (إن كنتم ~~صادقين). # ثم قال: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون (65) كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون ~~من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل ~~السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ~~ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب ~~الله. # ثم قوله: (الغيب) يخرج على وجهين: # أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك. # والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين ~~لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك. # ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى ~~تكون إلا الله. # وقوله: (وما يشعرون أيان يبعثون): قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى ~~يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات ~~وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعا سواء، لا أحد يعلم من أهل السماوات ~~والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه ~~إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ~~ما قال في آية أخرى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها. . .) الآية، أخبر أنه ~~لم يطلع أحد على علم ذلك عند الله. # وقوله: (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم ms3290 في شك منها بل هم منها عمون (66) ~~اختلف في قراءته وتأويله: # أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: (ادارك) بالتشديد والألف. # وقرأ بعضهم: (ادرك) بإسقاط الألف والتشديد. # وقرأ بعضهم: (بلى) بإثبات الياء في (بلى)، على الوقف عليها، و (أأدرك) ~~على الاستفهام: (بلى أأدرك). # ومنهم من قرأ على الاستفهام: (آدرك) على غير إثبات الياء في حرف (بل) ~~وعلى # PageV08P129 # غير قطع منه. # فمن قرأ: (ادارك) بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك ~~واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة. # أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، (بل هم في شك منها بل هم منها عمون)، يسفههم ~~ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة. # وقال بعضهم: (بل ادارك علمهم في الآخرة)، أي: أم ادارك علمهم. # وقال بعضهم: (بل ادارك علمهم في الآخرة)، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادرك ~~في الآخرة حين لم ينفعهم. # وعن الحسن قال: (بل ادارك علمهم)، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس ~~وغيره قالوا: (بل ادارك علمهم في الآخرة)، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، ~~وهم مشركو العرب. # (بل هم في شك منها) قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها ~~فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟ # (بل هم منها عمون) يعني: جهلة بها. # وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عميا. # وأبو عوسجة والقتبي يقولان: (ادارك علمهم) أي: تدارك ظنهم في الآخرة، ~~وتتابع في القول. # (بل هم منها عمون) أي: من علمها. # وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في (بلى) ~~والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم ~~من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام. # * * * # قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) ~~لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا ~~في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة # PageV08P130 # المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى ms3291 أن يكون ردف لكم بعض الذي ~~تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ~~ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والأرض ~~إلا في كتاب مبين (75) # وقوله: (وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) ~~كأنهم قالوا ذلك لأحد وجهين: # إما استهزاء بما يخبرهم الرسل أنكم تبعثون، أو قالوا ذلك احتجاجا بما ~~احتجوا به على الرسل بقولهم الذي قالوا: (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ~~إن هذا إلا أساطير الأولين (68) يحتجون فيقولون: لقد وعد آباؤنا بالبعث كما ~~وعدنا نحن، ثم لم نرهم بعثوا منذ ماتوا؛ فعلى ذلك نحن وإن وعدنا فلا نبعث ~~كما لم تبعث آباؤنا. # ثم قال: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) يقول - ~~والله أعلم -: لو سرتم في الأرض فنظرتم إلى ما حل بمكذبي الرسل من العذاب، ~~والرسل إنما كانوا يدعون إلى توحيد الله، والإقرار بالبعث بعد الموت، فكل ~~ذلك ينزل بكم ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل بالبعث وغيره؛ فيكون قوله: ~~(سيروا في الأرض) ليس على حقيقة الأمر بالسير، ولكن على ما ذكرنا، أي: لو ~~سرتم لعرفتم ما حل بهم بتكذيبهم، أو أن يكون الأمر بالسير في الأرض أمرا ~~بالتفكر فيما نزل بأولئك، الأمر بالنظر في عاقبة أمرهم أمر بالاعتبار فيهم، ~~وفي أمر أولئك أمر بهذا؛ ليزجرهم ذلك عن مثل صنيعهم وفعلهم. # وقوله: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) قال قائلون: ~~قوله: (ولا تحزن عليهم) بما يحل بهم من العذاب، إن لم يحزنوا هم على أنفسهم ~~ولم يرحموها. # وقال بعضهم: قوله: (ولا تحزن عليهم) إن لم يسلموا؛ كقوله: (فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)؛ وكقوله: (لعلك باخع نفسك ~~ألا يكونوا مؤمنين)، وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، وأمثال ذلك، كادت ~~نفسه تهلك وتتلف؛ إشفاقا عليهم بما ينزل بهم بتركهم الإسلام، فقال: (ولا ~~تحزن عليهم)، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ليس على النهي، ولكن على تسكين ~~نفسه ms3292 وتقريرها على ما هي عليه؛ لئلا تتلف وتهلك، وهو ما قال: (إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين). # وقوله: (ولا تكن في ضيق مما يمكرون): هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لا تكن في ضيق مما يستهزئون بك، ويسخرون بما توعدهم من العذاب # PageV08P131 # والهلاك؛ ألا ترى أنهم قالوا على أثر ذلك: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~(71) قالوا ذلك له استهزاء بما يوعدهم؛ فكأنه قال لرسوله: لا تكن في ضيق ~~مما يستهزئون بما توعدهم؛ فإن الله يجزيهم جزاء استهزائهم بك. # والثاني: (ولا تكن في ضيق مما يمكرون) أي: مما يريدون ويهمون قتلك؛ فإن ~~الله يحفظك ويحوطك؛ فلا يصلون إليك بما يريدون من قتلك وإهلاكك، وهو ما ~~قال: (والله يعصمك من الناس). # وفيه دلالة إثبات رسالته؛ حيث أمنه وأخبره أنه يحفظه ويعصمه من جميع ~~الأعداء وهو بين أظهرهم، فذلك آية من آيات النبوة والرسالة، والله أعلم. # وقوله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين): قد ذكرنا أنهم إنما ~~يقولون ذلك استهزاء وتكذيبا بما كان يوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه، ثم ~~كان يوعدهم مرة بعذاب ينزل بهم في الدنيا كما نزل بأوائلهم بتكذيبهم الرسل، ~~ومرة يوعدهم بعذاب ينزل بهم في الآخرة، فيكذبونه في ذلك كله ويستهزئون به ~~ويقولون: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)؛ وكذلك قال أوائلهم لرسلهم: ~~(فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). # ثم قال: (قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) هذا يحتمل ~~وجهين: أحدهما: قوله: (ردف لكم) بعد هذه الحال، وبعد هذا القول الذي قالوا: ~~(بعض الذي تستعجلون)، أي: ينزل بكم بعد هذه الحال بعض الذي تستعجلون وهو ~~العذاب، وقوله: (ردف لكم) أي: يدنو منكم ويقرب. # والثاني: (عسى أن يكون ردف لكم) بعد الحزن والمكروه الذي يحل بكم بالموت ~~(بعض الذي تستعجلون) وهو عذاب القبر؛ لأنهم وقت الموت يحزنون ويكرهون لما ~~شاهدوا وعاينوا من حالهم؛ ولذلك يسألون ربهم الرجوع والرد إلى المحنة ~~ثانيا؛ نحو قولهم: (رب ارجعون)، وقولهم: (أو نرد فنعمل)، ونحوه. ms3293 # وقوله: (وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) يحتمل ~~قوله: (لذو فضل على الناس) وجوها: # أحدها: ذو فضل في تأخير العذاب عنهم، ولكن أكثرهم لا يشكرون ذلك الفضل ~~ولكن يستعجلون. # والثاني: ذو فضل على الناس في دينهم في بعثه وإرساله إليهم من يزجرهم ~~ويصرفهم عما يستوجبون من عذاب الله ومقته وهو الرسول، لكنهم لا يعرفون هذا ~~الفضل ولا يشكرونه، بل يعاندونه ويكابرونه. # PageV08P132 # أو لذو فضل على الناس فيما أنعم عليهم في أموالهم وأنفسهم، لكنهم لا ~~يشكرون في ذلك، بل يصرفون شكره إلى غير المنعم، والله أعلم. # وقوله: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) # قوله: (تكن صدورهم) يحتمل وجهين: # أحدهما: ما تكنون أنتم في صدوركم وتسترون فيها (وما يعلنون)، أي: ما ~~يبدون ويظهرون فيها، يعلم ذلك كله. # أو (ما تكن صدورهم)، أي: ما تخفي أنفس الصدور وتستر فيها (وما يعلنون): ~~وما تحمل الصدور أصحابها على إبداء ما فيها وإظهاره، وهو ما ذكر في الخبر ~~حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن في الإنسان مضغة إذا صلحت ~~صلح جميع بدنه وهو القلب "، والله أعلم. # وقوله: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) هذا يخرج ~~على وجهين -أيضا-: # أحدهما: ما من غائبة في السماء والأرض مما كان ويكون أبد الآبدين إلا كان ~~ذلك مبينا في كتاب مبين، يخبر أنه كان لم يزل عالما بما كان منهم أبد ~~الآبدين، وأنه عن علم بأفعالهم وصنيعهم خلقهم وأنشاهم، لا عن جهل وغفلة. # والأني: (وما من غائبة في السماء والأرض) أي: ما من غائبة عن الخلق ما ~~يغيب بعضهم من بعض ويستر بعضهم بعضا، (إلا في كتاب مبين): إلا كان ذلك عند ~~الله محققا ظاهرا مرقوبا، ينبههم؛ ليكونوا على حذر؛ يقول: إن ما يغيب بعضهم ~~من بعض فهو عند الله محفوظ رقيب لا يغيب عنه شيء؛ كقوله: (ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد)، والله الموفق. # قال بعضهم: في قوله: (عسى أن يكون ردف لكم) أي: ms3294 أعجل لكم. # * * * # قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو ~~العزيز العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم ~~أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) # وقوله: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) ~~قوله: # PageV08P133 # (أكثر الذي هم فيه يختلفون) مقطوع من قوله: (إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل)؛ كأنه قال: (يقص على بني إسرائيل) أي: يبين لهم، ثم قال على ~~الاستئناف: (أكثر الذي هم فيه يختلفون). # وقال بعضهم: لا، ولكن هو موصول بعضه ببعض؛ (إن هذا القرآن يقص) أي: يبين ~~على بني إسرائيل أكثر ما اختلفوا فيه. # فإن كان على ما يقول هذا، فهم بأنفسهم يبينون الاختلاف الذي هم فيه لا ~~يحتاج إلى أن يبين القرآن الذي هم فيه يختلفون؛ إذ هم يبينون ما اختلفوا ~~فيه. # ولكن تأويله - والله أعلم - إن هذا القرآن يبين لهم الحكم في أكثر ما ~~يختلفون، أو يبين لهم الحق في أكثر ما يختلفون فيه. # وفي ظاهر الآية أنه يبين لهم أكثر الذي هم فيه يختلفون: أنه قد بقي شيء ~~مما اختلفوا فيه لم يبين لهم؛ حيث قال: (أكثر الذي هم فيه يختلفون)، لكن ~~قوله: (أكثر الذي هم فيه يختلفون) أي: يبين لهم ما فيه نص القرآن، ولم يبين ~~لهم ما فيه دليل القرآن، أو يبين لهم ما فيه نص القرآن ولم يبين ما فيه سنة ~~القرآن ونحوه، والله أعلم. # وقوله: (وإنه ... (77) أي: القرآن الذي ذكر، (لهدى ورحمة) أي: هدى ورحمة، ~~أي: هدى من الضلالة لمن اتبعه في الدنيا وعمل به، ورحمة في دفع العذاب عنهم ~~في الآخرة، فيكون هو هدى ورحمة لمن آمن به. # وقوله: (إن ربك يقضي ms3295 بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) حكمه: هو عدله؛ ~~كأنه يقول: إن ربك يقضي بينهم بعدله، لا يجور ولا يظلم في الحكم والقضاء. # (وهو العزيز): الذي لا يعجزه شيء، (العليم): الذي لا يخفى عليه شيء؛ عزيز ~~بذاته عالم بذاته. # وقوله: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) أي: توكل على الله ~~واعتمد عليه، ولا تخف مكرهم وما يريدون ويقصدون أن يكيدوا بك؛ كقوله: ~~(والله يعصمك من الناس)، وقوله: (إنك على الحق المبين)؛ لأن معك حججا ~~وبراهين، وليس مع أولئك حجج وبراهين، وإن كان كل منهم يقول: إنا على الحق، ~~فأنت على الحق المبين لا هم؛ لأن معك حججا وبراهين؛ فالذي أنت عليه حق، وإن ~~الذي هم عليه باطل ليس بحق. # وقوله: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) ~~قال بعض أهل التأويل: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نادى يوم ~~بدر: " يا فلان ويا فلان - وهم قتلى بعدما أمر أن يجمعوا # PageV08P134 # في قليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟! ألم تكذبوا نبيكم وتكفووا بربكم ~~وتقطعوا أرحامكم "؟! فأنزل الله هذه الآية: (إنك لا تسمع الموتى). # لكن عندنا أن الله تعالى سمى الكافر: ميتا في غير آي من القرآن؛ لما لم ~~يجهدوا أنفسهم في عبادة الله ولا استعملوها في طاعته، فهم كالموتى، وسماهم: ~~صما؛ لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم: بكما؛ لما لم ينطقوا بالحق ~~ولا تكلموا به، وسماهم: عميا؛ لما لم يبصروا الحق، وسماهم: موتى؛ لما لم ~~يستعملوا أيديهم في الحق؛ فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه ~~الحواس، ولا استعملوها فيما أنشئت وخلقت وإن كانت لهم هذه الحواس؛ فعلى ذلك ~~سماهم: موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام وأخبر أنهم أضل؛ لما لم ~~يستعملوا أنفسهم فيما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها. # فإن قيل: ما معنى قوله: (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين): أخبر ~~أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر أن يسمع الصم وإن ~~أتوا مقبلين ms3296 ولم يولوا؟ # قيل: معناه - والله أعلم - أنهم صاروا صما لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم ~~وترك إمكان النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم؛ يخبر ~~عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم بحال ولا ~~تفهيمهم وإن جهد، وأما الصم المقبلون فإنهم قد يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد ~~بالإشارة والإيماء، والله أعلم بذلك. # وقوله: (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ... (81) وفي بعض القراءات: (وما ~~أنت تهدي العمي عن ضلالتهم)، هذا يدل أن ليس كل الهدى البيان على ما قالت ~~المعتزلة؛ لأنه لو كان الهدى كله بيانا في جميع المواضع على ما قالوا هم، ~~لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدر أن يبين للكفار عن ضلالتهم، ~~وقد بين لهم، ثم أخبر رسوله: (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم)، فدل هذا أن ~~عند الله هداية ولطفا إذا سألوه وطلبوا منه ذلك وأعطاهم لاهتدوا به وآمنوا، ~~فهذا ينقض على المعتزلة قولهم. # PageV08P135 # وقوله: (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) أي: ما تسمع إلا أهل ~~الإيمان بالآيات وأهل الإسلام منهم، فأما أهل العناد والمكابرة فلا. # وقوله: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) قال بعضهم: قوله: (وإذا وقع القول عليهم) أي: ~~إذا وقعت الحجة عليهم ولزمت فكذبوها أخرجنا لهم دابة. # وقال بعضهم: وإذا وقعت السخطة والغضب عليهم أخرجنا لهم دابة. # وقال قائلون: (وإذا وقع القول عليهم)، أي: إذا بلغوا في الكفر حدا يعلم ~~الله أنهم لا يؤمنون أبدا بعد ذلك (أخرجنا لهم دابة)، لكن قد ذكرنا في غير ~~موضع: أن هذا لا يصح ولا يجوز؛ إذ الله - عز وجل - لم يزل عالما بما كان ~~ويكون منهم أبد الآبدين، فليس علمه بأحوالهم بما يكون منهم إذا بلغوا ذلك ~~الحد، بل لم يزل عالما بما يكون منهم، وهذا الحرف الذي يقول القائل يومئ ~~إلى أنه إنما يعلم ذلك منهم إذا بلغوا ذلك الحد وقبل ذلك لا، فهو قبيح. # وقول من قال: إذا ms3297 وقعت الحجة عليهم؛ فهو لا يحتمل أيضا؛ لأن الحجة قد ~~كانت قامت قبل ذلك الوقت، وليست تقوم الحجة عليهم في ذلك الوقت. # فيكون التأويل أحد وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا من وقوع العذاب، ووجوب العقوبة والسخطة عليهم؛ كقوله: ~~(أولئك الذين حق عليهم القول) أي: العذاب وجب عليهم. # والثاني: أي: إذا أتى وقت خروج الدابة التي وعدنا لهم أنها تخرج، ~~أخرجناها لهم في ذلك الوقت، أي: لا يتقدم خروجها عن الوقت الموعود ولا ~~يتأخر؛ كقوله: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وهكذا كل ~~شيء جعل الله لظهور ذلك وكونه وقتا لا يتقدم ولا يتأخر ذلك الوقت؛ هذا - ~~والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية. # وقوله: (تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون): قراءة العامة ~~بالتشديد: (تكلمهم) من التكليم والتحديث؛ وكذلك في بعض الحروف: تحدثهم ~~وتنبئهم، وقد قرئ: (تكلمهم) بالتخفيف وهو من الجراحة، وهو ما ذكر في ~~الأخبار والقصص أن الدابة إذا خرجت تجرح الكافر، وتسمه بسمة وعلامة، حتى ~~يعرف الكافر من المؤمن فيقال: يا مؤمن ويا كافر. # وسئل ابن عباس عن ذلك؟ فقال: " تكلم المؤمن وتحدثه، وتجرح الكافر "، ~~والله # PageV08P136 # أعلم. # ثم اختلف في قوله: (أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)؛ اختلف في تلاوته، ~~وتأويله: (أن الناس) بنصب الألف، و (إن الناس) بكسرها، فمن قرأ بالنصب: (أن ~~الناس) وجعل ذلك القول من الدابة، ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: تقول الدابة: إن الناس كانوا بي وبخروجي لما وعدوا لا يوقنون أني ~~أخرج، فهأنذا خرجت. # والثاني: أنها تخبر عن الله وتنبئ أن الناس كانوا بالدابة وبغيرها من ~~الآيات لا يوقنون. # ومن قرأ بالخفض (إن) يجعل ذلك القول من الله ابتداء إخبار: أنهم كانوا لا ~~يزالون لا يوقنون. # وفي خروج الدابة أعظم آيات في إثبات رسالة رسول الله ونبوته؛ لأنه أخبر ~~أنها تخرج في وقت كذا؛ فتخرج على ما أخبر في ذلك الوقت على الوصف الذي وصف؛ ~~فتدلهم على صدقه. # * * * # قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) ~~حتى ms3298 إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون ~~(84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا أنا جعلنا ~~الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ~~ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه ~~داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من ~~فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون (90) # وقوله: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا): يجمع القادة منهم ~~والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعا؛ كقوله: (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم. . .) الآية، وكقوله: (وسيق الذين كفروا. . .) الآية؛ وكقوله: ~~(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون). # قال أهل التأويل: (يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ~~ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه. # PageV08P137 # وقوله: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم ~~تعملون (84) أي: حتى إذا جاءوا جميعا واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: ~~(أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما)، يحتمل (ولم تحيطوا بها علما) أي: قد ~~أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ ~~يجوز أن ريكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: (أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض) أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز ~~في القرآن كثير. # أو أن يكون قوله: (ولم تحيطوا بها علما) لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا ~~إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات. # وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم ~~يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن ~~يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم. # ثم قال: (أماذا كنتم ms3299 تعملون): في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا ~~حجة، ولا برهان. # (ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) أي: وجب القول بالعذاب، ~~ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: (لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين)، ونحوه. # وقوله: (فهم لا ينطقون) أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر. # وقوله: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (86) أي: في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون. # ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: # أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ~~ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا ~~وترابا. # أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا ~~هم. # ثم تلك المنافع تكون من وجهين: # أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل ~~الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به ~~قوام أنفسهم وأبدانهم أبدا؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما ~~جميعا للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر ~~للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخوى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله). # والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا ~~للبعض # PageV08P138 # دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول الراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا ~~لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم ~~أبداتهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتا للراحة للكل لا ~~لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة ~~بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم. # وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم ~~أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ ~~لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن ms3300 لم يكن ولكن جريا على ~~سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد. # ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير ~~واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتتا وحكمة ~~ذاتية، لا علما مكتسبا مستفادا كعلم الخلق. # وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة ~~والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص ~~من الآخر لم يقدر عليه. # أو إن اجتمعوا جميعا على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ ~~دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء. # ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ~~ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر ~~بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا ~~يعجزه شيء. # ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم ~~خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ~~ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثا لا حكمة فيه؛ لأن من ~~بني بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثا غير ~~حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة. # والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا ~~لهم. # وقوله: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله وكل أتوه داخرين (87) اختلف في النفخ ما هو؟ وفي عدده؟ واختلف في ~~الصور أيضا ما هو؟ وكيف هو؟! # أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار ~~عن خفة قيام القيامة على الله؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق ~~وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: (وما أمر ms3301 الساعة إلا كلمح البصر)، شبه ~~أمرها بلمح # PageV08P139 # البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند ~~قيامها لخفته على الخلق. # ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من ~~النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة ~~لسرعة نفاذها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على ~~حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على الله أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، ~~وهو ما قال: (فنفخنا فيه من روحنا)، ليس أنه ينفخ فيه نفخا، ولكن يجعل كأنه ~~قال: وجعلنا فيه من روحنا. # ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ، فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك ~~من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة ~~أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحانا منه ملائكته ~~بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟ ومتى ~~يكون وأي شيء يكون؟ # وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: (إلا صيحة ~~واحدة). # ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: (يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة (7). أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضا: (ونفخ في ~~الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى). # ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ~~ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء. # ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: # أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها ~~والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة ~~الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه. # وأما اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ ~~قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد ms3302 ~~الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك ~~الواو - على ما ذكر في الآية: (فأحسن صوركم). # ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا. # لكنا لا نفسر شيئا مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء ~~أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به # PageV08P140 # فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور ~~على ما جاء ولا نفسسر، والله أعلم. # وقوله: (ففزع من في السماوات ومن في الأرض)، وقال في آية أخرى: (فصعق من ~~في السماوات ومن في الأرض) إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: ~~(وترى الناس سكارى. . .) الآية؛ وكقوله - تعالى -: (يوم ترونها تذهل كل ~~مرضعة عما أرضعت)، ونحوه. # وقوله: (إلا من شاء الله): هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض ~~الحديث أنه قال: " ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع ~~الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين ~~الصلاة ". # وقال بعضهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. # وقال بعضهم: هم الأنبياء والرسل. # لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ~~ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول به. # وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم ~~يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: (من جاء بالحسنة فله خير ~~منها وهم من فزع يومئذ آمنون). # وقوله: (وكل أتوه): قرئ بالمد (آتوه) وتطويله مضموم التاء فيه على مثال ~~(فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله (إلا آتي الرحمن عبدا)، و (أتوه) جمع (أتى) ~~وهو من سيأتون. # وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه. # وقوله: (داخرين) قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل. # وقوله: ms3303 (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) قال بعضهم: وهي تمر مر كذ!؛ لكثرتها ~~وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم # PageV08P141 # يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال. # وقال بعضهم: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها ~~جامدة، (وهي تمر مر السحاب) وهو ما ذكر: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى. ~~. .) الآية؛ لشدة ذلك اليوم ونزعه. وقال بعضهم: لا، ولكن الجبال لهول ذلك ~~اليوم وفزعه تمر مر السحاب وسيره؛ كقوله: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش)، ~~وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا ~~وينزجروا. # وقوله: (صنع الله الذي أتقن كل شيء): قال بعضهم: (أتقن): أحكم وأبرم. # وقال بعضهم: (أتقن): أي: أحسن كل شيء. # قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ~~ولا يجوز أن يقال: الله خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر ~~وغير ذلك من الخرافات؟! # فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا ~~الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحا، وخلق ~~فعل المعصية من العاصي قبيحا، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسنا ~~متقنا محكما، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحا باطلا سفها جورا - أعني: من ~~الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفها وجورا كان غير ~~مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا ~~فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما ~~هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا ~~هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحا سفها باطلا، وهذا كما ~~نصفه على الإطلاق: أنه رب ms3304 كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ~~ويا رب الأقذار ونحوه، وإن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه ~~على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذم له؛ فعلى ~~ذلك الأول. # وقوله: (صنع الله الذي أتقن كل شيء): على أثر وصف الجبال بما وصف من ~~انتقاضها # PageV08P142 # وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان ~~والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ~~ذلك لحكمة، والله أعلم. # وقوله: (إنه خبير بما تفعلون): وعيد لهم. # وقوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) # قالوا جميعا: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان. # وقوله: (فله خير منها): قيل فيه بوجوه: # أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه يوم البعث فله خير منها، ومجيئه ربه ~~بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة ~~فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ~~ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه. # وقال بعضهم: قوله: (فله خير منها) أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، ~~والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له ~~جميع الخيرات في الآخرة. # وقال بعضهم: (فله خير منها) أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير ~~مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: (إلا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم)، كذا. # وقال بعضهم: (فله خير منها) أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من ~~الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل ~~عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت. # وقال بعضهم: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات ~~في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في ~~الحكمة والعقل ms3305 وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل الله ~~خير مما هو غيره. # لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه ~~الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان سبيل ~~وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: (فله خير منها)، أي: في طباعكم ~~ووهمكم ذلك # PageV08P143 # الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: (وهو أهون عليه)، ~~أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون ~~على الله من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك ~~الأول، والله أعلم. # وقوله: (وهم من فزع يومئذ آمنون) أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد ~~يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله. # وقوله: (ومن جاء بالسيئة ... (90) أي: بالشرك، (فكبت وجوههم في النار): ~~المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: (يوم تقلب وجوههم في ~~النار). # وقوله: (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) أي: ما تجزون إلا بأعمالكم. # * * * # قوله تعالى (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء ~~وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته ~~فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) # وقوله: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها). # قوله: (حرمها) يحتمل وجهين: # يحتمل (حرمها) أي: منعها من الاستلاب والاختطاف فيها؛ كقوله: (وحرمنا ~~عليه المراضع)، ليس على التحريم حتى لا يحل له ذلك، ولكن على المنع والحظر، ~~أي: منعنا منه المراضع. # والثاني: على التحريم نفسه، وهو ما جعل في كل أحد من الكافر والمسلم في ~~الجاهلية والإسلام حرمة ذلك المكان؛ حتى لا يتناول أحد من صيد تلك البقعة ~~ومن شجرها وحشيشها، والله أعلم. # وقوله: (وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن ... (92) أيضا عليكم ~~كأنهم أوعدوه بوعيد وخوفوه به، وطلبوا منه الموافقة لهم، فقال عند ذلك ms3306 لهم: ~~إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة، وهو رب كل شيء، أي: أمرت أن أكون عبدا ~~له، لا أجعل نفسي عبدا لغيره، وأمرت -أيضا- أن أجعل نفسي سالما له، لا أجعل ~~لأحد فيها شركا كما جعلتم أنتم - أيضا - ذلك كله. # وأمرت -أيضا- أن أتلو القرآن عليكم، فأنا أتلوه عليكم كذبتموني أو لم ~~تكذبوني، فإني لا أخاف كيدكم ولا مكركم، والله أعلم. # وفي قوله: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) دلالة لزوم ~~الرسالة؛ لأن أهل مكة وغيرهم قد أقروا جميعا بحرمة تلك البقعة من أوائلهم ~~وأواخرهم، فما # PageV08P144 # عرفوا ذلك إلا بالرسل؛ دل أن أوائلهم يقرون بالرسل والنبوة، فعلى ذلك ~~يلزم هؤلاء الإقرار بها، والله أعلم. # وقوله: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه): يخبر: أن من آمن وقبل الهدى فإنما ~~يفعل ذلك لمنفعة نفسه، ومن ضل -أيضا- فإنما يكون ضرره عليه؛ كقوله: (من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). # وقوله: (فقل إنما أنا من المنذرين) أي: ليس علي إلا الإنذار، فأما غير ~~ذلك فذلك عليكم؛ كقوله: (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، ~~وقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء). # وقوله: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ... (93) هذا يحتمل وجهين: ~~أحدهما: سريهم آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات رسالته. # وقوله: (فتعرفونها) أي: بالآيات ما ذكر؛ كقوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم). # والثاني: سيريهم ما وعد لهم من النصر والمعونة ليعرفوه عيانا على ما ~~عرفوه خبرا. # وقوله - تعالى -: (وما ربك بغافل عما تعملون): قال بعضهم: هذا الحرف ~~توبيخ للظالم وتعيير وزجر، وتعزية للمظلوم وتسل له. # وقال بعضهم: هذا الحرف ترمخيب وترهيب. # قال القتبي: قوله: (ردف لكم)، أي: تبعكم، واللام زائدة؛ كأنه قال: ردفكم، ~~والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV08P145 ### | سورة القصص # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ms3307 كان من المفسدين (4) ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) # قوله - عز وجل -: (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2): قد ذكرنا هذا ~~فيما تقدم في غير موضع مما يغني عن ذكره في هذا الموضع. # وقوله: (نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) (من نبإ ~~موسى وفرعون) أي: من خبرهما. # وقوله؛ (بالحق) أي: بالصدق ما يعلم أنه صدق وحق. # وجائز أن يكون قوله: (بالحق) أي بالحق الذي لموسى على فرعون وقومه. # أو بالحق الذي لله عليه، والله أعلم. # وقوله: (لقوم يؤمنون) يحتمل وجهين: # أحدهما: (نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون) للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون ~~بالأنباء وما فيها، وأما من لا يؤمن فلا ينتفع بها فلا يكون. # والثاني: لقوم يؤمنون بالأنباء والكتب المتقدمة، هم يعرفون أنه حق لما في ~~كتبهم ذلك، والله أعلم. # وقوله: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) قال بعضهم: تجبر واستكبر ~~وأبي أن يصغى لموسى ولأمثاله. # وقال بعضهم: (علا في الأرض) أي: بغى وقهر؛ فيكون تفسيره ما ذكر على أثره ~~(يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم)، هذا - والله أعلم - يشبه ~~أن يكون علوه وبغيه في الأرض. # ويشبه أن يكون قوله: (علا في الأرض) أي: علا قدره وارتفع رتبته في الأرض ~~لما # PageV08P146 # ادعى لنفسه الألوهية والربوبية، بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم، ~~فعلا قدره وارتفعت منزلته بدعواه بذلك، وعلا في الأرض، أي: غلب. # وقوله: (وجعل أهلها شيعا) هو قيل: فرقا: يستضعف طائفة، ويذبح طائفة، ~~ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة. # وجائز أن يكون قوله: (وجعل أهلها شيعا) أي: جعل لكل طائفة منهم عبادة صنم ~~لم يجعل ذلك لطائفة أخرى، وجعل طائفة أخرى على عمل أولئك وحوائجهم؛ ~~ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها؛ لأن الشيع فرق يرجعون جميعا ~~إلى أصل واحد وإلى أمر واحد. # وقوله: (إنه كان من المفسدين): ms3308 كذلك كان، لعنه الله. # وقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين (5) هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك، لا أنه من عليهم ~~وفعل ذلك؛ لأنه يقول: نريد أن نمن على الذين كذا، وقد من عليهم بذلك فهلا ~~قال: وقد مننا على الذين استضعفوا في الأرض؛ لكن معناه - والله أعلم - أي: ~~كنا نريد في الأزل أن نمن عليهم، وأن نجعلهم أئمة، وأن نجعلهم الوارثين، ~~وإلا الظاهر ما ذكرنا. # وقوله: (ونجعلهم أئمة) يحتمل وجهين: # أحدهما: جعلهم جميعا أئمة لنا، بهم نقتدي وننقاد لهم، أو أن يكون قوله: ~~قوله تعالى: (ونجعلهم أئمة) أي: نجعل فيهم أئمة وقادة لهم، أي: نجعل بعضهم ~~أئمة لبعض؛ كقوله لموسى: (اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء)، ~~والأئمة المذكورة هاهنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية. # (ونجعلهم الوارثين (5). ونمكن لهم في آلازض): هذا كما ذكر في آية أخرى: ~~(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) الآية، أي: ~~يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه. # والوارث: هو الباقي على ما ذكرنا؛ كأنه قال: يبقون هم في أرضهم وملكهم ~~بعد هلاكهم؛ كقوله: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها)، أي: نبقى نحن بعد هلاك ~~الأرض وهلاك من عليها، والله أعلم. # وقوله: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) أي: يرون ~~ما كانوا # PageV08P147 # يحذرون منه، وهو الهلاك وذهاب الملك، هذا كانوا يحذرون فأراهم ذلك؛ لأنه ~~كان يذبح أبناءهم إشفاقا على بقاء ملكه ويحذر ذهابه. # قال الزجاج: إن من حماقة فرعون وقلة عقله أنه كان يذبح أبناءهم لقول ~~الكهنة: إنه يذهب ملكه بغلام يولد في العام الذي قالوه، فلا يخلو إما أن ~~صدقوا في قولهم فيذهب ملكه وإن قتل الأبناء، وإما أن كذبوا في قولهم فلا ~~معنى لقتل الأبناء؛ لأنه لا يذهب لكنه فعل ذلك بهم لحماقته وسفهه وجهله ~~بنفسه. # وقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض): بالنجاة من فرعون ~~وآله، واستنقاذه إياهم من يديه، ومن قتل الولدان وغير ذلك ms3309 من أنواع ~~التعذيب، والله أعلم. # وفي قوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض. . .) إلى آخر ما ~~ذكر - وجوه على المعتزلة في قولهم: إن ليس لله أن يفعل بعباده إلا ما هو ~~أصلح لهم في الدين، وأنه لو لم يفعل ذلك كان ذلك جائزا. # فيقال لهم: لو كان عليه فعل الأصلح لهم في دينهم على كل حال لكان لا معنى ~~لذكر المنة على الذين استضعفوا في الأرض في جعلهم أئمة وإبقائهم في أرضهم ~~وتمكينه إياهم في ملكهم ووراثتهم أموالهم؛ لأنه على زعمهم فعل بهم ما عليه ~~أن يفعل؛ لأن ذاك أصلح لهم في الدين، وكل من فعل فعلا عليه ذلك الفعل؛ لا ~~يكون له الامتنان على المفعول به ذلك، فدل ذكر المنة فيما ذكر أنه فعل بهم ~~على أنه فعل ما لم يكن عليه ذلك، ولكنه فعل ذلك متفضلا ممتنا، وله ألا يفعل ~~ذلك. # ويقولون -أيضا-: إن إهلاك فرعون وقومه أصلح لهم من إبقائهم؛ وكذلك إماتة ~~كل كافر فلم يذكر فيه المنة، دل ذلك أنه ليس على ما يقولون هم، وأن ذلك ~~منقوض مردود عليهم. # ويقولون -أيضا-: إن الإرادة من الله لهم أمر لهم يأمرهم به، فلو كان أمرا ~~على ما يزعمون لكان الأمر منه قد شمل الكل، ثم لم يصيروا جميعا أئمة وقادة، ~~ولكن إنما صار بعض دون بعض؛ دل أن الإرادة غير الأمر، وأنه إذا أراد لأحد ~~شيئا كان ما أراد، ليس على ما يقولون: إنه أراد إيمان كل كافر، لكنه لم ~~يؤمن بعدما أعطاه جميع ما عنده من القوة والعون على ذلك، حتى لم يبق عنده ~~شيء من ذلك إلا وقد أعطاه؛ فدل ما ذكر على فساد مذهبهم. # PageV08P148 # قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في ~~اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه ~~آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) ~~وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ms3310 ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ~~ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب ~~وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) # وقوله: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه): قال عامة أهل التأويل: إن الوحي ~~هاهنا وحي الإلهام والقذف في القلب، لا وحي إرسال صارت رسولة، وذلك لا ~~يجوز. # لكن يقال: جائز أن تلهم هي إرضاعه وإلقاءه في اليم، فأما أن تلهم ما ذكر: ~~(ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) هذا مما لا سبيل ~~إلى معرفة ذلك وعلمه إلا بتصريح قول ومشافهة آخر، اللهم إلا أن يقال: إنه ~~كان بموسى آيات الرسالة وأعلام به؛ لما عرفت هي بتلك الأعلام والآيات التي ~~كانت له أنه يرد إليها، وأنه يبقى رسولا إلى وقت، وقد كانت بالرسل أعلام ~~وآيات الرسالة في حال صغرهم وصباهم؛ نحو عيسى حيث كلم قومه في المهد: (إني ~~عبد الله آتاني الكتاب. . .)، إلى آخر ما ذكر وأن محمدا لما ولد بالليل ~~استنارت تلك الناحية واستضاءت بنوره حتى ظنوا أن الشمس قد طلعت ونحوه؛ فعلى ~~ذلك جائز أن يكون بموسى أعلام وآيات عرفت أمه بها أنه رسول، وأنه يرد ~~إليها. # وإنما تكلفنا بهذا التخريج قول أهل التأويل: إنه وحي إلهام وقذف في القلب ~~لا غير. # وعندنا جائز أن يكون الوحي إليها وحي إرسال رسول وإخبار من غير أن صارت ~~هي بذلك رسولة؛ نحو ما ذكر من قصة مريم أن الملك لما دخل تعوذت بالله منه ~~حيث قالت: (إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك ~~لأهب لك غلاما زكيا)، وذلك من البشارة التي بشروها بالولد فلم تصر بما أرسل ~~إليها من الرسل وشافهوها رسولة؛ فعلى ذلك أم ms3311 موسى؛ ونحو بشارة الملائكة ~~لامرأة # PageV08P149 # إبراهيم بالولد وهو قوله: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)، ونحوه ~~مما يكثر ذكره لم يصيروا بذلك رسلا؛ فعلى ذلك الوحي إلى أم موسى يحتمل ما ~~ذكرنا. # وجائز ذلك من غير أن صارت بذلك رسولة، وهو أشبه وأقرب، والله أعلم. # وقوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين (8) قال بعضهم: في الآية إضمار؛ لأنهم لم يلتقطوه؛ ليكون لهم ~~عدوا وحزنا ولكن كان فيه إضمار، أي: التقطه آل فرعون ليتخذوه ولدا ووليا، ~~فكان لهم عدوا وحزنا إذا كبر ونحو هذا. # وقال بعضهم: ذاك إخبار عما في علم الله أنه يكون ما ذكر، معناه - والله ~~أعلم -: التقطه آل فرعون، فكان في علم الله - تعالى - أنه يكون لهم عدوا ~~وحزنا، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: # . . . . . . . . . . . . لدوا للموت وابنوا للخراب # لا يلدون للموت ولا يبنون للخراب، ولكن إخبار عما هو عليه عملهم في ~~الآخرة، والله أعلم. # وقوله: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين): ظاهر. وفيه نقض قول ~~المعتزلة من وجه. # وقوله: (وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) هذا لطف من الله بموسى؛ حيث ألقى محبته في ~~قلوبهم وحلاوته في أعينهم، وهو ما ذكر منة عليه حيث قال: (وألقيت عليك محبة ~~مني)، ليتأدى بذلك الشكر عليه. # قال أبو معاذ: قال مقاتل: قوله: (قرت عين لي ولك) تقول: ليس لك بقرة عين. # قال أبو معاذ: وهذا محال، ولو كان كذلك لكان في القراءة: " تقتلونه "، ~~وهذا - أيضا - محال لقوله: (عسى أن ينفعنا)، ولو كانت القراءة: (قرت عين لي ~~ولك لا (لا) تقتلوه) لكان مقاتل مصيبا. # وقوله: (وهم لا يشعرون): يحتمل وجهين: # أحدهما: (وهم لا يشعرون) أن إهلاكهم واستئصالهم على يديه. # والثاني: لا يشعرون أنه هو المطلوب بقتله من بين الكل، والله أعلم. # وقوله: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين (10) قال بعضهم: فارغا من ms3312 هم موسى وحزنها # PageV08P150 # عليه. وقال بعضهم: فارغا من كل شيء إلا على موسى وذكره، وكأن قوله: ~~(وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) جواب قوله: (ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه ~~إليك. . .) الآية. # وهو يحتمل وجوها: # أحدها: أن الله رفع الحزن والخوف وطمأنها من غير أن كان ثمة قول أو كلام. # والثاني: على القول لها: لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين، فلو كان على هذا فهو على البشارة لها بالرد إليها وجعله رسولا، ~~أو على النهي والزجر عن الحزن عليه والخوف عليه، هو حزن مفارقته لها، ~~والخوف عليه خوف الهلاك؛ كقول يعقوب حيث قال: (إني ليحزنني أن تذهبوا به ~~وأخاف أن يأكله الذئب)، ذكر الحزن عند المفارقة والذهاب عنه، والخوف عند ~~الهلاك، فرفع الله عنها حزن المفارقة، وبشرها بالرد إليها وجعله رسوله ~~وأمنها عن الهلاك؛ فيكون قوله: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) مما خافت عليه ~~وحزنت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها): كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها بما ذكر من قوله: (ولا تخافي ولا تحزني. ~~. .) الآية، فلم تكد أن تبدي، وهو كما ذكر: (ولقد همت به وهم بها لولا أن ~~رأى برهان ربه) أي: كان يهم بها لو لم ير برهان ربه لا أنه هم بها؛ وهو ~~كقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا)، أي: كان يركن ~~إليهم شيئا قليلا لو لم يثبته، لكنه ثبته فلم يركن إليهم ونحوه؛ فعلى ذلك ~~الأول. # وقال أهل التأويل: ربط قلبها بالإيمان. # وجائز أن يكون ربطه قلبها لما ذكر من قوله: (ولا تخافي ولا تحزني. . .) ~~الآية. # وقال بعضهم: (فارغا) من عهد الله الذي كان عهد إليها، أنساها عهد الله ~~عظم البلاء الذي حل بها، فكادت تبدي به، ثم تداركها الله بالرحمة فربط على ~~قلبها فذكرت وارعوت. # وقال بعضهم: اتخذه فرعون ولدا، فصار الناس يقولون: ابن فرعون ابن فرعون، ~~فأدركت أمه الرقة وحث الولد فكادت تقول: بل هو ابني، ms3313 والأول أشبه، وفي حرف # PageV08P151 # ابن مسعود وأبي وحفصة: (إن كادت لتشعر به). # وقوله: (وقالت لأخته قصيه ... (11) أي: اتبعي أثره. # وقوله: (فبصرت به عن جنب) قيل: عن بعد، أي: كانت تتبع أثره عن بعد منه. # وقال بعضهم: الجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى موضع بعيد، وهو إلى جنبه ~~بقرب منه، وذلك عند الناس معروف ظاهر فيهم ذلك. # وقال بعضهم: في قوله: (فبصرت به عن جنب) قال: مشيت بجانبه وهي معرضة عنه ~~كأجنبية. # وقوله: (وهم لا يشعرون): أن هذه تراقبه أو تنظر إليه وتحفظه. # أو لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. # بصرت وأبصرت واحد. # وقوله: (عن جنب): عن ناحية بعيدة، وجوانب: جماعة، ويقال: رجل جنب وقوم ~~أجناب، وجانب وأجناب وأجانب وأجنبي أي: غريب، وهذا كله من الاجتناب؛ وهو ~~قول أبي عوسجة والقتبي. # وقوله: (وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم وهم له ناصحون (12) حرم تحريم منع وحظر الذي ضده الإطلاق والإرسال، لا ~~التحريم الذي ضده الحل، وذلك لطف من الله تعالى وفضل ورحمة؛ حيث منع موسى ~~عن أن يرتضع من النساء وهو طفل، وهم أمثاله الارتضاع والرغبة في التناول من ~~كل لبن ومن كل مرضع ترضعه لا تمييز لهم في الارتضاع؛ فدل امتناعه وكفه نفسه ~~عن الارتضاع من النساء أجمع أن ذلك لطف من الله أعطاه ليمتنع عنه. # فعلى ذلك جائز أن يكون عند الله لطف لو أعطى الكافر الذي همته الكفر ~~والرغبة فيه لآمن واهتدى، لكنه لما عرف رغبته وهمته فيه واختياره له منع ~~ذلك عنه ولم يعطه. # وهذا الحرف ينقض على المعتزلة مذهبهم في زعمهم أن الله قد أعطى كل كافر ~~السبب الذي به يؤمن وما به يصير مؤمنا، حتى لم يبق شيء مما يكون به إيمانه ~~إلا وقد أعطاه، لكنه لم يؤمن، فينقض قولهم ما ذكرنا من أمر موسى أن عنده ~~لطفا لم يعطه لو أعطاه لآمن # PageV08P152 # واهتدى، لكنه لم يعطه لما ذكرنا. # وفيه لطف آخر: وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان ms3314 من الذكور؛ ~~ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا، فجعل الله بلطفه ورحمته ~~محبته في قلب فرعون وقلوب أهله، حتى صار أحب الخلق إليهم، وصاروا هم أشفق ~~الناس وأرحمهم عليه، حتى خافوا هلاكه وطلبوا له المراضع؛ لئلا يهلك بعدما ~~كانوا يطلبون هلاكه وتلفه، وذلك لطف منه له ورحمة، وهو ما قال: (وألقيت ~~عليك محبة مني)، وبالله يستفاد كل فضل ونعمة. # وقوله: (فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم). # قوله: (فقالت) أي: أخته التي كانت تتبعه وتمشي على أثره، وذلك منها تعريض ~~بالدلالة لهم إلى أفه؛ لئلا يشعروا أنها أمه حيث قالت: (أدلكم على أهل ~~بيت)، ولم تقل: على امرأة لها لبن وهي ترضع، ولعلها لو قالت لهم ذلك وقع ~~عندهم أنها أمه، ولكن دلتهم إلى بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم ~~ولهم ولد يكفلونه لكم، أي: يقبلونه ويضمونه إلى أنفسهم. # (وهم له ناصحون): يحتمل قولهم: (وهم له ناصحون) أي: لفرعون لا يخونونه ~~فيه. # ويحتمل (وهم له ناصحون) لموسى. # وقوله: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) بالمقام معه والكون عندها، (ولا تحزن): على ~~فراقه. # أو أن يقال: (كي تقر عينها ولا تحزن)، أي: تسر برده إليها، وذلك معروف في ~~النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن ويهممن لذلك، ويسررن إذا جعلوا ~~إليهن واجتمعوا. # وقوله: (ولتعلم أن وعد الله حق): كانت تعلم هي - والله أعلم - أن وعد ~~الله حق كائن لا محالة، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة؛ كأنه قال: لتعلم ~~علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ ~~وأتقى للشبهة من علم الإخبار؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء ~~الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك، لكنه كان ~~يعلمه علم خبر فأحب أن يعلمه علم عيان ومشاهدة؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع ~~للوساوس من علم الإخبار؟! فعلى ذلك هذا. # وقوله: (ولكن أكثرهم لا ms3315 يعلمون): والمعتزلة فيهم؛ لأنه أخبر أنه يملأ ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ حيث قال: (لأملأن جهنم)، وهم يقولون: أراد ~~ألا يملأ جهنم؛ لأنهم يقولون: إنه أراد إيمان كل الناس جميعا وشاء ذلك لهم ~~فلم يؤمنوا، فعلى # PageV08P153 # قولهم: إذا شاء ذلك لهم شاء ألا يملأ جهنم منهم، فذلك خلف في الوعد وكذب ~~في القول على قولهم. # * * * # قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان ~~هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت ~~علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي ~~استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن ~~يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) ~~وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم ~~الظالمين (21) # وقوله: (ولما بلغ أشده واستوى): قال بعض أهل التأويل: الأشد: هو ما بين ~~ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، ثم هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين استواء ~~الشدة، ثم يأخذ بعد الأربعين في النقصان، ثم غير بعمره إلا أربعين سنة. # وقال بعضهم: بلغ أشده: ثلاث وثلاثون سنة واستوى: أربعون، وعن ابن عباس ~~مثله. # وقال بعضهم: بلغ أشده قال: الأشد: الحلم، والاستواء: أربعون سنة. # وأصل الأشد: أن يشتد كل شيء منه، وصار يحتمل ما قصد به وجعل فيه، ويدخل ~~في ذلك العقل وكل شيء. # واستوى: أي استوى ذلك واستحكم، وصار بحيث يحتمل ذلك. # وجائز أن يكون ms3316 الاستواء هو الأشد الذي ذكره. # وقال أبو عوسجة والقتبي: واستوى: أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم يكن # PageV08P154 # فيه زيادة، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (آتيناه حكما وعلما) أي: آتيناه العلم الذي يحكم به بين الناس، ~~وعلما بمصالح نفسه ومصالح الخلق. # وقال بعض أهل التأويل: الحكم: الفقه والعقل والعلم قبل النبوة. # وقوله: (وكذلك نجزي المحسنين): يحتمل قوله: (وكذلك نجزي المحسنين) في ~~الآخرة بالوعد الذي وعد لهم في الدنيا؛ كما جزي موسى بإنجاز ما وعد له، أو ~~أن يكون من موسى إحسان وجهد في طلب العلم وغير ذلك مما أعطاه ذلك، وأخبر ~~أنه كذلك يجزي من ذكر؛ كقوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وقوله: ~~(ولتعلم أن وعد الله حق)، كان وعده إياها أن يرده إليها ويجعله من ~~المرسلين، ومعناه ما ذكر فيما تقدم. # قال الكسائي: يقال: امرأة مرضع: ما دامت ترضع، فإذا فطمت سميت: مرضعة، ~~وما دامت حبلى فهي مرضعة، أي: سترضع. # وقوله: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا ~~من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) # قال عامة أهل التأويل: على حين غفلة أهل المدينة وهو عند الظهيرة، وذلك ~~وقت القائلة. # وقال قائلون: على حين غفلة أهل البلد عن دخول موسى، أي: دخلها من غير أن ~~شعروا به وعرفوا أنه موسى؛ على هذا التأويل الغفلة تكون على دخول موسى ~~عليهم. # وعلى الأول على غفلة أهل المدينة، أي: وقت غفلتهم. # فإن كان على هذا فيحتمل أن يكون غفلة أهلها: هو أن كان ذلك يوم عيدهم ~~خرجوا إليه، فدخل هو المدينة ليطلع أحوالها وأسبابها، إلا أن تكون العادة ~~فيهم بأجمعهم يقيلون فذلك محتمل، والله أعلم. # وقوله: (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه): قال بعض ~~أهل الأدب: إن قوله: (هذا من شيعته وهذا من عدوه) إنما يقال للشاهد المشار ~~إليه، فأما الغائب فإنه لا يقال، ms3317 لكن قالوا: إن فيه إضمارا أو لطفا؛ كأنه ~~قال: فوجد فيها رجلين يقتتلان من نظر إليهما يقول: هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه. # ثم قال أهل التأويل: آحدهما كان إسرائيليا والآخر قبطيا. # PageV08P155 # فإن قيل: كيف سمي الإسرائيلي من شيعة موسى وذلك أول ما دخل موسى المدينة، ~~وبنو إسرائيل يومئذ كانوا عباد الأصنام، وقد حبب ذلك إليهم حتى قالوا لموسى ~~بعدما أخرجهم من المدينة وبعد هلاك فرعون والقبط جميعا: (اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة)؛ وكذلك يقول مقاتل: كانا كافرين جميعا؛ ألا ترى أنه قال: (فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين)، لكن يخرج هذا على الإضمار؛ كأنه قال: يكون هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه. # أو يقول: يكون هذا من قوم شيعته ويبقى هذا عدوا في قوم هم أعداؤه، وعلى ~~هذا يخرج قوله: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) أي: يبقى عدوا ~~لهما، أو أن يكون عدوا لهما؛ لأن أبا معاذ النحوي يستدل به على وهم مقاتل ~~ووهمه في تأويله أنهما كانا كافرين جميعا، لكن يخرج على ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وقوله: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) أي: استغاثه الذي كان ~~في علم الله أنه يكون من شيعته على الذي في علم الله أنه يبقى عدوا له ~~ينصره، والاستغاثة هي الاسثعانة والاستنصار، أي: سأله أن يكون من شيعته. # وقوله: (فوكزه موسى فقضى عليه): قال أبو عوسجة: الوكزة: الطعن في الصدر. # وقال الزجاج والقتبي وهؤلاء: الوكزة: الد فعة (فوكزه)، أي: دفعه. # (فقضى عليه): قال بعضهم: أي فرغ منه؛ كقوله: (فلما قضى موسى الأجل)، ~~وقوله: (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)، أي: فرغ ونحوه. # وقال بعضهم: (فقضى عليه) أي: قتله. # وكلاهما سواء إذا قتله فقد فرغ منه، وهو لم يتعمد قتله ولا قصده، لكن ~~الله قضى أجله وجعل انقضاء عمره بوكزة موسى، وهو في الظاهر قاتل؛ لأنه قال: ~~(إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون)، ولم يكذب الله موسى في قوله: إنك لم ~~تقتل، وقال -أيضا-: (إني ظلمت نفسي فاغفر ms3318 لي. . . (16). الآية. # وفيه دلالة جواز الاستدلال لقول أبي حنيفة حيث قال: من قتل آخر بحجر عظيم ~~أو بخشبة عظيمة مما لا ينجو من مثله فإنه لا يقتل به، ولا يجب القصاص فيه؛ ~~لأن موسى لما وكز ذلك القبطي فمات، وكان له قوة أربعين رجلا - لم ير القصاص ~~به واجبا حيث قال له ذلك الرجل: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين. فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين)، ولو ~~كان القصاص واجبا # PageV08P156 # لكان أولئك لم يكونوا ظلمة في قتله، بل يكون هو الظالم فيه. # ولا يحتمل أن يكون القصاص واجبا -أيضا- وموسى يفر من ذلك ويهرب وفي ذلك ~~إبطال حقهم دل أنه لم يجب. # ولا شك أن وكزة من له قوة أربعين رجلا إلى الهلاك أسرع وأقرب وأعمل من ~~الضرب بالحجر العظيم أو الخشبة العظيمة، فإذا لم يجب في هذا لم يجب في ذاك، ~~والله أعلم. # وقوله: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) قال بعضهم: بما ~~أنعمت علي بالمغفرة، فلم تعاقبني بقتل النفس وعصمتني من أن أعاقب به في ~~الدنيا. # وجائز أن يكون بما أنعم عليه هو قوته التي أعطاها أخبر أنه لا يكون بها ~~ظهيرا للمجرمين، والله أعلم. # وقوله: (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ~~قال له موسى إنك لغوي مبين (18) أكثر ما ذكر في القرآن (أصبح)، أي: صار؛ ~~كقوله: (أو يصبح ماؤها غورا)، وقوله: (إن أصبح ماؤكم غورا)، ونحوه، وأما ~~هاهنا قوله: (فأصبح في المدينة خائفا) وإنما يريد: الصباح نفسه. # وقوله: (يترقب): قال عامة أهل التأويل: (يترقب) أي: ينتظر سوءا يناله ~~منهم. # وقال أبو عوسجة: الترقب: الخوف؛ كأنه قال: خائفا يخاف هلاكه، وأصل الترقب ~~هو النظر؛ لأن موسى كان يرقب من يطلبه ومن يأتيه في طلبه، وهو من الرقيب. # وقوله: (فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين): ~~كأن الرجل الذي أخبر أنه من شيعة موسى كان ضعيفا في نفسه، حيث لا يقدر أن ms3319 ~~يقوم لواحد؛ فيستغيث بموسى ويستعين به، إلا أنه كان يخاطب وينازع ويقاتل ~~لسوء فيه وبلاء يقاتل وينازع، وإلا لم يكن بنفس هذا قوة ما يقوم لواحد فمن ~~حيث لا يقاتل مثله، ولكنه لما ذكرنا من سوء به؛ ولذلك قال له موسى: (إنك ~~لغوي مبين)، لكن موسى إنما عرف غوايته بالاستدلال الذي ذكرنا لا بالمشاهدة؛ ~~ولذلك أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما لئلا يقتله ولا يهلكه لما عرف غوايته ~~بالاستدلال لا حقيقة. # وذكر هاهنا البطش - وهو الأخذ باليد - وفي الأول ذكر الوكزة: وهي الدفع ~~والطعن على ما ذكرنا، فهو - والله أعلم - لأنه لما وكز الأول فأتت الوكزة ~~على نفسه فقتلته، فأخذ هذا من هذا ليمنعه عن إهلاكه وإتلافه، ولا يأتي على ~~نفس الآخر كما فعلت الوكزة. # PageV08P157 # ثم قال: (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) اختلف في قائل هذا: # قال عامة أهل التأويل: إن قائل هذا هو الذي استصرخه واستغاثه بالأمس ظن ~~أن موسى إنما أراد بطشه وأخذه وإليه قصد؛ لذلك قال: (أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس). # وقال قائلون: هذا القول إنما قال له ذلك القبطي، فإن كان هذا فهو يدل أن ~~قتله ذلك الرجل بالأمس كان ظاهرا، حيث علم به القبطي، وكان قوله: (على حين ~~غفلة من أهلها) أي: من دخول موسى المدينة. # وإن كان هو الأول كان قتله إياه خفيا غير ظاهر، فعلى هذا تكون الغفلة على ~~أهل المدينة ليس على دخول موسى، والله أعلم. # وقوله: (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين)؛ لأن الذي يصلح بين اثنين لا يقتل ولا يأخذ أحدهما دون الآخر، ~~ولكن يصلح بينهما على السواء الذي قال ما قال. # وقوله: (إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض): قال بعضهم: يقول هكذا فعل ~~الجبابرة، يقتلون النفس بغير نفس. # وقال بعضهم: الجبابرة تقتل النفس بغير نفس. # وقال بعضهم: الجبار: ms3320 هو الذي يحمل الناس على هواه وعلى ما يريده، ويقهرهم ~~على ذلك شاءوا أو أبوا. # وقال بعضهم: الجبار: هو الذي يتكبر على الناس لا يرى أحدا لنفسه نظيرا أو ~~كلام نحوه. ويقال: كل قاتل آخر على الغضب بغير حق فهو جبار. # وقوله: (وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) يحتمل أن يكون أقصى المدينة هو سكن ~~فرعون ومقامه، فمنه جاءه ذلك الرجل. # أو أن يكون أقصى المدينة: موطن الملأ والألثراف الذين ذكر أنهم ائتمروا ~~على قتله. # وقوله: (يسعى): والسعي: هو العدو في اللغة، كأنه يسرع المشي إليه ليخبره ~~بذلك. # وقوله: (إن الملأ يأتمرون بك). # PageV08P158 # (يأتمرون): قال بعضهم: يتشاورون في قتلك. # وقال الزجاج: (يأتمرون بك) أي: يأمر بعضهم بعضا أن يقتلوك. # وقال القتبي: (يأتمرون): أي يهمون في قتلك، وذكر عنه أنه قال: (يأتمرون): ~~يتشاورون بك؛ وهو قول أبي عوسجة. # وأصل الائتمار في اللغة هو الطاعة والاتباع لما يؤمر من الفعل، كأن فرعون ~~أمر الملأ أن يقتلوه فأطاعوه وائتمروا لأمره، والله أعلم. # وقوله: (فاخرج إني لك من الناصحين): قال الزجاج: قوله: (لك) صلة، والصلة ~~لا # تتقدم الموصول به، ولكن معناه: فاخرج إني لك من الناصحين الذين ينصحون ~~لك، وليس كما قال؛ الصلة تتقدم وتتأخر، وذلك ظاهر في الكلام. # وقوله: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) قد ~~ذكرنا هذا. # دل قوله: (خائفا يترقب): أن الخوف قد يكون من دون الله. # وجائز أن يخاف من غيره، وليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يسع الخوف من ~~دون الله، وحقيقة الخوف تكون من الله يخاف أن ينتقم منه على يدي هذا، والله ~~أعلم. # وقوله: (رب نجني من القوم الظالمين): يحتمل الظالم كل مشرك؛ لأن كل مشرك ~~ظالم. # ويحتمل قوله: (رب نجني من القوم الظالمين) حيث هموا قتله، وقتل موسى ذلك ~~القبطي لم يوجب عليه القتل والقصاص؛ لأنه لم يتعمد قتله أو لم يقتله بسلاح ~~يجب به القتل، فذكر أنهم ms3321 فيما هموا قتله ظلمة. # * * * # قوله تعالى (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ~~(22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) ~~فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ~~فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت ~~إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك ~~بيني # PageV08P159 # وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) # وقوله: (ولما توجه تلقاء مدين (22) قال بعضهم: أخذ طريفا إذا سلك ذلك ~~الطريق وأخذ فيه خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه. # وقوله: (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي: الطريق الذي كان يقصده ~~ويطلبه وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق. # وقوله: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم ~~امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ ~~كبير (23) # أي: ورد البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر. # (وجد عليه أمة من الناس يسقون) أمة أي: جماعة. # وقيل: أناس من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم. # (ووجد من دونهم امرأتين تذودان): قال بعضهم: (تذودان): تحبسان حتى يفرغ ~~الناس ويصدرون ويخلو لهما البئر. # وقال بعضهم: (تذودان) أي: تطردان أغنامهما لتسقياها. # ثم قوله؛ (ووجد من دونهم امرأتين تذودان) يحتمل وجهين: # أحدههما: تذودان غنمهما ولا تسقيانها حتى يصدر الرعاء؛ لما لا تتركان ~~تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم. # والثاني: لا تمنعان ذلك، ولكنهما تستحيان أن تزاحما ms3322 الرجال وتختلطا بهم، ~~فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها. # فإن قيل: فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، ~~ولا تنتظران خلاء البئر عنهم؟! # قيل: لما ذكر أن على رأس البئر حجرا يلقى عليه لا يطيقه إلا كذا كذا ~~نفرا؛ وكذلك الدلو التي يستقى منها لا يطيقها إلا كذا كذا من عشرة إلى ~~أربعين على ما ذكر، فهما تشهدان ذلك البئر وقت شهود القوم وحضورهم؛ ليتولوا ~~هم نزح الدلو واستقاءها، ولو تخلفتا وانتظرتا خلاء البئر عنهم ثم تأتيان، ~~لم تقدرا على نزح الماء والدلو، ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس ~~البئر؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (ما خطبكما) أي: ما شأنكما وما أمركما؛ (قالتا لا نسقي حتى يصدر # PageV08P160 # الرعاء)؛ لما ذكرنا. # وقرئ: (يصدر) بنصب الياء وبالرفع جميعا. # فمن قرأه بالنصب فإنه يقول: حتى يصدر الرعاء بأنفسهم أي: يرجع. # ومن قرأه بالرفع، أي: حتى يصرفوا ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم. # وقوله: (وأبونا شيخ كبير): تذكران - والله أعلم - عذر أبيهما في التخلف ~~عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالا: ذلك لكبره ~~وضعفه ما يتخلف عن ذلك ويرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيهما بلا سبب ~~يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا. # وجائز أن يكون لمعنى آخر لا نعلمه. # وقوله: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير (24) دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس؛ حيث ~~أخبر أنه سقى لهما ثم تولى إلى الظل. # وفيه أن لا بأس بأن يجلس في الظل. # وقوله: (فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) قيل: إن هذا منه شكاية ~~عما أصابه من الجوع؛ لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هاربا من فرعون ~~وقومه، غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال. # وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر ويذكر عما هو فيه من الشدة والبلاء، ~~حيث ذكر موسى حاله التي هو فيها من ms3323 الجوع الذي أصابه؛ وكذلك ما قال في آية ~~أخرى: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا)، وذلك يرد قوال من - يقول: إن مثل هذا ~~يخرج مخرج الشكاية عن الله، ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك ولا ~~يذكره. # وقوله: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ~~ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ~~(25) # قوله: (تمشي على استحياء)؛ مشي من لم يعتد الخروج. # أو (تمشي على استحياء)، أي: تمشي مشي من لم يخالط الناس على، التستر ~~والتغطية. # (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا): (هذا يدل على أن لا بأس أن ~~يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر، والأفضل على من صنع إليه المعروف ~~والتبرع أن # PageV08P161 # يعطي لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا، والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ~~ألا يأخذ على ذلك بدلا، إلا أن موسى كان قد اشتدت به الحاجة؛ لذلك كان ما ~~ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم. # وقوله: (فلما جاءه وقص عليه القصص) أي: لما جاء موسى أبا المرأتين وقص ~~عليه قصته قال لي: (لا تخف نجوت من القوم الظالمين). # دل قوله هذا لموسى: (لا تخف نجوت من القوم الظالمين): أنه لم يكن لفرعون ~~على ذلك المكان سلطان ولا يد؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي ~~كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه، دل أنه لم يكن له عليهم سلطان. # وقوله: (الظالمين) يحتمل: المشركين؛ إذ كل مشرك ظالم. # ويحتمل (نجوت من القوم الظالمين): الذين يقتلون بغير حق حيث قال: (رب ~~نجني من القوم الظالمين). # وقوله: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ~~(26) قال أهل التأويل: قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين: ما ~~قوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته: فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا ~~يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق نزحه ms3324 إلا ~~كذا كذا؛ فذلك قوته. # وأما أمانته: فإنه قال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فذلك أمانته. # ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين ~~قال لهما: (ما خطبكما)، وحين سقى لهما في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر ~~إليهما، وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم. # وقولها: (يا أبت استأجره) كأن أباها كان في طلب أجير قوي أمين، لكنه لا ~~يجد ولا يظفر به؛ لذلك قالت له: (استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) ~~إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية وله غناء وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد ~~بلغ في نفسه من الكبر والضعف ما ذكر، يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا ~~يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته، هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة مع ما وصف ~~ابنته من الحياء حيث قال: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) دل ذلك أنه ~~كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم وهو مضطر إلى ذلك محتاج ~~إليه؛ لذلك قالت له: (يا أبت استأجره إن خير من # PageV08P162 # استأجرت القوي الأمين). # ثم قال: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني ~~حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين (27) طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في ~~النكاح، أو طلبت الاستئجار ولم تر من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها ~~الرغبة حياء، والله أعلم. # ثم قوله: (على أن تأجرني ثماني حجج): يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه جعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبضعها. # ثم تحديده ثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها. # وقوله: (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي: فإن أتممت عشرا وزدت على مهر المثل ~~فمن عندك، أي: لك ذلك فضل منك وإحسان. # والثاني: قوله: (على أن تأجرني ثماني حجج) ليس على جعله بدلا للنكاح، ~~ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على ms3325 حدة، من غير أن كان ذلك مهرا ~~لها. # ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه يخرج على إحدى خلتين: # إحداهما: أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ~~ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة. # أو لما رأى أن نفسه تنزع وتشوق بالعود في ذلك الوقت فشرط ذلك عليه لئلا ~~يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت. # وقوله: (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي: فإن زدت سنتين على ذلك فمن فضلك ~~وإحسانك (وما أريد أن أشق عليك) في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم. # ثم قال: (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) في جميع ما يجري بينك وبيني من ~~المعاملة والصحبة. # وفيه أن الثنيا فيما يعدون كان ظاهرا في الأمم السالفة. # ثم اختلف في أبي المرأتين: # قال بعضهم: كان شعيبا. # وقال بعضهم: ابن أخي شعيب. # وقال الحسن: لم يكن شعيبا، ولكنه كان سيد الماء يومئذ. # وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة، أما شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، ~~والله أعلم. # PageV08P163 # وقوله: (قال ذلك ... (28) يعني: الشرط - والله أعلم - (بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت) أي: أوفيت وعملت، إما الثماني وإما العشر (فلا عدوان علي) ~~يقول: لا سبيل لك علي بعد ذلك ولا تبعة، والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن ~~الحد الذي حد له يقول: لا ظلم علي ولا مجاوزة على أي الاختيارين قضيت، أي ~~الأجلين اخترت وشئت لنا. # ثم قال: (والله على ما نقول وكيل) قال بعضهم: والله كفيل على مقالتي ~~ومقالتك، والوكيل: هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول: والله على ما نقول ~~شهيد. # ذكر أن جبريل جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " إن سئلت: أي ~~الأجلين قضى موسى؟ فقل: أبرهما وأوفاهما، وإن سئلت: أي المرأتين تزوج؟ فقل: ~~أصغرهما ". # فإن ثبت هذا، ففيه أنه قضى الأجلين جميعا: الثماني والعشر، وليس في الآية ~~إلا قضاء الأجل حيث قال: (فلما قضى موسى الأجل). # وقال القتبي: (على أن تأجرني) أي: تجازيني من التزويج ms3326 والأجر من الله ~~إنما على الجزاء على العمل. # قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~(31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملإه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب ~~إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ~~فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل ~~لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) # وقوله: (فلما قضى موسى الأجل) قال أهل التأويل ما ذكرنا: أنه قضى أتمهما ~~أو أكثرهما # PageV08P164 # لكن لا نعلم التأويل الصحيح، فعلى ما ذكروا، وليس في الآية إلا قضاء ~~الأجل؛ فلا يزاد على ذلك إلا بثبت، فإن ثبت ما روي من الخبر، فهو والله ~~أعلم. # وقوله: (وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا) (آنس): قيل: أبصر وأحس نارا. # قال بعضهم: إن موسى لم يكن رأى نارا، ولكن إنما رأى نورا ظن أنه نار، فلا ~~يحتمل ذلك؛ لأنه أخبر أنه آنس نارا، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة نارا لم ~~يجز، وكان ذلك يوجب الكذب في الخبر، إلا أن يقال على الإضمار: آنس من جانب ~~الطور نورا ظن أنه نار، أو في ظنه أنه نار. # (قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار) ~~أي: امكثوا لعلي آتيكم منها بخبر يدلنا أو بجذوة تضيء الطريق؛ فكأنه قد ضل ~~الطرلق فيقول: لعلي آتيكم منها بخبر الطريق أو جذوة من النار، أي: آتيكم ~~بجذوة من النار، وهي ما رغبتم ms3327 فيه ولم آتكم بخبر الطريق (لعلكم تصطلون) هذا ~~يدل أنه كان في أيام الشتاء، وفي وقت البرد: (فلما أتاها نودي من شاطئ ~~الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين (30) قال بعضهم: الأيمن: أي: عن يمين الجبل. # وقال بعضهم: عن يمين موسى. # وقال بعضهم: يمين الشجرة، ولكن الأيمن: المبارك، وهو من اليمن، الوادي ~~اليمن. # والبقعة المباركة: قال بعض أهل التأويل: سميت مباركة؛ لكثرة أشجارها ~~وأنزالها، وكثرة مياهها وعشبها، ولكن سماه: مباركا وأيمن - والله أعلم - ~~لأنه مكان الأنبياء والرسل وموضع الوحي. # وقوله: (من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) ولله أن يسمع ~~ويخبر من شاء مما شاء وكيف شاء كما أسمع مريم من تحتها حيث قال: (فناداها ~~من تحتها ألا تحزني)، # PageV08P165 # وقوله: (وأن ألق عصاك ... (31) ليس هذا بموصول بقوله: (إني أنا الله رب ~~العالمين) ولكن ذلك ما ذكر في سورة طه: (إني أنا ربك فاخلع نعليك. . .)، ~~إلى آخر ما ذكر. # ثم قال في آخره: (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز) أي: تتحرك (كأنها جان) ~~وقال بعضهم: الجان: الحية الصغيرة. # وقال بعضهم: الجان ما يعم العظيمة والصغيرة، والله أعلم. # وقوله: (ولى مدبرا) فارا هاربا (ولم يعقب) أي: لم يلتفت ولم يرجع لشدة ~~خوفه وفرقه. # وقوله: (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين). # قوله: (ولا تخف) ويحتمل وجوها: # أحدها: على رفع الخوف من قلبه؛ إذ قال: له الأمن فيه. # والثاني: على البشارة أنه لا يؤذيه؛ كأنه يقول: لا تخف وكن من الآمنين، ~~فإنه لا يؤذيك. # والثالث: على النهي، أي: لا تخف؛ فإني أحفظك وأدفع أذاه عنك؛ كقوله: ~~(قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال لا تخافا إنني معكما ~~أسمع وأرى)، أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما. # وقوله: (أو جذوة) بكسر الجيم ورفعها؛ قال بعضهم: عود قد احترق بعضه. # وقال قتادة: أصل شجرة فيها نار. # وقال أبو عوسجة: الجذوة: مثل الشهاب سواء، والجذى: جمع ms3328 الجذوة. # وقال أبو عوسجة: الجذوة: القطعة الغليظة. # وقال القتبي: الجذوة: عود قد احترق، أي: قطعة منها. # وشاطئ: أي شط الوادي. # آنست: أبصرت، وكذلك قوله: (فإن آنستم منهم رشدا)، أي. أبصرتم وعلمتم. # وقوله: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من ~~الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملإه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) ~~على ما ذكر في آية أخرى: (وأدخل يدك في جيبك) هذا يدل أن لا بأس بتغيير ~~الألفاظ واختلافها بعد إصابة المعنى وما قصد بها. # وقوله: (تخرج بيضاء من غير سوء) قد ذكرناه فيما تقدم. # PageV08P166 # وقوله: (واضمم إليك جناحك من الرهب) بالضم، والرهب بالفتح؛ قد قرئ بهما ~~جميعا. # ثم قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير، قوله: (من الرهب) موصول بقوله: ~~(أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) من الرهب، أي: الخوف والغرق. # وقال بعضهم: أمره أن يضم يديه إلى نفسه؛ لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من ~~إرسالهما، وذلك معروف أيضا في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا ~~أيديهم وجناحيهم إلى أنفسهم؛ تعظيما لهم وتبجيلا، أو خوفا منهم. # فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه؛ ليكون بين يدي ربه أهيب وأخوف ~~ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له: (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى). # وقوله: (فذانك برهانان من ربك) أي: اليد والعصا، اللتان ذكرهما (برهانان ~~من ربك) أي: حجتان (إلى فرعون وملإه إنهم كانوا قوما فاسقين). # وقوله: (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو ~~أفصح مني لسانا) وقال في سورة الشعراء: (قال رب إني أخاف أن يكذبون. . .) ~~إلى قوله: (فأخاف أن يقتلون)، أخر في هذا ما كان مقدما في الذكر في ذلك، ~~وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف؛ ليعلم: أن ليس على السامع حفظ ~~الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى، وفهم ما قصد بها وأودع فيها؛ لأن الله ~~ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ، ~~وتغيير الحروف، على ms3329 التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان؛ ليعلم أن المقصود ~~والمراد بذكرها ما فيها، لا عين اللفظ والحروف، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز ~~الأداء بأي لسان كان، وبأي لفظ كان، والله أعلم. # وقوله: (هو أفصح مني لسانا (34) يحتمل وجوها: # أحدها: أما أهل التأويل فإنهم قالوا: كان في لسانه رتة أي: عقدة لما أدخل ~~في فمه من النار؛ فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية أخرى: (واحلل عقدة من ~~لساني. يفقهوا قولي)، فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا، على ما خلق بعض ~~الخلق أفصح وأبين من بعض. # أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون، ولا شك من ~~اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان، وذلك متعالم معروف في الناس، ~~وهو ما قال: # PageV08P167 # (إني أخاف أن يكذبون. . .) الآية. # أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم وهم بلسانه أعرف، ومنطقه أفهم، ~~ولموسى فترات كان معتزلا عنهم. # وقوله: (فأرسله معي ردءا) أي: عونا (يصدقني) ثم بين في آية أخرى أنه فيم ~~طلب منه عونا؛ وهو ما قال (واجعل لي وزيرا من أهلي. . .) الآية، أي: يصدقني ~~فيما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والرد، ~~فأجابه ربه فقال: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) كناية وعبارة عن القوة والعون؛ ~~لأن القوة فيه تكون؛ فذكر فيمن تكون، وهو كقوله: (وثبت أقدامنا)، ذكر ~~الأقدام، لأنه بالأقدام يثبت، وقوله: (نكص على عقبيه)، لأنه بالعقب ينكص، ~~ومثله كثير، فعلى هذا ذلك. # وقوله: (ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا) قال قائلون: هو على ~~التقديم والتأخير، أي: نجعل لكما سلطانا، أي: نجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا ~~يصلون إليكما. # وقال بعضهم: ونجعل لكما سلطانا باللطف ندفع عنكما أذاهم وشرهم؛ كقوله: ~~(لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل ~~بكما، وأدفع ذلك عنكما فلا يصلون إليكما بالآيات التي معكما. # وقوله: (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) يحتمل ms3330 هذا وجوها: # الغالبون بالحجج والبراهين، أي: تغلب حجتكما سحرهم وتمويهاتهم. # أو أن يكون عاقبة الأمر لكما. # أو أن يكون ذلك في الآخرة. # قال أبو معاذ: العرب تقول: أردت الرجل: أي: أعنته. # وقال أبو عوسجة: (سنشد عضدك بأخيك) أي: أعينك به وأقويك، والعضد: كناية ~~عن القوة؛ لأته فيه تكون القوة، وبه يقوى من يوصف بالقوة؛ على ما ذكرنا. # * * * # قوله تعالى (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ~~وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى ~~من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا ~~أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي ~~صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من # PageV08P168 # الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~(40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) وأتبعناهم ~~في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) # وقوله: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ... (36) أي: جاء موسى فرعون ~~وقومه بآياتنا، أي: أعلافا أنشأها موضحات، مظهرات يظهرن، ويوضحن رسالة موسى ~~ونبوته، وقد أظهرن لهم ذلك وعرفوا أنها آيات من الله نزلن؛ أفلا ترى أن ~~موسى قال له يا فرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر) لكنهم عاندوا وكابروا، وقالوا: (ما هذا إلا سحر مفترى)؛ هذا منهم ~~تمويه وتلبيس على الأتباع والسفلة، ولم تزل عادتهم التمويه والتلبيس على ~~أتباعهم أمر موسى. # وهوله: (وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) يقولون - والله أعلم -: إن ~~آباءنا قد عبدوا الأصنام على ما نعبد نحن، وقد ماتوا على ذلك من غير أن نزل ~~بهم ما توعدنا من الهلاك والعذاب، فعلى ذلك نحن على دين آبائنا، وعلى ما هم ~~عليه؛ فلا ينزل بنا شيء مما تذكر وتوعدنا به من العذاب. # ثم قال موسى: (ربي أعلم بمن جاء بالهدى ms3331 من عنده ومن تكون له عاقبة الدار ~~إنه لا يفلح الظالمون (37) هذا - والله أعلم - كأنه ليس بجواب لقولهم: (ما ~~هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) ويكون جواب هذا إن ~~كان هو قوله: (إنه لا يفلح الظالمون) كنى بالظلم عن السحر؛ يقول - والله ~~أعلم - ليس بسحر؛ لأني قد غلبتكم وقهرتكم، وقد أفلحت أنا، ولو كان سحرا ما ~~أتيتكم به لم أفلح؛ إذ الله - تعالى - أخبر أن الساحر لا يفلح بقوله: (إنما ~~صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)، وقال -أيضا-: (ما جئتم به السحر. ~~. .) الآية، وقد أصلح عملي؛ فظهر أنه ليس بفساد، ولكنه صلاح. # ويكون جواب قوله: (ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة ~~الدار) ما ذكر في سورة (المص)، حيث قالوا: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون)، ~~فقال عند ذلك: (ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار) ~~أنتم أو نحن؛ يقول: ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده جوابا لقوله: (وما ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد)، والله أعلم. # وقوله: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري (38) كأنه قال ~~للملأ # PageV08P169 # خصوصية لهم؛ لأنه كان اتخذ للأتباع أصناما يعبدونها وجعل للملأ عبادة ~~نفسه وإلهيته، لما لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه جعل لهم عبادة الأصنام، ~~ورأى الملأ أهلا لذلك؛ فخصهم، ومنه اتخذت الرب عبادة الأصنام دون الله؛ لما ~~لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله، وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى). # وقوله: (فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا) قال أهل التأويل: ~~أول من اتخذ الآجر هو، ولا نعلم ذلك، يحتمل أن يكون من فبل ذلك. # وقوله: (فاجعل لي صرحا) أي: قصرا (لعلي أطلع إلى إله موسى) كان يعرف أنه ~~ليس إله السماء والأرض؛ إذ لا يملك ذلك، فكأنه أراد بقوله: (ما علمت لكم من ~~إله غيري) قومه وأهله خاصة (وإني لأظنه ms3332 من الكاذبين) كأن جميع ما كان بين ~~موسى وفرعون من الكلام كان على الظن؛ كقوله: (إني لأظنك يا موسى مسحورا) ~~وكذلك قال له موسى: (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا). # وقوله: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون (39) الاستكبار: هو ألا يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا، وهو كذلك، كان لا ~~يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا؛ لأنه يدعي لنفسه الربوبية والألوهية، واستكبار ~~قومه لما استعبدوا هم بني إسرائيل، واستخدموهم، أو استكبروا أن يخضعوا ~~لموسى ويجيبوا له إلى ما يدعوهم إليه. # وقوله: (وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون. فأخذناه وجنوده (40) أخذناه أخذ ~~تعذيب وإهلاك (فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) يعذبون ~~بظلمهم. # وقوله: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) ذكر ~~في هؤلاء: أنه جعلهم أئمة في الشر، وذكر في الرسل وأهل الخير: أنه جعلهم ~~ألمة في الخير؛ حيث قال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات)، وما قال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)، فكان من الله - ~~تعالى - في أهل الخير صنع ومعنى حتى صاروا بذلك أئمة الخير ما لم يكن ذلك ~~منه بأهل الشر وأئمة السوء فيرد على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يكن من ~~الله - تعالى - إلى الرسل وقادة الخير إلا وقد كان ذلك منه إلى كل كافر ~~وفاسق. # فلو كان على ما قالوا لكان لا يحتمل أن يصير هؤلاء أئمة الخير وأولئك ~~أئمة الشر بأعمالهم أيضا، وإن كان ما من الله إليهم على السوء، لكن يضاف ~~ذلك إلى الله بأسباب تكون منه، وكانت حقيقة ذلك منهم بعملهم؛ نحو: (إنما ~~تنذر من اتبع الذكر) # PageV08P170 # أضاف إنذاره إلى من اتبع الذكر، وإن كان رسول الله ينذر من لم يتبع، ~~وكذلك ما قال في الشياطين: (إنما يدعو حزبه)، إنما يدعو الحزبين جميعا، ~~لكنه أضاف دعاءه إلى حزبه لما منهم يكون له الإجابة، وأضاف إنذار رسول الله ~~إلى من اتبعه وقبله لطاعتهم له؛ فعلى ذلك الأول، أضاف ذلك إلى نفسه لفعلهم. # لكن عندنا لا يكون ms3333 من الخلق في فعل الخلق حقيقة الفعل، إنما يكون منهم ~~الأسباب، ويكون من الله - تعالى - في أفعالهم الأسباب، وحقيقة الفعل، فيكون ~~إضافة ذلك إلى الله على حقيقة الفعل والأسباب جميعا وإلى الخلق لأسباب تكون ~~منهم إليهم. # والثاني: إنما خص بالإنذار من اتبع الذكر؛ لأنه إنما يقصد بالإنذار من ~~اتبعه لا من لا يتبعه، وكذلك الشيطان إنما يقصد بدعائهم إياهم حزبه منهم، ~~وإن كان الرسول ينذر الخلق جميعا: الذي سوف يتبعه والذي لا يتبعه، وكذلك ~~الشيطان يدعو الحزبين جميعا؛ لأن هذا يقصد ضررهم بما يدعوهم إليه؛ ألا ترى ~~إلى قوله: (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)، والرسول بما ينذر ~~يقصد نفعهم؛ لذلك خص الإنذار لمن اتبعه وخص في ذلك حزبه. # وقوله: (أئمة يدعون إلى النار) ليس تصريحا؛ لأنهم لو دعوهم إلى النار لا ~~يجيبونهم، ولكن يدعونهم إلى أعمال توجب لهم النار لو أجابوهم، وهو كقوله: ~~(فما أصبرهم على النار) أي: ما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار. # وقوله: (ويوم القيامة لا ينصرون) كأن الشيطان مناهم النصر والشفاعة ~~بعبادة الأصنام، فيخبر أنهم لا ينصرون لما مناهم. # وقوله: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) # وهو ما عذبوا في الدنيا واستؤصلوا (ويوم القيامة هم من المقبوحين) قال ~~بعضهم: مسودون وجوههم. # وجائز أن يكون ذلك جزاء ما افتخووا في هذه بالحلي والزينة، وطعنوا في ~~موسى جوابا لهم على ما قالوا: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين) يخبر أنهم يكونون في الآخرة على غير الحال التي كانوا في ~~الدنيا وافتخروا بها. # وقال بعضهم: المقبوح: هو أن سواد مع الزرقة. # PageV08P171 # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا ~~إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم ~~العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) ~~وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ms3334 من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) من نحو ~~عاد، وثمود، وهؤلاء الذين كانوا من قبل من الأمم، أي: أرسلناه بعد هلاك من ~~ذكر؛ حتى يعتبر الناس، يشبه أن يكون قوله: (بصائر للناس) أي: هلاك من ذكر ~~من القرون الأولى بصيرة وعبرة لمن يكون من بعدهم؛ لينزجروا بذلك عن تكذيب ~~الرسل، ويكون ذلك آية لرسالة موسى. # والثاني: أن يكون قوله: (بصائر للناس وهدى ورحمة) أي: الذي آتاه الله ~~موسى هو بصائر وهدى ورحمة لهم إذا قبلوه واتبعوه وعملوا به، وكذلك كان جميع ~~كتب الله هدى ورحمة وبصيرة لمن آمن بها وعمل بها. # وجائز أن يكون هذا جوابا وصلة لقولهم: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) ~~يقول - والله أعلم -: إنكم لا تسمعون ذلك في آبائكم الذين اتبعوا رسلهم، ~~فأجابوهم، فأما من كذبوهم فإنا أهلكناهم بتكذيبهم الرسل واستأصلتهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين (44) قال بعضهم: جانب الغربي: حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم، ~~والشرقي: حيث تشرق وتطلع. # وقال بعضهم: بجانب الغربي، أي: بجانب الوادي الغربي، والله أعلم ما أراد ~~به. # وقوله: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر. . . وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين) أي: مقيما (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) يحتمل ~~وجوها: # أحدها: أنك لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي شهدها موسى حيث قضينا إلى ~~موسى الأمر بجانب الغربي، ولم تكن شاهدا هنالك، وما كنت في أهل مدين ثاويا ~~حتى تعلم أمر موسى وحينه، وما كنت بجانب الطور حيث نادى: يا موسى ونحوه؛ ~~أي: لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي كان موسى شاهدا فيها، ثم أعلمناك بتلك ~~الأنباء والأخبار على ما كانت لتتلو تلك الأنباء والأخبار على أهل مكة؛ ~~فتكون آية لنبوتك، وحجة لرسالتك؛ إذ لم تشهدها ولا اختلفت إلى أحد ممن ~~يعرفها فعلمك، ثم أنبأت على ما كانت؛ ليعرفوا أنك إنما ms3335 عرفت بالله تعالى. # PageV08P172 # والثاني: يحتمل أن يذكر هذا له امتنانا عليه ليتأدى به شكره؛ لأنه ذكر ~~أنه أوحى إلى موسى، وذكر محمدا وأمته في شرفه حتى تمنى موسى أن يجعل من ~~أمته. # يقول - والله أعلم -: لم تكن أنت شاهدا في هذه المشاهد فذكرتك ثمة وأمتك. # أو أن يذكر هذا له على الاختصاص له؛ ليعرف أن أمر الرسل والوحي إليهم على ~~الاختصاص لهم من الله، لا بأمر كان منهم. # على هذه الوجوه الثلاثة يحخمل أن يخرج تأويل ما ذكر له. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (وما كنت بجانب الغربي) (وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا) يقول لمحمد: لم تعاين هذا ولم تشهده، وإنما هو شيء ~~أنزلناه عليك لتتلوه على أهل مكة. # وقوله: (ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر (45) هذا ليس بصلة الأول، ~~ولكن على الابتداء؛ يقول - والله أعلم -: لكنا أنشأنا قرونا بعد انقراض ~~الرسل، ودروس أعلامهم وآثارهم، وتطاول العهد والعمر، ثم بعثناك فيهم رسولا؛ ~~لتحيى به آثارهم، وتظهر فيهم سننهم وأعلامهم ورحمة منا إليهم، وهو ما قال ~~في آخره: (ولكن رحمة من ربك ... (46) أي: أرسلنا إياك رحمة منا لهم، وهو ما ~~قال: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، أو أن يكون قوله: (ولكن رحمة من ~~ربك) أي: ما أنبأك وأعلمك من أنباء موسى وأخباره، حيث لم تشهدها من رحمة ~~ربك، حيث جعلها آية لنبوتك، وحجة لرسالتك، والله أعلم. # وقوله: (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (لتنذر قوما) أنذر به الرسل الذين من قبلك قومهم. # والثاني: لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون، أي: على ~~رجاء التذكر تندرهم. # أو أن يكون ذلك خاصة لمن تذكر إذا كان على الإيجاب. # * * * # قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من ~~عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ~~قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا ms3336 بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله ~~هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما ~~يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين (50) # وقوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) لا ينتظم الجواب، وليس ~~ما ذكر # PageV08P173 # على إثره جوابا له، إلا أن يقال: إن قوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة) أي: ~~لم تصبهم مصيبة، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا) أي: لم تقولوا: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وقوله: ~~(ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم)، أي: لم يمشهم، ~~وجميع ما ذكر في هذه السورة من (ولولا) كله أنه لم يكن؛ فعلى ذلك جائز أن ~~يكون تأويل قوله: (ولولا أن تصيبهم مصيبة) أي: لم تصبهم مصيبة، ولو أصابتهم ~~مصيبة، وهو العذاب (فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) وهو كقوله: (ولو ~~أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا)، على هذا ~~يخرج تأويل هذا. # ثم في هذه الآية في قوله: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله) ووجهان: # أحدهما: على من يقول بأن ليس لله أن يعذبهم بما كان منهم قبل بعث الرسل ~~إليهم لقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وفي الآية بيان أن له أن ~~يعذبهم وإن لم يبعث الرسل؛ لأنه أوعدهم الهلاك، فلو لم يكن له التعذيب ~~والإهلاك لم يكن للإيعاد فائدة؛ فدل أن له الإهلاك في الدنيا والاستئصال، ~~لكنه أخره عنهم؛ فضلا منه ورحمة. # والثاني: على المعتزلة في قولهم الأصلح؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما ~~أوعدهم أصلح لهم من الترك أو الترك لهم أصلح: فإن كان ما أوعد لهم أصلح فقد ~~تركهم؛ فيكون في تركهم إياهم جائرا على قولهم؛ لأنه لم يفعل ما هو أصلح لهم ~~في الدين. # أو أن يكون الترك لهم أصلح؛ فيكون بما أوعدهم جائرا؛ إذ أوعد بما كان ~~غيره أصلح لهم مما ms3337 أوعد؛ فدل ما ذكرنا على أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم ~~في الدين. # ثم قوله: (بما قدمت أيديهم) ليس الكفر نفسه، ولكن العناد والمكابرة مع ~~الكفر؛ لأن عذاب الكفر في الآصه: ليس في الدنيا؛ لأن الله تعالى قد أبقى ~~كثيرا من الكفرة لم يهلكهم ولم يعذبهم في الدنيا، ولكن إنما أهلك واستأصل ~~في الدنيا من عاند وكابر الرسل في الآيات والحجج التي أتوهم بها وأقاموها ~~عليهم على أثر سؤال كان منهم، فعند ذلك أهلكهم واستأصلهم لا بنفس الكفر، ثم ~~مع ما كان له التعذيب قبل بعث الرسل لم يعذبهم، ولكن أخر عنهم إلى أن يبعث ~~الرسل إليهم بالآيات والحجج؛ ليقطع به لجاجهم ومنازعتهم فضلا منه، وإن لم ~~يكن لهم الاحتجاج عليه بقولهم: (لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون ~~من المؤمنين). # يحتمل قوله: (فنتبع آياتك) الآيات التي تبعث مع الرسل لا يبعث الرسل ~~بالآيات. # PageV08P174 # وجائز أن يكون قوله: (فنتبع آياتك) يعنون بالآيات: الرسل أنفسهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون ~~(48) جائز أن يكون الحق الذي ذكر الرسول نفسه، ويحتمل الحق الكتاب الذي ~~أنزل عليه وآيات. # وقوله: (قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى): هذا يحتمل وجوها: # أحدها: قالوا: هلا أوتي محمد من أنواع النعم من المن والسلوى وغيره من ~~غير تكلف ولا تعب؛ مثل ما أوتي موسى لو كان رسولا على ما يقول. # أو أن يقولوا: لولا أوتي من الآيات الحسيات الظاهرات من نحو اليد والعصا ~~والحجر الذي كان ينفجر منه والغمام، وما ذكر من الضفادع والقمل والدم ~~والطوفان وغير ذلك مثل ما أوتي موسى. # أو أن يقولوا: لولا أوتي محمد القرآن جملة عيانا جهارا؛ كما أوتي موسى ~~التوراة جملة عيانا جهارا، والله أعلم بذلك ما عنوا به. # ثم بين الله تعالى وأخبر أنهم إنما يسألون ما سألوه سؤال عناد ومكابرة لا ~~سؤال استرشاد وطلب الحق ms3338 حيث قال: (أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) أي: ~~لم يكفر هؤلاء الذين سألوك الآيات بما أوتي موسى - يعني: أهل مكة - لأنهم ~~كانوا مشركين لم يؤمنوا برسول قط من قبل. # ويحتمل قوله: (أولم يكفروا) أي: أولم يكفر قوم موسى بعد سؤالهم الآيات إذ ~~أتاهم بها؛ فعلى ذلك هؤلاء يكفرون بما أوتيت. والأول أشبه. # ثم قالوا: (سحران تظاهرا)، وقد قرئ: (ساحران) بالألف. # وقال بعضهم ساحران: موسى وهارون. # وقال بعضهم: موسى ومحمد. # وقال بعضهم: عيسى ومحمد. # PageV08P175 # وقوله: (سحران) بغير ألف: كتابان، لكنهم اختلفوا: # قال بعضهم: التوراة والإنجيل. # وقال بعضهم: الفرقان والتوراة ونحوه. # وقال بعض أهل الأدب: ساحران: أولى وأقرب؛ لأن ذكر التظاهر إنما يكون بين ~~الأنفس لا يكون بين الكتب. # (تظاهرا) أي: تعاونا. # وقال بعضهم من أهل الأدب -أيضا- (سحران) بغير ألف أولى؛ لأنه أراد به ~~الكتابين. ألا ترى أنه طلب منهم بما قالوا إتيان الكتاب حيث قالوا: (فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) ردا على ما قالوا وطلبوا منه. # لكن نقول نحن: لا نحب أن نختار إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأنه إنما هو ~~خبر أخبر عنهم أنهم قالوا ذلك: فمرة قالوا: (ساحران)، ومرة قالوا: (سحران)، ~~فأخبر على ما قالوا؛ وكذلك قوله: (سيقولون الله) بالألف وبغير الألف، لا ~~يختار أحدهما على الآخر؛ لأنه خبر أخبر عنهم على ما كان منهم فهو على ما ~~أخبر، والله أعلم. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (لولا أوتي مثل ما أوتي موسى): قالت ~~اليهود: نأمر قريشا أن تسال أن يؤتى محمد مثل ما أوتي موسى يقول الله ~~لرسوله: قل لقريش يقولوا لهم: (أولم يكفروا بما أوتي موسى) يعني: اليهود، ~~وقالوا: (ساحران تظاهرا) قاك قول اليهود لموسى وهارون وهو مما ذكرنا قريب، ~~والله أعلم. # وقوله: (وقالوا إنا بكل كافرون) ما أوتي موسى على اختلاف ما ذكرنا. # ثم قال: قل يا محمد لقريش أهل مكة: (فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما ... (49) من التوراة والفرقان أو التوراة والإنجيل على اختلاف ما ~~قالوا، (أتبعه إن كنتم ms3339 صادقين) في زعمكم أنهما سحران تظاهرا، وأنه مفترى، ~~ائتوا أنتم من عند الله بكتاب أتبعه؛ إلى هذا ذهب أهل التأويل. # ووجه آخر يشبه أن يكون أقرب منه: وهو أن قوله: (فأتوا بكتاب من عند الله ~~هو # PageV08P176 # أهدى منهما)، أي: ائتوا بكتاب من عند الله أنه أمركم بعبادة الأصنام ~~والأوثان؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله، ويقولون: الله أمرهم بذلك، ~~ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وإن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى ~~ونحوه من الكلام، فيقول - والله أعلم -: ائتوا بكتاب من عند الله: أنه ~~أمركم بذلك هو أهدى منهما، أي: أبين منهما وأوضح من هذين؛ لأن هذين إنما ~~جاءا بنهي عبادة غير الله ومنعها دونه، يقول: ائتوا بكتاب هو أهدى وأبين ~~عما جاء منه من هذين، إن كنتم صادقين أن الله أمركم بذلك، ويكون عبادتكم ~~إياها على ما تزعمون، هذا جائز أن يكون أقرب من الأول، والله أعلم. # وقوله: (فإن لم يستجيبوا لك ... (50) في إتيان ما تطلب منهم وتسأل من ~~الكتاب، (فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) بغير علم، وهم كانوا يعلمون: أنهم ~~إنما يتبعون في عبادة الأصنام وتحريم الحلال وتحليل الحرام - أهواءهم، ~~ويجعلون هواهم هو الإمام؛ إذ لا يؤمنون برسعول حتى يكون لهم كتاب. # ثم قال: (ومن أضل)، أي: لا أحد أضل (ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)، ~~أي: من غير بيان من الله - (إن الله لا يهدي القوم الظالمين)، أي - والله ~~أعلم -: إن الله لا يهدي قوما يتبعون أهواءهم، لا يتبعون الحجج والبراهين ~~لا يهديهم ما داموا في اتباع هواهم. # أو لا يهدي القوم الذين ظلموا الحجج والبراهين، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم ~~الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ~~ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ~~عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) ~~إنك لا ms3340 تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) # وقوله: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون): اختلف فيه: # قال قائلون: هو القرآن، ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: وصل القرآن بعضه ببعض حتى خرج كله موافقا بعضه بعضا مصدقا مجتمعا ~~غير مختلف، وإن فرق في الإنزال على تباعد الأوقات وطول المدد. # (لعلهم يتذكرون): أن مثل هذا لا يكون إلا ممن يعلم الغيب، ولا يعزب عنه ~~شيء ولا # PageV08P177 # يغيب؛ إذ لو كان هو ممن لا يعلم ذلك من كلام المخلوق لخرج مختلفا متناقضا ~~على ما يكون من كلام المخلوق في تباعد الوقت وطول المدة مختلفا متناقضا. # والثاني: وصل مواعظ القرآن بعضها ببعض ومواعيده بعضها ببعض، وعداته بعضها ~~ببعض، وكذلك أوامره ومناهيه، وإن تفرق نزولها واختلف مواضعها، يدعوهم به ~~مرة بعد مرة؛ لعلهم يتذكرون به. # ومنهم من يقول في قوله: (وقلنا لهم): القول، أي: الإنباء وإخبار # الأمم الخالية نبأ بعد نبأ وخبرا على أثر خبر ما نزل بمكذبي الرسل منهم ~~من الهلاك والعذاب، ومصدقي الرسل من النجاة والبقاء في النعم الدائمة، على ~~إقرار منهم بذلك وعلم أنه وإن بهم ذلك؛ لعلهم يتذكرون ذلك وينزجرون عن ~~تكذيب رسولهم؛ مخافة أن ينزل بهم بالتكذيب ما نزل بأولئك. # وجائز أن يكون قوله: (وصلنا لهم القول) أي: قول التوحيد. # ووجه هذا: أن وصلنا التوحيد حتى جعلنا في كل أمة وكل قوم أهل توحيد لم ~~يخل قوم ولا أمة عنه؛ كقوله: (ولكل قوم هاد)؛ وكقوله: (ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق. . .)، ونحو ذلك من الآيات، يدل على أن كل أمة وقرن أهل توحيد؛ ~~لعلهم يتذكرون أن في آبائهم من قد آمن بالرسل وصدق بهم، ولا يقولون: إن ~~آباءنا على ما هم عليه، يشبه أن يكون هذا وصل القول الذي ذكر. # و (وصلنا لهم القول). # قال أبو عوسجة والقتبي: أي: أتبعنا بعضه بعضا؛ فاتصل عندهم. # وقال بعضهم: (وصلنا) أي: بينا شيئا فشيئا؛ حتى صار عندهم ظاهرا. # وقال أبو معاذ: وصلنا في كلام العرب: أتممنا؛ كصلتك الشيء بالشيء. ms3341 # وقوله: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وقال في آية ~~أخرى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون). وقال في آية أخرى: (فالذين آتيناهم الكتاب ~~يؤمنون به)، وقال: (يحرفون الكلم عن مواضعه)، وأمثاله. # يذكر في هذه الآيات أن من أهل الكتاب من لم يؤمن، ويذكر في الأولى على # PageV08P178 # الإطلاق: أن الذين أوتوا الكتاب من قبله هم به يؤمنون، جائز أن يكون ~~قوله: (الذين آتيناهم الكتاب) وانتفعوا به يؤمنون به. # أو أن يكون الذي آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته هم يؤمنون به على ما ~~ذكر في آية أخرى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته)، أولئك يؤمنون ~~به، وأما من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون. # فأمأ أهل التأويل فإنهم صرفوا الآية إلى قوم خاص من أهل الكتاب: عبد الله ~~بن سلام وأصحابه الذين آمنوا به، وكذا جائز أن تكون الآية في قوم منهم؛ ألا ~~ترى أنه قال على أثره: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا ~~إنا كنا من قبله مسلمين (53) ذكر أهل التأويل: أنهم كانوا آمنوا به قبل أن ~~يبعث محمد، فلما بعث ثبتوا على ذلك وآمنوا على ما كانوا من قبل. # وفيه دلالة: أن الإيمان والإسلام واحد؛ لأنهم قالوا: (آمنا به)، وقالوا: ~~(إنا كنا من قبله مسلمين) دل أنهما واحد؛ وكذلك قوله: (فأخرجنا من كان فيها ~~من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)، وهما واحد ذكر مرة ~~الإيمان ومرة الإسلام؛ دل أنهما واحد. # وقوله: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) # هذا يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: يؤتون أجرهم مرة بالإسلام، ومرة بما صبروا على زوال الرياسة منهم ~~وذهابها؛ لأنهم كانوا أهل رياسة ومنزلة وقدر، فذهب ذلك كله عنهم بالإسلام، ~~فلهم الأجر مرتين لذلك. # والثاني: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بالإسلام، ومرة بما صاروا قدوة وأئمة ~~لمن بعدهم يقتدون بهم: أحد الأجرين بإسلام أنفسهم، والثاني بدعائهم غيرهم ~~إليه على ما يعاقب الرؤساء ms3342 منهم والقادة، ويضاعف العذاب عليهم مرتين: مرة ~~بضلال أنفسهم، ومرة بإضلال غيرهم؛ كقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)، جائز: أن يكون إيتاء الأجر ~~مرتين؛ لما يصيرون أئمة وقدوة لغيرهم في الخير، ويضاعف عليهم العذاب إذا ~~صاروا أئمة وقدوة في الشر؛ ألا ترى أنه قال في نساء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين)، وذلك - والله أعلم - لما يصرن هن أئمة لغيرهن يقتدين بهن؛ فعلى ذلك ~~الأول. # والثالث: جائز أن يكون يؤتون أجرهم مرتين بالإسلام نفسه، ويكون الصبر ~~كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) أي: آمنوا ~~وأسلموا. # PageV08P179 # وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: يؤتون أجرهم مرتين: مرة بإيمانهم بمحمد ~~قبل أن يبعث، ومرة بإيمانهم بعدما بعث، والأول أشبه. # وقال بعضهم: (يؤتون أجرهم مرتين) بما صبروا: مرة بإسلامهم، ومرة بما ~~صبروا، وحلموا على أذى أولئك الكفرة، ولم يكافئوهم، بل خاطبوهم بخير حيث ~~قالوا: (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين). # وروي في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بنبي ثم إذا بعث نبي آخر آمن به، ومملوك ~~لرجل يخدمه ويحسن خدمته ويعبد ربه، ورجل ربى جاريته ثم أعتقها فتزوجها ". # وقوله: (ويدرءون بالحسنة السيئة): هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: يحسنون إليهم بعد إساءتهم إليهم وأذاهم إياهم على ما كانوا ~~يفعلون ويصنعون إليهم قبل ذلك. # والثاني: (ويدرءون بالحسنة السيئة) أي: يعفون عن أذاهم ولا يكافئونهم ~~فيكون كقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف. . .) الآية، والأول كقوله: (ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). # وقوله: (ومما رزقناهم ينفقون) أي: ينفقون في حق الله وسبيل الخير، وإلا ~~كل كافر ينفق كقوله: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها ~~صر. . .) الآية. # وقوله: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) هذا -أيضا- يحتمل وجهين: # إذا سمعوا منهم من ms3343 الكلام ما يتأذون من كلام اللغو والأذى والفرية، ~~أعرضوا عنه، أي: لم يكافئوهم لأذاهم. # والثاني: إذا سمعوا ما يلغون به من الباطل أعرضوا، أي: لم يخالطوهم فيما ~~هم فيه؛ # PageV08P180 # فليس أنهم لا ينهون ولا يمنعونهم عن ذلك إذا رأوا النهي ينجع فيهم، وإذا ~~رأوه لا ينجع فيهم، فعند ذلك أعرضوا عنه؛ وهو كقوله: (وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما). # وقوله: (وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم): يقولون هذا لهم إذا لم ينجع ~~النهي والموعظة ولم يقبلوا ذلك، عند ذلك يقولون: (لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم)، أي: لكم جزاء أعمالكم ولنا جزاء أعمالنا؛ وكذلك قوله: (لكم دينكم ~~ولي دين)، لم يقل هذا لهم في ابتداء الدعاء، ولكن بعدما أيس عن إيمانهم ~~وإجابتهم؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله: (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين): هذا يشبه أن يخرج على وجهين: ~~أحدهما: على القول منهم بالسلام عليهم، أي: كانوا لا يخاطبون الجهال، ولا ~~يخاطبونهم إلا بالسلام خاصة، بهذا القدر يخالطونهم حسب. # والثاني: ليس على حقيقة قول: السلام عليهم، ولكن على الصلح وترك المكافأة ~~لهم، وتركهم إياهم على ما هم عليه؛ إذ السلام هو الصلح، والله أعلم. # وقال بعضهم: ردوا عليهم معروفا (لا نبتغي الجاهلين)، يعنون: لا نريد أن ~~نكون من أهل الجهل والسفه. # وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ~~(56) ذكر أهل التأويل أن هذا نزل في أبي طالب عم النبي، وذلك أن أبا طالب ~~قال: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا، فقال له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: " تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟! " قال: ~~فقال: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: " أريد منك كلمة واحدة في آخر يوم من ~~الدنيا: أن تقول: لا إله إلا الله؛ أشهد لك بها عند الله " قال: يا ابن ~~أخي، قد علمت أنك صادق، ولكن أكره أن يقال: جزع عن الموت، ولولا أن يكون ~~عليك وعلى بني أبيك وأخيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند ~~الفراق؛ لما أرى من شدة ms3344 وجدك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ فلان ~~وفلان؛ فأنزل الله ذلك: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، ~~فهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: أن الهدى البيان، # PageV08P181 # ولو كان بيانا على ما يقولون لكان رسول الله يقدر أن يبين له وقد بين. # لكن الجبائي يحتج لهم فيتأول ويقول: إن رسول الله كان يحرص أن يدخله ~~الجنة فيقول: إنك لا تهدي طريق الجنة له حتى يدخلها، أو كلام يشبه هذا، ~~وذلك بعيد. # وقال جعفر بن حرب: هذا ليس في ابتداء الهداية، ولكن في اللطائف التي تخرج ~~مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتدء في البداء والأنف؛ كقوله: (والذين ~~اهتدوا زادهم هدى. . .) الآية، فيخبر أنك لا تملك الهداية اللطيفة التي ~~تخرج مخرج الثواب أن تهديهم. # فيقال له: أخبرنا عن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم ~~من الاهتداء في الابتداء تنفع لهم دون الابتداء. # فإن قالوا: نعم. # فيقال لهم: فذلك عليه أن يفعل بهم؛ إذ من قولهم: إن عليه أن يعطي كل كافر ~~ما ينفعه ويصلح له في دينه، فكيف منع ذلك وهو ينفعهم؟! # والثاني: يقال لهم: إن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم واللطائف ~~على ما كان منهم في الابتداء يستوجبها أو لا يستوجبها، فإن كان يستوجبها ~~فلا معنى للمنع على قولهم؛ لأنهم يقولون: إن على الله أن يعطي ذلك، وإن كان ~~لا يستوجبها، فلا معنى لقوله: (ولكن الله يهدي من يشاء) على قولهم؛ فيبطل ~~الاحتجاج به على قولهم. # وعندنا زيادة الهداية وابتداؤها سواء، وهو على ما أخبر رسوله أنه لا ~~يهديه، ولكن لو كان الهداية بيانا - على ما قالوا - لكان قد بين لهم؛ فدل ~~ذلك منه أن ثم هداية سوى البيان عند الله إذا أعطاها العبد يصير بها مؤمنا، ~~وهي التوفيق والعصمة والسداد، وذلك لا يملك رسول الله إنشاء ذلك وابتداعه، ~~بل الله هو المالك بذلك. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا ms3345 يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) ~~وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ~~وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ~~يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم ~~من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ~~(60) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين (61) # وقوله: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا): دل قولهم: (إن نتبع ~~الهدى # PageV08P182 # معك) على أنهم عرفوا أن ما جاء به رسول الله ويدعوهم إليه هو الهدى، حيث ~~قالوا: (إن نتبع الهدى معك). # وقوله: (نتخطف من أرضنا): يخرج قولهم هذا على وجهين: # أحدهما: أن نهلك ونفنى جوعا إذا خالفنا أهل الآفاق في الدين؛ لأن أرزاقهم ~~وما به قوام أبدانهم إنما يحمل ويمار من الآفاق، فيقولون: إنا إذا اتبعنا ~~الهدى معك وخالفنا في الدين أهل الآفاق، منعونا الميرة فنهلك ونموت جوعا؛ ~~فذلك تخطفهم من الأرض. # والثاني: قالوا ذلك مخافة أن يغزوا ويؤسروا أو يقتلوا إذا خالفوا أهل ~~الآفاق والأطراف في الدين واتبعوا الهدى مخافة الأسر والقتل، فأجابهم الله ~~ورد عليهم اعتلالهم في الوجهين، فقال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء رزقا من لدنا) يقول - والله أعلم -: إنا جعلناهم في الحرم ~~آمنين، وما يمتار إليهم من أنواع الثمرات باللطف لا بموافقة الدين؛ ألا ترى ~~أنهم مع موافقة الدين كانوا يتخطفون الناس منهم؛ حيث قال في آية أخرى: ~~(أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) أخبر أنهم مع ~~موافقتهم في الدين يتخطفون؛ دل أنه إنما جعل لهم الحرم مأمنا والميرة إليهم ~~باللطف لا بالموافقة في الدين؛ حتى لا يتعرض لأهل الحرم في الحرم ولا خارجه ~~بشيء منه، ولا يتعرض -أيضا- من دخل الحرم بشيء؛ ليعلم أنه إنما كان كذلك ~~باللطف من الله لا بالموافقة في ms3346 الدين. # والثاني: أنه مع ما كانوا يعبدون الأصنام دون الله فيه لا يمنعهم الرزق ~~ويؤمنهم فيه، فلأن يفعل ذلك بهم عند عبادتهم لله وتركهم عبادة غيره أحق أن ~~يرزقوا ويأمنوا فيه. # وقوله: (يجبى إليه ثمرات كل شيء): قال أهل التأويل: (ثمرات كل شيء) أي: ~~من كل جنس ونوع من الثمرات يجيء إليه. # وظاهره: أن يجيء إليه من كل شيء أرفعه وأنفعه وذلك ثمرته؛ لأن ثمرة كل ~~شيء أرفعه وأنفعه، يقال: ثمرة الشيء كذا وثمرة هذا الكلام كذا، أي: ما ~~ينتفع من هذا: هذا، والله أعلم. # وقوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي: ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ما يحمل ~~إليهم من الآفاق، ويجيء إليهم من الثمرات والأطعمة إنما هو باللطف لا ~~بموافقة الدين؛ وكذلك لا يعلمون أن أمنهم فيه باللطف لا بموافقة الدين، ~~والله أعلم. # وقوله: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) قال بعضهم: كفرت معيشتها. # PageV08P183 # وقال بعضهم: لم ترض معيشتها، وفيه إضمار " في "، أي: (بطرت في معيشتها) ~~فانتصب لانتزاع حرف " في "، وتأويله - والله أعلم - أي: كم أهلكنا قرية بطر ~~أهلكها في معيشتها، حتى صرفوا شكر ما أنعم عليهم، وجعلوا عبادتهم لغير الذي ~~جعل لهم السعة والرخاء، فأنتم يا أهل مكة إذا بطرتم أشركتم في سعتكم وخصبكم ~~تهلكون؛ كما أهلك من كان قبلكم، وهو كما قال: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء. . .) الآية. # وقوله: (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا): من القريات، قريات ~~إذا أهلك أهلها أسكن غيرهم فيها نحو: قريات فرعون وغيره، جعل مساكنهم لبني ~~إسرائيل حيث قال: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض. . .) ~~الآية، وقوله: (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب)، ومن القريات ما جعلها خربة ~~هعطلة لم يسكن غيرهم فيها نحو قريات لوط وغيره. # وقوله: (وكنا نحن الوارثين) أي: الباقين، والوارث: هو الباقي في اللغة ~~على ما ذكرنا آنفا في غير موضع. # وقوله: (وكنا نحن الوارثين) يخرج على وجهين: # أحدهما: إخبار عن ms3347 هلاك أهل الأرض وفنائهم ويبقى هو؛ كقوله: (إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها)، والثاني: إخبار عن هلاك أولئك وجعلها لغيرهم، أي: ~~للمتقين؛ كقوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)، ~~والله أعلم. # قال أبو عوسجة: (نتخطف من أرضنا) أي: نؤخذ، وقوله: (يجبى إليه) من ~~الجباية، أي: يجمع، يقال: جبيت أجبي جباية وجبيا، وأجبى يجبي، أي: حاز ~~يحوز، (بطرت معيشتها) أي: لم ترض بمعيشتها. # وقال القتبي: أي: أشرت. # وقالا: (في أمها رسولا) أي: في أكثرها وأعظمها قدرا وهي مكة، والنبي منهم ~~والكتاب أنزل عليهم. # وقالا: و (أمها): كلمة لا يتكلم بها أحد يعنون بالكسر. # وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم ~~آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) جائز أن يكون تلك القرى ~~التي أخبر أنه غير مهلكها حتى يبعث في أمها رسولا -: # PageV08P184 # القريات اللاتي هن حول مكة، لا يهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا. # قيل: في أعظمها - وهي مكة - رسولا (يتلو عليهم آياتنا)، فإن كان هذا؛ ~~فيكون الإهلاك لها الانتزاع من أيديهم، وجعلها في أيدي أهل الإسلام على ما ~~كان؛ لأن الله كان يفتح على رسوله قرية فقرية وبلدة فبلدة، حتى جعل الكل في ~~أيدي المسلمين، وهو ما قال: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ~~أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله) وهو وعد فتح مكة، وذلك إهلاكهم. # والثاني: جائز أن يكون هذا في كل القرى وجميع الرسل: أنه كان لا يهلكها ~~بالكفر نفسه، حتى يبعث في أكبرها وأعظمها - وهي المصر - رسولا يتلو عليهم ~~آياته، وذلك يشبه قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا). # وإنما ذكر بعث الرسول في أمها؛ لأنه إذا بعث الرسول في أعظمها - وهو ~~المصر - ينتشر وينتهي إلى الآفاق والصغائر منها والقرى؛ لما أنهم يدخلون ~~المصر لحوائجهم؛ فيتهيأ للرسول تلاوة الآيات عليهم والدعاء لهم، وإذا كان ~~في بعض القرى لا يتهيأ لهم ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ms3348 ظالمون) أي: معاندون مكابرون، لا ~~نهلكهم إهلاك تعذيب بنفس الكفر في الدنيا، حتى يكون منهم العناد والمكابرة، ~~إنما يعذبون عذاب الكفر في الآخرة وهو عذاب الأبد. # وقوله: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير ~~وأبقى أفلا تعقلون (60) إنهم كانوا يتفاخرون بما أوتوا من السعة ومتاع ~~الحياة الدنيا، وأهل الزهد والتقوى آثروا الباقي الموعود في الآخرة على ~~متاع الحياة الدنيا وزينتها؛ ولذلك قال: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ~~كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ... (61) فجواب هذا أن يقال: بل الموعود ~~الحسن الملاقى بالذي له عاقبة خير من المتاع الفاني الذي ليست له عاقبة، ~~لكنه لم يذكر له جوابا، فجوابه ما ذكرنا. # ثم كل استفهام كان من الله فهو على الإيجاب في الحقيقة ليس على ~~الاستفهام. # وقوله: (ثم هو يوم القيامة من المحضرين) أي: يحضرون في النار. # وقيل: من المحضرين، أي المعذبين، وكلاهما واحد. # PageV08P185 # قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال ~~الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب ~~وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) # وقوله: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون). # قوله: (أين شركائي) الذين في زعمكم أنهم شركائي، حيث أشركتموهم في ~~العبادة وتسمية الألوهية، وإلا لم يكن لله شريك فيقول: أين هؤلاء الذين ~~زعمتم أنهم شركائي. # ثم قوله: (أين شركائي) إنما يقال لهم لقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فيقول: أين شفاعة من ~~زعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله، وأين قربتكم وزلفاكم بعبادتكم إياها حيث ~~زعمتم أن عبادتكم إياها تقربهم إلى الله زلفى؛ أين ذلك لكم منهم؟ # وقوله: (قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما ~~غوينا تبرأنا إليك ما ms3349 كانوا إيانا يعبدون (63) يحتمل قوله: (حق عليهم ~~القول) الذي قال: (لأملأن جهنم منكم أجمعين). # وجائز أن يكون قوله: (حق عليهم القول) أي: وجب عليهم العذاب؛ كقوله: ~~(وإذا وقع القول عليهم)، أي: وجب العذاب عليهم؛ وكقوله: (ووقع القول عليهم ~~بما ظلموا)، أي: وجب العذاب عليهم بما ظلموا ونحوه. # ثم اختلفوا في الذين حق عليهم القول: # فمنهم من يقول: هم رؤساء الكفرة وأئمتهم الذين أضلوا أتباعهم ودعوهم إلى ~~الضلال. # ومنهم من يقول: هم شياطين الجن. # وللفريقين جميعا في الكتاب ذكر: # قال في أئمتهم: (إذ تبرأ الذين اتبعوا)، وقال: (قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا)، وأمثال هذا كثير. # وقال في شياطين الجن: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين) وقال: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم. . .) الآية، ونحوه كثير أيضا. # وقوله: (ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا): يقولون: (أغويناهم ~~كما غوينا) يعتذرون: أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى ~~الغواية؛ وهو كقول إبليس اللعين # PageV08P186 # وخطبته يومئذ حيث قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد ~~الحق. . .) الآية؛ فعلى ذلك هؤلاء يقولون لم يكن منا إليهم سوى الدعاء بلا ~~برهان ولا حجة فاتبعونا؛ فلا تلومونا ولوموا أنفسكم؛ حيث تركتم إجابة الرسل ~~ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو ~~كنا على الهدى لهديناكم، كقولهم: (لو هدانا الله لهديناكم). # وقوله: (تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون): إنما يتبرءون أنا لم نأمرهم ~~بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدوهم. # ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية؛ لأنهم يقولون: إنما أضافوا الغواية ~~إلى أنفسهم حيث قالوا: (أغويناهم كما غوينا)؛ دل أن الله لا يغوي أحدا. # فيقال لهم: إنا لا نضيف ولا نجيز إضافه الغواية إلى الله فيما يخرج مخرج ~~الذم له، وإنما نضيف فيما يخرج مخرج المدح له والثناء عليه، ثم قد أضاف ~~إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حيث قال: (رب بما أغويتني)، في غير موضع ~~وقال: (يضل من يشآء)، ونحوه كثير في القرآن، فما خرج مخرج ms3350 أن مدح له ~~والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم له فلا، وقد ذكرنا هذا في غير ~~موضع، والله أعلم. # وقوله: (حق عليهم القول) يوم قال لإبليس: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين) ثم قالت الشياطين في الآخرة: (ربنا هؤلاء الذين أغوينا) ~~يعنون: كفار بني آدم، هؤلاء الذين أضللناهم عن الهدى كما ضللنا تبرأنا إليك ~~منهم يا رب (ما كانوا إيانا يعبدون)، فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها، ~~فقالوا: لم نأمرهم بعبادتنا، وقيل لكفار بني آدم: (ادعوا شركاءكم (64) ~~يقول: سلوا الآلهة التي سميتموها: آلهة أهم آلهة؛ (فدعوهم) أي: سألوهم، فلم ~~تجبهم الآلهة بأنها آلهة. # وقوله: (أين شركائي الذين كنتم تزعمون) في الدنيا، أي: معي شركاء على ما ~~ذكرنا من قبل، والله أعلم. # وقوله: (وقيل ادعوا شركاءكم) يحتمل شركاءكم في الخلقة، أو شركاءكم في ~~العبادة ادعوهم؛ ليشفعوا لكم ويقربوكم إلى الله على ما زعمتم في الدنيا، ~~(فدعوهم فلم يستجيبوا لهم)، أي: لم يشفعوا لهم ولم يستجيبوا لهم؛ لما لم ~~يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجبا كائنا في الآخرة. # وقوله: (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون): تأويله، أي: لو رأوا العذاب ~~في الدنيا لكانوا يهتدون، ولكن لم يروه؛ هذا وجه. # PageV08P187 # ووجه آخر: أنهم لم يصدقوا بالعذاب في الدنيا، ولو صدقوه لاهتدوا مخافة ~~نزول العذاب بهم. # والثالث: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، ~~والله أعلم. # وقوله: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم ~~الأنباء ... ) اختلف فيه: قال قائلون: إنما يسألون عن إجابتهم الرسل ماذا ~~أجبتموهم؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوا هم، (فعميت عليهم الأنباء يومئذ ~~فهم لا يتساءلون (66) أي: الإجابة، فلا يتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك وفزعهم. # وقال بعضهم: إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة ~~الرسل، فيقول لهم: لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم (فعميت عليهم الأنباء)، أي: ~~الحجج والعذر، لما لم يكن لهم الحجة والعذر في تركهم إجابتهم. # (فهم لا يتساءلون): قال بعضهم: لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من ms3351 ~~بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا على ما ذكر في الكتاب. # وقال بعضهم: (فهم لا يتساءلون) بالحجة والبرهان؛ لما لا حجة لهم ولا ~~برهان، أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج؛ لأن الله أدحض حججهم وكلل ~~ألسنتهم. وقال بعضهم: لا يتساءلون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في ~~الدنيا؛ كقوله: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون). ~~والله أعلم بذلك. # ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه وقالوا: لو كان الأمر على ما قاله ~~القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة، لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون ~~لهم العذر، فيقولون: يا ربنا أجبنا ما نفذ من مشيئتك وإرادتك، وما مضى من ~~قضائك وكتابتك علينا؛ إذ كنت أنت قضيت وكتبت علينا وشئت وأردت ما كان منا ~~من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت وقضيت علينا. # إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب، وهذا تعليم لأولئك الكفرة الحجاج ~~بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم. # ثم يقال: لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم، فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ~~ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمع حيث قالوا: (ما ~~شاء الله كان # PageV08P188 # وما لم يشأ لم يكن)، وبكتاب الله ما ذكر في غير آي من القرآن (ويهدي من ~~يشاء)، وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، وقوله: (ولو ~~شاء الله لجمعهم على الهدى)، وقوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا. . .) الآية، وأمثاله مما لا يحصى من الآيات، فلئن كان لهم ذلك إنما ~~يكون بما ذكرنا لا بقولنا. # وأصله: أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج؛ لأنهم وقت فعلهم لا ~~يفعلون بان الله شاء ذلك لهم أو قضى وكتب ذلك عليهم، وهم يودون ويحبون وقت ~~فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم ويرضى، فإذا كانوا وقت فعلهم لا يفعلون لذلك، ~~فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا عليه يفعلون لا لذلك؟! # لكن هذا منهم ثعليم الكذب ms3352 لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر. # وأصل قولنا في هذا: أنا نقول: إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ويختار، ~~وكذلك قضى وكتب على كل ما علم أنه يكون منه؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف ~~ما علم أنه يكون؛ لأن فيه أحمد وجهين: # إما الجهل بالعواقب. # وإما العجز فيه. # وذانك عن الله منفيان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وأصلهما: ما روي عن أبي حنيفة - رحكمه الله - أنه قال: بيننا وبين ~~القدرية حرفان: أحدهما: أنا نقول لهم: إن الله علم ما يكون أنه يكون، فإن ~~قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا: بلى، فيقال لهم: وشاء أن ~~يكون ما علم أنه يكون، فإن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم يقولون: شاء أن يجهل، ~~وذلك كفر، وإن قالوا: بلى شاء ذلك، لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ~~ذلك. # تال أبو عوسجة والقتبي: (فعميت) بالتخفيف، أي: خفيت، و (فعميت) بالتشديد، ~~أي: أخفيت. # وقوله: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا (67) أي: فأما من تاب، أي: رجع عما ~~كان فيه من الشرك والكفر، وآمن بالذي دعاهم الرسل وأجابهم، وعمل صالحا فيما ~~بينه وبين ربه. # (فعسى أن يكون من المفلحين): يحتمل رجوع (فعسى) إلى ذلك الرجل الذي نعته، ~~يقول: على رجاء القبول والفلاح يفعل ما يفعل من التوبة والعمل الصالح. # PageV08P189 # أو أن يقال ما قال أهل التأويل: إن (عسى) من الله واجب، وهو ما ذكرنا أن ~~كل استفهام كان من الله فهو على اللزوم والوجوب؛ فعلى ذلك حرف (عسى)، و ~~(لعل)، وإن كان حرف شك في الظاهر، فهو من الله على الوجوب واليقين. # قال أبو معاذ: الفلاح في كلام العرب البقاء، ويقال: النجاة، وقد ذكرناه ~~في غير موضع. # * * * # قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله ~~لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) # وقوله: (وربك ms3353 يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة): يقول - والله أعلم ~~-: وربك يختار للرسالة من يشاء ويجتبيه لها، فيجعلهم رسلا. # (ما كان لهم الخيرة): يقول: لم يكن لهم أن يختاروا هم، ولكن الله يختار ~~ويصطفي من يشاء ردا لقولهم: (لولا نزل هذا القرآن. . .) الآية، إلى هذا ذهب ~~بعضهم. # وجائز أن يكون هذا في كل أمر، أي: وربك يختار ما يشاء ويأمر، وما كان لهم ~~الخيرة من أمره أي: التخلص والنجاة من أمره؛ كقوله: (وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا)، أي: أمر الله ورسوله أمرا، (أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم). # والقضاء هاهنا أمر، لكنه يحتمل وجهين: # أحدهما: على الوقف على قوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)، والابتداء من ~~قوله: (ما كان لهم الخيرة) من أمرهم، فإن كان على هذا فيكون (ما) هاهنا ~~(ما) جحد، أي: لم يكن لهم الخيرة من أمرهم. # والثاني: على الصلة: ليس على الحجاج، فيكون تأويله: وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار الذي لهم الخيرة أن يكون، الوقف على هذا على قوله: (وربك يخلق ما ~~يشاء)، ثم يقول (ويختار) الذي لهم (الخيرة). # قال أبو معاذ: قرئ (الخيرة) بجزم الياء وبتحريكها (الخيرة). # ثم قوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) على المعتزلة من وجهين: # أحدهما: ما أجمعوا عليه أن الله قد شاء جميع ما يفعله العباد من الخيرات ~~والطاعات، فإذا شاء ذلك دل أنه خلقها لهم، أخبر أنه يخلق ما يشاء وقد شاء ~~الخيرات؛ فدل ذلك على خلق أفعال العباد. # PageV08P190 # لكنهم يقولون: قوله: (يخلق ما يشاء) إذا خلقه؛ وكذلك يقولون في قوله: ~~(والله على كل شيء قدير): إن خلقه أو كلام نحو هذا. # قلئن جاز لهم هذا من الزيادة جاز لكل أحد مثله، فذلك بعيد. # وعلى قولهم أكثر الأشياء ليست بمخلوقة لله، وهو على أكثر الأشياء غير ~~قدير؛ لأن أفعال الخلق لا شك أنها أكثر من أنفسهم، فأخبر أنه على كل شيء ~~قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وأن هذا منه خرج مخرج الامتداح له والثناء له ms3354 بما ~~له من السلطان والقدرة على الخلق كلهم، فلو كان على ما يقوله المعتزلة لم ~~يكن هذا مدحا له ولا ثناء بالسلطان والقدرة؛ إذ هو على قولهم على أكثر ~~الأشياء ليس بقادر على ما ذكرنا. # ثم نزه نفسه وبرأها عما قالوا فيه وأشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته وفي ~~عبادته فقال: (سبحان الله وتعالى عما يشركون)، وقال: (وربك يعلم ما تكن ~~صدورهم وما يعلنون (69) هذا يخرج على الوعيد لهم والتنبيه؛ ليكونوا على حذر ~~فيما يسرون وما يعلنون، والله أعلم. # وقوله: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ~~وإليه ترجعون (70) # قوله: (وله الحكم) كقوله: (ويختار ما كان لهم الخيرة)، وقد ذكرنا أن ~~قوله: (ويختار ما كان لهم الخيرة) من أمرهم أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: له الاختيار في أمرهم؛ لا لهم الاختيار في أمرهم، ولا يملكون هم ~~ما يختار لهم دفعه. # والثاني: هو يختار لهم الخيرة في أمرهم؛ لأنه هو العالم بمصالح أمورهم ~~وما يرجع إلى الأوفق والأنفع وهم لا يعرفون ذلك، فعلى ذلك قوله: (وله ~~الحكم) في الدنيا والآخرة لأن أنفس الخلائق له دونهم، فله الحكم في أمورهم ~~وأفعالهم؛ كما له الحكم في أحوالهم؛ لأنه لا يلحقه الخطأ في حكمه؛ إذ هو ~~عالم بذاته، ولا تلحقه التهمة أيضا في دفع مضرة أو جر نفع؛ لأنه غني بذاته ~~فله الحكم في الدارين جميعا، والله الموفق. وقوله: (له الحمد في الأولى ~~والآخرة): هذا يخرج على وجوه: # أحدها: ما قاله أحس التأويل: إن أولياءه يحمدونه في الدنيا والآخرة في ~~الجنة حيث قالوا: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. . .) الآية، يقولونه إذا ~~دخلوا الجنة. # والثاني: وقال بعضهم (في الأولى والآخرة) يقول: في السماوات والأرض، ~~وتصديقه # PageV08P191 # قول الله: (وله الحمد في السماوات والأرض)، وقوله: (يسبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض)، وقوله: (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن). # والثالث: (له الحمد في الأولى والآخرة): وهو أن جعل الدنيا مشتركة بين ~~الأعداء والأولياء في نعيمها غير مفترقة ولا مختلفة، ms3355 وأما الآخرة فقد فرق ~~فيها بين الأولياء والأعداء؛ جعل للأولياء النعمة الدائمة وللأعداء العذاب ~~الدائم، فله الحمد على ذلك. # والرابع: (له الحمد في الأولى والآخرة) لما جعل الدنيا دار محنة والآخرة ~~دار الجزاء لم يجعلها دار المحنة. # أو أن يكون قوله: (له الحمد في الأولى والآخرة) أي: له الحمد من الخلق في ~~كل حال وكل وقت؛ كقوله: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، أنهم ~~يحمدونه في بدء كل أمر وختمه، أو أن يكون له الحمد. # * * * # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون ~~فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) وقوله: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة): أو إن جعل النهار سرمدا، أي: دائفا لا ليل ~~فيه. . . إلى آخر ما ذكر من قوله: (أفلا تسمعون) و (أفلا تبصرون) يخرج ذكره ~~لوجهين: # أحدهما: في تسفيههم في صرف العبادة والشكر إلى الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها على علم منهم أنها لا تملك شيئا مما ذكر، من جعل الليل نهارا وجعل ~~النهار ليلا، وتركهم عبادة من يعرفون أنه يملك ذلك كله؛ وكذلك ما ذكر في ~~آية أخرى حيث قال: (أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره. . .) الآية. يقول - والله أعلم -: فإذا لا يملك ما تعبدون من ~~دون الله دفع ضر أراده الله فيه وجعله رحمة، ولا دفع رحمة أرادها الله ~~وجعله ضرا، فكيف تعبدونها وتتركون عبادة من يملك جعل هذا هذا ودفع هذا ~~بهذا؟ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: كيف تعبدون من لا يملك جعل الزمان كله ~~ليلا دائما لا نهار فيه، وجعل النهار نهارا كله دائما لا ليل فيه، وتتركون ~~عبادة من يملك ذلك كله يجعل وقت الراحة والفرار. # والثاني: ms3356 يذكرهم عظيم نعمه ومنته حيث أنشأ هذا العالم محتاجا إلى ما به ~~قوام أنفسهم وأبدانهم في دينهم ودنياهم، ثم جعل ذلك كله على التعاون ~~والتظاهر بعضهم بعضا ما لو # PageV08P192 # جعل ذلك على غير ذلك لا يقوم أنفسهم وأبدانهم بذلك؛ حيث جعل الليل وقتا ~~للراحة والسكون، والنهار وقتا للتقلب والتعيش، ولو كان ذلك كله وقتا للراحة ~~لا يقوم أنفسهم أبدا للتعيش والكسب، ولو كان كله وقتا للتقلب والكسب لا ~~راحة فيه لا تقوم أيضا أنفسهم بذلك، لكنه - من رحمته وفضله - جعل لهم وقتا ~~للراحة، ثم جعله للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك ما جعله وقتا للتقلب إنما ~~جعله كذلك للكل لا لبعض دون بعض؛ ليقوم لهم أسباب العيش، وما به قوام ~~أنفسهم وأبدانهم، ولو كان ذلك كله وقتا لأحدهما لم تقم أنفسهم، ولا بقي هذا ~~العالم إلى الوقت الذي كتب له البقاء إلى ذلك الوقت وهو ما ذكر: (ومن رحمته ~~جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون). # وقوله: (أفلا تسمعون)، و (أفلا تبصرون) إنما هو سمع عقل وقلب وبصر عقل؛ ~~كانه يقول: أفلا تسمعون هذا بالعقل وأفلا تبصرون بالعقل، والله أعلم؛ ~~كقوله: (فإنها لا تعمى الأبصار. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (75) وقوله: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم ~~تزعمون) قد ذكرناه. # وهذه الآيات التي يكررها ويعيدها مرة بعد مرة من قوله: (ويوم يناديهم ~~فيقول ماذا أجبتم المرسلين)، وقوله: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين ~~كنتم تزعمون)، وقوله: (وقيل ادعوا شركاءكم)، وأمثال ذلك مما يكثر على علم ~~منه أنهم لا يصدقونها، ولا يقبلونها ولا يستمعون إليها وإن كررت وأعيدت، ~~غير مرة؛ فهو - والله أعلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: لزوم الحجة لما مكنوا من الاستماع والسماع، وإن كانوا لا يستمعون ~~إليها. # والثاني: يكون فيه عظة للمؤمنين من وجوه: # أحدها: ليشكروا على ما عصموا من عبادة ms3357 غير الله، ووفقوا إلى عبادة الله ~~المستحق لها؛ ليعرفوا عظيم نعمة الله عليهم. # والثاني: ليحذروا عاقبتهم في الرجوع إلى ما هو عليه أولئك الكفرة، على ما ~~حذر الرسل والأنبياء وأولو العصمة عاقبتهم في الرجوع إلى ذلك؛ كقول ~~إبراهيم: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، وأمثاله كثير. # والثالث: خوف المعاملة لئلا يعاملوا هم في العمل كما عامل أولئك في ~~الاعتقاد؛ لأن المؤمنين وإن خالفوا هم أولئك الكفرة في الاعتقاد في إشراك ~~غيره في العبادة فربما # PageV08P193 # يوافقونهم في العمل، فكررت هذه الأنباء والآيات عليهم وأعيدت مرة بعد ~~مرة، وإن كان أولئك لا يستمعون إليها للوجوه التي ذكرنا. # والرابع: كررت غير مرة لما لعلهم لا يقبلون في وقت ويقبلون في وقت، ~~فيقولون: لو كررت وأعيدت لقبلنا، فكررت وأعيدت لئلا يقولوا بأنها لو أعيدت ~~وكررت لقبلناها، والله أعلم. # وقوله: (ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون (75) قيل: شهيدها رسولها؛ كقوله: (فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد. . .) الآية، وقوله: (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا)، ونحوه، ~~سمي: شهيدا؛ لأنه شهد على ما عملوا، وحضر ما كان منهم - والله أعلم - من ~~التكذيب والقبول والرد. # (فقلنا هاتوا برهانكم): في تسميتكم الأصنام: آلهة، أو في استحقاقها ~~العبادة، أو في زعمكم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك، يقول: هاتوا ~~برهانكم وحجتكم على ما زعمتم. # وقوله: (فعلموا أن الحق لله): هذا أيضا يحتمل وجوها: # أحدها: علموا أن الألوهية والربوبية لله. # أو علموا أن الشفاعة لله لا للأصنام التي عبدوها ليكونوا شفعاء لهم عند ~~الله؛ كقوله: (قل لله الشفاعة جميعا). # أو أن يكون: أن الحق الذي عليهم وهي العبادة لله. # أو أن يكون ما جاء به الرسل من الحق إنما جاءوا به من عند الله. # (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي: ضل عنهم ما كانوا يأملون من عبادتهم تلك ~~الأصنام من الشفاعة والزلفى. # * * * # قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما ~~إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ms3358 أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن # PageV08P194 # الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن ~~الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة ~~الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين ~~أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا ~~الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف ~~بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير ~~منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ~~(84) # وقوله: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ... (76) كأنه قال - والله ~~أعلم - يخوف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل بهم؛ ~~كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه، أي: لم تنفعه قرابته من موسى ولا ~~صلته به؛ لما ذكر أنه كان ابن عمه وكان ختنه: زوج أخته مريم؛ فعلى ذلك يقول ~~- والله أعلم -: لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله ولا اتصالكم ~~- به من عذاب الله ومقته في الدنيا، إذا بغيتم عليه وتركتم اتباعه؛ كما لم ~~تنفع القرابة التي بين قارون وموسى من عذاب الله ومقته في الدنيا إذا بغى ~~عليه، وكما لم تنفع أبوة أبي إبراهيم لأبي إبراهيم إذا بغى عليه وترك ~~اتباعه، حيث تبرأ إبراهيم منه وحيث قال: (يا أبت إني أخاف أن يمسك ms3359 عذاب من ~~الرحمن) الآية، وحيث لم تنفع لامرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما ~~وبين نوح ولوط من نزول العذاب ومقته بهما إذا تركتا اتباعهما وبغتا عليهما؛ ~~فعلى ذلك يا أهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم برسول الله - ~~صلوات الله عليه - ووصلتكم به، والله أعلم. # وقوله: (فبغى عليهم): اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم: # قال بعضهم: هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه وأبى ~~أن يعطيه. # PageV08P195 # وقال بعضهم: بغيه عليهم هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن ~~يفضحه على رءوس الأخيار والملأ وأن يرجموه، فدفع الله عنه وبرأه منه. # وقال بعضهم: إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده، هذا يشبه أن يكون كأنه ~~افتخر بكثرة ماله في دفع عذاب الله ونقمته؛ كقول أهل مكة: (نحن أكثر ~~أموالا. . .) الآية. # وقال بعضهم: بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم ~~يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى واتبعه ناس كثير، فاعتدى عليه ونحو هذا ~~كثير مما قالوه. # والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه؛ حيث قال: ~~(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب)؛ وكقوله: (وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض. . .) الآية، فكان منه ما كان من فرعون وهامان ~~من التكذيب والرد لرسالته، وتسميته: ساحرا كذابا، فذلك هو البغي عليه. # أو لا يفسر البغي عليه؛ لأنه ذكر البغي ولم يبين ما ذلك البغي، والله ~~أعلم بذلك. # وقال قائلون: بغيه عليهم: هو أن زاد في ثيابهم شبرا، فذلك أيضا لا نعلمه ~~فهو مثل الأول. # وقوله: (وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة): قال ~~بعضهم: مفاتحه: خزائنه. # وقال بعضهم: جمع مفتاح وهو في الأصل مفاتيح. # وذكر أن كنوزه كانت كذا كذا ألفا، وأن مفاتيحه كان يحملها كذا كذا بغلا، ~~وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا، فذلك أيضا لا نعلمه ولا نفسره ولا ~~نذكره إلا ms3360 قدر ما ذكر في الكتاب؛ إذ ذكر في الكتاب الكنوز والمفاتح، وذكر ~~أن العصبة تنوء بها وذلك للكثرة # PageV08P196 # ما ذكر، ولكن لا نعلم قدره وعدده ما هو؟ ولا كم هو؟ وكذلك العصبة أيضا لا ~~نعلمه كم عدده؟ إلا أن أهل التأويل يقول بعضهم: من عشرة إلى أربعين، ويقول ~~بعضهم: من عشرة إلى خمس وسبعين، وبعضهم: من عشرة إلى خمس عشرة ونحوه، لا ~~نفسره ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة يتعصب بعضهم بعضا يرجعون جميعا إلى ~~أمر واحد، وكذلك الشيعة هي جماعة يتشيع بعضهم بعضا ويتبع بعضهم بعضا؛ ولذلك ~~قال إخوة يوسف لأبيهم: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة)، أي: يتعصب بعضنا بعضا ~~لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل ولم نحفظه (إنا إذا لخاسرون). # وقوله: (لتنوء بالعصبة): اختلف فيه: قال بعضهم: لتثقل بالعصبة تلك ~~المفاتيح. # وقال القتبي: (لتنوء) أي: تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها. # وقال أبو عوسجة: (لتنوء بالعصبة)، أي: لتعجز العصبة عن حملها. # وقال بعضهم: تنوء: تثقل، والعصبة: جماعة. # وقوله: (إذ قال له قومه لا تفرح): قال بعضهم: لا تبطر ولا تأشر؛ إن الله ~~لا يحب البطرين الأشرين. # وجائز أن يكون قوله: (لا تفرح) أي: لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من ~~المال ولا تتكبر عليهم، (لا تفرح) لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن ~~الله لا يحب من ذكر. # وقوله: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ~~(77) # كان كثرة ما آتاه الله من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل ~~لها، حتى حمله ذلك على الجحود والإنكار، فقالوا: وابتغ الدار الآخرة بما ~~آتاك الله. # (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أي: لا تنس من مالك نصيبك في الدنيا ولكن قدم ~~لآخرتك. # PageV08P197 # قال الحسن في قوله: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) إلى آخره قال: أمر أن يأخذ ~~من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته، وكذلك قال ms3361 في قوله: (وابتغ ~~فيما آتاك الله الدار الآخرة) أي: قدم الفضل وأمسك ما يبلغك. # (وأحسن كما أحسن الله إليك): قال: يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا؛ فإن ~~فيه غناء وكفاية. # وأصله: ما روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لك من ~~الدنيا ما أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت " جعل المقدم من الدنيا له، وأما ما ~~خلفه فهو لغيره. # وهكذا أمر الدنيا لم تخلق الدنيا لتبقى لأهلها أو يبقى أهلها فيها، ولكن ~~إنما خلقت لتفنى هي أو يفنى أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء، فنصيبه من الدنيا ~~ما قدم وأنفق في طاعة الله وفي سبيله ليس ما خلفه في هذه الدنيا. # وقوله: (وأحسن كما أحسن الله إليك) يحتمل قوله: (وأحسن) إلى نفسك في ~~العمل للآخرة كما أحسن الله إليك، وأحسن إلى الخلق كما أحسن الله إليك. # وقوله: (ولا تبغ الفساد في الأرض): هذا يدل أنه كان ينفق ماله إلا أنه ~~كان ينفق في الصد عن سبيل الله؛ حيث قال: (ولا تبغ الفساد في الأرض)، ولو ~~كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض. # ثم الواجب على من حضر الملوك وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا ~~الملوك، ويواعدوهم بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في ~~أنفسهم وفي رعيتهم، كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك، فإن ~~أجابوهم وإلا امتنعوا عنهم وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم، فإن لم يفعلوا ~~فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم. # وقوله: (قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله ~~من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون (78) # اختلف فيه: # قال بعضهم: إن قارون كان أخبر الناس بالتوراة وأعلمهم بها وسمي: قارون ~~لذلك، وذكر أنه سمي: المنور؛ لحسن صوته بالتوراة. وقال بعضهم: سمى: منورا ~~لذكائه، والله أعلم. # وقال): قوله: (إنما أوتيته على علم عندي): وهو الكمياء، ذكر أنه يعالج # PageV08P198 # صنعة الذهب ويحسنها. # وقال بعضهم: (إنما ms3362 أوتيته على علم عندي) أي: على خبر عندي، قال ذلك على ~~أثر قول أولئك: (ولا تنس نصيبك من الدنيا) إلى قوله تعالى: (ولا تبغ الفساد ~~في الأرض) كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه، فقال - والله أعلم -: إنما ~~أوتيت ذلك على علم عندي، لم أوت جزافا بلا سبب، وكأنه - والله أعلم - نسي ~~الآخرة بما أوتي من المال والكنوز، وترك الإنفاق في الخير، وكان ينفق في صد ~~الناس عن سبيل الله؛ ولذلك قال: (ولا تبغ الفساد في الأرض)، إلا أنه كان ~~عارفا بالله حيث قالوا له: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) وقالوا له: ~~(إن الله لا يحب المفسدين) دل هذا منهم أنه كان عارفا بالله تعالى. # وقوله: (أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا): ذكر هذا - والله أعلم - لما أنه كان يفتخر ويستكبر على الناس ~~بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع، ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في ~~هذه الدنيا بذلك عن نفسه. # أو يظن أنه لما أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حيث قالوا: (نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)؛ فجائز أن كان من قارون من الإعجاب ~~بالكثرة والجمع ما ذكر بأولئك، فقال عند ذلك: (أولم يعلم أن الله قد أهلك ~~من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا)، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما ~~نزل بهم من العذاب؛ فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم. # وقوله: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون): اختلف فيه: # قال بعضهم: لا يسألون عن ذنوبهم؛ كقوله: (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام). # وقال بعضهم: لا يسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية. # وجائز ألا يسأل عن ذنوبهم؛ لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوبا، ~~ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنبا، والله أعلم. # PageV08P199 # وقوله: (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت ~~لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ ms3363 عظيم (79) قال عامة أهل التأويل: إنه خرج ~~على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب عليهن من ~~الثياب كذا. # وقال بعضهم: إنه خرج على براذين كذا بيض مع كذا كذا غلمان وجواري، ونحو ~~ما ذكروا. # لكنا لا ندري على أي زينة خرج؟ ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج ~~أمثاله من الملوك، ولا نفسر أنه كذا على كذا، وكذلك لا نفسر العلم؛ ذكر أنه ~~أوتي له من المال والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس ~~لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~ولا يلقاها إلا الصابرون (80) أي: أوتوا منافع العلم: لأنه قد يؤتى العلم ~~ربما، ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء؛ حيث قالوا لأولئك: (ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا) لم يكن من أولئك إلا التمني أن يؤتوا ~~مثل ما أوتي قارون، ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك ~~التمني، فدل ذلك أن التمني لا يسع الاشتغال به والطلب؛ حيث قالوا لهم: ~~(ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون). # اختلف في قوله: (ولا يلقاها) كيف ذكره بالتأنيث، وإنما تقدم له ذكر ~~الثواب، فألا قال: (وما يلقاه)؛ لكن اختلف فيه: # قال بعضهم: (ولا يلقاها) كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين ~~أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي: لا يلقى تلك المقالة ~~التي قالوها لأولئك إلا الصابرون. # وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال، أي: ولا يلقى تلك الأعمال ~~ولا يوفق إليها إلا الصابرون. # قال أبو عوسجة والقتبي: (ولا يلقاها) أي: لا يوفق، ويقال: لا يرزق. # (الصابرون) يحتمل: المؤمنين أنفسهم؛ كقوله - تعالى -: (إن في ذلك لآيات ~~لكل صبار شكور)، وقوله: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) أي: آمنوا. # ويحتمل: الصابرون: الذين صبروا أنفسهم وحبسوها على أداء ما افترض الله ~~عليهم، # PageV08P200 # ولم يؤتوا أنفسهم شهواتهم ms3364 وهواها، والله أعلم. # ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث لم تكن تلك ومثلها في غيرهم من الأمم. # أحدها: ما ذكر من صلابة الذين أوتوا العلم، ويقينهم، وطمأنينتهم فيما ~~وعدوا في الآخرة من الثواب، وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم، وحبسوا ~~أنفسهم عن مناهم وشهواتهم، ولصلابتهم وقوتهم في الذين ما وعظوا قارون، حيث ~~قالوا له: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة. . .) إلى قوله: (إن الله لا ~~يحب المفسدين) وهو كان يومئذ ملكا، ولما قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة ~~الدنيا: (ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا). # والثاني: ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم ~~الذي آمنوا فقالوا: (لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون)، وقالوا: (فاقض ما أنت ~~قاض)، وأمثال ذلك مما لم يبالوا حلول ما أوعدهم وخوفهم من أنواع العذاب. # والثالث: ما ذكر من الذي كان يكتم إيمانه؛ حيث قال: (وقال رجل مؤمن من آل ~~فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ~~ربكم)، وإنما أظهر ذلك حين قال فرعون: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه)، كأنه ~~هم أن يقتله؛ ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه قال لهم: ~~(أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) لم يبال هلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن ~~أعان به الله موسى، ونفع له بما قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل. # فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط من سوى قوم موسى مثلها. # ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال - عز وجل -: (ومن ~~قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). # وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن ~~يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألا يبذل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها ~~وهلاكها وتعذيبها بأشد ما يكون من العذاب؛ ألا ترى أن الله مدح أصحاب ~~الأخدود بما احتملوا أشد العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم ~~يعطوا أولئك الكفرة ما أرادوا منهم، فهكذا ms3365 الاختيار على كل مسلم أن يختار ~~ما اختار أولئك. # وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين ويحضر مجالسهم من العلماء ~~أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محذور، ويدلوهم على كل خير ~~وكل ما هو طاعة لله، كما فعل قوم قارون بقارون، وإلا لم يحضروا مجالسهم ولا ~~أتوا # PageV08P201 # طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم. # وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - ~~صلوات الله عليه - زهد في الدنيا زهدا، حتى لم يتخذ لنفسه مسكنا يسكنه، ولا ~~مقرا يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه ~~الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة الله وجواره. # وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن ~~إليها ركونا، حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون ~~فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في ~~الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (فخسفنا به وبداره الأرض ... (81) بالبغي الذي بغى ~~عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه. # وقوله: (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله) كأنه كان يفتخر بالمال ~~والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته؛ لذلك قال: (فما كان له من ~~فئة ينصرونه من دون الله)، أي: لم يغن في دفع عذاب الله عنه أتباعه ~~وحواشيه، وهو كظن أولئك: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، وكان ~~ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: # أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمئه كما تدفع نقمة ~~بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء). # والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا ~~لكرامة لهم عند الله؛ فلا يعذبون أبدا. # وقوله: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف ms3366 بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون (82) كانوا تمنوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون (يقولون ويكأن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر. . . ويكأنه لا يفلح الكافرون) قال بعض ~~أهل الأدب: (وي) صلة، وإنما هو (كأن) و (كأنه). # وقال مقاتل: (ويكأنه) أي: لكنه ويكأن. # قال بعضهم: قوله: (ويكأن الله) أي: اعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء، # PageV08P202 # واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا ~~يفلح الكافرون. # وقال بعضهم: ألم تر أن الله يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا. # وقال الزجاج: " وي " مقطوعة من (كأن) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ ~~بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون. # ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله؛ لأنهم ~~ذكروا منة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما ~~أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة؛ دل أن ما أعطى ~~قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح ~~للعباد في الدين. # وقوله: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين (83) في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلو في هذه ~~الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة الله، وكذلك ما ذكر من الدار ~~الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضا، لكن الآية تخرج على وجهين: # أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في ~~التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين الله واتباع ~~الرسل، فقال - والله أعلم -: (تلك الدار الآخرة) - أي: الجنة - ليست ~~لهؤلاء، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل. # والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في ~~نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن ~~كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، ~~فتلك ms3367 الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار ~~الآخرة. # وقوله: (تلك الدار الآخرة): كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست ~~لمن ذكر، وهي الدار التي قال الله فيها: (والله يدعو إلى دار السلام)، ~~فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على ~~الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، ~~ونحوه. # وقوله: (والعاقبة للمتقين) أي: تلك الدار الآخرة للمتقين. # وقوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها ... (84) يخرج على وجوه: # PageV08P203 # أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: ~~أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في ~~الدنيا وهي التوحيد. # والثاني: قوله: (فله خير منها) أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب ~~خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها. # والثالث: (فله خير منها) أي: ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في ~~الدنيا. # من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما ~~عملوا. # أو أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: (ولذكر الله أكبر). # وقوله: (ومن جاء بالسيئة): قالوا جميعا: السيئة: هي الشرك، (فلا يجزى إلا ~~مثلها)، هو التخليد في النار أبدا، (وهم لا يظلمون): فيما يجزون بها بل ~~ظلموا أنفسهم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا ~~رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ ~~أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها ~~آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) # وقوله: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد): اختلف في قوله: (فرض ~~عليك القرآن)؛ ms3368 قال بعضهم: (فرض) أي: نزل عليك. # وقال بعضهم: فرض عليك العمل بالقرآن. # وقال بعضهم: فرض تبليغ ما أنزل عليك من القرآن والرسالة إلى الناس. # واختلف أيضا في قوله: (لرادك إلى معاد): قال بعضهم: إلى مكة. # وقال بعضهم: المعاد: هو البعث والساعة. # وقال بعضهم: المعاد: الجنة، ويقال: الموت؛ وكله البعث، والمعاد هو البعث ~~في الظاهر. # PageV08P204 # وجائز أن تسمى مكة: معادا؛ لما يعود الناس إليها مرة بعد مرة، كما تسمى: ~~مثابة؛ لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة. # لكن من يقول بأن المعاد هو مكة يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما أمر بالهجرة إلى المدينة فهاجر إليها اشتاق إلى بلده ومولده ومولد ~~آبائه، فنزل جبريل عليه بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهرا عليهم، ~~قاهرا، فاتحا له مكة؛ هذا تأويل من يقول بأن المعاد هو مكة. # وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: كأنه حزن على الفراق منهم إشفاقا على هلاكهم لإخراجهم الرسول من ~~بين أظهرهم؛ لأن الأمم السالفة إذا خرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب؛ ~~فخاف أنهم لما أخرجوا من بين أظهرهم وأبوا إجابته أن يهلكوا أو يعذبوا؛ ~~كقوله: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)، فبشر بهذا أن ترد إليها وستعود إليهم، فيتبعونك ويؤمنون بك، وهم لا ~~يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم. # والثاني: يذكر على الامتنان عليه؛ يقول: إن الذي أنزل عليك القرآن وألقاه ~~عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وانزاله، ولكن برحمته ومنته ألقاه ~~إليك وأنزله عليك حيث قال: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ~~ربك)؛ فعلى ذلك يردك إلى مكة بعدما لم تكن ترجو ردك وعودك إليها. # وإن كان المعاد: هو البعث؛ فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: على البشارة؛ كأنه يقول: إن الذي فرض عليك القرآن يردك ويبعثك ~~بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء ~~التصديق. # والثاني: يذكره ويخاطبه، وانما يريد به قومه، ms3369 أي: سيبعثون وسيعودون ~~إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله والمراد بها: قومه؛ فهو يخرج ~~على الوعيد لهم، ألا ترى أنه قال: (ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال ~~مبين) أي: ربي أعلم بمن جاء بالهدى فيجزيه جزاء الهدى، ومن هو في ضلال مبين ~~فيجزيه جزاء ضلاله. # ويخرج ذكر هذا عند دعاء أولئك الكفرة: أنهم على الحق والهدى، وأن آباءهم ~~كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول: (ربي أعلم من جاء بالهدى ~~ومن هو في ضلال مبين) نحن أوأنتم؟! فهو على التحاكم إلى الله أن يحكم ~~بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، والله أعلم. # وقوله: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ~~ظهيرا للكافرين (86) فهو يخرج على # PageV08P205 # وجهين: أحدهما: وما كنت ترجو - وإن كنت مطيعا أي: خاضعا - أن يلقى إليك ~~الكتاب وينزل عليك وتصير رسولا، أي: لم تكن تطمع ذلك، ولكن الله بفضله ~~ورحمته جعلك رسولا نبيا. # والثاني: ما كنت ترجو أن تكون في قومك وقبيلتك رسالة فضلا أن ترجو وتطمع ~~في نفسك؛ لأنهم ليسوا من بني إسرائيل ولا من أهل الكتاب، والرسالة من قبل ~~كانت لا تكون إلا في بني إسرائيل، ولكن الله جعل الرسالة في العرب، وفي ~~نفسك برحمته وفضله، والله أعلم. # وقوله: (فلا تكونن ظهيرا للكافرين): هذا يخرج على وجوه: # أحدها: على النهي، أي: لا تكن ظهيرا وإن كان لا يكون للعصمة التي عصمه ~~الله؛ لأن العصمة لا تمنع النهي والأمر، بل منفعة العصمة إنما تكون عند ~~النهي والأمر. # والثاني: على الأمن له والإياس أن يكون ظهيرا لهم، كأنه يخاف لعله أن ~~يكون ظهيرا لهم في وقت من الأوقات، فأمنه الله عن ذلك فقال: لا تخف فإنك لا ~~تكون ظهيرا لهم، وهو ما ذكرنا في قوله: (ولا تحزن عليهم)، وقوله: (فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات)، على رفع الحزن والحسرة بتركهم الإيمان؛ فعلى ذلك الأول. # والثالث: أن الخطاب وإن كان له في الظاهر فالمراد منه غيره، على ما ذكرنا ms3370 ~~في غير آي من القرآن: أنه خاطب به رسوله والمراد به غيره؛ وكذلك بهذا. # وفي قوله: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا ~~تكونن من المشركين (87) في هذا ما في الأول من الوجوه التي ذكرنا؛ وكذلك: ~~هذا في قوله: (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو). # وقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه ... (88) قال بعضهم: قوله: (كل شيء) يرجى ~~منفعته وشفاعته من دون الله باطل، إلا ما ابتغي منه وعمل له. # وقال بعضهم: كل شيء هالك وزائل إلا هو؛ فإنه حي لا يموت دائم لا يزول. # وقال بعضهم: كل أمر وجهة يتوجه إليها ويعمل به هالك إلا الجهة والوجه ~~الذي أمر هو بالتوجيه إليه والعمل به، وهو قريب بالأول، والله أعلم. # * * * # PageV08P206 ### | سورة العنكبوت # كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ~~(2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ~~(3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجو ~~لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) # قوله - عز وجل -: (الم): قد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (أحسب الناس ... (2) # قوله: (أحسب): هو وإن كان في الظاهر استفهاما فهو على الإيجاب لا ~~الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور ~~فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فالله سبحانه يتعالى عن أن يخفى عليه شيء، فهو ~~على التقرير والإيجاب منه لذلك. # ثم يخرج قوله: (أحسب الناس) على أحد وجهين؛ أحدهما، أي: قد حسب الناس. # والثاني: أي: لا يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا. # وقوله: (أن يقولوا آمنا): ذكر الإيمان ولم يذكره بمن؟ بالله أو بغيره؟ ~~وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان ~~الإيمان به أو بمن؟ إلا أن الله تعالى سخر الخلق على الفهم من الإيمان ~~المطلق المرسل: ms3371 الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق: ~~كتاب الله، والدار الآخرة: الجنة، وأمثال ذلك ما فهموا من الكتاب المطلق: ~~كتاب الله، وفهموا ما ذكرنا من الإيمان المطلق: الإيمان بالله وبرسله، ~~وفهموا أيضا من الدين المطلق: دين الله؛ فيكون قوله: (أن يقولوا آمنا) ~~بالله أو برسله. # وقوله: (وهم لا يفتنون) أي: لا يبتلون، والفتنة: هي الابتلاء الذي فيه ~~الشدة، يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة ~~والرخاء وأنواع العبادات؛ ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب ~~به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله تعالى وكذبه؛ إذ ~~قد يجوز أن يكون فيما يخبر # PageV08P207 # ويقول: آمنت - كاذبا، فجعل الله تعالى للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر ~~بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك، وهو ~~ما أخبر عن المنافقين فقال: (ومن الناس من يعبد الله على حرف. . .) الآية، ~~هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، وهو ما قال: ~~(ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، فإنما يظهر صدق الرجل في ~~إيمانه بما يصيبه من الشدة، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى ~~نفسه، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل ~~عليه تحمل ذلك. # ثم قال بعضهم: نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف ~~والكذب. وقال بعضهم: نزلت في قوم آمنوا بالله وبرسوله حقيقة، ثم عذبوا ~~بأنواع العذاب؛ فتركوا الإيمان وكفروا به؛ وفيهم نزل: (فإذا أوذي في الله ~~جعل فتنة الناس كعذاب الله)، فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله، ~~يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته؛ ليظهر صدقه عند الناس ~~فيعاملونه على ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين (3) ذكرنا فيما تقدم أنه يعلم ظاهرا كائنا ما قد علمه غير كائن ~~أنه يكون، وليعلمه موجودا ما قد علمه غير موجود أنه يوجد، والله أعلم. # وقوله: (أم حسب الذين ms3372 يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) هذا ~~أيضا يخرج على وجهين: # أحدهما: قد حسب الذين. . . ما ذكر. والثاني: لا يحسب؛ على النهي. # وقوله: (أن يسبقونا): لا أحد يقدر أن يسبق الله في عذابه ونقمته، لكنهم ~~إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا ~~أيضا عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ~~ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث؛ كقوله: (وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا)، حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، ~~وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث ~~باطلا، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء، والله أعلم. # وقوله: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ~~أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله: (وإليه المصير)، ~~وقوله: (وإليه يرجع الأمر كله)، وقوله: (وبرزوا لله جميعا)، ونحوه، هذا كله ~~لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم ~~فيها الآخرة، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة؛ إذ لو لم يكن ~~آخرة، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعبا باطلا؛ كقوله: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) # PageV08P208 # صير خلقهم لا للرجوع إليه لعبا باطلا. # وقوله: (فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم): بما يقولون ويظهرون، ~~والعليم بما يضمرون ويسرون؛ لأن القصة قصة المنافقين. # أو السميع المجيب العليم بحوائجهم وأمورهم، والله أعلم. # وقوله: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ... (6) وكذلك قوله: (من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها)، وقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها) أي: فعليها. # ففي هذا: أن الله إنما امتحن الخلائق لا لحاجة له فيما امتحنهم من دفع ~~مضرة أو جر نفع، لكن إنما امتحنهم لحاجة أنفسهم في دفع المضار وجر المنافع؛ ~~وكذلك إنما أنشأ الدنيا وهذا العالم فيها لا لحاجة له في إنشاء ms3373 ذلك، ولكن ~~لحوائج أنفسهم، وكذلك ما أنشأ من الخلائق سوى البشر إنما أنشأ البشر وله ~~سخر جميع ذلك، وجعل البشر بحيث يقدر على استعمال جميع ذلك لمنافع أنفسهم ~~وحاجتهم، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن حيث قال: (وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه)، وقوله: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا)، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك امتحن هذا العالم لحاجة أنفسهم في دفع مضار وجر ~~نفع؛ لذلك قال: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) أي: لحاجة نفسه ومنفعة نفسه، ~~لا لمنفعة أو لحاجة لله تعالى. # (إن الله لغني عن العالمين): هذا تفسير ما ذكر. # ثم المجاهدة تكون مرة مع الشيطان والجن، ومرة مع أعدائه من الإنس، ومرة ~~مع هوى النفس، ومرة في أمر الدنيا، كل ذلك مجاهدة في الله؛ قال الله تعالى: ~~(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن ~~جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) # وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم): كأن ما ~~عملوا من الحسنات والصالحات يكفر بها سيئاتهم. # وقوله: (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) هذا يحتمل وجوها: # أحدها: أن جزاءهم الذي يجزون بتلك الأعمال أحسن من أعمالهم التي عملوا؛ ~~لأن قدر ذلك الجزاء عندهم أعظم وأحسن من قدر أما علموا، من أعمالهم؛ إذ ليس ~~لأعمالهم # PageV08P209 # عندهم كبير قيمة وقدر؛ إذ منهم من يحيي ليله بدرهم وبما يسد به حاجتهم في ~~يوم أو ليلة. # والثاني: أن الأعمال التي يعملها المرء تكون على وجوه سيئات تكفر بالتوبة ~~أو بما كان يعاقبون عليها، وحسنات يجزون بها الثواب الجزيل، وإباحات يعملون ~~لحوائج أنفسهم مما لا يعاقبون عليه ولا يثابون، فيقول - والله أعلم -: ~~لنجزينهم أحسن الذي عملوا وهو الحسنات والخيرات عملوها لله. # أو أن يكون قوله: (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا ms3374 يعملون) أن نكفر سيئاتهم ~~بنوع من الحسنات ولثابون على أحسنها، وهو ما قال: (لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون)، والله أعلم بذلك. # وقوله: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) # وقرئ أيضا: (إحسانا) قال الزجاج: قوله:، (حسنا) أجمع وأقرب؛ لأنه يرجع ~~إلى حسن الشيء في نفسه، وإلى حسنه عند ذلك الإنسان؛ يقال: حسن كذا إذا كاد ~~في نفسه حسنا، والإحسان: هو ما يحسن عند ذلك المعمول له، أو كلام نحو هذا. # قال الشيخ - رضي الله عنه -: لكن الإحسان هو اسم ما حسن أيضا في تفسه، ~~يقال: أحسن، فإذا أحسن، فقد حسن، والله أعلم. # وقوله: (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم): إن كان هذا الخطاب لأهل ~~الإيمان فيكون تأويل الآية: (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم) أي: ~~بأن له لئمريكا، أي: تعلم بأن ليس له شريك فلا تشرك به؛ وهو كقوله: (قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض)، أي: يعلم بخلاف ما ~~يقولون؛ فعلى ذلك قوله يحتمل (ما ليس لك به علم) بأن له شريكا، أي: لك ~~العلم بخلافه: بأن ليس له شريك. # وإن كان الخطاب لأهل الكفر يقولون على الله ما ليس لهم به علم. # وقوله: (فلا تطعهما): أمر بالبر للوالدين والإحسان إليهما والطاعة لهما ~~ما لم يكن في طاعتهما معصية الرب؛ ليعلم أن لشى يجب طاعتهما في كل شيء وفي ~~كل ما كان عندهما إحسانا، ولكن فيما كان في ذلك طاعة الخالق. # وقوله: (إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون): وعيد لتكونوا أبدا على حذر ~~في أعمالكم لا تعملون بما فيه معصية الرب. # وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) كأنه ~~قال: والذين آمنوا # PageV08P210 # وعملوا الصالحات ولهم سيئات، لنكفرن عنهم تلك السيئات بأعمالهم الصالحات، ~~ثم لندخلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم وهم الأنبياء، إذ أكثر ما ذكر ~~في الكتاب الصالحين إنما أريد ms3375 بهم الأنبياء - صلوات الله عليهم - وهو ما ~~ذكرنا - والله أعلم - على تكفير السيئات عنهم على ما ذكر فيما تقدم، وهو ما ~~قال: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن ~~الذي كانوا يعملون). # أو أن يكون قوله: (لندخلنهم في الصالحين) أي: لنجعلنهم من الصالحين. # فإن قيل: ما معنى قوله: (لندخلنهم في الصالحين) وهم قد عملوا الصالحات؟ ~~قيل: معناه ما ذكرنا بدءا: أنهم قد عملوا الصالحات إلا أن لهم سيئات يكفرها ~~بالصالحات، ثم ليجعلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله ~~بأعلم بما في صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) # وقوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله): قال بعض أهل التأويل: ناس مؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء ~~من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب ~~الله في الآخرة. # ثم قال: (ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم): وذلك علم المنافق. # ومنهم من يقول: نزلت الآية فيمن حقق الإيمان سرا وعلانية، إلا أنه عذب ~~لأجل إيمانه بالله وبرسوله؛ فترك الإيمان وكفر؛ فعلى تأويل هذا يحتمل قوله: ~~(ولئن جاء نصر من ربك. . .) إلى آخر ما ذكر على القطع من الأول والابتداء ~~منه من صنيع المنافقين وخبرهم، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (جعل فتنة الناس كعذاب الله) أي: جعل فتنة الناس وتعذيبهم ~~إياه في إعطاء ما سألوه - وهو الكفر - كعذاب الله في إعطاء ما سأل من أهل ~~الكفر وهو الإيمان؛ لأن أهل الكفر إذا نزل بهم عذاب الله أو اشتد بهم خوف ~~نزوله عليهم أعطوا الله ما سألهم ms3376 من الإيمان والتوحيد، وهو ما قال: (فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له # PageV08P211 # الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). # ويحتمل وجها آخر: وهو أن جعل فتنة الناس في ترك الإيمان كعذاب الله في ~~ذلك، أي: جعل العذاب الذي من الناس كأنه من الله جاء فترك الإيمان. # وقوله: (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين): فإن كانت الآية فيمن ~~حقق الإيمان بالله سرا وعلانية، فيخرج هذا على التعيير له في ترك الإيمان ~~بما عذب به؛ لأنه كان يقدر أن يظهر الكفر لهم باللسان؛ فيدفع العذاب عن ~~نفسه، ويكون في الحقيقة في السر مؤمنا على ما ذكر: (إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان). # وإن كانت الآية في المنافقين، فيقول: كيف أسررتم الكفر والخلاف له في ~~القلب، وأنتم تعلمون أن الله عالم بما في صدور العالمين؟! فيخبر رسوله بما ~~أضمروا وأسروا من الخلاف، والله أعلم. # وقوله: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) قد ذكرنا تأويل ~~هذا: أن يعلم كائنا ما قد علم أنه سيكون، ويعلم موجودا ظاهرا ما قد علم أنه ~~يوجد ويظهر. # وقوله: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما ~~هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) كأنهم قالوا ذلك لهم بعدما ~~عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة فيما عند الناس، وبعدما ~~انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها، فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك ~~اشتغلوا بما ذكر وقالوا للمؤمنين ما ذكر. # (اتبعوا سبيلنا) أي: ديننا، (ولنحمل خطاياكم) يقولون - والله أعلم -: ~~اتبعوا سبيلنا فإنه صواب، فإن أصابكم خطأ أو أخطاتم في الاتباع له فإنا ~~نحمل خطاياكم. # وقال بعضهم: قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، وإن كان ~~عليكم شيء فهو علينا؛ وهو قريب من الأول. # أو أن يقولوا لهم: اتبعوا سبيلنا؛ فإن الله أمرنا به، فإن أخطاتم في ذلك ~~فإنا نحمل خطاياكم أو نحوه، فهذا القول منهم متناقض؛ لأنهم ذكروا أنهم ~~كانوا يخطئون في الاتباع لهم دينهم، إلا أن ms3377 يريدوا بذلك ما ذكرنا. # والثاني: إنما كانوا يضمنون ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في ~~الخطايا، ولكن بإذن من عليه ذلك، وذلك لا يصلح الضمان بإذن من عليه. # ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حيث قال: (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء ~~إنهم لكاذبون). # يحتمل قوله: (إنهم لكاذبون) فيما يذكرون من حمل خطاياهم، أي: لا يقدرون ~~على # PageV08P212 # حملها. # أو كاذبون في الدعاء إلى اتباع سبيلهم. # أو كاذبون أن الله أمرهم بذلك، والله أعلم. # وقوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم (13) يحملون أوزارهم بضلال ~~أنفسهم، وأثقالا بإضلال غيرهم ودعائهم إليه، كقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة ~~يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم)، وذكر في خبر أن نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من داع دعا إلى هدى فاتبع عليه إلا كان له ~~مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيء ". # وقوله: (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون): قال بعضهم: افتراؤهم: ~~اتخاذهم الأصنام آلهة؛ إذ يكون الافتراء في الفعل والقول جميعا. # وجائز أن يكون افتراؤهم ما ذكروا من حمل خطئهم أو ما قالوا: إن الله ~~أمرهم بذلك، أو تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية ~~للعالمين (15) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين ~~تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين (18) # وقوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما): ~~يذكر هذا النبأ لوجهين: # أحدهما: يصبر رسوله على أذى قومه؛ لأنه ذكر أن نوحا لبث في قومه ألف عام ~~غير خمسين عاما، كان يدعوهم إلى توحيد الله، فلم يجبه إلا نفر من أهله؛ ms3378 فلم ~~يمنعه من الدعاء إلى دين الله ما أوعدوه من المواعيد حيث قالوا: (لئن لم ~~تنته يا نوح لتكونن من المرجومين)، ونحو ذلك من المواعيد، فذلك لم يمنعه عن ~~الدعاء؛ ولذلك قال: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). # PageV08P213 # والثاني: ينقض على المتقشفة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الموعظة إنما لا ~~تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه ذلك، فيقال: إن نوحا قد ~~دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يجبه إلا نفر؛ فلا يحتمل أن يكون منه ~~تقصير أو تفريط؛ فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ. # وقوله: (فأخذهم الطوفان): قال بعضهم: هو المطر الشديد. # وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء فيه الهلاك. # والطوفان هو ما أرسل عليهم من الماء فأغرقهم، والله أعلم. # وقوله: (فأنجيناه ... (15) أي: نوحا، (وأصحاب السفينة) أي: من دخل ~~السفينة، (وجعلناها آية للعالمين) وقال بعضهم: جعلها آية: هو أن هلكت كل ~~سفينة كانت، وهي ياقية اليوم على ما هي عليه. # وقال بعضهم: (وجعلناها آية) لمن بعدهم، فتمنعهم عن تكذيب الرسل والعناد ~~معهم. # قال الزجاج: الاستثناء يخرج على تأكيد ما تقدم من الكلام؛ كذكر الكل على ~~أثر ما تقدم من الكلام، أو كلام نحوه. # وقلنا نحن. إن كان ما تقدم من الذكر كافيا تاما، فيخرج الثنيا على أثره ~~مخرج التأكيد لما تقدم؛ نحو قوله: (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل ~~لوط)، قوله: (إلى قوم مجرمين) كاف تام مفهوم ألا يدخل فيه آل لوط حيث ذكر ~~المجرم؛ إذ آله غير مجرمين، فهو كاف مفهوم لا يحتاج إلى ذكر آل لوط، لكنه ~~ذكر على التأكيد له. # وكذلك قوله: (محصنين غير مسافحين) و (محصنات غير مسافحات)؛ إذا قال: ~~محصنين: يفهم أنهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، لكنه ذكر على التأكيد. # وإذا كان ما تقدم من الكلام محتملا مرسلا، فيخرج ذكر الثنيا مخرج تحصيل ~~المراد منه على إضمار حرف " من " فيه؛ كقوله: (ألف سنة إلا خمسين عاما) ~~كأنه قال: فلبث فيهم من ألف سنة تسعمائة وخمسين؛ وكذلك قول الناس ms3379 لفلان: ~~علي عشرة دراهم إلا كذا، كأنه قال: لفلان علي من عشرة دراهم كذا، فهو على ~~التحصيل يخرج ذكره. # وقال بعضهم: الطوفان كل ماء طاف فاش من سبيل أو غيره؛ وكذلك أن موت ~~الجارف يسمى الطوفان وماء الطوفان، وهو ما ذكر في سورة الأعراف. # PageV08P214 # وقال بعضهم: هو الغرق، والله أعلم. # وقوله: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (16) هو نسق على قوله: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)، وأرسلنا ~~إبراهيم أيضا إلى قومه. # أو أن يكون نسقا على قوله: (فأنجيناه وأصحاب السفينة)، وأنجينا إبراهيم ~~أيضا حين ألقي في النار. # أو يقال: اذكر إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله. # وقوله: (إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه): يحتمل في حق الاعتقاد، أي: ~~وحدوا الله. # وقوله: (واتقوه): الشرك. # ويحتمل قوله: (اعبدوا الله) في حق المعاملة، أي: إليه اصرفوا العبادة، ~~(واتقوه) أي: اتقوا عبادة من تعبدون من الأوثان؛ يكون قوله: اتقوا في موضع ~~النهي، أي: اعبدوا الله ووحدوه ولا تعبدوا غيره؛ يكون فيه نهي عن مخالفة ما ~~تقدم من الأمر: افعلوا كذا، واتقوا ما يضاده ويخالفه، والله أعلم. # وقوله: (ذلكم خير لكم) أي: عبادة الله خير لكم. # وقوله: (إن كنتم تعلمون) يحتمل قوله: (إن) إذا كنتم تعلمون: أن ذلك خير ~~لكم، وجائز ذكر (إن) مكان (إذ) في اللغة. # أو يكون صلة قوله: (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). # وقوله: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون (17) أي: تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي: ~~ليسوا بآلهة ولا معبودين. # أو يقال: (وتخلقون إفكا)، أي: كذبا في صرف عبادتكم إليها واستحقاق ~~العبادة، أي: لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة دون من تعبدون. # وقال بعضهم: أي: جعلتم كذبا من الآلهة لا حقا؛ وهو قريب مما ذكرنا. # ثم بئيئ سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام وعجزها عمن يعبدها حيث قال: ~~(إن الذين ms3380 تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا): يقول - والله أعلم -: ~~إن في الشاهد لا يخدم أحد أحدا إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة، أو ~~لسابقة إحسان كان منه إليه، فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم ~~ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها؟! # PageV08P215 # وقوله: (فابتغوا عند الله الرزق) أي: اعبدوا الله الذي يرزقكم وينفعكم ~~ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك. # (واعبدوه): يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما تقدم: التوحيد، والعبادة. # وقوله: (واشكروا له) أي: اشكروا له فيما أنعم عليكم. # (إليه ترجعون). # وقوله: (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين (18) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: وإن يكذبوك فيما تخبر من نبأ إبراهيم، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم ~~فيما أخبروا عن إبراهيم بعد انتساب كل فريق منهم إليه، وادعائه نحلته ~~ومذهبه. # والثاني: وإن يكذبوك فيما تبلغ إليهم من الرسالة، فقد كذب أمم من قبلك ~~رسلهم في تبليغ الرسالة، وما على الرسول إلا البلاع المبين، يبين لهم أنها ~~رسالة ربهم بالحجج والبراهين والآيات، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله ~~يسير (19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه ~~تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي ~~وأولئك لهم عذاب أليم (23) # وقوله: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده): إنهم قد رأوا أن كيف ~~أنشأ الله الخلق في الابتداء، وإن عجزوا عن الأسباب التي خلقهم، ولا احتمل ~~وسعهم ذلك، فعلى ذلك يعيدهم على ما أبدأهم، وإن عجز وسعهم عن احتمال ذلك ~~وإدراكه؛ إذ الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في البداية، بل ~~الأعجوبة في ابتداء الإنشاء أكثر من الإعادة؛ لما الإعادة عندكم ms3381 أيسر وأهون ~~من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. # (إن ذلك على الله يسير): الابتداء والإعادة جميعا لا يعجزه شيء؛ إذ هو ~~قادر بذاته. # وقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20) كان الأمر بالسير في الأرض والنظر ليس ~~هو سيرا بالأقدام فيها، ولكن أمر بإرسال الفكر فيها من الخلائق، والنظر في ~~بدء ما فيها من الخلق متقنا محكما بالتدبير والعلم والحكمة بلا أسباب؛ ~~ليعلموا أن المدير في ابتداء الإنشاء والإعادة بالخارج عن احتمال وسعهم ~~وقوامهم - خطأ، وأنه الذي قدر على إنشاء الخلق وابتدائه بلا سبب ولا شيء، ~~وإن لم يحتمل وسعهم وبنيتهم وقواهم # PageV08P216 # ذلك؛ فعلى ذلك الإعادة والنشأة الأخرى، وإن كانت خارجة عن احتمال وسعهم ~~وقواهم - قادر عليها. # أو أن يقال: انظروا واعتبروا أن بدء الخلق والنشأة من الحكم العالم ~~الذاتي بلا إعادة ورجوع ليس بحكمة في العقل والحكمة جميعا؛ لأن في الحكمة ~~والعقل: التفريق بين الولي والعدو، وبين الشاكر والكافر، وبين المطيع ~~والعاصي؛ إذ قد سوى بينهم في الدنيا وأشركهم فيها، حتى جعل للكافر ما ~~للشاكر، وكذلك الولي والعدو والمطيع والعاصي؛ فلا بد من الإعادة في دار ~~يفرق بينهم ليخرج بدء إنشائهم وخلقه الخلق على الحكمة والتدبير والعلم لا ~~على السفه والعبث، والله أعلم. # وقوله: (إن الله على كل شيء قدير): في النشأة الأولى والآخرة جميعا لا ~~يعجزه شيء؛ إذ هو قادر بذاته. # وقوله: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) يحتمل هذا في ~~الدنيا: يعذب من يشاء في الدنيا، أي: يمتحنه ويبتليه بالشدة والضيق، ويرحم ~~من يشاء، أي: يمتحنه بالسعة والرخاء؛ فيكون التعذيب كناية عن الشدة والضيق، ~~والرحمة: كناية عن السعة والرخاء؛ وهو كقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة ~~وإلينا ترجعون)؛ فعلى ذلك قوله: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون) ~~أي: ترجعون. # ويحتمل التعذيب في الآخرة والرحمة فيها، أي: يعذب من يشاء في الآخرة من ~~كان في الدنيا أهلا له ms3382 مستوجبا، ويرحم من يشاء من كان في الدنيا أهلا لها ~~مطيعا لها. # وقوله: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير (22) أي: ما أنتم بمعجزين الله في السماء، وعلى قول المعتزلة: ~~يكونون معجزين الله في الأرض على ظاهر مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الله قد ~~أراد إبقاء الأخيار وأهل الصلاح، ثم يجيء كافر فيقتلهم قبل أجلهم الذي أراد ~~الله إبقاءهم إلى وقت. # وكذلك يقولون: أراد الله أن يرزفهم الحلال، وأراد أن يكون أولادهم من رشد ~~ونكاح، لكنهم يطلبون الرزق من حرام ويزنون، فيخلق أولادهم من زنى شاء أو ~~أبي، لا يقدر التخلص عما يريدون هم، فأي إعجاز يكون أشد من هذا، فنعوذ ~~بالله من السرف في القول. # وقوله: (وما أنتم بمعجزين في الأرض) هم يعلمون - أعني: الكفرة - أنهم لا ~~يعجزون الله ولا يقدرون على إعجازه، لكنه يذكر؛ لأنهم كانوا يعملون عمل من ~~هو معجز فائت عن عذاب الله ونقمته؛ وهو كقوله: (والذين يسعون في آياتنا ~~معاجزين) # PageV08P217 # هم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يسعوا في آياته معاجزين، لكنهم يسعون في دفع ~~آياته والإنكار لها سعي معاجز لها لا سعي خاضع قابل؛ فعلى ذلك الأول. # وقوله: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) أي: ما لكم من دون الله ~~مما طمعتم من النصر لكم والشفاعة وليس لكم ذلك؛ لأنهم عبدوا تلك الأصنام ~~لما طمعوا شفاعتها عند الله لهم والزلفى حيث قال: (واتخذوا من دون الله ~~آلهة ليكونوا لهم عزا). وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى)، ونحوه فيقول: ما لكم مما طمعتم بعبادتكم تلك ~~الأصنام من ولي ولا نصير. # وقوله: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم ~~عذاب أليم (23) # وقوله: (كفروا بآيات الله ولقائه): يحتمل آيات الله: الآيات التي جاءت ~~بها الرسل في إثبات الرسالة لهم، ويحتمل آياته: الآيات التي جعلها ~~لوحدانيته وألوهيته ولقائه، أي: كفروا بالبعث، وقد ذكرنا فيما سقدم وجه ~~تسمية ms3383 البعث: لقاءه. # وقال الحسن: آيات الله: دين الله، وكذلك يقول: كل آية في القرآن: الدين. # وقوله: (أولئك يئسوا من رحمتي): قال بعض أهل التأويل: (من رحمتي) أي: من ~~جنتي وتأويل هذا؛ لأنهم قد كفروا بالبعث، فإذا كفروا به زعموا أن لا ثواب ~~ولا جزاء. # وجائز أن يكون قوله: (من رحمتي) أي: من رسلي وكتبي؛ لأن الله سمى رسله ~~وكتبه: رحمة في غير آي من القرآن، أيسوا منهم، حيث كذبوهم وكفروا بهم، ~~أيسوا أن يرسل الرسل أو ينزل الكتب. # ويحتمل قوله: (أولئك يئسوا من رحمتي) أولئك عليهم الإياس من رحمتي لما ~~كفروا بآياته ورسله، (وأولئك لهم عذاب أليم). # * * * # قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه ~~الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) فآمن له لوط وقال ~~إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين (27) # وقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه). # قوله: (فما كان جواب قومه) إلا كذا: ليس في جميع الأوقات وجميع المشاهد، ~~ولكن جائز أن يكون هذا: ما كان جواب قومه في مشهد إلا كذا. # PageV08P218 # أو أن يكون: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه. # وإلا لم يحتمل ألا يكون منهم إلا ما ذكر من الجواب قد كان جوابات وأجوبة ~~سواء. # لكن يحتمل ما ذكرنا: أن ما كان جواب قومه في مشهد إلا أن قالوا: اقتلوه ~~أو حرقوه. # أو ما كان آخر جواب قومه إلا قالوا: اقتلوه أو حرقوه، وهو ما ذكرنا في ~~قوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)، لا يحتمل أنه لم ~~يكن منهم إلا هذا ولكن ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (فأنجاه ms3384 الله من النار): حين ألقوه فيها، (إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون): ذكر الآيات في ذلك، فجائز أن يكون ما ذكر في هذه السورة من أولها ~~إلى آخرها - لآيات لمن ذكر. # وجائز أن يكون فيما ذكر هنا خاصة، لكن ليس من شيء إلا وفيه آيات من وجوه: ~~آية الوحدانية، وآية الألوهية، وآية علمه وحكمته وتدبيره وبعثه؛ فهو آيات. # وقوله: (لقوم يؤمنون) ذكر الآيات للمؤمنين يحتمل وجهين: # أحدهما: ذكر الآيات لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها دون من كفر. # والثاني: الآيات لهم على المكذبين بها والكافرين، أي: حجة لهم عليهم؛ ~~كقوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)، والله أعلم. # وقوله: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا) كذا هو صلة قصة إبراهيم وإليه ~~يرجع، وهو ما تقدم من دعائه إياهم حيث قال: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله. . .) الآية. # وقوله: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين (25) يقول - والله أعلم -: ما اتخذتم من دون الله معبودات ~~سميتموها: آلهة، فهي ليست بآلهة ولا معبود، إنما هي أوثان (مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا)، يقول - والله أعلم: هذه الأصنام معبودات واجتماعكم عليها ~~إنما هي مودة حياة الدنيا، لا مودة لها عاقبة أو تدوم، بل تصير في العاقبة ~~عداوة وبغضا، وهو ما ذكر. (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا)، قال بعضهم: يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم ~~بعضا؛ كقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). # وقال بعضهم: يتبرأ المتبوع من الأتباع؛ كقوله: (ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار)، وقوله: (سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)، ~~ونحوه. # ثم أخبر: أن مأوى الكل النار، وما لهم من ناصر ينصرهم من عذاب الله، أو ~~يدفع # PageV08P219 # عنهم العذاب. # ثم اختلف في قوله: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم). # قال بعضهم: هذا قول إبراهيم لقومه؛ كقوله: (أتعبدون ما تنحتون)؛ وكقوله: ms3385 ~~(هل ينصرونكم أو ينتصرون). وقال بعضهم: هذا قول الرسول لقومه الذين عبدوا ~~الأصنام، والله أعلم. # وقوله: (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) # قوله: (فآمن له لوط) يحتمل وجهين: # أحدهما: قوله: (فآمن له لوط) أي: أظهر له لوط الإيمان من بين غيرهم، وقد ~~كان لوط مؤمنا من قبل ليس أنه أحدث له الإيمان في ذلك الوقت، ولم يكن مؤمنا ~~قبل ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه أظهر له الإيمان من بين غيرهم. # والثاني: (فآمن له لوط) فيما دعاه إليه وهو الهجرة، أي: فيما أخبر أنه ~~أمر بالهجرة فاستصحبه فيها. # وقوله: (مهاجر إلى ربي): قال أهل التأويل: هذا قول إبراهيم كقوله: (إني ~~ذاهب إلى ربي). # وجائز أن يكون قوله: (إني مهاجر إلى ربي) قول لوط. # ثم لم يفهم من قوله: (إني مهاجر إلى ربي)، وقوله: (إني ذاهب إلى ربي)، ~~انتقاله أو المكان أو شيء مما يوجب التشبيه مما يفهم من الخلق، فكيف يفهم ~~من قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل)، وقوله: (وجاء ربك)، و ~~(استوى)، وأمثاله - ما يفهم من مجيء الخلق وإتيانهم واستوائهم؛ إذ لا فرق ~~بين مجيء آخر إليه وبين مجيئه إلى آخر؛ هذا في الشاهد سواء، فكيف فهم في ~~الغائب في أحدهما ما لم يفهم من الآخر، وهما سيان في الشاهد؟! فدل أنه لا ~~يجوز أن يفهم منه شيء من ذلك ما يفهم من الخلق؛ إذ أخبر أنه (ليس كمثله ~~شيء). # وقوله: (ووهبنا له ... (27) يعني: لإبراهيم، (إسحاق ويعقوب): ذكر أنه وهب ~~له إسحاق ويعقوب؛ ليعلم أن الولد هبة الله، وكذلك ولد الولد؛ لأن يعقوب كان ~~ولد ولده، حيث قال: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب)، فكلهم هبة ~~الله إياه، قال: # PageV08P220 # (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور). # وقوله: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب): لم تزل النبوة في ذرية إبراهيم ~~من لدنه إلى هذا الوقت، كان جميع أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق، ونبينا ~~محمد - صلوات الله عليه - كان من ولد إسماعيل، ms3386 عليه السلام. # وقوله: (وآتيناه أجره في الدنيا): اختلف في الأجر الذي أخبر أنه آتاه ~~إبراهيم في الدنيا: قال بعضهم: هو ما وهب له من الولد في الكبر. # وقال بعضهم: هو ما سخر له الألسن بأجمعها على الثناء الحسن عليه؛ حيث نسب ~~جميع أهل الأديان على اختلاف أديانهم ومذاهبهم أنهم على دينه وسنته وسيرته ~~وتولى كل به. # وجائز أن يكون قوله: (وآتيناه أجره في الدنيا): ما أخبر أنه آتى جميع ~~المؤمنين وأعطاهم، وهو ما قال: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة)، وما ذكر ~~من ثواب الدنيا، فما من مؤمن إلا وقد آتاه الله في الدنيا أجرا وثوابا، ~~فذلك الذي أتى إبراهيم. # أو لا نفسر ما ذلك الأجر الذي ذكر أنه آتاه الله؟ والله أعلم. # وقوله: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين): هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه ~~لو لم يكرمه الله بالنبوة والرسالة لكان هو أيضا في الآخرة من الصالحين. # والثاني: ذكر الصلاح له لحقيقة صلاحه، أي: يكون هو ممن حقق الصلاح؛ وكذلك ~~ما ذكر في موسى وهارون حيث قال: (إنهما من عبادنا المؤمنين)، أي: من عبادنا ~~الذين حققوا الإيمان، وغيرهم من المؤمنين لم يحققوا. # أو أن يكون ما ذكرنا، أي: لو لم يكن الإكرام الذي أكرمه الله - وهو ~~النبوة - لكان من المؤمنين أيضا، وإلا ليس في ذكر الإيمان والصلاح لهم كبير ~~منقبة وفضيلة عند الناس؛ إذ يسمى بهذين كل مؤمن ومصلح، والله أعلم. # وعن ابن عياس في قوله: (وآتيناه أجره في الدنيا) قال: عمله ما جزي في ~~الآخرة. # وقتادة يقول: آتاه الله عاقبة وعملا صالحا وثناء حسنا، وقال: فلست تلقى ~~أحدا # PageV08P221 # من أهل الملل إلا يرضى بإبراهيم، والله أعلم بذلك. # وقال بعضهم: ما ذكرنا: أنه أعطى الولد الطيب في كبر سنه. # * * * # قوله تعالى: (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم ~~المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين (29) قال ms3387 رب انصرني على القوم المفسدين (30) ولما جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين ~~(31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ~~كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ~~وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) ~~إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد ~~تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) # وقوله: (ولوطا إذ قال لقومه): كأنه يقول - والله أعلم -: اذكر لوطا إذ ~~قال لقومه. # ثم ذكره إياه يخرج على وجهين: # أحدهما: أن اذكر نبأ لوط وخبره؛ ليكون لك آية على رسالتك ونبوتك؛ إذ ~~يعلمون أنك لم تشاهده ولا شهدت زمنه، فأخبرت على ما في كتبهم ليعرفوا أنك ~~إنما عرفت ذلك بالله. # والثاني: اذكره: أن كيف صبر على أذى قومه، وكيف عامل قومه مع سوء صنيعهم ~~من ارتكاب الفواحش والمناكير وسوء معاملتهم إياه، فاصبر أنت على أذى قومك ~~وسوء معاملتهم إياك. # هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون معنى ذكر لوط إياه، وعلى هذا يخرج قوله: ~~(وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه)، أي: أذكر إبراهيم ونبأه: أن ~~كيف عامل قومه؛ وماذا قال لهم؛ وكيف صبر على أذاهم؛ فتعامل أنت قومك مثله، ~~واصبر على أذاهم كما صبر أولئك، والله أعلم. # وقوله: (إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين): قال لهم: ~~(ما سبقكم بها من أحد من العالمين)، ثم لم يتهيأ لهم أن يعارضوا لقوله: (ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين)، بل قد كان سبقنا بذلك أحد، فكان في ذلك ~~وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك آية لرسالته، وأنه إنما علم بالله: أنه لم ~~يسبقهم بها أحد كما # PageV08P222 # ذكر. # والثاني: أنهم يعبدون الأصنام ويرتكبون فواحش، ويقولونا (بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون)، وإن الله أمرهم بذلك، ليعلم أنهم كذبة في قولهم: إن آباءهم ~~على ذلك، حيث أخبر أنهم لم يسبقهم بها من أحد، ms3388 ولو كان آباؤهم على ذلك ~~لذكروه وعارضوه، فإذا لم يفعلوا ولم يشتغلوا بشيء من ذلك، علم أنهم كذبة ~~فيما يقولون، والله أعلم. # وقوله: (أئنكم لتأتون الرجال ... (29) هو ما ذكرنا: (أتأتون الذكران من ~~العالمين). # وقوله: (وتقطعون السبيل): قال بعضهم: أي: تعترضون الطريق لمن مر بكم ~~لعملكم الخبيث؛ لأنه ذكر أنهم إنما كانوا يعملون ذلك بالغرباء. # وقال بعضهم: (وتقطعون السبيل) أي: تقطعون السبيل على الناس؛ من قطع ~~الطريق. # (وتأتون في ناديكم المنكر) أي: وثعملون في مجلسكم المنكر. # اختلف في هذا: # قال بعضهم: أي: تعملون في مجلسكم اللواطة أيضا. # وقال بعضهم: حذف بالحصى ورمي بالبندق وأمثاله. # لكنه يخبر عن سوء صنيعهم في كل حال وكل وقت، يقول: إنكم تعملون بالفواحش ~~والمناكير في كل حال: في الطريق، وفي المجلس، وفي المنزل، ما سبقكم بذلك ~~كله من أحد من العالمين، والله أعلم. # ثم قال: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)، وقال في ~~موضع آخر: (إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم)، وقال في موضع آخر: # PageV08P223 # (لتكونن من المخرجين)، هذه الآيات في الظاهر بعضها مخالف لبعض؛ لأنه يقول ~~في بعضها: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)، وفي بعضها: ~~(وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم)، وفي بعضها: (فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم) - فهو يخرج على وجوه: # أحدها: أن يكون قوله: (إلا أن قالوا أخرجوهم)، و (أخرجوا آل لوط)، إنما ~~ذلك فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: أخرجوهم، وقوله: (ائتنا بعذاب الله) إنما ~~قالوا ذلك للوط، فإذا كان كذلك فليس في الظاهر فيه خلاف. # والثاني: فما كان جواب قومه في مشهد وفي وقت إلا كذا، وقد كان منهم له ~~أجوبة أخر سواها في غير ذلك المشهد وفي غير ذلك الوقت. # أو أن يكون قوله: فما كان آخر جواب قومه إلا أن قالوا: (ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين) بنزول العذاب علينا، إنما قالوا ذلك له استهزاء ~~وتكذيبا. # ثم دعا لوط ms3389 ربه فقال: (رب انصرني على القوم المفسدين (30) فأجيب. # وقوله: (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ~~إن أهلها كانوا ظالمين (31) يحتمل البشرى: بشارة بالولد في كبر سنه وسن ~~زوجته ما لم يطمع من أمثالهما الولد إذا بلغوا ذلك الوقت، وهو ما ذكر: ~~(فبشرناها بإسحاق). ويحتمل غيره. # (قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين). # وقال في آية أخرى: (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين)، ولم يذكروا فيه بم ~~أرسلوا؟ وبين في هذا، ثم قال إبراهيم: (إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن ~~فيها لننجينه وأهله إلا امرأته ... (32) ففي الآية الدليل من وجهين: # أحدهما: يخرج الخطاب على العموم والمراد منه الخصوص؛ لأن الملائكة قالوا ~~عاما: (إنا مهلكو أهل هذه القرية)، ولم يكن الأمر بإهلاك كل أهل القرية، ثم ~~استثنوا لوطا وأهله بعدما قال إبراهيم: (إن فيها لوطا) حيث قالوا: (نحن ~~أعلم بمن فيها لننجينه وأهله). # والثاني: فيه جواز تأخير البيان حيث لم يبينوا إلا بعد سؤال إبراهيم ~~إياهم. # وفيه وجه آخر في امتحان الملائكة بمختلف الأشياء؛ لأن هؤلاء أمروا ~~بالبشارة، وأمروا بإهلاك قوم لوط؛ ليعلم أنهم يمتحنون بمختلف الأشياء، ~~والله أعلم. # وقوله: (وتأتون في ناديكم المنكر): روي عن أم هانئ عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال في قوله: (وتأتون في ناديكم المنكر) قال: " كانوا ~~يحذفون أهل الأرض ويسخرون # PageV08P224 # منهم "، فإن ثبت هذا كان تفسيرا له لا يحتاج إلى غيره. # والنادي: قال أبو عوسجة: المجلس، وأندية جماعة؛ وكذلك قال القتبي. # قال أبو معاذ: الندي والنادي لغتان، فجمع النادي: أندية، وجمع الندي: ندى ~~وندي؛ كقراءة بعض الناس في سورة مريم: (وأحسن نديا)، أي: مجالس، وقراءة ~~العامة: (نديا) مجلسا، والله أعلم. # وقوله: (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ... (33) ظاهر هذا أنه سيء ~~بالواقع من الفعل بهم، لكن ساء ظنه أنهم يفعلون بهم لما يعلم من قومه ~~الخبيث من العمل. # (وضاق بهم ذرعا) هذه كلمة تتكلم بها العرب عند انقطاع جميع الحيل، فلوط ~~إنما قال ذلك لما ms3390 لم ير لنفسه حيلة يدفع بها شرهم، وما قصدوا بهم؛ ألا ترى ~~أنه قال في آية أخرى: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد). # (وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك) هذا يدل على أنهم قد قصدوا هم ~~لوطا بالهلاك؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى (لن يصلوا إليك)، دل هذا أنهم ~~قد قصدوه بالهلاك حتى قالوا: (إنا منجوك وأهلك) أنهم إنما أرادوا بالإخراج ~~بقولهم؛ (لتكونن من المخرجين)، إخراج قتل؛ إذ لو كان إخراجا من القرية لا ~~بقتل، لكان لا يكون له النجاة منهم والأمن، والله أعلم. # وقوله: (إلا امرأتك كانت من الغابرين) وفي بعض الآيات: (إلا امرأته قدرنا ~~إنها لمن الغابرين)، والغبور فعلها، ثم أخبر أنه فدر ذلك؛ دل أن أفعال ~~العباد مخلوقة لله مقدرة له، والله أعلم. # وقوله: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ~~(34) أي: عذابا، والرجز: # اسم كل عذاب فيه شدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (هذا يوم عصيب)، أي: ~~شديد. # ثم ذكر أنه ينزل من السماء، فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل إحدى جناحيه ~~تحت الأرض فرفع بها قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم ~~وضجتهم، ثم أرسلها - فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله: (حجارة من ~~سجيل)، أن السجيل لو كان مكانا منه ينزل فهو في السماء؛ على ما يقول بعض ~~الناس إنه مكان. # PageV08P225 # وقال بعضهم: هو اسم ذلك الحجر، والله أعلم. # وقوله: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) آية بينة لمن عقل ~~وعرف السبب الذي أهلك قريات لوط؛ كقوله: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) ~~وبالليل أفلا تعقلون (138). لماذا أهلكوا؟ أي: تعقلون هذه الأنباء والقصص ~~التي ذكرها الله - تعالى - في القرآن الكريم، وكررها، وأعادها مرة بعد مرة؛ ~~لأن الأنباء والقصص إنما تذكر للحجاج على الكفرة، فتكرر وتعاد؛ ليحتج بها ~~عليهم، وأما الأحكام فإنما هي لأهل الإسلام خاصة، فهم يطلبون ما عليهم من ~~الأحكام؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة. ms3391 # ثم الكفرة كانوا على أصناف ثلاثة، منها: أهل العناد والمكابرة، وأهل شك ~~وحيرة، وأهل استرشاد. # ومن كان همته الاسترشاد يؤمن بها بالبداهة، وفي أول ما وقع في مسامعهم؛ ~~فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة. # وأما أهل العناد والمكابرة فإنها تكرر عليهم لعلها تنجع فيهم فيؤمنوا ~~بها، وهذه الآيات كانت آيات وحججا للتوحيد، والبعث، والرسالة، وعلى ذلك ~~جاءت الرسل بالدعاء إلى التوحيد، وإلى الإقرار بالبعث والإيمان به، وإلى ~~الإيمان بالرسل؛ فشعيب - عليه السلام - جمع هذه الخصال الثلاث في قوله: (يا ~~قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، دعاهم إلى ~~التوحيد بقوله: (اعبدوا الله) وفيه نهي عن عبادة من دونه، ودعاهم إلى ~~الإيمان بالبعث بقوله: (وارجوا اليوم الآخر) أي: خافوا عذاب ذلك اليوم، ~~ونهى عن جميع المعاصي بقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). # (فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) قد ذكرنا هذا. # * * * # قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) ~~فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا # PageV08P226 # ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) # وقوله: (وإلى مدين أخاهم شعيبا (36) أي: أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا، ~~ومدين: قال بعضهم: اسم رجل نسبوا إليه. # وقال بعضهم: اسم موضع، وقد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ... (38) أن الرسل - صلوات ~~الله عليهم - قد خوفوا الكفرة بعذاب ينزل بهم في الآخرة بتكذيبهم إياهم ~~وعنادهم، فلم يمجع ذلك فيهم، ولم يرتدعوا عما هم فيه، حتى أوعدوهم بعذاب ~~ينزل بهم في الدنيا، فلم ينجع ذلك ولم يمتنعوا عن ذلك، حتى أوعدوهم بنزول ~~ما قد شاهدوا وعاينوا من آثار ms3392 من قد أهلكهم بتكذيبهم الرسل وردهم إجابتهم، ~~وهو ما قال: (وعادا وثمود) أي: أهلكنا عاذا وثمود (وقد تبين لكم من ~~مساكنهم) أي: قد تبين لكم من مساكنهم ما تعرفون أنهم إنما أهلكوا بالذي ~~أنتم عليه، وهو التكذيب، والرد بأخبار تصدقونها، وبآثار تشاهدونها، وهو كما ~~قال: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون). والله أعلم. # وقوله: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) أي: زين لهم الشيطان ~~أعمالهم كما زين لكم، وصدهم عن السبيل كما صدكم. # (وكانوا مستبصرين) اختلف فيه: # قال بعضهم: أي: وكانوا يحسبون أنهم على هدى وحق. # وقال بعضهم: (وكانوا مستبصرين) أي: كانوا عالمين بأن العذاب ينزل بهم بما ~~شاهدوا وعاينوا من آثار من تقدمهم، وعلمهم بأنهم إنما أهلكوا بالذي هم ~~عليه، لكنهم عاندوا. # وقال بعضهم: (وكانوا مستبصرين) أي: هالكين في الضلالة. # وقال بعضهم: (وكانوا مستبصرين) أي: كانوا بصراء علماء في أنفسهم، يعرفون ~~الحق من الباطل، ليس كغيرهم من الأمم؛ ألا ترى أنهم قد طلبوا من رسلهم ~~الحجة، والآية على ما يدعون إليه حيث قالوا: (يا هود ما جئتنا ببينة) وقال ~~قوم صالح: (فأت بآية إن كنت من الصادقين) ونحوه. # وقال قتادة: (مستبصرين) أي: معجبين بضلالتهم. # وقوله: (وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في ~~الأرض وما كانوا سابقين (39) أي: أهلكنا قارون وفرعون وهامان بتكذيبهم # PageV08P227 # موسى، فتهلكون أنتم يا أهل مكة بتكذيبكم محمدا. # وقوله: (ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي: كذبوا بعدما جاءهم موسى بالبينات ~~على نبوته ورسالته كما جاءكم محمد. # وقوله: (فاستكبروا في الأرض) جائز أن يكونوا استكبروا، وأبوا أن يخضعوا ~~لموسى. # أو (فاستكبروا في الأرض) أي: سعوا في الأرض بالفساد تكبرا واستكبارا (وما ~~كانوا سابقين) أي: فائتين من عذاب الله. # وقوله: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته ~~الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (40) أي: الحجارة، وهم قوم لوط، وقوم هود أهلكوا ~~بالريح العاصف؛ حيث قال: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح ms3393 العقيم. ما تذر من ~~شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم). # قال أبو معاذ: الحاصب عند العرب: الريح التي فيها الزنانير، وهي صغار من ~~الحصى (ومنهم من أخذته الصيحة) وهم قوم صالح وقوم شعيب وهؤلاء (ومنهم من ~~خسفنا به الأرض) قارون وأصحابه (ومنهم من أغرقنا) قوم نوح وفرعون. # يذكر إهلاك هذه الأمم والجبابرة لأهل مكة ولغيرهم من الكفرة، وقد تواترت ~~عليهم بذلك الأخبار، وظهرت الأعلام والآثار ليرتدعوا عما هم عليه، ولئلا ~~يعاملوا رسولهم كما عامل أولئك رسلهم فيعذبون كما عذب أولئك. # وقوله: (وما كان الله ليظلمهم) في تعذيبه إياهم (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) حيث كذبوا الرسل، وكابروا آيات الله وحججه وبراهينه وعاندوها، ~~والله أعلم. # قال أبو عوسجة: قوله: (سيء) أي: اغتم من ذلك؛ يقال: سئت بفلان أساء سوءا؛ ~~فأنا مسوء. # وقوله: (جاثمين) أي: لزقوا بالأرض. # (وكانوا مستبصرين) أي: قد علموا، والمستبصر: العالم. # وقوله: (أخذته الصيحة) أي: صيح بهم فماتوا. # * * * # قوله تعالى (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس ~~وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك ~~لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من # PageV08P228 # الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ~~والله يعلم ما تصنعون (45) # والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع. # وقوله: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) ~~يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت هم ~~الرؤساء منهم والمتبوعون. يقول - والله أعلم -: مثل اتخاذكم أولئك أولياء ~~من دون الله وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل ~~من البيت من دفع الحر والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هؤلاء ~~أولياء من دون الله مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل ~~بكم، ms3394 وهو ما قال: (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض. .) الآية. # ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون منهم. # وجائز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة، ضرب مثل عبادتهم الأصنام ~~واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت، وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن ~~تنتفع به كما ينتفع بالبيوت في دفع الحر والبرد، والستر والحجاب، فلما أن ~~وقعت الحاجة إليه لم تنتفع ما كان تأمل منه في شيء مما كانت تأمل، فعلى ذلك ~~هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبودا؛ رجاء أن ينفعهم ذلك يوما، فلما ~~أن وقعت لهم الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم إياها واتخاذهم ~~آلهة؛ بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولياء العبدة ~~لتلك الأصنام شيء مما كانوا يأملون، فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة، لكنه ~~- والله أعلم - ضرب مثلها ببيت العنكبوت؛ لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق ~~من بيتها، وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد اشتدت به الريح، وبسراب بقيعة؛ ~~لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر؛ فيشبه ~~أعمالهم به، فعلى ذلك تشبيه اتخاذ أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ~~ببيت العنكبوت، والله أعلم. # وقوله: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) أي: أضعف وأبعد من المنفعة بيت ~~العنكبوت، فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبودا أوهن وأبعد مما ~~يأملون (لو كانوا يعلمون) أي: إن كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، والله أعلم. # وقوله: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) هو ~~- والله أعلم -: أن الله لم يزل عالما بما يكون منهم من اتخاذهم الأصنام ~~معبودا، وأنه عن علم أنشأ لهم ذلك لا عن # PageV08P229 # غفلة وسهو، لكن أنشأهم لمنافع أنفسهم ولحاجة لهم لا لحاجة ومنفعة له في ~~إنشائه إياها، وهو ما قال: (إن الله لغني عن العالمين)، وقال هاهنا: (وهو ~~العزيز الحكيم) العزيز: قيل: إنه المنيع. # وقيل: إنه الذي يذل كل شيء دونه. ms3395 # لكن العزيز عندنا: هو الذي لا يعلو سلطانه شيء، ولا يقهر ملكه شيء، ويعلو ~~سلطانه وإرادته على جميع الأشياء ويقهرها. # والحكيم: قيل: الذي له الحكم. # وقيل: هو المصيب. # وقيل: هو الذي يضع كل شيء موضعه. # والحكيم عندنا: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، والله أعلم. # وقوله: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) فإن ~~قيل: ذكر أنه لا يعقلها إلا العالمون، والعقل يسبق العلم بالشيء؛ إذ بالعقل ~~يعلم ما يعلم، فكيف ذكر أنه لا يعقل إلا العالمون، ولم يقل: وما يعلمها إلا ~~العاقلون؛ فهو - والله أعلم - لوجوه: # أحدها: أن الأمثال إنما تضرب لتقريب ما يبعد عن الأوهام، ولكشف ما استتر ~~من الأشياء على الأفهام وتجليها عما خفيت فلا يعقل الأمثال أنها لماذا ~~ضربت؟ - إلا العالم. # والثاني: أن العقول تعرف أسباب الأشياء ودلائلها، فإما أن تعرف حقائق ~~الأشياء وأنفسها فلا، من نحو المسالك والطرق إلى البلد التي تعرف مسالكها ~~وطرقها التي بها يوصل إليها، فأما أعينها فلا، وكذا المراقي التي بها يعلو ~~ويرتفع، فأما عين العلو فلا، وأما العلم فإنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء ~~وأنفسها وصورها؛ لذلك كان ما ذكر. # والثالث: أن يكون قوله: (وما يعقلها) أي: وما ينتفع بما ذكر إلا ~~العالمون، وهو كما قال: (صم بكم عمي)، نفى عنهم هذه الحواس وإن كانت لهم ~~أنفس تلك الحواس لما لم يستعملوها فيما جعلمط وأنشئت، ولم ينتفعوا بها، ~~فنفى عنهم تلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وما يعقلها إلا العالمون) أي: ~~ما ينتفع بما يعقل إلا العالم، فأما من لم ينتفع فلا يعقل، والله أعلم. # وقوله: (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) ~~يحتمل قوله: (بالحق) أي: لعاقبة، وهو البعث؛ لأنه لم يخلقهما لأنفسهما، ~~وكذلك لم يخلق الدنيا للدنيا، ولكن إنما خلقها للآخرة؛ إذ بالآخرة يصير ~~خلقها حكمة وحقا؛ لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها # PageV08P230 # عبثا باطلا، وهو ما قال: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ~~ظن الذين كفروا) لا ms3396 كافر يظن أنه خلقهما باطلا، ولكن تركوا الإيمان بالبعث ~~وأنكروا البعث؛ كأنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا؛ إذ لولا البعث كان خلقهما ~~باطلا عبثا فإنما صار خلقهما حقا وحكمة بالبعث، فإذا أنكروا ما به صار خلقه ~~إياهما حكمة وحقا - فقد ظنوا الباطل بخلقهما، فنسأل الله التوفيق والصواب. # ويحتمل قوله: إنه خلقهما؛ لتدلا على الحق؛ لأنهما تدلان على وحدانية الله ~~وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات. # أو أن يكون بالحق الذي لله عليهم. # أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، والله أعلم. # (إن في ذلك لآية للمؤمنين) صير آية لمن أقر بها وآمن؛ إذ هو المنتفع بها، ~~فأما من أنكر وجحد وكذبها فهو آية عليه لا له، والله أعلم. # وقوله: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) جائز أن يكون ~~قوله: اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم به الصلاة أي: بالكتاب الذي أوحي ~~إليك. # ويحتمل: اتل ما أوحي إليك من الكتاب عليهم، وأقم بهم الصلاة؛ فالخطاب وإن ~~كان لرسول الله فهو لكل أحد؛ على ما ذكرنا في سائر المخاطبات، والله أعلم. # وقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)، هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على الامتنان. # والثاني: على الإلزام. # فأما وجه الامتنان: فهو أن جعل لكم الصلاة لتمنعكم عن الفحشاء والمنكر ما ~~لو لم يجعلها لكم لا شيء يمنعكم عن الفحشاء والمنكر؛ فيمن عليهم بجعل ~~الصلاة لهم؛ لما تمنعهم عما ذكر. # وأما وجه الإلزام: فإنه يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الصلاة لو كان موهوما منها النطق والنهي، لكانت تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر؛ على ما أضاف التغرير والتزيين إلى الحياة الدنيا؛ أي: لو ~~كان هذا الذي كان من الدنيا، كان ممن له التغرير - كان ذلك تغريرا؛ فعلى ~~ذلك الصلاة لو كان منها حقيقة الأمر والنهي لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر. # والثاني: أضيف النهي إلى الصلاة؛ لما بها يعرف ذلك، فقد تضاف الأشياء إلى ~~الأسباب وإن لم يكن منها حقيقة ms3397 ما أضيف إليها؛ نحو ما يضاف الأمر والنهي ~~إلى الكتاب # PageV08P231 # والسنة ونحوه؛ يقال: أمرنا الكتاب بكذا، والسنة بكذا، ونهانا عن كذا، وإن ~~لم يكن منهما أمر حقيقة ولا نهي؛ لما بهما يعرف الأمر والنهي، وهما سببا ~~ذلك؛ فعلى ذلك جائز إضافة النهي إلى الصلاة أن يكون على هذا السبيل. # وقوله: (ولذكر الله أكبر) اختلف فيه: # قال بعضهم: ذكر الله أكبر في العبادات من أنفس تلك العبادات. # ووجه هذا - والله أعلم -: # أن العبادات إنما تكون بجوارح تغلب وتقهر وتستعمل؛ فلا تعرف تلك أنها لله ~~إلا بتأويل. # وأما ذكر الله إنما يكون باللسان والقلب، وهما لا يغلبان، ولا يستعملان ~~ولا يقهران، فهو يعرف أن ذلك لله حقيقة، فهو أكبر. # وقال بعضهم: (ولذكر الله أكبر) من سائر الأذكار التي ليست لله؛ فهذا ليس ~~فيه كبير حكمة؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد. # وقال بعضهم: ذكر الله أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة. # وقال بعضهم: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه؛ لأن ذكره إياكم رحمة ~~ومغفرة، وذلك مما لا يعدله ولا يوازيه شيء، وأما العبد فإنه يذكر ربه بأدنى ~~شيء. # وقال بعضهم: (ولذكر الله أكبر): أي: ما وفق الله العبد من ذكره إياه ~~وطاعته له أكبر من نفس ذلك الذكر ونفس تلك العبادة. # وذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن ~~الفحشاء والمنكر). # وعن الحسن يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من لم تنهه ~~صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا، ولم يزدد بها عند ~~الله إلا مقتا ". # وعن سلمان الفارسي قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لهذا وجهان: # PageV08P232 # أحدهما: يقول: ذكر الله أكبر مما سواه من أعمال البر. # والآخر: يقول: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. # والضحاك يقول: العبد يذكر الله عند ما أحل له وحرم عليه، فيأخذ بما أحل ~~ويجتنب ما حرم عليه. # وقتادة يقول: لا شيء أكبر ms3398 من ذكر الله. # وأصله ما ذكرنا من الوجوه التي تقدم ذكرها. # وقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) قال بعضهم: تنهى وتمنع ما ~~دام فيها لا يعمل بالفحشاء والمنكر. # والثاني: أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ أي: لو كانت ~~لها النطق والأمر والنهي لكانت تنهى عما ذكر. # والوجه فيه ما ذكرنا بدءا، والله أعلم. # وقوله: (والله يعلم ما تصنعون) وعيد؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة. # * * * # قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) # وقوله: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) ~~الآية تخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تجادلوهم بالتي هي أحسن ولا غيره، وهم الذين لا يقبلون الحجة، ولا ~~يؤمنون إذا لزمتهم الحجة، وهم أهل عناد ومكابرة، والأولون يقبلون الحجة، ~~ويؤمنون بها. # والثاني: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)؛ فقوله: (إلا الذين ~~ظلموا منهم) ليس على الثنيا من الأول، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: (إلا ~~الذين ظلموا منهم) قولوا: (آمنا بالذي أنزل إلينا. . .) إلى آخر ما ذكر؛ ~~أي: قولوا لهم هذا، ولا # PageV08P233 # تجادلوهم؛ فإنكم وإن جادلتم إياهم فلا يؤمنون، وهو كقوله: (لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني)، قوله: (إلا ~~الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم) ليس على الثنيا من الأول، ولكن ابتداء نهي؛ ~~أي: لا تخشوهم واخشوني، فعلى ذلك يحتمل الأول مثله. # والثالث: جائز أن يكون قوله: (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم. ~~. .) إلى آخر ما ذكر: ms3399 هي المجادلة الحسنة التي أمروا بها؛ لأن تلك مما ~~يقبلها العقل والطبع، وبها جاءت الكتب والرسل؛ فلا سبيل إلى رد ذلك. # وقال بعضهم: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) أي: جادلوا ~~الذين يصدقون منهم ولا يكتمون نعت محمد وما في كتبهم من الحق، فأما الذين ~~تعلمون أنهم يكتمون ولا يصدقون فلا تجادلوهم، وهو كقوله: (فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون) والأول كقوله: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم. . .) الآية. # والمجادلة الحسنة هي التي جاء بها الكتاب ويوجبها العقل. # ثم فيه دلالة جواز المناظرة والمجادلة مع الكفرة في الدين، وكذلك - قوله ~~تعالى -: (وجادلهم بالتي هي أحسن)، ليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يجوز ~~معهم المناظرة، وذلك لجهلهم بحجج الإسلام وبراهينه؛ على ما ينهون عن ~~المجادلة والمناظرة معهم. # وقال بعضهم: من لا عهد معهم فجادلهم بالسيوف، ومن كان معه عهد وكتاب ~~فجادلهم بالحجج. # وقال بعضهم: هو منسوخ بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. . .) الآية. # ومنهم من يقول: من أدى إليكم الجزية فلا تغلظوا له القول وقولا لهم قولا ~~حسنا، ومن لم يؤد فأغلظوا لهم وجادلوهم بالسيوف، والله أعلم. # وقوله: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) أي: كما أخبرناك في ~~الكتاب، فقل لهم، أو جادلهم. # وقوله: (فالذين آتيناهم الكتاب) يخرج على وجهين: # أحدهما: الذين آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته، فهم يؤمنون به؛ على ما ~~ذكرنا في آية أخرى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون ~~به)، فتكون # PageV08P234 # هذه الآية تعريفا للأولى، وأما من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون به. # والثاني: فالذين آتيناهم الكتاب وانتفعوا به؛ أي: يؤمنون بالذي أوتوا من ~~الكتاب. # (ومن هؤلاء من يؤمن به) يحتمل قوله: (ومن هؤلاء) أي: من أهل مكة من يؤمن ~~به، وقد آمن كثير منهم. # وجائز أن يكون ذلك إلى قوم كانوا بحضرته، فقال: (ومن هؤلاء من يؤمن به)، ~~والله أعلم. # (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) قال قتادة: ms3400 لا يكون الجحد إلا بعد معرفة ~~أن اليهود والنصارى عرقوه كما عرفوا أبناءهم، لكنهم جحدوه، وكل من أنكر ~~شيئا فقد جحده؛ عرفه أو لم يعرفه. # وقوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون (48) تأويله - والله أعلم -: أي: ما كنت تتلو من قبله - أي: من ~~قبل هذا الكتاب - من كتاب، ولو كنت تتلو لارتاب المبطلون فيقولون: إن ما ~~أنبأتهم من الأنباء المتقدمة أو كلام الحكمة إنما تلقفت وأخذت من تلك الكتب ~~المتقدمة أو كتب الحكماء، ولو كنت تخطه بيمينك يقولون: إن ذلك من تأليفك ~~ووصفك؛ لأن القرآن حجة عليهم من وجهين: # أحدهما: ما ذكر فيه من الأنباء المتقدمة المترجمة بغير لسان المتقدم ما ~~علموا بأجمعهم أن رسول الله - صلوات الله عليه - كان لا يعرفها بمترجم ولا ~~شهدها هو، ثم أنبأهم على ما كان، فعلموا أنه بالله عرفها. # والثاني: هو آية معجزة نظما ووصفا ما يعملون أنه ليس من نظم البشر ولا ~~وصفه، فيقول: ما كنت تتلو من قبله كتابا فيه تلك الأنباء والحكمة ولا تخطه ~~بيمينك؛ فيقولون: هو من تأليفك أو من نظمك، فلو كنت كذلك إذن لارتاب ~~المبطلون بما ذكرنا على عناد منهم ومكابرة، ولا يرتاب المحقون، وإن كان كما ~~ذكر؛ لما عرفوا صدقه بأشياء وبآيات كانت فيه. # وقال بعضهم في قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب) ويقول: قبل القرآن ~~(ولا تخطه بيمينك) أي: لا تكتبه بيدك، ولو كنت تقرأ كتابا من قبله أو كنت ~~تكتب بيدك إذن لارتاب المبطلون؛ يقول: لاتهموك؛ هذا قد ذكرناه، ولكن نقول ~~في قوله: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) بل هو اليقين أنك ~~لا تقرؤه، أو لا تكتبه عند الذين أوتوا العلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب من نحو ~~عبد الله بن سلام وأصحابه. # وقوله: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا ~~إلا الظالمون (49) يحتمل القرآن؛ إذ فيه آيات # PageV08P235 # وحدانية الله وحججه، وآيات البعث وحججه وآياته. # ويحتمل قوله: (بل ms3401 هو آيات بينات) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~من أول ما نشأ إلى آخر أمره آية؛ لما ذكر من النور في وجه أبيه ما دام في ~~صلبه، ثم في وجه أمه؛ إذا وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي ولد فيها، ~~ثم من ظل السحاب الذي أظله وقت ما خرج من وطنه، وأمثال ذلك كثير ما لا يقدر ~~إحصاؤه، والله أعلم. # فذلك كله يدل على رسالته ونبوته، لا يرتاب فيه إلا المبطل المعاند ~~المكابر. # وقوله: (في صدور الذين أوتوا العلم) جائز أن يكون قوله: (في صدور الذين ~~أوتوا العلم) أي: أوتوا منافع العلم، أي: هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا منافع العلم، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا. # وقوله: (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) يحتمل: الظلم: ظلم الآيات، لم ~~يضعوها في موضعها. # ويحتمل: الظالمون: الكافرون. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله ~~وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن ~~في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ~~ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم ~~الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم ~~بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) ~~يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~(55) # وقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه) وفي بعض القراءات: (ءاية من ~~ربه) على الوحدان؛ فكأنهم سألوه مرة آية؛ كقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من ~~السماء آية فظلت أعناقهم له)، وإنما ينزل إذا شاء بعد السؤال، ومرة سألوه ~~آيات؛ كقولهم: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز ~~أو تكون له جنة يأكل منها)، وكقولهم: (أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا. . .) الآية، ونحوها من الآيات التي سألوها، فمرة ~~سألوه آيات، ومرة سألوه آية، فقول من قال: أختار قراءة ms3402 (آيات) على قراءة ~~(ءاية) محال إذا ثبت أنه قراءة، فأخبر - عز وجل - على ما كان منهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (قل إنما الآيات عند الله) أي: من عنده تجيء الآيات؛ فكأنهم سألوه ~~آيات # PageV08P236 # قاهرة تقهرهم وتضطرهم على القبول والإقبال إليه الآيات يكون في ذلك وجه ~~الاختيار، لكن سؤال عناد ومكابرة، لا سؤال استرشاد واستهداء فقال: إن الله ~~قد عفا عن هذه الأمة عن إنزال ما به هلاكهم على أثر سؤال العناد والمكابرة، ~~وإن كان في غيرها من الأمم السالفة ينزل عليهم الهلاك والعذاب على إثر سؤال ~~العناد، والله أعلم. # وقوله: (وإنما أنا نذير مبين) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: وإنما أنا نذير من الله مبين: أن الله أمرني بذلك وأرسلني إليكم. # والثاني: (وإنما أنا نذير مبين) أي: ليس علي إلا الإنذار لكم أبين ~~النذارة، فأما غير ذلك فليس علي؛ كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء. . .) ~~الآية، ونحوه. # وقوله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون (51) هذا يدل أنهم إنما سألوا سؤال عناد واستهزاء، لا ~~سؤال استرشاد؛ حيث قال: إن فيما أنزل عليهم من الكتاب كفاية لمن كانت همته ~~الاسترشاد والإنصاف، فأما من كانت همته العناد والمكابرة فلا. # (إن في ذلك لرحمة) أي: فيما أنزل من الكتاب عليك لرحمة، أي: رشد (وذكرى): ~~عظة (لقوم يؤمنون). # وقوله: (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض ~~والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) هذا يقال ~~لوجهين: # أحدهما: عند الإياس من قبول الحجج والآيات يقول: [(كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا)] أي: حاكما (بيني وبينكم) أينا على الحق؟ وأينا على الضلال نحن أو ~~أنتم؟!. # والثاني: [(كفى بالله بيني وبينكم شهيدا)]: عالما في تبليغ ما أمرت ~~بتبليغه إليكم وإتيان ما آتيتكم به من الآيات والحجج (يعلم ما في السماوات ~~والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون). وقوله: ~~(ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) # كان استعجالهم وسؤالهم الآيات ms3403 على علم منهم أنه لا ينزل ولا يأتيهم - ~~يخرج مخرج الاستهزاء بالرسل والتمويه والتلبيس على الأتباع والضعفاء؛ لأنهم ~~يعلمون أن الله لا يعذب ولا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وانتقام كما أهلك ~~الأمم المتقدمة بالعناد والاستهزاء بالرسل؛ إذ قد أمهلهم إلى وقت، فإن ~~علموا ذلك من الإمهال والتأخير سألوا الرسول العذاب الذي أوعدهم والآيات ~~القاهرة، ووعدوا الإيمان لو جاءهم، وأقسموا على ذلك بقوله: (وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم. . .) الآية؛ تمويها وتلبيسا على أتباعهم وضعفائهم يرونهم أنهم ~~على حق في # PageV08P237 # الإيمان فيما يدعوهم الرسول، وأنه لو أتى بآية وحجة يؤمنون به ويتبعونه، ~~وهم فيما يسألون من الآيات والعذاب عالمون أنهم معاندون كذبة متمردون ~~ملبسون مموهون على الأتباع والسفلة؛ لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة. . .) الآية. # فإن قال لنا ملحد: إنه حيث أخر عنهم العذاب وأمهلهم علم منهم أنهم ~~يستعجلون، أو لم يعلم ذلك، فإن قلت: على غير علم منهم فقد أثبت الجهل له، ~~وإن قلت: على علم منهم ذلك فكيف أمهل ذلك وقد علم ما يكون منهم؟ # قيل: إمهاله العذاب عنهم وضرب الأجل رحمة منه لهم وفضل؛ كأنه قال: ولولا ~~رحمته التي جعل لهم على نفسه لجاءهم العذاب كما جاء الأمم الخالية عند ~~سؤالهم الرسل العذاب والآيات بالعناد والاستهزاء، وهو كقوله: (وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين) حيث لم يستأصلهم كما استأصل أولئك. # وقوله: (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يحتمل قوله: ~~(وإن جهنم لمحيطة) أي: عذاب جهنم محيط يومئد بالكافرين، أو النار محيطة ~~بالكافرين. # وجائز أن يكون: أي: يستعجلونك بالعذاب، وإن أعمال أهل جهنم وأسبابها التي ~~توجب لهم جهنم محيطة بهم؛ كقوله: (فما أصبرهم على النار)، أي: ما أصبرهم ~~على الأعمال والأسباب التي توجب لهم النار، وإلا لا أحد يصبر على النار؛ ~~فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي: أسباب جهنم ~~وأعمالهم التي توجب لهم جهنم والنار محيطة بهم، والله أعلم. # وقوله: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ms3404 ما كنتم ~~تعملون (55) # كقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) - ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) كل ~~نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل ~~رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) # وقوله: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) في الآية ~~بشارة ونذارة: # أما البشارة فقوله: (إن أرضي واسعة) وعد لهم السعة في المكان المنتقل ~~إليه والمتحول كما كان لهم في مقامهم. # والنذارة والتحذير: هو قوله: (إن أرضي واسعة) فلا تقيموا في أرضكم. # PageV08P238 # ثم الأمر بالخروج والهجرة عن أرضهم إلى أخرى يخرج على وجهين: # أحدهما: لما لا يقدرون على إظهار دين الله؛ خوفا على أنفسهم من أولئك ~~الكفرة، فأمروا بالخروج والهجرة عنها إلى أرض يقدرون على إظهاره والقيام ~~به. # والثاني: أن كانوا يقدرون على إظهار دينهم، لكنهم لا يقدرون القيام على ~~تغيير المناكير عليهم والأمر بالمعروف، فأمروا بالخروج منها إلى أرض ليس ~~بها مناكير، أو إن كانت بها فيقدرون على تغييرها والأمر بالمعروف فيها، ~~فبمثل هذا جائز أن يؤمر الناس بالتحول من أرض إلى أخرى إذا لم يقدروا على ~~تغيير المنكر ودفعه وليس كالرسل؛ لأن سائر الناس إذا كثر سماعهم المنكر يخف ~~ذلك على قلوبهم وتميل إليه القلوب وتسكن وتطمئن، فيؤمرون بالخروج عنها ~~والتحول إلى أخرى؛ لئلا تميل ولا تسكن إليه قلوبهم. # وأما الرسل وإن كثر سماعهم المنكر فإن قلوبهم لا تميل ولا تلين ولا تسكن ~~إليه أبدا؛ بل يزداد لهم شدة وصلابة في ذلك وبعدا عن قلوبهم؛ لذلك اختلف ~~أمر الرسل وغيرهم. # أو أن يكون لا يؤمرون بالخروج ولا يؤذن لهم؛ لما هم إنما بعثوا إلى أهل ~~الكفر والمنكر ليدعوهم إلى دين الله؛ فلا يحتمل أن يؤذن لهم بالخروج ~~والهجرة إلى أخرى وهم إليهم بعثوا؛ ليدعوهم إلى دين الله، فقوله: (إن أرضي ms3405 ~~واسعة) هو ما ذكرنا: أمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ولا يمنعهم عن ذلك خوف ~~ضيق العيش في غيره؛ لما يعتزلون عن أموالهم، وحرفهم، وأهل قرابتهم ~~ومعونتهم؛ لما وعد - عز وجل - التوسيع عليهم لو خرجوا وهربوا؛ إشفاقا على ~~دينهم، وكذلك روي عن الحسن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~من فر بدينه من أرض إلى أرض أخرى وإن كانت شبرا، وجبت له الجنة، ويبعث مع ~~أبيه إبراهيم ونبيه محمد " أو نحوه من الكلام. # وعلى مثل ذلك جاءت الآثار عن السلف في تأويل الآية: إذا دعيتم إلى ~~المعاعمي فاهربوا في الأرض، فإن أرض الله واسعة. # وقال بعضهم: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاهربوا إلى أخرى؛ فإن أرضي واسعة، ~~وهو ما ذكروا: أمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم، ووعد لهم السعة والحسنة في ~~الدنيا، وفي الآخرة أعظم منها، وهي ما قال: (والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)، ~~وقال في هذه الآية: (إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) أي: إن أرضي واسعة، فإن ~~منعتم عن عبادتي في # PageV08P239 # أرض فاخرجوا منها إلى أخرى فاعبدوني ولا تعبدوا غيري؛ فإن أرضي واسعة؛ ~~فلا عذر لكم بالمقام في أرض تمنعون فيها عن عبادتي وإظهار ديني، إلا ~~المستضعفين الذين استثناهم في آية أخرى؛ حيث قال: (إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)، عذرهم بما ~~فيهم من الضعف لترك الخروج والمقام بين أظهرهم، وكتمان الإيمان والعبادة له ~~سرا، وإن لم يقدروا على إظهاره، فأما من كانت له حيلة الخروج فلم يعذره. # وقوله: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) ذكر هذا - والله أعلم - ~~على إثر ما ذكر؛ لئلا يمنعهم عن الخروج والهجرة خوف ضيق العيش؛ يقول - ~~والله أعلم -: كل نفس تذوق الموت إذا استوفت رزقها لا محالة، ولا تذوق قبل ~~استيفائها رزقها؛ فلا يمنعكم خوف ضيق العيش فإنها تذوق ذلك لا محالة، خرجت ~~أو لم تخرج إذا استوفت رزقها، وهو ما قال: ms3406 (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)، أي: لو كان المكتوب عليه القتل يبرز ~~لا محالة حتى يقتل؛ فعلى ذلك المكتوب عليه الموت يذوقه لا محالة، أخرج، أو ~~أقام، والله أعلم (ثم إلينا ترجعون). # وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم ... (58) أي: لنهيئنهم ~~(من الجنة غرفا) يقال: بوا: أنزل وهيأ، و " لنثوينهم " من الثواء، وهو ~~الإقامة. # وقال القتبي: هو من ثويت بالمقام: إذا أقمت به، وبالباء (لنبوئنهم): أي: ~~لننزلنهم. # وقال أبو عوسجة: أي: لننزلنهم منها منزلا يقيمون فيه، والثواء: الإقامة. # وقال أبو معاذ: بوأها: هيأها، والمثوى: المنزل، والثاوي: المفيف خالدين ~~يهأ نعم أتجر آلعملد) أي: ثوابهم وجزاؤهم. # وقوله: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) يحتمل قوله: (الذين صبروا) ~~أي: خرجوا، وهاجروا، وصبروا على الهجرة، وعلى ربهم توكلوا في الخروج ~~والرزق، والذين صبروا على الطاعات وأداء الفرائض. # أو أن يكون الصبر كناية وعبارة عن الإيمان؛ أي: الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون وبه يثقون ويفوضون؛ كقوله: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي: ~~لكل مؤمن. # ومحمد بن إسحاق يقول: أنزلت الآية بمكة في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن ~~كنتم # PageV08P240 # في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها فإن أرض المدينة واسعة فإياي فاعبدون ~~بها علانية، ثم خوف بالموت؛ ليهاجروا، فقال: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون) في الآخرة، ثم نعتهم فقال: الذين صبروا على الهجرة وبالله يثقون في ~~هجرتهم، وذلك أن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها ~~مال ولا معيشة، فوعظهم بما ذكر. # وقوله: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم (60) من الناس من يجعل الآية صلة قوله: (يا عبادي الذين آمنوا إن ~~أرضي واسعة) أنهم أمروا بالهجرة من بلدتهم والخروج من مقامهم؛ ليسلم لهم ~~دينهم؛ فاشتد ذلك عليهم، وضاق بذلك ذرعهم؛ لضيق العيش هناك لما لم يتهيأ ~~لهم ولا يتأدى لهم حمل أموالهم، والمكاسب التي بها يتعيشون في بلدهم ~~ويتسعون بها، فأخبر أن له خلائق يرزقهم حيثما ms3407 توجهوا وحيثما كانوا لا ~~يحملون معهم شيئا من الرزق؛ بل يرزقهم حيثما كانوا ابتداء؛ فعلى ذلك هو ~~يرزقكم حيثما كنتم حملتم مع أنفسكم شيئا من الأموال والمكاسب أو لم تحملوا، ~~فلا يضيقن صدركم بترككم الأموال والمكاسب في بلدكم. # وجائز أن يكون لا على الصلة بما تقدم، ولكن على ابتداء تذكير وتنبيه ~~للبشر وبغير سبب؛ إذ قد يرزق ويبسط من ليس له من الأسباب شيء نحو ما ذكر من ~~رزقه الطير والدوأب، وغير ذلك من البشر الذين يرزقون بلا أسباب ومكاسب؛ ~~ولذلك ذكر - والله أعلم - على إثر ذلك (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر له) يبسط لمن يشاء وإن لم يكن له سبب ويقدر على من يشاء، وإن كان معه ~~سبب؛ لئلا يعلقوا قلوبهم في الرزق في الأسباب والمكاسب. # وعلى قول المعتزلة: إن الله لا يقدر أن يبسط الرزق لمن يشاء؛ لأنهم لا ~~يجعلون لله في الأسباب والمكاسب صنعا، وإنما يجعلون منه خلق أصول الأشياء ~~من الإنبات والإخراج من الأرض، وأما غير ذلك فهو كله للخلق على قولهم، فذلك ~~النبات والخارج منها للكل ليس بعضهم بذلك أولى من بعض، فتذهب فائدة ما ذكر ~~من البسط والتوسيع والتقتير على قولهم. # وقوله: (وهو السميع العليم) على إثر ما ذكر يخرج على وجوه: # أحدها: المجيب لكل ما يدعون ويسألون، العليم بحوائجهم؛ حيث كانوا وأين ~~كانوا. # أو السميع لقولهم: إنا لا نجد ما ننفق ونتعيش، العليم بما أضمروا ونحوه. # * * * # قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ~~إن الله بكل شيء عليم (62) ولئن سألتهم من # PageV08P241 # نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعقلون. وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة ~~لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) # وقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون (61) # إنهم أعطوا جميعا بألسنتهم: ms3408 أن الذي خلق السماوات والأرض، وما سخر لهم من ~~الشمس والقمر، وما نزل من السماء من الماء، وما أحيا به الأرض - هو الله لا ~~غيره، فيخرج قوله: (فأنى يؤفكون) على أثر ما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به على ~~وجهين: # أحدهما: أنى يصرفون عما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة ~~إلى الأصنام التي يعلمون أنها لبم تخلق شيئا مما أعطوا بألسنتهم. # والثاني: (فأنى يؤفكون) أي: في تسميتهم الأصنام: آلهة على علم منهم أنها ~~ليست بآلهة، والله أعلم. # وقوله: (قل الحمد لله ... (63) على أثر ما ذكر يخرج على وجوه: # أحدها: أمره أن يحمد ربه فيما لم يبل بما بلي به أولئك من التكذيب ~~والعناد والكفر بربهم. # والثاني: أمره أن يحمد ربه؛ لما في ذلك إظهار سفههم؛ حيث أعطوا باللسان ~~أن ذلك كله من الله، والله خالق ذلك كله، ثم صرفوا ذلك إلى غيره. # والثالث: يقول بعضهم: (قل الحمد لله) على إقرارهم بذلك أنه خلق لله، وأن ~~ذلك كله منه، والله أعلم. # وقوله: (بل أكثرهم لا يعقلون) يحتمل قوله: (لا يعقلون) أي: لا ينتفعون ~~بعقولهم؛ نفى عنهم العقول؛ لما لم ينتفعوا بها، كما نفى عنهم السمع والبصر ~~واللسان لما لم ينتفعوا بقلك الحواس؛ فعلى ذلك هذا. # والثاني: لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب التي بها تعقل ~~الأشياء، والله أعلم. # وقوله: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون (64) # وقوله: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) لو كان الأمر على ظاهر ما ~~نطق به الكتاب دون معان تودع فيه وحكمة تجعل فيه على ما يحمله بعض الناس - ~~لكان لأهل الإلحاد في ذلك مطعن؛ لأنه يقول: ما الحياة إلا لهو ولعب وهو ~~خلقها، فيقولون: لم خلقها لهوا ولعبا وهو خلقها؛ ولهم دعوى التناقص فيه؛ ~~حيث قال: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) ووقال في آية أخرى: ~~(وما # PageV08P242 # خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين)، فلو جمع بين هذا وبين الأول ~~فهو في الظاهر متناقض؛ إن ms3409 يذكر في بعضها: أنه لم يخلقهما وما بينهما باطلا ~~لعبا، ويذكر في بعضها: أن الحياة الدنيا لهو ولعب، وهو خلقهما. # لكن تأويل قوله: (وما هذه الحياة الدنيا) على ما تقدرون أنتم وعلى ما ~~عندكم (إلا لهو ولعب)، فأما عند أهل التوحيد وما في تقديرهم فهي حكمة وحق. # ثم ما ذكر من اللهو واللعب عندهم يخرج على وجهين: # أحدهما: أنهم رأوا أنه خلق الإنسان وجعل بدأه من نطفة، ثم حولها إلى ~~علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى الإنسان الذي صور. . . إلى آخر ما حوله؛ فلا ~~يحتمل أن يخلقه ويحوله من حال إلى الأحوال التي ذكر، ثم يفنيه بلا عاقبة ~~تجعل لهم، ولا منفعة؛ فيكون كما ذكر: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا)، صير نقضها الغزل من بعد إحكامها إياه بلا انتفاع به لهوا ~~ولعبا؛ فعلى ذلك خلق الحياة الدنيا، وخلق ما فيها من العالم بعد إحكامه ~~وتحويله حالا بعد حال، وتحويلا بعد تحويل، وإحكاما بعد إحكام للفناء خاصة ~~على ما يقدر أولئك الكفرة بلا عاقبة تجعل لهم أو منفعة - لهو ولعب وسفه ~~وباطل؛ على ما ظن أولئك وقدروه، فأما في تقدير أهل التوحيد وأهل الإيمان من ~~العاقبة لهم فهو حكمة وحق. # والثاني: معنى اللهو: اللعب الذي ذكر على ما عندهم هو أن الجمع والتسوية ~~بين العدو والولي وبين العاصي والمطيع وبين المخالف والموافق - سفه باطل، ~~وقد سوى بينهم في هذه الدنيا، وأشركهم جميعا في نعيمها وسعتها وشدتها، ~~وخيرها وشرها، يتمتع الولي فيها كما يتمتع العدو، ويبتلى فيها المطيع كما ~~يبتلى العاصي، فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق بين الولي والعدو، وبين ~~المطيع والعاصي لكان خلقه إياهم في الحياة الدنيا سفها وباطلا؛ إذ سوى ~~بينهم وأشركهم جميعا في هذه. # أو أن تكون الحياة الدنيا - عدى ما اتخذوها هم وعملوا فيها - لهوا ولعبا. # أو أن يقال: الحياة الدنيا بحياة الآخرة لهو ولعب؛ لأنها خلقت فانية ~~منقطعة، وخلقت حياة الآخرة باقية دائمة، فهو كما قال: (قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة ms3410 خير)، أي: متاع الدنيا قليل عند متاع الآخرة، لأن متاع الدنيا فان ~~منقطع، ومتاع الآخرة دائم باقي. # وقوله: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي: هي دار الحياة، لا موت فيها، ~~ولا انقطاع، ولا فناء (لو كانوا يعلمون) أن الدار الآخرة هي الدار التي لا ~~موت فيها، والله أعلم. # PageV08P243 # قوله تعالى (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون ~~(66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) # وقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) الآية، على ~~المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر أنهم ~~أخلصوا الدين لله إذا ركبوا في الفلك، ولا شك أن ذلك أصلح في الدين، فلما ~~لم يبقهم على تلك الحال ليكونوا على ذلك الإخلاص؛ بل أخرجهم منها فعادوا ~~إلى ما كانوا فدل ذلك أن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين. # وقوله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) وقوله: (ليكفروا) أي: أنجاهم ليكونوا على ما ~~علم منهم أنهم يكونون، وقد علم أنه يكون منهم الكفر، فأنجاهم إلى البر؛ ~~ليكون منهم ما قد علم أنه يكون ويختارون، كأن إخلاص الدعاء في الفلك لم يكن ~~إخلاص اختيار، ولكن إخلاص دفع البلاء عن أنفسهم؛ إذ لو كان ذلك إخلاص ~~اختيار، لا دفع البلاء لكانوا لا يتركون ذلك في الأحوال كلها، فهذه الآية ~~وإن كانت في أهل الكفر، ففي ذلك - أيضا - توبيخ لأهل الإسلام؛ لأنهم لا ~~يقومون بالشكر لله وإخلاص العبادة له في حال السعة والنعمة كما يكونون في ~~حال الضيق والشدة، فينبههم ليكونوا في الأحوال كلها مخلصين العمل لله ~~شاكرين له؛ لئلا يكون عملهم على حرف وجهة كعمل ms3411 أهل النفاق، وكعمل أولئك ~~الكفرة، والله أعلم. # وقوله: (فأنى يؤفكون) قيل: يكذبون. # وقيل: يعدلون. # وقيل: يؤفكون: يؤفنون ويحمقون، والمافون: الأحمق، وا لأفن: الحمق. # وقوله: (فسوف يعلمون) أي: سوف يعلمون صدقي في قولي، ولو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه كما عادوا إلى ما كانوا عليه إذ أنجاهم من الأهوال التي ابتلوا ~~بها؛ أي: سوف يعلمون ما أوعدهم الرسل. # PageV08P244 # وفي قولهم: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) وجه آخر: وهو أن يقال: ~~ما هذه المحاسن والأعمال التي تعملون وتعدون محاسن وصلاحا في هذه الدنيا ~~إلا لهو ولعب؛ لما لا تبقى ولا تنتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه الله ~~والدار الآخرة، وهو ما قال: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان) أي: هي الباقية ~~الدائمة (لو كانوا يعلمون). # وقوله: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) قد ذكرنا في غير موضع: أن الاستفهام من ~~الله يخرج مخرج الإلزام والإيجاب، أو يخرج مخرج الخبر، لا على حقيقة ~~الاستفهام؛ لأنه عالم بذاته، يعلم ما في باطنهم وظاهرهم، وما يسرون وما ~~يعلنون، بما كان ويكون، لا يستفهم عباده شيئا، ولكنه يخرج على ما ذكرنا على ~~الخبر، أو على الإلزام والإيجاب؛ فالخبر كأنه يقول: قد رأوا وعلموا أن الله ~~جعل الحرم مأمنا لهم يأمنون فيه، وكان الناس حولهم يتخطفون ويخافون، ~~والإلزام والإيجاب أن يقول لهم: اعلموا أن الله جعل لكم # الحرم مأمنا تأمنون فيه والناس من حولكم على خوف يسلبون ويسبون ويقتلون. # ثم يخرج تذكيره إياهم هذا على وجهين: # أحدهما: أن الله قد جعل لكم الحرم مأمنا تأمنون فيه؛ لتعظيمكم حرم الله ~~وبيته، والناس حولكم على خوف، وأنتم تشاركون من حولكم في الدين، فكيف ~~تخافون الاختطاف والاستلاب إذا دنتم بدينه واتبعتم رسوله، فإذا آمنكم ~~بكونكم في حرم الله وتعظيمكم بيته، ودفع عنكم الاستلاب والاختطاف، فكيف ~~تخافون ذلك إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره؟! بل الأمن والسعة إذا دنتم بدينه ~~واتبعتم أمره أكثر وأحق؛ فكأنهم إنما تركوا اتباع دينه خوفا من ms3412 الاختطاف؛ ~~كقولهم: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) فقال لهم: (أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء). # أو يذكر هذا لهم: أنه قد أمنكم وصرف عنكم مع عبادتكم الأصنام وصرفكم ~~الشكر إليها عند كل مكروه وسوء بكونكم في مجاورة بيته وحرمه، فإذا صرفتم ~~العبادة إليه وشكرتم نعمه - أحق أن يؤمنكم ويوسع عليكم نعمه ويدفع عنكم ما ~~لم يدفع عمن حولكم، وأنتم شركاؤهم في عبادة الأصنام واتخاذهم إياها آلهة. # على هذا يخرج، والله أعلم. # وقوله: (أفبالباطل يؤمنون) يحتمل قوله: (أفبالباطل يؤمنون) أي: بما أوحى ~~إليكم إبليس من الباطل تؤمنون، وهو ما أوحى إليهم: أن هؤلاء شفعاؤكم عند ~~الله وعبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى؛ كقوله: (وإن الشياطين ليوحون ~~إلى أوليائهم. . .) الآية. # PageV08P245 # وقوله: (وبنعمة الله يكفرون) أي: بما أوحى إليكم محمد من الله تكفرون. # أو أن يكون قوله: (أفبالباطل يؤمنون) أي: بالشرك يؤمنون (وبنعمة الله ~~يكفرون) أي: بتوحيد الله يكفرون. # أو أن تكون النعمة - هاهنا - هي أن قرآن، أو ما ذكرنا، وهو محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين (68) قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله يخرج على ~~وجهين: على الخبر مرة، وعلى الإيجاب تارة والإلزام: أي: اعلموا أن ليس أحد ~~من المفترين أظلم ممن افترى على الله. # وعلى الخبر: أي: قد علمتم أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على ~~الله؛ إذ قد عرفتم بعقولكم قبح الافتراء والكذب فيما بينكم، فلا كذب ولا ~~افتراء أوحش أو أقبح من الافتراء على الله، فكيف افتريتم عليه وهو أوحش ~~وأقبح؟!. # وقوله: (أو كذب بالحق) يحتمل: (كذب بالحق) برسول الله، أو بالقرآن الذي ~~عجزوا عن إتيان مثله، أو بالتوحيد، أو كذب بالحق الذي ظهر حقه وصدقه لما ~~جاءه. وقوله: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) كأنه يقول: اعلم أن جهنم مثوى ~~للكافرين؛ يذكره على التصبر على أذاهم، والتسلي له بما كان يضيق صدره لمكان ~~تركهم ms3413 الإيمان والإياس منهم. # وقوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) ~~يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) أي: ليس ~~من أجهد نفسه في طلب الدنيا والعمل لها إلا لهوا ولعبا، وأما من أجهد نفسه ~~لله وطلب مرضاته فهو حق وله دار الحياة التي لا موت فيها ولا انقطاع. # ويشبه أن يكون على الابتداء لا على الصلة بالأول؛ يقول والذين جاهدوا ~~أنفسهم في هواها وشهواتها وأمانيها حقيقة ابتغاء مرضات الله وطلب الهداية ~~والدين وسبيله (لنهدينهم سبلنا) ذكر السبل - هاهنا - لما سبق ذكر الجماعة، ~~يقول: الذين جاهدوا فينا لنهدينهم كلا سبيلا فيكون سبلا للكل، وأما قوله: ~~(ولا تتبعوا السبل) أن السبل على الإطلاق على غير تقدم ذكر من الهدى، أو ~~شيء من الإضافة إلى الله - هي سبل الشيطان، والله أعلم. # وقوله: (وإن الله لمع المحسنين) يحتمل قوله: (وإن الله لمع المحسنين) في ~~التوفيق لهم في الإحسان والأعمال الصالحة. # أو مع المحسنين في النصر لهم والمعونة لهم مع أعدائهم. # أو مع المحسنين يحفظهم ويتولاهم. # PageV08P246 # ثم لم يفهم أحد من الخلق من قوله: (لمع المحسنين) و (مع المتقين) ما يفهم ~~من الخلق وذوي الأجسام والجثات، فكيف فهم بعض الناس من قوله: (ثم استوى على ~~العرش)، (وجاء ربك)، و (يأتيهم الله)، في كذا ما يفهم من استواء الخلق ~~ومجيئهم وإتيانهم؟! ليعلم أن فهم ذلك على ما يفهم من الخلق بعيد محال، ~~والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV08P247 ### | سورة الروم # كلها مكية وهي ستون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~~(4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون (7) # قوله - عز وجل -: (الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض) وفي بعض ~~القراءات: (غلبت الروم) بفتح الغين على ms3414 المستقبل. # يذكر أهل التأويل: أنه إنما يذكر هذا؛ لأن المشركين كانوا يجادلون وهم ~~بمكة، يقولون: إن الروم أهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ~~ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل ~~الله - تعالى - هذه الآية: (الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض. . .) الآية، ~~لكن يذكر في آخره: (ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء)؛ فلا ~~يحتمل فرح المؤمنين بغلبة الروم على فارس، ويسمى ذلك: نصر الله وهم كفار، ~~وغلبتهم عليهم معصية، اللهم إلا أن يكون فرحهم بما يظهر الإيمان بكتب الله ~~وتصديقها والعمل بها، وهم كانوا أهل كتاب، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان بعث مصدقا بكتب الله وبرسله أجمع، ففرحوا بذلك، فإن كان كذلك فجائز ~~الفرح بذلك وتسميته نصر الله. # وأما على الوجه الذي يقولون هم فلا. # وعندنا: أن في ذلك آية عظيمة في إثبات رسالة نبينا محمد - صلوات الله ~~عليه - ونبوته وصدقه ما لم يجد الكفار فيه مطعنا، ولا النسبة إلى الكذب ~~والافتراء، على ما قالوا وطعنوا في سائر الآيات والأنباء، كقولهم: (إنما ~~يعلمه بشر)، ونحو ذلك من المطاعن التي طعنوا في القرآن والأنباء المتقدمة؛ ~~حيث قالوا: (إن هذا إلا أساطير الأولين)، (ما هذا إلا إفك مفترى)، مثلها لم ~~يجدوا فيما أخبر من غلبة الروم على فارس؛ لأنه أخبر عن غلبة ستكون وستحدث ~~لا عن غلبة قد كانت، # PageV08P248 # ومثل هذا لا يدركه البشر ولا يستفاد منهم؛ إذ لا يبلغه علم البشر ولا ~~يدرك بالقياس بالسابق من الأمور، فإذا كان على ما أخبر دل أنه بالله علم ~~ذلك، وبوحي منه إليه عرف ذلك. # وهم جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا: ~~تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه أخر يستدلون بذلك؛ من نحو أن ~~يقولوا: إنهم أهل كتاب وعبادة يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما ~~فيها لا يتفرغون للقتال والحرب. # أو أن يقولوا: إنهم نصارى - أعني: أهل الروم - وليس في سنتهم ومذهبهم ms3415 ~~القتال والحرب، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم ولا ظفر. # وأما أهل الإسلام ليس لهم شيء من تلك الوجوه ولا بغيرها وجه الاستدلال ~~بغلبة أولئك، فما قالوا ذلك إلا وحيا من الله إليه وإعلاما منه إياه، فكان ~~في ذلك أعظم آية لصدق رسوله وأكبرها فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر الله ~~بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله؛ إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته. # وقوله: (غلبت) و (غلبت): (غلبت) على الماضي؛ لما كان من غلبة فارس على ~~الروم، و (غلبت) بالفتح على المستقبل؛ أي: تغلب الروم على فارس، وهو كقوله: ~~(فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا)، على الأمر في المستقبل، (باعد بين ~~أسفارنا) على الخبر، فعلى ذلك الأول. # وقوله: (في أدنى الأرض) قيل: أقرب إلى أرض فارس. # وقال بعضهم: (أدنى الأرض) أي: أدنى أرض الشام. # وقيل: الأرض التي تلي فارس، والله أعلم. # وفي قوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وفي قوله: (ويومئذ يفرح المؤمنون) ~~وجوه على المعتزلة: # أحدها: يقال لهم: وعد أن يغلب الروم على فارس، وقد أراد أن يخرج ما وعد ~~حقا صدقا أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد أعظموا القول وأفحشوه؛ حيث زعموا أنه ~~أراد ألا يفي بما وعد أنه يكون. # وإن قالوا: نعم، قيل: دل أنه أراد ما فعلوا، وإن كان الفعل منهم فعل ~~معصية # PageV08P249 # وخلاف؛ إذ محاربة كل فريق أصحابهم معصية؛ إذ لم يؤمروا بذلك، وانما أمروا ~~بالإسلام، فدل أن الله مريد لما يعلم أنه يكون منهم، وإن كان ما يكون منهم ~~معصية. والثاني: ما أخبر بفرح المؤمنين بغلبة هؤلاء على أولئك أي جهة كان ~~فرحهم لإثبات آية عظيمة على رسالة نبيهم ونبوته؛ على ما ذكرنا أولا أنهم ~~كانوا أهل كتب الله ودراستها أحبوا غلبتهم عليهم، وفرحوا بذلك، ولا يحتمل ~~أن يفرحوا بذلك ولم يأمرهم بذلك، ولا أراد منهم ذلك دل أنهم إنما فرحوا ~~بذلك لما أراد ذلك. # والثالث: في قوله: (بنصر الله ينصر من يشاء) دلالة: أن لله في فعل العباد ~~صنعا وتدبيرا ms3416 حيث ذكر فعل بعضهم على بعض، ثم سمى: نصر الله؛ دل أن له في ~~ذلك تدبيرا. # وقوله: (في بضع سنين) قيل: البضع: سبع. # وقيل: ما دون العشر فهو بضع، وكذلك ذكر في الخبر أن أبا بكر - رضي الله ~~عنه - لما خاطر المشركين وبايعهم في ذلك بخطر في سنين ذكرها، فمضت تلك ~~المدة ولم تغلب الروم على فارس، فقال رسول الله على لأبي بكر: " أما علمت ~~أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر "، ففعل ذلك، فلم تمض ~~تلك السنون حتى ظهرت الروم على فارس. # وفي بعض الحديث قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لم تكونوا ~~أن تؤجلوا أجلا دون العشر؛ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزيدوهم ~~ومادوهم في الأجل " ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس. . . فذكر الحديث. # ثم المسألة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أولئك الكفرة: # أحدها: أن مكة كانت يومئذ دار حرب؛ دليله: قوله: (وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا. . .) الآية، وذلك كان قبل الهجرة، وما أمر بالهجرة -أيضا- إلى ~~المدينة، ونحوه كثير، وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس، فإذا كانت مكة ~~يومئذ دار حرب # PageV08P250 # جازت المخاطرة في العقول في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الحرب، وإن ~~كان مثلها في دار الإسلام غير جائز، وهذا يدل لأبي حنيفة - رحمه الله - في ~~إجازته عقد الربا في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله ~~في دار الإسلام غير جائز. # والثاني: جاز ذلك يومئذ وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل، والجهالة في ~~العقود إنما تبطل العقود، لخوف وقوع التنازع بينهم في الدين، فأما في ~~الأموال فقلما يقع؛ لما ذكرنا. # ومنهم من يقول: كان جائزا ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فقد جاء النهي عن ~~القمار فنسخه، وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار؛ فيكون النهي ~~عن الشيء نهيا عما هو في معناه، والله أعلم. # وقوله: (لله الأمر من قبل ومن بعد). # قال بعضهم: (لله الأمر من قبل) ms3417 غلبة فارس الروم (ومن بعد) غلبة الروم ~~فارس. ويقال: (لله الأمر من قبل) وحين ظهرت فارس على الروم (ومن بعد) ما ~~ظهرت الروم على فارس. # وجائز أن يكون قوله: (لله الأمر) في خلقه؛ أي: التدبير فيه، وله الأمر ~~فيهم؛ أي: ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له؛ كقوله: (ألا له ~~الخلق والأمر): له التدبير فيهم والأمر. # وفي قراءة من قرأ (غلبت الروم) بالنصب يكون قوله: (وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) حين تظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية. # وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (في بعض سنين قريبا). # وقوله: (ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء ... (5) فرح ~~المؤمنين بنصر الله حيث نصر رسوله بإظهار ألاية له في إثبات الرسالة ~~والنبوة وصدقه، وذلك النصر له، وما يقول بعض أهل التأويل: نصر الروم على ~~فارس - بعيد؛ لأن ما كان الفعل فعل معصية لا يقال: نصر الله، وإنما يقال ~~ذلك فيما كان الفعل فعل طاعة، والوجه فيه ما ذكرنا: أنه نصر رسوله بما ~~ذكرنا. # وقوله: (وهو العزيز الرحيم) ذكر العزيز على إثر ما سبق؛ لأنه عزيز بذاته، ~~فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب وهنا ولا نقصا في ملكه وسلطانه، ليس كهلاك ~~بعض عبيد # PageV08P251 # ملوك الأرض وأتباعه وحشمه؛ لأن ملوك الأرض أعزاء بهم، فإذا هلك ذلك ذهب ~~عزهم، فأما الله - سبحانه وتعالى - إذ هو عزيز بذاته لا بشيء، فهلاك من هلك ~~من عبيده لا يوجب نقصا لذلك فيه. # وقوله: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) إنما ~~يكون خلف الوعد في الشاهد لإحدى خصال ثلاث: # إما لندامة استقبلته فيما وعد فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد، وحفظ ~~الوفاء له. وإما لحاجة وقعت له فيما وعد فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد ~~وإنجاز ما يطمع. # وإما لعجز يكون به لا يقدر على إنجاز ما وعد، فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد ~~وإنجازه، فإذا كان الله - سبحانه - يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا فإن ما ms3418 وعد ~~لم يحتمل الخلف منه، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يحتمل قوله: (لا يعلمون) لما لم ~~ينظروا ولم يتفكروا في الأسباب التي هي أسباب العلم بعدما أعطاهم أسباب ~~العلم، لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا، فلم ~~يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها. # ويحتمل قوله: (لا يعلمون) أي: لا ينتفعون بما علموا، فنفى عنهم العلم؛ ~~لما لم ينتفعوا بهذه الحواس وإن كانت لهم هذه الحواس. # وقوله: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) ~~يحتمل قوله: ظاهر الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم؟ وكيف؟ ~~نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء، ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ~~ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع، وكذلك ~~السمع والبصر واللسان لا يعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أنه بها ~~يسمع ويبصر ويتكلم ويفهم. # وجائز أن يكون قوله: (يعلمون ظاهرا): منافع الحياة الدنيا، وعن منافع ~~الآخرة هم غافلون، وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا ~~بها منافع الآخرة. # وابن عباس والكلبي وهؤلاء يقولون: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) ~~قالوا: يعلمون معايشهم، وتجاراتهم، وحرفهم، وجميع الأسباب والمكاسب والحيل ~~التي بها تقوم أمور دنياهم (وهم عن الآخرة هم غافلون) أي: لا يؤمنون بها، ~~والله أعلم. # PageV08P252 # قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم ~~قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساءوا ~~السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون (10) الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن ~~لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا ms3419 الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) ~~وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ~~(16) # وقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق) قد ذكرنا في غير موضع أن كل استفهام من الله وسؤال يخرج على ~~الإيجاب والإلزام؛ ثم الإيجاب يخرج على وجوه: # أحدها: أن قد تفكروا ونظروا واعتبروا وعرفوا أنه ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق، لكنهم عاندوا، وكابروا، ولم ينقادوا، ولم ~~يقروا. # والثاني: يخرج على الأمر؛ أي: تفكروا وانظروا واعتبروا؛ لتعلموا أنه ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. # والثالث: على الخبر أنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا، ولم يعتبروا، ولو ~~تفكروا واعتبروا لعلموا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق، لكنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا بعدما أعطوا أسباب العلم به، فلم ~~يعذروا بترك التفكر والنظر والاعتبار. # وعلى هذه الوجوه الثلاثة يخرج قوله: (أولم يسيروا في الأرض) ونظروا، ~~وعلموا ما حل بالمكذبين بالتكذيب، وما صار عاقبة أمرهم. # أو سيروا في الأرض على الأمر؛ لتعرفوا ما أصاب أولئك بالتكذيب. # أولم يسيروا في الأرض - على ما ذكرنا - لئلا يعلموا عاقبة أولئك. # ثم قوله: (إلا بالحق) قيل فيه بوجوه: # أحدها: أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي عليهم ~~من الشكر له فيما أنعم عليهم، والتعظيم له والتجيل. # والثاني: (إلا بالحق) الذي لله عليهم من الشكر له فيما عليهم؛ أي: ما ~~يحمد بفعله # PageV08P253 # عاقبة ما لولا تلك العاقبة لكان لا يحمد؛ إذ في الحكمة التفريق بين الولي ~~والعدو، وقد أشركهم جميعا في هذه الدنيا بين الولي والعدو، ولو لم يجعل ~~دارا أخرى يفرق فيها بينهما لكان لا يحمد فيما أشركهم فيها. # والثالث: (إلا بالحق) أي: بالبعث؛ لأنه لو لم يكن البعث لكان خلقه ~~السماوات # والأرض وما بينهما لعبا باطلا لا حقا، كقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا). # وقوله: (وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) سمى البعث: لقاء الرب، ~~والمصير إليه والرجوع إليه، والبروز إليه، ms3420 والخروج، وإن كانوا في الأوقات ~~كلها بارزين له، خارجين، صائرين إليه، راجعين؛ لأن خلقه إياهم إنما صار ~~حكمة لذلك البعث، والمقصود بخلقهم ذلك البعث؛ لذلك سمي البعث بما ذكرنا. # وقوله: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) هو يخرج على ~~الوجوه التي ذكرنا في قوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم). وقوله: (كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) يذكر أهل مكة ويوبخهم في ~~تكذيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوء معاملتهم إياه بما ذكر من ~~القرون الماضيه أنهم مع شدتهم، وقوتهم، وبطشهم، وكثرة أتباعهم وحواشيهم ~~وأموالهم، وطول أعمارهم وبنيانهم - لم يتهيأ لهم الانتصار والامتناع عن ~~عذاب الله إذا حل بهم بتكذيبهم الرسل؛ فأنتم يا أهل مكة دونهم في القسوة ~~والبطش والحواشي والأتباع، فكيف يتهيأ لكم الانتصار والامتناع من عذاب الله ~~إذا كذبتم الرسول، والله أعلم. # وقوله: (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) وجائز أن يكون ~~على التقديم والتأخير، (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى) مقدما على قوله: ~~(فما كان الله ليظلمهم) يقول: ما حل بهم من العذاب وعذبوا في هذه الدنيا ~~بتكذيبهم، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بما أساءوا. # ويحتمل أن يكون قوله: (فما كان الله ليظلمهم) في تعذيبهم في الدنيا (ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون) ثم يكون قوله: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى) في ~~الدنيا (السوأى) في الآخرة في النار، فيكون في الدنيا ما عذبوا في الدنيا ~~عذاب عناد ومكابرة، وما يعذبون في الآخرة تعذيب كفر وتكذيب، وهو ما قال: ~~(ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله). # وقال بعضهم: (وأثاروا الأرض) أي: كربوا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها # PageV08P254 # قومك يا محمد؛ أي: بقوا فيها أكثر مما بقي فيها الذين أرسلت إليهم. # وقال بعضهم: عاشوا يعمرون الأرض أكثر مما عمرها أهل مكة. # وقال بعضهم: عمروها: عملوا ms3421 بها أكثر مما عمل هؤلاء. # وبعضه قريب من بعض. # وقال أبو عوسجة: (وأثاروا الأرض) أي: حرثوها. # وقال القتبي: أثاروا: أي: قلبوها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة، وقال ~~الله - تعالى -: (لا ذلول تثير الأرض). # وقوله: (أساءوا السوأى) أي: جهنم. وكذلك قال الكسائي: (السوأى): هي ~~النار؛ كقوله: (وعقبى الكافرين النار) أي: كان عاقبتهم النار بما كذبوا ~~بآيات الله واستهزءوا بها. # وقوله: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله (10) ~~يحتمل قوله: أساءوا إلى الرسل بالتكذيب وأنواع الأذى. # ويحتمل: أساءوا إلى أنفسهم؛ حيث أهلكوها وأوقعوها في النار. # و (السوأى): اسم من أسماء النار: كالعسرى، والهاوية، ونحوهما، واليسرى ~~والحسنى اسمان من أسماء الجنة. # وقوله: (أن كذبوا بآيات الله) يذكر أهل مكة ويخوفهم أن ما حل بأولئك ~~القرون الماضية من الإهلاك والاستئصال إنما كان بتكذيب الآيات والاسثهزا - ~~بها في هذه الدنيا، فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الآيات والحجج واستهزأتم ~~بها يصيبكم ما أصاب أولئك بالتكذيب. # والآيات: يحتمل: حجج التوحيد وحجج الرسل في إثبات الرسالة أو آيات البعث. # وقوله: (وكانوا بها يستهزءون) يحتمل بالآيات التي ذكرنا، أو ما أوعدهم ~~الرسل من العذاب والإهلاك، فاستهزءوا بذلك. # وقوله: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) هذا في الظاهر ~~دعوى، لكنه قد بين فيما تقدم من الآيات ما يلزمهم الإعادة والإحياء من (1) ~~PageV08P255 # بعد الموت؛ حيث قال: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق. . .) الآية. # وفي قوله: (أولم يسيروا في الأرض) وغيرها من الآيات ما ألزمهم من الآيات ~~أنه لو لم يكن له إعادة وبعث كان خلقهم عبثا باطلا، خارجا عن الحكمة، ~~والقدرة في ابتداء الإنشاء، إن لم تكن أكثر لا تكون دون الإعادة، فمن ملك ~~وقدر على الابتداء كان على الإعادة أقدر؛ إذ إعادة الشيء عندكم أهون وأيسر ~~من ابتداء إنشائه، على ما ذكر في قوله: (وهو أهون عليه). # وقوله: (ثم إليه ترجعون) ذكر الإعادة والإحياء بعد الموت والرجوع إليه؛ ~~لما ذكرنا أن المقصود في خلقهم في هذه الدنيا الإعادة ms3422 والإحياء؛ لذلك سمى ~~الإعادة: الرجوع إليه والمصير والبروز له، وإن كانوا في جميع الأحوال ~~صائرين إليه، راجعين، بارزين له، خارجين. # وقوله: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) قال بعضهم: الإبلاس: هو ~~الإياس. # مبلسون: أي: يائسون في الآخرة عما كانوا يطمعون بعبادتهم تلك الأصنام ~~والأوئان في هذه الدنيا؛ حيمث قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ونحوه؛ يقول: يائسون في الآخرة ~~عما طمعوا بعبادتهم في الدنيا حين شهدوا عليهم، وكفروا بهم، وجعلوا يلعنون ~~عليهم، ويتبرءون منهم. # وقال بعضهم: يائسون من كل خير. # وقال بعضهم: الإبلاس: هو الفضيحة أي: يفتضحون بما عملوا. # وقال بعضهم: المبلس: كل منقطع رجاؤه ساكت كالمتحير في أمره. # وقال بعضهم: أن مبلس: كل آيس حزين. # وقوله - تعالى -: (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ... (13) هو ما ذكرنا: ~~أن الأصنام التي عبدوها وسموها: آلهة لا تشفع لهم (وكانوا بشركائهم كافرين) ~~يحتمل هذا وجهين: أي: الأصنام بهم كافرون. # أو هم يكفرون بالأصنام إذا لم يشفعوا لهم وصاروا شهداء عليهم. # أو كل يكفر بصاحبه؛ كقوله: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن # PageV08P256 # بعضكم بعضا)، والله أعلم. # وقوله: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) سمى الله - تعالى - ذلك ~~اليوم: يوم الجمع بقوله: (يوم يجمعكم ليوم الجمع)، وسمي: يوم الافتراق، فهو ~~يوم الجمع في أول ما يبعثون ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقا لا اجتماع بينهم ~~أبدا؛ كقوله: (فريق في الجنة وفريق في السعير)، فهو يوم الجمع في حال ووقت، ~~ويوم الافتراق في حال ووقت آخر، وبعض أهل التأويل يقولون: قوله: (يومئذ ~~يتفرقون) العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، بعدما كانوا مجتمعين في ~~الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض. . .) ~~الآية؛ فهذا تفرقهم على قول بعضهم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءا، والله أعلم. # وقوله: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) آمنوا ~~بكل ما أمروا أن يؤمنوا به، وعملوا بكل ما أمروا أن يعملوا (فهم في روضة ~~يحبرون) والروضة كأنها اسم من أسماء الجنان. # وقوله: ms3423 (يحبرون). # قال بعضهم: يكرمون. # وقال بعضهم: يحبرون: يسرون، والحبرة: السرور، ومنه يقال: " كل حبرة ~~يتبعها عبرة ". # والزجاج يقول: يحبرون: يتنعمون، والحبرة: النعمة الحسنة، والله أعلم ~~بذلك. # وقوله: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب ~~محضرون (16) أي: جحدوا توحيد الله وأنكروه (وكذبوا بآياتنا) يحتمل: (وكذبوا ~~بآياتنا): آيات التوحيد، وآيات الرسالة، وآيات البعث (فأولئك في العذاب ~~محضرون) أي: يحضر الأتباع والمتبوع جميعا في النار ويجمع بينهم، كقوله: ~~قوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا. . .) الآية، وقوله: (فبئس القرين)، و ~~(ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون). # * * * # قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ~~ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن # PageV08P257 # آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته ~~يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم ~~إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون (25) # وقوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) قوله: (فسبحان الله) ~~فهمت الأمة من قوله: (فسبحان الله): الصلاة؛ أي: صلوا لله، ولو كانت أفهام ~~أهل زماننا هذا لكانوا لا يفهمون سوى التسبيح المذكور. # ثم يحتمل ثسميتهم التسبيح: صلاة، وفهمهم منه ذلك لوجهين: # أحدهما: لما في الصلاة تسبيح، فسموها بذلك؛ لما فيها ذلك. # أو لما أن التسبيح تنزيه، والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الرب؛ لأن ~~فيها إظهار الحاجات إليه والعجز والضعف، وفيها تعظيم الرب وإجلاله، ووصفه ~~بالجلال والرفعة، فقهموا من التسيح الصلاة؛ لما ذكرنا؛ لما هي تنزيه للرب ~~من ms3424 أولها إلى آخرها. # ثم منهم من قال: إن الصلوات الخمس ذكرت في هذه الآية بقوله: (فسبحان الله ~~حين تمسون): صلوات المغرب والعشاء الآخرة (وحين تصبحون): صلاة الفجر ~~(وعشيا) صلاة العصر (وحين تظهرون) صلاة الظهر. # ومنهم من يقول: لا؛ بل ذكرت فيها أربع صدوات: حين تمسون): المغرب (وحين ~~تصبحون): الفجر (وعشيا): العصر (وحين تظهرون): الظهر، وأما العشاء الآخرة ~~ففي قوله: (ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم)، والله أعلم. # وقوله: (وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) يحتمل ~~قوله: (وله الحمد) على التقديم والتأخير يقول: سبحان الله وله الحمد؛ فيكون ~~الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح. # أو لما فيها من التحميد. # أو يقول له يحمد أهل السماوات والأرض، والله أعلم. # وقوله: (حين تمسون وحين تصبحون) (وعشيا وحين تظهرون) أي: إذا دخلوا في ~~المساء والعشاء والصبح والظهر. # وقوله: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها ~~وكذلك تخرجون (19) يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئا، لا من أصل؛ لأنه ~~قال: (يخرج الحي من الميت) والميت ليس فيه الحياة، وكذلك # PageV08P258 # الميت من الحي، وليس في الحي موت، ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء ~~الحياة فيه، وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر. # ثم اختلف فيه أهل التأويل: # قال بعضهم: يخرج الناس والدواب والطير من النطف، (ويخرج الميت) يعني: ~~النطف (من الحي) من الناس والدواب والطير. # وقال بعضهم: (يخرج الحي من الميت) أي: المسلم من الكافر (ويخرج الميت من ~~الحي) أي: الكافر من المسلم. # ولكن يجيء على هذا أن يقول: يخرج من المسلم ما يكون كافرا، ومن الكافر ما ~~يصير مسلما؛ لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام، ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد ~~منهما وقت الخروج حتى يبلغ فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام، وقد ذكرنا ~~هذا فيما تقدم، وفي الآيات التي تقدم ذكرها؛ من نحو قوله: (أولم يتفكروا في ~~أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. . .) الآية، ~~وقوله: (أولم يسيروا في ms3425 الأرض. . .) الآية، وأمثال ذلك مما يذكر ويخبر ~~أولئك الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك. # وفي الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يملكون القدرة على فعل بعوضة، فلا ~~يكون لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما ~~صاروا رمادا، أو كلام نحو هذا. # وقوله: (وكذلك تخرجون) أي: كذلك تبعثون وتحيون، كما أخرج الحي من الميت ~~والميت من الحي، من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، والله ~~أعلم. # وقوله: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) يحتمل: ~~آيات وحدانيته وربوبيته وحججه، وآيات بعثه وإحيائه، وآيات رسالة الرسل، ~~ونحوه. # وقوله: (أن خلقكم من تراب) ويخرخ على وجوه: # أحدها: نسب خلقنا إلى التراب؛ لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من ~~التراب، وهو آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة، كما نسب خلقنا ~~إلى النطفة وإن لم يخلق أنفسنا كما هي من النطفة، لكنه أضاف ذلك ونسب إلى ~~النطفة؛ لما هي أصل ما خلقنا منها. # والثاني: نسبنا إلى التراب؛ لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا ~~في الخارج من # PageV08P259 # التراب، فإنما هو إخبار عما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من ~~التراب من الأصل، فيخبر - والله أعلم -: أنكم لا تصورون خلق الجسم إن لم ~~تشاهدوا تلك الطينة التي منها تتكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها، ومعاينتكم ~~إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها. # والثالث: نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم؛ على ما ذكرنا، إلا أن قوله: ~~(خلقكم) أي: قدركم من ذلك الأصل، والتخليق: هو التقدير في اللغة، وذلك جائز ~~في اللغة، وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل، وذلك جائز نسبتنا وإضافتنا إلى ~~التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ذكر: " أن ملكا يأتي بكف من تراب، ~~فيذره في تلك النطفة في رحم المرأة، فيخلق منه حينئذ الولد "، فإن صح هذا ~~فيكون خلق جميع الناس وأصلهم من تراب. # وقوله: (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) أي: ثم ms3426 إذا أنتم ذريته من بعده بشر ~~تنبسطون؛ كقوله: (وينشر رحمته)، أي: يبسط. # أو (تنتشرون)، أي: تتفرقون في حوائجكم، وفي طلب أغذيتكم، وما به قوام ~~أنفسكم، والله أعلم. # وقوله: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) أي: من أجناسكم وأشكالكم ~~(لتسكنوا إليها) يقول: إنما جعل ما تسكنون إليه وتتألفون من جنسكم وشكلكم ~~ما تعرفون، لم يجعل في غير جنسكم وشكلكم ما تعرفون؛ كقوله: (لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم)، أي: من جنسكم وشكلكم من تعرفون صدقه وثقته وأمانته ما لو كان ~~من غير جنسكم وشكلكم لا تعرفونه؛ فعلى ذلك جائز قوله: (خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا) أي: من جنسكم ما تسكنون إليها، وتستأنسون بها ما لو كانوا من غير ~~جنسهم لا يكون ذلك؛ إذ يستأنس كل ذي شكل بشكله وجنسه. # والثاني: ما ذكرنا أنه أراد آدم وحواء؛ أي: خلق زوجته حؤاء من نفسه، ~~فجعلها له سكنا يسكن إليها، وششأنس بها، والله أعلم. # وقوله: (وجعل بينكم) أي: بينكم وبين الأزواج (مودة ورحمة) يحتمل قوله: ~~(مودة) وجهين: # أحدهما: يودها؛ لما جعل له موضعا لقضاء شهوته وحاجته، وكذلك هي توده # PageV08P260 # لذلك، (ورحمة) أي: يرحم بعضهم بعضا، ويتحنن إليه، إذا نزل بواحد منهما ما ~~يمنع قضاء الشهوة والحاجة. # والثاني: يود بعضهم بعضا ويرحم بالطبع والخلقة؛ إذ كل ذي طبع يود شكله ~~وجنسه إذا كان في حال السعة والرخاء والسرور، ويرحمه إذا نزل به البلاء ~~والشدة؛ هذا معروف عند الناس أن يتراحم بعضهم على بعض في حال نزول البلاء ~~والشدة، وتوادهم في حال السعة والسرور. # وقال الحسن: (وجعل بينكم مودة) أي: الجماع (ورحمة) أي: الولد. # فكيفما كان فهو يخبر عن لطفه ومنته؛ حيث جعل بين الزوج والزوجة المودة ~~والرحمة على عدم القرابة والرحم، وبعد ما بينهما؛ فصارا لما ذكرنا في ~~المودة والرحمة كالقريبين وذوي الرحمين وأقرب القريب، وذلك على المعتزلة؛ ~~لأنه أخبر أنه (جعل): بينهم مودة ورحمة، وذلك فعل الزوجين في الظاهر، ثم ~~أضاف ms3427 ذلك إلى نفسه، وأخبر أنه (جعل) دل أن له صنعا في ذلك؛ فيبطل قولهم: إن ~~ليس لله صنع في فعل العباد، ويبطل اللطف الذي ذكر أنه جعل بينهم. # وقوله: (إن في ذلك لآيات) لما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات ~~البعث والنشور، أو آيات الرسالة والنبوة (لقوم يتفكرون) لقوم ينتفعون، وهم ~~المؤمنون، أو (لقوم يتفكرون) ويتدبرون ويعتبرون، فيعرفون، فأما من لا يتفكر ~~ولا يتدبر فلا ينتفع به، فهو ليس بآيات له، والله أعلم. # وقوله: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ~~ذلك لآيات للعالمين (22) آيات وحداتيته وربوبيته وألوهيته، وآيات بعثه. # وقوله: (خلق السماوات والأرض) في خلق السماوات ورفعها في الهواء وإقرارها ~~فيه آية؛ لأنه غير موهوم مثله من فعل الخلق وقدرتهم، وهكذا خلق الأرض ~~وبسطها وإقرارها على الماء، أو على الريح خارج عن فعل الخلق ومن قدرتهم، ~~غير موهوم ذلك في أوهامهم وعقولهم من غير الواحد العالم القادر بذاته، فإذا ~~كان ما ذكر غير موهوم في أوهامهم وعقولهم من غير الله فهم إنما أنكروا ~~البعث لما لم يعاينوا ذلك ولا شاهدوا في أوهامهم، فكيف أنكروا البعث وإن ~~كان غير موهوم ذلك في أوهامهم، بعد أن كان ذلك موهوما من الله، مشاهدا، ~~معاينا لمثل هذا؟! والله أعلم بذكر هذا. # PageV08P261 # وقوله: (واختلاف ألسنتكم وألوانكم) كأنه يقول: وفي خلق اختلاف ألسنتكم ~~آياته أيضا؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث ~~النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال، وخروجه ~~عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة. # وهذا على المعتزلة؛ لقولهم: إن أقوال العباد غير مخلوقة، لا صنع لله ~~فيها، فلو لم يكن له فيما يتكلمون وينطقون على اختلاف ذلك صنع؛ فلا آية ~~تكون له في ذلك، فدل أنه صار آية له؛ لما له صنع في ذلك، وكذلك فيما تختلف ~~الألوان بفعل يكون من الخلق وتتغير عند الغضب والسرور والفرح، ثم أخبر أن ~~ذلك آياته دل أنه خالق لأفعالهم ms3428 وأقوالهم حتى كان آية له والله أعلم. # وأهل التأويل يقولون: (واختلاف ألسنتكم): عربي، وعجمي، ونبطي، وتركي، ~~ونحوه (وألوانكم): أبيض، وأحمر، وأسود، ونحوه، وأصله ما ذكرنا أن في ذلك ~~لآيات للعالمين؛ جائز أن يكون آيات لمن انتفع به من العالمين، أو آية لمن ~~تفكر وتدبر من العالمين؛ لأنه إذا تفكر وتدبر عرف وجه الآية في ذلك. # وقوله: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يسمعون (23) لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين ~~مأتاه ومأخذه، ثم يأخذ منهم جميع منافع الأحياء: من السمع، والنطق، والفهم، ~~والرؤية، وجميع ما تنتفع به قبل ذلك، ثم يرد ذلك إليهم من غير أن عرفوا ~~بذلك فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والأكساب؛ ليعلم أن من قدر على مثل ~~هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه ورده إليه، فهو أخو الموت؛ قال الله - تعالى ~~-: (يتوفاكم بالليل)، سمى النوم: الوفاة، وهو مثله؛ لما ذكرنا أن جميع ~~منافع الأحياء ترتفع وتزول بالنوم ثم ترد إليهم من غير أن يشعروا بذلك، فمن ~~قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت. # وقوله: (وابتغاؤكم من فضله) جهة الآية فيما ينتفعون من فضله هو خلقه تلك ~~المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق؛ أخبر أنه خلق ذلك منهم؛ ~~ففيه دلالة خلق أفعال العباد؛ فهو على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعالهم. # أو أن تكون جهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف، وعلمهم ~~إياها وأحوجهم إليها؛ ليصلوا إلى منافعهم، والله أعلم. # وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) يحتمل قوله: (لقوم يسمعون) أي: ~~ينتفعون بسمعهم، أو لقوم يجيبون. # PageV08P262 # والسمع يجوز أن يعبر به عن الإجابة؛ كقوله: " سمع الله لمن حمده "؛ أي: ~~أجاب الله لمن دعاه. # أو أن يكون قوله: (لقوم يسمعون) أي: يعقلون، ويجوز العبارة به عنه؛ ~~كقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) أي: يعقلون، ويقال: (لقوم يسمعون) ~~المواعظ فيقبلونها فينتفعون بها. # وقوله: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به ms3429 ~~الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) # قيل فيه بوجهين: # أحدهما: يريكم البرق للخوف والطمع: تخافون سلطانه وقدرته أن يصيبكم ذلك ~~البرق فيذهب بأبصاركم، وطمعا ترجون رحمته بصرفه عنكم. # والثاني: (خوفا وطمعا) أي: يريكم البرق فتخافون وتطمعون؛ يخاف المسافر ~~قطع مسيره ومنعه عنه، وتطمعون، أي: يكلمع المقيم رحمته ما يكثر به أنزاله ~~ومعاشه. # والثاني: تخافون الصواعق، وتطمعون المطر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها) هو ظاهر، قد ~~ذكرناه (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) هو يحتمل ما ذكرنا (لقوم يعقلون): ~~ينتفعون بعقولهم، أو (لقوم يعقلون) لو تدبروا وتفكروا، والله أعلم. # وقوله: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من ~~الأرض إذا أنتم تخرجون (25) هو ما ذكرنا أنه قامتا على شيء غير موهوم ذلك ~~في أوهام الخلق قيام شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح، ~~فكيف حمدهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء ~~بعد الموت، فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر. # وقوله: (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) اختلف فيه: قال ~~بعضهم: هو على التقديم والتأخير، أي: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من ~~الأرض، والدعوة هو النفخة الآخرة. # وقال بعضهم: هو ما ذكر: الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس، من ~~هنالك يسمعون الذعوة. # ثم اختلف في الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، ونحو ما ذكر: # فمنهم من يقول: على حقيقة الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، على ما ذكر. # PageV08P263 # وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر، وعبارة عن خفة ذلك ~~وهونه؛ كقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، وقوله: (إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)، ليس أن كان منه (كاف) أو ~~(نون)، لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة ~~والدعوة والصور، والله أعلم. # وفي قوله؛ (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ms3430 إذا أنتم تخرجون) دلالة وإخبار ~~أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب؛ لأنه أخبر أنه دعاكم دعوة ثم ~~تخرجون، والدعوة ليست هي سببا للإحياء والإنشاء بل أخبر أنه يخرجهم إخراجا ~~ثبت أنه ما ذكرنا، وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ~~ينطقون يخلق في الحقيقة فإذن آياته عبث؛ لأن الحروف شهد خلقه، ولا جسمه، ~~ولا سمعه، وبما احتج، فيكون بمعنى من يقول: لله آيات في الكلام احتج بها ~~على عبادة الذين لم يطلعهم عليه، ولا سبيل لهم إلى التطلع عليها، وذلك بعيد ~~من العقول، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه يعرفه المتفكر بما يرى ~~من عجز المتفوه به على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه، وعلى ~~الحد الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف فيعلم أن ذلك ~~كان الآية على ما كان عليه؛ بل بالله جل وعلا، ولا قوة إلا بالله. # وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد؛ نحو ما يظهر عند شدة الشرور ~~بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدا عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو ~~عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم ~~بتخليق الله، وأما النوم في اللون فوضع، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من ~~فضله؛ أي: ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من ~~الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق، وقد احتج الله - سبحانه وتعالى - على ~~العباد، فأخبر أنه من آياته، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي ~~يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير، فثبت أن الابتغاء ~~مخلوق يخلقه، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركاء في ms3431 ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من ~~أضل الله وما لهم من ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر # PageV08P264 # الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من ~~المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ~~(32) # وقوله: (وله من في السماوات والأرض ... (26) حرف " من " إنما يتكلم به ~~ويعبر عمن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف " ما " عن ملك الأشياء نفسها، ~~فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون ~~له. # يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في ~~السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة ~~لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة ~~وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من ~~الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضا. # وقوله: (كل له قانتون) قال بعضهم: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن ~~كان هذا فتأويله: (كل له قانتون) أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، ~~والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدوما، وإن ~~أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره. # وقال بعضهم: (كل له قانتون) أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل ~~حال يقوم بتدبيره وأمره. # وقال بعضهم: (كل له قانتون) أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة ~~الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ~~ذلك؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له ~~بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع ~~بالخلقة والصنعة. # وقال بعضهم: (كل له قانتون) أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو ~~حال الخوف والضرورة، يخضع له ms3432 كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم ~~من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين)، وقولهم: (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)، ونحو ~~ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، والله أعلم. # وقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ... (27) لا يحتمل أن يخلقهم ~~وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه، ~~أو يأمره لذلك، ولكن # PageV08P265 # إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم. # أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته. # (وهو أهون عليه) اختلف فيه: # قيل: (وهو أهون عليه) و (هين) ابتداؤه وإعادته؛ كقوله: (وذلك على الله ~~يسير)، وقوله: (هو علي هين)، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: ~~الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: (وهو ~~أهون عليه) أي: عليه هين؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون ~~عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد داخل تحت قوله: (كن) وإنما يقال: ~~أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ~~ذلك إذا قلت وضعفت، فأما الله - سبحانه وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، ~~وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، ~~وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب. # وقال بعضهم: قوله: (وهو أهون عليه) في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: ~~إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون ~~تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء ~~وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم ~~وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو ~~على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله. # وقال بعضهم: قوله: (وهو أهون عليه) يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك ~~الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ms3433 ينقله ويحوله من ~~حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال ~~المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقا وصورة، ~~فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ~~ذكر: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، وقوله: (وما أمرنا إلا ~~واحدة كلمح بالبصر) وقوله: (إلا صيحة واحدة)، ونفخة ودعوة وما ذكر، ~~فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء. # وقوله: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) أي: له الصفات العالية، ثم ~~هو يخرج على وجوه: # PageV08P266 # أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ ~~على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك ~~كقوله: (وله الحمد. . .) الآية. # والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله: (ليس ~~كمثله شيء): لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، ~~وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد ~~لا شريك له. # والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضا: عالم لا جهل فيه، ~~قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو ~~عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل ~~بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى ~~وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر. # فالله - سبحانه وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضا ولا يدخل في ذلك ~~نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ~~ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ~~ما ذكر، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (وهو العزيز الحكيم): الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه ~~إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض ms3434 إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم ~~يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ~~ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما الله - سبحانه - فهو عزيز بذاته، لا يلحقه ~~الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه. # أو أن يكون قوله: (العزيز) المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره ~~في ألوهيته وربوبيته. # والحكيم: هوالذي لا يلحقه الخطأ في التدبير. # يخبر - والله أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم ~~يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ ~~فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع ~~المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته ~~- هو موصوف بالسفه غير موصوف # PageV08P267 # بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن ~~يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم. # فأما الله - سبحانه - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على ~~علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن ~~الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من ~~الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) قال بعضهم: ضرب لكم مثلا. # من مثل خلقكم، يقول - والله أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو ~~تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله، أو تسميتكم ~~الأصنام بالله. # ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه: # أحدها: قوله: (هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سواء)، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى ~~تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من ~~خلقه في ملكه وألوهيته؟! # والثاني يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيما ms3435 تملكون من ~~الأموال؟! فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ~~ملكه وسلطانه؟!. # أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم ~~تسووا مماليككم بأنفسكم في - ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ~~ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟! والله أعلم. # وقوله: (تخافونهم كخيفتكم أنفسكم). # أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم. # وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه. # وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم ~~الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، ~~والأول أشبه. # PageV08P268 # وفي قوله: (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء ~~في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في ~~الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق ~~السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعا في المنافع؛ دل أنهم يملكون ~~منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك ~~يدل قوله: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء. . .)، أنه لما نفى ~~عنه القدرة على شيء - والله أعلم - يكون تأويل قوله: (وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) أي: ~~يغنهم الله من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم. # وقوله: (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون). # أي نبينها. # (لقوم يعقلون). # أي: لقوم ينتفعون بعقولهم. # والثاني: قوله: (نفصل الآيات)، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من ~~أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: (ومن آياته) كذا، (ومن آياته) كذا، ~~والتفصيل يخرج على وجهين: # أحد هما: التبيين. # والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد ~~واحدة، فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟ ~~قيل: في هذه الآيات، التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم ~~رأوا البعث ms3436 ممتنعا بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة ~~التي لها رأوا البعث ممتنعا، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض ~~بالذي ذكر. # ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، ~~أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن ~~الحكمة؛ لوجوه: أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء ~~خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق ~~للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجا عن الحكمة. # والثاني: أنه لو لم يجعل البعث ودارا أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما ~~قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم ~~يكن دار أخرى فيها # PageV08P269 # يفرق لكان ذلك خارجا عن الحكمة. # والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد ~~يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء ~~جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب ~~البعث، والله أعلم. # وقوله: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما ~~لهم من ناصرين (29) # يحتمل قوله: (الذين ظلموا)، أي: ظلموا أنفسهم؛ حيث لم يستعملوها فيما ~~أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه. # أو ظلموا حجج الله وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها ~~حيث وضعت. # وقوله: (أهوآءهم) في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن الله إلى من لا يستحق ~~العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله: ~~(ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا) أي: حجة وبرهانا. # وقوله: (فمن يهدي من أضل الله). # أي: أحد سوى الله يهدي من أضله الله؟ أي من يؤثر الضلال واختاره أضله ~~الله، لا يهديه سواه. # (وما لهم من ناصرين). # ينصرونهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم. # أو (وما لهم من ناصرين)، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب الله، ms3437 والله ~~أعلم. # وقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) # قال بعضهم: هذا الخطاب لرسول الله؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: ~~(ومن آياته) كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول ~~الله: أقم وجهك أنت للدين حنيفا. # قال الشيخ - رحمه الله -: وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله: ~~(قل يا أيها الكافرون)، و (قل هو الله أحد)؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه ~~هذا أن قل: هو الله أحد، و: يا أيها الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: (فأقم وجهك ~~للدين حنيفا) هو لكل أحد. # ثم الإقامة تحتمل وجهين: # أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك. # PageV08P270 # والثاني: أقم: أتمم. # (فأقم) ما ذكرنا (للدين حنيفا): قال بعضهم: الحنيف: هو من حنف القوم ~~وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدين في كل حال وكل وقت. # وقال بعضهم: هو من الإخلاص والإسلام له. # وقوله: (فطرت الله التي فطر الناس عليها). # ثم فسر ذلك فقال: (فطرت الله التي فطر الناس عليها): هذا يحتمل وجوها: # (فطرت الله)، أي: معرفة الله التي جبل الناس عليها أن يكون الله يجعل في ~~كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من ~~أن معرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ~~ولذلك يخرج قوله: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ~~"؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه ~~يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه. # والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ ~~إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته. # وكذلك قوله: " كل مولود يولد على الفطرة "، أي: على الخلقة التي تدل ~~وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم ~~لأدركوا. # والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان. # وقوله: (لا تبديل لخلق الله). # PageV08P271 # قال ms3438 عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين الله، سماه: خلقا. # وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ~~ويحتالون في قوله (لا تبديل لخلق الله)، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء ~~إليه، أو كلام نحو هذا. # فيقال: إن الدين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر ~~أنه خلق الله؛ فدل أنه مخلوق. # وجائز أن يكون قوله: (لا تبديل لخلق الله)، أي: لما فيه دلالة وحدانية ~~الله وشهادة ربوبيته؛ كقوله: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت). # أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم. # وقوله: (ذلك الدين القيم). # أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أولئك الكفرة أتباع ~~الهوى. # أو أن يكون الدين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين ~~الحنيف. # وقوله: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) ~~هو صلة قوله: (فأقم وجهك للدين حنيفا) (منيبين إليه)، فهذا يدل على أن ~~الخطاب بقوله: (فأقم وجهك) للكل؛ حيث قال: (منيبين إليه)، أي: أقبلوا إليه ~~وأنيبوا له. # ثم الإنابة تقع فيما يفع به الأمر، كأنه يقول - والله أعلم -: أنيبوا إلى ~~الله بما يأمركم به. # (واتقوه). # عما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله - تعالى -: (أن ~~تبروا وتتقوا)، بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه. # وقوله: (وأقيموا الصلاة). # هو يحتمل وجوها. # (أقيموا) أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن ~~يقع الأمر بها مرة واحدة. # والثاني: (أقيموا) أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك. # والثالث: (أقيموا)، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها. # وفي الصلاة أحوال ثلاث: # PageV08P272 # أحدها: الجواز. # والثاني: التمام والكمال. # والثالث: التزيين والتحسين. # ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي. # ويجب على كل مصل خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع. # وقوله: (ولا تكونوا من المشركين). # يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي: لا ~~تصلوا لغير ms3439 الله، ولا تعبدوا من دونه. # أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم ~~كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة. # أو أن يكون صلة قوله: (منيبين إليه)، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، ~~مقبلين على طاعته، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره. # وقوله: (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # قال بعضهم: لا تكونوا من المشركين، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم. # ثم قوله: (ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم)، وقرئ: ~~(فارقوا)؛ فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل. # أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له ~~والربوبية. # وقوله: (وكانوا شيعا) يحتمل: صاروا شيعا، أي: فرقا وأحزابا بعدما كانوا ~~على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل. # أو كانوا شيعا ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى ~~أصل وإحد وأمر وأحد، والله أعلم. # وقوله: (فرقوا دينهم)، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطغا وفرقا وأديانا، من ~~نحو اليهودية، والمجوسية، والنصر انية وغيرها. # (كل حزب بما لديهم فرحون). # يقول - والله أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به، ~~فرحون. # وجائز أن يكون قوله: (ولا تكونوا من المشركين): في الذي فطرتم عليه، وهو ~~ما # PageV08P273 # جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من ~~المشركين في ذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه ~~رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف ~~تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) ~~وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربو في ms3440 أموال ~~الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون (39) # وقوله: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه). # قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله: (دعوا الله مخلصين له الدين). # وقال قائلون: مطيعين. # وقال قائلون: موحدين. # وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة ~~هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن ~~كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من ~~الاحتجاج على أولئك، وتنبيه وعظة للمؤمنين. # أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع ~~المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له ~~والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته. # والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته؛ حيث فزعوا عند ~~الشدائد والبلايا إلى الله، وأخلصوا له الدين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه ~~أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله، تعالى. # والثالث: تصديقا لقوله (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)؛ لأنهم كانوا ~~يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا) فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر. # وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال ~~واحد في حال # PageV08P274 # الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكرا ~~له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له ~~منيبين إليه راجعين. # وفيه دلالة: شدة سفه أولئك الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدين ~~عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة. ~~وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض ~~عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة ~~سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعا، والله أعلم. # وقوله: (ثم إذا أذاقهم منه رحمة). # أي: السعة ms3441 والرخاء. # (إذا فريق منهم بربهم يشركون). # فإن قيل: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ~~ولا ينظرون فيها. # قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه. # أو أن ينظر في ذلك فريق جمنهم ويعرفونه، والله أعلم. # وقوله: (ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) # اختلف فيه: # قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا ~~يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل. # وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم ~~يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ~~ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا. # ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على الله الأصلح للعباد ~~لهم في الدين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس ~~له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك ~~الوقت لكان هو المانع إيمانه. # فيقال: إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك ~~لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدين، ~~بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على ~~الله حفظ الأصلح # PageV08P275 # للخلق في الدين. وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقا، ولعلهم يسلمون في ~~وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه. # وقوله: (فتمتعوا) وهو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله: ~~(اعملوا ما شئتم)، وقد ذكر في آية أخرلمحما: (وليتمتعوا)؛ فهو ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله: (أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) # قال بعضهم: (أم أنزلنا): بل أنزلنا عليهم سلطانا وحججا، فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم ~~كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام ms3442 (ليقربونا إلى الله ~~زلفى)، و (هؤلآء شفعاؤنا عند الله)، ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ~~ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن قوله: (أم أنزلنا عليهم سلطانا)، أي: ما أنزلنا ~~عليهم سلطانا فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله: (أم ~~للإنسان ما تمنى)؛ فعلى ذلك قوله: (أم أنزلنا عليهم سلطانا) أي: لم ننزل ~~عليهم سلطانا يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر الله؛ ~~كقولهم: (والله أمرنا بها) ففيه وجهان على أولئك الكفرة: # أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة ~~في قولهم بان الله أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب ~~أو السلطان في إباحة ذلك. # والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ~~ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون ~~من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من ~~الآية ما أعلمهم وأنباهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من ~~الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون ~~من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟! # وقال بعضهم: (أم أنزلنا عليهم سلطانا): كتابا فيه عذر لهم، فهو يشهد بما ~~كانوا به يشركون. # وقوله: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم # PageV08P276 # يقنطون (36) # إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: (وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه. . .) إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: ~~(إذا هم يقنطون) من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: (وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون)، وفي الأولى يقول: (وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه)؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون ~~القنوط من الأصنام، والله أعلم؛ كقوله: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه). # أو أن ms3443 يكون قوله: (إذا هم يقنطون): عندما امتد بهم الضر والشدة؛ حينئذ ~~ييئسون من رحمة الله، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه ~~وأنابوا له. # أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقا ~~وأحزابا في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق ~~والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله: (ولئن ~~أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقناه ~~نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور)، وكقوله: (ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه). # ومنهم من كان يخلص الدين في حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة ~~والرخاء؛ كقوله: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)، ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ ~~فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين. # أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، ~~وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول. # أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله؛ كقوله: (ضل من ~~تدعون إلا إياه). # وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (37) يحتمل قوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) على الكافرين؛ ~~كقوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه). # ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، ~~وفي # PageV08P277 # إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله؛ لأن أهل مكة ~~كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله؛ فالاحتجاج عليهم بهذه ~~الآية على الوجوه التي ذكرنا. # فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة: # أحدها: أنهم كانوا ms3444 ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على ~~بعض فضلا؛ كقوله: (ما هذا إلا بشر مثلكم)؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في ~~الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض ~~على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة. # والثاني: ذكر مقابلا لقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم)؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى الله تعالى، يختار من يشاء ~~لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء ~~والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعا يتمنون السعة ويحبونها، ~~ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى الله تعالى كله. # والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة ~~التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على ~~هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم. # وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضا: # أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع ~~والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعا، وضيق على الولي ووسع على العدو، ~~وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في ~~هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، ~~والله الموفق. # والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع ~~عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما ~~مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، ~~وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ ~~فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة ~~عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه. # والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على ms3445 توسيع الرزق وبسطه وتضييق ~~الرزق # PageV08P278 # وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدييرهم وبغير أسباب لقادر على ~~إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم. # وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك ~~أنهم قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، و (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله)، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع ~~والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو ~~متناقض وسفه وسرف في القول. # وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في ~~مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون ~~صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق ~~إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعا حتى يقع ~~منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم. # وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) يحتمل وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار. # والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من ~~كفر بها فلا ينتفع. # وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا ~~قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من الله أنه ~~يرزق بأسباب وبغير أسباب. أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، ~~فلم يقضها: أن يرى حرمانها من الله، لا من ذلك الرجل. # وقوله: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) # يحتمل قوله: (حقه) أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله: (ما لنا في بناتك ~~من حق)، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا ~~بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: (والمسكين وابن السبيل): أي: سد ~~المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل. # ويحتمل قوله: (فآت ذا القربى حقه): الحق الذي ms3446 كان لهم، لكن لم يبين ذلك ~~الحق # PageV08P279 # في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ~~إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين)، وما ذكر ~~من المواريث قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين. . .) ~~الآية، ونحو ذلك من الحقوق. وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات ~~والزكاة، والله أعلم. # وقوله: (ذلك خير للذين يريدون وجه الله). # يحتمل قوله: (ذلك خير)، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من ~~الأبعدين والأغنياء وغيرهم. # أو أن يكون قوله: (ذلك خير)، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه الله - خير ~~مما لا يراد به. # وقوله: (وابن السبيل). # اختلف فيه: قال بعضهم: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله. # وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل. # وجائز أن يكون قوله: (ذلك خير للذين يريدون وجه الله)، أي: آت من ليست له ~~عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافأة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، ~~والله أعلم. # (وأولئك هم المفلحون). # قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة. # قال أبو عوسجة: (القيم) المستقيم، (منيبين إليه)، أي: تائبين، (يقنطون): ~~ببنسون. # وقوله: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) # قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ~~ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم ~~من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا ~~الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح ~~للناس عامة لا بأس به. # وأما قوله: (ولا تمنن تستكثر)، فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطى أكثر ~~منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة. # ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: (فلا يربو عند الله)، يقول: لا يزداد ولا ~~يتضاعف ذلك # PageV08P280 # عند الله، ولم يقل ما قال في الربا ms3447 المحرم المحظور؛ حيث قال: (يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات): ذكر المحق وهاهنا ذكر: (فلا يربو عند الله)، أي: لا ~~يزداد ولا يتضاعف. # لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: (فلا ~~يربو عند الله) كقوله: (فما ربحت تجارتهم): إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى ~~أنه قال: (وأولئك هم الخاسرون)؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: ~~(فلا يربو عند الله): إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - والله أعلم - ~~لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب ~~في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف ~~بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: " الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها ~~وجه الله والدار الآخرة ". # ثم بين ما الذي يربو عند الله، وهو ما قال. # (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله). # ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه ~~الله؛ فهو الذي يقبله الله ويضاعف عليه. # ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في ~~الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند الله. # (فأولئك هم المضعفون). # وكان يجيء أن يقال: فأولئك هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، ~~لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو ~~الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف. # وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف ~~المضاعفة، بتصدقهم ابتغاء وجه الله؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك. # ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين ~~الناس؛ # PageV08P281 # لأنه أجاز الهدية والعطية على فصد الفضل والزيادة. وإن كان على شرط ~~الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان ~~على قصد أولئك طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون ms3448 مرة الأكثر، ولا يكافئون ~~بعضا ويحرمون بعضا؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك ~~الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد ~~يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره ~~وليثن عليه "، أو كلام نحو هذا. # والثاني: أن أهل المعاملة يثشرطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا ~~يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون ~~تعريضا؛ لذلك افترقا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من ~~شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) ظهر الفساد ~~في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ~~(41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم ~~مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ~~ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) # وقوله: (الله الذي خلقكم). # ولم تكونوا شيئا، وأنتم تعلمون ذلك. # (ثم رزقكم). # وأنتم تعلمون ذلك أن لا يقدر الأرزاق لكم غيره. # (ثم يميتكم). # وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ~~ممن تعبدون دونه من اللأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه. # وقوله: (هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف ~~تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟! # والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة الله وألوهيته تملك ما ~~ذكر، # PageV08P282 # يقول: لا تملك شيئا مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف ~~تشركونها في ألوهيته؟ ثم نزه نفسه وبرأها عن جميع العيوب التي وصفه ~~الملحدون، فقال: # (سبحانه وتعالى عما يشركون). # لأن حرف (سبحان) حرف تنزيه ms3449 عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن ~~أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره. # وقوله: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا لعلهم يرجعون (41) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون قوله: (ظهر الفساد في البر والبحر)، وهو الشرك والكفر، ~~(بما كسبت أيدي الناس) من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، ~~والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذدك هو سبب شعركهم ~~وكفرهم بالله، وبذلك كان شعركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى ~~قلوبهم للإيمان؛ كقوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)، وكقوله: ~~(فأعقبهم نفاقا في قلوبهم. . .) الآية، ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة ~~تقديم الأيدي والكسب. # والثاني: أن يكون (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) هو ~~القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: (بما كسبت أيدي الناس) هو ~~شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال ~~والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي ~~على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ ~~كقوله: (ذلك بما قدمت يداك)، ولعله لم يقدم شيئا، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك ~~والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يينعهم عن ~~الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم. # وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال ~~والضيق؛ (بما كسبت أيدي الناس): هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على ~~حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا. # ثم اختلف في قوله: (في البر والبحر): قال بعضهم: البر: هو المفاوز التي ~~لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار. # PageV08P283 # وقال بعضهم: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف. # وقال بعضهم: البر: قتل ابن آدم أخاه، والبحر: (يأخذ كل سفينة غصبا). # وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال ~~نفسها، على ما ذكرنا من ms3450 القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من ~~الثرك والكفر. # (ليذيقهم بعض الذي عملوا). # وهو الشرك، هذا أشبه. # وعن الحسن قال: (أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم ~~يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم). # وقتادة يقول: لعل راجعا يرجع، لعل تائبا يتوب، لعل مستغيثا يستغيث، ~~وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله. # وقال بعضهم: (ظهر الفساد في البر والبحر)، أي: أجدب البر وانقطعت مادة ~~البحر؛ بذنوب الناس. # قال أبو عوسجة: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، (ليربو)، أي: ~~ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر. # والقتبي يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة. # وقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين (42) قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير ~~في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان ~~قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب ~~الرسل والشرك بالله. # أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا ~~واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من ~~قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك؛ والله أعلم. # وقوله: (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون (43) # PageV08P284 # قد ذكرناه فيما تقدم في قوله: (فأقم وجهك للدين حنيفا). # وقوله: (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله). # قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله. # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: لا مرد له من الله، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء ~~المحنة؛ كقولهم: (يا ليتنا نرد) الآية، وقولهم: (أخرجنا نعمل صالحا غير ~~الذي كنا نعمل)، ثم أخبر عنهم فقال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)، فعلى ~~ذلك جائز أن يكون قوله: (لا مرد له من الله)، أي: ms3451 لا يردون إلى ما يسألون ~~الرد. # والثاني: (لا مرد له من الله)، أي: لا إقالة لهم من الله ولا عفو ولا ~~توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله: (لا ينفع نفسا إيمانها. . .) الآية. # وقوله: (يومئذ يصدعون). # أي: يتفرقون؛ كقوله: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون)، هو يوم الافتراق، ~~ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم. # وقوله: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) # أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحا، فله ثواب ~~إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عز وجل - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن ~~لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله: (من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها)، وقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) الآية، وهو ما ~~ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة ~~أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (يمهدون)، قال بعضهم: يفترشون. # وقال أبو عوسجة والقتبي: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، ~~والمهاد في الأصل: الفراش. # وقوله: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ~~(45) # هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من الله ~~إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ ~~فإذا كان كذلك صار # PageV08P285 # الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات ~~فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا. # وجائز أن يكون قوله: (ليجزي الذين آمنوا) أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات ~~التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ~~إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين (47) الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به ms3452 من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) ~~فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو ~~على كل شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ~~(51) فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما ~~أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) ~~الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) # وقوله: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات). # إن في الرياح آيات في نفسها، وفيها بشارات. # أما الآيات: فهي آيات سلطانه وتدبيره من وجوه: # أنه أنشأ هذه الرياح في الهواء وفي الأرض وفي الجبال وفي السماء، تصيب ~~الخلائق وتميتهم وتؤذيهم وتصرعهم وتضرهم، من غير أن يروها أو يقع عليها ~~البصر، ومن غير أن يدركوها أو يدركوا كيفيتها، أو ما يتهيأ؛ ليعلم أن من ~~الأجسام ما هي غير مدركة ولا أخذ البصر عليها. # وترى منها طيبة لينة، وخبيثة وشديدة كاسرة عاصفة، يعذب بها قوم، وينصر ~~بها قوم؛ على ما ذكر في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " نصرت بالصبا، وأهلك عاد بالدبور ". # PageV08P286 # ومن بشارتها: ما تلقح الأشجار والنخيل، وتشق الأرض وينبت النبات منها، ~~وتجمع السحاب وتأتي بالمطر، وتجري بهم السفن والفلك في البحار في الماء ~~الراكد والفلك لولا الريح، فذلك كله من البشارة وأنواع المنافع التي جعل ~~فيها، يعلم كل بالأعلام والآثار أنها نافعة أو ضارة مهلكة؛ ثم سماها: ~~مبشرات؛ ليعلم أن البشارة قد تكون بدون النطق والكلام: من نحو الكتاب ~~والإشارة أو الرسالة؛ إذ ليس للريح نطق ولا كلام، ثم سماها: مبشرة، والله ~~أعلم. # وقوله: (وليذيقكم من رحمته). # هذا يدل أن هذه البشارة والمنافع التي جعل لهم كان من رحمته وفضلا، لا ~~استيجابا ولا استحقاقا، وسمى ذلك كله: رحمة؛ لأنه برحمته يكون، والله ms3453 أعلم. # وقوله: (ولتجري الفلك بأمره). # قوله: (بأمره) ويحتمل بتدبيره، أي: بتدبيره تجري السفن في البحار، على ما ~~ذكرنا. # أو أن يريد بأمره: تكوينه، كقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون)، وكقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). # وقوله: (ولتبتغوا من فضله). # هذا يدل على أن ما يصل إليهم من المنافع إنما يصل من فضله ورحمته، لا يصل ~~إليهم بتلك الأسباب والمكاسب؛ لئلا يروا ذلك من تلك الأسباب، ولكن يرون ذلك ~~من فضل الله ورحمته. # وقوله: (ولعلكم تشكرون). # أي: لكي يلزمهم الشكر لله على ذلك كله، والله أعلم. # وقوله: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا ~~من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) # في هذه الآية لي يصبر رسول الله على أذى الكفرة؛ حيث قال: (أرسلنا من ~~قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات). # وفيه أيضا بشارة للمؤمنين، ونذارة لأولئك الكفرة. # أما النذارة لهم فقوله: (فانتقمنا من الذين أجرموا)، أخبر أن أولئك لما ~~كذبوا الرسل، وعاملوهم بما تعاملون أنتم يا أهل مكة رسول الله؛ فانتقمنا ~~منهم جزاء معاملتهم؛ فعلى ذلك ينتقم منكم كما انتقم من أولئك. # وأما البشارة للمؤمنين فقوله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين)، أخبر أن ~~عاقبة الأمور تكون للمؤمنين. # PageV08P287 # وفيه أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا من البشر؛ فكيف تنكرون رسالة ~~محمد إذ كان من البشر. # وفيه: أنه قد أتى قومه بالبينات كما أتى أولئك الرسل قومهم بالبينات. # وقوله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين). # هو يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: كان حقا علينا جعل العاقبة للمؤمنين، لا أن يكون عليه حقا ~~نصر المؤمنين في الدنيا؛ ولكن جعل العاقبة للمؤمنين حقا؛ كقوله: (والعاقبة ~~للمتقين). # والثاني: كان حقا علينا نصر المؤمنين بالحجج التي أعطاهم، أي: كان حقا ~~إعطاء الحجج لهم والنصر والمعونة بالحجج، أي: إعطاء الحجج لهم. # وقال بعضهم: نصره إياهم: أنه أنجاهم مع الرسل، وأهلك أولئك، والله أعلم. # وقوله: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء ms3454 كيف يشاء ~~ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا ~~هم يستبشرون (48) كأنه يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الرياح بحيث يجمع ~~السحاب ويفرقه، ويبسطه ويجعله قطعا: يمطر في مكان، ولا يمطر في مكان، يقول ~~- والله أعلم -: إن من قدر أن يسلط الرياح في جمع السحاب، وتفريقه - يملك ~~تسليط الرياح على تعذيبكم، ويقول: إن المعبود المستحق للعبادة هو الذي يرسل ~~الرياح لما ذكر والأمطار، لا الأصنام التي تعبدون؛ إذ تعلمون أنها لا تملك ~~شيئا مما ذكر. # أو يذكر نعمه التي عليهم؛ ليتأدى بها شكرها، أو يطمعهم إيمان بعض منهم ~~بعدما كانوا آيسين عن إيمانهم، كما أطمعهم المطر والسعة بعد ما قحطوا ~~وكانوا آيسين عنه؛ ألا ترى أنه قال: (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين). قال أبو ~~عوسجة: (فتثير سحابا)، أي: ترفعه. # وقال أبو عبيدة: تجمعه؛ كما يستثير الرجل العلم فيجمعه. # وقوله: (ويجعله كسفا). # قال بعضهم: قطعا قطعا. # وقال بعضهم: يضم بعضه إلى بعض، ويحمل بعضه على بعض. # وقوله: (فترى الودق يخرج). # PageV08P288 # أي: المطر يخرج من خلال السحاب، أي: من بين السحاب، ويقرأ (خلله)، ~~ومعناه: نقبه. # وقوله: (لمبلسين (49) # آيسين، والإبلاس: الإياس؛ ولذلك سمى إبليس: إبليس لأنه أويس من رحمة ~~الله. # وقوله: (فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير (50) # يحتمل أن يكون قوله: (إلى آثار رحمت الله)، أي: المطر، أراد بالرحمة: ~~المطر، سمى المطر: رحمة؛ لأنه يكون برحمته. # أو أن يكون الآثار هو المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه. # ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوها: # أحدها: أمرهم بالنظر إلى ذلك؛ ليعلموا أنه رحيم؛ كي يرغبوا فيما رغبهم ~~ويرجوا فيما أطمعهم ودعاهم إليه؛ إذ قد ظهر آثار رحمته؛ فكل رحيم يرغب فيما ~~رغب وأطمع. # أو أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته؛ إذ ذلك راجع إلى منافع ms3455 أبدانهم ~~وأنفسهم وما به قوامهم؛ ليتأدى بذلك شكره، وفي ذلك يقع الحاجة إلى من ~~يعرفهم تلك النعم ويعرف شكرها؛ فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة ~~وإثباتها. # أو أن يكون سمى المطر: رحمة؛ لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام ~~أنفسهم؛ ليعرفوا الرحمة هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهو رسول الله؛ ~~إذ سماه في غير موضع: رحمة بقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). # أو أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر، وأنه كيف يحي هذه الأرضين الموات، ~~وينبت فيها من ألوان النبات؟! وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضر بعد يبوستها ~~بهذه الأمطار؟! ليعرفوا أن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم ~~وتقديرهم لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجا عن ~~تقديرهم ووسعهم، وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء. # وقوله: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) # يعني به: الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر. # قال بعضهم: رأوه يابسا إذا أصابته الريح الباردة. # (لظلوا من بعده يكفرون). # PageV08P289 # أي: لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله: (وإذا أذقنا الناس ~~رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون)؛ فعلى ذلك ~~قوله: (لظلوا من بعده يكفرون) أي: يقنطون من رحمته، والله أعلم. # وقوله: (فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) ~~جائز أن يكون (لا تسمع الموتى)، يريد بالموتى: أنفسهم، (ولا تسمع الصم ~~الدعاء) الصم: أنفسهم أيضا، يقول: لا تسمع الكفار والضلال إذا ولوا مدبرين. # أو أن يكون قوله: (لا تسمع الموتى) كناية عن الكفار، وكذلك الصم والعمي، ~~وقد سمى الله الكفار: موتى وصما وعميا في غير موضع من القرآن. # ثم في قوله: (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) حكمة، وهو ألا يقدر ~~أن يسمع الأصم الدعاء إذا ولى مدبرا، ولكن يقدر أن يفهم الأصم إذا أقبل، ~~وأما إذا أدبر فلا يقدر أن يسمعه، وكذلك الحكمة في قوله: # (وما أنت بهاد العمي ms3456 عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ~~(53) أي: لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم، وهو الذي يعمى عن ضلالته ويظن ~~أنه على الهدى وغيره على الضلال، فأما من كان مقرا بالضلال فإنك تقدر أن ~~تهديه، يخبر عن شدة سفههم وتعنتهم وعماهم في ضلالتهم، والله أعلم. # وقوله: (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا). # أي: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، هذا يدل على أن قوله: (فإنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء)، وقوله: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) هي ~~المواعظ لا نفس الهدى؛ حيث قال: (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون). # ثم يحتمل قوله: (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) كقوله: (إنما تنذر من اتبع ~~الذكر) أي: إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى. # أو أن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى، فأما من لم يتبع الهدى فلا ~~ينتفع؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا)، أي: ما ينتفع ~~أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، والله أعلم. # وقوله: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: قوله: (خلقكم من ضعف)، أي: من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى: # PageV08P290 # (ألم نخلقكم من ماء مهين)، أي: ضعيف. # ثم قوله: (ثم جعل من بعد ضعف قوة)، أي: إنسانا يقوى على أمور وعلى أشياء. # (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) أي: شيخا فانيا؛ كقوله - تعالى -: (ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا). # وجائز أن يكون قوله: (خلقكم من ضعف)، أي: أطفالا على الخلقة التي أنتم ~~عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء، ~~ثم جعلكم من بعد ذلك الضعف أقوياء تقوون على أشياء وأمور، ثم يجعلكم من بعد ~~تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخا لا تقدرون على شيء، على ما يكون؛ ms3457 يحتمل هذين ~~الوجهين. # ثم فيه وجهان من الدلالة: # أحدهما: على البعث؛ والثاني: على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من ~~أصول. # أما الدلالة على البعث؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث وإنشاء الشيء لا من ~~أصل؛ لخروج ذلك عن قواهم وتقديرهم؛ فيخبر أن النطفة تصير علقة، وليس فيها ~~من العلقة ولا من آثارها شيء، وكذلك العلقة تصير مضغة، وليس فيها من آثار ~~المضغة شيء، وكذلك المضغة تصير إنسانا فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ~~ذلك فيها؛ فمن قدر على ما ذكر لقادر على خلق الشيء لا من أصل، وقادر على ~~البعث؛ إذ كل ما ذكر أقروا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم؛ فلزمهم ~~الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل وألا يقدروا قدرتهم وقواهم بقدرة الله ~~وقوته، على ما شاهدوا أشياء خارجة محن قواهم ومحن تقديرهم، بقوته وقدرته. # والثاني: أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة، والعلقة إلى المضغة، ~~والمضغة إلى الصورة والإنسان - لم يخلقهم ولم ينقلهم؛ ليكون كما ذكر بلا ~~عاقبة تكون لهم ولا بعث؛ فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال ~~عبثا باطلا، على ما ذكر، وكذلك فيما أحدث في الأطفال من القوة والقدرة، بعد ~~ما كانوا ضعفاء لا يقوون ولا يقدرون على شيء أنه إنما أحدث ذلك فيهم؛ ~~ليمتحنوا، ويجعل لهم ما يثابون ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان ~~فعل ذلك عبثا باطلا. # وفيه القدرة على إنشاء الشيء وإحداثه لا من شيء؛ إذ كان التركيب موجودا ~~على التمام ولا قوة بهم، ثم حدث القوة ولا أصل لها ولا أثر من آثارها؛ دل ~~أن تقدير قوى الخلق وقدرتهم، بقوى الله وقدرته محال، والله الموفق. # وقوله: (يخلق ما يشاء وهو العليم القدير). # PageV08P291 # بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء، وعلى البعث بعد الموت، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك ~~كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله ms3458 ~~إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) ~~كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # وقوله: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون). # قال بعض أهل التأويل: يقسم المجرمون: إنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة، ~~وكذلك يقولون: في قوله: (كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم. . .) الآية. # لكن الأشبه أن يكون قوله: (يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة): الدنيا في ~~المحنة، لا في القبور، استقصروا مقامهم في الدنيا؛ تكذيبا لما ادعى عليهم ~~من الزلل والمعاصي أنواع الكفر؛ يقولون: إنا لبثنا في الدنيا وقتا لا يكون ~~منا في مثل ذلك الوقت وتلك المدة الزلل والمعاصي؛ ألا ترى أنهم قد كذبوا في ~~إنكارهم طول المقام فيها؛ حيث قال: (كذلك كانوا يؤفكون)، أي: كذلك كانوا ~~يكذبون في الدنيا أن لا بعث ولا حياة بعد الموت ولا حساب، ولولا هذا ~~التكذيب لهم على أثر قولهم: (ما لبثوا غير ساعة)، وإلا كان الظاهر أنهم قد ~~استقصروا المقام في الدنيا؛ لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك ~~وهوله، لكنه - والله أعلم - ما ذكرنا أنهم يقسمون: إنهم ما لبثوا غير ساعة ~~في الدنيا؛ إنكارا وجحودا لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي، يقولون: إنا ~~لم نلبث في الدنيا إلا ساعة، فكيف عملنا فيها هذا الزلل وأنواع الشرك ~~والكفر؛ فأخبر أنهم (كذلك كانوا يؤفكون)، أي: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا ~~ويقسمون؛ حيث قال: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت)، فذلك ~~القسم منهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذب وإنكار للمقام، كما كذبوا وأنكروا ~~الشرك؛ حيث قالوا (والله ربنا ما كنا مشركين). # PageV08P292 # وقوله: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى ms3459 يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) # اختلف فيه: # قال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه: قال الذين أوتوا العلم في ~~كتاب الله، أي: أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان به: لقد لبثتم إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث. # وقال بعضهم: قال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في علم الله في ~~الدنيا إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث. # وبعضهم يقول: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم فيما كتب الله ~~لكم من الآجال إلى انقضاء آجالكم وفنائها. # وقوله: (فهذا يوم البعث) الذي كنتم تنكرونه وتكذبونه. # (ولكنكم كنتم لا تعلمون). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على حقيقة نفي العلم عنهم، لكنهم لا يعذرون لجهلهم بذلك؛ لما ~~أعطوا أسباب العلم لو تفكروا وتأملوا لعلموا. # والثاني: على نفي الانتفاع بعلمهم؛ على ما نفي عنهم حواس كانت لهم؛ لما ~~لم ينتفعوا بها؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم بذلك لما لم ينتفعوا بما ~~علموا، والله أعلم. # وقوله: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # ليس على أن يكون لهم عذر فلا ينفعهم ذلك، ولكن لا عذر لهم ألبتة. # أو أن يكون معذرتهم ما ذكروا: (ما لبثوا غير ساعة) فذلك معذرتهم؛ فلا ~~ينفعهم ذلك؛ لأنهم كذبة في ذلك. # وقوله: (ولا هم يستعتبون). # الاستعتاب: هو الاسترجاع عما كانوا فيه، فهم لا يطلب منهم. الرجوع عما ~~كانوا عليه في ذلك الوقت، والعتاب في الشاهد: أن يعاتب؛ ليترك ما هو عليه ~~ويرجع عما كان منه فيما مضى، وذلك لا ينفع للكفرة في ذلك اليوم، والله ~~أعلم. # وقوله: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا). # أي: رأوا ذلك الزرع والنبات مصفرا، أي: يابسا؛ لما أصابه من الريح ~~والبرد. # (لظلوا من بعده). # PageV08P293 # قيل: لأقاموا، وقيل: لصاروا، وقيل: لمالوا، وكله يرجع إلى معنى واحد، وهو ~~ما تقدم ذكره من القنوط، أي: يقنطون وييئسون من رحمته، ويكفرون رب هذه ~~النعم. # وفي حرف ابن مسعود: (إنك لا تسمع الموتى إنك لا تبعث الموتى). # وقوله: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ms3460 كل مثل ولئن جئتهم بآية ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) # جائز أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للكفار خاصة، يقول: قد بينا لهم ما ~~يعظهم ويزجرهم عما هم فيه، ويدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، لكنهم اعتقدوا ~~العناد والمكابرة. # وقوله: (ولئن جئتهم بآية). # أي: لو جئتهم بالآية التي سألوك -أيضا- فلا يصدقوك ولا يقبلوا الهدى، ~~ويقولون ما ذكر: # (ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون). # ويشبه أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للفريقين جميعا للمؤمن والكافر، ويكون ~~التأويل - والله أعلم -: ولقد ضربنا وبينا للناس لأفعالهم وأحوالهم من ~~القبيح والحسن مثلا وشبها ما يعرفون به قبح كل قبيح، وحسن كل حسن، وما بين ~~لهم الحق من الباطل، والعدل من الجور؛ لأن أولئك الكفرة لم يعتبروا ولم ~~يتأملوا، ثم رجع إلى وصف أولئك الكفرة، فقال: (ولئن جئتهم بآية)، أي: ~~بزيادة في البيان والوضوح، (ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون)، والله ~~أعلم. # وقوله: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) # قد ذكرنا في غير موضع أن قوله: (لا يعلمون) يخرج على وجهين: # أحدهما: لم يعلموا؛ لما لم يتأملوا ولم ينظروا في أسباب العلم لكي ~~يعلموا، ولا عذر لهم في جهلهم ذلك؛ لما أعطوا أسباب العلم، لكنهم لم ~~يستعملوها فمنهم جاء ذلك؛ فلم يعذروا. # والثاني: نفى عنهم العلم على وجوده لهم وكونه؛ لما لم ينتفعوا بما علموا، ~~على ما ذكرنا من نفي الحواس عنهم، مع وجود تلك الحواس وكونها لهم؛ لما لم ~~ينتفعوا بها ولم يستعملوها فيما جعلت تلك وأنشئتا لها؛ فعلى ذلك العلم، ~~والله أعلم. # وقوله: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # قال بعضهم: فاصبر على تكذيبهم إياك بالعذاب الذي وعدت لهم؛ إن وعد الله ~~حق # PageV08P294 # في العذاب بأنه نازل بهم. # وجائز أن يكون قوله: (فاصبر)، أي: اصبر على أذاهم الذي يؤذونك؛ إن وعد ~~الله حق في النصر لك والمعونة. # وقوله: (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون). # كأنه يقول: لا يحملنك أذاهم إياك حتى تدعو عليهم بالعذاب ms3461 والهلاك. # وقال بعضهم: (ولا يستخفنك)، أي: لا يستفزوك، ويقول: لا يستجهلنك، وأصله ~~ما ذكرنا: ألا يحملنك أولئك الكفرة على الخفة والعجلة والجهل؛ حتى تدعو ~~عليهم بإنزال العذاب والهلاك لهم، وهو - والله أعلم - كأنه من الاستخفاف. # * * * # PageV08P295 ### | سورة لقمان # كلها مكية إلا آيتين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على ~~هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه ~~آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله ~~حقا وهو العزيز الحكيم (9) # قوله - عز وجل -: (الم). # قد ذكرنا تأويله في غير موضع فيما تقدم وما ذكر فيه. # وقوله: (تلك آيات الكتاب الحكيم (2) # قال بعضهم: (تلك) إشارة إلى ما بشر به الرسل المتقدمة أقوامهم من بشارات، ~~يقول: تلك البشارة هي آيات. # (الكتاب). # أي: هذا القرآن. # وقال بعضهم: تلك الآيات التي في السماء هذا الكتاب. # ومنهم من قال: تلك الآيات التي أنزلت متفرقة، فجمعت؛ فصارت قرآنا، والله ~~أعلم. # وقوله: (الكتاب الحكيم). # سمى الكتاب: حكيما كريما مجيدا ونحوه؛ فيحتمل تسميته: حكيما وجوها: ~~أحدها: لإحكامه وإتقانه، أي: محكم متقن لا يبذل ولا يغير، وهو كما وضعه - ~~عز وجل - (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه). # والثاني: سماه: حكيما؛ لأن من تمسك به، وعمل بما فيه يصير حكيما مجيدا ~~كريما. # والثالث: سماه حكيما؛ لأنه منزل من عند حكيم؛ كقوله: (تنزيل من حكيم ~~حميد). # PageV08P296 # وقوله: (هدى ورحمة للمحسنين (3) # قوله: (هدى)، أي: توفيقا وعصمة ومعونة للمحسنين، وكذلك هو رحمة لهم في ~~دفع العذاب عنهم. # وأما ما يقول أهل التأويل: (هدى)، أي: بيانا للمحسنين فهو بيان للكل ليس ~~لبعض دون بعض؛ فلا يحتمل الهدى البيان في هذا الموضع؛ ولكن ما ذكرنا من ~~المعونة والتوفيق والعصمة. والمحسن ms3462 - هاهنا - جائز أن يكون المؤمن؛ كقوله: ~~(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور): الصبار: هو المؤمن، والشكور: هو المؤمن، ~~سمى المؤمن: صبارا مرة وشكورا مرة ومحسنا مرة؛ لأنه يعتقد بالإيمان كل ما ~~ذكر من الصبر والشكر والإحسان وكل خير، والله أعلم. # وقوله: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) # قد ذكرنا تأويله فيما تقدم في غير موضع. # وقوله: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) تأويل الهدى ما ~~ذكرنا في هذا الموضع من التوفيق والعصمة والمعونة. (وأولئك هم المفلحون). # قد ذكرناه أيضا. # وقوله: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) # اختلف في قوله: (من يشتري لهو الحديث). # قال بعضهم: ليس على حقيقة الاشتراء نفسه؛ ولكن على الإيثار والاختيار؛ ~~لأن الاشتراء هو مبادلة أخذ وإعطاء، ولكن آثروا واختاروا الضلال مع قبحه ~~عندهم على الهدى مع حسنه؛ فعلى ذلك آثروا لهو الحديث واختاروه على الحق ~~وحكمة الحديث، واختاروا الفاني على الباقي؛ فسماه: شراء لذلك. # وقال بعضهم: هو على حقيقة الاشتراء. لكنهم اختلفوا: فمنهم من يقول: إنه ~~على # PageV08P297 # اشتراء المغنية والمغني كانوا يشترونهم؛ ليتلهوا بهم ويلعبوا. # ومنهم من قال: كان أحدهم يشتري ويكتب عن لهو الحديث وباطله من حديث ~~الأعاجم، فيحدث بها قريشا، ويقول: إن محمدا يحدثكم بأحاديث عاد وثمود، وأنا ~~أحدثكم بأحاديث فارس والروم؛ فذلك اشتراؤه لهو الحديث وإضلاله الناس عن ~~سبيل الله فأعرضوا عن القرآد والإيمان بمحيد. # (ويتخذها هزوا). # وكان إذا سمع شيئا من القرآن اتخذها هزوا، هكذا عادة الكفرة وأهل النفاق: ~~كانوا يستهزئون بالقرآن وبرسول الله وأصحابه. # ثم أوعدهم الوعيد الشديد؛ حيث قال: (أولئك لهم عذاب مهين). # وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - يقولان في قوله: (ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث): هو شراء المغنية والغناء، وقد روي مرفوعا عن أبي ~~القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تبيعوا ~~المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن ولا خير في التجارة فيهن، وثمنهن ms3463 حرام ~~". # وفي مثله أنزلت هذه الآية: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث. . .) الآية، ~~فإن ثبت هذا فهو تفسير لهو الحديث الذي ذكر في الآية. # وقوله: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه ~~وقرا فبشره بعذاب أليم (7) # أي: أعرض متعظما متجبرا. # قوله تعالى: (كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا): # يحتمل قوله: (كأن لم يسمعها)، و (كأن في أذنيه وقرا) على التقرير. # ويحتمل: على نفي الحقيقة. # فإن كان على التقرير فهو على ترك الاستماع. # وإن كان على حقيقة النفي فقد ذكر في كثير من الآي ذلك كقوله: (صم بكم ~~عمي)، وذلك يحتمل وجهين - والله أعلم - ثم أوعده العذاب الشديد؛ حيث # PageV08P298 # قال: (فبشره بعذاب أليم). # وقوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) # قوله: (آمنوا) بجميع ما أمروا بالإيمان به، (وعملوا الصالحات) بما تعبدوا ~~من العمل بالطاعات والصالحات. # (لهم جنات النعيم). # كل الجنان التي وعد للمؤمنين نعيم يتنعمون فيها خالدين فيها. # (وعد الله حقا ... (9) # أي: ما وعد للمؤمنين من جنات النعيم هو حق كائن لا محالة، (وهو العزيز ~~الحكيم). # * * * # قوله تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد ~~بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين (11) # وقوله: (خلق السماوات بغير عمد ترونها). # قال بعضهم: خلق السماوات بعمد لا ترونها. # وقيل: لعل لها عمدا لكن لا ترونها. # وقال بعضهم: خلقها بلا عمد، لكن الأعجوبة فيما خلقها بعمد لا ترونها ليست ~~بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد؛ لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف ~~والقدرة من رفعها بلا عمد؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى، ~~فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى هو ألطف من ذلك وأعظم في ~~الأعجوبة مما ذكرنا، فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى ~~الله - تعالى - ولا قدرة ms3464 الخلق بقدرته، ولا سلطان الخلق بسلطانه؛ بل هو ~~القادر على الأشياء كلها بما شاء وكيف شاء، لا يعجزه شيء. # وقوله: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم). # PageV08P299 # وقال في آية أخرى: (وجعل فيها رواسي)، والرواسي: هن الثوابت، أي: أثبت ~~الأرض بالجبال؛ كقوله: (والجبال أرساها) أي: أثبتها. # وقوله: (أن تميد بكم)، أي: لئلا تميد بكم، ذكر الميد - وهو الميل ~~والاضطراب - وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب؛ وإنما طبعها التسرب ~~والتسفل والانحدار؛ فلا يدري أن كيف حالها في الابتداء؛ وما في سريتها مما ~~يحملها على الاضطراب والميد؛ حتى أثبتها وأرساها بالجبال، والله أعلم بذلك. # وقوله: (وبث فيها من كل دابة). # قال بعضهم: بث: خلق، وقيل: بث: فرق، وفيه أنه جعل الأرض مكانا ومعدنا لكل ~~أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن، والمميز وغير المميز، والسماء لم تجعل ~~إلا لنوع من الخلق أهل العبادة. # وقوله: (وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم). # أي: أنبتنا فيها من كل لون يتلذذ به الناظر إليه، كريم ينال منه كل ما ~~أراده وتمناه؛ إذ الكريم هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده وأريد منه. # وقال بعضهم: الكريم: الحسن، أي: أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه ~~الناظر ويتلذذ به، على ما ذكر في آية أخرى: (من كل زوج بهيج): ما يبهج ويسر ~~به كل ناظر إليه، والله أعلم. # وقوله: (هذا خلق الله ... (11) # يقول: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بث من الدواب، وما أنبت من كل ~~زوج كريم. # وقوله: (فأروني ماذا خلق الذين من دونه). # يذكر سفههم، يقول: إنكم تعلمون أن ما ذكر من السماوات والأرض، وجميع ما ~~فيهما - هو كله خلق الله، وأنه هو خالق ذلك كله، وأن الأصنام التي تعبدونها ~~من دونه لم تخلق شيئا من ذلك، ولا تملك خلق شيء؛ فكيف تعبدونها من دونه، ~~وسميتموها: آلهة، وصرفتم العبادة والألوهية عن الذي خلقكم وخلق السماوات ~~والأرض وما فيهما؟! وإنما يستحق الألوهية والربوبية لخلقه ما ذكر؛ ~~فالأصنام: إذا لم يكن منها خلق؛ ms3465 فكيف سميتموها: آلهة وعبدتموها دون الله؟! ~~هذا - والله أعلم - تأويل قوله: (فأروني ماذا # PageV08P300 # خلق الذين من دونه)، أي: لم يخلق، يخبر عن سفههم وقلة معرفتهم، وسرفهم في ~~القول والفعل، والله أعلم. # وقوله: (بل الظالمون في ضلال مبين). # يحتمل (الظالمون) وجو ها: # أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها الذي أمرهم الله أن ~~يضعوها، وهو وضعهم إياها في عبادة الأصنام. # أو ظالمو حدود الله التي حدها لهم، لم يحفظوها على تلك الحدود؛ بل ~~جاوزوها. # أو سماهم: ظلمة؛ لما ظلموا نعم الله، ولم يشكروها، والله أعلم. # وقوله: (في ضلال مبين)، أي: في حيرة بينة، أو هلاك بين. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني ~~لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه ~~وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) ~~يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) ~~واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # وقوله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة). # قال بعضهم: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة. # وقال بعضهم: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدين، وقيل: ~~العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة. # والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، ~~أو معرفة الخفي الباطن. ms3466 بالظاهر، ونحوه. # والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له ~~المعرفة # PageV08P301 # والعلم والعمل جميعا؛ فحينئذ يسمى: حكيما. # وقوله: (أن اشكر لله). # كأنه قال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا ~~له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن ~~لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعا؛ إذ لو لم يكن له ألما كان، ~~لقوله: (آتينا) معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ~~ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له ~~فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن ~~يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا ~~صنع له في ذلك؛ دل أن له فيه صنعا، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس ~~لله في فعل العبد صنع، والله أعلم. # وقوله: (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه). # هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم ~~وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: (ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه)؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع ~~نفسه. ومن كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون الله؛ ألا ترى أنه قال: (ومن كفر ~~فإن الله غني حميد) # أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، ~~حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ~~ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وبالله الحول ~~والقوة. # وقوله: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم (13) يحتمل قوله: (إن الشرك لظلم عظيم) وجوها: أحدها: ظلموا ~~أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن ~~تصوير ومثلها أحسن ms3467 تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك أو (لظلم عظيم): ~~ظلموا نعم الله؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها. # أو ظلموا ظلما عظيما؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية الله وألوهيته فيما ~~جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته ~~وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه. # PageV08P302 # وقوله: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين ~~أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز ~~الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا)، و ~~(إحسانا)، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل. وقوله: (حسنا): هو اسم ما حسن ~~مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل. # وقوله: (حملته أمه وهنا على وهن). # أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع ~~على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعا، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة ~~والشدة، ولم يذكر من الأب شيئا، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - ~~اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة ~~التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكو له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من ~~الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر (وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف)، وقوله: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)، أو ما جعله ~~مطعونا في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير ~~مطعون في الخلق ونحوه. # ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ~~ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له ~~والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، ~~والله أعلم. # وقوله: (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير). # أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من ~~صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فبالله صنع ms3468 ذلك إليه وبنعمه كان ~~منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك. # ثم يخرج قوله: (أن اشكر لي ولوالديك) على وجهين: # أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك ~~إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم)، أي: اذكروا الله ~~فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل الله. # أو أن يكون قوله: (اشكر لي) فيما أنعصت عليك، (ولوالديك): فيما أحسنا ~~إليك وربياك، والله أعلم. # وقوله: (إلي المصير): قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في ~~جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ~~ذاك، وصار # PageV08P303 # إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثا باطلا، على ~~ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما ~~في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) # أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا ~~في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ~~ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل ~~يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان ~~أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: " أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ". ~~وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ ~~حيث قال: (وصاحبهما في الدنيا معروفا). # وقوله: (واتبع سبيل من أناب إلي). # قال بعضهم: اتبع دين من أقبل إلى ورجج إلى طاعتي وهو النبي. # أو أن يكون قوله: (واتبع سبيل من أناب إلي)، أي: اتبع سبيلي وديني؛ ~~كقوله: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه)، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون ~~تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، واتبع سبيل من أناب ورجع إلي، ~~ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي. # ثم ms3469 أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ ~~على الوعيد حيث قال: (ثم إلي مرجعكم. . .) الآية، وهو كقوله: (لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله. . .)، إلى قوله: (فسيحشرهم إليه جميعا)، أي: من ~~استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعا؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) # لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير ~~سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان ~~السؤال؟ وعم كان؟ فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة ~~مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ~~ولا يبلغه علم الخلائق (يأت بها الله)، أي: يعلمها الله؛ فإن كان على هذا ~~الذي، ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبدا مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع ~~حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء. # أو أن يكون السؤال عن قدرة الله وسلطانه؛ فأخبر أن الله - تعالى - قادر ~~على # PageV08P304 # استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما ~~يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة ~~الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه. # أو أن يكون السؤال عن الرزق؛ فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا ~~يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فالله ~~سبحانه؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم ~~الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبدا في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ~~ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها ~~يكتسبون؛ وكذلك قال: (ويرزقه من حيث لا يحتسب). # أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء ms3470 من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، ~~فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: (يا ~~بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل): من خير أو شر، (فتكن في صخرة): في جبل، ~~(أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله)، أي: يجازيها الله؛ فيكون على ~~هذا التأويل كقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، فأي شيء كان، ففي ذلك: ~~دلالة وحدانية الله، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة ~~الثقة به، والتوكل عليه في الرزف، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع ~~الخلق، والله أعلم. # وقوله: (إن الله لطيف خبير). # قال عامة أهل التأويل: إن الله لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، ~~وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي ~~بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته. # واللطيف: هو البار. # ثم يخرج هو على وجهين: # أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون ~~وإلى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم. # والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: # أحدهما: البار على ما ذكرنا. # PageV08P305 # والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور (17) # يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: # أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على الله ~~والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي. . .) ~~الآية. # وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له ~~والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هو الأمر بمسألة الرب ~~حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبدا في كل حال متضرعا إلى الله، مظهرا حاجته ~~إليه ومثنيا عليه، واصفا عظمته وجلاله وبريائه. # والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ ~~فإن كان هذا ففيها -أيضا- ما في الأول من الدعاء والثناء على الله ms3471 - تعالى ~~- والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك. # وإن كان أراد بالصلاة: الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا ~~كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: (رب اجعلني مقيم ~~الصلاة)، وقول عيسى حيث قال: (وأوصاني بالصلاة والزكاة)، والله أعلم. # وقوله: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر). # المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع. # والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع. # ثم يخرج قوله: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) على وجوه: # أحدها: المعروف الذي جاءت به الرسل عن الله، وشرعوه للخلق، ودعوا إليه ~~الخلق. # والمنكر -أيضا-: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه. # أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم. # والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، ~~يعرف بالبداهة قبحه وحسنه. # أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ~~ما ذكرنا بدءا، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب. # وقوله: (واصبر على ما أصابك). # PageV08P306 # من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا ~~بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك. # وقوله: (إن ذلك من عزم الأمور). # قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه ~~يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن ~~سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر. # وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر ~~كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه ~~للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع " فهو العزم، والله ~~أعلم. # وقوله: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور (18) # قوله: [(ولا ms3472 تصاعر] و (ولا تصعر)، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان. ثم ~~أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: (ولا تصعر خدك للناس)، أي: لا تعرض ~~وجهك عن الناس؛ تعظما وتجبرا وتكبرا، وكذلك في قوله: (ولا تمش في الأرض ~~مرحا): بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبرا جبارا، عامتهم ~~يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض ~~عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم. والزجاج يقول: الصعر: هو ~~داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: (ولا تصعر)، أي: لا ~~تلو عنقك عن الناس. # وأبو عوسجة يقول قريبا من ذلك؛ يقول: (ولا تصعر)، أي: لا تتجبر، وهو أن ~~تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرا. # ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ~~ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ ~~كبرا منه. # وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: ~~الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب. # PageV08P307 # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبرا وتعظيما لأنفسهم، ~~واستخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ~~ذلك يخرج قوله: (ولا تمش في الأرض) على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، ~~على ما ذكرنا. # والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي ~~بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر ~~والخوف منهم. # فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم ~~يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم. # وكذلك يخرج قوله: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك (19) على الوجهين اللذين ~~ذكرناهما: # أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت. # والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس. # فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في ms3473 الناس، ~~ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، (واغضض من صوتك)، أي: لا ترفع صوتك ~~فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول. # وقال بعضهم: امش هينا لينا، ناكس الرأس، ناظرا حيث تمشي، غير ناظر إلى ما ~~لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت ~~الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير. # وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا ~~تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ~~ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله. # وقوله: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير). # يحتمل وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ ~~فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار. # أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء ~~إذا صاحوا # PageV08P308 # إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن ~~المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ~~ذكرنا. # أو خص صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ ~~فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة. # أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار ~~وشهيقهم. # وقوله: (إن الله لا يحب كل مختال فخور). # قال: المختال: المتكبر البطر. # وقال بعضهم: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة ~~المال؛ أو لما لا يرى أحدا شكلا لنفسه. # * * * # قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير (20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم ~~وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ms3474 عاقبة الأمور ~~(22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم ~~بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) # وقوله: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض). # قوله: (ألم تروا): قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: على الخبر: أن قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر. # والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا: أنه سخر لكم ما في السماوات وما في ~~الأرض؛ لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى ~~قضاء وطرهم كيف شاءوا بما شاءوا. # أو أن يذكر قدرته وسلطانه: أن من ملك تسخير ما ذكر لنا ومكنا وأقدرنا على ~~تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به - لقادر على البعث والإحياء بعد ~~الموت، وأنه لا يعجزه شيء. # أو أن يذكر حكمته وعلمه: أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم ~~يكن هنالك بعث وعاقبة، لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا، على ما ~~ذكرنا في غير موضع. # وقوله: (ما في السماوات): المسخر ما في السماوات يحتمل: المطر والسحاب # PageV08P309 # والشمس والقمر، ونحوه مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا ~~تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء. # أو الملائكة؛ لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر، والله أعلم. # وقوله: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة). # ذكر عن ابن عباس أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ~~يا رسول الله، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؛ قال: " أما ما ظهر - يا ابن ~~عباس - فالإسلام، وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليكم من الرزق، وأما ما بطن: ~~ستر مساوي عملك فلم يفضحك بها. "، فإن ثبت الخبر فلا تقع الحاجة إلى غيره؛ ~~فهو تأويل الآية، وإلى هذا ذهب عامة أهل التأويل. # وجائز أن يكون النعمة الظاهرة هو ما ظهر من الحسن والطهارة. # وأما النعمة الباطنة: ما ستر من الأنجاس والعيوب والأقذار ما لو ظهر ذلك ~~لم يدن مكه أحد، لخبثه ونجاسته. # وبعضهم يقولون: الظاهرة باللسان، ms3475 والباطنة بالقلب. # وقال مجاهد: الظاهرة: الإسلام والرزق، والباطنة: ما ستر من الذنوب ~~والعيوب، وهو قريب مما ذكر في الخبر المرفوع والله أعلم. # وقوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم). # المجادلة في الله: يحتمل في توحيد الله، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم ~~يرسل؛ أو في البعث: أيبعث أو لا يبعث؛ ونحوه، أو يجادل في كتابه. # وقوله: (بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير). # أسباب العلم ثلاثة: العقل، والسنة، والكتاب: # يتفكر وينظر بالعقل؛ فيعرف، وبيان السنة والكتاب يبيق؛ فلم يكن مع الذين ~~يجادلون رسول الله في الشيء من ذلك وخاصة أهل مكة: كانوا لا يؤمنون بالرسل ~~والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في الله وهم يعلمون أنه ليس معه ~~معقول ولا بيان من السنة والكتاب، والله أعلم. # وقوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) # PageV08P310 # وقال في اية أخرى: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) # ، وقال في آية أخرى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)؛ ~~كأنه يقول لرسول الله: أن قل لهم: تتبعون آباءكم وتقلدونهم، وإن ظهر لكم ~~وتبين أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وأنهم من أصحاب السعير، وتتبعون ~~آثارهم مقتدين بهم وإن ظهر لكم وتبين أن الذي أدعوكم أنا إليه وجئتكم أهدى ~~مما عليه آباؤكم؛ إذ تتبعون آباءكم وإن ظهر وتبين أن آباءكم كانوا لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون؟! # حتى إن قالوا: نعم، نتبعهم وإن كانوا كما ذكرت - فإنه يظهر ويبين عنادهم ~~ومكابرتهم عند اتباعهم؛ حيث ظهر الحق لهم فلم يتبعوا، بل اتبعوا أهواءهم ~~ويظهر كذبهم في قولهم: (والله أمرنا بها)، أو في قولهم: إن آباءهم على ما ~~هم عليه؛ بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه ونحوه. # وإن قالوا: لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت؛ فعند ذلك يقترن ويثبت عندهم ~~بالحجج والبرهان. # وفيه دلالة: أن أهل الفترة يعذبون ويؤاخذون بتركهم الدين ms3476 والشرائع؛ لأن ~~هؤلاء الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين ~~محمد. # وأهل التأويل يقولون: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. # ومحمد بن إسحاق يقول: (ولا تصعر خدك للناس)، أي: لا تعرض بوجهك عن فقراء ~~الناس، أي: إذا كلموك و (مرحا)، أي: فخرا بالخيلاء والعظمة، (إن الله لا ~~يحب كل مختال فخور)، أي: بطر ومرح، فخور في نعم الله لا يأخذ بالشكر، ~~(واقصد في مشيك): رويدا، لا تختل في مشيك ولا تنظر حيث لا يحل، (واغضض)، ~~أي: اخفض (من صوتك)، أي: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي ~~والمنطق، ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا فقال: (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ~~لشدة صوتهم. # وقوله: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات): يعني: الشمس والقمر ~~والنجوم والسحاب والرياح، (وما في الأرض)، أي: الجبال والأنهار والبحار ~~فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام، (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة): تسوية ~~الخلق والرزق والإسلام، (وباطنة)، أي: ما ستر من الذنوب من ابن آدم فلم ~~يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم؛ فالحمد لله على ذلك حمدا ~~كئيزا كما أصله. # وقال في قوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم): في زعمه أن لله ~~البنات، أي: الملائكة، (ولا هدى)، أي: لا بيان معه من الله بما يقول، (ولا ~~كتاب): له فيه # PageV08P311 # وأصله ما ذكرنا: (يجادل في الله) من الوجوه التي ذكرنا: (بغير علم) من ~~جهة العقل، (ولا هدى) أي: ولا بيان من جهة السنة، (ولا كتاب) من الله فيه ~~حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وبالله العصمة. # قال أبو عوسجة: المرح: النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر؛ لأنه يتبختر، ~~(واقصد في مشيك)، أي: امش مشيا رفيقا، (واغضض من صوتك) أي: ارفق لا تصوت ~~صوتا شديدا، وهذا -أيضا- من التبختر، (وأسبغ)، أي: أوسع، والسابغ: الواسع ~~التام الطويل العريض. # وقال القتبي: الأصعر: معرض الوجه، وأنكر الأصوات: أقبحها، عرفه قبح رفع ~~الصوت في ms3477 المخاطبة. # وقوله: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى ~~الله عاقبة الأمور (22) # يحتمل قوله: (وجهه)، أي: نفسه؛ كأنه قال: ومن يسلم نفسه لله، وجعلها ~~سالمة له لم يجعل لأحد فيها شركا. # (وهو محسن). # في عمله إلى نفسه، أي: لا يستعملها إلا في طاعة الله، وفيما أمر به، فإذا ~~فعل ذلك، (فقد استمسك بالعروة الوثقى)، أي: فقد استمسك باوثق العرا ~~وأثبتها؛ على ما ذكر في آية أخرى: (لا انفصام لها)، أي: فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ولا زوال؛ لأنها ثبتت بالحجج ~~والبراهين، لا بالهوى؛ فكل شيء ثبت بالحجة والبرهان - فهو ثابت - أبدا لا ~~زوال له ولا انقطاع، وكل شيء ثبت بالهوى؛ فهو يزول وينقطع عن قريب؛ لزوال ~~الهوى. # وجائز أن يكون قوله: (وجهه إلى الله)، أي: يسلم وجه أمره لله؛ فالوجه ~~عبارة وكناية عن أمره، أي: يسلم أمره إلى الله ويفوضه إليه. # أو يكون كناية عن نفسه؛ فتأويله ما ذكر بدءا. وأهل التأويل يقولون: (يسلم ~~وجهه)، أي: دينه لله، أي: يخلص دينه لله، كقوله: (ولكل وجهة هو موليها) أي: ~~لكل أهل دين ومذهب، والله أعلم. # وقوله: (وهو محسن) يحتمل وجوها: # PageV08P312 # أحدها: ما ذكرنا: وهو محسن إلى نفسه في عمله: لا يستعملها إلا فيما أمر ~~بالاستعمال فيه، وهو طاعة الله لا يوقعها في المهالك. # أو هو محسن إلى الناس بالمعروف والبر. # أو محسن، أي: عالم؛ كما يقال: أحسن، أي: علم. # وبعض أهل التأويل يقول: (ومن يسلم وجهه إلى الله)، أي: أخلص عمله لله، ~~(وهو محسن)، أي: مؤمن؛ كقوله: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن)، وهو قول ~~ابن عباس ومقاتل، يقول: (ومن يسلم وجهه إلى الله)، أي: يخلص دينه لله، (وهو ~~محسن): في عمله، (فقد استمسك). # وقوله (فقد استمسك بالعروة الوثقى): هو ما ذكرنا: أنه استصسك بأوثق العرا ~~وأثبتها؛ لأنه إنما ثبت بالحجة والبرهان لا بالهوى والتمني، والله أعلم. # وقوله: (وإلى الله عاقبة الأمور). # هذا يخرج على وجوه: # أحدها: وإلى الله تدبير عاقبة ms3478 الأمور وتقديرها، لا إلى الخلق. # والثاني: إلى من له التدبير والتقدير يرجع عاقبة الأمور. # أو أن يخص رجوع عاقبة الأمور والمصير والرجوع إليه والبروز له والخروج، ~~وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا - أن المقصود من خلق هذا العالم ~~- العالم الثاني، والمقصود من خلق الدنيا: الآخرة؛ إذ به يصير حكمة وحقا؛ ~~فخص ذلك له وأضافه إليه لذلك. # أو لذكر ذلك؛ لما لا ينازع في ذلك اليوم وقد نوزع في هذه؛ ولذلك قال: ~~(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). وقوله: (ومن كفر فلا يحزنك كفره ... ~~(23) حزنا تتلف وتهلك فيه، كقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)؛ فيخرج ~~قوله: (فلا يحزنك كفره) على التخفيف عليه والتسلي، ليس على النهي، وكذلك ~~قوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، على التخفيف عليه والتيسير، ليس على ~~ترك الإشفاق والحزن عليهم؛ لأن رسول الله كادت نفسه تهلك؛ إشفاقا عليهم ~~وحزنا على كفرهم؛ فيخرج ذلك على التخفيف عليه والتسلي. # والثاني: قوله: (فلا يحزنك كفره): لا يحزنك تكذيبه إياك؛ فذكر كفره؛ لأنه # PageV08P313 # بتكذيبه ما يصير كافرا وهو سبب كفره؛ كقوله: (ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر. . .) والآية: كان رسول الله يحزن ويهتم بتكذيبهم إياه فيما يقول ~~ويخبر عن الله، فيقول: لا يحزنك تكذيبهم إياك؛ فإنهم إلينا يرجعون فنجزيهم ~~ونكافئهم جزاء التكذيب. # والثالث: (فلا يحزنك كفره)، أي: فإن ضرر ذلك الكفر عليهم لا عليك؛ كقوله: ~~(ما عليك من حسابهم من شيء. . .) الآية، ونحوه من الآيات، يخبر رسوله ألا ~~يحزن على كفر من كفر؛ فإن ضرر ذلك يلحقه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا). # هذا وعيد، أي: إلينا مرجعهم فننبئهم عما غفلوا عنه واختاروه في الدنيا، ~~فيحفظونه ويتذكرون ما عملوا. # أو أن يكون قوله: (فننبئهم بما عملوا)، أي: نجزيهم ونكافئهم جزاء أعمالهم ~~ومكافأتهم. # (إن الله عليم بذات الصدور). # أي: عالم بما كان منهم وما جزاؤهم، والله أعلم. # وقوله: (نمتعهم قليلا ... (24) # أي: في الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، على ما وصفه: (قل متاع الدنيا ~~قليل)، أي: يتمتعون ويعمرون ms3479 بذلك القليل. # (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ). # يذكر هذا مقابل ما ذكر لأهل الجنة؛ حيث قال: (خالدين فيها لا يبغون عنها ~~حولا)، فيخبر أن أهل النار يضطرون ويدفعون إلى النار، لا أنهم يدخلونها ~~اختيارا؛ كقوله: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا). # وقوله: (غليظ) جائز أن يكون كناية عن امتداده وطوله. # وجائز أن يكون كناية عن شدته وألمه أو جراحته؛ كقوله: (تلفح وجوههم ~~النار. . .) الآية. # وقيل: يغلظ عليهم العذاب لونا بعد لون، والله أعلم. # PageV08P314 # قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني ~~الحميد (26) ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله ~~بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل ~~وأن الله هو العلي الكبير (30) # وقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله). # أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: ~~الله خلقهم. ثم يخرج قوله: (قل الحمد لله) على أثر إقرارهم له بالتوحيد له ~~والتفرد بالخلق على وجهين: # أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية ~~الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك ~~يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جل؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك. # أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من ~~التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على ~~إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أولئك الكفرة. # على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، والله أعلم. ~~ويكون قوله: (بل أكثرهم ms3480 لا يعلمون) مقطوعا مفصولا من قوله: (قل الحمد لله)؛ ~~إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم ~~أولئك، وذلك لا يصلح. # ثم قوله: (بل أكثرهم لا يعلمون) على وجوه: # أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر ~~والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم. # والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظو والتفكر في أسباب العلم. # أو أن يكون قوله: (بل أكثرهم لا يعلمون): أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم ~~إلى الله زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن ~~تزلفهم إلى الله، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند الله بقولهم: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله)، و (ليقربونا إلى الله زلفى). # PageV08P315 # أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في ~~الآخرة، والله أعلم. # وقوله: (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # كأنه يخبرهم ويذكرهم: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع ~~أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس ~~الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه ~~المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر ~~الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع ~~المضرة. # أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات ~~والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له. # وقوله: (إن الله هو الغني الحميد): الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن ~~استغنى عنه، (الحميد)، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته. # وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: ~~المحمود، والله أعلم. # وقوله: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) # لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو ms3481 خطاب سبق ~~من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؛ وما قصته؛ وما أمره؛ حتى ~~أنزل هذا، لكن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: إن اليهود - أعداء الله - ~~سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الروح وما هو؛ فنزل: (قل الروح ~~من أمر ربي) أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: (وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا) أي: يسيرا في علم الله، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: ~~كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا؛ فكيف يجتمع ~~هذا: علم قليل وخير كثير؟! قال: فنزل (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام)، ~~يقول: تبرى الشجرة أقلاما، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مدادا يكتب ~~بها علم الله لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم الله، فما أعطاكم ~~من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم. # PageV08P316 # ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا في قوله: (لله ما في السماوات والأرض) أنه بلغ ملكه ~~وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب ~~بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه [لنفد] ذلك كله، [ولم ينفد] خلقه ولم يبلغوا ~~غاية ذلك. # أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب ~~هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي ~~أوقار وهو جزء؟! فيخبر - والله أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم ~~والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من ~~الشجر أقلاما والبحار مدادا، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفد ذلك كله ولم ~~ينفد ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب ~~نزوله، والله أعلم بذلك. # (إن الله عزيز حكيم). # وقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله ms3482 سميع بصير (28) # قال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن نفرا من قريش قالوا للنبي: إن الله خلقنا ~~أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحما، ثم تزعم أنا نبعث خلقا جديدا في ~~ساعة واحدة؟! فقال الله - عز وجل -: (ما خلقكم ولا بعثكم) أيها الناس جميعا ~~على الله في القدرة إلا كبعث نفس واحدة. # (إن الله سميع)، القولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، (بصير)، بأمر الخلق ~~والبعث. # وجائز أن يكون قال هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم من ~~الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، ~~من ذلك قوله: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم)، وكقولهم - حيث قالوا -: (أرنا الله جهرة. . .) ~~الآية، وكقوله: (ثم بعثناكم من بعد موتكم)، وقوله: (فأماته الله مائة عام ~~ثم بعثه)، فكأنهم أقروا ببعث هؤلاء لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا ~~بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعا إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت ~~لواحد ففي الكل كذلك. # أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ~~ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - يتعالى ~~عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث ~~الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة. # PageV08P317 # أو أن يذكر هذا؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير وما كان وما يكون تحت ~~قوله: (كن فيكون)، معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، ~~لكنه ذكر (كن)؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن ~~كان منه (كاف) أو (نون)، والله أعلم. # وقوله: (إن الله سميع بصير): كأنه قد كان من أولئك من قول أو كلام في ~~ذلك؛ حتى قال: (سميع) لذلك، (بصير) عالم لذلك. # أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم. # وقوله: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ms3483 الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) # يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره، وفيه دلالة البعث. # أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على ~~حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ~~ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء، وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، ~~وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك ~~في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك ~~المدة. # ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له ~~أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل ~~من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على ~~حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته ~~وعلمه وتدبيره. # ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث. # وقوله: (كل يجري إلى أجل مسمى). # إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر. # (وأن الله بما تعملون خبير): ظاهرا وباطنا هذا وعيد؛ ليكونوا أبدا خائفين ~~حذرين متيقظين، والله أعلم. # وقوله: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو ~~العلي الكبير (30) # أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في ~~الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق ~~لتسمية # PageV08P318 # الألوهية والعبادة. # (وأن ما يدعون من دونه الباطل)، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية ~~الألوهية والعبادة. # أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، (وأن ما يدعون ~~من دونه الباطل): لا ينفعكم عبادتكم إياها. (وأن الله هو العلي الكبير). # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته ~~إن في ذلك لآيات ms3484 لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ~~ختار كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~ولا يغرنكم بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ~~ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن ~~الله عليم خبير (34) # وقوله: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله). # وقال في موضع آخر: (وجرين بهم بريح طيبة)، قوله: (بريح طيبة) هي النعمة ~~التي ذكر في هذه الآية. # وقوله: (تجري في البحر بنعمت الله) - يحتمل وجهين: # أحدهما: لما جعل لهم الفلك بحيث تجري على وجه الماء مع أحمال ثقيلة، ومن ~~طبعها التسرب في الماء والانحدار فيه، فجعلها بحيث تستمسك على وجه الماء ~~وتجري؛ ليصلوا إلى حوائجهم ومنافعهم في أمكنة متباعدة ممتنعة: ما لولا ~~السفن لم يصلوا إلى ذلك بحال. # والثاني: ما ذكر فيه من الريح الطيبة التي بها تجري السفن في البحار، ~~وماؤها راكد ساكن؛ فتعمل تلك الريح الطيبة عمل جريان الماء وسكونه، وذلك ~~نعمته، والله أعلم. # وقوله: (ليريكم من آياته). # يحتمل آيات وحدانيته وآيات قدرته وسلطانه، وآيات نعمته: أما آيات نعمته، ~~فما ذكر، وآيات قدرته وسلطانه: ما ذكرنا: أنه من قدرته وسلطانه أن جعل ~~الفلك والسفن في البحار بحيث تستمسك وتحتبس، ولا تتسرب ولا تنحدر مع أحمال ~~ثقيلة، ومن طبع ذلك # PageV08P319 # كله التسرب والانحدار، وما ذكر من إجرائها بالريح الطيبة، ولو كان فعل ~~عدد لا فعل واحد لكان يمنع عن جريها، دل أنه تدبير واحد لا عدد. # وقوله: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور). # جائز أن يكون الصبار هو المؤمن، والشكور كذلك، الصبر كناية عن الإيمان، ~~والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)، ذكر ~~الصبر مكان قوله: (آمنوا)؛ لأنه ذكر في آية ms3485 أخرى: (إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات)، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم)، وقوله: (تشكروا)، أي: تؤمنوا. # ويحتمل: (صبار) على بلاياه، و (شكور) على نعمائه. # أو جعل الآيات لمن ذكر؛ لأنه هو المنتفع بها دون غيرهم. # أو (صبار) فيما أصابهم في البحر من الشدائد والأهوال، و (شكور) فيما دفع ~~عنهم وأنجاهم من تلك الأهوال، والله أعلم. # وقوله: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى ~~البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # قال بعضهم: (كالظلل)، أي: كالظلل: هو سواد من كثرة الماء ومعظمه. # وقيل: يصير الموج كالظلمة فوق السفينة. # وجائز أن يكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق؛ كناية عن ~~حيرتهم في الدين، كقوله: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها)، وهو على المثال ~~لا على التحقيق، يخبر عن حيرتهم في الدين وتيههم فيه؛ فعلى ذلك الأول. # ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر: كانوا يخلصون الدعاء لله ~~والدين له: عندما اشتد بهم الخوف على الهلاك عند معاينتهم الأهوال والشدائد ~~في البحار؛ لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدين في الأحوال كلها فهي ~~فيهم. # وقوله: (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد). # قال بعضهم: (نقئصد)، أي: حسن القول بلسانه كافر بقلبه. # وقال بعضهم: (فمنهم مقتصد)، أي: عدل، أي: بقي على الإيمان والإخلاص # PageV08P320 # الذي كان منه في تلك الأهوال لم يعد إلى الكفر. # وقال بعضهم: (فمنهم مقتصد): الوسط. # العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور). # قيل: الختار: الغدار. # وقال بعضهم: الختار. هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته. # وقوله: (وأن الله هو العلي الكبير) العلي يتوجه وجهين: # أحدهما: العلو: القهر والغلبة؛ كقوله: (إن فرعون علا في الأرض)، أي: غلب ~~وقهر، وقوله: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين ms3486 لا يريدون علوا في الأرض)؛ ~~فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله: (العلي) أي: القاهر الغالب. # والثاني: أن يكون العلو: الارتفاع؛ فإن كان الارتفاع، فهو يرتفع ويتعالى ~~عن أن يحتمل ما يحتمل الخلق من التغير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق، ~~ارتفع وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق. # والكبير، أي: تكبر من أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق، والله أعلم. # وقوله: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور (33) يحتمل: (اتقوا ربكم) في الجهة التي له عليكم، ~~وأوفوا له ذلك. # أو اتقوا مخالفة ربكم ومعصيته. # أو اتقوا نقمة ربكم وعذابه. # لكنه يختلف الأمر بالاتقاء في المؤمن والكافر: يكون للكافر: اتقوا الشرك ~~وعبادة غير الله، وفي المؤمن: اتقوا مخالفة الله في جميع ما يأمركم ~~وينهاكم، واتقوا عبادة غير الله أو الشرك في حادث الوقت. # وقوله: (واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا). # يذكر هذا على الإياس وقطع طمع بعضهم عن بعض؛ بالوصلة التي كانت بينهم في ~~الدنيا، والمنافع التي كان ينفع بعضهم بعضا في الدنيا، يخبر أن ذلك كله ~~منقطع في الآخرة؛ لهول ذلك اليوم، واشتغال كل بنفسه؛ حتى لا ينفع أحد ~~صاحبه، وخاصة ما ذكر # PageV08P321 # من الولد لوالده والوالد لولده، مما لا يحتمل قلب واحد منهما أن يلحق ~~المكروه بالآخر، ولا يصبر ألا يدفع ذلك عنه بكل ما به وسعه وطاقته؛ للشفقة ~~والمحبة التي جعلت فيهم. # ثم أخبر ألا ينفع أحدهما صاحبه؛ لاشتغاله بنفسه، وعلى ذلك روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " كل نسب وسبب فهو منقطع، إلا نسبي ~~وسبببي "، ونسبه: دينه الذي دعانا إليه وعلمناه، وسببه: شفاعته يوم ~~القيامة، فذلك كله منقطع إلا هذين؛ فإنه من تمسك بدينه فإنه يشفع له يوم ~~القيامة فيما قصر وفرط، فأما من لم يقبل دينه، ولم يجبه إلى ما دعاه ms3487 - فإنه ~~ليس له واحد من هذين من الأسباب والأنساب، منقطع؛ كقوله: (وتقطعت بهم ~~الأسباب). # وقال بعضهم: قوله: (واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده)، قال: هذه الآية ~~في الكفار؛ فأما المؤمنون فينفع الوالد ولده والولد والده في الآخرة: يدفع ~~إلى ابنه بفضل عمله، وكذلك الولد إلى أبيه؛ كقوله: (آباؤكم وأبناؤكم لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا)، والله أعلم. # وقوله: (إن وعد الله حق). # فيما ذكر من الإياس وقطع طمع بعضهم من بعض، أو ما ذكر من قيام الساعة ~~وكونها أنها تكون لا محالة، أو في الثواب والعقاب. # وقوله: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا). # هذا يحتمل وجهين على التحقيق والتمثيل. # أما التحقيق: ألا تشغلنكم الحياة الدنيا ولذاتها، ولا تلهينكم عن ذكر ~~الله وعن الآخرة، ولا تغتروا بها؛ فإنها لعب ولهو، على ما ذكر أنها لعب ~~ولهو على ما هي عندكم؛ لأنها عندهم أنها إنما أنشئت وخلقت لها لا للآخرة، ~~فالدنيا - على ما هي عندهم - لعب ولهو، وأما على ما هي عندنا هي حق ليس ~~بباطل؛ لأنها أنشئت للآخرة وبلغة إليها. # وأما التمثيل: أضاف التغرير إليها؛ لأن ما كان منها من التزيين والتحسين ~~في الظاهر وإظهار بهجتها وسرورها ولذاتها لو كان ممن له التمييز والعقل ~~والفهم وحقيقة التزيين والتحسين كان تغريرا؛ فعلى ذلك ما كان منها على ~~الظاهر فهو تغرير على التمثيل. # PageV08P322 # أو أن يكون ما ذكر: ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها، والله ~~أعلم. # وقوله: (ولا يغرنكم بالله الغرور). # قيل: الغرور: الشيطان، لا يغرنكم، ولقول: إن الله كريم رحيم جواد ولا ~~يعذبكم. # أو يقول: إن الله غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم؛ إذ إنما يأمر ~~وينهى في الشاهد من كان محتاجا، فأما الغني فلا يأمر، أو نحوه، والله أعلم. # وقوله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) # ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال ms3488 رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله "، وعد هذه ~~الخمسة التي ذكرت في هذه الآية. # وكذلك روي أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " خمس لا ~~يعلمهن إلا الله؛ ثم تلا، قوله: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر الآية ~~". فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر؛ وإلا جائز ~~أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام؛ من نحو المطر أنه متى يمطر، أو ~~ما في الأرحام: أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى، وإن لم يعلم ماهية ما في ~~الأرحام؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام، يخرج ذلك على الصدق ~~مما أخبروا ربما؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله عليه - قال: (إني سقيم)، ~~لما نظر في النجوم، أي: سأسقم. وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~قال: إني ألقي إلي أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وكان كما ذكر؛ فلا يحتمل أبو ~~بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه، ورسول الله لا يعلم الساعة؛ فإنه لا يطلع ~~عليها أحد، إلا أن يقال بأن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا ~~من جهة الوحي من السماء، فأما الاشتغال بمثله فلا؛ لأن الاشتغال بمثله ~~تضييع لكثير مما امتحن، وترك لبعض ما يؤمر وينهى، أو لما يخرج ذلك مخرج ~~التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم؛ فكان ~~المنع لذلك، والله أعلم. # PageV08P323 # ثم قوله: (إن الله عنده علم الساعة) يحتمل قوله: (علم الساعة) أي: وقت ~~الساعة، كقوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتها إلا هو)، وقوله: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها. فيم أنت من ~~ذكراها. إلى ربك منتهاها): أخبر أنه لا يجليها لوقتها، وذكر لرسول الله: ~~إنك (إنما أنت منذر من يخشاها)، فأما ما سوى ذلك فليس إليك. # أو أن يكون قوله: (إن الله عنده علم الساعة)، أي: عنده علم بماهية الساعة ~~وأهوالها، ولم يذكر ms3489 ماهيتها وحدها وقدرها؛ فأخبر أنه يعلم هو ذلك. # وقوله: (وينزل الغيث). # سمى المطر: غيثا، فيشبه أن يكون سماه: غيثا؛ لما به يكون للناس غياث فيما ~~به قوام أنفسهم ودنياهم، وسماه في موضع: رحمة، وفي موضع: مباركا، فتسميته: ~~رحمة؛ لما به نجاة أنفسهم وأبدانهم وذلك صورة الرحمة، وسماه: مباركا؛ لما ~~به ينمو ويزداد كل شيء؛ إذ البركة هي اسم كل خير ينمو ويزاد بلا اكتساب. # وقوله: (ويعلم ما في الأرحام). # من انتقال النطفة إلى العلقة، وانتقال العلقة إلى المضغة، وتحوله من حال ~~إلى حال أخرى، وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة، ونحو ذلك لا يعلمه ~~إلا الله. وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى - فجائز أن يعلم ذلك ~~غيره أيضا. # وقوله: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت). # جائز أن يكون كتم ذلك وأخفاه؛ ليكونوا في كل حال على حذر وخوف وعلى يقظة؛ ~~إذ لو كان أطلعهم على ذلك - لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت؛ فيعملون بكل ما ~~يريدون ويشاءون؛ فيكون في ذلك ارتفاع المحنة، فلبس ذلك عليهم؛ ليكونوا أبدا ~~في كل وقت وكل حال - على حأ ر وخوت ويقظة، والله أعلم. # (إن الله عليم خبير). # وذكر بعض أهل التأويل أن رجلا من أهل البادية يقال له: الوارث بن عمرو بن ~~حارثة ابن محارب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أرضنا ~~أجدبت، فمتى الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى؛ فماذا تلد؟ وقد علمت أني ولدت؛ ففي ~~أي أرض أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم؛ فماذا أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل ~~الله - تعالى - في مسألة المحاربي: (إن الله عنده علم الساعة): لا يعلمها ~~غيره، (وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام): من ذكر أو أنثى، (وما تدري نفس) ~~برة أو فاجزة (ماذا تكسب غدا): من خير أو شر، (وما تدري # PageV08P324 # نفس بأي أرض تموت): في سهل أو حمل، أو بر أو بحر (إن الله عليم خبير) ~~بهذا الذي ذكر كله فقال النبي ms3490 - صلى الله عليه وسلم -: " أين السائل عن ~~الساعة؟ " فقال المحاربي: هاهنا؛ فقرأ النبي صلوات الله عليه هذه الآية. # قال أبو عوسجة: قوله (كالظلل)، أي: ما استظللت به، والظلة: السحاب. # قال القتبي: (كالظلل): جمع ظلة، يريد: أن بعضه فوق بعض؛ فله سواد من ~~كثرته، والبحر ذو ظلال لأمواجه. # والختار: الغدار، والختر: أقبح الغدر وأشده. # وقال أبو عوسجة: الختار: الكذاب الغدار؛ يقال: ختر، يختر، خترا؛ فهو ~~خاتر. وقوله: (واخشوا يوما لا يجزي)، أي: لا يغني؛ تقول جزى يجزي؛ فهو جاز، ~~أي: أغنى، وأجزى يجزي مثله، وأجزأني عن كذا وكذا، أي: كفاني، وكذلك قال ~~القتبي. # وقال: الغرور - بنصب الغين -: الشيطان، والغرور - بضم الغين -: الباطل. # * * * # PageV08P325 ### | سورة السجدة # مكية إلا ثلاث آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون ~~افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يهتدون. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون. يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. ذلك ~~عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم. الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق ~~الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من ~~روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون. # قوله - عز وجل -: (الم (1) # قد ذكرنا تأويله في صدر الكتاب. # وقوله: (تنزيل الكتاب ... (2) # الكتاب المطلق: كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، والسبيل المطلق ~~والطريق المطلق: سبيل الله وطريقه. # وقوله: (لا ريب فيه). # أنه منزل من الله؛ لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة: لم يغيروه ولا ~~بدلوه ولا حرفوه. # أو يقول: (لا ريب فيه) أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفتري من عند ~~الرسول؛ بل منزل من عند رب العالمين. # أو (لا ريب فيه): لا شك؛ على ما يقول الناس لكل محكم ms3491 من الأمر مبين، ~~والله أعلم. # (من رب العالمين). # العالم: هو اسم جنس من الخلق وجوهر منه، (العالمين): جمعه؛ فيدخل في ذلك ~~الأولون والآخرون الذين يكونون إلى آخر ما يكونون؛ ففيه أنه يوصف - جل وعلا ~~- أنه رب لكل ما كان ويكون، ومالك ما كان وما يكون؛ كقوله: (مالك يوم ~~الدين): أخبر أنه مالكه، وهو بعد ما لم يكن، أعني: ذلك اليوم. # وقوله: (أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير ~~من قبلك لعلهم يهتدون (3) # PageV08P326 # قوله: (أم يقولون) هو استفهام وشك في الظاهر، لكنه من الله يخرج على ~~تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي، على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد: ~~كيف يجاب له ويقال فيه؛ فإنما يقال للمستفهم: لا أو بلى؛ فعلى ذلك هو من ~~الله على تحقيق إثبات وإيجاب، أو تحقيق نفي؛ إذ لا يحتمل الاستفهام ~~والسؤال؛ كقوله: (أم للإنسان ما تمنى)؛ كأنه قال: ليس للإنسان ما تمنى؛ ~~فعلى ذلك كأنه قال - هاهنا -: بل يقولون: (افتراه)، ثم رد ما قالوا: إنه ~~افتراه؛ فقال: (بل هو الحق من ربك). # يحتمل قوله: (بل هو الحق من ربك): ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفتري من ~~محمد؛ بل منزل من عند الله، على ما ذكرنا في قوله: (لا ريب فيه من رب ~~العالمين). # أو هو الحق من ربك، ليس بكلام البشر ولا في وسعهم إتيان مثله؛ فهو الحق ~~منه (لا يأتيه الباطل من بين يديه. . .) الآية. # وقوله: (لتنذر قوما). # أي: لتنذر بالكتاب الذي أنزل قوما. # (ما أتاهم من نذير من قبلك). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: على الجحد، أي: لتنذر قوما لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين ~~كانوا بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام. # والثاني: لتنذر قوما: الذين قد أتاهم من نذير من قبلك، وهم آباؤهم ~~وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبله، والله أعلم. # وقوله: (لعلهم يهتدون). # هذا -أيضا- يحتمل وجهين: # أحدهما: لتنذر قوما؛ لكي تلزمهم به حجة الاهتداء. # والثاني: لتنذر قوما؛ على ms3492 رجاء وطمع أن يهتدوا، والله أعلم. # وقوله: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # هذا -أيضا- قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله: (ثم استوى على العرش). # وفي هذا -أيضا- قد ذكرنا فيما تقدم تأويلات كثيرة، لكنا نذكر فيه حرفا لم ~~نذكره # PageV08P327 # فيما تقدم من الذكر؛ وكأنه أصوب وأقرب إلى الحق، وهو أن ذلك حرف وكلام لم ~~يجعل الله - تعالى - في العقول والأفهام سبيل الدرك له والمعرفة - أعني: ~~لقوله (ثم استوى على العرش) - لأنه ذكر ذلك الحرف في موضع آخر، وأمره أن ~~يسأل به خبيرا؛ حيث قال: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا)، ولو ~~كان ذلك الحرف مما لعقول البشر وأفهامهم سبيل الوصول إلى معرفته ودركه ~~لأدركه عقل رسول رب العالمين وفهمه من غير أن يسأل به الخبير من كان: الله ~~أو جبريل، فإذا أمره بالسؤال عنه دل أنه بالعقل والفهم لا يدرك ولا يعرف؛ ~~ولكن بالسمع عن الله. ولم يذكر عن الرسول أنه فسر ذلك أو قال فيه أو سأله ~~أحد عنه، والله أعلم. # وقوله: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع). # يقول أهل التأويل: ما لكم من دونه من ولي ينفعكم في الآخرة، ولا شفيع ~~يدفع عنكم عذابه. # أو أن يكون قوله: (ما لكم من دونه من ولي)، أي: رب وإله يلي أمركم سواه، ~~(ولا شفيع): لا هو ولا غيره، وأما للمؤمنين فإنه وليهم؛ كقوله: (ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم). # وقوله: (أفلا تتذكرون). # فيما ذكر من صنعه؛ فتوحدونه، والله أعلم. # وقوله: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون (5) # قال أهل التأويل: (يدبر الأمر)، أي: هو يقضي القضاء وحده من السماء ~~والأرض. # وعندنا أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: (يدبر الأمر)، أي: هو يكون الأمر ويدبره. # أو هو يجعل الخلق بحيث يقبلون الأمر والنهي ويحتملون المحنة. # أو هو ms3493 يخرج الأمر كله على الحكمة والتدبير. # والثاني: (يدبر الأمر)، أي: يولي من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ نحو ~~ما ولى ملك الموت قبض أرواح الخلق، ونحو ما ولى بعض ملائكته أمر الأمطار ~~والنبات وغير ذلك؛ فجائز أن يكون الأول يولي ملائكته أمر ما بين السماء ~~والأرض. # فإن كان الأول فليس ذكر السماء والأرض حدا ولا تقديرا؛ يدبر ما سوى ذلك، ~~لكن ذكر هذا؛ لما إلى ذلك ينتهي تدبير البشر وعلمهم، وأما ما سوى ذلك فلا. # وإن كان الثاني فهو على التحديد، والله أعلم. # PageV08P328 # وقوله: (ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار). # قال بعض أهل التأويل: (ثم يعرج إليه)، يقول: يصعد الملك إليه في يوم واحد ~~من أيام الدنيا، كان مقدار ذلك اليوم، (ألف سنة مما تعدون)، أنتم؛ لأن ما ~~بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام؛ فينزل مسيرة خمسمائة عام، ويصعد ~~خمسمائة عام، وذلك مقدار مسيرة ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. # وذكر في موضع آخر: (خمسين ألف سنة)؛ فجائز أن يكون ذلك وصف يوم القيامة؛ ~~فيخرج ذلك لا على التحديد والتقدير؛ ولكن على التعظيم لذلك اليوم، والوصف ~~له بما يعظم في قلوب الخلق، وهو ما وصفه بالعظمة؛ كقوله: (ليوم عظيم). # أو أن يكون التحديدان والتقديران كانا حقيقة؛ لاختلاف أحواله وأوقاته، ~~على اختلاف الأمور، يكون ألف سنة كما ذكر في حال ووقت لأمر، وخمسين ألف سنة ~~بحال أخرى لأمور أخر؛ على ما سمى ذلك اليوم مرة: يوم الجمع، ومرة: يوم ~~التفريق، ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم البعث، ونحوه، ومعلوم أن ذلك اليوم ~~من أوله إلى آخره ليس بيوم الجمع، ولا بيوم الافتراق، ولا يوم الحساب ولا ~~يوم البعث؛ ولكن أسماه، بجميع ذلك كله؛ لاختلاف الأحوال والأوقات لأمور ~~مختلفة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك، والله أعلم. # ويكون قوله: (ثم يعرج إليه)، أي: يصير إليه ذلك؛ كقوله: (وإليه المصير)، ~~(وإليه ترجعون)، (وإليه يرجع الأمر كله)، ونحوه. # وقوله: (يعرج إليه)، أي: يصعد في قول القتبي وأبي عوسجة، ويعرج: أي: ms3494 ~~احتبس. # وقوله: (ذلك ... (6) # أي: هذا الذي صنع ما ذكر من هذه الأشياء. # (ذلك عالم الغيب والشهادة). # يحتمل هذا وجوها: # عالم ما غاب عن الخلق والشهادة: وعالم ما يشهدون ويعلنون. # أو عالم ما يكون ويحدث، والشهادة: ما قد كان ومضى. # PageV08P329 # أو عالم ما يغيب بعض من بعض، والشهادة ما يشهدون ويظهرون. # أو عالم ما يغيب عن الخلق كيفية لمنافع الأشياء الظاهرة وماهيتها، نحو ما ~~غاب عنهم المعنى المضر المودع في الطعام والشراب والأغذية جميعا، الذي به ~~حياة أنفسهم وقوامهم، وكذلك السمع والبصر والفهم والعقل: لا بدرك المعنى ~~الذي به يسمع ويبصر ويفهم ويدرك وما به تحيا أنفسهم به، والله أعلم. # وقوله: (العزيز الرحيم). # العزيز في هذا الموضع: المنتقم من أعدائه، الرحيم على أوليائه. # أو العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الرحيم: الذي له رحمة يسع الخلائق في ~~رحمته. # أو العزيز: الذي به يعز من عز، والرحيم: الذي برحمته يرحم من يرحم. # ومنهم من يقول في قوله: (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون)، وقوله: ~~(في يوم كان مقداره ألف سنة)، قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى ~~منتهى أمره فوق السماوات، مقدار ذلك خمسون ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف ~~سنة: ذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم ~~واحد، فذلك مقداره ألف سنة. # لكن قوله: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى أمره فوق السماوات كذا - ~~فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يكون لأمره أو لملكه نهاية أو حد، والوجه فيه ما ~~ذكرنا. # وقوله: (الذي أحسن كل شيء خلقه ... (7) بالجزم والتحريك جميعا، كلاهما ~~لغتان. # ثم يحتمل قوله: (أحسن كل شيء) أي: علم كل شيء خلقه: أن كيف يخلق من غير ~~أن يعلمه أحد أو أعانه عليه أحد. وفي الشاهد لا يقدر أحد، ولا يمكن له صنع ~~شيء إلا بمعلم يعلمه ذلك أو بمعين يعين على ذلك، يخبر عن جهلهم وسفههم ~~بتقديرهم قدرة الله وقوته بقوى أنفسهم وقدرتهم في إنكارهم البعث؛ لخروجه عن ~~تقدير الخلق وامتناعه ms3495 عن وسعهم، يقول: لا تقدروا قدرة الله بقدرة أنفسكم ~~وقواكم، كما لم تقدروا علمه بعلمكم؛ إذ يعلم هو بذاته بلا معلم، وأنتم لا ~~تعلمون إلا بعلم؛ فعلى ذلك هو قادر بذاته لا يعجزه شيء وأنتم لا تقدرون إلا ~~بغير أو بسبب. # ويحتمل هذا الوجه وجها آخر، وهو أن قوله: (أحسن كل شيء خلقه)، أي: أعلم ~~كل شيء من خلقه: ما به مصالحهم وفسادهم، وما يؤتى وما يتقى. # والثاني: (أحسن كل شيء خلقه)، أي: أحكم كل شيء خلقه وأتقنه. # PageV08P330 # ثم يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: أتقن وأحكم فيما به من المصالح والمعاني، وفي كل شيء من التسوية ~~والتفرد وفي الجمع والتصوير. # والثاني: أحسن، أي: أتقن وأحكم كل شيء خلقه في الشهادة على وحدانية الله ~~وألوهيته، أي: جعل في كل أثر وحدانيته يشهد على وحدانيته وربوبيته. # وقال بعضهم: (أحسن كل شيء خلقه) لم يخلق الإنسان في خلق البهائم وصورتها ~~ولا البهائم في خلق الإنسان. # وقتادة يقول: كل شيء من خلقه حسن على ما خلق وعلم كيف يخلقه، وهو قريب ~~مما ذكرنا بدءا. # ثم من قرأه: (خلقه): بالجزم يكون معناه - والله أعلم - أي: أحسن خلق كل ~~شيء ومن قرأه (خلقه) بالتحريك، أي: أحسن كل شيء منه وخلقه. # ثم للمعتزلة في هذه الآية أدنى تعلق يقولون: أخبر أنه أحسن كل شيء خلقه، ~~والكفر وشتم رب العالمين ونحوه - كله قبيح وسفه؛ دل أنه لم يخلقه، وأنه ليس ~~بخالق لذلك. # يقال لهم: إخوانكم الزنادقة يعارضونكم ويقولون: إن الخنزير والنجاسات، ~~وجميع السباع الضارة والمؤذية، وجميع الخبائث كلها قبيحة، الله ليس بخالق ~~لها؛ فبم تدعون قولهم وسؤالهم في ذلك؟ # فإن زعمتم في الأول في الكفر والشتم وجميع فعل الشرور: أنه ليس بخلق له؛ ~~لأنه قبيح ضار مؤذ - يلزمكم مذهب الزنادقة فيما يقولون ويذكرون في إثبات ~~خالق سراه؛ لأف قبيح ضار مؤذ. # ويقال لهم: إن الله - جل وعلا - سمى إبليس: باطلا؛ فهو إذن لم يخلقه؛ ~~لأنه أخبر أنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا. # ثم يقال لهم: إنا ms3496 نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكفرة قبيحا، وخلق فعل ~~الكفر والشتم من الشرير والشاتم قبيحا، خلق فعل الشر على ما هو وعلى ما ~~عرفه؛ فلا عيب يلحقه في جعل ما هو قبيح قبيحا؛ كمن يعلم الكفر ليعلمه قبيحا ~~على ما هو، وكذلك جميع الشرور؛ فعلى ذلك ليس في خلق ما هو قبيح في نفسه ~~قبيحا - عيب؛ على ما لم # PageV08P331 # يكن في تكلف معرفة القبيح ليعرفه قبيحا على ما هو حقيقة - عيب، هذا إذا ~~كان التأويل على ما يذهبون هم إليه. فأما إذا كان ما ذكرنا في قوله: ~~(أحسن)، أي: علم أو أعلم، فليس يدخل في ذلك شيء مما ذكروا، والله أعلم. # وقوله: (وبدأ خلق الإنسان من طين). # قال عامتهم: يعني: آدم. # وقوله: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) # أي: نسل آدم. # (نسله): أي: ولده. # وقال: السلالة: الخالص من كل شيء. # (ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون (9) # أي: آدم. # وقال بعضهم: لا؛ ولكن ذلك نعت ولده وذريته؛ لأن الأعجوبة في خلق ولده في ~~الأرحام في ثلاث ظلمات من النطفة إن لم تكن أكثر من خلق آدم من طين لا تكون ~~أقل؛ لأن صنع الأشياء الظاهرة البادية وتسويتها في الشاهد أيسر وأدون من ~~صنعها وتسويتها إذا كانت غائبة مستكنة. # وظاهره: أن يكون قوله: (وبدأ خلق الإنسان من طين): آدم، (ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء مهين): ذريته؛ لأن النسل هو الولد والذرية. # وقوله: (من سلالة): قال بعضهم: السلالة: هو الصفوة من الماء، والخالص من ~~كل شيء. # وقال بعضهم: السلالة: هي من السل: سل السيف، أي: أخرجه ونزعه؛ فعلى ذلك ~~قوله: (من سلالة من ماء)، أي: استخرج من الظهر وسل منه ونزع. # والمهين: هو الضعيف؛ يقال منه: مهن يمهن مهانة، فهو مهين، وهو قول أبي ~~عوسجة والقتبي. # وقوله: (ثم سواه). # أي: جمعه وقومه وركب بعضه ببعض. # (ونفخ فيه من روحه). # PageV08P332 # وهو من الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد! لذلك ذكر، والله أعلم. ms3497 # وقوله: (ثم سواه) هو يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء. # أو سواه وجعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي. # (ونفخ فيه من روحه)، أي: جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق ~~النفخ فيه، والله أعلم. # وقوله: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة). # ذكر - جل وعلا - جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعا، ويدرك ~~ويوجد السبيل إليها وهو السمع والبصر والقلب في الإنسان؛ لأنه بالسمع يوصل ~~إلى ما غاب عنهم من العلم: يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى ويبصر ما ~~عند غيره، وبالقلب يفهم ويحفظ ويميز بين ما يؤتى ويتقى، يبين أنه قد أعطاهم ~~ما به يدركون ويصلون إلى ما غاب عنهم ويفهمون ويميزون، وهو ما ذكر من ~~الحواس. # ثم قال: (قليلا ما تشكرون). # قال أهل التأويل قوله: (قليلا ما تشكرون)، أي: لا تشكرون قط؛ لأنهم ~~يقولون: إنما خاطب به أهل مكة. # أو أن يقال: إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون وينقضون ما يشكرون بكفرانهم ~~من وأما أهل الإسلام وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد ~~اعتقدوا - في أصل العقد - الشكر له في جميع نعمه، والكافر اعتقد الكفران ~~له؛ وإلا يجيء أن يكون قوله: (قليلا ما تشكرون) للمؤمنين ولهم يقال ذلك لا ~~للكفرة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ~~ربهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ~~(11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) # وقوله: (وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد). # هذا القول منهم في الظاهر يخرج على الاستفهام والسؤال: أئنا نبعث ونخلق ~~خلقا # PageV08P333 # جديدا؛ وعلى الإيجاب والتحقيق: إنا نبعث لا محالة؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ~~ولا تعيير ms3498 لو كان على ظاهر المخرج منهم، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء ~~وإنكارا للبعث؛ دليله ما قال على أثره: (بل هم بلقاء ربهم كافرون)؛ وإلا ~~ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: استفهاما، أو ~~إيجابا، وهو ما أخبر عن المنافقين؛ حيث قال: (إذا جاءك المنافقون قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله): هذا القول منهم حق وصدق، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك ~~لم ينفع ذلك لهم؛ حيث قال: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)؛ فعلى ذلك ~~القول منهم في الظاهر ما ذكرنا، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكارا ~~للبعث وجحودا. # وقوله: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) # هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في ~~توفي الخلق وقبض أرواحهم: أنه من؟ فيقال عند ذلك: يتوفاكم ذلك ملك الموت. # وجائز أن يكون على الصلة بالأول؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من ~~التراب؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من ~~عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب، من غير أن يعلمه ~~أحد أن كيف يقبض؟ وكيف يمكن له ذلك؟ فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على ~~إحياء الخلق بعدما صاروا ترابا ورماد بل قادر على ما شاء، كيف شاء، متى ~~شاء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. # ثم قوله: (يتوفاكم) يحتمل من توفى العدد: يجعلهم وفاء لعدها؛ كقوله: (فلا ~~تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا). # وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام، أي: يستوفى الروح كله؛ ~~حتى لا يبقى في الجسد منه شيء. # ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ~~ويميتهم، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو ~~خلق. # وقال القتبي: (ضللنا في الأرض)، أي: بطلنا وصرنا ترابا. # وقال غيره: هلكنا. # وقال أبو عوسجة: (ضللنا) [بالضاد]: إذا صرنا في القبور وبلينا فيها. ~~ويقال: (ضللنا) بالكسر من الضلال، ويقال: ms3499 ضللت شيء كذا وكذا: إذا لم تدر ~~أين ذهب؟ ويقال: # PageV08P334 # صللنا ### | -[بالصاد]- # : وهو من صل اللحم، أي: أنتن. # وقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) # يقول - والله أعلم -: لو ترى - يا محمد - ما نزل بالمجرمين يومئذ من ~~العذاب، وما هم فيه من الحال الشديدة والهوان؛ بالتكذيب الذي كان منهم ~~وإساءتهم إليك - لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم؛ لعظم ما نزل ~~بهم من العذاب والشدائد. # (ناكسو رءوسهم عند ربهم)؛ ندامة وحسرة و - ش نا على ما كان منهم، على مثل ~~هذا يخرج التأويل؛ وإلا ليس في ظاهر الآية جواب قوله: (ولو ترى إذ المجرمون ~~ناكسو رءوسهم عند ربهم)؛ فجوابه ما ذكرنا، أو نحوه، والله أعلم. # وقوله: (ربنا أبصرنا وسمعنا). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: قوله: (أبصرنا): بالحجج والبراهين عيانا بعدما كنا أبصرناها في ~~الأولى بالدلالة، (وسمعنا)، أي: قبلنا وأجبنا؛ (فارجعنا) إلى الأولى أو ~~المحنة، (نعمل صالحا إنا موقنون). # والثاني: ربنا أبصرنا صدق الرسل، وأيقنا بما وعدنا في الدنيا وسمعنا سماع ~~إيقان وعيان، فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون، والله أعلم. # وقوله: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين (13) # أي: لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف: الذي لو كان منهم الاختيار ~~لذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار. # وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم ~~تهتد؛ فقولهم مخالف للآية؛ لأنهم يقولون: شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ~~ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة الجبر ~~والقسر. # فيقال لهم: زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون فلم يهتدوا ~~ولم تنفذ مشيئته؛ فأنى يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم حتى ~~يهتدوا؟! وكيف يؤمن على ذلك؟! فذلك بعيد على قولكم؛ فيقال لهم -أيضا-: إن ~~الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر ms3500 لا يكون إيمانا؛ لأن القهر والجبر ~~يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه، فكيف تأويلكم على هذا؟! # وقوله: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم). # أي: لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ويحدث ما يستوجبون به ~~جهنم، # PageV08P335 # وهو ما علم أنهم يختارون الرد والتكذيب. # وقوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين). # في هذه الآية دلالة: أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جهنم بعد ~~قوله: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم): خص الإنسان والجن ~~فيما يملأ بهما جهنم. # فإن قيل: إنه قال في آية أخرى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة). # قيل: هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي ~~إليهم العذاب، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء، والله أعلم. # وقوله: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد ~~بما كنتم تعملون (14) # النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال ~~السهو والغفلة. ثم هو يخرج على وجوه: # أحدها: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به، وتكذيبهم ورد الحجج ~~والآيات لذلك. # والثاني: (نسيتم)، أي: جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه. # والثالث: (إنا نسيناكم)، أي: نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم، أي: يجعلكم ~~كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه ~~وما دعاكم إليه كالمنسمي المتروك الذي لا يكترث إليه. # والرابع: وتضييعكم، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله، وإن لم يكن ~~الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله: (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون). # أي: ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد؛ ~~لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد؛ فعلى ذلك جعل ~~تعذيبهم في النار للأبد، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين، فإنما ~~يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد؛ لذلك افترقا. # * * * # قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا ms3501 الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء ~~بما كانوا يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) # PageV08P336 # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم ~~أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) # وقوله: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا ... (15) # يخرج قوله: (إنما يؤمن)، أي: يحقق الإيمان بالله وبآياته (الذين إذا ~~ذكروا بها خروا سجدا) أن لله حقيقة. # ثم يحتمل (خروا سجدا) حقيقة السجود عند تلاوة الآيات التي فيها ذكر ~~السجود. # والثاني: يكون ذكر خرور الوجه والسجود كناية عن الخضوع لها، والانقياد ~~والاستسلام والقبول لها؛ فأحدهما على حقيقة السجود عند تذكير الآيات لهم ~~والتلاوة عليهم، والثاني: على الكناية على القبول لها والاستسلام، وإلا ليس ~~من ذي مذهب من أهل الكفر من عبدة الأصنام وغيرهم إلا وهو يدعي الإيمان ~~بالله وبآياته، ويزعم أن الذي هو عليه هو الإيمان به والمؤتمر بأمره؛ ألا ~~ترى أنه كيف أخبر عنهم؛ حيث قال: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها): كانوا يدعون في جميع ما يعملون أن الله - تعالى - ~~أمرهم بذلك، وأنهم مؤمنون به مؤتمرون بأمره؛ فأخبر أنه إنما يحقق الإيمان ~~بالله وبالآيات الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا لا أولئك الذين يدعون ذلك ~~وليسوا هم كذلك. # وقوله: (وسبحوا بحمد ربهم). # التسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئة له عن جميع ما قالت الملاحدة فيه ونسبوه ~~إليه، مما لا يليق به. يقول: (وسبحوا بحمد ربهم)، أي: ذكروه بمحاسنه ~~ومحامده وبرءوه ونزهوه عن جميع ما وصفه أولئك ونسبوه إليه، هذا - والله ~~أعلم - هو التسبيح بحمده. # وقوله: ms3502 (وهم لا يستكبرون). # لا أحد يخطر بباله أن يستكبر على الله أو على أمره، ولكن كانوا يستكبرون ~~على رسله؛ لما لا يرونهم أهلا لذلك، أو أن يكونوا يستكبرون على ما يدعون ~~إليه ولا يجيبون لذلك. # وقوله: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون (16) # روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنها نزلت في أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لكن اختلفت عنه الروايات: # ذكر في بعضها: أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يعملون # PageV08P337 # بالنهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء، فناموا؛ فلما ~~نزل هذا اجتنبوا عن ذلك. # وذكر عنه: أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء؛ فنزلت الآية فيهم. # فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن. # وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك. # ثم اختلف أهل التأويل في تأوللها: قال بعضهم: هو التيقظ والصلاة فيما بين ~~المغرب والعشاء الآخرة. # ومنهم من يقول: هو التجافي عن المضاجع لصلاة العشاء والفجر يصليهما. # ومنهم من يقول: تتجافى جنوبهم بذكر الله: كلما استيقظوا ذكروا الله: إما ~~صلاة، وإما قياما، وإما قعودا، لا يزالون يذكرون الله. # ومنهم من يقول: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع): قيام الليل والصلاة فيه، ~~وهذا أشبه التأويلات؛ لأنه قال: (عن المضاجع)، والتجافي عن المضاجع إنما ~~يكون في الوقت الذي يضطجع فيه، وفيه يقع الامتداح والثناء الحسن؛ لأنه وقت ~~أن غفلة والنوم فيه، وأفا سائر الأوقات فليس كذلك، والله أعلم. # وقوله: (يدعون ربهم خوفا وطمعا). # يحتمل قوله: (يدعون ربهم خوفا وطمعا)، أي: يعبدون ربهم، ويحتمل حقيقة ~~الدعاء. # ثم قوله: (خوفا وطمعا)، قال بعضهم: خوفا من عذاب الله، وطمعا في رحمته. # أو أن يكون قوله: (خوفا)، أي: يخافون التقصير في العبادة، (وطمعا)، أي: ~~يطمعون إحسانه، وإحسانه في العفو والتجاوز، وهكذا عمل المؤمن من بين الخوف ~~والطمع يخاف التقصير فيه، ويطمع إحسانه. # روى الحسن عن النبي عجم قال: " قال ربكم - عز وجل -: وعزتي وجلالي، ms3503 لا ~~أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع أمنين فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم ~~القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة "، ثم قرأ قوله: (يدعون ~~ربهم خوفا وطمعا. . .) الآية. # PageV08P338 # وقوله: (ومما رزقناهم ينفقون). # يحتمل الزكاة المفروضة. # ويحتمل ينفقون صدقه التطوع. # وجائز أن يكون قوله: ومما رزقناهم من الأسباب السليمة ينفقون، أي: ~~يعملون، والله أعلم. # وقوله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ~~(17) # ذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " قال ربكم: أعددت لعبادي ~~الصالحين: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " هذا علم ~~النفس أنها لا تعلم إلا مثال ما أحست وعاينت وشاهدت، فأما العقل فإنه جائز ~~أن يعلم ويخطر ما لم ير ويحس ولم ير له مثالا، والله أعلم. # وعلى قول المعتزلة: يدعون ربهم أمنا وإياسا لا على الخوف والطمع على ما ~~ذكر؛ لأنهم لا يخلو إما أن يكونوا أصحاب الصغائر، أو أصحاب الكبائر؛ فإن ~~كانوا أصحاب الصغائر فهم آمنون على قولهم؛ لأنه لا يسع له أن يعذب على ~~الصغيرة على قولهم، أو أصحاب الكبائر فهم آيسون من رحمته؛ إذ لا يسع له أن ~~يغفر الكبائر على قولهم؛ فقولهم مخالف لظاهر الآية. # قال أبو عوسجة: (تتجافى جنوبهم)، أي: لا يضعونها بالأرض؛ يقال: تجافى ~~جنبي: إذا لم يضطجع لم ينم، وجافيت جنبي، أي: لم ألزقه بالأرض. وقال ~~القتبي: (تتجافى)، أي: ترتفع عن الأرض. ونزلا من النزل، والنزل: ما يجعل ~~للرجل يأكله وينفقه. # وقوله: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) # إن أهل التأويل يقولون: نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب، والوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط: كان بينه وبين علي - رضي الله عنه - كلام وتنازع، حتى ~~قال له علي: إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية فيهم، لكن الآية في جميع ~~المؤمنين والفاسقين، يخبر أن ليس بينهم استواء. # PageV08P339 # ثم جائز أن يكون ذكر هذا ونزل؛ لقول كان من أولئك الكفرة الفسقة ~~للمؤمنين: إن منزلتنا ms3504 ومنزلتكم وقدرنا في الآخرة عند الله - سواء؛ فنزلت ~~الآية لذلك أنهما ليسا بسواء؛ فبين منزلة المؤمن عند الله وقدره، وما ذكر ~~من الثواب له والكرامة، ومنزلة الفاسق ما ذكر من الخلود في النار أبدا، ~~كقوله: (الم. أحسب الناس)، وكقوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات. . .) ~~الآية. # أو يذكر ذلك على الابتداء: إنكم تعرفون في عقولكم أن ليس المؤمن المصدق ~~في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره وكالمكذب له، فكيف ~~تطمعون الاستواء عند الله وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم ~~الصادقون له؟! والله أعلم بذلك. # ثم الخوارج والمعتزلة يقولون: لو كان الفاسق مؤمنا على ما تقولون لم يكن ~~لما ذكر معنى؛ فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنا؛ حيث ذكر أنهما لا يستويان وأن ~~المؤمن مأواه في الجنة والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالدين ~~فيها على ما ذكر، فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا. # فيقال لهم: إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، ~~وأنه لا يستوي هو والمؤمن؛ لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان، دليله آخر الآية؛ ~~حيث قال: (ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) ذكر التكذيب، والتكذيب هو ~~مقابل الإيمان والتصديق، وكل فسق كان مذكورا مقابل الإيمان فهو كفر وتكذيب؛ ~~فهو لا يكون مؤمنا، ولكن هاتوا فاسقا ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل ~~غيره من العصيان والمساوي، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا؛ ألا يرى ~~أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر، كقوله: (وما يستوي الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء)؟! فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل ~~الإيمان كفر لا يقع فيه استواء بحال، وأما الفسق المذكور لا مقابل الإيمان ~~فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه ويكفر عنه سيئته، ويدخل ~~الجنة؛ حيث قال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ~~وقال في آية أخرى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا ms3505 كريما. . .)، وقال في آية أخرى: (أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا) الآية. # هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه، وأصحاب الحديث يقولون: ~~إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية؛ لأنه قال: (أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا)، ثم فسر # PageV08P340 # ذلك المؤمن فقال: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ~~نزلا بما كانوا يعملون (19) وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات، فيقال: ~~إن الوعد المطلق هو لمن آمن وعمل الصالحات، فأما من آمن ولم يعمل من ~~الصالحات شيئا، لا نقول بأن له ذلك الوعد المطلق، ولكن له الوعد الذي ~~ذكرنا. # وفي الآية دلالة أن قد يعمل المؤمن غير الصالحات وهو مؤمن؛ لأنه لو لم ~~يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أنه يكون ~~من المؤمن غير العمل الصالح، وذلك على المعتزلة والخوارج. # (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) اختلف ~~في العذاب الأدنى: # قال بعضهم: هو القتل يوم بدر. # ومنهم من يقول: هو الجوع في السنين التي كانت لهم فيها، والضيق والشدة. # ومنهم من يقول: هو المصائب التي تصيبهم. # وأمثال ذلك كثير، لكن ذلك العذاب ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر يكون ~~في الآخرة أبدا دائما لا زوال ولا انقطاع، فأما عذاب الدنيا لهم عذاب ~~عنادهم وما يكون منهم من الجنايات في حال كفرهم يعذبون في الدنيا؛ ليذكرهم ~~ذلك العذاب في الآخرة العذاب الدائم ليمنعهم عما به يعذبون في الدنيا عن ~~عذاب الآخرة، وكذلك ما أعطى لهم من اللذات والنعيم في الدنيا - وإن كان ~~منقطعا - ليذكرهم ذلك النعيم وتلك اللذات لذات الآخرة ونعمها الدائمة؛ ~~ولذلك رغب الله خلقه إلى طلب الآخرة، وأخبر أن لهم فيها من اللذات كذا في ~~غير آي من القرآن؛ حيث قال: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. . .) ~~الآية، ونحوه كثير. # والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وهو عذاب الكفر والتكذيب. # وقوله: (لعلهم يرجعون) لكي يلزمهم حجة الرجوع عما هم فيه من التكذيب؛ ~~لئلا يقولوا: (إنا ms3506 كنا عن هذا غافلين)، والله أعلم. # وقوله: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين ~~منتقمون (22) # قوله: (ومن أظلم ممن ذكر) # أي: هل أحد أظلم ممن ذكر (بآيات ربه) وقع له المعرفة والعلم أنها آيات ~~ربه، (ثم أعرض عنها) بعدما عرفها، وعلم بها - ليس أحد أظلم من ذلك. # التذكير بآياته: ما ذكرنا أنهم يذكرون لتقع لهم بأنها آياته، ثم يحتمل ~~آيات وحدانيته وآيات الرسالة، أو آيات البعث، أو آيات القرآن، والله أعلم. # وقوله: (إنا من المجرمين منتقمون) جرمهم هاهنا جرم كفر، ينتقم منهم ~~انتقام الكفر # PageV08P341 # والتكذيب. # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (25) # وقوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه) اختلف فيه: # قال بعضهم: (فلا تكن في مرية من لقائه) أي: من أن تلقاه يوم القيامة. # وقال بعضهم: فلا تكن في مرية من لقاء موسى التوراة؛ فإن الله ألقى الكتاب ~~عليه - أي: التوراة - حقا، فلقيها عيانا. # وقال بعضهم: فلا تكن في مرية من لقائه ليلة أسري به، قد روي مثل هذا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أسري وأعرج إلى السماء، فقال له موسى ~~كذا وكذا - أشياء ذكرت في أمر الصلوات وغيره - فلا ندري أيثبت ذلك أم لا، ~~أو إن ثبت كيف كان ذلك: أنه أوحي له فقال ما ذكر، أو رأى ذلك في المنام - ~~ورؤيا الأنبياء حق - أو كيف كان لأمر الله، والله أعلم. # وقوله: (وجعلناه هدى لبني إسرائيل): # قال بعضهم: جعلنا موسى هدى لبني إسرائيل؛ يجعل الهاء كناية عن موسى. # وقال بعضهم: (وجعلناه) أي: الكتاب الذي آتى موسى - (هدى لبني إسرائيل)، ~~ثم يحتمل قوله: (هدى لبني إسرائيل) وجهين: # أحدهما: البيان، أي: جعلناه بيانا لهم يبين ما لهم وما عليهم وما لله ~~عليهم. # والثاني: (هدى لبني إسرائيل) أي: دعاء ms3507 لبني إسرائيل يدعون الخلق به إلى ~~توحيد الله وألوهيته. # الهدى المضاف إلى الخلق يخرج على هذين الوجهين: على البيان، والدعاء. ~~والهدى المضاف إلى الله يخرج على وجوه: على البيان، وعلى الدعاء - الذي ~~ذكرنا أيضا - وعلى وجهين آخرين: # أحدهما: التوفيق والمعونة. # والثاني: على خلق فعل الاهتداء منهم. # على هذه الوجوه الأربعة يخرج إضافة الهدى إلى الله وإلى الخلق على ~~الوجهين اللذين ذكرناهما. # فإن قيل: كيف خص موسى أنه جعله هدى لمن ذكر، وذلك قد يكون في غيره، وهو # PageV08P342 # ما جعل في خلقة كل أحد شهادة وحدانيته وألوهيته قبل ذلك إنما يدرك بالنظر ~~والتفكر، وأما فيما ذكر يدرك بالبديهة، والله أعلم. # وقوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ~~(24) # أي: قادة في الخير: يحتمل قوله: (يهدون بأمرنا) أي: يدعون الناس بما ~~أمرهم، وهو التوحيد، أو (يهدون)، أي: يبينون لهم بالذي أمرنا: ما لهم وما ~~عليهم. # وقوله: (لما صبروا): # قال بعضهم: أي: بما صبروا على البلاء وتعذيب فرعون إياهم وأذاه إياهم، ~~أي: آمنوا ودعوا غيرهم إلى ذلك على الخوف، كقوله: (فما آمن لموسى إلا ذرية ~~من قومه على خوف من فرعون وملئهم. . .) الآية. # وقال بعضهم: (لما صبروا) على الطاعات. وقد قرئ: (لما صبروا): بالتشديد، ~~ومعناه - والله أعلم - أي: بما يهدون؛ لما كان منهم الصبر على ذلك، أي: ~~بالصبر الذي كان منهم هدوا أولئك. # وقوله: (وكانوا بآياتنا يوقنون). # أنها من الله، وأنها آياته. # وقال بعضهم: (لما صبروا)، أي: لم يركنوا إلى الدنيا، ولا اشتغلوا بها، ~~ولكن صبروا على أمره؛ إذ كلفوا، والله أعلم. # وقوله: (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) # إن أهل الأديان جميعا، والمذاهب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم اتفقوا أن ~~الدين الذي جاء من الله واحد، وأن الدين الذي أمر الله أن يدينوا به واحد، ~~لكن كلا منهم ادعى أن الذي هو عليه دين الله، وأن الأمر به من الله وقع على ~~ما يدين هو به، وغيره على باطل على غير دين الله الذي أمر ms3508 بالديانة به، ~~وكذلك قالوا: (وإذا فعلوا فاحشة. . .) الآية، فأخبر أنه يفصل بينهم ويبين ~~الدين الذي أمر أن يدينوا به في الدنيا بيان الاحتجاج عليهم؛ وإلا قد أبان ~~لهم وأظهر الذين الذي أمرهم أن يدينوا به بالحجج والآيات، وعرفوا ذلك، ~~لكنهم كابروا وعاندوا، وكتموا ذلك ولبسوا على الناس والأتباع؛ فيبين ما ~~كتموا في الدنيا ولبسوا في الآخرة، فيظهر عنادهم ومكابرتهم؛ احتجاجا عليهم، # PageV08P343 # وإن كان الحق قد بأن لهم وظهر في الدنيا، هذا - والله أعلم - يشبه أن ~~يكون تأويل الآية. # * * * # قوله تعالى: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ~~ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # وقوله: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) ~~يقول - والله أعلم -: # أولم يبين لأهل مكة، ولم يكفهم من الهداية والبيان ما أهلكنا من قبلهم من ~~القرون يمشون في مساكنهم، فيرون ما حل بهم، ومن أهلك ومن نجا منهم؛ فيقع ~~الاعتبار لهم بمن ذكر من وجهين: # أحدهما: زعموا أن آباءهم على ما هم عليه، وأنهم يقلدونهم في ذلك، وأنهم ~~أمروا بذلك، فيخبر أنكم أولاد من نجا منهم، لا أولاد من أهلكوا؛ لأنهم ~~استؤصلوا؛ فلا يحتمل أن تكونوا أولاد من استؤصلوا؛ فدل أنهم أولاد من نجا ~~منهم، وإنما نجا منهم المصدق لا المكذب، فيخبر أن كيف لا اتبعتم آباءكم ~~الذين نجوا منهم وهم المصدقون، دون الذين أهلكوا بالتكذيب والعناد؟! # والثاني: يعتبرون فيعلمون أن إهلاكهم واستئصالهم كان؛ للتكذيب والعناد مع ~~الرسل والخلاف لهم؛ فيمنعهم ما حل بهم بالتكذيب والخلاف للرسل عن تكذيب ~~رسول الله ومجادلتهم إياه. # وقوله: (إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون). # قال بعضهم: أفلا يبصرون ذلك حيث يمشون في مساكن أولئك، ويمرون فيها؟! ~~وقال بعضهم: أفلا يسمعون ما ms3509 يحدث لهم عن أولئك، وما حل بهم، وبم نزل ذلك ~~بهم؟! # وقال بعضهم: (أفلا يسمعون): أفلا يعقلون لماذا أهلكوا أو استؤصلوا؛ ~~فيمتنعون عن ذلك؟! # وقال بعضهم: أفلا يستمعون الوعيد الذي أوعد لهم. # وقيل: أفلا يستمعون التوحيد، والله أعلم. # وقوله: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ... ~~(27) إلى آخر ما ذكر. # PageV08P344 # هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث، والأولى ذكرت لإنكارهم ~~نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل، فيخبرهم أن من قدر على سوق الماء إلى ~~الأرض الميتة اليابسة وإحيائها، لقادر على إحيائكم بعد الموت؛ إذ الأعجوبة ~~والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة إن لم يكن أكثر فلا تكون دون ما ~~أنكروا؛ فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو ~~مثله؟!. # والأرض الجرز: قال أبو عوسجة: هي التي لا نبت فيها، وأرضون أجراز، وأرض ~~أجراز، وكذلك قال القتبي: الأرض الجرز: اليابسة: التي لا نبت فيها، وجمعها ~~أجراز، ويقال: سنون أجراز: إذا كانت سني جدب. # وقال بعضهم: الأرض الجرز: التي تأكل نباتها، أي: يحترق فيها، يقال: امرأة ~~جرزاء: إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه. # (تأكل منه)، من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة بالماء. # (أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون)، قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه غذاؤكم ~~وغذاء ما سخر لكم من الأنعام. # أو يذكر نعمه، يقول: أفلا تبصرون نعمه؛ فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، ~~وتصرفون الشكر إلى غيره؟! وذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " الأرض ~~الجرز التي لا نبات فيها ". # وقوله: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) # قال بعضهم: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون ~~ويتحدثون: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه - يعنون: يوم القيامة ~~- فقال كفار مكة: متى هذا الفتح؛ وهو القضاء. # (إن كنتم صادقين): بأنه كائن، فإن كان البعث والقيامة حقا - صدقنا يومئذ ~~وآمنا؛ فأنزل الله - تعالى -، (قل ... (29) يا محمد لهم: (يوم الفتح): يوم ~~القضاء، (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم). بالبعث؛ لقولهم: ms3510 لو كان البعث الذي ~~يقولون حقا صدقناه يومئذ. # (ولا هم ينظرون): # يقول: لا ينظر بهم بالعذاب حين يعذبون. # PageV08P345 # وقال بعضهم: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتذاكرون - ~~وهم بمكة - فتح مكة لهم؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم ~~وسخروا ويقولون لهم: متى فتحكم الذي تزعمون؟ فنزل: (ويقولون متى هذا الفتح) ~~يا أصحاب محمد، (إن كنتم صادقين) أنها تفتح عليكم. # لكن هذا بعيد؛ لأنه يقول على أئره: (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم ولا هم ينظرون)، ولو كان فتح مكة، لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة ~~وإنظار؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة، والأول أشبه أن يكون؛ لما ذكر من ~~ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله؛ فظهر أن الأول أشبه: ~~كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر: أنه ~~لما فتح مكة أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ذلك اليوم وانهزم ~~المشركون؛ فخرجوا من مكة، وأقام من أقام بها؛ فأمنه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو ~~قتادة الأنصاري، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين ~~كانوا يهزءون بأصحاب محمد، ويقولون: متى فتحكم هذا؛ فوق جبل قد تحصنوا فيه، ~~فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا: هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه ~~وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما لكم؟ قانوا: قد ~~أسلمنا، قال: إن كنتم قد أسلمتم فأنزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل ~~منهم: أطيعوني ولا تنزلوا إليه؛ فوالله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم، إنه لخالد ~~بن الوليد وإحنته، قالوا: والله ما علينا سبيل؛ لقد أسلمنا، ثم نزلوا ووضع ~~عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال: معاذ الله أن أعين ~~على شيء مما هاهنا، فبلغ ذلك النبي؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من ~~غنائم خيبر، فوداهم إليه بالدية ms3511 حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم، ~~ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ~~شيء لهم، فذلك قوله: (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ~~ينظرون). # (فأعرض عنهم ... (30) يا محمد إلى مدة لهم، (وانتظر)، بهم العذاب، أي: ~~القتل وهلاكهم (إنهم منتظرون) هلاككم. # وقال بعضهم: (فأعرض عنهم): إلى ذلك اليوم، (وانتظر): بهم فتح مكة، (إنهم ~~منتظرون): هلاكك. # أو أن يكون قوله: (فأعرض عنهم)، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، (وانتظر): ~~مكافأتنا إياهم، (إنهم منتظرون): ذلك، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV08P346 # سورة الأحزاب # ذكر أن ### | سورة الأحزاب # نزلت بالمدينة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن ~~الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) # قوله - عز وجل -: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين). # جائز أن يكون ظاهر الخطاب وإن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~فهو للناس عاما؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (واتبع ما يوحى إليك من ربك إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا) خاطب به الجماعة، وقد خاطب رسوله في غير آي من ~~القرآن، والمراد به غيره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون هذا كذلك. # ويشبه أن يكون المراد بالخطاب -أيضا- خاصة، لكن إن كان ما خاطب به مما ~~يشترك فيه غيره - دخل في ذلك الخطاب وفي ذلك النهي، وإن كان مما يتفرد به ~~من نحو: تبليغ الرسالة إليهم، وما تضمنته الرسل، وإن خاف على نفسه القتل ~~والهلاك فإن عليه ذلك لا محالة، كقوله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك. . .) الآية. # وأما أهل التأويل فمما اختلفوا فيه: # قال بعضهم: نزلت الآية، وذلك أن نفرا من أهل مكة - أبو سفيان بن حرب، ~~وعكرمة ابن أبي جهل، وأبو الأعور السلمي، وهؤلاء - قدموا المدينة، فدخلوا ~~على عبد الله بن أبي رئيس المنافقين بعد قتلى أحد، وقد أعطاهم النبي الأمان ms3512 ~~على أن يكلموه، فقالوا للنبي وعنده عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ارفض ~~ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، وندعك وربك؛ فشق ذلك على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية: (اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين)، وفيهم نزل: (ودع أذاهم وتوكل على الله). # وفي بعض الروايات: قالوا ذلك - وعنده عمر بن الخطاب - فقال: يا رسول ~~الله، ائذن لي في قتلهم؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إني قد ~~أعطيتهم الأمان "، فإن كان على هذا فالنهي: عن نقض العهد والأمان. # PageV08P347 # وإن كان على الأول: فالنهي عن اتباع ما طلبوا منه من رفض آلهتهم والعبادة ~~لها. # وبعضهم يقولون: إن أهل مكة نحو: شيبة بن ربيعة وهؤلاء قالوا له: إنا ~~نعطيك يا محمد كذا كذا من المال، ونزوجك كذا كذا امرأة كثيرة المال؛ ~~فارفضنا وآلهتنا؛ وإلا قتلك المنافقون: فلان وفلان، عذوا نفرا؛ فأنزل الله ~~- تعالى - الآية في ذلك بالنهي عن اتباع ما طلبوا منه ودعوه إليه، وأمره ~~بالتوكل على الله في ترك الاتباع لهم. # وأصله ما ذكرنا: أن النهي - وإن كان له خاصة - فيما ذكر فهو - وإن كان ~~معصوما - فالعصمة لا تمنع الأمر والنهي؛ بل العصمة إنما تنفع إذا كان ثمة ~~نهي وأمر؛ إذ لولا النهي والأمر لكان لا معنى للعصمة ولا منفعة لها، والله ~~أعلم. # وقوله: (اتق الله): في ترك تبليغ الرسالة إليهم، (ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين) في اتباع ما دعوك إليه وطلبوا منك، أو في غيره. # (إن الله كان عليما حكيما). # (عليما) وبما كان ويكون منهم، أي: على علم بما يكون منهم من التكذيب ~~والرد عليك بعثك، لا على جهل، (حكيما): في ذلك، أي: بعثه إياك إليهم، على ~~علم بما يكون منهم من التكذيب والرد، لا يخرجه عن الحكمة، ليس كملوك الأرض: ~~إذا أرسل بعضهم إلى بعض رسالات وهدايا، على علم من المرسل أن المبعوث إليه ~~يرد الرسالة والهدية يكون سفها؛ لأنهم يبعثون ويرسلون لحاجة أنفسهم، أعني: ~~أنفس المرسلين، فإذا أرسلوا على علم منهم بالرد والتكذيب كان ذلك ms3513 سفها ~~خارجا عن الحكمة. # فأما الله - سبحانه - إنما يرسل الرسل ويبعثهم لمنفعة أنفسهم وحاجتهم، ~~فعلمه بالرد والتكذيب لا يخرجه عن الحكمة. # وقوله - تعالى -: (واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا (2) # هذا يحتمل الخصوص له على ما ذكرنا، ويحتمل العموم على ما ذكرنا في آية ~~أخرى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) يدل على ذلك قوله: (إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا): خاطب به الكل - والله أعلم - وهو ما ذكرنا أنه على علم بما ~~يكون منهم من التكذيب والرد. # وقوله: (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) # أي: اعتمد على الله في تبليغ الرسالة، ولا تخف أذاهم. # PageV08P348 # (وكفى بالله وكيلا). # أي: حافظا يحفظك ويمنعهم عنك، كقوله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس). # * * * # قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ~~ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا (6) # وقوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه). # يقول بعض أهل التأويل كذلك: إنها نزلت في رجل يقال له: أبو معمر، وكان من ~~أحفظ الناس وأوعاهم؛ فقالوا: إن له قلبين: قلب يسمع، وقلب يحفظ ويعي؛ فنزل: ~~(ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه). # ويقول بعضهم كذلك: إنها نزلت في أبي معمر، وكان يسمى: ذا قلبين؛ لحفظه ~~الحديث، حتى إذا كان يوم بدر، وهزم المشركون - وفيهم أبو معمر - يلقاه أبو ~~سفيان بن حرب، وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله؛ فقال: يا أبا ms3514 ~~معمر، ما فعل الناس؟ قال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك والأخرى في ~~رجلك؟ فقال: ما شعرت إلا أنهما جميعا في رجلي؛ فعرفوا يومئذ أن لو كان له ~~قلبان ما نسي نعله في يده. ونحوه قد قيل، ولكن لا ندري ما سبب نزول هذا. # وروي عن ابن عباس: أنه سئل عن هذه الآية؛ فقال: كان نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي يوما، فخطر خطرة - أي: وقع في قلبه - فقال المنافقون ~~الذين يصلون معه: ألا ترى أن له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم؛ فأنزلت هذه ~~الآية. # PageV08P349 # وهذا يشبه أن يكون سبب نزول الآية، أو أن يكون نزولها في المنافقين، وذلك ~~أنهم كانوا يصلون مع النبي والمؤمنين، ويرون الموافقة لهم من أنفسهم، ~~ويقولون: (نشهد إنك لرسول الله)، ثم يرجعون إلى أولئك فيقولون: (إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون)، ونحوه؛ فذكر هذا: (ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه)، أي: دينين في جوفه: أن إيمان والنفالتي، أو (قلبين في جوفه): قلبا ~~لهذا، وقلبا للآخر. # أو نزلت في المشركين الذين يقرون بالوحدانية لله، وأنه هو الخالق؛ كقوله: ~~(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، ويعبدون الأصنام مع ~~هذا؛ فيقول - والله أعلم -: لم يجعل لرجل قلبين في جوفه: قلبا للشرك، وقلبا ~~للإيمان والتوحيد؛ ولكن جعل قلبا واحدا لأحد هذين، أي: قلبا لقبول الشرك، ~~وقلبا لقبول الإيمان. # وبعضهم يقول: هو على التمثيل، أي: كما لم يجعل لرجل واحد قلبين؛ فكذلك لا ~~يكون المظاهر من امرأته: لا تكون امرأته أمه في الحرمة، ولا يكون دعي الرجل ~~ابنه، يقول: نزلت في النبي وزيد بن حارثة، كان النبي تبناه، وكانوا يسمونه ~~زيد بن محمد، فجاء النهي عن ذلك؛ فقال: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم)، إلى ~~هذا يذهب عامة أهل التأويل. # وبعضهم يقول: تأويل قوله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم). # أي: لم يجعل للرجل نسبين ينسب إليهما. # وأصله عندنا: أن قوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه): ما ذكرنا، ~~ولم يجعل أزواجكم اللائي تستمتعون بهن بالتشبيه بالأمهات ms3515 كالأمهات، أي: لم ~~يحل لكم ذلك ولم يبح ولم يشرع. (وما جعل أدعياءكم أبناءكم)، أي: لم يجعل ~~سبب ذلك ولم يشرع، وإن كان قد يكون في النسب الفاسد، نحو الجارية بين اثنين ~~إذا ولدت فادعياه جميعا، ونحو النكاح الفاسد، والملك الفاسد، لم يجعل كذا، ~~أي: لم يحل ولم يشرع؛ كقوله: (ما جعل الله من بحيرة)، أي: لم يشرع ولم يحل ~~ذلك، وإن كان يكون لو فعلوا؛ فعلى ذلك قوله: (وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم)، أي: لم يشرع ذلك السبب، ولم يحل ذلك في الإسلام ما ~~كان في الجاهلية، لا أنه لا يكون ذلك فيما لم يشرع في الفاسد من السبب، على ~~ما ذكرنا: أن النسب ثبت في النكاح الفاسد، وإن لم يشرع. # والحسن يقول في قوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) قال: كان ~~الرجل # PageV08P350 # يقول: إن نفسا تأمرني بكذا ونفسا تأمرني بكذا؛ فنزل ذلك. # والحكمة فيما لم يجعل لواحد قلبين، وجعل له سمعين وبصرين؛ لأن الإدراك ~~بالسمع والبصر إنما يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرج معاونة بعضهم بعضا، وما ~~يدرك بالقلب إنما يدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء، ~~فيناقض أحدهما صاحبه؛ إذ يجوز أن يرى أحدهما خلاف ما يراه الآخر، وأما ~~السمعان والبصران لا يكون كذلك. # وقوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه): جائز أن يكون سبب ذلك ما ~~ذكر من ادعاء مسيلمة الكذاب الرسالة لنفسه وتواطؤ أصحابه على ذلك، يقول - ~~والله أعلم -: ما جعل الله أن يرسل رجلين رسولا إلى خلقه مختلفي الدينين ~~متضادي الشرائع، يدعو كل واحد إلى دين غير الآخر، وإلى شريعة يضاد بعضها ~~بعضا: محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومسيلمة الكذاب. # وقوله: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم): يحتمل هذا وجهين: ~~أحدهما: على النهي الذي ذكرنا، أي: لا تشبهوا أزواجكم بظهور الأمهات، ولا ~~تحرموهن على أنفسكم كحرمة الأمهات؛ ولذلك قال: (وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا). # والثاني: أن لم يجعل الله لكم أزواجكم حراما ms3516 أبدا كالأمهات، وإن جعلتم ~~أنتم؛ ولكن جعلهن لكم بحيث تصلون إليهن بالاستمتاع على ما تصلون إليهن ~~وتستمتعون بهن، بعد هذا القول؛ يذكر هذا على المنة والنعمة؛ ليتأدى به ~~شكره؛ لما أبقى لهم الاستمتاع بهن بعد هذا، ولم يجعلهن لهم كالأمهات، على ~~ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم)، أي: ما جعل أدعياءكم أبناءكم في ~~الحقوق إلى الآباء، وهو ما ذكر في بعض القصة: أنه إذا ادعى الرجل منهم ورثة ~~منهم مع أولاده - وهو شيء كانوا يفعلونه في الجاهلية - دعي إليه ونسب، يقول ~~- والله أعلم -: ما جعل ما كنتم تدعون الأبناء في الجاهلية للعون والنصرة ~~أبناءكم في الإسلام فيما جعلوا. # والثاني: ما جعل أدعياكم أبناءكم في حق النسبة، كما ذكر أنهم كانوا ~~يقولون لزيد بن حارثة: زيد بن محمد. # (ذلكم قولكم بأفواهكم): # PageV08P351 # إنما هو قول تقولونه بألسنتكم فيما بينكم. # (والله يقول الحق): # إنهم ليسوا بأبنائكم. # أو أن قوله: (والله يقول الحق)، تأويله: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله (5): أعدل عند الله، أي: انسبوهم إليهم إن علمتموهم. # (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم). # قال بعض أهل التأويل: فانسبوهم إلى أبيهم من أسماء مواليكم أو إخوانكم أو ~~ابن عمكم، مثل عبد الله وعبيد الله، وعبد الرحمن، وأشباه ذلك الأسماء ~~وأسماء مواليكم. # أو أن يقول: قوله: (فإخوانكم في الدين)، أي: سموهم: إخوانا، وذلك أعظم في ~~القلوب وآخذ من التسمية بالآباء والنسبة إليهم؛ وذلك أن الحاجة إلى معرفة ~~الآباء والنسبة إليهم إنما تكون عند الكتابة والشهادة وعند الغيبة، فأما ~~عند الحضرة فلا. # وقوله: (ومواليكم)، قال بعضهم: نزل هذا في شأن زيد بن حارثة، وهو كان ~~مولى رسول الله، وكانوا يسمونه: زيد بن محمد؛ فنهوا عن ذلك، فيقول: فإن لم ~~تعلموا آباءهم فانسبوهم إلى مواليهم. # وجائز أن يكون قوله: (ومواليكم) من الولاية، كقوله: (والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض)، وقال: (إنما المؤمنون إخوة). # وقوله: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به). # يقول - والله أعلم -: ليس عليكم جناح بالنسبة إلى غير الآباء إذا كنتم ~~مخطئين ms3517 غير عارفين للآباء؛ إنما الجناح والحرج عليكم إذا كنتم عامدين لذلك ~~عارفين لهم آباء؛ كأنه أباح التبني والتآخي فيما بينهم، ولم يبح النسبة إلى ~~غير الآباء وإيجاب الحقوق فيما بينهم. # وكذلك روي في بعض الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤاخي بين ~~الرجلين، وإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فكان الزبير ~~أخا عبد الله بن مسعود، فمكثوا بذلك ما شاء الله أن يمكثوا، حتى نزلت ~~الآية. # وقال بعضهم: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به)، يقول: إذا دعوت الرجل # PageV08P352 # لغير أبيه، وأنت ترى أنه كذلك. # (ولكن ما تعمدت قلوبكم). # يقول: لا تدعوه لغير أبيه متعمدا، فأما الخطأ فإن الله يقول: لا يؤاخذكم ~~به، ولكن ما أردتم به العمد، وهو مثل الأول. # وذكر أن عمر - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول: اللهم اغفر لي خطاي؛ فقال ~~له عمر: " استغفر الله العمد؛ فأما الخطأ فقد تجوز لك عنه "، وكان يقول: " ~~ما أخاف عليكم الخطأ؛ ولكن أخاف عليكم العمد، وما أخاف عليكم العائلة؛ ولكن ~~أخاف عليكم التكاثر، وما أخاف عليكم أن تزدروا أعمالكم؛ ولكن أخاف عليكم أن ~~تستكثروها ". # وذكر أن ثلاثا لا يملك عليها ابن آدم: الخطأ والنسيان والاستكراه، وكذلك ~~روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال ذلك. # وقال بعضهم: الخطأ - هاهنا - هو ما جرى على اللسان من غير قصد، والعمد ما ~~يجري على قصد، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # (وكان الله غفورا رحيما). # لما فعلوا. # وقوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # قال بعضهم: النبي أولى بهم من بعضهم ببعض؛ كقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)، ~~أي: لا يقتل بعضكم بعضا؛ إذ لا أحد يقتل نفسه، (فسلموا على أنفسكم) أي: ~~يسلم بعضكم على بعض، ليس أنه يسلم الرجل على نفسه؛ ولكن ما ذكرنا؛ فعلى ذلك ~~قوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، أي: بعضهم من بعض. ms3518 # ثم يحتمل هو أولى بهم من أنفسهم من الطاعة له والاحترام له والتعظيم، أي: ~~هو أولى أن يعظم ويحترم ويطاع من غيره. # أو أن يكون أولى بهم في الرحمة والشفقة لهم، أي: أرحم بهم وأشفق من ~~أنفسهم، وهو على ما وصفه من الرحمة والرأفة؛ حيث قال: (عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)، وليس أحد من الناس يعز عليه ما يفعله من ~~المآثم. # أو أن يجوز أولى بهم:، أي: أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم، محبة الاختيار ~~والإيثار، ليست محبة الميل: ميل القلب؛ لأن ميل القلب يكون بالطبع. # PageV08P353 # وذكر في الخبر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليس بمؤمن حتى ~~أكون أنا أحب إليه من نفسه وولده وأهله " أو كلام نحو هذا. # أو أن يكون [(أولى بالمؤمنين)]، في الآخرة بالشفاعة لهم، يشفع فينجون من ~~النار به لا بأعمالهم، والله أعلم. وذكر في بعض الحروف: (النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم): وهو حرف أبي وابن مسعود ~~وابن عباس، رضي الله عنهم. # قوله: (وهو أب لهم) في الرحمة والشفقة، أو فيما يلزم من الطاعة والتعظيم ~~والاحترام ونحوه. # وقوله: (وأزواجه أمهاتهم). # قال أهل التأويل: (وأزواجه أمهاتهم): في الحرمة؛ أي: لا يحل لهم أن ~~يتزوجوهن أبدا كالأمهات، ولكن يجب أن يكون ذلك بعد وفاته، فأما في حياته ~~إذا طلقهن فيجب أن يحللن لغيره؛ لأنه قال: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا. . .) الآية، ولو لم يحللن لغيره، لم يكن لما ذكر ~~لهن من التمتيع والتسريح معنى، وهذه الحرمة يجب أن تكون بعد الموت، وهو ما ~~قال: (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا): إنما شرط هذا بعده؛ ليكن أزواجه ~~في الآخرة. # أو أن يكون قوله: (وأزواجه أمهاتهم)، أي: حرمة أزواجه من بعده ومنزلتهن ~~كمنزلة أمهاتهم؛ يستوجبن ذلك لحرمة رسول الله ومنزلته قبلهم. # وأما الباطنية فإنهم يقولون: في قوله: (وأزواجه أمهاتهم) دلالة أنه ليس ~~يريد به أزواج النبي؛ ألا ترى أنه يحل للناس نكاح أولادهن، ms3519 ولو كن أمهات لم ~~تحل؛ لأنهم يصيرون إخوة وأخوات؛ فإذا حل ذلك دل أنه ما ذكرنا، هذا قولهم. # لكن الجواب لذلك ما ذكرنا: أنه جائز أنه سماهن: أمهات، أي: منزلتهن ~~وحرمتهن كمنزلة الأمهات؛ لحرمة رسول الله ومنزلته؛ وذلك جائز لأنه ذكر ~~الشهداء أحياء عنده، وإن كانوا في الحقيقة موتى؛ لفضل الكرامة لهم والمنزلة ~~عند الله، فعلى ذلك ذكر # PageV08P354 # الأمهات لأزواجه ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). # قال بعضهم: (في كتاب الله): في حكم الله؛ كقوله: (كتاب الله عليكم)، أي: ~~حكم الله عليكم. # وقال بعضهم: (في كتاب الله): فيما أنزل من الكتاب، وهو الذي ذكر، وكذلك: ~~(كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت. . .)، إلى آخر ما ذكر: المكتوب عليهم: ~~الذي ذكر على أثره. # ثم اختلف في تأويل قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين): قال بعضهم: إن المواريث في بدء الأمر لم تكن تجري ~~إلا فيما بين المؤمنين المهاجرين من القرابات والأرحام، فإن كان مؤمنا لم ~~يهاجر لم يرث ابنه ولا أباه ولا أخاه المهاجر ولا سائر قراباته إذا مات ~~أحدهما، إلا أن يكونا مؤمنين مهاجرين؛ فعند ذلك يتوارثون؛ فعلى ذلك التأويل ~~يكون تأويل قوله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا): الذين لم يهاجروا ~~من المؤمنين أن توصوا لهم شيئا، فيقول قائل هذا التأويل: إن هذا نسخ بالآية ~~التي ذكر في سورة الأنفال، وهو قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. . ~~.). # ولم يذكر فيها الهجرة إذا كانوا مسلمين. # وأما الكافر فإنه لا يرث المسلم، وعلى ذلك روي في الخبر أنه قال: " لا ~~يرث، المسلم الكافر ولا الكافر المسلم "، وقال: " لا يتوارث أهل ملتين ". # PageV08P355 # وقال بعضهم: تأويل قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين) من الأقربين منهم، أي: أولو الأرحام من المؤمنين ~~والمهاجرين الأقرب فالأقرب منهم، (بعضهم أولى ببعض) من الأبعدين في ~~المواريث أي: الأقرب منهم بعضهم أولى ببعض من الأبعدين. # (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا). ms3520 # على هذا التأويل يكون قوله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم): الأبعدين ~~(معروفا): وصية أو شيئا، فذلك معروف فصارت المواريث للقرابات الأدنى ~~فالأدنى من المؤمنين دون الأبعدين؛ فيكون الآية التي في الأنفال وهذه سواء ~~على هذا التأويل، بل يكون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى أولى بالمواريث ~~من غيرهم. # وبعضهم يقول: إن الآية نزلت ناسخة لما كان منهم من التوارث بالمؤاخاة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤاخي بين رجلين، فإذا مات أحدهما ~~ورثه الباقي منهما دون عصبته، حتى نسخ ذلك بالآية التي ذكر؛ فعلى ذلك يكون ~~قوله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) هو أن يصنعوا إلى الذين آخى ~~بينهم النبي معروفا. # ثم اختلف في أولي الأوحام المذكورين في الآية: # قال بعضهم: هم الذين ذكرهم في قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين. . .)، إلى آخر ما ذكر. # وقال بعضهم: ليسوا هم؛ وإنما الذي ذكر في ذلك هم الذين بين لهم حد ~~مواريثهم، فأما غيرهم فإنما هم في قوله: (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) ~~فإنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، وكذلك يقول أبو حنيفة - وحمه الله -: إن ~~أولي الأرحام إنما يرث الأقرب فالأقرب منهم، ليس كالعصبات؛ لأن الابنة لا ~~شك أنها أقرب من ابن العم، ثم يكون النصف للابنة والبقية لابن العم. # وقوله: (كان ذلك في الكتاب مسطورا). # قال بعضهم: في اللوح المحفوظ بأن المؤمنين بعضهم أولى ببعض في المواريث # PageV08P357 # من الذين كانوا يتوارثون. # وقال بعضهم: (في الكتاب)، أي: في التوراة مكتوبا: أن يصنع بنو إسرائيل ~~إلى بني لؤي بن يعقوب معروفا؛ ليعود الغني على الفقير، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد ~~للكافرين عذابا أليما (8) # وقوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا). # قال بعضهم: خص هؤلاء؛ لأن أهل الشرع من الرسل هم هؤلاء؛ كقوله: (شرع لكم ~~من الدين ما وصى ms3521 به نوحا. . .) الآية، لكنه قد ذكر في آية أخرى ما يدل أن ~~غير هؤلاء كان لهم أيضا شرع؛ كقوله: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده. .) الآية. # وجائز أن يكون تخصيص هؤلاء بأخذ الميثاق؛ لأنهم هم أولو العزم من الرسل؛ ~~حيث قال: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) أو يكون لا على تخصيص لمن ~~ذكر؛ ولكن على إرادة الكل، والله أعلم. # ثم اختلف في أخذ الميثاق: # قال بعضهم: أخذ ميثاقهم على أن يبشر بعضهم ببعض: يبشر نوح بإبراهيم، ~~وإبراهيم بموسى، وموسى بعيسى، وعيسى بمحمد، عليهم الصلاة والسلام. # وقال بعضهم: أخذ ميثاقهم؛ ليصدق بعضهم بعضا، وأن يدعوا إلى عبادة الله، ~~وأن ينصحوا لقومهم. # وجائز أن يكون ما ذكر من أخذ الميثاق منهم لما ذكر على أثره: (ليسأل ~~الصادقين عن صدقهم): أخذ منهم الميثاق في تبليغ الرسالة إلى قومهم؛ ليسألهم ~~عن صدقهم أنهم قد بلغوا. # (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا). # لأن تبليغ الرسالة إلى الفراعنة منهم وأعداء الله صعب شديد، مخاطرة، فيه ~~هلاك النفس وفوات الروح، وهو ما قال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك. . .) الآية. # وقوله: (ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) # PageV08P358 # الصدق أكثره إنما ينفع في الإنباء والإخبار، كقوله: (والذي جاء بالصدق ~~وصدق به): وهو ما أخبرهم وأنبأهم من القرآن وغيره. # وقال في آية أخرى: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا)، صدقا في نبيه، وعدلا في ~~حكمه، ثم صدقه في النبأ، وعدله في الحكم، سمي القرآن: مرة صدقا، ومرة عدلا، ~~ومرة حقا، فالحق يجمع الأمرين: النبأ والحكم جميعا، والصدق يكون في النبأ ~~خاصة، والحكم في العدل. # ثم يحتمل سؤاله الصادقين، وهم الرسل، عن صدقهم وجهين: # أحدهما: يسألهم عن تبليغ ما أمرهم بالتبليغ إلى قومهم، وعن إنباء ما ~~ولاهم الإنباء أن نبئوا أولئك: هل بلغتم وهل أنبأتم أولئك؟ # والثاني: يسألهم عن إجابة أولئك لهم: هل أجابوكم إلى ما دعوتم؛ لأن منهم ~~من أجابهم وصدقهم، ومنهم من لم يجب ولم يصدق؛ فيخرج السؤال عمن أجاب ms3522 على ~~التقرير، ومن لم يجب على التنبيه والتوبيخ، وهو يسأل الفريقين جميعا: الرسل ~~عن التبليغ، والمرسل إليهم: عن الإجابة؛ كقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) # [(يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها)] اشكروا ما أنعم الله عليكم وأحسنوا صحبة نعمه ~~في النصر لكم والدفع عنكم، ثم الأمر في تذكير ما أنعم عليهم وجوه من الحكمة ~~والدلالة: # أحدها: تذكير لنا في مقاساة أولئك السلف من أصحابه في الدين، وعظيم ما ~~امتحنوا في أمر الدين، حتى بلغوا الدين إلينا؛ لكيلا نضيعه نحن، بل يلزمنا ~~أن نحفظه ونتمسك به، ونتحمل فيه، كما تحمل أولئك. # والثاني: فيه آية لهم وذلك أنهم كانوا جميعا هم وأعداؤهم، فجاءتهم الريح ~~والملائكة فأهلكتهم دون المؤمنين، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~" نصرت بالصبا، وأهلك عاد بالدبور "، وذلك آية عظيمة. # PageV08P359 # والثالث: يذكرهم ما أتاهم من الغوث عند إياسهم من أنفسهم وشرفهم على ~~الهلاك وخروج أنفسهم من أيديهم؛ لأن العدو قد أحاطوا بهم؛ حيث قال: (إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)، وبلغ أمرهم وحالهم ما ذكر، حيث قال: (وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. . .) الآية. # أو أن يذكر لما كان منهم من العهد والميثاق ألا يولوا الأدبار، ولا ~~يهربوا كقوله: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. . .) ~~الآية: يذكرهم عظيم نعمه التي كانت عليهم في النصر لهم على عدوهم والدفع ~~عنهم، وحالهم ما ذكر في الآية، وذلك كان يوم الخندق تحزبوا المؤمنين في ~~ثلاثة أمكنة يقاتلونهم من كل وجه شهرا، فبعث الله عليهم بالليل ريحا باردة، ~~وبعث الملائكة فغلبتهم، والله أعلم. # وقوله: (وكان الله بما تعملون بصيرا). ms3523 # يذكر أنه لا عن غفلة وسهو ترككم هنالك حتى أحاط بكم العدو؛ ولكن أراد أن ~~يمتحنكم محنة عظيمة. # أو يقول: إنه بصير عليم فيجزيكم جزاء عملكم وصبركم على ذلك، والله أعلم. # وقوله: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) # قال بعضهم: من فوق الوادي ومن أسفل منه. # وقيل: أحاطوا بهم من النواحي جميعا. # وجائز أن يكون ذلك كناية عن الخوف، أي: أحاطوا بهم حتى خافوا على أنفسهم ~~الهلاك؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر). # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: هذا وصف المنافقين (زاغت الأبصار)، ~~أي: شخصت، (وبلغت القلوب الحناجر)؛ لشدة خوفهم، كقوله: (أشحة عليكم فإذا ~~جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت)، ~~وأمثال هذا قد وصفهم في غير آي من القرآن ما وصف هاهنا، وهذا يشبه أن يكون. # وقال بعضهم: هذا وصف حال المؤمنين: شخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر؛ ~~لفا اشتد بهم الخوف؛ لما أحاطوا بهم من فوق ومن أسفل. # ثم جائز أن يكون ذلك على التمثيل، أي: كادت أن تكون هكذا. # وجائز أن يكون على التحقيق، وهي أن تزول عن أمكنتها، وبلغت ما ذكر، والله # PageV08P360 # أعلم. # وقوله: (وتظنون بالله الظنونا). # قال بعضهم: ظن ناس من المنافقين ظنونا مختلفة، يقولون: هلك محمد وأصحابه، ~~ونحوه من الظنون الفاسدة السوء، وكقوله: (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا)، ~~ونحوه. # وجائز أن يكون ذلك الظن من المؤمنين: ظنوا بالله ظنونا لتقصير أو تفريط ~~كان منهم نحو قوله: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)، وكقوله: (إن الذين تولوا منكم. . ~~.) الآية. # ثم قال: (هنالك ابتلي المؤمنون ... (11) بالقتال وأنواع الشدائد # (وزلزلوا زلزالا شديدا): # قيل: جهدوا جهدا شديدا، وقيل: حركوا تحريكا شديدا. # * * * # قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم ms3524 ~~فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن ~~يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها ~~وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون ~~الأدبار وكان عهد الله مسئولا (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت ~~أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن ~~أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ~~(17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة ~~على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا ~~(19) يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) # وقوله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض). # يحتمل أن يكون قوله: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض): هما ~~واحد، وهم # PageV08P361 # المنافقون. # وجائز أن يكون المنافقون هم الذين أضمروا الخلاف له، وأظهروا الوفاق، على ~~إبانة الحق لهم وظهوره، (والذين في قلوبهم مرض): هم الذين كانوا مرتابين في ~~ذلك، لم يبن لهم ذلك، ولم ينجل قالوا هذا: # (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا): # قال عامة أهل التأويل: الذي وعد لهم فتوح البلدان، قالوا لما أحاط بهم - ~~أعني: بالمؤمنين - الكفار قال ذلك المنافقون. # وقوله: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن ~~فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ~~(13) # قيل: (يثرب): المدينة، ويقال: (يا أهل يثرب): يا أهل المدينة، وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من قال للمدينة: يثرب، فليستغفر ~~الله ثلاثا؛ هي طابة هي طابة " ثم قال بعضهم: إن قوله: (وإذ قالت ms3525 طائفة ~~منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) إنما قاله أهل النقاق لبعضهم: (لا ~~مقام لكم فارجعوا). # ثم يحتمل قوله (لا مقام لكم) وجهين: # أحإهما: ما قالوا: (ما وعدنا الله ورسوله) ومن الفمح والنصر (إلا غرورا). # والثاني: (لا مقام لكم فارجعوا)؛ لما لم يقع عندهم أنهم يصلون إلى ما ~~كانوا يطمعون ويأملون؛ لأنهم كانوا يخرجون رغبة في الأموال وطمعا فيها، وهو ~~ما وصفهم: (ومن الناس من يعبد الله على حرف. . .) الآية. # وجائز أن يكون هذا القول من المؤمنين لأهل النفاق؛ فإن كان من المؤمنين ~~لأولئك فالوجه فيه: أنهم أرادوا أن يطردوهم؛ لفشلهم ولجبنهم؛ لئلا يهزموا ~~جنود المؤمنين بانهزامهم؛ لأنهم قوم همتهم الانهزام فإذا انهزموا هم انهزم ~~غيرهم؛ فالمعنى: إذا كان ذلك من المؤمنين لهم غير المعنى إذا كان من أهل ~~النفاق بعضهم لبعض، والله أعلم. # PageV08P362 # وقوله: (ويستأذن فريق منهم النبي). # بالرجوع إلى المدينة، كقوله: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر وارتابت قلوبهم). # وقوله: (يقولون إن بيوتنا عورة). # قال بعض أهل التأويل: (بيوتنا عورة): خالية من الناس، ليس فيها أحد، ~~فنخاف السرق عليها والأخذ والمكابرة. # ويحتمل أن يكونوا أرادوا بالعورة دخول العدو عليها إذا كانوا هم في ~~الجند، العورة، أي: يدخل علينا مكروه ما يحزننا ويهمنا، أو كلام نحو هذا، ~~فأكذبهم الله في قولهم، وقال: (وما هي بعورة)، بل الله يحفظها على ما وعد، ~~حتى لا يدخل عليهم مكروه لما يخافون ولا يصيبهم. # وقوله: (إن يريدون)، أي: ما يريدون (إلا فرارا) من القتال. # وقوله: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا ~~بها إلا يسيرا (14) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما، أي: لو دخلوا عليهم من أطراف المدينة ونواحيها، ثم دعوا إلى ~~الشرك لأجابوهم، (وما تلبثوا بها إلا يسيرا)، أي: لم يمتنعوا عن إجابتهم، ~~بل لأجابوهم به كما دعوا. # وقال بعضهم: إنهم لو كانوا في بيوتهم، فدخلوا عليهم من نواحيها، ثم سئلوا ~~الأموال وما تحويه أيديهم (لآتوها)، أي: لأعطوها. # (وما تلبثوا بها إلا يسيرا). # يخبر عن نفاقهم ms3526 وخلافهم له في السر أنهم يعطون لأولئك ما يريدون من ~~الأموال أو الدين، ويوافقونهم ولا يوافقونكم ألبتة، والله أعلم. # وقوله: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله ~~مسئولا (15) # قال بعضهم: كان أناس غابوا وقعة بدر وما أعطى الله أصحاب بدر من الفضيلة ~~والكرامة؛ فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن؛ فساق الله ذلك إليهم حتى كان ~~في ناحية المدينة. # PageV08P363 # وقال بعضهم: قوله: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار)، ~~وذلك أنهم كانوا عاهدوا الرسول على عهدهم بمكة على العقبة بمنى، واشترط ~~عليهم لربه ولنفسه: أما لربه: أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئا، واشترط لنفسه ~~أن ينصروه ويعزروه ويعينوه ويمنعوه ما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم؛ ~~فقالوا: فإذا فعلنا ذلك؛ فما لنا يا نبي الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا، ~~والجنة في الآخرة؛ قالوا: قد فعلنا؛ فذلك قوله: (ولقد كانوا عاهدوا الله من ~~قبل) ليلة العقبة حين شرطوا للنبي المنعة: ألا يولوا الأدبار منهزمين. # (وكان عهد الله مسئولا). # أي: يسأل من نقض العهد في الآخرة ومن وفي. # وجائز أن يكون قوله: (وكان عهد الله مسئولا) مجزيا نقضا أو وفاء، يجزون ~~على وفاء العهد ونقضه. # وقوله: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا (16) # قال أهل التأويل: إن قضي عليكم الموت أو القتل؛ فلن ينفعكم الفرار. # وقال بعضهم: إن جعل انقضاء آجالكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار؛ بل ~~تنقضي. # وأصله: إن كان المكتوب عليكم الموت أو القتل لن ينفعكم الفرار منه؛ بل ~~يأتي لا محالة؛ كقوله: (لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم) الآية. # أي: لا محالة المكتوب عليهم القتل - وإن كانوا في بيوتهم - لبرزوا؛ ~~فيقتلون. # (وإذا لا تمتعون إلا قليلا). # قال بعضهم: إنما الدنيا قليل إلى آجالكم. # وجائز أن يكون معناه: ولئن نفعكم الفرار عنه (لا تمتعون إلا قليلا)؛ ~~كقوله: (أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) الآية. # قال أبو عوسجة والقتبي: ms3527 أدعياءكم: من تبنيتموه واتخذتموه ولدا، ما جعلتم ~~بمنزلة الصلب وكانوا يورثون من ادعوا. # (ذلكم قولكم بأفواهكم). # إن قولكم على التشبيه والمجاز، ليس على التحقيق. # PageV08P364 # (والله يقول الحق). # وقوله: (أقسط): أعدل. # (وإذ زاغت): عدلت ومالت (وبلغت القلوب الحناجر)، أي: كادت تبلغ الحلقوم ~~من الخوف، والحناجر جماعة الحنجرة، وهي المذبح. # وقوله: (وزلزلوا)، أي: شددوا عليهم وهؤلوا، والزلزال: الشدائد، وأصلها من ~~التحريك و (اللائي تظاهرون) و (اللاتي) مآلهما واحد، والله أعلم. # وقوله: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ~~(17) ذكر هذا على أثر قوله: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل) يقول - والله أعلم -: إنكم، وإن فررتم من الموت أو القتل، فإن الله ~~إن أراد بكم سوءا أو هلاكا لا يملك أحد دفعه عنكم، أو إن أراد بكم رحمة ~~ونجاة وخيرا لا يملك أحد منعه عنكم، وقد تعلمون أنكم لا تجدون من دون الله ~~وليا ينفعكم ولا نصيرا ينصركم ويمنعكم عن حلول ذلك عليكم، والله أعلم. # وقوله: (قد يعلم الله المعوقين منكم ... (18) هم المانعون منكم، ~~(والقائلين لإخوانهم): # قال بعضهم: هم اليهود أرسلوا إلى المنافقين، وقالوا: من ذا الذي يحملكم ~~على قتل أنفسكم بايدي أبي سفيان ومن معه من أصحابه؟! فإنهم إن قدروا عليكم ~~هذه المرة ما استبقوا منكم أحدا، فإنا نشفق عليكم؛ فإنما أنتم إخواننا ونحن ~~جيرانكم، (هلم إلينا). # وقال بعضهم: هم المنافقون، عوق بعضهم بعضا ومنع عن الخروج مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى قتال العدو. وفيه أمران: # أحدهما: دلالة على إثبات الرسالة؛ لأنهم كانوا يسرون هذا ويخفون فيما ~~بينهم، ثم أخبرهم بذلك؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. # والثاني: أن يكونوا أبدا على حذر مما يضمرون من الخلاف له؛ كقوله: (يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة. . .) الآية. # وقوله: (ولا يأتون البأس إلا قليلا). # أي: لا يأتون القتال والحرب إلا مراءاة وسمعة، هذا - والله أعلم - يشبه ~~أن يريد بالقليل: أنهم لا يأتون إتيان من يريد القتال والقيام معهم؛ ms3528 ولكن ~~مراءاة وسمعة وإظهارا # PageV08P365 # للوفاق لهم، والله أعلم. # وقوله: (أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ~~أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) # قال عامة أهل التأويل: أي: بخلاء على الإنفاق عليكم، أي: لا ينفقون عليكم ~~ولا على سبيل الخير، والله أعلم. # وقال بعضهم: الشح -أيضا-: هو الحرص، يقول: (أشحة)، أي: حراصا على قسمة ~~الغنيمة، يخبر عن معرضهم في الدنيا وركونهم إليها وميلهم فيها، ثم أخبر عن ~~جبنهم وفشلهم وشدة خوفهم، وهو ما قال: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت)، يخبر أنهم لجبنهم وفشلهم يصيرون ~~كالمغشي عليه من الموت. # (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد). # يخبر عن شدة حرصهم في قسمة الغنيمة ورغبتهم فيها - أنهم أشح قوم وأسوؤهم ~~مقاسمة، يقولون: أعطونا، أعطونا؛ إنا قد شهدنا معكم؛ كقوله: (ألم نكن ~~معكم)، ونحوه. # وقوله: (أشحة على الخير). # قال بعضهم: هذا قولهم، أي: إنا أشح منكم على رسول الله وعلى دينه، وأضن ~~منكم على الخير، أي: نحن أحرص عليه منكم. # وقال بعضهم: (أشحة على الخير)، أي: حراصا على الغنيمة والنيل منها. # ثم أخبر عنهم، وعن خلافهم له؛ حيث قال: (أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم). # التي عملوها في الظاهر، (وكان ذلك على الله يسيرا): أي: صنعهم الذي صنعوا ~~على الله، (يسيرا)، أي: لا يضره. # وقال بعضهم: حبط أعمالهم، وتعذيبه إياهم مع كثرة أتباعهم وأعوانهم على ~~الله يسير، أي: لا يشتد عليه ولا يصعب، والله أعلم. # وقوله: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون ~~في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) # أي: يحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب لم يذهبوا؛ من الفرق والجبن والفشل ~~الذي فيهم يوم الخندق. # (وإن يأت الأحزاب)، أي: يقبل الأحزاب، (يودوا لو أنهم بادون في الأعراب)، # PageV08P366 # أي: بألسنتهم كانوا بمنزلة البداء؛ وأنهم تركوا أوطانهم ms3529 وديارهم. # (يسألون عن أنبائكم): # كانت همتهم التخلف والفرار من القتال وطلب أخبار المؤمنين: أنهم ما فعل ~~بهم؟ نحو ما قال: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون ~~(56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون)، هكذا كانت ~~عادتهم، ثم ابتلاهم الله بما كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين ويضمرون ~~الخلاف لهم؛ والعداوة بفضل فشل وجبن ما لم يكن ذلك في غيرهم؛ ففي ذلك تحذير ~~للمؤمنين وزجر عن مثل هذا الصنيع ومثل هذه المعاملة؛ لئلا يبتلوا بمثل ما ~~ابتلي أولئك. # وفيه أنه يعامل بعضهم بعضا على الظاهر الذي ظهر دون حقيقة ما يكون؛ وعلى ~~ذلك يجري الحكم على ما عامل رسول الله وأصحابه أهل النفاق، وحكمه على ما ~~أظهروا دون ما أضمروا في الأنكحة والصهر وغير ذلك من الأحكام، والله أعلم. # وقوله: (ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا). # قال بعضهم: (ما قاتلوا إلا قليلا)، أي: إلا فيما يدفعون عن أنفسهم لو ~~قصدوا، فأما الدفع عن المؤمنين ودينهم فلا. # وجائز أن يكون المراد بالقليل، أي: لا يقاتلون ألبتة حقيقة القتال، وهو ~~ما ذكر عنهم؛ حيث قال: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا)، أي: فسادا في ~~أمركم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من ~~المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء ~~أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم ~~لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل ~~الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان ~~الله على كل شيء قديرا (27) # وقوله: (لقد ms3530 كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). # قال بعضهم: ذلك حيث كان يباشر القتال بنفسه، فباشروا معه القتال فمن باشر ~~معه القتال أساه بأسوة حسنة، ومن لم يفعل فلم يواسه. # PageV08P367 # وابن عباس يقول: (أسوة حسنة)، أي: سنة صالحة أو نحوه. # مثل هذا إنما يذكر عن زلات تكون إما من المنافقين أو من المؤمنين، فيقول: ~~لكم في التأسي برسول الله الاقتداء والقدوة به، فهو يخرج على وجوه: # أحدها: أي: لقد كان لكم في رسول الله قبل أن يبعث رسولا، وقبل أن يوحى ~~إليه فيما عرفتموه من حسن خلقه وكرمه وشرفه وأمانته - أسوة حسنة؛ فكيف ~~تركتم اتباعه إذا بعث رسولا؟! # والثاني: (لقد كان لكم)، أي: صار لكم (في رسول الله) إذا بعث رسولا (أسوة ~~حسنة): فيما أنزل إليه وأوحي إليه، وفيما شاهدتموه من حسن خلقه وكرمه؛ ~~فالواجب عليكم أن تتاسوا به. # والثالث: لقد كان لكم بالمؤمنين أسوة استوائهم لو اتبعتم ما شرع لكم رسول ~~الله وسن. # أو الأسوة: هي الاستواء؛ كقول الناس: " فلان أسوة غرمائه "، أي: يكون ~~المال بينهم على الاستواء، هذا - والله أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية. # وقوله: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر). # قال بعضهم: يكون في رسول الله أسوة لمن خاف الله وآمن باليوم الآخر ~~وبجزاء الأعمال، فأما المنافق والذي لا يؤمن بالبعث، فلا يكون فيه أسوة له. # وجائز أن يكون قوله: (لمن كان يرجو الله)، أي: لقد كان لكم أسوة حسنة، ~~ولمن كان يرجو الله واليوم الآخر. # أو أن يكون لكم في رسول الله أسوة حسنة، وفيمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر، والله أعلم. # وقوله: (وذكر الله كثيرا). # ذكر الله يحتمل في نعمته وإحسانه، يذكر بالشكر له وحسن الثناء، أو يذكر ~~سلطانه وملكه أو جلاله وعظمته وكبرياءه، والله أعلم. # وقوله: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق ~~الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) # حيث أخبرهم أنكم ستلقون كذا في قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ms3531 مستهم البأساء والضراء): قالوا لما عاينوا ~~ما وعد لهم وأخبرهم: # (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) فيما أخبرنا من الوحي قبل ~~أن يكون وقبل أن نلقاه. # PageV08P368 # (وما زادهم إلا إيمانا وتسليما). # أي: ما زادهم إلا إيمانا ما رأوا وعاينوا، فيما وعد وأخبر، إلا إيمانا ~~وتصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وعده وخبره. # وقال قائلون: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وعد لهم وأخبر: أن ~~يوم الخندق تكون من الأحزاب كذا والجنود كذا، وإنكم ستلقون يومئذ كذا، فلما ~~رأوا ذلك وعاينوه قالوا عند ذلك: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا) وتصديقا لرسول الله؛ لأن ذلك آية وحجة ~~لرسالته؛ فهو يزيدهم تصديقا له. # وقوله: (وتسليما)، أي: تسليما لأمر الله وتفويضا له. # وقيل: وما زادهم بما أصابهم يوم الخندق إلا إيمانا وتصديقا إلى تصديقهم ~~الأول، ويقينا إلى يقينهم الأول، وتسليما لأمر الله؛ لأن ذلك الأمر كان قضي ~~عليهم أن يصيبهم، فسلموا لله أمره؛ فصبروا عليه، وأصله ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وقوله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) # قوله: (من المؤمنين) يخرج على وجهين: # أحدهما: (من المؤمنين) - الذين هم عندكم مؤمنون - (رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه)، ورجال لم يصدقوا وهم المنافقون؛ لأن ظاهر هذا الكلام يدل على ~~أن من المؤمنين الذين هم في الظاهر عندهم مؤمنون لم يصدقوا، فأما من كان في ~~الحقيقة مؤمنا فقد صدق عهده. # والثاني: ذكر (من المؤمنين)؛ خص بعض المؤمنين بصدق ما عاهدوا وهم الذين ~~خرجوا لذلك: لم يكن بهم عذر فوفوا ذلك العهد؛ وتخلف بعض من المؤمنين؛ ~~للعذر؛ فلم يتهيأ لهم وفاء ذلك العهد لهم وصدقه؛ وكذلك يخرج قوله: (فمنهم ~~من قضى نحبه)، أي: وفى بعهده. (ومنهم من ينتظر). # بالوفاء أن يرتفع عنه العذر؛ فبقي ذلك، والله أعلم. # ثم قوله: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر): وفاءه. # وقال بعضهم: (فمنهم من قضى نحبه)، ms3532 أي: هلك عليه، (ومنهم من ينتظر) ذلك، ~~أي على شرف الهلاك. # وقوله: (وما بدلوا تبديلا). # PageV08P369 # هذا يقوي التأويل الذي ذكرنا: أخبر في قوله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه): أن الذين خلفهم العذر فلم يوفوا عهده، والذين لا عذر ~~بهم، فخرجوا فوفوا كلهم لم يبدلوا عهد الله تبديلا؛ لأنه إنما خلفهم العذر؛ ~~فلم يكن في ذلك تبديل. # وقوله: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم (24) على ما وفوا، (ويعذب المنافقين ~~إن شاء أو يتوب عليهم): هذا يدل أن من المنافقين من قد يتوب؛ حيث قال: ~~(ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم)، ويعذب الذي مات على نفاقه. # (إن الله كان غفورا رحيما)، أي: لم يزل غفورا رحيما، حيث رحمهم، ولم ~~يأخذهم وقت ارتكابهم الجرم، ولكن أمهلهم، والله أعلم. # وقوله: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين ~~القتال وكان الله قويا عزيزا (25) # أي: رد كفار مكة يوم الخندق، (لم ينالوا خيرا). # قال بعضهم: أي: غنيمة، أي: ردهم بغيظهم، لم يصيبوا شيئا من الغنيمة؛ فإن ~~كان المراد من الخير: الغنيمة؛ فجائز أن يستدل على تملك أهل الحرب أموال ~~المسلمين إذا أحرزوها، حيث قال: (لم ينالوا خيرا)، أي: مالا. # وجائز أن يكون قوله: (لم ينالوا خيرا)، أي: سرورا بما كانوا يأملون ~~ويطمعون هلاك المؤمنين على أيديهم، لما أحاطوا بهم وضيقوا عليهم الأمر؛ حتى ~~احتاجوا إلى الخندق؛ فكانوا في أيديهم. يقول: إنهم لم ينالوا ذلك السرور ~~الذي كانوا يأملونه ويرجونه، والله أعلم. # وقوله: (وكفى الله المؤمنين القتال). # حبث بعث عليهم الريح وسلط عليهم الملائكة؛ حتى هزموهم حتى كفوا القتال ~~والحرب معهم. # (وكان الله قويا عزيزا). # أي: كان الله لم يزل قويا عزيزا؛ لأنه قوي بذاته عزيز بذاته لا يلحقه ذل، ~~وإن لحق أولياءه الذل والضعف، ليس كملوك الأرض إذا ذهب أصحابهم أو دخل فيهم ~~ذل وضعف؛ ذل ملكهم؛ لأنه عزيز بجنده وحشمه، فأما الله - سبحانه - فهو، قوي ~~بذاته، عزيز بذاته، لا يلحقه ذل ولا ضعف بذهاب أوليائه. # وقال بعضهم في قوله: ms3533 (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه): كان رجال فاتهم ~~يوم بدر؛ فقالوا: لئن حضرنا قتالا، لنفعلن ولنفعلن، فلما كان يوم الأحزاب ~~قاتلوا؛ فذلك قوله # PageV08P370 # (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه)، أي: ~~مات على ما عاهد الله عليه، (ومنهم من ينتظر): يوما آخر يكون فيه قتال؛ ~~فيقاتل على ما عاهد الله عليه، (وما بدلوا تبديلا). # وفي حرف أبي: (ومنهم من بدل)؛ فيرجع ذلك إلى المنافقين الذين ذكرنا بدءا. # وقال القتبي قوله: (إن بيوتنا عورة)، أي: خالية، وأصل العورة: ما ذهب عنه ~~الستر والحفظ؛ فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت؛ فإذا ذهبوا، أعورت البيوت؛ ~~تقول الرب: أعور المنزل، أي: ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس: إذا ~~بدا فيه موضع خلل للضرب بالسيف. # يقول الله - تعالى - (وما هي بعورة)؛ لأن الله حافظها، ولكن يريدون ~~الفرار. # وقوله: (ولو دخلت عليهم من أقطارها)، أي: من جوانبها، (ثم سئلوا الفتنة)، ~~أي: الكفر، (لآتوها)، أي: أعطوها من أرادها، (وما تلبثوا بها إلا يسيرا)، ~~أي: بالمدينة. # ومن قرأها: (لآتوها) - بغير مد - أراد: لصاروا إليها. # وقال أبو عوسجة: قولهم: (إن بيوتنا عورة): من ناحية العدو، والعورة: ~~الموضع الذي يخاف منه. # وقوله: (أقطارها)، أي: من نواحيها، الواحد: قطر، (ثم سئلوا الفتنة)، أي: ~~عرضت عليهم، وهو الكفر. # وقال القتبي: (سلقوكم بألسنة حداد)، يقول: آذوكم بالكلام، يقال: خطيب ~~مسلق وسلاق. وفيه لغة أخرى: (صلقوكم) بالصاد: وهو الضرب. # أبو عوسجة يقول قريبا منه: (سلقوكم)، أي: كلموكم وضربوكم (بألسنة حداد)، ~~أي: طوال، والسلق: الضرب، والخاطب: السلاق والمسلاق من هذا، وهو طول اللسان ~~والجرأة على الكلام. # وقوله: (لا مقام لكم) بنصب الميم لا يكون إلا من القيام، و (لا مقام لكم) ~~برفع الميم يكون من الإقامة، وهو قول أبي عوسجة. # وأبو عبيدة يقول: (لا مقام لكم)، أي: ليس لكم مقام تقومون فيه، و (لا ~~مقام)، أي: لا إقامة لكم. # PageV08P371 # وقال أبو عوسجة: المقامة: المجلس، ومقامات - جمع المقام -: موضع القدمين، ~~والمقام: الموضع الذي يقيم فيه الرجل. # وقال: (المعوقين)، قال: المتعوق: ms3534 المحتبس، والمعوق: الذي يعوق غيره، أي: ~~يحبس. # وقوله: (أشحة عليكم)، أي: حراضا على ما نالكم من الشر، الواحد: شحيح، ~~يقال: شح يشح شحا؛ فهو شحيح، أي: حرص يحرص حرصا؛ فهو حريص. # وقال غيره: (أشحة عليكم)، أي: بخلاء، لا ينفقون عليكم أو في سبيل الله. # وقال بعضهم: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا)؛ من شدة الفرق؛ فهم هؤلاء ~~المعوقون: اليهود أو المنافقون، (وإن يأت الأحزاب): والأحزاب: هم الفرق ~~أعداء رسول الله وأصحابه، (يودوا لو أنهم بادون في الأعراب)، يقول: خارجون ~~في الأعراب من الرهبة، (يسألون عن أنبائكم): يسألون عن خبر المؤمنين ساعة ~~بعد ساعة؛ جزعا ورهبة، يقول الله للمؤمنين: (ولو كانوا فيكم) أي: معكم عند ~~القتال هؤلاء الذين تقدم ذكرهم (ما قاتلوا إلا قليلا) رميا بالحجارة؛ من ~~ضعفهم وفرقهم، أو ما ذكرنا؛ دفعا عن أنفسهم، وأما غيره فلا. # وقوله: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم ~~الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) # ذكر في القصة: أن اليهود: يهود بني قريظة ظاهروا أبا سفيان وأصحابه على ~~رسول الله وعلى المؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فلما انهزم ~~المشركون تحصن بنو قريظة في حصونهم، ورجع النبي إلى المدينة، فجاءه جبريل، ~~فقال له: " يا محمد، والله ما وضع أهل السماء أسلحتهم، وقد وضعتم أنتم ~~أسلحتكم، اخرج إلى بني قريظة؛ فقال له النبي: " فكيف أصنع بهم وهم في ~~حصنهم؟ " قال: اخرج إليهم؛ فوالله لأدقنهم بالخيل والرجال كما تدق البيضة ~~على الصفا، ولأخرجنهم من حصنهم؛ فنادى رسول الله، في الناس، وأمر بالخروج ~~إلى بني قريظة؛ فخرجوا فحاصروهم كذا كذا ليلة؛ حتى صالحهم على حكم سعد بن ~~معاذ؛ فنزلوا على حكمه؛ فحكم سعد؛ أن يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم ~~ونساؤهم، فقيل: إن رسول الله قال يومئذ: " يا سعد، لقد حكمت بحكم الله "؛ ~~فأخرجت المقاتلة فقتلوا، وسبوا ذراريهم، وقسم أرضهم بين المهاجرين؛ فقال ~~قومه والأنصار: آثرت المهاجرين بالعقار دوننا، فقال: " إنكم ذوو عقار وإن ~~القوم لا عقار لهم "، أو كلام نحو هذا، فذلك قوله: (وأنزل الذين ظاهروهم ms3535 من ~~أهل الكتاب)، يعني: # PageV08P372 # الذين ظاهروا أبا سفيان والمشركين جميعا على رسول الله وأصحابه، (من ~~صياصيهم)، أي: من حصونهم. # (وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون)، وهم المقاتلة، (وتأسرون فريقا)، ~~وهم النساء والذراري. # (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء ~~قديرا (27) أي: لم تملكوها، اختلف في قوله: (وأرضا لم تطئوها): قال بعضهم: ~~هي أرض مكة. # وقال بعضهم: هي أرض الشام وقراها. # وقال بعضهم: هي أه ض خيبر، أي: سيورثكم الله إياها: فأما أرض مكة فقد ~~فتحها وتركها في أيدي أهلها، وكذلك بلاد الشام وقراها. # وعن الحسن: هي أرض الروم وفارس وما فتح الله عليكم. # وأما خيبر فقد فتحها وقسمها بين من ذكرنا وجعلها فيئا؛ فهو أشبه من غيره؛ ~~ففيه أن من يخلف في ملك غيره وصفا ملكه للآخر وانتقل إليه يسمى: وارثا بموت ~~أو بغيره؛ حيث قال: (وأورثكم أرضهم وديارهم. . .) الآية، وكذلك ما قال: ~~(وأورثنا الأرض. . .) إلى كذا، وقوله: (يرثون الفردوس)، أي: يبعثون فيها، ~~ونحوه، وكقوله: (ولله ميراث السماوات والأرض)، أي: يبقى له ملك السماوات ~~والأرض، أي: لا ينازع فيه. وكذلك يخرج قوله: (إنا نحن نرث الأرض)، أي: نبقى ~~فيها، والخلائق يفنون. # ثم الفائدة في ذكر هذا وأمثاله لنا، إذ هم قد شاهدوها وعاينوها، يخرج على ~~وجوه: أحدها: تعريف لآخر هذه الأمة أن أوائلهم ما قاسوا وما تحملوا من ~~الشدائد والبلايا في أمر هذا الدين، حتى بلغ هذا المبلغ؛ فنجتهد نحن كما ~~اجتهد أولئك في حفظ هذا الدين وفي أمره. # والثاني: أمرهم بالتأهب مع العدو حتى أمروا بالخندق والتحصن بأشياء، ثم ~~جاءهم الغوث من الله بغير الذي أمروا؛ ليكونوا أبدا متأهبين مستعدين لذلك، ~~ولا يرجون النصر # PageV08P373 # والظفر من ذلك الوجه، وذلك بفضل الله ونصره، على ما أخبر عنهم: (ويوم ~~حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا. . .) الآية. # والثالث: ألا يؤيسهم خروج أنفسهم من أيديهم، وإحاطة العدو بهم، وكونهم في ~~أيديهم من روح الله ورحمته وغوثه إياهم؛ لأن الخوف قد بلغ بهم المبلغ الذي ~~ذكر؛ حيث ms3536 قال: (وبلغت القلوب الحناجر. . .) إلى قوله: (وزلزلوا زلزالا ~~شديدا). # وفيه دلالة إثبات الرسالة لرسول الله؛ لأنه وعد لهم النصر، فكان على ما ~~وعد؛ ليعرفوا أصدقه، في كل ما يخبر ويعد. # (وكان الله على كل شيء قديرا)، أراد: من فتح، أو نصر، أو غيره، (قديرا). # وقال القتبي وأبو عوسجة: (قضى نحبه)، أي: قتل، وقضى أجله، وأصل النحب: ~~النذر؛ كأن قوما نذروا: إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، ~~فقتلوا. # وقوله: (من صياصيهم): حصونهم، وأصل الصياصي: قرون البقر؛ لأنها تمتنع ~~بها، وتدفع عن أنفسها، فقيل للحصون: صياصي؛ لأنها تمنع، والواحدة: صيصية، ~~وصيصية الديك: عرفه، والصيصية: خف صغير يحوك به الحائك، ويجمع هذا كله: ~~صياصي. # والأحزاب: الفرق، واحدها: حزب، ويقال: حزبت القوم، أي: جمعتهم، وحزبتهم، ~~أي: فرقتهم، وتحزب القوم: إذا اجتمعوا وصاروا حزبا حزبا، وتقول: هؤلاء ~~حزبي، أي: أصحابي وشيعتي، وتقول: حازبني محازبة، أي: صاحبني مصاحبة. # وقوله: (بادون في الأعراب)، أي: أن يكونوا في البادية مع الأعراب، رجل ~~باد: قد نزل البادية، (يودوا)، أن يكونوا في البادية مع الأعراب. # وقال بعضهم في قوله: (وأرضا لم تطئوها): هو ما يظهر عليه المسلمون إلى ~~يوم القيامة. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا نساء ~~النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ~~وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ~~فلا تخضعن # PageV08P374 # بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا ~~تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) # وقوله: (يا أيها النبي ms3537 قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~... (28) # قال بعض أهل التأويل: إنهن جلسن، فجعلن يخترن الأزواج في حياة رسول الله، ~~فنزلت الآية توبيخا لهن وتعييرا على ذلك. # لكن هذا بعيد محال: لا يحتمل أن يكون أزواجه يخترن الأزواج، وهن تحته في ~~حياته؛ فذلك سوء الظن بهن. # وقال بعضهم: إنهن طلبن النفقة منه؛ فنزل ما ذكر. # وقيل: إنهن تحدثن بشيء من الدنيا وركن إليها؛ فنزل ما ذكر عتابا لهن ~~وتعييرا، ونحو ذلك قد قالوا. # وجائز أن يكون الله يمتحن رسوله وأزواجه بالتخيير واختيار الفراق منه - ~~ابتداء امتحان من غير أن يكون منهن شيء مما ذكروا ولا سبب؛ وعلى ذلك روي في ~~الخبر عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: " لما أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بتخيير أزواجه؛ بدأ بي فقال: " يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا، ~~فلا عليك ألا تستعجلي حتى تستأمري أبويك "، قالت: وقد علم الله أن أبوي لم ~~يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: " إن الله يقول: (يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها. . .) إلى قوله: (أجرا عظيما)؛ ~~فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل ~~سائر أزواجه مثل ما فعلت ". # وفي بعض الأخبار أنها قالت: بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة؛ فدل ~~قولها: " لما أمر رسول الله بتخيير أزواجه ": أن ذلك من الله ابتداء ~~امتحان، من غير أن كان منهن ما ذكروا من الركون إلى الدنيا والتحدث بما ~~ذكر. # PageV08P375 # وفيه وجوه من الدلالة: # أحدها: إباحة طلب الدنيا وزينتها من وجه يحل ويجمل، حيث قال: (فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا)؛ لأنه لو لم يكن يحل ذلك لهن، وكن منهيات عن ~~ذلك، لكان رسول الله لا يفارقهن؛ حتى لا يخترن المنهي من الأمر، وقد كان ~~يملك حبسهن في ملكه؛ حتى لا يخترن ما ذكره من المنهي؛ دل ذلك - والله أعلم ~~- أن ذلك كان على وجه يحل ويجمل. # وفيه أن رسول الله لم يكن عنده ما ذكر من الدنيا والزينة وما ms3538 يستمتع بها؛ ~~إذ لو كان عنده ذلك، لم يحتمل أن يخيرهن بالفراق منه لما ذكر وعنده ذلك، ~~ولا هن يخترن الفراق منه وعنده ذلك؛ دل أنه لم يكن عنده ما ذكر، ويبطل قول ~~من يقول: إنه كان عنده الدنيا ويفضل الغناء على الفقر بذلك. # وفيه دلالة: أن أزواجه كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقنه؛ لأنهن إذا لم ~~يحللن لغيره لم يكن لقوله: (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) معنى؛ ~~لأنهن إذا لم يحللن لغيره، وعندهن ما ذكر من الدنيا، يحملهن ذلك على ~~الفجور؛ فدل أنهن كن يحللن لغيره في حياته إذا فارقهن، وإنما لم يحللن ~~لغيره إذا مات؛ فيكون له حكم الحياة كأنه حي في حق أزواجه. # ويخرج قوله: (خالصة لك من دون المؤمنين): في الآخرة لا تحل لغيره؛ فتكون ~~زوجته في الجنة. # ثم اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - فيمن خير امرأته فاختارت: قال بعضهم: ~~إذا خيرها فهو تطليقة رجعية، وإذا اختارت فهي بائنة، وهو قول علي. # وقال بعضهم: إذا اختارت نفسها فهي ثلاث، وإذا اختارت زوجها فلا شيء. # وقال بعضهم: إذا اختارت زوجها، فهي تطليقة رجعية، وإن اختارت نفسها فهي ~~تطليقة بائنة. # وعندنا: أن التخيير نفسه لا يكون طلاقا، فإن اختارت زوجها، لا شيء، وإذا ~~اختارت نفسها؛ فهي بائن. # أما قولنا: إذا اختارت زوجها لا شيء؛ لما روي عن عائشة قالت: " خيرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه " فلم يعد ذلك طلاقا. # PageV08P376 # وأما قوله: إذا اختارت نفسها فيكون بائنا؛ لأنه خيرها بين أن تختار نفسها ~~لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها؛ فإن اختارت نفسها ألنفسها، فهي بائن؛ ~~لأنا لو جعلناه رجعيا لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، ولكن لزوجها؛ إذ ~~لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت، وكان التخيير بين النفسين، على ما ذكرنا. # وأما قول من يقول بأن نفس التخيير طلاق فهو باطل؛ لما ذكرنا من تخيير ~~رسول الله أزواجه؛ فلم يكن ذلك طلاقا. # وأما من قال بالثلاث إذا اختارت نفسها فهو كذلك عندنا إذا ذكر في التخيير ~~الثلاث. ms3539 # وأما قول من قال بالرجعي، فهو إذا صرح بالتطليق؛ فهو كذلك، والله أعلم. # وقوله: (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها): الإرادة هاهنا: إرادة ~~الاختيار والإيثار حياة الدنيا وزينتها، لا ميل القلب والرضاء به، وكذلك ~~قوله: (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة). # هو إرادة الاختيار والإيثار، وهو ما يراد ويختار فعلا، لا ميل القلب ~~والرضاء به؛ لأن كل ممكن فيه الشهوة مجعول فيه هذه الحاجة يميل قلبه، ويركن ~~إلى ما يتمتع بحياة الدنيا ولذاتها، ويرضاه ويحبه؛ فدل أنه أراد إرادة ~~الفعل والاختيار لا إرادة القلب ورضاه. # ثم فيه ما ذكرنا من حلهن لغير رسول الله إذا اخترن الفراق منه؛ لما ذكر ~~أنه يمتعهن ومعلوم أنهن لا يكتسبن بأنفسهن حتى يتمتعن بذلك، ولم يكن عندهن ~~ما يستمتعن؛ فدل أنه إنما يمتعهن بأموال أزواجهن؛ فدل على حلهن لغيره في ~~حياته إذا فارقنه والله أعلم. # وقوله: (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات ~~منكن أجرا عظيما (29) # معلوم أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها لا يحتمل ألا يردن الله، لكن ~~إضافة ذلك إلى الله لاختيارهن المقام عند رسوله؛ فيدل ذلك أن كل ما أضيف ~~إلى الله ورسوله كان المراد به رسوله؛ نحو ما قال: (فأن لله خمسه وللرسول)، ~~وقوله: (قل الأنفال لله والرسول)، وأمثال ذلك. # ثم الزهد في الدنيا يكون بوجهين: # أحدهما: ترك المكاسب التي توسع الدنيا، ويكون بها السعة في الدنيا، ~~ويؤثرها لغيرها على نفسه، واختيار حال الضيق من غير تحريم ما أحل وطيب له. # والثاني: بذل ما عنده لغيره وإيثاره على نفسه وجعله أولى به منه، لا في ~~تحريم المحللات والطيبات. # وقوله: (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما). # PageV08P377 # يحتمل قوله: (أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما)، أي: إذا اخترن المقام عند ~~رسول الله يصرن محسنات بذلك؛ فأعد لهن ما ذكر؛ فيكون ذلك الاختيار منهن: ~~الإحسان؛ فاستوجبن ما ذكر: ويحتمل: (وإن كنتن تردن الله ورسوله)، ودمتن على ~~ذلك واكتسبتن الأعمال الصالحات والإحسان حتى ختمتن على ذلك، فأعد لكن ذلك ms3540 ~~لا بنفس اختيار مقامكن معه، والله أعلم. # وقوله: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان ذلك على الله يسيرا (30) # قال بعضهم: الفاحشة المبينة هي النشوز البين. # وقال بعضهم: لا، بل الفاحشة المبينة هي الزنا الظاهر، ويقال: مبينة ~~بشهادة أربعة عدول، ومبينة بالكسر، أي: مبينة ظاهرة. # (يضاعف لها العذاب ضعفين): الجلد والرجم في الدنيا، ولكن كيف يعرف ضعف ~~الرجم في الدنيا من لا يعرف حد رجم واحد إذا كان ذلك في عذاب الدنيا، وإن ~~كان ذلك في عذاب الآخرة؛ فكيف ذكر فاحشة مينة، وذلك عند الله ظاهر بين؟ # وقال بعضهم: (يضاعف لها العذاب ضعفين) في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا ~~فمثلي حدود النساء، وأما في الآخرة فضعفي ما يعذب سائر النساء، فجائز أن ~~يكون هذا صلة قوله: (إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها) إذا اخترن ~~الدنيا؛ فمتى أتين بفاحشة ضوعف لهن من العذاب ما ذكر وإذا اخترن المقام عند ~~رسول الله والدار الآخرة آتاهن الأجر مرتين. # أو أن يكون إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، ثم أتين ~~بفاحشة ضوعف لهن ما ذكر من العذاب؛ لئلا يحسبن أنهن إذا اخترن الله ورسوله ~~والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر لم يعاقبن، فذكر: أنهن إذا اخترن الله ~~ورسوله والدار الآخرة، ثم ارتكبن ما ذكر عوقبن ضعف ما عوقب به غيرهن، وإذا ~~أطعن الله ورسوله، ضوعف لهن الأجر مرتين، والله أعلم. # والأشبه أن يكون ما ذكر من ضعف العذاب في الآخرة على ما يقول بعض أهل ~~التأويل؛ ألا ترعى أنه ذكر لهن الأجر كفلين، ومعلوم أن ذلك في الآخرة؛ فعلى ~~ذلك العذاب. # وأما قوله: (مبينة): عند الخلق، وإن كانت عند الله مبينة ظاهرة، وذلك ~~جائز في # PageV08P378 # اللغة. # وقوله: (وكان ذلك على الله يسيرا). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: عذابهن على الله يسيرا هينا لا يثقل عليه ولا يشتد لمكان ~~رسول الله؛ بل على الله يسير هين. # والثاني: أن إتيانكن الفاحشة ومعصيتكن على الله يسير، أي: لا يلحقه ms3541 ضرر ~~ولا تبعة، ليس كمعصية خواص الملك له في الدنيا: يلحقه الضرر والذل إذا عصوه ~~وأعرضوا عنه، فأما الله - سبحانه - عزيز بذاته غني لا يضره عصيان عبده؛ بل ~~ضروا أنفسهم. # وقوله: (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا ~~لها رزقا كريما (31) أي: من يطع منكن لله ورسوله، (وتعمل صالحا نؤتها أجرها ~~مرتين). # في الآية دلالة بيان فضيلة أزواج رسول الله؛ لمكان رسول الله وعظيم قدره، ~~حيث خاطبهن من بين غيرهن من النساء كما خاطب مريم بقوله: (يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين). # ثم يحتج الشافعي بقوله: (نؤتها أجرها مرتين) لتأويله في قوله: الطلاق ~~مرتان بقولة، يقول: قوله: (الطلاق مرتان)، أي: تطليقتان في دفعة واحدة من ~~غير إحداث التطليق والفعل فيما بينهما؛ ويستدل على ذلك بقوله: (نؤتها أجرها ~~مرتين)، أي: أجرين من غير إحداث فعل فيما بينهما ولكن بفعل واحد، وقوله: ~~(يؤتكم كفلين من رحمته)، أي: أجرين. # لكن عندنا يجوز الإيتاء بمعنى الإيجاب، أي: يوجب لها الأجر مرتين؛ نحو ~~قوله: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)، أي: أوجب لهم ثواب ~~الدنيا وثواب الآخرة؛ فعلى ذلك ما ذكر ونحوه كثير، والله أعلم. # وقوله: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # قال بعض أهل الأدب: (أحد) أجيع في الكلام من (واحد)؛ لأنه يرجع إلى واحد ~~وإلى جماعة، وقوله: (واحد) إنما يرجع إلى الفرد خاصة، وإنما يخاطب به ~~الواحد. # وقوله: (إن اتقيتن). # يحتمل قوله: (إن اتقيتن) اختيار الدنيا وزينتها، واتقيتن أيضا نقض اختيار ~~رسول الله والدار الآخرة. # وجائز أن يكون على الابتداء: إن اتقيتن مخالفة الله ومخالفة رسوله. # PageV08P379 # وقوله: (لستن كأحد من النساء)؛ فإنكن معشر أزواج رسول الله تنظرن إلى ~~الوحي، وتصحبن رسول الله بالليل والنهار، وترين أفعاله وصنيعه؛ فإنكن أحق ~~الناس بالتقوى وترك الميل إلى الدنيا والركون إليها ممن لا ينظر إليه ولا ~~يصحبه إلا في الأوقات مرة. # أو أن يكون قوله: (لستن ms3542 كأحد من النساء) في الفضيلة على غيرهن من النساء؛ ~~لأنهن يكن أزواج رسول الله في الآخرة، ويرتفعن إلى درجات رسول الله ويكن ~~معه؛ فإنكن لستن كغيركن من النساء في الفضيلة والدرجة إن اتقيتن ما ذكرنا: ~~من مخالفة رسول الله واختيار الحياة الدنيا وزينتها، والميل إليها والركون ~~فيها، والله أعلم. # وقوله: (فلا تخضعن بالقول)، قيل: فلا تلن في القول. # (فيطمع الذي في قلبه مرض) # قال بعضهم: أي: فجور وزنا. # (وقلن قولا معروفا)، أي: خشنا شديدا. # وقال بعضهم: (فيطمع الذي في قلبه مرض)، أي: نفاق، وهذا أولى؛ لأن أصحاب ~~رسول الله لا يحتمل أن يكون أحد منهم يطمع في أزواج رسول الله نكاحا بحال ~~أو رغبة فيهن، بعد علمنا منهم أنهم إذا علموا من رسول الله رغبة في أزواجهم ~~طلقوهن؛ ليتزوجهن رسول الله؛ فلا يحتمل بعدما عرف منهم هذا أن يطمع أحد ~~منهم ويرغب في أزواجه نكاحا، فضلا أن يرغب فجورا، ولكن إن كان ذلك فهو من ~~أهل النفاق. # وجائز أن يرغبوا - فيهن نكاحا؛ لأنهن أعظم الناس نسبا وحسبا، وأكرمهم ~~جمالا وحسنا؛ فجائز وقوع الرغبة فيهن من أهل النفاق؛ لما ذكرنا، وأما من ~~أهل الإيمان فلا يحتمل ذلك؛ لما ذكرنا، ويدل على ذلك قوله: (وأسرحكن سراحا ~~جميلا)؛ دل هذا أنهن بحيث يرغب فيهن ويطمع. # وقال بعضهم: (فلا تخضعن بالقول)، يقول: فلا ترمين بقول يقارب الفاحشة، ~~فيطمع الذي في قلبه مرض. # (وقلن قولا معروفا). # يعني: قولا حسنا يعرف، لا يقارب الفاحشة. # PageV08P380 # لكن هذا بعيد، وأصله: (فلا تخضعن بالقول) أي: لا تقلن قولا يعرف به ~~الرغبة في الرجال، والميل إلى الدنيا، والركون فيها (وقلن قولا معروفا): ما ~~يكون فيه تغيير المنكر والأمر بالمعروف، والله أعلم. # وقوله: (وقرن في بيوتكن ... (33) # قد قرئ بكسر القاف وفتحها، فمن قرأ بالكسر فهو من الوقار، ومن قرأ ~~بالفتح: (وقرن) جعله من القرار والسكون فيها. # وقوله: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى). # قال بعضهم: تبرج الجاهلية الأولى قبل أن يبعث رسول الله؛ كان يخرج نساؤهم ~~متبرجات بزينة مظهرات، فأمر الله أزواج ms3543 رسوله بالستر والحجاب عليهن، وإدناء ~~الجلباب عليهن، وهو ما قال: (يدنين عليهن من جلابيبهن). # وقال بعضهم: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) قال. الجاهلية التي ولد ~~فيها إبراهيم، أعطوا أموالا كثيرة، وكن يتبرجن في ذلك الزمان تبرجا شديدا؛ ~~فأمر أزواجه بالعفة والترك لذلك، فلسنا ندري ما أراد بالجاهلية، ومن أراد ~~بذلك: الذين كانوا بقرب خروج رسول الله وبعثه، أو الذين كانوا من قبل في ~~الأمم السالفة؟ # والتبرج كأنه هو الخروج بالزينة على إظهار لها؛ أعني: إظهار أن زينة. # قال القتبي: (فلا تخضعن بالقول) أي: لا تلن به. # وقوله: (وقلن قولا معروفا) أي: صحيحا. # وقوله: (وقرن في بيوتكن) بالكسر من الوقار، ويقال: وقر في منزله يقر ~~وقورا، (وقرن) بفتح القاف من القرار، وكأنه من: قر يقر أراد أقررن في ~~بيوتكن، فحذف الراء الأولى وحول فتحها إلى القاف، كما يقال: ظلن في موضع ~~كذا، من اظللن؛ قال الله - تعالى -: (فظلتم تفكهون)، ولم نسمع قر يقز إلا ~~في موضع قرة العين، فأما في الاستقرار فإنما هو قز يقر. # وقوله: (وأقمن الصلاة وآتين الزكا) يحتمل أن يكون الأمر لهن بإيتاء ~~الزكاة من حليهن؛ لأنهن لا يملكن شيئا سوى ذلك ما يجب في مثله الزكاة؛ ألا ~~ترى أنه وعد لهن التمتيع والسراح الجميل إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، ~~فلو كان عندهن شيء من فضول الأموال كن ينفقن ويتمتعن، وإن لم يكن عند رسول ~~الله ما يمتعهن ولا يطلبن ذلك من # PageV08P381 # غيره، فدل ذلك أنهن لا يملكن شيئا من ذلك، فيجوز أن يستدل بظاهر هذه ~~الآية في إيجاب الزكاة في الحلي، وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله: (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) أمرهن بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لله ورسوله؛ لئلا يغتررن بما اخترن المقام مع ~~رسول الله وإيثارهن إياه على أن ذلك كاف لهن في الآخرة، ولا شيء عليهن سوى ~~ذلك من العبادات؛ بل أخبر أنكن وإن اخترتن المقام معه وآثرتن إياه على ~~الدنيا وزينتها لا يغنيكن ذلك عما ذكر، والله ms3544 أعلم. # وقوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال ~~بعضهم: إن هذه الآية مقطوعة عن الأولى؛ لأن الأولى في أزواج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهذه في أهل بيته، وهو قول الروافض، ويستدلون بقطعها ~~عن الأولى بوجوه: # أحدها: ما روي عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: ~~عنى بذلك عليا وفاطمة والحسن والحسين، وقالت: لما نزلت هذه الآية، أخذ ~~النبي ثوبا، فجعله على هؤلاء، ثم تلا الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت) فقالت أم سلمة من جانب البيت: يا رسول الله، ألست من أهل ~~البيت؟ قال: " بلى إن شاء الله ". # وعن الحسن بن علي أنه خطب الناس بالكوفة وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا ~~الله فينا فإنا أمراؤكم، وإنا ضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله - ~~تعالى -: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت). # ويقولون -أيضا-: إن الآية الأولى ذكرها بالتأنيث حيث قال: (وأقمن الصلاة # وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) وهذه ذكرها بالتذكير دل أنها مقطوعة عن ~~الأولى. # ويقولون -أيضا-: إنه وعد أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا وعدا مطلقا ~~غير مقيد، وذلك الرجس الذي ذكر مما يحتمل أزواجه ممكن ذلك فيهن غير ممكن في ~~أهل بيته ومن ذكره. # ويقولون -أيضا- ما روي عنه أنه قال: " تركت فيكم بعدي الثقلين: كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما ليردان بكم الحوض " أو كلام نحو هذا، ~~ففسر # PageV08P382 # العترة بأهل البيت، ونحو ذلك من الوجوه. # وأما عندنا فهي غير مقطوعة من الأولى: إما أن يكون على الاشتراك بينهن ~~وبين من ذكروا من أولاده؛ إذ اسم أهل البيت مما يجمع ذلك كله في العرف. # أو تكون الآية لهن على الانفراد، فأما أن يخرج أزواجه عن أهل بيته والبيت ~~يجمعهم، فلا يحتمل ذلك. # وأما قولهم: إنه ذكر هذه الآية بالتذكير والأولى بالتأنيث فعند الاختلاط ~~كذلك يذكر باسم التذكير. # وأما قولهم: إن وعده لهم منه خرج مطلقا غير مقيد، فكذلك كن أزواج ms3545 رسول ~~الله لم يأت منهن ما يجوز أن ينسبن إلى الرجس والقذر إلا فيما غلبن على ~~رأيهن وتدبيرهن بالحيل، فأخرجن فيما أخرجن. # وأما قولهم في الثقلين اللذين تركهما فينا بعده: الكتاب والعترة، فعترته: ~~سنته؛ على ما قيل، وقوله: " أهل بيتي " كأنه قال: تركت الثقلين كتاب الله ~~وسنتي بأهل بيتي، وذلك جائز في اللغة. # وأما ما روي عن أم سلمة فإنه في الخبر بيان على أن أزواجه دخلن حيث قالت ~~له أم سلمة: ألست من أهل البيت؟ قال: " بلى إن شاء الله ". # وفي هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: # أحدها: ما يقولون: إن الله قد أراد أن يطهر الخلق كلهم: الكافر والمسلم، ~~وأراد أن يذهب الرجس عنهم جميعا، لكن الكافر حيث أراد ألا يطهر نفسه ولا ~~يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء ~~بالتطهر ودفع الرجس عنهم فائدة ولا منة - دل أنما يطهر من علم منه اختيار ~~الطهارة وترك الرجس، وأما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب عنه ~~الرجس، أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، وأن التطهير لمن يكون إنما يكون ~~بالله، لا بما تقوله المعتزلة؛ حيث قال: (ويطهركم تطهيرا)؛ إذ على قولهم لا ~~يملك هو تطهير من أراد تطهيره؛ إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض ~~عليهم أقوالهم ومذهبهم. # PageV08P383 # وقوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان ~~لطيفا خبيرا (34) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: قوله: (واذكرن) أي: اتلون ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة، وجعل بيوتكن موضعا لنزول الوحي. # والثاني: اذكرن على حقيقة الذكر؛ أي: اذكرن ما من الله عليكن، وجعلكن من ~~أهل بيت يتلى فيه آيات الله والحكمة، وجعل بيوتكن موضعا لنزول الوحي فيها، ~~وخصكن بذلك، ما لم يجعل في بيت أحد ذلك، يذكرهن عظيم ما أنعم ومن عليهن؛ ~~ليتأذى به شكره؛ ليعرفن منن الله ونعمه عليهن. # وقوله: (من آيات الله) يحتمل آيات القرآن. # ويحتمل حججه وبراهينه. ms3546 # والحكمة: قالت الفلاسفة: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعا. # وقال بعضهم: الحكيم: المصيب، والحكمة: هي الإصابة. # وقيل: هي وضع الشيء موضعه، وهي نقيض السفه. # وأصل الحكمة في الحقيقة كأنه هي الإصابة في كل شيء، والحكيم: هو الذي لا ~~يلحقه الخطأ في الحكم ولا الغلط. # وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي السنة. # وقوله: (إن الله كان لطيفا خبيرا) اللطيف: هو البار؛ يقال: فلان لطيف: ~~إذا كان بارا. # والثاني: اللطيف: هو الذي يستخرج الأشياء الخفية الكامنة مما لا يتوهمها ~~العقول استخراجها من مثلها. # * * * # قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # وقوله: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. . .) إلى آخر ما ~~ذكر. # إن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وامرأة يقال لها: نسيبة بنت ~~كعب، [أتيتا] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV08P384 # فقالتا: يا رسول الله، ما بال ربنا يذكر الرجال في القرآن بالخير، ولا ~~يذكر النساء في شيء؛ فنزل: (إن المسلمين والمسلمات. . .). # ثم قوله: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) يدل أن الإسلام ~~والإيمان هما في الحقيقة واحد - أعني: في الحقيقة المعنى واحد - وإن كانا ~~مختلفين بجهة؛ لأن الإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالما خالصا، لا يجعل ~~لغيره فيه شركا ولا حقا، والإيمان هو التصديق لله بشهادة كل شيء له ~~بالوحدانية والربوبية والألوهية، فمن جعل الأشياء كلها لله، خالصة سالمة ~~له، والذي صدق الله بشهادة كلية الأشياء له بالوحدانية والربوبية واحد؛ لأن ~~المخلص هو الذي يرى كل شيء لله خالصا، والموحد هو الذي يرى الوحدانية له ~~والربوبية في كل شيء؛ فهما في حقيقة المعنى واحد، والله أعلم. # وقوله: (والقانتين والقانتات) القنوت: هو القيام في اللغة؛ روي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الصلاة؟ فقال: " طول القنوت "، وفي ~~بعضه: " طول القيام "، فسر القنوت بالقيام؛ فثبت أن القنوت هو القيام، ~~فيكون تأويله - والله أعلم ms3547 -: القائمين والقائمات بجميع أوامر الله ~~ومناهيه. وكذلك يخرج تأويل أهل التأويل: القائمين: المطيعين والمطيعات لله؛ ~~لأن كل قائم بأمر آخر فهو مطيع له، هذا كأنه يقول: يكون في الاعتقاد، والله ~~أعلم. # وقوله: (والصادقين والصادقات. . .) إلى أخره؛ يكون في المعاملة في تصديق ~~ما اعتقدوا وقبلوا، يصدقون ويوفون بالأعمال فيما اعتقدوا وقبلوا. # وقوله: (والصابرين والصابرات) الصبر: هو كف النفس وحبسها عن التعاطي في ~~جميع المحرمات المحظورات، وعلى ذلك يخرج قول أهل التأويل: الصابرين على أمر ~~الله وطاعاته، وعلى الأذى والمصائب، يكفون عن جميع ما لا يحل فيه، ويرون ~~ذلك من تقديره. # PageV08P385 # وقوله: (والخاشعين والخاشعات) قال بعضهم: الخاشع: المتواضع. # وأصل الخشوع: هو الخوف اللازم في القلب؛ وهو قول الحسن: يخافون الله في ~~كل حال، لا يخافون غيره، ويرجون الله، ولا يرجون غيره؛ هكذا عمل المؤمن: ~~يكون حقيقة خوفه ورجائه منه. # وأما الكافر فإنه لا يخاف ربه، ولا يرجو منه؛ لأنه لا يعرفه ولا يخضع له، ~~وعلى ذلك المعتزلة إنما خوفهم من أعمالهم السيئة ورجاؤهم منها - أعني: من ~~أعمالهم الحسنة - لا من الله حقيقة، وكذلك على قولهم: لا يكون لأحد رجاء في ~~شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رجاؤه في أعماله؛ لقولهم: أن ~~ليس لله في أفعال العباد شيء من تدبيره ولا تقديره. # وقوله: (والمتصدقين والمتصدقات) أي: المنفقين في طاعة الله (والصائمين ~~والصائمات) قد ذكر أن هذا راجع إلى حقيقة الفعل في الصيام، والصدقة، والصدق ~~في القول والمعاملة، والخشوع منه. # وجائز أن يكون في القبول والاعتقاد؛ على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (والحافظين فروجهم والحافظات) فيما لا يحل؛ كقوله: (والذين هم ~~لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم). # وقوله: (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) قال بعضهم: أي: المصلون لله ~~الصلوات الخمس. # وقال بعضهم: الذاكرين الله كثيرا والذاكرات باللسان على كل حال، لكن غيره ~~كأنه أولى بذلك؛ أي: الذاكرين حق الله الذي عليهم كثيرا والذاكرات (أعد ~~الله لهم مغفرة وأجرا عظيما). # * * * # قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ms3548 أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ~~ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل ~~شيء عليما (40) # PageV08P386 # وقوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ... (36) # قال جعفر بن حرب المعتزلي: دلت هذه الآية على أن الكفر مما لم يقضه الله؛ ~~لأنه لو كان مما قضاه الله لكان لا يكون لهم الخيرة والتخيير، فإذا قال: ~~إنه إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة، دل أنه مما لم يقضه ~~الله، لكن يقول: إن القضاء - هاهنا - ليس هو قضاء الخلق؛ على ما فهم هو، ~~ولكن القضاء - هاهنا - الأمر أو الحكم؛ كقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه)، أي: أمر ربك وأوجب ألا تعبدوا إلا إياه. # أو أن يكون الحكم؛ كقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت)، أي: مما حكمت؛ فإذا كان القضاء ~~يحتمل الأمر والحكم؛ على ما ذكرنا، فيكون كأنه قال: (وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا)، أي: إذا أمر الله ورسوله أمرا، وإذا حكم ~~الله ورسوله أمرا أن يكون له الخيرة من أمرهم، وهكذا يكون فيما أمر الله ~~ورسوله بأمر أو حكم يحكم ألا يكون لأحد التخيير في ذلك. # ومما يدل -أيضا- على أن القضاء أيضا - هاهنا - ليس هو ms3549 القضاء الذي فهم ~~المعتزلة؛ حيث أضاف ذلك إلى رسوله -أيضا- حيث قال: (إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا)، ولا شك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يملك القضاء ~~الذي هو قضاء خلق؛ دل أن المعتزلة أخطأت وغلطت في فهم ذلك، وقصرت عقولهم عن ~~درك ذلك، وأن التأويل ما ذكرنا نحن. # ثم أجمع أهل التأويل على أن قوله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) إنما نزل في زينب بنت جحش؛ ~~يذكرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أعتق زيد بن حارثة وتبناه، ~~وكان مولى له، فخطب له زينب بنت جحش، فقالت زينب: إني لا أرضاه لنفسي وأنا ~~من أتم نساء قريش - وكانت ابنة عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميمة ~~بنت عبد المطلب - فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: " قد رضيته لك، ~~فزوجي نفسك منه " فأبت ذلك؛ فنزل قوله فيها: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، لكن إذا كان على ما ~~يذكرون من الخطبة لها؛ فلا يحتمل أن يجبرها على # PageV08P387 # النكاح، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ليس للولي مع الثيب أمر ~~"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " البكر تستأمر في نفسها، والثيب ~~تشاور "، ثم تجيء الآية في جبرها على النكاح ممن لا ترضاه إلا أن يكون على ~~الأمر من الله - تعالى - ومن رسوله، فعند ذلك لا يكون لها التخير في ذلك؛ ~~لأن الله له أن يأمر من شاء على النكاح ممن شاء، وله الحكم بالنكاح لمن شاء ~~على من شاء، وليس لهم الخيرة في ذلك، فأما بالخطبة نفسها دون الأمر والحكم ~~من الله لا جبر في ذلك؛ ألا ترى أنه ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لما خطب أم سلمة، فقالت: إن أوليائي غيب، فقال: " ليس أحد من أوليائك لا ~~يرضى بي " أو كلام نحوه خطبها، ولم يجبرها على ذلك؛ فعلى ذلك زينب؛ ms3550 إلا أن ~~يكون على الأمر أو الحكم؛ على ما ذكرنا. # أو أن يكون سبب نزول الآية - فيما ذكر أهل التأويل - في خطبة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - زينب # PageV08P388 # بنت جحش، ويكون الوعيد الذي ذكر فيه في غيره: فيما فيه أمر من الله أو ~~حكم؛ نحو ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى الفجر، فرأى ~~رجلين جالسين، فقال لهما: " ما بالكما لم تصليا معنا؟ " فقالا: إنا قد ~~صلينا في رحالنا، فقال: " إذا صليتما، ثم أتيتما المسجد، فصليا معهم؛ فتكون ~~لكما سبحة "، وإنما قال: " فصليا معهم " لا في صلاة الفجر، ولكن في الصلوات ~~التي يتطوع بعدها. # وقوله: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا): إن كان هذا في ~~المؤمنين فيكون الضلال هو الخطأ؛ كأنه قال: فقد أخطأ خطأ بينا، ويجوز هذا ~~في اللغة، نحو قول إخوة يوسف لأبيهم في تفضيله يوسف عليهم؛ حيث قالوا: (إن ~~أبانا لفي ضلال مبين) أي: في خطأ بين؛ حيث يفضل من لا منفعة له منه على من ~~له منه منفعة؛ فعلى ذلك هذا. # وإن كان في المنافقين فهم في ضلال بين، فالضلال من المؤمن لا يفهم منه ما ~~يفهم من الكافر والمنافق؛ ألا ترى أن الظلم من المؤمن لا يفهم منه ما يفهم ~~من المنافق أو الكافر؛ ألا ترى أن آدم وحواء لما ارتكبا وقربا تلك الشجرة ~~قالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا) لم يريدا ظلم كفر، وعلى ذلك قوله: (فتكونا من ~~الظالمين)، فعلى ذلك المفهوم من ضلال المؤمن غير المفهوم من ضلال المنافق ~~والكافر، والله أعلم. # وقوله: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق ~~الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى ~~زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) قال أهل التأويل: أنعم الله ~~عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالإعتاق؛ حيث أعتقه؛ لأنه ذكر أن زيدا كان ms3551 ~~عربيا من أهل الكتاب، أصابه النبي - صلى الله عليه وسلم - من سبي أهل ~~الجاهلية، فأعتقه وتبناه، فأنعم الله عليه حيث أعطاه الإسلام، ووفقه الهدى، ~~وأنعم عليه الرسول حيث أعتقه. # ويحتمل إنعام الله عليه -أيضا- في الإعتاق؛ حيث وفق رسوله للعتاق، أو في ~~خلق فعل الإعتاق من رسوله وإجرائه إليه، وعلى قول المعتزلة: ليس لله على ~~زيد ولا على جميع المسلمين في الإسلام إنعام ولا إفضال؛ لوجوه: # أحدها: أنهم يقولون: قد أعطى كل سبب ما يلزمهم الإسلام وهو القوة؛ فهم ~~إنما # PageV08P389 # يسلمون لا بصنع من الله في ذلك؛ فعلى قولهم: كان من الله سبب لزوم ~~الإسلام، فأما في الإسلام نفسه فلا صنع له فيه، فإذا كان كذلك فلا منة تكون ~~منه عليهم ولا إنعام. # والثاني: يقولون: أن ليس لله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في ~~الدين، ولا شك أن الإسلام لهم أصلح؛ فعليه أن يفعل ذلك بهم، فهو فعل ما ~~عليه أن يفعل، ولا يجوز أن يفعل غيره، ومن أدى حقا عليه لا يكون في فعله ~~منعما ولا مفضلا؛ إنما هو مؤدي حق عليه. # والثالث: يقولون: أن ليس من الله إلى الأنبياء والمؤمنين جميعا شيء إلا ~~وقد كان ذلك منه إلى إبليس وأتباعه وإلى جميع الفراعنة، فإذا كان قولهم ~~ومذهبهم ما ذكرنا - لم يكن لله على أحد من أهل الإسلام في إسلامهم إنعام ~~ولا إفضال، والله أخبر أن له عليهم في ذلك نعمة ومنة، وكذلك فهم منه ذلك في ~~قوله: (يمنون عليك أن أسلموا. . .) إلى (بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان). # وقوله: (أمسك عليك زوجك واتق الله). # ذكر بعض أهل التأويل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أبصر امرأة ~~زيد فأعجبته وودها، ففهم زيد ذلك منه؛ فقال: يا رسول الله، إني أريد أن ~~أطلق فلانة، وإن فيها كبرا تتعاظم علي وتؤذيني بكذا؛ فعند ذلك قال له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: (أمسك عليك زوجك واتق الله) في طلاقها، ولا ~~تطلقها، لكن لا نقول نحن شيئا من ms3552 ذلك إلا بخبر ثبت من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يخبر أنه كان ذلك. # وجائز أن يكون زيد استأذن رسول الله في طلاقها، على ما يطلق الرجل ~~امرأته؛ لما يمل منها بلا سبب يكون؛ فقال له عند ذلك: (أمسك عليك زوجك واتق ~~الله)، ولا تطلق زوجك بلا سبب يستوجب به الطلاق؛ لأنه لا يسع للرجل أن يطلق ~~زوجته بلا سبب يحمله على الطلاق من تضييع حدود الله، وترك إقامتها، أو معنى ~~نحوه، فأما بلا سبب يكون في ذلك فلا يسع. # أو أن يكون قوله: (أمسك عليك زوجك)، أي: تزوجها واتق الله في ترك تزوجها؛ ~~فيكون هو مأمورا بنكاحها، كما كانت هي مأمورة بتزويجها نفسها منه، فيقول: ~~اتق الله في ترك الأمر للنبي ذلك في ترك ما ندبت إليه وأمرت به، والله ~~أعلم. # وقوله: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه). # PageV08P390 # قال عامة أهل التأويل: (وتخفي في نفسك) حبها وإعجابها، (ما الله مبديه)، ~~أي: ما الله مظهره في القرآن، أي: حبها وتزوجها. # وقال قائلون: (وتخفي في نفسك) يا محمد: ليت أنه طلقها، (ما الله مبديه)، ~~أي: مظهره عليك، حتى ينزل به قرآنا. # لكن هذا بعيد محال؛ لا يحتمل أن يكون النبي يقول لزيد: (أمسك عليك زوجك ~~واتق الله)، ثم يخفي هو في نفسه: ليت أنه يطلقها؛ حتى يتزوجها هو. # وجائز أن يكون قوله: (وتخفي في نفسك) هذا القول نفسه، هو الإبداء؛ حيث ~~جعله آية تتلى بعد ما أخفى رسول الله شيئا في نفسه: ما لولا ذكر الله إياه ~~ذلك لم يعلم الخلق أنه أخفى شيئا، ولا ندري ما الذي أخفاه كذا وكذا إلا ~~بخبر يجيء عنه، فيقول: إني أخفيت في نفسي كذا؛ فعند ذلك يسع، فأما على ~~الوهم فلا نقول به. # وقوله: (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه). # قال بعضهم: (وتخشى الناس)، أي: تستحي قالة الناس: " إنه تزوج امرأة ابنه ~~"؛ وتترك نكاحها، والله أحق أن تستحي منه في ترك أمره إياك بالنكاح. # وقال بعضهم: (وتخشى الناس)، أي: تتقي قالة الناس؛ تستحي ms3553 منهم في أمر زينب ~~وما أعجبت هي إليك حسنها وحبها، (والله أحق أن تخشاه) على الابتداء على غير ~~إلحاف بالأول في كل أمر وكل شيء؛ كقوله: (فلا تخشوهم واخشوني)، والله أعلم. # وقوله: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها). # قال أهل التأويل: (قضى زيد منها وطرا) أي: حاجة، أي: جماعا؛ فإن كان ~~الجماع - ففائدة ذكر الجماع فيه؛ ليعلم أن حليلة ابن التبني تحل للرجل، وأن ~~الوطر هو عقد النكاح والجماع جميعا، وإن كان كل واحد منهما سبب الحظر ~~والمنع في نكاح حليلة ابن الصلب. # وجائز أن يكون قوله: (فلما قضى زيد منها وطرا)، أي: قضى همة نفسه، وبلغ ~~غاية ما همت نفسه منها؛ فعند ذلك زوجناكها. # ذكر أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على سائر أزواج النبي، فتقول: " زوجكن # PageV08P391 # آباؤكن رسول الله، والله زوجني بنبيه فوق سبع سماوات؛ ففيه دلالة رسالته؛ ~~لأنه أخفى في نفسه ما كان يخشى قالة الناس في ذلك واستحى منهم، وفي العرف ~~أن من أخفى شيئا يستحي من الناس إن ظهر عندهم أن يكتم ذلك من الناس ولا ~~يظهره، فإذا كان رسول الله أظهر ما كان يخشى قالة الناس فيه، ولم يكتمه ~~منهم؛ دل أنه رسول؛ إذ لو كان غير رسول، لكتمه وأخفاه ولم يظهره؛ لما ذكرنا ~~من العرف في الناس من كتمان ما يستحيون منهم إذا ظهر. # وكذلك روي عن عمر وعائشة أنهما قالا: " لو كان رسول الله كاتما شيئا من ~~القرآن، لكتم هذه الآية ". # وقوله: (لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطر). # في الآية دلالة لزوم الاتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ما ~~يخبر ويأمر به، وفي كل فعل يفعله في نفسه، إلا فيما ظهرت الخصوصية، فأما ~~فيما لم تظهر فعلى الناس اتباعه فيما يخبر ويفعل؛ لأنه قال: تزوج امرأة ~~دعته، ثم قال: (لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)، ولو كان ~~يخبرهم بذلك خبرا لحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك: هو ذلك أخبر أن ms3554 ذلك؛ لكيلا يكون ~~على المؤمنين حرج في مثل فعله، والله أعلم. وفيه وجه آخر. # وقوله: (إذا قضوا منهن وطر)، ذكر قضاء الوطر منهن؛ لأن من النساء من لا ~~يحرمن على بعض هؤلاء بالعقد، ولكن إنما يحرمن بقضاء الوطر، ومنهن من يحرمن ~~بالعقد نفسه دون قضاء الوطر؛ فأخبر أن أزواج الأدعياء - وإن قضوا منهن ~~الوطر - فإنهن لا يحرمن عليهم، والله أعلم. # وقوله: (وكان أمر الله مفعولا). # أي: ما كان بأمر الله مفعولا، وكذلك ما قيل: الصلاة أمر الله؛ أي: بأمر ~~الله تكون؛ وإلا الصلاة هي فعل العباد؛ فلا تكون أمر الله، ولكن بأمر الله، ~~فعلى ذلك قوله: (وكان أمر الله مفعولا)، أي: ما يكون بأمر الله مفعولا، ~~وكذا قوله: (حتى جآء أمر الله)، أي: جاء ما يكون بأمر الله، وهو العذاب ~~الذي أوعدوا؛ لأن أمر الله لا يجيء. # PageV08P392 # ثم يحتمل ذلك وجهين: # أحدهما: التكوين: يكونه؛ فيكون مكونا؛ كقوله: (إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون). # والثاني: على الإيجاب واللزوم، أي: ما يكون بأمر الله يكون واجبا لازما؛ ~~إذا أراد به الإيجاب والإلزام، والله أعلم. # وقوله: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (فرض الله)، أي: بين الله؛ كقوله: (سورة أنزلناها وفرضناها)، أي: ~~بيناها. # ويحتمل (فيما فرض الله له)، أي: أوجب الله عليه، ويقال: فرض عليه، أي: ~~حرم، وفرض له، أي: أحل له، وكذلك قوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)، ~~يحتمل هذا وجهين: # أي: بين لكم تحلة أيمانكم. # والثاني: أوجب عليكم تحلة أيمانك، والله أعلم. # وقوله: (سنة الله في الذين خلوا من قبل). # قال بعضهم: هكذا كان سنة الله فيمن كان قبله من الرسل - مثل داود وسليمان ~~وهؤلاء - كثرة النساء، ليس ذلك ببديع في رسول الله محمد. وفي كثرة نساء ~~الرسل لهم آية عظيمة؛ لأنهم آثروا الفقر والضيق على السعة والغناء، وكفوا ~~أنفسهم عن جميع لذاتها، وحملوا على أنفسهم ms3555 الشدائد في العبادات والأمور ~~العظام الثقيلة، وهذه الأشياء كلها أسباب قطع قضاء الشهوات في النساء ~~والحاجة فيهن؛ فإذا لم تقطع تلك الأسباب عنهم؛ دل أنهم بالله قووا عليها. # وقال بعضهم: سنة الله في الذين قبل محمد، يعني: داود النبي حين هوى ~~المرأة التي فتن بها، فجمع الله - تبارك وتعالى - بين داود وتلك المرأة؛ ~~فكذلك يجمع بين محمد وبين امرأة زيد؛ إذ هويها كما فعل بداود، لكن هذا ~~بعيد. # وقيل: (سنة الله في الذين خلوا من قبل): أنه لا يحرج على أحد فيما لم ~~يحرم. # وجائز أن يكون (سنة الله في الذين خلوا من قبل) - في حل نكاح أزواج ~~الأدعياء، كان يحل لهم ذلك؛ فعلى ذلك لرسول الله، والله أعلم. # وقوله (وكان أمر الله قدرا مقدورا). # PageV08P393 # هو ما ذكرنا في قوله: (وكان أمر الله مفعولا) أي: ما كان بأمر الله ~~وتقديره مقدورا. # قال أبو عوسجة: الدعي: الذي يدعى بعدما يكبر، والادعاء أن يكون الرجل نفى ~~ولده ولم يقبله، ثم ادعاه من بعد ذلك، هذا هو المعروف عندي. # قال: وفي موضع آخر: (ولهم ما يدعون)، أي: ما يتمنون ويشتهون، ويقال: " ~~ظللنا اليوم فيما ادعينا " أي: وجدنا كل ما اشتهينا، يقال من هذا: ادعيت ~~أدعي ادعاء. وقال: الوطر: الحاجة، والأوطار: جميع، والخيرة، أي: صيرت إليهم ~~الخيرة، وهو من قولك أي شيء - تختار؛ (ما كان لهم الخيرة)، أي: لم يجعل ~~إليكم الاختيار: إن شئتم فعلتم، وإن شئتم لم تفعلوا، والقنوت في الأصل: ~~القيام؛ على ما ذكرنا. # وقوله: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى ~~بالله حسيبا (39) # يقول أهل التأويل: هو محمد عر خاصة؛ فمعناه - والله أعلم - إن كان هو ~~المراد به: أنه فيما تزوج حليلة دعيه زيد مبلغ رسالات ربه، حيث قال: (لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)، وتبليغ الرسالة يكون مرة ~~بالخبر والقول، ومرة بالفعل، يلزم الناس في اتباعه في فعله كما يلزم في ~~خبره وأمره، إلا فيما ظهرت له الخصوصية في فعل ما. # وجائز أن ms3556 يكون قوله: (الذين يبلغون رسالات الله) هم الأنبياء الذين قال: ~~(سنة الله في الذين خلوا من قبل)، نعتهم، وقال: (الذين يبلغون رسالات ~~الله): فسنة الله في محمد - صلى الله عليه وسلم - كسنة أولئك الذين كانوا ~~من قبل فيما ذكر، (ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله)، يقول - والله أعلم -: ~~يخشون الله في ترك تبليغ الرسالة، ولا يخشون أحدا سواه في التبليغ، ويكون ~~قوله: (إلا الله)، بمعنى: سواه؛ على المبالغة في الأمر، وإلا لو قال: (ولا ~~يخشون أحدا) كافيا، أي: لا يخشون أحدا فيما يبلغون، لكن يحتمل ما ذكرنا: ~~ألا يخشوا أحدا فيما يبلغون سواه. # وجائز أن يكون قوله: (ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) بما يصيبهم من ~~الأذى والبلاء بالتبليغ، يقول: لا يرون ذلك من أولئك، ولكن بتقدير من الله ~~إياه؛ وإلا كانوا يخافون من أولئك؛ ألا ترى أنهم قالوا: (إننا نخاف أن يفرط ~~علينا أو أن يطغى)، وحيث قال موسى: (فأخاف أن يقتلون)، و (أخاف أن يكذبون)، ~~ونحوه. # أو أن يكون في الابتداء خافوهم، ثم أمنهم الله؛ فلم يخافوا؛ حيث قال: (لا ~~تخافا إنني معكما أسمع وأرى)، والله أعلم. # وقوله: (وكفى بالله حسيبا). # PageV08P394 # قيل: شهيدا على تبليغ الرسالة. # وقوله: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~وكان الله بكل شيء عليما (40) معناه - والله أعلم -: ما كان محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أبا أحد أبوة تحرم بها حلائل الأبناء، وإلا كان هو أبا ~~لجميع المؤمنين؛ حيث قال: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم) إذا كانت أزواجه أمهاتنا؛ فهو أب لنا على ما ذكرنا. # لكن التأويل فيه: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أبوة تحرم بها حلائل ~~الأبناء؛ ولكن أبوة التعظيم له والتبجيل، وأبوة الشفقة والرحمة، وهو ما ~~قال: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض. . .) الآية. # وكذلك قوله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، يحتمل وجهين: # أولى أن يعظم ويكرم ويشرف من أغيرهأ، كقوله: (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه). # والثاني: (أولى ms3557 بالمؤمنين)، أي: أشفق عليهم وأرحم بهم من أنفسهم، وهو ما ~~وصفه - جل وعلا - من رحمته ورأفته؛ حيث قال: (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم). # وقوله: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) يخرج على وجهين: # أحدهما: في حق الانتساب إليه، أي: ليس هو أبا أحدكم ينسب إليه ويدعى به؛ ~~لأنه ذكر أنهم يدمحونه ويسمونه: زيد بن محمد، أنه يجوز التبني ولا يجوز ~~إليه النسبة ولا التسمية به؛ كقوله: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله). # والثاني: في حق الحرمة؛ كأنه قال: ليس هو أبا أحدكم في حرمة حلائل ~~الأبناء عليه لا بالتبني، ولا في حق النسبة، وإن كان هو أبا لكم في الشفقة ~~والرحمة والرأفة، على ما ذكرنا بدءا ولكن رسول الله ما ذكرنا في التعظيم له ~~والتبجيل في المعاملة والمصاحبة، أو في الدعوة به والتسمية. # وقوله: (ولكن رسول الله). # أخبر ليس بأبي أحد من رجالكم، على ما ذكرنا، ولكن رسول الله؛ لئلا ~~يعاملوا رسوله معاملة آبائهم، ولا يصاحبوه صحبة غيره؛ ولكن يعاملوه معاملة ~~الرسل في التعظيم له والتبجيل والإكرام؛ لأن أبوته وشفقته دينية، وشفقة ~~الآباء شفقة دنياوية، ولأن الرجل قد يتبسط مع والده في أشياء لا يسع مثله ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذا قال: (ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين)، أي: ختم به الرسالة لا نبي بعده. # PageV08P395 # وقوله: (وخاتم النبيين). # جائز أن يكون ذكره وإخباره: أنه خاتم النبيين؛ لما علم - جل وعلا - أنه ~~يسمى غيره بعده نبيا؛ على ما قالته الباطنية: إن قائم الزمان هو نبي؛ فأخبر ~~بهذا أن من ادعى ذلك لا يطالب بالحجة والدلالة؛ ولكنه يكذب؛ وكذلك روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا نبي بعدي " أخبر أنه ختم ~~به النبوة. # وقوله: (وكان الله بكل شيء عليما)، أي: لم يزل الله بما كان ويكون وبما ~~به صلاحهم عليما. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة ~~وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات ms3558 إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) # أما أهل التأويل يقولون: اذكروا الله في كل حال وفي كل وقت، ذكرا كثيرا ~~باللسان. # وجائز أن يكون تأويل أمره بالذكر له كثيرا، أي: اذكروا نعمه؛ لتشكروا له، ~~واذكروا أوامره؛ لتأتمروا، ونواهيه ومناهيه؛ لننتهي، ومواعيده؛ لنخاف ~~وعداته؛ لنرغب، واذكروا عظمته وجلاله وكبرياءه؛ ليهاب، (ذكرا كثيرا)، أي: ~~دائما يذكرون ما ذكرنا؛ ليكون ما ذكرنا؛ إذ إنما يكون ذلك بالذكر؛ والله ~~أعلم. # وقوله: (وسبحوه بكرة وأصيلا (42) # البكرة: هي ختم الليل وابتداء النهار، والأصيل: هو ختم النهار وابتداء ~~الليل؛ فكأنه أمر بالذكر له، والخير في ابتداء كل ليل وختمه، وابتداء كل ~~نهار وانقضائه؛ ليتجاوز عنهم ويعفو ما يكون منهم من الزلات في خلال ذلك؛ ~~وعلى ذلك ما روي في الخبر " أن من صلى العشاء الأخيرة والفجر بالجماعة ~~فكانما أحيا ليلته ". # وجائز أن يكون ذلك ليس على إرادة البكرة والأصيل؛ ولكن على إرادة كل وقت ~~وكل # PageV08P396 # حال، ليس من وقت ولا من حال إلا ولله على عباده شكر أو صبر: الشكر على ~~نعمائه، والصبر على مصائبه. # وقال بعضهم: الأمر بالذكر له بالبكرة والأصيل هي الصلوات الخمس: من الظهر ~~إلى آخر الليل أصيل؛ فيدخل فيه صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي ~~البكرة صلاة الفجر. # وقوله: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) أما صلاة الله: هي الرحمة والمغفرة، وصلاة الملائكة: ~~الاستغفار وطلب العصمة والنجاة؛ كقوله: (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت ~~كل شيء رحمة وعلما. . .) الآية. # وقوله: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم. . .) الآية، وقوله: ~~(ويستغفرون لمن في الأرض)، جائز أن يكون المؤمنين خاصة. # وجائز أن يكون الكل: الكافر أو المؤمن؛ فإن كان هذا فيكون استغفارهم طلب ~~الأسباب التي بها يستوجبون المغفرة، وهو الهدى؛ كقول هود: (ويا قوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)، وقول نوح: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، ~~لا يحتمل أن يستغفروا وهم كفار؛ ولكن يطلبون ms3559 منه التوبة عن الكفر؛ ~~ليستوجبوا المغفرة؛ وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه لا يحتمل أن يستغفر له وهو ~~كافر؛ ولكن كان يطلب له من الله أن يجعله بحيث يستوجب المغفرة والرحمة، وهو ~~الهدى، والله أعلم. # وقوله: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور). # قال بعضهم: رحمهم؛ حيث أخرجهم من أصلاب آبائهم قرنا فقرنا إلى أن بلغوا ~~ما بلغوا. وجائز إخراجه إياهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى بدعاء الملائكة ~~واستغفارهم لهم. # (وكان بالمؤمنين رحيما). # لم يزل الله بالمؤمنين رحيما. # وقوله: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # جائز أن يكون تحية الملائكة عليهم: سلام؛ كقوله: (سلام عليكم بما صبرتم). # أو تحية بعضهم على بعض: سلام لا غير، ليس كتحيتهم في الدنيا: أطال الله ~~بقاءك؛ وكيف حالك؛ ونحو ما يقولون في الدنيا، ويسأل بعضهم بعضا عن أحوالهم، ~~يقول: ليس تحية أهل الجنة ذاك؛ ولكن: سلام؛ كقوله: (لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما # PageV08P397 # سلاما). # أو أن يكون قوله: (تحيتهم يوم يلقونه سلام)، أي: صوابا وسدادا لا غير؛ ~~كقوله: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) ليس أن يقولوا: سلام عليكم؛ ~~ولكن يقولون قولا صوابا سدادا، لا يقابلونهم بمثل ما خاطبوهم؛ فعلى ذلك ~~جائز أن يكون قولهم: (تحيتهم يوم يلقونه سلام)، أي: صواب من الكلام وسداد. # (وأعد لهم أجرا كريما)، أي: حسنا. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. # وقوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) # يحتمل قوله: (شاهدا) على تبليغ الرسالة يشهد لهم بالإجابة له إذا أجابوه، ~~ويشهد عليهم إذا ردوه وخالفوه. # وقال بعضهم: (شاهدا) على أمتك بالتصديق لهم، وقيل: (شاهدا) عليهم ~~بالبلاغ. # وقوله: (ومبشرا ونذيرا)، أي: يبلغ إليهم ما يكون لهم البشارة إن أطاعوه، ~~ويبلغ إليهم أيضا ما يستوجبون به النذارة إذا خالفوه، والبشارة هي: إخبار ~~عن الخيرات التي تكون في عواقب ms3560 الأمور الصالحة، والنذارة: إخبار عن أحزان ~~تكون في عواقب الأمور السيئة، أو نحوه من الكلام. # وقوله: (وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) # يحتمل قوله: (وداعيا إلى الله) إلى توحيد الله، وإلى طاعة الله، أو إلى ~~دار السلام؛ كقوله: (والله يدعو إلى دار السلام)، أو إلى ما يدعو الله ~~إليه. # وقوله: (بإذنه)، قيل: بأمره. # وقوله: (وسراجا منيرا): اختلف فيه: # قال بعضهم: هو صلة قوله: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)، وجعلناك ~~(وسراجا منيرا)؛ فالسراج المنير هو الرسول على هذا التأويل. # وقال بعضهم: السراج المنير هو القرآن، يقول: أرسلناك داعيا إلى الله وإلى ~~السراج المنير، وهو هذا. # وقوله: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) # فيه دلالة أن البشارة إنما تكون بفضل من الله، لا أنهم يستوجبون بأعمالهم ~~شيئا من # PageV08P398 # ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ... (48) # هذا قد ذكرناه في أول السورة. # وقوله: (ودع أذاهم). # هذا يحتمل: أعرض عنهم، ولا ثكافئهم بما يؤذونك. # أو أن يقول: (ودع أذاهم)، أي: اصبر على أذاهم. # وقوله: (وتوكل على الله)، أي: اعتمد بالله. # (وكفى بالله وكيلا)، أي: كفى بالله معتمدا. # أو أن يقال: (وكفى بالله وكيلا): حافظا أو مانعا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) ~~يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما ~~أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) ترجي من تشاء منهن ~~وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله ~~عليما حليما (51) لا ms3561 يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن). # ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم ~~أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثا؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه ~~الآية: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات. . .) الآية. # فجعل الطلاق بعد النكاح. # وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقا بعد النكاح، وليس ~~في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح. # PageV08P399 # وقوله: (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من ~~قبل أن تجامعوهن. # ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسونهن؛ وإلا لو دخل بها ~~المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل ~~المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث ~~قال: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض)، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ~~ولكن الدنو منها والمس باليد أو شبهه، والله أعلم. # وقوله: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها). # هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: (فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها)، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له ~~أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم. # وقوله: (فمتعوهن). # قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال: ~~(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم). # وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب ~~المتعة. # وعندنا: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه ~~المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم ms3562 يفرض لها ~~صداقا حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله ~~أعلم. # وقوله: (وسرحوهن سراحا جميلا). # قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها. # وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق. # وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا ~~سرحتموهن، والله أعلم. # وقوله: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ... (50) # PageV08P400 # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)، أي: ضمنت أجورهن ~~وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله: (فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، هو على القبول، تأويله: ~~فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس ~~على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: (قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله. . .)، إلى قوله: (حتى يعطوا الجزية)، ليس على نفس ~~الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ~~ذلك جائز أن يكون قوله: (آتيت أجورهن)، أي: قبلت أجورهن وضمنت. # والثاني: (إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي) هن لك إذا (آتيت أجورهن)، أي: ~~قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن. # وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجرا؛ فيكون قوله: (فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن)، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعا في النكاح؛ فعلى ~~ذلك يجوز أن يكون قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين)؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة ~~" الهبة "؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا ~~لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك -أيضا- امرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما ~~يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة ~~فلا. # وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ms3563 ذكرنا؛ وهو قوله: (قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم)؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له ب " قد. . . "؛ ~~فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة " الهبة ~~"، ليست تلك في لفظة " التزويج "، يقول مكان قوله: (وهبت): " زوجت "؛ دل أن ~~المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة " الهبة ". # أو أن يكون قوله: (خالصة لك من دون المؤمنين) في الآخرة، أي: لا تحل لأحد ~~سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأما أن يفهم من قوله (خالصة لك من دون ~~المؤمنين) بلفظة " الهبة " فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: " وهبت "، وببن أن ~~تقول: " زوجت ". # PageV08P401 # وبعد: فإن كثيرا من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، ~~وابن عباس وغيرهما - رضي الله عنهم - لم يفهموا من قوله: (خالصة لك) بلفظة ~~دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في قوله: (إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن): " هن الموهوبات "، فما بال الشافعي في فهم ~~ذلك ما ذكر؟! # وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة " الهبة " من ~~البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم. # وقوله: (وما ملكت يمينك). # أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضا، (وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك). # ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ ~~لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذكرا للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن ~~حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال: (لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم)؛ فعلى ذلك الأول. # أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله: (وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم)، إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاع: ما كان بنسب، وما كان ~~بسبب، ثم قال: (وأحل لكم ما وراء ms3564 ذلكم)؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات ~~بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم. # وقوله: (اللاتي هاجرن معك). # لم يفهم أحد من قوله: (هاجرن معك): الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ ~~بل دخل في قوله: (معك) من هاجر منهن من قبل ومن بعد، والله أعلم. # وقوله: (ما فرضنا عليهم في أزواجهم). # قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، (في أزواجهم)، وهن أربع نسوة لا تحل ~~الزيادة على الأربع، (وما ملكت أيمانهم)، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة ~~على ذلك وإن كثرن. # وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا ~~النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله ~~أعلم. # وقوله: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم)، (فرضنا): أي بينا ما يجوز ~~وما لا # PageV08P402 # يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج. # أو (فرضنا): أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله ~~أعلم. # وقوله: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا ~~جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله ~~يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) اختلف فيه: # عن الحسن قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب امرأة لم يكن ~~لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن ~~يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن ~~يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا. وكذلك يقول ~~قتادة: إن الآية في الخطبة. # وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن وسممين، فوسع الله ~~عليه في ذلك، فأحل له، فقال: (ترجي من تشاء منهن)، أي: من نسائه، أي: تترك ~~من تشاء منهن، فلا تأتيها، (وتؤوي إليك من تشاء)، فتأتيها. # (ومن ابتغيت ممن عزلت)، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: ~~(ذلك أدنى أن ms3565 تقر أعينهن ولا يحزن) على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل ~~لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، (ويرضين بما آتيتهن كلهن)، إذا علمن أن ~~الرخصة جاءت من الله - تعالى - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ~~ذلك. # وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللاتي كن تحته ~~خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا ~~تطلقنا؛ فنزل: (ترجي من تشاء منهن)، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير ~~طلاق، (وتؤوي إليك)، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ (فلا جناح عليك). # وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي ~~الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: (ترجي من تشاء ~~منهن)، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، (وتؤوي ~~إليك)، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها. # فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: (ومن ابتغيت) منهن ~~فتزوجها، (ممن عزلت فلا جناح عليك)، أي: لا حرج طيك في ذلك؛ (ذلك أدنى)، ~~يقول. أجدر وأحرى وأقرب (أن تقر أعينهن)، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، ~~(ولا يحزن) إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، ~~وكان في نفقتهن قلة. # وجائز أن يكون قوله: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن ~~كلهن)، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV08P403 # والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام ~~عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ~~ولا يحزن) عن قلة النفقة والجماع، (ويرضين بما آتيتهن كلهن) من النفقة ~~وغيره. # (والله يعلم ما في قلوبكم)، من الحب والرضا، (وكان الله عليما حليما). # وقوله: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك ms3566 وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # اختلف في قوله: (من بعد). # قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما ~~خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، ~~فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: (لا يحل لك النساء ~~من بعد) أي: من بعد اختيارهن المقام معك. # (ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك): # فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهن والمكافآت؛ لما ~~اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قسمهن منه. وروي عن عائشة ~~- رضي الله عنها - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج. # ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم. # وقال بعضهم: قوله (لا يحل لك النساء من بعد)، أي: من بعد المسلمات: ~~كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من ~~أمهات المؤمنين، (إلا ما ملكت يمينك) أي: لا بأس أن تشتري اليهودية ~~والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصة، ~~وأما المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله: (والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم)؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء ~~الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله. # وقال بعضهم: قوله (لا يحل لك النساء من بعد)، أي: من بعد المذكورات ~~المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال ~~والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا # PageV08P404 # تبديلهن، (ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك)، والله أعلم. # وقوله: (لا يحل لك) أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على ~~الدنيا وما فيها من الزينة. # أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسر أي تحريم أراد؟ ~~تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم ms3567 الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل. # والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن. # ويحتمل بالموت: إذا متن -أيضا- لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: (ترجي من تشاء منهن)، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها. # وقال القتبي: (ترجي)، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا ~~في قوله: (أرجه وأخاه)، قال بعضهم: احسبه. وقال بعضهم: أخره. # وقوله: (وتؤوي إليك)، أي: تضم. # وقوله: (وكان الله على كل شيء رقيبا)، أي: حفيظا، وقيل: شاهدا. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما (54) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا (55) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه). # يحتمل النهي عن دخول بيوت النبي وجهين: # أحدهما: لا تدخلوا بيوت النبي بغير إذن كما يدخل الرجل على - أمه - وإن ~~كن هن كالأمهات لكم - بغير إذن، فيكون النهي عن الدخول في بيته نهيا عن ~~الدخول بغير إذن؛ # PageV08P405 # كقوله: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا). # ويحتمل: (لا تدخلوا بيوت النبي) ضيفا (إلا أن يؤذن لكم إلى طعام): إلا أن ~~تدعوا إلى طعام؛ لأن رسول الله كان إذا هيئوا له شيئا من الطعام دعا ~~أصحابه؛ فيأكلونه، وكان لا يمسك ms3568 ولا يدخر فضل الطعام لوقت آخر، فإذا نزل به ~~ضيف، ولم يكن عنده ما يقدم إليه استحيا وشق عليه ذلك؛ فنهوا عن الدخول عليه ~~والنزول به ضيفا؛ لما ذكرنا، وأمروا بالانتظار إلى أن يدعوا إلى الطعام؛ ~~فعند ذلك يدخلون عليه ويضيفونه. # فإن كان الأول: ففيه الأمر بالحجاب والنهي عن الدخول بلا استئذان. # وإن كان الثاني: ففيه النهي عن النزول به ضيفا قبل أن يدعوا؛ لما ذكرنا؛ ~~ويكون الأمر بالحجاب في قوله: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب). # وقال بعضهم: ذكر هذا؛ لأن أناسا من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول ~~الله وغداه، فإذا حضر ذلك دخلوا عليه بغير إذن؛ فجلسوا في بيته ينتظرون نضج ~~الطعام وإدراكه " فنهوا عن ذلك، وكانوا إذا أكلوا وفرغوا منه، جلسوا في ~~بيته، ويتحدثون، ويستأنسون؛ فنهوا عن ذلك، وأمروا بالانتشار والخروج من ~~عنده وعند نسائه، ولم يكن يحتجبن قبل ذلك منهم؛ فشق ذلك على النبي، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون الأمر بالانتشار والخروج من عنده؛ لما كان لرسول الله أمور ~~وعبادات يحتاج إلى القيام بها: إما بينه وبين الله، أو بينه وبين غيرهم من ~~الناس، فكانوا يشغلونه عن ذلك؛ فنهوا عن ذلك لذلك. # أو لما ذكر بعض أهل التأويل من الحاجة له في أزواجه والخلوة بهن وقت ~~القيلولة، والله أعلم. # وقوله: (إن ذلكم كان يؤذي النبي). # الدخول عليه بغير إذن؛ أو الانتظار لنضج الطعام وإدراكه، أو الجلوس بعد ~~فراغهم من الطعام والحديث، أو ما كان. # وقوله: (فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق). # ورسول الله -أيضا- كان لا يستحيي من الحق، لكنه يستحيي أن يقول لهم: " ~~اخرجوا من منزلي ولا تدخلوا علي "، ونحوه؛ لما يقبح ذلك في الخلق أن يقول ~~الرجل لآخر: " لا تدخل منزلي " أو " اخرج من منزلي "؛ لما يرجع ذلك إلى ~~دناءة الأخلاق والبخل، فلما # PageV08P406 # أنزل الله - تعالى - الآية، وأمر أن يقول لهم ما ذكر قال لهم، وأخبرهم ~~بذلك؛ فلم يستح عند ذلك؛ لما صار ذلك من حق الذين فرضا عليه لازما أن ~~يعلمهم الآداب، ms3569 ويخبر عما يلزمهم من حق الدين، وكان قبل ذلك في حق الملك ~~وحق النفس، فلما أنزل الله الآية، وأمر بذلك صار من حق الدين؛ لذلك كان ما ~~ذكر، والله أعلم. # وقوله: (والله لا يستحيي من الحق)، أي: لا يدع ولا يترك أن يعلمهم الحق ~~والأدب، وقد ذكرنا معناه في قوله: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا. . .) ~~الآية. وقوله: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن). # جائز أن يكون المعنى الذي يكون أطهر لقلوب الرجال غير المعنى الذي يكون ~~أطهر لقلوبهن: ذلك المعنى الذي يكون أطهر لقلوبهم: من الفجور والهم لقضاء ~~الشهوة، وما تدعوه النفس إليه، (أطهر لقلوبكم وقلوبهن): من العداوة ~~والضغينة، لا الفجور وقضاء الشهوة؛ وذلك أنهن قد عرفن أنهن لا يحللن لغيره ~~نكاحا؛ لما اخترنه والدار الآخرة على الدنيا وزينتها، وقد أوعدن بارتكاب ~~الفاحشة العذاب ضعفين، على ما ذكر، وذلك يمنعهن ويزجرهن عن ارتكاب ذلك فإذا ~~كان كذلك، فإذا عرفن من الداخلين عليهن والناظرين إليهن نظر الشهوة وقع في ~~قلوبهن لهم العداوة والضغينة؛ فيقول: السؤال من وراء الحجاب أطهر لقلوبكم ~~من الفجور والريبة وأطهر لقلوبهن من العداوة والضغينة، والله أعلم. # وجائز أن يكون ذلك واحدا، وهو الريبة والفجور؛ لما مكن فيهن من الشهوات، ~~وركب فيهن من فضل الدواعي إلى ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا). # قال بعض أهل الأويل: إن أنساء، الرسول لما احتجبن بعد نزول آية الحجاب، ~~ونهوا عن الدخول عليهن والنظر إليهن - قال رجل: أننهى أن ندخل على بنات ~~عمنا وبنات عماتنا وبنات خالنا وخالاتنا؛ أما - والله - لئن مات لأتزوجن ~~فلانة - ذكر امرأة من نسائه - فنزل (وما كان) أي: لا يحل (لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا)، لكن هذا قبيح؛ لا يحتمل أن ~~أحدا من الصحابة يقول ذلك، أو واحدا ممن صفا إيمانه به وحسن إسلامه، أن ~~يخطر بباله ذلك إلا أن يكون منافقا. ms3570 # ويحتمل: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) فيما تتدم ذكره، (ولا أن ~~تنكحوا # PageV08P407 # أزواجه من بعده أبدا) ابتداء نهي. # وجائز أن يكون: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) في نكاح أزواجه؛ فيكون ~~أذاهم رسول الله في نكاح أزواجه من بعده، ولو كان لا يحل أزواجه للناس؛ لما ~~يذكر بعض أهل التأويل: لأنهن أمهات - لم يحتج إلى النهي عن نكاحهن بعده؛ إذ ~~لا أحد يقصد قصد نكاح الأم، ولكن كان يحل لهم ذلك، وكان المعنى في ذلك ما ~~ذكرنا من التعظيم له والاحترام؛ حتى نهاهم عن نكاح أزواجه من بعده، وجعله ~~في حرمة أزواجه على غيره بعد وفاته؛ كأنه حي، وكذلك جعل في حق ماله وملكه ~~في منع الميراث لوارثه؛ كأنه حي لم يرث ماله وارثه، بل جعل باقيا أبدا على ~~ملكه، وكذلك أزواجه، وكذلك جعل في حق الرسالة والنبوة؛ كأنه حي، لم تنسخ ~~شريعته بعد وفاته بشريعة أخرى، كما نسخت شريعة الأنبياء الذين كانوا قبله ~~إذا ماتوا بشريعة أخرى؛ بل جعله كأنه حي في إبقاء شريعته إلى يوم القيامة؛ ~~فعلى ذلك جعل في أزواجه كأنه حي في حرمة أزواجه في الآخرة؛ وعلى ذلك يخرج ~~تأويل قوله - عندنا -: (خالصة لك من دون المؤمنين) أي: هي لك خالصة لا تحل ~~لأحد بعدك؛ فتكون زوجته في الجنة، والله أعلم. # وقوله: (إن ذلكم كان عند الله عظيما). # يحتمل كان أذى رسول الله ونكاح أزواجه عند الله عظيما، أو عظيما في ~~العقوبة عند الله. # وقوله: (إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) أي: ~~تبدوا شيئا للعباد، أو تخفوه عنهم. # (فإن الله كان بكل شيء عليما). # أي: ما أبديتم وما أخفيتم؛ (عليما) لا يخفى عليه شيء؛ يذكر هذا؛ ليكونوا ~~أبدا على حذر وخوف، والله أعلم. # وقوله: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا (55) # أي: لا حرج ولا ms3571 مأثم على النساء في دخول من ذكر عليهن بلا إذن ولا حجاب ~~من (آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ~~ولا نسائهن). # ذكر هؤلاء، ولم يذكر الأعمام ولا الأخوال؛ فقال بعضهم: إنما لم يذكر ~~هؤلاء، ولم يبح لهم في ذلك؛ لأنهن يحللن بالنكاح لأولاد الأعمام والأخوال، ~~فإذا دخلوا عليهن، فرأوهن متجردات متزينات؛ فيصفوهن لأولادهم، وقد يصف ~~الرجل لولده حسن المرأة وقبحها؛ فينزل وصفهم إياهن لأولادهم منزلة رؤيتهم ~~بأنفسهم؛ فيزيد لهم رغبة فيهن أو # PageV08P408 # رهبة عنهن، والله أعلم. # وقال بعضهم: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال؛ لما في ذكر المذكور من بني ~~الإخوة وبني الأخوات غنى عن ذكر الأعمام والأخوال؛ لأنهم جميعا من جنس واحد ~~ومن نوع واحد في معنى واحد، وقد يكتفى بذكر طرف من الجنس؛ إذا كان في معنى ~~المذكور، نحو ما ذكر من أجناس المحرمات على الإبلاع، وترك من كل جنس شيئا ~~لم يذكره؛ إذ الذي لم يذكره هو في معنى المذكور؛ ففي ذكر من ذكر غنى عن ~~الذي لم يذكر؛ فعلى ذلك في ذكر بني الإخوة وبنى الأخوات غنى عن ذكر الأعمام ~~والأخوال؛ إذ هم في معناهم، والله أعلم. # وجائز أن يكون لم يبح الدخول للأعمام والأخوال؛ لأنهم إذا دخلوا عليهن ~~فرأوهن متجردات؛ فلعل بصرهم يقع على فروجهن؛ فينظر إليها بشهوة؛ فيحرمن ~~عيلى أولادهم، وهم إذا تزوجوهن لم يعلموا أنهن محرمات عليهم؛ فمنع دخول ~~الأعمام والأخوال عليهن لذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولا نسائهن)، قال بعضهم: أي: نساء المسلمات، يقول: خص نساء ~~المسلمات، وأباح لهن الدخول عليهن بلا إذن، وأن يرينهن متزينات، ولم يبح ~~ذلك لليهوديات والنصرانيات وأمثالهن؛ مخافة أن يصفن ذلك لأهل دينهن؛ فيكون ~~ذلك سبب افتتانهم بهن والرغبة فيهن، والله أعلم. # وقال بعضهم: نساؤهن: قراباتهن، خص هؤلاء من بين غيرهن من الأجنبيات، وذلك ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا من خوف وصف الأجنبيات لأزواجهن والمتصلين بهن؛ من حسنهن ~~وزينتهن إذا رأينهن متجردات متزينات، ولا يخاف ذلك من قراباتهن. # والثاني: خص القرابات؛ لما بهن ابتلاء، ms3572 وليس بالأجنبيات ذلك، وقد يخفف ~~الحكم ربما فيما فيه الابتلاء، ويغلظ فيما هو أخف منه ودونه؛ إذا لم يكن ~~فيه ابتلاء؛ وعلى ذلك جائز أن يقال: إن الأعمام والأخوال لم يذكروا في ~~الآية والرخصة؛ لأنه ليس بهم ابتلاء، وبمن ذكر ابتلاء، والله أعلم. # وقوله: (ولا ما ملكت أيمانهن). # يحتمل الإماء خاصة؛ كقوله: (والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على ~~أزواجهم أو ما # PageV08P409 # ملكت أيمانهم): لم يفهموا منه سوى الإماء؛ فعلى ذلك جائز أن يكون الممهوم ~~في قوله: (ولا ما ملكت أيمانهن) الإماء، ويحتمل الإماء والعبيد جميعا؛ فإن ~~كان على الإماء والعبيد جميعا، فذلك - والله أعلم - إنما أباح الدخول ~~للعبيد على مولياتهم بلا إذن؛ لأنهم إنما يدخلون عليهن عند حاجاتهن إليهم ~~في أوقات معلومة، وهن في تلك الأوقات يكن متأهبات لدخولهم عليهن محجبات ~~عنهم؛ وعلى ذلك يخرج ما روى أن مكاتبا لعائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها ~~- كان يدخل عليها، فلما أدى فعتق منعته من الدخول عليها، وهو لما ذكرنا: ~~أنه كان يدخل عليها لوقت حاجتها إليه، وهي كانت متأهبة لدخوله عليها، وإلا ~~لا يحتمل أن يكون يدخل عليها ويراها متجردة أو متزينة، بعدما أمرن ~~بالاحتجاب؛ فعلى ذلك العبيد لا يحل لهم النظر إلى مولياتهم ولا يكونون ~~محرما لهن. # أو إن احتمل الآية العبيد؛ فهم بالإذن يدخلون لا بغير إذن؛ فيكون الإذن ~~مضمرا فيه. # ثم قال: (واتقين الله). # فيما ذكر من إباحة دخول من لم يبح دخوله عليهن والنظر إليهن. # (إن الله كان على كل شيء شهيدا)، هذا تحذير وتوعيد لهن، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما. إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ~~ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين ms3573 في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) ~~ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) # وقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما (56) # ذكر في بعض الحديث: أنه لما نزلت هذه الآية، قيل له: يا رسول الله، هذا ~~لك فما لنا؛ فنزل قوله: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور. . .) الآية: قد بين ما صلاته وصلاة الملائكة؛ وهو ما ذكر من ~~إخراجهم من الظلمات إلى النور، وهو دعاؤهم إلى الهدى والرشد، وذكر عن كعب ~~بن عجرة قال: لما # PageV08P410 # نزل: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما) قمت إليه، فقلت: يا رسول الله، السلام قد عرفناه؛ فكيف ~~الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: " قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل ~~محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ". # ففي الآية الأمر للمؤمنين أن يصلوا على النبي، ثم لما سئل هو عن كيفية ~~الصلاة عليه وماهيتها؟ قال لهم: أن تقولوا: " اللهم صل على محمد "، وهو ~~سؤال أن يتولى الرب الصلاة عليه. # وفي ظاهر الآية: هم المأمورون بتولي الصلاة بأنفسهم عليه، لكنه - صلوات ~~الله عليه - لما أمروا بالصلاة عليه، وهي الغاية من الثناء، لم ير في وسعهم ~~وطاقتهم القيام بغاية ما أمروا به من الثناء عليه - أمرهم أن يكلوا ذلك إلى ~~الله ويفوضوا إليه، وأن يسألوه ليتولى ذلك هو دونهم؛ لما لم ير في وسعهم ~~القيام بغاية الثناء عليه، وإلا ليس في ظاهر الآية سؤال الرب أن يصلي هو ~~عليه؛ ولكن فيها الأمر: أن صلوا أنتم عليه، والله أعلم. # وقوله: " كما صليت وباركت على إبراهيم وآله ": تخصيص إبراهيم من بين غيره ~~من الرسل يحتمل ما ذكره أهل التأويل: إنه ليس من أهل دين ms3574 ومذهب إلا وهو ~~يدعي ويزعم أنه على دينه ومذهبه، وأنه يتأسى به؛ لذلك خضه بالصلاة عليه من ~~بين غيره من الأنبياء وجائز أن يكون لا لهذا؛ ولكنه لمعنى كان فيه وفي ~~ذريته، لا نعرفه نحن؛ فخصه بذلك من بين غيره، والله أعلم. # وقوله: " وبارك على محمد " البركة كأنها اسم كل خير يكون أبدا على النماء ~~والزيادة في كل وقت، وقد ذكرنا فيما تقدم ما قيل في صلاة الله عليهم وصلاة ~~الملائكة وصلاة المؤمنين. # وقوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا (57) اختلف فيه: # قال بعضهم: نزلت الآية في اليهود؛ حين قالوا: (يد الله مغلولة)، وهو ~~(فقير ونحن أغنياء)، وفي النصارى؛ حين قالوا: (المسيح # PageV08P411 # ابن الله)، وإنه (ثالث ثلاثة)؛ وفي مشركي العرب، # حين قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة، ونحو ذلك، وأذاهم رسول ~~الله حين شجوه وكسروا رباعيته، وقالوا: إنه مجنون، أو ساحر، وأمثال ذلك؛ ~~فأنزل الله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله)، يقول: عذبهم الله ~~(في الدنيا والآخرة): # فأما تعذيبه إياهم في الدنيا: قتلهم بالسيف يوم بدر - يعني: مشركي العرب ~~- وأهل الكتاب: بالجزية إلى يوم القيامة. # وفي الآخرة: النار. # وقال بعضهم قريبا من ذلك: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) هم أصحاب ~~التصاوير والتماثيل؛ فلهم ما ذكر. # وقوله: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا (58) # أي: يقعون فيهم. # وقال بعضهم: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) ~~هم الذين قذفوا عائشة بصفوان؛ آذوا رسول الله في زوجته عائشة حين قذفوها، ~~وهي بريئة مما قذفوا. # وقوله: (المؤمنين والمؤمنات): صفوان وعائشة. # وقال بعضهم: نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فعلى هذا: عذابهم ~~في الدنيا الجلد، وفي الآخرة: النار. # وجائز أن يكون هذا الوعيد في قاذف كل مؤمن ومؤمنة بغير ما اكتسب به، ~~والله أعلم. # وقوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) إضافة الأذى إلى الله؛ على إرادة ~~رسوله خاصة؛ لأن الله لا يجوز أن يقال: ms3575 إنه يتأذى بشيء، أو يؤذيه شيء؛ لأن ~~الأذى ضرر يلحق، والله يئعالى عن أن يلحقه ضرر أو نفع؛ بل هو القاهر الغالب ~~القادر الغني بذاته، ويكون المراد بإضافة الأذى إليه: رسوله خاصة، على ما ~~ذكرنا في قوله: (يخادعون الله)؛ أي: يخادعون رسوله، أو يخادعون أولياءه؛ ~~لأن الله - تعالى - لا يخادع، وكقوله: (إن تنصروا الله ينصركم)، أي: إن ~~تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسوله وأولياءه ينصركم، وأمثال ذلك ~~كثير في القرآن؛ نسب ذلك إلى نفسه على إرادة أوليائه، فعلى ذلك هذا، والله ~~أعلم، وبالله العصمة والتوفيق. # إلا أن يريد بالأذى - أعني: ما ذكر من أذى الله -: المعصية؛ فهو جائز، ~~وكذلك ما # PageV08P412 # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من آذاني فقد آذى الله "، ~~أي: من عصاني فقد عصى الله. # وفي الآية بيان وقوع المراد على الاختلاف والتفاوت من لفظ واحد؛ لأنه ذكر ~~- هاهنا - أذى رسول الله، وعقب الوعيد الشديد من اللعن والعذاب في الدنيا ~~والآخرة، وذكر في الآية التي قبلها، حيث قال: (إن ذلكم كان يؤذي النبي)، و ~~(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله)، وما ذكر من الأذى، ثم لا شك أن المفهوم ~~من هذا الأذى المذكور في هذه الآية - غير المفهوم من الأذى المذكور في ~~قوله: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)، وأن ~~أحدهما من المؤمنين، والآخر من الكفار، وإن كان ظاهر اللفظ في المخرج ~~واحدا، وكذلك المفهوم من الظلم الذي ذكر في قوله: (ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا)، غير المفهوم من الظلم الذي قال آدم: (ربنا ظلمنا أنفسنا)، ~~والمفهوم من الضلال الذي قال موسى: (فعلتها إذا وأنا من الضالين)، غير ~~المفهوم من ضلال فرعون وسائر الكفرة، وكذلك الفسق، ومثل هذا كثير، لا يجب ~~أن نفهم من أمثال هذا شيئا واحدا أو معنى واحدا، وإن كان اللفظ لفظا واحدا؛ ~~ولكن على اختلاف الموقع. # وفي الآية دلالة عصمة رسول الله، وألا يكون منه ما يستحق الأذى بحال، وقد ~~يكون من المؤمنين والمؤمنات ms3576 ما يستوجبون الأذى ويستحقونه؛ حيث ذكر الأذى ~~لرسول الله مطلقا مرسلا غير مقيد بشيء؛ حيث قال: (إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله)، وذكر أذى المؤمنين مقيدا بشرط الكسب؛ حيث قال: (والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا)؛ فدل شرط الكسب على أنهم قد ~~يكتسبون ما يستحقون الأذى، ويكون منهم ما يستوجبون ذلك، وأما الرسول فلا ~~يكون منه ما يستحق ذلك أو يوجب له، ولا قوة إلا بالله. # واللعن: هو الطرد في اللعنة، طردهم عن رحمته، وبعدهم عنها، والبهتان: ~~قيل: هو أن يقال فيه ما ليس فيه؛ فبهت: قيل: تحير وانقطع حجاجه. # وقال بعضهم: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) أنزل في ~~قوم همتهم الزنا بالإماء، وكانت الحرائر يومئذ يخرجن بالليل على زي الإماء ~~فيتابعونهن، ويطلبون ما يطلبون من الإماء؛ فكان ذلك يؤذيهم ويتأذين بذلك ~~جدا؛ فشكوا ذلك إلى # PageV08P413 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فنزل (والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا)، ثم أمرن عند ذلك بإدناء الجلباب وإرخائه ~~عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر، ونهين أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يؤذين، وهو قوله: ~~(يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) # وقال بعضهم: نزل هذا بالمدينة في نساء المهاجرين؛ وذلك أن المهاجرين ~~قدموا إلى المدينة، وهي مضيقة، ومعهم نساؤهم؛ فنزلوا مع الأنصار في ديارهم؛ ~~فضاق الدور عليهم، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى البراز، فيقضين حوائجهن ~~هنالك، فكان المريب يرصد النساء بالليل، فيأتيها فيعرض عليها، وإنما كانوا ~~يطلبون الولائد والإماء، فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل؛ لأن زيهن كان ~~واحدا يومئذ؛ فذكر نساء المؤمنين ذلك إلى أزواجهن ما يلقين بالليل من أهل ~~الريبة والفجور؛ فذكروا ذلك لرسول اللهءشع فنزل فيهم: (يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن. . .) إلى آخر ما ~~ذكر: أمر الحرائر بإرخاء الجلباب وإسداله عليهن؛ ليكون علما بين الحرائر ~~والإماء. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن جارية ms3577 مرت به متقنعة؛ فضربها بالدرة، ~~وقال: " اكشفي قناعك، ولا تتشبهي بالحرائر "، وأمر الإماء بكشف ما ذكر، ~~والحرائر بستر ذلك. # وقد أمر الحرائر في سورة النور بضرب الخمر على الجيوب بقوله: (وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن)؛ لئلا يظهر الزينة التي على الجيوب، ونهين أن يظهرن ~~ويبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها، وأمرن في هذه الآية على إرخاء ~~الجلباب وإسداله عليهن؛ ليعرفن أنهن حرائر؛ فلا يؤذين بما ذكرنا. # ثم اختلف في الجلباب: # قال بعضهم: هو الرداء، والجلابيب: الأردية، وهو قول القتبي: أمرن أن ~~يلبسن الأردية والملاء. # وقال أبو عوسجة: الجلابيب: المقانع، الواحد: جلباب، يقال: [تجلبي]، أي ~~تقنعي، وهو الذي يكون فوق الخمار. # PageV08P414 # وفي الآية دلالة رخصة خروج الحرأئر للحوائج؛ لأنه لو لم يجز لهن الخروج ~~لم يؤمرن بإرخاء الجلباب على أنفسهن؛ ولكن ينهاهن عن الخروج؛ فدل أنه يجوز ~~لهن الخروج للحاجة، والله أعلم. # وقوله: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) # جائز أن يكون قوله: (لئن لم ينته المنافقون) عما سبق ذكره من التعرض ~~للنساء بالزنا والفجور بهن؛ وإنهم هم الفاعلون لذلك بهن. وأما المسلمون فلا ~~يحتمل أن يتعرضوا لشيء من ذلك في ذلك الوقت؛ فقال: (لئن لم ينته المنافقون) ~~ومن ذكر، عن ذلك يفعل بهم ما ذكر. # وقال بعضهم: إن أهل النفاق كانوا يرجفون أخبار العدو ويذيعونها، ويقولون: ~~قد أتاكم عدد وعدة من العدو؛ كقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم): كانوا يجبنونهم ويضعفونهم؛ لئلا يغتروا أولئك الكفرة، ~~يسرون النفاق والخلاف لهم، ويظهرون الوفاق ويسرون فيما بينهم، ويتناجون ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول؛ فنهوا عن ذلك؛ حيث قال: (فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول)؛ فنهوا عن ذلك؛ فقال هاهنا: (لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض) عن صنيعهم ذلك، (لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا). # قال بعضهم: (لنغرينك بهم)، أي: لنسلطنك عليهم. # وقال بعضهم: لنحملنك عليهم. # وقال بعضهم: لنولعنك بهم. # وكأن الإغراء هو ms3578 التخلية بينه وبينهم؛ حتى يقابلهم بالسيف ويقتلهم، وكان ~~قبلى ذلك يقابلهم باللسان، لم يأمره بالمقابلة بالسيف إلى هذا الوقت، وأخبر ~~أنهم (ملعونين أينما ثقفوا). # أي: مطرودون أينما وجدوا؛ لأن اللعن هو الطرد، وأنهم يقتلون تقتيلا، ~~وأنهم لا يجاوروند، إلا قليلا فيما لا تعلم بهم. # وقوله: (والذين في قلوبهم) قال بعضهم: هبم الزناة، و (المنافقون)، هم # PageV08P415 # المنافقون، (والمرجفون): ليسوا بمنافقين؛ ولكنهم قوم كانوا يحبون أن ~~يفشوا الأخبار، ويقال: الإرجاف: هو تشييع الخبر. # وجائز أن يكون المنافق هو الذي كان مع الكفرة في السر حقيقة، والذي في ~~قلبه مرض: هو الذي في قلبه ريب واضطراب، لم يكن مع الكفرة لا سرا ولا ~~ظاهرا، والذي بين الكافر والمنافق. # وقوله: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) # قال بعضهم: سنة الله في الأمم السالفة الإهلاك من الكفار. # وجائز أن يكون قوله: (سنة الله) في أهل النفاق من الأمم السالفة - ما ذكر ~~في هؤلاء. # وقال مقاتل: (في الذين خلوا من قبل): أهل بدر حين أسروا وقتلوا، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا. إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا. خالدين فيها ~~أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا. يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا. وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا. # وقوله: (يسألك الناس عن الساعة (63) # جائز أن يكون السؤال محنها ما ذكر في آية أخرى حيث قال: (يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها)، وعن قيامها فقال: (قل إنما علمها عند الله). # ففيه دلالة إثبات رسالة رسوله ع؛ لأنه حين سئل عنها، فوض أمرها وعلمها ~~إلى الله، على ما أمر به، ولو كان غير رسول الله - لكان يجيبهم - علم أو لم ~~يعلم - على ما يفعله طلاب الرياسة، بل قال: (علمها عند الله)؛ دل أنه رسول ~~الله، فبلغ إليهم ما أمر بالتبليغ إليهم. # وقوله: (وما ms3579 يدريك لعل الساعة تكون قريبا). # هذا يخرج على الوعيد والتحذير، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: كأنه يقول: اعلم أن الساعة تكون قريبا؛ على الإيجاب؛ لأن (لعل) ~~من الله واجب؛ فهو وكل ما هو آت فهو كالكائن. # والثاني: على الترجي، أي: اعملوا على رجاء أنه قريب، والله أعلم. # وقوله: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) # لعنهم، أي: طردهم عن رحكمته؛ لما علم أنهم يختارون الكفر على الإيمان ~~ويختمون # PageV08P416 # عليه. # (وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا). # قوله: (خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) ينقض على الجهمية ~~قولهم، وعلى أبي الهذيل العلاف. # أما على الجهمية؛ لأنهم يزعمون أن الجنة والنار تفنيان ولهما النهاية، ~~وقالوا: لأنا لو لم نجعل لهما النهاية والغاية، لخرجتا عن علم الله؛ لأن ~~الشيء الغير المتناهي خارج عن علمه؛ لكن هذا بعيد، جهل منهم بربهم؛ لأن ~~علمه بالشيء الغير المتناهي: أنه غير متناه، وعلمه بالمتناهي: أنه متناه، ~~ولا يجوز أن يخرج شيء عن علمه متناهيا كان أو غير متناه، وبالله العصمة. # وأما العلاف؛ فلأنه يقول: إن أهل الجنة وأهل النار يصيرون بحال في وقت ما ~~حتى إذا أراد الله أن يزيد لأحد منهم لذة أو نعمة أو عذابا - لم يملك عليه، ~~أو كلام نحو هذا؛ فنعوذ بالله من السرف في القول على الله. # وقوله: (لا يجدون وليا ولا نصيرا). # مما طمعوا في الدنيا ورجوا من كثرة الأسباب والحواشي، أو عبادة الأصنام ~~وغيرها أن ينفعهم ذلك وينصرهم في الآخرة؛ بل ضل عنهم ذلك وحرموا؛ على ما ~~أخبر: (وضل عنهم ما كانوا يفترون)، والله أعلم. # وقوله: (يوم تقلب وجوههم في النار ... (66) # وقال في آية أخرى: (الذين يحشرون على وجوههم)، وأصله ما ذكر في قوله: ~~(أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم): يفعل بهم ~~في الآخرة على ما كانوا في الدنيا. # وقوله: (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا). # لا يزال الكفرة قائلين لهذا القول مترددين له في الآخرة؛ لما رأوا من ~~العذاب حين حل ms3580 بهم (يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا): الرسول المطلق: ~~رسول الله والسبيل المطلق: هو دين الله، هو المعروف في القرآن. # وقوله: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) قال ~~بعضهم السادة: الملوك، والكبراء: العلماء. # وجائز أن يكون السادة: القادة، والكبراء: دونهم. # و (الرسولا) و (السبيلا): أثبتوا الألف فيه عند الوقف، وأما عند الوصل ~~فلا؛ وذلك أن من عادة العرب ألا تقف على الحركة؛ ولكن تزيد لها ألفا إذا ~~كانت فتحة، وإذا # PageV08P417 # كانت كسرة: ياء. # وقوله: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) # ظنوا أن يكون لهم بعض التسلي والتفرج؛ إذا رأوا أولئك الذين أضلوهم في ~~زيادة من العذاب، على ما يكون للرجل بعض التسلي إذا رأى عدوه في بلاء وشدة، ~~فلما لم يكن لهم من ذلك تسل، بل كان لهم من ذلك زيادة عذاب وشدة؛ فقالوا ~~عند ذلك: (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. . .) الآية. # وقوله: (والعنهم لعنا كبيرا). # جائز أن يكون هذا، أي: عذبهم عذابا كبيرا طويلا. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله ~~فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ~~ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا). # يقول عامة أهل التأويل: إن موسى كان لا يغتسل فيما يراه أحد؛ فقال بنو ~~إسرائيل: إن موسى آدر، ويروون على ذلك عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " إن بني إسرائيل طعنوا نبي الله موسى بذلك، فذهب ذات يوم يغتسل، ~~فوضع ثيابه على حجر، فسعى الحجر بثوبه؛ فجعل موسى يعدو في إثره ويقول: ثوبي ~~حجر - أي: يا ms3581 حجر ثوبي - حتى مر به على ملأ بني إسرائيل؛ فعلموا أنه ليس به ~~شيء، فذلك قوله: (فبرأه الله مما قالوا) "، وكان موسى يتأذى بما كانوا ~~يطعنون؛ فعلى ذلك رسول الله كان يتأذى؛ إذا قالوا: زيد بن محمد؛ فأمروا أن ~~يدعوه لأبيه، يقول: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، زيد بن حارثة، لكن ~~هذا التأويل بعيد؛ لأن موسى كان يدعوهم إلى ستر العورة، لا يحتمل أن يطمعوا ~~هم منه الاغتسال معهم، وأن يكشف عورته لهم، أو ينظر إلى عورة أحد، هذا وخش ~~من القول أو يسلط حجرا، فيذهب بثيابه حتى يراه الناس # PageV08P418 # متجردا، والله أعلم. # وقال بعضهم: آذوه؛ لأنه كان خرج بهارون إلى بعض الجبال؛ فمات هارون هناك، ~~فرجع موسى إليهم وحده؛ فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته حسدا؛ فقال موسى: ~~" ويلكم، أيقتل الرجل أخاه "؛ فآذوه، فذلك قوله: (لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا)؛ فجاءت به الملائكة فوضعته بينهم، فقال لهم: لم ~~يقتلني أحد؛ إنما جاء أجلي فمت، فذلك قوله: (فبرأه الله مما قالوا). # هذا يشبه أن يكون - وغيره - كأنه أقرب وأشبه، وهو ما كان قوم كل رسول ~~نسبوا رسولهم إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وأنه كذاب مفتر، ونحوه، ~~على علم منهم أنه رسول الله، ولا شك أنهم كانوا يتأذون بذلك جدا؛ ولذلك ~~قال: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم): لا يحتمل أن يكون هذا في الأول؛ لأنهم لو كانوا علموا أنه ليس به ~~ما ذكروا - لم يؤذوه؛ فدل أن أذاهم إياه فيما ذكرنا، وفي أمثال ذلك، وكذلك ~~ما نهى قوم رسول الله من الأذى له؛ لما نسبوه مرة إلى الجنود، وإلى السحر ~~ثانيا، وإلى الافتراء والكذب على الله ثالثا، لا فيما ذكر أولئك. # (وكان عند الله وجيها). # أي: مكينا في القدر والمنزلة، والله أعلم. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) # جائز أن يكون قوله: (اتقوا الله)، أي: اتقوا الشرك في حادث الوقت، ~~(وقولوا قولا ms3582 سديدا)، أي: ائتوا بالتوحيد في حادث الوقت؛ لأنه إنما خاطب به ~~المؤمنين: # (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ... (71) # أي: بالتوحيد؛ لأنه بالتوحيد تصلح الأعمال وتذكر، وبه يغفر ما كان من ~~الذنوب، وبه يكون الفوز العظيم، وبالله التوفيق. # ويحتمل قوله: (اتقوا الله) في الخيانة فيما بينكم وبين الخلق، أي: لا ~~تخونوا الخلق. # (وقولوا قولا سديدا)، أي: صمدقا وصوابا؛ أي: لا تكذبوا، ولا تقولوا فحشا ~~ونحوه. # ويحتمل (اتقوا الله) ولا تعصوه، واعملوا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر ~~(وقولوا قولا # PageV08P419 # سديدا)، ومروا الناس، وانهوا عن المنكر (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ~~ذنوبكم. . .) إلى آخر ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) قد تكلف أهل التأويل ~~تفسير هذه الأمانة المذكورة في الآية: # قال بعضهم: هي كلمة الشهادة والتوحيد. # ومنهم من قال: هي جميع الفرائض التي افترض الله على عباده. # ومنهم من قال: هي الصلاة، والصيام، والحج، وأمثاله، وجميع ما أمروا به ~~ونهوا عنه. # لكن التكلف والاشتغال بالتكلم في ماهية هذه الأمانة المذكورة المعروضة ~~على من ذكر - فضل، لا يجب أن يتكلف تفسيرها: أنها كذا؛ لأنها مبهمة، لا ~~تعلم إلا بالخبر الوارد عن الله - تعالى - أنها كذا، وأن يجعل ذلك من ~~المكتوم، ولا يشتغل بالتفسير، والله أعلم بذلك. # ثم اختلف فيما ذكر من عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وما ~~ذكر من إبائها عن احتمالها والإشفاق: # فقال بعضهم: قوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) ومن ذكر؛ أي: ~~خلقنا خلقة ما ذكر من السماوات والأرض والجبال خلقة لا تحتمل حمل ما ذكر من ~~الأمانة؛ (فأبين أن يحملنها) إباء خلقة؛ أي: لم يخلق خلقتها بحيث تحتمل ~~ذلك، (وحملها الإنسان) أي: خلقنا خلقة الإنسان خلقة تحتمل ذلك؛ إلى هذا ~~يذهب بعضهم. # وقال بعضهم: قوله: (عرضنا) حقيقة العرض، إلا أنه على التخيير بين أن تقبل ~~وتتحمل وتفي بذلك فيكون لها الثواب، أو لا تفي فيكون لها العقاب في الآخرة، ~~وبين ألا تتحمل ms3583 ولا تقبل؛ فتكون كسائر الموات تفنى بفناء الدنيا: لا ثواب ~~لها في الآخرة ولا عقاب، وإلا لم يحتمل أن يعرض عليهن ما ذكر عرض لزوم ~~وإيجاب، ثم يأبين ذلك ويشفقن منها، وقد وصفهن الله بالطاعة له والخضوع في ~~غير آي من القرآن؛ حيث قال: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين)، وقال: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل. . .) الآية، وقال في ~~آية: (يسبحن والطير) # PageV08P420 # وكذا، ونحوه، ولكن إن كان على حقيقة العرض فهو على التخيير الذي ذكرنا، ~~(وحملها الإنسان)، فكان له الثواب إن قام بها، وعليه العقاب إن لم يقم. # وقال بعضهم: قوله: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال)، أي: ~~عرض على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال، فلم يحملوها، إلا الإنسان ~~منهم فإنه حملها. # (إنه كان ظلوما جهولا) قال الحسن: ظلوما لنفسه، جهولا لأمر ربه. # وقال بعضهم: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها)، أي: أبين أن يعصين الله وأشفقن منه! أي: لم يعصوا قط ~~(وحملها الإنسان) أي: عصى الإنسان ربه؛ فيجعل الحمل كناية عن العصيان ~~والوزر، يقول: لأنه ما ذكر في القرآن الحمل إلا في الوزر والخطايا؛ كقوله: ~~(ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء)، وقوله: (وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)، وقوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة)، ~~وقوله: (ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك)، ونحوه كثير. # وقوله: (إنه كان ظلوما جهولا) إلى أي تأويل من هذه التأويلات التي ذكرنا ~~صرف هذا إليه - استقام، والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (الأمانة): العبادة: قال الله - ~~تعالى - للسماوات والأرض والجبال: تأخذن العبادة بما فيها، قلن: يا رب، وما ~~فيها؟ قال: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، (فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها)، أي: خفن، وعرضت على الإنسان فقبلها، وهو قول الله لبني آدم: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)، ~~أما خيانتهم الله ورسوله فمعصيتهما، وأما خيانة الأمانة فتركهم ما افترض ~~الله عليهم ms3584 من العبادة. # وقتادة: يقول: أما والله ما بهن معصية، ولكن قيل لهن: أتحملنها وتؤدين ~~حقها؟ قلن: لا نطيق ذلك، فقيل للإنسان - وهو آدم -: أتحملها وتؤدي حقها؟ ~~قال: نعم (إنه كان ظلوما جهولا) عن حقها. # PageV08P421 # وفي حرف أبي وابن مسعود وحفصة [(فأبين)] أي: فلم يطقنها. # وقال أبو معاذ: الإباء في كلام العرب على وجهين: # أحدهما: هذا، وهو العجز. # والآخر: قوله: (إلا إبليس أبى) أي: عصى وترك الأمر. # والحسن يقول: عرضت الأمانة على السماوات وما ذكر، فقيل لهن: أتأخذن ~~الأمانة بما فيها؟ قلن: يا رب، وما فيها؟ قيل لهن: إن أحسنتن جزيتن، وإن ~~أسأتن عوقبتن، قلن: لا (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما) لنفسه (جهولا) بربه، ~~وهو مثل الأول. # وقال بعضهم: كان ظلوما لنفسه في ركوبه المعصية، جهولا بعاقبة ما تحمل. # والوجه فيه ما ذكرنا بدءا أنه لا تفسر الأمانة أنها ما هي؟ وكيف كان ذلك ~~العرض على من ذكر من السماوات والأرض والجبال، وإباؤهن، وإشفاقهن؛ والله ~~أعلم ما أراد بذلك. # وقوله: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله ~~... (73) على من ذكر؛ أي: ليعذب من علم أنه لا يقوم بوفائها ويضيعها - ~~أعني: الأمانة التي احتملها - وإنما ضيعها من ذكر من المنافقين والمشركين، ~~ويثيب من لم يضيعها وقام بوفائها، وهم المؤمنون. # قال أبو عوسجة: السداد: الاستقامة؛ تقول: سددك الله، وأرشدك. # وقال أبو عبيدة: السديد: القصد. # وكذلك قال القتبي، والقصد كأنه العدل، والله أعلم. # وصلى الله على محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV08P422 ### | سورة سبإ # نزلت بمكة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد ~~في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) # قوله - عز وجل -: (الحمد لله). # قال أهل التأويل: حمد نفسه بما صنع إلى خلقه. # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: على التعليم لخلقه: الحمد له، والثناء عليه؛ لآلائه وإحسانه إلى ~~خلقه: ما لولا تعليمه إياهم الحمد له والثناء عليه ms3585 لم يعرفوا ذلك. # والثاني: حمد نفسه؛ لما لم ير في وسع الخلق القيام بغاية الحمد له ~~والثناء عليه على آلائه وأياديه، فتولى ذلك بنفسه، وهو ما ذكر في قوله: ~~(صلوا عليه وسلموا تسليما) فقالوا: قد عرفنا السلام عليك؛ فكيف الصلاة ~~عليك؟ فقال: " أن تقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. . . " إلى آخره؛ ~~فهذا تفويض الصلاة إلى الله والدعاء له أن يصلي هو عليه دونهم؛ فهو - والله ~~أعلم - كأنه لم ير فيهم وسع القيام بحقيقة الصلاة عليه، ولا بغاية الثناء؛ ~~فأمرهم أن يفوضوا ذلك إليه؛ ليكون هو القاضي لذلك عنهم؛ فعلى ذلك الحمد ~~لله. # وأصل الحمد له: هو الثناء عليه بجميع محامده وإحسانه بأسمائه الحسنى، ~~والشكر له على جميع نعمائه وآلائه. # وقوله: (الذي له ما في السماوات وما في الأرض). # كأنه قال - والله أعلم -: الحمد لله له ملك السماوات والأرض، وهو المستحق ~~لذلك، لا الأصنام التي عبدتموها وسميتموها: آلهة. # وقوله: (وله الحمد في الآخرة): # قال بعضهم: (وله الحمد في الآخرة)، أي: يحمد أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؛ ~~كقوله: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)، وقوله: (الحمد لله الذي صدقنا وعده)، ~~وقوله: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)، # PageV08P423 # ونحوه؛ يحمده أولياؤه في الآخرة؛ ويحمده أولياؤه في الأولى؛ كقوله: (له ~~الحمد في الأولى والآخرة). # وجائز أن يكون قوله: (وله الحمد في الآخرة)، أي: له الحمد في إنشاء ~~الآخرة؛ لأن إنشاء الدنيا وما فيها إنما كان حكمة بإنشاء الآخرة، ولو لم ~~يكن إنشاء الآخرة لكان خلق ذلك كله عبثا باطلا؛ فأنشأ الآخرة حتى صار إنشاء ~~الدنيا وما فيها من الخلائق حكمة؛ فأخبر أن له الحمد على إنشاء ما صار له ~~إنشاء الدنيا حكمة، والله أعلم. # وقوله: (وهو الحكيم الخبير). # قد تقدم معنى الحكيم والخبير في غير موضع، وهو الذي لا يلحقه الخطأ في ~~التدبير، وهو الواضع كل شيء موضعه. # والفلاسفة يقولون: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعا، وهو ما ~~ذكرنا. # أو الحكيم؛ لما أحكم كل شيء وأتقنه، حتى شهد على وحدانيته، ودل على ms3586 ~~إلهيته. # وقوله: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو الرحيم الغفور (2) # يخبر أن الأرض مع كثافتها وغلظها لا تحجب عنه ما يدخل فيها وما يخرج ~~منها، وكذلك السماء مع صلابتها وشدتها لا تحجب عنه شيئا كما يحجب عن ~~الخلائق. # أو يخبر أن كثرة ما يدخل في الأرض ويخرج منها وازدحامه، وكثرة ما ينزل من ~~السماء من الأمطار وما يعرج إليه من الدعوات والملائكة - لا يشغله عن العلم ~~بالآخر، كما يشغل الخلائق؛ لأنه عالم بذاته لا بسبب، والخلق عالمون بأسباب؛ ~~فعلمهم بسبب يشغلهم عن الأسباب الأخر؛ فأما الله - سبحانه - يتعالى عن أن ~~يشغله شيء، أو يحجب عنه شيء، (وهو الرحيم الغفور). # * * * # قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ~~عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم ~~عذاب من رجز أليم (5) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) فترى على الله كذبا أم به ~~جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا ~~إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو ~~نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل # PageV08P424 # عبد منيب (9). # وقوله: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين (3) # قال بعضهم: إنهم أقسموا باللات والعزى أن لا بعث ولا حياة بعد الموت؛ ~~فأمر الله نبيه أن يقسم بالله الواحد على بعث وقيامة بقوله: (قل بلى ms3587 وربي ~~لتأتينكم). # وجائز أن يكون على غير هذا وهو ما قال في آية أخرى؛ حيث قال: (وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا)، هم أقسموا ~~بالله: إنه لا يبعث من يموت؛ فأمر رسوله في هذه الآية أن يقسم بالله - الذي ~~أقسموا هم: إنه يبعث، وهو قوله: (قل بلى وربي لتأتينكم)، وكأن قسمه بما ~~أقسم عندهم أصدق من قسمهم؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا اتهموه في ~~شيء؛ يدل على ذلك ما أخبر الله عنهم؛ حيث قال: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)، أخبر أنهم لا ~~يكذبونك في مقالتك؛ ولكن همتهم الجحود بالآيات والإنكار لها؛ فيكون قسمه ~~مقابل قسم أولئك في إنكارهم البعث؛ ليعلموا كذب أنفسهم في قسمهم - بقسم ~~رسول الله بما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (عالم الغيب)، بالخفض، وقد قرئ (عالم الغيب): بالرفع، و (علام ~~الغيوب): فمن خفضه، جعله صفة ونعتا لما تقدم من قوله: (قل بلى وربي ~~لتأتينكم عالم الغيب). # ومن رفعه، يجعله على الابتداء، ويجعل الكلام تاما بقوله: (وربي ~~لتأتينكم)، ثم استأنف فقال: (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة). # ثم قوله: (لا يعزب عنه). # قد قرئ برفع الزاي، وبخفضها: (لا يعزب)، وكلاهما لغتان، والعازب في كلام ~~العرب: الغائب. # وقال بعضهم: (لا يعزب)، أي: لا يبعد، وهما واحد. # وقوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر). # وقال في الأولى (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها): جائز أن تكون هذه الآية في جواهر الأشياء وأجناسها ~~المختلفة؛ لأنه أخبر عن # PageV08P425 # علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما يصعد فيها وما ينزل، وذلك علم ~~جواهر الأشياء. # وقوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرة. . .) إلى آخر ما ذكر: في الأفعال ~~والأعمال، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء من أفعالهم ~~وأعمالهم؛ ليكونوا أبدا على حذر؛ ms3588 ألا ترى أنه ذكر على أثر ذلك الجزاء؛ حيث ~~قال: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات). # أو أن يكونا واحدا، إلا أنه ذكر في الآية الأولى الداخل في الأرض والخارج ~~منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ولم يذكر في ذلك الساكن فيهما ~~والمقيم وما يكون فيهما؛ فذكر ذلك في قوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض) يخبر عن إحاطة علمه بالأشياء كلها: من الساكنة، ~~والمقيمة، والمتحركة، والمنقلبة فيهما، والله أعلم. # وقوله: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ~~(4) # المغفرة: هي التغطية والستر، ثم يكون الستر بوجهين: # أحدهما: يستر على أعين الزلات أنفسها ألا تذكر. # والثاني: يستر بالجزاء الحسن إذا لم يجز للزلات، هذا للمؤمنين: يستر ~~عليهم الزلات مرة بترك ذكرها، ومرة بترك الجزاء عليها. # وأما الكافر فإنه إذا جزي على سيئة فقد أظهر وفشا، ولم يستر عليه. # أو أن يكون قوله: (أولئك لهم مغفرة)، أي: ستر وهو أنه إذا أدخلهم الجنة، ~~أنساهم زلاتهم؛ حتى لا يذكروا أبدا؛ لأن ذكر زلاتهم لربهم ينغص عليهم ~~لذاتهم وتنعمهم. # وقوله: (ورزق كريم)، قيل: الكريم: الحسن. # وجائز أن يكون سماه: كريما؛ لأن من ناله كرم وشرف، كقوله: (أولئك في جنات ~~مكرمون)، والله أعلم. # وقوله: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ~~يحتمل حقيقة سعيهم في آياته بما ذكر؛ كقوله: (وكأين من آية في السماوات ~~والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون): ذكر مرورهم عليها والإعراض عنها؛ # PageV08P426 # فهو سعي. # وجائز على التمثيل، أي: يعملون عمل من أعجز الآيات؛ للجحود لها والتمرد ~~والعناد، والمعجز: هو السابق، (وما أنتم بمعجزين في الأرض) أي: سابقين ~~فائتين، أي: لا تعجزونني، ولا تفوتون عني. # (أولئك لهم عذاب من رجز أليم). # الرجز: العذاب الأليم، أي: مؤلم، وذلك جائز في اللغة. # وقال أبو عوسجة: المعاجز: الهارب؛ يهرب؛ لكي يعجز. # وقوله: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى ~~صراط العزيز الحميد (6) # قال بعضهم: الذين أوتوا العلم هم ms3589 المؤمنون: مؤمنو أهل الكتاب الذين أوتوا ~~العلم على التوراة والإنجيل وغيرهما؛ يقول - والله أعلم - يعلم الذين أوتوا ~~منافع تلك الكتب أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق، بأجمعهم جميعا الذين ~~أوتوا العلم بتلك الكتب؛ لما يجدون نعته وصفته فيها، يعلمون أنه هو الحق من ~~ربك، لكن بعضهم عاندوا ولم يؤمنوا به، وبعضهم قد آمنوا به. # وقال بعضهم: قوله (ويرى الذين أوتوا العلم): هم أصحاب محمد - صلوات الله ~~عليه - أي: الذين أوتوا منافع ما أنزل إليك، هم يعلمون أنه هو الحق من ربك، ~~فأما من لم يؤت منافع العلم فلا يعلم ذلك. # وفي حرف ابن مسعود (ويعلم الذين أوتوا الحكمة من قبل الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق)، يعني: القرآن. # وقوله: (ويهدي إلى صراط العزيز الحميد). # قوله (ويهدي) يحتمل: يدعو، ويحتمل (ويهدي)، أي: يبين لهم (صراط العزيز ~~الحميد). # وقوله: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد (7) # كان بعضهم يقول لبعض: (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم ~~لفي خلق جديد) # PageV08P427 # وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد (7) قوله: (إذا مزقتم) يحتمل أن قالوا: النبي، يقول: إذا تفرقت ~~جوارحكم وأعضاؤكم تكونوا خلقا جديدا، فإن كان على هذا فهو - والله أعلم - ~~كان من أهل الدهر ذلك القول؛ لأنهم يقولون بقدم العالم، ولا يقولون بفنائه؛ ~~لأن أهل مكة كانوا فريقين: فرقة تذهب مذهب أهل الدهر، وفرقة يقولون بحدث ~~العالم، ويقرون بفنائه، لكنهم ينكرون إحياءه بعد الفناء. فإن كان ذلك من ~~هؤلاء؛ فيكون قوله: (ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق)، أي: إذا ذهبت أجسادكم، ~~وفنيت اللحوم والعظام، وكنتم رمادا ورفاتا (إنكم لفي خلق جديد)، أي تكونون ~~خلقا جديدا، يخرج ذلك منهم على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم ~~وعقولهم، أي: لا يكون ذلك. # أو على التعجب: أن كيف يكون ذلك؟! فقال عند ذلك: (أفترى على الله كذبا أم ~~به جنة بل ms3590 الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) # يقولون: أفترى محمد على الله كذبا أم به جنون؟ إذ لم نسمع ذلك من أحد من ~~قبل، ولا رأينا ذلك أنه كان ما ذكر، فرد الله ذلك عليهم وقال: (بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة)، أي: بالبعث والإحياء بعد الموت - هم المفترون على الله، ~~هم (في العذاب والضلال البعيد). # جزاء قولهم: أم به جنون؟ يقول: بل هم في ضلال بعيد، الضلال البعيد: كأنه ~~هو الذي لا يرجع إلى الهدى أبدا؛ فتكون الآية في قوم: علم الله أنهم يختمون ~~على الضلال، ولا يؤمنون أبدا؛ فيكون في ذلك دلالة إثبات الرسالة. # وقوله: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ~~(9) # قد ذكرنا قوله: # (أفلم يروا)؛ (ألم تروا)، ونحوه أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: قد رأوا على الخبر. # والثاني: على الأمر: أن انظروا (إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والأرض). # ثم يقول بعضهم لبعض: حيثما قدم الإنسان رأى بين يديه من السماء مثل ~~السماء التي يرى خلفه، وكذلك الأرض. # وقتادة يقول: لينظروا كيف أحاطت بهم السماء والأرض، وهما واحد. # (إن نشأ نخسف بهم الأرض)، كما خسفنا بمن كان قبلهم، (أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء). # PageV08P428 # أي: عذابا من السماء؛ كما أنزل على من كان قبلهم بالتكذيب والعناد، يذكر ~~هذا على أثر قولهم: (أفترى على الله كذبا أم به جنة)، أي: لو نظروا إلى ما ~~بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؛ لعرفوا أنه رسول الله، وأنه صادق، ~~وأن ما يقول: إنه بعث بعد الموت، وإن العذاب ينزل - يقوله لا عن جنون، ولكن ~~عن علم وعقل ومعرفة؛ لأن من قدر على إنشاء السماء على ما أنشأ من سعتها ~~وغلظها وشدتها، وكذلك الأرض، قدر على البعث وخسف من يشاء أن يخسف؛ وإسقاط ~~السماء على من يشاء أن يسقط. # أو يقول: لو نظروا، لعرفوا أنه لم ms3591 ينشئ ما ذكر من السماء والأرض عبثا ~~باطلا؛ ولكن أنشأهما على الحكمة، وإنما يصير إنشاؤهما حكمة بالبعث والإحياء ~~بعد الموت ومصيرهم إليه، وأما للفناء خاصة فلا يكون حكمة، والله أعلم ما ~~أراد بذلك. # وقوله: (إن في ذلك لآية لكل عبد منيب). # المنيب، قيل: هو المطيع لله، وقيل: هو المقبل على أمر الله. # والمنيب كأنه هو المؤمن؛ لأنه هو المصدق بالآيات، فإذا كان المؤمن هو ~~المصدق بالآيات، فيكون هو المنتفع بها؛ فيكون الآية له. وأما المكذب بها ~~فلا ينتفع بها؛ فلا يكون الآية له في الحقيقة. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا ~~له الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~بصير (11) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~(12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # وقوله: (ولقد آتينا داوود منا فضلا). # أي: علما، كقوله: (ولقد آتينا داوود وسليمان علما). # وقال بعضهم: (فضلا)، أي: نبوة. # وقال بعضهم: الفضل: هو الملك الذي آتاه الله. # وجائز أن يكون ما ذكر من الفضل أنه آتاه - هو ما ذكر على أثره من تسخير ~~الجبال # PageV08P429 # والطير والتسبيح معه، وإلانة الحديد له بلا نار ولا شيء؛ حتى اتخذ منه ما ~~شاء أن يتخذ من الدروع وآلات الحروب، وقد أتى الله داود من الفضل ما لو ~~تكلفنا عده وإحصاءه ما قدرنا عليه. # وقوله: (يا جبال أوبي معه). # قيل: سبحي معه. # وقوله: (والطير). # من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير. ومن رفعها جعله ~~على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه. # ثم اختلف في ms3592 تسبيح الجبال والطير. # قال بعضهم: تسبيح خلقة لا تسبيح قول ونطق؛ لما جعل في خلقة كل شيء ~~الشهادة له بالوحدانية والألوهية، لكن ذكر هاهنا: أن سبحي معه، ولو كان ~~تسبيح خلقة لم يكن لذكر التسبيح مع داود فائدة؛ لأن تسبيح الخلقة يكون كان ~~معه داود أو لم يكن؛ ولكن جائز أن يجعل الله - تعالى - في سرية الجبال من ~~التسبيح ما يفهم منها داود، ولم يفهم غيره؛ على ما ذكرنا في قول النملة ~~لسائر النمل؛ حيث قال: (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم. . .) ~~الآية: جعل الله - تعالى - في سرية النمل معنى ألقى ذلك في مسامع سليمان؛ ~~ففهم منها ذلك، ولم يلق ذلك في مسامع غيره من الجنود؛ فعلى ذلك تسبيح ~~الجبال والطير، والله أعلم. # وقوله: (وألنا له الحديد). # جعل له آية لنبوته؛ لما ألان له الحديد بلا نار ولا سبب يلينه؛ حتى كان ~~يعمل منه ما شاء، ولم يجعل في وسع أحد من الخلائق سواه استعمال الحديد إلا ~~بالنار وأسباب أخر؛ ليكون له في ذلك آية. # وقوله: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير ~~(11) # كأنه قال: (وألنا له الحديد)، وقلنا له: (أن اعمل سابغات). # قال بعضهم: السابغات: هي الدروع. # وقال بعضهم: هي الواسعات. # PageV08P430 # وقيل: هي الطوال. # فكأنه أمر أن يتخذ من الدروع ما يأخذ من الرأس إلى القدم ما يصلح لحرب ~~العدو. # وقوله: (وقدر في السرد). # قال بعضهم: كانت الدروع قبل ذلك صفائح مضروبة، فسرد نبي الله حلقها بعضها ~~في بعض، والسرد: المسامير والحلق، يقول: قدر المسامير في الحلق: لا بدق ~~المسامير وتوسع الحلق؛ فتسلسل، ولا تضيق الحلق وتعظم المسامير فتقصم وتكسر؛ ~~ولكن مستويا لتكون أحكم. # قال أبو عوسجة والقتبي: (وقدر في السرد)، أي: في النسج، أي: لا تجعل ~~المسامير دقاقا؛ فتقلق، ولا غلاظا؛ فتكسر الحلق؛ ومنه قيل لصانع الدروع: ~~سراد، وزراد؛ كما يقال: صراط وسراط وزراط. والسرد: الحرز أيضا، وقال غيره: ~~السرد: الخروق في طبق الحلق، وإدخال الحلق بعضها في بعض. # وقوله: (واعملوا صالحا). ms3593 # جائز أن يكون قوله: (واعملوا صالحا)، فيما ذكر من عمل الدروع، ويحتمل في ~~غيره من الأعمال، (إني بما تعملون بصير)، هو على الوعيد، والله أعلم. # وقوله: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~(12) كأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح؛ # كما ذكرنا في آية أخرى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب). ~~وقوله: (غدوها شهر ورواحها شهر)، أي: تجري به الريح في غدوها مسيرة شهر، ~~وفي رواحها مسيرة شهر، وذلك آية له، فمثلها من الآية كان لرسول الله، حيث ~~أسري في ليلة واحدة مسيرة شهرين من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. # وما كان لسليمان من الملك بالأعوان من الجن والإنس كان لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بنفسه؛ حيث قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، فإن لم يكن ~~أعظم مما كان لسليمان فلا يكون دونه. # وما كان لأبيه داود من إلانة الحديد له بلا سبب وما ذكر - كان لمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - انشقاق القمر له، وذلك أعظم في الآية مما ذكر. # PageV08P431 # وما كان لموسى من انفجار العيون من الحجر، كان لمحمد من أصابعه، حتى ذكر ~~أنهم كانوا ألفا وأربعمائة نفر شربوا جميعا منه ورووا؛ فذلك وإن لم يكن ~~أعظم في الآية لا يكون دونه. # وما كان لعيسى من إحياء الله الموتى وإجرائه على يديه، كان لمحمد مقابل ~~ذلك كلام الشاة المصلية المسمومة التي أخبرته: إني مسمومة؛ فلا تتناول مني؛ ~~لما أراد التناول منها، فآياته كثيرة حتى لم تذكر لأحد من الأنبياء والرسل ~~- صلوات الله عليهم - آية إلا ويمكن أن يذكر لمحمد جميعا مقابل ذلك مثلها ~~أو أعظم منها. # ثم - يحتمل ذكر ملك سليمان وأبيه؛ لئلا يحسدوا محمدا - صلوات الله عليه - ~~على ما أعطاه الله له من الملك والشرف؛ ليعرفوا أنه ليس هو المخصوص بالملك ~~والشرف، ولكن له في ذلك شركاء وإخوان أعطاهم الله مثل ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وأسلنا له عين ms3594 القطر). # قيل: النحاس، وقيل: الصفر، قيل: أسيل له يعمل به ما أحب، كما ألين لأبيه ~~الحديد؛ فيعمل به ما أحب من الدروع وغيرها بلا سبب، والله أعلم. # وقوله: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه). # قيل: بأمر ربه، أي: سخر الله الجن له، وأمرهم بطاعته في جميع ما يأمرهم ~~فيما أحب، شاءوا أو كرهوا، يخرج قوله: (بإذن ربه) على وجهين: # أحدهما: على التسخير له؛ فيكون الإذن كناية عن التسخير. # والثاني: (بإذن ربه)، أي: بأمر ربه، أي: أمرهم ربهم أن يطيعوه في جميع ما ~~يأمر وينهى. # وقوله: (ومن يزغ منهم عن أمرنا)، أي: عصاه فيما أمره به، (نذقه)، ما ذكر. # يحتمل إضافة أمره إلى نفسه؛ لما بأمره ما يستعملهم فيما يستعملهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) # قال بعضهم: المحاريب هي المساجد. # PageV08P432 # وقال بعضهم: هي القصور. # والمحاريب هي أشرف المواضع، ذكرت كناية عن غيرها، والله أعلم. # وقوله: (وتماثيل). # قال بعضهم: هي التماثيل كهيئة تماثيل الرجال، يصورون في المساجد تماثيل ~~الرجال العباد الزهاد، والملائكة، والنبيين، والرجال المتواضعين؛ لكي إذا ~~رآهم الناس مصورا عبدوا عبادتهم، وتشبهوا بهم. # أو أن تكون تماثيل لا رأس لها، نحو: الأواني والكيزان ونحوها. # أو أن يكون التماثيل يومئذ غير منهي العمل بها، فأما اليوم فقد نهوا عن ~~العمل بها؛ مخافة أن يدعو ذلك إلى عبادة غير الله؛ وكذلك غز إبليس قوما حتى ~~عبدوا الأصنام؛ وإلا ليس من الأصنام ولا فيها ما يغتر به المرء على عبادته، ~~والله أعلم. # وقوله: (وجفان كالجواب). # قال بعضهم: أي: قصاع كالجواب، كهيئة حياض الإبل؛ حتى يجلس على القصعة ~~الواحدة ألف وزيادة يأكلون منها. # وقال بعضهم: (وجفان كالجواب)، أي: كالجوبة من الأرض التي تحفر للماء؛ يصف ~~عظم ذلك؛ ففيه أنهم كانوا يجتمعون في الأكل لا ينفردون به. # وقوله: (وقدور راسيات). # أي: كانوا يتخذون له قدورا عظاما في الجبال التي لا تحرك من مكان، ~~(راسيات)، أي: ثابتات كما ms3595 ذكر، والجبال الرواسي، أي: الثوابت. # وقال بعضهم: (وقدور راسيات): هي القدور العظام التي أفرغت إفراغا وأكفيت ~~- لعظمها - إكفاء، وهما واحد، والله أعلم. # وقوله: (اعملوا آل داوود شكرا). # PageV08P433 # قال بعضهم: أي: اعملوا لآل داود شكرا؛ لأنه ذكر أنه ليس من زمان في ليل ~~ونهار إلا ويكون من آل داود صائم بالنهار ومصل بالليل، أو كلام نحوه؛ ~~فأمروا بالشكر لهم. # وقال بعضهم: كأنه قال: اعملوا يا آل داود شكرا، لما أعطيتكم من الملك ~~والفضل. # (وقليل من عبادي الشكور). # أي: قليل من عبادي المؤمنين، والشكور كناية عن المؤمن؛ على ما ذكرنا في ~~قوله: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي: لكل مؤمن، والله أعلم. # قال أبو عوسجة والقتبي: (وأسلنا له عين القطر)، أي: أذبنا له عين النحاس، ~~والشكور هو الفعول، والفعول والفعال هما اللذان يكثران الفعل؛ فكأن الشكور ~~هو الذي يعتقد الشكر لربه، ويشكر مع الاعتقاد؛ فيكون منه الاعتقاد ~~والمعاملة جميعا. # وقوله: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين (14) # دل هذا على أن موته كان بحضرة أهله وبمشهد منهم؛ حيث ذكر: (ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته) ثم يذكر بعض أهل التأويل أنه سأل ربه أن ~~يعمي على الجن موته؛ حتى يعلم الإنس (أن لو كانوا يعلمون الغيب) - أعني: ~~الجن - (ما لبثوا في العذاب المهين). # وبعضهم يقول: سأل ربه أن يعمي على الجن موته؛ حتى يفرغوا من بناء بيت ~~المقدس، فدأبوا حولا يعملون، فلما فرغوا من بنائه خر سليمان ميتا من عصاه، ~~وكان متكئا عليها. # وبعضهم يقول: لما حضره الموت - وكان على فراشه في البيت - لم يكن على ~~عصاه؛ فقال: لا تخبروا الجن بموتي؛ حتى يفرغوا من بناء بيت المقدس - وكان ~~بقي عمل سنة - ففعلوا، فلما فرغوا من بنائه - خر؛ فعند ذلك علمت الجن ~~بموته، والله # PageV08P434 # أعلم. # وقوله: (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا ms3596 في العذاب ~~المهين). # في حرف ابن مسعود: (فلما قضينا عليه الموت، وهم يدأبون له حولا ما دلهم ~~على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الإنس على أن الجن لو ~~كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)؛ لأنهم كانوا يذعون علم ~~الغيب فابتلوا بذلك. # ودل قوله: (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض) على أنهم كانوا لا يدنون ~~منه لأحد وجهين: # إما لهيبته وسلطانه على الناس؛ فإن كان ذلك أطاع له كل شيء وخضعوا له: من ~~الجن والطير والوحش وغير ذلك. # أو لما كان يكثر العبادة لله والخضوع له يتوحد ويتفرد بنفسه، لم يجترئوا ~~أن يدنوا منه؛ وإلا لو دنوا منه لرأوا فيه آثار الموتى، اللهم إلا أن يكون ~~ما ذكر بعضهم أنه قال لأهله: لا تخبروا أحدا بموتي، وأمرهم أن يكتموا موته، ~~والله أعلم. # وقوله: (تأكل منسأته)، قيل: المنسأة: العصا، سمي: منسأة من المنسأ؛ لأنه ~~كان بها يؤخر ما أراد تأخيره، وبها يدفع ما أراد دفعه. # ثم في إمساكه العصا أحد وجهين: # لما لضعفة في نفسه؛ كان يتقوى بها في أمور ربه، أو يمسكها؛ لخضوعه لربه ~~وطاعته له. # وفيه دلالة: أن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يشغلهم الملك وفضل ~~الدنيا، ولا الحاجة ولا الفقر عن القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة إلى ~~الناس، وهما شاغلان لغيرهم، وهم كانوا فريقين: # فريق قد وسع عليهم الدنيا نحو سليمان وإبراهيم وغيرهما، وفريق قد اشتدت ~~بهم الحاجة والفقر، وكلاهما مانعان شاغلان عن القيام بأمور الله وتبليغ ~~الرسالة؛ ليعلم أنهم لم يأخذوا من الدنيا ما أخذوا - للدنيا. ولكن أخذوا ~~للخلق، ولله قاموا فيما قاموا لذلك، لم يشغلهم ذلك عن القيام بما ذكرنا، ~~والله أعلم. # PageV08P435 # ودل قوله: (ما لبثوا في العذاب المهين) أنه كان يأمرهم ويستعملهم في أمور ~~شاقة وأعمال صعبة؛ حيث ذكر لبثهم في ذلك لبثا في العذاب المهين، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من ~~رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب ms3597 غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ~~ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى ~~التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ~~آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ~~ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) # وقوله: (لقد كان لسبإ في مسكنهم آية). # يحتمل الآية التي ذكر لهم في مساكنهم: الجنتين اللتين ذكرهما: إحداهما عن ~~اليمين، والأخرى عن الشمال، ويكون لهم فيها عبرة، فتحملهم على الشكر لربهم ~~عليهما، والحمد له، والثناء عليه في تلك النعم. # أو يذكرهم قدرة خالقهم وسلطانه وهيبته؛ فيحملهم ذلك على الخوف في ~~العواقب، والعقاب على خلافه، ورجاء الثواب على طاعته، فلم يتذكروا. # أو أن يكون الآية التي ذكر لهم في تبديل الجنتين اللتين كان لهم فيهما كل ~~سعة وخصب، وكل ألوان الفواكه والجواهر، على غير مؤنة تلحقهم؛ لأنه قال في ~~غير آي من القرآن: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، ~~فأخبر هاهنا لهم أن لهم في تبديل جنتيهم جنتين آية لو اعتبروا واتعظوا؛ فلا ~~يقع لهم الحاجة إلى النظر في آثار من تقدم منهم، بل العبرة في ذلك لهم ~~أكثر؛ لأنهم عاينوا هذا على ما عاينوا من أنواع النعم، ثم غير ذلك وبدل ~~عليهم، وما تقدم منهم إنما يعرفون ذلك عن خبر يبلغهم؛ لأن أصلهم قد هلكوا، ~~وهذا على المشاهدة والمعاينة. # وقوله: (عن يمين وشمال). # قيل: عن يمين الوادي وشماله، ويحتمل: عن يمين الطريق وشماله؛ فتكون عن ~~يمينهم وشمالهم. # وقوله: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له). # PageV08P436 # كأنه قالت لهم الرسل: (كلوا من رزق ربكم واشكروا له)؛ إذ ذكر أنه بعث ~~فيهم كذا كذا رسولا. # ثم وصف ms3598 بلدة سبأ أنها طيبة؛ حيث قال: (بلدة طيبة): # يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها ~~وفواكهها. # وقوله: (ورب غفور)، أي: إن ربكم إن شكرتم فيما رزقكم وأنعم عليكم رب غفور ~~لذنوبكم. # أو يقال: (ورب غفور)، أي: ستور، يستر عليكم ذنوبكم، ولا يفضحكم إذا ~~صدقتموه، وأطعتموه، وشكرتم نعمه. # ذكر أن المرأة منهم كانت تحمل المكتل على رأسها، والمغزل بيدها، فتدخل ~~البستان؛ فتمتلئ مكتلها من ألوان الفواكه والثمار من غير أن تمس شيئا ~~بيدها؛ لكثرة ريعها ونزلها، والله أعلم. # ثم ذكر سبب تبديل الجنتين اللتين كانت لهم، وبم كان التبديل؟ وهو ما قال: ~~(فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ~~وأثل وشيء من سدر قليل (16) # قال بعضهم: كان أهل سبأ إذا مطروا يأتيهم السيل من مسيرة شهر أياما ~~كثيرة، فعمدوا فسدوا العرم، وهو الوادي ما بين الجنتين، بالصخرة والقبو، ~~وجعلوا عليه الأبواب، فلما: عصوا ربهم، فأعرضوا عنه، وكفروا نعمه؛ فسلط ~~الله عليهم - على ذلك السد الذي بنوا الفأرة؛ فنقبت الردم، فغشي الماء ~~أرضهم؛ فعقر أشجارهم، وأباد أنعامهم، ودفن محاريثهم، وذهب بجناتهم. # ومنهم من يقول: (العرم): وهو المسناة، واحدها: عرمة، فذهب السيل الذي ~~أرسل عليهم بالمسناة؛ فيبست جناتهم، وأبدل لهم مكان الثمار والأعناب ما ذكر ~~من الخمط والأثل والسدر؛ حيث قال: (ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل). # الأكل القليل هو الثمر، والخمط: الأراك. # وقال بعضهم: شجر العضاة، وهي شجر ذات شوك، والأثل، قيل: هو شبيه # PageV08P437 # بالطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر هو معروف عندهم. # وقال أبو عوسجة قريبا من ذلك، قال: الأكل: الحمل، والخمط عندي: السدر ~~وحمله، وقال: الخمط: الريح الطيبة، وتقول: هذا شجر له خمطة، أي: ريح طيبة، ~~والخمط: أن تأخذ شيئا من هنا وثمة، وتخلطه، والأثل: شجر أيضا لا حمل فيه. # والزجاج يقول: الأثل هو الثمرة التي فيها المرارة تذهب تلك المرارة ~~بطعمها، أو كلام نحوه. # وقوله: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) # أخبر أنه جزاهم بما كفروا ms3599 نعمه، ولم يشكروا ربهم عليها. # وقوله: (وهل نجازي إلا الكفور)، لله في نعمه. # وقوله: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها ~~السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) # قيل: متواصلة بعضها ببعض من أرضهم إلى الشام، على كل ميل قرية وسوق وكل ~~شيء فيها. # (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) من الجوع والعطش ~~والسباع وكل ما يخاف منه. # ثم جائز أن يكون ما ذكر من القرى الظاهرة كان لهم مع الجنان التي ذكرنا ~~بدءا؛ فيكون هذا موصولا بالأول؛ فلما لم يشكروا ربهم في ذلك كله - أبدل لهم ~~الكل بما ذكر. # وجائز أن يكون لا على الصلة بالأول؛ ولكن على ما ذكر بعض أهل التأويل: ~~أنه لما غير عليهم ذلك وأبدل - ضاق بهم الأمر؛ فمشوا إلى رسلهم، فقالوا: ~~ادعوا ربكم فليرد علينا ما ذهب عنا، ونعطيكم ميثاقا أن نعبد الله ولا نشرك ~~به شيئا، فدعوه، فرد الله عليهم، وجعل لهم ما ذكر من قرى ظاهرة؛ فذكرهم ~~الرسل ما وعدوا ربهم؛ فأبوا؛ فغير ذلك. # وسبأ: ذكر أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله، أخبرني عن سبأ أجبل هو أم أرض؟ قال: فقال له: " لم يكن جبلا ولا ~~أرضا، ولكن كان رجلا من العرب ولد عشر قبائل: فأما ست فتيامنوا وأما أربع ~~فتشاءموا ". # PageV08P438 # وقال بعضهم: كان سبأ رجلا اسمه: سبأ، وسبأ هم الذين ذكرهم الله في سورة ~~النمل. # وقال بعضهم: هو اسم قرية. # وفي قوله: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا ~~فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) دلالة خلق الأفعال؛ لأنه أخبر ~~أنه جعل بينهم وبين القرى المباركة قرى ظاهرة، والقرى: ما اتخذها أهلها، ثم ~~أخبر أنه جعل ذلك، والجعل منه خلق؛ دل أنه خلق أفعال العباد، وأخبر -أيضا- ~~أنه قدر السير فيها، والسير هو فعل العباد، والتقدير هو الخلق أيضا؛ دل أنه ~~خلق سيرهم، وخلق اتخاذهم القرى، وذلك على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعال ~~العباد. # وقوله: (قرى ظاهرة)، ms3600 قال عامة أهل التأويل: قرى متواصلة بعضها ببعض، ~~يسيرون من قرية: إلى قرية، وينزلون فيها من غير أن تقع لهم الحاجة أو ~~يلحقهم مؤنة. # وجائز أن يكون قوله: (قرى ظاهرة) نعمها بينة. # وقوله: (وقدرنا فيها السير)، يحتمل قوله: (وقدرنا فيها السير)، أي: قدرنا ~~فيها السير؛ لتسيروا فيها. # أو على الأمر، أي: قدرنا فيها السير، وقلنا لهم: سيروا فيما أنعم الله ~~عليكم، وتقلبوا فيها ليالي وأياما آمنين من الجوع والعدو وكل آفة. # وقال بعضهم في قوله: (وقدرنا فيها السير) أي: جعلنا ما بين القرية ~~والقرية مقدارا واحدا. # وقوله: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) فيه لغات من خمسة ~~أوجه: # أحدها: (ربنا باعد). # والثاني: (بعد)، كلاهما على الدعاء والسؤال. # والثالث والرابع: (بعد) و (بعد). # قال أبو معاذ: ولولا تغيير الكتابة لكان يجوز " بوعد ". # ومن قرأه (ربنا باعد) على الخبر، وكذلك (بعد)، ومن قرأه (بعد بين ~~أسفارنا). # يخرج على الشكاية عما بعد من أسفارهم. # PageV08P439 # فأما على السؤال والدعاء فهو - والله أعلم - لأنهم سئموا وملوا؛ لكثرة ما ~~أنعم الله عليهم، ورفع عنهم المؤن، وطال مقامهم فيها، سألوا ربهم أن يحول ~~ذلك عنهم؛ سفها منهم وجهلا، وكان كقوم موسى: حين أنزل عليهم المن والسلوى، ~~ورفع عنهم المؤنة سئموا وملوا في ذلك، وقالوا (لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها)، وما ذكروا، فعلى ذلك هؤلاء. # ومن قرأ (بعد بين أسفارنا)؛ على الشكاية - شكا إلى ربه لما ذهب عنهم ~~السعة والخصب، وأصابهم الجهد والمؤنة. # وأما قوله: (باعد) على الخبر؛ فكأنه كانت فيهم، وذلك كله منهم: فيهم من ~~سأل تحويله، وفيهم من شكا إذا زال ذلك وتحول، وفيهم من أخبر بزواله. # وعلى ذلك يخرج قول موسى لفرعون، حيث قال: (قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر)، لا أنه كان أحدهما؛ فعلى ذلك الأول وما ~~يشبه ذلك، والله أعلم. # وقوله: (فجعلناهم أحاديث). # أي: أهلكناهم ms3601 كل إهلاك؛ حتى صاروا عظة وعبرة لمن بعدهم. # وقال: (فجعلناهم أحاديث) للناس؛ على حقيقة الحديث، يتحدثون بأمرهم ~~وشأنهم. # (ومزقناهم كل ممزق). # أي: فرقناهم كل تفريق، أي: في كل وجه التفريق؛ حتى وقع بعضهم بمكة، ~~وبعضهم بالمدينة، وبعضهم بالشام، وبعضهم بالبحرين وعمان، ونحوه والله أعلم. # وقوله: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور). # يحتمل أن يكون الصبار والشكور هو المؤمن؛ كأنه قال: إن في ذلك لعبرا ~~وعظات لكل مؤمن. # أو آيات لكل صبار على طاعة الله وأمره، شكور لنعمه. # أو آيات لكل صبار على البلايا والمحارم، شكور لنعم الله. # ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: في الاعتقاد له. # والثاني: في المعاملة. # يعتقد الصبر لربه على جميع أوامره ونواهيه، والشكر له على جميع نعمائه، # PageV08P440 # والمعاملة: أن يرصبر على ذلك، ويشكر له في نعمه. # وقوله: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) # اختلف في ظنه: # قال بعضهم: ظن بهم ظنا، فوافق ظنه فيهم حين قال: (لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا)، من عصمت مني، وما قال: (لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا. ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم. . .)، إلى آخر ما ذكر، فقد صدق ~~ما ظن فيهم. # وقال بعضهم: (صدق عليهم إبليس ظنه)، وذلك أن إبليس خلق من نار السموم، ~~وخلق آدم من طين، ثم قال إبليس: إن النار ستغلب الطين؛ فمن ثمة صدق ظنه؛ ~~فقال: (ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين). # يقول الله: (فاتبعوه). # ثم استثني عباده المخلصين فقال: (إلا فريقا من المؤمنين). # يعني: عباده المخلصين؛ فإنهم لم يتبعوه، الذين قال: (إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان). # وقال قائلون: (من) هاهنا صلة؛ كأنه قال: (فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين)، الذين هم مؤمنون، فرب الحقيقة، فأما من كان عندكم من المؤمنين ~~في الظاهر فقد اتبعوه؛ لأنه لا كل مؤمن عندنا هو في الحقيقة مؤمن. # أو أن يكون قوله: (فاتبعوه) فيما دعاهم إليه، والله أعلم. # وقوله: (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك وربك ms3602 على كل شيء حفيظ (21) قال الحسن: والله ما ضربهم بالسيف، ~~ولا طعنهم بالرمح، ولا أكرههم، على شيء، وما كان منه إلا الغرور أو أماني ~~ووسوسة دعاهم إليها؛ فأجابوه. # وقال بعضهم: قوله: (وما كان له عليهم من سلطان)، أي: حجة، ليس له حجة ~~عليهم، أي: لم يمكن من الحجة؛ ولكن إنما مكن لهم الوساوس والتمويهات، ثم ~~جعل # PageV08P441 # الله للمؤمنين مقابل ذلك حججا يدفعون بها شبهه وتمويهاته. # وقوله: (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك). # هذا يخرج على وجوه: # أحدها: ليعلم كائنا ما قد علمه غائبا عنهم. # والثالث: يكني بالعلم عن معلومه، أي: ليكون المعلوم، وذلك جائز في اللغة؛ ~~كقوله: (حتى يأتيك اليقين)، أي: الموقن به، وذلك كثير في القرآن. # وقوله: (وربك على كل شيء حفيظ). # من الإيمان والشرك وغيره من الأعمال، حفيظ عالم به. # * * * # قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل ~~الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسألون عما أجرمنا ~~ولا نسأل عما تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو ~~الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز ~~الحكيم (27) # وقوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله). # أنهم آلهة: الملائكة والأصنام ومن عبدوهم من دونه: هل يملكون لكم شيئا من ~~دفع ضر أو جز نفع؟! # فيقول: (لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض)، ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر؛ فكيف تسمونها: آلهة. # أو أن يقول: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) أنها آلهة؛ فليكشفوا ~~عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع وغيره؛ كقوله: (هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل ms3603 هن ممسكات رحمته)؛ فالجواب لذلك أن يقولوا: لا يملكون ~~مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر؛ فكيف يذكرون ما ذكر؟! يذكر - والله أعلم - ~~سفههم وفرطهم في عبادتهم من يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع، وتسميتهم إياها ~~آلهة. # PageV08P442 # (وما لهم فيهما). # يعني: في خلق السماوات والأرض، وحفظهما، من تعبدون من دونه. # (من شرك وما له منهم من ظهير). # أي: من عون في ذلك؛ فكيف سميتموها: آلهة وشركاء في العبادة. # وقوله: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) # يقول - والله أعلم -: لا يملك أحد الشفاعة إلا لمن أذن الله بالشفاعة له، ~~فهو لم يأذن بالشفاعة لأحد من الكفرة؛ فذكر هذا - والله أعلم -: # لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ولقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى). # أو يذكر أن كل من ترجون منهم الشفاعة بالمحل الذي ذكرهم من الخوف والفزع؛ ~~فكيف ترجون شفاعتهم؟! كقوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم). # أو لا يملكون مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر؛ فكيف يملكون الشفاعة ~~لكم؟! أو نحوه من الكلام، والله أعلم. # وقوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق). # ليس لهذا الحرف في ذا الموضع صلة يوصل بها، ولا تقدم بعطف عليه، وعلى ~~الابتداء: لا يستقيم؛ فبعض أهل التأويل يقول: كان بين عيسى ومحمد فترة زمان ~~طويل لا يجري فيها الرسل، فلما بعث الله محمدا، وكلم جبريل بالرسالة إلى ~~محمد، سمع الملائكة ذلك؛ فظنوا أنها الساعة قامت؛ فصعقوا مما سمعوا، فلما ~~انحدر جبريل جعل كلما يمر بهم - جلى عنهم وكشف؛ فقال بعضهم لبعض: (ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق)، أي: الوحي. # وقال بعضهم: كان الوحي إذا نزل من السماء نزل كأنه سلسلة على صخرة، قال: # PageV08P443 # فيفزع الملائكة بذلك؛ فيخرون سجدا، (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، قال: إذا ~~انجلى عن قلوبهم (قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير). # وقوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، قيل: جلى وكشف ms3604 الغطاء. # قال الكسائي: (حتى إذا فزع) مشتقة من الفزع؛ كما تقول: هيبه عن قلبه ~~وفرقه وفزع كله واحد. # ومن قرأ: (فرغ)، بالراء: أخرج وترك فارغا من الخوف والشغل، وهي قراءة ابن ~~مسعود. # قال بعضهم - في قوله: (قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق) يقول: يخبرون ~~بالأمر الذي جاءوا به، ولا يقولون إلا الحق، لا يزيدون ولا ينقصون. # وقوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض)، أي: لا يملكون إنشاء ذرة في السماوات والأرض، (وما ~~لهم) في إنشائها (فيهما من شرك وما له منهم من) في إنشاء ذلك من عون؛ فكيف ~~تعبدونهم وتسمونهم آلهة؟!. # وجائز أن يكون قوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق). # ذلك الفزع مهم وذلك القوك مهم في القيامة؛ فزعوا لقيامهات وقد قرئ (حتى ~~إذا فزع)، بنصب الفاء، أي: حتى إذا فزع الله، أي: كشف الله عن قلوبهم ~~الفزع، وجلا ذلك عنهم، والله أعلم. # وقوله: (قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين (24) # هذا في الظاهر وإن كان استفهاما فهو على التقرير والإيجاب؛ لأنا قد ~~ذكرنا: أن كل استفهام كان من الله، فهو على التقرير والإيجاب. # ثم لو كان ذلك ممن يكون منه الاستفهام، لكان جواب قوله: (من يرزقكم من ~~السماوات والأرض) يقولون: الله يرزقنا؛ كقوله: (قل من يرزقكم من السماء ~~والأرض. . .)، ثم قال في آخره: (فسيقولون الله)، فيقول لهم: فإذا علمتم أن ~~الله هو رازقكم، فكيف صرفتم عبادتكم عنه إلى من تعلمون أنه لا يملك شيئا من ~~رزقكم؟! كقوله: (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا ~~عند الله الرزق)؛ إنه لا يملك غيره شيئا من رزقكم. # PageV08P444 # ذكر في حرف ابن مسعود وحفصة: (قل من يرزقكم من السماء والأرض قالوا الله ~~قال إني أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). # وقال بعضهم في قوله: (قل من يرزقكم من السماوات) من المطر ms3605 (والأرض) ~~النبات؛ فإن أجابوك، فقالوا: الله، وإلا فقل: الله يفعل ذلك بكم؛ فكيف ~~تعبدون غيره. # (وإنا أو إياكم لعلى هدى). # يقول ذلك رسول الله لأهل مكة: إنا لعلى هدى أو إنكم لعلى هدى، وإنا أو ~~إياكم لفي ضلال مبين. # وقال بعضهم: معناه: وإنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين، ولكن ليس هذا في ~~ظاهر هذا الكلام. # وجائز أن يكون هذا على تعريض الشتم لهم بالضلال، والكناية لذلك كما يقول ~~الرجل لآخر في حديث أو خبر يجري بينهما: إن أحدنا لكاذب في ذلك، أي: أنت ~~كاذب في ذلك، لكنه تعريض منه بذلك ليس بتصريح. # وقال قتادة: هذا قول محمد وأصحابه لأهل الشرك: والله ما نحن وأنتم على ~~أمر واحد، والله إن أحد الفريقين لمهتد، والفريق الآخر في ضلال مبين، فأنتم ~~تعلمون أنا على هدى؛ لما أقمنا من الدلائل والحجج والبراهين على ذلك، وأنتم ~~لا. # وقال بعضهم: قال ذلك؛ لأن كفار مكة قالوا للنبي وأصحابه: تعالوا ننظر في ~~معايشنا: من أفضل دينا: أنحن أم أنتم؛ فعلى ذلك يكون في الآخرة؛ فرد الله ~~ذلك عليهم في قوله: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات. . .) الآية. # وقوله: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) # قال بعضهم: قال ذلك؛ لأنهم كانوا يعيرون رسول الله ويوبخونه في طعنه ~~الأصنام التي عبدوها، وذكره إياها بالسوء، وما يدعون عليه من الافتراء بأنه ~~رسول الله، فيقول لهم: (لا تسألون) أنتم (عما أجرمنا) نحن، (ولا نسأل عما ~~تعملون)، وهو كقوله في سورة هود: (قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون). # أو أن يكون قوله: (قل لا تسألون عما أجرمنا)، أي: عما دنا من الدين. أو ~~عما عملنا من الأعمال، (ولا نسأل عما تعملون) أنتم عما تدينون من الدين؛ ~~كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، وكقوله: (لي عملي ولكم عملكم)، وقوله: (لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم) وإنما يقال هذا بعد ظهور العناد والمكابرة، فأما عند ~~الابتداء فلا، والله أعلم. # PageV08P445 # وقوله: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ms3606 (26) # هذا - والله أعلم - صلة ما تقدم من قوله: (قل من يرزقكم من السماوات ~~والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)، وصلة قوله: (قل ~~لا تسألون عما أجرمنا)؛ كأنهم قالوا لرسول الله وأصحابه: إنا لعلى هدى، ~~وأنتم على ضلال مبين؛ فقال عند ذلك جوابا لهم: (قل يجمع بيننا ربنا)، أي: ~~يجمع بيننا، (ثم يفتح بيننا)، أي: يقضي بيننا بالحق: من منا على الهدى؟ ومن ~~منا على الضلال نحن أو أنتم؟ (وهو الفتاح العليم)، أي: وهو الحاكم العليم: ~~ما ظهر وما بطن حقيقة، والمفاتحة هي المحاكمة، يقال: هلم حتى نفاتحك إلى ~~فلان، أي: نحاكمك، وذلك جائز في اللغة. # ويحتمل قوله: (ثم يفتح بيننا بالحق)، أي: يكشف كل خفي منا وكل ستير ~~وباطن؛ فيجعله ظاهرا بيننا؛ ليظهر الذي من هو على الحق من الباطل؟ والهدى ~~من الضلال؟ (وهو الفتاح العليم)، أي: الكاشف المظهر العليم، يعلم الظاهر ~~والباطن جميعا، والإعلان والإسرار جميعا، والله أعلم. # وقوله: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم ~~(27) # أي: أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في تسميتكم الأصنام: آلهة. # أو أروني الذين ألحقتم به شركاء في العبادة. # وجائز أن يكون قال ذلك للذين عبدوا الملائكة وأشركوا فيها؛ كأن فيه ~~إضمارا، يقول: أروني الذين ألحقتم به شركاء: هل خلقوا شيئا؟ أم هل رزقوا؟ ~~أم هل أحيوا؟ أم هل أماتوا؟ فإذا عرفتم أنهم لم يخلقوا، ولم يرزقوا، ولا ~~يقدرون ذلك، وعلمتم أن الله هو خالق ذلك كله، وهو الرزاق؛ فكيف أشركتم من ~~لا يملك ذلك في ألوهيته؟ # (كلا بل هو الله العزيز الحكيم). # منهم من يقول: (كلا) ردا على قولهم: شركاء، أي: ليسوا بشركائي؛ بل هو ~~المتفرد الواحد الحكيم. # ومنهم من يقول: هو رد على قوله: هل خلقوا شيئا؟ أم هل رزقوا شيئا؟! يقول: ~~(كلا)، أي: لم يخلقوا ولم يرزقوا؛ بل هو الله المتفرد بذلك، والله الموفق. # قال أبو عوسجة: (فزع): ذهب. # وقال القتبي: (فزع): خفف. # PageV08P446 # قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس ms3607 بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد ~~يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا ~~مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر ~~الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما ~~كانوا يعملون (33) # وقوله: (وما أرسلناك)، يا محمد، (إلا كافة للناس بشيرا)، بالجنة لمن ~~اتبعه، (ونذيرا) بالنار لمن خالفه وعصاه. # وقوله: (كافة للناس)، قال بعضهم، أي: ما أرسلناك إلا جامعا للناس إلى ~~الهدى داعيا إليه. # ومنهم من يقول: (وما أرسلناك إلا كافة للناس)، أي: ما أرسلناك إلا إلى ~~الناس جميعا إلى العرب والعجم، وإلى الإنس والجن، ليس كسائر الأنبياء؛ إنما ~~أرسلوا إلى قوم دون قوم، وإلى بلدة دون بلدة. # وكذلك روي عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أعطيت أربعا لم ~~يعطهن نبي قبلي: أحدها (ما ذكرنا): بعثت إلى الناس جميعا عامة: إلى الأحمر ~~والأسود، والعرب والعجم، والثاني: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرعب لنا ~~عدونا مسيرة شهرين، وأحلت لي الغنائم ". # وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). # قال بعضهم: لا يصدقون، ويحتمل لا يعلمون، أي: لا ينتفعون بما يعلمون، ولا ~~يعملون. أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا إلى الحجج والآيات التي، قد مكن ~~لهم: # PageV08P447 # لو نظروا علموا، والله أعلم. # وقوله: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) # هذا القول منهم إنما يقولون على الاستهزاء والسخرية، ليس على الاسترشاد ~~على أنه لا يكون ذلك، وأنه كذب؛ كقوله: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~والذين آمنوا مشفقون منها): أخبر أن أولئك يستعجلون بها؛ لتركهم الإيمان ~~بها استهزاء ms3608 منه، والذين آمنوا خائفون منها؛ لإيمانهم بها أنها كائنة لا ~~محالة، لكن الله - سبحانه - لم يجبهم بما يجاب المستهزئ؛ ولكن أجابهم بما ~~يجاب المسترشد؛ بلطفه وكرمه وجوده حيث قال: (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # أي: لكم ميعاد اليوم الذي وعدكم محمد أنه كائن لا محالة، وهو يوم (لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون)، وهكذا الواجب على كل مسئول إذا كان سائله ~~سؤال استهزاء أن يجيبه جواب ما يجاب المسترشد، لا ما يجاب المستهزئ، ولا ~~يدع علمه وحكمته لسفه السفيه، ولا لهزأ الهازئ، ولكنه يحفظ حكمته وعلمه ~~وعقله، ولا يشتغل بجواب مثله، وبالله العصمة. # وقوله: (لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون). # فإن كان على طلب التأخير وطلب التقديم، ففيه تعيير وتوبيخ لهم؛ كأنه ~~يقول: ليس لكم من الخطر والقدر والمنزلة ما يؤخر لكم ما تستأخرون أو يقدم ~~لكم ما تستقدمون. # وإن كان على تحقيق ترك التأخير وترك التقديم، كأنه يقول: ميعادكم يوم لا ~~تملكون تأخيره إذا جاء، ولا تقديمه عن وقته ولا رفعه، والله أعلم. # وقوله: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ~~ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) كأن هذا القول منهم - ~~والله أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في ~~شأن محمد؛ فتحاكموا إلى أهل الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم، فلما ~~خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين، ومخالفة قول أولئك - قالوا عند ذلك: (لن ~~نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه)، وإلا على الابتداء من غير تنازع ~~وخصومة كان بينهم في ذلك غير مستقيم. # ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: أن رهطا بعثهم قريش إلى ~~المدينة إلى رؤساء اليهود؛ يسألونهم عن محمد وبعثه؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه ~~مبعوث، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه، وهو عندهم في التوراة ~~والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم ms3609 كأنه اشتد ذلك على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وثقل عليه؛ فقال له على التعزية والتصبير على # PageV08P448 # ذلك: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم). # أي: محبوسون عند ربهم، أي: على محاسبة ما كان منهم من العناد والمكابرة ~~والتكذيب، أي: لو رأيتهم ما فيهم من الذل والهوان والخضوع لرحمتهم ولأخذتك ~~الرأفة لهم، والله أعلم. # وقوله: (يرجع بعضهم إلى بعض القول). # أي: يلوم بإضهم بعضا؛ فيقولون ما ذكر. # (يقول الذين استضعفوا)، أي: السفلة والأتباع، (للذين استكبروا)، أي: ~~القادة منهم والرؤساء، (لولا أنتم) فيما صرفتمونا عن دين الله وصددتمونا ~~عنه، (لكنا مؤمنين) به تابعين له؛ لأنهم كانوا يصدرون لآرائهم ويقبلون ~~قولهم؛ لما هم كانوا أهل شرف ومعرفة، والسفلة لا، فيقولون: لولا أنتم لكنا ~~نتبع رأي أنفسنا، فنؤمن به، لكن قلتم لنا: إنه كذب، وإنه افتراء، وإنه سحر؛ ~~فنحن صدقناكم في ذلك. # (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) قوله: (أنحن صددناكم) هو على التقرير، أي: لم نصدكم، ~~وإن كان ظاهره استفهاما، ولكن أنتم بأنفسكم تركتم اتباعه؛ لأن الرؤساء منهم ~~كانوا يقولون للأتباع: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب ~~مما تشربون)، أخبروا أنه بشر مثلهم، ثم أخبروهم: أنكم إذا أطعتم بشرا مثلكم ~~إذا تكونوا خاسرين، ونحن بشر، فكيف اتبعتمونا وأطعتمونا؟. # (بل كنتم مجرمين). # في اتباعكم بما اتبعتموه. # أو أن يكون قوله: (لولا أنتم لكنا مؤمنين)، أي: لولا تلبيسكم علينا ~~وتمويهكم أن الرسل كذبة، وأنهم سحرة فيما يقولون ويدعون، وأنهم يفترون على ~~الله - وإلا لكنا مؤمنين. # والثاني: لولا منعكم إيانا عن النظر والتفكر في أمورهم، والتأمل في الحجج ~~والآيات لكنا مؤمنين؛ هذا قول الأتباع للرؤساء. # ثم أجاب لهم الرؤساء فقالوا: (أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل ~~كنتم مجرمين)، يقولون - والله أعلم -: إن صددناكم ومنعناكم عن اتباعهم ~~ظاهرا وعلانية؛ فمتى منعناكم سرا من غير أن نطلع ونعلم نحن بذلك. # أو ما ذكرنا من قوله: (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ms3610 لخاسرون)، # PageV08P449 # وقد عرفتم أنا بشر مثلكم فأطعتمونا وتركتم طاعة الرسل؛ لأنهم بشر؛ فأجاب ~~لهم الأتباع فقالوا: (بل مكر الليل والنهار ... (33) بل بمكركم إيانا، ~~وقولكم في الليل والنهار: إنهم كذبة سحرة، وخداعكم إيانا، وإنهم بشر مثلكم؛ ~~تركنا اتباعهم؛ (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا). # أو يقولون: بل مكركم في الليل والنهار (إذ تأمروننا أن نكفر بالله)، أي: ~~من تخويفكم إيانا وتهييبكم لنا من الأخذ على البغتة والغفلة - تركنا ~~اتباعهم في السر إذا ظهر وبلغكم الخبر به. # هذه مناظرات أهل الكفر فيما بينهم يومئذ، ورد بعضهم على بعض، ولعن بعضهم ~~على بعض؛ يذكرها في الدنيا، ليلزمهم الحجة، وألا يقولوا يومئذ: (إنا كنا عن ~~هذا غافلين). # فإن قيل: إنهم كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن ولا بالبعث؛ فكيف يلزمهم ذلك، ~~وهم لا يستمعون له؟!. # قيل: إنهم قد مكنوا من الاستمتاع والنظر فيه؛ فيلزمهم الحجة، وإن لم ~~يستمعوا له، والله أعلم. # وقوله: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب). # قال بعضهم: أسروا الرؤساء الندامة؛ بصرف الأتباع وصرف أنفسهم عن دين الله ~~واتباع الرسل لما رأوا العذاب. # وقيل: (وأسروا الندامة): الأتباع والرؤساء جميعا. # وقوله: (وأسروا الندامة)، قال بعضهم: من الإسرار والإخفاء، أخفى بعضهم من ~~بعض. # وقال بعضهم: أخفى الكفرة الندامة عن المؤمنين. # وقال القتبي: (وأسروا الندامة)، أي: أظهروا، وهو من الأضداد، يقال: أسررت ~~الشيء: أخفيته وأظهرته. # وأما غيره من أهل التأويل فإنهم قالوا: هو من الإخفاء. # وقوله: (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا). # الأغلال: جماعة الغل: وهو ما يجعل في اليد، ثم يشد اليد إلى العنق. # PageV08P450 # (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). # أي: لا يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا. # * * * # قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم ~~به كافرون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين. قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء ~~الضعف بما عملوا ms3611 وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا معاجزين ~~أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) # وقوله: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (34) # قال بعضهم: المترف: المتكبر. # وقال آخرون: المترف هو الذي يجمع أصناف المال مع العناد والتكبر. # وقال بعضهم: المترفون هم الرؤساء منهم. # وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في ~~الدين، ولا شك أن هؤلاء المترفين إنما قالوا لما قالوا وفعلوا ما فعلوا؛ ~~لسعتهم وبسطهم في المال؛ فلو لم يكن ذلك لهم - ما فعلوا ذلك، دل أن المنع ~~لهم عن ذلك أصلح لهم من البسط، والله أعلم. # وقوله: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها)، المترف ما ذكر. # وقال بعضهم: المتكبر المتجبر. # وقال بعضهم: المترف: الذي يجمع مع الكبر والعناد الأموال. # وقال بعضهم: (مترفوها): أغنياؤها، وكله واحد، وهم رؤساؤها. # وفيه رد قول المعتزلة في الأصلح، على ما ذكرنا. # وقوله: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا ... (35) # يخرج قولهم ذلك لوجهين: # أحدهما: قالوا ذلك: إنا إذا أوتينا في الدنيا الأموال والأولاد؛ فلا ~~يعذبنا في الآخرة على ما تزعمون. # أو أن يقولوا ذلك: إنك لو كنت بعثت رسولا على ما تزعم، فنحن أولى ~~بالرسالة # PageV08P451 # منك؛ لأنا أكثر أموالا وأولادا، والله أعلم. # وقوله: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(36) # هذا أيضا ينقض على المعتزلة ومن يقول بأن الله لا يبسط على أحد الرزق؛ ~~إذا لم يكن في البسط إصلاح له وخير، وكذلك لا يقتر على أحد ذلك إذا لم يكن ~~في التقتير خير له. # وعندنا: يبسط الرزق لمن يشاء وإن لم يكن خيرا له، وكذلك يقتر على من ~~يشاء، وإن كان شرا له؛ على ما نطق ظاهر الآية، ليس عليه حفظ الأصلح لهم ولا ~~الخير، والله أعلم. # وقوله: (ولكن أكثر الناس لا ms3612 يعلمون). # أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما تركوا النظر والتفكو، في ~~أسباب العلم ليعلموا؛ فلا يعذرون لما مكن لهم العلم به. # وقولهم: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين) قالوا ذلك؛ لما لم ~~يروا في الحكمة أن يحسن أحد إلى عدوه، والسعة هي من الفضل والإحسان، ثم ~~رأوا لأنفسهم ذلك، ظنوا أنهم أولياء الله، وأن الرسل حيث ضيقت عليهم الدنيا ~~إنما ضيقت عليهم الدنيا؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله؛ لذلك قالوا: (نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين). # وهذا القول منهم لإنكارهم البعث: فإن كانوا مقرين به، لكانوا لا يقولون ~~ذلك، ويعلمون أن السعة في الدنيا والضيق فيها بحق الامتحان، وأما إذا كان ~~بعث ودار أخرى للجزاء - ففي الحكمة أن يجزى الولي جزاء الولاية، والمسيء من ~~العدو جزاء الإساءة والعداوة. وأما الدار التي هي دار امتحان وابتلاء فيجوز ~~ذلك بحق الامتحان في الحكمة؛ وكذلك خرج على الجواب لهم؛ حيث قال: (قل إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)، أي: يبسط الرزق لا لفضل وقدر له ونعمة ~~عنده، ويقتر على من يشاء لا لعداوة وجناية كانت منه إليه بحق الامتحان؛ ألا ~~ترى أنه قد وسع على بعض المؤمنين، وضيق على بعض أولئك؛ فظهر أن التوسيع ~~لأهل السعة ليس لفضل لهم وقدر، أو نعمة كانت لهم عنده حتى يكون ذلك منه ~~مكافأة لذلك، وكذلك التضييق لأهل التضييق: لم يكن لخيانة أو إساءة كانت ~~منهم إليه لما ذكر؛ ولكن لما ذكرنا؛ ألا ترى أنهم إذا رأوا أنه وسع على بعض ~~وقتر على بعض - هلا علموا أنه يملك أن يوسع على من قتر عليه، ويقتر على من ~~وسع عليه، فيكون في ذلك لهم ترغيب في التوحيد واختيار له، وتحذير عن الكفر ~~وعما هم فيه؛ إذ يملك التقتير على من وسبع عليه والتوسيع على من قتر عليه؛ ~~فيبطل هذا كله # PageV08P452 # قولهم: (نحن أكثر أموالا وأولادا. . .) الآية، ويبين أن التقتير والتوسيع ~~ليس لفضل ولا لقدر ولا لنعمة ولا لخيانة ولا لذنب؛ ولكن للامتحان، والله ms3613 ~~أعلم. # وقوله: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ... (37) # ولكن ما ذكر؛ حيث قال: (إلا من آمن وعمل صالحا). # أي: ذلك الذي يقرب عندنا زلفى من أتى به، سواء كان له مال وولد أو لم ~~يكن. # (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا). # من الناس من احتج بتفضيل الغناء على الفقر بهذه الآية، يقول: أخبر أن لهم ~~جزاء الضعف إذا آمنوا وعملوا الصالحات بالأموال التي أعطاهم، وأما الفقير ~~فليس له ذلك؛ إذ ليس له عنده كل ما يضاعف له، أو كلام يشبه هذا. # وأما عندنا " أن قوله: (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) لهم جزاء الضعف ~~للصالحات والحسنات التي عملوها؛ لأن الله وعد أن يجزي لكل من عمل بحسنة أو ~~صالحة - عشر أمثالها، وذلك جزاء الضعف له، وذلك للغني والفقير جميعا. # وذكرنا في غير موضع أن التكلم في فضل الغناء على الفقر والفقر على الغناء ~~كلام لا معنى له؛ لأنهما شيئان لا صنع لأحد في ذلك يمتحنان في تلك الأحوال: ~~أحدهما بالشكر، والآخر بالصبر؛ فمن وفى بما امتحن هو في تلك الحال، فهو ~~أفضل ممن لم يف بذلك، وبه يستوجب الفضل إن استوجب، فأما بنفس تلك الحال ~~فلا، لكن من يفضل الغناء على الفقر يذهب إلى أن الله - تعالى - سمى الضيق: ~~بلاء وشرا في غير موضع من القرآن، وسمى السعة: خيرا ونعمة وحسنة في غير ~~موضع، ولا شك أن الخير والحسنة أفضل وأحمد من الشر والسيئة؛ فلو لم يكن هذا ~~شرا وسيئة في الحقيقة - لم يسمه بذلك، ولو لم يكن هذا خيرا - لم يسمه. # ومن يقول بتفضيل الفقر يذهب إلى أن الغني إذا أعطى وبذل إنما استوجب ذلك ~~الفضل؛ لما يفقر نفسه ويحوج، وأصله ما ذكرنا. # وقوله: (وهم في الغرفات آمنون). # من صاحبه النعمة، ويحزنه، والله أعلم. # وقوله: (والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) # أي: يسعون في آياتنا سعي من يكون معاجزا، لا سعي من لا يكون، وهو ما قال: ~~(أم حسب الذين يعملون السيئات)، أي: يعملون ms3614 عمل من يحسب أنه يسبق، لا عمل ~~من لا يسبق، وهو كقوله: (يخادعون الله)، لا أحد يقصد قصد # PageV08P453 # مخادعة الله؛ لعلمه أنه لا يخادع؛ ولكن كأنه قال: يعملون عمل من يخادع ~~الله، لا عمل من يعلم أنه لا يخادع؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله: (في آياتنا معاجزين): إنما كان سعيهم في الآيات في آيات الوحدانية ~~أو آيات النعمة أو آيات الرسالة؛ ليسقطوا عن أنفسهم مؤنة ذلك، وقبولها، ~~والعمل بها. # (أولئك في العذاب محضرون). # قال القتبي: (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا): لم يرد فيما يرى أهل ~~النظر - والله أعلم - أنهم يجازون عن الواحد بواحد مثله ولا اثنين، وكيف ~~يكون هذا والله يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، و (خير منها)؟! ~~ولكنه أراد: (لهم جزاء الضعف): إنما هو مثله يضم إلى مثل إلى ما بلغ، وكأن ~~الضعف: الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة، ويجوز أن يجعل الضعف في معنى جميع، ~~أي: جزاء الأضعاف، ونحوه: (فزده عذابا ضعفا) أي: جعلت مثله. وخبط مضاعف، ~~أي: قد ضم إليه خبط آخر قد قتلا. # قال: (زلفى) هي الدنو، يقال: تزلفت إليه ومنه، أزلفته: أدنيته. # وقال القتبي: أي: قربة ومنزلة عندنا، وهما واحد، والله أعلم. # وقوله: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) هو ذكر ~~الأموال والأولاد، ثم ذكر (التي) بالتأنيث؛ قال بعضهم: هذا من مقاديم ~~الكلام؛ كأنه قال: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم، ولولا ~~ذلك لغلب فعل الآدميين، فعل الأموال. # قال أبو معاذ: يجوز أن تجمع الأموال والأولاد، ثم تقول: " التي "؛ لأنك ~~تقول: ذهبت الأموال وهلكت الأولاد؛ كقوله: (قالت الأعراب آمنا)، و (قالت ~~رسلهم)، ونحوه كثير من القرآن؛ فعلى ذلك عند الجمع. # وقوله: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) # PageV08P454 # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: (فهو يخلفه): في الدنيا والآخرة؛ لأن ما ~~أنفق العبد لو كان الله أخلفه له في الدنيا ما أحصى أحدكم ماله، ولا ms3615 يجد ~~مكانا يجعله فيه، أو كلام هذا معناه. # وقال آخر: كل نفقة كانت في طاعة الله فإن الله يخلفها في الدنيا، أو ~~يدخرها لوليه في الآخرة. # ومجاهد يقول: إذا أصاب أحدكم مالا، فليقصد في النفقة، ولا يتأولن قوله: ~~(وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)؛ فإن الرزق مقسوم. # وقال بعضهم: (فهو يخلفه) إذا كانت في غير إسراف ولا تقتير. # وهذه التأويلات كلها ضعيفة؛ لأن الآية كانت - والله أعلم - في منع أولئك ~~الإنفاق؛ مخافة الفقر وخشية الإملاق؛ لأنها نزلت على أثر قول الرجل: (إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له)، يقول - والله أعلم - تعلمون ~~أن الله هو الباسط لكم والموسع عليكم وعلى الخلق كله الرزق، وهو المقتر ~~أيضا على من شاء التقتير عليه، فإذا كنتم تعلمون أنه هو الفاعل لذلك؛ فكيف ~~تمتنعون عن الإنفاق خشية الفقر؟! فهو القادر على البسط والخلف لما أنفقتم، ~~وهو القادر على التقتير من غير إنفاق كان منكم. # أو أن يذكر هذا؛ ليقطعوا أطماعهم عن الخلق من الناس والبذل لهم، على ما ~~ينفق الرجل من النفتة؛ فيطمع من الناس البر له والمكافأة لما أنفق؛ فيقول: ~~اقطعوا الطمع من الناس فيما تنفقون؛ فإن الله هو المخلف لذلك لا الناس. # ويحتمل ما قال ابن عباس: إنه يخلف في الآخرة؛ إذ لو أعطى لكل رجل أنفق في ~~الدنيا خلفا - ما أحصى أحدكم ماله، ولا أين يجعله؟ يكون هذا هكذا إذا كان ~~الخلف من نوع ما أنفق وأعطى، فأما إذا جاز أن يكون الخلف من نوع ما أنفق، ~~ومن غير نوعه: من نحو ما يدفع عن المرء وعن المتصلين له من أنواع البلايا ~~والشدائد، ويعطيه من أنواع النعم من السلامة له في نفسه ودينه والصحة وغير ~~ذلك مما لا يحصى، فذلك كله بدل وخلف عما أنفق، وذلك أنه إذا علم في سابق ~~علمه أنه ينفق جعل ذلك في الأصل خلفا عما أنفق؛ وعلى ذلك يخرج ما روي: " أن ~~صلة الرحم تزيد في العمر ": إذا علم أنه # PageV08P455 # يصل رحمه زاد ms3616 في عمره في الأصل ما لو يعلم أنه لا يصل رحمه، لكان يجعل ~~عمره دون ذلك؛ فعلى ذلك الأول. # وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~وكل معروف صدقة، وما أنفق المرء على نفسه وأهله، أو وقى به عرضه فهو له ~~صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن؛ فعلى الله خلفها ضامنا، إلا نفقة في معصية أو ~~نفقة في بنيان "، أي: لا يحتاج إليه. # * * * # قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم ~~بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) # وقوله: (ويوم يحشرهم جميعا): الملائكة ومن عندهم، ثم نقول للملائكة: ~~(أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ... (41) ~~لأنه قال لهم: (أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون). # ليس قول الملائكة فيما خاطبهم ربهم لما خوطبوا بقوله: (أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون)؛ حيث قالوا: (سبحانك أنت ولينا من دونهم)؛ لأنه قال لهم: ~~(أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون)؛ فجوابهم أن يقولوا: بلى أو لا، فأما أن يكون ~~قولهم: (سبحانك أنت ولينا من دونهم) أعلم منا - (بل كانوا يعبدون. . .) ~~الآية - جوابا لذلك؛ فلا يحتمل إلا أن يقال: إن أولئك الكفرة ادعوا على ~~الملائكة الأمر لهم بالعبادة إياهم دون الله؛ فهنالك يحتمل أن يقول: أهؤلاء ~~عن أمركم عبدوكم؛ فعند ذلك قالو: (سبحانك أنت ولينا من دونهم)، ونحن براء ~~منهم، ما أمرناهم بعبادتنا، وأنت أعلم منا، بل كانوا يعبدون الجن؛ بل كانوا ~~أطاعوا أمر الجن والشياطين في ذلك؛ إذ لو كنا أمرناهم بذلك - لم نكن ~~أولياءك، ولا كنت أنت ولينا من دونه، وهذا كما يقول لعيسى؛ حيث قال الله: ~~(أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)، وقد كان علم - جل وعلا - ~~أنه لم يقل ذلك، ولكن كأن أولئك ادعوا عليه الأمر والقول لهم في ذلك، فذكر ~~ذلك لعيسى؛ تعييرا لهم وتوبيخا على صنيعهم، ms3617 وإظهارا لكذبهم في دعواهم؛ فعلى ~~ذلك الأول يحتمل أن يخرج على ذلك، والله أعلم. # وقوله: (بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون). # هم كانوا لا يقصدون عبادة الجن؛ ولكن لما بأمرهم كانوا يعبدون ما يعبدون؛ ~~نسب العبادة إليهم كقوله: (يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان)، وهو كقول # PageV08P456 # إبرإهيم: (يا أبت لا تعبد الشيطان)، وهم كانوا لا يقصدون بعبادتهم ~~الشيطان، لكنهم لما عبدوا من دونه بأمر الشيطان - نسب العبادة إليه؛ كأنهم ~~عبدوه. # وقوله: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا ~~عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) # أي: لا يملك يوم القيامة ما أملوا أو طمعوا من عبادتهم لأولئك من التقريب ~~لهم إلى الله زلفى، والمئمفاعة لهم عنده؛ لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله)، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، يقول: لا يملك بعضكم لبعض ~~ما أملوا أو طمعوا من عبادا تهم لأولئك. # (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون). # أي: كنتم تكذبون الرسل بما أوعدكم بها في الدنيا. # * * * # قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما ~~آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا ~~لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على ~~كل شيء شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما ~~يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما ~~يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) # وقوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات). # قد ذكرنا الإيات والبينات في ms3618 غير موضع. # وقوله: (ما هذا إلا رجل يريد): # كل رسول يريد أن يصد قومه عما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأوثان، لكن ~~هذا القول من أولئك الرؤساء إغراء للأتباع على الرسل، يقولون: ألا ترون أن ~~واحدا قد خالف الآباء وي دينهم، ويريد أن يصذكم عن دين آبائكم. # و (ما هذا إلا إفك مفترى). # أي: ما يدعو محمد إلبه ليس إلا إفك مفترى. # (وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين). # وقوله: (للحق لما جاءهم)، أي: ما جاء للحق وهو القرآن والتوحيد من البيان # PageV08P457 # والإيضاح له أنه الحق، وأنه من عند الله جاء، وهو الآيات والبراهين التي ~~جاءت له أنه حق وأنه من عند الله جاء، لا أنه مفترى وإفك وسحر ما تزعمون، ~~ولم تزعموا، ولم يزل طعن أولئك الكفرة في الآيات والحجج: بأنها سحر، وأنها ~~إفك، وأنها مفترى، يلبسون بذلك على أولئك الأتباع والسفلة، ويموهون عليهم ~~ويغرون؛ لئلا يتبعوه، ويستسلموا لهم، والله أعلم. # وقوله (وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) ~~وهو - والله أعلم - صلة (ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~آباؤكم) وقالوا (ما هذا إلا إفك مفترى)، وقولهم: (إن هذا إلا سحر مبين)، ~~يقول - والله أعلم - جوابا لقولهم: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) فتخبرهم ~~أن ما يقول محمد إفك مفترى، ولا أرسلنا إليهم أيضا من قبله رسولا يخبرهم: ~~أنه كذب مفترى، وظهور الكذب في القول والخبر إنما يكون بأحد هذين الأمرين ~~إما بكتاب أو نبي، وهم لا يؤمنون بكتاب ولا نبي، فكيف يدعون عليه الكذب ~~والافتراء؟! يخبر عن سفههم وقلة عقولهم وعنادهم بعدما خصهم - عز وجل - ~~وفضلهم على غيرهم من البشر؛ حيث بعث الرسول منهم ومن أنفسهم، والكتاب على ~~لسانهم وبلغتهم بعد قسمهم: إنه لو بعث إليهم نذيرا ورسولا اتبعوه حيث ~~قالوا: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم فلما جاءهم نذير)، لم يؤمنوا به، ولم يعرفوا منة الله عليهم ~~وخصوصيتهم فيما خصهم، ms3619 والله أعلم. # وقوله: (وكذب الذين من قبلهم ... (45) # يذكر رسوله ويصبره على تكذيب أولئك له، يقول: قد كذب الذين كانوا من ~~قبلهم رسلهم، لست أنت بأول مكذب بل كذب إخوانك من قبل، والله أعلم. # وقوله: (وما بلغوا معشار ما آتيناهم). # يقول - والله أعلم -: لم يبلغ هؤلاء الذين كذبوك عشر أولئك في القوة ~~والغناء والفضل والعلم والأتباع والأعوان وغير ذلك مع ما كانوا كذلك لم ~~يقوموا في دفع العذاب الذي نزل بهم بالتكذيب عن أنفسهم، فقومك الذين هم دون ~~أولئك بما ذكروا أحق ألا يقوموا لدفع العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم ~~بالتكذيب. # وقوله: (فكذبوا رسلي فكيف كان نكير). # يقول - والله أعلم -: أليس وجدوا عذابي حقا. # قال الزجاج: هو " نكيري " بالياء، لكن طرحت الياء؛ لأنه آخر الآية ~~وختمها، فأبقيت # PageV08P458 # الكسرة علامة لها أو كلام يشبه هذا. # قال أبو عوسجة: نكيري: عقوبتي. # وقال القتبي: أي: إنكاري. # وقوله: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # قال بعضهم: (بواحدة) أي: بكلمة الإخلاص والتوحيد. # وقال بعضهم: أي: بطاعة الله. # وقال بعضهم: (بواحدة) أي: بكلمة واحدة؛ كقول الرجل لصاحبه: أكلمك كلمة ~~واحدة، واسمع مني كلمة. # لكن الواحدة التي وعظهم بها عندنا ما ذكر على أثره حيث قال: (أن تقوموا ~~لله مثنى) جميعا (وفرادى) وتتفكروا وتنظروا فيما بينكم: هل رأى أحد منكم به ~~جنونا قط؟ # وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي، (وفرادى)، ~~أي: تفكير واحد. # وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي؛ فإن ذلك ما ~~دل على أن النبي ليس بمجنون، ولا كذاب على ما تزعمون. # ثم كان الذي حملهم على أن نسبوه إلى الجنون وجوها: # أحدها: أنهم رأوه قد خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانوا يقتلون من ~~خالفهم على الغضب في أدنى شيء بلا أعوان ولا أتباع له، فقالوا: لا يخاطر ~~بهذا إلا من به جنون؛ فنسبوه إلى الحنون. # والثاني: أنهم رأوه قد خالف ms3620 دينهم ودين آبائهم جملة من بينهم، فقالوا: لا ~~يحتمل أن يصيب دينا بعقله من بين الكل لا يصيب أحد ذلك، فاتهموه في العقل. # والثالث: أنه كان في حال صغره وصباه، لم يروه اشتغل بشيء من اللعب وخالط ~~الصبيان في شيء من أمورهم، بل اعتزلهم من حال صباه إلى آن الوقت الذي بلغ، ~~فقالوا: إن به جنونا وإلا لم يعتزل الناس كل هذا الاعتزال. # ثم أخبر أنكم لو تفكرتم ونظرتم ثم عرفتم أن ليس بصاحبكم جنون: (إن هو) ~~أي: # PageV08P459 # ما هو (إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) في الآخرة إن عصيتم، أي ~~رسول الله إليكم ونذير مبين، بين يدي عذاب شديد في الآخرة إن عصيتم عوقبتم ~~في الآخرة. # وقال بعضهم في قوله: (أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة) يقول - والله أعلم -: ألا يتفكر الرجل منكم وحده أو مع صاحبه، ~~فينظر أن في خلق السماوات والأرض وما بينهما الذي خلق هذه الأشياء وحده أنه ~~واحد لا شريك له، وأن محمدا لصادق في قوله بأن الله واحد لا شريك له، وما ~~به جنون إن هو إلا نذير. # وقوله: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل ~~شيء شهيد (47) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه سأل، قال بعضهم: إنه سأل قومه أن يودوا قرابته وألا يؤذوهم؛ ~~كقوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وما قال في آية ~~أخرى: (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا)، يقول: ~~(ما سألتكم من أجر) يعني: المودة في القربى (فهو لكم)، أي: الذي سألتكم هو ~~لكم وهو المودة في القربى واتخاذ السبيل إلى ربي. # والثاني: قوله: (ما سألتكم من أجر فهو لكم)، أي: لم أسألكم على تبليغ ~~الرسالة إليكم أجرا منكم، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عليكم عن الإجابة؛ ~~كقوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون). # وقوله: (إن أجري إلا على الله). # أي: ما ms3621 أجري إلا على الله. # (وهو على كل شيء شهيد). # بأني نذير وما بي جنون. # أو هو على كل شيء شهيد بأني لم أسألكم عليه أجرا. # أو على كل شيء من صنيعكم شهيد عالم به، والله أعلم. # وقوله: (قل إن ربي يقذف بالحق ... (48) هذا يحتمل وجوها: # يحتمل: (يقذف بالحق)، أي: يقضي بالحق، أو (يقذف بالحق)، أي: يتكلم بالوحي ~~ويلقيه. # وقوله: (علام الغيوب). # كل شيء غاب عن الخلق، وقد ذكر في غير موضع. # وقوله: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) اختلف فيه: # قال بعضهم: ما يبدئ الأوثان والأصنام التي عبدوها (وما يعيد)، أي: لا ~~تخلق # PageV08P460 # شيئا ولا تحييه ولا تميته؛ كقوله: (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا). # وقال بعضهم: (وما يبدئ) الشيطان الخلق فيخلقهم (وما يعيد) خلقهم في ~~الآخرة فيبعثهم بعد الموت، بل الله يفعل ذلك. # أو أن يكون قوله: (قل جاء الحق) أي: حجج الحق، (وما يبدئ الباطل)، وما ~~أبدأ الباطل، أي: لا يقذف بحجج الحق علام الغيوب: # قال بعضهم: هو ما ذكر في آية أخرى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه. . ~~.) إلى آخر الآية، قال: يزهق الباطل ويثبت الحق، أي: نقذف بالحق على الباطل ~~فيهلك الباطل، ويثبت الحق، وهو أيضا ما ذكر: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ~~ما ينفع الناس فيمكث في الأرض). # وقوله: (قل إن ضللت ... (50) بكسر اللام ونصبها كلاهما لغتان. # قال الكسائي: تقول العرب: ضل يضل ضلالة، وضل يضل بالخفض والنصب جميعا. # ثم قوله: (إن ضللت فإنما أضل على نفسي) يخرج على وجهين: # أحدهما: إن ضللت فإنما يكون ضرر ضلالي على نفسي، لا يكون على الله من ذلك ~~شيء؛ كقوله: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، وقوله: # (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها). # والثاني: إنا ضللت فإنما يكون ذلك على نفسي، ولا يكون على أنفسكم من ~~ضلالي شيء؛ كقوله: (قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون)، ~~ونحوه. # وقوله: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي)، هذا يخرج أيضا على وجهين: # أحدهما: وإن ms3622 اهتديت إلى طاعة الله وشرائع الدين فبما يوحي إلي ربي في ~~ذلك، أي: فبوحيه اهتديتا إلى ذلك. # والثاني: وإن اهتديت إلى دينه وهدايته فبتوفيقه إياي وعصمته اهتديت، أضاف ~~الهداية إلى الله والضلال إلى نفسه، فهو لما ذكرنا أن كان من الله إليه لطف ~~في ذلك ليس ذلك في الضلال، وعلى قول المعتزلة يجيء أن يكون المعنى فيها ~~واحدا؛ لأنهم يقولون: إنه لا يكون من الله سوى الأمر، والنهي؛ فلا يكون منه ~~إليه في الهداية إلا كما كان منه إليه في الضلال، والله أعلم. # وقوله: (إنه سميع قريب). # PageV08P461 # قال بعضهم: (سميع) أي: مجيب للداعي؛ كقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب. . .) الآية. وقال بعضهم: (سميع) لمقالتكم لمحمد، حيث قالوا له: لقد ~~ضللت حين تركت دين آبائك، (قريب)، أي: مجيب له. # وقيل: (سميع) الدعاء (قريب) الإجابة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا ~~آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون ~~بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من ~~قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) # وقوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) اختلف فيه: # قال بعضهم: وذلك أنهم بعثوا بعثين قاصدين تخريب الكعبة، فلما بلغوا ~~البيداء خسف أحدهما والآخر ينظر وينفلت منهم مخبر، فيحول وجهه في قفاه ~~فيخبرهم بما لقوا؛ وذلك قوله: (ولو ترى إذ فزعوا) من الخسف والعذاب (فلا ~~فوت) عن عذاب الله (وأخذوا من مكان قريب). # أو من تحت أقدامهم يخسف بهم الأرض؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وحيل بينهم وبين ~~ما يشتهون)، من تخريب الكعبة كما فعل بأشياعهم من قبل، وهم أصحاب الفيل؛ ~~وعلى ذلك روي عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنه يغزو هذا ~~البيت جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فلا ينفلت منهم إلا واحد يخبر ~~عنهم "، قالت: يا رسول الله، وإن كان فيهم المكره؟ قال رسول الله - صلى ~~الله عليه ms3623 وسلم -: " يبعثون على نياتهم ". # وقال بعضهم: قوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) وهو عند الموت يفزعون منه، ~~ولا فوت لهم عنه، (وأخذوا من مكان قريب) أي: على المكان: # والحسن يقول: (فزعوا) من القبور (فلا فوت) يقول: أخذوا عند ذلك وهو ~~المكان القريب. # وقال بعضهم: ذلك عند القيامة يفزعون عند معاينتهم العذاب، وأفزعهم ذلك ~~ولا يفوتون الله. # PageV08P462 # (وقالوا آمنا به ... (52) # وهو كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. . .) الآية؛ وكقول ~~فرعون حين أدركه الغرق: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، ~~ونحوه. # وقوله: (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد). # قال بعضهم: (من مكان بعيد) أنهم سألوا الرجعة والرد أن ينالوه من مكان ~~بعيد؛ قالوا: من الآخرة إلى الدنيا. # وقال بعضهم: أي: لا سبيل لهم إلى الإيمان في ذلك الوقت، وقد كفروا به من ~~قبل في حال الدعة والرخاء فلم يؤمنوا. # وقال بعضهم: (من مكان بعيد)، أي: من حيث لا ينال ولا يكون؛ فذلك البعيد؛ ~~كقول الله: (أولئك ينادون من مكان بعيد)، أي: من حيث لا يكون أبدا ليس على ~~إرادة حقيقة المكان. # وقتادة يقول: هو عند الموت وعند نزول العذاب بهم، ليس من أحد بلغ ذلك ~~الوقت إلا وهو يؤمن ويتمنى الإيمان لكن لا ينفع، كقوله: (يوم يأتي بعض آيات ~~ربك لا ينفع نفسا إيمانها. . .) الآية، على ما ذكر. # وقوله: (وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) قال ~~بعضهم: معناه - والله أعلم -: وذلك أنهم كانوا في الدنيا يشكون في الآخرة، ~~ويكفرون بالغيب، ويرجمون بالظن. # وقال بعضهم: (ويقذفون بالغيب)، أي: يتكلمون بالإيمان من مكان تباعد عنهم، ~~فلا يقبل منهم: وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه، ~~(وحيل بينهم وبين ما يشتهون ... (54) من قبول التوبة والإيمان عند نزول ~~العذاب بهم، أو عند معاينتهم إياه، كما فعل بأشياعهم من قبل، يقول: كما عذب ~~أوائلهم من الأمم الخالية من قبل هؤلاء؛ لأنهم كانوا في شك من العذاب أو ~~البعث والقيامة مريب. # وقال بعضهم: (وحيل ms3624 بينهم وبين ما يشتهون) من أهل أو مال أو زهرة. # PageV08P463 # وقال بعضهم في قوله: (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد): هو قولهم: هو ساحر ~~هو شاعر كاهن. # والتناوش عند عامة أهل التأويل: التناول. # وقال بعضهم: الرجعة والرد إلى الدنيا. # قال أبو عوسجة: التناوش: التناول من موضع بعيد لا يكون من قريب. # والقتبي يقول: (وأنى لهم التناوش)، أي: تناول ما أرادوا بلوغه وإدراك ما ~~طلبوا من التوبة من الموضع الذي لا يقبل فيه التوبة. # قال أبو معاذ والزجاج: الناش في كلام العرب: الطلب، تقول: ناشت إليه، أي: ~~طلبت منه، لكن هذا ليس من باب التناوش. # وقوله: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون). # هو ما ذكرنا من اختلافهم: منهم من قال: بين الإيمان والتوبة، ومنهم من ~~قال: بين شهواتهم التي كانت لهم في الدنيا، لكن كأنه على الإيمان والتوبة، ~~فإنما حيل بينهم وبين القبول للإيمان والتوبة، وإلا نفس الفعل قد أتوا به، ~~وإن كان على الشهوات فهو على حقيقة حيلولة الفعل، وكذلك إن كان على تخريب ~~البيت على ما يقوله بعض أهل التأويل، والله أعلم. # وقوله: (كما فعل بأشياعهم من قبل). # قال أبو عوسجة: (بأشياعهم): أمثالهم وأشباههم، فهو - والله أعلم - ~~بأشباههم وأمثالهم في التكذيب والجحود. # وقال بعضهم: هو من شيعة الرجل. # وقوله: (إنهم كانوا في شك مريب)، من العذاب بأنه غير نازل بهم. # وقال بعضهم: إنهم كانوا في شك من البعث والإحياء بعد الممات وشكهم ~~وريبهم؛ لما استبعدوا الإحياء بعد الهلاك وبعدما صاروا رمادا، فمن هذه ~~الحجة أنكروا، ثم لم يروا خلق الشيء للفناء خاصة، لا لعاقبة وحكمة، ~~فارتابوا في ذلك، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV08P464 ### | سورة فاطر # وهي نزلت بمكة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ~~ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو ~~العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله ms3625 عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك ~~فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # قوله - عز وجل -: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض). # ما ذكر في القرآن الحمد لله إلا وذكر على أثره التعظيم لله والإجلال له ~~على ما أنعم به على الخلق؛ ليلزمهم الشكر له والثناء عليه؛ نحو ما ذكر: ~~(الحمد لله فاطر السماوات والأرض)، ونحو ما قال: (الحمد لله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة ... ) الآية، ونحو قوله: (الحمد ~~لله الذي خلق السماوات والأرض. . .) الآية، وقوله: (الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب. . .) الآية، وقوله: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا. . .) ~~الآية، جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له ما ذكر على أثره ما يوجب التعظيم ~~له والتبجيل والثناء عليه والشكر له؛ تعليما منه الخلق الثناء على ذلك ~~والشكر له، وبالله المعونة والقوة على ذلك. # وقوله: (فاطر السماوات والأرض). # قال بعضهم: الفاطر: هو المبتدئ والبادئ؛ وهو قول القتبي من أهل الأدب، ~~وكذلك ذكر عن ابن عباس أنه قال: " ما أدري ما (فاطر السماوات والأرض)، حتى ~~جاء أعرابيان فاختصما في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا بدأتها، فعند ~~ذلك عرفت "، أو كلام نحوه. # ويجيء أن يكون الفاطر هو الشاق، أي: شق السماوات كلها من واحدة وكذلك ~~الأرضين كقوله: (إذا السماء انفطرت) أي: انشقت؛ كما قال: (إن الله فالق ~~الحب والنوى) أي: الشاق. # لكن جميع ما أضيف إلى الله من الشق والفطر والجعل وغيره من نحو قوله: ~~(جاعل # PageV08P465 # الملائكة رسلا) كله على اختلاف الألفاظ عبارة عن الخلق، أي: خلاق ذلك ~~كله. # وأصل الخلق في اللغة هو التقدير، خلقت، أي: قدرت؛ وكذلك قال الكسائي: إن ~~الفطر في كلام العرب هو الشق، معناه: أنه شق من السماء ست سماوات ومن الأرض ~~مثلهن، ومنه الحديث: " حتى تفطرت قدماه دما ". # وقوله: (جاعل الملائكة رسلا). # ففي ظاهر الآية: أنه جعل جميع الملائكة رسلا، فإن كان على ms3626 ذلك فكأنه ولى ~~كل واحد منهم أمرا من أمور الخلق والعباد، وإن كان على البعض فيكون تأويله: ~~جاعل من الملائكة رسلا أو في الملائكة رسلا. # ثم أخبر عن الملائكة: أنهم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع يطيرون بها، ليس ~~كالطيور التي تطير بجناحين لو زيد لها جناح أو جناحان يمنعها عن الطيران، ~~كالأصبع الزائدة لبني آدم تمنعهم عن بعض العمل، ولا تزيد لهم نفعا بل تنقص، ~~وأما ما ذكر من عدد الأجنحة للملائكة فذلك لا يمنعهم عن الطيران، بل زيد ~~لهم قوة ومقدرة على ذلك. # ثم قال: (يزيد في الخلق ما يشاء) قال بعضهم: يزيد في الملائكة على أربعة ~~أجنحة ما يشاء (إن الله على كل شيء) من خلق الأجشة في الزيادة (قدير). # وذكر أن لإسرافيل ستة أجنحة، ولجبريل ستمائة جناح، ذكر عن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - يقول: " أري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل، وله ~~ستمائة جناح ". # وقال بعضهم: (يزيد في الخلق ما يشاء) أي: الصوت الحسن. # وقال بعضهم: الشعر الحسن. # فهو فيما ذكروا من الزيادة في الأجنحة أشبه وأقرب. (على كل شيء قدير): من ~~الزيادة والابتداء، ولا يصعب عليه. # وقوله: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده وهو العزيز الحكيم (2) # عن ابن عباس: من عافية. # وقال قتادة: أي: من خير. # وقال مقاتل وغيره: أي: من رزق؛ كقوله: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ~~ربك) # PageV08P466 # أي: من رزق، وكله واحد؛ إذ الخير يشتمل على العافية والرزق، وكذلك كل ~~واحد من ذلك. # وقال بعضهم: الرحمة والغيث والمطر، وهو ما ذكرنا كله يرجع إلى واحد من ~~ذلك. # ثم قوله: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده) يخرج على وجهين: # أحدهما: على تسفيه أحلام الكفرة في عبادتهم الأصنام التي كانوا يعبدونها ~~من دون الله، يقول - والله أعلم -: تعلمون أنتم أنه ليس لكم مما تعبدون من ~~دون الله جر نفع أو خير، ولا كشف ms3627 ضر عنكم أو سوء فكيف تعبدونها؟! كقوله: ~~(قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر. . .) الآية، أي: ~~تعلمون أنهن لا يملكن ذلك، والله هو المالك لذلك كله، فكيف صرفتم العبادة ~~إليها عنه؟! # أو يقول: إنكم تعلمون أن ما تعبدون من الأصنام من دون الله لا يرزقونكم ~~ولا منها تبتغون الرزق، ولا كانت منها إليكم سابقة نعمة، فإنما يعبد لإحدى ~~هذه الوجوه من يعبد: ما لسابقة نعمة، أو نيل خير، أو جر نفع، أو كشف ضر، أو ~~دفع سوء، أو طمع في العاقبة، فإذا لم يكن شيء من ذلك من الأصنام ومن الله ~~ذلك كله فكيف صرفتم عبادتكم عنه إليها؟! كقوله: (إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون)، هذا إذا كان قوله: (ما يفتح الله للناس من رحمة) راجعا إلى الكفرة ~~وإذا كان ذلك راجعا إلى المؤمنين فهو يخرج على وجهين: أحدهما: فيه قطع ~~الطمع من الخلق والإياس عما في أيديهم، وألا يرجوا من دونه ولا يخافوا ~~غيره، بل فيه الأمر بأن يروا ذلك كله من الله، وأنه هو المالك لذلك دون ~~الخلق. # والثاني: قطع طمع الرزق من المكاسب والأسباب التي يكتسبونها والأمر فيها ~~- أعني: المكاسب - أن يرونها تعبدا، وأن يروا أرزاقهم من فضل الله. # وعلى قول المعتزلة إذا فتح الله لأحد رحمة يقدر عبد في أن يمسك ذلك، وإن ~~أمسك هو قدر أن يرسل؛ لأنهم يقولون: إن الله إذا جعل لأحد أجلا وضمن له ~~الحياة ووفاء الرزق إلى مضي الأجل، يجيء عدو من أعدائه فيقتله قبل انقضاء ~~أجله واستيفاء رزقه؛ فذلك منع - على قولهم - عن وفاء ما ضمن وما جعل له من ~~المدة والأجل. # PageV08P467 # وفي حرف ابن مسعود: (ما يفتح الله على الناس من رحمة). # وقوله: (وهو العزيز الحكيم): قد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو ms3628 فأنى تؤفكون (3) # كأنه هو صلة ما تقدم. # ثم هو على التقرير والإيجاب وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر، كأنه يقول ~~- والله أعلم -: إنكم تعلمون أنه هو رازقكم دون من تعبدون. # (لا إله إلا هو فأنى تؤفكون). # أي: لا إله إلا هو، فما الذي حملكم على إفككم وكذبكم أنها شركاؤه وأنها ~~آلهة، وأنها شفعاؤكم عند الله وأن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى - ~~كتاب أو رسول، وأنتم لا تؤمنون بكتاب ولا رسول فمن أين تؤفكون وتكذبون؟! ~~والله أعلم. # وقوله: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # معلوم أنهم كانوا لا يكذبونه في قوله: (هل من خالق غير الله)، ولا في ~~قوله: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده)؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه ليس من خالق غير الله ولا فاتح رحمة سواه ~~إذا كان هو ممسكها، ولا ممسك لها إذا كان هو مرسلها، ولكن إنما يكون ~~تكذيبهم إياه فيما يخبر أنه رسول الله إليهم، كذبوه في الرسالة أو فيما ~~يخبر أنه أوحي إليه من الله كذا، أو فيما يخبر عن البعث بعد الموت أنه ~~كائن، وأمثال ذلك، فأما فيما ذكرنا فلا، وهو تعزية منه لرسوله ليصبر على ~~تكذيبهم إياه؛ ليعلم أنه ليس بأول مكذب، بل قد كان إخوانه من قبل قد كذبوا ~~من قبل فيما أخبروا قومهم عند الله، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت أيضا؛ ~~كقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. . .) الآية، والله أعلم. # وقوله: (وإلى الله ترجع الأمور). # وإلى الله يرجع تدبير الأمور، أي: لا تدبير للخلق في ذلك. # أو يقال: إلى الله يرجع الحكم في الأمور هو الحاكم فيها؛ كقوله: (وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ~~ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد ms3629 والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه # PageV08P468 # حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن ~~الله عليم بما يصنعون (8) # وقوله: (يا أيها الناس إن وعد الله حق ... (5) # قال عامة أهل التأويل: (إن وعد الله حق) أي: البعث أنه كائن لا محالة. # وجائز أن يكون قوله: (وعد الله حق) فيما وعد من الثواب على الطاعات، ~~ووعده حق فيما أوعد من العقاب على السيئات أنه يكون، والله الموفق. # وقوله: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا). # معنى قوله: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) - والله أعلم - أي: لا تشغلنكم ~~الحياة الدنيا عن ذكر الحياة الآخرة، ولا تنسينكم الحياة الدنيا عن حياة ~~الآخرة، وإلا الدنيا لا تغر أحدا في الحقيفة، وكذلك هي ليست بلعب ولا لهو، ~~ولا هي غارة، ولكن يغر أهلها بها لما غفلوا عما جعلت هي وأنشئت، وهو ما ~~ذكرنا: أنها جعلت زادا للآخرة وبلغة إليها، فمن لم يجعلها زادا ألآخرة ولا ~~بلغة إلى الوصول إلى الآخرة، ولكن جعلها في غير ما جعلت هي وأنشئت وهي ~~الحياة فيها والمقام بها - صارت لعبا ولهوا، وصارت غرورا؛ إذ صيروها ~~كالمنشأة لنفسها لا للآخرة، وهذا كما قال: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ~~(124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، أخبر أن السورة ~~كانت تزيد لأهل الإيمان إيمانا، ولأهل الكفر والنفاق رجسا وعمى، والسورة لا ~~تزيد رجسا ولا عمى في الحقيقة؛ لأنه وصف القرآن بأنه نور وأنه هدى ورحمة ~~وبرهان، ولكن صار عمى ورجسا لمن أعرض عنه وكذب ورده، وأما من تلقاه بالقبول ~~وأقبل عليه، ونظر إليه بالتعظيم والإجلال له والخضوع - فهو له نور وهدى ~~ورحمة؛ فعلى ذلك الدنيا وما فيها من النعم واللذات، إذا جعلها غير ما جعلت ~~هي وأنشئت صارت لعبا ولهوا وغرورا، بل لو حمدت هي على ما أنشئت مكان ما ذمت ~~لكان حقا وصدقا؛ لأنها سمي نعيمها: ms3630 حسنة وخيرا وصلاحا ونحوه؛ فلا جائز أن ~~يذم الحسنة والخير، بل حق الذم على أهلها حيث غروا بها وصيروها في غير ما ~~صيرت وجعلت لغفلتهم عما جعلت هي، وصرفهم إياها إلى غير الذي صرفت، وجهلهم ~~بها؛ وعلى ذلك لا يجوز ذم الغناء والسعة والصحة والسلامة؛ لأن ذلك كله نعم ~~من الله أنعمها على الناس؛ فيجب أن ينظروا إلى ما عليهم لله من الشكر فيب ~~ذلك فيؤدوه؛ وكذلك العز والثناء الحسن ونحوه لا يجب أن يذم شيء من ذلك، بل ~~يذم من لم يعرف أن العز فيم؟ إنما العز في طاعة الله والعبادة له لا في # PageV08P469 # معاصيه، فهؤلاء سموا معصية الله: عزا؛ لجهلهم في العز؛ وكذلك الثناء ~~الحسن يجب أن يحمد ربه ويشكر له فيما يستر على الخلق فضائحه ومساوئه، حتى ~~أثنوا عليه ما لو بدا ذلك منه وأظهر لهربوا منه فضلا أن يثنوا عليه ~~ويحمدوه؛ فيجب أن يشكر ربه ويثني عليه على ستر معاصيه وفضائحه، والله ~~الموفق. # وقوله: (ولا يغرنكم بالله الغرور). # الغرور - بفتح الغين - هو الشيطان؛ يقول: لا يغرنكم بالله الشيطان. # ثم يحتمل قوله: (بالله الغرور) وجوها: # أحدها: (ولا يغرنكم بالله) أي: بكرمه وجوده، يقول: إنه كريم وجواد غفور ~~يتجاوز عنكم ويعفو عنكم معاصيكم ومساوئكم. # والثاني: (ولا يغرنكم بالله الغرور) أي: بغناه؛ يقول: إنه غني ما به حاجة ~~إلى عبادتكم إياه، فيما أمركم به ونهاكم عنه. # والثالث: أن يكون قوله: (ولا يغرنكم بالله) أي: لا يغرنكم عن طاعة الله ~~وعبادته فتعصوه، وذلك جائز في اللغة " الباء " مكان [" من "]؛ كقوله: (عينا ~~يشرب بها عباد الله) أي: [منها]؛ إذ لا يشرب بالعين وإنما يشرب [منها]، ~~والله أعلم. # وقوله: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير (6) # يذكر هذا - والله أعلم - لأن ما يدعو الشيطان الخلق إليه في الظاهر يخرج ~~مخرج الشفقة لهم والنصيحة كما يدعو الأولياء؛ لأنه يدعوهم إلى قضاء شهواتهم ~~ولذاتهم وما تهوى به أنفسهم، وإن كان يضمر ويقصد به هلاكهم؛ ألا ترى أنه ~~كيف ms3631 أظهر لآدم وحواء من الشفقة لهم والنصيحة حيث قال: (ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين. . .) إلى قوله: (لمن الناصحين)، ونحوه، ~~وكان قصده بذلك ما ذكر: (فوسوس لهما الشيطان. . .) الآية، هذا كان يضمر ~~ويقصد في دعائه إياهما إلى التناول من تلك الشجرة التي نهاهما ربهما عنها؛ ~~فعلى ذلك فيما يدعو الناس به إلى قضاء شهواتهم وحاجاتهم في الظاهر، فهو ~~يقصد بذلك هلاكهم لمخالفتهم المولى لا ما يظهر ويبدي لهم؛ لذلك قال: إنه ~~عدو لكم ليس بولي، (فاتخذوه عدوا)، أي: كونوا من دعائه وأمره على حذر، كما ~~يحذر المرء دعاء عدوه. # (إنما يدعو حزبه). # قال بعضهم: أهل طاعته. # وقال القتبي وأبو عوسجة: حزبه: أنصاره، والحزب: الأنصار. # PageV08P470 # وقال بعضهم: جنده. # وقال بعضهم: حزبه: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه؛ وكله واحد. # ثم يقول: (إنما يدعو حزبه) لكنه خص حزبه بالدعاء لهم؛ لما أن حزبه هم ~~المجيبون له والمطيعون، فأما غير حزبه فلا يجيبونه؛ وهو كقوله: (إنما تنذر ~~من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)، وكان يندر من اتبع الذكر ومن لم يتبع ~~الذكر، لكن خص بإنذار من اتبع الذكر؛ لما أن متبع الذكر هو المنتفع به دون ~~من لم يتبع؛ لذلك خص - والله أعلم - فعلى ذلك ما خص بدعائه حزبه؛ لأن حزبه ~~هم المجيبون له والمطيعون. # وقوله: (ليكونوا من أصحاب السعير). # قصد بدعائه إلى ما يدعوهم، ليكونوا من أصحاب السعير، وإلا لو كان أظهر ~~لهم الدعاء إلى أصحاب السعير ما أجابوه ولا أطاعوه، ولكن دعاهم إلى أعمال ~~توجب لهم السعير، أو ليكون لهم عذاب السعير. # وقوله: (الذين كفروا لهم عذاب شديد ... (7) وهو ظاهر. # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير). # قوله: (لهم مغفرة) لما عملوا من غير الصالحات بعد إيمانهم، أو مغفرة ~~لذنوبهم في الإيمان، (وأجر كبير) لإيمانهم وأعمالهم الصالحات. # وقوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) # ليس لهذا الحرف في ذا ms3632 الموضع جواب، فجائز أن يكون جوابه في قوله: (فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات) على التقديم له، كأله يقول - والله أعلم -: (أفمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا)، (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء. # أو أن يكون قوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) فلزمه كمن قبح له؛ ~~فانتهى عنه، ليسا بسواء، كقوله: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات)، ذكر أن قوله: (أومن كان ميتا ~~فأحييناه) نزل في عمر بن الخطاب، وقوله: (كمن مثله في الظلمات) في أبي جهل؛ ~~فعلى ذلك الأول، وأن يكون ما ذكر بدءا على التقديم والتأخير. # وقوله: (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء): من الضلالة إلى الهدى، يضل ~~من # PageV08P471 # علم منه أنه يختار الضلال، ويهدي من علم منه أنه يختار الهدى. # وقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: قوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) أي: لا تضل ولا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات؛ إشفاقا على ما ينزل بهم بتركهم الإيمان؛ لأن رسول الله كاد أن ~~يهلك نفسه إشفاقا عليهم فنهاه عن ذلك. # والثاني: على تخفيف الحزن عليه ودفعه عنه وتسليته إياه؛ لأنه يشتد به ~~الحزن، لمكان كفرهم وتكذيبهم إياه وتركهم الإيمان به ليس على النهي؛ كقوله: ~~(ولا تحزن عليهم)، وقد ذكرنا معناه فيما تقدم مقدار ما حفظنا فيه، والله ~~أعلم. # وقوله: (إن الله عليم بما يصنعون). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى على علم بصنيعهم أنشأهم، لا عن جهل بما يكون منهم. # والثاني: عليم بما يصنعون؛ فلا تكافئهم ولا تشغلن بشيء مما يكون منهم، ~~ولكن فوض ذلك إلى الله وأسلم إليه. # * * * # قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات ~~لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ms3633 (10) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا ~~عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ~~(13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # وقوله: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا ~~به الأرض بعد موتها كذلك النشور). # أي: كذلك يحي الموئى، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. # وقوله: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ... (10) # PageV08P472 # قال بعضهم: من كان يريد القوة والمنعة بعبادة الأصنام ومن عبدوا دونه، ~~فلله العزة جميعا، أي: فبعبادة الله وطاعته ذلك في الدنيا والآخرة، أي: فمن ~~عنده اطلبوا ذلك عند الله من كان يريد ثواب الدنيا والآخرة، أي: من عنده ~~اطلبوا ذلك في الدنيا والآخرة. # وقال بعصهم: (من كان يريد العزة) أي: العزة والتعزيز (فلله العزة جميعا)، ~~أي: فبالله يكون عز الدنيا والآخرة لا بالأصنام التي عبدتموها، وقد كان ~~بعبادتهم الأصنام طلب الأمرين: طلب العز؛ كقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا) وطلب القوة والمنعة؛ كقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ~~لعلهم ينصرون)، فأخبر أن ذلك إنما يكون بالله وبطاعته، فمن عنده اطلبوا لا ~~من عند من تعبدون دونه، والله أعلم. # وقوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه). # اختلف فيه: # قال قائلون: (إليه يصعد الكلم الطيب) هو الوعد الحسن، (والعمل الصالح ~~يرفعه) هو إنجاز ما وعد، أي: إذا أنجز ما وعد من الوعد الحسن، ووفى ذلك ~~الإنجاز الوعد الحسن وعد. # قال بعضهم: (إليه يصعد الكلم ms3634 الطيب) هو كلمة التوحيد وشهادة الإخلاص، ~~(والعمل الصالح يرفعه) أي؛ إخلاص التوحيد لله يرفع الكلم الطيب الذي تكلم ~~به؛ فعلى هذا التأويل أي: يصعد الكلم الطيب إليه ما لم يخلص ذلك إلا لله. # وقال قائلون: (إليه يصعد الكلم الطيب) هي كلمة التوحيد على ما ذكرنا، ~~(والعمل الصالح يرفعه) أي: يرفع الله العمل الصالح لصاحبه - يعني: لصاحب ~~الكلام الطيب - فعلى هذا التأويل: يصعد الكلم الطيب إليه دون العمل الصالح. # وبعض أهل التأويل قال: يرفع الكلام: التوحيد، الطيب: العمل الصالح - إلى ~~الله، وبه يتقبل الأعمال الصالحة. # وظاهر الآية أن يكون العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، لكن الوجه ~~فيه - والله أعلم - ما ذكرنا من الوجوه. # وبعضهم يقول: إن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، والوجه فيه ما ذكرنا. # PageV08P473 # وقوله: (والذين يمكرون السيئات). # قال عامة أهل التأويل: والذين يعملون السيئات. # وجائز أن يكون ما ذكر من مكرهم السيئات هو مكرهم برسول الله وأذاهم إياه؛ ~~كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك. . .) الآية، ~~ويمكر الله بهم في الدنيا بالهلاك والقتل وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي ~~حيث قال: (لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور)، أي: هو يهلك؛ من البوار، وهو ~~الهلاك، وهو قتلهم ببدر، والله أعلم. # وقوله: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ~~ذلك على الله يسير (11) # (خلقكم)، أي: قدركم مع كثرتكم من أول أمركم إلى آخر ما تنتهون إليه من ~~التراب الذي خلق آدم منه؛ إذ الخلق في اللغة: التقدير. # وقوله: (ثم من نطفة). # أي: قدركم أيضا مع كثرتكم وعظمكم من تلك النطفة، يخبر عن علمه وتدبيره في ~~تقديره إيانا مع كثرتنا في ذلك التراب وفي تلك النطفة، وإن لم نكن نحن على ~~ما نحن عليه في ذلك التراب والنطفة لا يعجزه شيء. # أو أن يكون إضافته إيانا إلى ذلك التراب والماء؛ لأنه كان ذلك ms3635 أصلنا ~~ومبادئ أمورنا، وكان المقصود بخلق ذلك التراب والماء، والأصل هذا الخلق وهو ~~العاقبة، وقد يذكر ويضاف العواقب إلى المبادئ وتنسب إليها إذا كان المقصود ~~من المبادئ العواقب وله نظائر كثيرة، وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (ثم جعلكم أزواجا)، أي: خلقكم من ذلك ذكرا وأنثى ليسكن بعضه إلى ~~بعض، أو جعلكم أزواجا أصنافا. # وفي حرف ابن مسعود: (والله الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعلكم أزواجا)، ~~والله أعلم. # وقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه). # يقول - والله أعلم -: (وما تحمل من أنثى) من أول ما تحمل إلى آخر ما ~~تنتهون إليه (إلا بعلمه) السابق، وكذلك لا تضع كل حامل من أول ما تضع إلى ~~آخر ما ينتهون إليه إلا بعلمه السابق: أنها تحمل كذا في وقت كذا من كذا، ~~وأنها تضع كذا في وقت كذا، # PageV08P474 # يخبر عن علمه السابق من أول منشئهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه، أنه ~~كان كله بذلك التقدير الذي كازا منه، والله أعلم. # وقوله: (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب). # قال بعضهم: قوله: (وما يعمر من معمر) أي: ما يطول من عمره وإن طال، وما ~~ينقص من عمره، أي: ما نقص وقصر من ذلك ولم يطل (إلا في كتاب)، أي: إلا كان ~~ذلك كله في الكتاب مبينا هكذا مطولا. # وقال بعضهم: (وما يعمر من معمر) أي: من كثر عمره وطال أو قل عمره، فهو ~~يعمر إلى أجله الذي كمب له، ثم قال: (ولا ينقص من عمره) كل يوم وكل ساعة ~~حتى ينتهي إلى آخر أجله (إلا في كتاب): في اللوح المحفوظ المكتوب قبل أن ~~يخلقه. # (إن ذلك على الله يسير) قال صاحب هذا التأويل: إن كتاب الآجال حين كتبه ~~الله في اللوح المحفوظ على الله هين. # وقال آخر قريبا من هذا في قوله: (ولا ينقص من عمره) في جري الليل والنهار ~~والساعات (إلا في كتاب)، وذلك أن الله - تعالى - كتب لكل نسمة عمرا تنتهى ~~إليه، فإذا جرى ms3636 عليها الليل والنهار نقص ذلك عمرها حتى يبلغ ذلك أجلها، فمن ~~قضي له أن يعمر حتى يدركه الكبر أو عمر دون ذلك، فهو بالغ ذلك الأجل الذي ~~قضي له، وكان ذلك في كتاب ينتهوذا إليه. # (إن ذلك على الله يسير) يقول قائل هذا: إن حفظ ذلك على الله بغير كتاب ~~يسير هين. # وجائز أن يكون قوله: (إن ذلك على الله يسير)، أي: أن علم ما ذكر وتقديره ~~من أول ما أنشأهم وتغيير - أحوالهم إلى آخر ما يكونون وينتهون إليه - يسير، ~~أي: لا يخفى عليه. # وقوله: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ... ~~(12) # فيه وجوه من المعتبر: # أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيب منهم، كما لا ~~يستوي المالح من الماء الأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيب من ~~الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما ~~والتمييز؛ دل أن هنالك دارا يميز بينهما ويفرق؛ إذ قد يستوي في منافع ~~الدنيا، وحطامها، وفي الحكمة التفريق والتمييز لا الجمع والاستواء، وذلك ~~يدل على البعث. # والثاني: فيه أن المنشأ من الأشياء في هذه الدنيا والمخلوق فيها لم ~~ينشئها لحاجة نفسه، ولكن لحوائج الخلق ومنافعهم وما يكون لهم العبرة في ~~ذلك؛ إذ من أنشأ شيئا # PageV08P475 # لحاجة نفسه أنشأ ألذ الأشياء وأحلاها وأنفعها له لا مرا مالحا أجاجا ما ~~لا ينتفع به، يخبر عن غناه عما أنشاه من الأشياء، ليعلم أنه لم ينشئها ~~لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا، وهو على المعتزلة في قولهم: إنه لم يخلق شيئا ~~لا ينتفع به، وأنه لا يفعل بهم إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أنشأ ماء ~~أجاجا مالحا لا ينتفع به؛ ليكون لهم العبرة في ذلك. # والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس عن توحيدهم، ~~وقطع الرجاء عن عودهم إليه؛ حيث أخبر عما يأكلون من الماء المالح والأجاج ~~والعذب السائغ جميعا اللحم الطري مما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله ~~اللحم الطري أن يفسد ms3637 من ساعته. # ويذكرهم أيضا عن قدرته أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء ~~الذي لا يقدر على الدنو منه والقرب؛ فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من ~~الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء. # والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حيث قال: (ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها) يذكر عظم نعمه وقدرته حيث جعل البحار مسخرة مذللة ~~يقدرون على استخراج ما فيها من الحلي والجواهر، والوصول إلى المنافع التي ~~هي وراء البحار، وقطعها بسفن أنشاها لهم، وأجراها في الماء الراكد الساكن ~~برياح تعمل عمل جريان الماء، بل الأعجوبة في إجراء السفن بالرياح في المياه ~~الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء؛ لأنها في الماء ~~الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة ~~من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاءوا؛ دل أن الأعجوبة في ~~هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء. # أو أن يكون المثل الذي ذكر في البحرين: أحدهما عذب ماؤه، والآخر أجاج ~~ماؤه يكون للعمل الصالح وهو التوحيد، وللعمل السيئ وهو الكفر يقول: كما لا ~~يستوي في الفضل الماء العذب والماء المالح؛ فعلى ذلك لا يستوي العمل الصالح ~~والعمل السييء. # وقوله: (وترى الفلك فيه مواخر). # قال بعضهم: (مواخر) تجريان إحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة بريح واحدة، ~~وتستقبل إحداهما الأخرى. # وقال بعضهم: المواخر: هي التي تشق الماء، وتقطعه؛ من مخر يمخر، وقد ~~ذكرناه # PageV08P476 # فيما تقدم. # وقوله: (لتبتغوا من فضله). # هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله؛ إذ قد تكتسب ولا ~~يكون منه شيء، والله أعلم. # وقوله: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ~~كل يجري لأجل مسمى ... (13) # يذكر هذا لأهل مكة؛ لإنكارهم الصانع، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الرسل؛ ~~لأنهم كانوا فرقا ثلاثة: منهم من ينكر الصانع والتوحيد، ومنهم من ينكر ~~البعث، ومنهم من ينكر الرسل، ففي الآية دلالة ms3638 إثبات الصانع وتوحيده، وفيها ~~دلالة البعث والإنشاء بعد الموت، وفيها دلالة إثبات الرسالة: # أما دلالة إثبات الصانع والوحدانية له: فاتساق الليل والنهار والشمس ~~والقمر وما ذكر، وجريانهما وجريان الأمور كلها على سنن واحد وميزان واحد ~~وقدر واحد، من أول ما كان إلى آخر ما يكون من غير زيادة أو نقصان يدخل فيه، ~~أو تقديم أو تأخير يكون فيه، يدل على أن لذلك كله صانعا مدبرا أنشأ ودبر كل ~~شيء على ما كان وحفظه كله على ميزان واحد؛ إذ لو كان ذلك بنفسه لكان لا ~~يجري على حد واحد، بل يتفاوت ويتفاضل، وكذلك لو كان فعل عدد، لكان يتقدم ~~ويتأخر ويتغير ويمتنع ويذهب رأسا على ما يكون فعل العدد من الملوك: أن ما ~~أراد هذا إثباته أراد الآخر نفيه ومنعه، وما أراد هذا نفيه وإبطاله أراد ~~الآخر إثباته، وذلك معروف فيهم من مخالفة بعض بعضا؛ فدل اتساق ما ذكرنا ~~وجريانه، على تدبير واحد: أنه فعل واحد وتدبير واحد لا عدد، وبالله القوة. # ودل ذهاب الليل وتلفه بكليته حتى لا يبقى له أثر، وكذلك ذهاب ضوء النهار ~~ونوره، وكذلك الشمس والقمر وإتيان الآخر بعد تلفه أنه بعث؛ إذ لو لم يكن ~~بعث كان تدبير ذلك كله وتقديره لعبا باطلا، وإن من قدر على هذا يقدر على ~~الإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء. # فإن ثبت ما ذكرنا لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا ~~يمتحنهم بأنواع المحن، فلابد من رسول يأمر وينهى ويخبر عما لهم وعليهم. # وفيه أن مدبر ذلك كله عليم حكيم، ثم يخبر أن الذي فعل ذلك كله هو ربكم ~~الذي له الملك؛ يقول: الذي فعل هذا كله الله، لا الأصنام التي عبدتم دونه، ~~وسميتموها: آلهة، فكيف صرفتم العبادة إليها والألوهية، وما تعبدون من دونه ~~لا يملكون ما ذكر؟! حيث # PageV08P477 # قال: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) يسفه أحلامهم في عبادة ~~من عبدوا دونه على علم منهم أنهم لا يملكون ما ذكر، وصرفهم العبادة عن ms3639 الله ~~على علم منهم: أن ذلك كله من الله، وهو المالك لذلك. # ثم يخبر عن عجز من عبدوه حيث إن تدعوهم على حقيقة الدعاء لا يسمعون ~~دعاءكم حقيقة، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، أي. لو سمعوا دعاءكم ما يملكون ~~إجابتكم في دفع ضر وسوء ولا في جر نفع. # أو أن يكون قوله: (إن تدعوهم ... (14) أي: تعبدوهم (لا يسمعوا دعاءكم)، ~~أي: لا يجيبوكم إلى ما تقصدون بعبادتكم إياهم. # أو أن يقول: ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه، والله أعلم. # وقوله: (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) ينكرون يوم القيامة أن يكونوا ~~شركاءهم أو أمروهم بذلك؛ كقوله: (سيكفرون بعبادتهم. . .) الآية، وقوله: (ثم ~~يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله: (ولا ينبئك مثل خبير)، أي: لا ينبئك أحد مثل الذي أنبأك الخبير في ~~الصدق والحق. # أو أن يكون قوله: (ولا ينبئك مثل خبير) أي: لا يكون نبأ أحد مثل نبأ ~~الخبير، فاعمل به وأقبل عليه، ولا تقبل على نبأ غيره، والله أعلم. # وفي قوله: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) وجهان من اللطف: ~~أحدهما: يتلف حتى يذهب أثره ويأتي بالآخر. # أو يزيد في هذا وينقص من الآخر، ويدخل من ساعات هذا في ساعات الآخر. # وفيه نقض قول الثنوية في قولهم: إن منشئ الخير غير منشئ الشر، ويقولون: ~~إن النور من منشئ الخير والظلمة من منشئ الشر، فلو كان ما ذكروا لكان إذا ~~ذهب النور وجاءت الظلمة كانت الظلمة هي الغالبة والنور هو المغلوب في يدها؛ ~~وكذلك النور إذا جاء وذهبت الظلمة صارت هي مقهورة مغلوبة في يد النور، ~~والنور هو الغالب عليها، فإذا صار مغلوبا مقهورا في يد صاحبه يجيء ألا يقدر ~~على استنقاذ نفسه من يده أبدا، على ما يكون من عادة الأعداء إذا غلب بعضهم ~~بعضا وقهر بعضهم بعضا أن يهلك ولا يتخلص # PageV08P478 # منه، فإذ لم يكن، ولكن جاء كل منهما في وقته بعد ذهاب أثره على التقدير ~~الذي ذكرنا؛ دل ms3640 أنه فعل واحد وتدبير واحد لا تدبير عدد، وبالله الحول ~~والقوة. # والقتبي يقول: القطمير: هو الفوفة التي يكون فيها النواة. # وأبو عوسجة يقول: هو القشرة الرقيقة التي تكون بين لحم التمرة وبين ~~نواتها، واحده وجمعه سواء. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~(15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا ~~قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا ~~الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا ~~نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # وقوله: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد). # فيه وجوه مر، الدلالة: # أحدها: أنه إنما أمركم ونهاكم وامتحنكم بأنواع المحن لحاجتكم وفقركم ~~إليه، لا لحاجة وفقر له في ذلك، فإن ائتمرتموه وأطعتموه، فإلى أنفسكم ترجع ~~منفعة ذلك، وإن عصيتم فعلى أنفسكم يلحق ضرر ذلك؛ كقوله: (إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها). # والثاني: يقول: تعلمون أن فقركم وحاجتكم إلى الله، لا إلى الأصنام التي ~~تعبدونها واتخذتموها آلهة، فكيف صرفتم العبادة والشكر إلى من تعلمون أنكم ~~لا تحتاجون إليه ولا تفتقرون؟! # والثالث: يأمرهم بقطع أطماعهم من الخلق؛ لأنه خاطب الكل وأخبر أنكم جميعا ~~فقراء إلى الله الطامع والمطموع فيه، فاقطعوا طمعكم ورجاءكم عن الخلق، ~~واطمعوا ذلك من الله؛ فإنه الغني الحميد والخلق جميعا فقراء إليه، يؤيسهم ~~عن الطمع والرجاء # PageV08P479 # من الخلق، والله أعلم. # وقوله: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) # يخبر عن غناه وقدرته، لو شاء أذهبكم لتعلمون أنه ms3641 لم ينشئكم، ولا أمركم، ~~ولا نهاكم؛ لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن لحاجة أنفسكم. # وقوله: (وما ذلك على الله بعزيز (17) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: لا يعز ولا يثقل عليه ذهابكم وفناؤكم؛ لأنه لم ينشئكم لحاجة نفسه ~~فذهابكم وفناؤكم وبقاؤكم عليه واحد. # والثاني: لا يصعب عليه ولا يعز إذهابكم وإحداثكم، ولا يعجزه شيء، يخبر عن ~~قدرته، والله أعلم. # وقوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) # كأن هذا صلة قوله: (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. . .) الآية، يؤيسهم ~~ليقطعوا أطماعهم يومئذ عن تناصر بعضهم بعضا، وتحمل بعضهم مؤن بعض وشفاعة ~~بعضهم بعضا، على ما كانوا يفعلون في الدنيا كان ينصر بعضهم بعضا في الدنيا ~~إذا أصابهم شيء؛ ويفدي بعضهم عن بعض، ويشفع بعضهم بعضا، كانوا يحتالون مثل ~~هذا الحيل في الدنيا؛ ليدفعوا عن المتصلين بهم الضرر، فأخبر أن ليس لهم ذلك ~~في الآخرة؛ كقوله: (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون)، ~~وقوله: (واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا)، ومثله كثير، يؤيسهم عن أن يكون لهم في الآخرة ذلك، والله أعلم. # وقوله: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: إنما ينتفع بالإنذار الذين يخشون ربهم بالغيب، فأما من لا يخشى ~~ربه فإنه لا ينتفع به، وإلا كان منذر من اتبع الذكر؛ ومن لم يتبع، ومن خشي ~~ربه ومن لم يخش. # والثاني: كأنه يقول: إنك تنذر غير الذي اتبع الذكر وغير الذي خشي، فإنما ~~يتبع إنذارك ويقبله الذي خشي ربه واتغ ذكره، والله أعلم. # وقوله: (ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه)، أي: من عمل خيرا، فإنما يعمل ~~لنفسه. # أو من جاء بالتوحيد والأعمال الصالحة فإنما يصلح أمره وعمله يثاب عليه. # (وإلى الله المصير). # PageV08P480 # قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع ms3642 إليه في ذلك ~~اليوم، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت. # وقوله: (وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا ~~الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ولا الأموات ... (22) # ضرب هذا المثل يخرج على وجوه: # أحدها: شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور ~~حقيقة؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها؛ يقول: والله إنكم تعلمون أن ~~الذين تعبدون من دون الله عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ~~ذلك، وأن الله هو البصير، ومنه يكون كل خير ونفع، فكيف اخترتم عبادة من هذا ~~سبيله على عبادة الله تعالى؟! وبالله الهداية والعصمة. # والثاني: شبه أولئك الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر، والمؤمن ~~بالبصير والنور والظل والحياة، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر؛ ~~لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون: نحن البصراء والأحياء، وأنتم ~~العميان والأموات، وما ذكر، لكن شبههم بالعميان والموتى؛ لأنه لا حجة لهم ~~ولا برهان على عبادتهم الأصنام، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ~~ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه، إنما هو هوى يهوون ذلك، وللمؤمنين في عبادتهم ~~الله حجة وبرهان، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حي نور، ومن ليس له ~~ذلك فهو أعمى ميت. # والثالث: يذكر هذا دلالة على البعث؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على ~~حد واحد وحالة واحدة، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات ~~وفيهم ما ذكر، وقد استوو جميعا في منافع هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق ~~بينهم لا الجمع، فلا بد من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم؛ إذ في الحكمة ~~والعقل التفريق لا الجمع، والله أعلم. # وقوله: (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور). # دل قوله: (إن الله يسمع من يشاء) على أن قوله: (وما أنت بمسمع من في ~~القبور) إنما أراد به الكافر، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ~~ذلك، وليس عنده ذلك؛ إذ لو كان بيانا مبينا ms3643 أو دعاء على ما يقوله المعتزلة، ~~لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك، فإذ لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند ~~الله لطفا وشيئا لم يعطهم، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا؛ وكذلك هذا في ~~قوله: (إنك لا تهدي من أحببت)، ولو # PageV08P481 # كان بيانا على ما تقوله المعتزلة لهدى من أحب وقد أحب فلم يهتد؛ دل أن ~~عند الله شيئا لو أعطى ذلك لاهتدى، ولم يكن ذلك عند رسوله وهو التوفيق ~~والعصمة، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله قد أعطى كل كافر ما به ~~يهتدي لكنه لم يهتد. # ثم لا يحتمل قوله: (إن الله يسمع من يشاء) على القسر والقهر دل أنه لا ~~يحتمل. # وقوله: (إن أنت إلا نذير (23) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: ليس عليك إلا الإنذار باللسان؛ كقوله: (إن عليك إلا البلاغ)، ~~وقوله: (ما على الرسول إلا البلاغ)، وأنت لا تؤاخذ بتركهم قبول الإنذار؛ ~~كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء. . .) الآية، وقوله: (فإن تولوا فإنما ~~عليه ما حمل. . .) الآية. # ويحتمل الإنذار بالسيف بأمره إياه بالقتال معهم حتى يؤمنوا، وإن كان على ~~هذا فهو يحتمل النسخ؛ يؤمر بالقتال في وقت، ولا يؤمر في وقت، وأما النذارة ~~باللسان فهو لا يحتمل النسخ أبدا. والله أعلم. # وقوله: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(24) يحتمل قوله: (بالحق) أي: بالتوحيد، أي: أرسلناك لتدعو الناس إلى توحيد ~~الله، أو أرسلناك بالحق، أي: بالحق الذي لله عليهم وما لبعض على بعض. # أو (أزسلتك بالحق) أي: للحق وهو البعث الذي هو كائن لا محالة. # وقوله: (بشيرا ونذيرا). # أي: بشيرا بالجنة لمن آمن بالله وأجابك، ونذيرا بالنار لمن عصاه وخالف ~~أمره وترك إجابته، هذا يدل على أنه لم يرد في قوله: (وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير) خاصة ليس ببشير. # وقوله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). # قال بعضهم: ليس من أصناف الخلق وجواهرهم على اختلاف جواهرهم وأصنافهم إلا ~~وقد خلا لهم نذير؛ ليأمر وينهى ويمنع ويبيح؛ كلقوله: ms3644 (وما من دابة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. . .) الآية، أخبر أن الخلق على ~~اختلاف أصنافهم وجواهرهم أمم أمثالهم البشر، فيتحملون ما يتحمل البشر من ~~الأمر والنهي والنذارة والبشارة. # وقال بعضهم: ذلك راجع إلى الجن والإنس خاصة ليس إلى الكل؛ لأنهما هما ~~المخصوصان بالخطاب والنطق والعقل وغير ذلك، وفيهما ظهر بعث الرسل والنذر، ~~ولم # PageV08P482 # يظهر ذلك في غيرهما، فكأنه قال: وإن من أمة من هذين من القرون إلا خلا ~~فيها نذير، والله أعلم. # وقوله: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير (25) # يعزي رسوله ويصبره على تكذيب قومه إياه، يقول: لست أنت بأول مكذب من ~~الرسل، قد كذب إخوانك الذين من قبل بعد ما جاءوا بالبينات والزبر، أي: ~~بالكتب المنيرة إليهم مع ما جاءهم بذلك فكذبوهم، فصبروا على تكذيبهم، فاصبر ~~أنت أيضا على تكذيب قومك، والله أعلم. # وقوله: (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # أي: ثم أخذت الذين كذبوا رسلهم بالتكذيب فآخذ قومك على تكذيبهم إليك ~~أيضا، يذكر هذا له ليصبره على ذلك وينفي حزنه على تكذيبهم إياه. # أو يذكره زجرا لقومه على تكذيبهم إياه؛ فينزل بهم من العذاب ما نزل ~~بأولئك بالتكذيب. # وقوله: (فكيف كان نكير). # قال بعضهم: فكيف كان إنكاري، وقال بعضهم: عذابي. # ودل قوله: (وبالكتاب المنير) على قوله: (الله نور السماوات والأرض). # أي: منير السماوات بما سمى الكتاب في غير آي من القرآن: نورا، هو نور بما ~~ينير القلوب والصدور. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن ~~الله عزيز غفور (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله إنه غفور شكور (30) # وقوله: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ms3645 ~~ألوانها) إلى آخر ما ذكر - فيه فوائد من الحكمة: # أحدها: أنه جعل - عز وجل - طبع الماء مما يلائم ويوافق طبع هذه الثمرات ~~على اختلاف جواهرها وألوانها؛ حتى يكون حياة كل شيء منها وقوامه بهذا ~~الماء، وكذلك جعل طبع هذا الماء ملائفا موافقا طباع جميع الخلائق من البشر ~~والدواب والطير والوحش # PageV08P483 # وجميع الحيوان، على اختلاف جواهرهم وأصنافهم وغذائهم، حتى صار هو غذاء ~~وحياة لهم وقياما به؛ ليعلم أن من ملك هذا وقدر توفيق هذا - على اختلاف ما ~~ذكرنا من الجواهر والأغذية - وتدبيره، لا يعجزه إنشاء شيء لا من شيء، ولا ~~يخفى عليه شيء، وفي ذلك دلالة البعث: أن من بلغت قدرته وتدبيره وعلمه هذا ~~المبلغ لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء. # والثاني: أنه أنشأ ما ذكر من مختلف الأشياء والجواهر بهذا الماء، وجعله ~~سببا لحياة ما ذكر من البشر والدواب وغيره، من غير أن يكون في ذلك الماء ~~الذي أنشأ ذلك منه، وجعله سببا لحياتهم من أثر ذلك فيه أو من جنسه؛ ليعلم ~~أنه لم يكن أنشأ هذه الأشياء بهذا الماء، ولا جعله سببا لها على الاستعانة ~~به والتقوية، بل إعلاما للخلق أسباب مطالب الغذاء والفضل لهم؛ إذ لو كان ~~على الاستعانة وجعله سببا له في إنشاء ذلك، لكان يكون تلك الأشياء المنشأة ~~مشاكلة للماء مشابهة له؛ دل أنه جعل ذلك سببا للخلق في الوصول إلى ما ذكرنا ~~من الأغذية لهم من غير أن يروا أرزاقهم من تلك الأسباب والمكاسب ولكن من ~~فضل الله. # والثالث: أنشأ هذه الفواكه والثمرات مختلفة ألوانها وطعمها؛ لما علم من ~~البشر من الملالة والسآمة من نوع واحد ولون واحد؛ ليتم نعمه عليهم ليتأدى ~~بذلك الشكر عليها، والله أعلم. # وقوله: (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود). # قال بعضهم: أنشأ الجبال أيضا مختلفة من بيض وحمر وغرابيب، كما أنشأ ~~الثمرات والدواب والحيوان كلها مختلفة. # وقال بعضهم: ذلك وصف، وصفها بالسواد للطرق التي أنشأها في الجبال ومن ~~الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كاختلاف الجبال والثمار، ms3646 وكذلك: ~~(وغرابيب) جمع غربيب، وهو الشديد السواد، يقال: أسود غربيب؛ وهو قول القتبي ~~وأبي عوسجة، ورجل غربيب الشعر، أي: أسود الشعر، ومأخذه من الغراب لأنه ~~أسود، والجدد: الخطوط والطرائق في الجبال. # وقال أبو عوسجة: الجدة: الخطة، والجدد: جميع الخطوط، يقال: جددت، # PageV08P484 # أي: خططت، ويقال: ثوب جديد وثياب جدد، (ومن الجبال جدد) أي: طرائق مختلفة ~~ألوانها بعضها بيض وبعضها غرابيب وهي سود. # يذكر قدرته وتذكيره أن الجبال مع غلظها وشدتها وارتفاعها جعلها بحيث ~~يتطرق منها في صعودها وهبوطها، فمن قدر على هذا لا يعجزه ولا يخفى عليه ~~شيء. # أو يذكر نعمه عليهم حيث سخرها لهم؛ ليقضوا فيها حوائجهم فيما بعد عنهم ~~وصعب عليهم، والله أعلم. # وقوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء (28) # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: أن الذي يحق على العالم بالله أن يكون هو يخشاه؛ لما يعلم من ~~سلطانه وهيبته وقدرته وجلاله. # والثاني: أن العالم بالبعث والمؤمن به هو يخشى مخالفة الله في أوامره ~~ونواهيه؛ لما يعلم من نقمته وعذابه من خالفه وعصى أمره، فأما من لم يعلم ~~بالبعث ولم يؤمن به فلا يخافه؛ كقوله: (والذين آمنوا مشفقون منها)، وقوله: ~~(إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)، ونحوه. # أو أن يكون قوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) عباده من جملة ~~المؤمنين؛ يقول - والله أعلم -: إنما يخشى الله من عباده المؤمنون به، ~~المصدقون عذابه ونقمته، فأما من لم يؤمم ن به فلا يخافه كما ذكرنا في قوله: ~~(إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، إن في ذلك لآيات لكل مؤمن، ويكون الصبار ~~والشكور كناية عن المؤمن؛ فعلى ذلك هذا محتمل. # وقال أهل التأويل: على التقديم والتأخير، أي: أشد الناس لله خشية أعلمهم ~~بالله، والخشية: # قال الحسن: هي الخوف الدائم اللازم في القلب غير مفارق له، والله أعلم. # وقوله: (إن الله عزيز غفور). # قال بعضهم: العزيز: المنتقم من أعدائه، والغفور لذنوب المؤمنين. # وقال بعضهم: عزيز في ملكه ومن دونه ذليل، غفور، أي: ستور على ذنوب ~~المؤمنين. # وقوله: (إن الذين يتلون كتاب ms3647 الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) # يحتمل ما ذكر من تلاوة الكتاب هاهنا، ما ذكر في آية أخرى قال: (يتلونه حق ~~تلاوته) وأقاموا فيها من الأمر بالصلاة والأمر بالزكاة. # PageV08P485 # أو أن يكون قوله: (يتلون كتاب الله) أي: يتبعون كتاب الله فيما فيه مما ~~لهم ومما عليهم، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام، ~~والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما ~~رزقوا، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل، وهو كما نفى عنهم هذه ~~الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم ~~تلك الحواس حقيقة، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة؛ ~~فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم. # وقوله: (وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية). # يحتمل قوله: (سرا وعلانية) في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل ~~حال؛ كقوله: (أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء)، أي: ~~ينفقون على كل حال. ويحتمل: فلينفقوا مما رزقناهم (سرا وعلانية)، أي: ~~يتصدقون الصدقة ظاهرا وباطنا، أي: ما ظهر للناس وعلموا به، وما خفي عنهم ~~واستتر؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق، فمن كان قصده بالخيرات ~~وجه الله لا مراءاة الخلق، فعلمهم به وجهلهم سواء، لا يمتنع عن ذلك أبدا، ~~والله أعلم. # وقوله: (يرجون تجارة لن تبور). # سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفا منه ~~وإحسانا، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: (ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) وذلك ليس في الحقيقة أجرا لما ~~يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من ~~أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجرا لهم، ~~لكنه - عز وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم ~~الصالحات؛ إفضالا منه وإنعاما منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ms3648 ليس ذلك له في ~~الحقيقة؛ ترغيبا منه الخلق في ذلك وتحريضا لهم على ذلك، والله أعلم. # (ويزيدهم من فضله) على ذلك أيضا. # وقوله: (إنه غفور شكور). # يحتمل قوله: (غفور) أي: ستور لمساويهم، (شكور) أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله ~~إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسنا لا مسيئا. # أو (غفور): يتجاوز عن مساوئهم، (شكور): يقبل اليسير من العمل القليل منهم # PageV08P486 # ويجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، والله أعلم. # وقوله: (لن تبور). # قال أبو عوسجة والقتبي: (لن تبور) أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت ~~التجارة تبور فهب بائرة: إذا كسدت. # (ليوفيهم أجورهم): من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته حقه كله. # * * * # قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن ~~الله بعباده لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير (32) جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير (33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ~~(34) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب (35) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم ~~من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا ~~غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا ~~فما للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات ~~الصدور (38) # وقوله: (والذي أوحينا إليك): يا محمد، (من الكتاب): وهو القرآن، (هو ~~الحق): أنه من عند الله، (مصدقا لما بين يديه) أي: موافقا للكتب التي قبله. # ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين: # إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن ~~أنباء الكتب المثقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها ~~داعية إلى توحيد الله والعبادة له والطاعة. # أو توافق الأحكام، فإن كانت الموافقة في الأحكام ففيها الناسخ ms3649 والمنسوخ ~~مختلفة؛ ألا ترى أن في القرآن ناسخا ومنسوخا، ثم أخبر أنه لو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، ولو كان الناسخ والمنسوخ خلافا في ~~الحقيقة لكان من عند غير الله على ما أخبر، فدل أن بينهما وفاقا ليس ~~باختلاف. # وقال بعضهم: إن محمدا يصدق ما قبله من الكتب والرسل، وهو ما ذكرنا: أن ~~جميع الكتب والرسل إنما دعوا الخلق إلى توحيد الله وعبادته. # PageV08P487 # وقوله: (إن الله بعباده لخبير بصير). # أي: (لخبير بصير) بما به مصالحهم، أو (لخبير بصير)، أي: على علم وبصيرة ~~منه بتكذيب القوم رسلهم بعث الرسل إليهم لا عن جهل منه بذلك، وذلك لا يخرجه ~~عن الحكمة كما قال بعض الملاحدة: إن ليس بحكيم من بعث الرسل إلى من يعلم ~~أنه يكذبه ويرد رسالته، فهذا لو كان بعث الرسل لحاجة المرسل ولمنفعته يكون ~~إرساله وبعثه إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته عبثا، فأما الله - سبحانه ~~وتعالى - يتعالى عن أن يرسل الرسل لحاجة له أو لمنفعة بل لحاجة المبعوث ~~إليه والمرسل إليه؛ فلم يخرج علمه برده وتكذيبه عن الحكمة، والتوفيق بالله. # أو أن يكون قوله: (لخبير بصير) يخرج عن الوعيد، أي: عالم بأحوالهم ~~وأفعالهم؛ ليكونوا أبدا على حذر ومراقبة، والله أعلم. # وقوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) # اختلف فيه: # قال بعضهم: (فمنهم ظالم لنفسه) هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي ~~محمد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض. # وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر. # وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعا. # ومنهم من يقول: هو في الناس جميعا المتبع له وغير المتبع. # ثم اختلف في قوله: (ظالم لنفسه): # قال بعضهم: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له. # وقال بعضهم: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا ~~به. # وقال بعضهم: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: (ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم). ms3650 # فهؤلاء كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هؤلاء يكون ~~لرسول الله؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد الله. # والأشبه أن يكون قوله: (فمنهم ظالم لنفسه) من أمته من متبعي الرسول ما ~~روي في # PageV08P488 # الخبر عن أبي الدرداء رضي الله عنه - إن ثبت - قال: " تلا رسول الله هذه ~~الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد ~~فيحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة؛ أما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ~~ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة "، ثم قال رسول الله: وهم الذين قالوا: ~~(الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. . .) الآية. وكذلك روي عن أنس وعائشة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير ~~الظالم من أهل التوحيد والملة. # والمقتصد: قال بعضهم: هو الذي يخلط عملا صالحا بعمل سيئ؛ كقوله: (وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا). # وقال بعضهم: هو الذي يقوم بأداء الفرائض والأركان وأما غيره فلا. # والسابق يخرج على وجهين: # أحدهما: سابق بالخيرات كلها لا تقصير فيه ولا نقصان. # أو سابق بالخيرات فيه تقصير ونقصان، وقد ذكرنا هؤلاء الفرق الثلاثة في ~~غير موضع: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. . .) الآية، ثم قال: ~~(و (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، (وآخرون مرجون لأمر الله)، فالذين اعترفوا ~~بذنوبهم هم المقتصد، والآخرون هم الظالم لنفسه. # وقال في موضع آخر: (والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات ~~النعيم). # وقال: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود)، إلى آخر ما ~~ذكر، وقال: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) - ففي ظاهر هذا أن أصحاب ~~الشمال المكذبون؛ حيث ذكر في آخر هذه السورة الفرق الثلاثة حيث قال: (فأما ~~إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين). # ففي ظاهر هذا أن الظالم لنفسه هو المكذب والكافر في قوله: # (وأصحاب الشمال)، في ظاهر ما ذكر في سورة التوبة أنه من أهل التوحيد حيث ms3651 # PageV08P489 # قال: (وآخرون مرجون لأمر الله. . .) الآية، والله أعلم لذلك. # وقوله: (بإذن الله). # يحتمل: بعلم الله، ويحتمل: بمشيئة الله، وقيل: بأمره. # وقوله: (ذلك هو الفضل الكبير). # يقول - والله أعلم -: هذا الذي أورثناهم من الكتاب هو الفضل الكبير؛ ~~كقوله: (وكان فضل الله عليك عظيما). # أو يقول: إدخالهم الجنة فضل منه كبير. # وروي عن عمر - - رضي الله عنه - قال: " (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات) وقال: ألا إن سابقنا سابق، وإن مقتصدنا ناج، وإن ~~ظالمنا مغفور له ". # وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: " ألا إن سابقنا أهل الجهاد منا، ~~وإن مقتصدنا أهل حضرنا، وإن ظالمنا أهل بدونا ". # وابن عباس - رضي الله عنه - يقول: " الظالم لنفسه كافر ". # وعن الحسن قال: " الظالم لنفسه المنافق وهو هالك، وأما السابق والمقتصد ~~فقد نجيا ". # وقوله: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير (33) # ذكر التحلي فيها بالذهب واللؤلؤ ولبس الحرير، وليس للرجال رغبة في هذه ~~الدنيا في التحلي بذلك ولا لبس الحرير، اللهم إلا أن يكون للعرب رغبة فيما ~~ذكر، فخرج الوعد لهم بذلك والترغيب في ذلك، وهو ما ذكر من الخيام فيها ~~والقباب والغرفات، وذلك أشياء تستعمل في حال الضرورة في الأسفار، وعند عدم ~~غيره من المنازل والغرف عند ضيق المكان، فأما في حال الاختيار ووجود غيره ~~فلا، لكنه خرج ذلك لهم؛ لما لهم في ذلك من فضل رغبة؛ ألا ترى أنهم قالوا: ~~(فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) ذكروا ذلك لما لذلك عندهم فضل قدر ومنزلة ~~ورغبة في ذلك. # أو يذكر هذا لهم في الجنة - أعني: الذهب والفضة والحرير وما ذكر - ليس ~~على أن # PageV08P490 # هذا مما يشابهه لحال أو يماثله في الجوهر على التحقيق سوى موافقة الاسم؛ ~~لما روي في الخبر: " أن فيها - يعني في الجنة - ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر أو بال بشر " على ما ذكر، وما ذكر -أيضا- أن ما ~~في الجنة لا يشبه ما في الدنيا أو لا يوافقه ms3652 إلا في الاسم أو كلام نحو هذا، ~~والله أعلم. # وقوله: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) # قال بعضهم. إنما يقول هذا الظالم لنفسه الذي ذكر في قوله: (فمنهم ظالم ~~لنفسه) وأنهم يحبسون على الصراط حبسا طويلا، أو يحاسبون حسابا شديدا؛ فيطول ~~حزنهم بذلك، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، فعند ذلك يقولون ذلك ويحمدون ~~ربهم على إذهاب ذلك الحزن عنهم. # وقال بعضهم: لا، ولكن يقول هذا كل مسلم إذا دخل الجنة؛ لما يخاف كل مسلم ~~في الدنيا على مساويه؛ لما لا يدري إلى ماذا يكون مصيره ومرجعه؟ وأين مقامه ~~في الآخرة؟ فلما أدخل الجنة أمن ما كان يخافه في الدنيا ويحزن عليه، وسلم ~~من تلك الأخطار، حمد ربه عند ذلك. # وقال بعضهم: ذلك الحمد إنما يكون منهم؛ لما ذهب عنهم غم العيش والخبر ~~الذي كان لهم في الدنيا؛ إذ كل أحد يهتم لعيشه في الدنيا، فلما دخل الجنة ~~ذهب ذلك عنه، فعند ذلك يحمد ربه. # وقال بعضهم: يحمدون ربهم؛ لما يأمنون الموت عند ذلك؛ إذ ذكر في الخبر " ~~أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين أيديهم "، فعند ذلك ~~يأمنون الموت، والله أعلم. # PageV08P491 # وقوله: (إن ربنا لغفور شكور). # لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة، شكور لحسناتهم حيث ~~قبلها منهم وأعطاهم الثواب. # وقال أهل التأويل: غفور لذنوبهم، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل ~~القليل. # وقوله: (الذي أحلنا دار المقامة ... (35) # لما لا يتمنى التحول منها ولا الانتقال، لا يبغون حولا. # وقوله: (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب). # ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم، ويتمنى ~~التحول منها والانتقال، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي ~~تعقب آفة وتعبا، فأخبر أن نعيم الآخرة، ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى ~~التحول منها، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعبا ولا إعياء. # وجائز أن يكون قوله: (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) ms3653 وذلك أن من ~~حل بقرابته وبالمتصلين به شيء في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف ~~دفع ذلك عنهم، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك، ~~والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله: (إن ربنا لغفور شكور): شكر لهم ما كان منه إليهم، ~~وغفر لهم ما كان منهم من ذنب، وفي حديث رفع إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله: (إن ربنا لغفور شكور) قال: " شكر الله للمؤمن اليسير من ~~الحسنات، وغفر لهم الذنوب العظام ". # والنصب: الأذى، ويقال: الفناء، واللغوب: التعب. # وقوله: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ... (36) ~~فيستريحوا من عذابها، (ولا يخفف عنهم من عذابها). # وفي قوله: (ولا يخفف عنهم من عذابها) نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي: # أما قول الجهم؛ لأنه يقول: بانقطاع العذاب عن أهل النار، فأخبر أنه لا ~~يخفف عنهم العذاب، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف، فإذا أخبر أنه لا ~~يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع، وكذلك قول مالك لهم: (إنكم ماكثون)، لما طلبوا ~~منه # PageV08P492 # التخفيف: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب). # وأما على قول أبي الهذيل فإنه يقول: إن العذاب قد يفتر عن أهل النار، ~~ويصير بحال لو أراد الله أن يزيد في عذابهم شيئا ما قدر عليه، وكذلك يقول ~~في لذات أهل الجنة: إنها تصير بحال وتبلغ مبلغا لو أراد الله أن يزيد لهم ~~شيئا منها ما قدر عليه، فظاهر الآية يكذبهم ويرد قولهم حيث قال: (ولا يخفف ~~عنهم من عذابها). # وقوله: (كذلك نجزي كل كفور): لنعمه وجاحد وحدانيته. # وقوله: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ~~(37) # قال بعضهم: يصيحون فيها. # وقال بعضهم: الاصطراخ: الاستغاثة، أي: يستغيثون، واصطراخهم قولهم: (ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) يفزعون أولا إلى كبرائهم الذين ~~اتبعوهم في الدنيا، يطلبون منهم دفع ما هم فيه من العذاب والتخفيف عنهم؛ ms3654 ~~حيث قالوا: (إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء)، ~~فأجابوا لهم: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص)، وقال في آية ~~أخرى: قوله تعالى: (إنا كل فيها. . .) الآية، فلما أيسوا وانقطع رجاؤهم ~~بالفرج من عندهم فزعوا عند ذلك إلى خزنة جهنم حيث قالوا: (ادعوا ربكم يخفف ~~عنا يوما من العذاب. # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات)، فلما أيسوا منهم وانقطع رجاؤهم، ~~فزعوا إلى مالك يطلبون منه أن يسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت حيث قال: ~~(ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك)، فلما أيسوا، سألوا ربهم الإخراج عنها؛ ~~ليعملوا غير الذي عملوا حيث قالوا: (ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل)، فاحتج عليهم: (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) أي: أولم نعمركم ~~فيها من العمر مثل العمر الذي يتعظ به من يتعط، فهلا اتعظتم فيه ما اتعظ من ~~اتعظ فيه، وقد أعمرناكم مثل الذي أعمرنا أولئك، أو كلام نحو هذا. # (وجاءكم النذير). # قال بعضهم: جاءكم الرسول وأنذركم هذا فقد كذبتموه. # PageV08P493 # وقال بعضهم: (وجاءكم النذير) أي: الشيب، ومعناه - والله أعلم - أي: قد ~~رأيتم وعاينتم تغير الأحوال في أنفسكم من حال إلى حال: من حال الصغر إلى ~~الكبر من الشباب إلى الشيب، ثم الرد إلى أرذل العمر، فهلا اتعظتم به كما ~~اتعظ أولئك، (فذوقوا) ما أنذركم به الرسل (فما للظالمين من نصير). # وقوله: (إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على الوعيد والتخويف، أي: هو عالم بالأشياء التي لم يمتحنها ~~بمحن، ولا أمرها بأمور، ولا نهاها بمناه، فالذين امتحنهم بأنواع المحن، ~~وأمرهم بأوامر، ونهى بمناه - أحق أن يكون عالما بهم. # والثاني: أنه على علم بما يكون من خلق السماوات وأهل الأرض، خلقهم وبعث ~~إليهم الرسل من التكذيب لهم والرد عليهم، لا عن سهو وجهل بما يكون منهم؛ ~~ليعلم أنه إنما بعث إليهم الرسل لحاجة أنفس المبعوث إليهم ولمنفعة لهم في ~~ذلك، لا لحاجة المرسل والباعث ولمنفعة ms3655 له؛ لذلك خرج البعث إليهم على علم ~~بما يكون منهم من التكذيب والرد للرسالة على الحكمة وفي الشاهد على السفه؛ ~~لأن في الشاهد إنما يبعث الرسل إلى من يبعث لحاجة نفسه ولمنفعة له في ذلك، ~~فخرج البعث إليه على علم منه بالتكذيب والرد عليه سفها وباطلا، ومن الله ~~حكمة وحقا، والله أعلم. # وقوله: [(إنه عليم بذات الصدور)]. # وكأن ذات الصدور هم البشر، خصهم بعلم ما يكون منهم؛ لأنهم أهل تمييز وبصر ~~وامتحان، فيخرج ذلك مخرج الوعيد لهم والتحذير، وأما غيرهم من الدواب ونحوها ~~فلا محنة عليهم ولا تمييز لهم؛ لذلك خص هؤلاء بذلك، وإن كان عالما بالكل ~~بذات الصدور وغير ذات الصدور، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) ~~قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا (40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن # PageV08P494 # أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) # وقوله: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ... (39) # فإن كان المخاطبون به أصحاب رسول الله وأمته، فيخبر أنه جعلهم خلائف من ~~تقدم منهم من القرون والأمم الماضية بعد ما أهلكوا أو استؤصلوا، وإن كان ~~المخاطبون به بني آدم كلهم فيخبر أنكم خلف من تقدمكم من الجن والملائكة، ~~لأنه ذكر أن الجن كانوا سكان الأرض قبل بني آدم، فجعلوا خلائف الجن. # ثم وجه الحكمة في جعل بعض خلائف بعض وإنشاء قرن بعد فناء آخر، وإفناء آخر ~~بعد إنشاء آخر وجوه: # أحدها: أن يعرفوا أنه إنما أنشأهم لعاقبة تقصد وتتأمل؛ حيث أنشأ قرنا ثم ~~أفناهم، ثم أنشأ غيرهم، ولو لم يكن في إنشائهم إلا هذا، كان إنشاؤه إياهم ~~للفناء خاصة؛ إذ من بني في الشاهد بناء للنقض والفناء لا لعاقبة تقصد ms3656 به، ~~كان في بنائه عابثا سفيها؛ فعلى ذلك إنشاء هؤلاء في هذه الدنيا، لو لم يكن ~~لعاقبة كان الإنشاء للفناء، وذلك عبث غير حكمة. # والثاني: أن يعرفوا أن الدنيا ليست هي دار القرار والمقام، إنما هي ~~مجعولة زادا للآخرة، وبلغة إليها، ومسلكا لها، ومنزلا ينزل فيها؛ ثم يرتحل ~~كالمنازل المجعولة للنزول فيها في الأسفار والتزود منها ثم الارتحال، لا ~~للمقام فيها؛ فعلى ذلك الدنيا جعلت لما ذكرنا؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا ~~يركنوا ويعملون عمل من يريد الارتحال عنها لا عمل المقيم فيها. # والثالث: أن يعرفوا أن الآلام التي جعلت فيها واللذات ليست بدائمة أبدا، ~~بل على شرف الزوال والتحول؛ لأن في الحياة لذة وفي الموت ألما، فلا دامت ~~اللذة ولا الألم؛ لأنه أحيا قرنا ثم أفناهم ثم أحيا قرنا آخر وأفناهم، فلا ~~دامت اللذة ولا الآلام، ولكن انقضيا؛ ليعلموا أنهما لا يدومان أبدا، ولكن ~~يزولان. # والرابع: أن يعتبروا بمن تقدم منهم من القرون: أنه على ماذا يكون الثناء ~~الحسن، ويبقى الأثر والذكر الجميل؟ وبأي عمل ينقطع ويفنى ذلك؛ فمن كان من ~~متبعي الرسل وقادة الخير والتوحيد والطاعة، فبقي له أثر الخير والثناء ~~الحسن والذكر الجميل، ومن كان من أتباع أهل الكفر والشر لم يبق لهم شيء من ~~ذلك؛ ليعملوا بالذي يبقي لهم الثناء الحسن ويعقب لهم الذكر لا الذي يقطع ~~ذلك، والله أعلم. # وقوله: (فمن كفر فعليه كفره). # أي: عليه ضرر كفره. # PageV08P495 # (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا. . .) الآية. # أي: لا يزيد كفرهم بالله وبرسوله وعبادتهم الأصنام إلا مقتا وخسارا؛ ~~لأنهم كانوا يعبدونها رجاء أن تشفع لهم يوم القيامة، ورجاء أن تقرب عبادتهم ~~إلى الله زلفى؛ يقول - والله أعلم -: لا يزيد ذلك لهم إلا مقتا من ربهم ~~وخسارا. # أو يكون أعمالهم التي عملوا في هذه الدنيا من صلة الأرحام والقرب التي ~~رجوا منها الربح والنفع في الآخرة لا يزيد ذلك لهم إلا مقتا وخسارا، والله ~~أعلم. # وقوله: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا ms3657 من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) # ظاهر قوله: (أروني) أمر، لكنه يخرج على وجهين: # أحدهما: على الإعجاز، أي: يعجز ولا يقدر ما تعبدون من دونه خلق السماوات ~~والأرض، ولا إشراكه في خلق السماوات، ولا إنزال كتاب من السماء؛ ليأمرهم ~~بذلك، بل الله هو الخالق لذلك كله وهو القادر عليه، فكيف صرفتم العبادة عنه ~~والألوهية إلى من هو عاجز عن ذلك كله؟! # والثاني: على التنبيه والتعيير لهم والتسفيه لأحلامهم؛ يقول - والله أعلم ~~-: إنكم تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها دون الله وتسمونها: آلهة لم ~~يخلقوا شيئا مما ذكر، ولا لهم شرك في ذلك ولا لكم كتاب يبيح لكم ذلك ويأذن ~~لكم، وتعلمون أن الله هو الفاعل لذلك كله حيث قال: (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله)، ولا لهم كتاب في ذلك؛ لأن الكتاب جهة وصوله ~~إليه الرسول، وأنتم لا تؤمنون بالرسول، فكيف عبدتموها وتركتم عبادة من ~~تعلمون أنه الفاعل لذلك والقادر عليه؟! # وقوله: (ماذا خلقوا من الأرض). # يحتمل جواهر الأرض نفسها، ويحتمل الخارج منها مما به معاشهم وقوامهم؛ ~~وكذلك قوله: (أم لهم شرك في السماوات) يحتمل في جواهرها، ويحتمل ما ينزل ~~عنها مما به معاشهم وأرزاقهم. # وقوله: (فهم على بينت منه) أي: على حجة وبيان منه. # وقوله: (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا). # يحتمل وعدهم الذي ذكر لبعضهم بعضا ما قالت القادة منهم والرؤساء للأتباع: ~~(هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، و (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وما ~~لبسوا هم على الأتباع من أمر الكتاب والرسول: هو ساحر كذاب، وأنه مفتر، ~~وأمثال ذلك مما يكثر عدده، فذلك كله منهم تغرير للأتباع. # PageV08P496 # وقوله: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من ~~أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) # يحتمل أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (أروني ماذا خلقوا من الأرض)، ~~فإن كان على هذا فيقول: تعلمون أن ms3658 الله هو رافع السماوات والأرض والممسك ~~لهما والمانع عن أن تزولا عن أمكانهما، لا يقدر أحد على إعادتهما، ولا ~~أمسكهما سواه، فكيف تعبدون من لا يملك ذلك؟! # أو أن يكون ذلك قوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض. . .) ~~الآية، كادتا أن يتفطرن ويتشققن حين قالوا: لله ولد، وله شريك، فإذا قالوا: ~~اتخذ الله ولدا كادتا أن تزولا من مكانهما، وتسقطا عليهم تعظيما؛ لما قالوا ~~في الله سبحانه. # وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان ~~على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء ~~مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار ~~والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع ~~أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: ~~إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن ~~طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ~~ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا ~~شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا ~~يعجزه شيء. # وقوله: (إنه كان حليما غفورا). # قوله تعالى: (حليما): حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على الله ~~والقول فيه بما لا يليق به - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا - ~~وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، (غفورا): رحيما حيث ستر عليهم ذلك، ولم ~~يفضحهم في الدنيا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ~~ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن ~~تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان ms3659 الله ~~ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو ~~يؤاخذ الله الناس # PageV08P497 # بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء ~~أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # وقوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) # هو قسمهم بالله، ومعناه - والله أعلم -: أن العرب كانت من عادتهم أنهم ~~كانوا يحلفون بالآباء والطواغيت، لا يحلفون بالله إلا فيما عظم أمره، وجل ~~قدره؛ تأكيدا لذلك الأمر؛ لذلك كان قسمهم بالله جهد أيمانهم، وقد ذكرنا ~~معنى جهد الأيمان فيما تقدم. # وقوله: (لئن جاءهم نذير) قيل: رسول (ليكونن أهدى من إحدى الأمم). # قيه دلالة: أنهم قد وقعت لهم الحاجة، ومستهم الضرورة إلى رسول يبين لهم ~~أمر الدين ومصالحهم، وما لهم، وما عليهم، حيث أقسموا وعهدوا أنه لو جاءهم ~~نذير لاتبعوه واقتدوا به، ثم تركهم لذلك العهد؛ لما لم يروه أهلا لذلك؛ لما ~~كان هو دونهم في أمر الدنيا؛ استكبارا منهم عليه؛ ولذلك قالوا: (لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وإن تركوا أتباعهم نقضوا عهدهم لما ~~رأوا مذاهب الناس مختلفة، فظنوا أن الاختلاف يرفع من بينهم به، فإن لم ~~يرتفع تركوا اتباعه، أو لمعنى آخر لا نعلمه، والله أعلم. # وقوله: (ليكونن أهدى من إحدى الأمم). # قال بعضهم: يعنون: اليهود والنصارى. # وجائز أن يكونوا أرادوا بذلك الأمم جميعا، لكنهم لم يروا الحق إلا لواحدة ~~منها، فقالوا: (ليكونن أهدى من إحدى الأمم)، والله أعلم. # وقوله: (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا): استكبارا في الأرض لما ~~ذكرنا. # وقوله: (ومكر السيئ ... (43) # يحتمل مكرهم: ما مكروا هم برسول الله من أنواع المكر حين هموا بقتله ~~وإخراجه؛ كقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك. . .) الآية. # ويحتمل أيضا أنه لما خرج ودعا الناس إلى توحيد الله، أقعدوا على الطرق ~~والمراصد ناسا يقولون لمن قصد رسول الله: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه مجنون؛ ~~يصدون الناس بذلك عنه، ms3660 فذلك كيدهم ومكرهم به، وقد كان منهم برسول الله من ~~أنواع المكر سوى ذلك مما لا يحصى. # وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله). # هو في الدنيا من أنواع العذاب والقتل الذي نزل بهم، ويحتمل أن يكون ذلك ~~في الآخرة، والله أعلم. # PageV08P498 # وقوله: (فهل ينظرون إلا سنت الأولين). # قال بعضهم: ما ينظرون إلا سنته في الأولين، وسنته في الأولين الاستئصال ~~والإهلاك عند العناد والمكابرة. # وقال بعضهم: ما ينظرون بإيمانهم إلا سنة الأولين: الإيمان عند معاينتهم ~~العذاب، وإن كان لا يقبل ولا ينفعهم ذلك؛ كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده. . .) الآية. # وقوله: (فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا). # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: (لن تجد لسنت الله): وهي الاستئصال عند العناد والمكابرة (تحويلا) ~~وإن اختلفت جهة الهلاك والاستئصال؛ كقوله: (يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل)، وقوله: (تشابهت قلوبهم)، لا شك أن نفس القول منهم مختلف في الكفر ~~وسببه متفرق، ثم أخبر أن قول هؤلاء ضاهى قول أولئك، وشابهت قلوب بعض بعضا، ~~وإن كان سبب ذلك وجهة الكفر مختلفا؛ فعلى ذلك سنته لا تحول ولا تبدل وهي ~~الاستئصال، وإن كان جهة ذلك وسببه مختلفا. # والثاني: (فلن تجد لسنت الله) التي سن فيهم وحكم مدفعا ولا رادا، أي: لن ~~يجدوا إلى دفع ما سن فيهم وحكم من العذاب والهلاك دافعا، ولا رادا؛ كقوله: ~~(ولا يجدون عنها محيصا). # والثالث: (فلن تجد لسنت الله) وهي إيمانهم الذي يؤمنون عند معاينتهم ~~العذاب وعند نزوله بهم (تحويلا) و (تبديلا)، أي: يؤمنون لا محالة ولكن لا ~~ينفعهم ذلك في ذلك الوقت. # والرابع: أن كل سنة سنها في كل قوم وكل أمة وإن اختلفت، لن تجد لذلك ~~تحويلا ولا تبديلا، والله أعلم. # وقوله: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا (44) # هذا يخرج على وجوه: # أحدها: قد. ساروا في الأرض، ونظروا إلى ms3661 ما حل بأولئك بالتكذيب والعناد، ~~لكن لم يتعظوا بهم، ولم ينفعهم ذلك. # والثاني: على الأمر: أن سيروا في الأرض، وانظروا ما الذي نزل بأولئك؟ ومم ~~نزل؟ واتعظوا بهم، وامتنعوا عن مثل صنيعهم. # PageV08P499 # والثالث: أنهم وإن ساروا في الأرض ونظروا في آثارهم لم ينفعهم ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله: (وكانوا أشد منهم قوة). # أي: أنهم كانوا أكثر عددا وأشد قوة وبطشا منكم، ثم لم يكن لهم دفع ما نزل ~~بهم وحل، فأنتم يا أهل مكة مع قلة عددكم وضعفكم لا تقدرون على دفع ذلك عن ~~أنفسكم. # وقوله: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض). # الإعجاز في الشاهد يكون بوجهين: # أحدهما: الامتناع؛ يقول: لا يقدر أحد أن يمتنع عنه ومن عذابه. # والثاني: القهر والغلبة؛ يقول: لا يسبق منه بالقهر والغلبة، بل هو القاهر ~~والغالب على خلقه (إنه كان عليما قديرا). # وقوله: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ... (45) من المعاصي والمساوي، ~~(ما ترك على ظهرها من دابة)، أي: على ظهر الأرض، ووجهه: اكتفاء بما سبق من ~~ذكر الأرض، وهو قوله: (إن الله يمسك السماوات والأرض). # أو علم الناس وفهموا من ذكر الظهر: ظهر الأرض؛ لما على ظهر الأرض يكتسب ~~ما يكتسب. # ثم قوله: (ما ترك على ظهرها من دابة) قال بعضهم: المراد بالدابة: ~~الممتحنون المميزون وهم بنو آدم خاصة؛ لأنهم أهل اكتساب واجتراح؛ إذ قد ذكر ~~الإهلاك بما يكتسبون، وهم أهل الاكتساب دون غيرهم من الدواب. # وقال بعضهم: كل دابة من البشر وغيره؛ لأن غيره من الدواب إنما أنشئت ~~للبشر ولحوائجهم لا لحاجة أنفسها أو لمنفعة لها حيث قال: (هو الذي خلق لكم ~~ما في الأرض جميعا)، وقوله: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه)، فإذا كان غيرهم من الأشباء منشأة لهم، فإذا أهلكوا هم أهلك ما كان ~~منشأ لحوائجهم ولمنافعهم، ولا يكون إهلاك ما ذكرنا من الدواب خروجا عن ~~الحكمة على ما يقول الثنوية؛ إذ ليس من فعل الحكيم الأمر بذبح أسلم الدواب ~~والانتفاع بلحمها. # قيل: ms3662 هكذا إذا كانت تلك منشأة لأنفسها ولمنافعها، فأما إذا كان ما ذكرنا ~~أنها منشأة لنا ولمنافعنا فجائز الانتفاع بها مرة بعينها ومرة بلحمها، ولا ~~يكون فعل ذلك ولا الأمر به غير حكمة. # ثم الفرق بين إباحة الانتفاع بلحم أسلم الدواب وحظر لحم الضارة منها ~~والمضرة؛ # PageV08P500 # لأنه جعل حفظ ما ليس بضار ولا مضر إلينا، وعلينا جعل مؤنتها والذب عنها ~~ودفع المضر، فأما الضارة منها والمضرة فهي ممتنعة بنفسها متحملة مؤنتها؛ ~~كذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى). # أي: لم يؤاخذهم بما كسبوا على ظهرها لما جعل لهم من المدة؛ أحب أن ينقضي ~~ذلك، ويفي به؛ جعل لهم من المدة وما ضرب لهم من الوقت. # (فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا). # أي: عن بصيرة وعلم بكسبهم وصنيعهم، وما يكون منهم ضرب لهم المدة والوقت ~~الذي ينتهون إليه، ويبلغون آجالهم، لا عن جهل، بل لم يزل عالما بما يكون ~~منهم، لكن لما كان ضرر ذلك الذي علم أنه يكون منهم راجعا إليهم أنشأهم وجعل ~~لهم المدة، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم. # قال القتبي: أساور: جمع سوار، وهو الذي تجعله المرأة في معصمها، والنصب: ~~الشدة والتعب، واللغوب: الإعياء، لغبت بنفسي ألغب لغوبا، فأنا لاغب، وألغبت ~~غيري، أي: كلفته حتى أعياه؛ وهو قول أبي عوسجة، والاصطراخ، صياح الضجر، ~~والمقت: البغض. # * * * # PageV08P501 ### | سورة يس # كلها نزلت بمكة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط ~~مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ~~(6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر ~~كريم (11) إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين ms3663 (12) # قوله - عز وجل -: (يس (1) والقرآن الحكيم (2) # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: يا إنسان، يعني: يا محمد أقسم به: يا ~~محمد، إن هذا القرآن من عند الله نزل، وهو بلسان الحبشة. # وقال بعضهم: وهو بلسان طيئ. # وقتادة يقول: قسم، أقسم بالقرآن: إنك لمن المرسلين، ويقول: كل هجاء في ~~القرآن فهو اسم من أسماء القرآن. # وقال بعضهم: هو من فواتح السورة. # وقال بعضهم: فواتح يفتتح بها كلامه. # وقال بعضهم: اسم من أسماء الرب. # وعن معاذ بن جبل وكعب - رضي الله عنهما - قالا: (يس) قسم أقسم الله به يا ~~محمد، (إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم) دل أن الخطاب به على أثر ~~قوله: (يس) # PageV08P502 # على أنه هو المراد بقوله: (يس)؛ إذ لا يستقيم الخطاب بقوله: (إنك لمن ~~المرسلين) إلا على سبق خطاب له وذكر اسمه. # وقال عكرمة: هو حرف من الهجاء الذي افتتح به السور كسائر حروف الهجاء. # وقال بعضهم: هو من حروف الهجاء التي أقسم الله بها، بما يتلو تلك الحروف ~~من القرآن والآيات والكتاب؛ إذ من عادة العرب القسم بكل ما عظم خطره وجل ~~قدره. # فإن قيل: كيف أقسم بالقرآن وهم كانوا ينكرون القرآن أنه من عند الله؟! # قيل: إنهم وإن كانوا ينكرونه، فقد عظم قدره وجل خطره عندهم بما عجزوا عن ~~إتمان مثله بعد قرع أسماعهم بقوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن. . .) ~~الآية، ونحوه. # والثاني: أقسم به وإن كانوا ينكرونه؛ لما أن قسمه به يحملهم على السؤال ~~عنه؛ إذ كانوا لا يقسمون إلا بما عظم قدره وجل خطره، يقولون: ما هذا القرآن ~~الذي أقسم ربنا به؛ ألا ترى أنه قال: (تنزيل العزيز الرحيم)، فكأنه على ~~سؤال خرج على هذا أنه (تنزيل العزيز الرحيم)، وأن يكون القسم به وبغيره من ~~الأشياء التي عظم خطرها عندهم، على إضمار القسم برب هذه الأشياء وبإلاهها؛ ~~هذا على قول من يقول بأن القسم بالله حقيقة لا بتلك الأشياء - مستقيم، وعلى ~~قول من يجعل القسم بها لا على الإضمار هو ما ذكرنا. # وقوله: (الحكيم). ms3664 # أي: المحكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ما وصف. # وقال بعضهم: المحكم بالحلال والحرام، والوعد والوعيد، من غير أن يكون فيه ~~اختلاف. # وقال بعضهم: الحكيم؛ لأن من تمسك به وعمل بما فيه يصير حكيما. # وقوله: (إنك لمن المرسلين (3) # ولم يقل: إنك لرسول الله، وكلاهما سواء، غير أن قوله: (إنك لمن المرسلين) ~~الذين آمنوا بهم من قبل وصدقوا بهم ففيه زيادة، ليس ذلك في قوله: (إنك ~~لرسول)، والله أعلم. # وقوله: (على صراط مستقيم (4) # قال بعضهم: المستقيم: القائم بالحجج والبراهين، ليس بالهوى كسائر الأديان ~~والسبل. # وقال بعضهم: المستقيم: المستوي، أي: مستو؛ على أن من يسلكه أفضاه - أي: # PageV08P503 # الله - وبلغه إلى دار السلام. # وقال بعضهم: المستقيم، أي: استقام بالحق والعدل والصدق، لا زيغ فيه، ولا ~~جور، ولا عدول، ولا اعوجاج. # ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها. # ويحتمل وصف الدين، وذلك عامة قول أهل التأويل، والله أعلم. # وقوله: (تنزيل العزيز الرحيم (5) # أي: ذلك القرآن الذي أقسم به (تنزيل العزيز الرحيم)، أي: من عنده نزل ~~وأحكم، سمى نفسه: عزيزا رحيما عظيما لطيفا ظاهرا باطنا أولا آخرا، وفي ~~الشاهد من وصف بالعز لا يوصف بالرحمة، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة، ~~ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر؛ ليعلم ~~أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الرب - تبارك وتعالى - لأن من ~~وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر، فدل، أن ما وصف به ~~الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق، تعالى الله علوا كبيرا. # وقوله: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) اختلف فيه: # قال بعضهم: (لتنذر قوما) مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها، ~~فلم يقبلوها (فهم غافلون) أميون. # وقال بعضهم: (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم)، أي: لتنذر قوما أميين لم ~~ينذر آباؤهم، يقول قائل: لم تكن النذارة للأميين من قبل، كأنه يقول: لتنذر ~~قوما أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من ms3665 قبل؛ وكذلك قال: (لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم)؛ وهو كقوله: (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من ~~قبلك)، وقوله: (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير)، أي: لم نرسل إليهم قبلك ~~نذيرا، وأصله: أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في ~~آبائهم، بل هم غافلون. # ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها، ويحتمل الآيات ~~التي أقامها في الدنيا والقتل فيها، والله أعلم. # وقوله: (لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) # قيل: هو قوله لإبليس حيث قال: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين)، ~~و (من الجنة والناس أجمعين)، أي: حق ذلك القول ووجب. # ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل: أن نفرا هموا برسول الله ~~قتله وأذاه، # PageV08P504 # فأهلكهم الله يوم كذا إلا واحدا أو اثنين. # ويحتمل أن يكون ذلك في جميع مكذبيه ورادي رسالته ويتأسى أتباعه، ولا شك ~~أن أكثر من بعث هو إليهم كانوا كذلك لهم في الآخرة أو في قوم خاص علم الله ~~أنهم لا يؤمنون أبدا؛ ألا ترى أنه قال على أثر ذلك: (وسواء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون). # ثم في قوله. (لأملأن جهنم)، وقوله: (لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون) نقض قول المعتزلة ورده عليهم؛ لأنه وعد - عز وجل - أنه يملأ جهنم ~~بمن ذكر، فيقال لهم: أراد أن يفي بما وعد أم لا؛ فإن قالوا: لم يرد، فيقال: ~~أراد، إذن أن يخلف ما وعد وذلك [وخش من القول سرف]. # وإن قالوا: أراد أن يفي بما وعد، لزمهم أن يقولوا: أراد أفعالهم التي ~~فعلوا فيلزمهم قولنا، وبالله العصمة. # وقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) # يحتمل أن يخرج على التمثيل، ويحتمل على التحقيق: فإن كان على التمثيل، ~~فهو وصفه إياهم بالبخل، والكف عن الإنفاق على الفقراء والمساكين وأهل ~~الحاجة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو كقوله: (ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك)، نهاه عن ms3666 البخل والكف عن الإنفاق كمغلول اليد لا يقدر ~~على الإنفاق، ليس على إرادة غل اليد حقيقة ولكن على ترك الإنفاق؛ فعلى ذلك ~~جائز أن يكون ذلك وصفا لهم بالبخل وترك الإنفاق عليهم. # وإن كان على حقيقة الغل والأعناق، يحتمل ما قاله أهل التأويل: إن أبا جهل ~~- لعنه الله - حلف لئن رأى محمدا ليدمغنه، فأتاه أبو جهل وهو يصلي ومعه ~~حجر، فرفع الحجر؛ ليدفع له النبي - صلى الله عليه وسلم - فيبست يده إلى ~~عنقه وألزق الحجر بيده، فلما رجع إلى أصحابه قال رجل: أنا أقتله، فأخذ ~~الحجر، فلما دنا منه طمس الله بصره، فلم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه؛ فذلك قوله: (وجعلنا من ~~بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ... (9) # ويحتمل أن يكون ذلك لهم في الآخرة إن كان على التحقيق؛ وهو كقوله: (إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في الحميم)، وقوله: (لهم من فوقهم ظلل ~~من النار ومن تحتهم ظلل)، ونحو ذلك مما ذكر؛ فيكون قوله: (جعلنا)، أي: ~~سنجعل ذلك لهم، وذلك جائز في الكلام؛ كقوله لعيسى حيث قال: (وإذ قال الله ~~يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس)، أي: يقول له يوم القيامة، فهو بعيد غير # PageV08P505 # معقول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من قوله: (إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا)، (وجعلنا من بين أيديهم سدا. . .) إلى آخر ما ذكر في الآخرة، أي: ~~سنجعل لهم في الآخرة ذلك. # ويحتمل أن يكون فعل ذلك لهم في الدنيا من قصدهم برسول الله ما قصدوا، حتى ~~لم يجدوا السبيل إليه لا من بين يديه ولا من خلفه ولا من جهة من الجهات. # أو أن يكون قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم ~~لا يبصرون) على التمثيل، أي: جعلنا بينهم وبين الحق سدا من أمام ومن خلف، ~~فأغشينا أبصارهم فلا يبصرون الحق أبدا، وذلك في القرآن كثير، والله أعلم. # وقوله: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا). # إن الغل يكون طرفه في ms3667 العنق، وطرفه الآخر في اليد؛ فتكون اليد اليمنى ~~مغلولة إلى العنق، وعلى ذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (إنا جعلنا في ~~أيمانهم أغلالا)، وفي بعض الحروف: (في أيديهم أغلالا). # وقوله: (فهم مقمحون). # قال بعضهم: رافعو رءوسهم إلى السماء؛ لأنه كذلك يكون إذا غل عنق المرء ~~إلى الذقن لا يستطيع أن ينظر في الأرض، وكذلك قيل للإبل إذا شربت الماء: ~~أقمحت، أي: رفعت رأسها. وقال بعضهم: الإقماح: هو غض البصر. # وقال أبو عوسجة والقتبي: المقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: غاض ~~طرفه بعد رفع رأسه، جمعت أيديهم إلى أعناقهم. # وقوله: (تنزيل العزيز الرحيم). # قد قرئ بالرفع والنصب والخفض جميعا: فمن قرأها بالرفع فهو على الابتداء، ~~ومن قرأها بالخفض فهو على النعت؛ كقوله: (والقرآن الحكيم) (تنزيل العزيز ~~الرحيم)، ومن قرأ بالنصب فعلى القطع؛ لأن الكلام قد تم دونه. # وقوله: (فأغشيناهم). # بالغين والعين جميعا: فمن قرأ بالغين فهو من الغشاوة، ومن قرأ بالعين فهو ~~من قوله: # PageV08P506 # (ومن يعش عن ذكر الرحمن)، وهو من الإعراض. # وفي قوله: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) وجهان من الاستدلال ~~على المعتزلة لقوله: (فأغشيناهم) أضاف إلى نفسه وإن كان منهم صنع، ويجوز أن ~~يستدل بخلق أفعالهم منهم. # وقوله: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر ~~كريم (11) # ومن لم يتبع، (وخشي الرحمن): ومن لم يخش. # أو إنما ينتفع بالذكر من أتبع الذكر وخشي الرحمن، فأما من لم يتبع الذكر ~~ولم يخش الرحمن فلا ينتفع. # أو أن يكون فيه إخبار بإنذاره من اتبع الذكر، وليس فيه نفي عن إنذار من ~~لم يتبع الذكر ولا تخصيص منه بالإنذار أحد الفريقين دون الآخر، والله أعلم. # والذكر يحتمل القرآن، ويحتمل غيره من الذكرى؛ كقوله: (وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين). # وقوله: (وخشي الرحمن بالغيب فبشره). # بالغيب: بالآثار والأخبار التي انتهت إليهم من غير مشاهدة وقعت لهم، أو ~~بالغيب بما رأوه من آثار سلطانه وقدرته هابوه وخشوا عذابه ونقمته، والله ~~أعلم. # وقوله: (فبشره بمغفرة وأجر كريم). ms3668 # يحتمل البشارة بالمغفرة عما سلف من الذنوب والإجرام إذا رجعوا عنها، أو ~~عن تقصير كان منهم في الفعل في خلال ذلك، وإن اعتقدوا في الجملة ألا ~~يخالفوا ربهم قي فعل ولا في قول؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه ترك ~~مخالفة الرب في كل الأحوال، وإن تخلل في بعض أحواله تقصيرا ومخالفة الرب ~~بغلبة شهوة أو طمع في عفوه ورحمته. # (وأجر كريم) قيل: حسن، ويحتمل تسميته: كريما؛ لما يكرم كل من نال ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين (12) # كأنه - والله أعلم - يذكر هذا ليس في موضع الاحتجاج عليهم، ولكن على ~~الإخبار أنه هو محييهم إذا ماتوا. # وقوله: (ونكتب ما قدموا وآثارهم). # قال عامة أهل التأويل: نكتب ما قدموا وآثارهم وما أسلفوا في حياتهم ~~وعملوه، # PageV08P507 # ونكتب أيضا آثارهم وهو ما سنوا من سنة من خير أو شر فاقتدي بهم من بعد ~~موتهم، على ما ذكر في الخبر: " إن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، فله ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "؛ ~~وهو كقوله أيضا: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر). # وقال بعضهم: (وآثارهم) أي: خطاهم التي خطوها في الخير والشر. # وقال قتادة: لو كان الله مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفى ~~الرياح من هذه الآثار، وروي على هذا عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري - رضي ~~الله عنهما - قالا: " إن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد فأرادوا أن ~~ينتقلوا قريبا من المسجد، فنزل: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن آثاركم تكتب "؛ فلم ~~ينتقلوا، فإن ثبت هذا فهو دليل لمن يقول بالآثار: الخطا. # وقوله: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين). # أي: كل شيء من أعمالهم من خير أو شر محصى ms3669 محفوظ (في إمام مبين). # يحتمل قوله: (في إمام مبين)، أي: في الكتاب الذي تكتب فيه، أعمالهم في ~~الدنيا؛ كقوله: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)، أي: بكتابهم الذي كتبت أعمالهم ~~فيه؛ ألا ترى أنه قال: [(فمن أوتي كتابه بيمينه. . .)] الآية. # ويحتمل (في إمام مبين): في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) ~~قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~(15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين ~~(17) # PageV08P508 # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # وقوله: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) # يحتمل الأمر لرسوله بضرب مثل أصحاب القرية لقومه وجهين: # أحدهما: أن الخبر قد كان بلغ هؤلاء، أعني: خبر أصحاب القرية التي بعث ~~إليهم الرسل، وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل وسوء معاملتهم إياهم، إلا أنهم قد ~~نسوا ذلك وغفلوا عنه، فأمرهم بالتذكير لهم والتبيين؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم ~~وسوء معاملتهم رسولهم. # والثاني: يحتمل أن لم يكن بلغهم خبر أولئك وما نزل بهم بسوء معاملتهم ~~الرسول، فأمره أن يعلم قومه ذلك ويبين لهم، فيسألون عن ذلك أهل الكتاب، ~~فيخبرونهم بما كان في كتبهم؛ فيعرفون صدق رسول الله فيما يخبرهم، فيكونون ~~على حذر عن مثل صنيعهم ومعاملتهم الرسل؛ وعلى ذلك تخرج هذه الأنباء والقصص ~~المذكورة في الكتاب على هذين الوجهين، والله أعلم. # وقوله: (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم ~~مرسلون (14) أي: قوينا بثالث، اختلف فيه: # قال بعضهم: إن عيسى ابن مريم كان بعث إليهم أولا رسولا فأتاهم، فدعاهم ~~إلى التوحيد، وأقام على ذلك حججا وبراهين، فكذبوه وقالوا: ما نعرف ما تقول، ~~ثم بعث من بعده رسولين فقال لهما ذلك الرسول: إنهم سيكذبونكما كما كذبوني ~~قبلكما وسيقولون لكما إذا دعوتماهم إلى التوحيد: ms3670 ماذا تحسنان؛ فإذا قلتما: ~~نبرئ الأكمه والأبرص، قالوا: فينا من يحسن ذلك، فإن قلتما: نشفي المريض، ~~قالوا: فينا من يحسن ذلك ونحوه، ولكن قولا أنتما: نحيي الموتى، وأنا أقول ~~لهم: إني لا أحسن أنا؛ فهو قوله: (فعززنا بثالث) أي: قوينا وشددنا بثالث، ~~ففعلوا ذلك فقالوا عند ذلك: قد تواشيتم علينا بهذا الكلام، أو تواطأتم، أو ~~كلام نحوه، فأخذوا وعذبوا وأهلكوا؛ وهو قول ابن عباس، رضي، الله عنه. # ومنهم من يقول: بعث أولا رسولان فكذبوهما، فبعث ثالث بعد ذلك (فعززنا ~~بثالث)، أي: عززنا الرسولين بثالث، أي: قويناهما. # PageV08P509 # وقرأ بعضهم: (عززنا) بالتخفيف، أي: غلبنا. # لكن ذكر أنهم قتلوا جميعا وأهلكوا - أعني: الرسل - فكيف يكون الغالب ~~مقتولا مهلكا؟! # ويجوز أن يكون المقتول مقويا؛ دل أن قراءة من يقرأ بالتخفيف ضعيف والأول ~~أقوى وأقرب، والله أعلم. # وقوله: (فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما ~~أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) # وكذلك قول أهل مكة لرسول الله: إنه ساحر وإنه مجنون وإنه مفتر مختلق، ~~وقولهم: (وما أنزل الرحمن من شيء). # وقوله: (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) # لما أيسوا من إيمانهم وتصديقهم إياهم، فزعوا إلى الله، وتضرعوا إليه. # أو أن يقولوا بأن الله أعلم بما أطلعكم بأنا إليكم لمرسلون بالحجج ~~والآيات. # وقوله: (وما علينا إلا البلاغ المبين (17) # أي: ليس علينا من ترك إجابتكم لنا ورد الرسالة شيء، إنما ذلك عليكم. # وقوله: (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب ~~أليم (18) # دل هذا القول منهم على أنه قد نزل شيء من العذاب والشدة حتى تشاءموا بهم ~~ذلك ولم يزل عادة الكفرة التطير بالرسل عند نزول البلاء بهم؛ كقوله: (قالوا ~~اطيرنا بك وبمن معك)، وقوله: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه. . .) ~~الآية. # وقوله: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # يقول - والله أعلم -: شؤمكم معكم حيثما كنتم ما دمتم على ما أنتم عليه من ~~العناد والتكذيب، ويذكر أهل التأويل: أن القرية كانت أنطاكية وأن الذي بعث ~~هؤلاء ms3671 الرسل إليهم عيسى - صلوات الله عليهم أجمعين - ولكن لا نعلم ذلك، ~~وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. # وقوله: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون). # قال بعضهم: تشاؤمكم معكم أين كنتم وحيثما كنتم، ما دمتم على ما أنتم ~~عليه. # وقال بعضهم: طائركم معكم إذ ذكرتم فلم تقبلوا التذكير ونحوه. # PageV08P510 # ويحتمل وجها آخر: أن الذي أصابكم كان مكتوبا في أعناقكم، أئن وعظتم بالله ~~تطيرتم بنا (بل أنتم قوم مسرفون). # * * * # قوله تعالى: (وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين ~~(20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم ~~فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما ~~كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (30) ألم يروا كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون ~~(32) # وقوله: (وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين). # قال عامة أهل التأويل: إن هذا الرجل يسمى: حبيب النجار، وهو من بني ~~إسرائيل، كان في غار يعبد الله، فلما سمع بالرسل، نزل وجاء، فقال ذلك ما ~~قال، لكن لا ندري من كان؟ وليس لنا إلى معرفة اسمه حاجة. # ثم يحتمل قوله: (من أقصا المدينة رجل يسعى) رغبة في الرسل وفي دينهم ~~فدعاهم إلى اتباع الرسل. # أو أن يكون كان مؤمنا مسلما مختفيا، فلما بلغه خبر إهلاك الرسل، جاء ~~يسعى؛ إشفاقا عليهم؛ لئلا يهلكوا - أعني: الرسل - فقال: (يا قوم اتبعوا ~~المرسلين. اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) أي: اتبعوا الهدى، ~~والهدى مما يجب أن يتبع، ولا يسألكم على اتباع الهدي ms3672 أجرا؛ فيمنعكم الأجر ~~عن اتباع الهدى. # أو أن يقول: اتبعوا المرسلين، واعلموا أنهم مهتدون حيث لا يسألونكم أجرا ~~وهم مهتدون في الدنيا ولا العز؛ إذ كل من لا يسأل هذا فهو مهتد، وكل مهتد ~~متبع، وهذا يدل أن طلب الأجر في ذلك مما يجعل صاحبه معذورا في ترك الاتباع؛ ~~وكذلك قوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون)، أي: لا يسألكم أجرا حتى ~~يمنعكم ثقل الأجر عن إجابتها واتباعه، وهذا ينقض ويبطل قول من يبيح أخذ ~~الأجر على تعليم القرآن # PageV08P511 # والعلم؛ لأنه إذا كان له ألا يعلم إلا بالأجر كان له ألا يعلم بكل أجر، ~~ففي ذلك إبطال الدين وجعل الرخصة لهم في ترك ذلك، وذلك سمج قبيح، والله ~~أعلم. # وقوله: (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) # يخرج على وجهين: # أحدهما: على الاحتجاج عليهم بعد سؤال كان من أولئك له في الرجوع إلى ~~عبادة من يعبدونه دون الله وترك عبادة الله، فقال: إنكم تعبدون هذه الأصنام ~~رجاء أن يقربكم ذلك إلى الله زلفى، وما لي لا أعبد الذي ترجون أنتم الزلفى ~~والقربة منه؟! والثاني: على التذكير والتنبيه لهم: أنتم تعلمون أن الذي ~~فطرنا وخلقنا هو المستحق للعبادة لا من لم يفطر ولم يخلق، ثم تعلمون أن ~~الله هو فطرنا وخلقنا لا الأصنام التي تعبدونها، وما لي لا أعبد الذي فطرنا ~~وأترك الذي لم يفطرنا؟! والله أعلم. # وقوله: (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ~~ولا ينقذون (23) # يقول: أأتخذ من دون الله معبودا لو أراد الله بي ضرا لم يملك ذلك المعبود ~~دفع ذلك عني، ولو نزل بي شدة أو بلاء منه، لم يقدر استنقاذي منه، ولو طلبت ~~منه جر نفع لم يقدر على جلبه إلي، وأترك عبادة من أعلم أن ذلك كله منه، وهو ~~المالك لذلك كله: من جر نفع، ودفع ضر وبلاء، وفي الحكمة: العبادة لمن يملك ~~ذلك كله لا لمن لا يملك، وبالله التوفيق. # وقوله: (إني إذا لفي ضلال مبين ms3673 (24) # أي: لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين، فذكر أنه لما قال لهم ذلك أمر ~~بقتله، فعند ذلك قال: (إني آمنت بربكم فاسمعون (25) يحتمل قوله: (فاسمعون) ~~أي: أجيبوني في قولي: (اتبعوا المرسلين. . .) الآية. # وقال بعضهم: (فاسمعون)، أي: اشهدوا لي. # ويحتمل قوله: (فاسمعون) حقيقة السماع، أي: اسمعوا قولي وإيماني، لا ~~يمنعني عنه ما تخوفونني، والله أعلم. # وقوله: (قيل ادخل الجنة ... (26) # PageV08P512 # قال بعضهم: أي أوجبت له الجنة وما ذكر للشهداء وأري الثواب؛ فقال عند ~~ذلك: (يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي. . .) الآية. # ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء: (بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) ~~فرحين) الآية. # أو أن يكون قوله: (قيل ادخل الجنة) وأن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى ~~ابن مريم: (أأنت قلت للناس اتخذوني)، وإنما هو أن يقال له يومئذ؛ فعلى ذلك ~~يحتمل الأول. # وقوله: (يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) # قيل: إنه نصحهم حيا وميتا، ولم يترك نصحهم لمكان ما عملوا وفعلوا به من ~~السوء وأنواع التعذيب، ولكن تمنى أن ليت قومي أن يكونوا يعلمون ما أعطي هو ~~بالإيمان بربه والتصديق برسله؛ ليعطوا مثل ما أعطي هو، وهكذا الواجب على كل ~~مؤمن ألا يترك النصيحة لجملة المؤمنين، وإن لحقه منهم أذى أو سوء. # وقال قتادة: ولا يلقى المؤمن إلا ناصحا، ولا يلقى غاشا؛ لما عاين ما عاين ~~من كرامة الله، قال: (يا ليت قومي يعلمون) تمني والله أن يعلم قومه ذلك؛ ~~ليعلموا أن أهل الإيمان ليسوا بأهل غش ولا نذالة لعباده. # وقال: قيل لروحه: ادخل الجنة، فتمنى روحه أن يعلموا إلى ما صار هو، ~~ليؤمنوا بالرسل ولا يكذبهم. # وقوله: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين ~~(28) # أي: من بعد قتل ذلك الرجل (من جند من السماء): من الملائكة، أي: لم ننزل ~~على قومه في هلاكهم بعد صنيعهم بمكانه وإهلاكهم إياه - جندا من السماء، ~~ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي: لم نفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا ms3674 قتل ~~رسلهم وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود في استئصال من فعل ذلك بهم، ولكن ~~أهلكهم بصيحة واحدة. # ثم يحتمل قوله: (إن كانت إلا صيحة واحدة ... (29) أي: قدر صيحة واحدة، ~~أي: أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها. # ويحتمل الإهلاك بالصيحة، أي: أهلكوا بالصيحة، والله أعلم. # وقوله: (فإذا هم خامدون). # قيل: موتى مثل النار إذا خمدت وطفئت، لا يسمع لها صوت. # PageV08P513 # وقوله: (يا حسرة على العباد ... (30) # في تركهم الإيمان بالله وتكذيبهم الرسل واستهزائهم بهم، والحسرة: قال بعض ~~أهل الأدب: هي الغاية من الندامة، إذا انتهت الندامة غايتها يقال: حسرة. # وقال بعضهم: الحسرة: الحزن والتحزن والتندم؛ وهو واحد. # ثم قال بعضهم في قوله: (يا حسرة على العباد): أي: يا حسرة الرسل على ذلك ~~المؤمن المقتول على الإيمان بهم. # وقال بعضهم: يا حسرة أولئك الكفرة على أنفسهم إذا عاينوا العذاب على ما ~~كان منهم من الاستهزاء على الرسل؛ كقوله: (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها)، ~~وقوله: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله)، والله أعلم. # وقوله: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) # فإن قيل: كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم وهم كانوا ينكرون البعث والرجوع ~~بعد الموت؟! فهو يخرج على وجوه: # أحدها: (ألم يروا) أي: قد رأى أهل مكة هلاكهم في الدنيا وأنهم إليهم لا ~~يرجعون أحياء، فيخبرونهم أنهم بم أهلكوا في هذه الدنيا؟ وبماذا عذبوا فيها؟ ~~فهلا يعتبرون وينظرون أنهم إنما أهلكوا بتكذيب الرسل فيرتدعوا عن ذلك. # (وإن كل) يعني الأمم كلها، يقول - والله أعلم -: وما كل إلا جميع لدينا ~~محضرون في الآخرة. # أو يقول: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم) بالتكذيب للرسل من القرون أنهم ~~إليهم لا يرجعون أبدا حتى يوم القيامة، وهما واحد. # أو أن يكون ذلك يخرج على إبطال قول أهل التناسخ حيث قالوا: إن الأرواح ~~إذا خرجت من أبدان قوم دخلت في أخرى، فيقول - والله أعلم - ردا عليهم: (ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون)؛ إذ لم ير روحا، ~~أخبر أنه خرج ms3675 من جسد هذا ودخل في آخر. # أو أن يكون ذلك يخرج على نقض قول قوم وهو ما ذكر عن ابن عباس - رضي الله ~~عنه - أنه سئل فقيل: إن ناسا يقولون: إن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، ثم ~~قال: " بئس القوم نحن إذا كنا نكحنا نساءهم وقسمنا ميراثهم، ثم تلا: (ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم # PageV08P514 # من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) ". # أو أن يكون. على إيجاب البعث أن من كذب الرسل ومن صدقهم ومن عمل ما يحمد ~~عليه وما يذم، قد استووا جميعا في هذه الدنيا، فلابد من دار أخرى يميز ~~بينهما، بين المصدق وبين المكذب، وبين المحمود والمذموم، يؤيد ذلك قوله: ~~(وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وقوله: (لدينا) و (عندنا) ونحوه من ~~الظروف خصها بذلك الاسم وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا أن ~~المقصود من إنشاء هذه تلك ومن هذا العالم الفاني ذلك العالم الباقي؛ إذ لو ~~لم يكن تلك ولا ذلك العالم البافي، لم يكن إنشاء هذه حكمة؛ لأنه يحصل ~~الإنشاء والخلق على الإفناء خاصة وإحداث الشيء للإفناء خاصة لا لعاقبة تقصد ~~عبث باطل. # * * * # قوله تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ~~ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) # وقوله: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها). # جائز أن يكون قوله: (وآية لهم) أي: آية البعث لهم ما رأوا الأرض ميتة في ~~وقت يابسة لا نبات فيها ولا شيء، ثم رأوها حية مخضرة متزينة بأنواع النبات، ~~متلونة بألوان الخارج منها، فيخبر أن من قدر على هذا لقادر على إحياء ~~الموتى بعد ما بليت أجسادهم وصاروا رمادا، وأن من قدر على هذا لا يعجزه ~~شيء، ولا يصعب عليه شيء، فهذه آية ظاهرة على البعث مشاهدة محسوسة. # وفيه آية يحتاج إلى أن تستخرج منها بالحكمة وهو ما ذكر (وأخرجنا منها حبا ~~فمنه ms3676 يأكلون): أنه لما أخرج من الأرض حبا، وجعل غذاءهم فيه من غير أن ~~يستوجبوا ذلك منه؛ دل أنه إنما جعل ذلك؛ ليمتحنهم بأنواع المحن على علم منه ~~أن منهم من يشكر ومنهم من يكفر، وقد سوى بينهم في هذه بين الكافر منهم وبين ~~الشاكر، فلابد من دار أخرى فيها يقع التمييز بينهم: الثواب للشاكر، والعقاب ~~للكافر؛ إذ في الحكمة التفريق لا الجمع، وعلى ذلك ما ذكر من جعل الجنان لهم ~~والنخيل والأعناب وتفجير العيون وغيره، وذكر في آخره: (أفلا يشكرون) رب هذه ~~النعم كلها. # PageV08P515 # أو أن يكون وجه الدلالة فيه من وجه آخر: وهو أنه لما أنشاهم وعلم ما يصلح ~~لهم من الغذاء وما لا يصلح لهم ما يكون لهم من غذاء، وما لا يكون قبل أن ~~ينشئهم؛ دل أنه عالم بذاته قادر لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء. # أو أن يكون لما أنشأ هذه الأشياء التي ذكر لهم لا يحتمل أن يتركهم سدى، ~~لا يمتحنهم بشيء ولا يأمرهم بشيء ولا ينهى عن شيء، فإن ثبت المحنة ثبت ~~البعث وظهر الثواب والعقاب. # وفي قوله: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا. . .) إلى ~~آخر ما ذكر من أنواع الفواكه والثمار وغيرها - آية الوحدانية له والألوهية، ~~ودلالة الجود والكرم له؛ ليرغبوا فيه ويطمعوا منه، ودلالة العدل له ~~والسلطان ليهابوه، ودلالة البعث؛ لما ذكرنا، ودلالة أن هذه النعم منه؛ ~~ليشكروه حيث قال في آخره: (أفلا يشكرون)، والله أعلم. # وقوله: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون (36) # من الناس من يقول: إن الأزواج هي التي لها مقابل من الأشكال والأضداد مما ~~للخلق فيه فعل ومما لا صنع لهم فيه، حيث قال: (مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ~~ومما لا يعلمون)، ويستدل بذلك على خلق أفعال العباد، وهو ما قال: (خلق ~~الأزواج كلها)، ومن الأزواج ما يكون فعلا لهم، وقد أخبر أنه خلقها كلها دل ~~أنه خالق أفعالهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ms3677 فإذا هم مظلمون (37) والشمس ~~تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق ~~النهار وكل في فلك يسبحون (40) # وقوله: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون). # في ذلك آيات من وجوه: # أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت. # والثاني: آية الوحدانية له والألوهية. # والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي. # أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهارا، ومن جعل ما هو نهار ~~ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء، ومجيء الآخر وانثزاع ~~هذا من هذا وإدخاله # PageV08P516 # في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة ~~مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد ~~الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا، والأعجوبة ~~في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهارا، وجعل النهار ليلا ~~وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل ~~أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله. # وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي ~~إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في ~~هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى ~~أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك ~~وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على ~~إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما ~~أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو رد على ~~الثنوية. # وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه ~~على تقدير حاجة أهله ms3678 - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه ~~على أمر واحد على غير تغير وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه ~~وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالما بحوائجهم ومنافعهم حيث ~~أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علما ذاتيا وتدبيرا ~~أزليا لا علما مكتسبا ومستفادا، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن ~~يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا ~~وقعت الحاجة في الليل، ولا يقدر أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت ~~آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء ~~لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل ~~أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم ~~كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول ~~الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان ~~يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من ~~الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى ~~له وانكشف، والله أعلم. # وقوله: (نسلخ) أي: ننزع منه النهار. # PageV08P517 # وقوله: (فإذا هم مظلمون). # أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة. # ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم ~~البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رمادا، وإنكارهم الرسالة، وهم ~~كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من ~~أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين الله - تعالى - في هذه ~~السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري ~~الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: (وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها)، وفيه دلالة القدرة على البعث على ما بينا فيما ms3679 تقدم. # وفي قوله: (وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ~~ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع ~~من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما ~~بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع ~~وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع ~~والتمانع في العرف، والله أعلم. # وما ذكر أيضا من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ ~~أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة ~~العلم الذاتي والتدبير الأزلي: # أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما ~~في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ ~~لأنه لو كان فعل عدد، لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد ~~منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك ~~واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد. # وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار ~~كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحدا من أول إلى آخر ما ينتهي ~~ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، ~~وأن له علما ذاتيا وتدبيرا أزليا لا مكتسبا مستفادا، وعلى ذلك ما ذكر من ~~جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم ~~ولينة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك كله على أنه واحد لا شريك له قادر ~~لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: ~~(وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)، دلالة الوحدانية والقدرة ~~والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها # PageV08P518 # متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم بها؛ ليصلوا إلى ~~تلك المنافع والحوارج؛ فدل أنه فعل ms3680 واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك ~~تمانع على ما ذكرنا، وأنه عارم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: (ذلك تقدير العزيز ~~العليم) أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا ~~يخفى عليه شيء! وبالله القوة. # ثم قوله: (والشمس تجري لمستقر لها ... (38) # وفي بعض الحروت: (والشمس تجري لمستقر لها) فعلى هذا القول أي: تجري أبدا ~~لا مستقر لها ولا قرار. # ومن قرأ: (تجري لمستقر لها): أي: لنهاية لها وغاية. # ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا ~~العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: (إذا الشمس كورت)، وقوله: (الشمس ~~والقمر بحسبان)، قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم ~~في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ ~~وكذلك قال: (والقمر قدرناه منازل). # ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: " أنها إذا غربت ترفع إلى ~~السماء السابعة، تخر لله - تعالى - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع ~~"؛ ذكر في الخبر عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لما أذن ~~لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من ~~النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، ~~فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه "، وذكر في القمر كذلك من الحبس ~~والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: " أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش "، وفي ~~بعض الأخبار: " بكف من ضوء العرش، وبكف من نوره "، فيلبس تلك الحلة - أي: ~~ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: (هو الذي جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا)، ذكر للشمس ضياء، وللقمر نورا كما ذكر في الخبر. # PageV08P519 # وقال بعضهم: (لمستقر لها): جريانها في البحر الذي خلق الله دون السماء ~~بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس. # ويحتمل قوله: (تجري لمستقر له) أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم. ~~. # وقوله: (ذلك ms3681 تقدير العزيز العليم). # (العزيز): الذي لا يعجزه شيء، ويعز من أن يغلبه شيء، (العليم): الذي يعز ~~من أن يخفى عليه شيء. # وقال بعضهم: (العزيز): الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحدا إلا وأثر ~~الذل والحاجة فيه ظاهرة. # وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم ~~وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم. # وقوله: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) # أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضا تزداد ~~وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي ~~وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في ~~الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو ~~- والله أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سببا للوصول إلى معرفة الأوقات ~~والحساب والحجج بقوله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)، وعلى ~~ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفا في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما ~~الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا ~~تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا ~~يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من ~~هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأما الأيام فإنه لم يجعل فيها ~~تغيير، فهو - والله أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا ~~لتعريف الأوقات والحساب. # وقوله: (حتى عاد كالعرجون القديم). # قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه ~~القمر # PageV08P520 # آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة. # قال بعضهم: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم ~~الذي أتى عليه الحول، وهما واحد. # وقوله: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في ~~فلك يسبحون (40) # جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن ~~الليل؛ ألا ms3682 ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: (ولا الليل ~~سابق النهار) يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقا لهذا. # وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ~~ألا يدرك ضوء هذا هذا، ولا ضوء هذا هذا؛ فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا ~~في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد. # أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما ~~دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من ~~تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب ~~به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ~~ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما ~~إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزلي، لا ~~مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ ~~النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار ~~سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد. # وقوله: (وكل في فلك يسبحون). # يعني: الشمس والقمر، قال بعضهم: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ~~ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي ~~يدور عليه الشمس والقمم. # وقال بعضهم: إن تحت السماء في الهواء بحرا مكفوفا، فيه تطلع الشمس وفيه ~~تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: (في فلك يسبحون) على حقيقة ~~السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا. # PageV08P521 # وقال القتبي وأبو عوسجة: (نسلخ)، أي: نخرج، والعرجون: عرجون النخلة، مثل ~~العنقود من العنب، والعراجين جماعة، (يسبحون): من السباحة. # * * * # قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ms3683 ينقذون ~~(43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) # ثم قوله: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون). # اختلف في ذلك الفلك: # قال بعضهم: هي السفينة التي حمل فيها نوح وأتباعه. # وقال بعضهم: أراد به السفن كلها التي يحمل عليها ويركب. # والفلك: يقال: هو واحد وجماعة، فإن كان المراد بالفلك السفينة المشار ~~إليها وهي سفينة نوح، كان قوله: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) غيرها من ~~السفن التي اتخذت للركوب. # وإن كان المراد به غيرها من السفن، كان قوله: (وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون) إنما هي الأنعام التي يركبون عليها في المفاوز والبراري، كقوله: ~~(وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون)، ونحوه. # ثم إن كان المراد بقوله: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) السفن، كان ~~في ذلك نقض قول المعتزلة في قولهم: أفعال العباد ليست بمخلوقة؛ حيث أخبر ~~أنه خلق السفن، والسفن إنما سميت سفنا بعد ما اتخذت ونحتت، فأما قبل ذلك، ~~فهي تسمى: خشبا، والله أعلم. # ثم قوله: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم). # يحتمل قوله: (حملنا ذريتهم) معنيين: # أحدهما: أنا حملنا من أنتم من ذريتهم في الفلك المشحون، وهم الذين حملهم ~~مع نوح في سفينته. # والثاني: أنا حملنا ذرية قومك في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في الفلك، ~~نسبهم إليهم لما أنهم أصل لهؤلاء؛ كقوله: (خلقكم من تراب)، وإنما نسبنا إلى ~~آدم؛ لأنه أصلنا وهو المخلوق من التراب فعلى ذلك هذا، لكن الفائدة في ~~التأويل الأول غير الفائدة في التأويل الثاني إن كان المراد بقوله: (وآية ~~لهم أنا حملنا) من أنتم من ذريتهم هذا، ففائدته: أنكم من ذرية من نجا منهم ~~من آبائكم، وهم الذين آمنوا برسولهم # PageV08P522 # وصدقوه، لا من كذب به، فكيف لا اتبعتموهم؟! لأن العرب من عادتهم لا ~~يزالون محتجين: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون). # وإن كان المراد المعنى الثاني فيقول: إن في آبائكم من قد صدق الرسل، وآمن ~~بهم، ومنهم من كذبهم، فكيف اتبعتم الذين كذبوهم دون الذين صدقوهم؟! # ثم جهة الآية في ms3684 الفلك ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: إما في تذكير ما ~~أنعم عليهم حيث سخر لهم ما في البحار والبراري حتى يصلوا إلى قضاء حوائجهم ~~ومنافعهم في الأمكنة النائية البعيدة بالسفن التي أنشأها لهم والأنعام التي ~~خلقها لهم. # أو يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على تسخير هذا وإيصال هذا بهذا، لا ~~يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. # أو يخبر عن وحدانيته وربوبيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد لامتنع ولم يتصل، ~~ولم يصلوا إلى قضاء حوائجهم. # أو يخبر عن سفههم بعبادتهم الأصنام التي عبدوها؛ حيث قال: (وإن نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ... (43) يخبر أنا لو شئنا إغراقهم لا يملك الأصنام ~~التي يعبدونها الإغاثة لهم والاستنقاذ من ذلك، بل هو المالك لذلك؛ كقوله: ~~(ضل من تدعون إلا إياه)، وكقوله: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر). # وقوله: (إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) # يحتمل قوله: (إلا رحمة منا)، أي: لو شاء لأهلكهم، واستأصلهم بالعناد ~~والتكذيب للرسول كما فعل بأوائلهم، لكن برحمته أخر عن هؤلاء ذلك، وجعل لهم ~~متاعا إلى حين، وذلك منه رحمة، والذين كانوا من قبل عند رؤيتهم بأس الله، ~~كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. . .) الآية، ثم أخبر أنه ~~لم ينفعهم ذلك حيث قال: (فلم يك ينفعهم إيمانهم)، ولكن رحم هؤلاء؛ لمكان ~~رسول الله؛ فقبل إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله. # وفي قوله: (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم. . .) الآية. دلالة نقض قول ~~المعتزلة لقولهم في الأصلح؛ لما لا يخلو: إما أن يكون إغراقه إياهم أصلح ~~لهم في الدين، أو إبقاؤه إياهم: فإن كان إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ~~(45) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل ~~لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء ~~الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد # PageV08P523 # إن ms3685 كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) ~~فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) # وقوله: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) # اختلف في قوله: (ما بين أيديكم وما خلفكم): قال قائلون: (ما بين أيديكم): ~~ما كان من عقوبات الله ووقائعه فيمن كان قبلكم من عنادهم في آياته وتكذيبهم ~~رسله، يقول: اتقوا ذلك واحذروا نزوله عليكم، فسمى: بين أيديهم؛ لأنه مضى ~~بين أيديهم، وما خلفهم من أمر الساعة وعذابها سمى: خلفا؛ لأنه بعد ورائهم ~~غير مأتي، يقول: احذروا ذلك. # وقال قائلون: (ما بين أيديكم) هو عقوبات الآخرة هي بين أيديهم ستأتي بهم ~~وستنزل، (وما خلفكم) ما مضى من العقوبات التي نزلت بمن كان قبلكم؛ فصار ذلك ~~وراء وخلفا، يقول: احذروا ذلك. # وجائز أن يكون على غير هذا يقول - والله أعلم -: احذروا ذنوبكم التي ~~عملتم ومعاصيكم التي عصيتم في الدنيا، واحذروا أيضا ما تسنون أيضا لمن ~~بعدكم؛ كقوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت): ما قدمت: ما عمل هو، وما أخرت ما ~~سن لغيره من بعد. # وقوله: (لعلكم ترحمون). # أي: إذا فعلتم ذلك استوجبتم الرحمة بفضله، والله أعلم. # وقوله: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) # هذا - والله أعلم - في قوم خاصة اعتادوا العناد والمكابرة في رد الآيات ~~والإعراض عنها؛ لما كان سؤالهم الآيات تعنتا لا سؤال استرشاد، ولو كان ~~سؤالهم سؤال استرشاد، لكان قد أنزل لهم من الآيات وأتاهم ما يلزمهم قبولها ~~والتمسك بها. # ثم الإعراض والعناد يكون بوجهين: # أحدهما: يعرض عنها؛ لما لم تقع له؛ لترك التأمل والنظر فيها. # والثاني: يعرض عنها إعراض عناد بعد التحقيق والتيقن والعلم بأنها آيات، ~~والله أعلم. # وقوله: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) # يحتمل قوله: (أنفقوا) أي: صلة الأرحام والقرابات على حقيقة الإنفاق. # PageV08P524 # ويحتمل: أن اقبلوا الإنفاق وهو الزكاة بقوله: (وويل للمشركين (6) الذين ~~لا يؤتون ms3686 الزكاة) الآية، أي: لا يقبلون الإيتاء، والله أعلم. # وقوله: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه). # بهذا قالت المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح [له] في ~~الدين، يقولون: لو كان الإنفاق والرزق أصلح لهم في الدين لرزقهم الله على ~~ما رزقنا. # فيقال للمعتزلة: أمره إياهم بالإنفاق على من ذكر لا يخلو من أن يكون ~~النفقة لهم والرزق أصلح في الدين، ثم لم يرزقهم ولم يوسع عليهم، وإما أن ~~يكون المنع أصلح لهم وترك الإنفاق: فإن كان الأول فقد ترك فعل ما هو أصلح ~~في الدين، أو الثاني، فقد أمر هؤلاء بفعل ما هو ليس بأصلح، فكيفما كان، ~~ففيه دلالة أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين، إنما عليه فعل ما ~~توجبه الحكمة وحفظ ما يكون حكمة، وهؤلاء لم ينظروا إلى ما توجبه الحكمة، ~~وفي الحكمة الامتحان والابتلاء: هذا بالسعة وهذا بالشدة والضيق؛ ثم أوجب ~~على من وسع عليه في فضول ماله حقا لهذا الفقير والمضيق عليه، وبين ذلك ~~الحق، وبين قدره وحده، ليتأدى بذلك شكره، وضيق على هذا، يطلب منه الصبر على ~~ذلك إن منع هذا حقه، وإلا لم يسبق ممن وسع عليه ما يستوجب به تلك النعمة ~~والسعة، ولا ممن ضيق عليه ما يستوجب ذلك، ولكن محنة يمتحنهم بها: هذا ~~بالشدة والضيق، وهذا بالسعة والكثرة، هذا مأمور بالشكر وأداء ما أوجب عليه ~~في ماله، وهذا بالصبر على حاجته إن منع حقه؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لوشاءالله لجعلكم أغنياء لا فقير ~~فيكم، ولوشاء الله لجعلكم فقراء لا يغني عنكم شيئا، لكنه ابتلى بعضهم ببعض ~~لينظر كيف عطف الغني، وكيف صبر الفقير ". # وقوله: (إن أنتم إلا في ضلال مبين). # قال بعضهم: هذا قول الكفرة للمؤمنين، لم يكتفوا بذلك القول الذي قالوه، ~~ولكن نسبوهم إلى الضلال والجهل. # وقال بعضهم: هذا القول من الله جواب لهم، لقولهم: (أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه)، والله أعلم. # وقوله: (ويقولون ms3687 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) # ليس بصلة على ما تقدم من الكلام، كأنهم خوفوا بترك الإنفاق بالعذاب، ~~فقالوا عند # PageV08P525 # ذلك: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين). # ثم قال: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) # أي: ما ينظرون لإيمانهم إلا ذلك الوقت، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا ~~بلغوا ذلك الوقت وعاينوا ذلك، فعند ذلك يؤمنون، لكن لا ينفعهم الإيمان في ~~ذلك الوقت؛ لقوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل). # وقوله: (تأخذهم وهم يخصمون). # يخبر عن سرعة قيام الساعة وغفلة أهلها عنها؛ كقوله: (فيأتيهم بغتة). # أي: فجأة، وهم لا يشعرون، وعلى ذلك روي في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: " تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب، فلا يقومانه ~~حتى تقوم الساعة ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قوله: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون (50) # فقال: " تقوم الساعة والناس في أسواقهم يحلبون اللقاح، ويذرعون الثياب، ~~ويتبايعون وهم في حاجاتهم "، وعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه -: " أن ~~الرجلين ليتبايعان إذ نادى مناد: قد قامت الساعة " ونحوه. # وقوله: (فلا يستطيعون توصية). # أي: وصية؛ وكذلك ذكر في حرف حفصة وأبي، أي: فلا يستطيعون وصية. # وقوله: (تأخذهم وهم يخصمون). # يحتمل ما ذكرنا أن الساعة تقوم وهم على ما كانوا عليه من قبل في البياعات ~~والخصومات والمنازعة وعلى ذلك جاءت. # ويحتمل (تأخذهم وهم يخصمون) أي: يختصمون في الساعة والبعث أنها لا تقوم ~~ولا تكون؛ لأنهم كانوا أينكرونها، ودل قوله: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون) أن # PageV08P526 # استطاعة الفعل تكون مع الفعل لا تتقدم الفعل؛ لأنها لو كانت تتفدم، ~~لكانوا يستطيعون التوصية والرجوع إلى أهلهم إذا قامت بهم؛ دل هذا على أنها ~~لا تتقدم الفعل، لكنها تقارنه وتجامعه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) ~~قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) ~~إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا ms3688 هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس ~~شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) لهم فيها فاكهة ~~ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) # وقوله: (ونفخ في الصور). # قد ذكرنا القول في الصور في غير موضع، واختلافهم في ذلك: # قال قائلون: الصور: هو شبه القرن ينفخ فيه، وعلى ذلك روي عن عبد الله بن ~~عمرو قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصور فقال: " قرن ينفخ فيه ~~"، فإن ثبت فقد كفينا مؤنة الاشتغال بغيره. # وقال قائلون: هو على التمثيل لا على التحقيق، لكنه ذكر النفخ؛ لسرعة ~~أمرها وقيامها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا ولا أخف من النفخ، فهو عبارة عن ~~سرعتها ونفاذها؛ كقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، وهو ~~قوله: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون). # قال أهل التأويل: ينفخ في الصور ثلاثا بين كل نفخة مهلة كذا كذا سنة، ~~يقولون: في النفخة الأولى يصعق فيها كل شيء مما خلق الله؛ كقوله: (ونفخ في ~~الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله)، ثم ينفخ ثانيا ~~فيحيون بها ويخرجون من قبورهم، وهو قوله: (ونفخ في الصور فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون)، وينفخ ثالثا، فيجتمعون عند ربهم، وهو قوله: (إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون)، والله أعلم بذلك. # والنسل: هو سرعة الخروج، أي: يسرعون، قال أبو عوسجة: النسل: هو المشي ~~(ينسلون) أي: يمشون، لكنه مشي مع سرعة، وهما واحد. # PageV08P527 # وقوله: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون (52) # من الناس من ينكر عذاب القبر بهذه الآية يقول: المرقد: موضع الراحة، ~~والراقد هو الذي يكون في راحة، فلو كان لهم عذاب، أو كانوا في عذاب، لم ~~يكونوا في رقدة ولا راحة، دل أنه لا يكون. # ومنهم من يقول: يكون في القبر عذاب، إلا ms3689 أنهم لما عاينوا عذاب الآخرة، ~~صار عذاب القبر لهم كالرقاد عند عذاب الآخرة. # ومنهم من يقول: ينامون نومة قبل البعث، ثم يبعثون، ومثل هذا. # وجائز أن يكون النفس التي تخرج عند النوم تلك النفس في حال الموت، فتجد ~~تلك ألم ذلك كما تجد النفس التي تخرج من النائم ألم عذاب يصيبه، وتجد لذة ~~أيضا إذا كانت لذة، وترى في النوم أهوالا وأفزاعا وذلك معروف؛ فعلى ذلك ~~هؤلاء الكفرة يعذبون بما ذكرنا، فإذا بعثوا قالوا عند ذلك: (يا ويلنا من ~~بعثنا من مرقدنا)، والمرقد: هو الموضع الذي ينام فيه. # أو أن يكونوا في عذاب - أعني: في القبور - لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة ~~وشاهدوا أهوالها، وإن ذلك العذاب الذي كان لهم في القبر وسهل عند عذاب ~~الآخرة؛ فصار ذلك كالرقاد لهم عند عذاب الآخرة فقالوا عند ذلك: (يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا)، والله أعلم بذلك. # وقوله: (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون). # قال بعضهم: هذا قول الملائكة لهم عن قولهم: (يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا). # وقال بعضهم: قول المؤمنين لهم عند قولهم الذي قالوا. # وجائز أن يكون ذلك أيضا قول أولئك الكفرة، يقرون بالبعث عند معاينتهم ~~البعث، يقولون: هذا الذي وعد لنا المرسلون، وقد صدقوا في ذلك، ونحن كذبناهم ~~فيه، لكن لا ينفعهم تصديقهم إياهم بذلك في ذلك الوقت، وهو كإيمانهم عند ~~معاينتهم بأس الله، وهو قوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)؛ ~~فعلى ذلك هؤلاء، لكن لا ينفعهم. # وقوله: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) # PageV08P528 # يحتمل على حقيقة الصيحة، يجعل الله تعالى الصيحة علما للإحياء والبعث لا ~~أن تكون الصيحة سببا للإحياء والبعث. # ويحتمل لا على حقيقة الصيحة ولكن على قدر الصيحة؛ كأنه يقول - والله أعلم ~~-: ما كانت إلا قدر صيحة واحدة - أي: البعث - لكنه ذكر الصيحة؛ لأن الصيحة ~~أسرع شيء وأيسر على الخلق من غيره على ما ذكرنا في النفخ في الصور؛ كقوله: ~~(وما أمر الساعة إلا كلمح البصر)، ذكر هذا؛ لأنه أخف ms3690 شيء على الخلق، وأهونه ~~عليهم؛ فيعبر به عنه ويكني بما ذكر، ليعلموا خفة ذلك على الله، وسهولته ~~وهوانه، وأنه ليس يثقل عليه شيء. # وقوله: (فإذا هم جميع لدينا محضرون). # ذكر أن قوله - تعالى -: (إن كانت إلا صيحة واحدة) في البعث، فإذا كان ذلك ~~في البعث فعند ذلك إحضارهم عند الله، وأما الأول فإنما هو في الهلاك ~~والموت. # وقوله: (فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) # الظلم في اللغة: هو وضع الشيء في غير موضعه كأنه يقول - والله أعلم -: ~~اليوم لا توضع نفس في غير موضعها، ولكن توضع على ما وضعها في الدنيا. # أو يكون الظلم عبارة عن النقصان، كأنه يقول - والله أعلم -: فاليوم لا ~~تنقص نفس عما استوجبت وتوفى؛ كقوله: (ولم تظلم منه شيئا) أي: لم تنقص منه. # أو يقول: فاليوم لا يحمل على نفس ذنب غيرها، ولا يوضع وزر غيرها، بل يجزي ~~الله كل نفس جزاء عملها، والله أعلم. # وقوله: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) # يخبر - والله أعلم -: عن شغل أهل الجنة أنهم وإن كانوا مشغولين في أن ~~نعيم فإن ذلك الشغل يحجبهم عن غيرهم من الأشياء، وكذلك جميع الخلائق أنهم ~~إذا شغلوا في شيء حجبوا عن غيره ومنعوا، فأما الله - سبحانه - فيتعالى عن ~~أن يشغله شيء أو يحجبه شيء عن شيء. # ثم الاشتغال في الدنيا مما يضر أهلها ويؤذي، فأخبر أن شغل أهل الجنة مما ~~لا يضرهم ولا يؤذي؛ حيث قال: (في شغل فاكهون)، قيل: ناعمون بما هم فيه، ~~وقيل: معجبون في ذلك. # PageV08P529 # وقال القتبي: (فاكهون): يتفكهون، ويقال للمزاح: فكاهة، وفاكهون: أراد ذوي ~~فكاهة. # وقال أبو عوسجة: (فاكهون): من المفاكهة، وفكهون من السرور، والمفاكهة: ~~الممازحة. # ثم قال بعضهم: شغلهم في افتضاض العذارى، وقيل: شغلهم في كل نعيم وفي كل ~~كرامة على ما ذكر، والله أعلم. # وقوله: (هم وأزواجهم في ظلال (56) # يخبر أن أهل الجنة وإن كانوا لا يحجبون عن شيء، ولا يمنعون شيئا، فإنهم ~~إذا كانوا مع أزواجهم لا يقع عليهم بصر ms3691 غيرهم فينتقض ذلك، وهو كما ذكر: ~~(حور مقصورات في الخيام)، يخبر أنهم إذا كانوا مع أزواجهم لا يطلع عليهم ~~غيرهم، والله أعلم. # و (ظلال) جمع ظلة. # وقوله: (على الأرائك متكئون). # الاتكاء على الأرائك إنما هو للراحة، فيخبر - والله أعلم - عن غاية ~~راحتهم ونهاية كرامتهم، وإلا ليس في الاتكاء على الأرائك فضل كرامة ومنزلة، ~~ولكن يذكر عن راحتهم وتنعمهم؛ كقوله: (لا يبغون عنها حولا). # وقال القتبي: (الأرائك): السرر في الحجال، واحدها: أريكة. # وقال أبو عوسجة: (الأرائك): الوسائد. # وعن الحسن قال: الأريكة: الحجلة، وهي بلغة أهل اليمن يسمون الحجلة: ~~أريكة. # قوله تعالى: (لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) # قيل: الفاكهة هي التي تؤكل على الشهوة لا على الحاجة، يخبر - والله أعلم ~~- أن أهل الجنة إنما يأكلون ما يأكلون على الشهوة لا على الحاجة. # وقوله: (ولهم ما يدعون). # قيل: ما يتمنون، وقيل: ما يسألون. # وجائز أن يكون (يدعون) ومن الدعوى، أي: يعطون جميع ما يدعون لأنفسهم ليس # PageV08P530 # كالدنيا. # وقال أبو معاذ: (ولهم ما يدعون) أي: ما يشتهون ويتمنون في الجنة، والله ~~أعلم. # وقوله: (سلام قولا من رب رحيم (58) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: يردون إليهم - أعني: الملائكة - سلام الله بحق التبليغ إليهم ~~سلام الله نحو ما يبلغ بعضهم بعضا سلام بعض: أقرئ فلانا مني السلام؛ فعلى ~~ذلك يقولون: إن الله قد أقرأ عليكم السلام. # والثاني: أن يسلم عليهم الملائكة بأمر ربهم، يدخلون عليهم من كل باب: ~~سلام عليكم بما صبرتم. # والثالث: أن يكون القول من الله وعدا بالسلامة لهم فيها من كل آفة وبلاء ~~يكون شي الدنيا؛ كقوله: (ادخلوها بسلام آمنين)، ونحوه. # وفي حرف أبي وابن مسعود: (سلاما قولا) بالنصب، فهو - والله أعلم - كأنهما ~~يجعلان تمام الكلام في قوله: (يدعون) ثم يقطع (سلاما قولا) منه، وأما قراءة ~~هؤلاء برفع السلام، فمعناها - والله أعلم -: ولهم ما يدعون سلاما، ثم ~~الكلام قطع (قولا) منه. # * * * # قوله تعالى: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني ms3692 هذا صراط ~~مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم ~~التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على ~~أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ولو نشاء ~~لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) # وقوله: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون). # كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هؤلاء؛ لأنهم يكونون في ~~الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ ~~كقوله: (فريق في الجنة وفريق في السعير)، وسمي: يوم الفصل. # وأصل قوله: (وامتازوا اليوم) ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن ~~على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى: (ليميز الله الخبيث من الطيب)، ~~وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أبو عوسجة والقتبي: إن ~~الامتياز هو التفرق والتنحي. # وقوله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين (60) # PageV08P531 # يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل الله تعالى في خلقة كل أحد وبنيته ما ~~يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمن دونه، فنقضوا ذلك العهد ~~وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية. # والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر ~~والنهي. # والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده ~~على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم ~~صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه. # فإن قيل: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، ~~بل كل يفر عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين: # أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين ~~صرفوهم عن عبادة الله، سموا شيطانا؛ لما بعدوا عن رحمة الله؛ شطن، أي: بعد، ~~كقوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا). # والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، ms3693 وإن كانوا هم لا ~~يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لما بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب ~~إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم. # وقوله: (إنه لكم عدو مبين). # عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والملبس؛ كقوله: ~~(فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما. . .) الآية؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في ~~المهالك فهو عدو لنا. # وقوله: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) # أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم. # وقوله: (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) # يحتمل قوله: (أضل منكم)، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو ~~عاد وثمود وقرونا غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة. # ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى. # ثم هو يخرج على وجهين: # PageV08P532 # أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقا كثيرا بإبليس بما ضلوا ~~به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل ~~بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم - (أفلم تكونوا تعقلون): أنه ~~فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر ~~أولئك. # والثاني: قوله: (جبلا كثيرا): قال بعضهم: جموعا كثيرة. # وقال بعضهم: خلقا كثيرا. # وقال بعضهم: أمما كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: ~~طبعهم، ويقرأ: (جبلا) و (جبلا) برفع الجيم والتشديد وخفضها والنشديد. # قال أبو عوسجة: الجبلة والجبلة: الخلق. # وقوله: (هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) # يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟! فعند ذلك قيل ~~لهم: (هذه جهنم التي كنتم توعدون) بها، (اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) ~~أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، والله أعلم. # وقوله: (اليوم نختم على أفواههم ... (65) # أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون). # كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في ~~الدنيا؛ كقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، وأمثاله عند ذلك يأذن الله ~~لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ ms3694 كقوله: (يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم. . .) الآية، وقوله: (شهد عليهم سمعهم. . .) الآية، ثم أنطق ~~ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: (لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء). # وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس ~~اللسان، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق، فحيثما جعل ذلك اللطف ~~والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس ~~اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل ~~أنه للطف جعل فيه به ينطق # PageV08P533 # ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل ~~جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفا ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر ~~البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمسي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف ~~وذلك المعنى كان منه ذلك ما كاد من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة ~~والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفا ومعنى يصير ~~ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من ~~الغذاء؟! والله أعلم. # وقوله: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) # قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضلال، فاستبقوا فلم يبصروا ~~الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم. # وقال بعضهم: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: ~~حولت عن الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: (فأنى ~~يبصرون) يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟! # (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ... (67) # أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون. # ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: لو طمسنا ~~أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق (فأنى يبصرون)، أي: لا يبصرون الطريق؛ ~~فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا ~~يبصرون. # (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا ms3695 يرجعون). # يقول ذلك - والله أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها ~~خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيا ولا ~~يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما ~~لم ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق. # وفي قوله: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم)، (ولو نشاء لمسخناهم على ~~مكانتهم) ودلالة أن لله في ذلك صنعا؛ إذ لو لم يكن له فيما يختارون من ~~الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه ~~معنى، فدل أن له صنعا في ذلك وفعلا. # قال الحسن وقتادة في قوله: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) فتركناهم عميا ~~يترددون # PageV08P534 # (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم): أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر. # (فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون). # يقول - والله أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا. # وابن عباس - رضي الله عنه - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين ~~الضلال فلم يبصروا الطريق (فأنى يبصرون) أي: كيف يبصرون، أو نحوه من ~~الكلام. # ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره (فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون)، ~~أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفا. # وجائز أن يكون على التضثيل على ما ذكرنا بدءا. # ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا ~~يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة ~~تقصد ليس بحكمة. # أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ~~ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه. # * * * # قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين (70) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما ~~فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم ~~فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ~~(74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم ms3696 جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ~~ما يسرون وما يعلنون (76) # وقوله: (ومن نعمره ننكسه في الخلق). # أي: من نعمره حتى يدركه الهرم والضعف، يقول: نرده في الخلق الأول لا يعقل ~~فيه كعقله الأول؛ كقوله: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر). # (أفلا يعقلون). # أي: من فعل هذا، أو قدر على هذا، لا يعجزه شيء ويتأدى به شكره. # قال القتبي: المطموس: هو الذي لا يكون بين جفنيه شق، (فاستبقوا الصراط) ~~أي: فتجوزوا. # وقال أبو عوسجة: (لطمسنا على أعينهم) أي: أعميناهم، والمسخ: هو تغيير # PageV08P535 # الصور والأبدان. # وقوله: (ومن نعمره ننكسه في الخلق). # أي: نصيره ضعيفا بعد أن كان قويا. # وقوله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له ... (69) # نزل هذا - والله أعلم - عند قولهم: إنه شاعر، وإنه كذاب؛ فأخبر أنه لم ~~يعلمه الشعر، وما ينبغي له الشعر، تكذيبا لهم، وردا عليهم: أنه شاعر، وأن ~~هذا القرآن شعر، جعل الله عجز رسوله عن القيام بإنشاد الشعر بعض آياته من ~~آيات رسالته، كما جعل عجزه عن تلاوة الكتاب من قبل وكتابته وخطه بيمينه آية ~~من آيات رسالته؛ ليعلم أولئك الذين قذفوه بالشعر والافتراء من نفسه والكذب ~~على الله وبالسحر أنه إنما أخبر عن وحي عن الله، لا ما يقولون هم، وهم على ~~يقين، وعلم: أنه ليس شاعرا ولا ساحرا ولا كذابا؛ لما لم يروه اختلف إلى أحد ~~منهم في تعلم ذلك، ولا كان عنده من كتبهم منها أخذ ذلك أولا أخذ عليه، كذب ~~قط، لكنهم نسبوه إلى ما نسبوه من الشعر والسحر والكذب؛ تعنتا منهم وعنادا، ~~يلبسون أمره بذلك على أتباعهم وسفلتهم؛ لئلا تذهب رياستهم ومنفعتهم. # وفي قوله: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث ~~أخبر أنه لم يعلمه الشعر، وقد أعطى له جميع أسباب الشعر، وقال في القرآن: ~~(علم القرآن) و (علمه البيان)، أنه كان من الله لطف سوى السبب فيما أخبر ~~أنه قد علمه؛ دل أن التعليم له فيما كان منه تعليم له بلطف منه سوى السبب ~~لا بنفس السبب؛ ms3697 إذ نفس السبب قد كان له في الأمرين جميعا، والله أعلم. # وقوله: (وما ينبغي له). # أن يشتغل بشيء مما يتلهى به، والشعر في الأصل؛ إنما جعل للتلهي به ~~والتلذذ؛ لذلك حيل بينه وبين طبعه إنشاد الشعر؛ ليكون أبدا مشتغلا بما هو ~~حكمة وعلم، وفيما هو أمر الله، لا بما فيه التلهي واللهو، والله أعلم. # وقوله: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين). # (إن هو) أي: ما هذا القرآن إلا ذكر؛ لما نسوه من أمر الله ووعده ووعيده ~~ومما لهم، ومما عليهم، يذكرهم ما نسوه وتركوه و (مبين): يبين لهم ما لهم ~~وما عليهم، أو يبين لهم ما يؤتى وما يتقى، أو يبين لهم أنه من الله جاء ومن ~~عنده نزل لا من عند المخلوقين. # أو (ذكر) لأهل الكتاب، يذكرهم بما نسوه مما كان في كتبهم من نعته وصفته ~~وما # PageV08P536 # عليهم القيام به وما ليس، و (مبين) لمشركي العرب أنه رسول وأن هذا القرآن ~~من عنده جاء به، وكل كتب الله ذكر ومبين ورحمة ونور وشفاء على ما أخبر، ~~والله أعلم. # وقوله: (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) # قال بعضهم: من كان عاقلا، يقول: لينذر القرآن من له عقل حن فيؤمن، (ويحق ~~القول) أي: السخطة على الكافرين في علم الله أنهم لا يؤمنون. # وقال بعضهم: (لينذر من كان حيا)، أي: مؤمنا؛ لأن الله - تبارك وتعالى - ~~سمى المؤمن: حيا في غير آية، والكافر ميتا. # ويحتمل قوله: (لينذر من كان حيا) أي: لتقع النذارة وتنفع من كان حيا، أي: ~~مؤمنا على ما ذكرنا، وإن كان ينذر الفريقين جميعا؛ كقوله: (إنما تنذر من ~~اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)، هو ينذر من اتبع الذكر، ومن لم يتبع ~~الذكر، لكن النذارة إنما تقع وتنفع لمن اتبع الذكر وخشي الرحمن خاصة؛ ~~وكقوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، هو يذكر لهم جميعا لكن المنفعة ~~للمؤمنين فعلى ذلك الأول. # ويحتمل قوله: (من كان) أي: من يطلب بحياته الفانية الحياة الدائمة، (ويحق ~~القول على الكافرين) القول الذي قال: (لأملأن ms3698 جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين). # وقوله: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ~~(71) # قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن قوله: (أولم يروا) و (ألم تر)، ونحوه ~~أنه في الظاهر حرف استفهام، لكنه من الله على الإيجاب والإلزام؛ ثم هو يخرج ~~على وجهين: # أحدهما: على الخبر أن قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام وما ذكر. # والثاني: على الأمر على الرؤية والنظر فيما ذكر، أي: فليروا. # فإن كان على الخبر أنهم قد رأوا ما خلق لهم من الأنعام، فهلا تفكروا ~~واعتبروا فيما خلق لهم من الأنعام وغيرها: أنه لم يخلق لهم ذلك عبثا باطلا ~~ولكن لحكمة، ولو لم يكن بعث على ما يقولون هم كان خلق ذلك عبثا باطلا؟! # أو أن يقول: إن من قدر على تصوير ما ذكر من الأنعام وغيره في الأرحام ~~وتركيب ما ركب فيها من الأعضاء والجوارح في الظلمات، لا يحتمل أن يخفى عليه ~~شيء أو يعجزه، أو يفعل ذلك على التدبير الذي فعل بلا حكمة. # PageV08P537 # أو يذكر أنه خلق لهم من الأنعام وذللها لهم وجعل لهم فيها من المنافع ما ~~ذكرنا بلا شكر يلزمهم، يتأدى على ذلك شكر ما أنعم عليهم على جهة ما لو كان ~~على الأمر بالرؤية فيما خلق والنظر، والله أعلم. # وقوله: (مما عملت أيدينا أنعاما). # يحتمل ما عملت أيدي الخلق من الزراعة والغرس وغير ذلك مما يعمله الخلق، ~~نسب ذلك إلى نفسه. # ويحتمل (مما عملت أيدينا)، أي: قوتنا؛ كقوله: (والسماء بنيناها بأيد)، ~~وقوله: (خلقت بيدي)، أي: بقوة ونحوه، والله أعلم. # وقوله: (فهم لها مالكون). # قال بعضهم: قادرون على الانتفاع بها والاستعمال لها، يقول الرجل فيما له ~~فيه حقيقة الملك: أنا غير مالك عليه إذا كان غير قادر على الانتفاع به، ولا ~~مالك على استعماله. # وقيل: (مالكون)، أي: ضابطون قادرون على إمساكها، يقال: فلان غير ضابط على ~~إبله ودابته وهما واحد، والله أعلم. # وقوله: (وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ~~ومشارب (73) # يخبر عن ms3699 أنواع ما جعل لهم من الأنعام وأنعم عليهم؛ ليتأدى بذلك شكره، ~~والله أعلم. # وقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم ~~... (75) # يخبر عن سفههم وقلة بصرهم وفهمهم؛ لاتخاذهم الأصنام آلهة وعبادتهم إياها؛ ~~رجاء النصر لهم، وتركهم عبادة الله على وجود المعونة والنصر منه، وجعله كل ~~شيء لهم، ثم يكون رجاؤهم بذلك ما قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، و (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وذلك في الآخرة. # ويحتمل رجاء النصر لهم بعبادتهم الأصنام في الدنيا في دفع ما ينزل بهم من ~~البلايا والشدائد؛ كقوله: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه). # ثم أخبر أن الأصنام إلتي يعبدونها وما رجوا منها لا يستطيعون نصرهم وما ~~رجوا من شفاعتهم والنصر لهم، وأخبر أن ما عبدوا دونه يصير أعداء لهم. # قال: (وهم لهم جند محضرون). # في الآخرة؛ كقوله: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا)؛ هذا على ~~تأويل بعضهم من أهل التأويل يجعل الأصنام جندا عليهم وأعداء لهم على ما ~~ذكرنا. # PageV08P538 # ويحتمل قوله: (وهم لهم جند محضرون)، أي: المشركون جند للآلهة التي ~~يعبدونها، أي: هم يقيضون لها ويقومون في دفع من هم بها فسادا وإهلاكا - ~~أعني: أصنامهم التي كانوا يعبدونها - كقوله: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم). # ثم اخنلف فيه: قال بعضهم: ذلك في الآخرة. # وقال بعضهم: ذلك في الدنيا، والله أعلم. # وقوله: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) # كان من أولئك الكفرة لرسول الله أقوال مختلفة: # مرة كان منهم ما ذكر: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك. . .) الآية. # ومرة قالوا: إنه ساحر، وإنه كذاب، وإنه شاعر. # ومرة قالوا: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة). # ومرة قالوا: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا). # ومرة طعنوا فيه وفيما أقام من الحجج، ولا ندري أي قول كان منهم له فيحزن ~~عليه حتى قال له: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون)، أي: لا ~~تحزن على قولهم؛ فإنا نعلم ما يسرون وما يعلنون؛ قنحفظ ms3700 عليهم ذلك ونكافئهم ~~على ذلك. # أو نعلم ما يسرون وما يعلنون فننصرك عليهم ونعينك. # أو أن يكون حزنه عليهم؛ إشفاقا عليهم؛ لما كان يعلم نزول العذاب بهم ~~والهلاك لعنادهم ومكابرتهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) ~~وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # وقوله: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة). # هذا يخرج على الوجهين: إن كان على الأمر بالرؤية والنظر أي: فلير الإنسان ~~ولينظر أن من قدر على خلق الإنسان مبتدأ من نطفة لقادر على إعادته؛ لأن ~~إعادة الشيء في الشاهد أهون وأيسر من ابتدائه؛ إذ قد يحتذى ويصور بعد ما ~~وقع البصر على الشيء ويرى ولا سبيل إلى احتذاء ما لم يروا، ولا تصوير ما لم ~~يعاينوا، احتج الله عليهم بالشيء الظاهر الذي يعلم كل أنه كذلك من غير تفكر ~~ولا تأمل، وإلا الاحتجاج عليهم بالأشياء # PageV08P539 # التي لم يذكر أبلغ وأكثر نحو خلق الإنسان من هذه النطفة على الصورة التي ~~صورها والنسمة التي خلقها فيها ما لو اجتمع حكماء البشر كلهم أن يعرفوا ~~كيفية خلقه منها من تركيب العظم والشعر والعين - البصر - والسمع والعقل ~~وجميع الجوارح - ما قدروا على درك ذلك، أو لو اجتمعوا على أن يعرفوا كيفية ~~غذائهم بالأطعمة والأشربة التي جعلها غذاء لهم، والقوة التي بها يتقوون على ~~كل أمر أن كيف قدر وقسم على السواء في الجوارح كلها؛ والمواد التي ينمون ~~ويزيدون على الاستواء ما لو زاد في بعضها من قوى ذلك الطعام والشراب دون ~~بعض يزداد قوة على بعض، ونحو ذلك من العجائب ما لا سبيل إلى معرفة ms3701 ذلك ~~ألبتة بعد طول التفكر والتأمل، لكنه احتج بالشيء الظاهر؛ ليدركوه بالبديهة ~~ولا يدركون الآخر إلا بعد التأمل والتدبر، والله أعلم. # وقوله: (فإذا هو خصيم مبين). # أي: جدل بين. # وقوله: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه (78) ما ذكر من ضرب المثل له: (قال من ~~يحي العظام وهي رميم). # وقوله: (ونسي خلقه) يحتمل وجوها: # أحدها: أي: غفل عن القدرة في خلق نفسه ما لو نظر وتفكر لعرف أنه قادر على ~~الإعادة؟! # والثاني: غفل عن الحكمة في الإعادة؟. # والثالث: غفل عن الحكمة في ابتداء خلقه نفسه، ثم يخرج هذا على وجوه: # أحدها: أنه لو نظر وتفكر في حق نفسه أنه خلق من نطفة، ثم حول النطفة ~~علقة، وحول العلقة مضغة، وحول المضغة خلقا وإنسانا تأما متقنا، ثم صيره ~~بحيث يأخذ في النقصان بعد ما كان تاما، ثم من فعل هذا في الشاهد أن يحكم ~~الشيء ويتقنه ويتمه ثم يهدمه بلا عاقبة تقصد به، كان غير حكيم فعلى ذلك كان ~~ما أحكم الله من الخلق وأتقنه وتممه، ثم جعل ينقض منه ويوهنه، فلو لم يكن ~~إعادته وخلقه ثانيا، كان خارجا عن الحكمة، فلو نظر في ابتداء خلق نفسه، ~~لعرف أنه يعيده وينشئه ثانيا. # والثاني: لو نظر وتفكر في ابتداء خلق نفسه: أنه كيف دبره في تلك الظلمات ~~الثلاث، وقدره على أحسن تقدير في ذلك، فلو نظر وتفكر أن من قدر على تدبيره ~~وتقديره في الظلمات الثلاث على ما دبره وقدره - قادر على إعادته؛ وهو ~~كقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، أي: هو أهون في ~~عقولكم وتقديركم # PageV08P540 # أهون من ابتدائه، فإذا قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر وأملك؛ إذ ~~ذلك قي عقولكم أهون وأيسر، وإلا ليس في وصف الله تعالى أن شيئا أهون عليه ~~من شيء، بل الأشياء كلها تحت قوله: (كن فيكون) من غير أن كان منه كاف أو ~~نون أو شيء من ذلك، لكنه عبر به؛ لأنه أخف حروف على الألسن وأيسره وأقصر ~~كلام وأوجزه يؤدي به المعنى ms3702 ويفهم منه المراد. # والثالث: أنه خلق هذه الأشياء والجواهر كلها سوى البشر للبشر ولمنافعهم، ~~فلو لم يكن بعث ولا نشأة أخرى، كان خلق هذه الأشياء لهم عبثا باطلا. # أو أن يكون قوله: (ونسي خلقه) أي: غفل عن بدء خلقه إذ بدأ خلقه، إما أن ~~كان من ماء أو تراب؛ فعلى ذلك إذا أفناه يصير ماء أو ترابا فيعيده منه على ~~ما أنشأه منه بدءا. # ثم في قوله: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) ~~قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) دلالة نقض قول ~~الباطنية وفساد مذاهبهم؛ حيث قالوا: إن إعادة الخلق وإنشاءه ليس على هذه ~~البنية والصورة التي أنشأها بدءا، ولكن ينشئ نفسا روحانية على خلاف ما ~~شاهدوها وعاينوها، فالآية تكذبهم وتنقض قولهم؛ حيث قال: (قال من يحي العظام ~~وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) أخبر أنه يحيي العظام التي ~~أنكروا هم إحياءها واستبعدوا ذلك، وعلى ذلك قال: (ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون) احتج عليهم بعلمهم النشأة الأولى؛ لإنكارهم النشأة الأخرى، ~~فلو كان على خلاف ذلك لم يكن للاحتجاج عليهم بذلك معنى؛ فدل أنه ينشئهم ~~ويعيدهم على الهيئة الأولى. # والثاني: ينقض عليهم قولهم أيضا حيث قالوا: يوصل إلى معرفة ذلك من الذي ~~يعلمه الرسول ويخبره دون النظر والتفكر والتدبر، فلو كان على ما يقولون، لم ~~يكن لقوله: (ونسي خلقه)، ولا لقوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم)، وقوله: ~~(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)، وقوله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) - ~~معنى؛ فدل أنه قد يوصل إلى معرفة ذلك بالتفكر والنظر، كما يوصل بخبر الرسول ~~الذي قد أظهر صدقه للخلق، فتلزمه الحجة في هذا كما تلزمه في ذلك. # وقوله: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) ~~اختلف فيه: # قال بعضهم: هو نوع من الشجر يقال: المرخ، كانوا يوقدون منه النار، ويورون # PageV08P541 # منه، وقيل: هو الزيتون الذي يسرج منه. # وتأويله: أن الشجر الأخضر خضرته إنما تكون من الماء، والماء يطفئ ms3703 النار، ~~والنار تأكل الحطب والخشب، فمن قدر على الجمع بين المتضادين وحفظ كل واحد ~~منهما عن صاحبه مما السبيل منها التنافر والتدافع - لقادر على البعث، وأنه ~~لا يعجزه شيء. # وقال بعضهم: قوله: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون) هو ما أنشأ لهم من الشجر يتنزهون به ويتلذذون ما دام أخضر، فإذا ~~أدرك وبلغ ينتفعون بثماره وفواكهه، ثم يصير حطبا يوقدون منه النار ويصطلون، ~~فمن قدر على ما ذكرنا لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو من فعل ما ذكر لا يحتمل أن ~~يفعله عبثا باطلا، فلو كان على ما قاله أولئك الكفرة أن لا بعث ولا نشور، ~~كان فعل ذلك عبثا باطلا، والله أعلم. # وقوله: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم (81) # يذكر - والله أعلم - أو ليس من قدر على إنشاء السماوات والأرض مبتدأ لا ~~من شيء ولا أصل لا يحتمل أن يعجزه إعادة الخلق وبعثهم. # أو يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأرض وما فيها قادر على أن يخلق ~~مثلهم، وخلق المثل إعادة؛ لأنه إنما يكون بعد هلاك الذين أنشأهم وبعد ~~إماتتهم، ويخلق مثلهم مع بقائهم سواهم، وفي ذلك ابتداء خلق وإعادة؛ فيلزمهم ~~الإقرار بالبعث والقدرة على الإعادة. # ثم أخبر عن قدرته فقال: (بلى وهو الخلاق العليم). # أي: هو خلق كل شيء من جواهر الأشياء وأفعالهم. # أو هو الخلاق في الدنيا والآخرة، (العليم) يحتمل وجوها: # يحتمل العليم ببعثهم، أو العليم بمصالحهم ومعاشهم وما لا يصلح. # أو العليم بأحوالهم وأنفسهم ما ظهر منهم وما بطن وما أسروا وما أعلنوا. # وقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) # يحتمل: إنما حاله إذا أراد شيئا (أن يقول له كن فيكون)، قد ذكرنا معنى ~~هذه الآية فيما تقدم أن كل ما كان ويكون أبدا لآبدين إنما يكون ب (كن) الذي ~~كان من غير أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ذلك، إنما هو إخبار عن سرعة ms3704 ~~نفاذ أمره ومشيئته، أو إخبار عن خفة ذلك عليه؛ يقول - والله أعلم -: كما لا ~~يثقل عليكم قول: " كن "؛ فعلى ذلك لا يثقل على الله ابتداء خلق ولا إعادته ~~ولا شيء من ذلك. # ثم نزه نفسه وبرأها وذكر تعاليه عما ظن أولئك من البعث في خلق شيء ~~وبطلانه، # PageV08P542 # فقال: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # أي: تعالى وتبرأ عن أن يكون خلقه على ما ظن أولئك حيث قال: (وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا)، ذلك ظن الذين كفروا؛ فكان ظنهم أن لا بعث ~~ولا نشور، ثم أخبر أنه لو لم يكن ذلك، لكان خلق ما ذكر عبثا باطلا، فقال: ~~تعالى عن أن يلحقه في خلق شيء عبث أو فساد، وكذلك قوله: (أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا. . .) الآية.، صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثا باطلا. # أو أن يقول: يتعالى أن يثقل عليه إعادة الخلق أو ابتداؤهم، أو يتعالى عن ~~أن يعجزه شيء، والله أعلم. # قال القتبي وأبو عوسجة: (رميم) أي: بالية، يقال: رم العظم إذا بلي، فهو ~~رميم ورمام؛ كما يقال: رفيت ورفات. # وقوله: (من الشجر الأخضر نارا) قالا: أراد الوقود التي توري بها الأعراب ~~من شجر المرخ والعفارة. # * * * # PageV08P543 ### | سورة الصافات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن ~~إلهكم لواحد (4) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # قوله - عز وجل -: (والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) # اختلف فيه: # قال بعضهم: الصافات هي الطير إذا صفت أجنحتها بين السماء والأرض. # وذكر عن ابن مسعود قال: الصافات والزاجرات والتاليات كلهم الملائكة، قال: ~~الملائكة الصافات اصطفت الملائكة صفا لعبادة الله - عز وجل - وتسبيحه، ~~وكذلك ذكر عن ابن عباس وغيره إلا أن غيره يفسر الزاجرات والتاليات أي ~~ملائكة هم؟ ولسنا نذكر عن ابن مسعود وابن عباس التفسير. # وقال بعضهم: (الزاجرات): هم الملائكة الذين يزجرون السحاب والأمطار، ~~(فالتاليات ذكرا) هم الملائكة يتلون القرآن والوحي على الرسل والأنبياء، ~~عليهم السلام. # وقال قتادة: (والصافات صفا) أقسم الله - عز وجل - بخلق ممن ms3705 خلق، قال: ~~(والصافات): الملائكة صفوف في السماء، (فالزاجرات زجرا) ما ذكر الله في ~~القرآن من زواجر عن المعاصي والمساوي، (فالتاليات ذكرا) قال: ما يتلى عليكم ~~في القرآن من أخبار الرسل - عليهم السلام - وأنباء الأمم التي كانت قبلكم. # وجائز أن يكون (والصافات): هم الملائكة الذي يصلون لله - عز وجل - صفوفا ~~على ما ذكروا، (فالزاجرات زجرا): هم الملائكة الموكلون بأرزاق الخلق وسوقها ~~إليهم يسوقون إليهم سوقا، (فالتاليات ذكرا): هم الملائكة الموكلون بالتسبيح ~~والتحميد وجميع الأذكار. # ثم وجه القسم بالملائكة الذين ذكر - والله أعلم -: أنه عز وجل قد عظم شأن ~~الملائكة وأمرهم في قلوب أولئك الكفرة حتى قالوا: (لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه # PageV08P544 # نذيرا)، وقولهم: (لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر)، وقول ~~فرعون: (أو جاء معه الملائكة مقترنين)، وقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة ~~أو نرى ربنا)، وما وصفهم الله - عز وجل -: أنهم (لا يعصون الله مآ أمرهم. . ~~.) الآية، (لا يستكبرون عن عبادته) الآية، وقوله - عز وجل -: (يسبحون الليل ~~والنهار. . .) الآية، عظم الله - عز وجل - أمر الملائكة عليهم وأعظم، شأنهم ~~في قلوب أولئك الكفرة وصدقهم عندهم؛ لذلك أقسم بهم على وحدانيته بقوله - عز ~~وجل -: (إن إلهكم لواحد (4) على هذا وقع القسم. # ثم أخبر عن صنع ذلك الواحد الذي هو إلهكم وإله الخلق جميعا، وذكر نعته، ~~فقال - عز وجل -: (رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # يخبر عن وحدانيته وتفرده حيث أنشأ السماوات وأنشأ الأرض وما ذكر، وجعل ~~منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما، ومنافع المشارق متصلة ~~بمنافع المغارب على بعد ما بينهما، ولو كان فعل عدد لمنع اتصال منافع بعض ~~ببعض على ما يكون من فعل ذوي عدد وغلبة بعض على بعض، فإذا لم يمتنع ذلك، بل ~~اتصل بعض ببعض؛ دل أنه فعل واحد لا شريك له. # ثم تخصيص ذكر السماوات والأرض وما ذكر دون غيره من الخلائق؛ لما عظم قدر ~~السماء في قلوبهم؛ لنزول ما ينزل منها من الأمطار والبركات وغيرها، والأرض ~~بخروج ما يخرج منها ms3706 من الأنزال والأرزاق؛ ولذلك يخرج ذكرهما - والله أعلم - ~~فيما ذكر حيث قال فيهما: (ما دامت السماوات والأرض)، فلعظم قدرهما في ~~قلوبهم ودوامهما عندهم خرج ذكرهما، وإن كانتا تفنيان ولا تدومان أبدا، ~~والله أعلم. # ثم قال - عز وجل -: (رب السماوات والأرض وما بينهما) قال بعض المعتزلة - ~~وهو جعفر بن حرب -: فإن قال لنا قائل من قوله - عز وجل -: (رب السماوات ~~والأرض وما بينهما): إنه رب أعمالنا وأفعالنا، فنقول له: إن أردت أنه رب ~~أعمالنا وأفعالنا فبلى، ثم قال: فيقال لهم: أتقولون: إنه خالق الكفر وخالق ~~الشر ونحوه، وفي أفعال الخلق الكفر والشر ونحوه؟! # قيل له: لا يقال ذلك على الإطلاق: إنه خالق الكفر وخالق شر، وإن كان يقال ~~في الجملة: خالق أفعال الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء؛ لأن ذكره على ~~الجملة يخرج على تعظيم ذلك الشيء؛ نحو ما يقال: رب محمد، ورب البيت، إنما ~~هو لتعظيم محمد - صلى الله عليه وسلم - وتعظيم ذلك البيت خاصة؛ فعلى ذلك ~~وصفنا إياه بالجملة أنه خالق أفعال # PageV08P545 # العباد وخالق كل شيء يخرج على وصف البيت بالعظمة والجلال، وعلى الإشارة ~~التي تبنى منها، والتخصيص على تعظيم ذلك الشيء خاصة؛ لذلك جاز أن يوصف أنه ~~خالق أفعال العباد جملة؛ لما ذكرنا أنه يخرج على المدح والتعظيم وعلى ~~الإشارة على المنة له في تعظيم ذلك الشيء؛ لذلك افترقا، والله الموفق. # ثم يقال لهم: قولكم: إنه مالك لها وليس بخالق هل يقال لأحد: إنه مالك كذا ~~إلا لما ينشئ ذلك أو لتمليك من يملكه، فإذا ثبت أنه مالك الأعمال والأفعال ~~ثبت أنه خالقها؛ إذ لا يقال: مالك كذا إلا للقدرة على ذلك أو لما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورب المشارق). # قال بعض أهل التأويل: إن للشمس ثلاثمائة وستين مشرقا تطلع كل يوم من كوة، ~~وكذلك يقولون في المغارب: إنها تغرب كل يوم من كوة، لكن يشبه أن يكون أراد ~~بالمشارق والمغارب كل شيء يشرق وكل شيء غارب من الشمس والقمر والنجوم ~~والكواكب وغيرها؛ وعلى ذلك ms3707 يخرج قوله - عز وجل -: (رب المشرقين ورب ~~المغربين). # وأما أهل التأويل فإنهم يقولون: مشرق الشتاء والصيف وكذلك مغربهما. # * * * # قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل ~~شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ~~ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # وقوله - عز وجل -: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب). # ليس أن هذه السماء التي نراها ونعاينها هي سماء الدنيا وغيرها سماء ~~الآخرة، ولكن سماها سماء الدنيا لدنوها من أهل الأرض وقربها منهم، وأهل ~~الأرض هم الجن والإنس، ولهما جرى الخطاب في ذلك وفي غيره؛ وعلى ذلك قول أهل ~~التأويل: إنها إنما سميت: سماء الدنيا؛ لدنوها من أهلها، ولقربها منهم، ~~والله أعلم. # وفي قوله - عز وجل -: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) أخبر أنه - ~~عز وجل - زينها بزينة الكواكب، وزينة الكواكب نفسها أضافها إلى نفسها وهي ~~الزينة لها لا غير، فهو - والله أعلم - كأنه قال - عز وجل -: (إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة) وهي الكواكب، أو قال: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة) ~~فسئل ما هي؟ فقال: الكواكب. # PageV08P546 # وقوله - عز وجل -: (وحفظا من كل شيطان مارد (7) # قال - عز وجل -: (وحفظناها من كل شيطان رجيم)، وحفظه إياها ما ذكر في ~~قوله - عز وجل -: (لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) ~~دحورا)، قال ابن عباس وغيره: قوله: (لا يسمعون إلى الملإ الأعلى) كانوا ~~يشفعون ولا يسمعون. # وقال بعضهم: كانوا لا يسمعون أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون بينهم ~~من أمر الله وهم الملأ الأعلى. # ومن يقول: إنهم كانوا لا يسمعون يذهب إلى ما ذكر في سورة الجن حيث قالوا: ~~(وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا)، أخبروا أن من يستمع الآن ~~يجد له ما ذكر؛ دل أنهم كانوا يستمعون. # فإن قيل: كيف يوفق بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل -: (ويقذفون من كل ~~جانب. دحورا. . . إلا من خطف الخطفة ms3708 فأتبعه شهاب ثاقب) استئنى الخطفة، وقال ~~هاهنا: (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. . .)، كذا ثم الخطفة إلا أن ~~يكون على التمثيل، أي: موضع يخطف، أو على حقيقة الخطفة وهي الاستلاب والأخذ ~~على السرعة، والله أعلم. # لكن يشبه أن يكون الآية التي قال - عز وجل -: (وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا). في المؤمنين منهم؛ ألا ترى أنهم قالوا: (وأنا لما ~~سمعنا الهدى آمنا به)، وأما ما ذكر في سورة الصافات فهو في الكفار منهم ~~والمردة (إلا من خطف الخطفة) من الشياطين الذين يستمعون، والله أعلم. # ثم في قوله - عز وجل -: (وأنا لمسنا السماء)، وقوله - عز وجل -: (وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع. . .) الآية، دلالة إثبات الرسالة لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ لأنه كان يخبرهم أن الجن يصعدون إلى السماء الدنيا ~~ويستمعون من أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون فيما بينهم من أمر الله ~~في الأرض، ثم يخبرون الكهنة بذلك، فيخبر الكهنة أهل الأرض عن ذلك أنه يكون ~~غدا كذا وفي يوم كذا وكذا وأنه انقطع ذلك بالوحي ويمنعون، فقالت الجن ذلك ~~وأخبرت عن أنفسهم أنهم كذلك كانوا يفعلون، فصدقوه على ما أخبر من صنيعهم. # فإن قيل: كيف صار ذلك آية له، وإنما أخبر عن قول الجن هم، وبه ظهر ذلك # PageV08P547 # ومنه عرف؟! # قيل: هكذا لكن انقطاع الكهنة من بعد وحديثهم يدل على أن ذلك قد كان، ثم ~~انقطع ذلك بالرسالة والوحي، والله أعلم. # فإن قيل: فإذا ولوا الملائكة حفظ السماء وحرسها كيف أغفلوا عما ولوا من ~~حفظها وحرسها وامتحنوا حتى أمكن أولئك من الاستماع والاختطاف وما ذكر؟ # قيل: جائز أن يشتغلوا هم بأعمال ويمتحنون بأمور أخر سوى ذلك، فيمكن ذلك ~~لهم ما ذكر، والله أعلم. # فإن قيل: كيف كانت صنعة الشياطين من الاستماع منهم والخطف، وقد رأت ~~وعاينت ما أصاب من فعل ذلك من القذف والرمي والاحتراق؟ # قيل: إن الشياطين عادتهم طلب الغفلة في كل وقت، ms3709 فجائز أن يكونوا فعلوا ~~ذلك لما كانوا يظنون ويقع عندهم أنهم في غفلة وسهو من أمورهم، وإن كانوا ~~يعلمون ما يصيب من فعل ذلك، والله أعلم. # ثم جائز أن يستدل بقوله - عز وجل -: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع. . ~~.) الآية، يقول علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم فلانا، فناداه من حيث لا يستمع: ~~لا يحنث، وإذا ناداه من حيث يسمع حنث وإن لم يسمع؛ لما ذكر (وأنا كنا نقعد ~~منها مقاعد للسمع)، ومعلوم أنهم كانوا يقصدون من الأرض إلى الملأ الأعلى، ~~لكن لا يسمعون، ثم لم يذكر ذلك منهم إلا في المكان الذي يسمع؛ دل أنه على ~~ما ذكرنا من الدلالة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يسمعون إلى الملإ الأعلى). # الأشراف منهم وأهل المنزلة والكرامة، ويحتمل الجماعة؛ لأن الملأ هو اسم ~~للشيئين: للجماعة منهم، واسم لأهل الشرف والمنزلة. # ثم لا ندري كيف سماع الجن من الملائكة؛ وما سبب ذلك؛ أن تكون تلك الأخبار ~~وما يريد الله - عز وجل - إحداثه في الأرض مكتوبا في كتاب ينظرون فيه ~~فيعلمونه، أو ليتحدث الملائكة فيما بينهم بذلك فيستمع هؤلاء منهم ذلك، أو ~~كيف جهة سماعهم ذلك منهم؛ وما يشبه ذلك، والله أعلم. # وفيه أن الجن تفهم كلام الملائكة وإن اختلفت جواهرهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ~~(11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية ~~يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) # PageV08P548 # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) ~~قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا ~~يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم ~~إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسئولون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل ~~هم اليوم مستسلمون (26) # وقوله - عز وجل -: (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا ... (11) # قيل: هي السماوات والأرض والجبال، وقيل: الملائكة، وأكثرهم قالوا: قوله - ~~عز وجل ms3710 -: (أهم أشد خلقا أم من خلقنا)، أي: السماوات والأرض؛ كقوله - عز ~~وجل -: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. . .) الآية، يقول - والله ~~أعلم -: سلهم أن خلقهم وإعادتهم أشد وأكبر وأعظم من خلق السماوات والأرض؛ ~~وإذا أقررتم أنتم بقدرته على خلق السماوات والأرض كيف أنكرتم قدرته على ~~إعادتكم بعد ما متم، وكنتم ترابا ورفاتا؟! والله أعلم. # وقوله: (فاستفتهم) و (سلهم) ونحو ذلك مما أمر الله - عز وجل - رسوله أن ~~يسألهم ويستفتيهم يخرج من الله - عز وجل - على وجوه: # أحدها: على التقرير عندهم والتنبيه لهم. # أو على التعيير لهم والتوبيخ. # أو على التعليم حجة الحجاج والمناظرة فيما بينهم وبين خصومهم، وهكذا كل ~~سؤال واستفتاء كان من خبير عليم لمن دونه يخرج على هذه الوجوه، وكل سؤال ~~واستفتاء كان من الجهال لخبير عليم يخرج على استرشاد وطلب الصواب. # وقوله: (فاستفتهم) و (سلهم) (واسأل من أرسلنا من قبلك. . .) الآية، و (سل ~~بني إسرائيل)، و (قل هو الله أحد) و (قل. . .) كذا - هذا كله يخرج على ~~التقرير والتنبيه، وعلى تعليم الكل حجة الحجاج والمناظرة لا على الأمر؛ ~~لأنه لو كان على الأمر، لكان لا يقول ذلك المأمور بالتبليغ: سل، ولا قل، ~~ولا لمميء من ذلك، ولكن يبلغ إليه رسالته وأمره أنه يقول لكم: أن افعلوا ~~كذا ولا تفعلوا؛ فدل أن ذلك الأمر للكل في أمر أنفسهم: أن قولوا لهم، وأن ~~افعلوا بهم كذا، والله أعلم. # وقوله: (فاستفتهم أهم أشد خلقا. . .) الآية. # PageV08P549 # أمره أن يستفتيهم، ولم يذكر أنهم ما أفتوه؛ ولا أجابوه أو لا؟ ولا قال ~~لهم: إنهم لو أجابوك وأفتوك بكذا فقل لهم كذا أو أجبهم بكذا؛ فجائز أن يكون ~~الجواب ما ذكرنا: أنكم لو لم تشاهدوا خلق ما ذكر من السماوات والأرض وغيرها ~~سوى خلق أنفسكم ثم شاهدتم خلقنا أعني ما ذكرنا من السماوات والأرض والجبال ~~وغيرها - هل تنكرون قدرته على خلق ما شهدتم وعاينتم: أنه لم يخلقها إلا هو، ~~كيف أنكرتم قدرته على إعادتكم وبعثكم؟! # وقوله - عز وجل -: (إنا خلقناهم من طين لازب). ms3711 # فذكر - والله أعلم - ضعفهم وشدة ما خلق من سواهم أنكم تعلمون ضعف أنفسكم ~~وعجزها، وشدة من سواكم وقوتها وصلابتها، ثم إنها مع شدتها وقوتها وصلابتها ~~أخضع لله وأطوع منكم نحو ما ذكر من طاعتها له وخضوعها؛ حيث قال - عز وجل -: ~~(ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين)، وقوله - عز وجل -: (لو أنزلنا ~~هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) ونحو ذلك مما يكثر، ~~والله أعلم. # أو أن يذكر لقوله - عز وجل -: (إنا خلقناهم من طين لازب) بدء خلقهم وأصله ~~الذي خلقوا هم منه، إنكم إنما عرفتم ابتداء خلقكم وأصلكم الذي منه خلقتم ~~أنه تراب أو طين بإخبار الرسل، ويقول لهم: وأنتم يا أهل مكة ممن لا يؤمنون ~~بالرسل، فكيف صدقتم الرسل بما أخبروا من أصلهم وبدء خلقكم، ولم تصدقوهم بما ~~يخبرونكم من إعادتكم وبعثكم بعد موتكم؟! فإذا صدقتموهم في ذلك لزمكم ~~التصديق لهم في كل ما يخبرون ويقولون، والله أعلم. # أو يقول: إنه أنشأ من تلك النفس الواحدة التي خلقها من تراب من الخلق ما ~~لو تركهم جميعا لم يفنهم ولم يمتهم، لامتلأت الدنيا منها، فمن قدر على ~~إنشاء ما تمتلئ الدنيا منه من نفس واحدة لا يحتمل أن يعجزه شيء من البعث ~~والإعادة وغير ذلك، والله أعلم. # أو أن يقول في قوله - عز وجل -: (إنا خلقناهم من طين لازب)، أي: قد أنشأ ~~من تلك النفس ومن ذلك الأصل قرنا وقرنا بعد قرن بعد إفناء كل قرن أنشأ قرنا ~~آخر؛ فلا يحتمل أن يكون المقصود من إنشائهم الإنشاء ثم الإفناء والنقض، ~~خاصة لا عاقبة تقصد بالإنشاء والإفناء؛ إذ في الشاهد من كان مقصوده في ~~البناء الفناء والنقض خاصة كان غير حكيم، فإذا عرفتم الله - عز وجل - أنه ~~حكيم؛ فلا يحتمل أن يكون مراده من إنشائكم وإفنائكم ذلك خاصة لا غير وذلك ~~مزيل الحكمة، ويوجب السفه، تعالى الله عن ذلك وجميع ما يصفه الملاحدة علوا ~~كبيرا. # PageV08P550 # أو أن يقول: إنكم عرفتم أنه إنما أنشاكم من تلك النفس التي ms3712 أنشأها من ~~تراب أو طين على اتفاق منكم، فإذا متم وفنيتم صرتم ترابا أو طينا، فكيف ~~أنكرتم إعادته إياكم من تراب أو طين، وقد أقررتم أن أصلكم تراب أو طين - ~~والله أعلم - على الوجوه التي ذكرنا يجوز أن يخرج. # وقوله - عز وجل -: (بل عجبت ويسخرون (12) # بالنصب يحتمل وجوها: # أحدها: عجبت منهم إنكارهم ما أنكروا بعد كثرة قيام الآيات والحجج عليهم ~~في ذلك وهم ينكرون ويسخرون. # أو يقول: عجبت ويسخرون؛ لما أنك بزعمهم لعظيم ما ينزل بهم من العذاب ~~والشدائد وما يستقبلهم من الأمور المهمة وهم يسخرون، والله أعلم. # أو يقول: بل عجبت لما تدعوهم أنت إلى ما به نجاتهم وفلاحهم وهم يسخرون، ~~ونخو ذلك يحتمل، والله أعلم بما كان يعببه. # وفي بعض الحروف: (بل عجبت) بالرفع، وكذلك ذكر عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - أنه كان يقرؤه بالرفع: (بل عجبت) فإن ثبت ذلك وصح إضافة العجب إلى ~~الله فهو في الشاهد وإن كان لظهور عظيم مما قالوا خفيا عليهم مستترا، عند ~~ذلك يقع لهم العجب فهو في الله عز وجل، وإن كان لا يحتمل أن يخفى عليه شيء، ~~فذلك لعظيم ما كان منهم من الإنكار من قدرته على الإنشاء والجحود في ذلك؛ ~~فيكون ما ذكر من حرف العجب منه كناية عن الإنكار والدفع لقولهم، وذلك كما ~~أضاف الامتحان إلى نفسه وإن كان في الشاهد لا يستعمل إلا في استظهار ما خفي ~~عليهم واستتر منهم، فهو من الله يخرج على الأمر والنهي - أعني الامتحان - ~~وإن كان في الشاهد بين الخلق لا يكون إلا لما ذكرنا، فعدى ذلك جائز إضافة ~~العجب إلى الله على إرادة الإنكار منه عليهم والدفع لقولهم، والله أعلم. # ومن الناس من أنكر هذه القراءة وقال: لا يجوز إضافة التعجب إلى الله - عز ~~وجل - لما هو لم يزل عالما بما كان ويكون، وهو في الشاهد إنما يكون لظهور ~~عظيم من الأمر قد جهلوه، لكن هذا وإن كان في الخلق ما ذكر فهو من الله على ~~غير ذلك، على ما ms3713 ذكرنا من إضافة الامتحان إليه والابتلاء وإن كان بين الخلق ~~لما ذكرنا، وقد ظهرت إضافته إليه بقوله: (وإن تعجب فعجب قولهم) وهو يخرج ~~على الإنكار عليهم والرد على تعظيم إنكار ما قالوا وأنكروا، والله أعلم. # ومن أن ناس من قال في قوله عز وجل: (بل عجبت) فيما أضافه إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # PageV08P551 # أي عجبت من هذا القرآن حين أعطاك إياه ويسخر منه أولئك الكفرة. # ويحتمل معنى آخر، وهو أن يقال: إن قوله عز وجل: (بل عجبت) أي: جعلت ما ~~أنزلت عليك من القرآن والوحي أمرا عجبا، أو أن يقال: كان إنكارهم رسالتك ~~وتكذيبهم الآيات أمرا عجبا وهم يسخرون، ونحوه، والله أعلم. # وقوله عز وجل: (وإذا ذكروا لا يذكرون (13) # ابن عباس يقول: وإذا وعظوا لا يتعظون، والموعظة والتذكير واحد. # وقتادة يقول: (وإذا ذكروا لا يذكرون) أي: لا ينتفعون بالموعظة على ما ~~ذكرنا في قوله: قوله تعالى: (صم بكم عمي)، أي: لا ينتفعون بتلك الحواس، وإن ~~كانت لهم تلك، كمن لا حاسة له. فعلى ذلك قول قتادة. # وجائز أن يكون على مرادفة التذكير ما نسوا من الآيات والحجج، يقول: إنهم ~~وإن ذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه لا يتذكرون، والله أعلم. # وقوله عز وجل: (وإذا رأوا آية يستسخرون (14) هذه الآيات وأمثالها ذكرها - ~~والله أعلم - لقوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، (لا يذكرون (13) وإذا ~~رأوا آية يستسخرون (14) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون. . .) إلى آخر ما ذكر؛ يخبر عن عنادهم ~~ومكابرتهم. . . الآيات، ويذكر سفههم. # ثم في ذكر ما ذكر من عنادهم وسفههم، وجعله آيات من القرآن تتلى أبدا ~~وجهان من الحكمة: # أحدهما: صير ذلك آية لرسالته - صلى الله عليه وسلم - لأنه معلوم أنهم ~~كانوا على ما أخبر عنهم من العناد والسفه وعلى أن ختموا وقبضوا، دل أنه ~~بالله عرف ذلك وبوحيه علم، والله أعلم. # والثاني: يخبر - والله أعلم - على ما رأى سلفنا من سفه أولئك وعنادهم وما ~~قاسوا منهم وما لحق بهم ms3714 من الأذى والضرر والسوء؛ لئلا يضيق صدرنا في سفه من ~~تسفه علينا من أهل الفساد والفسق، وألا نترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر لسفه السفيه، ولا لأذى المؤذي ولا سوء يقال، بل يجب علينا أن نتأسى ~~بسلفنا ونقتدي بهم، وإذا أصابنا منهم ما أصاب أولئك من الأذى والسفه، وإن ~~عاندوا أو كابروا وظهر منهم كل فسق وسوء على ما فعل أولئك، واحتملوا منهم ~~ما كرهوا، فنحمل عن سفهائنا مثله - والله أعلم - وإلا لو لم يكن في ذكر ~~سفههم وعنادهم ما ذكرنا من الحكمة كان لا معنى لذكر سفه أولئك وعنادهم. # وجائز أن يكون الشيء سفها باطلا في نفسه ويكون حكمة ودليلا لغيره - والله ~~أعلم - على ما قال بعض الناس: إن الكذب نفسه يجوز أن يكون دليل الصدق، ~~وكلام السفه # PageV08P552 # والباطل دليل الصدق والحكمة، والله أعلم. # وقوله: (وإذا رأوا آية يستسخرون) أي: وإذا أنزل عليهم آية على سؤال منهم ~~يستسخرون ويستهزئون، يخبر عن سفههم أنهم وإن سألوا الآيات فإنهم لا يسألون ~~سؤال استرشاد ولكن سؤال عناد وهزء؛ كقوله عز وجل: (ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا)، وكقوله: (ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله). # وقالوا: (إن هذا إلا سحر مبين (15) كان هذا تلقينا لأولئك الكفرة الرؤساء ~~من الشيطان اللعين حتى يموهوا على أتباعهم عندما ظهر، وكثير من الآيات؛ لما ~~كانوا يعلمون أن لا كل أحد يعرف السحر ويتهيأ إتيانه وفعله؛ يلبسون بذلك ~~على أتباعهم ليقع عندهم أنها السحر لا الآية، والله أعلم. ولو كان ذلك سحرا ~~حقيقة لكان من آيات الرسالة، فكيف إذا كان آية لما كانوا يعلمون أنه لم ~~يختلف إلى أحد ممن له صرفة بالسحر قط؟! فدل أنه بالله عرف ذلك، على ما ~~ذكرنا: أن ما أنبأ وأخبر عن أنباء الأمم الخالية وأخبارهم يدل على رسالته؛ ~~لما علموا أنه لم يختلف إلى أحد ممن له الصرفة بتلك الأنباء والأخبار ولا ms3715 ~~ينظر في كتبهم ليعرف ذلك، ثم أخبر على ما كان في كتبهم، دل أنه بالله عرف ~~ذلك وبوحى منه إليه علم، فعلى ذلك لو كان سحرا فكيف إذا كانت آية عظيمة ~~معجزة؟! # وقال الزجاج: حرف العجب إنما يكون عند ظهور العجب من الأمر وعبرة عظيمة، ~~فأما ما أضيف إلى الله فهو على الإنكار منه والرد على من أنكر عظيما من ~~الأمر ظاهرا، أو كلام نحوه، والله أعلم. # وقوله عز وجل: (ولهم عذاب واصب) قيل: دائم؛ كقوله عز وجل: (وله الدين ~~واصبا)، أي دائما، وقيل: (عذاب واصب) أي: شديد. # وقوله عز وجل: (من طين لازب) قيل: ملتزق، وقيل ملتصق الذي يلتصق باليد ~~إذا لمس. # وقوله: (دحورا) قيل: طردا، وهو مطرود. # وقوله: (شهاب ثاقب) قيل: مضيء، وقيل: هوى بضوئه. # ثم قوله: (وإذا رأوا آية يستسخرون) قال بعضهم: يسخرون، وقال بعضهم: ~~(يستسخرون): يطلبون من أتباعهم السخرية - يعني: القادة - على الآية. والله ~~أعلم. # وقوله عز وجل: (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا ~~الأولون (17) قل نعم وأنتم # PageV08P553 # داخرون) # قد ذكرنا: أنهم يقولون ذلك وما تقدم على العناد والتعنت وعلم منهم أنهم ~~لا يؤمنون أبدا وإن بين لهم جهة الإحياء والقدرة عليهم؛ لذلك اكتفى بقوله: ~~(قل نعم وأنتم داخرون (18) قد ذكرنا أنهم كانوا يقولون ذلك، ولم يذكر شيئا ~~من الحجاج سوى قوله: (نعم). # وقوله: (وأنتم داخرون). # أي: صاغرون ذليلون؛ كقوله - عز وجل -: (ترهقهم ذلة)، والله أعلم. # وقوله: (فإنما هي زجرة واحدة ... (19) # يحتمل قدر زجرة واحدة، يخبر عن سرعة قيامها ومرورها. # ويحتمل على حقيقة الزجرة، لكن يخبر عن خفة ذلك وهوانه عليه؛ كقوله: (كن ~~فيكون)، من غير أن كان منه كاف ونون أو شيء من ذلك، لكنه أخف كلام على ~~الألسن يؤدي به المعنى، ويفهم به المراد من ذلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ~~قوله: (زجرة واحدة) إخبارا عن خفة ذلك عليه وهوانه، من غير أن جعل الزجرة ~~سبب الإحياء أو سببا من ذلك، والله أعلم. # وقوله: (فإذا هم ينظرون). # يحتمل قوله: (ينظرون) إلى ماذا ms3716 يؤمرون؟ وعن ماذا ينهون؟ لأن الذي أصابهم ~~في # الآخرة إنما كان لتركهم الأمر في الدنيا، فإذا عاينوا ما كانوا يوعدون في ~~الدنيا بتركهم الأمر عنه ينظرون إلى ماذا يؤمرون وينهون عنه؟ والله أعلم. # أو ينظرون كالمتحيرين؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ويكذبونه، فإذا عاينوا ~~تحيروا وتاهوا وضجروا، وهكذا الأمر المتعارف في الخلق أن من أنكر شيئا أو ~~كذبه، ثم أخبر به وأعلم حتى تيقن عنده ما أنكر تحير وضجر؛ فعلى ذلك هؤلاء ~~لما أنكروا في الدنيا وكذبوه ثم عاينوا ذلك وتيقنوا به - تحيروا وضجروا به، ~~ينظرون نظر المتحير الضجر، والله أعلم. # وقوله: (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) # هذا كلام يقال عند الوقوع في الهلاك. # وقوله: (هذا يوم الدين) أي: يوم الحساب ويوم الجزاء، وكذلك قوله: (مالك ~~يوم الدين). # ويحتمل: هذا يوم الذي ينفع كل من معه الدين دينه، والدين المطلق هو دين ~~الله، وكذلك السبيل المطلق هو سبيل الله، أي: هذا يوم الدين الذي ينفع من ~~كان معه دين الله، وكذا السبيل المطلق هو سبيل الله. # PageV08P554 # وقوله: (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) # قوله: (هذا يوم الفصل) أي: يوم القضاء والحكم؛ كقوله - عز وجل -: (إن ربك ~~هو يفصل بينهم يوم القيامة)، أي: يقضي بينهم (فيما كانوا فيه يختلفون)، ~~والله أعلم. # ويحتمل قوله؛ (هذا يوم الفصل) أي؛ يفصل ويفرق بينهم، أي: بين الكفار وأهل ~~الإيمان، وبين الخبيث والطيب؛ كقوله - تعالى -: (ليميز الله الخبيث من ~~الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا. . .) الآية، وقوله: ~~(وامتازوا اليوم أيها المجرمون)، وقوله: (فريق في الجنة وفريق في السعير)، ~~والله أعلم. # وقوله: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) # فالزوج: هو اسم لشكله واسم لضده اسم لهما جميعا. يحتمل قوله: (وأزواجهم) ~~أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين ~~من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب ~~الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا ~~ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع ms3717 بين أولئك وبين قرنائهم جهنم، ويقرن بعضهم ~~إلى بعض في العذاب؛ كقوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له ~~قرين)؛ وكقوله: (والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون)، ~~ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) كقوله: (وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا)، ونحوه، والله أعلم. # وقال قتادة وغيره: (هذا يوم الدين)، أي: يدان لبعض الناس من بعض في ~~المظالم والحقوق. # وقوله - عز وجل -: (وقفوهم إنهم مسئولون (24) # يحتمل الوقف للحساب. # ويحتمل (مسئولون) أي: محاسبون. # وعن ابن عباس قال: " إن دون الحساب يوم القيامة كذا كذا موقفا، في كل ~~موقف يوقفون مقدار كذا عاما، ثم تلا هذه الآية ". # ويحتمل ليس السؤال عما فعلوا، ولكن يسألون لماذا فعلوا؟ # ويحتمل الوقوف فتنوا إلى بعضهم بعضا، والمخاصمة فيما بينهم والمراجعة؛ ~~كقوله: (وقالت أولاهم لأخراهم. . .) كذا، (قالت أخراهم لأولاهم. . .) # PageV08P555 # كذا؛ على ما أخبر أنه يجري فيما بينهم من الخصومة ومراجعة القول ~~واللائمة. # وقوله: (ما لكم لا تناصرون (25) # أي: ما لكم لا تنصرون؛ أي: ما لكم لا ينصركم الأصنام التي عبدتموها في ~~الدنيا رجاء النصر والشفاعة؛ كقوله: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وقوله: (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). # فيخبر عن إياسهم من نصر ما عبدوا على رجاء النصر لهم والشفاعة؛ كقوله: ~~(بل هم اليوم مستسلمون (26) أي: خاضعون ذليلون لله، لما علموا ألا يكون ~~النصر والعون إلا منه، فعند ذلك يستسلمون له. # وقال بعضهم: يستسلمون في عذابه. # * * * # قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا ~~عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان ~~بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم ~~إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل ~~بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ~~ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين ~~(37) إنكم لذائقو العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) # وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون). # قال ms3718 بعضهم: أقبلت الإنس على الجن. # وقال بعضهم: أقبلت الإنس على الشياطين، فقالوا لهم: (إنكم كنتم تأتوننا ~~عن اليمين (28) قال بعضهم: من قبل الخير والطاعة؛ فتسهوننا وتشغلوننا. # وقال بعضهم: من قبل الدين والتوحيد من حيث يحترس، وهو الأول. # وقال بعضهم: من قبل الحق ونحوه. # فرد عليهم أولئك: (بل لم تكونوا مؤمنين (29) # PageV08P556 # يقولون: إنكم تركتم الإيمان بأنفسكم وباختياركم لا إنا منعناكم منعا عنه. # وقالوا: (وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) # أي: ما كان لنا عنيكم من حجة أو برهان ألزمناكم به، بل أطعتمونا طوعا ~~واستجبتم لنا فيما دعوناكم، فهذه المناظرة والمجادلة فيما ينهم كمناظرة ~~إبليس في موضع آخر حيث قال - عز وجل -: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)، أي: دعوتكم بلا حجة ولا ~~برهان فاستجبتم لي؛ فعلى ذلك يقول هؤلاء: (بل لم تكونوا مؤمنين) باختياركم ~~ترك الإيمان بلا سلطان ولا حجة كان عليكم، وكمناظرة القادة مع الأتباع حيث ~~قال: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل)، ونحوه، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) أي: من جهة القوة، أي: ~~إنكم على الحق وإنكم مؤمنون ونحو ذلك. # ويحتمل لا على حقيقة اليمين، ولكن تأتوننا من كل جهة؛ كقوله: (ثم لآتينهم ~~من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم. . .) الآية، أي: من كل جهة لا على ~~حقيقة ما ذكرنا، والله أعلم. # وقد ذكرنا أن قوله - عز وجل -: (وما كان لي عليكم من سلطان) أن قوله: ~~(سلطان) أي: لم يكن لاتباعكم إيانا وطاعتكم لنا حجة أو برهان أقمناه عليكم ~~فيما دعوناكم إليه، وإنما كان اتباعا من غير أن ألزمناكم؛ فلا تلومونا ولكن ~~لوموا أنفسكم. # (بل كنتم قوما طاغين). # أي: بطغيانكم اتبعتمونا لا بما ذكرتم، والله أعلم. # ثم قالوا: (فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) # يشبه أن يكون هذا قول الأكابر منهم والمتبوعين للأصاغر والأتباع منهم: أن ms3719 ~~حق علينا قول ربنا؛ قال بعضهم: أي: وجب علينا وعليكم عذاب ربنا. # ويشبه أن يكون القول الذي أخبروا أنه حق عليهم هو قوله: (لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين). # وقوله: (فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) # PageV08P557 # يحتمل أن تكون هذه المعاتبة التي ذكرت كانت بين الأتباع والمتبوعين من ~~الإنس؛ كقوله - عز وجل -: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) كذا، (قال ~~الذين استكبروا للذين استضعفوا. . .) كذا؛ وكقوله: (ربنا هؤلاء أضلونا ~~فآتهم. . .) كذا. # ويشبه أن يكون بين الإنس والشياطين. # ثم قوله: (فأغويناكم). # حين اخترتم الغواية والضلال، أو عرفتم أنا لسنا على الهدى ولم نقم عليكم ~~الحجة، فاتبعتمونا على علم منكم أنا على الغواية فأغويناكم حينئذ، ~~والإغواء: الإضلال، والغواية: الضلال. # وقوله: (فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) # أخبر أنهم جميعا: الأتباع، والمتبوعون يشتركون في العذاب، ليس أن يشتركوا ~~في نوع من العذاب، ولكن يجمعون جميعا، ثم لهم العذاب على قدر عصيانهم ~~وجرمهم. # وقوله: (إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) # قال أبو بكر الأصم: المجرم: هو الوثاب في المعصية، القادح فيها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~(35) # أي: كانوا إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله يستكبرون. # ثم يحتمل قوله: (يستكبرون) لا على هذه الكلمة، ولكن يستكبرون على اتباع ~~القائلين لهم: لا إله إلا الله؛ كقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم)؛ وكقولهم: (أأنزل عليه الذكر من بيننا)، كانوا يأنفون ~~ويستكبرون على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لذلك قالوا ما ~~قالوا. # وجائز أن يكون ما ذكر من استكبارهم استكبارا على هذه الكلمة حقيقة، فيخرج ~~استكبارهم عليها؛ إنكارا لهذه الكلمة وجحوذا لها بقولهم: (أجعل الآلهة إلها ~~واحدا)، والله أعلم. # (ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (36) # يشبه أن يكون على الإنكار لها؛ لما ذكر من قولهم على أثر ذلك وهو ما قال: ~~(أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون). # ثم جمعوا في هذا متضادين؛ لأن الشاعر هو الذي يبلغ في العلم غايته، ~~والمجنون هو الذي يبلغ في الجهل غايته، ms3720 ثم جمعوا بينهما في رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكذلك قولهم: # PageV08P558 # (ساحر أو مجنون) والساحر هو الذي يبلغ في علم الأشياء غايته، والجنون في ~~الجهل؛ دل أنهم إنما يقولون عن عناد وتعنت. # وقوله - عز وجل -: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) # الحق: قال بعضهم: بالحق الذي لله عليهم وما لبعضهم على بإض، وأصل الحق: ~~أنه كل ما يحمد على فعله، وكل ما يذم عليه فهو باطل. # (وصدق المرسلين): أخبر أنه صدق إخوانه من المرسلين، والله أعلم. # قال أبو عوسجة والقتبي: (والصافات): هي الطيور التي صفت بين السماء ~~والأرض، (فالزاجرات زجرا) من الزجر يقال: زجرت الإبل زجرا إن صحت بها؛ فهو ~~اسم الصياح، (فالتاليات) كما تقول: تلوت القرآن، أي: قرأت، وتلوت: تبعت، ~~والتالي: التابع، والقذف والرمي (ويقذفون) أي: يرمون، و (دحورا): أي ~~مباعدة؛ دحرته، أي: باعدته وطردته، (واصب)، أي: [دائب]، (خطف الخطفة) أي: ~~استلب الشيء، والخطفة: الاستلاب السريع، (فأتبعه)، أي: اتبعه، (شهاب ثاقب): ~~الشهاب: الكوكب، والثاقب: الشديد الضوء والحر؛ يقال: ثقبت النار، أي: ~~التهبت واشتد حرها، وأثقبتها، أي: أوقدتها، سخرت واستسخرت كقولهم: قر ~~واستقر؛ واحد، وسخر به وسخر به بالتشديد وسخرت فلانا، أي: استعملته بغير ~~أجر، (مستسلمون)، أي: قد ذلوا وأعطوا بأيديهم؛ يقال: استسلم الرجل إذا أعطى ~~بيده، وأسلمته: تركته لم أعنه ولم أنصره، (وأزواجهم): أشكالهم، تقول العرب: ~~زوجت، أي: إذا قرنت واحدا بآخر، وهم قرناؤهم من الشياطين، (كنتم تأتوننا عن ~~اليمين)، أي: تخدعوننا وتمنعوننا عن طاعة الله، والله أعلم. وزوج الشيء: ~~شكله، ويقال لضده؛ فهو اسم لهما جميعا. # وقوله. (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون). # يحتمل ما ذكرنا: أنه على الإضمار: أنه إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا ~~الله يستكبرون. # ويحتمل وجها آخر: أنهم إذا قيل لهم: اتركوا عبادة الأصنام، واصرفوا ~~عبادتكم إلى الإله الذي هو في الحقيقة إله، وهو المالك لجر النفع ولدفع ~~الضر، وهو الله جل وعلا؛ ويدل لهذا قولهم: (أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر ~~مجنون) أي: نترك عبادة آلهتنا لقول شاعر مجنون، والله ms3721 أعلم. # ذكر أن نفرا من رؤساء قريش أتوا إلى أبي طالب فقالوا: ما يريد منا ابن ~~أخيك محمد؟ فدعا به فقال: ما تريد منهم يا ابن أخي؟ فقال له: " يا عم، إنما ~~أريد منهم كلمة يملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم "، وفي بعض القصة أنه ~~قال لهم: " أريد منكم كلمة يدين لكم بها العرب ويؤدي إليكم بها العجم ~~الجزية "، فقالوا: وما هي؟ فقال: " لا إله إلا الله، # PageV08P559 # وأني رسول الله "، فقالوا: (أجعل الآلهة إلها واحدا)، وذكر أنهم قالوا: ~~(أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون). # ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم. # والآية فيمن يقر بالصانع ليس فيمن ينكر الصانع رأسا من نحو الدهرية ~~وغيرها؛ حيث نفى الألوهية لمن دونه وأثبتها لله - عز وجل - بقوله: (لآ إله ~~إلا الله) ولو كان ذلك مع أهل الدهر، لكان لا معنى لنفي الألوهية لغيره، بل ~~يحتاج إلى تثبيتها فحسب؛ فدل أن الآية فيمن يقر بالصانع، لكنه يشرك غيره ~~فيها وهم مشركو العرب وغيرهم، والله أعلم. # ثم أخبر عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - وصدقه حيث قال - عز وجل -: (بل ~~جاء بالحق) وهو كل آياته: من التوحيد، والإسلام، والرسالة، وكل فعل يحمد ~~فاعله عليه ولا يذم. # وقوله - عز وجل -: (وصدق المرسلين). # الذين كانوا قبله في جميع ما جاءوا به من الحق. # (إنكم لذائقو العذاب الأليم (38) # بالتكذيب والرد لذلك كله. # (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39). # * * * # قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) ~~فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف ~~عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ~~ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل ~~بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك ~~لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) قال هل ~~أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين ~~(56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا ~~موتتنا الأولى ms3722 وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا ~~فليعمل العاملون (61) # ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عز وجل -: (إلا عباد الله المخلصين)؛ فإنهم ~~لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: (وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون)، أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ~~ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم. # ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: (أولئك لهم رزق معلوم (41) # فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: (يرزقون فيها بغير حساب)، وبين قوله: (لهم ~~رزق معلوم)؟! قال بعضهم من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون ~~به. # PageV08P560 # ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم ~~محدود. # أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوما ~~معروفا عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعودا، فإذا وصلوا إليه، صار معلوما ~~محدودا. # وقوله: (فواكه وهم مكرمون (42) # أي: معظمون مشرفون. # وقوله: (في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من ~~معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) # يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر ~~على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه ~~شراب فهو كأس. # وقوله: (بكأس من معين). # المعين قال بعضهم: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في ~~الأنهار؛ كقوله - عز وجل -: (وأنهار من خمر لذة للشاربين). # وقال بعضهم: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: (قل أرأيتم ~~إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين)، أي: [ظاهر]. # وقوله - عز وجل -: (بيضاء لذة للشاربين). # ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى ~~والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا بجهد، ~~أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو ~~المختار عندنا. # قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن ~~الخمر يشربها ms3723 الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع ~~هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس ~~الروحانية أو كلام نحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) # و (ينزفون) بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء. # وقوله - عز وجل -: (لا فيها غول) أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، (ولا هم ~~عنها ينزفون) من قرأها (ينزفون) برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر # PageV08P561 # عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا. ومن ~~قرأها (ينزفون) أي يعني شرابهم. # وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم ~~إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء ~~الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب ~~عقولهم الخمر ولا يفنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، (لا فيها غول) أي: سكر ولا ~~ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، وهي أن ترضع ~~المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلون، وكذلك سميت الغول غولا؛ ~~لأنها تتلون، والغيلان: جميع، (ينزفون) قال: النزيف: السكران. # وقال القتبي: (لا فيها غول) أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر ~~غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، (ولا هم عنها ينزفون) أي: لا ~~يذهب خمرهم وينقطع ولا يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في ~~الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، والله ~~أعلم. # وقيل: (لا فيها غول)، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها ~~الرأس، (ولا هم عنها ينزفون) أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب. # وفي قوله: (إلا عباد الله المخلصين) بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من ~~الله - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على ~~المعتزلة قولهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms3724 -؛ (قاصرات الطرف عين (48) # أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل الله - عز وجل - البشر على الغيرة، ~~ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن ~~إلى غيرهن، فأخبر - عز وجل - عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير ~~أزواجهن؛ حبا لأزواجهن وطلبا لمرضاتهم، والله أعلم. # وقوله: (عين). # قال بعضهم: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد # PageV08P562 # فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، والله أعلم. # وقال بعضهم: (عين)، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كأنهن بيض مكنون (49) # أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في ~~الدنيا؛ كقوله: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)، والله أعلم. # وقال بعضهم: قوله: (كأنهن بيض مكنون). # أي: قد [خبئ] وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول. # وقال بعضهم: (بيض مكنون): هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح ~~وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون. # وقال بعضهم: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء ~~يكون، والله أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن. # وقال بعضهم: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: ~~(حور مقصورات في الخيام)، والله أعلم. # وقوله: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي ~~قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52). . .) إلى آخر ما ذكر: في بعض ~~القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ~~ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ~~ماله فاشترى به قصورا وبستانا وفرشا وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، ~~وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة الله، وطلب مرضاته، وطلب [بعمده] ~~الحياة الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه ~~في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ~~ينال ms3725 منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئا، وقال له: ما شأنك وما ~~فعلت بمالك؟ فأخبره بما فعله به، فقال له: (أإنك لمن المصدقين (52) أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن ~~توفيا فنزلت فيهما: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم) وهو ~~المؤمن حين أدخله الله الجنة (إني كان لي قرين. يقول أإنك لمن المصدقين) ~~بالبعث بعد الموت (أإذا متنا # PageV08P563 # وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون)، أي: لمحاسبون (قال هل أنتم مطلعون (54) ~~كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟ ثم أخبر أنه ~~اطلع (فرآه في سواء الجحيم (55) ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز ~~أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع (فرآه في سواء ~~الجحيم)، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعا مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عز ~~وجل -: (يا أيها الإنسان إنك كادح)، و (يا أيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم)، وإن كان خاطب إنسانا فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك ~~جائز أن يكون قوله - عز وجل -: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) إنما أخبر عن ~~اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعا مطلعين. # ثم في الآية شيئان عجيبان: # أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من ~~الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون. # أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في ~~الدنيا، فجائز أن يجعل الله - عز وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد؛ حتى لا ~~يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم. # والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه ~~وسيماه، لكن جائز أن يكون الله - عز وجل - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه ~~بتلك الأعلام، وذلك على الله - عز وجل - يسير هين. # وأهل التأويل يقولون: يجعل الله - عز وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا ~~أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في ms3726 النار، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من ~~مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: (فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم)، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عز وجل -: (سواء السبيل)، أي: وسطه. # فقال: (تالله إن كدت لتردين (56) أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن ~~مسعود: مكان (لتردين): (لتغوين). # وقال الكسائي: تالله، وبالله، ووالله، والله - بغير واو - لغات. # يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول: لولا أن الله أنعم ~~على الهدى، ولولا أن الله رحمني فهداني؛ المعنى واحد. يقول له: اترك دينك ~~واتبعني، وقال: (لتردين) أي: لتهلكني، يقال: رديت فلانا، أي: أهلكته، ~~والردى: الموت # PageV08P564 # والهلاك؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي. # وقوله: (لمدينون). # قال بعضهم: لمحاسبون. # وقال أبو عوسجة والقتبي: لمجزيون، والدين: الجزاء. # وقال: (بيض مكنون): مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ. # وقوله: (إن كدت لتردين) أي: هممت، وأردت أن تهلكني وتغويني لو أجبتك ~~واتبعتك فيما أدعوتني، إليه وسألتني. # ثم أخبر أنه (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) معه، وهذا على ~~المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ~~ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن ~~منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك ~~الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: (فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم)، (لقد جاءت ~~رسل ربنا بالحق)، ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعا رأوا الهداية لهم من ~~الله نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ~~ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضا: (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ~~الله)، وقالوا: (الحمد لله الذي هدانا لهذا)، ومثله كثير في القرآن، والله ~~أعلم. # وقوله: (أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) # يحتمل قوله: (أفما نحن بميتين) على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، ~~وسؤال بعضهم بعضا: ألا ms3727 نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن ~~كان ذلك فوزا عظيما؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين ~~وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على ~~التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: (إلا موتتنا الأولى) أي: بعد ~~موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانيا. # PageV08P565 # وقوله: (لمثل هذا فليعمل العاملون (61) # أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا ~~لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار. # * * * # قوله تعالى: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين ~~(65) فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من ~~حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم ~~على آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين ~~(74) # ثم قال: (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم). # يحتمل قوله - عز وجل -: (أذلك خير نزلا) من النزل والمقام، أي: المقام ~~الذي نزلنا فيه نحن خير أم شجرة الزقوم. # ويحتمل قوله - عز وجل -: (أذلك خير نزلا) أن يكون من الأنزال، أي: ما لنا ~~من النعم العظام والمأكل والمشرب خير أم شجرة الزقوم؟ # قال بعضهم - أعني: بعض الكفار - عندما خوفوا بها: هل تدرون ما الزقوم؟ هو ~~التمر والزبد، فقالوا: هذا الذي يخوفنا به محمد. # وقال بعضهم: إن محمدا يدعي أن تكون الشجرة في النار، والنار من طبعها أن ~~تحرق الشجر وتأكله، فكيف يكون في النار الشجرة؟! تكذيبا منهم وإنكارا لذلك، ~~فأخبرهم الله - عز وجل - عن تلك الشجرة وعن حالها فقال: (إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) أخبر أن تلك الشجرة خرجت من ~~أصل الجحيم وأنشئت منها، والشجرة التي أنشئت من النار لا تأكلها النار ولا ~~تحرقها وإنما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها، ومثل هذا جائز أن ms3728 ~~يكون الشيء الذي يكون نشوءه وبدؤه من كل شيء ألا يهلكه كونه في ذلك؛ كالسمك ~~الذي يكون أصل نشوئه في الماء، لا يهلكه الماء وكذلك جميع دواب البحر وإن ~~كان غيرها من الدواب في البرية يهلك فيه ويتلف؛ فعلى ذلك الشجرة المنشأة ~~منها لا تهلكها النار ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها ~~وتحرقها، والله أعلم. # PageV08P566 # والجحيم: قيل: هو معظم النار وغلظها، يقال: أجحمت النار، أي: أعظمتها، ~~يقال: نار جحيمة، أي: عظيمة. # وقوله: (طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) # اختلف فيه: # قال بعضهم: إن نوعا من الحيات يسمين: شياطين، لها رءوس سود قباح، لها عرف ~~كعرف الفرس، وأشبه، طلع تلك الشجرة وثمرتها لقبحها وسوادها برءوس من تلك ~~الحيات، والله أعلم. # وقال بعضهم: هو نوع من النبات بالبادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبه ~~طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات. # وقال بعضهم: إن جبالا بمكة سود قباح يستقبحها أهل مكة سموها: شياطين، شبه ~~ثمار تلك الشجرة وطلعها برءوس تلك الجبال، والله أعلم. # وقال بعضهم: لا ولكن حقيقة رءوس الشياطين؛ لأن الله - عز وجل - جعل ~~للشياطين في قلوب أولئك الكفرة فضل بغض وقبح والنفار منها وإن لم يروها ولم ~~يعاينوها، فشبه طلع تلك الشجرة برءوس الشياطين؛ لفضل إنكارهم وبغضهم إياها ~~حقيقة، وفي ذلك آية عظيمة لرسالته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم لم يروا ~~الشياطين ببصرهم ولا عرفوهم معاينة، وإنما عرفوهم بأخبار الرسل - عليهم ~~الصلاة والسلام - وبها استنكروها واستقبحوها وهم قوم لا يؤمنون بالرسل - ~~عليهم السلام - فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم، لزمهم أن يقبلوا قولهم في ~~الرسالة وفي جميع ما أخبروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا جعلناها فتنة للظالمين): # يحتمل قوله: (فتنة)، يعني به: الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة ~~الزقوم أجعلها، عذابا للظالمين، يعني به: الشجرة؛ كقوله: (يوم هم على النار ~~يفتنون)، أي: يعذبون، (ذوقوا فتنتكم) أي: عذابكم، (هذا الذي كنتم به ~~تستعجلون). # ويحتمل قوله: (جعلناها)، أي: تلك الشجرة: الزقوم، (فتنة للظالمين) في ~~الدنيا وجهة القصة بها لهم: هو إنكارهم ms3729 إياها من الجهة التي ذكروا: أن ~~النار تحرق وتأكل # PageV08P567 # الشجر، فكيف يكون فيها شجر؟! إنكارا لها وتكذيبا بها. # والثاني: ما ذكر بعضهم: أن الزقوم هو الزبد والتمر، صار ذلك فتنة لهم؛ ~~لما ذكرنا وسببا لعذابهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإنهم لآكلون منها ... (66) # أي: من الشجرة الزقوم، ذكر أنها تخرج من أصل الجحيم. # وقوله - عز وجل -: (فمالئون منها البطون). # جائز أن يشدد الله عليهم الجوع حتى يأكلوا منها فيملئون بطونهم منها؛ ~~كقوله - عز وجل -: (فشاربون شرب الهيم)، وهي الإبل التي تملأ بطونها من ~~المسايم، لا يغني ذلك الشرب وهو الحميم، ولا يدفع عنهم العطش الذي يكون ~~بهم؛ فعلى ذلك ما جعل طعامهم من تلك الشجرة؛ كقوله - عز وجل -: (إن شجرت ~~الزقوم. طعام الأثيم. . .) الآية، إنهم وإن ملئوا بطونهم فإن ذلك لا يدفع ~~عنهم الجوع؛ كقوله: (لا يسمن ولا يغني من جوع)، والله أعلم. # (ثم إن لهم عليها ... (67) # وفي حرف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (ثم إن مقيلهم لإلى ~~الجحيم). # وقوله - عز وجل -: (ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم). # أي: ثم إن لهم على تلك الشجرة التي جعل طعامهم منها خلطا من حميم. # وقوله - عز وجل -: (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) # أي: ثم إن مردهم، أي: ثم إنهم يردون إلى الجحيم لا أنهم يرجعون بأنفسهم، ~~ولكن يردون فيها؛ كقوله: (ادخلوا أبواب جهنم)، هم لا يدخلون فيها ولكن ~~يدفعون فيها؛ كقوله - عز وجل -: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا)، والجحيم: هو ~~معظم النار على ما ذكرنا، يقال: نار جاحمة، أي: عظيمة. # وقوله - عز وجل -: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) # أي: وجدوا آباءهم ضالين. # (فهم على آثارهم يهرعون (70) # PageV08P568 # فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين، ولم يذكر عذاب ~~المتبوعين في الآية حيث قال: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم ~~يهرعون). # قال بعضهم: يسرعون وهو شبه الهرولة، والإهراع: هو الإسراع؛ وهو قول ~~القتبي وأبي عوسجة. # وقال بعضهم: (يهرعون) أي: يسعون؛ وهما واحد. # وقوله - عز وجل -: (ولقد ضل قبلهم ms3730 أكثر الأولين (71) # يقول - والله أعلم -: ولقد ضل قبل قومك يا محمد من الأولين أكثرهم من ~~الأمم الخالية من لدن آدم فهلم جزا إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~آدم ومن بينهما من النبيين. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) # أي: لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم، ما من قوم إلا ~~بعث إليهم نذير كما أرسلناك إلى قومك. # وقوله - عز وجل -: (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # يقول - والله أعلم -: انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة فلم يؤمن ولم ~~يقبل ولم ينفعه النذارة. # (إلا عباد الله المخلصين (74) # استثنى المخلصين منهم، وهم الذين نفعتهم النذارة وقبلوها؛ فنجوا مما ذكر ~~من عذابهم، والله أعلم. # ويحتمل: أنه سماهم المخلصين؛ لما اصطفاهم الله وأخلصهم لعبادته. # * * * # قوله تعالى: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين ~~(78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من ~~عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) # وقوله - عز وجل -: (ولقد نادانا نوح. . .) الآية. # قال بعضهم: حين دعا ربه فقال - عليه السلام -: (أني مغلوب فانتصر)، فكأنه ~~إنما دعا ربه بالهلاك على قومه، فأجاب الله دعاءه، وهو ما قال - عز وجل -: ~~(ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. . .)، إلى آخر ما ذكر. # PageV08P569 # ثمة أمران الرسل - عليهم السلام - هم مخصوصون بهما من بين غيرهم من ~~الناس: أحدهما: أن ليس لهم الدعاء على قومهم بالهلاك وسؤال العذاب عليهم ~~إلا بعد مجيء الإذن لهم من الله - عز وجل - بالدعاء عليهم، فنوح - عليه ~~السلام - إنما دعا ربه بإنزال الهلاك عليهم بالإذن من ربه. # والثاني: لم يكن لهم الخروج من بين أظهرهم عند نزول العذاب بهم إلا بإذن ~~من الله - عز وجل - على ذلك؛ ولذلك جاء العتاب ليونس - عليه السلام - ~~والتعيير لما خرج من بينهم عند نزول العذاب بلا إذن كان من ربه حيث قال - ~~عز وجل -: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه. . .) الآية، هما ~~خصلتان لهم خاصة صلوات الله عليهم، ms3731 وأما لغيرهم من أهل الدين فلهم أن يدعوا ~~على الفجرة والفسقة منهم باللعن والهلاك، فلهم أن يفروا منهم، وأن يخرجوا ~~من بين أظهرهم؛ لفسقهم وفجورهم، وكان هذا يعد من صالح الأعمال لهم. # وقوله - عز وجل -: (فلنعم المجيبون). # وهو الرب - تبارك وتعالى - ذكر المجيب على الجماعة: إنا نفعل كذا، وفعلنا ~~كذا، وهو كلام الملوك فيما بينهم، ثم كل فعل يضاف إلى الله - تعالى - ~~يشاركه فيه غيره أو ينسب يزاد فيه شيء يكون فاصلا، وذلك يينه وبين فعل ~~غيره؛ نحو ما قال - عز وجل - في موضع آخر: (وأنت أحكم الحاكمين)، ونحو ~~قوله: (عالم)، لا كالعلماء ونحوه مما يكثر ذلك؛ لأنه قادر على وفاء ما وعد ~~وأخبر وإنجاز ذلك لا يعجزه شيء، وغيره من الخلائق لعلهم لا يقدرون على وفاء ~~ذلك والقيام بإنجاز ما وعدوا؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) # يحتمل نجاته من الكرب العظيم هو دعاؤه قومه إلى توحيد الله - عز وجل - ~~تسعمائة وخمسين سنة، وما قاساه منهم من أنواع الأذى من التكذيب وغيره، ~~فأنجاه الله من كرب ذلك حين أهلكهم. # ويحتمل: (من الكرب العظيم) هو القول الشديد وهو الغرق، أغرق قومه وأنجاه ~~منه، سماه: عظيما؛ لشدة ما أصابهم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا ذريته هم الباقين (77) # أي: جعلنا ذرية نوح - عليه السلام - من بين سائر ولد آدم وذريتهم هم ~~الباقين، وأهلكنا غيرهم؛ ولذلك كان بقاء نسله إلى يومنا هذا وهلك نسل غيره، ~~والله أعلم. # وقوله: (وتركنا عليه في الآخرين (78) # PageV08P570 # يشبه أن يكون ما ذكر أنه ترك في الآخرين ما ذكر على أثره من السلام حيث ~~قال - عز وجل -: (سلام على نوح في العالمين (79) أي: أبقينا عليه الثناء ~~الحسن في الآخرين حتى يثنوا عليه جميعا ويصدقوه ويقولوا فيه خيرا وحسنا، ~~والله أعلم. # ويحتمل ما قال بعضهم: سلام الله على نوح في العالمين، وسلم إليه جميع ~~العالمين في جميع الأوقات، كما سلم عيسى على نفسه حيث قال: (والسلام علي ~~يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث ms3732 حيا)، وما سلم على يحيى - عليه السلام - حيث ~~قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)، ذكر السلام عليهما في ~~أوقات ثلاثة وفي نوح في الأوقات كلها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كذلك نجزي المحسنين (80) # أي: إنا هكذا نجزي كل محسن، فجزاه الله بإحسانه إلينا الحسن في العالمين، ~~رغب الناس في الإحسان: إما إلى الخلق، وإما إلى أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه من عبادنا المؤمنين (81) # وليس في ذكره أنه من المؤمنين كثير منفعة له وهو من أولي العزم من الرسل، ~~لكن يحتمل ذكره إياه أنه من المؤمنين وجوها: # أحدها: أنه من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة وقبل أن يبعث رسولا، أي: لم ~~يصر مؤمنا وقت الرسالة، ولكن كان لم يزل مؤمنا قبل الرسالة. # والثاني: أنه من عبادنا المؤمنين بك يا محمد؛ يذكر هذا ليسر به - صلى ~~الله عليه وسلم - ويفرح عليه، والرسل - عليهم السلام - جميعا يؤمن بعضهم ~~ببعض. # والثالث: أنه كان من عبادنا المؤمنين المحققين الموفين، أي: وفاء ما ~~اعتقد بلسانه، وهكذا كان الرسل كلهم موفين ما اعتقدوا وأعطوا بلسانهم، ~~وهكذا يعتقد كل مؤمن في أصل إيمانه واعتقاده ألا يعصي ربه، وألا يخالفه في ~~شيء من أموره ونواهيه، لكنه لا يفي ما اعتقده فعلا بل يقع - ربما - في ~~معاصيه وفي مخالفة أمره ونهيه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ ~~قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ~~ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) ~~فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا ~~تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال ~~أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا # PageV08P571 # له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) # وقوله - عز وجل -: (وإن من شيعته لإبراهيم (83) # أي: إبراهيم - عليه السلام - من شيعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول على دينه ومنهاجه. # وقال بعضهم: من شيعة نوح، ms3733 أي: إبراهيم من شيعة نوح - عليهما السلام - على ~~ما تقدم ذكر نوح - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: (نادانا نوح. . .) إلى ~~آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه. # وقيل: لذكرها (إذ جاء ربه بقلب سليم (84) عن جميع ما يمنعه من الإجابة ~~لربه فيما دعاه، والصبر على ما امتحنه وابتلاه، والله أعلم. # وعلى ذلك سماه الله - عز وجل - في كتابه الكريم: (وإبراهيم الذي وفى)، ~~جميع ما أمر به وامتحن به، والله أعلم. # وجائز أن يكون ذلك في الآخرة يقول: (جاء ربه بقلب سليم)؛ كقوله - عز وجل ~~-: (ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)، أخبر أنه في ~~الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قلبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون ~~الله) قد اختلف سؤال إبراهيم - صلوات الله عليه - بقوله مرة: قال لهم (ما ~~هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)، ومرة قال: (ماذا تعبدون)، ثم ذكر في ~~غير هذا الموضع إجابتهم إياه حيث قالوا: (نعبد أصناما)، وما قالوا: (وجدنا ~~آباءنا لها عابدين)، ولم يذكر هاهنا شيئا قالوه له، ثم معلوم أنه لا بهذا ~~اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليعلم أن ~~تغيير الحروف والألفاظ لا يغير المعنى، وكذلك جميع القصص التي ذكرت في ~~الفرآن يذكرها مكررة معادة مختلفة الألفاظ والحروف والقصة واحدة؛ ليدل أن ~~المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) # يقول - والله أعلم -: إفكا أي: كذبا تمسككم بالأصنام التي تعبدونها من ~~دونه، يقول: كذبا ذلك، ليست بآلهة دون الله وعبادته. # أو يقول: إفكا، أي: كذبا الآلهة التي اتخذتموها آلهة دون الله، يريدون أن # PageV08P572 # يتخذوا آلهة وهو قريب من الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فما ظنكم برب العالمين (87) # يقول - والله أعلم -: فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه ~~آلهة، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه، وقد تعلمون أنه هو المنعم ~~عليكم ms3734 هذه النعم، وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو تعالى أداها إليكم. # أو يقول: فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيرا في الآخرة بعد ~~تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها دون الله، بعد علمكم: أنه هو ~~خالقكم، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم، فما تظنون به أن ~~يفعل بكم: أن يرحمكم ويسوق إليكم خيرا؟! أي: لا تظنوا به ذلك، ولكن ظنوا ~~جزاء صنيعكم. # وقوله - عز وجل -: (فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) # أي: سأسقم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: (إنك ميت وإنهم ميتون) ~~للحال؛ فعلى ذلك قول إبراهيم - عليه السلام -: (إني سقيم) أي: سأسقم. # أو يقول: (إني سقيم) وهو صادق؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن ~~قل، فعلى ذلك قول إبراهيم، عليه السلام. # وقول من قال: إن إبراهيم - عليه السلام - كذب ثلاثا: أحدها: هذا (إني ~~سقيم) فذلك [وخش من القول سمج]، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه، ويذكر أهل ~~التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة ~~في النجوم فقال: (إني سقيم) ليخلفوه ويتركوه؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها ~~على ما فعل من الكسر والنحت، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم؛ لأن قومه ~~كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم، فإن كان ذلك، فهو - والله ~~أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر ~~في قوله: (هذا ربي)، و (هذا أكبر)، ونحوه، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم ~~من نفسه؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر؛ إذ هكذا ~~الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا ~~أظهر من نفسه الموافقة له كان ذلك أهون عليه. # PageV08P573 # وقوله - عز وجل -: (فراغ)، عليهم ضربا باليمين أي: ضربهم ضربا باليمين. # وقوله - عز وجل -: (فراغ إلى آلهتهم فقال ms3735 ألا تأكلون (91) # أي: فراغ إلى ما اتخذوا هم، وسموها آلهة، ذكرها على ما عندهم وعلى ما ~~اتخذوها هم وإلا لم يكونوا آلهة، وكذلك قول موسى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت ~~عليه عاكفا) أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك، وإلا لم يكن هو إلها. # وقوله - عز وجل -: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون). # كأن طعاما كان موضوعا بين يديها؛ لذلك قال: ألا تأكلون؟! # وقوله - عز وجل -: (ما لكم لا تنطقون (92) # بحوائجكم، أو يشبه أن يكون قوله: (ما لكم لا تنطقون): أنه من فعل بها ما ~~فعل؛ كقوله: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم ~~هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، عمن فعل بهم هذا، سفه قومه في عبادتهم ~~الأصنام، وهي لا تأكل ولا تنطق ولا تملك دفع من قصد بها ضررا، فكيف تطمعون ~~شفاعتها لكم في الآخرة وهي لا تملك ما ذكر؟! والله أعلم؛ وهو كقوله: (قال ~~هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون). وقوله: (فراغ عليهم ضربا ~~باليمين (93) أي: مال ورجع عليهم. # وقوله: (ضربا باليمين) اختلف فيه: # قال بعضهم: ضربا مألوفا ليمينه التي كانت منه حيث قال: (وتالله لأكيدن ~~أصنامكم)، والله أعلم. # وقال بعضهم: (ضربا باليمين) بالقوة، وقد يعبر باليمين عن القوة كما يعبر ~~باليد عن القوة. # وقال بعضهم: (ضربا باليمين)، أي: بيده اليمنى نفسها، على ما يعمل المرء ~~أكثر أعماله باليمين. # وقوله - عز وجل - (فأقبلوا إليه يزفون (94) # ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية ~~أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك ~~بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) ~~قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) الآية، ولو كانوا أقبلوا إليه ~~مزفين وهو عندها حاضر لم # PageV08P574 # يحتاجوا إلى أن يقولوا: (من فعل هذا بآلهتنا)، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ~~ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون)، معنى، ms3736 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يزفون). # قال بعضهم: يمشون إليه. # وقال بعضهم: يسرعون؛ وهو قول أبي عوسجة. وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه ~~سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتعبدون ما تنحتون (95) # يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها ~~لا تملك نفعا ولا ضرا، والذي نحتها أولى بالعبادة له أي: أولى بأن يعبد - ~~إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئا من النفع ~~والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، ~~فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئا وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق ~~أعمالكم؟! # ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ ~~يقولون: أخبر - عليه السلام - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: ~~(والله خلقكم وما تعملون (96) لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ~~ألا ترى أنه قال عليه السلام: (أتعبدون ما تنحتون) وهم لا يعبدون النحت ~~إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك ~~المعمول نفسه، وانله أعلم. # لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك ~~المعمول خلقا لله تعالى بقوله: (خلقكم وما تعملون)؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك ~~المعمول وهو، مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن ~~فيه دلالة خلق أعمالهم، والله أعلم ووهو كقوله - عز وجل -: (إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين) إنما صار التواب والمتطهر محبوبا لحبه التوبة ~~والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار ~~مخلوقا بخلقه عمله، والله أعلم. # PageV08P575 # وقوله - عز وجل -: (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) # كأنه قال بعضهم لبعض: ابنوا له بنيانا ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار ~~فيصير جحيما، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم ~~النار. # وقوله - عز وجل -: (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ms3737 (98) # أي: هالكين، يقولون: ما تأخر الله بعد ذلك حتى أهلكهم. # ويشبه أن يكون ما ذكرنا والله أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم - عليه ~~السلام - فصاروا من الهالكين، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين ~~(100) فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا ~~إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو ~~البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) ~~سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين ~~(111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) # وقوله - عز وجل -: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين). # قال بعضهم: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة. # ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة ~~إلى الأم من مكة. # أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سيهدين). # قال بعضهم: أي: سينجيني مما رأيت من قومي. # وقال بعضهم: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى - عليه السلام -: ~~(قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)، لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز ~~قول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي) أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما ~~أمر ني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، والله أعلم. # PageV08P576 # وقال بعضهم: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، ~~وقد ذكر في حرف حفصة: (إني مهاجر إلى ربي سيهدين)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رب هب لي من الصالحين (100) # كأنه قال: رب هب لي غلاما واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من ~~البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك على أن سؤاله كان ms3738 ~~سؤال الغلام. # ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب ~~كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم - عليه السلام: (رب هب لي من الصالحين)، ~~وقال زكريا - عليه السلام -: (هب لي من لدنك ذرية طيبة)، وما ذكر وحكي عنهم ~~مدحا لهم وثناء عليهم حيث قال - عز وجل -: (والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)، يجب على من يسأل ربه ~~الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سالته الأنبياء - عليهم السلام - ~~فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عز وجل - وما يصلح لقيامه لأمره ~~وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسرورا له في الدنيا فلا. # ثم يحتمل قوله: (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين. . .)، إلى ~~آخر ما ذكر وجهين: # أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيننا. # أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل ~~زكريا - عليه السلام - حيث قال: (ذرية طيبة). # ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: (ذرية طيبة)، ~~(يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - ~~والله أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من الله. # وقوله: (فبشرناه بغلام حليم (101) # يصير حليما إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه ~~بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغا يمتحن فيه، قال قتادة: " إن الله ~~- عز وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به "، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما بلغ معه السعي ... (102) # أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي # PageV08P577 # الهجرة. # وقال بعضهم: (فلما بلغ معه السعي)، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا. # قال له: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى). # وترى بالنصب والرفع جميعا - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم ~~السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ms3739 ترى أنه لما قال له: (إني أرى في ~~المنام أني أذبحك)، وقد عرف حرمة ذبع بني آدم وقتلهم قال له ولده: (افعل ما ~~تؤمر) ولو لم يكن أمرا لم يقل: (افعل ما تؤمر)، ولا قال له إبراهيم: (إني ~~أرى في المنام أني أذبحك)، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع ~~الإقدام عليه، والله أعلم. # ثم في قوله لأبيه: (افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) دلالة ~~أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر أنه سيجده ~~من الصابرين إن شاء الله، وقد ذكرنا أن إبراهيم - عليه السلام - كان مأمورا ~~بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر ~~أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ~~ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه ~~أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى - عليه ~~السلام -: (ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا)، وهذا على المعتزلة ~~لقولهم: إن الله تعالى إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه ~~تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم. وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما أسلما وتله للجبين (103) # يحتمل قوله: (أسلما) أي: استسلما لأمر الله فيما أمرهما: هذا بالذبح، ~~وهذا بالبذل والطاعة في ذلك. # أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عز وجل - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر ~~الله وإطاعته في ذلك. # وقوله: (وتله للجبين)، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما ~~يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو ~~- والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله ~~لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل ms3740 واحد منهما إلى وجه الآخر، ~~فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في # PageV08P578 # وجهه في جزع ويترك طاعته. # أو على ما قال أهل التأويل: إن ولده قال لإبراهيم - عليه السلام -: كذا، ~~ففعل ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا ... ~~(105) يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن الله - عز وجل - ~~إذا أمر أحدا بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن ~~نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ~~ويختاره حيث قال - عز وجل -: (يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا)، ولم يكن منه ~~حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، ~~لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة. # لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ~~ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا. # لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ ~~دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: (إني أرى في المنام أني أذبحك)، ~~وقول ولده - عليهما السلام -: (يا أبت افعل ما تؤمر)، لو لم يجعل الأمر من ~~الله له بالذبح أمرا بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: ~~أمر الله، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على ~~حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم. # والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما ~~بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له ~~في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ~~ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك ~~وللآخر البذل له، فإذا مدحا وأثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما ~~منقبة عظيمة ms3741 إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح الله، وهذا: فداء الله؛ ~~حيث قال الله - عز وجل -: (وفديناه بذبح عظيم)، فلو كان الأمر بالذبح ذبح ~~الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد ~~إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، والله أعلم. # لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على ما ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير ~~تاركين # PageV08P579 # أمر الله - عز وجل - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها ~~فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عما أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم ~~يصر تاركا للأمر، ولا كان موصوفا بالترك له، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا: # إحداها: في المرأة إذا أسلمت نفسها للزوج وهناك ما يمنع الزوج عن ~~الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت ~~بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها ~~زوجها. # وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها ~~وقبضها يصير مسلما إليه مؤديا خارجا منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع ~~في يده. # وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلما ~~إليه خارجا من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما ~~يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل. # وقوله - عز وجل -: (وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا). # لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو ~~حنيفة - رحمه الله -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ ~~لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجبا على نفسه ~~ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: (قد صدقت الرؤيا) قبل ذبح الكبش ~~بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا ms3742 أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة ~~إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لهو البلاء المبين (106) إن الأمر بذبح الولد ~~الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة. # ويقول بعض أهل التأويل: (إن هذا لهو البلاء المبين)، أي: النعمة العظيمة، ~~أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم - عليه السلام - نعمة عظيمة. # وقوله - عز وجل -: (وفديناه بذبح عظيم (107) # وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيما؛ لأنه كان يرعى في الجنة # PageV08P580 # أربعين خريفا. # ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتركنا عليه في الآخرين (108) # قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن. # ويجوز أن يكون قوله: (وتركنا عليه في الآخرين) ذلك السلام الذي ذكر على ~~أثره حيث قال - عز وجل -: (سلام على إبراهيم (109) ترك ذلك فينا؛ لنسلم ~~عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) ~~وسلام على المرسلين)، قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ ~~وكقوله: " اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد " ويكون سلام الأنبياء - عليهم ~~السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض. # أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمنا من كل خوف وسلامة عن كل خبث. # وقوله - عز وجل -: (كذلك نجزي المحسنين (110) # أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه من عبادنا المؤمنين (111) يحتمل هذا وجوها: # أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا. # ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ~~ما عليه. # أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء ~~جميعا بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) # كان سال ربه الولد يقول: (هب لي من الصالحين) فاستجاب الله دعاءه وبشره ~~بما ذكر، # PageV08P581 # ثم أخبر أنه نبي من الصالحين. # يحتمل قوله ms3743 - تعالى -: (نبيا من الصالحين): نبيا من السلف؛ كقوله - عز ~~وجل -: (وألحقني بالصالحين)، أي: نبيا نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - ~~عز وجل -: (هذا نذير من النذر الأولى). # ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة أي: في الولد الذي سأل ربه. # ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وباركنا عليه وعلى إسحاق ... (113) # البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء. # أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين). # (محسن) أي: مؤمن مصدق (وظالم لنفسه)، أي: كافر، وهو ما قال - عز وجل -: ~~(إني جاعلك للناس إماما)، فقال إبراهيم - عليه السلام -: (ومن ذريتي قال لا ~~ينال عهدي الظالمين)، أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن ~~في ذريته محسنا وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين. # أو أن يكون قوله - عز وجل -: (محسن) إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو ~~إسحاق، وإن ثبت ما روي أن رجلا سأل فقال: يا رسول الله، أي الناس أكرمهم ~~حسبا؟ قال: " يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ~~ابن إبراهيم خليل الله " فهو ذاك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه ~~فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف ~~الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى ~~معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على ~~أن لا حاجة لهم إلى ذلك، والله أعلم. # وقال أبو عوسجة والقتبي: الذبح: الكبش واسم ما يذبح، والذبح بنصب الذال ~~مصدر ذبحت؛ هذا قول القتبي. # PageV08P582 # وقال أبو عوسجة: الذبح بالنصب هو الفعل وهما واحد. # وقال القتبي: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من ~~الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم ms3744 الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب ~~المستبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين ~~(119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من ~~عبادنا المؤمنين (122) # وقوله - عز وجل -: (ولقد مننا على موسى وهارون). # يحتمل ما ذكر من المنة عليهما الرسالة والنبوة التي أعطاهما، والآيات ~~والحجج التي أعطاهما وخصهما بهما والذي أبقى لهما الذكر والثناء الحسن ~~عليهم في الآخرين؛ لقوله - عز وجل -: (وتركنا عليهما في الآخرين. سلام على ~~موسى وهارون)، وإنما أوجب عليهم ذكر المنن والنعم التي خصهم بها وفضلهم من ~~بين غيرهم، وأما أن يوجب عليهم ذكر كل ما من عليهم وأنعم عليهم، فذلك ليس ~~في وسع أحد القيام بذكر جميع ما من عليهم وأنعم والشكر لها، وإنما يجب ~~القيام بذكر ما خصوا بها ظاهرا وإن كان في الجملة أخذ عليهم أن يروا جعل ~~النعم والمنن من الله جل وعز فضلا منه وإنعاما لا حقا عليه بقوله - عز وجل ~~-: (ولقد مننا على موسى وهارون) ما خصوا به من الرسالة والنبوة والآيات ~~والحجج التي وقعت لهم الخصوص، فأما في كل ما من عليهم وأنعم فلا على ما ~~ذكرنا: أن ليس في وسع أحد القيام بشكر أحد نعمه في عمره وإن طال، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) # قال عامة أهل التأويل: قوله - عز وجل -: (ونجيناهما وقومهما من الكرب ~~العظيم)، أي: من الغرق، ولكن جائز أن يكون (من الكرب العظيم) والذي نجاهم ~~منه ما ذكر من قتل الرجال واستحياء النساء، حيث قال: (يقتلون أبناءكم ~~ويستحيون نساءكم. . .) الآية، وما استعبدوهم واستخدموهم، أنجاهم الله من ~~ذلك الذل وأنواع البلايا والشدائد التي كانت عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ~~(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون. . .)، أخبر أنهم كانوا مستضعفين، ~~فأنجاهم الله من ذلك كله، وهو الكرب العظيم. # وقوله - عز وجل -: (ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) # PageV08P583 # يحتمل قوله: (ونصرناهم) بالحجج والآيات التي أعطاهم. # أو (ونصرناهم) حيث أنجاهم وأهلك فرعون والقبط، والله أعلم. # وقوله: (وآتيناهما الكتاب المستبين (117) التوراة. # ثم يحتمل قوله: (الكتاب المستبين) وجهين: # أحدهما: استبان لكل من عقل ms3745 ونظر أنه من عند الله نزل؛ لأن التوراة نزلت ~~ظاهرا في الألواح ليست كالقرآن لا يعرف أنه من عند الله نزل إلا بعد التأمل ~~والنظر؛ لأنه نزل في الأوقات الخالية التي لم يطلع عليه أحد سرا عن ظهر ~~القلب. # والثاني: أنه استبان لكل من نظر فيها ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما ~~يتقى. # وقوله - عز وجل -: (وهديناهما الصراط المستقيم (118) # يحتمل الصراط الذي من سلكه أفضاه إلى مقصوده، وبلغه إلى الصراط المستقيم؛ ~~لما بالحجج والبراهين قام لا بهوى الأنفس. # وقوله - عز وجل -: (وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون ~~(120) # هو ما ذكرنا فيما تقدم: أنه أبقى لهما الثناء الحسن في الآخرين، وهو ~~السلام الذي ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كذلك نجزي المحسنين (121) # أي: إنا كذلك نبقي ونترك لكل محسن الثناء الحسن في الآخرين كما تركنا ~~لهؤلاء، وهو المعروف في الناس: أن كل محسن صالح وإن مات فإنه يذكر بالخير ~~بعده ويثنون عليه بالثناء الحسن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنهما من عبادنا المؤمنين (122) # يحتمل الوجوه التي ذكرنا فيما تقدم: # من عبادنا المؤمنين قبل الرسالة. # أو من عبادنا المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. # أو من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان قولا وفعلا، والقيام بوفاء ما ~~وجب بعقد الإيمان وعهدته، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى (وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) ~~أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم الأولين ~~(126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا ~~عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي المحسنين ~~(131) # PageV08P584 # إنه من عبادنا المؤمنين (132) # وقوله - عز وجل -: (وإن إلياس لمن المرسلين (123) # هذا ينقض على الباطنية مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسل - عليهم السلام - ~~ستة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم - وما سواهم ~~أئمة، وفي الآية إخبار أن إلياس كان من المرسلين، هذا كله ينقض قولهم ويرد ~~مذهبهم. # وقوله - عز وجل -: (إذ قال لقومه ألا تتقون (124) عبادة غير الله. # أو يقول: (ألا تتقون): ألا تخشون ms3746 ولا تخافونه في ترككم عبادته واشتغالكم ~~بعبادة غيره. # أو (ألا تتقون) نقمة الله في مخالفتكم أمره ونهيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) # قال بعض أهل التأويل: البعل هاهنا الرب بلسان قومه، وذكر عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: " أنه سئل عن قوله - عز وجل -: (أتدعون بعلا) قال: فقال ~~رجل: من يعرف الآثار، فقال أعرابي: بعلها، أي: ربها، فقال ابن عباس: كفاني ~~الأعرابي جوابها ". # لكن لا يحتمل أن يكون المراد من قوله: (أتدعون بعلا) أي: ربا، إلا أن ~~يكون ذكر أنه بلسان قومه، في قول: (أتدعون بعلا): ربا تعلمون أنه لا يضر ~~ولا ينفع، وتذرون عبادة من تعلمون أنه يضر وينفع، أو تختارون عبادة من ~~تعلمون أنه لا يملك الضر ولا النفع على عبادة من تعلمون أنه يملك ذلك. # وقال بعضهم: البعل: السيد هاهنا، وكذلك يقول في قوله: (وهذا بعلي شيخا)، ~~أي: سيدي. وقال بعضهم: البعل: هو اسم الصنم هاهنا، يقول: أتعبدون صنما ~~وتذرون أحسن الخالقين، وأصل البعل: الزوج، كأنه يقول لهم: أتدعون من له ~~أزواج وأشكال، وتذرون عبادة من لا زوج له ولا أشكال، والله الموفق. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: أول هذه يماني وآخرها مضري وهو قوله: # PageV08P585 # (وتذرون أحسن الخالقين) يسمون كل صانع: خالقا، والخلق: هو التقدير في ~~اللغة يضاف إلى الخلق على المجاز وإن كان حقيقة التقدير لله - عز وجل - ذكر ~~على ما عندهم لا على حقيقة الخلق، والله أعلم. # ثم يحتمل قوله - عز وجل -: (أحسن الخالقين)، أي: أحكم وأتقن؛ على ما ذكر: ~~وهو (أحكم الحاكمين)، أي: جعل في كل شيء أثر شهادة وحدانية الله وربوبيته. # أو (أحسن الخالقين) لما ذكر أنه خلفهم وخلق آباءهم الأولين، وأنه ربهم ~~ورب الخلائق، فقالوا: من أحسن الخالقين؛ فعند ذلك أذكر، ما ذكر ونعته: ~~(الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) ثم أخبر عنهم أنهم كذبوه مع ما ذكر ~~لهم، وهو ما قال - عز وجل -: (فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) ولم يذكر في ~~ماذا؟ لكن فيه بيان أنهم لمحضرون النار ms3747 والعذاب؛ لأن أهل اللذات هم ~~المحضرون أنفسهم وأهل العذاب يحضرون كرها لا بأنفسهم؛ كقوله - عز وجل -: ~~(يدعون إلى نار جهنم دعا)، وقوله - عز وجل -: (يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم)، وقوله: (ويصلى سعيرا)، ونحوه، ثم استثنى العباد المخلصين منهما ~~أنهم لا يحضرون النار. # وقوله - عز وجل -: (وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين ~~(130) # هو ما ذكرنا أنه أبقى لهم الثناء الحسن ومن أهلك إنما أهلك بتكذيب الرسل ~~وعنادهم، ومن نجا منهم إنما نجا بتصديقهم والإجابة لهم وإياكم وتكذيب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - فينزل بكم كما نزل بأولئك. # * * * # قوله تعالى: (وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) ~~إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) # وقال - عز وجل -: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) # أي: على من هلك من مكذبي الرسل بالليل والنهار، فتعلمون أنهم إنما أهلكوا ~~بالتكذيب للرسل. # وقوله - عز وجل -: (أفلا تعقلون (138) # وتعتبرون وتمتنعون عن تكذيبه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~(140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا ~~أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه ~~بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى # PageV08P586 # مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) # وقوله: (وإن يونس لمن المرسلين (139) # هذا ينقض على الباطنية قولهم حين قالوا: إن الرسل ليس إلا ستة لا يعدون ~~يونس ولوطا - عليهم السلام - منهم فيخالفون ظاهر الآية، وهو قوله - عز وجل ~~-: (وإن يونس لمن المرسلين)، وهم يقولون: ليس من المرسلين، وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) # ذكر هاهنا الإباق، وفي سورة الأنبياء الذهاب، وهو قوله: (وذا النون إذ ~~ذهب مغاضبا). فمن الناس من يجعل هذا غير الأول - يعني: إباقه الذي ذكر ~~وذهابه - لكن جائز أن يكون ذكر الإباق وذكر الذهاب وإن كان في رأى العين في ~~ظاهر اللفظ مختلفا فهما في المعنى واحد، فيكون قوله - عز وجل -: (إذ أبق) ~~من قومه ms3748 بدينه؛ ليسلم له، أو أبق لخوف على نفسه من قومه، أو أبق على ما ~~أوعد قومه من نزول العذاب بهم إذا لم يؤمنوا به، وكان الرسل - صلوات الله ~~عليهم - يخرجون من بين أظهر قومهم إذا خافوا نزول العذاب بهم، إلا أن يونس ~~خرج من بينهم قبل أن يأتيه الإذن من الله - عز وجل - بالخروج من بينهم؛ ~~لذلك جاء العتاب له والتعيير، لا لما يقوله عامة أهل التأويل من الخرافات ~~التي يذكرونها وينسبون إليه ما لا يجوز نسبة ذلك إلى أجهل الناس بربه ~~وأخسهم، فضلا أن يجوز نسبة ذلك إلى نبي من أنبيائه ورسول من رسله. # وقوله - عز وجل -: (فساهم فكان من المدحضين (141) # ذكر في القصة أنه - عليه السلام - لما أبق إلى سفينة فركبها أراد أن يعبر ~~البحر، فجعلت تكفو وتقف وكادت أن تغرق، فقال القوم بعضهم لبعض: إن فيكم ~~لرجلا مذنبا ذنبا عظيما، وكانوا يعرفون ذلك من عادتها من قبل كانت إذا ~~ركبها مذنب تغرق وتتسرب في الماء، فلم يعرفوا من هو ذلك؟ فاستهموا مرارا ~~فساهم يونس في كل مرة، فلما رأى ذلك يونس - عليه السلام - قال لهم: يا قوم ~~ألقوني في البحر حتى لا تغرقوا جميعا، فأبوا وقالوا: لا نلقي نبيا من ~~أنبياء الله في البحر، فألقى هو نفسه فيه، فالتقمه الحوت على ما أخبر الله ~~- عز وجل - حيث قال: (فالتقمه الحوت وهو مليم). # ثم قوله: (فساهم فكان من المدحضين) قال: فكان من المغلوبين في القرعة ~~والاستهام، أي: خرجت القرعة عليه، و (المدحضين): هو الذي لا حجة له فيما ~~يريد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فالتقمه الحوت وهو مليم (142) # قال بعضهم: (وهو مليم) أي: [مذنب]. PageV08P587 # وقال بعضهم: مليم من الملامة، أي: كان يلوم نفسه فيما صنع من الخروج من ~~بينهم بلا إذن من الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون (144) # يحتمل قوله: (فلولا أنه كان من المسبحين) لربه قبل ذلك ومن المصلين له، ~~وإلا للبث في بطنه إلى ما ms3749 ذكر؛ ولذلك قيل: من عمل لله - تعالى - في حال ~~الرخاء، نفعه الله بذلك في حال الشدة ويرفعه إذا عثر، والله أعلم. # قيل في الحكمة: إن العمل الصالح رفع صاحبه إذا عثر وإذا صرع وجد متكئا، ~~والله أعلم. # ويحتمل (كان من المسبحين)، أي: صار من المسبحين في بطن الحوت، وهو قوله - ~~عز وجل -: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) # العراء: قيل: هي الأرض الصحراء التي لا شجر فيها ولا نبت ولا ركز. # وقال أبو عوسجة: العراء: الأرض التي لا ظل فيها، والمدحض: المغلوب، ~~ومليم: أي: أتى أمرا يلام عليه. # وقال القتبي: العراء: هي الأرض التي لا يواري فيها شجر ولا غيره، كأنه من ~~عري الشيء، والله أعلم. البعل: الزوج. # وقوله - عز وجل -: (وهو سقيم). # ذكر أن الحوت لما نبذه بالعراء لم يكن به شعر ولا جلد ولا ظفر ولا سن ~~سقيم من السقم وهو المرض، أي: مريض لما مسه بطن الحوت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) # قال بعضهم: هي شجرة الفرع، أنبت عليه ليأكل منها، ويستظل بها. # وقال بعضهم: كل شجرة تنبسط على وجه الأرض مما يتسع أطرافه إذا مد وأصله ~~واحد، فهو يقطين، من نحو البطيخ والعرجون وغيرهما. # PageV08P588 # والأشبه أن تكون شجرة القرع؛ لأنها أسرع الأشجار نبتا وامتدادا وارتفاعا ~~في السماء في مدة لطيفة ووقت قريب، والوصول إلى الانتفاع بها أكلا ~~واستظلالا لها ما لا يكون مثل ذلك في مثل تلك المدة من الأشجار، والله ~~أعلم. وعلى ذلك روي أنه قيل: يا رسول، إنك لتحب القرع؟ قال: " أجل هي شجرة ~~أخي يونس، وهو تزيد في العقل " فهذا يدل إن ثبت: أنها كانت شجرة القرع، ~~والله أعلم. # ثم فيه لطف من الله - عز وجل -: حيث أنبت عليه شجرة في وقت لطيف، لا ينبت ~~مثلها إلا ms3750 بعد مدة غير لطيفة ووقت مديد، وأبقى عليه الضعف وقتا طويلا مما ~~يرتفع ذلك ويزول في وقت يسير في العرف؛ ليذكره ما أنعم عليه ويقوم بشكره، ~~وهو كما ذكر في قصة: صاحب الحمار حيث قال - عز وجل -: (فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك)، أبقى طعامه وشرابه وحفظه وقتا طويلا غير ~~متغير مما طبعه التغير في وقت يسير وغير ما طبعه البقاء لطفا منه، فعلى ذلك ~~أنبت على يونس شجرة في وقت لطيف مما لا ينبت مثلها إلا في وقت طويل، وأبقى ~~ذلك الضعف الذي كان به والسقم مما سبيله الزوال والارتفاع في وقت يسير لطفا ~~منه؛ لتذكير ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: ما ذكرنا أن حرف الاستفهام إذا أضيف إلى الله فهو على التقدير ~~والإيجاب ليس على حقيقة الاستفهام، فعلى ذلك حرف الشك: أي: مائة ألف بل ~~يزيدون، أو يقول: ويزيدون؛ لما يتعالى عن الشك. # والثاني: قوله: (أو يزيدون) حتى يزيدوا؛ كقوله - عز وجل -: (تقاتلونهم أو ~~يسلمون)، أي: حتى يسلموا. # أو كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك، والله ~~أعلم. # والثالث: يزيدون مائة ألف أو يزيدون عند الناس، فمعناه: أن من نظر إليهم ~~لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة، والله أعلم. # قال - عز وجل -: (فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) # قيل: آمنوا به فلم يهلكوا، ولكن أخر عنهم إلى وقت موت حتفهم. # وقال - عز وجل - في آية أخرى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا ~~قوم يونس لما # PageV08P589 # آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي)، أخبر هاهنا أنه لم ينفع قوما إيمانهم عند ~~معاينتهم العذاب إلا قوم يونس، وكذلك ذكر - عز وجل - في آية أخرى: أنه لم ~~ينفع الإيمان عند معاينة العذاب حيث قال - عز وجل - في آية أخرى: (فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)، ثم [لا يدرى] أنه إنما يقبل إيمان قوم ~~يونس؛ لأنهم آمنوا عند خروج يونس ms3751 - عليه السلام - من بين أظهرهم قبل أن ~~يقبل العذاب عليهم، لما كانوا يعلمون أن الرسول متى ما خرج من بينهم بعد ما ~~أوعدهم بالعذاب أن العذاب ينزل بهم لا محالة، فآمنوا به، وإن لم يعاينوا. # أو أن يكون العذاب قد أقبل عليهم فعاينوه عند معاينتهم فعند ذلك آمنوا. # فإن كان الأول فهو بأنهم إنما آمنوا به عند خروجه منهم فهو مستقيم قبل ~~إيمانهم؛ لأنهم لم يؤمنوا عند معاينتهم العذاب، ولكن إنما آمنوا قبل ذلك. # وإن كان الثاني، فجائز أن يكون قبل إيمانهم ونفعهم إيمانهم وإن عاينوا ~~العذاب؛ لما عرف - جل وعلا - أن إيمانهم كان حقا وهم صادقون في ذلك محققون، ~~لم يكونوا دافعين العذاب عن أنفسهم إلا بإيمان حقيقة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملائكة ~~إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم ~~لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا ~~تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان ~~الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ~~ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له ~~مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) # وقوله: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون). # الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه: # إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريرا وتنبيها ~~إذا لم يكونوا أهل عناد، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم. # وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير، يكون استرشادا ~~وطلب الصواب. # وإذا كان من معاند مكابر، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية؛ كقولهم: ~~(فأمطر علينا حجارة من السماء)، إنما قالوا ذلك استهزاء به. # ثم ما ذكر من الاستفتاء لهؤلاء إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم: لله - ~~عز وجل - ولد، والملائكة بنات الله سبحانه ونحوه من الفرية العظيمة التي لا ~~فرية أعظم منها ولا # PageV08P590 # كذب أكبر ms3752 منه؛ لأن درك الأشياء ومعرفتها إنما يكون في الشاهد بأحد وجوه ~~ثلاثة: # أحدها: المشاهدة. # والثاني: الخبر. # والثالث: الاستدلال بما شاهدوا وعاينوا على ما غاب عنهم. # ثم معلوم عندهم - أي: عند هؤلاء - أنهم لم يشاهدوا الله حتى عرفوا له ~~الولد، ولا كانوا يؤمنون بالرسل حتى يكون عندهم الخبر بما قالوا ونسبوا ~~إليه من الولد وغيره؛ إذ الخبر إنما يوصل إليه بالرسل، وهم لا يؤمنون بهم، ~~ولا كانوا شاهدوا ما يستدلون على ما قالوا فيه ونسبوا إليه حتى دلهم ذلك ~~على ذلك، فسفههم في قولهم الذي قالوا فيه وما نسبوا إليه، وإنهم كذبة في ~~ذلك؛ إذ أسباب العلم بالأشياء ما ذكرنا، ولم يكن لهم شيء من ذلك؛ ولذلك ~~قال: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) # وقال - عز وجل -: (أصطفى البنات على البنين (153) يقول: أأختار لنفسي ما ~~تأنفون أنتم عنه؟ وتنسبون إليه ما تستنكفون أنتم عنه؟ يسفههم في قولهم ~~ونسبتهم إلى الله ما قالوا فيه ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، والله أعلم. # وفيه تصبير رسول الله على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع؛ لأنه علمهم ~~أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم وقالوا فيه ما قالوا. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم كيف تحكمون (154) # يحتمل قوله: (ما لكم كيف تحكمون)، أي: ما لكم تحكمون بلا حجة ولا علم؟ # وقوله: (أفلا تذكرون (155) # أن هذا الحكم جور وظلم عظيم؛ كقوله - عز وجل -: (تلك إذا قسمة ضيزى). # وقوله - عز وجل -: (أم لكم سلطان مبين (156) # أي: لكم حجة وبيان على ما تزعمون وتقولون في الله سبحانه. # وقوله: (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # أي: ائتوا بكتاب من عند الله فيه ما تذكرون من الولد وغيره. # وقوله: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ... (158) قال عامة أهل التأويل: إن ~~الجنة هم الملائكة؛ لقول أولئك الكفرة: إن الملائكة بنات الله، وما قالوا ~~في قوله: (ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون)، أي: علمت الجن الذي # PageV08P591 # وصفوا له بنين إنهم لمحضرون النار وعذاب الله، ويحاسبون، على قول مجاهد ~~وغيره، والذين أولئك -أعني الأتباع- أنهم ملائكة ms3753 الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين). # قوله: (سبحان الله) نزه نفسه عما وصفه الذين تقدم ذكرهم، وتبرأ عن جميع ~~ما قالوا فيه، ثم استثنى عز وجل: (إلا عباد الله المخلصين (160) فلسنا ندري ~~ما موضع الثنيا هاهنا على أثر ما ذكر من التنزيه لنفسه، يحتمل الاستثناء ~~وجهين: # أحدهما: (سبحان الله عما يصفون) أولئك الكفرة من الولد وغيره إلا عبادنا ~~المخلصين. # والثاني: (سبحان الله عما يصفون)، أي: من أخلص منهم وآمن فإنه غير بريء ~~مما يصفه؛ لما يجوز أن يسلم منهم نفر فيصفونه بما يليق به؛ لأن المؤمن ~~والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، والله أعلم. # وقال بعضهم: " إلا عبادنا المخلصين " استثنى من قوله: (ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون) للنار (سبحان الله عما يصفون. إلا عباد الله المخلصين) فإنهم ~~لا يحضرون النار والعذاب على سبق استثناء هؤلاء الذين أخلصوا ممن يحضر فيما ~~تقدم - والله أعلم - وهو على التقديم والتأخير. # وقوله - عز وجل -: (فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) ~~إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) يقول - والله ~~أعلم -: إنكم وما تعبدون لا تملكون أن تفتنوهم وأن تضلوهم، إلا من هو في ~~علم الله أنه يختار الضلالة؛ مما يصليه النار، على حق المعونة لهم لا حقيقة ~~الإضلال، وهو ما ذكر - عز وجل - في آية أخرى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين)، وما أخبر أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: (إلا من هو صال الجحيم): إلا من كتب عليه ~~في اللوح: أنه يصلى الجحيم. # وقال بعضهم: إلا من قضي الله عليه أنه يصلى النار. # وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. # وما يعبدون: الجن الذين عبدوا الجن، أو الملائكة، ويحتمل الأصنام التي ~~عبدت؛ إذ # PageV08P592 # قد ينسب إليهن الإضلال؛ لقوله: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز ms3754 وجل -: (وما منا إلا له مقام معلوم (164) # يحتمل هذا منهم -أعني: الملائكة- وجهين: # أحدهما: قالوا ذلك لتبرئة أنفسهم عن أن يأمروا بالعبادة لهم، أي: لم ~~نتفرغ نحن بعبادة هؤلاء طرفة عين فكيف نأمر هؤلاء بعبادتنا؛ كقولهم: (قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم)، أي: نحن في طلب ولايتك فكيف نتفرغ لذلك، أو أن ~~يقولوا: إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أنتم عليه بفاتنين (162) أي ما أنتم بمضلين أحدا ~~من عبادي بإلهكم هذا الذي تعبدون إلا من تولاكم بعمل أهل النار، وذكر عن ~~عمر بن عبد العزيز وعن الحسن أيضا أنهما قالا في قوله - عز وجل -: (ما أنتم ~~عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) يقول: ما أنتم بمضلين ~~بآلهتكم أحدا إلا من قدر أنه يصلي الجحيم، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم. # (إلا له مقام معلوم (164) # يحتمل مكان معلوم محدود لا يبرح عنه ولا يفارق. # ويحتمل (مقام معلوم) أي: عبادة معلومة نحو ما ذكر حكيم بن حزام قال: ~~بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بما نحن فيه ولكن أمر آخر، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) ~~لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم ~~الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) ~~أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول ~~عنهم حتى حين (178) # ثم قوله: (لكنا عباد الله المخلصين) بنصب اللام على ظاهر ما قالوا، يخبر ~~أن يكون من المخلصين بكسر اللام، أي: لو كان كذا، فنحن نخلص له التوحيد ~~والعبادة، لكن المخلص أن يخلصنا الله لو كان كذا، والله أعلم. # ثم أخبر أنهم كفروا ما آتاهم البيان وأن أولئك المتقدمين إنما أهلكوا لما ~~ذكر محمد - # PageV08P593 # عليه الصلاة والسلام - لكنهم عاندوه وكابروه وكفروا به. # وقوله - عز وجل -: (فكفروا به فسوف يعلمون (170) # علم عيان ومشاهدة؛ إذ عرفوا علم خبر بالحجة والآيات، والله أعلم. ms3755 # وقوله - عز وجل -: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم ~~المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون. فتول عنهم حتى حين)، اختلف فيه: # قال بعضهم: إن الرسل - عليهم السلام - كانوا منصورين لم يغلب رسول قط ~~فإنما قتل: الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلغون رسالة الرسل إلى قومهم ~~ويخبرون عنهم، فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قتل أحد منهم؛ عصمهم ~~الله تعالى عن الناس وعما هموا بهم. # وقال بعضهم: إنهم منصورون لما نصر العاقبة لهم؛ إذ لم يكن رسول إلا وقد ~~كانت العاقبة له وإن غلب في الابتداء. # وقال بعضهم: (إنهم لهم المنصورون (172) بالحجج والآيات والبراهين أنهم ~~يغلبون بحججهم وآياتهم ويرفعون بها الشبه والتمويهات، والله أعلم. # ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله - عز وجل -: (وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير)، وفي بعض القراءات: (قتل معه ربيون كثير) (فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا)، أخبر أنهم وإن قتلوا فإنهم ~~لم يهنوا ولم يضعفوا، ثم قال - عز وجل -: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين)، ثم أخبر أنه آتاهم الله ذلك حيث قال: (فآتاهم. . .)، كذا، والله ~~أعلم؛ دل أنه وإن غلبوا وقتلوا فهم المنصورون. # ثم قوله: (إنهم لهم المنصورون) ذكر (إنهم لهم) بحرفين ومعناهما واحد على ~~التأكيد؛ كقوله - عز وجل -: (وإنا لنحن الصافون)، وقوله: (إني أنا الله)، ~~وإن كان الواحد كافيا، كما في قوله - عز وجل -: (وإن جندنا لهم الغالبون ~~(173) أي: رسلنا أو أتباعنا وأولياؤنا هم الغالبون على ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتول عنهم حتى حين (174) # يحتمل أي: لا تكافئهم بأذاهم إياك إلى حين أو لا تقاتلهم، فكيفما كان ~~ففيه وجهان من الدليل: أحدهما: دليل على رسالته حيث أخبر أنهم يكونون على ~~الكفر إلى الحين الذي ذكر ويهلكون على ذلك حيث قال: (فتول عنهم حتى حين). # PageV08P594 # والثاني: فيه دليل حفظه إياه وعصمته عما كانوا يهمون به من القتل ~~والإهلاك؛ حيث منعه من مقاتلتهم ونهاه عن ms3756 التعرض لهم إلى وقت، على المعلوم ~~ما كان منهم من الهم بقتله وإهلاكه لو وجدوا السبيل إليه؛ فدل أن الله - عز ~~وجل - قد عصمه وحفظه عنهم حين قال لهم ما قال حيث قال - عز وجل -: (وأبصرهم ~~فسوف يبصرون)؛ كقوله: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون). # قوله تعالى: [(وأبصرهم فسوف يبصرون (175)] # وقوله - عز وجل -: (وأبصر فسوف يبصرون). # عيانا ومشاهدة. # وقال بعضهم: وأبصرهم العذاب إذا نزل بهم خير فسوف يبصرون وقوعا. # ويحتمل قوله: (وأبصرهم) أي: عرفهم أن العذاب ينزل بهم فسوف يعرفون إذا ~~نزل بهم. # وقوله - عز وجل -: (أفبعذابنا يستعجلون (176) # دل هذا أنهم كانوا يستعجلون نزول العذاب بهم - والله أعلم - إنما ~~يستعجلون العذاب استهزاء بالرسول - عليه السلام - وتكذيبا له فيما يوعدهم ~~أن العذاب ينزل بهم. # ثم قوله: (أفبعذابنا يستعجلون) هو حرف التعجب أن كيف يستعجلون عذابي؟! ~~ألم يعرفوا قدري وسلطاني في إنزال العذاب والإهلاك إذا أردت تعذيب قوم ~~وإهلاكهم؟! أي: قدرت ذلك وملكت عليه. # ثم أخبر أنه إذا نزل العذاب بساحتهم يساء صباحهم، حيث قال - عز وجل -: ~~(فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) # ثم قوله - عز وجل -: (فإذا نزل بساحتهم) يحتمل النزول بالساحة، أي: ~~بقربهم. # ويحتمل النزول بالساحة: النزول بهم والوقوع عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ~~(ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم)، حتى ~~يأتي وعد الله في نزوله بهم - والله أعلم - يحتمل نزوله بساحتهم ما ذكرنا ~~من نزوله بقربهم ووقوعه عليهم. # ثم قوله - عز وجل -: (فساء صباح المنذرين) ساء صباحهم؛ لأن ذلك العذاب ~~إذا حل بهم صيرهم معذبين في النار أبد الآبدين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(وتول عنهم حتى حين (178)] # قد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وكذلك قوله - عز وجل -: (وأبصر فسوف يبصرون (179) ويقول بعضهم: أي: انظر ~~فسوف ينظرون، لكن الوجه فيه ما ذكرنا. # PageV08P595 # قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين. ~~والحمد لله رب العالمين. # وقوله - عز وجل -: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. ~~والحمد لله رب العالمين. # وهذه الأحرف ms3757 الثلاثة جميع ما بينه من الحق على الخلق من التوحيد، وجميع ~~ما عليهم من التفويض إليه في الأمور كلها، وجميع ما عليهم من الثناء الحسن، ~~والحمد له فيما أنعم عليهم وما ألزمهم من الثناء الحسن على جميع المرسلين: ~~أما حرف التوحيد فهو قوله: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) نزه نفسه وبرأه ~~عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد والشريك والصاحبة ~~وغير ذلك، فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله - عز وجل - بالبراءة له ~~والتنزيه عن ذلك كله. # وفي قوله - عز وجل -: (رب العزة) وصف بالعزة والقوة وتفويض الأمر إليه، ~~فيرجى أن يثاب قائل هذا ثواب كل واصف لله بالعز له والقوة. # وأما الثناء الحسن على المرسلين فهو قوله - عز وجل -: (وسلام على ~~المرسلين (181) أمر الله - عز وجل - عباده أن يثنوا على المرسلين جملة؛ ~~وعلى ذلك روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا سلمتم ~~فسلموا على إخواني المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين ". # أما الثناء الحسن على الله بكل ما أنعم عليهم وأحسن إليهم فهو قوله - عز ~~وجل -: (والحمد لله رب العالمين (182) فيرجى أن يثاب قائل هذا وتاليه على ~~المعرفة به مما فيه ثواب جميع القائلين به والتالين، والله أعلم. # وذكر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: " من أحب أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين "، ~~والله أعلم. # ورب العزة: قال بعضهم: هو رب النعمة والقوة. # ويحتمل: رب العزة، أي: به يتعزز كل من يتعزز، وإليه يرجع كل عزيز؛ وكذلك ~~كل من حمد أو أثنى على شيء فحقيقة ذلك الحمد والثناء راجع إليه تعالى، ~~والله أعلم بحقيقة مراده. # PageV08P596 ### | سورة (ص) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق. كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ms3758 (3) وعجبوا أن جاءهم منذر ~~منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ~~(6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر ~~من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) # قوله - عز وجل -: (ص والقرآن ذي الذكر). # قال بعضهم: (ص) لنا هو اسم تلك السورة التي ذكر، وكذلك قوله: (ق والقرآن) ~~وكذلك جميع الحروف المقطعات، ولله أن يسمي ما شاء بما شاء وبأي اسم شاء. # وقال بعضهم لنا: هو أسماء الرب، تبارك وتعالى. # وقال بعضهم لنا: هو فواتح السورة، وقد ذكرنا أنه يفسره ما ذكر على أثره، ~~وقد ذكرنا في غير موضع ما قيل في الحروف المقطعة. # وقال بعضهم: صاد، أي: عارض بالقرآن. # قال أبو عبيدة: صاد: من المصاداة. # وقال الزجاج: صاد بالقرآن، أي: قاتل به، وحارب بالقرآن. # وقال بعضهم: صاد بالقرآن، أي: ناد بالقرآن. # وقيل: أقبل بالقرآن ونحوه، والله أعلم. # وقال بعضهم: هو قسم أقسم بقوله: (والقرآن). # وقوله - عز وجل -: (ذي الذكر). # يحتمل ذي الشرف، سماه: ذكرا؛ لأن كل شريف يذكر في كل ملأ من الخلق، أو ~~سماه: ذكرا؛ لما يذكرهم كل ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يذر، والله أعلم. # وقال بعضهم: ذي البيان. # وقوله - عز وجل -: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) # PageV08P597 # ذكر أن أبا طالب كان مريضا فجاءه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ~~وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه وعنده ملأ من قريش، فشكوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي طالب، فقالوا: إنه يقع في آلهتنا، ~~قال: يا ابن أخي، ما تريد منهم؟ قال: " يا عم، إني أريد منهم كلمة تدين لهم ~~بها العرب ويؤدي إليهم بها العجم الجزية "، قال: وما هي؟ قال: " لا إله إلا ~~الله "، فقال أبو جهل: أجعل الآلهة إلها واحدا، بذلك أخبرهم " العزة " التي ~~ذكر حيث قال: (بل الذين كفروا في ms3759 عزة وشقاق). # وقوله: (في عزة). # قال بعضهم: منعة معاندين ممتنعين. # وقال بعضهم: (في عزة) في حمية واعتزاز، والحمية هي التي تحمل على الخلاف ~~والمعصية، والله أعلم. # ثم اختلف في موضع القسم هاهنا: # قال بعضهم: القسم في قوله: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين ~~مناص (3) قيل: في قوله: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) بوجهين: # أحدهما: أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه ~~الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن؛ كقوله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ~~ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها. . .)، ~~(وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب) الآية، ونحوه، لكن لم ينفع ذلك النداء والغوث والسؤال ~~التأخير على ما أخبر أنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. # ومنهم من يقول: هذا في الجملة في الأمم التي أهلكت من قبل واستؤصلت ~~بالتكذيب والعناد، كانوا ينادون عند نزول ذلك بهم ووقوعه عليهم، ويسألون ~~الغوث ويظهرون الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده)، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت على ما أخبر الله - عز ~~وجل - لأنه إيمان دفع العذاب واضطرار لا إيمان اختيار، يخوف بهذا أهل مكة ~~أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ويندمون على # PageV08P598 # صنيعهم كما ندم أولئك، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ولات حين مناص) وهو في الأصل (ولاه)، فإذا وصل ب ~~(حين) صارت (ولات) كأنه يمين، أي: والله، وهو قول الكسائي. # وقال بعضهم: هو (ولا) وليس هنالك تاء وإنما التاء في (حين)، أي: (تحين)، ~~وربما يزاد التاء في (حين) و (لا). # وقال بعضهم: (ولات) بالتاء، وقد قرئ بالتاء والوقف عليها. # وقوله: (حين مناص) ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: " ليس بحين تزور ولا ~~فرار ". # وقال بعضهم: ليس بحين مغاث. # وقيل: ليس بحين جزع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم (4)] # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: (وعجبوا ms3760 أن جاءهم منذر منهم) أي: من بشر مثلهم؛ كقوله - عز وجل ~~-: (هل هذا إلا بشر مثلكم)، وقوله - عز وجل -: (يأكل مما تأكلون منه ويشرب ~~مما تشربون)، وقولهم: (أبعث الله بشرا رسولا)، كانوا ينكرون الرسالة في ~~البشر ويقولون: (لولا أنزل علينا الملائكة). # والثاني: [(وعجبوا أن جاءهم منذر منهم)] أي: من دونهم في أمر الدنيا، لما ~~رأوا أنفسهم قد فضلوا في أمر الدنيا دونه، فقالوا: (أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا)، وقالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، لم يروا ~~من دونهم في أمر الدنيا أهلا لذلك على ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال الكافرون هذا ساحر كذاب). # دل هذا القول منهم: أنه قد كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~معجزة أتى بها حتى قالوا: (ساحر كذاب)، علموا أنه رسول الله، لكنهم عاندوا ~~وأرادوا بقولهم: (ساحر كذاب) وأن [يغروا] أتباعهم عليه، كما [أغرى] فرعون ~~قومه على موسى - عليه السلام - حيث قال: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، ~~وهو - عليه السلام - لم يرد أن # PageV08P599 # يخرجهم من أرضهم، إنما يريد الإسلام منهم؛ فعلى ذلك هؤلاء الرؤساء عرفوا ~~أنه ليس بساحر ولكنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن أرادوا أن ~~[يغروا] قومهم وأتباعهم عليه ولبسوا أمره عليهم؛ لئلا يتبعوه، وكذلك قوله - ~~عز وجل -: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) هذا القول من ~~الرؤساء والمتبوعين منهم [إغراء] عليه لما عرفوا من خبر عبادة الأصنام ~~والأوثان في قلوبهم، فقالوا: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب). # وقوله - عز وجل -: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم (6) ~~اختلف في قوله: (أن امشوا) قال بعضهم: إن الملأ منهم والأتباع، أتوا أبا ~~طالب يشكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يذكر آلهتهم بسوء، فلما ~~كلموه في ذلك لم يلتئم أمرهم فيما طمعوا منه ولم يجبهم إلى ما دعوه إليه ~~وسألوه، فقال الملأ وهم أشرافهم للأتباع: امشوا من عنده واصبروا على عبادة ~~آلهتكم. # أو أن يقال: أن قال ms3761 الملأ للأتباع: (أن امشوا) إلى آلهتكم (واصبروا) على ~~عبادتها. # أو أن يكون قولهم لهم: (أن امشوا) إلى أبي طالب وقولوا له كذا (واصبروا) ~~على كذا. # أو يقولون: امشوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لشيء يراد). # لسنا ندري ما أرادوا بقولهم: (إن هذا لشيء يراد)، فجائز أن يكونوا أرادوا ~~بذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - وإن دعاكم إلى ترك عبادة الأصنام لا ~~يترككم كذلك، ولكن يدعوكم إلى عبادة غيرها، أو يطلب منكم أشياء أحوالا، أو ~~أشياء أرادوا لسنا نعرف ما أرادوا بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) # قال بعضهم: الملة الآخرة: هي ملة عيسى - عليه السلام - قالوا ذلك؛ لأن ~~النصارى اختلفوا في عيسى - عليه السلام - منهم من اتخذه إلها، ومنهم من ~~اتخذه ولدا لله - عز وجل - فيقولون: عبادة الواحد الذي يدعو إليه محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - في الملة الآخرة وهي النصرانية إذ من صيره إلها عنده ~~ومن قال: إنه صيره بحيث يحتمل الشريك؟! فيقولون: ظهرت عبادة العدد في الملة ~~الآخرة فكيف يمنعنا محمد - عليه الصلاة والسلام - عن عبادة العدد ويدعونا ~~إلى عبادة الواحد؟! # PageV08P600 # وقال بعضهم في قوله: (في الملة الآخرة): هي الحال التي كانوا عليها ~~يقولون: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة) التي نحن عليها وكان آباؤنا عليها ~~لا على عبادة الواحد، يقولون: (إن هذا إلا اختلاق) من عند محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل ~~لما يذوقوا عذاب (8) # يدل على أنهم قد رأوا أن من أنزل عليه الذكر من السماء إنما ينزل لفضل ~~وخصوصية، لكن إنما رأوا الفضل والخصوصية لأنفسهم؛ لما لهم الفضل في الدنيا؛ ~~فلم يروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لذلك أنكروا إنزال الذكر ~~عليه دونهم؛ ولذلك قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، ~~وقوله: (أأنزل عليه الذكر من ms3762 بيننا). # ثم أخبر - عز وجل - أنهم شاكون في ذكره، حيث قال: (بل هم في شك من ذكري). # وتأويل هذا - والله أعلم -: أن الشك هو الذي لا يوجب القطع على شيء بل ~~يوجب الوقف فبطل القطع على شيء، فكيف قطعتم علي الرد والإنكار دون أن تقفوا ~~فيه؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل لما يذوقوا عذاب). # ثم يحتمل أن يكون هذا على الإخبار عن الإياس من إيمانهم أنهم لا يؤمنون ~~حتى، يذوقوا العذاب؛ كقوله: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). # وقال مقاتل: اللام زائدة كأنه قال: (بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا ~~عذاب) يذكر سفههم في ردهم الذكر وتكذيبهم إياه على الشك منهم، والشك يوجب ~~الوقف في الشيء لا القطع في الرد والتكذيب له. # ثم فيه الدلالة على أن الحجج والبراهين قد تلزم من جهلها ولم تتحقق عنده ~~إذا كانت يسهل التحقق منها والوقوف عليها بالتأمل والنظر فيها وإن كانت لم ~~تتحقق عنده بالبديهة وعند قرعها سمعه؛ فهو حجة لقول علمائنا: إن من أسلم في ~~دار الإسلام ولم يعلم أن عليه الشرائع والأحكام كان مأخوذا بها غير معذور ~~في جهله فيها؛ لأنها يسهل ما يوصل إليها بالسؤال والبحث عنها والفحص منها، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم ~~من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ~~(14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل ~~لنا # PageV08P601 # قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون. . .). # وقوله - عز وجل -: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) # قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف الاستفهام من الله تعالى يخرج على الإيجاب ~~والإلزام مما لو كان ذلك من مستفهم حقيقة يتضمن الجواب له، فقوله - عز ms3763 وجل ~~-: (أم عندهم خزائن رحمة ربك) جواب لقولهم: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) ~~فجوابه لهم ليس عندهم رحمة ربك حتى يختاروا الرسالة والنبوة لأنفسهم أو لمن ~~شاءوا هم؛ كقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، كانوا ~~لا يرون وضع الرسالة إلا [فيمن] كانت له أموال وله سعة في الدنيا وفضل مال، ~~فيذكر أن ليس عندهم خزائن ربك حتى يجعلوا الرسالة والنبوة فيمن شاءوا هم ~~واختاروا لذلك، قال الله - عز وجل -: (أهم يقسمون رحمت ربك)، أي: لا يملكون ~~قسمة رحمة ربك، بل (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا. . .) الآية، ~~يخبر أنهم على ما لا يملكون توسيع المعيشة على من ضيق عليه ورفع من وضع؛ ~~فعلى ذلك ليس إليهم اختيار النبوة والرسالة لمن شاءوا واختاروا، بل اختيار ~~ذلك إلى الله - عز وجل - فقالوا: أئذا كنا أحق بهذا في الدنيا فنحن أيضا ~~أحق بالرسالة والنبوة على ما نحن أحق في الدنيا بالسعة والفضل فيها، بل لو ~~عرفوا أن ما نالوا من السعة في الدنيا وفضل الأموال إنما نالوا ذلك برحمة ~~الله وفضله لا بحق كان لهم على الله، فلو عرفوا، كانوا لا ينكرون وضع ~~الرسالة فيمن اختار الله - عز وجل - وضعها فيمن شاء، وعلى ذلك قول ~~المعتزلة: إنهم لا يريدون لله أن يفعل بأحد شيئا إلا ما هو أصلح له في ~~الدين، وأنه لو فعل ما ليس بأصلح له في الدين، كان جائرا ظالما، فيرون حفظ ~~الأصلح له حقا كما رأى أولئك الكفرة السعة والأموال حقا على الله، فرأوا ~~أنفسهم أحق أيضا بالرسالة والنبوة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم إن المعتزلة يقولون في ألم الصغار: إن ليس لله أن يؤلمهم إلا بعوض ~~يجعل لهم بإزاء ذلك الألم عوضا يرضون هم بذلك؛ إذ جعلوا أنفسهم له حقيقة ~~حيث لم يجعلوا لله الإيلام إلا بالعوض، ومن أخذ حقا لغير لا يأخذه إلا ببدل ~~وعوض برضاء ذلك الغير، فهذا تناقض في قولهم: إن على الله حفظ الأصلح للخلق ~~في ms3764 دينهم حيث لم يجعلوا له ذلك إلا بعوض يجعل لهم، والله أعلم. # ودل اتفاق القول: إنه وهاب، على أن ما ينال من خير أو سعة أو فضل إنما ~~ينال برحمة وفضل لا بحق عليه؛ لأن من أدى حقا عليه لا يقال: إنه وهاب، ولا ~~يسمى: وهابا، على ما أعطى من أعطى، إنما أعطاه تفضلا منه ورحمة لا حقا كان ~~عليه. # PageV08P602 # وقوله - عز وجل -: (أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما (10) # هو مثل الأول، أي: لهم ملك السماوات والأرض؛ ليملكوا ما شاءوا من الأمور ~~ويختاروا وضع الرسالة فيمن شاءوا هم، أي: ليس لهم ملك السماوات والأرض؛ ~~فيملكوا ما يذكرون ويختارون ما قالوا، بل نملك ذلك، وإلينا ذلك، فعند ذلك ~~يقال: (فليرتقوا في الأسباب). # ثم اختلف في الأسباب التي ذكر: قال بعضهم: السبب ما بين السماء والأرض، ~~وكذلك ما بين كل سماءين سبب، والأسباب جماعة. # وقال بعضهم: الأسباب: طرق السماء. # وقال بعضهم: هي الأبواب التي في السماء تفتح للوحي. # ومعناه - والله أعلم - أي: فليرتقوا في الأسباب إن كانوا صادقين بأن ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - كذاب، وأنه ساحر، وأنه اختلقه من تلقاء نفسه، ~~أي: يفتح له أبواب السماء فليستمعوا إلى الوحي حتى يوحي الله - عز وجل - ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لقولهم: (إن هذا إلا اختلاق). # أو أن يكون معناه - والله أعلم -: أن يرتقوا إلى ملك فينزل فيخبر أن ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - كاذب فيما يدعى لقولهم: (لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) # قال بعضهم: حرف (ما هنالك) صلة كأنه قال - عز وجل -: (جند ما هنالك مهزوم ~~من الأحزاب). # وقال بعضهم: جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب. # وجائز أن يكون على تحقيق (ما) فيه، أي: جند ما يهزم هنالك من الأحزاب، لا ~~كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا: اللهم ~~انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق فغلبوا هم وقهروا. # وقال عامة أهل التأويل: ms3765 هو الجند الذي قتل ببدر، والله أعلم. # ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة: # PageV08P603 # أحدها: الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والأفراد؛ ~~كقوله - عز وجل -: (فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون). # وفيه الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع عليه؛ ~~كقوله - عز وجل -: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، أخبر - عز وجل - أنهم ~~يهزمون جميعا. # وفيه بشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة أولئك ~~وعدتهم. # ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~أخبر بما ذكر؛ فكان على ما أخبر دل أنه - صلى الله عليه وسلم - بالله تعالى ~~عرف ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب). # حين تحزبوا عليه قال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه كذاب، وإنه مفتر، ~~وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه وتلونت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12). . ~~.) إلى قوله: (أولئك الأحزاب (13) أي: الفرق. # وقوله: (إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) # يذكر هؤلاء الأحزاب الذين كادوا لرسول الله، ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم ~~الرسل لوجهين: # أحدهما: كيفية معاملة الرسل - عليهم السلام - أولئك الكفرة مع تكذيبهم ~~إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم ~~أن كيف عاملوهم وصبروا على أذاهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ~~ويصبر على أذاهم كما صبر أولئك على أذى قومهم، مثل معاملتهم فومهم وسوء ~~صنيعهم؛ كقوله - عز وجل -: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). # والثاني: يذكر هذا لأهل مكة ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم ~~الرسل وعنادهم وتمردهم معهم؛ ليحذروا تكذيبهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وألا يعاملوه كما عامل أولئك رسلهم، فينزل بهم كما نزل بأولئك من العذاب ~~والإهلاك، والله أعلم. # (فحق عقاب). # قال بعضهم: أي: وجب عليهم عقاب، لكن قوله - عز وجل -: (فحق عقاب) أي: نزل ~~بهم العقاب ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجبا على الكفار. # PageV08P604 # وقوله ms3766 - عز وجل -: [(وفرعون ذو الأوتاد)]. # قال بعضهم: إن فرعون كان إذا غضب على أحد من قومه مده بأوتاد فيعاقبه بها ~~ويعذبه، والله أعلم. # وقال بعضهم: [(وفرعون ذو الأوتاد)]، أي: ذي البناء المحكم. # وقال بعضهم: كانت له أوتاد وأرسان، أي: جبال وتلاعيب يلاعبون بها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) # يخبر - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويؤيسه عن إيمانهم أنهم لا ~~يؤمنون إلا عند وقوع العذاب بهم حتى لا ينفعهم الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ~~(إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم). # ثم قوله - عز وجل -: (إلا صيحة واحدة) يحتمل أن يكون سمى نفس العذاب: ~~صيحة. # وجائز أن يكون ذكر صيحة؛ لما أن العذاب إذا نزل بهم ووقع عليهم يصيحون، ~~فسمى ذلك: صيحة؛ لصياحهم. # أو أن يكون ذلك إذا نزل بهم كان فيه صياح، وصوت الشيء الهائل العظيم ~~الشديد إذا هو وقع ومال إلى الأرض، كان فيه صياح وصوت حتى يفزع الناس منه؛ ~~فعلى ذلك الصيحة التي ذكر يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما لها من فواق). # قال أبو عبيدة: من فتحها أراد: ما لها من راحة ولا إقامة، كأنه ذهب إلى ~~إفاقة المريض من علته. # ومن ضمها جعلها من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ويريد (ما لها من ~~فواق): انتظار ومكث. # قال أبو عوسجة والقتبي: (ما لها من فواق)، أي: من انقطاع؛ إذ هي دائمة ~~أبدا لا تنقطع به. # وقال الكسائي: الفواق: بالنصب والرفع لغتان، وهو من فواق الناقة بين ~~الحلبتين # PageV08P605 # والرضعتين. # وقال عامة أهل التأويل: (ما لها من فواق)، أي: من مرد ومرجع وقرار. # وقال بعضهم: هو مد البصر، يقول: هي أقرب من ذلك، كقوله - عز وجل -: (وما ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، والله أعلم. # وأصل الفواق: كأنه من العود والرجوع كعود اللبن إلى الضرع بعد ما حلب ~~مرة، والله أعلم. # ذكر عن ms3767 الحسن في قوله - عز وجل -: (ص والقرآن ذي الذكر) يقول: حارث ~~القرآن بقلبك وهو من قول العرب: صادته الدابة إذا كانت امتنعت فأطعمها حتى ~~ذلت ولانت. # وقال أبو عوسجة: (ص): هو أشد كلام وهو شبه قسم، والصاد في غير هذا الموضع ~~العطشان، وقوم صادون. # ثم اختلف في موضع القسم على ما ذكر: قال الكسائي: من القسم في القرآن ما ~~هو ظاهر لا يخفى، ومنه غامض: # فمن ظاهره قوله - عز وجل -: (فلا أقسم بالخنس. الجوار الكنس)، وجوابه ~~قوله: (إنه لقول رسول كريم). # ومن غامضه: (ص) قال بعض الناس: موضع قسمه قوله - عز وجل -: (إن ذلك لحق ~~تخاصم أهل النار)، والله أعلم. # لا أراه شيئا لحال الكلام ولما قص من القصص ما لا يكون ذلك قسمه. # ولكن قسمه - والله أعلم - عندي: (ص والقرآن ذي الذكر)، ثم اعترض: (بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق. كم أهلكنا) القسم هاهنا ب (كم أهلكنا)، ولكن لما ~~اعترض: (بل الذين كفروا) صار قوله ردا عليه وجوابا له؛ وهو غريب ظريف غامض. # وقوله - عز وجل -: (ذي الذكر). # قال بعضهم: ذي الشرف، أي: من أوتيه شرف، وقيل: ذي الشأن، وقيل: ذي الذكر، ~~فيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وذكر من كان قبله من الأمم الخالية. # PageV08P606 # وقوله - عز وجل -: (في عزة وشقاق). # قيل: في تكبر وتكذيب، وقيل: في حمية وخلاف، وقيل: في غفلة، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (فنادوا ولات حين مناص). # قال بعضهم: أي: هربهم في غير وقت الهرب، و (مناص): مهرب، وناص ينوص نوصا: ~~وهو المنجى والغوث. # وقال القتبي: (ولات حين مناص) أي: لا حين هرب؛ على ما قال أبو عوسجة، ~~وقال: النوص: التأخر في الكلام، والنوص: المتقدم، وأصله ما ذكرنا: أن ذلك ~~الوقت ليس هو وقت المهرب، ولا وقت المنجى ولا وقت الغوث على ما تقدم ذكره. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لشيء عجاب). # قال بعضهم: (عجاب) بلغة قوم: عجب. # وقال الكسائي: العجاب والعجاب والعجيب والعجب كلها لغات واحدة. # وقال أبو عوسجة: (عجاب) هو يكثر للعجب كما يقال: ms3768 كبار وكبار. # وقوله - عز وجل -: (وانطلق الملأ منهم). # أي: الأشراف منهم، وقالوا: للأتباع على ما ذكرنا (أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم)، قال بعضهم: قوله: (أن امشوا) إلى أبي طالب واثبتوا على عبادة ~~آلهتكم (إن هذا): قال بعضهم: بقبول إسلام وذلك كان حين أسلم عمر - رضي الله ~~عنه - بشيء أي لأمر يراد، فمشوا إلى أبي طالب، وقالوا له ما ذكرنا فيما ~~تقدم والقصة طويلة. # وقال بعضهم: (أن امشوا) أي: امضوا وارجعوا إلى عبادة آلهتكم واصبروا ~~عليها. # وقال بعضهم: قوله: (أن امشوا) من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~واصبروا على عبادة آلهتكم (إن هذا لشيء يراد) يا أهل مكة، والله أعلم. # وقوله: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة). # يعنون: عبادة إله واحد وترك عبادة آلهة في الملة الآخرة. # قال عامة أهل التأويل): (الملة الآخرة): النصرانية واليهودية كليهما. # وقال بعضهم: يعنون (الملة الآخرة) الملة التي هم عليها، وآثارهم، يقولون: ~~ما سمعنا عبادة إله واحد وترك عبادة الآلهة في الدين الذي نحن وآباؤنا عليه ~~(إن هذا) أي: ما هذا (إلا اختلاق) من نفسه، وقالوا: (أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا) يعنون: النبوة # PageV08P607 # والكتاب والوحي، وهو أفقرنا وأصغرنا ونحن أكثر سنا وأعظم شرفا، يقول الله ~~- عز وجل -: (بل هم في شك من ذكري) بأنه لم ينزل عليه (لما يذوقوا عذاب)؛ ~~وهو قول مقاتل، ثم قال: (أم عندهم خزائن رحمة ربك)، أي: يحتمل نعمة ربك، ~~أي: بأيديهم مفاتيح الرحمة والنبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: ليست ~~تلك بأيديهم ولكنها بيد الله، العزيز في ملكه الوهاب يهب النبوة والرسالة ~~لمن يشاء ويضعها فيمن يشاء. # ثم قال - عز وجل -: (أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما)، أي: ليس ~~لهم ذلك، ولكن - عز وجل - يوحي الرسالة إلى من يشاء ويختار لها من يشاء. # ثم قال: (فليرتقوا في الأسباب)، أي: الأبواب التي في السماء إن كانوا ~~صادقين بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - اختلقه من تلقاء نفسه، أي: ~~فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي الله إلى النبي محمد - صلى الله عليه ms3769 وسلم - ~~بقول أولئك. # وقال بعضهم: السبب: ما بين السماء والأرض أصلب من الحديد وأدق من الشعر ~~يعرج به الملائكة وهو المعراج يبصره الميت إذا خرجت روحه. # وقال بعضهم: (فليرتقوا) أي: فليصعدوا في طرقها؛ فيعلموا علم ذلك أنزل ~~عليه الذكر أو لم ينزل؟ والله أعلم. والارتقاء: الصعود. # أو أن يقول: ارتقوا أنتم السبب الذي ارتقى محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وأتوا بمثل الذي أتى به محمد أنه ليس برسول. # أو أن يقول: ائتوا أنتم بالذي أتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~الدين والأسباب؛ حتى تختصوا بالنبوة والرسالة كما اختص محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب). # قال: وعد الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه سيهزم جند ~~المشركين، فقال عامة أهل التأويل: جاء تأويلها يوم بدر، وقد ذكرنا تأويله ~~فيما تقدم، والله أعلم. # والأحزاب: الذين تحزبوا عليه، أي: تفرقوا. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16)، اختلف ~~فيه: # قال بعضهم: (عجل لنا قطنا) أي: كتابنا؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يوعدهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم فيه أعمالهم التي عملوها في ~~الدنيا في الآخرة، فعند ذلك قالوا له: (عجل لنا قطنا)، أي: كتابنا الذي ~~توعدنا أنه يعطى بشمالنا، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيبا له. # PageV08P608 # وقال بعضهم: (عجل لنا قطنا) أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به ~~وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيبا له؛ ~~ولذلك قال له على أثر ذلك: (اصبر على ما يقولون) يصبره ويعزيه على ما ~~يقولون؛ ليصبر على ذلك، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (عجل لنا قطنا) ليس على سؤال العذاب ~~والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في ~~الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في ~~الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يعجل ذلك لهم، فلو ~~كان على ms3770 ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء ~~بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على ~~أنه أشبه وأقرب، والله أعلم. # ويكون قوله - عز وجل -: [(اصبر على ما يقولون)] على ما تقدم من قولهم: ~~إنه ساحر وإنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك ~~قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: (ربنا عجل ~~لنا قطنا) أي: نصيبنا من الجنة. # * * * # قوله تعالى: (. . . واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) ~~وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا ~~على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) ~~قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على ~~بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب (25) يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب (26) # وقوله - عز وجل -: (واذكر عبدنا داوود). # يحتمل قوله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: (واذكر عبدنا ~~داوود) وجوها: # PageV08P609 # أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: (واذكر ~~عبدنا أيوب) (وإسحاق ويعقوب)، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى محمد في هذه ~~السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم ~~يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عز وجل -: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ms3771 فاصبر إن العاقبة للمتقين). # والثاني: قوله - عز وجل -: (واذكر عبدنا داوود)، أي: اذكر صبر هؤلاء على ~~أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر ~~أولئك؛ كقوله - عز وجل -: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). # والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون ~~لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، ~~لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟ أو ليعلموا أن في ~~أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟! ~~والله أعلم. # ويحتمل قوله - عز وجل -: (واذكر عبدنا)، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر ~~من هؤلاء في العبادة والدين وأمثال ذلك يحتمل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذا الأيد إنه أواب). # قال عامة أهل التأويل: (ذا الأيد)، أي: القوة على العبادة. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (ذا الأيد) في أمر الله، أو في أمر ~~الدين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، ~~وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ~~ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن ~~أهل الإسلام والدفع عنهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه أواب). # قال بعضهم: (أواب) مطيع لله، مقبل على طاعته. # وقال بعضهم: (أواب)، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال ~~- عز وجل -: (يا جبال أوبي معه)، أي: سبحي معه، هذا محتمل. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (أواب)، أي: رجاع إلى الله، يرجع إليه في ~~كل # PageV08P610 # أمر وإليه يفزع في كل نائبة وحادثة. # وقال بعضهم: (ذا الأيد إنه أواب)، أي: ذا الإحسان والعمل الصالح (أواب)، ~~أي: تواب. # وقتادة يقول: ذا القوة في العبادة، وذا الفقه في الإسلام، وذا البصر في ~~الدين. # وقال أبو عوسجة: (قطنا)، أي: كتابنا، يقال: قططت -أي: كتبت- أقط قطا، ~~فأنا قاط، والكتاب مقطوط، والقط -أيضا-: القطع، يقال: قططت أظفاري، والقط: ~~الدهر، ms3772 ويقال: قطي، أي: حسبي، وقطك أي: حسبك. # قال القتبي: القط: الصحيفة المكتوبة، وهي الصك. # وقوله - عز وجل -: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) # هو على التقديم والتأخير كأنه قال - عز وجل -: (إنا سخرنا الجبال يسبحن)، ~~أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداود كي يطعنه ويسبحن معه، وفيه لطف ~~من الله - عز وجل -: في هذه الأشياء والخصوصية لداود في ذلك؛ حيث صير ~~الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داود معه على ما أخبر عز وجل. # وفيه أن الله - عز وجل - حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت ~~تسبيح داود، وتعرف تسبيحه وتسمعه وتلين له، فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث ~~يلين ويخضع لله بلطفه؛ إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال، فإذا جعل ~~لطفه فيها لانت وخضعت؛ فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ~~ألا يلين ولا يخضع؛ إذ هو ليس بأصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، والله ~~أعلم. # وأما الخصوصية له: فإن الله - عز وجل - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، ~~لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ~~ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة ~~الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له ~~وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال ~~- عز وجل -: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر)، وما ذكر من فهم نطق ~~الطير والنطق معه وفهمه تسبيحها ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ~~ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ~~ليست تلك لغيره، والله أعلم. # PageV08P611 # وقوله - عز وجل -: (والطير محشورة ... (19) # أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضا. # وقوله - عز وجل -: (كل له أواب). ms3773 # قال بعضهم: كل له مطيع. # وقال بعضهم: كل له مسبح، فإن كان قوله - عز وجل -. (كل له أواب)، أي: ~~مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل ~~لداود، لكن لله تبارك وتعالى، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (يسبحن بالعشي والإشراق) جائز أن يكون لا على إرادة ~~حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي ~~كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من ~~الليل والنهار، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون يسبحن في العشيات والغدوات خاصة؛ كقوله - عز وجل - لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي)، والله أعلم. # ثم جائز أن يكون ما ذكر من تسبيح هذه الأشياء صلاة (يسبحن) أي: يصلين ~~لله؛ كقوله - عز وجل -: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ~~والطير صافات) ثم قال - عز وجل -: (كل قد علم صلاته وتسبيحه)، دل أن لها ~~صلاة، والله أعلم. # ومن الناس من يقول: تسبيح هذه الأشياء التي ذكر هو تسبيح خلقة لا تسبيح ~~نطق وكلام، لكن لو كان على هذا، لكان لا معنى لذكر تسبيحهن مع داود - عليه ~~السلام - إذ ذا مع داود وغيره في كل وقت؛ دل أنه على تسبيح النطق، وإن كان ~~على الصلاة، فهو ألا يجوز الصلاة لأحد حتى تشرق الشمس وترتفع؛ حيث ذكر ~~إشراق الشمس، والله أعلم. # ثم من الناس من حمل قوله - عز وجل -: (والإشراق) على صلاة الضحى، وهو قول ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - ذكر عنه أنه سأل أم هانئ عن صلاة الضحى: هل ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل في بيتها؟ فأخبرته أنه فعل، قال ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: وقلت: أي: صلاة الإشراق، وهذه صلاة الإشراق، ~~يعني: صلاة الضحى، والله # PageV08P612 # أعلم. وسميت صلاة الضحى: صلاة الأوابين. # وقوله - عز وجل -: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # قال عامة أهل التأويل في قوله: (وشددنا ms3774 ملكه): لأنه كان يحرسه كل ليلة ~~ثلاثة وثلاثون ألفا من بني إسرائيل، لكن ليس فيما ذكروا كثير شد الملك ~~وتقويته إنما هو وصف ضعف إلا أن يعنوا بما ذكروا: كثرة أعوانه وأنصاره وفضل ~~أتباعه وحواشيه؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، فأما في نفس ما ذكروا من الحرس ~~له والحفظ، فليس فيه كثير شد ولا فضل منقبة. # وجائز أن يكون غير هذا أشبه له وأولى بما ذكر ملكه، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: شد ملكه بما ذكر من إلانة الحديد، حتى كان يتخذ منه لباسا من ~~الدروع وغيرها منه أسباب الحرب والتأهب لها وما يصلح للقتال ما لم يعط مثله ~~لأحد سواه، فينقطع بذلك طمع المنازعين له في ذلك والراغبين في ملكه، ويأمن ~~هو بذلك ذهابه، فهو شد ملكه، والله أعلم. # والثاني: شد ملكه بما ذكر من تسخير الجبال له والطير والتسبيح معه، وما ~~ذكر من طاعة هذه الأشياء له والخضوع لأمره، فمن بلغ أمر ملكه هذا المبلغ ~~الذي وصف من طاعة من ذكره والتسخير له وعبادته لله تعالى وطاعته لربه في ~~نفسه حيث قال - عز وجل -: (واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب) لم يقصد ~~أحد من ملوك الأرض قصده ولا طمع في زوال ملكه إليه بحال، وهذا أشبه أن يجعل ~~تأويل شد ملكه الذي ذكر - والله أعلم - مما قاله أهل التأويل. # قوله - عز وجل -: (وآتيناه الحكمة). # قال بعض أهل التأويل: (وآتيناه الحكمة) أي: النبوة (وفصل الخطاب)، أي: ~~البية على المدعي، واليمين على المدعى عليه، لكن ليس فيما ذكروا من جعل ~~البينة على المدعي وجعل اليمين على المنكر كثير منقبة وخصوصية؛ إذ قد ~~أعطينا نحن مثله، وقد ذكر على الخصوصية له. # ثم جائز أن يكون ما ذكر من الحكمة أنه آتاها له: إحكام أمره فيما بينه ~~وبين ربه: العبادة له -أي: لله تعالى- والطاعة له في كل وقت؛ على ما وصفه ~~حين قال: (ذا الأيد # PageV08P613 # إنه أواب)، أي: ذا القوة والجهد في العبادة لله والطاعة له فيهم، وإنزال ~~كل منهم منزلة ms3775 وتأليف قلوب بعضهم من بعض، وجمعهم على دين واحد، ومذهب واحد ~~حتى لم يقع تنازع ولا خلاف في الدين، والله أعلم. # وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: (وفصل الخطاب)، أي: قطع الخصومات فيما ~~بينهم على التأليف والتلطف وإيصال كل إلى حقه من غير أن يقع بينهم خشونة أو ~~ضغينة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفصل الخطاب). # قال بعضهم: ما ذكرنا من القضاء بين الخصوم بالبينة على المدعي واليمين ~~على المنكر، وليس في ذلك كثير منقبة ولا خصوصية. # وقال بعضهم: هو " أما بعد " وهذا أيضا ليس بشيء، والأصل فيه ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # والخطاب: هو الخصومة؛ قال أبو معاذ: الخطاب: كالجدال والخصام، تقول: ~~خاطبته خطابا ومخاطبة وجادلته جدالا ومجادلة فكل " فاعل " له مصدران: فعال ~~ومفاعلة. # وقال أبو عوسجة: الفصل: القضاء، والخطاب: الخصومة، تقول: خاطبت الرجل، أي ~~خاصمته. والإشراق: هو طلوع الشمس ووقوعها في كل ناحية بنورها؛ كقوله - عز ~~وجل -: (وأشرقت الأرض بنور ربها)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) # قد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - عز وجل - يخرج على ~~الإيجاب، أو على التقرير والتنبيه. # ثم قوله - عز وجل -: (أتاك نبأ الخصم) على وجهين: # أحدهما: أي: قد أتاك نبأ الخصم فتفكر فيه كيف ابتلاه الله - عز وجل - ~~وفتنه على ما ذكر؟! # والثاني: قوله - عز وجل -: (وهل أتاك نبأ الخصم) أتاك وأرسل إليك نبأه ~~وخبره: أن كيف ابتلاه وفتنه؟! وعلى هذا يجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ~~(واذكر عبدنا داوود)، أي: اذكر ما قربه هو، أو اذكر متقربه إياه، أو اذكر ~~خصومة الخصمين إليه، أو # PageV08P614 # اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب. # ثم قوله: (نبأ الخصم) هو حرف التوحيد والوحدان. # وقوله - عز وجل -: (إذ تسوروا المحراب). # حرف الجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: (إذ دخلوا على داوود ... (22) ذكره ~~بالجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: (ففزع منهم) ذكر بحرف الجماعة، وقوله - ~~عز وجل -: قوله تعالى: (قالوا لا تخف)، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال ms3776 - عز ~~وجل -: (خصمان بغى بعضنا على بعض) وذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه ~~بحرف التثنية وهي قصة واحدة. # وقال بعضهم: أما قوله - عز وجل -: (الخصم) فهو مصدر، والمصدر للجمع ~~والفرد والتثنية واحد، وأما قوله - تعالى -: (تسوروا) و (دخلوا) و (قالوا)، ~~ونحوه قد يقال للاثنين ذلك؛ لأن الاثنين جماعة؛ كقوله - عز وجل -: (إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)، والقلوب جماعة، وإنما هو قلبان، وذلك ~~كثير في القرآن، وذلك جائز في اللغة شائع فيها. # وعندنا جائز أن يكون قوله - عز وجل -: (تسوروا) و (دخلوا على داوود) و ~~(قالوا لا تخف) ونحوه: أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على ~~دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم (قالوا لا ~~تخف) وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد ~~الخصمين: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه)، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي ~~بلا شهود يشهدون، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه، فإذا كان ~~كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون ~~على ذلك، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة ~~كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم: (لا تخف)، وفيما أضيف إلى ~~الاثنين اثنين كانا في الخصومة، والله أعلم. # ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا: (خصمان بغى بعضنا على بعض)، و (إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة)، وقوله: (أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب)، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما ~~خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة، ولم ~~يكن في الحقيقة ذلك، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت ~~بينهما، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة ~~والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط، أو يرسلهم الله ليكذبوا؟! لكنه - والله ~~أعلم - على التقرير والتمثيل، أي: لو كان ms3777 لأحدهما # PageV08P615 # كذا كذا نعجة وللآخر واحدة فغلب صاحب النعاج الكثيرة على صاحب النعجة ~~الواحدة فأخذها، أليس يكون ظالما أو يكون باغيا؟! ليس على التحقيق، ولكن ~~لما ذكرنا يقرران عنده الزلة ويمثلان به القضية، لا أن كانت له على ما ~~يقوله أهل التأويل ويقررونه، وقد ذكر الله - عز وجل - أشياء كثيرة على ~~التمثيل والتقرير على تقرير أشياء غفلوا عنها وسهوا فيها ليتقرر ذلك عندهم؛ ~~فعلى ذلك يشبه أن يكون خصومة هؤلاء الملائكة عند داود - عليه السلام - وما ~~كان منهم من القول والخصومة ليتقرر ما كان منه من الهفوة والزلة ليعرف ذلك ~~ويرجع عنه، والله أعلم. # ثم قول أهل التأويل: إن طائرا وقع بين يديه قريبا منه فنظر إليه وصار ~~معجبا به، فهم أن يأخذه وارتفع إلى كوة المحراب فصعد ليأخذه فوقع بصره على ~~امرأة فأعجبته، فإن هذا يحتمل أن يكون، وأما قولهم: أدام النظر أما هذا ~~فإنه لا يحتمل أن يكون مثل داود أو نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه ~~يديم النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وأما الأول من الذهاب لطلب ذلك ~~الطائر والنظر إليه أنه من أين؟ وإلى ماذا؟ فذلك يحتمل أن يكون، ثم هو يكون ~~معذورا في الصعود إلى الكوة والارتفاع للنظر إلى الطائر؛ لما كان الطيور ~~حشرت له وسخرت في التسبيح معه والطاعة له، فجائز أن يكون له البحث والفحص ~~عن حال ذلك الطائر على ما أخبر عن سليمان حيث قال - عز وجل -: (وتفقد الطير ~~فقال ما لي لا أرى الهدهد)، فإذا كان ما ذكرنا: هو في الصعود إلى الكوة ~~والارتفاع إلى ذلك معذورا، لكن وقع بصره عليها بلا قصد منه ولا علم بحالها ~~ومال قلبه إليها لحسنها وجمالها، وذلك ما يكون بلا تكلف ولا صنع، وذلك مما ~~لا يملك دفعه؛ نحو ما كان من ميل قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~امرأة زيد ووعد لها نكاحها حيث قال - عز وجل -: (فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها)، وما ذكر من بعث زوجها إلى القتال ms3778 ليقتل فهذا أيضا غير محتمل، ~~لكن يحتمل بعثه إياه ليجاهد أعداء الله وكان ذلك فرضا عليه، فصار مقتولا ~~فيه من غير أن يتوهم منه أنه قصد قتله وإهلاكه، والله أعلم. # فإن قيل: كيف عوتب كل هذا العتاب، حتى بعث إليه الملائكة بالخصومة عنده ~~والتمثيل لما ذكر وتقرير ذلك عنده، ثم أخبر أنه غفر له بعد طول المدة، إن ~~كان معذورا في ذلك غير مؤاخذ به؟! # قيل: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم - أجمعين كانوا يؤاخذون بأدنى شيء ~~كان منهم ما لا يؤاخذ غيرهم بذلك، بل يعد ذلك منهم من أرفع الخصال وأجلها ~~نحو ما عوتب يونس - عليه السلام - في خروجه من بين قومه؛ ليسلم دينه أو ~~نفسه، لكنه خرج بلا إذن # PageV08P616 # كان له من الله؛ فعوتب لذلك؛ فعلى ذلك داود - عليه السلام - إنما فعل بلا ~~إذن من الله عز وجل، والله أعلم. # ثم في بعث الملائكة إليه فيما ذكر وجوه من الحكمة وأنواع من الفائدة: # أحدها: جواز الحجاب والحرس له، حيث دخلوا عليه من غير الباب. # والثاني: رفع الحجاب عن الخصوم لا على وقت حاجة نفسه حيث دخلوا من غير ~~الباب للخصومة بلا إذن منه. # والثالث: قدرة الملائكة على التصور بصورة البشر مع كون النفس الكثيفة ~~موجودة معهم، وذلك يرد على الفلاسفة مذهبهم أن النفس الروحانية خلقت منتشرة ~~متحركة في كل حال، لكن الجسد الذي جعل يمنعها عن ذلك، فإذا نام ذلك الجسد ~~أو مات ذهبت تلك النفس حيث شاءت إلى حاجتها؛ ألا ترى أن الملائكة قد تسوروا ~~عليه بصورة البشر، واختصموا إليه خصومة البشر؟! دل على أنه ليس على ما ~~وصفوا هم. # ثم قوله - عز وجل -: (إذ تسوروا المحراب). # قال بعضهم: صعدوا، وأصل التسور: هو الدخول من العلو والارتفاع وهو النزول ~~من السور وهو الحائط المشرف المرتفع. # وقوله - عز وجل -: (ففزع منهم). # لما خاف دخول الوهن في ملكه؛ إذ دخلوا بلا إذن من غير الباب. # أو خاف؛ لما ظن أنهم لصوص مكابرون. # أو لما عرف أنهم ملائكة جاءوا بأمر عظيم ms3779 ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تشطط). # أي: لا تجر. # وقوله: (أكفلنيها (23) # قال بعضهم: أعطينيها. # وقال بعضهم يقال: أكفلته، أي: أعطيته؛ وهو قول أبي عوسجة. # وقال بعضهم: أي: ضمها إلي، واجعلني كافلها؛ وهو قول القتبي. # وقوله: (وعزني في الخطاب). # قال بعضهم: غلبني في الخصومة. # وقوله - عز وجل -: (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض (24) # PageV08P617 # ثم استثنى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، أي: الذين آمنوا، ~~واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغون بعضهم على بعض، ثم ~~أخبر أن من آمن واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي: من اتقى من المؤمنين ~~قليل ومن ترك البغي قليل منهم، وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا. # وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح وترك البغي على غيره - ~~قليل في كل زمان ودهر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وظن داوود أنما فتناه). # أي: علم داود وأيقن أن خصومة الملكين عنده فيما اختصما فيه محنة له، هو ~~الممتحن بها، لا أنهما كانا ممتحنين بذلك؛ فاستغفر ربه إذ أيقن بذلك أنه هو ~~الممتحن بذلك لا غيره، والله أعلم. # ثم فسر أهل التأويل الظن هاهنا: الإيقان، أي: أيقن، وكأن الإيقان هو علم ~~يستفاد بالأسباب، على ما استفاد داود - عليه السلام - علما بخصومة الملكين ~~عنده؛ ولذلك لا يضاف الإيقان إلى الله أنه أيقن كذا لأنه علم يستفاد ~~بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب، وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغير ~~سبب؛ لذلك أضيف إليه حرف العلم ولم يضف حرف الإيقان، والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في ذكر زلات الرسل - عليهم السلام - والأصفياء في ~~الكتاب، وهو وصف نفسه أنه غفور وأنه ستور، وقد أمرنا لنستر على من ارتكب ~~شيئا من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ ~~زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التناد، وما الحكمة في ذكر ~~ذلك؟! # قال الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الفقيه - رضي الله عنه -: يخرج ذكر ~~زلات الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن ms3780 وترك الستر عليهم على وجوه: # أحدها: ذكرها؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ~~قلوب الخلق وأنفسهم لا يحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل ~~قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم، فإذا ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ ~~دل أنه على أمر من الله - عز وجل - يذكر ذلك؛ ليعلم الناس أنه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، والله أعلم. # والثاني: ذكر زلاتهم امتحانا منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما ~~عرفوا منهم الزلات وأظهر عنهم العثرات؟ وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة؟ ~~يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن. # PageV08P618 # والثالث: ذكر زلاتهم ليعلموا -أعني: الخلق- كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم ~~الزلات والعثرات؟ فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل ~~بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك، والله أعلم. # أو أن يكون ذكرها؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من ~~الإيمان، وذلك على الخوارج بقولهم: إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من ~~الإيمان. # أو أن يكون ذلك؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها، ~~وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحدا على الصغيرة، والله ~~أعلم. # وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس، فخافوا عليها، فلولا ~~أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم، ~~يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء: يوما لنسائه، ويوما لعبادة ربه، ~~ويوما لقضاء بني إسرائيل، ويوما لعباد بني إسرائيل: يذكرهم ويذكرونه، ~~ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على ~~الإنسان يوم لا يصيب به ذنبا؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، قال: فلما ~~كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، فأكب على الزبور يقرأها ~~فابتلي بما ذكروا، قال: ولذلك سمي: أوابا، والله أعلم. # وابن عباس وهؤلاء قالوا: " إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند ~~كل امرأة ms3781 يوما فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة، ففي ذلك اليوم أصابه ما ~~أصابه ". # وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: (وعزني في الخطاب) أي: غالبني في الكلام، ~~أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن ~~يكون أعرض، على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فغفرنا له ذلك ... (25) # أي: زلته التي كانت منه وعثرته، وما يقول أهل التأويل: ربه أوحى إليه: ~~أني قد غفرت لك، لكن لابد أن يتعلق بك أوريا في رءوس الخلائق، ثم أستوهبك ~~منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك، ولا يصح ذلك، ولا ~~يستقيم على ما ذكرنا نحن: أنه لم يكن منه أوريا ما يلحقه ما يذكرون، إنما ~~أمره بمجاهدة أعداء الله وكان له أن يأمر، إلا أنه عوتب؛ لأن الأنبياء - ~~عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم، ويعيرون على ذلك؛ لذلك ~~كان ما ذكرنا، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه، ثم # PageV08P619 # علمنا أن ربه غفر له بقوله - عز وجل -: (فغفرنا له ذلك)، فأما ما سوى ذلك ~~الذي ذكره أهل التأويل فلا نعرفه، فإن صح شيء منه يقال به، وإلا الترك أولى ~~به وأسلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). # يحتمل قوله - عز وجل -: (وإن له عندنا لزلفى) في باقي عمره، أي: له في ~~باقي عمره ما يزلفه لدينا، ويقربه عندنا، والله أعلم. # أو أن يكون له زلفى عنده في الآخرة، أي: له كرامة ومنزلة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) # يحتمل قوله: في جملة أهل الأرض من الرسل والأنبياء والملوك وغيرهم على ~~الشريف والوضيع، والله أعلم. # ويحتمل قوله - عز وجل -: (جعلناك خليفة في الأرض) في الرسل خاصة، وكلا ~~التأويلين يرجعان إلى واحد، إلا أن أحدهما يرجع ms3782 إلى العامة منهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى). # ثم لم ينهه عن هوى النفس، ولكن نهاه عن اتباع هواها أن النفس قد تهوى في ~~الحكم بغير حق حيث قال: (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى)؛ لأن النفس ~~أنشئت على الهوى والميل إلى اللذات والشهوات وعلى ذلك طبعت وبنيت؛ فيكون في ~~هواها إلى ما تهوى مدفوعا غير مالك ولا قادر على دفعه؛ لذلك لم ينه عن ~~هواها ولكن نهاه عن اتباع هواها، ويقدر على منعها بالعقل وردها إلى اتباع ~~الحق؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فيضلك عن سبيل الله). # ذكر أنه لو اتبع هواها أضله عن سبيله، ولا كل هوى إذا اتبعه المرء، أضله ~~عن سبيله، لكنه إذا اتبعه في شيء بعد شيء يحمله على الإضلال عن سبيله؛ إذ ~~من ضل عن سبيله إنما يضل لاتباعه هواه؛ كقوله - عز وجل -: (أرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه): أخبر أن من اتخذ إلها دونه إنما اتخذه بهواه لا بحجة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب). # أي: تركوا الأعمال التي تعمل ليوم الحساب. # أو (بما نسوا) أي: بما تركوا الإيمان به والإقرار، والله أعلم. # PageV08P620 # قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (29) # وقوله - عز وجل -: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا)، الباطل: ~~هو الفعل الذي يذم عليه فاعله. والحق: هو الفعل الذي يحمد عليه فاعله. # وقوله - عز وجل -: (ذلك ظن الذين كفروا). # لم يظن أحد من الكفرة أن الله خلق شيئا باطلا، لكن يكون خلق ما ذكر من ~~السماوات والأرض وما بينهما من الأهل مخلوقا باطلا على ما عبد أولئك الكفرة ~~وفي حسبانهم؛ لأن عندهم أن لا بعث ms3783 ولا حياة بعد ما ماتوا، فكان خلق ذلك كله ~~لو لم يكن بعث ولا نشور خلقا باطلا لوجهين: # أحدهما: أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة، وإنشاء الشيء ~~وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه؛ كقوله - عز وجل -: ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا. . .) إلى آخر الآية، صير خلقه إياهم إذا لم ~~يكن رجوع إليه عبثا؛ لذلك كان ما ذكرنا. # والثاني: أنه لو لم يكن بعث، لكان خلقهم غير حكمة؛ لأنه قد جمعهم جميعا ~~في نعيم هذه الدنيا ولذاتها: الولي، والعدو، وفي الحكمة التفريق والتمييز ~~بينهما، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما، لكان في خلقهم غير حكيم، وعندهم ~~جميعا أنه حكيم. # ثم يقول قتادة في قوله - عز وجل -: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض) ~~إلى قوله: (بما نسوا يوم الحساب) يقول: لم يذكر الله - عز وجل - من شأن ~~داود - عليه السلام - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة ~~الله والعمل له والعدل فيما ولاه الله عز وجل، ولكن الله تعالى وعظ نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين موعظة بليغة شافية، ليعلم من ولي من هذا ~~الحكم شيئا أنه ليس بين الله وبين العباد سبب يعطيهم خيرا ولا يدفع عنهم به ~~شرا إلا بطاعة الله والعمل بما يرضى. # وقوله - عز وجل -: (إنا جعلناك خليفة في الأرض). # أي: جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) # هو صلة قوله - عز وجل -: (ذلك ظن الذين كفروا): كان ظنهم أن لا بعث ولا ~~نشور، فيقول - والله أعلم -: إنه لو كان على ما ظن أولئك الكفرة: أن لا بعث ~~لكان في ذلك # PageV08P621 # جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض وجعل ~~المتقين كالفجار؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا ~~وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز، وقد ~~سوى بينهما في الدنيا ms3784 على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر، فلو ~~كان على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا حياة، لكان ذلك جمع وتسوية بين الولي ~~والعدو، وفي الشاهد من سوى بين من عاداه وبين من والاه، وجمع بينهما في ~~البر والجزاء كان سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك الله - سبحانه - لو لم يجعل ~~دارا أخرى يفرق بينهما كان غير حكيم؛ إذ قد سوى بينهما وجمع، تعالى الله ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ثم من الناس من يقول: يجب أن يفرق بينهما في الدارين جميعا في الدنيا ~~والآخرة، وقد فعل حيث سمى هؤلاء: ضلالا وهؤلاء مؤمنين، وخذل الكفار، ~~وأذلهم، ووفق المؤمنين وأعزهم؛ وهو قول المعتزلة. # ومنهم من يقول: لا يجب ذا في الآخرة؛ لأن الدنيا دار محنة وابتلاء يمتحن ~~الفريقان جميعا بالخير مرة والشر ثانيا، وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى على ~~ما أخبر حيث قال - عز وجل -: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، وما ذكر: ~~(ونبلوكم بالشر والخير. . .) الآية، أخبر - عز وجل - أنه يمتحنهم ويبتليهم ~~بالخير والشر وبالسيئة والحسنة، وذلك للفريقين جميعا على ما ذكرنا من جمعه ~~إياهم جميعا في الحالين، وأما الآخرة فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة، فهنالك ~~يقع التفريق والتمييز بينهما لا فيما فيه المحنة والابتلاء، والله أعلم. # وأما قولهم: إنه قد فرق بينهما؛ حيث سمى هؤلاء: ضلالا، وهؤلاء: مؤمنين، ~~وخذل هؤلاء، ووفق أولئك فليس ذلك بتفريق بينهما؛ لأنه إنما سماهم: ضلالا ~~كفرة بفعلهم الذي اختاروه وصنعوا، أو أمر آثروه على غيره فإنما هو تسمية ~~فعلهم لا جزاء يجزون، والله أعلم. # ثم في قوله - عز وجل -: (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) ~~- دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك ~~إن مكنوا من العلم وجعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك، وإنما لزمهم ذلك ~~الوعيد والحجة بما هم ضيعوا معرفة ذلك والعلم به؛ لأنهم لو تأملوا فيه ~~ونظروا، لوقع لهم علم ذلك، لكنهم تركوا علم ذلك، وضيعوه؛ فلم يعذروا في ~~ذلك، وعلى ذلك نقول في ms3785 القدرة: إن من منع عنه القدرة، وحيل # PageV08P622 # بينه وبينها كان غير مكلف بها ولا مخاطبا معذورا، ومن لم تمنع عنه ومكن ~~من ذلك إلا أنه ترك العمل به كان مكلفا به غير معذور؛ لأنه هو الذي ضيع ذلك ~~وتركه بالاختيار، والأول غير مضيع لها ولا تارك لذلك أمر؛ وذلك على ~~المعتزلة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو ~~الألباب (29) # سماه: مباركا؛ لأن من اتبعه وتمسك به وعمل بما فيه صار شريفا مذكورا عند ~~الناس عظيما على أعينهم وقلوبهم، وذلك عمل المبارك أن ينال كل بر وخير يكون ~~أبدا على الزيادة والنماء، والله اعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب). # أخبر أنه أنزله؛ ليدبروا في آياته؛ ليعرفوا ما لهم وما عليهم وما يؤتى ~~وما يتبع، إنما يعرف ذلك بالتأمل والتدبر والتفكر. # وقوله - عز وجل -: (وليتذكر أولو الألباب). # أي: ليتذكر وليتعظ أولو الألباب بما فيه من المواعظ والآداب وغير ذلك. # * * * # قوله تعالى: (ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه ~~بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # وقوله - عز وجل -: (ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب). # أثنى الله - عز وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة ~~إليه والرجوع، وهو ما قال - عز وجل - في داود - عليه السلام -: (واذكر ~~عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب)، وقد فسرنا الأواب. # وقال في سليمان - عليه السلام -: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. . ~~.) إلى آخر ما ذكر. # دل ذكر قوله - عز وجل -: (إذ عرض عليه) على أثر قوله: (إنه ms3786 أواب) أنه ~~إنما كان أوابا بالذي ذكر منه؛ لأن حرف (إذ) لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى ~~- عز وجل - داود - عليه السلام -: أوابا بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق ~~والفزع إليه بما هو به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) # PageV08P623 # قيل: الصافنات: هو الخيل. # وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، ~~أو إحدى اليدين على طرف الحافر. # وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من تمنى أن يقوم له الرجال صفونا -أي: ~~قياما- فليتبوأ مقعده من النار " أو كلام نحوه. والجياد: قيل: السراع، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) # دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عز وجل -: (حتى ~~توارت بالحجاب) إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى ~~بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس. # ثم قوله - عز وجل -: (إني أحببت حب الخير) حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ ~~المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، والله أعلم. # والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس ~~بالحجاب على التقديم والتأخير، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (حب الخير) يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ~~ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الخيل معقود في ~~نواصيها الخير إلى يوم القيامة "، سمى الخيل: خيرا؛ فعلى ذلك قوله - تعالى ~~-: (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي)، والله أعلم. # وقال بعضهم: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها. # وقوله - عز وجل -: (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) # قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها -والسوق: هو ~~جماعة الساق- لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل # PageV08P624 # يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ms3787 ذكروا ~~من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزا، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ~~ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره حين تفقده ولم يجبه حيث قال - عز وجل -: ~~(وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه. . .) الآية، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في ~~شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له ~~جائزا في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم. # أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج ~~عليه ذلك وعلينا جميعا. # وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ~~ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عز وجل -: (فطفق مسحا بالسوق) ~~كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق ~~كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن ~~كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه. # قال الحسن: قال سليمان - عليه السلام -: والله لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ~~ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها. # ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر: ~~قال بعضهم: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان - عليه ~~السلام - لها أجنحة تعدو وتطير. # وقال بعضهم: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود - عليه السلام - وكان ~~دواد - عليه السلام - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من ~~الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، والله أعلم. # وقال بعضهم: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعا لسليمان ~~- عليه السلام - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ~~ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، والله أعلم. ms3788 # وعن الحسن في قوله - عز وجل -: (ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق) ~~قال: كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله الله خيرا منها، وأرسل الريح (تجري ~~بأمره. . .) الآية. # PageV08P625 # قال أبو معاذ: قوله - عز وجل -: (فطفق مسحا بالسوق والأعناق) تقول العرب: ~~مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها. # وقال القتبي: قوله - عز وجل -: (فطفق مسحا)، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها ~~وأعناقها. # وقال أبو عوسجة: (فطفق)، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، ~~أي: قطعها. # وقال القتبي: (الصافنات الجياد) يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد ~~قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: ~~الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: " من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار " ~~أي: يديمون له القيام. # وقال أبو عوسجة: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: ~~سخي وقوم أجواد، (أحببت)، أي: آثرت (الخير) أي: المال على ذكر ربي وفي حرف ~~حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني. # وقوله - عز وجل -: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ~~(34) # اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - الذي ذكر أنه - عز ~~وجل - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسدا - اختلافا كثيرا بينا ما يطول الكتاب ~~بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟ مع علمنا أن ذلك ~~كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟ لذلك ~~تركنا ذكر ما ذكر أولئك أنه كان سبب افتتانه. # ثم يخرج قوله - عز وجل -: (ولقد فتنا سليمان) على وجهين: # أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب ~~بنزع ملكه. # والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه ~~إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه ms3789 ~~بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا ~~مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من ~~أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى ~~الله - عز وجل - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من ~~الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما # PageV08P626 # أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل ~~التضرع والابتهال إلى الله؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم ~~وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وألقينا على كرسيه جسدا). # يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه. # وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه ~~جسدا يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه ~~من الكرامات؛ كقوله - عز وجل -: (عجلا جسدا له خوار)، أي: عجلا مجسدا في ~~الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله ~~- عز وجل -: (على كرسيه جسدا) أن يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، ~~لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم أناب). # يحتمل وجهين: # أحدهما: ثم أناب إلى الله تعالى ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة ~~وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~إنك أنت الوهاب (35) # يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمرا فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك ~~مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا - عليه السلام - لما ~~سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمرا بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال: (رب ~~هب لي من لدنك ذرية ms3790 طيبة)؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه ~~اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمرا بينهم وبين ~~ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان - عليه السلام - والملك قربة بالمغفرة في ذلك. # ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك. # أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس ~~المغفرة؛ نحو قول نوح - عليه السلام - لقومه: (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا)، وقول هود - عليه السلام -: (استغفروا ربكم ثم توبوا)، لا يحتمل أن ~~يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر الله، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي ~~بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال ~~المغفرة ما ذكرنا، والله أعلم. # PageV08P627 # ثم يحتمل سؤاله الملك - والله أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في ~~الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية الله تعالى وجعل العبادة له؛ لما رأى ~~أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ~~ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم ~~-أعني: إجابة الناس- للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان ~~في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم ~~إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) يحتمل وجوها: # أحدها: أنه سأله ملكا لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل ~~التأويل. # والثاني: سأل ربه ملكا لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته ~~على ما ذكرنا؛ إذ لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته. # والثالث: سأله ملكا ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: " اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم " ونحوه، فعلى ذلك جائز أن ~~يكون سليمان - عليه السلام - أراد أن يكون مذكورا على ألسن الخلق بالثناء ~~الحسن بالملك الذي يناله، والله أعلم. ms3791 # وقوله - عز وجل -: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) # بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ~~ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء ~~التي ذكر أنه سخرها لسليمان - عليه السلام - كان بلطف من الله - عز وجل - ~~لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق ~~لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك ~~لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل ~~أنه إنما كان لسليمان ذلك بالله لطفا منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، والله ~~أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (تجري بأمره رخاء حيث أصاب). # وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى: (الريح ~~عاصفة تجري بأمره)، وصفها بالشدة: # فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان - عليه السلام ~~- لينة سهلة. # وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، والله ~~أعلم. # PageV08P628 # أو أن يكون قوله - عز وجل -: (عاصفة) على أعداء الله رخاء لينة على ~~أوليائه، والله أعلم. # ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف الله - عز وجل - ~~بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان ~~يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر ~~وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة. # وقوله - عز وجل -: (والشياطين كل بناء وغواص (37) # أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم ~~في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله ~~والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) # وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء ms3792 والغوص وغير ذلك من ~~الأعمال جعلهم في الأصفاد -وهي الأغلال تجعل في الأعناق- ليدفع شرهم وسوءهم ~~عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ~~ذكرنا من آية عجيبة لسليمان - عليه السلام - واللطف له حيث مكن له من ~~استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر ~~على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب. # وقوله - عز وجل -: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) # قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، ~~وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي ~~سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله. # وقال بعضهم: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك ~~يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئا، ولا ~~تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم. # وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، ~~فيقول: # PageV08P629 # (هذا عطاؤنا فامنن) أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا ~~لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عز ~~وجل -: (إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا)، أن ليس على التخيير، ولكن ~~على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما ~~بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عز وجل -: (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ~~ثم يرد إلى ربه. . .) الآية، (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى)، ~~فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم. # وقال الحسن: قوله - عز وجل -: (عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) ويقول: ~~هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة ~~عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين. # وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا ms3793 وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب ~~عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى ~~الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى ~~كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بغير حساب). # أي: أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد. # وقوله - عز وجل -: (وإن له عندنا لزلفى ... (40) # أي: القربة، (وحسن مآب) أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم ~~يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله؛ لأنه إنما سأله الملك - والله ~~أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما ~~يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن له عندنا لزلفى). # أي: الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على ~~الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، والله أعلم. وهذا من ~~أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ~~ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، والله أعلم. # PageV08P630 # ثم اختلف في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - وفي ذنبه: # قال بعضهم: وذلك أن الله - تعالى - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني ~~إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا ~~كذا يوما، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في ~~بيته. # وقال بعضهم: كانت فتنة سليمان - عليه السلام - التي ذكر في ناس من أهل ~~الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن ~~يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قوما ~~إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، ~~فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحدا؛ وهو قول ابن عباس. # وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه ms3794 وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ~~ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن ~~شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم. # وقال القتبي وأبو عوسجة: (رخاء) أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل ~~رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، ~~أي: سكن. # وقوله - عز وجل -: (فامنن أو أمسك بغير حساب). # ومثله قوله: (ولا تمنن تستكثر)، أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما ~~أعطيت. # وقال الفراء: سمى العطاء: منا. # وقوله - عز وجل -: (حيث أصاب). # أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد ~~الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق. # دل قول سليمان - عليه السلام - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: (قال رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. . .) على أن ~~الملك الذي أعطاه لم يكن حقا عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا ~~يقول له: (إنك أنت الوهاب)، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قبل ~~آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقا عليه. # ويدل هذا أيضا على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين؛ إذ لو كان عليه ~~حفظ # PageV08P631 # الأصلح في الدين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح ~~في الدين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه ~~حفظ الأصلح في الدين ولا إعطاء الأخير، وأن له ألا يعطيه، وأن إعطاءه الملك ~~له فضل منه ورحمة، والله أعلم. # فإن قيل: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن الله - عز وجل ~~- جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق ~~جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه ~~أفضل من الفقر؟ # يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي ms3795 واحد، وأكثر ~~الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، ~~فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم ~~وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس ~~فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل ~~اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي ~~يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين - على أن الحال التي اختاروا هم ~~أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم. # وكذلك قوله - عز وجل - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم)، نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، ~~على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه ~~وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ ~~فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~(41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ~~رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) # وقوله عز وجل -: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب). # ثم لا ندري ما الذي كان من الله من تمكين الشيطان عليه حتى أضاف ذلك إلى ~~الشيطان، وليس لنا أن نقول: إنه مكن عليه كذا، وفعل كذا في كذا، وفعل به ~~كذا، إلا أن يثبت عن الله. # ثم وجه الحكمة في تمكين الشيطان على أوليائه فيما مكن في أمر الدين؛ ~~ليعلم جهة الفضل من جهة العدل وجهة الحكم من جهة الرحمة، وأن له أن يمتحن ~~عباده بما شاء # PageV08P632 # وكيف شاء من أنواع الشدائد والبلايا على أيدي من شاء، بلا أسباب كانت ~~منهم يستوجبون بها ذلك، وله ms3796 أن يجتبي إلى من شاء من أنواع الخير والنعم ~~ابتداء بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك؛ فعلى ذلك بلاء أيوب - عليه ~~السلام - والشدائد التي أصابته جائز أن يكون بلا سبب كان منه يستوجب ذلك، ~~ولكن ابتداء امتحان منه إياه بذلك. # ثم قوله: (مسني الشيطان بنصب وعذاب) إنه وإن أضاف إليه فهو في الحقيقة من ~~الله لما أخبر أنه على يديه؛ كقوله - عز وجل -: (يعذبهم الله بأيديكم ~~ويخزهم وينصركم عليهم) أخبر أن حقيقة العذاب منه وإن كان على أيديهم يجري ~~ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (وإن يمسسك الله بضر)، أي: ما يمس الإنسان من ضر ~~يكون على يدي آخر ويكون من الله، وله في ذلك صنع وفعل لا على ما يقوله ~~المعتزلة أن لا صنع لله، في فعل العباد، وأخبر أنه لو أراد بأحد ضرا ومسه ~~بذلك، فلا كاشف لذلك الضر ولا دافع، وأنه لو أراد خيرا بأحد فلا راد لذلك ~~الفضل غيره، فهو على المعتزلة أيضا. # وقوله: (بنصب)، ونصب: واحد وهو تعب؛ وكذلك يقول القتبي: النصب والنصب ~~واحد مثل حزن وحزن وهو العناء والتعب. # وقال أبو عبيدة: النصب: الشر، والنصب: الإعياء. # ومنهم من يقول: إن أحدهما فيما يصيب ظاهرا من جسده، والآخر فيما يصيب ~~باطنه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) # جائز أن يكون لما قال: (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) دعا عند ذلك ~~أن يكشف عنه البلايا التي مسته، كأنه قال: (أني مسني الضر) فاكشف ذلك عني ~~(وأنت أرحم الراحمين) ويدلك على ذلك قوله - عز وجل -: (فاستجبنا له فكشفنا ~~ما به من ضر) دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشفه الضر عنه، ~~فاستجاب الله دعاءه، فعند ذلك قال: (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) جائز ~~أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان: إحداهما للاغتسال فيها ~~والأخرى للشرب منها، فكانت التي للشرب منها ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ~~ويختار ذلك، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال وهو ms3797 دونه في النزول على ما ~~قاله أهل التأويل عامة؛ كقوله - عز وجل -: (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله)، وإنما السكون فيما يسكن وهو الليل والابتغاء ~~بالنهار. # وجائز أن يكون العين واحدة إلا أنه لما اغتسل منها كان ما يوافق الشرب. # PageV08P633 # قال بعض أهل التأويل: كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه: فما كان بظاهره ~~ذهب بالاغتسال، وما كان بباطنه ذهب بالشرب، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: (واذكر عبدنا أيوب). # أي: اذكر صبره كيف صبر على البلاء من الله - عز وجل - بأنواع الشدائد ~~والبلايا، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا، وعلى ذلك يخرج جميع ما ~~ذكر في هذه السورة، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا ~~له على ذلك، ومن امتحنهم بالسعة والملك يقول: أن اذكر لهم كيف شكروا ربهم ~~وأطاعوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي ~~الألباب (43) # اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: (ووهبنا له أهله) أي: أحيا من هلك من ~~أهله وماله، وزاد له على ذلك ضعفهم في الدنيا؛ رحمة منه وفضلا. # والحسن يقول بهذا: إنه أحياهم له بأعيانهم وزاده مثلهم معهم. # وقال بعضهم: قيل له: يا أيوب إن أهلك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم وإن ~~شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم في الجنة، ~~فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، ولله أن يحيي من شاء بعد ما ~~أماته، وله أن يؤجر على ذلك ما شاء؛ ألا ترى أنه قال على أثره: (رحمة منا ~~وذكرى لأولي الألباب)، دل قوله: (رحمة منا) على أن كشف الضر عن أيوب وإعطاء ~~ما أعطاه رحمة منه وفضلا ونعمة، كان له ألا يكشف الضر عنه، وألا يرد عليه ~~أهله ولا يزيد له، وهو على المعتزلة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أعطى ورد ~~عليه أصلح له، وقد أخبر أنه برحمته كان ذلك له وفضل منه، ولو ms3798 كان عليه حفظ ~~الأصلح له في الدين، كان في تركه ومنعه جائرا عندهم ظالما. # أو أن يكون منعه ذلك عنه أصلح له فأعطاه وترك الأصلح له؛ فدل أن ليس على ~~الله حفظ الأصلح لأحد في الدين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذكرى لأولي الألباب). # أي: ذكرى وعظة لمن ينتفع باللب، ليعلم أن ليس التضييق لمقت منه وسخط على ~~من ضيق عليه ولا في التوسيع رضاء منه، ولكن محنتان: يمتحن من شاء بالشدة ~~والبلاء، ومن شاء بالسعة والرخاء. # وقوله - عز وجل -: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا ~~نعم العبد إنه أواب (44) # PageV08P634 # اختلف في السبب الذي كان من أيوب - عليه السلام - الحلف بضرب امرأته، ~~ولكن لسنا ندري ما السبب الذي حمله على الحلف بضربها، ولا حاجة لنا إلى ~~معرفة ذلك السبب، غير أنا نعلم أنه كان من المحلوف عليه معنى يستوجب بذلك ~~الضرب حيث حلف هو بالضرب وأمره الله - عز وجل - بالضرب، ثم معلوم أن غضبه ~~وحلفه لا يحتمل أن يكون لمنفعة نفسه ولكن لله عز وجل، ثم الغضب لا يخرج ~~الأنبياء - عليهم السلام - عن أيدي أنفسهم على من كان غضبه لنفسه. # ثم اختلف في قوله - عز وجل -: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به): قال بعضهم: ~~قضبان وأغصان، ونحو ذلك، لأيوب خاصة. # وقال بعضهم: هو له ولسائر الناس أن من حلف أن يضرب كذا خشبة أو سوطا، ~~فجمع قضبانا أو أغصانا فضرب بها، بر في يمينه، وليس في الآية أنه ضرب به ~~مرة أو مرارا حتى يخرج به المرء عن يمينه. # ثم الأصل عندنا أن من هم بضرب آخر كان بالضارب هيئة وإبداء يعرف أنه يزيد ~~الضرب فيحرز بالمضروب هيئته وأثره وهو السالم، فجائز أن يكون المراد به تلك ~~الهيئة والأثر الضرب نفسه ليس في يمينه، وأن الأفضل فيها ترك الضرب ~~والكفارة عن الحنث. # ثم أثنى الله على أيوب - عليه السلام - فقال - عز وجل -: (إنا وجدناه ~~صابرا). # بما ابتلاه الله في نفسه وأهله وماله. # (نعم العبد إنه أواب). # أي: ms3799 راجع إليه - عز وجل - في جميع أحواله: في حال الشدة والبلاء، وفي حال ~~السعة والرخاء، والله أعلم. # وقال أبو عوسجة: (اركض برجلك)، أي: اضرب بها الأرض، وكذلك ركض دابتك إذا ~~ضربتها برجلك حتى تسرع؛ وكذلك قال القتبي، قال: والضغث: ملء الكف من الحشيش ~~وغيره ومن كل شيء، وأضغاث جمع. # وقال القتبي: الضغث: الحزمة من الكلأ أو من العيدان وهو قريب من الأول. ~~وقال: المغتسل: الماء وهو الغسول أيضا. # وقوله - عز وجل -: (ولا تحنث). # من الحنث، والحنث في الأصل: الإثم أي: لا يحنث بيمينه إذا صدق فيها ووفى. # PageV08P635 # قوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ~~(45) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار (47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر ~~وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها ~~يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما ~~توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) # وقوله - عز وجل -: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب). # يحتمل قوله - عز وجل -: (واذكر) من ذكر من الرسل - عليهم السلام - وأهل ~~الصفوة، أي: اذكر هؤلاء بما لقوا من أعدائهم، فتستعين به أنت بما تلقى من ~~أعدائك. # أو يقول: اذكر صبر هؤلاء على قومهم؛ لتصير أنت على أذى قومك؛ وهو قريب من ~~الأول، أي: اذكر خبر هؤلاء في العبادة والدين ليحببك ذلك ويخرجك على الجهد ~~فيها. # أو يقول: اذكر الأسباب التي بها صار هؤلاء أهل صفوة الله ومحل إحسانه؛ ~~ليحملك ذلك على طلب تلك الأسباب؛ لتصير من أهل صفوة الله ونحوه يحتمل. # أو يقول: اذكر هؤلاء الصالحين لتتسلى بذكرهم عن بعض أمورك، وهمومك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولي الأيدي والأبصار). # قيل: أولي الأيدي، أي: أولي القوة في العبادة والبصر في الدين، ثم معلوم ~~أن هؤلاء لم يكونوا أهل قوة في أنفسهم، وإنما كانوا أهل قوة في العبادة في ~~الدين، ليعلم أن القوة في الدين غير القوة في النفس. # وقيل: أولي القوة في ms3800 طاعة الله والبصر في الحق. # وقيل: في الفقه. # وقيل: أولي الفهم في كتاب الله، وهو واحد. # وفي قوله: (أولي الأيدي والأبصار) دلالة أن قد يفهم بذكر الأيدي غير ~~الجارحة وبذكر البصر غير العين؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بذكر الأيدي ~~الجوارح، ولا بذكر الأبصار الأعين ولا فهم منه ذلك، ولكن فهم باليد القوة ~~وبذكر البصر الفهم أو ما فهم؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله - عز وجل -: (خلقت ~~بيدي)، ونحوه الجارحة على ما يفهم من الخلق، ولكن القوة أو غيرها لكن كنى ~~باليد عن القوة لما باليد يقوى، وكنى بالبصر عن درك الأشياء حقيقة لما ~~بالبصر يدرك الأشياء. # PageV08P636 # وقوله - عز وجل -: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) # أي: شرف الدار وذكرهم صاروا مذكورين مشرفين في الدار. # وقوله - عز وجل -: (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) # أي: هم عندنا أهل صفوة اصطفاهم الله - عز وجل - واختارهم لنفسه ولرسالته. # وقال بعضهم: (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) اختارهم على علم ~~الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) # يحتمل قوله - عز وجل -: (واذكر) وجوها على ما ذكرنا: صبر هؤلاء على ما ~~لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر مما تلقى من قومك. # أو يقول: اذكر حسن معاملة هؤلاء ربهم وحسن سيرتهم فيما بينهم وبين الخلق؛ ~~لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم. # أو يقول: اذكر هؤلاء ومن ذكر، أي أكثر عليهم بحسن الثناء واذكرهم بخير ما ~~أثنى عليهم، وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره؛ ليكونوا أبدا ~~أحياء بحسن الثناء والذكر. # أو أن يقول: اذكر هؤلاء أن كيف عاملهم الله واختارهم لرسالته وما ذكر ~~الله، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (واليسع) قال بعضهم: هو إلياس، وقال بعضهم: هو غيره، ~~وكان ابن عم إلياس، والله أعلم. # (وذا الكفل) اختلف فيه إيضا: # قال بعضهم: كان إلياس في أربعمائة نبي - عليهم السلام - في زمن ملك، فقتل ~~الملك ثلاثمائة منهم فكفل رجل إلياس في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده يطعمهم ~~ويسقيهم حتى ms3801 خرجوا من عنده، وكان الكفل بمنزلة من الملك فلذلك سمي: ذا ~~الكفل؛ لأنه خبأهم وكفلهم، والله أعلم. # وقال بعضهم: سمي: ذا الكفل؛ لأنه كفل لله - عز وجل - خوفا لله به، فسمي: ~~ذا الكفل. # وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكن كان رجلا صالحا ~~فكفل بعمل رجل صالح عند موته كان يصلي لله - عز وجل - كل يوم مائة صلاة، ~~فأحسن الله عليه لسابق كفالته. # وقال بعضهم: إن نبيا من الأنبياء قال لقومه: أيكم يكفل بتبليغ ما بعثت به ~~إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا، فقال شاب: إنا نكفل التبليغ ~~على ذلك ووفى ما # PageV08P637 # كفل، فسمي: ذا الكفل لذلك، والله أعلم. # وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة أنه لماذا؟ وأن اليسع كان فلانا سوى أن ~~نعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر الله عز وجل، والله أعلم. # وبعد فإن معرفة ذلك بأخبار الآحاد يوجب علم العمل ولا يوجب علم الشهادة، ~~وليس هاهنا سوى الشهادة على الله، والترك أولى. # وقوله - عز وجل - (هذا ذكر ... (49) # يحتمل قوله: (هذا ذكر)، أي: شرف وذكر للذي تقدم ذكرهم من الأخيار؛ لأنهم ~~يذكرون أبدا بخير وحسن الثناء عليهم بما كان منهم من حسن السيرة والعمل، ~~فذلك شرفهم حيث صاروا مذكورين على ألسن الناس وهم أموات. # أو أن يكون ذكر هؤلاء ذكرى وعظة لمن بعدهم. # أو ذكرى لك وعظة لتعرف حسن معاملة الرب لهم. # أو هذا القرآن ذكر وعظة لمن آمن به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن للمتقين لحسن مآب). # جملة الاتقاء: هو أن يتقي المهالك، أي: اتقوا جميع ما يهلككم (لحسن مآب)، ~~أي: مرجع، ثم بين ووصف حسن المرجع الذي يرجعون إليه حيث قال - عز وجل -: ~~(جنات عدن ... (50). # قوله - عز وجل -: (جنات عدن). # أي: مقام، يقال: عدن في مكان كذا، أي: أقام، كأنه جنات يقام فيها لا ~~يبغون عنها حولا ولا غيرا على ما أخبر الله - عز وجل -: (لا يبغون عنها ~~حولا). # وقال بعضهم: (عدن) الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر ms3802 أن جنة عدن كانت وسط ~~الجنان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مفتحة لهم الأبواب). # يحتمل قوله: (مفتحة لهم الأبواب) أبواب الجنة، يقال له: ادخل أي باب من ~~أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس. # وجائز أن يكون أبواب كل أحد منهم في الجنة تكون مفتحة؛ لأن إغلاق الأبواب ~~إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرقة أو نظر الناس إلى أهله وحرمه، وخوف ~~نظر أهله إلى الناس؛ لهذا المعنى يتخذ الأبواب في الدنيا والغلق والإغلاق ~~دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة؛ لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف لا ~~ينظرن إلى غير أزواجهن ولا # PageV08P638 # يكون فيها خوف السرقة؛ لذلك كان ما ذكر. # والأشبه ألا يكون فيها أبواب؛ لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف ~~السرقة والنظر في حرمهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) # هذا - والله أعلم - كأنه وصف حال اجتماعهم؛ لأنه لذلك يدعى بالفواكه ~~والشراب في الدنيا، وأما في حال الانفراد قلما يدعون بالشراب. # ثم فيه إخبار أنهم يدعون في الجنة بالفواكه والشراب جميعا وفي الدنيا ~~العرف فيهم أن أهل الشراب قلما يجمعون بين الفواكه والشراب لوجهين: إما ~~لخوف الضرر بهم إذا جمع، أو لما لا يوجدان، وليس هذان المعنيان في الجنة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بفاكهة كثيرة). # كأن ذكر الكثرة كناية عن أنواع الفواكه وألوان مختلفة في كل نوع، ليس ~~بعبارة عن الكثرة من نوع واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) # أي: طرفهن يقصرنه على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يرون غيرهم، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتراب). # قالوا: مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعا الأزواج والزوجات على سن ~~واحد. # أو أن يخبر أنهم جميعا يكونون على حال واحدة لا يتغيرون ولا يهرمون، كما ~~يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنا من بعض وأضعف حالا من الآخر، ولكن لا يهرمون ~~ولا يكبرون ولا يضعفون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) # كأنه يقول لهم ms3803 الملائكة: هذا ما توعدون أهل الجنة في القرآن، نا ما له من ~~نفا ثم أتاهم من الله بشارة يبقى لهم ذلك أبدا وهو ما قال - عز وجل -: (إن ~~هذا لرزقد (54) أي: انقطاع وذهاب، نفد الشي: إذا فني وذهب، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد ~~(56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم ~~معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم ~~قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا ~~في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) ~~أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم # PageV08P639 # الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # وقوله - عز وجل -: (هذا ... (55) أي: هذا الذي ذكرنا ثواب المتقين وجزاء ~~تقواهم. # ثم بين جزاء الطاغين، وهو قوله - عز وجل -: (وإن للطاغين لشر مآب). # أي: لبئس المرجع، ثم بين ما هو فقال - عز وجل -: (جهنم يصلونها فبئس ~~المهاد (56) أي: بئسما مهدوا لأنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) أي: هذا الذي ذكرنا ~~جزاء الطاغين والطغيان يرجع إلى وجوه إلا أن أصله هو الذي لا يجتنب المهالك ~~ولا يتقي، والمتقي هو الذي يتقي المهالك ويجتنبها حقيقة التقى والطغيان ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فليذوقوه حميم وغساق). # كان الملاثكة تقول لهم إذا أدخلوا جهنم وألقوا فيها: (فليذوقوه حميم ~~وغساق)، والحميم: هو الشراب الذي قد انتهى حره غايته ونهايته، والغساق: ~~اختلفوا فيه: قال بعضهم: هو ما يسيل من الصديد والقيح واللحم، جعل ذلك ~~شرابهم في النار. # وقال بعضهم: الغساق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو البرد الذي بلغ غايته ~~ونهايته يحرق بشدة برده، كما يحرق الحميم الذي بلغ نهايته وشدة حره، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وآخر من شكله أزواج (58) # اتفق أهل التأويل - أو أكثرهم - على أن قوله - عز وجل -: (وآخر من شكله ~~أزواج) وهو العذاب كأنه يقول: وآخر من شكل ما ذكر من العذاب له. # ثم اختلفوا في ms3804 ذلك العذاب الذي قالوا: (من شكله): # قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: هو الزمهرير، وروي عن الحسن: ~~(وآخر من شكله أزواج): ألوان من العذاب، وقال بعضهم: زوج من العذاب. # ويشبه أن يكون قوله - عز وجل -: (وآخر من شكله أزواج) أي: قوم من شكل ~~أولئك الذين ذكرهم يقربون إلى أولئك؛ فيجمعون في العذاب؛ كقوله - عز وجل -: ~~(احشروا الذين ظلموا وأزواجهم). # أو أن يكون فوج آخر يدخلون من شكل الأولين، وهو ما ذكر - عز وجل -: (هذا ~~فوج # PageV08P640 # مقتحم معكم ... (59). يقول المتبوعون للأتباع لما أدخلوا النار ورأوهم: ~~(لا مرحبا بهم) أي: لا سعة بهم وهو من الرحب وهو السعة، فأجابهم الأتباع: ~~(بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60). # وقال بعضهم: قالت الخزنة لمن في النار: (هذا فوج مقتحم) فيردون على ~~الخزنة: (لا مرحبا بهم إنهم صالو النار) فيرد عليهم القوم الذين اقتحموا ~~النار بعدهم: (بل أنتم لا مرحبا بكم). # وأصل هذا: أن هذا منهم لعن، يلعن بعضهم بعضا؛ لقوله - عز وجل -: (ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض)، ونحو ذلك من الآيات. # وقوله - عز وجل -: (قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ~~(61) # هذا كقوله: (قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار)، هذا قول الأتباع للقادة والرؤساء منهم، ثم ردت القادة على الأتباع، ~~وهو قوله - عز وجل -: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل) ~~فعلى ذلك هذه المناظرة التي ذكرت هاهنا بين القادة والأتباع. # ثم قوله - عز وجل -: (أنتم قدمتموه لنا)، وقوله: (من قدم لنا هذا) أي: ~~أنتم شرعتموه لنا في الدنيا وسننتموه، ولذلك قولهم: (من قدم لنا هذا) أي: ~~من شرع لنا هذا وسن الذي كنا عليه وأمرنا به فزده عذابا في النار وهو كما ~~ذكر في سورة سبأ حيث قالوا: (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)، ~~والله أعلم. # قال القتبي: الغساق: ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم من الصديد، يقال: ~~غسقت عنه، أي: سالت، ويقال: ms3805 هو البارد المنتن؛ وكذلك قال أبو عوسجة. # وقوله - عز وجل -: (وآخر من شكله أزواج): من مثله، الشكل: المثل، والشكل ~~بنصب الشين الغنج، وشكلت المرأة إذا انغنجت، والتقحم الدخول واقتحمت كلمة ~~واحدة وهو الدخول. # وقوله - عز وجل -: (لا مرحبا بهم). # أي: لا سعة بهم، والرحيب والرحب: الواسع. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار ~~(62) إلى آخر ما # PageV08P641 # ذكر، ذكر هذا يقول في الآخرة في النار هذا؛ ليلزمهم الحجة وألا يقولوا: ~~(إنا كنا عن هذا غافلين)؛ لأن هذه السورة مكية، نزلت في محاجة أهل مكة في ~~إثبات التوحيد وإثبات الرسالة، ومنهم من ينكر البعث، ذكر الأنباء المتقدمة ~~لإثبات الرسالة فيما تقدم، وذكر حجج البعث في هذه الآيات وحجج التوحيد في ~~آخره، ذكر ذلك كله لهم ليلزمهم الحجة وإن أنكروا ذلك؛ لئلا يقولوا: (إنا ~~كنا عن هذا غافلين). # ثم في هذه الآية دلالة أن عقوبة الله قد تلزم وإن لم يحقق عنده الحق ولم ~~يعرفه حقيقة؛ حيث أخبر أنهم يقولون في النار ما ذكر - عز وجل -: (ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار)؛ لأنه معلوم أنهم لم يعلموا حقيقة أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا على حق وإلا ما تركوا اتباعه ~~ولا سخروا منهم؛ وعلى ذلك يخرج مباهلة أبي جهل يوم بدر حيث قال: " اللهم ~~أينا أوصل رحما وآثر. . . كذا على ما ذكروا - نصر عليه "، ومعلوم أنه لو ~~كان يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حق لكان لا يجترئ على ~~المباهلة دل أنه لم يعلم حقيقة أنه على حق، فعوقبوا وإن لم يعلموا لما مكن ~~لهم من العلم والمعرفة لو تأملوا وأحسنوا النظر في ذلك، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار) # قال أهل التأويل: إنهم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم في دينهم ~~وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا يستهزئون بهم في ~~الدنيا ويسخرون ms3806 منهم، يقولون: كنا نسخر منهم في الدنيا فأين هم؟ وما لنا لا ~~نراهم (أم زاغت عنهم الأبصار (63) أي: حارت وشغلت أبصارنا فلا نراهم. # لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن ~~يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم ~~والسخرية منهم قد ظهر عندهم أن أولئك كانوا على حق - أعني: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه - وأنهم على باطل، فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على ~~غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا وجعلوا في النار؟ عرفوا أنهم لا ~~يكونون في النار - يعني: أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كانوا ~~على خلاف ما كان أولئك الكفرة عليه، والله أعلم. # أو أن يقولوا ذلك على الاستغاثة بهم يقولون: أين أولئك الذين كانوا ~~اتخذناهم سخريا # PageV08P642 # في الدنيا لعلهم يشفعوننا فيعينوننا يطمعون النجاة إذا اتبعوهم في ذلك ~~الوقت أو نحو ذلك؛ كقوله - عز وجل -: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين)، وهذا الذي ذكرنا هو أشبه مما يقوله أهل التأويل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # قال بعضهم: القسم بقوله - عز وجل -: (ص والقرآن) وقع على هذا على ما ~~ذكرنا. # وقال بعضهم: هذا على التقديم والتأخير، يقول: إن ذلك الذي ذكره من إحن ~~بعض على بعض حيث قالوا: (بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا)، وقولهم: ~~(ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار)، وما ذكر في سورة الأعراف: ~~(قالت أخراهم لأولاهم. . .)، كذا و (أولاهم لأخراهم)، كذا، أي: ذلك التخاصم ~~الذي ذكر الحق، أي: كائن فيما بينهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار. رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار. قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه ~~معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي ~~إلا أنما أنا نذير مبين (70) إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ~~(71) فإذا ms3807 سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما ~~منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن ~~عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال ~~فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) # وقوله - عز وجل -: (قل إنما أنا منذر (65) # ليس علي مما حملتم شيء، إنما ذلك عليكم إنما علي الإنذار لكم فقط. # وقوله - عز وجل -: (وما من إله إلا الله الواحد القهار). # يقول - والله أعلم -: ما من إله عندي دونه بإله، إنما الإله هو الواحد ~~القهار الذي تفرد وتوحد بربوبيته وألوهيته، قهر الخلائق كلهم بقدرته. # وقوله - عز وجل -: (رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) # يخبر عن غنائه وسلطانه يقول - والله أعلم -: تعلمون أنه رب السماوات ~~والأرض ومنشئهما ومنشئ ما بينهما، فلا يحتمل أن ما يأمركم به وينهاكم عنه، ~~إنما يأمركم لحاجة # PageV08P643 # نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما يأمر وينهى لمنفعة أنفسكم ولحاجتكم. # أو يقول: تعلمون أنه هو ربكم ورب ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما، ~~فكيف تعبدون من تعلمون أنه ليس بربكم ولا إله، وإنما الإله ما ذكر فتتركون ~~عبادته وطاعته؟! وقوله - عز وجل -: (العزيز الغفار). # أي: لا يلحقه الذل بذل أوليائه وخدمه؛ لأنه عزيز بذاته لا بأحد ليس كملوك ~~الأرض يذلون إذا ذل أولياؤهم وأتباعهم؛ لأن عزهم بأوليائهم وأتباعهم فإذا ~~ذلوا ذل من كان عزه بهم، فأما الله - سبحانه وتعالى - فعزيز بذاته لا يلحقه ~~الذل بذل أوليائه ولا هلاكهم. # وقوله - عز وجل -: (قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) له ~~تأويلان: # أحدهما: أن هذا القرآن الذي أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نبأ عظيم أنتم عن التفكر فيه والنظر معرضون؛ ms3808 لأن فيه ذكر ما نزل بالمكذبين ~~بالتكذيب والعناد، وفيه ذكر من نجا منهم بم نجا؟ وفيه ذكر ما يؤتى وما ~~يتقى، وفيه ذكر البعث وذكر الجنة والنار ونحوه، وذكر ما لهم وما عليهم، فهم ~~عن التفكر فيه والنظر معرضون ما لو تفكروا فيه وتأملوا، لأدركوا كله ووصلوا ~~إلى معرفة كل ما فيه مما ذكرنا، والله أعلم. # والثاني: قوله - عز وجل -: (قل هو نبأ عظيم. أنتم عنه معرضون) أي: البعث ~~والحشر هو نبأ عظيم أنتم عن السعي والعمل لذلك معرضون تاركون. # فمن جعل تأويله على البعث والحشر يجعل الإعراض عن السعي له والعمل لذلك ~~اليوم، ومن حمل تأويله على القرآن يجعل الإعراض عن التفكر فيه والنظر، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن ~~يوحى إلي. . .) الآية. # اختلف في الملأ الأعلى: قال عامة أهل التأويل: الملأ الأعلى: هم الملائكة ~~الذين تكلموا في آدم - عليه السلام - حين قال لهم الرب - عز وجل -: (إني ~~جاعل في الأرض خليفة)، فقالوا عند ذلك: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إذ يختصمون) ليس على حقيقة الخصومة، ولكن على التكلم ~~في ذلك؛ كقوله - عز وجل -: (يتنازعون فيها)، كأنها ليس على التنازع المعروف ~~عند الناس والخصومة، ولكن على اختلاف الأيدي فعلى ذلك ما ذكر من اختصامهم، ~~والله أعلم. # ومعناه: ما كان لي من علم من اختصام الملأ الأعلى وما كان منهم من التكلم ~~إلا أن أوحي إلي فعلمت وإنما أنا نذير مبين. # PageV08P644 # وقال بعضهم: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون) ما كان ~~اختصامهم في الكفارات وفي الدرجات وفي المنجيات والموثقات حتى علمني الله ~~ذلك بالوحي إلي وأعلمني ذلك، ويذكرون أن الكفارات هو إسباغ الوضوء في ~~المكروهات وبذل الطعام عند الضيق والشدائد ونحوها مما يطول ذكره، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ ~~يختصمون) أي: بالجمع الأعلى وهو جمع يوم القيامة، سماه: الجمع الأعلى؛ لأنه ms3809 ~~جمع الأولين والآخرين من الفرق جميعا، أي: ما كان لي من علم بذلك الجمع حتى ~~علمت بالوحي. # وقوله - عز وجل -: (إذ يختصمون). # في ذلك اليوم تقع الخصومات؛ كقوله - عز وجل -: (ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون)، وهو على حقيقة الخصومة. # وجائز أن يكون الملأ الأعلى هم الأشراف من أولئك الكفرة والقادة، منهم ~~الذين أهلكوا بالتكذيب ومن نجا منهم بالتصديق؛ يقول: ما كان لي من علم بهم ~~وما نزل بهم أوحي إلي فعلمت بالوحي، كأنهم سألوه عن ذلك فأخبر، أي: كنت ~~كواحد منكم في ذلك حتى علمت ذلك بالوحي، ألا إنما أنا نذير مبين أمرني ربي ~~وأوحى إلي أن أنذركم بذلك حين أعلم بالوحي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) # ظاهر هذا أن يكون لا على القول منه لهم، ولكن على الخبر أنه كان ما ذكر، ~~والله أعلم. # ثم ذكر الذي خلق منه آدم على أوصاف مختلفة: مرة ذكر أنه خلق من طين، ومرة ~~من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة كالصلصال، ومرة كالفخار، ومرة لازب وغيره ~~على اختلاف ما ذكر؛ فجائز أن يكون كل وصف من ذلك قد كان وصف عن حال، كان ~~ترابا، ثم صار طينا ثم ما ذكر ووصف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونفخت فيه من روحي ... (72) # إضافة الروح إلى نفسه كإضافة خلق من خلائقه إليه؛ إذ الروح خلق من خلائقه ~~كسائر الخلائق. # وقوله - عز وجل -: (فقعوا له ساجدين). # لولا صرف أهل التأويل سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود وإلا كنا ~~نصرفه # PageV08P645 # لآخر: إلى الخضوع له والاستسلام، كما أحوج الملائكة إلى معرفة هذه ~~الأسماء إلى آدم وبه عرفوها حيث قال - عز وجل -: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم ~~فلما أنبأهم)، لكن صرف أهل التأويل سجود الملائكة إلى حقيقة السجود له ~~جائز؛ لأنهم ممتحنون بالأمر والنهي وقد بينا ذلك فيما تقدم. # ثم استثنى إبليس من الملائكة وأخبر أنه استكبر وأبي أن يسجد له حيث قال - ~~عز وجل -: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون ms3810 (73) إلا إبليس استكبر وكان من ~~الكافرين (74). # على قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فلما أبى السجود، خذله ووكله ~~إلى نفسه صار كافرا؛ ليعلم أن كل أحد وإن عظم قدره وجلت منزلته يحتمل خلاف ~~ما هو عليه وضده، وأنه متى امتحنه بأمر فترك أمره؛ تكبرا أو استخفافا - ~~خذله ووكله إلى أمره ونفسه فصار كافرا مخذولا حقيرا؛ ليكونوا أبدا على حذر ~~وفزع إلى الله - عز وجل - على ما أخبر من عظم قدر الملائكة عند الله وجليل ~~منزلتهم عنده إذا خذلهم ووكلهم إلى أنفسهم صاروا كما صار إبليس، والله ~~أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (وكان من الكافرين). # أي: كان في علم الله أنه يكفر. # أو كان بمعنى صار من الكافرين إذ أبى السجود واستكبر؛ كقوله - عز وجل - ~~لآدم: (فتكونا من الظالمين)، أي: تصيرا من الظالمين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ~~أم كنت من العالين (75) # قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله - ~~عز وجل - يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد؛ كقوله: بيت الله ومساجد ~~الله ورسول الله وولي الله وأشباه ذلك، وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه وإن ~~كانت البقاع كلها والخلق كله له على التعظيم لذلك؛ فعلى ذلك يخرج إضافة خلق ~~آدم إلى نفسه مخرج تعظيم آدم حيث قال: (خلقت بيدي) وإن كان جميع الخلائق هو ~~خلقهم، ويخرج إضافة كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق إليه مخرج تعظيم ~~الرب والمدح له؛ نحو قوله - عز وجل -: (خالق كل شيء)، ورزاق، يخلق منشأ ~~العالم ومبدأه، وهو على كل شيء قدير، مالك الملك، وغير ذلك على ما ذكرنا ~~فيما تقدم، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (خلقت بيدي). # قد تكلف أهل الكلام والتأويل في تأويل إضافة اليد إلى الله - عز وجل -: ~~منهم من قال: القوة، ومنهم من قال: كذا، لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد ~~يضاف اليد إلى # PageV08P646 # من لا يد له ولا جارحة ms3811 ولا عضو، نحو ما قال - عز وجل -:، (لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه) لم يفهم أحد بذكر اليد له ولا الخلف ما ~~يفهم من الخلق ولا ذهابهم، وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حيث قال - عز وجل ~~-: (قد جاءتكم موعظة من ربكم)، و (قد جاءكم برهان من ربكم)، وأمثال ذلك مما ~~يكثر عده وإحصاؤه، لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا ~~مجيء الخلق ولا فهم من ذكر اليد -لما ذكرنا من الأشياء- جارحة ولا عضو، ~~فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق إلا لفساد اعتقادهم لربهم والجهل ~~بتعاليه عن معنى الغير، وإلا لم يخطر بباله بذكر ذلك لله أو إضافته إليه ما ~~يخطر بباله من الخلق ومعنى الخلق. # أو أن يكون ذكر ذلك لنفسه وإضافته إليه من اليد وما ذكر؛ لما باليد يكون ~~في الشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق، نحو ما قال: (ذلك بما قدمت أيديكم) ~~وما كسبت يداك، ونحو ذلك مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن يكسب به حقيقة ~~ولا عمله من نحو الكفر وغير ذلك من الأشياء، لكنه ذكر لما باليد يكتسب في ~~الشاهد وبها يعمل أكثر الأعمال والأفعال. # أو أضاف ذلك إليها لما ذكرنا وإن لم يكن منها عمل حقيقة؛ فعلى ذلك إضافة ~~اليد إلى الله فيما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد؛ على ذلك ~~يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ~~ما لا يليق، وأصل ذلك أنا عرفنا الله - عز وجل - متعاليا عن جميع معاني ~~الغير وعن كل صفات يوصف بها الغير، علي ما ذكر في كتابه: (ليس كمثله شيء)، ~~فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد بها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أستكبرت أم كنت من العالين). # معناه - والله أعلم -: أستكبرت للحال عندما أبيت السجود له، أم كنت في ~~اعتقادك من العالين أي ms3812 المستكبرين؟ # ويحتمل قوله - عز وجل -: (أم كنت): أم صرت من العالين، أي: استكبرت وصرت ~~من العالين على ما في قوله - عز وجل -: (وكان من الكافرين)، أي: صار من ~~الكافرين. # ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع كأنه ~~قال: بلى كنت في علم الله أنك تكفر. # أو يقول: صرت من العالين، أي: ممن يطلب العلو؛ كقوله - تعالى -: (إن ~~فرعون # PageV08P647 # علا في الأرض). # وقوله - عز وجل -: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) # ظن إبليس - عليه لعنة الله - أن النار لما كان من طبعها الارتفاع والعلو ~~ومن طبع الطين التسفل والانحدار أن الذي طبعه الارتفاع والعلو خير من الذي ~~طبعه التسفل والانحدار؛ لذلك قال - والله أعلم -: (أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين). # أو لما رأى أن إصلاح الأشياء كلها ونضجها بالنار فقال هذا عند ذلك. # لكن لو نظر الملعون وحقق النظر، لعلم أن الطين خير من النار؛ لأنه من ~~الأرض، والأرض كالأصل والأم لغيرها؛ لأن الأشياء يكون صلاحها ونضجها بالنار ~~وأول بدئها من الأرض، كالابن من الأم الوالدة على ما ذكرنا، والله الموفق. # ثم كفره بإبائه السجود له لما لم ير أمر الله له بسجود من هو خير وأعلى ~~لمن دونه حكمة وحقا، فكفر لما رأى أنه وضع الأمر في غير موضع الأمر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاخرج منها فإنك رجيم (77) # قال بعضهم: أي: اخرج من الجنة. # وقال بعضهم: أي: اخرج من السماء إلى الأرض. # وقال بعضهم: أي: اخرج من الأرض إلى جزيرة البحر، والله أعلم بذلك، وليس ~~لنا أن نتكلف القطع على القول فيه: أن أمره بالخروج من كذا، وقد عرف اللعين ~~أنه بماذا أمره بالخروج منها. # ثم ذكر مرة (فاخرج منها)، ومرة قال: (فاهبط منها)، ونحو ذلك من الألفاظ ~~المختلفة؛ وكذلك ما ذكر مرة قال: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي)، وقال ~~فيما وضع آخر: (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)، وقال في موضع: (ما منعك ~~ألا ms3813 تسجد) و (تكون مع الساجدين)، ونحو ذلك على الألفاظ المختلفة، فذلك كله ~~يدل على أن ليس على الناس حفظ الألفاظ والحروف، وكذلك ما ذكر في القصص على ~~اختلاف الألفاظ مكررة معادة. # وقوله - عز وجل -: (فإنك رجيم). # أي: لعين، كأنه قال: فإنك لعين على ألسن الناس، ليس يذكره أحد من أعدائه ~~وأتباعه وأوليائه إلا وقد لعنه. # وقوله - عز وجل -: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) # كانت اللعنة عليه إلى يوم الدين هي خذلانه وطرده عن رحمته ودينه؛ لما علم ~~أنه لا # PageV08P648 # يعود إلى اختيار توحيده وطاعته أبدا، وإلا كان عليه لعنته في الدنيا ~~والآخرة: فأما في الدنيا ما ذكرنا من خذلانه وتركه في العمر، وأما في ~~الآخرة مطرود عن جنته، والله أعلم. # ثم سأل ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون فأجاب حيث قال - عز وجل -: (فإنك من ~~المنظرين (80) وإنما أنظره - والله أعلم - لأنه يختار الكفر والخلاف له ~~أبدا. # ثم قوله - عز وجل -: (إلى يوم الوقت المعلوم (81) # هو يوم اختلف فيه: # قال بعضهم: (الوقت المعلوم): هو يوم البعث، إلى ذلك أنظره على ما سبق منه ~~السؤال على النظرة إلى يوم البعث حيث قال: (إلى يوم يبعثون). # وقال بعضهم: (الوقت المعلوم): هو النفخة الأولى. # وقال بعضهم: لم يبين له ذلك الوقت؛ ولذلك ذكر منه الخوف، وهو ما قال - عز ~~وجل -: (قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)، ولو كان بين له ~~الوقت المعلوم لكان لا يخاف دون ذلك الوقت، ولكنه يأمن فدل خوفه أنه لم ~~يبين له ذلك وهو معلوم عند الله، والله أعلم. # وقوله: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) # وقال - عز وجل -: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ~~كأنه يقول - والله أعلم -: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان أن تغويهم إلا من ~~كان في علمه أنه يختار الغواية ويؤثر اتباعه؛ فيكون له عليهم سلطان ~~الإغواء، فأما من كان في علم الله أنه يختار الإيمان والتوحيد، فلا سبيل لك ~~عليهم، والله أعلم. # ثم قال بعضهم: (المخلصين (83) للتوحيد، فإن ms3814 كان ذلك فيكون قوله تعالى: ~~(لأغوينهم) يكون كفرا. # وقال بعضهم: (المخلصين) من الهلاك، فإن كان ذلك فيكون قوله: (لأغوينهم)، ~~أي: لأهلكنهم. # وقال بعضهم: (المخلصين) من كل ذنب وكل معصية، لكن الوجهين الأولين أشبه ~~وأقرب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال فالحق والحق أقول (84) # قرئ بنصبهما جميعا: (فالحق والحق أقول)، وقد قرئ أيضا برفع الأول ونصب ~~الثاني: (فالحق والحق). # PageV08P649 # فمن قرأه بالرفع فيكون معناه - والله أعلم - (فالحق والحق أقول) أي: مني ~~يكون الحق على هذا. # ومن قرأه على النصب فهو على التأكيد؛ تأكيدا على ما ذكر على أثره كأنه ~~يقول: أقول الحق الحق، وهو يقول: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ~~(85). # ثم جائز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة فيقال لهم: أراد الله تعالى أن ~~ينجز ما وعد وأن يصدق خبره الذي أخبر أنه كان يكون، أو لم يرد أن ينجز ما ~~وعد وألا يخرج خبره على الصدق. # فإن قالوا: لم يرد، أعظموا القول؛ لأنهم زعموا أنه أراد أن يخلف ما وعد، ~~وأن يكذب في خبره، فذلك عظيم القول حيث وصفوا ربهم بالسفه؛ لأن من أراد أن ~~يخلف وعده وأن يكذب في خبره، فهو سفيه على زعم من قال ذلك. # وإن قالوا: أراد أن ينجز ما وعد وأن يصدق خبره، فيقال لهم: أراد أن ~~يتبعوا إبليس، أو أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوه؟ # فإن قالوا: أراد أن يؤمنوا ولا يتبعوا إبليس، فيقال: أراد أن يجور ويظلم ~~على زعمكم؛ لأنه أراد أن يملأ جهنم ولم يرد ما يستوجبون ذلك؛ فدل على أن ~~الله تعالى علم أنه يكون منهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو ~~إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # وقوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر). # هذا يحتمل وجوها: # أحدها: لا أسألكم على ما أدعوكم من الشرف والذكر في الدنيا والآخرة من ~~أجر، ولا أجد في الشاهد من يبذل للآخر من الشرف أو الذكر ولا يعطيه ذلك إلا ~~بأجر، فكيف ms3815 تتركون اتباعي ولا تقبلون ذلك مني؟! # أو يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر ~~وذلك الغرم عن إجابتي؛ كقوله - عز وجل -: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون)، أي: لست تسألهم أجرا حتى يمنعهم ثقل ذلك الغرم عن الإجابة. # وقوله - عز وجل -: (وما أنا من المتكلفين). # قال عامة أهل التأويل: وما أنا ممن تكلف ذلك من تلقاء نفسي، ولا أمرتكم ~~بما # PageV08P650 # آمركم إلا بالوحي، والمتكلف عند الناس في الظاهر: هو الذي يفعل ويقول بلا ~~إذن. # وقال أبو عوسجة: المتكلف: هو الذي يتكلف ما لا يعنيه ويفعل ما لم يؤمر ~~به. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (وما أنا من المتكلفين)، أي: ما أنا من ~~المتحملين مما حملتم إذا خالفتموني، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا ذكر للعالمين (87) # أي: ما هذا القرآن وهذا النبأ إلا عظة وذكر لمن انتفع به. # وقوله - عز وجل -: (ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # يحتمل نبأ القرآن. # ويحتمل البعث والحساب، أي: يعلمون أن ذلك حق بعد حين. # ثم ذكر - عز وجل - في جهنم أنه يملؤها ولم يذكر في الجنة أنه يملؤها، ~~فجائز أن يكون ما ذكر من الملء هو أن يضيقها عليهم، وفي التضييق زيادة في ~~الألم. # أو أن يكون في سعة الجنة حكمة ولا يكون ذلك في جهنم؛ لأن السعة تطلب ~~للنزهة والانتشار في البساتين وغير ذلك وليس ذلك في جهنم، والله أعلم ~~بالصواب. # * * * # PageV08P651 ### | سورة الزمر # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم ~~بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد ~~الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ~~(4) خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار ms3816 على ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم ~~من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) # قوله - عز وجل -: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) # يقول - والله أعلم -: إن الكتاب الذي يتلوه رسولنا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ويدعوكم إليه هو تنزيل من عند الله؛ كقوله: (نزل به الروح الأمين. ~~على قلبك. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (العزيز الحكيم) على أثر قوله: (تنزيل الكتاب من الله) ~~يخرج - والله أعلم - أنه يدعوكم محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى اتباع ~~الكتاب والطاعة، ليس لذل به يطلب بكم العز أو الضعف في التدبير فيطلب بكم ~~الاستعانة فيه؛ لأنه عزيز بذاته حكيم لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ~~ولكن إنما أمركم بما أمر ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم ولتنتفعوا به، ~~فأما الله - سبحانه - عزيز بذاته غني حكيم بنفسه. # وقال بعضهم: العزيز هو الذي لا يعجزه شيء، والحكيم هو الذي لا يلحقه ~~الخطأ في التدبير. # وقال بعضهم: هو العزيز؛ لأن كل عزيز دونه إنما يصير ذليلا عنده وعز من ~~دونه عند عزه ذلا، والحكيم هو المصيب في فعله وتدبيره، وقيل: هو الذي وضع ~~كل شيء موضعه. # وقال بعض أهل التأويل: العزيز هو المنيع، وتأويل المنيع: الممتنع عن جميع ~~مكائد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله ~~أعلم. # PageV08P652 # وقوله - عز وجل -: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين (2) # يحتمل قوله - عز وجل -: (بالحق) أي: بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي ~~لبعضكم على بعض، أو كما قال أهل التأويل (بالحق)، أي: للحق، أي: أنزلناه ~~للحق، ms3817 لم ننزله عبثا باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن ~~وأمور، والله أعلم. # وقوله: (فاعبد الله مخلصا له الدين). # جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك هو ما أمره من العبادة ~~له، أمره بوفاء ذلك الحق له. # ثم يحتمل قوله: (فاعبد الله مخلصا له الدين) وجهين: # أحدهما: أصل في الاعتقاد، أي: اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصا لا ~~تعتقد لأحد شركا. # والثاني: في المعاملة: أن كل عمل عبادة وطاعة اجعله لله خالصا لا تجعل ~~لغيره فيه شركاء. والله أعلم. # وأما أهل التأويل قالوا: (فاعبد الله): وحد الله (مخلصا له الدين)، ~~وتأويل هذا أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء. # وقوله - عز وجل -: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) # أي: ولله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء. # ويحتمل أيضا قوله - عز وجل -: (ألا لله الدين الخالص)، أي: دين الله هو ~~الدين الخالص؛ لأنه دين قام بالحجج والبراهين، وأما غيره من الأديان فهو ~~دين بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى). # كأن فيه إضمارا يقول: والذين اتخذوا من دونه أولياء وعبدوها قالوا: (ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقالوا في موضع آخر: (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله)، عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في ~~الحقيقة ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله، لكنهم سموها: ~~آلهة؛ لأنهم كانوا يعبدونها، وكل معبود عند العرب إله؛ لأن الإله هو ~~المعبود، وقدروا تسمية كل معبود: إلها؛ لذلك سموها: آلهة وإن عرفوا أن ليست ~~لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن ذلك لله عز وجل. # PageV08P653 # ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان: # أحدهما: لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة ms3818 الإله العظيم أو تقدر على القيام ~~بخدمته، فعبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن ~~هؤلاء شفعاؤهم عنده، وذلك لما رأوا في ملوك الدنيا أن كل أحد لا يجد السبيل ~~إلى خدمة ملوكها، أو لا يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، فيخدم من ~~اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك؛ ليقربه ذلك المخدوم له إلى ~~الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة، وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان ~~اتخذ لقومه أصناما يعبدونها من دونه، لما لم يروا كل أحد منهم يصلح لخدمته، ~~وهو ما أغرى قومه على موسى حيث قالوا: (ويذرك وآلهتك)، ونحو هذا أوجه. # والثاني: عبدوهم؛ لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى ماتوا، ~~فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام وأمرهم ~~بذلك لقولهم إذا فعلوا فاحشة: (قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)؛ ~~ولذلك قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، وقولهم: (لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء)، استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ~~ذلك ولم يعاقبهم في الدنيا، وكانوا لا يؤمنون بالآخرة حتى يزجرهم إليها على ~~أن الله قد رضي بذلك، وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك، فرد الله ذلك عليهم ~~فقال: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). # يحتمل قوله: (في ما هم فيه فيه يختلفون)، في محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لأنهم اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه ساحر، ومنهم من قال: إنه شاعر، ~~وإنه مجنون، وإنه مفتر ونحوه، فيخبر أنه يحكم بينهم؛ ليبين لهم أن ما ذكروا ~~ابتغوا فيه أهواءهم. # أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا ~~تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم ~~بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، ms3819 نحو ما أخبرهم بنصر الله ~~إياه والظفر له عليهم -أعني: على الأعداء- فكان على ما أنبأهم بأنباء ~~وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا ~~بالوحي من الله - عز وجل - لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضا ما ~~عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، ~~حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى الله ~~في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى # PageV08P654 # الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عز وجل -: (وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه)، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن ~~معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو ~~الله المعبود الحق. # ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: (أبعث الله ~~بشرا رسولا)، فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر. # قال بعضهم في قوله: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى) أي: مقربة فيشفعون لنا إلى الله تعالى. # وقوله: (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون)، وقوله - عز وجل -: ~~(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار). # قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال ~~والكفر، أو كلام نحوه. # وقال الجبائي: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة، أي: لا يهدي من كان في ~~الدنيا كاذبا كفارا في الآخرة طريق الجنة. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) من ~~صلة قوله - عز وجل -: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) و (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله)، كفار لنعمه بصرفهم العبادة إلى غير المنعم. # وقال جعفر بن حرب: إن الله لا يهدي إلى الزيادات التي يهدي ويعطي من ~~اختار الهدى؛ لأنه يقول: إن من اختار الهدى واهتدى كان عند الله لطفا ورحمة ~~يعطي ذلك زيادات وفضل زيادة على ما كان اختاره؛ كقوله - عز وجل ms3820 -: (والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم). # هذه التأويلات كلها للمعتزلة، وأما عندنا فإن قوله: (إن الله لا يهدي) من ~~هو في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي: لا يوفقه للهدى ~~ولا يعينه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله؛ وكذلك يقول في قوله - عز وجل -: ~~(والله لا يهدي القوم الظالمين) و (الكافرين) ونحوه أي: لا يهديهم وقت ~~اختيارهم الكفر والظلم، والله الموفق. # والثاني: (لا يهدي)، أي: لا يخلق فعل من هو فعل كفر فعل هدى، ولكن يخلقه # PageV08P655 # فعل كفر وكذلك لا يخلق فعل من هو فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ~~ما يفعله الفاعل ويختاره: يخلق فعل الكافر كفرا وفعل المهتدي فعل هدى، يخلق ~~كل فعل على ما يختاره الفاعل ويفعله: إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا ~~يخلقه كفرا. # وقال بعض أهل التأويل: إن الله لا يهدي من كان في علمه أن يختم بالكفر ~~ويخرج به من الدنيا، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (من هو كاذب كفار) يحتمل وجهين: # أحدهما: من هو كاذب كفار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: كفار أنعم الله، وكاذب في القول، كفار في الفعل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~سبحانه هو الله الواحد القهار (4) # ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن ليس من الممتنع، وكذلك ~~ظاهر قوله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا)، ظاهر هذا الذي ذكر هو من المحتمل ~~والممكن وكان من الممتنع أيضا؛ كقوله - عز وجل -: تكاد السماوات يتفطرن منه ~~وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا)، دلت هذه الآيات ~~على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعا. # ثم قوله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء). # أي: لو جاز أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم وتتوهمون، لاصطفى ~~واختار مما يشاء، هو ما شاء، ليس على ما تختارون أنتم له ms3821 وتشاءون: أن ~~الملائكة بنات الله على ما تزعمون؛ لأن العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه ~~شيئا إنما يتخذ من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدرا عندهم، لا من أخس ~~الأشياء وأذلها؛ وهو كقوله - عز وجل -: (فراغ إلى آلهتهم)، أي: إلى آلهتهم ~~التي اتخذ أولئك آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى ~~- عليه السلام -: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)، أي: انظر إلى الذي ~~اتخذته إلها سماه على ما هو عنده؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: (لو أراد ~~الله) على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه اتخذ الولد لاختار مما ذكر لا مما ~~تقولون أنتم، لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر. # والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة ~~إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على الله - عز وجل - وقربتهم عنده، ~~وينسبونه إلى أنهم بناته، وإلى أن عيسى ابنه، وإنما يتخذ الأولاد ويتبنى ~~ليستنصروا بهم، فبرأ الله - عز وجل - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، ~~فقال: (سبحانه هو الله الواحد القهار). # PageV08P656 # وفي قوله - عز وجل -: (الواحد القهار) دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما ~~أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هؤلاء من الولد، لم يكن واحدا في ~~الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في ~~الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا. # وفي قوله - عز وجل -: (القهار) دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، ~~والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه: # إما لوحشة أصابته فيستأنس به. # وإما لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك. # وإما لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد. # وإما لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبدا. # وإما للاستعانة والنصرة على أعدائه. # لأحد هذه الوجوه التي ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، والله قادر ~~بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ~~ويكور ms3822 النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار (5) # يحتمل قوله: (بالحق)، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من ~~الحق. # أو أن يكون قوله: (بالحق) أي: للحق، وهو البعث ما لو لم يكن البعث، لكان ~~خلقهما عبثا باطلا على ما ذكر في آية أخرى: (وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا)، وقوله - عز وجل -: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون). # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق)، أي: ~~بالحكمة، وهو أن جعل في خلقة كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه ~~فعله وإن لم يشاهد خلقه، وهو على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق أثر ~~معرفة فاعله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل)، كما ~~ذكر في آية أخرى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)، يذكر ~~دلالة وحدانيته؛ حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار ~~متصلة بمنافع الليل، على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما؛ ليعلم أنهما فعل ~~واحد، وكذلك ما جعل من منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ~~ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عددا لامتنع ذلك؛ إذ العدد المعروف من ~~عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه، والاستيلاء # PageV08P657 # على ما استوى وقبض بز الآخر ومنع نفاذ أمره في سلطانه، فإذا لم يمتنع ذلك ~~دل أنه فعل واحد، وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم ~~وجريهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما ~~أنهما يسيران وقت سيرهما إلا بعد قطعهما ذلك، دل أن لهما منشئا وأنه واحد، ~~ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان ويدوران ~~على أن منشئهما واحد عالم مدبر عرف حاجة الخلق، إليهما أبد الآبدين ~~ومنافعهما بذلك. # وقوله - عز وجل -: (كل يجري لأجل مسمى). # أي: كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له لا ms3823 يتقدم ولا يتأخر ولا ينقطع ~~ما كان بالخلق حاجة إليه، والله اعلم. # أو إلى منازل معلومة لا يجاوزانها. # وقوله - عز وجل -: (ألا هو العزيز الغفار). # هو العزيز بذاته لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد ولا بطاعة من أطاعه، ~~الغفار لمن كان له أهلا للمغفرة ما لا يخرج مغفرته إياه عن الحكمة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل). # قال بعضهم: أي: يدخل أحدهما على الآخر؛ كقوله: (يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل. . .) الآية. # وقال بعضهم: (يكور الليل على النهار) أي: يغشي أحدهما بالآخر؛ كقوله: ~~(يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا). # وقال بعضهم: (يكور)، أي: يلف هذا بهذا، وهو من يكور العمامة، ومنه قوله: ~~(إذا الشمس كورت)، أي: جمعت ولفت، وأصل التكوير: اللف والجمع؛ وهو قول أبي ~~عوسجة والقتبي. # وقوله - عز وجل -: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ~~ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها؛ لأن حرف (ثم) إنما ~~هو حرف إتباع وإرداف وحرف ترتيب لا حرف جمع، فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ~~ذكرنا، لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره: # ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنه - في بعض الروايات أنه تأول في ذلك، ~~وقال: - # PageV08P658 # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) # عز وجل - (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) أو كلام نحو هذا. # وعندنا أن قوله - عز وجل -: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) يخرج ~~على ظاهر ما ذكر؛ لأن الخلق: هو التقدير في اللغة كأنه قال - عز وجل -: ~~(خلقكم من نفس ms3824 واحدة ثم جعل منها زوجها) أي: قدركم جميعا على كثرتكم من أول ~~ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة منها قدرنا. # وقوله - عز وجل -: (ثم جعل منها زوجها). # ثم أخرجنا منها -من تلك النفس- زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان ~~قبل جعل زوجها منها وهو الظاهر على ظاهر ما خرج الكلام، والله أعلم. ثم كان ~~منه خلق ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج). # ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا ~~تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: ~~نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر ~~وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى ~~الله - عز وجل - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - ~~عز وجل -: (قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم)، (وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد)، وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ~~(وأنزل لكم من الأنعام)، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: (وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة)، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، ~~والله أعلم. # ثم ظاهر قوله: (من الأنعام ثمانية أزواج) يجيء أن يكون على أحد وجوه ~~ثلاثة: # إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها ~~لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف (من) هاهنا صلة، كأنه قال - عز وجل -: " ~~وأنزل لكم أنعاما وهي ثمانية أزواج ". # أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعاما، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا ~~الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف (من) حرف تبعيض وتجزئة. # أو أن يسمي كل الدواب: أنعاما إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع ~~أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ms3825 ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه ~~الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ~~ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا # PageV08P659 # كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو ~~الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، والله أعلم. # ثم الثمانية الأزواج التي ذكر أنها خلقها لنا في هذه الآية هي التي ذكرها ~~في سورة الأنعام وهو قوله: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. ~~. .)، إلى قوله: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. . .)، إلى آخر ما ذكر، ~~فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج أنه أنزل لنا في سورة الزمر التي ~~هي أحل لنا كل شيء منها، وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها ~~لم يحل لنا أكلها؛ لأنه ذكر في سورة الأنعام الأكل، ثم ذكر على أثر هذه ~~الثمانية الأزواج الإبل والبقر والضأن والمعز، حيث قال - عز وجل -: (كلوا ~~مما رزقكم الله)، ثم قال - عز وجل -: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين. . .)، ~~إلى آخر ما ذكر، وهذا يدل على أن قوله - عز وجل -: (قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما على طاعم يطعمه) إنما هو مما ذكر، أي: لا أجد محرما من هذه ~~الأصناف الثمانية إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير. # ثم يخرج استثناء لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ~~ذلك الغير فيه، وذلك غير جائز في الكلام؛ كقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم)، كأنه قال: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام والاصطياد (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد)؛ فعلى ذلك الأول ~~كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق). # قال أهل التأويل: تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة ~~حتى يتم خلقا مستويا. # (في ظلمات ثلاث). # قيل: الرحم والبطن والمشيمة، وقيل: الظهر، يخبر ms3826 عن قدرته وعلمه وتدبيره: ~~أنه حيث قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين ~~كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة ~~الأعضاء على السواء حتى لا يزداد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى ~~الرجلين وإحدى العينين # PageV08P660 # وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه في تلك النطفة من العينين واليدين ~~والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعا حكماء البشر لم ~~يعرفوا كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها؛ ~~ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من شيء ومن لا شيء وبسبب وبغير سبب وما جعل ~~من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه بها على إنشاء ذلك، وأن من ~~قدر على تقدير ما ذكر وتصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل التي ذكر، ~~فإنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم ~~بعث الرسل والحجج، يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال ~~وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم ولا ~~ينهاهم ولا يمتحنهم، ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم؛ ليجزي المسيء ~~منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان ~~والطاعة؛ لأنه قد سوى بينهم في هذه الدار وفي الحكمة، والعقل يقتضي التفريق ~~بينهما فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم الله ربكم له الملك). # يحتمل (ذلكم الله ربكم) أي: ذلكم الله الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ~~ظلمات تلك النطفة هو ربكم الذي فعل ذلك. # أو أن يكون قوله - عز وجل -: (ذلكم الله ربكم له الملك) أي: جميع ما ذكر ~~من قوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار)، ~~وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ~~ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس أن واحدة إلى آخر ما ذكر، يقول: ذلكم الله ~~الذي فعل ms3827 ذلك كله هو ربكم (لا إله إلا هو فأنى تصرفون) أي: فأنى تصرفون ~~عبادتكم إلى غيره، أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره وتجعلون له ~~شركاء وأعدالا، وقد تعلمون أن الذي فعل ذلك كله هو الله الواحد الذي لا ~~شريك له ولا مثل. # أو يذكر أن ما ذكر من النعم التي أعطاكم وأسدى إليكم هو ربكم الذي خلقكم، ~~فكيف تصرفون شكرها إلى غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ~~وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم ~~بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (إن تكفروا فإن الله غني ~~عنكم) أي: تكفرون دين الله الإسلام ولم تسلموا فإنه لا يقبل منكم، (وإن ~~تشكروا) أي: وإن تسلموا # PageV08P661 # (يرضه لكم) أي: يقبل منكم؛ كقوله: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه). # وقال غيره: أي: إن تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، (وإن تشكروا)، ~~أي: توحدوه (يرضه لكم) من الأول. # وجائز أن يكون قوله: (إن تكفروا) النعم التي عدها عليكم فيما تقدم ذكرها ~~من قوله: (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار)، وقوله: ~~(وأنزل لكم من الأنعام. . .) إلى آخر ما ذكر من النعم يقول: إن تكفروا هذه ~~النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم ~~يقبل ذلك منكم، والله أعلم. # وأصله أن الله - عز وجل - بين سبيل الهدى ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال ~~وحذرهم عنه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا ومن سلك سبيل الضلال فله ~~كذا، وأفضى إلى كذا. # أو أن يقول: إن من سلك سبيل الهدى يرضى لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه؛ ~~كقوله - عز وجل -: (وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية)، ومن سلك سبيل الضلال ~~والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة؛ كقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم)، أخبر ms3828 أنهم يمقتون أنفسهم إذا ~~نودوا وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وبالله العصمة. # وذكر في حرف عبد الله بن مسعود: (والله يكره لعباده الكفر)، وقوله: (وإن ~~تشكروا يرضه لكم)، وكذلك ذكر هذا في حرف أبي وحفصة خاصة. # وأصل قوله: (إن تكفروا فإن الله غني) إخبار أنه لم يأمركم بما أمركم به ~~ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك، ولكن إنما ~~امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم؛ وكذلك ما ~~أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ~~ولمنافعكم. # وكذلك نقول: لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئا منها عوضها بدلها على ~~ما تقول المعتزلة أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها عوضا بإزاء ذلك، ولكن ~~إنما أنشأها لكم لليسر ولهم يعزر من أتلف شيئا منها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). # ذكر هذا - والله أعلم - جوابا لقولهم حيث قال - عز وجل -: (وقال الذين ~~كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم. . .) الآية، أخبر أن لا ~~أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه. # PageV08P662 # والثاني: يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يحمل ~~بعض آثام بعض وأوزار بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا ~~آثامه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم إلى ربكم مرجعكم. . .) الآية. # خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانيا والبروز له، ونحو ذلك، وإن ~~كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين؛ لأن المقصود من إنشائهم في هذه ~~الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك رجوعا إليه، والله أعلم. # وقوله: (إنه عليم بذات الصدور). # قال أهل التأويل: إنه عليم بما في الصدور، وعندنا عليم بكل ما يصدر من ~~الخير والشر، وذكر (بذات الصدور)؛ لأن أصحاب الصدور هم يصدرون ويظنون في ~~صدورهم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة ~~منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل ms3829 عن سبيله قل تمتع ~~بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~إنما يتذكر أولو الألباب (9) قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب (10) # وقوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ~~ما كان يدعو إليه من قبل). # أخبر الله الخلق ما كان من عادة الكفرة في غير آي من القرآن أنهم كانوا ~~يخلصون الدين لله ويتضرعون إليه إذا مسهم بلاء أو شدة، إذا ركبوا البحر، ~~وكان لهم خوف الهلاك في ذلك وفزع؛ كقوله - تعالى -: (فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين. . .) والآية، وغير ذلك من الآيات، وكذلك كل ~~بلاء وشدة أصابتهم، فزعوا إلى الله - عز وجل - وتضرعوا إليه، ثم إذا كشف ~~الضر عادوا إلى ما كانوا من قبل. # وقوله: (نسي ما كان يدعو إليه من قبل) يحتمل قوله: (نسي) ألا تملك ~~الأصنام التي عبدوها دفع ذلك عنهم ولا كشفه. # أو نسي ألا ينفع لثمفاعتهم إياهم ونحوه؛ كقوله - عز وجل -: (وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)، أي: نسوا ما علموا من عجز الأصنام ~~ونحوه. # وقوله: (وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله). # كأن الآية في الرؤساء منهم جعلوا أندادا ليضل الناس عن سبيله، يدل على ~~ذلك: (قل تمتع بكفرك قليلا) في الدنيا (إنك من أصحاب النار)، لما علم أنه ~~يختم على الكفر، والله # PageV08P663 # أعلم. # ثم الحكمة في ذكر هذا وأمثاله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتمل ~~وجوها: # أحدها: يصبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سوء معاملتهم إياه، ~~كما حكى عن سوء معاملتهم ولم يستأصلهم على أثر ذلك وذلك أعظم في العقل. # أو يخبر الأواخر عن سوء معاملتهم ربهم ليحذروا عن مثل معاملتهم ربهم. # أو يخبر عن حلمه أن كيف عاملهم فاحلم أنت، والله ms3830 أعلم. # وقرئ: (ليضل) و (ليضل) فيه ثلاث لغات. # وقوله: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (9) # قال بعضهم: هذه الآية صلة ما تقدم من قوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه ~~منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله ~~أندادا ليضل عن سبيله) يقول: الذي تضرع إلى الله، وأخلص دينه له، نسي ذلك ~~وتركه إذا خول ذلك نعمة، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله - كالذي هو قانت - ~~أي: مطيع لله - آناء الليل والنهار يحذر عذابه ويرجو رحمته، ليسا بسواء ~~عندكم: الذي أطاع الله في جميع أوقاته حاذر تقصيره في ذلك راج رحمته ~~لطاعته، والذي عصى ربه ولم يطعه، فإذا عرفتم أنهما ليسا بسواء ثم رأيتم ~~أنهما قد استويا في نعم هذه الدار وسعتها وشدائدها وفي الحكمة التفريق ~~بينهما، فلابد من دار أخرى يفرق بينهما فيها يثاب المحسن المطيع جزاء ~~إحسانه وطاعته، ويعاقب الكافر الظالم جزاء كفره وظلمه، والله أعلم. # ومنهم من يجعل لهذه الآية مقابل لكنه يقول: مقابلها ليس الأول، ولكن لم ~~يذكر لها مقابل ويقول على ما عرفتم أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، ~~فعلى ذلك لا يستوي الذي أطاع ربه آناء الليل وأجهد نفسه في عبادة الله ~~والذي عصى ربه وكفر فعمه، وقد ظهر الاستواء بينهما في هذه الدنيا فلابد من ~~التفريق بينهما في دار أخرى، ولو لم يكن دار أخرى فيها يفرق ويميز، لكان ~~خلق هذا العالم على ما كان باطلا سفها غير حكمة، والله أعلم. # وقوله: (يحذر الآخرة). # أي: يحذر عذاب الآخرة، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأه: (يحذر عذاب ~~الآخرة). # PageV08P664 # وقوله: (ويرجو رحمة) دلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الرجاء ~~والحذر يرجو رحمته لا عمله ويحذر عذابه لتفصيره في عمله. # ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، وقد قال الله - عز وجل -: (فلا ms3831 يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون)، والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال ~~الله - تعالى -: (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، ويجب أن يكون ~~المؤمن كما ذكر - عز وجل -: (يدعون ربهم خوفا وطمعا)، و (ويدعوننا رغبا ~~ورهبا)، لا يجاوز أحدهما. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (ويرجو رحمة ربه)، أي: جنته على ما سمى ~~الجنة: رحمة في غير موضع؛ لما برحمته تنال هي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هل يستوي الذين يعلمون). # في معرفة نعم الله والقيام بشكره، والحذر عن عصيانه وعذابه. # وقوله: (والذين لا يعلمون). # في كل ذلك، جوابه أن يقال: لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهو ~~ما قال - عز وجل -: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). # وقوله: (إنما يتذكر أولو الألباب). # إنما يتذكر بمواعظ الله أولو العقول والبصر والمعرفة، والله أعلم. # وقوله: (آناء الليل) أي: ساعات الليل، و (قانت) أي: مطيع، وأصل القنوت هو ~~الطاعة، وقيل: القنوت: القيام، وهو القيام في الطاعة، والله أعلم. # وفي قوله: (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) دلالة جواز الإرجاء؛ لأنه لم ~~يقطع على أحدهما دون الآخر؛ وكذلك في قوله تعالى: (يدعون ربهم خوفا وطمعا)، ~~وفي قوله: (رغبا ورهبا)، وفي القطع على أحدهما كفر على ما ذكرنا من قوله: ~~(فلا يأمن مكر الله)، و (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)؛ إذ ~~المجاوزة في الخوف إياس، والمجاوزة في حد الرجاء أمن وقد ذكرنا أنه كفر. # وقوله: (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # يحتمل قوله: (اتقوا ربكم) وجوها: # اتقوا سخط ربكم. # أو اتقوا نقمة ربكم. # PageV08P665 # أو اتقوا مخالفة ربكم ونحوه. # وأصل التقى: ما تهلكون، أي: اتقوا مهالككم، والله أعلم. # وقوله: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة). # قال عامة أهل التأويل: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة لهم في الآخرة. # وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا وفي الآخرة حسنة؛ كقوله: (ولدار ~~الآخرة خير. ms3832 . .) الآية؛ وكقوله - عز وجل -: (والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر). # ثم يحتمل الحسنة وجها آخر: استغفار الملائكة لهم والأنبياء - عليهم ~~السلام - لأن الله - عز وجل - امتحن ملائكته على استغفار المؤمنين ~~والمؤمنات؛ كقوله: (ويستغفرون لمن في الأرض)، وكذلك امتحن رسله بالاستغفار ~~للمؤمنين، وكذلك المؤمنون يستغفر بعضهم لبعض ونحوه. # وقوله: (وأرض الله واسعة). # ذكر هذا - والله أعلم - لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة ~~لأعدائهم ويقيمون فيما بينهم، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم ولم يكن لهم ~~تلك في بلد غيرهم، فخافوا الضياع إذا هم خرجوا من بلدهم فيهاجروا منها إلى ~~غير بلدهم فيمتنعون عن ذلك، فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك ~~التعيش وأسبابه في غير ذلك البلد، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: (إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، لم يقدروا في تركهم ~~الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد ~~غيرهم، إلا من لم يكن به طاقة الخروج من بينهم وهم الذين استثناهم وهو ~~قوله: (إلا المستضعفين من الرجال والنساء. . .) الآية، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، وجوها: # أحدها: (بغير حساب) أي: بغير تبعة ولا مئونة؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " من نوقش الحساب عذب ". # أو (بغير حساب) أي: لا يحاسبون؛ لما ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى ~~يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة ليس كدار الدنيا يحاسب من أوتوا فيها في ~~الآخرة، وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها. # وحمل (بغير حساب)، أي: غير مقدر بالحساب، ولكن أضعافا مضاعفة. # ويحتمل (بغير حساب)، أي: بلا نهاية ولا غاية، والله أعلم. # ثم الصبر: هو حبس النفس إما على أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى ~~الله عنه، أو # PageV08P666 # حبسها وكفها في احتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام، ms3833 ~~احتملوا ذلك ولم يجزعوا، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن: (ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف. . .) الآية. وقوله: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، ونحوه. # * * * # قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) # وقوله: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون ~~أول المسلمين (12). # يحتمل أن يكون قال هذا؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده إليهم، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين) ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصا له ~~الدين، وقال في آية أخرى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله. . ~~.) الآية، وقال في آية أخرى: (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا. . .) الآية، ~~أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين، ذكر في هذه ~~الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله تعالى ~~مخلصا له الدين. # أو أن يقول: إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا أيضا في نفسي أن أعبده ~~مخلصا، لست أنا كمن يأمر غيره شيئا ولا يأتمر بنفسه، أو هو غير مأمور بذلك ~~وهو ما قال: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين). # أو يقول: لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم ~~ولا يستعملون في ذلك أنفسهم، والله أعلم. # وقوله: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) # الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ~~ربي ms3834 عذاب يوم عظيم، فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم ~~عنه، وهو ما قال - عز وجل -: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم)، فأما ما ~~داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم. # وقوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم). # إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما ~~أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء ~~عبادتكم، كقوله تعالى: # PageV08P667 # (اعملوا ما شئتم. . .) الآية، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: ~~اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك ~~قوله - عز وجل -: (فاعبدوا ما شئتم من دونه ... (15) والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين ~~جميعا بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل الله، ~~وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة ~~فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، والله أعلم. # ثم قوله: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة). # كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حيث قال - عز وجل -: (قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا)؛ ليكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم لهم ~~ذلك، وقد مكن لهم ذلك وهلكوا فتركوا ذلك ولم يقوها ولا أهليهم النار، قال ~~عند ذلك: (خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين) ~~ألا عند ذلك يتبين لهم أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم. # أو أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها وعملوا ~~النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة، وإذا لم يسعوا لها ولم ~~يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا وهلكت أنفسهم، (ألا ~~ذلك هو الخسران المبين) ألا هنالك يتبين لهم أنهم خسروا خسرانا بينا، والله ~~أعلم. # وقوله: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ... (16) # أن يكون ما كان تحتهم من ms3835 النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل؛ كقوله ~~تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)، وكذلك في حرف ابن مسعود أنه ~~قال: (ولهم من تحتهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ذلك يخوف الله به عباده)، ~~والله أعلم. # لكن جائز أن يكون الظلل التي تحتهم هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين ~~فوقهم مهاد وللذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضا - والله أعلم - لأن النار دركات ~~وأطباق؛ ليكون كل طبقة لمن تحتها ظلل ولمن فوقها مهاد على ما ذكرنا. # وقوله: (ذلك يخوف الله به عباده). # أي: ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد يخوف الله به عباده. # (يا عباد فاتقون). # اتقوا سخط الله ونقمته، أو اتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك. # PageV08P668 # قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ ~~من في النار (19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من ~~تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) # وقوله: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها). # اختلف في الطاغوت: قال بعضهم: هو الشيطان، أي: اجتنبوا من أن يأتمروه ~~وأطاعوه. # وقال بعضهم: الطاغوت هم الكهنة، كانوا يأتون الكهنة فيخبرونهم بأمور ~~فيعملون بقولهم ويصدقونهم، يقول: أي: اجتنبوا من أن تطيعوا الكهنة في ~~أمورهم ونهيهم. # وقال بعضهم: كل معبود دون الله فهو طاغوت، وهو من الطغيان وهو المجاوزة ~~عن الحد. والله أعلم. # وقوله: (وأنابوا إلى الله) وأقبلوا ورجعوا إلى ما أمرهم الله به، أو ~~رجعوا إلى ما به طاعته وتركوا ما به مخالفته، وانتهوا عن مناهيه، والإنابة ~~إلى الله هي الرجوع إلى أمر الله وإلى ما به طاعته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لهم البشرى). # وهو ما ذكر في قوله: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة)، فعلى ما ذكر لهؤلاء ms3836 من البشرى لهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنهم ~~أولياء الله. # وقوله: (فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ... (18) اختلف ~~فيه: # قال بعضهم: الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح ~~فيتبعون أحسنه، أي: يرون ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر ~~وقبيح. وقال بعضهم: يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن ~~ويتبعونه ويتركون كلام الناس وأحاديثهم، فهو اتباع الأحسن منه وهو القرآن. # وقال بعضهم: يستمعون القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي: ~~ناسخه، ويعملون به ويتركون منسوخه لا يعملون به. # PageV08P669 # وقال بعضهم: يستمعون إلى القرآن وفيه الأمر والنهي فيتبعون أمره وينتهون ~~عما نهى عنه، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (فيتبعون أحسنه)، أي: يتبعون الحسن منه الأحسن، ~~بمعنى: الحسن، والله أعلم. # وقال قائلون: فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه؛ كقوله: (وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها. . .) الآية، وتأويله ما ذكرنا: أن خذوا ما فيه من ~~الأمر وأتمروا به وانتهوا عما فيه من المناهي، والله أعلم. # وقوله: (وأولئك هم أولو الألباب). # أي: أولئك هم المنتفعون بلبهم وعقولهم؛ حيث اختاروا وآثروا هداية الله ~~ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال واهتدوا. # وقوله: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) # ذكر الله - تعالى - في هذه السورة أشياء لا يعرف لها أجوبة في الظاهر إلا ~~بالتأمل والاستدلال على غيره، من ذلك ما ذكر: (أفمن حق عليه كلمة العذاب ~~أفأنت تنقذ من في النار) كأنه يقول - والله أعلم -: أفمن حق عليه العذاب ~~كمن له البشرى في الآخرة؛ لأنه ذكر فيما تقدم للمؤمنين البشرى حيث قال - عز ~~وجل -: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى. . ~~.) الآية، على هذا يخرج جوابه: أفمن وجب عليه العذاب كمن وجب له البشرى، لا ~~سواء. # أو أن يقول: أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام، أي: ليس ~~الذي وجب عليه العذاب كالذي شرح صدره للإسلام. # أو أن يقول: هذا لنازلة كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لحرصه ~~على إسلام قوم أحب ms3837 أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم؛ يقول: ~~أفمن وجب عليه العذاب، أفأنت تنقذه وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب، ~~وهو ما قال - عز وجل -: (إنك لا تهدي من أحببت)؛ وكقوله: (أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين) كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب ويحرص ~~على إسلامهم ويحزن لتركهم الإسلام؛ كقوله: (ولا تحزن عليهم)، وقوله: (لعلك ~~باخع نفسك)، (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، ونحو ذلك، كان يحزن وكادت نفسه ~~تتلف إشفاقا عليهم، فيقول: أفمن وجب وحق عليه # PageV08P670 # العذاب، أتقدر أن تنقذه من النار؟ أي: لا تقدر على ذلك، والله أعلم. # ثم بين الذين أنقذوا من النار، وهم الذين اتقوا ربهم، حيث قال - عز وجل ~~-: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20). # يحتمل اتقوا مخالفة ربهم، واتقوا سخط ربهم ونقمته. # ثم بين ما أعد لهم في الآخرة، فقال - عز وجل -: (لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية) ذكر أن لهم غرفا في الجنة، والغرف على الغرف في الشاهد إنما تتخذ ~~لضيق المكان، لكن ذلك في الجنة ليس لذلك ولكن لما كان عرف من رغبة الناس في ~~الدنيا في الارتفاع والعلو والكراهية للتسفل والانحدار في الأرض رغبهم في ~~الآخرة على ما رغبوا وأحبوا في الدنيا، ولكن لأهل الجنة الدرجات ولأهل ~~النار الدركات. # ثم قوله: (تجري من تحتها الأنهار). # يخبر أن أمر الجنة على خلاف أهل الدنيا؛ إذ في الدنيا كلما ارتفع وعلا من ~~البنيان كان الماء منها أبعد والوصول إليه أصعب، فأخبر أنهم وإن كانوا في ~~الغرف والدرجات فأبصارهم مما تقع على الماء والماء لا يبعد عنهم ولا يصعب، ~~والله أعلم. # ثم ذكر في الغرف البناء وذكر في السماء أنه بناها، فلم يفهم من بنائه ما ~~ذكر ما فهم من بناء الخلق، فكيف فهم من مجيئه وغير ذلك ما فهم من مجيء ~~الخلق وإتيانهم لولا ما كان فيهم من فساد اعتقادهم، والله أعلم. ms3838 # ثم قال - عز وجل -: (وعد الله لا يخلف الله الميعاد)؛ لأن من وعد في ~~الشاهد وعدا ثم أخلفه إنما يخلفه لحاجته، أو لما يبدو له من البدوات فيرجع ~~عما وعد، والله - سبحانه وتعالى - منزه عن ذلك كله، لا يحتمل خلف الوعد ~~منه. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ~~ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ~~ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) الله نزل ~~أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (23) # وقوله: (ألم تر) ونحوه يخرج على وجهين: # أحدهما: على الخبر (ألم تر) أي: قد رأيت. # والثاني: على الأمر: أن ره. # PageV08P671 # ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو لكل ~~أحد يحتمل النظر والتأمل، ثم جهة الحكمة المودعة فيها ما ذكر من إنزال ~~الماء من السماء، وجعله ينابيع في الأرض، والينابيع هي العيون التي تخرج من ~~الأرض، والآبار التي جعلت فيها؛ ليعلم أن المياه الخارجة من الأرض والجارية ~~فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور؛ على ما أخبر أنه أنزله طهورا، ~~وإن اختلف طبعه لاختلاف جواهر الأرض ما لم يخالطه شيء من جواهر الأرض من ~~القذر والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهورا وتغيره عن ~~جوهره الذي أنزل من السماء، ثم جعل الله - عز وجل - في سرية ذلك الماء معنى ~~ولطفا ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض وإن اختلفت ~~جواهرها وألوانها وطعمها؛ ليعلم أن من قدر على جعل ما جعل في الماء من ~~اللطف، والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر وإن اختلفت جواهرها ~~وألوانها وطعمها، لا يعجزه شيء، ms3839 ولا يخفى عليه شيء، ولا قوة إلا بالله. # أو أن يقول: إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، ويتحمل المؤن العظام إلى ~~أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به وينال منه النفع فتركه لم ينتفع به؛ أليس يوصف ~~بالسفه وبغير الحكمة، فكذلك الله - سبحانه - لما أنشأكم صغارا طفلا وغذاكم ~~بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم، ثم أتلفكم ~~بلا عاقبة تقصد في ذلك كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيما؛ فدل أن المقصود في ~~ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغارا وتربيته إياكم بالوان الأغذية التي ~~جعل لكم حكمة - هو البعث ما لولا ذلك كان سفها غير حكمة؛ على ما ذكر من ~~إخراج الزرع من الأرض بالماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار يابسا لا ~~ينتفع به كان سفيها غير حكيم، فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث ~~كان ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (إن في ذلك) أي: فيما يذكر من إنزال الماء من السماء ~~وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به وما ذكر - موعظة لأولي الألباب؛ ~~أي: لمن انتفع بلبه وعقله؛ لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ~~ذلك. # وقوله: (فسلكه ينابيع في الأرض) أي: أدخله فيها وجعله ينابيع؛ أي: عيونا. # وقوله: (ثم يخرج) أي: ييبس. # وقوله: (ثم يجعله حطاما) متكسرا مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة ~~والقتبي، ويقال: هاجت الأرض: إذا ابتدأت في اليبس، حطاما، أي: متكسرا. # PageV08P672 # وقوله - عز وجل -: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22). قيل: (شرح الله): وسع ~~الله. # وقيل: رحب الله. # وقيل: لبى الله، ونحوه؛ وكله واحد. # ثم يحتمل قوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) فيسلم (فهو على نور من ~~ربه)، أي: يجعل الله في صدره النور؛ أي: يجعل إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه ~~وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل، وأنه تمويه، يبصر كل شيء ~~بذلك النور على ما ms3840 هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق ويعمل به، ويترك ~~الباطل ويجتنبه، والله أعلم. # أو أن يكون قوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)، يكون ~~نوره هو إسلامه الذي هداه شرح صدره لنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أنه: هل ينشرح الصدر للإسلام؟ وكيف ~~ينشرح؟ فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دخله النور انشرح لذلك ~~الصدر، وانفسح له "؛ أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر، وانفسح ~~له بذلك النور، والله أعلم. # وجائز - أيضا - أن يكون قوله - عز وجل -: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) ~~في # الدنيا (فهو على نور من ربه) في الآخرة؛ كقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا ~~معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. .) الآية، والذين كفروا طبع الله على ~~قلوبهم فتظلم وتفسق لما تبقى في الظلمة أبدا، والله أعلم. # ومنهم من قال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام): الإسلام نفسه إذا أسلم (فهو ~~على نور من ربه) كتاب الله، قال: هذا المؤمن به يأخذ، وإليه ينتهي، وما سئل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل لذلك - أي: لانشراح الصدر للإسلام - ~~علامة؟ فقال: " نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، ~~والاستعداد للموت قبل حلول الموت "، فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في ~~العمل، ولكن في الاعتقاد؛ أي: يتجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار ~~الخلود: يتزود من الدنيا للآخرة. # ثم قوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) يحتمل أن يكون على الاستفهام؛ على ~~ما ذكر. # PageV08P673 # ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب، فإن كان على هذا فهو ~~على إسقاط الألف: فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه. . . ~~الآية؛ كقوله في آية أخرى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا)، فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على ~~هذا، والله أعلم. # وإن كان على الاستفهام فلابد أن يكون له مقابل يعرف ذلك ms3841 بدليل أنه جواب. # ثم قال بعضهم: جوابه في قوله: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) كأنه ~~يقول: ليس المنشرح صدره للإسلام كالقاسي قلبه بالكفر؛ وهو قول الكسائي. # وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله: (أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب. . .) الآية؛ كأنه يقول: أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام؛ ~~أي: ليس من وجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ~~والله أعلم. # وقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من ~~يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # يحتمل قوله - عز وجل -: (نزل أحسن الحديث): أصدقه خبرا، وأعدله حكما، وهو ~~ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل؛ حيث قال - عز وجل -: (وتمت كلمت ~~ربك صدقا وعدلا)، أي: صدقا فيخبره، وعدلا في حكمه، فعلى ذلك يحتمل قوله: ~~(أحسن الحديث) خبرا، وأعدله حكما، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (أحسن الحديث)، أي: أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، ~~وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى قال: (لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من ~~بين يديه ولا من خلفه، وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم. # وهو أحسن الحديث؛ لأن من تأمله ونظر فيه وتفكر أنار قلبه، وأضاء صدره، ~~وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل ~~خير وبر فهو أحسن الحديث؛ إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو؛ لما ذكرنا، وغير ~~ذلك، والله أعلم. # وقوله: (كتابا متشابها) قوله: (متشابها) أي: ليس بمختلف ولا متناقض، ليس ~~كحديث الناس وكتبهم مما يختلف ويتناقض حديثهم وكتابهم، وخاصة فيما امتد من ~~الأوقات وطال وبعدت مدته، وهو ما ذكر: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. . .)، دل كونه متفقا، متشابها، غير ~~مختلف في طول نزوله، وتفرق ms3842 أوقاته، وتباعد أيامه في الإنزال - أنه من عند ~~الله نزل، ومنه جاء؛ إذ # PageV08P674 # لو لم يكن من عنده لخرج مختلفا متناقضا على ما يخرج حديث الناس وخبرهم ~~مختلفا ومتناقضا، والله أعلم. # وقوله: (مثاني) قال أهل التأويل: سماه: مثاني؛ لما ثنى فيه أنباؤه وقصصه ~~مرة بعد مرة، وأصله: أنه سماه: مثاني؛ لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى وكررها ~~في غير موضع، لما لو لم يكررها غفلوا عنها، وسهوا عنها؛ لأن الحكيم إذا وعظ ~~أحدا عظة وزجره وسها عنه كررها عليه، وكرر - عز وجل - عليهم المواعظ ~~والزواجر؛ ليكونوا أبدا متعظين متذكرين لذلك - والله أعلم - لكيلا يغفلوا ~~عنها ولا يسهوا. # وقوله: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله) قال أهل التأويل: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) عند تلاوة آية ~~الرهبة والخوف، وتلين قلوبهم عند تلاوة آية الرحمة. # وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعا ~~يكون فيهما الموعظة: تلين قلوبهم وتقشعر جلودهم وتخاف أنفسهم؛ لأن آية ~~الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك. # وقتادة يقول: كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تطمئن إليه، ولا ~~تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم، كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من ~~الشيطان. # وقوله - عز وجل -: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) قد بين سبيل الهدى ~~والحق، وحججه وبراهينه، وبين سبيل الضلالة والباطل، فمن سلك سبيل الهدى ~~فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل ~~وزاغ. # وقوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد) أخبر أن من أضله الله فلا هادي له، ~~وعلى ما قال في المعيشة والرزق؛ قال - عز وجل -: (ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده)، وقال - عز وجل - في ~~الضراء والخير؛ حيث قال: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله)، ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في ms3843 الرزق والضر والخير، ~~ذلك أن لله في فعلهم وصنعهم تدبيرا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا تدبير ~~لله في ذلك، وأن من اهتدى إنما يهتدي بنفسه، ومن ضل وزاغ إنما ذلك بنفسه، ~~لا تدبير لله في ذلك، فالآية # PageV08P675 # تنقض قولهم ومذهبهم. # وقتادة يقول في قوله: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله) وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعر بذلك ~~جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه، وأما أن يصرع ~~أحدهم فلم يكن، وإنما كان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان، ولعمري ~~ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده ~~أصحابه الذين انتخبهم الله - عز وجل - لصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإقامة دينه، ولقد سألنا من لقينا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع. # * * * # قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون (25) فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون (26) # وقوله - عز وجل -: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) كأنه لم ~~يذكر مقابل هذا في هذا الموضع، فجائز أن يكون مقابله ما تقدم، وهو قوله: ~~أفمن جعل له الغرف على الغرف تجري من تحتها الأنهار كمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب، ليس هذا كذاك، ولا أحد يتقي بوجهه سوء العذاب، لكن يخرج ذكر ذلك ~~على وجوه: # أحدها: كناية عن الشفعاء وأهل النصر، كأنه يقول: لا يكون لهم من يشفع أو ~~يملك دفع العذاب عنهم. # أو تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بلا يد له يتقي بها سوء العذاب عن ~~وجهه؛ لأن في الشاهد من أصاب شيئا من العذاب يتقي ذلك العذاب عن وجهه بيده، ~~فيخبر أن لا يد له في الآخرة يتقي العذاب بها عن وجهه؛ بل يصيب العذاب ~~وجهه، ms3844 فكأنما يتقي به. # أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن نفسه، وهو ما ذكرنا ألا يكون له من يملك ~~دفع العذاب عنه. # أو أن يكون ذكر الوجه كناية عن قلبه أي: يصل وجع ذلك العذاب إلى قلبه، ~~ولا يملك دفعه، والله أعلم. # PageV08P676 # وقوله: (وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون). # يحتمل أي: ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون. # أو يقول: ذوقوا ما اخترتم من الكسب، وهذا بما اخترتم؛ لأنه قد بين لهم ~~الكسبين جميعا، وما يكون لكل كسب في العاقبة، فاختاروا هم الكسب الذي كان ~~عاقبته الذي أصابهم، فكأنهم اختاروا ذلك الذي حل بهم باختيارهم ذلك الكسب، ~~والله أعلم. # وقوله: (كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) ليخوفهم ~~ويحذرهم ما نزل بالمتقدمين بتكذيب الرسل والعناد بعد ما حذرهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالبعث، وما حل بهم يوم القيامة بذلك؛ فإذ لم يصدقوه ~~فيما يحذرهم يوم القيامة حذرهم بالذي انتهى إليهم الخبر، يعني: رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ ليحذروا. # وقوله: (من حيث لا يشعرون) أي: من حيث لا يأمنون العذاب أنى: ينزل بهم. # وقوله: (فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون (26) العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما ~~هو عذاب العناد، والتعنت، وأفعال فعلوها في حال الكفر، فهو في الآخرة أبد ~~الآبدين فيه، خالدين مخلدين فيه؛ ولذلك قال: (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون). # * * * # قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ~~(27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون (31) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ~~مثوى للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم ms3845 أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) # وقوله: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)، أي: بينا للناس في ~~هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم؛ أخبر لهم ما لهم ~~وما عليهم، أو لبعضهم على بعض، وأمثاله، والله أعلم. # وقوله: (لعلهم يتذكرون). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لكي يلزمهم التذكر والاتعاظ. # PageV08P677 # والثاني: لكي يبلغهم ما يتذكرون ويتعظون. # وقوله: (قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) أي: جعلناه قرآنا ~~عربيا؛ كقوله: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا)، لكي يفقهوه ويعرفوه؛ كقوله - ~~تعالى -: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه. . .) الآية. # وقوله: (غير ذي عوج) يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه لا يخالف الكتب السالفة؛ بل يوافقها؛ لأن كتب الله جاءت كلها ~~على الدعاء إلى توحيد الله وربوبيته، فكذلك القرآن، فهو لا يخالف سائر ~~الكتب؛ بل يوافقها. # والثاني: لا عوج فيه؛ لما لا يخالف بعضه بعضا، ولا يناقض؛ بل خرج كله ~~موافقا بعضه بعضا مستقيما على تباعد نزوله في الأوقات، وبالله التوفيق. # وأصله: (غير ذي عوج) أي: ليس بمائل ولا زائغ عن الحق. # وقوله: (لعلهم يتقون) أي: يتقون المهالك، أو سخط الله ونقمته. # وقوله: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) أي: لا يستويان. # يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجلين من البشر كله: المسلمون والكافرون، ~~ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون؛ أي: يتشاكسون في نسبه، يدعي كل ~~نسبه. # أو يتشاكسون في الملك فيه، يقول كل: هو لي أو في الملك في قوم يدعي كل أن ~~الملك له فيه. أو يدعي كل أن الملك فيهم، ولا يثبت لواحد منهم النسب فيه ~~لينتسب هو إلى واحد منهم، فيبقى متحيرا تائها؛ ولذلك لا يثبت لواحد منهم ~~الملك الذي يدعي؛ ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي الملك من حقوق ~~الملك، فسعى ضائعا متحيرا، وإذا كان الملك لرجل واحد، أو النسب أو الملك ~~سالم له يصل إلى ms3846 كل حق له، ويكون محفوظا في نفسه معروفا، فيكون مثل الذي ~~فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام، أو هوى النفس، يدعو ~~كل شيطان إلى غير الذي دعا الآخر، وكذلك الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا، ~~ومرة إلى غير ذلك، فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون يدعي هذا وهذا، والذي يعبد ~~إله الحق الذي يثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد يكون أبدا ~~على حالة واحدة، مطيعا لله، خالصا له. # وقوله: (هل يستويان مثلا) أي: هل يستوي الرجل الذي يدعي فيه شركاء ~~متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد، فيما ذكرنا؟! أي: لا يستويان. # PageV08P678 # وقال أهل التأويل: (هل يستويان) من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربا ~~واحدا، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهم قد استووا في هذه الدنيا، وفي الحكمة ~~التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث، وكذلك في قوله: (مثل الفريقين كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا)، وقد استووا في هذه الدنيا دل أن ~~هنالك دارا أخرى يفرق بينهما فيها؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهما، ~~والله أعلم. # وقوله: (الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) ذكر الحمد على أثر ذلك يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أن يحمد ربه على ما خصه بالتوحيد من بين الكفار (بل أكثرهم لا ~~يعلمون) توحيد ربهم. # والثاني: أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالما خالصا؛ لم يجعل فيه شركاء ~~متشاكسين. # قال أبو عوسجة والقتبي: (شركاء متشاكسون) أي: مختلفون، يتنازعون، ~~ويتشاحون (ورجلا سلما) أي: خالصا. # ومن قرأ (سلما لرجل) أراد: سلم إليه، فهو سلم. # ثم قوله: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) يحتمل الأنبياء منهم ~~والخواص؛ كقوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). # وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (تقشعر ~~منه جلود الذين يؤمنون بربهم ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) وفي ~~حرف حفصة: (ثم يثبت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله). # وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: (يتقي بوجهه سوء العذاب): يقول - والله ~~أعلم -: ليس الضال الذي يتقي النار ms3847 بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى ~~وجهه؛ ليسا بسواء؛ على ما ذكرنا. # (إنك ميت وإنهم ميتون (30) وجه ذكر هذا على أثر ما تقدم من قوله: (ضرب ~~الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا) وقد ~~استووا في هذه الدنيا من أخلص نفسه ودينه لله وللرسول، ومن جعل فيه شركاء ~~ولم يسلم نفسه له، وهو الكافر، ثم تموت أنت ويموتون هم، فلو لم تكن دار ~~أخرى يميز فيها ويفرق بين الذي جعل نفسه # PageV08P679 # سلما لله، خالصا له، وبين من لم يفعل ذلك - لكان في ذلك استواء بين من ~~ذكر، وفي # الحكمة أن لا استواء بينهما، وقد يموت السالم نفسه لله، ويموت الآخر دل ~~أن في ذلك بعثا، يثاب هذا، ويعاقب الآخر، والله أعلم. # أو أن يذكر هذا؛ لما كانوا يتشاءمون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ويتطيرون فيما يصيبهم من المصائب والشدائد، حتى قال - عز وجل -: (أفإن مت ~~فهم الخالدون)، أي: لا يخلدون، فعلى ذلك يقول - عز وجل -: (إنك ميت وإنهم ~~ميتون) أيضا، أي: لا # يبقون بعد موتك أبدا، ولكنهم يموتون، ولو كان ما يصيبهم بك أنت على ما ~~يزعمون، [فيجيء ألا يصيبهم بعد موتك؛ نحو هذا يحتمل، والله أعلم. # أو أن يقول: إنك ميت فتصل إلى ما وعد لك من الكرامات والثواب، ويموتون هم ~~فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) روي عن ~~ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كنا لا لعلم ما يفسر هذه الآية، وكنا نقول: ~~من يخاصم؟ فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله، حتى كفح بعضنا وجوه بعض ~~بالسيوف، فعرفت أنها نزلت فينا. # وذكر عن الزبير: لما نزلت هذه الآية، فقال: يا رسول الله، أتكرر علينا ~~الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا، فقال: (نعم)، فقال: إن الأمر إذن ~~لشديد. # وروي عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لما نزلت هذه الآية ~~أنهم قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟! ms3848 فلما قتل عثمان ظلما وعدوانا، علموا ~~أنها لهم وفيهم، والله أعلم. # ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين: # أحدهما: في المظالم أو في الحقوق التي كانت لبعض على بعض، أو في الدين، ~~أو في أمر الدنيا. # PageV08P680 # أو أن يكون قوله - عز وجل -: (إنك ميت وإنهم ميتون. ثم إنكم يوم القيامة ~~عند ربكم تختصمون) لما بلغت المحاجة غايتها في الدين والدنيا، ولم تنجع ~~فيهم ولا قبلوها أخبر أنهم يختصمون في ذلك يوم القيامة في الوقت الذي ~~يعاينون العذاب، ويظهر لهم الحق، فينقادون لها في ذلك الوقت، فلا ينفعهم ~~ذلك، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود: (إنك مائت وإنهم مائتون) والعرب تقول: مات يمات فهو ~~مائت. # وقوله - عز وجل -: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين (32) يقول: لا ظلم أعظم ولا أفحش مما يكذب على من ~~يتقلب في إحسانه، ويتصرف في نعمائه، وأنتم تتقلبون في نعم الله وأنواع ~~إحسانه، فلا ظلم أعظم ولا أفحش من الكذب عليه. # (وكذب بالصدق إذ جاءه) ولا ظلم أعظم وأفحش من تكذيب خبره ورده؛ إذ لا خبر ~~أصدق من خبره، ولا حديث أحق من حديثه. # وقوله - عز وجل -: (أليس في جهنم مثوى للكافرين) كأنه يقول: أليس جهنم ~~كاف للكافرين مثوى؛ كقوله - عز وجل -: (حسبهم جهنم يصلونها)، أي: حسبهم ~~جهنم عقوبة لهم بكفرهم وتكذيبهم، والله أعلم. # وقوله: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) اختلف أهل ~~التأويل فيه: # قال بعضهم: (والذي جاء بالصدق): جبريل، عليه السلام، (وصدق به): محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: (والذي جاء بالصدق): محمد - صلى الله عليه وسلم - (وصدق به) ~~أبو بكر. # وقال بعضهم: (والذي جاء بالصدق) محمد - صلى الله عليه وسلم - (وصدق به) ~~أصحابه جميعا. # قلنا: أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبريل أو محمد هو ~~التوحيد، فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، فعلى ذلك قوله: (ذلك جزآء ~~المحسنين) أي: الموحدين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة ms3849 ~~ليس بمؤمن، وأنه يخلد # PageV08P681 # في النار؛ لأنه قال: (والذي جاء بالصدق وصدق به) وكل مرتكب الكبيرة مصدق ~~بالذي جاء به جبريل ومحمد، ثم أخبر أنهم هم المتقون؛ أي: اتقوا الشرك، وقال ~~لأولئك - أيضا -: إنه يكفر عنهم ما ارتكبوا من المساوي، وهو قوله: (ليكفر ~~الله عنهم أسوأ الذي عملوا) دل أن لهم مساوي، ثم إن شاء عذب على تلك ~~المساوئ وقتا ثم أعطاهم ما وعد، وإن شاء عفا عنهم وتجاوز وأعطاهم ما ذكر، ~~فكيفما كان، فلهم ما ذكر؛ إذ هم على تصديق بما جاء به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (والذي جاء بالصدق وصدق به) يحتمل وجهين: # أحدهما: صدق بقلبه؛ أي: جاء بالقول وتصديق القلب. # والثاني: صدق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح ويوافق الذي جاء به، ~~وعلى ذلك ذكر عن الحسن قال: يا ابن آدم، قلت: لا إله إلا الله، فصدقها. # فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه وإن لم يعمل الذي يوافق الذي جاء به ~~وهو التوحيد لم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر إما بعد التوحيد، وإما بعد ~~العفو، والله أعلم. # وقوله: (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) دل هذا أن ذلك ~~الوعد للجماعة، ليس لواحد ولا اثنين، وهو لجميع المؤمنين. # وقوله: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون (35) ذكر نوعين من العمل السيئ والحسن، ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوا ~~الذي عملوا ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيحتمل: الأحسن: الحسنات ~~نفسها يجزيها، ويكفر السيئات. # ويحتمل أنه يكفر أسوأ السيئات وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات وأعظمها، ~~فعلى هذا أحسن وأسوأ من نوعها، أحسن الحسنات وأسوأ السيئات، وعلى الأول من ~~غير نوعها أي يكفر السيئات، ويجزي بالحسنات، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله ~~فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ~~(37) ولئن سألتهم من ms3850 خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون ~~من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم (40) إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى # PageV08P682 # فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل ~~الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # وقوله - عز وجل -: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن ~~يضلل الله فما له من هاد (36) و [(عباده)] أيضا. # الآية يحتج بها على إثبات الرسالة، وكذلك قوله: (فإن تولوا فقل حسبي الله ~~لا إله إلا هو)، وكذلك قوله: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده)، ونحو ذلك، وأمثاله كثير؛ لأنه بعثه وحده، لا عون ~~معه، ولا نصر له من البشر رسولا إلى الأعداء، وكان يقرع أسماعهم بهذه ~~الآيات التي ذكرنا، وغير ذلك من قوله: (ثم كيدون فلا تنظرون)، ثم لم يقدروا ~~على إهلاكه؛ بل عصمه من كيدهم ومكرهم؛ على ما قال: (والله يعصمك من الناس)، ~~فبلغ إليهم ما أمر بتبليغه من غير أن قدروا على ما قصدوا به، وفي ذلك لطف ~~من الله عظيم، ودلالة على إثبات الرسالة. # ثم قوله - عز وجل -: (أليس الله بكاف عبده) وإن خرج مخرج الاستفهام في ~~الظاهر فهو -في الحقيقة- على الإيجاب والتقرير؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الله ~~- عز وجل - هو الكافي لخلقه، من ذلك أنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات ~~والأرض؟ قالوا: الله - تعالى - وإذا سئلوا من يرزقكم؟ قالوا: الله - تعالى ~~- ومن أنزل من السماء ماء؟ ومن أخرج من الأرض النبات؟ ونحو ذلك - قالوا: ~~الله، فعلى ذلك قوله: (أليس الله بكاف عبده) أي: تعلمون أن الله هو الكافي ~~لجميع خلقه في ms3851 الدفع والذب عنهم، والنصر لهم، فإذا عرفتم ذلك فكيف تخوفون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي تخوفونه؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويخوفونك بالذين من دونه)، اختلف فيه: # قال بعضهم: بأهل الأرض جميعا، يقولون له: إن العرب تفعل بك كذا، ويعملون ~~بك كذا، كانوا يخوفونه بهم. # وقال بعضهم: كانوا يخوفونه بالأصنام التي كانوا يعبدونها أن يصيبه سوء ~~وأذى من ناحيتها؛ كقوله - عز وجل -: (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)، ~~وكأن هذا أشبه بالآية؛ لأنه ذكر على إثر ذلك وعقبه الأصنام؛ حيث قال - عز ~~وجل -: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) هو هذا يدل أن ما ذكر من تخويفهم ~~إياه إنما كان بالأصنام التي كانوا يعبدونها. # PageV08P683 # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما ~~له من مضل ... (37) أخبر أنه إذا أراد هداية أحدكم لم يملك أحد إضلاله، ~~وإذا أراد إضلال أحد لم يقدر أحد على هدايته، ذكر في الدين أن لا أحد يملك ~~دفع ما أراد من هدى أو ضلال، ولا منعه على ذلك؛ على ما ذكر في الرزق وأسباب ~~العيش، وعلى ما ذكر في الأنفس وحفظها؛ حيث قال: (ما يفتح الله للناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له)، وقال في الأنفس: (إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته)، وقد اجتمعوا في ~~ذلك في الرزق والعيش وضرر الأنفس وحفظها أن لا أحد يملك دفع ما أراد هو، ~~فعلى ذلك في الدين؛ لأن الذكر خرج في الكل على مخرج واحد، وذلك على ~~المعتزلة لقولهم: إن الله - تعالى - قد أراد هداية كل أحد، ونصر كل ولي، ~~لكن غيره منعه عن ذلك؛ فهو [وخش] من القول سمج، وبالله العصمة والنجاة. # وقوله - عز وجل -: (أليس الله بعزيز ذي انتقام) هو على الإيجاب والتقرير؛ ~~أي: يعلمون أنه عزيز ذو انتقام؛ ms3852 أي: عزيز لا يعجزه شيء، ذو انتقام لأوليائه ~~من أعدائه. # وقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل ~~هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قد علموا أن لا ~~خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضرر بأحد، ولا ~~إمساك ما أراد من الرحمة بأحد؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم ~~يفزعوا إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام، ولا إلى أحد من الخالقين؛ دل ذلك ~~على أنهم قد عرفوا أن ذلك به ينال من خير أو غيره؛ ولذلك فزعوا إليه عند ~~نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام، احتج عليهم ~~بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتج عليهم بذلك، وهم لذلك ~~منكرون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) في قوله: (حسبي ~~الله) ما ذكرنا من اللطف والدلالة على إثبات الرسالة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ~~(39) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ~~ما أقيم عليهم الحجج والبراهين؛ كأنه يقول: اثبتوا أنتم على دينكم واعملوا ~~له، ونثبت نحن على ديننا ونعمل له، فسوف تعلمون أينا على الحق نحن أو أنتم؟ ~~وهو كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، أي: لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون ~~بديننا، ولكن يلزم كل منا # PageV08P684 # دينه الذي عليه، فعلى ذلك الأول. # والثاني: على التوبيخ لهم والتعيير؛ يقول: اعملوا على مكانتكم أنتم مما ~~تقدرون من الكيد لي والمكر، وأنا عامل ذلك بمكانتكم؛ كقوله - عز وجل -: (ثم ~~كيدون فلا تنظرون)، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، ~~والله أعلم. # وفي هذه الآية وفيما تقدم من قوله - عز وجل -: (أليس الله بكاف عبده) إلى ms3853 ~~هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومنابذة وإياس، فأما الإياس فهو في قوله: (يا قوم ~~اعملوا على مكانتكم) والتقرير في قوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن الله) والمنابذة في قوله: (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)، ~~والتوبيخ في قوله: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه). # ثم جائز أن يكون قوله: (ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن يهد الله فما ~~له من مضل) يخرج على الصلة بقوله: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من ~~دونه) كأنه يقول: من أضله الله حتى لا يعلم أن الله هو كاف عبده، وأن ما ~~يخوفونه به لا يقع به خوف ولا يلحق به ضرر - فلا هادي له، ومن هداه فعرف ~~ذلك، فلا مضل له عن ذلك، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) جائز ~~أن يكون ذلك العذاب الذي يأتيه هو عذاب في الدنيا من نحو القتل والتعذيب ~~بالذي أهلك الأولون المعاندون للرسول (يخزيه) أي: يفضحه (ويحل عليه عذاب ~~مقيم) في الآخرة، وهو عذاب الكفر، وإلى ذلك ذهب بعض أهل التأويل. # وجائز أن يكون ذلك كله في الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) هذا كأنه - والله أعلم -: ~~إنا أنزلنا عليك الكتاب لتحكم بين الناس بالعدل؛ على ما ذكر في آية أخرى: ~~(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس)، فعلى ذلك هذا، ويكون ~~قوله: (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) أنشأ الله - عز وجل - ~~البشر دراكا مميزا بين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، وبين ما لهم وما ~~عليهم، وبين السبيلين جميعا غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح، من ~~سلكه أنه إلى ماذا يفضيه وينهيه، ثم امتحنهم في ذلك، ومكن لهم من السلوك في ~~كل واحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا، ~~ومن يسلك سبيل كذا أفضاه إلى ms3854 كذا؛ امتحانا منه، ثم أخبر أنه # PageV08P685 # فيما امتحنهم لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إليه، أو لمضرة يدفع عن نفسه، ولكن ~~إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ~~ذكر في غير آي من القرآن، إحداها هذه؛ حيث قال: (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها). # والثانية: بما قال - عز وجل -: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها) أي: فعليها، وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة ~~أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا بالله. # ثم قوله: (وما أنت عليهم بوكيل) يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أرسلت ~~وأمرت بتبليغه إليهم؛ كقوله: (إن عليك إلا البلاغ)، وقوله - عز وجل -: ~~(فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وقوله - تعالى -: (ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء)، وقوله: (وما جعلناك عليهم حفيظا)، ~~والوكيل: الحفيظ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون (42) إلى آخر ما ذكر. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كل نفس لها سبب تجري فيه؛ فالتي قضي ~~عليها الموت فتجري في الجسد كله. # لكن لم يفهم مما ذكر ابن عباس تأويل الآية. # وعن سعيد بن جبير قال: يجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات ~~فيتعارف ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى ~~إلى أجسادها، وبهذا - أيضا - لم يفهم شيء من تأويل الآية. # وقال الكلبي: النائم متوفى حتى يرد الله إليه روحه، فأما التي يتوفاها ~~حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعا ويرسل التي يتوفاها في منامها حتى ~~تبلغ أجلها المسمى، وهو الموت. # ويقال: إنما يقبض الله من النائم النفس، والروح في الجسد لم تفارقه، فإذا ~~قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح. # وهذا الذي ذكره الكلبي أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكره أولئك، وأصله: ~~أن الله ms3855 - عز وجل - جعل في الأجساد أشياء وأرواحا يحيي الأجساد في حال ~~نومها على الهيئة التي كانت من قبل، ليس بها أثر الموت، لكنها لا تدرك ~~شيئا، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، وبها آثار الحياة؛ يدلنا هذا على ~~أنها في حال النوم قد ذهب منها، # PageV08P686 # وخرج ما به تدرك الأشياء، وبقي منها ما به تحيا، وهو الروح، فإذا خرجت ~~الروح منها، وإن كانت لا تدرك شيئا على الهيئة التي كانت من قبل، دل ذلك ~~على أن الذي به تدرك الأشياء غير الذي به تحيا؛ والله أعلم؛ ألا ترى أنها ~~في حال النوم تلك الأنفس الدراكة حيث كانت تتألم وتتلذذ، وتقضي الشهوات وهي ~~في أقصى الدنيا، هذا كله يدل على ما ذكرنا، والله أعلم. # ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلذذ ~~الأنفس الدراكة، لا على الروح؛ على ما ذكرنا من تألمها وتلذذها بعد خروجها ~~من الأجساد ومفارقتها عنها، والله أعلم. # ثم أضاف في هذه الآية التوفي إلى الله، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل؛ ~~حيث قال الله - عز وجل -: (توفته رسلنا. . .) الآية، وأضافه مرة إلى ملك ~~الموت حيث قال - عز وجل -: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم. . .) ~~الآية، ثم يحتمل إضافة التوفي إلى الرسل وإلى ملك الموت وجهين: # أحدهما: وإن كان حقيقة التوفي والموت بالله؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح ~~منها، ويشاء ذلك منهم، وهو كما ذكر من البشرى لهم وطمأنينة القلوب عند بعثه ~~إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر؛ حيث قال - عز وجل -: (وما جعله الله ~~إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به)، وقال - عز وجل -: (وما النصر إلا من عند ~~الله)، أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر، وأن حقيقة النصر ليس ~~إلا من عند الله، فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفي إلى الرسل؛ لما يخلق فعل ~~قبضهم الروح، وكان حقيقة ذلك لله - عز وجل - والله أعلم. # والثاني: أن يكون من الله لطف في ذلك، ومعنى لا يكون ms3856 ذلك منهم، لكنه لم ~~يبين ما ذلك اللطف وذلك المعنى الذي يكون منه، والله أعلم بذلك. # ثم قوله: (يتوفى الأنفس حين موتها) أي: حين خلق موتها يقبض الروح منها. # وقوله: (والتي لم تمت في منامها) لم يقبض منها الروح ترسل إليها النفس ~~الدراكة إلى الأجل الذي جعل لها، والله أعلم. # وقوله: (يتوفى الأنفس) جائز أن يكون من القبض؛ أي: يقبض الأنفس. # وجائز أن يكون من العد؛ كقوله: (إنما نعد لهم عدا). # وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) يحتمل قوله: (لآيات): العبر، أو ~~الأعلام، أو الحجج. # PageV08P687 # وقوله: (لقوم يتفكرون) يعلمون أن من قدر على استخراج تلك الأنفس الدراكة ~~من الأجساد، وإبقائها على الهيئة التي كانت إلى الوقت لا تدرك شيئا، ثم ~~ردها إليها، وإعادتها على ما كانت - قادر بذاته، لا يعجزه شيء. # أو من قدر على إنشاء النفس الدراكة في الأجساد حتى تدرك بها، لا يحتمل أن ~~يعجز عن إعادة الأجساد بعد ما بليت وفنيت، وذاك ألطف من هذا وأكبر؛ لأن ~~الناس قد يتكلفون تصوير صور الأنفس الظاهرة ولا أحد يتكلف تصوير نفس دراكة ~~من غيرها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ~~ترجعون (44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو ~~أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (48) # وقوله: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء). # على ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام والشك إذا أضيف ~~إلى الله - عز وجل - فهو على الإيجاب والإلزام، ثم قال بعض أهل التأريل: ms3857 إن ~~قوله - عز وجل -: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) هم الملائكة الذين عبدوها ~~لكنه بعيد؛ لأنه قال - عز وجل - بعد ذلك: (قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ~~ولا يعقلون)، والملائكة أهل العقل والعلم، وإنهم يملكون ذلك إذا جعل لهم ~~وملكوا، لكن الآية في الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله؛ على رجاء ~~أن تشفع لهم وتقربهم عبادتهم إياها إلى الله زلفى؛ لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله)، وقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)؛ فهو أشبه ~~بالأصنام التي كانوا يعبدونها من الملائكة، والله أعلم. # ثم قوله: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) يخرج على وجهين: # أحدهما: بل اتخذوا بعبادة من عبدوه من دون الله شفعاء لأنفسهم، ولا ~~يكونون شفعاء لهم، ولا يملكون ذلك ولا يفعلون. # والثاني: بل اتخذوا لأنفسهم من دون الله شفعاء، ولا يملك أحد جعل الشفاعة ~~لأحد # PageV08P688 # دون الله، إلا من جعل الله له الشفاعة، ولا يجعل الله لأحد الشفاعة إلا ~~من كان له عند الله عهد، أو من ارتضى له الشفاعة؛ كقوله - عز وجل -: (لا ~~يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا)، وقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى)، يدل على هذا قوله؛ حيث قال: (أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون). # وقوله: (قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ~~(44) # هو ما ذكرنا: هو المالك الشفاعة جميعا، لا يملك أحد سواه إلا من جعل الله ~~له الشفاعة وارتضى له، فأما أن يملك أحد سواه اتخاذ الشفاعة لنفسه، أو جعل ~~الشفاعة لنفسه فلا، والله الموفق. # وقوله: (ثم إليه ترجعون). # في البعث، أو يرجعون إلى ما أعد الله لهم، والله أعلم. # وقوله: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45) # قال بعض أهل التأويل: إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - توحيد الله ~~في القرآن (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة)، أي: نفرت؛ كقوله - عز ~~وجل - في بني إسرائيل: (وإذا ذكرت ربك في القرآن ms3858 وحده ولوا على أدبارهم ~~نفورا)، وإذا ذكر النبي - عز وجل - الذين عبدوا من دونه الآلهة؛ كقوله في ~~سورة النجم؛ حيث قال: (أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى)، وألقى ~~الشيطان في فمه: " تلك الغرانيق العلا، منها الشفاعة لترتجى "؛ ففرح الكفار ~~حين سمعوا أن لها شفاعة: إلى هذا يذهب مقاتل وغيره، لكنه ليس كذا، وغير هذا ~~كأنه أولى به وأقرب، وهو أن قوله - عز وجل -: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت)، ~~أي: إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - توحيد الله وألوهيته، أو ذكر هذا ~~أهل التوحيد وهذا الألوهية ممن عبدوا دونه (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة)، أي: نفرت وأنكرت؛ كقولهم: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب). # وقوله - عز وجل -: (وإذا ذكر الذين من دونه): وإذا ذكر أهل الكفر الذين ~~عبدوا من دونه عبادتهم إياها وخلوتهم بها إذا هم يفرحون ويستبشرون، والله ~~أعلم. # وقوله: (اشمأزت)، قال بعضهم: أبغضت ونفرت. # PageV08P689 # وقال القتبي وأبو عوسجة: (اشمأزت): أنكرت وذعرت، ويقال في الكلام: ما لي ~~أراك مشمئزا؟ أي: مذعورا، ويقال: اشمأز المكان، أي: بعد. # وقال بعضهم: (اشمأزت): استكبرت وكفرت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) # أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم، وهو كلام التوحيد. # وقوله: (فاطر السماوات والأرض) يحتمل: مبدئ، ويحتمل: مبدع، أو خالق ~~السموات والأرض، والله أعلم. # وقوله: (عالم الغيب والشهادة). # يحتمل قوله: (عالم الغيب والشهادة) ما أشهد الخلق بعضهم على بعض، هو عالم ~~ذلك كله. # أو الغيب: ما غاب عن الخلق كلهم، والشهادة ما شهده الخلق. # أو أن يكون قوله: (عالم الغيب والشهادة)، أي: عالم ما يكون أنه يكون، ~~والشهادة: ما قد كان، يعلم ذلك كله: يعلم ما يكون أنه يكون، وما كان يعلمه ~~كائنا، والله أعلم. # وقوله: (أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون). # يوم القيامة؛ كقوله: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة. . .) الآية. # أو أن يكون قوله: (أنت تحكم بين ms3859 عبادك في ما كانوا فيه يختلفون): في هذه ~~الدنيا، فهو يخرج على وجوه: # أحدها: ما جعل الله في خلقتهم إثبات الصانع وشهادة الوحدانية لله - عز ~~وجل - وألوهيته. # والثاني: بما أنزل الله من الكتب والرسل، وبين لهم فيها ما لهم وما ~~عليهم. # ثم إن كان في الآخرة فجائز ألا يكون يحكم بيننا فيما وسع علينا الحكم في ~~الأمر في الدنيا، ويرتفع المحنة به في الآخرة من نحو الأحكام التي سبيل ~~معرفتها بالاجتهاد، ولا يحكم بيننا بشيء من ذلك، وأما ما كان غير موسع ~~علينا في الدنيا ترك ذلك، وهو مما لا يرتفع المحنة به في الدارين جميعا: من ~~نحو التوحيد والدين فذلك يحكم بيننا في الآخرة، والله أعلم. # وقوله: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من ~~سوء العذاب # PageV08P690 # يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) # كأنه - والله أعلم - يذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصبره على ~~أذاهم إياه، وأن يشفق عليهم بما ينزل بهم في الآخرة؛ لأنه أخبر عن عظيم ما ~~ينزل بهم: أنهم مع بخلهم وضنهم بهذه الدنيا لو كان ما في الأرض من الأموال، ~~وضعف ذلك أيضا لهم، لافتدوا بذلك كله من سوء ما ينزل بهم من العذاب، وكذلك ~~ما ذكر من قوله: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) ويخبر عن سوء معاملتهم ربهم، على ~~علم منه أنهم يؤذون رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأن ذلك يشتد عليه ويشق؛ ~~لينظر أنهم كيف عاملوا ربهم من سوء المعاملة؛ ليصبر هو على سوء معاملتهم ~~إياه ولا يترك الرحمة والشفقة عليهم بما ينزل بهم في الآخرة من سوء العذاب، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). # قال بعض أهل التأويل: (وبدا لهم من الله): من شهادة الجوارح عليهم والنطق ~~مالم يكونوا يحتسبون ذلك، ولكن غير هذا كأنه أقرب: بدا لهم من الهوان ~~والعذاب لهم ms3860 في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون. # ثم هو يخرج على وجهين: # أحدهما: أنهم كانوا يقولون: حيث فضلنا الله في هذه الدنيا بفضول الأموال ~~والكرامة؛ فعلى ذلك نكون في الآخرة مفضلين عليهم كما كنا في الدنيا؛ ولذلك ~~قالوا: (واتبعك الأرذلون)، وقولهم: (إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي)، ~~ونحوه؛ فبدا لهم وظهر في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون ما ذكرنا من الهوان ~~لهم والعذاب. # والثاني: كانوا ينكرون رسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ويقولون: ~~(لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، وقالوا: (أأنزل عليه ~~الذكر من بيننا. . .) الآية، ونحو ذلك من الكلام؛ كقولهم - أيضا -: (لو كان ~~خيرا ما سبقونا إليه): لا يرون الرسالة توضع إلا في العظيم من أمر الدنيا؛ ~~فأخبر أنه يبدو لهم ما لم يكونوا يحتسبون؛ لما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون (48) # يحتمل قوله: (بدا)، أي: ظهر لهم جميع ما صنعوا في الدنيا في الآخرة؛ حتى ~~حفظوا وذكروا ذلك كله. # والثاني: بدا لهم ما حسبوا حسنات سيئات، والله أعلم. # أو أن يكون ذلك في الجزاء، أي: بدا لهم وظهر جزاء ما كسبوا؛ يدل على ذلك # PageV08P691 # قوله: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما ~~أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من ~~قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ~~ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) # وقوله: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا). # لا يحتمل أن يكون أراد: كل إنسان يكون على ما وصف وذكر، ولكنه إنسان دون ~~إنسان، ولا يجب أن يشار إلى واحد أنه فلان، وكذلك ما ذكر من مس الضر به لا ~~يشار إلى ضر دون ms3861 ضر؛ ولكن ما أعلم الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه ماذا؟ لأن ذلك يخرج مخرج الشهادة على الله - عز وجل - والامتناع ~~عن الإشارة إليه، والتسمية له أسلم. # ثم كانت عادة أولئك الكفرة - لعنهم الله - عند نزول البلاء بهم والشدة ~~الفزع إلى الله - عز وجل - وإخلاص الدعاء له؛ فبعد الكشف عنهم ذلك يقع ~~العود إلى ما كانوا من قبل، على ما ذكرهم في آي من القرآن. # ثم قوله - عز وجل -: (ثم إذا خولناه نعمة منا)، أي: أعطيناه نعمة، أو ~~ملكناه نعمة. # وقوله - عز وجل -: (قال إنما أوتيته على علم). # أي: على حيلة مني أعطيت ذلك. # وقال بعضهم: إنما أوتيته على شرف ومنزلة، علمه الله مني. # وقال قتادة: على خير علمه الله عندي. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إنما آتانيه الله على علم). # وقال بعضهم: ما ذكرنا قال: إنما أوتيته على علم وشرف أعطيت ذلك. # قال الله - عز وجل - ردا لقوله: (بل هي فتنة). # والفتنة هي المحنة التي فيها شدة، أي: بل هي محنة فيها شدة وبلاء، ~~والمحنة من الله # PageV08P692 # بأمر وبنهي، أي: فيها أمر ونهي. # (ولكن أكثرهم لا يعلمون). # أنه لم يعط لفضل وشرف له أو حيلة منه؛ ولكنه لأمر ونهي، والله أعلم. # وقوله: (قد قالها الذين من قبلهم ... (50) عين ما قال هذا الرجل؛ حيث ~~قال: (إنما أوتيته على علم)؛ كان من قارون حين قال: (إنما أوتيته على علم ~~عندي)، ولم يزل العادة من الكفرة والرؤساء منهم وأهل الثروة قائلين بمثل ~~هذا الكلام والقول، وهو ما أخبر عن قوم فرعون - حين قالوا -: (فإذا جاءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه)، وما قال أهل ~~مكة: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، وغير ذلك من أمثال ~~هذا، لم يزالوا قائلين هذا. # ثم أخبر أن ذلك لم يغنهم حيث قال: (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: ما قالوا: إنما أوتينا هذا بحيل من عندنا واكتساب، أخبر أن ذلك ms3862 ~~لم يغنهم عن دفع عذاب الله - عز وجل - عنهم إذا نزل بهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء ~~سيصيبهم سيئات ما كسبوا ... (51) # يوعد أهل مكة ويخوفهم أنه ينزل بهم ويصيبهم بكسبهم الذي يكتسبون كما نزل ~~بأولئك الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم. # وقوله: (وما هم بمعجزين). # أي: ما هم بمعجزين عما يريد بهم من الانتقام منهم والتعذيب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ... ~~(52) # يذكر هذا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء لا لكرامة وفضل عند الله ولا لحق ~~قبله، ويضيق على من يشاء لا لهوان له عنده ولا لجناية؛ ولكن امتحانا لهم ~~بمختلف الأحوال: يمتحن هذا بالسعة؛ ليستأدي به منه الشكر، ويضيق على هذا؛ ~~يطلب منه الصبر على ذلك. # أو يمتحن بعضهم بالسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليعلموا أن ذلك كله في يد ~~غيرهم، لا في أيديهم؛ إذ يمتحنهم بمختلف الأحوال ليكونوا -أبدا- فزعين إلى ~~الله في كل وقت وكل ساعة، ولو كان السعة والنعمة لكرامة عند الله وفضل - ~~على ما ظن # PageV08P693 # أولئك - لكان لا يحتمل ذلك مختلفي المذهب الذي يناقض بعضه بعضا ويضاد ~~بعضه بعضا: نحو المسلم والكافر، وقد وسع على المسلم ووسع على الكافر، وقد ~~ضيق عليهما جميعا؛ يدل أن التوسيع ليس للكرامة والمنزلة عند الله أو لحق ~~عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضاد ~~المذهب ومختلفهما؛ فإذا جمع دل أنه لمعنى الامتحان، لا لما ظن أولئك، والله ~~أعلم. # وقوله: (إن في ذلك)، فيما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير، ~~(لآيات)، أي: لعبرة وعظة، (لقوم يؤمنون): # يؤمنون أنه لم يوسع على ما وسع لكرامته عند الله ومنزلته وفضله، ولا ضيق ~~على من ضيق لهوان له عنده ولا جناية، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له من قبل ms3863 أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ~~ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) ~~أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) ~~أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو ~~أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا ~~يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) # وقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله). # قال بعض أهل التأويل: إن الآية نزلت في شأن الوحشي قاتل حمزة بن عبد ~~المطلب في الجاهلية أنه أراد أن يسلم الوحشي؛ فذكر ما كان منه من قتله حمزة ~~- رضي الله عنه - فظن أنه لا يقبل منه؛ لعظم جنايته؛ فنزلت الآية على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لينبئه، وأخبر أنه لا يقبل منه بعد ذلك، ~~والله أعلم. # وقال بعضهم: لا؛ ولكن ناسا قد أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية من نحو ~~القتل والزنا وكبائر؛ فأشفقوا ألا يتاب عليهم؛ فأنزل الله هذه الآية يدعوهم ~~إلى التوبة والإسلام، وأطمع لهم القبول منهم والتجاوز عما كان منهم، وهو ~~كأنه أولى؛ لأن الوحشي من كان # PageV08P694 # حتى ينزل الله الآية بشأنه خاصة؟! # ثم قوله - عز وجل -: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله) يحتمل وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم -: (يا عبادي) الذين جنوا على أنفسهم، ~~وأوردوها المهالك بارتكاب ما ارتكبوا من الإسراف والكبائر (لا تقنطوا من ~~رحمة الله)؛ فإن قنوطكم من رحمة الله وإياسكم منه لا يغفر ولا يجاوز وذلك ~~أعظم وأفظع؛ إذ رجع أحدهما إلى أنفسهم والآخر إلى رحمة الله وفضله. # والثاني: يقول: إنكم وإن أسرفتم فيما ارتكبتم من الكبائر والفواحش، ~~وأعرضتم عن أمر الله فلا تقنطوا من رحمة الله بعد إذ تبتم ms3864 عما كنتم فيه، ~~ورجعتم عما كان منكم وأما في الوقت الذي خرجت أنفسكم من أيديكم؛ فلا يقبل ~~ذلك منكم، وهو وقت نزول العذاب بهم وإشرافه عليهم؛ لأن التوبة في ذلك الوقت ~~توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم؛ كقوله - عز وجل -: (فلما رأوا ~~بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)، ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت ~~الذي خرجت أنفسهم من أيديهم؛ حيث قال - عز وجل -: (فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا). # لمن يشاء. # (إنه هو الغفور الرحيم). # وذكر عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: أرجى آية في القرآن ~~هذه الآية، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية؛ فإنها نزلت ~~بالمدينة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ~~ثم لا تنصرون (54) # كأنها صلة ما تقدم من قوله: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله) بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه ورجعتم عما كان منكم، ~~ثم قال - عز وجل -: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له): # قال بعضهم: أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم، وأخلصوا له تلك الطاعة، ولا ~~تشركوا فيها غيره. # PageV08P695 # قيل: (وأنيبوا إلى ربكم)، أي: ارجعوا إلى ما أمركم ربكم، (وأسلموا له)، ~~أي: أخلصوا له التوحيد، أو أن يقول: اجعلوا كل شيء منكم له. # وأصل الإنابة: هو الرجوع إلى طاعة الله والنزوع عما كان عليه لأمر الله، ~~يقول - عز وجل -: (منيبين إليه واتقوه. . .) الآية. وقوله - عز وجل -: (من ~~قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) يقول - والله أعلم - على الصلة بالأول: ~~أن أنيبوا له وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب؛ فلا يقبل منكم الإنابة ~~والتوبة؛ إذ أقبل عليكم العذاب. # (ثم لا تنصرون). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: ثم لا تنصرون بإنابتكم إلى الله - عز وجل - في ذلك الوقت الذي ~~أقبل عليكم العذاب فيه، على ما ذكرنا، أي: لا تخافون من ms3865 ذلك الوقت. # والثاني: لا تنصرون بعبادة من عبدتموه من الأصنام والأوثان؛ على رجاء أن ~~يشفع لكم ويدفع عنكم العذاب. # أي: أنيبوا إلى عبادة الله الحق قبل نزول العذاب بكم؛ فإنكم إن كنتم على ~~عبادة من تعبدون دونه لا تنصرون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ... (55) # يحتمل وجوها: # أحدها: كأنه يقول: اتبعوا ما أمركم ربكم، وانتهوا عما نهاكم ربكم عنه. # والثاني: اتبعوا ما في القرآن وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه واجتنبوه، ~~يقول: اعملوا به وبادروا في العمل به من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة. # والثالث: أن الله - عز وجل - قد بين السبيلين جميعا: سبيل الخير والشر ~~على الإبلاغ؛ فيقول: اتبعوا سبيل الخير منه، ولا تتبعوا سبيل الشر؛ فيكون ~~تأويل هذا كأنه يقول: اتبعوا الحسن منه، ولا تتبعوا غيره، ونحو ذلك، وقد ~~ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون). # كأنه موصول بالأول، يقول: لا يؤخرون الإنابة إليه والتوبة، فإن العذاب ~~لعله سينزل # PageV08P696 # بكم في وقت لا تشعرون أنتم به، ولا تقدرون أن ترجعوا إليه وتنيبوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن ~~كنت لمن الساخرين (56) # هذا وما بعده من الآيات كأنه موصول بقوله - عز وجل -: (وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له) من قبل (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله. . .) ~~الآية. # وقبل أن تقول: (لو أن الله هداني لكنت من المتقين)، وقبل أن تقول (حين ~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين)، كأن كل ذلك صلة ما تقدم من ~~قوله: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له)، (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ~~ربكم) من قبل أن يقول ما ذكر، في وقت لا ينفعه ذلك القول ولا يغنيه من عذاب ~~الله، ولا يدفعه. # ثم قوله: (على ما فرطت في جنب الله). # قال بعضهم: في ذات الله. # وقال بعضهم: ما فرطت وضيعت من أمر الله، ms3866 وأمثال ذلك، ولسنا نحتاج إلى ~~تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو ~~تضييع حد الله، أو ما كان فيه من تكذيب البعث؛ يتأسف على ما كان منه من ~~تضييع ما ذكرنا: من توحيد الله وحدوده، أو كفران نعمه، أو إنكاره ما ذكرنا ~~من البعث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كنت لمن الساخرين): # قال بعضهم: (وإن كنت لمن الساخرين): من القرآن. # وقال بعضهم: من أهل توحيد الله. # قال قتادة: لم يكتف أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال: ~~هذا قول صنف منهم. # وقوله - عز وجل -: (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) # قول صنف منهم جائز ما قال: إن كل قول من ذلك قول صنف، على ما قال قتادة. ~~وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لو أن الله هداني لكنت من المتقين). # ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذلك ما ~~قال أولئك الكفرة لأتباعهم؛ حيث قالوا: (لو هدانا الله لهديناكم)، يقولون: ~~لو وفقنا # PageV08P697 # الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن حيث علم منا: اختيار ~~الضلال والغواية، وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به - أضلنا وخذلنا ولم ~~يوفقنا. # والمعتزلة يقولون: بل هداهم الله وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا. # فإن قيل: هذا قول أهل الكفر؛ فلا دلالة فيه لما تذكرون. # قيل: وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب؛ فلو ~~كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذبهم في ذلك؛ كما كذبهم في أشياء ~~قالوها؛ حيث قالوا: (فارجعنا نعمل صالحا)؛ فقال الله - عز وجل -: (ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه)، ونحوه، والله أعلم. # والأصل في الهداية: أن عند الله لطفا: من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق ~~والعصمة، ومن حرم ذلك ولم يعطه، ضل وغوى، ويكون استيجاب العذاب وما ذكر؛ ~~لتركه الرغبة في ذلك، والاستخفاف به، وتضييعه واشتغاله بضده؛ لذلك كان ما ~~ذكرنا، والله أعلم. ms3867 # وقوله - عز وجل -: (لكنت من المتقين): الشرك أو المهالك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة ... (58) # أي: رجوعا. # (فأكون من المحسنين). # قيل: من الموحدين. # ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم. # وقد كذبه - عز وجل - في قوله هذا؛ حيث قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه)، ثم كذبهم في قولهم: (لو أن الله هداني لكنت من المتقين)، وفي قولهم: ~~(لو أن لي كرة فأكون من المحسنين)؛ حيث قال الله - عز وجل -: (بلى قد جاءتك ~~آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59). # يقول - والله أعلم -: بلى قد جاءتك آياتي، وبينت لك الهداية من الغواية، ~~وسبيل الحق من الباطل، والخير من الشر، والكذب من الصدق، ومكنت من اختيار ~~الهداية على الغواية، ومكن لهم اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، ~~لكن تركتم ذلك، وضيعتم واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك؛ فإنما جاء ذلك ~~التضييع من قبلكم لا من قبل الله - عز وجل - قد أتى بالحجج والآيات والبيان ~~في ذلك غاية ما يجب أن يؤتى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك، ~~والله أعلم. # PageV08P698 # وأكثر القراءات على التذكير في قوله - عز وجل -: (بلى قد جاءتك آياتي. . ~~.) إلى آخره: على إرادة المخاطبة، وقد يقرأ بالتأنيث؛ على إرادة النفس التي ~~تقدم ذكرها والخبر عنها، ويروى في ذلك خبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قرأ بالتأنيث: (بلى قد جاءتك)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) # كذبهم على الله يحتمل وجوها: # أحدها: في التوحيد؛ حيث قالوا بالولد والشركاء. # ويحتمل ما قال - عز وجل -: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها)، وكان الله - عز وجل - لم يأمرهم بذلك، فكذبوا على الله - ~~عز وجل - أنه أمرهم بذلك. # أو ما قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، و (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى). # أو أن يكون كذبهم على الله هو إنكارهم البعث، وقولهم: ms3868 إن الله لا يقدر ~~على البعث والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك، والله أعلم. # والمعتزلة يقولون في قوله - عز وجل -: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة): هم المجبرة. فيجيء أن يكونوا هم أقرب في كونهم في وعيد ~~هذه الآية من المجبرة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يأمر أحدا بشيء إلا بعد أن ~~أعطى جميع ما يعمل ويقتضي به؛ حتى لا يبقى عنده شيء من ذلك، ثم قال ذلك، ثم ~~يسأل ربه المعونة والعصمة؛ فهو بالسؤال كاتم لما أعطاه، وهو كفران النعمة؛ ~~لأنه يسأل ما قد أعطاه ربه، أو أن يكون هازئا به؛ لأنه يسأل وليس عنده ما ~~يسأل على قولهم على ما ذكرنا من مذهبهم، وكل من يسأل من يعلم أنه ليس عنده ~~ذلك ولا يملك ذلك - فهو يهزأ به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين). # على توحيد الله، أو متكبرين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~والمتكبر هو الذي لا يرى لنفسه نظيرا ولا شكلا؛ ولذلك يوصف الله - عز وجل - ~~بالكبرياء؛ لأنه لا نظير له ولا شكل، ولا يجوز لغيره؛ لأن غيره ذا أشكال ~~وأمثال، ولا قوة إلا بالله. # وفي حرف ابن مسعود وحفصة - رضي الله عنهما -: (على ما فرطت من ذكر). # وفي حرف ابن مسعود أيضا في قوله: (بلى قد جاءته آياتنا من قبل فكذب ~~واستكبر وكان من الكافرين)، والله أعلم. # PageV08P699 # والمثوى: المقام، (وما كنت ثاويا) من ذلك، أي: مقيما. # وقوله - عز وجل -: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) ~~كأنه يقول - عز وجل -: لو رأيتهم يا محمد يوم القيامة لرحمتهم، وأشفقت ~~عليهم مما هزئوا به، وما نزل بهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ... (61) و ~~(بمفازاتهم) يخرج على وجهين: # أحدهما: قوله: (بمفازتهم) أي: بالأعمال والأسباب التي فازوا بها على ~~أشكالهم. # وقوله - عز وجل -: (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون). # قوله - عز وجل -: (لا يمسهم السوء) بعد المفازة والنجاة، وإلا قبل ذلك قد ~~يمسهم السوء ms3869 (ولا هم يحزنون) وهو على الجهمية وعلى أبي الهذيل العلاف إمام ~~المعتزلة: # أما على الجهمية: لقولهم: إن الجنة تفنى وينقطع أهلها ولذاتها، فإذا كان ~~ما ذكروا مسهم السوء والحزن. # وعلى قول أبي الهذيل أيضا كذلك؛ لأنه يقول: إن أهل الجنة يصيرون بحال حتى ~~إذا أراد الله أن يزيد لهم شيئا أو لذة لم يملك ذلك، فإن كان ما ذكر هو ~~مسهم السوء والحزن - أيضا - فالبلاء على قوله: إن السوء والحزن، إنما مس رب ~~العالمين، فنعوذ بالله من مقال يعقب كفرا. # وقوله - عز وجل -: (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) على إبطال قول أولئك، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد ~~السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من ~~الشاكرين (66) وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) # وقوله - عز وجل -: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل). # هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم على وجوه: # أحدها: أن قولهم: إن شيئية الأشياء لم تزل كائنة؛ إذ من قولهم: إن ~~المعدوم شيء، # PageV08P700 # فإذا كان المعدوم شيئا -على قولهم- كما شيئية الأشياء لم تزل كائنة. # ويقولون: إنه لم يكن من الله إلا إيجادها، فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو ~~خالق شيء به؛ فضلا عن أن يكون خالق كل شيء -على ما ذكر- ووصف نفسه بخلق كل ~~شيء، فيكون كل شيء قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدهرية والثنوية؛ لأن ~~الدهرية يقولون بقدم الطينة، والهيولى، ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا ~~شيء. وكذلك الثنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه، ~~وكون كل شيء من أصله. # فعلى ذلك قول المعتزلة: إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من ~~أقاويلهما. # ثم قوله: (خالق كل شيء) يخرج ms3870 على ذكر الربوبية، والألوهية، والوصف له ~~بالمدح؛ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله - عز وجل - تخرج مخرج ~~الوصف له بالتعظيم والإجلال له، وإضافة الأشياء المخصوصة إليه تخرج مخرج ~~التعظيم للمضافة إليه. # وإذا كان ما ذكر ما كان قوله - عز وجل - (خالق كل شيء) مخصصا شيئا دون ~~شيء -على ما يقوله المعتزلة- لم يخرج مخرج الوصف له بالربوبية والألوهية، ~~ولا خرج مخرج المدح له والتعظيم، ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالقا لأفعال ~~الخلق لم يكن خالقا من عشرة ألف شيء، فدل أنه خالق الأشياء كلها للأفعال ~~والأجسام والجواهر جميعا. # فإن قيل: إنكم لا تقولون: خالق الأنجاس والأقذار والخنازير ونحوه، فإنما ~~يرجع قوله - عز وجل -: (خالق كل شيء) إلى خصوص. # قيل: إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص: يا ~~خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء ~~والذم، وكان في الجملة يوصف بذلك، ويدخل الأشياء كلها في ذلك؛ لما ذكرنا أن ~~قوله - عز وجل -: (خالق كل شيء) يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له، والوصف ~~بالربوبية له والألوهية؛ ألا ترى أنه لا يقال -على التخصيص-: إنه وكيل؛ وإن ~~كان في الجملة يقال -كما ذكرنا-: (وهو على كل شيء وكيل)؛ لأنه في الجملة ~~يخرج مخرج الربوبية له والألوهية، والوصف له بالمدح، وعلى التخصيص ~~والإفراد، يخرج على الهجاء والذم؛ لذلك افترقا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (له مقاليد السماوات والأرض ... (63) # كأنه يقول: (له مقاليد السماوات والأرض). # PageV08P701 # قيل: هي المفاتيح، وهي فارسية عربت. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (له مقاليد) أي: له مفاتيح: جميع البركات ~~والخيرات على أهل السماوات والأرض، يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد ~~سواه، منه يطلب ذلك، ومنه يستفاد، والله أعلم. # ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف ~~إليهم؛ فكيف فهم مما أضيف إليه: من مجيء، أو استواء، وغير ذلك ما فهم مما ~~أضيف إلى الخلق، والله الموفق؟ # وقوله - عز وجل ms3871 -: (والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون). # كأن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبين أحوالهم، ~~يتخيرون بها ويشترون بها الآخرة، ويتزودون لها؛ ولذلك قال - عز وجل -: (ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)، وقوله - عز وجل -: (يشرون الحياة ~~الدنيا بالآخرة)، فمن لم يتزود لم يجعلها بلغة إلى الآخرة سمي: خاسرا ~~مغبونا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) # دلت هذه الآية على أن سفه أولئك الكفرة قد بلغ غايته، وجاوز حده؛ حتى ~~دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادة من دونه؛ بعد ما عرفوا ~~فضيلة الرسالة والرسول وخصوصيته؛ حتى أنكروا الرسالة في البشر، وبعث البشر ~~رسولا، فلولا ما وقع عندهم من الفضيلة للرسول، والخصوصية له؛ وإلا لم يحتمل ~~أن ينكروا وضعها في البشر وبعث البشر رسولا، ثم قد أتاهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من البيان والحجج ما قد قرر عندهم أنه الرسول إليهم، فمع ~~ما تقرر عندهم ذلك دعوه إلى أن يعبد غير الله دونه، فيكون لهم، فهذا منهم ~~تناقض في القول وسفه؛ حين صيروا المفضل والمخصوص بالرسالة في العبادة من ~~دونه كغير المفضل والمخصوص بها - والله أعلم - ليعلم أنهم لسفههم وتعنتهم ~~كانوا يدعونه إلى عبادة من دون الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أيها الجاهلون). # سماهم: جهلة بما أمروه ودعوه إلى عبادة غير الله، وكذلك قال موسى - عليه ~~السلام - لقومه حين سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة؛ فقال: (إنكم ~~قوم تجهلون). # PageV08P702 # ثم يحتمل قوله - عز وجل -: (أيها الجاهلون) وجوها: # أحدها: أيها الجاهلون في التسوية بين المفضل والمخصوص وبين من لم يخص؛ ~~فذلك في عبادة غير الله. # أو جاهلون عن هداية الله وخصوصيته. # أو جاهلون عن جميع نعمه وإحسانه، حيث لم يذكروه فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ... (65) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: كأنه يقول: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك -وقيل: لكل ms3872 رسول- ~~(لئن أشركت ليحبطن عملك)، ذكر هذا؛ ليعلم أن الشرك يحبط العمل، وإن أتى به ~~من قد جل قدره، وعظمت منزلته عنده. # والثاني: ولقد أوحي إليك وإلى من كان قبلك: لئن أشركت أنت ليحبطن عملك. # وقوله - عز وجل -: (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) يحتمل وجوها: # يحتمل: كن من الشاكرين لنعم الله جميعا. # أو الشاكرين للخصوصية التي خصصت بها أو الهداية التي هديت، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود وأبي - رضي الله عنهما -: (له مقاليد السماوات والأرض) ~~أي: له ملك السماوات والأرض. # قال الكسائي: (مقاليد): فارسية معربة، وواحد المقاليد: إقليد. # وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: (أليس الله بكاف عبده) قال: بلى، والله ~~ليكفينه الله، وبعزه وبنصره كاف عبده، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ذكر أهل ~~التأويل: أن اليهود أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: إن ~~ربك كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا؛ ذكروه له ووصفوه ~~كما يوصف الخلق؛ فنزل قوله - عز وجل -: (وما قدروا الله حق قدره) قيل: ما ~~عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق عظمته. # ويذكر أهل الكلام: أن اليهود مشبهة، وكذلك قالوا بالولد؛ حيث قالوا: عزير ~~ابن # الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ فلو لم يكونوا عرفوه بما يعرف به ~~الخلق، لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد؛ فدل ما ~~وصفوا له وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق، فتعالى الله عما تقوله ~~الملاحدة علوا كبيرا. # PageV08P703 # ثم قوله - عز وجل -: (وما قدروا الله حق قدره) أي: ما عرفوا الله حق ~~معرفته. # أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وسع الخلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته ~~التي يحتمله وسع البشر بينهم، فأما معرفة الله حق معرفته أو تعظيم الله حق ~~عظمته ما لا يحتمله وسع الخلق، وهو لم يكلفهم أن يعرفوه حق معرفته أو ~~يعظموه؛ لأنه لا يحتمل وسع ms3873 الخلق ذلك وإنما كلفهم ما احتمله وسعهم؛ ~~فالمشبهة -حيث وصفوه كما وصف الخلق من يعاينوه- لم يعرفوه المعرفة التي ~~يحتمل وسع الخلق وبنيتهم، ولا عظموه العظمة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم. # ثم إن الله - سبحانه - جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال، لا ~~بأفعال المحسوسات، فلا تفهم معرفته، ولا تقدر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما ~~جعل الله - سبحانه وتعالى - الخلق على قسمين: # قسم منها مما يحاط به وتدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمدرك. # وقسم مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من العقل، ~~والبصر، والسمع، والروح، وغير ذلك، فإذ لم يدرك من خلقه ولم يحط به مما ~~سبيل الاستدلال عليه بآثار الأفعال بالحس، فالذي أنشأ ذلك وأبدعه أحق ألا ~~يدرك ولا يحاط بمعرفته كما يحاط ويدرك المحسوس معرفته؛ إذ الموصل إلى ~~معرفته الاستدلال بآثار الأفعال لا بالمحسوس، والله أعلم. # وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق؛ ~~من نحو الاستواء، والمجيء، والإتيان، ونحو ذلك، ولا يقدر منه ما يقدر من ~~الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فهم من مجيء الخلق ولا ~~إتيانهم؛ فعلى ذلك لا يفهم قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ما ~~يفهم من قبضة الخلق وطيهم ويمينهم؛ بل يفهم من ذلك كله ما يفهم من قوله - ~~عز وجل -: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)، كل ما ذكر من ~~القبضة والطي واليمين في ذلك (كن) دون أن كان منه كاف أو نون أو شيء من ~~ذلك، لكنه ذكر (كن)؛ لأنه أخف كلام على الألسن، وأوجز حرف يفهم منه المعنى ~~ويعرف فيما بين الخلق، والله أعلم. # وأصله أن الله - عز وجل - خاطبهم بما تعارفوا فيما بينهم حقيقة، وإن كان ~~ما تعارفوا فيما بينهم منفي عن الله - تعالى - نحو ما ذكر (لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله)، وقوله - عز وجل -: (ذلك بما قدمت أيديكم)، وقوله: (لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، لما ms3874 باليد يقدم ويؤخر في الشاهد، ~~وإن لم يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن لم يكن بين يديه؛ ~~لما # PageV08P704 # في الشاهد كذلك يتقدم؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية ~~عنه؛ لما في الشاهد بذلك يكون، والله أعلم. # وأصل ذلك أن قد بينت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى الله، ~~وثبت بدليل السمع أن ليس كمثله شيء وفي العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء، ~~لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما لا تشابه به يقع بينه وبين الخلق في ~~الفعل ولا جهة من جهات الخلق؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حد ~~الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب وانتهى به عن ~~المتشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى الله - ~~عز وجل - من نحو قوله - عز وجل -: (حدود الله)، ونحوه لا يحتمل فهم المضاف ~~منه إلى غيره، فكذلك ما ذكرنا يحتمل على إمكان وجوه فيما ينفى معنى التشابه ~~من ذلك ما يضمن فيها معاني، نحو قوله - عز وجل -: (إن تنصروا الله ينصركم. ~~. .) الآية، (وإلى الله المصير)، والمرجع، و (يرجو لقآء الله)، و (فردوه ~~إلى الله والرسول)، في غير ذلك مما أضيف إلى الله، ولا معنى لتحقيقه في ~~ذلك، فيضمن في ذلك منه ووعده ووعيده وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره ~~ويكثر، فمثله أمر هذه الآيات. # والثاني: أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولي لهم ليس يخرج ~~مخرج تحقيق كما هو جرى به الذكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره؛ نحو ~~ما قال: بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في يد فلان؛ إنما يراد بذلك ~~قوته وقدرته؛ فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له ~~بالقوة، والسلطان، والقدرة على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (سبحانه وتعالى عما يشركون) يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه ~~المشبهة وشبهوه بالخلق، أو عما أشرك عبدة الأصنام بالله ms3875 في العبادة، ~~وتسميتهم إياها: آلهة. # وقوله - عز وجل -: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات) هو على ~~التقديم والتأخير؛ كأنه يقول - عز وجل -: الأرض والسماوات جميعا في قبضته ~~مطويات بيمينه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ~~ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ~~ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم # PageV08P705 # يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى ~~إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~(73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء فنعم أجر العاملين (74) وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ~~ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # وقوله - عز وجل -: (ونفخ في الصور ... (68) اختلف في قوله: (ونفخ في ~~الصور) أهو على حقيقة النفخ أم لا؟ # قال بعضهم: ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة عن خفة الأمر ~~على الله - عز وجل - كقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب)، ~~(وهو أهون عليه). # وقال بعضهم: ليس نفخا، إنما هو عبارة عن قدر نفخة: أنه يحيي ويميت على ~~قدر النفخة؛ لأن أسرع شيء في الدنيا هي النفخة. # وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت النفخة سببا للإحياء ~~والإماتة، ولكن على جعل النفخة علما وآية للإحياء أو الإماتة، امتحن بذلك ~~الملك الذي كان موكلا به، على ما امتحن ملك الموت بقبض الأرواح في أوقات ~~جعلت له؛ فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، والله أعلم. # ثم اختلف في الصور ms3876 أيضا: # قال بعضهم: هو صور الخلق فيها ينفخ، وإلى ذلك ذهب جميع أهل الكلام. # وقال بعضهم: ليس هو صور الخلق، ولكن إنما هو قرن؛ لأنه قال: الصور، ولم ~~يقل: صور بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن، وذكر صور الخلق ~~بالتثقيل صور؛ حيث قال: (فأحسن صوركم)، فلسنا ندري أيهما يقال جميعا أم لا ~~الصور والصور، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فصعق من في السماوات ومن في الأرض) قال عامة أهل ~~التفسير والتأويل: الصعق: هو الموت. # وقال بعضهم: الصعق: هو الغشيان؛ كقوله - عز وجل -: (وخر موسى صعقا) # PageV08P706 # أي: مغشيا عليه؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: (فلمآ أفاق)، وإنما يفاق من ~~الغشيان، ولا يفاق من الموت، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (إلا من شاء الله) اختلف فيه؛ قال بعضهم: إنما استثنى ~~الشهادة الذين استشهدوا في الدنيا، والله أعلم. # وقال بعضهم: (إلا من شاء الله) هو جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك ~~الموت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم نفخ فيه أخرى): # قال بعضهم: تكون ثلاث نفخات: نفخة تحملهم على الفزع: (ويوم ينفخ في الصور ~~ففزع من في السماوات ومن في الأرض. . .) الآية، ثم الأخرى يموتون بها، ~~والثالثة يحيون بها، وعلى هذا يروى حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: " ينفخ ثلاث. . . " ذكر كما ذكرنا، والله أعلم. # وقال بعضهم: نفختان؛ على ما ذكر في هذه الآية: إحداهما: يموتون، ~~والثانية: يحيون بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين ~~والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) يحتمل (بنور): الذي أنشأه ~~الله - عز وجل - لها وجعله فيها، ليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون ~~قوله - عز وجل -: (بنور ربها) كقوله - عز وجل -: (بنعمت ربك): بإحسان ربك، ~~وآلاء ربك، لا يفهم منه سوى النعمة والنشأة والآلاء المجعولة؛ فعلى ذلك ~~قوله - عز وجل -: (بنور ربها) لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك. # ثم قوله - عز وجل -: (وأشرقت الأرض) أي: أضاءت، جائز أن يكون الله - عز ms3877 ~~وجل - ينشئ أرض الآخرة أرضا مضيئة مشرقة؛ لما أخبر أنه يبدل أرضا غير هذه؛ ~~حيث قال - عز وجل -: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات. . .) الآية، ~~كانت هذه مظلمة، وتلك مضيئة، على ما ذكرنا، والله أعلم. # أو أن يكون إشراقها: ارتفاع سواترها، وظهور الحق لهم، وزوال الاشتباه ~~والالتباس، وكانت أمورهم في الدنيا مشبهة ملتبسة، ويقرون يومئذ جميعا ~~بالتوحيد له والألوهية # PageV08P707 # والربوبية، وهو على ما ذكر من قوله - عز وجل -: (وبرزوا لله جميعا)، ~~وقوله - عز وجل -: (وإليه ترجعون)، (وإليه المصير)، وقوله: (الملك يومئذ ~~لله)، ونحو ذلك، ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال ~~كلها بارزون له، راجعون إليه، صائرون، والملك له في الدارين جميعا، خص ~~البروز والرجوع إليه والملك له؛ لما يومئذ يظهر المحق لهم من المبطل، ~~ويومئذ أقروا جميعا بالتوحيد له والملك؛ فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض ~~وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ وتزول الشبه، وتظهر الحقائق، والله أعلم. # أو أن يكون إشراقها بإظهار لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شر، وعرفه ~~يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر ولم يعرف مما عمل من خير وشر؛ كقوله - عز ~~وجل -: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا. . .) الآية، والله أعلم. # أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يعصى عليها الرب - تعالى عز ~~وجل - وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها عليها الرب - عز وجل - وذلك كما روي ~~في الخبر أن الحجر الأسود أنزل من الجنة ككذا، صار أسود لما مسته أيدي ~~الخاطئين العاصين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بنور ربها) قال بعضهم: بعدل ربها؛ أي: رضى بعدل ربها، ~~وهو ما قال - عز وجل -: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) ~~أي: بالعدل، والله أعلم. # وجائز ما ذكر بنور أنشأه وجعله فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووضع الكتاب)، وقال - عز وجل - في آية أخرى: (ووضع ~~الميزان)، فجائز أن يكون الكتاب الذي ذكر أنه وصفه ms3878 هو ذلك الميزان، فيكونان ~~واحدا. # وجائز أن يكون الكتاب غير الميزان. # وقال بعضهم: الكتاب هو الحساب بما قد حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور ~~فيه. # وقال بعضهم: هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا يقرءونه، # PageV08P708 # وهو مثل الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجيء بالنبيين والشهداء) اختلف في الشهداء: # قال بعضهم: الشهداء هم المرسلون، يؤتى بالنبيين والمرسلين يشهدون عليهم؛ ~~كقوله - عز وجل -: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا)، وقوله - عز وجل -: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم. . .) ~~الآية. # وقال بعضهم: الشهداء - هاهنا - هم الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم؛ ~~كقوله - عز وجل -: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وقضي بينهم بالحق) أي: بالعدل. # وقوله - عز وجل -: (وهم لا يظلمون) أي: لا يحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن ~~يحمل عليه ما عمل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووفيت كل نفس ... (70) كافرة (ما عملت) من سوء، فأما ~~ما عملت من خير فلا، وتوفى كل نفس مسلمة ما عملت من خير لا ينقص منها شيء، ~~وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز الله عنها ويبدله حسنات؛ كقوله - عز وجل -: ~~(فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو أعلم بما يفعلون)، أي: عالم بما يفعلون من خير أو ~~شر. # وقوله - عز وجل -: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ... (71) قيل: أمة ~~أمة، وجماعة جماعة؛ كقوله - عز وجل -: (كلما دخلت أمة لعنت أختها. . .) ~~الآية، وقوله - عز وجل -: (وتحشرون إلى جهنم)، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) جائز أن يكون لها أبواب ~~يدخلون فيها. # وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات ~~والسبل التي كانوا فيها؛ أي: في الدنيا، وعملوا بها يدخلون النار بتلك ~~الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا وعملوا بها، كما يقال: فتح على فلان ~~باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب، ولكن سبل بابه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال ms3879 لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ~~ربكم) يحتمل قوله - عز وجل -: (آيات ربكم) أي: التوحيد وحججه. # PageV08P709 # ويحتمل آيات البعث الذي أنكروه. # وقال بعض أهل التأويل: آيات القرآن. # وقوله - عز وجل -: (وينذرونكم) بالآيات (لقاء يومكم هذا). # وقوله - عز وجل -: (قالوا بلى) قد فعلوا ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) قال أهل التأويل: ~~(ولكن حقت كلمة العذاب) أي: عدة العذاب، وهو ما قال - عز وجل - ووعد أنه ~~يملأ جهنم منهم، وهو قوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) أي: حق ~~وعد ذلك عليهم، والله أعلم. # وجائز أن يكون ما ذكر من (كلمة العذاب): هو كلمة الشرك والكفر؛ أي: حقت ~~كلمة الكفر والشرك الذي علمنا سموا (كلمة العذاب)، لما كذبوا وعوقبوا، ~~والله أعلم. # وقوله: (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) ~~تأويله ظاهر. # " والمتكبرين " يحتمل المتكبرين على آياته وحججه، ويحتمل المتكبرين على ~~رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم. # وقال القتبي وأبو عوسجة: (وأشرقت)، أي: أضاءت وأنارت، و (زمرا) أي: ~~جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم، أي: ~~جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة ~~جماعة وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا: أهل الخير على أهل الخير، ~~وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى ~~الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى ~~النار على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) # يحتمل: اتقوا الشرك بربهم، أو اتقوا سخط ربهم ونقمته، أو اتقوا المهالك، ~~وقد ذكرناه فيما تقدم والله أعلم. # (وسيق)، وإن كان في الظاهر خبرا عما مضى لكنه يخرج على وجهين: # أحدهما: على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة استعمال حرف الماضي على إرادة ~~الاستقبال، ms3880 كأنه قال: يساقون. # والثاني: كأنه خبر أمر قد كان مضى، فقال - عز وجل -: (وسيق)؛ ولذلك ذكره ~~بحرف (سيق)، والله أعلم. # PageV08P710 # وقوله - عز وجل -: (زمرا) وقد ذكرناه، أي: جماعة جماعة، وأمة: أمة، على ~~ما كانوا في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يساقون في الآخرة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها). # فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسبل ~~التي يأتونها في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم). # بدأ الخزنة بالسلام عليهم، فجائز أن يكون الله - عز وجل - امتحن الخزنة ~~بالسلام على المؤمنين كما امتحن رسوله ببدئه السلام على من آمن، وهو قوله - ~~عز وجل -: قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم. . ~~.) الآية. # ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم: السلام والبراءة عن جميع العيوب والآفات ~~التي في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (طبتم فادخلوها خالدين). # فقوله: (طبتم) أي: صرتم طيبين لا تخبثون أبدا، وقد برئتم من الآفات ~~والعيوب كلها، والله أعلم. # أو يقول: طاب العيش أبدا من حيثما يأتيكم بلا عناء. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) # ولا شك أن الله - عز وجل - إذا وعد صدق وعده، لكن معنى قولهم: (الحمد لله ~~الذي صدقنا وعده)، أي: الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده؛ إذ وعده لا شك ~~أنه يصدق، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (وأورثنا الأرض) أي: الجنة. # وقوله - عز وجل -: (نتبوأ من الجنة حيث نشاء). # يحتمل قوله: (حيث نشاء) نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول من منازلهم. # أو أن يكون قوله: (نتبوأ من الجنة حيث نشاء)، أي: جميع مكان الجنة مختار ~~ليس مما يتخير في الدنيا مكانا دون مكان؛ لأن جميع أمكنتها ليست بمختارة ~~فيقع فيها الاختيار، فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة فلا يقع هنالك اختيار ~~مكان على مكان، والله أعلم. وإلا ظاهر قوله: (نتبوأ من الجنة حيث ms3881 نشاء) ما ~~لهم وما لغيرهم، والوجه فيه ما ذكرناه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فنعم أجر العاملين) ظاهر. # PageV08P711 # وقوله - عز وجل -: (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # قيل: محدقين حول العرش. # وقوله - عز وجل -: (يسبحون بحمد ربهم). # قال بعض أهل التأويل: بأمر ربهم، لكن التسبيح بحمد ربهم هو أن يسبحوا ~~بثناء ربهم وحمده ويبرئونه وينزهونه عن جميع معاني الخلق بحمد وثناء ~~يحمدونه ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقضي بينهم بالحق). # قيل: بين الأمم والرسل، وقيل: بين الخلائق كعلهم. # وجائز أن يكون قوله: (وقيل الحمد لله رب العالمين) قال الحسن: فتح الله ~~نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله - عز وجل -: (الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض. . .) الآية، وقوله - عز وجل -: (الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب. . .) الآية، وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد ~~له حيث قال: (الحمد لله رب العالمين)، وقوله - عز وجل -: (وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين): الحمد لله رب العالمين والصلاة والصلام على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه الطاهرين أجمعين. # * * * # PageV08P712 ### | سورة حم المؤمن # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ما يجادل في ~~آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم ~~نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمت ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار (6) # قوله - عز وجل -: (حم). # قال بعضهم: هو هجاء أسماء الرب جل وعلا؛ وهو قول ابن عباس، رضي الله ~~عنهما. # وقال بعضهم: فواتح السور كلها، وكذلك قال في سائر الحروف المقطعة. # وقال بعضهم: أصله (حم) أي: قضى، كقول الشاعر: # ألست ترى أن الذي حم كائن # أي: الذي قضى كائن، ms3882 إلا أنه ذكره بالهجاء كمن ذكر زيدا بالهجاء. # وقد قلنا نحن: إن تفسير الحروف المقطعة ما ذكر على أثرها، وقد ذكرنا ~~أقاويل الناس واختلافهم فيها في غير موضع ما أغنانا عن ذكرها في هذا ~~الموضع، والله أعلم. # وقوله: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) # قد ذكرنا قوله: (تنزيل الكتاب) في سورة الزمر، غير أنه ذكر العزيز الحكيم ~~وهاهنا ذكر العزيز العليم وهما واحد، والله أعلم. # وقوله: (غافر الذنب ... (3) يخرج على وجهين: # أحدهما: (غافر الذنب) أي: متجاوز الذنب، وهو في حق المؤمنين خاصة. # والثاني: (غافر الذنب) أي: ساتر الذنب، وهو يحتمل للكافر والمؤمن جميعا؛ ~~فإنه يستر كثيرا على المؤمن والكافر جميعا الذنب في الدنيا، ولم يفضحهما، ~~ويتجاوز عن المؤمن خاصة في الآخرة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وقابل التوب). # PageV09P003 # يخبر أنه يقبل التوبة وإن عظمت المعصية، وجلت الذنوب وكثرت، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: التوب: جماعة التوبة. # وقوله: (شديد العقاب). # أي: لمن لم يتب. # وقوله: (ذي الطول). # قال أبو عوسجة: أي: ذي القدرة. # وقال القتبي: ذي التفضل، يقال: طل علي برحمتك، أي: تفضل. # وقيل: ذي السعة والغناء. # وقيل: ذي النعم؛ وكله قريب بعضه من بعض. # وقوله؛ (لا إله إلا هو إليه المصير). # وحد نفسه، وأخبر أن مصير الخلق إليه في الآخرة فيجزيهم بأعمالهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد (4) # أي: يجادل في دفع آيات الله والطعن في آيات الله الذين كفروا بالله أو ~~كفروا بآيات الله، وكانت مجادلتهم ما ذكر حيث قال: (ليدحضوا به الحق) أي: ~~يبطلوا به الحق، أهل الكفر هم الذين كانوا يجادلون في دفع آيات الله والطعن ~~فيها، فأما أهل الإيمان بها كانوا يفرحون بنزولها ويزدادون بذلك إيمانا؛ ~~كما قال تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب ~~من ينكر بعضه)، وكقوله: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا)، ونحو ذلك ~~من الآيات، كانوا يستسلمون لها ويقبلونها، ويستقبلون لها بالتعظيم ~~والتبجيل، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (فلا ms3883 يغررك تقلبهم في البلاد). معلوم أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لا يغره تقلبهم في البلاد، لكنه ذكر الخطاب له، وأراد ~~به غيره؛ لما يحتمل أن يظن قوم أن أهل الكفر لما كانوا فيه من التقلب في ~~البلاد والسعة في عيشهم وأن أهل الإيمان في ضيق وشدة وخوف - أن أولئك على ~~الحق وهؤلاء على الباطل، فجائز أن يظن ظان ما ذكرنا، فأخبر الله - عز وجل - ~~أن الأمن والسعة، ليس بدليل على كون صاحبه على الحق، ولا الضيق والشدة ~~بدليل على كون صاحبه على الباطل، ولكن محنة: امتحنهم مرة بالسعة # PageV09P004 # والأمن، ومرة بالضيق والخوف؛ دليل ذلك: وجود الحالين جميعا في كل فريق مع ~~اختلاف مذاهبهم، وتضاد أقاويلهم. # ويحتمل أن يكون المراد منه أهل مكة، أي: لا يغررهم تقلبهم في البلاد ~~وأمنهم وسعتهم بعد ما نزل بأهل الآفاق والنواحي أنهم على الحق، وأن ذلك ~~إنما يدفع عنهم لمكانهم، وإنما يدفع ذلك عنهم، ويكونون على أمن؛ لمكان ~~كونهم بقرب من البيت؛ لحرمته وشرفه. # وقوله - عز وجل -: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب ~~(5) # ذكر هذا لتصبير رسوله على تكذيب قومه إياه بالباطل؛ يقول: لست أنت بأول ~~من كذبه قومه، ولا بأول من جادله قومه بباطل، لم يزل الأمم المتقدمة يكذبون ~~رسلهم، ويجادلونهم بالباطل؛ فصبروا على ذلك؛ فاصبر أنت على تكذيب قومك، ~~ومجادلتهم إياك بالباطل كما صبر أولئك كقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من ~~الرسل)، وهو ما ذكر في قوله - عز وجل -: (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) وهمت كل أمة برسولهم ما ذكر، لكن الله ~~تعالى بفضله عصم رسله عما هم أولئك الكفرة بهم من القتل والمجادلة بالباطل، ~~وفي ذلك آية من آيات الرسالة لهم حيث حفظهم عما هموا بهم وكادوا بلا أعوان ~~وأنصار كانوا للرسل مع كثرة أولئك الكفرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم فكيف كان عقاب). # أي: كيف وجدوا عقابي، ms3884 أليس وجدوه حقا على ما وعد الرسل - عليهم السلام - ~~أنه نازل؟! بهم أو يقول: أليس وجدوه أليما شديدا؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ~~(6) # يحتمل قوله: (حقت كلمت ربك على الذين كفروا) ما ذكر في قوله: (سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل. . .) الآية. وقوله: (فقد مضت سنت الأولين)، يحتمل أن ~~يكون قوله: (حقت كلمت ربك على الذين كفروا) ما قال: (لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين)، فذلك الذي حق عليهم من كلمة ربك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك # PageV09P005 # أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك ~~هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ~~إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله ~~وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) # وقوله - عز وجل -: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ... ~~(7) # قد ذكرنا في غير موضع أن التسبيح بحمد ربهم هو الثناء عليه، والحمد له ~~بالتبرئة والتنزيه عن جميع أوصاف الخلق ومعانيهم، وعن جميع ما قال الملاحدة ~~فيه. # وقوله - عز وجل -: (ويستغفرون للذين آمنوا). # هذه أرجى آية للمؤمنين، والآيات التي فيها استغفار الرسل للمؤمنين من نحو ~~قول نوح - عليه السلام - حيث قال: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات)، وقول إبراهيم - عليه السلام -: (ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)، وما أمر الله رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إنما هو في الذنوب التي ليس له ~~أن يعذبهم عليها، وهي الصغائر، وليس له أن يغفر الكبائر، ويستدل ms3885 على ذلك ~~بقوله: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك)، إنما أمره أن يستغفر للذي تاب، ~~فأما من لم يتب، ولم يأمره بالاستغفار، فيجب القول بما قلنا؛ عملا ~~بالآيتين. # لكن نقول نحن: إنه لو كان استغفاره لمن ذكر خاصة لأصحاب الصغائر على ما ~~قالوا، يصير كأنه أمر النبي - عليه السلام - أن يستغفر لهم، ولا يحزن ~~عليهم؛ إذ هم مغفور ذنبهم؛ فيحصل قولهم على ما ذكرنا، وذلك وخش من القول، ~~والله أعلم. # ثم يجيء أن يكون المعتزلة والخوارج في الظاهر أبعد الخلائق من المعاصي ~~وأقربهم إلى الطاعات، ونحن أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم عن الطاعات؛ ~~لأنهم لا يرون النجاة إلا بأعمالهم ولا يرون برحمة الله، ولا بشفاعة أحد، ~~ولكن بأعمالهم؛ فيجب أن يكونوا أبدا متكلين ملازمين على الطاعات في كل وقت ~~وساعة، لا يعصون الله طرفة عين، ونحن لم نر النجاة بالأعمال، ولكن إنما نرى ~~ذلك برحمة الله تعالى، وبشفاعة من ارتضى بشفاعته؛ فيجب أن نكون معتمدين على ~~رحمة الله وفضله غير مشتغلين بشيء من الطاعات. # ثم في الحقيقة يجب أن يكونوا هم أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم من ~~الطاعات، ونحن ألزم الخلائق بالطاعات وأبعدهم من المعاصي؛ لأنا نرى عند ~~الله # PageV09P006 # لطائف وفواضل باقية، لم يعطنا ما لو أعطانا لم يصدر منا إلا الخير ~~والطاعات؛ وسلمنا عن المعاصي وأنواع الشرور، وعصمنا؛ فيجب أن نكون متكلين ~~على الطاعات؛ لنصل إلى تلك اللطائف، وهم لا يرون بقي عنده شيء من اللطائف، ~~بل يقولون: قد أعطانا كل شيء حتى لم يبق عنده شيء من مصالح الدين؛ فيجب أن ~~يكونوا ما ذكرنا، والله أعلم. # ثم قولنا: إن الله تعالى ينجينا برحمته وبشفاعة من جعل له الشفاعة لا ~~بأعمالنا، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله "، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: " ~~ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته "، والمعتزلة يقولون: لا، بل ندخل ~~بأعمالنا، وكذلك قول الخوارج. # وأصل قولنا: إن لله - عز وجل - أن ms3886 يعذب عباده على جميع المعاصي: على ~~الصغائر والكبائر جميعا، وله أن يغفر جميع المعاصي سوى الشرك والكفر، على ~~ما ذكرنا من دلائل الآيات وغيرها. # وقوله: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما). # قوله: (وسعت كل شيء رحمة) فرحمة الدنيا يدخل فيها الكافر والمؤمن جميعا، ~~فأما رحمة الآخرة، فهي للمؤمنين خاصة، هو كما ذكر في قصة موسى - عليه ~~السلام - حيث قال: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة). . .) إلى ~~قوله: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون. . .) الآية، وكقوله: (قل ~~من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، كأنه يقول: قل هي للذين آمنوا، والذين ~~لم يؤمنوا، ثم هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة؛ فعلى ذلك قوله: (وسعت كل ~~شيء رحمة)، هي رحمة الدنيا: المؤمن والكافر جميعا في تلك، فأما رحمة الآخرة ~~ليست إلا للذين آمنوا، والله أعلم. # وقوله: (وعلما) أي: علم ما فيها. # وقوله - عز وجل -: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك) ويحتمل وجوها: # أحدها: (فاغفر للذين تابوا) من الشرك، (واتبعوا سبيلك) أي: دينك، وهو ~~الإسلام. # والثاني: أي: (فاغفر للذين تابوا) عن الكبائر والفواحش (واتبعوا سبيلك) ~~أي: طاعتك. # والثالث: (فاغفر للذين تابوا) عن جميع المعاصي صغائر أو كبائر واتبعوا ~~طاعتك، # PageV09P007 # والله أعلم. # وقوله: (وقهم عذاب الجحيم) ظاهر. # ثم قوله: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما). # لا يمكن العمل بها على قول المعتزلة؛ لأن رحمة الله عندهم لا تسع لذنب ~~واحد، فإنه ليس له أن يعفو عنه؛ فإن عندهم أن من ارتكب كبيرة، ليس له أن ~~يرحمه، ولكن يعاقبه -على زعمهم- خالدا مخلدا، وإذا كان هذا قولهم ومذهبهم، ~~فليست رحمته بواسعة بزعمهم. # ثم يقولون - أيضا -: إن الله تعالى قد هدى كل كافر وأعطاه ما يهتدي به، ~~لكنه لم يهتد به، وأنه لم يبق عنده ما يهديه به؛ فعلى هذا القول رحمته لا ~~تتسع لهداية الكافر، فإذن رحمة الله بزعمهم على خلاف ما ذكر الله تعالى ~~ووصفها بالسعة، والله الموفق. # وأما عندنا ms3887 فهو ما ذكرنا من جمع الكل في ذلك؛ لما ذكرنا أن تلك الرحمة هي ~~الرحمة الدنيوية، أو ما ذكرنا من كون اللطائف عنده من أعطاها اهتدى، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أن الوعد كان منه لجملة المؤمنين، فسألوا أن يدخل قوم على الإشارة ~~والتيقين في جملة ذلك الوعد؛ لاحتمال خصوص في الجملة، والله أعلم. # والثاني: سألوه أن يجيبهم على الأسباب والأعمال التي يستوجبون ذلك، والله ~~أعلم. # والثالث: يجوز أن يكون الوعد لهم بشرط الذي سألوه، والله تعالى عالم في ~~الأزل: أنه يوجد ذلك الشرط وهو سؤالهم؛ فيكون لهم ذلك الوعد، ومثل ذلك ~~جائز، قال الله تعالى: (كان على ربك حتما مقضيا)، إنما يعذبهم بسؤال هؤلاء ~~على ذلك كان: إنما تقديره: أنه لا يعذبهم إذا سألوا، وعلم أنهم سألوا؛ وعلى ~~ذلك الحديث الوارد: أن الصدقة تزيد في العمر، جرى تقديره في الأزل أنه يوجد ~~منه الصدقة، فيكون عمره زائدا؛ على ما لو علم أنه لا يتصدق، وإنما لا يجوز ~~التعليق بالشرط في حق الله تعالى على نحو ما يكون في حق العباد أن يوجد عند ~~وجود الشرط، ولا يوجد عند عدمه، ولا علم لهم بعاقبة ذلك، والله تعالى عالم ~~بالعواقب، فمتى علق بشرط كان ذلك منه في الأزل حكما على أن يوجد مع ذلك ~~الشرط لا محالة، لما علم وجود ذلك الشرط مع علمه أنه لو لم يكن ذلك الشرط ~~كيف كان، والله الموفق. # أما ظاهر الآية أنه إذا وعدها لهم، لأدخلها لا محالة فيها؛ فلا معنى ~~للسؤال في ذلك لما يخرج السؤال في مثله مخرج السؤال في تصديق الوعد ~~والامتناع عن الخلف، ولكن # PageV09P008 # الآية تخرج على الوجوه التي ذكرنا. # وقوله: (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. . .) الآية. # سألوه أيضا إدخال هؤلاء في ذلك الوعد أيضا على ما ذكرنا. # وقوله: (وقهم السيئات ... (9) # هذا يحتمل أنهم سألوا أن يقيهم في الآخرة ms3888 أمورا تسوءهم من الأهوال ~~والأفزاع، وغير ذلك من العذاب. # ويحتمل في الدنيا أمر الشرك وغيره؛ يدل عليه قوله: (ومن تق السيئات يومئذ ~~فقد رحمته) أي: ومن تق السيئات في الدنيا، فقد رحمته يومئذ (وذلك هو الفوز ~~العظيم). # وقوله: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون (10) # ذكر أن أهل النار إذا دخلوا النار وعاينوا ما أنكروا من البعث والعذاب، ~~فجعل كل إنسان منهم يمقت نفسه، ويلومها، فينادون: لمقت الله إياكم أكبر مما ~~أوجب عليكم من اللعن، والنقمة أكبر مما تمقتون به أنفسكم وأشد؛ هذا وجه، ~~ووجه آخر: جائز أن يقال لهم: إن الواجب عليكم أن تروا مقت الله إياكم وقت ~~ارتكابكم العصيان وعند تعاطيكم ما تعاطيتم أكبر وأشد من مقتكم العذاب ~~ودخولكم النار؛ لأنكم إن رأيتم مقت الله إياكم عند ارتكابكم ما ارتكبتم أنه ~~ينزل بكم، لزجركم ومنعكم عن ارتكاب ذلك وتعاطيه، وحملكم على إيثار ما دعيتم ~~إليه. من التوحيد لله تعالى والإيمان به، والله تعالى أعلم. # وعلى هذين التأولين يرجع تأويل قوله: (ولذكر الله أكبر). # أحدهما: أن ذكر الله إياكم بالرحمة والمغفرة أكبر وأعظم من ذكركم إياه، ~~وصلواتكم وعبادتكم له. # والثاني: أن ذكر نفس نهي الله تعالى إياكم عن المعاصي وقت ارتكابها أكبر ~~-في الرهبة عنها والمنع- من الصلاة نفسها، إن كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، (ولذكر الله أكبر)؛ لما أن الصلاة فيها أعمال تشغل عن ذكر النهي، ~~والله أعلم. # ثم قوله تعالى: (مقتكم أنفسكم). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: مقت بعضكم بعضا كقوله: (ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا). # ويحتمل ذلك كقوله: (إن الصلاة تنهى) أي: يمقت كل إنسان نفسه؛ لما كان # PageV09P009 # من العصيان والكفر، وإنما احتمل هذين الوجهين؛ لأن المنع لهم من طاعة ~~الله تعالى واتباع أمره ونهيه، يكون بأنفسهم، ويكون من بعضهم بعضا؛ فيكون ~~محتملا لكلا الوجهين، وهو كقوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله)، وقوله: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة): ولا ms3889 ~~تهلكوا بعضكم ببعض؛ إذ الظاهر أن المرء مع قيام عقله لا يهلك نفسه، ولا ~~يلقيها في التهلكة، وكذا لا يسلم على نفسه. # ويحتمل الظاهر أيضا أن يسلم على نفسه إذا دخل البيت، ولم يكن معه غيره؛ ~~ولذلك نهي عن إهلاك نفسه عند شدة الغضب، ونحو ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز جل -: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11). # قال بعض أهل التأويل: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله تعالى ~~في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم ~~القيامة، فهما حياتان وموتتان، وهو قول ابن عباس وابن مسعود فيما أرى، ~~ويقولون هو كقوله تعالى: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم. . .) ~~الآية. # وقال بعضهم: قوله: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين): إحدى الموتتين ~~هي التي تنقضي بها آجالهم، ثم يحييهم في القبر، ثم يميتهم، ثم يحييهم للبعث ~~يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان، وإلى هذا يذهب ابن الراوندي، ويحتج بهذا ~~على عذاب القبر، وهو أشبه وأقرب؛ لأنهم بكونهم في أصلاب آبائهم أمواتا لا ~~يقال: (أمتنا) وهم كانوا أمواتا. # وقوله - عز وجل -: (فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل). # يحتمل اعترافهم بذنوبهم: هو ما أنكروا في الدنيا قدرة الله تعالى على ~~البعث والإحياء بعد الموت والعذاب لهم لما عاينوا ذلك وشاهدوا أقروا به، ~~فإنكارهم ذلك هو ذنبهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ذنوبهم التي اعترفوا بها ما ذكر في سورة (تبارك) حين قال ~~لهم الخزنة لما ألقوا في النار: (ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء)، فيكون اعترافهم بذنوبهم هذا، والله ~~أعلم. # وقوله: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم ~~لله العلي الكبير (12) # قوله: (ذلكم بأنه) أي: ذلك المقت الذي ذكر أو العذاب الذي نزل بكم إنما ~~كان (بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم)، أي: كفرتم بتوحيده، (وإن يشرك به) أي: ~~توحيد الله (تؤمنوا) به، أي: يصدقوا هذه الآية ms3890 كقوله: (وإذا ذكر الله وحده ~~اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون)، فهما # PageV09P010 # بمعنى واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فالحكم لله العلي الكبير). # قال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: " ~~من هؤلاء؟ قيل: المحكمون، قال قائل: هم القراء، قال - عليه السلام - ليسوا ~~بالقراء، ولكنهم العيابون الخيابون، قال: إنهم يقولون " لا حكم إلا لله، ~~قال علي - رضي الله عنه -: كلمة حق أريد بها باطل "، وذكر: " عني بها باطل ~~". # * * * # قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر ~~إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب (17) وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) # وقوله: (هو الذي يريكم آياته). # اختلف في قوله: (يريكم) هو ما أراهم بمكذبي رسله ومصدقهم من أوائلهم حيث ~~استأصل هؤلاء بتكذبيهم رسله، وأنجى مصدقيهم بتصديقهم إياه؛ ليحذر هؤلاء عن ~~تكذيب رسوله. وقال بعضهم: أراهم آيات وحدانيته وربوبيته وقدرته وسلطانه في ~~السماوات والأرض ما لو تأملوا لعرفوا ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (وكأين من ~~آية في السماوات والأرض)، آيات وحدانيته وربوبيته، وذكر أنهم يمرون عليها، ~~أي: يرونها - لكنهم يعرضون عنها، والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله: (هو الذي يريكم آياته): يا أهل مكة إذا سافرتم رأيتم ~~آيات المتقدمين ومنازلهم وهلاكهم؛ وهو الأول بعينه. # وقوله: (وينزل لكم من السماء رزقا). # يخبر عن آيات وحدانيته أيضا: أنه ينزل رزقهم من السماء، وحيل الخلق تنقطع ~~عن استنزال الرزق من السماء؛ ليعلموا أن منشئ الأرض والسماء واحد حيث اتصل ~~منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ms3891 ما بينهما. # ويحتمل أنه يذكر نعمه عليهم حيث يعلمون أنه هو الذي أنزل أرزاقهم من ~~السماء دون من يعبدون من الأصنام، فكيف تصرفون عبادتكم وشكركم إلى غيره؟! # وقوله: (وما يتذكر إلا من ينيب). # PageV09P011 # وما يتذكر بما ذكر من الآيات ولا يتأملها إلا من ينيب إليه بطاعته. # أو يقول: لا يتذكر ولا يتعظ بآياته ومواعيده إلا من ينيب إليه بالقبول ~~لأمره وطاعته. # وقوله: (فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) # كأن هذا صلة ما تقدم من قوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة. . .) الآية، وصلة قوله: (ذلكم بأنه إذا دعي الله ~~وحده كفرتم) يقول: فادعوا الله يا أصحاب محمد، وأيها المؤمنون مخلصين له ~~الدين، ولو كره الكافرون ذلك، ووحدوه، ولا تشركوا به شيئا على ما يشرك به ~~أهل مكة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رفيع الدرجات ... (15) يحتمل وجهين: # أحدهما: رفيع السماوات درجة على درجة، وطبقا على طبق؛ على ما رفعها واحدة ~~على أخرى. # والثاني: قوله: (رفيع الدرجات) أي: درجات أهلها ومنازلهم التي جعلها لهم ~~في الآخرة على تفضيل بعض على بعض في الدرجات؛ كقوله - تعالى -: (انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا): أخبر أنه فضل بعضا ~~على بعض في الدرجات في الآخرة، فجائز أن يكون ما ذكر من رفع الدرجات هو رفع ~~السماوات درجة فدرجة، فهو إخبار عن قدرته وسلطانه أنه من قدر على رفع ~~السماوات في الهواء وإقرارها فيه بلا سبب من أسباب إمساكها من التعليق ~~بشيء، مع ثقلها وغلظها ولا شيء يقر في الهواء بحيث لا ينحط ولا يتسفل ولا ~~يرتفع عن أماكنه بلا سبب من الأسفل والأعلى لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى ~~عليه شيء أو يمنعه شيء عما يريد، والله أعلم. وإن كان المراد بالدرجات التي ~~يجعل لأهلها في الآخرة إنما يستوجبونها بالله تعالى بأعمال تكون لهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذو العرش يلقي الروح من أمره)، اختلف فيه: # قال بعضهم: هو جبريل - عليه السلام ms3892 - (يلقي) أي: ينزل بالوحي بالنبوة ~~(على من يشاء من عباده)؛ كقوله: (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك)، ~~أخبر أنه أمين؛ ليعلم أنه ليس في إنزاله غلط ولا شيء مما قاله بعض الروافض: ~~إنه بعث إلى فلان وأداه إلى غيره. # وقال بعضهم: الروح هاهنا هو الوحي والرسالة؛ يقول: (يلقي) هو الوحي على ~~من يختار ويصطفي من عباده، والله أعلم. # PageV09P012 # وقوله - عز وجل -: (لينذر يوم التلاق). # اختلف فيه: قال بعضهم: يوم يلقى أهل الأرض أهل السماء. # وقال بعضهم: يوم يلقى الآخرون الأولين. # وجائز أن يكون هو يوم يلقى الإنسان عمله وأفعاله التي عملها، والله أعلم. # وقالت الباطنية: أي: يوم يلقى الصور المتولدة من الأجساد بأعمال الخير ~~والشر التي كانت لهم في الدنيا الصور التي كانت لهم روحانية؛ لأن من مذهبهم ~~أن من مات منهم يحدث ويتولد بالأعمال التي كانت لهم من الخير صورا روحانية ~~تلقى هذه الصورة الحادثة المتولدة من الأجساد بعد الموت، ويكون البعث عندهم ~~للأرواح فتتصل هذه الأرواح النورانية بالنور الصرف، ويستدلون بقوله: (يوم ~~هم بارزون)، أي: تبرز تلك الصور الروحانية من الأجساد؛ إذ الخلائق كلهم في ~~جميع الأحوال والأوقات بارزون ظاهرون لله تعالى لم يكونوا في وقت مستورين ~~عنه. # ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما يقوله الباطنية لكانت الأنفس ~~إذا نامت وخرجت منها الصور الروحانية، فرأت رؤيا كانت تراها مختلطة غير ~~متحققة، وفي حالة اليقظة تراها متحققة غير مختلطة؛ دل أن الإدراك للأجساد ~~بواسطة الصور الروحانية، فيجب أن يكون البعث للكل، والله أعلم. # ولكن الوجه في ذلك ما ذكرنا، وأصله أنه سمي ذلك اليوم على ما سمي: يوم ~~الجمع، ويوم التغابن، ويوم الحشر، وغير ذلك، سمي ذلك اليوم على أسماء ~~مختلفة، كل اسم من ذلك لمعنى غير المعنى الآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار (16) # قال بعضهم: أي: ظاهرون، لا شيء هنالك يسترهم، أي: يرتفع يومئذ جميع ~~السواتر؛ وهو كقوله تعالى: (فيذرها ms3893 قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا). أي: لا شيء فيها، يذكر هذا لأن من الناس من يقول: يستر الأشياء عن ~~الله تعالى بالسواتر ردا لقولهم. # ويحتمل أن يكون قوله: (يوم هم بارزون) سمي ذلك اليوم: يوم البروز؛ لما ~~يتفقون جميعا ويقرون بالكلمة التي اختلفوا في الدنيا فيها، فيبرزون جميعا ~~متفقين مقرين على تلك الكلمة يومئذ وهي كلمة التوحيد، والله أعلم. # PageV09P013 # ويحتمل أن يكون سماه: يوم البروز، والمصير، والرجوع، وما ذكر؛ لأن ~~المقصود من إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق ذلك اليوم وتلك الدار، وكذلك ~~صار إنشاء الدنيا وإنشاء ما فيها حكمة؛ لما عرف أن الإنشاء للإفناء خاصة ~~ليس بحكمة، فخص ذلك اليوم بما ذكرنا وإن كانوا في جميع الأحوال بارزين إليه ~~ظاهرين له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يخفى على الله منهم شيء). # ظاهر، وهو رد لقول من يقول: إن شيئا يستر على الله تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). # قال عامة أهل التأويل: إذا أهلك الله تعالى أهل الأرض وأهل السماء فلم ~~يبق أحد إلا الله تعالى، فعند ذلك يقول: (لمن الملك اليوم)؟ فلا يجيبه أحد، ~~فيقول هو في نفسه ويجيب نفسه: (لله الواحد القهار)، لكن هذا بعيد لا يحتمل ~~أن يقول: (لمن الملك اليوم) ولا أحد سواه، ويجيب نفسه: (لله الواحد ~~القهار)؛ لما لا حكمة في ذلك: أن يسأل نفسه ثم يجيبها، لكن الوجه فيه - ~~والله أعلم - أنه إنما يقول لهم ذلك إذا بعثهم وأحياهم: (لمن الملك اليوم)؟ ~~فيقول الخلائق له بأجمعهم: (لله الواحد القهار)، يقرون له جميعا يومئذ ~~بالملك والربوبية وإن كان بعض الخلائق في الدنيا قد نازعوه في الملك فيها ~~وادعوا لأنفسهم، فيقرون يومئذ أن الملك في الدنيا والآخرة لله تعالى، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ... (17) # أي: من خير أو شر. # (لا ظلم اليوم). # أي: لا تجزى غير ما كسبت. # ويحتمل (لا ظلم) أي: لا نقصان في الحسنات ms3894 التي عملوها، ولا زيادة على ~~السيئات التي اكتسبوها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله سريع الحساب). # قد ذكرنا هذا أيضا، والله أعلم. # وقوله: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع (18). # سمى ذلك اليوم الآزفة، لقربه ودنوه منه؛ وعلى ذلك سماه: غدا، وقريبا؛ ~~كقوله: (اقتربت الساعة)، وقوله: (اقترب للناس حسابهم. . .) الآية # PageV09P014 # ؛ فعلى ذلك سماه " آزفة " لدنوه وقربه منهم، يقال: أزف فلان إلى فلان، ~~أي: قرب ودنا منه، ومعناه: أي: أنذرهم بما إليه مرجع عاقبتهم ومصيرهم؛ لأن ~~أهل العقل والتمييز إنما يعملون ويسعون للعاقبة وما إليه يرجع أمورهم وهو ~~ذلك اليوم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ القلوب لدى الحناجر). # يخبر عن شدة حالهم وفزعهم في ذلك اليوم، ليس أن يزول قلوبهم عن أمكنتها ~~وترتفع إلى الحناجر حقيقة، ولكنه وصف لشدة حالهم في ذلك اليوم وكثرة خوفهم ~~وفزعهم وضيق صدورهم؛ وهو كقوله - تعالى -: (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت)، ~~أي: ضاقت صدورهم وقلوبهم بما حل بهم من الشدائد والأهوال، ليس أن صارت ~~الأرض في الحقيقة مضيقة لا يسعون فيها، ولكن وصف لضيق صدورهم لعظم ما نزل ~~بهم، فكنى بضيق الأرض عن ضيق صدورهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من كون ~~القلوب لدى الحناجر كناية عن ضيق صدورهم لشدة حالهم وعظيم ما حل بهم، والله ~~أعلم. # والحناجر هي مواضع الذبح من الشاة وغيرها من الدواب، واحدها: حنجرة. # وقوله - عز وجل -: (كاظمين). # قال بعضهم: الكاظم: المغموم الذي يتردد خوفه في جوفه غيظا؛ لما كان منه ~~في الدنيا. # وقيل: الكاظم لا يتكلم، قد كظم من الخوف. # وقيل: الذي لا يفتح فمه؛ وهو قريب بعضهم من بعض. # وقوله - عز وجل -: (ما للظالمين من حميم). # أي: قريب، وقيل: الحميم: هو الذي يهتم بأمر صاحبه، ويسعى في دفع ما نزل ~~به من البلاء. # وقوله: (ولا شفيع يطاع). # أي: يجاب: يذكر: ألا يكون لهم في الآخرة قريب يهتم لأمرهم، ولا شفيع يشفع ~~لهم؛ فيجاب كما يكون ms3895 في الدنيا؛ وكذلك قوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ~~أي: لا يكون لهم شفعاء ينفعهم شفاعثهم، وهو ما قال - عز وجل - في آية أخرى: ~~(ولا خلة ولا شفاعة. . .) الآية 254. # PageV09P015 # وقوله - عز وجل -: (يعلم خائنة الأعين ... (19) والخيانة واحد، وهو ما ~~قال عز وجل: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم)، أي: خيانة منهم. وقال بعضهم: ~~هي النظرة بعد النظرة: أما الأولى فليس فيها شيء، وأما الثانية فعليه ~~مأثمها. # وقوله: (وما تخفي الصدور). # أي: ما لم يتكلم به المرء ولم يعمل، كل ذلك يعلمه الله تعالى. # وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي النظرة فيما لا يحل والغمزة بعينه؛ وهو مثل ~~الأول. # وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي التي ينتظرها: غفلة الناس إذا غفلوا عنه، ~~نظر إلى ما يهواه ويحبه، و (تخفي الصدور) هو ما ذكر - عز وجل -: (يعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون)، يذكر هذا ليكونوا أبدا مراقبين أنفسهم، حافظين لها ~~عما لا يحل من السمع والبصر والفؤاد، وعلى ما ذكر في آية أخرى: (إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، ليكونوا أبدا على حذر من ذلك ~~وخوف، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن ~~الله هو السميع البصير (20) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله ~~بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) # وقوله - عز وجل -: (والله يقضي بالحق). # قال أهل التأويل: أي: الحكم بالحق. والقضاء المذكور في الكتاب يخرج على ~~وجوه: أحدها: (يقضي) أي: يأمر؛ كقوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه)؛ وكقوله: (إذا قضى الله ورسوله أمرا)، أي: إذا أمر أمرا، يقول: ~~(والله يقضي بالحق) أي: يأمر بالحق، (والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء) ~~أي: لا يملكون الأمر بالحق، فكيف تعبدون من دونه؟! # والثاني: القضاء: الوحي والخبر؛ كقوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل ms3896 في ~~الكتاب) # PageV09P016 # أي: أوحينا إليهم، فكأنه يقول: والله يوحي بالحق ويخبر به، والذين يدعون ~~من دونه لا يملكون الوحي ولا الخبر، فكيف اخترتم عبادتهم على عبادة من يوحي ~~بالحق ويخبر؟! والله أعلم. # والثالث: القضاء هو الخلق والإنشاء؛ كقوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات) ~~أي: خلقهن، فيكون قوله على هذا (والله يقضي بالحق)، أي: يخلق بالحق، والذين ~~يدعون من دونه لا يخلقون شيئا، وقد يعلمون استحقاق العبادة إنما يجوز ~~بالخلق والإنشاء؛ وهو كقوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق)، (خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم)، يقول: خلق من يدعون دونه كخلقه حتى تشابه ذلك عليهم ~~فعبدوهم؛ إذ يعلمون أن من خلق ليس كمن لم يخلق، وقد تعلمون أنها لم تخلق ~~شيئا، فكيف عبدتموها؟! والله أعلم. # ثم أقول: أصل التأويل (يقضي بالحق) أي: يحكم بالحق في الدنيا بالآيات ~~والحجج ما عرف كل أحد أنها حجج وآيات وبراهين، والحكم بما ذكرنا حكم بالحق، ~~والله أعلم. # والثاني: أي يحكم بالحق في الآخرة وهو الشفاعة، أي: لا يجعل الشفاعة لمن ~~يعبدون على رجاء الشفاعة؛ كقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ولكن إنما ~~يجعل لمن ارتضى؛ كقوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله هو السميع البصير). # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: السميع للمؤمن، أي: المجيب ~~للمؤمن، والبصير لعقاب أولئك. # وقيل: السميع لأقوالهم، البصير بأفعالهم. # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (إن الله هو السميع البصير) صلة ما تقدم ~~من قوله: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) يقول: السميع بما يكون منهم ~~ظاهرا من قول أو فعل، والبصير بما أخفوا في قلوبهم وتكن صدورهم، يخبر بهذا؛ ~~ليكونوا أبدا مراقبين حافظين أنفسهم ما ظهر وما خفي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ~~وما كان لهم من الله من واق (21). # هذا يخرج على وجهين: # PageV09P017 # أحدهما: ما قال الحسن: إنهم لو ms3897 ساروا فنظروا في آثار من كان قبلهم من ~~مكذبي الرسل، لكان لهم في ذلك زجر ومنع عن مثل صنيع أولئك. # وقال بعضهم: هو على الخبر، أي: قد صاروا في الأرض، ونظروا في آثار من ~~تقدمهم، لكنهم لم ينظروا نظر اعتبار أنه لماذا أصابهم ما أصابهم؟ والله ~~أعلم. # وقال قائلون: هو على الإيجاب والإلزام، أي: سيروا في الأرض وانظروا في ~~آثار أولئك الذين كانوا من قبل هؤلاء؛ كقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا). # ولكن نقول: ليس على حقيقة السير في الأرض بالأقدام ولا نظر العين والبصر، ~~ولكنه أمر منه لهم بالتفكر والاعتبار في آثار من كان قبلهم، وإلى ماذا صار ~~عاقبة أمر صنيع مكذبي الرسل ومصدقيهم؟ لينزجروا عن مثل صنيع مكذبهم، ~~ويرغبوا في مثل صنيع مصدقهم، والله أعلم. # وقوله: (كانوا هم أشد منهم قوة)، في أبدانهم وأنفسهم، (وآثارا)، أي: خبر ~~أو ذكر في الأرض. # ويحتمل (وآثارا في الأرض) أي: أشد أعمالا في الأرض، وليس كما يقول بعض ~~المعتزلة: أي: أنهم كانوا أشد منهم قوة في الخيرات، فإن كان ما ذكر فذلك ~~ليكون أصلح لهم، وهذا بعيد سمج من القول، والوجه فيه ما ذكرنا أنهم كانوا ~~أشد منهم قوة في أبدانهم وأنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (فأخذهم الله بذنوبهم). # يخبر أن أولئك الذين كانوا من قبل هؤلاء كانوا أشد من هؤلاء قوة وأشد ~~آثارا في الأرض، ثم لم يمنعهم شدة قوتهم في أبدانهم وأنفسهم وما ذكر من ~~آثار الأرض ولم يدفعوا عن أنفسهم ما نزل بهم من عذاب الله، فأنتم يا أهل ~~مكة دونهم في البطش والقوة، فكيف تمنعون عذاب الله إذا نزل بكم؟! والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لهم من الله من واق). # ذكر - والله أعلم - أن أولئك قد عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ~~الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، كما تعبدون أنتم على رجاء الشفاعة لكم ~~والتقرب إليه، ولو كانت عبادتهم إياها طريق الشفاعة وسبب التقريب، لكان ~~يغيثهم من عذاب الله في الدنيا، وهو كما ادعت اليهود أنهم ms3898 أبناء الله ~~وأحباؤه، فقال ردا عليهم بقوله: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي: في الدنيا لو ~~كنتم على ما تزعمون؛ إذ لا أحد يهلك ويعذب ولده وحبيبه في الدنيا فعلى ذلك ~~الأول. # PageV09P018 # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم ~~الله إنه قوي شديد العقاب (22) # فقوله: (ذلك) يقول: ذلك العذاب والإهلاك الذي نزل بهم لما كانت أتتهم ~~رسلهم بالبينات، فكفروا وكذبوا الآيات والأدلة التي أتتهم رسلهم أنهم رسل ~~الله إليهم، فأصابهم ما أصابهم، كذلك فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الرسول ~~بعد ما أتتكم البينات والأدلة على رسالته، ينزل بكم ما نزل بأولئك بالتكذيب ~~والعناد ورد الآيات والأدلة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون ~~وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب. فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا ~~أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) ~~وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) # وقوله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا). # يحتمل (بآياتنا) أي: بحججنا، وذكرنا أنه يحتمل أن الآيات والسلطان واحد، ~~ويحتمل أنهما غيران. # وقوله: (إلى فرعون وهامان وقارون ... (24) ليعلم أنه كان مبعوثا إلى الكل ~~لم يبعث إلى بعض دون بعض. # وقوله: (فقالوا ساحر كذاب). # دل قولهم: ساحر كذاب على أن موسى - عليه السلام - قد آتاهم من الآيات ~~والحجج ما عجزوا عن إتيان مثلها والمقابلة لها؛ فخافوا أن يتبعه الناس ~~لذلك، فموهوا بقولهم: (ساحر كذاب) على سائر الناس؛ لئلا يتبعوه فيما يدعو؛ ~~لما عرف الناس أن السحر ليس يعرفه كل أحد وأن أكثر الناس يعجزون عن السحر، ~~وكانوا يعرفون أن السحر يكون كذبا، فموهوا بذلك القول أمر موسى - عليه ~~السلام - على أتباعهم، ونسبوه إلى الكذب من غير أن ظهر من موسى كذب قط، وقد ~~كان لم يزل من فرعون تمويه وتلبيس على قومه أمر موسى؛ مخاقة أن يتبعوه؛ ms3899 لما ~~أتاهم من الحجج والأدلة التي ظهرت عندهم أنها حجج وأدلة، من ذلك قوله - عز ~~وجل -: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) وقوله: (إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر)، قال هذا بعد ما اتبعه السحرة وآمنوا به؛ ليموه بذلك أمرهم على من ~~لم يبع موسى من الأتباع، وقوله: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا ~~منها أهلها)، وغير ذلك من التمويهات التي كانت منه؛ فعلى ذلك هذا القول ~~منهم حيث قالوا: (ساحر كذاب) لأنهم اعتادوا. # PageV09P019 # وجائز أن يكون قولهم: إنه كذاب؛ لأنهم اعتادوا عبادة الأصنام دون الله ~~تعالى، فلما جاء موسى - عليه السلام - بما يمنعهم عن عبادة ما اعتادوا من ~~العدد، ودعاهم إلى عبادة الواحد - قالوا: إنه كذاب، وكذلك قال أهل مكة ~~لرسولنا وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -: إنه (ساحر كذاب. أجعل الآلهة ~~إلها واحدا)، سموه: كذابا؛ لما دعاهم إلى عبادة الواحد، ومنعهم عن عبادة ما ~~اعتادوا من العدد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25). # قال بعضهم: أي جاءهم بالتوحيد. # وقال بعضهم: أي: جاءهم بالرسالة. # وكأن غير هذا أقرب، أي: فلما جاءهم بما يظهر عندهم من الحجج أنها آيات، ~~وأنها من عندنا جاءت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نساءهم). # أمر أتباعه أن يقتلوا أبناء من آمن منهم؛ لينزجروا بذلك عن متابعة موسى؛ ~~لما رأى ما كان من التمويهات والحيل لم يمنعهم عن اتباعه، بل كانوا ~~يتبعونه، فأوعدهم بقتل الأبناء كما كان يقتل الأبناء عندما قيل له: إن ذهاب ~~ملكك بولد يولد كذا. . .، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما كيد الكافرين إلا في ضلال). # لا شك أن كيدهم في الآخرة في ضلال، ولكن أراد كأن كيدهم في الدنيا ظهر ~~أنه ضلال؛ حيث لم يمنعهم كيده وحيله وتمويهاته عن اتباع موسى، عليه السلام. # وقوله: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو ms3900 ~~أن يظهر في الأرض الفساد (26). # قال هذا؛ لما رأى أنه لم يمنعهم عن اتباع موسى ما ذكر من قتل الأبناء، ~~قال عند ذلك: (ذروني أقتل موسى) وهو يحتمل وجوها: # أحدها: يحتمل أنه هم فرعون أن يقتل موسى - عليه السلام - فمنعه قومه أو ~~الملأ من قومه عن قتله، فقال عند ذلك: (ذروني أقتل موسى). # والثاني: يحتمل أنه قال هذا مبتدأ من غير أن كان منهم منع إياه عن قتله، ~~وهو كما قال ربنا - جل وعلا - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: (ذرني ومن ~~خلقت وحيدا)، من غير أن كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منع له عن ~~ذلك، وهذا في كلام العرب موجود سائغ التكلم به على الابتداء من غير أن كان ~~من أحد منع عما يريدون أن يفعلوا، والله أعلم. # والثالث: يحتمل (ذروني أقتل موسى) أي: ذروني لائمتي في قتل موسى، أي: لا ~~تلوموني إذا أنا قتلته، والله أعلم. # PageV09P020 # وقوله: (وليدع ربه)، يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه كان ذلك من فرعون يقول: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه) يمنعني ~~عن قتله إن كان صادقا فيما يدعي من الرسالة؛ لأن من أرسل رسولا، فهم أحد ~~قتله أو الضرر به، منعه المرسل عن ذلك، فعلى ذلك يقول، والله أعلم. # والثاني: يكون ذلك أمرا من الله - عز وجل - موسى بالدعاء على فرعون ~~بالهلاك؛ لما هم قتله، وعلى ذلك الرسل - عليهم السلام - قد أذن لهم بالدعاء ~~على فراعنتهم ومعانديهم ومكابريهم إذا بلغوا في العناد غايتهم والتمرد ~~نهايتهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف أن يبدل دينكم). # قد كان هناك تبديل الدين فإنه قد أظهر موسى - عليه السلام - دين الحق ~~وآمن أتباعه، لكن كأنه أراد - والله أعلم - بقوله: (أن يبدل دينكم)، أي: ~~يذهب بدينكم من الأصل. # وقوله - عز وجل -: (أو أن يظهر في الأرض الفساد). # ذكر اللعين، وسمى إظهار التوحيد في الأرض ودين الإسلام: فسادا ليعلم أن ~~كل مدع شيئا وإن كان مبطلا في دعواه فعنده أنه على حق وأن خصمه على باطل؛ ~~فلا يقبل ms3901 قول أحد إلا ببرهان، والله أعلم. # ويحتمل أن فرعون اللعين أراد بقوله: (أو أن يظهر في الأرض الفساد) قتل ~~أبنائهم أي: يقتل موسى أبناءكم مجازاة لما قتلتم أنتم أبناءهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) # يحتمل قوله: (من كل متكبر)، أي: متكبر على التوحيد. # ويحتمل متكبر على الرسل لا يؤمن بما يدعوه الرسول إلى الإيمان بيوم ~~الحساب، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم ~~لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن ~~يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف # PageV09P021 # عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ~~الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك ~~مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله ~~من هو مسرف مرتاب (34) الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) # وقوله - عز وجل -: (رجل مؤمن من آل فرعون ... (28) # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو ~~من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم. # والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم. # وقوله: (يكتم إيمانه). # إشفاقا على نفسه، ولا يظهر ms3902 الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على ~~الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر ~~على ألا يظفر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له ~~إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله). # فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقا على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول ~~الله موسى - عليه السلام - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ~~ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي - من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا ~~يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في ~~إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله تعالى - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك ~~بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن ~~أهل مكة لما هموا قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإهلاكه، ألقى أبو ~~بكر - رضي الله عنه - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم ~~إيمانه حيث قال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) فعند ذلك نزلت هذه الآية ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن نزلت قبل ذلك، والله أعلم. # PageV09P022 # وقوله - عز وجل -: (وقد جاءكم بالبينات من ربكم). # أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعا من موسى ~~- عليه السلام - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي. # وقوله: (وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم). # أي: وإن كان كاذبا فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقا فيما يقول ~~ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما ~~كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعا للقتل عن موسى، عليه ~~السلام. # ثم الإشكال أنه قال: (يصبكم بعض الذي يعدكم) ذكر أنه يصيبهم بعض ms3903 الذي يعد ~~الرسل، والرسل إذا وعدوا شيئا يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما ~~أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: # أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ~~(يصبكم بعض الذي يعدكم)، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد ~~لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا ~~فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، ~~والله أعلم. # والثاني: يحتمل أنه كان - عليه السلام - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد ~~أصابهم بعض ذلك من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي ~~بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، ~~فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما ~~وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذبا، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - ~~كيف يكون كذبا؟! والله أعلم والموفق. # والثالث: أراد بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض ~~الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك ~~يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر ~~أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ~~ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ~~(يصبكم بعض الذي يعدكم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)، هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب. # PageV09P023 # والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف ~~والكذب. # وقوله - عز وجل -: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا ~~من بأس الله إن جاءنا ... (29) يخرج على وجهين: # أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني ~~لو ms3904 اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس ~~الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله ~~وليس معنا ذلك؟! وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب ~~الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهارا للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا ~~على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم. # والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه ~~قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك ~~وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا ~~خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟! على هذين القولين يخرج القول منه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى). # قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي. # وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن ليس للعين أن ~~يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضا ~~حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم ~~يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول. # وقوله - عز وجل -: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). # كذب أيضا في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل ~~الغي. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ~~(30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ... (31). # كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوما مثل ~~يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: (يا قوم لكم ~~الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) وعظهم مرة ~~واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم)، # PageV09P024 # وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم ms3905 بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: ~~أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون ~~من لا بينة معه ولا برهان؟! يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، ~~والله أعلم، ووعظهم أيضا وعظا لطيفا فيه رفق حيث قال: (يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) يقول - والله أعلم ~~-: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم ~~عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه ~~بغير حق؟! ثم وعظهم وعظا بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ~~(مثل يوم الأحزاب. مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود) يقول: إني أخاف عليكم أن ~~ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى - عليه السلام - ~~وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، ~~كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم ~~الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون ~~أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم. # ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح ~~وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم. # ثم قوله: (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود) قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ~~ومن ذكر وفعلهم. # وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما الله يريد ظلما للعباد). # في هذه الآية للمعتزلة نوع تعلق؛ يقولون: إن الله تعالى قد أراد من ~~العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يريد ~~ظلما للعباد. # ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: (يريد الله ألا يجعل ~~لهم حظا في الآخرة)، أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظا في الآخرة، ولو لم يرد ~~منهم ما يستوجبون به العذاب كان في ms3906 تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه ~~أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم. # ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا ~~يظلم عباده؛ كقوله تعالى: (وما ربك بظلام للعبيد). # PageV09P025 # والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقب أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ~~ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم ~~شيئا؛ كقوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)، وغير ذلك من الآيات ما ~~فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون ~~مدبرين ... ) # وعظهم أيضا بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، ~~بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما ~~قال: (إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين. . .) الآية. # ثم قوله: (يوم التناد) فيه لغات ثلاث: # إحداها: (يوم التنادي) بالياء. # والثانية: بالتخفيف على حذف الياء. # والثالثة: بالتشديد. # فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندا إذا مضى لوجهه هاربا فارا من ~~عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -. # ومن قرأه بالياء فهو التفاعل عن النداء، فهو على نداء بعضهم بعضا يوم ~~القيامة؛ كقوله تعالى -: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا)، وقوله - عز وجل -: (ونادى ~~أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء)، وقوله: (ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)، وقوله: (ويوم يناديهم فيقول ماذا ~~أجبتم المرسلين)، ونحوه. # ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: (فاقض ما أنت قاض)، وأصله: ~~التنادي، والله أعلم. # ثم قوله تعالى: (يوم تولون مدبرين ... (33) قال بعضهم: يوم تولون هاربين ~~من النار مدبرين عنها؛ كقوله تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه). # وقوله - عز وجل -: (ما لكم ms3907 من الله من عاصم). # أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه. # PageV09P026 # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فما له من هاد) قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما ~~جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو ~~مسرف مرتاب (34). # أي: جاءكم يوسف من قبل موسى - عليه السلام - بالبينات، أي: بالآيات ~~والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن ~~سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم ~~بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم ~~وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما ~~قال - عز وجل -: (فما زلتم في شك مما جاءكم به) ويقول: لم تزل عادتكم وعادة ~~أوائلكم هذا. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا). # جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: (جاءكم موسى بالبينات)، وقوله: (فما زلتم ~~في شك مما جاءكم به)، وقوله: (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) إنما أراد ~~آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف - عليه السلام - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثا ~~إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: (فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل)، وقوله: (ثم اتخذتم العجل من بعده)، وهؤلاء لم ~~يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء ~~العتاب لهم بسوء صنيع آلائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا. # وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن ~~صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد ~~لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ ~~يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن ~~يبعث الله ms3908 من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده ~~رسول بقولهم: (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) ويشبه أن يخرج ~~الآية على هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب). # فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم. # ثم قوله: (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) يخرج من وجهين: # أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده ~~رسولا. # PageV09P027 # والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا ~~أن يكون هو مبعوثا إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك ~~آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده. # أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيا، فإذا هلك يكذبون رسالته، ~~يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر ~~مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ~~(35). # أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو ~~بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى ~~إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ~~أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: (وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق)، والله أعلم. # وقوله: (كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا). # هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله تعالى، ~~أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حب ما ~~أحبه الله وبغض ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ~~ما أحبه الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار). # أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، ~~أي: ms3909 يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر عليس الآيات والرسل، والله أعلم. # ثم قوله: (كذلك يطبع الله على. . .) من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله ~~حروف الاعتلال، بين الله تعالى العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في ~~قوله: (لا يهدي من هو مسرف كذاب) ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان ~~طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة ~~وبرهان، فأما من كان طبعه وعادته غير هذا لكن لجهل جهل ذلك، أو لما يتحقق ~~عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني ~~يجوز أن يهديه الله تعالى ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم. # وعلى ذلك ما كان يصنعه فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه ~~في # PageV09P028 # أمر موسى - عليه السلام - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج ~~التي أتاهم موسى - عليه السلام - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت ~~عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا ~~حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله تعالى ويطبع على قلبه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله ~~وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون ~~أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي ~~دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) ويا قوم ما ~~لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لأكفر بالله وأشرك ~~به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا جرم أنما ~~تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن ~~المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ms3910 إلى الله إن ~~الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب (46) # وقوله - عز وجل -: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ~~(36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ... ). # للمشبهة تعلق بظاهر هذه الآية يقولون: لولا أن موسى - عليه السلام - كان ~~ذكر وأخبر فرعون: أن الإله في السماء، وإلا لما أمر فرعون هامان أن يبني له ~~ما يصعد به إلى السماء ويطلع إلى إله موسى على ما قال تعالى خبرا عن ~~اللعين. # لكنا نقول: لا حجة لهم؛ فإنه جائز أن يكون هذا من بعض التمويهات التي ~~كانت منه على قومه في أمر موسى - عليه السلام - ومن بعض مكائده التي كانت ~~منه به؛ من نحو قوله: (ساحر كذاب)، وقوله: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)، ~~وقوله: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، ونحو ذلك من التمويهات التي كانت ~~منه؛ فعلى ذلك قوله: (ابن لي صرحا. . .) و (فأطلع إلى إله موسى) تمويه منه ~~على قومه بموسى؛ يقول: إن موسى إنما يدعو إلى إله في السماء فهو نحو إله ~~يكون في الأرض، يموه بذلك على الناس أمر موسى من غير أن كان من موسى ذكر، ~~أو أخبر أن الله - تعالى - في السماء على ما كان منه سائر التمويهات وإن لم ~~يكن من موسى ذكر # PageV09P029 # تلك التمويهات له، والله أعلم. # ويحتمل أن فرعون قال ذلك؛ لما رأى أن البركات والخيرات تنزل من السماء؛ ~~فظن أنه في السماء. # ثم اختلف في الأسباب: قال بعضهم: أسباب السماوات: أبوابها. # ويحتمل أسباب السماوات: هي الطرق التي تصعد إلى السماء. # وحقيقة الأسباب: هي ما يوصل بها إلى الأشياء ويقصد إليها، وقد علم اللعين ~~أنه لا يصل إلى ذلك بما ذكر من بناء الصرح، لكنه أراد بذلك ما ذكرنا من ~~التمويهات والتلبيس على قومه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإني لأظنه كاذبا ... (37) # قال هاهنا: (لأظنه كاذبا) بعدما قطع القول فيه: إنه كاذب ms3911 وإنه كذاب؛ ~~ليعلم أنه على حق، وأنه صادق، لكنه يموه بذلك على قومه. # وقوله: (وكذلك زين لفرعون سوء عمله). # قال بعضهم: أي: زين الشيطان عليه سوء عمله. # ويحتمل أن يقال: زين له سوء عمله بالأتباع وكثرة الأموال والحشم الذي ~~أعطي له، زين له سوء عمله بالأسباب التي أعطيت له، فيكون الله تعالى مزينا ~~له سوء عمله بإعطاء الأسباب. # ويحتمل زين له سوء عمله، أي: خلق في طبعه أن يرى ذلك حسنا مزينا وإن كان ~~قبيحا في نفسه حقيقة على ما تقدم ذكره. # وقوله: (وصد عن السبيل). # وقرئ: (صد) بالفتح، فمن قرأ بالفتح فله معنيان: # أحدهما: صد هو بنفسه صدودا. والثاني: صد هو الناس عن سبيله صدا. # ومن قرأ (صد) بالضم، أي: لم يوفق، ولم يرشد؛ لما علم منه اختيار صده. # وقوله: (وما كيد فرعون إلا في تباب). # أي: في خسار، التباب: الخسار، يقال في قوله: (تبت يدا أبي لهب): أي: ~~خسرت، ويقال: تبا له، أي: هلاكا له، وقيل: تبت يد الرجل، أي: خابت. # ثم أخبر عما ذكر ووعظ ذلك الرجل المؤمن من آله، وهو قوله تعالى: (وقال ~~الذي # PageV09P030 # آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) # أي: أبين لكم سبيل الرشاد، مرة خوفهم بما نزل بأوائلهم بتكذيب الرسل وترك ~~اتباعهم، ومرة بين سفههم في أنفسهم بسوء صنيعهم، ومرة وعظهم ونصحهم ودعاهم ~~إلى اتباعه ليبين لهم سبيل الرشاد ويهديهم إليه، وإن خاف على نفسه الهلاك ~~بعدما أظهر الإيمان ولم يبال هلاك نفسه. # وقال الكسائي: الرشاد والرشد والرشد ثلاث لغات، ولا يقرأ هاهنا غير ~~(الرشاد). # ثم قال: (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ~~(39) # أي: متاع ومنفعة يبلغ إلى منتهى آجالكم، يبلغ به العاصي والمطيع إلى ~~أجله، يخبر أنها على الانقضاء والذهاب عن قريب، ويخبر أن دار الآخرة هي دار ~~القرار، أي: تقر بأهلها: إن كان أهلها أهل خير قرت بهم خيرا أبدا لا يزول، ~~وإن كان أهلها أهل شر يقر بهم الشر أبد الآبدين. # ثم أخبر عن ms3912 عدل الله تعالى في أعدائه وفضله في أوليائه حيث قال: (من عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها ... (40) # أي: لا يجزى ولا يزيد لهم على مثل جنايتهم؛ لأن المثل هو العدل في جميع ~~الأشياء، يخبر ألا يزيد على عقوبة عملهم، ولكن يجزيهم بمثله، وأما جزاء ~~الحسنة فإنه يزيد لهم على قدر ما يستوجبون؛ فضلا منه وإحسانا. # ثم فيه دلالة نقض قول المعتزلة: إن صاحب الكبيرة في النار أبدا؛ لو كان ~~على ما ذكروا كان في ذلك تسوية بين صاحب الكبيرة وبين صاحب الشرك؛ فإما أن ~~يكون نقصانا لصاحب الشرك عن مثل عقوبته أو زيادة لصاحب الكبيرة، وقد أخبر ~~أنه لا يجزى إلا مثلها فذلك خلاف ظاهر الآية. # وقوله - عز وجل -: (ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة). # دل هذا عمى أن العمل الصالح لا ينفع ولا يجزي إلا من كان منه الإيمان به. # وقوله: (يرزقون فيها بغير حساب). # يحتمل بلا تبعة: ويحتمل بغير تقدير وعد، وقد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ~~(41) # كأنه قال: يا قوم، ما لي أدعوكم إلى ما به نجاتكم وأنصح لكم، وتدعونني ~~أنتم إلى ما به هلاكي، فمتى يكون بيننا موالاة واجتماع؟! أي: لا يكون، إنما ~~يذكر هذا وأمثاله # PageV09P031 # في المواعظ إذا انتهت غايتها وبلغت نهايتها، فلما تنجع فيهم؛ وهو كقوله ~~تعالى: (لكم دينكم ولي دين)، وقوله تعالى: (لي عملى ولكم عملكم. . .) ~~الآية. # ثم فسر ما يدعون إليه وما يدعوهم إليه من النجاة حيث قال: (تدعونني لأكفر ~~بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42). # هذا منه تفسير ما دعاهم إلى النجاة وبيان ما يدعونه إلى الهلاك. # ثم قوله: (وأشرك به ما ليس لي به علم) قد يستعمل قوله: (ما ليس لي به ~~علم) في نفي العلم، أي: ليس ذلك، وذلك في إثبات العلم بخلافه وضده؛ يقول: ~~وأشرك به ما ليس لي به علم ولا كان من ms3913 الشريك وغيره، أو يقول: تدعونني ~~لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لكم به علم، والله أعلم. # ثم بين عجز ما يعبدون من الأصنام وغيرها، وهو ما قال - عز وجل -: (لا جرم ~~أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله ~~وأن المسرفين هم أصحاب النار (43). # (لا جرم)، أي: حقا؛ يقول - والله أعلم -: بحق أن ما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة، أي: لم تدعكم إلى عبادة نفسها، أي: الأصنام التي عبدوها، والأول ~~أشبه؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم، فأخبر أنها لا ~~تشفع بقوله: (ليس له دعوة)، أي: شفاعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأن مردنا إلى الله). # يقول - والله أعلم -: إن مرجعنا إلى ما أعد الله لنا، أعد لكم النار، ~~وأعد لي الجنة، (وأن المسرفين هم أصحاب النار) والمقتصدين من أصحاب الجنة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله ~~بصير بالعباد (44) # أي: ستذكرون إذا عاينتم ما أعد لكم وأعد لنا: أن ما كنتم عليه ودعوتموني ~~إليه دعاء إلى الهلاك، وما دعوتكم إليه هو دعاء إلى الجنة. # أو يقول: ستذكرون ما نصحت بدعائي إياكم إلى ما به نجاتكم. # وقوله - عز وجل -: (وأفوض أمري إلى الله)، هذا يخرج على وجوه: # أحدها: كأنهم خوفوه وأوعدوه بأنواع الوعيد والتخويف، فقال عند ذلك: ~~(وأفوض أمري إلى الله)، وأتوكل عليه، فيحفظني ويدفع عني شركم وما تقصدون ~~بي، والله أعلم. # والثاني: (وأفوض أمري إلى الله) أي: عليه أتوكل، وأكل في جميع الأمور من ~~الخيرات والشرور، وهو الكافي لذلك. # PageV09P032 # والثالث: إظهار الحاجة إليه، والمؤمن أبدا يكون مظهرا للحاجة إلى الله - ~~تعالى - في كل وقت وكل ساعة، والله أعلم. # والرابع: (وأفوض أمري إلى الله) أي: لا أشتغل بشيء في أمري أصيره إلى ~~الله، تعالى. # وعلى قول المعتزلة لا يصح تفويض الأمر إلى الله تعالى؛ لأنهم يقولون: إن ~~عليه أن يعطيه جميع ما يحتاج إليه المكلف حتى لا يبقى عنده مزيد، وإذا لم ms3914 ~~يبق عنده شيء، فليس لتفويض الأمر إليه معنى، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب ~~(45) # دل هذا على أنهم قد قصدوا قصد المكر به؛ حيث أخبر أنه وقاه سيئات ما ~~مكروا، فجائز أن هموا به قتله، ويحتمل غيره. # ثم يحتمل ما وقاه عن مكرهم بما وقى موسى - عليه السلام - لما أهلكهم ~~وأنجاه من شرهم. # ويحتمل توجيه آخر لا نفسره؛ لأنا لا نحتاج إليه، وإنما حاجاتنا إلى أن ~~نعلم أنه كان بذل نفسه لله تعالى وحفظه. # وقوله - عز وجل -: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب). # استدل بعض الناس على عذاب القبر بقوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإنما يعرض أرواحهم على ~~النار فتألمت أجسادهم في القبور لذلك، وكذلك يعرض أرواح أهل الجنة فيتلذد ~~أجسادهم بتلذذ الأرواح بعد أن أحدث فيها الحياة التي تحقق الألم واللذة هذا ~~في القبور، ثم إذا دخلوا النار يكون لهم ما ذكر من العذاب، حيث قال: (ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)، والله أعلم. # وجائز أن يكون ما ذكر من العرض على النار قبل القيامة قبل أن يدخلوا ~~النار؛ كقوله - تعالى -: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون ~~(22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسئولون (24) ~~ما لكم لا تناصرون (25)، يكون عرضهم على النار هو وقت وقفهم للسؤال وحبسهم ~~لذلك، ثم يدخلون النار؛ فيكون لهم العذاب الذي ذكر؛ وهو قول الحسن. # ثم قوله: (غدوا وعشيا). # يحتمل قدر غدو وقدر عشي، فإن كان التأويل في عذاب القبر يحتمل ما قال ~~بعضهم: أن يقال لهم: هذا لكم ما دامت الدنيا. # ويحتمل أنه ذكر على إرادة الغدو والعشي حقيقة ذلك كل وقت، لكن يتجدد ~~التألم # PageV09P033 # والوجع بكل قدر عشي وغدو، والله أعلم. # وذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنها جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، ~~فهي تعرض على النار كل يوم مرتين (غدوا وعشيا) إلى أن تقوم الساعة. فهو ~~تفسير ms3915 لما ذكر من الغدو والعشي، ثم إن ثبت هذا عنه فهو سماع عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه باب لا يدرك بالتدبير مع ما روي عن ابن عمر - ~~رضي الله عنهما - قال: إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا مات ~~أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن ~~كان من أهل النار فمن النار، يقال له: ها ذاك مقعدك حتى يبعث إليه يوم ~~القيامة " فإن ثبت هذا وصح عنه، فهو دليل لوجوب عذاب القبر، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله:، أي: يعذبون في الأوقات كلها بعد إدخالهم فيها، وذكر ~~الغدو والعشي يخرج على سكون النار في أوقات ثم تلتهب؛ كقوله تعالى: (كلما ~~خبت زدناهم سعيرا)، والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة فيما ذكر من إدخال آل فرعون في أشد العذاب، والخصوصية ~~لهم في ذلك من بين غيرهم من الكفرة؟ # قيل لوجهين: أحدهما: أن غير موسى من الرسل - عليهم السلام - قد نسبوا إلى ~~السحر كما نسب إليه موسى، لكن لم يتبين ولا تحقق لقومهم براءة رسلهم فيما ~~قرفهم الرؤساء والقادة منهم بالسحر والكذب بما وجد منهم التمويه على السفلة ~~والأتباع، وقد تحقق لآل فرعون براءة موسى مما قرفه فرعون بالسحر والكذب، ~~وتبين عندهم صدق ما ادعى من الرسالة، وذلك مما أقر جميع سحرة فرعون أن ما ~~جاء به موسى حق وما يقوله صدق، وإيمانهم بموسى - عليه السلام - نهارا ~~جهارا، واختاروا القطع والصلب، ولم يمتنعوا عن متابعته، وما رأوا من انقلاب ~~العصا حية تسعى وتلقف ما صنعوا؛ فيكون عنادهم أشد ومكابرتهم أكبر؛ فلذلك ~~استحقوا أشد العذاب، والله أعلم. # والثاني: أن آيات موسى أكثرها كانت حسية وآيات غيره عقلية، ومعرفة ما كان ~~سبيله الحس مما لا يتمكن فيه شبهة؛ وقد يتمكن الشبهة فيما كان سبيله العقل، ~~فيكون عنادهم أشد. # PageV09P034 # وبعد، فإنهم قد اتبعوا فرعون بما ادعى لنفسه من الألوهية بلا حجة وبرهان ~~طلبوا منه، وتركوا اتباع موسى - عليه السلام - بما ادعى من الرسالة ms3916 بعدما ~~أقام على ذلك من البينات والحجج والبراهين؛ فلذلك قال: " جعلت أرواح آل ~~فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال: يا آل فرعون، ~~هذه داركم "، قال عبد الله: فذلك عرضها، فإن ثبت هذا عن ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - كان لهم أشد العذاب، والله أعلم. # قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا ~~كل فيها إن الله قد حكم بين العباد. وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) # وقوله - عز وجل -: (وإذ يتحاجون في النار). # ما ذكر هاهنا وفي آي من القرآن وهو ما ذكر: (فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار)، قد علم ~~الضعفاء الأتباع لا يملكون دفع ما هم فيه؛ لأنهم لو كانوا يملكون ذلك، ~~لدفعوا عن أنفسهم، فإذا لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم [فلئلا] يملكوا دفع ~~ذلك عنهم أحق، لكنهم قالوا ذلك لهم ليزدادوا حسرة وندامة؛ وهو كقوله تعالى ~~في آية أخرى: (فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء. . .)، إلى قوله: ~~(سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص). # ويحتمل أنهم إنما قالوا لهم ذلك لما قالوا لهم في الدنيا: (اتبعوا سبيلنا ~~ولنحمل خطاياكم) فيقولون لهم لذلك في الآخرة: (فهل أنتم مغنون عنا من عذاب ~~الله من شيء) أي: حاملون عنا بعض الذي علينا من العذاب (إنا كنا لكم تبعا) ~~في الدنيا (إنا كل فيها) ونعذب (إن الله قد حكم بين العباد). # وقوله - عز وجل -: (قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين ~~العباد (48) # هذا من أولئك الذين استكبروا؛ جوابا للضعفاء على أحد التأويلين، ولا يكون ~~جوابا # PageV09P035 # للآخر، وهو جواب لقولهم الذي قالوا في الدنيا: (ولنحمل خطاياكم)، ~~فيقولون: ms3917 (إن الله قد حكم بين العباد) ألا يزيد العذاب على مثل السيئة، وقد ~~حكم الله تعالى على كل منا بالمثل، فلا يزيد على ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما من العذاب (49) # كان فزع الكفرة أبدا إلى الخلق إذا نزل بهم البلاء في الدنيا، إلا أن ~~يضطروا، فعند ذلك يفزعون إلى الله، فأما ما لم ييئسوا منهم فلا يفزعون ~~إليه؛ فعلى ذلك يكون فزعهم في الآخرة إلى الخلق، وهو ما سألوا أهل الجنة من ~~الماء، أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين)، فلما أيسوا من ذلك عند ذلك فزعوا إلى مالك، وهو ما أخبر الله ~~تعالى عنهم بقوله: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) سألوا ~~الموت، فلما أخبرهم أنهم ماكثون، فعند ذلك فزعوا إلى الخزنة وقالوا: (ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب. قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات)، فلما ~~أيسوا منهم ومما سألوهم من تخفيف العذاب عنهم عند ذلك فزعوا إلى الله ~~تعالى، وهو قولهم: (ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، وقولهم: ~~(ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل)، لم يفزعوا إلى الله ~~تعالى إلا بعد ما انقطع رجاؤهم منهم، وأيسوا، وبالله العصمة والنجاة. # وقد استدل بقوله تعالى: (قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى ~~... (50) من لا يرى الحجة والحكم يلزمهم بمجرد العقل دون الرسل - عليهم ~~السلام - حيث احتج عليهم الخزنة بتكذيبهم الرسل وردهم البينات التي أتتهم ~~الرسل. # واستدلوا أيضا بقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، وبقوله - تعالى ~~-: # (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك)، وقوله - تعالى -: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا)، وغيرها من الآيات التي فيها أنه لا يعذبهم إلا بعدما قامت عليهم ~~الحجة من جهة الرسل ولزمهم الحكم ms3918 بهم، فعند ذلك يعذبون. # لكن تأويل الآية يخرج عندنا على وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك في قوم خاص الذين لا يرون لزوم الحجة والحكم إلا من ~~جهة الرسالة، فيحتج عليهم بما كانوا يرونه؛ ليكون أقرب إلى الإلزام والحجة، ~~وإن كان # PageV09P036 # يجوز أن يحتج عليهم بما هو حجة وهم لا يرونها حجة، والله أعلم. # والثاني: إنما ذكر ذلك على المبالغة والنهاية في الحجة، وإن كانت الحجة ~~قد تلزمهم والحكم قد ثبت بدون ذلك وهو العقل؛ لأن إرسال الرسل وإقامة ~~المعجزات أقرب إلى الوصول إلى الحق، وقد أقام كلا الحجتين فذكرو أظهر ~~الحجتين؛ ليكون أقرب إلى إظهار عنادهم، وهذا كما في تعذيب الكفرة في الدنيا ~~أنهم لم يعذبوا بنفس الكفر حتى كان منهم مع الكفر الاستهزاء بالرسل والعناد ~~لهم وغير ذلك، وإنما كانوا يستوجبون العذاب بنفس الكفر، لكن ترك تعذيبهم ~~حتى يبلغوا النهاية والإبلاغ في التكذيب والعناد؛ وهو كقوله تعالى: (الذين ~~لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)، ذكر هذا على النهاية والإبلاغ في ~~الجناية منهم، وإن كانوا يستوجبون العذاب بجحودهم الزكاة دون جحود البعث، ~~أو جحود البعث دون جحود الزكاة؛ فعلى ذلك الآيات التي ذكرها هي على الإبلاغ ~~والنهاية، وإن كان الحجة تلزمهم والحكم يثبت بدون الرسل، والله الموفق. # وبعد، فإن قوله: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك) فلا تكون ظالما فيما عذبتنا، والظلم من الله ~~تعالى محال؛ فيستحيل تقدير الآية على هذا الوجه؛ دل أن التعذيب قبل الرسل ~~عدل وحكمة وليس بظلم، والله الموفق. # وبعد: فإن في قوله: (أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) دلالة أن الحجة إنما ~~تلزم بالبينات لا بنفس الرسل، والبينات قد وجدت، وسبب المعرفة وطريقها -وهو ~~العقل- قائم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال). # ليس على الأمر بالدعاء، ولكن معناه: أنكم وإن دعوتم لا ينفعكم دعوتكم؛ ~~كقوله: (لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا) أي: هلاكا، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إنا لننصر ms3919 رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ~~(52) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى ~~لأولي الألباب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار (55) # وقوله - عز وجل -: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا). # يحتمل ما ذكر من النصر للرسل والمؤمنين وجوها: # أحدها: أن ينصرهم في الدنيا بالحجج والآيات التي أعطاهم في الدين حتى ~~يدفع بها تسويلات الشيطان وتمويهات السحرة وتغلبها وتعلو على كل هذا في ~~الدنيا، وفي الآخرة أيضا ينصرهم بما يشهد لهم عليهم الملائكة والجوارح ~~بالتكذيب للرسل والمؤمنين، # PageV09P037 # وأنهم دعوهم إلى التوحيد والإيمان، لكنهم كذبوهم وكفروا بما دعوهم إليه، ~~فذلك نصره إياهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم. والثاني: ينصرهم؛ لما يجعل ~~لهم العواقب وآخر الأمر وإن كان في الابتداء قد يكون عليهم، وعلى ذلك لم ~~يذكر عن أحد من الرسل إلا وقد كان عاقبة الأمر له؛ وهو كقوله - تعالى -: ~~(والعاقبة للمتقين)؛ فهذا النصر هو النصر في الأبدان والأول هو نصر في ~~الدين، ولكن إن كان هو نصرا في الأبدان فهو نصر يرجع إلى الدين؛ لما يقوم ~~الدين بسلامة الأبدان، ويتحقق به عز المسلمين، والله الموفق. # والثالث: ذكر نصرهم؛ لما أعطاهم من النعمة في الدنيا والسعة فيها، وهو ~~يذكر للرسل والمؤمنين نصرا ونعمة ومعونة، أما هي للكفرة فتنة ومحنة لا غير ~~لا تذكر باسم النصر والنعمة؛ إذ هي في حق المسلمين وسيلة إلى النعمة ~~الأبدية، وفي حق الكفرة إلى العذاب الأبدي، فتكون نعمة في حقهم حقيقة؛ ~~ولذلك قال تعالى: (الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون)، وقال؛ (بل هي فتنة)، وقوله: (نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)، ~~وقد أخبر أن ما أعطاهم من الأموال والسعة إنما هي فتنة ومحنة لهم، والله ~~أعلم. # فإن قيل: ذكر أنه ينصرهم، وقد نرى مؤمنا قد ينقطع حججه ويعجز عن إقامتها ~~ونراه مغلوبا، والكافر هو الغالب؟! # قيل: عن هذا ms3920 جوابان: # أحدهما: من جعل العاقبة له والغلبة والنصر في آخر الأمر. # والثاني: جائز أن يكون وعده النصر لهم والظفر بالحجة بالشريطة، وهي ~~القيام بوفاء ما لله عليهم من الحق في ذلك، فالنصر والظفر بالحجة في ~~المناظرة أن يكون يزجي عمره في معرفة الحجج والدلائل وأن يكون عارفا بطرق ~~النظر، ومتى كان هذا الشرط موجودا يكون النصر له لا محالة، وشرط الظفر في ~~المحاربة أن يكونوا قاصدين إعزاز دين الله تعالى، دون ابتغاء الدنيا ~~وكلمتهم واحدة ونحوها، ومتى كان المحاربة بشرائطها يكون الظفر لا محالة ~~للمسلمين؛ وذلك كقوله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويوم يقوم الأشهاد). # قال بعضهم: الأشهاد: هم الملائكة يكتبون أعمال بني آدم، يشهدون عليهم بما # PageV09P038 # عملوا من الأعمال. # وقال بعضهم: الأشهاد: هم الرسل يشهدون عند رب العالمين على الكفرة ~~بالتكذيب والرد. # وقال بعضهم: يشهد عليهم الجوارح يومئذ بما كان منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار (52) # ذكر هاهنا: (لا ينفع الظالمين معذرتهم)، وذكر في موضع آخر: (ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون) وبينهما اختلاف من حيث الظاهر؛ لأن القول بأنه لا ينفع معذرتهم ~~بعد وجودها منهم، وقد أخبر أنه لا يؤذن لهم بالاعتذار، لكنهم يعتذرون بلا ~~إذن لهم، فلا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم ذلك؛ فيكون جمعا بينهما من هذا ~~الوجه. # ويحتمل لا ينفع الظالمين معذرتهم لو كان منهم الاعتذار، ولا يقبل ~~اعتذارهم، لكن لم يؤذنوا بالاعتذار حتى يعتذروا؛ وهو كقوله - تعالى -: (ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة)، أي: لو كان منهم فذلك لا يقبل، وكذا قوله ~~تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، أي: لو كانت لهم شفعاء يشفعون لهم، ~~لكان لا ينفعهم شفاعتهم لا أن كان شفعاء؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم)، أي: لو كانوا يعتذرون لا يقبل اعتذارهم ولا ينفعهم ~~معذرتهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ~~(53) # يحتمل الهدى هاهنا وجوها: # أحدها: أي: آتيناه التوراة ms3921 وفيها البيان والدعاء إلى الرشد، وجميع كتب ~~الله تعالى فيها هدى ونور ورحمة. # والثاني: أي: آتاه التوحيد والإسلام. # ويحتمل: آتاه النبوة والرسالة، وآتاه كل ما لله عليه من حق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب). # يحتمل قوله: (الكتاب): التوراة خاصة، ويحتمل التوراة وسائر الكتب؛ لأن ~~الكتب في بني إسرائيل كانت كثيرة، كان فيها التوراة والزبور والإنجيل وغير ~~ذلك، فجائز أن يريد بالكتاب: جميع الكتب التي كانت فيهم؛ إذ ذكر الكتاب ~~بالألف واللام، وإنه يحتمل الجنس والعهد؛ فيجوز الصرف إلى التوراة لمكان ~~العهد، ويجوز الصرف إلى # PageV09P039 # الجميع لمكان الجنس، والله أعلم. # وفي الآية دلالة أن لا جميع كتب الله التي أنزلت فيهم غيرت وبدلت، بل ~~فيهم ما لم يغير ولم يبدل حيث قال: (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب. هدى وذكرى ~~لأولي الألباب (54). # ثم قوله - تعالى -: # (هدى): هو ما ذكرنا أن جمع كتب الله تعالى هدى من الضلالة إلى الرشد، ~~وبيان لما لله عليهم وما لبعض على بعض. # وقوله: (وذكرى) قال بعضهم: موعظة. # وقال بعضهم: تفكرا لأهل اللب والعقل. # وجائز (وذكرى)، أي: ذكر ما سبق، أي: يذكرهم ما نسوا. # وقوله: (لأولي الألباب)؛ لأن أهل اللب هم الذين يتفكرون ويتأملون فيه، أو ~~أن أهل اللب هم المنتفعون بالذكرى وما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار (55) # يحتمل قوله: (فاصبر) وجوها: # أحدها: التكذيب، كان يتأذى بتكذيبهم إياه. # والثاني: كان يتأذى باستهزائهم به. # والثالث: أنواع ما يكيدون: من همهم قتله وضربه وغير ذلك. # والرابع: يحتمل قوله تعالى: (فاصبر)، أي: اصبر على تبليغ الرسالة إليهم، ~~ولا يضجرك تكذيبهم إياك، ولا يمنعك ذلك عن تبليغها، والله أعلم. # والخامس: اصبر ولا تستعجل لهم العذاب قبل ميقاته، وذلك أن الرسل - عليهم ~~السلام - كانوا لا يستعجلون العذاب ما لم يؤذن لهم بذلك، والله أعلم. # ثم قوله: (فاصبر إن وعد الله حق) إن كان المراد من وعده نفس الوعد؛ فيكون ~~تأويله: إن وعد الله صدق، أي: لا يخلف، ms3922 ولا يكون كذبا؛ لأن خلف الوعد في ~~الشاهد إنما يكون لأحد معنيين: # إما لعجزه عن القيام بوفائه. # وإما لضرر يخاف أن يلحقه لو قام بوفاء ما وعد، والله تعالى بريء عن ~~المعنيين جميعا متعال عن ذينك. # وإن كان المراد من قوله - تعالى -: (إن وعد الله حق)، أي: موعود الله؛ ~~فيكون تأويله: إن موعد الله تعالى لكائن حقا، فوعد الله تعالى على الوجهين ~~اللذين ذكرناهما، وعلى هذا يذكر أمر الله تعالى: قد يراد به نفس الأمر، ~~كقوله: (لله الأمر من قبل ومن # PageV09P040 # بعد)، ويذكر ويراد به المفعول؛ كقوله تعالى: (وكان أمر الله مفعولا)، أي: ~~ما يكون بأمره مفعولا، ويكون موعود الله مفعولا، والله أعلم. وما ذكر ~~الصلاة أمر الله. # ثم لسنا ندري ما كان من وعده لرسوله حتى أخبر أنه كائن، فجائز أن يكون ما ~~قال بعض أهل التأويل: إنه وعد له أن يعذب كفار مكة يوم بدر بالقتل وغير ~~ذلك، فكذبوه، وقالوا مستهزئين به: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)، قال: ~~(فاصبر إن وعد الله حق) يحتمل غيره. # وقوله: (واستغفر لذنبك): # جائز أن يكون ما ذكر في قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، ~~باستغفاره إياه. # وجائز أن يكون قوله: (ليغفر لك الله)، ما يغفر له من أمته بشفاعته كما ~~ذكر في الخبر: " يغفر للمؤذن مد صوته " أي: يجعل له الشفاعة إلى حيث يبلغ ~~صوته. # وقوله: (وسبح بحمد ربك). # قد ذكرنا التسبيح بحمد ربه، ثم جائز أن يريد بالتسبيح نفس التسبيح، فإن ~~كان كذلك فيكون ذكر العشي والإبكار ليس هو ذكر التوقيت له، ولكن الأوقات ~~كلها الليل والنهار؛ كقوله - تعالى -: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي): ليس يريد نفس الغداة والعشي خاصة دون غيرهما من الأوقات، ~~بل هما عبارة عن جميع الأوقات كأنه يقول: اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~آناء الليل والنهار؛ فعلى ذلك الأول يحتمل هذا، والله أعلم. # وإن كان المراد من التسبيح هاهنا: الصلاة، فكأنه يقول: (وسبح بحمد ربك ~~بالعشي والإبكار) كناية ms3923 عن صلاة النهار. # أو أن يكون (الإبكار) كناية عن صلاة الغداة، و (بالعشي) كناية عن صلاة ~~العشاء على ما ذكره بعض الناس، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما ~~يستوي الأعمى # PageV09P041 # والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) ~~إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن ~~في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) # قال عامة أهل التأويل: إن اليهود جادلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في الدجال أنه منهم، وأنه في الطول كذا ونحوه؛ وعلى ذلك نسق الآيات التي ~~تتلو هذه الآية. # ولكن لسنا ندري بماذا صرفوا مجادلتهم في آيات الله إلى المجادلة في ~~الدجال، ولا يسع أن نحمل ما ذكر من مجادلتهم في آيات الله على المجادلة في ~~الدجال، إلا أن يثبت خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق ~~التواتر أن المجادلة المذكورة في الآية في الدجال؛ فحينئذ يصرف إلى ذلك، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) أي: يجادلون ~~في دفع آيات الله بغير حجة أتتهم من الله، وكانت المجادلة في دفع آيات الله ~~من رؤساء الكفرة وأكابرهم، كانوا يموهون بمجادلتهم في دفع آيات الله تعالى ~~والطعن فيها على أتباعهم وسفلتهم؛ ليبقى لهم الرياسة والمأكلة التي كانت ~~لهم، وهو ما ذكر: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن. . .) ~~الآية، (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها)، وغير ذلك من ~~الآيات، لم يزل الأكابر منهم والرؤساء يطعنون في آيات الله تعالى ~~ويدفعونها، يريدون التمويه والتلبيس على أتباعهم وسفلتهم، ليبقى لهم العز ~~والشرف الذي كان لهم، ويبطلوا به الحق، ويطفئوا ms3924 نوره؛ كقوله - عز وجل -: ~~(ليدحضوا به الحق)، وقوله - تعالى -: (يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم)، هذا كان مرادهم من مجادلتهم في آيات الله والطعن فيها. # ثم أخبر - عز وجل - أنهم يجادلون، ويفعلون ذلك؛ تكبرا منهم على آيات الله ~~والخضوع لرسله، حيث قال - عز وجل -: (إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه). # أي: ما في صدورهم إلا كبر، أي: كبرهم هو الذي حملهم على المجادلة في آيات ~~الله، ثم الذي حملهم على الكبر جهلهم بسبب العز والشرف، ظنوا أن العز ~~والشرف إنما يكون بالأتباع الذين يصدرون عن آرائهم، ولو عرفوا منهم يكون ~~العز والشرف، لكانوا لا # PageV09P042 # يفعلون ذلك، إنما العز والشرف في طاعة الله تعالى واتباع أمره، ليس في ~~اتباع من اتبعهم ولا في ائتمار من ائتمرهم، ولكن فيما ذكرنا، والله أعلم. # ثم أخبر أنهم ليسوا ببالغين إلى ما قصدوا من إطفاء النور الذي أعطى ~~المؤمنين، ولا إدحاض الحق وإبطاله حيث قال - عز وجل -: (ما هم ببالغيه)، ~~وقوله: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره). # وقوله - عز وجل -: (فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير). # قال عامة أهل التأويل: أمره أن يستعيذ بالله من فتنة الدجال، لكن عندنا: ~~أمره أن يتعوذ بالله من مكائد أولئك الأكابر والفراعنة، قد هموا أن يمكروا ~~به ويكيدوا، أمره أن يتعوذ بالله من مكرهم وكيدهم، كما أمره أن يتعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم، حيث قال: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. . .) ~~الآية، وهذا أولى من الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (57) # قال أهل التأويل: أي: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الدجال، لكن قد ~~ذكرنا بعد صرف الآية إلى الدجال. # ثم يحتمل قوله: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) وجهين: # أحدهما: الآية نزلت في مقرين بخلق السماء والأرض، منكرين بالبعث؛ يقول: ~~إن خلق السماوات والأرض مبتدأ بلا احتذاء بغير أكبر وأعظم من إعادة الناس، ~~فإذا عرفتم أنه قدر على خلق السماوات والأرض مبتدأ ms3925 بلا احتذاء بغير، لكان ~~قدرته على إعادة الخلق أحق؛ إذ إعادة الشيء في عقولكم أهون من البداية؛ ~~كقوله: (وهو أهون عليه)، فكيف أنكرتم قدرته على البعث وقد أقررتم بقدرته ~~على خلق ما ذكر؟! # والثاني: أن تكون الآية نزلت في مقرين بخلق الناس منكرين بخلق السماوات ~~والأرض؛ يقول: إن خلق السماوات والأرض وإمساكها في الهواء بلا تعليق من ~~الأعلى ولا عماد من الأسفل، مع غلظها وكثافتها أكبر وأعظم في الدلالة على ~~حدثها وخلقها من خلق الناس؛ لأن خلق الناس إنما يكون بالتغير والتولد من ~~حال إلى الحال الأخرى، فيجوز أن يتوهم كون ذلك وافتراقه ثم اجتماعه من بعد ~~وظهور ذلك منه، وأما السماء فهي على حالة واحدة فلا [يتمكن] توهم ذلك لما ~~ذكرنا. # PageV09P043 # ويحتمل أن تكون الآية في نازلة كانت وسبب، لسنا نحن نعرف ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) # قال بعضهم: لا يستوي من عمي من توحيد الله وشكر نعمه ومن أبصر وحدانية ~~الله وقام بشكر نعمه، كما لم يستو عندكم من جهل حق آخر وكفر نعمه وإحسانه ~~ومن عرف حقه وقبل إحسانه وقام بشكره، فإذا عرفتم أنه لا استواء بين هذين ~~عندكم، فاعرفوا أنه لا يستوي من عمي عن وحدانية الله وشكر نعمه ومن أبصر ~~وحدانيته وقام بشكره، وكذلك ما ذكر من قوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ولا المسيء) يقول: إذا عرفتم أنه لا يستوي من آمن بالله وصدق خبره وأحسن ~~إليه ومن كذبه وأساء إليه؛ فعلى ذلك لا يستوي من آمن بالله وصدقه وقابل ~~إحسانه بالشكر ومن كذبه وكفره نعمه وإحسانه. # وقال بعضهم: أراد بقوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير) حقيقة الأعمى ~~البصر والبصير نفسه؛ يقول: تعرفون أنه لا يستوي الأعمى أعمى البصر والبصير ~~نفسه في الدنيا؛ فعلى ذلك لا يستوي من عمي عن دينه ومن أبصر في الآخرة، وقد ~~عرفتم أنهم قد استووا في هذه الدنيا -أعني: المسيء والمحسن والصالح والمفسد ~~والمطيع والعاصي- وفي الحكمة: ms3926 التفريق بينهما؛ دل أن هناك دارا أخرى يفرق ~~بينهما فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(قليلا ما تتذكرون)]. # أي: قليلا ما يتذكرون أن لا استواء بين من ذكر من المحسن والمسيء والصالح ~~والمفسد والمطيع والعاصي، والله أعلم. # * * * # وقوله - عز وجل -: (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (59) أخبر أنها آتية لا محالة وقد ذكرنا، إنما صار خلق الدنيا وما ~~فيها حكمة بالساعة (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) بها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ~~ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا ~~بآيات الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم ~~فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ~~(64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه # PageV09P044 # مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) # وقوله - عز وجل -: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) # نزلت في أهل التوحيد يقول: (ادعوني أستجب لكم)، ثم تخرج على الاستغفار ~~مرة؛ لما كان منهم من التضييع في حقوق الله تعالى وما أمرهم به ونهاهم عنه ~~والتفريط في ذلك، استغفروا أغفر لكم. # ويحتمل (ادعوني أستجب لكم): اطلبوا مني التوبة عن ذلك أتوب عليكم، والله ~~أعلم. # وإن كانت الآية في أهل الكفر فيكون قوله: (ادعوني أستجب لكم)، أي: وحدوني ~~أغفر لكم. # ويحتمل اعبدوني أغفر لكم؛ وهو كقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، ~~وقد جاء في بعض الأخبار عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: (ادعوني أستجب. . .) "، وفي بعض الأخبار: " ~~الدعاء مخ العبادة "، وأصل هذا: أنه ينظر كل أحد إلى ما ارتكبه، فإن كان ~~سببا يستوجب به العقوبة كان استغفاره القيام بقضاء ما ms3927 تركه وضيعه، والعزم ~~على ألا يعود إلى ذلك أبدا، وإن كان سببا غير معروف، تركه ويستغفر الله ~~تعالى في ذلك، ويطلب منه التجاوز والمغفرة، وأصل ذلك ما قال الله تعالى: ~~(وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم). # وقوله - عز وجل -: (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي). # ذكر الإجابة بالشريطة، وهو أنهم إذا آمنوا به وأوفوا عهده يعرف لهم ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). # استدل بعض الناس بهذه الآية على أن قوله: (ادعوني) إنما أراد به العبادة ~~على ما ذكرنا. # فإن قيل: إن هذه السورة نزلت بمكة، وأهل مكة كانوا يقولون: (ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وفي ظاهر ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته، ~~لكنهم لم يروا # PageV09P045 # أنفسهم أهلا لعبادة الله فعبدوا غيره دونه، كمن يعظم ويخدم خادما من خدم ~~ملك من ملوك الدنيا لا يكون مستكبرا عن خدمة الملك. # لكن تأويل الآية يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى أمر عباده بطاعة رسوله والإجابة له إلى ما يدعوهم، ~~فإذا لم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه ولم يطيعوه استكبارا منهم وتكبرا عليه، ~~صار ذلك منهم كالاستكبار عن طاعة الله وعن عبادته. # والثاني: أنهم وإن كانوا عبدوا الأصنام رجاء أن تقربهم إلى الله زلفى، ~~ولم يقصدوا قصد الاستكبار عن عبادته فهم تركوا عبادته، مع أنهم أمروا بها ~~وبلغ إليهم أمره على ألسن الرسل، فكأنهم استكبروا عن عبادة الله تعالى؛ إذ ~~في الشاهد يخدم المرء لبعض خواص الملك ليقربه إليه: إذا أمره الملك أن ~~يخدمه وقربه إلى مجلسه فامتنع - يقدر ذلك منه استكبارا، ويبين أن خدمته ~~لذلك ما كان ليقربه إلى الملك؛ حيث قربه فلم يقرب، ففي الغائب كذلك؛ لذلك ~~كان استكبارا منهم، والله أعلم. # وقوله: (سيدخلون جهنم داخرين). # قال القتبي وأبو عوسجة: (داخرين): صاغرين ذليلين. # وقوله - عز وجل -: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) يذكرهم ms3928 نعمه ~~التي أنعم عليهم، يستأدي بذلك شكره، حيث قال: (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) ~~راحة لأنفسكم وأبدانكم، (والنهار مبصرا) تبصرون فيه معايشكم وما تحتاجون ~~إليه. # ثم قوله: (والنهار مبصرا) أي: يبصر به وفيه. # وقوله - عز وجل -: (إن الله لذو فضل على الناس) أخبر أن ذلك كله منه لهم ~~فضل ومنة ورحمة لا باستحقاق يستحقون ذلك قبله (ولكن أكثر الناس لا يشكرون). # وقوله - عز وجل -: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون (62) # يقول: ذلك الذي صنع بكم هو ربكم لا الأصنام التي تعبدون من دونه، (خالق ~~كل شيء) هو خلقكم وخلق كل شيء واحد لا شريك له، (فأنى تؤفكون) أي: أنى ~~تصرفون وتعدلون عن عبادته والقيام بشكره، والله أعلم. # PageV09P046 # وقوله - عز وجل -: (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) # عن عبادته والقيام بشكره قبلكم، وأصل الإفك: الصرف؛ كقوله: (أجئتنا ~~لتأفكنا) أي: لتصرفنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم ~~فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ~~(64) # يذكرهم عظم نعمه عليهم حيث جعل لهم الأرض بحيث يقرون عليها ويتعيشون، ~~والسماء بناء عليهم حيث لا تسقط عليهم، وجعل منافع بعضها متصلة بمنافع ~~البعض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن ذلك كله صنع واحد. # وقوله - عز وجل -: (فأحسن صوركم)، يحتمل وجهين: # أحدهما: قوله: (فأحسن) أي: أحكم وأتقن في الدلالة على معرفة وحدانية الله ~~تعالى وربوبيته، على ما أظهر في كل شيء من الدلالة على وحدانيته وربوبيته. # والثاني: قوله: (فأحسن صوركم)، أي: حسن تركيبها منتصبا قامتها غير منكبة ~~كسائر الصور التي خلقها منكبة على وجهها. # وقوله - عز وجل -: (ورزقكم من الطيبات). # قال بعض أهل التأويل: أي: رزقكم من الحلال، لكن الأشبه: أي: رزقكم من ~~أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأن الله تعالى أخرج من الأرض نباتا مختلفا جعل ~~أطيبه وألينه رزقا للبشر، وسائره رزقا للدواب. # (ذلكم الله ربكم). # ذلك الذي صنع بكم هذا هو ربكم، لا الأصنام التي ms3929 تعبدونها. # (فتبارك الله رب العالمين). # وقوله - عز وجل -: (هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين (65) # قال أهل التأويل: (الحي): الذي لا يموت أبدا، لكن هذا مما يعرفه كل أحد، ~~وأصل الحي هو النهاية والغاية في الثناء عليه والمدح، لا كل شيء يبلغ في ~~الانتفاع به غايته يسمى: حيا، نحو الأرض والأشجار وكل شيء يبلغ في الانتفاع ~~به، والله أعلم. # وقوله: (لا إله إلا هو). # هو المعبود في لسان العرب، ويسمى العرب كل معبود: إلها، كأنه يقول: لا ~~إله ولا معبود يستحق العبادة إلا هو. # PageV09P047 # وقوله - عز وجل -: (فادعوه مخلصين له الدين). # أي: ادعوه بإخلاص الدين له. # ثم يحتمل قوله: (فادعوه مخلصين له الدين) وجهين: # أحدهما: أي اعبدوه مخلصين له العبادة، لا تشركوا فيها غيره؛ من نحو ما ~~كانوا يعبدون الأصنام دونه رجاء الشفاعة لهم وتقريبهم إليه، أخلصوا العبادة ~~والدين، والإخلاص: هو التصفية له. # والثاني: ادعوه على حقيقة الدعاء له والتسمية؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ~~ادعوه وسموه: إلها، لا تدعوا ولا تسموا غيرا: إلها؛ لأنهم كانوا يسمون ~~ويدعون الأصنام التي عبدوها: آلهة. # وقوله - عز وجل -: (الحمد لله رب العالمين). # أي: (الحمد لله رب العالمين) على خلقه بما أنعم عليهم وصنع إليهم، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني ~~البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ~~ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ~~ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) # وقوله - عز وجل -: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما ~~جاءني البينات من ربي). # كان الكفرة دعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادة ما عبدوا هم ~~من الأصنام، فقال: إني نهيت عن ذلك، وهو كما ذكر في غير آي من القرآن، ms3930 حيث ~~قال: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين)، وقوله - عز وجل -: (ولا ~~تكونن من المشركين)، وغير ذلك من الآيات. # وقوله: (لما جاءني البينات من ربي)، يحتمل وجهين: # إن كان المراد من البينات القرآن أو الآيات التي جعلت معجزة له، على ما ~~قاله أهل التأويل - فهو على التأكيد والإبلاغ، فإنه كان النهي عن عبادة غير ~~الله تعالى والشرك بالله لازما قبل مجيء الرسل وما أتوا من البينات على ما ~~تقدم، والله أعلم. # والثاني: يحتمل قوله: (لما جاءني البينات من ربي): العقل الذي يعرف به ~~ذلك، ويكون قوله: (جاءني) أي: ظهر لي؛ كقوله تعالى: (جاء الحق)، أي: ظهر ~~الحق، والله أعلم. # وقوله: (وأمرت أن أسلم لرب العالمين). # PageV09P048 # أي: أمرت أن أجعل الخلق وكل شيء لله سالما خالصا لا أشرك فيه غيره، والله ~~الموفق. # وقوله: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ~~ولعلكم تعقلون (67) بذكرهم الوجوه التي بها يوصل إلى معرفة شكر ما أنعم ~~عليهم؛ قال: (هو الذي خلقكم من تراب) أي: خلق أصلكم من تراب، (ثم من نطفة) ~~أي: خلقكم من نطفة، يذكرهم هذا؛ ليعلم خلقه إياهم من تراب - أعني: خلق ~~أصلهم ليس باستعانة منه بذلك التراب؛ لأنه لو كان على الاستعانة منه، لكان ~~لا معنى لخلق أنفسهم من الماء على الصورة التي جعلهم من تراب وعلى جنسه؛ إذ ~~ليس في الماء من آثار التراب شيء، ولا في الماء والنطفة من آثار العلقة ~~شيء، ولا في العلقة من آثار الطفولية شيء من اللحم والعظم والجلد والشعر ~~وغير ذلك، ليس في التراب معنى الماء ولا في الماء معنى التراب، ولو كان على ~~الاستعانة بذلك لكان المخلوق من أحدهما لا يكون مثل المخلوق من الآخر في ~~تركيبه وتصويره، وهما يختلفان في أنفسهما، وكذلك ما ذكر من تقلبه من حال ~~إلى حال وتبديله من نوع إلى نوع، وليس في كل حال ms3931 يقلب إليها من الحال التي ~~كانت شيء ولا من شبهها؛ ليعلم أن كل ذلك إنما كان بقدرة ذاتية وعلم ذاتي ~~وتدبير ذاتي كذلك، لا باستعانة شيء مما ذكر ولا سبب له في ذلك، ولكن كان ~~بمعنى جعل فيه كان ذلك كذلك بوجود ذلك المعنى، والله أعلم. # وقوله عزوجل -: (ثم لتبلغوا أشدكم) أي: تبلغوا حتى يشتد كل شيء منكم من ~~البينة والعقل وغير ذلك. # وقوله: (ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل). # أي: منكم من يتوفى من قبل أن يبلغ شيخا. # وقوله: (ولتبلغوا أجلا مسمى). # أي: لتبلغوا الأجل الذي جعل لكم. # وقوله: (ولعلكم تعقلون): # ما بين لكم وذكر لكم. # وقوله: (هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) # أي: وهو الذي يخلق حياة كل شيء ويخلق موت كل شيء، وعلى قول المعتزلة: ~~يجوز أن يسمى كل عبد: محييا مميتا؛ لقولهم: إن القتيل ليس بميت بأجله، بل ~~ميتة القاتل، وقولهم: إن المتولدات من الفعل هي فعل ذلك الفاعل؛ فعلى قولهم ~~هذا يجوز تسمية كل أحد: محييا مميتا. # PageV09P049 # وقوله - عز وجل -: (فإذا قضى أمرا فإنما). # يترجم بقوله: (كن) من غير أن كان منه كاف ونون، فذلك تكوينه - والله ~~الموفق - وقد ذكرنا هذا فيما تقدم على الإبلاغ. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) ~~الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون. إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل يسحبون. في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم ~~أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل ~~شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~(76) # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله). # قوله: (ألم تر) هو على حقيقة الرؤية والنظر. # ويحتمل (ألم تر): ألم تعلم، معناه: ألم تعلم سفه الذين يجادلون في آيات ~~الله، أو جهل الذين ms3932 يجادلون في آيات الله، أي: في دفع آيات الله والطعن ~~فيها بلا حجة على ما تقدم ذكره في قوله: (يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم)، فعلى ذلك هذا. # وقوله - عز وجل -: (أنى يصرفون). # أي: آية، أي: حجة تصرفهم أو صرفتهم عن آيات الله، أو من أين يصرفون ~~ويعرضون عن آيات الله بعد ما تقرر عندهم أنها آيات الله؟! والله أعلم. # وقوله: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) # جائز أن يكون قوله: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا) تفسير ~~مجادلتهم التي ذكر في دفع آيات الله. # وجائز أن يكون قوله: (الذين كذبوا بالكتاب): الذي آتاهم الرسل وكذبوا بما ~~أرسلنا به رسلنا، أي: كذبوا - أيضا - بما أمرهم الرسل بالوحي من غير كتاب؛ ~~إذ الوحي نوعان: متلو، وغير متلو، فلم يكن قوله: (وبما أرسلنا) تفسيرا ~~للكتاب، وعلى التأويل الأول قوله: (وبما أرسلنا به رسلنا) أي: الكتاب؛ ~~فيكون تفسيرا له، والله أعلم. # وقوله: (فسوف يعلمون): # وعيد لهم، أي: سوف يعلمون علم عيان بعدما علموا علم خبر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في ~~الحميم). # ذكر أن في السلاسل ثلاث لغات: الرفع والنصب والخفض. # PageV09P050 # فمن رفعها يقول: معناه: إذ جعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم يسحبون بها ~~في الحميم. # ومن قال بالخفض فتأويله: إذ الأغلال في أعناقهم وفي السلاسل، أي: يجعل ~~الأغلال في السلاسل، فيسحبون بها في الحميم. # ومن قال بالنصب كأنه قرأه: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في ~~الحميم) أي: يسحبون السلاسل في الحميم. # وقوله: (يسحبون) أي: يجرون، والحميم: قد مر تأويله، وهو ما يشرب منه وقد ~~انتهى حره غايته. # وقوله: (ثم في النار يسجرون (72) أي: يوقدون، ذكر ما يسقون فيها وهو ~~الحميم، وذكر ما يحرقون به. # قال أبو عوسجة: (يسحبون) أي: يجرون، وصرفه: أسحب، يسحب إسحابا، أي: جرا. # وقوله: (يسجرون) أي: يوقدون بهم، يقال: سجرت، أي: أوقدت فيه، وصرفه: سجر ~~يسجر سجرا. # وقوله: (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله ms3933 ... ) # ظاهر هذه الآية: أن هذا القول لهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه ذكر على أثر ~~قوله: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون. في الحميم ثم في النار ~~يسجرون)، فظاهرها أن قوله: (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون. من دون الله) ~~بعد دخولهم النار، وظاهر قوله بعد هذا متصلا به: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين) - على أن ذلك القول إنما يقال لهم قبل أن يدخلوا ~~النار. # وقوله - عز وجل -: (قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ... (74) # هذا القول منهم يخرج على وجهين: # أحدهما: على إنكارهم وجحودهم عبادة الأصنام التي عبدوها في الدنيا ~~وأشركوها إياه في ألوهيته؛ وهو كقوله: (ثم لم تكن فتنتهم. . .) الآية، ~~وقوله: (فيحلفون له كما يحلفون لكم)، أنكروا ما كان منهم، وأقسموا على ذلك، ~~وهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى قبول الآيات والتصديق لها؛ لأنهم ~~أنكروا أن يكونوا مشركين بعدما عاينوا العذاب وظهر لهم خطؤهم وكونهم على ~~الباطل، ثم لم يمنعهم ما عاينوا من الكذب. # PageV09P051 # والثاني: قوله: (بل لم نكن ندعو من قبل شيئا. . .) ليس على الإنكار ~~والجحود، ولكن لما رأوا أن عبادتهم الأصنام لم تنفعهم يومئذ ولم تغنهم عما ~~نزل بهم فقالوا عند ذلك: بل لم نكن ندعو شيئا من قبل، أي: الذي كنا نعبده ~~في الدنيا كان باطلا، لم يك شيئا؛ حيث لم ينفعنا ذلك في هذا اليوم. # فإن كان تأويل الآية هذا، فهذا يدل على أن قوله: (أين ما كنتم تعبدون) ~~بعدما دخلوا النار. # وإن كان تأويله الأول على الإنكار والجحود، فذلك يدل على أن ذلك القول ~~قبل أن يدخلوا النار حين يشهد عليهم الجوارح، وذلك يقرر قوله: (ادخلوا ~~أبواب جهنم)، والله تعالى أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يضل الله الكافرين). # أي: هكذا يضل الله من علم منه اختيار الكفر والضلال يضله؛ وهو كقوله: (ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم)، أي: إذ علم منهم اختيار الانصراف صرفهم، وكذلك ~~قوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، أي: إذ علم منهم ms3934 أنهم يختارون الزيغ ~~أزاغهم، والله أعلم. # وقوله: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) # أي: ذلك جزيتكم من النار بما كنتم تسرون في الدنيا بالباطل؛ إذ هم كانوا ~~كذلك في الدنيا يفرحون ويسرون على كونهم على الباطل. # وقيل: (تفرحون) أي: تبطرون، لكن هو على الفرح والرضاء بما اختاروا ~~لأنفسهم. # وقوله: (وبما كنتم تمرحون). # أي: وبما كنتم تتكبرون، كذلك كانوا يسرون ويرضون بكونهم على الباطل، ~~وينكرون بذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، والمرح: ~~التكبر؛ وهو كقوله: (ولا تمش في الأرض مرحا)، أي: تكبرا. # وقوله: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76). # قد ذكرناه فيما تقدم. # * * * # قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من ~~لم نقصص عليك وما كان # PageV09P052 # لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون. الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ~~(80) ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) # وقوله: (فاصبر إن وعد الله حق ... (77) # قد ذكرنا هذا أيضا. # وقوله: (فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون). # كأنه كان يتوقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزول ما وعد لهم ويخطر ~~ذلك بباله، ويطمع ذلك، فنهاه عن توقع نزول العذاب الذي وعد للكفرة في الوقت ~~الذي يطمع فيه، وعن الخطر بباله النصر له وإهلاك أولئك في الوقت الذي ~~يتوقع، كأنه يقول: إن شئنا أريناك بعض الذي نعدهم، وإن شئنا توفيناك ولم ~~نرك شيئا؛ وهو كقوله: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم)، وإلا ~~ظاهر قوله: (فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك) حرف شك لا يحتمل ذلك من ~~الله تعالى؛ إذ هو يعلم أنه يفعل ذا أو لا يفعل، أو يكون ذا أو لا يكون، ~~لكن الوجه ms3935 فيه ما ذكرنا: أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطمع ~~نزول ما وعد، ويحدث نفسه بذلك، فيقول له: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلينا على ~~ما ذكرنا، والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " هذه الآية من المكتوم؛ لأن ~~ظاهره شك ". # وفي الآية دلالة الرسالة؛ لأنها خرجت مخرج العتاب للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والتوبيخ له (1)، ثم أظهر ذلك على الناس، والسبيل في مثله في عرف ~~الناس الإخفاء والإسرار عن الناس؛ فدل أنه إنما أظهر عليهم للأمر بالتبليغ، ~~وكذلك في قوله - تعالى -: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم)؛ ~~إذ المرء لا يظهر مثل ذلك من غير أمر وتكليف ممن وجب عليه طاعته، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (لقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من ~~لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ~~قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) يقول: لست أنت بأول رسول أرسلت إليهم ~~فاستعبدوك وأنكروك وكذبوك، بل قد أرسل إلى الأمم السالفة رسل مثل ما أرسلت ~~أنت إلى هؤلاء. # وقوله: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك). # في الآية دلالة: أنا لم نؤخذ بمعرفة أعين الرسل وأساميهم على التعيين، ~~كما أنا لا نؤخذ بالإيمان بالله - تعالى - بجميع ما جاء منه على التفصيل ~~والتعيين بأساميهم؛ لكن على الجملة، وعلى هذا قلنا: إن الإيمان برسول واحد ~~إيمان بجميع الرسل؛ إذ المرء PageV09P053 # يوجد منه الإنكار لغيره على الجملة أو التعيين، وكذلك الإيمان بالله ~~تعالى إيمان بالرسل جميعا؛ لأن الإيمان بالله إيمان بأمره ونهيه؛ فيكون ~~إيمانا بمن جاء الأمر والنهي على يده، والله الموفق. # وقوله: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله). # كأنهم سألوه أن يأتي بآية بعد آية على أثر آية أخرى، فقال عند سؤالهم ~~ذلك: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) أي: ليس لرسول أن يأتي ~~بالآية على شهوته أو على شهوة السائل. ms3936 # وهذه الآية تدل على نقض قول الباطنية؛ فإنهم يقولون: إن أنفس الرسل جواهر ~~روحانية يأتون بها الآية حيث شاءوا وكيف شاءوا، فكان للرسل عندهم بسبب ~~الجواهر الروحانية التي فيهم - قدرة إتيان الآيات كيف شاءوا من غير إذن من ~~الله تعالى، ومن غير سؤال منهم إياه في وقت الإتيان، ولو كان الأمر على ما ~~قالوا لم يكن لقوله: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) معنى، ~~وأنه مخالف للآية؛ فإن فيها إخبارا: أنه لا يأتي الرسل بالآيات إلا بإذن من ~~الله تعالى، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون). # أي: إذا جاء الأمر بعذاب الله، أو إذا جاء الأمر بموعود الله، يعبر ~~بالأمر عن الموعود الذي أوعدوا، وقد ذكرنا معنى الخسران فيما تقدم. # وقوله: (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) # ذكرهم بهذه الآية وبالآية التي تقدم ذكرها لوجهين: # أحدهما: يذكرهم النعمة التي أنعمها عليهم حيث قال: (جعل لكم الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله)، وقال: (جعل لكم الأرض قرارا ~~والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات)، ثم قال هاهنا: (جعل ~~لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون)، ذكرهم أولا بدء إنشائهم حيث خلقهم ~~من تراب ثم من نطفة. . . إلى آخر ما ذكر. # وفيه دلالة وحدانيته وعلمه وتدبيره وقدرته، ثم ذكرهم من بعد نعمه. . . ~~إلى آخره؛ يستأدي بذلك شكره وحمده على ذلك، هذا وجه. # والثاني: يذكرهم أنه إنما أنشأ هذه الأشياء التي ذكرها وعدها عليهم ~~للبشر، لم ينشئها # PageV09P054 # لأنفسها، كأنه يقول - والله أعلم -: قد أنشأت هذه الأشياء لكم تنتفعون ~~بها وتستعملونها كيف شئتم، فما بالكم أشد إنكارا وكفرا بالنعمة من غيركم من ~~العالم، وسائر العالم أشد خضوعا واستسلاما لنعمه والقيام بشكرها له؟! # ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله تعالى أن يؤلم طفلا ~~ونعما إلا بعوض يعوضها، ثم لا شك أن ما سخر من الأنعام والدواب للبشر، ومكن ~~لهم استعمالها والانتفاع بها أنواع المنافع؛ أنها تتأذى ms3937 وتتألم بذلك؛ فيجب ~~على قولهم: ألا يكون لله تعالى أن يؤلم إلا بعوض ترضى به هذه الأشياء؛ إذ ~~هكذا حكم كل مجعول بعوض أن يشترط رضا أربابها في العوض، وإذا لم تكن هذه ~~الأشياء من أهل الرضاء بحيث ألا يجوز التعويض؛ فدل أن ذلك بناء على ما قلنا ~~من أن الأصلح ليس بواجب، والله الموفق. # ثم جعل منافعها مختلفة منها الركوب ومنها الأكل وغير ذلك من الانتفاع ~~بصوفها ووبرها، وما أعطى لهم أيضا من السفن يركبون بها البحار؛ ليصلوا إلى ~~حوائجهم في الأمصار التي بعدت منهم ونأت؛ فضلا منه ومنة، فذلك قوله: (ولكم ~~فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80). # وقوله: (ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) # يحتمل أنه أراهم آيات وحدانيته وألوهيته، وأراهم آيات نعمه وإحسانه إليهم ~~ونحوها، يقول: [فأي] آيات الله التي أراكم تنكرونها أنها ليست من الله ~~تعالى. # * * * # قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~(82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما ~~كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد ~~خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) # وقوله - عز وجل -: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم). # قد ذكرنا معناه في غير موضع. # وقوله: (كانوا أكثر منهم وأشد قوة). # PageV09P055 # أي: كانوا أكثر عددا منكم وأشد في القوة والبطش. # وقوله: (وآثارا في الأرض). # أي، أكثر أعمالا منكم، ثم كانت عاقبتهم الهلاك والاستئصال. # وقوله: (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). # يقول: لم يغن عنهم كثرة العدد والحشم والأموال، ولا قوة الأبدان في دفع ~~العذاب عن أنفسهم، فأنتم -يا أهل مكة- أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عن ~~أنفسكم إذا نزل بكم مع ضعفكم وقلة عددكم! والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms3938 -: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (83) # يحتمل قوله: (فرحوا بما عندهم من العلم) وجهين: # أحدهما: أي: فرحوا بما عندهم أنه علم وليس هو في الحقيقة علما، لكن عندهم ~~أن ذلك علم؛ وهو كقوله: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)، أي: انظر ~~إلى إلهك الذي هو عندك إله، وإلا لم يكن ذلك عند موسى - عليه السلام - ~~إلها، لكنه ذكر على ما عند ذلك الرجل للتعريف؛ فعلى ذلك قوله: (فرحوا بما ~~عندهم من العلم) أي: بما عندهم أنه علم وإن لم يكن في الحقيقة علما، والله ~~أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون على حقيقة العلم، وذلك من أهل الكتاب؛ قد كان من ~~أهل الكتاب الإيمان بما عندهم من الكتاب، وهو على الحقيقة علم لا شك فيه، ~~لكنهم لما كذبوا غيره من الكتب والعلوم وكفروا بها، لم ينفعهم إيمانهم بما ~~عندهم من العلم؛ كقوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا ~~نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق. .)، كان إيمانهم بما أنزل ~~إليهم حقا، لكنهم لما كفروا بغيره أبطل ذلك الكفر إيمانهم بالذي أنزل ~~إليهم؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون). # أي: يحويهم العذاب بما كانوا يستهزئون بالرسل. # وقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ~~(84) يحتمل هذا وجهين: # يحتمل أن يكون هذا القول منهم وما ذكر من الإيمان منهم إذا رأوا بأس الله ~~- بعد وفاتهم في قبورهم، أي: عذاب الله، فإن كان التأويل هذا، فهذا يدل على ~~عذاب القبر لمن شاء الله تعالى في حقه العذاب، والله أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون ذلك منهم في حياتهم؛ حين رأوا بأس الله في الدنيا ~~آمنوا بما # PageV09P056 # ذكروا، فإن كان ذلك في الحياة، فلم ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما قال ~~الله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ... (85) وقد تقدم ذكر ~~هذا في سورة يونس - عليه السلام - على الاستقصاء، ms3939 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنت الله التي قد خلت في عباده)، # ألا يقبل الإيمان عند رؤية بأس الله ومعاينة عذابه. # والثاني: كذلك سنة الله التي قد خلت في عباده من التعذيب والانتقام من ~~مكذبي الرسل في الدنيا واستئصالهم، يخوف أهل مكة بما أنزل إليك؛ ليحذروا ~~مثل صنيعهم. # وقوله: (وخسر هنالك): # أي: خسر عند ذلك الكافرون، والله أعلم. # * * * # PageV09P057 ### | سورة فصلت # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا ~~عربيا لقوم يعلمون. بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل ~~إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ~~(8) # وقوله - عز وجل -: (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2). # ظاهر هذا أن تفسير (حم) هو قوله: (تنزيل)، وحم خبر لمبتدأ محذوف مقدر ~~(تنزيل) مبتدأ من: (الرحمن الرحيم)؛ وكذلك قوله: (تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم)، والأصل في حواميم وسائر الحروف المقطعة: أنها تبعث سامعها ~~على التفكر والتأمل؛ لأنه لا يفهمها وقت قرعها السمع حتى يتأمل ويتفكر ~~فيها؛ لأنها كلام لم يسمعوه قبل ذلك، فيحملهم ذلك على الاستماع والتفكر ~~فيها والنظر، فيقع ما هو المقصود من الخطاب في سماعهم ويعرفوا وجه الإعجاز؛ ~~فيتوصلوا بذلك إلى الحق، وقد ذكرنا في الحروف المقطعة وجوها أخر فيما تقدم. # ثم ذكر هاهنا رحمته ورأفته؛ ليرغبهم فيما يرحمهم ويرأف بهم، وهو قوله: ~~(حم. تنزيل من الرحمن الرحيم)، وذكر في السورة الأولى عزه وقدرته وسلطانه ~~وعلمه؛ ليحذروا مخالفته وعصيانه ظاهرا وباطنا حيث قال: (حم. تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز العليم)، ليطلبوا العز من عنده. # وقوله: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) # قال أهل التأويل: (فصلت آياته) أي: ثبت فيه من الحلال والحرام، وما لهم ~~وما عليهم، وما يؤس وما يتقى ms3940 ونحوه. # وعندنا يحتمل قوله: (فصلت آياته) وجهين: # أحدهما: (فصلت آياته) أي: فرقت كل آية من الأخرى، من نحو: آية التوحيد ~~فرقت من آية الرسالة، وفرقت آية البعث من غيرها، فرق كل آية من الأخرى. # والثاني: يحتمل التفريق في الإنزال، أي: فرقت آياته في الإنزال، لم يجمع ~~بينها في الإنزال، ولكن فرق في أوقات متباعدة. # PageV09P058 # ويحتمل قوله: (فصلت): ثبتت، على غير ما قاله أهل التأويل، وهو أن يثبت ~~آياته بالحجج والبراهين حتى يعلم أنها آيات من الله تعالى. # وقوله: (قرآنا عربيا لقوم يعلمون). # أي: أنزله بلسان يعلمونه ويفهمونه لا بلسان لا يعلمونه ولا يفهمونه، أي: ~~أنزله بلسانهم. ويحتمل (لقوم يعلمون) أي: ينتفعون بعلمهم، أي: حصل إنزاله ~~لقوم ينتفعون، فأما من لم ينتفع به، فلم يحصل إلا الإنزال له، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (قرآنا عربيا لقوم يعقلون). # وقوله: (بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # البشارة والنذارة هي بيان ما يكون في العاقبة من الخير والشر، أو يقال: ~~البشارة هي الدعاء إلى ما يوجب لهم من الحسنات والخيرات في العاقبة، ~~والنذارة هي الزجر عما يوجب لهم من السيئات والمكروهات في العاقبة، ~~والنذارة هي الزجر؛ فصار معنى الآية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل ~~داعيا إلى الحسنات وزاجرا عن السيئات، والله أعلم. # وقوله: (فأعرض أكثرهم). # يحتمل إعراضهم عنه وجهين: # أحدهما: أي: أعرضوا عن التفكر فيه والتأمل. # والثاني: أعرضوا عن اتباعه بعدما تأملوا فيه وتفكروا، وعرفوا أنه حق وأنه ~~من الله تعالى، لكنهم تركوا اتباعه عنادا منهم ومكابرة؛ حذرا عن ذهاب ~~الرياسة، والله أعلم. # وقوله: (فهم لا يسمعون). # أي: لا يجيبون على ما ذكرناه. # قوله: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) # لا شك أن قلوبهم على ما ذكروا أنها في أكنة وفي آذانهم وقر؛ لأنه ذكر - ~~جل وعلا - أنه جعل على قلوبهبم أكنة وفي آذانهم وقرا؛ حيث قال تعالى: ~~(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم ms3941 وقرا)، على ما أخبروا أن ~~قلوبهم في أكنة وغطاء، وفي آذانهم وقر، لا يفقهون ما يدعون إليه، ولا ~~يسمعون ذلك وإن كانوا يفقهون غيره ويسمعون؛ لأنهم كذلك قالوا: (قلوبنا في ~~أكنة مما تدعونا إليه). # وقوله: (ومن بيننا وبينك حجاب). # إن ثبت ما ذكر بعض أهل التأويل: أن ثوبا فيما بينهم وبين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: كن أنت يا محمد في جانب، ونكون نحن في جانب آخر، ~~ونحوه من الكلام - فهو ذلك، # PageV09P059 # وإلا احتمل أن يكون قوله: (ومن بيننا وبينك حجاب): هو ما حجبتهم ظلمة ~~الكفر وغطتهم عن فهم ما دعوا إليه وعلم ما دعاهم إليه محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: (فاعمل إننا عاملون)، هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: اعمل أنت بدينك فإنا عاملون بديننا؛ كقوله تعالى: (لكم دينكم ولي ~~دين). # والثاني: فاعمل أنت في كيدنا فإنا عاملون في كيدكم والمكر بكم، والله ~~أعلم. # ويحتمل أن يقولوا: اعمل أنت لإلهك فإنا عاملون لإلهنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) # هذا الحرف يخرج على وجهين: # أحدهما: كأنه يقول لهم: إنما أنا بشر مثلكم أفهم وأعقل يوحى إلي وأسمع ~~ذلك، فأنتم في قولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر - لا عذر لكم في ~~ذلك؛ لأنه إنما يحجبكم عن ذلك ويغطي قلوبكم عن فهم ذلك الكفر الذي أنتم ~~عليه والضلال الذي أنتم فيه، فاتركوا ذلك حتى تفهموا وتعقلوا ما تدعون إليه ~~وتؤمرون به، كما أفهم أنا وأعقل إذ أنا بشر، والله أعلم. # والثاني: يقول: (إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)، أي: إنما أنا بشر مثلكم ~~أمرت أن أبلغ إليكم أن إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه، وإلا لو لم أؤمر ~~بتبليغ الرسالة إليكم إنما إلهكم إله واحد - لكنت أترككم وما أنتم عليه؛ ~~لقولكم: إن قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر فاعمل إننا عاملون. على هذين ~~الوجهين تأويل الآية، والله أعلم. # وقوله: (فاستقيموا إليه). # قال بعضهم: أي: ms3942 فاستقيموا إليه بالطاعة. # وقيل: أي: استقيموا إلى ما دعاكم إليه من التوحيد. # وقوله: (واستغفروه). # أي: انتهوا عما أنتم عليه من الكفر والضلال؛ ليغفر لكم ما كان منكم في ~~حال الكفر؛ كقوله تعالى: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # ويحتمل: أي: كونوا على حال بحيث يقبل استغفاركم وطلب تجاوزكم. # وقوله: (وويل للمشركين). # والإشكال: أنه لماذا خص المشرك الذي لم يؤت الزكاة، وينكر الآخرة ~~-بالويل، وقد # PageV09P060 # يلحق الويل للمشرك آتى الزكاة أو لم يؤت، آمن بالآخرة أو كفر بها- فنقول: ~~قال بعض أهل التأويل: معناه: وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بإيتاء الزكاة، ~~ولا يؤمنون بالآخرة، وخصهم بذكر جحود الزكاة والآخرة؛ لما كان سبب كفرهم ~~مختلفا: منهم من كان سبب كفره بخله في المال وشحه، حمله ذلك على إنكار ~~الزكاة والامتناع عن الإيتاء، ومنهم من كان كفره إنكاره جزاء الأعمال، حمله ~~ذلك على إنكار الآخرة، ومنهم من كان سبب كفره الخضوع لمن دونه أو مثله في ~~أمر الدنيا، حمله ذلك على إنكار الرسالة والجحود لها، وغير ذلك من الأسباب ~~التي حملتهم على الكفر والضلالة وهي مختلفة. # ويحتمل قوله: (وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة (7) هو لا على زكاة ~~الأموال، ولكن على زكاة الأنفس؛ كأنه يقول: وويل للمشركين الذين لا يعلمون ~~ولا يسمعون فيما به تركوا أنفسهم ويشرف ذكرها ويصلح أعمالهم به ولا ما ~~يجزون به في الآخرة، أي: ويل لمن لا يعمل ذلك، والله أعلم. # وهذان الوجهان جواب عمن تعلق بظاهر هذه الآية على أن الكفار يخاطبون ~~بالشرائع؛ حيث ألحق الوعيد بهم بترك إيتاء الزكاة، والزكاة من الشرائع، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ~~(8) # أي: غير مقطوع وذلك في الآخرة. # وقال بعضهم: أي: غير ممتن عليهم، وذلك في الآخرة أيضا، ومعناه - والله ~~أعلم -: أنه يزاد لهم في الآخرة على قدر أعمالهم، ولا يمن عليهم في تلك ~~الزيادة، وقال بعضهم: (غير ممنون) أي: غير منقوص ولا ممنوع، وذلك - والله ~~أعلم - أن من كان يعمل في حال ms3943 شبابه وقوته الصالحات والطاعات، ثم كبر وعجز ~~عن إتيانها أنه لا يمنع ولا ينقص منه الأجر الذي كان مجرى عليه ويكتب له في ~~حال شبابه وقوته، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم # PageV09P061 # استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ~~وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين ~~أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا ~~بما أرسلتم به كافرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا ~~من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا ~~بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # وقوله - عز وجل -: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون ~~له أندادا ذلك رب العالمين (9) # تأويل هذه الآية كما ذكرنا في قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم. . .) الآية، وهو يخرج على وجوه: # أحدها: كيف تنكرون وحدانيته وتكفرونه، وهو الذي أحياكم لا الأصنام التي ~~تعبدونها؟! # والثاني: تنكرون قدرة الله في البعث، وقد رأيتم قدرته في ابتدائه إنشاءكم ~~وتقليبكم من حال إلى حال؟! # والثالث: كيف تكفرون رسوله وقد خلقكم الله تعالى وامتحنكم بأنواع المحن، ~~وكلفكم وأمركم بأوامر ونواه ما لو لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يمكنكم القيام بأكثرها وكان خلقه إياكم عبثا؟! فعلى هذه الوجوه يخرج ~~قوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ms3944 في يومين) الآية، أي: أئنكم ~~لتكفرون وحدانية الله تعالى وقد خلق الأرض في يومين وما ذكر. # والثاني: إنكم لتكفرون وتنكرون قدرته على البعث وقد خلق الأرض في يومين ~~على بعد أطرافها وسعتها، فكيف تنكرون قدرته على البعث وقد رأيتم قدرته على ~~خلق ما ذكر؟! # والثالث: أئنكم لتكفرون نعمة الله التي أنعمها عليكم من خلق ما ذكر من ~~الأرض وغيرها وما أنعم عليكم من بعث الرسول، فكيف تصرفون شكرها إلى الذي لم ~~يفعل ذلك # PageV09P062 # بكم وتنكرون رسالة رسوله، ولا بد من رسول يرسل إليكم، وذلك من أعظم النعم ~~وأجلها؟! فيخرج تأويل الآية على هذه الوجوه التي ذكرنا: # أحدها: في إنكار وحدانية الله وألوهيته. # والثاني: إنكار قدرته على البعث. # والثالث: في إنكارهم رسالة الرسول، وصرفهم شكر نعمه إلى غيره بعبادتهم ~~غير الله. # ثم الحكمة في خلق الأرض وجعله الحد الذي ذكر يومين، وإن كان قادرا على ~~خلق كل شيء بلا تحديد ولا توقيت - فقال بعضهم: فيه تعريفه الخلق والتعليم ~~لهم الأناة -أي: التأني- في الأمور وترك الاستعجال فيها. # والأصل في ذلك عندنا: أن الله - جل وعلا - جعل أمر الدنيا وأمر هذا ~~العالم على التحديد والتقليب من حال إلى حال نحو ما ذكر من تقليبه وتغييره ~~من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ومن حال ~~المضغة إلى حال تركيب الجوارح ثم إلى حال الإنسان، ثم من تلك الحال إلى أن ~~يكبر يقلبه من حال إلى حال أخرى؛ وكذلك أمر الدنيا وما فيها من الفواكه ~~والنبات وغير ذلك ينشئها ويحدثها في كل عام، وإن كان لو شاء أحدثها في عام ~~واحد وأبقاها إلى آخر الأبد، لكن لم يفعل ذلك؛ لما بني أمر هذا العالم على ~~الفناء والفساد؛ فيستدل بطريان هذه الأحوال عليها على أصل الوضع؛ ولذلك ركب ~~فيهم المرض والسقم والسلامة والصحة، وبنى أمر الآخرة على البقاء والدوام؛ ~~فعلى ذلك من التحديد والتوقيت في خلق الأرض. # ويحتمل أن يقال: جعل ذلك على التحديد والتقدير؛ لأنها دار محنة وابتلاء، ~~والابتلاء إنما ms3945 يقع على التوقيت والتقدير في أوقات متباينة وأسباب مختلفة، ~~فأما الآخرة فلا محنة فيها ولا بلية، فهي على الدوام والبقاء؛ لذلك كان ما ~~ذكر. # وقوله: (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة ~~أيام سواء للسائلين (10) # أي: جعل في الأرض جبالا أرسى بها الأرض وأثبتها؛ لأنه ذكر أن الأرض كانت ~~على الماء وكانت تميد بأهلها، لكنه أرساها بالجبال وأقرها بها. # وفيه نوع لطف منه؛ لأنه معلوم أن الجبال التي أثبت بها الأرض، وأقر بها ~~كانت تزيد في ثقل الأرض، فالسبيل في التسرب في الماء والانحدار فيه لا ~~الإثبات بها # PageV09P063 # والإقرار، لكنه جعل الجبال سبب إثبات الأرض وإقرارها؛ تعليما منه الخلق ~~تعليق الأشياء بعضها ببعض، وتعليقها بالأسباب من غير أن يكون الأسباب معونة ~~له على ذلك، ولو شاء أثبتها وأرساها بلا سبب ولا شيء علقه به، لكنه علق ~~الأشياء بالأشياء والأسباب، لما ذكرنا من تعليم الخلق تعليق الأشياء ~~بالأسباب. # وقوله: (وبارك فيها). # يحتمل (وبارك فيها) أي: في الجبال، فقد جعل الله فيها البركات الكثيرة: ~~منها المياه التي أخرجت منها والعيون، ومنها الذهب والفضة وغيرهما، ومنها ~~الثمار والأشجار التي ينتفع بها وأنواع النبات التي تصلح للأدوية، وغير ذلك ~~من المنافع التي يكثر عدها وإحصاؤها. # ويحتمل قوله: (وبارك فيها) أي: في الأرض، فقد جعل الله تعالى في الأرض ~~البركات والخيرات من المياه التي تخرج منها وأنواع النبات والثمار وغير ذلك ~~مما به قوام الخلق جميعا وغذاؤهم من البشر والدواب، والله أعلم. # والبركة: هي أسم كل خير يكون أبدا على الزيادة والنماء. # وقوله: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين). # أي: قدر في الأرض أقوات أهلها وأرزاقهم في أربعة أيام سواء للسسائلين. # قال الزجاج في قوله: (سواء للسائلين) ثلاث لغات: النصب والرفع والخفض. # فمن خفضه: (سواء) صيره صفة ونعتا للأيام، كأنه قال: في أربعة أيام سواء، ~~أي: مستويات ليس بعضها أطول من بعض. # ومن قرأ بالنصب: (سواء) صيره مصدرا، أي: سواء وتسوية. # ومن قرأ بالرفع [(سواء)] صيره على الابتداء، ms3946 يقول - والله أعلم -: أي ذلك ~~الأقوات التي قدرها سواء للمحتاجين، أي: كفاية لهم على قدر حاجتهم. # ثم اختلف في قوله: (سواء للسائلين): # عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " من سأل عن ذلك وحده كما قال الله ~~تعالى، ويقول ابن عباس - رضي الله عنه -: وأنا من السائلين " فكأن قول ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - ما ذكرنا، أي: كفاية للسائلين المحتاجين على ~~السواء. # وقال بعضهم: عدلا للسائلين، والعدل يخرج على وجههين: # PageV09P064 # أحدهما: العدل الذي يناقض الجور، أي: عدل للسائلين ليس بجور. # والثاني عدلا للسائلين، أي: سواء، يقول لمن يشاء الرزق من السائلين. # وقال الحسن: في أربعة أيام سواء لمن يسأل عن خلقه في أربعة للسائلين أو ~~كلام نحوه. # وقال بعضهم: هو من تقاديم الكلام يقول: قدر فيها أقواتها سواء في أربعة ~~أيام للسائلين تلك الأقوات والأرزاق سواء، والله أعلم. # ثم في هذا مسألتان: # إحداهما: في تكوين الخلق وإحداثه وما ذكر من تقدير الأقوات في الأوقات، ~~فعندنا أن الله - تعالى - لم يزل مكونا محدثا، وأن ما كان ويكون إلى آخر ~~الأبد إنما يكون بتكوين كان منه في الأول، لا بتكوين يحدث منه في كل وقت ~~يحدث المكون والخلق، والأصل في ذلك ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا أضيف ~~الأوقات إلى فعله فتكوين التوقيت للخلق أعني: المفعول لا لفعله؛ لما ذكرنا ~~أنه لا حاجة تقع له في المعونة بشيء مما ذكر من التوقيت، وإنما ذكر ذلك ~~لئلا يتوهم قدم المفعول والخلق، وليعلم أنه محدث. # ومسألة أخرى في ذكر التحديد والتوقيت في خلق ما ذكر؛ لحكمة جعل في ذلك من ~~غير أن يصعب عليه خلق ذلك في ساعة أو طرفة عين؛ إذ المعنى في خلق ما ذكر في ~~أيام وأوقات ذلك غير موجود على السواء، وهو أن الله تعالى عالم بذاته قادر ~~بذاته له قدرة ذاتية وعلم ذاتي لا مستفاد، فالأوقات إنما يحتاج إليها من ~~كان يعمل بقدرة مستفادة وعلم مستفاد استعانة له بذلك، فأما الله - سبحانه ~~وتعالى - ما يكون منه إنما يكون بقدرة ms3947 ذاتية وعلم ذاتي لا حاجة تقع إلى ~~الاستعانة بشيء من ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا. # ثم قوله: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام). # الأربعة الأيام التي ذكر هي مع خلق الأرض: يومين لخلق الأرض، ويومين ~~لتقدير الأقوات لأهلها والأرزاق فيكون أربعة، ثم ذكر لخلق السماوات يومين، ~~فإذا جمع يكون ستة أيام، وهو ما ذكر في آية أخرى: (خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام)، فكان تمام ذلك في ستة أيام، وقد ذكرنا معتى سنة أيام ~~في غير موضع. # وقوله: (ثم استوى إلى السماء ... (11) يخرج على وجهين: # أي ثم استوت المنافع والأقوات التي قدرها في الأرض، وجعلها معايش أهلها ~~بالسماء؛ لأنه جعل منافع الأرض متصلة بمناقع السماء، ما لولا السماء لم ~~يستو منافع الأرض وما قدر لهم فيها، فبالسماء استوى ذلك لهم، أي: تم بذلك، ~~والله أعلم. # PageV09P065 # والثاني: قوله: (ثم استوى إلى السماء)، أي: ثم استوى الهواء والجو الذي ~~بين الأرض والسماء إلى السماء ما لولا ذلك الهواء لم تستو؛ لأن السماء لو ~~كانت ملتزقة بالأرض لا هواء بينهما لكانت لا تخرج ما جعل في الأرض من ~~الأقوات والمعايش، فبالهواء استوى ذلك، والله أعلم. # ومنهم من يصرف الاستواء إلى الله - عز وجل - ومعنى ذلك: استوى أمره وملكه ~~بخلق السماء، أو استوى المقصود بخلق الأرض وأهلها وما فيها بخلق السماء. # وأما التأويلان اللذان ذكرناهما يتوجهان إلى غير ذلك: أحدهما: رجع إلى ~~استواء الهواء، والثاني: إلى استواء ما جعل في الأرض، وعلى هذا يخرج ما سئل ~~ابن عباس - رضي الله عنه - عندما روي أن رجلا سأل ابن عباس - رضي الله عنه ~~- فقال: " قرأت آيتين إحداهما تخالف الأخرى، فقال له: من قبل رأيك أتيت، ما ~~هما؟ فقال ذلك السائل: قوله - تعالى -: (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين) إلى قوله: (ثم استوى إلى السماء)، وقوله تعالى: (السماء بناها)، إلى ~~قوله: (دحاها)، فمراد السائل أن ظاهر الآية الأولى أنه خلق الأرض في يومين ~~قبل خلق السماء، وفي ظاهر الآية الثانية: أنه خلق السماء ثم ms3948 خلق الأرض، ~~فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: " خلق الله تعالى الأرض قبل أن يخلق ~~السماء، فدحى الأرض بعدما خلق السماء، والله أعلم "، أراد به: بسط الأرض ~~بعد خلق السماء، فأما خلق أصل الأرض قبل خلق السماء. # وعندنا أن ليس بين ظاهر هاتين الآيتين مخالفة، ولا فيه بيان أنه خلق ~~الأرض قبل السماء ولا هذا بعد هذا؛ لأنه ذكر هاهنا أنه خلق الأرض في يومين ~~ثم قال: (ثم استوى إلى السماء) ذكر الاستواء إلى السماء ليس فيه أنه خلقها ~~بعد خلق الأرض، بل فيه أنما استوى إليها بعد خلقها وليس فيه إثبات خلقها ~~قبل ذلك، والله أعلم. # وقوله: (وهي دخان). # قال بعضهم: دل قوله: (وهي دخان) على أنه كان هناك نار حتى خلق السماء ~~بدخانها، لكن لا نعلم ذلك إلا بالسمع. # ويحتمل أن يكون قوله: (وهي دخان)، أي: شبه الدخان، لا حقيقة الدخان، ومنه ~~خلق السماء والأرض. # وقوله: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين). # قال بعضهم في قوله: (ائتيا): أعطيا ما جعل فيكما من المنافع والأقوات ~~طوعا أو # PageV09P066 # كرها. ثم اختلف فيه أنه على التكوين والتسخير ما ذكر من الطوع والكره، أو ~~على حقيقة القول والأمر في ذلك؟! # قال بعضهم: ذلك على التكوين والتسخير خلقه، أي: إنشاؤهما وخلقهما على ~~إخراج ما فيهما من المنافع والأقوات والأرزاق التي جعل فيهما، وكذلك ما ذكر ~~من الطوع والكره لا قولا منه لهما وأمرا، لكنه طبعهما وأنشأهما كذلك على ~~حقيقة القول والأمر منه لهما؛ نحو ما ذكر لكل شيء من الجبال وغيرها: أنه ~~يسبح لله - تعالى - على الوجهين، لكن شرط خلق الحياة التي لا بد منها للنطق ~~والسماع؛ فعلى ذلك هاهنا. # وقال بعضهم في قوله: (ائتيا طوعا أو كرها): أي ائتيا عبادتي ومعرفتي، ~~وذلك أن الله تعالى حين خلقهما عرض عليهما الطاعة والشهوة واللذات على ~~الثواب والعقاب (فأبين أن يحملنها. . .) الآية، فهذا الإباء والإعطاء هو ~~إعطاء الخلقة والتكوين على ما ذكرنا. # وقوله: (فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل ms3949 سماء أمرها وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) # أي: خلقهن في يومين، هو موصول بقوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين)، وكذلك قوله - تعالى -: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين)، وقد ذكرنا الوجوه في ذلك. # ثم الأعجوبة في خلق السماوات ورفعها أعظم وأكبر من خلق الأرض، وقد ذكر في ~~خلق السماوات من الوقت مثل الوقت الذي ذكر في الأرض، وهو يومان؛ ليعلم أن ~~الوقت الذي ذكر في ذلك، ليس لما يتعذر عليه ذلك، ويصعب بدون ذلك الوقت، ~~ولكن لحكمة جعل في ذلك لم يطلع الخلق على ذلك أو كانت الحكمة فيه ما ذكرنا. ~~وقوله: (وأوحى في كل سماء أمرها). # وهم الملائكة الذين جعلهم أهلا لها. # وقال قائلون: أي: أمر كل أهل سماء أمرها وامتحنهم بمحنة. # وقال بعضهم: هو مما أمر به وأراد؛ وهما واحد. # وقوله: (وزينا السماء الدنيا بمصابيح). # أي: بالكواكب، وقوله: (وزينا السماء الدنيا) التي دنت منكم هي مقابل ~~القصوى من الدنو، ليس أن هذه السماء التي نراها ونشاهدها مزينة بالكواكب هي ~~سماء الدنيا فانية وغيرها من السماء الآخرة لا يفنى، بل كلها تفنى يعني: ~~هذه وغيرها بقوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)، وقوله: ~~(والسماوات مطويات بيمينه) # PageV09P067 # فهن كلهن دنيويات فانيات، دل أن قوله: (وزينا السماء الدنيا) أي: التي ~~دنت منكم وهي مقابل القصوى، لا مقابل الآخرة، والله أعلم. # وقوله: (وحفظا)، يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: حفظناها وجعلناها محفوظة بما ذكر من أن يسترق الشياطين والجن ~~أسماعهم إلى خبر السماء، وما يتحدث به الملائكة فيما بينهم فيلقون ذلك على ~~أسماع أهل الأرض، على ما كانوا يفعلون من قبل، أي: حفظناها بالكواكب التي ~~جعل فيها؛ لترميهم الكواكب وتقذفهم؛ ليكون سماع ذلك من جهة الوحي عن لسان ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون إلقاء من ذكر، وهو كما ذكر في آية أخرى ~~حيث قال: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان ~~مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب. ms3950 . .) الآية. # ويحتمل وجها آخر: (وحفظا) أي: حفظناها على ما هي حتى لا تسقط على الخلق؛ ~~كقوله: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)، وقوله تعالى: (ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض)، ونحوه. # وقوله: (ذلك تقدير العزيز العليم). # يقول: ذلك الذي ذكر كله وصنع هو تقدير العزيز العليم، أي: تقدير من لا ~~يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء. # ويحتمل قوله: (ذلك تقدير العزيز العليم) أي: تقدير من له العز الذاتي ~~والعلم الأزلي، لا أنه قدر ذلك وصنع ليستفيد بذلك العز أو العلم؛ إذ هو ~~عزيز بذاته وعليم بذاته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ~~(13) # كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ دل قوله تعالى: (أنذرتكم صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود) أن صاعقة عاد كانت معروفة عندهم ظاهرة أنها نزلت بهم؛ ~~لتكذيبهم الرسل وتركهم إجابتهم إلى ما دعوا إليه، حيث خوف هؤلاء بذلك كأنه ~~يقول: أنذرتكم بتكذيبكم إياه وترككم إجابتي إلى ما دعوتكم إليه بالذي نزل ~~بعاد وثمود، وتكذيبهم الرسول الذي أرسل إليهم وتركهم الإجابة إلى ما دعوا ~~إليه، والله أعلم. # وقوله: (صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) لم يرد به عين عذاب أولئك ومثله في ~~رأي العين، ولكن مثله في الهلاك والاستئصال؛ ألا ترى أن عذاب عاد وثمود كان ~~مختلفا في رأي العين: عذاب عاد خلاف عذاب ثمود وهما في المعنى واحد؟! فعلى ~~ذلك ما أوعد هؤلاء بمثل عذاب عاد وثمود، لم يرد مثله في رأي العين، ولكن في ~~المعنى، وهو # PageV09P068 # كما ذكر في قوله: (تشابهت قلوبهم)، وقوله: (يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل)، لم يرد به التشابه والمضاهاة على أن نفس القول منهم وعين الكلام كان ~~واحدا، بل كان سبب كفرهم مختلفا، وقول هؤلاء خلاف قول أولئك، وما كان من ~~هذا الفريق خلاف ما كان من الفريق الآخر، لكن لما كان التكذيب من هؤلاء له ~~كالتكذيب من أولئك والرد له من هؤلاء كهو من أولئك في أن كان كفرا واحدا ~~سواء، فمن هذه ms3951 الجهة وصف قلوبهم بالتشابه وأقوالهم بالمضاهاة، وهذا يدل على ~~أن الاستواء من جهة واحدة يوجب التشابه والتماثل. # وقوله: (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله ~~قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) هذا يحتمل ~~وجوها: # أحدها: (إذ جاءتهم الرسل) بنبأ من كان قبلهم، ونبأ من كان بعدهم أنهم ~~جميعا قالوا لقومهم (ألا تعبدوا إلا الله). # والثاني: (إذ جاءتهم الرسل) بالوعيد والتخويف بعذاب ينزل بهم (من بين ~~أيديهم)، أي: من حيث يرونه ويعلمونه (ومن خلفهم)، أي: من حيث لا يرونه ولا ~~يعلمون؛ وهو كقوله - عز وجل -: (أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون (97) أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون)، ونحوه. # وقيل: يبعث الله الرسل قبلهم وبعدهم بالذي ذكر، وهو الدعاء إلى توحيد ~~الله وجعل العبادة له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به ~~كافرون). # هذا القول منهم يناقض قولهم وتكذيبهم الرسل وإنكارهم رسالة البشر وطمعهم ~~رسالة الملائكة؛ لأنهم ما عرفوا الملائكة ولا عاينوا، فإنما عرفوا الملائكة ~~وعلموا بمكانهم برسل البشر، فكيف أنكروا رسالتهم مع ما لو كان الرسل إليهم ~~الملائكة، لم يعرفوا أنهم ملائكة إلا بقولهم؛ لما لم يتقدم لهم المعرفة ~~بالملائكة، فهذا يناقض إنكارهم الرسل من البشر؟! # والثاني: ما قالوا: (فإنا بما أرسلتم به كافرون) قد أقروا رسالتهم حيث ~~قالوا: (إنا بما أرسلتم به كافرون)؛ لأنهم لم يقولوا: إنا بما أرسلتم إلينا ~~كافرون، ولكن قالوا: (إنا بما أرسلتم) فذلك مما يناقض قولهم ويرد تكذيبهم، ~~وإنما قالوا ذلك -أعني: قولهم: (قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة) - تعنتا ~~منهم وعنادا، وإلا قد علموا أنهم رسل الله فيناقضون بما قالوا على التعنت ~~منهم، والله أعلم. # PageV09P069 # وقوله: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ~~أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) # جائز أن يكون استكبارهم في الأرض بغير الحق على أهل ms3952 الأرض بما ذكروا من ~~فضل القوة لهم وشدتها من بين غيرهم؛ كقوله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين) فهم ذكروا ذلك، فجائز أن يكون استكبارهم على أهل الأرض بغير الحق؛ ~~لشدة بطشهم وقوتهم على غيرهم. # ويشبه أن يكون استكبارهم رفض اتباع الرسل، فلم يروا أنفسهم أن يجعلوها ~~تحت تدبير الرسل وأمرهم، وأن يخضعوا لهم ويستسلموا لما دعوهم إليه، وقالوا: ~~(من أشد منا قوة). # ثم قال الله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة). # هذا استفهام على طريق التقرير، معناه: قد رأوا وعلموا أن الله الذي خلقهم ~~هو أشد قوة، والرسل - عليهم السلام - لم يكونوا يوعدونهم بقوى أنفسهم ولا ~~بعذاب يكون منهم حتى قالوا: (من أشد منا قوة)، ولكن إنما كانوا يوعدونهم ~~ويخوفونهم بعذاب ينزل من عند الله، وبقوته وسلطانه يوعدونهم وقد عرفوا قوته ~~وسلطانه؛ لذلك قال: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة). # وقوله: (وكانوا بآياتنا يجحدون). # دل هذا على أنهم قد كذبوا هودا، وأنكروا آياته، وذلك قولهم: (يا هود ما ~~جئتنا ببينة)، وإنه قد أتاهم بآيات رسالته. # وقوله: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) # ذكر ما أهلكهم من العذاب، وهو الريح الصرصر الباردة؛ كذا قال أبو عوسجة. # وقوله: (في أيام نحسات). # وهو ما ذكر في سورة الحاقة حيث قال: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ~~(6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما)، وقال في موضع: (في يوم نحس ~~مستمر). ثم اختلف في تأويلها: # قال بعضهم: (نحسات) مشؤمات نكدات؛ وهذا قول القتبي. # وقال بعضهم: (نحسات) أي: شداد. # وقيل: (نحسات) من النحس، يقال نحس يومنا، والنحس: الغبار في الأصل. # PageV09P070 # وقوله: (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا). # أي: عذابا يذلهم ويفضحهم عند الخلق جميعا. # وقوله: (ولعذاب الآخرة). # عليهم أذل وأفضح وأشد من عذاب الدنيا. # وقوله: (وهم لا ينصرون). # يحتمل: لا ينصرون بقوتهم التي كانت لهم، واعتمدوا عليها بقولهم: (من أشد ~~منا قوة). # ويحتمل: ms3953 لا ينصرون بالأصنام التي عبدوها على رجاء النصر لهم والشفاعة. # وقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) # يحتمل ما ذكر من الهداية لهم حقيقة الهدى، وهو التوفيق، وحقيقة خلق ~~الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، وهو ما سألوا من الآية، وهي الناقة، فلما ~~أتاهم على ما سألوا، آمنوا به وصدقوه، ثم كفروا به بعد ذلك وكذبوه وعقروا ~~الناقة على ما ذكر. # ويحتمل قوله: (فهديناهم). # أي: بينا لهم غاية ما يبين الحق من الباطل بما يعرفه كل ذي لب وعقل أنها ~~آية، وأنها من الله تعالى؛ حيث جاءتهم الآية التي سألوها على الإشارة ~~والتعيين وهي الناقة. # وقوله: (فاستحبوا العمى على الهدى). # أي: اختاروا الكفر على الهدى، واختاروا ما به يعمون على ما يبين لهم. # ثم أخبر عما نزل بهم من العذاب باختيارهم العمى على الهدى، وهو ما قال: ~~(فأخذتهم صاعقة العذاب الهون). # أي: عذاب يهانون فيه، وهو من الهوان والإذلال، وكل عذاب الله صاعقة. # وقوله - عز وجل -: (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # أي: أنجينا الذين اختاروا الهدى على العمى، وكانوا يتقون اختيار العمى ~~على الهدى. # * * * # قوله تعالى: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما ~~جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول ~~مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ~~ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم ~~الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم وإن # PageV09P071 # يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # وقوله: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار ... (19) # أي: نجمع، والحشر: الجمع، يجمعون في النار؛ وهو كقوله: (احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله). # وقوله: (فهم يوزعون). # أي: يساقون؛ كقوله - تعالى - (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا). # وقال بعضهم: (يوزعون) أي: يدفعون؛ كقوله تعالى: (يوم يدعون إلى نار ms3954 جهنم ~~دعا)، والوزع: الدفع. # وقال بعضهم: (يوزعون) أي: يحبسون، أي: يحبس أولهم على آخرهم، حتى إذا ~~اجتمعوا جميعا فعند ذلك يجعلون في النار؛ كقوله - تعالى -: (ليميز الله ~~الخبيث من الطيب. . .) الآية. # وقوله: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون (20) # كأنهم يوقفون ويحبسون في مكان، فيعاينون النار، فيسألون عما كانوا ~~يعملون؛ وهو كقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون)، فينكرون ما كان منهم؛ ~~كقوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين)، وقوله: (بل لم نكن ندعو من قبل ~~شيئا)، فعند ذلك ينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بما عملوا وما كان منهم، ~~وهو قوله: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون). # وقال بعضهم: (جلودهم): كناية عن الفروج؛ وهو قول الحسن. # وقوله: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) ينطق، إذ لا كل شيء ينطق، ذكروا ~~(كل شيء)، وأرادوا به الخاص لا العام، والله أعلم. # وكان غير هذا أقرب، يقولون: (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) يعصون به ~~الله تعالى، وهو ما ينطق الله الأشياء التي بها عصوا ربهم، وهي الأصنام ~~التي عبدوها وغيرها مما عبدوا دون الله؛ كقوله: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله. . .) الآية وقوله: (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون)، وما ذكر ~~من إخبار الأرض وحديثها بما عملوا عليها بقوله: (يومئذ تحدث أخبارها)، # PageV09P072 # وغير ذلك من الآيات التي فيها بيان: أنه ينطق الله تعالى الأشياء التي ~~عبدوها وعصوا بها ربهم؛ فعلى ذلك ينطق الله الجوارح التي بها عصوا ربهم؛ ~~فتشهد عليهم بجميع ما كان منهم. # وقوله: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) # اختلف فيه: # قال بعضهم: أي: ما كنتم تعلمون وتستيقنون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم، ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، الظن هاهنا ~~على هذا التأويل: حقيقة الظن، أو الجهل، أي: ولكن جهلتم أن الله ms3955 يعلم كثيرا ~~مما تعملون، فلو كان تأويل الآية ما ذكر هؤلاء ففيه دلالة أن العذاب قد ~~يلزم ويجب وإن جهل ذلك ولم يتحقق عنده العلم به، إذا كان يحيث إمكان الوصول ~~إلى علم ذلك ومعرفته بالنظر والتأمل والتفكر بغير ذلك من الأسباب، لكنه ترك ~~التأمل فيه، فلم يعلم ذلك؛ فلم يعذر يجهله، وهكذا العلم أن من مكن له العلم ~~وأسباب المعرفة فلم يتكلف معرفته، لم يعذر في جهله؛ ولهذا قال أبو حنيفة في ~~الأطفال أن: لا علم لي بهم؛ لما لا يعلم أنهم قد بلغوا المبلغ الذي يدركون ~~الأشياء بالتأمل والتفكر أم لا؟! # وقال بعضهم: (وما كنتم تستترون)، أي: كنتم لا تقتدرون أن تستتروا من ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، فأحد لا يستطيع أن يستتر من نفسه إذا عمل ~~شيئا، فذلك ظنكم أن ظنتتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون في السر. # وقوله: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) # أي: وذلكم جهلكم على ما ظننتم بأن الله - تعالى - لا يعلم ذلك، وهو لا ~~يخفى عليه خافية، فظنكم ذلك أرداكم، أي: أغواكم وأضلكم عن الهدى. # وقال قتادة: يا ابن آدم، إن عليك لشهودا غير متهمة: من بدنك، فراقبهم، ~~واتق الله في سر أمرك وعلانيتك؛ فإنه لا يخفى عليه خافية: الظلمة عنده ضوء، ~~والسر عنده علانية، ومن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ولا قوة إلا ~~بالله. # ثم قال: الظن ظنان: ظن منج، وظن مرد، فأما المنجي فقوله: (الذين يظنون ~~أنهم ملاقو ربهم) الآية، وما قال: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)، وأما الظن ~~المردي فقوله: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم)، وقوله: (إن نظن إلا # PageV09P073 # ظنا)، ونحوه. # قال: وذكر أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ويحدث ذلك عن ربه ~~تعالى: " عبدي، أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا دعوتني ". # وقال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن ~~بربه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساء به الظن؛ فأساء ~~العمل، ثم ms3956 تلا قوله - عز وجل -: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ~~أبصاركم ولا جلودكم. . .) الآية، وقال: الجلود: كناية عن الفروج. # وفي حرف حفصة: (وما كنتم تخشون)، وفي حرف أبي وابن مسعود: (ولكن زعمتم أن ~~الله لا يعلم) كذا؛ وكذلك في حرفهما: (فذلكم زعمكم الذي زعمتم) والزعم في ~~كلام العرب: الكذب، وفيه يستعمل. # وقوله - تعا لي -: (أرداكم). # قال بعضهم: أهلككم، والردى: الهلاك، وقيل: أورد المهالك. # ويحتمل (أرداكم) أي: أغواكم وأضلكم على ما ذكرنا. # وقوله: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ... (24) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: فإن يصبروا على ما هم عليه من الأعمال إلى أن ختموا به، ~~فالنار مثوى لهم في الآخرة. # والثاني: أي: فإن يصبروا في الآخرة فالنار مثوى لهم، أي: لا ينفعهم الصبر ~~على ذلك، ولا يكون الصبر سبب الفرج عن ذلك؛ وهو كقوله - سبحانه وتعالى - ~~خبرا ضهم: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص)، فيكون أحد ~~التأويلين في الدنيا والثاني في الآخرة. # وقوله: (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين). # معناه - والله أعلم -: وإن يستقيلوا ما كان منهم فما هم من المقالين، أي: ~~أثقال ذلك منهم ولا يرضى عنهم وإن استرضوا. # PageV09P074 # قوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) ~~وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) # وقوله: (وقيضنا لهم قرناء). # كقوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا. . .) الآية. # ثم اختلف في قوله: (وقيضنا): # قال بعضهم: هيأنا لهم في الدنيا قوما من الشياطين وغيرهم. # وقال بعضهم: أي: مكنا للشياطين حتى يقذفوا في قلوبهم من الوساوس وغيرها ~~أو كلام نحوه. # وقال بعضهم: أي: ms3957 خلينا بينهم وبين الشياطين حتى عملوا بهم ما ذكر. # وقوله: (فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم)، اختلف في قوله: (ما بين ~~أيديهم وما خلفهم)؛ قال بعضهم: (فزينوا لهم ما بين أيديهم) أي: حسنوا لهم ~~التكذيب بالآخرة والحساب والثواب والعقاب، أن ليس ذلك. # وقوله: (وما خلفهم)، أي: حسنوا لهم أمر الدنيا وأنها دائمة باقية. # وقيل: (ما بين أيديهم)، أي: ما عملوا، (وما خلفهم) أي: وما يريدون أن ~~يعملوا من بعد. # والثالث: (ما بين أيديهم): ما عملوا بأنفسهم، (وما خلفهم) وما سنوا ~~لغيرهم من بعدهم، كقوله تعالى: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)، والله أعلم. # وقوله: (وحق عليهم القول). # يحتمل: وجب عليهم القول بالعذاب أو السخط. # وقوله: (في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس). # أي: مع أمم، وذلك جائز. # وقوله: (قد خلت من قبلهم) أي: من قبل هؤلاء من الإنس والجن من الأمم ~~الخالية (إنهم كانوا خاسرين). # PageV09P075 # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون (26) # أي: لا تسمعوا أنتم بأنفسكم والغوا فيه؛ لئلا يسمع منه قراءته ولا صوته، ~~دل هذا القول على أنهم قد عرفوا أنه حجة، وأنه من عند الله جاء، وأن من سمع ~~ذلك أذعن له وأطاع إذا لم يكابر عقله؛ ولهذا قالوا: (لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه)؛ لئلا يذعن له ولا يطاع (لعلكم تغلبون). # وقال بعضهم: قوله: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) بالمكاء والتصدية، ~~وكانوا يفعلون ذلك؛ ليخلطوا عليه صلاته وقراءته لعلكم بالمكاء والتصدية ~~قولهم: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية). # وقوله: (فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا ~~يعملون (27) # أي: يذيقن الذين كفروا وداموا على الكفر حتى ماتوا على ذلك، فأما من كفر ~~في وقت ثم ترك ذلك، وأسلم، فليس له ذلك. # ثم من الناس من يقول: إن قوله: (فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا) أراد ~~به في الدنيا، وقوله: (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون)، في الآخرة، يجعل ~~أحد العذابين في الدنيا والآخر في الآخرة. ms3958 # وجائز أن يكون كله في الآخرة. # ثم دل قوله: (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون) أي: لهم محاسن في ~~الدنيا، لكن تلك المحاسن تبطل ولا يجزون بها شيئا، وإنما يجزون على المساوئ ~~التي عملوها في الدنيا؛ لأن المحاسن إنما تثبت وتبقى ويستوجب بها الجزاء ~~إذا أتوا بالإيمان والتوحيد، فأما إذا لم يأتوا به لم ينتفعوا بتلك ~~المحاسن، ولم يجزوا بها، وقد ذكر للمؤمنين مقابل ذلك: أن يكفر عنهم سيئاتهم ~~ويجزوا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو قوله: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم). # وقوله: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا ~~يعملون)، وعد للمؤمنين تكفير المساوئ التي عملوا في الدنيا والجزاء لهم ~~بالمحاسن التي عملوها، ووعد للكافرين إسقاط محاسنهم والجزاء على مساوئهم ~~لما لم يأتوا بالإيمان، والله أعلم. # وقوله: (ذلك جزاء أعداء الله النار ... (28) # هذا يدل على أن ذلك في الآخرة. # PageV09P076 # وقوله: (لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون). # قوله: (دار الخلد)، أي: دار البقاء يبقون فيها أبدا، فيكون اسما للجنة، ~~ويحتمل أن يكون في الجنة دار أو موضع يسمى: دار الخلد فيكون اسم موضع خاص، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن ~~والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) # قال بعضهم: الذي أضلهم من الجن هو إبليس؛ لأنه أول من عصى الله تعالى وسن ~~لهم ذلك، ومن الإنس ولد آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه أول من سن القتل، ولكن ~~عندنا أنهم سألوا أن يريهم الذي أضلهم كل جني يوسوس ويقذف في قلوبهم ~~الوساوس والمساوي، وكل إنسي يدعوهم ظاهرا إلى الضلال، وهكذا كل ضال وكافر ~~إنما كان ذلك الضلال والكفر لوساوس من جني أو تلقين من إنسي بلسانه. سألوا ~~الله تعالى أن يجعلهم ظاهرين فيجعلوهم تحت أقدامهم؛ لما يكون العذاب في كل ~~ما كان أسفل أشد؛ لذلك سألوا ذلك وهو ما سألوا ربهم زيادة العذاب لهم في ~~آية أخرى حيث قال: (قالت أخراهم لأولاهم ربنا ms3959 هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار). # * * * # وقوله: (فزده عذابا ضعفا في النار)، فعلى ذلك سؤال هؤلاء. # قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ~~ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ~~(31) نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين (33) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا). # روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما نزلت هذه الآية قال: " أمتي أمتي؛ لأن اليهود قالوا: ربنا الله، ~~ثم قالوا؛ عزير ابن الله، وأن النصارى قالوا: ربنا الله، ثم قالوا: المسيح ~~ابن الله، وأن أمتي قالوا: ربنا الله، ولم يشركوا به أحدا "، وكذلك روي عن ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا) قال: " هم الذين لم يشركوا بالله شيئا " فإن ثبت ذلك عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر - رضي الله عنه - فهو تفسير ~~الاستقامة التي ذكر، والله أعلم. # PageV09P077 # وقال بعضهم: أي قالوا ربنا الله، ثم استقاموا في إخلاص العمل له والقيام ~~بذلك. # وقال بعضهم: ثم استقاموا على أداء الفرائض والشرائع والحدود. # وقيل: ثم استقاموا في الطاعات له. # والاستقامة وجوه ثلاثة: # أحدها: في الاعتقاد، اعتقدوا ألا يعصوه ويجتنبوا جميع ما يخالف أمره ~~ونهيه. # والثاني: استقاموا في اجتناب جميع ما يخالف ما أعطوا بلسانهم: أنه ربنا ~~الله، وقاموا بوفاء ما أعطوا بلسانهم قولا وفعلا. # والثالث: قاموا في جميع الأعمال مخلصين لله تعالى لم يشركوا فيها أحدا ~~لأحد فيها نصيبا من المراءاة غيرها، بل خالصا لله تعالى سالما، والله أعلم ~~بما أراد بذلك. # وقوله: (تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا): # اختلف فيه: # قال بعضهم: ذلك عند قبضهم الأرواح في الدنيا يبشر لهم بما ذكر. # وقال بعضهم: تقول لهم الملائكة يوم القيامة ms3960 عند معاينتهم الأهوال ~~والأفزاع؛ ليسكن بذلك قلوبهم عند تلك الأهوال والشدائد، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (ألا تخافوا ولا تحزنوا) أي: لا تخافوا ما أمامكم ولا ~~تحزنوا على ما خلفتم من الأهل والأولاد. # وقيل: لا تخافوا ما تقدمون عليه من الموت وأمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما ~~خلفتم من أهل أو دين. # وقال بعضهم: لا تخافوا من العذاب ولا تحزنوا على فوت ما وعدتم من النعيم؛ ~~فإنها دائمة لا يفوت ولا ينقطع أبدا. # وقوله - عز وجل -: (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون): # PageV09P078 # على ألسن الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فمن قال: إن البشارة التي ذكر ~~في الدنيا عند قبض الأرواح، فلما ذكر في الخبر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "؛ لأن المؤمن يرى له ~~الجنة ويبشر بها في ذلك الوقت؛ فيصير الدنيا له سجنا لما عاين مما هيئ له ~~وجعل له من الثواب، والكافر لما رأى له مكانه في النار أو بشر به صارت له ~~الدنيا جنة؛ وعلى ذلك يخرج قوله - عليه السلام -: " من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه "، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ~~ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يشبه أن يكون هذا القول من الذين بشروهم بما بشروا يقولون: نحن ~~أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. # وجائز أن يكونا ذلك من الله تعالى، وإن كان المذكور على أثر البشارة ~~الملائكة؛ وذلك كقوله - تعالى -: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50) إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدني)، ثم إن كان ذلك من الله - ~~سبحانه وتعالى - فيكون تأويله (نحن أولياؤكم) في عصمتكم في الدنيا، وأولى ~~بكم في الآخرة في المعونة، أو نقول: نحن أولى بكم في النصر والتوفيق في ~~الدنيا والجزاء والثواب في الآخرة، والله أعلم. وإن كان ذلك من أولئك الذين ~~بشروهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالصحبة، ms3961 فكذلك يكون في ~~الآخرة. # وقوله: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: (ما تشتهي أنفسكم) أي: لكم ما ترغب به أنفسكم وتتوق إليه. # أو لكم فيها ما تتلذذ به أنفسكم وتتنعم بها. # وقوله: (ولكم فيها ما تدعون). # قيل: ما تتمنون وتسألون، أو يقول: ما تدعون من الدعوى. # PageV09P079 # وقوله: (نزلا من غفور رحيم (32) # قال بعضهم: (نزلا) أي: رزقا من غفور رحيم وهو من الإنزال، وقال بعضهم: ~~(نزلا) أي: إنزالا في المنزل من غفور رحيم، والله أعلم. # وقوله: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين (33) # كأنه يقول: ومن أحسن مذهبا ومسيرة ممن دعا إلى الله، أي: إلى توحيد الله ~~ودينه، أو دعا إلى المعروف والنهي عن المنكر، أي: دعا غيره إلى ذلك وعمل ~~بنفسه، وهذا الحرف يجمع جميع الخيرات والطاعات، فإن كان قوله: (ومن أحسن ~~قولا) على ما ذكرنا من المذاهب والسيرة فكأنه يقول: ومن أحكم وأتقن مذهبا ~~وسيرة ممن ذكر، وإن كان على حقيقة القول فيكون قوله: (ومن أحسن قولا) أي: ~~ومن أصدق قولا ممن قال ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال إنني من المسلمين). # أي: اختار الانتساب إلى الإسلام من بين غيره من الأديان والمذاهب، وقد ~~أبي سائر الفرق الانتساب إلى الاسلام سوى أهل الإسلام. # والثاني: انتسب إلى ما خص الله سبحانه وتعالى تسميتهم به وهو الإسلام؛ ~~كقوله تمعالى: (هو سماكم المسلمين)، وقوله: (أمة مسلمة لك)، وقال في حق ~~إبراهيم - عليه السلام -: (أسلم قال أسلمت لرب العالمين)، ويكون اسم المؤمن ~~خاصا لأهل الحق؛ فإن اليهود والنصارى سلموا أنفسهم مؤمنين، ولا يمتنعون عن ~~إطلاق اسم المؤمن ويمتنعون عن إطلاق اسم المسلم؛ ولهذا يقال: دار الإسلام، ~~ولا يقال: دار الإيمان، وإن كان الإسلام والإيمان واحدا؛ لاختصاص هذا الاسم ~~بهؤلاء، والله أعلم. # أو يقال: إنه اختار النسبة إلى الإسلام، وغيرهم من الناس انتسبوا إلى ما ~~لهم من العز في الدنيا والشرف فيها، وغير ذلك من الأسباب التي كانت لهم في ~~الدنيا. # ثم اختلف ms3962 فيه: # قال بعضهم: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: هم المؤذنون، وعلى ذلك رويت الأخبار أنها نزلت في المؤذنين. # PageV09P080 # وقال بعضهم: ذلك في كل مؤمن دعا الخلق إلى طاعة الله تعالى وعمل بنفسه، ~~والله أعلم. # وعن الحسن أنه تلا قوله - تعالى -: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا) قال: هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله ~~تعالى، أجاب في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل ~~صالحا في إجابته، قال إنني من المسلمين لربه، هذا خليفة الله تعالى. # * * * # قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما ~~يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه ~~هو السميع العليم (36) # وقوله - عز وجل -: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة). # قيل: (لا) الأخير هاهنا زائدة كأنه قال: ولا تستوي الحسنة والسيئة، وقد ~~يزاد حرف (لا) في الكلام وقد ينقص؛ فعلى ذلك هذا. # ثم جائز أن يكون قوله: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة)، وقوله: (ادفع ~~بالتي هي أحسن) كل واحد منها موصولا بالآخر، يقول: لا تستوي الحسنة، وجائز ~~أن يكون كل واحد منها مقطوعا من الآخر على الابتداء، فإن كان أحدهما موصولا ~~بالآخر يقول: لا تستوي الحسنة والسيئة في جلب حب القلوب واللين والعطف لها، ~~بل الحسنة تجلب حب القلوب والميل إليها لا السيئة. # (ادفع بالتي هي أحسن) أي: ادفع بالحسنة دون السيئة؛ وهو كقوله: (فبما ~~رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. . .) الآية؛ ~~فعلى ذلك يقول هاهنا أن: لا تستوي الحسنة والسيئة في الطاعة والميل وجلب حب ~~القلوب، بل هما مختلفان مفترقان فادفع سيئتهم بالحسنة، والله أعلم. # وجائز أن يكونا جميعا على الابتداء لا اتصال لأحدهما بالآخر، فإن كان ~~الابتداء فمعناه - والله أعلم -: أنكم تعلمون بعقولكم أن لا استواء بين ~~الحسنة والسيئة ولا ms3963 بين المحسن والمسيء، وكذا لا استواء بينهما في الحكمة، ~~وقد رأيتم أنهما قد استويا في هذه الدنيا في جميع منافعها ولذاتها، وجمع ~~بينهما في هذه، وفي الحكمة والعقول التفريق بينهما، دل أن هنالك دارا أخرى ~~يفرق بينهما في الجزاء والثواب فيهما - والله أعلم - وهو # PageV09P081 # ما ذكر في آية أخرى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون)، ~~وقوله: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجا) أي: لا نجعل هذا كهذا في هذه الحياة الدنيا؛ فدل ذلك على ~~أن هناك دارا أخرى فيها يقع ذلك التمييز والتفريق، فعلى ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم). # صرف عامة أهل التأويل ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى أبي ~~جهل - لعنه الله - أنه أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يدفع سيئة أبي ~~جهل بالحسنة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه لم يذكر أن أبا جهل صار لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما ذكر حيث قال: (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم)، بل دامت عداوته إياه إلى أن خرج على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم بدر وأغرى الناس عليه، فرجع ذلك الإغراء إليه فقتل في ذلك ~~اليوم؛ فدل أنه لا وجه لصرف الآية إلى هذا. # ثم يخرج قوله: (ادفع بالتي هي أحسن) على وجهين: # أحدهما: ادفع سيئتهم في حادث الوقت بحسنة تكون منك إليهم، أي: إذا أحسنت ~~إليهم كفوا هم عن الإساءة إليك في حادث الوقت - والله أعلم - فيكون كقوله: ~~(ولكم في القصاص حياة). # والثاني: أي ادفع سيئتهم بالعفو والصفح عنهم، أي: لا تكافئهم بمساويهم ~~ولكن تجاوز عنهم واصفح، فإذا فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم، أي: لا يعاد ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم (35) # على أمر الله تعالى والقيام بجميع أموره، أو يقول: لا يعطى ms3964 ولا يؤتى ~~المعاملة التي ذكر ولا يوفق لذلك إلا من عزم على الصبر على ما أمر الله ~~تعالى والصبر على ذلك. # وقوله: (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) # يقول: ولا يعطى هذه المعاملة التي ذكر من الدفع بالحسنة والصفح عن المجرم ~~إلا من كان له حظ ونصيب عظيم عند الله تعالى، والله أعلم. # وقوله: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ~~(36) # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: جائز أن يكون الاستعاذة التي ذكر هي مباشرة الأسباب التي بها ~~يدفع نزغ الشيطان ووساوسه، أمره أن يأتي بالأسباب التي يتهيأ له أن يدفع ~~بها نزغاته وغمزاته، # PageV09P082 # وهذا كالاستغفار الذي أمره به، ليس هو أمرا بأن يقولوا: نستغفر الله ~~بألسنتهم، ولكن أمر بمباشرة أسباب يقع ويجب لهم المغفرة بها؛ فعلى ذلك ~~الاستعاذة. # والثاني: جائز أن يكون أمره بالاستعاذة إياه أمرا له بسؤال لطف من عند ~~الله يدفع به نزغاته وهمزاته، والله أعلم. # وعلى قول المعتزلة لا يصح الاستعاذة منه؛ لأنهم يقولون: إنه قد أعطى ~~كلاما به يدفع نزغاته وهمزاته متى لم يبق عنده شيء يملك إعطاءه إياهم من ~~اللطف وغيره، والله الهادي. # * * * # قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ~~ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي ~~الموتى إنه على كل شيء قدير (39) # وقوله - عز وجل -: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا ~~للشمس # ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون). # كأنه يقول - والله أعلم -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات ألوهيته تعالى ~~ووحدانيته كالليل والنهار أنهما آيتان من آيات الله تعالى، فإذا لم تعبدوا ~~الليل والنهار فكيف عبدتم الشمس والقمر؟! والله أعلم. # أو نقول: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، سخرهما لمنافع الخلق ~~كالليل والنهار مسخرات للخلق والمنافع التي ms3965 جعل فيها للخلق إن لم يكن أكثر ~~لم يكن دون منافع الشمس والقمر، فإذا لم تعبدوا الليل والنهار فكيف عبدتم ~~هاتين؟! يذكر هذا لأن منهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد القمر ~~ونحوه، يذكر سفههم بعبادة غير الله تعالى. # وقوله: (واسجدوا لله الذي خلقهن). # أي: اسجدوا لله الذي أنشأ هذه الأشياء وسخرها لكم. # (إن كنتم إياه تعبدون). # أي: إن كنتم بعبادتكم هذه الأشياء تقصدون القربة عند الله تعالى، أو إن ~~كنتم بعبادتكم هذه الأشياء إياه تريدون؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأشياء ~~دون الله تعالى رجاء القربة عنده والزلفى لقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونآ ~~إلى الله زلفى)، يقول: إن كنتم إياه تقصدون بعبادة هذه الأشياء فاسجدوا له ~~واعبدوا؛ لما أمركم بالسجود له والعبادة، والله الموفق. # PageV09P083 # وقوله: (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون (38) # قد ذكرنا فيما تقدم أن لا أحد يقصد قصد الاستكبار على الله تعالى. ثم ~~يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: أنهم قد أمروا بطاعة الرسل - عليهم السلام - فاستكبروا عن ~~الائتمار لهم لما دعوهم إليه؛ فيصير استكبارهم عليه كالاستكبار على الله ~~تعالى. # والثاني: لما تركوا عبادة الله تعالى وجعل في أنفسهم دلالة العبادة لله ~~تعالى؛ فإذا تركوا العبادة لله تعالى فقد تركوا الائتمار بأمره، لم يعتقدوا ~~الائتمار لذلك الأمر فيكون استكبارا عليه، والله أعلم. # وقوله: (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون). # يقول - والله أعلم -: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله تعالى فأوحشك ذلك، ~~فاذكر عبادة من عنده من الملائكة بالليل والنهار حتى تستأنس بذلك، والله ~~أعلم. وهو كقوله: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)، كان يستوحش باستهزائهم به؛ ~~فذكر له استهزاء أولئك بإخوانه ليقل ذلك فيه؛ لما علم أنه ليس أول من ~~استهزئ به، فهذا مثله. # والثاني: فإن استكبر هؤلاء على عبادة الله وقد عبدوا الملائكة والأصنام ~~وغيرهم، فالذين هم عند ربك ممن عندهم هؤلاء لم يستكبروا؛ بل هم مسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون، وهو كقوله - تعالى -: (أولئك ms3966 الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة) الآية؛ وكقوله - تعالى -: (لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون)، يقول: إن استنكف هؤلاء عن أن يكونوا ~~عبدا لله، فالمسيح ومن ذكر لم يستنكفوا عن ذلك. # وقوله تعالى: (وهم لا يسأمون). # يخبر أنهم لا يسأمون عن عبادته كما يسأم البشر أحيانا عن عبادته، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) # وقال فيما تقدم: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر) فيما ذكر من ~~الآيات آيات وحدانيته، وآيات قدرته وعلمه وتدبيره، وآيات حكمته: # أما آيات وحدانيته في الليل والنهار والشمس والقمر: هو أنه إذا كان سلطان ~~أحدهما ليل أو نهار أو شمس أو قمر لم يمنع عن كون الآخر، ولو كان ذلك فعل ~~عدد لكان منع الآخر عن إتيان ما يذهب سلطانه؛ فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد. # PageV09P084 # ودل جريان ما ذكر من الليل والنهار والشمس والقمر على سياق واحد وسنن ~~واحد من أول ما كانا إلى آخر ما يكونان على أن منشئهما عليم مدبر علما ~~ذاتيا وتدبيرا ذاتيا ليس بمستفاد ولا مكتسب. # ودل سيرهما وجريانهما في يوم واحد وليلة واحدة مسيرة كذا وكذا عاما على ~~أن منشئهما قادر له قدرة ذاتية لا يعجزه شيء؛ إذ القدرة المستفادة ~~والمكتسبة لا تبلغ ذلك. # وكذلك في إحياء الأرض بعد موتها وإخراج النبات منها دلالة ذلك كله: من ~~دلالة الوحدانية، ودلالة العلم الذاتي والقدرة الذاتية والحكمة والتدبير؛ ~~لأنه لما أحياها بعد موتها، وأماتها بعد إحيائه إياها دل أنه فعل واحد لا ~~عدد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أحيا هذا منع الآخر عن الإماتة، وهكذا ~~إذا مات هذا منع الآخر على أن يكون من فعل ذي عدد من ملوك الأرض؛ فإذ لم ~~يمنع ذلك دل أنه فعل واحد، ودل جريان ذلك كله في كل عام على مجرى واحد وسنن ~~واحد وعلى مقدار واحد من ms3967 النبات وغيره على أنه إنما كان بعلم ذاتي وحكمة ~~ذاتية، ودلت القدرة على إحيائها بعد موتها وإماتتها بعد حياتها أن له قدرة ~~ذاتية لا يعجزه شيء من البعث وغيره. # ثم جعل - جل وعلا - في الماء معنى، يوافق ذلك المعنى جميع النبات الخارج ~~من الأرض على اختلاف أجناسها وجواهرها؛ حتى يكون حياة كل شيء من ذلك به: أن ~~ذلك كان كذلك بلطف منه لا يبلغه فهم البشر ولا علمهم، ثم ذلك النبات مع ~~لينه وضعفه ورقته يشق تلك الأرض مع شدتها وصلابتها ويخرج منها ما لا يتوهم ~~خروج أشد الأشياء منها بفعل أحد سواه، دل ذلك على قدرته ولطفه، والله أعلم. # ثم قوله: (ترى الأرض خاشعة) أي: ميتة. # (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) أي: تحركت نباتها وتزينت وصارت حية. # وقوله: (وربت) أي: تربو ويزيد ما عليها من النبات. # قال القتبي: اهتزت بالنبات، ربت: علت وانتفخت. # وقال أبو عوسجة: اهتزت أي: فرجت، وربت: من الزيادة. # وقوله: (إن الذي أحياها لمحي الموتى). # هو ما ذكرنا: أن الذي ملك وقدر على إحيائها لقادر على إحياء الموتى بعد ~~موتهم. # (إنه على كل شيء قدير)، أي: لا يعجزه شيء. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في ~~النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ~~(40) إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب # PageV09P085 # عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ~~ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ~~(43) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يلحدون في آياتنا ... (40) # قرأ بعضهم: (يلحدون) برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها: # فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: ~~الإلحاد: ms3968 الميل، وأخذ اللحد من هذا. # ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا ~~وإبطالها. # (لا يخفون علينا) وعيد منه لهم، يقول: لا يخفون هم وما يفعلون علينا ~~فيجزيهم بذلك، والله أعلم. # وقوله: (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة). # يشبه أن يكون هذا صلة لآيتين تقدم ذكرهما: # إحداهما: قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة. . .) الآية هذه في المؤمنين، وقال في الكافرين: (فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا) الآية. # والآية الثانية: قوله - عز وجل -: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة)، يقول: ~~أفمن يلقى في النار بأعماله السوء خير أمن يأتي آمنا عن ذلك بأعماله ~~الحسنة؟! أي: يعلمون أن من يلقى في الآخرة في النار ليس كالذي يأتي آمنا عن ~~ذلك كله، والله أعلم. # وقوله: (اعملوا ما شئتم). # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: على التخيير؛ لأنه جل وعلا بين السبيلين جميعا على المبالغة ~~بيانا شافيا واضحا، وبين عاقبة كل سبيل من سلكه إلى ماذا يفضي، ثم قال: ~~(اعملوا ما شئتم) أي: اسلكوا أي سبيل شئتم، فإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، ~~وإن سلكتم طريق كذا فلكم كذا، والله أعلم. # والثاني: على الوعيد. # وكذا قوله: (إنه بما تعملون بصير) على الوعيد. # وقوله: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) # PageV09P086 # سمى القرآن ذكرا، وهو يحتمل وجوها: # أحدهما: سماه ذكر؛ لأن من اتبعه وعمل بما فيه صار مذكورا شريفا. # أو سماه ذكرا؛ لما يذكر لهم ما نسوا من أحكام الله. # أويذكر ما لله عليهم وما لبعض على بعض. # (وإنه لكتاب عزيز). # يحتمل قوله: (لكتاب عزيز) أي: عزيز لا يذله جحود الجاحدين ولا تكذيب ~~المكذبين، أو يقول: عزيز عند الله تعالى أكرم به محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - وعزيز يعز من اتبعه وعمل به، كما ذكرنا أنه يشرف من اتبعه وعمل بما ~~فيه. # وقوله - عز وجل -: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد (42) # قال بعض أهل ms3969 التأويل: أي: لا ينزل كتاب من بعده يكذبه أو يبطله، ولا قبله ~~كتاب يكذبه أو يبطله، بل خرج موافقا لما قبله من الكتب. # ويحتمل أن يكون قوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) أي: ~~إبليس لا يستطيع أن يبطل منه حقا، أو يحق منه باطلا، أو ينقص منه حقا، أو ~~يزيد فيه باطلا، بل هو على ما ذكرنا: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون). # وقال بعضهم ما ذكرنا: لا تكذبه الكتب التي كان قبله. # وقوله: (ولا من خلفه). # أي: لا يجيء من بعده كتاب يكذبه، ومعنى هذا: أنهم كانوا يردون ذلك ~~ويدفعونه، وليست لهم حجة من الله في ردهم إياه ولا في دفعه، بل يدفعونه بلا ~~حجة ولا برهان (تنزيل من حكيم حميد). # وعن الحسن قال في قوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه): إن الله - سبحانه وتعالى - حفظه من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ~~ينقص منه حقا، ثم قرأ: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). # ودل قوله: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) على أن كل ما أضيف ~~إليه من اليدين والخلف لا يفهم منه بذكر اليدين: الجارحتان، أو بذكر الخلف: ~~بقوله: (من بين يديه ولا من خلفه)؛ فعلى ذلك ما أضيف إلى الله تعالى من ~~اليدين ومن بين يديه، لا # PageV09P087 # يفهم اليدان حقيقة الجارحتين، والله الموفق. # وقوله: (تنزيل من حكيم حميد). # أي: هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد، الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ ~~في تدبيره أو في حكمه، والحميد: هو الذي لا يلحقه الذم في فعله، والله ~~الموفق. # ثم قوله: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) لم يخرج له جواب في هذا ~~الموضع، ثم قال بعضهم: جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا، وهو قوله: (أولئك ~~ينادون من مكان بعيد)، وقال بعضهم: بل جوابه ها ذكر في (حم المؤمن) حيث قال ~~الله - تعالى -: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ms3970 قبلك) يعزي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ويصبره ليصبر على ما كانوا يقولون له: إنه كذاب وإنه ~~ساحر، وإنه مجنون، وإنه إنما يعلمه بشر، وإنه مفتر، وغير ذلك من أنواع ~~الأذى، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل؛ لأنه كان يدعوهم إلى ها به ~~نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر، فقال الله - تعالى - له عند ذلك: # (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ... (43) من التكذيب والنسبة ~~إلى السحر والجنون وغير ذلك، يصبره على ذلك؛ وهو كقوله تعالى: (فاصبر كما ~~صبر أولو العزم من الرسل. .،) الآية. # ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له؛ ليسلى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة ~~بالذي قالوا فيه؛ بما علم أنه ليس بأول مكذب من الرسل، ولا بأول متأذ في ~~ذات الله تعالى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم). # يقول - والله أعلم -: على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا، ورجعوا عن ~~ذلك، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك. # أو يقول - والله أعلم - على الصلة لقوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر ~~لما جاءهم) أي: إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب ~~للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا؛ وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ~~ذلك، والله أعلم. # أو يذكر هذا، أي: ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم، إنما ذلك ~~إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه، وإن شئت عاقبتهم؛ وهو كقوله تعالى: ~~(ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم. . .) الآية. # وقوله: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ~~... (44) # وقال في آية أخرى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما ~~كانوا به مؤمنين) # PageV09P088 # وقال في موضع آخر: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)، يذكر في هذه الآيات كلها سفه أهل مكة ~~وشدة تعتتهم؛ يقول: لو أنزلنا عليك الكتاب جملة في قرطاس بحيث ms3971 يرون نزوله ~~من السماء ويعاينونه، قالوا: ما هذا إلا سحر مبين. # ويقول أيضا - والله أعلم -: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين ~~بلسان، فقرأه عليهم -أي على أهل مكة- بلسان العرب بحيث يفهمون - ما كانوا ~~به مؤمنين؛ لأن قرأءة الأعجمي إياه بلسان العرب أكبر في الآية وأعظم في ~~الأعجوبة من قراءة العربي بلسان العربية، أي: قراءة كل أحد شيئا بغير ~~اللسان الذي هو لسانه أكبر في الآية وأعظم في الأعجوبة من القراءة بلسان هو ~~لسانه. يقول: لو نزلنا على من لسانه لسان العجم والقرآن عربي، فقرأ الأعجمي ~~ذلك على أهل مكة بلسان العرب؛ فهو أكبر أعجوبة وأعظم في الآية - لكانوا لا ~~يؤمنون به. # فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) وعاينوا نزول ~~ذلك على محمد - صلى الله عليه وسلم - وفهمه وأداه وقرأه عليهم بلسان العرب ~~(لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي) يعنون القرآن (وعربي) أي محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - يقولون: القرآن أعجمي ومحمد عربي كيف يكون؟! أي: لا يكون ~~هذا ويكذبونه ولا يؤمنون به؛ وذلك لما ذكرنا: أن أداءه بلسان ليس ذلك لسانه ~~وقراءته بعين ذلك اللسان، أكثر في جعله آية وأعظم في الأعجوبة؛ إذ يمكن ~~الاختلاف من نفسه باللسان الذي هو السانه، وموهوم ذلك إذا لم يكن ذلك ~~لسانه، يخبر عن سفههم وشدة عنادهم في تكذيبهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وما جاء به، والله أعلم. # وقال بعض أهل التأويل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحيانا يدخل ~~على رجل أعجمي يقال له أبو فكيهة، فقالوا: إنما يعلمه بشر فأنزل الله ~~تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) بلسان أعجمي، لقال كفار مكة: (لولا فصلت ~~آياته) بالعربية، أي: بينت حتى نفقهها ونعلمها ما يقول محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ولقالوا: أعجمى أنزل عليه القرآن ومحمد عربي؛ فأنزله عربيا ~~ليفقهوه؛ فلا يكون لهم الاعتلال والاحتجاج. # وقال بعضهم: لولا فصلت آياته حتى يفقهها، أعجمي القرآن وعربي الرجل؟! ~~وقال أبو معاذ: يكون معنى هذا: أن الله تعالى يستفهم قرآنا أعجميا على رجل ~~عربي ms3972 فلا # PageV09P089 # يفهمون؛ فيكون الحجة لهم بذلك، وهو مثل الأول. # وقال بعضهم: (أأعجمي وعربي) استفهام من قريش، يكون معناه: لو أنزلناه ~~قرآنا أعجميا على رجل عربي لقالوا: أعجمي وعربي كيف يفهم هذا وكيف يعقله؟! ~~لكنا قد ذكرنا أن هذا في الدلالة أكثر وفي الأعجوبة أعظم، والوجه فيه ما ~~ذكرنا بدءا. # وقال القتبي: (لقالوا لولا فصلت آياته) أنزلت عربية مفصلة بالآي كان ~~التفصيل للسان العرب، لكن لسنا ندري ما يريد بهذا الكلام أن التفصيل للسان ~~العرب. # وقال بعضهم: (لقالوا لولا فصلت آياته) أي: هلا فرقت آياته حتى جعل من كل ~~لسان من لسان العجم ولسان العرب؛ حتى يفهمها أهل كل لسان، والله أعلم. # وفي هذه الآية دلالة على أنه لو أنزله بلسان العجم لكان قرآنا، وأن ~~اختلاف اللسان لا يغيره ولا يحوله عن أن يكون قرآنا - والله أعلم - فيكون ~~دليلا لقول أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا قرأ بالفارسية في صلاته يجوز، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى). # وصف الله تعالى هذا القرآن بالشفاء وللرحمة والهدى، وسماه مرة عزيزا ~~كريما مجيدا حكيما، ونحوه، فهو هدى من الضلالة والحيرة والشك وكل شبهة، ~~وشفاء لكل داء وسقم يكون في الدين والأنفس جميعا، هو شفاء لذلك كله وهو ~~هدى. ثم يحتمل الهدى وجهين في هذا الموضع: # أحدهما: هو هدى لكل ضلالة، أي: دعاء إلى الذي يضاد الضلال. # والثاني: هدى، أي: جعل بيانا لكل حيرة وشك وشبهة، من اتبعه وقبله ونظر ~~إليه بعين التعظيم والتبجيل دعاه إلى سبيله ودينه ويخرجه من الضلال، ويكون ~~بيانا لكل من فيه الحيرة والشك والشبهة، ويخلي له الطريق ويوضح له السبيل ~~ويخرجه من الشبهات، فهو للمؤمنين من الهدى والشفاء؛ لأنهم قبلوه واتبعوه ~~وتكلفوا العمل بما فيه، وأما الكفرة فهو عليهم عمي وحيرة وشك؛ لأنهم لم ~~يقبلوه ولم يتبعوه ونظروا إليه بالاستخفاف والهوان؛ ونبذوه وراء ظهورهم فلم ~~يبصروا ما فيه؛ فهو صار لهم عمى وما ذكر، والله أعلم. ms3973 # وكذلك قال تعالى: (أولئك ينادون من مكان بعيد) سماهم غيبة وإن كانوا ~~بأنفسهم حضورا شهودا، وسماهم موتى، وإن كانوا في الحقيقة أحياء، وسماهم صما ~~وبكما # PageV09P090 # وعميا وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح ~~بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده ~~الجوارح والأنفس، لا نفس هذه الجوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي؛ ~~إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا؛ سماهم: ميتة وأحياء وبصراء، ~~وسماهم موتى وعميا وما ذكر؛ ليعلم أنها إنما جعلت؛ ليكتسبوا بها الحياة ~~الدائمة، والبصر الدائم، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره، وكذلك هذه ~~النعم التي جعلت؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة، فإذا لم ~~يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر، والله أعلم. # وقال بعضهم: (وهو عليهم عمى)، أي: عموا عنه. # وقال بعضهم: (وهو عليهم عمى)، أي: في الآخرة، جزاء بما نسوه في الدنيا؛ ~~كقوله تعالى: (لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى). # وقيل: قوله: (ينادون من مكان بعيد) وعبارة عن قلة أفهامهم؛ يقال للرجل ~~الذي لا يفهم: أنت تنادى من مكان بعيد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات ~~من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي ~~قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما ~~لهم من محيص (48) # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه). # كأنه يقول - والله أعلم -: إنا قد آتينا موسى الكتاب ما عرفوا أنه إنما ~~نزل من عند الله تعالى؛ حيث شاهدوا نزوله جملة، ومع أنهم عرفوا ذلك، ~~اختلفوا فيه حتى كذبه بعضهم؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: لو أنزلنا ~~القرآن عليك أعجميا، ms3974 فأديته إليهم بلسانك العربي، لكذبوك، ولا يصدقونك، وإن ~~كان ذلك في الدلالة أكثر في الأعجوبة وأعظم على ما فعل قوم موسى بالكتاب ~~الذي أنزل على موسى عليه السلام، يذكر سفههم وتعنتهم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه ~~مريب). # ظاهر هذه الآية على أن ما ذكر من المنة والرحمة في تأخير العذاب إنما هو ~~لقوم # PageV09P091 # موسى، وهو قوله: (ولقد آتينا موسى الكتاب)، لكن أهل التأويل قد أجمعوا ~~على صرف هذه المنة والرحمة في تأخير العذاب إلى هذه الأمة، وكذا ظهر فيهم ~~المنة في العفو عن الإهلاك في الدنيا دون سائر الأمم، والله أعلم. # ثم ظاهر قوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم) استدلال واحتجاج لأهل ~~الإلحاد؛ لأن مثل هذا في الشاهد إنما يقال لأحد معنيين: أما لجهل بالعواقب، ~~أو لعجز عن وفاء ما وعد، لكن الله يتعالى عن الوصف بالجهل بعواقب الأمور ~~والوصف بالعجز عن شيء مما أقام من الآيات والبراهين على العلم والقدرة. # ثم قوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك) يحتمل الكلمة: الحجة؛ كقوله تعالى: ~~(ويحق الحق بكلماته)، وقوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي)، ~~أي: لحجج ربي، وتكون الكلمة منه: الدين؛ كقوله تعالى: (وكلمة الله هي ~~العليا)، ونحوه. # وقيل: الكلمة: هي الساعة التي هي آخر عذاب هذه الأمة، فقال: (بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر)، والله أعلم. # وجائز أن تكون الكلمة هاهنا ما سبق من المنة لهذه الأمة ألا يعذبها وقت ~~استحقاقهم العذاب. # أو سبق منه المنة والرحمة بتأخير الهلاك عن وقت اكتسابهم أسباب الهلاك، ~~وهذا على المعتزلة والخوارج؛ لقولهم: إن ليس لله أن يعفو أو يؤخر العذاب ~~عمن وجب عليه أو استحقه أو كلام نحوه، حيث من ورحم هذه الأمة بتأخير العذاب ~~عنهم إلى وقت، ولو لم يستحقه العذاب، لم يكن لذكر المنة والرحمة في ذلك ~~معنى؛ وهو كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ms3975 فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد (46) # يخبر - عز وجل - أنه إنما امتحنهم لا لمنافع فيه يجر إلى نفسه، أو لمضار ~~يدفعها عن نفسه، ولكنه إنما امتحنهم وأمرهم ونهاهم؛ لمنافع يكتسبون ~~لأنفسهم، ولمضار يدفعون بذلك عن أنفسهم، وليس كملوك الأرض أنهم يمتحنون ~~الخلق ويأمرون وينهون ويستعملونهم لمنافع أنفسهم، ولمضار يدفعونها بذلك عن ~~أنفسهم، فأما الله - سبحانه وتعالى - فإنما يمتحن الخلائق لمنافع يجرون إلى ~~أنفسهم ولمضار يدفعون به عن أنفسهم، فلهم حصول منافع ذلك الامتحان والأمر ~~والنهي، وعليهم حصول ضرر ذلك؛ فلأنفسهم يعملون ما يعملون من الخير والطاعة، ~~وعليهم ما يعملون من الشر؛ ولذلك # PageV09P092 # قال: (وما ربك بظلام للعبيد. .) الآية، قد بين السبيلين جميعا بيانا ~~شافيا، وأقام لكل ذلك حججا وبراهين، وبين أن من سلك سبيل كذا، أفضاه إلى ~~كذا في العاقبة: إما نعيم دائم وسرور دائم، وإما عذاب دائم وشرور دائمة، ~~فمن سلك السبيل الذي عاقبته النار والحزن، فمن قبل نفسه أتى ذلك، وهو الذي ~~أوقع نفسه في ذلك، ومن سلك السبيل الذي جعل عاقبته الجنة والنعم الدائمة ~~فيه، واختياره وصل ذلك، فهو تفسير قوله تعالى: (وما ربك بظلام للعبيد)، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ~~ما منا من شهيد (47) # أجمع من آمن بالله تعالى، وصدق رسله - عليهم السلام - من أهل السماء وأهل ~~الأرض أن ليس عندهم علم بوقت الساعة؛ فإن ذلك خفي عليهم لا يعلمونه، وأن ~~علم ذلك عند الله تعالى، وهو ما قال - عز وجل -: (يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها. . .) الآية؛ غير الباطنية والروافض؛ فإن علم ذلك عندهم على مذهبهم ~~وفي زعمهم: # أما الروافض: فإنهم يعدون الأئمة ويقولون: إن الساعة على إمام كذا، وفي ~~زمان كذا. # وأما الباطنية يقولون: إن اسم الساعة والقيامة ونحو ذلك إنما هو اسم قائم ~~الزمان وإنه فلان، فعلى قولهم يظهر وقت قيامها، فهو خلاف ما ذكر في الكتاب، ~~وما أجمع عليه أهل ms3976 السماء والأرض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه). # جائز أن يكون ما ذكر من إخراج الثمرة من الأكمام وما ذكر من حمل الأنثى ~~ووضعها، وهو موصول بقوله: (إليه يرد علم الساعة)، فإن كان على ذلك، فمعناه ~~لا يعلم ذلك كله إلا هو، لا يعلم وقت خروجها ولا حدها، وأنها تخرج أو لا، ~~وكذلك الولد لا يعلم كيفية علوقه ولا وقته ولا مقداره، وأنه يعلق أو لا، ~~علم ذلك إلى الله تعالى كعلم الساعة، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه) على الابتداء، ليس على الصلة بالساعة، ولكن موصول بما تقدم ~~من قوله: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر)، (ومن آياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة. . .) إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك يقول - والله أعلم -: ومن آيات ~~ألوهيته ووحدانيته وآيات # PageV09P093 # قدرته وعلمه وتدبيره أن يخرج الثمرات من أكمامها، ومن آياته أن تحمل ~~الأنثى وتضع، وهو أن الله تعالى أنشأ تلك الثمرة في الأكمام، وكذا الولد في ~~البطن في حجب وسواتر ورباه في تلك الحجب والسواتر، وغذاه بأغذية، ودفع عنه ~~جميع الأذى من البرد والحر وجميع ما يؤذيه؛ لضعفه ولطافته؛ لطفا منه ورحمة، ~~وصوره في تلك الحجب والسواتر بأحسن صورة؛ ليعلم ألوهيته ووحدانيته وأن له ~~علما ذاتيا وقدرة ذاتية أزلية لا مكتسبا مستفادا؛ إذ العلم المستفاد ~~والقدرة المستفادة لا تبلغ ذلك، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (من أكمامها) أي: المواضع التي كانت فيها مستترة، ~~وغلاف كل شيء كمه، كما قيل: كم القميص. # وقال أبو عوسجة: أكمامها: غطاؤها التي يكون فيها قبل أن يتعيق، والتعيق: ~~التشقق؛ يقال: تعيقت الأكمام عن الثمرة، أي: تشققت. # وقوله - عز وجل -: (ويوم يناديهم أين شركائي). # يذكرهم، ويخبر عما يسألون يوم القيامة وما يكون من جوابهم لذلك السؤال؛ ~~لعلهم يمتنعون عن ذلك، ويحذرون؛ يقول: (ويوم يناديهم أين شركائي) أي: أين ~~الذين تزعمون أنهم ms3977 شركائي في الدنيا؟ أو أين الذين تعبدون في الدنيا ~~وتزعمون أنها آلهة، وأنها شفعاء لكم عندي؟ وإلا لا يحتمل أن يقول لهم الرب ~~- جل وعلا -: أين شركائي؟ ولا شريك له ولا إله غيره، ولكن ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (قالوا آذناك ما منا من شهيد). # قال بعضهم: (آذناك): أسمعناك. # وقيل: أعلمناك. # والأشبه أن يكون معنى (آذناك): أخبرناك؛ إذ الله تعالى كان عالما بذلك، ~~وإعلام العالم لا يتحقق، أما الإخبار للعالم عن الشيء يتحقق بما علم به، ~~والله أعلم. # ثم اختلف في ذلك أنه قول من؟: قال بعضهم: هو قول أولئك الكفرة الذين ~~نودوا يومئذ يقولون: أخبرناك أن لم يكن منا أحد شهيدا بذلك، أو يقولون ~~بالشريك، أو بإله سواك، يخرج على الإنكار والجحود والكذب أنهم لم يقولوا ~~ذلك، ولم يفعلوا، وهو كما ذكر عنهم في آية أخرى: (ويوم نحشرهم جميعا ثم ~~نقول للذين أشركوا. . .) الآية، فقالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين)، ~~أنكروا ما كان منهم من الإشراك؛ فعلى ذلك قوله: (آذناك ما منا من شهيد)، ~~أي: لم نشرك بك أحدا، ولم نتخذ من دونك إلها، والله أعلم. # PageV09P094 # وقال بعضهم: قوله: (قالوا آذناك ما منا من شهيد) هذا من قول الأصنام ~~والذين عبدوهم من دون الله في الدنيا، يقولون: ما منا من شهيد على عبادة ~~أولئك إيانا، ولا أمرناهم بذلك؛ وهو كقوله؛ (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون)، وقولهم: (بل لم نكن ندعو من قبل شيئا)، أخبروا أنهم كانوا غافلين ~~عن عبادتهم إياهم، وأنهم ما أمروهم بها؛ فعلى ذلك قوله تعالى: (آذناك ما ~~منا من شهيد) أي: أخبرناك. # وقوله تعالى: (آذناك) على هذا التأويل هو ما ذكروا: أن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين، والله تعالى أعلم. # ثم إن الكفرة في يوم القيامة مرة أنكروا عبادتهم غير الله، وأحيانا أقروا ~~بها وتبرءوا منها، ومرة سألوا الرجوع إلى المحنة والرد إلى الدنيا على ~~اختلاف الأحوال والأوقات في ذلك اليوم؛ إذ لا تكون هذه إلا الأسئلة ~~المختلفة في وقت واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms3978 -: (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ~~(48) # هو ما ذكر في آية أخرى (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا)؛ وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ رجاء أن تشفع ~~لهم في الآخرة وتقربهم إلى الله زلفى، فلما أيسوا ما رجوا منها، وقمعوا، ~~قالوا: (ضلوا عنا)، فعلى ذلك قوله: (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا) ~~من قبل في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ما لهم من محيص)، أي: أيقنوا وعلموا أن لا محيص لهم ~~ولا نجاة. # وقال أبو عوسجة: (ما لهم من محيص)، أي. مهرب. # * * * # قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط ~~(49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) # وقوله - عز وجل -: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس ~~قنوط)، وقال في آية أخرى: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا ~~مسه الشر فذو دعاء عريض)، هاتان الآيتان في ظاهر المخرج: إحداهما: مخالفة ~~للأخرى؛ لأنه ذكر في إحداهما الإياس والقنوت إذا مسه الشر، وفي الأخرى كثرة ~~الدعاء إذا مسه الشدة والبلاء، ومن طباع الخلق والعرف فيهم أنهم إذا أيسوا ~~[وقنطوا] لا يدعون ولا يسألون، بل يتركون # PageV09P095 # سؤالهم، وإذا طمعوا ورجوا عند ذلك سألوا ودعوا، هذا هو العرف فيهم؛ فدل ~~أن بينهما مخالفة من حيث الظاهر، لكن نقول: إن الآية تخرج على وجوه: # يحتمل: أن كل واحدة من الآيتين في إنسان بعينه يشار إليه سوى الآخر، كان ~~عادة أحدهما -على الإياس والقنوط من الخير- ترك الدعاء والسؤال، وكان عادة ~~الآخر الدعاء والتضرع إليه والسؤال عن كشف ذلك عنه، فأخبر - جل وعلا - ~~رسوله عليه الصلاة والسلام ما أضمر كل واحد منهما: في نفس ms3979 أحدهما الإياس ~~والقنوت، والآخر الدعاء والسؤال والطمع في الخير؛ ليكون له عليهم دلالة ~~الرسالة وآية النبوة إذ أنبأه عن ضمير كل واحد منهما وما في نفسه؛ ليعلم ~~أنه رسول، وإنما علم ذلك بالله جلا وعلا، والله أعلم. # والثائي: أن الكفرة كانوا فرقا، وكانوا على مذاهب شتى مختلفة: # فرقة كانت تطمئن في حال الرخاء والسعة، وتيأس وتنقلب في حال البلاء ~~والشدة؛ كقوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به. . ~~.) الآية. # وفرقة كانت تفزع إلى الله تعالى وتقبل إليه عند إصابة الشدة والبلاء، ~~وتعرض عنه عند كشف ذلك عنهم وتوسيع النعم عليهم؛ نحو قوله تعالى: (فإذا ~~ركبوا في الفلك. . .) الآية، ونحوه كثير في القرآن. # وفرقة كانت في الحالين جميعا على الإعراض عنهم، وترك الإقبال إليه ~~والطاعة له، لا يفزعون ولا يقبلون لا في حال الرخاء والسعة ولا في حال ~~البلاء والشدة؛ كقوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم). # وفرقة كانت ترى الحسنة والخير من أنفسهم، وإذا صارت سيئة وشدة تطيروا ~~بالرسل عليهم السلام؛ كقوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) وقوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك). # وإذا كانت الكفرة على هذه المذاهب المختلفة وكانت أجناسا شتى، فيكون كل ~~آية منهما في جنس غير الجنس الآخر، وفي أهل مذهب غير أهل مذهب آخر، فأما ~~المسلمون فيكونون في الحالين جميعا على التوحيد والإقبال إلى الله تعالى في ~~حال الرخاء والسعة، وفي حال البلاء والشدة، وهو على ما استثناهم الله تعالى ~~عند ذكر الكفرة؛ حيث قال: (إنه لفرح فخور (10) إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات)، وقوله تعالى: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر) الآية، وأمثال ~~ذلك من الآيات، وصفهم - جل وعلا - بالثبات والقرار على دينهم في الأحوال ~~كلها، والله أعلم. # PageV09P096 # والثالث: جائز أن يكون ما ذكر من الآيتين على ما ذكر إخبارا عما طبع عليه ~~البشر وأنشئ، وإنما أنشئ البشر وطبع على الرغبة في الخير والسعة والنفار عن ~~الشدة والبلاء والكراهة ms3980 له؛ فهذا إخبار عما طبعوا عليه وأنشئوا، ليس على ~~حقيقة إظهار ذلك منهم قولا أو فعلا، ولكن، على ما طبع كل إنسان؛ راغبا ~~حريصا في السعة والرخاء، وأنه ما ذكر لا يسأم من دعاء الخير، كارها نافرا ~~عن البلاء والشدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ~~وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين ~~كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) # قال بعضهم: (هذا لي)، أي: أعطانيه من خير علمه مني. # وجائز أن يكون ما ذكرنا أنهم كانوا يتطيرون بالرسل عند البلاء والشدة، ~~والسعة يرونها من أنفسهم؛ حيث قال: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه. . ~~.) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وما أظن الساعة قائمة). # كانوا ينكرون البعث والجزاء لما عملوا في الدنيا، ثم يقولون: ولئن كان ~~يذكر محمد من البعث والجزاء للأعمال والجنة؛ إن ذلك لنا دونهم، وهو قوله: ~~(ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى)، أي: إن رجعت إلى ربي على ما يقوله ~~محمد: (إن لي عنده للحسنى) وهو على ما قالوا في الدنيا: (لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه) لما رأوا السعة لأنفسهم في الدنيا دون المؤمنين؛ فعلى ذلك في ~~الآخرة قالوا لنا دونهم، والله الهادي. # ثم أخبر تعالى عما ينزل بهم بأعمالهم في الآخرة، وهو قوله تعالى: ~~(فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ). # أي: ننبئنهم بخبر ما عملوا؛ لأن ذلك كان منهم تمنيا وتشهيا بمن يذيقهم ~~العذاب الغليظ. # وقوله - عز وجل -: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه ~~الشر فذو دعاء عريض (51) # هو ما ذكرنا من دعائهم وسؤالهم الخير وطمعهم ذلك. # وقوله: (فذو دعاء عريض)، قال أبو عوسجة: (ونأى بجانبه) أي: تباعد عما أمر ~~به، (فذو دعاء عريض) أي: كثير الدعاء لا يمل ولا يسأم، وكذا قال القتبي. # * * * # قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق ms3981 بعيد (52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه # PageV09P097 # على كل شيء شهيد. ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ~~(54). # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ... (52). # يقول: إن كان هذا القرآن من عند الله ثم كفرتم به، وجائز أن يكون على ~~الابتداء ليس بجواب لقوله: (أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به) ويكون ~~كأن لم يذكر جواب (أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به)؛ لما عرفوا أن ~~من عاند وعادى ما كان من عند الله أنه ما يعمل بهم وما يصنع؛ وهو كقوله ~~تعالى: (أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين)، يذكر له ~~جواب؛ لما عرفوا أن من تريدون عبدوا دون الله بعد معرفتهم أنه إفك وأنه كذب ~~وليس بإله، أن الله ماذا يفعل بهم، فلم يذكر لهذا جواب؛ لمعرفتهم بما يفعل ~~بهم؛ فعلى ذلك قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به) يجوز أن ~~لم يذكر له جواب؛ لما عرفوا أنه ما يفعل بهم وما يستوجبون منه بما عاندوه ~~وعادوه بعد معرفتهم أنه من عند الله جاء ثم كفروا به، والله أعلم. # وإن كان موصولا فجوابه ما ذكر من قوله: (من أضل ممن هو في شقاق بعيد)؛ ~~فيكون كأنه يقول - والله أعلم -: أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ~~فإذا كفرتم ضللتم، فمن أضل ممن هو في شقاق بعيد؟! # أي: في خلاف وبعد؛ فيكون جوابه كأنه قال: لا أحد أضل ممن عرف أنه من عند ~~الله ثم خالفه وتباعد عنه، على ما ذكرنا في قوله: (ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا) أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ فعلى ذلك الأول، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) اختلف فيه: # قال بعضهم: ms3982 (سنريهم آياتنا) أي نريهم عذابنا الذي نزل بالأمم المتقدمة في ~~بلاد عاد وثمود وقوم لوط، كانوا يمرون عليها ويعرفون أنه لماذا نزل بهم ذلك ~~وتكذيبهم الرسل وعنادهم، ونريهم عذابنا أيضا في أنفسهم ببدر حيث قتل ~~فراعنتهم يومئذ؛ (حتى يتبين لهم أنه الحق)؛ يقول): إن القرآن هو الحق من ~~الله؛ لأن فيه الإخبار عن العذاب للذين كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وقال بعضهم: (سنريهم آياتنا في الآفاق) هو ظهور محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - على البلاد والقرى # PageV09P098 # النائية وفتحها عليه، (وفي أنفسهم) أي: فتح مكة وظهوره عليهم، على ما وعد ~~له ربه - جل وعلا - من النصر له وفتح البلاد والقرى. # فيكون هذان التأويلان آية لرسالته ونبوته، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) آيات وحدانيته ~~وألوهيته: # أما في الآفاق فما جعل منافع البلاد النائية والقرى المتباعدة متصلة ~~بمنافع أنفسهم ومنافع البلاد القريبة، ومنافع السماء متصلة بمنافع الأرض ~~على بعد ما بينهما؛ ليعلم أنه تدبير واحد وفعل فرد لا عدد، أو أن يكون ~~آياته في الآفاق رفع السماء مع غلظها وكثافتها وسعتها بلا سبب ولا تعليق من ~~أعلاها ولا عماد من أسفلها. # وفي أنفسهم: ما حولهم وقلبهم في الأرحام من حال النطفة إلى حال العلقة، ~~ومن حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال الإنسان والتصوير ~~والتركيب، إلى آخر ما ينتهي إليه أمره؛ ليعلم أنه صنع واحد وتدبير فرد لا ~~تدبير لأحد سواه في ذلك. # فهذان التأويلان في آية الألوهية والوحدانية، والأولان في إثبات الرسالة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد). # كأنه يقول: أولم يكف ربك شاهدا أنه من عنده على ما تقول أنت، أو يقول: ~~أولم يكف ربك ناصرا ومعينا، أو يكون قوله: (أولم يكف) أي: أولم يكفهم ما ~~جاء من عند الله من البينات والقرآن؛ كقوله: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم. . .) الآية؛ فعلى ذلك يحتمل هذا. ويحتمل: أولم يكفهم ~~آية على رسالتك أو ms3983 آية على وحدانية الله تعالى ما جاء من عند الله، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ~~(54) # ألا إن شكهم ومريتهم في البعث هو الذي حملهم على تكذيب ما جاء من عند ~~الله وإنكاره، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV09P099 ### | سورة (حم عسق) # مكية إلا آيات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم (3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) ~~تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) # قوله - عز وجل -: (حم (1) عسق (2) # قال بعضهم: (حم) وهو اسم من أسماء الله تعالى. # وقيل: هو اسم من أسماء القرآن. # وقال بعضهم: (حم) أي: قضى ما هو كائن. وقد ضعف هذا القول ابن عباس، رضي ~~الله عنه. # والصحيح من الأقوال: أن " حم " خبر مبتدأ محذوف، و " تنزيل الكتاب " خبره ~~(من الله) صفة الكتاب، والتقدير: هذا حم تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم. # وقال بعضهم في (حم. عسق): عين عبارة عن عذابه، والسين عن المسخ، والقاف ~~كناية عن القذف، يقول صاحب هذا القول: يخرج عين من الأرض فيها عذاب، ويمسخ ~~رجل من هذه الأمة بالبادية فيقذفه الناس بالحجارة، والله أعلم. # وقال بعضهم - وهو قول ابن عباس -: (حم سق) على إسقاط حرف العين، ثم يقول: ~~السين كل فرقة تكون، والقاف كل جماعة تكون. # وذكر: كان يعلم علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حساب العين، وكذلك ذكر ~~في ابن مسعود وأبي - رضي الله عنهما - و (حم سق) على طرح العين. # وقال بعضهم: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، والقاف عبارة ~~عن الوقوع، أي: قضى ما سيكون ذلك، والله أعلم. وذكر عن جعفر بن محمد بن علي ~~- رضي الله عنهم - قال: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، ولم ~~يفسر القاف وقال: عجب أو كلام نحوه، والله أعلم. # وقال بعضهم: ms3984 العين عبارة عن علمه، والسين السلام، والقاف عبارة عن ~~القدرة، وكذا محتمل. # PageV09P100 # وجائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف المقطعة عبارة عن صفة من صفاته أو ~~اسم من أسمائه، على عادة العرب بالاكتفاء عن حرف عبارة عن جميع الكلمة: ~~فالحاء عبارة عن حلمه وحكمته وحكمه، والميم عبارة عن ملكه ومجده، والعين ~~عبارة عن علمه، والسين عبارة عن سنائه وسؤدده، والقاف عبارة عن قدرته وقوته ~~يكون كل حرف من هذه الحروف عبارة عن اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وعبارة ~~عن حكم من أحكامه، وهذا الذي ذكرنا كله على الإمكان والاحتمال لا يسع أن ~~يحقق فيه التفسير أنه كذا، وأنه أراد كذا؛ لأنه من المتشابه، وأنه من السر ~~الذي لم يطلع الله - تعالى - عليه أحدا إلا رسله، عليهم الصلاة والسلام. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز ~~الحكيم (3) أي: كما أوحى إليك فقد أوحى إلى الذين من قبلك مثله. # ثم اختلف في قوله: (كذلك) قال بعضهم: أي: كما أوحينا إليك بسورة (حم. ~~عسق) أوحينا بها إلى الذين من قبلك. # وقال بعضهم: أي: كما أوحينا إليك بهذه الحروف، يعني: (حم. عسق) بعينها ~~فقد أوحينا بعين هذه الحروف إلى الذين من قبلك، وهي (حم. عسق). # وقال بعضهم: كما أوحينا إليك (حم. عسق) أوحينا إلى الذين من قبلك من ~~الرسل بمعنى ذلك. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: ليس نبي إلا وقد أوحي إليه ب ~~(حم. عسق) كما أوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو على ما ذكرنا. # وقوله: (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # يخرج ذكر هذا في هذا الموضع على وجوه: # أي: له ما في السماوات وما في الأرض شهود على ألوهيته ووحدانيته. # والثاني: أن ما في السماوات والأرض وما فيها له دلالات وحدانيته ~~وربوبيته. # والثالث: (له ما في السماوات وما في الأرض)، أي: كلهم عبيده وملكه؛ فلا ~~يحتمل أن يتخذ من ملكه وعبيده ما ذكروا من: الولد، ms3985 والشريك، والصاحبة، وما ~~قالوا؛ إذ لا أحد يتخذ من عبيده ومن ملكه ما ذكروا: من الولد، والشريك، ~~والصاحبة؛ فعلى ذلك يتعالى الله عن أن يكون له في ملكه ما ذكر، والله أعلم. # PageV09P101 # وقوله: (وهو العلي العظيم). # العلو والعظمة -في الشاهد- يكون من وجوه ثلاثة: # أحدها: العلو عبارة عن القهر والغلبة؛ يقال: فلان عال؛ أي: غالب وقاهر. # والعظمة عبارة عن القدر، والمنزلة، ونفاذ الأمر. # والثاني: يكون العلو عبارة عن الكبرياء، والسؤدد، وكذلك العظمة. # والثالث: العلو يكون عبارة عن الارتفاع في المكان، والعظمة: عظمة في ~~البدن والنفس، وهذا مما لا يكون فيه كثرة منقبة وقدر، ولا شيء من ذلك، ولا ~~يزيد ذلك في صاحبه رفعة ولا مرتبة، والله يتعالى عن الوصف بهذا، فإنما رجع ~~الوصف له بالعلو والعظمة إلى الوجهين الأولين، والسلطان، والقدرة، ونفاذ ~~الأمر والمشيئة والكبرياء، والغلبة. فأما ما رجع إلى الارتفاع في الأمكنة، ~~والعظمة في البدن - فهو صفة المخلوق، وهم الموصوفون بذلك، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ... (5) # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: تكاد يتفطرن لذنوب أهل الأرض، وفسادهم، وعظيم ما قالت الملاحدة ~~في الله من الولد، والشريك، والصاحبة، كادت تنشق لذلك وتتساقط، كقوله في ~~آية أخرى: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن ~~دعوا للرحمن ولدا). بين في هذه الآية أنها كادت تنفطر وتنشق لماذا؛ وهو ~~دعواهم للرحمن ولدا؛ فلذلك يحتمل - هاهنا - هذا المعنى، والله أعلم. # والثاني: كادت تنشق لبكاء أهلها عليها، وإشفاقا ورحمة على أهل الأرض. # ويحتمل: تكاد تنشق لعظمة الرب، وجلاله، وعظم سلطانه؛ كقوله - تعالى -: ~~(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله). # أخبر أنه لو جعل في الجبال والأرض والسماء من المعنى والتمييز ما جعل في ~~البشر، لكانت هذه الأشياء بالوصف الذي ذكر من الخضوع لربها، وهو كما ذكر في ~~آية أخرى: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله)، يخبر ms3986 عن شدة خضوع هذه الأشياء ~~وخشوعها لربها وتذللها له، وعناد الكفرة واستكبارهم، وقلة خضوعهم لربهم، ~~والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن)؛ لكثرة ~~أهلها وازدحامهم فيها، وعبادتهم لربهم، على ما ذكر في الخبر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " أطت السماء # PageV09P102 # وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم فيها إلا وملك فيها: ساجد، أو راكع، أو ~~قائم، يسبح الله - تعالى - ويصلي له "، والله أعلم. # وقوله: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم). # هذا يدل على أن ما ذكر من تفطر السماء؛ لعظم ما يقوله الملاحدة فيه من ~~الشريك، والولد، والصاحبة، حيث قال على إثره: (والملائكة يسبحون بحمد ~~ربهم)، أي: الملائكة ينزهونه ويبرئونه عما يقولون فيه، ويثنون عليه بالثناء ~~الذي يليق به، ويصفونه بما هو أهله، والله أعلم. # وقوله: (ويستغفرون لمن في الأرض) امتحنهم - جل وعلا - بالتسبيح، والثناء ~~له، والاستغفار لأهل الأرض، على ما ذكر. # ثم قال بعضهم: إن قوله: (ويستغفرون لمن في الأرض) منسوخ بقوله - تعالى -: ~~(فاغفر للذين تابوا)؛ لأن الأول عام لجميع أهل الأرض، والثاني خاص، لكن هذا ~~بعيد، ومحال أن يستغفر الملائكة، ويطلبون التجاوز من ربهم لمن يقول له ~~بالشريك والولد والصاحبة، وإذا كان كذلك كان استغفارهم يرجع إلى المؤمنين ~~خاصة؛ على ما ذكر في آية أخرى: (ويستغفرون للذين آمنوا)، وبقوله: (فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك)؛ فكان المراد من العام: هو الخاص؛ لأن المراد ~~منه العموم، ثم صار منسوخا بورود الخاص متراخيا، والله أعلم. # ثم إن كان استغفارهم لجملة أهل الأرض -على ما يقولون- فهو عبارة عن طلب ~~السبب الذي به تقع لهم المغفرة؛ وهو التوبة عن الشرك والتوحيد؛ فيكون هذا ~~سؤال التوحيد والهداية لهم؛ لتقع المغفرة لهم بذلك والتجاوز؛ ويصيروا لذلك، ~~وعلى ذلك يخرج استغفار إبراهيم - عليه السلام - لأبيه أنه سؤال وطلب السبب ~~الذي به تقع المغفرة له، وأن يجعله أهلا لذلك، وكذلك أمر الرسل - عليهم ~~السلام - قومهم بالاستغفار لهم، وهو ما قال هود - عليه السلام - و (ويا قوم ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه)، وقول ms3987 نوح: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، ~~لا يحتمل أن يقولوا لهم: قولوا: نستغفر الله، ولكن يقولون لهم: اطلبوا، ~~واسألوا ربكم السبب الذي به تقع المغفرة لكم؛ وهو التوبة عما هم فيه، ~~واختيار الهداية والرشد لأنفسهم؛ ليكونوا لذلك أهلا، فعلى ذلك يخرج استغفار ~~الملائكة إن كان لجملة أهل الأرض، على ما يقول بعض أهل التأويل، # PageV09P103 # وعلى هذا لا حاجة إلى النسخ ولا يحتمله. # * * * # قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت ~~عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ~~وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير. ولو شاء الله ~~لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا ~~نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه ~~توكلت وإليه أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن ~~الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد ~~السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) # وقوله: (والذين اتخذوا من دونه أولياء). # يحتمل قوله: (أولياء): الأصنام التي عبدوها دون الله؛ كقوله تعالى: (لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)، وقوله - تعالى - (لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، وقوله - تعالى -: (إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء من دون الله). # وقوله - عز وجل -: (الله حفيظ عليهم). # يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى ~~أعمالهم، لكنه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، والله أعلم. # وقوله: (وما أنت عليهم بوكيل). # يحتمل وجهين: # أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: (فإنما ~~عليه ما حمل وعليكم ما حملتم). # والثاني: (وما أنت عليهم بوكيل)، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت ~~رسول فعليك البلاغ، كقوله تعالى: (إن عليك إلا البلاغ)، وقوله: (وما على ~~الرسول إلا البلاغ)، ms3988 والله أعلم. # وقوله: (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ... (7)؛ ليكون أقرب إلى الفهم، ~~وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة ~~والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن ~~يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛ # PageV09P104 # لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف بالله ~~تعالى، وقوله: (لتنذر أم القرى ومن حولها). # أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى. # ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوها ثلاثة: # أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى. # والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في ~~الأرض، فسماها لذلك: أم القرى، والله أعلم. # والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ~~ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ~~ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى ~~والبلدان، ويقصد، والأم: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سماها: أم القرى، ~~والله أعلم. # وقوله: (وتنذر يوم الجمع)، أي: وينذر بيوم الجمع. # ويحتمل أن يكون قوله: (وتنذر يوم الجمع)، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ~~ريب فيه. # وقوله: (فريق في الجنة وفريق في السعير) قد بين الله - تعالى - السبيلين ~~جميعا على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، والله ~~أعلم. # وقوله: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (8) يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما ~~لو شاء لجعلهم جميعا أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: (ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة. . .) الآية، ~~فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعا على دين الإسلام؛ على ما ~~أخبر أنه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعا أهل كفر. # ثم قوله: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) لا يحتمل ms3989 مشيئة الجبر والقسر ~~على ما يقوله المعتزلة لوجوه: # أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ~~ذلك، ولا اختيار لهم. # والثاني: أن كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله - تعالى - ثم لم يصيروا ~~بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما ~~هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا ~~مجبورين. # PageV09P105 # والثالث: أن الإيمان بالجبر والقهر مما لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم ~~الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدين واحدا، وهذا عند ~~المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون ~~الآية منصرفة إلى المعهود عند الناس؛ على ما هو الأصل في الكلام، والله ~~الموفق. # وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى ~~الكل لآمنوا جميعا عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم ~~أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ ~~لذلك لم يشأ لهم، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا. # وقوله: (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه ~~رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، والله الموفق. # ثم إن الله تعالى سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: (ولكن يدخل من يشاء في ~~رحمته)، ومرة سماه: منة بقوله: (ولكن الله يمن على من يشاء)، وبقوله: (بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم. . .) الآية، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون ~~الكفر من القدرة ولم يكن من الله - تعالى - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله ~~إلى الكافر، على ما يقوله المعتزلة: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون ~~الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، والله ~~أعلم. # وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنة ~~والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا بالله - تعالى - ومنه دل ms3990 أن عنده لطائف، ~~من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إياها لم يؤمن، وقد أعطى ~~المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق. # ثم في تخصيص أم القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه ~~نذير للعالمين جميعا بقوله: (ليكون للعالمين نذيرا)، فإذا كان مبعوثا إلى ~~جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - ~~فلا بد أن يكون لتخصيص أم القرى ومن حولها معنى وحكمة: # أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق ~~القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم ~~بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ~~ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم -في زعمهم- أن المراد بذلك غيرهم؛ ~~لما لهم من # PageV09P106 # زيادة سبب الوسيلة معه. # والثاني: أن ينذر هؤلاء ومن ذكر شفاها، ولمن بعد منهم خبرا. # أو خص هؤلاء بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى ~~-: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، على الوجوه التي ذكرنا. # وقوله - سبحانه وتعالى -: (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير)، أي: ما ~~لهم من ولي يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب الله. # وقوله: (أم اتخذوا من دونه أولياء ... (9) أي: أربابا، (فالله هو الولي)، ~~أي: هو الرب، (وهو يحي الموتى) وقد عرفوا أن الإحياء إنما يكون بالله - ~~تعالى - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد ~~الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون بالله - تعالى - لا بالأصنام التي ~~عبدوا دونه، (وهو على كل شيء قدير) ظاهر، قد تقدم ذكره. # وقوله: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت ~~وإليه أنيب (10) يحتمل قوله: (وما اختلفتم فيه) وجوها: # أحدها: في القرآن. # والثاني: في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رسول أو ليس برسول، ~~فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ~~ما ms3991 لا يتعرض لردها إلا من كابر عقله وعاند لبه، وكذلك لو كان اختلافهم في ~~الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ~~ليس بحق. # وقال بعض أهل التأويل في قوله: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) ~~أي: إلى كتاب الله، كقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، ~~أي: إلى كتاب الله. # لكن هذا لا يصح، فإن قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، ~~إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يرد ذلك إلى ~~كتاب الله، وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما قوله - تعالى -: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) إنما هو ~~في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما ~~يرجع إلى دليل آخر عقلي. # وقوله: (ذلكم الله ربي)، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي (عليه توكلت)، في ~~كل أمري، (وإليه أنيب) بالطاعة. # PageV09P107 # ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في الله - تعالى - كقوله: ~~(والذين يحاجون في الله). # وقوله: (ذلكم الله ربي)، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي (عليه توكلت)، ~~أي: عليه اعتمدت، (وإليه أنيب)، أي: إليه أرجع. # ثم نعته فقال: (فاطر السماوات والأرض ... (11) وقال هو في موضع آخر: ~~(الحمد لله فاطر السماوات والأرض)، وفي موضع آخر: (خلق السماوات والأرض)، ~~وقال في موضع آخر: (بديع السماوات والأرض). # قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو ~~الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه ~~من الكلام. # وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي ~~في المعاني واحدة، الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء ~~والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقا؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء ~~إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج ms3992 ~~منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو الله تعالى، وبالله ~~القوة والتوفيق. # وقوله: (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما ~~السلام - أزواجا نسبنا جميعا إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعا إنما كنا من ~~ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: (خلقكم من تراب)، وإنما خلق ~~أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعا؛ فعلى ذلك جائز أن ~~يكون قوله: (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي: من نفس آدم وحواء، ونسبنا ~~إليهما؛ لما منهما كنا جميعا، والله أعلم. # والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجا أي: حلائل، أي: خلق الإناث من ~~الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: (خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها. . .) الآية. # والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافا وأشكالا، جعل ~~الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: (ومن الأنعام ~~أزواجا) على وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضا - ذات أزواج ~~وأشكال. # PageV09P108 # والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضا - كما جعل من البشر. # وقوله: (يذرؤكم فيه) اختلف في تأويل قوله: (يذرؤكم)، والمراد بقوله: ~~(فيه): أن الهاء كناية عن ماذا؟ # قال بعضهم: (يذرؤكم) أي: يكثركم. # وقيل: يعيشكم فيه. # وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم. # وقيل: يخلقكم. # وأما قوله: (فيه) قال بعضهم: يجيء قوله: (فيه)، أي: فيها، كناية عن ~~الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (يذرؤكم فيها) أي: ~~في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع. # وأما من قرأه (يذرؤكم فيه) بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه ~~يقول: (يذرؤكم فيه) أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم. # وقال بعضهم: (يذرؤكم) أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: ~~يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس. # وجائز أن يكون قوله: (فيه) كناية عن التدبير؛ يقول: (يذرؤكم فيه): يخلقكم ~~فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله - تعالى - (ذرأكم في الأرض)، وهو قول القتبي وأبي ~~عوسجة. # وقوله - عز ms3993 وجل -: (ليس كمثله شيء. . .) الآية. # يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله - تعالى - (ليس كمثله شيء) ~~يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكركاف التشبيه؛ حيث قال: (ليس كمثله شيء)، لكن ~~نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء ~~سواه؛ أو كلام نحو هذا. # وعندنا: قوله - تعالى - (ليس كمثله شيء) أي: ليس مثله شيء، والكاف قد ~~تزاد في الكلام. # وقال بعضهم: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس. # PageV09P109 # وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد. # والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه ~~بعضهم بعضا من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا لا من ~~جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض ~~وأشباها بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن الله - تعالى - ليس يشبه الخلق، ~~ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، ~~وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله - تعالى -: (ليس كمثله ~~شيء): أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء ~~لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو ~~لم يكن شيئا لكان يقول: ليس هو شيئا؛ دل أنه ما ذكر. # وقوله - سبحانه -: (وهو السميع البصير) ذكر في غير موضع، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (له مقاليد السماوات والأرض ... (12) وقال في آية ~~أخرى: (وعنده مفاتح الغيب)، وقوله: (ولله خزائن السماوات والأرض)، وقوله: ~~(بيده ملكوت كل شيء)، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد ~~والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة ~~والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح ~~المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من ~~المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله - تعالى - فما ينبغي أن ms3994 يفهموه من ~~قوله: (بيده ملكوت كل شيء)، وقوله - تعالى - (بل يداه مبسوطتان)، وقوله: ~~(لما خلقت بيدي أستكبرت)، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، ~~لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن ~~الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح ~~والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد ~~يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما ~~به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، والله ~~الموفق. # وقوله: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن ~~الرزق المذكور يحتمل وجوها: # أحدها: ما ذكر في قوله - تعالى -: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، # PageV09P110 # وهو المطر. # والثاني: الأملاك التي يكتسبون. # والثالث: المنافع التي جعل لهم. # ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت ~~لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط ~~والتقتير؛ حيث قال (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)؛ دل أن لله - تعالى - في ~~ذلك صنعا وتدبيرا، وهو أن خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق. # وقوله: (إنه بكل شيء عليم) تقدم. # * * * # قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) ~~وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ~~(14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله ~~من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا ~~حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله ~~من بعد ما استجيب له حجتهم ms3995 داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) # وقوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) الدين يذكر، ويراد به الجزاء، ~~وهو قوله: (مالك يوم الدين)، أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ ~~كقوله - تعالى - خبرا عن يوسف - عليه السلام -: (ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك)، أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: (لكم ~~دينكم ولي دين)، وقوله - تعالى -: (إن الدين عند الله الإسلام)، فكأن ~~المعنى من قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا): هو المذهب وما يعتقد، ~~وقد ذكر الدين معرفا بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من ~~الأديان جملة الدين الذي وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله ~~- تعالى - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعا إنما بعثوا للدعاء إلى ~~توحيد الله، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: ~~(لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). # PageV09P111 # ومن الناس من يقول: (شرع لكم من الدين) أي: شرع لكم الدين، ويجعل (من) ~~صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدين الذي وصى به نوحا ومن ذكر، والوجه فيه ما ~~ذكرنا. # فإن قيل: ما معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء ~~إلى هذا الدين، وقد وصى الكل بهذا الدين. # فنقول: قال بعضهم: إنما خص نوحا ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم ~~يكن قبل زمن نوح عليه السلام، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خص نوحا بما ~~ذكر. # ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ~~ولكن ذكر بعضا هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحا ومن ~~ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء ~~وغيرهم من الدين، كقوله - تعالى -: (فبهداهم اقتده)، ذكر بعض هؤلاء وغيرهم، ~~ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ~~ذكر البعض في ms3996 موضع آخر، والكل في موضع آخر، والله أعلم. # ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى، كما خص ~~إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: ~~" كما صليت على إبراهيم " لمعنى لم يطلعنا على ذلك، والله أعلم. # وقوله: (ولا تتفرقوا فيه) يحتمل وجهين: # أحدهما: (ولا تتفرقوا فيه)، أي: في عبادة الله - تعالى - أي: اعبدوه ~~جميعا. # والثاني: (ولا تتفرقوا فيه) أي: في الدين الذي ذكر، وهو التوحيد، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) أي: عظم عليهم ~~دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده. # وقوله: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) هذا ينقض على ~~المعتزلة: إنه - تعالى - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما ~~يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار ~~مجتبى مصطفى مختارا إنما كان منه بفعله لا من الله - تعالى - وقد أخبر أنه ~~هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم. # وقوله: (ويهدي إليه من ينيب) أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، ~~وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه. # PageV09P112 # وقال بعضهم: (ويهدي إليه من ينيب) تفسير قوله - تعالى -: (الله يجتبي ~~إليه من يشاء) أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأما من لم ينب إليه فلا ~~يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى ~~البيان قد كان عاما لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى ~~الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سمي التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله - ~~تعالى -: (ولكن يدخل من يشاء في رحمته)، وسماه: نعمة؛ كقوله: (صراط الذين ~~أنعمت عليهم)، وسماه: منة؛ كقوله - تعالى -: (بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان)، وسماه: نورا؛ كقوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه)؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ~~ولكن سواه، ms3997 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ~~ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب ~~من بعدهم لفي شك منه مريب (14) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول الله محمد - عليه أفضل الصلاة - بعدما ~~جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، ~~لكنهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، ~~وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، والله أعلم. # والثاني: أي: (وما تفرقوا) فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من ~~الدين (إلا من بعد ما جاءهم العلم)؛ إذ الذي جاء به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - هو الذي وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام. # ويحتمل أي: (وما تفرقوا) في الإيمان بالرسل والكفر بهم (إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم) أنهم على الحق، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم، فتفرقوا، ~~فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغيا بينهم. # ويحتمل: أي: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم): أن الفرقة ضلالة ~~وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بغيا بينهم) يحتمل: حسدا بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا ~~مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنا منهم أنه يبعث ~~منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم. # ويحتمل قوله: (بغيا بينهم) أي: عدوانا وظلما يكون فيما بينهم ذلك التفرق. # وقوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم) أي: لولا كلمة ~~سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل ~~العذاب بهم، # PageV09P113 # والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم) أي: إن الذين ~~أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر (لفي شك منه مريب)، أخبر أنهم كانوا ~~في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا ms3998 النظر والتفكر ~~في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبان الحق؛ فلم يعذروا ~~في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم. # وقوله - عز وجل -: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) اختلف ~~في قوله - تعالى - (فلذلك فادع واستقم): # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع. # وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادع. # وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع. # وقال بعضهم: أي: وإلى ذلك الكتاب فادع. # وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع. # وقال بعضهم: (فلذلك)، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى ~~التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، والله أعلم. # ثم إن قوله: (واستقم كما أمرت دليل على أنه كان قد سبق له الأمر ~~بالاستقامة. # ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم. # ويحتمل: العبادة له والطاعة. # ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، والله أعلم. # وقوله: (ومن تاب معك)، على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة ~~لمن تاب معه، والله أعلم. # وقوله: (ولا تتبع أهواءهم) أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى ~~الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد. # ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعوا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم ~~فيما دعوا هم إليه من الشرك، والله أعلم. # وقوله: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع ~~الكتب # PageV09P114 # التي أنزل الله؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، وأولئك الكفرة كانوا ~~يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض. # وقوله - عز وجل -: (وأمرت لأعدل بينكم) ويحتمل وجوها: # أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم ~~بالعدل؛ كقوله - تعالى -: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا). # ويحتمل قوله: ms3999 (وأمرت لأعدل بينكم) في الدعاء إلى توحيد الله ودينه، ~~والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه. # وجائز أن يكون قوله: (وأمرت لأعدل بينكم) أي: أمرت أن أكون عدلا فيما ~~بينكم؛ أي: يسوي بينهم. # ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: (الله ربنا وربكم). # وقوله: (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: (لكم دينكم ولي دين)، وإنما يقال هذا بعدما ~~انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم. # والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، ~~(فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، ونحوه. # وقوله: (لا حجة بيننا وبينكم) ويحتمل قوله: (لا حجة بيننا وبينكم) أي: لا ~~حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ~~ذلك وقد أقمتها. # ويحتمل أن يقول: (لا حجة بيننا أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ ~~الأمر ما بلغ. # ثم قال: (الله يجمع بيننا) في الآخرة وإليه المصير. # وقوله: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم ~~وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) # قال بعضهم: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما ~~دام محمد بين أظهركم وما دام حيا، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام ~~إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: (والذين يحاجون في الله من ~~بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم). # وقال بعضهم: إن اليهود قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا ~~أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: (حجتهم داحضة) أي: هكذا ~~إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛ # PageV09P115 # فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا ~~شيء دونها. # وقال بعضهم: إن قريشا قالوا: كيف نعبد من لم نره؟ ولم نعاينه إنه مم هو؟ ~~وكيف هو؟ أو كلام نحوه فنزلت: ms4000 (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة) عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة الله تعالى إنما يكون بالدلائل ~~والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان. # ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أولئك على ما ذكر أهل التأويل. # ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في الله في دفع آيات ~~الله وردها. # ويحتمل: أي: في دفع توحيد الله وألوهيته (من بعد ما استجيب له) أي: من ~~بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء. # ويحتمل قوله: (من بعد ما استجيب له) بما في كتبهم من الإيمان بها وبما ~~فيها من نعوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفاته. # ثم أخبر أن (حجتهم داحضة عند ربهم) هذا يخرج على هذين. # يحتمل: أي: (حجتهم داحضة) يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة. # ويحتمل: أي: (حجتهم داحضة) في الدنيا بما أقام الله - تعالى - من حجج ~~التوحيد؛ فأبطل حججهم. # وقوله: (وعليهم غضب ولهم عذاب شديد) بيان الجزاء لهم في الآخرة. # * * * # قوله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة ~~قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ~~ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله ~~لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) من كان يريد حرث الآخرة ~~نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة ~~الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظالمين مشفقين مما ~~كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما ~~يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور ms4001 (23) # وقوله: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) يحتمل قوله: (بالحق): ~~الذي لله عليهم، أو (بالحق) الذي لبعضهم على بعض، و (والميزان): بالعدل ~~فيما بينهم؛ أي: # PageV09P116 # بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق. # وجائز أن يكون قوله: (بالحق) أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار ~~(والميزان) أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو ~~طريق العدل وسببه، وهو كقوله: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، وقوله - ~~تعالى -: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)، وقوله - تعالى -: (ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا)، وقوله: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) أي: ~~صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى - (والميزان) يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، ~~والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - والله أعلم -: الله الذي أنزل ~~الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام. # ويحتمل أن يكون عطفا على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل ~~في الأحكام فيما بينهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: [(وما يدريك لعل الساعة قريب)]، لم يطلع الله - جل ~~وعلا - أحدا على العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع. # وقوله: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ... (18) كان استعجالهم بها ~~استهزاء منهم وتكذيبا لها أنها كائنة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها. # وقوله: (والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق)؛ لأن لأهل الإيمان ~~والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبدا ~~خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، ~~فأما أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها ~~وما فيها من الأهوال. # وقوله - عز وجل -: (ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد): قوله: ~~(يمارون) يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة. # ويحتمل: (يمارون) من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها. # ودل قوله: (لفي ضلال بعيد): أنهم لا ms4002 يؤمنون أبدا. # وقوله - عز وجل -: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) ~~من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئا عاما فهي خاصة للمؤمنين، هو ~~لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها. # ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعا: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف ~~بهما بما يرزقهم جميعا: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار ~~بالمؤمنين خاصة. # PageV09P117 # ويحتمل أن يكون رحيما بارا بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار ~~رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا. # ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعا على ما ذكرنا. # فإن قيل: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة. # قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك ~~تعذيبهم يكون سفيها؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبدا، وليس في ~~التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ ~~لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (يرزق من يشاء) قد ذكرنا في قوله - تعالى -: (يبسط ~~الرزق لمن يشاء)، تأويله ومعناه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو القوي العزيز) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي ~~بذاته، عزيز بنفسه. # والثاني: (القوي) في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، (العزيز): ~~الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار. # وقوله - عز وجل -: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد ~~حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (20) جعل الله - تعالى - ~~الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيرا ~~حسنا حصدوا خيرا ونعيما في الآخرة، وإن زرعوا شرا وسوءا، حصدوا في الآخرة ~~شرا وعذابا دائما. # وكذلك صيرها متجرا يتجرون فيها، فإن اتجروا خيرا وحسنا ربحوا في الآخرة، ~~وإن اتجروا شرا وسوءا خسروا في الآخرة. # وكذلك ms4003 صيرها مسلكا إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير ~~وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا ~~سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم. # وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين. . .) ~~الآية، وقوله - عز وجل -: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. . .) ~~الآية، وقوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى. . .) الآية، وقوله: ~~(اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة)، وقوله - # PageV09P118 # تعالى -: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. . .) ~~الآية، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بني أمر الدنيا والآخرة، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد ~~بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: ~~أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في ~~الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم. # والثاني: أي: من كان عمل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، ~~وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ~~وهو مؤمن)، وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكرا للفعل ضرورة؛ فكان ~~المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: (ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها) على وجهين: # أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه. # والثاني: (ومن كان يريد) أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل ~~لها وما له في الآخرة من نصيب. # وقوله - عز وجل -: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ~~ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) قال بعض أهل ~~التأويل: أم لهم آلهة دوني (شرعوا لهم) أي: سنوا لهم (من الدين ما لم يأذن ~~به الله)، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا ms4004 أن الأصنام لم ~~يشرعوا لهم من الدين شيئا، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم ~~شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله - تعالى -: (إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس)، وأنهن لم يضللن أحدا، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ~~ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك. # ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا ~~للأتباع و (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)؛ أي: ما لم يأمر به ~~الله، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ~~ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدين بالحجج ~~والبراهين من الله - تعالى - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون ~~بشرا بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكان # PageV09P119 # المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، والله أعلم. # قال أبو عوسجة والقتبي: (من كان يريد حرث الآخرة) أي: عمل الآخرة، يقال: ~~فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر - رضي الله ~~عنه -: " احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا "، ومنه ~~سمي الرجل: حارثا. (شرعوا لهم) أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: (شرع ~~لكم)، أي: ابتدع وسن. # وقوله - عز وجل -: (ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب ~~أليم) يحتمل وجهين: # أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن الله - تعالى - حكم في هذه الآية ~~بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله - يخت رحمة لهم ~~بقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). # والثاني: (الفصل): البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم ~~في الآخرة فيما ذكر: (هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين)، ونحوه، وقيل: ~~(ولولا كلمة الفصل) أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم ~~في الدين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو ms4005 ~~الفضل الكبير (22) ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق ~~المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه الله - تعالى - ~~عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب الله في الدنيا خوفه الله في الآخرة، وعلى ~~ذلك يخرج قوله - عليه السلام -: " لا يجمع الله على أحد خوفين: خوف الدنيا ~~وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف ~~في الآخرة ". # ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم)، ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في ~~الدنيا والآخرة. # قال القتبي وأبو عوسجة: الروضة: البستان. # وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القري. # PageV09P120 # وقوله - عز وجل - (ذلك هو الفضل الكبير) أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة ~~والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيرا؛ لأنه دائم لا ينقطع أبدا. # وقوله: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن ~~الله غفور شكور (23) # قوله: (ذلك الذي يبشر الله) أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه ~~يعطيهم، يبشر الله - تعالى - به من ذكر: (عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات)، والله أعلم. # وقوله: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قال بعض أهل ~~التأويل: قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: ~~لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فقال: " يا ~~معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله تعالى؟ " قالوا: بلى يا رسول ~~الله، قال: " ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله تعالى؟ " قالوا: بلى يا رسول ~~الله، قال: " أفلا تجيبونني؟ " قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: " ألا ~~تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك ~~فنصرناك؟ " قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا ~~وما في أيدينا لرسول الله، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله - تعالى -: (قل لا ~~أسألكم عليه أجرا ms4006 إلا المودة في القربى) لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك ~~بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول الله، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: " لنا ~~الفضل عليكم " هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي ~~لا تحتمل، والله أعلم. # وفي بعض الأخبار: أن الأنصار - رضي الله عنهم - قالوا: إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع ~~له شيئا من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، ~~فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين ~~به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: (قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى) وهو يخرج، على وجوه: # أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان ~~بالله - تعالى - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على ~~تبليغ الرسالة إليكم وما أدعوكم إليه أجرا، إلا أن تصلوا قراباتكم ~~وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام. # ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردا لقول أولئك الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمدا جاء ~~يقطع # PageV09P121 # الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين من أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من ~~لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا ~~أسألكم عليه أجرا، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم ~~إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه. # ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا، ولا أقبله منكم إن ~~أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله ~~منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم. # ويحتمل ما قال الحسن فقال: والله ما كان نبي الله - تعالى - يسأل على هذا ~~القرآن أجرا، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى الله تعالى بطاعته وحب كتابه، فكان ~~معنى الآية: (إلا المودة في القربى)، أي: إلا التقرب إلى الله - تعالى - ~~والتودد بالعمل الصالح. # وقال بعضهم: (إلا المودة ms4007 في القربى) إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون ~~لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني، ولست أبتغي على ~~الذي جئت به أجرا آخذه منكم على ذلك. # وقال قتادة: إن الله - تعالى - أمر محمدا - صلى الله عليه وسلم - ألا ~~يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجرا: (إلا المودة في القربى) إلا أن يصلوا ~~ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة. # وقال بعضهم: إلا أن تودوا قرابتي. # وقال بعضهم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن لم تتبعوني إلى ~~ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي " وأصله ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وقوله: (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) هو كقوله - تعالى -: (من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه)، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو ~~مقروف؛ أي: اتهم بشيء. # وقوله - عز وجل -: (إن الله غفور شكور)، قوله (غفور) أي: يغفر لهم وإن لم # PageV09P122 # يحققوا التوبة والرجوع سرا وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو. # وقوله: (شكور) أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم ~~يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، والله أعلم. # وقال أهل التأويل: (غفور) للذنوب، (شكور) للحسنات يضاعفها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ~~ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) # وقوله - عز وجل - (أم يقولون افترى على الله كذبا) أي: بل يقولون: افترى ~~محمد على الله كذبا. # وقوله: (فإن يشإ الله يختم على قلبك) اختلف فيه: # قال بعضهم: (فإن يشإ الله يختم على قلبك) بالصبر حتى لا تجد مشقة ~~استهزائهم بك، ولا غصة تكذيبهم إياك. # وقال بعضهم: فإن يشأ الله أن ينسيك القرآن فلا تبلغه إليهم فلا يستهزئوا ~~بك، ولا يكذبوك، أو كلام نحوه. ms4008 # وعندنا أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا بدءا (فإن يشإ الله يختم على قلبك) بالصبر حتى لا تجد ~~مشقة الاستهزاء ولا غصة التكذيب. # والثاني: يحتمل: (فإن يشإ الله يختم على قلبك) كما ختم قلوب أولئك الكفرة ~~حتى لا تفهم ولا تعقل الحق من الباطل، كما فعل بأولئك، يذكره إحسانه إليه ~~وفضله بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم ~~على أولئك بما ختم على قلوبهم، وما ينزل بهم من أنواع العذاب وعلى ذلك بلغ ~~أمره - صلى الله عليه وسلم - من المرحمة والشفقة عليهم ما ذكر (فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات)، كادت نفسه تهلك إشفاقا عليهم # PageV09P123 # ورحمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته) هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أي: يظهر ويظفر أهل الحق على أهل الباطل وينصرهم حتى يصير أهل ~~الحق ظاهرين قاهرين على أهل الباطل؛ فذلك محق الباطل وإحقاق الحق. # والثاني: يحق الحق بالحجج والبراهين حتى يعرف كل أحد الحق من الباطل ~~بالحجج التي أقامها إذا تأمل فيها حق التأمل، وهو كقوله - تعالى -: (هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، ~~والله أعلم. # وقوله: (بكلماته) أي: بحججه وبراهينه. # وقوله - عز وجل -: (إنه عليم بذات الصدور) قال أهل التأويل: أي: عليم بما ~~في الصدور، ولكن قوله: (بذات الصدور) عبارة عمن له الصدور عن الرأي ~~والتدبير، وهم البشر والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ~~ويعلم ما تفعلون (25) قد ذكرنا أنه لا أحد يحقق التوبة؛ لأن تحقق التوبة هو ~~أن يهرب وينفر عما استوجب به النار كهربه من النار لو كان فيها، وفراره ~~منها لو وجد مهربا، ولا أحد يهرب من الذنب ويفر منه كهربه وفراره من النار ~~لو كان فيها، لكن الله بفضله وكرمه يقبل ذلك منه وإن لم يكن التوبة منه على ~~الحد الذي ذكرنا. # ثم قوله - تعالى -: (يقبل ms4009 التوبة عن عباده) أي: يقبل حسناتهم وخيراتهم ~~(ويعفو عن السيئات) أي: يكفر عن سيئاتهم؛ كقوله - تعالى -: (نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم)، والله أعلم. # وقوله: (ويعلم ما تفعلون) هذا وعيد، يخبر رسوله أنه يعلم ما تفعلون سرا ~~وعلانية، وأنه عن علم بما يكون منهم امتحنهم وأمرهم ونهاهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ~~والكافرون لهم عذاب شديد (26) أي: يجيب الذين آمنوا بما يدعون ويسألون ~~ربهم، وهو كقوله - تعالى - (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان)، أي: يجيبهم على الذي ذكر في الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويزيدهم من فضله) أي: يزيدهم من فضله ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب امرئ مسلم، وهي الجنة؛ وذلك زيادة من فضله، ~~والله أعلم. # PageV09P124 # وقال في حق الكفرة: (والكافرون لهم عذاب شديد). # * * * # قوله تعالى (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير (30) وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير (31) ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن ~~الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن ~~بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ~~(35) # وقوله - عز وجل -: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) قال أهل ~~التأويل: إن الآية نزلت في أهل الصفة، تمنوا أن يكون لهم الدنيا، فإن كانت ~~فيهم فكأنه كتب عليهم الضيق والقتر. # وقال بعضهم: (لبغوا في الأرض) أي: يتقلبون من لباس إلى لباس، ومن مركب ~~إلى مركب، ولكن ليس في ذلك كثير بغي؛ فلا ms4010 يصح صرف التأويل إليه. # ثم عندنا يخرج (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) مخرج الامتنان ~~والإفضال، وله أن يبسط عليهم وإن علم منهم البغي؛ ألا ترى أنه لو لم يوسع ~~على فرعون لا يدعي الألوهية، لكنه من على بعض المؤمنين فضيق عليهم حتى لا ~~يبغوا، فيلزمهم بذلك القيام بشكر ما من عليهم وأنعم بالتضييق حتى لا يبغوا، ~~وكذلك يخرج ما: روي " منع الله عطاء "، وفيما ذكرنا جواب عمن تعلق بظاهر ~~الآية على أن الأصلح واجب؛ حيث قال: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض) بين أن الأصلح لهم ألا يبسط؛ لأنا نقول: قد بسط كثيرا من الفراعنة ~~والكفرة فبغوا، لكن ذكر هذا؛ لبيان المنة والإنعام بالتقتير والتضييق في حق ~~البعض حتى لا يبغوا، والله أعلم. # ثم البغي: هو التعدي عن حد الله الذي حد لهم، والمجاوزة عنه. # ولكن لا نفسر ما الحد الذي يسمى التعدي عنه: بغيا؛ لما لا يعلم ما هو؟ # ويحتمل أن يكون معنى قوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ~~أنه لو بسط # PageV09P125 # عليهم ووسع، لزمهم الشكر، والبسط، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام ~~بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا ~~يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه بعباده خبير بصير) قد تقدم تأويله. # ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة: # أحدها: إلى أهل الكفر: أنه لو وسع عليهم وبسط، لبغوا في الأرض، أي: صاروا ~~كلهم أهل كفر وضلال، كقوله - تعالى -: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن. . .) الآية. # والثاني: يتوجه إلى خاص من المؤمنين؛ لما علم منهم: أنه لو بسط عليهم ~~ووسع لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم وقتر؛ امتنانا منه وفضلا؛ لئلا يبغوا، وهو ~~كما ذكرنا في أحد تأويل قوله - تعالى -: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون): أنه إن كان على حقيقة خلقهم، فهو في الذين علم منهم أنهم يعبدونه ~~لا محالة؛ ليعبدوه على ما ms4011 ذكر، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل ~~أن يخلقهم للعبادة، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم، والله أعلم. # فعلى ذلك قوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) يرجع إلى قوم ~~خاص يعلم الله - تعالى - منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع، لبغوا في الأرض؛ ~~فضيق عليهم؛ فضلا منه ومنة؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له، والله أعلم. # أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر: أنه لو وسع وبسط على الكل ~~لصاروا جميعا ملوكا ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم ~~في ملكهم ومملكتهم، وفي ذلك التفاني والفساد؛ فوسع على بعضهم وبسط، وضيق ~~على بعض؛ لئلا يبغي بعض على بعض، إذ في ذلك تفان وتفاسد، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو ~~الولي الحميد (28) يحتمل قوله: (من بعد ما قنطوا) أي: من رحمته. # أو (من بعد ما قنطوا) من الأصنام التي عبدوها؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم ~~والزلفى عند الله، قنطوا ما رجوا منها، كقوله: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل ~~من تدعون إلا إياه). # ثم سمى المطر: رحمة وغيثا، أي: الغوث؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم، ويمسكهم ~~على الحال الأولى في القحط والضيق؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له ~~إمساكه لم # PageV09P126 # يسمه: رحمة، ولا غوثا؛ لأن من عليه فعل شيء لم يوصف بالفضل والرحمة، فهو ~~على المعتزلة في الأصلح، والله الموفق. # وقوله: (وهو الولي الحميد) يحتمل (الولي) أي: هو الرب، (الحميد) هو ~~المستحق للحمد. # أو الولي: هو الحافظ لهم، وولي كل نعمة أعطاهم. # وقوله - عز وجل -: (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29) # قوله - تعالى -: (ومن آياته) يحتمل: من آيات ربوبيته وتوحيده خلق ~~السماوات والأرض وما ذكر. # أو من آيات حكمته وعلمه وتدبيره خلق ما ذكر. # أو من آيات قدرته وسلطانه ما ذكر. # أو من آيات إحسانه ونعمه وأياديه ما ذكر، ms4012 وقد بينا وجه كل ذلك ودلالته ~~على قدر فهمنا منه فيما تقدم. # ثم اختلفوا في قوله: (وما بث فيهما من دابة): # قال بعضهم: قوله - تعالى -: (وما بث فيهما) أي: في الأرض خاصة؛ ألا ترى ~~أنه قال: (من دابة) وهي اسم لما يدب، وأهل السماء ملائكة، ولهم الطيران دون ~~الدبيب، وهو كقوله - تعالى -: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، وإنما يخرج من ~~أحدهما. # وقال بعضهم: (فيهما) أي: في السماء الملائكة، وفي الأرض الدواب، لكنه سمى ~~أهل السماء باسم ما في الأرض من الدواب، وذلك جائز في اللغة ذكر شيئين باسم ~~أحدهما؛ كقوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة)، والكناية ترجع ~~إلى الصلاة لفظا، والمراد ما سبق من الصبر والصلاة، وكذا قوله: (وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها)، كنى عن التجارة وأراد كليهما، ونحو ذلك؛ فعلى ~~ذلك هذا. # ثم قوله: (وما بث فيهما) قالوا: أي: نشر. # وقوله - عز وجل -: (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير) يحتمل ما ذكر من جمعهم: # بعثهم وإحياؤهم قدير على ذلك، كما هو قدير على ما ذكر من خلق السماوات ~~والأرض # PageV09P127 # وما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ~~(30) يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم: المصيبة التي تعم الخلق جميعا ~~ممن كان منهم الزلة، وما ذكر من كسب اليد، وممن لم يكن منهم كسب اليد من ~~الزلة والمعصية؛ من نحو الجدب، والقحط، وغلبة الأعداء، وغير ذلك من الأشياء ~~التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن: من الصغار، والدواب، ~~والأبرار، والأخيار، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب؛ تنبيها لهم ~~وموعظة، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ~~ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم؛ ليعلم أن ما يعطيهم من ~~السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه، وهم عبيده وإماؤه وملكه، ~~إن شاء أهلكهم، وإن شاء أبقاهم. ms4013 # أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة؛ لعوض ~~يعوض في الآخرة. وكيفما كان، فهو غير خارج عن الحكمة، والإيلام للتعويض ~~جائز ممكن، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض؛ خلافا للمعتزلة؛ فإنه عندهم ~~واجب، وبالله العصمة. # وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في ~~نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه، فالسبيل فيه أن ينظر كل في ~~نفسه: ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب؟ فيراجع نفسه عن ذلك، ويتوب إلى ~~الله - تعالى - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيها وزجرا عن المعاودة إلى مثله، ~~وإما تكفيرا وتمحيصا لما كان منهم، ولزمهم الشكر على ذلك. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " لا يصيب ابن آدم ~~خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله كثير ". # وعلى قول المعتزلة ليس الله - تعالى - في إعطائهم الخيرات والحسنات ~~والسعة محسنا مفضلا منعما؛ لأن من أخذ شيئا بعوض لا يوصف بالإفضال ~~والإنعام، وقد سمى نفسه بذلك: محسنا منعما؛ فيكون ما قالوا حلاف ذلك. # PageV09P128 # والثاني: إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضا يرضون بذلك ~~العوض، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن ~~يفعل لهم ما ذكرنا. # وأصله ما ذكرنا: أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه، ولكل ذي ملك أن يفعل في ~~ملكه ما شاء، لا لائمة عليه؛ إذ كان له حقيقة الملك؛ فعلى ذلك الله - ~~سبحانه وتعالى - إذ له حقيقة ملك الأشياء؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا ~~بدل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويعفو عن كثير) ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء ~~إلا ويكون في ذلك عفو منه - جل جلاله - لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة ~~الألم في ذلك، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفوا عنه وفضلا، وكذلك هذا في ~~هلاك كل شيء من حقوقه ms4014 ما يقل ويكثر. # ويحتمل أن يكون قوله: (ويعفو عن كثير) أي: لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ ~~بها، بل يؤاخذ ببعض، ويتجاوز عنهم في بعض، والله أعلم. # وقوله: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ... (31) يقول: لا تقدرون الهرب مما ~~يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم، ولا لكم ملجأ (وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير) ينصركم ويمنعكم من عذاب الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) يحتمل ~~(آياته) ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات ~~علمه وتدبيره وحكمته، وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل الله - عز وجل - في ~~سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف ~~الذي جعل في الخشب - ما قدروا على إدراكه، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها ~~وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها، وإن ~~كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض ~~وينحدر، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ~~ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (كالأعلام) قال عامة أهل التأويل: أي: كالجبال في البحار. # وقال القتبي وأبو عوسجة: الأعلام: الجبال، واحدها علم. # PageV09P129 # ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها، والتسرب في الماء، ثم ~~أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فيجيء أن ~~تزيد في التسرب والانحدار في الماء، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء، ~~لكن بلطفه ومنه أقر بها الأرض، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار ~~والميد بأهلها، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر ~~كالجبال مع الأرض في القرار على الماء، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (كالأعلام) معنى آخر وهو الأعلام أنفسها، وهو أن جعل السفن ~~سببا وطريقا للوصول إلى منافع بعدت منهم، وصعبت عليهم، فإذا حمل فيها ~~الأحمال من ms4015 بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك ~~الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل ~~لهم، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة؛ لما يحصل ~~لهم من الأثمان والأغراض بها، فتكون السفن أعلاما وأدلة لهم على الوصول إلى ~~الأغراض والمنافع، والله أعلم. # وقوله: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور (33) يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر، ~~فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين: # أحدهما: طيبة بها تجري السفن. # والأخرى: عاصفة شديدة تهلك بها السفن، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله ~~- تعالى -: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ~~ريح عاصف. . .) الآية. # ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها ~~وبنفسها، ولكن بالله تعالى -: # أحدها: أخبر أنه جعل نوعا منها طيبة تجري السفن، والأخرى عاصفة، تهلك ~~السفن، وتهيج الأمواج. # والثاني: ما ذكر في هذه الآية: (إن يشأ يسكن الريح) أخبر أنه لو شاء ~~لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو ~~المسكن. # والثالث: أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار، والبرودة في ~~الثلج وأمثال ذلك، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها، لكانت لا ~~تسكن في حال، ولا تكون مرة طيبة سالمة، ومرة شديدة عاصفة مهلكة؛ دل أن ذلك ~~كان بالله - تعالى - لا بالطبع، والله الموفق. # PageV09P130 # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: سمى المؤمن: صبورا شكورا. # والثاني: سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر: صبورا، ~~ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها: شكورا، والله أعلم. # وقوله: (رواكد على ظهره) قال أبو عوسجة والقتبي: أي: وقوف، وصرفه: ركد ~~يركد ركدا وركودا. # وقوله: (أو يوبقهن ms4016 بما كسبوا ويعف عن كثير (34) جائز أن يكون هذا صلة ما ~~ذكر من السفن الجواري في البحر؛ حيث قال: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد ~~على ظهره) ويقول: إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين ~~رواكد في الماء، وإن شاء أرسل ريحا عاصفة شديدة فيهلكن -يعني: السفن- ~~وأراد: أهل السفن؛ بما كان منهم؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في ~~البحر أو الإبقاء فيه، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالما، والله أعلم. # وكذا قال أبو عوسجة (يوبقهن) أي: يهلك أهل السفن. # ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله - تعالى -: (وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم) فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم ~~تبلغ النفس؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر، ثم أخبر أنه يعفو ~~عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم، والله أعلم. # وقوله: (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) المجادلة في ~~آياته تخرج على وجهين: # أحدهما: أن يجادلوه في تقدير أحكام الله - تعالى - وفهم ما ضمن فيها، ~~وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله - تعالى -: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن)، وقوله - عز وجل -: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا)، فهذه ~~المجادلة، والمراء المذكور في هذا محمود. # والمجادلة الثانية: هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله - تعالى - عن فهم ~~ما ضمن أفيها، وهي مذمومة، وما ذكر هاهنا من قوله: (ويعلم الذين يجادلون في ~~آياتنا) هي المجادلة في دفع أحكام آياته، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ ~~من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها. # PageV09P131 # قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ms4017 ~~ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا ~~يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب ~~أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) # وقوله: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى) ~~هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الله - تعالى - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه ~~الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، ~~والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما ~~أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسرا ~~عابثا، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها ~~يسمى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء لم يكتسب بها حياة دائمة سمي: ~~ميتا، والله أعلم. # أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيبا ~~فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب ~~إلا تحذيرا وترهيبا عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة. # ثم قوله: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) أي: تتمتعون به فيفنى ~~ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى ~~عنده لمن؟ بقوله: (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) آمنوا بأن له الدنيا ~~والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق (وعلى ربهم ~~يتوكلون)، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى ~~أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم. # ثم نعتهم - أيضا - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: ~~(والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) جائز ~~أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل ~~واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم. # وقال بعضهم: كبائر الإثم: ms4018 أنواع ما بها يصير المرء مشركا، وهي كبائر ~~الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا. # وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم عن الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد # PageV09P132 # ذكرنا وجوها في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي: إذا ما غضبوا هم مما ~~يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما ~~يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع ~~والتوبة إلى الله، والله - تعالى - أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد ~~دعاهم إلى دار السلام بقوله: (والله يدعو إلى دار السلام)، لكن جعل ~~لإجابتهم شرائط وأعلاما فمن وفي بها استوجب الموعود، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم. . .) الآية، (وقال الله إني معكم لئن أقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة. . .)، إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم ~~وشرطها ما ذكر من قوله - تعالى -: (وأقاموا الصلاة. . .) إلى آخر ما ذكر، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأمرهم شورى بينهم) ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا ~~يتشاورون فيما بينهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم غائب، فنزل ~~هذا مدحا لهم على فعلهم. # وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: (وأمرهم شورى بينهم) قال: والله ~~ما شاور قوم قط إلا هداهم الله - تعالى - لأفضل ما بحضرتهم. # وأصله: أن الله - تعالى جل وعلا - أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يشاور صحابته حيث قال: (وشاورهم في الأمر). # وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم الله - تعالى - لأفضل ما ~~بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى ~~استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما لو انفرد كل عقل بنفسه، والله أعلم. # وقال القتبي: (وأمرهم شورى بينهم) أي: يتشاورون فيه. # وقوله: (ومما رزقناهم ينفقون): ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ms4019 (39) صير المنتصر ~~من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعا في الذين استجابوا لربهم إلى ما ~~دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حق جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له ~~الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله تعالى، لكن تارك الحق أفضل من ~~مستوفي الحق، وعلى ذلك حث الله - تعالى - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك ~~الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛ # PageV09P133 # حيث قال: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور). # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) راجع إلى ~~الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم ~~على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك. # وقوله: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) راجع إلى ما يؤثر في الأنفس ~~والأبدان تأثيرا من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى ~~باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم ~~الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما ~~قال: (وأن تعفوا أقرب للتقوى). # وقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين (40) سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء ~~السيئة؛ فسماها باسم الأولى. # أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضا - فسماها ~~على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسنا ~~لغيره، والله أعلم. # ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ~~ويجازى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله - تعالى -: (وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات)، سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال ~~السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة ~~سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: ~~سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، والله أعلم. # وقوله: (فمن عفا وأصلح فأجره) هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق ms4020 الاستيفاء ~~والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل. # ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا ~~بذلك؛ لأنه قال: (فمن عفا وأصلح فأجره) أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على ~~الله فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئا، والله أعلم. # فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو ~~عنه ويأخذ البدل، والله أعلم. # وقوله: (إنه لا يحب الظالمين) لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء ~~في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أخذه فهو ظالم. # PageV09P134 # وقوله - عز وجل -: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) ~~أي: أولئك ما عليهم من حجة، أوما عليهم من تبعة. # وقوله: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم (42) إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ~~ابتداء. # وقوله - عز وجل -: (ويبغون في الأرض بغير الحق) أي: يأخذون من الناس ما ~~ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقا وجب له ~~واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس ويفسدون في الأرض). # وقوله: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) أي: من صبر على الأذى ~~والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور ~~وإحكامها. # * * * # قوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما ~~رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ~~الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من ~~أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) استجيبوا ~~لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم ~~من نكير ms4021 (47) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا ~~إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الإنسان كفور (48) # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده) أي: من أضله ~~الله لما آثر ولاية الشيطان، لا وفي له سواه بعده يرشده، أو لا ولي ينفعه ~~من بعده، وهو كما قال: (إنما سلطانه على الذين يتولونه)، أخبر أن سلطان ~~الشيطان على من يتولاه. # وقوله - عز وجل -: (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من ~~سبيل) قال أهل التأويل: أي: هل إلى رجوع الدنيا من سبيل، يقولون: يسألون ~~ربهم الرجوع إلى الدنيا. # والأشبه أن يكون سؤالهم الرجوع إلى المحنة التي امتحنوا في الدنيا قبل ~~موتهم؛ أي: # PageV09P135 # سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة؛ ليظهروا الطاعة لله - تعالى - في ~~أوامره ونواهيه، والله أعلم. # وقوله: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم (45) قال أهل التأويل: يعرضون على النار قبل أن ~~يدخلوها؛ كقوله - تعالى -: (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا)، وكقوله - تعالى -: (وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (خاشعين من الذل)؛ لأن الله - تعالى - أذلهم في الآخرة ~~بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم. # وقوله - عز وجل -: (ينظرون من طرف خفي) يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ~~ما ذكر في آية أخرى: (مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم ~~هواء)؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رءوسهم، ولا ينظرون ~~إلى موضع. # ويحتمل أن يكون قوله: (ينظرون من طرف خفي) أي: لا ينظرون إلى الناس، ولا ~~يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل؛ حياء منهم؛ لسوء فعالهم، ~~وهكذا المعروف في الناس؛ لأن من صنع إلى آخر سوءا لا يتهيأ له رفع الطرف ~~إليه ونظره إليه متصلا ms4022 إلا على التلصص منه والتغفل؛ فعلى ذلك أولئك، والله ~~أعلم. # وقال بعض أهل التأويل: إنهم يحشرون عميا؛ فلا يرون بأعينهم، إنما يرون ~~بقلوبهم، وهو الطرف الخفي. # وقال القتبي: (ينظرون من طرف خفي)، أي: قد غضوا أبصارهم من الذل. # وقال أبو عوسجة: أي: ينظرون نظرا مستقيما، والله أعلم. # وقوله: (وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة. . .)، الآية. # يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه: # أحدها: ما ذكر بقوله - تعالى -: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، أمروا بأن ~~يقوا أنفسهم وأهليهم النار، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل ~~خسروا، والله أعلم. # PageV09P136 # والثاني: قوله: (خسروا أنفسهم وأهليهم) أي: خسروا بسبب أنفسهم، وبسبب ~~أهليهم؛ كقوله - تعالى -: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)؛ لما يعملون أمورا ~~بسبب الأموال والأولاد والأزواج، هي فتنة لهم، وكقوله: (إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم)، فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذا بسبب هؤلاء. # والثالث: يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا: (ولئن رددت إلى ~~ربي لأجدن خيرا منها منقلبا)، وقوله: (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى)، خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى. # على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: ليس من أحد من كافر ومسلم إلا ~~وله أهل ومنزل في الجنة، فإن أطاع الله - تعالى - أتى منزله وأهله، وإن ~~عصاه خسر نفسه وأهله، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه. # لكن لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - مع علمه أنه يموت كافرا أن يجعل له ~~الأهل والمنزل في الجنة، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك ~~وغيظا. # وقوله: (وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ... (46) يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أي: ما كان للأصنام التي عبدوها دون الله تعالى ولاية النصر لهم ~~وقدرة دفع العذاب عنهم؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم ~~في الآخرة وأن تزلفهم، فأخبر الله - تعالى - أن ليس لها ms4023 ولاية النصر لهم؛ ~~على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم، والله أعلم. # والثاني: (وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله) أي: ما كان ~~للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أربابا ولاية النصر لهم؛ لأنهم لا يملكون ~~دفع ذلك عن أنفسهم، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم؛ يخبر أن ليس لهم ~~ولاية دفع العذاب عنهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يضلل الله فما له من سبيل) يحتمل قوله: (فما له ~~من سبيل) أي: من حجة، أي: من أضله الله، فلا حجة له أن يقول: إنك أضللتني؛ ~~لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره. # والأصل: لا أحد يفعل ما يفعل من المعاصي وقت فعله لأن الله تعالى قضى له ~~ذلك أو أراده، أو قدره وقضاه؛ إنما يفعله لغرض له وهواه؛ فلم يكن له ~~الاحتجاج عليه بذلك، وبالله العصمة. # PageV09P137 # والثاني: أنه ليس له حجة عليه بذلك؛ لأنه يعلم أنه لو خير بين ما يريد أن ~~يختاره ويؤثره وبين ضد ذلك، لكان يختار ذلك على ضده، ويختار تحصيله، ويؤثره ~~على ترك ذلك، فكيف يكون له حجة بذلك؟ والله الموفق. # ويحتمل قوله: (فما له من سبيل) أي: من أضله الله - تعالى - فما له إلى ~~الهدى من سبيل أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل؛ أي: لا يملك أحد إرشاده. # ويحتمل: أي: من أضله الله فما له من سبيل؛ أي: ليس له سبيل، ولكن عليه ~~السبيل. # وقوله - عز وجل -: (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ~~ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) أي: أجيبوا له، وقد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله. . .) الآية. # هذا يخرج من وجهين: # أحدهما: أي: أجيبوا له من قبل أن يأتي يوم لا يملك أحد رد ذلك اليوم إذا ~~أتاهم؛ لأنه هو اليوم الذي يجزي فيه الخلائق، وفيه أهوال وأفزاع؛ يقول: لا ~~أحد يملك رد ذلك اليوم؛ والله أعلم. # والثاني: أي: أجيبوا ms4024 من قبل أن يأتي يوم لا مرد لما ينزل فيه بهم من ~~العذاب والعقاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم من ملجإ يومئذ) هذا - أيضا - يخرج على وجهين: # أحدهما: أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ لتكون لهم شفعاء، ~~وملجأ يلتجئون إليها؛ يقول: ما لكم من أولئك الأصنام ملجأ تلتجئون إليها بل ~~تكونون كما ذكر في آية أخرى: (وضل عنهم ما كانوا يفترون)، وقوله - تعالى -: ~~(بل ضلوا عنهم. . .) الآية، والله أعلم. # والثاني: (ما لكم من ملجإ يومئذ) أي: ما لهم من حيل يحتالون بها دفع ما ~~نزل بهم من العذاب، على ما يكون في الدنيا من حيل يحتالون بها دفع ما نزل ~~بهم من البلاء والشدائد، وبالله النجاة. # وقوله - عز وجل -: (وما لكم من نكير). # هذا - أيضا - يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: لا يملكون أن ينكروا على الله - تعالى - ما يفعل بهم؛ لأنه ~~إنما يفعل بهم ذلك بما كسبت أيديهم؛ فلا يقدرون على إنكار ذلك على الله ~~تعالى. # والثاني: (وما لكم من نكير) أي: ما لكم من تغيير؛ أي: ما يملكون دفع ذلك # PageV09P138 # عن أنفسهم، ولا منعه وتغييره. # وقيل: لا يملكون أن يمنعوا الله - تعالى - عما يريد أن يفعل بهم، وهو ما ~~ذكرنا. # وقوله - تعالى -: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا ~~البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور (48) أي: إن تولوا عن إجابتك إلى ما تدعوهم إليه ~~(فما أرسلناك عليهم حفيظا) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يحتمل: أي: فما أرسلناك لأن تحفظ عليهم أفعالهم وأعمالهم (إن ~~عليك إلا البلاغ) أي: ما عليك إلا التبليغ، إنما حفظ أعمالهم وأفعالهم على ~~الملائكة الذين جعلوا حفاظا عليهم، وهم الكرام الكاتبون. # والثاني: (فما أرسلناك عليهم حفيظا) يحتمل: فما أرسلناك لأن تمنعهم عما ~~يفعلون حسا، إنما عليك البلاغ فحسب وبيان الحق، وأنت غير مؤاخذ بما يفعلون، ~~وهو كقوله: (فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، ونحو ذلك. # وقوله: (وإنا إذا ms4025 أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها) إن كان هذا في المسلم ~~فيكون قوله: (فرح بها) أي: رضي بها، وسر بها، وإن كان في الكافر فيكون له ~~فرح بها؛ أي: بطر بها وأشر. # وقوله: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) وهذا - أيضا - ~~إن كان في المسلم فإنه إذا أصابه شدة أو بلاء ينسى ما كان إليه من الله - ~~تعالى - من النعمى، فجعل يشكو مما أصابه، فهو كفور للنعم التي كانت له من ~~قبل ذلك. # وإن كان في الكافر فهو ظاهر أنه كفور لنعمه وإحسانه أجمع، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ~~إنه عليم قدير (50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما ~~في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) # وقوله: (لله ملك السماوات والأرض) يخبر أنه بما يأمرهم وينهاهم، وبما ~~يمتحنهم بأنواع المحن بأمر ونهي، ولا يمتحن بحاجة نفسه في جر منفعة، ~~واستفادة خير، أو دفع مضرة أو بلاء؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولكن إنما ~~يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم؛ لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكها ونجاتها عن ~~المهالك، وهو كقوله: (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني ~~حميد)، يخبر بما ذكر أنه غني، لا # PageV09P139 # ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضره كفر كافر، ولا ينقص من ~~ملكه. # ويحتمل أن يكون قوله: (لله ملك السماوات والأرض) كقوله: (قل اللهم مالك ~~الملك. . .) الآية. # ويحتمل أن يقول: له ملك السماوات والأرض؛ أي: هو يؤتي الملك من له الملك ~~في الدنيا، وهو ينزع عمن يشاء؛ على ما ذكر ms4026 في آية أخرى: (تؤتي الملك من ~~تشاء وتنزع الملك ممن تشاء. . .) الآية. # وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم، وإنكارهم أن يكون فعل ~~الله - تعالى - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين الله - تعالى - فيكون ~~ذلك فعل الله - تعالى - وفعل العبد؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد. # فيقال لهم: إن الله - تعالى - قال: له ملك السماوات والأرض، وقال في آية ~~أخرى: (ولم يكن له شريك في الملك)، وقد رأينا الملوك في الدنيا، ثم لم يوجب ~~ذلك الشركة في ملكه؛ لاختلاف المعنى والجهات؛ إذ حقيقة الملك له، ولغيره ~~ليست حقيقة الملك، إنما له ملك الانتفاع، لا على الإطلاق؛ فعلى ذلك أفعال ~~العباد من الخيرات خلقا لله تعالى، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء ~~مما شاء؛ وهذا لأن قوله: (يخلق ما يشاء) إما أن خرج على الوصف بالربوبية ~~لله تعالى والألوهية، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء. # فإن كان على الوصف له بالربوبية؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية؛ إذ لا يكون ~~خالقا لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها، وإن كان على الوعد ~~والخبر فيخرج كذبا على قولهم، فنعوذ بالله تعالى من السرف في القول، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) يخبر - ~~تعالى - أن الأولاد جميعا من الذكور والإناث مواهب الله - تعالى - وهداياه، ~~فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة، ثم بدأ ~~بذكر الإناث ثم بالذكور؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة، ~~ويثقل ذلك عليه، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت ~~وجوههم مسودة بقوله - تعالى -: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم)، يخبر عن ثقل ذلك عليهم، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك؛ لئلا يعد أهل ~~الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه ~~عليم قدير ms4027 (50) التزويج: هو الجمع بين الشكلين # PageV09P140 # والمتماثلين في الحقيقة، وقد يسمى التزويج بين المتضادين مجازا - والله ~~أعلم - فيكون معنى قوله: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) أي: يقرن ويجمع بين ~~الإناث والذكور، فيهب له من النوعين جميعا حالة واحدة. # وقال القتبي: (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا)، أي: يجعل بعضهم بنين وبعضهم ~~بنات، تقول العرب: زوجت أهلي: إذا قرنت بعضها ببعض، وزوجت الكبار بالصغار ~~إذا قرنت كبيرا بصغير. # وقوله - عز وجل -: (ويجعل من يشاء عقيما) والعقيم من النساء: التي لا ~~تلد، وهي لا توصف بالبركة، ويقال: إنها ليست مباركة، لا يرغب فيها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه عليم قدير) (عليم): بإنشاء الأولاد والإناث في ~~الرحم، (قدير) على ذلك. # أو (عليم) بمصالح الخلق، (قدير): لا يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) كأن هذا إنما ذكر ~~وأخبر عن نازلة أو سؤال كان عن كيفية الرسالة، وهل الرسل - عليهم السلام - ~~يرون ربهم ويشاهدونه ويشافهونه؟ فأخبر أنه ليس من البشر من يكلمه إلا ~~بالطرق الثلاثة التي ذكرها، والسؤال وقع عن الرؤية في الدنيا، فيكون الجواب ~~بناء على السؤال، والله أعلم. # ثم قوله: (إلا وحيا) قال بعضهم: (إلا وحيا): ما يرى في المنام، ورؤيا ~~الأنبياء - عليهم السلام - حقيقة. # وقوله: (أو من وراء حجاب) نحو ما كلم موسى - عليه السلام - ألقى في ~~مسامعه صوتا مخلوقا على ما شاء وكيف أشاء، من غير أن كان ثم ثالث. # وقوله: (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) أي: يرسل ملكا يخبره عن الله ~~- تعالى - وطرق الرسول إلى معرفة ذلك في الدنيا الوجوه التي ذكرنا: إما ~~الإلهام، وإما الإلقاء في المسامع، وإما رسول يرسل فيخبر عن أمره وكلامه، ~~فأما أن يحتمل وسع أحد رؤيته أو يشافهه أو يعاينه في الدنيا فلا، والله ~~الموفق. # ثم اختلف في قوله: (أو من وراء حجاب): # قال بعضهم: الحجب أنفسها هي حقيقة الحجب. # وقال بعضهم: الحجاب: هو عجزهم ms4028 عن احتمال رؤيته؛ لأن الله - تعالى - ~~أنشأهم على بنية وخلقة لا تقوم أنفسهم القيام لذلك على ما أخبر - عز وجل - ~~حيث قال # PageV09P141 # لموسى - عليه السلام -: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني)، أي: فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت، والله أعلم. # وفي الآية: أن الله - تعالى - يكون مكلما للبشر بالرسول، وإن لم يشافهه ~~المرسل، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول ~~كلام المرسل، وكذلك في قوله: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله)، لا يكون ما يسمع من الرسول - عليه السلام - كلام الله حقيقة، ~~وكذا ما يقال: سمعت من فلانة قول فلان، أو حديث فلان كله، على المجاز، ليس ~~على التحقيق، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا. . ~~.) والآية - قول أولئك الكفرة؛ حيث أخبر الله - تعالى - بقوله: (وقال الذين ~~لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية. . .) الآية، وقولهم: (لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا)، سألوا أن يروا ربهم جهارا، فقد حجبوا عن رؤية ~~الله - تعالى - في الدنيا والآخرة، حيث قال: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون)، وسألوا أن يكلمهم شفاها، فأخبر أنه لا يكلم أحدا شفاها، ولكن ~~يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة؛ حيث قال: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) ردا عليهم، فأخبر الله - تعالى -: أن ~~طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا، وقد كلم البشر من هذه ~~السبيل والطريق التي ذكر؛ حيث قال: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم)، أخبر ~~أنه أنزل إليهم ما ذكر، كما أنزل على الرسول، وحيث قال: (وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله. . .) الآية، وغير ذلك من ~~الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر. # وقوله: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه ms4029 نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم (52) كأنه يقول: هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه ~~والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك. # وقوله: (روحا من أمرنا). # قال بعضهم: (روحا) جبريل بأمرنا. # وقال بعضهم: أي: أوحينا إليك أمرا من أمرنا. # وقال بعضهم: (روحا من أمرنا) أي: الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه، ~~سماه: # PageV09P142 # روحا؛ لأنه يحيي به أن دين، وتكون به حياة الدين، ويحيي به الأبدان، وهو ~~حياة الذكر والشرف، وهو كقوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون).، حياة الذكر والشرف، والله أعلم. # وقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) أما الكتاب فإنه لا شك أنه ~~كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه، وأما الإيمان حيث أخبر أنه لا ~~يدريه فهو يحتمل وجوها: # أحدها: ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق اللسان. # أو ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق الإيمان. # أو ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق قدره ومحله ومنزلته عند الله تعالى. # فإن كان المراد في حق اللسان، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء ~~الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد، أو ما هو؟ وهو معروف أنه كان لا ~~يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ماذا؟ وكذلك جميع أهل اللسان، لا ~~علم لهم بذلك حتى علمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل جبريل، وسأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ على صورة أعرابي ~~حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم ~~معالم دينكم "، والله أعلم. # وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه، فهو إذن كان غير قادر على فعله ~~وإتيانه على هذه وكان لا يدري، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به؛ ألا ~~ترى أن الصغار لا يدرون، ولا يقال: إنهم جهلة، وإنما يوصف بالجهل من ملك ~~الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك، ms4030 فعند ذلك يوصف بالجهل، فأما من لم ~~يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل؛ ألا ترى أنه يقال ~~للأعراض والأشياء: إنها لا تدري ولا توصف بالجهل؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ~~ويقال: إنه كان لا يدري، ولا يوصف ولا يقال: إنه كان جاهلا به، والله أعلم. # ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعا وبصرا ونحوه؛ لأنه ليس ~~بمحل للسماع والبصر، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع ~~والبصر، وهو ما ذكر بقوله: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار)، عندما مكن لهم ذلك. # وإن كان المراد: أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر، فهو هكذا كان ~~لا يدري # PageV09P143 # ما محل الإيمان وقدره عند الله تعالى؟ حتى أدراه وأعلمه محله ومنزلته، ~~والله أعلم. # وقوله: (ولكن جعلناه نورا) فإن كان المراد هو الإيمان فهو نور بالحجج ~~والبرهان، وهو كما ذكر: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه). # وإن كان المراد هو الكتاب، فهو نور لما يرفع جميع حجب القلوب وسواترها ~~عمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم. # وقوله: (نهدي به من نشاء) من علم أنه يختاره شاء أن يهديه. # ثم قوله: (نهدي به) يحتمل: القرآن. # ويحتمل الإيمان نفسه؛ أي: يجعله بالإيمان مهتديا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم). # قوله: (لتهدي) يحتمل: لتدعو، أو لتبين لهم الصراط المستقيم، ثم فسره ~~بقوله - تعالى -: (صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ... (53) ~~لم يفهم من صراط الله ما يفهم من صراط الخلق، أو صراط فلان، فكيف يفهم من ~~مجيئه أو إتيانه ما يفهم من مجيء الخلق أو إتيانه، فهذا يدل أن لا كل ما ~~أضيف إلى الله - تعالى - يفهم منه ما يفهم مما يكون من الخلق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا إلى الله تصير الأمور). # يحتمل: ألا إلى الله يرجع تدبير الأمور. # ويحتمل: ألا إلى الله تصير الأمور في ms4031 الآخرة، وهو البعث، والله أعلم ~~بالصواب. # * * * # PageV09P144 ### | سورة الزخرف # ذكر أن سورة الزخرف كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون (3) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) أفنضرب عنكم الذكر صفحا ~~أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من ~~نبي إلا كانوا به يستهزءون (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) # قوله - عز وجل -: (حم (1) والكتاب المبين (2). # قال قتادة: هو اسم السورة. # وقال غيره: (حم) قضى ما هو كائن، وقد ذكرناه. # وقوله: (والكتاب المبين). # قال قتادة: مبين بركته وهداه ورشده. # وقال بعضهم: مبين بين الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى. # وقال بعضهم: مبين بين الحق والباطل. # وهو عندنا مبين بأنه من الله - تعالى - ليس هو من تأليف البشر، ولا من ~~توليدهم، ولكنه من الله تعالى حيث عجزوا عن إتيان مثله، والله الموفق. # وقوله: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) كأنه يقول: جعلنا ذلك ~~الكتاب عربيا لعلكم تعقلون. # وقيل: (جعلناه قرآنا) أي: أنزلناه قرآنا عربيا. # قيل: (جعلناه قرآنا) أي: سميناه قرآنا، ليس أن جعله قرآنا، ولكن معناه: ~~جعلناه عربيا، أي: نظمناه بالعربية؛ لتعقلوا، أو سميناه: قرآنا. # ثم قوله - تعالى -: (لعلكم تعقلون) يخرج على وجوه: # أحدها: أي: أنزلناه عربيا على رجاء أن تعقلوا. # والثاني: أنزلناه عربيا لتعقلوا، وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه ~~وفهموه؛ إذ لم يعقلوه جميعا، ولا يتصور أن ينزله ليعقلوه ولا يعقلوه، فإن ~~ما أراد الله - تعالى - يكون لا محالة، وما فعل ينفعل؛ قال الله - تعالى -: ~~(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول # PageV09P145 # له كن فيكون). # والثالث: أنزلناه عربيا لكي يلزمهم أن يعقلوه ويتبعوه؛ ليزول عذرهم ~~والاحتجاج على الله - تعالى - أنه كان على غير لساننا، والله أعلم. # وعلى هذا يخرج تأويل " لعل " في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من الله ~~تعالى. # فإن قيل: فعلى التأويل الأخير، كيف يخرج قوله: (لعلكم تفلحون)، لا يستقيم ~~أن يقال: لكي يلزمكم أن تفلحوا؟ # قيل: معناه: لكي يلزمكم ms4032 السبب الذي به تفلحون، وهو مباشرة الإيمان ~~والطاعات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4). # قوله: (وإنه في أم الكتاب) يرجع إلى وجهين: # أحدهما: أي: القرآن في أصل الكتاب، وبه أقول، وهو اللوح المحفوظ، وأم ~~الشيء: أصله ويسمى أم القرى مكة؛ لهذا. # والثاني: أي: القرآن في الكتب المتقدمة، فإن الأمهات سميت: أمهات؛ ~~لتقدمها على الولد، وهو كقوله: (وإنه لفي زبر الأولين)، وقوله - تعالى -: ~~(إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى). وقوله - عز وجل -: ~~(لعلي حكيم). # قال ابن عباس: أي: هو أعلى الكتب وأحكمها وأعدلها. # وقال بعضهم: وصف كتابه بالعظمة والمنزلة والشرف عنده. # وقوله: (حكيم) يحتمل وجهين: # أحدهما: حكيم بمعنى: محكم؛ كقوله - تعالى -: (أحكمت آياته)، أي: بالحجج ~~والبراهين. # والثاني: سماه: حكيما؛ لما جعل فيه من الحكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) ~~اختلف في الذكر: # قال بعضهم: القرآن. # وقال بعضهم: الرسول. # وقال بعضهم: العذاب والعقوبة. # PageV09P146 # واختلف في قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا): # قال بعضهم: أفنترك ونذر الذكر سدى (أن كنتم قوما مسرفين) أي: لأنكم كذا، ~~ولأجل أنكم كذا. # وقال بعضهم: أفنترك الوحي لا نأمركم بشيء، ولا ننهاكم عن شيء، ولا نرسل ~~إليكم رسولا. # وقال بعضهم: (أفنضرب) أي: أفنذهب عنكم بهذا القرآن سدى، لا تسألون، ولا ~~تعاقبون على تكذيبكم إياه. # وقال بعضهم: (أفنضرب عنكم) أي: فيمسك عنكم فلا يذكركم (صفحا) أي: إعراضا؛ ~~وهو قول القتبي؛ يقول: صفحت عن فلان: أي: أعرضت عنه، وأصل ذلك أنك توليه ~~صفحتك؛ يقال ضربت وأضربت عن فلان: أي: أمسكته. # وقال أبو عوسجة: (أفنضرب) أي: مسكت؛ ضربت وأضربت، أي: مسكت. # وقوله: (صفحا) أي: ردا؛ يقال: سألني فلان حاجة فصفحته صفحا؛ أي: رددته، ~~والله أعلم. # وبعضه قريب من بعض. # ثم الأصل عندنا أن الذكر يحتمل ما قالوا فيه من المعاني الثلاثة: القرآن، ~~والرسول، والعذاب؛ لكن لا يحتمل قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) أن يخرج ~~على الابتداء على غير تقدم النوازل؛ لأنه لا يبتدأ بمثله. # ثم النوازل ms4033 يحتمل أن كان منهم قول يقولون: يا محمد، لو كان ما تقوله أنت: ~~إنه من عند الله وإنك رسوله، فكيف أنزل الكتاب أو أرسل الرسول إلينا على ~~علم منه أنا نكذبه ونرده ولا نقبله، ومن علم من الملوك في الشاهد أنه يكذب ~~رسوله ولا يقبل، لا يبعث الرسول، فكيف بعثك رسولا إلينا، أو أنزله عليك، أو ~~بعثك رسولا فكذبناه وكذبناك، ورددناه ورددناك، فلا يرفعه ويرفعك دون تركه ~~فينا؟ فيقول الله - تبارك وتعالى - جوابا لهم وردا لقولهم: (أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) ويقول: إنا لا نترككم سدى وإن علمنا منكم ~~التكذيب والرد للرسول والوحي، ولا يمنعنا ذلك عن إنزاله إليكم، وتركه فيكم، ~~ولا يحملنا ذلك على رفعه من بينكم؛ بل نأمركم وتنهاكم وإن كنتم تكذبونه ولا ~~تقبلونه؛ وهذا لما ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - # PageV09P147 # تعالى - يخرج على الإيجاب والتحقيق. # وقوله: (أفنضرب) أي: لا نترك إنزاله وإرساله وإن علمنا منكم التكذيب، وهو ~~كقوله - تعالى -: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)، وقوله: (أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى)، أي: لا يترك سدى، ولا تحسبون أنا إنما خلقناكم عبثا، فعلى ذلك ~~قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا) فإن كان الذكر هو القرآن أو الرسول، ~~فالتأويل: أنه وإن علم منكم الرد والتكذيب، فلا يمنعه ذلك عن إنزاله عليكم، ~~وبعثه رسولا إليكم، وإن أنكرتم وإن كذبتموه ورددتموه فلا يحمله ذلك على ~~رفعه من بينكم بشرككم وكفركم، وهو كما ذكر في قوله: (وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين. وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون)، أي: إنا وإن علمنا من ~~أوائلكم التكذيب للرسل والكتاب، فلا يمنعنا ذلك عن إنزاله عليكم وبعثه ~~إليكم؛ فعلى ذلك أنتم وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه، لا يمنعنا ذلك ~~عن إرساله وإنزاله؛ ليلزمكم الحجة، أو لعل فيكم من يصدقه ويؤمن به، أو ~~غيركم يؤمن به ويصدقه وإن كذبتم أنتم. # هذا إن كان تأويل الذكر: رسولا أو كتابا، وإن كان تأويل الذكر: العذاب، ~~فيصير كأنه يقول: أفنترك تعذيبكم أو ms4034 نمسك عنه ولا نعاقبكم وأنتم قوم ~~مسرفون، أي: مشركون، على ما ذكر على إثره العذاب؛ حيث قال: (فأهلكنا أشد ~~منهم بطشا) أي: قوة، معناه: عذبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم وأنتم ~~دونهم لا تعذبون؟ بل تعذبون، والله أعلم. # وعن قتادة يقول: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة، لهلكوا، ~~لكن الله - تعالى بفضله ورحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما ~~شاء الله تعالى. # وعن الحسن قال: لم يبعث الله تعالى نبيا إلا أنزل عليه كتابا، فإن قبله ~~قومه وإلا رفع، فذلك قوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) ~~لا تقبلونه، فتلقته قلوب بقية، فقالوا: قبلناه ربنا قبلناه، لو لم يفعلوا ~~ذلك رفع، ولم يترك على ظهر الأرض منه شيء. # ثم القراءة العامة (أن كنتم) منصوبة الألف بمعنى: إذ كنتم، ويقرأ - أيضا ~~- (إن كنتم) مكسورة على (إن) الشرط ومعناه: لا نتركه ولا نمسك عن إنزاله ~~وإن كنتم قوما مسرفين مشركين. # PageV09P148 # وقوله: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا ~~به يستهزءون (7): فيه دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبر بما ~~يعامله قومه؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم ~~قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك، فصبروا على ذلك، ~~فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم، والله أعلم. # وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه، وكذا ينزل الكتاب وإن ~~علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب ~~لمنفعة نفسه، ولا لدفع المضرة عن نفسه، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم، ~~ولدفع المضرة عن أنفسهم، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه، وليس كملوك الأرض ~~إذا أرسلوا رسولا وكتابا إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم، ~~يكونون سفهاء؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم؛ أو لدفع المضرة؛ فحيث لم ~~يحصل غرضهم؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صد له واستخفاف، لم يكن ذلك حكمة، ~~بل يكون سفها، ms4035 فأما الله - سبحانه وتعالى - إذا لم يرسل وينزل لجر النفع ~~ودفع الضرر؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر، ونحو ذلك كان حكمة، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) فيه ~~تحذير أولئك الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول، وسوء معاملتهم إياه، كما ~~نزل بأولئك الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم، والله ~~أعلم. # وقوله: (فأهلكنا أشد منهم بطشا) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: أهلكنا من كان أشد قوة وبطشا من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم ~~الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب، فعلى ذلك لو نزل لهؤلاء ~~لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم. # والثاني: أن يكون قوله: (أشد منهم بطشا) وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم؛ ~~أي: ملك العذاب أشد منهم بطشا؛ فلا يمتنع عمله؛ لبطشهم وفوتهم، أما إذا كان ~~شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه؛ لذلك وصف العذاب ~~بكونه أشد منهم بطشا، وهو كقوله - تعالى -: (إن عذابي لشديد)، والله أعلم. # وقوله: (ومضى مثل الأولين)، هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: (ومضى مثل الأولين) أي: صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا ~~للمتأخرين، كقوله: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين). # والثاني: (ومضى مثل الأولين) أي: مضى عذاب الأولين، وهو عذاب الاستئصال؛ # PageV09P149 # فلا يعذب هذه الأمة بمثل عذابهم؛ لفضل نبينا محمد - عليه أفضل الصلوات ~~وأكمل التحيات - وبركته ورحمته وهو ما قال الله - عز وجل -: (وما أرسلناك ~~إلا رحمة للعالمين) بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم (9) الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) ~~والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي ~~خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ~~ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # وقوله ms4036 - عز وجل -: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن ~~العزيز العليم). # في قولهم وجوابهم: أن الله خلق السماوات والأرض - دلالة أنهم قد عرفوا ~~أنه رسول، لكن كذبوه عنادا ومكابرة؛ لأن أهل مكة كانوا لا يؤمنون بالرسل ~~حتى يزعموا أنا عرفنا أن الله خلق السماوات والأرض بقولهم، وينكرون رسالته ~~خاصة؛ بل ينكرون الرسل أجمع، ثم هم ما عرفوا أن الله هو خلق السماوات ~~والأرض إلا بالرسل؛ إذ هم ليسوا من الذين عادتهم الاستدلال والنظر في ~~الدلائل؛ ليعرفوا الله - تعالى - بالدلائل العقلية، والظاهر في العوام جملة ~~المعرفة بالدلائل السمعية؛ فكان الظاهر هذا: أن معرفتهم: أن الله خلق ~~السماوات والأرض بقول الرسل - عليهم السلام - لكنهم كذبوه ولم يصدقوه عنادا ~~منهم ومكابرة، وما به عرفوا سائر الرسل من المعجزات موجود معاين في حق ~~رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يعرفوه رسولا، لكنهم كذبوه عنادا؛ ~~فدل أن قولهم هذا دليل على معرفتهم برسالته، والله أعلم. # ثم تمام الاحتجاج بهذا أن يقال لهم: قد عرفتم أن الله هو خلق السماوات ~~والأرض، فهلا عرفتم أنه لم يجعلهما عبثا باطلا؛ إذ لو كان على ما يزعمون أن ~~لا رسل ولا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب يكون خلقه إياهما عبثا باطلا، ~~فكان إقرارهم بخلقه إياهما إقرارا لخلقه على وجه الحكمة، ولن يخرج خلقه على ~~الحكمة إلا بالإقرار بالرسل والبعث والثواب والعقاب؛ على ما عرف غير مرة. # أو أن يقال: فإذا عرفتم أن الله - تعالى - هو خلق السماوات والأرض وما ~~ذكر إلى آخره. . . فكيف أنكرتم قدرته على البعث والإعادة بعد الموت، ~~والأعجوبة في خلق السماوات والأرض أعظم وأكثر من الأعجوبة في بعثكم ~~وإعادتكم، فكيف أنكرتم ما هو # PageV09P150 # أقل في القدرة والأعجوبة؟ والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم ~~تهتدون (10) # جائز أن يكون ذكر هذا على سبيل النعت والوصف لله - تعالى عز وجل - صلة ~~لقوله: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) ~~الذي وصفه أنه ms4037 جعل الأرض كذا وأنزل كذا. # ويحتمل أن يكون أراد: ولئن سألتهم عن الأرض وما ذكر أنه من جعلها مهدا؟ ~~ومن جعل لهم فيها سبلا؟ فقالوا: الله جعل ذلك على ما قالوا في السماوات ~~والأرض. # وفيه وجوه من الدلالة: # أحدها: يذكرهم نعمه عليهم؛ حيث جعل هذه الأرض بحيث يمهدونها، ويفترشونها، ~~وينتفعون بها بأنواع المنافع، وبحيث مكن لهم الوصول إلى حوائجهم التي فرقها ~~في الأمكنة المتباعدة بما جعل لهم فيها سبلا وطرقا يسلكون فيها ليصلوا إلى ~~الحوائج التي فرقت في البلدان المتباعدة، ما لولا جعله فيها السبل والطرق ~~التي جعل ما قدروا السلوك فيها، ولا عرفوا أنهم من أي جهة يصلون إلى ~~حوائجهم التي فرقت؟ فيلزمهم بما ذكر القيام بشكره على تلك النعم. # وفيه دلالة حكمته؛ ليدلهم أنه إنما جعل لهم ما ذكر لحكمة، لم يجعلها عبثا ~~باطلا؛ فيلزم حيث فرق حوائجهم في أمكنة متباعدة ثم مكن لهم الوصول إليها؛ ~~ليعلم أن الذي ملك أنفسهم هو مالك أطراف الأرض؛ إذ لو كان هذا غير مالك ~~ذلك، لمنعهم عن الوصول إلى حوائجهم. # وفيه دلالة قدرته، حيث جعل لهم في الأرض ما ذكر من التسخير لهم، حتى ~~ظهروها ويفترشوها ويسلكوا فيها السبل التي جعلها لهم إلى حيث أرادوها ~~وقصدوها، ومكن لهم ذلك ليعلم أن من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا ~~كذلك تخرجون (11). # فيما ذكر من إنزال الماء من السماء، ونشره في الأرض، وإنبات النبات فيها ~~بذلك الماء دلالة من الوجوه التي ذكرنا في قوله: (جعل لكم الأرض مهدا) فإنه ~~أنزل الماء من السماء؛ ليكون في الأرض أنواع النعم التي ذكر، وجعل منافع ~~السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلموا أعظم نعمه عليهم، ~~وليعلموا أن مالكهما واحد، وما # PageV09P151 # جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف ~~النبات والثمار واختلاف أجناسها وجواهرها؛ ليعلم أن من قدر على إحياء الأرض ~~بذلك المعنى الذي جعل في ms4038 الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف ~~جواهرها وأجناسها - لا يحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره؛ إذ الأعجوبة ~~فيما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء، وموافقة المعنى المجعول في الماء جميع ~~ما ذكر - أعظم وأكثر من البعث؛ لأنه إعادة، وذلك ابتداء، فمن ملك وقدر على ~~ما ذكر من الأشياء فهو على البعث أقدر وأملك؛ ولذلك قال الله تعالى: (كذلك ~~تخرجون) أي: تبعثون، والله الموفق. # وقوله: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ~~(12) جائز أن يدخل فيما ذكر من خلق الأزواج كلها جميع ما يكون لها أزواج من ~~مقابلات وأشكال؛ إذ التزاوج قد يقع ويستعمل في الأضداد والأشكال من الأفعال ~~والجواهر من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية؛ فيكون في ذلك دلالة خلق ~~أفعال العباد إذ أخبر أنه خلق الأزواج كلها، وبين هذه الأفعال ازدواج وإن ~~كانت متضادة متقابلة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) فيه ما ذكرنا ~~من الوجوه: أنه فرق حوائج الخلق في أمكنة بعيدة، وبينهم وبين أمكنة حوائجهم ~~مفاوز وفيافي وبحار، فجعل لهم في المفاوز أنعاما يركبونها؛ ليصلوا إلى ~~حوائجهم، وفي البحار سفنا ليركبوها؛ ليصلوا إلى حوائجهم التي في البحار؛ ~~يذكرهم نعمه؛ ليتأدى بذلك شكرها، ويذكرهم قدرته أن من ملك هذا وقدر لا ~~يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) جعل ظهوره ~~بحيث يستوون عليها ويقرون، # وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها ولا يقرون، وهذا من نعمة ~~الله تعالى عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه) ثم نعمته تخرج ~~على وجوه: # ما ذلل لهم من الأنعام وسخرها لهم بقوتها وشدتها. # أو جعل لهم أن يستعملوا الدواب وهي تتألم وتتلذذ كما تتألمون وتتلذذون، ~~ثم جعلها متعة لهم، لا أن جعلوا لها. # أو أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها: الإسلام والتوحيد، قولوا: الحمد ~~لله ms4039 الذي هدانا للإسلام، وتقولوا: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين). # أو يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النعم العظيمة. # PageV09P152 # وقوله: (وما كنا له مقرنين). # قال بعضهم: مطيقين؛ يقال: أنا لك مقرن: أي: مطيق، ويقال: أنا مقرن لهذا ~~العمل، أي: أقوى عليه. # وأصل هذا التأويل أن الدواب والأنعام في أنفسها أشد وأكثر قوة وأعظمها من ~~البشر، لكن الله - تعالى - بفضله ومنه علم الإنسان الحيل، حتى قدر على ~~استعمال الدواب والأنعام مع قوتها وشدتها حيث شاءوا وسخرها لهم. # ويحتمل أن يكون قوله: (وما كنا له مقرنين) أي: لم يجعلنا من قرن الدواب ~~ومن قرنها بحيث نستعمل لما تستعمل الدواب، ونركب على الظهور؛ أي: لم يجعلنا ~~من قرن الدواب ومن أشكالها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) هذا يحتمل وجوها: # أحدها: يحتمل البعث؛ على ما قاله أهل التأويل. # ويحتمل: وإنا إلى ما جعل لنا ربنا من الوصول إلى حوائجنا لمنقلبون بها ~~وراجعون - والله أعلم - وإنا إلى أوطاننا ومنازلنا راجعون بها ما لولا هي ~~لم يتهيأ لنا الرجوع إلى ذلك، ولا الوصول إلى ما جعل لنا من الحوائج التي ~~فرقت في الأمكنة المتباعدة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم ~~اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ~~مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين (18) وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ~~إن هم إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل ~~قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ~~قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم ms4040 فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين (25) # وقوله - عز وجل -: (وجعلوا له من عباده جزءا). # PageV09P153 # قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله - تعالى - من عباده أنثى، ~~أي: بنتا. # وقال الزجاج: (جزءا) أي: بنتا، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن ~~الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية ~~بالاثنين، يقولون: إن الله - تعالى - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ ~~على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟ فهؤلاء الثنوية جعلوا لله - تعالى ~~- من عباده جزءا وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب ~~جعلوا له فيما رزقهم جزءا لله - تعالى - وجزءا لشركائهم؛ حيث قال: (وجعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا)، فهؤلاء جعلوا له جزءا مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا ~~له جزءا من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله - تعالى -: ~~(ويجعلون لله البنات)، فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل ~~وصرفوه إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الإنسان لكفور مبين) أي: كفور لنعمه (مبين) أي: ~~يبين كفرانه. # وقوله - عز وجل -: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) هو على ~~الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، ~~وهو ما ذكر في آية أخرى: (ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب). # ثم قوله - تعالى -: (أم اتخذ) أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات. # يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ~~بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات الله، وما ~~أقروا حين سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ أن الله هو خالق ذلك كله مما لا ~~سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ~~ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولدا لغائب لا يعلمه إلا بخبر ~~صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار ~~والرسل؛ فتتناقض دعواهم ms4041 وتضمحل، على ما ذكرنا. # ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم ~~من الكراهة في ذلك بقوله - تعالى -: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ~~ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17). # PageV09P154 # ثم قوله: (بما ضرب للرحمن مثلا) أي: شبها بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: # أحدهما: بما جعلوا له ولدا، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد ~~إثبات المثل والشبيه. # والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن ~~الخلق لا يخلو إما أن يكون مولودا من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له ~~شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيها بالبعض، فمن ~~أثبت لله شريكا وولدا فقد جعله شبيها بالخلق؛ ولهذا تبرأ الله - تعالى - من ~~الولد والشريك تبرؤا واحدا بقوله - تعالى -: (ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك)، نفى الولد والشريك عن نفسه نفيا واحدا وبراءة واحدة، والله الموفق. # وقوله: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) يحتمل أن يكون تفسيرا ~~لقوله: (وجعلوا له من عباده جزءا)، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا ~~هذه تفسيرا للأولى. # وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين ~~سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) ~~اختلف فيه: # قال بعضهم: هي الأصنام التي عبدوها، حلوها وزينوها بأنواع الزينة والحلي، ~~يقول - والله أعلم -: ولو حلي بالحلي وزين بالزينة وهو لا يملك نفعا، ولا ~~ضرا، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئا من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث ~~له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر ~~من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر ~~سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة الله تعالى ~~الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم ms4042 وتكذيبهم ~~إياه وسوء معاملتهم معه، والله أعلم. # وقال بعصهم: قوله: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) وهي ~~الإناث؛ يقول - والله أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند ~~الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهن، يقول - والله ~~أعلم -: كيف نسبوا إلى الله - عز وجل - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، ~~وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة ~~قوله - عز وجل -: (أم # PageV09P155 # اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين. . .) إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما ~~تقدم ذكره من قوله: (وجعلوا له من عباده جزءا) ونحو ذلك. # ثم قوله - عز وجل -: (أومن ينشأ في الحلية) يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر ~~غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير ~~الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين. # وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، والله أعلم. # وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على أذى القوم، ومن بيان سفه أولئك، ومن التحذير لما تأخر منهم، ~~والله أعلم. # وقال القتبي: (أومن ينشأ في الحلية) أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد ~~جعلهم بنات لله - تعالى - وهم إذا كان لأحدهم بنت (ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم)؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم (غير مبين) أي: غير مبين الحجة. # وقال أبو عوسجة: (أومن ينشأ في الحلية) أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ~~ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة. # وقال أبو معاذ: (ينشأ في الحلية) - والله أعلم -: البنت، ويقرأ (ينشأ) ~~بالتشديد، و (ينشأ) بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: (ينشأ في الحلية)، ~~والله أعلم. # وقوله - عز رجل -: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا ~~خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (19) # فإن قيل: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثا، وقد جعل الله من عباده ~~إناثا، لماذا عاتبهم على ذلك؟ # قيل: عن هذا وجهان: # أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على الله - سبحانه وتعالى ms4043 - أنه ~~جعل الملائكة إناثا، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - ~~حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، والله أعلم. # والثاني: أن الله - تعالى - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، ~~وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله - تعالى - على الدوام بحيث لا يرد ~~منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، ~~وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهن القيام بما ذكر، والله أعلم. # PageV09P156 # ثم قوله - عز وجل -: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا)، ~~وقوله: (ويجعلون لله البنات)، وقوله: (ويجعلون لله ما يكرهون)، - ليس على ~~حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات الله، ~~ووصفوا لهم بما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون (20) تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى - لم يشأ ~~الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله - تعالى - ~~شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: (لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم) أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء ~~منا عبادة الأصنام، والله - تعالى - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: (ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون)، أي: ما هم إلا يكذبون. # وعندنا الآية تخرج على وجوه: # أحدها: أنهم في قولهم: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) صدقة؛ فإن معناه: لو ~~شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ ~~فيكون هذا منهم إخبارا عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقا. # ثم قوله - تعالى -: (ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) يحتمل: إنما ~~سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله - ~~تعالى - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فالله - تعالى - شاء منهم ~~الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين. # ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، ms4044 وهو أن الكفر ليس مما ~~شاء الله - تعالى - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ~~ردا على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان ~~شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟ والإخبار عما هو به وإن ~~كان صدقا، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار ~~في نفسه صدقا، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذبا، وهذا كقول ~~الله - تعالى -: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، وهم في قولهم: (نشهد إنك ~~لرسول الله) صدقة، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر ~~كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب الله - تعالى - إياهم لكذب قلوبهم، ~~وإن كانوا في نفس قولهم: (إنك لرسول الله) صدقة، وإذا # PageV09P157 # احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعا ~~يكونون كاذبين؛ لذلك قال: (إن هم إلا يخرصون)، والله أعلم. # والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء ~~والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - ~~عز وجل -: (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا)، وهذا القول من هذا ~~الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكارا للبعث؛ ألا ترى أن ~~الله - تعالى - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: (أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا)، فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقا ~~فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون ~~إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصا وكذبا، والله أعلم. # والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب ~~العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك ~~العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟ ~~فأبطل احتجاجهم بقوله - تعالى -: (ما لهم بذلك من علم ms4045 إن هم إلا يخرصون) ~~أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة ~~الله - تعالى - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ~~ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله - ~~تعالى - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله تعالى ~~شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا، والله الموفق. # والرابع: يحتمل أنهم يقولون: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم)، وقولهم: (لو ~~شاء الله ما أشركنا)، أي: لو أمرنا الله - تعالى - بترك عبادتنا أولئك ~~الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من ~~الله - تعالى - كقوله: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها). # أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن الله - تعالى - قد رضي بذلك ~~عنا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما ~~اختاروا على أن الله - تعالى - قد رضي بذلك عنهم، فرد الله - سبحانه وتعالى ~~- بقوله: (إن هم إلا يخرصون) وبقوله: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء. . .) ~~الآية، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله - تعالى -: (سيقول الذين أشركوا ~~لو شاء الله ما أشركنا. . .) الآية، والله أعلم. # PageV09P158 # وقوله - عز وجل -: (أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) أي: ~~لم نؤتهم كتابا ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا ~~يؤمنون ولا يصدقون. # وقوله - عز وجل -: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون (22) إنهم قوم ينكرون الرسل، ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا ~~بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضا، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم ~~في القول. # وقوله - عز وجل -: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) يصبر رسوله ~~على ما قال هؤلاء: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون): أنه ~~ليس ببديع من هؤلاء؛ بل قال أوائلهم ms4046 لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره - صلى ~~الله عليه وسلم - ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم ~~بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر من هم أهدى من ~~آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عز وجل -: (قال أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آباءكم ... (24) قالوا عند ذلك: (إنا بما أرسلتم به كافرون) ~~عنادا وتعنتا منهم. # وقال بعضهم: أي: قل يا محمد: (أولو جئتكم) أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آباءكم من الدين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟ فردوا عليه وقالوا: (إنا بما ~~أرسلتم به كافرون). # وقوله - عز وجل -: (فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) هذا ~~وعيد. # ثم قال بعضهم: (فانتقمنا منهم) يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، ~~فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (فانتقمنا منهم) وذلك جائز. # وقوله: (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) يحتمل: مكذبي الرسل. # ويحتمل: مكذبي العذاب. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) ~~بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير ~~مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها ~~يتكئون (34) وزخرفا وإن كل # PageV09P159 # ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35). # وقوله: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي ~~فطرني ... (27) والإشكال: أنه - عليه السلام - تبرأ من عبادة جميع ما ~~يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله - تعالى - وهم لا يعبدون الذي ~~فطره، فكيف يستثنى من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء إنما يكون من جنس ~~المستثنى منه. # فنقول: ms4047 قال بعضهم: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ ~~لأن فيهم من عبد الذي فطره، وهو الله - تعالى - فلو تبرأ من عبادة جميع ما ~~يعبدون على الإطلاق لصار متبرئا عن عبادة الله - تعالى - لذلك استثنى عبادة ~~الله، والله أعلم. # لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله - تعالى - وهو الذي ~~فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي ~~فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ~~ذلك، والله أعلم. # ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون ~~فيهم من يعبد الله - تعالى - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئا من ذلك لو ~~تبرأ ممن يعبدون جميعا، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام ~~والأوثان دون الله - تعالى - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى؛ ~~لقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله)، فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، ~~والله أعلم. # ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعا وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، ~~معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ ~~كقوله - تعالى -: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، وقوله - عز وجل -: (إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض)، أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى ~~التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنني براء مما تعبدون) ذكر أن هذا الحرف (براء) على ~~ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع. # وقوله - عز وجل -: (فإنه سيهدين) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى. # PageV09P160 # والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى ~~إرادة حقيقة الهدى. # فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في ~~المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان ms4048 بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ ~~لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا ~~يحتمل الأمر - أيضا - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو ~~إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند الله - تعالى - ~~لطفا، وهو ما ذكرنا: أنه من أعطى ذلك يصير مهتديا، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ~~ولو أعطاهم لآمنوا. # وقوله: (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما ~~وجد منه من التبري من غير الله - تعالى - وتحقيق عبادة الله - تعالى - ~~بقوله: (إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني) كلمة باقية، وأنه كلمة ~~التوحيد، فإن قوله: " لا إله "، نفي غير الله، وقوله: " إلا الله "، إثبات ~~ألوهية الله - تعالى - وذلك معنى قوله: (إنني براء مما تعبدون. إلا الذي ~~فطرني) وهو كقوله - تعالى -: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. . .) ~~الآية، وأجاب الله - تعالى - سؤاله في دعائه، فلم يزل في ذرية إبراهيم ~~وعقبه من يقولها، وذلك قوله - تعالى -: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا ~~بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). # والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة ~~عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: (إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) أخبر أن ~~الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالما فإنه ينال عهده، وقد ~~استجاب الله دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم ~~القيامة؛ قال الله - تعالى -: (ولكل قوم هاد)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ~~(29) أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر ~~الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من ~~الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر ms4049 من تمتيعه إياهم. # PageV09P161 # وقوله - عز وجل -: (جاءهم الحق) أي: القرآن (ورسول مبين) أي: محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - بين أنه من عند الله - تعالى - جاء، وأنه رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) ~~لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول ~~الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول ~~هؤلاء: (هذا سحر وإنا به كافرون). # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~(31) ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال ~~إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند الله - تعالى - وفضل وقدر لديه، ~~ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا ~~عند ادعاء محمد - صلى الله عليه وسلم - الرسالة ونزول القرآن عليه من الله ~~- تعالى -: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وظنوا أن من ~~عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند الله ~~كذلك، قالوا: لو كان ما يقول محمد حقا: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند ~~الله، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟ فأخبر - عز وجل - أنه لم يوسع ~~الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره عنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له ~~عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند الله، ورب موسع عليه يكون مهانا ~~عنده. # وقوله - عز وجل -: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ~~ربك خير مما يجمعون (32) هو يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما ~~خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم ~~يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك ~~بينهم واختياره، وهو النبوة ms4050 والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد ~~التأويلين. # ثم قوله - تعالى -: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) دلالة في خلق أفعال الخلق؛ ~~لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، ~~وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ ~~أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيرا؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر ~~على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب ~~والاكتساب كانت عليه أوسع؛ دل ذلك على أنه لو كان على تدبيرهم خاصة، لكانت ~~تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون ~~أضيق على من ليست له تلك الأسباب. # PageV09P162 # ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن ~~التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في ~~الدين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير، ~~لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد ~~أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض ~~على بعض في ذلك فضل ولا درجة، ولأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي ~~كلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم ~~والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ~~ومنع الناس عن اتباع رسل الله - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى ~~لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ~~ذلك، وكان ذلك أصلح في الدين؛ فدل أن الله تعالى قد يترك ما هو الأصلح لهم ~~في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين. # وقوله - عز وجل -: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا). # قال بعضهم: قوله: (سخريا) -بكسر السين-: الاستهزاء، وتأويله: أنه ms4051 علم ~~منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضا، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما ~~علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم ~~أنه يكون منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورحمت ربك خير مما يجمعون). # يحتمل قوله: (ورحمت ربك): النبوة؛ أي: ما اختار رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة. # ويحتمل: ما يدعوهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ويختار لهم من التوحيد ~~والدين خير مما يجمعون هم من الأموال. # ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم -وهو الجنة- ~~خير مما يجمعون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) # أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة # واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا. # في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، ~~لولا رعاية قلوب # PageV09P163 # ضعفة الإيمان، حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما ~~منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها. # وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم ~~الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال. # وفيها دلالة هوان الدنيا على الله - تعالى - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ ~~لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ ~~فدل ذلك على هوانها على الله تعالى. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على الله أن يفعل بعباده ~~إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر - تعالى - أنه لولا ما يختار أهل ~~الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو ~~كان الأصلح واجبا في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ~~ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعا أهل ms4052 كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل ~~الإيمان لا يكونون جميعا أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يعط ~~- دل أنه ليس على الله - تعالى - حفظ الأصلح لهم في الدين، ولا حفظ الأخير، ~~والله الموفق. # والأصل في قوله - تعالى -: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن. . .) الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم ~~الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر ~~النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة الفانية، ضيق ~~عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ~~ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار ~~وآثر وهو ما ذكر في قوله - تعالى -: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن. . .) الآية. بين لكل ما اختار وآثر من النعم ~~الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع ~~وأعظم قدرا منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع ~~وعظيم، والله أعلم. # ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما ~~قاله فرعون في حق موسى - عليه السلام -: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو ~~جاء معه الملائكة مقترنين)، أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه ~~والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل ~~كافر مثل ما # PageV09P164 # فعل في حق فرعون وأمثاله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك ~~للمتقين (35) أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على ~~نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، والله المستعان. # قال القتبي: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب ~~إلى السماء أو طرف، (عليها يظهرون) أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت ms4053 ~~سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عوسجة: المعارج: المصاعد، والمعراج: ~~الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين. # وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت). أي: زينتها وحسنها، والسقف: جمع السقف، وهو سمك البيت. # * * * # قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) ~~وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ~~ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم ~~أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ~~ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي ~~وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط ~~مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44) # وقوله - عز وجل -: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا). # قال بعضهم: (يعش) أي: يعرض عن ذكر الرحمن. # وقال بعضهم: (يعش) أي: يعمى بصره، ويضعف عن ذكر الرحمن؛ أي: يعمى عنه ولا ~~يقبله. # وقال بعضهم: عشى يعشو من عمى البصر وضعفه، وعشى يعشى من الإعراض. # وقال أبو عبيدة: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) أي: يظلم بصره. # وقال الفراء: (ومن يعش) أي: يعرض عنه، (ومن يعش) بنصب الشين أي: يعمى # PageV09P165 # عنه. # وقال أبو عوسجة: (يعش) أي: يجاوز، وإن شئت جعلته من العشى، وهو ظلمة ~~البصر، وإن شئت جعلته من التعاشي، وهو التعامي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عن ذكر الرحمن): القرآن. # ويحتمل: التوحيد والإيمان. # ويحتمل: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (نقيض له شيطانا فهو له قرين). # قال بعضهم: نقيض: نقدر، والتقييض: التقدير؛ يقال: قيض الله لك خيرا، أي: ~~قدره، وهو قول أبي عوسجة. # وقال بعضهم: نقيض: أي: نهيئ له شيطانا ويضم إليه (فهو له قرين)، والأصل ~~في ذلك أن من آثر معصية الله واختارها على طاعته كانت لذته وشهوته في ذلك، ~~فالشيطان حيث اختار معصية الله على طاعته صارت لذته في ذلك، وعلى ذلك من ms4054 ~~اتبعه فيما دعاه، وأجابه إلى ما دعاه إليه صارت لذته في ذلك، قارنه ولازمه ~~في ذلك ليكونا جميعا في ذلك في الدنيا والآخرة؛ على ما ذكر في آية أخرى: ~~(احشروا الذين ظلموا وأزواجهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وإنهم ليصدونهم عن السبيل ... (37) السبيل المطلق هو ~~سبيل الله، والدين المطلق هو دين الله، والكتاب المطلق هو كتاب الله. # وقوله - عز وجل -: (ويحسبون أنهم مهتدون) كانوا يحسبون أنهم مهتدون؛ لأن ~~الشياطين كانوا يزينون لهم ويقولون: إن الذي أنتم عليه هو دين آبائكم ~~وأجدادكم، ولو كانوا على باطل لا على حق ما تركوا على ذلك، ولكن أهلكوا ~~واستؤصلوا، فإذ لم يهلكوا وتركوا على ذلك ظهر أنهم كانوا على الحق والهدى؛ ~~كانوا يموهون لهم ويزينون كذلك، وظنوا أنهم على الهدى كما يقول لهم ~~الشيطان، والله الهادي. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا [جاءانا] (1) ... (38) أي: الكافر وقرينه في ~~الآخرة (قال) الكافر (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) يحتمل ~~أن يقول في الآخرة: يا ليت كان بينك وبيني في الدنيا بعد المشرقين؛ حتى لم ~~أكن أراك ولم أتبعك. # ويحتمل أن يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين في الآخرة. # ثم قوله - عز وجل -: (بعد المشرقين). # قال بعضهم: ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء. PageV09P166 # وقال بعضهم: يحتمل: أي: بعد المشرق والمغرب، لكن ذكر باسم أحدهما، كما ~~يقال: عمرين، وأسودين؛ سماهما باسم واحدهما؛ لأن الأسود منهما واحدة، وهي ~~الحية دون العقرب، والمراد من عمرين: أبو بكر وعمر، فعلى ذلك قوله: (بعد ~~المشرقين). # وقوله: (فبئس القرين) حيث ألجأه وألقاه في النار والإهلاك؛ لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولن ينفعكم اليوم ... (39) أي: لا ينفعكم في الآخرة ~~الاعتذار (إذ ظلمتم) في الدنيا؛ أي: وضعتموها غير مواضعها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أنكم في العذاب مشتركون) ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين ~~(40) ولا يملك هداية من كان في ضلال مبين. # ثم معلوم أنه لم يرد بالهدى هداية البيان، ولا إسماع الآذان؛ لأن ms4055 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يملك ذلك كله، وقد فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولكنه أراد الهداية التي لا يملكها إلا هو، والإسماع الذي ~~لا يملكه غيره، وهو التوفيق والعصمة والرشد الذي إذا أعطي من أعطي اهتدى؛ ~~يذكر عجز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وهو على المعتزلة؛ لأنه ~~أخبر أن عنده لطائف وأشياء لم يعطها كل أحد، إنما أعطى بعضها دون بعض، فمن ~~أعطاه تلك اللطائف اهتدى، وهو ما ذكرنا من التوفيق والعصمة، وعلى قولهم ليس ~~عند الله شيء يملك به هدايتهم؛ لأنهم يقولون: قد أعطى كل كافر ما لو أراد ~~الكافر أن يهتدي يصير مهتديا بذلك، ولم يبق عنده شيء يملك بذلك هدايتهم؛ ~~فعلى قولهم عجزه - تعالى - عن ذلك كعجز رسول الله عن ذلك، وهو إنما ذكر ذلك ~~إعلاما أنه هو المالك لذلك دون عباده، ومعلوم أنه إنما ذكر على الربوبية ~~والألوهية له في ذلك، والله الموفق. # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي) إنما ذكر ~~لإياس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إيمان قوم علم الله - تعالى - ~~أنهم لا يؤمنون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي ~~وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فيه دلالة منع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم، ثم المنع فيه من وجهين: # أحدهما: النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأل متى ينزله عليهم؟ # PageV09P167 # والثاني: النهي عن استعجاله؛ كقوله: (ولا تستعجل لهم)، كأنه يقول: ليس ~~ذلك إليك، إنما ذلك إلي: إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك، وإن شئت أمتك ~~ولم أرك شيئا من ذلك، وهو كما قال: (ليس لك من الأمر شيء. . .) الآية. # وقال قتادة في ذلك: إن الله - تعالى - أذهب نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبقى النقمة بعده، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه، وليس نبي أو ~~رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير ms4056 نبيكم، عافاه الله - تعالى - عن ذلك، ~~ولا أراه إلا ما يقر به عينه، قال: وذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أري الذي تلقى أمته من بعده، فما زال إلا منقبضا ما استشاط ضحكا حتى ~~لحق بالله تعالى. # وقال الحسن قريبا من قول قتادة في قوله - تعالى -: (فإما نذهبن بك فإنا ~~منهم منتقمون) قال: أكرم الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يريه في أمته ما يكره، ورفعه الله - تعالى - وبقيت النقمة. # وقوله - عز وجل -: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) ~~الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثلاثة: # أحدها: القرآن، وهو الظاهر من الوحي إليه. # والثاني: وحي بيان، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض ~~على لسان الملك جبريل أو غيره؛ على ما أراد الله تعالى. # والثالث: وحي إلهام وإفهام، كقوله - تعالى -: (لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله)، وما أراه الله - تعالى - هو ما ألهمه وأفهمه أمره - عز وجل - ~~بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان، وما هو إفهام، ~~وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله، ويبشره في ذلك ~~كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم؛ حيث قال: ~~(فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم). # وقوله - عز وجل -: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون (44) جائز أن يكون ~~المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه؛ فإن قوله: (وإنه) كناية عن قوله: ~~(بالذي أوحي إليك) أي: جميع ما # PageV09P168 # أوحي إليه شرف له ولقومه؛ لما اختصه واختاره بذلك من بين غيرهم، والله ~~أعلم. # ويحتمل أن يكون المراد من الذكر حقيقة الذكر؛ أي: ما أوحي إليه ذكر له ~~ولقومه، يذكر لهم ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، والله أعلم. # وقوله: (وسوف تسألون) يحتمل: وسوف تسألون بشكر ما أوحي إليك، وأن يصير ما ~~أوحي إليك ذكرا لك ولقومك، وعن القيام بشكر ذلك. # ويحتمل: (وسوف ms4057 تسألون) القيام بأوامر جميع القرآن وفيما أوحي إليه. # ويحتمل: (وسوف تسألون) من كذبه؟ على ما يقول بعض أهل التأويل. # أو (وسوف تسألون) أشكرتم تلك النعمة أم لا؟ # ويحتمل (وسوف تسألون) يوم القيامة عن القرآن هل عملتم بما فيه؟ والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ~~آلهة يعبدون (45) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملإه فقال إني رسول ~~رب العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا ~~أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم ~~العذاب إذا هم ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو ~~مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين (53) فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) # وقوله - عز وجل -: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون) والإشكال: أن ما كان عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من آيات صدقه أظهر من أمره أن يسأل من أهل الكتاب؛ إذ آيات صدقه ~~معجزات عجزت الكفرة عن إتيان مثلها، وليس مع من أمره بالسؤال عن ذلك آيات ~~المعجزات، فما معنى السؤال له من أهل الكتاب عن ذلك؟ فنقول: أمره - عز وجل ~~- إياه بالسؤال عنهم يخرج على وجهين: # أحدهما: يسألهم سؤال توبيخ وتعيير، وسؤال تقرير وتنبيه: هل أتى رسول من ~~الرسل - عليهم السلام - الذين أرسلوا من قبلك أو كتاب بالأمر بعبادة غير ~~الله؟ فيقرون جميعا أنه لم يأت رسول بإباحة ذلك، ولا أمر أحد منهم بذلك. # والثاني: أن هذا أمر لغيره أن يسألهم، وإن كان ظاهر الأمر والخطاب له؛ ~~لما ذكرنا أن # PageV09P169 # أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أولئك، وهو ms4058 كقوله: (يبلغن عندك الكبر. . .) ~~إلى قوله: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما)، وكقوله: (فلا تكونن من ~~الممترين)، و (المشركين)؛ إذ معلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا. . .) ~~الآية؛ أي: لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعا: لم يرسل بأمر بعبادة غير الله - ~~تعالى - والله أعلم. # وحكاية على هذا -وليس من نسخة الأصل- سمعت مفسرا ببخارى يقول: نزلت هذه ~~الآية ليلة المعراج ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل بيت المقدس ~~رأى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - مجتمعين، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين، ~~فقام جبريل - عليه السلام - من الصف وقال: يا محمد (واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا). # وقوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملإه ... (46) ~~قد ذكرنا آيات موسى - عليه السلام - التي أتى بها في غير موضع، وفيه الأمر ~~بتبليغ الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (فقال إني رسول رب العالمين)، وفيه أن التقية لا تسع ~~للرسل - عليهم السلام - في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك. # وقوله - عز وجل -: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) هكذا ~~عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا ~~منهم، واستهزءوا بهم؛ كقوله - تعالى -: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين ~~آمنوا يضحكون. . .) الآية. # وقوله: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم ~~يرجعون (48) # قال بعضهم: إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي ~~تقدمت؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة؛ حيث قالوا: (ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك)، ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك ~~أعظم. # وقال بعضهم: (إلا هي أكبر من أختها) وكانت اليد أعظم وأكبر من العصا؛ لأن ~~العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من ~~الجواهر، ولم يتهيأ لهم ms4059 تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى - عليه # PageV09P170 # السلام - دل أن آية اليد أكبر من آية العصا، والله أعلم. # وقال بعضهم: هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا، ولكن ~~وصف الكل بالعظم والكبر؛ كقوله - تعالى -: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا)، ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر، ولكن وصف قرب كل ~~واحد منها من الآخر على السؤال، وكما يقال في العرف: إن أفراس فلان كل واحد ~~أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر، وأنه لا يراد بذلك ~~الترجيح، ولكن إثبات المخبر عنه؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (وما نريهم من ~~آية إلا هي أكبر من أختها) وصف لهما جميعا بالكبر، والله أعلم. # ثم ذكر قوله - تعالى -: (فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون) وغير ~~ذلك من أمثاله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصبره على أذى قومه، ~~وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه، والضحك بما أتاهم من ~~الآيات والحجج على رسالته، وعلى ذلك ما قال: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك) أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية ~~فؤاده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون (49) والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحرا وكانوا يطلبون منه أن يدعو ~~ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟ # فنقول: روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: سموه: ساحرا؛ لأن الساحر ~~عندهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته؛ لذلك قالوا: يا ~~ساحر، ادع لنا ربك، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ~~ربه ليكشف عنهم العذاب، ثم يسمونه: ساحرا ويعنون به: سحرا للكذب والباطل، ~~والله أعلم. # وقال مقاتل: إنهم قالوا: (يا أيه الساحر ادع لنا ربك) قال لهم موسى - ~~عليه السلام -: كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم، وقد تسمونني ساحرا، ~~فرجعوا عن ذلك فقالوا: (يا موسى ادع لنا ms4060 ربك بما عهد عندك)؛ على ما ذكر في ~~سورة الأعراف: الآية، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قولهم: (يا أيه الساحر ادع لنا ربك) سموه: ساحرا على ما ~~كان عندهم أنه ساحر، فيقولون: إنك ساحر، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز؛ ~~فعند ذلك # PageV09P171 # نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول؛ فنؤمن بك. # ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا، وما أتى به موسى مما يبلغ ~~السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره، ويستفاد بالسحر مثله، لكن سألوا منه أن يسأل ~~ربه ما ذكروا؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر، ولا يجاب ~~إلا للرسول والذي على الحق، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك، والله أعلم. # ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه ~~على الأتباع؛ كقوله: (مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها)، فالآية لا يسحرهم ~~بها؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام، فإذا كان آية لا يسحرهم ~~بها، ولا تكون سحرا، وإذا كان سحرا لا يكون آية، فكانت عامة أقوالهم خرجت ~~على التناقض؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن، فعلى ذلك يحتمل هذا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بما عهد عندك) قد كان الله - عز وجل - عاهد موسى - ~~عليه السلام - لئن آمنوا، أكشف عنهم العذاب، فلما دعا وكشف عنهم العذاب، لم ~~يؤمنوا، والله أعلم. # ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيا واختصه لرسالته. # ويحتمل قوله - تعالى -: (بما عهد عندك) على الإضمار؛ كأنهم قالوا: ادع ~~لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون، وهو ~~قوله - تعالى - في آية أخرى: (لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك)، ألا ترى أنه ~~قال: (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) أي: ينقضوا ما عهدوا، ~~وعهدهم ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) يقول اللعين هذا مقابل ما ms4061 ادعى موسى ~~- عليه السلام - من الرسالة، يموه بذلك على قومه وأتباعه؛ أي: لئن كان الله ~~أرسل رسولا، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى؛ ولذلك قال: (أم أنا خير من ~~هذا الذي هو مهين) أي؛ ضعيف لا مال له، ولا حشم، ولا تبع، (ولا يكاد يبين) ~~حجته، وكذلك قال: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) كما ألقي علي، وكما ~~أعطاني من المال والذهب. # أو يقول: إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا، فإذ ~~لم يؤته شيئا من ذلك فليس برسول. # أو يقول؛ إنه لو كان رسولا كما يقول، لألقى الله عليه من الأساورة ما ~~ألقيت أنا على # PageV09P172 # أتباعي وحشمي، ونحوه. # وكان فرعون لا يزال يموه أمر موسى - عليه السلام - على قومه، من ذلك ~~قوله: (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره)، ومنه قوله: (إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر)، ونحو ذلك كثير، فعلى ذلك هذا منه تمويه على قومه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يكاد يبين (52). # قال بعضهم: أي: لا يكاد يبين حجته؛ لما في لسانه عقدة ورتة؛ يقول: عيي ~~اللسان. # وقال بعضهم: إن فرعون لا يعني ذلك؛ لأن الله - تعالى - قد أذهب تلك ~~العقدة والرتة التي في لسانه حين دعا وسأل ربه بقوله: (واحلل عقدة من ~~لساني. يفقهوا قولي)، وقد أجاب الله دعاءه؛ حيث قال: (قد أوتيت سؤلك يا ~~موسى)، ولكن أراد - والله أعلم -: لا يكاد يبين حجته؛ أي: ليس يأتي بحجة ~~تأخذ القلوب. # وقال القتبي في قوله: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) قال: أما أنا خير ~~منه؟ وقال أهل التأويل: أنا خير منه. # وجائز أن يكون قوله: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) موصولا بقول فرعون ~~حيث قال: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) أنا خير ~~منه بأن لي ملك مصر، وليس لموسى - عليه السلام - ذلك؛ على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة ~~مقترنين (53) هذا القول منه ms4062 يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: إن كان موسى يدعي الملك في الدنيا ويطلبه فهلا ألقي عليه ~~أساور من ذهب كما يلقى للملوك من الأساور، والتاج، وغير ذلك، وإن كان يدعي ~~الرسالة لنفسه فهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ ولا يزال الكفرة يطلبون من ~~الرسل الآيات على وجه يتمنون هم ويشتهون، فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما ~~يتمنون ويشتهون، ولكن على ما أراد الله تعالى. # والثاني: يجمع الأمرين جميعا فيقول: إنه يدعي الرسالة، والرسول معظم عند # PageV09P173 # المرسل، فيقول: إن كان ما يقول حقا فهلا ألقي عليه الأساور تعظيما، وهلا ~~كان معه الملائكة مقترنين؛ تعظيما له وإجلالا، والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) أي: هلا سور؟ لأن ~~الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوروه، أو جاء معه الملائكة مصدقين له بالرسالة. # قال القتبي وأبو عوسجة: أساور وأسورة جمع السوار، ورجل أسوار؛ أي: رامي، ~~وقوم أساورة، وإنما سمي الرامي: أسوارا؛ لأنه إذا أجاد الرمي جعل في يده ~~سوارا من ذهب. # وقوله - عز وجل -: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) # قال بعضهم: أي: فاستخف بقومه واسترذلهم فأطاعوه. # وقال بعضهم: (فاستخف قومه فأطاعوه) أي: استرذلهم واستفزهم بالخروج على ~~أتباع موسى وطلبه فأطاعوه، وذلك أنه أمرهم بالخروج معه في طلب موسى لما خرج ~~من عندهم نحو البحر، فأطاعوه في ذلك، وخرجوا معه في طلبه، حتى أصابهم ما ~~أصابهم؛ وكأن هذا أشبه وأقرب، والله أعلم. # وقوله: (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم ~~على ذلك؛ لأن ظاهر قوله - تعالى -: (آسفونا) أي: أغضبونا، وصفة الغضب على ~~الحدوث لله - تعالى - لا تجوز، فكأن المراد منه: ظهور أثر الغضب استوجب ~~العذاب، والله أعلم. # والثاني: (فلما آسفونا) أي: أغضبوا أولياءنا (انتقمنا منهم)؛ أي: سلطنا ~~عليهم بدعاء أولئك الأولياء. # أو ننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله - تعالى -: (يخادعون ~~الله)، أي: يخادعون أولياء الله؛ فعلى ذلك هذا. # وقوله: (فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين ms4063 (56) هو يخرج على وجهين: # أحدهما: جعلناهم في العقوبة سلفا للمتأخرين ومثلا للمؤمنين؛ أي: عبرة ~~لهم، وهو كقوله: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين). # PageV09P174 # والثاني: جعلناهم سلفا ومثلا للآخرين في العظة والانزجار لهم؛ ليمتنعوا ~~عن مثل ما فعلوا خوفا عن الوقوع فيما وقعوا، والله أعلم. # وقال القتبي: (فجعلناهم سلفا) بالرفع والنصب، وهو من التقدم؛ أي جعلناهم ~~قدما تقدموا، مثل: خبث، وخبث، وثمر، وثمر. # وكذلك يقول أبو عوسجة؛ وقال: السلف: الخيرات، والجميع: سلوف. # * * * # قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا ~~أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا ~~عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ~~ملائكة في الأرض يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا ~~صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى ~~بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا ~~الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) ~~فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) # وقوله - عز وجل -: (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون) اختلف ~~فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام: # قال بعضهم: لما نزل قوله - تعالى -: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون) فقال أولئك الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن ~~عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهؤلاء جميعا في النار إذن؛ ~~لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم ~~معنا، وهو ما ذكروا على إثره: (أآلهتنا خير أم هو) يعنون بقولهم: (هو): ~~عيسى - عليه السلام - فذلك منهم يخرج على وجهين: # أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى - عليه السلام - ومن عبد من هؤلاء دون الله ~~في النار رضينا أن تعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى - عليه ~~السلام - وهؤلاء الذي عبدوا ms4064 دون الله من الملائكة وغيرهم. # والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي ~~نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير. # فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه ~~جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن. # PageV09P175 # والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي ~~نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أولئك، والله أعلم. # فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق ~~في النار تعذيبا لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق ~~بالنار تعذيبا لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أربابا دون الله فلا، وإنما ~~تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصفر؛ لزيادة تعذيب ~~العبدة؛ كقوله - تعالى -: (وقودها الناس والحجارة)، مع أنه لا جناية من ~~الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، ~~وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال ~~الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى ~~لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، والله أعلم. # وبعد: فإن في الآية بيانا على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصبا للنار ~~راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله: ~~(إنكم وما تعبدون من دون الله. . .) الآية، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا ~~الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل ~~عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، والله أعلم. # على أن في الآية بيانا - أيضا - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، ~~فإنه قال: (وما تعبدون من دون الله)، وكلمة " ما " تستعمل في غير العقلاء ~~من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء. # وعلى أن في الآية بيانا من وجه آخر - أيضا - على أنهم غير مرادين بها، ~~فإنه استثنى وخص بقوله - تعالى -: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون)، أخبر أن ms4065 من سبقت له منه الحسنى يكون مبعدا عنها، ولا شك أن ~~عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف ~~تلك الآية إليهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله. . .) الآية # ، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن ~~من عبد دون الله أحدا إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان ~~يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله - تعالى -: ~~(يحشرهم وما يعبدون من دون الله)، وقال إبراهيم لأبيه: (يا أبت لا تعبد ~~الشيطان) # PageV09P176 # ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئا دون الله إنما يعبده ~~بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة ~~الكفار فيما خاصموا، والله أعلم. # وقال بعضهم: ضرب المثل لعيسى - عليه السلام - هو أن الله - تعالى - لما ~~ذكر عيسى - عليه السلام - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما أردت بذكر عيسى؟ وقالوا: إنما يريد محمد أن نحبه كما ~~أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: (أآلهتنا خير أم هو) فلا يصنع محمد ذلك ~~بآلهتنا، فوالله لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال الله - عز وجل -: (ما ~~ضربوه لك إلا جدلا) أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه ~~- أعني: عيسى - لا من قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن قومه قد ~~اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ~~ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، ~~فيكون قوله: (ولما ضرب ابن مريم مثلا) قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: ~~(إذا قومك منه يصدون) أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، والله أعلم. # أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ ms4066 لما لا حاجة إلى ~~ذلك، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (إذا قومك منه يصدون) قرئ برفع الصاد وكسرها. # قال القتبي وأبو عوسجة: (يصدون) بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو ~~التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم ~~قوم خصمون (58) هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ~~(59) أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولودا من غير والد، ولما كان ~~يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في ~~المهد، وغير ذلك من الآيات # PageV09P177 # التي كان خص بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة ... (60) على وجهين: # أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء ~~الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء ~~الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء. # والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ~~ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم ~~يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة ~~من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ~~ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن ~~أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ~~ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما ~~يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفها، فافترق ~~الأمران، والله الموفق. # ثم قوله - تعالى -: (ملائكة في الأرض يخلفون) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضا، قرنا عن قرن بالتناسل والتوالد؛ ~~كالبشر يخلف بعض بعضا، ms4067 قرنا عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة ~~توالد ولا تناسل. # والثاني: (يخلفون) أي: يكونون خلفا وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإنه لعلم للساعة ... (61) وعلم للساعة كلاهما قد ~~قرئا، ثم اختلف في ذلك: # فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علما للساعة وآية لها؛ ~~فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) كأنه ~~قال: (وجعلناه مثلا) أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضا - ~~علما للساعة. # وقال بعضهم: قوله: (وإنه لعلم للساعة) أي: محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وما أنزل عليه من القرآن # PageV09P178 # علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال: " أنا والساعة كهاتين " ~~وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه الله - تعالى - عند قرب الساعة، فهو ~~علم للساعة. # ثم قراءة (علم للساعة) بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن ~~قرأ (علم للساعة) بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة. # وقوله: (فلا تمترن بها) أي: لا تشكن بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ~~ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله - تعالى -: (فقد جاء أشراطها)، أي: ~~أعلامها؛ أي: محمد، عليه أكمل التحيات. # وقوله - عز وجل -: (واتبعون هذا صراط مستقيم)، فإن كان قوله: (وإنه لعلم ~~للساعة) هو محمد - صلى الله عليه وسلم - فكأنه قال - عليه السلام -: أنا ~~علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا وعليه السلام - ~~يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل. # وقوله: (ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62). # يحتمل قوله - تعالى -: (ولا يصدنكم الشيطان) عن الإيمان بالساعة وكونها؛ ~~فإنه عدو مبين. # ويحتمل: لا يصدنكم عن محمد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين ~~بين عداوته إياكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين ~~لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63). # قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص، والإنباء بما ms4068 يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك. # والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تلزمهم التصديق ~~بهم: # أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل ~~على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد الله - تعالى - ~~وتنزيهه عما لا يليق به، والله أعلم. # والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم ~~تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ ~~عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، ~~والله أعلم. # والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد ~~والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها. # PageV09P179 # فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قد جئتكم بالحكمة). # قال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب ~~والحكمة؛ حيث قال: (وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل). # ثم جائز أن يكون الكل واحدا. # وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو ~~والمكتوب من المعنى، والله أعلم. # ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ~~ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه). # قال بعضهم: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضا ~~ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من ~~المواضع: الخطاب للرسول - عليه السلام - والمراد بذلك أمته. # ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل. # ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم ~~باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن ~~قال: (بعض الذي تختلفون فيه)، فهو في الظاهر على الاستقبال. # والثاني: يقول: أبين لكم ms4069 الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك ~~الأصول، والله أعلم. # والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون ~~الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاتقوا الله وأطيعون) فيما آمركم به وأدعوكم إليه ~~وأنهاكم عنه. # ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) ~~ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم # PageV09P180 # قدره عند الله وجلت صولته عنده فإنه لا يخرج من العبودة، وأنه عبد الله، ~~ليس بإله، ولا ابن له، على ما زعم أولئك الكفرة، والله الهادي. # وقوله - عز وجل -: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب ~~يوم أليم (65). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون حرف " من " صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، ~~والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين (فاختلف الأحزاب من بينهم) أي: ~~اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان ~~الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك ~~سماعا من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ ~~حيث قال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات)، ~~وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ~~ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضا - الخوارج في ~~زمن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، ~~وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك ~~دلالة الرسالة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه ذكر - عز وجل - في ~~كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: (أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. . .) الآية، وقال في ارتدادهم: (يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ms4070 فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)، هذا ~~في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال في علي - رضي الله عنه -: (إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الآية، وقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل " يعني: عليا - ~~رضي الله عنه - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين ~~من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ~~ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة ~~حزب الله وأهل توحيده على أولئك؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج ~~على ما أخبر - صلى الله عليه وسلم - وذكر في المستقبل، والله أعلم. # ثم إن الله - عز وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع ~~بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أولئك فقال: (فاختلف الأحزاب ~~من بينهم) والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما ~~تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) هي ظاهرة. # PageV09P181 # قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) ~~الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما ~~كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73). # وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) أي: فجأة (وهم ~~لا يشعرون) وبإتيانها وقيامها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67). # يحتمل قوله: (إلا المتقين): الموحدين، فتكون خلة أهل الكفر فيما بينهم في ~~الدنيا عداوة في الآخرة؛ لقوله: (يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا)، وما ذكر في غير آي من القرآن من لعن بعضهم بعضا، وتبرؤ بعضهم عن ~~بعض، كقوله - تعالى -: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ms4071 اتبعوا. . .) الآية، ~~وأما خلة الموحدين المؤمنين فيما بينهم فهي خلة في الدارين جميعا؛ هذا ~~يحتمل، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) استثنى ~~خلة من اتقى النار بنفسه ووقى صاحبه - أيضا - بما أمره بالطاعات لله - ~~تعالى - والقيام بالخيرات، وزجره عن معاصيه ومخالفة أمره، كقوله - تعالى -: ~~(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، أمرهم بوقاية أنفسهم ~~وأهليهم نارا، وإنما يتقون تلك النار بالقيام بالأسباب التي أمروا بالقيام ~~بها، والامتناع والانتهاء عما نهوا عنها وزجروا منها، فكل خلة فيما بين ~~المؤمنين على هذا الوجه فهي خلة ومودة في الدارين جميعا، لا تصير عداوة؛ ~~لأنها لله - تعالى - وطلب مرضاته، فأما الخلة التي تكون فيما بينهم للدنيا ~~فهي تصير عداوة - أيضا - على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقد روي في الخبر عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الأخلاء ~~أربعة: مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم ~~أر خليلا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هداني وأمته على ~~ما أمتني؛ فإنه كان يأمرني بالمعروف والخيرات والطاعة لك، وينهاني عن ~~المنكر والشر والمعصية لك، ومات أحد الكافرين، فيسأل عن خليله، فقال: اللهم ~~لم أر خليلا آمر بمنكر ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضلني، وأمته ~~كما أمتني، قال: ثم يبعثون يوم القيامة، فقال: لعن بعضكم على بعض، # PageV09P182 # فأما المؤمنان فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء حسنا، أما الكافران ~~فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء قبيحا ". # وعلى هذا السبيل روي هذا الحديث عن علي رضي الله عنه. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: أحب في الله، وأبغض في الله، ~~وواد في الله، ووال في الله، فإنما ينال ولاية الله في ذلك، لا ينال ما عند ~~الله إلا بذلك، وقال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه ~~وصدقته، حتى يكون كذلك، وقد صار عامة مؤاخاة الناس اليوم، ولكن لا تجزئ عن ~~أهله ms4072 شيئا، ثم قرأ: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقرأ: (لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. . .) ~~الآية، فقول ابن عباس يومئ إلى أن كل خلة ومؤاخاة فيما بين المؤمنين للدنيا ~~فهي تصير عداوة في الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) أي: ~~لا خوف عليكم خوف الغير، كقوله - تعالى -: (لا يبغون عنها)، (ولا أنتم ~~تحزنون) أي: لا خوف عليكم خوف الأحوال؛ أي: لا حزن لهم في حال كونهم فيها، ~~ولا لهم فيها خوف غير ذلك، ولا زواله عليهم؛ لأن خوف الزوال مما ينغص صاحبه ~~النعمة التي هي له؛ يخبر أن ذلك دائم باق لا زوال له ولا فناء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) والإشكال: ~~أنه سماهم مؤمنين مسلمين بالآيات، والإيمان والإسلام يكون بالله تعالى. # فنقول: لأن الإيمان هو التصديق -في اللغة- بما أنبأت الآيات بوحدانية ~~الله وألوهيته؛ لأن جهة سبيل معرفة الله تعالى وطريق العلم به إنما هو ~~بالآيات والحجج التي أقامها على ذلك، ليس من جهة العيان والمشاهدة؛ ~~فالإيمان بالآيات والتصديق بها تصديق بالله حقيقة وإيمان به، والله أعلم. # وقوله: (وكانوا مسلمين) ظاهر هذا يوهم أن الإيمان والإسلام غيران، لكن ~~هذا من حيث ظاهر العبارة، فأما في الحقيقة هما يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن ~~الإسلام هو جعل كل شيء لله - تعالى - سالما، لا يشرك فيه غيره؛ كقوله - ~~تعالى -: (ورجلا سلما لرجل) # PageV09P183 # أي: خالصا سالما، لا حق لأحد فيه سواه، والإيمان هو الوصف له بالربوبية ~~في كل شيء، ومعناهما في الحاصل والتحقيق يرجع إلى معنى واحد؛ لأنك إذا ~~وصفته بالألوهية والربوبية جعلت كل شيء لله سالما، وإذا جعلت كل شيء لله - ~~تعالى - سالما وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء؛ فدل أن حاصل الإيمان ~~والإسلام واحد، وإن كانا من حيث ظاهر العبارة مختلفين، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يحتمل ~~الأزواج من وجهين: # أحدهما: الأزواج المعروفة؛ وهي الأهل؛ ms4073 لما وقوهم في الدنيا عن الأسباب ~~التي بها يستوجبون النار؛ كقوله - تعالى -: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا). # ويحتمل الأزواج التي ذكر: القرناء، والأشكال الذين أعانوا على الأعمال ~~الصالحة التي بها نالوا الجنة كقوله - تعالى -: (احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم)، أزواجهم - هاهنا - قرناؤهم الذين أعانوهم على ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تحبرون). # قال أبو عوسجة والقتبي: أي تسرون، والحبرة: السرور. # وقال بعضهم: (تحبرون) أي: تكرمون وتنعمون، وهو ما ذكرنا؛ أي: ليس عليهم ~~خوف الزوال والفناء ولا حزن الحال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71). # يحتمل ذكر الصحاف من الذهب والأكواب وجوها: # أحدها: ذكر ذلك لهم في الآخرة؛ ترغيبا لهم فيها، وتحريضا لما يرغبون بمثل ~~ذلك إلى السعي للآخرة، والله أعلم. # والثاني: يحتمل إنما ذكر ذلك؛ لأن أهل الدنيا كانوا يتفاخرون بهذه ~~الأشياء في الدنيا، فيخبر أن لأوليائه ذلك في الآخرة، وذلك دائم، وهذا فان، ~~ولا عبرة للفاني؛ فلا معنى للافتخار به. # ويحتمل أنه ذكر ذلك؛ لأنه حرم عليهم الانتفاع في الدنيا باستعمال الذهب ~~والفضة والحرير، فأخبر أن لهم الانتفاع بذلك في الآخرة التي هي دار التنعم، ~~فأما ما سوى ذلك من الفرش والأواني فإنه لا بأس بذلك، وهو مباح في الدارين ~~جميعا. # PageV09P184 # وأما ذكر الأكواب يحتمل للترغيب؛ على ما ذكرنا؛ لأنهم يتمنون ويرغبون ~~فيها في الدنيا. # والثاني: يخبر أن لا مؤنة عليهم في حمل الأواني ورفعها عند الشرب والأكل، ~~ولا يتولون ذلك بأنفسهم، لكن الخدم هم الذين يتولون سقيهم. # الصحاف: جمع الصحفة؛ وهي القصعة التي ليست بضخمة، والأكواب: الأباريق ~~التي لا عرا لها ولا خراطيم، واحدها: كوب، ويقال: كيزان لا عرا لها؛ قاله ~~أبو عوسجة والقتبي. # وقوله - عز وجل -: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) فذلك في الجنة ~~ليس كنعيم الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يشتهي شيئا ولا تلذ به العيون والله ~~أعلم. # ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك في الآخرة؛ لما منعوا وحرموا في الدنيا ما اشتهت ~~أنفسهم ms4074 الانتفاع به والتلذذ؛ عوضا وبدلا عما كفوا أنفسهم في الدنيا عن ~~الانتفاع بذلك، وإعطاء الأنفس، أو حرموا ومنعوا وحيل بينهم وبين ذلك وما ~~تلذ به الأعين لما غضوا أبصارهم في الدنيا عما لا يحل والله أعلم. # وقوله: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) أن الله بفضله ~~عود عباده لما كان منه من الإحسان والإنعام، كأن ذلك كله منهم إليه، فضلا ~~منه؛ حيث نسب الجنة التي يعطيهم إلى أعمالهم التي عملوها، وإن كانوا لا ~~يستوجبون الجنة وما فيها بالأعمال حقيقة؛ فلذلك ما ذكر في الخبر عن نبي ~~الله أنه قال: " لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله "، قيل: ولا أنت يا رسول ~~الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته "، أخبر أن لا أحد يدخل ~~الجنة إلا برحمته، لكنه نسب الجنة التي يعطيهم وما ذكر من الثواب إلى ~~أعمالهم؛ فضلا منه وإنعاما، وكذلك ما ذكر من قوله - تعالى -: (إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)، ذكر أنه اشترى أنفسهم ~~وأموالهم بالجنة يعطيهم، وأنفسهم وأموالهم في الحقيقة له، ولا أحد يشتري ~~ملكه، وماله بمال نفسه وملكه، لكنه ذكر ذلك شراء إفضالا منه؛ كأن لا ملك له ~~في ذلك ولا حق، وكذلك ما ذكر من الإقراض له بقوله: (وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا)، ولا أحد يستقرض ماله وملكه من غيره، لكنه عاملهم معاملة من لا ملك ~~له في أموالهم وأنفسهم بما جعل لهم من الثواب والعوض؛ فعلى ذلك نسبة الجنة ~~والثواب الذي ذكر لهم إلى أعمالهم؛ إفضالا منه وإنعاما، وإن لم يستوجبوا ما ~~ذكر بالأعمال. # وقوله: (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73). # PageV09P185 # مثل هذ الوعد كأنه إنما جاء لأهل مكة، فكان لا فواكه لهم فيها ولا ثمار، ~~يخبر أن لكم في الجنة من الفواكه الكثيرة ما لا يفني، ولا ينقطع، (منها ~~تأكلون) تأكلون ما شئتم؛ فلا يؤذيكم ولا يضركم وإن أكثرتم. # ويحتمل إنما ذكر؛ لما عرف من رغبة الناس إلى الفواكه والثمار في الدنيا، ~~رغبهم بها في الآخرة، وحثهم ms4075 على رفع الهمم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون. وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين. ونادوا يا مالك ليقض علينا ~~ربك قال إنكم ماكثون. لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # وقوله - عز وجل -: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون). # الإجرام: هو الكسب في اللغة، والمجرم: الكاسب؛ يرجع ذلك إلى كل كاسب مما ~~جل أو دق، إلا أن الناس عرفوا أن العذاب المذكور للمجرم الخاص وهو الكافر ~~المشرك؛ فلا يجوز صرفه إلى كل كاسب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يفتر عنهم ... (75). # يذكر هذا؛ ليعلم أن النار وإن أنضجت جلودهم وأحرقتهم، لا يفتر التألم ~~عنهم بنضج الجلود، بل التوجع والتألم بعد نضج جلودهم واحتراقها على ما كان ~~قبل النضج، والله أعلم. # قال: (وهم فيه مبلسون). # قال بعضهم: المبلس: الآيس. # وقال بعضهم: المبلس: الذليل الخاضع. # وقال الزجاج: المبلس: هو الساكت عن الكلام كمن لا يرجو الفرج من نطقه؛ ~~لأن من يتكلم إنما يتكلم لفرج يرجو من نطقه أو كلام ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (وما ظلمناهم ... (76) في التعذيب الذي يعذبون، (ولكن ~~كانوا هم الظالمين)، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث عبدوا من لا يملك دفع ~~العذاب عنهم، وتركوا عبادة من يملك دفع ذلك عنهم، والله أعلم. # ويحتمل: (وما ظلمناهم) في ترك البيان عليهم، أي: لم نترك بيان ما عليهم ~~وما لهم، بل بينا لهم عاقبة السبيلين جميعا أنه إلى ذلك وذا يفضي عاقبة هذا ~~السبيل، ولكن هم ظلموا أنفسهم حيث اختاروا السبيل الذي أفضاهم إلى ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77). # PageV09P186 # كأنهم يقولون: يا مالك، سل ربك ليقض علينا بالموت، يفزعون أولا إلى ~~المؤمنين وهو قولهم: (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين)، فلما أيسوا من ذلك يفزعون إلى الله تعالى ~~يسألون الرجوع إلى المحنة؛ ليعملوا غير الذي عملوا بقولهم: (ربنا أخرجنا ~~نعمل صالحا غير ms4076 الذي كنا نعمل)، فلما أيسوا عن ذلك يفزعون إلى مالك؛ ليسأل ~~ربه؛ ليقضي عليهم بالموت، فقال: (إنكم ماكثون)، وهو ما قال - عز وجل -: (لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) هذا ~~على أثر ما ذكر؛ كقوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا)، على أثر قوله: (أولم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات. . .) الآية. # يحتمل أن يكون القولان جميعا من الله تعالى، أعني: قوله تعالى: (لقد ~~جئناكم بالحق)، وقوله - تعالى -: (إنا لننصر رسلنا)، والله أعلم. # ويمكن أن يكون العذاب جميعه من الملائكة؛ إذ جائز إضافة الرسل إلى ~~الملائكة؛ إذ هم رسل الناس رسولنا فعل كذا، والله أعلم. # ثم قوله: (لقد جئناكم بالحق). # الحق: كل ما يحمد عليه فاعله ويحمد هو بما منه ذلك الفعل، والباطل: كل ما ~~يذم عليه فاعله ويذم هو بما منه، والله أعلم. # ثم الحق المذكور يحتمل القرآن، ويحتمل الحق: ما تركوا اتباع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى ما دعاهم إليه، ويقولون: الحق هو الذي عليه ~~آباؤنا (وإنا على آثارهم مقتدون)، ثم قال: (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آباءكم)، وقال هاهنا: (لقد جئناكم بالحق) أي: جئناكم بما هو أهدى وأحق ~~مما عليه آباؤكم. # وقوله: (ولكن أكثركم للحق كارهون). # فإن قيل: كيف قال: (ولكن أكثركم للحق كارهون) وإنما خاطب به أهل النار، ~~وكانوا جميعا كارهين للحق. # نقول: إنه يخرج على وجهين: # أحدهما: أن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق، لكنهم كرهوا اتباعه والانقياد له؛ ~~عنادا منهم ومكابرة بعد ظهور الحق عندهم وتبينه لديهم؛ مخافة ذهاب الرياسة ~~عنهم وزوال مكانتهم ولم يظهر لأقلهم، ولم يعرفوا، والله أعلم. # PageV09P187 # ويحتمل أن يكون ما ذكر من كراهة أكثرهم للحق بحق الطباع؛ كان في طباع ~~أكثرهم كراهة ذلك الحق، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون أنا لا نسمع ~~سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين (81) سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما ms4077 يصفون (82) فذرهم ~~يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله ~~وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) ~~فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # وقوله - عز وجل -: (أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون). # ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمرا ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله ~~تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا)، إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر، والله أعلم. # ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من ~~الدلالة: # أحدهما: ليعلموا أن الله - تعالى - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من ~~أمر سرا؛ لأنه في ظنهم أن الله لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرا؛ ~~ولذلك قال تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم). # والثاني: فيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم ~~سرا، ثم أخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أبرموا وأحكموا من ~~الأمر؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فإنا مبرمون). # يحتمل: فإنا جازون جزاء إبرامهم. # ويحتمل: (فإنا مبرمون) أي: إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعا؛ ~~وعلى ذلك قوله: (فلله المكر جميعا)، على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما. # وقوله - عز وجل -: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ... (80). # أي: بل يحسبون على ما ذكرنا: أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب؛ ~~كأنه قال: بل يحسبون؛ ألا ترى أنه قال: (بلى ورسلنا). # PageV09P188 # وقوله: (بلى ورسلنا لديهم يكتبون). # هذا وعيد وتنبيه منه لهم؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من ~~المنكر وغيره؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، والله أعلم. # وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) له ms4078 بالتعالي ~~والتنزيه عن الولد، أي: وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس ~~له ولد، على هذا أعبد الله تعالى. # والثاني: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين، وهو من عبد يعبد، أي: أنف ~~يأنف، فيكون هذا تنزيه تصريح عن الولد، والأول تنزيه له بالكناية، هذا إذا ~~كان معنى قوله: (قل إن كان للرحمن ولد) ما كان للرحمن ولد. # ثم قوله - عز وجل -: (فأنا أول العابدين) يخرج على التأويل - أيضا - على ~~وجهين: # أحدهما: أي: لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من ~~أتبرأ عن أن يكون له ولد، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له، وهو كقوله - ~~تعالى -: (أين شركائي الذين كنتم تزعمون)، أي: أين شركائي الذين تزعمون ~~أنتم أنهم شركاء؟ وقوله تعالى: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)، أي: ~~انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله. # والثاني: يحتمل أن يقول له: قل: لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد، ~~فأنا أول من أعبده على ذلك، أو أول من أقول أنا بذلك، فإذ لم أقل بذلك وأنا ~~رسول الله، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد، وهو كقوله - تعالى ~~-: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء)، أي: لو كان يجوز ~~أن يريد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ممن عنده وممن شاء، لا مما هو عندكم ومما ~~تختارون أنتم، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولدا. # وقال بعضهم في قوله - تعالى -: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) ~~يقول: كما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس للرحمن ولد؛ كقول الرجل: لو ~~كان ما تقول حقا فأنا حمار، معناه: ليس الذي تقوله بحق، كما أني لست بحمار، ~~والله أعلم. # ثم نزه نفسه عن الولد، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال: (سبحان رب ~~السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) أي: رب السماوات، ورب الأرض، ورب ~~من فيهن، ورب العرش. # قال ms4079 أهل التأويل: أي: رب السرير. # لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير، فينسب إلى السرير، ~~فيقال: # PageV09P189 # رب السرير، ويجوز لغيره - أيضا - أن يقال له: رب السرير، فيثبت المشاركة ~~في النسبة بينه وبين الخلق، إلا أن يقال: إن لذلك السرير عند الخلائق موقعا ~~وقدرا عظيما يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها، فكان نسبة هذا ~~إلى الله - سبحانه وتعالى - من باب التعظيم والإجلال له بمنزلة نسبة كل ~~العالم إليه؛ فيكون جائزا، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - هو الملك؛ يقول: سبحان رب السماوات ~~والأرض ورب الملك عما يصفون، ثم قد بينا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ~~ذكر الولد في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(83) هذا -في الظاهر- أمر بتركهم على ما هم عليه من الخوض واللعب وغيره، ~~ومثل هذا مما لا يليق بالحكمة؛ إذ هو حرام في العقل، لكن يخرج على الوعيد، ~~وإن كان صيغته صيغة الأمر، كقوله: (اعملوا ما شئتم)، هو في الظاهر وإن كان ~~أمرا فهو في الحقيقة وعيد، فعلى ذلك هذا يخرج على الوعيد. # ويحتمل أن يخرج على ترك المكافأة على ما يصنعون من الاستهزاء بهم، ~~والأنواع من الأذى إلى اليوم الذي يلاقون ويعاينون العذاب حين لا تنفعهم ~~الندامة في الرجوع في ذلك اليوم. # وأصل ذلك أن الله - تعالى - قد أوعدهم بمواعيد شديدة، ووعظهم بمواعظ ~~بليغة، فلم تنجع تلك المواعيد فيهم، ولا نفعهم شيء من ذلك. # والثاني: قد بين ما يزيل عنهم الشبه، وما يوجب التعلق به، وأوضح لهم طريق ~~الحق والهدى، فلم يسلكوا مسلك طريق الحق، فأوعد لهم بما ذكر في ذلك اليوم ~~ما لا تنفعهم ندامتهم في ذلك الوقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم ~~العليم (84) الإله في اللغة هو المعبود؛ كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم ~~تعلمون أن الله - تعالى - هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، ~~والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها ms4080 إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود ~~الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا ~~بعبادتكم؟!. # ويحتمل أن يقول: تعلمون أنتم أن الله - سبحانه وتعالى - هو إله السماء ~~والأرض وإله من فيهما وما فيهما، وأنه خالق ذلك كله؛ لقوله: (ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات # PageV09P190 # والأرض ليقولن الله)، والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون ~~شيئا من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو الحكيم العليم) ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: لسؤال الثنوية: أن الله - عز وجل - لا يجوز أن يبسط الرزق ويوسع ~~الدنيا على من يعلم أنه يعاديه ويشتمه، ويعادي أولياءه ويشتمهم؛ لأن في ~~الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفا فليس بحكيم، فعلى ذلك ~~يقولون: إن ذلك ليس من الله - تعالى - ولكنه من إله غيره سفيه؛ لأنه وصف ~~نفسه بالحكمة، وأنه يزيل الحكمة. # والثاني: لقول البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا، يقولون: ليس من الحكمة ~~بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويكذب رسله ولا يقبل رسالته؛ بل يقتله ~~ويعاديه؛ لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر - تعالى - بقوله: (وهو الحكيم ~~العليم) أن إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما ~~يكون منهم من التكذيب والعداوة - لا يخرجني عن الحكمة، ويخرج فاعل ذلك في ~~الشاهد عن الحكمة؛ لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل ويبعثون الهدايا ~~لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم ~~المعروف ما ذكرنا - خرج من الحكمة، فأما الله - تعالى - إنما بعث الرسل ~~لحاجة المبعوث إليهم، ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع ~~أنفسهم؛ فلم يخرج بذلك من الحكمة؛ لأنه لا تضره معاداة من عاداه، ولا تنفعه ~~موالاة من والاه؛ بل كل ذلك راجع إليهم؛ بل صنع ما يصنع من المعروف إلى من ~~يعلم أنه يعاديه يكون وصفا له بغاية الكرم والجود، كذلك ما ذكرنا، وبطل ~~قوله الثنوية والبراهمة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وتبارك الذي له ملك ms4081 السماوات والأرض وما بينهما وعنده ~~علم الساعة وإليه ترجعون (85) قوله: (تبارك) قال أهل التأويل: أي: تعالى ~~وتعاظم عما قالت الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، وغير ذلك مما ~~لا يليق به، ولا يجوز؛ فيكون تنزيها عن جميع ما قالوا فيه، وهو كحرف ~~(سبحان) الذي يكون تنزيها عما قالوا فيه، والله أعلم. # قال بعض أهل الأدب: (تبارك) هو من البركة، لكن بعض العلماء قالوا: إن هذا ~~التأويل لا يصح؛ لأن قوله: (تبارك) هو من وقوع البركة بنفسه، فهو اسم ~~ملازم، ولا يجوز أن يوصف الله - تعالى - بوقوع البركة، لكن عندنا (تبارك) ~~وهو تفاعل، والتفاعل هو فعل اثنين؛ فجائز نسبة البركة إليهما على حقيقة ~~وقوعها بأحدهما وهو الخلق # PageV09P191 # للإيصال؛ على ما هو الأصل في مثل هذا، وله نظائر كثيرة. # وأصل تأويل (تبارك): ما قاله أهل التأويل: تعالى وتعاظم عن جميع ما قالت ~~الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد، والشريك، وغير ذلك، لكن هو على ~~التأويل، لا على تحقيق الاسم، فنظيره ما فسروا في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " وتعالى جدك " أي: عظمتك، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة، ~~ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية: ~~بختا، فسروا الجد بالعظمة؛ لنفاذ مشيئة العظيم، وخروج الأمور على ما يريده ~~ويشاؤه، فعلى ذلك تفسيرهم (تبارك) بما قالوا: تعالى وتعاظم على التأويل، لا ~~على تحقيق الاسم؛ إذ هو من البركة، لكن كل من بورك فيه صار متعاليا، ~~فأطلقوا عليه (تبارك) بمعنى: تعالى، لا بمعنى حقيقة الاسم، والله أعلم. # ثم قوله: (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما) بيان منه ~~وتعليم للخلق ما يجوز النسبة له فقال: (له ملك السماوات والأرض)، وقال: ~~(وله ما في السماوات والأرض)، ونحو ذلك، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا، ولا ~~ينسبوا إليه من الولد، والشريك، والصاحبة ونحو ذلك؛ لأن نسبة الأشياء ~~بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال، نحو ما ذكرنا من قوله - تعالى ~~-: (له ملك السماوات والأرض)، وقوله: (وهو ms4082 بكل شيء عليم)، وقوله: (وهو على ~~كل شيء قدير)، وقوله: (خالق كل شيء)، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج ~~التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء، ثم ينظر بعد هذا: فإن كانت تلك الأشياء ~~الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت، نحو قوله: بيت الله، ومساجد ~~الله، ورسول الله، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها الله - تعالى - ورفع ~~قدرها ومنزلتها عنده، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا ~~يجوز النسبة إليه والإضافة؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج ~~التعظيم لها، وهي ليست بمعظمة، ولكنها مسترذلة مستقذرة؛ فيكون وضع الشيء ~~غير موضعه، وأنه خلاف الحكمة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وعنده علم الساعة) يخرج على وجوه: # أحدها: أي: عنده علم ساعة: الصعقة؛ كقوله - تعالى -: (ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض. . .) الآية. # ويحتمل (وعنده علم الساعة): الزلزلة؛ كقوله: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم). # ويحتمل: (وعنده علم الساعة): الفزع والهول؛ كقوله: (ففزع من في السماوات. ~~. .). # PageV09P192 # ويحتمل: (وعنده علم الساعة): القيامة؛ كقوله - تعالى -: (يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين)، ونحو ذلك، والله أعلم. # أخبر أنه لم يطلع الله - عز وجل - على حقيقة ما ذكر أحدا من خلقه. # وقوله: (وإليه ترجعون) قد ذكرنا في غير موضع: أن تخصيص ذلك بالرجوع إليه ~~يخرج على وجوه، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين فيه إلى الله - تعالى - ~~صائرين إليه: # أحدها: لأن المقصود من إنشائهم ذلك -أعني: البعث- كي لا يكون خلقهم عبثا، ~~على ما ذكرنا غير مرة. # ويحتمل أنه خص ذلك اليوم بالرجوع إليه والمصير والخروج؛ لأنه يومئذ يخلص ~~خروجهم ورجوعهم إليه وانقيادهم له، وقد ذكرناه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون (86) إن قوما كانوا يجدون الملائكة؛ رجاء أن يكونوا لهم ~~شفعاء؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضلهم عند الله - تعالى - وذلك معروف في ~~الناس أنهم يخدمون ويكرمون خواص ملوكهم رجاء أن يشفع لهم أولئك الخواص عند ~~الملك إذا نزل بهم بلاء ووقعت لهم حاجة ms4083 يوما من الدهر، فعلى ذلك هؤلاء ~~الكفرة كانوا يعبدون الملائكة؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضل منزلتهم عند ~~الله تعالى. # ثم أخبر - عز وجل - عن الملائكة أنهم لا يملكون الشفاعة بقوله: (ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى)، وهو قوله: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)، أي: إلا ~~لمن شهد بوحدانية الله - تعالى - وألوهيته، لا يشفعون لأولئك، إنما يشفعون ~~لمن ذكر، وإن كانت لهم خصوصية عند الله - تعالى - لأن الله - عز وجل - نهى ~~أولئك أن يعبدوا الملائكة ويعظموهم من جهة العبادة؛ لذلك لا يملكون الشفاعة ~~لهم؛ فيكون مثل هذا مثل ملك نهى قومه أن يخدموا أو يعظموا أحدا سواه من ~~خواصه، فإذا فعلوا ذلك وخدموهم وتركوا نهيه لا يملك أولئك الخواص ولا ~~يتجاسرون على طلب الشفاعة عند الملك لأولئك الذين نهاهم الملك أن يخدموهم ~~ويعظموهم دونه، فعلى ذلك الملائكة، لم يجعل لهم شفاعة لأولئك الذين عبدوهم ~~دونه إلا لمن ذكر، وهم: الذين شهدوا بالحق، وقاموا بعبادة الله - تعالى - ~~فقد أذن الله لهم بالشفاعة لأولئك، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) أي: لو ~~كانت لهم # PageV09P193 # الشفاعة لكانت لا تنفعهم؛ كقوله - تعالى -: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ~~أي: لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم، ليس أن يكون لهم شفاعة أو ~~شفعاء، وهو كقوله - تعالى -: (لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه) ~~الآية.، وكقوله - عز وجل -: (ولا يقبل منها عدل. . .)) الآية؛ فعلى ذلك ~~يحتمل قوله - عز وجل -: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) أي: لا ~~ينفعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) يخرج قوله: (وهم ~~يعلمون) على وجهين: # أحدهما: يرجع إلى الملائكة، فيكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من ~~دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة. # والثاني: يرجع إلى من شهد بالحق، يكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون ~~من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق، والشهادة ~~بالحق ما ذكرنا، يعني: يشهدون على ms4084 وحدانية الله - تعالى - وألوهيته، وأنه ~~هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ... (87) وقال في ~~أول السورة: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم)، ثم نعته فقال: (الذي جعل لكم الأرض. . .)، إلى آخر ما ذكر؛ قد ~~أقروا جميعا: أن الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو الله ~~تعالى. # ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوها: # يحتمل: علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ الله - تعالى - علما في ~~قلوبهم، فعلموا بذلك حقيقة أن الله - عز وجل - هو خالق ذلك كله. # ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر؛ إذ من عادة العرب التأمل ~~والنظر في الأشياء، فنظروا وتأملوا، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأنى يؤفكون) يقول: فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام ~~بوفاء ما أعطوا بألسنتهم، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن الله خالق ذلك كله، ~~وأن ذلك كله منهم، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه لا شيء من ذلك منهم، وبعد ~~معرفتهم بذلك، أعني: الأصنام التي يعبدونها، والله الهادي. # وقال أهل التأويل: أي: فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم # PageV09P194 # معبودهم: إلها، أو شكرهم غير الذي صنع ذلك لهم بالعبادة له دون الله ~~تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) قرئ بنصب ~~اللام وكسرها فمن قرأه بالنصب جعله مقطوعا على قوله: (أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم) ونسمع قيله؛ أي: قوله الذي أغفلوه؛ أي: بل نسمع ذلك ~~كله. # ومن قرأه بالكسر عطفه على قوله: (وعنده علم الساعة) أي: عنده علم الساعة ~~وعلم قيله. # وقوله - عز وجل -: (يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) كأنه على الإضمار، أي: ~~قيل لهم: قل: إن هؤلاء قوم لا يصدقون. # وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر أنهم لا يؤمنون، وقد كان على ما أخبر ~~لم يؤمنوا؛ دل أنه بالله عرف ذلك وعلمه. # وقوله - عز وجل -: (فاصفح عنهم ... (89) أي: أعرض ودعهم، (وقل سلام) أي: ~~قل ms4085 الصواب والحق (فسوف يعلمون) يوما، فهو وعيد لهم. # ويحتمل أن يكون قوله: (وقل سلام) أي: سلام عليهم، لكنه على المؤمنين، ليس ~~على أولئك الكفرة: (فسوف يعلمون) بالتاء يكون لو صرف إلى المؤمنين، وهو ~~كقوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)، فيكون كأنه ~~- عز وجل - قال: فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأولئك، والله أعلم. # * * * # PageV09P195 ### | سورة حم الدخان # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) ~~رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8). # قوله - عز وجل -: (حم (1) والكتاب المبين (2) قد ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله - عز وجل - (إنا أنزلناه في ليلة مباركة (3) قال أهل التأويل: إنا ~~أنزلنا الكتاب -أي: القرآن- في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء ~~الدنيا، ثم أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفاريق. # ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى قوله: (حم) أي: قضى ما هو كائن على ما ~~قال بعض أهل التأويل: إن ما قضى في كل سنة من الموت والحياة والرزق ونحو ~~ذلك ينزل في ليلة القدر نسخها الملائكة الذين وكلوا على ذلك، فهذا يحتمل. # ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى ما ضمن في قوله: (حم) على ما أراد به، ~~والله أعلم. # ويحتمل أنه أراد بهذا إنزال شيء وأمر في ليلة القدر، عرفه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فيخبر أنه أنزل ذلك ولم يبينوا لنا ذلك؛ لما ~~لا حاجة لنا إلى معرفته. # وقالت الروافض في قوله - تعالى - (إنا أنزلناه): إن الله - تعالى - أنزل ~~شيئا على رسوله، يكون ذلك الشيء على رأسه وعلى رءوس الأئمة الذين يكونون ~~بعده بحيث يروا ذلك دون غيرهم، إذا استقبلهم أمر أو بدا لهم شيء، نظروا في ~~ذلك الشيء، وعرفوا ما احتاجوا، وما يكون لهم من الصلاح، ms4086 أو كلام نحو هذا. # وأما عند أهل التأويل هو ما ذكرنا راجع إلى ذلك الكتاب المنزل على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى ما ذكرنا من تضمين ما ضمن في قوله: ~~(حم)، وكذلك قالوا - أيضا - في قوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، وقوله: ~~(في ليلة مباركة) هي ليلة القدر، سماها: مباركة، وقد سمى المطر والماء ~~المنزل من السماء مباركا؛ كقوله - تعالى -: (ونزلنا من السماء ماء مباركا)، ~~وكذلك الأرزاق المنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله: (بركات ~~من السماء والأرض)، والمبارك هو # PageV09P196 # الذي عنده يدرك كل الخيرات، والبركة: هي اسم كل خير يكون أبدا على ~~الزيادة والنماء، فسمى تلك الليلة: مباركة؛ لما جعل فيها من الخيرات ~~والبركات. # وقوله - عز وجل -: (إنا كنا منذرين). # يحتمل (إنا كنا منذرين) للخلق إذا أنشئوا وبلغوا المبلغ الذي يستوجبون ~~الإنذار. # ويحتمل (إنا كنا منذرين) الخلق بالرسل؛ هذا هو الظاهر؛ أن هذا القول من ~~الله تعالى - والله أعلم - قال: (إنا كنا منذرين) بالقرآن بما أنزل علي. # وقوله - عز وجل -: (فيها يفرق كل أمر حكيم (4). # يحتمل: أي: يفصل ويبين كل أمر هو كائن في ليلة القدر. # ويحتمل: أي: يبين في ليلة القدر كل ما يكون في تلك السنة. # ثم قوله: (كل أمر حكيم) يحتمل أي: كل أمر فيه حكمة. # ويحتمل. كل أمر محكم متقن (أمرا من عندنا ... (5). # وقوله - عز وجل -: (إنا كنا مرسلين) الأمر الذي ذكر بقوله: (كل أمر حكيم. ~~أمرا من عندنا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6). # يحتمل قوله: (رحمة) أي: ما أنزل من الكتاب هو رحمة من ربك. # ويحتمل: ليلة القدر؛ أي: جعلها رحمة منه. # ويحتمل ما ذكر من أمر حكيم هو رحمة منه. # ويحتمل: أي: الرسول المبعوث إليهم رحمة منه لهم، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). # وقوله: (إنه هو السميع العليم) يحتمل قوله: (السميع) بأقوالهم التي ~~أسروها، (العليم) بأفعالهم وأعمالهم التي أخفوها وأضمروها. # ويحتمل (السميع): المجيب لمن دعا، (العليم) بما يرجع إلى ms4087 مصالحهم في ~~دينهم ودنياهم. # وقوله: (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7). # قال بعضهم: رب الشيء هو مصلحه؛ معناه: مصلح السماوات والأرض وما فيهما، # وحافظ ذلك كله. # وقال بعضهم: (رب السماوات والأرض أي: مالكهما ومالك ما فيهما. # ويحتمل: (رب السماوات والأرض) أي: خالقهما، وخالق ما فيهما، ومنشئ ذلك ~~كله. # PageV09P197 # وقوله: (إن كنتم موقنين). # قال بعضهم: هذا على إتمام الآية، ومراعاة المقاطع على وجهها، هذا وأمثاله ~~يخرج على هذا، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (إن كنتم موقنين) على إثر قوله: (رب السماوات ~~والأرض) أي: هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم تعلمون: أنه رب ما ~~ذكر، فكيف تصرفون العبادة واسم الألوهية إلى من ليس برب؟! لما ذكر أن ~~الإيقان هو العلم بالشيء حقيقة. # ثم نعت الرب فقال: (لا إله إلا هو ... (8) فكأنه يقول: لا معبود يستحق ~~العبادة سواه؛ لأن الإله هو المعبود عند العرب؛ يقول: لا تستحق الأشياء ~~التي يعبدون العبادة إنما المستحق لها هو الذي لا إله غيره. # ويحتمل أن يقول: لا يستحق اسم الألوهية إلا هو، لا الأشياء التي ~~سميتموها: آلهة، ثم نعته فقال: (يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين) أي: ~~هو يحيي ويميت، وهو ربكم ورب آبائكم الأولين. # إن من عادة العرب أنهم كانوا يعبدون ويخدمون شيئا دون الله - تعالى - ~~رجاء أن تشفع لهم وتقربهم تلك العبادة إلى الله - تعالى - فيقول: إن الذين ~~تعبدون دونه لا يقع لهم العلم بعبادتكم إياها، فاصرفوا العبادة إلى الذي ~~يعلم بعبادتكم على كل حال، وأخلصوا له ذلك، ولا تشركوا غيره. # * * * # قوله تعالى: (بل هم في شك يلعبون (9) فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. ~~يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى ~~لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) ~~إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون (16). # وقوله - عز وجل -: (بل هم في شك يلعبون) ويحتمل قوله - عز وجل -: (بل هم ~~في شك) أي: في أمر القرآن. ms4088 # ويحتمل: بل هم في شك في أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونحوه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) اختلف أهل ~~التأويل فيه: # قال بعضهم: ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز. # ثم اختلف في كيفية ذلك، مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك وقد كان؛ قال بعضهم: # PageV09P198 # (بدخان) أي: بجدب وقحط؛ جعل الدخان كناية عن الجدب؛ لوجوه: # أحدها: لما يقال: إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس ~~دخانا من شدة الجوع، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء؛ وذلك لأنه لما ~~اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، ~~فاستعير له، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ~~ويصعد الريح ليبسها، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ~~ولذلك قيل للسنة: غبراء، وقيل: جوع أغبر؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع ~~الشر إذا علا، فيقولون: لو كان بيننا: أمر ارتفع له دخان، وقالوا: إن هذا ~~القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلت ~~الأمطار، ويبست الأرض، وارتفع الغبار، وصعدت الريح كالدخان، وضعفت الأبصار ~~لشدة الجوع، حتى كانوا يرون السماء كالدخان؛ على ما روي عن ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - أنه قال: كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من شدة ~~الجوع. # وقال بعضهم: إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: قد مضى الدخان، وهو سنون كسني ~~يوسف - عليه السلام - فجهد الناس، والله أعلم. # ومنهم من يقول: هو على حقيقة الدخان، وأنه لم يمض بعد، وكذلك روي عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ~~وينتفخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - ~~والحسن وغيرهم، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه؛ لأن ~~الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان، كقوله: (كلما ms4089 أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله)، وليس هناك نار، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ~~ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر، وكذلك يصف الناس ~~الأمر إذا اشتد؛ يقولون: هاج الدخان وثار، والله أعلم. # PageV09P199 # وقوله - عز وجل -: (يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) يحتمل قوله: (يغشى ~~الناس) أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماض ~~كائن. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (يغشى الناس هذا عذاب أليم) أي: يغشى، ~~فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أي: إنا نؤمن بك ~~فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول قوم ~~موسى - عليه السلام - حيث قالوا: (يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون قوله: (إنا مؤمنون) على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف ~~عنا العذاب إنا مؤمنون للحال. # ثم أخبر الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال ~~- تعالى -: (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) يقول: أنى يتوبون؟! ~~أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم ~~رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم تولوا عنه ... (14) يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن. # ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول الله وأمرهم به. # ويحتمل: تولوا عن رسول الله نفسه. # وقوله عز وجل -: (وقالوا معلم مجنون). # قولهم: (معلم) لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر. # وقوله: (مجنون) نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين: # أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، ~~فيقولون: به آفة وجنون. # والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم ~~والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي ms4090 ~~كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون (15). # قال بعضهم: (إنكم عائدون) في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه. # PageV09P200 # وقال بعضهم: أي: (إنكم عائدون) إلى عذاب يوم القيامة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16). # قال بعضهم: ذلك يوم بدر، وهو قول ابن مسعود - رضي الله عنه - وقول عامة ~~أهل التأويل، وقالوا ذلك أشد من الدخان. # وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة؛ وهو قول ابن عباس والحسن، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا ~~إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم ~~بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون (21) فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم ~~متبعون (23) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنات وعيون ~~(25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) ولقد ~~نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ~~ما فيه بلاء مبين (33) # وقوله - عز وجل -: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) يقول - والله أعلم -: ~~ولقد فتنا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنا قومك بك. # أو يحتمل أن يقول: ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنا قومك. # ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه يخرج على وجوه: # أحدها: أن موسى - عليه السلام - قد أتاهم بالبينات المعجزات ما لم يقدر ~~فرعون وقومه على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم ~~بذلك وعرفوا أنها آيات الله - تعالى - كذبوها وردوها ونسبوا موسى إلى السحر ~~والكذب والافتراء على الله تعالى - فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعاملوه بالذي عامل أولئك موسى من النسبة إلى السحر ~~والجنون والكذب والافتراء على الله - تعالى ms4091 - والله أعلم. # PageV09P201 # وقال بعضهم: إن فرعون وقومه ازدروا موسى وحقروه؛ لأنه ولد فيهم كما ازدرى ~~أهل مكة محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أنت أصغرنا وأفقرنا وأقلنا ~~حيلة، كما قال فرعون لموسى: (ألم نربك فينا وليدا. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون أهل مكة سألوا اليهود من الأنباء التي يجدونها في كتبهم؛ ~~ليحاجوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلبون بذلك ظهور الكذب من ~~رسول الله فيما كان يخبرهم من الأنباء المتقدمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجاءهم رسول كريم) كان جميع رسل الله - عليهم الصلاة ~~والسلام - كراما؛ لأن الله - تعالى - كان بعثهم إلى قوم جهال سفهاء، كان ~~لهم الركون إلى الدنيا، والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخلق؛ ~~ليداروا أولئك الأقوام، ويتهيأ لهم المعاملة لهم والتحمل منهم؛ لسوء ما ~~كانوا يعاملونهم، والله أعلم بذلك؛ ولذلك وصف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالخلق العظيم؛ حيث قال: (وإنك لعلى خلق عظيم). # وقوله - عز وجل -: (أن أدوا إلي عباد الله ... (18) يقول: أن أرسلوا معي ~~بني إسرائيل، وخلوا عنهم، ولا تحبسوهم، ولا تستعبدوهم، فإنهم أحرار. # ويحتمل أن يقول: أرسلوا معي بني إسرائيل فإنهم يرغبون في إجابتي إلى ما ~~أدعوهم إليه، ويطمعون في اتباعي فيما آمرهم به. # وقوله - عز وجل -: (إني لكم رسول أمين) أي: إني لكم سول أمين على الوحي ~~والرسالة. # ويحتمل أن يقول: إني كنت أمينا فيما بينكم، لا يظهر لكم مني خيانة؛ ولا ~~اطلعتم على كذب قط، فلماذا تكذبونني وتنسبونني إلى السحر؟! والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأن لا تعلوا على الله ... (19) قال بعضهم: أي: وألا ~~تتكبروا، ولا تتعظموا على الله. # لكن عندنا معناه: وألا تتكبروا وتتعظموا على رسول الله، ولا تتعظموا على ~~عبادة الله وعلى دينه؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبر على الله - تعالى - وأن ~~ينسب إليه، فهو على إرادة أوليائه أو دينه؛ كقوله: (إن تنصروا الله ~~ينصركم)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني آتيكم بسلطان مبين) أي: آتيكم بحجة بينة أنها من ~~الله، وأني رسول الله، ms4092 وهو ما آتاهم من الآيات المعجزات أو الحجج ~~والبراهين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) لا يحتمل أن يكون ~~هذا الكلام # PageV09P202 # من موسى - عليه السلام - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون، ولا أمر سبق، ~~فكأن سببه ونازلته - والله أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى؛ حيث قال: (ذروني ~~أقتل موسى وليدع ربه) الآية، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له ~~موسى عند ذلك: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون) وفي ذلك دلالة آية من آيات ~~الله لرسالته؛ لأنه قال فرعون: (ذروني أقتل موسى وليدع ربه)، ليمنعني عن ~~قتله، فقال: (وإني عذت بربي وربكم. . .) الآية دل هذا القول على أنه علم ~~قول فرعون، وقصده بقتله، وتعبيره بالدعاء إلى الله - تعالى - ليمنعه عن ~~ذلك، وعلم أن الله - تعالى - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك. # وقوله: (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) يقول: فإن لم تصدقوني فيما ~~أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأومن به، ولا يضركم تصديقي وإيماني. # وقال بعضهم: أي: دعوني خفافا جانبا، لا علي ولا لي. # وقال بعضهم: (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) ولا تقتلون. # وقوله: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) وهو كقوله حيث قال: (وقيله يا ~~رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون)، وكقول نوح - عليه السلام -: (إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا)، ونحو ذلك يقولون: يا ربنا إنا ~~قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علمتنا ~~أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك، فهل من ~~حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها، لعلهم يتبعوننا ويجيبوننا، ~~هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق ~~زمانا طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر. # وقوله: (فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) كان في إخراج موسى - عليه ~~السلام - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من ~~أعدائهم بذلك، ms4093 وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية ~~عظيمة عجيبة لموسى - عليه السلام - على رسالته؛ إذ خروج عدد ستين من بين ~~أظهرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنكم متبعون) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: قوم فرعون يتبعونهم؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا ~~يستعملونهم من قبل، من نحو الاستخدام والاستعباد، والله أعلم. # والثاني: أن يتبعوهم للعناد والحرب؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا ~~أموالهم من # PageV09P203 # الحلي واللباس فخرجوا بها، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما ~~يقاتل الأعداء. # وقوله: (واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) يحتمل قوله: (واترك ~~البحر) كأن موسى - عليه السلام - كان يضرب البحر بعصا، ليصل الماء بعضه ~~ببعض؛ لئلا يعبر فرعون وقومه، فقال له: اتركه كما هو (إنهم جند مغرقون). # ثم اختلف في قوله: (رهوا): قال بعضهم: هي فارسية عربت؛ أي: اترك البحر " ~~راه ". # وقال بعض أهل اللسان: (رهوا) أي: ساكنا. # وقال بعضهم: (رهوا) أي: متصلا؛ وهو قول أبي عوسجة. # وقال أهل التأويل: (رهوا) أي: يابسا، وهو كقوله: (فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا). # وقوله - تعالى -: (إنهم جند مغرقون) قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون ~~وقومه ففعل. # وقوله: (كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) أي: ناعمين. # وقيل: معجزين. # من الناس من قال: إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو ~~قوله - عز وجل -، (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم. . .) الآية، ثم ~~قال الله - تعالى - (قد أجيبت دعوتكما)، فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس ~~أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر (كم تركوا من جنات وعيون. . .) الآية، وما ~~معنى قوله: (كذلك وأورثناها قوما آخرين). # لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي ~~كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة، فأما الأموال التي كانت ~~لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها، ms4094 ولكنه تركها ~~على ما هي عليه لبني إسرائيل، وهو قوله - عز وجل -: (كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين) أي: مثل ذلك أورثناها قوما آخرين، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: ~~(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها)، فيه أن بني ~~إسرائيل قد عادوا إلى مصر، # PageV09P204 # ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم. # وقوله: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) قال بعضهم: ~~أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم؛ ~~فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح، لا لعينه، وذلك جائز ~~في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده، لا عين النفي، كقوله - ~~تعالى -: (فما ربحت تجارتهم)، ليس المراد إثبات نفي الربح؛ أي: لم يربح ~~فحسب؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة، أي: خسرت ووضعت؛ فعلى ذلك قوله - ~~تعالى -: (فما بكت عليهم السماء والأرض) أي: ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم؛ ~~لأنهم جميعا أبغضوهم وعادوهم لادعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون. # وقال بعضهم: (فما بكت عليهم السماء والأرض) يحتمل أن المراد به ما روي في ~~الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما من مؤمن إلا وله باب ~~في السماء يصعد إليه عمله الصالح، وفي الأرض مصلى يصلي فيه، فإذا مات بكى ~~ذلك عليه كذا كذا يوما " وهم ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم. # وجائز أن يكون - أيضا - قوله - تعالى -: (فما بكت عليهم السماء والأرض) ~~أي: لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم؛ لأنهم استؤصلوا جميعا من ~~الأولاد وغيرهم، فلم يبك عليهم أحد، فأما سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي ~~عليهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. # ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل، من نحو موت ~~الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم، فيخبر الله - عز وجل - أن موت فرعون ~~وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض؛ لما لا قدر لهم عندهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30). # قال بعضهم: (نجينا ms4095 بني إسرائيل من العذاب) الذي نزل بفرعون وقومه، وهو ~~الغرق في البحر، أغرق أولئك ونجى هؤلاء. # ويحتمل أن يكون المراد: أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون؛ من نحو ~~القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا ~~بين أظهرهم وفي # PageV09P205 # أيديهم، فنجاهم من ذلك؛ حيث أخرجهم من بين أيديهم - والله اعلم - وهو ~~أشبه؛ لما قال: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون). # وقوله - عز وجل -: (إنه كان عاليا من المسرفين (31). # قوله: (عاليا) أي: غالبا عليهم، قاهرا لهم بأنواع القهر الذي كان يقهرهم، ~~والله أعلم. # وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) أي: اخترنا بني ~~إسرائيل. # وقوله: (على علم) يخرج هذا على وجوه: # أحدها: أي: (اخترناهم على علم) أي: بسبب علم آتيناهم ذلك، لم يؤت ذلك ~~غيرهم؛ لتظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، والله أعلم. # والثاني: يحتمل: (اخترناهم على علم) منا بأسباب فيهم وأشياء لم تعلم تلك ~~الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين. # والثالث: أي: (اخترناهم على علم) أي: بسبب علم أحوجنا غيرهم إليهم، ~~فصاروا مختارين مفضلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه؛ فيكون لهم فضل ~~الأستاذ على التلميذ، وهذا كما يقال: إن العرب أفضل من الموالي؛ لأن ~~الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم، ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، ~~فاستوجبوا الفضيلة؛ لحاجتهم إليهم؛ ولذلك فضلت قريش على سائر العرب؛ لما ~~احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم ~~فضلوا على غيرهم لذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في ~~معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين (33) من وجهين: # أحدهما: أي: محنة بينة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، والله ~~أعلم. # والثاني: يحتمل أن يكون قوله: (بلاء مبين) أي: نعم عظيمة، وهو ما آتاهم ~~من أنواع النعم من المن، والسلوى، وتظليل الغمام عليهم، وخروج العيون من ~~الحجر، ومجاوزتهم من البحر، وإهلاك ms4096 عدوهم، وغيرهم من النعم التي آتاهم مما ~~لا يحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله - تعالى -: (وفي ذلكم بلاء ~~من ربكم عظيم) أي: نعمة عظيمة من ربكم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين ~~من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا # PageV09P206 # السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى ~~عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم ~~(42) إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) ~~كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من ~~عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون ~~(50). # وقوله - عز وجل -: (إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما ~~نحن بمنشرين (35) يقول الله تعالى - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هؤلاء على ~~الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ ~~كقوله - تعالى -: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)، ممن آمن بالآخرة فأما ~~من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم. # وأصله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في ~~هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، ~~وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهان عليه ~~قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، ~~وحمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) هذا منهم احتجاج ~~عليه، يقولون: لو كنت صادقا فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحيي من ذكروا ~~وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما ~~تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه ms4097 الحجة، لا ~~على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ~~ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت ~~لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، ~~والله أعلم. # وبعد: فإن الله - تعالى عز وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم ~~القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ ~~من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ~~ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، والله أعلم. # PageV09P207 # وقوله - عز وجل -: (أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم ~~كانوا مجرمين (37) ليس في هذا جواب لقولهم: (فأتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين)، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا ~~السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتا وعنادا. # ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية ~~دلالة على البعث أيضا: # بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون ~~رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - ~~أيضا - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: (أهم خير أم قوم تبع) ~~ومن ذكر، أي: أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟ وهم علموا أن أولئك أشد قوة ~~وبطشا، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل ~~وإنكارهم البعث، فأنتم دون أولئك، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا ~~نزل بكم؟! وهو كقوله - تعالى -: (أكفاركم خير من أولئكم)، وإذا لم يتهيأ ~~لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء ~~لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي ~~سألوا، والله أعلم. # وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أولئك الكفرة؛ لتكذيب الرسل ~~وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى ms4098 يستحق منكره العذاب، والله أعلم. # وذكر أن تبعا كان رجلا صالحا، وعائشة - رضي الله عنها - تقول: " لا تسبوا ~~تبعا؛ فإنه كان رجلا صالحا ". # وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ~~وقال في آية أخرى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا): إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن الله - تعالى - ~~خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعبا، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، ~~وعلى ما عندهم يصير عبثا باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا ~~بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا ~~نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعبا؛ لأن المقصود ~~بخلق ما ذكر -على زعمهم- لم يكن إلا الإفناء والإهلاك، ومن لم # PageV09P208 # يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه ~~وقصده سفيها، غير حكيم، فعلى ذلك الله - سبحانه وتعالى - في خلقه إياهم، ~~وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال ~~العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ~~ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفها باطلا، ~~غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله ~~وقصده لاعبا عابثا سفيها؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في ~~غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا. . .) الآية، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور -على ~~ما قال أولئك الكفرة وظنوا- كان كذلك سفها غير حكمة؛ ولذلك قال: (أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، جعل خلقه إياهم لا للرجوع إليه ~~عبثا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ما خلقناهما إلا بالحق ... (39) قال بعضهم: إلا ~~لإقامة الحق. # وقال بعضهم: إلا لأمر ms4099 كائن مراد. # وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه ~~فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن ~~القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ~~ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أنهما لم يخلقا باطلا وعبثا، ~~وهو ما ظنوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) سمي يوم القيامة ~~مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما ~~يجمع فيه الخلائق جميعا، وكذلك يوم الحشر. # ويوم الفصل يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة ~~والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: (فريق في ~~الجنة وفريق في السعير). # ويحتمل أن يكون قوله: (يوم الفصل) أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم ~~بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: (إن ربك ~~يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). # PageV09P209 # ويحتمل - أيضا - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ~~ذلك في الآخرة بينهم وإن جامعا مسويا بين الأولياء والأعداء، وهم استووا ~~واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيها ~~غير حكيم - دل أن هنالك دارا أخرى يفصل بينهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) ~~هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضا ~~على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية ~~أخرى: (يوم يفر المرء من أخيه. . .) الآية، وقوله - عز وجل - (واخشوا يوما. ~~. .) الآية، وقوله - عز وجل -: (ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون)، والله الموفق. # ثم قوله - تعالى -: (لا يغني مولى عن مولى شيئا) يحتمل مولى الأعلى ومولى ~~الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا. ms4100 # ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا ~~يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عز وجل -: ~~(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. . .) الآية، استثنى المتقين، ~~وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضا حيث قال: (إلا من رحم الله ... (42) ومن ~~عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ~~ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنه هو العزيز الرحيم): (العزيز) في نقمته من أعدائه ~~لأوليائه (الرحيم) للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: (إلا من رحم ~~الله). # وقوله: (إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) ظاهر الآية أنها طعام كل ~~أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ ~~لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا ~~يكون أثيما مطلقا مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا ~~تحت الآية. # قال بعض أهل التأويل: إنه لما نزل قوله - تعالى -: (إن شجرت الزقوم. طعام ~~الأثيم) أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن # PageV09P210 # محمدا وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من ~~العرب، فنزل عند ذلك قوله - تعالى -: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) ~~طلعها كأنه رءوس الشياطين. . .) الآية، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، ~~بقوله - تعالى -: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) الآية، ليست كسائر ~~الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله - تعالى -: (كالمهل يغلي في البطون (45) ~~كغلي الحميم (46) والمهل: دردي الزيت. # ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين: # أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن. # ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال. # ثم الإشكال أنه ليس في أكل دردي الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى ~~التشبيه به؟ لكن نقول: إنه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: ~~(كالمهل يغلي في البطون. كغلي الحميم). # ثم الإشكال أن شجرة الزقوم ms4101 كيف تكون للأثيم؟ فيحتمل ذلك وجهين: # أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر. # ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا ~~المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو ~~الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ظاهر هذا أن يكون ~~بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضا أن يكون ذلك في أول ما يراد أن ~~يدخلوا النار؛ كقوله: (خذوه فغلوه. ثم الجحيم صلوه)، فعلى ذلك (خذوه ~~فاعتلوه إلى سواء الجحيم). # ثم قوله - تعالى -: (فاعتلوه) قال بعضهم: أي: ادفعوه (إلى سواء الجحيم) ~~أي: إلى وسط الجحيم. # وقال بعضهم: (فاعتلوه) أي: قودوه قودا إلى (إلى سواء الجحيم) يقال: جيء ~~بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجر ويقاد. # وقال بعضهم: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقا شديدا عنيفا. # PageV09P211 # وبعضه قريب من بعض. # والجحيم: هو معظم النار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) أي: من شراب ~~الحميم؛ جعل الله - عز وجل - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ~~ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: (فيها أنهار من ~~ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين. . .) ~~الآية. # ثم في الآية أن الفريقين جميعا لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يسقون؛ ~~على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: (يسقون من رحيق. . ~~.)، وقوله - تعالى -: (ويسقون فيها كأسا. . .)، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل ~~النار: (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم)، وقوله - تعالى -: (تسقى من عين ~~آنية)، وقال في آية أخرى: (من غسلين)، وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) قال أهل التأويل: إنما ~~يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر ms4102 في الآية، وهو المراد ~~بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين ~~كذا إلى كذا أعز مني، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: (ذق) هذا ~~الذي ذكر (إنك أنت العزيز الكريم) في الدنيا يصغرونه ويهينونه. # ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرم، وكل رئيس منهم، ~~والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: ذق فإنك ~~لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزا كريما ~~ما دخلت النار، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52) يلبسون من ~~سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل ~~فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب ~~الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرناه بلسانك ~~لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # وقوله - عز وجل -: (إن المتقين في مقام أمين) فيه لغتان: (مقام) بالرفع، # PageV09P212 # و (مقام) بالنصب: # فمن قرأ بالنصب فهو موضع المقام، وهو المنزل والمسكن؛ معناه: في مسكن ~~أمين؛ أي: آمنوا فيها من الآفات والأوصاب والأسقام. # ومن قرأ برفع الميم فهو المصدر؛ يعني: الإقامة؛ أي: يقيمون فيها، آمنين ~~عن الخروج عنها والزوال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في جنات وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ~~(53)، قالوا: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه. # ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من اللبس لما رق منه، فأما ما غلظ منه فإنه ~~يبسط، وإن كان ذكر اللبس فيهما -في الظاهر- يتناول ما رق منه وما غلظ، ~~فالمراد من ذكر اللبس يرجع إلى ما يلبس، وهو الذي يرق منه ويدق. # وجائز في اللغة أن يذكر الشيئان باسم أحدهما إذا كان بينهما ازدواج في ~~الجملة عادة أو حقيقة، والله أعلم. # ويحتمل أنه إنما ذكرهما جميعا؛ لما يكون من رغبة الناس إليهما جميعا في ~~الدنيا، فرغبهم في الآخرة، ووعد لهم أن يكون لهم ذلك، والله أعلم. ms4103 # وقوله - عز وجل -: (متقابلين) يخبر أن مجلسهم في الجنة نحو مجلسهم في ~~الدنيا مقابل بعضهم بعضا، حيث قال: (كذلك ... (54) على إثر ذلك، يكونون في ~~الجنة كما كانوا في الدنيا من مقابلة بعض بعضا، واجتماعهم في المجلس في ~~الشراب وغيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وزوجناهم بحور عين). # قال بعضهم: (بحور) أي: ببيض الوجوه، و (عين)، أي: حسان الأعين. # وقال بعض أهل الأدب: الحور في العين هو شدة سواد سوادها وبياض بياضها، ~~ويقال: امرأة حوراء، ونسوة حور، ورجل أحور، وقوم حور، والعيناء: الحسنة ~~العينين؛ يقال رجل أعين، ورجال عين، وامرأة عيناء، ونسوة عين، فالجماعة على ~~هيئة واحدة في هذا الباب في المذكر والمؤنث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55). # تأويله - والله أعلم - أي: ثمار الجنة وفواكهها، ليس لها فساد ولا ~~انقطاع، ولا # PageV09P213 # نقصان، ولا زوال (يدعون) يسألون أن أحضروها، لا يسألون كما يسألون في ~~الدنيا هل بقي شيء، أو هل عندكم شيء من الفواكه؟ ونحو ذلك؛ لما ذكرنا أن ~~لثمار الدنيا انقطاع وفناء، وليس لثمار الجنة وفواكهها كذلك، لذلك ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (آمنين) يحتمل وجهين: # أحدهما: (آمنين) عن انقطاع فواكهها وثمارها وما ذكر. # ويحتمل (آمنين) وفيها في الجنة ليس لهم خوف الخروج عنها والزوال، وآمنون ~~عن جميع الآفات التي تكون في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ... (56) ~~والإشكال: أنه نفى الموت في الجنة واستثنى الموتة الأولى، وليس في الجنة ~~موت أصلا، كيف يستثني الموتة الأولى وأن ظاهر الاستثناء أن يكون من جنس ~~المستثنى منه، فيوهم أن يكون في الجنة موت؟! # قال بعضهم: إن " إلا " بمعنى غير وسوى، وفيه إضمار؛ كأنه قال: لا يذوقون ~~فيها -أي: في الجنة- الموت سوى الموتة الأولى التي ذاقوا في الدنيا؛ لأن ~~الموتة التي ذاقوا وهي الموتة الأولى لا يتصور ذوقها ثانيا، ولو كان يكون ~~مثلها، ولأن الجنة ليست محل الموت، فكأن المراد ما قلنا، أي: لا يذوقون في ~~الجنة الموت سوى الموت الذي ذاقوا ms4104 في الدنيا، وهو كقوله - عز وجل -: (ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف. . .) الآية؛ أي: سوى ما قد ~~سلف، (إنه كان فاحشة)، في ذلك الوقت؛ على أحد التأويلين، والله أعلم. # وعندنا يخرج تأويله على وجهين: # أحدهما: لا يذوقون فيها الموت إلا ما ذاقوا من الموتة الأولى؛ لأنه ذكر ~~في الخبر أنه: " يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح -أو كذا- فيذبح ~~بين أيديهم، فعند ذلك يأمنون الموت هنالك " والله أعلم. # والثاني: لا يذوقون فيها الموت ولا يرونه إلا الموتة الأولى التي رأوها ~~في الدنيا، تلك يعرفونها ويذكرونها، فأما سواها فلا، والذوق سبب المعرفة، ~~فاستعير للمعرفة مجازا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووقاهم عذاب الجحيم) ليس هو تخصيص وقاية عذاب # PageV09P214 # الجحيم فحسب؛ بل المراد نفيهم العذاب كله، لكن الجحيم معظم النار، فذكره ~~كناية عن الكل، فضلا منه، ليس باستحقاق منهم بالأعمال، على ما تقدم ذكره في ~~غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (ذلك هو الفوز العظيم (57) الفوز بأحد شيئين: إما ~~الظفر بما يأمل ويرجو، فإذا ظفر بذلك يقال: فاز، وإما النجاة مما يحذر ~~ويخاف إذا حذر أمرا وخافه فيخلص من ذلك ويقال، فأيهما كان فهو فوز، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (العظيم) جميع أمور الآخرة وحالها سمي: عظيما، من ~~العذاب والنعيم؛ قال الله - تعالى - (ليوم عظيم)، و (عذاب عظيم)، و (فوزا ~~عظيما). # وقوله - عز وجل -: (فإنما يسرناه بلسانك ... (58) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: كأنه يقول: فإنما أنزلنا القرآن بلسانك ويسرناه للذكر؛ ليلزمهم ~~التذكر؛ لأنه أنزله بلسانه ويسره لقومه؛ لأنه لو كان منزلا بغير لسانه، لم ~~يكن ميسرا لهم للذكر، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر)، ~~أخبر أنه يسره للذكر؛ لأنه يسره باللسان، ولكن معناه ما ذكرنا: أنه أنزله ~~بلسانه ويسره للذكر، والله أعلم. # والثاني: فإنما يسرناه على لسانك كي تذكره وتحفظه بلا كتابة ولا نظر في ~~كتاب؛ لأنه ذكر أنه كان - عليه السلام -: يحفظ سورة طويلة إذا تلا عليه ~~جبريل - صلوات الله عليه - وقد ms4105 آمنه الله - سبحانه وتعالى - عن النسيان ~~بقوله - تعالى -: (سنقرئك فلا تنسى). # وقوله - عز وجل -: (لعلهم يتذكرون) هو يخرج على وجوه: # أحدها: لكي يلزمهم التذكر. # ويحتمل: لكي يتذكروا ما قد نسوا من حق الله الذي عليهم. # أو ليتعظوا بمواعظ الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فارتقب إنهم مرتقبون (59) على وجهين: # أحدهما: ارتقب ما وعد الله أن ينزل بهم من العذاب فإنهم مرتقبون هلاكك ~~وانقطاعك ونحوه. # أو يقول: ارتقب، ولا تكافئهم، ولا تدع عليهم بالهلاك، فإنهم مرتقبون بما ~~ألقى الشيطان في أمنيتهم بأن ملكك يزول، وأنه يعود إليهم، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (فارتقبهم إنهم مرتقبون) والارتقاب: ~~الانتظار، والله أعلم. # PageV09P215 ### | سورة الجاثية # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم ~~يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6). # قوله - عز وجل -: (حم. تنزيل الكتاب) قد ذكرناه في غير موضع. # وقوله: (العزيز الحكيم) قد ذكرنا - أيضا - تأويل " العزيز الحكيم " في ~~غير موضع أيضا. # ثم إنما ذكر قوله: (العزيز الحكيم) على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل ~~الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو ~~يزيد له عزا وسطانا أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه ~~فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسطانه؛ بل إنما ~~فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا ~~اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك ~~الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزا وسطانا وقوة في ملكهم، وترك ~~اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصانا في ملكهم؛ لأن ~~المخلوق كان عزيزا بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ms4106 ذليلا؛ فأما الله - ~~سبحانه وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد ~~عزه بائتمار من ائتمره. # وقوله: (الحكيم) والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ~~ليعلم أن من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل ~~عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو ~~لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في ~~الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون ~~لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة ~~منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) و (آيات ~~لقوم يوقنون) و (آيات لقوم يعقلون) ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهؤلاء على ~~وجوه: # PageV09P216 # أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم يحتجون بها ~~عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم. # والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهؤلاء، وهم المنتفعون بها؛ أعني: ~~متبعها دون من ترك أتباعها. # والثالث: هن آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، ~~فأما من اعتقد ردها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم. # وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف ~~الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج ~~منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه ~~وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون (6) قوله - عز وجل -: (تلك) إشارة إلى الآيات التي تقدم ~~ذكرها (نتلوها عليك بالحق) أنها من الله - تعالى - لما عجزوا عن إدراك ذلك ~~من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: يقول - والله ms4107 أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثا قط، فلا حديث ~~أظهر صدقا من حديث الله تعالى ولا أبين حقا فيه من كلامه؛ لأنها آيات ~~معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها. # وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثا فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، ~~والله الهادي. # * * * # قوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا ~~اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما ~~كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى ~~والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11 # وقوله - عز وجل -: (ويل لكل أفاك أثيم) الأفاك: هو المصروف عن اتباع ما ~~توجب الحكمة اتباعه. # وقال بعضهم: الأفاك: الكذاب، والأثيم: هو الذي اعتاد الإثم، وهو أكثر من ~~الآثم. # PageV09P217 # ثم نعت ذلك الأفاك فقال: (يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن ~~لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8). # يحتمل قوله: (آيات الله تتلى عليه) القرآن. # ويحتمل: (آيات الله تتلى عليه) آيات وحدانية الله - عز وجل - أو آيات ~~رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم أخبر عن تعنته وعناده في آيات الله حيث قال: (ثم يصر مستكبرا) أي: يصر ~~مستكبرا بعد تلاوة الآيات عليه، وبعد معرفته وفهمه أنها آيات الله، كما كان ~~يصر قبل ذلك؛ لأنها آيات خارجات عن وسعهم؛ إذ عجزوا عن إتيان مثلها، فإذا ~~كانت خارجة عن احتمال وسعهم فكذلك هي خارجات عن وسع محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ إذ هو واحد من البشر مثلهم، فيعرفون أنه إنما قدر على إتيان مثلها ~~بالله - تعالى - بما أوحى إليه وأعلمه بذلك (كأن لم يسمعها)؛ عنادا منه ~~واستكبارا. # ثم أوعده العذاب الأليم، وهو قوله: (فبشره بعذاب أليم) أي: مؤلم موجع. # وقوله - عز وجل -: (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب ~~مهين (9) أي: عذاب يهينهم باستهزائهم بالآيات. # ثم قال: (من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ms4108 ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من ~~دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (10) أضاف جهنم إلى ورائهم يحتمل أن يكون ~~المراد من ذكر (من ورائهم) وراء الدنيا؛ كأنه قال: من وراء هذه الدنيا لهم ~~جهنم، لكنه أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم فيها، وهم أهلها. # ويحتمل أن يكون قوله: (من ورائهم) أي: من وراء أحوالهم التي هم عليها ~~جهنم. # وقوله: (ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء). # يحتمل: (ولا يغني عنهم ما كسبوا) أي: ما عملوا من القرب التي عملوها؛ ~~رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، أو يقربهم ذلك ألى الله زلفى؛ يخبر أن ذلك ~~مما لا يغنيهم ولا ينفعهم في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ولهم عذاب عظيم) وعد لهم في كل حال وكل أمر كان منهم ~~عذابا غير العذاب في حال أخرى؛ ذكر في الحال التي عبدوا الأصنام دونه، ~~واتخذوها أربابا العذاب العظيم، وذكر لهم باستهزائهم بآيات الله العذاب ~~المهين، عذابا يهينهم، ويهانون في ذلك، وذكر لهم بإصرارهم بما هم عليه ~~واستكبارهم على آيات الله وعلى رسوله العذاب الأليم، حتى يكون مقابل كل فعل ~~كان منهم نوعا من العذاب غير النوع الآخر، وبصفة غير الصفة الأخرى، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هذا هدى ... (11) أي: بيان لهم. # PageV09P218 # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم) أي: ~~عذاب من عذاب أليم؛ إذ الرجز هو العذاب، كأنه فسر ذلك العذاب ووصفه بالألم، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15). # وقوله - عز وجل -: (الله الذي سخر لكم البحر) يذكرهم عظيم نعمه في تسخير ~~البحار لهم مع أهوالها وكثرة أمواجها، وامتناعها عن منافع الخلق، ms4109 صيرها ~~بلطفه ورحمته لهم كسائر البقاع في الوصول إلى ما فيها من الجواهر واللآلئ ~~بالغوص فيها، والخوض والاصطياد؛ لما فيها من أنواع الصيد، وغير ذلك من ~~الأشياء، بحيل علمهم، وأسباب جعل لهم، حتى يصلوا إلى ما فيها من أنواع ~~الجواهر والأموال النفيسة، والله أعلم. # وسخرها لهم - أيضا - حتى عبروا البحر ومروا هم عليه بسفن أعطاهم، وحيل ~~علمهم، حتى قدروا على عبوره والمرور عليه؛ ليصلوا إلى قضاء حوائجهم التي ~~تكون في البلدان النائية، وهو ما قال: (لتجري الفلك فيه بأمره). # ثم قوله - تعالى -: (بأمره) يحتمل أن يكون عبارة عن تكوينه؛ أي: بما كونه ~~وأنشأه كذلك، كقوله - تعالى -: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون). # والثاني: يحتمل (بأمره) أي: بالأمر الذي له على العباد وسائر خلائقه. # ويحتمل: (بأمره) أي: بإذنه. # وقوله - عز وجل -:: (ولعلكم تشكرون) أي: لكي يلزمكم الشكر بذلك، أو ما ~~ذكر فيه من الوجوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) أي: سخر لهم ما في السماوات من الملائكة، ~~والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها، وما في الأرض من الأشجار، والنبات، ~~والبهائم، والدواب، حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم، كما استعملوا ~~أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير الله - تعالى - إياهم ذلك كله، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جميعا) أي: جميع ذلك من الله - تعالى - أخبر أنه سخر ~~جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر (إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون) وقد ذكرنا # PageV09P219 # جهة الآية في ذلك في غير موضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) أمر الله - عز وجل - للمؤمنين بالعفو ~~والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء ~~إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند ~~الله، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، والله أعلم. # فإن قيل: إن هذه الآيات إنما نزلت ms4110 بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا ~~مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام ~~عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند ~~مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى ~~للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم -وإن ~~كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أولئك الكفرة على ما ذكرتم- ~~لوجهين: # أحدهما: أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك؛ إلى الله - تعالى - ويجعلوا ذلك ~~وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام ~~والانتصار منهم؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة، لا بحق التذلل والخشوع؛ إذ ~~يعفو كل عن اختيار وطوع، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه الله - تعالى - ويترك ~~الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام، وهو ما أمر رسوله - عليه ~~السلام - بالهجرة إلى المدينة بعدما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو ~~يخرجوه؛ حيث قال: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك. . .) الآية؛ لتكون ~~الهجرة له إلى الله - تعالى - بحق القربة، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه، ~~والله أعلم. # والثاني: أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه، وقد كان ~~من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم، ~~وإن لم تكن له القدرة على الانتقام من جملتهم، والله أعلم. # ثم قوله عز وجل -: (لا يرجون أيام الله) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: (أيام الله) أي: نعم الله الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع، ~~التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى - ~~عليه السلام - حيث قال: (وذكرهم بأيام الله)، أي: بنعم الله - تعالى - ألا ~~ترى أن موسى - عليه السلام - فسر أيام الله بالنعمة؛ حيث قال على إثره: ~~(وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون. . .) ~~الآية. # PageV09P220 # والثاني: (لا يرجون أيام الله) على حقيقة الأيام؛ لأنهم كانوا يرون هذه ~~النعم والسعة ms4111 في الدنيا بجهد أنفسهم وكدهم، لا بما أجرى الله - تعالى - ~~النعم إليهم في الأيام، والله أعلم. # والثالث: (لا يرجون أيام الله) أي: لا يحذرون نقمة الله وعقوبته. # وقوله - عز وجل -: (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون) أي: ليجزي كل قوم بما ~~كسبوا من خير أو شر، يجزي من عفا منهم جزاء العفو، ويجزي المحسن جزاء ~~الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ~~ترجعون (15) يخبر أن من عمل من خير فإنما يعمل لنفسه، ومن عمل من سوء فإنما ~~يعمل على نفسه، يخبر أن من عمل من خير أو صالح فلنفسه سعى في الآخرة، ومن ~~عمل من شر فعلى نفسه سعى في الآخرة، كمن عمل في الدنيا من الأكل والشرب ~~فلنفسه يعمل، ومن جنى من جنايات، فعلى نفسه جنى في الدنيا والآخرة؛ حيث ~~تهلك به نفسه، ويرجع إليه وبال ذلك في الدنيا والآخرة، فعلى ذلك ما قلنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم إلى ربكم ترجعون) أي: ثم إلى ما وعد ربكم من ~~الثواب والعقاب ترجعون. # * * * # قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين ~~بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19) هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم ~~يوقنون (20). # وقوله - عز وجل -: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب) قال أهل التأويل: أي: ~~التوراة. # والإشكال: أنه آتى بني إسرائيل جملة كتبا كثيرة، أما التوراة والإنجيل ~~والزبور هي كتب معروفة قد نعرفها، وقد يجوز أن يكون لهم كتب غيرها، فما ~~معنى ذكر الكتاب؟ وما معنى حملهم على أن التوراة هي المرادة، إلا أن نقول: ~~يجوز أن يريد بذكر الكتاب: # PageV09P221 # الكتب؛ فإنه أدخل الألف ms4112 واللام، فيكون لاستغراق الجنس. # ويحتمل أنه أراد به التوراة، كما قال أهل التأويل؛ إذ يجوز أن يذكر اسم ~~العام ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم. # ويحتمل أن تكون التوراة هي الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل: إن ~~الزبور ليس فيه الحكم، إنما فيه التسبيح والتحميد، وكذا الإنجيل ليس فيه ~~إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد: التوراة لهذا، والله أعلم. # وقوله: (والحكم) قال بعضهم: (والحكم) أي: فهم ما فيه. # وقال بعضهم: (والحكم): فقه ما في الكتاب؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله: ~~(الكتاب) وبين بقوله: (والحكم) أنه أعطى الحكم الظاهر فيه، والحكم المستخرج ~~منه بالاستنباط والاجتهاد، والله أعلم. # ويحتمل أن يراد بالكتاب: هو ما يتلى فيما بينهم وبين ربهم، والحكم هو ما ~~أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والنبوة) إنما ذكر النبوة؛ لأن النبوة كانت ظاهرة في ~~بني إسرائيل، فإنه ذكر أن في بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورزقناهم من الطيبات) قد كان رزقهم من الطيبات ما ذكر ~~من المن والسلوى، وغير ذلك من الطيبات، ما لا يحصى. # وقوله - عز وجل -: (وفضلناهم على العالمين) قد ذكرنا تفضيلهم على ~~العالمين في موضعه. # وقوله - عز وجل -: (وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون (17) قال بعضهم: (بينات من الأمر) أي: آيات من الأمر. # وقيل: (بينات من الأمر) أي: ما بين لهم من الحلال والحرام والشبه، ونبأ ~~ما كان قبلهم، والله أعلم. # ويحتمل (بينات من الأمر) أي: بيان ما تقع الحاجة إليه من الأمر. # وعندنا (بينات من الأمر) يخرج على وجهين: # أحدهما: (وآتيناهم بينات من الأمر) أي: بينات التكوين ودلالات لما جعل ~~الله لهم في نفس كل أحد من دلالات وحدانيته وألوهيته. # PageV09P222 # أو ما أقام من الآيات في العالم على التكوين يدل على جعل الألوهية ~~والربوبية له. # وقوله - عز وجل -: (فما اختلفوا إلا من ms4113 بعد ما جاءهم العلم) على ما ذكرنا ~~من أمر التكوين؛ أي: ما اختلفوا في صرف الألوهية والوحدانية عن الله - ~~تعالى - إلى غيره (إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي: إلا من بعد ما بين لهم ~~أن الألوهية والربوبية له بالدلالة الواضحة والحجة النيرة، وأن له الخلق ~~والأمر؛ إلا أنه ذكر العلم وأراد به أسباب العلم ودلائله، والله أعلم. # والثاني: يحتمل قوله - تعالى -: (وآتيناهم بينات من الأمر): أمر المجيء ~~من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبيان ما يؤتى وما يتقى، وما لهم وما ~~عليهم. # ثم قوله - عز وجل -: (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) واختلافهم ~~فيما امتحنوا يتوجه إلى وجوه: # أحدها: ما اختلفوا فيما امتحنوا من الدين، أو فيما امتحنوا في اتباع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - والإجابة له إلى ما يدعوهم إليه والطاعة له. # ويحتمل: اختلافهم الذي ذكر الاختلاف في القرآن، أو فيما امتحنوا من ~~التحليل والتحريم. # ثم يخبر الله - تعالى جل وعلا - أنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بالحق في ذلك والبيان أنه من الله، وأن ما هم عليه باطل مضمحل. # ثم أخبر أن اختلافهم إنما هو لبغي بينهم وحسد، حملهم ذلك على الاختلاف ~~فيما بينهم. # ثم أخبر أنه (يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). # ثم قوله - تعالى -: (يقضي بينهم يوم القيامة) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: يجزيهم في الآخرة جزاء اختلافهم في الدنيا. # أو (يقضي): أي: يفصل ويبين لهم يوم القيامة الحق من الباطل، والمحق ~~والمبطل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون (18) يحتمل أن يكون هذا صلة قوله - تعالى -: (وآتيناهم ~~بينات من الأمر) كأنه يقول: وآتيناهم بينات من الأمر، وجعلنا ذلك شريعة لك، ~~فاتبعها أنت وإن لم يتبعوها هم. # والشريعة: هي الملة والمذهب، وهي ما شرع فيه ويذهب إليه؛ كذلك قاله ~~القتبي؛ قال: يقال: شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه، ومنه: مشارع الماء: الفرض ~~التي يشرع فيها # PageV09P223 # الناس والواردة. ms4114 # وقال أبو عوسجة: الشريعة: السنة، والله أعلم. # ثم أخبر أن الذي هم عليه إنما هو هوى النفس، فقال - عز وجل -: (ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون). # يحتمل قوله - تعالى -: (لا يعلمون) لما لم يتأملوا فيه ولم يتفكروا ما لو ~~تأملوا # وتقكروا فيه لعلموا؛ لأنه قد ذكر في أول الآية أنهم إنما اختلفوا من بعد ~~ما جاءهم العلم؛ أي: جاءهم من دلائل العلم ما لو تأملوا ونظروا فيها ~~لعلموا. # والثاني: نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بما علموا وما جعل لهم من ~~العلم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم ~~أولياء بعض والله ولي المتقين (19) أي: لو اتبعت أهواءهم (لن يغنوا عنك من ~~الله)؛ أي: لم يغنوا أولئك عن دفع ما ينزل بك من عذاب الله شيئا، وهو ما ~~قال في آية أخرى: (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا ~~غيره. . .) إلى قوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات. . .) الآية. # ثم أخبر أن الظالمين بعضهم أولياء بعض بقوله: (وإن الظالمين بعضهم أولياء ~~بعض) يحتمل ولاية الدين والمذهب؛ أي: بعضهم يوالي بعضا في الدين. # ويحتمل في غيره؛ أي: يلي بعضهم أمر بعض في الإعانة والنصرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله ولي المتقين) يحتمل: أي: يلي أمور المتقين. # ويحتمل: (ولي المتقين) أي: ناصرهم ومعينهم. # وقوله - عز وجل -: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) سمى ~~الله - تعالى - هذا القرآن: بصائر، وهو ما يبصر به، ومرة: هدى، وبيانا، ~~ورحمة، ونورا، ونحوه، وهو هكذا، هو هدى، وبيان، ونور، وبصيرة لمن اتبعه ~~ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل وقبله. # ويحتمل: (بصائر): بيان يبين لهم أنه من الله، فيبين لهم الحق من الباطل، ~~ويبين ما لهم وما عليهم لمن ذكر (لقوم يوقنون). # * * * # قوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) وخلق الله ~~السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) أفرأيت ~~من اتخذ ms4115 إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا # PageV09P224 # وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26). # وقوله - عز وجل -: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21). # وقال بعض أهل التأويل: نفر من الكفرة قالوا: والله إن كان ما يقوله محمد ~~من الثواب والنعيم في الجنة حقا فنحن أولى بذلك منهم، كما كنا في نعيم ~~الدنيا ولذاتها أولى منهم، ولنعطين أفضل مما يعطون، ولنفضلن عليهم كما ~~فضلنا في الدنيا؛ فأنزل الله - سبحانه وتعالى - في ذلك: (أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات. . .) الآية. # لكن هذا التأويل ضعيف؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جوابا للنازلة التي ذكرها ~~أهل التأويل؛ لأن أولئك قالوا: نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم ~~واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في ~~الآخرة؛ فلا يكون قوله - تعالى -: (أن نجعلهم. . . سواء) جوابا لما قالوا، ~~وهم إنما قالوا: نحن أولى بذلك، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا؛ فإذا ~~كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر ~~عنهم أنهم حسبوا التساوي، ولا خلف في خبر الله - عز وجل - والله أعلم. # لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه، يقول - والله أعلم -: ~~(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء. . .) الآية أي: لو كان الأمر على ما ظن أولئك بأن لا بعث ولا نشور ~~كان في ذلك جعل (الذين اجترحوا السيئات) -أي: الشرك- (كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم)؛ ms4116 لأنهم جميعا قد استووا في هذه الدنيا، في ~~لذاتها، ونعيمها، وشدتها، وآلامها، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما ~~والتمييز، وإنزال كل واحد منهما منزلته، وما يستحقه المسيء العقوبة، وجزاء ~~الإساءة، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه، فإذا جمع بينهما في هذه ~~الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق ~~الثواب والعقاب - والله أعلم - وهو كقوله - تعالى -: (وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا)، لو كان كما ظن أولئك الكفرة ~~أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا ~~على ظنهم، فكذلك قوله تعالى: # PageV09P225 # (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، صير خلق السماوات ~~والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثا باطلا، فهذا أولى وأحق أن يصرف ~~إليه الآية، وعلى ذلك ما ذكر في قوله - تعالى -: (قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير. . .) الآية، وقوله - عز وجل -: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~والبصير والسميع هل يستويان مثلا)، أي: لا يستويان، ولو كان الأمر على ما ~~ظن أولئك أن لا بعث ولا نشور ولا حياة، كان في ذلك استواء بين من ذكر، وقد ~~سوى بينهما في الدنيا، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز؛ إذ لا ~~يجوز التسوية بين الولي والعدو، وقد سوى بينهما في الدنيا؛ فعلم أن المراد ~~به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى، والله الموفق. # ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة ~~والسلامة؛ على قول أكثر المعتزلة أن الله - تعالى - لا يعطي أحدا في الدنيا ~~من كافر أو مؤمن شيئا إلا وهو أصلح له في الدين، ثم على قولهم لا يظهر عفو ~~الله تعالى في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إنما يستوجبون الثواب والجنة ~~بأعمالهم، لا برحمة الله - تعالى - فإذا عفا عن المسيء فلا يعلم أنه كان ~~مستحقا لذلك أو يعفو عنه فضلا. # وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة، فيعرفون فضله وإحسانه ~~وعفوه، وأكثر أصحابنا يقولون: إن جميع ما ms4117 أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له؛ ~~كقوله - تعالى -: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما)، وقوله - عز وجل -: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال ~~وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)، ونحو ذلك ما يخبر أن ما ~~يعطي إياهم يكون شرا لهم، وما أعطى المؤمنين يكون خيرا لهم. # ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال، ولكن ما كان توفيقا منه على ~~الخيرات في نفسها فهو خير له، وما كان خذلانا فهو شر له، وليس على الله حفظ ~~الأصلح لهم؛ على ما يقوله المعتزلة، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة وعدل كما ~~يفعل ما هو إحسان وفضل، والله الموفق. # قال القتبي: (اجترحوا السيئات) أي: اكتسبوها، ومنه قيل لكلاب الصيد: ~~جوارح. # وقوله - عز وجل -: (وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت وهم لا يظلمون (22) كأنه يقول - والله أعلم -: (وخلق الله السماوات ~~والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت) أي: إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل ~~نفس بما كسبت، فلو لم # PageV09P226 # يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أولئك الكفرة أن لا ~~جزاء من الثواب والعقاب؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق؛ على ما ~~ذكرنا، فتبين أنه إنما صار خلقهما بالحق إذا كان هنالك جزاء؛ وهذا يدل على ~~أن الآية الأولى هي في منكري البعث، ليست فيما ذكر أهل التأويل، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ~~(23) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على التحقيق؛ على ما قاله عامة أهل التأويل: أنهم عبدوا كل شيء ~~استحسنوه، فإذا استحسنوا شيئا آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا ~~الثاني، فتلك كانت عادتهم، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم؛ إذ الإله هو المعبود ~~عندهم، وهو التحقيق الذي ذكرنا. # والثاني: على التمثيل، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئا إلا ms4118 ركبوه، لا ~~تمنعهم مخافة الله عما هووه، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا، فصيروا هواهم ~~متبعا، فهو كالإله لهم، لا يتبعون أمر الله، فلا يكترثون له، أو كلام نحوه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأضله الله على علم) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أي: أضله الله على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق، لا أنه ~~أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله؛ أي: قد بين له السبيل ~~وطريق الحق، لكنه باختياره الضلال أضله؛ لما علم منه أنه يختار الضلال ~~والكفر؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار، والله أعلم. # والثالث: أضله الله - تعالى - على علم؛ أي: أنشأ منه فعل الضلال على علم ~~منه بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة)؛ هذا يخرج ~~على وجهين: # أحدهما: أي: غطى قلبه بما هواه، وجعل فيه ظلمة، فتلك الظلمة وذلك الغطاء ~~أوجب غطاء السمع والبصر، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين، وصارت ظلمة ~~البصر وغطاؤه مانعا لهم عن اكتساب التدبر والتفكر. # ويحتمل أن يكون ما هووه مانعا لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو ~~اتبعوا أمر الله - تعالى - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة؛ كقوله - عز ~~وجل -: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)، وكقوله - تعالى -: ~~(أومن كان ميتا فأحييناه)، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة ~~الدائمة المدعو # PageV09P227 # إليها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن يهديه من بعد الله) هذا - أيضا - يحتمل وجهين: # أحدهما: حقيقة الهداية، وهو التوفيق والعصمة، فكأنه يقول - والله أعلم -: ~~فمن يقدر دون الله على هدايته وتوفيقه بعد اختياره الضلال. # والثاني: الهدى: البيان؛ فكأنه يقول: فمن يقدر أن يأتي ببيان أكثر وأبين ~~من بعد بيان الله - تعالى - الذي بين له؟ أي: لا أحد يقدر على ذلك (أفلا ~~تذكرون) أي: أفلا تتعظون، أو (أفلا تذكرون) بيان الله أو ما بين لكم، والله ~~أعلم. # ثم الآية في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا؛ لئلا يشتغل بهم، ولا يهم ~~لهم، ولكن يشتغل بغيرهم، ms4119 ويقطع طمعه عن إيمانهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) أي: ما قالوا: ~~ما الحياة إلا حياة الدنيا. # ويحتمل أنهم يقولون: (ما هي) أي: لا حياة إلا الحياة التي دنت منا. # وقوله - عز وجل -: (نموت ونحيا) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: نموت نحن وتحيا أبناؤنا وأولادنا. # والثاني: (نموت) أي: كنا ميتين فحيينا (نموت) بمعنى: كنا أمواتا (ونحيا) ~~أي: فصرنا أحياء، ثم لا حياة بعد تلك الحياة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما يهلكنا إلا الدهر) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: ما يهلكنا إلا مرور الأزمنة والأوقات؛ أي: بسبب مرور الأوقات ~~ينتهي آجالنا، ونبلغ إلى الهلاك، وكذلك قال القتبي: (وما يهلكنا إلا الدهر) ~~أي: إلا مرور السنين والأيام. # والثاني: أن يكون الدهر عندهم عبارة عن الأبد؛ فكأنهم يقولون في قوله: ~~(وما يهلكنا إلا الدهر): وما يهلك أنفسنا إلا الدهر؛ لأن أنفسنا لم تجعل ~~للأبد، ولا للبقاء للأبد، بل جعلت للانقضاء والفناء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) أي: ما هم إلا ~~على ظن يظنون. # والثاني: (وما لهم بذلك) أي: وما لهم بما قالوا: (وما يهلكنا إلا الدهر) ~~- (من علم إن هم إلا يظنون) أي: ما هم إلا على ظن يظنون؛ أي: على ظن يقولون ~~ذلك، لا عن علم، والله أعلم. # PageV09P228 # وقوله - عز وجل -: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن ~~قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) أي: وإذا تتلى عليهم آياتنا في ~~البعث والحياة بعد الموت (بينات) أي: ما يوضح ويبين لهم البعث والحياة بعد ~~الموت. # وقوله - عز وجل -: (ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين)، والإشكال: أنه لماذا ذكر (ما كان حجتهم) وإذ لم يعذروا. # فنقول: الحجة هي التي إذا أقامها الإنسان وأتى بها عذر في ذلك، وما قالوا ~~لم يكن حجة؛ إذ لم ms4120 يعذروا، فيكون معنى قوله: (ما كان حجتهم) أي: ما كان ~~احتجاجهم إلا أن قالوا كذا. # أو نقول: ما كانوا يحتجون إلا أن قالوا كذا. # ثم قوله: (ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين) فيه دلالة ألا يلزم المسئول أن ~~يأتي بحجة وآية يختارها السائل ويشتهيها، لكن يلزمه أن يأتي بما هو حجة في ~~نفسه، ويلزمه الاتباع بها، فأما أن يلزم على ما يختاره السائل أو يتمناه ~~فلا، وقد أتاهم الله - تعالى - من الآيات والحجج ما ألزمهم القول بالبعث ~~والإقرار به. # ثم أخبر أن الله - تعالى - هو يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر الذي قالوا، ~~وهو قوله: (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) يحتمل قوله: (قل الله يحييكم) أي: يحييكم ~~في قبوركم، (ثم يميتكم) وفيها، (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة). # أو يقول: (الله يحييكم) في ابتداء الأمر، (ثم يميتكم) في الدنيا عند ~~انقضاء آجالكم، (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة). # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أي: ولكن أكثر الناس لا ~~ينتفعون بما يعلمون. # أو يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لما تركوا النظر بالتأمل في أسباب ~~العلم. # * * * # قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون (28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون (29) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك ~~هو الفوز المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ~~فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب ~~فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا ~~لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (33) وقيل اليوم ننساكم ~~كما نسيتم لقاء يومكم هذا # PageV09P229 # ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ~~وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا ms4121 هم يستعتبون (35) فلله ~~الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (37). # وقوله - عز وجل -: (ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يخسر المبطلون (27) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض. # أو (ولله ملك السماوات والأرض)؛ أي: خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في ~~حرف ابن مسعود، رضي الله عنه. # أو يقول: ولله حقيقة ملك السماوات والأرض. # فإن كان التأويل هو الأول فإن له ملك كل ملك في السماوات والأرض، ففيه ~~إخبار وإعلام بليغ أتباع أولئك الملوك، وذوي التعظيم لهم، والإجلال، ~~والخدمة لهم بما في أيديهم من الملك والسلطان وفضل الأموال ألا يصرفوا ذلك ~~إليهم؛ بل فيه الأمر بصرف ذلك كله إلى الله - تعالى - والقيام له بالشكر، ~~لا لأولئك؛ لأن الذي في أيديهم لله - تعالى - وهو الجاعل في أيديهم، ~~والواضع عندهم، فإليه يلزم صرف الشكر والعبادة، والله أعلم. # وإن كان تأويل الملك: الخزائن، ففيه قطع الأطماع عما في أيدي الناس، ~~والأمر بصرف ذلك إلى الله - تعالى - والرجاء منه دون من سواه، والله أعلم. # وإن كان الثالث، وهو أن حقيقة الملك لله - تعالى - ففيه أنه فيما امتحنهم ~~في الدنيا بأنواع المحن لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إلى نفسه، أو لمضرة يدفع ~~عنها، وكذلك ما يثيبهم في الآخرة ويعاقبهم، ليس يفعل ذلك لمنفعة كانت له في ~~الدنيا أو دفع مضرة عنه، ولكن لحكمة أوجبت ذلك لهم وعليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويوم تقوم الساعة) سمى القيامة: ساعة، فجائز أن يكون ~~سماها بذلك؛ لسرعة قيامها، أو نفاذها؛ كقوله - تعالى -: (وما أمر الساعة ~~إلا كلمح البصر أو هو أقرب). # أو أن يكون سماها بذلك؛ لما يكون حسابهم وأمرهم يوم القيامة إنما يكون في ~~ساعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يومئذ يخسر المبطلون) يحتمل: أي: يومئذ يبين خسران ~~المبطلين في الدنيا، وعلى ذلك يبين خسران كل مشتركين في تجارة الدنيا؛ إذا ~~اشتركوا في عمل عند القسمة يتبين خسران عملهم وتجارتهم. # وأصله أن الله - تعالى ms4122 - جعل الدنيا وما أنشأ فيها من الأموال والأملاك ~~رءوس أموال # PageV09P230 # لأهلها يتجرون ويكتسبون بها الربح في الآخرة، وأنه إنما أنشأ الدنيا ~~للآخرة، لا أنه أنشأها لنفسها؛ ولذلك قال: (إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم) الآية، وقال: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله)، ونحوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم ~~تجزون ما كنتم تعملون (28) يحتمل أن يكون ما ذكر من الجثو للركب في الآخرة ~~تعريف لهم وإنباء أنهم يختصمون يوم القيامة جاثين للركب، كما يختصم في ~~الدنيا عند الحكام والأمراء جاثين للركب، والله أعلم. # ويحتمل أن يذكر جثوهم؛ لما لا تقوم بهم الأقدام، أو لا تحملهم؛ لهول ذلك ~~اليوم والخوف فيها؛ فيكونون جاثين للركب ويقومون بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كل أمة تدعى إلى كتابها) يحتمل: (كتابها): كتاب كل في ~~نفسه، وهو كقوله - تعالى -: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)، وقوله - ~~تعالى -: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)، و (أوتي كتابه بشماله) ونحوه. # ويحتمل أن يكون قوله: (كل أمة تدعى إلى كتابها) الذي دعيت كل أمة إليه في ~~الدنيا؛ من نحو القرآن، ونحوه؛ فيقال: يا أهل الإنجيل، يا أهل التوراة، ~~ونحو ذلك، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون (كل أمة تدعى إلى كتابها) أي: إلى حسابها الذي عملت في ~~الدنيا؛ تفسير ذلك ما ذكر: (اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون). # وقوله - عز وجل -: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ... (29) يحتمل الكتاب ~~الذي أضاف إلى نفسه هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق؛ أي: بالحق الذي لله ~~عليهم، وما لبعضهم على بعض. # أو (بالحق) أي: بالصدق بأنه من الله - تعالى - والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكل بالانفراد للذي كتبته ~~له الملائكة مما عملوا من خير أو شر، وهو كقوله - تعالى -: (اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) اختلف في تأويله: # قال بعضهم: إن الحفظة ms4123 تكتب أعمال بني آدم ثم يعارضون ذلك بما في اللوح ~~المحفوظ المكتوب فيه: أن فلانا يعمل كذا وكذا، فلا يؤيد شيء ولا ينقص. # PageV09P231 # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - يقول قريبا من هذا: إن في السماء كتابا ~~عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما ~~يعملون، ثم قال: وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء، والله أعلم. # وقال بعضهم: ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا ~~أرادا أن يصعدا إلى السماء فيعارض كل واحد منهما كتابه الذي كتبه مع كتاب ~~الآخر فلا يخطئ حرفا مما كتب هذا ما كتب الآخر، والله أعلم. # وقال بعضهم: عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فينسخ منه ~~الخير والشر، وما يثاب عليه وما يعاقب، ويلقى ما سوى ذلك مما لا ثواب له ~~ولا عقاب، والله أعلم. # ويحتمل أن يراد من الانتساخ: ابتداء الكتابة من غير أخذ من كتاب أو نحوه، ~~فإنه يجوز أن يستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو ~~غيره، نحو أن يقول الرجل: انتسخته، أي: كتبته، فيكون كأنه قال: (إنا كنا ~~نستنسخ) أي: نكتب ما كنتم تعملون ونثبته عليكم من خير أو شر، فيخرج لهم ~~كتبهم التي فيها أعمالهم، فكانت عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة. # وقال أبو عوسجة: الجاثية هي التي جثت واجتمعت، ويقال: تجاثينا: أي: بركنا ~~على ركبنا للخصومة. # وقال القتبي: جاثية على الركب، يراد: أنها غير مطمئنة. # وقوله - عز وجل -: (تدعى إلى كتابها) أي: إلى حسابها. # وقوله: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) يريد: أنهم يقرءونه فيدلهم ~~ويذكرهم؛ فكأنه ينطق عليهم. # وقوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ) أي: نكتب على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في ~~رحمته ذلك هو الفوز المبين (30) أي: آمنوا بجميع ما كان عليهم الإيمان به ~~والتصديق. # وقوله - عز وجل -: (وعملوا الصالحات) أي: عملوا بما فيه صلاحهم، وما ~~يوجبه الحكمة من العمل (فيدخلهم ms4124 ربهم في رحمته) أي: في جنته، سمى الجنة: ~~رحمة؛ لأنها # PageV09P232 # تنال برحمته، ويدخل فيها. # أو سماها: رحمة؛ لأنها هي النهاية والغاية التي تطلب بالرحمة وتراد بها. # وقوله: (ذلك هو الفوز المبين) الآية. # الفوز: هو الظفر بما يؤمل ويرجو من العمل، أو يقال: الفوز: هو الفلاح ~~الذي لا خوف بعده، والله أعلم. # وقوله: (وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ... (31) كأن فيه ~~إضمارا؛ لأن قوله - تعالى -: (وأما الذين كفروا) إنما هو إخبار عن ~~المعاينة. # وقوله - تعالى -: (أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) خطاب ومشافهة، فليس هو من ~~جواب الأول، ولا من نوعه؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وأما الذين كفروا في ~~الدنيا فيقال لهم في الآخرة إذا طلبوا الرجوع والإقالة أو التخفيف ونحو ~~ذلك: (أفلم تكن آياتي تتلى عليكم) في الدنيا. # ثم يحتمل: آياته: آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على ~~التعذيب، أو آيات قدرته على البعث أو آيات رسالته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين) لا أحد يقصد قصد ~~الاستكبار على آيات الله، لكنهم لما كذبوها وردوا آياته ولم يعملوا بها، ~~فكأنهم استكبروا عليها، وهو كما قال: (لا تعبد الشيطان) ولا أحد يقصد قصد ~~عبادة الشيطان، لكنهم لما عبدوا الأصنام بأمر الشيطان فكأنهم عبدوه. # ويحتمل أن يكونوا استكبروا على رسله؛ فيكون استكبارهم على رسله كأنهم ~~استكبروا على آياته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكنتم قوما مجرمين) قيل: المجرم هو الوثاب في ~~المعصية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) كان عندهم فيها ريب، ~~لكنهم لو تأملوا ونظروا فيما أقام من آياته، زال عنهم الريب الذي كان لهم ~~فيها. # ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقنا، وإن كان الذي ~~يقال له شاكا في ذلك. # والأول أقرب وأشبه. # ثم الناس رجلان في الساعة: # PageV09P233 # موقن بها ومتحقق، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان. # والثاني: ظان ms4125 بها، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون. # ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب ~~أدنى شبهة وشك؛ لذلك ذكر فيه الظن، والله أعلم. # وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب؛ ولذلك ~~وصف الله - تعالى - بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال: إنه موقن؛ لما ~~ذكرنا: أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - والله أعلم - فيتمكن في الإيقان ~~أدنى شبهة وشك، وقد يعمل غالبا لأسباب على حقيقة الأعمال؛ نحو المكره على ~~الشر يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون (33) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: بدا لهم أن الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة؛ لأنهم ~~عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات. # والثاني: (وبدا لهم سيئات ما عملوا) أي: ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ~~ما عملوا في الدنيا والآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) أي: نزل بهم، ووجب ما ~~كانوا يستعجلون من الرسل، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم؛ لأنهم كانوا ~~يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن، ولا نازل بهم ما كانوا ~~يوعدونهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين (34) والإشكال: أنهم كيف ينسون يومئذ؟ لأنهم لو ~~كانوا ينسون، لسلموا من العذاب، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين: # أحدهما: كنى بالنسيان عن الترك؛ يقول: اليوم نترككم في النار وفي العذاب ~~كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه. # والثاني: على التمثيل؛ أي: اليوم نصيركم في النار كالشيء المنسي لا يكترث ~~إليكم، ولا يلتفت، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسي، ~~لم تكترثوا إليه، ولم تعملوا له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) جعل الله - تعالى - ~~النار لهم مأوى ms4126 بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل الله - عليهم السلام ~~- وأتباعهم من المنازل، والمراكب، والملابس، وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر ~~لهم يملك إخراجهم # PageV09P234 # من تلك النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، والله أعلم. # ثم أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم ونزل بهم إنما كان بما ذكر من اتخاذهم ~~آيات الله هزوا في الدنيا، هزوا بها وسخرا بالرسل، عليهم السلام. # ثم آيات الله يحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته ~~وسلطانه على البعث، أو آيات رسالة الرسول، عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (وغرتكم الحياة الدنيا ... (35) قد ذكرنا فيما تقدم ~~معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا، وإضافته إليها وإن لم يكن منها على ~~التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنسب فعل التغرير إليها، ~~هي غرتهم، وقد ينسب الفعل إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ~~ذلك؛ نحو قوله - تعالى -: (والنهار مبصرا)، أي: يبصر به، وذلك كثير في ~~اللغة. # أو يقال: إن ما كان منها، لو كان ذلك ممن يحتمل التغرير ويملك ذلك كان ~~تغريرا، والله أعلم. # وقوله: (فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون) اختلف في قوله: (ولا هم ~~يستعتبون): قال بعضهم: إنهم يعاتبون إلى أن يدخلو! النار: إنكم فعلتم كذا، ~~وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا؟ فإذا دخلوا النار يترك العتاب ويجعل كالشيء ~~المنسي فيها، والله أعلم. # وقال بعضهم: (ولا هم يستعتبون) أي: لا يسترجعون إلى ما يطلبون من العود ~~والرجوع إلى العمل الصالح؛ لقولهم: (ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل. . .) الآية. # ثم في قوله: (إن نظن إلا ظنا)، وقوله: (ورأى المجرمون النار فظنوا. . .) ~~الآية، وقوله - عز وجل -: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) - دلالة ألا يجب ~~أن يفهم على ظاهر ما خرج الخطاب؛ لأنه ذكر الظن في المؤمنين، والمراد به: ~~الإيقان، لا ظاهر الظن، وذكر في الكافرين الظن وأريد به الحقيقة، ولا يجوز ~~أن يفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يفهم من هذا ms4127 غير الذي فهم من ~~الآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) ~~إن جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له فإنما ذكر لأحد شيئين: # أحدهما: بما يستحق من الثناء بتعاليه عن جميع معاني الخلق وأوصافهم. # PageV09P235 # والثاني: بما يستحق من الثناء بتفضله عليهم بالنعم والإحسان الذي منه ~~إليهم، وهو ما قال: (الحمد لله رب العالمين)، و (الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض)، ونحو ذلك، والله أعلم. # وأصل آخر: أنه إذا أضيفت كلية الأشياء إلى الله - تعالى - ففيه وصف له ~~بالعظمة والجلال وإذا أضيفت جزئية الأشياء إليه وخاصيتها، فإنما فيه تعظيم ~~تلك الخاصية المضافة إليه، وفي قوله - تعالى -: (فلله الحمد رب السماوات ~~ورب الأرض رب العالمين) إضافة كلية الأشياء إليه والخاصية والجزئية، ففيه ~~الأمران جميعا، فإن قوله - عز وجل -: (فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض) ~~إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصيته، وقوله - عز وجل -: (رب العالمين) إضافة ~~كلية الأشياء إليه، والله أعلم. # وقد تقدم ذكر الرب في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ~~(37) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: وله الوصف بالكبرياء والعظمة على أهل السماوات وأهل الأرض أن ~~يصفوه بالكبرياء والعظمة. # أو: من حقه على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة ~~والجلال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو العزيز الحكيم) أي: هو العزيز الذي لا يلحقه الذل ~~بخلاف الخلق له ولا بعصيانهم. # أو (وهو العزيز) بما به يتعزز من أعز دونه، ومن وصف بعز دونه، فذلك راجع ~~في الحقيقة إليه، (الحكيم) الذي وضع كل شيء موضعه، أو الحكيم الذي لا يلحقه ~~الخطأ في التدبير، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV09P236 ### | سورة الأحقاف # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا ~~معرضون. قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم ms4128 ~~شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين. ~~ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6). # قوله - عز وجل -: (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) قد ~~ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ... ~~(3). # قوله - عز وجل -: (إلا بالحق) أي: ما أخلق السماوات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق الذي صار به إنشاء ذلك وخلقه حكمة؛ لأنه لو كان الأمر على ما ظن ~~أولئك الكفرة وتوهموا بأن لا بعث ولا جزاء من ثواب وعقاب كان إنشاء ما ذكر ~~من السماوات والأرض وخلق ذلك كله - عبثا باطلا على ما تقدم ذكره في غير ~~موضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) يحتمل (عما أنذروا ~~معرضون) وجوها: # أحدها: أي: بما ألزمهم من النظر والتفكر فيما ذكر من خلق السماوات ~~والأرض، وما أنشأ فيهما من المنافع، وجعل ذلك لهم آية، لم يفعل ذلك كله ~~عبثا باطلا، ولكن لعاقبة تقصد، ولأمر يراد؛ إذ عرفوا بعقولهم: أنه لا يجوز ~~خلق الخلق على أن يهملوا ويتركوا سدى لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يمتحنون، ~~فأعرضوا عما ألزمهم من النظر والتفكر في ذلك فهم معرضون إعراض ترك النظر ~~والتفكر، والله أعلم. # والثاني: ما أنذروا بما نزل بمن تقدمهم من مكذبي الرسل، عليهم السلام. # والثالث: بما أنذر وأوعد لهم من العذاب في الآخرة، فهم معرضون عن ذلك ~~كله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن ~~كنتم صادقين (4) يحتمل أن يكون ما ذكر كله موصولا بعضه ببعض. # PageV09P237 # ويحتمل أن يكون بعضه مفصولا عن بعض. # فإن كان على الوصل، فكأنه يقول: أرأيتم ما تعبدون من دون الله من الأصنام ~~وتدعونها ms4129 آلهة: هل خلقوا مما لكم من المنافع، ومما به حياتكم وقوامكم ~~ومعاشكم مما يخرج من الأرض، أو هل ينزلون لكم من المنافع التي جعلت لكم في ~~السماء من الأمطار وغيرها. # أو هل أتاكم كتاب من عند الله فيه أنه أمركم بعبادة من تعبدونه (أو أثارة ~~من علم) هو يخرج على وجهين: # أحدهما: أو جاءكم من الحكماء الأولين المتقدمين كتاب أو قول فيه الأمر ~~بذلك، واستخرجتم من العلوم ذلك؛ ففعلتم به؟ يقول - والله أعلم -: إن ~~الأسباب التي تحمل الناس على العبادة والخدمة لهم هذه الوجوه: إما منافع ~~تتصل بهم منهم مما به قوامهم ومعاشهم وحياتهم وإما كتاب من الله - تعالى - ~~فيه حجة لهم، وأمر لهم في ذلك، أو كتاب من الحكماء والرسل يأمرون لهم، وهم ~~قوم لا يؤمنون بالرسل، ولا بالكتاب، وليست لهم علوم مستخرجة من العلوم، ~~يقول: ليس لكم شيء مما ذكر من الأسباب والعلوم فبم عبدتموها؟ وكيف اخترتم ~~عبادتها على عبادة من عرفتم أن ما به قوامكم وحياتكم منه؟! والله أعلم. # وإن كان مفصولا من بعض فيكون كأنه يقول: (أروني ماذا خلقوا من الأرض) من ~~المنافع وغيرها، (أم لهم شرك) فيما ذكر؟ فإن قالوا: قد خلقوا ما ذكر، ولهم ~~شرك فيما ذكر، فقل لهم (ائتوني بكتاب من قبل هذا) من كتاب الحكماء أو ~~العلوم المستخرجة من العلوم (إن كنتم صادقين) أنهم خلقوا ما ذكرتم، أو لهم ~~شرك فيما ذكر - والله أعلم - وقد علموا أنهم لا يقدرون أن يرونه ما ذكر؛ ~~لما لم يكن لهم من هذه الأسباب شيء؛ إذ هي أسباب العلم، وقد عجزوا عن ذلك ~~كله. # ثم قوله - عز وجل -: (أو أثارة من علم) قال بعضهم: أو خاصة من علم. # وقال بعضهم: أو بقية من علم أوائلهم؛ وهو قول القتبي؛ أي: بقية من علم ~~يؤثر عن الأولين، ويقرأ (أثرة) و [(إثارة)]، وأصله ما ذكرنا من الوجهين: # أحدهما: كتاب الحكماء والرسل. # والثاني: العلوم المستخرجة من سائر العلوم. # PageV09P238 # وقال بعضهم: (أو أثارة من علم) هو الخط؛ وهو قول ابن عباس، ms4130 رضي الله عنه. # وذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كان نبي من الأنبياء - ~~عليهم السلام - يخط، فمن صادف مثل خطه علم ". # وقال أبو عوسجة: (أو أثارة من علم) أي: قديم من علم، قال: ذا الأثارة: ~~الشحم القديم. # وقيل: (أو أثارة من علم) أي: رواية عن الأنبياء عليهم السلام. # ثم ذكر سفههم وبين نهاية تعنتهم، وهو قوله - عز وجل -: (ومن أضل ممن يدعو ~~من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ... (5) لأنه لا يملك إجابته ~~ولا يحتمل ذلك. # والثاني: لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ثم إذا جاء به يوم القيامة أجابه ~~باللعن والتبري، كقوله - تعالى -: (يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا)، وقوله - عز وجل -: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا)، ~~وقوله - تعالى -: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم)، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر تبرى بعضهم من بعض، ولعن ~~بعضهم بعضا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهم عن دعائهم غافلون) لم يكن منهم لهم أمر بذلك ولا ~~دعاء ولا شيء من ذلك، كقوله - تعالى -: (إن كنا عن عبادتكم لغافلين). # وقوله - عز وجل -: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم ~~كافرين (6) هو ما ذكرنا أنه يصير بعضهم لبعض أعداء يتبرءون منهم، ~~ويلعنونهم، ويكفرون بعبادتهم. # * * * # قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم هذا سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من ~~الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم (8) قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به ms4131 فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله # PageV09P239 # كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا ~~وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ~~(14). # وقوله - عز وجل -: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... (7) أي: بينات أنها ~~من الله تعالى. # أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما ~~لله عليهم. # وقوله - عز وجل -: (قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين) يحتمل ~~أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها ~~بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت ~~معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر. # وقوله - عز وجل -: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من ~~الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم (8) هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ~~ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن افتريته ~~فعلي إجرامي)، يقول: علي إثم ذلك وجرمه، وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج ~~والبراهين غايتها، حتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ~~ذلك يقال وينابذ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو أعلم بما تفيضون فيه) أي: بما تخوضون فيه، يقول ~~هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالما ~~بما يسرون ويعلنون. # وقيل: (تفيضون) من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول القتبي. # وقوله - عز وجل -: (كفى به شهيدا بيني وبينكم) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي؛ يشهدون في الآخرة: أنه قد بلغ رسالته. # والثاني: أي: كفى به شهيدا بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من ~~الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من ~~سر وعلانية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms4132 -: (وهو الغفور الرحيم) ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ~~ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - والله أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في ~~السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، والله ~~أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله)، إن كان على # PageV09P240 # حقيقة العبادة فهو صلة قوله: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات. . .) الآية؛ يقول - والله أعلم -: ~~ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات ~~وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، ~~وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، ~~وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئا من ذلك، والله أعلم. # وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: (لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون)، أي: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا ~~يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر ~~قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئا من ~~ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) كأن هذا إنما ذكر - ~~والله أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، ~~فقال عند ذلك: (ما كنت بدعا من الرسل) أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل ~~لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم ~~تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي ~~كانوا من ms4133 البشر؟! والله أعلم. # قال أبو عوسجة: (ما كنت بدعا) أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي. # وقال القتبي: وما كنت بدءا منهم. # وقوله - عز وجل -: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أرسل، وأختص ~~للرسالة، وأختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما ~~أدعوكم إليه، والله أعلم. # والثاني: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) من إخراجي من بين أظهركم ~~وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من ~~بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ~~ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، والله أعلم. # والثالث: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ~~ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما ~~أنعم عليهم، وذهاب # PageV09P241 # ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم - عليه السلام -: (واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام)، وقال شعيب - عليه السلام -: (إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل ~~شيء علما) الآية، وما ذكر في سورة يوسف - عليه السلام -: (ما كان ليأخذ ~~أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله. . .) الآية، وقول يوسف - عليه السلام ~~-: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين)، وقول يعقوب - عليه السلام -: (فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون)، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا ~~مقلب القلوب ثبت # قلوبنا على طاعتك " لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف ~~من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وما أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم) أتغير علي وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم ~~نترك على ذلك؟ وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، والله أعلم. # وذكر بعض أهل التأويل: أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يلقون ms4134 منهم، فقال: " إني لم أومر ~~بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر ~~إلى أرض أخرى ذات. . . " كذا؛ فاستبشروا بذلك، ومكثوا بعد ذلك زمانا لا ~~يرون شيئا مما ذكر، فشكوا إليه ثانيا بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما ~~قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: " إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي ~~من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟ " أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن ~~يكون؛ فإنه لا يظن بأصحابه - رضي الله عنهم - أن يقولوا له: ما نرى الذي ~~قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم: " أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به ~~وحي من السماء "؛ جوابا لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من ~~السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، والله أعلم. # وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم ~~بالخروج من بينهم، والله أعلم. # والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين) ~~ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل # PageV09P242 # على مثله فآمن واستكبرتم ... (10) الآية. # قال بعضهم: إن عبد الله بن سلام آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وشهد أنه رسول الله، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين. # وقال بعضهم: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن ~~سلام، والله أعلم. # والأشبه في هذا أن يكون قوله - تعالى -: (وشهد شاهد من بني إسرائيل) ~~التوراة أو موسى - عليه السلام - على ذلك، كقوله - تعالى -: (ومن قبله كتاب ~~موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا)، شهد كتاب وسول الله ورسوله ~~- عليه السلام - والله أعلم. # ولأن عبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه ms4135 السورة ~~مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) يحتمل أن يكون هذا القول ~~من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات ~~والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك ~~الذي تدعونا إليه خيرا ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات. # وقوله - عز وجل -: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) أي: وإذ لم ~~يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن ~~قولهم: (لو كان خيرا ما سبقونا إليه) بحق الاحتجاج، وقولهم: (فسيقولون هذا ~~إفك قديم) تكذيب منهم ورد لذلك. # ثم قوله: (إفك قديم) يقولون - والله أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي ~~على الله ما يدعي محمد - صلى الله عليه وسلم - من إنزال الكتب عليهم، وبعثه ~~إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا ~~عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) أي: إماما يقتدى به، ورحمة ~~لمن اتبعه في دفع العذاب عنه. # وقوله - تعالى -: (وهذا كتاب مصدق) ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه ~~مصدق لماذا؟ لكن قد ذكر في غير آي من القرآن (مصدقا لما بين يديه)، ثم # PageV09P243 # قوله: (مصدقا لما بين يديه)، يحتمل: أي: موافقا لما لم يحرف ولم يغير من ~~تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد ~~حفظه الله - تعالى - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم ~~يحرف من تلك الكتب، والله أعلم. # وقوله: (لسانا عربيا) أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان ~~العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من الله - تعالى - بلسانه. # وقوله - عز وجل -: (لينذر الذين ms4136 ظلموا وبشرى للمحسنين) فمن قرأ: (لتنذر) ~~بالتاء فتأويله: لتنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء (لينذر) أي: ~~لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (13) الاستقامة تحتمل وجهين: # أحدهما: أي: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على ذلك القول الذي قالوا، ~~وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، والله أعلم. # والثاني: (قالوا ربنا الله ثم استقاموا) بحق الوفاء بالعمل بما أعطوا ~~بلسانهم وقلوبهم (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وقد ذكرناه في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (جزاء بما كانوا يعملون (14) جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم ~~بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، ~~وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه. # * * * # قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ~~ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) ~~والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ~~(17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم # PageV09P244 # بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تفسقون (20). # وقوله - عز وجل -: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ... (15) و (حسنا)؛ ~~كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من ~~البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله ms4137 الذي يفعل بهم. # وقوله - عز وجل -: (حملته أمه كرها ووضعته كرها)، وقال في آية أخرى: ~~(حملته أمه وهنا على وهن)، وقال في آية أخرى: (حملت حملا خفيفا)، أي: إنها ~~في أول ما حملت أحملت، حملا خفيفا، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد. # وقوله - عز وجل -: (وهنا على وهن)، وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف ~~وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت. # وقوله - تعالى -: (حملته أمه كرها ووضعته كرها) في أول ما تحمل تجد كراهة ~~في نفسها إلى وقت وضعها. # والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، ~~وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ~~ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفا فيها ووهنا من أول ~~حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، ~~وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها. # والتأويل الأول على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى ~~الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق ~~بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، ~~والاختلاف إنما يكون في حال واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) اختلف فيه: # قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حملته أمه ~~كرها؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر. # وقال بعضهم: الآية نزلت في الحسن أو الحسين - رضي الله عنهما - وضعته أمه ~~على ما ذكر في المدة. # ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم ~~فذلك في كل إنسان، وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه ~~روي عن عمر - # PageV09P245 # رضي الله عنه - أنه أتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ~~ابن عباس - رضي الله عنه - يا أمير المؤمنين، إن ms4138 الله - تعالى - قد جعل في ~~كتابه مخرجا؛ قال الله - تعالى -: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، ~~وقال: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ ~~بقول ابن عباس - رضي الله عنه - ودرأ عنها الرجم. # وكذلك روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه أتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهم ~~أن يرجمها، فقال له ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم ~~تلا هذه الآية. # وكذلك ذكر عن علي - رضي الله عنه - أن عثمان - رضي الله عنه - لما أمر ~~برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي - رضي الله عنه - فأتى عثمان - ~~رضي الله عنه - فقال له: ما صنعت؟ فقال له عثمان - رضي الله عنه -: وهل تلد ~~المرأة الولد التام لستة أشهر؟ قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية. # فهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك ~~المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، والله أعلم. # ثم روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر ~~أرضعته حولين كاملين؛ لأن الله - تعالى - يقول: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) ~~وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهرا، وإذا وضعته لتسعة أشهر، ~~أرضعته أحدا وعشرين شهرا، فعلى قياس هذا جائز أنها إن وضعته لسنتين أن يكفي ~~رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي ~~حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما ~~يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا. # ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ ~~على ما قال أبو حنيفة - رحمه الله - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع ~~أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام ~~أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ # PageV09P246 # لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، ~~والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام ms4139 من المولود لتسعة أشهر؛ ~~لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله - تعالى -: (حولين ~~كاملين)، هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: (وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا) قال: (وفصاله في عامين)، فإذا كان أقل احتمل الزيادة ~~التي ذكر أبو حنيفة - رحمه الله - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع ~~أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء ~~بالطعام، وعدم الاحتمال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. . .) إلى آخر ما ~~ذكر. # دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا ~~بلغ ذلك المبلغ قال: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي. .) الآية. # ثم قوله - تعالى -: (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) ذكر أول ما يشتد ~~عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك ~~الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة. # وقال أهل النأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ~~ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك ~~يأخذ في النقصان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي) دل قوله: (وعلى والدي) على أن على الرجل شكر ما أنعم على والديه ~~وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد ~~الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضا - فيلزمهم شكر ~~ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته. # وقوله - عز وجل -: (وأن أعمل صالحا ترضاه) هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل ~~هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه. # وقوله - عز وجل -: (وأصلح لي في ذريتي) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف (في) منه؛ كقوله: (هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة)، وقوله - عز وجل -: (فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل ms4140 ~~يعقوب)، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (أوزعني): ألهمني. # وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ~~ومن قولهم # PageV09P247 # أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده ~~مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردا على قولهم؛ لأنهم يسألون ما ~~يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنه لا يملكه، وكذلك قوله: (وهما يستغيثان الله)، ~~ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، ~~وبالله العصمة. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) كأن لهم عملان: ~~حسنات وسيئات، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم، ويجزيهم جزاءها، ويتجاوز عن ~~سيئاتهم ويكفرها، ولا يجزيهم جزاءها؛ فضلا منه ورحمة، والمراد من الأحسن: ~~الحسن، ويجوز ذلك في اللغة. # وقوله - عز وجل -: (وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) أي: ذلك الذي أخبر وذكر ~~أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم، وهو قادر على وفاء الوعد، ومن يكون ~~منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة: # إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد. # أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك. # أو حاجة. # والله - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ للقدرة الذاتية، والغنى ~~الذاتي، والعلم الأزلي، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت ~~القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا ~~إلا أساطير الأولين (17) إلى آخر ما ذكر. # خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - ~~ووالدته فلانة، والآية الأولى في أبي بكر الصديق ووالديه، وهي قوله: ~~(ووصينا الإنسان بوالديه) فيقولون: إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما، والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر له ~~به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه، وعبد الرحمن ابنه قد ms4141 عصى والديه ~~وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا [رديا]؛ حيث قال: (أف لكما ~~أتعدانني أن أخرج) من القبر وأحيا (وقد خلت) من قبلي من القرون فلا أراهم ~~بعثوا، ونحو ذلك من الكلام. # إلا أن هذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة - ~~رضي # PageV09P248 # الله عنهم - فالظاهر أنه لم يكن منه مثل هذه المجادلة؛ ولأن أهل التأويل ~~قالوا: إنه كان قال لوالديه: إن كان ما تقولون حقا أخرجوا فلانا وفلانا؛ ~~ذكر نفرا من أجداده، فقال: (أولئك الذين حق عليهم القول. . .) الآية، ولا ~~يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدم من القول؛ لأنه في وجوب ما ذكر -وهو ~~استحقاق العذاب عليهم- منع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا ~~يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم؛ إذ هم لا يؤمنون؛ ألا ترى أن الله - ~~تعالى - قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه). # لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من ولد بني آدم مع والديهما: أطاع ~~أحدهما والديه وأجابهما إلى ما دعواه إليه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما ~~دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما فاستغاث والداه ممن عصاهما وخالفهما في ~~أمرهما وقالا ما ذكر في الآية، وقال من أجابهما ما ذكر، وهو كما ذكرنا في ~~قوله - تعالى -: (حملت حملا خفيفا)، صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى ~~آدم وزوجته حواء - عليهما السلام - وقلنا نحن: جائز أن يكون هذا في كل والد ~~ووالدة يقولان ما ذكر ويدعوان إلى ما ذكر، فلما آتاهما ما ذكر من الصلاح ~~كانا ما ذكر، فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ~~ولد مع والديه: من أجاب والديه ومن عصاهما - والله أعلم - فلا تصرف الآية ~~إلى من ذكروا إلا ببيان من الله - تعالى - على لسان رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أنها في كذا وكذا، وفي فلان وفلان، على طريق التواتر، فعند ذلك ~~يقال ما قالوا، فأما إذا لم تثبت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف ~~عن ذلك أسلم، والله أعلم. ms4142 # ودل قوله: (وهما يستغيثان الله ويلك آمن) أن عند الله لطفا لو أعطى ذلك ~~لآمن. # وقوله: (وهما يستغيثان الله ويلك آمن) أي:، فيقولان: (ويلك آمن)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ~~(19) من خير أو شر (وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون) أي: ليوفينهم أجر ~~أعمالهم، وجزاء أعمالهم من خير أو شر (وهم لا يظلمون) أي: لا ينقصون من ~~خيراتهم، ولا يزداد لهم في سيئاتهم. # وقوله - عز وجل -: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في ~~حياتكم الدنيا)، وقال في آية أخرى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس ~~هذا بالحق) وقال في آية أخرى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا)، ونحوها؛ ~~يذكرهم بهذه الآيات وأمثالها؛ ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من ~~العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء ~~بآياته؛ لينزجروا عن ذلك. # ثم قوله - عز وجل -: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) ~~يخرج على # PageV09P249 # وجهين: أحدهما أذهبتم طيباتكم التي أعطيتموها في منافعكم وأتلفتموها ولم ~~تؤدوا شكرها، ولم تقوموا بوفائها، والله أعلم. # والثاني: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي: أتلفتموها، ولم تكتسبوا ~~بها الطيبات الموعودة في الآخرة والنعم الدائمة، فكل ما أعطى في هذه الدنيا ~~من الأموال إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزودوا بها، ~~ويجعلوها زادا للآخرة، فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف، وجعل في غير ~~ما جعل، وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال الله - تعالى -: (وما الحياة ~~الدنيا إلا لعب ولهو)، وكذا ذكر: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح)، فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزود ~~لها فهي لحياة الدنيا، وهي لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح فيها صر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاليوم تجزون عذاب الهون) أي: عذاب تهانون فيه، ~~يهينكم ذلك العذاب. # وقوله - عز وجل -: (بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) يحتمل ~~استكبارهم الذي ذكر على الرسل، ms4143 استكبروا على الرسل فتركوا اتباعهم، ~~فاستكبروا على آياته. # وقوله - عز وجل -: (وبما كنتم تفسقون) والفسق هو الخروج عن أمر الله ~~تعالى. # * * * # قوله تعالى: (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين ~~يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) ~~قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) ~~قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) ~~فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم ~~به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين (25) ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ~~(26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون (28) # وقوله - عز وجل -: (واذكر أخا عاد). # هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: اذكر نبأ أخي عاد، وهو هود - عليه السلام - بما عامله قومه ~~من سوء # PageV09P250 # المعاملة، وما قاسى هو منهم؛ لتتسلى بذلك عن بعض ما عامل به قومك معك، ~~والله أعلم. # والثاني: واذكر نبأ عاد بما نزل بهم من العذاب والاستئصال بتكذيبهم ~~الرسل، والاستكبار عليهم، والاستهزاء بهم؛ لتحذر به قومك في تكذيبك ~~والاستهزاء بك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ أنذر قومه بالأحقاف) أي: خوف قومه بالأحقاف. # وقد اختلف في تأويل الأحقاف: # قال بعضهم: هو اسم أرض خوفهم بنزول العذاب هنالك. # وقال بعضهم: هي جبال من رمل مستطيلة مرتفعة. # وقال القتبي: الأحقاف: واحده: حقف، وهو الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال ~~وانحنى. # وقال أبو عوسجة: الأحقاف: رمل بشحر عمان، وهي منازل عاد فيما زعموا وشحر ~~تلاوة. # وقيل: الحقف: تل معوج. # وقال بعضهم: الأحقاف: الجبل حين نضب الماء ms4144 زمان الغرف كان ينضب عن المكان ~~من الجبل ويبقى أثره، وينضب من مكان أسفل من ذلك ويبقى أثره دون ذلك؛ فذلك ~~الأحقاف. # وقيل - أيضا -: الأحقاف: جبل بالشام. # وقيل: هو المكان الذي كان منازل عاد ومقامهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا ~~الله) أي: خلت الرسل من قبل هود ومن بعده، عليه الصلاة والسلام. # وقوله - عز وجل -: (ألا تعبدوا إلا الله) كأن الخطاب بهذا وقع للكل؛ ~~يقول: ثم الرسل - عليهم السلام - ينذرون قومهم بأنواع العذاب عند تكذيبهم ~~إياهم، ولم يزل الرسل - عليهم السلام - من قبل ومن بعد، دعوا الناس إلى ~~عبادة الله - تعالى - ونهوهم عن عبادة غيره. # وقوله - عز وجل -: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) يحتمل قوله: (أخاف # PageV09P251 # عليكم) حقيقة الخوف؛ لما لم ييئس من إيمانهم واتباعهم إياه؛ لذلك لم يقطع ~~فيهم القول بنزول العذاب بهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون الخوف هو العلم حقيقة؛ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم ~~عظيم إن ختمتم على ما أنتم عليه، وقد يذكر الخوف في موضع العلم. # وقوله: (قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ... (22) أي: قالوا لهود - عليه ~~السلام -: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا. # وقال بعضهم: لتردنا عن عبادة آلهتنا. # وقال بعضهم: لتكذبنا في آلهتنا، والإفك: الكذب؛ وكله واحد. # وأصل الإفك: الصرف؛ كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) كانوا يقولون ~~ذلك استهزاء به منهم، ولم يزل الكفرة يسألون ويستعجلون العذاب الذي كانوا ~~يوعدون استهزاء منهم وتكذيبا بما يوعدون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني ~~أراكم قوما تجهلون (23). # أجابهم هود - عليه السلام - أن العلم بنزول العذاب ووقته عند الله، ~~وأبلغكم ما أرسلت به من الدعاء إلى توحيد الله - تعالى - والنهي عن عبادة ~~غيره. # أو يقول: أبلغكم ما أمرت من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلغكم أنه ~~متى ينزل بكم؟ لما لم أومر ms4145 به. # وقوله - عز وجل -: (ولكني أراكم قوما تجهلون) دين الله، أو تجهلون آيات ~~الله وقبولها، أو تجهلون نعم الله وإحسانه، أو تجهلون أمر الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ~~ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24). # قال بعضهم: العارض: السحاب، فقالوا: هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض ~~الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحابا، ولكن كانت ريحا، ~~لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب الممطر؛ لذلك، (قالوا هذا عارض ~~ممطرنا). # وقوله - عز وجل -: (بل هو ما استعجلتم به) كأن هودا - عليه السلام - قال ~~لهم: ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حيث: قلتم: ~~(فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) هو ريح فيها عذاب أليم. # ثم وصف تلك الريح فقال كما أخبر الله - تعالى - بقوله - عز وجل -: (تدمر ~~كل شيء بأمر ربها ... (25) يخرج قوله: (تدمر كل شيء بأمر ربها) على وجهين: # PageV09P252 # أحدهما: تدمر كل شيء أرسلت وأمرت بتدميره، لا تجاوز أمر ربها، ولا تدمر ~~ما لم ترسل ولم تؤمر بتدميره؛ كقوله - تعالى -: (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) هذه الآية ~~تفسر قوله: (تدمر كل شيء) أتت عليه وأمرت بتدميره، فأما ما لم تؤمر بتدميره ~~فلا؛ على ما ذكر في تلك الآية، والله أعلم. # والثاني: (تدمر كل شيء) أي: عند من عاينها وتأملها عنده أنها تدمر كل ~~شيء، لا تبقي شيئا على وجه الأرض؛ لشدتها وقوتها، لكنها لا تجاوز أمر ربها؛ ~~ألا ترى أنها لا تدمر هودا وأتباعه، وهم فيهم وبقرب منهم، وهو كقوله - ~~تعالى -: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) أي: يأتيه أسباب الموت وما ~~به يموت لو كان فيه أمر الموت، فعلى ذلك قوله - تعالى -: (تدمر كل شيء) أي: ~~تدمر كل شيء عند من عاينها ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر ~~بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ms4146 ربها؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (فأصبحوا لا ~~يرى إلا مساكنهم) في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم ولم تدمرها، ~~وكذلك قال في آية أخرى: (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) قال بعضهم: ~~إنهم لما التجئوا إلى مساكنهم وهربوا منها كانت تدخل الريح مساكنهم وتخرجهم ~~منها فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى. # وقال بعضهم: تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تلقيهم في أفنيتهم؛ على ما وصف، ~~وشبههم بأعجاز نخل منقعر، فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم ~~وإبقائهم في الفيافي، لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، وكذلك إذا ~~عملت في نزع المفاصل وقطعها ففي نقض البنيان والمساكن أولى، ومع ذلك لم ~~تعمل في هدم مساكنهم؛ فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. . .) الآية. # يحتمل: (لا يرى إلا مساكنهم) وجهين: # أحدهما: أي: لم تترك الريح من عاد ومما لهم إلا مساكنهم التي ذكر. # والثاني: (لا يرى إلا مساكنهم) إلا آثار مساكنهم. # فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها، وعلى التأويل الآخر: ~~تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها. # وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله - تعالى -: ~~(تدمر كل شيء بأمر ربها)، فالأول على التأويل الأول في قوله: (تدمر كل شيء) ~~أرسلت وأمرت # PageV09P253 # بتدميره، ولم تؤمر بتدمير مساكنهم، فبقيت، والتأويل الثاني على التأويل ~~الثاني في قوله: (تدمر كل شيء) عند من عاينها ونظر إليها؛ لشدتها وقوتها، ~~فتدمر مساكنهم - أيضا - فلا ترى إلا آثارها، لكن سماها: مساكن باسم ما قد ~~كان، وأنه أمر مستعمل في عرف لسان اللغة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كذلك نجزي القوم المجرمين) كأن المجرم هو الذي يديم ~~اكتساب الجرم والإثم. # وقال بعضهم: هو الوثاب في الجرم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ms4147 بهم ما كانوا به يستهزءون (26) يرجعون (27) ~~اختلف فيه: # قال بعضهم: (إن) هاهنا في موضع " لم " كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما لم ~~نمكن لكم من القوة، والشدة، والعقل، والبصيرة، وغير ذلك، وذلك قوله - تعالى ~~-: (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء) أي: قد مكنا عادا فيما ذكرنا ما لم نمكن لكم يا أهل مكة في ~~ذلك؛ ثم إذا أتاهم عذاب الله بتكذيبهم الرسل لم يملكوا دفع عذابه، فأنتم ~~حيث لم نمكن لكم ذلك أحرى ألا تملكوا دفع عذابه إذا نزل بكم بتكذيبكم ~~الرسول، عليه الصلاة والسلام. # قال بعضهم: إن حرف (إن) صلة زائدة؛ فيكون تقدير الآية كأنه يقول: ولقد ~~مكناهم فيما مكناكم فيه مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد، ثم لم يملكوا ~~دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم لا تملكون - أيضا - دفعه عن أنفسكم، وكان لهم ~~ما لكم مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء) على التأويل الأول؛ حيث ذكرنا أنهم مكنوا ~~ما لم يمكن هؤلاء، يكون ما ذكر من السمع والبصر والفؤاد لا يراد به أعيانها ~~حقيقة، لكن السمع يكون كناية عن العقل؛ كقوله - تعالى -: (أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون)، ذكر السمع، ثم فسر به العقل، ويكون قوله: (وأبصارا) ~~أريد به: البصائر، فالبصر يذكر ويراد به البصيرة؛ إذ قد وصفهم الله - تعالى ~~- بذلك بقوله: (وعادا وثمود. . .) إلى قوله: (وكانوا مستبصرين)، ويكون ~~قوله: (وأفئدة) كناية عن القوى؛ فالفؤاد يكنى به عن القوة؛ يخبر - تعالى - ~~أنهم مكنوا من العقل والبصيرة والقوة ما لم تمكنوا # PageV09P254 # أنتم يا أهل مكة، ثم لم يقدروا على دفع عذاب الله إذا نزل بهم، فأنتم كيف ~~تملكون دفعه، وليس لكم تلك الأسباب؟! # وعلى التأويل الثاني، كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع، والبصر، ~~والفؤاد؛ فيكون معناه ما ذكرنا: أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم، ثم هم لم ~~يقدروا على دفع ms4148 ما حل بهم من العذاب، فأنتم لم تقدروا أيضا بها، والله ~~أعلم. # ثم بين الله - سبحانه وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب؛ حيث قال: ~~(إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) وكان ~~استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب، ومرة كانوا ~~يستهزئون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا، والله أعلم. # ثم عذب عادا بالريح التي وصفها الله - تعالى - في سورة الحاقة، وذكر ~~فيها؛ حيث قال: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية)، أي: شديدة عادية ~~(سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما. . .) الآية، وقال في آية أخرى: ~~(وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم ~~يرجعون (27) خلق الله - تعالى - البشر على طبع وبنية وحال يحذرون ما ينزل ~~بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها، ويتعظون بغيرهم؛ فكأنه يقول: احذروا صنع ~~الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا ~~حولكم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل ~~بهم مثل ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم؛ يحذرهم ما ~~نزل بأولئك الذين أهلكوا حولهم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما ~~عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك؛ والله أعلم. # وقوله - عز جل -: (وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون)، قوله: (وصرفنا الآيات) ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما ~~يعلمهم ذلك، ويخبرهم على صدقهم، فردوها وكذبوهم بها، فعند ذلك أهلكناهم، ~~فعلى ذلك جعلنا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من الآيات ما تعلمكم يا أهل ~~مكة وتخبركم عن صدقه، وتدلكم على رسالته، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما ~~نزل بهم، والله أعلم. # والثاني: (وصرفنا الآيات) أي: نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل ~~بأولئك ونزل بهم بتكذيب الرسل، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من ~~بلغه ذلك الخبر، واتصل به # PageV09P255 # ما نزل ms4149 بأولئك الرجوع عن مثل صنيعهم، ومثل معاملتهم. # فأحد التأويلين يرجع إلى انتشار ما نزل بأولئك في الآفاق؛ ليرجعوا عن ~~ذلك؛ فيصير ذلك آية لهم؛ فيحملهم على الرجوع عن صنيع أولئك؛ ليرجعوا عن ~~ذلك. # والثاني: إخبار أنه جعل لكل رسول ونبي آية على صدقه، ودلالة على رسالته؛ ~~أي: لم يهلكهم إلا بعد لزومهم التصديق لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ~~ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) هذا يخرج على وجهين، أحدهما: ~~يرجع إلى الله - تعالى - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها ~~آلهة: # فأما الذي يرجع إلى الله تعالى يقول: لولا نصرهم الله؛ أي: هلا نصرهم ~~الله عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم ~~إلى الله زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - والله أعلم -: لو كان ظنكم حقا ~~أن ذلك مما يقربكم إلى الله هلا نصركم الله عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر ~~الله - تعالى - أولئك بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، ~~والله أعلم. # والثاني: يقول - والله أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند ~~الله - تعالى - على ما زعمتم هلا نصروا أولئك ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، ~~وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ~~ذلك عنكم إذا نزل بكم ما نزل بأولئك، والله أعلم. # وتفسير (فلولا) هاهنا: هلا، وهلا تستعمل في الماضي؛ فيكون معناه: لم ~~تفعل؛ أي: لم تنصرهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل ضلوا عنهم) أي: ضل هؤلاء عنها. # أو ضل الأصنام عنهم، فلم يكن لهم منهم ما طمعوا ورجوا بسبب عبادتهم ~~إياها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذلك إفكهم وما كانوا يفترون) يحتمل أن يكون إفكهم ~~وافتراؤهم هو قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، ونحوه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا ~~سمعنا كتابا ms4150 أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس ~~له من دونه أولياء # PageV09P256 # أولئك في ضلال مبين (32). # وقوله - عز وجل -: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما ~~حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ... (29) أي: فرغ من قراءته (ولوا إلى قومهم ~~منذرين). # قال بعضهم: إن النفر من الجن والإنس، والنذر من الإنس، فإن كان ما ذكر ~~فجائز على هذا أن يكون النفر الذي ذكر أنه صرفهم إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ليستمعوا القرآن منه هم النذر، يدل على ذلك قوله: (ولوا إلى ~~قومهم منذرين). # وفي ظاهر قوله - تعالى -: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا)، أن قد يكون من الجن الرسل كما يكون ~~من البشر، إلا أن يقال بأنه قد يذكر الاثنان والمراد به أحدهما، وذلك جائز ~~في اللغة؛ كقوله - تعالى -: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، وإنما يخرج من ~~أحدهما وهو الملح، فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم يحتمل (صرفنا إليك نفرا من الجن) أي: ألهمنا وقذفنا في قلوبهم حتى ~~صاروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوجهوا إليه؛ ليستمعوا القرآن ~~منه. # ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أعطوا معرفتها بالتوجه إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليستمعوا منه القرآن؛ لأنه قال - عز وجل - على إثره ~~خبرا عنهم: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه ... (30) هذا يدل على أنهم قد عرفوا الكتب قبل هذا الكتاب؛ حيث ~~قالوا: (سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه) فجائز أن يكونوا ~~أمروا بتلك الكتب استماع هذا الكتاب والعمل به. # ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقون السمع إلى السماء ~~فيستمعون أخبار السماء، ثم ينزلون فيخبرون أهل الأرض بذلك؛ ليكون العلم لهم ~~بذلك ms4151 من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31). # فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن النفر الذين حضروا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد ~~لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل ~~على ذلك، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي الله - تعالى - وحذرهم مخالفته، وأنه ~~يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل، وهو ~~ما قال - عز وجل -: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، ~~فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهرا مشهورا في # PageV09P257 # الإنس والجن؛ حيث ذكر ما ذكرنا وألزمهم الإجابة والحذر، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (أجيبوا داعي الله) يحتمل الإجابة له في الاعتقاد ~~والإيمان به. # ويحتمل في المعاملة في كل أمر، وفي كل شيء، فكذلك قوله: (ومن لا يجب داعي ~~الله ... (32) فيما دعاه (فليس بمعجز في الأرض) أي: ليس بسابق ولا هارب من ~~عذابه؛ يقول - والله أعلم -: أن ليس يقدر أحد التخلص من عذابه بهربه منه ~~والفرار عنه كما يقدر الفرار والهرب بعض من عذاب بعض في الدنيا ربما؛ ولذلك ~~ما قال: (وليس له من دونه أولياء) أي: ليس لهم من دونه أولياء ينفعونه ~~ويدفعون العذاب عنهم كما يقوم بعض في دفع ما يلحقهم من البلايا والشدائد في ~~الدنيا؛ إذ ليس قوله: (وليس له من دونه أولياء) وأن لا ولاية لهم؛ إذ قال ~~في موضع آخر: (بعضهم أولياء بعض)، ولكن لا تنفع ولايتهم يومئذ كما لا تنفع ~~في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك في ضلال مبين) أي: من لم يجب داعي الله فهم في ~~ضلال مبين. # * * * # قوله تعالى: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار ms4152 أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم ~~يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون (35) # وقوله - عز وجل -: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض. . .) ~~الآية. # والإشكال: ما معنى قوله: (أولم يروا)، وهم لم يشاهدوا خلقهما، ولم يروا، ~~لكن قال بعضهم: أي: أولم يخبروا؟ # وقال بعضهم: أولم يعلموا؟ أي: قد أخبروا وعلموا؛ ذكر هذا لأنهم كانوا ~~مقرين جميعا أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض. # ثم قوله - عز وجل -: (ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى) ويقول - ~~والله أعلم - أي: لما علموا أن الله - سبحانه وتعالى - هو خلق السماوات ~~والأرض، ولم يضعفه خلق ما ذكر، ولم يعجزه ذلك عن تدبير ما يحتاج ذلك إليه ~~من الإمساك والقيام بما به قوام ما خلق فيهن من الخلائق وإصلاحهم، فإذ لم ~~يعجز عما ذكره لا يحتمل أن يكون عاجزا عن إحياء الموتى، أو عن شيء ألبتة. # أو يقول: حيث لم يعي؛ ولم يظهر فيه الضعف في خلق ما ذكر، ثم لا أحد يملك ~~أن # PageV09P258 # يعمل عملا إلا ويظهر فيه الضعف، فإذا لم يعجز ولم يضعف في خلق ما ذكر؛ دل ~~ذلك على أنه إنما لم يضعفه؛ لأن قدرته ذاتية، ومن كانت قدرته ذاتية لا ~~يعجزه شيء، فأما غيره إنما يعمل بأسباب فيقدر على العمل على قدر الأسباب ~~ويعجز ربما عنه، والله أعلم. # أو يقول: إذ قد عرفتم أن الله - تعالى - هو خلق السماوات والأرض، ثم لا ~~يحتمل أن يخلقهما عبثا باطلا؛ إذ لو لم يكن بعث كان خلقهما باطلا عبثا، ~~وأصله ما ذكرنا بدءا: أن من قدر على إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وما ~~فيهما بلا احتذاء تقدم ولا استعانة بغير، ثم الإمساك والقوام على التدبير ~~الذي دبر إلى آخر الدهر، لا يحتمل أن يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (بلى إنه على كل شيء قدير)؛ لأنه ms4153 قادر بذاته، لا بقدرة ~~مستفادة. # قال أبو عوسجة والقتبي: قوله: (ولم يعي بخلقهن) يقال: عييت بهذا: أي: لم ~~أحسنه، ولم أقو عليه. # وقوله - عز وجل -: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) مرة قيل لهم: (ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى)، ومرة قيل لهم: (أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا) يقص هذا عليهم يومئذ ~~ليعترفوا بالذي كانوا ينكرون في الدنيا؛ لأنهم كانوا ينكرون في الدنيا ~~الرسل والآيات، وكانوا ينكرون كون البعث وعذابه، فيعرضون على النار، فيقال ~~لهم: هذا الذي وعدتم في الدنيا، أليس هو حقا؟ فيعترفون ويقولون: (بلى ~~وربنا) فيقال لهم: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) في الدنيا، والله أعلم. # وقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون (35) يلزم الرسل الصبر من وجوه ستة: ثلاثة مما خصوا هم بها، لا ~~يشركهم غيرهم فيها، وثلاثة مما يشترك غيرهم فيها؛ فأما الثلاثة التي خصوا ~~بها: # أحدها: هم بعثوا لتبليغ الرسالة إلى الفراعنة والأكابر والجبابرة الذين ~~كانت عادتهم وهمتهم القتل، وإهلاك من خالفهم وعصى أمرهم ومذهبهم، فلم ~~يعذروا في ترك تبليغ الرسالة إليهم مع ما ذكرنا من خوف الهلاك والقتل، فأما ~~غيرهم من الناس قد أبيح لهم كتمان الدين الحق منهم حتى لا يهلكوا. # والثاني: ألزمهم الصبر بالمقام بين أظهر قومهم واحتمال ما كان يلحقهم ~~منهم من # PageV09P259 # الاستهزاء بهم، والافتراء عليهم، والتكذيب لهم، وأنواع الأذى الذي كان ~~منهم إلى الرسل، لم يؤذن لهم بمفارقتهم لذلك؛ ولذلك قال: (فاصبر لحكم ربك ~~ولا تكن كصاحب الحوت)، لم يكن منه سوى الخروج من بين قومه لسلامة دينه لو ~~لم يسلموا، ثم أصابه ما أصاب بذلك الخروج لما لم يؤذن له بالخروج، والله ~~أعلم. # والثالث: لم يجعل لهم الدعاء على قومهم بالهلاك والعذاب وإن كان منهم من ~~التمرد ms4154 والتعنت ما كان. # فهذه الثلاثة من المعاملة مما خص الرسل - عليهم السلام - بها من بين سائر ~~الناس. # وأما الثلاثة التي يشترك فيها غيرهم: # أحدها: أمروا بالصبر على ما يصيبهم وينزل من البلايا والشدائد. # والثاني: أمروا بالمحافظة على العبادات التي جعلت عليهم، ومحافظة حدودها، ~~والصبر على القيام بها. # والثالث: أمروا بالصبر على ترك قضاء الشهوة، وترك إعطاء النفس هواها ~~ومناها. # فهذه الثلاثة لهم فيما بينهم وبين ربهم، وهي مما يشترك فيها غيرهم، ~~والثلاثة الأولى لهم فيما بينهم وبين الخلق، وهم قد خصوا بتلك الثلاثة دون ~~غيرهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولو العزم من الرسل). # قال بعضهم: أولو العزم من الرسل هم: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، وموسى ~~- عليهم الصلاة والسلام - وهؤلاء عدوا نفرا منهم. # وقال بعضهم: هم الرسل جميعا. # وجائز أن يكون أولو العزم من الرسل هم الذين كان منهم الصبر على ما ذكرنا ~~من المعاملة مع قومهم. # وقيل: أولو العزم هم الذين كانوا أبدا المتيقظين، القائمين بأمر الله، ~~الحافظين لحدوده، وقال في آدم - عليه السلام -: (ولم نجد له عزما)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تستعجل لهم) أي: لا تستعجل عليهم بالهلاك ~~والنقمة. # وقوله - عز وجل -: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من ~~نهار) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم -: كأنك لا توعدهم بالعذاب إلا ساعة من ~~النهار، # PageV09P260 # وعذاب ساعة من النهار مما لا يحملهم على ترك قضاء شهواتهم، ومنع ما هم ~~فيه من الأحوال. # والثاني: كأنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوه استقصروا المقام في ~~الدنيا، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وهو كقوله - عز وجل -: (كم ~~لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم)، وقوله - عز وجل -: (ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)، استقصروا المقام في الدنيا إذا عاينوا ~~يوم القبامة وأهوالها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بلاغ) قال بعضهم: الإبلاغ. # وقيل: البلاع من البلغة؛ أي: زاد يبلغ به السفر حيث يريد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فهل يهلك إلا القوم ms4155 الفاسقون) كأنه يقول: لا يهلك ~~الهلاك الدائم المؤبد إلا القوم الفاسقون، وإلا الهلاك الذي ليس هو بالهلاك ~~الدائم المؤبد مما يهلك الفاسق وغير الفاسق إذ يكون حقا على الكل. # أو يقول: لا يهلك هلاك العذاب إلا الفاسق، فأما الهلاك الذي هو هلاك ~~النجاة والفوز عن شدائد الدنيا فمما يهلك به الصالح، والله أعلم. # * * * # PageV09P261 ### | سورة محمد # عليه الصلاة والسلام # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ~~آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3). # قوله - عز وجل -: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) قال عامة أهل ~~التأويل: هم أهل مكة. # والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة ~~مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل ~~بأنها نزلت في كفار مكة؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في ~~سورة الأحقاف. # ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل عليه (أضل أعمالهم) أي: أبطل ~~إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم ~~كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقوله - والله أعلم -: قد ~~أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث. # وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: (الذين ~~كفروا) بوحدانية الله - تعالى - أو كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك (أضل أعمالهم) أي: أبطل حسناتهم ~~التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، ~~وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل ~~أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة ms4156 عند الله. # أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم ~~عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، ~~وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا ~~وطمعوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وصدوا عن سبيل الله) يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: ~~أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم. # ويحتمل: (وصدوا عن سبيل الله) أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم ~~الأمران جميعا (أضل أعمالهم) أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب ~~فلم يتبين. # PageV09P262 # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لم يضل أعمالهم، ~~ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر ~~وغيره من السيئات. # أو يقول: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) - صلى ~~الله عليه وسلم - (كفر عنهم سيئاتهم) # وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله - تعالى -: (إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف)، إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون ~~قوله: (كفر عنهم سيئاتهم): الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن ~~كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: (كفر عنهم سيئاتهم) في حال إيمانهم، ~~والله أعلم. # وقوله: (وهو الحق من ربهم) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله ~~فهو الحق. # والثاني: (وهو الحق من ربهم) أي: وهو الصدق من ربهم. # وقوله - عز وجل -: (وأصلح بالهم) أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما ~~بعده. # ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ~~ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال (ذلك بأن الذين كفروا ~~اتبعوا الباطل ... (3) يحتمل: ms4157 الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، ~~وهو الذي يذم عليه فاعله ومتبعه. # وقوله - عز وجل -: (وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم) يقول: لهؤلاء ~~ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) أي: مثل الذي بين ما ~~لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن ~~يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي ~~خفي عليهم وأثبته ظاهرا متجليا. # * * * # قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم ~~فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء ~~الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها ~~الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا ~~لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ~~وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم (11). # وقوله - عز وجل -: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)، وقال في آية ~~أخرى: (فاضربوا # PageV09P263 # فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، جائز أن يكون قوله - تعالى -: (فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) في القتال والحرب، وكذلك قوله - تعالى: ~~(واضربوا منهم كل بنان)، في الحرب والقتال - أيضا - يضربون ويقتلون على ما ~~يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - والله أعلم - لما ~~روي في الخبر: " إذا قتلتم فأحسنوا القتل " وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من ~~المفصل، والله أعلم. # فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان)، وتأويل قوله: (فضرب الرقاب). # وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ~~ذكر، والله أعلم. # ثم إن كان على ما ذكرنا من ms4158 التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - ~~تعالى -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى إذا أثخنتموهم ~~وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر ~~بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: (حتى يعطوا ~~الجزية عن يد)، ويكون قوله: (فشدوا الوثاق) على هذا في المن يستوثقهم ~~بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة: # قال بعضهم: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم. # وقال بعضهم: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو ~~قولنا. # وقال بعضهم: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، ~~رحمه الله. # واختلفوا في قتل الأسراء منهم: # قال بعضهم: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون. # وقال بعضهم: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم، وإن شاء ~~فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: ~~(فاضربوا فوق الأعناق)، ولما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي الله عنهم - في أسارى بدر، ~~فأشاروا إلى المن عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: " لو جاءت من السماء نار ما # PageV09P264 # نجا منكم إلا عمر " أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في ~~هؤلاء الذين حكم فيهم عمر - رضي الله عنه - بالقتل؛ لذلك قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " ما نجا إلا عمر " فدل هذا الخبر أن للإمام أن يقتل ~~أسارى أهل الشرك، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب ~~والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا ~~الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدوة عليهم. # ثم قالا بعضهم: الآية -وهو قوله: (فإما منا بعد وإما فداء) - تخالف من ~~حيث الظاهر لقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم)، ونحو ذلك، ولكن ~~أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه ms4159 في ~~وقت والأخرى في وقت آخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى تضع الحرب أوزارها). # قال بعضهم: حتى يخرج عيسى ابن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب ~~الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى - عليه ~~السلام - وقال بعضهم: (حتى تضع الحرب أوزارها) أي: حتى يضعوا أسلحتهم ~~ويتركوا القتال. # وقال بعضهم: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو ~~كقوله - تعالى -؛ (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)، أي: شرك وكفر، والله أعلم. # قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح. # وقال أبو عوسجة: (أثخنتموهم)، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في ~~الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل ~~يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه. # وقوله: (أوزارها) أي: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل. # وقال القتبي: (حتى تضع الحرب أوزارها) أي: يضع أهل الحرب السلاح. وأصل ~~الوزر ما حملته، فسمي السلاح: وزرا؛ لأنه يحمل، والله أعلم. # PageV09P265 # وقوله - عز وجل -: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم) قوله: (ذلك) أي: ذلك ~~الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - تعالى -: (فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب. . .) إلى قوله: (حتى تضع الحرب أوزارها) والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو يشاء الله لانتصر) لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ~~ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكا، ~~ويقهرهم قهرا، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم ~~بأضعف خلقه. # وقوله - عز وجل -: (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، ~~وبأنواع المحن: أنشأ الله - عز وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم ~~مشابها لبعض غير مخالف بعضهم بعضا فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع ~~المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من ~~المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ~~ما ذكر - تعالى -: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، (ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة)، (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، ms4160 وغير ذلك من ~~الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك ~~يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب والتحقيق وغيره. # ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم ~~على أعدائهم نصرا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له ~~والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم ~~يستأصلون ويهلكون إهلاكا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم ~~مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر ~~المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم) ~~هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: (والذين قتلوا في سبيل الله) فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت ~~أو في قتال، (فلن يضل أعمالهم) التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ~~ذلك من الأعمال التي كانت لهم، (سيهديهم ... (5) أي: يوفقهم ثانيا -مرة ~~أخرى- للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة. # والثاني: أي: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) في الآخرة، ~~(سيهديهم) في الآخرة الجنة. # PageV09P266 # وقوله - عز وجل -: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) قال بعضهم: أي: يدخلهم ~~أن جنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها. # وقال بعضهم: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام ~~وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، والله أعلم. # وقال بعضهم: (عرفها لهم) أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، ~~وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول القتبي. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم (7) أي: إن تنصروا دين الله ينصركم. # أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم. # ثم نصرنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله ~~لابتغاء وجهه. # والثاني: يكون نصرا بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة ~~الحجج والآيات. # ثم يكون نصر الله إيانا من وجهين: # أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن ms4161 إن كان هذا، فيكون في ~~حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال. # والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة لنا، وإن كنا غلبنا وقهرنا في ~~بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويثبت أقدامكم). # يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) أي: هلاكا ~~لهم. # وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل. # وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو ~~الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) أي: ~~ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما ~~أنزل الله على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقادا، فقد كرهه، والله ~~أعلم. # PageV09P267 # ويحتمل أن يكون قوله: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله) أي: كرهوا ما أنزل ~~الله على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم ~~يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني ~~إسرائيل، والله أعلم. # وقوله: (فأحبط أعمالهم) أي: بتركهم اتباع ما أنزل الله وقبوله، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل - (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم ... (10) قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأولئك بماذا نزل بهم؟ وهو ~~تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟ وهو التصديق ~~لهم، والإيمان بهم. # والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي ~~الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مؤجرا لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛ عليه ~~السلام. # والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل ~~بأولئك أنه بماذا نزل بهم، ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجرا لهم عن المعاودة ~~إلى مثل ذلك، ms4162 والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) هذا خرج على وجوه: # أحدها: أي: (دمر الله عليهم وللكافرين) سوى هؤلاء الكفار الذين دمر الله ~~عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل. # والثاني: أي: (دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) أي: للكافرين من قومك ~~أمثالها، وهذا وعيد لقومه. # والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى ~~لهم (11) تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن الله ناصر الذبن اتبعوا ~~أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ~~ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع ~~العذاب عنهم. # أو يقول: (ذلك)، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن الله يتولى ~~أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة؛ أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم ~~على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين ~~وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم. # PageV09P268 # قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم (12) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر ~~لهم (13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ~~(14) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من ~~كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم (15). # ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله وهو قوله - تعالى ~~-: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار)، وبين ما لأولئك الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في ~~العاقبة، حيث قال: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار ~~مثوى لهم) ms4163 أي: مأوى لهم بما اختاروا، والله أعلم. # وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه ~~أمر الله - تعالى - وما يعقب لهم نفعا في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه ~~قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر الله على جميع ما ذكرنا، وأولئك ~~الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر الله، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ ~~بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر الله ونهيه، ~~فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا ~~أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل ~~لأولئك الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم ~~مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا. # ثم قوله: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام) يحتمل تشبيه ~~أولئك الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين: # أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء ~~البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر الله به ونهاهم عنه، كالأنعام ~~التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، ~~والله أعلم. # والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى ~~وقت ثان؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ~~ولا تنظر، ولا تدخر شيثا لوقت ثان، ولا تترك شيئا ما دامت تشتهي، فعلى ذلك ~~أولئك الكفرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ~~أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) كانت سنة الله - تعالى - في الذين كانوا من قبل ~~أنه إذا أخرج الرسل - عليهم # PageV09P269 # السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ ~~أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة، لكن الله بفضله ورحمته أخر ~~ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله - تعالى -: (وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين)، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه ms4164 خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ~~ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأولئك ~~لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف ~~الميعاد. # ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشد قوة وبطشا من هؤلاء، ثم لم يتهيأ ~~لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من ~~عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يا أهل مكة أولى ألا تدفعوا عن ~~أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (أخرجتك) أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا ~~إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن ~~سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج ~~الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: (فأخرجهما مما كانا ~~فيه)، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ~~ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما ~~تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا ناصر لهم) هو خبر من الله - تعالى - أي: لا يكون ~~لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة. # والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ~~واتبعوا أهواءهم (14) يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس ~~من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك ~~بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك ~~مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا. # ثم في ذلك وجهان: # أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على ~~اتباع # PageV09P270 # من كان على بينة منه، وبيان، على علم ms4165 بذلك، ويقين، والله أعلم. # والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - والله أعلم -: لما عرفتم أن من كان ~~على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع ~~هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه ~~الدار على أن هناك دارا أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ~~ماء حميما فقطع أمعاءهم (15) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أن قوله - تعالى -: (وعد المتقون) على حقيقة المثل، كأنه يقول: ~~مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على ~~المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ ~~لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون ~~في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟ والله أعلم. # ويخرج على هذا التأويل قوله - تعالى -. (كمن هو خالد في النار) أي: ليس ~~من كان خالدا في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من ~~نيرانكم. # والثاني: يحتمل قوله - تعالى -: (الجنة التي وعد المتقون) ما ذكر، فيخرج ~~على الصلة؛ لما تقدم من قوله - تعالى -: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه ~~يدخلهم فيها فقال: (مثل الجنة التي وعد المتقون) أي: صفتها (فيهآ أنهار من. ~~. .) كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: (كمن هو خالد في ~~النار) يحتمل أن يكون صلة قوله: (والنار مثوى لهم)، ثم وصف تلك النار التي ~~أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: (وسقوا مآء حميما. . .) الآية. # والثالث: يذكر على أن من وعد له ms4166 ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من ~~النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر ~~من وصف الجنة: (كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم) أي: ~~ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله - تعالى - فيما ~~تقدم من حيث قال: (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم)، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف ~~النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي ~~وصفها ما ذكر، والله أعلم. # ثم قال: (أنهار من ماء غير آسن. . .) الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من ~~المياه، # PageV09P271 # والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا ~~تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر ~~أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن ~~قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء ~~فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنهار من خمر لذة للشاربين) يخبر أن الخمر في الجنة ~~مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ~~ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنهار من عسل مصفى) أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ ~~مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدرا ثم صفي، أو كان خلق بعضه كدرا وبعضه ~~مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله - تعالى -: (رفع ~~السماوات)، أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولهم فيها من كل الثمرات) يحتمل: أي: من كل الثمرات ~~التي عرفوها في الدنيا ورأوها. # أو يقول: (ولهم فيها من كل الثمرات) التي يريدون فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومغفرة من ربهم ms4167 كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما ~~فقطع أمعاءهم) أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ~~ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو ~~خالد في النار وما ذكر، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم (16) والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21). # وقوله - عز وجل -: (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا ~~للذين أوتوا العلم ماذا # PageV09P272 # قال آنفا) جعل الله - عز وجل - آيات رسالة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، ~~فأطلع الله رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، ~~وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا الله - تعالى - ~~فإذا أخبر رسول الله لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله ~~- تعالى - كقوله: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا)، وقوله: (وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم)، ونحو ذلك. # ثم الناس في الاستماع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفرقون إلى ~~فرق ثلاث: # فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله - ~~تعالى -: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا. . .) الآية، (وأما الذين في ~~قلوبهم مرض. . .) الآية. # وقوله - تعالى -: (وآتاهم تقواهم (17). # يحتمل قوله: (وآتاهم تقواهم) أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره. # ويحتمل: (وآتاهم ms4168 تقواهم) أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في ~~المستأنف. # وقال بعضهم: أي: أعطاهم الله ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من ~~الله أمر أخذوا به، فزادهم الله - تعالى - هدى (وآتاهم تقواهم)؛ أي: أجرهم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي أن له عنه -: (وأنطاهم تقواهم) أي: أعطاهم، وهي ~~لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: (إنا أعطيناك الكوثر). # وقوله - تعالى -: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ~~فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) كأن هذه الآية نزلت في قوم علم الله أنهم ~~لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة ~~أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: (لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل)، وقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا)، كأنه - والله أعلم - يؤيس رسوله- صلى الله عليه وسلم - عن الطمع في ~~إيمانهم قبل ذلك الوقت. # وقوله - عز وجل -: (فقد جآء أشراطها) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: " بعثت أنا ~~والساعة كهاتين "، وأشار إلى # PageV09P273 # أصبعين جمع بينهما، فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط ~~الساعة؛ أي: قد جاءت أشراط الساعة حقيقة وتحققت. # والثاني: يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها هي الأعلام والشرائط التي ~~جعلت علما لقيامها؛ من نحو نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج الدجال، ~~وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام؛ فيكون قوله: (فقد جاء أشراطها) أي: كأن ~~قد جاء أشراطها؛ إذ كل ما هو آت جاء؛ فكأنه قد جاء؛ كقوله - تعالى -: (أتى ~~أمر الله). # وقوله - عز وجل -: (فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم) يحتمل وجهين: # أحدهما: من أنى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت؟ وكيف لهم منفعة الذكرى ~~إذا جاءت، والتوبة لا تقبل حينئذ؟ # والثاني: من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى؛ أي: ما يذكرهم ~~في الدنيا قبل ms4169 ذلك فلم يؤمنوا، ولم يتذكروا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاعلم أنه لا إله إلا الله ... (19). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: اعلم في حادث الوقت أنه لا إله إلا الله؛ كقوله تعالى: (اهدنا ~~الصراط المستقيم)، وقوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله)، ~~ونحو ذلك. # والثاني: يقول: فاعلم أن الإله المستحق للعبادة والمعبود الحق هو الإله ~~الذي لا إله غيره؛ إذ الإله عند العرب هو المعبود؛ يقول: إن المعبود الذي ~~يستحق العبادة هو الله - تعالى - لا الأصنام التي تعبدونها دونه وتزعمون أن ~~عبادتكم إياها تقربكم إليه زلفى. # والثالث: أمره أن يشعر قلبه في كل وقت وحال كلمة الإخلاص، والتوحيد له، ~~والقول به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واستغفر لذنبك) جائز أن يكون قوله: (واستغفر لذنبك) ~~إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه، على ما يؤمر المرء أن يبتدئ بالدعاء ~~لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكان حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين ~~والمؤمنات دون نفسه، ولكن أمر بالدعاء لنفسه استحبابا، والله أعلم. # وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له، لكن نحن لا نعلم، وليس علينا ~~أن نتكلف حفظ ذنوب الأنبياء - عليهم السلام - وذكرها، وكل موهوم منه الذنب ~~يجوز أن # PageV09P274 # يؤمر بالاستغقار، كقول إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: (والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين)، لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم؛ ~~فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون ~~مباشرة القبيح في نفسه، والله الموفق. # ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عز وجل - أمر رسوله - عليه ~~السلام - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ~~ثم لا يحتمل - أيضا - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، ~~وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح - عليه السلام -: ~~(رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات)، وقول ~~إبراهيم - عليه السلام -: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب)، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضا - لقوله: (ويستغفرون ~~لمن في الأرض)، وقوله: ms4170 (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك. . .) الآية، هذه ~~الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل ~~تكون إلى الله - تعالى - وأعظم قربة عنده، والله الموفق. # ثم قوله - عز وجل -: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) فيه دلالة نقض ~~قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله - تعالى - أن ~~يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار ~~منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر ~~لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا ~~تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة ~~عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم ~~الكبائر يكون جورا ووضع الشيء في غير موضعه. # فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت ~~صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، والله ~~الموفق للصواب. # وقوله - عز وجل -: (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) قال بعضهم: (والله يعلم ~~متقلبكم) في النهار (ومثواكم) من الليل. # وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد. # وقال بعضهم: (والله يعلم متقلبكم) في الدنيا (ومثواكم) في الآخرة؛ أي: ~~مقامكم # PageV09P275 # فيها. # وهو يخرج عندنا على وجوه: # أحمدها: يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن الله - تعالى - يجهل عواقب الأمور؛ ~~حيث أنشأ هذا العالم، فجحدوه وجحدوا نعمه، فلا يحتمل أن ينشئهم، ويجعل لهم ~~النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو ~~عابث غير حكيم، فعلى ذلك هذا، على زعمهم، فقال - تعالى - جوابا لهم: (والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم) أي: على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم، لا عن جهل ~~على ما ظنوا هم، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله - تعالى - ~~لجهلهم بحق الحكمة في فعله؛ لأن الله - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة ~~له، أو لمنافع نفسه؛ بل إنما أنشأه لمنافع ms4171 أنفسهم، ولحاجتهم، فإليهم ترجع ~~منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد، فأما في الشاهد فمن ~~يأمر أحدا أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود ~~فهو سفيه غير حكيم؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له، فإذا ~~علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب؛ لافتراق وجه ~~الحكمة، والله الموفق. # والثاني: قوله - تعالى -: (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) أي: يعلم جميع ~~أحوالكم من حركاتكم، وسكونكم، وجميع تقلبكم؛ لتكونوا أبدا على حذر ويقظة، ~~والله أعلم. # والثالث: (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، ~~ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة؛ أي: أنشأ كلا على ما علم أنه يكون ~~منهم؛ كقوله - تعالى -: (ولقد ذرأنا لجهنم)، وقال في آية أخرى: (وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون)، أي: أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم، ~~وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم (20) إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة، ~~ويقولون: هلا نزلت سورة؛ لوجوه: # أحدها: لتكون السورة حجة لهم، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث ~~والتوحيد. # والثاني: كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في ~~الدين؛ كقوله - تعالى -: (وإذا ما أنزلت سورة. . .) إلى قوله: (فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون)، وأما المنافقون (فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم) # PageV09P276 # على ما ذكر. # والثالث: يتمنون نزول السورة؛ ليتبين لهم المصدق من المكذب، والمتحقق من ~~المرتاب. # هذه الوجوه التي ذكرنا تكون لأهل الإيمان؛ لذلك يتمنون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا أنزلت سورة محكمة) أي: محدثة، والمحدثة ليست ~~بتفسير للمحكمة، إلا أن يعنوا بالمحدث، الناسخ، والناسخ هو المحدث والمتأخر ~~نزولا، وهو محكم؛ لأنه يلزم العمل به، والله أعلم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (لولا نزلت سورة محدثة)، والوجه ما ms4172 ~~ذكرنا. # والمحكمة عندنا على وجهين: # أحدهما: أي: محكمة بالحجج والبراهين. # والثاني: لما أنزلت على أيدي قوم وتداولت فيما بينهم فلم يغيروه ولم ~~يبدلوه؛ بل حفظوه؛ ليعلم أنه من عند الله حقا ومنه نزل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذكر فيها القتال) جعل الله - عز وجل - في القتال ~~خصالا: # أحدها: كثرة أهل الإسلام، وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء ~~الأنفس والأموال؛ لأنه قبل أن يفرض القتال كان يدخل من الإسلام واحد، فلما ~~فرض القتال دخل فيه فوج فوج؛ على ما أخبر: (يدخلون في دين الله أفواجا). # والثاني: ليتبين المصدق منهم من المكذب لهم، والمتحقق من المرتاب؛ لأنه ~~لم يكن ليظهر ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت، فلما فرض القتال ~~عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق. # والثالث: فيه آية الرسالة والبعث، وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كانوا عددا قليلا لا عدة لهم ولا قوة، أمروا ~~بالقتال مع عدد لا يحصون، ولهم عدة وقوة؛ ليعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ~~ولكن بالله - تعالى - إذ لا يحتمل قيام أمثالهم لأمثال أولئك مع كثرتهم ~~وقوتهم، والله أعلم. # وأما آية البعث فلأنهم أمروا بقتال أقاربهم، وأرحامهم، والمتعلق بهم، وفي ~~ذلك قطع أرحامهم، وقطع صلة قراباتهم؛ ليعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر ~~لعاقبة تؤمل وتقصد؛ إذ لا يحتمل فعل ذلك بلا عاقبة تقصد، وبلا شيء يعتقد، ~~والله أعلم. # PageV09P277 # وقوله - عز وجل -: (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت) كان أهل النفاق يكرهون نزول ما ينبئهم عما في ضميرهم من ~~النفاق والارتياب، كقوله - تعالى -: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم)، وإذا أنزلت السورة يزداد لهم ما ذكر؛ حيث قال: ~~(وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم). # وقوله - عز وجل -: (فأولى لهم) قال أهل التأويل: هذا وعيد لهم؛ كقوله: ~~(أولى لك فأولى. . .) الآية، لكن ظاهره ليس بتوعد ولا تهدد، إنما ظاهره، ~~أي: أحرى ms4173 لكم وأولى أن تطيعوه، وأن تقولوا معروفا، فإذا تركوا ذلك يكون ~~وعيدا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا عزم الأمر ... (21) اختلف في تأويله: # قال بعضهم: هو صلة قوله: (فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال)، وعزم ~~الأمر؛ فعند ذلك كان ما ذكر من المنافقين حيث قال: (رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض)، وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشي عليه من الموت إنما ذلك ~~الوصف وتلك أن حال عند وجوب القتال، ولزومه، وتأكيده عليهم، وذلك في قوله - ~~تعالى -: (فإذا عزم الأمر) أي: وجب وفرض، فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر، فأما ~~بذكر نفس القتال فلا، والله أعلم. # وقال بعضهم: (فإذا عزم الأمر) هو في الآخرة، أي: فإذا تحقق وظهر ما كان ~~أوعدهم الرسول - عليه السلام - من نزول العذاب بهم في الآخرة (فلو صدقوا ~~الله) في الدنيا لكان خيرا لهم في الآخرة؛ حيث كان لا ينزل العذاب بهم في ~~الآخرة؛ أي: لو صدقوا رسول الله فيما يوعدهم من العذاب أنه ينزل بهم في ~~الآخرة وتركوا مخالفته في الدنيا - لكان خيرا لهم في الآخرة، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ~~(22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28). # وقوله - عز وجل -: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم) # PageV09P278 # اختلف في تأويل هذه الآية: # قال بعضهم: قوله - تعالى -: (فهل عسيتم) أي: فلعلكم (إن توليتم) أي: ~~وليتم أمر هذه الأمة (أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) قال ابن عباس - ~~رضي الله عنه -: # قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد ms4174 ~~في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان منهم ما ذكر، والله أعلم. # وقال بعضهم: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض ~~بالفساد وما ذكر؛ كقوله - تعالى -: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا. . .) إلى قوله: (وإذا تولى سعى في الأرض. . .) إلى قوله: (والله لا ~~يحب الفساد). # وقال بعضهم: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج. # وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم)، وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله ~~أعلم. # وقال قتادة: (فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم)، أي: طواعية ~~الله ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، (فهل عسيتم إن ~~توليتم) يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي (أن تفسدوا في الأرض) يقول: كيف ~~رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا ~~الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟! # ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) ~~اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين)، أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله - تعالى -: (لعنهم الله) أي: طردهم ~~عن رحمته. # PageV09P279 # وقوله - عز وجل -: (فأصمهم وأعمى أبصارهم) أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع ~~الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار ~~وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24). # فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه. # وفيه - أيضا - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها ~~عليها، وذهب بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم ms4175 على قلوب أقفالها) أي: على قلوب أقفالها. # ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطى ~~نور البصر ونور السمع. # وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى ~~الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين ~~الله - تعالى - كالإضلال المضاف إلى الله - تعالى - والمضاف إلى الشيطان، ~~فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين. # وقوله - عز وجل -: (وأملى لهم) أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله - ~~تعالى -: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم. . .) الآية، ~~أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى. . .) الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا ~~آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. . .) الآية، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~آمنوا به واتبعوه. # وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد ~~وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعدما أظهروا الموافقة في حياته، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في ~~بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) قوله: (ذلك بأنهم) إن كان راجعا إلى ~~قوله: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه ~~غير المعنى لو كان في المنافقين. # وإن كان قوله: (ذلك بأنهم) راجعا إلى قوله: (الشيطان سول لهم) فإذا احتمل ~~ذلك # PageV09P280 # الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع. # ثم قال بعضهم: الذين كرهوا ما نزل الله هم المنافقون، قالوا لليهود: ~~سنطيعكم في تكذيب محمد والمظاهرة عليه. # وقال بعضهم: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على محمد - صلى الله ms4176 عليه ~~وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم. # ثم كراهة نزول ما أنزل الله على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من ~~اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - تعالى -: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ~~ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله يعلم إسرارهم) هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: ~~(ذلك بأنهم قالوا) ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر الله ~~- تعالى - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~(27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ... (28) لا أحد يقصد ~~قصد اتباع سخط الله، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان ~~الله يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان ~~الله يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله - تعالى -: (لا تعبدوا ~~الشيطان)، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ~~ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة ~~عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأحبط أعمالهم) التي كانت قبل ارتهدادهم في حال ~~اتباعهم إياه، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ~~ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ~~(31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32). # وقوله - عز وجل -: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) ~~أي: حسب المنافقون أن لن يظهر الله عداوتهم، وأن لن يبدي الله ما في قلوبهم ~~من العداوة؛ # PageV09P281 # جعل الله - جل وعلا - في إظهار ما أسر أهل النفاق وإبداء ما أخفوه فيما ~~بينهم - آية عظيمة، ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ولو ms4177 نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في ~~لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) كأنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ~~ولو نشاء لأريناكهم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة، ولتعرفنهم - أيضا - في ~~لحن القول؛ أي: لو نشاء لجعلنا لهم أعلاما في الوجه والقول لتعرفنهم، ولكن ~~لم نجعل لهم، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون فيظهر نفاقهم بذلك - والله ~~أعلم - كقوله: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا)، وقال في آية ~~أخرى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم)، وقوله: (رأيت ~~الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت. . .) الآية، ~~وقوله - عز وجل -: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون)، وقوله: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت ~~قلوبهم)، ونحو ذلك من الآيات مما كان يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي ~~كانوا يعملون؛ فدلت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسيماء والنطق ~~والقول والأجسام، وإنما يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها، والله أعلم. # وقال بعضهم: (ولتعرفنهم في لحن القول) أي: فحوى الكلام، فكان يعرفهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا تكلموا؛ فيخرج على هذا التأويل. # وقوله: (ولتعرفنهم) على الوعد؛ أي: تعرفهم في حادث الوقت، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: يقال: رجل ألحن بحججه، ويقال: لحن يلحن -إذا أخطأ- لحنا، ~~فهو لاحن؛ كأنه من العدول والميل عن الحق. # وقال القتبي: (في لحن القول) أي: في فحوى كلامهم. # وقوله - عز وجل -: (والله يعلم أعمالكم) يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: والله يعلم ما تسرون من الأعمال وتخفونها. # والثاني: على الجملة؛ أي: يعلم جميع أعمالهم: ما أسروا وأعلنوا؛ يخرج على ~~الوعيد، كقوله: (إنه بما تعملون بصير)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم (31) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين ~~وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله - ~~تعالى -: (إن # PageV09P282 # تنصروا الله ينصركم)، وقوله - عز وجل -: (يخادعون الله وهو خادعهم)، ~~ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على ms4178 أحد التأويلات، والله أعلم. # والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول ~~الناس: الصلاة أمر الله: أي: مأمور الله، وكقوله - عز وجل -: (واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين)، أي: الموقن به، وقوله: (ومن يكفر بالإيمان)، أي: ~~بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير. # والثالث: أي: يعلم كائنا ما قد علمه أنه سيكون؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو ~~بعلم ما سيكون بعلمه كائنا، أو بعلم ما قد كان بعلمه أنه يكون كائنا، ولكن ~~يوصف بما قد علمه كائنا أنه علمه كائنا، أو يعلم ما علم أنه سيكون أنه ~~يكون؛ لأنه يوجب الجهل، ويكون التغير في ذلك المعلوم لا في علمه، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ونبلو أخباركم) أي: ونبلو في أخباركم التي أخبرتم عن ~~أنفسكم؛ كقوله: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، وقوله - عز ~~وجل -: (من عاهد الله. . .)، إلى آخر ما ذكر، ابتلوا في تلك الأخبار التي ~~أخبروا عن أنفسهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكونوا ابتلوا في قولهم الذي قالوا لو أعطوا بلسانهم؛ حيث ~~قالوا: آمنا؛ كقوله - تعالى -: (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون)، فتنوا فيما قالوا وأخبروا؛ أي: ابتلوا، فالفتنة ~~والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، والله أعلم. # وقال بعضهم: (ونبلو أخباركم) أي: نظهر نفاقكم للمسلمين؛ إذ كان الله - ~~تعالى - عالما قبل أن يبلوهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) قوله: ~~(كفروا) أي: كفروا بنعم الله؛ من الكفران. # أو كفروا بتوحيد الله. # وقوله: (وصدوا عن سبيل الله) يحتمل قوله: (وصدوا) أي: أعرضوا بأنفسهم عن ~~دين الله. # ويحتمل: (وصدوا) أي: صرفوا الناس عن دين الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وشاقوا الرسول) أي: عادوه وعاندوه (من بعد ما تبين ~~لهم الهدى). # PageV09P283 # وقوله - عز وجل -: (لن يضروا الله شيئا) يحتمل: لن يضروا الله بكفرانهم ~~نعمه أو كفرهم بوحدانية الله - تعالى - ومعناه - والله أعلم -: أنه ليس ~~يأمر ms4179 بما يأمر أو ينهى عما ينهى لدفع مضرة عن نفسه، أو لجر منفعة إلى نفسه، ~~ولكن يأمر وينهى لحاجة أنفس أولئك ولمنافعهم، فهم بتركهم اتباع أمره ~~والانتهاء من نهيه، ضروا أنفسهم، والله أعلم. # وجائر أن يكون المراد من قوله (لن يضروا الله شيئا) أي: لن يضروا أولياء ~~الله بما كفروا وصدوهم عن سبيله؛ بل ضروا أنفسهم؛ كقوله - تعالى -: (إن ~~تنصروا الله ينصركم)، أي: إن تنصروا أولياء الله ينصركم. # وقوله - عز وجل -: (وسيحبط أعمالهم). # يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان، وإحداث الكفر بعد الإسلام. # ويحتمل أعمالهم التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه عليه السلام. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم (33) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن ~~يغفر الله لهم (34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ~~ولن يتركم أعمالكم (35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا ~~يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم (36) إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38). # وقوله - عز وجهل -: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم). # قال بعضهم: أي: أطيعوا الله في الجهاد، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء ~~والسمعة. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وأطيعوا الرسول). # ويحتمل: ولا تبطلوا أعمالكم بالارتداد والكفر بعد الإيمان. # ويحتمل: أي: لا تبطلوا أعمالكم بالمن على الله، أو على الرسول في ~~الإسلام؛ أي: تسلمون ممتنون على الله أو على رسوله؛ كقوله - تعالى -: ~~(يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم. .) الآية. # وقال قتادة: ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء، وقال: فمن استطاع منكم ألا يبطل ~~عملا صالحا بعمل شر فليفعل؛ إن الشر ينسخ الخير، وإنما ملاك العمل ~~بخواتيمه، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله. # PageV09P284 # وعن عبد الله بن عمر ms4180 - رضي الله عنهما - قال: ما كنا معشر أصحاب محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - نرى شيئا يبطل أعمالنا حتى نزلت هذه الآية، فعلمنا ما ~~الذي يبطل أعمالنا؟! الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا على ذلك حتى أنزل ~~الله تعالى -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. .) ~~الآية، فلما نزلت هذه الآية كففنا عن هذا القول. # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (ولا تبطلوا أعمالكم) قال: هذا ليكونوا ~~أبدا على اليقظة والحذر؛ لئلا تبطل أعمالهم من حيث لا يشعرون؛ كقوله: (أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون). # وفي حرف أبي - رضي الله عنه -: (ولا تبطلوا إيمانكم). # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار ~~فلن يغفر الله لهم (34) تأويلها ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ~~ولن يتركم أعمالكم (35) أي: لا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح، كذلك قال القتبي. # وقال أبو عوسجة: السلم -بكسر السين-: الصلح، ولا أعرف بفتح السين هاهنا ~~له معنى. # وقوله - عز وجل -: (وأنتم الأعلون) أي: وأنتم الغالبون. # فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون؛ أعني: أهل الإسلام. # ثم قوله - تعالى -: (وأنتم الأعلون) يحتمل وجوها: # يحتمل: الأعلون بالحجج والبراهين في كل وقت. # ويحتمل: (وأنتم الأعلون) بالقهر والغلبة في العاقبة؛ أي: آخر الأمر لكم. # ويحتمل (وأنتم الأعلون) في الدنيا والآخرة؛ لأنهم وإن غلبوا في الدنيا ~~وقتلوا كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم كانت لهم الدنيا والأموال. # وقال بعضهم: (وأنتم الأعلون) أي: وأنتم أولى بالله منهم، وهو ما ذكرنا في ~~الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله معكم) في النصر والغلبة. # PageV09P285 # ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد؛ أي: ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي ~~بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولن يتركم أعمالكم) اختلف فيه: # قال بعضهم أي: لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة، وهو يحتمل في ~~الدنيا والآخرة؛ كقوله - تعالى -: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا). # وقال بعضهم: (ولن يتركم أعمالكم) أي: ms4181 لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو ~~عوسجة؛ يقال: وتره: أي: نقصه. # وقال بعضهم: لن يظلمكم أعمالكم؛ يقال: وترني حقي، أي: بخسنيه، كذلك قال ~~القتبي، ولكن كلاهما واحد في المعنى، أي: لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا ~~يظلمون فيها، ولا يبخسون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم ~~أجوركم ولا يسألكم أموالكم (36) أي: حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما ~~يقدرون لعب ولهو؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم ~~تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو. # ويحتمل أنه سماها: لهوا ولعبا؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع ~~والفناء، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة؛ وإنشاء الشيء للانقطاع ~~والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعبا ولهوا، ثم اللعب واللهو يجوز أن ~~يكونا شيئا واحدا، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء، والآخر ~~ما يستمتع بباطن الأشياء: اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما ~~يتلهى ببواطنها، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم) أي: وإن تؤمنوا بما ~~أمرتم الإيمان به وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره - (يؤتكم أجوركم): جعل ~~الله - عز وجل - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرا؛ إذ لا ~~أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم ~~التكليف بالشكر لنعم الله - تعالى - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء، لكنه جعل ~~لأعمالهم أجرا كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في ~~الحقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - ~~لله - تعالى - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟ وهذا كما ذكرنا من ~~الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن ~~كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله - تعالى - فضلا منه وكرما، فعلى ذلك هذا، ~~والله أعلم. # PageV09P286 # وقوله - عز وجل -: (ولا يسألكم أموالكم) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله ~~يستمتعوا بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخرا ms4182 لأنفسكم غير (إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا)، أي: لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها. # والثاني: (ولا يسألكم أموالكم) أي: ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ~~ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم (إن يسألكموها فيحفكم ... ~~(37) أي: لو يسألكم جميع أموالكم، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق، فإن ~~يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟! # وقوله: (فيحفكم تبخلوا) يخرج من وجوه: # أحدها: أي: يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال. # ويحتمل (فيحفكم) أي: يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم: الإحفاء: أن يأخذ كل ~~شيء عنده، وهو من الاستئصال، ومنه إحفاء الشوارب. # وقال أبو عوسجة: الإحفاء: شدة المسألة؛ أي: إن يلح عليكم فيما يوجبه في ~~أموالكم تبخلوا؛ يقال: أحفى في المسألة وألحف وألح واحد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويخرج أضغانكم) أي: لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ~~ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم؛ لأن ذلك الأمر إنما ~~يجري على ألسن الرسل؛ يوجب ذلك إظهار ما في قلوبهم من الضغائن للرسل، عليهم ~~السلام. # فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار ~~نفاقهم # وضغائنهم وعداوتهم، فكان كالأمر بالقتال؛ كان سببا لإظهار نفاقهم. # وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك؛ تحريضا لهم على الإنفاق ~~والتصدق، أي: إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة؛ لما فيه من التحبب والتودد ~~بإيصال ما هو محبوب إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من ~~يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (38) أي: هأنتم يا هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله، أي: في إظهار دين الله، أو في طاعة الله، أو في ~~الجهاد؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) جعل الله ~~- عز وجل -: الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما ms4183 أمرهم الله - تعالى - ~~بإلإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما ~~أمر الله - تعالى - انتفعوا # PageV09P287 # بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم وتلذذت، وانتفعوا بها - أيضا - في الآخرة ~~وقت حاجتهم وفقرهم بذلك تتحقق وتحصل لهم تلك الأموال، فأما عند تركهم ~~الإنفاق فيما أمروا بالإنفاق والبذل فلا تتحقق لهم تلك الأموال المجعولة في ~~أيديهم؛ لأنه إما أن تجعل لوارثهم أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل ~~لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا، فذلك تأويل قوله - تعالى -: (ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه) - والله أعلم - لما يهلك نفسه بترك الإنفاق منه ~~ولم يتمتع ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة. # وقال بعضهم: قوله: (فمنكم من يبخل) عن الصدقة والإنفاق في طاعة الله، ~~(ومن يبخل) بالصدقة في طاعة الله (فإنما يبخل عن نفسه) بالجزاء، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله الغني وأنتم الفقراء) أي: (والله الغني) عن ~~إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، (وأنتم الفقراء) إلى ما تنفقون؛ أي: أنتم ~~المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به، لا أنه ترجع منفعة ذلك إليه، أو ~~يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوما، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون يقول: (والله الغني) عنكم وعما في أيديكم (وأنتم الفقراء) ~~إليه في كل وقت، وكل ساعة، في جميع أحوالكم وأوقاتكم؛ كقوله - تعالى -: (يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد). # ويحتمل: (والله الغني) عن أموالكم، (وأنتم الفقراء) إلى مغفرته ورزقه ~~وجنته ورحمته. # وقوله - عز وجل -: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). # قال بعضهم: قد تولوا، وهم أهل مكة، واستبدل قوما غيرهم وهم أهل المدينة، ~~لكن هذا بعيد؛ لأن السورة مدنية؛ فلا يحتمل الخطاب بها لأهل مكة بقوله: ~~(وإن تتولوا). # ومنهم من يقول: الله - عز وجل - أخبر ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولوا ~~استبدل غيرهم أطوع منهم لله - تعالى - فلا تولوا هؤلاء ولا استبدل غيرهم. # وقال بعضهم: هو على وجهين: # أحدهما: قوله: (وإن تتولوا يستبدل ms4184 قوما غيركم)، أي: لم تتولوا ولم يستبدل ~~قوما غيركم. # والوجه الآخر: قد تولوا واستبدل بهم النخع، وأحمس، وناس من كندة، والذين ~~تولوا حنظلة وأسد، وغطفان، وبنو فلان. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا يكونوا أمثالكم) أي: لا يكونوا أمثالكم في ~~الطاعة لله - # PageV09P288 # تعالى - بل أطوع له وأخضع، والله أعلم. # وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قوله: (وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم) فضرب بيده على فخذ سلمان الفارسي، وقال: " والذي نفسي ~~بيده، لو كان الدين منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس ". # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رأيت غيما سوداء، ردفها غيم ~~بيض، فاختلطت بها فتعقب بهن جميعا " قالوا: يا رسول الله، فما أولت؟ قال: " ~~العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم "، قالوا: العجم يا رسول الله؟! قال: " ~~نعم، لو كان الإيمان معلقا بالثريا، لناله رجال من العجم، وأسعدهم به أهل ~~فارس " فإن ثبت هذا الخبر، فجائز أن يستدل به على جعل العجم أكفاء العرب؛ ~~لأنه قال: " يشركونكم في أنسابكم " فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء ~~لهم. # ويحتمل أن يكون قوله: " يشركونكم في أنسابكم "؛ لأنهم يسبونهم، فيلدون ~~منهم أولادا فيشتركون فيما ذكر، والله أعلم. # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: تلا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هذه الآية: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)، ~~قالوا: ومن يستبدل قوما؟ قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~منكب سلمان، ثم قال: " هذا وقومه هذا "، وقال في حديث آخر: " والذي نفسي ~~بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا، لناله رجال من فارس "، والله أعلم ~~بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV09P289 # سورة الفتح # ذكر أن ### | سورة الفتح # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا ~~(3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ~~ولله جنود السماوات والأرض وكان ms4185 الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ~~ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله ~~عزيزا حكيما (7). # قوله - عز وجل -: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) قال بعضهم: هو فتح مكة. # وقال بعضهم: هو صلح الحديبية الذي بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبين أهل مكة حين صدوهم عن دخولهم مكة، وحالوا بينه وبين زيارة البيت، وكان ~~له فيها -أعني: في قصة الحديبية- أمران وآيتان ظاهرتان عظيمتان: # أحدهما: أنه أصابه ومن معه من أصحابه عطش، فأتى بإناء ماء، فنبع من ذلك ~~الإناء من الماء مقدار ما شرب منه زهاء ألف وخمسمائة، حتى رووا جميعا؛ فذلك ~~آية عظيمة حسية على رسالته. # والثاني: أخبر بغلبة الروم فارس، وذلك علم غيب، وكان كما ذكر وأخبر؛ فدل ~~أنه إنما علم ذلك بالله تعالى. # وقصة الحديبية: روي عن رجل يقال له: مجمع بن حارثة قال: شهدت الحديبية مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجفون ~~الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قال: أوحي إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: فخرجنا نوجف مع الناس حتى وجدنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - واقفا عند كراع الغميم -اسم موضع- فلما اجتمع إليه بعض ما ~~يريد من الناس قرأ عليهم: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) قال: قال رجل من أصحاب ~~رسول الله: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: " إي والذي نفسي بيده إنه بفتح " ~~قال: ثم قسمت الحديبية على ثمانية # PageV09P290 # عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة. # وفي بعض الأخبار؛ أنه الصلح الذي كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وبين المشركين، ولم نر قتالا، ولو نرى لقاتلنا، قال: فنزلت سورة الفتح، ~~فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إلى عمر - رضي الله عنه - فأقرأها ~~إياه، فقال: ms4186 يا رسول الله، فتح هو؟ قال: " نعم ". # وعن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بالحديبية، فأنزل الله - ~~تعالى -: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) فقال رجل: إنه فتح هو؟ قال: " نعم ". # وعن جابر أنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية. # وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: نزلت هذه ~~الآية: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) بالحديبية. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من ~~صلح الحديبية، وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم، ودخل في الإسلام في ~~السنتين أكثر مما كان دخل قبيل ذلك، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المدينة من الحديبية. . . وفي الحديث طول تركنا ذكره، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) يخرج على وجوه ثلاثة: # أحدها: أي: إنا قضينا ذلك قضاء بينا بالحجج والبراهين على رسالتك ونبوتك؛ ~~ليعلم أنك محق على ما تدعي، صادق في قولك؛ (ليغفر لك الله) بما أكرمك، وعظم ~~أمرك بالرسالة والنبوة؛ أي: أعطاك ذلك وأكرمك به؛ ليغفر لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر. # والثاني: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) ما لم يطمع أحد من الخلائق أنه يفتح ~~عليك أمثال ذلك الفتح (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر). # والثالث: إنا فتحنا لك جميع أبواب الحكمة والعلوم وجميع أبواب الخيرات ~~والحسنات (ليغفر لك الله) بما أكرمك من أبواب الحكمة والخيرات. # يخرج على هذه الوجوه الثلاثة، والله أعلم. # PageV09P291 # ثم قوله - عز وجل -: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ... (2) ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: يرجع إلى ذنبه؛ أخبر أنه غفر له. # ثم لا يجوز لنا أن نبحث عن ذنبه ونتكلف أنه ما كان ذنبه؟ وأيش كانت زلته؟ ~~لأن البحث عن زلته مما يوجب التنقص فيه، فمن تكلف البحث عن ذلك يخاف عليه ~~الكفر، لكن ذنبه وذنب سائر الأنبياء - عليهم السلام - ليس نظير ذنبنا؛ إذ ~~ذنبهم بمنزلة فعل مباح منا، لكنهم ms4187 نهوا عن ذلك، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر) أي: يغفر ذنبه ابتداء غفران؛ أي: عصمه عن ذلك، وذلك جائز في اللغة، ~~والله أعلم. # والوجه الثاني يرجع إلى ذنوب أمته؛ أي: ليغفر لك الله ذنوب أمتك، وهو ما ~~يشفع لأمته، فيغفر له؛ أي: لشفاعته، وهو كما روي في الخبر: " يغفر للمؤذن ~~مد صوته " أي: يجعل له الشفاعة، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (ليغفر لك ~~الله) أي: يغفر لأمته بشفاعته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويتم نعمته عليك) يحتمل إتمام نعمته عليه هو ما ذكرنا ~~من الرسالة والنبوة، وفتح ما ذكر من أبواب الخيرات والحكمة في الدنيا ~~والآخرة، والشفاعة له في الآخرة، أو إظهار دينه على الأديان كلها، وإياس ~~أولئك الكفرة عن عوده إلى دينهم؛ كقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم. . .) ~~الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وينصرك الله نصرا عزيزا (3) يحتمل: أي: ينصرك نصرا ~~عزيزا بالغلبة عليهم، والقهر، والظفر، لا صلحا، ولا موادعة، وعلى ذلك يخرج ~~قول أهل التأويل: نصرا عزيزا لا يستذل ولا يسترذل، وظاهر الآية ليس على ~~ذلك؛ لأنه قال على إثره: (ليغفر لك الله)؛ لأن الخيرات والحسنات تكون سببا ~~للمغفرة؛ فجائز أن يكون ما ذكر من الفتح له والمغفرة هذا، لا ما ذكره أهل ~~التأويل، إلا أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل منه الفتح ~~لما أقدم على أسباب الفتح، وهو القتال مع الكفرة، ونحو ذلك، وذلك من ~~الخيرات التي تكون سبب المغفرة، إلا أن الله أضاف الفتح إلى نفسه، والقتال ~~منهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من الفتح له ليغفر له هو أن الله جعل رسوله بحيث ~~لا يخط بيده خطا، ولا يكتب كتابا، ولا يفهم كتابه، وهو ما وصفه الله - جل ~~وعلا - بقوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) لدفع ارتياب ~~المبطلين فيه على ما ذكر، ثم مع أنه جعله هكذا أحوج جميع حكماء الخلق ms4188 إليه، # PageV09P292 # وأحوج - أيضا - جميع أهل الكتب السالفة إليه في معرفة ما ضمن كتابه ~~المنزل عليه، وجعله رسولا إليهم؛ فيكون كأنه قال: إنا فتحنا لك النبوة، ~~والحكمة، وأنواع العلوم، والخيرات، والحسنات؛ (ليغفر لك)؛ أي: إنما فتح لك ~~ما ذكر ليغفر لك ويتم نعمته عليك من النبوة، والحكمة، وإظهار دينه على ~~الأديان كلها، ويهديه صراطا مستقيما، وينصره نصرا عزيزا، أعطاه ما ذكرنا، ~~وذلك كله النصر العزيز، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك) أي: من ذنب أمتك ~~وما تأخر من ذنبهم؛ على ما قال بعض أهل التأويل، ويتم نعمته عليهم من أنواع ~~الخيرات، والأمن لهم، والإياس لأولئك الكفرة عنهم، ويهديهم صراطا مستقيما، ~~وينصرهم نصرا عزيزا، أي: فتحنا لك ما ذكر؛ ليكون لأمتك ما ذكرنا من المغفرة ~~لهم، وإتمام النعمة والهداية لهم: الصراط المستقيم، والنصر لهم: النصر ~~العزيز، أي: نصرا يعزون به في حياتهم وبعد وفاتهم في الدنيا والآخرة، والله ~~أعلم. # ومن الناس من يقول: إن الله - جل وعلا - امتحن رسوله - عليه الصلاة ~~والسلام - في الابتداء بالخوف حين قال: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم)، وجد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك وجدا شديدا، ونزل بعده (إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله. . .) إلى آخره، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عند ذلك: " نزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض "، ثم قرأها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: هنيئا مريئا يا نبي الله، قد بين لك ~~ماذا يفعل بك، ولم يبين ماذا يفعل بنا؟ فنزل قوله - تعالى -: (ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات. . .) الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4). # قال بعضهم: السكينة: هي كهيئة الريح لها جناحان، ولها رأس كرأس الهر؛ لكن ~~هذا ليس بشيء، فإنه - عز وجل - قال: (أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) ~~بحقيقة الدين، وهو تفسير العلم، وهذا يدل على أن خالق العلم الاستدلالي ms4189 ~~ومنزله ومنشئه هو الله - تعالى - وهم يقولون: إن خالقه هو المستدل؛ فيكون ~~حجة عليهم. # قال بعض المعتزلة: إضافة إنزال السكينة إلى نفسه على سبيل المجاز، ليس ~~على التحقيق، كما يقال: فلان أنزل فلانا في منزله أو مسكنه وإن لم يكن منه ~~حقيقة إنزاله إياه في المنزل، لكن أضيف إليه ذلك؛ لأنه وجد منه سبب به يصل ~~ذلك إلى نزوله في منزله ومسكنه، فعلى ذلك أضاف إنزال السكينة في قلوب ~~المؤمنين؛ ليزدادوا إيمانا؛ فلا يقال في مثله لأمر كان منه أو بسبب جعل له ~~ذلك؛ وهو كقوله - تعالى -: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله. . ~~.)، وإنما يقال ذلك لتحقيق إنزال ذلك؛ ليكون ما ذكر # PageV09P293 # على ما أخبر أنه فتح؛ ليغفر له ما ذكر، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) يخرج على وجوه: # أحدها: ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليزدادوا إيمانا بالتفسير على ~~إيمانهم بالجملة. # والثاني: ليزدادوا إيمانا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبكتابه مع ~~إيمانهم بسائر الرسل والكتب التي كانوا آمنوا بها وصدقوها، وهذا في أهل ~~الكتاب خاصة. # والثالث: ليزدادوا إيمانا في حادث الوقت مع إيمانهم فيما مضى من الأوقات، ~~فإذا وصل هذا بالأول فيكون بحكم الزيادة، وإن شئت جعلته بحكم الابتداء؛ إذ ~~للإيمان حق التجدد والحدوث في كل وقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولله جنود السماوات والأرض) فإن كان نزوله على إثر ~~قول ذلك المنافق على ما ذكر بعض أهل التأويل؛ حيث قال لأصحابه: يزعم محمد ~~أن الله قد غفر له، وأن له على عدوه ظفرا، ويهديه صراطا مستقيما، وينصره ~~نصرا عزيزا، هيهات هيهات، لقد بقي له من العدو أكثر وأكثر، فأين أهل فارس ~~والروم؟! هم أكثر عددا، فعند ذلك نزل: (ولله جنود السماوات والأرض) فمعناه: ~~أي: لله تدبير جنود السماوات والأرض، ينصر من يشاء على من يشاء، ويجعل ~~الأمر لمن يشاء على ما يشاء، ليس لهم التدبير وإنفاذ الأمر على من شاءوا، ~~ولكن ذلك إلى الله - تعالى - وهو كقوله: (فلله المكر جميعا)، ms4190 أي: لله تدبير ~~مكرهم، لا ينفذ مكرهم إلا بالله - تعالى - فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله عليما حكيما) أي: عن علم بما يكون منهم من ~~إيثارهم عداوة الله على ولايته، واختيار الخلاف له - أنشأهم لا عن جهل، ~~ليعلم أنه لم ينشئهم ولم يأمرهم بما أمرهم وامتحنهم بما امتحن؛ لحاجة نفسه، ~~أو لمنافع ترجع إليه، ولكن لحاجة أولئك ولمنافعهم؛ ولذلك قال: (حكيما)؛ لأن ~~الحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، فإذا كان إنشاؤه إياهم وما ~~أمرهم به، ونهاهم عنه، لا لحاجة له في نفسه ولا منفعة، ولكن لحاجتهم ~~ومنفعتهم - كان حكيما في إنشائه إياهم على علم منه بما يكون منهم من إيثار ~~العداوة له على ولايته، واختيار الخلاف له والمعصية، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5). # كان هذا صلة قوله - تعالى -: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع # PageV09P294 # إيمانهم)، (ليدخل المؤمنين والمؤمنات. . .) الآية، أنزل السكينة في ~~قلوبهم؛ أي: أنزل ما تسكن به قلوبهم؛ ليزدادوا إيمانا، وأنزل السكينة - ~~أيضا - ليدخلهم فيما ذكر، كما ذكر في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~(إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله) فتح له ليغفر له، فعلى ذلك أنزل ~~السكينة في قلوبهم؛ ليزداد لهم الإيمان، وليدخلهم الجنات التي وصف، ثم أخبر ~~أن ذلك لهم عند الله فوز عظيم لا هلاك بعده، ولا تبعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا (6) ذكر للمنافقين والمشركين من العذاب مقابل ما ذكر ~~للمؤمنين من إنزال السكينة عليهم، وإدخالهم الجنة، حرم هؤلاء السكينة التي ~~ذكر أن قلوب المؤمنين بها تسكن؛ لما علم أنهم يختارون عداوته، ويؤثرون ~~عداوة أوليائه على ولايتهم، وعلم من المؤمنين أنهم يؤثرون ولايته على ~~عداوته، وولاية أوليائه على عداوتهم فأنزل السكينة في ms4191 قلوبهم ولم ينزل على ~~أولئك هذا؛ ليعلم أن من بلغ في الإيمان الحد الذي ذكر إنما بلغ ذلك بالله - ~~تعالى - وبفضله، وبرحمته، ولا قوة إلا بالله. # وقوله: (الظانين بالله ظن السوء) جائز أن يكون قوله - عز وجل -: (الظانين ~~بالله ظن السوء) المنافقون الذين ذكرهم في آية أخرى؛ حيث قال: (بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء) ظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرجع إلى أهله، وكذلك ~~المؤمنون لا يرجعون إلى أهليهم أبدا، ثم أخبر أن ذلك الظن منهم ظن السوء، ~~فيحتمل ما ذكر - هاهنا - (الظانين بالله ظن السوء) هذا ما ذكرنا، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (الظانين بالله ظن السوء): هم المشركون. # ثم إن كانوا من المنافقين فيكون ظنهم بالله ظن السوء: ألا يرجع هو ~~وأصحابه إلى أهليهم أبدا وإن كانوا من مكذبي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فيكون ظنهم بالله ظن السوء ألا يكرم محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~بالرسالة، ولا يعظمه بالنبوة، لا يختاره ولا يؤثره، على غيره من الناس ~~الذين يختارونهم؛ كقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، ~~فيكون ظنهم بالله ظن السوء على هذا: ألا يكرم الله - تعالى - محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا يختاره لرسالته ونبوته، والله أعلم. # وإن كان ذلك من مكذبي البعث ومنكريه، فيكون ظنهم بالله ظن السوء هو ألا ~~يقدر على البعث والإحياء بعد الموت. # ثم أخبر أن عليهم دائرة السوء الذي ظنوا ألا يرجع إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فصار عليهم ما # PageV09P295 # ظنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث تفرقوا من أوطانهم، وهتك ~~أستارهم، ونحو ذلك. # وإن كانوا من مكذبي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يرسله، فظنهم ~~كان ما ظنوا؛ لأنه بعث هو رسولا ولم يبعث من اختاروا هم. # وإن كانوا من منكري البعث فعليهم كان عذاب اليوم، وفيه هلاكهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وغضب الله عليهم ولعنهم ms4192 وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) ~~أخبر - عز وجل - أنهم استوجبوا غضب الله ولعنه بالذي كان منهم من سوء ظنهم ~~بالله ورسوله، وأعد لهم جهنم بذلك، وساءت مصيرا لهم. # وقوله - عز وجل -: (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) ~~ذكر على إثر ما ذكر (عزيزا حكيما)؛ ليعلم أن عزه ليس بما ذكر من الجنود ~~الذين له في السماوات والأرض، ولكنه عزيز بذاته، له العز الذاتي الأزلي، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد ~~عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10). # وقوله - عز وجل -: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) قوله: (شاهدا) لله ~~ما لله - تعالى - على عباده، وما لبعضهم على بعض؛ فعلى هذا التأويل يكون ~~قوله: (شاهدا) أي: مبينا؛ أي لتبين ما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض؛ وهو ~~قول أبي بكر الأصم. # وقال بعضهم: أي: شاهدا للرسل - عليهم السلام - بالتبليغ بالإجابة لمن ~~أجابهم، وشاهدا على من أبي الإجابة بالإباء والرد، فعلى هذا التأويل يكون ~~قوله: (شاهدا) على حقيقة الشهادة؛ على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقال بعضهم: أي: أرسلناك شاهدا على أمتك وعلى الأنبياء - عليهم السلام - ~~بالتبليغ ومن ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومبشرا ونذيرا): البشارة: هي تذكر عواقب الخيرات ~~والحسنات، والإخبار عن أحوالها: أنها إلى ماذا يفضي أربابها وعما لهم؛ ~~ليرغبهم فيها. # والنذارة: هي تذكر عواقب الشرور والسيئات، والإخبار عن أحوالها أنها إلى ~~ماذا يفضي أربابها ومرتكبيها؛ ليزجرهم عنها، والله أعلم. # PageV09P296 # وقوله - عز وجل -: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا (9) خاطب بهذا البشر كلهم وفي الأول خاطب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، كأنه يقول على الجمع بينهما في الخطاب: أرسلناك رسولا شاهدا؛ ~~لتؤمنوا أنتم بالله ورسوله. # ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ أي: إنا أرسلناك مبشرا ونذيرا، وقل لهم: ~~إنما أرسلت لتؤمنوا بالله ورسوله، وهو كقوله - تعالى -: (يا أيها ms4193 النبي إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)، معناه: يا أيها النبي، قل لهم: إذا طلقتم ~~النساء، فطلقوهن لعدتهن، فعلى ذلك جائز ما ذكرنا، والله أعلم. # وقرئ بالياء، وهي ظاهرة. # ثم الإيمان بالله - تعالى - هو أن يشهد له بالوحدانية والألوهية، وأن له ~~الخلق والأمر في كل شيء وكل أمر. # والإيمان برسوله: هو أن يشهد له بالصدق في كل أمر، وبالعدالة له فيما ~~يحكم ويقضي، ويصدقه في كل ما يقوله، ويجيبه في كل ما يدعو إليه، ويطيعه في ~~كل أمر يأمر به، وينهى عنه؛ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتعزروه) اختلف فيه: # قال بعضهم: أي: تنصروه وتعينوه. # وقال بعضهم: أي: تطيعوه. # وقال بعضهم: أي: تعظموه. # فمن يقول: إن قوله: (وتعزروه) ليس على النصر والإعانة، ولكن على التعظيم، ~~أو على الطاعة - استدل بما قال في آية أخرى: (وعزروه ونصروه)، ذكر التعزير ~~وعطف النصر عليه؛ والمعطوف غير المعطوف عليه، فدل أنه غير النصر، ولكن جائز ~~أن يذكر الشيء الواحد بلفظين مختلفين ومعناهما واحد على التأكيد، وكذلك من ~~يقول بالتعظيم يقول: أمرهم بتعظيمه في الحرفين؛ أعني: قوله: (وتعزروه ~~وتوقروه) وذلك جائز في الكلام. # ويحتمل أن يكون التعزير هو الطاعة له، والتوقير هو التعظيم، وفي الطاعة ~~له تعظيمه، والله أعلم. # ومن قال بالنصر والمعونة في التبليغ تبليغ الرسالة إلى الخلق، والدفع ~~عنه، والذب، # PageV09P297 # والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتسبحوه بكرة وأصيلا) والتسبيح، أجمع أهل التأويل أن ~~قوله - تعالى -: (وتسبحوه بكرة) راجع إلى الله - تعالى - وكذلك ذكر في بعض ~~القراءة (ويسبحون الله بكرة وأصيلا)، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال ~~والأقوال، فجائز نسبة ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان ~~[بريئا] من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب، وإن ~~كان هو تنزيها عن الحدثية، والفناء، وآفات كل في نفسه، فذلك لا يجوز إضافته ~~ونسبته إلا إلى الله - عز وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه. # وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى الله تعالى. ms4194 # وقوله - عز وجل -: (بكرة وأصيلا) صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر، ~~والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن ~~النهار، والأصيل كناية وعبارة عن الليل، فكأنه يقول: سبحوه بالليل والنهار ~~جملة في كل وقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما (10) أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في ~~هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا ~~عدوا. # قال معقل بن يسار: " لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة؛ ~~أي: ألف وأربعمائة نفر، وقال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا ~~نفر ". # وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى: (ولقد كانوا ~~عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار)، والمبايعة هي المعاهدة؛ ألا ترى أنه ~~قال في آية أخرى: (ومن أوفى بما عاهد عليه الله) ذكر في أول الآية ~~المبايعة، وفي آخرها المعاهدة؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء، والله ~~أعلم. # ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين: # أحدهما: لما بأمره يبايعونه. # أو ذكر ونسب إلى نفسه؛ لعظيم قدره، وجليل منزلته عنده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يد الله فوق أيديهم) قال بعضهم: يد الله في جزاء ~~المبايعة فوق أيديهم في المبايعة؛ أو كلام نحوه. # وجائز أن يكون قوله (يد الله فوق أيديهم) أي: يد الله في الجزاء إذا وفوا ~~بالعهد فوق # PageV09P298 # أيديهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لما بايعوا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كانت لهم عنده يد، فيخبر أن جزاء الله الذي يجزيهم ~~بوفاء تلك المبايعة فوق أيديهم التي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من يد الله وإضافتها إليه يريد بها رسول ms4195 الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كأنه يقول: يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عندكم فيما بايعكم فوق أيديكم عنده؛ لما يحتمل أن يقع عندهم أن يكون لهم يد ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما بايعوه؛ كقوله - تعالى -: (يمنون ~~عليك أن أسلموا. . .) الآية؛ فيخبر أن يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فوق أيديكم عنده بالمبايعة التي بايعتم، والله أعلم. # ويحتمل: أي: يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمد والبسط بالمبايعة ~~فوق أيديهم، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (يد الله فوق أيديهم) أي: توفيق الله - تعالى - إياكم ~~ومعونته على مبايعتكم رسوله فوق وخير من وفائكم ببيعته وعهده، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (يد الله فوق أيديهم) أي: يد الله في النصر لرسوله ~~فوق أيديهم؛ كقوله - تعالى - (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، ~~حقيقة النصر إنما يكون بالله تعالى، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي: من نكث فعليه ضرر ~~نكثه، وإليه يرجع ذلك الضرر لا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - لأن الله - جل وعلا - وعد النصر له ~~والظفر بأولئك، فمن نكث فإنما يرجع ضرر نكثه إليه؛ إذ الله يفي لرسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما وعد الله من النصر له، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله ~~شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) ~~بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم ~~وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا ~~أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم ~~لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا ms4196 كذلكم قال ~~الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا ~~أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من # PageV09P299 # تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17). # وقوله - عز وجل -: (سيقول لك المخلفون من الأعراب ... (11). # قوله - تعالى -: (المخلفون) سماهم: مخلفين، ولم يخلفهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا أصحابه، ولكن الله تعالى خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم ~~فعل التخلف؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف، كقوله تعالى: (ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم)، أي: منعهم، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن ~~الله - سبحانه وتعالى - خلفهم عن ذلك، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم؛ ~~دل أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى، والله الموفق. # وقوله - عز وجل - خبرا عنهم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا). # هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وقولهم: (فاستغفر لنا) طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف ~~بقولهم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا) يقولون: وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم ~~يكن لنا التخلف عنك، فاستغفر لنا، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم؛ لأنهم كانوا ~~لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا ~~بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (وإذا ~~قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم. . .) الآية؛ دل هذا ~~الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم: (فاستغفر ~~لنا)؛ حيث قال: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)، أي: يقولون بألسنتهم ~~قولهم: (فاستغفر لنا) ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك. # ولا جائز أن يصرف قولهم: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) إلى قولهم: ~~(شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا ms4197 الاستغفار ~~حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ~~ذلك؛ فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو ~~أراد بكم نفعا). # قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله تعالى يكون على الإيجاب، فينظر أن لو ~~كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟ فيكون من الله تعالى على الإيجاب: ~~أن لا أحد يملك لكم نفعا إن كان الله أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا ~~إن كان الله أراد بكم نفعا، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، ~~فإن الله تعالى لو أراد بكم ضرا لا # PageV09P300 # تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر ~~لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم أوعدهم فقال: (بل كان الله بما تعملون خبيرا) جعل الله - عز وجل - ~~أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا ~~في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله - جل وعلا - وجعل الآية له في ~~حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه بالله قدر ~~على ذلك، والله أعلم. # وقال أهل التأويل: (إن أراد بكم ضرا) أي: الهزيمة (أو أراد بكم نفعا) ~~ظهورا على عدوكم وغنيمة، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ ~~لهم بذلك؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره. # وقوله - عز وجل -: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12). # فإن قيل: ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك ms4198 في خروجهم إلى ~~الحديبية -على ما قال أهل التأويل: إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية- ~~وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم، حتى يقع عندهم أنهم ~~لا يرجعون، بل يهلكون في ذلك، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل ~~الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك. # قيل: لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - خرجوا إليكم للحج وزيارة ~~البيت، فقالوا: إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم ~~يدخلونها، فإذا كان منهم ما ذكرنا، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم، ~~فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر ~~الحديبية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وظننتم ظن السوء). # أي: ظننتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - ~~ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم. # ويحتمل ظننتم بالله ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه. # وقوله - عز وجل -: (وكنتم قوما بورا). # قال بعضهم: (بورا) أي: هلكى، أي: تصيرون قوما هلكى؛ فيه دليل أنهم يموتون ~~على نفاقهم. # PageV09P301 # وقال الحسن: (وكنتم قوما بورا) أي: فاسدون لا خير فيهم، وكذلك يقول ابن ~~عباس - رضي الله عنهما -: إن البور هو الفاسد. # وقال بعضهم: البور في كلام العرب: لا شيء. # وقال القتبي: البور: الهلكى. # وقوله - عز وجل -: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ~~(13) فهو ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (ولله ملك السماوات والأرض ... (14) قيل فيه بوجوه: # أحدها: ولله خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - أنه كان يقرؤه: (ولله خزائن السماوات والأرض). # والثاني: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض، أي: لله حقيقة ملك كل ملك ~~في السماوات والأرض. # والثالث: ولله ولاية أهل السماوات والأرض وسلطانه، أي: الولاية والسلطان ~~له على أهل السماوات والأرض. # ثم يحتمل ذكره هذا وجهين: # أحدهما: يخبر أنه فيما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم بأنواع المحن ms4199 إنما يأمرهم ~~وينهى ويمتحن لا لحاجة نفسه ولا لمنفعة له؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولا ~~يحتمل من له ملك ما ذكر أن يقع له الحاجة إلى ما ذكر أو المنفعة؛ لأنه غني ~~بذاته؛ ولكن يأمرهم وينهاهم، ويمتحنهم بما امتحن؛ لحاجتهم ولمنفعتهم، والله ~~أعلم. # والثاني: يذكر هذا ليقطعوا الرجاء عما في أيدي الخلق، ويصرفوا الطمع ~~والرجاء إلى الله - تعالى - ومنه يرون كل نفع وخير يصل إليهم، ومنه يخافون ~~في كل أمر فيه خوف، لا يخافون سواه، ولا يطمعون غيره، وهو ما أخبر: (يا ~~أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله - عز وجل -: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) يقول - والله أعلم -: ~~هو يغفر لمن يشاء، وهو المالك لذلك، وهو يعذب من يشاء؛ أي ليس يملك أحد ~~مغفرة ذنوب أحد سواه ولا تعذيبه، إنما ذلك منه، وله ملك ذلك، وله الفعل دون ~~خلقه؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم في كل أمر إلى الله - تعالى - ومنه يخافون في ~~كل أمر فيه خوف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله غفورا رحيما)، وكان الله لم يزل رحيما، لا ~~أنه حدث ذلك له بخلقة، والله الموفق. # PageV09P302 # وقوله: (سيقول المخلفون ... (15) من الحديبية، خلفهم الله - عز وجل - لما ~~علم منهم من اختيار التخلف. # وقوله: (إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم. . .) الآية. # ذكر أهل التأويل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صالح أهل مكة ~~عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه - رضي الله عنهم - لما كانوا طمعوا ~~دخول مكة والزيارة لبيته، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم، فعند ذلك لما ~~انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم ~~- قالوا: ذرونا نتبعكم؛ فنصيب معكم الغنائم؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم؛ ~~لما علموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدق فيما يخبر من البشارة ~~له والفتح والغنيمة له بلا مؤنة قتال ولا حرب تقع هنالك. # وقوله - عز وجل -: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)؛ لأن البشارة ms4200 بفتح خيبر، ~~وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية، فأما من تخلف عنها، فليس له في ذلك من نصيب، ~~فأخبر الله - تعالى - أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد الله - تعالى - ~~للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية - فتح خيبر خاصة؛ بأن يشركوا فيها، وفي ذلك ~~تبديل ما وعد؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية، والبشارة بالفتح لمن شهدها، فأما ~~من تخلف عنها فلا. # وقال بعضهم: تبديل كلام الله ما قال في سورة براءة: (فإن رجعك الله إلى ~~طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا)، فلما سألوا الخروج ~~إلى خيبر والاتباع لهم، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا، يريدون أن يبدلوا ~~ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة؛ فيحتمل الأمرين جميعا؛ كذا ذكر الشيخ - ~~رحمه الله - وعامة أهل التأويل على أن قوله: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا)، نزل في غزوة تبوك، وأنها بعد ~~خيبر، فلم يكن خروجهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر تبديل ~~النهي الذي نهوا عن الخروج معه، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة ~~تبوك، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل)، يحتمل قوله: ~~قوله تعالى: (كذلكم قال الله من قبل) هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد ~~الحديبية، قال: إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية، وأما من لم يشهد فلا. # ويحتمل قوله: (من قبل) ما ذكر في سورة براءة: (فقل لن تخرجوا معي أبدا) # PageV09P303 # والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) ~~كانوا يقيسون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنفسهم؛ لأنهم إذا ~~أصابوا شيئا -أعني: المنافقين- كانوا يحسدون أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأرادوا ألا يكون لهم في ذلك نصيب ولا حظ؛ حسدا منهم لهم، ~~فلما منعهم المؤمنون عن الخروج إلى خيبر وقالوا: إن الله نهاكم أن تخرجوا ~~معنا، وقد بشروا بالفتح، قالوا عند ذلك: بل تحسدوننا ms4201 في إصابة تلك الغنائم، ~~لم ينهنا الله - تعالى - عن الخروج معكم؛ قاسوا المؤمنين بأنفسهم، (بل ~~كانوا لا يفقهون إلا قليلا) الفقه هو الاستدلال بما عرفوه وشهدوه على الذي ~~لم يعلموه وغاب عنهم؛ يخبر أن هؤلاء لا يعرفون الاستدلال. # وقال بعضهم: الفقه هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) وهم الذين تخلفوا عن الحديبية ~~(ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) على قول ابن عباس - رضي الله عنه - ومقاتل: ~~وهؤلاء هم بنو حنيفة، وفيهم مسيلمة الحنفي الكذاب، استقرت إليهم الأعراب ~~بعد نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم أبو بكر الصديق إلى قتالهم. # وقال الحسن: هم أهل فارس والروم. # وقال قتادة وغيره: دعوا إلى قتال هوازن وثقيف يوم حنين. # ويروى عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يقول: دعوا يوم حنين إلى ~~هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد، ومنهم من أبى. # لكن ما قال قتادة غير محتمل؛ لأن قتال هوازن وثقيف يوم حنين كان في زمن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تولى ذلك، وقال في آية أخرى: (فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا. . .) الآية، فلا يحتمل أن يدعوا إلى قتال هؤلاء وهو تولى ~~قتالهم، وقد قال الله - تعالى - خبرا عنه: (ولن تقاتلوا معي عدوا)، فإذا لم ~~يحتمل هذا رجع التأويل إلى ما قال ابن عباس ومقاتل - رضي الله عنهما - أنهم ~~إنما دعوا إلى قتال أهل اليمامة # PageV09P304 # وهم بنو حنيفة، دعاهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لكن لو كان ما قال ~~أهل التأويل أن قوله - تعالى -: (فقل لن تخرجوا معي أبدا)، نزل في غزوة ~~تبوك، وهي بعد يوم حنين، فيكون ما قاله قتادة محتملا، والله أعلم. # أو أن يكون قوله: (ولن تقاتلوا معي عدوا)، في قوم خاص، وهو ما قال: ~~(استأذنك أولو الطول منهم)، ms4202 أي: أهل الغناء والثروة، إنما قال ذلك لأولي ~~الطول الذين استأذنوه القعود مع القاعدين، والله أعلم. # ويحتمل قوله - تعالى -: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) في أهل فارس ~~والروم؛ على ما قال الحسن، وذلك إنما فتح في زمن عمر، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (تقاتلونهم أو يسلمون)، ومن قرأها: (تقاتلونهم أو ~~يسلموا) وبالألف فيكون تأويله: تقاتلونهم حتى يسلموا. # وقوله - عز وجل -: (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) أي: إن تطيعوا فيما ~~دعيتم إلى الجهاد يؤتكم الله أجرا حسنا، ذكر أنه يؤتيهم أجرا حسنا؛ لأن ~~توبتهم تكون فيما كان كفرهم وكان نفاقهم إنما ظهر بتخلفهم عن الجهاد، فعلى ~~ذلك تكون توبتهم في تحقيق الجهاد. # وقوله: (وإن تتولوا) وفيما دعيتم إليه (كما توليتم) عن الحديبية وغيره ~~(يعذبكم عذابا أليما). # ثم عذر أهل العذر منهم بقوله - تعالى -: (ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج ... (17) كما عذر أهل العذر من المؤمنين ~~بقوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~حرج. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما)؛ لأنهم إذا تولوا عادوا إلى ما كانوا. # * * * # قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما ~~في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة ~~يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل ~~لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما ~~(20) وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ~~(21) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا ~~(22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23). # وقوله - عز وجل -: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) ~~يحتمل قوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين) لما عزموا على الوفاء على ما ~~بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms4203 - # PageV09P305 # والصدق لذلك، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر الله أن قد رضي ~~الله عنهم لذلك، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا الله ~~تعالى أنهم قد عزموا على ذلك، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء ~~لذلك والصدق له، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق ~~إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فعلم ما في قلوبهم) هذا يحتمل وجوها: # أحدها: ما ذكرنا: علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق؛ لما ~~أعطوا بأيديهم من أنفسهم. # والثاني: علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية، وذلك يتوجه وجهين: # أحدهما: أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة؛ لأنهم كانوا مستعدين ~~للحرب والقتال، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت، خشوا ألا ~~يقوموا لهم؛ فلم يفوا ما عاهدوا. # والثاني: خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه؛ لأن في ذلك مناصبة ~~جميع أهل الأديان والمذاهب، والله أعلم. # والثالث: علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل، لكن تلك ~~الكراهة كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت، ~~ورجوا دخولها، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك، فانصرفوا، ~~فاشتد ذلك عليهم، فكرهوا ذلك، لكن كراهة الطبع، لا كراهة الاختيار، وقد ~~يكره طبع الإنسان شيئا والخيار غيره؛ كقوله - عز وجل -: (وعاشروهن بالمعروف ~~فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)، وكقول يوسف: ~~(رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)، محبة الاختيار، لا محبة الطبع، بل ~~الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن. # وقوله - عز وجل -: (فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) أي: أنزل ~~عليهم ما يسكن به قلوبهم؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وصدق ما أعطوا من أنفسهم، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ~~ويطمعون من دخول مكة، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحا قريبا، وهو فتح ~~مكة، أو فتح خيبر، والله أعلم. # ثم ms4204 قوله: (وأثابهم فتحا قريبا. ومغانم كثيرة يأخذونها) اختلف فيه: # PageV09P306 # منهم من صرف الفتح القريب المذكور في الآية إلى فتح خيبر، وإلى مغانم ~~خيبر حين بشروا بالحديبية بفتح خيبر، وجعل المغانم لهم مكان ما منعوا من ~~دخول مكة وحيل بينهم وبين ما قصدوا، أو في الطريق بعد منصرفهم من الحديبية ~~على ما ذكر في القصة، والله أعلم. # ومنهم من صرف الفتح إلى مكة؛ لأنه ذكر في القصة أنهم بشروا في الطريق بعد ~~انصرافهم من الحديبية بفتح مكة، ويكون قوله: (وأثابهم) على هذا التأويل ~~بمعنى: ويثيبهم، وذلك جائز في اللغة: فعل بمعنى: يفعل، كقوله - عز وجل -: ~~(وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس. . .)، كذا، يعني: يقول له، ~~وقوله - تعالى -: (ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) على ~~هذا ينصرف إلى غيره من المغانم؛ لأنه لم يكن بمكة غنائم، والله أعلم. # ومنهم من قال: (وأثابهم فتحا قريبا) الفتوح كلها التي كانت لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولأمته، وكذلك قوله: (ومغانم). # وجائز أن يكون الكفرة جملة، أي: لو قاتلوكم لولوا الأدبار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنة الله التي قد خلت من قبل ... (23) ما سن في كل ~~أمة من هلاك، لم يجعل ذلك الهلاك في غيرها من الأمم؛ نحو ما جعل هلاك قوم ~~نوح الغرق، وكذلك قوم فرعون، وكذلك جعل هلاك عاد بريح صرصر، وثمود ~~بالطاغية؛ جعل الله - تعالى - هلاك كل أمة بنوع لم يجعل ذلك لغيرها؛ يقول: ~~لم يكن لذلك تبديل إلى غيره. # وجائز أن يكون قوله: (سنة الله التي قد خلت من قبل) أي: جعل عاقبة الأمر ~~للمؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (ولن تجد لسنة الله تبديلا) في أمتك، ولكن جعل عاقبة ~~الأمر لهم كما جعل عاقبة الأمر في سائر الأمم للمؤمنين. # * * * # قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن ~~أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم عن ~~المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء ms4205 مؤمنات ~~لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من ~~يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25) إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء ~~عليما (26) لقد صدق الله # PageV09P307 # رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ~~(27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28). # وقوله - عز وجل -: (وهو الذي كف أيديهم عنكم ... (24) مع كثرة أولئك، ~~وقوتهم، وتأهبهم للقتال، وضعف هؤلاء وقلة عددهم؛ لأن أولئك كانوا خرجوا ~~للقتال والحرب، مستعدين لذلك، متأهبين، وهؤلاء كانوا خرجوا لقضاء المناسك ~~وزيارة البيت، فكف أيدي أولئك مع عدتهم وقوتهم وكثرتهم عن هؤلاء مع ضعفهم ~~وقلة عددهم، حتى أظفرهم بأولئك بما ذكر في القصة أن المسلمين كانوا اشتغلوا ~~بالترامي بالنبل والحجارة حتى هزموهم وأدخلوهم بطن مكة؛ على ما ذكر، ثم ~~أظفرهم بهم، كف أيدي هؤلاء عنهم ويتم لهم الظفر بهم؛ ليعلم هؤلاء أن ~~التدبير في الأمر إلى الله - تعالى - دونهم، وله السلطان على الخلق جميعا، ~~لا سلطان لأحد في سلطانه، ولا قوة إلا بالله. # وأما ما ذكر من الامتنان هو ما ذكر من كف أيدي أولئك عن هؤلاء عند شدة ~~خوفهم منهم وفزعهم بما ذكرنا من قوة أولئك وكثرتهم، وضعف هؤلاء وقلة عددهم، ~~حتى أظفرهم؛ يذكر منته عليهم؛ ليستأدي شكره، ويكف أيدي هؤلاء عنهم. # فإن قيل: ما كف أيدي أولئك عن هؤلاء، المنة ظاهرة، ولكن أية منة تكون في ~~كف أيدي المؤمنين عن أولئك الكفرة؟ فيقال: جائز أن تكون المنة في كف أيدي ~~المؤمنين عن أولئك الكفرة؛ ليستأدي منهم شكره بذلك، وهو الإسلام لله - ~~تعالى - على جميع خلقه منة؛ ليستأدي منهم شكرا على الكافرين والمسلمين ~~جميعا. # ويحتمل أن تكون المنة في كف أيدي المؤمنين عن أولئك ms4206 على المؤمنين - أيضا ~~- هو ما ذكر على إثره: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم) أنه لو لم يكف أيدي المؤمنين عنهم حتى ~~يتم لهم الظفر بهم فدخلوا مكة وهنالك مؤمنون لأصابهم ما ذكر من المعرة ~~وغيره، فكان في كف أيدي المؤمنين عن أولئك منة عظيمة عليهم؛ لما بينا من ~~قبل من فيها من المؤمنين من غير علم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ببطن مكة) وهم لم يكونوا في بطن مكة، إنما كانوا ~~بالحديبية، وبينها وبين مكة أميال، لكن يخرج على وجهين: # أحدهما: أظفرهم بهم وقهرهم وهزمهم حتى أدخلهم بطن مكة؛ على ما ذكر أنهم ~~هزموهم حتى أدخلوهم في بيوت مكة. # والثاني: ببطن مكة؛ أي: بقرب مكة. # PageV09P308 # وجائز أن يكنى ببطن مكة؛ أي: قربها. # وقال بعضهم: (ببطن مكة) أي: الحرم، والحرم كله مكة، والوجه فيه ما ذكرنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكان الله بما تعملون بصيرا) لم يزل الله - تعالى - ~~عالما بأعمالهم، بصيرا. # وفيه دلالة خلق أفعالهم؛ لأنه ذكر أنه كف أيدي هؤلاء عن أولئك وأيدي ~~أولئك عن هؤلاء، ثم قال: هو عالم بما تعملون بصيرا؛ ليعلم أن له في فعلهم ~~صنعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ... (25) أي: ~~صدوهم عما قصدوا، وهو الطواف بالبيت والزيارة له، وذلك في المسجد الحرام؛ ~~ذكر صدهم عن المسجد الحرام وصدوهم عما فيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) وقوله: (معكوفا) هو أي: ~~محبوسا، والمعكوف هو الحبس، ومنه سمي العاكف والمعتكف. # ثم قوله: (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) محل دم هدي المتعة هو مكة أو منى، ~~فأما الحرم نفسه فليس هو محله؛ فكأنه قال: وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله ~~الذي جعل لهدي المتعة وهو منى أو مكة؛ لأنه ذكر في الخبر أنه كان - عليه ~~السلام - معتمرا، وذكر أنه كان متمتعا، وفيه أن دم المتعة إن منع عن محله ~~سقط، وخرج عن حكم المتعة، ويعود إلى ms4207 مكة، وله أن يصرفه إلى ما شاء؛ ألا ترى ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر تلك البدن التي ساقها عن الإحصار في ~~الحرم؛ دل أن هدي المتعة إذا منع عن المحل سقط، ويخرج عن حكم المتعة. # وفيه أن دم الإحصار لا يجوز إراقته إلا في الحرم؛ إذ الحديبية تجمع الحرم ~~والحل جميعا عندنا، فإنما كان نحرها في الحرم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم) أي: تقتلوهم وتهلكوهم (فتصيبكم منهم معرة بغير علم) أي: لولا ما ~~فيها -أعني: في مكة- من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، لأتم لكم الظفر بهم، ~~ودخلتم عليهم، لكن منعكم عن دخولكم مكة؛ لما ذكر. # ثم اختلف في قوله - تعالى -: (فتصيبكم منهم معرة بغير علم). # قال بعضهم: لزمكم الدية بقتلهم، وكذا روي عن محمد بن إسحاق. # PageV09P309 # وقال بعضهم: الكفارة. # وقال بعضهم: الإثم والذنب؛ أي: يصيبكم منهم الإثم بقتلكم إياهم؛ وهذا لا ~~يحتمل؛ لأنهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون، لا يلحقهم الإثم والذنب؛ لأن الله ~~- تعالى - وضع الإثم عنا فيما لا نعلمه، ولم يضع طريق العلم به، قال الله - ~~تعالى -: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم). # وعندنا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: فيصيبكم من الكفرة وأهل النفاق ما يسوءكم بقتلكم إياهم من ~~اللائمة، والتعيير، وغير ذلك من القيل والقال؛ يقولون: إنهم قتلوا أصحابهم ~~ومن كان على دينهم من أهل الإسلام؛ فيجدون بذلك سبيلا إلى ما ذكرنا، ~~فيسوءكم ذلك، والله أعلم. # والثاني: يصيبكم الأسف والحزن والندامة الدائمة بقتلكم أهل الإيمان وأهل ~~الإسلام إذا علمتم أنكم قتلتم أصحابكم وأهل دينكم، والله أعلم. # ثم المخالف لنا تعلق بهذه الآية في مسألتين: # إحداهما: فيمن أسلم ولم يهاجر إلينا: أنه تجب الدية في قتله؛ لقوله - ~~تعالى -: (فتصيبكم منهم معرة بغير علم) وهي غرم الدية. # والثانية: هل يباح الرمي على حصون المشركين إذا كان فيها أسارى المسلمين ~~وأطفال المسلمين، وإحراق الحصون أو الرمي على الكفار الذين تترسوا بأطفال ~~المسلمين؟ # قال أبو حنيفة وأبو ms4208 يوسف ومحمد وزفر والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين ~~وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم، ولا بأس بأن يحرقوا الحصن ويقصدوا ~~به المشركين دون المسلمين، وكذلك إحراق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى ~~المسلمين. # وقال مالك: لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين. # وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين، لم يرموا، ولا يحرق ~~الحصن، ولكن لا بأس بأن يرمى الحصن بالمنجنيق، ونحو ذلك. # وقال الشافعي: لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى وأطفال المسلمين، ولو ~~تترسوا بهم فله قولان. # واحتج هؤلاء بأن من عادتهم أنهم كانوا يعبدون ما يهوون ومالت إليهم ~~أنفسهم من الأصنام والأوثان وغيرها، وينصرون من عبدوها، ويدفعون عنهم ~~فيذبون عنها، فجائز أن # PageV09P310 # يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها، والذب عنهم ~~حمية الجاهلية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم ~~كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) وجائز أن ~~يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر: هو شيء ~~أنزله من السماء؛ لطفا منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم. # وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان، ولكن أنشأ في ~~قلوبهم ما يسكن به قلوبهم؛ كقوله - تعالى -: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ~~أزواج)، أي: أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر، وخلقها لهم، ليس أن أنزلها عليهم ~~من مكان إلى مكان، ولكن على الإنشاء والخلق، فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # ثم السكينة تحتمل أسبابا له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم، والأسباب تختلف. # ويحتمل شيئا آخر سوى ذلك، وهو اللطف الذي جعل لهم، فسكن قلوبهم بذلك ~~اللطف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها). # يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: ألزمهم كلمة بها يتقون النار. # ثم يحتمل (كلمة التقوى): كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار، والله ~~أعلم. # ويحتمل قوله: (وألزمهم): إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبدا ~~إلى يوم القيامة، ms4209 والله أعلم. # وقال بعضهم: (كلمة التقوى) هي " بسم الله الرحمن الرحيم "، وذلك أنه لما ~~كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كتب: " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال ذلك: اكتب كذا، لا ندري ما الرحمن ~~الرحيم. وذلك كلمة التقوى، والله أعلم. # والوجه فيه ما ذكرنا. # وقوله: (وكانوا أحق بها وأهلها) أي: بتلك الكلمة، وكانوا أهلا لها (وكان ~~الله بكل شيء عليما). # وقال بعض أهل التأويل: (كلمة التقوى) هي كلمة الإخلاص (وكانوا أحق بها # PageV09P311 # وأهلها) من الأمم السالفة وأهلها، والله أعلم. # أو كانوا أحق بها في الإظهار في الخلق والقيام بذلك، وكانوا أحق بها في ~~إلزامها في أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم ~~تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27). # قال أهل التأويل: قوله: (صدق الله رسوله) أي: حقق الله لرسوله الرؤيا ~~التي أراها إياه بالحق؛ أي: بالوفاء لذلك. # ويحتمل: أي: صير النبي - صلى الله عليه وسلم - صادقا عندهم فيما أخبرهم ~~أنه رأى، وجعله صادقا في ذلك؛ والأول أشبه. # وقوله - عز وجل -: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) هذا يخرج ~~على وجهين: # أحدهما: على الأمر: أن ادخلوا المسجد الحرام، وإن كان في الظاهر خبرا؛ ~~كرؤيا إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: (إني أرى في المنام أني أذبحك)، ثم ~~قال الله - تعالى -: (افعل ما تؤمر)، دل على أن ما رأى إبراهيم - صلوات ~~الله عليه - من الذبح هو أمر بذلك، فإن كان التأويل هذا فيخرج الثنيا ~~المذكور فيه على أثره، كأنه يقول: ادخلوا المسجد الحرام محلقين ومقصرين إن ~~شاء الله أن تأمنوا في دخولكم، وإذا لم تأمنوا لم يشأ أن تدخلوه، والله ~~أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (لتدخلن المسجد الحرام) على الوعد، فيخرج الثنيا ~~المذكور على وجهين: # أحدهما: على التبرك والتيمن، كما يتبرك بذكر اسمه في فعل يفعله، والله ~~أعلم. # والثاني: على الأمر لكل في نفسه ms4210 إذا أخبر غيره أنه يدخل أن يقول: إن شاء ~~الله، كما يؤمر بالثنيا من أخبر شيئا أنه يفعله، كقوله - تعالى -: (ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله). # ويحتمل أن يذكر الثنيا؛ لأن الوعد في الظاهر وإن كان للجملة كقوله: ~~(لتدخلن)، فجائز أن يكون المراد منه بعض منهم، ليس الجملة؛ لاحتمال أن يموت ~~بعض منهم وألا يكون هو مرادا والمراد، الجملة، فذكر الثنيا؛ لئلا يكون خلف ~~في الوعد من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ما ذكر من رؤيا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأخبر أنه حققها يحتمل ما ذكر من دخول المسجد الحرام على ~~أثره، فإن كان ذلك؛ فيكون قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام) هو تفسير ~~لتلك الرؤيا. # PageV09P312 # وجائز أن تكون الرؤيا في غير ذلك. # وقوله: (لتدخلن المسجد الحرام) ابتداء وعد وأمر من الله تعالى، وكذلك ما ~~ذكر من قوله حيث قال: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس). # يحتمل ما ذكر في هذه الآية: (لتدخلن المسجد الحرام. . .) إلى آخر ما ذكر. # ويحتمل غير هذا أيضا، وقد أخبر أنه حققها وصدقها، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (محلقين رءوسكم ومقصرين). # يخبر أنهم يدخلون المسجد الحرام محلقين مقصرين. # ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: في ابتداء الإحرام، يخرج على التزين على ما يزين المحرم في ~~ابتداء إحرامه من نحو التطيب واللباس والحلق والتقصير، ونحو ذلك، يخبر أنهم ~~يدخلون على التزين في المسجد الحرام آمنين من الكفار، فإن كان على ذلك فهو ~~على الثياب والطيب وغير ذلك. # وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معتمرا، فسميت تلك عمرة ~~القضاء؛ حيث منع في عام الحديبية وكان معتمرا فسميت، تلك عمرة وإن كان حاجا ~~فيكون قوله: (لتدخلن المسجد الحرام) بعد رجوعهم من منى إلى طواف الزيارة في ~~ذلك الوقت يكونون محلقين مقصرين، والله أعلم. # فإن قيل: ما الحكمة في أمره رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالخروج للحج ~~عام الحديبية على علم منه أنه لا يصل إلى مكة وأنه يحال ms4211 بينه وبين دخول مكة ~~وقضاء النسك، ولا يحتمل إلى ذلك إلا بأمر من الله تعالى، ليس هو كغيره من ~~الناس أنهم يفعلون أفعالا بلا أمر، ثم يمنعون أو ينهون عن ذلك، فأما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يفعل شيئا إلا عن أمر منه له بذلك. # قيل: يحتمل إنما أمر بذلك مع علمه بأنهم يمنعون عن ذلك؛ تعليما منه رسوله ~~وأمته حكم الإحصار: أن من حصر عن الحج، ومنع عن دخول مكة؛ لقضاء النسك، ~~ماذا يلزمه؟ # وبم يخرج منه؟ ولله تعالى أن يعلم خلقه أحكام شريعته مرة بأمر يأمرهم ~~بذلك، أو بخبر يخبرهم، ومرة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتحنهم بما ~~شاء، له الحكم والأمر في الخلق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تخافون). # أي: تدخلون مكة آمنين، لا تخافون عدوكم، ولا منعهم إياكم. # PageV09P313 # وقوله - عز وجل -: (فعلم ما لم تعلموا). # هذا يخرج على وجوه: # أحدها: أي: علم ما وعد لكم من فتح خيبر وغنائمه ما لم تعلموا. # ويحتمل: أي: علم ما أرى وصوله - صلى الله عليه وسلم - من الرؤيا وتحقيقها ~~ما لم تعلموا. # ويحتمل: أي: علم في رجوعكم عن الحديبية أشياء لم تعلموها أنتم من إظهار ~~ما أظهر من نفاق أهل النفاق فيهم، وأهل الاضطراب من المحققين والمصدقين ~~وغير ذلك، والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (فعلم ما لم تعلموا) يقول: ~~إن ذلك الدخول أي سنة؟ ولم تعلموا أنتم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا). # قال بعضهم: جعل من قبل أن يدخلوا مكة (فتحا قريبا)، أي: عاجلا فتح خيبر، ~~والله أعلم. # وقول أهل التأويل: إنه اشتد على الناس رجوعهم من الحديبية وصدهم المشركون ~~عما قصدوا، بعدما أخبرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى في المنام ~~أنهم يدخلون على ما وقع عندهم أن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حق ~~كالوحي. # لكن هذا لا يحتمل من المسلمين ما يحتمل من المنافقين على ما ذكر أنهم ~~قالوا حين أخبر رسول ms4212 الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية أن الرؤيا كذب ~~أو كلام نحوه؛ فكل هذا يحتمل من المنافقين، فأما من المسلمين فلا يحتمل أن ~~يقع في قلوبهم شيء من ذلك؛ لما لم يكن في الآية بيان ولا توقيت أنهم متى ~~يدخلون؟ بل فيها الوعد بالدخول ليس فيها أنه متى؟ ألا ترى أن يوسف - عليه ~~السلام - رأى رؤيا وخرجت بعد أربعين سنة أو أقل أو أكثر؛ فعلى ذلك لا يحتمل ~~أن يخفى عليهم إذا لم يكن في الوعد توقيت أنه يجوز أن يتأخر أو يتقدم، ~~والله أعلم. # ثم فيما ذكرنا من أمر الحديبية وصد المشركين إياهم عن دخول مكة والحيلولة ~~بينهم وبين ما قصدوا - أنه لا يحتمل أن يخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لقصد الحج وزيارة البيت مع أصحابه بلا أمر منه بذلك؛ لما ذكرنا، ثم ~~إن ثبت له الأمر بذلك على علم من الله تعالى أنه لا يصل إلى تحصيل المأمور ~~به وما قصدوا من دخول مكة زائرين، وما يكون من المشركين من المنع لهم والصد ~~عن ذلك، وما أرادوا تحصيل ما أمرهم بذلك، فهذا دليل على أن الله تعالى قد ~~يأمرهم ويريد غير الذي أمر به، وأنه يريد ما علم أنه يكون منهم # PageV09P314 # الذي أمر به، وهو كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم كان حقيقة ~~المراد بالأمر بذبح الولد ذبح الشاه والكبش؛ دل أن الأمر بالشيء لا يدل على ~~أنه أراد الذي أمره به، بل يريد ما علم أنه يكون منهم من خلافه وضده، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله وكفى بالله شهيدا (28). # أي: أرسله بالهدى من كل ضلال أو حيرة. # أو أرسله بالبيان من كل عمى وشبهة، وهو هذا القرآن الذي سماه مرة: هدى، ~~ورحمة، ونورا، ونحو ذلك، وهو ما وصفه - عز وجل - أن من تمسك به يكون ما ذكر ~~هدى من كل ضلالة وحيرة، ونورا من كل ظلمة، وبيانا من كل عمى وشبهة، ولا ms4213 قوة ~~إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (ودين الحق). # جائز أن يكون الحق هو نعت الدين وهو الإسلام، وهو الدين الحق، وسائر ~~الأديان باطلة. # ويحتمل أن يكون قوله تعالى: (ودين الحق)؛ أي: دين الإله الذي هو الإله ~~الحق، وهو الإله المستحق الألوهية وغيره من الأديان دين الشيطان، ولا قوة ~~إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (يظهره على الدين كله). # الإظهار: هو الغلبة، ثم تخرج غلبته على الدين كله على وجهين: # أحدهما: أي: غلب هذا الدين على الأديان كلها بالحجج والبراهين أنه حق، ~~وأنه من عند الله جاء، وقد كان بحمد الله كما ذكر، حتى عرف أهل الأديان ~~كلها بالحجج والبراهين أنه حق إلا من كابر عقله وعاند الحق أو غفل عن ~~دلائله، ولا قوة إلا بالله. # والثاني: يغلب على الأديان كلها، أي: يغلب على أهل الأديان كلهم حتى يصير ~~أهل الإسلام ظاهرين غالبين من بين غيرهم، ويتوارى جميع أهل الأديان ~~ويختفوا، ولكن ذلك في وقت دون وقت، وهو الوقت الذي ذكره بعض أهل التأويل، ~~وهو في وقت خروج عيسى - عليه السلام - يصير أهل الأديان كلهم أهل دين واحد ~~وهو الإسلام. # وجائز أن يكون قوله: (ليظهره على الدين كله)، أي: يظهر ما يحتاج أهل هذا ~~الدين كله وما يحدث لهم من الحاجة - على الأديان كلها، بما ضمن في القرآن ~~معاني تقع الكفاية بها في الحوادث كلها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكفى بالله شهيدا). # هذا يحتمل وجهين: # PageV09P315 # أحدهما: (وكفى بالله شهيدا) بأن ما جاء به سيدنا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، إنما جاء به من عند الله، فإن كان التأويل هذا، فإنما تكون هذه ~~الشهادة في الآخرة. # والثاني: يحتمل قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدا) بما أنشأه له من الآيات ~~والحجج شهادة منه على رسالته ونبوته، وذلك في الدنيا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ms4214 كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) # وقوله - عز وجل -: (محمد رسول الله). # من الناس من احتج على تفضيل محمد - صلى الله عليه وسلم - على غيره من ~~الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية وبغيرها من الآيات يقول: لم يذكر ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن إلا وخاطبه باسم الرسالة والنبوة؛ ~~كقوله - تعالى -: (يا أيها النبي)، و (يا أيها الرسول)، وقوله: (محمد رسول ~~الله) ونحو ذلك، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم ~~التي جعلت لهم خلقة دون ختم الرسالة والنبوة، كقوله: (يا نوح اهبط بسلام ~~منا)، و (يا لوط)، و (يا موسى)، و (يا هارون)، و (يا هود)، و (يا صالح)؛ ~~جميع من ذكرهم سواه إنما ذكرهم بأسمائهم الموضوعة في أصل الخلقة، ولم يجلوا ~~ولم يسموا بأسماء الرسالة والنبوة؛ وذلك لفضل جعل له من بين غيره، وكذلك ~~يحتج لتفضيل أمته وأصحابه على سائر الأمم حيث خاطب هذه الأمة بأحسن الأسماء ~~فقال: (يا أيها الذين آمنوا)، وقوله: (أيه المؤمنون)، وقال في سائر الأمم: ~~(يا بني آدم)، ونحو ذلك، ومما يدل على فضيلتهم قوله - تعالى -: (كنتم خير ~~أمة. . .) الآية؛ أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة بما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم. . .) ~~الآية، ما وصفهم ونعتهم يرجع إلى أصحابه على الاجتماع، أي: الكل موصوفون ~~بهذه الصفات التي ذكر في الآية، وأنها كلها فيهم، وهو كقوله - تعالى - في ~~صفتهم: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، أي: أشداء على الكفار، ~~ورحماء على المؤمنين، وصفهم بذلك جملة، فعلى ذلك هاهنا. # PageV09P316 # ويحتمل أن يكون ذلك وصف بعضهم دون بعض، أو وصف عامتهم، فأما الكل فلا، ~~وذلك نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال: لولا قوله ~~- تعالى -: (منكم من يريد الدنيا)، ما كنا نعرف أحدا من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا، فإنما يكون ms4215 ذلك وصف أمثال عبد الله بن ~~مسعود، رضي الله عنه. # ثم قد جعل الله - تعالى - الرحمة والرأفة نعتا للمؤمنين، يتراحم بعضهم ~~بعضا، وكذلك روي في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا ~~تدخلوا الجنة حتى تراحموا " قالوا: كلنا نتراحم ولده، فقال: " ليس ذلك ~~برحمة، إنما الرحمة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولولده "، أو كلام نحوه. # وروي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~المؤمنون كلهم كرجل واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر ~~والحمى "، وليس فيما وصفهم بالشدة على الكفار دليل على أن ليس لهم شفقة ~~عليهم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - له شفقة عظيمة عليهم، حتى كادت ~~تهلك نفسه، لذلك قال الله - تعالى -: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، وقال: ~~(لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، فعلى ذلك أصحابه، رضوان الله عليهم ~~أجمعين. # ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر ليس ~~برحمة؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد، وفي قبولهم ذلك ~~نجاتهم، وما وصفهم بالرحمة على المؤمنين، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم ~~إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم؛ بل من الشفقة ~~لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر؛ إذ في ذلك نجاتهم، وذلك لا يزيل عنهم ~~الرحمة التي وصفهم بها؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة، والله أعلم. # ثم نعتهم وقال: (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود). # وقوله - عز وجل -: (تراهم ركعا سجدا) أن يحتمل وجهين: # أحدهما: وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات، وأراد بالركوع ~~والسجود: هو الصلاة على طريق الكناية. # والثاني: عبارة عن الخضوع لربهم، والتواضع للمؤمنين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) يحتمل قوله: (يبتغون ~~فضلا من الله) # PageV09P317 # أي: الجنة؛ أي: يبتغون بكل ما وصفهم من الرحمة، والشدة، والركوع، والسجود ~~الجنة، والفضل يذكر عبارة عن الجنة في القرآن في غير موضع. # وجائز أن ms4216 يكون ما ذكر من ابتغائهم الفضل من الله - تعالى - ما يتعايشون ~~به. # وقال بعضهم: (يبتغون فضلا من الله) أي: يبتغون ما يتعيشون به. # وقال بعضهم: (يبتغون فضلا من الله) أي: يبتغون معيشة يتقوون بها على طاعة ~~الله. # وقوله - عز وجل -: (ورضوانا) أي: رضا ربهم، وهو بمعنى الفضل - أيضا - على ~~التكرار للتأكيد؛ كقوله - تعالى -: (وابتغوا من فضل الله)، لكنه أخبر أنهم ~~يبتغون ذلك الفضل والرضوان من الله - تعالى - والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) اختلف فيه: # قال الحسن وغيره: أي: أثر الخشوع والصلاة في وجوههم. # وقال بعضهم: إن الرجل إذا قام من الليل فأطال القيام والسهر، تبين سهر ~~الليل في وجهه إذا أصبح من الصفرة، وتغير اللون، وذلك كله في الدنيا. # وكذلك روي عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رحم ~~الله قوما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى " قال الحسن: أجهدتهم العبادة. # وقال قتادة: أثر الصلاة في وجوههم، وهو أثر التراب؛ لكن ذلك بعيد. # وقال: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) يوم القيامة، وهو بياض وجوههم من ~~أثر السجود والوضوء. # وكذلك روي في الخبر عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إني ~~أعرف أمتي من بين غيرها من الأمم " قيل: وكيف تعرف يا رسول الله أمتك من ~~بين الأمم؟ فقال: " أمتي غر محجلون يوم القيامة من أثر السجود " ولا يكون ~~ذلك لأحد من الأمم غيرهم، والله أعلم. # وجائز أن يكون على غير ذلك، يجعل الله - تعالى - في وجوههم من آثار ~~العبادة له، والجهد فيها من النور والحلاوة والحسن ما يعرفون أنهم أهل ~~عبادة الله - تعالى - وطاعته، والله أعلم. # PageV09P318 # وقوله - عز وجل -: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) يحتمل ~~وجوها: # أحدها: أي: شبههم في التوراة والإنجيل الآحاد والأفراد منهم المختارون من ~~بين غيرهم الذين يعظمونهم الأتباع والملوك ويحلونهم، فما بالكم لا تعظمون ~~أنتم هؤلاء ولا تتبعونهم كاولئك، والله أعلم. # والثاني: يحتمل: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) أي: ذلك ms4217 نعتهم ~~ووصفهم في التوراة والإنجيل؛ أي: على ذلك نعتوا ووصفوا في التوراة ~~والإنجيل، وقد عرفتم ذلك، فهلا اتبعتموهم إذا نعتوا ووصفوا في القرآن. # وقال بعضهم: قوله: (ذلك مثلهم في التوراة) مقطوع مقصود، وهو ما تقدم من ~~قوله: (والذين معه أشداء على الكفار. . .) إلى قوله: (من أثر السجود)، ثم ~~ابتدأ فقال: (ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه. . .) الآية، وهذا يحتمل ~~ووجه حسن، وعلى التأويلين الأولين ما ذكرنا من وصفهم، كأنه في التوراة ~~والإنجيل جميعا، ثم نعتهم - أيضا - بقوله - تعالى -: (كزرع أخرج شطأه)، ~~والله أعلم. # ثم ذكر نعت أصحابه - رضي الله عنهم - في هذه الآية، ولم يذكر نعت رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وإنما ذكر نعته في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: ~~(النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. . .) الآية، ~~ذكر نعته وصفته في الآية - صلى الله عليه وسلم - ونعت أصحابه - رضي الله ~~عنهم - في هذه السورة، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل. . .) ~~الآية دلالة الرسالة؛ لأنه أخبر أن نعتهم في الكتب المتقدمة كما ذكر في ~~القرآن، ثم لم يقل أحد من أهل الكتب المتقدمة: أن ليس ذلك نعتهم أو شبههم ~~في تلك الكتب، ثبت أنه بالله عرف، ولا قوة إلا بالله. # ثم قوله - عز وجل -: (كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه. . ~~.) الآية، شبههم بالزرع الذي ذكر - والله أعلم - لأنهم أحيوا سنن الدين ~~وشرائعه التي كانت من قبل بعدما درست، وانقطع أثرها؛ لأنه لم يكن فيما بين ~~عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - رسول فقد انقرض ذلك واندرس، ثم جاء ~~محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - بعد دروس ذلك وانقراضه كالزرع ~~الذي يخرج وحده، وهو النبت الواحد في أول ما يخرج، فأعانه أصحابه وآزروه ~~كانوا إليه كالخلفة التي تنبت حول الساق تؤازر الخلفة والنبت، فأما (شطأه) ~~فقيل: هو محمد - صلى الله عليه وسلم - خرج وحده كما خرج أول النبت وحده، ~~وأما الوالية التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت، فهم المؤمنون كانوا في # PageV09P319 # قلة ms4218 كما كان أول الزرع دقيقا، ثم زاد نبت الزرع، فغلظ، (فآزره فاستغلظ)، ~~كما آزر المؤمنون بعضهم بعضا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ ~~هذا الزرع واستوى على سوقه. # ثم اختلقوا في الشطاة: # قال أبو عوسجة: هو قصب الزرع؛ أي: صار له واسط الزرع؛ أي صار له ورق، ~~(فآزره) أي: قواه، (سوقه) جمع: ساق. # وقال أبو عبيدة: شطأ الزرع: فراعه وصغاره؛ يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ ~~إذا فرع. # وقال الفراء: (شطأه) أي: سنبله، ينبت الحبة عشرا وتسعا وثمانيا (فآزره) ~~أي: أعانه وقواه. # وقوله: (فاستغلظ) أي: غلظ (فاستوى على سوقه) جمع ساق، ومنه يقال: قام كذا ~~على سوقه إذا آذرته وتناهى وبلغ الغاية؛ يقول - والله أعلم -: كما أن الزرع ~~إذا قام على السوق فقد استحكم، فهذا مثل ضربه الله - تعالى - لنبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - أي: خرج وحده، فأيده بأصحابه، فقوى واشتد كما قويت الساق ~~من الزرع بما نبت منها حتى غلظت وعظمت واستحكمت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) قال بعضهم: الزراع هو ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - يعجب محمدا ما رأى من أصحابه والمؤمنين، ويغيظ ~~الكفار ذلك، من الغيظ، وهو كقوله - تعالى -: (من كان يظن أن لن ينصره الله ~~في الدنيا والآخرة. . .) إلى قوله: (هل يذهبن كيده ما يغيظ). # وقال بعضهم: الزراع: هو صاحب الزرع، إذا كثر جوانبه ووالياته، وينبت ~~(ليغيظ بهم الكفار)؛ أي: يغيظ ذلك سائر الزراعين. # وقال بعضهم: كما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائما على ساقه، فكذلك ~~يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم. # وقال بعضهم: هم الزراع، سموا كفارا؛ لأنهم يكفرون، أي: يسترون البذر في ~~الأرض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم) من بين ~~غيرهم من الناس (مغفرة وأجرا عظيما)، والله أعلم. # وفيه نقض قول الباطنية والروافض - لعنهم الله - لقولهم: إنهم بعد وفاة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV09P320 # كفروا وارتدوا عن الإسلام جميعا، أو كلام نحوه؛ في الآية رد لقولهم؛ لأنه ~~وعد لهم المغفرة ms4219 وما ذكر من الأجر العظيم، فلا يحتمل أن يكونوا على ما ذكر ~~أولئك، ثم تكون لهم المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم؛ فدل ما ذكر من الوعد ~~لهم بالمغفرة والأجر العظيم أنهم ثبتوا على ما كانوا من قبل في زمن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وفي حياته، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV09P321 ### | سورة الحجرات # ذكر أنها مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا ~~الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله ~~غفور رحيم (5). # قوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) ~~قال بعضهم: إن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - اختلفا في شيء بحضرة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله - تعالى -: (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. . .) إلى آخر ما ذكر من ~~قوله: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي). # وذكر عن الحسن في قوله - تعالى -: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أي: ~~لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل ~~صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر. # وقال قتادة: ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع ~~كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~بقول ولا عمل حتى يبين الله - تعالى - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، والله ~~أعلم. # وأصل ذلك عندنا من قوله: (يا أيها الذين آمنوا. . .) الآية، أي: يا أيها ~~الذين آمنوا اعلموا أن لله الخلق ms4220 والأمر، لا تقدموا أمرا، ولا قولا، ولا ~~فعلا، ولا حكما ولا نهيا سوى ما أمر الله - تعالى - به ورسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم ~~به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا ~~رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، ~~والفعل، والقضاء والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له ~~الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم # PageV09P322 # الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، ~~فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟! فهو للكل، وفي كل الأمور، والله الموقق. # وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة - رضي الله عنها - فأمرت ~~الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم -وهو اليوم الذي يشك فيه- فقالت له: قد ~~نهي عن هذا، وتلت قوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله) في صيام ولا غيره. # اعتبرت عائشة - رضي الله عنها - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي ~~الله ورسوله ومخالفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل قول أو فعل. # وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: (لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله) أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله إن الله سميع عليم) أي: اتقوا مخالفة أمر ~~الله ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر الله ونهيه، ~~وفي كل ما دعاكم إليه (إن الله سميع) لأقوالكم (عليم) بأفعالكم وأعمالكم، ~~ولا قوة إلا بالله. # ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: (بين يدي الله ورسوله) الجوارح ولا العدد ~~في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: (خلقت ~~بيدي)، أي: خلقته على علم مني بما يكون منه من خلاف أو معصية، لم أخلقه عن ~~جهل ms4221 بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله - تعالى -: (والله بما تعملون بصير)، ~~و (خبير)، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ~~ذلك هذا، كما فهموا من قوله: (لا تقدموا بين يدي الله) أمر الله ونهيه دون ~~الجوارح والعدد، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم (2). . .) إلى ~~قوله: (لبعض) قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ~~اختلفا في شيء بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فارتفعت أصواتهما. # وقال بعضهم: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV09P323 # وعندنا: لا يحتمل أن يكون ما ذكر من رفع الصوت فوق صوت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن ~~يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا ~~نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ~~ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أجل في ~~قلوبهم وأعظم قدرا من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع ~~صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك أو في أهل النفاق، والله ~~أعلم. # ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على وجهين: # أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان ~~منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله - ~~تعالى - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحانا منه لهم، وهو ~~ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا ~~معصومين ms4222 عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إنما تكون عصمة إذا ~~كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، ~~والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة ~~منه لهم، والله أعلم. # ويحتمل أنه خاطب هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك؛ ليتعظ بذلك من ~~يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكافرين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق ~~وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل معاملة ~~بعضهم بعضا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) ذكر هذا؛ ليكونوا ~~أبدا [متيقظين] بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذرين، معظمين له ~~في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات ما يجري مجرى الاستخفاف به ~~والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يكفر صاحبه، ولا يكون معذورا، وإن فعله على السهو ~~والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما ~~بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله - تعالى - المؤاخذة ~~عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل ~~في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم. # وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمة الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ~~ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: ~~(يا أيها # PageV09P324 # الذين آمنوا. . .) الآية. # وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ~~ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى ~~-وإن قلت- سببا لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطير حقير. # ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ونحو ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) دلت هذه الآية ms4223 أن ~~الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله - تعالى -: (لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله)، وقوله - عز وجل -: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، وقوله: ~~(ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض) في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين ~~صحبوه وآمنوا به، وعرفوا أنه رسول، رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ~~ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بعد، إنما ذلك ~~به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا ~~أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن ~~نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ~~ذلك؟ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ~~ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) هذا وصف ~~المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا ~~- هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذا أخلص وصفى الصافي منه ~~والخالص من غيره. # وقوله - عز وجل -: (لهم مغفرة وأجر عظيم) ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ~~(4) هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق. # وقال بعضهم: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - ~~يعنون: محمدا - صلى الله عليه وسلم - - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، ~~وإن يكن ملكا نعيش في جناحه، فأتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد؛ فنزلت هذه الآية. # PageV09P325 # وقال بعضهم: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سبى ذراري بني تميم ~~ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتاقهم وردهم إليهم، فنادوه ~~من وراء حجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضا؛ فنزلت الآية. # وقوله: (أكثرهم لا يعقلون). ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ~~... (5) لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته. # ثم قوله: (أكثرهم لا يعقلون) يحتمل وجوها: # أكثرهم ms4224 لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم ~~المؤمنون. # والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون. # والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، ~~وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون. # وفي هذه الآية وفي قوله - تعالى -: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) ~~دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن ~~لم يعلم به ولم يقصد، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من ~~الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) ~~إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) ~~جميع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطلق، وإلى قوم ~~سواهم؛ لجباية الصدقات، وكان بينه وبين أولئك القوم عداوة في الجاهلية، ~~فخرجوا يتلقونه، فخافهم، فرجع، فقال: إن القوم قد منعوا الصدقات، فبعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباية الصدقات، ~~فوجدهم يصلون ويعملون الطاعات، واجتمعوا وجمعوا له الصدقات وجبوها وسلموها ~~إليه، فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها، فنزل قوله - تعالى ~~-: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ # PageV09P326 # فتبينوا) لكن إن كان ما ذكروا فلم يكن في ذلك النبأ التثبت؛ لأن الآية ~~نزلت بعد نبأ الرجل. # وفي الآية الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق فيما يحدث من الأمور ms4225 من بعد؛ فدل ~~أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبأ الفاسق ابتداء، والله أعلم. # ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقا ولم يأمر الله - تعالى - بالتثبت ~~في خبر المنافق، ولم يشرع ذلك؛ لأن النفاق يكون في الضمير فلا يظهر ذلك؛ ~~فأما الفسق فإنه يظهر فأمر لنا بالتثبت فيه؛ فدل أن الآية لم تنزل في ذلك ~~الرجل؛ إذ لا يحتمل عن المنافق أن يزور على المسلمين مثل ما ذكر منه دل أن ~~ما قاله أهل التأويل فيه وهم. # ثم في الآية دلالة قبول خبر الواحد إذا كان عدلا؛ لأنه لو لم يقبل خبره ~~إذا كان عدلا لم يكن لذكر الفسق فائدة سوى الشتم، والشتم سفه؛ فلا يجوز أن ~~يوصف الله - تعالى - به فدل ذكر الفسق على أن هذا الحكم وهو رد الشهادة ~~مختص باسم الفسق، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى لا يكون ذكر الفسق سفها لما ~~تعلق به بيان حكم شرعي يختص بالفاسق، ولا يعرف ذلك دون ذكره، فأما متى كان ~~الحكم عاما في الفاسق والعدل عند الانفراد، فكان ذكر الفاسق مع شتمه لا ~~يليق بالحكمة؛ فدل ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أن تصيبوا قوما بجهالة) أي: تصيبوا قوما بجهالة في ~~الظاهر بسبب تهمة الفسق، فأما في الحقيقة فإنه يجوز أن تصيب ذلك بخبر ~~الواحد، لكن الأحكام وقبول الأخبار فيما بين الخلق لم توضع على الحقائق، ~~وإنما وضعت على الظواهر، وكذلك قبول الشهادات، والحكم بها، وجميع الشرائع ~~التي جعلت في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور، فأما على ~~إصابة حقيقة ذلك فلا؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم ويقضي بقتل إنسان ويقطع ~~يده بشهود عنده؛ لما ظهرت عنده عدالتهم، ولم يكن -في الحقيقة- كذلك، وعلى ~~ذلك قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه: (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم ~~على أخيه من قبل)، لم يأمن عليهم بما # PageV09P327 # ظهر له منهم زلة وجناية حين طلبوا منه إرساله ولده يويسف - عليه السلام - ~~في الرعي؛ بل قال هنالك: (إني ليحزنني أن ms4226 تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب)، ~~إنما اعتل عليهم واحتج بأكل الذئب ولم يتهمهم فيه بما لم يكن ظهر له منهم ~~زلة وجناية، فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم، وأخبر أنه لا يأمن عليهم بما ظهر له ~~من زلتهم؛ فدل أن التهمة سبب الرد، وأنه يجب التثبت بدفع الجهالة من حيث ~~الظاهر، لا للحقيقة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) أي: نادمين بما فعلوا ~~على خلاف ما كان في الظاهر، ويندمون لما تركوا التثبت في الخبر. # وقوله - عز وجل -: (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ... (7) أي: لأثمتم. # من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة، وقالوا: لو كان ~~لإجماعهم حجة، لكان لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر؛ لأن الحق ~~والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه فيمن تبعه في ذلك الصواب، ولكن إن كان لا ~~يوجب الثواب دل أنه ليس بحجة يجب اتباعه. # ولكن هذا فاسد؛ لأن الحجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتها، ولا أتت ~~على نهايتها، فالإجماع الذي هو إجماع حجة عندنا ويجب اتباعه والانقياد له ~~هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين، وأتى على عامتها، أو على الجميع، وكان ~~الوقت وقت نزول الوحي، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لما ينقطع الوحي؛ فيستدل على استيعاب الحجج ونزول جميع ما ~~يحتاج الناس إليه من حيث الإيداع في النصوص، فمتى اجتمعوا على ذلك يكون ~~حجة، ولأنه لا إجماع يتحقق دون رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا ~~وجد رأيه استغنى عن رأي الغير؛ لما كان ينطق عن الوحي، فإذا لم يكن وقت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمان انعقاد الإجماع حجة فبطل استدلالهم ~~بالآية. # ثم قوله - عز وجل -: (واعلموا أن فيكم رسول الله) أرسل إليكم ليزيل عنكم ~~إشكالكم وشبهاتكم، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشبه لكم بما تقدرون أن ~~تسألوه ما أشكل عليكم واشتبه، فيخبركم بذلك فيزيل الشبه عنكم. # والثاني: ms4227 يحتمل: (واعلموا أن فيكم رسول الله) يطلع الله - تعالى - إياه ~~على ما تضمرون في أنفسكم، وما تولدون من الأخبار التي لا أصل لها ولا أثر ~~ما لو أظهر ذلك لافتضحهم، وهو صلة ما ذكر من قوله: (إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا)، والله أعلم. # ويحتمل: أي: فيكم رسول الله تسألونه ما أشكل عليكم، فيخبركم بالحق والأمر ~~على # PageV09P328 # الحقيقة كي لا تصيبوا قوما بجهالة، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون قوله: (واعلموا أن فيكم رسول الله) فإليه الرأي والتدبير ~~في الأمور، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم، وعلى ~~ذلك يخرج قوله: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله)، على ~~الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) أي: لو يطيعكم ~~فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها. # أو يقول: لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم، ثم ~~قال: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان) هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله: (لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم)؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار، كأنه يقول: لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم، وإن الله قد أرسله إليكم رسولا، وحبب إليكم ~~الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل ~~شيء، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره، وأن تصدروا عن رأيه، ~~ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم، والله أعلم. # ويحتمل: أي: لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم، واشتهت بعدما ~~حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر وما ذكر، والله أعلم ~~بحقيقة جهة وصل هذا بالأول. # ثم يحتمل وجهين أيضا: # أحدهما: لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم، ولكن الله - تعالى - ~~ألزمكم طاعته في كل أمر، فأطيعوه ولا تطلبوا منه طاعته إياكم في الأمور، ~~ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها، وقد حبب إليكم ms4228 الإيمان وزينه في قلوبكم، ~~وكره إليكم الكفر والفسوق -وهو الخروج عن أمره- والعصيان. # والثاني: يشبه أن يكون موصولا بقوله - تعالى -: (إن الذين يغضون أصواتهم ~~عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)، و (حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)، ثم قال الله ~~- عز وجل -: (أولئك هم الراشدون) كأنه يقول: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى، وحبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق ~~والعصيان (أولئك هم الراشدون)، أخبر وشهد لهم بالرشاد، وأخبر أن ذلك فضل ~~منه إليهم ونعمة، لا شيء كان منهم استوجبوا # PageV09P329 # بذلك؛ فذلك قوله: (فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8). # ثم قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ~~وكره إليكم الكفر) وما ذكر، يقولون: لم يحبب الإيمان إلى هؤلاء إلا وقد حبب ~~مثله إلى جميع الكفار، وكذلك لم يكره الكفر إلى هؤلاء إلا وقد كره مثله إلى ~~جميع الناس، لكن المراد تخصيص هؤلاء بما ذكر من التحبيب إليهم الإيمان، ~~وتكريه الكفر هو اختصاصهم بما وعد من الثواب والجزاء الجزيل على الإيمان ~~والمواعيد الشديدة، فحببه وزينه في قلوبهم بما وعد لهم من الثواب، وكره ~~الكفر والعصيان إليهم بما أوعد على ذلك من العذاب العظيم. # لكن هذا فاسد؛ لأنه ليس مؤمن به صار حب الإيمان في قلبه لما ذكروا من ~~الثواب والجزاء، ولا كافر أسلم حين أسلم يخطر ثواب الإيمان في قلبه حتى ~~يكون إسلامه لذلك؛ بل كان في قلبه بغض الإيمان قبل الإسلام، فإذا أسلم وجد ~~حبه في قلبه، وكراهة الكفر؛ ليعلم أن ذلك يكون بلطف من الله - تعالى - كان ~~عنده، فإذا أعطاه صار ما ذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ~~(9). # قال بعضهم: كان بين رجلين مدارة -أي: منازعة- في شيء، فغضب قوم كل رجل ~~حتى كان بينهم خفق بالنعال والأيدي، فنزلت الآية. # وقال بعضهم: كان بين الأوس والخزرج قتال بالعصي؛ فنزلت عنده الآية بالأمر ~~بالصلح بينهم. # وقال بعضهم: قتالهم بالعصي، ms4229 والتناجي، ونحوهما. # وقال الحسن: إن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال ~~والأيدي، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية في ذلك. # وقال قتادة: كان بين رجلين حق فتدارا فيه، فقال أحدهما: [لأخذته ~~عنوة]-لكثرة عشيرته- وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي. # وجائز أن تكون الآية فيما كان بين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وبين # PageV09P330 # الحرورية وأهل النهروان؛ ذكر أن عليا - رضي الله عنه - لما قتلهم فقال ~~الناس: هم مشركون، فقال - عليه السلام -: من الشرك فروا، فقالوا: فمنافقون ~~هم؟ قال علي - رضي الله عنه -: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، ~~قالوا: فما هم؟ قال: هم ناس بغوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم. # ويحتمل أنه كان فيما كان بين علي - رضي الله عنه - ومعاوية يوم الجمل ~~ويوم صفين؛ ذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا - رضي الله عنه - سمع رجلا ~~يقول يوم الجمل: هم كفروا، فقال: لا تقل ذلك، ولكن هؤلاء قوم بغوا علينا، ~~وزعموا أنا بغينا عليهم، فقاتلناهم على ذلك. # لكن في الآية الأمر بالصلح إذا كان بينهم -أعني: المؤمنين- اقتتال بأي ~~شيء كان بقوله - تعالى -: (فأصلحوا بينهما) وكذلك أمر في غير آي بالصلح ~~والإصلاح، قال: يقال: وأصلحوا ذات بينكم، أي: بين المؤمنين. # وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما كان ~~منهم الاقتتال والبغي، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر دل أن ~~الكبيرة لا تخرج عن الإيمان، ولا توجب الكفر، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله) أي: فإن ظلمت إحدى الطائفتين وطلبت غير الحق (فقاتلوا ~~التي تبغي) أي: تظلم وتجور (حتى تفيء إلى أمر الله) حتى ترجع إلى أمر الله، ~~وإلى الحق، أمر بمعونة الطائفة التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية، وهو ~~ما ذكر في آية أخرى: (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله)، ~~وعد - عز ms4230 وجل - النصر لهم، فيحتمل أن يكون ذلك النصر الموعود في الدنيا، ~~ويحتمل في الآخرة. # وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيد بين السيف وغيره بقوله: (فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء) لكن متى أمكن دفع ~~البغي وكسر منعتهم بغير السلاح فهو الحق، وهو الواجب، لكن إذا لم ينقلعوا ~~عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به، فإن عليا - رضي الله عنه - قاتل ~~الفئة الباغية بالسيف ومعه كبراء الصحابة - رضي الله عنهم - وأهل بدر، وكان ~~هو محقا في قتاله إياهم دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف. # وبعضهم قالوا: إن قتال البغاة لا يجوز بالسيف، وقالوا: إن سبب نزول الآية ~~في القتال بالعصي والنعال، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن القتال بين الفئتين ~~وإن كان بالنعال والعصي # PageV09P331 # ولكن لم يصيروا بغاة في تلك الحال، وهو القتال الذي أمر الله تعالى فيه ~~أن يصلح بينهم، وإنما يصيرون بغاة بأن لم يجيبوا إلى الصلح ولم يقبل أحد من ~~الطائفتين الصلح، وحينئذ أمر بالقتال معهم مطلقا من غير قيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا) ذكر أنها ~~وإن فاءت ورجعت إلى ما أمر الله - تعالى - به لا يتركوهما كذلك بغير صلح، ~~ولكن أصلحوا بينهما وألفوا حتى يتآلفوا؛ لأن أهل الإسلام ندبوا إلى التآلف ~~بينهم والجمع، وشرط فيه الصلح بالعدل، فهو - والله أعلم - يقول: إنكم وإن ~~رأيتم صلاحهم في الصلح فلا يحملنكم ذلك على الصلح الذي ليس فيه عدل، ولكن ~~أصلحوا بينهم بالعدل، ولا تجاوزوا الحد، وأكد ذلك قوله: (وأقسطوا) أي: ~~اعدلوا في الصلح (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين. # وقوله - عز وجل -: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون (10) أمر الله - عز وجل - بإصلاح ذات البين بين المؤمنين ~~بقوله: (وأصلحوا ذات بينكم)، وأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين إذا ~~اقتتلوا وتنازعوا بقوله - عز وجل -: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما) وأمر بالإصلاح بين الآحاد والأفراد بقوله: (فأصلحوا بين ~~أخويكم)؛ ms4231 لأن الإيمان يوجب التآلف، وبالتآلف ندبوا، وإليه دعوا، وبه من ~~الله - تعالى - علينا؛ حيث قال: (ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)، ~~وقال في آية أخرى: (ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ~~بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، أمر بالتأليف والاجتماع، ونهاهم عن ~~التفرق والاختلاف، وأمر المؤمنين جملة أن يصلحوا ذات بينهم إذا وقع بينهم ~~تنازع واختلاف واقتتال على ما ذكر، والله أعلم. # ثم من الناس من استدل بقوله - تعالى -: (فأصلحوا بين أخويكم) على أن اسم ~~الطائفة يقع على الواحد فصاعدا، فقال: إنه ذكر في أول الآية: (وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، وقال في آخره: (فأصلحوا بين أخويكم) ~~فدل أن اسم الطائفة يقع على الواحد فصاعدا، فقال: فيستدل بهذا على أن في ~~قوله - عز وجل -: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، ~~يراد به الواحد؛ فيدل على لزوم خبر الواحد العدل. # لكن عندنا ما ذكر أنه أمر بإصلاح ذات البين بين جملتهم، وأمر بالصلاح بين ~~فريقين، وأمر بذلك بين الآحاد والأفراد، وليس في قوله: (فأصلحوا بين ~~أخويكم) دلالة أنه أراد به # PageV09P332 # الأخوين، أو ذكر (بين أخويكم)، وأراد به الاثنين اللذين كان الاقتتال ~~بينهما، وفيهما هاج القتال بينهم، فأما أن يكون اسم الطائفة يقع على الواحد ~~فلا؛ بل هو في اللغة وعرف اللسان على الجماعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله لعلكم ترحمون) أي: اتقوا مخالفة أمر الله ~~لكي تقع بكم الرحمة، أو لكي يلزمكم الرحمة. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) ~~يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن ~~الله تواب رحيم (12) يا ms4232 أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) ظاهر الآية ~~نهي للجماعة عن سخرية جماعة؛ لأن السخرية إنما تقع وتكون في الأغلب بين قوم ~~وقوم، وقلما تقع بين الأفراد والآحاد؛ فعلى ذلك جرى النهي، ولكن يكون ذلك ~~النهي للجماعة والأفراد والآحاد جميعا، والله أعلم. # ثم يحتمل السخرية المذكورة في الآية وجهين: # أحدهما: في الأفعال، يقول: لا يسخر قوم من قوم في الأفعال عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم في النية في تلك الأفعال أو خيرا منهم؛ أي: أفعالهم أخلص عند ~~الله من أفعال أولئك، وأقرب إلى القبول. # والثاني: سخرية في الخلقة، وذلك راجع إلى منشئها، لا إليهم، وهم قد رضوا ~~بالخلقة التي أنشئوا عليها، وعسى أن يكونوا هم على تلك الخلقة عندهم خيرا ~~منهم. # ثم قوله - عز وجل -: (عسى أن يكونوا خيرا منهم) يحتمل وجهين: # أحدهما: عسى أن يصيروا من بعدهم خيرا من تلك الأحوال والأفعال التي هم ~~عليها اليوم. # والثاني: عسى أن يكونوا هم عند الله خيرا منهم في الحال؛ كقوله - عز وجل ~~-: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أخبر أن الأكرم منهم عند الله - تعالى - هو ~~أتقاهم، لا ما افتخروا بما هو أسباب الفخار عندهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) ذكر سخرية ~~نساء من # PageV09P333 # نساء؛ لأن النساء ليس لهن اختلاط مع الرجال حتى تجري السخرية بينهم، ~~وإنما الاختلاط في الغالب بين الجنس يكون، فعلى ذلك جرى النهي بالسخرية، ~~والله أعلم. # ويحتمل أنه خص هؤلاء بهؤلاء كما خص القصاص في قوله: (كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد. . .) الآية، ثم جمع بين الأحرار والعبيد، ~~والذكور والإناث بالمعنى الذي جمعهم فيه، وهو ما ذكر: (ولكم في القصاص ~~حياة)، أبان عن المعنى الذي به وجب القصاص فيما بينهم، فاشتركوا جميعا في ~~ذلك: الأحرار والعبيد، والذكور والإناث، فعلى ذلك ms4233 ذكر المعنى الذي به نهاهم ~~عن السخرية، وهو ما ذكر (عسى أن يكونوا خيرا منهم) فذلك المعنى يجمع سخرية ~~الرجال من النساء، وسخرية النساء من الرجال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تلمزوا أنفسكم) واللمز: هو الطعن. # ثم منهم من يقول: هو الطعن باللسان. # ومنهم من يقول: بالشدق والشفة. # ومنهم من يقول: بالعين؛ وحاصله هو الطعن فيه. # وقال القتبي: اللمز: هو العيب؛ أي: لا تعيبوا. # وقال أبو عوسجة: هو شبه العيب. # ثم قوله - عز وجل -: (أنفسكم) يحتمل وجهين: # أحدهما: (ولا تلمزوا أنفسكم) أي: تذكروا مساوئ أنفسكم عند الناس. # وفيه الأمر بالستر عليهم وعلى أنفسهم، وألا يهتكوا سترهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تنابزوا بالألقاب) أي: لا تدعوا بالألقاب، ~~والنبز: اللقب؛ يقال: نبزت فلانا: أي: لقبته، وفي الحديث: " قوم نبزهم ~~الرافضة " أي: لقبهم، ولو قال: (ولا تنابزوا) لكان كافيا، لكن كأنه قال: ~~ولا تظهروا ألقابهم فيسوءهم ما أظهرتم من اللقب، والله أعلم. # ثم قال بعض أهل التأويل: إنما نهوا عن ذلك؛ لأنهم يسمونهم بعد إسلامهم ~~بالأفعال التي كانوا يفعلون في حال جاهليتهم من الكفر والفسوق، ويلقبونهم ~~بذلك، # PageV09P334 # ويقولون: يا كافر، يا فاسق، ونحو ذلك، ودل على ذلك قوله - تعالى -: (بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان). # وجائز أن يلقبوا بذلك وبغيره من الألقاب، فنهوا عن أن يسموهم بغير ~~أسمائهم التي كانت لهم، وأن يعرفوا بأسمائهم التي لهم، ونهوا عن التعريف ~~بالألقاب وتغيير الأنساب والأسماء التي لهم إذا كان التعريف بذلك يسوءهم ~~ويغيظهم، والله أعلم. # ثم قال الله - تعالى -: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) أي: واضعون ~~الشيء في غير موضعه، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) يحتمل وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا؛ أي: بئس النسبة إلى الفسق التي كانت والتسمية بها بعد ~~الإيمان إلى الاسم والفعل الذي كان له ومنه قبل الإيمان؛ كأنه قال: لا ~~تسموهم بتلك الأسماء بعد الإيمان، والله أعلم. # والثاني: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) أي: بئس ما اختار من اسم الفسق ~~بعدما كان اختار ms4234 اسم الإيمان وفعله، فهذا يرجع إلى اختيار الفسق بعد ~~الإيمان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12). # هاهنا أسماء ثلاثة يجب أن يتعرف ما محلها؟ وما قدرها؟ وكيف أسبابها؟ ~~أحدها: الظن، والثاني: الشك، والثالث: العلم واليقين. # أما الظن فكأنه هو الذي له ظاهر الأسباب التي لها خوف الزوال والانتقال. # والشك هو الذي فقد ظاهر أسبابه، أو له استواء الأسباب، ومقابلة بعضها ~~بعضا، فهو المتردد بين الحالين، لا يقر قلبه على شيء. # واليقين هو الذي له الأسباب الظاهرة التي ليس لها خوف الزوال والانتقال، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اجتنبوا كثيرا من الظن) كأنه نهى أن يحقق أو يعمل في ~~صاحبه بسوء على ظاهر الأسباب التي هي على شرف الزوال وطرف الانتقال يجوز أن ~~تكون غير متحققة في الأصل أو زائلة، والله أعلم. # ثم في الآية دليل على أنه ليس كل ظن يجتنب عنه، ولا كل الظن يكون إثما؛ ~~لأنه استثنى منه بعضه بقوله: (بعض الظن إثم) فجائز أن يكون ما استثنى من ~~الظن، ولا يأمر بالاجتناب عنه هو ما يغلب عليه الأسباب، وغالب الأسباب ربما ~~تعمل عمل العلم واليقين بحق المكره على شيء يرخص له أو يباح العمل إذا رأى ~~من ظاهر حال المكره أنه فاعل به # PageV09P335 # ما أوعده، وإن كان يجوز ألا يفعل به أو لا يقدر على ما أوعده، وعلى ذلك ~~موضوع عامة الأحكام والشرائع بين الخلق أنها على غالب الظن وضعت ليس على ~~التحقيق، والله أعلم. # ويحتمل أن يرجع ما استثنى من الظن القليل الذي لا إثم فيه إلى الظن ~~الحسن؛ إذ يجوز أن يظن بالإنسان الظن الحسن؛ ولا إثم فيه، إنما الأمر ~~بالاجتناب إلى الظن بالسوء على غير تحقق أسباب أو غير تحقيق عين ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجسسوا) التجسس: هو تكلف طلب ms4235 المساوئ في الناس من ~~غير أن يظهر منهم من أسبابها شيء، فنهى عن تكلف طلب ذلك أو من الإظهار وأمر ~~بالستر، وبمثل ذلك روي في الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قيل له: هل لك في فلان يعطر ~~لحيته خمرا، فقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: إن يظهر لنا شيء ~~نأخذه، وإلا فإن الله - تعالى - قد نهانا عن التجسس، والله أعلم. # وفرق بعضهم بين التجسس والتحسس، فقال بعضهم: بالجيم في الشرور والمساوئ، ~~وبالحاء في الخير وفيما يباح طلبه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يغتب بعضكم بعضا) الغيبة ترجع إلى وجهين: # أحدهما: أن يذكر ما فيه من مساوئ الأفعال التي سترها عن أعين الناس مما ~~يكره إظهار ذلك عنه. # والثاني: يذكر ما فيه من قبح الأحوال والأخلاق التي لا يكاد يذكر ذلك منه ~~أو يظهر، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى ~~أن يذكر الرجل أخاه بما فيه مما يكره، فقيل: إنما كنا نذكره بالشيء الذي ~~فيه، لا بما ليس فيه، قال: " ذلك البهتان ". # وقوله - عز وجل -: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) أي: لا ~~يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه بعد موته، فكأنه يقول: فإذا لم يحب هذا وكرهه؛ ~~بل يستقذره كل استقذار فالغيبة هي تناول من أخيك وهو حي، فهو في القبح يبلغ ~~التناول منه بعد موته، فإن كان لا أحد يتناول من لحم أخيه بعد موته، لا في ~~حال اختياره، ولا في حال اضطراره، فلا تغتابوا ولا تذكروا منه ما فيه؛ فإنه ~~في القبح ذلك. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ... (13) ~~تأويل الآية على وجهين: # PageV09P336 # أحدهما: إنما خلقناكم جميعا من أصل واحد، وهو آدم وحواء - عليهما السلام ~~- فيكونون جميعا إخوة وأخوات، وليس لبعض الإخوة والأخوات الافتخار والفضيلة ~~على بعض بالآباء والقبائل التي جعلنا لهم، إنما القبائل وما ذكر للتعارف ~~والفضيلة والكرامة فيما ذكر ms4236 (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) مع ما لو كان في ~~ذلك فضيلة وافتخار، فالكل في النسبة إليهم على السواء؛ فلا معنى لانفراد ~~البعض بالافتخار. # والثاني: يحتمل: إنا خلقنا كل واحد منكم من الملوك والأتباع، والحر ~~والعبد، والذكر والأنثى من ماء الذكر والأنثى، فليس لأحد على أحد من تلك ~~الجهة التي يفتخرون بها الافتخار والفضيلة؛ إذ كانوا جميعا من نطفة مذرة ~~منتنة تستقذرها الطباع. # ذكر هذا؛ ليتركوا التفاخر والتطاول بالأنساب والقبائل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، ثم اختلفوا في ~~تأويل قوله: (شعوبا وقبائل): # قال بعضهم: الشعوب أكبر من القبائل، فالشعوب هم الأصول، والقبائل: ~~الأفخاذ منهم، فالشعوب للعرب، والأمم والقرون للعجم. # وقال بعضهم: الشعوب للعجم، والقبائل للعرب. # وقال أبو عوسجة: الشعوب: الضروب، وهي القبائل، والواحد: شعب، والشعب ~~الاجتماع؛ يقال: شعبت الإناء: إذا انكسر فجمعته وأصلحته، ويسمى من يصلح ~~الإناء: شعابا، والشعب: التفريق - أيضا - والشعوب: المنية، ونحو ذلك. # ثم قوله - عز وجل -: (لتعارفوا) أي: جعل فيكم هذه القبائل؛ ليعرف بعضكم ~~بعضا بالنسبة إلى القبائل والأفخاذ؛ فيقال: فلان التميمي والهاشمي؛ إذ كل ~~أحد لا يعرف بأبيه وجده. # ثم قال - عز وجل -: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) بين الله - تعالى - بما ~~به تكون الفضيلة والكرامة، وهو التقوى، لا فيما يرون ويفتخرون بذلك، وهو ~~النسبة إلى الآباء والقبائل؛ بل ذلك لما ذكر من التعارف؛ وهذا لأن التقوى ~~فعله، وهو إتيان الطاعات والاجتناب عن المعاصي، وذلك مما يأتيه تعظيما لأمر ~~الله - تعالى - ونهيه. # وجائز أن تنال الفضيلة والكرامة بفضل الله وكرمه بناء على فعله، فأما ما ~~لا فعل له في التولد من آباء كرام فأنى يستحق الفضل بذلك لو كان افتخارا ~~بما يكون للآباء بمباشرتهم # PageV09P337 # أسباب حصول الأولاد ليوحدوا الله - تعالى - ويتمسكوا بطاعته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله عليم خبير) على الوعيد. # * * * # قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ~~إن الله غفور رحيم ms4237 (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل ~~أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء ~~عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض ~~والله بصير بما تعملون (18). # وقوله - عز وجل -: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) ~~هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض ~~الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خبر الله - تعالى - ~~عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراب يجب أن يقال لهم: لم ~~تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسلمنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه ~~يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما أطلع ~~الله - عز وجل - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم استسلموا وخضعوا للمؤمنين ~~ظاهرا؛ خوفا من معرة السيف، وطمعا فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن ~~يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ومعناه ~~ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف. # ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير ~~بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وأمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كانا ~~واحدا لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو ~~الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلاما ~~يسمى: إيمانا - أيضا - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع ~~إلى واحد؛ لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية ~~والوحدانية لله - تعالى - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالما، لا شركة ~~لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله - تعالى - وهو الخالق له، ~~وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، والله ms4238 ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) الإيمان ليس هو محسوسا ~~مركبا يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه ~~قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى (قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم). # PageV09P338 # ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون ~~بالقلب، ولكن باللسان والقول، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم، ثم ~~أخبر أنهم لم يؤمنوا، وهم يقولون: بل قد آمنوا. # فيقال لهم: (أأنتم أعلم أم الله)، (قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون). # وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته؛ حيث قال له: (قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا) وقد قال لهم - عليه الصلاة والسلام - ذلك، ولم يتهيأ لهم ~~إنكار ذلك القول، فعرفوا أنه بالله عرف ذلك، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفا ~~من السيف ليعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) ~~جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر ~~الحديبية مع المؤمنين؛ حيث قال: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد)، وما ذكر ~~من أمرهم في غير آي من القرآن، يقول: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا) يقول: إن تطيعوا الله ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج ~~إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت ~~لكم شيئا، والله أعلم. # ويحتمل وإن تطيعوا الله ورسوله بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يلتكم من أعمالكم شيئا، أي: لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من ~~قبل، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في ~~حياته؛ لأنه قال: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا)، قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو ~~أبدا، فيقول: إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل الله ms4239 لم يلتكم من ~~أعمالكم شيئا؛ بل يقبل ذلك منكم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون في المنافقين، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا ~~تابوا وأطاعوا الله ورسوله، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن ~~الكفر بقوله: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، فعلى ذلك هذا، وهو كقوله ~~تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب ~~عليهم)، والله أعلم. # قال بعضهم: هذا في جميع المؤمنين: إن من أطاع الله ورسوله لا ينقصكم من ~~أعمالكم شيئا؛ أي: لا يضيع أعمالكم؛ بل يثيبكم؛ كقوله - تعالى -: (يرجون ~~تجارة لن تبور)، أي: من عمل لله لا يضيع، ومن عمل لغيره قد يضيع، فلا يظفر # PageV09P339 # على ثوابه بشيء. # ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين أسلموا؛ يقول: إذا أسلمتم فلم ~~ينقصكم من ثواب أعمالكم ما سبق منكم من الكفر، وهو كقوله - تعالى -: (إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، والله أعلم. # وقوله: (إن الله غفور رحيم) ظاهر. # وقوله - عز وجل -: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) كأن ~~هذا ذكر مقابل ما تقدم من قول المنافقين؛ حيث قال: (قالت الأعراب آمنا)، ~~فقال لهم: قل: لم تؤمنوا أنتم، إنما المؤمنون هؤلاء، ثم نعتهم فقال: (الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون) أخبر أن هؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، وأنتم يا أهل ~~النفاق بحيث أضمرتم الخلاف له ولم تجاهدوا معه فلستم بصادقين في إيمانكم، ~~فجعل الجهاد دليل ظهور الصدق في الإيمان، لا أنه من شرائط الإيمان الذي لا ~~يجوز الإيمان الذي دونه. # ويحتمل: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله)؛ أي: صدقوا الله ~~ورسوله سرا وعلانية على الحقيقة، لا الذين أظهروا ولم تكن قلوبهم مصدقة ~~لذلك كالمنافقين؛ ألا ترى أنه قال: (ثم لم يرتابوا وجاهدوا) أي: لم يشكوا ~~في حادث الوقت؛ بل جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ إظهارا لتحقيق ~~الإيمان وصدقه، وليسوا كالمنافقين الذين ms4240 ارتابوا وشكوا في إيمانهم، وتخلفوا ~~عن الجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # ثم قال الله - تعالى -: (قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في ~~السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) كأنه صلة قوله - تعالى -: ~~(قالت الأعراب آمنا) حيث قالوا ذلك بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبر ~~أنه يعلم ما في قلوبهم من الإيمان والشك والخلاف، كأنهم حين قال لهم الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم -: لم تؤمنوا، فلجوا في ذلك وقالوا: بل آمنا؛ ظنوا ~~أنه إنما قال ذلك من دأب نفسه، فقال عند ذلك قل: (أتعلمون الله بدينكم) ~~يخبر أن الذي أنبأني وأخبرني بذلك هو الذي يعلم غيب ما في السماوات وما في ~~الأرض، وهو بكل شيء مما في القلوب من الصدق وغيره عليم، فكيف تعلمون الله ~~بأنكم مؤمنون، وهو يعلم إنكم لكاذبون. # وقوله - عز وجل -: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين (17) الذي حملهم وبعثهم ~~على الامتنان عليه بالإيمان الذي أتوا به أنهم قوم لا يؤمنون بالآخرة؛ ~~فيظنون أنهم إذا أظهروا الموافقة لم يلحقهم بسببه مؤنة الخروج إلى القتال. # PageV09P340 # أو متى أظهروا الإيمان يصير المسلمون أعوانا لهم، ونحو ذلك. # هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه، ولو كانوا يؤمنون ~~بالآخرة، لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم؛ إذ به نجاتهم، وإليهم يقع نفعه، ليس ~~في الإيمان لله - تعالى - نفع، ولا في تركه ضرر، تعالى عن الضرر والنفع، ~~فيكون الامتنان لله - تعالى - عليهم كما قال: (بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين). # ثم في قوله - عز وجل -: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) نقض قول ~~المعتزلة: إنه يجب على الله - تعالى - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه ~~قال: (بل الله يمن عليكم) ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم ~~منة؛ لأنه مؤد ما عليه لهم من الحق، ومن أدى حقا عليه لآخر لا يكون له ~~الامتنان على صاحب الحق، ms4241 وكذلك في قوله - تعالى -: (فضلا من الله ونعمة) لو ~~كانت الهداية واجبة عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعما، بل يكون لهم ~~عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه ~~فعل ذلك حقا واجبا لهم؛ فدل على فساد مذهبهم. # وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين: # أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعا، فلا ~~معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم. # والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر الله - تعالى - بأن ~~له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا ~~غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير ~~الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص ~~في حق المسلمين، والله الموفق. # ثم الهداية المذكورة - هاهنا - تحتمل وجهين: # أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم. # والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل الله يمن عليكم أن خلق منكم ~~الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله - تعالى -: ~~(ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) على هذين الوجهين: وفقكم له ~~وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله بصير بما تعملون (18) هذا يخرج على الوعيد؛ أي: ~~هو بصير بما أسروا وأعلنوا، ليكونوا أبدا على يقظة وحذر، ولا قوة إلا ~~بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. # * * * # PageV09P341 # سورة (ق) # ذكر أن ### | سورة (ق) # كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ~~ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في ~~أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج (6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~(7) تبصرة وذكرى ms4242 لكل عبد منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به ~~جنات وحب الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا ~~به بلدة ميتا كذلك الخروج (11). # قوله - عز وجل -: (ق والقرآن المجيد (1) يحتمل أن يكون قوله: (ق) اسم هذه ~~السورة، ولله - تعالى - أن يسمي السور بما شاء: (ق) كناية؛ كما سمى كتابه: ~~قرآنا، وزبورا، وتوراة، وإنجيلا؛ أقسم بهذه السورة والقرآن جملة. # ويحتمل أن يذكر (ق) كناية عن جميع الحروف المقطعة، والقرآن هو اسم الحروف ~~المجموعة المقطعة؛ أقسم بالحروف المقطعة والمجموعة جميعا. # ومن الناس من يقول: إن (ق) اسم للجبل المحيط بالأرض، وهو ياقوتة خضراء أو ~~ياقوتة حمراء، فخضرة السماء من ذلك؛ أقسم الله - تعالى - به وبالقرآن. # والأول أشبه وأقرب؛ لأن العرب لم تعرف جبل قاف، ولم تعرف عظمته، والقسم ~~في الأصل لتأكيد الخبر، فإنما يتحقق بما يعرفه من أريد القسم في حقه، فأما ~~إذا لم يعرف ولم يعظم ذلك في عينه يخرج القسم مخرج العبث تعالى الله عن ~~ذلك، إلا أن يقال: أن يكون هذا القسم في حق أهل الكتاب، فإنه قد كان لهم ~~كتاب يعرفون ذلك، وكانت لهم رسل قد بلغتهم ذلك، وكذا الظاهر أن القسم في حق ~~العرب فدل أن الأول أشبه. # ثم هذه الحروف المقطعة لم يظهر في الأخبار تفسيرها عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بطريق التواتر والاشتهار، ولم يثبت عن الصحابة - رضوان ~~الله عليهم أجمعين - أنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ~~فسبيله الوقف فيها؛ لأنه معلوم ألا يقف أحد على المراد بالحروف المقطعة إلا ~~من جهة السمع، فلما لم يظهر ذلك من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دل أنهم تركوا ذلك، وإنما تركوه لوجوه: # إما لأن هذه الحروف المقطعة كانت بيان أحكام في نوازل عرفوها وتركوا ~~سؤالها؛ لما عرفوا تلك الأحكام والنوازل. # PageV09P342 # وإما أن تركوا ذلك لما كان ذلك من السرائر التي لم يطلع الله - تعالى - ~~الخلق على ذلك، وهو المتشابه الذي يجب الإيمان به، ولا يطلب له ms4243 تفسير، وكأن ~~ذلك مما اختص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمعرفته؛ لقوله - تعالى -: ~~(إلا من ارتضى من رسول)، فلم يسألوا منه بيان ذلك. # وإما أن كان ذلك عندهم أسماء السور لتعريف السور، وأسماء الأعلام لا يطلب ~~فيها المعاني؛ لذلك لم يسألوا معانيها، ولم يرد التعليم من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كما أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تركوا ~~سؤال التفسير للآيات إما لأن في وسعهم الوصول إلى معرفة ما تضمنته الآيات، ~~وعرفوا المراد منها باللسان، وعرفوا مواقع النوازل، ففهموا المواد، فلم ~~يحتاجوا إلى السؤال. # وإما أن تركوا لما أنها تضمنت أحكاما عرفوها، فتركوا السؤال؛ فعلى ذلك ~~هذا، والله أعلم. # ثم ذكر القسم ولم يبين موضع القسم، واختلف فيه: # قال بعضهم: موضع القسم في آخر السورة: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه. . .) الآية. # وقال بعضهم: قوله: (ولقد خلقنا السماوات والأرض. . .) الآية. # وقال بعضهم: موضع القسم قوله - تعالى - (فهم في أمر مريج) أقسم بقوله: (ق ~~والقرآن المجيد) بأن الكفرة في أمر مريج. # ويحتمل أن يكون موضع القسم هو ما عجبوا؛ كما قال: (بل عجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد) ~~ذكر - هاهنا - عجبهم من شيئين: # أحدهما: ما ذكر (أن جاءهم منذر منهم) أي: من البشر (فقال الكافرون هذا ~~شيء عجيب) وهو كقولهم: (أبعث الله بشرا رسولا)، وقولهم: (ما أنت إلا بشر ~~مثلنا)، لا يزالون ينكرون الرسالة في البشر. # والثاني: من الإحياء بعد الموت؛ لقولهم (أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع ~~بعيد) وقد ذكرنا في غير آي من القرآن عجبهم وإنكارهم البعث بعد الموت، ~~فجائز أن يكون موضع القسم ما عجبوا أو أنكروا أن يكون من البشر رسول أو ~~يحيون بعد الموت، أقسم بما ذكر من قوله - عز وجل -: (ق والقرآن المجيد) أنه ~~يكون ذلك ردا لإنكارهم وتعجبهم، والله أعلم. # PageV09P343 # ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بعث من البشر رسول؟ أو كيف لا اختار بعث ~~الرسل ممن عنده ms4244 -وهم الملائكة- وأبدا إنما يبعث الرسل ممن كان عند المرسل، ~~لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى، ولا ينبغي لهم أن ينكروا ~~بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم، وإن تعجبوا منه؛ لأن بعث الرسول من ~~جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقه وحقيقة دعواه أقرب من أن ~~يكون من خلاف جنسهم؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على ~~رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها ~~إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست ~~بآيات؛ لما في وسعه إتيان مثلها، وليس في وسعهم ذلك؛ لما أن القوى تختلف ~~عند اختلاف الجنس؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى ~~معرفة صدق الآيات والمعجزات، والله الموفق. # ولأن كل ذي نوع من نوعه، وكل ذي شكل من شكله أميل، وبه آنس من خلاف جنسه ~~ونوعه، فكان الغرض وهو التأليف والاجتماع في هذا أقرب إلى الحصول، والله ~~أعلم. # ثم قولهم: هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد؛ لأن الخلائق جميعا من ~~حيث العند لله - تعالى - واحد، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث ~~القرب به بالطاعة له، والائتمار بأمره، وترك الخلاف له، فأما على ما يوصف ~~المخلوق عند مخلوق فلا؛ إذ ذاك وصف المتمكن في المكان، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت ~~أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لا يوجب الفضل بين البشر والملائكة؛ بل من ~~جهة البشر أحق؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - والله أعلم ~~- بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا؟ ولا أحد في الشاهد يبني بناء ~~فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء ~~بالأعمال يكون حضرة الأفعال، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار، لا ~~إيمان اختيار وإيثار؛ لأن من عاين أنه ms4245 يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا ~~يعمل ذلك العمل الذي أوعد به؛ بل يتركه، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله - ~~تعالى - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك ~~العمل، فترتفع المحنة، ويكون الإيمان بحق الاضطرار، فأخر ذلك؛ ليكون ~~الإيمان بحق الاختيار حتى يكون له قيمة. # ثم قوله: (والقرآن المجيد) وصف القرآن مرة بأنه كريم، ومرة بأنه حكيم، ~~ومرة بأنه مجيد، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير ~~مجيدا، كريما، # PageV09P344 # حكيما؛ أي: منزلة مجيد، كريم، حكيم. # ويحتمل أن تكون هذه صفات القرآن راجعة إلى عينه كما يقال: كلام حكمة، ~~وكلام سفه، وإنما يراد به عينه؛ فعلى هذا يحتمل، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: المجيد: الماجد، والتمجيد: التعظيم، وأمجدت الدابة من ~~العلف: إذا أكثرت من ذلك، وأمجد القوم: إذا أكثروا من الطعام والشراب. # وقوله - عز وجل -: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) قد ذكرنا تأويله. # وقوله - عز وجل -: (أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) أي: لا يكون؛ ~~كنوا بالبعيد عما لا يكون عندهم؛ كذلك قال القتبي. # وقال أبو عوسجة: (رجع بعيد) أي: رد، يقال: رجع رجعا: إذا رد، ورجع رجوعا: ~~إذا انصرف. # وقوله - عز وجل -: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) ~~ظاهر هذا أن يكون هذا قول أولئك الكفرة؛ قالوا ذلك على سبيل الاحتجاج لما ~~أنكروا من البعث؛ أي: قد علمنا ما تنقص الأرض من لحومنا، وتأكل من أنفسنا، ~~فأنى نحيا بعد ذلك؟!! وهو كقولهم: (من يحي العظام وهي رميم)، ونحوه. # لكن أهل التأويل بأجمعهم صرفوا هذا القول إلى الله - تعالى - أنه قال ذلك ~~جوابا لقولهم: (أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد) فقال: قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم أي: عن علم منا بما تأكل منكم وتنقص قلنا: إنكم تبعثون وتحيون، ~~وعلى علم منا بذلك أخبركم الرسل بالإحياء والبعث بعد الموت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعندنا كتاب حفيظ) ms4246 أي: عندنا كتاب يحفظ أحوالهم ~~وأفعالهم وجميع ما يكون منهم. # وقال بعضهم: أي: مع علمي فيهم هم عندنا في كتاب حفيظ. # وقال قتادة: ما أكلت الأرض منهم وكانوا ترابا، ونحن عالمون، وهم مع علمنا ~~في كتاب حفيظ، وهو مثل الأول. # وقوله - عز وجل -: (بل كذبوا بالحق لما جاءهم ... (5) أي: بالقرآن. # ويحتمل: أي: محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد كذبوا بهما جميعا. # PageV09P345 # وقوله - عز وجل -: (مريج) قال القتبي وأبو عوسجة: (في أمر مريج) أي: ~~مختلط؛ يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدين، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا ~~يستقر، يقال: مرج الخاتم في يدي مرجا: إذا قلق للهزال؛ أي: تحرك. # وقيل: مضطرب مختلف؛ وهكذا كان قولهم مختلفا مضطربا مختلطا في القرآن ~~والرسول جميعا؛ قالوا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقوالا مضطربة ~~مختلفة: مرة نسبوه إلى السحر، ومرة إلى الشعر، ومرة إلى الجنون، ومرة إلى ~~الافتراء على الله - تعالى - وأنه يتلقاه من فلان، ونحو ذلك من أقوال ~~مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك الآخر، وكذلك قالوا في القرآن مرة: ~~إنه سحر، ومرة إنه شعر؛ وإنه من أساطير الأولين، وإنه مفترى، وإنه اختلاق، ~~وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في أمر مريج) أي: في ضلال. # وقوله - عز وجل -: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ~~وما لها من فروج (6). # يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر، ~~والبعث بعد الموت بقوله: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم) كأنه يقول: أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة، ملتصقة بعضها ببعض، منضدة بلا ~~فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها، وألم ينظروا إلى الأرض كيف ~~بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتادا؛ لئلا تميد بأهلها، حتى عرفوا ~~أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ~~ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها، ولا علم نهايتها، وجعل منافع السماء متصلة ~~بمنافع ms4247 الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت، وأنه لا ~~يعجزه شيء، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثا باطلا، ولكن يفعله عن حكمة ~~وتدبير، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثا باطلا، ~~ويكون فعل ذلك فعل سفه، لا فعل حكمة، فلما كان فعل ذلك كله على التدبير ~~الذي ذكر، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ~~ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى، لا يأمر، ولا ينهى، ولا يمتحن، فيكون ~~عبثا؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة ~~كما في غيرهم من # PageV09P346 # الخلائق، وإذا كان كذلك فلا بد من رسول يخبرهم ويعلمهم ما لا يقف عليه ~~العقل من كيفية شكر المنعم، ومقداره، ووقته، ونحو ذلك، يؤكد ذلك الأمر ~~والنهي بالوعد والوعيد، ثم كان له وضع الرسالة فيمن شاء، وفي أي جنس شاء؛ ~~لأنه حكيم عليم، لا يكون منه الخطأ في التدبير والجهل بالأصلح والأوفق ~~بالحكمة؛ فدل ذلك على إثبات الرسالة والبعث بعد الموت، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (أفلم ينظروا) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: انظروا إلى ما ذكر. # والثاني: قد نظروا بأبصارهم، لكن لم ينظروا نظر معتبر بنظر القلب، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما لها من فروج) قيل: من صدوع وشقوق، والواحد: فرج، ~~وهو الموضع بين الموضعين، والفرجة من الفرج، ومنه يقال: فرجت عنه الغم؛ أي: ~~كشفت، وهو كقوله - تعالى -: (فارجع البصر هل ترى من فطور)، أخبر أنكم لم ~~تروا في السماء شقوقا وفطورا، وفي الشاهد البناء وإن عظم وأحكم لا يخلو من ~~نقصان أو شقوق ترد عليه، فإذا لم تروا ذلك فهلا دلكم ذلك على أن خالقه قادر ~~على الكمال لا يعجزه شيء. # وقوله - عز وجل -: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ... (7) قد ذكرناه ~~فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) اسم الزوج يقع على ~~الشكل والضد، وكل ذي شكل هو ذو ضد. ms4248 # والبهيج ما يبهج به، فمعناه: أنبتنا من كل زوج ما يبهج به أهله ويسرون ~~بذلك من ألوان النبات وجواهرها. # وقال القتبي: (من كل زوج بهيج) ما يبهج به أهله؛ أي: من كل جنس حسن؛ ~~يقال: بهج يبهج بهجا فهو بهيج؛ أي: حسن، وأما من السرور، فيقال: بهج يبهج ~~بهجا فهو بهيج؛ أي: مسرور. # وقوله - عز وجل -: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) أي: تبصر ذلك كل عبد ~~منيب؛ أي: منفعة ذلك تكون لمن ذكر، وهو العبد المنيب إلى الله - تعالى - ~~والمقبل على طاعته، فأما من اعتقد الخلاف له فلا. # وقوله - عز وجل -: (ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد (9) سماه: مباركا؛ لأنه يستعمل في أمر # PageV09P347 # الدين والدنيا، ويطهر به كل شيء ويزين، وبه حياة كل شيء ونماؤه، والمبارك ~~كل خير يكون على النماء والزيادة في كل وقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأنبتنا به جنات وحب الحصيد) يقول: أنبتنا بذلك الماء ~~المبارك المنزل من السماء (جنات) أي: بساتين، والمكان الذي جمع فيه كل ~~أنواع الشجر سمي: بستانا وجنة. # وقوله: (وحب الحصيد) أي: أنبت ذلك الماء كل حب حصيد، فدخل تحت قوله: (وحب ~~الحصيد) أنواع الشجر والغرس والنبات. # ثم قوله - تعالى -: (وحب الحصيد) الحب والحصيد هو الحب نفسه، لكن أضاف ~~الحب إلى الحصيد، ويجوز مثل هذا؛ كما يقال صلاة الأولى، ومسجد الجامع. # وقال بعضهم: هما غيران؛ الحب: ما يخرج منه، والحصيد: ما يحصد من العصف ~~الذي يصير [تبنا]؛ لأن الحب لا يحصد، وإنما يحصد الساق منه؛ لذلك أضاف الحب ~~إلى الحصيد، وهو شجره وقوامه؛ لذلك أضيف إليه؛ كما يقال: ثمر الشجر، ونحو ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (والنخل باسقات لها طلع نضيد (10). # قوله: (والنخل باسقات) أي: طوال؛ يقال: بسق الشيء بسوقا إذا طال. # وقال أبو عوسجة: (باسقات) أي: حوائل. # يخبر الله - عز وجل - عن بركة الماء أنه بلطفه جعل الماء بحيث تظهر بركته ~~ونماؤه وأثره على رأس النخل، وإن طال يسقى الأصل؛ لما جعل في سريته من ~~البركة، والمعنى ما ms4249 يظهر ذلك، ولا يعلم حقيقة ذلك المعنى. # وقوله: (لها طلع نضيد) أي: منضود، والطلع: أول ما يخرج من النخل فيحمل، ~~والتنضيد: هو التأليف والتركيب؛ أي: يؤلف بعضه إلى بعض ويركب، ويسمى ذلك: ~~كفرى، وإذا نضج استوجب الطلع ويعرف وصار رطبا. # وقال أبو عوسجة (نضيد) أي: متراكم بعضه على بعض، والميل المتراكم يقال ~~له: منضود، والتنضيد: هو جعل الشيء بعضه فوق بعض، ونضد الشيء بنفسه فهو ~~نضيد. # وقيل: (نضيد) أي: كثير. # وقوله - عز وجل -: (رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) ~~أخبر أن ذلك كله إنما أنبته وأخرجه رزقا للعباد. # وقوله - عز وجل -: (وأحيينا به) أي: بالماء (بلدة ميتا) أي: أحيا بالماء ~~كل بلدة ميت، وكل بقعة ميتة، وكل غرس، فصار به كل حي ونماء كل شيء. # ثم قال: (كذلك الخروج)، أي: كما قدر على إحياء ما ذكر من الأرض بعد ~~موتها، # PageV09P348 # وإحياء النبات والغرس، وكل شيء بعد موته بذلك الماء، فعلى ذلك قادر على ~~إحيائكم بعد موتكم، وبعدما صرتم ترابا. # والأعجوبة في إحياء ما ذكر كله من الأرض والنبات والغرس إن لم تكن أكثر ~~لم تكن دون ما في إحياء الناس من بعد موتهم، فإذ قد عرفوا قدرته في إحياء ~~ما ذكر وأقروا به، كذلك لزمهم أن يقروا به في إحياء كل شيء، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون ~~وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) ~~أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد (18). # وقوله - عز وجل -: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد ~~وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) ~~أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ذكر هذه الأنباء ~~لوجهين: # أحدهما: يصبر رسوله على أذى ms4250 قومه وتكذيبهم إياه كما صبر أولئك يقول: إنك ~~لست بأول رسول كذبه قومه، بل كان قبلك رسل كذبهم قومهم، فصبروا على ذلك؛ ~~فاصبر أنت - أيضا - وهو كقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل). # والثاني: يحذر قومه أن ينزل بتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم به كما نزل بمن ~~ذكر من الأقوام بتكذيبهم وسوء معاملتهم. # وعلى هذين المعنيين جميع ما ذكر في القرآن من الأنباء، والله أعلم. # ثم أصحاب الرس اختلف في الرس: # قيل: هو بئر دون اليمامة، وكان عندها أقوام كذبوا رسلهم، فأهلكهم الله ~~تعالى. # وقيل: الرس: هو الوادي. # وقال بعضهم: الرس: هو خد خدوه وجعلوا فيه الناس، وأحرقوا فيها نبيهم، ~~عليه السلام. # وقال بعضهم: سموا بذلك لأنهم رسوا نبيهم - عليه السلام - في البئر. # وقال بعضهم: هم قوم الرسل الذين ذكرهم في سورة يس بقوله - تعالى -: (إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون). # PageV09P349 # وعن الأصم أنه قال: الرس: كل موضع خد فيه؛ ولذلك سمي الخد: خدا؛ لجري ~~الدمع عليه، والله أعلم. # وقوله: (وإخوان لوط) أي: قوم لوط. # وقوله: (وقوم تبع ... (14) قيل: إنه كان رجلا مسلما صالحا، مدحه الله - ~~تعالى - وذم قومه، سمي: تبعا؛ لكثرة أتباعه. # ولا حاجة بنا إلى تفسيره بأنه من كان؟ وما اسمه؟ كما ذكر بعض أهل ~~التأويل؛ لما لم يذكر في القرآن، ولم يثبت بالتواتر، فلا نزيد على ذلك ~~القدر؛ احترازا عن الكذب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كل كذب الرسل فحق وعيد) يخوف أهل مكة أن أولئك الذين ~~ذكرهم جميعا قد أهلكوا بتكذيبهم الرسل، فحق عليهم الوعيد بذلك؛ فعلى ذلك ~~يحق عليكم ذلك الوعيد بتكذيب الرسول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفعيينا بالخلق الأول ... (15) هو يخرج على وجهين: # أحدهما: (أفعيينا) أي: أعجزنا عن الخلق؛ أي: حيث لم نعجز عن الخلق الأول، ~~فكيف نسبونا إلى العجز عن الخلق الثاني؟! # والثاني: (أفعيينا) أي: أجهلنا وخفي علينا تدبير الخلق الثاني، وابتداء ~~تدبير الخلق الأول وإنشاؤه أشد عندكم من إعادته، والإعادة عندكم أهون، فإذا ~~لم نعجز عن ms4251 ابتداء إنشائه، ولم نجهل، ولم يخف علينا الابتداء، فأنى نعجز عن ~~الإعادة؟! # ثم قال بعضهم: الخلق الأول هو آدم، عليه السلام. # وقال عامتهم: هو ابتداء خلقهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل هم في لبس من خلق جديد) أي: هم في شك واختلاط من ~~خلق جديد؛ لما تركوا النظر في سبب المعرفة؛ ليقع لهم العلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ... (16) ~~هو يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث ~~والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفها وحبسها عما تدعو به إليه ~~نفسه وتهواه ويصرفها إلى ما يدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله - تعالى -: ~~(إن النفس لأمارة # PageV09P350 # بالسوء إلا ما رحم ربي)، وقال: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى)، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال ~~الله - تعالى -: (فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي ~~المأوى)، وقال في آية أخرى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)، ونحوه كثير من ~~القرآن. # والثاني: يذكر (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) أي: نحن ~~مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ~~ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى الله - تعالى - هو العالم بذلك، وهو المطلع عليه ~~دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: (ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وقال في آية أخرى: (وإن عليكم لحافظين. ~~كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون)، أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ~~ظاهرا، أما ما يسرون في قلوبهم فالله هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا ~~أبدا على اليقظة والحذر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) لا يفهم من قرب الرب - ~~تعالى - إلى العبيد ما يفهم من قرب العبد إلى الله - تعالى - وإنما يكون ~~قرب العبد إلى الله - تعالى - بالطاعة له، والقيام بأمره، والانقياد ~~والخضوع ms4252 له؛ هذا هو المفهوم من قرب العبد إلى الله - تعالى - لا قرب شيء من ~~شيء آخر؛ فعلى ذلك يفهم من قرب الله - تعالى - إلى العبد الإجابة له، ~~والنصرة، والمعونة، والتوفيق على الطاعات، وعلى ذلك ما يقال: فلان قريب إلى ~~فلان، لا يعنون قرب نفسه من نفسه والمكان، ولكن يعنون نصره له، ومعونته ~~إياه، وإجابته. # ويحتمل أن يذكر القرب منه كناية عن العلم بأحواله ظاهرا وباطنا، والله ~~أعلم. # وأصله أن تعتبر الأحوال فيما ذكر من القرب، فإن كان في السؤال فالمراد ~~أنه قريب منه بالإجابة له؛ أي: يجيبه؛ كقوله - تعالى -: (وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب) وإن كان فيما يسرون ويضمرون فيفهم من القرب في تلك الحالة ~~العلم به؛ كقوله - تعالى -: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم. . .) ~~الآية؛ فعلى ذلك قوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، وقوله: (ونحن أقرب ~~إليه منكم ولكن لا تبصرون)، يفهم منه النصر والمعونة، أو العلم؛ فيكون ~~قوله: (ونحن أقرب إليه) أي: أعلم وأولى به وأحق من غيره في النصر والمعونة، ~~وأولى به في الإجابة، والله أعلم. # PageV09P351 # وعلى ذلك يخرج ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من تقرب إلى ~~الله شبرا تقرب منه شبرين " على ما ذكرنا من قرب الطاعة له، وقرب الرب ~~إليه: بالنصر والمعونة، لا قرب المكان، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (حبل الوريد) قال بعضهم: عرق العنق، والوريد: العنق. # وقال بعضهم: هو عرق بين القلب والحلقوم. # وقال بعضهم: هو عرق القلب معلق به، فإذا قطع ذلك العرق يموت الإنسان، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ~~ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) أي: اذكر تلقي المتلقيين، أو احفظ ~~تلقي المتلقيين، أو احذر تلقي المتلقيين، وهما الملكان المسلطان على أعمالك ~~وأقوالك؛ إذ يتلقيان منك أعمالك وأقوالك، ويحفظان عليك، ويكتبان؛ يذكر هذا ~~ويخبرهم أن عليهم حافظا ورقيبا، وإن كان هو - تعالى - حافظا لجميع أفعالهم ~~وأقوالهم، عالما بها فحفظ الملائكة وكتابتهم، وعدم ms4253 ذلك بمنزلة واحدة في حق ~~الله - تعالى - لكن يخرج الأمر للملائكة بحفظ أعمالهم وكتابة ذلك على وجوه ~~من الحكمة: # أحدها: ليكونوا على حذر أبدا مما يقولون ويفعلون؛ على ما يكون في الشاهد ~~من علم أن عليه حافظا ورقيبا في أمر يكون أبدا على حذر وخوف من ذلك الأمر، ~~وذلك أذكر له وأدعى إلى الانتهاء عن ذلك، فعلى ذلك إذا علم العبد أن عليه ~~حفيظا ويكتب ذلك عليه، وأنه يكلف تلاوة ذلك المكتوب بين يدي الله - تعالى - ~~فيستحي من ذلك أشد الاستحياء - يكون ذلك أزجر له، وأبلغ في المنع، وإلا كان ~~إحصاء ذلك على الله - تعالى - مع الكتاب وغير الكتاب سواء؛ إذ هو عالم ~~بذاته، لا بالأسباب، وهو تأويل (لا يضل ربي ولا ينسى)، والله أعلم. # والثاني: من الحكمة امتحان الملائكة بحفظ أعمال بني آدم وأقوالهم، وكتابة ~~ذلك، فيمتحنهم بذلك وأمرهم به، ولله أن يمتحن الملائكة من شاء منهم ~~بالتسبيح والتعظيم، ومن شاء منهم بالركوع، ومن شاء بالسجود، ومن شاء بحمل ~~العرش والكرسي، ومن شاء بحفظ بني آدم، ومن شاء منهم بسوق السحاب وإنزال ~~المطر، مما في ذلك منافع بني آدم، ويكون ذلك كله بحق العبادة؛ ليعلم أن من ~~امتحن منهم بالركوع، والسجود، # PageV09P352 # والتسبيح، والتكبير، والتهليل، لم يمتحنهم بذلك لمنافع ترجع إليه في ذلك؛ ~~ولكن يمتحنهم بمحن بما شاء؟ وفيم شاء؟ ويكون ذلك كله عبادة، وإن اختلفت ~~أنواعه، فعلى ذلك أمره إياهم بحفظ أعمالهم وأقوالهم وكتابتها، والله أعلم. # والمحنة بحفظ تلك الأعمال والأصوات وكتابتها أشد من محنة غيرهم من ~~الملائكة بالركوع أو السجود، أو القيام، أو التكبير، أو التهليل، ونحو ذلك، ~~ومن محنة بني آدم من إقامة العبادات، والامتناع من المحرمات، ونحوها إذ لو ~~اجتمع الخلائق على معرفة كيفية عمل واحد ما قدروا عليه؛ فدل أن هذا التأويل ~~محتمل. # والثالث: وهو أن الله - تعالى - أخبرهم بكتابة الملكين لأعمالهم، ~~وبقعودهم عن اليمين والشمال من غير أن رأى أحد من البشر إياهم، ولا رأى ~~كتابهم، ولا سمع صوت كتابتهم، وقد أقدرهم على العلم ms4254 بما في ضمائرهم وكتابة ~~ذلك كله، وأقدرهم على رؤيتنا، ولم يقدرنا على رؤيتهم، وهم أجسام مرئية؛ ~~ليعلموا بذلك قدرة الله - تعالى - على ما شاء من الفعل، وألا يقدروا قوة كل ~~خلق الله - تعالى - بقوة أنفسهم، ولا رؤية غيرهم برؤية أنفسهم، وأن قوة ~~الرؤية تختلف باختلاف الأوقات والأشخاص، فإن الملائكة يروننا ولا نراهم في ~~الدنيا، وإن كانوا أجساما مرئية؛ حيث يرى بعضهم بعضا. # ثم أخبر وقال: (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا)، أخبر أنه يرى ~~ذلك الكتاب في الآخرة، وإن كان لا يراه في الدنيا، وكذا يرى الملائكة في ~~الآخرة؛ وهذا لأن هذه البنية لا تحتمل أشياء لضعف فيها، وبحجاب يكون في ذلك ~~في الدنيا، ثم يحتمل أن تكون في الآخرة أقوى في احتمال ذلك؛ فتبصر في ~~الآخرة. # وفي هذا رد قول المعتزلة في إنكارهم رؤية الله - تعالى - أنه لو كان يرى ~~في كل مكان على ما يرى الملائكة في الآخرة دون الدنيا ونحو ذلك، فعلى ذلك ~~رؤية الله. # ثم قراءة العامة: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد)، وقرأ ~~ابن مسعود - رضي الله عنه -: [(إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال)] ~~فعلى قراءته يخرج تأويل الآية على وجه واحد؛ أي: يأخذ الملكان عن بني آدم ~~ما فعلوا وقالوا. # وعلى قراءة العامة يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يأخذ الملكان عنه ما أدى إليهما من قول أو فعل. # والثاني: أن يتلقى أحد الملكين عن الآخر ما ألقى عليه ذلك الملك؛ على ما ~~روي عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، وإذا عمل العبد سيئة، قال له ~~صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه سبع # PageV09P353 # ساعات، فإن استغفر الله - تعالى - لم يكتبها عليه، وإن لم يستغفر كتبها ~~سيئة واحدة ". # ويجوز أن يكون أحدهما كاتبا دون الآخر، وإن كانا يتلقيان ويأخذان منه ~~ذلك؛ لما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد)، ولم ~~يقرأ: قال قريناه. ms4255 # ويجوز أن يكون المتلقيان جميعا يكتبان؛ على ما روي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - أنه قال: كاتبان: كاتب عن يمينه، وكاتب عن يساره، فيكتبان ~~الحسنات والسيئات، ثم يرفعان إلى من فوقهما كل اثنين وخميس، فيثبتون من ذلك ~~من ثواب أو عقاب، ويلقون ما سوى ذلك. # وروي - أيضا - عنه وعن غيره من أهل التأويل أنهما يكتبان ما كان من خير ~~وشر، وما سوى ذلك فلا. # ولكن ظاهر الكتاب يدل على أنه يكتب كل شيء، وهو قوله - تعالى -: (ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد) إلا أن يقال: المراد هو قول هو سبب الثواب ~~والمأثم، كما قال في آية أخرى: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)، أي: ~~لا يغادر صغيرة من المأثم ولا كبيرة منها، لا مطلق صغائر الأشياء وكبائرها، ~~فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم جعل المتلقيين اثنين يحتمل على ما جعل في الشهادة اثنين فيما بينهم في ~~الأحكام والحقوق يشهدان عليه في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18). # في ظاهر الآية أن الملائكة إنما يكتبون ظاهر الأقوال والأفعال، لا ما في ~~الضمائر، لكنه غير مستنكر في العقول أن يكون الله - تعالى - أقدرهم على ~~العلم بما في ضمائرهم، فيعرفون ذلك ويكتبونه، ولكن ظاهر الآية يشير إلى ما ~~قلنا، والله أعلم. ثم قوله - عز وجل -: (عن اليمين وعن الشمال قعيد) قال ~~القتبي: أراد (قعيد) من كل جانب منهما، إلا أنه اكتفى بذكر الواحد إذا كان ~~دليلا على الآخر، و (قعيد) بمعنى قاعد؛ كما يقال: قدير وقادر، أو يكون ~~بمنزلة أكيل وشريب، أي: مؤاكل ومشارب، (قعيد)؛ # PageV09P354 # أي: مقاعد؛ وبه قال أبو عوسجة: (قعيد) من المقاعدة؛ كما يقال: قعيدي ~~وجليسي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (رقيب عتيد) الرقيب: الحفيظ، والعتيد: الحاضر؛ أي: ليس ~~بغائب حتى يغيب عنه شيء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في ~~الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت ms4256 في ~~غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي ~~عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي ~~جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم ~~هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ~~ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ~~ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35). # وقوله - عز وجل -: (وجاءت سكرة الموت بالحق) قال أبو عوسجة: (سكرة الموت) ~~أي: شدته. # يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة. # ثم الآية تخرج على وجهين: # أحدهما: أن تجرى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة (جآءت) أي: جاءت سكرة ~~الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين ولا مستعدين له، ~~والله أعلم. # والثاني: أن يكون قوله: (وجآءت) بمعنى تجيء، وكذلك (وجاءت كل نفس معها ~~سائق) وذلك جائز في اللغة. # وقوله - عز وجل -: (بالحق) أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: ~~عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟ أو من أهل ~~الجنة أو من أهل النار؟ # وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، ~~إن كان مؤمنا وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافرا وقد أوعد له ~~النار فيتحقق له ذلك. # PageV09P355 # ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من ~~الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله - تعالى -: (وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد)، يقول: لم يخلق الخلق للخلود في الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد من ~~الموت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك ما كنت منه تحيد) يحتمل وجهين: # أي: أتاك ms4257 ما كنت تكره مجيئه وتنكر، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة ~~الذي ينكرونه ويكرهونه. # والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا ~~يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله - تعالى -: (قل إن الموت الذي تفرون منه ~~فإنه ملاقيكم)، أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده. # ثم الحيد: الميل والكراهة. # وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيدا فهو حائد. # وقوله - عز وجل -: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20). # يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل ~~السماوات والأرض فيموتون. # ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في ~~الأجساد. # ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر، وهو أن يسأل، على ما جاءت ~~الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضا هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، ~~وهذا للكافر خاصة. # وقوله - عز وجل -: (ذلك يوم الوعيد) أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم ~~الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21). # قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله. # وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي ~~يكتب حسناته. # وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشهيد هو ~~عمله الذي عمل في الدنيا. # وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله تعالى: (يوم تشهد عليهم # PageV09P356 # ألسنتهم. . .) الآية. # وأصله ما ذكر في قوله: (وسيق الذين كفروا)، (وسيق الذين اتقوا)، ذكر ~~السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم)، وقال - ~~عز وجل - (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار)، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما ~~أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، ~~فيشهدون في الآخرة: إن كان شرا فشر، وإن كان خيرا فخير، والله أعلم بحقيقة ~~ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لقد كنت في غفلة من ms4258 هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد (22). # يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد. # أو في غفلة عما أوعدت من المواعيد والشدائد التي عاينتها (فكشفنا عنك ~~غطاءك) أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له (فبصرك ~~اليوم حديد) أي: ثاقب نير، يبصر الحق؛ كقوله - تعالى -: (أسمع بهم وأبصر ~~يوم يأتوننا). # وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله ~~أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد ~~عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -: (لترون الجحيم. ~~ثم لترونها عين اليقين). # وقوله - عز وجل -: (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) أي: يقول الملك الذي ~~كان عليه رقيبا: إن كل ما عمل فهو عندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن ~~تكون شهادة الحفظة عليه هذا القول. # ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: ~~(هذا ما لدي عتيد) أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي ~~كثبت فيه أعماله حاضر. # ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: (وقال قرينه) ~~ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: (إذ يتلقى المتلقيان)، على ما ذكرنا أنهما ~~ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد. # وجائز أن يكونا يكتبان جميعا بقوله: (كراما كاتبين)، لكنه ذكر - هاهنا - ~~بحرف التوحيد فقال: (وقال قرينه لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو ~~كما ذكرنا، وفي قوله: (عن اليمين وعن الشمال قعيد)، أي: كل واحد منهما # PageV09P357 # قعيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24). # يحتمل أن يكون الخطاب بقوله - تعالى -: (ألقيا) لاثنين؛ على ما هو ظاهر ~~الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: (وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد) كأن الأمر بذلك لهما. # ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: (وقال قرينه هذا ~~ما لدي ms4259 عتيد) لكن قال: (ألقيا) لوجهين: # أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد ~~والجماعة. # والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله (ألقيا) أي: ألق ألق، على ~~التأكيد؛ كقوله - تعالى -: (هيهات هيهات)، على الوعيد في الذم، ويقال في ~~المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كل كفار عنيد) يحتمل: كل كفار لنعم الله - تعالى - ~~حيث صرف شكرها إلى غيره. # أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غير: إلها. # والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، ~~من عند يعند عنودا، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند. # وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه. # وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مناع للخير ... (25) يحتمل وجهين: # أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق. # والثاني: (مناع للخير) أي: منع ما عنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ~~ونفسه. # وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة ~~كل كافر؛ كقوله - عز وجل -: (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا ~~(20) وإذا مسه الخير منوعا)، فلا معنى لتخصيص واحد به. # وقوله - عز وجل -: (معتد مريب) المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود ~~الله - تعالى - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي ~~فيه الشك والفساد جميعا. # ثم نعت ذلك الإنسان فقال: (الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب ~~الشديد (26) أي: # PageV09P358 # وصف وذكر مع الله إلها آخر، وهو كقوله - تعالى -: (ويجعلون لله البنات)، ~~وقوله - تعالى -: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا)، أي: قالوا ~~ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة. # وقوله - عز وجل -: (فألقياه في العذاب الشديد) وصف نار جهنم بالشدة؛ لما ~~أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) ~~أي: ms4260 قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله ~~- تعالى -: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين). # ويحتمل (قرينه) أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه. # ثم هذا القول من قرينه إنما كان بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من ~~الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني ~~عليه، كقولهم: (هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار)، فيقول رفيقه: ~~(ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد)، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم ~~أحيانا ينكرون الشرك؛ كقوله: (والله ربنا ما كنا مشركين)، وقوله: (يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم)، ثم قال: (ألا إنهم هم ~~الكاذبون)، وأحيانا يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحيانا يلعن بعضهم بعضا. # وقوله - عز وجل -: (ربنا ما أطغيته) أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ~~ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه ~~وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: (ولكن كان في ضلال بعيد) أي: كان في ضلال لا ~~يرجى الرجوع ولا الانقطاع. # وقال بعض أهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم ~~أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين)، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: (ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد). # لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ~~إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى أنه قال: (لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز ~~وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله - تعالى -: (وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون. قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين)، ~~وقوله - عز وجل -: (وقال الشيطان لما قضي الأمر. . .) # PageV09P359 # إلى قوله - تعالى -: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي. . .) الآية. # فهذه الخصومة بينهم وبين ms4261 قرنائهم، وهم الشياطين (ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تختصموا لدي): خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: ~~(ربنا هؤلاء أضلونا)، وما ذكر من لعن بعضهم بعضا ومن تبري بعض عن بعض، فقال ~~- تعالى عز وجل -: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) أي: قدمت إليكم ~~من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق ~~بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره. # كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: ~~(لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب ~~وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله. # فإن قيل: قال هاهنا: (لا تختصموا لدي)، وقال في موضع آخر: (ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون)، قيل: هو يخرج على وجوه: أحدها: أن قوله: (ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)، في أهل القبلة، وهو في المظالم التي ~~كانت بينهم في الدنيا. # والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والأخرى في موضع، فيؤذن ~~لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعا بين الآيتين، وهو كقوله - تعالى -: (فيومئذ ~~لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان)، وقال في آية أخرى: (ولا يتساءلون)، وقال في ~~آية أخرى: (يتساءلون. عن المجرمين. ما سلككم في سقر)؛ فعلى ذلك هذا. # والثالث: جائز أن يكون قوله - تعالى -: (لا تختصموا لدي) في الدين فيما ~~بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون ~~به، وأما قوله - تعالى -: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)، فيما ~~بين أنفسهم في المظالم والغرامات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما يبدل القول لدي ... (29) هذا يحتمل وجوها: # أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من ~~الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ ~~إذ قد سبق في # PageV09P360 # وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا ~~يبدل ذلك الوعد والوعيد. # والثاني: ms4262 (ما يبدل القول لدي) يحتمل أنه أراد به قوله: (لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين). # والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو ~~الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب ~~منيب. . .) الآية، فأما الإيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -: ~~(فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا. .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وما أنا بظلام للعبيد) أي: في العقل والحكمة تعذيب من ~~أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفها. # وقوله - عز وجل -: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على تحقيق القول من الله - تعالى - لجهنم: (هل امتلأت)، وعلى ~~تحقيق القول من جهنم والإجابة له: (هل من مزيد)، وذلك جائز أن ينطق الله - ~~تعالى - جهنم حتى تجيب له بما ذكر (هل من مزيد) على ما ذكرنا من شهادة ~~الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: (لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء)، وعلى ذلك ما ذكرنا في ~~قوله - تعالى -: (يا جبال أوبي معه والطير)، ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر ~~في العقول على تقدير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله ~~أعلم. # والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: (هل امتلأت) على تحقيق ~~الإجابة منها (هل من مزيد) ولكن على التمثيل؛ لوجهين: # أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت لها: (هل ~~امتلأت)، فتقول: (هل من مزيد)؟ يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة ~~والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: (وغرتهم الحياة الدنيا)، لا ~~يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من ~~التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم. # والثاني: وصف لها بالعظم والسعة، وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع ~~من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله - تعالى -: (لو أنزلنا هذا ~~القرآن ms4263 على جبل # PageV09P361 # لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله)، وكذلك قوله - عز وجل -: (وغرتهم ~~الحياة الدنيا)، وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما لو لم يتأمل الناظر فيها ~~العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (هل من مزيد) يخرج على وجهين: # أحدهما: هل بقي من أحد يزاد في فإني قد امتلأت، وليس في سعة تحتمل غيرهم. # والثاني: (هل من مزيد) أي: في سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق أمتلئ بها؟ ~~لأن الله - تعالى - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: (لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين)، فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك. # وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق ~~بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، ~~وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفا للدلائل ~~العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: (ليس كمثله شيء) ثم هذا ~~القول على قول الشبهة -على ما توهموا- مخالف للكتاب؛ لأن الله - عز وجل - ~~قال: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع ~~الرحمن قدمه فيها. # ثم ذكر البلخي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خرفا ~~مفندا في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس - رضي الله ~~عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " يأتي الله - تعالى - ~~ببشر فيضع في النار حتى تمتلئ " فهذا يحتمل، لا ما رووا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) أي: قربت، وذكر ~~في آية أخرى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا)، ذكر - هاهنا - تقريب ~~الجنة إلى أهلها، وذكر ثم سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث ~~الظاهر، ولكن يحتمل وجهين: # أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا ms4264 منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن ~~أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخر قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، ~~وذلك معروف. # ويحتمل أن يكون إخبارا عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر ~~في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز والظهور بقوله - تعالى -: (وبرزت ~~الجحيم للغاوين)، فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار ~~وينكرونها، وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: ~~(لترون الجحيم) # PageV09P362 # فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من ~~أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر ~~الله - تعالى - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (غير بعيد) أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت ~~وقوفهم في القيامة، والله أعلم. # والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن ~~قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم. # ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل ~~قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) الأواب الرجاع، من ~~الأوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله - تعالى - في كل وقت، أو ~~رجاع إلى أمره وطاعته. # وقوله - عز وجل -: (حفيظ) أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرا وعلانية ~~والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله - تعالى -: (للمتقين)، ~~(للمحسنين)، إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، ~~والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول. # وقوله - عز وجل -: (من خشي الرحمن بالغيب ... (33) أي: خاف وحذر بما ~~أوعد. # ثم يخرج على وجهين: # أحدهما: (من خشي الرحمن بالغيب) أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر. # والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد ~~التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه ~~فيما أوعد وخافه وهو كقوله - تعالى - (ويحذركم الله نفسه)، أي: عقوبته ~~ونقمته، والله أعلم. ms4265 # وقوله - عز وجل -: (وجاء بقلب منيب) المنيب: هو المقبل على الله تعالى ~~بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله. # وقوله - عز وجل -: (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) كأنه على الإضمار، ~~أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم ~~الجنة؛ كقوله: (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين). # والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله تعالى فيقال لهم: ادخلوها باسم ~~الله تعالى # PageV09P363 # على ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله تعالى؛ امتثالا لحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر ~~". # وقال بعضهم: (ادخلوها بسلام)، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم ~~فيها، وهو كقوله: (ادخلوها بسلام آمنين)، عن الخوف والحزن. # ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله ~~تعالى والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر ~~التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله تعالى: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين)، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله ~~تعالى وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما وراء ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (ذلك يوم الخلود): # يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار ~~بالعقوبة والعذاب. # ويحتمل: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35) أي: لهم ما ~~يختارون فيها، لا يجبرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل ~~فاعل مختار. # وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ~~ويتخيرون كقوله: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم)، وقوله - عز وجل -: (ولهم ما ~~يشتهون)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولدينا مزيد) قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة ~~فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة. # PageV09P364 # وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة [فتنفطر] لهم كل ms4266 ما يشاءون، فذلك هو ~~المزيد. # لكن يحتمل وجهين: # أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله تعالى: (للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة)، قيل: الزيادة هي رؤية الله تعالى في الجنة. # ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله - عليه ~~السلام - في صفة نعيم الجنة: " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر "؛ لأن الأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه ~~الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~(37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~(38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ~~ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40). # وقوله - عز وجل -: (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في ~~البلاد هل من محيص)، هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: كم أهلكنا قبلهم من قرن، لم يملكوا دفع ذلك عن أنفسهم، ولا ~~الانتصار من ذلك، فكيف يملك قومك دفع ما ينزل بهم لو أصروا على التكذيب. # والثاني: يقول: قد أهلك الذين كانوا قبل قومك: الذين كذبوا رسلهم، أهلكوا ~~إهلاك عقوبة وتعذيب، والذين صدقوا أهلكوا بآجالهم، لا هلاك عقوبة، وقد ~~كانوا جميعا: -المصدقين والمكذبين- سواء في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق ~~بينهما، فدل أن هناك دارا أخرى يفرق بينهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فنقبوا في البلاد): # قال أبو عوسجة: (فنقبوا في البلاد هل من محيص): أي: صاروا في البلاد هل ~~من مفر؟!. # PageV09P365 # وقال القتبي: (فنقبوا في البلاد)، أي: طافوا، وتباعدوا، (هل من محيص) أي: ~~هل يجدون من الموت محيصا؟ أي: مفرا. # ويحتمل: أي: تقلبوا في البلاد في تجاراتهم، فلا يجدودن ملجأ يرد به ~~هلاكهم. # يوعد بما ذكر أهل مكة أنهم لم ms4267 يجدوا محيصا فكيف تجدون أنتم؟! # وقوله - عز وجل -: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد (37) يحتمل وجوها: # أحدها: (إن في ذلك لذكرى) أي: عظة ممن كان له قلب. # والثاني: فيما ذكر من إهلاك الأمم الخالية، وذهاب آثارهم بتكذيبهم الرسل ~~لذكرى لمن ذكر. # والثالث: أي: فيما ذكروا من استواء المحسن والمفسد في هذه الدنيا، ~~والصالح والطالح - لذكرى لمن كان له قلب أن هنالك دارا يميز فيها بينهما. # وقوله: (لمن كان له قلب)، أي: عقل وفهم. # أو لمن كان له قلب ينتفع به في التأمل والنظر. # وإنما كنى بالقلب عن العقل؛ لأن الناس اختلفوا: # بعضهم قالوا: إن القلب محل العقل. # وقال بعضهم: محله الرأس، لكن نوره يصل إلى القلب؛ فيبصر القلب الأشياء ~~الغائبة بواسطة العقل؛ فلذلك كنى بالقلب عن العقل؛ لمجاورة بينهما، وهو ~~سائغ في اللغة. # وقوله - عز وجل -: (أو ألقى السمع وهو شهيد)، أي: يستمع وهو شاهد سمعه ~~وقلبه، وأصله: أن القلب جعل للوعي والحفظ بعد الإدراك، والإصابة. # ثم أصل ما يقع به العلم والفهم شيئان: # الأول: التأمل والنظر في المحسوس. # والثاني: أن يلقى إليه الخبر وهو يستمع له، فكأنه يقول - والله أعلم -: ~~إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب يطلب الرشد والصواب، وينظر، ويعي، ويحفظ. # أو (ألقى السمع)، أي: يستمع بما ألقي إليه وهو شاهد السمع والقلب؛ فتكون ~~الذكرى لمن اختص بهذين، أو ينتفع به هذان الصنفان بالتأمل، فيرى بالعقل ~~محاسن الأشياء ومساوئها. # أو يستمع حقيقة ذلك بالسمع، فيتذكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~وما مسنا من لغوب (38) ذكرنا فيما تقدم تأويل خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام. # PageV09P366 # وقوله: (وما مسنا من لغوب)، أي: من إعياء وتعب ونصب، وفيه نقض قول اليهود ~~-لعنهم الله- صراحا، ونفي إيهام المشبهة في قوله: (ثم استوى على العرش)، ~~ويتبين المراد من قوله - عز وجل -: (ثم استوى على العرش) أما نقض قول ~~اليهود - لعنهم الله - فإنهم يقولون: خلق الله السماوات ms4268 والأرض في ستة ~~أيام، ثم استراح في يوم السبت، وهم يتركون العمل يوم السبت لهذا، فالله - ~~عز وجل - أخبر أنه لم يمسه بخلق ما ذكر إعياء ولا لغوب على ما زعمت اليهود ~~- لعنهم الله - فيكون ردا لقولهم صريحا. # وأما نفي إيهام المشبهة؛ فإنهم توهموا أن قوله: (ثم استوى على العرش) على ~~إثر خلق السماوات والأرض وما بينهما في آية أخرى: أن ذلك للراحة، فشبهوا ~~الله تعالى بالخلق: أنهم إذا فرغوا من أعمال عملوها ثم استووا على شيء، ~~إنما يستوون للراحة، فقالوا بالاستواء على العرش حقيقة، فالله تعالى نفى ~~التعب عن نفسه في خلق السماوات والأرض؛ فدل على أن استواءه ليس للراحة حتى ~~يراد به الاستقرار، كما في الشاهد بين الخلق وبين تعاليه وبراءته عما توهمت ~~المشبهة، وشبهوه بالخلق، وتبين بذكر الاستواء على العرش بعد ذكر خلق ~~السماوات الأرض أن المراد منه التمام، أي: تم ملكه بعد خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما بخلق العرش، ويذكر الاستواء ويراد به التمام، والله أعلم. # قال أبو عوسجة: اللغوب: الإعياء، يقال: لغب يلغب لغوبا فهو لاغب. # وأصله ما ذكرنا: أن خلق الله تعالى الأشياء لا لمنفعة له أو حاجة تقع له، ~~ولا بالآلات، والأسباب التي بها يقع التعب والإعياء في الشاهد؛ إذ الإعياء ~~إنما يلحق من فعله الحركة والانتقال والسكون، فأما الله تعالى إنما يخلق ~~الأشياء بقوله: كن، ولا يلحقه شيء من ذلك، وهو قادر بذاته، فاعل لا بآلة ~~وسبب؛ فأنى يقع له الإعياء والتعب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر على ما يقولون ... (39) أي: فاصبر على ما ~~يقولون فيك: إنك ساحر، وشاعر، ومجنون، ونحوه، فأمره بالصبر على ذلك، وألا ~~يدعو عليهم بالهلاك. # ويحتمل: فاصبر على ما يقولون في الله من معاني الخلق، فلا تحاربهم، ولا ~~تقاتلهم، ولا تدعو عليهم بالهلاك، ولكن اصبر؛ فإن الله تعالى ينتقم منهم ~~لك. # وإنما أمره بالصبر؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان سريع الغضب ~~لله تعالى فيما عاين من المناكير وسمع، وكذلك ms4269 جميع الأنبياء - عليهم السلام ~~- لذلك أمره بالصبر فيما يقولون في الله أو فيه. # وقوله - عز وجل -: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب). # PageV09P367 # قيل: بحمد ربك، أي: بالثناء على ربك؛ أي: أثن عليه بما هو أهله، وما يليق ~~به. # وأهل التأويل يفسرون التسبيح في هذا الموضع وفي غيره من المواضع بالصلاة، ~~فمعنى قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك) أي: صل بأمر ربك، وإنما صرفوا التسبيح ~~إلى الصلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها وصف الرب تعالى بالتعظيم ~~والتنزيه والبراءة عن كل عيب قولا وفعلا. # ولأنه لو قام إلى الصلاة، فقد فارق جميع الخلائق بما هم فيه، وكذلك إذا ~~جئنا للركوع والسجود فارق جميع الخلائق فيما هم فيه من الأمور، واعتزلهم، ~~واشتغل بمناجاة ربه - جل وعلا - فجائز أن يكون تسميتهم التسبيح: صلاة؛ ~~لهذا. # ويحتمل أن سموه: صلاة؛ لما أن في الصلاة تسبيحا. # وقوله - عز وجل -: (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) قال بعضهم: قبل صلاة ~~الفجر، وقبل غروبها. # وقال بعضهم: صلاة العصر. # وقال بعضهم: صلاة العصر والظهر؛ لأنهما جميعا قبل غروب الشمس. # وقوله: (وأدبار السجود (40) قال عامة أهل التأويل: هما ركعتان بعد ~~المغرب، وهو جائز محتمل. # ويحتمل أن يكون إدبار السجود ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (أولم يروا ~~إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله)، وتفيؤ ~~الظلال إنما يكون بالنهار، وهو تسبيح الظلال؛ فمعناه: وسبحه وقت إدبار سجود ~~تلك الظلال، والذي أخبر أنه يتفيأ أن تفيؤه هو تسبيحه، وهو ما ذكر في قوله ~~تعالى: (فسبحه وإدبار النجوم)، إدبار النجوم: هو ذهاب النجوم؛ فعلى ذلك ~~قوله تعالى: (وأدبار السجود)، أي: سبحه بعد ذهاب سجود الظلال، فذلك إنما ~~يكون بعد ذهاب الشمس وغيبوبتها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون ~~الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) ~~يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون ~~وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن ms4270 من يخاف وعيد (45). # وقوله - عز وجل -: (واستمع يوم يناد المناد)، كأن هذا صلة قوله - عز وجل ~~-: # PageV09P368 # (فاصبر على ما يقولون)، وانتظر (واستمع يوم يناد المناد)، ولا تكافئهم، ~~ولا تنتقم منهم، ولكن اصبر وانتظر ذلك اليوم. # ثم قوله: (يناد المناد) يخرج على وجهين: # أحدهما: كقوله تعالى: (يوم يدع الداع إلى شيء نكر)، (يوم يناد المناد)، ~~أي: يوم يدعوهم الداعي إلى شيء أنكروه. # والثاني: ما ذكر من نداء بعض لبعض؛ كقوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار) الآية، وقوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة)، يقول - عز وجل -: ~~انتظر يوم ينادون ويدعون إلى ما أنكروا، ويوم يناد بعضهم بعضا. # وقوله - عز وجل -: (من مكان قريب) أي: من مكان يسمعون ما ينادون ويدعون، ~~ويعرفون ما يراد بالدعاء، ومن يراد به، ينتهي ذلك الدعاء والنداء إلى كل في ~~نفسه حتى يعرفه. # وذكر أهل التأويل: أن المنادي هو جبريل - عليه السلام - ينادي عند بيت ~~المقدس بنداء يسمعه كل أحد، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض، وهو يقرب من ~~السماء بكذا كذا ذراعا، فهو المكان القريب. # ولكن هذا لا معنى له؛ فإنه يسمع صوته جميع الخلائق وإن لم يقم في ذلك ~~المكان، وليس المراد من القرب ما ذكروه، ولكن على الإسماع في أي موضع ~~كانوا، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم يسمعون الصيحة بالحق ... (42) الصيحة: النفخة، أو ~~النداء الذي ذكر. # ثم قوله تعالى: (بالحق)، يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: يستمعون الصيحة بما أوعدهم الرسل من المواعيد؛ فيتحقق لهم ~~ذلك في ذلك اليوم. # والثاني: يحتمل: (بالحق)، أي: تحقق ذلك اليوم؛ لأن الرسل - عليهم السلام ~~- قد أخبروهم بذلك اليوم، وهم أنكروه. # أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، أي: يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ~~ذلك اليوم، وأمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم، والله أعلم. # PageV09P369 # وقوله - عز وجل - (ذلك يوم الخروج) قيل: يوم الخروج من قبورهم. # وقيل: يوم الخروج والبروز إلى الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (إنا نحن نحيي ونميت ... (43) أي: نحيي الموتى، ms4271 ونميت ~~الأحياء؛ أي: نحن نملك ذلك، لا يملك أحد ذلك غيرنا. # وقوله - عز وجل -: (وإلينا المصير)، خص ذلك اليوم بالمصير إليه، وإن ~~كانوا في الأوقات كلها صائرين إليه؛ لما ذكرنا من الوجوه في غير موضع، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44). # يحتمل أن يكون ما ذكر من السراع هو صفة تشقق الأرض، كأنه يقول: يوم تشقق ~~الأرض سراعا، لا تنتظر طرفة عين، ولكن تتشقق أسرع من لمحة البصر. # ويحتمل أن يكون وصف سرعة خروجهم من الأرض، يقول: يوم يسرعون الخروج من ~~الأرض. # وقوله - عز وجل -: (ذلك حشر علينا يسير)، وغير الحشر يسير على الله تعالى ~~- أيضا - ليس شيء أيسر عليه من شيء، أو أصعب من شيء، لكن خص ذلك بالذكر؛ ~~لأن أولئك الكفرة استبعدوا ذلك اليوم، واستعظموا كونه؛ فخص ذلك اليوم ~~باليسير لهذا؛ إذ وجود الأشياء كلها بالتكوين الأزلي، وعبر عن ذلك بحرف ~~(كن)، لمعرفة العباد، لا أن التكوين الذي به وجود المكونات مما يوصف ~~بالحرف، وفي ذلك يستوي ابتداء الخلق وإعادته، والحشر، وكل شيء، ولا قوة إلا ~~بالله. # وهو كقوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر)، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد (45) يقول - والله أعلم -: اصبر على ما يقولون؛ فنحن ~~أعلم بما يقولون؛ فنكافئهم. # أو يقول: عن علم بذلك نتركهم على ذلك، ونمهلهم؛ يصبر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك؛ ليتسلى به بعض ما يحزن عليه. # وقوله - عز وجل -: (وما أنت عليهم بجبار) قال بعضهم: من الجبر والقهر، ~~أي: ما أنت بقاهر عليهم، وجبار يجبرهم على التوحيد. # وقال بعضهم: من التجبر والتكبر، والجبار: هو الذي يقتل بلا ذنب ولا حق. # PageV09P370 # وقيل: أي: وما أنت عليهم بمسلط، وهو كقوله - عز وجل -: (وما جعلناك عليهم ~~حفيظا)، أي: مسلطا. # وقوله - عز وجل -: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد)، أي: بلغ ما أنزل إليك، ~~فعليك التبليغ وأنا المجازي لهم والمكافئ بما يفعلون. # ثم ms4272 ليس يخص بالتذكير من يخاف الوعيد، لكن أمر بتذكير الكل، إلا أن منفعة ~~الذكرى تكون لمن يخاف الوعيد، لا لمن لا يخاف الوعيد؛ فلذلك خصه بالذكر، ~~لكن التخصيص بالذكر لا يكون تخصيصا بالحكم ونفيا عن غيره؛ فيبطل بهذا مذهب ~~من ادعى ذلك، والله أعلم بحقيقة ما أراد، والله الموفق. # * * * # PageV09P371 ### | سورة الذاريات # ذكر أن سورة الذاريات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) ~~فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات ~~الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) ~~الذين هم في غمرة ساهون (11) يسألون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار ~~يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14). # قوله - عز وجل -: (والذاريات ذروا) سئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~عن هذه الآية فقال: (والذاريات) هي الرياح، (فالحاملات وقرا) هي السحاب، ~~(فالجاريات يسرا) هن السفن، (فالمقسمات أمرا) هي الملائكة. # وعلى هذا خرج تأويل عامة أهل التأويل، إلا ابن مسعود - رضي الله عنه - ~~فإنه قال: (والذاريات ذروا) هي الملائكة. # ثم يحتمل أن تصرف هذه الأحرف كلها من (والذاريات) وغيرها إلى الرياح ~~خاصة؛ فالذاريات من تذرى الأشياء ذروا (فالحاملات وقرا) هن يحملن السحاب ~~وغيره في الآفاق. # وجائز أن يصرف كل حرف من ذلك إلى نوع وجنس، على ما حمله أهل التأويل، ~~وصرفوه إليه. # قال القتبي: ذرت الريح تذرو ذروا، ومنه قوله تعالى: (فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح)، ومنه ذريت البر؛ لأن التذرية لا تكون إلا بالريح، وتذريت أي: ~~أشرفت من الذروة، وذرى الرجل يذرى ذرى، فهو أذرى أي: أشمط، وشاة ذرا: إذا ~~كان في ذنبها بياض. # (فالجاريات يسرا) أي: سهلا، أي: تجري السفن في الماء جريا سهلا. # وقال أبو عوسجة، أي: هينا. # ثم المقسمات أمرا هم الملائكة، واختلفوا في التقسيم: # قال بعضهم: أربعة أملاك يقسمون الأمور؛ فجبريل - عليه السلام - ينزل في ~~إنزال العذاب والشدائد، وميكائيل ينزل في إنزال النعمة والرخاء والرحمة، ~~وإسرافيل في نفخ الصور، وملك الموت في قبض الأرواح؛ ms4273 فكل واحد من هؤلاء موكل ~~في أمر على حدة. # PageV09P372 # وقال بعضهم: هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي، يأخذ هذا من هذا؛ إذ لله ~~تعالى أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته، والله أعلم. # ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن، والسحاب والملائكة، ~~لماذا؟ # قال عامة أهل التأويل: إنما ذكرها على القسم بها. # وقال بعضهم: إنما ذكرها على سبيل تعداد النعم والمنافع التي جعلها الله ~~لهم. # واحتج هؤلاء وقالوا: إن الله تعالى نهانا عن القسم بغيره، فكيف يقسم ~~بغيره فيكون ذكر هذه الأشياء على الامتنان، لا على القسم. # والقائلون بالقسم اختلفوا: فمنهم من يقول: القسم بأعيان هذه الأشياء؛ ~~لعظم منافع هذه الأشياء عند الخلق. # ومنهم من يقول: إن القسم بالله تعالى لا بعين هذه الأشياء؛ على الإضمار؛ ~~كأنه قال: والذي ذرا الذاريات ذروا، والذي خلق الحاملات وقرا، فالجاريات ~~يسرا، والمقسمات أمرا، وهو كقوله تعالى: (فورب السماء والأرض)؛ فيكون القسم ~~بخالق هذه الأشياء لا بأنفسها، وكل واحد من الوجهين محتمل؛ لأن القسم خرج ~~لرفع شبهة الكفرة في البعث وارتيابهم فيه بعدما أقام عليهم حجج البعث ~~وبراهينه على أنه كائن لا محالة، ونظروا فيها لزوال ذلك الارتياب والشبهة ~~عنهم، والقسم؛ لتأكيد ما وقع عليه بما يكون عندهم له حرمة وقدر وعظمة، قيد ~~لهم ذلك على تأكيد الخبر المقرون بالقسم، فالقسم من الله تعالى بأنه خالق ~~هذه الأشياء المذكورة مما يجل ويعظم عند الكفرة؛ لما كانوا يقسمون بالله ~~تعالى عند عظم الأمور، كما أخبر تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)، فيصلح ~~لتأكيد ما وقع عليه القسم، وكذلك القسم بهذه الأشياء يصلح مؤكدا لعظم خطر ~~هذه الأشياء عندهم؛ لما تجل منافع هذه الأشياء، والعرف في الناس أنهم إنما ~~يقسمون بالذي عظم خطره، وجل قدره عندهم؛ فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء؛ ~~لما عرف عظم خطرها وجليل قدرها عندهم، فمنافع الرياح مما يكثر عدها: قد ~~أهلك بها أقواما، وبها استأصلهم، وبها تلقح الأشجار المثمرة وغيرها، وبها ~~يساق السحاب في الآفاق للإمطار، وبها تجري السفن في ms4274 البحار، وغيرها من ~~المنافع، وبها سبب حياة الحيوانات بالتنفس، ودخول الريح فيهم، ونحوها في ~~تذرية الطعام بحيث لولاها لتحرج الناس في التذرية. # وفيها آيات؛ فإن الريح جسم لطيف يرى ولا يدرك؛ ليعلم أن الرؤية لا توجب ~~الإحاطة والإدراك، وغير ذلك من جهة الآيات؛ على ما تقدم. # وكذلك أقسم بالحاملات وقرا، وهي السحاب الذي فيه منافع الخلق من حمل # PageV09P373 # الأمطار، والتظليل في الحر، ونحو ذلك مع ما فيه من الآيات؛ إذ هو يمسكه ~~في الهواء حيث لا يقع بسوق الرياح مع ما فيه من الحمل والوقر، ثم يرسل ~~المطر حيث أمر؛ إذ قد يوجد السحاب ولا مطر؛ دل أنه لم يرسل بنفسه، بل ~~بالأمر يرفع ويمسك ويرسل، وهو في نفسه مسخر لا بد له من مسخر؛ إذ لو كان ~~عمله بالطبع لم يختلف باختلاف الأحوال. # وفيه آيات البعث؛ إذ خلق مثله لا يكون إلا لعاقبة، وكذلك أقسم بالجاريات ~~يسرا، وهي السفن؛ لما فيها من منافع الخلق؛ إذ لولاها لانقطع بعض المنافع ~~عن الخلق؛ إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في مكان واحد؛ بل خلقها ~~متفرقة في أماكن، فطريق تحصيل هذه المنافع والحوائج شيئان: الحمل على ظهور ~~الدواب في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما ~~جعلها بحيث لا تتسفل في الماء مع ثقل الأحمال بل تجري بها الريح حيثما ~~شاءوا بأمر الله تعالى. # والملائكة منافعهم عظيمة ظاهرة، وعظم قدرهم وجلالة خطرهم واضح. # وإذا كان كذلك، فكان القسم بهذه الأشياء؛ لتأكيد الخبر المقسم عليه مما ~~يعقل، وهو متعارف، ولا معنى لقول أولئك: إنه نهى عباده عن القسم بغيره، ~~فكيف يقسم بنفسه؛ إذ يجوز أن يقسم هو بشيء ينهانا عن القسم به؛ إذ القسم ~~بالشيء تبجيل لتلك الأشياء وتعظيمها، وأنها لا تستحق التعظيم بأنفسها، بل ~~بالله تعالى، فأمرنا بالقسم بالله تعالى؛ إذ هو المستحق للتعظيم بنفسه في ~~الحقيقة؛ إذ هو خالق الأشياء كلها، فأما القسم من الله تعالى بشيء ليس ~~لتعظيم ذلك في نفسه، بل بيان ms4275 منه قدر منافعه التي للخلق فيه، والتي عظمت، ~~وجلت عندهم؛ فيكون لذكرها خطر عندهم، والله أعلم. # ثم ذكر أفعال هذه الأشياء التي أقسم بها، ولم يذكر أنفسها، والقسم إنما ~~يكون بالأنفس، لا بالأفعال، فأما إن عرف أولئك الكفرة أنفس هذه الأشياء ~~بذكر أفعالها وقت قرع ذكر هذه الأفعال سمعهم، وإذا لم يعرفوا يسألون عنها، ~~وما أريد بها، والله أعلم. # وقوله عز وجل: (إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) هذا موضع ~~القسم، والصدق إنما يستعمل في الخبر، فكأنه قال: إن ما أخبركم الرسول ~~بالبعث، أو وعدكم به، لصادق في خبره ووعده؛ إذ الوعد في الجملة مما قد يكون ~~صدقا أو كذبا، فأكد هذا الوعد من الرسول بالقسم: إنه لصادق فيما وعد من ~~البعث وغيره، وكذلك قوله تعالى: (وإن الدين لواقع) موضع القسم: أن الجزاء ~~لواقع كائن. # وقيل: إن المراد من الدين الحساب، أي: إن الحساب لكائن لا محالة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والسماء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) أقسم - ~~أيضا - بالسماء # PageV09P374 # ذات الحبك، وموضع القسم: (إنكم لفي قول مختلف). # ثم اختلف في تأويل قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك): # روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (ذات الحبك) قال: حسنها واستواؤها. # وقال بعضهم: ذات حبك، أي: ذات بنيان متقن محكم. # وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام؛ ~~يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه: حبك الثوب. # وقال الحسن: حبكت بالنجوم، وحبكت بحسن الخلق. # وقال بعضهم: ذات الشدة والاستواء، يقال: حبكت الحبل؛ إذا شددت قتله، كذلك ~~قاله أبو عبيدة. # وقال القتبي: (ذات الحبك): ذات الطرائق، وكذلك قال أبو عوسجة. # ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين: أن القسم بعين السماء، أو رب السماء، ~~والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (إنكم لفي قول مختلف) يخرج على وجوه: # أحدها: إنكم لفي قول مختلف في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ~~القرآن، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة؛ لم يخرج مختلفا متناقضا؛ ~~لأنهم قالوا في رسول الله ms4276 صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه ~~شاعر، وإنه مفتر؛ وهذا مختلف متناقض؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة ~~الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال؛ ~~فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض، وكذلك ~~قولهم في القرآن: إنه أحاديث الأولين، وإنه مفترى، والافتراء خلاف ~~الأساطير، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله؛ فيكون هذا تناقضا في القول؛ فدل ~~اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل، لا عن علم؛ إذ لو كان ~~عن علم بذلك، لكان لا يختلف ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون ~~للكفرة. # والثاني: إنما قال ذلك في الدلالة على البعث: (إنكم لفي قول مختلف) أي: ~~في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد، والمحسن والمسيء، وقد ~~عرفتم الاستواء # PageV09P375 # بينهما في هذه الدنيا، دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق بينهما ويميز. # وهذا التأويل لا يختص به الكافر؛ بل يعم الكل، والله أعلم. # والثالث: (إنكم لفي قول مختلف)، أي: قول متفرق، ومذهب متناقض؛ فإنهم ~~كانوا يعبدون أشياء على هواهم، فإذا هووا شيئا آخر تركوا ذلك وعبدوا غيره، ~~وكذلك يقولون قولا بلا حجة، ثم يرجعون إلى قول آخر، لا ثبات لهم على شيء، ~~وهو كقوله تعالى؛ (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات). # والرابع: (إنكم لفي قول مختلف)، أي: في أمر الآخرة؛ لأن منهم من يدعي أن ~~الآخرة لهم لو كانت، ومنهم من يدعي الشركة مع المسلمين، فرد الله تعالى ~~عليهم بقوله: (يؤفك عنه من أفك)، وهو كقوله تعالى: (أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون)، وقال: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون). # والخامس: يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة، والله أعلم. # وذكر بعض أهل التأويل: أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة؛ ليتفحصوا ~~عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويسمعوا كلامه، فكان كفار مكة ~~يصدونهم عنه، ms4277 ويقول بعضهم: إنه مجنون، وبعضهم: إنه كذاب، وبعضهم: شاعر، ~~وذلك قوله تعالى: (إنكم لفي قول مختلف). # وقوله - عز وجل -: (يؤفك عنه من أفك (9) يحتمل وجوها: # أحدها: أي: يصرف عن الحق من صرف عن النظر والتفكر في العاقبة. # والثاني: صرفوا عما رجوا في الآخرة، صرفوا عن الحق في الدنيا؛ لأنهم ~~كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تقربهم عبادتها إلى الله تعالى وأنها شفعاؤهم ~~عند الله تعالى، يقول تعالى: صرف عما رجا في الآخرة؛ لما صرف عن الحق في ~~الدنيا، والله أعلم. # والثالث: يصرف من طمع في الآخرة الشركة مع المسلمين، أو ادعى الخلوص بما ~~صرف في الدنيا عن الإيمان الذي به ينال الآخرة. # والرابع: (يؤفك عنه) أي: عن الحق (من أفك)، أي: صرف عن الحق من صرف؛ ~~كقوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم. . .) الآية، وقوله: (فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم). # وقوله تعالى: (قتل الخراصون (10) قال أبو بكر الأصم: الخراص: الذي يكذب ~~على العمد. # ولكن عندنا: الخراص: الذي يكذب، ويقطع على الظن، ومنه يقال للذي يقدم # PageV09P376 # الشيء ويفرقه بالظن: خراص؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (الخراصون). # ثم قوله: (قتل الخراصون) يحتمل حقيقة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص ~~قتلوا. # والثاني: (قتل)، أي: لعن، واللعن: هو الطرد؛ أي: طردوا عن رحمة الله، ~~وإنما سمي اللعن: قتلا؛ لأن القتل سبب التبعيد عن منافع الحياة، وبالقتل ~~خرج من أن يكون منتفعا به، واللعن هو الطرد عن رحمة الله التي بها تقع ~~وتتحقق المنافع في الآخرة، والله أعلم. # وقال أهل التأويل: الخراصون: الكاذبون، وكذا قال أهل الأدب. # وقوله - عز وجل -: (الذين هم في غمرة ساهون (11) اختلف في تأويله: # قال بعضهم: أي: في غفلة. # وقال بعضهم: أي: في غطاء وغشاء، كقوله: (وجعلنا على قلوبهم أكنة). # وقوله - عز وجل -: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)، أي: في غطاء وغلف. # وقال بعضهم: أي: في عماية عن أمر الآخرة. # ولكن الكل يرجع إلى معنى واحد. # وقوله: (ساهون)، أي: ساهون عن الحق وعما دعوا إليه. # وقيل: (ساهون)، أي: غافلون. # وقيل: أي: لاهون ms4278 عن التوحيد والإيمان. # وقيل: (ساهون)، أي: تاركون الإيمان. # وأصل السهو هو الترك، وهو كقوله: (نسوا الله فنسيهم)، أي: تركوا، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يسألون أيان يوم الدين (12). # كانوا يسألون عن يوم القيامة سؤال استهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لذلك ~~قال الله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون) ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، ~~لكان لا يأتيهم ذلك الوعيد؛ ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - أتى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وسأله عن الإيمان والإسلام في حديث طويل، ~~وسأله عن الساعة فلم يأته الوعيد؛ فلا ذم في سؤاله ذلك؛ # PageV09P377 # لأن سؤاله سؤال استرشاد، وقوم موسى - عليه السلام - لما سألوا رؤية الرب ~~تعالى بقولهم: (أرنا الله جهرة) فأهلكوا؛ لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنت، ~~لا سؤال استرشاد، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوا - أيضا - ~~الرؤية، فبشروا ووعدوا في الآخرة؛ لما أنهم سألوا سؤال استرشاد، لا سؤال ~~استهزاء، فعلى ذلك أولئك الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء متى تكون ~~الساعة التي تعدنا بها؟ وأين وقت العذاب الذي تعدنا به؟ لذلك قال جوابا ~~لهم: (يوم هم على النار يفتنون)، والله أعلم. # وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج؛ فإنه لا فرق بين ~~سؤال الكفرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السماعة وبين سؤال جبريل ~~- عليه السلام - عن الساعة، ثم أجاب لجبريل - عليه السلام -: " ما المسئول ~~عنها بأعلم من السائل " ثم الجواب للكفرة: (يوم هم على النار يفتنون)، ثم ~~من شهد النوازل علم المراد من النازلتين: أن أحد السؤالين خرج على ~~الاستهزاء، والآخر على الاسترشاد؛ فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين، ~~والآخر على الحال الأخرى؛ دل أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج، ولكن يجب ~~النظر؛ ليعرف المرادة إما بسؤال من شهد النازلة، أو من حيث المعنى المودع ~~فيه، والله أعلم. # ثم قوله: (يوم هم على النار يفتنون (13) يخبرهم عن اليوم الذي يفتنون ~~فيه، وقيل فيه بوجهين: # أحدهما: (يفتنون)، أي: يبتلون، ويمتحنون بالشدة والعذاب، والفتنة: هي ~~المحنة التي ms4279 فيها الشدة والبلاء، فسمي العذاب: فتنة؛ لما فيه من الشدة. # وقال بعضهم: يفتنون، أي: يحرقون. # وقوله - عز وجل -: (ذوقوا فتنتكم ... (14) أي: ذوقوا العذاب الذي فيه ~~الشدة. # وقوله - عز وجل -: (هذا الذي كنتم به تستعجلون)، أي: تستعجلون في الدنيا، ~~وتزعمون أنه لا يكون في الآخرة. # * * * # قوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار ~~هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات ~~للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~(22) فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23). # وقوله - عز وجل -: (إن المتقين في جنات وعيون)، والإشكال: كيف ذكر أن ~~المتقين في # PageV09P378 # جنات وعيون، وهم يكونون في جنات، ويكونون في العيون بحيث يرونها، وتقع ~~عليها أبصارهم، وينتفعون بها؟ وهو كقوله تعالى: (يلبسون من سندس وإستبرق)، ~~وإنما هم يلبسون السندس، فأما الإستبرق فهو البسط، وغير ذلك من الانتفاع ~~به؛ فعلى ذلك ما ذكر من كون المتقين في جنات وعيون، يكونون في الجنة، ~~وينتفعون بالعيون، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (إن المتقين)، أي: الذين اتقوا الشرك والكفر. # ويحتمل: الذين اتقوا مخالفة الله على الإطلاق: عملا، وقولا، وفعلا، ~~واعتقادا. # ويحتمل: أي: الذين اتقوا المهالك. # وقوله - عز وجل -: (آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) ~~يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: قابلين ما آتاهم ربهم في الدنيا من القدرة والقوة والمال بحق ~~الله تعالى، والقيام بشكره، والعبادة له، والاستعمال في طاعته؛ لذلك قال: ~~(إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) أي: قبلوا ذلك بحق الإحسان، فاستعملوها في حق ~~الله تعالى والقيام بطاعته. # وعلى هذا التأويل كأنه على التقديم والتأخير: إن المتقين في جنات وعيون؛ ~~إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، آخذين ما آتاهم ربهم، أي: إنما نالوا الجنة؛ ~~لما أنهم كانوا في الدنيا كذلك. # والثاني: ما قاله أهل التأويل: آخذين ما آتاهم ربهم في الآخرة، أي: راضين ~~بما أعطاهم الله من النعيم في الجنة، وهو كقوله تعالى: (رضي ms4280 الله عنهم ~~ورضوا عنه)، وعلى هذا يخرج تأويلهم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) في الدنيا. # ثم نعت إحسانهم فقال - عز وجل -: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) ~~وبالأسحار هم يستغفرون (18). # قال أهل التأويل جميعا: أي: يصلون. # وإنما حملوه عليها؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وذلك مرة بالصلاة، ومرة ~~باللسان، ومرة بدفع المال. # ويحتمل حقيقة الاستغفار أيضا، وإنما مدحهم بذلك؛ لأن أرجى وقت الاستغفار ~~وقت السحر؛ لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال لنافع: " إذا ~~كان وقت السحر # PageV09P379 # فأعلمني به ". فكان هو يصلي إلى وقت السحر، ثم يدعو ويستغفر في ذلك ~~الوقت. # وقوله - عز وجل -: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) قال بعضهم: إن ~~الآية في الزكاة، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة الصدقة ~~المفروضة؛ إلا أن يقال: إن السورة مكية إلا هذه الآيات إن ثبت. # وجائز أن يكون ذلك الحق ليس هو المفروض، ولكن حق سوى الفرض. # وقيل: إن الآية نزلت في قوم خاص جعلوا على أنفسهم ألا يردوا سائلا ولا ~~محروما ولا يمنعوا أموالهم من أحد؛ فمدحهم بذلك؛ ألا ترى أن ذكر الحق ~~للسائل والمحروم؛ وقد بين مصارف الزكاة للأصناف الثمانية بقوله تعالى: ~~(إنما الصدقات للفقراء والمساكين. . .) إلى قوله تعالى: (فريضة من الله). # ثم اختلف في تأويل المحروم والسائل: # قال عامة أهل التأويل: المحروم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة والفيء ~~بألا يحضر وقت قسمة الغنيمة؛ فلا ينال شيئا منها ويحرم عن ذلك. # وقال بعضهم: المحروم: الذي هلك زرعه وكرمه ببلاء أصابه، يحرم عن ذلك، كما ~~وصفهم في سورة الواقعة: (إنا لمغرمون. بل نحن محرومون)، فلما حرموا زرعهم ~~وصفوا بذلك. # وقيل: المحروم: الذي لا يعلم حرفة، وهو لا يملك كسبا، وهو محارف أيضا. # وقيل: المحروم: المتعفف الذي به فقر، لكنه لا يسأل الناس شيئا، والسائل: ~~الطواف. # وعندنا: الفقراء ثلاثة: السائل الذي يطوف، ويسأل الناس. # والمعتر: الذي يعتر الناس، ويظهر حاجته للناس، ويتعرض للسؤال، ولا يسأل ~~صريحا. # والمحروم: هو الذي يستر ms4281 فقره وحاجته عن الناس، لا يسألهم، ولا يعتر لذلك. # ثم جائز أن يكون سماه: محروما، أي: حرم المكاسب وأسباب العيش من التجارة # PageV09P380 # والحرفة وغيرهما. # وجائز أن تكون له المكاسب والأسباب، لكنه محروم عن إنزال المكاسب ~~والأرباح في التجارة، يكتسب، ويعمل بتلك الأسباب، لكنه محارف، لا يرزق منها ~~شيء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفي الأرض آيات للموقنين (20) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: في الأرض آيات ينتفع بها الموقنون، وهم المؤمنون الذين علموا ~~الآيات بطريق الإيقان. # ويحتمل: في الأرض آيات يعلم الموقنون حقيقة أنها آيات، فأما غيرهم فلا، ~~والله أعلم. # ثم يحتمل آيات الأرض: آيات التوحيد، وآيات البعث، وآيات القدرة، وغير ~~ذلك؛ على ما ذكرنا: أنه خلق على وجه الأرض من الدواب، والأشجار، ومن ~~النبات، وأنواع الثمار من غير أن عرف الخلق كيفية وجودها وماهيتها، وأنه لم ~~يخلق مثلها للفناء خاصة؛ فتكون آيات؛ لما ذكرنا. # وقيل: أي: في خلق الأرض آيات، وهو أن خلقها، وكانت تميد بأهلها، ثم ~~أرساها بالجبال؛ حتى استقرت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21). # صلة قوله: (وفي الأرض آيات للموقنين) أي: وفي أنفسكم - أيضا - آيات (أفلا ~~تبصرون) أي: آيات الوحدانية والربوبية وآيات البعث وآية وجوب الشكر ~~والعبادة والامتحان. # أما آيات الربوبية، فهي أن الله تعالى أنشأ هذا البشر من نطفة، ثم قلب ~~تلك النطفة علقة، ثم العلقة مضغة ثم المضغة عظاما ولحما، ثم ركب فيها ~~الجوارح في ظلمات ثلاث، ما رأى المصالح له في الاستواء والصحة، سليمة عن ~~الآفات، غير متفاوتة، فدل أنه فعل واحد، لا عدد، وأن له القدرة الذاتية ~~والعلم الذاتي لا المستفاد، وأن ما قلبهم من حال إلى حال، وما ركب فيهم من ~~الجوارح التي بها يقبضون، وبها يأخذون، وبها يدفعون ويسلمون، وبها يبصرون ~~ويسمعون، وبها يمشون، لم يفعل بهم؛ ليتركهم سدى ويهملهم ولا يمتحنهم، ولا ~~يأمرهم، ولا ينهاهم، وأنه حيث سخر جميع الخلائق من السماء والأرض وما ~~بينهما ما سخر إلا ليمتحنهم، وليستأدي منهم شكر ذلك كله. # وفيه آية ms4282 البعث؛ لأنه لا يحتمل أن يكون منهم ما ذكرنا ثم لا يبعثهم؛ ~~ليثاب المحسن # PageV09P381 # منهم ويعاقب المسيء، ويجازي كلا بقدر عمله؛ إذ لو لم يكن، لكان خلقه ~~إياهم عبثا باطلا؛ على ما ذكرنا في غير موضع. # وقيل: (وفي أنفسكم) أي: في خلق أنفسكم، (أفلا تبصرون) أنه كيف سوى أنفسكم ~~على أحسن الصور، وأحسن التقويم بعد أن كان أصلها وجوهرها من ماء، وكذلك أصل ~~جواهر الأنعام والبهائم من نطفة أيضا، ثم ركبكم على صور صالحة لمنافعكم، ~~وركبكم على أحسن الصور، ثم جعل فيكم من العقل والسمع والبصر ما يدرك بها ~~حقائق الأشياء المحسوسة والمعاني الحكيمة؛ لتتأملوا في ذلك كله؛ فتكون آية ~~الوحدانية آية إلزام الشكر والعبادة له، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وفي السماء رزقكم وما توعدون (22). # قال أبو بكر الأصم: (وفي السماء رزقكم وما توعدون) أي: في السماء رزقكم ~~وما توعدون من الخير والشر. # وقال الحسن وغيره: (وفي السماء رزقكم) أي: المطر الذي ينزل منها في ~~الأرض، فنبت فيها بذلك المطر من أنواع الأرزاق من الحبوب، والثمار، ~~والفواكه، وغيرها؛ كل ذلك سببه من السماء؛ لذلك أضيف إليها، والله أعلم. # وجائز أن يكون ما ذكر من أرزاقنا أنها في السماء: المطر وجميع ما سخر لنا ~~فيها من الشمس والقمر والملائكة؛ حيث جعل صلاح ما في الأرض جميعا من ~~الأرزاق والأغذية بتلك الأشياء التي في السماء من الإنضاج بالشمس والقمر، ~~وحفظ الأرزاق والأمطار بالملائكة؛ فإنهم جعلوا موكلين ممتحنين بذلك؛ حيث ~~قال - تعالى -: (فالمقسمات أمرا)، هي الملائكة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما توعدون) كل موعود: مرغوب أو مرهوب من السماء، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23). # يحتمل قوله: (إنه لحق) أي: الساعة والقيامة. # ويحتمل (إنه لحق) أي: جميع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (ما أنكم تنطقون). # PageV09P382 # يحتمل أن يقوله - والله أعلم -: كما أنكم لا تشكون فيما تنطقون؛ فعلى ذلك ~~لا تشكون في أمر الساعة وقيامها وكونها؛ كما يقال: ms4283 هذا ظاهر بين كالنهار. # وقال الزجاج: (إنه لحق)، أي: لحق مثل حضوركم ونطقكم ومثل النهار، أو كلام ~~نحوه. # ويحتمل أن يقول: إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى يفهم منها ~~حاجتهم، وهي قطعة، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام؛ إذ يكون مثله ~~للبهائم ثم لا يفهم منه ذلك، ولا يكون منه النطق - قدر على البعث والإعادة؛ ~~إذ هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) ~~فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) ~~قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب ~~الأليم (37). # وقوله - عز وجل -: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين). # قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أن حرف الاستفهام من الله تعالى على ~~الإيجاب والإلزام. # وقوله - عز وجل -: (هل أتاك)، يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: قد آتاك حديث ضيف إبراهيم، فحاج به أولئك، وخاصمهم. # والثاني: لم يأتك بعد، ولكن سيأتيك حديث ضيف إبراهيم، فإذا أتاك به فحاج ~~على أولئك الكفرة به، والله أعلم. # ثم قوله: (حديث ضيف إبراهيم) دل على أن اسم الضيف يقع على من يطعم ~~ويتناول، وعلى من لا يطعم ولا يتناول؛ لأنه سمى الملائكة: ضيف إبراهيم، وإن ~~لم يطعموا، ولم يكن غذاؤهم الطعام. # وفيه أن الضيف اسم يقع على العدد والجماعة. # وقوله: (المكرمين) سماهم: مكرمين؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - كان ~~يخدمهم # PageV09P383 # ويقوم بين أيديهم؛ وذلك هو الإكرام الذي صاروا به مكرمين. # ويحتمل أن سماهم: مكرمين؛ لأنهم كانوا أهل كرم وشرف عند الله تعالى، ~~والله ms4284 أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ~~(25). # وقال في آية أخرى (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون). # ذكر هاهنا سلام الملائكة - عليهم السلام - ولم يذكر سلام إبراهيم صلوات ~~الله عليه إنما ذكر وجله منهم، وذكر في الأول سلام الملائكة عليهم السلام ~~وسلام إبراهيم - عليه السلام - وذكر أنهم قوم منكرون، وقال في آية أخرى: ~~(فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة) قال بعضهم: إنما أوجس ~~منهم الخيفة؛ لما خشي أن يكونوا سراقا لأنه كان بين إبراهيم - عليه السلام ~~- وبين الذي انتابوا منه بصرف بعيد ما يحتاج المنتاب إلى طعام، فإذا ~~امتنعوا عنه خاف أن يكونوا سراقا؛ إذ لا يمتنع عن التناول إلا السراق. # لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه قد كان منهم السلام، والسلام أحد علامات الأمان ~~لكن يكون خوفه بعدما عرف أنهم ملائكة؛ لما علم أن الملائكة - عليهم السلام ~~- لا ينزلون إلا لأمر عظيم لإهلاك قوم أو لتعذيب أمة، كقوله تعالى: (ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق)، وقوله عز وجل: (ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر)، ~~هذا يحتمل، والله أعلم. # ثم قوله: (قوم منكرون) جائز أن يكون هذا إخبارا من الله تعالى أنهم قوم ~~منكرون؛ أي: غير معروفين عندنا، لم نعرفهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26). # قيل: راغ: مال. # لكن قوله: (فراغ) أي: مال إلى أهله على خفاء من أضيافه وسر منهم؛ ولذلك ~~سمي الطريق المختفي: رائغا، وهو من روغان الثعلب. # وقيل: زائغا بالزاي. # وقيل: راغ، أي: رجع. # وذكر محمد في بعض كتبه: " في زائغة مستطيلة "، وقيل: رائغة، والله أعلم. # PageV09P384 # وقوله - عز وجل -: (فجاء بعجل سمين)، وقال في موضع آخر (جاء بعجل حنيذ)، ~~والحنيذ: هو المشوي. # وقيل: هو الذي يشوى في الأرض بغير تنور، والله أعلم. # وقال بعضهم: الحنيذ: الذي أنضج بالحجارة. # وقيل الحنيذ: هو الصغير الذي كان غذاؤه اللبن لا غير، والله أعلم. # وما ذكر أهل التأويل في قصة إبراهيم - عليه ms4285 السلام - " أنه لما قرب إليهم ~~العجل قالوا: لا نأكله إلا بثمن، قال: قللوه وأدوا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: ~~تسمون الله - تعالى جل وعلا - إذا أكلتم، وتحمدونه إذا تركتم، قال: فنظر ~~بعضهم إلى بعض، وقالوا: لهذا اتخذك الله خليلا "، وغير ذلك من الكلام فنحن ~~لا نذكر إلا قدر ما ذكره في الكتاب؛ مخافة أن ندخل الزيادة والنقصان عما في ~~كتبهم ويجد أهل الإلحاد في ذلك مقالا، وهذه الأنباء إنما ذكرت حجة لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في إثبات الرسالة، فإذا قيل في ذلك ما يخاف أن ~~يكون في ذلك زيادة أو نقصان عما في كتبهم، كان الإمساك والكف عنه أولى. # وقوله - عز وجل -: (فأوجس منهم خيفة ... (28) لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (قالوا لا تخف) لا لذلك أرسلنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وبشروه بغلام عليم) يحتمل قوله: (عليم) وجهين: # أحدهما: أي: بشروه بغلام يصير عليما إذا كبر. # والثاني: بشروه بغلام يولد عليما، يؤتيه الله تعالى علما في بطن أمه، ~~وإذا ولد في صغره، ولله أن يؤتي العلم من يشاء في حال الصغر والكبر؛ ألا ~~ترى أنه قال - عز وجل - في عيسى - عليه السلام -: (وآتيناه الحكم صبيا)، ~~فعلى ذلك يحتمل هذا والله أعلم. # ثم ذلك الغلام هو إسحاق - عليه السلام - لأنه بين في آية أخرى فيمن كانت ~~البشارة؛ حيث قال: (فبشرناها بإسحاق)؛ دل أن البشارة إنما كانت بإسحاق. ثم ~~ذكر في سورة هود - عليه السلام - البشارة لامرأته، حيث قال: (فبشرناها ~~بإسحاق)، وذكر في هذه السورة البشارة لإبراهيم - عليه السلام - بقوله ~~(وبشروه بغلام عليم)، لكن جائز أنه لما بشرها بالولد، بشرها بالولد منه، ~~فإذا بشر إبراهيم - عليه السلام - بالولد منها، وإذا بشر أحدهما بالولد من ~~الآخر؛ فتكون البشارة لهم جميعا، والله أعلم. # قال أبو بكر الأصم: دل قوله تعالى: (فبشرناها بإسحاق. . .)، إلى أن قال: ~~(وهذا بعلي شيخا): أن إسحاق أكبر من إسماعيل؛ لأنها لما بشرت بالولد أخبر ~~أنها عجوز، وأنها عقيم وأن بعلها شيخ ولو كان إسماعيل هو الأول، وكان # PageV09P385 # الآخر على ms4286 قرب منه ليس بينهما زمان مديد، لم يكن يبلغ إبراهيم - عليه ~~السلام - في ذلك المقدار من الوقت ما يخبر عن إياس الولد منه؛ دل أن إسحاق ~~هو المقدم، وأنه كان أكبر من إسماعيل - عليه السلام -. # إلا أن هذا خلاف ما عليه أهل التأويل: أن إسماعيل - عليه السلام - كان ~~أكبر من إسحاق عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ~~(29). # ذكر هاهنا الإقبال، وقال في آية أخرى في سورة هود: (وامرأته قائمة فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق)، فجائز ألا يكون على حقيقة الإقبال، ولكن لما ذكر فعلها ~~-وهي الصرة، وصك الوجه- ذكر الإقبال، غير أن كان منها الإقبال من المكان ~~أي: أقبلت فصكت وجهها في صرة؛ كما قال - عز وجل -: (ألم تر إلى ربك كيف مد ~~الظل)، أمر بالرؤية والنظر إلى الفعل الذي ذكر، وهو مد الظل، وإذا ذكر ~~النفس دون الفعل، فالمراد منه النظر إلى نفسه لا غير، والله أعلم؛ فعلى ذلك ~~هذا. # ثم قوله - تعالى -: (في صرة) أي: في ضجة. # وقوله: (فصكت وجهها)، أي: ضربت وجهها بيدها؛ تعجبا منها بتلك البشارة ~~التي بشرت بالولادة. # وقوله: (وقالت عجوز عقيم)، وكانت كما أخبرت عجوزا عقيما. # وقوله - عز وجل -: (كذلك قال ربك ... (30) أي: على علم بالحال التي أنت ~~عليها، بشرت بذلك، لا عن جهل. # وقوله: (إنه هو الحكيم العليم)، أي: حكيم، واضع الولد في موضعه، العليم ~~بمصالح الأمور وعواقبها، والله أعلم. # وقوله: (قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) أي: ما شأنكم؟ ولأي أمر ~~أرسلتم: بالبشارة خاصة، أو لأمر آخر، أو لهما جميعا؟ فأجابوا: (قالوا إنا ~~أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) وقال في آية أخرى: (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ~~(58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين)، كأن الاستثناء هاهنا لم يكن مذكورا ~~في خبر الملائكة وإنما ذكر في الخبر الذي قال إبراهيم - عليه السلام - حيث ~~قال: (إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله)؛ فدل ذكر ~~الثنيا منهم بعد سؤال إبراهيم - عليه السلام - وإخباره إياهم: أن فيها ~~لوطا: أن تأخير ms4287 البيان عن الكلام جائز، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لنرسل عليهم حجارة من طين (33) دل قوله تعالى: (حجارة ~~من طين) على أن ما ذكر في آية أخرى: (حجارة من سجيل منضود) أن السجيل ليس ~~هو # PageV09P386 # اسم المكان على ما ذكر بعض أهل التأويل، ولكن السجيل اسم الطين؛ على ما ~~ذكره هاهنا، وهو طين مطبوخ كالآجر؛ إلا أن يقال: هو طين حمل من مكان يسمى: ~~سجيلا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مسومة ... (34) أي: معلمة (عند ربك للمسرفين). # ثم الإعلام يحتمل وجهين: # أحدهما: معلمة: مسومة باسم من تقع عليه ويهلك بها، أي: مكتوب عليها اسمه. # والثاني: معلمة في نفسها حتى يعلم كل أحد: أنها للهلاك جاءت، وأنها أرسلت ~~لذلك مخالفة لسائر الأحجار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين (36). # قوله: (فيها) كناية عن قرية لوط. # وقوله: (غير بيت من المسلمين) هو منزل لوط - عليه السلام - دل تسمية ~~الملائكة - عليهم السلام - إياهم: مؤمنين، ومسلمين على أن الإسلام والإيمان ~~واحد، وقد بينا جهة الاتحاد في غير موضع. # وقوله - عز وجل -: (وتركنا فيها آية ... (37) أي: تركنا في قريات لوط - ~~عليه السلام - التي أهلكتها آية وعبرة لمن بعدهم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ~~(وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون)، أي: إنكم لتمرون ~~على أولئك الذين أهلكوا أو عذبوا بالليل والنهار، تعلمون أنهم بم أهلكوا؟ ~~وبم عذبوا؟ بالتكذيب والعناد، والذين نجوا إنما نجوا بالتصديق والإسلام، ~~وذلك آية لمن بعدهم. # ثم قال: (للذين يخافون العذاب الأليم) أي: يكون ذلك آية للذين يخافون ~~العذاب الأليم، وهم المؤمنون، أي: هم المنتفعون بها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى ~~بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم ~~(40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه ~~إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن ~~أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة ms4288 وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا ~~منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46). # وقوله - عز وجل -: (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين). # فيما ذكر من قصة موسى، ولوط، وقصة إبراهيم، وقصة هود، وثمود، وهذه ~~الأشياء تفسير لقوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين)، ثم الآيات في الأرض # PageV09P387 # من وجهين: # أحدهما: فيما خلق في الأرض من الخلائق. # والثاني: فيما في الأرض من أنباء السلف وأخبارهم من مكذبي الرسل ~~ومصدقيهم، أي: في هلاك من هلك من مكذبيهم، ونجاة من نجا من مصدقيهم آيات ~~لمن ذكر، فهذه الأنباء والقصص التي ذكرت هاهنا تفسير لقوله: (وفي الأرض ~~آيات للموقنين). # وقوله - عز وجل -: (فتولى بركنه ... (39) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: فتولى هو وركنه، وهم جنوده وقومه عن اتباع موسى - عليه ~~السلام - وما يدعوهم إليه. # والثاني: فتولى هو بقوة ركنه، وهم قومه، أي: تولى عن الحق واتباع موسى - ~~عليه السلام - بقوة قومه ومعونتهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقال ساحر أو مجنون). # سماه: ساحرا بما أتى من الآيات المعجزة، وقومه إنما يعرفون وصف السحر على ~~هذا الوجه، فسماه بذلك وإن أيقن هو أن مثل ذلك الفعل لا يكون سحرا؛ تمويها ~~على قومه، وسماه مجنونا؛ لما خاطر بنفسه بمخالفته، مع علمه أن همته القتل ~~لمن خالفه في دينه وملكه. # وقوله - عز وجل -: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40). # وهذا يدل على أن تأويل قوله تعالى: (فتولى بركنه) أي: تولى هو، وتولى ~~قومه وجنوده. # وقوله - عز وجل -: (فنبذناهم في اليم وهو مليم). # قال بعضهم: (مليم)، أي: يلام عليه. # وقال بعضهم: (مليم)، أي: هو مذموم. # وقال القتبي: هو مذنب. # ثم دل قوله تعالى: (فنبذناهم) على أن لله تعالى في أفعال العباد صنعا؛ ~~حيث أضاف ذلك إلى نفسه، وهم الذين دخلوا في اليم. # وقوله - عز وجل -: (وفي عاد ... إذ أرسلنا (41). # أي: في أمر عاد بينة وآية وعبرة للمؤمنين؛ كقوله تعالى: (وفي الأرض آيات ~~للموقنين). # وقوله - عز وجل -: (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم)، أي ms4289 أهلكوا بالريح، ~~وقد بلغ من # PageV09P388 # عتوهم أن قالوا: (من أشد منا قوة)، فأذلهم الله تعالى حتى خضعوا لأضعف ~~شيء، وأخافهم منه، وهي الأصنام التي عبدوها، حتى خوفوه وقالوا: (إن نقول ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)، وذلك غاية الذل والهوان، أن خافوا من أضعف ~~شيء وأعجزه، بعدما بلغ من عتوهم وتمودهم أن قالوا: (من أشد منا قوة). # ثم قوله - عز وجل -: (الريح العقيم). # قال أبو عوسجة: تفسيرها ما ذكر في الآية: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم). # وقال غيره: العقيم هو الذي لا خير فيه ولا بركة؛ أي: عقمت عن الخيرات؛ ~~ولذلك يقال للمرأة التي لا تلد، والرجل الذي لا يولد له: العقيم؛ لما أنه ~~ليس منهما منفعة الولد ولا بركته؛ فعلى ذلك الريح العقيم، أي: لا منفعة ~~فيها ولا بركة؛ فأما للمؤمنين، فهي نافعة - أيضا - حيث أهلكت أعداءهم ولم ~~تهلكهم، وفي ذلك تطهير الأرض عن نجاسة الكفر. # وفي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " نصرت بالصبا، ~~وأهلكت عاد بالدبور ". # وقيل: (الريح العقيم): هي الدبور، وهي التي لا تلقح الأشجار والسحاب ~~والنبات. # وقوله - عز وجل -: (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42). # أي: ما تذر من شيء أتت عليه، وأمرت هي بإهلاكه، وأذن لها بذلك، إلا جعلته ~~كالرميم؛ ألا ترى أنها أتت على أشياء لم تهلكها، وقد سلم - عليه السلام - ~~وقومه من المؤمنين، وإلى أنهم لما رأوها من بعد قالوا: (هذا عارض ممطرنا)، ~~فقال هود - عليه السلام - (بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم)، وما ~~ذكر (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)، أخبر أنها قد أبقت مساكنهم، وهو ما ذكر ~~في آية أخرى: (تدمر كل شيء بأمر ربها)، أي: تدمر كل شيء أمرت وأذن لها ~~بالتدمير؛ ليعلم أنها كانت تعمل بالأمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43). # أي: وفي أمر ثمود وإهلاكهم أيضا آية وحجة للمؤمنين. # ثم ذكر عتوهم وتمردهم (إذ قيل لهم تمتعوا ms4290 حتى حين)، وهو الثلاثة أيام ~~التي ذكرت في # PageV09P389 # آية أخرى، فقال: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب)، يخبر ~~أن كان قد بلغ عتوهم أن قد أجلوا ثلاثة أيام لنزول العذاب بهم، فلم يمنعهم ~~ذلك عن عتوهم، ولم ينجع فيهم، وقومك يا محمد؛ حيث لم نذكر لعذابهم وقتا ولا ~~أجلا أحق ألا ينجع فيهم ما توعدهم به، ولا ينفعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فعتوا عن أمر ربهم ... (44). # أي: عما أمروا بطاعة ربهم، والعتو: هو البلوغ في البأس والقساوة غايته؛ ~~كقوله تعالى: (وقد بلغت من الكبر عتيا)، أي: [يابسا]. # وقوله - عز وجل -: (فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون). # أي: إلى الصاعقة. # وقوله - عز وجل -: (فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) هذا ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: ما استطاعوا في الانتصار لعذاب الله والقيام له. # والثاني: ما استطاعوا من دفع العذاب عن أنفسهم، لا بأنفسهم، ولا بغيرهم، ~~(وما كانوا منتصرين) بالأنصار والأعوان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقوم نوح من قبل ... (46). # أي: في أمر نوح - عليه السلام - من قبل هؤلاء وإهلاكهم آية بينة وحجة ~~للمؤمنين؛ على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (إنهم كانوا قوما فاسقين) ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها ~~فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى ~~الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه ~~نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون (52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54) ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ~~ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) ~~فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60). # وقوله - عز وجل -: (والسماء بنيناها بأيد). # أي: خلقناها بقوة، (وإنا لموسعون) أي: لقادرون. # وجائز أن يكون الموسع: الواجد؛ كقوله تعالى: ms4291 (على الموسع قدره)، أي: على ~~الواجد الموسر قدره. # وقال بعضهم: (وإنا لموسعون) في التدبير، تدبير جميع الخلق عليهم أرزاقهم. # PageV09P390 # وقوله - عز وجل -: (والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48). # أي: بسطناها ومهدناها (فنعم الماهدون) لكم الأرض؛ حيث مهدها لكم مبسوطة ~~مفترشة تجدونها كذلك ما كانوا وأينما كانوا، من غير تكلف، ويستعملونها كيف ~~شاءوا في أي منفعة شاءوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن كل شيء خلقنا زوجين ... (49). # قال بعضهم: صنفين من الحيوان؛ فإنه خلقهم ذكرا وأنثي. # وقال بعضهم: (زوجين)، أي: لونين، نحو أبيض وأسود، وأحمر وأصفر. # والأول قول الزجاج، والثاني قول القتبي. # وأصله: أنه يخرج على وجهين: # أحدهما: (زوجين)، أي: شكلين، فيعلمون ببعضه بعضا، أو ضدين فيناقض بعضه ~~بعضا، والله - سبحانه وتعالى - ليس بذي شكل، ولا ذي ضد؛ فيدل ما أنشأ من ~~الأضداد والأشكال على وحدانيته وألوهيته. # والثاني: خلق الأشياء مختلفين متضادين؛ ليدل على إيجاب المحن عليهم من ~~نحو عسر ويسر، وغناء وحاجة، وخير وشر؛ ليمتحنهم على اختلاف الأحوال ~~وتضادها؛ فيرغبهم في كل مرغوب، ويحذرهم عن كل مرهوب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لعلكم تذكرون). # أي: تذكرون آيات وحدانيته وألوهيته. # أو تذكرون -باختلاف الامتحان- البعث، والثواب، والعقاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) يحتمل ~~وجوها: # قال بعضهم: ففروا إلى توحيد الله من الشرك به؛ دليله قوله على إثره: (ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر) وهو قول أبي بكر الأصم. # ويحتمل (ففروا إلى الله) أي: ففروا إلى ما دعاكم الله تعالى إليه عما ~~نهاكم عنه؛ كقوله سبحانه: (والله يدعو إلى دار السلام)، أي: ففروا إلى ~~الأعمال الصالحة من الأعمال القبيحة. # ويحتمل: ففروا إلى ما وعد لكم من الثواب عما أوعد لكم من العقاب؛ أي: ~~فروا إلى ثواب الله عن نقمته وعقابه. # PageV09P391 # ويحتمل: ففروا إليه في جميع حوائجكم، ولا تطلبوا شيئا من ذلك من غيره؛ ~~فإنه هو القادر عليها حقيقة؛ فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في ~~الحوائج، وقطع الطمع عن غيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني ms4292 لكم منه نذير مبين) يحتمل وجوها: يحتمل: إني نذير ~~لمن عبد دونه، أو سمى دونه إلها، (مبين) آيات ألوهيته ووحدانيته. # ويحتمل: إني لكم منه نذير مبين؛ لما يقع لكم به النذارة والبشارة. # وقال أبو بكر الأصم: إني لكم منه نذير مبين بما نزل بمكذبي الرسل ~~بتكذيبهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ~~(51). # أي: لا تسموا مع ألوهية الله تعالى لأحد دون الله: ألوهية، ولا تسموا دون ~~الله: إلها. # أو يقول: لا تعبدوا دون الله إلها آخر؛ أي: معبودا آخر؛ فإنه لا يستحق ~~دون الله أحد للعبادة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني لكم منه نذير مبين) قد ذكرناه. # وقوله - عز وجل -: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر ~~أو مجنون (52) لم يذكر في هذا الموضع القول منهم: إنهم قالوا للرسول: إنك ~~ساحر أو مجنون، ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره، لكن ما ذكر أن أوائلهم ~~كانوا يقولون لرسلهم ذلك - دلالة أنهم قد قالوا: إنه ساحر، وإنه مجنون؛ حيث ~~قال: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) يصبر ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون؛ ~~كقوله تعالى: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)، وغير ذلك من الآيات ~~التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ساحر أو مجنون). # قال أبو بكر الأصم: إنما قالوا: ساحر أو مجنون؛ لأن السحر والجنون عندهم ~~واحد؛ كقول فرعون لموسى - عليه السلام - لما أتى به من الآيات: (إني لأظنك ~~يا موسى مسحورا)؛ فلذلك قالوا مرة: ساحر، ومجنون مرة. # ولكن هذا فاسد؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسحر عندهم واحدا؛ لأن ~~الساحر هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته، والمجنون هو الذي بلغ في ~~الجهل غايته، ونسبوهم إلى السحر؛ لما أتى لهم من الآيات ما عجز الناس عن ~~إتيان مثلها، وقد عرفوا هم أنها آيات ms4293 -أعني: رؤساءهم وأئمتهم- لكن قالوا: ~~إنها سحر؛ على إرادة التلبيس # PageV09P392 # على الأتباع والعامة؛ لما عند الناس أن لا كل أحد يقدر على إتيان السحر، ~~فقالوا: إنهم سحرة للرسل لهذا؛ وإنما نسبوهم إلى الجنون لما أنهم خالفوا ~~الفراعنة والأكابر الذين كانت همتهم القتل وإهلاك من خالفههم في المذهب ~~والأمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53). # أي: أوصى أوائلهم أواخرهم في تسميتهم الرسل - عليهم السلام -: سحرة ~~ومجانين؛ وأن يوافق بعضهم بعضا في نسبتهم الرسل إلى السحر والجنون، أي: لم ~~يزل الكفرة يقولون لرسلهم ذلك. # ويحتمل أن يكون ذلك على التمثيل، لا على حقيقة القول منهم؛ لما كان ~~اجتماعهم لأجل هذا القول في كل وقت؛ فصار ذلك الاجتماع منهم كالتواصي من ~~بعضهم لبعض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل هم قوم طاغون). # يخبر أنهم لا عن جهل وشبهة قالوا: إنهم سحرة، ولكن عن طغيان، وتعدي [حد ~~الله]- عز وجل - والمجاوزة له؛ لأن الطاغي؛ هو المجاوز عن الحد الذي جعل ~~له، والمتعدي عنه. # وقوله تعالى: (فتول عنهم فما أنت بملوم (54). # قال بعض أهل التأويل: لما نزل هذا خاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه - رضي الله عنهم - أنه ينزل بهم العذاب حتى نزل قوله تعالى: (وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين). # لكن عندنا يخرج قوله - تعالى -: (فتول عنهم فما أنت بملوم) على وجهين: # أحدهما: أي: تول عنهم، فأعرض ولا تكافئهم بإساءتهم إليك بقولهم: إنه ~~ساحر، وإنه مجنون؛ فإن الله تعالى سيكفيهم عنك، ويجازيهم مجازاة إساءتهم. # والثاني: يأمره بالإعراض والتولي عن قوم علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون؛ ~~يؤيسه عن - إيمانهم، ويقول: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون لك ولا يصدقونك، ~~ولكن اشتغل بمن ترجو منه الإيمان، والله أعلم. # وجائز أن يكون لا على حقيقة الأمر، ولكن على التخيير؛ أي: لك أن تتولى ~~عنهم وتعرض؛ فإنك قد بلغت، وأعذرت في التبليغ والدعاء غايته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فما أنت بملوم). # جائز أن يكون المراد من نفي الشيء إثبات مقابل ذلك الشيء ms4294 وضده؛ كقوله ~~تعالى: (فما ربحت تجارتهم)، ذكر الربح، والمراد: إثبات الخسران؛ كأنه قال: # PageV09P393 # فما ربحت تجارتهم؛ بل خسرت؛ فعلى ذلك جائز قوله: (فما أنت بملوم) بل ~~بمحمود، والله أعلم. # وقال أبو بكر الأصم: (فما أنت بملوم)؛ لأنه قد بلغ الرسالة، وما أمر ~~بتبليغه إلى الخلق، وقام بأمره ونصح خلقه، وخفض جناحه لهم، فكيف يلام؟! أي: ~~ما أنت بالذي تلام على صنيعك وعلى فعلك، وإن كان بعض الناس يلومك، وهم ~~الكفار. # وفيه دلالة الحفظ والعصمة له عن الزيغ والزلات؛ إذ لو كان بالذي يحتمل ~~الزيغ والزلة، لكان يحتمل الملامة؛ فدل أنه لا يحتمل الزيغ والعدول عن ~~الحق. # وقوله - عز وجل -: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55). # جائز أن يكون الأمر بالتذكير للكل، ثم أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين، لا ~~الكل. # وجائز: فذكر المؤمنين؛ فإن منفعة الذكرى لهم، ولمن أنصف، دون المكابرين ~~المعاندين، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فإن للذين ~~ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم ~~الذي يوعدون (60). # وقوله - عز وجل -: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). # إن كان المراد من ذكر العبادة: حقيقة العبادة فيخرج تأويله على وجهين: # أحدهما: جوابا لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة ويمتحنون بها، ~~فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، أي: خلقهم على معرفة المحاسن ~~والمساوئ، والتمييز بين ما يؤتى وما يتقى بما ركب فيهم من أسباب التمييز ~~والمعرفة، لا يتركهم سدى مهملين؛ بل لامتحانهم بالعبادة، والقيام بشكر ما ~~أنعمت عليهم من أنواع النعم؛ إذ الحكمة توجب ذلك، وتدفع تركهم سدى هملا، ~~والله أعلم. # والثاني: خرج جوابا لمن يرى العبادة دونه جائزا؛ لقولهم: (ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى)، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، لم ~~أخلقهم لعبادة غيري، أو لآمرهم بعبادتي، لا لآمرهم بعبادة غيري؛ كما قاله ~~بعض الكفرة بقولهم: (والله أمرنا بها)؛ ردا ونقضا لاعتقادهم، ms4295 والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (إلا ليعبدون) على حقيقة العبادة؛ لوجهين: # أحدهما: على حقيقة فعل العبادة، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها ~~على العموم، بل على الخصوص، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم؛ ~~فإنه لا # PageV09P394 # يجوز أن يخلق الكفرة الذين علم منهم: أنهم لا يؤمنون للعبادة؛ إذ خلقه، ~~عن اختيار وإرادة، فإذا خلقهم وأراد منهم العبادة لابد أن توجد منهم، وقد ~~علم منهم أنه لا توجد؛ فيصير كأنه أراد تجهيل نفسه، وهذا محال؛ فدل أن ~~المراد منه الخصوص، وقد خص منه البعض بلا خلاف؛ فإن الصغار والمجانين قد ~~خصوا، بأنه لا يتحقق منهم العبادة؛ فجائز أن يخص منه الكفرة الذين علم منهم ~~أنهم لا يؤمنون، والله أعلم. # ويحتمل أن المراد منه الأمر بالعبادة، أي: ما خلقتهم إلا لآمرهم بالعبادة ~~والتوحيد. # وهذا التأويل أقرب إلى العمل بالعموم؛ فإنه يدخل فيه العقلاء من الجن ~~والإنس دون الصغار والمجانين. # ويجوز أن يأمر بشيء ولا يريد تحصيل المأمور به، وصيرورة المأمور مطيعا ~~له؛ بل يريد أن يصير عاصيا فيدخل النار، بخلاف إذا خلقه للعبادة وأرادها ~~منه لا يجوز ألا توجد، وحقيقة هذا تعرف في كتاب التوحيد: أنه خلق الإيمان ~~والعبادة؛ إن علم منه أنه يعبد ويختار العبادة له، فأما من علم منه اختيار ~~الضلال والغواية، وصرف العبادة إلى غيره، فإنه خلقه على ما علم منه أنه ~~يختار ويفعل؛ لقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس. . .) ~~الآية. # وقال قائلون: لم يرد بقوله تعالى: (ليعبدون) حقيقة العبادة التي، هي فعل ~~العبد على وجه الاختيار، ولكن معناه: وما خلقت الجن والإنس إلا وقد جعلت في ~~كل أحد منهم دلالة وحدانيتي ودلالة صرف العبادة إلي، والقيام بالشكر لي ~~فيما أنعمت عليهم من أنواع النعم ما لو تأملوا فيها ونظروا، تدلهم على ما ~~ذكرنا من العلم بالوحدانية لي، والقيام بالعبادة والشكر، والله أعلم. # وعلى هذا التأويل تكون الآية عامة، لا خصوص فيها؛ لأن خلقة كل أحد منهم ~~على أي وصف كان دلالة ms4296 ما ذكرنا، والله الموفق. # ويحتمل أيضا: وما خلقت الجن والإنس إلا على خلقة تصلح للمحنة بالأمر ~~والنهي، والوعد والوعيد، ولتحقيق فعل ذلك بما ركب فيهم العقل، وجعل مفاصلهم ~~لينة، قابلة الأفعال، تصلح للخدمة: من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ~~ونحوها، على خلاف غير هؤلاء من المخلوقات؛ فإنها خلقت على خلقة تصلح لمنافع ~~الممتحنين، لا على وجه يصلح للمحنة، والله أعلم. # ثم في العبادة خصوصية معنى، ليس ذلك في الطاعة والخدمة، وغير ذلك من ~~الأفعال؛ كقوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)؛ حيث لم يجز # PageV09P395 # العبادة لغيره، وأجاز الطاعة والخدمة، والتعظيم، وغير ذلك من الأفعال؛ ~~كقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، دل أن في العبادة معنى ليس ذلك ~~المعنى في غيره؛ لذلك وقعت الخصوصية له؛ ولذلك خص نفسه بتسمية: الإله، لم ~~يجز التسمية به لغيره؛ إذ الإله عندهم: معبود، فكل معبود عندهم يسمونه: ~~إلها، وذلك كما خص نفسه بتسمية: الرحمن، لم يجعل ذلك لغيره، وجاز تسمية ~~غيره: رحيما؛ لما أن في اسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم، وكذا خص نفسه ~~بتسميته: خالقا، ولم يجز هذا الاسم لغيره؛ لما أن في الخالق معنى، ليس ذلك ~~المعنى في الفاعل وغيره، فكذلك هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57). # قال عامة أهل التأويل: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أن يطعموا ~~أحدا من خلقي، إنما علي رزقهم وإطعامهم؛ كقوله تعالى: (وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها). # ويحتمل: ما أريد منهم أن يرزقوا من لا يقوم بأسباب الرزق وأن يطعموهم؛ إذ ~~ذلك علي، وإنما أريد منهم العبادة. # أو الأمر بالعبادة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأنهم لم ينشئوا لأولئك الذين ~~لم يجعل لهم المكاسب وأسباب الرزق من الدواب؛ بل هن أنشئن لأجلهم رزقا ~~ومتعة، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ على ما قال بعضهم، أي: قل يا محمد: ما أريد ~~منكم فيما أدعوكم إليه من أجر، وما أريد أن تطعمون؛ فيثقل ms4297 عليكم الإيمان. # ويحتمل: (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)؛ أخبار أنه لم يخلقهم ~~لحاجة له في خلقهم من الرزق والإطعام منهم؛ لما أقام من دلالات تبرئه عن ~~الحوائج، وعن الرزق والطعام، وإنما خلقهم للأمر، والنهي، والامتحان - رجعت ~~منافع ذلك إليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أن الأسباب والمكاسب التي بها يرزقون، ويصلون إلى الانتفاع بها، ~~هي فعل الله تعالى وله فيها صنع، صار بذلك رازقا، لولا ذلك لم يصلوا إلى ~~ذلك، وإن كان الخلق هم الذين يكسبون ويعملون تلك الأسباب والمكاسب، فلما ~~أضيف إليه الرزق؛ لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم، والله أعلم؛ ~~فيكون في هذا دليل على أن # PageV09P396 # لله تعالى صنعا في أفعال العبد وهو الخلق والإنشاء؛ حيث سمى نفسه: رازقا، ~~وهم يرزقون بتلك المكاسب والأسباب، وأكثر أرزاقهم بأفعالهم، دل أن له فيها ~~صنعا؛ حتى تصح إضافة ذلك إليه وتسميته: رازقا، ولا يجوز هذا الاسم لغيره، ~~والله أعلم. # والثاني: يحتمل الإضافة إليه؛ لأنه يرزقهم بما جعل في تلك الأسباب ~~والمكاسب من اللطف لا بأنفس الأسباب؛ لأنهم يزرعون ويطرحون البذر فيها، ~~فيهلك ذلك البذر، فيها، وكذلك يسقون الأرض، ويهلك ذلك الماء فيها. # ثم إن الله تعالى جعل بلطفه ورحمته في ذلك من اللطف ما يصير ذلك رزقا لهم ~~بعد ذهاب عينه والقوة التي جعلت فيه، وكذلك ما جعل ذلك من الصلاح، والنضج، ~~والطبخ، وما يرجع إلى الإصلاح لذلك، والأكل، والمضغ، والابتلاع، ونحو ذلك، ~~ليس في ذلك إلا امتلاء البطن، وفي ذلك فساد، فجعل فيه من القوة ما ينشر في ~~البدن والأطراف قوة؛ فيبقون بتلك القوة فيهم الحياة والبقاء، لا بنفس ~~الرزق، وهو ما وصف الله تعالى: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) بتلك ~~القوة يحيون، وبها يبقون. # ثم قوله تعالى: (المتين) قيل: المتين هو وصف ونعت لتلك القوة، فيجوز وصف ~~تلك القوة بالمتانة، فأما الله - سبحانه وتعالى - لا يوصف أنه متين، وهو ~~كقوله ms4298 تعالى: (ذو العرش المجيد)، وصف العرش بالمجيد، والعرش غيره؛ فعلى ذلك ~~القوة التي جعل فيها ما ذكرنا غيره يجوز أن توصف بما ذكرنا من المتانة، وهي ~~القوة التي لا يملكها الخلق، ولا يدركون ذلك اللطف الذي جعل في ذلك، والله ~~أعلم. # وقال بعضهم: (ذو القوة المتين) أي: ذو البطش الشديد فيما أهلك الأمم ~~الخالية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ~~(59) كأنهم استعجلوا نزول العذاب، فنزلت هذه الآية على أثر سؤال العذاب؛ ~~كقوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع)، وقوله تعالى: (فأمطر علينا حجارة من ~~السماء)، فقال عند ذلك: (فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم)، أي: لهم ~~نصيب من ذلك العذاب مثل نصيب أوائلهم من العذاب؛ فيكون على التمثيل، كما ~~يقال: حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، ويقال: صاع بصاع، وكيل بكيل؛ ~~أي: يكال عليه مثل ما كيل لغيره، ونحو ذلك من الأمثال التي تضرب؛ فعلى ذلك ~~ما ذكرنا من الذنوب، والله أعلم. # PageV09P397 # وكذلك ذكر عن الأصم قال: ذكر الذنوب، وهو الدلو العظيم الذي كانوا ~~يقتسمون به المياه، وكان من عادة العرب: أنهم يجمعون فيرسلون دلاءهم في ~~البئر، فكان كل واحد منهم يأخذ حظه ونصيبه من الماء، فيقول لأهل مكة: لا ~~تستعجلوا؛ فإن لكم نصيبا من ذلك العذاب كما كان لأولئك؛ كالدلاء التي تكون ~~في البئر، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه. # وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة -: الذنوب - الحظ والنصيب. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: سمي ذلك العذاب: ذنوبا؛ لما يتبع بعضهم ~~بعضا، والله أعلم. فيقول: يتبع العذاب لهؤلاء كما يتبع لأولئك؛ كالدلاء ~~يتبع بعضها بعضا، والله أعلم. # وقوله: (فلا يستعجلون) أي: قد يبلغون وقته فلا يستعجلون العذاب، وهو ~~الوقت الذي يسألون الرجوع كما أخبر - عز وجل -: (رب ارجعون). # وقوله: (فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) يوم القيامة، ولكن ~~لم يبين ذلك اليوم ما هو؟ فيحتمل ما قالوا، ويحتمل غيره، والويل قد ذكرنا ~~تأويله فيما تقدم. # فإن قيل: كيف خوف الله تعالى ms4299 هذه الأمة بما أنزل على الأمم الخالية من ~~الاستئصال والإهلاك، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمنهم منه؟ # قيل: إنما خوفهم بما ذكر؛ لأن المعنى الذي استوجب أولئك الاستئصال ~~والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هؤلاء. # وقد يحتمل ألا يكون، فالتخويف صحيح لهؤلاء بهم، وإنما يكون مثل هذا ~~التخويف في أول الأمر، ثم إن الله بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ورحمته؛ كقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). # ويحتمل أن يكون العفو لهم عن ذلك بالتأخير عنهم إلى وقت، وهو وقت قبض ~~أرواحهم وخروجهم من الدنيا، وفي ذلك الوقت يعاقبون بأنواع العذاب، وينزل ~~بهم ما نزل بأولئك، لا أنهم عفوا عن ذلك أصلا. # ويحتمل أن يكون ينزل بهم ذلك في الآخرة، وذلك كله فضل منه ورحمة، والله ~~أعلم بالصواب. # * * * # PageV09P398 # سورة الطور # ذكر أن ### | سورة الطور # كلها مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور ~~(4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ~~دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ ~~للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~(13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ~~(15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~(16). # قول - عز وجل -: (والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3). الآية. # ثم اختلف بالقسم بالطور وما ذكر؛ قال قائلون: القسم إنما هو بمنشئ هذه ~~الأشياء التي ذكر، لا بهذه الأشياء أنفسها؛ إذ الله تعالى نهى الخلق أن ~~يقسموا بغيره، فكيف يقسم بنفسه. # وقال قائلون: يجوز أن يقسم - جل وعلا - بما شاء وبمن شاء، بالذي عظم قدره ~~عندهم. # وقد ذكرنا: أن الأقسام إنما تكون بالأشياء التي عظمت أقدارها ومحلها عند ~~الخلق، يقسم بها لدفع الشبه التي تمنع وقوع العلم لهم بذلك والمعرفة بالذي ~~اشتبه عليهم والتبس؛ ليعرفوا أن ذلك كائن لا محالة، وأنه بالذي اشتبه عليهم ~~والتبس، وأنه حق، ms4300 بما لو تفكروا في تلك الأشياء وأمعنوا النظر فيها على غير ~~قسم، لوقع لهم العلم بذلك وتحقق، والله أعلم. # ثم الله تعالى أقسم بأشياء سواه، وليس للخلق ذلك؛ لأن قسم الخلق يخرج ~~مخرج الفزع إليه والتضرع، ولا يجوز الفزع إلا من سواه والاستعانة به، فأما ~~القسم من الله تعالى حقيقة فهو على التذكير والتنبيه للخلق، وتأكيد ما وعد ~~لهم من الجزاء؛ فيجوز له القسم بكل ما يكون لهم التذكير والتنبيه والتأكيد، ~~وإن كان بغيره وسواه مما لذلك خطر ومحل عند الناس وعند الله تعالى، والله ~~أعلم. # ولأن القسم المذكور في القرآن لإثبات صدق أخبار الرسل إليهم، وأنهم رسله، ~~وأنهم إذا فعلوا كذا ينزل عليهم من العذاب كذا؛ لأن أولئك الكفرة لم يكذبوا ~~الله تعالى في خبر حتى يكون قسمه لإثبات صدق خبره، وإنما يتحقق صدق خبرهم ~~بما أقاموا من المعجزات والبراهين، لكن يتأكد بالقسم فيحصل ذلك بذكر ما له ~~خطر ومحل عندهم، # PageV09P399 # فأما قسم الخلق لإثبات أصل الصدق؛ فيجب أن يقسموا بذكر ما هو النهاية في ~~العظمة والقدر في القلوب، وهو أسماء الله تعالى وصفاته، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون القسم بهذه الأشياء من الرسل - عليهم السلام - فإن كان ~~كذلك فهو على الإضمار؛ كأنهم قالوا: بمنشئ الطور، وكتاب مسطور وما ذكر إلى ~~آخره؛ إذ القسم من البشر يكون بالله - سبحانه وتعالى - وصفاته، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (والطور) جائز أن يكون القسم واقعا بالجبال كلها؛ ~~لما أن الله تعالى أنشأ الأرض خلقا تميد بأهلها، وأرسى فيها هذه الجبال ~~ووتدها حتى استقرت وسكنت، حتى وصل الخلائق إلى الانتفاع بهذه الأرض والقرار ~~عليها، وصارت مهادا لهم، وفراشا لهم؛ على ما ذكر؛ يتقلبون فيها، ويتصرفون ~~كيف شاءوا وإن أرادوا ذا، أرادوا حيث أحبوا، ثم إذا عرفوا ذلك، لزمهم أن ~~يعرفوا أن عليهم شكر ما أنعم عليهم، فإذا تركوا ذلك لزمهم عقوبة الكفران ~~وجزاؤه، وأوعد لهم ذلك؛ فيؤكد ما ذكر من القسم وقوع ما ذكر من العذاب بهم؛ ~~حيث قال: (إن عذاب ربك ms4301 لواقع (7) ما له من دافع (8). # ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبل خاص، وهو الجبل الذي كلم الله - ~~سبحانه وتعالى - موسى عليه، وأنزل عليه التوراة، وهو طور سيناء، وذلك جبل ~~مما عظم قدره عند بني إسرائيل حتى عرفوا قدره وفضله، فأقسم بذلك الجبل (إن ~~عذاب ربك لواقع). # ويحتمل أن يكون المراد بالطور: هو جبال خاصة، وهي الجبال التي أوحى عليها ~~إلى رسله - عليهم الصلاة والسلام - على ما روي في الخبر: " أوحى الله تعالى ~~إلى موسى - عليه السلام - في جبل ساعور، وإلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~في جبل فاران "، فأقسم بها أن ما وعد من العذاب واقع بهم، والله أعلم. # وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن ~~أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنما هو من الكتب المتقدمة، وهم ~~قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى ~~يعلم منه؛ فدل أنه بالله - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكتاب مسطور (2). # يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~إذ بها يوصل إلى معرقة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ~~ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من ~~وجوه الحكمة، أقسم بها # PageV09P400 # أن العذاب واقع بهم، والله أعلم. # ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - ~~المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء. # ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم؛ لما ~~يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، والله أعلم. # ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ~~ولم يذكروا جهة القسم بها، ولست أعرف وجهه. # وقوله - عز وجل -: (في رق منشور (3) أي: غير مطوي. # وقال أبو عبيدة: الرق: الورق. # وقال أبو عوسجة: الرق: الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (والبيت المعمور (4). # يحتمل البيوت كلها جملة، ms4302 وهي البيوت التي جعل الله تعالى للخلق، يسكنون ~~فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال الله تعالى: ~~(والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا. . .) ~~الآية. ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة الله تعالى عليهم في ذلك؛ ليستأدي ~~بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن من لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب ~~والعقوبة، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون القسم بالبيت المعمور هو الكعبة، وهو معمور، قد عظم الله ~~شأنه وأمره في قلوب الناس كافة، في قلوب الكفار والمؤمنين جميعا، حتى كانت ~~قريش وسائر العرب يحجونه ويزورونه، ويعظمونه، فأقسم به؛ على ما ذكر، والله ~~أعلم. # وقال أبو عبيدة: البيت المعمور: الكثير الأهل. # وأهل التأويل يقولون: البيت المعمور هو في السماء، يزوره أهل السماء، ~~ويطوفونه، لكن القسم به يبعد؛ لما لم يسبق لهم المعرفة والمشاهدة به، فكيف ~~أقسم بشيء لم يعرفوه، ولا وقع لهم العلم بالمشاهدة؛ إلا أن يقال: إن القسم ~~به لأهل الكتاب، وذلك في كتبهم يعرفونه، فأما من لم يسبق له الخبر والمعرفة ~~بذلك مشاهدة فبعيد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والسقف المرفوع (5) هو السماء التي رفعها بلا عمد ~~يرونها من أسفل، ولا تعليق من الأعلى، على بعدها من الأرض، وسعتها وعرضها ~~وشدتها # PageV09P401 # وغلظها؛ ليعلم أن من فعل هذا، لا يفعله لغير شيء؛ بل ليمتحن، ويأمر، ~~وينهى، وليستأدي شكره، فمن خالف أمره ونهيه، وكفر نعمه، وانتهك محارمه، ~~استوجب ما ذكر، والله أعلم. # وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، يذكر ~~سلطانه وقدرته وعظمته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والبحر المسجور (6). # قال أهل الأدب: هو البحر الملآن الحار؛ لأنه - جل وعلا - منذ أنشأه، ~~أنشأه حارا ممتلئا، عميقا، لم يتغير في وقت من الأوقات، ولا في حال من ~~الأحوال، بل كان على حالة واحدة حارا، مالحا ممتلئا عميقا عريضا، ليس كسائر ~~الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض ~~وامتلائها من الطين، وحاجتها ms4303 إلى الحفر، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها، ~~فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها، فأقسم به: (إن عذاب ربك ~~لواقع)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10). # بين الوقت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال: (إن عذاب ربك لواقع)، ~~ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة، وهو ما قال - عز وجل -: (والساعة ~~أدهى وأمر). # وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة؛ لأنه تعالى ذكر أن السماء تمور ~~مورا، أي: تستدير استدارة، وتتحرك تحركا، وذكر سير الجبال وما ذكر، وهذه ~~الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ما ذكر من ~~التحرك والسير والتغير وغير ذلك. # وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالما آخر؛؛ لأنه ذكر فيه ~~التغير من حال إلى حال؛ لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال: (ويوم نسير ~~الجبال)، وذكر السماء وتحركها ومورها، وذكر للأرض انشقاقها، حيث قال: ~~(وتنشق الأرض)، وقال في آية أخرى: (وتكون الجبال كالعهن)، وقال: (ينسفها ~~ربي نسفا)، وقال هاهنا: (وتسير الجبال سيرا)، وكذلك قال في السماء والأرض ~~اختلاف الأحوال، فقال: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)؛ فدل إثبات ~~التغير في هذه الأشياء على هلاكها، كما دل أنواع الأمراض والتغير من حال ~~إلى حال في أهلها على هلاكها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فويل يومئذ للمكذبين (11) أي: المكذبين لرسلهم، # PageV09P402 # عليهم السلام. # ويحتمل: لتوحيده، أو لحججه، أو للبعث. # وقوله - عز وجل -: (الذين هم في خوض يلعبون (12). # نعتهم ووصف أمرهم، حيث قال: (الذين هم في خوض يلعبون)، والخوض: هو البحث ~~عن الشيء، إلا أن الخوض المطلق ذكروه واستعملوه في الباطل خاصة. # وقوله - عز وجل -: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13). # أي: يدفعون في النار على وجوههم. # وقال أبو عبيدة: يدفعون دفعا في القفا خاصة. # وقوله - عز وجل -: (هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14). # هو على الإضمار؛ كأنه يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في ~~الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms4304 -: (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15). # يقال لهم في الآخرة لما ألقوا في النار: أفسحر هذا؟! مقابل ما قالوا هم ~~للحجج والبراهين في الدنيا إنها سحر. # (أم أنتم لا تبصرون) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقال لهم لما أدخلوا النار: لعل ما أنتم فيه ليس بعذاب، وأنها ~~ليست بنار، وأنتم لا تبصرون لذلك؛ كما أخبر عنهم في الدنيا: أنهم يقولون ~~لحججه؛ حيث قال: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا ~~إنما سكرت أبصارنا. . .) الآية، فقال مقابل ذلك (أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون) أي: لعلكم لا تبصرون. # والثاني: يقول: (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون) في الدنيا: أن هذا ينزل ~~بكم في الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم ... (16) هذا ~~كما قال إبليس: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص)؛ فعلى ذلك ~~قوله - عز وجل -: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم) أصبرتم أو ~~جزعتم؛ فلا ينفعكم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إنما تجزون ما كنتم تعملون). # PageV09P403 # أي: ذلك استوجبتم بأعمالكم، لا أن أوجبت عليكم شيئا لم تستوجبوه. # * * * # قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم. كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون. متكئين على ~~سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21) ~~وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا ~~تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28). # وقوله - عز وجل -: (إن المتقين في جنات ونعيم. . .) الآية. # يحتمل: في جنات وفي نعيم. # ويحتمل: في جنات فيها نعيم؛ فتكون الواو بمعنى " مع "، أي: في جنات مع ~~نعيم. # وقوله - عز وجل -: (فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ms4305 الجحيم (18). # قال بعضهم: أي: ناعمين متنعمين. # وقال بعضهم: معجبين وهما واحد المعجب به والناعم سواء؛ لأنه إذا كان ~~ناعما متنعما، كان معجبا مسرورا. # وقال بعضهم: (فاكهين): ناعمين، و (فاكهين) معجبين بذلك؛ وهو قول القتبي. # ثم ذكر هاهنا: (فاكهين بما آتاهم ربهم)، وذكر في سورة " الذاريات ": ~~(آخذين ما آتاهم ربهم)، فالفاكه ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (آخذين ما آتاهم ربهم). # أي: آخذين ما آتاهم ربهم بالشكر منه والحمد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووقاهم ربهم عذاب الجحيم)، هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: وقاهم، أي: عصمهم في الدنيا عن الأعمال التي توبقهم وتهلكم لو ~~أتوا بها وعملوها، فإذا عصمهم عن ذلك، وقاهم عن عذاب الجحيم، والله أعلم. # والثاني: وقاهم أي: عفا عنهم في الآخرة، وصفح عما عملوا من الأعمال ~~الموبقات في الدنيا ما لولا عفوه إياهم، لكانت توبقهم، ويستوجبون ذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) كأنه على ~~الإضمار، أي: يقال لهم لما أدخلوا الجنة، ونزلوا منازلهم: كلوا واشربوا. # وقوله: (هنيئا) أي: ليس عليهم في ذلك خوف التبعة، ولا خوف حدوث مكروه في # PageV09P404 # أنفسهم ولا آفة؛ لأن ذلك ينغص عليهم ذلك، ليس كما يؤكل في الدنيا، فيه ~~خوف التبعة، وخوف حدوث المكروه والآفات في أنفسهم والضرر، فأخبر: ألا يكون ~~لهم في الجنة ذلك؛ لئلا ينغص عليهم نعمها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) ذكر أن ~~لهم في الجنة جميع ما ترغب إليه أنفسهم في الدنيا، ويتمنون بها، كقوله ~~تعالى: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون)، وقوله: (وكواعب أترابا. ~~وكأسا دهاقا)، وقوله - عز وجل -: (فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ~~ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة)، وأشباه ذلك مما يكثر عده مما تحدث به ~~أنفسهم في الدنيا، ورغبهم فيه؛ ليرغبوا في طلبها وليتركوا ما في الدنيا من ~~ذلك؛ ليصفوا لهم ذلك في الآخرة. # وهذه الأحوال التي ذكر وأخبر أنه تكون لهم في الآخرة من الاتكاء على ~~السرر، والمقابلة في المجلس وغير ذلك من الأشياء ms4306 التي ذكرها في الكتاب. # ثم قوله - عز وجل -: (وزوجناهم بحور عين). # كما يقال: تزوجت بفلانة وفلانة؛ فعلى ذلك هذا. # وقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين (21). # قيل فيه بوجوه: # أحدها: ما قال أبو بكر الكيساني: أي: يلحق الأولاد بإيمانهم وأعمالهم ~~درجات الآباء والأمهات، ولو قصرت أعمال الذرية عن أعمال الآباء والأمهات ~~لأن الدرجات إنما تكون بالأعمال، فهم وإن لم يبلغوا في الأعمال مبلغ آباهم؛ ~~فإنهم يلحقون بهم في الدرجات، والله أعلم. # وقال بعضهم: إن الذرية التقنوا الإيمان من آبائهم وأمهاتهم، وأخذوه منهم، ~~ولم يبحثوا عن حجته وبرهانه حتى يكون أخذهم وقبولهم عن البحث عن الحجة ~~والبرهان، فهم وإن كانوا مقلدين آباءهم في الإيمان، متلقنين منهم فإنهم ~~يلحقون بآبائهم وإن كان الإيمان عن الحجة أفضل من الإيمان بالتقليد ~~والالتقان. # وقال بعضهم: إن الذرية وإن لم يبلغوا مبلغا يكون منهم الإيمان، فإنهم ~~يلحقون بآبائهم وأمهاتهم في إيمانهم، وإن لم يكن منهم الإيمان ولم يأتوا ~~به، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما ألتناهم من عملهم من شيء). # على تأويل أبي بكر: أي: وما ألتنا من أعمال الذرية من شيء؛ أي: ما نقصنا ~~أعمال آبائهم في الثواب وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم، بل يبلغون درجات ~~آبائهم، ويوفرون # PageV09P405 # كما يوفر على آبائهم؛ وتأويله أبعد هذه التأويلات التي ذكرنا. # وعلى تأويل غيره: أي: ما نقصنا من أعمال آبائهم شيئا، أي: إنهم وإن بلغوا ~~مبلغ الآباء، فإن الآباء لا ينقصون من أعمالهم شيئا، ذكر هذا حتى لا يظن ~~أنه ينقص من ثواب آبائهم ويعطي ذلك لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (كل امرئ بما كسب رهين). # قال بعضهم: هذا صلة قوله - عز وجل -: (اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون)، (كل نفس بما كسبت رهينة)، وهو يرد قول ~~من يقول بأن الرهن لصاحبه، له أن يحلبه، وأن يركبه، وأن ينتفع به، ثم يرد ~~إلى المرتهن، ولو كان ms4307 له هذا، لكان لا يكون رهنا؛ إذ أخبر: أنه رهين -أي: ~~محبوس- فالرهن هو الذي يحبس في كل وقت، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22). # أي: وأمددناهم فاكهة، والباء في (الفاكهة) زائدة كما ذكرنا في قوله ~~تعالى: (بحور عين). # ثم يحتمل أن يكون قوله: (وأمددناهم) إخبارا عن دوامها وكثرتها، أي: لا ~~تنقطع ولا تقل، وليس كفواكه الدنيا أنها لا توجد في كل وقت. # وقوله - عز وجل -: (ولحم مما يشتهون). # أخبر أنهم يأكلون جميع ما يشتهون، ويجدون ما يتمنون، ليس كالدنيا، ربما ~~يشتهي شيئا لا يجده، ويجد ما لا يشتهيه، وهو كقوله - تعالى -: (ولكم فيها ~~ما تشتهي أنفسكم). # وقوله - عز وجل -: (يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) أي: ~~يتعاطون فيها كأسا، ويأخذ بعضهم من بعض، كما يكون في الدنيا لا يكون لكل ~~أحد كأس على حدة، وهو كما روي في الخبر: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يغتسل مع بعض أزواجه وربما تتنازع أيديهما. # وقال أبو بكر الكيساني: الكأس هو الخمر. # وقال غيره: هو الإناء المملوء من الخمر، وأما الذي لا شراب فيه فهو ~~الإناء. # وقوله - عز وجل -: (لا لغو فيها ولا تأثيم) قرئ: (لا لغو فيها ولا تأثيم) ~~بالرفع والتنوين. # قال أبو عبيدة: إنه خبر بأنه ليس فيها لغو ولا تأثيم، كما قال: (لا فيها ~~غول ولا هم عنها ينزفون). # PageV09P406 # وقرئ بالنصب فيهما على التنزيه، وهو وجه غير مدفوع. # وتأويل الآية: أي: لا يكون منهم من اللغو، وما يؤثم من القول؛ كما يكون ~~في شراب الدنيا من اللغو وقول الإثم. # وقيل: (لا لغو فيها ولا تأثيم)؛ لانها أحلت لهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24). # يرغبهم فيها كما رغب إليهم أنفسهم في الدنيا من الخدم، والفواكه، والبسط ~~ليطلبوها، والله أعلم. # وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25). # قال أبو بكر الكيساني: يتساءلون عن المعاصي التي كانت منهم في الدنيا، ~~واستدل بقوله على أثر هذه الآية: (إنا كنا قبل ms4308 في أهلنا مشفقين (26) يحتمل ~~قوله: (في أهلنا مشفقين) وجهين: # أحدهما: إنا كنا قبل وأهلنا مشفقين كقوله: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا). # والثاني: أي: إنا كنا قبل على أنفسنا وأهلنا مشفقين، أي: خائفين على ما ~~كان منا من الجنايات والمعاصي. # وقوله - عز وجل -: (إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28). # أي - والله أعلم -: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين على أنفسنا؛ لجناياتنا ~~وراجين رحمته بقوله تعالى: (إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم)، وصف ~~الله تعالى في غير آي من القرآن بالإشفاق والخشية، والطمع والرجاء: كقوله ~~تعالى: (يدعون ربهم خوفا وطمعا)، وقوله: (ويدعوننا رغبا ورهبا)، ونحو ذلك. # ثم قوله: (إنه هو البر الرحيم) قرئ: (أنه هو البر) بنصب الألف وخفضه؛ فمن ~~كسره، حمله على الابتداء؛ أي: ربنا كذلك على كل حال، ومن نصب أراد: يدعوه ~~ثانيا؛ لأنه هو البر الرحيم، أي: يدعوه لأجل أنه كذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم). # دل قوله: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم): أن لله أن يعذبهم بعذاب ~~السموم، لكنه بمنه وفضله وقاهم، ولو كان عليه ذلك كما قالت المعتزلة لم يكن ~~لذكر المنة معنى. # * * * # قوله تعالى: (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون ~~شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم ~~تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون ~~(33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم خلقوا من غير شيء # PageV09P407 # أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) أم ~~عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) أم تسألهم أجرا ~~فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا ~~فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون ~~(43). # وقوله: (فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29). # أي: بما أنعم عليك من النبوة ms4309 والقرآن لست بكاهن ولا مجنون. # ثم هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك بذلك، عوفيت وعصمت عما ذكروا من ~~الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم. # دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة ~~أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء ~~المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى ~~الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على ~~أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن ~~على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، ثم لما ~~عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: (نتربص به ريب المنون (30) أي: ~~عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن محمدا يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون ~~إلينا؛ فقال تعالى: (قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أي: تربصوا ~~ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعا أو عامتهم - أعني: الذين قالوا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا ~~قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحل بهم ما ظنوا برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر. # وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به. # وقوله - عز وجل -: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا ... (32) قد ذكرنا في غير ~~موضع معنى حرف " أم " أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا ~~فليس بعاقل. # والثاني: " على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن ~~عبادة الله تعالى؟! أي: لا عقل يأمر به. # وقوله: [(أم هم قوم طاغون)]. # PageV09P408 # أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة. # وقوله: (أم يقولون تقوله بل لا ms4310 يؤمنون (33) أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ~~ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله تعالى؛ وهو ما ذكر في آية ~~أخرى: (فإنهم لا يكذبونك) -بالتخفيف والتشديد- (ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون)، يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى ~~الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم ~~منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك ~~تتقول من أعند نفسك، قال: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أي: لو ~~كانوا صادقين بأن محمدا يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ثم قوله - عز وجل -: (فليأتوا بحديث مثله) وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، ~~فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحتمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب ~~والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله. # والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الافتراء والتقول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35). # قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير ~~فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، ~~وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم ~~مخلوقون، وليسوا بخالقين، أو كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف ~~يصرون عليه. # وعندنا يخرج على وجهين: # أحدهما: (أم خلقوا من غير شيء) أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ ~~لو خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثا باطلا، وهم يعلمون ~~أنهم لم يخلقوا لعبا باطلا. # والثاني: يقال: لا يخلو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب ~~وماء، فكيفما كان؛ فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء. # PageV09P409 # وقوله - عز وجل -: (أم هم الخالقون). # أي: ليسوا هم بخالقين. # وقوله - عز وجل -: (أم خلقوا السماوات والأرض ms4311 ... (36) أي: يعلمون أنهم ~~لم يخلقوهما. # وقوله: (بل لا يوقنون) يخرج على وجهين: # أحدهما: أن ما يقولون إنما يقولون على الظن لا على اليقين. # والثاني: (بل لا يوقنون) أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله تعالى ~~بأنهم لا يؤمنون. # فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب. # وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن ~~والجهل، لا على اليقين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أي: ليس ~~عندهم خزائن ربك؛ على ما ذكرنا في قوله تعالى: (أم خلقوا السماوات والأرض) ~~أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون. # ثم الآية تحتمل وجوها أيضا: # تحتمل (أم عندهم خزائن ربك)، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فيكونون هم لذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق. # ويحتمل قوله تعالى: (أم عندهم خزائن ربك) أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك ~~فعلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تقول على الله تعالى؟! أي: ~~ليس لهم علم الغيب. # ويحتمل (أم عندهم خزائن ربك)، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم ~~شيء من ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أم هم المصيطرون). # أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم. # وقال بعضهم: المسيطر: الرب تعالى، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول ~~القتبي. # وقال الزجاج: المسيطر: المسلط؛ يقال: سيطر، أي: تسلط. # وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، ~~وهذا يخرج على المقابلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر، ويحتمل ~~على غير المقابلة، والله أعلم. # PageV09P410 # وقوله: (أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون ms4312 من أخبارها؛ فعلموا ~~بذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - تقول على الله تعالى. # والثاني: (أم لهم سلم)، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون فيه أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ~~ذلك: (فليأت مستمعهم بسلطان مبين) أي: بحجة بينة، أي: ليس لهم ذلك، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم له البنات ولكم البنون (39). # هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على المقابلة، وهذا راجع إلى الله تعالى في الظاهر ~~على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: (وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم)، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى ~~الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون في ما قالوا؛ ~~فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم. # ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ومعناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟! والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40). # أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم ~~أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة. # وقوله - عز وجل -: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أي: عندهم علم الغيب؛ ~~فيعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42). # أي: يريدون كيدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن هم المكيدون، ~~أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما ~~قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة. # وقوله - عز ms4313 وجل -: (أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43). # أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ أي: أم لهم إله غير الله # PageV09P411 # يمنعهم من عذاب الله تعالى؟! أي: ليس لهم. # ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من التقول على الله تعالى، أو يطلعهم على ذلك؟ أي: ليس ~~لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما ~~قال: (إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع). # ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق ~~العبادة، فقال: (سبحان الله عما يشركون). # * * * # قوله تعالى: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) ~~فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون. يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا ~~هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) ~~واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه ~~وإدبار النجوم (49). # وقوله - عز وجل -: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم). # يخبر عن عناد أولئك الرؤساء ومكابرتهم، وإنما قالوا ما قالوا على التعنت، ~~لا على الاسترشاد، وأن هذه الآيات من قوله: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا. . .)، ~~إلى قوله: - عز وجل -: (أم لهم إله غير الله)، كلها محاجة مع أولئك الرؤساء ~~المعاندين؛ يبين ذلك قوله تعالى: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا ~~سحاب مركوم) يقول: إنهم وإن يروا ما توعدهم من عذاب ينزل بهم يقولوا ~~-لتعنتهم ومكابرتهم-: إنه سحاب، ليس بعذاب، وهو كما قال: (ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا)، ~~يخبر عن عنادهم، وكقوله - عز وجل -: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السماء)، لا يؤمنون، ويقولون: ما ذكر إنه سحاب مركوم؛ تعنتا ومكابرة. # ثم أمر رسوله - صلى ms4314 الله عليه وسلم - بأن يعرض عنهم وألا يشتغل بهم؛ لما ~~علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو ما قال - عز وجل -: (فذرهم حتى يلاقوا ~~يومهم الذي فيه يصعقون (45) يؤيس رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن إيمانهم، ~~ويأمره بالصبر على أذاهم، وترك المكافأة لهم، ويخبر أنهم لا يؤمنون إلا في ~~اليوم الذي فيه يصعقون، أي: يموتون. # ثم قرئ قوله: (يصعقون) بفتح الياء وضمه؛ فمن قال بالنصب، احتج بقوله: ~~(فصعق من في السماوات ومن في الأرض)، ولم يقل فصعق. # ثم يحتمل الصعقة التي ذكر: ما ذكرنا؛ أي: يموتون. # ويحتمل: أي: تنزل بهم الشدائد والأوجاع، ولكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك ~~الوقت؛ # PageV09P412 # لأنه إيمان دفع العذاب عن أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ... (46). # برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما ينزل بهم يومئذ؛ جزاء على كيدهم ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل ألا يغنيهم من عذاب الله تعالى الأصنام التي عبدوها؛ رجاء أن تشفع ~~لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى؛ كما أخبر - عز وجل -، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~(47). # قال أهل التأويل: أي: لمشركي أهل مكة عذاب دون عذاب النار، وهو القتل ~~بالسيف يوم بدر. # ويحتمل أن يكون قوله: (وإن للذين ظلموا)، أي: للكفرة عذاب في الدنيا دون ~~الذي ذكر في يوم القيامة؛ حيث قال: (حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون)، ثم ~~قال: (عذابا دون ذلك)، وهم ما داموا كفارا فهم في عذاب، يكونون في خوف وذل ~~وخزي؛ فذلك كله عذاب الله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولكن أكثرهم لا يعلمون). # أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا في أسباب ~~العلم، ولم يتفكروا فيها؛ حتى يمنعهم ويزجرهم عن صنيعهم. # وقوله - عز وجل -: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ~~(48). # دل هذا الحرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كلف أمرا شديدا شاقا ~~عليه حتى قال: (واصبر)؛ إذ الأمر بالصبر لا ms4315 يكون إلا في أمور شاقة شديدة؛ ~~ولذلك قال له: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)، أمره بالصبر على ما ~~كلفه، كما صبر إخوانه على ما لحقهم من الأمور الشاقة، وما قال (واصبر وما ~~صبرك إلا بالله)، أخبر أنه لو صبر إنما يصبر بتوفيق الله إياه، أو فيه: أنه ~~إذا صبر يكون صبره لله تعالى؛ حتى يسهل عليه احتمال ذلك، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (لحكم ربك)، يحتمل وجوها: # أحدها: ما أمر من تبليغ الرسالة إلى الفراعنة الذين كانت همتهم القتل لمن ~~خالفهم، فذلك أمر شديد؛ فأمره بالصبر على ذلك، والتبليغ إلى أولئك. # والثاني: أمره بالصبر على أذاهم واستهزائهم به، وترك المكافأة لهم. # ويحتمل أن يكون الأمر بالصبر على الأمور التي كانت عليه في خالص نهيه من ~~احتمال غصة التكذيب، وحزنه على تركهم التوحيد والإيمان، وإنما ذلك كله حكم ~~الله تعالى. # PageV09P413 # وقوله - عز وجل -: (فإنك بأعيننا). # أي: بمنظر وعلم منا، فإن كان الأمر بالصبر على القيام بتبليغ الرسالة إلى ~~من ذكرنا؛ فيخرج قوله: (فإنك بأعيننا) مخرج وعد النصر والمعونة؛ كقوله ~~تعالى: (والله يعصمك من الناس). # وإن كان الأمر بالصبر على ترك مكافأتهم، أو على القيام بالأمور التي فيما ~~بينه وبين ربه تعالى؛ فيصير كأنه قال: على علم منا بما يكون منهم من ~~التكذيب والاستهزاء والأذى، كلفناك، لا عن جهل منا بذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وسبح بحمد ربك). # أي: نزهه عن معاني الخلق، وعما لا يليق، واذكر الثناء عليه بما هو أهله. # وقوله - عز وجل -: (حين تقوم). # يحتمل: حين تقوم من مجلسك، أو من منامك، أو حين تقوم للتعيش والانتشار. # فإن كان المراد: حين تقوم من مجلسك؛ فيكون التسبيح ما ذكر في الخبر عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من جلس مجلسا كثر فيه لغطه، ~~فليقل قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، ~~أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك " ولم يذكر الآية. # وإن كان ms4316 المراد: حين تقوم من منامك، فجائز أن يكون المراد منه: الصلاة. # وإن كان حين تقوم للانتشار والتعيش؛ فيصير كأنه أمر بالتسبيح بالنهار في ~~وقت الانتشار؛ وعلى هذا قوله: (ومن الليل) أي: سبح بالليل في وقت الراحة، ~~فيصير كأنه قال: وسبح بحمد ربك في الأوقات كلها، بالليل والنهار، في وقت ~~الراحة، وفي وقت الانتشار. # وروى الضحاك عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (وسبح بحمد ربك حين تقوم) ~~تقول في الصلاة المفروضة قبل أن تكبر: " سبحانك اللهم وبحمدك. . . " إلى ~~آخره. # وروى الضحاك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل في الصلاة، ~~قال ذلك؛ وذلك قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك حين تقوم). # وروى أبو سعيد وعائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، ~~وتعالى جدك، ولا إله غيرك ". # PageV09P414 # وروي عن مجاهد أنه قال: حين تقوم من كل مجلس، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فسبحه وإدبار النجوم (49). # قال أهل التأويل: هو ركعتا الفجر كما روي عن جماعة من الصحابة، رضوان ~~الله عليهم أجمعين. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا: أنه أراد بإدبار النجوم: ~~الركعتين قبل الفجر، وأدبار السجود: الركعتين بعد المغرب؛ فإن ثبت فهو ~~التأويل، فإن كان على هذا فهو يدل على تأخير صلاة الفجر؛ لأن إدبار النجوم ~~إنما يكون ذهابها وانقضاءها، وذلك لا يكون بأول وقت طلوع الفجر، وإنما يكون ~~وقت الإسفار؛ فيكون حجة لنا، والله أعلم. # * * * # PageV09P415 # سورة النجم # ذكر أن ### | سورة النجم # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن ~~الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) ~~وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى ~~(12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) ~~إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر ms4317 وما طغى (17) لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى (18) # قوله - عز وجل -: (والنجم إذا هوى (1). # قيل: المراد: هو النجوم أنفسها، فأقسم بها على أن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - ما ضل وما غوى؛ على ما قاله الكفرة؛ وبه يقول الأصم. # وقيل: أراد بقوله: (والنجم): نزول القرآن نجما فنجما، على التفاريق أقسم ~~بالقرآن: إنه لم يضل، ولم يغو. # وقال مجاهد: أقسم بالثريا إذا غاب، والعرب تسمي الثريا -وهي ستة أنجم ~~ظاهرة-: نجما. # وقال أبو عبيد: أقسم بالنجم إذا سقط في الغور؛ فكأنه لم يخص الثريا دون ~~غيره. فإن كان التأويل هو الأول فهو لما جعل الله تعالى للنجوم محلا في ~~قلوب الخلق وأعلاما يستخرجون بها جميع ما ينزل بالخلق، وما يكون لهم من ~~المنافع والمضار من كثرة الأنزال والسعة والضيق، وما ينزل بهم من المصائب ~~والشدائد، وما يكون من انقلاب الأمور، وما جعل فيها من المنافع من معرفة ~~القبلة، وطرق الأمكنة النائية، ومعرفة الأوقات وغيرها مما يكثر عدها، فأقسم ~~بنفسها، أو بالذي أنشأ النجوم، وما جعل فيها من المنافع: أن محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - ما ضل وما غوى. # وإن كان النجم هو النجوم التي أنزل القرآن فيها نجوما على التفاريق، ~~فالقسم بالذي أنزل القرآن على التفاريق. # وقوله - عز وجل -: (إذا هوى)؛ أي: سقطت، كقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع # PageV09P416 # النجوم)، أي: بمساقطها. # والأشبه: أن يكون قوله: (إذا هوى) أي: إذا سارت سيرا دائما في سيرها؛ ~~لأنها أبدا تكون في السير، وفي سيرها منافع الخلق من الاهتداء للطرق ~~وغيرها، ولما ليس في مساقط النجوم وغيبوبتها كثير حكمة حتى يقسم بذلك، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما ضل صاحبكم وما غوى (2). # يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: ما ضل عما نزل به القرآن، وعما أمر به؛ لأنهم كانوا يدعون ~~عليه الضلال: أن خالف دينهم ودين آبائهم، فقال: ما ضل هو عما أمر به، وما ~~غوى. # والثاني: (ما ضل صاحبكم وما غوى)؛ إذ ليس بساحر؛ ولا شاعر؛ لأنهم كانوا ~~يقولون: إنه شاعر وإنه ساحر، فقال: ليس ms4318 هو كذلك ما ضل بالسحر، وما غوى ~~بالشعر؛ على ما قال (والشعراء يتبعهم الغاوون)، بل رشد واهتدى، وهو ما قال: ~~(وما ينطق عن الهوى (3) أي: ما ينطق عما يهوي به نفسه؛ بل إنما ينطق عن ~~الوحي بقوله: (إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى) ~~وإلا جائز أن يصرف قوله تعالى: (علمه شديد القوى (5) إلى الله تعالى؛ إذ ~~الله تعالى قد أضاف تعليمه إلى نفسه بقوله - عز وجل -: (الرحمن. علم ~~القرآن)، لكن أبان بقوله: (ذو مرة فاستوى (6) أن المراد غيره؛ إذ هو لا ~~يوصف بأنه (ذو مرة فاستوى)، وهو جبريل - عليه السلام - على ما قال أهل ~~التأويل. # ثم أضاف التعليم مرة إلى جبريل - عليه السلام - ومرة إلى نفسه، فالإضافة ~~إلى جبريل - صلوات الله عليه - لما منه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وتلقف. # والإضافة إلى الله تعالى تخرج على وجهين: # أحدهما: أضاف إلى نفسه؛ لما أنه هو الباعث لجبريل إليه، والآمر له ~~بالتعليم، والخالق لفعل التعليم من جبريل، عليه السلام. # والثاني: لما يكون من الله - سبحانه وتعالى - من اللطف الذي يحصل به ~~العلم عند التعليم؛ ولهذا يختلف المتعلمون في حصول العلم مع التساوي في ~~التعليم؛ لاختلافهم في آثار اللطف، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ذو مرة فاستوى. . .) الآية. # قال أهل التأويل: (ذو مرة) أي: ذو قوة. # PageV09P417 # وقيل: (ذو مرة) أي: ذو إحكام، وأصله من قوى الحبل، وهي طاقته، والواحد: ~~قوة، وأصل المرة: الفتل. # وقوله: (فاستوى) يحتمل (فاستوى)، أي: محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لنزول ~~الوحي إليه. # وقيل: (فاستوى)، أي جبريل - عليه السلام - على صورته؛ لما ذكر أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - سأل ربه - عز وجل - أن يريه جبريل - عليه السلام - على ~~صورته فاستوى جبريل على صورته، فرآه كذلك، وقوله - عز وجل -: (وهو بالأفق ~~الأعلى (7) ثم يحتمل (وهو بالأفق الأعلى) أي: أفق السماء. # ويحتمل أن يكون الأفق الأعلى مكان الملائكة ومسكنهم، فأخبر أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى جبريل على صورته في مكانه. # وجائز أن يكون الأفق ما ms4319 ذكر في الخبر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أراد أن يرى جبريل في صورته، فسأله أن يراه، فقال: إن الأرض لا تسعني، ~~ولكن انظر إلى الأفق الأعلى، فنظر فرآه. # وفي بعض الأخبار: إنك لا تقدر أن تراني في صورتي، ولكن انظر إلى الأفق ~~الأعلى. ثم جائز أن يكون ما ذكر من النظر إلى الأفق الأعلى؛ لما أن بصره ~~كان لا يحتمل النظر إليه من قرب، ويحتمل ذلك من البعد، وذلك معروف فيما بين ~~الخلق: أن الشيء إذا كان له شعاع أو نور أو بياض شديد: أن البصر لا يحتمل ~~النظر إليه من القرب في أول ملاقاته، ويحتمل إذا كان يبعد منه؛ وعلى هذا ~~قوله - عز وجل -: (ثم دنا فتدلى (8) يحتمل: دنا منه جبريل - عليه الصلاة ~~السلام - شيئا بعد شيء، وقرب منه كذلك ليحتمله؛ إذ جبل الإنسان على طبيعة ~~يحتمل الأشياء إذا انتهت إليه على التفاريق ما لو أتته بدفعة واحدة في وقت ~~واحد، لما احتملتها الأنفس؛ كالحر يأتي الخلق بعد شدة البرد شيئا فشيئا، ~~وكذلك البرد بعد شدة الحر شيئا فشيئا حتى يشتد ما لو أتيا بدفعة واحدة إذا ~~كان قريبا منه. # ويحتمل من البعد، ثم يقرب ويدنو قليلا قليلا حتى يحتمل من القرب، والله ~~أعلم. # ثم من الناس من يقول: إن قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) على التقديم ~~والتأخير؛ أي: تدلى قربا؛ لأنه يكون التدلي أولا ثم الدنو منه. # ومنهم من قال: بل هو على ما قال، وهما سواء -أعني: التدلي والدنو- بمنزلة ~~القرب والدنو، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فكان قاب قوسين أو أدنى (9) اختلف فيه: # قال بعضهم: القاب: هو صدر القوس؛ أي: فكان قدر صدر القوس من الوتر مرتين. # PageV09P418 # وقال بعضهم: أي: قدر قوسين حقيقة. # وقال القتبي: قاب: قدر قوسين عربيين. # وقال أبو عوسجة: القاب: قدر الطول. # وقيل القوس: الذراع هاهنا؛ أي: كان قدر ما بينهما ذراعين. # قال: والأول أعجب إلي؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~لقاب قوس أحدكم -أي: موضع قده- خير ms4320 من الدنيا وما فيها " والقد: السوط. # فنقول: أي الوجوه كان ففيه دليل: أنه لم يكن جبريل - عليه السلام - يبعد ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث لا يحيط به؛ لأن الشيء إذا بعد ~~عن البصر لعرفه بالاجتهاد، ولا يدركه حقيقة، وكذلك إذا قرب منه، حتى ماسه ~~والتصق به، قصر البصر عن إدراكه، وإذا كان بين البعد والقرب، أحاط به ~~وأدركه، فيخبر الله - تعالى - أنه أحاط به علما، وأدركه حقيقة، لا أن كان ~~معرفته إياه بطريق الاجتهاد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أو أدنى). # قال أهل التأويل: حرف " أو " شك، وذلك غير محتمل من الله تعالى، لكن ~~معناه على الإيجاب؛ أي: بل أدنى. # وقال بعضهم: (أو أدنى) في اجتهادكم ووهمكم، لو نظرتم إليهما، لقلتم: ~~إنهما بالقرب والدنو قدر قوسين أو أدنى. # وقوله - عز وجل -: (فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على التقديم والتأخير، أي: فأوحى جبريل ما أوحي إليه إلى محمد ~~عبده ورسوله، عليهما السلام. # والثاني: فأوحى الله - جل وعلا - إلى عبده جبريل ما أوحى هو إلى محمد ~~عليهما الصلاة والسلام. # وقوله - عز وجل -: (ما كذب الفؤاد ما رأى (11). # قرئ: (كذب) مخفف الذال ومشدده؛ فمن قرأ بالتخفيف، أي: ما كذب عبده فيما ~~رأى؛ أي: ما رأى حق. # PageV09P419 # وقال أبو عبيد: ما كذب في رؤيته، قد صدقت. # ومن قرأ بالتشديد، أي: لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا. # وعندنا: أي: ما رد الفؤاد ما رأى البصر، وأصله: أن الفؤاد مما يوعى به، ~~يقول: قد وعى به ما رأى لم يتركه، ولم يضيعه. # وقيل: (ما كذب الفؤاد ما رأى)؛ أي: ما علم، والرؤية: كناية عن العلم، لكن ~~لو كان المراد منه: العلم فلا يحتمل ما ذكر (ولقد رآه نزلة أخرى)، ولا ~~يتصور أن يعلم مرتين؛ وكذا ذكر أنه رأى ربه مرتين، ولا يحتمل العلم مرتين؛ ~~فدل أن الحمل على العلم لا يصح. # وأصله عندنا: ما كذب الفؤاد ما رأى من الآيات؛ دليله ما ذكر في آخره: ~~(لقد رأى من ms4321 آيات ربه الكبرى) وقال: (ولقد رآه نزلة أخرى). # وعن الحسن: أي: رأى عظمة من عظمة الله، وأمرا من أمره. # وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " رأى جبريل - عليه ~~السلام - على صورته مرتين "، أي: ما كذب الفؤاد ما رأى البصر جبريل - عليه ~~السلام - ولقد رآه أيضا مرة أخرى عند سدرة المنتهى. # ومنهم من قال: إنه رأى ربه على العيان بعينه، فهو خلاف ما ثبت من وعد ~~الرؤية في الآخرة بالكتاب والسنة المتواترة، ولأنه لو رأى ربه تعالى على ما ~~قالوا، لكان لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى؛ لأن رؤية الآيات إنما يحتاج ~~إليها عندما يعرف الشيء بالاجتهاد، فأما عند المشاهدة وارتفاع الموانع، لا ~~حاجة تقع إليها، إلا أن يقال برؤية القلب على ما ذكر في الخبر: أنه سئل عن ~~ذلك، فقيل: هل رأيت ربك؟ فقال: " رأيته مرتين بقلبي ". # وفي بعض الأخبار قال: " أما بعيني فلا، وأما بفؤادي، فقد رأيته مرتين ". # ويفسرون رؤية القلب بالعلم، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا؛ فإن ثبت الحديث ~~فهو # PageV09P420 # على ما كان وأراد، لا يفسر ذلك، وكذلك قول من يقول في قوله تعالى: (ثم ~~دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى): إنه دنا من ربه - قول [وخش]، فيه إثبات ~~المكان والتشبيه؛ تعالى الله عن ذلك، ولكن المراد ما ذكرنا: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دنا من جبريل - عليه السلام - على ما ذكرنا. # ثم في قوله تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى)، وقوله - عز وجل -: (ولقد رآه ~~نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. . .) إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا - صلى الله ~~عليه وسلم - من بين غيره من الخلائق، منها: رؤية جبريل - عليه السلام - على ~~صورته، ورؤية الرب تعالى بقلبه؛ إن ثبت الحديث عنه، وبلوغه إلى سدرة ~~المنتهى؛ إذ لم يذكر لأحد من رسل الله تعالى: أنه بلغ هذا المبلغ سواه. # وقوله - عز وجل -: (أفتمارونه على ما يرى (12). # عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قرآ مفتوحة التاء بغير ~~ألف، ومعناه: أفتجحدونه؟!. ms4322 # وعن الحسن بالألف مضمومة التاء، وقال: معناه: أفتجادلونه؟! # وعن شريح مثله. # قال أبو عبيد: فالأولى أن يقرأ بمعنى الجحود؛ وذلك أن المشركين إنما كان ~~شأنهم الجحود فيما يأتيهم من الخبر السماوي، وهو أكبر من المماراة ~~والمجادلة. # وقيل: (أفتمارونه) أي: تشككونه على ما يرى؟ # وقال أبو بكر الأصم: لا تصح القراءة بغير ألف ولا تأويله، إنما القراءة ~~بالألف، وتأويله: أفتجادلونه؟! # ونحن نقول بأن تأويل ما ذكر من الجحود والقراءة صحيح، وتأويل من قال: ~~أفتجادلونه على ما يرى؟! لا يحتمل؛ لأن مجادلتهم لا تكون فيما يرى، لكن ~~يجادلونه على ما يخبر أنه يرى، إذ في الخبر يقع التكذيب، وبه يجادلونه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد رآه نزلة أخرى (13). # فهو على ما ذكرنا من اختلاف الناس أن ما أيش هو؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عند سدرة المنتهى (14). # قيل: سمي ذلك الموضع سدرة المنتهى، لما انتهى إليه علم الخلق؛ فلا ~~يجاوزه. # PageV09P421 # وقيل: لما انتهى إليه كرامات الخلق، لا تجاوز كراماتهم عنها. # وقيل: السدرة: الشجر، ويروون في ذلك خبرا مرفوعا عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رأيت جبريل - عليه ~~السلام - عند سدرة المنتهى، عليه كذا كذا من جناح ". # وقيل: سميت سدرة المنتهى؛ لما ينتهي إليها أرواح الشهداء. # ثم جائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل - عليه ~~السلام - أولا عند سدرة المنتهى من الأرض: إما برفع الحجب عنه، وإما بزيادة ~~قوة وضعت في بصره، ثم رآه مرة أخرى هنالك أيضا بعدما رفع - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى سدرة المنتهى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عندها جنة المأوى (15). # قرئت بنصب الجيم وخفضه. # روي أنه قيل لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - إن فلانا يقرأ بالخفض ~~(عندها جنة المأوى)، فقال سعد: ما كذا جنة الله، وقرأ بالفتح. # وعن الأعمش قال: قال: من قرأ (جنة المأوى)، فأجنه الله. # وعن أبي العالية قال: سئل عنها ابن عباس - رضي الله عنه - فقال لي: كيف ~~تقرؤها يا ms4323 أبا العالية؟ فقلت: (جنة المأوى) بفتح الجيم، فقال: صدقت، وهي ~~مثل الأخرى: [(فلهم جنات المأوى)]. # [وعن الحسن أنه قرأ] [(جنة المأوى)]، وقال: إنها من الجنان، وتصديقها، ~~حديث الإسراء: أنه أري الجنة، وأدخلها. # قال: ودلت الآية: أن الجنة التي يأوي إليها المؤمنون في السماء. # وقوله - عز وجل -: (إذ يغشى السدرة ما يغشى (16). # قال عامة أهل التأويل: يغشاها فراش من ذهب. # وكذا ذكر في خبر مرفوع " غشاها فراشا من ذهب ". # ولكن لا نفسر ما الذي يغشى السدرة؛ بل نبهم كما أبهم الله تعالى إلا ~~بحديث ثبت عن # PageV09P422 # تواتر، والله أعلم. # وقال بعضهم في قوله تعالى: (إذ يغشى السدرة ما يغشى): أي: ما يغشى من أمر ~~الله تعالى، ويروون خبرا عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " لما انتهيت إلى السدرة رأيت ورقها أمثال ~~آذان الفيلة؛ ورأيت نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، ~~تحولت ياقوتا " إن ثبت هذا الخبر، ففيه دليل: أن السدرة: شجرة، إذ ذكر ~~ورقها، وفيه أن الذي يغشاها أمر الله تعالى. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (إذ يغشى السدرة ما يغشى): الملائكة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما زاغ البصر وما طغى (17). # قال أبو بكر: أي: ما قصر البصر عن الحد الذي أمر وجعل له، وما طغى وما ~~جاوز عنه، أو كلام نحوه. # ويحتمل (ما زاغ) أي: ما مال وما عدل يمينا وشمالا، (وما طغى): وما جاوز. # وقال أبو عوسجة: (ما زاغ البصر)، أي: ما مال، (وما طغى) من الارتفاع؛ طغى ~~الماء: إذا ارتفع، يطغى طغيانا. # وقوله - عز وجل -: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18). # جائز أن تكون آيات ربه التي ذكر أنه رأى: هو جبريل - عليه السلام - حيث ~~رآه بصورته، وكذلك روي عن عمد الله بن مسعود: أنه رآه بصورته مرتين، وتأول ~~الآية، ويحتمل غيره من الآيات، ولكن لا نفسرها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم ~~الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا ms4324 قسمة ضيزى (22) إن هي إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23). # وقوله - عز وجل -: (أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى.) ~~الآية. # يخرج تأويل هذه الآية على وجوه، وإلا ليس في هذا الموضع لظاهر قوله - عز ~~وجل -: (ومناة الثالثة الأخرى) - جواب، ولا لقوله: (ألكم الذكر وله ~~الأنثى). # PageV09P423 # أحدها: أن يقول: أهؤلاء الذين تعبدونهم -من اللات والعزى ومناة- أخبروكم، ~~وقالوا لكم: إنه اصطفى لنفسه البنات، ولكم البنين، وأن الملائكة بنات الله، ~~ونحوه؟ أخذتم ذلك منها أو ممن أخذتم ذلك، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل ~~والكتب؟ وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك، فيذكر بذلك سفههم، ويقول: (أفرأيتم ~~اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى) التي سميتموها: آلهة، وعبدتموها دون ~~الله، ونسبتكم البنات إليه، والبنين إلى أنفسكم، ثم لم يذكر جوابها: أنه من ~~أمرهم بذلك؟ ومن اختار لهم ذلك؟ أو ممن أخذوا ذلك؟ # ثم قال: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان. . .) الآية؛ كأنه يقول والله أعلم: إنكم سميتموها: آلهة، واخترتم ~~لأنفسكم البنين وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم، إنما هي أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم بلا حجة ولا سلطان، إنما هو هوى النفس والظن. # ويحتمل أن يقول: (أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى)، أمروكم ~~بصرف شكر ما أنعم الله تعالى عليكم، وقبول ما وهب لكم من البنات؛ على ما ~~أخبر أنها من مواهب الله بقوله تعالى: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور)، وبرد مواهبه، ودفنها حيات، ودسها في التراب، وبصرف العبادة إلى ~~غير المنعم، وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له. # ثم أخبر، وقال: (تلك إذا قسمة ضيزى (22) أي: تلك قسمة جور وظلم؛ أي: صرف ~~شكر المنعم إلى غير المنعم، وتوجيه العبادة إلى من لا يستحقها، ورد مواهبه. # على هذه الوجوه يشبه أن تخرج الآية، وإلا فلا ندري بظاهرها: ما تأويلها؟ ~~وما جواب هذا الحرف؛ والله أعلم. # ثم قوله: (اللات) قرأ مجاهد وغيره مشدد ms4325 التاء، فقالوا: هو رجل كان يقوم ~~على آلهتهم، ويلت لها السويق بالزيت، فيطعمه الناس. # [وروى ابن الجوزي] (1) عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: " كان يلت ~~السويق للحاج ". # ومن قرأه مخفف التاء جعله اسم الصنم؛ مثل: العزى، ومناة، وهي آلهة كانوا ~~يعبدونها؛ ذكر قتادة في تفسيره: كان اللات بالطائف، والعزى ببطن نخلة، ~~ومناة PageV09P424 # بقديد. # وقوله - عز وجل -: (تلك إذا قسمة ضيزى). # قال القتبي: هي في الأصل " ضيزى " على وزن " فعلى "، فكسرت الضاد للياء، ~~وليس في النعوت " فعلى "؛ أي: قسمة جائرة. # وقال أبو عوسجة: (ضيزى) أي: غير منصفة، والضيز في الأصل: الجور. # وقال أبو عبيدة: ناقصة. # وقال بعض الناس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تلا قوله تعالى: ~~(أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه: " ~~تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ومثلهن لا تنسى ". # ثم قال بعضهم: الغرانيق العلا: الملائكة. # وقال بعصهم: الأصنام التي يعبدونها على رجاء الشفاعة لهم بقولهم: (هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله). # لكن لا يحتمل أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يجري على لسانه ~~ما ذكر، والله - تعالى - قال: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا ~~منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين)، ~~ولو جاز أن يجري على لسانه، لتوهم منه التقول، وذلك بعيد، وقال في آية ~~أخرى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت)، ولو جاز ذلك، لجاز أن يجري الله الكذب على لسانه؛ ~~فلا يكون فيمن وجد من الحرج في قضائه ما ذكر، وهو الكفر؛ دل أن ما ذكروه ~~فاسد، فإن ثبت ما ذكر: أنه جرى على لسانه تلك الكلمات، أو ألقى الشيطان في ~~فمه يريد بذلك: الغرانيق العلا شفاعتهن لترتجى عندهم وفي زعمهم، وهو كقول ~~موسى - عليه السلام -: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا)، أي: إلى إلهك ~~الذي هو عندك إله، وإلا لا يحتمل أن يكون موسى - عليه السلام - يسمي العجل: ~~إلها، وكقوله - تعالى -: (فراغ ms4326 إلى آلهتهم)، أي: إلى آلهة عندهم، وقوله - ~~عز وجل -: (أين شركائي الذين كنتم تزعمون)، أنها شركائي، فقد ذكرنا هذا على ~~التمام في سورة الحج في قوله - عز وجل -: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. . .) الآية، والله أعلم. # PageV09P425 # وقوله - عز وجل -: (ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23). أي: ما أنزل الله على تسميتكم ~~الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها، ونسبتكم البنين إلى أنفسكم والبنات إلى ~~الله تعالى - من حجة وبرهان، إنما هو من هوى النفس والظن، وذلك قوله - ~~تعالى -: (إن يتبعون إلا الظن) في قولهم: الملائكة بنات الله، أو قولهم: ~~(هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وتسميتهم الأصنام: آلهة، وظنوا أن آباءهم كانوا ~~على الحق، واستدلوا على حقيقة ما كانوا عليه من الدين؛ حيث تركهم وما ~~اختاروا ولم يهلكهم، وقالوا: لو كانوا على باطل ما تركهم على ذلك، واستدلوا ~~بذلك - أيضا - على رضاه منهم بذلك، وأمره إياهم؛ كما أخبر عنهم بقوله: ~~(وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها)، هذا ظنهم ~~بالله تعالى. # وقوله: (وما تهوى الأنفس)، أي: يتبعون هوى النفس، فالنفس ما تعرف إلا ~~المنافع الحاضرة والمضار الحاضرة، فأما ما غاب عنها فلا يعرف، وإنما يعرف ~~ذلك بالتفكر والنظر، وهي لا تعرف؛ لما تكره النظر والتفكر، ولا ترغب في ~~الشدائد، ولا فيما يثقل عليها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءهم من ربهم الهدى). # أي: جاءهم من ربهم ما لو تفكروا ونظروا لاهتدوا، ولو اتبعوا الحق والهدى، ~~لعرفوه. # * * * # قوله تعالى: (أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ~~ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى (26) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) ~~وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ms4327 (29) ذلك مبلغهم من ~~العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا ~~تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # وقوله - عز وجل -: (أم للإنسان ما تمنى). # أي: للإنسي ما تمنى. # ثم يحتمل تمنيهم شفاعة ما عبدوه. # أو ما اختاروا من البنين لأنفسهم والبنات لله تعالى. # PageV09P426 # أو ما سموا واتخذوا الأصنام آلهة، وما ظنوا على الله وادعوا أمره ورضاه ~~في فعلهم، وغير ذلك مما كانوا يتمنون؛ يقول: ليس للإنسان ما تمنى أن يكون ~~له؛ إنما يكون ذلك له بجعل الله الذي له الدنيا والآخرة، وذلك قوله - تعالى ~~-: (فلله الآخرة والأولى (25). # وقوله - عز وجل -: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من ~~بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26). # يخرج هذا على وجهين: # أحدهما: أي: كم ملك له شفاعة لا تنفع شفاعته وإن يشفع إلا لمن ذكر. ~~والثاني: أي: كم من ملك في السماوات لا شفاعة له، ولا يشفع إلا لمن يشاء ~~الله ويرضى أن يشفع، وهو كقوله - تعالى -: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) و، ~~أي: ليست لهم شفاعة تنفع. # وقال أبو بكر الأصم: إنما يشفعون في الآخرة لمن شفعوا في الدنيا ~~واستغفروا لهم؛ كقوله تعالى: (ويستغفرون لمن في الأرض)، وقوله - تعالى -: ~~(ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا. . ~~.) الآية، وقولهم: (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم)، وقد ذكرنا فيما ~~تقدم الوجه في ذلك. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية ~~الأنثى (27) وإنما يسمي ذلك فؤم، وقد أضاف ذلك إلى الكل في الظاهر؛ لأن ~~الذين يسمون الملائكة تسمية الأنثى، والله أعلم. # ويجوز أن يذكر الكل، ويراد به البعض في اللغة، ومثله في القرآن كثير، ~~والله أعلم. # وقوله: ms4328 (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا (28) أي: ما لهم بما يسمون الملائكة تسمية الأنثى من علم؛ لأن العلم ~~بمعرفة الأنثى من الذكر بطريقين: # أحدهما: المشاهدة، يشاهد ويعاين فيعرف الأنثى من الذكر، وهم لم يشاهدوا ~~الملائكة، فكيف يعرفون ذلك؟ # والثاني: خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهؤلاء قوم لا يؤمنون بالرسل. # ولا يعرف بالاستدلال وطرق العلم الثلاثة التي ذكرنا، فإذا كان حصل قولهم ~~بلا علم، ولكن على الظن، وذلك قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن)، أي: ما ~~يتبعون في قولهم الذي قالوا إلا الظن، ووجه ظنهم ما ذكرنا. # ثم أخبر أن ظنهم لا يغنيهم من الحق شيئا، فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أن الظن الذي ظنوا لا يدفع عنهم ما عليهم من اتباع الحق ولزومه. # PageV09P427 # والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب ~~في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ... (29). # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم. # والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا ~~يؤمنون أبدا؛ فهو في قوم خاص علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (ولم يرد إلا الحياة الدنيا). # يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا ~~الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك ~~إلا ما ذكر في الحياة الدنيا. # وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل. # وقوله - عز وجل -: (ولم يرد إلا الحياة الدنيا). # أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو ~~كقوله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)، وقوله ~~- عز وجل -: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن. . .) الآية، ونحو ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ذلك مبلغهم من العلم ... (30) بألا يؤمنوا بالآخرة، ~~ولا يعملوا لها. # وقال بعضهم: (ذلك مبلغهم من العلم) أي: ذلك ms4329 مبلغ رأيهم من العلم: أن ~~الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى). # مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أولئك الكفرة مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كأن أولئك الكفرة قالوا: نحن على ~~الهدى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا)، ثم ~~قال: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى)، أي: هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، (وهو أعلم بمن اهتدى) ~~فيجزيه جزاء الهدى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا ~~بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: (ولله ما في السماوات وما في الأرض)، وهو غني عن عبادتكم، ~~وإنما يأمركم وينهاكم؛ ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه. # PageV09P428 # والثاني: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي: إنما أنشأ أهل السماوات ~~والأرض؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي، ثم ليجزي الذين أساءوا جزاء الإساءة ~~والذين أحسنوا جزاء الإحسان، ولو كان على ما قال أولئك الكفرة: أن لا بعث ~~ولا جزاء، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثا باطلا، وفي الحكمة التفريق بين ~~المسيء والمحسن، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما، فدل ذلك على دار أخرى ~~يفرق بينهما فيها. # ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة: في الدنيا: القهر، ~~والدبرة، والهزيمة، وفي الآخرة: النار، وجزاء المحسن في الدنيا: النصر ~~والظفر، وفي الآخرة: الجنة. # ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال: (الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ~~(32). # ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد: أنها كبيرة، والفاحشة: ما ~~يعرفها كل أحد أنها فاحشة، واللمم -على هذا- يجيء أن تكون من تلك الكبائر ms4330 ~~والفواحش؛ لأنه استثناها؛ فيجب أن تكون من جنسها، لكنه استثناها وعفا عنها؛ ~~لما يقعون فيها عن غفلة وسهو، أو عن غلبة شهوة، ونحوها، وهو الأشبه بتأويل ~~الآية. # وقال أهل التأويل: الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا ~~والعقوبة في الآخرة، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا، ولا عقوبة في ~~الآخرة. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: " زنا العين: النظر، وزنا ~~الشفتين: التقبيل، وزنا اليدين: البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك ~~ويكذبه الفرج، فإن تقدم فهو زنا، وإلا فهو لمم "، وفي رواية: " إن تقدم كان ~~زنا، وإن تأخر كان لمما ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من ~~الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين: النظر، وزنا اللسان: النطق، ~~والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه ". # وعن أبي هريرة أنه النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة. # PageV09P429 # وعنه أن اللمم: النكاح. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: اللمم: لمم الجاهلية؛ كقوله - ~~تعالى -: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: هو أن يلم المرة. # وقيل: اللمم: الهم بالخطيئة من جهة حديث النفس شيئا من غير عزم. # وقيل: إن اللمم: مقاربة الشيء من غير دخول فيه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: " لاهم إن تغفر تغفر جما، وأي عبد لك لا ألما؟! ". # وقيل: اللمم: الصغير من الذنوب؛ لقوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه. ~~. .) الآية. # وقال القتبي: اللمم: الصغار من الذنوب، وهو من ألم بالشيء: إذا لم يتعمق ~~فيه، ولم يلزمه. # وقال بعضهم: اللمم: ما بين الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة؛ وهو قول ابن ~~عباس - رضي الله عنه - وذلك يحتمل، والأول أقرب. # وقال أبو بكر الأصم: اللمم: التي يتوب عنها؛ فإنهم إذا تابوا عنها يتجاوز ~~عنهم؛ فهو يجعل اللمم من ms4331 تلك الكبائر والفواحش، لكنه يقول: إنما استثنى؛ ~~لما يتوب عنها؛ لما يقعون فيها على السهو والغفلة، أو لغلبة شهوة على حسن ~~الظن بربه؛ فيغفر له، أو يتوب عليه؛ فيعفو عنها. # وعلى تأويل أهل التأويل: اللمم: ما دون الكبائر والفواحش. # وجائز أن تكون الكبائر والفواحش التي ذكر كبائر الشرك وفواحشه؛ كقوله - ~~عز وجل -: (والذين إذا فعلوا فاحشة. . .) الآية، وقوله - تعالى -: (سيقول ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا)؛ فيكون اللمم ~~-على هذا-: ما دون الشرك فهو في مشيئة الله - تعالى -: إن شاء عفا عنها، ~~وإن شاء عذب عليها؛ كقوله - تعالى -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون # PageV09P430 # ذلك لمن يشاء). # وقوله - عز وجل -: (إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض). # أي: هو أعلم بكم، وبأحوالكم، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة، عفا عنكم؛ ~~أي: عن اللمم. # وعلى قول أبي بكر: (إن ربك واسع المغفرة) لمن تاب عنها، و (هو أعلم بكم) ~~أنكم تتوبون عنها. # وعندنا: أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء، تاب عنها أو لم يتب. # ثم إن كانت المغفرة هي الستر، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا، وإن ~~كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (هو أعلم بكم) عندنا: هو أعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون ~~فيها عن السهو والغفلة. # أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم، وما يكون منكم، (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من ~~الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا ~~معنى الإنسان في ذلك، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين، والعينين، وغيرها من ~~الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم. # ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله - تعالى -: (من الأرض) تحتمل وجهين: # إما لخلق أصلنا من الأرض؛ كقوله: (أن خلقكم من تراب)، ونحوه. # أو لجعل أقواتنا منها؛ لقوله - تعالى -: (وقدر فيها أقواتها)؛ إذ لا قوام ~~لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تزكوا أنفسكم) ms4332 في ظاهر الآية نهى عن التزكية، ~~وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها؛ حيث قال: (ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة)، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها ~~فعلا، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح ~~والتقى والبراءة، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة. # أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة، والله ~~أعلم. # فإن قيل: إن الله - تعالى - لما نهانا عن التزكية، فكيف جاز لنا أن نقول ~~لأنفسنا: إنا مؤمنون ومسلمون؛ إذ ذلك مدح وتزكية. # قيل: إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال: (قولوا آمنا ~~بالله. .) الآية # PageV09P431 # وقوله: (وأسلموا)، ونحو ذلك، ولم نؤمر بمثله ابتداء في الصلاح ونحوه بأن ~~نقول: نحن صلحاء أتقياء؛ فجاز ألا يمنع في الإيمان، ويمنع في غيره من ~~الطاعات. # والثاني: أن ليس في نفس الإيمان تزكية؛ لأن كل أهل الأديان مؤمنون بشيء، ~~كافرون بشيء، بقوله: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله)، وقول أولئك: (نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض)، وقوله: (يؤمنون بالجبت والطاغوت)، وفي نفس التقى والصلاح ~~تزكية. # وقيل: (فلا تزكوا أنفسكم) أي: لا تزكوا أهل دينكم ومذهبكم، وذلك متعارف ~~في الناس: أنهم يزكون أهل مذهبهم وإن كانوا لا يعرفون صلاحهم وتقواهم، ~~ويذمون أهل خلافهم في مذهبهم وإن لم يعرفوا منهم الشر وما به تجب المذمة، ~~وذلك محتمل يحتمل ما ذكرنا أنه نهى كلا في نفسه أن يزكي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو أعلم بمن اتقى) أي: اتقى محارم الله ومناهيه. # ويحتمل: أي: اتقى الكفر بالله والشرك به. # * * * # قوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم ~~الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى ~~(37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن ~~سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى (42) ~~وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو ~~أغنى ms4333 وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود ~~فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة ~~أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر ~~الأولى (56). # وقوله - عز وجل -: (أفرأيت الذي تولى. وأعطى قليلا وأكدى) هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال ~~لضعفة أهل الإيمان؛ ليرجعوا عن الإيمان بمحمد والتصديق له، ويكذبوا عليه. # وقوله: (وأكدى) أي: قطع عنهم في وقت أيضا. # وكذا قال القتبي: (وأكدى) أي: قطع، وهو من كدية الركية، وهي الصلابة فيها ~~إذا بلغها الحافر يئس من حفرها؛ فقطع الحفر. # PageV09P432 # وقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ، أو أعطى فلم يتمم: أكدى. # وقال أبو عوسجة: أكدى: بخل، ورجل مكد: بخيل. # وقوله: (أعنده علم الغيب فهو يرى (35) فهو - والله أعلم -: أعنده علم ~~الغيب؛ فيأمر بتكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويأذن له بالتولي عنه، ~~وإعطاء المال على التكذيب له؛ أي: ليس عنده علم الغيب؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ~~بالرسل والكتب، وأسباب العلم هذا. # وقوله - عز وجل -: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى ~~(37) كأن هذا مقطوع من الأول؛ كان أولئك الكفرة يقولون لأتباعهم: إنا نتحمل ~~عنكم الظلم والوزر؛ فلا تأتوا محمدا ولا تصدقوه؛ كقوله - تعالى - حكاية ~~عنهم: (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم)، فقال عند ذلك: (أم لم ينبأ بما في ~~صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى)، أي: قد بينا في صحفهما: ألا تزر وازرة وزر أخرى. # ولحيل: إنما سمي: وفيا؛ لأنه بلغ ما أمر بتبليغه. # وقيل: لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضحى، وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أتدرون ما وفى؟ " قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " وفى أربع ركعات عند الضحى ". # فإن ثبت هذا اكتفي عن أي تأويل آخر، وأصله: أنه سماه: وفيا؛ لما قام ~~بوفاء ما أمر به. # وقوله - عز وجل ms4334 -: (ألا تزر وازرة وزر أخرى) فيه أن هذا في الكتب كلها: ~~في صحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما من الكتب: ألا يحمل أحد وزر آخر، إنما يحمل ~~وزر نفسه. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره. # وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ في الجاهلية بذنب غيره حتى نزلت ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39). # يشبه أن يكون قوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) أي: ليس على الإنسان ~~إلا ما # PageV09P433 # سعى؛ لأنه - جل وعلا - يثيب ويعطي الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه؛ كقوله ~~- تعالى -: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، ونحو الصغار الذين لا سعي ~~لهم، قد يعطيهم الثواب بفضله، وأما جزاء الشر، فإنه لا يكون إلا بالمثل؛ ~~كقوله - تعالى -: (فلا يجزى إلا مثلها). # وجائز أن يكون " له " بمعنى " عليه " في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: (إن ~~أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)، أي: فعليها. # ويحتمل أن تكون الآية في أولئك الكافرين الذين نزل فيهم قوله - تعالى -: ~~(ألا تزر وازرة وزر أخرى) يقول: ليس لذلك الإنسان إلا ما سعى. # وقوله - عز وجل -: (وأن سعيه سوف يرى (40) وحرف (سوف) من الله - سبحانه ~~وتعالى - على التحقيق والإيجاب؛ كحرف " لعل " و " عسى "؛ فيكون قوله - ~~تعالى -: (سوف يرى) أي: يرى جزاء عمله لا محالة. # ثم قوله - عز وجل -: (ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) جزاء الآخرة على ~~الوفاء، لا نقصان فيه، خيرا كان أو شرا. # ويحتمل أن يكون ذلك للكافر يجزى جزاء الشرك وجميع ما يعمل من السوء، فأما ~~المؤمن، فإنه يكفر سيئاته، ويجزى جزاء الخيرات؛ كقوله - تعالى -: (أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم). # وقوله - عز وجل -: (وأنه هو أضحك وأبكى (43) سمى الآخرة: منتهى، ومصيرا، ~~ورجوعا. # ويحتمل: أي: إلى جزاء ربك ينتهى. # وقوله: (وأنه هو أضحك وأبكى) بين الله - جل وعلا - قدرته وسلطانه في ~~إنشاء أنفسهم، وأحوالهم، وأفعالهم: # أما بيان قدرته في أنفسهم حيث قال: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ ms4335 ~~أنتم أجنة في بطون أمهاتكم). # وأما بيان قدرته في أحوالهم ما ذكر من قوله - تعالى - (وأنه هو أغنى ~~وأقنى)، (وأنه هو أمات وأحيا). # وأما في أفعالهم قوله: (وأنه هو أضحك وأبكى) يذكر قدرته وسلطانه بما ذكر؛ ~~ليعلموا أنه لا يعجزه شيء. # ثم قوله - عز وجل -: (وأنه هو أضحك وأبكى) يخرج على وجهين: # PageV09P434 # أحدهما: على الكناية والاستعارة؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء ~~كناية عن الخوف، وكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا ~~اشتد بهم الحزن بكوا. # والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء؛ فهو على وجهين: # أحدهما: أي: أنشأهم بحيث يضحكون ويبكون. # والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا. # وقوله - عز وجل -: (وأنه هو أمات وأحيا (44). # قوله: (أمات) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: جعلهم بحيث يموتون، وبحيث يحيون. # والثاني: أمات بإخراج روحهم، وأحيا بإدخال الروح فيهم، وهو كقوله - تعالى ~~- (خلق الموت والحياة)، وقوله - عز وجل - (خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم)؛ فيحتمل إماتتهم في الدنيا وإحياءهم في الآخرة، وأصل ذلك: أنه يفعل ~~بهم كل ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) اسم الزوج يحتمل ~~الشكل، ويحتمل المقابل؛ أي: يجعل أحدهما شكلا للآخر وإن كانا ضدين؛ يقول: ~~جعلهم بحيث يتزاوجون ويتشاكلون، أو يتقابلون ويتضادون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (من نطفة إذا تمنى (46) أي: تقذف. # قال الأصم: دل قوله: (نطفة إذا تمنى): أنها إذا لم تقذف تصير: مذيا، ~~وإنما تقذف التي تخرج على شهوة، فأما التي تخرج لا على شهوة فإنه يكون ~~مذيا، ولا يوجب الاغتسال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأن عليه النشأة الأخرى (47) أي: في الحكمة عليه ~~النشأة الأخرى؛ لأنه لو لم تكن النشأة الأخرى، كانت النشأة الأولى باطلا، ~~عبثا، غير حكمة. # أو يقول: إن عليه النشأة الأخرى؛ ليعلم أن له قدرة عليها كما له القدرة ~~على الأولى؛ لأن أولئك الكفرة كانوا مقرين بالأولى والقدرة عليها، وينكرون ~~الأخرى؛ فيخبر أن له القدرة عليهما، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (وأنه هو أغنى ms4336 وأقنى (48). # يحتمل قوله: [(أغنى)]، أي: وسع عليهم (وأقنى)، أي: سير لهم ما يقتنون من ~~الخدم وغيرها؛ فيكون الإغناء هو التوسيع بأنواع الأموال، والإقناء هو إعطاء ~~القنية من الخادم وما يحتاج إليه للمهنة؛ فيكون في جعل الخدم له فضل حاجة، ~~لا غناء، وذلك # PageV09P435 # دليل على صحة مذهبنا في استجازتهم دفع الزكاة إلى من له الخدم. # وقيل: (أغنى) أي: أعطى ما يغنيه ويستغني به، (وأقنى) أي: أقنعه، وأرضاه. # وقيل على العكس: أغنى، أي: أرضى، وأقنى: أي: أخدم. # [وعن ابن عباس - رضي الله عنه - (أغنى)]، أي: أكثر. # وقال عطاء: ابن آدم، هو أغناك وأقناك؛ أي: أعطاك الخدم؛ على ما ذكرنا. # وقال القتبي: هو من القنية، وهي الكسب؛ يقال: أقنيته كذا. # وقال أبو عوسجة: هو من القنو؛ قنى: -أعطاه مالا- يقنى قنوا. # وقوله - عز وجل -: (وأنه هو رب الشعرى (49) قيل: إن الشعرى: اسم كوكب كان ~~يعبده بعض العرب؛ فكأنهم ظنوا أن ما في ذلك الكوكب من الحسن والجمال؛ لقدر ~~له عند الله ومنزلة، وأن تدبيرهم يرجع إليه؛ فعبدوه لذلك. # ويحتمل أنهم عبدوه؛ لما لم يروا لأنفسهم أهلية لعبادة الرب - تعالى - ~~فعبدوه من دونه؛ رجاء التقرب إليه؛ على ما يخدم المرء المتصلين بملوك ~~الأرض. # ولكن هذا فاسد؛ لأن من خدم المتصلين بملوك الأرض إنما يخدم لما لم يسبق ~~لهم إليهم من خدمة متصلة، ولا الإذن بعبادة أنفسهم وخدمتهم، فأما الله - ~~تعالى - قد أمرهم بعبادة نفسه، ونهاهم عن عبادة غيره؛ فلم يسع لهم بعد ~~الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره عبادة من دونه. # ذكر سفههم في عبادتهم الشعرى وأمثالها؛ أي: اعبدوا رب الشعرى؛ فإن ما فيه ~~من الحسن والجمال هو الذي فعل، فإليه اصرفوا العبادة. # وقوله - عز وجل -: (وأنه أهلك عادا الأولى (50) قرئ: (عادا الأولى) ~~بإظهار التنوين والهمزة، وبغير الهمزة ولا إظهار التنوين؛ حتى تصير كأنها ~~لام مثقلة. # ثم هذا ليس نوع ما ذكر من قبل، إنما ذكر هذا لهم؛ لينزجروا عن صنيعهم؛ ~~أي: إذ أهلك عادا وهم أشد منكم قوة، وأكثر عددا وأموالا، فلما لم ينزجروا ms4337 ~~بمواعظ الرب - تعالى - أهلكهم؛ فعلى ذلك يفعل بكم يا أهل مكة؛ إن لم ~~تتعظوا. # أو إنه أهلك عادا فلم يتهيأ لهم القيام بدفع عذاب الله - عز وجل - مع ~~قوتهم، فكيف أنتم يا أهل مكة؟! # PageV09P436 # ثم اختلفوا في قوله - تعالى -: (عادا الأولى) منهم من قال: كانوا عادين: # أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس ~~الأول. # ومنهم من قال: عادا الأولى: الذين أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة ~~وهؤلاء عاد أخرى. # وقوله - عز وجل -: (وثمود فما أبقى (51) أي: أهلك ثمودا أيضا. # وقوله: (فما أبقى) قال بعضهم: أي: استأصلهم لم يبق منهم أحدا؛ أي: ما ~~أبقى لهم نسلا يذكرون بذلك بعد هلاكهم، كما أبقى الأنبياء والرسل - عليهم ~~السلام - من النسل. # أو ما لهم من آثار الخير شيئا كما أبقى للرسل وأتباعهم إلى آخر الأبد، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) أي: ~~كانوا أفحش ظلما، وأكثر طغيانا؛ لأن نوحا - عليه الصلاة والسلام - دعاهم ~~إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما، فما زادهم إلا نفورا واستكبارا؛ ~~على ما أخبر: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا). # وقوله - عز وجل -: (والمؤتفكة أهوى (53) قيل: قريات لوط - عليه السلام - ~~أي: أهلكها أيضا. # وقوله: (أهوى) قيل: أي: أهوى إلى النار. # وقيل: أي: أهوى من السماء إلى الأرض؛ على ما ذكر أن جبريل - عليه السلام ~~- رفعها إلى السماء وأرسلها إلى الأرض. # وقوله - عز وجل -: (فغشاها ما غشى (54). # قيل: غشاها بالحجارة بعد ذلك، فسواها بالأرض. # وقيل: غشى بالحجارة مسافريهم ومن غاب عنهم. # وقيل: المؤتفكة: المكذبة؛ من الإفك وهو الكذب. # وقيل: المنقلبة؛ ائتفكت: أي: انقلبت، (فغشاها) أي: غشى قريات لوط - عليه # PageV09P437 # السلام - من العذاب ما غشى أولئك الذين ذكر من قبل من عاد، ومن قوم نوح؛ ~~وهو قول القتبي. # وقال أبو عبيدة: المؤتفكة: المخسوفة. # وقوله - عز وجل -: (فبأي آلاء ربك تتمارى (55) فظاهر هذا وظاهر قوله - ~~تعالى -: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، مشكل؛ لأنه ذكر آلاء، ولو عرف أنها ~~آلاء ربه، ms4338 لكان لا يكذبه، لكن يخرج على وجوه: على التقديم والتأخير ~~والإضمار؛ كأنه يقول: فبأي آلاء من آلاء ربكم شاهدتموه وعاينتموه تتمارون، ~~وكذلك: فبأي آلاء ربكما الذي أقررتم به تكذبوني. # أو يقول: فبأي آلائه وإحسانه تتمارى، فكيف أنكرتم إحسانه بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -؟! # أو كيف صرفتم شكر نعمه إلى غيره. # أو تكون الآلاء هاهنا هي الحجج؛ يقول: فبأي حجة من حجج ربك تنكر رسالة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - أو تتمارى فيها؛ أي: لا حجة لك في تكذيبك إياه ~~أو إنكارك رسالته. # وقوله: (هذا نذير من النذر الأولى (56) أي: الذي يدعوكم وينبئكم محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - من النذر الأولى التي أنبأها الرسل الأولون، وأوعدوا ~~قومه؛ فيكون صلة قوله - عز وجل - (وأنه أهلك عادا الأولى. . .) إلى آخره. # وقيل: (هذا نذير من النذر الأولى) أي: الرسل الأولى، وتمام هذا التأويل: ~~أي: هذا نذير من البشر كالذين كانوا من قبل. # وقيل: هذا الذي ينذر محمد - صلى الله عليه وسلم - هو من النذر التي في ~~اللوح المحفوظ، أي: مما ينذر به، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة. أفمن هذا ~~الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله ~~واعبدوا (62). # وقوله - عز وجل -: (أزفت الآزفة) أي: قربت القيامة؛ سمى الله - سبحانه ~~وتعالى - القيامة بأسماء مختلفة: مرة الآزفة، ومرة: الساعة، ومرة: القيامة؛ ~~فسماها: آزفة؛ لقربها إلى الخلق ووقوعها عليهم، وكذلك الساعة. # وقوله - عز وجل -: (ليس لها من دون الله كاشفة (58) دلت الآية على أن ~~الله - تعالى - لم يؤت علم قيام الساعة ووقوعها أحدا، وهو كقوله تعالى: (لا ~~يجليها لوقتها إلا هو)، وللباطنية أدنى تعلق في هاتين الآيتين؛ لأنهم ~~قالوا: إن الآخرة للحال كائنة، لكنها مختفية مستترة، تظهر وتكشف عند فناء ~~هذه الأجسام، وذهاب هذه الأبدان؛ ويستدلون بقوله - تعالى - (لا يجليها ~~لوقتها إلا هو)، وبقوله - تعالى - # PageV09P438 # (ليس لها من دون الله كاشفة)، ويقولون: إن لفظ التجلي والكشف إنما ~~يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتقاع التواتر، وما يخفيها إلا ms4339 في ~~الإنشاء ابتداء. # ولكن عندنا: أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء، ~~وفي إظهار ما كان كامنا خفيا، فإذا كان كذلك، بطل استدلالهم بذلك، وهو ~~كقوله - تعالى -: (عالم الغيب والشهادة)، هو عالم بما كان خفيا بحق الخلق ~~وما هو شاهد ظاهر، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون) كانوا تعجبوا ~~من أمرين: # أحدهما: من بعث الرسل؛ كقوله - تعالى -: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم). # ومن البعث بعدما يفنون ويتلفون؛ كقوله - تعالى - (وإن تعجب فعجب قولهم ~~أإذا كنا ترابا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وتضحكون ... (60) الضحك - هاهنا - كناية عن ~~الاستهزاء، ليس على حقيقة الضحك. # أو يكون الضحك كناية عن السرور؛ أي: تسرون على ما أنتم عليه. # وقوله - عز وجل -: (ولا تبكون) أيضا ليس على حقيقة البكاء، ولكن كناية عن ~~الحزن، أي: ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملة. # وقوله - عز وجل -: (وأنتم سامدون (61) أي: لاهون، معرضون. # وعن الحسن وسعيد بن جبير: سامدون: غافلون. # وقيل: سامدون: حزنون على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وغائظون على ~~ما أنزل عليه. # وعن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى - (وأنتم ~~سامدون) وقال: هو الغناء بلغة اليمن؛ يقول اليماني: اسمد لنا: أي: غن لنا؛ ~~قال: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا. # وقوله - عز وجل -: (فاسجدوا لله واعبدوا (62) أي: اخضعوا لله، واستسلموا ~~له؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة، أمر بالخشوع له ~~والاستسلام، والأمر بالسجود - هاهنا - للتلاوة؛ للأحاديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعن الصحابة والتابعين، رضوان # PageV09P439 # الله عليهم أجمعين: # روى الأسود عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قرأ سورة النجم، فسجد فيها، ولم يبق معه أحد إلا سجد، إلا شيخ من ~~قريش؛ فإنه أخذ كفا من حصا، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال ابن ~~مسعود: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. # وروى أبو هريرة والمطلب بن ms4340 أبي وداعة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سجد فيها. # وروي عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - أنهما سجدا فيها. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " عزائم السجود أربع: تنزيل السجدة، ~~وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك ". # وما روي عن زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأها فلم ~~يسجد، يحتمل أن تكون التلاوة واقعة في وقت يكره السجود، والحديث حكاية فعل ~~لا عموم له، والله أعلم بحقيقة ما أراد، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع ~~والمآب. # * * * # PageV09P440 ### | سورة القمر # ذكر أن سورة (اقترب) مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا ~~سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع ~~الداع إلى شيء نكر (6) خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ~~(7) مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8). # قوله - عز وجل -: (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال بعضهم: أي: اقتربت ~~الساعة، واقترب انشقاق القمر. # وقيل: على التقديم والتأخير، اقتربت الساعة، وإن يروا آية يعرضوا وإن كان ~~انشقاق القمر. # فعلى هذين التأويلين، لم يكن انشقاق القمر بعد، ولكن يكون في المستقبل، ~~وعند قيام الساعة؛ وهو قول أبي بكر الأصم، ويقول: معنى قوله: (وانشق القمر) ~~أي: سينشق القمر عند الساعة؛ إذ لو كان قد انشق في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، لما خفي على أهل الآفاق، ولو كان ظاهرا عندهم، لتواتر النقل ~~به؛ إذ هو أمر عجيب، والطباع جبلت على نشر العجائب. # وعامة أهل التأويل على أن القمر قد انشق؛ فكان من معجزاته - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: كنا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بمنى، فانشق القمر، فذهبت فرقة منه وراء الجبل، فقال - عليه ~~السلام -: " اشهدوا، اشهدوا "، وروي عن غيره أيضا: عن عبد الله بن عمر، ~~وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - وأنس بن ms4341 مالك، وحذيفة، وجبير بن مطعم، ~~في جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: أنهم رأوا انشقاق القمر. # وقول أبي بكر: لو كان، لم يخف وظهر؛ فيقال له: قد ظهر؛ فإنه روي عن غير ~~واحد من الصحابة - رضي الله عنهم - وتواتر الحديث عن الخاص والعام، وفشا ~~الأمر بينهم، حتى قل من يخفى عليه سماع هذا الحديث. # PageV09P441 # على أنه قد يطلق ظاهر الكتاب، وإنما يكلف حفظ ما لم ينطق به الكتاب، ~~والعمل بحقيقة اللفظ واجب. # وقال بعضهم: يجوز أن يستره الله - تعالى - عن الآفاق بغيم، أو يشغلهم عن ~~رؤيته ببعض الأمور؛ لضرب تدبير ولطف منه؛ لئلا يدعيه بعض الملتبسين في ~~الآفاق لنفسه، وادعى الرسالة كاذبا؛ بناء على دعواه: أنه فعل ذلك؛ فيحتمل ~~أنه أخفى عن أهل الآفاق إلا في حق من تظهر المعجزة عليه من الحاضرين، ~~والكفرة يكتمونه، والصحابة الذين رأوا قد نقلوه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اقتربت الساعة) كأنه يقول: اقتربت الساعة التي تجزون، ~~أو الساعة التي تنشرون فيها، أو الساعة التي تحاسبون فيها. # فإن قيل: أليس روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " بعثت أنا ~~والساعة كهاتين "، وأشار إلى السبابة والوسطى، وقد قبض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم تقم الساعة بعد. # قيل: يحتمل أن مراده - عليه الصلاة والسلام - أنه ختم النبوة والرسالة، ~~وتبقى أحكامه وشريعته إلى وقت قيام الساعة، وبقاء شريعته كبقائه، فصار كأنه ~~قال: شريعتي والساعة كهاتين. # ويحتمل أنه لما كان به ختم النبوة والشريعة، صار بعثه ومجيئه - عليه ~~السلام - علامة للساعة وآية لها، وهو كقوله - تعالى - (وإنه لعلم للساعة ~~فلا تمترن بها) على تأويل من جعل بعث الرسول - عليه السلام - علما وآية ~~للساعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) ذكر ~~تعنتهم وعنادهم: أنهم وإن يروا آية سألوها، يعرضوا؛ فلم يرهم تلك. # أو من سنته: أن كل آية جاءت على أثر السؤال، فلم يقبلوها أهلكوا، فإذا ~~كان من سنته هذا، وقد وعد تأخير عذاب هذه الأمة إلى الساعة، ms4342 وعفا عنهم ~~التعجيل - لم يرهم تلك الآيات المقترحة، والله أعلم. # ويحتمل: وإن يروا آية حسية يعرضوا؛ لأن آيات رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عامتها وأكثرها كانت عقلية وسمعية، فيخبر عن سفههم وتعنتهم أنهم وإن ~~يروا آية حسية يعرضوا عنها، وهو كقوله - عز وجل -: (ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا)، ~~وكقوله - تعالى -: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا # PageV09P442 # فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصارنا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (ويقولوا سحر مستمر)، اختلف فيه: # منهم من قال: (سحر مستمر) أي: ماض، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا ~~يأتون بمثله من السحر. # ومنهم من قال: (مستمر) أي: قوي؛ مأخوذ من المرة، وهي القوة، وأصل المرة: ~~الفتل. # ومنهم من قال: (مستمر) أي: ذاهب؛ يذهب ويتلاشى ولا يبقى. # وقوله - عز وجل -: (وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) يحتمل ~~كذبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما أتى به من الآية على الرسالة. # ويحتمل: وكذبوا بالتوحيد (واتبعوا أهواءهم) يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر ~~باتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان. # وقوله - عز وجل -: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بالغة ~~... (5) يحتمل قوله: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) وجاءتهم - أيضا ~~- حكمة بالغة، وهي القرآن. # ويحتمل أن يكون معناه: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) وفي تلك ~~الأنباء حكمة بالغة. # ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة، وهي ما ذكر في هذه السورة من ~~أنباء عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح، وموسى، فقد جاءهم أنباء هؤلاء، ~~وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك، وبأي شيء نزل بهم، وهو تكذيب الرسل ~~- عليهم السلام - ليرتدعوا عن مثل صنيعهم، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك، ~~وفي ذلك حكمة بالغة، والبالغة هي النهاية في الأمر؛ يقال: فلان بالغ في ~~العلم: إذ انتهى في ذلك نهايته. # وقال القتبي: مزدجر: أمر متعظ. # وقال أبو عوسجة: مزدجر: أي: زاجر. # وقوله - عز وجل -: (فما تغن النذر). # يقول - والله أعلم -: قد جاءهم ما ms4343 ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر ~~وإنذار، فلم يزجرهم ذلك، ولم ينفعهم، فأنى تغني النذر لهم؟ ومن أين تنفعهم ~~النذر؟ أي: لا # PageV09P443 # تغنيهم. # ثم النذر تحتمل وجهين: # أحدهما: النذر: الرسل - عليهم السلام - جمع: نذير. # والثاني: ما تقع به النذارة، وهو الأنباء التي أنذر الرسل بها وحذروا ~~بذلك؛ يقول: فما يغنيهم قول الرسول، ولا خوف ما بلغهم من القصص التي فيها ~~تعذيب للكفرة بتكذيب الرسل - عليهم السلام - وترك اتباعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتول عنهم ... (6) يحتمل وجوها: # أحدها: قوله: (فتول عنهم) أي: أعرض عنهم، ولا تكافئهم بإساءتهم. # والثاني: (فتول عنهم) أي: لا تقاتلهم، ولا تجاهدهم؛ فإن كان التأويل هذا، ~~فهو يحتمل النسخ على ما قاله أهل التأويل، وإن كان الأول فهو لا يحتمل ~~النسخ. # والثالث: يحتمل: (فتول عنهم) أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون، وذلك في ~~قوم علم الله - تعالى - أنهم لا يؤمنون، يؤيس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الطمع في إيمانهم. # وقوله - عز وجل -: (يوم يدع الداع إلى شيء نكر) أي: إلى شيء منكر، فظيع، ~~هائل. # ويحتمل: إلى شيء أنكروه في الدنيا -وهو الساعة- فيقرون في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (خشعا أبصارهم ... (7) وقرئ: (خاشعا)، بالألف، روي عن ~~أبن عباس، وتصديقها في قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - (خاشعة ~~أبصارهم)، وصفهم بالخضوع في الآخرة مكان استكبارهم في الدنيا، وبالإقرار ~~والتصديق بالساعة مكان إنكارهم في الدنيا، وبالإجابة للداعي مكان ردهم له ~~في الدنيا حيث قال: (مهطعين إلى الداع). # وقوله - عز وجل -: (يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر) هذا يخرج على ~~وجهين: # أحدهما: تشبيههم بالجراد لحيرتهم، لا يدرون من أين يأتون؟ وإلى أين ~~يصيرون؟ كالجراد الذي لا يدرى من أين؟ وإلى أين؟ وهو كقوله - تعالى -: ~~(وترى الناس سكارى وما هم بسكارى). # والثاني: تشبيههم بالجراد؛ لكثرتهم، وازدحامهم؛ لما يحشر الكل بدفعة ~~واحدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) قال ~~عامة أهل التأويل: (مهطعين)، # PageV09P444 # أي: مسرعين. # وقال قتادة: أي: عامدين. # وقال مجاهد: الإهطاع: ms4344 السيلان، وهو بالفارسية: يويه رفيق. # وقال بعضهم: مهطعين: ناظرين، رافعي رءوسهم؛ وهو قول الكلبي. # وقال أبو عوسجة: أي: مسرعين، مادين أعناقهم. # وقيل: الإهطاع: إدامة النظر إلى الداعي. # وقوله - عز وجل -: (يقول الكافرون هذا يوم عسر)، وهو ما قال في آية أخرى: ~~(يومئذ يوم عسير). # * * * # قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) ~~فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) ~~وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركناها آية فهل ~~من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر (17). # وقوله - عز وجل -: (كذبت قبلهم قوم نوح) يقول - والله أعلم -: كذبت قبل ~~قومك قوم نوح نوحا - عليه السلام - وآذوه، فصبر على التكذيب وأنواع الأذى، ~~ولم يدع عليهم بالهلاك ما لم يرد الإذن بالدعاء عليهم بالهلاك من الله - ~~تعالى - فاصبر أنت على تكذيب القوم وأنواع الأذى، وهو كقوله تعالى: (فاصبر ~~كما صبر أولو العزم من الرسل). # فإن قيل: ما الحكمة في تكرار هذه الأنباء في القرآن، ولم يكرر ما فيه من ~~الأحكام؟ قيل؛ إن هذه الأنباء والقصص إنما جاءت لمحاجة أهل مكة وأمثالهم من ~~الكفرة في إثبات الرسالة والتوحيد والبعث؛ إذ هم المنكرون لهذه الأشياء، ~~وهم كانوا أهل عناد ومكابرة، وفيهم - أيضا - مسترشدون، ومن حق المحاجة مع ~~من ذكرنا وأمثالهم أن تعاد الحجة مرة بعد مرة؛ لعلهم يقبلونها في وقت، ~~وتنجع في قلوبهم في وقت، وإن لم تنجع في وقت، ومن حق الموعظة للمسترشدين - ~~أيضا - أن تكرر ليتعظوا؛ إذ يختلف ذلك باختلاف الأحوال، وقد ذكرنا فوائد ~~تكرارها واقتصار الأحكام فيما تقدم، والله أعلم. # PageV09P445 # فإن قيل: إن نوحا - عليه الصلاة والسلام - قد دعا على قومه بالهلاك. # قيل: إنما دعا على قومه بالهلاك بعدما أيس من إيمانهم؛ حيث قيل: (أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن)، أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يؤيسه عن إيمان قومه جملة؛ ms4345 إنما يؤيسه عن بعض بطريق التعيين، وهم قوم علم ~~الله أنهم لا يؤمنون، لا عن الكل؛ فلذلك لم يؤذن بالدعاء عليهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فكذبوا عبدنا) يحتمل: كذبوه فيما ادعى لنفسه الرسالة. # أو كذبوه فيما دعاهم إليه بالتوحيد وتوجيه الشكر إلى الواحد القهار. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا مجنون)، أي: قالوا لأتباعهم: إنه مجنون. # وقوله - عز وجل -: (وازدجر)، أي: نوح - عليه السلام - حيث قالوا لقومهم: ~~لا تتبعوه، وزجروهم عنه بقولهم: إنه مجنون؛ فهذا منهم زجر لأتباعهم عن ~~اتباعه؛ فصار لذلك نوح - عليه السلام - مزدجرا عن القوم، وصار القوم ~~مزدجرين عنه. # وقال بعضهم: زجروا نوحا - عليه السلام - أي: منعوه عن إظهار ما أتاهم من ~~الآيات على رسالته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) أي: مغلوب بالسفه ~~والمكابرة وأنواع الأذى؛ إذ لا يحتمل أن يكون مغلوبا بالحجج، فانتصر لعبدك ~~عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) يحتمل قوله - ~~تعالى -: (ففتحنا أبواب السماء) أي: من فوق؛ لأن ما كان من فوقك فهو سماء؛ ~~فيحتمل أن يكون ذلك من البحر بفوق الذي ذكر أنه بين السماء والأرض. # (وفجرنا الأرض عيونا ... (12) أي: أنبعنا الماء من الأرض؛ كأنه قال: ~~أنزلنا الماء من فوق، وأنبعنا من أسفل. # ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (ففتحنا أبواب السماء) هو حقيقة فتح ~~السماء وإنزال الماء منها، والله - تعالى - قادر أن يرسل الماء مما يشاء، ~~وكيف شاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بماء منهمر) قيل: منصب. # وقال أبو عبيد: (منهمر)، أي: كثير سريع الانصباب؛ يقال: همر الرجل: إذا ~~أكثر في الكلام؛ فأسرع. # وقال أبو عوسجة: انهمرت السماء وهمرت، أي: أمطرت؛ فأكثرت. # PageV09P446 # وقوله - عز وجل -: (فالتقى الماء على أمر قد قدر) يذكر أن الماءين جميعا: ~~ما أرسل من الفوق، وما أخرج من التحت - على تقدير وتدبير، لا جزافا، وهو ~~كقوله - تعالى -: (ثم جئت على قدر يا موسى) أي: على تقدير وتدبير من الله ~~تعالى جئت، لا على غير تقدير منه. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله ms4346 عنه -: (فالتقى الماءان على أمر قد قدر). # وقال بعضهم: (على أمر قد قدر) أي: قد قدر لهم أن يغرقوا بالماء إذ كفروا. # وقال بعضهم: (قد قدر) أي: استوى الماء نصفه من عيون الأرض، ونصفه من ~~السماء، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) وذكر في حرف حفصة - ~~رضي الله عنها - (وحملناه وذريته على ذات ألواح ودسر)، ذكر - هاهنا - ذات ~~ألواح، وذكر في آية أخرى السفينة بقوله - تعالى -: (أنا حملنا ذريتهم في ~~الفلك المشحون)، ونحوه؛ فيكون (ذات ألواح) تفسير السفينة، ولو لم يفهم من ~~(ذات ألواح) السفينة؛ إذ ذات الألواح قد ترجع إلى الأشجار وغيرها، لكن كان ~~تفسير السفينة بما ذكرنا، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله - تعالى -: (ودسر): # قال أهل التأويل: الدسر: المسامير التي تشد بها السفينة. # وقيل: الدسر: أضلاع السفينة. # وقيل: صدرها. # وقال الحسن: هي السفينة؛ لأنها تدسر الماء بجؤجئها. # قال أبو معاذ: واحد الدسر: دسار، وجمع الجؤجؤ: الجآجئ، وهي الصدور. # ثم في قوله: (وحملناه)، وتسميته هذه المصنوعة: سفينة - دليل على أن أفعال ~~العباد مخلوقة لله - تعالى - لأنهم هم الذين ركبوا السفينة، ثم أخبر أنه هو ~~الذي حملهم، وكذا الخشب المجتمعة لا تسمى: سفينة، إنما سميت بهذا الاسم ~~الخاص بعد الإيجاد والصنعة الموجودة من العباد؛ دل أن لله في فعل العباد ~~صنعا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (تجري بأعيننا ... (14) أي: بتقديرنا وبحفظنا. # PageV09P447 # وقوله: (جزاء لمن كان كفر) أي: حمل نوحا - عليه السلام - وأتباعه في ~~السفينة ونجاهم من الغرق جزاء ما كفر به قومه؛ كذا قال عامة أهل التأويل: ~~إنه أخبر لنوح - عليه السلام - حين كفر به قومه فلم يؤمن به قومه. # وقال مجاهد: جزاء لمن كان كفر بالله - تعالى - أي: الغرق جزاؤهم؛ لما ~~كفروا بالله تعالى. # وقال أبو معاذ: وقرئ: (جزاء لمن كان كفر) بنصب الكاف، وتأويل هذه ~~القراءة: أي: إهلاك من أهلك من قومه؛ جزاء لما كفروا بالله - تعالى - أو ~~بنوح، - عليه السلام -. # وقوله - عز وجل -: (ولقد تركناها آية ... (15) يحتمل وجهين: # أحدهما: ms4347 تركنا سفينة نوح - عليه السلام - بعينها مدة طويلة حتى صارت آية ~~لأواخرهم ولمن بعدهم؛ وبه يقول قتادة؛ قال: أبقى الله - تعالى - سفينة نوح ~~- عليه السلام - بينة للمسافرين من أرض الجزيرة حتى نظرت إليها أوائل هذه ~~الأمة، وكم من سفينة كانت بعدها، فصارت رمادا. # والثاني: تركنا آية آثار تلك السفينة وأنباءها آية لمن بعدهم؛ لأن ~~أنباءها قد بقيت في المتأخرين حتى عرفوا أن من نجا لم نجا؟ ومن هلك لم هلك؟ ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فهل من مدكر) عن الأسود قال: قلت لعبد الله بن مسعود ~~- رضي الله عنه -: (فهل من مدكر) أو (مذكر)؟ فقال: أقرأني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - (مدكر) بالدال. # قال أبو عبيد: وأصله في العربية: " مدتكر "، فإنه من باب الافتعال على ~~وزن مفتعل، فثقل لاجتماع التاء والدال، فأدغم الحرف الأول -وهو الدال- في ~~التاء؛ فانقلب دالا، وهو كقوله: " ادخر "، أصله: " ادتخر "، من " الدخر " ~~لما قلنا، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (مدكر) أي: هل من متذكر متعظ، يتعظ بما نزل بأولئك ~~فينزجر عن مثل صنيعهم. # وقال قتادة: فهل من طالب خير؛ فيعان عليه. # PageV09P448 # وقوله - عز وجل -: (فكيف كان عذابي ونذر (16) يخرج على وجهين: # أحدهما: أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب صدقا حقا، وأريد بقوله: ~~(ونذر) أي: رسلي. # والثاني: أليس وجدوا عذابي شديدا ونذري ما وقعت به النذارة، وهو العذاب ~~الذي أنذروا به، والنذر على هذا التأويل المنذر به؛ كقوله - تعالى -: (وكان ~~وعدا مفعولا)، أي: موعودا، وإلا وعده لا يكون مفعولا؛ إذ هو صفة أزلية. # وقوله - عز وجل -: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) هذا يحتمل ~~وجوها: # أحدها: (يسرنا القرآن للذكر) أي: للحفظ؛ أي: صيرناه بحيث يحفظه كل أحد من ~~صغير وكبير، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه. # والثاني: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي: لذكر ما نسوا من نعم الله - ~~تعالى - عليهم، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر. # والثالث: جائز أن يكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ أي: ms4348 ~~يسرناه عليه حتى حفظه كله عن # ظهر قلب؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد؛ ~~كقوله - تعالى -: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه)، ~~وقوله - عز وجل -: (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك)، وقوله - تعالى -: ~~(سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله)، أمنه عن أن ينساه، ومن عليه ~~بالتيسير. # وقوله: (فهل من مدكر) فعلى التأويل الأول - والله أعلم -: أنه وإن يسرنا ~~القرآن للحفظ، ولكن لم ينزل للحفظ، ولكن إنما أنزل ليذكر ما فيه، وللاتعاظ ~~به؛ أي: فهل من متعظ به. # وعلى التأويل الآخر: (فهل من مدكر) خرج مخرج الأمر؛ أي: اذكروا واتعظوا ~~بما فيه من الأنباء، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف ~~كان عذابي ونذر (21) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود ~~بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) ~~أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب ~~الأشر (26) إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف ~~كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ~~(31) # PageV09P449 # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32). # وقوله - عز وجل -: (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) ذكر أنباء الأوائل ~~وما نزل بهم بالتكذيب، والعناد، وسوء معاملتهم الرسول - عليه السلام - وهو ~~صلة قوله: (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر)، تأويل الآية يخرج على ~~الوجهين اللذين ذكرناهما. # وقوله - عز وجل -: (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) ~~قيل: باردة. # وقيل: شديدة. # وقوله - عز وجل -: (في يوم نحس مستمر)؛ إذ استمر بهم العذاب - كما قال ~~الله عز وجل -: (سبع ليال وثمانية أيام حسوما). # وقيل: (مستمر) أي: ذاهب على الصغير والكبير، فلم تبق منهم أحدا إلا ~~أهلكته. # وقوله - عز وجل -: (تنزع ms4349 الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) من الناس من ~~قال: لما اشتدت بهم الريح، تنادوا فيما بينهم: البيوت! فدخلوها، فدخلت ~~الريح عليهم، فأخرجتهم من بيوتهم، وألقتهم في فنائهم؛ فذلك النزع. # ومنهم من قال: تنزع مفاصلهم فتلقيهم كأعجاز نخل منقعر؛ لأنهم كانوا أطول ~~الخلق، فذكر أن كل رجل منهم كان طوله ستين ذراعا، والنخل لا يبلغ ذلك ~~المقدار إلا بعد قطع المفاصل؛ فجائز التشبيه بأعجاز نخل منقعر بعد انتزاع ~~مفاصلهم، والانقعار: هو الانقلاع. # قال أبو عوسجة: (منقعر)، أي: منقطع ساقط. # ومنهم من حال: شبههم بأعجاز النخل؛ لعظم أعجازهم. # وقال بعضهم: شبههم بأعجاز النخل؛ لطولهم، ولكن ذلك بعد نزع مفاصلهم؛ لما ~~ذكرنا. # وفي حرف حفصة - رضي الله عنها -: (تنزع الناس على أعقابهم). # وقوله: (فكيف كان عذابي ونذر (21) فهو يخرج على ما ذكرنا من الوجهين، ~~وكذا قوله: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). # وقوله - عز وجل -: (كذبت ثمود بالنذر (23) يحتمل الوجهين اللذين ~~ذكرناهما: # أحدهما: (بالنذر) أي: بالرسل التي دعتهم إلى الإيمان بالله تعالى. # والثاني: كذبت بما وقعت به النذارة التي أخبرهم الرسل: أنها نازلة واقعة ~~بهم، والله # PageV09P450 # أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر ~~(24) لم يزل الأكابر من الكفرة والرؤساء منهم يلبسون على أتباعهم بهذا ~~الحرف: (أبشرا منا واحدا نتبعه)، وقالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما ~~تأكلون منه)، وقوله - تعالى -: (ولئن أطعتم بشرا مثلكم)، ونحو ذلك، وذلك ~~تناقض في القول؛ لأنهم كانوا ينهون أتباعهم عن اتباع بشر مثلهم ويدعونهم ~~إلى اتباع آبائهم والاقتداء بهم، وهم أيضا بشر، وليس مع آبائهم حجج ~~وبراهين، ومع الرسل حجج وآيات، فيكون تناقضا في القول ومعارضة فاسدة، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (إنا إذا لفي ضلال وسعر)، قال بعضهم: السعر: الجنون؛ ~~أي: لو اتبعنا بشرا منا، لكنا في ضلال وجنون، وهو مأخوذ من سعر النار؛ إذا ~~التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة؛ من النشاط. # وقيل: الضلال والسعر واحد. # ويحتمل: أي: إنا إذا لفي ضلال في الدنيا، وسعر في ms4350 الآخرة، والسعر: من ~~السعير، وهو النار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أألقي الذكر عليه من بيننا ... (25) فجائز أن يكون ~~هذا القول من أهل مكة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله - تعالى - ~~خبرا عنهم: (أأنزل عليه الذكر من بيننا)، والذكر هو القرآن، على هذا ~~التأويل. # وجائز أن يكون ذلك من ثمود وصالح - عليه السلام - والقصة قصة صالح؛ فهو ~~الأشبه بالتأويل، ولم يزل الكفرة ينكرون تفضل الرسل - عليهم السلام - على ~~غيرهم من البشر بالرسالة، وإنزال الذكر عليهم من بينهم، ثم يرون لأنفسهم ~~الفضل على أولئك الرسل: إما بفضل مال، أو بفضل نسب، أو رياسة، ونفاذ قول، ~~بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع، وما ينبغي لهم أن ينكروا تفضيل الرسل ~~بالرسالة والنبوة بلا سابقة كانت منهم، ولا تقدم صنع؛ إذ هي فضل الله يؤتيه ~~من يشاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل هو كذاب أشر) عن مجاهد: أنه قرأ بفتح الشين، وقرأ ~~العامة (أشر) بكسر الشين. # PageV09P451 # قال أبو عوسجة: وقيل: الأشر، والأشر هو البطر -كما يقال: حذر وحذر- وهو ~~المرح المتكبر. # وقوله - عز وجل -: (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) قرئ بالياء والتاء؛ ~~فمن قرأ بالياء احتج بقوله (فتنة لهم)، ولم يقل " لكم "، ومن قرأ بالتاء ~~جعل الخطاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للكفرة، أي: ستعلمون غدا ~~عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم؟ وهذا وعيد منه لهم. # وقوله - عز وجل -: (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ~~لنفتنهم بها، ونمتحنهم، لم نعطهم مجانا جزافا؛ كقوله - عز وجل -: (وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات)، وقوله - تعالى -: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة). # وقوله - عز وجل -: (فارتقبهم واصطبر) أي: فارتقبهم بما يكون منهم من ~~التكذيب للناقة والعقو لها. # ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: (فارتقبهم) هو خطاب لرسوله عليه الصلاة ~~والسلام في حق أهل مكة، كقوله (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين). # وقوله: (واصطبر) أي: اصطبر على أذاهم، ولا تكافئهم. # أو اصبر على تبليغ الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب ms4351 محتضر (28) وقال ~~في آية أخرى: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم)، وفيه من الفوائد والدلائل: # أحدها: أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق؛ حتى احتاجت هي إلى ~~الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها؛ حتى قسم الماء يينها وبين ~~سائر النوق. # وفيه: أنه لا بأس بقسمة الشرب؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء، وذكر في آية ~~أخرى: (شرب يوم)، وهو قسمة بالأيام. # وقوله - عز وجل -: (كل شرب محتضر) أي: كل شرب بحضرة من له شرب ذلك، لا ~~يحضره غيره. # وفيه: أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له، فكانت تعتلف وتشرب كسائر ~~النوق التي ليست هي بآيات، وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها، وقدر علفها ~~وشربها. # ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة، ولم يجعل العلف بينها ~~وبينهم بالقسمة؛ لاشتراكهم جميعا في الماء -أعني: البهائم والبشر- وحاجة كل ~~منهم إلى الماء، فلذا جعل النبات مشتركا بينها. وبين سائر البهائم؛ لأن في ~~ذلك كثرة، فلا حاجة إلى # PageV09P452 # القسمة، فأما في الماء في ذلك الموضع عزة؛ لما يسقون من الآبار؛ فلذلك ~~جعلوا الماء بالقسمة، والله أعلم. # وفيه: أن المياه إذا ضاقت قسمتها بالأجزاء تقسم بالأيام؛ من حيث جعل لها ~~شرب يوم معلوم، ولهم شرب يوم معلوم. # وفيه: أن الماء وإن كان عينا فهو كالمنفعة في جواز قسمتها بالأيام. # ثم قوله: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) جائز أن يكون الخطاب لصالح - عليه ~~السلام - أمره أن ينبئ قومه: أن الماء قسمة بينهم وبين الناقة. # وجائز أن يكون الخطاب به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أمره أن ~~يخبر قومه: أن الماء كان قسمة بينهم وبين الناقة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) أضاف العقر هاهنا إلى ~~واحد، وفي رواية أخرى أضافه إلى الجماعة، وهو قوله: (فعقروا الناقة وعتوا ~~عن أمر ربهم)، وقال في موضع آخر: (فعقروها فأصبحوا نادمين)؛ فيكون ظاهر هذه ~~الآيات على التناقض؛ من حيث ذكر الفرد والجماعة. # وفيه تناقض من وجه آخر؛ فإنه ذكر في ms4352 آية: (وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا ~~صالح ائتنا بما تعدنا)، وقال في موضع: (فأصبحوا نادمين)، ذكر الندامة، وهي ~~خلاف العتو. # لكنا نقول: لا تناقض، ولا اختلاف عند اختلاف الأحوال والأوقات، فقوله: ~~(وعتوا عن أمر ربهم)، قبل أن ينزل بهم العذاب، وقوله: (فأصبحوا نادمين)، ~~إذا نزل بهم العذاب، والتناقض في وقت واحد في حال واحد، وكذلك العقر من ~~واحد على الحقيقة، لكن إنما أضافه إلى الجماعة؛ لأنه عقر بمعاونتهم. # أو الواحد هو الذي طعنها، ثم اجتمعوا، فعقروا جميعا، ونحو ذلك؛ فثبت أنه ~~لا تناقض. # وقال بعضهم: (فتعاطى) وتناول، (فعقر) أي: ضرب عرقوبها؛ أي: ساقها. # وقيل: العقر: قد يكون جرحا، وقد يكون قتلا. # وقوله: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) يحتمل: ~~أي: أرسلنا عليهم العذاب قدر صيحة واحدة، يخبر عن سرعة نزول العذاب ووقعه ~~عليهم. # ويحتمل أن يكون أرسل عليهم الصيحة، وأهلكهم، وصاروا كما ذكر من هشيم # PageV09P453 # المحتظر، وهو قوله: (فكانوا كهشيم المحتظر)، قيل: الهشيم: العظام ~~البالية. # وقيل: كالشيء المتناثر، من الحائط، وأصل الهشيم: الانكسار، أي: صاروا ~~كالشيء المنكسر المجتمع في موضع. # وقوله تعالى: (المحتظر) بكسر الظاء ونصبه، روي النصب عن الحسن. # قال أبو عبيد: بالكسر يقرأ على تأويل الإنسان المحتظر. # وقال أبو عوسجة: الهشيم: البالي من الشجر، والمحتظر: الذي يتخذ حظيرة. # وقال القتبي: الهشيم: النبت اليابس الذي ينهشم، أي: ينكسر، والمحتظر ~~-بكسر الظاء-: صاحب الحظيرة لغنمه، وبفتح الظاء أراد: الحيطان، وهو ~~الحظيرة. # وقوله - عز وجل -: (يسرنا القرآن للذكر ... (32) أي: يسرنا القرآن لذكر ~~ما نسوا من نعم الله تعالى، وأغفلوا عنها. # أو يسرنا القرآن لذكر ما أغفلوا من الحجج والآيات ونسوها. # أو يسرنا القرآن لذكر ما نسوا من الأنباء، وما نزل بمكذبي الرسل - عليهم ~~السلام - بالتكذيب والعناد. # وقوله - عز وجل -:: (فهل من مدكر) قد تقدم ذكره. # وقوله - عز وجل - (فكيف كان عذابي ونذر)، قال أهل التأويل: أليس الذي ~~أنذروا به وجدوه حقا. # وقال بعضهم: أليس وجدوا ما وعد لهم رسلي حقا. وقد ذكرناه. # * * * # قوله تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر ms4353 (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل ~~لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا ~~فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ~~(37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (40). # وقوله - عز وجل -: (كذبت قوم لوط بالنذر)، أي بالرسل - عليهم السلام - أو ~~بما تقع به النذارة. # وقوله - عز وجل -: (إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط ... (34) على ~~تأويل من يقول بأن تلك # PageV09P454 # القريات قلبت بمن فيها ظهرا لبطن على ما ذكر في آية أخرى: (فجعلنا عاليها ~~سافلها) - أرسل الحاصب على من غاب عنها في البلدان فأهلكهم بها، يخرج على ~~الإضمار، كأنه قال: قلبناها بمن فيها، وأرسلنا على من غاب عنها حاصبا إلا ~~آل لوط؛ حتى يستقيم الثنيا الذي استثنى، ويكون كقوله: (أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد)، كأنه قال: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد، والله أعلم. # وعلى تأويل من يقول بأنها قلبت، ثم أرسل عليها الحاصب، فالثنيا مستقيم؛ ~~فيكون هلاكهم بأمرين، واستثنى آل لوط بالنجاة منهما جميعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا) أي: منعنا عنهم ~~العذاب عند السحر؛ فيكون فيه دلالة: أنه يكون بمنع العذاب عنهم منجيا لهم، ~~وإلا لم يكن بنجاتهم عند السحر منعما. # وقوله - عز وجل -: (كذلك نجزي من شكر (35) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يكون هلاك أولئك على لوط وآله نعمة من الله تعالى عليهم؛ فيكون ~~عليه شكره؛ فهو جزاء شكرهم، وهو كقوله تعالى: (جزاء لمن كان كفر)، يحتمل أن ~~يكون هلاك أولئك وإغراقهم جزاء ما كفر بنوح، وذلك نعمة منه على نوح، - عليه ~~السلام -. # والثاني: أن تكون نجاة نوح ومن كان معه نعمة منه عليهم؛ إذ له أن يهلك ~~الكل من كفر ومن لم يكفر؛ ألا ترى أنه يهلك الدواب والصغار، وإن لم يكن لهم ~~مآثم، فإذا كان كذلك كان إبقاء من أبقى منهم ms4354 فضلا منه ونعمة عليهم، وإلا لا ~~كل كفر استوجب النجاة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) يخرج على ~~الوجهين اللذين ذكرناهما. # أحدهما: تماروا بالواقع من النذارة. # والثاني: (بالنذر)، أي: الرسل، والله أعلم. # وقوله: (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) أي: ~~طلبوا منه التخلية بينهم وبين ضيفه. # وقوله: (فطمسنا أعينهم)، ذكر أن جبريل - عليه السلام - مسح جناحيه على ~~أعينهم فعموا، ثم قيل لهم: (فذوقوا عذابي ونذر). # وقوله - عز وجل -: (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) أي: نزل بهم صباحا ~~بالبكرة (عذاب مستقر) العذاب المستقر: هو العذاب الذي نزل بهم، ودام عليهم؛ ~~وأهلكهم وأما طمس الأعين، فقد انقضى. # PageV09P455 # وقوله: (عذابي ونذر (39) النذر - هاهنا -: ما وقعت به النذارة. # * * * # قوله تعالى: (ولقد جاء آل فرعون النذر (41) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم ~~أخذ عزيز مقتدر. أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر. أم يقولون ~~نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) وما أمرنا إلا ~~واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شيء ~~فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في جنات ونهر ~~(54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55). # وقوله - عز وجل - (ولقد جاء آل فرعون النذر) يحتمل ما قال من النذر: إنه ~~جاء آل فرعون: موسى وهارون عليهما السلام، سماهما باسم الجمع، وهو النذر. # ويحتمل أن يكون المراد من النذر التي جاءتهم هي ما نزل من أنواع العذاب؛ ~~فيكون المراد بالنذر: ما وقعت به النذارة. # وقوله - عز وجل - (كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) ~~يحتمل أنهم كذبوا جميع الآيات التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - من آيات ~~الألوهية والوحدانية، وآيات الرسالة. # وجائز أن تكون هي جميع ما يدل على وحدانية الرب وألوهيته من الخلائق؛ لأن ~~ذلك اللعين قد ادعى الألوهية لنفسه، وجميع ما في العالم يدل على ms4355 ألوهية ~~الله تعالى، فهو حيث ادعاها لنفسه وصدقه قومه كذبوا بذلك جميع الآيات التي ~~تشهد على ألوهية الله تعالى ووحدانيته. # وقوله - عز وجل -: (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) أي: أخذ عزيز ذليلا، وأخذ ~~غالب مغلوبا، وأخذ قادر عاجزا، وأخذ قاهر مقهورا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) ~~يقول الله تعالى والله أعلم: أكفاركم يا أهل مكة أقوى في دفع العذاب عن ~~أنفسهم والانتصار منه إذا نزل بهم العذاب من أولئك الذين كانوا من قبلكم، ~~أي: ليس كفاركم أقدر منهم، بل أولئك أكثر، ثم لم يقدروا على القيام بدفع ~~العذاب عن أنفسهم، ولا الانتصار منه إذا نزل بهم، فأنتم يا أهل مكة أضعف ~~وأقل عددا أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عنكم إذا نزل بكم. # أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب أنكم تقدرون على القيام في دفع العذاب ~~عن # PageV09P456 # أنفسكم إذا نزل بكم. # أو يقول: ليس لكم براءة في الكتب: أن العذاب لن يصيبكم إذا نزل. # وقوله - عز وجل -: (أم يقولون نحن جميع منتصر (44) أي: بل تقولون: نحن ~~جميع منتصر؛ أي: لا ينصرونكم كجمعهم. هذه الآيات الثلاث على النفي والدفع، ~~أي: ليس لهم ما يدفعون العذاب عن أنفسهم، وليس لهم ما ينصرون به، ولا ~~كفارهم خير من كفار أولئك في دفع العذاب والقدرة على الانتصار، والله أعلم. # ثم قال على الابتداء: (سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) فيه دليلان: # أحدهما: أخبر أن لهم جمعا يهزم، ويولون الدبر ما ذكر، وقد قال أهل ~~التأويل: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) هو جمع دبر، أخبر أنهم يهزمون ويولون ~~الدبر، وقد كان ما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دل أنه علم بالله ~~تعالى. # والثاني: أخبر أن الساعة موعد إهلاكهم واستئصالهم لا بالدنيا بقوله ~~تعالى: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) وكان كما أخبر. # وفيه - أيضا - دلالة إثبات الرسالة، والله أعلم. # وقوله: (أدهى وأمر) أي: أعظم وأشد. # وقوله - عز وجل -: (إن المجرمين في ضلال وسعر (47) جائز أن يكون قوله: ms4356 ~~(في ضلال) في الدنيا، وفي السعر في الآخرة، وهو السعير. # ويحتمل (في ضلال) في هلاك، (وسعر) في حيرة وجنون وتيه؛ كقوله تعالى (إنا ~~إذا لفي ضلال وسعر). # وقوله - عز وجل -: (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) ~~كأنه يقول له: قل لهم يوم يسحبون في النار على وجوههم إن ختموا على ما هم ~~عليه: (ذوقوا مس سقر) أي: يقال لهم: (ذوقوا مس سقر) أي: ذوقوا عذاب سقر، ~~والسقو هو اسم النار؛ فيصير كأنه على الإضمار؛ أي يقال لهم: ذوقوا عذاب ~~النار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) يحتمل وجهين: # أحدهما: على التقديم والتأخير؛ أي: إنا خلقنا كل شيء؛ فإن كان على هذا؛ ~~فيكون كقوله: (خالق كل شيء)، وفيه إثبات خلق كلية الأشياء. # والثاني: على ظاهر ما جرى به الخطاب (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي: إن كل ~~شيء بقدر، فإن كان على هذا، فليس فيه إثبات خلق كلية الأشياء، ولكن فيه ~~إثبات أنما خلقه بقدر؛ وإلى هذا التأويل يذهب المعتزلة. # والتأويل عندنا هو الأول: إنا خلقنا كل شيء بقدر؛ كقوله: (خالق كل شيء). # PageV09P457 # ويحتمل: أي: إنا كل شيء خلقناه بقدر وحد ينتهي إليه ذلك، ويبلغ حده، ليس ~~كالمخلوق لا يعرف أحد قدر فعله ولا حده الذي ينتهي إليه، ولا يخرج فعل أحد ~~من المخلوقين على ما يقدرونه، فأخبر أن فعله يخرج على ما يقدره خلافا لفعل ~~غيره؛ فيدل على أنه هو الخالق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أمرنا إلا واحدة ... (50) الأمر فيما بين الخلق ~~على وجهين: # أحدهما: أمر شأن بالفعل. # والآخر: أمر تكليف لغير. # ثم قوله - عز وجل -: (وما أمرنا إلا واحدة)، إنما هو أمر فعل؛ يخبر عن ~~سهولة ذلك عليه، أي: شأنه وفعله يسير عليه، لا يعجزه شيء ولا يشغله؛ فعلى ~~ذلك أمر الله وخفته عليه، والواحد ليس هو اسم العدد، وإن كان الحساب يبتدئ ~~به إنما هو اسم التوحد والتفرد؛ كما يقال: فلان واحد زمانه، لا يريدون من ~~جهة العدد؛ إذ ms4357 له أعداد وأمثال من جهة العدد، ولكن إنما يراد بأنه المتوحد ~~في شأنه وفعله، ولا نظير له؛ فعلى ذلك تسميته إياه: واحدا لتفرده وتوحده في ~~ألوهيته وربوبيته، وتسمية أمره واحدا: أن فعله وشأنه لا يشبه أفعال غيره، ~~وأنه لا نظير له في ذلك، وأنه يسير عليه، لا حاجة له إلى الوقت، والآلة، ~~وغير ذلك؛ ألا ترى أنه قال: (كلمح بالبصر) يخبر عن خفة ذلك عليه وسهولته، ~~من حيث لا يثقل على أحد رد البصر ولا لمحه، هذا وجه. # الثاني: فيه إخبار أنه لا يشغله شيء؛ لأن الناس تشغلهم بعض أمورهم عن ~~بعض. # وأهل التأويل يصرفون الآية إلى الساعة؛ كقوله تعالى: (وما أمرنا إلا ~~واحدة كلمح بالبصر)، وهو محتمل؛ فيخبر أن الآخرة ليس على تقدير أمر الدنيا ~~على اتباع بعض بعضا، وعلى إرداف شيء على شيء، وعلى الانتقال والتغير من حال ~~إلى حال، ولكن أمر الآخرة على التكون بمرة واحدة. # وقوله - عز وجل -: (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) يحتمل قوله ~~(أشياعكم) على وجهين: # أحدهما: إخوانكم وأهل دينكم بتكذيبهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ~~واذكروا أنتم يا أهل مكة؛ لئلا تهلكوا بتكذيبكم محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~-. # والثاني: أي: ولقد أهلكنا أشياعكم، وعرفتم ذلك، (فهل من مدكر) يتذكر ~~ويتعظ، ويعتبر به. # PageV09P458 # وجائز أن يكون معناه: ولقد أهلكنا جنسكم، والحكيم لا يخلق الخلق للفناء ~~والهلاك، فاعلموا أنه أنشأكم للعاقبة. # وفيه إثبات البعث، لكنه لا تدركه أفهام الكفرة وعقولهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وكل شيء فعلوه في الزبر (52) يخرج هذا - أيضا - على ~~وجهين: # أحدهما: كل شيء فعلوه من التكذيب والعناد، كان في الكتب المتقدمة، أي: عن ~~علم بصنيعهم وفعلهم أنشأهم، وبعث إليهم الرسل؛ وهو رد على من يقول: إنه لا ~~يعلم ما يكون منهم حتى يكون منهم ذلك؛ لأنه لو كان يعلم ذلك لا يحتمل أن ~~يبعث الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إليهم ويأمرهم، وينهاهم، وهو يعلم ~~أنهم يكذبون رسله، ويخالفون أمره، فرد عليهم وبين أنه لم يزل عالما بما كان ~~ويكون، وقد بينا ms4358 قبل هذا أنه تعالى بعث الرسل - عليهم السلام - وإن علم ~~منهم التكذيب والخلاف؛ وذلك لأن المنافع والمضار راجعة إليهم دونه، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون معناه: (وكل شيء فعلوه في الزبر) أي: في الكتب التي تكتب ~~عليهم الملائكة ويؤمرون بالقراءة في القيامة؛ كقوله تعالى: (اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا). # وقوله - عز وجل -: (وكل صغير وكبير مستطر (53) هذا أيضا يخرج على هذين ~~الوجهين: # أحدهما: مستطر في الكتب التي قبلهم. # أو في الذين يملون على الحفظة؛ كقوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد). # وقوله - عز وجل -: (إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار)، ~~وقال في موضع آخر: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون). # ثم اختلف في تأويل قوله: (ونهر (54). # قيل: نهر من النور، أي: هم في ضياء ونور وسرور، وهو قول الأصم. # وقال الفراء: النهر: السعة؛ يقال: أنهرت الطعنة، أي: وسعتها. # وقال أهل التأويل: أي: الأنهار. # وقوله - عز وجل -: (في مقعد صدق ... (55) أي: موعود صدق؛ كأنه كناية عن ~~راحة # PageV09P459 # وسرور لهم؛ كقوله: (كانت لهم جنات الفردوس نزلا)، أخبر أنهم يستريحون ~~فيها، أو يسكنون ويقرون، لا يريدون التحول منها، وهو مقابل ما ذكر للكفار: ~~(يوم يسحبون في النار على وجوههم) أي: يجرون، وقوله - عز وجل -: (سأرهقه ~~صعودا)، وقوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها)، يطلبون الخروج منها، وأخبر أنهم ~~يكونون أبدا في عناء وشدة وبلاء حتى لا يقرون في مكان، وعلى هذا يخرج قوله: ~~(أن لهم قدم صدق عند ربهم)، أي: لهم موعود صدق عند ربهم، أي: تقر أقدامهم ~~في ذلك؛ فيكون هو كناية عن الثبات. # وقوله - عز وجل -: (عند مليك مقتدر). # إن الرجل إذا كان في فضل وخير يضاف بكونه فيه إلى الله تعالى، نحو ما ~~يقال: في سبيل الله، ووفود الله، وغير ذلك من الأمكنة التي هي أمكنة الفضل ~~والخير تضاف إلى الله، نحو: بيت الله، ومساجد الله؛ لأنها أمكنة القرب ~~والفضل، فعلى ذلك قوله: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) أضاف بكونهم في أمكنة ~~الفضل ms4359 والخير والمنزلة عند الله تعالى، لا أنه يوصف بمكان أو مقام؛ بل هو ~~ممسك الأمكنة كلها ومنشئ الأزمنة بأسرها، والله الموفق، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV09P460 ### | سورة الرحمن # مكية، وقيل: بل مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس ~~والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان ~~(7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) ~~والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13). # قوله - عز وجل -: (الرحمن (1) علم القرآن (2) قد عرفت العرب وعلمت أن " ~~الرحمن " على ميزان " فعلان "، مشتق من الرحمة، لكن أحدا من الخلائق لا ~~يبلغ في الرحمة مبلغا يستحق تسميته به: رحمانا؛ لذلك خص الله تعالى نفسه ~~بتسميته: الرحمن، وإن كان مشتقا من الرحمة؛ كالرحيم، وجاز تسمية غيره: ~~رحيما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (علم القرآن)، ذكر أن الرحمن علم القرآن، ولم يذكر لمن ~~علمه؛ فجاز أن يكون المراد منه: أنه - تبارك وتعالى - علم القرآن رسولنا - ~~صلى الله عليه وسلم -. # ثم يخرج ذلك على وجوه: # أحدها: أنه جبريل - عليه السلام - حيث قال: (علمه شديد القوى. ذو مرة)، ~~لكن خرجت الإضافة إلى الله تعالى؛ لما أنه علمه بأمره. # والثاني: أضاف التعليم إلى نفسه؛ لما أنه هو الذي أثبته في قلبه حتى لا ~~ينساه؛ كقوله - عز وجل -: (سنقرئك فلا تنسى)، وقوله - عز وجل -: (لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه)، وقوله: (كذلك لنثبت به ~~فؤادك). # والثالث: أضاف إلى نفسه، وإن علمه جبريل - عليه السلام - لأنه هو الخالق ~~لفعل التعليم من جبريل، عليه السلام. # وقوله - عز وجل - (خلق الإنسان (3) علمه البيان (4). # قال بعضهم: (خلق الإنسان) أي: آدم عليه السلام، و (علمه البيان) أي: ~~الأسماء التي ذكر في آية أخرى، (وعلم آدم الأسماء)؛ إذ لا سبيل إلى معرفة ~~الأسماء إلا بالتلقين، ليس كالأشياء التي تعرف وتدرك بالاستدلال. # ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: (خلق الإنسان) أي: خلق كل إنسان ms4360 ~~وعلمه البيان: أي: علمه بيان ما يمتحنهم به من الأمر والنهي؛ ليعلم أنه لم ~~يخلق الإنسان ليتركه سدى. # PageV09P461 # ويحتمل: علم كل إنسان ما غاب عنهم حتى عرفوا بما شاهدوا -باللون والطعم ~~واللذة- طعم ما غاب عنهم من جنسه ولونه ولذته؛ استدلالا بما شاهدوا. # ويحتمل: الاستدلال بالشاهد على معرفة الله تعالى، وهو أنهم لما شاهدوا ~~الإنسان محتاجا، عاجزا، محاطا بالحوائج والحوادث عرفوا أن له خالقا عالما ~~قادرا أنشأه كذلك. # ويحتمل: ما ذكر من تعليم البيان بيان القرآن، وذلك راجع إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أنه علمه القرآن، وعلمه البيان، وهو بيان القرآن؛ ~~حتى يبين للناس كل ما يحتاجون إليه، وما لهم وما عليهم. # وجائز أن يصرف بعضه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو قوله: ~~(الرحمن. علم القرآن)، وبعضه إلى آدم - عليه السلام - وهو قوله: (خلق ~~الإنسان. علمه البيان)، وتفسيره ما ذكرناه. # وقال بعضهم: (خلق الإنسان) آدم، و (علمه البيان) بيان الدنيا والآخرة. # وجائز أن يكون خلق الإنسان كل إنسان علم القرآن، وعلمه البيان أي: علم ~~شيئا من بيان القرآن من الأحكام والشرائع، ونحو ذلك. # وقال القتبي: (علمه البيان) أي: الكلام، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الشمس والقمر بحسبان (5) قال أهل التأويل بوجهين: # أحدهما: أي: يحسب بهما عدد الأوقات والأزمنة، ويعرف بهما حساب ذلك. # والثاني: يحسب بهما حساب منازلهما التي يطلعان منها ويغيبان فيها، ~~ومجاريهما التي يجريان فيها لا يجاوزانها في شتاء ولا صيف. # وقال أبو عوسجة: قوله: (بحسبان) جمع الحساب. # وقال القتبي: (بحسبان) بحساب ومنازل لا يعدوانها. # وفيه زيادة معنى: أن الله تعالى جعلهما بحيث يعرف بهما حقيقة أعين ~~الأشياء؛ لما جعل فيهما من النور والضياء الذي بهما تتجلى للخلق الأشياء ~~المستورة، فيقال لمنكري الرسالة وتفضيل بعض البشر على بعض: لما شاهدتم ~~أشياء خصت بفضل ضياء وتجل لم يكن ذلك لغيرها، فلم أنكرتم فضل بعض البشر ~~بفضل بيان وعلم رسالة؟ والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والنجم والشجر يسجدان (6) النجم يحتمل وجهين: # أحدهما: الكواكب، فإن كان هو المراد، فكأنه يقول: ms4361 يسجد له ما به زينة ~~السماء وما # PageV09P462 # به زينة الأرض، وهي الكواكب، وهي الأشجار. # ويحتمل النجم كل نبت ينبت في الأرض لا ساق له، والشجر هو الذي له ساق؛ ~~كأنه يقول: يسجد له كل ما يظهر من الأرض ويخرج، ما ارتفع وعلا، وما لم ~~يرتفع. # ثم سجودهما يحتمل وجوها: # أحدها: سجود خلقة؛ قد جعل الله تعالى في خلقة كل شيء دلالة السجود له ~~والشهادة له بالوحدانية. # والثاني: سجود هذه الأشياء الموات: طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله ~~تعالى: (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين). # والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله ~~تعالى يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم). # وقال بعض الناس: سجودهما: هو تمييل ظلالهما؛ كقوله تعالى: (يتفيأ ظلاله ~~عن اليمين والشمائل سجدا لله). # ثم لا يلزم السجود بتلاوة هذه الآية وأمثالها مما ذكر سجود الموات ~~وطاعتها؛ لأنها موات ليست بأهل السجود، وإنما سجودها عن اضطرار كل مخلوق في ~~معناه في الدلالة على السجود، وإنما يلزم السجود بتلاوة آيات ذكر فيها سجود ~~من هو من أهل السجود، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والسماء رفعها ... (7) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أراد حقيقة الرفع، أي: رفعها بغير عمد من الأسفل، ولا تعليق من ~~الأعلى، أي: أنشأها كذلك مرفوعة، لا أن كانت موضوعة فرفعها وأمسكها كذلك؛ ~~ليعلم أن قدرته خلاف قدرة الخلق وقوتهم. # والثاني: (رفعها) أي: رفع قدرها ومنزلتها في قلوب الخلق حتى يرفعوا ~~أيديهم وأبصارهم إليها عند الحاجة؛ لما جعل فيها لهم من الأرزاق والبركات ~~التي تنزل من السماء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ووضع الميزان) يحتمل حقيقة الميزان الذي يزن الناس به ~~الأشياء، وبه يتحقق الإيفاء والاستيفاء، امتحنهم بذلك؛ ليعرفوا بذلك قبح ~~التقصير فيما أمروا به والمجاوزة عما نهوا عنه، وذلك يحتمل في الأحكام، ~~والشرائع والتوحيد، وصرف الألوهية والعبادة إلى غير الذي يستحقه؛ ليعلموا ~~التقصر في ذلك، والله أعلم. # PageV09P463 # ويحتمل المراد بالميزان: ms4362 الأحكام التي وضعت بين الخلق، والشرائع التي ~~جعلت عليهم؛ ليقوموا بوفائها وينتهوا عن التقصير فيها، والتعدي عن حدودها. # وقيل: الميزان: العدل، وهو ما ذكرنا، والله أعلم. # وذكر أن الموازين ثلاثة: # أحدها: العقول، وهي التي يعرف بها محاسن الأشياء ومساوئها، وقبح الأشياء ~~وحسنها. # والثاني: الميزان الذي جعل بين الخلق لإيفاء الحقوق والاستيفاء. # والثالث: الذي جعل في الآخرة؛ ليوفى به ثواب الأعمال وجزاؤها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان (9) قوله: (ألا تطغوا في الميزان)، (ولا تخسروا) أي: لا ~~تنقصوا في الميزان. # وقوله: (وأقيموا الوزن) أمر بإقامة الوزن والإتمام في الوزن؛ أمر ~~بالإتمام، ونهي عن النقصان، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهاهنا جمع بينهما ~~صريحا؛ تأكيدا لباب الوزن والميزان. # ويحتمل الوجوه الثلاثة التي ذكرنا. # وعن قتادة: كان ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: يا معشر الموالي، إنكم ~~وليتم أمرين هلك الناس بهما قبلكم، هما: المكيال والميزان. # وقال مجاهد في قوله تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط) في الميزان باللسان؛ ~~أي: لسان الميزان. # وقيل لابن عمر - رضي الله عنهما -: إن أهل المدينة [ليوفون] الكيل، قال: ~~وما يمنعهم، وقد قال الله تعالى: (ويل للمطففين)؟!. # وقوله - عز وجل -: (والأرض وضعها للأنام (10). # قال بعضهم: الأنام: هو كل ذي روح. # وقال بعضهم: الأنام: هو جميع الخلق. # PageV09P464 # ولكن عندنا: الأنام: كأنه البشر، للآية؛ لأنه أخبر أن الأرض أنشأها ~~للبشر، ووضعها لهم، وهو ما ذكر في مواضع: (خلق لكم ما في الأرض جميعا)، ~~(وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض). # وقوله - عز وجل -: (فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) يذكرهم نعمه التي ~~أنشأها لهم في الأرض من الفواكه وأنواع الثمار والحبوب التي جعلها رزقا لهم ~~وقوتا. # وقوله - عز وجل -: (ذات الأكمام) أي: ذات الغلف والأغطية. # وقوله - عز وجل -: (والحب ذو العصف والريحان (12) برفع النون وكسرها؛ فمن ~~كسرها ذهب إلى أن الريحان: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب والثمار، ~~والعصف: الورق؛ فيكون المعنى: والحب ذو الورق والرزق. # ومن رفعها فعلى الابتداء؛ عطفا على الحب. ms4363 # واختلفوا في تفسير العصف والريحان: # منهم من قال: العصف: ورق الزرع من الحنطة والشعير وغيرهما. # وقيل: هو التبن. # وقيل: هو أول ما ينبت من الزرع. # وقيل: العصف: هو الزرع نفسه، ولكن أضاف العصف إلى الحب؛ لما منه ينشأ ~~الحب وما يخرج. # وأما الريحان قال: هو خضرة الزرع. # وقيل: هو الذي يشتم. # وقيل: هو الرزق الذي يرتزقون من الحبوب في الثمار؛ كذلك روي عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما -: الريحان: هو الحب. # وقال القتبي: الريحان الرزق؛ يقال: اطلب ريحان الله، أي رزقه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) هذا خطاب للجن والإنس، ~~وفيه دلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثا إلى الإنس والجن ~~جميعا؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: # PageV09P465 # (يا معشر الجن والإنس). # وقيل: ليس أن يخاطبهما جملة، لكن يخاطب كل إنسي وجني في نفسه؛ كقوله ~~تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا)، ليس أن قال الفريقان جميعا: ~~كونوا هودا تهتدوا، ولكن قال اليهود: كونوا هودا تهتدوا، وقال النصارى: ~~كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك هذا. # ثم قوله - عز وجل -: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، عن جابر بن عبد الله قال: ~~خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن ~~من أولها، فسكتوا فقال: " لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن ~~مردودا منكم، كلما قرأت عليهم (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: لا شيء من ~~آلاء ربنا نكذب؛ فلك الحمد ". # ثم فيما ذكر من قوله: (والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة. . .) إلى ~~آخره، يذكر نعمه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، ووحدانيته. # أما نعمه: فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي ~~بها قوامهم، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم. # وأما بيان قدرته وسلطانه: فإنه أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكمامها ما ~~يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف؛ ليعلم أن صنعه وفعله خارج عن ~~المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية، وأن قدرته وفعله غير ~~مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم، كذلك ms4364 الأولاد في البطون، والفراخ في البيض، ~~وأمثالها في الظلمات؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء، ثم أنشأ هذه الثمار ~~والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر في الأكمام من وراء الحجب، ~~وأمسكها فيها في حال ضعفها، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف، وفي ذلك لطف ~~منه ونعمة عظيمة على خلقه. # وفيه إثبات البعث من وجهين: # أحدهما: أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء، لقادر على إعادة الخلق. # والثاني: أنه لما أنشأ لهم ما ذكر، ثم منهم من شكر هذه النعم، ومنهم من ~~كفر، ثم استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار ~~أخرى فيها يفرق بينهما. # وفيه لزوم الامتحان؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعم، ثم يتركهم سدى ~~لا يستأدي # PageV09P466 # شكر ما أنعم عليهم. # ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم؛ لأن مقدار الشكر ~~وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن الله تعالى ذلك؛ ~~فيكون فيه إثبات الرسالة. # ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على ~~سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان؛ ~~إذ لم يمنعه شيء عن شيء. # ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منابع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من ~~أحد - دليل على وحدانيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد؛ ~~على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف، والله ~~الموفق. # * * * # قوله تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من ~~نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان ~~(20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام (24) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (25). # وقوله - عز وجل -: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) ذكر في خلق الإنسان ~~أحوالا مختلفة: مرة قال: ms4365 (خلقه من تراب)، والتراب: هو الذي لم يصبه الماء، ~~ومرة قال: خلقه من طين والطين: هو الذي أصابه الماء، واعتجن، ومرة قال: (من ~~طين لازب)، واللازب: هو الذي يلتصق باليد ويلزقه، وهو الحر الخالص، وقال ~~مرة: (من حمإ مسنون)، وهو الذي اسود وتغير؛ لطول المكث، ومرة قال: (من ~~صلصال كالفخار)، والصلصال: هو الذي له صوت إذا حرك، وهو من صلصلة الحديد. # ويحتمل صلصال: أي: منتن، يقال: صل البئر؛ إذا أنتن، والفخار: هو الذي ~~تكسر إذا يبس. # وقال أبو عوسجة: الفخار: الذي طبخ. # فجائز أن تكون هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان، كان ~~في الابتداء ترابا، ثم صار لازبا؛ لأنه كان من جيد الطين وحره، ثم صار ~~مسنونا منتنا: أسود؛ لطول المكث، وصلصالا لكثرة تربيته ولجودته، يكون له ~~صوت. # وتشبيهه بالفخار يحتمل وجوها: # PageV09P467 # أحدها: لتكسره ويبسه. # أو لأنه كان ذا جوف كالفخار، أو لطول المكث، وكثرة التربية؛ إذ طين ~~الفخار له هذه الصفات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (وخلق الجان من مارج من نار (15) ذكر أنه أبو الجن، ~~وأنه لفظ الوحدان، والجن جماعة، وكذا قال أبو عوسجة: الجان: الجن. # وقوله: (من مارج من نار) قال بعضهم: المارج: هو لهب النار صافيا لا دخان ~~فيه؛ يقال: مرجت النار؛ إذا التهبت، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت ~~الحطب والتهبت، وارتفعت منه؛ وكذا قال أبو عوسجة: المارج - هاهنا -: اللهب، ~~من قولك: مرج الشيء؛ إذا اضطرب، ولم يستقر، وعلى ما قال بعضهم في قوله: ~~(مرج البحرين) إذا خلط وجمع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير ~~منقطعة من الحطب، ولا خالية من الدخان؛ وكذا قال أبو عبيد: (من مارج)، أي: ~~من خلط من النار. # وعلى تأويل من قال في قوله: (مرج البحرين) أي: أرسل أحدهما في الآخر، فهو ~~يكون من نار منقطعة من الحطب. # وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة ~~فيما ذكر من خلق آدم - عليه السلام - من تراب، وخلق الجان ms4366 من نار. # والفائدة في ذلك - والله أعلم - يخبر عن قدرته: أن من قدر على خلق ~~الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة، لا ~~يحتمل أن يعجزه شيء، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار، وإخراج ما أخرج ~~منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء، ولا ما لو اجتمع حكماء ~~البشر والجن، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه، وخرج هذا الخلق منه، ~~وفي ذلك وجهان من الحكمة: # أحدهما: ما ذكرنا من القدرة على البعث: # والثاني: أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال، وإخراج ما أخرج ~~منه، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا، ولو لم يكن بعث، لكان إنشاء هذا ~~الخلق عبثا باطلا، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل - (فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) يقول، - والله أعلم -: ~~إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون قدرته في البعث ~~وغيره؟! # PageV09P468 # وقوله - عز وجل -: (رب المشرقين ورب المغربين (17) وقال في موضع آخر: ~~(برب المشارق والمغارب)، قد ذكرناه فيما تقدم. # ثم دل قوله: (رب المشرقين ورب المغربين) و (برب المشارق والمغارب)، وذكر ~~الحد لهما -أعني: الشمس والقمر- في الشروق والغروب، وفي أنهما طلعا بأمر، ~~وغربا حيث غربا بأمر؛ إذ لو كان ذلك لا بأمر لكن بأنفسهما، لكانا يطلعان ~~ويغربان في جميع الأوقات والأطراف، ولا يرجعان إذا بلغا مكانا ولا يزدادان، ~~ولا ينتقصان في وقت من الأوقات، ثم هذا كله منشأ للبشر، مسخر لهم؛ فيقول - ~~والله أعلم -: ما بال المجعول لكم أطوع لله تعالى منكم؛ حيث لا يجاوز الحد ~~الذي جعل له، ولا يتعدى أمر خالقه، وأنتم تجاوزون أمره ونهيه، وتتعدون ~~حدوده. # وفي الآية دليل على أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه؛ ألا ~~ترى أنه خص رب المشرقين ورب المغربين، ولم يدل على أنه ليس برب ما بينهما، ~~أو ليس برب ما سوى المشارق والمغارب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (مرج البحرين ms4367 يلتقيان (19) قيل: جمع يينهما وخلط. # وقيل: أحدهما العذب، والآخر: المالح. # وقيل: (يلتقيان) أي: يتقابلان. # وقوله - عز وجل -: (بينهما برزخ لا يبغيان (20) أي: بين البحرين حجاب ~~وحاجز. # (لا يبغيان) قيل: لا يختلطان، ولا يمتزجان، ولا يتغير طعم كل واحد منهما؛ ~~يخبر عن لطفه في منعهما عن الامتزاج، ومن طبع الماء الامتزاج والاختلاط، ~~فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء. # وقيل: (لا يبغيان) أي: لا يجاوزان حد الله الذي حد لهما. # ثم اختلف في البحرين: قال بعضهم: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر الهند، ~~و (بينهما برزخ) أي: سكان، (لا يبغيان) أي: لا يختلطان، وهو قول الأصم. # ومنهم من قال: أحدهما: بحر الروم، والآخر: بحر فارس، (بينهما برزخ)، أي ~~جزيرة العرب. # PageV09P469 # وقيل: أحدهما: بحر السماء، والآخر: بحر الأرض، كقوله: (ففتحنا أبواب ~~السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر)، ~~و (بينهما برزخ)، وهو: [ ### | .... # ] الأرض وسكان الأرض، وهذا أيضا لطف منه تعالى. # وقوله - عز وجل -: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) منهم من قال: يخرج ~~من العذب والمالح جميعا، كما هو ظاهر الآية. # ومنهم من قال: يخرجان من المالح خاصة دون العذب، وإن كانت الإضافة ~~إليهما، وذلك جائز في اللغة، كقوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم)، ولم يأت من الجن رسل، وذلك كثير في القرآن. # ثم قرئ (يخرج) بنصب الياء، ورفع الراء، وقرئ برفع، الياء ونصب الراء، ~~فالأول على جعل الفعل لهما، والثاني على جعل الفعل لغيرهما؛ كقوله تعالى: ~~(وتستخرجوا منه حلية تلبسونها)، ولم يقل: (يخرج منه حلية). # ثم اختلف في اللؤلؤ والمرجان، منهم من قال: اللؤلؤ: ما عظم منه، والمرجان ~~ما صغر من اللؤلؤ. # ومنهم من قال على العكس، وأكثرهم على الأول؛ كذلك روي عن ابن عباس والحسن ~~وقتادة والضحاك، وكذا قال أبو عوسجة: المرجان: صغار اللؤلؤ، والواحد: ~~مرجانة. # وقيل؛ إن المرجان المختلط من الجواهر، من قولهم: مرجت، أي: خلطت. # وقيل: إنه ضرب خاص من الجوهر يخرج من البحر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا ms4368 جاء القطر من السماء، ~~انفتحت # PageV09P470 # الأصداف؛ فكان من ذلك اللؤلؤ. # وقيل: إنما قال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما يخرج اللؤلؤ ~~من المالح دون العذب؛ لأن العذب والمالح يلتقيان؛ فيكون العذب لقاحا ~~للمالح؛ كما يقال: يخرج الولد من الذكر والأنثى، وإنما تلده الأنثى، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام (24) عن ~~إبراهيم - رحمه الله تعالى -: أنه قرأ: (المنشئات) بكسر الشين، وفسر بعض ~~الناس المنشآت، أي: ظاهرات السير. # وعن الحسن أنه قرأها بفتح الشين، قال أبو عبيدة: وبها يقرأ؛ لأن تفسيرها: ~~أنها التي قد رفع قلعها في البحر، فهي الآن مقلوع بها؛ فقيل: المنشآت، وهي ~~المرتفعات، والتي لم يرتفع قلعها، فليست بمنشأة. # وقيل: المخلوقات، والجواري: هي السفن المنشآت. # وقوله - عز وجل -: (كالأعلام) أي: هي في البحار كالجبال في البراري. # قيل: وهي الأعلام أنفسها. # ثم في هذه الآيات التي ذكرت وجوه من الحكمة وإثبات القدرة لله تعالى ~~وسبحانه: # أحدها: أن من قدر على تسخير البحار وإنشاء ما فيها، وعلم إخراج ما فيها ~~للآدمي، واتخاذ السفن وإجراءها في البحار؛ للوصول إلى المنافع التي في ~~البلدان النائية - لقادر على البعث وغيره. # والثاني: أن لا سبيل إلى معرفة ما في البحار من الأموال، واتخاذ السفن ~~وإجرائها في البحار، ومعرفة ما وراء البحار من البلدان النائية وما فيها ~~إلا بخبر الرسل، فيقول - والله أعلم -: ما بالكم صدقتم الرسل الأوائل فيما ~~يرجع إلى منافعكم الدنيوية، ولم تصدقوهم فيما يرجع إلى الدين والآخرة من ~~الوعد والوعيد. # أو يقول: ما بالكم لا تنكرون شيئا من هذه النعم -التي جعلها لكم- أنها من ~~الله تعالى، فكيف تنكرون ما أتاكم به الرسل، عليهم السلام؟! # ثم في قوله: (وله الجوار المنشئات) دلالة نقض قول المعتزلة في إنكارهم ~~خلق أفعال العباد؛ فإنه أضاف السفن إلى نفسه بقوله: (وله الجوار المنشئات)، ~~وقد اتخذها بنو آدم بأفعالهم، فلو لم يكن له في أفعالهم صنع، لكانت السفن ~~لهم لا له، والله أعلم. # PageV09P471 # وقوله - عز وجل -: (فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) إذا لم تكذبا شيئا ms4369 من ~~آلاء ربكما: أنه من الله تعالى، ولم تكذبا ما أتاكم من الأخبار في منافع ~~الدنيا، فكيف تكذبان أخبار الرسل عليهم السلام بعدما جاءوا بالآيات والحجج. # * * * # قوله تعالى: (كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ~~(27) فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو ~~في شأن. فبأي آلاء ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (32) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (36) # وقوله - عز وجل -: (كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام (27) يحتمل وجوها: # أحدها: أي: ملك كل من في الأرض فان، ويبقى ملك ربك أبدا دائما. # والثاني: يحتمل سلطان كل من عليها أو قوة كل من عليها وقدرته فان، ويبقى ~~سلطان ربك وقدرته وربوبيته؛ ليعلم أن ملكه وسلطانه بذاته، لا كالخلق؛ حتى ~~يكون فناؤهم وذهابهم يدخل نقصا أو وهنا في ملكه، خلاف ملك ملوك الأرض ~~وسلطانهم. # وجائز أن يكون قال هذا على الإياس للكفرة، وقطع الرجاء عن عبادة من عبدوا ~~دونه من الأصنام والملوك والرؤساء، ومن قدموهم، كأنه يقول: كل من عبد دونه ~~أو خدم، أو عمل لا لوجه الله، فكله فان، ذاهب، إلا ما عمل لوجه الله؛ فإنه ~~باق، والله أعلم. # والباطنية يقولون: (كل من عليها فان) أي: النفس الجسدانية، وتبقى النفس ~~الروحانية أبدا؛ لأنهم يقولون: إذا فنيت هذه الأجساد ينشئ الله تعالى من ~~أعمالهم الصالحات أنفسا روحانية تبقى أبدا. # ويحتمل (ويبقى وجه) أي: كل ما يطلب من العمل وغيره رضاء الله تعالى، فكنى ~~بالوجه عن الرضاء. # وقوله - عز وجل -: (ذو الجلال) يخرج على وجهين: # أحدهما: على خلق إجلال حق الله وأمره وتعظيم ذلك. # والثاني: أن يجل الله تعالى من شاء من خلقه؛ أي: منه إجلال من جل في ~~الدنيا، وإكرام من أكرم في الآخرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms4370 -: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) ~~يخبر الله - عز وجل - عن فزع أهل السماء وأهل الأرض إليه عند الإياس من ~~الخلق وانقطاع الرجاء عنهم، وهو يذكر أنه # PageV09P472 # المفزع في الأحوال كلها، وللخلائق كلهم، ومنه يسألون الرزق والنجاة، وهو ~~ما ذكر: # (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر. . .) الآية، وقوله - عز وجل - (قل ~~الله ينجيكم منها ومن كل كرب)، وقوله: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا ~~إليه)، وقوله تعالى: (وإذا مسكم الضر)، هنا صلة قوله: (كل من عليها فان. ~~ويبقى وجه ربك) يقول - والله أعلم -: شأنه وأمره باق دائم أبدا، وذهاب ~~الخلق لا يدخل نقصا في شأنه وأمره، ولا وهنا في سلطانه وملكه؛ بل هو في ~~شأنه وأمره عند فنائهم كهو في حال بقائهم. # وجائز أن يكون ما قال بعض أهل التأويل: إن اليهود قالت: إن الله تعالى ~~استراح يوم السبت لا يقضي بشيء، ولا يحكم ولا يأمر، ولا يفعل فعلا؛ فنزلت ~~الآية عند ذلك (كل يوم هو في شأن) من إحداث لإفناء، وإحياء وإماتة. # وأصله: أن الله تعالى إذا وصف بشيء يوصف بالأزل، يقال: عالم لم يزل، قادر ~~لم يزل، رازق بذاته لم يزل، وإذا ذكر بأمر وتدبير مضاف إلى الخلق يوصف على ~~ذكر الوقت؛ فيكون الوقت للخلق لا له، نحو أن يقال: إن الله تعالى لم يزل ~~عالما بجلوسك هاهنا، أو في هذا الوقت؛ أي: لم يزل عالما أنه يجلس الآن، أو ~~يجيء الآن، أو في هذا الوقت، وإذا وصفته بالماضي، قلت: لم يزل عالما بما ~~كان، وبالمستقبل: لم يزل عالما بما يكون أنه يكون في وقت كذا، وللحال: لم ~~يزل عالما بكونه كائنا للحال، ونحو ذلك، نفيا لوهم الخلق: أن المخلوق كيف ~~يكون في الأزل؟! فعلى ذلك قوله - عز وجل -: (كل يوم هو في شأن) ذكر اليوم ~~والوقت؛ لئلا يتوهم بكون الخلق قديما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) قرئ: (سنفرغ) بالنون ~~والياء، وبرفع الراء في الحالين. # قال أبو عبيد: ms4371 بالياء يقرؤها كقوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض) ~~ذكر على المغايبة، فكذلك هذا الذي قرئ عليه. # قال الزجاج: قوله تعالى: (سنفرغ لكم) ليس هو الفراغ عن الشغل، لكن كما ~~يقول الرجل لآخر: سأفرغ لك كذا، أي: سأجعل لك، أو كلام نحوه. # ومنهم من يقول: هذا على الوعيد في كلام العرب، يقول الرجل: سأفرغ لك، ~~وإني لفارغ، على الوعيد. # وقال أبو بكر الكيساني: إن الفراغ ليس يستعمل عند الفراغ عن الشغل خاصة، ~~لكن يستعمل له ولغيره من نحو: إنجاز ما وعد، وأوعد؛ كأنه قال: سننجز لكم ما ~~أوعدتكم أيها الثقلان. # PageV09P473 # وعندنا أن الفراغ: هو اسم لانقضاء الفعل وتمامه، لا للفراغ عن الشغل، ~~يقال: فلان فرغ من شغله: إذا فرغ، وفرغ، من بناء داره، إذا أتمه وانقضى ~~ذلك؛ ألا ترى أنه وإن فرغ من شغل تلك الدار وذلك العمل، فهو مشغول بغيره، ~~دل أنه ليس باسم للفراغ من الشغل؛ إذ لو كان اسما للفراغ من الشغل لا يوصف ~~به وهو مشغول بغيره؛ دل أنه اسم التمام والانقضاء، لكن فهم الخلق بعضهم من ~~بعض الفراغ من الشغل؛ لما أن فعلهم للشيء لا يلتئم إلا بالشغل في ذلك؛ ~~فيفهم ذلك من فعلهم، فأما الله - سبحانه وتعالى - حيث لا يشغله فعل عن فعل، ~~ولا شيء عن شيء، لم يجز أن يفهم من فراغه من الشغل فراغه، فبالله العصمة ~~والتوفيق. # وقوله - عز وجل -: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) له تأويلان: # أحدهما: كأنه يقول: لو مكن لكم النفاذ من أقطار السماوات والأرض ~~ونواصيها، فتنفذون فتجدون هنالك، وترون من آيات من كذب بالرسل وما حل بهم ~~بالتكذيب. # ثم قال: (لا تنفذون إلا بسلطان) أي: لا تنفذون لو مكن لكم من النفاذ إلا ~~وتجدون حجج من أهلك منهم ظاهرة أنه بم أهلكهم؟ وهو كقوله تعالى: (قل سيروا ~~في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، أمرهم بالسير في الأرض ~~والتدبر في آثار من أهلك بماذا أهلك ms4372 من أهلك منهم؟ وبماذا نجا من نجا؟ ~~والله أعلم. # والثاني: على الإعجاز، أي: لا تستطيعون أن تخرجوا أو تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض، ولو مكن لكم من النفاذ والخروج منها لوجدتم ثم سلطاني ~~وحجتي وملكي هنالك قائما، أي: لا تقدرون على الخروج من سلطاني وملكي حيثما ~~كنتم؛ بل حيثما سرتم كنتم في سلطاني وملكي؛ فلا تتخلصون من الموت والهلاك، ~~وهو كقوله تعالى: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء. . ~~.) الآية. # وقال الضحاك: في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (يا معشر الجن والإنس ~~قد جاء أجلكم فانفذوا من أقطارهما لا تنفذوا إلا بسلطان)، يعني: أنه لا ~~يجيركم أحد من الموت وأنتم ميتون؛ أي: لا تأتون قطرا من أقطار السماوات ~~والأرض إلا وجدوا هنالك سلطان الله وملائكته؛ يقول: لا تستطيعون فرارا من ~~الموت ولا محيصا، وإن نفذتم من أقطار السماوات والأرض فلم تخرجوا من سلطاني ~~وأنا آخذكم بالموت حيث كنتم، وهو كقوله: (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج ~~مشيدة). # PageV09P474 # وقال بعضهم: يبعث الله تعالى ملائكة عند الحشر، فيحيطون بالدنيا يكونون ~~في أقطارها؛ فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جان أن يخرج من الأقطار، ولو ~~خرجوا كانوا في سلطان الله. # وقيل: (إلا بسلطان) أي: الحجة. # وقال قتادة: [إلا بملك]. # وقال: إلا بقدرة الله تعالى والله أعلم. # ثم أوعدهم فقال: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35). # قرئ (شواظ) بضم الشين وكسرها؛ روي عن الحسن بالكسر، وكذا عن مجاهد. # وقرئ (نحاس) بكسر السين وضمه، فمن رفع (نحاس) عطفه على قوله: (شواظ) ومن ~~كسره، عطفه على قوله: (من نار). # ثم اختلف في تأويل الشواظ والنحاس: عن ابن عباس - رضي الله عنه -: ~~النحاس: الدخان. # وقيل: الشواظ: هو لهب النار، الذي لا دخان فيه، والنحاس: هو الدخان. # وعن الكلبي: الشواظ: لهب النار، والنحاس: الصفر الذي يذاب، فيعذبون به. # وقيل: الشواظ: هو الذي فيه الدخان، والنحاس: هو النحاس المعروف، يذاب ~~ويصب على رءوسهم. # وقال الضحاك: الشواظ: الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس ms4373 بدخان الحطب، ~~والنحاس: الصفر: فمن قرأ بالخفض يقول: لهب من نار ومن دخان، ومن قرأ بالرفع ~~أراد به الصفر؛ يقول: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ذيب في النار. # وقيل: النحاس في القراءتين يحتمل الدخان، ويحتمل الصفر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا تنتصران) قيل: لا تمتنعان من ذلك. # ويحتمل: أي: لا ناصر لكما كما يكون في الدنيا. # PageV09P475 # فإن قيل: إنه قد ذكر في أول الآيات: الآلاء والنعم، فقرن بآخرها: (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (36) وقد انقطع ذكر الآلاء هاهنا، ونذكر المواعيد في هذه ~~الآيات، فما فائدة قران قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) بآخرها. # قيل: إن في الوعد ترغيبا، وفي الوعيد ترهيبا؛ فيرغب في الوعد، ويخاف ~~ويرهب من الوعيد؛ فيرتدع ويمتنع عما يوعد؛ فيكون في ذلك نعمة عظيمة؛ إذ ~~بالوعد والوعيد تتم المحنة، وبالمحنة تتم النعمة؛ لذلك ذكر على إثر الوعيد: ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان). # * * * # قوله تعالى: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (38) فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين ~~حميمءان (44) فبأي آلاء ربكما تكذبان (45). # وقوله - عز وجل -: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) يذكر تغير هذا ~~العالم يومئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث ~~قال: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)، وقوله: (يوم نطوي السماء كطي ~~السجل للكتب)، في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من ~~قوله: (هباء منثورا)، وقوله: (كثيبا مهيلا)، وقوله: قوله تعالى: (كالعهن ~~المنفوش)، ونحو ذلك. # ثم قوله تعالى: (فكانت وردة كالدهان) ومنهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة ~~تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ ~~فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها. # ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في ~~آية أخرى: (يوم تكون السماء كالمهل)، ms4374 والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه ~~بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للين؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، ~~والله أعلم. # وقيل: إنما تحمر وتذوب كالدهن. # وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى ~~الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي بالنار. # ثم قال بعضهم: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله ~~أعلم. # PageV09P476 # وقوله - عز وجل -: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (39) اختلف في ~~تأويله: # قال بعضهم: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب ~~نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن ~~إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن ~~والإنس نجعلهما تحت أقدامنا. . .) الآية. # ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا ~~إنسي عن ذنب جني، ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار واستفهام؛ أي: ~~لماذا فعلتم؟ ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن ~~كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له. # ومنهم من قال: لا يسألون عن ذنوبهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من ~~الأعلام من الاسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون ~~للكفار، كقوله تعالى: (ووجوه يومئذ عليها غبرة)، وقوله تعالى (فأما الذين ~~اسودت وجوههم. . .) الآية، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: (وجوه يومئذ ~~ناضرة. إلى ربها ناظرة)، وقوله تعالى: (ابيضت وجوههم). # وقال بعضهم: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - ~~عز وجل -: (يعرف المجرمون بسيماهم) ذكر الله تعالى في كتابه للمجرمين ~~أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: (قلوب ~~يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة)، وقوله: (نطمس وجوها فنردها على أدبارها)، ~~أي: على أعقابها، فهو - والله أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم ~~غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ بالله من تلك ms4375 الأحوال التي ذكر. # وقوله - عز وجل -: (فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) قيل: بكسر أضلاعهم ~~وظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار. # وقال بعضهم: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم # PageV09P477 # يدفعون إلى النار. # وقوله - عز وجل -: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) أي: إذا وقعوا ~~على الوصف الذي ذكر عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في ~~الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (يطوفون بينها وبين حميمءان (44) أي: يطوفون بين جهنم ~~وبين حميم، فيجوز أن يكون عبر ب " جهنم " عما يأكلون، وهي النار، وب " ~~الحميم " عما يشربون، كأنه يقول - والله أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، ~~وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما ~~أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل ~~لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته. # وقوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) من الناس من قال: في قوله: (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ~~ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عز وجل -: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم. . ~~.) إلى قوله: (وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم. . .) الآية. # * * * # قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) ~~ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة زوجان (52) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ~~(56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (61). # وقوله - عز وجل -: (ولمن خاف مقام ربه جنتان)، ذكر الخوف عن المقام بين ~~يدي ربه، ولم يبين خوفه ماذا؟ ولا أنه إذا خافه تركه أو لا؟ فجائز أن يكون ~~ما ذكر من الخوف بين يدي ربه ما بين في آية اخرى، وهو قوله: (وأما من ms4376 خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى)، يحتمل وجهين: # أحدهما: نهى النفس عما تهواه. # والثاني: منع النفس عن أن تهوى ما نهيت عنه، والله أعلم. # وجائز أن يكون في هذه الآية بيان ما ذكر في تلك الآية من الخوف من المقام ~~بين يدي ربه، أي: خاف مقام ربه، وترك ما هم به من المعصية، أو ما هوت نفسه. # ثم لسنا نعرف ما فائدة ذكر الجنتين له ليس ذلك في ثلاث أو أربع؟ قال أهل ~~التأويل: إنما ذكر جنتين؛ لأن الجنان أربعة: جنة عدن، وفردوس، وجنة المأوى، ~~وجنة النعيم، # PageV09P478 # فجنة العدن وجنة النعيم للمقربين والشهداء والصديقين، والجنتان الأخريان ~~لمن دونهم من المؤمنين الذين هم أصحاب اليمين. # وجائز أن يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون بصره إذا نظر يمينا وشمالا لا يقع إلا على جنته، لا يقع ~~على جنة غيره، وكذلك إذا نظر من الأعلى أو من الأسفل يقع بصره على ملكه، لا ~~يقع على ملك غيره، فليس ذلك على تحقيق إخبارا عن عدد الجنتين، ولكن إخبارا ~~أن بصره حيث يقع لا يقع إلا على ملكه وجنته، والله أعلم. # والثاني: يكون له جنتان: إحدى الجنتين؛ لترك المساوئ، والأخرى؛ لإتيان ~~المحاسن. # وذكر القتبي عن الفراء في قوله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) قال: قد تسمي ~~العرب الشيء الواحد باسم الاثنين إذا كان رءوس الآي ومقاطعها؛ لتحقيق ~~الموافقة في المقاطع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ذكر (جنتان)، لموافقة مقاطع ~~الآي، والمراد منه جنة واحدة. # لكن القتبي أنكر عليه ذلك، وذلك إنما يقال إذا انقطع الكلام، فأما إذا ~~كان الكلام غير منقطع؛ فإنه لا يقال ذلك، والله أعلم. # ثم سمى البعث: مقاما بين يدي ربه، وسماه: رجوعا إليه، ومصيرا، وبروزا، ~~فهو على وجهين: # أحدهما: أنه سماه بما ذكر؛ لأن البعث هو نهاية هذ العالم. # والثاني: سماه بذلك؛ لأن لكل أحد يظهر في ذلك اليوم: أن الأمر لله تعالى، ~~وأن التدبير له في الدنيا والآخرة، وأن لا تدبير لأحد سواه؛ كقوله - عز وجل ~~-: (لمن الملك اليوم ms4377 لله الواحد القهار). # ثم جائز أن يكون ما ذكر من الجنتين للسابقين والشهداء على ما ذكره بعض ~~أهل التأويل، وما ذكر من قوله: (ومن دونهما جنتان) لأصحاب اليمين. # ثم نعت ووصف ما جعل لكل فريق؛ فأما نعت ما جعل للسابقين والصديقين ~~والشهداء ما ذكر؛ حيث قال: (ذواتا أفنان (48) قال عامة أهل التأويل: ذواتا ~~أغصان، ولكن ليس في هذا كثير حكمة، لكن يحتمل أن قوله: (ذواتا أفنان) من ~~الفنون، أي: فيهما من كل فن وكل نوع. # PageV09P479 # وقال مقاتل: ذلك في الجنتين اللتين جعلهما لأصحاب اليمين مدهامتين، ~~والمدهم: هو الذي تضرب خضرته -لشدته- إلى السواد، وهو دون الأول في الوصف؛ ~~إذ لم يصفهما إلا بصفة واحدة، ووصف تينك الجنتين بالفنون، وقال في تينك: ~~(فيهما عينان تجريان (50) وقال أصحاب اليمين: (فيهما عينان نضاختان)، ~~والناضخ: هو الذي لا يتبين جريانه، ووصف تينك بالجريان، والنضخ دون ~~الجريان. # وقال القتبي: (نضاختان)، اللتان تفوران بالماء، والنضح دون النضخ، وهو ~~الرش، وقال في جنتي السابقين: (فيهما من كل فاكهة زوجان (52) أي: صنفان، أو ~~لونان، من أي شيء كان، وقال في جنتي أصحاب اليمين: (فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان)، ذكر أشياء معدودة، وغمر الأشياء في تينك؛ حيث قال: (فيهما من كل ~~فاكهة زوجان) لتفضيل أولئك على هؤلاء. # وجائز أن يذكر في كل واحدة منهما حكمة على حدة: قوله: (ذواتا أفنان) ما ~~ذكرنا أن فيهما من كل فن وكل نوع، وقوله: (فيهما عينان)، إحدى العينين هي ~~العين المعروفة الموعودة، والأخرى التي لا يعرفون ولا يوعدون، وقوله - عز ~~وجل -: (فيهما من كل فاكهة زوجان) أي: صنفان ولونان على غير تغير الطعم، ~~ولا فساد يدخل في ذلك؛ لأن تغير اللون في الدنيا لا يكون للفواكه إلا بعد ~~دخول فساد فيها، فيخبر أن تغير لونه لا لفساد يدخل في ذلك، والله أعلم. # وقال بعضهم: إنما ذكر الزوجين من الفواكه؛ لما أن قلوب البشر قد خطرت ~~بأحد الزوجين وتمنته أنفسهم، والزوج الآخر هو لطف الله تعالى على عباده؛ ~~فضلا منه إليهم من غير أن يخطر على ms4378 بالهم، ولا وقعت عليه أبصارهم، ولا ~~انتهت إليه آمالهم؛ إكراما لهم بها وامتنانا. # وقال بعضهم: ليس المراد في هذه الآيات تبيين ما لأهل الجنة، ولكن فيه ~~تبيان فضل السابقين على أصحاب اليمين: أن أولئك يعطون من الفضل ضعفي ما ~~أعطي هؤلاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان ~~(54) قال الفراء: يجوز أن تكون البطانة والظهارة جميعا من شيء واحد، ومن ~~جهة واحدة، لكن سمي الجهة التي تلي أجسادهم بطانة، والأخرى: ظهارة، ~~كالسماء؛ أن الجهة التي تلي الملائكة هي بطانتهم، وظهارتنا، وما تلينا ~~ظهارتهم وبطانتنا، وكل شيء يلي إنسانا فهي بطانة، والجانب الذي لا يليه ~~ظهارة، يقال: هذا ظهر السماء، للجانب الذي نراه، والآخر: بطن السماء، والله # PageV09P480 # أعلم. # وقال القتبي: لا، ولكن ذكر البطانة من إستبرق، ولم يذكر الظهارة، والعرف ~~في الناس: أن ظهارة فرشهم أنفس من البطانة، والبطانة دون الظهارة، فعلى ذلك ~~في ذكر البطانة ووصفها بأنها من الإستبرق دلالة أن ظهارتها أرفع وأنفس من ~~البطانة. # لكن ما قاله الفراء صحيح، وما ذكره القتبي هو من صنيع الناس في الدنيا من ~~اتخاذ الظهارة فوق البطانة؛ لما لا تحتمل أملاكهم التسوية بين ما بطن وما ~~ظهر في النفاسة والرفعة، فأما الله - سبحانه وتعالى - فلا نفاد لخزائنه، ~~يفعل ما يشاء كيف شاء. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: قد أخبرتم بالبطائن فكيف ~~بالظهارة؟ ثم الإستبرق اختلف فيه: # قيل: هو ما غلظ منه بلسان قوم. # وقال بعضهم: هو ما دق ورق، والله أعلم. # ولا نفسره نحن: أنه ما هو؟ وكيف هو؟ ولكن نعلم أنه شيء وعد لهم ربهم، وهو ~~شيء ترغب فيه أنفسهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجنى الجنتين دان) جائز أن يكون ذكر هذا في حق ~~السابقين الذين سارعوا في الخيرات، واستبطئوا ما وعد لهم بما لم يروا ~~لطاعاتهم قيمة، ويغلبهم خوفهم في التقصير في العمل لله تعالى الواجب عليهم، ~~وفي أوامره ونواهيه، فقال: (وجنى الجنتين) اللتين وعد لكم (دان)، قال أهل ms4379 ~~التأويل: أي: الشجر دان منهم، قربت حين يتناولها الرجل كيف شاء، لكن يذكر ~~هنا - والله أعلم -: أن الجنتين وإن بعدتا، فإن الثمار منهم دانية. # قال أبو عوسجة: الجني: الحمل، وأجنت الشجرة تجنى؛ إذا حملت وأدرك حملها. # وقوله - عز وجل -: (فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) ~~أي: قصرن طرفهن على أزواجهن، ولا ينظرن إلى غيرهم، ولا يشتهينهم، وقال في ~~آية أخرى: (حور مقصورات في الخيام)، ذكر هذا؛ لأن أهل الدين يكونون من أهل ~~غيرة، لا يريدون أن تنظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا غيرهم ينظرون إليهن، فأخبر ~~بالآيتين: أنهن لا ينظرن إلى غير # PageV09P481 # أزواجهن، ولا غيرهم إليهن؛ حيث وصفهن بأنهن قاصرات مقصورات في الخيام. # وقوله - عز وجل -: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)، قرئ: (لم يطمثهن) بضم ~~الميم وكسره. # قال الفراء: (لم يطمثهن)، أي: لم يقبضهن، والطمث: النكاح بالرومية. # وقال أهل التأويل: لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان. # وقال أبو عوسجة: أي: لم يمسسهن إنس في التربية كما يربى الأولاد، ولا جان ~~على ما تمس الجن الأولاد فيفسدوهم، ولكنهم كما وصف: (إنا أنشأناهن إنشاء. ~~فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا. لأصحاب اليمين. ثلة من الأولين). # وقوله - عز وجل -: (كأنهن الياقوت والمرجان (58) قال أهل التأويل: شبههن ~~بالياقوت؛ لصفائهن، وبالمرجان؛ لبياضهن، وهو كما قالوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) قيل: هل جزاء ~~الإحسان في الدنيا إلا الإحسان لهم في الآخرة؟ أي: هل جزاء فعل الحسن في ~~الدنيا إلا إعطاء الحسن في الآخرة، وهي الجنة. # ولكن غيره كأنه أقرب، أي: هل جزاء إحسان الله تعالى بما أنعم عليهم في ~~الدنيا إلا الإحسان له بالشكر والقبول، أي: الإتيان بفعل الحسن، وهو الشكر ~~له، وحسن القبول؛ لأنه ليس يستوجب أحد قبل الله تعالى بإحسانه في الدنيا ~~جزاء في الآخرة، إنما الجزاء لهم بحق الفضل والإنعام، لا بحق الاستحقاق. # ويحتمل أن يكون تأويله: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان له في ~~الآخرة، والله أعلم. # واستدل أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - بهذه ms4380 الآية على أن للجن ثوابا؛ ~~كما للإنس؛ فإنه جرى الخطاب من أول السورة إلى آخرها للجن والإنس من قوله: ~~(يا معشر الجن والإنس)، وقوله - عز وجل -: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)؛ ~~فعلى ذلك يشتركون في الوعد والوعيد. # لكن أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: لا ثواب للجن في ذلك من نحو ~~الفواكه # PageV09P482 # والسفن الجواري؛ فعلى ذلك ما ذكر من الثواب لهم يجوز الثواب، وللجن يجوز ~~العين، والله أعلم. # وقد ذكرناه في غير هذا الموضع. # * * * # قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) ~~مدهامتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(69) فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في ~~الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78). # وقوله - عز وجل -: (ومن دونهما جنتان) فإن كانت الجنتان اللتان سبق ~~ذكرهما للسابقين والصديقين، فهاتان اللتان ذكرهما هاهنا لأصحاب اليمين، على ~~ما ذكره بعض أهل التأويل؛ فجائز أن يكون قوله: (ومن دونهما) أي: في الفضل ~~والقدر والمنزلة؛ لفضل أولئك على أصحاب اليمين. # وإن كانت الجنتان جميعا لكل فريق منهم؛ فجائز أن يكون قوله: (ومن دونهما ~~جنتان) في المكان والموضع، لا في الفضل والقدر؛ فكأنه قال: من أي جهة وقع ~~بصرهم يقع في جناتهم، من فوق ومن تحت، وعن يمين وشمال؛ أي يكونون وسط ~~الجنات لا يحتاجون إلى التحويل من مكان إلى مكان؛ كقوله تعالى: (لا يبغون ~~عنها حولا)، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: (مدهامتان (64) على ما ذكرنا هو ~~شديد الخضرة الذي يضرب إلى السواد، فوصف هاتين دون وصف تينك الجنتين بقوله ~~تعالى: (ذواتا أفنان)، على التأويل الأول، وكذلك قوله تعالى: (عينان ~~نضاختان (66) على ما ذكرنا: أنهما دون الجاريتين، وكذلك روي عن الفراء قال: ~~العينان تجريان أفضل من النضاختين بقوله: (نضاختان)؛ لأنهما ينضخان بالخمر ~~والبركة لأهل ms4381 الجنة. # وقيل: ينضخان بالماء وأنواع الفواكه. # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: تنضخان بالمسك والعنبر، ~~كما ينضخ طير الماء على بيوت أهل الدنيا. # PageV09P483 # وقوله - عز وجل -: (فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) من الناس من احتج لأبي ~~حنيفة - رحمه الله - فيمن حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رمانا، لا يحنث في ~~يمينه؛ لأنه احتج بهذه الآية في أن الرمان والرطب ليسا من الفاكهة؛ لأنه ~~عطفهما على الفاكهة، والشيء لا يعطف على نفسه، إنما يعطف على غيره، هذا هو ~~ظاهر الكلام، إلا أن تقوم الدلالة على أنه مراده بالذكر وإن كان من جنسه؛ ~~لضرب من التعظيم وغيره؛ كقوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فيهن خيرات حسان (70) قيل: الحسان الخلق وحسان ~~الوجوه، يقال: امرأة خيرة، ونسوة خيرات؛ يقرأ بالتثقيل والتخفيف جميعا. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: لكل مؤمن خيرة، ولكل خيرة خيمة. # وقوله - عز وجل -: (حور مقصورات في الخيام (72). # قيل: محبوسات في الخيام، لا يخرجن عن الخيام. # وأصله: ما ذكرنا أنهن يكن في الخيام لا يراهن غير أزواجهن، وقاصرات ~~الطرف، أي: لا يرفعن بصرهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) هو قراءة ~~العامة بغير الألف. # وعن عاصم الجحدري (رفارف) و (عباقري)، قيل: الرفرف: المجلس، وقيل: ~~المجالس، وقيل: الرياض الخضر، وقيل: الخيام، وقيل: هو فضول الفرش والبسط. # وأما العبقري: قيل: هو الزرابي، وهو بالفارسية: النخ. # وقال أبو عبيدة: العبقري: الطنافس الثخان، وقيل لكل شيء من البسط: عبقري. # PageV09P484 # وقال القتبي وأبو عوسجة: العبقري في غير القرآن ثياب تتخذ بعبقرى، وهي ~~بلدة، فينسب إليها. # وقوله - عز وجل -: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) قال أبو بكر ~~الأصم: تنزه اسم ربك من أن يستحق غيره اسمه. # وقوله: (ذي الجلال)، أي: استحق على الخلق أن يجلوه ويعظموه من أن يسموا ~~غيره باسمه، والإكرام: هو أن يلحقوا به ما لا يليق به من الولد ms4382 والشريك ~~وغيره. # فإن قيل: ما فائدة تكرار قوله - عز وجل -: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، ~~فبأي آلاء ما في السماوات والأرض تكذبان في الدلالة على وحدانية الله تعالى ~~والشهادة له بأنه خالقه، ومرسل رسله، وما جاءت به عنه، وذلك أن جميع ما ~~فيهما من المال والطعام والشراب، على ما ذكرنا، وذلك كما يقول الرجل لآخر ~~يلومه ويعاتبه: ألم تكن جائعا فأطعمتك؟! أفتنكر هذا؟! ألم تكن ظمآنا ~~فسقيتك؟! أفتنكر هذا؟! ونحو ذلك. # وجائز أن تكون فائدة التكرار غير هذا، وهو أنه خرج مخرج العظة والتذكير، ~~ومن شأن الموعظة والذكرى التكرار والإعادة؛ لتكون أنجع وآخذ للقلوب، وأقرب ~~إلى القبول، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV09P485 ### | سورة الواقعة # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة. خافضة رافعة (3) ~~إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم ~~أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ما ~~أصحاب المشأمة (9) والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات ~~النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) على سرر موضونة ~~(15) متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفاكهة مما ~~يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ~~(25) إلا قيلا سلاما سلاما (26). # قوله - عز وجل -: (إذا وقعت الواقعة) هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما ~~هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كراماتهم التي ~~وعدوا في الآخرة، فقال لهم أولئك الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟ فقالوا: إذا ~~وقعت الواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟ فيقول: إذا كان كذا، فهو ~~حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من ~~نحو قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)، ونحو ذلك، وقوله: (الواقعة) ~~كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوبة والعقوبة؛ فتكون ~~الواقعة كناية عنها. # وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: ms4383 كالقيامة والساعة، وغير ~~ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليس لوقعتها كاذبة (2) قال بعضهم: أي: ليس لوقعتها ~~مثنوية ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع. # وقال بعضهم: أي: هي حق، ليست بكذب. # وقال بعضهم: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في ~~الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم بابا ~~من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون)، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول تعالى: إذا عاينوا ~~القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛ # PageV09P486 # كقوله: (أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)، ونحوه. # ويحتمل أن يكون قوله: (ليس لوقعتها كاذبة)، أي: ليست الأنباء والأخبار ~~التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة. # وقوله - عز وجل -: (خافضة رافعة (3) قال بعضهم: خافضة: تسمع القريب، ~~رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هو الصيحة، ~~وتلك خافضة رافعة. # وقال بعضهم: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة. # ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق ~~وانقاد له وقبله. # وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله تعالى: (يوم يسحبون في النار)، ~~ورافعة لأهل الجنة، كقوله: (في مقعد صدق)، وقوله: (لهم قدم صدق عند ربهم). # وقوله: - عز وجل -: (إذا رجت الأرض رجا (4) يخرج على السؤال، كأنهم لما ~~سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون ~~الواقعة؟ فعند ذلك قال: (إذا رجت الأرض رجا)، وهو كقوله: (إذا زلزلت الأرض ~~زلزالها)، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها. # وقوله - عز وجل -: (وبست الجبال بسا (5) قيل: فتتت حتى تصير كالدقيق، ~~ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط. # وقال الحسن: (وبست الجبال) أي: سيرت تسييرا. # وقوله: (فكانت هباء منبثا (6) قيل: الهباء: الذي يكون فوق النار إذا ~~خمدت، لا يكون غيره (منبثا)؛ أي: متفرقا. # وقيل: (هباء منبثا) أي: ترابا. # PageV09P487 # وقيل: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل. ms4384 # وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت من الكوة؛ يخبر تعالى ~~عن شدة ذلك اليوم وهوله أنه يفعل بالجبال كذا مع صلابتها وطاعتها لله ~~تعالى، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أزواجا ثلاثة (7) أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ ~~حيث قال: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة. والسابقون السابقون. أولئك المقربون) الآية. # وقيل: الأصناف الثلاثة: المكذبون، والمصدقون، والسابقون. # وقوله - عز وجل -: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشأمة ~~ما أصحاب المشأمة (9) يحتمل وجهين: # أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم. # والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في ~~الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في ~~الخبائث. # وهو كقوله: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي ~~كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم. # وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر الله تعالى: (فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه. # فسوف يحاسب حسابا يسيرا)، وقوله: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره. . .)، ~~فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمينه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوتي كتابه ~~بشماله فهو من أصحاب الشمال. # وقوله تعالى: (والسابقون ... (10) يحتمل وجهين: # أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير. # والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه. # ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم ~~أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. # PageV09P488 # وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السابقون، وفيهم ~~أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها وفيهم أصحاب ~~الشمال، وهم الكفرة. # وقوله تعالى: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) على التعجب لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم منزلتهم. # وكذلك قوله: (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) يخرج على هذين الوجهين: ~~على التعجب والتعظيم لما يحل بهم. # وقوله: (والسابقون السابقون) يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، ~~فيقال: فلان ms4385 فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه. # ثم في قوله تعالى: (وكنتم أزواجا ثلاثة) دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله ~~- في جعلهم الكفر كله ملة واحدة؛ لأنه جعل الله تعالى الكفرة على اختلاف ~~مذاهبهم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك المقربون (11) يحتمل أن يكون وصف القرب لهم ~~لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا. # ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في ~~الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من الله تعالى وفضل منه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في جنات النعيم (12) جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها ~~نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، ~~يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء. # وقوله - عز وجل -: (ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) اختلف في ~~ذلك: قال بعضهم: (ثلة من الأولين) ممن شهد رسول الله، وقربوا منه، (وقليل ~~من الآخرين) ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما ووي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم "، ~~وعلى ذلك قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)، على ما ~~يذكر، والله أعلم. # ومنهم من قال: (من الأولين)، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم # PageV09P489 # الماضية، (وقليل من الآخرين) أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل ~~الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم. # ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين ~~المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم ~~السالفة. # وقال أهل التأويل لما نزلت: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)، وجد ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة ~~منا إلا قليل؛ فنزل قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين). # لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، ms4386 وما قالوه لا يصح، ~~والوجه فيه ما ذكرنا. # ويحتمل قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)، هم أصحاب اليمين ~~من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين ~~في المقربين خاصة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (على سرر موضونة (15) وقال في آية أخرى: (على سرر ~~مصفوفة)، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: ~~منسوجة؛ والوضن -هو النسج- لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، ~~كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض. # وقوله - عز وجل -: (متكئين عليها ... (16) أي: على السرر التي ذكر أنها ~~مصفوفة موضونة. # وقوله: (متقابلين)، أي: يقابل بعضهم بعضا، ولا يرضون، ولا ينظر بعضهم إلى ~~بعض باحتقار كما يجعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم عن بعض ويحقر بعضهم ~~بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض ~~بوجه ما. # وقوله - عز وجل -: (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) فيه أنهم يعطون في ~~الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر ~~والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه. # ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا. # PageV09P490 # والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن ~~التوالد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون. # وقوله - عز وجل -: (مخلدون) قال بعضهم: أي: المقرطون، والخلدة: القرط، ~~وجمعه: الخلدة. # قال بعضهم: هو من الخلود، كقوله تعالى: (خالدين فيها)، أي: باقون. # وقيل: مسورون من السوار. # وقوله: (بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) الأكواب: هي الكيزان المدورة ~~الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون ~~الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الشراب الأباريق ~~والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، ~~فعلى ذلك وعدوا في الجنة. # وقوله - عز وجل -: (وكأس من معين): الكأس: هو القدح ms4387 المملوء من الشراب. # وأما المعين: قال بعضهم: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل ~~الجنة ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) قرئ بكسر الزاي ~~ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها. # وقوله - عز وجل -: (ولا ينزفون) قيل: بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، ~~وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور ~~الدنيا من ذهاب العقل، والصداع، والنفاد. # وقوله - عز وجل -: (وفاكهة مما يتخيرون (20) جميع فواكه الجنة مختارة، ~~لكن يخرج على وجهين: # أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون. # والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون ~~واحد ونوع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا. # وقوله - عز وجل -: (ولحم طير مما يشتهون (21) إن أهل الجنة إنما يتناولون ~~ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: (وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين). # PageV09P491 # وقوله - عز وجل -: (وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) يحتمل ~~تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: # أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفائه ~~وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه الموعود في الجنة من الجواري به؟!. # والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، ~~فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله تعالى: ~~(ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء)، ضرب مثل من يشرك بالله بالذي يخر من ~~السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق ~~السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله: (جزاء بما كانوا يعملون (24) إن الله تعالى ذكر للأعمال جزاء ~~كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين ~~لأنفسهم؛ كقوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم)، وكذلك ما ذكر من شرائه ~~أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله تعالى: (وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا)، ms4388 وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عامل عباده في أنفسهم ~~وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك ذكر لأعمالهم جزاء؛ كان منهم ~~إلى الله - تعالى - صنعا # وإحسانا، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله ~~وكرمه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) هذا يرجع إلى ~~وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب ~~العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين ~~يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما ~~يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن ~~شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا قيلا سلاما سلاما (26) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر. # والثاني: (إلا قيلا سلاما سلاما) أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله ~~تعالى: (تحيتهم فيها سلام). # * * * # قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح ~~منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا ~~(36) عربا أترابا (37) لأصحاب اليمين (38) ثلة من الأولين (39) # PageV09P492 # وثلة من الآخرين (40). # وقوله - عز وجل -: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود ~~(28) وطلح منضود (29) أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا. # ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم، وما ذكر من الطلح، وغير ذلك. # فمنهم من قال: إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين؛ لأنه ~~قال في المقربين: (والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات ~~النعيم. . .)، إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر ~~لأصحاب اليمين دون ذلك؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين. # ومنهم من قال: إن قوما من العرب ينتفعون بذلك؛ لأن لها ثمرة، لكن ليست ~~بمرغوبة، ولها شوك، فأخبر الله تعالى أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى؛ ~~بل رغب فيه، وهو كما وعد ms4389 لهم من الخمور، ثم نفى عن خمورها الآفات؛ فعلى ذلك ~~جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وطلح منضود)، منهم من قال: هو طلع منضود متراكم؛ كما ~~ذكر في آية أخرى (طلع نضيد)، ذكر في إحدى الآيتين فعيل، وفي الأخرى مفعول، ~~وذلك جائز في اللغة. # وقيل: طلح: بالحاء: هو الموز. # وذكر أن عليا - رضي الله عنه - سمع قارئا يقرأ: (وطلح منضود)، فقال علي - ~~رضي الله عنه -: ما شأن الطلح؟ إنما هو طلع؛ فقيل له: إن في المصحف (وطلح) ~~أفلا نغيره؟ # فقال: إن المصحف لا يغير اليوم؛ وهذا يؤيد التأويل. # وقال أبو معاذ: الطلح في كلام العرب: شجر عظام، كثير الأغصان، واحدها: ~~طلحة، وقال مخضود: أي: مقطوع الشوك؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك، ومنه قوله - ~~عليه الصلاة والسلام - في شجر الحرم: " لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها ". # وقوله - عز وجل -: (وظل ممدود (30) يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها، ولا ~~برد يؤذي، بل ظل؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه، ولا شيء يثقل على الأبدان؛ ~~بل هو # PageV09P493 # شيء يوافق البدن، ويخف عليه. # وقيل: ممدود؛ لأنه لا شمس فيها فتنسخه، وبالشمس يعرف الظل هاهنا، وظل ~~الآخرة ممدود أبدا. # وقوله - عز وجل - (وماء مسكوب (31) قيل: جار غير منقطع؛ وهو قول القتبي. # وقال أبو عوسجة: أي: مصبوب. # والأول كأنه أقرب؛ أي: جار أبدا، ليس كمياه الدنيا؛ إلا أن يراد ~~بالانصباب صبه من الأعلى إلى الأسفل، وذلك مما رغب إليه في الدنيا. # ثم قوله: (وماء مسكوب) جائز أن يكون ذكر هذا لأصحاب اليمين، وما ذكر من ~~قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله)، وقوله: (ومزاجه من تسنيم)؛ فيكون ~~للمقربين قوله: (عينا يشرب)، ولأصحاب اليمين (ومزاجه من تسنيم)، وكذلك ما ~~ذكر من (جنات تجري من تحتها الأنهار)، للمقربين يكونون في العليين، وتكون ~~الأنهار تحتهم، وما ينسكب وينصب من الأعلى لأصحاب اليمين؛ لأنهم يكونون ~~دونهم في الدرجة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ... (33) كانقطاع فواكه ~~الدنيا، يخبر ms4390 أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات، وأنها كلما قطعت ~~مرة خرجت أخرى مكانها بهيئة الأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت النضج كما ~~في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع ~~إلى وقت وجود حمل آخر. # وقوله - عز وجل - ": (ولا ممنوعة) أي: لا آفة بها تصير ممنوعة؛ كفواكه ~~الدنيا، إذ هي ربما تمتنع بآفة تصيبها. # وقال القتبي وأبو عوسجة: (لا مقطوعة) أي: لا تحبس، كما يمنع في الدنيا ~~بعضهم من بعض. # وقوله - عز وجل -: (وفرش مرفوعة (34) أي: مرفوعة القدر والمنزلة، أو ~~مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله تعالى: (والسماء رفعها)، ~~وقيل: (وفرش مرفوعة) مرفوعة النساء، يقال: امرأه فريش ونساء فرش. # وقوله عز وجل: (إنا أنشأناهن إنشاء (35) قال: الأصم وغيره: إن هذا صلة ~~قوله: (وحور عين. كأمثال اللؤلؤ المكنون)، كأنه قال على أثره. # وقال القتبي: إنه لما ذكر على إثر قوله: (وفرش مرفوعة): (إنا أنشأناهن) ~~دل أن الفرش # PageV09P494 # كناية عن الأزواج؛ إذ هن اللؤلؤ يفرش وواحدة الفرش: فريش. # وقيل: قد استفرشت الناقة إذا اشتهت العمل. # والأشبه أن يكون هذا على صلة (وحور عين. كأمثال اللؤلؤ المكنون)،؛ إذ ذكر ~~في قوله (وحور عين) على أثر ذكر أثر المجالس والزوجات لا معنى لذكرهن في ~~هذا الموضع. # وقوله - عز وجل -: (إنا أنشأناهن إنشاء) أي: أنشأناهن في الابتداء على ~~هيئة الاستمتاع ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه: ~~إنها غير مقطوعة ولا ممنوعة؛ أي: إنها تخرج أول ما تخرج على هيئة الأكل، لا ~~كثمار الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) قيل: أي: ~~خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك، كلما ذهبت عذريتهن عادت؛ فيكن أبدا على تلك ~~اللذة؛ لأنهن أنشئن هكذا، والله أعلم. # وقال عامة أهل التأويل في قوله تعالى: (فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا) ~~أي: خلقنا نساء الدنيا من الثيبات والأبكار خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان ~~في الدنيا، (فجعلناهن أبكارا)، وكن في الدنيا عجائز وثيبات، وروي على ذلك ms4391 ~~خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن ثبت - أنه قال في قوله: (إنا ~~أنشأناهن إنشاء): " الثيب والبكر ". # وفي بعض الأخبار قال: " إن العجوز لا تدخل الجنة ". # ثم قوله: (فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا) من قال: هو صلة قوله: (وحور ~~عين)، هو لسن نساء الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عربا أترابا) بجزم الراء مخففة ومضمومة. # وقال أبو عبيد: تقرؤها بالضم لوجهين. # أحدهما: التفخيم. # والثاني: أنها أقيس في العربية؛ لأن واحدها: عروب، مثل: صبور وصبر، وشكور ~~وشكر # وأما الوجه الآخر التخفيف. # وقيل في تأويل: (عربا): عاشقات لأزواجهن. # PageV09P495 # وقال أبو عوسجة: العروب: المراحة. # وقال القتبي: هي المتحببة إلى زوجها. # وقيل: الغنجات لأزواجهن. # وقيل: إن أهل مكة يسمونها: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: ~~الشكلة. # وقال سعيد بن جبير: عربا: ضبعات، والضبعات: هي التي تعرض للزوج من ~~الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب: ضبعة. # وقوله - عز وجل -: (أترابا)، أي: مستويات الأسنان. # وقال القتبي: الترب واللدة واحد، وهو بالفارسية: همزاد. # وأصله: أنهن أنشئن بلا ولاد يتقدم ويتأخر كما يكون في الدنيا يتفاضلن في ~~الأسنان؛ فصرن في الآخرة أترابا. # ثم قال: (وثلة من الآخرين (40) قد ذكرنا تأويله: أنه يخرج على الوجهين: # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " هما جميعا من أمتي "، وكذلك تأويل قوله تعالى: (ثلة من الأولين (13) ~~وقليل من الآخرين). # * * * # قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل ~~من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين ~~(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50). # وقوله - عز وجل -: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال)، وذكر في أصحاب ~~اليمين مثله من التعجب، وأخبر عما يكرمهم ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر ~~أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أعد لهم من العذاب والهوان بقوله: (سموم ~~وحميم. . .) الآية، ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر ms4392 ~~لهم الثواب ولا العذاب؛ وذلك - والله أعلم - لأن في ذكر الميمنة والمشأمة ~~دلالة ما لهم؛ لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من # PageV09P496 # الشؤم، ففي ذكر ذلك بيان ما لهم من الكرامات، وما لأولئك من العقوبات، ~~وليس في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب؛ فذكر على أثر ذلك؛ ليعرف ما لكل ~~فريق من الجزاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في سموم وحميم (42) قيل: السموم: هو فيح جهنم، ~~والحميم: هو الذي قد انتهى حره غايته. # وقيل: السموم: هو حر النار. # وقيل: هو ريح باردة. # وقيل: ريح حارة. # وأصله: أنه لما أصابهم السموم، اشتد بهم العطش، فعند ذلك يشربون الحميم؛ ~~رجاء أن يسكن به عطشهم، ويذهب ذلك عنهم، فلا يزداد لهم بذلك إلا شدة عطش ~~على ما كان، والله أعلم. # وقوله: (وظل من يحموم (43) قيل: هو دخان أسود. # وقال بعضهم: اليحموم: هو من الحميم. # وقال أبو بكر: أي: ظل من بخار يجعل اليحموم بخارا. # ثم الظل الذي ذكر هاهنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله: ~~(انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب)، وقوله: لهم ظلل من النار. # وقيل: هو السرادق من النار. # وقوله - عز وجل -: (لا بارد ولا كريم (44) (لا بارد)؛ لأنه من النار (ولا ~~كريم)؛ لأنه لهوانهم ليس للكرامة. # وقال الحسن وقتادة: (لا بارد) المنزل، (ولا كريم) المنظر. # وقوله - عز وجل -: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) أي: هذا الجزاء لهم؛ ~~لأنهم كانوا يقولون في الدنيا: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين)، ~~وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع؛ لقوله تعالى: (إلا قال مترفوها ~~إنا بما أرسلتم به كافرون). # وقوله - عز وجل -: (وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) اختلف فيه: قال ~~بعضهم: (وكانوا # PageV09P497 # يصرون على الحنث)، أي: على الإثم العظيم، وهو الشرك. # وقيل: الحنث العظيم: الكبائر، والإصرار: هو الإدامة عليها. # وقال بعضهم: يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه؛ كقوله تعالى: (وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت)، أقسموا: أنهم لا يبعثون، فحنثوا ~~في ذلك؛ لأنه تعالى أخبر أنهم يبعثون؛ حيث قال: ms4393 (بلى وعدا عليه حقا). # ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها)، وقوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم)، وقد جاءهم النذير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، ~~فلم يؤمنوا بها، فحنثوا فيها، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين ~~فراغهم من اليمين؛ لأنهم أيسوا عن ذلك. # وفيه دلالة لصحة مذهب أصحاينا: أن من حلف: للمس السماء، أنه يحنث عند ~~فراغه من اليمين. # وقوله - عز وجل -: (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (47) أوآباؤنا الأولون (48) قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد ~~للبعث؛ ألا ترى أنه أجابهم، فقال: (قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم (50). # ثم قوله: (إن الأولين والآخرين) يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: يجمع الأولين والآخرين في التخليق؛ أي: جمع بين الأولين ~~والآخرين في التخليق؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا ~~وقتما قال: (لمجموعون)؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد. # والثاني: مجموعون في الأرض، أي: في القبور (إلى ميقات يوم معلوم). # وقوله - عز وجل -: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) بآيات الله ~~الدالة على توحيده، ورسله، والبعث. # وقوله: (لآكلون من شجر من زقوم (52) أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من ~~شجر الزقوم؛ فيكون كما أخبر. # ثم شجرة الزقوم: هي التي ذكر (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه ~~رءوس الشياطين)، وقد ذكرنا تأويله في موضعه. # وقوله: (فمالئون منها البطون (53) يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون ~~إلا امتلاء # PageV09P498 # البطون، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع، ولا ما يشربون من ~~الحميم العطش عنهم، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان، والله أعلم. # وقوله: (فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) قيل: الهيم: ~~هو إبل يأخذه الداء، فيشرب حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا؛ للداء الذي فيه؛ ~~فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتليء بطونهم، فلا يروون ولا ~~يشبعون، والله أعلم. # وقيل: الهيم: الإبل الذي يهيم في ms4394 الأرض ولا يرد الماء أياما، ثم إذا ورد ~~الماء فيشرب، فتمتلئ بطنه حتى يهلك؛ لامتلاء البطن؛ وهو قول الأصم. # وقوله - عز وجل - (هذا نزلهم يوم الدين (56) أي: الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم ~~يوم الدين. # * * * # قوله تعالى: (نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون. أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون. نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على ~~أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ~~(64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن ~~محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم ~~نحن المنزلون (69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار ~~التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) نحن جعلناها ~~تذكرة ومتاعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74). # وقوله - عز وجل -: (نحن خلقناكم فلولا تصدقون) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في ~~الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ~~ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: (وهو أهون عليه). # والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات ~~الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون ~~فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ ~~كما قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ~~(59) قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - والله ~~أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا # PageV09P499 # ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فقد عرفتم أن الله هو خالقكم ~~وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل ~~عقلا من غيركم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا ~~خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن الله تعالى هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم ms4395 ~~غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره. # وقوله - عز وجل -: (نحن قدرنا بينكم الموت ... (60) يحتمل وجوها: # أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم ~~الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق ~~بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما. # والثاني: (قدرنا بينكم الموت)، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت ~~جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا ~~أكثر من مدة أجل الآخر. # وقيل: (نحن قدرنا بينكم الموت) أي: سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم ~~وذليلكم، ورفيعكم ووضيعكم، لا يسلم أحد عنه. # ويحتمل وجها آخر هو -أولى-: وهو أنه قدر بينكم الموت، وكل واحد منكم يكره ~~الموت، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم؛ دل أن هاهنا قاهرا قادرا يجب ~~القول بوجوده، والانقياد لأوامره ونواهيه. # وقوله: (وما نحن بمسبوقين) أي: وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم. # أو يقول: وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم. # وقوله: (وننشئكم في ما لا تعلمون (61) قال أبو بكر الأصم: فيما لا تعلمون ~~من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة؛ كصورة القردة والخنازير، ونحوها. # وقيل: (وننشئكم في ما لا تعلمون) في أي خلق شاء؛ وهو أقرب من الأول. # وجائز أن يكون معناه (وننشئكم في ما لا تعلمون) في ظلمات ثلاث الذي لا ~~يبلغه علم البشر، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا، فمن ملك ذلك لا ~~يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، والله أعلم. # PageV09P500 # وقوله - عز وجل -: (ولقد علمتم النشأة الأولى ... (62) فهو على ما ذكرنا: ~~إنكم لما عرفتم أنه هو الذي أنشأكم النشأة الأولى لا عن أصل سبق، لا يحتمل ~~أن يعجز عن النشأة الآخرة؛ لأنها مثل الأولى؛ بل في وهمكم أسهل وأهون. # وقوله - عز وجل -: (فلولا تذكرون) يخرج على ما ذكرنا: هلا تذكرون ~~وحدانيته وربوبيته. # أو هلا تذكرون أن قادر على البعث. # أو هلا تذكرون أنه هو المستوجب لشكر ما أنعم عليكم، وهلا تذكرون نعمه ms4396 ~~وإحسانه. # ومن الناس من قال: النشأة الأولى هاهنا نشأة آدم - عليه السلام - وخلقه؛ ~~أي: علمتم نشأته لا عن أصل ولا احتذاء لغير، فمن قدر على ذلك فهو على ~~النشأة الأخرى لقادر، وعلى تقدير وهمكم أقدر، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون (64) جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (أفرأيتم ما تمنون)، ~~كأنه يقول: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تخلقون الزرع أم نحن الخالقون له؟ ~~فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم. # والثاني: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم جعلتم الحراثة بحيث تنبت أم نحن ~~الجاعلون بحيث تنبت؟ # ثم قال: (لو نشاء لجعلناه حطاما ... (65) أي: يابسا. # وقال أبو عوسجة: أي: متكسر؛ يذكر نعمته التي أنعمها عليهم؛ يقوله: هو ~~الذي جعله بحيث ينتفع به ويبقى، ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، ويخبر عن ~~قدرته: أنه قادر على الإنبات، وعلى الإهلاك؛ فعلى ذلك قادر على الإنشاء ~~والإعادة. # وأهل التأويل يقولون: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون، ~~وأصله ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فظلتم تفكهون) قيل: تعجبون. # وقيل: تندمون، وهي لغة عكيل. # وقال أبو بكر الأصم: أي: صرتم تتنعمون وتتلذذون؛ كما يقول الرجل لآخر: لو ~~أخذت مالك أو سلبته صرت غنيا أو استغنيت. # ولكن لا ندري أيقال ما ذكر أم لا؟ فإن كان يقال ذلك، يصير تقديره كأنه ~~يتلذذ؛ لكثرة # PageV09P501 # ما يذكره في كل وقت؛ لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به ~~والمتنعم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (فظلتم تفكهون)، أي: تلاومون. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (فصرتم تفكهون)، وقوله: (فظلتم) ~~يستعمل في زمان النهار دون الليل. # وقوله - عز وجل -: (إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أي: فظلتم ~~تقولون: إنا لمغرمون. # ثم اختلف فيه: # قيل: إنا لمعذبون بقوله: (إن عذابها كان غراما). # وقيل: إنا المذمومون الملقون للشر، ونحو ذلك، لكنه من الغرم الظاهر؛ لأن ~~مرتجعه خسران في ماله، أو هلاك يلحقه الغرامة؛ لما يحتاج إلى غيره، وأصله ~~كأنه يقول ms4397 - والله أعلم -: لو جعله حطاما يابسا لا تنتفعون به، ظلتم ~~تقولون: (إنا لمغرمون). # وقوله: (بل نحن محرومون) قيل: المحروم: هو الذي ينتفى عنه المال أو ما ~~ينتفع به. # وقال بعضهم: محدودون. # وقيل: محاربون. # لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون (69) يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب ~~فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحا ما يهلك الأنفس، ولا تقوم ~~به، وكذلك قوله: (لو نشاء لجعلناه حطاما) حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ~~ولكن بفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخره: (فلولا ~~تشكرون (70) أي: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟ # ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حيث قال: ~~(أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون)، والإمناء: هو فعل ~~العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: (أأنتم ~~تخلقونه)، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك. # وفي قوله تعالى: (لو نشاء لجعلناه حطاما) و (أجاجا) نقض قولهم في الأصلح؛ # PageV09P502 # فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك ~~الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ~~ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى لو شاء أن يجور لجار؛ ~~فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم. # وفي قوله تعالى: (قدرنا بينكم الموت) نقض قولهم من أن المقتول لم يمت ~~بأجله؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت ~~بما قدر الله تعالى، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق ~~في ذلك بقوله: (وما نحن بمسبوقين)، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل ~~أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن ms4398 وفاء ~~ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه ~~يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق. # ثم قوله: (أأنتم أنزلتموه من المزن) اختلف في تأويل المزن: قال عامة أهل ~~التأويل والأدب: المزن: هو السحاب. # وقال أبو بكر الأصم: المزن: هو الماء العذب؛ فعلى قوله يكون حرف (من) ~~صلة، كأنه قال: أأنتم أنزلتم المزن. # والظاهر ما ذهب إليه أولئك: أنه ينزل من السحاب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أفرأيتم النار التي تورون (71) قال بعضهم: توقدون. # وقال بعضهم: تقدحون، يقال: قدحت النار، وأوريتها: أي أخرجتها؛ يقال: ورت ~~الناس تري وريا؛ فهي وارية، أي: أضاءت. # وقوله - عز وجل -: (أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72) قيل: هي ~~الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار وتحرق. # وقيل: هي الشجرة التي فيها النار، وهي التي يتخذ منها الزيوت، والأول ~~أقرب، والله أعلم. # وقوله: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) قال بعض أهل التأويل: أي: ~~جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى، وهي نار الآخرة. # ويحتمل أن يكون (نحن جعلناها)، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم ~~الموعودة. # أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومتاعا للمقوين) قال بعض أهل التأويل: أي متاعا ~~للمسافرين، خص المسافرين، لنزولهم القواء، وهو القفر؛ وهو قول القتبي. # PageV09P503 # وقيل: المقوين: المستمتعين. # وقال أبو عوسجة: المقوي: الذي لا زاد له. # وقيل: الذي يقع في أرض قواء، والقواء: الأرض الخالية من الناس. # وقال أبو عبيد: أرى الذي لا زاد له ليس أولى بالنار، ولا أحوج إليها من ~~الذي معه الزاد؛ بل صاحب الزاد إليها أحوج، ويقال: رجل مقو: إذا كانت معه ~~مطية قوية. # قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) ~~إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل ~~من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن ~~أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ms4399 (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ~~ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان ~~وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين ~~(91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم ~~(94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96). # وقوله - عز وجل -: (فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم (76) عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان. # وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وبه أخذ أبو عبيد، وقال: إن بعض ~~أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ~~ومساقطها، وأي الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوحدان. # ثم اختلف في قوله: (فلا أقسم): # منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك ~~جائز في اللغة، كقوله: (ما منعك ألا تسجد)، ونحوه، يكون على الصلة والزيادة ~~على التوكيد. # ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك ~~الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يذكر ذلك؛ لما كانت معروفة بينهم، ~~فرد ذلك بقوله: (فلا) ثم ابتدأ القسم بقوله: (أقسم)، كأنه قال: أقسم قسما ~~بمواقع النجوم. # PageV09P504 # ثم اختلف في تأويل قوله: (بمواقع النجوم) على الوجهين اللذين ذكرناهما. # وقال بعضهم: (بمواقع النجوم): بمواقع نزول القرآن نجوما؛ دليله: ما ذكر ~~على أثره: (إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون) # والثاني: (بمواقع النجوم) النجوم المعروفة؛ على ما قال بعضهم. # ثم إن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه. # أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى ~~يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم. # أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة ~~الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها. # أو (بمواقع النجوم) أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة ~~النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ~~ما لا يتوهم قطع ذلك ms4400 من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع ~~المسافات والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم. # ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من الله تعالى. # وجائز أن يكون القسم من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن أضافه إلى ~~نفسه؛ تعلميا منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقسم برب هذه ~~الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع ~~بينهم وبين الله تعالى؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار ~~والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذكر: (فلا أقسم ~~برب المشارق)، ليس من الله تعالى، ولكن من الرسول؛ إذ لا يحتمل أن يكون ~~الرب - عز وجل - هو المقسم، ويقول: (برب المشارق)؛ فظاهره أن يكون الرسول ~~هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، والله أعلم. # ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ~~ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أن ~~لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث ~~والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، ~~لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد ~~والرسالة، والله الموفق. # PageV09P505 # وقوله: (إنه لقرآن كريم (77) على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: ~~أن يقول: (إنه لقرآن كريم)، أي: الذي أقسم به وأنزله نجوما هو كريم. # وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: (إنه لقرآن ~~كريم) ابتداء ذكر منه له. # ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: # أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي ~~العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها. # أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف. # أو كريم عند الله عظيم: لذلك وصفه بالكرم، والله أعلم. # وقوله: (في كتاب مكنون (78) قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه ~~مكنونا: لأنه مستور على خلقه عند الله. # وقال - عز ms4401 وجل -: (لا يمسه إلا المطهرون (79) يقول: لا يمس ذلك إلا ~~المطهرون. # وقال بعضهم: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهم؛ كقوله تعالى: (بأيدي ~~سفرة. كرام بررة)، طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن ~~تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: (تنزيل من رب العالمين ~~(80) أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من ~~الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: (نزل ~~به الروح الأمين (193) على قلبك)،، وقال: (علمه شديد القوى)، أخبر أن الذي ~~نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا ~~يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله ~~تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وكل حفظه إلى نفسه؛ لا إلى ~~أحد من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، والله أعلم. # وقوله: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) قال بعضهم: أفبهذا القرآن أنتم ~~كافرون؟ (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) الله تعالى جعل هذا القرآن حياة ~~الدين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ~~ما به حياة الدين والأبدان جميعا. # ثم يخرج ما ذكر من تكذب الرزق على وجوه: # أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء ~~كذا؛ كانوا # PageV09P506 # ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذا يخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة ~~العالم ورازقتهم؛ لا يجعلون لله تعالى في ذلك تدبيرا. # فأما من ينسب الرزق إلى الله تعالى، ويقول: رزقنا الله بنوء كذا، فليس في ~~ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله تعالى ~~بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا تعالى بسبب ~~كذا، فذلك جائز القول به. # وقال بعضهم: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ ~~وبه قال أبو عبيدة. # وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، ~~والعبادة لغير المستحق لها، والله ms4402 أعلم. # وقال الحسن: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى ~~لم يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن ~~التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون). # وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: (وتجعلون رزقكم)، وهو هذا القرآن الذي ~~خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون ~~بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله تعالى: ~~(وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم). # وقال في قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون): هو الذي يرى الموافقة، ~~ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله ~~أعلم. # وقال أبو معاذ: مدهن ومدهن لغتان، ثم أصل المداهنة من المخادعة، يقال: ~~داهنته وادهنته. # ثم الفرق بين المداهنة والمداراة كأن المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى ~~يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقا عليه ليتحقق له عليه ~~الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما في الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، ~~لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله: (فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ليس هذا ~~الكلام صلة ما تقدم # PageV09P507 # من الكلام. # ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك للمؤمنين: (لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا)، يقول - والله أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ~~ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم، وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، ~~وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: (لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا. . .) الآية، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنتم حينئذ تنظرون) يخرج على وجهين: # أحدهما: (تنظرون) أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟ لا تملكون ردها ~~إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟ # والثاني: (وأنتم حينئذ تنظرون) على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني ~~وقدرتي. # وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم ms4403 الموت، وهو ما ذكرنا. # وجائز أن يكون قوله: (وأنتم حينئذ تنظرون)؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ~~رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول ~~الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم ~~الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ~~ذلك فكيف عبدتموها؟ والله أعلم. # وقوله: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) قال بعض أهل التأويل: ~~(ونحن أقرب إليه منكم) أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم ~~(ولكن لا تبصرون) الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره ~~وتسليطه يعملون. # وقيل: نحن أقرب إليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ~~ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: (ولكن لا تبصرون) أنتم، أي: لا ~~تعلمون ذلك، والله أعلم. # وقوله: (فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87) قال ~~بعضهم: (غير مدينين) أي: لو كنتم غير مملوكين لله تعالى على ما زعمتم، ~~ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: ~~أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا ~~المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ~~ما فيها، فإذا لم تملكوا كنتم مملوكين، والله أعلم. # وقال بعضهم: (غير مدينين) أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة ~~الأولى، # PageV09P508 # واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى حكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه ~~الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم ~~(89) إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر ولمن ذكر ذلك؟ قال بعضهم: إن ذلك يقال ~~لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. # ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة، وأولئك النار؛ أعني: ~~الكافرين، وهو ما ذكر، (وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. ~~وتصلية جحيم. إن هذا ms4404 لهو حق اليقين). # وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الجنة، وصفا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده في الجنة، ومكانهم ~~لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين ~~عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن ~~السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: (فروح ~~وريحان) أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما ~~كانوا في الدنيا، وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و ~~(فسلام لك من أصحاب اليمين) على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من ~~الوجهين اللذين ذكرناهما. # ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت -أعني للمؤمنين والكافرين- في حق ~~المؤمنين: (فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان)، (وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين. . .) كذا، وفي حق الكفرة: (وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) ~~فنزل من حميم (93). . .) الآية. # ويحتمل ما ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل ~~النار النار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فروح وريحان وجنت نعيم) اختلف في تأويله وتلاوته: # أما تلاوته: روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ هذا الحرف (فروح وريحان) تعني: بضم الراء. # وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا. # وعن الضحاك: بفتح الراء، وعليه جميع القراء. # وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن ~~لا أجد أحدا عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - على الضلالة. # PageV09P509 # وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ~~ريحاننا. # وعن أبي عبيد قال: بالرفع: هو الحياة والبقاء. # وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق. # وقال بعضهم: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا ~~كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقال: فلان ريحاني؛ ~~وذلك لشرفه ms4405 ومنزلته عنده. # ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة. # وقال بعضهم: الروح -بالرفع-: من الرحمة، وبالنصب: الراحة. # ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: (لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: ~~(وأيدهم بروح منه)، أي: برحمة منه، يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في ~~الجنة في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب ~~اليمين (91) يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ويحيي بعضهم بعضا بالسلام. # ويحتمل (فسلام لك) أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى. # وذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، ~~فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. # وقيل: يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لهو حق اليقين (95) يقول: هذا الذي ذكرنا ~~للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا ~~شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه. # وقوله - عز وجل -: (فسبح باسم ربك العظيم (96) يقول - والله أعلم - فسبح ~~ربك باسم لا يسمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد ~~والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، والله الموفق للسداد وإليه المرجع ~~والمآب. # * * * # PageV09P510 ### | سورة الحديد # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ~~ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ~~ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في ms4406 النهار ويولج ~~النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6). # قوله - عز وجل -: (سبح لله ما في السماوات والأرض) يجوز أن يقرأ (سبح ~~لله) وسبح الله، كما يقال في الكلام: شكر لله، وشكر الله، ونصح لله ونصح ~~الله. # ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن؛ لأن ~~التسبيح: هو التخليص والتنزيه والتبرئة، فمتى أضيف الفعل إلى الله تعالى، ~~ووقع عليه، فيقال سبح لله، فمعناه: أنه نزهه وبرأه عن جميع معاني الخلق، ~~وخلصه عن شبه المخلوقين، وإذا قيل: سبح لله، فقد وقع الفعل على الأشياء ~~المخلوقة؛ أي: خلصها كلها له وبرأها عن غيره، وإذا وصف بأن كل الأشياء له، ~~وهو المالك لها، وهم عبيده ومماليكه، خاضعون أذلاء، فقد وصف بالغناء ونفي ~~الحاجة عنه، وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا ~~الوجه ينظمان معنى واحدا، وإن كانا مختلفين وفي الباطن مؤتلفين؛ كما أن ~~الإسلام: هو أن يجعل كل شيء من الخلق لله تعالى خالصا سالما له، والإيمان: ~~هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق الله تعالى بالربوبية في ~~الخلق والأمر، فقد جعل الخلق سالما له، فمتى جعل سالما له فقد صدقه في ~~الربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر، فعلى ذلك ~~هذا، والله الموفق. # ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح: هو تسبيح الخلقة، تشهد له خلقة كل شيء ~~بالوحدانية والألوهية، فهذا على خلقة الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من ~~المخلوقات. # ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذين في السماوات والأرض، ويرجع إلى ~~تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار. # وجائز أن يرجع إلى كل ذي روح يجعل الله في سرية هذه الأشياء من التسبيح ~~له ما # PageV09P511 # يعلمه هو لا يعلمه غيره إلا بإعلام الله تعالى إياه ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو العزيز الحكيم) يخرج على وجوه: # أحدها: العزيز: هو الذي أفقر الخلق وأحوجهم إليه، والحكيم: هو المحكم ~~للأشياء المتقن لها. # أو العزيز: القاهر الغالب، الحكيم: هو العالم بالأشياء على حقيقتها. ms4407 # أو العزيز: هو المالك كل ملك؛ كقوله: (مالك الملك)، الحكيم: الواضع كل ~~شيء موضعه. # وقوله - عز وجل -: (له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء ~~قدير (2) جائز أن يكون (له ملك السماوات والأرض) تفسيرا لقوله: (العزيز ~~الحكيم). # وقوله - عز وجل -: (يحيي ويميت) أي: يملك أن يحيي هذا، ويميت غيره، أو ~~يحيي من شاء، ويميت من شاء، ويملك إحياء من شاء وإماتة من شاء، (وهو على كل ~~شيء) من الإحياء والإماتة وغيرهما (قدير). # وقوله - عز وجل -: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ~~(3) قالت الباطنية: الأول: معناه: المبدع الأول، والآخر: المبدع الثاني، ~~والظاهر: هو الناطق، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والباطن: هو صاحب ~~التأويل؛ يقولون: إن المبدع الأول أتم للمبدع الثاني المعونة؛ فيستعين بها ~~المبدع الثاني على خلق هذا العالم وإنشائهم؛ لأنهم يقولون: إن المبدع ~~الثاني هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانة المبدع الأول، والناطق هو ~~الذي دبر الشرائع، والباطن -وهو صاحب التأويل- هو الذي يبين الشرائع التي ~~دبرها الناطق وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصفون أن الله تعالى ~~هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء؛ ~~لأن الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن؛ كل حرف من هذه الحروف يبطل ~~الآخر في الشاهد. # وجوابنا: أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق والباطن، ليس بشيء ~~له معنى على ما ذكرنا في موضعه، وأما عندنا: فإن قوله: (هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن) هو حرف التوحيد: هو الأول بذاته، والآخر بذاته والباطن ~~بذاته؛ قال هذا؛ ليعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته ~~آخرية غيره، فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره، ولا من باطنيته باطنية ~~غيره؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية ~~لا يكون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكون له باطنية، ومن كان له ~~باطنية لا يكون له ظاهرية؛ فكل حرف من هذه الحروف مما ms4408 ينقض # PageV09P512 # الحرف الآخر وينفيه في الشاهد، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه؛ ليعلم ألا ~~يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية ~~الأشياء، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته، وهذا كما ذكر: أنه عظيم ولطيف، ~~وكل واحد منهما في الشاهد مما يناقض الآخر وينفيه: ما عظم ينفي ويناقض ما ~~لطف؛ لئلا يفهم من عظمة ما يفهم من عظمة غيره، ولا من لطافته ما يفهم من ~~لطافة غيره، والله الموفق. # وقال بعضهم: الأول: الذي لا ابتداء له، والآخر: الذي لا انتهاء له، ~~والظاهر: هو الغالب القاهر، الذي لا يغلبه شيء، والباطن: الذي لا تدركه ~~الأوهام. # وقال بعضهم: هو الأول الذي له أولية الأشياء، والآخر الذي له آخرية ~~الأشياء، والظاهر بالحجج والآيات، والباطن الذي لا تدركه الأوهام، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج ~~فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) كأن خلق ما ذكر من ~~السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: الستة الأيام التي تدور عليها ~~أيام الدنيا، وهي أيام حكمة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء ~~وأصولها، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها، وما يكون أبد الآبدين، فعلى هذا ~~التأويل يكون قوله: (ثم استوى على العرش) أي: استوى أمره، فخلق الممتحن، ~~وهم البشر؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر، ولهم إنشاء هذه ~~الأشياء. # وإن كان المراد من قوله: (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) أيام الدنيا ~~الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة؛ على ما ذكره في اية أخرى؛ فيكون ما ذكره ~~من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد ~~منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله: (ثم استوى على ~~العرش) البعث؛ أي: استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك ~~البعث لم يكن إنشاء هذا ms4409 العالم الأول حكمة؛ فالمقصود من إنشاء هذا العالم ~~البعث، وله يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر. # ثم تأويل العرش: يحتمل الملك؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ~~ذكرنا، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله: (استوى على العرش)؛ لأنه لا يعلم ما ~~أراد به، إذ قال في ذلك: (فاسأل به خبيرا) أمر أن يسأل به خبيرا، ولم يرد ~~بذلك: أنه يسأل به عنه؛ فلا يسمع تفسيره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها)، أي: كثرة ذلك وازدحامه، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه ~~شيء. # PageV09P513 # والثاني: يخبر أن السماء والأرض مع ثقلهما وكثافتهما لا يستران ولا ~~يحجبان عليه الوالج فيهما، والخارج منهما والنازل منهما، والإحاطة بذلك؛ ~~ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو معكم أين ما كنتم) هذا الحرف يخرج على وجهين: # أحدهما: (وهو معكم): أي: عالم بكم وبأفعالكم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم. # والثاني: (وهو معكم) يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال؛ يقول: إن كنتم ~~محبين له، خاضعين مطيعين، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم، وإن ~~كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم، والانتقام منكم، والله ~~أعلم. # وقوله: (والله بما تعملون بصير) وقال أهل التأويل: أي: علمه وسلطانه ~~وقدرته معكم أينما كنتم، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا ذكر - جل وعلا ~~- بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم أحد إليه سواه، يوصف بالأزل، فيقال: لم يزل ~~عالما قادرا خالقا، بلا ذكر وقت، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره، وإذا ذكر ~~معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال ~~للخلق دون الله تعالى، فيقال: لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا ~~للعالم وقت كونه؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق، وعلى ذلك قوله تعالى: (حتى ~~نعلم المجاهدين منكم والصابرين) الآية، (ليعلم الله من يخافه بالغيب) وقوله ~~تعالى: ms4410 (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب)، وقوله: (ولنبلونكم بشيء من ~~الخوف والجوع. . .) الآية، وقوله تعايى: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين)، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق، فعلى هذا ~~قوله: (وهو معكم أين ما كنتم)، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) ~~الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية، فجائز أن يكون قوله: ~~(ملك السماوات والأرض)، أي: له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات ~~والأرض، وعلى أهلهما، وله السلطان عليهم، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (ملك السماوات والأرض)، أي: له خزائن السماوات ~~والأرض، يعطى من يشاء، ويحرم من يشاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإلى الله ترجع الأمور) أي: إلى الله يرجع تدبير ~~الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس تدبير ذلك إلى الخلق، ~~والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (وإلى الله ترجع الأمور)، أي إلى الله ترجع أمور ~~الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال، والثواب والعقاب وغير ذلك، والله ~~أعلم. # PageV09P514 # وقوله - عز وجل -: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ... (6) ~~إيلاج الشيء: إنما هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه؛ هذا هو المعروف، ~~لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء ~~في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا؛ على ~~إتلاف كل واحد منهما بالآخر، لا على الإبقاء، وفي ذلك وجوه من الدلالة: ~~أحدها: يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تدبير، لا فعل عدد، أو لا تدبير ~~له؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان ~~إلى أبد الآبدين؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما ~~لغيره، ولغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره؛ على ما يكون من عادة الملوك؛ ~~على ما قال: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، وقال: (إذا لذهب كل ms4411 إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)، والله الموفق. # وفيه دلالة البعث، وهو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار، وإتيان النهار ~~بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك؛ على ما تقدم ذكره. # وقوله: (وهو عليم بذات الصدور)، قال أهل التأويل: أي: عليم بما في ~~الصدور. # وجائز أن يكون تأويله: وهو عليم بما في الصدور: أرباب الصدور، وهم البشر ~~الذين لهم الصدور والتدبير؛ لأن الصدور إنما يقال للذين لهم تدبير وتمييز، ~~وهم البشر، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول ~~يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على ~~عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) ~~وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم ~~من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ~~آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم ~~بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن ~~معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى ~~جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير (15). # وقوله - عز وجل -: (آمنوا بالله ورسوله) الإيمان بالله: هو أن تجعله رب ~~كل # PageV09P515 # شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن ~~الله تعالى وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر الله ~~تعالى ونهيه يأمر ms4412 وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان بالله تعالى ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) يقول - والله أعلم ~~-: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم ~~بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من ~~تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما ~~أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، والله أعلم. # ثم أخبر تعالى بقوله: (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) أن من ~~كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه ~~والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ المال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر ~~على سيده، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين (8) في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: ~~(وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم)، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف ~~يقرون بالله وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول الله؛ إذ التصديق بالرسول تصديق ~~بالمرسل، وهم لا يؤمنون بالله، فكيف يصدقون الرسول؟ لكنه يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون بالله؟ أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم ~~بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما ~~لكم لا تؤمنون بقدرته؟ على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: ~~منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد ~~وينكر البعث، والله أعلم. # والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان بالله تعالى والرسول دعاكم، ~~وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟ فأي عذر ~~لكم من ترككم الإيمان به؟ فما لكم لا تؤمنون؟ # وقوله - عز وجل -: (وقد أخذ ميثاقكم) قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق ~~من الله تعالى يخرج على وجوه: # أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام ms4413 - كقوله تعالى: (وقال الله إني ~~معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . .)، إلى آخر ما ذكر، ~~وغير ذلك من أمثاله. # PageV09P516 # والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له. # والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون ~~ما لهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى. # ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - عليه السلام -، ~~والوجوه الأول أقرب. # وجائز أن يكون قوله: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا ~~بربكم) في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين بالله ورسوله محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: ما لكم ~~لا تؤمنون بالله والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟! # ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا ~~يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان بالله والرسول يدعوكم لتحققوا ~~الإيمان بربكم؟ وهو كقوله: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله)، أي: لا عذر لكم في الكفر بالله ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ~~ذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن كنتم مؤمنين) بالآيات والحجج. # أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله تعالى: (ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر)، لأنهن إذا ~~كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن ~~فسرت الآيات بالحجج؛ لأن الآيات حجج من عند الله تعالى جاءت، لا أنها ~~مفتعلات من الخلق. # وقوله: (بينات): واضحات أنها من عند الله جاءت، لا من عند الخلق، أو ~~بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى. # وقوله - عز وجل -: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) ما أضيف إلى الله ~~تعالى من الإخراج، ms4414 فهو على وجهين: # أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوفقهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة ~~والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان. # والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حقيقة ~~الإخراج، وهو كقوله: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) في هذه الآية، ونظير ~~حقيقة الإخراج قوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)، ~~وعلى هذا يخرج إضافة # PageV09P517 # الهداية إلى الله تعالى: على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: ~~على الدعاء والبيان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن الله بكم لرءوف رحيم) جائز أن يكون معناه: وإن ~~الله بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين ~~خاصة. # وجائز أيضا أن يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ أي: بكم لرءوف رحيم بما ~~أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان في أنفسكم وعقولكم كفاية ~~على معرفة وحدانية الله تعالى وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، ~~لكن بفضله ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى ~~إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات ~~والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) ~~هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى الله تعالى؛ ~~كقوله تعالى: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها)، فعلى هذا قوله: (وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله) أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل الله قبل أن يزول ملككم ~~ويصير ميراثا لله تعالى. # وجائز أن يكون قوله: (ولله ميراث السماوات والأرض) إضافة وراثة بعضهم من ~~بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ~~ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا ~~لغيركم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا ms4415 يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة. . .) الآية. # قال بعضهم: (لا يستوي منكم من أنفق)، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل ~~الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ لأن ~~الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ~~ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أنه قال: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح "؛ لأن إيمانه ~~- رضي الله عنه - في وقت الخوف على متبعي الإسلام. # أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ~~ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولمن تابعه. # أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال ~~من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ~~ولا طمع كان معه، والله أعلم. # PageV09P518 # وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي ~~عنه - صلى الله عليه وسلم -: " لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية " وقوله ~~- عز وجل -: (وكلا وعد الله الحسنى)، أي: وعد الله لكلا الفريقين: من أنفق ~~قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن. # وقال بعض أهل التأويل: هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول ~~الله، فتح هو؟ قال: " نعم، فتح عظيم ". # وعن قتادة: هو فتح مكة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله بما تعملون خبير) فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ~~ويرهب عنه. # وقوله - عز وجل -: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر ~~كريم (11) قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده ~~معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة ~~أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من ~~شرائه ms4416 أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم ~~عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأنهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ~~ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدئمة ~~والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من ~~آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خاج عن عادة الخلق، وطبعهم، ~~وصنيعهم بعضهم مع بعض، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده وعد لهم بما أمسكوا ~~لأنفسهم أضعافا مضاعفة. # ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء ~~وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، ~~أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك ~~من أنواع ما يخاف التلف منها، والله أعلم. # PageV09P519 # وقوله - عز وجل -: (وله أجر كريم)، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله ~~أعلم. # وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن ~~يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو ~~الفوز العظيم (12) جائز أن يكون قوله: (يسعى نورهم) أي: كتبهم التي يعطون ~~في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب ~~سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة ~~- رضي الله عنها -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: (فأما من ~~أوتي كتابه بيمينه. . .) الآية. # وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا. # وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون، ~~يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل ~~الشرك بشمالهم، وأهل النفاق من ورائهم. # وجائز أن يكون قوله: (وبأيمانهم) كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما ~~بالأيمان ms4417 ينال اليمن والبركات فسماها بذلك. # ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك. # وقوله - عز وجل -: (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها) إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ وهذا يدل ~~أن النور المذكور لهم يكون قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. # وقوله: (ذلك هو الفوز العظيم)؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع ~~لذلك. # ثم قوله: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ~~ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء ~~دالا على التخصيص ونفي غيره. # وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ~~إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، وإلى صنعاء، فدون ذلك، ~~حتى من المؤمنين مؤمن لا يضيء نوره إلى موضع قدميه، وللمؤمنين منازل ~~لأعمالهم ". # PageV09P520 # وروي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (نورهم ~~يسعى بين أيديهم): ما أفرطوا من أولادهم. # وقوله - عز وجل -: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا ~~نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب ~~باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) منهم من قرأ: (للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم)، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: ~~فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - والله أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت ~~فلانا أنظره. # وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ ~~إذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا. # وقال أبو عوسجة: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة. # ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببعد من المؤمنين وألا ينتفعوا ~~بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: (انظرونا نقتبس من ~~نوركم)، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون بنورهم، لكانوا لا يطلبون منهم ~~الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، والله أعلم. # وقوله: (قيل ارجعوا ms4418 وراءكم فالتمسوا نورا) من الناس من يقول: إن هذا هو ~~الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: (الله يستهزئ ~~بهم)، فقوله: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا) هو ذلك الاستهزاء. # وقلنا نحن في قوله: (الله يستهزئ بهم)، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين ~~استهزءوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالمؤمنين. # وجائز أن يكون قوله: (ارجعوا وراءكم) وليس على الأمر بالرجوع من وراء ~~والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء ~~هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، والله أعلم. # وقوله: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) ~~الآية. # جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث ~~قال: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال)، السور: هو الأعراف التي ذكر أنها ~~تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا ~~بنور المؤمنين. # وقوله: (له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب). # جائز أن يكون قوله: (باب) ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن ~~الطريق والسبيل؛ يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، أفضاه إلى ~~الرحمة، ومن # PageV09P521 # سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب. # وجائز أن يفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون ~~أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة. # أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: ~~قوله تعالى: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم)، والاطلاع في الظاهر إنما يكون من ~~مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم ~~وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) ~~أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا ~~القول منهم (ألم نكن معكم) تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم ms4419 في ~~الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: ~~(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم)، ثم أخبر أنهم هم ~~الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: (ألم نكن معكم) يخرج على ~~تغريرهم إياهم. # ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: (بلى)، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهم، ~~فكيف قالوا: بلى؟ فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأولئك على ما عرفوا من ~~خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك. # أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا. # أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة. # وقوله: (ولكنكم فتنتم أنفسكم) يخرج على وجوه: # أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوع إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله ~~تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته ~~فتنة انقلب على وجهه) أي شدة، وقال القتبي: (فتنتم أنفسكم) أي: أثمتموها. # وقوله: (وتربصتم) يخرج على وجهين: # يحتمل تربصتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيموت عن قريب، أو ~~أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أولئك الكفرة. # وقوله: (وارتبتم)، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم ~~والشبه. # وقوله: (وغرتكم الأماني) يخرج على وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا من اتباعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان ~~يتبعون غرضهم في ذلك. # والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول الله وهلاكه، أو عوده إلى دينهم. # PageV09P522 # وقوله: (حتى جاء أمر الله) أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة. # وقوله: (وغركم بالله الغرور) أي: غركم عن دين الله الشيطان. # وقوله - عز وجل -: (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم ~~النار هي مولاكم وبئس المصير (15). # قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم ~~فدية يومئذ، ليس أنه يكون لهم فدية ولا تؤخذ. # أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر ~~أن أمر الآخرة على خلاف ms4420 ما يكون في الدنيا؛ إذ في [الدنيا] ربما يحتال لدفع ~~البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا. # وقوله: (مأواكم النار)، أي يأوون إليها. # وقوله: (مأواكم النار)، أي: أولى بكم وأحق. # وقوله: (وبئس المصير)، أي: بئس ما يصيرون إليها. # ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ ~~لأنه تعالى جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، ~~والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاق، ولم ~~يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم ~~الله تعالى الناس أقساما ثلاثة: السابقين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال هم ~~المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا ~~للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (فأما إن كان من المقربين (88) فروح ~~وريحان وجنت نعيم (89) وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب ~~اليمين (91) وأما إن كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) ~~وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95). جعل الجنة للمقربين وأصحاب ~~اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو ~~مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم (19). # وقوله - عز وجل -: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما ~~نزل من الحق) # PageV09P523 # (وما نزل) قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد شدد لما سبق من ذكر الله تعالى، ومن ~~خفف، جعل الفعل للحق. # ثم الآية تحتمل وجوها: # أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا ~~الإيمان، وأضمروا ms4421 الكفر، (ألم يأن)، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهرا وأظهروا ~~الموافقة للمؤمنين (أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، أي: إذا ذكر الله (وما نزل ~~من الحق)، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم ~~كانوا يتربصون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والدوائر، ويطمعون هلاكه، ~~أمن الله تعالى المؤمنين من ذلك الخوف وآيس أولئك عما تربصوا فيه من نزول ~~الدوائر، فقال: (ألم يأن للذين آمنوا) ظاهرا (أن تخشع قلوبهم لذكر الله) ~~والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم ~~الأمد فقست قلوبهم). # على هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساوة ~~القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب. # ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل أن يبعث فيقول: (ألم يأن للذين آمنوا) به من قبل أن ~~يبعث (أن تخشع قلوبهم) أي كتابهم (وما نزل من الحق) وهو القرآن أن يؤمنوا ~~به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم. # ثم قوله - عز وجل -: (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل. . .) ~~الآية. # أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، (فطال عليهم الأمد) ~~أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ (فقست قلوبهم) بطول ترك نظرهم فيها، ~~والله أعلم. # ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: (ألم يأن)، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر الله ~~بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر الله، ويزداد ~~لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، والله أعلم. # والثاني: (ألم يأن)، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في ~~الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله، (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب)، أي: لا ~~تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، كالذين غفلوا عما ms4422 ~~فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا # PageV09P524 # أنتم كهم؛ فتقسوا قلوبكم كما قست قلوبهم. # وقوله - عز وجل -: (وكثير منهم فاسقون)، أي: كثير من أولئك الذين أوتوا ~~الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب. # وجائز (وكثير منهم فاسقون) أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو ~~كقوله: (وأكثرهم للحق كارهون)، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين ~~كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعوهم وقلدوهم. # وقوله - عز وجل -: (اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17). # ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن الله هو يحيي الأرض بعد موتها، ~~بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حيث قال: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة ~~الربوبية لله تعالى والواحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: (اعلموا أن الله ~~يحي الأرض بعد موتها)، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية ~~لله تعالى، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما ~~يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، أنه يمتحنكم ~~بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى. # أو يقول: قد علمتم أن الله تعالى هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون ~~فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة ~~البركات الدائمة في الحياة الباقية. # أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه ~~قادر على البعث، والله أعلم. # وقوله: (قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف " ~~لعل " من الله تعالى يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع ~~العقل للآيات والفهم لها إذا نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من الله تعالى. # أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف " لعل " للإيجاب دون الترجي، ~~وهم الذين علم الله تعالى أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل ms4423 -: (إن المصدقين والمصدقات ... (18) قرئ مشدد الصاد ~~والدال، ومخفف الصاد، فمن شدده جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، ~~فأدغم التاء في الصاد؛ فيصير المصدقين، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ~~ذكر في حرف أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين ~~والمتصدقات). # PageV09P525 # ومن خففه، جعلهما من أن تصديق والإيمان. # وقوله: (وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم). # قد ذكرنا تأويله فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء ~~عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~(19) سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد ~~يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق ~~الله - صدق رسله فيما أخبروا عن الله تعالى وفيما دعوهم إلى ما دعوا، ~~وبلغوا عن الله إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية الله ~~تعالى وألوهيته من حيث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، ~~فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه ~~الله - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، ~~صارت خطبة طويلة، والله أعلم. # فإن قيل: إن أبا بكر - رضي الله عنه - فضل باسم الصديق على غيره من ~~الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟ # قيل: إن أبا بكر - رضي الله عنه - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة ~~والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين ~~سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم ~~إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى ~~تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون. # ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين ~~سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفي الأمرين جميعا كان أفضل ممن وفي أمرا ~~واحدا. # وقوله: (والشهداء ms4424 عند ربهم) من الناس. # من جعل قوله: (والشهداء عند ربهم) على الابتداء مقطوعا من قوله: (أولئك ~~هم الصديقون)، ومنهم من وصله به: # فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله تعالى: (فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، ثم أخبر أن لهم أجرهم. # ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: (لتكونوا ~~شهداء على الناس. . .) الآية، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، والله ~~أعلم. # PageV09P526 # ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن الله ~~تعالى إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من ~~الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، يستدلون ~~بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل ~~وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ~~وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ~~ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24). # وقوله: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ~~في الأموال والأولاد). # ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ ~~فإنهم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ الله تعالى لعبا ~~ولهوا ولا منشئ سواه؟ فلهم موضع ms4425 الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - ~~أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال: (وما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما لاعبين)، وقال: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا)، وقال ~~في هذه الآية وغيرها: (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو). # فنقول: إن الآية تخرج على وجوه: # أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة ~~الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ~~ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيث أعجب ~~الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، ~~والله أعلم. # والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ~~ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده -كان إنشاؤها عبثا ولهوا- إذ لو كان ~~على ما ظنوا لم يكن # PageV09P527 # إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة ~~عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا)، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما ~~كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل ~~التوحيد حكمة وحق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد ~~رد الله عليهم بقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون). # وجائز أن يكون معنى قوله: (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو)، أي: لو قوبلت ~~بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع ~~والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر: (قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى)؛ لأنها باقية، والدنيا فانية. # أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة ~~الدنيا للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة ~~وبلغة إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم)، أخبر أن ~~الإنفاق ms4426 للدنيا كمثل ريح فيها صر، وقال في النفقة التي تكون في الدنيا ~~لحياة الآخرة: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل. . .) الآية، والله أعلم. # وقوله: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته). # والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات ~~لأهل الإيمان؟ فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من ~~النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة ~~لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من ~~المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق ~~الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس ~~الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق. # ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو ~~كقوله: (يعجب الزراع. . .)، فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وفي الآخرة عذاب شديد)، أي: لهؤلاء الذين اتخذوا ~~الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى ~~الآخرة. # PageV09P528 # وقوله: (ومغفرة من الله ورضوان)، فهو للمؤمنين الذين اتخذوا الحياة ~~الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل ~~فيها، ووضعوها مواضعها، والله أعلم. # وقوله: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) هو يخرج على الوجوه التي ~~ذكرنا في قوله: (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو). # قال الإمام الهندي - رضي الله عنه - في قوله: (وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور): إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له -حكمة ~~وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي ~~أنشئت وجعلت- غرور ولعب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، ~~وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاه لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع ~~الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن ms4427 له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة ~~وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند الله ليوم فاقته، فمن أحبها ~~واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره ~~واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: (وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) على ما يختارون هم ويحبونها؛ وذلك أن الله ~~تعالى أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قال: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)، ~~وقال: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)، يجب أن ينظر إلى ~~ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ~~ملوك الأرض لو أكرم أحدا بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ ~~فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقي نعمة الله تعالى ~~بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة. # ثم الناس بعد هذا رجلان: # رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، وجعلها عند الله ذخرا وزادا لوقت فقره ~~وحاجته. # ورجل زهد فيها؛ خوفا من التقصير في عبادة الله تعالى في حقوقه أن يشتغل ~~بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه - صلى الله عليه وسلم -. # وأما من ترك الدنيا وما أنشأ الله تعالى فيها من النعم؛ استخفافا بها ~~وهوانا، فهو الجاهل المستخف بنعم الله تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا ~~وما فيها، فهذا والذي # PageV09P529 # طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد ~~فيها محمودان، والله أعلم. # وعلى ذلك يخرج " إن حب الدنيا رأس كل خطيئة ": أن من أحبها لغيره ولغير ~~الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، ~~فهي رأس كل حسنة وطاعة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (21) يقول: اجعلوا المسابقة ms4428 فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى ~~الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أهل الكفر جعلوا المسابقة في ~~الدنيا في جمع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا ~~أنتم المسابقة في طلب مغفرة الله وجنته، والله أعلم. # ويحتمل تسبقون آجالكم بأعمالكم التي توجب لكم المغفرة والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض. . .) الآية، ذكر سعة ~~الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: ~~(وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة)، وقال - تعالى -: (وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين)، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، والله ~~أعلم. # ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن ~~عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ~~ذكر، وهو كقوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض)، ذكر دوامهما؛ لما ~~لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان. # ويحتمل أن يقول: (عرضها كعرض السماء والأرض)، أي: تصير السماوات والأرض ~~جميعا جنة لهم. # ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف النار بالضيق، حيث قال: (وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا)، وذلك أنه ليس في فضل النار على قدر ~~المجعول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة فلذلك تضيقت، ولفضل الجنة على قدر ~~الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، والله أعلم. # ثم أخبر أنها أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله، والإيمان بالله - تعالى -: ~~هو أن يصدق # PageV09P530 # كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما ~~أخبروا عن الله تعالى، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك ~~على المعتزلة؛ لقوله - عز وجل -: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)؛ دلت الآية ~~على أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد ~~سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال -وإن كثرت- شكرا ~~لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ~~ثوابا وجزاء، والله ms4429 أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب ~~من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك ~~الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب ~~في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: (والشجرة ~~الملعونة في القرآن)، وليست الشجرة في القرآن، ولكن ذكرها فيه من ذلك ما ~~روي في الخبر أنه " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو "، أي: نهى أن ~~يسافر بالذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ~~ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، والله أعلم. # ثم اختلف في قوله: (من قبل أن نبرأها): # منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب. # ومنهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس والأرض؛ والأول أصح. # وقوله: (إن ذلك على الله يسير) يخرج على وجهين: # أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على الله، غير شديد ~~عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ ~~لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، والله يتعالى بذاته، ليس له ~~في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير. # والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على الله يسير ~~هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا ~~يشتد العلم بها قبل # PageV09P531 # كونها وقبل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، والله أعلم. # وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه ~~صنع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف الله تعالى خلقها إلى نفسه ~~مطلقا بقوله: (من قبل أن نبرأها)، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ ~~ألا ترى أن الله تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال: ms4430 (قل هل ~~تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا)، وقال في آية أخرى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم. . .) الآية. # قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا صنع للخلق في ذلك، فأما ما فيه، ~~صنع للخلق يقال: " أصبنا ". # لكن هذا فاسد؛ فإنه جائز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته ~~أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله ~~لا يحب كل مختال فخور (23) جعل الله تعالى في طباع الخلق الحزن والأسى على ~~ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور ~~بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم. # ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأسى والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح ~~والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم - لكيلا تستكثروا ~~من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من الله تعالى، (ولا ~~تفرحوا بما آتاكم) أي: لا تستكثروا من الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على ~~الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: " أعوذ بالله من الفقر المنسي والغناء ~~المطغي "، والله أعلم. # والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى ~~يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله تعالى: ~~(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين)، ثم قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)، ~~يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عما وعد لكم من الصلاة والرحمة ~~والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا ~~يشغلكم شدة الفرح والسرور بما # PageV09P532 # آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن الله تعالى وعد الزيادة ~~على النعمة إذا شكر بقوله: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، والله أعلم. # والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من ~~الجريمة ms4431 حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)، ~~يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب الله، ~~وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظروا إلى إحسان ~~الله الذي كان إليكم، والله أعلم. # ويحتمل: أن يقول: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)، ولكن ~~انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، ~~وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، ~~فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، واشكروا له، ولا ~~تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا. # أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في ~~الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يجب أن يحزن ~~على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم ~~لا لكم، والله أعلم. # وقوله: (ولا تفرحوا بما آتاكم) قرئ ممدودا ومقصورا، فمن مده، رد الفعل ~~إلى الله تعالى، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: (على ما ~~فاتكم)، ولم يقل: أفاتكم. # وقوله: (والله لا يحب كل مختال فخور)، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال ~~المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع. # والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم الله عليه على الناس، فيحب الذي يشكره ~~على نعمه بالتوسيع على عباده. # وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: ~~(صبار شكور)، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا ~~لنعمائه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله ~~هو الغني الحميد (24) جائز أن يكون هذا صلة قوله: (لا يحب كل مختال فخور) ~~تفسيرا له. # وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين # PageV09P533 # كفروا أنهم أصحاب النار. الذين يحملون العرش ومن حوله)، كأن قوله تعالى: ~~(الذين يحملون العرش) مفصول من الأول، وكذلك هذا. ms4432 # ثم قوله: (يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية ~~أخرى، فقال: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا ~~بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم. # وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل ~~الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي كانت في كتبهم، ~~وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)، أي: ومن يعرض عن ~~ذلك فالله هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكم وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعكم ~~إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ هو الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم ~~منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى ~~أعدائه بما صنع غير حميد، والله أعلم. # ثم في قوله: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) وجوه أيضا: # أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: (لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم) ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ ~~فيحملهم ذلك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من الله ~~تعالى، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك ~~منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل الله ~~تعالى ومنه فيشكرونه. # والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ~~ما فاتكم، ولكن افرحوا بالعمل الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم ~~عن القيام بحقوق الله تعالى وأداء ما عليهم من الفرائض، والله أعلم. وفي ~~قوله - تعالى -: (ولا تفرحوا) أمر بالحزن، وقد يذكر الشيء ويراد به إثبات ~~ضده؛ كقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم)، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى ~~نعم الله تعالى على وجهين: # أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه ms4433 بذلك عن النظر ~~لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم النعم. # والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما ~~تكون فتنة # PageV09P534 # وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كان ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ ~~منه. # أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه. # ويحزن من وجهين أيضا: # أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم. # أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم)، والله أعلم. # ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: (ولا تفرحوا بما آتاكم)، ~~ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى: (ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما ~~يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله ~~من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم ~~قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ~~وكثير منهم فاسقون (27). # وقوله - عز وجل -: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: أرسلنا بما يبين ويوضح أنهم رسل الله، وأن تلك الآيات التي ~~أتوا بها من عند الله لا باختراع من عندهم؛ لما هي خارجة عن وسع البشر. # والثاني: ما يبين صدق الرسل في خبرهم، وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم ~~وما عليهم. # وقوله - عز وجل -: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، ~~وقال في آية أخرى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان)، ms4434 ثم يحتمل ~~(والميزان): الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق فيما بين الناس، ~~وبها يوفى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها. # فإن كان المراد هذا فكأنه قال: وأنزلنا معهم الكتاب الذي به يحفظ الدين ~~وحدوده، والميزان الذي به يحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص ~~منه، والله أعلم. # وجائز أن يكون المراد بالميزان: الحكمة؛ إذ ذكره على إثر الكتاب؛ كقوله: ~~(ويعلمه الكتاب والحكمة)؛ كأنه يقول - والله أعلم -: (وأنزل الله عليك # PageV09P535 # الكتاب والحكمة)؛ فيكون الكتاب ما يحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون ~~الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط. # أو أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني. # وقال الحسن في قوله: (ويعلمه الكتاب والحكمة): إنهما واحد. # ثم قوله - عز وجل -: (ليقوم الناس بالقسط) يخرج على وجهين: # أحدهما: أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان؛ ليلزم الناس القيام بالعدل، وقد ~~ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان وبين الحدود. # والثاني: أنزل ما ذكر؛ ليقوم الناس بالقسط؛ على وجود القيام بالعدل. # فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس، وإن كان على ~~الإلزام فهو راجع إلى الكل وهو كقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون)، فإن كان على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس، وإن كان ~~المراد بقوله: (إلا ليعبدون)، أي: لأمرهم وإلزامهم فهو للكل؛ فإنه قد خلقهم ~~ليأمرهم ويلزمهم، وقد أمرهم وألزمهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، خص الله ~~تعالى ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان ~~يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به مما يطعن به فينفذ ويضرب به، ~~ويستعمل في الحروب والقتال؛ لأمرين: # أحدهما: أنه هو الكامل في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان قد يتحقق من ~~غيره؛ ولذلك اعتاده الناس آلة القتال والحرب؛ فيكون البأس فيه أشد. # والثاني: لما يتحصن به باتخاذ الدرع؛ لقوله: (وعلمناه صنعة لبوس لكم ~~لتحصنكم من بأسكم)؛ لهذا اختص الحديد، والله أعلم. # وقوله: (ومنافع ms4435 للناس) جعل الله تعالى في الحديد منافع ليست تلك في غيره، ~~وهو ما يتخذ منه ما يحرز به ويخاط من الخفاف وغيره، مما لا يحتمل هذا النوع ~~لغيره، وكذلك حوائج الخلق لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة ~~والزراعة والبناء وغيرها إلا به. # وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال صدق إيمان المحقق ~~ونفاق المرتاب؛ بقوله: (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية)، ونحو ذلك، فظهر الصادق من الكاذب في الحروب، ~~وإنما ذلك # PageV09P536 # بالحديد؛ فصار مخصوصا في حق المحنة وغيرها من المنافع، حتى لا يلتئم أمر ~~من أمور المعاش إلا به؛ فلذلك خص، والله أعلم. # وقال أهل التأويل: أنزل من السماء المطرقة والفلاة والكلبتين. # وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك. # ومعنى قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد)، أي: خلقنا؛ كقوله: (وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج)، أي: خلقها، وقوله تعالى: (أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم)، ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه ~~لباسا لهم؛ كذلك هذا. # وقوله - عز وجل -: (وليعلم الله من ينصره ورسله) يحتمل (من ينصره) أي: ~~دينه أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله محمد وسائر رسله عليهم ~~الصلاة والسلام. # ثم نصر الرسل مرة يكون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم، ينصرونهم، ويعينونهم ~~على ذلك، ونصر دينه إظهاره في الخلق والذب عن أهله والمعونة لهم؛ هذا ~~يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم)، والله أعلم. # وجائز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم، إذ هم ~~المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه، سمى ~~ذلك: نصره، وأضافه إلى نفسه، على ما جعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ~~ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا، كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها، ~~المحتاجون إليها، فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه: نصرا له ~~وإن كان ذلك النصر لهم، وأنه ناصر الكل؛ حيث قال: ms4436 (إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم)، أخبر أنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، ~~والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (وليعلم الله من ينصره ورسله) يخرج على وجهين: # أحدهما: ليعلم من قد علم أنه ينصر: ناصرا وليعلم من قد علم بالغيب أنه ~~يكون كائنا شاهدا، والتغيير على المعلوم لا على العلم. # والثاني: يريد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللغة، ذكر العلم والفعل على ~~إرادة المعلوم والمفعول: نحو ما يقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله؛ لأن ~~الصلاة لا تكون أمره. # وقوله - عز وجل -: (إن الله قوي عزيز) ذكر هذا؛ ليعلم أنه لم يأمر فيما ~~أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم فيما استعمل من النصر ~~والمعونة لنفسه، ولا # PageV09P537 # أن يكتسب بذلك العز لنفسه؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته، ولكن ~~أمرهم بما أمر، واستعملهم فيما استعمل؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم، والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة ~~والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - ~~والله أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب؛ وإلا قد ذكر ~~الرسل بجملتهم في قوله تعالى؛ (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات)؛ فدخل نوح ~~وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات)، ثم ذكر ~~أن منهم من اهتدى -أي: من قومهم- وكثير منهم فاسقون بقوله: (فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون)، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم ~~من اتبعهم؛ فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا من أمر الله؛ ~~فصاروا فاسقين، يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من ~~المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي: لست أنت بأول من كذب ورد ~~قوله؛ تعنتا وعنادا، والله الهادي. # وقوله - عز وجل -: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ms4437 ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة ~~والكتاب، وبعث منهم رسلا. # ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر ~~الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي: أرسلنا رسولا على ~~أثر رسول، وأتبعنا بعضهم بعضا: من قفا يقفو. # ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم؛ لأن عيسى - عليه السلام - من أولاد إسحاق ~~- عليه السلام - وبعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - من بعد، وهو من ولد ~~إسماعيل، عليه السلام. # وقال بعض أهل التأويل: وقفينا أي أتبعنا، ويقال: قفيت فلانا، أي: عينته ~~وسميته، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا، واقتفيت به، أي: لزمته. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة)، وصف الله ~~تعالى الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم، وهو كما ~~ذكر في آية آخرى: (إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، ~~وقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)، وقال في آية ~~أخرى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، وقال: (أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين)، ونحو ذلك؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد ~~والإسلام. # PageV09P538 # قيل: كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم، حتى ~~استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة؟ # قيل: إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما؛ لما كانت تلك ~~الألفة والرأفة بلطف من الله تعالى، وقد زال ذلك اللطف وارتفع، وحدث بينهم ~~ما حدث. # أو نقول: إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة ~~بما ارتكبوا الكبائر، حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا ~~أصحاب الكبائر: فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمى آخر: كافرا ~~أو فاسقا، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض، فما حدث بيننا وبينهم من ~~العداوة بتسميتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب ~~الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم. . .) الآية، ms4438 ذكر ~~في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - ~~كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون ~~بعيسى - عليه السلام - ويعملون بما في الكتب، فهم هؤلاء الملوك أن يقتلوهم ~~لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بينهم، فترهبوا؛ رجاء أن ~~يتخلصوا منهم، فذلك (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)، أي: فرضنا عليهم ~~تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا ~~رضوان الله فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيها رضوان الله، والله ~~أعلم. # قال: (فما رعوها حق رعايتها)، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ~~ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما ابتدعوه، ففيه ~~دلالة أن من افتتح أمرا لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، ثم لم يقم ~~بوفائه وإتمامه، لحقه ذم كما لحق هؤلاء. # وقوله - عز وجل -: (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) ~~أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم ~~أجرهم، (وكثير منهم فاسقون)، أي: كافرون. # كذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (وكثير منهم كافرون). # وذكر أن بعضا بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهب؛ فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في ~~دين # PageV09P539 # أولئك الملوك، والله أعلم. # قال القتبي: (ورهبانية): أي: العبادة، يعني: الخوف. # و (ابتدعوها) الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك، يقال منه: أبدعت، ~~وابتدعت، وبدعت أيضا. # وقيل: الرهبانية اسم مبني من الرهبة، لما فرط فيه وقد نهى الله عنه ~~بقوله: (لا تغلوا في دينكم)، ويقال: دين الله بين المقصر والغالي. # وقوله: (ما كتبناها عليهم)، أي: ما أمرناهم بها، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين ~~من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29). # وقوله - عز وجل ms4439 -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله) يقول ~~بعض أهل التأويل: يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم آمنوا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ولكن هذا ضعيف؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم ~~السلام. # وتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة ~~والتفسير، آمنوا برسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - على الإشارة به؛ ~~لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنما يصعب الإيمان به ويشتد ~~بالإشارة إلى واحد؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه، لزمه اتباع أمره، ونهيه، ~~ولزمه موالاة من والاه واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ~~ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له أبناء وآباء، وذو إحسان، يجب أن يكون أحب ~~الناس إليه وأقرب وأبر، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه ~~وأنها تشتد في الطلب. وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق ~~كل صادق وتكذيب كل كاذب، وكل الناس قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب ~~الكاذب، وليس في الإجمال والإرسال، إلا ذلك، وأما عند التعيين يوجد ~~الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين، وذلك قوله: ~~(أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم. ولو نشاء ~~لأريناكهم)، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة، ~~وكقوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)، وقد وعدوا في ~~الجملة أنه لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه ~~أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله: يا أيها ~~الذين آمنوا # PageV09P540 # بالرسل جملة، آمنوا بهذا الرسول المشار إليه؛ لما يصعب الأمر، ولما يلزم ~~في ذلك معاداة من خالفه وترك اتباعه وإن كان أقرب الخلائق إليه، وكذلك عامل ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وصار عندهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms4440 - ~~أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادهم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتركوا اتباعه، وفي ذلك آية عظيمة؛ ~~ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه عن إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ~~ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (يؤتكم كفلين من رحمته): قوله: (يؤتكم)، أي: يوجب لكم ~~(كفلين من رحمته) أي؛ أجرين: أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال، وأجر ~~الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل؛ ذكر هاهنا (كفلين من رحمته)، وقال في ~~آية أخرى: (يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا)، يحتمل قوله: (كفلين): مرتين ~~وقوله: (مرتين): كفلين؛ فيكون أحدهما تفسيرا للآخر. # ثم ذكر هاهنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ~~ذكر لأعمالهم من الأجر إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق على ما ذكرنا، ~~والله الموفق. # ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين يكون مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة ~~كقوله تعالى: (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير) الآية، ~~وقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين يكون وعدا في الآخرة، ويكون قوله: ~~(مرتين) أي: كفلين، أي: ضعفين، كقوله: (يضاعف لهم ولهم أجر كريم). ثم قوله: ~~(كفلين) قال أكثر أهل التأويل: أي: أجرين. # وقال بعضهم: حظين، ونصيبين. # وجائز أن يكون سماه: كفلا؛ لأنه كفله؛ ألا ترى أن ذا الكفل ذكر إنما سمي ~~به؛ لأنه كان يكفل لفلان، فعلى ذلك جائز تسميته هذا كفلا؛ لأنه يكفل به، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويجعل لكم نورا تمشون به) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: النور كناية عما يبصر به ويتضح، والمشي كناية عن الأمور، يقول - ~~والله أعلم -: يجعل ما تبصرون به السبيل، ويتضح لكم الأمور، ويزول عنكم ~~الشبه؛ فيكون # PageV09P541 # المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر، والله أعلم، وهو كقوله ~~تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات)، أي: ms4441 لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح. # والثاني: على حقيقة إرادة المشي، وحقيقة النور، وذلك يكون في الآخرة، ~~كقوله: (يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا. . .) ~~الآية. # وقال أهل التأويل: النور هاهنا القرآن، أي: أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى ~~سبيل الخير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويغفر لكم) الغفران من الستر، كأنه يقول: يستر علكيم ~~مساويكم بينكم؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم. # وقوله: (والله غفور رحيم)، أي: يرحمهم، ويخلدهم في جنته. # وقوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) أجمع أهل التأويل ~~واللغة أن حرف " لا " زيادة هاهنا وصلة، أي: ليعلم أهل الكتاب، وقد يزاد في ~~الكلام حرف " لا " ويسقط بحق الصلة، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه؛ كقوله ~~تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا)، ليس يبين لنا أن نضل، ولكن يبين لنا ~~لنعلم ونهتدي، فعرف الحكماء والفقهاء أن كلمة " لا " أسقطت هاهنا؛ فعلى ذلك ~~عرفوا أن حرف " لا " هاهنا في قوله: (لئلا يعلم) زيادة، معناه: ليعلم أهل ~~الكتاب: أن لا يقدرون على شيء من فضل الله. # ثم لا يحتمل أن يكون ذكر قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ~~من فضل الله) وعلى غير تقدم قول كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك؛ ~~ولكن يذكر شيئا يشبه أن يكون الذي ذكر هو جواب ذلك الذي كان منهم، وهو أنهم ~~كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ~~ليست لغيرهم عندهم، فلما بعث الله تعالى محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~رسولا إليهم وإلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابا، وهو أمين عندهم، وذكر في ~~كتابه ما كان في كتبهم، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة، وأحوجهم ~~جميعا إليه وإلى ما في كتابه، أنكروا فضل الله عليه وإحسانه إليه، فعند ذلك ~~قال: (يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن ms4442 الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء)، أي: يفضل من شاء على من يشاء، ليس ذلك إليهم. # ثم في قوله تعالى: (يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله) ~~دلالة نقض قول المعتزلة في أن الله تعالى قد أعطى كل شيء ما يقدر على ~~الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر (يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله)، والمعتزلة # PageV09P542 # يقولون، بل يقدرون فهذا خلاف لظاهر الآية، والله أعلم. # وفي قوله: (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) - أيضا - دلالة نقض قول ~~المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة فيما هو حقه فضل وما هو حقه ~~عدل، حيث قال. (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء)، ولم يذكر المشيئة فيما ~~هو حقه عدل، وما هو ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك، فقال: (وما ربك بظلام ~~للعبيد)، وقال: (وما الله يريد ظلما للعباد)، وقال: (لا يظلم مثقال ذرة)، ~~وقال: (لا يظلم الناس شيئا)، وغير ذلك من الآيات نفى أن يلحق أحدا منه ~~الظلم والجور؛ ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه وأرشده، والإضلال ~~منه عدل، وكذلك قال: (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)، أي: من نال الهدى ~~والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه؛ ولذلك قال: (بل الله ~~يمن عليكم أن هداكم للإيمان)، والله الهادي. # * * * # PageV09P543 ### | سورة المجادلة # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله ms4443 وللكافرين عذاب أليم ~~(4). # قوله - عزوجل -: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) ~~قال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في أوس بن الصامت -أخي عبادة بن ~~الصامت- وامرأته، غير أنهم اختلفوا في اسم امرأته. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان اسمها خولة. # وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت جميلة. # وقال بعضهم بأنها كانت تسمى: خويلة على تصغير خولة. # وروي في بعض الروايات أنه كان سبب هذا القول من أوس لزوجته لما دعاها ~~ليلة إلى فراشه، وكانت امرأته بحيث لا يحل له التمتع بها؛ فأبت عليه، ~~وأرادت أن تخرج من البيت؛ فقال لها: " إن خرجت من البيت فأنت علي كظهر أمي ~~"، فخرجت، فلما أصبحت قال لها زوجها: ما أراك إلا قد حرمت علي، قالت: والله ~~ما ذكرت لي طلاقا، قال: فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسأليه، ~~فإني أستحي أن أسأله عن هذا، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأخبرته، فنزلت فيهما هذه الآية. # وروي في بعض الأخبار أن أول من ظاهر من امرأته أوس، قال: وكان به لمم، ~~فقال في بعض ضجراته ذلك القول، وهذا يرويه محمد بن كعب القرظي، لكنه لا ~~يحتمل أن يكون أراد باللمم الجنون؛ لأن المجنون لو طلق امرأته لا يقع ~~الطلاق فضلا أن يكون ظهاره ظهارا. # PageV09P544 # وتأويل قوله: " وكان به لمم "، أي: فضل غضب وشدة؛ فكأنه لم يكن به حلم، ~~ثم اختلفت الروايات في شأنها وشأن زوجها: # منهم من روى -وهو محمد بن كعب-: أنها أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وقالت: إن أوسا أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إلي، وقال كليمة؛ والذي ~~أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت علي كظهر أمي. فقال لها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " قالت: يا رسول ~~الله، لا تقل ذاك ما ذكر طلاقا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، وكررت المرأة ذلك، ويرد رسول ms4444 الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم قالت: " اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي به، وما يشق علي من ~~فراقه، اللهم أنزل على نبيك، فأنزل الله تعالى: (قد سمع الله. . .) إلى ~~قوله: (فإطعام ستين مسكينا). # وفي بعض الأخبار رواها الكلبي: أنها أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني يوم تزوجني وأنا ~~شابة، ذات أهل كثير ومال كثير، فأكل شبابي حتى إذا كبرت عنده سني، وذهب ~~أهلي، وتفرق مالي، وضعفت - جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، وقد ~~ندم وندمت؛ فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟! فقال - عليه السلام -: ~~" أطلقك؟ " قالت: لا، قال: " ما أمرت في شأنك من شيء، فإن نزل علي في شأنك ~~شيء أبينه لك "، فرفعت يديها إلى السماء تدعوه وتتضرع إليه أن ينزل إليه ~~بيان أمرهما، ثم خرجت من عنده، وأتت زوجها، فنزل جبريل - عليه السلام - ~~بهذه الآية. # وروي في بعض الأخبار أنها أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ~~إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وإني شابة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، ~~وأفنى شبابي، وكبرت سني، ورق عظمي، وباد أهلي - جعلني عليه كظهر أمه، ولي ~~منه صبيان إن أنا وكلتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى نفسي جاعوا، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اغربي فلعلك الظالمة لزوجك "، فقالت: يا ~~أمين الله في أرضه، إنه لظالم لي، فقال: " اذهبي؛ فإن فيكن الضعف والعجز " ~~قال: فجعلت تجادله، فلما رأت أنه لا يرفع بها رأسا، ولا تجد عنده مخرجا، ~~خرجت فرفعت طرفها إلى السماء تشكو إلى الله صنع زوجها بها، وقالت: " اللهم ~~إني أتيت أمينك في أرضك، فلم يرفع لي رأسا، فتول اليوم حاجتي، وارحم ضعفي ~~وقلة حيلتي "، فلم تصل منزلها حتى هبط جبريل - عليه السلام - بالوحي: (قد # PageV09P545 # سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) فدعا أوسا زوجها ~~فقال: " ما الذي حملك على ما صنعت بخولة، وقد أنزل الله فيها ما ms4445 أنزل؟ "، ~~وبعث إليها فرحب بها، فقال: يا رسول الله عمل الشيطان، فهل من أمر يجمعني ~~الله وإياها؟ قال: نعم، ثم تلا عليهم آية الكفارة إلى آخرها. # ثم بين هذه الروايات اختلاف: [ذكر في رواية القرطبي] (1) أنه قال - عليه ~~السلام -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، وفي رواية قال لها: " ما أمرت في ~~شأنك من شيء "، لكنه يمكن التوفيق بين الخبرين، وهو أن قوله: " ما أراك إلا ~~وقد حرمت عليه " على ما كان أهل الجاهلية يرونه محرما، فقال: " ما أراك إلا ~~وقد حرمت عليه " من ذا الوجه، لكنه لم ينزل علي شيء في بيان هذا، فإن ينزل ~~شيء علي في هذا أبينه لك. # والثاني: أن ليس في قوله: " ما أراك " إثبات حرمة، بل هو قول على الظن ~~بما قد كان الناس يعرفون بينهم لذلك القول، ويجوز أن يراد التقرير على ذلك، ~~أو يرد لهذه الحادثة الحرمة بالوحي، فتوقف في الجواب مع الإشارة لها ~~بالامتناع من الزوج؛ احتياطا لباب الحرمة، والله أعلم. # ثم إن بعض الفقهاء ذكر الاختلاف بين السلف في حكم الظهار قبل نزول الآية: # عن عكرمة أنه قال: كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وكان طلاقا قبل نزول الآية، فجعله الله تعالى بهذه الآية ظهارا. # وعن أبي قلابة وغيره: كان طلاقهم في الجاهلية الإيلاء والظهار. # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: إنما كان طلاق أهل الجاهلية ~~الظهار، وقد جعل لهذه الأمة حرمة ترتفع وتزول بالكفارة التي أوجب. # وعن الحسن أنه قال: كان الظهار أشد الطلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر من ~~امرأته لم يرجع إليها أبدا. # والأشبه أنه لا يكون طلاقا في الإسلام لو كان يكون في الجاهلية، وأنه لا ~~يكون موجبا حرمة لا ترتفع أبدا؛ كما قال الحسن؛ فإنه ذكر في حديث خولة أن ~~زوجها لما قال لها: ما أراك إلا وقد حرمت علي، قالت: والله ما ذكرت لي ~~طلاقا، ولو كان الظهار طلاقا لعرفته، وكذلك لما أخبرت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms4446 - أنه قال لي: أنت علي كظهر أمي، PageV09P546 # فقال - عليه السلام -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، قالت: يا رسول ~~الله، لا تقل ذاك؛ ما ذكر طلاقا، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار ~~طلاق، وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل: جعلني عليه كظهر أمه، ثم ~~تركني إلى غير شيء، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول الله؟ فقال - عليه ~~السلام -: " أطلقك؟ " قالت: لا، قال: " ما أمرت في شأنك من شيء "، ولو كان ~~الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما قال: " أطلقك؟ " بعدما ~~قالت: " جعلني عليه كظهر أمه "، ولما قال: " ما أمرت في شأنك من شيء "، ~~وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك، دل هذا يقرر ما قلنا إنه ذكر في حديث ~~خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام فكيف يكون طلاقا؟! # فإن قيل: أليس - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه ~~"، والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما ثبتت بعد نزول الآية، والآية ~~نزلت بعد صدور القول من أوس بن الصامت؛ فدل أن مراده تحريم الطلاق، فهذا ~~يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير ~~متلو وإن كان قبل ذلك في حكم الجاهلية، فكذلك ذلك الزوج قال للمرأة - أيضا ~~-: " ما أراك إلا وقد حرمت علي "؛ دل هذا على أنه كان طلاقا قبل نزول ~~الآية. # قلنا: هذا حجة عليكم؛ فإنه لو كان المراد بقوله - عليه السلام -: " ما ~~أراك إلا وقد حرمت عليه " إثباتا للحرمة فيها بالظهار؛ لكونه طلاقا، فكيف ~~يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص ~~بعينه، وقد صح في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا أوسا وامرأته ~~بالكفارة، وأبقى النكاح بينهما لو كان ذلك طلاقا؟! والمثبت حكمه إنما ينسخ ~~بالآية الثانية إلى حكم آخر، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي؛ فدل أن ~~هذا حجة عليه، ولكن إنما قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه؛ " للوجهين ~~اللذين ms4447 ذكرناهما، والله أعلم. # فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بالطلاق في حقها، مع ~~أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع، بل قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " ~~على طريق الظن؛ لأنه جائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه سينسخ حكم هذا ~~القول وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت ~~الآية. # PageV09P547 # قيل: لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في شريعته، لم يمتنع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن العمل به، وحكمه بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ وإن أعلم أنه ~~سينسخ؛ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه؛ لقوله: (وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله)، وقوله: (بلغ ما أنزل إليك)، وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله ~~في المستقبل لا فيما مضى، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا: إن الظهار قبل ~~نزول الآية لا حكم له في الإسلام، وكان تحريما في الجاهلية؛ فمتى وجد هذا ~~السبب، ووقعت هذه الحادثة، أمرها بالاجتناب عن الزوج؛ احتياطا حتى نزلت ~~الآية؛ فيظهر أن حكمه ما هو؟ من حين وجوده؛ إذ يجوز أن يريد الله تعالى ~~بهذا هذا الحكم، وإن كان لا علم للمباشر به؛ إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى ~~العلم به عند الحاجة إلى العمل به، والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب ~~حكم، ثم ورد البيان متأخرا، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره؛ ~~فعلى ذلك هذا، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها)، أي: سمع ~~قولها ومجادلتها في زوجها، ومجادلتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها: " أنت علي كظهر أمي ". # والمجادلة هي المخاصمة، وهي المحاورة، وكان مجادلتها في زوجها أن قالت: " ~~والله ما ذكرت طلاقا "، حين قال لها بعدما قال لها: " إن خرجت من الدار، ~~فأنت علي كظهر أمى "، وخرجت -: " ما أراك إلا وقد حرمت علي ". # وأما مجادلتها مع النبي - عليه السلام - ومحاورتها هي قولها: " لا ms4448 تقل ~~ذلك "، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما أراك إلا وقد حرمت ~~عليه "، فهذه محاورتهما. # ومن الناس من يقول: المحاورة: هي المراجعة في الكلام، وهما يرددان الكلام ~~ويراجعانه ويكررانه، وهو ما ذكر أن النبي - عليه السلام - يكرر قوله: " ما ~~أراك إلا وقد حرمت عليه "، وهي تردد وتكرر قولها: " لا تقل ذلك يا رسول ~~الله؛ فإنه ما ذكر طلاقا "، ولكن هذا قريب من الأول. # وقال بعض أهل اللغة: (تحاوركما)، أي: كلامكما، والتحاور: الكلام بين ~~اثنين. # وقوله - عز وجل -: (وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) قيل فيه ~~بوجهين: # أحدهما: أن تشتكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الله تعالى ~~أضاف إلى نفسه؛ لأن مرادها أن تنزل آية من الله تعالى على رسوله بالفرج ~~عنها. # والثاني: أن شكواها إلى الله تعالى وتضرعها قد كان حيث لم تجد الفرج ~~والمخرج فيما قال لها رسول الله عليه الصلاة. والسلام: " ما أراك إلا وقد ~~حرمت عليه "، فاشتكت # PageV09P548 # إلى الله تعالى، ودعت، وتضرعت؛ حتى أنزل الله تعالى على رسوله الآية ~~فيها، وجاءت الرخصة لهما بالاجتماع بعد التكفير على ما ذكر في الخبر، والله ~~أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (والله يسمع تحاوركما)، أي: سمع لها بما أجاب وأغاث ~~بالفرج فيما اشتكت إليه، وسمع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أبان ~~ما ظهر له من الحكم في الحادثة التي أشبهت عليه، وأشكل عليه ذلك. # ثم اختلفت الأخبار في أمرهما - أيضا - حيث دعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أوسا، وأخبره بالآية التي نزلت في أمرهما: # [قال القرطبي] (1): لما نزلت الآية دعا زوجها أوسا، فقال له: " أعتق رقبة ~~"، قال: ما عندي رقبة أعتقها، قال: " فصم شهرين "، قال: ما أستطيع يا رسول ~~الله، إني لأصوم يوما واحدا فيشق علي، فكيف صوم شهرين متتابعين؟ قال: " ~~فأطعم ستين مسكينا "، قال: فنعم، قال: فأطعم ستين مسكينا فأمسكها. # وفي رواية أخرى ذكرها الكلبي: لما نزلت رخصتهما أرسل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى أوس ابن الصامت فأتاه، فقال: " ويحك ms4449 ما حملك على ما ~~صنعت وقلت؟ " قال: الشيطان يا رسول الله؛ فهل من رخصة تجمعني وإياها؟ قال: ~~" نعم "، وقرأ عليه هذه الآيات الأربع، وقال له: " هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ ~~" قال: لا والله يا رسول الله، إن المال لقليل غير كثير وإن الرقاب لغالية، ~~قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ~~لولا أني آكل في يوم ثلاث مرات لكل بصري، ولظننت أني سأموت، قال: " فهل ~~تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا والله يا رسول الله، إلا أن تعينني ~~فأعانه عليه السلام بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس من عنده خمسة عشر صاعا فتصدق ~~به على ستين مسكينا، فجمع الله بينه وبينها. # وذكر في خبر آخر أن رجلا كان ظاهر من امرأته، وكان هو يصوم عنه، فواقع ~~امرأته في وقت الصوم، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، ~~[فعابه] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فعله، ثم أمره بأن يكفر بما ~~وصفنا من الكفارات، فقال في كل واحدة: لا أستطيع قال: فأمره - عليه السلام ~~- أن يأتي موضع كذا إلى أبي زريق، ويأخذ منه وسقا من التمر، فيعطي ستين ~~مسكينا كل مسكين ينفقه على عياله، ذكر في الإطعام في خبر: " لا أستطيع "، ~~وفي PageV09P549 # خبر أنه قال: " أما هذا فنعم "، وفي حديث آخر: " لا إلا أن تعينني "؛ ~~فيشبه أن يكون هذا القول منه: " أما هذا فنعم " بعدما وعده رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الإعانة أو بإعطاء الوسق؛ فتكون الأخبار على الوفاق، ~~والله أعلم. # وفي هذه الأخبار دليل على أن الكفارة إذا لزم فيها طعام، فمن الحنطة نصف ~~صاع؛ لأنه جعل نصف صاع من الحنطة طعام مسكين، وأنه يجوز من صدقة الفطر، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله ~~لعفو غفور (2) قرئ (يظهرون) مشددة الظاء بغير ألف، وهو في الأصل: " يتظهرون ~~"، فأدغمت التاء في ms4450 الظاء، وشددت. # وقرئ بفتح الياء وتشديد الظاء بألف، وهو في الأصل " يتظاهر " فأدغمت ~~التاء في الظاء وشددت. # وقرئ - أيضا - (يظاهرون)، بتخفيف الظاء بألف من: ظاهر يظاهر مظاهرة. # والمعنى واحد فيما اختلف من قراءاتهم يقال: ظاهر الرجل من امرأته، وتظاهر ~~وتظهر منها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: " أنت علي كظهر أمي ". # وقال القتبي: (يظاهرون)، أي: يحرمون تحريم ظهور الأمهات. # وقال أبو عوسجة: (يظاهرون) هذه يمين أن يقول الرجل لامرأته: " أنت علي ~~كظهر أمي "، وأما " يظاهرون " من " التظاهر " وهو التعاون، يقال: تظاهروا، ~~أي: تعاونوا، ولكن هو خلاف ما تضمنته الآية والله أعلم. # ثم الظهار كان عند أولئك القوم ظاهرا، وهو ما روينا في قصة امرأة أوس لما ~~همت أن تخرج من الدار، قال لها: " إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمي "، ~~وكذلك هذه الدلالة في قوله: (يظاهرون). # والظهار أخذ اسمه من " الظهر "، وكذلك فيما عرف المسلمون فيما بينهم هذا ~~اللفظ، وهو قوله: " أنت علي كظهر أمي "، والآية توجب أن يكون الظهار فيما ~~يقول: " أنت علي كأمي "، وهو قوله: (ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم)، ذكر الأمهات، ولم يذكر ظهور الأمهات؛ فصار ظاهر الآية يوجب هذا. # وبهذا احتج محمد - رحمه الله - لمذهبه فيمن قال لامرأته: " أنت علي كأمي ~~"، قال: يكون ظهارا. # وأما أبو حنيفة - رحمه الله - فإنه قال: لا يكون مظاهرا، إلا أن ينوي ~~بذلك الحرمة، فإن نوى به كان، وذهب في ذلك إلى ما روي من ذلك الحرف -أعني: ~~قوله: أنت علي كظهر أمي- وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك القول، فلا يحل لنا ~~أن نصرفه إلى غيره إلا بدليل. # PageV09P550 # وقوله: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم)، أي: ما هن لهم ~~كأمهاتهم؛ لأنه تعالى قال: (ما هن أمهاتهم) على سبيل الرد لما قالوه، ~~وقوله: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم)، أي: قالوا لنسائهم: " أنتن علينا ~~كظهور أمهاتنا ". # وقوله - عز وجل -: (ما هن أمهاتهم) يكون ردا لقول من قالوا لنسائهم: " ~~إنهن أمهاتنا " لا لمن قالوا: " إنهن كأمهاتنا " و " كظهور ms4451 أمهاتنا "، ~~فيحتمل بذلك القول تبعا لقوله: (ما هن أمهاتهم)، أي: كأمهاتهم ولكن الإشكال ~~أنه إذا صار تقدير الآية ما هن كأمهاتهم، فما معنى قوله: (إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم)؛ لأنهم كانوا يدعون التشبيه بالأمهات، والله تعالى نفى ما ~~ادعوا من التشبيه؛ فما معنى البيان حقيقة بقولهم: (إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم)، وهم يعرفون ذلك ولا ينكرونه، ولا يدعون في نسائهم أنهن أمهاتهم ~~حقيقة؛ حتى يرد عليهم دعواهم. بقوله: (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم)؟ # وإشكال آخر: أنه قال: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا)، وظاهر هذا ~~القول منهم ليس من الزور، ولا المنكر؛ إذ ليس في قولهم: " ظهرك كظهر أمي " ~~أو " أنت علي كظهر أمي " أو " كأمي " إلا التشبيه وهي لعلها تشبهها، فإن ~~ظهرها كظهر أمه؛ في الشبه والخلقة والتشبيه لا يقتضي العموم، فما معنى ~~تسميته تشبيه المرأة بالأم: منكرا وزورا. # وإشكال آخر: أنه جعل الأمهات اللائي ولدنهم أمهات لهم؛ فإنه قال في نساء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهن: (وأزواجه أمهاتهم)، وقال فيمن ~~يرضعن أولاد الغير: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وإن لم يلدنهم. # فنقول - وبالله التوفيق -: إنهم كانوا يريدون أن يوجبوا حقوقا وأحكاما ما ~~كانت في أمهاتهم، لم يكن لهم إيجاب ذلك؛ فإنهم كانوا يشبهون النساء ~~بالأمهات، ولم يريدوا بذلك من حيث الصورة، ولكن يريدون بذلك التشبيه في ~~الحرمة، وحرمة النساء في الأصل غير حرمة الأمهات؛ فإن الأم حرام الاستمتاع ~~بها لكن يباح للرجل أن يدخل على أمه، ويخدمها، ويسافر بها، ويباح النظر، ~~والمس، والإركاب، والإنزال، والخلوة بها، والمرأة متى حرمت بالطلاق الثلاث، ~~أو بالبينونة، لا يثبت شيء من هذه الحقوق، والمشابهة بين الشيئين -إن كانت- ~~لا تقتضي مشابهتها من كل وجه، ولكن تقتضي المساواة بينهما في وجه من الوجوه ~~على الكمال - فإن الذات في الشاهد إذا قام به العلم، يسمى: عالما، والله ~~تعالى يسمى: عالما ولا يوجب التشبيه؛ لانعدام التماثل بين العلمين، ~~والتساوي من كل وجه، فلم يعد تشابها تعالى الله عن ذلك، وتشبيههم النساء ~~بأمهاتهم أرادوا أن يجعلوا ms4452 حرمة نسائهم كحرمة أمهاتهم، ويوجبون فيهن حقوقا ~~وأحكاما # PageV09P551 # كحقوقهن وأحكامهن؛ حتى يباح لهم في المعاملة مع نسائهم ما يباح مع ~~أمهاتهم، ويحرم ما يحرم معهن ويكون احترامهن كاحترامهن، والله تعالى لم ~~يجعل ذلك، ونهاهم عن ذلك، فقال: (ما هن أمهاتهم)، أي: كأمهاتهم في هذه ~~الحرمة التي يريدون إثباتها، وأنه لم يجعل لنسائهم حرمة أمهاتهم، ثم قال: ~~(إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم)، أي: أن هذه الحرمة التي يريدون إثباتها ~~فيهن مما جعلنا لأمهاتهم اللائي ولدنهم، فما بالهم يخترعون من أنفسهم شيئا ~~لم أجعله، ولم أشرعه؛ فرد صنيعهم بهذا. # وعلى هذا يخرج تأويل قوله: (وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا)، إنما ~~كذبهم بما قالوا من إيجاب تلك الحقوق والأحكام على أنفسهم في نسائهم من غير ~~أن جعل الله تعالى ذلك، أي: وإنهم ليقولون منكرا وزورا في إيجاب الحقوق ~~فيهن كما في الأمهات، وتشبيههم إياهن بالأمهات في الأحكام والحقوق والحرمة، ~~وإن كان كلامهم وقولهم من حيث ظاهر التشبيه ليس بمنكر ولا بزور، وهذا كقوله ~~في وصف المنافقين: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، وهؤلاء المنافقون فيما ~~قالوا في الظاهر كانوا صدقة، ولكن لما كان قصدهم غير ذلك، وكان في قلوبهم ~~إيجاب شيء غير ما أظهروا - سماهم: كذبة، فكذلك هؤلاء المظاهرون لما أرادوا ~~إيجاب حكم لم يجعل لهم ذلك سمى قولهم: منكرا وزورا. # والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشريعة، والزور: هو الكذب؛ فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك. # وأما قولهم: إن الله تعالى قد سمى غير من يلزمهم: أمهات من نساء النبي - ~~عليه السلام - والمرضعات -: منهم من قال: جائز أن تكون هذه الآية متقدمة ~~على قوله: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)، وعلى قوله: (وأزواجه أمهاتهم)، فلم ~~يكن في ذلك الوقت أمهات من رضاع، ثم كانت من بعد؛ فيكون الإخبار بهذا مقيدا ~~بذلك الوقت، وهو كقوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه)، لم يجد في ذلك الوقت، ثم وجد من ms4453 بعد ذلك غيره محرما، فعلى ذلك هذا. # وقيل: يحتمل أن يكون قال ذلك في قوم خاص وقبيلة خاصة، لم يكن لهم أمهات ~~من إرضاع؛ فيكون الإخبار بأن أمهاتهم لسن إلا اللائي ولدنهم صدقا. # ولكن هذا تكلف؛ لأن قوله: (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) يعني: أن هذه ~~الحقوق والأحكام التي يوجبون ليس تثبت إلا في الأمهات اللاتي تلدنهم، أو من ~~كانت في معناهن # PageV09P552 # وصرن أمثالهن بأمر يجعله الله تعالى؛ كأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، والأمهات بسبب الرضاع، والله تعالى لم يجعل لنسائهم تلك الحقوق التي ~~جعلها لمن لحقن بالأمهات، فيكون تشبيههن بهن في هذه الحقوق منكرا من القول ~~وزورا، والله أعلم. # وقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ~~من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) اختلف في حكم ~~العود ما هو؟ وفي تأويل العود عن طاوس قولان: # في قول قال: (ثم يعودون لما قالوا): الوطء، فإذا حنث، فعليه الكفارة؛ ~~وهذا تأويل بعيد مخالف للنص؛ لأن الله تعالى يقول: (من قبل أن يتماسا) ~~وإنما الذي ذهب إليه حكم الإيلاء: أنه إذا وطئ تجب الكفارة، أما في الظهار ~~تجب الكفارة قبل الوطء وفي قول: أنه إذا تكلم الظهار يجب عليه الكفارة، ولم ~~يشترط معه شيء آخر. # وعن مالك أنه إذا ظاهر من امرأته، ثم أجمع، وعزم على إمساكها وإصابتها، ~~وجبت عليه الكفارة حتى إذا طلقها أو ماتت المرأة بعد العزم على الإمساك ~~والإصابة، أو بعد الإصابة - بقي وجوب الكفارة عليه. # وإن لم يجمع على إمساكها حتى ماتت، تسقط الكفارة. # وكذلك إذا طلقها، لكنه إذا تزوجها بعد ذلك، لم يمسها حتى يكفر؛ فيكون ~~العود: هو إمساكها ليطأها. # وعن الحسن: أن العود هو العزم على الجماع؛ حتى إذا عزم على جماعها، تجب ~~الكفارة، وإن أراد تركها بعد ذلك. # وقال عثمان البتي فيمن ظاهر من امرأته، ثم طلقها قبل أن يطأها، قال: أرى ~~عليه الكفارة، راجعها أو لم يراجعها، وإن ماتت، لم يرتفع الظهار والكفارة، ~~ولا ms4454 يرث حتى يكفر. # وقال الشافعي: العود هو الإمساك، والكفارة تجب به، وحكم الظهار هو تحريم ~~المتعة؛ حتى إذا أمكنه أن يطلقها بعد الظهار، ولم يطلق، وأمسكها ساعة؛ ~~ليطأها، فقد وجبت عليه الكفارة عاشت أو ماتت، وإذا عاشت طلقها أو لم ~~يطلقها، راجعها أو لا. # وإذا طلقها عقيب الظهار بلا فصل يبطل الظهار، ولا تجب الكفارة بعزم إمساك ~~المرأة. # وقال بعض المتأخرين في تأويل قوله تعالى: (ثم يعودون لما قالوا)، أي: ~~يعودون إلى القول الأول فيكررون ذلك القول، وعندهم لا يكون الرجل مظاهرا ~~حتى يقول: " أنت علي كظهر أمي " مرتين. # وأما عندنا فحكم الظهار هو تحريم مؤقت بالكفارة، ولا نرفعه إلا بالكفارة، ~~هكذا # PageV09P553 # روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " إذا قال أنت علي كظهر أمي ~~"، لم تحل له حتى يكفر. # وعندنا لا تجب الكفارة بنفس الظهار، وإنما الظهار يوجب الحرمة لا غير، ~~وإنما تجب بالعود حتى إنها إذا ماتت لا يجب عليه الكفار وإذا ارتفع المعنى ~~الذي يجب، وهو استباحة الوطء وكذلك إذا طلقها بائنا أو ثلاثا، لا تجب ~~الكفارة لهذا؛ حتى إذا عادت إليه بالتزوج، وأقدم على استباحة الوطء، تجب ~~الكفارة. # وهو عند أصحابنا أن يجعل المرأة على الحالة الأولى، ويحللها على نفسه على ~~ما كان عليه، ويستبيح وطأها، فإذا أراد أن يحللها على نفسه ويستبيحها ويقدم ~~عليه، يجب عليه أن يكفر، ولا تزول تلك الحرمة عندنا إلا بالكفارة؛ فالتكفير ~~سبب الحل؛ كذا ذكر العمي في تأويل: (ثم يعودون لما قالوا)، أي: يعودون إلى ~~فسخ ما قالوا ونقض ذلك، واستدل بما ذكر عن الأصمعي: أن أعرابيا تكلم بين ~~يديه بأنه كان شيء ما ثم يعود إليه، قال له الأصمعي: ما أردت به؟ فقال: أي: ~~أنقضه، وأفسخه؛ فهذا يدل على أن المراد من قوله: (ثم يعودون)، أي: يعودون ~~إلى استحلال ما حرموا، وينقضون ذلك، ويردون الحل إلى الحالة الأولى، إلا أن ~~ظاهره العود إلى القول بقوله: (ثم يعودون لما قالوا) ولكن أراد به المقول ~~والثابت به وهو الحرمة؛ ms4455 كأنه قال: ثم يعودون لما حرموا بالقول فيستبيحونه؛ ~~ويجوز أن يذكر الفعل ويراد به المفعول؛ كقوله - عليه السلام -: " العائد في ~~هبته كالكلب يعود في قيئه "، وإنما هو عائد في الموهوب، وقال الله تعالى: ~~(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، أي: الموقن به، والله أعلم. # فإن قيل: العود الذي يوجب الكفارة هو العزم على استباحة الوطء، والقصد ~~على تحليلها على نفسه وإعادة الحل إلى الحالة الأولى، أو الإقدام على الوطء ~~أو مباشرة نفس الوطء، فإن كان المراد هو الأول، يجب أن تقولوا: تجب الكفارة ~~بنفس العزم على الاستباحة والتحليل، كما قال مالك رحمه الله، والحسن رحمه ~~الله. # وإن كان المراد إيقاع الوطء يجب أن تقولوا: إنه لا تجب الكفارة إلا بعد ~~الوطء كما قاله قوم، وهو خلاف الآية، وخلاف قولكم. # قيل: نعني بذلك: هو الإقدام على استباحة الوطء، والاشتغال بإقامته، فيقدم ~~التكفير، ثم يفعله؛ إذ لا يجب بمجرد العزم، ولا بعد تحقق الفعل، وهذا لأنه ~~إذا ظاهر حرمت المرأة عليه بسبب فعله الواجب عليه توفير حقها في الجماع إن ~~كانت بكرا في الحكم حتى يجبر عليه، وهذا وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة يجب ~~عليه فيما بينه وبين الله تعالى إيصال # PageV09P554 # ذلك إليها. # وعند بعض أصحابنا يجبر في الحكم أيضا على ذلك، فإذا أقدم على ذلك يجب ~~عليه تحصيل الكفارة؛ ليتوصل إلى إقامة ذلك الواجب عليه من الجماع؛ إذ لا ~~يحل ذلك بدون الكفارة، وهذا كالوضوء في باب الصلاة ليس بفرض مقصود بنفسه، ~~لكن يجب لإقامة الصلاة؛ إذ لا يجوز الصلاة بدون الطهارة، فإذا أقدم على ~~الصلاة يجب عليه تحصيل الوضوء؛ ليتمكن من أداء ما عليه، ولا يجب بنفس ~~الإرادة، ولا يجب بنفس الحدث؛ حتى لا يجب الوضوء ما لم يدخل وقت الصلاة، ~~ويقوم إليها، وكذلك المرأة إذا حاضت بعد الوقت حتى سقط عنها الصلاة يسقط ~~الوضوء، فعلى ذلك هذا يجب عند الإقدام على إقامة هذا الواجب وهو الوطء، ~~والظهار شرط؛ ولهذا إذا ماتت المرأة تسقط الكفارة؛ لانعدام ما هو المقصود ~~بالإقدام، ms4456 وهو الوطء، وكذلك إذا طلقها ثلاثا أو بائنا لكن إذا عادت إليه ~~يلزمه الكفارة إذا أقدم على الوطء، ولم يبطل الظهار؛ لاحتمال حصول الغرض، ~~والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر: وهو قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم. . .) ~~الآية هذا خبر عن ظهار القوم الذين كانوا يظاهرون في جاهليتهم، أي: ظاهروا ~~في ذلك الوقت، ثم يعودون لما قالوا، أي: لو قالوا ذلك القول بعد إسلامهم ~~فعليهم ما ذكره؛ إذ الظهار كان ظاهرا في الجاهلية من عاد إلى ذلك القول، ~~ورجع إليه وقت إسلامه؛ فعليه ما ذكر، وهو كقوله تعالى: (ومن عاد فينتقم ~~الله منه)، فهذا يرجع إلى فعل ذلك مرة، وإلى استحلال ما حرم الله ثانيا، ~~وإن عاد إلى الفصل الأول لا من وجه الاستحلال، فينتقم الله منه بالغرامة ~~عليه، وإن عاد إلى استحلال، فينتقم الله منه بالعذاب؛ وكذلك مثل هذا في آية ~~الربا، حيث قال: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ~~ومن عاد ... )، أي: عاد إلى ما كان يفعله قبل الإسلام، فكذلك هذا العود إلى ~~الظهار على هذا التقرير يخرج تأويل الآية عنده، وهو كقوله تعالى: (ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه)، أي: كانوا يتناجون في ~~الجاهلية، فنهاهم الله تعالى عن العود إلى ما كانوا عليه؛ فعلى ذلك يحتمل ~~هذا، والله أعلم. # لكن على هذا التأويل الإقدام على الوطء سببا لوجوب الكفارة لم يثبت بهذا ~~النص، إنما فيه أن الظهار يوجب تحريما مؤقتا بالكفارة، وكذلك الأحاديث التي ~~ذكرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أوسا بالكفارة حين ظاهر من ~~زوجه، وإنما يعرف من حيث الدلالة؛ فإنه لما كان التحريم مؤقتا بالكفارة، ~~يكون رافعه له قائما، ويجب الرافع بالإقدام عليه، لا بسبب سابق # PageV09P555 # موجب للتحريم؛ لأن رافع الحرمة لا يجب بما يوجب الحرمة؛ كما ذكرنا في ~~الوضوء: أنه لا يجب لما يحدث الذي هو رافع للطهارة، ولكن لما وجب على ~~المكلف الصلاة بالطهارة، ويجب عليه الوضوء بالإقدام على ms4457 الصلاة التي لا ~~تجوز بدونه؛ فكذلك هذا، والله أعلم. # وقول من جعل العود هو العزم على إمساك النكاح والبقاء عليه - فاسد، فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الكفارة على أوس بن الصامت حين ظاهر من ~~زوجه، ولم يسأله الإمساك والبقاء على النكاح. # ولأن تفسير العود بالإمساك لا يستقيم؛ لأنه لم يعرف في الأصل إمساك ~~المرأة عودا عليها ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم بالعود إليه؛ فيكون هذا ~~خلاف اللغة، ولما ذكرنا: أن العود إلى الشيء هو الرجوع إلى ما كان عليه؛ ~~فيقتضي انعدامه وزواله حتى يتحقق العود؛ إذ العود هو وجود ثان، وهذا إنما ~~يتحقق فيما قلنا من الجزاء؛ لأنه قد يبدل بالحرمة، فأما العقد فهو قائم لم ~~يزل بالظهار؛ فكيف يعود إلى العقد؟ فلا يكون البقاء على العقد وإمساك ~~المرأة بالنكاح عودا. # ولأن الله تعالى قال: (ثم يعودون لما قالوا)، و " ثم " يقتضي التراخي. # ومن جعل العود هو الإمساك والبقاء على النكاح، فقد جعله عائدا عقيب القول ~~بلا تراخ، وذلك خلاف ظاهر الآية. # وقول من جعل العود هو العزيمة على الوطء، لا معنى له؛ لأن موجب الظهار هو ~~تحريم الوطء لا تحريم العزم على الوطء وإن كان العزم على المحظور محظورا؛ ~~لكونه وسيلة إلى المحظور؛ فيكون العود هو الرجوع إلى ما يقوى به مقصودا لا ~~وسيلة إلى حسب الأول. # ولأنه لا حظ للعزيمة في حق تعلق الأحكام في سائر الأصول؛ ألا ترى أن سائر ~~العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة، فلا اعتبار بها، وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " إن الله تعالى عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم ~~يتكلموا به ويعملوا ". # وقول من جعل العود تكرار القول الأول فاسد أيضا، وإن كان ظاهر اللفظ ~~يحتمل، وهو العود إلى القول الأول؛ لأنه خلاف الإجماع وخلاف أصول الشرع: # PageV09P556 # أما خلاف الإجماع؛ فإن السلف والخلف أجمعوا على أن هذا ليس بمراد من ~~الآية؛ فيكون قائله خارجا عن الإجماع. # وأما مخالفة الأصول؛ فلأن الحل والحرمة إنما تعلق وجوبهما بابتداء ms4458 القول ~~لا بتكراره في جميع الأصول من البياعات والنكاح والطلاق والعتاق والإجارات، ~~فلما كان الأصل هذا في سائر الأسباب، والمظاهر موجب للحرمة بقوله؛ دل أن ~~الموجب هو القول الأول دون الثاني؛ فيكون تعليق الحرمة بتكرار الموجب؛ ~~مخالفة لسائر الأصول، وبهذا يبطل قول الشافعي في أن تعلق الحرمة بتكرار ~~الرضعات لا برضعة واحدة، والله أعلم. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالكفارة في حق أوس، ولم يسأله عن ~~تكرار القول، ولما لم يسأل دل أن الحكم غير متعلق بالتكرار. # وما قاله الشافعي: أنه إذا طلقها بعد الظهار بلا فصل فلا كفارة عليه، وإن ~~لبث ساعة، ثم طلقها، كفر راجعها أو لم يراجعها، أو ماتت - قول تفرد به؛ لأن ~~طاوسا أوجب عليه الكفارة طلقها أو أمسكها، وسائر التابعين قالوا: إن ماتت ~~أو طلقها، ولم يراجعها فلا كفارة عليه، ولم يفصلوا بين أن يطلقها على أثر ~~الطلاق بلا فصل، أو بعد ذلك بساعة؛ فيكون الشافعي بهذا القول مخالفا للسلف؛ ~~فلا يعتبر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) ظاهره يقتضي أن يكون ~~الوطء محظورا عليه قبل الكفارة؛ لأنه جعل الحرمة مؤقتة بالكفارة، وإذا وطئ ~~يسقط الظهار والكفارة؛ لأن كل ما تعلق بشرط أو توقت بوقت، فمتى فات الوقت، ~~أو عدم الشرط، لم يجب لذلك النص، واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في ~~الوقت الثاني، إلا أنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا ~~ظاهر من امرأته فوطئها، ثم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: " ~~استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر "، فصار التحريم الذي بعد الوطء عرفناه ~~بالسنة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فتحرير رقبة) يرجع إلى وجهين: # مرة إلى اسم الرقبة. # ومرة إلى ما يستحكم حكم الرقبة. # فإن كان المراد من ذكر الرقبة اسم الرقبة نفسها، فيجيء أن يجوز كل ما يقع ~~عليه اسم # PageV09P557 # الرقبة، صغيرا كان أو كبيرا، كافرا أو مسلما، مقطوع الرجلين، أو أعمى، أو ~~كيفما كان. # وبشر المريسي: يذهب ms4459 ويجبر كيفما كانت الرقبة. # وإن كان المراد من ذكر الرقبة: ما يستحق حكم الرقبة فيجيء ألا يجوز إعتاق ~~رقبة فيها نقصان؛ إذ الأصل في العبيد والإماء أن النقص فيما دون النفس يوجب ~~نقصانا في كل النفس؛ فيجيء ألا يجوز؛ إذ يصير معتقا لبعض الرقبة لا كلها. # ثم الدليل على أن النقصان الحال فيما دون النفس في الرقاب جعل كالنقصان ~~الحال في النفس أن العبد إذا قطعت يده أو فقئت عينه يشترى بنصف ما كان ~~يشترى وقت الصحة؛ فصار النقصان فيما دون النفس كتلف نصف القيمة من العبد ~~وإن لم يكن ذلك من نفسه النصف؛ فيجيء على هذا ألا يجوز إذا كان فيه أدنى ~~النقصان؛ إذ الحكم فيما دون النفس محمول على حكم الأنفس، وحكم الجناية ~~عليهم محمول على حكم كمال النفس. لكن هذان التأويلان في الآية لا يصحان. # وأما الجواب عن قولهم: إن النقصان الحال في بعض الرقبة كالحال في كلها: ~~أن ذلك النقصان يرتفع بالعتق، وإن كان وقت قيام الرق يحكم عليه بالنقص؛ لما ~~يصير رقبة له بحكم الكمال بالعتق إذا صار هو منتفعا بالعتق إذ بالعتق جبر ~~النقصان الذي كان به؛ فيسلم له الرقبة كلها من حيث المعنى فيجوز، كما إذا ~~أعتق الرقبة السليمة، والدليل عليه: أنه لو جني عليه بعدما عتق، لم ينقص من ~~ديته شيء في مقابلة النقصان في نفسه وقت العبودة والرق، وثبت بهذا أنه في ~~حق نفسه كامل النفس، وإنما كان ذلك النقص من نقص في قيمته وقت العبودة؛ إذ ~~هو لو كان منقوصا في حق نفسه لا يرتفع عنه ذلك النقصان أبدا؛ فلما ارتفع ~~النقصان الذي به بإعتاقه دل أن إعتاقه جائز، والأصل فيما أوجب الله تعالى ~~من هذه الكفارة إنما أوجب ليكفر بها ما ارتكب من المآثم، وما ارتكب من ~~المحظورات التي حظر عليه ارتكابها؛ ليتألم بهذه الكفارة؛ ليكون زجرا عن ~~العود إليها فعلينا أن ننظر في هذه الكفارة فإن كفر بشيء لا يتألم به نفسه، ~~ولا يفجع عندها، فلا يجوز ذلك ms4460 عن الكفارة، وإن كان بالذي يلحقه ويؤلمه ~~يجوز. # ثم ما يصل إليه من الألم بإعتاقه وجهان: # أحدهما: أنه إذا تأمل ذهاب منافع ذلك المملوك عنه بما كان هو يصلح لخدمته ~~يتألم بذلك ويتفجع. # والثاني: لما يتأمل منه النفع في العاقبة وإن لم يكن للحال ينتفع به؛ ~~فيتألم - أيضا - بذهاب تلك المنفعة المؤملة، فكل من كان يؤلم من هذين ~~الوجهين جاز عتقه عن # PageV09P558 # الكفارة، وإلا فلا، والله أعلم. # ثم لا يجوز إعتاق الأعمى والمقعد ومقطوع اليدين ونحو ذلك عن الكفارة، ~~ويخرج على هذين المعنيين: أما على الأول: أنه وإن ارتفع النقص الحاصل في ~~نفسه بسبب العبودة عند وجود الإعتاق إلا أن العيب لا يزال قائما فلا يجوز ~~لا للنقصان لكن لأنه يصير معتقا ببدل، والإعتاق ببدل لا يجوز عن الكفارة، ~~وإن كانت الرقبة بصفة الكمال. # ومعنى قولنا: إنه يصير معتقا ببدل: أنه ما دام في ملكه على تلك الحال، ~~فإن مؤنته تلحقه، وبالإعتاق تسقط مؤنته عن نفسه، وتلحق تلك المؤنة ~~المسلمين؛ فلم تجزئ عن الكفارة لهذا. # وأما على الثاني: فلا يلزم على الوجهين جميعا أما على الأول: فلأنه لا ~~يفجع ولا يتألم نفسه بإعتاق مثله؛ لما ليس له منفعة الخدمة؛ ليتألم بفوتها، ~~وعلى الثاني: لما ليس له منفعة تؤمل في المآل؛ فيتألم بذلك - أيضا - ولا ~~يلزم الصغير على هذا العذر؛ لأنه ليس له منفعة الخدمة ونفقته عليه أيضا، ~~ومع ذلك يجوز إعتاقه عن التكفير؛ لأنا نقول: إنه إنما ينفق على الصغير، لما ~~تؤمل منفعته في العاقبة، والناس إنما يربون الصغار والصغائر، وينفقون ~~عليهم؛ لينتفعوا بإيمانها وإعتاقها في العواقب؛ فلم يصر عتقه عن هذا الوجه ~~ببدل، والتألم في عتقه موجود، وحسب ما كان في الكبير أو أكثر. # والأعور، ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين يجوز عن الكفارة فإنه يمكنه ~~الاكتساب؛ فيتألم مولاه بإعتاقه؛ لما فيه ذهاب منفعته؛ فيصلح أن يكون كفارة ~~لما ارتكب من الشهوة، ولما قدمنا من جبر ذلك النقصان وارتفاعه بالعتق، ~~والله أعلم. # وذكر عن الشافعي أنه لا يجيز عتق الرقبة ms4461 الكافرة عن الكفارة، واحتج بذكر ~~الله - تعالى - في كفارة القتل الرقبة المؤمنة، فكذلك في كفارة الظهار؛ إذ ~~هما كفارتان. # ولكن نحن نقول: هذا على أصل مذهبه خطأ؛ لأن مذهبه العموم يعم كل رقبة في ~~دار الدنيا، والأصل في ذلك عندنا أن الله - تعالى - ذكر في كفارة الظهار ~~الرقبة المؤمنة؛ فلا يجوز أن نوجب ما ذكره في كفارة القتل هاهنا؛ والدليل ~~عليه: أنه ذكر في تلك الآية الأشياء، وهو قوله - تعالى -: (ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله)، فذكر الدية، ثم ذكر الدية في ~~آية القتل - لم يوجبها على المظاهر؛ إذ ترك ذكرها في آية الظهار، ومثله في ~~القرآن كثير. # وأيضا: إن أحق ما يجوز في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة؛ وذلك لما أن ~~المسلم قد يتألم بإعتاق الرقبة الكافرة، ولا يتألم بإعتاق المسلمة؛ لما ~~يأبي طبعه الإحسان إلى # PageV09P559 # الكافر، ولا يأبى بمثله إلى المسلم، وقد وصفنا أن الكفارة للتألم بإخراج ~~ما أمر بإخراجه عن ملكه، مع ما في القرآن دليل على جواز اصطناع المعروف ~~إليهم، وهو قوله - تعالى -: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير. ليس ~~عليك هداهم)، ثم قال - أيضا - بعد ذلك: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم). # وذكر في القصة أن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا قد ~~امتنعوا عن الإنفاق على أقربائهم لما أبوا الإسلام؛ فنزلت هذه الآية؛ فهذا ~~يبين ذلك وأن في الاصطناع إليهم وإعتاقهم يكون تكفيرا. # ثم قوله - عز وجل -: (من قبل أن يتماسا) فتأويله عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله -: أي: عتقا لا مسيس فيه؛ لأن عنده الإعتاق يحتمل التجزؤ: أنه يعتق ~~نصفه، ثم النصف الآخر؛ فيشترط أن يعتق النصفين جميعا قبل المسيس، حتى لو ~~مسها فيما بين ذلك يلزمه استئناف العتق، وعلى هذا التأويل قوله: (فمن لم ~~يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ... (4) أي: صوم شهرين لا مسيس ~~فيه، حتى لو واقعها في ms4462 وقت لم يتم صوم شهرين بعد يلزمه الاستئناف، وكأن ~~معناه: لا مسيس في خلال الكفارة؛ فمتى وجد المسيس في وقت لم يتم الكفارة ~~بعد يلزمه الاستئناف، وتأويل قوله: (من قبل أن يتماسا) عند أبي يوسف - رحمه ~~الله -: أي: يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك. ويقول بأن الآية خرجت لبيان ~~وقت التكفير فيه: حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، ~~بل يصوم الباقي؛ إذ قد فات عن وقته فصار قاضيا عما عليه، وليس بعد الجماع ~~وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء؛ فيجوز متفرقا ومتتابعا؛ كصوم شهر ~~رمضان: لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعا؛ بل يجوز ~~متفرقا، كذا هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق؛ لأنه لا يتجزأ عنده. # ولا خلاف أنه إذا جامع بعدما أطعم ثلاثين مسكينا أنه لا يلزمه استئناف ~~الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع قبل الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة ~~والاستغفار في قول عامة الفقهاء. # وعند بعضهم يلزمه كفارتان. # لأبي يوسف - رحمه الله - ما ذكرنا، ولأنه قد رأى أداء بعضها في الوقت ~~وبعضها في غير الوقت أولى من أداء الكل بعد الوقت؛ ولهذا المعنى في الطعام ~~كذلك. # ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الظهار ليس يوجب الكفارة؛ ولكن يوجب حرمة ~~لا # PageV09P560 # ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصودا، ولكن إذا أراد ~~الاستمتاع بها يقال له: ليس لك ذلك إلا بالكفارة، فإذا كان كذلك فإذا أدى ~~بعضها، ثم ماسها، ثم أدى البقية - لم يصر ما أدى بعد المماسة؛ فضاعف الوقت ~~الذي قبل المماسة، فإذا لم يصر قضاء عن ذلك جعل كالنص إنما جاء في هذه ~~الحالة: أن حرروا رقبة قبل أن تماسوا ثانيا، وصوموا شهرين متتابعين إذا ~~أردتم العود إليها؛ ولذلك قال - عليه السلام - للمظاهر الذي جامع امرأته: " ~~استغفر الله، ولا تعد حتى تكفر ". # لكن يدخل على هذا أمر الطعام أنه إذا أطعم بعض لطعام، ثم ماسها لم يلزمه ~~الاستقبال، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، لكن يستحسن في ms4463 الطعام؛ ~~لأن الطعام وقع في الأصل متفرقا؛ إذ لو أطعم بعضه للحال وبعضه بعد سنة فإنه ~~جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه ~~إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضا، ومع ذلك إذا وجد المسيس فيما ~~بين ذلك يلزمه الاستئناف. # وما ذهب إليه أبو يوسف - رحمه الله - من حمل الآية على بيان الوقت لا ~~يصح؛ لأنا لو حملنا تأويل الآية على الوقت نفسه، لا فائدة تقع في الآية؛ ~~لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب الحرمة ~~بالظهار، وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة؛ فصار وقت الحل بذكر ~~الحرمة معلوما؛ ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع ~~إلا بسبب رفعه؛ فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم تفد شيئا، ولو حمل ~~على بيان إخلاء الكفارة عن المسيس، وعلى نفي المسيس في خلال الكفارة تفيد ~~فائدة جديدة؛ فيكون هذا التأويل أحق وأولى. # ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، وهو قوله - تعالى -: (فمن ~~لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)، ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم ~~يذكر ذلك في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة؛ ~~إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد لا يختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها ~~واحدا، ولا يقال: إنما لم يذكر الوقت في الإطعام؛ لأن ذكره في العتق ~~والصوم: ذكره في الإطعام؛ لأنه من أنواع هذه الكفارة؛ فذكر الوقت في بعض ~~يكون ذكرا في الباقي، فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه # PageV09P561 # في غير الوقت كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت؛ لأنا نقول: ذكره في ~~العتق والصوم لا يصلح أن يكون بيانا في الإطعام؛ لأن البيان على وجوه ~~ثلاثة: بيان نهاية، وبيان كفاية، وبيان تفصيل: # فأما بيان الكفاية: فهو أن يكتفى ببيان الواحد أو القليل عن الكل؛ ليعرف ~~ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره؛ فيدل ذلك على ms4464 معنى مودع فيه، وأنه محل ~~الاجتهاد والتقليد. # وأما بيان النهاية: هو أن يبين الكل على المبالغة؛ حتى لا يبقى للاجتهاد ~~فيه موضع. # وأما بيان التفصيل: هو الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته؛ فهو فيما ~~يبين لا يتعدى إلى غيره؛ إذ لو كان فيه معنى مودع يجمع الكل لم يكن لذكر ~~الزائد عليه وترك بعضه معنى. # وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية؛ إذ لم يكتف بذكر في واحد، ولا هو بيان ~~نهاية؛ إذ لم ينه البيان في الكل؛ فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر في ~~المذكور، ولا يتعدى إلى آخر، ولو كان ذكر ذلك لبيان الوقت لاكتفى بذكره في ~~الواحد عن الكل؛ إذ ذكر في الكل على المبالغة؛ فلما ذكر على بيان التفصيل ~~دل أنه ليس لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس عن خلال الصوم والعتق المذكورين ~~دون الطعام الذي لم يذكر فيه، وتبين أن إخلاء الصوم والعتق عن المسيس حكم ~~عرفناه بالنص غير معقول المعنى؛ فلا يتعدى عنه إلى غيره، ويكون مثاله ما ~~ذكر في قوله - تعالى -: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. . .) الآية، ~~على ما عرف في موضعه، والحاصل في المسألة طريقان: أحدهما: بحق القياس، ~~والآخر: بحق الاحتياط. # أما القياس ما ذكرنا أن قوله - تعالى -: (من قبل أن يتماسا) لإخلاء الصوم ~~عن المسيس عن خلال الكفارة، لكن إنما ذكر في الإعتاق والصوم دون الإطعام؛ ~~فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل؛ فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص، ~~ومنع التعدية إلى غيره؛ لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، ~~فجعلنا نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجبا بالنص؛ حتى لا يكون كفارة ~~بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطا. # وأما طريق الاحتياط، فهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت أو لنفي ~~المسيس عن خلال الصوم، فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس؛ لما ~~أنه لم يذكر فيه المسيس، وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ~~ذكره ذكرا في الإطعام؛ # PageV09P562 # بل ms4465 هو بيان تفصيل وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، والله أعلم. # وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في أن العتق يحتمل ~~التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقى الباقي بحاله ثم يعتقه بأوقات بعده؛ إذ ~~قال: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا)، أي: تحرير رقبة بلا مماسة في ~~التكفير، ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله: (من قبل أن ~~يتماسا)، ألا يقع العتق إلا قبل المماسة؛ فلما قال دل أنه أراد - والله ~~أعلم - بألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه ولم تعتقوا الكل حتى يكمل ويتم فيه ~~الإعتاق؛ ولهذا قال بأنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم؛ فدل أن ~~الإعتاق متجزئ، والله أعلم. # ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار ~~فقط؛ لوجهين: # أحدهما: أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين ~~المرأة؛ فلا يدري أنه تاب أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول وإن لم يتب ~~حقيقة بقلبه؛ فتتهمه المرأة؛ فجعل التوبة فيه أمرا ظاهرا يعرف به توبته؛ ~~دفعا للتهمة عنه، وتسكينا لقلب المرأة، والله أعلم. # والثاني: أن الله جعل الاستمتاع في النكاح نعمة عظيمة؛ فتشبيهها بالمحرم ~~الذي يتأبد حرمته: أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه بشيء لا يثقل عليه ~~فيقدم ثانيا وثالثا لخفة أمره عليه؛ بل جعل ما يتألم عليه ويشتد عليه زجرا ~~له عن مثله في المستقبل ولغيره: كما في الزنى وغيره من الأجرام. # ثم لم يجعل ملك اليمين للاستمتاع خاصة -وإن أبيح لهم ذلك- ولا جعل لهن ~~قبل السادات حق الاستمتاع؛ فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة عظيمة، ولا ~~إبطال حق لهن قبل مواليهن؛ لذلك افترقا، والله أعلم. # وقيل: إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء ~~حظ من الطلاق، وهو الطلاق، ولم يكن لهن حظ من الذي صار وانتقل إليه. ولكن ~~إن ثبت هذا كان طلاقا يوجب حرمة لا ترتفع أبدا، لا طلاقا يوجب حرمة ms4466 ترتفع ~~بالنكاح، على ما تقدم ذكره. والإماء لم يكن لهن حظ من هذا التحريم؛ لعدم ~~تصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فأما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية: ~~فإن كان تلك الحرمة هي الأصل، وهن أصل لها، مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا ~~لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقته؛ دل أن الطريق ما قلنا، والله أعلم. # وفي الآية دلالة جواز تأخير البيان؛ لأن ذلك الرجل ظاهر من امرأته اشتد ~~بهم # PageV09P563 # الحاجة إلى معرفة ما يجب فيه من الأحكام، ثم تأخر نزول بيان ما يجب ~~عليهم؛ فطلبوا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيان الحكم؛ فدل أن ~~البيان قد يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع؛ بخلاف الأولى؛ لأن في ~~الأول قد ظهرت الحاجة واشتدت لوقوع النازلة وفي نزول العام الذي أريد به ~~الخصوص لا وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع ~~النازلة بأوقات، دليل على ما ذكرنا، والله أعلم. # ثم جعل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار ~~في شهر رمضان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ~~ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله). # صرح صاحب [(الواضح)] بأن قوله: (ذلك)، أي: ذلك أمرتم ونهيتم؛ (لتؤمنوا). # ولكن عندنا تأويل قوله: (ذلك لتؤمنوا بالله) هو صلة قوله - تعالى -: (قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها. . .) الآية، يقول: أخبركم بما كان ذلك ~~منكم في السر، وأطلعكم على ذلك؛ لتؤمنوا بالله ورسوله، أي: لتصدقوا وتعلموا ~~أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء. # ومنهم من قال: ذلك راجع إلى قوله: (والله يسمع تحاوركما) أي: ذلك الفرج ~~والمخرج عما امتحنتم به من الحرمة وما اشتد عليكم؛ لتؤمنوا بالله ورسوله ~~لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر، والله أعلم. # ومنهم من قال: (ذلك): القول المنكر الزور الذي قلتم وأعلمكم أنه منكر ~~وزور؛ لتؤمنوا بالله ورسوله؛ فيخرج ذلك على الأمر بالشكر له ms4467 ما أنعم عليهم، ~~وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها، وهكذا العبادات التي أمروا ~~بها: أمروا؛ لإحدى ثلاث خلال: # إما بحق الشكر بما أنعم عليهم. # أو لتسليم الأمر له والخضوع. # أو لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) على غير هذا، ~~أي: ذلك الذي أنزل؛ لتؤمنوا، أي: لتجددوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله ~~في كل وقت وكل ساعة؛ إذ يلزم الناس إحداث الإيمان، وتجديده لإحداث الرخص ~~والعزائم التي تجددت والله أعلم. # PageV09P564 # وقوله - عز وجل -: (وتلك حدود الله). # قيل: أي الذي افترضه الله عليكم من الأحكام، وقال الزجاج (حدود الله)، ~~أي: موانع الله تعالى؛ لذلك سمي الحاجب: حدادا؛ لأنه يمنع الناس منه. # وعندنا قوله: (وتلك حدود الله) أي: زواجر الله وموانعه، على معنى أنه ~~يمنع كل شيء عن الدخول في حد الآخر يمنع الباطل عن الدخول في حد الحق ~~والاختلاط به. # وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف الفرائض، وهي الطاعات إلى ~~نفسه بقوله: (وتلك حدود الله)، وأنها أفعال العباد؛ دل أن أفعال العباد ~~كلها مخلوقة لله - تعالى - وإنما خص هذه الأعمال بالإضافة إلى نفسه، مع أن ~~جميع الأفعال مضافة إليه بخلقه إياها تبجيلا وتعظيما لها، كما قال الله - ~~تعالى -: (وأن المساجد لله)، أضاف المساجد لنفسه؛ تبجيلا وتعظيما لها. وعلى ~~هذا يخرج تأويل من قال في قوله: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها)، من نفسي؛ ~~فكيف أظهرها لمن دونه أراد بهذه الإضافة تبجيلا وتعظيما لأمر الساعة؛ فكأنه ~~يقول: إنما لم أظهر أمر الساعة لذلك الخلق الذي هو بهذه المنزلة، فكيف ~~أظهرها لكم أي: لا أفعل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وللكافرين عذاب أليم). # أي: للكافرين بالله وبحدوده عذاب أليم في الآخرة؛ لأن عذاب الكفر إنما ~~يكون في الآخرة عذابا دائما لا انقضاء له، ولا قوة إلا بالله. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ~~وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله ms4468 جميعا ~~فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن ~~الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ~~ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8). # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يحادون الله ورسوله). # قال بعض أهل الأدب: المحاد هو الذي يجعل نفسه في حد غير الحد الذي أمره ~~الله ورسوله، وكذلك قوله: يشاقون الله، أي: يكونون في شق غير الشق الذي ~~عليه رسول الله، أو كلام نحوه. # PageV09P565 # ومنهم من قال: حددته عن طريقه، أي: عدلته عنه، وبعضه قريب من بعض. وأصله ~~ما ذكر: (يحادون الله ورسوله)، أي: يمانعون الناس ويزجرونهم عن الطريق؛ ~~لئلا يأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ويتبعوه. # وقوله - عز وجل -: (كبتوا كما كبت الذين من قبلهم). # قيل: غلبوا وردوا بغير حاجتهم كما غلب ورد الذين كانوا من قبلهم. # وقيل: أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم. # وقيل: أخزوا كما أخزي الذين كانوا من قبلهم. وكله قريب بعضه من بعض. # ثم يخرج تأويله على وجهين: # أحدهما: أي: كبت هؤلاء الذين منعوا الناس عن اتباع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من أهل مكة، كما كبت من قبلهم. # أو كبت هؤلاء الذين مانعوا الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمدينة، كما كبت الذين مانعوهم عنه بمكة؛ لأن هذه السورة مدنية، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد أنزلنا آيات بينات). # أي: آيات تبين حدود الله من غير حدوده، أو ما يبين الحق من الباطل، ~~والرسول من غيره، أو المحاد من غير المحاد. # وقوله - عز وجل -: (وللكافرين عذاب ms4469 مهين). # أي: للكافرين كلهم عذاب يهينهم؛ كما أهانوا المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ~~ونسوه والله على كل شيء شهيد (6). # أي: الأولين والآخرين، والمحادين والموافقين. # وقوله - عز وجل -: (فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه). # أي: ليبعثهم الله جميعا، فينبئهم بما عملوا من خير أو شر، أحصى الله ما ~~عملوا، وإن طال ذلك أو كثر، ونسوا هم تلك الأعمال. خرج هذا على الوعيد، ~~وفيه دلالة رسالته؛ إذ أخبر أن الله - تعالى - يحصي ذلك عليهم، وأنهم نسوا؛ ~~فلم يتهيأ لهم أن ينكروا عليه أنهم لم ينسوا؛ دل أنه بالله علم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (والله على كل شيء شهيد). # PageV09P566 # أي: على كل شيء من الإحصاء والحفظ وغير ذلك شهيد. # وقوله - عز وجل -: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ~~ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن ~~الله بكل شيء عليم (7). # فإن كان هذا الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكون فيه دلالة ~~رسالته أن أطلعه على ما أسروا فيما بينهم من المكر برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه، وتناجوا بينهم من الكيد والخداع، أطلع الله - تعالى - ~~رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه بالله علم ذلك. # والثاني: بشارة له بالنصر والمعونة، وهو كقوله - تعالى - لموسى وهارون - ~~عليهما السلام -: (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى)، أي: أسمع ما يقول لكما ~~وما يجيب، أو أرى ما قصد بكما، وأدفع عنكما ما قصد بكما؛ فعلى ذلك ما ذكر ~~له: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم) فيطلعك على ما هموا بك وأسروا فيك، فينصرك ويدفع عنك ~~كيدهم. # وجائز أن يكون الخطاب ليس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ ولكن ~~لكل في نفسه؛ فيصير كأنه قال: ألم ms4470 تر إلى عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض ~~قبل إنشاء أهلها فيهما، فإذا رأيت عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض ~~وأهلهما، وعلمت ذلك فاعلم أنه بما يكون ومن نجواهم، فيما ذكر عالم؛ فيخرج ~~على التنبيه والزجر عن الإسرار والنجوى. # ثم قوله: (رابعهم)، و (سادسهم)، و (معهم) ونحوه يجب أن ينظر إلى المقدم ~~من الكلام؛ فيصرف قوله: (هو معهم) إلى ذلك، نحو قوله (إن الله مع الذين ~~اتقوا)، (وإن الله لمع المحسنين)، ونحوه - يكون معهم في التوفيق والمعونة ~~لهم والنصر؛ فعلى ذلك ما ذكر من قوله: هو معهم في النجوى وما أسروا فيما ~~بينهم، أي: شاهد معهم حافظ عليهم، يدفع عنكم كيدهم ومكرهم وينصركم، والله ~~أعلم. # وقوله: (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم). # أي: ينبئهم بما تناجوا وأسروا من الكيد يوم القيامة. # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير (8). # هذا الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اعلم أن الذين نهوا ~~عن النجوى، (ثم يعودون لما نهوا عنه. . .) الآية. # وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهوا عنه وهو ~~النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى ما نهوا عنه بحضرة أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولكن عند غيبة منهم؛ دل أنه بالله علم. # PageV09P567 # ثم اختلف في سبب تلك النجوى: # قال بعضهم: إنه كان بين اليهود وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~موادعة، فإذا وجد رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم، أو يظن المسلم ~~أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره؛ فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى ~~النجوى؛ فنزل ما ذكر. # ومنهم من قال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا ~~خرجوا ms4471 من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام أناس من اليهود وأناس ~~من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، ~~فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هؤلاء إلا قد بلغهم خبر أقربائي الذين ~~بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في ~~قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية. # لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج ~~وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ ~~فالإمساك عنه أحق. # وقوله - عز وجل -: (وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله). # ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول الله يقولون: السام عليك يا محمد؛ فيجيبهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرد عليهم ويقول: عليكم. ففيه دلالة رسالته؛ ~~لأنهم حيوه شرا منه، فأطلعه الله - تعالى - على ما أسروا، وكذلك ما قال: ~~(ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله): هلا يعذبنا الله بما نقول في السر ~~فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع الله - ~~تعالى - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه بالله - تعالى - عرف أذلك. # ثم قوله - عز وجل - خبرا عنهم: (لولا يعذبنا الله بما نقول). # جائز أن يكون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم وعيد بالتعذيب؛ ~~لأجل التناجي الذي كان فلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك: إنه لو كان رسولا ~~على ما يقوله لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون، فعذابهم ما ذكر حيث قال: ~~(حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير)، والله أعلم. # PageV09P568 # ويحتمل أن يكون قولهم: (لولا يعذبنا الله بما نقول) إنما قالوا ذلك عند ~~رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم بما حيوه حين قال: " وعليكم " ~~يقولون: إنه دعا علينا بقوله: " وعليكم "، فإن كان رسولا لأجيب دعاؤه الذي ~~دعا علينا، لكن رسول ms4472 الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدع عليهم؛ إنما رد ~~قولهم عليهم ردا، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون (9) إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) يا أيها الذين آمنوا إذا قيل ~~لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ~~(11) يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ~~ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى). # إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى ~~المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناجوا أولئك، أي: لا تتناجوا أنتم يا أهل ~~الإيمان فيهم بالإثم والعدوان كما تناجوا فيكم، يقول: لا تجازوهم بالذي ~~فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله - تعالى -: (ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا): نهى المؤمنين أن ~~يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم ~~بالتعاون على البر والتقوى، قال: (وتعاونوا على البر والتقوى)، فعلى ذلك ~~يحتمل هذا، والله أعلم. # وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا فيما يؤثمكم ويحملكم على العدوان: على المجاوزة عن ~~الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، (وتناجوا بالبر والتقوى): يحتمل ~~كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ~~ذكره. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله الذي إليه تحشرون). # جائز أن يكون ms4473 هذا الخطاب لهم -أعني: المؤمنين والكافرين الذين يقرون ~~بالحشر- # PageV09P569 # لأن أهل الكتاب وبعض المشركين يقرون بالبعث، وبعض المشركين ينكرون مع ~~الدهرية. # وقوله - عز وجل -: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس ~~بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10). # أي: النجوى الذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ليس كل ~~نجوى على ظاهر ما يخرج الخطاب عاما؛ ولكن يرجع إلى النجوى التي ذكرنا، وهو ~~الذي نهوا عنه. # ثم قوله: (إنما النجوى من الشيطان) جائز أن يكون معناه: ابتداء النجوى في ~~الشر من الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن الله - تعالى - لما خلق آدم - ~~عليه السلام - قال إبليس للملائكة: أرأيتم إن فضل هو عليكم ما تصنعون؟ ~~فأجابوه بما أجابوا؛ فقال هو: إن فضلت عليه لأهلكنه، [وإن فضل هو علي ~~لأعصينه]، فقد ناجاهم في أمر آدم - عليه السلام - بالشر، فكان أول النجوى ~~في الشر من الشيطان. # وقوله - عز وجل -: (ليحزن الذين آمنوا). # لولا أن الشيطان في حال الحزن يكون أملك على إفسادهم وإخراجهم من أمر ~~الله - تعالى - وإدخالهم في نهيه؛ وإلا لم يكن لقوله: (إنما النجوى من ~~الشيطان ليحزن الذين آمنوا) معنى؛ فدل أنه - لعنه الله - في حال الحزن ~~والغضب أملك وأقدر من حال السرور والسعة، لكنه بما يدعوه إلى اللذات ويمنيه ~~أشياء كان قصده من ذلك أن يوقعه في الضيق والشدة لما هو عليه أقدر في تلك ~~الحال؛ ولذلك قال لآدم وحواء - عليهما السلام -: (هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى)، تلقاهم بالغرور بالذي ذكر، ومناهم ما ذكر، وكان قصده من ذلك ~~إبداء عورتهما وإيقاعهما في الضيق والبلاء؛ حيث قال: (فأكلا منها فبدت لهما ~~سوآتهما. . .) الآية، مكن الله - تعالى - إبليس من الشر بالذي ذكرنا، ولم ~~يمكن له من إفساد الطعام واللباس والأشربة ونحو ذلك، وهو دون الأول، وذلك ~~أكثر، لكن هذا في الضرر الدنياوي أكثر؛ فلم يمكنه من إفساد هذه الأشياء ~~تفضلا منه وإحسانا عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله). # أي: ms4474 ليسوا بضارين لهم فيما يتناجون من الكيد بهم والمكر، والله أعلم. # ثم قال: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون). # أي: في دفع من قصدهم من الكيد بهم والمكر والهلاك، وعليه يتوكلون في ~~النصر لهم والمعونة على أعدائهم، والتوفيق لهم في كل خير، وكل هذا وصف ~~المؤمنين وأما المعتزلة، فهم بمعزل عن هذه الآية، وكذلك: المؤمنون على ~~قولهم غير متوكلين على PageV09P570 # الله؛ لأنهم يقولون: إن الله - تعالى - قد أعطى كلا من النصر والمعونة ما ~~ينتصر على أعدائه وينتقم منهم حتى لا يبقى عنده مزيد ما ينصرهم ويعينهم على ~~شيء؛ فعلى قولهم لا يقع للمؤمنين في التوكل على الله - تعالى - شيء؛ لأنه ~~ليس عنده ما ينصرهم ولا ما يعينهم، فعلى ماذا يتوكلون عليه على قولهم إذا ~~لم يملك ما ذكرنا، ومن قولهم: إن على الله - تعالى - أن يعطي من المعونة ~~والتوفيق حتى لا يبقى عنده مزيد بشيء فلو منع شيئا من ذلك لم يعطهم يكون ~~جائرا، ثم إذا أعطاهم ما ذكروا، ولا يهتدون ولا ينتصرون، والله - تعالى - ~~قال: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)، وقال: (من يهد الله فهو المهتدي)؛ فدل ~~أن ما قالوا مخالف للكتاب. # ثم اختلف في اشتقاق النجوى: # فمنهم من قال: هو من النجوة، وهو المكان العالي المرتفع: وذلك أنهم كانوا ~~يقومون في مكان مرتفع فيتحدثون فيه فإذا رأوا من قصد بهم فيتفرقون، أو كلام ~~نحو هذا معناه. # ومنهم من قال: التناجي: التخالي بما ذكروا، فيكون معنى قوله: (إذا ~~تناجيتم) أي: إذا تحاليتم فلا تتخالوا بما ذكر. # وقال القتبي: التناجي من التشاور، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس ~~فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير (11). # يخرج على وجهين: # أحدهما: وإذا قيل لكم تأخروا في المجلس فتأخروا، (وإذا قيل انشزوا ~~فانشزوا)، أي: ارتفعوا وتقدموا؛ فيكون قوله: (تفسحوا) إذا كان الحضور أولا ~~هم الذين همتهم السماع والعمل به ثم جاء ms4475 من يريد التفقه فيه، فقيل لهم: ~~تأخروا؛ حتى يقرب من يصير إماما للناس وفقيها لهم. وإذا كان الحضور هم ~~الذين همتهم أن يكونوا هم الأئمة، ثم جاء بعد ذلك من كان همتهم السماع ~~والعمل به، قيل للذين تقدموا أولا: ارتفعوا وتقدموا حتى يسمع من حضر بعدكم ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # والثاني: أنه إذا كان في المجلس أدنى سعة وفسحة ما يمكن تمكين غيره ~~بالتحريك والتفسح دون القيام يقال لهم: تفسحوا. وإذا لم يمكن ذلك إلا ~~بالقيام قيل لهم: قوموا وارتفعوا وتقدموا. # وقوله: (يفسح الله لكم) يحتمل وجوها: # أحدها: يفسح الله لكم في القبر، أو في الآخرة في الجنة، أو يفسح الله لكم ~~في # PageV09P571 # المجلس أو يفسح لكم فسحة القلب وتوسعة للعلم والحكم، والله أعلم. # وقال الحسن: (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس)، أي: في القتال والحرب، ~~(وإذا قيل انشزوا فانشزوا)، أي: إذا قيل: انهزوا إلى العدو فانهزوا. # قال قتادة: أي: إذا دعيتم إلى خير أو صلاة فأجيبوا. # وقيل: هو كل خير: من قتال عدو، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو حق ~~كائنا ما كان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات). # أخبر أنه يرفع الله الذين آمنوا، وأخبر أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم ~~من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات؛ لفضل العلم على سائر العبادات ~~من الجهاد وغيره؛ ألا ترى أنه قال في آية الجهاد: (فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة)، جعل للمجاهدين على القاعدين فضل ~~درجة، وللذين أوتوا العلم على الذين لم يؤتوا درجات؛ ليعلم فضيلة العلم على ~~غيره، وكذلك قوله - تعالى -: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم). # قال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس قوما عند نفسه؛ ~~ليتفقهوا في الدين، ويبعث قوما سرايا، حتى إذا رجع السرايا أنذرهم الذين ~~تفقهوا في الدين وتعلموا من رسول الله - صلى الله عليه ms4476 وسلم -. # فإن كان التأويل هذا؛ ففيه دلالة فضيلة العلم على الجهاد؛ حتى أحوج أولئك ~~إليهم. # وقال بعضهم: كان ينفر من كل قوم طائفة؛ ليتفقهوا في الدين، فإذا رجعوا ~~إلى قومهم أنذروا قومهم. # وقال قتادة: إن بالعلم لأهله فضيلة، وإن له على أهله حقا، ولعمري الحق ~~عليك أيها العالم أفضل، والله يعطي كلا من فضل فضله. # وقتادة يقول في قوله - تعالى -: (إذا قيل لكم تفسحوا): إنهم كانوا إذا ~~رأوا أحدهم مقبلا يضنون بمجالسهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمر الله - تعالى - أن يفسح بعضهم لبعض. # وقال مقاتل: أقبل نفر من الأنصار ممن شهد بدرا، فسلموا على نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن حوله، فردوا السلام، وضنوا بمجلسهم من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فلم يوسعوا لهم؛ فقال لهم رسول الله: " قم يا فلان ~~ويا فلان " لنفر منهم من الذين لم يشهدوا بدرا؛ فتكلم في ذلك # PageV09P572 # المنافقون؛ فنزلت هذه الآية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12). # يشبه أن يكون ما ذكر من مناجاة الرسول - عليه السلام - على وجوه، والناس ~~في مناجاته طبقات: # أحدهم: يناجيه مسترشدا في أمر الدين، وما ينزل به من النوازل. # والآخر: يناجيه افتخارا به على غيره من الناس ومباهاة منه؛ ليعلم أن له ~~خصوصية عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفضلا له عنده، وهو صنيع ~~المنافقين. # والفريق الثالث: يناجونه؛ ليسمعوا الناس الكذب ويسمعوهم غير الذي سمعوا، ~~كقوله - تعالى -: (سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين)، وهم اليهود وصنيعهم ما ~~ذكر؛ فجائز أن يخرج المناجاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الوجوه التي ذكرنا. # ثم ما ذكر من تقديم الصدقة على المناجاة يخرج على وجوه: # أحدها: أمر بتقديم الصدقة؛ لعظم قدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والخصوصية له، يطهر بتلك الصدقة ويصير أهلا لمناجاة بها، وهو كالطهارة التي ~~جعلها سببا للوصول إلى ms4477 مناجاة الرب، سبحانه وتعالى. # والثاني: لما خصهم بمناجاة الرسول، وجعلهم أهلا لها، أمرهم بتقديم ~~الصدقة؛ شكرا له منهم بذلك. # والثالث: جائز أن يكون أمرهم بتقديم الصدقة؛ امتحانا منه إياهم؛ ليظهر ~~حقيقة أمرهم، وهو ما جعل الأمر بالجهاد سببا لظهور نفاقهم وارتيابهم في ~~الأمر؛ فكذلك الأول، والله أعلم. # وجائز أن يكون الأمر بالصدقة لأهل المناجاة على الذين كانت لهم حوائج عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمنعونه عن قضاء حاجاتهم بالاشتغال ~~بالمناجاة، أمرهم بالصلة لأولئك؛ تطييبا لقلوبهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك خير لكم وأطهر). # أي: أن تقديم الصدقة أطهر لقلوبكم من ترك الصدقة. # وقوله: (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم). # جائز أن يكون هذا الأمر لأهل الغناء دون الفقر، حتى قال: (فإن لم تجدوا) ~~ما تصدقون به، (فإن الله غفور رحيم). # PageV09P573 # وقوله - عز وجل -: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ~~والله خبير بما تعملون (13). # قال عامة أهل التأويل: أي: أبخلتم يا أهل الميسرة أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات؟ # وقوله - عز وجل -: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم). # أي: تجاوز عنكم إذ لم تفعلوا. # (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). # أي: إذا لم تصدقوا تلك الصدقة فآتوا زكاة أموالكم. # قال أهل التأويل: نسخ ما أمروا به من الصدقة عند المناجاة بما ذكر: من ~~إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. # وقوله - عز وجل -: (وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون). # هذا وعيد، ثم في قوله: (إذا ناجيتم الرسول) دلالة قبول خبر الواحد؛ لأنه ~~يناجيه ولا يعلم به غيره؛ دل أنه يقبل إذا أخبر به غيره. # وفيه أن لا كل مناجاة تكون من الشيطان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ناجى من ذكر؛ فدل أن قوله: (إنما النجوى من الشيطان) مصروف إلى ما سبق ~~ذكره. # وفيه ألا يفهم من ذكر اليد الجارحة لا محالة؛ فإنه قال: (بين يدي ~~نجواكم)، وليس للنجوى يد ولا بين، وكذلك قوله: (لا يأتيه الباطل ms4478 من بين ~~يديه ولا من خلفه)، ولم يشكل على أحد أنه لم يرد باليد الجارحة هاهنا؛ فكيف ~~فهم فيما أضيف إلى الله - تعالى - في قوله: (بل يداه مبسوطتان)، وقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " الصدقة تقع في يد الرحمن ": الجارحة، لولا ~~فساد اعتقادهم في الله - تعالى - وتشبيههم إياه بالخلق. # وقال قتادة: أكثروا النجوى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعهم ~~الله تعالى عنه، فقال: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة. . ~~.) الآية. # وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أنا أول من عمل بها، تصدقت بكذا، ثم ~~نزلت الرخصة. # PageV09P574 # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ~~ما كانوا يعملون. اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين. ~~لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) إن الذين يحادون ~~الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز (21) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ~~(22). # وقوله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم ~~منكم ولا منهم). # يذكر سفه المنافقين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتوليهم قوما غضب ~~عليهم، على ما علم منهم أن الله - تعالى - قد غضب عليهم؛ لكنهم تولوهم طمعا ~~منهم في أموالهم وفيما كان عندهم من السعة وفضل ms4479 الدنيا، ثم أخبر أنهم ليسوا ~~منكم، أي: ليسوا على دينكم، ولا أنتم منهم، أي: على دينهم، أي: أولئك ~~اليهود؛ لكنهم يتولونهم طمعا فيما عندهم من فضل الدنيا. # (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون). # كأنه قيل لهم: لم توليتم قوما غضب الله عليهم؟! فحلفوا أنهم لم يتولوهم؛ ~~فأخبر أنهم كاذبون في حلفهم. # وفيه دلالة إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم تولوا اليهود ~~سرا من المؤمنين، وحلفوا كذبا، فأخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بتوليهم وكذبهم في الحلف؛ دل أنه - عليه الصلاة والسلام - عرف ذلك بالوحي ~~ثم أخبر ما أعد لهم في الآخرة بتوليهم أولئك وحلفهم بالكذب، فقال: (أعد ~~الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15). # أي: قد أساءوا إلى أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (اتخذوا أيمانهم جنة ... (16). # أي: حلفهم الذي حلفوا: إنهم لم يتولوا أولئك اليهود جنة. # (فصدوا عن سبيل الله). # يحتمل: صدوا أنفسهم عن سبيل الله، أو صدوا الناس عن سبيله بما ذكر. # (فلهم عذاب مهين). # PageV09P575 # أي: يهانون في ذلك العذاب. # وقوله - عز وجل -: (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (17). # يخبر أن أموالهم التي لأجلها تولوا اليهود وعاندوا المؤمنين لا تغنيهم ~~تلك الأموال من عذاب الله شيئا إذا نزل بهم، ثم أخبر عن شدة سفههم أنهم ~~يحلفون في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا بقوله: (يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ... (18). # ثم فيه أن الآية لا تضطر أحدا إلى الإيمان به والتوحيد؛ لأن الآية ليست ~~أعظم من قيام الساعة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب والكفر به، ولا اضطرهم إلى ~~الإيمان به، وكذلك قوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا ~~مشركين)، في الدنيا؛ فإذا كان ما ذكرنا، كان تأويل قوله: (إن نشأ ننزل ~~عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)، وقوله - تعالى -: (ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ms4480 ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله): أنهم يؤمنون إذا شاء الله، ولا يؤمنون، وإن نزل ~~عليهم الآيات التي ذكر، ولا آية أعظم مما ذكر من إنزال الملائكة، وإحياء ~~الموتى، وتكليمهم أنهم على الباطل، وأن الحق هو الذي دعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إليه؛ دل هذا كله أن الآية لا تضطر أهلها على الإيمان، ~~والله أعلم. # وقوله: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن ~~حزب الشيطان هم الخاسرون (19). # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (استحوذ)، أي: غلبهم الشيطان. # وقال مقاتل: أي أحاط بهم. # وقال الزجاج والقتبي: أي: استولى عليهم. وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، ~~وفيه أن الشيطان قد سلط عليهم حتى غلب عليهم بإجابتهم بما دعاهم إليه من ~~معاداة الله ورسوله والمؤمنين، ولكن سلطانه على ما ذكر، وهو قوله: (إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه)، فعليهم إذا عملوا بما أراد وأجابوه إلى ما دعا. # وقوله - عز وجل -: (فأنساهم ذكر الله). # يحتمل: أي: أنساهم عظمة الله، أو نعم الله وإحسانه، أو شكر نعمه. # وقوله - عز وجل -: (أولئك حزب الشيطان). # الحزب هو جمع الفرق؛ تحزبوا، أي: تفرقوا، فحزبه هو جنده كما قال أهل ~~التأويل؛ لأنهم يصيرون فرقا، ثم يجتمعون، فيكونون جندا له، وجند الرجل هم ~~الذين يستعملهم فيما شاء من القتال وغيره، ويصدرون لرأيه؛ فعلى ذلك أولئك ~~الكفرة هم جنده. # وقوله - عز وجل -: (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون). # PageV09P576 # لأنه مناهم في الدنيا أمورا، وأملهم تأميلا فيما اتبعوه، فلم يصلوا إلى ~~شيء من ذلك، وفي الآخرة بقوله: أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ولهم فيها عذاب؛ ~~فخسروا الدارين جميعا. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20). # قيل: في الأسفلين، وقيل: في المهزومين، وقيل: في الآخرين، وقيل: هو في ~~الآخرة؛ كقوله - تعالى -: (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة)، وأما في ~~الدنيا فربما يكونون هم الغالبين. # ومنهم من يقول: ذلك في الدارين جميعا هم الأذلاء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كتب الله لأغلبن أنا ms4481 ورسلي إن الله قوي عزيز (21). # أي: قضاء الله لأغلبن، ثم قال بعضهم: ليغلبن محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~كقوله - تعالى -: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله)، وفعل ذلك. # وجائز أن يكون المراد منه جملة رسله؛ كقوله - تعالى -: (ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون)، ~~وقوله - تعالى -: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا)، ثم الغلبة قد تكون من ~~وجهين: # أحدهما: بالحجج والبراهين، وما من رسول إلا وقد غلب على خصمائه بالحجة. # والثاني: بالقتال والحرب، وكانت العاقبة للرسل - عليهم السلام - لما لم ~~يذكر أنه قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # وإضافة الغلبة إلى نفسه؛ على إرادة الرسل وأوليائه؛ على ما ذكرنا في غير ~~موضع. # وقوله - عز وجل -: (إن الله قوي عزيز). # قوي بذاته؛ لأنه يكون قوة من دونه، وكذلك كل من دونه بتكوينه. # أو يكون فيه بشارة لأوليائه أنه قوي عزيز بذاته: أنه ينصرهم على أعدائهم ~~ويقهرهم. # وقوله - عز وجل -: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون (22). # قال عامة أهل التأويل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنه كان كتب إلى أهل ~~مكة: إن رسول الله يقصد إليكم؛ فخذوا حذركم، وكان له بمكة أهل؛ فأراد أن ~~يكون له عندهم يد، فشعر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ما ~~حملك على هذا؟ " فقال ما ذكرنا؛ فنزلت الآية فإن كان نزولها فيه على ما ~~ذكروا فهي في براءته من وجهين: # PageV09P577 # أحدهما: أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبدا. # والثاني: أنه لم يقصد بصنيعه مودتهم؛ ولكن قصد إلقاء المودة إليهم؛ ليقع ~~عندهم أنه وادهم، ms4482 وهو في الحقيقة يلقي المودة، وقد يكون ذلك كقوله - تعالى ~~-: (تلقون إليهم بالمودة)، والله أعلم. # وإن كانت الآية في غير حاطب فهي للمؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله - ~~تعالى - وثبتوا عليه؛ لأن أهل الإيمان كانوا أصنافا ثلاثة: صنف محققون، ~~وصنف يظهرون القتال مع أعدائهم، وصنف منهم لا يقدرون على إظهار ذلك ~~والمناصبة معهم، ولكن يتبعون الأقوياء منهم فأهل الصنف الثالث مترددون ~~يوادون الكفرة في السر، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ فجائز أن يكون قوله - ~~تعالى -: (لا تجد قوما يؤمنون بالله ... )، أي الذين يحققون الإيمان بالله ~~- تعالى - واليوم الآخر لا (يوادون من حاد الله)؛ ولكن إنما يوادهم من لم ~~يحقق الإيمان؛ فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله - تعالى ~~-: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)، أي: أثبت في قلوبهم الإيمان؛ فلا يرجعون ~~عنه، وفيه أن الإيمان موضعه القلب. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (ما كان لقوم يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يوادوا من حاد الله) وقوله - عز وجل -: (وأيدهم بروح منه). # قيل: أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم، وأخبر - عز وجل - أنه أثبت ~~المؤمنين على الإيمان (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت)، وقال: (كلمة ~~طيبة كشجرة طيبة). # وقيل: (وأيدهم بروح منه)، أي: برحمة منه. # ثم وصف ما أعد الله تعالى لهم في الآحرة فقال: (ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله). # أي: جند الله، على ما ذكرنا: أنهم يأتمرون بأمره، ويقاتلون أعداءه، ~~ويوالون أولياءه؛ فهم جند الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ألا إن حزب الله هم المفلحون). # قيل: هم الناجون، وقيل: الباقون في نعم الله - تعالى - والله أعلم ~~بالصواب. # PageV09P578 ### | سورة الحشر # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم ms4483 الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين (5) وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6). # قوله - عز وجل -: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز ~~الحكيم). # قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه. # وقوله: (وهو العزيز الحكيم). # العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه ~~أثر الذل والحاجة، وقوله: (الحكيم) له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى ~~الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث ~~تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء ~~مواضع. # ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات ~~والطبائع والعقول: # أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت ~~بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء. # والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ~~ويحترزون من المساوي والمضار. # والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه ~~الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها ~~يولدون، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ~~لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) [هم بنو قريظة، وقال غيره من ~~المفسرين]: هم بنو النضير وهو أقرب. # PageV09P579 # ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه اضطرهم إلى ms4484 الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل ~~-: (إذ أخرجه الذين كفروا. . .) الآية. # والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم ~~الأصل في إضافة الفعل إلى الله تعالى أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق ~~وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على ~~التمكين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لأول الحشر). # اختلفوا فيه: # قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشام، والحشر الثاني: حشر القيامة. # وقال بعضهم: أول الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر ~~الثاني: حين أجلاهم عمر - رضي الله عنه - إلى الشام. # وقوله - عز وجل -: (ما ظننتم أن يخرجوا) أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن ~~تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته ~~عليكم. # وقوله - عز وجل -: (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله). # لا يحتمل أن يتوهم أحد هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: # أحدهما: أنهم ظنوا أن الله - تعالى - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ ~~بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا ~~يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، ويكون ~~قوله: (من الله)، أي: بالله وبأمره؛ كقوله - تعالى -: (له معقبات من بين ~~يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول. # والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا ~~عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا). # يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن ~~المسلمين لم يظنوا أن يقهروهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، ~~وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى من ~~الله - تعالى - # PageV09P580 # على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله - ~~تعالى - إلى المؤمنين، والله أعلم. # ثم الأصل فيما خرج ms4485 هذا المخرج من نحو قوله - عز وجل -: (فأتى الله ~~بنيانهم من القواعد)، ومن نحو قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا)، ومن ~~نحو قوله - عز وجل -: (إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)، وما يشاكله ~~أن نحمله على أحد معان ثلاث: # أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله - تعالى - ويجوز أن يضاف ~~إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ~~ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله - تعالى - وكذلك يقال: المطر رحمة ~~الله - تعالى - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله - تعالى ~~- وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله ~~أعلم. # والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن ~~يراد منه تلك الصلة، وإنما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما ~~اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه ~~أنه قال: (فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم)، فكان ~~المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: (فخر عليهم السقف من ~~فوقهم). وكذلك قوله - تعالى -: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب)، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: (وجاء ربك والملك ~~صفا صفا)، ومن قوله - تعالى -: (ثم استوى إلى السماء)، أي: استوى تدبيره من ~~حيث وصل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم. # والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل ~~جاز أن يضاف إلى الله - تعالى - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ~~ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين). # هذا يدل على أن الملك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ~~ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك ~~إلى الكفرة، مع أن ms4486 الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله - ~~تعالى - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم. # ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ~~ذلك # PageV09P581 # يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم ~~لم يغنهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ... ~~(3). # يعني: لولا أن كتب الله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا ~~بالقتل. # وقوله: (ولهم في الآخرة عذاب النار). # قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحدا منهم مات على ~~الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخبر ~~ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله ~~شديد العقاب (4). # يحتمل أوجها ثلاثة: # أحدها: أن يقول: (ذلك)، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ~~ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: ~~بمعنى المعاداة. # وقوله: (ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب). # يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب ~~لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكون فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق ~~الله ورسوله شديدة. # وقوله - عز وجل -: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن ~~الله وليخزي الفاسقين (5). # وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، ~~وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله - تعالى - قبل: (يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين)، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما ~~بالها لا تسخو بقطع الأشجار؟! ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد ~~تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر ~~فتأويله عندنا أنه يجوز أن ms4487 يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ~~ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فكيف تفسدون أملاككم؟! # PageV09P582 # ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: # أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في ~~أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسوله، ويخضعوا لدينه. # والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم ~~وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟! # والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم ~~بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من ~~أجلي عن المقام؛ فأذن الله - تعالى - في قطع النخيل إتماما لما كتب عليهم ~~من الجلاء، والله أعلم. # والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما ~~وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعتها؛ فأذن الله - تعالى - في قطع النخيل عقوبة ~~لهم، وحزنا من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فبإذن الله). # إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله - تعالى - علم منهم ذلك، ولو كان ~~فسادا فيه لنهاهم عن ذلك. # وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله - تعالى - أمر بالقطع والترك ~~جميعا. # وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله - تعالى - قد شاء الأمرين جميعا، ~~والله أعلم. # واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيتة. # وقوله - عز وجل -: (وليخزي الفاسقين). # أي: ليكون كبتا وغيظا للفاسقين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6). # قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: (ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى)، متقدمة؛ لوجهين: # أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم. # والثاني: أن قوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم) حرف كناية، والكناية ~~لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير ~~وحق ms4488 الثانية التقديم، وعلى # PageV09P583 # ذلك قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وإذا كان كذلك فوجهه: أن ~~الذي وجب صرفه إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من ~~كل الغنيمة، فأبان بقوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم) أنه إنما يصرف ~~هذه الأربعة الأخماس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دونهم؛ لهذا المعنى: ~~أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة ~~الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم. # وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه ~~يحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وما أفاء الله على رسوله منهم) صلة قوله: ~~(يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. . . وما أفاء الله على رسوله منهم ~~فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب)، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر ~~بحرف الواو وحرف الكناية. # قال - رضي الله عنه -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا ~~بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين ~~الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟ # والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا ~~هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين ببذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى ~~منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه ~~العبارة تجري مسائل لنا: # أحدها: ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ ~~لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من ~~هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: (وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا)، ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء من مال ~~زوجها كان واجبا على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال ~~مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد ms4489 عليه من ~~غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، ~~والله أعلم. # قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب من جهة العرف والشريعة: أن يكون ~~تحمل مؤنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته: أما من جهة العرف ~~فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ~~ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم بأمور أمته في أمور ~~دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين # PageV09P584 # الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟! # ووجه آخر في هذا: ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي "، وقال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، ~~فلو اختص ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، لجاز له بما قال، ~~ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤنتهم على المسلمين لولا هذا ~~الفيء؛ كي يكون منة له على أمته، ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه ~~الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم. # ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسب شيء ~~من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ~~ليكتسب به الفضائل. والمعروف، والله أعلم. # وفي قوله: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين ": دلالة أن ما أفاء الله على رسوله ~~وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا ~~في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئا يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما ~~هي لقومهم، وكان هبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما نصر بالرعب؛ ~~فجاز أن يختص بها قومه والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى ms4490 واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب (7) للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون (9) والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ~~(10). # ثم قوله: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى). # يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك ~~الكفرة. # وقوله: (من أهل القرى) يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح القرى. # وقوله - عز وجل -: (ولذي القربى). # PageV09P585 # يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى "، فقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما تدخل ~~في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة ~~المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين. # وفي قوله - عز وجل -: (ما أفاء الله على رسوله) إنما يفهم منه قرابة ~~الرسول - عليه السلام - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: # منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين. # أحدهما: قوله: (واليتامى والمساكين وابن السبيل) وكان المراد منه منصرفا ~~إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة. # ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصل به ~~إلى قرابته، فلما قبض - عليه السلام - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: # أحدهما: قوله - عليه السلام -: " إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا ms4491 ~~صدقة ". # والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق عن أصحابها عند وفاتهم، ثم ~~الفائدة في منع ما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوراثة من ~~وجهين: # أحدهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يستعمل نفسه في شيء ~~من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائما لله تعالى؛ فإذا كان كذلك، جاز أن ~~يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم. # فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟ # قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله - تعالى -: ~~(ناقة الله)، وبيت الله. # ووجه آخر: ما كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو وقف عليه إلى ~~يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته ~~عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضا - أن يوقف عليه ملكه - عليه ~~السلام - ومعلوم أن ما كان موقوفا فسبيله التصدق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم). # له معنيان: # أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV09P586 # يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم. # ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده ~~كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول ما يقع في يده يستمتع به في ~~منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم. # قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدولة: واحدة، وهي ~~فعلة. # وقوله - عز وجل -: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). # يعني: ما أعطاكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الغنيمة فخذوه ~~ولا تظنوا به ظنا مكروها وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن ~~نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه. # وعلى قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: (وما آتاكم الرسول فخذوه)، يحمل ~~معنى ms4492 الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من ~~الدنيا عنه -يعني: زجركم عنه- فانتهوا عنه. # قال - رحمه الله -: ويروى: أن عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع ~~الأمر مع لفظ الإيتاء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء ~~والتمليك، كقوله: (وآتوا الزكاة)، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله - تعالى - ~~لما أمرنا بأخذ معروفه - عليه السلام - وإن كان في أخذ المعروف من غيره - ~~صلى الله عليه وسلم - خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى ~~وأولى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله إن الله شديد العقاب). # هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8). # وما نسق عليه من قوله: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم. . .)، ~~وقوله: (والذين جاءوا من بعدهم. . .) الآيات ظاهر هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ ~~لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم ~~يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضا أن يخفي الله - تعالى - علم ذلك ~~الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل ~~عندنا، والله أعلم. # ثم يحتمل أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن جوابه: لمن؟ ~~قال: (للفقراء المهاجرين). # ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟ فأخبر: ~~(للفقراء المهاجرين). # PageV09P587 # ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا ~~فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لعلي وابن ~~مسعود - رضي الله عنهما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستشيركم في أمر، قد ~~أغناني الله - تعالى - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: (للفقراء ~~المهاجرين)، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: (والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم)، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: (والذين جاءوا من ms4493 ~~بعدهم. . .). # وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله. ثم قال عمر - ~~رضي الله عنه -: " لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من ~~هذا، وأخبر الله بقوله: (والذين جاءوا من بعدهم) أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز ~~أن يكون عمر - رضي الله عنه - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم أن الحق الذي أوجب الله - تعالى - لهؤلاء ~~ذلك. # أو يجوز أن يكون الله - تعالى - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود - رضي الله ~~عنهم - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا ~~افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ~~ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر. وإنما كان كذلك؛ لأن ~~المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن تضيق، أو ~~يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، ~~وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد ~~يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان للإمام الخيار، والله أعلم. # ولو فهم بلال - رضي الله عنه - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه. # والمعنى من قسمته - عليه السلام - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو ~~أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله - تعالى - بفتح قريب؛ ~~عوضا عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن فيها شيء من هذا ~~المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيسا عليه، والله أعلم. # وقوله: (للفقراء المهاجرين) يحتمل أن يكون المراد منه المجاهدين ~~المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق ~~وصفه. # PageV09P588 # وقوله - عز وجل -: (الذين أخرجوا من ديارهم). # لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن ~~أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسبابا لخروجهم، ms4494 وهذا كقوله - تعالى -: ~~(فأخرجهما مما كانا فيه)، وإبليس -عليه اللعنة- لم يتول إخراجهما من الجنة، ~~ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل ~~إليه، وقد وصفنا أن هذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب ~~تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله - تعالى - من ذلك فهو ~~يحتمل الأمرين جميعا: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن ~~يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر ~~على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة ~~الفعل فيما يضاف إلى الله تعالى، وهو الموفق. # وقوله - عز وجل -: (من ديارهم وأموالهم). # يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذا لم يرو عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك ~~شيئا من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يبتغون فضلا من الله). # يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون ~~الرزق من الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وينصرون الله ورسوله). # دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: (وينصرون الله)؛ يحتمل وجهين: # أحدهما: ينصرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر (الله) صلة. # والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله، عليه السلام. # وقوله: (أولئك هم الصادقون). # يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما ~~يزلفهم إلى الله - تعالى - ويقرب إليه. # وقوله - عز وجل -: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر ~~إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9). # يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار. # وقوله: (والإيمان). # أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لكي يأمن هؤلاء المهاجرون من [إحنهم]، ~~ولا يخافوا # PageV09P589 # شرهم. # وقوله: (من ms4495 قبلهم). # يعني: من قبل الهجرة. # وقوله - عز وجل -: (يحبون من هاجر إليهم)، يعني: أن الله - تعالى - ألقى ~~إليهم محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم. # وقوله - عز وجل -: (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا). # يعني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قسم خيبر بين المهاجرين، ~~وترك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى ~~المهاجرين، يعني: أن الله - تعالى - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا ~~مقت ألبتة. # ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله ~~- تعالى - طهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة. # وقوله - عز وجل -: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). # أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما ~~يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة. # وقوله - عز وجل -: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). # إن الله - تعالى - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع والطلب لها، ~~وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، ~~وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلبا لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية ~~الأنفس من الشح تكون بوجهين: # أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل ~~كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له. # والثاني: يوفقه الله - تعالى - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى ~~يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله - تعالى - والانتهاء عما نهى ~~عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك. # ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته ~~عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية ~~نفسه عن شحها # PageV09P590 # معنى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فأولئك هم المفلحون). # يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في ~~النعيم. # وقوله - عز وجل -: (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا ms4496 تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (10). # قد علم الله - تعالى - أنه قد يكون في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم. # وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من ~~قولهم: إن القوم لما ولوا الخلافة أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كفروا. ~~ومن قول الخوارج: إن عليا - رضي الله عنه - كفر بقتاله معاوية وأصحابه. ~~وقالت المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ~~ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ ~~لأن الله - تعالى - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - ~~بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، لم يخرجهم من الإيمان، ~~ولأنه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين ~~أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، ~~والله أعلم. # ولأنه قال - تعالى -: (ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا)، ولو كان ذلك ~~يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب ~~المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل ~~والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أنهم كانوا مؤمنين، والله أعلم. # ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها ~~العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم ~~أنه ليس كل مجتهد مصيبا. # ثم قوله - عز وجل -: (ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا). # يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم. # ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين. # وقوله - عز وجل -: (ربنا إنك رءوف رحيم). # الرحمة من الله - تعالى - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى ~~قوله: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب): فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله ms4497 أعلم. # PageV09P591 # ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: # أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة. # والثاني: حقيقة المغفرة. # وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى ~~الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا ~~يتوجه إلا على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من ~~حكمه - جل ثناؤه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر ~~بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم. # وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: (ولا تجعل في قلوبنا غلا) ما يدل على ~~أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئا لم يفهم منه أنه يفعله ~~إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل ~~العداوة؛ ألا ترى أنه قال: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة). # فإن قال: تأويله: أنه خلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها. # قلنا: غير محتمل أن يخلق الله - تعالى - العداوة في قلوبهم من غير فعل ~~يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد ~~رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا ~~إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم ~~شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال ~~أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال ~~إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار ~~خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17). # وقوله - عز وجل -: (ألم تر ms4498 إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا ~~من أهل الكتاب). # هذه الآية تدل على أن الله - تعالى - جعل حجة رسالة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - قول المنافقين في أنفسهم؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل ~~الكتاب؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين؛ ولا كان ~~الكفار يخبرون بهذا أحدا من المؤمنين، فلما أخبر # PageV09P592 # بما قال المنافقون، ثبت أنه ما علمه إلا من الوحي والتنزيل، وذلك علم ~~نبوته عليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يتكثر أتباعهم في ~~القتال. # والثاني: أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا علم بحال هؤلاء، لم يخرجهم من المدينة؛ خوفا أن يقال: ~~أخرج أصحابه، وإذن لم يخرج أهل الكتاب ولم يقاتلوا. # وقوله: (ولا نطيع فيكم أحدا أبدا). # يعني: لا ننظر أحدا فيكم أبدا. # وقوله - عز وجل -: (وإن قوتلتم لننصرنكم) يحتمل أن يكونوا وعدوا نصرهم ~~هذا في قرى محصنة، ثم أخبر أنهم: وإن نصروهم ثم انهزموا، هربوا ونفروا ~~وتولوا ولم ينصروهم بعد ذلك أبدا. # وقوله - عز وجل -: (والله يشهد إنهم لكاذبون). # لقائل أن يقول: كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار، ~~وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم؛ فحقه أن يقال: إنهم لمخلفو الوعد؟ ~~وبمثل هذه الحجة احتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنبا، وذلك أنهم يقولون: إن ~~من آمن بالله - تعالى - فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه أنه ~~كذب في اعتقاده؛ فكفر لهذا المعنى. # ومن جوابنا عن هذا: أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم عن موالاتهم ~~إياهم، فأخبر الله - تعالى - أنهم كاذبون فيما أخبروا عن الموالاة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ~~ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12). # في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعا وذلك أن هذا خبر عن الغائب، ms4499 ~~وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئا من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث ~~وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، والله أعلم. # قال: ويجوز أن يكون الله - تعالى - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي ~~الرسول - عليه السلام - ممن كان الواجب عليهم -على ما عليه كانت عادتهم-: ~~الإحسان إليه؛ # PageV09P593 # وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو ~~القبيلة، وإن كان ظالما، ثم إن الله - سبحانه وتعالى - أرسل محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - من بين أظهرهم من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا ~~حتى هموا بقتله، وجعل محمدا - صلى الله عليه وسلم - حين أرسله حجة يظهر ~~لليهود والنصارى وجميع أهل الكتاب ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه ~~بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - والله أعلم - ~~حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته - عليه السلام - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل ~~بنصر الله وفضله وتأييده، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا ~~يفقهون (13). # يحتمل أن يكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على ~~التمثيل: # فأما وجه التمثيل فهو ما قال: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون)؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف؛ فيجوز أن يكون ~~معاملتهم هذه -التمثيل- معاملة من يرهبهم؛ فسمى ذلك: رهبة في قلوبهم، وهذا ~~نحو قوله - تعالى -: (الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده)، يعني: ~~جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده؛ فكذلك الأول. # ويجوز أن يكون على التحقيق؛ ولذلك أوجه من التأويل: # أحدها: أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله - تعالى ~~- ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضا؛ فكأنهم ~~على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعا، لا أن يختص به المؤمنون، وكانوا ~~لا ms4500 يرهبون الله؛ لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا. # ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا ~~من أحد الصنفين: أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب، وإن ~~كانوا أهل كتاب فنافقوا، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله - تعالى - ~~لما كانوا غير مقرين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد أمنوا - أيضا - ~~لما كانوا يصفون من قولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، وإذا سقطت الرهبة من ~~كلا الجانبين من الله - تعالى - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم. # ويجوز أن يكون تفسير قوله - تعالى -: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) ~~في قوله: (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون)، وذلك يحتمل وجهين: # PageV09P594 # أحدهما: أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير لبلايا ~~الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها، وإذا كان هذا وهمهم ~~وحسبانهم لم يرهبوا من الله تعالى. # والثاني: أنهم قوم لا يفقهون من الوعد والوعيد؛ بل كانت رهبتهم ممن كانوا ~~يأملون منهم المنافع ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله تعالى. # ولقائل أن يقول: إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من ~~رهبة الله - تعالى - لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ~~ما لا يمتنع عن كثير من الزلات فيما بينه وبين الله تعالى. # والجواب عن هذا وجهان: # أحدهما: أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من ~~الله - تعالى - رجاء يرجوه من رحمته وفضله وإحسانه؛ فيجوز أن يكون الرجاء ~~من رحمته وفضله يغلب عليه؛ فيقترف الذنوب ويرتكبها. # والوجه الثاني: إذا كان فيما يرتكبه من الذنب شرك فليس يهابهم، وإنما ~~خوفه من قوم فيهم سمعة الصلاح وأمارة النصر لدين الله - تعالى - ليس من نفس ~~المخلوقين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ~~بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14). # قوله: (جميعا)، أي: لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب ms4501 جميعا معا، وإنهم ~~ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال. # واحتمل أن يكون استثناؤه من الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب، فإن كان من ~~القتال فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى أو حصون أو من وراء جدر، ~~لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم. # وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضا. # أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم ~~يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر الله - تعالى - منهم في ناحية ~~المسلمين: (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن ~~أنبائكم)، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما أظهروا لأهل الكتاب ~~إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو ~~يجوز أن يكون في أهل الكتاب. # والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن ~~يكون # PageV09P595 # الظفر والعاقبة؟ كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (الذين ~~يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين ~~نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم): فأخبر الله - تعالى -: أنهم يتربصون ~~العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بأسهم بينهم شديد). # يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقول: (بأسهم)، يعني: قوتهم (بينهم شديد)، ما لم يروا أعداء ~~ظاهرة. # أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب ~~مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذلك في أهل ~~قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى). # لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن ~~المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك ~~معنى قوله: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)، يعني: في الهمم ~~والقلوب. # وقوله - عز وجل -: (ذلك ms4502 بأنهم قوم لا يعقلون). # يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد. # والثاني: أنهم لا ينتفعون بما يعقلون. # والثالث: أنهم لا يعقلون لمن يكون له العاقبة، وقد وصفنا أن عادتهم ~~التربص لمن يكون الظفر والعاقبة، فإذا اشتبهت عليهم العاقبة ولم يعقلوها لم ~~يوالوا واحدا من الفريقين في الظاهر والباطن جميعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم (15). يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر؛ كأنه يقول: مثل هؤلاء ~~الكفار كمثل الذين كانوا من قبلهم، وكذلك في قوله: (ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء)، يعني: مثل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ومثل هؤلاء الكفار، على إضمار مثل آخر، ثم التمثيل وكيفيته يحتمل ~~أوجها ثلاثة: # أحدها: أن يقول: مثل هؤلاء الكفار الذين أساءوا لرسوله كمثل الكفار الذين ~~أساءوا # PageV09P596 # للرسل من قبله، كان قريبا أن ذاقوا وبال أمرهم. # والوجه الثاني: أن يقول: مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج ~~الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~من مكة وكان قريبا، حتى ذاقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل، والدليل على أن ~~كفار المدينة هموا بإخراج الرسول على قوله - عز وجل -: (وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها. . .) الآية. # ويحئمل أن يكون تخصيصا لقرية أو قبيلة، ووجه ذلك أن يقول: مثل بني قريظة ~~كمثل الذين من قبلهم وهم بنو النضير، وإن كانوا قريبا أن ذاقوا وبال أمرهم، ~~والله أعلم. # وقوله: (ولهم عذاب أليم). # هذا إخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته على حيث أخبر عن ~~الغيب. # وقوله - عز وجل -: (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني ~~بريء منك إني أخاف الله رب العالمين (16). # فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا ~~وتبرءوا عنهم. # ثم قوله: (إني بريء منك) يجوز أن يكون في الآخرة؛ حيث يقول: (ما أنا ~~بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون ms4503 من قبل). # ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال ~~لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ~~وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين (17) [ ... ]. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ~~أصحاب الجنة هم الفائزون (20) لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد واتقوا الله). # الأصل إذا ذكرت حال بين العبد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ~~ذلك، مثاله قوله: (إن الله مع الذين اتقوا)، يعني: أنه معهم في النصر # PageV09P597 # والمعونة، وقوله: (لمع المحسنين): في التوفيق والولاية. وكذلك قوله - عز ~~وجل -: (اتقوا الله)؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا الله حتى يكون معهم في ~~التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: (وكونوا مع الصادقين)، أي: في ~~الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معان: # إما أن يقول: اتقوا حق الله - تعالى - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه ~~وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون ~~بها مقت الله تعالى. # ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن ~~لفظ التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر ~~كان المعنى منه محارمه ونواهيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولتنظر نفس ما قدمت لغد)، قال بعضهم: من عمل بما أمر ~~في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه ~~لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب ms4504 أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى ~~بما يستر عليه، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا ~~تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى ~~التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ~~ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر فيما يريد أن يقدمه ~~لغد، فإن كانت عاقبته الهلاك: انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة: مضى عليه ~~وأتى به، والله أعلم. # ويحتمل قوله: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) أن يكون المراد منه: ~~الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفسه لغد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اتقوا الله): ذكر قوله: (اتقوا الله) مرة أخرى، ~~والآية واحدة، يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد من الأول: أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ~~ونواهيه، وفي الثاني: اتقوا سخطه وعقوبته. # والثاني: أنه خرج على التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير ~~عند الوعيد على التأكيد؛ كقوله - تعالى -: (هيهات هيهات لما توعدون)، ~~وكقوله: # PageV09P598 # (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله خبير بما تعملون). # فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله؛ لأن علم وقت فعله أن الله - ~~تعالى - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور، امتنع عنها ~~وازدجر، وقالوا: في قوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) وعيد من ~~أربعة أوجه: # أحدها: في قوله: (اتقوا الله). # والثاني: في قوله: (ولتنظر نفس ما قدمت لغد). # والثالث: في قوله: (واتقوا الله). # والرابع: في قوله: (إن الله خبير بما تعملون). # ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعدما خاطب المؤمنين، كقوله - تعالى -: (يا أيها ~~الذين)، فكان الوعيد في المؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة، لكن المؤمنين ms4505 ~~يوعدهم عما هي معدة للكافرين؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد ~~للكافرين، وهو كقوله - تعالى -: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، ثم إن ~~الله - عز وجل - سمى الآخرة باسم الغد؛ لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا باسم ~~الأمس؛ لسرعة فنائها، وهو كقوله: (فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس)، ~~فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به: خلق للعبث، أم ~~خلق لأمر عظيم؟ على ما ذكره الله، تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون (19). # قال بعض المفسرين: (نسوا الله)، أي: نسوا العمل لله، والنسيان هو الترك، ~~أي: تركوا العمل الواجب لله - تعالى - فأنساهم أنفسهم، أي: خذلهم الله - ~~تعالى - بما نسوا. # ثم الوجه عندنا في الآية: أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأمل ~~بذلك نفعا لنفسه؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل؛ ~~فهؤلاء الكفرة لما لم يأتمروا بأمر الله - تعالى - ولم يطيعوا، وتركوا ~~العمل -صار تركهم العمل لله- والعمل له عمل لأنفسهم - فصاروا تاركين العمل ~~لأنفسهم؛ فكأنه قال: نسوا أنفسهم؛ فصاروا منسيين. # PageV09P599 # وقوله - عز وجل -: (فأنساهم أنفسهم)، أي: خلق فعل النسيان والترك فيهم: ~~أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه وأثبت فعله فيه، وليس ~~هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك؛ لكن على أن خلق ~~ذلك فيهم وقتما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم: هداه الله - تعالى - ~~فاهتدى، واهتدى فهداه الله؛ فذلك كله في وقت واحد؛ فكذلك هذا في الخذلان ~~والنسيان: لما اختار هو فعل النسيان خلق الله - تعالى - ذلك النسيان فيه، ~~كما خلق الهداية والكفر باختياره، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على ~~بعض. # وقوله - عز وجل -: (فأنساهم أنفسهم) كقوله: (نسوا الله)؛ إذ قوله - تعالى ~~- هذا داخل في قوله: (نسوا الله)؛ إذ العمل لله هو العمل لأنفسهم، والعمل ~~لأنفسهم هو العمل للذي أريد به وجه الله؛ فلذلك قلنا بأن المراد منهما ما ~~في الآخرة. # ويحتمل وجها آخر، ms4506 وهو أنهم لما تركوا طاعة الله فخذلهم الله - تعالى - ~~بتركهم أمر الله تركهم أنفسهم لهم فلم يهتدوا، ثم للخيرات والطاعات، وهذا ~~من أشد العقوبات. # ويحتمل أن يكون معناه: أي: يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في ~~الآخرة في العذاب الدائم؛ فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما ~~تركوا من الإيمان بالله تعالى، وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من ~~الخذلان فيما فعلوا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك هم الفاسقون). # فالفسق هو الخروج عن أمر الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون (20). # أي: الناجون، والفوز: هو الظفر بالحاجة، ثم قوله - عز وجل -: (لا يستوي ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة) يحتمل وجهين: # أحدهما: ألا يستووا في الدنيا، أو لا يستووا في الآخرة، فإن كان على ~~الأول فمعناه: لا يستوي عمل أهل الجنة في الدنيا في العقول وعمل أهل النار، ~~إذ عمل أهل النار بالذي يستقبحه العقول، وأما أفعال أهل الجنة الداعية ~~إليها بالتي يستحسنها العقول؛ لأن عمل هؤلاء بالذي ظهر بالبراهين والحجج، ~~وليس لعمل أولئك براهين وما أقيم بالبراهين # PageV09P600 # والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق ~~صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو ~~في العقول مستقبح؛ فلم يستويا. # وأما الوجه الثاني: لا يستوي جزاء أهل النار وجزاء الجنة؛ إذ في الجنة ~~النعيم الدائم، وفي النار الشدة والنقمة الدائمة؛ فلم يستويا، يذكر الله - ~~تعالى - هذا؛ لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله - تعالى - حتى يستوجبوا بها ~~الثواب في الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21). # اختلف الناس في تأويل هذه الآية: قال بعضهم: هي التمثيل، وهي على التنبيه ~~والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه ~~بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن ~~يريدون به ms4507 الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر: أظلم علي ما بين ~~السماء والأرض، وكقولهم: ضاقت علي الأرض برحبها، وكما وصف الله - تعالى - ~~من أمر لوط - عليه السلام -: (وضاق بهم ذرعا). فهذا القول من العرب إنما ~~كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايتة لا على الحقيقة؛ لأنه ~~معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك، لكنهم ~~تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر، وكذلك قوله - تعالى -: (لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. . .)، يقول: ~~لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته، لخضع لله - تعالى - ~~وانصدع؛ من خشيته على وجه التمثيل، لكن قلوب هؤلاء أقسى منه؛ حيث لم تخضع ~~ولم تخشع، وهو كقوله: (كالحجارة أو أشد قسوة)؛ إذ الحجارة قد تكون فيها ~~منافع: نحو خروج الماء وغيره، فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من ~~المنافع، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - ~~تعالى -: (تكاد السماوات يتفطرن منه)، على التمثيل، ليس على حقيقة ذلك. # وقال قائلون: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل): إنه حقيقة ذلك الفعل منه: ~~وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه)، ~~فمعناه: لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب ~~على البشر # PageV09P601 # على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرائطه - لكان هو ~~يفزع ويخضع ويتصدع من خشية الله - تعالى - وكان لا يقبل؛ مخافة ألا يمكنه ~~أداء ما لزمه بنزوله، وهو كقوله - تعالى -: (إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال. . .): فيقول: معناه: لو أنزلنا هذه الأمانات التي ~~في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا؛ إذ الأمانات التي في هذا ~~القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها؛ لأن الأمانات مما يكثر ~~عدها، فضلا من أن يمكن أداؤها؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أن ~~لو أنزل عليه -مع عظمه وصلابته- لانصدع؛ فعلى هذا تنبيه ms4508 للخلق وتذكير لهم. # وقال بعضهم: إن في هذه الآية تذكير الرسول - صلى الله عليه وسلم - منته ~~عليه وعلى جميع الرسل: لولا فضل الله ومنته على الرسل، لكان لا يطيق أحد من ~~الرسل حمل ما في الكتب، ولا أداء ما افترض مدكر؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما ~~فيه، فيقولون كذلك. # وقوله - عز وجل -: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله): لثقل ما فيه، لكنه نزله عليك، ويسر ذكره ووفقك تبليغ ما فيه ~~إلى أهله. # وقال قائلون: إن الله - تعالى - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - ~~عليه السلام - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أمر الملائكة أن يحملوها فلم ~~يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك؛ فخفف الله ~~- تعالى - على موسى - عليه السلام - حتى حمل ذلك، فكذلك ذكر ذلك في عيسى ~~وداود - عليهما لصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - فكأنه يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: (لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته. . .) كذا، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء ~~من قبلك، وإليه يذهب الكلبي، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في ~~تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء ~~الأمانات وغيرها؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل ~~(لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله)، وقال في موضع آخر: (إنا عرضنا ~~الأمانة. . .) الآية. # ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض، وأمكن لموسى - عليه السلام - ~~حملها؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل ~~حقيقة، ويمكن كتابته في قليل الألواح، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو ~~الحروف، إنما كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء الله ~~حق تقاته، لا على نفس تلك الألواح، وهذا الذي ذكرنا # PageV09P602 # هو تأويل القوم في نزول هذه الآية، فأما أنا لا علم لي بحقيقة تأويل هذه ~~الآية، ولولا أن في الآية ms4509 تذكيرا وتنبيها لكنا نقول: هي من المتشابه ~~المكتوم الذي لا يفسر، لكنه لما خرج مخرج التذكير واستئداء شكر ما سهل ~~علينا قراءته - احتجنا إلى تأويله. # وقوله - عز وجل -: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون). # هو ظاهر. # * * * # قوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم (24). # وقوله - عز وجل -: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمن الرحيم). # فمن الناس من يقول: إن قوله: (هو) من أرفع أسماء الله - تعالى - وذكر عن ~~بعض أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو بقوله: يا هو، ~~يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان. # وقوله: (عالم الغيب والشهادة)، قيل فيه بوجوه ثلاثة: # أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا. # والثاني: بما قد كان وبما يكون. # والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان. # وقوله - عز وجل -: (هو الرحمن الرحيم) فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي ~~هذه الآية بيان وجوه أربعة: # أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو) اسم ~~المعبود: أن كل معبود دونه باطل. # والثاني: أن فيها تنبيها وتحذيرا بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع ~~الله - تعالى - عليه، وعلمه فيه، وذلك من قوله: (عالم الغيب والشهادة). # والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا ~~والآخرة من الله تعالى؛ إذ هو - عز وجل -: (الرحمن الرحيم). # PageV09P603 # والرابع: ما ذكرنا في قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) ~~(الملك) من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة ms4510 الملك، (القدوس) ~~قيل فيه بوجهين: # قال بعضهم: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه جميع ~~الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله - تعالى -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه ~~يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا ~~أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي ~~بالمبارك، والله الموفق. # والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه ~~من الولد والشريك. # وقوله - عز وجل -: (السلام). # اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلاما؛ لما هو سالم عن الآفات، ~~وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم. # وقال آخرون: سمى نفسه: سلاما؛ لما سلم المؤمنون من عذابه. والتأويل الأول ~~أقرب. # وقوله: (المؤمن). # اختلف الناس في تأويله: # قال قائلون: هو الأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن ~~يؤمن أحدا من عذابه. # وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين: # أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة. # والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، ~~فيصدقهم بما قالوا. # ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق. # وقوله - عز وجل -: (المهيمن) اختلف فيه - أيضا -: # PageV09P604 # قال قائلون: المهيمن هو الأمين. # وقال قائلون: المهيمن هو المسلط. # وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد. # فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، ~~وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا ~~يجور. # ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن ~~تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له. # ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين: # أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء. # والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وأنزلنا إليك ms4511 الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه)، ~~أي: شاهدا عليه. # وقوله: (العزيز). # أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل. # وقوله - عز وجل -: (الجبار)، قيل فيه بوجهين: # أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير. # فقال قائلون: سمى نفسه: الجبار؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى ~~بذلك الاسم إلا هو أي: الله تعالى وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال. # وقوله - عز وجل -: (المتكبر). # من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض ~~أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر ~~التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله تعالى، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، ~~والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم. # إنما سمى نفسه: متكبرا؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك ~~قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله - تعالى - إذ لم يكن ~~أحد له شكلا ولا ضدا ولا ندا، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له ~~شكل. # وقوله - عز وجل -: (سبحان الله عما يشركون). # فيه تنزيه لله - تعالى - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، ~~وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: (سبحان ~~الله)، أي: معاذ # PageV09P605 # الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جبارا؛ لما أنه يجبر ~~الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: (الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء). # على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره. # قال الشيخ - رحمه الله -: إن الله - تعالى - يتعالى بمعان أربعة: # أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق. # والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما يشاء، ~~أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق. # والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو دونه لا يخلو عن ~~ذلك. # والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال ~~والأنداد، وتعاليه عن جميع ms4512 الآفات التي تصيب الخلق، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح ~~له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24). # فالخالق والبارئ واحد، ويقال: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: ~~سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب. # وقوله: (المصور)، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، ~~فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته. # وقوله: (له الأسماء الحسنى). # أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، ~~وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن ~~رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك. # ثم قوله: (له الأسماء الحسنى)، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا ~~هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى ~~شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا. # ويحتمل وجها آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك ~~الأسماء؛ بل هي له خاصة، والله المستعان. # * * * # PageV09P606 ### | سورة الممتحنة، # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا ~~بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم ~~بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء ~~السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة ~~يفصل بينكم والله بما تعملون بصير (3). # قوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة). # هذه الآية وما أشبهها من قوله: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم)، وفي كل ~~ما ذكر (يا أيها الذين آمنوا) دلالة واضحة أن الإيمان ذو حد في ms4513 نفسه، وأنه ~~ليس كما قالت الحشوية وأصحاب الحديث: إن الطاعات كلها إيمان، ووجه ذلك أن ~~كلا في نفسه قد فهم من هذه الآية أنه محتمل لهذا الخطاب وأنه له؛ فثبت أنه ~~ذو حد في نفسه وهو التصديق بالقلب، وغيره من الطاعات شرائعه، والله أعلم. # وفيما ذكر من قوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم)، وما أشبهها من الآي ~~دلالة على أن الإنسان ما يشاهد، وليس كما قال النظام: إن الإنسان إنما هو ~~جسم آخر سوى هذا الإنسان، ولا كما قال الناشئ: إن الإنسان إنما هو جوهر ~~بسيط في هذا الإنسان. # ووجه ذاك: أنه ليس كل أحد يعلم كونه جوهرا بسيطا أو جسما آخر فيه لطيفا، ~~وقد فهم الكل من هذه الآيات أنه محتمل للخطاب بها؛ فثبت بما وصفنا أن ~~الإنسان هو ما نشاهده والله أعلم. # وفيه دلالة أن ما يفهم من هذه الآيات من عموم أو خصوص ليس يفهم بظاهر ~~الخطاب؛ ولكن بما توجبه الحكمة، فإن أوجبت عمومها أجروها على عمومها، وإن ~~أوجبت تخصيصها أجروها على ذلك، والذي يدل على ما وصفنا أنه قال: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، وهذا مخرجه في الظاهر على ~~العموم، ولكنه لما قال: (تلقون إليهم بالمودة)، معلوم أن الذي كان يلقي ~~بالمودة خاص لا كل المؤمنين، فكان يجب أن يكون مجراها على الخصوص؛ لما بين ~~في سياق هذه الآية، ولكن الحكمة توجب تعميم هذه الآية؛ لأنه لو قال لواحد: ~~(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) كان هذا الخطاب لازما للكل بما توجبه ~~الحكمة، أنه إذا علم من أحد عداوته ألا يتخذه وليا، # PageV09P607 # وكذلك قوله: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم). # خرج مخرج العموم في الظاهر، ولكن الذين أخرجوه إنما كانوا أهل مكة خاصة ~~دون سائر الكفرة، فهذا يبين أن ما أجري مجرى العموم لم يجر لظاهر اللفظ، ~~ولكن لما يوجب الحكمة والدليل. وكذلك قوله - تعالى -: (إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله. . .) الآية: ليس أن السعي إنما ms4514 فرض يوم ~~الجمعة لتخصيصه بالذكر؛ ولكن لما أن النداء في يوم الجمعة إلى ذكرين، وفي ~~غيره من الأيام إلى ذكر واحد؛ ولأجل أن النداء المضيق في يوم الجمعة هو ~~النداء الأول، وفي غيره من الأيام هو النداء الثاني، فإذا جاز أن يكون فرض ~~السعي في يوم الجمعة إنما هو لهذين المعنيين - ثبت أن التخصيص ليس لظاهر ~~اللفظ، والله أعلم. # وفي هذه الآية دلالة رسالته - صلى الله عليه وسلم - وذلك أن قوله: (تسرون ~~إليهم بالمودة) أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحدا، وقد أطلع الله - تعالى ~~- نبيه؛ حيث أخبرهم بالكتاب؛ فثبت أنه علمه بالوحي، والله أعلم. # ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ # فقال الحسن: إنها نزلت في أهل النفاق. # وقال غيره من عامة المفسرين: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وهذا أشبه ~~التأويل بالصواب، وأقرب إلى الحق؛ وذلك أن الله - تعالى - قال: (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم): فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم، ولو كانت ~~الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوا لهم؛ بل كانوا أولياء، فثبت أن ~~المراد منه: المؤمنون، والله أعلم. # وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من ~~الولاية؛ لأنه قال: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، ولو كان ذلك الذنب ~~يكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوا له؛ بل يكون وليا له ~~بقوله: (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض)، ولأجل أنه قال: (يا أيها الذين ~~آمنوا): سماه: مؤمنا، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهزهم للقتال، وفيما أخبر: أمر بأن ~~يستعدوا لقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وحربه، ولا يشكل أن من أمر ~~بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مرتكب كبيرة، وإذا كان كذلك، ~~وقد أحله الله - تعالى - في جملة المؤمنين بقوله: # PageV09P608 # (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي) وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن ~~الكبيرة لا تكفره، ولا تغير اسم الإيمان عنه، ms4515 والله الموفق. # ثم فيما نهانا أن نتخذ عدونا وعدوه أولياء دلالة أن ليس في الحكمة اتخاذ ~~الولاية مع الأعداء. ثم من قول المعتزلة: إن الله - تعالى - أراد من جميع ~~عباده أن يؤمنوا، وإذا أراد أن يؤمنوا فقد أراد أن يواليهم مع علمه أنهم ~~يختارون عداوته؛ فكأنهم وصفوا الله - تعالى - بما يخرجه من الحكمة ويدخل في ~~السفه والجهل بالعواقب، وذلك كله منفي عن الله - سبحانه وتعالى - والمعتزلة ~~فيما وصفوا فجرة فسقة، ويخشى أن يكونوا كفرة، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (تلقون إليهم بالمودة)، أي: بما كتب في الكتاب. # وقوله - عز وجل -: (وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم)، وقوله: (إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء ~~مرضاتي). # يحتمل أن يكون ذلك فيمن هاجر من مكة إلى المدينة، وهو أقرب التأويلين؛ ~~لأن حاطبا إنما كان هاجر من مكة إلى المدينة وفيه نزلت الآية. # ويحتمل أن يكون ذلك حين أرادوا الجهاد إلى مكة، والله أعلم أي ذلك كان. # وقوله - عز وجل -: (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما ~~أعلنتم). # أي: هو (أعلم بما أخفيتم) من كتابة الكتاب إلى أهل مكة، (وما أعلنتم): ~~بما أظهرتم من العذر. # وقوله - عز وجل -: (ومن يفعله منكم)، أي: من اتخاذ الولاية مع أعدائه، ~~(فقد ضل سواء السبيل)، في الاعتقاد: إن اعتقد ذلك، وفي الفعل: إن لم ~~يعتقده، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما ~~أعلنتم). # التزام مراقبة الله - تعالى - في السر والعلانية، وتحذير لهم؛ ليجمعوا ~~بين السر والعلانية وتخويف لهم عن أن يطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - ~~على سرائرهم كما أطلعه على أمر الكتاب إلى أهل مكة. ثم في هذه الآية أعظم ~~شيء في زجرهم ونهيهم عن المعاصي، وذلك أنه لما أطلعه على جميع ما يتعاطونه ~~من الذنوب سرا وعلانية؛ فإذا علموا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلم ~~من سرهم ما يعلم من علانيتهم بما يطلعه الله عليه؛ يحملهم ذلك على الانتهاء ~~عن ms4516 المعاصي في السر والعلانية، وعلى الإجابة إلى ما يدعوهم إليه، والله ~~أعلم. # PageV09P609 # وقوله - عز وجل -: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2). # فوجه ذلك وتأويله عندنا - والله أعلم -: أنه لما رآهم رغبوا في أموالهم ~~ومودتهم رغبة منهم في الكفرة أن يحفظوا أولادهم وأموالهم، أخبرهم أن كيف ~~يرغبون في حفظهم ذلك، وهم لو قدروا عليكم وظفروا بكم قتلوكم وآذوكم ~~بألسنتهم؟! فكأنه يقول: كيف توالونهم من حيث تسرون إليهم بالمودة، وهم لو ~~ظفروا بكم قتلوكم، وكانوا لكم أعداء؟! # وقوله - عز وجل -: (وودوا لو تكفرون). # يعني: أنهم يودون أن يكفروا، ومع ما يودون أن يكفروا: لو قدروا عليكم ~~قتلوكم، فمن كانت حالهم معكم مثل هذا: فكيف تطمعون أن يحفظوا أولادكم ~~وأموالكم؟! # وقوله - عز وجل -: (لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل ~~بينكم والله بما تعملون بصير (3) له وجهان: أحدهما: أن كيف توالون الكفرة؛ ~~لمكان أولادكم وأرحامكم، وهم لا ينفعونكم يوم القيامة؟! # والثاني: أن أرحامكم لا تنفعكم ولا تشفع لكم يوم القيامة. # وقوله: (يفصل بينكم) يحتمل - أيضا - وجهين: # أحدهما:، أي: بينكم وبين أرحامكم؛ لقوله - تعالى -: (يوم يفر المرء من ~~أخيه (34) وأمه وأبيه). # والثاني: أي: يفصل بينكم وبين أرحامكم؛ لاختلاف أعمالكم؛ فينزل كل واحد ~~منكم منزل عمله. # * * * # قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت ~~العزيز الحكيم (5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6). # وقوله - عز وجل -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله. . .) الآية. # الأصل ms4517 في أنباء المتقدمين أنها عبر لهذه الأمة، فما ذكر منها في المؤمنين ~~منهم فهو تذكير للمؤمنين من هذه الأمة، وتعليم لهم معاملة الكفرة ومنابذتهم ~~على مثل ما فعل المؤمنون منهم بكفرتهم من سائر الأمم. # وما ذكر منها في الكفرة من الأمم الماضية؛ فهو تخويف لكفرة هذه الأمة ~~لئلا يصنعوا # PageV09P610 # مثل صنيعهم فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أولئك. # وما كان منها في حق الرسل - عليهم السلام. - فهو في حق التسلي لرسولنا ~~وسيدنا - صلى الله عليه وسلم - عن بعض ما مسه. # وأصل آخر: أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه، ومرة بما ~~يؤمر بالاقتداء بغيره إذا كان ذلك الغير لم يفعل ما فعله إلا عن أمر. # ثم إن الله - تعالى - أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم - ~~عليه السلام - ومن معه من المؤمنين، وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وترك ~~مولاتهم؛ فكأنه قال: اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا ~~على كفرهم، كما فعله إبراهيم - عليه السلام - والذين معه (إذ قالوا لقومهم ~~إنا برءاء منكم): فنابذوهم ولم يوالوهم، فافعلوا كفعلهم. # (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك). # فكأنه قال: اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه: (لأستغفرن لك)، يعني: ~~لا تستغفروا للمشركين مثلما استغفر إبراهيم لأبيه المشرك؛ لأنكم لا تعلمون ~~المعنى الذي استغفر إبراهيم - عليه السلام - لأبيه. # ثم اختلفوا في المعنى الذي استغفر إبراهيم لأبيه: # فقال أبو بكر: إنه كان - صلوات الله عليه - وعد أن يستغفر لأبيه، ورأى أن ~~إيجاب الوعد لازم عليه؛ فاستغفر لهذا المعنى. # وقال الحسن: إنه إنما استغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك؛ لأنه لا ~~يتوهم أنه لم يعلم أنه لا يحل له أن يستغفر للمشرك، ومن علم أنه يحل له لم ~~يكن كل سلما مؤمنا؛ فثبت أنه إنما استغفر لوقت إسلامه. # وعندنا: الاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة من الله - تعالى - على وجهين: # أحدهما: مغفرة رحمة وفضل وكرم. # والثاني: أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له؛ ألا ترى إلى قوله: ~~(استغفروا ربكم إنه كان ms4518 غفارا)، أي: السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم، وإذا ~~كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه أن يكون طلب من ~~الله - تعالى - التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له، وذلك مستقيم، ~~ولكنه لما تبين أنه لا يوفقه لذلك السبب تبرأ منه، والله أعلم. # وقوله: (وما أملك لك من الله من شيء). # أي: لا أملك أن أدفع عنك عذاب الله من شيء، أو لا أملك أن أهديك دون أن # PageV09P611 # يهديك الله؛ فكأنه قال: لا أملك سوى أن أدعو لك بالتوفيق للهداية لا أملك ~~لك من عذاب الله من شيء. # وقوله - عز وجل -: (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا). # يجوز أن يكون هذا عند المنابذة وإظهار العداوة مع الكفرة، يعني: عليك ~~معتمدنا في النصر على أعدائنا عند قلة عددنا وكثرة عددهم، وإليك مرجعنا ~~ومفزعنا. # (وإليك المصير)، إذا قبضنا. # وقوله - عز وجل -: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك ~~أنت العزيز الحكيم (5). # ذكر أهل التفسير أن تأويل هذه الآية يخرج على ثلاثة أوجه: # أحدها: أي: لا تسلط علينا أعداءنا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل. # أو لا تنزل علينا العذاب دونهم؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل. # أو لا توسع عليهم الدنيا وتضيق علينا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل. # ولو كان التأويل هو الثاني لكان يجيء على هذا أن يكون الواجب على العدول ~~من هذه الأمة أن يسألوا الله - تعالى - العافية؛ لئلا يتوهم فساقهم أنهم ~~على الحق. # ولكن الجواب عن هذا أن الفساق من هذه الأمة قد علموا أن الذي هم فيه من ~~الفسق محظور، وأما الكفرة فإن عندهم أن ما يدينون به من الكفر حق؛ فإذا ~~سلطوا على المؤمنين توهموا أن الذي حسبوه حقا: حق، وأما الفسقة من هذه ~~الأمة إذ علموا أن الفسق منهي عنه محظور، لا يقع لهم هذا الحسبان، والله ~~أعلم. # ويحتمل أن يكون المعنى من قوله: (لا تجعلنا)، يعني: عذابا، أي: سببا يعذب ~~به الكفرة؛ ms4519 كما قال: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، وكان تأويله أن آتنا ~~السبب الذي نستوجب به ما وعدتنا على رسلك، فكذلك الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنك أنت العزيز الحكيم). # يعني: المنتقم من أعدائه. # وقوله - عز وجل -: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6). # يعني: لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا ~~اقتديتم بهم وأطعتموهم. # PageV09P612 # وقوله: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) يحتمل معنيين: # أحدهما: أي: لمن كان يرجو ثواب الله تعالى. # والثاني: أن يؤمن بالبعث؛ وذلك أن الله - تعالى - وصف أمر البعث في كتابه ~~بصفات مختلفة: مرة أضافه إلى نفسه بقوله: (فمن كان يرجو لقاء ربه)، وكان ~~المعنى منه البعث. ومرة وصفه بصفة أخرى. # وإن كان المراد: الثواب؛ ففيه إخبار أن الراجي في الحقيقة هو الطالب لما ~~يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعا ورجا، والخائف في الحقيقة ~~هو الحاذر عما حذر، والمنتهي عما نهي عنه وحظر. فإن من اعتمد على مجرد ~~الرجاء والخوف دون التمسك بسببهما، فهو متمن على الله تعالى. # والدليل على تأييد ما نقول: قوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا والذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله)، ألا تراه كيف حقق ~~معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته، والله أعلم. # وإن كان على البعث فكذلك أيضا؛ لأنه أضرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به؛ ~~فقد تبين أنه يوالي من تفضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته، وأنه يعادي من ~~تفضي موالاته إلى نقمة الله وعذابه، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن ~~بالبعث؛ فإنما يوالي من رجا منه منفعة الدنيا ويتولى عمن يضره في هذه ~~الدنيا، والله أعلم. # رقوله - عز وجل -: (ومن يتول). # يعني: من يتول عن طاعة الله فيما أمره من معاداة من عادوا ربهم. # (فإن الله هو الغني الحميد). # يعني: عن طاعة الخلق؛ ليعلم أن ما أمرهم به لم ms4520 يأمرهم لحاجة له في طاعتهم ~~أو لمنفعة ترجع إليه؛ بل هو غني عن كل ذلك؛ وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك، ~~ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة. # وقوله - عز وجل -: (الحميد) له معنيان: معنى: الحامد، ومعنى: المحمود. # فإن كان المراد منه: المحمود، ففيه أن الله - تعالى - يستحق الحمد من ~~خلقه بما أنعم عليهم. # وإن كان المراد: الحامد، فمعناه: أن الله يحمد الخلق ويشكرهم، حتى يجزيهم ~~بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال فيتفضل عليهم بأعمالهم، فهو حميد ~~من هذين المعنيين. # PageV09P613 # قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله ~~قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9). # وقوله - عز وجل -: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ~~والله قدير والله غفور رحيم). # إن الله أمر المؤمنين بمعاداة الكفرة ومنابذتهم وترك موالاتهم ما داموا ~~كفارا، ثم وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة إذا آمنوا؛ فكان في هذا أعظم ~~الدليل على أن الخلق عند الله - تعالى - في كل حال على ما هم عليه في ~~أحوالهم وأمورهم. # وقال بعض الجهال: إنه من يؤمن في وقت من الأوقات؛ فهو عند الله مؤمن في ~~حال كفره، وهذا خلاف ما وصف الله - تعالى - نفسه في هذه الآية، والله أعلم. # ثم المعتزلة قد خالفوا هذه الآيات وعاندوها على قولهم؛ وذلك أن الله - ~~تعالى - قال: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، ومن قولهم: إن من كان على ~~خلاف مذهبهم فهو عدو لهم، ولا شك أنهم يوالونه ويصافونه، وقد نهى الله - ~~تعالى - عن ذلك فهذا أحد الخلافين. # والثاني: أن الله - تعالى - وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ومن قولهم: ~~إنه لا يقدر على شيء من أفعال العباد فكأن الله - تعالى - على قولهم وعد ما ms4521 ~~لا يقدر عليه، وهذا لا يليق بأسفه خلق الله؛ فكيف برب العالمين؟! فثبت أنهم ~~عاندوا الآيات، والله أعلم. # وخلاف ثالث: أن الله - سبحانه وتعالى - وصف نفسه بالقدرة، (والله قدير)، ~~ومن قولهم: إنه ليس بقدير على خلق أفعال الخلق؛ فأي خلاف أشهر من هذا ~~وأظهر؟! والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8). # لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن ~~العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا)، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان ~~العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: (أن ~~تبروهم). # PageV09P614 # ثم الذي لم ينه عنه خلاف ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: (لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم)، وقال فيما ~~نهى (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم)، ومعلوا أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن ~~يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: (وصاحبهما في الدنيا معروفا)؟! ثم نهى عن تولي ~~الكفار بقوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، ولكنه لما جاز أن يجتمع في ~~نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي ~~معه، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) ~~يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم. # ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: (فما ربحت تجارتهم)، ومعناه: بل ~~خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذا لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله - ~~تعالى -: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين)، بل يأمركم أن ~~تبروهم. # ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، والله أعلم. # ثم ms4522 اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى عن توليهم: # فقال بعضهم: هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر وخشوا إظهاره ~~من المشركين، فأمر الله - تعالى - المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتب ~~إليهم؛ ليحتالوا في انقياد أنفسهم؛ لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أولئك ~~المؤمنين المستضعفين؛ فأمر هؤلاء أن يبروهم بالكتاب إليهم ليتأهبوا في ~~أنفسهم ويحتالوا؛ لما يخشى عليهم من المشركين، والله أعلم. # وقال بعضهم: هذا في الذين كان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عهد وذمة؛ فأمر المؤمنين أن يبروا أولئك في إيفاء عهودهم إلى مدتهم، ~~ونهاهم عن أن يتولوا من قاتلهم ونقض عهودهم. # وقال بعضهم: في النساء والولدان من المشركين: أمر المؤمنين أن يبروهم ~~بترك القتال، وألا يتولوا من قاتلهم من جملة الرجال من المشركين من الرجال، ~~بل يقاتلوهم. # ثم قال: (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). # أي: ومن يقولهم في الاعتقاد فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد. # أو من يتولهم في الأفعال فأولئك هم الظالمون في حق الأفعال، كما وصفنا في ~~قوله: (فقد ضل سواء السبيل). # PageV09P615 # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ~~الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما ~~أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون (11) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا ~~يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ms4523 المؤمنات مهاجرات). # المعنى عندنا - والله أعلم -: (إذا جاءكم المؤمنات)، يعني: قائلات: إنهن ~~مؤمنات. # (فامتحنوهن). # لأنه لو كان على حقيقة الإيمان لم يكن لقوله: (فامتحنوهن) معنى، فلما أمر ~~بالامتحان ثبت أن تأويل قوله: (إذا جاءكم المؤمنات) ما وصفنا بدءا. # ومثل هذا ما قال: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان)، وكان المعنى منه: من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فكذلك ~~يجوز أن يكون المعنى من الأول ما سبق ذكره، والله أعلم. # ثم إن المفسرين ذكروا وصف امتحانهن: أنهن يحلفن بالله ما أخرجهن من دارهن ~~بغض أزواجهن، أو يحلفن أنهن ما أردن بخروجهن أرضا سوى أرضهن؛ وإنما أردن ~~بذلك الإسلام. وهذا تأويل فاسد؛ وذلك أنها إذا أسلمت كان الحق عليها في ~~دينها أن تبغض زوجها الكافر، كقوله - تعالى -: (وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده)، فكيف يجوز أن يكون صفة امتحانهن ما ~~ذكروا، وحكم الشريعة والدين يوجب ما كن يفعلنه؟! فلذلك قلنا: إن هذا ~~التأويل -الذي ذكره بعض المفسرين في وصف الامتحان- غير مستقيم. # ويجوز أن يكون تأويل امتحانهن على وجهين: # أحدهما: أن يستوصفن عن الإيمان: ما هو؟ فإذا أخبرن عن حقيقة الإيمان علم ~~أنهن مؤمنات. # والثاني: يعرض عليهن ما على المؤمنات في إيمانهن، كما قال - تعالى -: ~~(ولا # PageV09P616 # يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن)، فإذا قبلن ذلك كله كان ذلك ~~امتحانهن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بإيمانهن). # هذا يدل على أن الذي كلف به المؤمنون من امتحانهن؛ إنما هو لما يعلمون من ~~إيمانهن في الظاهر وأن الحقيقة إنما يعلمها رب العالمين، وهذا يبين أن ~~العلم علمان: علم العمل وعلم الشهادة، فعلم العمل: ما يعلمه الخلق في ~~الظاهر فيعملون به، وعلم الشهادة: ما يجوز أن يشهد على الله به، وذلك إنما ~~يوصل إليه، وذلك بما يطلعهم الله عليه نصا إما بكتاب أو بسنة متواترة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وعلم العمل هو الذي يساغ فيه الاجتهاد، نحو: خبر الآحاد وجهة القياس وغير ~~ذلك. # وقوله ms4524 - عز وجل -: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار). # ذكر في القصة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح عام الحديبية ~~مشركي أهل مكة على أن من أتاه من أهل مكة فهو عليهم رد، ومن أتى مكة من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو لهم، وغير ذلك، وكتب بذلك ~~كتابا وهو بالحديبية، فلما فرغ من الكتاب إذ أتت سبيعة مسلمة، فجاء زوجها ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، رد علي امرأتي؛ ~~فإنك قد شرطت لنا ذلك، وهذه طيبة لم يخف بعد؛ فأنزل الله - تعالى -: (يا ~~أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ~~فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)، يقول: لا تردوهن إلى أزواجهن ~~الكفار. # (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن). # يقول: لا يحل نكاح مؤمنة لكافر ولا نكاح كافر لمؤمنة. # وقوله - عز وجل -: (وآتوهم ما أنفقوا). # يقول: أعطوا زوجها الكافر ما أنفق عليها، على ما كان جرى من الصلح بينهم ~~وبين المسلمين: أن ما خرج من نساء أهل مكة إلى المدينة مؤمنات لم يرجعوهن ~~إلى الكفار، وأعطوا أزواجهم ما أنفقوا من المهور، وما خرج من نساء المسلمين ~~مرتدات لم يردوا إلى المدينة، وأعطوا أزواجهن ما أنفقوا. # ثم معلوم أنه كان يؤخذ بإعطاء الصداق وإيتاء ما أنفق غير الذي أخذ ~~الصداق، ولكن # PageV09P617 # كان يؤخذ به من كان من جنسه على ما ذكرنا نظائره فيما تقدم؛ ولذلك قال ~~أصحابنا: إن أهل الإسلام يأخذون من تجار أهل الحرب مجازاة لما يأخذه أهل ~~الحرب من تجار المسلمين، وإنما يؤخذ ذلك ممن كان من نجسه، وأن ذلك غير الذي ~~أخذ منه؛ وعلى ذلك نقول: إن المحنة قد يجوز أن تستوي على البر والفاجر وأن ~~ما ينزل بالآدمي من المحن يجوز ألا يكون جزاء؛ لما تعاطى من الذنوب ~~والسيئات؛ لأن لله - تعالى - أن يمتحن عبده في هذه الدنيا مبتدأ، وأما في ~~الآخرة فلا يؤاخذ فيها أحد بذنب آخر، بل يجزي كل ms4525 بعمله: إن شرا فشر، وإن ~~خيرا فخير، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن). # يقول: لا إثم عليكم -يعني: المسلمين- أن تتزوجوهن (إذا آتيتموهن مهورهن). # وقوله - عز وجل -: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر). # عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم بعد ذلك زوجها، فردها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالنكاح الأول قبل أن ينزل: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، ~~فلما نزلت كان إذا أسلم الزوج، وخرج إلى دار الإسلام انقطعت الصلة بالإسلام ~~بينه وبين امرأته، وكذلك المرأة إذا خرجت وبقي الزوج. # ثم قوله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، قال بعضهم: أي: بعقد الكوافر، فمن ~~كانت له امرأة بمكة كافرة فلا يقيدن بالمرأة الكافرة؛ فإنها ليست بامرأة ~~له، وقد انقطعت العصمة بينهما. # وقال بعضهم: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر): حظر علينا الامتناع والكف ~~والإمساك من نكاح المهاجرة لأجل زوجها الحربي. وعصمت والعصمة: المنع، ~~والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، وظاهره في هذا الموضع للرجال؛ لأنه في ذكر ~~المهاجرات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا). # يقول: إذا لحقت امرأة المسلم بكفار مكة فاسألوا مهرها من أهل مكة، وردوا ~~إلى زوجها، (وليسألوا ما أنفقوا)، يقول: إن جاءت امرأة من أهل مكة مهاجرة ~~إليكم فردوا على زوجها المشرك ما أعطاها من المهر؛ وذلك من أجل العهد الذي ~~كان بين أهل مكة وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم). يقول: هذا هو حكم الله بين المسلمين ~~والكفار من أهل العهد من أهل مكة في أن يرد بعضهم على بعض النفقة، أي: ~~المهر. # وقوله: (والله عليم حكيم). # PageV09P618 # أي: فيما حكم بين المسلمين وأهل العهد ما ذكرنا من الحكم. # وقوله: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11). # يقول: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة من أهل الحرب ممن ليس ms4526 بينكم وبينهم ~~عهد، لها زوج عندكم مسلم، (فعاقبتم): أي: أعقبكم مالا من الغنيمة، (فآتوا ~~الذين ذهبت أزواجهم)، من المهر مما أصبتم من الغنيمة قبل القسمة. # (واتقوا الله). # فيما فرض عليكم من هذا. # (الذي أنتم به مؤمنون). # أي: مصدقون؛ فلا تنقصوه، والله أعلم. وهكذا روى مسروق، رحمه الله. # وعن الزهري أنه قال: من حكم الله - تعالى -: أن يسأل المسلمون من الكفار ~~مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت ~~إلينا من نسائهم مسلمة، فأمر المؤمنون إذا ذهبت امرأة مسلمة ولها زوج إلى ~~الكفار: أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما ~~يودون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إلينا، وإن لم يكن في ~~أيديهم صداق وجب رده على أهل الحرب فعوضوهم من غنيمة أصبتموها. # وأصل هذا - والله أعلم -: وإن فاتكم شيء مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ~~ظفرتم على أعدائكم وغنمتم -فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ما فات عنهم مما ~~أنفقوا؛ فكأنه يقول: واسألوا أولئك الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن ~~سألتم ولم يعطوكم شيئا، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم وغنمتم- ~~فأعطوا الذين فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا. # قال المصنف - رحمه الله -: اعلم بأن هذه الآية تنتظم أحكاما: # أحدها: جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر؛ فإنه قال: (فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات)، أي: بالاجتهاد والامتحان (فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار)، وهذا حكم مبني على العلم الظاهر؛ دل أن العمل به جائز. # والثاني: أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحد إما دار الإسلام أو دار ~~الحرب - هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه؟ # قال بشر المريسي بأن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء آخر إليه. # وقال الشافعي: إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث ~~حيض، # PageV09P619 # وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال. # وقال أصحابنا: إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى ~~تحيض ثلاثا، وإذا كانا في ms4527 دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة ~~حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فإذا عرض عليه الإسلام وأبي، يفرق ~~بينهما. # فأما بشر: احتج بظاهر قوله - تعالى -: (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات. . .) ~~إلى قوله: (فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)؛ فقد ~~أخبر أنه لا يحل واحد منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئا آخر؛ فلا يقرن به شيء ~~آخر. # وأما أصحابنا - رحمهم الله - فإنهم احتجوا، وقالوا: إن الفرقة لا تقع ~~بنفس الإسلام بقوله: (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) إذا كانت ~~الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى، فلما لم يذكر الحرمة إلا ~~بالامتحان ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان. # ويجوز أن يكون مثال هذا قوله - تعالى -: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)، ثم قال: ~~(والذين يرمون أزواجهم)؛ فلو كان الزنا يوجب الحرمة لم يكن هو راميا ~~للزوجة؛ بل إذا قال لها: زنيت؛ فكأنه قال: لم يكن بيني وبينك نكاح، ولما ~~ثبت رمي الزوجات بقوله: (والذين يرمون)، ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه؛ ~~فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان ~~معنى، فلما أمر بالامتحان على إيمانها، بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان، ثبت ~~أن الحرمة لا تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبين أن العمل ~~بظاهر الآية غير ممكن؛ إذ لا يجري على إطلاقها، والله أعلم. # ودليل ذلك أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بتجديد ~~النكاح؛ ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإسلام، والله أعلم. # والوجه فيه ما روي عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على اختلاف ~~الأسباب باختلاف الدارين ونحوه: روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أنهما ~~على النكاح حتى تحيض المرأة ثلاث حيض إذا كانا في دار الحرب. # وعن علي - رضي الله عنه -: أنهما على النكاح بينهما إلى الهجرة. # وعن عمر - رضي الله عنه -: أنهما إذا كانا في دار الإسلام، ms4528 فأسلم أحدهما ~~فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر. # فهؤلاء قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا أن يضامه شيء آخر، ~~ولم # PageV09P620 # يثبت عن غيرهم خلاف ذلك؛ فيكون إجماعا؛ فلذلك أخذ أصحابنا - رحمهم الله - ~~بقولهم، والله أعلم. # والثالث: أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجرا، وبقي الآخر في ~~دار الحرب - تقع الفرقة بينهما عندنا. # وعند الشافعي: لا تقع الفرقة بتباين الدارين؛ قال: لأن المسلم إذا دخل ~~بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم يقع الفرقة ~~بينه وبين زوجته؛ وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ودخل أحدهما إلى دار ~~الإسلام لم يقع الفرقة؛ فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب ~~الفرقة. # ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر؛ إنما معناه أن يكون أحدهما ~~من أهل دار الإسلام: إما بالإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب أي: ~~يكون حربيا كافرا. # فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيما في دار ~~الحرب والآخر في دار الإسلام، وفي هذه الآية دلالة على ما قلنا من وجوه: # أحدها: أنه قال: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)، ولو كانت ~~الزوجية باقية بعد التباين، لكان الزوج أولى بها، وبأن تكون معه، فلا معنى ~~للنهي عن الرجوع إلى الزوج الكافر. # وكذا قال - عز وجل -: (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن): أثبت الحرمة بين ~~المهاجرات وأزواجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل. # أو كأن معناه تحريم الاستمتاع، ولكن النكاح لما لم يكن المقصود إلا ~~الاستمتاع وما هذا من آثاره؛ فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح. # وكذا قوله - تعالى -: (وآتوهم ما أنفقوا) دليل عليه أيضا؛ فإنه أمر برد ~~مهرهن إلى الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر؛ ~~لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله. # وكذا قوله - تعالى -: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن)، ~~ولو كان نكاح الأول باقيا، لما ms4529 جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها. # وكذا قال الله - تعالى -: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر): نهانا عن الإمساك ~~والامتناع من تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته؛ دل أن الحرمة تقع ~~بالتباين. # ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت ~~وقعت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة ~~بإسلامها. وقد اتفق الجمهور من الفقهاء على أنه لا تقع الفرقة بنفس الإسلام ~~إذا كان بعد الدخول -ما لم # PageV09P621 # ينضم إليه شيء آخر- أو بحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع ~~النكاح؛ ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك؛ ولهذا لو بيعت الجارية ~~لم تقع الفرقة، وإن وجد الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل وخلف أمة ~~منكوحة: ثبت الملك فيها للوارث ولا يبطل النكاح. وإذا لم يثبت الفرقة بهذين ~~الوجهين - لم يبق إلا تباين الدارين؛ فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين ~~في المسبية، والتباين موجود في المهاجرة، والله أعلم. # [فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس قال: " رد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين "]، ~~وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها مشركا بمكة، ثم ردها عليه ~~بالنكاح الأول؛ فدل أن اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة. # فنقول له: لا يصح الاحتجاج به من وجوه: # أحدها: أنه ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول؛ ولا خلاف بين الفقهاء لا يرد ~~إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض، ومعلوم أنه ليس في العادة ألا ~~يكون ثلاث حيض في ست سنين؛ فسقط الاحتجاج به. # والثاني: أنه روي عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في ~~اليهودية تسلم قبل زوجها: " إنها أملك بنفسها "، فكان من مذهبه أن الفرقة ~~وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى؛ دل على انتساخ ذلك؛ إذ لا ~~يظن به أنه خالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثالث: أن عمرو بن شعيب روي ms4530 عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رد بنته زينب - رضي الله عنها - على أبي العاص بنكاح ثان؛ فوقع ~~التعارض بين الحديثين؛ فبطل احتجاجه بالحديث. ثم الترجيح لما رويناه؛ لأن ~~فيما رواه إخبارا عن كونها زوجة له بعدما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ~~ثان. وفي حديث عمرو بن شعيب إخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه، والثاني: ~~إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عباس - رضي الله عنه - ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو محرم على حديث يزيد # PageV09P622 # الأصم: أنه تزوجها وهو حلال؛ لأن في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - ~~إخبارا عن حالة حادثة. # وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، ولحديث بريرة أنه كان زوجها حرا حتى ~~أعتقت، ورواية من روي أنه كان عبدا يكون الأول أولى؛ لإخباره عن حال حادثة ~~والثاني إخبار عن ظاهر الحال؛ فكان الأول أولى؛ فكذلك هذا. # والرابع: أن المهاجرة لا عدة عليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعلى ~~قولهما: عليها العدة. وهذه الآية دليل لأبي حنيفة - رحمه الله - من وجوه: # فإنه - عز وجل -: قال: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار): ~~نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة، لكان للزوج أن يردها ~~إلى مسكنه لتعتد؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (أسكنوهن من حيث سكنتم): كيف ~~أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهم ما دمن في عدتهن، فلما قال - هاهنا -: (فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار) دل على أن لا عدة عليها. # وكذا قال: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) فأباح نكاحها مطلقا من غير ذكر ~~العدة. # وكذا قال: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، ولو كانت العدة عليها واجبة لكانت ~~باقية بقوله: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها)؛ ألا تراه كيف جعل العدة في ~~حقه، وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله: (ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر) يوجب قطع العصمة، فلما كان في إيجاب العدة إبقاء العصمة بينهما، ~~ونهى الله - تعالى - عن ذلك؛ فقطعناها وأسقطنا العدة ms4531 عنها، والله أعلم. # ولأنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة وسقطت العدة، والملك ليس بسبب ~~لإسقاط العدة؛ ولكنه سبب لنقض العدة، فلما سقطت العدة عند السبي والمهاجرة، ~~والسبي لا يوجب الإسقاط دل على سقوط العدة لاختلاف الدارين، والله أعلم. # والخامس: فيه دليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ حكمه بترك الناس العمل؛ ~~فإن في قوله: (وآتوهم ما أنفقوا)، وقوله: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما ~~أنفقوا) الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس إنما ~~أجمعوا على تركه، وهذا وأمثاله في # PageV09P623 # حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى، ثم ينعدم المعنى، وما لا يعقل معناه يجب ~~العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس، ولا يجوز لهم الإجماع على تركه، ولا ~~يتحقق الإجماع على ذلك وجماعة من أصحابنا قالوا: إنه صار منسوخا بقوله: (لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وبقوله - ~~عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيبة من نفسه "، والله أعلم. # والسادس: في قوله - تعالى -: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) ~~دلالة على أنه سوى في الحكم بين أموالنا وأموالهم ثم الإجماع جرى على أنا ~~إذا غلبنا على أموال أهل الحرب ملكناها، فكذلك إذا غلبوا على أموالنا يجب ~~أن يملكوها، وفيما أوجب من الحرمة إذا جاءت النسوة إلينا مؤمنات مهاجرات - ~~دلالة على أن الأحكام في الأنفس مختلفة؛ وعلى هذا ما خلف كل واحد منهما من ~~المال في الدار التي هاجر منها إلى أخرى أنه يصير فيئا؛ لما لم يرو عن ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما فتح مكة أن يكون تفحص عن ~~شيء من ملك الأموال التي كانت مخلفة حين هاجروا إلى المدينة؛ فلا بد أن ~~يكون ذلك للتوارث، أو لما ذكرنا أنها تكون فيئا لهم، ومعلوم أن التوارث بين ~~أهل الإسلام وأهل الكفر منقطع، وإذا بطل وجه التوارث ثبت الوجه الآخر، ~~والله أعلم. # والسابع: في قوله: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم) دلالة على وجوب العدل بين ms4532 ~~الأعداء، وهو كقوله - تعالى -: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا. . .)، وقال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تعتدوا)، وقال - هاهنا -: (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا) سوى بين ~~أموالنا وأموالهم، وهو العدل؛ فكأنه يقول: ذلك الذي أمر من العدل بينكم ~~وبين أعدائكم حكم الله يحكم بينكم؛ لكي إذا علموا أن العداوة لا تحملكم على ~~ترك العدل - حملهم ذلك على التآلف والتعطف، وعلموا أنكم إذا تركتم شهواتكم ~~وأنفقتم العدل والتسوية: فليس ذلك من عندكم، ولكن من عند الله - تعالى - ~~فرغبهم ذلك في الإسلام؛ فكأنه قال: ذلك الذي أمر من العدل وجعله سببا، يرغب ~~أعداءكم في الإسلام، ويحملهم على التآلف (حكم الله يحكم بينكم والله عليم)، ~~يعني: بما أمر من العدل والتسوية، (حكيم) لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ فدل ~~أن العدل واجب بينهم، والله الموفق. # والثامن: في الآية دلالة على أن النساء إذا ارتددن لم يقتلن؛ فإنه قال: ~~(فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار)؛ فثبت أنهم إذا لم يعلموهن ~~مؤمنات رجعوهن إلى الكفار؛ لما كان جرى بينهم من الصلح، ومعلوم أنه إذا ~~رجعن إلى الكفار بعدما أظهرن الإيمان كن مرتدات، ولو كانت المرتدة تقتل ~~لكان إذا ظهر ذلك عندهم قتلوها ولم يرجعوها إلى # PageV09P624 # الكفار، فلما ثبت بما وصفنا أنهم كانوا يصرفون النساء إليهم مع علمهم ~~أنهن مرتدات ثبت أن المرتدة لا تقتل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا ~~يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم (12). # المبايعة والهجرة كانتا واجبتين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ومعناهما اليوم واجب أيضا: وذلك أن الهجرة إنما كانت من مكة إلى المدينة؛ ~~لما كان أحدهم إذا أسلم يخاف على نفسه من فساد الدين بالكفران لو أقام بين ~~أظهرهم، وكان أيضا يحتاج إلى علم الشرائع والأحكام، وإنما ارتفعت ms4533 الهجرة ~~اليوم من مكة إلى المدينة. فأما واحد من أهل الحرب إذا أسلم وخشي على نفسه ~~فساد الدين بالكفران لو أقام بين أظهرهم، فالواجب عليه أن يهاجر منها إلى ~~دار الإسلام؛ ليأمن فساد دينه، ويحصل على علم الشرائع. # وأما المبايعة فإن معناها في النساء: ترغيب الكفرة في الإسلام، وفي ~~الرجال: حمل الكفرة إلى الإسلام، وذلك أن الذي أمر به النساء من المبايعة ~~من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، والكفرة إذا علموا أن هذا يؤمر فيه ~~بمحاسن الأمور: رغبهم ذلك في الإسلام. والذي أمر به الرجال إنما هو من جهة ~~النصر والمجاهدة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يظهر الإسلام ويبين، ~~وهذان المعنيان على كل في نفسه في زماننا هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا) # يتوجه إلى الاعتقاد والمعاملة جميعا. # وقوله: (ولا يسرقن). # يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال كافة، والنقصان عن العبادة جملة؛ لأنه ~~يقال: أسرق السارق من سرق من صلاته. # وقوله - عز وجل -: (ولا يزنين). # يحتمل أن يكون على حقيقة الزنا وعلى دواعيه؛ على ما روي من قوله - عليه ~~السلام -: " اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ~~ذلك أو يكذبه ". # وقوله: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن). # يحتمل أن يكون نهيا عن إلحاق الولد بأزواجهن وهن يعلمن أنه من الزنا، ~~وهكذا روي عنه ابن عباس، رضي الله عنه. # وقوله - عز وجل -: (ولا يعصينك في معروف). # PageV09P625 # فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: ~~(يأمرون بالمعروف)، يجوز أن يكون هذا كناية عن الأمر؛ لأنه بين النواهي ~~والمناكير، ثم قال الله - تعالى -: (ولا يعصينك في معروف)؛ فكأنه أمرهن أن ~~ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: (يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر). # وقوله - عز وجل -: (فبايعهن واستغفر لهن الله)، ولم يقل هاهنا: امتحنوهن، ~~كما قال في المهاجرات، ومعنى ذلك عندنا وجهان: # أحدهما: أنه قد تبين هاهنا وجه الامتحان بقوله: (لا يشركن بالله شيئا ms4534 ولا ~~يسرقن ولا يزنين)، فاستغنى عن ذكر الامتحان. # والوجه الثاني: أن المهاجرات إنما كن يأتين من دار الحرب، ولم يكن علمن ~~الشرائع؛ فاحتجن إلى الامتحان، وأما هؤلاء: كن في دار الإسلام، وقد علمن ~~شرائعه؛ فلم يذكر الامتحان لذلك، والله أعلم. # وقوله: (واستغفر لهن الله) هذا يدل على أن الكبائر لا تخرجهن عن الإيمان؛ ~~لأنه يعلم أن الاستغفار لما يجيء منهن من تضييع هذه الحدود ولو كن يخرجن ~~بتضييعها من الإيمان لم يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار لهن؛ ~~لأن الاستغفار طلب المغفرة، ويستحيل أن يطلب منه مغفرة من ليس له غفران؛ ~~فدل على ما وصفنا: أن ارتكاب الكبائر لا يخرج صاحبه من الإيمان، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد ~~يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم). # فكأن الله - عز وجل - أمرنا أن نغضب على من غضب هو عليه، وأن نعادي من ~~عاداه، ونوالي من والاه. # وقوله: (قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور) الآية. # له تأويلان: # أحدهما: يعني به: الذين غيروا نعت نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وحرفوه من التوراة؛ فكأن في التوراة أن الله تعالى آيسهم من ثوابه في ~~الآخرة، كما أيس الكفار من أصحاب القبور أن يبعثوا. # ويجوز أن يكون معناه: ييئس هؤلاء من رحمة الله، كما يئس الكفار الذين هم ~~في القبور من رحمة الله، تعالى. # PageV09P626 ### | سورة الصف # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) ~~يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ~~ما لا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص (4). # قوله - عز وجل -: (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض). # قال هاهنا: (سبح)، وقال في موضع آخر: (يسبح)، ليعلم أنه تسبيح ms4535 غير منقطع، ~~وأنه يسبح من حين كان، ويسبح إلى أن يكون. # وفيه تسفيه أولئك الكفرة المتمردة؛ وذلك أن التسبيح والثناء في الشاهد ~~إنما يرجعان إلى المسبح والمثني؛ لأنه لا يثني إلا على من يستحق الثناء، ~~ولا يسبح إلا من يستحقه، فإنما تسبيح المسبح وثناؤه خضوع له وتقرب إليه، ~~وذلك يزيده شرفا ونبلا، فكأن الله - عز وجل - أخبر أنه قد خضع لله تعالى، ~~واستسلم له، وأتى بما فيه شرف له وزين وتقرب إلى ربه - كل شيء إلا الكفرة؛ ~~فإنهم تركوا التسبيح لله تعالى مع ما فيه من نبلهم وشرفهم وزينهم، والله ~~الموفق. # ويجوز أن يكون ذكر سفههم أيضا من وجه آخر، وهو أنه لو كان لله تعالى ~~بتسبيح شيء من الخلائق حاجة، لكان في تسبيح من ذكر كفاية وغناء عن تسبيح ~~الكفرة، ولكنهم تركوا التسبيح، والله تعالى غني عنهم وعن تسبيحهم؛ فما ~~تركوه إلا لسفههم، والله أعلم. # وقوله: (وهو العزيز). # يدل على أنه عزيز في ذاته، وأن ترك التسبيح من الكفرة إياه لا يذله، بل ~~هو عزيز منيع. # وقوله: (الحكيم): # يعني: حكيم؛ حيث جعل في الأشياء المتضادة علم ألوهيته، وآية وحدانيته. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2). # قال بعضهم: هذه الآية في أهل النفاق في القتال؛ لأنهم تمنوا القتال، فلما ~~أمرهم الله تعالى به قالوا: (لم كتبت علينا القتال)، فأنزل الله تعالى: (يا ~~أيها الذين # PageV09P627 # آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)، أي: لم تعدون ما لا تفون به؟ # ومنهم من قال: إنها في بعض المؤمنين في القتال أيضا، وإنها على التقديم ~~والتأخير. # ووجه ذلك: أنهم أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله تعالى: (يا أيها ~~الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا). # فلما يفوا بما وعدوا؛ فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ~~ما لا تفعلون). # ويجوز أن تكون هذه الآية في كل مؤمن؛ لأنه قد اعتقد كل من آمن بإيمانه ms4536 ~~الوفاء بما وعده من الطاعة لله تعالى والاستسلام له والخضوع، فإذا لم يف ~~بما وعد، خيف عليه في كل زلة أن يدخل في هذه الآية، وليس أحد من المؤمنين ~~قد وفي بما وعد كله، والواجب عليه أن يتوب من ذلك توبة بليغة. # وقوله - عز وجل -: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3). # المقت: البغض، ومن استوجب مقت الله، لزمه العقاب عنه لا محالة، ولكنه ~~يحتمل أن يكون هذا فيمن اعتقد ترك الوفاء بما وعد واستحلال ما نهاه الله ~~تعالى عنه؛ فيستوجب مقت الله تعالى ونقمته لا محالة. # وإن كان فيمن تثبت على اعتقاده، وزل في أفعاله، فالواجب أن يقسم الذنوب؛ ~~فيلزمه الخوف على مراتبها ودرجاتها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص (4). # ليس فيه أن الله تعالى لا يحب المبارز؛ لأن الجهاد والقتال على المبارز ~~أشد، وذلك أنه إذا كان في الصف أعانه على القتال غيره؛ فكان أمنه على نفسه ~~في الصف أكثر، وأما المبارز فإنه وحده ليس له معين؛ فإن ظفر على صاحبه وإلا ~~هلك، والخوف عليه في ذلك أشد؛ فيجب أن تكون المحنة فيه أكثر. # ولكنه يجوز أن يكون الله تعالى علمهم بهذه الآية كيفية القتال؛ ليستعين ~~بعضهم ببعض، وليكون كلمتهم واحدة؛ لأنهم إذا تفرقوا اختلفت آراؤهم، فيخشى ~~عليهم الهزيمة والإدبار، وإذا كانت آراؤهم متفقة، وكلمتهم واحدة، وشوكتهم ~~واحدة، فذلك قوة في # PageV09P628 # القتال وزيادة نصرة، والله أعلم. # ثم قوله: (كأنهم بنيان مرصوص)، قال بعضهم: ضرب هذا المثل للثبات، يعني: ~~إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الذي يكون ثابتا مستقرا لا ينتقض بأدنى ~~شيء. # ومنهم من قال: ضرب هذا المثل؛ لأن يكون كلمتهم واحدة، ويعين بعضهم بعضا. # ويشبه أن يكون للأمرين جميعا؛ لأنهم إذا ثبتوا أعان بعضهم بعضا، وكانت ~~كلمتهم واحدة، وإذا كانت كلمتهم واحدة، كان ذلك أدعى إلى الثبات وأقرب ~~إليه؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يكون للأمرين جميعا، والله أعلم. # ثم المحبة تحتمل وجهين: # أحدهما: عن الخلق. ms4537 # والثاني: الثناء عليهم بما يفعلون. # * * * # قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) ~~وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9). # وقوله - تعالى -: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم). # يحتمل وجهين: # أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن ~~يعلموا فيها أذى لموسى - عليه السلام - نحو أن قال في حق رسولنا - صلى الله ~~عليه وسلم -: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم ~~لا تشعرون)؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى - عليه ~~السلام - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك. # والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، ~~فيخبرهم عن كيف (وقد تعلمون أني رسول الله إليكم)، وقد علموا أن حق رسل ~~الملوك التعظيم والتبجيل؛ فكيف رسول رب العالمين؟! فأخبرهم أنه يؤذونه ~~شكاية منهم إليهم. # ثم اختلفوا في الأذى: # PageV09P629 # فقال بعضهم: إن موسى - عليه السلام - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن ~~قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها. # وقال بعضهم: إن موسى - عليه السلام - ذهب مع هارون - عليه السلام - إلى ~~جبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى أخاه. # ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: (أرنا الله جهرة)، ~~وبقولهم: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)، وبقولهم: (لن نصبر على طعام واحد)؛ ~~ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه. ms4538 # فإن كان التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعلموا أن ذلك ~~يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه ~~الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، ~~والله أعلم. # ثم حق هذه في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فذكره الله تعالى أمر موسى - عليه السلام - وإيذاءهم إياه؛ ليكون ~~فيه تصبير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتسكين لقلبه. # أو يجوز أن يكون هذا تحذيرا لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه ~~أذاه - عليه السلام - والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) له معنيان: # أحدهما: أن يقول: (أزاغ الله قلوبهم)، يعني: خلق فعل الزيغ في قلوبهم ~~يعني: خذلهم الله، ووكلهم إلى أنفسهم. # قالت المعتزلة محتجين علينا: إن الله تعالى قال: (وما يضل به إلا ~~الفاسقين)، ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدي؟ # قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن الله تعالى يضله لوقت ~~اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما ~~قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن الله تعالى يضله بعد ضلالته بنفسه؛ ~~عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له. # ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، ~~وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده الله تعالى هدي؛ ثوابا لإيمانه ~~المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية الله تعالى كانت سببا لكفره، أو إذا آمن ~~بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة الله تعالى بالكفر على ~~الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح. # وقوله - عز وجل -: (والله لا يهدي القوم الفاسقين). # PageV09P630 # يعني: الذين علم الله منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ~~ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أولئك، وأما من علم منهم أنه ms4539 يتوب ويسلم فإنه يهديه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ~~فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6). # قوله؛ (مصدقا) يحتمل وجوها: # أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو (مصدقا) ~~وبالتوراة وبكتب الله تعالى؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم الإيمان بالكتب ~~المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم. # أو يقول: (مصدقا)، يعني: آمركم بعبادة الله - عز وجل - وتوحيده كما أمرتم ~~به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى ~~التوحيد وعبادة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على ~~اختلاف في الدين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك ~~الرسل، والله الموفق. # وقوله عز وجل: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). # يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على مثل تصديقي؛ فكأنه قيل له: ما اسمه؟ ~~فقال: (اسمه أحمد). # وقوله - عز وجل -: (فلما جاءهم بالبينات). # قال بعضهم: الذي جاءهم عيسى، عليه السلام. # وقال بعضهم: محمد، عليه الصلاة والسلام. # وقد جاءا جميعا. # وقوله: (بالبينات)، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من ~~عند الله. # وقوله: (هذا سحر)، و (ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا: # قال بعضهم: هو عيسى، عليه السلام. # وقال بعضهم: هو محمد، عليه الصلاة والسلام. وقيل: قالوا لهما جميعا. # ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا ~~سببا للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حيث ~~نسبوه إلى السحر، وقالوا: (هذا سحر)، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي ~~جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى ~~السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو ~~كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا # PageV09P631 # ما ذكرنا، ولكن الله تعالى برأه ms4540 ونزهه من السحر، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره). # نور الله يعني: دين الله، أو كتاب الله، أو رسل الله. # وقوله: (بأفواههم) أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى ~~أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر. # وقوله - عز وجل -: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7). # أي: ومن أوحش ظلما وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على الله ~~تعالى الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه ~~بالله، ثم كفروا به، وكذبوا على الله وعلى رسوله. # أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري على الله الكذب؛ وذلك أن قوله: (ومن ~~أظلم) كلام استفهام، ومعلوم أن الله تعالى لا يستفهم أحدا، وإذا كان كذلك، ~~كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهما؛ فيفهم ~~منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن ~~يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والله يدعو إلى الإسلام، وهو ~~أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإنما ناله ~~بالله تعالى، وعلم الأشياء كلها لله تعالى، فكيف افترى على الله تعالى ~~الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟! # فلا أحد أظلم منه حتى افترى على الله الكذب، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (والله متم نوره ... (8). # له أوجه: # أحدها: بالحجج والبراهين. # والثاني: بنصر أهله وغلبته. # والثالث: بإظهاره في الأماكن كلها. # فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون ~~في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ~~أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله)، وإلى ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين ". # وإن كان بالحجج فقد كان أيضا، لأنهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون ~~مثلا ms4541 له؛ # PageV09P632 # فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين ~~والحجج. # وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل ~~عيسى - عليه السلام - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام. # ثم قوله تعالى (والله متم نوره) ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ~~ولكن على ما ذكرناه من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: (اليوم ~~أكملت لكم دينكم) أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، ~~يعني: أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها في قوله: (والله متم نوره)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولو كره الكافرون). # وقال حين ذكر الإظهار: (ولو كره المشركون) لأن هؤلاء كفروا بالرسول ~~والكتاب، وذلك نعم الله تعالى؛ فقال: (ولو كره الكافرون)، وأولئك أشركوا به ~~في التوحيد؛ فقال: (ولو كره المشركون)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون (9) يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به. # وقوله: (ودين الحق) له أوجه ثلاثة: # أحدها: أن يجعل الحق كناية عن الله تعالى فكأنه قال: ودين الله. # والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدين؛ فكأنه قال: والدين الذي هو الحق من ~~بين سائر الأديان. # والثالث: أن يقول: الذي يحق على كل أحد قبوله والانقياد له، والله أعلم. # وقوله: (ليظهره على الدين كله) له وجهان: # أحدهما: أن يقول (ليظهره)، يعني: يظهر رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ~~غيره بما يحتاج في هذا الدين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه - ~~عليه السلام - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره الله تعالى عليه. # ويحتمل: بإظهار هذا الدين في الأماكن. # قال: والدين: هو الخضوع والاستسلام لله تعالى، فحقيقته أن يجعل الأشياء ~~كلها سالمة له. # وقوله: (ولو كره الكافرون)، قال الشيخ - رحمه الله -: ويقتضي هذا: ولو ~~كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره ~~في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ms4542 ثم أضاف الله تعالى إلى ~~نفسه؛ فثبت أن لله تعالى في # PageV09P633 # أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن ~~تدبيره ومشيئته، والله المستعان. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب ~~أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى ~~تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا ~~الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله). # الإيمان بالله: أن يؤمن بأنه الواحد الأحد، الصمد الفرد، الذي لم يلد، ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويؤمن بأن له الخلق والأمر، وأنه قادر لا ~~يعجزه شيء، وعليم لا يخفى عليه شيء، وحكيم لا يخرج خلقه الأشياء المختلفة ~~من السراء والضراء، والظلمة والنور، والمرض والصحة، عن حكمته. # وأنه ليس كما قالت الثنوية: إن خالق الظلمة والشر والقبيح غير خالق ~~النور؛ بل يعلمه أنه خالق كل شيء، سواء من ظلمة ونور، وشر وخير، وسقم وصحة. # ولا على شبيه ما قالت المجوس: إن الله تعالى غفل غفلة فتولد منه الشيطان؛ ~~بل هو لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. # ولا على ما قالت النصارى: حيث شبهوه بالخلق حتى أجازوا أن يكون له ولد. # ولا على ما قالت القدرية: إنه لا يقدر شيئا من الشر والسقم والوجع. # ولا على ما قالت المعتزلة: إنه ليس له في أفعال العباد صنع وتدبير؛ بل ~~يعلمه عليما بكل شيء، قديرا على كل شيء، متعاليا عن كل شيء من معاني الخلق، ~~متنزها عن كل آفة وحاجة وعيب، فهذا ms4543 هو الإيمان بالله تعالى عندنا، والله ~~تعالى أعلم. # والإيمان بالرسول: هو أن يؤمن بأن ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - وفهو ~~حق وصدق. # وقوله: (وتجاهدون في سبيل الله). # هذا على وجهين: # أحدهما: أن يقاتلوا أعداء الله تعالى. # والثاني: أن يجاهدوا في طاعة الله تعالى، وفيما دعا إليه من الأمر ~~بالجهاد ينصرف # PageV09P634 # إلى أنواع أربعة: # جهاد في سبيل الله بمقاتلة أعدائه، والاستقصاء في طاعته. # وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها ~~وشهواتها، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها. # وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع فيهم، وأن يشفق عليهم ~~ويرحمهم، وألا يرجوهم ولا يخافهم. # وجهاد فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده، أو مرمة لمعاشه، ~~ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه. # وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل الله. # ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثا: # إحدها: أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا)؟ # والثانية: أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في ~~سبيل الله وقد أوجب عليه ذلك؟ # والثالثة: أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن بالله ورسوله، وجاهد في سبيل ~~الله، وأتى بالكبيرة مع قوله: (تنجيكم من عذاب أليم)؟ # أما الجواب عن المسألة الأولى: أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية ~~أهل النفاق؛ فيكون المعنى من قوله: (يا أيها الذين آمنوا) في الظاهر، (هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)، أي: تصدقون بقلوبكم. # ويجوز أن تكون في أهل الكتاب أيضا فكأنه قال - عز وجل -: يا أيها الذين ~~آمنوا بالكتب المتقدمة، آمنوا بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبهذا ~~الكتاب. # هذا إذا كان في الكفار. # فأما إذا كان في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا، ~~بمعنى: الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد، وأن الإيمان في حادث الأوقات ~~له أسماء ثلاثة: الزيادة، والثبات، والتجدد؛ وذلك أن الله تعالى ذكر هذا ~~النوع في كتابه مرة باسم ms4544 الزيادة؛ حيث قال: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم)، ~~ومرة باسم الثبات بقوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا)، ومرة بالإيمان بقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله). # فإن كان على الزيادة والثبات، فذلك لطف من الله تعالى؛ وذلك أن الزيادة ~~والثبات هما اسمان يطلقان على فعل دائم، وفعل الإيمان منقض، ولكنه يجوز أن ~~يكون الله تعالى # PageV09P635 # بلطفه جعل المنقضي كالدائم؛ فيخرج هذا الفعل مخرج الزيادة والثبات، والله ~~أعلم. # وإن كان على التجدد في الأوقات الحادثة، فذلك مستقيم؛ وذلك لأن المرء ~~منهي عن الكفر في كل وقت يأتي عليه إذا أتى بالإيمان في ذلك الوقت انتهى عن ~~الكفر؛ فصار لإيمانه حكم التجدد، والله أعلم. # وجائز أن يكون المراد بقوله: (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~... (11) الاعتقاد، وإذا كان المراد منه ذلك، وأتى بما أمر من الاعتقاد ~~بهذه الأمور، ولكنه لم يف بالفعل، فهو في رجاء من النجاة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم خير لكم). # يعني: ذلك الذي أمركم به من الإيمان بالله تعالى ورسوله والجهاد في سبيله ~~خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم. # (إن كنتم تعلمون). # عيانا بعلمكم أن ذلك خير لكم. # وقوله تعالى: (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12). # يعني: يغفر الله لكم بتلك النجاة. # وقوله - عز وجل -: (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة). # يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها؛ وذلك أنه أمرهم ~~بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد بأنفسهم، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ~~ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيرا منها: مكان ما فارقوا من المساكن ~~يؤتيهم مساكن طيبة، ومكان ما أنفقوا من أموالهم يؤتيهم النعيم الدائم، ~~ومكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك الفوز العظيم). # يعني: ذلك الثواب الدائم هو الفوز العظيم. # وقوله - عز وجل -: (وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ~~(13). # فكأنه يقول يعطيكم ms4545 الله بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب ~~في الآجل، وأخرى تحبونها نصر من الله على أعدائكم في الدنيا، وفتح البلاد. # (وبشر المؤمنين)، بهما، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ~~ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت ~~طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين (14) هذا كلام يورث شبهة في القلب أن كيف قال (كونوا أنصار الله) ~~والله تعالى لا يخاف أحدا حتى يستنصر عليه غيره؟ # ولكن السبيل في كشف هذه الغمة عن القلوب هو أن المعنى في هذا وفي قوله: # PageV09P636 # (وأقرضوا الله قرضا حسنا)، وقد وصفنا في ذلك أن الله تعالى جعل ما يصلون ~~به أرحامهم ويتصدقون على فقرائهم كأنهم أقرضوا الله؛ كرما منه وفضلا ولطفا، ~~فكذلك يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصرا له تعالى. # وكذلك قوله: (إن تنصروا الله ينصركم)، والمعنى في هذا: إن تنصروا دين ~~الله ينصركم، أو إن تنصروا رسول الله أو تنصروا الحق، والله أعلم أي ذلك ~~كان. # ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله، أي: اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله ~~تعالى ولوجهه. وكذلك قوله: (وأقرضوا الله)، تعالى: اجعلوا ذلك لله ولوجهه ~~الكريم، ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار: إما في الابتداء أو في ~~الانتهاء حتى تستقيم عليه. # وقوله - عز وجل -: (كما قال عيسى ابن مريم للحواريين) فكأنه يقول: قل ~~للذين آمنوا: كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري ~~إلى الله؟ # أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي: أجيبوا لله ورسوله وكونوا ~~أنصارا له كما أجاب قوم عيسى بقولهم: (نحن أنصار الله). والحواريون: ~~المتبصرون المنقون دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى - عليه السلام ~~- وخاصته حيث دعاهم إلى دينه فأجابوه وآمنوا به، ونقوا دينهم عن كل شبهة ~~وآفة وعيب. # وقوله - عز وجل -: (فآمنت طائفة ms4546 من بني إسرائيل وكفرت طائفة) هذا يحتمل ~~أن يكون في حياة عيسى - عليه السلام - حين اتبعه الحواريون ثم دعا بعد ذلك ~~قومه إلى دينه فآمنت طائفة وكفرت طائفة، (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم) ~~بالبراهين والحجج على الطائفة الذين كفروا؛ (فأصبحوا ظاهرين) على أعدائهم ~~بالحجج والبراهين. # ويجوز أن يكون بعد وفاة عيسى - عليه السلام - حين اختلفوا في ماهيته: ~~فمنهم من قال: هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله؛ فكفرت به هذه الطائفة ~~وآمنت به طائفة أخرى، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم حين وقع لهم قتال؛ ~~فنصروا عليهم وظفروا، والله أعلم. # تمت السورة بحمد الله وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحيه ~~أجمعين. # * * * # PageV09P637 ### | سورة الجمعة # وهي كلها مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم (1) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم ~~لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (4). # قوله - عز وجل -: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض). # قال: (يسبح لله)، ولم يقل: يسبح الله، وقد جرت العادة في الناس التسبيح ~~بالإله؛ كقولهم: سبحان الله، وسبحان ربي العظيم، فكان حق هذا القول على ما ~~جرت به العادة في اللسان أن يقول: يسبح الله ما في السماوات وما في الأرض، ~~ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعا؛ كما يقال: شكره ~~وشكر له، ونصحه ونصح له. # والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة: # أحدها: تسبيح الخلقة: أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه ~~والتعيين، دلك جوهره وخلقته على وحدانية الله تعالى، وعلى تعاليه عن ~~الأشباه وبراءته عن جميع العيوب والآفات؛ فذلك من كل شيء تسبيحه. # والثاني: تسبيح المعرفة، ووجه ذلك: أن يجعل الله تعالى بلطفه في كل شيء ~~حقيقة المعرفة؛ ليعرف الله تعالى وينزهه، وإن كان لا يبلغه عقولنا؛ ms4547 ألا ترى ~~إلى قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). # ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه؛ إذ المعرفة بدون الحياة لا تتحقق. # والوجه الثالث: هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين، ووجهه: أن الله ~~تعالى يجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن يكون له حقيقة المعرفة، كما ~~أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى، وكما أجرى السفينة على وجه الماء، وإن ~~لم يكن لها حقيقة المعرفة؛ وذلك تسبيح كل شيء، والله أعلم. # وقوله: (الملك). # يعني: الملك الذي له ملك الملوك، أو الذي له الملك في الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: (القدوس)، له تأويلان: # أحدهما: الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة، أو الطاهر مما يحتمله غيره. # PageV10P003 # والثاني: المبارك، يعني: به ينال كل بركة وخير. # ويجوز أن يجمع في المبارك معنى التنزيه من العيوب ومعنى البركة؛ لأنك إذا ~~وصفته بالبركة فقد وصفته بالبراءة من كل عيب وأضفت إليه كل بركة ويمن؛ كما ~~روي في الخبر أن قول: " سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان ~~"، وكان معناهما عندنا أن قول: " سبحان الله " يختص بتبرئته من العيوب، " ~~والحمد لله " ينتظم معنى التنزيه من العيوب، ومعنى إضافة النعم كلها إليه، ~~فإذا كان فيه هذان المعنيان جميعا، جاز أن يمتلئ به الميزان، ولما اختص " ~~سبحان الله " بتطهيره من العيوب، ولم يتعده إلى غيره، أخذ نصف الميزان، ~~والله أعلم. # وكذلك هذا الاختلاف في تأويل قوله: (الأرض المقدسة). # وقوله - عز وجل -: (العزيز الحكيم). # العزيز: يعني: الغالب القاهر، لا يعجزه شيء. # أو يجوز أن يكون العزيز مقابل الذليل، والذليل ينتظم كل فقر وحاجة وضعف؛ # فالواجب: أن ينتظم العزيز -إذا كان ضدا ومقابلا- كل شرف ومكرمة وغناء ~~وقوة، والله الموفق. # والحكيم: قالوا: هو الذي يضع الأشياء مواضعها، فالله تعالى حكيم حيث وضع ~~الأشياء مواضعها التي جعلها الله تعالى مواضع لها، أو الحكيم: هو الذي لا ~~يلحقه الخطأ في التدبير، وهو معنى المصيب أيضا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ms4548 يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2). # احتج أهل الكتاب علينا أن الله تعالى إنما بعث محمدا رسولا إلى الأميين ~~خاصة بهذه الآية، وفهموا منها تخصيص الأميين بإرسال الرسول إليهم، فيقتضي ~~نفيه عن غيرهم. # ولكن نقول: لا يجب أن يفهم من الآية نفي ما ذكر في ظاهرها، بل يفهم منها ~~ظاهرها دون النفي، والتخصيص بالذكر لا يحتمل على النفي؛ لأنه إذا حمل ~~التخصيص بالذكر على نفي غيره، أدى إلى ما لا يستقيم ولا يحل؛ ألا ترى إلى ~~قوله: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)، حيث لم يفهم أنه لم ~~يخطه بيمينه أن كان خطه بشماله، ولا من قوله: (وما كنت تتلو)، أنه كان يتلى ~~عليه، # PageV10P004 # ولكن المعنى من ذلك كله والله أعلم: أن الله بعث رسوله أميا في قوم أميين ~~لا يعلمون الحكمة وماهيتها، وجعل ذلك آية لرسالته وحجة لنبوته؛ لأنه إذا ~~كان أميا لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ثم آتاهم الكتاب مؤلفا منظوما يوافق كتب ~~أهل الكتاب دل أنه إنما علم ذلك بالوحي، وأنه لم يختلقه من عند نفسه، والله ~~أعلم. # ثم الدليل على أنه كان رسولا إليهم جميعا قوله: (كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا)، وما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " بعثت إلى الأحمر والأسود ~~" يعني: إلى الإنس والجن، ولأجل أنه لما بعث إلى طائفة ليدعوهم إلى طاعة ~~الله تعالى وعبادته، علم أنه رسول إلى غيرهم؛ إذا لم يكن لهم رسول آخر؛ لأن ~~الطائفة الأخرى إذ لم يكن لهم رسول آخر، واحتاجوا إلى معرفة الأمر والنهي ~~وإلى طاعة الرحمن حاجة الطائفة التي بعث إليهم؛ دل أنه رسول إليهم جميعا، ~~والله أعلم. # وقوله: (بعث في الأميين رسولا منهم). # معناه: أنه بعث - صلى الله عليه وسلم - في قوم أميين لا يعرفون عبادة ~~الله ولا يقرءون الكتاب، بل كانت عادتهم عبادة الأصنام. # وقيل في تأويل الأميين: هم الذين لم يؤمنوا بالكتب، ولكن هذا فاسد؛ لأن ~~الله تعالى سمى نبيه - عليه السلام ms4549 - أميا بقوله: (الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل). # وقيل: سماهم: أميين؛ لأنهم لا يقرءون الكتاب ولا يكتبون على الأعم ~~الأغلب، وإن كان فيهم القليل ممن يقرأ ويكتب، ومن هذا سمي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: أميا؛ لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ في كتاب ولم يعلم ذلك؛ قال ~~الله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)، وعلى ذلك روي ~~عن النبي - عليه السلام -: " الشهر هكذا وهكذا " وأشار بأصبعه، وقال: " ~~إنما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب ". # وقال الزجاج: الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم، ويكون ~~على ما # PageV10P005 # سقط من أمه فنسب إلى حال ولادته التي سقط من أمه؛ لأن ذلك إنما يكون ~~بالتعليم دون الحال التي يجري فيها المولود. # ثم وجه الحكمة في جعل النبوة في الأمي أن يكون ذلك سبب معرفة نبوته ~~وعلامة رسالته، بحيث يعلم أنه ما اخترع ذلك من لدن نفسه؛ إذ لم يعرف ~~الكتابة والقراءة ولا اختلف إلى أحد؛ ليتعلم منه، ثم أحوج جميع الحكماء إلى ~~حكمته، وجميع أهل الكتاب إلى معرفة كتابه؛ لحسن نظمه وتأليفه؛ ليعلم أنه ~~إنما ناله بالوحي والرسالة، والله أعلم. # وقوله: (يتلو عليهم آياته). # الآيات: الأعلام، فكأنه يقول: يتلو عليهم في كتابه أعلاما تبين رسالته ~~وتظهر نبوته. # أو يجوز أن يكون الآيات: الحلال والحرام وما أشبهه. # أو الآيات: الحجج التي يستظهر بها الحق، والله أعلم. # وقوله: (ويزكيهم). # قال بعضهم: يصلحهم، يعني: يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون أذكياء أتقياء. # ويجوز أن يكون معنى قوله: (ويزكيهم) أي: يطهرهم من خبث الشرك وخبث ~~الأخلاق وخبث الأقوال، والله أعلم. # وقوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة)، اختلفوا فيه: # قال الحسن: هذا كلام مثنى؛ الكتاب والحكمة واحد. # وقال أبو بكر: الكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هي الفرائض. # وقال بعضهم: الحكمة: هي السنة؛ لأنه كان يتلو عليهم آياته، ويعلمهم سنته؛ ~~إما بلطف من الله تعالى وإلهامه إياه أو بالوحي. # ومنهم من قال: الكتاب: ما يتلى من ms4550 الآيات نصا، والحكمة: ما أودع فيها من ~~المعاني؛ والله أعلم، أي ذلك كان؟ # وقوله - عز وجل -: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). # أي: أنهم كانوا عن الكتاب والحكمة لفي ضلال بين ظاهر؛ لأنهم كانوا مشركين ~~عبدة الأصنام، ليس عندهم كتاب، ولا يعرفون الحكمة. # ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) أي: في ~~الشرك وعبادة الأصنام، فدعاهم الرسول إلى توحيده وترك ما هم فيه من عبادة ~~الأصنام. # قال الفقيه - رحمه الله - في قوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة): إن الله ~~تعالى قد # PageV10P006 # جعلهم أتقياء أذكياء علماء بعدما كانوا أميين جهالا سفهاء؛ آية ودلالة ~~على حقية دينه - عليه السلام - على سائر الأديان؛ حيث لم يكن أهلها كذلك، ~~ويكون فيه ترغيب للآخرين؛ ليصيروا علماء حكماء. # وقوله: (ويعلمهم). # يجوز أن يكون هذا تعليما من الله تعالى؛ فيجعلهم علماء بعدما كانوا ~~سفهاء، وأذكياء بعدما كانوا أنجاسا وأقذارا عبدة الأوثان، وذلك من لطف الله ~~تعالى بهم؛ لأن ما أضيف من هذه الأفعال إلى الله تعالى، فهو على حقيقة ~~الوجود، وما أضيف إلى الرسول فهو على الأسباب، وذلك أنه لا يجوز أن يعلم ~~الله تعالى أحدا فلا يصير عالما؛ لأن تعليمه خلق العلم في المحل الذي أراد، ~~وما أراد وخلق يكون لا محالة، فأما الرسول فيجوز أن يعلم البشر فلا يتعلم؛ ~~لأن تعليمه بسبب؛ لأنه ليس له قدرة الخلق والإيجاد؛ فثبت أنه على جهة ~~السبب، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ~~(3). # فإن كان معناه الخفض، فهو منسوق على قوله: (هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم) ومن آخرين لم يلحقوا بهم؛ فيكون فيه إخبار أن رسالته تبقى إلى آخر ~~الدهر. # وإن كان معناه النصب فهو منسوق على قوله: (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة)، فيكون فيه بشارة أنه يكون في الآخرين علماء أتقياء حكماء كما كان ~~في هؤلاء. # وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذا في أهل النفاق؛ فيكون معناه: فهو الذي بعث ~~في الأميين رسولا فيصيرون علماء حكماء ms4551 مؤمنين على الحقيقة في الظاهر ~~والباطن، وآخرين من هؤلاء الأميين في الظاهر لما يلحقوا بهم في الباطن؛ ~~والتأويل الأول أصح وأقرب. # وقوله: (وهو العزيز) حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل به والفقر ~~إليه. # وقوله: (الحكيم). # في أمره حيث أمرهم بالحكمة. # أو الحكيم في تدبيره؛ حيث جعل في كل مخلوقاته ما يشهد بوحدانيته وتدبيره ~~فيه. # أو هو الحكيم في تقديره؛ حيث خلق الأشياء المتضادة من نحو النور والظلمة ~~والنيل والنهار؛ لأنه وضع كل شيء موضعه، لم يخلط ظلمة بنور ولا نورا بظلمة، ~~ولا ليلا بنهار ولا نهارا بليل. # وقوله: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ... (4): # PageV10P007 # يعني: ذلك الفضل: -النبوة والرسالة- يؤتيه من يشاء، يعني: يخلق من البشر ~~من يصلح للنبوة والرسالة. # أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة يؤتيه من يشاء. # وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة؛ لأن من قولهم: إن الله لا يؤتي أحدا ~~شيئا بفضله، بل حق عليه أن يفعل ذلك، فإذا كان هذا على الله فعله كان ذلك ~~حقا يقضيه، ومن قضى حقا، فليس يوصف بالفضل، وقد وصف الله تعالى نفسه ~~بالفضل، فثبت بهذا كذب قولهم، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (والله ذو الفضل العظيم). # أي: ذو الفضل العظيم في الدنيا؛ حيث تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعدما ~~كانوا جهالا. # أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة أن الله يجزيهم عن أعمالهم الجنة؛ فضلا ~~منه عليهم. # (العظيم) هو الدائم الباقي، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(5) قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم ~~بالظالمين (7) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8). # وقوله: - عز وجل -: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها). # له أوجه من التأويل: # أحدها: ms4552 يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل، يعني: حملوا ما في التوراة فلم ~~يعملوا بها. # والثاني: أن يقول: (لم يحملوها)، يعني: لم يحملوها إلى من أمروا بحملها ~~إليهم على ما أمروا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا. # أو يجوز أن يكون تأويله - والله أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها ~~بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار يحمل كتبا لا يعلم ~~قدرها وخطرها كما قال: (كمثل الحمار يحمل أسفارا)؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة ~~فحين لم يعظموها حق تعظيمها، وكذبوا بما فيها، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها ~~وخطرها، فصار مثلهم كمثل # PageV10P008 # الحمار يحمل الكتب، لا يعلم ما قدرها وخطرها؟ وهذا التأويل أقرب؛ لأنه ~~قال في سياق هذه الآية: (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله)، فثبت أن ~~المعنى من الأول التكذيب، والله أعلم. # قال: ثم معلوم أن هذا التكذيب والتحريف إنما كان من عمل كبرائهم ~~ورؤسائهم، فأخبر أنهم كذبوا ولم يعرفوا قدرها حين كذبوا؛ ليزجر متبعيهم عن ~~اتباعهم، ويبين أن رؤساءهم ليسوا ممن يستحقون الاتباع. # وفيه - أيضا - زجر للمسلمين أن يستخفوا كتاب الله والعمل بما فيه، والله ~~أعلم. # ثم قوله: (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقول: بئس النعت والصفة صفة الذين بلغ كذبهم مبلغا كذبوا على ~~الله؛ لأن الكاذب في العباد موصوف بالشر، فإذا بلغ كذبه مبلغا يكذب على ~~الله تعالى، علم أنه في النهاية في الشر، فكأنه يقول: صفة الذين كذبوا على ~~الله في الغاية من الشر والقبح. # أو يقول: بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله؛ لأن الله تعالى ضرب أمثال ~~المشركين بكل ما يستخبث ويستقبح، وضرب أمثال المؤمنين بكل حسن وطيب، فقال: ~~المثل يعني الشبه الذي شبه الله تعالى به المكذبين بآياته شبه قبيح. # ثم في هذه الآية دلالة أن الله تعالى يخلق القبيح والحسن والخبيث والطيب ~~جميعا؛ لأن قوله: (بئس مثل القوم)، وذلك المثل الذي شبههم به ما خلقه وقد ~~سماه: بئسا، فثبت أن الله تعالى قد خلق الخبيث والطيب والقبيح والحسن، وعند ~~المعتزلة لم يخلق ms4553 إلا الحسن، فتكون الآية حجة عليهم. # وقوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين)، له تأويلان: # أحدهما: أنه لا يهدي القوم الظالمين لوقت اختيارهم الظلم والفسق، أو لا ~~يهديهم بظلمهم الآيات ومكابرتهم وعنادهم إياها؛ فهو لا يهدي هؤلاء، وأما من ~~ظلم عن جهل أو فسق ثم استرشد، فإنه يهديه ويرشده، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من ~~دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) وقال في موضع آخر: (قل إن كانت ~~لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين)؛ فكان في هذا بيان أن من كان من أوليائه فله الدار الآخرة عند الله ~~خالصة، ومن كانت له الدار الآخرة فهو من أوليائه. # PageV10P009 # ويجوز أن يكون مآلهما جميعا، والله أعلم. # ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته، ~~فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة؛ فلم يباهله ~~اليهود والنصارى؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية ~~المحاجة وأن من باهل، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقا؛ فلذلك ~~امتنعوا من المباهلة، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به ~~حكم المباهلة فباهلوا، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول: " اللهم انصر ~~أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم " فنصر الله تعالى نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأبو جهل باهله؛ لأنه لم يكن له كتاب، ولم يباهله اليهود ~~والنصارى؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة، والله أعلم. # وقوله: (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7). # هذه الآية تدل على رسالة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لأنه لو كان ~~يقوله من نفسه، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال؛ ليظهر كذبه فيه، فلما ~~أخبر أنه لا يتمنونه أبدا، ولم يتمنوا، تبين أنه قال من الوحي، وأنهم علموا ~~ذلك حتى امتنعوا عن التمني؛ خوفا للهلاك على أنفسهم؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا ~~لماتوا، والله أعلم. ms4554 # وقوله: (بما قدمت أيديهم). # أي: من تحريف التوراة والإنجيل؛ لأن قول النصارى (نحن أبناء الله ~~وأحباؤه)، لم يكن في الإنجيل، وقول اليهود: (لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا)، لم يكن في التوراة، ولكنهم غيروا وبدلوا؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت ~~أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت محمد، عليه الصلاة ~~والسلام. # وقوله - عز وجل -: (والله عليم بالظالمين). # يعني: بظلمهم الآيات، وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها. # وقوله: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8). # أي: الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل ~~يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون ~~منه، يعني: الموت. # وقوله: (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة). # يعني: إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل، وعالم ما غيبتم عن ~~الخلق من # PageV10P010 # نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك. # أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه. # وقوله - عز وجل -: (فينبئكم بما كنتم تعملون). # إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم بما كنتم تعملون ~~بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والله المستعان. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله)، هذا السعي يحتمل وجهين: # أحدهما: أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه. # والثاني: واسعوا في المشي وأسرعوا، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه، ~~والسعي في ms4555 الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها، فإن كان المراد من ~~هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق؛ ألا ترى إلى قوله: ~~(وذروا البيع) كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي، وإلى ~~قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) كيف أمر بالانتشار في الأرض ~~بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئا في أدائها، ولو كان المراد ~~منه الترغيب، لكان يأمره بالعدو إليها؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على ~~الترهيب والتضييق، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه؛ ~~على ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا أتيتم الصلاة ~~فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم بالسكينة والوقار، وما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " فاختص الجمعة به؛ لما ذكرنا من التضييق ~~هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال ~~على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها، والسعي مستعمل في هذا؛ قال الله ~~تعالى: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) # PageV10P011 # وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40)، وإنما ~~أراد العمل، وكذلك روي عن عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير - رضي الله عنهم ~~- أنهم قرءوا: (فامضوا إلى ذكر) حتى قال عبد الله: " لو كانت القراءة ~~(فاسعوا) لسعيت، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه "؛ خوفا من تضييع حقها؛ فذلك ~~يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة ~~والمشي، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب، والله أعلم. # والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها، ~~وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذروا البيع) قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت ~~الجمعة، لم يجز بيعه؛ لهذه الآية. # وعندنا أن البيع جائز، لكنه مكروه. # والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع، ~~ولكن لمكان الجمعة، فالفساد ms4556 إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع؛ لأنه ~~إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة؛ لأن الصلاة تفسد البيع، ولأن الأصل ~~عنذنا أن كل عقد نهي لأجل غيره، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ~~ذلك الغير لا في العقد، وعلى هذا ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " ~~المحرم لا ينكح ولا ينكح " إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس ~~لمكان النكاح؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك ~~النكاح؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس ~~من أجله، والله أعلم. # ثم لما قال: (فاسعوا إلى ذكر الله) لم يقل: إلى الجمعة، ولا: لها؛ دل أنه ~~قبل الجمعة # PageV10P012 # ذكر يجب الاستماع إليه والسعي إليه؛ فدل هذا على فرضية الخطبة، ولما ثبت ~~أن المعنى من قوله: (إلى ذكر الله) أن المراد بالذكر الخطبة، ثم أمر بترك ~~البيع للسعي إلى هذا الذكر والاستماع له - ثبت أن الكلام في وقت الخطبة ~~مكروه، وفي وقت خروج الإمام إلى الخطبة مكروه أيضا؛ لأن البيع في ذلك الوقت ~~مكروه، والبيع كلام؛ فيدل على كراهية كل كلام؛ فيدل على صحة مذهب أبي حنيفة ~~- رحمه الله - في أنه يلزم السكوت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من الصلاة، وعلى ~~ذلك ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من أتى الجمعة ~~ثم صلى ما شاء أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام سكت إلى أن يفرغ من صلاته - كان ~~ذلك كفارة له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام بعده "، فلما ألزمه ~~السكوت من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة، ثبت أن الكلام في ذلك ~~الوقت مكروه، والله أعلم. # قال: وفي هذه الآية دلالة على كذب من قال: إن الصلاة إنما تفترض في آخر ~~الوقت، وأن من أدى فرضا في أول وقت فإنما يؤدي تطوعا؛ لأنه أمره بالسعي ~~وفرض عليه إذا نودي، ومعلوم أنه إذا تهيأ للإمام تأخير الصلاة في ذلك ms4557 الوقت ~~نص عليه مع ذلك؛ فدل هذا على كذب مقالتهم، والله أعلم. # وأقبح من هذا أنهم قالوا: إن الصلوات مفروضات على الكفرة في حال كفرهم ~~وعلى المسلمين تطوع مع أنه يجيء على قولهم: إنه ليس أحد من الأمة أدى فرضا ~~ألبتة؛ لأنه لم يذكر عن أحد منهم أنه فرط في أداء الصلاة حتى خاف خروج ~~وقتها، فهذا قول قبيح يجب أن يستتاب عنه صاحبه وعن أمثاله، والله أعلم. # وفي هذه الآية دلالة على أن الجمعة لا تجب على من بعد من الإمام بفرسخين؛ ~~لأنه أمره بالسعي بعد النداء، ومن بعد فرسخين، قد يخرج وقت الجمعة ولا ~~يدركها؛ فثبث أنه على ما دونه وهو أن يكون في حد الأمصار، والله أعلم. # ثم الوقت الذي نهي عن البيع فيه يوم الجمعة: عن مسروق وجماعة: هو وقت ~~الزوال إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة. # وعن مجاهد والزهري: أنه ينهى عن البيع بعد النداء؛ عملا بظاهر الآية: ~~(إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة)، والأول أشبه؛ لأنه إنما يجب الحضور إلى ~~الجمعة عند دخول الوقت وهو زوال الشمس وإن تأخر النداء؛ ولأن النداء بعد ~~الزوال غير معتبر فكان وجوده وعدمه سواء. # PageV10P013 # وقوله - عز وجل -: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) أي: رحمة الله؛ هذا خرج في ~~الظاهر مخرج الأمر، ولكنه في حكم الإباحة عندنا؛ لأن هذا أمر خرج على أثر ~~الحظر، والأصل المجمع عليه عندهم: أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم ~~الإباحة، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال، فإن ~~كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضا، وإن كانت توجب واجبا فواجب، وإن أدبا ~~فأدب. # والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله ~~تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا)، وقوله: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله)، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على ~~إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا إن ms4558 شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون ~~المعنى من قوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) على ذلك الوجه، وإذا ~~كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، ~~فانشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (وابتغوا من فضل الله). # يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل الله، لكن قال ~~فيما خرج مخرج الإذن والإطلاق: (وابتغوا من فضل الله)، وقال فيما نهى عن ~~ذلك: (وذروا البيع)، وإن كان المراد منهما جميعا البيع؛ لأن كان يقبح أن ~~يقول: وذروا ابتغاء فضل الله؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا ~~يستقيم أن يقال: " وذروا ابتغاء فضل الله "، فقال هاهنا (وذروا البيع)؛ ~~ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، ~~فقال: (وابتغوا من فضل الله)، والله المستعان. # وقوله: (واذكروا الله كثيرا)، يحتمل وجهين: # أحدهما: اذكروا الله كثيرا بألسنتكم وقلوبكم. # والثاني: اذكروا الله بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر الله. # وقوله: (لعلكم تفلحون)، له أوجه: # أحدها: على رجاء الفلاح. # والثاني: أي: لكي تفلحوا. # والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) ~~من الله تعالى واجب. # وقوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11). # PageV10P014 # التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاهي والتاجر، ولكنه ~~ذكر فيه الرؤية؛ لقرب اللهو من اللاهي والتجارة من التاجر، كما قال تعالى: ~~(حتى يسمع كلام الله)، وكما يقال: سمعت كلام فلان، والكلام ليس بمسموع في ~~الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي به يفهم كلامه، ولكن أطلق لفظ ~~السماع في ذلك لتقاربهما، والله أعلم. # وبعد، فإن المعنى من هذا - والله أعلم - ليس نفس الرؤية؛ وإنما المعنى ~~منه عندنا: كأنه قال: (وإذا علموا)؛ وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ~~ينهى إليهم خبرها فيعلمون بها. # وقوله - عز وجل -: (انفضوا إليها). # ولم يقل: ms4559 (إليهما) وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، ~~بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك؛ كقوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها)، ولم يقل: (ولا ينفقونهما) لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، ~~وكما قال: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)، وقد ~~رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا، وهذا؛ لأن المقصود ~~من خروجهم إنما كان هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب ~~إليهم بذلك اللهو؛ فجاز أن يكون ذكر الله لهذا المعنى، وإنما المقصود من ~~ذلك التجارة، وكذلك قوله: (ولا ينفقونها)، فذكر حق الإنفاق فيما كان ~~الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف وذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيهما ~~جميعا؛ لما أن المقصود واحد وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك هاهنا، وأما ~~المعنى منه عندنا: إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها؛ لأنها ثقلت على ~~اليهود؛ لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس فلما حولت إلى الكعبة ثقلت ~~الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال: (وإنها لكبيرة)، يعني: الصلاة إلى ~~الكعبة، والله أعلم. # فإن قيل: كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~الخطبة إلى اللهو والتجارة، مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي عليه السلام، ~~وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد فوقع في بئر؟! # والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ~~ومن سفلتهم، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، وكانت تلك تجارة ~~يأملون منها منافع لو لم يبادروا إليها ذهبت عنهم، فإنما خرجوا من المسجد؛ ~~جهلا منهم بحق # PageV10P015 # الخطبة والخاطب. # وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم، ولا صاحبوا أجلتهم؛ ليعرفوا حق ~~الخطبة والخاطب، فانفلت منهم الزلة، ومن مثلهم هذه، فأما الذين كانوا من ~~أجلة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن علمائهم، فلم ينفر واحد ~~منهم. # وكذلك الضحك أيضا يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم، ولم ~~يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع، ms4560 والله ~~أعلم. # قال: والمعنى من ترك النبي عليه السلام نهيهم عن الخروج - وجهان: # أحدهما: أن يكون الكلام كان محرما وقت الخطبة؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام ~~في ذلك الوقت. # والثاني: يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج؛ فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم؛ ~~لما علم أنهم لم يسمعوا، والله أعلم. # وفي الخبر أنه عد الذين ثبتوا معه بعدما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر ~~رجلا، فقال: " لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي نارا " أي: المدينة، ففي ~~هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين؛ لأنه - عليه السلام - جمع ~~باثني عشر رجلا، والله أعلم. # وقوله: (وتركوك قائما). # هذا يدل على أن الخطبة إنما تكون قائما. # وقوله: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة). # قال إمام الهدى: ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة، ولكن المعنى من ذلك - والله أعلم - أن الدنيا كلها متجر، وأن ~~أهلها فيها تجار: إما تجارة الدنيا، أو تجارة الآخرة؛ لأن الطاعة والعبادة ~~في الاعتبار كأنها تجارة؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا ~~يكتسب بها منافع الدنيا، فقال؛ التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب ~~منافع الآخرة خير من اللهو، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا، ~~والله أعلم. # وجائز أن يكون معناه كأنه قال: اتقوا الله؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم ~~به المنافع في الرزق وغيره، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع ~~الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب)، وقال في # PageV10P016 # موضع آخر: (يكفر عنه سيئاته)، فإذا كانت التقوى يستفاد بها الرزق والبر ~~في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا، فرغبهم ~~فيما فيه جملة المنافع وهو التقوى؛ ليمكثوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فيقول: رغبتكم فيما يكسبكم جملة المنافع إن اتقيتم ومكثتم عند النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خير من اللهو ومن التجارة التي تكسبكم منفعة واحدة، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله خير الرازقين). ms4561 # ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر؛ ليكون هو خيرهم، ولكن المعنى من ~~هذا كالمعنى في قوله: (أحسن الخالقين)، و (أحكم الحاكمين)؛ لأنه كان هو خير ~~الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين؛ لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا ~~يخلق إلا ما فيه حكمة؛ فكذلك قوله: (والله خير الرازقين). # وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال: (والله خير ~~الرازقين) ممن يرزقكم؛ لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل ~~بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال: (والله خير الرازقين) الذين يرزقون من ~~رزقه، والله أعلم. # * * * # PageV10P017 ### | سورة المنافقون # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم ~~إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا ~~عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن ~~المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8). # قوله - عز وجل -: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله). # اختلفوا في تأويل قوله تعالى: (نشهد): # قال بعضهم: (نشهد) بمعنى: نقسم ونحلف. # وقال بعضهم: (نشهد) على ابتداء الشهادة. # فمن حمله على القسم قرأه (اتخذوا أيمانهم جنة) يعني: حلفهم، ومن حمله على ~~الشهادة ابتداء قرأ: (اتخذوا أيمانهم) يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة ~~فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعا، والله أعلم. # وقوله: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون). # والإشكال أن كيف قال ms4562 الله تعالى: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، وهم ~~إنما قالوا: (نشهد إنك لرسول الله)، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن ~~المعنى من هذا - والله أعلم - أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب ~~عند غير رسول الله، فحسبوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ~~صنيعهم فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، ويقولون: (نشهد إنك لرسول الله) وأن ~~ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر الله تعالى أنهم لكاذبون فيما ~~أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر). # ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول الله كما نظهره ~~بألسنتنا، # PageV10P018 # فأخبر تعالى أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم ~~أن يكون المعنى من قوله: (نشهد) أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ~~ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا ~~منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم ~~وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، والله ~~أعلم. # ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: (نشهد إنك لرسول الله)، ~~وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك، فكيف قال ~~المنافقون ذلك؟! فمعناه عندنا - والله أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة ~~الله ورسوله امتحنهم الله تعالى بهذه المقالة. ويحتمل أن يكونوا جروا على ~~عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما آمنتم، وإذا لقوا المشركين ~~قالوا: (إنا معكم إنما نحن مستهزئون)، فإذا لقوا رسول الله قالوا: (نشهد ~~إنك لرسول الله) على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، والله أعلم. # ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: (نشهد إنك لرسول الله)، اعتذارا ~~عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: (يحسبون كل صيحة عليهم) ms4563 وكانوا ~~يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، والله أعلم. # ثم قال هاهنا: (نشهد) ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلف، ~~والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله تعالى؛ فلذلك أجزئ بقوله: ~~(نشهد) وعن قوله: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: (نشهد) ~~يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، والله أعلم. # وقوله: (فصدوا عن سبيل الله ... (2) له تأويلان: # أحدهما: (فصدوا) أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله. # والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن ~~الإيمان. # وقوله: (إنهم ساء ما كانوا يعملون). # أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر ~~على الإيمان. # ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV10P019 # وقوله: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) له ~~تأويلان: # أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم. # والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين ~~وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار ~~مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبدا، ثم إن المسلمين ~~لما غلبوا يوم أحد وأصابهم الكفار، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك ~~بمعنى قوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه)، فكذلك تأويل قوله: (ذلك بأنهم آمنوا ثم ~~كفروا). # وقوله: (ذلك) إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم. # وقولهم: (نشهد إنك لرسول الله) هو أنهم آمنوا ثم كفروا. # وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم ~~الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين ~~أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها ms4564 مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون ~~أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، والله المستعان. # وقوله: (فطبع على قلوبهم). # الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق ~~وحججه. # قال: ويجوز أن يجعل الله تعالى الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج ~~والآيات. # أو يجوز أن يجعل الكفر كنا في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ~~ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن ~~اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، ~~والله أعلم. # قال الفقيه - رضي الله عنه - في قوله: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله) أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله، وإنما جاءه ~~بعضهم، وكذلك في قوله: (نشهد) أن المعنى من قوله: (نشهد) في بعض التأويلات: ~~نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة ~~والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر الله تعالى ~~ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم ~~يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن ~~كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب # PageV10P020 # تخصيصه أجري على خصوصه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فهم لا يفقهون). # يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم ~~يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، ~~فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا ~~جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى ~~يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى ~~منافعهم ومضارهم، والله المستعان. # ويحتمل: أي: لا يفقهون عن الله تعالى، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله ~~واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما ~~فعلوا، ويجازيهم ms4565 على جميع ذلك. # ثم قال هاهنا: (لا يفقهون)، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو ~~الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا. وقال ابن ~~الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره. # وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له ~~أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف ~~الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين. # ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى ~~معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره ~~استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: الله تعالى عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز ~~أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، والله الموفق. # والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ~~ولذلك جاز أن يقال: إن الله تعالى حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، والله ~~المستعان. # وقوله - عز وجل -: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ~~كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون (4). # في هذا بيان أن الله تعالى قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد ~~آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن الله تعالى ذكر ~~نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ~~ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟! فيكون ~~له بعض التسلي؛ لما اهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سوء صنيعهم ~~به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته. # PageV10P021 # وقوله - عز وجل -: (وإن يقولوا تسمع لقولهم). # يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقا؛ فتسمع لقولهم لتقبله. # ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته ~~- عليه السلام - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى ~~يفرغ منه، ثم ms4566 قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان ~~مستحقا للتغيير عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كأنهم خشب مسندة). # يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث ~~يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع ~~فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة. # ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب ~~اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف ~~لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق، والله أعلم. # وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها ~~أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق ~~وقبوله، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (يحسبون كل صيحة عليهم)، يحتمل وجهين: # أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم وتفضحهم؛ ألا ترى ~~إلى قوله: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم)، ~~فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، ~~فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما تكلم بما ~~يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، والله المستعان. # والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب ~~خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على ~~حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حربا للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر ~~صاروا حربا لهؤلاء، فأخبر الله تعالى أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن ~~يكون ذلك سببا لهلاكهم. # ويحتمل أن يكون الله تعالى عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه ~~لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل؛ رجاء ~~أمنهم، وكان جميع مقاصد في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من ~~الأديان، وذلك غير مأذون # PageV10P022 # فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم ~~إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم ms4567 أو من الهلاك، والله أعلم. # وقوله: (هم العدو فاحذرهم)، له أوجه من التأويل: # أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع ~~أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ~~ممن بعد ونأى. # أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون ~~به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك. # أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك ~~عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك. # وقوله: (قاتلهم الله) يعني: لعنهم. # وقوله: (أنى يؤفكون)، له تأويلان: # أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم ~~بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي. # أو يقول: (أنى يؤفكون) يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن ~~يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، والله ~~أعلم. # وقوله: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون (5). # ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله ~~تعالى: (ليخرجن الأعز منها الأذل). # وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق؛ ~~لأنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان كلما قام يوم الجمعة قام ~~عبد الله بن أبي ابن سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول الله، فوقروه، ~~وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر - رضي الله ~~عنه -: " اجلس يا كافر؛ فإن الله تعالى قد فضحك "، قال: فخرج من المسجد قبل ~~أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء ~~الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك، ~~فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة. # وروي أنه لما قال: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)، ثم ~~أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ms4568 ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما ~~لم تقر أنك الأذل وأن # PageV10P023 # رسول الله هو الأعز، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن ~~يخلي عن أبيه، ثم قال له: " إنك أولى أن تسمى: عبد الله بن أبيك "، فسمى من ~~بعد ذلك: عبد الله، وكان يسمى حبابا. # فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها ~~يدل على أن ذلك كان في جملة المنافقين. # ولكن الوجه في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم ~~على ذلك، فذكرهم الله تعالى؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقواما لا ~~يؤمنون بالآخرة. # والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان ~~على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم الله تعالى على ذلك؛ وكذلك قوله: (ليخرجن ~~الأعز منها الأذل) كان عندهم أن الله تعالى إنما آتاهم العز والغناء ~~والشرف؛ لفضيلة لهم على محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فكانوا ينكرون عليه ~~من ذلك الوجه، ثم إن الله قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ~~ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، ~~وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك ~~أنه لما قال: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم)، دل أنه ~~كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: (هم الذين يقولون لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا)؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: ~~(ليخرجن الأعز منها الأذل) دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه ~~الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا ~~شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في ~~كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله تعالى: (هم الذين يقولون ~~لا تنفقوا) على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ms4569 ~~ينفق أيضا وذلك في غاية البخل، ولما قال: (كأنهم خشب مسندة)، فكأنهم كانوا ~~في الغفلة عن ذكر الله وقبول الموعظة غايته، ولما قال: (وإذا قيل لهم ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم) دل أنهم كانوا في الاستخفاف به ~~-حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه- غايته، ولما ~~قال: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم) دل أنهم ~~كانوا في سوء السريرة غايته. # قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين: # PageV10P024 # أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقا لهم على الله تعالى. # أو يروا أن الله تعالى آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ~~ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك ~~الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله تعالى آتاهم جميع تلك ~~النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى (لا يفقهون) ~~أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله، كان ~~يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم ~~يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم ~~الله به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن الله تعالى إنما أعطاهم هذه النعم ~~محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما ~~كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما ~~كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة ~~والغلبة والنصر: (لا يعلمون)؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم ~~يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: (ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون)، له وجهان: # أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك. # والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك. # وقوله: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان ~~عندهم أنهم على الحق. # والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا ms4570 لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من ~~الله، ويتحقق ذلك في الآخرة. # وقوله: (لن يغفر الله لهم). # على ذلك أيضا أنه لا يغفر أستغفرت أم لم تستغفر. # قال - رحمه الله -: ورسول الله - عليه السلام - كان لا يستغفر للمنافقين ~~بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، والله ~~أعلم. # ثم قوله: (لن يغفر الله لهم) يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر الله ~~لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه. # والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون ~~أبدا، فقال في أولئك: لن يغفر الله لهم؛ وكذلك هذا في قوله: (سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). # PageV10P025 # وقوله تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين). # فيه أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئا لم ~~يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا ~~يفعل، وإنما يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر ~~خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك ~~هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، والله ~~الموفق. # وقال أبو بكر: معنى قوله: (لا يهدي القوم الفاسقين) أي: لا يهديهم ~~لفسقهم. # وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا. وأيهما كان فهو ~~محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى ~~الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا ~~نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده ~~سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ~~ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سببا لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك ~~قلنا: إن الله تعالى يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره ms4571 ~~على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ~~ويوفقه ويسدده، والله المستعان. # وقوله تعالى: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7). # قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم. # وقوله: (حتى ينفضوا) دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى ~~الله تعالى إلا إظهاره. # وقوله: (ولله خزائن السماوات والأرض). # يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين. # أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في ~~حال الضيق. # أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن الله تعالى يوسع عليهم الدنيا ~~بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، ~~والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8). # PageV10P026 # الأعز قد يحتمل معاني: # أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: (فقال أكفلنيها وعزني في ~~الخطاب)، أي: غلبنى في الخصومة. # والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله - تعالى -: (أعزة على الكافرين)، ~~يعني: أقوياء وأشداء. # والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، فإن ~~كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، ~~والكفار اتبعوا أهواءهم. # وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم. # وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك ~~للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم لما رأوا القوة ~~والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعا؛ ~~ولذلك قال ذلك المنافق: قوله تعالى: (ليخرجن الأعز منها الأذل)؛ لأنه لما ~~رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبدا؛ فأظهر ~~النفاق، وقال عند ذلك: (ليخرجن الأعز منها الأذل)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم ms4572 الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ~~(11). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ~~ذكر الله)، واختلف فيه: # فمنهم من قال: هذه الآية في المنافقين. # ومنهم من قال: في المؤمنين. # فإن كانت في المنافقين، فكأنه يقول؛ يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم ~~الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. # وإن كان في المؤمنين، فكأنه قال: يا أيها الذين حققوا الإيمان، لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله. # PageV10P027 # ثم اختلفوا في معنى ذكر الله: # فمنهم من قال: معناه القرآن على مثال قوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا. ~~رسولا يتلو عليكم آيات الله. . .)، يعني: قرآنا ورسولا. # ومنهم من قال: معنى الذكر التوحيد. # فإن كان تأويله القرآن، فهو يتوجه إلى المنافقين والمؤمنين جميعا، فإن ~~كان في المنافقين فكأنه قال: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر ~~والتأمل في القرآن؛ لأن الله تعالى بين في القرآن أمورا تطهر سرائرهم وما ~~يظهر عندهم أن الرسول لا يختلقه من تلقاء نفسه، وأنه إنما يقوله بالوحي، ~~فكأنه يقول: إذا تأملتم النظر في القرآن، حملكم ذلك على التحقيق في ~~الإيمان، فلا يحملكم حب المال والولد على ترك التأمل في القرآن؛ لأنكم إذا ~~نظرتم فيه، وتأملتم، حصلتم منه على تحقيق الإيمان، والله أعلم. # وإن كان في المؤمنين، فمعناه: ألا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر في ~~القرآن؛ فإنكم إذا نظرتم فيه، صرتم من أهله، وجل قدركم. # وإن كان المراد من الذكر التوحيد، فهو راجع إلى الناس كافة: فأما ~~المؤمنون، فكأنه حذرهم عن حب المال والولد أن يحملهم غاية حبهما على أن ~~ينسوا وحدانية الله تعالى والإيمان بالرسل والبعث، فكأنه يقول: لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم كما ألهى الكفرة، فيحذرهم عن أن يقعوا في الهلاك من ~~حبه كما قال: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، يعني: اتقوا السبب الذي ~~يفضي بكم إلى النار المعدة للكافرين، فكذلك الأول. ms4573 # وإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا يحملكم حب المال والولد أن تتركوا ~~حقيقة الإيمان به والتوحيد له والطاعة لرسوله، عليه السلام. # وقوله تعالى: (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). # فعلى ما ذكرنا من التأويلين في إنكار البعث والتوحيد ظاهر، وإن كان في ~~المؤمنين فمعنى الخسار: هو الخوف من أن يقع به الوعيد. # وقوله - تعالى -: (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10). # يجوز أن يكون صلة قوله: (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) ~~فيمنعكم ذلك عن الإنفاق؛ فإنكم إذا امتنعتم عن الإنفاق ازداد حبكم، فتنسون ~~وحدانية الله تعالى وطاعة رسوله، عليه السلام. # PageV10P028 # وقوله - تعالى -: (لولا أخرتني إلى أجل قريب). # قال بعضهم: تمنى الرجعة؛ لما رأى من الهلاك والعذاب حيث ترك الحقوق. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: " لو كان ثمة خير لما تمنى ~~الكرة ". # ولكن المعنى في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يتمنى الرجوع؛ ليتصدق ليس ~~الإنفاق خاصة، ولكن ليتصدق، وليكون من الصالحين، أي: من الموحدين، وذلك ~~مستقيم أن يقال إذا ترك التوحيد فنزل به الموت: إنه يتمنى الرجوع؛ لما يرى ~~من الهلاك والعقوبة. # ويجوز أن يكون المعنى في هذا إن كانت الآية في المؤمنين الموحدين: أنهم ~~يتمنون الرجوع؛ حياء من ربهم؛ لما ارتكبوا من الزلات وتركوا ما يستوجبون به ~~الحسنات، وقصروا فيما فرض الله عليهم من العبادات، وحق على كل مؤمن أن ~~يستحي من ربه إذا لقيه بما ترك من حقوقه التي ألزمها عليه والأسباب ~~الواجبة. # وقوله: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11). # ليس يحتمل تأخير الله تعالى أجله إذا جاء؛ لأنه لو أخره، دل على أنه بدا ~~له في أجله، ومن بدا له في أمر فذلك دليل الجهل بالعواقب، ولا يوصف رب ~~العالمين بذلك. # وقوله - عز وجل -: (والله خبير بما تعملون). # أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم: سركم وعلانيتكم، والله أعلم بحقيقة ما ms4574 ~~أراد، والحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV10P029 ### | سورة التغابن # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما ~~تعملون بصير (2) خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه ~~المصير (3) يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور (4). # قوله - عز وجل -: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) الآية. # والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة، وقد سبق ذكره. # وقوله: (له الملك وله الحمد) يحتمل وجهين: # أحدهما: يحتمل الملك: الولاية والسلطان. # والثاني: يقول: (له الملك) يعني: ملك كل الملوك، كما قال في آيات أخرى: ~~(قل اللهم مالك الملك. . .) الآية، فأخبر أن ملك الملوك كلها له، وأن من ~~استفاد الملك إنما يستفيده بالله تعالى، وبامتنانه عليه، والله أعلم. # وقوله: (وله الحمد). # يحتمل أوجها ثلاثة من التأويل: # أحدها: أن يقول: (وله الحمد) يعني: له الثناء الحسن بصفاته العلا وأسمائه ~~الحسنى. # والوجه الثاني: أن يقول: (وله الحمد) يعني: حمد كل من يحمد، فحقيقة ذلك ~~الحمد له بما أحسن إلى عباده وأنعم عليهم، وذلك معنى قوله: (الحمد لله)، ~~أي: الحمد والثناء الحسن لله تعالى على إحسانه إلينا وإنعامه علينا. # والثالث: أن يجعل معنى الحمد معنى الشكر؛ لأن الحمد قد يستعمل في موضع ~~الشكر. # وقوله - عز وجل -: (وهو على كل شيء قدير). # يحتمل أن يكون معناه: وهو على كل شيء أراده قدير، وهو حجة على المعتزلة؛ ~~لأن الله - تعالى - لا يزال يمدح نفسه بأنه بصير عليم وأنه على كل شيء ~~قدير، وأقرت المعتزلة بأنه بصير عليم، وأبت عن الإقرار بأنه قدير على أفعال ~~العباد، أو على إصلاح # PageV10P030 # أحد من العباد، وهذا خلاف ما مدح الله أتعالى نفسه به، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما ~~تعملون بصير (2) يحتمل أن يكون تأويله: # فمنكم من يدين بدين الكفر، ومنكم من يدين بدين الإسلام، ودل هذا ms4575 على أن ~~المعصية والطاعة يجتمعان في دين واحد، وأن المعصية لا تخرجه من دينه؛ لأن ~~المعصية، لم يرتكبها تدينا بها، ولكن لغلبة شهوة أو غضب عليه، وأما الكفر ~~والإيمان فإنه يأتي بهما المرء اختيارا ويتدين بالكفر والإيمان؛ لما عنده ~~أنه حق، وفي هذه الآية دلالة أنه ليس بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، وليس ~~كما قالت المعتزلة: إن صاحب الكبيرة بين منزلتين بين الكفر والإيمان، والله ~~تعالى قسم الناس صنفين: فمنهم من خلقه كافرا، ومنهم من خلقه مؤمنا، ولم ~~يجعل فيما بينهما منزلة ثالثة، فلا يجب أن نجعل، والله الموفق. # وفيه أيضا وجه لطيف سوى ما ذكرنا، وهو أن كل أحد في الدنيا مؤمن وكافر في ~~الحقيقة؛ لأن من كان مؤمنا بالله فهو كافر بالطاغوت، ومن كان كافرا بالله ~~فهو مؤمن بالطاغوت، وإذا كان كذلك، وجب أن يبحث عن معنى قوله: (فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن) ومعناه عندنا: أن الحقيقة وإن كانت كذلك فالإيمان إذا ذكر ~~مطلقا لم يفهم منه إلا الإيمان بالله تعالى، والكفر إذا أطلق أيضا لم يفهم ~~منه إلا الكفر بالله تعالى، وإذا كان كذلك، جاز أن يكون لفظ الكتاب خارجا ~~على ما عليه المعهود من المتعارف المعتاد، والله أعلم. # وقوله: (والله بما تعملون بصير) في الأزل بما يعمله العباد، وأنه ليس كما ~~قال بعض الناس: ألا يعلم فعل العبد إلا وقت فعله، واحتجوا في ذلك أنا لو ~~قلنا إن الله تعالى بصير في الأزل بما نفعله، لكان قولا بما لا يستقيم في ~~المعقول؛ ألا ترى أنا لا نرى في الشاهد من يبني بناء يعلم أنه يضره أو ~~يشتري عبدا يعلم أنه يعاديه، فكذا لا يستقيم أن يقال إن الله تعالى خلق ~~عبدا قد كان يعلم من قبل أنه إذا خلقه عاداه. # PageV10P031 # والجواب عن هذا: أن هذا الذي وصفه غير مستقيم في الشاهد؛ لأن منافع ما ~~يفعله العباد ومضاره ترجع إلى أنفسهم، وليس من العقل أن يفعل المرء فعلا ~~يعلم أنه يضره، وأما رب العالمين فإنه لا يرجع شيء ms4576 من المنافع والمضار ~~إليه؛ فجاز أن يخلق خلقا يعلم أنه يختار عداوته؛ ليظهر عند الخلق أنه لا ~~يرجع شيء من المنافع والمضار إليه بعد أن يكون في الحكمة ذلك، والله أعلم. # ثم في قوله: (والله بما تعملون بصير) و (عليم)، و (وكيل)، و (حفيظ)، ~~إلزام المراقبة والتحفظ والتيقظ وبيان الترغيب والترهيب؛ لأنه إذا علم ~~المرء أن عليه في كل ما يفعله رقيبا يتيقظ، ولم يفعل إلا ما يرضي به ربه، ~~والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه ~~المصير (3). # قد وصفنا أن الحق إذا جرى ذكره يصرف في كل شيء إلى ما هو أليق به؛ فإذا ~~ذكر في الأخبار أريد به: الصدق، وإذا ذكر في الأحكام أريد به: العدل، وإذا ~~ذكر في الأقوال أريد به: الإصابة، فلما قال: (بالحق) هاهنا أفكأنه، أراد ~~به: الحكمة، كأنه يقول: خلق السماوات والأرض بالحكمة. # وقال بعضهم: (بالحق) يعني: للحق، وهو البعث، فكأنهم عنوا به: أن الله ~~تعالى لم يخلقهما عبثا بل خلقهما للعبادة. # وقوله - عز وجل -: (وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير) يحتمل هذا وجهين: # أحدهما: (فأحسن)، أي: أتقن، وأحكم، ومعنى ذلك: أن الله تعالى خص صور بني ~~آدم في الاستدلال بوحدانيته وربوبيته في أن جعل في أنفسهم حقيقة المعرفة ~~والاستدلال بأنفسهم على وحدانية الله تعالى، وأما غيرهم من الصور فإنما يقع ~~الاستدلال لغيرها بما ليس لنفس تلك الصور حقيقة المعرفة والاستدلال ~~بوحدانية الله تعالى؛ ولذلك كان خلق صور بني آدم أتقن وأحكم، والله أعلم. # والثاني: أن يصرف الحسن إلى حسن المنظر، ومعنى ذلك: أن الله تعالى خلق ~~بني آدم على صورة لا يودون أن يكون صورتهم مثل صورة غيرهم من الخلائق، فثبت ~~أن صورتهم في المنظر أحسن صورة، فذلك معنى قوله تعالى: (وصوركم فأحسن ~~صوركم)، والله أعلم. # PageV10P032 # وقوله: (وإليه المصير) يعني: البعث، وأضاف ذلك إلى نفسه؛ لأنه هو النهاية ~~والمقصود في خلقهم، ولما لم يفهم أحد من قوله: (وإليه المصير) معنى ~~الانتقال والتحول من مكان إلى مكان من حيث ms4577 إنه يضاف إلى الله تعالى؛ لأن ~~هذا فعل يكون باثنين، فإن من صار إلى شيء صار ذلك إليه، مثل الملاقاة ~~والإتيان ونحو ذلك، فلما لم يفهم منه الانتقال لم ينبغ أن يفهم من قوله: ~~(وجاء ربك والملك صفا صفا)، معنى الانتقال، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما ~~تعلنون والله عليم بذات الصدور (4). # في إخباره عن علمه بذلك كله إيجاب المراقبة والتيقظ والتبصر، والمحافظة ~~على ما أمره الله تعالى ونهاه، وفي هذا إخبار أن الله تعالى مطلع على ما ~~يضمرون، محص عليكم جميع ما تظهرون، فاحذروا أن ترتكبوا ما فيه سخطه في ~~الحالين جميعا، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (بذات الصدور) قال أهل التفسير: أي: بما في الصدور. # ويحتمل أن يكون المراد منه بالأنفس التي لها أن صدور، وكل من كان ذا فكرة ~~وتدبير فإنه يسمى: ذات الصدور، ومعناه: أن التدبير إنما يصدر عن ذلك ~~الموضع، ويرجع إليه، وكل بنو آدم خصوا بهذا المعنى؛ فلذلك ذكر هذا فيهم، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم (5) ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7) ~~فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم ~~يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه ~~سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير (10) # وقوله - عز وجل -: (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ~~ولهم عذاب أليم (5). # فتأويله عندنا - والله أعلم - أي: قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل، ~~وماذا نزل بهم حين كفروا وعاندوا، ومعنى ذلك أن الله تعالى قد حذرهم بما ~~يكون في الآخرة من ms4578 ألوان العذاب، فلم يتعظوا، لما لم يكونوا يؤمنون بالبعث، ~~فلما لم ينجع فيهم # PageV10P033 # ذلك، حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان. # وقوله - عز وجل -: (فذاقوا وبال أمرهم)، أي: شدة أمرهم، ويحتمل أن يكون ~~عاقبة أمرهم. # وقوله: (ولهم عذاب أليم) فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا، ~~لم يكفر عنهم الذنب، أعني: ذنب الكفر، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شرهم ~~في الكفر، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب الكفر والشرك، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر ~~يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6). # فكأنه يريد بقوله: (ذلك) أي: تلك العقوبات التي نزلت بالأمم الماضية، ~~إنما كان سببها: أن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، (فقالوا أبشر يهدوننا)، ~~وكان قولهم: (أبشر يهدوننا) تلقين إبليس؛ حيث لقنهم مخالفة الرسول وتكذيبه، ~~وأنكم لو احتجتم إلى طاعته ففيكم من هو أعظم منه درجة وأكثر منزلة، فإذا لم ~~تطيعوه فكيف تطيعون بشرا مثلكم؟! وهذا كله عناد وخطأ، وذلك أنهم قد كانوا ~~يعبدون الأصنام؛ تقليدا منهم لبشر؛ ألا ترى إلى قوله: (إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، ومعلوم أن جعل الأصنام معبودا يعبدونه ~~بقول البشر؛ تقليدا له - أكثر وأعظم من تصديق البشر: أنه رسول من عند الله ~~- تعالى - عند قيام الدليل المعجز، فإذا استجازوا تقليد البشر في ذلك، فكيف ~~لا استجازوا تصديق الرسول فيما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته فيما يرجع ~~إليهم من المنافع والمضار، ولكنهم كانوا قوما سفهاء، فاتبعوا سفههم ~~وعنادهم، والله أعلم. # وكذلك قولهم: (إن هذا إلا سحر مبين)، وكيف يكون سحرا، وقد أتاهم بآيات ~~أعجزتهم وأعجزت السحرة أن يأتوا بمثلها؟! ولكنهم عاندوا، ولم يجدوا حيلة ~~سوى أن قالوا: (إن هذا إلا سحر مبين). # وقوله: (فكفروا وتولوا واستغنى الله). # أي: كفروا بالرسل (وتولوا): أعرضوا عن طاعته، وطاعة رسوله. # وقوله: (واستغنى الله) لم يسمع من أحد من المتكلمين يقول: (واستغنى الله) ~~على الابتداء إلا ما ذكر في ظاهر هذه الآية، ms4579 والقول في الاستغناء فيما يريد ~~به الإخبار جائز؛ نحو قولك: الله مستغن، فأما أن تبتدئ، فتقول: الله مستغن، ~~فيما فيه شك وريب، فإنه لا يجوز البداية به. # PageV10P034 # وقد غلط بعض المفسرين حيث قالوا: استغنى الله: بطاعة من أطاعه عن معصية ~~من عصاه؛ لأن الله تعالى لم يمتحن عباده بالطاعة والمعصية لمنافع يأملها أو ~~مضرة يخشاها ويخافها، بل هو مستغن بذاته عن ذلك في الأزل، والله أعلم. # ويجوز أن يكون في هذا إضمار، يعني: واستغنى الرسول عن طاعتهم بالله ~~تعالى، أو يصرف الاستغناء إلى الإخبار عن ذاته: أنه مستغن بذاته في الأزل، ~~لا تمسه حاجة، وأنه لا يضره كفر من كفر، ولا ينفعه إيمان من آمن، بل إنما ~~يحصل ذلك كله للممتحن بهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله غني حميد). # قد وصفنا معنى الغني، وأما الحميد يحتمل وجهين: # أحدهما: يعني: المحمود، أي: المستحق للحمد بذاته؛ إذ يستحق من كل أحد ~~الحمد على ما يحسن إليه، أو يحمل معنى الحميد على معنى الحامد، ووجه ذلك أن ~~الله تعالى يحمد محاسن الخلق وآثار أفعالهم، وأن حقيقة تلك الأفعال من جهة ~~التوفيق والتسديد إنما كانت به، وذلك غاية الكرم. # وقوله - عز وجل -: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير (7). # قوله: (قل بلى وربي لتبعثن) يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون هذا تعليما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يعلمه القسم تأكيدا؛ لما كان يخبر عن البعث، وكذلك جميع ما ذكر من القسم ~~في القرآن يجوز أن يكون على هذا المعنى؛ لأن القسم إنما هو لنفي تهمة ~~تمكنت، والله تعالى لا يتهم في خبره، والرسول هو الذي كانوا يتهمونه فيما ~~يخبر؛ لما لم يثبت عندهم رسالته لعدم تأملهم في دلائله، فعلمه القسم؛ ~~تأكيدا لما يخبر ونفيا للتهمة عما يقوله، والله أعلم. # ويجوز أن يكون هذا قسما مقابلا لما أقسم به الكفرة في أمر البعث؛ ألا ترى ~~إلى قوله تعالى: (وأقسموا بالله ms4580 جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا). # وقوله - عز وجل -: (وذلك على الله يسير) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن أمر البعث على الله يسير هين لأنهم أنكروا البعث بعدما صاروا ~~ترابا؛ # PageV10P035 # فأخبر أن بعثهم وإعادتهم أهون في عقولهم من إنشائهم، ولم يكونوا شيئا؛ ~~فكيف أنكروا قدرته على إعادتهم بعد أن صاروا ترابا، فأخبر - جل وعلا - أن ~~ذلك على الله يسير. # والوجه الثاني من التأويل: أن يذكر ما عملوا من خير أو شر أحصاه عليهم كل ~~سر وعلانية وكل صغير وكبير؛ ليعاينوا ذلك في كتبهم، ويعلموا تحقيقا: أنها ~~على الله يسير. # وقوله - عز وجل -: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما ~~تعملون خبير (8). # يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم، وذلك أن الله تعالى ذكر ما نزل من العقوبة ~~بالأمم الماضية، وأن ذلك إنما نزل بهم؛ لكفرهم بالله تعالى، وتكذيبهم ~~الرسل، فآمنوا أنتم بالله ورسوله لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من البأس ~~والعقوبة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والنور الذي أنزلنا) النور: هو القرآن، ويجوز أن يكون ~~سماه: نورا؛ لأنه يبصر به حقيقة المذاهب في الطاعة والمعصية والإحسان ~~والإساءة والإيمان والكفر كما يبصر بنور النهار حقيقة الأشياء من جيدها ~~ورديئها، كذلك يبصر بهذا منافع الطاعة ومضار المعصية، فسمي: نورا من هذا ~~الوجه، والله أعلم. # وقوله: (والله بما تعملون خبير). # أي: أن الله خبير بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وحافظوه في الحالين ~~جميعا، وفي هذا بيان أن الله تعالى عالم بما يعمله العباد في الأزل، وبما ~~يكون منهم، وأنه ليس كما وصفه بعض الجهال، والله المستعان. # وقوله: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~ذلك الفوز العظيم (9). # ذلك اليوم في الحقيقة يوم جمع وتفريق، وهو أيضا في الحقيقة يوم تغابن ~~وترابح، وإن ذكر أحدهما؛ دليل ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات؛ ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: (فريق في الجنة ms4581 وفريق في السعير)، وإلى ما ذكر في عقيب قوله: ~~(ذلك يوم التغابن) من قوله: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ~~ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار)، وهذا هو معنى الترابح، ولكنه - جل ~~ثناؤه - يجوز أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. # PageV10P036 # ثم الغبن يذكر في التجارات، والأصل في ذلك عندنا أن كل سليم طبعه لا يخلو ~~من عمل، وعمله لا يخلو من إحدى ثلاثة أوجه: إما أن يكون في مباح أو أمر أو ~~نهي، ومعلوم أن من استعمل المباح فهو يستعين به في إقامة الأمر، إذ لا بد ~~من البقاء لإقامة الأمر؛ وذلك باستعمال المباح والاشتغال بأسبابه، فكأنه في ~~إقامة ذلك الأمر؛ فحقيقته ترجع إلى أن الأعمال في الحقيقة تنصرف إلى نوعين: ~~إلى أمر ونهي، ومعلوم أن من كان في أمر، فهو تارك لما نهي عنه، ومن كان في ~~نهي فهو تارك لما أمر به، والتجارة في الحقيقة هو أن يأخذ شيئا ويترك شيئا ~~آخر، وإذا تحقق معنى التجارة في أعمال بني آدم، أطلق لها لفظ: التجارة. # قال: والدنيا لها ثلاثة أسماء: المتجر، والمزرع، والمسلك، وقد وصفنا معنى ~~التجارة، وأما معنى المزرع؛ فلأجل أن كل من يعمل في الدنيا فإنما يعمل ~~لعاقبة، ولا بد أن تكون عاقبته خيرا أو شرا، فكل من كانت عاقبته الخير فهو ~~زارع للخير، ومن كانت عاقبته الشر، فهو زارع للشر، والله أعلم. # وأما معنى المسلك والطريق، فلأجل أن الخلق لم يخلقوا في هذه الدنيا ~~ليقروا فيها، وإنما خلقوا لأحد أمرين: إما للثواب أو للعقاب، فكل من عمل ~~عملا يفضي به إلى الثواب والجنة فكأنه يسلك طريق الجنة، وكل من عمل عملا ~~يفضي به إلى النار؛ فكأنه يسلك طريق النار؛ فلذلك سمي: مسلكا وطريقا، والله ~~أعلم. # ثم التغابن عندنا يجوز أن يكون معناه: أن أهل الكفر يغبنون في أهلهم ~~وأموالهم في الدار الآخرة؛ لأنهم كانوا يتعاونون بهم في الدنيا، فحسبوا ~~أنهم يكونون كذلك في الآخرة، فإذا لم يجدوا وصاروا يلعن بعضهم بعضا، غبنوا ~~ما ms4582 كانوا يأملونه منهم. # وقال بعضهم: إن لكل كافر في الجنة قصرا وبيتا وأهلا، فإذا صاروا إلى ~~النار، ورث المؤمن أهله وقصره الذي كان له في الجنة؛ فهذا هو التغابن، ولكن ~~هذا غير صحيح عندنا؛ لأنه لا يحتمل أن يبني الله تعالى للكافر في الجنة ~~بيتا مع علمه أنه لا يأتيه؛ لأن # PageV10P037 # هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله، جل الله تعالى عن مثل ~~هذا الوصف، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر، أي: إن أسلم الكافر كان له ~~ذلك المنزل في الجنة، وإن ارتد المسلم عن الإسلام، كان له ذلك المنزل في ~~النار، وهو عالم أن عاقبة أمره ماذا: الكفر أو الإسلام؟ وأن مأواه النار أو ~~الجنة وحكمه على ما علم وأراد، ولكن الله تعالى عالم بما كان وما يكون وما ~~لا يكون أن لو كان كيف يكون، فأخبر على ذلك، وإلا لم يصح، لما ذكرنا من ~~المعنى، والله الموفق. # ويحتمل: أنه إنما سماه: يوم التغابن؛ لأن الدنيا جعلت أسواقا، والأحوال ~~التي تكون لهم رءوس الأموال، والأعمال التي يعملون فيها ويكتسبون تجارة؛ ~~قال الله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)، ثم قال: ~~(تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله. . .) الآية، وقال في آية ~~أخرى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم. . .) الآية، وقال (اشتروا ~~الضلالة بالهدى)، وقال: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة)، فإذا ~~كانت الدنيا متجرا فالآخرة هي التي يقسم فيها الأرباح، وفي ذلك يقع الربح ~~والخسران، ويظهر الغبن والفضل أو النقصان والزيادة، والله أعلم. # أو سماه: يوم التغابن؛ لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا أو ربحوا، ولا ~~يظهر لهم ذلك في الدنيا، ثم بين العمل الذي يربح عليه، والعمل الذي يخسر ~~به، والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح، والتي يلحق بها الخسران، وهو ما ~~قال: (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار. . .) الآية (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا. . .) الآية. # ثم قوله - عز وجل - (ومن ms4583 يؤمن بالله ويعمل صالحا). # يعني: ومن يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل جملة، وأن له الخلق والأمر، ~~ويؤمن بالرسل والبعث - فذلك هو الإيمان بالله تعالى. # وقوله: (ويعمل صالحا). # يعني: ومن يؤمن بالله ويعمل، في إيمانه صالحا إلى أن يموت. # وقوله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير (10). # يعني: كفروا بوحدانية الله تعالى وبقدرته، وكذبوا بآياته، أي: بحججه، أو ~~كذبوا بالبعث (أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير). # PageV10P038 # قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(13). # وقوله - عز وجل -: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله). # قال بعضهم: (بإذن الله) يعني: بأمر الله، وهو قول الحسن. # وقال بعضهم: (بإذن الله) يعني: بعلم الله. # وقال بعضهم: (بإذن الله) يعني: بمشيئة الله. # ولكل من ذلك وجه: # فأما من قال: بأمر الله، فمعناه وحجته: أن هذه المصائب كلها عقوبات؛ ألا ~~ترى إلى قوله: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم). # ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر ~~الله؛ فلذلك قال: معنى قوله: (بإذن الله) أي: بأمر الله. # لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق، كقوله تعالى: (قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم)، وقوله: (هل تربصون. . .) إلى قوله: (أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا)، ونحو ذلك، وهذه المصائب لا تحتمل تأويلا للأمر ~~من الله تعالى. # ومن قال: بعلم الله، فوجه ذلك: أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد، وفي ~~الشاهد أنه لا يحب أحدا أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه، فأخبر - عز وجل ~~- أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه، وأن ~~هلاكهم لا يضره، ولا ينقص من ملكه؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أنشأ ما ~~أنشأ من الخلائق لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم؛ فحلول ما ms4584 يحل ~~بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه لذلك كان علمها ما ذكر. # ومن قال: بمشيئة الله وإرادته فوجه ذلك: أن الله تعالى وعد وأوعد، ولا ~~محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه، وإذا كان ~~كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه؛ لأنه إذا خلق النار، ~~وأوعد عليها، فلو أراد من كل منهم الطاعة، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من ~~أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور، ولو كان # PageV10P039 # يريد من كل منهم المعصية، لكان إذا أنجز وعده، وأدخله الجنة كان يضع ~~ثوابه غير موضعه ويخرج عن حد الحكمة، وإذا كان كذلك، ثبت أنه أراد من كل ما ~~علم أنه يختاره، ويكون منه ليخرج فعله على الحكمة، والله الموفق. # ونحن نقول: قد ذكر الله تعالى الإذن في مواضع مختلفة، ولكل من ذلك وجه ~~غير وجه صاحبه، فالواجب أن يصرف معناه في كل موضع إلى ما يليق به، والله ~~أعلم. # وقوله عز وجل: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه). # قال أبو بكر: أي: من آمن بما شاهد من التدبير، يهديه الله تعالى؛ ليعلم ~~أن من دبر هذا التدبير هو الذي ابتلاه بهذه المصيبة. # ويجوز أن يكون تأويله على وجه آخر، وهو أن يقول: من يؤمن بالله أن له ~~الخلق والأمر - يهد قلبه؛ ليسكن، ويعلم أن الله أولى به؛ فيسترجع عند ذلك، ~~وذلك تأويل من قرأ (يهدأ قلبه) أي: يسكن؛ من الهدوء وهو السكون، والله ~~أعلم. # والثاني: يحتمل أن تكون هذه الهداية وإن خرجت على لفظ الإحداث، فليس على ~~الإحداث ولكن معناه: أن إيمانه بالله تعالى إنما كان بهدايته منه؛ لأنه لا ~~يجوز أن يكون الإيمان متقدما والهداية متأخرة، ولكن حين هداه، آمن بما ~~هداه؛ وهذا على ما قال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور)، فهذا خرج في الظاهر على لفظ الإحداث، ولكنه في الحقيقة ~~ليس عليه ولكن على معنى أنهم لما آمنوا، أخرجهم بالإيمان من الظلمات إلى ms4585 ~~النور بعد الإيمان، فكذلك الأول، والله أعلم. # ويجوز أن يكون تأويله: أن الله يهدي قلبه، أي: يتوب عليه من الزلات عند ~~الموت؛ على ما قال الله تعالى: (ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات). # وقيل: فيه لغات أربع (يهد قلبه) بنصب الياء والباء جميعا، و (يهد قلبه) ~~برفع الياء والباء جميعا، و (يهد قلبه) بفتح الياء وضم الباء، أي: يهتدي، و ~~(يهد قلبه) من السكون. # وقوله - عز وجل -: (والله بكل شيء عليم). # الأصل في الأسماء المشتركة إذا أضيف شيء منها إلى الله تعالى، فحق ~~التخصيص في # PageV10P040 # الإضافة إليه أن يضاف بحق الكليات ليكون فرقا بينه وبين العباد فيقال: ~~(والله بكل شيء عليم)، ويقال في الخلق: فلان عليم بكذا على الخصوص، ~~وليعلموا أن العبيد إنما يعملون ما يعملون بعلمه، وكذلك هذا في قوله: ~~(والله على كل شيء قدير)، وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله - عز ~~وجل - ليس بقادر على كثير من الأشياء فكأنهم أشركوا في اسم القدرة غيره؛ ~~لأنه لا أحد من الخلق إلا وله جزء من القدرة، فلو قلنا: إن الله تعالى يقدر ~~على بعض ولا يقدر على بعض لسوينا بينه وبين خلقه، وشبهناه بهم، جل الله - ~~سبحانه وتعالى - عن مثل هذا الوصف، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... (12). # يعني: أطيعوا الله فيما تعبدكم به، وأطيعوا الرسول فيما أخبر عنه. # أو أطيعوا الله فيما أمركم وأطيعوا الرسول فيما دعاكم إليه، وهذا كله ~~واحد إلا التعبد؛ فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الرسول، وما سواه من الألفاظ من ~~الأمر والدعاء والإخبار، فهو جائز أن يضاف إلى الله تعالى وإلى الرسول - ~~عليه السلام -. # وقوله - عز وجل -: (فإن توليتم). # يعني: توليتم عن إجابة الرسول إلى ما دعاكم إليه وعن طاعته. # وقوله: (فإنما على رسولنا البلاغ المبين). # فيه بيان: أن توليهم عن إجابته وكفرهم به، لا يوجب تقصيرا في التبليغ. # وقوله - عز وجل -: (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13). # يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم من الآيات من ms4586 قوله: (له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير)، و (عليم) و (يعلم ما تسرون وما تعلنون)، ثم قال الله ~~الذي له الأوصاف التي تقدمت هو الذي لا إله إلا هو، أي: لا معبود إلا هو، ~~وأن معبودهم ليس يجوز أن يكون معبودا؛ لتعريه عن هذه الأوصاف التي تقدم ~~ذكرها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وعلى الله فليتوكل المؤمنون). # PageV10P041 # فيه بيان: أن معتمد المؤمنين على الله تعالى، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم، ~~وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة؛ حيث تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة ~~الأتباع والأعوان لهم وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة، وأن ثقتهم ~~واعتمادهم على الله تعالى ليس على كثرة الأنصار، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا ~~وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16) إن ~~تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم ~~الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم). # يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة؛ فإن ~~كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: عداوة ظاهرة، وهي عداوة الكفر والشرك؛ وذلك أنه كان في ذلك ~~الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر، فعلمهم الله تعالى صحبة ~~الأولاد والزوجات: أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك، فاحذروهم أن تطيعوهم ~~وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه، وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم. # ثم ذكر الله - عز وجل - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا - ~~العفو والصفح، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين، ولكنه أمره أن يصاحبهما ~~في الدنيا معروفا لقوله: (وصاحبهما في الدنيا معروفا)، فوجه ذلك - عندنا ~~والله أعلم -: أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده، فأمره هاهنا ~~بالعفو والصفح، وأما في ms4587 الوالدين فليس يجري له عليهما السلطان والقهر ~~والغلبة؛ فلا معنى للعفو والصفح عنهما، لكنه أمر أن يصاحبهما في الدنيا ~~معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر، والله أعلم. # ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة، وهي عداوة النفاق، فكأنه قال: ~~إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم وأنتم لا تشعرون، وإن تعفوا عن جنايتهم ~~ولم تؤذوهم # PageV10P042 # عليها وتصفحوا وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم؛ ألا ترى إلى ما حذر الله ~~المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل؛ كما أخبر الله - عز وجل - ~~عنهم بقوله: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم) فكذلك الأزواج ~~والأولاد وإن كانوا تحت قهره وغلبته، أمره بالحذر عنهم، والله أعلم. # ويحتمل أن يكون على فعل العداوة، ليس أنهم أعداء في الحقيقة، وذلك أنهم ~~في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم، ~~ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس، ويكرهون ذلك، وهذا في ~~الظاهر فعل العدو؛ فيجوز أن يكون الله تعالى علم صحبة هؤلاء أن من أزواجكم ~~وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم ~~والتبرع بقولهم، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا (فإن الله غفور رحيم). # وقوله - عز وجل -: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم ~~(15). # المفتون: هو المولع بالشيء العاشق له، فكأنه قال: إنما أموالكم وأولادكم ~~معشوقكم؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند الله ~~تعالى. # ويحتمل أن يكون معناه: أن الله تعالى لم يخلق الأزواج والأولاد لكم ~~مجانا، وإنما خلقهم ليبتليكم، ويمتحنكم: أن كيف تعاملون الله تعالى فيما ~~أمركم به ونهاكم عن حبهم، ثم أخبر أن الله عنده أجر عظيم؛ ليتحملوا المؤنة ~~العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال، وهذا معنى ما قال ~~بعضهم: إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم، ويقولون: ننشدك بالله أن لا ~~تذرنا وتضيعنا، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة. # والأشبه ألا يكون هذا؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما ~~كانت بمكة، ms4588 إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا ~~لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (16). # قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته)، حيث أمر ~~هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن ~~قوله: (اتقوا الله حق تقاته) لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق # PageV10P043 # الطاقة والاستطاعة، لكنه إن كان فوجهه: أن (اتقوا الله حق تقاته)، وإن ~~هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: (ولو أنا ~~كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم)، ولو كتب عليهم أن ~~يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: (فاتقوا ~~الله ما استطعتم) تخفيفا عليهم وتيسيرا والله أعلم. # ولكن الكلام في أن كيف قال: (فاتقوا الله ما استطعتم) ولم نكن نتقي لولا ~~هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه - والله أعلم -: على جهة البشارة: ~~أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم الله - تعالى - الاستطاعة في تقواه، وهو ~~كقوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وقوله - عز وجل -: ~~(فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى). # وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي ~~تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: (فاتقوا الله ~~ما استطعتم) واستطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: (فخذها بقوة)، وكذلك قوله: ~~(خذوا ما آتيناكم بقوة)، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول الله ~~جل ثناؤه: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)، والحاجة إلى هذه الاستطاعة ~~تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع ~~فهو سواء. # قوله تعالى: (واسمعوا وأطيعوا). # أي: اسمعوا إلى ما أمركم الله تعالى به ورسوله. # أو يكون قوله: (واسمعوا) بمعنى: أجيبوا لما أمركم الله به، وإلى ما دعاكم ~~الله ورسوله؛ كقوله: " سمع الله لمن حمده "، أي أجابه. # وقوله - تعالى ms4589 -: (وأنفقوا خيرا لأنفسكم). # أي: وأنفقوا مما رزقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم ~~والإنفاق مما رزقكم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يوق شح نفسه). # قال سفيان بن عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم. # PageV10P044 # وقال بعضهم: الشح: البخل، الذي فيه الحرص. # قال: (ومن يوق شح نفسه) أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما ~~اتقاه بما وقاه الله تعالى بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: (قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا)، كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: (وقنا عذاب النار) أن قولوا: ~~وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير الله - ~~تعالى - وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم. # ثم قوله: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) فيه أوجه من الدلالة: # أحدها: أن قوله: (ومن يوق شح نفسه) لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان ~~الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: ~~(إن ينصركم الله فلا غالب لكم)، إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب، وقد يرى ~~في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى ~~من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا ~~بد في ذلك من أحد وجهين: # إما أن لم يكن لله تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ~~ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في ~~خبره. # فأما المعتزلة فإنهم زعموا أن الله تعالى قد آتى عبده جميع ما يقي به شح ~~نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه - كذبة، وإذا لم يكن ~~بد من نسبة الكذب إلى الله تعالى أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ~~ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن الله تعالى فيما أخبر ~~صادق، وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به ms4590 شح نفسه، والله ~~المستعان. # وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، ~~والحقوق واجبة، وذلك أن الله تعالى وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، ~~وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد يوقى ~~شح نفسه، ويؤدي # PageV10P045 # حقوق أمواله ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق ~~واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، ~~والله أعلم. # وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ ~~لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، وقد وعد الله - عز وجل - أن من ~~وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه؛ فقد ~~ثبت أنه يرجى له الفلاح، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله ~~شكور حليم (17) تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة: # أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما ~~سمعوا أن الله تعالى يقول: (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) والاستقراض في ~~الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله - تعالى -: (إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)، والشراء يدل على حاجة في المشتري، ~~وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: (فلكم أجر عظيم)، ورأوا أن من ~~يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا ~~بذلك أن الله فقير وأنه محتاج. # وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله - تعالى - ~~في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن الله تعالى استقرض من عبيده، ~~والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه ~~الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة. # والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس لله ~~تعالى أن يمرض أحدا ولا يؤلم ذاته إلا ms4591 بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض ~~أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة ~~الملك فيه للعبيد. # ويشبه أن يكون ظن اليهود والمعتزلة، جميعا إنما تولد من قولهم: إن ليس ~~لله تعالى أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى ~~أن هذا لما كان حقا على الله أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون ~~جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو # PageV10P046 # بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ ~~لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، والله المستعان. # وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من الله تعالى ~~على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن الله تعالى أعطى عبده، ثم استقرض منه ~~ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في ~~الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك ~~اشترى منه حياة فانية؛ ليعطي له حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن ~~استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما ~~فيه شرفه أجزا دائما، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا ~~غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، ~~والله المستعان. # والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما ~~نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، ~~وعلى عمل على العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية الجود والكرم، ~~والله المستعان. # ثم قوله: (إن تقرضوا الله قرضا حسنا). # قال بعضهم: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئا من أموالكم لله تعالى ~~قطعا حسنا. # وقال بعضهم: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على ~~فقرائكم قرضا حسنا على الله تعالى يؤتكم أجره عند ms4592 حاجتكم إليه. # وقوله: (يضاعفه لكم). # يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم ~~به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق. # وقوله: (والله شكور حليم). # يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئا هو أعطاكم إياه. # PageV10P047 # وقوله: (حليم). # وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: ~~إنه إذا وجبت العقوبة، فليس لله تعالى أن يؤخرها كرما منه، وأنه فيما أخرها ~~كان ذلك حقا عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقا عليه ~~لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة ~~لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن ~~يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عالم الغيب والشهادة ... (18). # يعني: عالم ما غاب من أفعال الخلق عن الملائكة، وعالم بما شهدوا من ~~أفعالهم، وعالم بما غاب عن العباد، وبما شهده العباد. # وقوله: (العزيز الحكيم). # العزيز: الذي لا يعجزه شيء، والحكيم: الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره، ثم ~~المعتاد في القرآن أنه يذكر العزيز الحكيم بعد ذكره خلق الكفرة؛ ليعلم أن ~~فسادهم لا يوجب وهنا في حكمته وتدبيره، ولا يبطل عزه وسلطانه؛ لأن من صنع ~~إلى آخر شيئا يعلم أنه يفسد؛ دل ذلك على جهله بالتدبير وإذا استعمل عبده ~~بما يهلكه؛ دل على ذله فأخبر بعد خلق الكفرة: أنه عزيز ليعلم أن كفرهم لا ~~يوجب نقصا في عزه، ولا يدخل ذلا عليه، وأن فسادهم لا يخرجه عن الحكمة ~~والتدبير، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P048 ### | سورة الطلاق # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل ~~الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ms4593 وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ~~(3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا (5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا (7). # قوله - عز وجل -: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن): # فإنه يخرج على الإضمار - والله أعلم - كأنه يقول: يا أيها النبي قل ~~لأمتك: إذا أردتم أن تطلقوا نساءكم فطلقوهن لعدتهن؛ والدليل على أنه هكذا؛ ~~فإنه يخرج الخطاب بعده كله للجماعة؛ حيث قال: (إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن) أو خاطب به النبي والمراد أمته، وذلك كثير في القرآن. # ثم قوله: (فطلقوهن لعدتهن) أمر بالطلاق للعدة، ولم يبين أن الطلاق للعدة ~~كيف يكون؟ وذكر في بعض القراءات (فطلقوهن لقبل عدتهن)، ثم ترك بيان ذلك لا ~~يخلو: إما أن يكون الرسول - عليه السلام - قد بين ذلك لهم، فعرفوا ذلك؛ فلم ~~يبين لهم ذلك في الآية، أو جعل معرفة بيان ذلك إليهم؛ ليعرفوا بالاجتهاد. # ثم قوله: (لقبل عدتهن) يحتمل أول عدتهن، ويحتمل ما يقابل عدتهن وهو الحيض ~~من المقابلة فمن يقول: الاعتداد بالأطهار يجعل القبل كناية عن أول الطهر، ~~ومن # PageV10P049 # يقولها بالحيض يجعل القبل ما يقابل العدة وهو الحيض، ثم لنا أن ننظر أي ~~التأويلين أقرب؟ # وقد أجمعوا أن له أن يطلقها في آخر الطهر ms4594 إذا لم يجامعها فيه، دل أن ~~تأويل القبل بما يقابل العدة أحق وهو الحيض، والاعتداد به أولى، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأحصوا العدة). # يخرج على وجهين: # أحدهما: احفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة؛ فأدوها. # والثاني: احفظوا نفس ما تعتدون به، وهو عدد الحيض الذي بها تعتدون؛ لئلا ~~تزاد ولا تنقص. # ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج، يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن. # والثاني: أنه بهم يقع تحصين الأولاد في العدة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة). # دل قوله: (من بيوتهن) على صحة مسألة لأصحابنا - رحمهم الله - فيمن حلف ~~ألا يدخل بيت فلان، فدخل بيتا هو فيه بإعارة أو إجارة أنه يحنث. # ووجه ذلك: أن الله تعالى أضاف البيوت إليهن وإن كان حقيقة الملك للأزواج ~~فيها، ألا ترى إلى قوله: (أسكنوهن من حيث سكنتم)، ثم قال: (لا تخرجوهن من ~~بيوتهن)؛ فدل قوله (من بيوتهن): أنه أراد به البيوت التي أسكنهن الأزواج ~~فيها، وإذا صحت هذه الإضافة؛ دل على صحة المذهب. # وقال الشافعي فيمن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل مسكنا هو فيه بإعارة: إنه ~~يحنث، وقال فيمن حلف لا يدخل بيت فلان: إنه لا يحنث، واحتج في المسكن: أنه ~~إنما يحنث؛ لأنه وجد حقيقة السكنى من المحلوف عليه، فإن كان هذا هو الدليل ~~على الحنث، فالواجب عليه أن يحنثه في البيت؛ لوجود البيتوتة على ما حنثه في ~~المسكن، # PageV10P050 # لوجود السكنى. # وبعد: فإن الحنث أقرب في البيت؛ لأن الله تعالى أضاف البيوت إليهن في ~~كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). # (مبينة) قرئا جميعا: فمنهم من حمل الاستثناء بقوله: (إلا) على قوله: (لا ~~تخرجوهن من بيوتهن)، وصرفه إليه. # ومنهم من صرفه إلى قوله: (ولا يخرجن) ولكل من ذلك وجهان: # فأما من حمله على قوله: (لا تخرجوهن) فإنه جعله استثناء، وللاستثناء ~~وجهان: ms4595 # أحدهما: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: بزنى يزنين، فتخرجوهن؛ ~~لإقامة الحد عليهن. # أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن؛ ~~لمكان البذاءة التي في لسانهن. # ومن حمله على قوله: (ولا يخرجن)؛ فإنه يجعل معنى قوله: (إلا) على معنى: ~~لكن؛ كما قيل في قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، أي: لا ~~يسمعون فيها لغوا، ولكن سلاما، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو؛ لما ~~ليس في جملة اللغو سلام؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عز وجل -: (ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فكأنه قال: لا يخرجن، ولكن إذا خرجن فخروجهن ~~فاحشة، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج، لا للانتقال. # ووجه آخر في ذلك، وهو: ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة، فإنهن إذا خرجن، ~~خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر "، وكان المعنى من ذلك: ~~أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر، ولكن نهي عن النكاح؛ لأنه يخشى عليه في النكاح ~~أن يطأها فيصير عاهرا، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى، فكذلك (ولا يخرجن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فيكون النهي لا عن نفس الخروج، ولكن لكونه سببا ~~للفاحشة في الجملة، وطريقا إليها. # ثم قوله - عز وجل -: (مبينة). # PageV10P051 # فمن قرأ (مبينة) بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء، ~~ونظر تبين له: أنها فاحشة. # ومن قرأ (مبينة) بالفتح، عني به: أنها مبينة بالبراهين والحجج. # وقوله - عز وجل -: (وتلك حدود الله). # الحدود: الموانع والنواهي، لا يحل مجاوزتها، ومن ذلك سمي الحداد: حدادا؛ ~~لأنه يمنع تحديده كل أنواع أمتعته أن تجاوز حدها الذي جعل لها، والحد في ~~الحقيقة هو: النهاية التي ينتهى إليها فلا يجاوز، وإذا كان كذلك كان الخيار ~~إلى صاحب التأويل: فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية أو بين ~~الحلال والحرام؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي؛ فسمي ذلك ms4596 كله: ~~حدودا. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه). # أي: ضر نفسه، ويجوز أن يكون المعنى منه، أي: إن جاوز هذا الحد الذي جعله ~~لله تعالى، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه، والظلم في الحقيقة وضع ~~الشيء في غير موضعه. # والتأويل الآخر: أن من جاوز موانع الله ونواهيه، فقد ظلم نفسه؛ دل هذا ~~على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله، بل ترجع نفس ~~الممتحنين. # وقوله - عز وجل -: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا). # أي: لا يطلق؛ فإنه إذا طلق لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما ~~سبق من فعله أو رغبة فيها؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق، وقد بينا ~~كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به؛ فيكون فيه ~~الزيادة في القربة ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع، بل ~~المقصود منه التأديب والمخلص، وفي الواحدة كفاية عما زاد عليها؛ فكان في ~~هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم. # PageV10P052 # قال: فإن كان تأويل قوله - عز وجل - (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا) هو الرغبة فيها أو الندامة على ما سبق منه؛ فإنه دلالة على إبطال قول ~~المعتزلة؛ لأن الرغبة والندامة جميعا من فعل العباد، والله تعالى قد أضاف ~~ذلك إلى نفسه بقوله: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)، وإذا كان كذلك، ~~ثبت أن لله تعالى في إحداث أفعال العباد صنعا وتدبيرا، والله أعلم. # وقال أصحاب الشافعي: إن قوله (فطلقوهن) يدل على تعليم الوقت في الطلاق ~~دون العدد، فله أن يطلقها في الوقت أي عدد كان، ولا يستقيم ذلك؛ لأن ~~التأويل إنما يستقيم على أحد وجهين: إما على ما جرى به التفاهم في العادات ~~بين العباد، وإما على ما جرى به التفاهم في حق الحكمة، وليس يفهم من قوله: ~~(فطلقوهن) العدد الثلاث على واحد من الوجهين اللذين وصفناهما؛ ألا ms4597 ترى أن ~~من قال لآخر: طلق امرأتي، لم يجز أن يطلقها ثلاثا إلا أن يكون نوى ثلاثا؛ ~~فثبت أنه لا يفهم به في عبارته لفظ الثلاث. # وأما وجه الحكمة؛ فلما ذكرنا: أن الطلاق ليس مما يتقرب به رغبة في ~~الاستكثار منه زيادة في القربة، ولا مما يستمتع فيستكثر منه زيادة في ~~الانتفاع، وإنما المراد منه التأديب والمخلص، وما كان مخرجه هذا المخرج، ~~كان في حد الرخصة وما خرج مخرج الرخص، لم يعتد به عما وقعت به الرخصة، وإذا ~~ثبت ما وصفنا، ثبت أنه لا يجوز الفهم من قوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) ~~الثلاث، والتعليم في العدد أليق به من الوقت؛ لأنه لا ضرر يلحقه في تعديه ~~عن الوقت المجعول له فيه الطلاق، ولا شك أنه يلحقه الضرر في تعديه في العدد ~~والزيادة منه، والله أعلم. # ومما يدل على أن المراد من قوله (فطلقوهن) ليس عدد الثلاث قوله: (فإذا ~~بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف)، ولا شك أنه إذا أوقع عليها ثلاثا، لم يملك ~~إمساكها، ومعلوم أن قوله: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) الطلاق ~~المتقدم من قوله: (فطلقوهن)، ولو كان المراد عدد الثلاث، لم يكن لقوله: ~~(فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن) معنى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~... (2)، فيه فوائد # PageV10P053 # شتى، وأدلة متفرقة من الفقه والأحكام: # أحدها: أن الله تعالى قال: (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) والمعروف ~~إليها في المتعارف من نوع الفعل أظهر من نوع القول؛ لأنه إنما يحسن إليها، ~~استمتاعا وإنفاقا ونحو ذلك، فذلك نوعه نوع الفعل؛ فثبت أن حقيقة الإمساك ~~بالمعروف في الأفعال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا رأجعها بالفعل يكون مراجعا؛ فإن ~~قيل: أليس قال الله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) والإشهاد على الفعل غير ~~صحيح؟ # فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قال: (وأشهدوا)، ومعلوم أن هذا لو كان ~~بحضرة الشهود، لم يكن للإشهاد معنى، بل إذا سمعوا ذلك، صاروا شهداء أشهدوا ~~أو لم يشهدوا، وإذا كان كذلك، ثبت أن المعنى من هذا الإشهاد على ms4598 الإمساك ~~المتقدم، وذلك في الأفعال مستقيم، والله أعلم. # ووجه آخر: وهو أن كل عقد استقام بغير شهود جرى فيه الأمر بالإشهاد نحو ~~قوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، وكل ما جعل الشهود فيه شرطا لقوام العقد، جرى ~~الذكر فيه " لا. . . إلا " بشهود، نحو قوله: " لا نكاح إلا بشهود "، فلما ~~جرى الذكر في هذه الآية بالأمر بالإشهاد بقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم)، ثبت أنه يستقيم من غير شهود، والله أعلم. # ثم في قوله: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف) دليل على أن المراد من ~~الأقراء هو الحيض؛ فإنه ذكر نوع هذا في كتاب الله في مواضع؛ قال الله تعالى ~~في موضع: (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف)، ~~وقال في آية أخرى: (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)، وقال في ~~هذا الموضع: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف)، ومعلوم أن معاني هذه ~~الألفاظ مختلفة وإن اتفقت مخارجها، واختلافها: أن يكون المراد ببلوغ الأجل ~~في أحد النوعين على التمام وانقضاء الأجل، والثاني على الإشراف عليه، وأحق ~~ما يكون في حق الإشراف على البلوغ هو ما يرجع إلى الأزواج؛ لأنه قد كان لهم ~~حق الإمساك قبل انقضاء الأجل، وهم أحق بهن ما لم يتم بلوغ الأجل لا بعده، ~~وإذا ثبت أن المعنى من قوله: (فإذا فبلغن أجلهن) في هذا الموضع هو الإشراف ~~على البلوغ والقرب من انقضاء الأجل دون التمام، ثبت أن الأقراء: هي الحيض؛ ~~لأنه لو كان المراد منها الأطهار لم يعرف إشراف الأجل # PageV10P054 # على البلوغ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة؛ ~~لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر، فإن كان عشرا فيعرف ~~بالعد، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل، وذلك ~~وقت إشراف أجلها على البلوغ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا، ~~والله أعلم. # ثم قال هاهنا: (فأمسكوهن بمعروف)؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما ~~دامت في العدة، فهي على ملكه، وقال في ms4599 موضع آخر: (وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك)؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها؛ فيكون حجة للشافعي ~~في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، ولكن المعنى عندنا في هذا - والله أعلم -: ~~أنا قد عرفنا بقوله: (أو فارقوهن) بعد وجود الطلاق المتقدم: أنه لم يرد به ~~الفرقة للحال، ولكن معناه: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فتفارقوهن؛ فثبت أنه ~~قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق، وهو أن صار الفراق مستحقا لازما حال ~~انقضاء العدة؛ فيكون له عرض الوجود للحال، فقال: (فأمسكوهن) على إبقائهن ~~على أصل الملك، وقال: (وبعولتهن أحق بردهن)، في ذلك؛ لرفع تلك الشبهة ~~الواقعة بالطلاق؛ وهذا على سبيل ما قال تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص ~~أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم). # وكان الفيء هو الرجوع، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة، ولكن ~~لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد، أوجب في الحال شبهة الفرقة، وهو ~~استحقاق الزوال، فذكر الفيء؛ لرفع تلك الشبهة؛ وكان تركها منه لا يفيء ~~إليها عزم منه على الطلاق، فكذلك الأول والله أعلم. # والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة، فعرفتها واستحسنتها، فهو معروف، وما ~~دفعته وأنكرته، فليس بمعروف. # أو هو الذي عرفنا الله - تعالى - من المراجعة والمفارقة. # ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس. # وقوله - عز وجل -: (وأشهدوا ذوي عدل منكم). # دل قوله - تعالى -: (ذوي عدل منكم) أن قد يكون منا فساق، وأن الفسق لا ~~يخرجه من الإيمان، وكذلك قوله: (ممن ترضون من الشهداء)، فثبت أن قد يكون ~~منا من لا يرضى، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان. # PageV10P055 # وقوله - عز وجل -: (وأقيموا الشهادة لله). # حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين، ~~وضرر يرجع إلى الآخر، فكأنه قال: لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة ~~وإلى سخط من تضره، ولكن اجعلوها لله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ذلكم يوعظ ms4600 به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر). # الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن، فالمعنى في هذا: ذلكم يتعظ بما ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى من قوله: (إنما ~~تنذر من اتبع الذكر)، أي: إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر، وكما كان في ~~قوله: (يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)، أي: ينتفعون بتلاوته فكذلك ~~الأول، والله أعلم. # وقوله: (يوعظ به). # أي: بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة، والنهي عن إخراجهن من ~~البيوت والإنفاق عليهن، ونحوه إنما يوعظ به -أي: يأخذ بما أمر به، ونهي عنه ~~في هذه الآيات- من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا). # قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأوامر والنواهي، وإذا ذكر معه ~~البر والإحسان، صرف التقوى إلى معنى، والبر إلى معنى، وذكر في هذا الموضع ~~مفردا؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله: ~~(ومن يتق الله) فيما بين له من الحدود، فلم يضيعه، (يجعل له مخرجا) فيما لم ~~يبين له، وفيما اشتبه من الحد. # أو يجوز أن يكون المعنى من قوله (ومن يتق الله)، أي: يجاهد فيما أمره ~~ونهاه، يجعل له مخرجا في أن يهديه، ويبين له السبيل؛ ألا ترى إلى قوله: ~~(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). # قال: ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة؛ لأن الله تعالى ~~ذكر التقوى، وما يليه بألفاظ مختلفة، فقال في موضع: (ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا) وقال: في موضع آخر (يجعل له من أمره يسرا)، وفي موضع آخر (يكفر عنه ~~سيئاته) وفي موضع آخر (إن # PageV10P056 # الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)، أي: إن الله مع الذين اتقوا في ~~النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة، ومن نصره الله - تعالى - فلا يغلبه ~~أحد، ومن يعصمه الله تعالى فلا يضله أحد، وإذا نال هاتين الخصلتين، فقد نال ~~خير الدنيا والآخرة. # أو يجوز أن يكون قوله: ms4601 (ومن يتق الله) يعني: يتقي عقابه، يجعل له مخرجا ~~من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها. # ويجوز أن يكون قوله: (ومن يتق الله) في مكاسبه، يجعل له مخرجا من الشبه ~~والحرمات فيسلم منها. # أو يجوز أن يكون قوله: (ومن يتق الله) فيما بين له من الحدود في هذه ~~الآيات المتقدمة، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به، (يجعل له مخرجا) ~~مما أهمه من ناحيتهن، (ويرزقه من حيث لا يحتسب ... (3) يجوز أن يكون هذا ~~فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يرزقه ما وصفنا من المرأة والمال. # ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات؛ لأن التجار ~~يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات، ~~وأنها إذا نفيت من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك؛ فأخبر - جل ثناؤه - أنهم ~~إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات، رزقهم من حيث لم يحتسبوا. # أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا ~~آمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرموا من الرزق، وابتلوا بالضيق، ~~ألا ترى إلى قوله: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. .) الآية، ~~فكأن الله - تعالى - أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام، وأخبرهم أنهم إذا ~~وحدوا الله تعالى وآمنوا برسوله، رزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووسع عليهم ~~الرزق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). # يجوز أن يكون معناه: أي: من يعتمده في كل نائبة، ويفوض إليه كل نازلة. # والوكيل: هو الموكول إليه الأمور. # وقيل الوكيل: هو الحافظ؛ فكأنه قال: ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به ~~وكيلا موكولا إليه أمره، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا. # وقوله - عز وجل -: (إن الله بالغ أمره). # PageV10P057 # أي: فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده: أن ينزل بهم. # ويجوز أن يكون (بالغ أمره)، أي: مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة ~~تكون من أمته في تسخيرهم؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم. # وقوله - عز وجل ms4602 -: (قد جعل الله لكل شيء قدرا). # قال الحسن: جعل لكل شيء من أعمال العباد قدرا وثوابا في الآخرة. # والوجه عندنا: قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن ~~وقبيح في الحكمة قدرا؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم ~~من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك؛ ليعلم أن الله - تعالى - هو الذي قدر ذلك ~~المكان والزمان والفعل، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره، والله ~~أعلم. # وفي قوله - تعالى -: (ويرزقه من حيث لا يحتسب) وجه آخر، وهو أنه لو جعل ~~جميع الرزق من حيث لا يحتسب، جاز؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به ~~الإنسان ويتغذى به، وليس ذلك في عين الأكل والشرب، ولكن فيما يتفرق من قوة ~~الطعام والشراب في الأعضاء، وذلك باللطف من الله تعالى، فثبت أن قوة الأكل ~~والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان، والله أعلم. # ثم ليس في قوله - تعالى -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) تخصيص أن من لا ~~يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا ~~يحتسب اتقاه أو لم يتقه؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور، ولكن ~~فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له، ولا يلام عليه، ~~وليس ذلك في غير المتقي، والله المستعان. # ثم ليس في قوله: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ما يدل على ترك الأسباب، ~~ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض، أمرهم أن ~~يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله تعالى، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة ~~عليهم، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة بها، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ~~(وابتغوا من فضل الله) كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة؛ فثبت أن هذه ~~المكاسب كلها أسباب للخلق، بها يتوصلون إلى فضل الله تعالى، وأن المقصد ~~والمفزع فيها إلى الله # PageV10P058 # تعالى، والله أعلم. # ثم اختلفوا في ms4603 أن عدة: # فمنهم من قال: هي استبراء الرحم. # ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، ~~وهذا القول عندنا أصوب؛ لأوجه: # أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق؛ فإن من أراد أن ~~يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها ~~لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع ~~النكاح الذي المتوفي فيه المقصود، والله أعلم. # ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، ~~فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها ~~على الوجه الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق ~~الله يجعل له من أمره يسرا (4). # هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول ~~أن الشيء متى ذكر باسم مشترك، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص؛ دل ~~على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل؛ ألا ~~ترى إلى قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم)، وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء ~~وكل مانع، فلما قال عند ذكر البدل: (فلم تجدوا ماء فتيمموا)، تبين أن ~~المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل، فكذلك ~~الأول، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر). # اختلفوا في قوله: (إن ارتبتم): أنه أريد به: إن ارتبتم في حيضهن أو في ~~عدتهن؟ # وعندنا الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، ~~لكان من حق الكلام أن يقول: " إن ارتبتن " أو يقول: " واللائي ارتبن " ~~ليكون منسوقا على قوله: (واللائي يئسن) فلما قال: (ارتبتم) وثبت أن المراد: ~~إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم. # أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض ارتفع ريبها، وصار عدتها بالحيض، وخرجت من ms4604 ~~العدة بالشهور، وأما الآيسة والصغيرة؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس ~~والصغر؛ # PageV10P059 # فيكون عدتهما بالأشهر؛ فلذلك قلنا: إن هذا الارتياب في عدة الآيسات ~~والصغائر. # ثم من قول أصحابنا: إن الرجل إذا طلق امرأته الآيسة أو الصغيرة أو الحامل ~~للسنة يطلقها متى شاء، وليس له وقت معين في طلاقها للسنة، وإنما كان كذلك؛ ~~لأنا قد وصفنا في قوله: (فطلقوهن لعدتهن): أن المراد منه: لقبل عدتهن، ~~ومعلوم أن عدة التي ترى الحيض أحد شيئين: إما الدم ولم يعتبر ما يقابله وهو ~~الطهر من العدة، وكذلك من جعل عدتها بالأطهار لم يعتبر ما يقابلها وهو ~~الحيض من العدة، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون هاهنا شيء يقابل ~~عدتها؛ فثبت فيه معنى قبل عدتها؛ فجعل ذلك الطهر، وأما الآيسة والصغيرة ~~والحامل فجميع أيامها من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، وليس في أيامها شيء يقابل ~~عدتها، فلذلك قلنا: إن له أن يطلقها في أي وقت شاء، وكذلك له أن يطلق ~~الحامل التي من ذوات الأقراء؛ وذلك لأنه إنما نهي -عندنا- عن الطلاق على ~~أثر الجماع في التي تحيض؛ لتوهم أن يكون الجماع أحبلها، فإذا طلقها ثم أراد ~~نفي الحبل في العدة، لم يتهيأ له ذلك، وأما الآيسة والصغيرة والحامل، فليس ~~فيهن هذا التوهم، والله أعلم. # ثم إن هذه العدة وإن ذكرها في هذه السورة على أثر الطلاق الواحد؛ فكأنها ~~في التطليقات الثلاث؛ لأن هذه العدة مكان العدة التي ذكر الله تعالى في ~~سورة البقرة من قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)؛ لأنه ذكر ~~هاهنا: (وأحصوا العدة) على الإجمال وذكرها ثم على التفسير؛ فإذا التحق ~~التفسير بالمجمل يصير في المعنى والحكم كأنه واحد، ومعلوم أن تلك في ~~الواحدة والثلاث؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان)، وقوله: (أو تسريح بإحسان) هي التطليقة الثالثة. # وإذا كان الأمر على ما وصفنا، ثبت أن للمرء أن يطلق امرأته الحامل للسنة ~~ثلاثا، والله أعلم. # قال - رحمه الله -: في قوله: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ms4605 يخرجن) أوجه من ~~الفقه: # PageV10P060 # أحدها: أنه لما قال: (من بيوتهن) دل أنه ألزمهن السكون في بيوتهن التي كن ~~فيها في حالة قيام النكاح؛ فيكون دليلا لقول أصحابنا: إنه ليس للزوج أن ~~يسكنها معه في بيته الذي هو فيه، بل يتركها في ذلك المسكن، وينتقل هو بنفسه ~~إن كان يريد الانتقال؛ يصحح هذا قوله: (أسكنوهن من حيث سكنتم) فلما أدخل ~~حرف (من) في هذه الآية دل أن الواجب على الزوج أن يسكنها في بيت من بيوته، ~~ولا يدخل عليها في ذلك البيت إلى أن تنقضي عدتها، والله أعلم. # ثم المعنى عندنا في قوله: (لا تخرجوهن من بيوتهن)؛ ليحصن ماءكم، ولا ~~يخرجن؛ خوفا من وطء غير الأزواج واشتباه النسب لو حبلن، وإذا كان النهي عن ~~إخراجها من البيت لهذا المعنى، لم يكن بد من إيجاب النفقة عليه؛ لأنها إنما ~~تكتسب نفقتها بالخروج، فإذا نهيت عن الخروج؛ لتحصن ماءه، لم يحتمل أن تكون ~~النفقة على غيره، والله أعلم. # ثم قوله: (وأولات الأحمال أجلهن). # روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله: ~~(وأولات الأحمال أجلهن) نزل بعد قوله في سورة البقرة: (والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا)، وجعل عدة الحامل بوضع ~~الحمل، ولا يعتبر أبعد الأجلين، لكن إن كان ابن مسعود - رضي الله عنه - ~~يباهل، فعلي - رضي الله عنه - لا يباهل، ويقول بأن قوله: (والذين يتوفون ~~منكم)، لا يجوز أن يدخل في قوله: (وأولات الأحمال أجلهن)؛ وذلك لأن قوله: ~~(وأولات الأحمال أجلهن) إنما ذكر في عدة الطلاق، وعدة الطلاق لا تتضمن عدة ~~الوفاة إذا كانت بالحيض، لم تدخل عدة الطلاق في عدة الوفاة؛ ألا ترى أن من ~~طلق امرأته وهي حائل ممن تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، لم ~~تدخل عدة الوفاة في الحيض الثلاث، بل الحيض هي التي تدخل في عدة الوفاة في ~~الحيض، وتؤمر: أن تعتد بأبعد الأجلين، فكذلك أمر الحامل، وإذا اشتبه الحال ~~أمرت فيه بالاحتياط أن تعتد بأبعد ms4606 الأجلين، # PageV10P061 # ولأن عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن ~~زوجها من أهل الوطء، وأما عدة الحبل والحيض، إنما لزمت لوطء متقدم، وإذا لم ~~تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها ~~الاحتياط، وذلك في الاعتداد بأبعد الأجلين. # ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في ~~الحقيقة لا تدخل في قوله: (لا تخرجوهن)؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت؛ ~~لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر، فقد خرجت عن التحصين، فكان الواجب ~~أن تسقط النفقة بعد التسعة، لكن الله تعالى حث على الإنفاق في جميع المدة؛ ~~لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة؛ لوطئه المتقدم؛ فلذلك حث الله ~~تعالى في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا، والله أعلم. # وأما ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه يجوز أن يكون قوله - تعالى -: ~~(وأولات الأحمال أجلهن) عنده مبتدأ خطاب، ليس بمعطوف على قوله: (واللائي ~~يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم)؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع ~~الارتياب فيمن تحتمل القروء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام ~~الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع ~~لهم شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها. # وإذا كان كذلك، ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العدد ~~كلها، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث ~~الأسلمية: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن تتزوج؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر ~~على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال. # وقال الحسن: إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين، انقضت عدتها، واحتج بقوله: ~~(أن يضعن حملهن)، ولم يقل: " أحمالهن "؛ ولكن لا يستقيم ما قاله؛ لوجهين ~~أحدهما: أنه قرأ في بعض القراءات (أن يضعن أحمالهن). # والثاني: أنه قال: (أجلهن أن يضعن حملهن)، ولم ms4607 يقل: " يلدن "، بل علق ~~بوضع حملهن، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكان عدتهن ~~بوضع # PageV10P062 # بعض حملهن، والله تعالى جعل أجلهن أن يضعن حملهن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا). # فقد وصفنا أن التقوى إذا ذكر مطلقا مفردا، تناول الأوامر والنواهي، فكأنه ~~قال: ومن يتق الله في أوامره أن يضيعها أو في نواهيه أن يرتكبها، يجعل له ~~من أمره يسرا. # ثم قوله: (يجعل له من أمره يسرا). # له وجهان: # أحدهما: له من أمره يسرا في نفس التقوى أن نيسره عليه، كما قال في قوله: ~~(فأما من أوتي كتابه بيمينه)، وفي قوله: (فأما من أعطى واتقى. وصدق ~~بالحسنى. فسنيسره لليسرى)، يعني: ييسر عليه فعل التقوى والطاعة، فكذلك ~~الأول. # ويحتمل أن يكون في جميع الأمور في المكاسب والتجارات وغيرها: أن من اتقى ~~الله من الحرام ييسر الله عليه الحلال، ومن اتقى الله من الشبه يسر عليه في ~~المباح، ومن يتق الله في تجارته، رزقه ما يرجو من الربح ويأمله، وكذلك جميع ~~الأمور على هذا السبيل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه ~~سيئاته ويعظم له أجرا (5) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون معنى قوله: (ذلك أمر الله) أي: ذلك التقوى أمر الله ~~أنزله إليكم. # ويحتمل أن يكون أراد بقوله: (ذلك) ما تقدم من الآيات في المراجعة ~~والإشهاد والطلاق والعدة وغير ذلك: أنها وإن خرجت في الظاهر مخرج الخبر، ~~فإنها كلها أمر الله تعالى، أنزله إليكم؛ فاتبعوها وخذوا بأمره فيها، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا). # هذا يدل على ما وصفنا: أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأمر والنهي ~~جميعا، ألا ترى إلى قوله: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، وقال هاهنا: (ومن ~~يتق الله يكفر عنه سيئاته). فجعل التقوى تكفر السيئات، فلولا أن في التقوى ~~أعظم الحسنات، لم يكن لقوله: (يكفر عنه سيئاته) معنى، والله أعلم. # وقوله - عز ms4608 وجل - -: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا ~~عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) وفي قراءة عبد ~~الله بن # PageV10P063 # مسعود رضي الله عنه: (أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم) ~~ويجوز أن تكون قراءة عمر - رضي الله عنه - أيضا؛ ألا ترى أنه قال: " لا ندع ~~كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت "، فالكتاب هذا، ~~والسنة يجوز أن يكون سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك. # أو يجوز أن يكون عند عمر - رضي الله عنه - في هذا تلاوة قد رفع عينها ~~وبقي حكمها؛ لذلك قال: " لا ندع كتاب ربنا " ألا ترى إلى ما قاله عمر - رضي ~~الله عنه - في أمر الزنى: " سيأتي على الناس زمان يقولون: لا نجد الرجم في ~~كتاب الله، وإنا كنا نتلو من قبل في سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا، ~~فارجموهما ألبتة؛ نكالا من الله، والله العزيز حكيم " فقد رفعت التلاوة، ~~وبقي حكمها؛ فكذلك في أمر النفقة يجوز أن تكون التلاوة مرفوعة وحكمها باق، ~~والله أعلم، وقوله: " لا ندع كتاب ربنا " في الخبر دلالة أن الكتاب قد ينسخ ~~بالسنة؛ لأن عمر - رضي الله عنه - إنما احتج في امتناعه عن ترك كتاب الله، ~~بقول امرأة لم ندر أصدقت أم كذبت؟ ولولا أن الكتاب قد ينسخ بالسنة، وإلا لم ~~يكن احتجاجه بقوله: " لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة " معنى، بل كان يقول: " ~~لا ندع كتاب ربنا بالسنة "، فلما قال: " لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة؛ لا ~~ندري أصدقت أم كذبت "؟ دل أن السنة قد تنسخ الكتاب، والله أعلم. # وروى أبو بكر الأصم أن فاطمة بنت قيس لما أنكر عليها عمر - رضي الله عنه ~~- حديثها تركت روايتها إلى زمن مروان، فلما استخلف مروان جعلت تروي حديثها، ~~فأخبر بذلك مروان، فدعاها فروت هذا الحديث، فقال لها مروان على ما كان يقول ~~لها عمر - رضي ms4609 الله عنه - فقالت له: أين كتاب ربنا؟ فتلا عليها قوله: ~~(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)، فقالت: كيف يحتمل أن يكون هذا في المطلقة ~~ثلاثا، والله يقول في هذه (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف)؛ ومعنى ~~الإمساك في المطلقة ثلاثا معدوم؛ فأفحم مروان، ولو فهم مروان ما فهمه عمر ~~لم يفحم؛ وذلك أن هذه العدة المذكورة في هذه الآيات إنما هي مكان قوله: ~~(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، ولا فرق هناك بين المطلقة الواحدة ~~والثلاث، وإذا كان المذكور في هذه # PageV10P064 # العدة مكان تلك، فالمذكور في النفقة في هذه كالمذكور في تلك، وليس في تلك ~~الآية ذكر الفرق بين الثلاث والواحدة؛ فلذلك قلنا: في كتاب الله تعالى ~~دلالة إيجاب النفقة للمبتوتة والمطلقة ثلاثا، والله أعلم؛ فيكون حجة على ~~الشافعي؛ ومما يدل عليه هو أنه لما استدل بذكر الإنفاق في قوله: (فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن) على وجوب الإسكان والنهي عن الإخراج مع توهم الإنفاق ~~دون الإسكان، فلأن يستدل بذكر الإسكان على الإنفاق ولا يكون الإسكان، إلا ~~بالإنفاق؛ لاتصاله به - أحرى، فصار قوله: (أسكنوهن) دليلا على وجوب ~~الإنفاق، وإنما قلنا: إن الإنفاق متصل بالإسكان؛ لأنه إذا نهي عن إخراجها ~~عن بيته وأمر بإسكانها فلا يحتمل أن يؤمر بالإنفاق؛ لأن في ذلك تضييقا ~~عليها وتعسرا؛ ألا ترى: أنها إنما تكتسب النفقة بالخروج، فإذا نهى الزوج عن ~~إخراجها، ونهيت هي عن الخروج، لم تصل إلى نفقتها إلا بالزوج ضرورة، والله ~~أعلم. # ولأجل أنا نظرنا: أن النفقة في الحامل للحمل أو العدة، فوجدنا أنها لو ~~كانت واجبة للحمل، لم تجب إذا كان حملها بحيث لو وضعته، لم يلزم نفقته ~~عليه، وقد وجدنا هذا الحكم، نحو: حر يتزوج أمة رجل بإذن سيدها فولدت ولدا: ~~أن نفقة الولد على السيد، وكان يجب عليه ما دام في بطن أمه، فلما استقام ~~وجوب النفقة على الزوج ما دامت حاملا، وإن كان الحبل بحيث لو وضعته لم ~~يلزمه نفقته - ثبت أن النفقة في الحامل؛ لمكان العدة لا للحبل، والعدة في ~~الحائل ms4610 والحامل واحدة؛ فكذلك كان حكمهما واحدا، والله أعلم. # ثم الأصل عندنا ما وصفنا: أن النفقة إنما وجبت؛ لاستمتاعه المتقدم، فما ~~دامت محبوسة؛ لاستمتاعه السابق أوجبت النفقة عليه، وإذا كانت محبوسة لا ~~بهذا الحق لم يكن عليه النفقة، والله أعلم. # ولأن في قوله: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)، إضمار النفقة، كأنه ~~يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم؛ لأنه لولا هذا ~~الإضمار، لم يكن # PageV10P065 # لقوله: (من وجدكم) على الظاهر معنى؛ لأنه لما قال: (أسكنوهن)، علم أنه ~~جعل الإسكان عليهم، ومن كان عليه الإسكان، فإنما يكون من وجده، فلم يكن في ~~قوله: (من وجدكم) إلا إعلام ما قد علمناه، وإذا كان كذلك ثبت أن في قوله: ~~(من وجدكم) إضمارا يستقيم عليه المعنى في قوله: (من وجدكم)، وليس بين ~~القراءتين اختلاف، ولكن إحداهما خرجت على الإجمال، والثانية على التفسير ~~على ما قرئ في قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، و: (أيمانهما)، ~~ولم يحمل ذلك على الاختلاف، بل حملت إحداهما على الإجمال والثانية على ~~التفسير، فكذلك الأول، والله أعلم. # مع أنه لم يثبت اللفظ في قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - فأقله أن يكون ~~من خبر الآحاد، ومعلوم أن خبر ابن مسعود وإن كان من خبر الآحاد فما يسنده ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبول، ولما وجب قبول خبر أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - مع ما قيل فيه من الضعف، فلأن يقبل خبر ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - مع فضله وورعه وكثرة صحبته مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وتبحره في الفقه أولى، ومن هجر قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - خيف عليه ~~الزلة، ألا ترى إلى ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سأل أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ما تعدون آخر القراءة؟ قالوا: قراءة ~~زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فقال: كلا، كان يعرض القرآن على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كل عام مرة، وعرض عليه في العام الذي قبض فيه رسول ~~الله ms4611 - صلى الله عليه وسلم - مرتين، وقد شهدهما جميعا ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - فإذا كان ابن مسعود قراءته آخر القراءات، وهو الذي شهد قراءة القرآن ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخر مرة لم ينبغ أن نعرض عن قراءته، ~~ونهجره، والله أعلم. # وفي قوله: (أسكنوهن من حيث سكنتم) دلالة أنه إنما يسكنها في جزء من أجزاء ~~مسكنه، لا في الموضع الذي يسكنه هو؛ لأن حرف (من) للتجزئة والتبعيض. # وقوله: (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن). # يحتمل وجهين من التأويل: # أحدهما: أي: لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن، ~~أو لا # PageV10P066 # تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان؛ فيضيق عليهن المسكن؛ ~~فيخرجن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن). # دل الأمر بالإنفاق على النهي عن الإخراج، كما دل النهي عن الإخراج على ~~وجوب الإنفاق. # ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحامل يحتمل أن يكون لمعنى: أنها في ~~الحقيقة، لم تدخل في قوله: (لا تخرجوهن)؛ لأنا قد وصفنا أنها نهيت عن ~~الخروج لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر فقد خرجت عن التحصين؛ فكان ~~الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، وقد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم. # ويحتمل أن يكون الفائدة في تخصيص الحوامل بالإنفاق عندنا - والله أعلم - ~~أنه لولا هذه الآية، لكانت الحوامل يخرجن عن قوله - تعالى -: (لا تخرجوهن ~~من بيوتهن)، ومن قوله: (ولا يخرجن)؛ لأن الأزواج لهم أن يحتجوا عليهن بأن ~~حرمة النكاح في ذوات الأحمال ليس لحق الأزواج، ولكن لحق ما في بطنها من ~~الولد؛ ألا ترى أنه يحرم عليها النكاح وإن كان الولد من غيره، وقد قلنا: إن ~~النفقة إنما وجبت في غير الحوامل؛ لأنهن يحبسن عن نكاح الأجانب بحق ~~الأزواج، فإذا كان الحبس في الحوامل لا لحق الأزواج، جاز أن يكون هذا حجة ~~لهم في إسقاط النفقة عنهم، وإذا كان كذلك، حث الله لهم في الإنفاق على ~~الحوامل ما لم يضعن حملهن؛ لأن ذلك الحمل من أثر استمتاعهم المتقدم؛ ففائدة ms4612 ~~تخصيص ذكر الحوامل هذا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن). # هذا يتضمن أوجها من أدلة الفقه: # أحدها: أنه قال: (فآتوهن أجورهن)، ثبت أن الإرضاع كان بإجارة، وأنه إذا ~~استأجرها ليرضع ولده منها بعد المفارقة، جازت الإجارة وحل لها أخذ الأجر، ~~وأنه إذا استأجر امرأته في صلب النكاح على إرضاع ولده منها لم يجز، ولم يكن ~~لها أخذ الأجر؛ لأن الله - تعالى - ذكر بدل الرضاع في صلب النكاح بلفظ: ~~(الرزق) بقوله: (وعلى المولود له # PageV10P067 # رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، فإذا سمى ما ذكره الله تعالى رزقا: أجرا، لم ~~يكن أجرا وكان بحق الرزق والكسوة؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح، ~~والله أعلم. # ثم قوله: (فآتوهن أجورهن). # دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها، ولولا ذلك، لم يكن ~~لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك، وفيه دليل على أن حق الإرضاع ~~والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على ~~الزوجات، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل، فلما أمر بإيتاء كل ~~الأجر، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك، ~~والله أعلم. # ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكا للولد مخلوقا له، وجعلنا النفقة على الأم ~~من مال نفسها، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة؛ لاشتغالها ~~بالإرضاع؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها؛ فيبطل الإرضاع؛ فإذا كان إيجاب الإرضاع ~~عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة، فأسقطنا عنها، وجعلنا ملك اللبن لها؛ ~~لتأخذ الأجر عليه، والله أعلم. # وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع، فإنه ~~قال: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع. # وفي قوله: (أجورهن) دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت؛ لذلك ~~قال أصحابنا: إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل. # وقوله - عز وجل -: - (وأتمروا بينكم بمعروف)، له وجهان: # أحدهما: أن يقول: (وأتمروا) يعني: تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي. # والثاني: (وأتمروا) أي: اعملوا بأمر ms4613 من جعل الله تعالى إليه الأمر ~~بالمعروف، وهو الحاكم، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف. # وقوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). # يعني: إذا تنازعتم في الرضاع، وأبت الأم أن ترضعه، فاطلبوا أخرى ترضعه ~~عندها. # وقوله: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7). # أي: من وسع الله عليه في الرزق، فلينفق نفقة واسعة، (ومن قدر عليه)، ~~يعني: ضيق عليه و (قدر) هاهنا بمعنى: ضيق عليه، وهو كما قال: (فظن أن لن ~~نقدر عليه) # PageV10P068 # أي: فظن أن لم نضيق عليه، وكذلك قوله: (يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر له)، يعني: ويضيق عليه، أي: من ضيق عليه، فلينفق نفقة ضيقة؛ فذلك ~~قوله: (فلينفق مما آتاه الله)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها). # فهو يدل على أن العباد ما اكتسبوا من الأموال، فهي كلها مما آتاهم الله ~~تعالى، وأن لله - تعالى - في أفعال العباد وفيما يكتسبونه من الأموال صنعا ~~وتدبيرا؛ لأنه لولا ذلك، لكان يجوز أن يكلفه الله تعالى وإن لم يؤتها لهم، ~~إذا كان في قدرته أن يكتسب ما لم يؤته الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (سيجعل الله بعد عسر يسرا). # هذا دليل على أنه إذا عجز عن نفقة امرأته، لم نفرق بينها وبينه؛ لأنه إذا ~~فرق بينهما، لم نصل إلى زوج ينفق عليها للحال، بل نحتاج فيه إلى انقضاء ~~العدة، وقد يتوهم في خلال ذلك أن يوسر الزوج؛ لأن إنجاز وعد الله تعالى في ~~اليسار بعد العسر أقرب من قدرتها على زوج ينفق عليها، وليس هذه كالأمة؛ ~~لأنه إذا باع الأمة دخلت في ملك آخر ينفق عليها، والله أعلم. # ثم يجوز أن يكون قوله: (سيجعل الله بعد عسر يسرا) وعدا لجميع الأمة أن من ~~ابتلى بالعسر يتبعه اليسر. # ويجوز أن يكون خطابا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كانوا ~~في عسر وضيق عيش، فوعدهم الله ms4614 - تعالى - بعد ذلك العسر الذي كانوا فيه ~~يسرا، وقد أنجز ذلك الوعد حيث فتح لهم الفتوح، ونصرهم على أعدائهم؛ فغنموا ~~أموالهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد ~~الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل ~~الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) ~~الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12). # وقوله - عز وجل -: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله)، وصف الله ~~تعالى القرية # PageV10P069 # بالعتو، ومعلوم أنها لا تعتو، ولكن المراد منه، أي: عتا أهلها عن أمر ~~ربهم، وقد يجوز أن يكنى بالمكان عن الأهل، كما قال في آية أخرى (واسأل ~~القرية التي كنا فيها)، يعني: واسأل أهل القرية وفي هذا دلالة أن ما خرج ~~مخرج الكناية في الحقيقة، لم يكن كذبا، وإن كان في ظاهره يرى أنه كذب؛ ألا ~~ترى إلى قوله: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة)، ومعلوم أنه لم يكن هناك ~~نعجة، ولكن كناية عن النساء، فخرج على الصدق في الحقيقة؛ كأنه قال: إن هذا ~~أخي، لو كان له تسع وتسعون امرأة، فكذلك الأول والله أعلم. # والعتو: النهاية في الاستكبار؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا). # وقوله - عز وجل -: (فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا): له أوجه ~~من التأويل: # أحدها: يقول: (فحاسبناها)، أي: بلغوا في الكفر والعتو والاستكبار مبلغا ~~صاروا من أهل الحساب الشديد والعذاب المنكر. # أو يجعل ما ذكر الله تعالى من نزول النقمة بالأمم الماضية؛ لعتوهم ~~واستكبارهم حسابا شديدا لهذه الأمة؛ ليتذكروا ويتعظوا. # أو يكون ms4615 معناه (فحاسبناها) أي: سنحاسب حسابا شديدا في الآخرة، كما كان ~~معنى قوله - تعالى -: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس)، ~~بمعنى: وإذ يقول الله، فكذلك الأول، والله أعلم. # ووجه نزول هذه الآيات: أن يكون له معنيان: # أحدهما: تخويف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والكفرة من أهل مكة بما ~~نزل بالأمم الخالية حين تركوا اتباع رسلهم والإيمان بهم، واستكبروا في ~~أنفسهم، وعتوا لكي ينتهي أهل قريته - عليه السلام - عما هم فيه من الكفر ~~والعتو، [ويحذروا] الوقوع فيه في حادث الأوقات. # ويحتمل أن يكون هذا تسكينا لقلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وتهوينا عليه ما يلقى من كفر قومه وعصيانهم وعتوهم، وليعلم ما لقيت الرسل ~~المتقدمة من أممهم حتى بلغ كفرهم واستكبارهم المبلغ الذي وقع اليأس منه عن ~~إيمانهم، حتى أنزل الله تعالى بهم ما أنزل من # PageV10P070 # النقم والعقوبة. # ويجوز أن يكون هذه محنة امتحن بها رسوله؛ ليعلم شفقته على أمته في ترك ~~الدعاء عليهم بالإهلاك، والله أعلم. # وقوله: (فذاقت وبال أمرها ... (9). # أي: شدة أمرها، أو نقمة أمرها، وعقوبة كفرها. # وقوله: (وكان عاقبة أمرها خسرا). # أي: عاقبة عتوها خسارة في الآخرة. # وقوله: (أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين ~~آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (10). # أي: فاتقوا الله يا من تدعون أن لهم لبا، فاتقوه عن أن تكفروا به ~~وبرسوله. # وفيه دلالة: أن خطاب الله إنما يتناول العقلاء منهم، وأن من لا عقل له لا ~~خطاب عليه. # وقوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا)، له وجهان: # أحدهما: أن يجعل الذكر والرسول كله واحدا، فيقول: أنزل الله إليكم ذكرا، ~~وهو الرسول، وإنما سماه: ذكرا؛ لوجهين: # أحدهما: أن من اتبعه شرف وصار مذكورا. # أو سماه: ذكرا؛ لأنه يذكرهم المصالح والمضار، وما يرجع إليهم من أمر ~~دينهم وعقباهم. # ويجوز أن يكون فيه إضمار، وهو أن يقول: أنزل الله إليكم ذكرا، وأرسل ~~إليكم رسولا. # وقوله - عز وجل -: (رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ... (11). # بالخفض؛ فمعناه أنه يبين الحلال ms4616 والحرام والأمر والنهي ونصب، الآيات ~~والأعلام والحجج. # فمن قرأ (مبينات) بالخفض، فمعناه: أنها تبين الحلال والحرام والأمر ~~والنهي. # ومن قرأ بالنصب؛ فكأنه يريد به: أن الله - تعالى - أوضح آياته وبينها، ~~حتى إن من تفكر فيها وفي جوهرها، علم أنها من عند الله. # وقوله - عز وجل -: (ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ~~النور) كل من # PageV10P071 # آمن، فقد خرج من الظلمات إلى النور. # وإذا كان هذا هكذا فحق هذا الكلام أن يقول: ليخرج الذين كفروا من الظلمات ~~إلى النور، ولكن يحتمل أن يكون معناه: ليخرج الذين يؤمنون؛ على ما جاز أن ~~يراد من الماضي المستقبل. # وقوله - تعالى -: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم). # أي: إذ يقول الله: يا عيسى ابن مريم، جاز أن يراد من المستقبل الماضي، ~~وهذا سائغ في اللغة. # ويحتمل أن يقول: ليخرج الذين آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم إلى ~~النور، والله أعلم. # وقيل قوله: (الذين آمنوا) يعني: الذين وحدوا الله، وعظموه وبجلوه من ~~معاني الشبه ووصفوه بالتعالي عن العيوب والآفات، وعملوا في إيمانهم صالحا ~~إذا خافوه ورجوه بإيمانهم وذلك عملهم الصالح في الإيمان، وذلك معنى قوله: ~~(أو كسبت في إيمانها خيرا)، ومعنى ذلك الكسب: ما وصفنا من التعظيم والتبجيل ~~والرجاء والخوف في نفس الإيمان، والله أعلم. # ويجوز أن يكون معنى قوله: (وعملوا الصالحات) في أداء الفرائض التي افترض ~~الله عليهم. # وقوله - عز وجل -: (قد أحسن الله له رزقا). # أي: طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة؛ وذلك معنى قوله: (ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، وفي هذه الآية دلالة أن من ~~نال الإيمان، فإنما ناله بفضل الله تعالى وبرحمته، لأنه لولا ذلك، لم يكن ~~ليمن الله - تعالى - عليه بذلك. # وقوله - عز وجل -: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما (12). # اختلفوا في قوله: (ومن الأرض مثلهن): # منهم من قال (مثلهن) أي: طباقا مثل ms4617 السماوات بعضها طباق فوق بعض. # ومنهم من قال (مثلهن) يعني: سبع جزائر، على مثل ما قال: (سبعة أبحر)، ~~فكذلك خلق سبع جزائر. # ومنهم من قال: خلق هذه الأرض التي نشاهدها على حد السماء ومقدارها، والست ~~من وراء هذه السماء، والله أعلم. # PageV10P072 # وليس بنا إلى أن نعرف ما بينها وكيفيتها وعددها حاجة؛ لأنه ليس في تعرفها ~~حكم يتعلق به، والله أعلم. # وقوله: (يتنزل الأمر بينهن). # له تأويلان: # أحدهما: ينزل الوحي بينهن، وما ينزل الله تعالى من الكتب والرسل بينهن، ~~ومعناه: أن الله تعالى ذكر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم لم يخصوا ~~بمحنة الرسل والكتب والوحي، بل كل من في السماوات والأرض ممتحن بذلك. # والثاني: (يتنزل الأمر بينهن) يعني التكوين، ووجه ذلك: أنه لا يخلو مكان ~~في السماوات والأرض في كل وقت من مكون يكونه الله تعالى، أو محدث يحدثه، ~~وذلك قوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)؛ فيجوز أن يكون ~~المراد بالأمر في قوله: (يتنزل الأمر): أمر التكوين، ومعناه: ما وصفنا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير). # أي: لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السماوات والأرض، وما جرى من التدبير ~~فيهما أن من بلغت قدرته هذا المبلغ كانت قدرته ذاتية، لا يعجزه شيء عما ~~أراده. # أو يدل هذا التدبير أنه خرج عن عالم لا يخفى عليه شيء، والله أعلم. # قوله: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير). # يحتمل أوجها: # أحدها: أن الله تعالى على خلق فعل كل فاعل من خلائقه قدير. # ووجه ذلك: أن الله تعالى قد كان أعلمهم بخلق السماوات والأرضين بقوله: ~~(الله الذي خلق سبع سماوات) فلما قال: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير)، ~~لم يكن بد من أن يكون هذا في غير خلق السماوات والأرضين؛ فثبت أن فيه دلالة ~~قدرته على خلق فعل كل مخلوق. # ولأنه لما بلغ قدرته وتدبيره في السماوات والأرضين مع عظم أمرهما ~~وشأنهما، ومع عجز البشر عن تدبير مثلهما؛ فلأن يبلغ ms4618 قدرته وتدبيره فيما يقع ~~فيه تدبير البشر -وهو أفعالهم- أحق، والله المستعان. # ووجه آخر: أن يقول: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير) بما وعد وأوعد أو ~~على كل # PageV10P073 # شيء من منافع العباد ومضارهم قدير، وعلى قول المعتزلة: إن الله تعالى لا ~~يقدر على فعل بعوضة فما فوقها، ولا يقدر على إصلاح أحد من خلقه وإن أنفد ~~جميع خزائنه، وإن من صلح فإنما يصلح بنفسه، ومن فسد فإنما يفسد بنفسه؛ وهذا ~~خلاف ما وصف الله به نفسه من أنه على كل شيء قدير. # وقوله - عز وجل -: (وأن الله قد أحاط بكل شيء علما). # يعني: أن علمه لا يشذ عنه شيء، ولا يخفى عليه شيء من الفعل والأمر وغيره، ~~والله أعلم. تمت السورة. # * * * # PageV10P074 ### | سورة التحريم # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله ~~عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني ~~العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا (5). # قوله - عز وجل -: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك). # هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحل ~~الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكرا، ولو اعتقد ذلك ~~كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله تعالى كان كافرا، ومن كان اعتقاده في ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا، فهو كافر. # وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله ms4619 ~~تعالى؛ لأن الله تعالى منع رسوله عن ذلك. # لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض ~~الجهال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم شيئا أحله الله تعالى، ~~ومن توهم هذا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد حكم على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بالكفر. # وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين: # أحدهما: أن تحريم ما أحل تعالى هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم ~~فيما حرم الله تعالى مطلقا، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يعتقد تحريم ما أحل الله تعالى؛ إذ لم ير جماعها ~~عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب ~~اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم ~~بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله تعالى عقيب مباشرة الأسباب ~~من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس # PageV10P075 # الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله تعالى الواجب بسبب اليمين، وهذا لا ~~يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام. # أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون ~~قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ ~~وهو كقوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل)، ولم يرد به تحريم عينه، ~~ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من ~~الارتضاع إلا من ثدي أمه، فعلى ذلك هاهنا، والله أعلم. # والثاني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ندب إلى حسن العشرة مع ~~أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة بهن، فبلغ في حسن العشرة والصحبة معهن ~~مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به ~~حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك تبتغي مرضات أزواجك)، أي: لا يبلغن بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن ms4620 ~~مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي ~~والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله تعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، تخفيفا ~~للأمر عليه، وكذلك قال: (ولا تبسطها كل البسط)، ليس في الحقيقة نهيا عن ~~السخاء على النهاية، لكن تخفيفا للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء ~~والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تبق لنفسك وعيالك شيئا وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك ~~قوله: (لم تحرم ما أحل الله لك) خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن ~~العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم. # ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم: # فمنهم من ذكر أن حفصة - رضي الله عنها - زارت أهلها، والنبي - عليه ~~السلام - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى ~~بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ... القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما ~~رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقا، فقال لها النبي - عليه السلام -: " اكتمي ~~علي، وهي علي حرام "، فنزلت هذه الآية. # PageV10P076 # ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة - رضي الله عنها - فاطلعت ~~حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاريته مارية، فأمرها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن تكتم عليه، فأخبرت حفصة بما رأت عائشة - ~~رضي الله عنها - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فلم يقبلها النبي - عليه السلام - طلبا مرضاة ~~أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم. # ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عسلا، كان ~~رسول الله - عليه السلام - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه ~~لصاحبتها: إذا جاءك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقولي له: ما ريح ~~المغافير فيك؟ فقالت للنبي؛ ms4621 فحرمه النبي - عليه السلام - فنزلت هذه الآية. # وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي ~~حرمه النبي - عليه السلام - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى ~~بينه وبين زوجاته. # وقوله - عز وجل -: (والله غفور رحيم). # أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان. # أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن ~~سبق من الله تعالى لك فيه. # أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما. # أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على ~~نفسك. # وقوله - تعالى -: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم ~~الحكيم (2). # فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ بحكم وعد الله - تعالى - فلم يكن يحتاج إلى ~~التكفير، لإزالة المأثم. # ولكن نحن نقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كان هذا محله، ~~فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم ~~وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله تعالى: ~~(قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) منصرفا إلى # PageV10P077 # النبي - عليه السلام - وأمته. # ثم يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصد إلى التحريم أعني: ~~منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله تعالى ~~ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - ~~رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: " أنت علي حرام "، ولا نية له، فهو يمين. # وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين. # ثم قوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) على قراءة العامة، وفي بعض ~~القراءات: (قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم). # ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، ms4622 لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا ~~أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ~~ولا تحنث)، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل ~~اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها ~~من جهة الحنث. # ثم قوله: (قد فرض الله لكم) أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي ~~هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة ~~والتوسيع، وما ذكر فيه (عليكم) فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله تعالى: ~~(كتب عليكم الصيام)، وقال: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)، وذلك كله في ~~موضع الوجوب، وقال الله تعالى: (ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم)، ~~معناه: أباح لكم الدخول فيها. # وقوله تعالى: (والله مولاكم). # أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها. # أو (والله مولاكم)، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم. # وقوله - عز وجل -: (وهو العليم الحكيم). # أي: (العليم) بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ~~ويكون، (الحكيم): هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم ~~عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم. # ثم في قوله: (العليم) إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء إلى التبصر ~~والتيقظ في # PageV10P078 # كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال. # وفي قوله: (الحكيم) دعاء إلى التسليم بحكم الله تعالى؛ إذ الحكيم لا يحكم ~~على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة ~~فيه أو جهله. # ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبيح له نكاح ~~التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع ~~بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعا، فكيف إذا امتحن ~~بصحبة التسع؟! فكانت المحنة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر ~~النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضا بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم ~~وأطوارهم بأحسن المعاملة، ms4623 ولكن الله تعالى لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من ~~الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه ~~المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، ~~حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في ~~الإسلام إلى أن قيل: (عبس وتولى)، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن ~~قيل له: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، وقال: (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان من ~~عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه. # ثم في قيامه - عليه السلام - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالة نبوته ~~ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة ~~والأغذية، ثم هم مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفترون عن إيفاء ~~حقوق الأربع، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثر الزهد في ~~الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم ~~بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله - تعالى - عليه وأقدره، لا ~~بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتحن بالقيام ~~بوفاء حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل ~~والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع ~~أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع [صوتها] على صوت زوجها، إذا لم يكن ~~له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال تعالى: ~~(ولا تجهروا له # PageV10P079 # بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)؛ فلا يجوز أن ~~يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله تعالى صدورهن ~~ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك. # ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا ~~بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: (يا أيها النبي لم ~~تحرم ms4624 ما أحل الله لك) فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن ~~يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج ~~النهي في الظاهر. # وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت قصة التحريم من أجلها؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى ~~تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها ~~الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما ~~كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: (لم تحرم ما أحل الله ~~لك) قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله تعالى ~~لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى أن يعمل بأحد الوجهين: # أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن ~~لها فيما طمعت حق، والله أعلم. # والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق ~~الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجها يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا ~~أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله ~~تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)، وهكذا ~~الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي ~~عنهن إلا خيرا، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضا: (سبحانك هذا ~~بهتان عظيم)، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت ~~وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي ms4625 خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا ~~القول # PageV10P080 # فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم). # ولقائل أن يقول في قوله: (هذا بهتان عظيم): من أي وجه صار بهتانا عظيما، ~~ونساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن ~~الصنع الذي رمين به؟! # فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرا، أو جهرا أطلع ~~الله تعالى ذلك نبيه - عليه السلام - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أخرى أطلع الله - تعالى - نبيه على ذلك، ~~فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى ~~منهن؟! ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله تعالى ~~لرسوله - عليه السلام - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم ~~يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا ~~بالبهتان والزور. # وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا بإذن سبق من الله تعالى؛ إذ لو كان الإذن سابقا، لما عوتب عليه؛ ~~لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل ~~بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة. # ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون ~~مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا ~~يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل ~~إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليوم لزوجة من زوجاته، فجائز أن ~~يكون الله تعالى أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ~~ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم ~~واحدة، ms4626 وأن عليهن أن يعظمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وألا يحملهن ~~الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن ~~فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة ~~واحدة. # PageV10P081 # وأما ما ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان كف نفسه عن شرب ~~العسل، فذلك يحتمل أيضا، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل ~~أن يكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شرب العسل من الرغبة ما يدخل ~~على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ~~ذلك على ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به ~~وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا ~~قال نبأني العليم الخبير (3). # دل قوله: (فلما نبأت به) أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر ~~إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها. # وفيه دلالة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بإفشائها سره ~~إلى صاحبتها بالله تعالى، وهو قوله: (وأظهره الله عليه). # وقوله - عز وجل -: (عرف بعضه وأعرض عن بعض). # فقوله: (عرف) قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ~~ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يخبرها بذلك النبأ الذي أسر به إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها ~~بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، ~~والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة. # وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: " ألم ~~أقل لك "؟! وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ms4627 ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن ~~إبداء مثله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر ~~الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ فيعلم ما يسرون. # ومن قرأه (عرف) بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: (عرف بعضه) أي: # جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل ~~لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، ~~وذكر في الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة تطليقة، ثم ~~نزل جبريل - عليه السلام - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها ~~لزوجتك في الجنة؛ فجائز أن يكون، طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها. # PageV10P082 # ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن ~~الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعا قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، ~~فجمع الله تعالى الأمرين جميعا في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ ~~فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله تعالى في قصة ~~موسى - عليه السلام - (لقد علمت)، و (علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض)، وقد علم موسى - عليه السلام - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران ~~جميعا، فجمع الله تعالى بين الأمرين جميعا في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن ~~يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن الوجه الآخر؛ فكذلك هذا في قوله تعالى: (ربنا ~~باعد بين أسفارنا)، و (باعد بين أسفارنا)، فمن قرأه (باعد بين أسفارنا) ~~حمله على الدعاء، ومن قرأه (باعد) حمله على الإخبار، وقد كان الأمران ~~جميعا: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك ~~الحكم في قوله: (عرف بعضه) و (عرف بعضه)، والله أعلم. # وقد وصفنا تأويل قوله: (العليم الخبير) فيهما ما يدعو الإنسان إلى ~~المراقبة والتيقظ. # وقوله - عز وجل -: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ~~فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4). # في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي ms4628 أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: (إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) ويدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي - عليه ~~السلا - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ~~ذلك الحديث كان ماذا؟ لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى ~~التوبة؛ لقوله: (إن تتوبا إلى الله)، وإن خفي ذلك علينا، ثم إذا عرفنا أن ~~الله - تعالى - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله: (من ~~يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين)، فيجوز أن يندبن إلى التوبة ~~بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن. # ثم قوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) فجائز أن يكون قوله: (إن) ~~زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت ~~قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: (وإن تظاهرا عليه). # وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف (إن) زيادة، ويكون معناه: إن ~~تتوبا # PageV10P083 # إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء ~~فيه مضمرا. # وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا ~~طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهن حتى ~~اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم. # وقوله: (فقد صغت قلوبكما). # أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليكما، وحق ~~الرسول - عليه السلام - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير. # وقوله - عز وجل -: (وإن تظاهرا عليه). # هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما ~~عليه، كما قال تعالى: (إن تتوبا إلى الله)، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: ~~(إن تتوبا إلى الله) تاما ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ ~~المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: (وإن تظاهرا) على المخاطبة، معناه: وإن ~~تتظاهرا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن الله هو مولاه). # حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: (وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ms4629 بعد ذلك ~~ظهير)؛ حتى لا يتوهم أن غير الله تعالى مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في ~~التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف في قوله: ~~(يضاعف لها العذاب ضعفين). # والأصل: أن المبالغة في التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك ~~المجاوزة في حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما ~~تدعو إليه نفسه. # وقوله - عز وجل -: (وصالح المؤمنين). # قيل: (وصالح المؤمنين): أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وذكر أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما طلق حفصة دخل عليها عمر - رضي الله عنه - ~~فقال: " لو علم الله - تعالى - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله "، فنزل ~~جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV10P084 # يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة - رضي الله ~~عنها - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأطلعه جبريل - عليه السلام - على ذلك. # وروي عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: " (وصالح المؤمنين) أبو بكر وعمر "، رضي الله عنهما. # وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. # وذكر عن الحسن أنه قال: (وصالح المؤمنين) من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ~~ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله ~~أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ ~~لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا ~~في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات ~~في أمر الدين. # وقوله - عز وجل -: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات ~~مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5). # وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل ~~في أحد خيرا على ms4630 قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر -على ~~زعمهم- على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة ~~والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما. # وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من ~~النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد ~~على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: (يبدله)، وعلى ~~قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة ~~الطلاق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي قوله: (لا يحل لك النساء من ~~بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج)، حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: (لا يحل ~~لك النساء من بعد)، مقدما، وقوله: (عسى ربه إن طلقكن) متأخرا؛ فيصير ما ~~تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: " ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ~~حتى أحلت له النساء "، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، ~~فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما. # PageV10P085 # وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه ~~من الحسن؛ كما قال: (ولو أعجبك حسنهن. . .) الآية، فإذا كان قصده من الطلاق ~~الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن ~~يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، ثم الله تعالى يبدله ~~خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد بالطلاق في قوله: (عسى ربه إن طلقكن) قصد ~~الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض. # وذكر عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إبدال امرأة بامرأة؟ فقال: بلى، فسئل عن قوله ~~تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج)، فقال: هذا ~~منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله تعالى: (وبنات عمك وبنات ms4631 ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك. . .) إلى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي)، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن ~~من المحارم، فيكون فيه إبانة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان ~~حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: ~~أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال ~~الإشكال به. # وقوله - عز وجل -: (خيرا منكن). # فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول - عليه السلام - لا أن يكن خيرا في ~~أنفسهن؛ لأنه قال: (مسلمات مؤمنات قانتات تائبات)، وقد كان أزواجه على هذا ~~الوجه: (مسلمات مؤمنات قانتات)؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل - عليه السلام ~~- قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، ~~والذي يدل على هذا أيضا في آخر هذه الآية: (ثيبات وأبكارا) وقد وجدت هاتان ~~الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا. # وجائز أن يكن خيرا منهن أيضا في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك. # أو يصرف (خيرا منكن) لما يتركن الخلاف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودمن على ~~التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتبن عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل ~~واحد. # وقوله - عز وجل -: (مسلمات مؤمنات). # PageV10P086 # قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى الإسلام والإيمان واحد؛ إذ ~~الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، ~~والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله تعالى رب كل شيء، وإذا صدقته أنه ~~رب كل شيء فقد جعلت الأشياء كلها سالمة له، أو تصدق كلا فيما يشهد لله ~~تعالى في الربوبية بجوهره، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من ~~المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، فقي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، ~~صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي ms4632 معنى ~~الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن ~~المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى الاتقاء من ~~الكفر والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه "، وقال: " المسلم من سلم الناس من ~~لسانه ويده "، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم ~~إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده. # وقوله - عز وجل -: (قانتات). # قيل: مطيعات. # وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، ~~والسائحات # الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام ~~الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل - عليه ~~السلام - في وصف حفصة - رضي الله عنها -: " إنها صوامة قوامة " أي صوامة ~~بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل ~~عن أفضل الأعمال، فقال: " طول القنوت "، وهو القيام بالليل. # وقوله - عز وجل -: (تائبات). # هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله تعالى بالتوبة والتضرع ~~إذا ابتلين بالخطيئة. # وقوله: (عابدات). # PageV10P087 # ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه ~~أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " كل عبادة في القرآن فهي ~~توحيد؛ فالعابدات: الموحدات "، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله ~~واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله تعالى خالصا ~~لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون ~~أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل. # وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض. # وقوله - عز وجل -: (سائحات). # هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن ~~التناول من الزاد، فقوله: (سائحات) أي: صائمات. # وقوله - عز وجل -: (ثيبات وأبكارا) ولم يرد بهذا أنه ينشئ نسوة أبكارا ~~وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن ms4633 بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات ~~والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع ~~بينهما في موضع الامتنان على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لئلا تصرف كل ~~الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) ~~يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا). # PageV10P088 # يحتمل أن يكون معناه: قوا أنفسكم مما تدعو إليه أنفسكم؛ لأن الأنفس ~~تأمرهم بالسوء وتدعوهم إليه؛ كما قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم). # وجائز أن يكون قوله تعالى: (قوا أنفسكم)، أي: قوها عن الطريق الذي إذا ~~سلكتموه أفضى بكم إلى النار، وقوا أهليكم - أيضا - عن ذلك الطريق، وذلك ~~يكون بالعمل؛ لأن العمل على ضربين: عمل يفضي بصاحبه إلى الجنة، وعمل يفضي ~~بصاحبه إلى النار، فيكون التقوى في هذا الوجه راجعا إلى الأعمال، وفي الوجه ~~الأول إلى الأنفس. # ويحتمل قوا أنفسكم باكتساب الأسباب التي هي أسباب النجاة عن العطب ~~والهلاك، وأهليكم في أن تعلموهم الأسباب التي هي أسباب الخلاص من النار. # وقال مجاهد: تأويله: قوا أنفسكم وأهليكم النار، ثم علمنا وجه الاتقاء ~~بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). # قال: من التضرع إليه والفزع لديه؛ ليكون هو بفضله يقي عنا النار؛ لما علم ~~ألا نصل إليه بقوى أنفسنا وحيلنا. # وقوله ms4634 - عز وجل -: (وقودها الناس والحجارة). # فهذا على المبالغة في وصف شدة النار، وأخبر أن شدتها تنتهي إلى هذا في أن ~~صير الناس وقودا لها وكذلك الحجارة، والناس والحجارة لا يتقدان في النار؛ ~~لأن النار إذا عملت في الإنسان حرقته ولم تبقه؛ فلا يصير وقودا، وكذلك إذا ~~أصابت الحجارة رضتها ولاشتها، فيكون فيه تبين شدتها؛ إبلاغا في الزجر. # وجائز أن يكون أريد بالحجارة: التي اتخذوها أصناما يعبدونها من دون الله، ~~فكانوا يعبدونها لتنصرهم وتدفع عنهم العذاب؛ كما قال تعالى: (واتخذوا من ~~دون الله آلهة لعلهم ينصرون)، وقال: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم ~~عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)، أي: تصير عذابا عليها، ~~وهم رجوا أن تكون سببا لخلاصهم؛ فصارت عليهم ضدا. # وقوله - عز وجل -: (عليها ملائكة غلاظ شداد). # PageV10P089 # فجائز أن يكون هذا وصفهم: أنهم خلقوا غلاظا شدادا. # وجائز أن يكونوا أشداء على الكفار وأعداء الله تعالى، رحماء على أوليائه، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: (ويفعلون ما يؤمرون)، فبين أن اشتدادهم؛ لمكان ~~الأمر؛ وهو كقوله تعالى: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)، وصفهم ~~بالشدة على الكفرة وبالرحمة على المؤمنين؛ فجائز أن يكون الملائكة كذلك في ~~الآخرة، وفي هذا دلالة أن الملائكة امتحنوا بالأمر والنهي في الآخرة؛ لأن ~~ملائكة الرحمة امتحنوا بإتيان التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وملائكة ~~العذاب امتحنوا بتعذيب أهل النار وبالغلظة عليهم والشدة، وإذا أمر كل واحد ~~من الفريقين بما ذكرنا، فقد نهي عن تركه. # قال أبو بكر الأصم: في قوله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا)، وفي قوله: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا. ~~. .) الآية إلزام الوعيد بأهل الصلاة لأنه ألزمهم الاتقاء من النار، ~~وألزمهم التوبة؛ ليكفر عنهم سيئاتهم، ولو لم يكن الوعيد لازما عليهم لم ~~يكونوا يحتاجون إلى الاتقاء، وهذا منه ومن جملة أهل الاعتزال تحريف الكلام ~~عن مواضعه؛ لأن الله تعالى ذكر هذا الوعيد في أهل الإيمان بقوله: (يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، وقال: ms4635 (يا أيها الذين آمنوا توبوا ~~إلى الله توبة نصوحا)، ولم يذكر الله - تعالى - أهل الصلاة، ولا ألحق بهم ~~الوعيد، فهم يقطعون الوعيد عمن ألحق الله تعالى بهم الوعيد وهم المؤمنون، ~~ويلزمونه على من لم يجر ذكره في القرآن من أهل الصلاة ولا ألحق به الوعيد، ~~وهذا تحريف الكلام وقلب القصة؛ ولأنه صار من أهل الصلاة بإيمانه؛ إذ لولا ~~إيمانه لما كان هو من أهل الصلاة، فإذا ألحقوا الوعيد بأهل الصلاة فقد ~~ألحقوه بأهل الإيمان؛ فلم يبق بيننا وبينهم إلا سوء الخلق، وإلا فلا معنى ~~لقلبه عن أهل الإيمان وإلحاقه بأهل الصلاة، وأهل الصلاة هم أهل الإيمان. # ثم الوعيد على قولهم إنما يلزم أهل الإيمان في وقت خروجهم من الإيمان، ~~ونحن # PageV10P090 # نقول في الوعيد المذكور في أهل الإيمان: إنه يجوز أن يلحقهم وقت إيمانهم، ~~ويعذبهم الله تعالى بإجرامهم. # ويحتمل أن يقع لهم الوعيد إذا خرجوا من الإيمان، وهم يقطعون الوعيد عن ~~أحد الوجهين ويجعلونه على الوجه الآخر، ونحن نلزمهم الوعيد إذا خرجوا من ~~الإيمان، أولا ننفي الوعيد عين لم يخرج بعد من إييانه، فصرنا نحن أشد ~~استعمالا لما يقتضيه ظاهر الآيات منهم؛ فصار العموم حجة عليهم لا علينا، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون (7). # ليس في هذا نفي قبول العذر لو كان لهم عذر، ولكن اعتذارهم هو الندم عما ~~كانوا فيه والإنابة إلى الله تعالى والتوبة إليه، وليس ذلك وقت قبول ~~التوبة؛ لأن ذلك الوقت هو وقت خروج ملك أنفسهم عن أنفسهم، فلا يقبل في ذلك ~~الوقت إيمان ولا عمل. # وقوله - عز وجل -: (إنما تجزون ما كنتم تعملون). # يعني: أن عملكم السوء هو الذي ألزمكم العذاب في الحكمة؛ فتجزون بعملكم ~~ولستم تجزون بمنفعة ترجع إلينا أو بما حملتم من أوزار الغير، ولكن بأعمالكم ~~الخبيثة التي في الحكمة التعذيب عليها، وفي هذا دلالة نفي العذاب عن أطفال ~~المشركين؛ لأنه لم يوجد منهم عمل؛ فيجزون بعملهم، ولا يجوز أن يعذبوا بذنوب ~~آبائهم؛ ms4636 لأنه أخبر أن كلا يجزى بعمله لا بعمل غيره، والله أعلم. # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا ~~نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8). # ففي هذه الآية إلزام التوبة على بقاء اسم الإيمان؛ لأنه ألزمهم التوبة ~~بعد أن سماهم مؤمنين، وأخبر أنه يكفر عنهم سيئاتهم بالتوبة، ومن مذهب ~~الاعتزال: أن الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا الكبائر؛ فلا يحتاجون ~~إلى التوبة عنها، وإذا كان كذلك فالآية في الكبائر عندهم، والكبائر تخرج ~~أهلها -على قولهم- من الإيمان، والله - تعالى - قد أبقى لهم اسم الإيمان، ~~فمن أزال عنهم الإثم، فقد خالف نص القرآن. # وإن زعموا أن الآية في الصغائر ففيه دلالة على أن الله تعالى يعذب على ~~الصغائر وأنها # PageV10P091 # غير مغفورة، حتى وقعت لهم الحاجة إلى التوبة وطلب المغفرة، وقال أيضا في ~~آية أخرى: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون)، فإما أن ~~يكونوا أمروا بالتوبة عن الصغائر؛ فيكون فيه دلالة على أنها ليست بمغفورة؛ ~~إذا احتاجوا إلى التوبة عن الصغائر، أو عن الكبائر؛ فيكون فيه دلالة بقائهم ~~على الإيمان! وكذلك قال: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، وإن كان ~~استغفاره هذا عن الصغائر، ففيه دلالة على أنها غير مغفورة؛ لحاجته إلى طلب ~~المغفرة، ولو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة، لكان سؤاله المغفرة يخرج مخرج ~~الاستهزاء برب العالمين؛ لأنه يطلب منه ما لا يملك، وذلك في الشاهد هزء ~~واستخفاف بالمسئول. # وإن كان في الكبائر، ففيه دلالة بقائهم وثباتهم على الإيمان؛ لأنه قال: ~~(وللمؤمنين والمؤمنات). # ثم قوله تعالى: (توبة نصوحا). # قرئ بنصب النون وضمها: (نصوحا)، والضم يخرج مخرج المصدر، والنصوح ~~-بالفتح-: يخرج مخرج النعت للتوبة، والفعول من الأفعال هو اسم للمبالغة في ~~الأمر، فكأنه يقول: توبوا توبة تناهت في نصحها، والمبالغة في النصح أن يكون ~~صادقا في توبته، وعلامة الصدق أن ms4637 يكون نادما بقلبه عما فعل، عازما على ألا ~~يرجع إليه، وأن يقلع يديه عما كان فيه من المعاصي، وأن يستغفر الله بلسانه؛ ~~فيستعمل كل جسده في الندم والانقلاع، كما استعمل سائره في التلذذ بالمآثم؛ ~~فذلك هو المبالغة في النصح. # وقوله - عز وجل -: (يكفر عنكم سيئاتكم) بالتوبة، ففي هذا إبانة أن من ~~السيئات سيئات لا تكفر إلا بالتوبة، ومنها ما يكفر باجتناب الكبائر بقوله: ~~(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، لا أن يكفر كلها ~~بالاجتناب عن الكبائر كما زعمت المعتزلة. # وقوله - عز وجل -: (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار). # وقد سبق بيان هذا. # وقوله - تعالى -: (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار). # وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا بأن الله تعالى أخبر أنه لا ~~يخزي النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV10P092 # والمؤمنين، والإخزاء يقع بالعذاب؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا، ولو كان ~~أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ~~ومن قولكم: إنهم يخاف عليهم العقاب؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين. # ولكن نقول: إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم؛ لأن ~~في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد ~~آمنوا، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين، والآية لم تنطق بنفي ~~الإخزاء عن المؤمنين؛ لأنه لم يقل: يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين، ~~وإنما قال: (والذين آمنوا معه)، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن؛ فصاروا ~~هم المحجوجين بهذه الآية، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله: (النبي)، ~~أي: لا يخزيه الله تعالى في أن يرد شفاعته أو يعذبه، وقوله: (والذين آمنوا ~~معه)، ابتداء كلام وخبره (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم)؛ وهو كقوله - ~~تعالى -: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به). # أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة، أي: لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي ~~الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، ms4638 والخزي: هو الفضيحة، ~~وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يسعى بين أيديهم). # أي: بين أيديهم إذا مشوا، وبإيمانهم عند الحساب؛ لأنهم يؤتون الكتاب ~~بأيمانهم، وفيه نور وخير، أو يسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام ~~وبأيمانهم؛ لأن ذلك طريقهم وشمالهم طريق الكفرة. # وقوله - عز وجل -: (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا). # جائز أن يقولوا هذا عند انطفاء نور المنافقين؛ فيخافون انقطاع ذلك النور ~~عنهم أيضا. # أو يقولون هذا عند ضعف النور، فيسألونه إتمامه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) قيل: جاهد الكفار # PageV10P093 # بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم؛ وذلك أن المنافقين هم الذين ~~كانوا يرتكبون المآثم التي أوجب فيها الحدود ففيهم نزلت الحدود، وأما أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد عصموا عن المآثم التي لها الحدود. # وقالت الباطنية في قوله: (جاهد الكفار والمنافقين) أي: جاهد الكفار ~~والمنافقين بالقتال، فكان مأمورا بالقتال مع الفريقين جميعا، ولكنه اشتغل ~~بقتال أهل الكفر، ولم يتفرغ لقتال أهل النفاق فتولى قتالهم علي بن أبي طالب ~~- رضي الله عنه - وما ذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه ~~حين رأى عليا - رضي الله عنه - يخصف نعله: " إن خاصف نعله يقاتل على ~~التأويل كما نقاتل نحن على التنزيل "، وقتاله على التأويل قتال أهل النفاق، ~~فإن كان الأمر على ما ذكروا من القتال فأبو بكر - رضي الله عنه - هو الذي ~~تولى قتال أهل النفاق لا علي - رضي الله عنه - لأنه ذكر أن العرب ارتدت ~~بعدما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقاتلهم أبو بكر - رضي الله ~~عنه - وارتدادهم يدل على أنهم لم يكونوا محققين في إيمانهم؛ إذ لو كانوا ~~كذلك لم يرجعوا بل كانوا منافقين، وأما الذين قاتلهم علي - رضي الله عنه - ~~فلم يكونوا منافقين بل كانوا يدعون عليا - رضي الله عنه - إلى أن يحكم ~~بكتاب الله تعالى، والمنافق هو الذي يظهر من نفسه أنه يعمل بحكم ms4639 الله ~~تعالى، ثم يسر بخلاف حكمه، لا أن يدعو إلى العمل بحكم الله تعالى، وهذه ~~السمة ظهرت في الذين قاتلهم أبو بكر دون الذين قاتلهم علي - رضي الله عنه - ~~ثم مجاهدته - صلى الله عليه وسلم - في تقرير الحجة في قلوب الكفرة ~~والمنافقين وإلزامها عليهم، وذلك يكون مرة بالسيف ومرة بإلزامها باللسان. # ووجه إلزام الحجة بالسيف ما ذكرنا أن غلبته على الأعداء مع كثرتهم وقوة # شوكتهم وقلة أنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظهر لهم نصر الله ~~إياه وكونه على الحق، فيحملهم ذلك على الإيمان بالله تعالى، وإذا كان كذلك ~~فقوله: (جاهد الكفار والمنافقين) في إلزام الحجة؛ فإن كانوا في موضع أمن ~~فمجاهدتهم في إلزام الحجة عليهم من جهة القول، وإن كانوا في موضع المحاربة ~~والقتال، فمجاهدتهم في قتالهم، وقد كان من المنافقين من قد لحق بالكفرة وذب ~~عنهم، ألا ترى إلى قوله: (فما لكم في المنافقين فئتين)، فمن لحق بهم قاتلهم ~~مع الكفرة، ومن لم يلحق بهم ألزمهم الحجة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واغلظ عليهم). # PageV10P094 # أي: اشدد عليهم، والتشديد عليهم: أن يسفه أحلامهم، ويهتك أستارهم، وهو أن ~~يبين لهم ما هم عليه من النفاق. # وقوله - عز وجل -: (ومأواهم جهنم وبئس المصير)، قد تقدم ذكر هذا. # ثم في قوله: (يا أيها النبي جاهد الكفار)، دلالة فضيلة نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم - على من تقدمه من الأنبياء والرسل - عليهم السلام - لأنه ذكر ~~موسى - عليه السلام - في التوراة: يا موسى، وفي الإنجيل: يا عيسى، وفي ~~مخاطبات آدم: يا آدم، فسمى كل نبي باسمه سوى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~فإنه ذكره وخاطبه بقوله: (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول)، وبالنبوة ~~والرسالة استحق الفضيلة، فذكره باسم فضله وخاطبه به، وذكر غيره من الأنبياء ~~- عليهم السلام - باسم شخصه. # * * * # قوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت ms4640 فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ~~(11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12). # وقوله - عز وجل -: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين). # فجائز أن هذا المثل لمكان الكفرة الذين لهم برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - اتصال من حرمة القرابة، فكانوا يطمعون منه الشفاعة في الآخرة إن كان ~~الأمر على ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم؛ لأنهم عرفوه بالشفقة ~~والرحمة على الخلق جملة، فكيف يدع شفقته ورحمته على قرابته وهو يراهم ~~يترددون في الهلاك؟! # فبين لهم شأن امرأة نوح وامرأة لوط وما كان بينهما وبين نوح ولوط - ~~عليهما السلام - من الاتصال؛ لئلا يغتروا باتصالهم بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وجائز أن يكون هذا في بدء الإسلام، في الوقت الذي يتفرد الآباء بالإسلام ~~دون الأبناء، والأبناء دون الآباء؛ فيكون المثل لمكان أولئك الذين التزموا ~~وداوموا عليه، # PageV10P095 # ولم يتبعوا آباءهم وأبناءهم فيقول: لا ينفع من دام على الكفر إسلام من ~~أسلم منهم، وإن كان بينهما قرب من جهة الأبوة والبنوة؛ لأن رحمة الإنسان ~~وشفقته على زوجته أكثر من شفقته على من ذكرنا، وكذلك الاتصال، فإذا لم ~~ينفعهما إسلام زوجيهما، فكذلك لا ينفع أولئك الذين داموا على الكفر إسلام ~~من أسلم من آبائهم وأبنائهم. # وجائز أن يكون هذا المثل؛ لمكان أهل النفاق فيما أظهروا موافقة المؤمنين، ~~وأسروا الخلاف لهم، فيخبر أنه لا ينفعهم إظهار موافقتهم في الدين إذا كانوا ~~على خلافه في التحقيق؛ كما لم ينفع زوجتي نوح ولوط - عليهما السلام - إظهار ~~الموافقة منهما لزوجيهما إذا كانتا على خلافهما في السر، والله أعلم. # قال أبو بكر الأصم: في هذه الآية دلالة أن صلاح الصالح لا ينفع للطالح؛ ~~كما لم ينفع صلاح نوح ولوط - عليهما السلام - للزوجين إذا كانتا في أنفسهما ~~فاسدتين، وأراد بهذا نفي الشفاعة لأهل الكبائر. # وليس كما ذكر؛ ms4641 لأن هذا المثل ضرب للكافرين لا للعصاة؛ إذ لم يقل: " ضرب ~~الله مثلا للذين عصوا "، فليس له تعلق في هذه الآية. # ثم قد نجد صلاح الصالح في الشاهد ينفع الطالح وإن لم ينفع الكافر؛ لأن ~~المرء قد يكون له زوجة طالحة تمتنع عن كثير من الشرور؛ لمكان زوجها إذا كان ~~زوجها من أهل الصلاح والبر؛ وكذلك الولد ينفعه صلاح والديه في الدنيا؛ إذ ~~بخشيتهما ينتهي عن كثير من المناهي لصلاحهما، فقد نفعه صلاح والديه ونفعها ~~صلاح زوجها، فجائز أن ينفع الطالح أيضا في الآخرة صلاح الصالحين، وأما ~~الكافر فهو لم يمتنع عن الخلاف لمكان أبويه ولا لمكان أحد من الخلق؛ فلم ~~ينفعه إسلام أبويه ولا صلاحهما في الدنيا فكذلك لا ينفعه في الآخرة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين). # أي: فخانتاهما في الدين. # ومنهم من يذكر أن خيانة امرأة نوح هي أن أخبرت قومه بجنون زوجها، وكانت ~~خيانة # PageV10P096 # امرأة لوط هي أن أخبرت قوم لوط بشأن أضيافه. # ولكن إن كان هذا صحيحا، فهو يرجع إلى الأول؛ لأن الذي حمل كل واحدة منهما ~~على الإخبار بما أخبرت موافقتها أولئك القوم وخلافها لزوجها في الدين، ولا ~~يجوز أن نشهد بهذا إلا بتواتر جاء. # وذكر بعضهم: أنهما زنيا، فخيانتهما زناهما، وهذا غير ثابت؛ لأن الأنبياء ~~- عليهم السلام - عصموا عما يوجب عليهم [العار والشنار]، والزوج يعير بزنى ~~زوجته وفراشه، وفيه توهم التهمة في أولادهم؛ فدل أن هذا التأويل غير صحيح، ~~وحاجتنا إلى وجود الخيانة منهما دون التفسير، ولا يجب أن نشهد بهذا إلا ~~بتواتر جاء مزيدا في الحجة. # وقوله - عز وجل -: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ~~ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ~~(11). # وجه ضرب المثل بها هو أن يعلم المقهور تحت أيدي الكفرة أن لا عذر له في ~~التخلف عن الإيمان بالله تعالى؛ إذ كانت امرأة فرعون مقهورة تحت يديه، ms4642 ~~وكانت بين ظهراني الظلمة، ولم يمنعها ذلك عن الإيمان بالله - تعالى - وعن ~~التصديق برسوله موسى - عليه السلام -. # والثاني: أنها لم تشاهد من زوجها ومن القوم الذين بين ظهرانيهم سوى الكفر ~~بالله تعالى، ثم الله تعالى بلطفه ألهمها الإيمان به فآمنت، وكانت امرأة ~~نوح - عليه السلام - تحت نوح ولم تشاهد منه سوى الطاعة والعبادة لربه - جل ~~وعلا - ثم لم ينفعها إيمانه وعبادته؛ ليعلم أنه لا ينفع أحدا إسلام أحد، ~~ولا يضر أحدا كفر غيره، وإنما يصير مؤمنا بفعل نفسه كافرا بفعل نفسه. # وقوله - عز وجل -: (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة). # وهي لم ترد بقولها: (ابن لي عندك بيتا) بقيام الوجه الذي عرفت بناء زوجها ~~وغيره من الخلائق، وإنما أرادت بقولها: (ابن لي)، أي اخلق لي بيتا في الجنة ~~ولذلك لم يفهم أحد من قوله: (فنفخنا فيه من روحنا) ما فهم الخلق من النفخ ~~في الأشياء، وإنما فهموا به الخلق والإنشاء، فما بال المشبهة فهموا من قوله ~~تعالى: (ثم استوى إلى السماء)، ومن قوله: (ثم استوى على العرش)، ما فهموا ~~من # PageV10P097 # الاستواء المضاف إلى الخلق لولا ضعف اعتقادهم وجهلهم بصانعهم في التحقيق. # ثم الأصل أن ينظر في الأسماء التي هي أسماء الأفعال المشتركة فيما بين ~~الخلق إذا أضيف شيء منها إلى الله تعالى، فنعرضها على الأسماء التي هي ~~أسماء الأفعال المخصوصة لله تعالى، فما أريد بالاسم المخصوص من ذلك، فذلك ~~المعنى هو المراد بالاسم المشترك؛ فالاسم المخصوص لفعل الله تعالى هو ~~الخلق، إذ لا أحد من الخلائق يسمي أحدا من الخلائق: خالقا، فيفهم بقوله ~~(ابن لي عندك بيتا في الجنة) أي: اخلق لي، ويفهم بقوله: (فنفخنا فيه من ~~روحنا) الخلق والإنشاء، والذي يبين أن الأسماء المشتركة يجب عرضها على ~~الأسماء المخصوصة ويفهم بها ما يفهم بالأخرى قوله تعالى: (هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر)، ومعناه: هو الذي خلق سيركم في البر والبحر، وقال: (هو ~~الذي يحيي ويميت)، يعني: هو الذي يخلق الموت والحياة، وقال: (يضل من يشآء)، ~~أي: ms4643 يخلق الضلال (ويهدي من يشاء)، أي: يخلق هدايته، ومن حمل الأمر على ما ~~ذكرنا سلم من الشبه كلها ووسواس الشيطان، وسلم من التشبيه، والله الموفق. # وفي هذا دلالة إيمانها بالبعث والحساب. # ثم من الجائز أن تكون وصلت إلى علم البعث والحساب بالتلقين، أو بنظرها ~~وتفكرها في الحجج والبراهين. # وذكر أهل التفسير أنها قالت ذلك عندما عذبها فرعون، واختلفوا في صفة ~~العذاب من أوجه، وحق مثله الإمساك عنه، وألا تشتغل بتفسيرها؛ لما يتوهم من ~~وقوع زيادة فيها أو نقصان على القدر الذي بين في الكتب المتقدمة، وهذه ~~الأنباء جعلت حججا لرسالة نبينا - عليه السلام - على أهل الكتاب لما وجدوها ~~موافقة للأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإذا وقع فيها زيادة أو نقصان وجدوا ~~فيه موضع الطعن في رسالته؛ فلهذا المعنى ما يجب ترك الخوض فيها والإعراض عن ~~ذكرها. # وذكر عن الحسن وغيره أنه قال: ما من مؤمن ولا كافر إلا وبني له بيت في ~~الجنة، فإن مات على الإسلام سكن البيت، وإن قبض كافرا ورثه غيره. # وهذا لا يحتمل؛ لأن الله - تعالى - إذا علم أنه يموت على الكفر فهو يبني ~~له ذلك # PageV10P098 # البيت كي لا يسكنه، ومن بني لنفسه في الشاهد وهو يعلم أنه لا يسكنه، صار ~~عابثا في فعله، وجل الله تعالى عن أن يوصف بالعبث. # وقوله - عز وجل -: (ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين). # أي: نجني من شر فرعون وجوره، ومن عمله أي: من كفره؛ فيكون قولها: (ونجني ~~من فرعون) راجعا إلى نفسه، والآخر راجعا إلى عمله، (ونجني من القوم) راجعا ~~إلى قومه، فسألت النجاة عنهم جملة، لما كانوا يمنعونها عن عبادة الله ~~تعالى، فكانت تخاف ناحيتهم، ولا تأمن وتخاف منهم، فسألت النجاة منهم؛ لتصل ~~إلى عبادة ربها. # وقوله - عز وجل -: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين (12). # فأخبر عنها بإحصانها فرجها، وذلك بالأسباب، وهي ما اتخذت بين نفسها وبين ~~الناس حجابا؛ لئلا يقع بصر الناس عليها، ولا ms4644 يقع بصرها عليهم لتصل به إلى ~~تحصين فرجها؛ قال الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم)، وهم إذا غضوا الأبصار، وصلوا إلى حفظ الفروج؛ ففي الحجاب غض ~~البصر، وفي غض البصر وصول إلى حفظ الفرج وإحصانه، وقال في آية أخرى: (يا ~~مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك)، وتطهيره إياها في أن طهرها من الفواحش ~~والزنى، فأضاف الإحصان إليها في الآية الأولى، وأضاف التطهير هاهنا إلى ~~نفسه، فوجه إضافة الإحصان إليها ما ذكرنا: أنها تكلفت الأسباب التي هي ~~أسباب الموانع للزنى، الدواعي إلى الإحصان، وأضاف إلى نفسه التطهير؛ لأن ~~وقوع ذلك وحصوله كائن به، ففيه دلالة أن كل فعل من أفعال العباد لا يخلو من ~~أن يكون لله - تعالى - فيه صنع وتدبير. # وقوله - تعالى -: (فنفخنا فيه من روحنا). # أي: خلقنا فيه ما به تحيا الصور والأبدان. # وقوله: (فيه)، أي: في عيسى، وقال في آية أخرى: (فنفخنا فيها)، أي: في نفس ~~عيسى - عليه السلام - والنفس مؤنث. # ثم تشبيهه بالنفخ: أن الروح إذا خلق فيه انتشر في الجسد كالريح إذا نفخت ~~في شيء انتشرت فيه. # أو التشبيه بالنفخ لسرعة دخوله فيما نفخ فيه كالريح، والله أعلم. # وقوله: (وصدقت بكلمات ربها). # PageV10P099 # فجائز أن يكون الكلمات هي التي بشرت بها مريم من قوله: (إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح)، وقوله: (يا مريم اقنتي لربك)، وقوله: (يا مريم إن ~~الله اصطفاك)، وقوله: (وهزي إليك بجذع النخلة)، فصدقت بجملتها أنها من عند ~~الله، لا شيء ألقى إليها الشيطان. # أو (وصدقت بكلمات ربها) أي: بحجج ربها وبراهينه؛ لقوله: (ويحق الله الحق ~~بكلماته)، أي: بحججه: وأدلته. # ثم تكون الحجج حجج البعث أو حجج الرسالة أو الوحدانية، أو يكون قوله: ~~(وصدقت بكلمات ربها)، أي: بالكلمات التي يستعاذ بها من الشرور، فصدقت أنها ~~تعيذ من تعوذ بها، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (وكتبه)، وقرئ (وكتابه). # وفي تصديقها بالكتاب تصديق منها بالكتب؛ لأن من آمن بكتاب من كتب الله ~~تعالى، فقد آمن بسائر كتبه؛ لأنها يوافق بعضها بعضا، ومن آمن ms4645 بكتبه فقد آمن ~~بكل كتاب له على الإشارة إليه؛ فثبت أن في الإيمان بكتاب إيمانا بسائر ~~الكتب، فكل واحدة من القراءتين تقتضي معنى القراءة الأخرى؛ فإن قوله: ~~[(وكتابه)] أي بالإنجيل، وقوله [(وكتبه)] أي: بالإنجيل وسائر الكتب ~~المتقدمة المنزلة من عند الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وكانت من القانتين). # قيل: من المصلين؛ لأنه قال في آية أخرى: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي ~~واركعي مع الراكعين)، وإذا وصف الصلاة، فالتزمت هذا الأمر؛ فصارت من ~~القانتين. # وقيل: أي: من المطيعين لربها، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P100 ### | سورة الملك # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع ~~سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ~~(3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير ~~(5). # قوله - عز وجل -: (تبارك الذي بيده الملك). # قيل: تعالى وتعاظم، و (تبارك) تفاعل من البركة، والبركة كناية عن نفي كل ~~عيب؛ قال - عز وجل -: (ونزلنا من السماء ماء مباركا)، أي: ماء لا كدورة فيه ~~ولا قذر، بل هو ماء مطهر من كل آفة وعيب، فمعنى قوله: (تبارك) أي: تعالى من ~~أن يكون له شبيه وعديل، وتعاظم عما قالت فيه الملاحدة ومن أن يلحقه المعايب ~~والآفات. # وقوله: (بيده الملك). # أي: الذي له ملك الملك؛ لأنه قال في موضع آخر: (قل اللهم مالك الملك) أي: ~~الذي له الملك، فذكر اليد هاهنا مكان المالك هناك؛ فامتدح - جل وعلا - بملك ~~الملك وكونه مالكا له. # والمعتزلة يقولون بأن ملك ملك الكفرة ليس له، وأنه لا يولي الملك للكافر، ~~ويقولون في قوله: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله ~~الملك)، أن الذي آتاه الله الملك هو إبراهيم - عليه السلام - والهاء تنصرف ~~إليه، لا إلى الذي حاجه، وإذا لم يجعلوا ملك ملك ms4646 الكافر في يده، لم يصر ~~ممتدحا بما ذكرنا؛ لأنه يكون في يده بعض الملك لا كله، وقال في آية أخرى: ~~(تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، وعلى قولهم يصير الملك في يد ~~من لا يشاء؛ لأنه لا يشاء الملك للكافر، ومع ذلك يوجد فيهم الملك. # ثم ما ينبغي لهم أن يقطعوا القول بأن الله تعالى لا يؤتي الملك للكافر، ~~بل عليهم أن يقولوا: إن كان إيتاء الملك أصلح لهم آتاهم إياه، وإن كان شرا ~~لهم لم يؤتهم؛ إذ من # PageV10P101 # مذهبهم أن الله لا يفعل بعبده إلا ما هو الأصلح له في الدين والدنيا في ~~حقه، فهذا جملة اعتقادهم، ثم هم لا يعرفون الوجه الذي صار أصلح في كل شيء ~~على الإشارة إليه؛ لأنهم يقولون: في إبقاء إبليس اللعين إلى اليوم المعلوم ~~صلاح، وإن كنا لا نعرف الوجه الذي لأجله صار أصلح، وإفناء الأنبياء والرسل ~~- عليهم السلام - كان أصلح وإن لم نعرف من أي وجه صار أصلح؟! فليقولوا ~~هاهنا بأن إيتاء الملك إن كان أصلح لهم لم يكن له ألا يؤتيهم، وإن كان شرا ~~فعليه ألا يؤتيهم؛ لئلا يجعلوا الأمر على النفي. # ثم الملك اسم عام، وهو عبارة عن نفاذ التدبير والسلطان والولاية، والملك ~~هو أن يكون للمالك خاصة في الشيء، لا يتناول من ذلك الشيء إلا بإذنه، وقد ~~يكون المرء مالكا، وليس بملك، وقد يكون ملكا ليس بمالك، فكل واحد من ~~الوجهين يقتضي معنى غير ما يقتضيه الآخر. # وجائز أن يكون تأويل قوله: (بيده الملك)، أي: ملك كل من ملك من أهل الأرض ~~بيده؛ لأنه إن شاء أبقى له الملك، وإن شاء نزعه؛ فما من ملك في دار الدنيا ~~إلا وملكه في الحقيقة لله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وهو على كل شيء قدير). # امتدح نفسه تعالى بأنه على ما يشاء قدير، وذلك من أوصاف ربوبيته أيضا ومن ~~قول المعتزلة: إنه على أكثر الأشياء غير قدير؛ لأنهم يجعلون المعدوم شيئا؛ ~~فشيئية الأشياء كانت بأنفسها لا بإنشاء الله تعالى، ويجعلون ms4647 ظهورها بالله - ~~تعالى - فقط، وإذا كان كذلك فإنه لم يصر قادرا على شيئية الأشياء، وكذلك ~~ينفون الخلق والقدرة على أفعال العباد. # ومن قولهم - أيضا -: إن إقدار العبد بيد الله، وإذا أقدر عبدا من عبيده ~~على الهداية، خرجت القدرة من يده؛ فتصير هذه القدرة مستفادة لا ذاتية، وإذا ~~كان كذلك فقد نفوا # PageV10P102 # عنه القدرة عن أكثر الأشياء، فلا يصير هو قادرا على كل شيء، وإنما هو ~~قادر على البعض، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو ~~العزيز الغفور (2). # قال أبو بكر الأصم: (الذي خلق الموت) أي: خلقكم أمواتا: نطفة وعلقة ~~ومضغة، ثم أحياكم (ليبلوكم). # وقال غيره: (الذي خلق الموت) ليجزيكم بعده، والحياة؛ ليبتليكم بها، ~~واستدل بقوله - # تعالى -: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، ~~فصرف المحنة إلى الحالة التي أنشأهم على وجه الأرض، وهي حالة الحياة، ثم ~~أخبر بعد ذلك أنه يجعلهم صعيدا [جرزا] بعد الابتلاء بقوله: (وإنا لجاعلون ~~ما عليها صعيدا جرزا). # وعندنا: أنه خلقهما جميعا للابتلاء؛ لأن الله - تعالى - خلق الموت على ~~غاية ما تكرهه الأنفس، وتنفر عنه، وخلق الحياة على غاية ما تتلذذ به الأنفس ~~وترغب فيها، والمحنة في الترغيب والترهيب، فثبت أن في خلق الموت محنة؛ ~~فيكون قوله - تعالى -: (خلق الموت والحياة) كأنه يقول: خلق الموت مرهبا، ~~وخلق الحياة مرغبة؛ (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، أي: ليبلوكم أيكم أرهب من ~~الشر، وأرغب في الخير؟ # ثم الموت مما لا مهرب منه لأحد، ولا مخلص لمخلوق، وكذلك الحياة، وإن كانت ~~من أرغب الأشياء إلى الأنفس، فليست هي بحيث يتهيأ للمرء أن يزيد منها ~~بالطلب، ولا مما يوجد بالكد والسعي؛ فصارت هي مرغبة في الحياة الدائمة وهي ~~نعيم الآخرة، وصار الموت مرهبا عن الموت الدائم، والموت الدائم هو العذاب ~~الدائم، الذي لا ينقطع كما قال - تعالى -: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو ~~بميت)، أي: لا تنقضي عنه الآلام والأوجاع بل يبقى فيها أبدا، وإذا ms4648 ثبت أن ~~الموت صار مرهبا عن العذاب الدائم، والحياة صارت مرغبة في مثلها، فنقوم ~~بطلبه، ووجب القول بالبعث أيضا؛ إذ الراغب إنما يصل إلى ما يرغب فيه ~~بالبعث، والآخر إنما يصير إلى العذاب الدائم بالبعث. # وفيه إيجاب القول بالرسالة؛ لأنه إذا ثبت الرغبة في الموعود من الثواب ~~والرهبة عن العذاب، وهما جميعا غائبان، فاحتيج إلى من يظهرهما ويحضرهما ~~ويخبر عنهما، فلم يكن بد من رسول يخبرهم ويحضر علمه لهم. # PageV10P103 # ثم الأصل في قوله - تعالى -: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أنه إنما يحسن ~~عمله بحسن رغبته وسوء عمله بسوء رغبته ورهبته، فخلق الحياة والموت ليتفكر ~~فيهما المرء، ويعتبر بهما، فمن حسنت رغبته ورهبته حسن عمله، ومن لم يتفكر ~~فيهما، ولم يعتبر بهما، ساء عمله، فالموت والحياة أنشئا مرغبين ومرهبين، ~~وكذلك الدنيا وما فيها أنشئت دلالة على طريق الآخرة، فالسمع يدل على السمع، ~~والبصر على البصر، وآلامها تدل على آلام الآخرة، ونعيمها دليل على نعيم ~~الآخرة، والله أعلم. # ثم قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فيه دليل على إضمار قوله: وأيكم أسوأ ~~عملا # على مقابلة الأول، إلا أنه اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر، والله ~~أعلم. # فإن قال قائل: كيف أضاف الابتلاء إلى نفسه بقوله: (ليبلوكم)، والابتلاء ~~في الشاهد؛ لاستظهار ما خفي، ولاستحضار ما غاب، والله تعالى لا يغيب عنه ~~شيء، ولا يخفى عليه أمر، فكيف أضيف إليه الابتلاء؟! # فجوابه أن نقول: إن الابتلاء في الحقيقة كناية عما به ظهور الشيء وبروزه. ~~فاستعمل الابتلاء في كل ما فيه ظهور الأمر، وإن كان الذي ظهر من الأمر عند ~~المبتلي ظاهرا، وهذا كما أضيف الاستدراج والمكر إلى الله تعالى؛ لوجود معنى ~~المكر والاستدراج فيه، وإن لم يكن المقصود من ذلك المكر والاستدراج، وفي ~~الشاهد المكر أن تحسن إلى عدو ليقع عنده أنك تركت عداوته، فيعتبر بإحسانك ~~إليه، ثم تأخذه من وجه أمنه، ومن حيث لا يشعر به، هذا هو معنى المكر في ~~الشاهد، وقد وجد الإحسان من الله تعالى إلى أعدائه، ووجد منهم الاغترار ~~بالنعم، ووقع ms4649 عندهم أنهم من جملة أوليائه ثم أتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون؛ فوجد معنى المكر وإن لم يقصد بإحسانه إليهم المكر بهم. # والثاني: أن من أمر في الشاهد فإنما يأمر؛ لمصلحة أو لمنفعة تعود إليه، ~~وإذا نهى عن شيء فإنما ينهى؛ لنفي مضرة تصل إليه، والله تعالى لم يأمر ~~الخلق ولم ينههم # PageV10P104 # لمنفعة يجلب بها إلى نفسه، أو لمضرة يدفعها عن نفسه، وإنما أمرهم ونهاهم؛ ~~لمنافع ترجع إليهم ومضار تلحقهم، ثم أضيف إليه الأمر والنهي وإن كان لا ~~منفعة له ولا مضرة عليه؛ فكذلك ابتلى خلقه؛ ليظهر للمبتلى عداوته وولايته، ~~لا لتظهر له، وأضاف الابتلاء إلى نفسه وإن كان هو مستغنيا عن الابتلاء، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهو العزيز الغفور). # ففيه إبانة أنه لم يبتلنا لمنفعة أو لعز يرجع إليه، أو لذل يدفع عنه، ~~ولكن لعز يحرزه الممتحن إذا أحسن العمل وذنوب تغفر له وتستر عليه، وهو عزيز ~~بذاته. # وجائز أن يكون معنى قوله: (وهو العزيز)، أي: القوي على الانتقام ممن ساء ~~عمله، واختار عداوته، (الغفور): الستور على من حسن عمله، يستر عليه ذنبه، ~~ويجزيه بحسن عمله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3). # ففي ذكر السماوات السبع إيجاب القول بتصديق ما يأتي به الرسل؛ لأن كون ~~السماوات سبعا لا يعرف إلا من طريق الخبر، وقد ثبت وجود هذا القول على ألسن ~~الرسل وهذه الآية أثبتت تصديق ما يأتي به الرسل؛ فليس منا القول في ~~السماوات أنها سبع وإن لم تشاهد. # ثم يحتمل قوله: (الذي خلق سبع سماوات طباقا)؛ ليبلو أهلها: أيهم أحسن ~~عملا؛ لأنه بين أنه لم يخلق السماوات والأرضين باطلا، ثم السماوات بأنفسها ~~لا تمتحن، وإنما يمتحن أهلها، لكنه اقتضى ذكر السماوات ذكر أهلها، واقتضى ~~ذكر الأرض ذكر أهلها، فأخبر بذكر الأرض عن ذكر أهلها، وبذكر السماوات عن ~~ذكر أهلها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما ترى في خلق الرحمن من ms4650 تفاوت). # أي: انظر في خلق الرحمن، هل ترى فيه من تفاوت أو فطور؟! فإنك إن رأيت فيه ~~فطورا، ظننت أن في مدبره عددا، وإن رأيت فيه تفاوتا، ظننت في منشئه سفها، ~~فإنك # PageV10P105 # إذا رأيت فيه فطورا وشقوقا رأيت فيه تمانعا وتدافعا، وفي حصول التمانع ~~والتدافع حصول العدد؛ لأن التدافع والتمانع إنما يقع عند ثبات العدد؛ لأن ~~ما يبني هذا يهدمه الآخر، وما يهدمه الآخر وينقضه يبني الآخر، فعند ذلك يقع ~~التدافع، وإذا لم ير فيه فطورا أو شقوقا، بل رآه متسقا مجتمعا؛ دل على ~~وحدانيته وقدرته وسلطانه. # وكذلك التفاوت يدل على السفه ونفي الحكمة، وارتفاع التفاوت يدل على حكمته ~~وعجيب تدبيره؛ فيكون في ارتفاع الفطور والتفاوت إثبات القول بالوحدانية ~~وإيجاب القول بالبعث من حيث ثبت حكمته، وفي نفي القول بالبعث زوال الحكمة، ~~وفيه إيجاب المحنة والابتلاء؛ لأن العدد إذا ثبت، كان للممتحن ألا يعمل حتى ~~يتبين له الغالب من المغلوب فلا يضيع عمله. # أو يشتغل كل بإقامة سلطانه ونفاذ تدبيره، فلا يتفرغ للأمر بالمحنة؛ ألا ~~ترى إلى قوله: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق)، قيل: يذهب كل ~~واحد منهم بالجزء الذي خلقه؛ فيظهر عند ذاك فطور وشقوق؛ لأن ما خلق هذا ~~يمتاز من الذي خلقه الآخر، فارتفاع الفطور يدل على وحدانية الصانع جل ~~جلاله. # وقيل في قوله: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) أي: من حيث الدلالة على ~~وحدانية الرب - تعالى - أو من حيث الحكمة والمصلحة؛ فالخلائق كلها في ~~المعاني التي ذكرناها غير متفاوتة، لا أن تكون الأشياء المحدثة غير متفاوتة ~~في أنفسها؛ لأن بين السماوات والأرضين تفاوتا، وكذلك بين الحياة والموت ~~تفاوت، ولكن منافع السماء متصلة بمنافع الأرض، ومنافع أهل الأرض متصلة ~~بالأرض وقوامهم ومعاشهم بما يخرج منها، وكل ذلك يدل على وحدانيته وعلى ~~حكمته ولطائف تدبيره. # وقوله - عز وجل -: (فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر ~~كرتين). # فجائز أن يكون هذا على رجوع بصر الوجه. # وجائز أن يكون على رجوع ms4651 بصر القلب. # PageV10P106 # أو يكون أحدهما على بصر الوجه، والثاني على بصر القلب. # والأشبه أن يكون على بصر القلب؛ لأنه قد سبق منه النظر إلى السماوات ~~والأرضين ببصر الوجه، وسبق منه العلم من حيث النظر أنه لا تفاوت فيها ولا ~~فطور، فدعاه إلى أن ينظر ببصر القلب؛ ليدله ذلك على المعاني التي ذكرناها؛ ~~وهو كقوله - تعالى -: (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)، ~~وقال تعالى: (أولم يسيروا في الأرض)، ولم يرد به السير بالأقدام؛ إذ قد سبق ~~منهم السير فيها، ولكن معناه: أو لم يتفكروا في عواقب من تقدمهم من مكذبي ~~الرسل أنهم بأي سبب أهلكوا؛ ولأي معنى عوقبوا واستؤصلوا؟ # ثم قوله: (فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين. . . (4). ~~الآية منهم من قال: إن الكرتين هاهنا كناية عن مرة بعد مرة، ليس على تثنية ~~العدد، فكأنه أمره أن يكون أبدا معتبرا ناظرا في خلق الرحمن؛ وإلى هذا يذهب ~~الحسن والأصم. # وجائز أن يكون قوله: (كرتين) مرتين، ولكن على اختلاف الوقتين؛ فيكون أحد ~~النظرين بالليل والآخر بالنهار؛ لأنه يرى بالليل آيات وبالنهار آيات سواها، ~~وثبوت كل ذلك يدل على وحدانيته وعجيب حكمته ونفاذ قدرته وسلطانه. # أو أن تكون النظرة الأولى ببصر الوجه والنظرة الثانية ببصر القلب؛ لأنه ~~إذا نظر النظرة الأولى ببصر وجهه، فرأى ما فيه من العجائب أشعر قلبه ما ~~رأى، فينظر فيه مرة أخرى ببصر القلب؛ ليتأكد ذلك ويتكرر. # ويجوز أن يكون النظران جميعا ببصر الوجه؛ لأنه لا يستوعب النظر بالجملة ~~في المرة الأولى؛ فينظر مرة أخرى؛ ليدرك ما غاب عنه في المرة الأولى. # وقوله - عز وجل -: (خاسئا). # أي: صاغرا مستسلما معترفا بالقصور عن درك كنه سلطانه والإحاطة بعظمته ~~وجلاله. # (وهو حسير). # أي: منقطع عن درك بلوغ حكمته ونفاذ أمره. # PageV10P107 # ثم الأشبه أن يكون المراد بهذا الخطاب المكذبين بالبعث؛ لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وإن كان الخطاب متوجها إليه في الظاهر؛ لأنه إنما ~~أراد بالنظر في خلق الله تعالى؛ ليتقرر عنده عظمة الله تعالى ms4652 وسلطانه وعجيب ~~حكمته ونفاذ تدبيره، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان تقرر عنده ~~علم ذلك كله؛ فلم يكن يحتاج إلى النظر فيما ذكر؛ ليتقرر صرف النظر إلى ~~المكذبين بالبعث، فأمروا بالنظر في ذكر؛ ليتقرر عندهم سلطانه ونفاذ تدبيره، ~~وأنه ليس بالذي يعجزه أمر وأن قدرته ليست بمقدرة بقوى البشر، وهم كانوا ~~ينكرون البعث والإحياء على تقرير الأمور بقوى أنفسهم، فإذا نظروا في هذه ~~الأشياء وعرفوا فيها لطائف وحكما لا تدركها عقولهم وقوة لا تبلغها حيلهم، ~~أدى ذلك إلى رفع الإشكال عنهم وإزاحة الريب الذي اعتراهم في أمر البعث؛ ~~فيحملهم على الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (5). # سماها: سماء الدنيا؛ لدنوها إلى المخاطبين الممتحنين، لا أن تكون السماء ~~الثانية سماء الآخرة، والذي يدل على صحة ما ذكرنا: أن مقابل الآخرة ليست هي ~~الدنيا بل مقابلها الأولى، ومقابل الدنيا القصوى؛ فثبت أن ليس فيها تثبيت ~~أن السماء الثانية هي سماء الآخرة، والمصابيح هي النجوم، فذكر عباده عظم ما ~~أودع من النعيم في النجوم عليهم، فجعل فيها ثلاثة أوجه من النعيم: # أحدها: أنه جعلها زينة للناظرين؛ كما قال - تعالى -: (وزيناها للناظرين)، ~~ثم هذه الزينة إنما تظهر عندما تخفى على الناظرين زينة الأرض، وذلك في ظلم ~~الليالي؛ فأبدل الله لهم زينة في السماء مكان الزينة التي أنشأها في الأرض، ~~وفضل هذه الزينة على سائرها؛ لأن سائرها لا يظهر إلا بالدنو إليها والقرب ~~منها، ثم جعل هذه الزينة بحيث تظهر فترى من البعد؛ فثبت أن لها فضلا وشرفا ~~على زينة الأرض. # والنعمة الثانية: ما ذكر في قوله: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ~~في ظلمات البر والبحر)؛ فجعلها هدى من ظلمات أحوال تقع فيسلم بها المرء عن ~~الوقوع في المهالك. # والنعمة الثالثة: ما ذكر من قوله - تعالى -: (وجعلناها رجوما للشياطين)، ~~وفي جعلها رجوما للشياطين رفع الاشتباه عن الخلق وإخراجهم من ظلمات الأفعال ~~إلى النور، وذلك أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء؛ فيستمعون ms4653 إلى ~~الأخبار التي يتحادث بها أهل السماء، فيما بينهم مما يراد بأهل الأرض، ~~فيسترقون السمع منهم، فيأتون بها أهل # PageV10P108 # الأرض ويلقونها إلى أهل الأرض بعدما يخلطونها بأكاذيب من عند أنفسهم ~~فيشبهون على الخلائق ويضلونهم بذلك عن سبيل الله تعالى؛ فملأ الله - تعالى ~~- السماء بالحرس والشهب؛ ليدفعوا الشياطين عن استراق السمع؛ ليكون تبليغ ~~الأخبار إلى أهل الأرض بمن يؤمن عليه الكذب، وهو الرسول - عليه السلام - ~~فتسلم تلك الأخبار عن التخاليط والشبه؛ فيسلم الناس عن الوقوع في الظلمات. # ثم يكون في جعل النجوم زينة للسماء: أن أهل السماء ابتلوا أيهم أحسن ~~عملا؟ كما ابتلي به أهل الأرض؛ ألا ترى إلى ما ذكر في أهل الأرض من قوله: ~~(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، فأخبر أن ~~الزينة للامتحان. # وقوله - عز وجل -: (وأعتدنا لهم عذاب السعير). # ففيه أنهم وإن عذبوا بالنيران التي جعلت في النجوم الرجوم، لا يدفع عنهم ~~ما استوجبوا من العذاب الدائم، بل قد أعد لهم عذاب السعير، كما أعد لغيرهم ~~من الشياطين وأهل الكفر. # * * * # قوله تعالى: (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور. تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ~~ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) إن ~~الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا ~~به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14). # وقوله: (وبئس المصير) فالمصير: هو الطريق، أي: فبئس الطريق طريق من سلكه ~~أفضى به إلى عذاب السعير. # وقوله - عز وجل -: (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7). # الشهيق: هو الصوت المنكر. # ثم من الناس من يقول: (سمعوا لها)، أي: لجهنم. # ومنهم من جعل الشهيق من أهلها، وقد يجوز أن يذكر المكان والمراد ms4654 منه ~~الأهل؛ # كما قال: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها)، وكلا الأمرين يحتمل عندنا، ~~ولا # PageV10P109 # نحتاج إلى معرفة ذلك؛ لأن الصوت المنكر أمر ظاهر ممن لا يعقل الصوت كهو ~~من الذي يعقل، فليس الذي يعقل الصوت أولى أن يجعل الفعل له من الذي لا ~~يعقل. # وقوله - عز وجل -: (وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ). # أي: تغلي، ثم النار بنفسها لا تغلي، وإنما تغلي بالذي يجعل فيها؛ ففيه أن ~~طعامهم وشرابهم في النار النار فيغلي النار بطعامهم وشرابهم. # وقوله: (تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير (8). # فجائز أن يكون هذا كناية عن الخزنة. # وجائز أن يكون هذا وصف النار، ولله تعالى أن يجعل في جهنم، وفيما شاء من ~~الأموات ما يعرف به عظمته وجلاله، فيغضب له على أعدائه غضبا يكاد أن ينقطع ~~في نفسه؛ ويسلم لأوليائه. # ثم في ذكر غضبها تذكير أن من حق الله تعالى على أوليائه أن يغضبوا له على ~~أعدائه غضب جهنم عليهم، بل جهنم أبعد عن أن تمتحن بذلك منا، ثم هي بلغت من ~~الغضب على أعداء الله تعالى مبلغا كادت تتقطع بنفسها، فالأولياء أحق أن ~~يوجد منهم هذا الوصف، وقد مدح الله تعالى الذين مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لما أوجد، فيهم من الشدة على الأعداء، وذلك قوله - تعالى -: ~~(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) وقال: (أذلة على المؤمنين)، ~~وهكذا الحق على كل مؤمن أن يكون على هذا الوصف. # وفيه حكمة أخرى: وهي أنه ذكر شدة النار على أهلها؛ لئلا يقولوا يوم ~~القيامة: (إنا كنا عن هذا غافلين). # وقوله - عز وجل -: (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) ~~ينذركم لقاء يومكم هذا (قالوا بلى قد جاءنا نذير). # وهذا هو إخبار عن نهاية أمرهم وآخر شأنهم؛ وذلك أنهم فزعوا في الآخرة إلى ~~اليمين بالكذب، فقالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين)؛ رجاء أن ينفعهم ذلك # PageV10P110 # في الآخرة كما كانت تنفعهم في الدنيا، فلما ألقوا فيها، ms4655 أيقنوا أن ~~أيمانهم لا تدفع عنهم العذاب؛ ففزعوا إلى الاعتراف والصدق؛ رجاء أن يتخلصوا ~~من العذاب، فقالوا: (بلى قد جاءنا نذير ... (9) ينذرنا عن لقاء هذا اليوم، ~~(فكذبنا) بالذي كان ينذرنا النذر، وقلنا: (ما نزل الله من شيء) مما ~~تنذروننا به. # وقوله - عز وجل -: (إن أنتم إلا في ضلال كبير). # فجائز أن يكون القائل لهم بهذا هم الخزنة، أو هذا خطاب في الدنيا (إن ~~أنتم إلا في ضلال كبير). # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~(10). # ففي قوله: (بلى قد جاءنا نذير) اعتراف منهم بأنهم قد سمعوا وعقلوا، ~~فقوله: (لو كنا نسمع أو نعقل)، ليس هو على نفي السمع والعقل؛ إذ قد أقروا ~~أنهم سمعوا وعقلوا، وإنما هو على نفي الانتفاع بما سمعوا وعقلوا؛ لأن ~~الانتفاع بالمسموع هو الإجابة لما سمع، والانتفاع بالعقل أن يقوم بوفاء ما ~~عقل، وهم لم يجيبوا لما سمعوا، ولم يقوموا بوفاء ما عقلوا. # وقال بعضهم: (لو كنا نسمع): في الدنيا كما نسمع الآن، أو كنا نعقل كما ~~نعقل الآن (ما كنا في أصحاب السعير). # وهذا غير مستقيم؛ لأن تلك الدار ليست بدار إسماع وإفهام، وإنما المعنى ما ~~ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فسحقا لأصحاب السعير (11). # أي: بعدا، على معنى الدعاء عليهم. # وقيل: السحق: واد في جهنم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ~~(12). # يحتمل: أي: الذين يخشون عذاب ربهم والعذاب عنهم غائب، فأهل الإسلام يخشون ~~عذاب الله وهو غائب عنهم، والكفرة لا يخشونه إلا أن يعاينوه. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (يخشون ربهم بالغيب) أي: يخشون الله - ~~تعالى - أن يعذبهم. # PageV10P111 # أو أن يخشوه فيما أوعدهم. # ثم الأصل: أن ما من مؤمن بالبعث -سوى المعتزلة- إلا وهو يخشى الله تعالى، ~~لكنهم يتفاوتون في الخشية. # ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل ~~واحد منهما إلا وجها واحدا، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا، فكل مؤمن ~~يخاف عذاب الله تعالى؛ لما ms4656 رأى من كثرة نعم الله تعالى وغفلته عن حقوق تلك ~~النعم؛ لأن من حقها أن يشكر الله تعالى عليها، وقد عرف كل مؤمن تقصيره في ~~أداء الشكر وتفريطه في قضاء الحقوق؛ فيرجو رحمته، لما عرف من سعة رحمته، ~~وعرفه متفضلا عفوا غفورا، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة: فمن كان أذكر ~~لغفلته، فهو لعقوبته أكثر خشية، ومن كان أقل ذكرا لغفلته فهو أقل خشية؛ ~~فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعا ~~ويتيقنون بحلوله، لكنهم يتفاوتون في ذلك: فمن كان له أكثر ذكرا، كان أبلغ ~~في التيقظ، وأكثر رهبة، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة. # ولقائل أن يقول: كيف جعلتم كل مؤمن خائفا راجيا، والراجي: هو الذي يطلب، ~~والخائف: هو الذي يهرب، فكل من رجا شيئا يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال ~~وأسباب، فهو يقوم بتلك الأعمال، بغاية ما يحمله وسعه؛ ليصل إلى مأموله، ~~وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة، بل كان متمنيا، وكذلك من خاف ~~حقيقة الخوف، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب؛ فهو يهرب مما يخافه أشد ~~الهرب. # ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ ~~الآمال، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف، فكيف وصفتم كل ~~مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف؟! # واستدل على صحة ما ذكر بقوله - تعالى -: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله)، فالراجي لرحمة الله من دأب ~~في طاعته، وقال - تعالى -: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)، فقيل: يا ~~رسول الله، هم الذين يزنون ويسرقون؟! فقال: " بل هم الذين يصومون ويصلون ~~وقلوبهم وجلة "، وقال - تعالى -: (إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون). # PageV10P112 # فجوابه: أن المؤمن ليس يرى كل خلاصه من العذاب وأمنه من العقاب بعمله حتى ~~إذا وجد التقصير في العمل أظهر ذلك المعنى فساد الرجاء والخوف، وإنما يتوقع ~~خلاصه بتوفيق الله وعفوه، ويرجو ms4657 رحمته؛ بكرمه وجوده؛ لذلك لم يوجب التقصير ~~في العمل إبطال الرجاء والخوف، وهذا إذا كان غير معتزلي المذهب ولم يكن من ~~الخوارج، فأما إذا كان الراجي والخائف أحد هذين؛ فتقصيره في العمل يدل على ~~فساد الرجاء والخوف؛ لأن كل واحد منهما ليس يرى لنفسه شفيعا إلا عمله، به ~~ينجو وبه يهلك، فإذا لم يبالغ في الطلب من جهة العمل، ولم يبالغ في الهرب ~~من الخوف بالعمل - ظهر أنه ليس براج ولكنه متمن، وتبين أنه غير خائف في ~~الحقيقة. # ثم المعتزلة لا يخافون الله تعالى ولا يرجون رحمته في الحقيقة؛ لأنهم ~~يزعمون أن العبد إذا ارتكب الكبيرة، فليس لله - تعالى - ألا يعذبه عليها ~~وأن يغفرها له، وإذا اجتنب الكبيرة استوجب المغفرة وإن ارتكب الصغائر، وليس ~~لله - تعالى - أن يعذبه عليها، والقائل بهذا غير راج لرحمة الله تعالى، ولا ~~خائف من عذابه، وإنما يقع الخوف والرجاء من عند نفسه؛ لأن الزلة التي ~~استوجب بها العذاب فهو الذي اكتسبها، ولو لم يعملها، لم يعذب، وفاز ~~بالنجاة؛ فصار رجاؤه وخلاصه بعمله، لا برحمة الله تعالى وفضله، ولا بذلك ~~وصف الله تعالى المؤمنين في كتابه، ولأن الله تعالى أثنى على الذين يدعونه؛ ~~خوقا وطمعا ورغبا ورهبا، وعلى قول أهل الاعتزال لا يدعو أحد ربه على الرغبة ~~والرهبة والخوف والطمع؛ لأن الداعي إن كان صاحب كبيرة فهو فيما يدعو الله ~~تعالى؛ ليغفر له، إنما يدعو ليجور عليه؛ إذ لا يسعه أن يغفر له ولا يعذب ~~عليه، فدعاؤه بالمغفرة معناه يقتضي أن جر علي، وذلك عظيم، وإن كان صاحب ~~صغيرة فهو فيما يطلب المغفرة منه - تعالى - يسأله ألا يجور عليه؛ لأنه ليس ~~له أن يعذب على الصغائر على مذهبه ولو عذب صار به جائرا، فإذا خاف عذابه ~~حتى إذا فزع إلى الدعاء، فقد خاف جوره، ومن لم يأمن من ربه الجور بل خاف ~~ذلك منه، فهو لم يعرف ربه حقيقة المعرفة؛ وكذلك من دعا الله تعالى؛ ليجور ~~عليه، فقد دعا إلى أن يسفه، والسفيه لا يصلح أن ms4658 يكون إلها؛ فثبت أن الداعي ~~على الرغبة والرهبة غير ممدوح عنده، ولا هو ممن يستحق الثناء عليه. # وقوله - عز وجل -: (لهم مغفرة وأجر كبير). # أي: من يرجو الله تعالى ويخافه، فله مغفرة لذنوبه، وأجر كبير، وهو الجنة. # PageV10P113 # وقوله - عز وجل -: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~(13). # فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها ~~الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا ~~فيها ويظهرون. # والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم ~~بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من ~~الأسرار. # وقوله - عز وجل -: (ألا يعلم من خلق ... (14). # تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع ~~إلى الله تعالى دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق (وهو اللطيف ~~الخبير)، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على ~~المعتزلة في خلق أفعال العباد. # وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف (من) لا يرجع إلى الله تعالى، ~~وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم الله من خلق؛ على إضمار اسم ~~الله تعالى فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف (من) يرجع ~~إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال. # وذلك فاسد؛ لأن الآية في موضع الوعيد، ولو كان قوله: (من خلق) وراجعا إلى ~~الأنفس، لزال موضع الوعيد؛ إذ ليس في خلق الأنفس وعلم الله بها إثبات العلم ~~بأفعال وجدت منهم، ولا في خلق الأنفس إيجاب الوعيد بالأفعال؛ ولأنه لو لم ~~يكن الله تعالى خالقا لما يجهر به العبد ولما يخفيه لم يكن ليحتج به على ~~عمله؛ إذ قد يجوز جواز الجهل من غير الذي يفعله؛ فلا يجوز أن يحتج عليهم ~~بفعل غيره؛ ولأنه ليس في إثبات العلم بخلق الأنفس إثبات العلم بما أسروا أو ~~جهروا، كما لم يكن عند المعتزلة في إيجاب الخلق لنفس الإنسان إيجاب الخلق ~~لأفعالهم، ومعلوم بأن ms4659 الآية في تحقيق العلم بما أسروا أو جهروا؛ لأن قوله: ~~(ألا يعلم من خلق) مذكور على أثر قوله: (وأسروا قولكم أو اجهروا به)، ~~وقوله: (إنه عليم بذات الصدور) أي: عليم بما تسرون وما تجهرون؛ فثبت أن ~~الخلق راجع إلى ما أسروا أو جهروا، ثم إن الناس على اختلافهم اتفقوا أن كل ~~واقع بالطبع والضرورة مخلوق لله تعالى، وإنما اختلفوا في الفعل الواقع بكسب ~~العبد: فمنهم من أثبت فيه الخلق وهو قول أهل الهدى، ومنهم من أبى القول ~~بخلقه. # ثم المرء لا يتهيأ له استعمال اليد إلا في العمل الذي جعل في طبع اليد ~~احتمال ذلك العمل، ولا يتهيأ له أن يستعمله في الوجه الذي لم يجعل في طبعها ~~احتمال ذلك؛ لأنه لو أراد أن يرى بيديه، أو يسمع بهما لم يملك ذلك؛ فثبت ~~أنه ملك استعمالهما في القبض # PageV10P114 # والبسط، والأخذ والتسليم؛ بما جعل في طبعهما احتمال ذلك، وإذا كان كذلك، ~~فقد ثبت الخلق فيما يعمل بيديه وفيما يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، والله ~~الموفق. # وقوله: (وهو اللطيف الخبير). # في تدبيره؛ إذ دبر لسان الإنسان على ما إذا استعمله يخرج منه الكلام، ~~وإذا أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به صلح للنطق، لم يقف عليه، ودبر قلبه ~~على أن يصور ما يقع فيه من الخيال، فيؤديه بلسانه، ودبره على وجه يصلح أن ~~يدع الأسرار والودائع من وجه لو أراد الخلائق أن يتعرفوا الوجه الذي صلح ~~القلب أن يكون مصورا وحافظا ومعدنا للأسرار، لم يقفوا عليه. # وقيل: اللطيف: هو الذي لا يعزب عنه علم ما جل ودق. # وقيل: اللطيف بعباده في الإحسان إليهم والإنعام عليهم، الخبير بما فيه ~~مصالحهم. # * * * # قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من ~~رزقه وإليه النشور (15) أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي ~~تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ~~(17) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير ~~فوقهم صافات ويقبضن ms4660 ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) أمن هذا ~~الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أمن ~~هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن يمشي مكبا ~~على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22). # وقوله - عز وجل -: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها. . .) ~~الآية. # وإذا ذلل لكم الأرض؛ لتمشوا في مناكبها، وتأكلوا من رزقه، فلا يجوز أن ~~يكون خلقا عبثا باطلا، فلا بد من الرجوع إليه، ليسألكم عما له خلق، أوفيتم ~~بالذي خلق له، أو لم تفوا؛ وذلك أن المرء في الشاهد إذا أعطى إنسانا مالا ~~استعمله في جهة من الجهات، فلا بد من أن يرجع إليه فيسأله هل استعمله في ~~الذي أذن له فيه أم لا؟ # وإذا ثبت أنه لم يخلقها عبثا باطلا، وإنما خلقت للمحنة؛ فلا بد من أن ~~ينشروا إليه؛ ليخبروه عما بلاهم به وامتحنهم. # ثم احتمل أن يكون هذا صلة قوله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم)، # PageV10P115 # وقوله: (الذي خلق سبع سماوات طباقا)، فخلق تلك الأشياء كلها؛ ليمحتن ~~أهلها بها، فعلى ذلك خلق الأرض ذلولا ليبلوكم بها. # ويحتمل أن يكون هذا صلة قوله: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)، فأمر ~~هناك بالنظر مرة بعد مرة هل ترى فيه تفاوتا أو فطورا؛ ليتبين عنده إذا لم ~~ير فيه تفاوتا ولا فطورا وحدانية الرب وقدرته وسلطانه وحكمته، فأمرهم - ~~أيضا - بالمسير في الأرض والمشي في مناكبها وهي أطرافها - هل يرون فيها ~~فطورا أو تفاوتا؟ فإذا لم يروا فيها شيئا من ذلك، تقرر عندهم بجميع ما ~~ذكرنا من الحكمة هناك، فهو في قوله: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) موجود؛ ~~ولأنه ذكرهم لطيف خلقه وتدبيره في خلق الأرض، وما له على الخلق من عظيم ~~النعمة في حقهم، وهو أنه قدر لهم فيها أرزاقهم إلى حيث يمشون فيها، وهيأ ~~لهم الرزق هنالك، ولا يحتمل أن يذلل لهم الأرض؛ فيضربون فيها حيث شاءوا ~~ويستخرجون منها أقواتهم ms4661 أينما تصرفوا عبثا باطلا، بل لا بد أن يستأديكم شكر ~~ما أنعم عليكم به. # وقوله - عز وجل -: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ~~(16). # هذه الآية في موضع المحاجة على منكري البعث، فكأنه يقول - والله أعلم -: ~~إذا أنكرتم البعث وقد عرفتم الفرق بين العدو والولي وبين المطيع والعاصي، ~~فكيف أمنتم عذابه في الدنيا أن ينزل بكم من فوق رءوسكم أو من تحت أرجلكم. # أو قد عصيتموه وعاديتموه بتكذيبكم رسوله واختياركم عبادة غيره، فكيف ~~أمنتم نزول عذابه عليكم في حالتكم هذه، وأنتم لا تقرون بالآخرة؛ ليتأخر ~~عنكم العذاب؟! # ثم قوله: (أأمنتم) أي: قد أمنتم. # والثاني: أنكم كيف أمنتم عذاب الله تعالى وأنتم تنكرون البعث؛ لتكون ~~المحنة في الدنيا للجزاء في الآخرة، وهم يرون المحنة في الدنيا للجزاء في ~~الدنيا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن من وسع عليه في رزقه والنعيم في الدنيا ~~فإنما وسع جزاء لعمله، ومن ضيق عليه العيش فإنما ضيق عقوبة له بما أساء من ~~عمله، كما قال الله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ~~فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن)، ~~فكانوا يعدون التضييق والتوسيع في الدنيا جزاء لصنيعهم، وكانوا # PageV10P116 # يقرون بالمحنة في الدنيا، والمحنة تكون من الرجاء والخوف، وقد رجوتم ~~إنزال الرزق عليكم من السماء، ورجوتم أن يخرج لكم من الأرض ما تتعيشون به ~~وترزقون منه؛ فكيف لا تحذرون نزول العذاب عليكم من السماء أو إتيانه من ~~الأرض، كما رجوتم النفع منهما جميعا؟! # والثالث: أنكم إذا أنكرتم الرسول وجحدتموه، وقد انتهى إليكم حال من سبقكم ~~من مكذبي الرسل، كيف عذبوا واستؤصلوا: فمنهم من أهلك بإمطار الحجارة عليه ~~من السماء، ومنهم من أهلك بالخسف بالأرض، فكيف أمنتم أنتم أن ينزل عليكم ما ~~نزل بهم وقد أوجدتم أنتم وتعاطيتم ما تعاطاه الذين أهلكوا من التكذيب؟! # ثم قوله: (من في السماء) أراد نفسه تعالى، أخبر أنه إله السماء، لا على ~~تثبيت أنه في الأرض سواه وعلى النفي أن ms4662 يكون هو إله الأرض، بل هو في السماء ~~إله وفي الأرض إله؛ وهو كقوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم) ليس فيه أن النجوى إذا كانت بين اثنين فهو لا يكون ثالثهم. # وجائز أن يكون قوله: (أأمنتم من في السماء) أي: أأمنتم من في السماء ملكه ~~وسلطانه، ولم تروا أحدا انتهى ملكه إلى السماء، فكيف تأمنون ممن بلغ ملكه ~~السماء؛ فكيف تأمنون مكره وتعادونه، وأنتم لا تجترئون على معاداة ملك من ~~ملوك الأرض، الذي لا يجاوز ملكه الأرض؛ هيبة منه وخوفا من سلطانه، فكيف ~~تأمنون عذاب من بلغ ملكه ما ذكرنا؟! # وقوله - عز وجل -: (فإذا هي تمور). # قيل: تهوي في الأرض أبدا إلى أسفل السافلين. # وقيل: تمور بأهلها في قعرها على ما كانت من قبل تمور على ظهرها قبل أن ~~توتد بالجبال، والحاصب: الحجارة. # PageV10P117 # وقوله - عز وجل -: (فستعلمون كيف نذير (17). # أي: ستعلمون حال نذري الذين أنذروكم بالعذاب أنهم كانوا محقين فيه ولم ~~يكونوا كاذبين كما زعمتم. # أو ستعلمون ما أنذركم به إذا وقع العذاب. # وقوله: (ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18). # يذكرهم حال من تقدمهم من المكذبين وما حل بهم من النكير؛ ليرتدعوا عن ~~التكذيب؛ فلا يحل بهم ما حل بأولئك. # ثم قوله: (فكيف كان نكير) أي: كيف كان إنكاري عليهم أليس وجدوه شديدا ~~وحقا؟! # وقوله - عز وجل -: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن ~~إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19). # قيل: صافات بأجنحتها لا يتحرك منها شيء، ويقبضن فما يمسكهن إلا الله ~~تعالى في الحالين جميعا، أعني: القبض والبسط. # وقال في آية أخرى: (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن ~~إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون)، والجو: هو الهواء. # ثم قوله: (لآيات لقوم يؤمنون)، أي: لآيات للمؤمنين على الكفرة، وهكذا شأن ~~الآيات إنما جعلت آيات للمؤمنين والأولياء على الكفرة والأعداء؛ لأن الكفرة ~~تصل إليهم الآيات على ألسن الرسل والأنبياء والأولياء، فجعلت الآيات آيات ~~للمؤمنين؛ ليحتجوا بها على ms4663 أهل الكفر. # ثم الهواء ليس بمكان يمسك ما عليه من الأشياء مثل السماء والأرض فيما ~~أنشئتا على حد يمسكان الأشياء ويقر عليهما الخلائق، وإذا كان كذلك فإن الله ~~تعالى بلطفه أمسك الطير وقت طيرانها ووقت قبضها في الهواء، ومن قدر على ~~إمساك الطير مع ثقله وتقريره في مكان لا تقر فيه الأشياء، لقادر على ما ~~يشاء. # ثم في هذه الآية إنباء: أن لله تعالى في أفعال الطير صنعا وتدبيرا على ما ~~يشاء؛ لأن # PageV10P118 # الفعل الذي يوجد من الطائر الطيران إذا طار والوقوف إذا قبض، ثم أضاف فعل ~~الإمساك؛ وكل ذلك إلى نفسه. # وذكر عن جعفر بن حرب في قوله: (ما يمسكهن إلا الله): أن الإمساك كناية عن ~~التعليم وعبارة عنه؛ لأنه قد يعبر بالإمساك عن التعليم؛ يقول الرجل لآخر ~~فيما يعلم الرماية: أمسكت على يده حتى رمى، فيريد به، أي: توليت تعليمه ~~الرماية، فقوله: (ما يمسكهن إلا الرحمن) أي: ما يعلم إمساكهن وقت الطيران ~~إلا الله تعالى؛ وكذلك وقت القبض. # والجواب عن هذا أن القائل يقول: (أمسكت على يده حتى رمى)، إنما يستجيز ~~إطلاق هذا اللفظ من نفسه إذا وجد منه فعل الإمساك في وقت ما يهم الرامي ~~بالرمي، وأما إذا لم يوجد منه في ذلك الوقت فعل الإمساك، لم يستقم أن يقال: ~~أمسكت على يده، وإن كان هو الذي علمه الرمي؛ ألا ترى أن من علم آخر الخياطة ~~حتى اهتدى الخياطة إذا خاط ثوبا، لم يستجز أستاذه أن يقول: أنا الذي خطته، ~~وإن كان هو الذي علمه الخياطة؛ وكذلك من بنى بناء، لم يستقم من أستاذه أن ~~يضيف فعل البناء إلى نفسه؛ فيقوله: أنا الذي بنيته، ويريد به: أنا الذي ~~علمته، وإذا لم يستقم هذا، بطل أن يضاف فعل الإمساك إلى الله تعالى، ولا ~~فعل له في ذلك سوى التعليم، فلو كانت الإضافة إليه من حيث التعليم، لجاز أن ~~ينسب إليه فعل الخياطة وفعل البناء والحياكة، فيقال: خائط وبان وحائك؛ لأنه ~~هو الذي علم، وإذا بطل أن ينسب إليه ms4664 ما ذكرنا من الأفعال وإن كان هو الذي ~~علم الخلق، بطل أن ينسب إليه فعل الإمساك من حيث التعليم، والله الموفق. # واحتج جعفر بن حرب - أيضا - في نفي الفعل عن الله تعالى، فقال: إن الله - ~~تعالى - لم يقل: ما خلق طيرانهن إلا الله ولا خلق القبض إلا الله، وإنما ~~قال: (ما يمسكهن إلا الرحمن)، فثبت أنه لا صنع له في الإمساك، وبان أن الذي ~~أضيف إليه من الإمساك هو على الوجه الذي ذكرنا. # فالجواب عن هذا: أن الأمة فهمت من قوله: (ما يمسكهن إلا الرحمن) ما يفهم ~~من قوله: ما خلق طيرانهن وقبضهن إلا الله؛ إذ هو يقتضي ما يقتضيه ذكر ~~الخلق، وإذا كان كذلك، فلا فرق بين أن يضيف الخلق نفسه، وبين أن يضيف فعل ~~الإمساك، ثم لو ذكر # PageV10P119 # الخلق مكان الإمساك، أمكن جعفرا أن يتأول في الخلق ما تأول في الإمساك، ~~فيقول: معنى قوله: خلق طيرانهن، أي: علم طيرانهن، وقواهن على الأسباب التي ~~بها تطير، فلا يتهيأ لله تعالى على قوله أن يثبت لخلقه ولا يقرر عندهم خلق ~~شيء من الأشياء. # ثم الأصل أن الآيات المذكورة في القرآن إنما ذكرت لإثبات أوجه خمسة: # أحدها: في تثبيت القدرة على البعث، وهي لا تثبت القدرة، ولا توجب القول ~~بالبعث على قول المعتزلة؛ وذلك أن الله تعالى احتج في تثبيت القدرة على ~~البعث بقدرته على ابتداء الخلق، فقال: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة)، وقال: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، فاحتج بأمر ~~الابتداء على تثبيت القدرة على الإعادة، وليس فيه ما يثبت القدرة على ~~الإعادة عندهم؛ لأنهم نفوا خلق الأفعال عن الله تعالى مع إقرارهم أن الله ~~تعالى هو الذي ابتدأ الخلائق، وهو الذي أنشأهم، ولم يكن في إثبات القدرة ~~على خلق الأعيان إثبات قدرة منه على خلق الأفعال، وإن كان خلق الأفعال دون ~~خلق الأنفس، فكيف ذكر قدرته على ابتداء الخلق على تثبيت القدرة على ~~الإعادة، وإن كان أمر الإعادة أيسر من الابتداء، مع أن ms4665 آثار الخلق في أفعال ~~العباد وإثبات التدبير فيها أوجد منه في أمر البعث؛ وذلك أنك تجد من ~~الأفعال أفعالا هي مؤذية لأهلها متعبة مؤلمة، ومعلوم بأن قصد أربابها أن ~~يتلذذوا بها ويتمتعوا بها؛ فثبت أن لغيرهم فيها تدبيرا وصنعا حتى صارت ~~كذلك؛ ولأنه يوجد في أفعالهم أحوال لا تبلغها أوهامهم ولا تقدرها عقولهم؛ ~~لأن الفعل يأخذ من الجو والمكان والوقت ما لا تقدره الأوهام ولا تبلغه ~~العقول؛ فثبت أن لغيره فيه صنعا وتدبيرا؛ ولأن فعله يخرج على قبيح وحسن، لا ~~يبلغ علم فاعله أنه يبلغ في الحسن والقبح ذلك المبلغ، وينتهي في الحسن ~~مبلغا لو أراد أن يخرج على ذلك الحد في المرة الثانية لم يخرج كذلك، فكل ما ~~ذكرنا يبين أن جميع أفعالهم على ما هي عليه ليست لهم، ثم مع ذلك أنكروا أن ~~تكون الأفعال من جهة الخلق لله تعالى، ولم يظهر شيء من أمارات البعث ولا ~~وجد فيه التدبير؛ # PageV10P120 # فصارت الكفرة في إنكارهم أمر البعث أعذر من المعتزلة في إنكارهم خلق ~~الأفعال، ولم يوجب القول بالقدرة على ابتداء الخلق قولا بالقدرة على إنشاء ~~البعث والإعادة بعد الإفناء؛ فثبت أن ليس في الآيات التي جعلها الله تعالى ~~دلالة إثبات البعث على قولهم. # والوجه الثاني: في تثبيت الوحدانية، وجعل دليل وحدانيته توحده بخلق ~~الأشياء وتفرده بإنشائها؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (أم جعلوا لله شركاء ~~خلقوا كخلقه)، وقال: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق)، وعلى ~~قول المعتزلة: هو غير متوحد بخلق الأشياء، بل أكثر خلق الأشياء كان بالعباد ~~لا بالله تعالى، وإذا لم يوجد منه التوحد والتفرد بخلق الأشياء ارتقع وجه ~~الاستدلال من هذا الوجه على معرفة الصانع ووحدانيته، وإذا كان كذلك، لم ~~تثبت وحدانية الله تعالى -على قولهم- من الوجه الذي جعله دليل الإثبات. # والوجه الثالث: وهو أن الآيات ذكرت في إثبات حكمة الله تعالى، وجعل دليل ~~حكمته خلق السماوات والأرضين وغيرهما من الأشياء، ونحن إنما عرفنا خلق ~~السماوات والأرضين بما شاهدناهما مجتمعين، والاجتماع ms4666 حادث فيهما، وما لا ~~ينفك عن الحادث فهو حادث، والحادث لا بد له من محدث، ولولا ذلك لم نعرفه ~~ولا يثبت لنا خلقهما، وعلى قول المعتزلة: الجمع والتفريق لا يدل على الخلق؛ ~~لأن كل من له القوة يقدر على جمع الأشياء وتفريقها، والاجتماع والتفريق فعل ~~الجامع والمفرق؛ لقولهم بالمتوالدات، فمن استحكمت قوته أمكنه جميع الأشياء؛ ~~لقوته ومن ضعفت قوته جمع على قدر ما ينتهي إليه قوته، وإذا كان كذلك لم ~~يتبين عند الخلائق على قولهم: إن الله - تعالى - هو الذي خلق السماوات ~~والأرضين؛ إذ خلقهما لا يعرف إلا من الوجه الذي ذكرنا؛ وذلك مما لا يجوز ~~تحققه إلا بالله تعالى. # وجائز أن يكون الله تعالى أقدر ملكا من ملائكته وقواه على خلق السماوات ~~والأرض، وإذا كان كذلك لم يظهر بما ذكرنا: أن الله تعالى هو الخالق لهما؛ ~~فبطل أن يكون في خلق السماوات والأرضين وفي خلق سائر الأشياء - دلالة حكمته ~~وقدرته ووحدانيته، وقد جعل الله تعالى خلقهما دلالة لهذه الأوجه التي ~~ذكرناها. # PageV10P121 # والثاني: أنه جعل إتقان الأشياء وإحكامها علما لحكمته، وقد يقع الإتقان ~~والإحكام للأشياء لا به، ثم لم يجعل الله - تعالى - لشيء مما أتقن وأحكم ~~علما يتميز من بين ما أتقنه غيره وأحكمه، فصار الإتقان والإحكام غير دال ~~على حكمته، بل صار دليلا على عجزه وضعفه، حيث لم يتهيأ له تمييز ما صار به ~~متقنا وما بغيره صار كذلك؛ ولأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه ويتبين ما له ~~مما ليس له، ومن قولهم: إن الله تعالى أعطى الكافر قوة الإيمان، ولم يبق في ~~خزائنه ما جعل سببا يتوصل به إلى الإيمان إلا وقد أعطاه، مع علمه أنه لا ~~يؤمن به، وهذا من أعظم الجهل وأبين السفه في الشاهد؛ لأن المرء إذا قام ~~بسقي أرض وعمارتها بالكراب والبنيان وألقى البذر فيها مع علمه أنها لا تنبت ~~شيئا عد ذلك منه سفها وجهلا، والسفيه لا يصلح أن يكون إلها حكيما، وقال - ~~تعالى -: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، ms4667 وعلى قول ~~المعتزلة: قد خلق غيره الحياة والموت جميعا؛ لأن القتيل ميت بالاتفاق، ثم ~~لا يجعل أهل الاعتزال لله - تعالى - في موته صنعا، ويزعمون أنه مات قبل ~~أجله، فإذا قدر غيره على الإماتة، ويقدر غيره أيضا على الإحياء بالأسباب؛ ~~لأنه يسقي الأرض والزرع ويكون في سقيه إحياؤها، فلم يتفرد هو بخلق الموت ~~ولا بالحياة على قولهم، بل شركه غيره في خلق الأشياء، فيبطل امتداحه -على ~~قولهم- نفسه بأنه خالق الأشياء. # والوجه الرابع: أنه احتج بعلمه بأفعال الخلق بخلقه تلك الأفعال، وذلك ~~قوله: (ألا يعلم من خلق)، وهم قد نفوا الخلق عن الأفعال، وإذا انتفى لم يقع ~~له بها علم؛ فصارت الآيات التي فيها إثبات العلم لا تثبت علما على قولهم، ~~ويكون فيه كذب في الخبر، تعالى الله عن ذلك. # والوجه الخامس: أنه سمى نفسه: محسنا منعما، وأثبت إحسانه وإنعامه بآيات ~~احتج بها على خلقه، وما من نعمة أنعم بها على العباد إلا وقد كانوا لها ~~مستوجبين على الله تعالى؛ فيصير الله تعالى بإعطائهم ذلك قاضيا ما عليه من ~~الحق بالنعمة، ومن قضى آخر حقا كان عليه لم يصر به منعما مفضلا، وإنما صار ~~قاضي حق، فصارت الآيات التي فيها إثبات النعم غير مثبتة على قولهم، تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # PageV10P122 # وقوله - عز وجل -: (إنه بكل شيء بصير). # أي: بكل شيء لطف أو جل أو استتر أو ظهر أو اختلط بغيره أو تميز، فهو بصير ~~يبلغه إلى أجله الذي ضرب له، ويأتيه بالرزق الذي قدر له. # أو بصير بأفعال الخلق ما كان وما يكون؛ لأنه ذكر على أثر ذكر الأفعال، ~~وهو قوله: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم ~~من خلق). # ثم في قوله: (إنه بكل شيء بصير) ترهيب وترغيب وإلزام المراقبة والتيقظ ~~والتبصر؛ وكذلك في قوله: أنه (على كل شيء حفيظ)، و (بكل شيء عليم)؛ لأن من ~~علم أن عليه حافظا ورقيبا يعلم بكل شيء يتعاطاه فهو لا يتعاطى إلا المحمود ~~من الفعال والمرضي منها. ms4668 # وقوله - عز وجل -: (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن ~~الكافرون إلا في غرور (20). # فهذا صلة قوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض)، وقوله: (أم ~~أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا)، ثم قال: (أمن هذا الذي هو جند ~~لكم ينصركم من دون الرحمن) وإذا خسف بكم الأرض وأرسل عليكم حاصبا من ~~السماء. # وجائز أن يكون على التقديم والتأخير؛ فيكون معناه: أمن هذا الذي هو جند ~~لكم من دون الرحمن ينصركم من عذاب الله إن حل بكم. # أو يكون قوله: (أمن هذا الذي هو جند لكم) يدفع عنكم العذاب من دون الله ~~إذا حل بكم. # وجائز أن يكون أريد بالجند: آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ~~تعالى، فكانوا يعبدونها لتنصرهم ويعزوا بها؛ قال الله - تعالى -: (واتخذوا ~~من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا)، وقال: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون)، ثم هم قد علموا أنها لا تقوم بنصرهم ولا تدفع الذل عنهم فيعزوا ~~بها؛ لأنهم كانوا يفزعون إلى الله تعالى عندما يحل بهم الشدائد والذل، كما ~~قال - تعالى -: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه)، ويتركون الفزع ~~إلى آلهتهم؛ لعلمهم أنها لا تعزهم ولا تنصرهم، فذكرهم في حالة الأمن ما قد ~~عرفوا وقوعه في حالة الخوف؛ لينقلعوا عن عبادة الأصنام ويقبلوا على عبادة ~~رب الأنام؛ ليدفع عنهم الشدائد والأهوال والآلام إذا حلت بهم من خاص أو ~~عام، ويقوم بعزهم إذا لحقهم الذل. # PageV10P123 # وقوله - عز وجل -: (إن الكافرون إلا في غرور). # أي: اغتروا في عبادتهم آلهتهم؛ لتقوم بنصرهم وعزهم، مع ما علموا أنها لا ~~تدفع عنهم شدة ولا تحصل لهم عزا. # وقوله - عز وجل -: (إن أمسك رزقه ... (21). # هم كانوا يرجون رزقهم من السماء والأرض، فيقول: من ذا الذي يرزقكم إن لم ~~يرسل عليكم من السماء مطرا، ولا زلل لكم الأرض للنبات. # وقد علموا أيضا أن لا رازق لهم غير الله تعالى؛ لأنهم كانوا يفزعون إليه ~~بالسؤال للرزق عندما يبلون بالقحط والجدوبة، ms4669 فذكرهم في حال السعة ما له ~~عليهم من عظيم النعمة في توسيع الرزق عليهم؛ ليشكروه ولا يكفروه. # وقوله - عز وجل -: (بل لجوا في عتو ونفور). # فالعاتي: هو المارد الشديد السفه؛ فكأنه يقول: لجوا وعتوا في قبول الحق، ~~وتمادوا في طغيانهم، ولم يتذكروا ولم يراقبوا الله تعالى، ولم يشكروا له، ~~بل بعدوا عن قبول ذلك كله، فقوله: (أمن هذا الذي هو جند لكم)، وقوله: (أمن ~~هذا الذي يرزقكم) يخرج على أوجه ثلاثة: # أحدها: على التخويف والتهويل. # والثاني: على التنبيه والتذكير، وتسفيه أحلامهم. # والثالث: على البشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر له ~~وبإجابة دعوته على أهل الكفر. # فوجه التنبيه والتذكير وتسفيه الأحلام ما ذكرنا: أنهم قوم كانوا يعبدون ~~الأصنام لتنصرهم وتعزهم في الدنيا، وليبتغوا به الرزق من عندها؛ إذ هم ~~كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ ليطلبوا بعبادتها عين الآخرة والنصر فيها، وإنما ~~كانوا يطمعون ذلك منها في الدنيا، ثم هم في الدنيا كانوا إذا نزلت بهم ~~الشدة والفزع تضرعوا إلى الله تعالى، كما قال: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل ~~من تدعون إلا إياه)، ولم يكونوا يفزعون إلى أصنامهم؛ فكيف اتخذوها جندا ~~ينصرهم عند النوائب، وقد أحاط علمهم أنها لا تنصرهم # PageV10P124 # ولا تغني عنهم من عذاب الله شيئا؟! فيكون فيه تسفيه أحلامهم، وتنبيه من ~~عذاب الله؛ ليمنعهم ذلك عن عبادة غير الله تعالى، ويدعوهم إلى عبادة من ~~يملك دفع الشدائد عنهم إذا حلت بهم. # وأما وجه التخويف، فهو: أنه يجوز أن يكون قيل لهم هذا عندما ابتلوا ~~بالشدائد وضيق العيش، فيقول لهم: استنصروا من آلهتكم واسألوا الرزق من ~~عندها، هل يملكون لكم رزقا أو يدفعون عنكم ذلا، وهل يقوون على نصركم؟! # وجائز أن يكون فيه بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر له ~~وبإجابة دعوته وقد وجد النصر له؛ لأنه غلب عليهم يوم فتح مكة، ولم يتهيأ ~~لأهلها أن ينتصروا، بل غلبوا وقهروا وفاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالغلبة والقهر ومن كان معه حتى استكانوا ولانوا وتضرعوا إلى ms4670 رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في ذلك حتى دعا لهم، وابتلوا أيضا بالقحط والسنين؛ ~~بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى رفع الله عنهم القحط. # وقوله - عز وجل -: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط ~~مستقيم (22). # ففي هذه الآية تذكير وتنبيه وتخويف وتهويل وتعريف حال هي على خلاف ما هم ~~عليها في الحال. # ثم ذكر الصراط في الذي يمشي سويا، ولم يذكر الصراط في الذي يمشي مكبا، ~~فهو على الإضمار كأنه يقول: أفمن يمشي مكبا على غير الصراط أهدى، أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم؟! فيكون هذا تذكيرا وتنبيها وتسفيها لأحلامهم؛ لأن ~~الذين آثروا الإيمان وسلكوا طريقه، فإنما سلكوا بالحجج والبراهين، والذين ~~آثروا الكفر آثروه من غير حجة، بل حيرتهم وسفههم هما اللذان دعواهم إلى ~~التزام الكفر والتدين به، ومن آثر الحيرة والعمى على الهدى والرشاد فهو ~~سفيه. # وجائز أن يكون قوله: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى) أي: أهدى طريقا، أم ~~الذي يمشي سويا على صراط مستقيم، وحق هذا الكلام أن يقال: بل الذي يمشي على ~~صراط # PageV10P125 # مستقيم هو الأهدى من الذي يختار الطريق المعوج الزائغ عن الرشاد، فيكون ~~في الوجه الأول معنى التخويف والتذكير والتنبيه جميعا، وفي الوجه الثاني ~~تذكير وتنبيه. # وقولنا بأن فيه تعريف حال خلاف الحال التي هم عليها: أن كل واحد من ~~الفريقين -أعني به: أهل الإسلام وأهل الكفر- يزعم أنهم على الهدى، والفريق ~~الآخر على الضلال، وإذا اتفقت الدعاوي على تضليل أحد الفريقين، ثم لا بد أن ~~يكون جزاء الضال غير جزاء المهتدي، وجزاء الولي غير جزاء العدو. # ثم الدنيا تمر على الفريقين على جهة واحدة؛ فلا بد من تثبيت دار أخرى، ~~والقول بها للجزاء، فيكون فيما ذكروا إيجاب القول بالبعث والإقرار به، فهذا ~~الذي ذكرنا هو يعرفهما خلاف الحالة التي هم عليها؛ ولأن الذي يمشي مكبا على ~~غير الطريق هو الأعمى الذي لا يبصر، والمقعد الذي لا يقوى على المشي، والذي ~~يمشي سويا على صراط مستقيم هو الذي ms4671 ليست به زمانة ولا به عمى يمنعه عن ~~الصراط؛ فيكون قوله: (يمشي مكبا على وجهه) هو الأعمى، والذي يمشي سويا على ~~صراط مستقيم هو السميع البصير؛ فيكون معناه ما قال في سورة هود: (مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا). # * * * # قوله تعالى: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ~~ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ~~(26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ~~(27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين ~~(29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30). # وقوله - عز وجل -: (قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون). # فهذه الآية صلة قوله: (الذي خلق الموت والحياة)، وصلة قوله: (الذي خلق ~~سبع سماوات طباقا)، وقوله: (الذي جعل لكم الأرض ذلولا)، ثم في ذكر الإنشاء ~~وجعل السمع والأبصار والأفئدة تذكير قوته وسلطانه وعلمه وحكمته وآلائه ~~وتعاليه عن الأشباه والأمثال: # فوجه تذكيره القوة والسلطان والعلم والحكمة ما يوصف بعد هذا، ويذكر في # PageV10P126 # سورة المرسلات وفي سورة (والسماء والطارق) وسنذكر طرفا من ذلك هاهنا بعون ~~الله تعالى وتوفيقه، فنقول بأن الله تعالى أنشأنا في أظلم مكان وأضيق موضع، ~~بحيث لا ينتهي إليه تدبير البشر وعلومهم وحكمتهم وقواهم؛ لأن علم الخلق لا ~~يجد نفاذا في الظلمات، وكذلك حكمته، ثم إن الله تعالى أنشأه في تلك الظلمات ~~كيف شاء، وأجرى سلطانه وتدبيره على ذلك الشيء؛ ليعلم به أن علمه بالخفيات ~~من الأمور كعلمه بما ظهر منها، ويعرف الخلائق أنه لا يخفى عليه شيء، ~~فيدعوهم ذلك إلى المراقبة في كل ما يسرون وما يعلنون، ويوجب ما ذكرنا نفي ~~تقدير قوته وعلمه وسلطانه بقوى البشر وعلومهم وسلطانهم؛ فيكون فيه إيضاح ms4672 عن ~~الشبه التي اعترت منكري البعث في أمر البعث، ويحملهم على الإيمان به إذا ~~أمعنوا النظر فيه، وليعلموا أن من بلغت حكمته ما ذكرنا لا يجوز أن يخلقهم ~~سدى لا يخاطبهم ولا ينهاهم بل يتركهم هملا. # وأما وجه تعاليه عن الأشباه والأشكال: هو أنه أنشأ الخلق في أظلم مكان ~~وأضيقه كان فيه إبانة أنه لا يوصف بالكون في ذلك المكان الذي ظهر فيه آثار ~~فعله؛ لأنه في وقت ما خلق عمرا في بطن أمه، فقد خلق زيدا في ذلك الوقت في ~~بطن أمه، وخلق خلائق في بطون الأنعام والسباع وبطون بنات آدم، وأنشأ النبات ~~في الأرضين في ذلك الوقت، ولو كان يوصف بالكون في مكان الفعل، لكان إذا أخذ ~~في خلق هذا لا يخلق في ذلك الوقت في أقطار الأرض أمثاله من الخلائق؛ فدل أن ~~الفعل ليس يتحصل منه بشهوده المكان الذي ظهر فيه فعله، وإنما يكون بما ظهر ~~لنا بمقتضى قوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون). # وأما سائر الفعلة فهم لا يتمكنون من الفعل إلا بشهودهم مكان الفعل؛ فهذا ~~الذي ذكرناه ينفى عنه شبه الخلق، ويوجب تعاليه عن الأشكال، وفيه تذكير نعمه ~~ومننه على خلقه؛ ألا ترى أنه قال على أثر هذا: (قليلا ما تشكرون)؟! # ولو لم يكن منعما مفضلا، لم يكن يستأدي منهم الشكر. # ووجه النعمة: هو أنه قدره في تلك الظلمات وصانه عن الآفات، وعن كل أنواع # PageV10P127 # الأذى، وغذاه في ذلك الموضع بما شاء من الأغذية، وستره عن أبصار ~~الناظرين، وغيبه عن أعينهم؛ لأنه في تلك الحال بالمحل الذي يستعاف ويستقذر ~~منه، ولا يمكن أن يدفع عنه المعنى الذي وقعت به الاستعافة والاستقذار ~~بالتطهير، وأنشأ له السمع والبصر والفؤاد؛ ليصل بها إلى أنواع العلوم ~~والمصالح؛ فلزمهم أن يقوموا بشكر ذلك. # وفيما ذكرنا نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى لو خلقهم على ~~غير الوجه الذي ظهر، لكان جائرا؛ لأن من مذهبهم: أنه لا يفعل بهم إلا ما هو ~~أصلح لهم. وإذا ms4673 كان خلقهم هو الأصلح، ومن شرطه فعل الأصلح، فإذن هو صار ~~قاضي حق، وليس لقاضي الحق على المقضي موضع منة، ولا منه بمكانة ولا نعمة ~~يلزمه شكرها له. # ثم قوله عز وجل: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة): # أي: جعل لكم السمع؛ لتسمعوا ما غاب عنكم ونأى، فتعرفوه بالسمع، وأنشأ لكم ~~الأبصار؛ لتبصروا بها ما حضر من الأشياء، وتعرفوا بها ما ينفعكم وما يضركم، ~~وما خبث منها وما طاب، وأنشأ لكم أفئدة تدركون بها حقائق الأشياء، ومبادئ ~~الأمور ومآلها، وما حل منها وما حرم. # ثم خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر؛ لما بها يتوصل إلى العلوم ومعرفة ~~الأشياء؛ قال الله - تعالى -: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)، ومعناه: أنه أنشأ ~~لكم هذه الأشياء؛ لتهتدوا بها، وتصلوا بها إلى أنواع العلوم؛ فثبت أن هذه ~~الأشياء هي التي يتوصل بها إلى العلم والحكمة، وإلى ما به المصلحة ~~والمنفعة؛ ولذلك قال: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، ~~فلو لم يقع بها الوصول إلى علم الأشياء، لكان لا يخص بالسؤال عنها. # وقوله - عز وجل - (قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) جمع في ~~هذه الآية بين خبرين: # أحدهما: مما قد نوزع فيه، وهو قوله: (وإليه تحشرون) فإن بعض الكفرة ~~ينكرون الحشر والبعث. # والثاني: مما لم يقع فيه التنازع، وهو قوله: (قل هو الذي ذرأكم في ~~الأرض). # ثم إن الله - تعالى - جعل ابتداء الخلق دلالة القدرة على الإعادة بقوله: ~~(قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)، وقال: ~~(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه). # PageV10P128 # وإذا جعل الابتداء دليل الإعادة، لزمهم أن يستدلوا به، فهو وإن ذكره على ~~وجه الجمع لا على وجه الاحتجاج، ففيه موضع الاحتجاج عليهم. # وقوله عز وجل: (في الأرض) فيه إخبار أنه خلقهم في الأرض؛ ليشاهد بعضهم ~~خلق بعض في الابتداء؛ فيعلموا أنهم لم يكونوا على الحالة التي هم عليها ~~للحال، بل كانوا نطفا ms4674 وعلما وأطفالا إلى أن انتهوا إلى الحالة التي هم ~~عليها، فإذا تقرر عندهم أمر الابتداء، أوجب لهم ذلك علما بالقدرة على ~~الإعادة. # أو يكون قوله: (في الأرض) أي: أنشأكم، وجعل لكم مساكن في الأرض، وبسطها ~~لكم لتنتفعوا بها، وجعلها لكم كفاتا؛ فيكون فيه تذكيره النعمة والقدرة ~~والسلطان. # وقوله عز وجل: (ذرأكم) أي: كثركم من أصل واحد، كما قال - تعالى -: (خلقكم ~~من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء). # ومعلوم بأن الخلق على كثرتهم، لم يكونوا في نفس واحدة، ومن قدر على خلق ~~الأنفس من نفس واحدة، لقادر على إعادة ما قد سبق كونه. # وقوله - عز وجل -: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) فقولهم ~~هذا خرج مخرج الاستهزاء، أو الاستخفاف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه - عليه السلام - أن يجيبهم بالجواب الذي ~~يليق من الحكماء، ولم يأذن له أن يجازيهم باستخفافهم إياه استخفافا مثله؛ ~~فقال: (قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (26) يبين لهم أنه لا ~~ينذرهم إلا بالذي أمره به، ولا يبلغ إليهم إلا ما قد أنزل إليه، وأمر ~~بتبليغه، وفي هذه الآية دلالة نبوته، وآية رسالته؛ لأنه لو لم يكن رسولا ~~-كما زعموا- وكان مختلقا من تلقاء نفسه، لكن يمكنه أن يحيل ذلك إلى وقت لا ~~يظهر غلطه فيه، ولا كذبه لديهم، وهو أن يحيله إلى وقت لا يعيش إلى مثل ذلك ~~الوقت، فإذا لم يفعل، بل قال: (إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) ~~دلهم ذلك على رسالته، وأنه إذا كان رسولا، لم يكن له أن يزيد في الرسالة، ~~ولا أن يتكلف من عنده فيها زيادة؛ كما ذكر في قوله: (عبس وتولى)، أن فيه ما ~~يقرر رسالته عندهم من الوجه الذي يذكر في تلك السورة، إن شاء الله تعالى. # وقوله عز وجل: (وإنما أنا نذير مبين)، أي: لا أزيد في الإنذار على القدر ~~الذي أمرت به. # وقوله - تعالى -: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا ms4675 الذي ~~كنتم به تدعون (27) جائز أن يكون قوله تعالى: (رأوه)، أي: رأوا الذي وعدوا، ~~وقوله: (زلفة)، أي: قريبة. # ثم أنث " الزلفة "؛ لما أريد بها الأحوال التي تكون في ذلك اليوم من ~~الأهوال # PageV10P129 # والشدائد، ويكون قوله: (رأوه) كناية عن ذلك اليوم، فذكر؛ لأن اليوم مذكر، ~~وجعل " زلفة " بلفظ التأنيث؛ لأنها كناية عن الأهوال التي تكون في ذلك ~~اليوم. # وجائز أن يكون قوله: (زلفة)، أي: رأوا تلك الأهوال والشدائد قريبة عن ~~الأوقات التي وعدرا فيها، فعلموا أنها كانت قريبة منهم وإن كانوا ~~يستبعدونها في هذا اليوم، وهو كقوله: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها)، وقال: (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا). # وكذلك إذا رأوا شدائد ذلك اليوم وأهواله، علموا أن الوقت الذي كان يوعدهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قريبا منهم. # وقوله: (سيئت وجوه الذين كفروا). # فسيئت، من ساءت، أي: ساءت وجوههم، أو قبحت وجوههم بتغير ألوانها. # وقوله - تعالى -: (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون). # قال أبو بكر الأصم: معناه: تمنعون وتدفعون كقوله تعالى: (فذلك الذي يدع ~~اليتيم)، وقوله: (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا): دفعا. # وليس الأمر كما ذكره؛ لأنه لو كان من الدفع والمنع، لكان حقه أن يشدد ~~العين، لا الدال كما شددت في قوله: (يدع اليتيم)، فإذا شددت الدال دون ~~العين، ثبت أن اشتقاقه ليس من " الدع "، ولكنه من " الادعاء "؛ إذ الدال هي ~~المشددة؛ فتأويله - والله أعلم -: (هذا الذي كنتم به تدعون)، أي: هذا الوقت ~~الذي كنتم تكذبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدعون عليه أنه كاذب ~~في الإخبار. # وجائز أن يكون قوله: (تدعون)، أي: تدعون، وقد يستعمل الإدعاء مكان ~~الدعوة؛ كما يقال: ذكر واذكر، وخبر واختبر. # وقوله - عز وجل -: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم (28). # ففي هذه الآية دلالة أن في حكمة الله مشيئة المغفرة والعقاب لمن ارتكب ~~غير الكفر من الزلات، وإيجاب العقاب على من اعتقد الكفر ms4676 والتزمه، وأن ليس ~~في الحكمة عفو مثله من العقوبة؛ لأنه قال: (أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي ~~أو رحمنا) فأثبت فيه خيار الإهلاك ومشيئة الرحمة والمغفرة، ومعلوم بأنه ~~يهلك ومن معه أو يرحم عندما يبتلى بالزلات؛ وكذلك قال: (إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)؛ فجعل لنفسه مشيئة المغفرة لمن توقى ~~الكفر، وحكم بإيجاب العقاب على من أشرك به. # PageV10P130 # والذي يدل على أن الحكمة توجب ما ذكرنا: أن الكفر لنفسه قبيح لا يحتمل ~~الإطلاق ولا رفع الحرمة؛ لما فيه من السفه؛ لأن من رضي بشتم نفسه فهو سفيه، ~~فعلى ذلك عقوبته لا تحتمل في الحكمة رفعها والعفو عنها. # أو لما كان الكفر لا يحتمل الإباحة ورفع العقوبة، والإفضال بالمغفرة يخرج ~~مخرج الإباحة لذلك - لم يجز القول فيه بالمغفرة والعفو، وسائر المآثم جائز ~~رفع الحرمة عنها. # ولأن الكافر اختار عداوة الله تعالى وكفران نعمه، والذي اعتقد الإسلام ~~اختار ولايته، والحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي العفو عنه ~~وإكرامه والإحسان إليه تسوية بين الولي والعدو، وفي ذلك تضييع الحكمة؛ ولأن ~~الكافر عند نفسه أنه على الحق والصواب وغيره على الباطل والضلال، وأنه غير ~~مستوجب للعذاب؛ يدل على ذلك حكايته عن أهل الكفر: (وقالوا نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين)، فالله تعالى إذا أنعم عليه بالعفو وتطول عليه ~~بالإحسان، لم يقع ذلك عنده موقع التجاوز والغفران، بل يقع عنده أنه إنما ~~أحسن إليه؛ لاستحقاقه الإحسان، وعفا عنه لما سبق منه ما يستوجب به العقاب، ~~وإذا كان كذلك أدى ذلك إلى تضييع الإحسان وتضييع العفو وإبطال النعمة؛ فثبت ~~أن الحكمة لا توجب العفو عن الكافر؛ إذ يحصل بذلك العفو في غير موضعه، وأما ~~أهل الإسلام الذين سبقت منهم الأجرام فقد علموا أن الذي سبق منهم زلات ~~ومآثم، وأن العذاب قد لزمهم، وأنهم مستوجبون للعقاب، فإذا عفا عنهم، علموا ~~أنهم إنما نالوا العفو بفضل الله تعالى فيقع الإحسان موقعه. # ولأن من أحسن إلى عدوه في الشاهد، ولم ms4677 يقصد بإحسانه إليه قصد استدراجه ~~والمكر به، فهو إنما يحسن إليه لما يخاف ناحيته، ويخرج فعله هذا مخرج ~~التذلل له، فلو لم يؤاخذ الله الكافر بما تعاطى من الكفر، بل أحسن إليه من ~~غير تبعة عليه، خرج عفوه وإحسانه إليه مخرج الخوف وإظهار التذلل، والله ~~تعالى يجل عن هذين الوصفين؛ فثبت أن الحكمة توجب القول بالتخليد وتمنع ~~القول بالعفو، والله أعلم. # وفي قوله: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا) دلالة أن لله ~~تعالى أن # PageV10P131 # يعذب على الصغائر؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع من سبقه من ~~الأنبياء - عليهم السلام - قد عصموا عن ارتكاب الكبائر؛ فلا يجوز أن ~~يرتكبوا الكبائر فيهلكوا لأجلها؛ فثبت أنهم لو أهلكوا لأهلكوا بالصغائر، ~~فلو لم يكن لله - تعالى - أن يعذب أهل الصغائر، لصار هو بإهلاكه إياه بمن ~~معه جائرا ظالما، وجل الله تعالى عن الوصف بالجور، وقال - تعالى -: (ليغفر ~~لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، ولو لم يكن لله - تعالى - أن يعذب على ~~الصغائر أحدا، لم يكن له على رسوله - صلى الله عليه وسلم - موضع الامتنان ~~بما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. # ثم الحق أن يقال: إن جميع الخوارج والمعتزلة لا يجوز أن يغفر الله تعالى ~~لهم؛ لارتكابهم الكبائر، وإنما هذا الرجاء الذي ذكرنا لغيرهم من منتحلي ~~الإسلام؛ لأنهم يقولون: لا يجوز أن يغفر الله تعالى لأهل الكبائر، ولا أن ~~يتطول عليهم بالعفو، بل حق أمثالهم أن يخلدوا في النار أبد الآبدين، وإذا ~~كان هذا هو الحكم فيهم، فالله تعالى إن غفر لهم ومن عليهم بالعفو، وقع ~~عندهم أنه إنما عفا عنهم؛ لأن الذين ارتكبوا من المآثم لم تكن كبائر بل ~~كانت صغائر؛ إذ لا يجوز المغفرة عن الكبائر؛ فيحصل العفو في غير موضعه ~~والإحسان في غير موقعه، وأما غيرهم من منتحلي الإسلام فهم يرجون عفوه وسعة ~~رحمته في كل آثامهم، فإذا تفضل عليهم بالمغفرة وقع العفو عندهم موقعه؛ فلا ~~يكون فيه تضييع الإحسان، تعالى الله ms4678 عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ثم قوله عز وجل: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا). # أي: قل إن أهلكني الله ومن معي بما سبق من الأجرام والزلات، أو رحمنا بما ~~سبق منا من الإيمان به والانقياد لأمره والخضوع لطاعته، (فمن يجير ~~الكافرين) أي: أي شيء يجير الكافرين من عذابه، ولم يسبق منهم إلى ربهم حسنة ~~يرحمون لأجلها، ولا طاعة يستوجبون الغفران بها؟! أو فمن يجيرهم من عذاب ~~الله تعالى إن حل بهم؟! فكأنه قيل له: قل لهم: هذا لأنهم كانوا يعبدون ~~الأصنام؛ رجاء أن تنصرهم من العذاب الأليم، فيقول: لا تجيرهم تلك الأصنام ~~من العذاب الأليم، والله أعلم. # PageV10P132 # وقوله - تعالى -: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ~~ضلال مبين (29). # فجائز أن يكون معناه: أن الذي خلق الموت والحياة وخلق سبع سماوات طباقا، ~~وجعل الأرض ذلولا، ويعلم السر والجهر -هو الرحمن؛ فيكون فيه إنباء أن خالق ~~السماوات والأرض وخالق الموت والحياة وخالق أفعال العباد وأفعال الطير- هو ~~الرحمن جل جلاله. # وقوله - عز وجل -: (آمنا به) أي: آمنا أنه خالق ما ذكرنا، وأنه المتعالي ~~- عن الأشباه والأمثال والبريء من كل العيوب. # وجائز أن يكون هو اسما من أسماء الله تعالى على ما نذكره في سورة ~~الإخلاص؛ فيكون هو والرحمن اسمين من أسمائه. # وقوله: (وعليه توكلنا). # فجائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوفه المشركون بأنواع من ~~المخاوف، فقيل له: قل: عليه توكلنا، أي: اعتمدنا عليه؛ هو الذي يدفع عنا ~~شركم وينصرنا عليكم. # وقوله: (فستعلمون من هو في ضلال مبين). # فجائز أن يكونوا نسبوه أيضا إلى الضلال وادعوا أنهم على الهدى ولم ينظروا ~~في آيات الله تعالى ليتيقنوا بها من المهتدي منهم ومن الضال؟ فقال: ~~(فستعلمون من هو في ضلال مبين) إذا جاءكم بأس الله، وذلك عند الموت أو في ~~الآخرة. # وقوله: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30). # فهذا صلة قوله: (أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه)، فيقول أيضا: من ms4679 الذي ~~يأتيكم بماء معين إذا أصبح ماؤكم غورا. # والمعين: هو الماء الذي تقع عليه العين فيراه البصر، والله أعلم. # * * * # PageV10P133 # سورة (ن والقلم) وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن ~~لك لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4). # قوله - عز وجل -: (ن)، اختلف في تأويل نون: # فمنهم من يقول: هو الحوت؛ كقوله: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا)، فنسبه إلى ~~النون وهو الحوت؛ ألا ترى إلى قوله: (فالتقمه الحوت وهو مليم). # ومنهم من يقول: " النون " هو الدواة، فتأويل هذا على جهة الموافقة؛ لأنه ~~ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق هاهنا سوى الدواة؛ فحمله على الدواة؛ لأجل ~~الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم. # ومنهم من يقول: هي فارسية معربة " أنون كن "، أي: اصنع ما شئت، يقال هذا ~~عند الإياس: أن المرء إذا أيس عن آخر قال له: اصنع ما شئت إذن. ومنهم من ~~يقول: هو من الحروف المقطعة، ويشبه أن يكون كذلك؛ لأنه ذكر القلم وما يسطر ~~على أثره، وإنما يكتب بالقلم ويسطر الحروف المعجمة، فأخبر - تعالى - عظيم ~~صنيعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف وخلقه القلم وما يسطر عليه؛ حيث يوصل بها ~~إلى معرفة الحكمة وكل ما يكون به المصلحة من الدين والدنيا، بل جعل قوام ~~الدين والدنيا بها. # ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله تعالى، أو ~~افتتاح اسم من أسمائه، وكذلك يروى عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أنه ~~قال # PageV10P134 # ذلك. # فإن كان النون اسما من أسماء الله تعالى، فالقسم به قسم بالله تعالى، وإن ~~كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ~~ومصالحهم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2). # فموضع القسم هذا أقسم بما ذكر (ما أنت بنعمة ربك بمجنون): ما أنت بما ~~أنعم الله عليك بمجنون؛ وهذا ms4680 يحتمل أوجها: # أحدها: أي: نعمة ربك حفظتك عن الجنون؛ فنفى عنه الجنون بقوله: ما أنت بما ~~أنعم الله عليك بمجنون، وهذا كما يقال: ما أنت بحمد الله بمجنون، يراد به ~~نفي الجنون. # والثاني: أنك لست ممن خدعته النعمة واغتر بها حتى شغلته عن العمل بما له ~~وعليه، والمجنون في النعمة هو الذي غرته النعم وألهته عن التزود للمعاد. # أو ما أنت بغافل عن نعمة السيد، وهو الرب - جل جلاله - بل تذكرها وتشكر ~~الله تعالى عليها، والمجنون من غفل عن النعمة وأعرض عن شكرها. # ثم الكفرة كانوا ينسبونه إلى الجنون: إما لما كان يغشى؛ لثقل الوحي، ~~فكانوا ينسبونه لهذا، وإما لما رأوا أنه خاطر بنفسه وروحه حيث خالف أهل ~~الأرض، وفيها الجبابرة والفراعنة، وانتصب لمعاداتهم، ومن قام بخلاف من لا ~~طاقة له معه وانتصب لمعاداته، فذلك منه في الشاهد جنون، فأجاب الله تعالى ~~للفريقين جميعا: أما للأول بقوله: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله ~~مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة). # أي: كيف تنسبونه إلى الجنون وعند الإفاقة من تلك الغشية يأتيهم بحكمة ~~وموعظة يعجز حكماء الجن والإنس عن إتيان مثله، وليس ذلك من علم المجانين، ~~ولا مما يمكن تحصيله في حال الجنون؛ لأن المجنون إذا أفاق من غشيته، تكلم ~~بكلام لا يعبأ بمثله، ولا يكترث له. # PageV10P135 # وأجاب لمن كان نسبه إلى الجنون؛ لما خاطر بروحه ونفسه بقوله: (إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فأخبر أن الذي حمله على المخاطرة بروحه وجسده ~~هو أنه مأمور بالتبليغ والنذارة، فهو يقوم بما أمر، وإن أدى ذلك إلى إتلاف ~~النفس، ثم - بحمد الله تعالى - لم يتهيأ للفراعنة أن يقتلوه ولا تمكنوا من ~~المكر به، بل أظفره الله تعالى عليهم حتى قتلهم ورد كيدهم في نحورهم؛ فصار ~~الوجه الذي استدلوا به على جنونه آية رسالته ودلالة نبوته، والله الهادي. # وقوله - عز وجل -: (وإن لك لأجرا غير ممنون (3). # قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة ms4681 رحمة ~~وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عز وجل -: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى)، فليس لأحد عليك منة تؤذيك. # وقال بعضهم: (غير ممنون) أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال ~~حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع ~~عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته. # وقال بعضهم: (غير ممنون) أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى ~~بفناء الحساب. # وقوله - عز وجل -: (وإنك لعلى خلق عظيم (4). # خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: (خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)؛ وكقوله: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)؛ ~~وكقوله: (واخفض جناحك للمؤمنين)، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن ~~الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم ~~الخلق. وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، والله أعلم. # وقال بعضهم: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد ~~لأمر الله تعالى، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع ~~الأذى، وذلك من أعظم الخلق. # PageV10P136 # والأصل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلف معاملة أعداء الله تعالى ~~ومعاملة أولياء الله وأنصاره، وكلف أن يرفض الدنيا ويتزهد فيها، وكلف ~~معاملة الصغير والكبير والعالم والجاهل والجن والإنس، وكلف معاملة نسائه، ~~ومن كلف المعاملة مع هؤلاء، لم يقم بها إلا بخلق عظيم، ورزقه الله تعالى ~~خلقا عظيما حتى احتمل المعاملة، وقام معهم بحسن العشرة، وحتى عوتب على عظيم ~~خلقه بقوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، وبقوله: (يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك)، وقال: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)، ~~وقال (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، فالذي حمله على هذه المشقة والكلفة ~~العظيمة حسن خلقه وفضل شفقته ورحمته، فعظم خلقه أن خلقه جاوز قوى نفسه حتى ~~ضعفت نفسه عن احتماله وكادت تهلك فيه، وغيره من الخلائق تقصر أخلاقهم عن ~~قوى أنفسهم، وأنفسهم: تحتمل أضعاف ما هم عليه من الخلق وتضيق أخلاقهم عن ~~ذلك، فهذا الذي ذكرنا ms4682 هو النهاية في العظم، وبالله التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن ~~فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير ~~معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16). # وقوله - عز وجل -: (فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6). # قال جعفر بن حرب: (المفتون) في هذا الموضع هو المفتون بضلالته، المعجب ~~بخطئه المشغوف بجهله. # وقال الحسن: (المفتون) هو الذي معه الشيطان. # وقيل: (المفتون) من به الفتنة كما يقال: فلان لا معقول له، أي: ليس له ~~عقل. # وقيل: (المفتون): المعذب؛ كقوله - عز وجل -: (يوم هم على النار يفتنون)، ~~أي: يعذبون؛ فكأنه يقول: ستعلمون أيكم المعذب؟ وأيكم الضال؟ إن حمل على ما ~~ذكر الحسن، وأيكم المغتر إن كان معناه على ما ذكروا أن المفتون من الفتنة. # PageV10P137 # وجائز أن يكون نسبوه إلى الاغترار فيما كان يدعي من الرسالة، ويزعمون أنه ~~مغتر بها، ويغر بهما غيره كما قال المنافقون: (ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا)، فحق هذا عندنا ألا يتكلف تفسيره؛ لأنه قال: (فستبصر ويبصرون (5) ~~بأيكم المفتون)، فذكر هذا جوابا عما وقعت فيه الخصومة، فكانوا يزعمون أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المفتون، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يذكر أنهم هم المفتونون، فخرج هذا جوابا عن تلك الخصومة: أنهم وأنت ~~ستبصرون، وقد وقعت الخصومات من أوجه: # فمرة كانوا يدعون أنه ساحر، ومرة كانوا يدعون أنه مجنون، ومرة بأنه ضال، ~~ومرة أنه مفتر وغيرها من الوجوه، فإذا ثبت أن الآية نزلت في حق الجواب فما ~~لم يعلم بأن الخصومة فيم كانت، لم يعلم إلى ماذا يصرف الجواب، والله أعلم. # ويشبه أن تكون الخصومة الواقعة في الضلال والهدى، فكانوا يدعون أنهم على ~~الهدى، وأنهم بالله أحق وإليه أقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعي أنهم على ms4683 الضلال، وأنه على دين ~~الحق والهدى، يدل على ذلك ذكر الضلال والهدى بعد ذكر المفتون، وهو قوله: ~~(إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7). # ثم هذه الآيات كأنها نزلت جوابا من الله تعالى عما كان يحق لمثله الجواب ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الله تعالى لما امتحن رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالعفو والإعراض عن المكافأة في الجواب، تولى الله ~~تعالى الجواب عنه بقوله - تعالى -: (إن ربك هو أعلم)، أي: قد تعلمون أن ~~ربكم أعلم، (بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)، وسنبين لكم ذلك. # وقوله - عز وجل -: (فلا تطع المكذبين (8) وقال في موضع آخر: (ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا)، ليس في قوله: (فلا تطع المكذبين) أمر من الله تعالى ~~بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به لا يجوز له أن يتقدم بين يديه ~~فيأمره أو ينهاه عن # PageV10P138 # أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه ~~إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا ~~يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: (فلا تطع المكذبين) أمرا بطاعة المصدق؛ ~~وهو كقوله - تعالى -: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، فليس فيه أنه إذا ~~لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي ~~كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، ~~وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم ~~فيما غايره بخلافه، والله أعلم. # وقوله: (المكذبين) هم المكذبون بآيات الله تعالى أو بوحدانيته أو برسله ~~أو بالبعث. # ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون ~~منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعا ms4684 إلى ذلك ~~الوقت، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدين والتشمير لأمر الله تعالى فلا ~~يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه. # وجائز أن يكون دعاؤهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر من قوله: ~~(ودوا لو تدهن فيدهنون) والمداهنة هي الملاطفة والملاينة في القول. # ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر آلهتهم بالسوء ويسفههم ~~بعبادتهم إياها ويسفه أحلامهم ويجهلهم، وهم لم يكونوا يجدون في رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -مطعنا؛ فكانوا ينسبونه إلى الكذب مرة وإلى الجنون ~~ثانيا وإلى السحر ثالثا، وكانوا يتخذونه هزوا إذا رأوه، وكانوا يطعنون فيه ~~من هذه الأوجه بإزاء ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسفههم ويذكر ~~آلهتهم بسوء، مع علمهم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن؛ ألا ترى إلى قوله ~~- تعالى -: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك)، فأخبر - ~~تعالى - أنهم ليسوا يكذبونه لما وقفوا منه على الكذب، بل قد كانوا عرفوه ~~بالأمانة والصدق، ولم يكونوا وقفوا منه على كذب قط، وإنما الذي حملهم على ~~التكذيب واتخاذهم إياه هزوا ذكر آلهتهم بسوء، وكذلك قال: (وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم)، فكانت معاملتهم هذه ~~مجازاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV10P139 # وقوله - عز وجل -: (ودوا لو تدهن فيدهنون (9). # يخرج على هذا - إن شاء الله تعالى -: هو أنك لو تركت ذكر آلهتهم بسوء، ~~ولم تسفه أحلامهم؛ لامتنعوا هم أيضا عما هم عليه من نسبتهم إياك إلى الجنون ~~والسحر والكذب وغير ذلك، ولكنه كان يذكرهم بما يذكرهم وهو في ذلك محق، وهم ~~كانوا يذكرونه بما قالوا بالباطل والزور؛ فيكون قوله: (فلا تطع المكذبين) ~~فيما يدعونك إلى المداهنة، ثم هم لو داهنوا كانوا في مداهنتهم محقين، فإذا ~~تركوا ذلك فقد تركوا الحق الذي كان عليهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لو داهنهم، لم يكن في مداهنتهم محقا؛ فلذلك نهي عن المداهنة. # وقال بعض أهل التفسير: (ودوا لو تدهن فيدهنون)، أي: ms4685 لو ترفض ما أنت عليه ~~من الدين؛ فيرفضون ما هم عليه من الدين؛ وهذا لا يستقيم؛ لأنه إذا رفض ما ~~هو عليه من الدين كفر، وهم لو تركوا ما هم عليه، صاروا مسلمين، فيبقى بينهم ~~الاختلاف الذي لأجله دعوا إلى المداهنة وودوها. # وقوله - عز وجل -: (ولا تطع كل حلاف مهين (10). # قيل: إن هذه الآيات نزلت في واحد يشار إليه، وهو الوليد بن المغيرة ~~المخزومي، وفيما يشار إلى واحد لا يطلق فيه لفظة " كل " فيقال: (ولا تطع كل ~~حلاف مهين)، والحلاف المهين ليس إلا واحدا، ولكن معناه: ولا تطع هذا ولا كل ~~من يوجد فيه هذه الصفة، ثم ذكر المرء بقوله: (حلاف مهين (10) هماز مشاء ~~بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) يخرج مخرج الهجاء والشتم في الشاهد؛ ~~لأن ذكر المرء بما هو عليه من ارتكاب الفواحش والمساوئ تهجين له وشتم، وجل ~~الله ورسوله أن يقصدوا إلى شتم إنسان، فالآية ليست في تثبيت فواحشه، وإنما ~~هي في موضع التوبيخ والزجر عن اتباع مثله، وذلك أنه كان من رؤساء الكفرة، ~~وممن بسطت عليه الدنيا؛ فكان القوم يتبعونه وينقادون له فيما يدعوهم إلى ~~الصد عن سبيل الله، فذكر الله تعالى فيه هذه الأشياء، وأظهرها للخلق؛ ~~ليزهدهم عن اتباعه؛ إذ كل من كانت فيه هذه الأحوال، لم تسخ نفس عاقل ~~باتباعه، ولا احتمل طبعه طاعة مثله؛ فلا يتمكن من صد الناس عن سبيل الله ~~تعالى، # PageV10P140 # فكان في ذكره بالعيوب التي هي فيه زجر الناس عن طاعته؛ فذكرها لإثبات هذا ~~الوجه، لا أن يكون فائدتها تحصيل الشتم والهجاء؛ وكذلك ذكر أبا لهب بالتب ~~والخسار وما هو عليه من الفواحش؛ ليزجر الناس عن اتباعه. # وفي هذه الآيات دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - من الوجه الذي ~~نذكره في سورة " تبت " إن شاء الله تعالى. # ثم قيل: المهين من المهانة، ومن المهنة، ومن الوهن، وهو الضعف. # ثم قوله: (هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) جائز أن يكون ~~استوجب المهانة؛ لكونه همازا مشاء بالنميم وبمنعه الخير واعتدائه؛ فيكون ms4686 ~~هذا كله تفسير (مهين)، فإن كان هكذا فقوله: (مهين) من المهانة هاهنا. # ثم لا يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشى عليه طاعة من ~~هذا وصفه، وأن يميل قلبه إليه، ولكن النهي لمكان غيره وإن كان هو المشار ~~إليه بالذكر. # وجائز أن يكون قوله: (كل حلاف مهين) تمام الكلام، ويكون قوله: (هماز مشاء ~~بنميم) على الابتداء؛ فكأنه يقول: لا تطع كل حلاف مهين، وكل هماز مشاء ~~بنميم، وكل معتد أثيم، وكل عتل زنيم. # وتفسير الهمز يذكر في تفسير سورة الهمزة، إن شاء الله تعالى. # والمشاء بالنميم: هو الذي يسعى في الفرقة بين الإخوان، ويقوم فيما بينهم ~~بالقطيعة. # والمناع للخير: قال بعضهم: إنه كان يمنع أهل الآفاق من كان بحضرته عن ~~اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقول: إنه ضال مضل، فقيل: مناع ~~للخير؛ لهذا. # ومنهم من ذكر: أنه كان يمنع ولده من الاختلاف إلى مجلس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وجائز أن يكون منعه للخير هو امتناعه عن أداء الحقوق التي لله تعالى ~~الواجبة في ماله. # وقوله - عز وجل -: (معتد). # أي: معتد حدود الله تعالى، أو ظالم لنفسه. # وقوله - عز وجل -: (أثيم). # PageV10P141 # الأثيم: هو المرتكب لما يأثم به. # وقوله - عز وجل -: (عتل بعد ذلك زنيم (13). # العتل: الفظ الغليظ، والشديد الظلوم. # وقيل: هو الفاحش اللئيم الضريبة. # وقال مجاهد: العتل: الشديد الأشر، أي: الخلق، وقد روي في الخبر عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل ~~الزنيم "، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، وما الجواظ، والجعظري ~~والعتل الزنيم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما الجواظ فالذي ~~جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى، وأما الجعظري: فالفظ الغليظ؛ قال الله ~~تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك)، وأما العتل الزنيم: هو الشديد الخلق، الرحيب الجوف المصحح، الأكول ~~الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس "، وأما الزنيم: هو الدعي ~~الملصق بالقوم الملحق ms4687 في النسب. # واستدلوا على ذلك بقول الساعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه؟ ... بغي الأم ذو حسب لئيم # ويقول آخر: # زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع # ومنهم من قال: إنه كانت به زنمة في أصل أذنه يعرف بها. # ومنهم من يقول: الزنيم: هو العلم في الشر. # ولقائل أن يقول: إذا كان تأويل العتل ما ذكر في الخبر، ومعنى الزنيم: ~~الدعي أو ما # PageV10P142 # ذكر من العلامة، فكيف عير بهذه الأشياء، ولم يكن له في ذلك صنع، والمرء ~~إنما يعير بماله فيه صنع لا بما لا صنع له فيه؟! # فيجاب عن هذا من وجهين: # أحدهما: ما ذكرنا: أن ذكره بما فيه من العيوب ليس لمكان المذكور نفسه، ~~ولكن لزجر الناس عن اتباعه؛ لأن من اشتمل على العيوب التي ذكرها، وكان مع ~~ذلك عتلا زنيما، فأنفس الخلق تأبى عن اتباعه، ففائدة تعييره بما أنشئ عليها ~~ما ذكرنا من الحكمة لا تعييره. # والثاني: أن ذكر أصله كناية عن سوء فعله؛ ليعلم أن خبث الأصل يدعو ~~الإنسان إلى تعاطي الأفعال الذميمة، وصحة الأصل وحسنه ونقاوته يدعو صاحبه ~~إلى محاسن الأخلاق وإلى الأفعال المرضية. # وقوله - عز وجل -: (أن كان ذا مال وبنين (14). # فيخبر أن من يتبعه، يتبعه لكثرة أمواله وبنيه؛ وذلك لأن كثرة المال ~~للإنسان من أحد ما يستدعي قلوب الخلق إلى تعظيمه، فذكر ما فيه من العيوب ~~والمساوئ؛ لئلا يستميل قلوب الضعفة إلى نفسه بماله، فيقول: كيف تتبعونه وهو ~~بهذا الوصف الذي وصفه الله تعالى؟! # ثم أخبر عن معاملته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) ثم قوله: (إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين)، وإن كان عاما بظاهره، لكن لم يرد به العموم؛ لأن قوله: ~~(إن هذا إلا أساطير الأولين)، ليس في كل الآيات، وإنما هو في الآيات التي ~~هي في حق الإخبار عن الأمم السالفة، وأما إذا تليت عليه الآيات التي فيها ~~دلالة إثبات الرسالة ودلالة التوحيد ودلالة البعث، فقوله فيها ما قال ms4688 في ~~سورة المدثر: (إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر)، وهذا دليل على ~~أنه لا يجب اعتقاد ظاهر العموم ما لم يعلم بيقين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (سنسمه على الخرطوم (16). # قيل: شينا لا يفارقه، فجائز أن يكون جعل هذا في الدنيا؛ لكي يعلمه ويذكره ~~من رآه فيجتنب صحبته؛ فهو يصير شينا من هذا الوجه؛ فيخرج هذا مخرج العقوبة ~~لشدة تعنته # PageV10P143 # على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعظيم أذاه له. # وجائز أن يكون هذا في الآخرة، فيجعل الله تعالى في أنفه علما يتبين به، ~~ويمتاز من غيره يوم القيامة؛ زيادة له في العقوبة، كما جعل لآكلي الربا يوم ~~القيامة علما يعرفون به، وذلك قوله: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس). # وجائز أن يكون: نسم خرطومه خصوصا له من بمن الكفرة، فيحشره ولا أنف له؛ ~~لأنه ذكر أن سائر الكفرة يحشرون يوم القيامة عميا وبكما، وصما، ولم يذكر في ~~أنوفهم شيئا، فجائز أن يكون يحشر ولا أنف له، وذلك هو النهاية في القبح، ~~والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها ~~مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) ~~فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~(24) وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن ~~محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا ~~إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا ~~كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) ~~كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33). # وقوله - عز وجل -: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة)، فهو يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: أن يكون أهل مكة ابتلوا بالإحسان إلى أتباع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كما ابتلي أصحاب الجنة بالإحسان إلى المساكين ثم أخبر أن أولئك ~~امتنعوا عن ms4689 الإحسان إلى المساكين فحل بهم من البلاء ما ذكر؛ لامتناعهم عن ~~الائتمار، فيذكر أهل مكة: أنهم إن امتنعوا عن الإحسان إلى أتباع محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، حل بهم ما حل بأولئك، وقد وجد منهم الامتناع فابتلوا ~~بسنين كسني يوسف - عليه السلام - حتى اضطروا إلى أكل الجيف والأقذار. # ثم إن أصحاب الجنة لما مسهم العذاب، وأيقنوا به أنابوا إلى الله تعالى، ~~وانقلعوا عن مساويهم، فتاب الله عليهم ورفع البلاء عنهم، وأهل مكة تمادوا ~~في غيهم ولم يتوبوا فانتقم الله منهم بالقتل يوم بدر في الدنيا، وسيردهم ~~إلى العذاب في الآخرة. # وجائز أن يكون الله تعالى لما أعزهم وشرفهم وصرف وجوه الخلق إليهم، ~~امتحنهم # PageV10P144 # في الدنيا بتبجيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه، فلما أساءوا ~~صحبته عاقبهم بما ذكرنا، ووسع على أصحاب الجنة فامتحنهم بما وسع عليهم بأن ~~يوسعوا على غيرهم، فلما امتنعوا عن ذلك عوقبوا بزوال النعمة عنهم، وعوقب ~~هؤلاء بزوال العز عنهم، وأذاقهم الله لباس الجوع والخوف، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين). # فقوله: (مصبحين) أي: لأول وقت ينسب إلى الصباح، وذلك يكون في آخر الليل، ~~كما يقال: ممسين، لأول وقت ينسب إلى المساء، وإذا كان كذلك فالانصرام يقع ~~بالليل؛ ألا ترى إلى قوله: (لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين)، وهم لا يملكون ~~بعد مضي الليل منع المساكين عن الدخول. # وقوله - عز وجل -: (ولا يستثنون (18). # قيل: أي: لا يقولون: إن شاء الله، وقيل: لا يقولون: سبحان الله، فإن كان ~~على هذا، ففيه أن التسبيح كان مستعملا في موضع الاستثناء، وقد يجوز أن يؤدي ~~معنى الاستثناء؛ لأن في التسبيح تنزيه الرب تعالى، وفي الاستثناء معنى ~~التنزيه؛ لأن فيه إقرارا أن الله تعالى هو المغير للأشياء والمبدل لها. # ثم أصحاب الجنة بقسمهم قصدوا قصدا يلحقهم العصيان فيه، وكان عهدهم الذي ~~عاهدوا عليه معصية وعوتبوا بتركهم الاستثناء، ففيه دلالة أن الله تعالى ~~يوصف بالمشيئة، لفعل المعاصي ممن يعلم أنه يختارها؛ لأنه لو لم يوصف به، لم ~~يكن لمعاتبته إياهم ms4690 بتركهم الاستثناء معنى؛ إذ لا يجوز استعمال الاستثناء ~~فيما لا يجوز أن يوصف به الرب جل وعز، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال: إن ~~شاء الله جار وإن لم يشأ لم يجر، وإن شاء ضل وإن شاء لم يضل، وإن شاء أكل ~~وإن شاء لم يأكل، فلو لم يوصف أيضا بإضلال من يعلم منه أنه يؤثر الضلالة، ~~لم يجز أن يلاموا على ترك الاستثناء، ولا مدخل للاستثناء فيه، والذي يدل ~~على صحة ما ذكرنا قوله: (من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم)؛ فتبين أنه يشاء إضلال من ذكرنا. # وفيه دلالة أن خلق الشيء غير ذلك الشيء؛ لأنه يستقيم أن يوصف الله تعالى ~~بالإضلال، ولا يجوز أن يوصف بالضلال وإن كان الإضلال خلقا له، ويوصف أنه # PageV10P145 # المحيي والمميت، ولا يستقيم أن يقال: إن شاء حيا وإن شاء مات، وإن كان هو ~~الذي خلقهما. # ثم ليس في قوله: (إذ أقسموا): إبانة أن قسمهم كان بماذا: فإن كان بغير ~~الله تعالى، ففيه إبانة أن القسم قد يكون بغير الله تعالى، وإن كان قسمهم ~~بالله تعالى، ففيه حجة لأبي يوسف على أبي حنيفة - رحمهما الله - أن اليمين ~~إذا كانت مؤقتة فإن هلاك الشيء المحلوف بها قبل مضي وقتها لا يسقط اليمين، ~~بل تبقى بحالها، ويلزم على صاحبها حكم الحنث إذا مضى وقتها؛ لأن الثمر الذي ~~حلفوا على صرمه قد هلك قبل الوقت الذي أوجب فيه الصرم، فلو كانت اليمين ~~تسقط عنهم بهلاك الثمر، لم يكونوا يحتاجون إلى الاستثناء؛ لأن الحاجة إلى ~~الاستثناء لإسقاط المؤنة التي تلزمهم بالحنث في اليمين، فلو كان هلاك الثمر ~~مسقطا لليمين ومؤنة الحنث لاستغنوا عن الاستثناء، فلما لحقتهم اللائمة؛ ~~لتركهم الاستثناء، دل أن المؤنة تبقى عليهم إذا عريت عن الاستثناء وإن كانت ~~مؤقتة. # ولكن أبو حنيفة - رحمه الله - يسقط عنه اليمين بهلاك الشيء المحلوف عليه ~~إذا كانت يمينه بالله تعالى، ولا يسقطها إذا كانت بشيء من القرب والطاعات ~~-أعني: الندب-، وليس في الآية إبانة أن يمينهم ms4691 كانت بالله تعالى؛ فجائز أن ~~يكون يمينهم بشيء من القرب؛ فبقيت عليهم؛ ولأنه عاتبهم على ترك الاستثناء؛ ~~لعزمهم على المعصية، والاستثناء يسقط العزيمة؛ لأن من عزم على المعصية، ~~وقال فيه: إن شاء الله - لم يصر آثما بمقالته، ولا صار عازما على المعصية، ~~وأبو حنيفة - رحمه الله - ليس يخرجه عن المعصية في اليمين المؤقتة إذا عقدت ~~على أمر من أمور المعصية. # والذي يدل على أن العتاب في ترك الاستثناء؛ للوجه الذي ذكرنا: أنه لم ~~يذكر في شيء من الأخبار، ولا ذكر في الكتاب أن أحدا منهم أمر بالتكفير، ولو ~~كان الحنث لازما، لكانوا يلامون على ترك التكفير أيضا، كما لحقتهم اللائمة ~~بترك الاستثناء، والله أعلم. # PageV10P146 # وقوله - عز وجل -: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19). # طائف من ربك: قيل: عذاب ربك، وسمي: طائفا لأنه أتاهم بالليل، وكل آت ~~بالليل فهو طائف. # وقوله - عز وجل -: (فأصبحت كالصريم (20). # قيل: أي: الجنة كأنها صرمت، وهم أصبحوا ليصرموها. # وقوله - عز وجل -: (فانطلقوا وهم يتخافتون (23). # قيل: يتسارون فيما بينهم؛ فيجوز أن تكون مسارتهم كانت في الأمر بالإسراع ~~في المشي؛ لئلا يشعر بهم أحد من المساكين. # أو يتعجلوا في الخروج والمشي قبل الوقت الذي يصبح فيه المساكين. # وقوله - عز وجل -: (وغدوا على حرد قادرين (25). # فمنهم من ذكر أن اسم جنتهم كان حردا. # وقيل: غدوا على أمر قد استثنوه فيما بينهم. # وقال الزجاج: الحرد له أوجه ثلاثة: # أحدها: القصد، واستدل عليه بقول الشاعر: # أقبل سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الحية المغله # أي: بقصد قصدها. # والثاني: هو المنع، يقال: أحردت السنة؛ إذا قحطت وذهبت بركتها. # والثالث: الغضب، فغدوا على حرد قادرين، أي: على غضب على الفقراء. # وقوله: (قادرين). # أي: قادرون عليها في أنفسهم. # ولقائل أن يقول بأن في هذه الآية دلالة تقدم القدرة على الفعل؛ لأنه أثبت ~~لهم القدرة قبل الفعل، ولكن هذه القدرة ليست هذه قدرة الأفعال، وإنما هي ~~قدرة الأسباب والأحوال. # PageV10P147 # وقوله - عز وجل -: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26). # أي: قد ضللنا الطريق، فكان عندهم ms4692 أنهم قد ضلوا الطريق لذلك لم يتوصلوا ~~إلى ثمارها ثم ظهر لهم أنهم لم يضلوا الطريق، بل حرموا بركة الثمار ~~بجنايتهم التي جنوها، فتذكروا صنيعهم، وندموا على ذلك، فأقبلوا بالاستكانة ~~والتضرع إلى الله تعالى، فتاب عليهم، فلعل الذي قال: (إنا بلوناهم كما ~~بلونا أصحاب الجنة) يخرج على هذا، وهو أنا بلونا أصحاب الجنة، فتذكروا؛ ~~فرفع عنهم العذاب، ولم يتذكر أهل مكة فحل بهم العذاب يوم بدر، كما قال: ~~(فما استكانوا لربهم وما يتضرعون). # وقوله: (قال أوسطهم ... (28). # أي: أعدلهم. # وقوله - عز وجل -: (ألم أقل لكم لولا تسبحون). # جائز أن يكون معناه: لولا تصلون الفجر، ثم تخرجون. # وجائز أن يكون معناه: لولا تستثنون. # وقد ذكرنا أن في الاستثناء معنى التسبيح؛ لأن فيه إقرارا بأن الأمور كلها ~~تنفذ بمشيئة الله تعالى، وأنه هو المغير والمبدل دون أحد سواه. # وقوله - عز وجل -: (قالوا سبحان ربنا ... (29). # فهذا منهم توحيد وتنزيه. # وفي قوله: (إنا كنا ظالمين) اعتراف بما ارتكبوا من الذنوب وإنابة إلى ~~الله تعالى، وتمام التوبة منهم في قوله: (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ~~(30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31). # فذكر المفسرون في قوله: (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون)، أي: أقبل بعضهم ~~على بعض باللوم يقول: أنت أمرتنا أن نصرمها ليلا، وقال هذا لهذا: بل هو ~~عملك أنت. وهذا لا معنى له؛ لأن هذا يوجب تبرئة كل واحد منهم عن ارتكاب ~~الذنوب، وقد سبق منهم الإقرار بالذنب بقولهم: (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ~~ظالمين)، وبقولهم (يا ويلنا إنا كنا طاغين)، فكيف يبرئون أنفسهم عن الذنوب ~~وقد اعترفوا بها؟! فهذا تأويل لا معنى له، بل معناه - والله أعلم - فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون على إدخال كل منهم نفسه في ذلك القول، فأقبل كل ~~واحد منهم باللائمة على نفسه حتى يكون هذا موافقا لقوله: # PageV10P148 # (إنا كنا طاغين). # وقوله - عز وجل -: (إنا كنا طاغين). # ففي هذا إتمام التوبة، ففيه أنهم أظهروا الندامة على ما سبق منهم من أوجه ~~ثلاثة: # مرة بما وصفوا أنفسهم بالظلم. # ومرة بما لاموا أنفسهم. ms4693 # ومرة بما وصفوا أنفسهم بالطغيان. # وقوله - عز وجل -: (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون ~~(32). # أي: يبدلنا خيرا منها إذا تبنا، وأنبنا إلى ربنا؛ لأنه لا يجوز أن ~~يتوقعوا خيرا منها وهم مصرون على ذنوبهم؛ إذ قد عرفوا أنهم إنما حرموا بركة ~~الثمار بما ارتكبوا من الذنوب؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا. # ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة يقولون: (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) في ~~الآخرة إذا تبنا وأنبنا إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا إلى ربنا راغبون). # إلى ما عند ربنا من العطايا والمنن لراغبون. # أو إلى ما وعد ربنا للتائبين من الذنوب لراغبون. # وقوله - عز وجل -: (كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ~~(33). # كانه يخاطب أهل مكة أن كذلك العذاب في الدنيا في أن يأخذ أهله آمن ما ~~كانوا، أو أغفل ما كانوا، كما أخذ أصحاب الجنة عند الأمن؛ إذ كان عندهم ~~أنهم يقدرون على صرم تلك الثمار ولا يأخذهم. # وقوله - عز وجل -: (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). # ففي هذا إيجاب العذاب على من لم يعلم بالعذاب ولم يؤمن به؛ لأنهم لم ~~يؤمنوا بعذاب الآخرة ولا علموا به، ثم أوجب لهم العذاب وإن لم يعلموا ولم ~~يعذروا بالجهل؛ لأنهم قد وقفوا على السبب الذي لو تفكروا لعلموا بالعذاب ~~ولأيقنوا به، وفي هذا حجة لأن لا عذر لمن تخلف عن التوحيد والإيمان بالله ~~تعالى وإن جهل، إلا أن يكون جهله جهل خلقة؛ لأن الذي أفضى به إلى الجهل هو ~~التقصير في الطلب، وإلا لو لم # PageV10P149 # يقصر في الطلب لوجد من يدله على معرفة الصانع ووحدانية الرب - تعالى -. # * * * # قوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم ~~فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما ~~تحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن ~~كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ms4694 السجود فلا يستطيعون (42) ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43). # وقوله - عز وجل -: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم). # فيه ترغيب لمن لزم التقوى، وهو الإسلام. # وقوله: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35). # أي: أفنجعل من جعل كل شيء سوى الله تعالى لله سالما لا يشرك فيه أحدا، ~~كالذي أجرم فجعل في كل شيء سالم لله شركاء في العبادة والتسمية. # أو بين الله تعالى أنه ولي المؤمنين وعدو المجرمين، فيقول: أفيزعم أعدائي ~~أن أسوي بينهم وبين الأخيار، والجمع بينهم، لا يفعل ذلك؛ لأن فيه تضييع ~~الحكمة؛ لأن الحكمة توجب التفرقة بين العدو والولي، وفي الجمع بينهما ~~تضييعها. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم كيف تحكمون (36). # في أن أجعل عدوي بمنزلة وليي أو وليي بمنزلة عدوي، أو أي شيء حملكم على ~~حكمكم هذا ولم يأتكم بهذا الحكم كتاب ولا معقول يوجب ذلك، فكيف تطمعون ذلك. # أو كيف تحكمون بالجور على ربكم؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي والعدو ~~في دار الكرامة. # ثم قوله: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين). # يستقيم أن يجعل هذا جوابا للفريقين: لمن ينكر البعث، ولمن يزعم أنه شريك ~~أهل الإسلام في الدار الآخرة فيما يكرمون من النعيم. # فمن أنكر البعث، فالاحتجاج عليه بهذه الآية هو أن العقل يوجب التفرقة بين ~~الولي # PageV10P150 # وبين العدو والكفور والشكور، فأنتم إذا أنكرتم البعث، فقد زعمتم على الله ~~تعالى أنه يجعل المسلمين كالمجرمين والكفور كالشكور والعدو كالولي، ومن فعل ~~هذا فهو سفيه لا يصلح أن يكون حكيما، ففي إنكار البعث تحقيق السفه وإثبات ~~الجور؛ لأن من الجور أن يجمع بين الولي وبين العدو في الجزاء. # ومن ادعى الوجه الآخر، وهو التسوية بين الفريقين؛ لما تساويا في منافع ~~الدنيا ومضارها وفي لذاتها وشدائدها وبلياتها، فعلى ذلك يكون أمرهم في ~~الآخرة. # فجوابهم في ذلك أن الدنيا هي دار يظهر فيها العدو من الولي والشكور من ~~الكفور، والآخرة دار جزاء العداوة والولاية. # فجائز أن يقع فيما فيه ظهور الولاية والعداوة اتفاق، ولا يجوز وقوع ~~الاتفاق فيما فيه ms4695 الجزاء؛ لأن الجزاء لعداوة سبقت ولولاية سبقت، والحكمة ~~توجب التفرقة بين الجزاءين؛ فلا يجوز أن يجعل المسلم فيه كالمجرم؛ لما فيه ~~من تضييع الحكمة، وليس قبل المحنة معنى يوجب التفرقة بينهما في المحنة فجاز ~~أن يقع بينهما الاتفاق في ذلك، ولأنه لو كان يفرق بينهما في الدنيا، لكانت ~~المحنة تخرج عن حدها، والدنيا هي دار المحنة، وإنما قلنا: إن فيه إخراج ~~المحنة عن حدها؛ لأن المحنة تكون على الرجاء والخوف، والرغبة والرهبة، فلو ~~فرق بين العدو والولي في الدنيا؛ فوسع على الأولياء، وضيق على الأعداء لوقع ~~اختيار وجه الولاية على الضرورة؛ لأن من علم أنه يضيق عليه إذا اختار وجه ~~العداوة، ويتعجل عليه العذاب، ترك ذلك الوجه، ومال إلى الولاية؛ فيرتفع وجه ~~المحنة؛ فلذلك جاز أن يجمع بين الولي والعدو في دار المحنة؛ ليبقى وجه ~~المحنة بحاله، ولم يجز أن يجمع بينهما في الآخرة؛ لأنها دار جزاء، والعقل ~~يوجب تفرقة جزائهما، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ما لكم كيف تحكمون)، في أحكم الحكماء بالسفه؛ حيث ~~تزعمون أنه يجمع بين الولي والعدو في الجزاء، وذلك من أعلام السفه. # أو كيف تحكمون في أحكم الحاكمين وأعدل العادلين بالجور؛ إذ تزعمون أنه ~~يجمع # PageV10P151 # بين الفريقين في دار الكرامة، ومن الجور أن يجمع بينهما، وهم كانوا يقرون ~~أن الله - تعالى - أحكم الحاكمين. # وقوله - عز وجل -: (أم لكم كتاب فيه تدرسون (37). # فحاجهم أولا بما توجبه الحكمة، وهو أنكم تعلمون أن الحكمة توجب التفرقة ~~بينهما، فإن كنتم تدعون الجمع فيما بينهما بالحكمة، فأنتم تعلمون أن الحكمة ~~توجب التفرقة بينهما، وإن كنتم تدعون ذلك من كتاب الله - تعالى - فأي كتاب ~~من عند الله جاءكم فيوجب التسوية بينكم وبين الأولياء؟! وأي رسول أخبركم ~~أنكم تساوون الأولياء في نعيم الآخرة؟!. # ثم وجه المحاجة بالكتاب هو أن مشركي العرب لم يكونوا يؤمنون بالكتاب ولا ~~بالرسل، ولو كانوا يؤمنون بهما، لكانوا يقدرون أن يقولوا: إن لنا كتابا ~~درسناه، فوجدنا فيه ما نذكر وندعي، ورسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرنا ~~بذلك، ms4696 ولكنهم إذا كانوا لا يؤمنون بهما صار هذا الوجه الذي ذكره الله - ~~تعالى - نفي حجة لازمة عليهم، والله أعلم. # وقوله: (إن لكم فيه لما تخيرون (38). # أي: وفي ذلك الكتاب تجدون أن لكم فيه لما تخيرون. # وقوله: (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ~~(39). # وهذا أيضا صلة الأول، أي: هل شهدتم الله تعالى أقسم لكم أنه هكذا كما ~~تحكمون؛ وهذا كقوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت)، وقوله: (إذ ~~وصاكم الله بهذا)، فأخذهم بالمقايسة أولا؛ وهو كقوله تعالى: (قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين)، فلما لم يتهيأ لهم تثبيت ذلك بالقياس والمعقول، احتج ~~عليهم بقوله: (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا)، وقد عرفوا أنهم لم ~~يشهدوا، وما ادعوه لا ثبات له إلا من الوجوه التي ذكرها، وإذا لم يثبتوا ~~بشيء من ذلك تبين عندهم فساد دعواهم، فهذا أيضا مثله، وهو أنه سألهم عن ~~إيراد الحجة: إما من جهة الحكمة، أو من جهة الكتاب، أو من جهة الشهادة، ~~فإذا لم يثبت لهم واحد من هذه الأوجه فبأي وجه يشهدون على الله تعالى أنه ~~يفعل ذلك. # وقوله: (بالغة) أي: [وكيدة]، أو بلغت إليكم عن الله تعالى. # PageV10P152 # وقوله - عز وجل - (سلهم أيهم بذلك زعيم (40). # يقول: فإن هم تعنتوا مع هذا كله في أن يدوموا على دعواهم من غير حجة تشهد ~~لهم، فسلهم -أي: اطلبهم- بالزعيم، أي: من يكفل لهم أن الأمر كما يزعمون. # وقوله - عز وجل - (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41). # أي: شركاء يشفعون لهم يوم القيامة. # وقال بعضهم: أم لهم شهداء ممن عندهم كتاب يشهدون لهم بما يذكرون. # وقوله - عز وجل -: (يوم يكشف عن ساق ... (42). # أي: يكشف عن موضع الوعيد بالشدائد والأهوال، والساق: الشدة، وسمي الساق: ~~ساقا لهذا؛ لأن الناس شدتهم في سوقهم؛ إذ بها يحملون الأحمال؛ فكنى بالساق ~~عن الشدة. # وقيل - أيضا - بأنهم كانوا إذا ابتلوا بشدة وبلاء كشفوا عن أسوقهم، فكنى ~~بذكره عن الشدة، لا أن يراد بذكر الساق تحقيق الساق، والله ms4697 أعلم. # وقوله - عز وجل - (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون). # يحتمل أن يكون هذا على دعاء الحال، ويحتمل أن يكون على دعاء الأمر: # فأما دعاء الحال فهو أن من عادات الخلق أنه إذا اشتد بهم الأمر وضاق ~~فزعوا إلى السجود، فجائز أن يكون ما حل بهم من الأهوال والشدائد يدعوهم إلى ~~السجود، فيهمون بذلك فلا يستطيعون؛ فيكون قوله: (ويدعون إلى السجود)، أي: ~~تدعوهم الحالة إلى السجود؛ فهذا دعاء الحال، وجائز أن يؤمروا بالسجود، ~~ويمتحنوا به. # ثم إن كان التأويل على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك يوم القيامة، وجائز أن ~~يكون وقت الموت. # وإن كان على دعاء الحال فذلك يكون عند الموت. # ثم الأمر بالسجود يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون على حقيقة الفعل، ويحتمل أن يكون على الاستسلام والخضوع؛ ~~إذ السجود في الحقيقة هو الخضوع والاستسلام، وكل سجود ذكر في القرآن وأريد ~~به عين السجود، فليس يجب بتلاوته السجود. وكل ما أريد منه الاستسلام ~~والخضوع فهو الذي # PageV10P153 # يجب بتلاوته السجود. # ثم إن ذكر في أهل الكفر فإنما يراد منهم الاستسلام بالاعتقاد ليس بعين ~~الفعل، وأهل الإسلام قد وجد منهم الاستسلام بالاعتقاد، فيلزمهم أن يستسلموا ~~من جهة الفعل، فجائز أن يكون هذا لما عاين الشدائد والأفزاع، استسلم لله - ~~تعالى - وخضع له؛ فلم يقبل ذلك منه؛ لأن تلك الدار دار جزاء، وليست بدار ~~محنة. # والثاني: أن السجود هو بذل النفس لما طلب منه طائعا، وإذا أشرف المرء على ~~الموت طلب منه في ذلك الوقت بذل روحه لا بذل نفسه، فإذا كان كافرا بالله - ~~تعالى - اشتد عليه بذل روحه؛ لما يعلم أن مصيره إذا قبض إلى العذاب، وكره ~~ذلك أشد الكراهة، كما قال - عليه السلام - " من كره لقاء الله، كره الله ~~لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه "، فسئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك، فقال: " ذلك عند الموت "؛ فهو لما يرى من المكروه يحل ~~به بعد الموت يكره قبض روحه، فيكون قوله: (فلا يستطيعون) إن كان المراد من ~~قوله: (ويدعون إلى ms4698 السجود) عند الموت على ذلك، والمؤمن إذا رأى ما أعد له ~~من الكرامات ود أن يقبض روحه سريعا ليصل إلى الكرامات، وإن كان هذا بعد ~~البعث، وأريد من السجود تحقيقه، ففيه تذكير لهم أنهم لم يكونوا يمتحنون في ~~الدنيا بالسجود؛ لمنفعة تصل إلى الله تعالى أو لحاجة له إلى ذلك، وإنما ~~امتحنوا بالسجود؛ لمكان أنفسهم، إذ لو كان الامتحان، لمنفعة تنال الله ~~تعالى، لما كانوا يمنعون عنه في القيامة، والله أعلم. # وقال كثير من أهل الكلام: لا يجوز أن يمتحنهم الله تعالى بعد البعث ~~بالسجود؛ إذ تلك الدار ليست بدار محنة، وإنما الأمر بالسجود يخرج مخرج ~~التوبيخ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ، يقال للرجل إذا كان ~~مكثرا فذهب ماله ولم يؤد الزكاة، ولا حج في حال يسره -يراد به التوبيخ-: حج ~~الآن وزك الآن، ليس يراد به إيجاد الفعل، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه؛ ~~فهذا الذي قالوه يحتمل. # PageV10P154 # ويحتمل أن يمتحنوا بالسجود للوجوه التي ذكرنا، وهو أن يظهر عند الممتحنين ~~أن منافع سجودهم راجعة إليهم لا إلى الله - تعالى -. # وقوله - عز وجل - (فلا يستطيعون) فجائز أن يكون هذا على نفي استطاعة ~~الأحوال والأسباب أو لا يستطيعون للأشغال التي حلت بهم والأفزاع التي ~~ابتلوا بها. # وقوله - عز وجل -: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43). # ففيه أن الفرائض إنما تجب عند سلامة الأسباب، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~(44) وأملي لهم إن كيدي متين. أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ~~وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) ~~فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين ~~(52). # وقوله - عز وجل -: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون). # فجائز أن يكون الحديث هو القرآن، وجائز ms4699 أن يكون أريد البعث، وهو الغالب ~~أن يكون هو المراد. # وقوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) قال القتبي: الاستدراج هو الاستدناء ~~من المهلكة درجة فدرجة حتى يهلك. # وقيل: (سنستدرجهم) أي ننعم عليهم وننسيهم شكرها بالإملاء، وينزل بهم ~~العذاب والهلاك أينما كانوا. # وقوله - عز وجل -: (وأملي لهم إن كيدي متين (45). # فالأصل أن الكيد والمكر والاستدراج يقتضي معنى واحدا، وهو أن يأخذه من ~~وجه أمنه ويراقب وجوه هلاكه، وهو يستعمل في الخلق على وجه يذم أهله، فهو - ~~أيضا - يضاف إلى الله تعالى، ليس على جعل ذلك اسما له؛ إذ لا يجوز أن يسمى ~~ماكرا كائدا مستدرجا، وإنما يضاف إليه في حق الجزاء، وذلك الجزاء في ~~الحقيقة، ليس بكيد؛ ولكن قد يجوز أن يسمى الجزاء باسم ما له الجزاء؛ كما ~~يسمى جزاء السيئة، سيئة وإن # PageV10P155 # لم يكن الجزاء سيئة، كما سمى جزاء الاعتداء اعتداء، فكذلك سمي جزاء الكيد ~~كيدا على هذا المعنى، لا أن يكون ذلك منه كيدا في الحقيقة. # أو نقول بأن الذم إنما يلحق الماكر والكائد إذا استعمله في وليه وصفيه، ~~فأما إذا مكر بعدوه وكاد به، فذلك مما لا بأس به، ولا يذم عليه فاعله، وما ~~أضيف من الكيد إلى الله تعالى؛ فذلك حال بأعدائه ليس بأوليائه؛ فلم يكن فيه ~~إلحاق معنى مكروه بالله تعالى. # ثم الأصل أن ينظر في الفعل لماذا أضيف إلى الله تعالى بحقيقة أم بمجاز؟ ~~فإن كانت الإضافة بحكم المجاز، فلا يجعل ذلك اسما له؛ لأنه لا يجوز أن ~~يقال: هو كاتب، نافخ روح، ولا كائد، ولا ماكر؛ إذ لا يتحقق ذلك منه، وما ~~كانت إضافته لأجل التحقيق فإنه يستقيم أن يسمى به؛ لأنه يستقيم أن نسميه: ~~منعما مفضلا خالقا، رحمانا؛ إذ الإنعام والإفضال والخلق موجود منه. # وقوله - عز وجل -: (متين) أي: قوي ثابت، فقوله تعالى: (إن كيدي متين) أي: ~~كيدي لأوليائي على أعدائي ثابت، ليس ككيد الأعداء؛ لأن كيد الأعداء بكيد ~~الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، كما قال - عز وجل -: (إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا). # والأصل ms4700 أن الكيد الذي أضيف إلى الله تعالى حق، والحق قوي ثابت لا مدفع ~~له، وكيد الشيطان باطل، وليس للباطل قرار، بل هو كما قال الله تعالى: ~~(اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار). # وقوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46). # الأصل أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لم يكونوا يدعون الخلق إلى ما ~~يستثقله عقل أو طبع، بل كانوا يدعونهم إلى ما يخف ويسهل على الطبع والعقل؛ ~~ليكون أقرب إلى الإجابة له؛ لأنهم كانوا يدعونهم إلى التوحيد، وهم كانوا ~~يعبدون غير واحد من الآلهة، وعبادة الواحد أيسر من عبادة عدد، وكانوا ~~يدعونهم إلى الصدق وإلى مكارم الأخلاق، والإجابة بمثله أمر يسير؛ فيقول: ~~أحملت عليهم أجرا فثقل عليهم ذلك حتى تركوا الإجابة لك مع تيسيره عليهم، ~~فيخرج ذكر هذا مخرج تسفيه أحلامهم. # وقوله - تعالى -: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47). # فهذا يحتمل أوجها: # أحدها: أن عندهم علم الغيب، فهم يكتبون، فهذا بالذي ادعوا أنا نجعل ~~المسلمين # PageV10P156 # كالمجرمين، وذلك مكتوب عندهم، أو عند سلفهم علم الغيب، فوجدوه في كتبهم، ~~ويعلم به خلفهم ليخاصموك به، ثم هم قوم لم يكونوا يؤمنون بالكتب ولا ~~بالرسل، فكيف يخاصمونك ويكذبونك فيما تخبرهم؟ وإنما يوصل إلى التكذيب بما ~~ثبت من العلم بخلافه ويتأيد بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما. # أو يكون هذا في موضع الاحتجاج عليهم حين زعموا أنا نعبد الأصنام؛ ~~ليقربونا إلى الله زلفى، ويكونوا لنا شفعاء، فما الذي حملهم على هذه الدعوى ~~أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون؟! # أو أن يكون القوم قد ألزموا أنفسهم الدينونة بدين الله - تعالى - وأقروا ~~له بالألوهية، وذلك يلزمهم العمل بما فيه تبجيل الله تعالى، وما به يشكر ~~الخلائق، وذلك لا يعرف إلا بالرسل - عليهم السلام - فقد عرفوا حاجة أنفسهم ~~إلى من يعلمهم علم الغيب، فما لهم امتنعوا عن الإجابة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، مع حاجتهم إليه، أي: ما عندهم علم الغيب؛ فيستغنون به عن ~~الرسول، عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ms4701 وهو ~~مكظوم (48). # إن حكم الله تعالى في الرسل ثلاث: # أحدها: ألا يدعوا على قومهم بالهلاك، وإن اشتد أذاهم من ناحيتهم حتى يؤذن ~~لهم. # والثاني: ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد بهم البلاء إلا بإذن الله تعالى. # والثالث: ألا يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم. # ثم من وراء هذا عليهم أمران: # أحدهما: أنهم أمروا ألا يغضبوا إلا لله تعالى. # والثاني: ألا يحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم، بل يحزنوا لمكان ~~أولئك القوم إشفاقا عليهم منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب بتكذيبهم ~~الرسل، فهذا هو حكم ربه. # ويحتمل أن يكون قوله تعالى: (فاصبر لحكم ربك) أي: لا تجازهم بصنيعهم ولا ~~تستعجل عليهم، بل اصبر لحكم ربك بما حكم عليهم من العذاب. # PageV10P157 # وقوله - عز وجل - (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم). # قيل: نادى على قومه بالدعاء عليهم بالهلاك، لكنه لم يظهر دعاؤه على قومه ~~عندنا، وإنما ظهرت منه المفارقة والمغاضبة على قومه بقوله: (وذا النون إذ ~~ذهب مغاضبا)، ولم يكن له أن يفارقهم، فيقول: اصبر بما حكم عليك ربك من ترك ~~المفارقة عن قومك، ولا تكن كصاحب الحوت الذي فارق قومه قبل مجيء الإذن له ~~من الله تعالى. # والثاني: أن يونس - عليه السلام - لم يصبر على أذى قومه، بل فارقهم حتى ~~ابتلي ببطن الحوت، ثم فزع بالدعاء إلى الله تعالى؛ ليخلصه من بطنه، فيقول: ~~عليك بالصبر مع قومك، ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر مع قومه؛ فابتلي بما ~~ذكر حتى احتاج إلى أن ينادى في الظلمات: (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين)، فتبتلى أنت أيضا بمثل ما ابتلي هو به، ثم لا يجوز أن يلحقه ~~اللائمة ويعاتب على ما دعا في بطن الحوت؛ لأن ذلك عذاب ابتلي به، ولا ينبغي ~~للمرء أن يصبر على العذاب، بل عليه أن يبتهل إلى الله تعالى؛ ليكشف عنه، ~~وإنما لحقه اللائمة بمفارقة قومه وتركه الصبر معهم. # وقوله - عز وجل -: (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ms4702 ~~(49). # نعمة ربه: هو ما وفقه للتوبة والإنابة، وما قبل منه توبته، وكان له ألا ~~يقبلها؛ إذ هو إنما أتى بالتوبة بعد أن صار إلى تلك المضايق، وابتلي ~~بالشدائد وجاءه بأس الله تعالى، ومن حكمه أنه لا يقبل التوبة بعد نزول ~~العذاب والشدة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله ~~وحده) إلى قوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)، فإذا قبل توبته، ~~كان فيه عظيم نعمة من الله تعالى عليه. # وقوله - عز وجل -: (لنبذ بالعراء). # وهو المكان الخالي، ولو لم يتب الله تعالى عليه، لكان يلبث في بطنه إلى ~~يوم يبعثون، ثم ينبذ بعد ذلك بالعراء وهو مذموم، لكن الله تعالى تفضل عليه ~~بقبول توبته؛ فنبذه بالعراء، وهو سقيم أي: محموم؛ فقوله: (لنبذ بالعراء وهو ~~مذموم)، لو عاقبه بالنبذ، ولكن إنما نبذ بالعراء بعد قبول التوبة؛ فلم يصر ~~مذموما. # PageV10P158 # وقوله - عز وجل - (لولا أن تداركه نعمة من ربه). # فنعمته عليه كانت من ثلاثة أوجه: # أحدها: في تذكير الزلة، وذلك كان بالتقام الحوت إياه، وكان عنده أن ~~مفارقته قومه لم تكن زلة؛ لأنه إنما فارقهم لأن قومه كانوا له أعداء في ~~الدين، ففارقهم لينجو منهم، وليسلم له دينه ولا يسمع المكروه منهم في الله ~~تعالى. # والثاني: أن في مفارقته إياهم تخويفا منه لهم وتهويلا؛ لأن القوم كان لا ~~يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا عندما يريد أن ينزل بهم العذاب، وذلك مما ~~يدعوهم إلى الإقلاع عما هم فيه ويدعوهم إلى الفزع إلى الله تعالى، ومن خوف ~~آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى كان محمودا مصيبا؛ ولأن مفارقته إياهم ~~هي التي دعتهم إلى الإسلام، فأسلموا لقوله: (فآمنوا فمتعناهم إلى حين)، ومن ~~كانت مفارقته لهذه الأوجه التي ذكرناها، لم تعد مفارقته زلة، بل عدت من ~~أفضل شمائله، ولكن لحقته اللائمة مع هذا كله؛ لما ذكرنا أن الرسل لا يسعهم ~~أن يفارقوا قومهم وإن اشتد عليهم الأذى من جهتهم إلا بعد وجود الإذن من ~~الله تعالى، وكانت مفارقته تلك ms4703 بغير إذن، والله أعلم. # ثم كان في ظنه أنه ليست تلك المفارقة زلة، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ~~(فظن أن لن نقدر عليه)، قيل في التأويل: أي: لن نضيق عليه. # وقيل: أي: لن نعاقبه، فلولا أن عنده أن تلك المفارقة ليست بزلة وإلا كان ~~لا يظن هذا؛ فتبين عنده بالتقام الحوت إياه وبما أفضى إليه من الشدائد أن ~~تلك زلة منه، وتذكير الزلة من إحدى النعم. # والنعمة الثالثة: ما ذكرناها من توفيق الله تعالى إياه بالتوبة، وإكرامه ~~عليه بقبولها، ومن حكمه ألا يقبل التوبة ممن جاءه بأس الله، وأحاط به ~~العذاب، وهو إنما فزع إلى التوبة بعدما عاين العذاب، وجاءه بأس الله تعالى. # وجائز أن يكون حكمه هذا في الكفرة، ليس في المؤمنين؛ لأنه قال في آية ~~أخري: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا)، ففيه إشارة إلى أن من سبق منه الإيمان قبل أن يأتيه ~~آيات ربه أو سبق منه كسب الخير من بعد الإيمان؛ فإن إيمانه في ذلك الوقت ~~ينفعه، وقال في أهل الكفر: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم)، فهذا حكمه في أهل الشرك، ~~وقال: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني ~~تبت الآن ولا الذين # PageV10P159 # يموتون وهم كفار)، وقال في المؤمنين: (إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب)، فثبت أن ما ذكرنا من الحكم هو حكمه في ~~أهل الكفر، ليس في أهل الإيمان، والعقل يدل على هذا، وذلك أن المؤمن قد علم ~~أن الذي سبق منه زلة وارتكاب معصية؛ فهو ليس يحتاج إلى إثبات آيات فتنبهه ~~على أن الذي فعله زلة، فجائز أن تقبل منه التوبة في ذلك الوقت كما تقبل منه ~~قبل تلك الحالة، وأما الكافر فعنده أن ما سبق منه لم يكن زلة ومعصية؛ ~~فيحتاج إلى آيات تنبهه على غفلته، وتذكره بأن ms4704 الذي فعله معصية، فإذا نزل به ~~البأساء والشدة، فذلك يمنعه عن النظر والتدبر؛ فلا يكون إيمانه عن تحقيق ~~ويقين فلا ينفعه. # والثاني: أنه يفزع إلى التوبة والإيمان؛ ليدفع عن نفسه البأساء؛ لا ليدوم ~~عليه لو كشف عنه العذاب؛ كما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا)، فهذا لا ~~ينفعه إيمانه. # فإن قيل: إن قوم يونس - عليه السلام - قد نفعهم إيمانهم وهم آمنوا بعدما ~~أيقنوا بالعذاب؟ # فجوابه من وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون عذابهم موعودا ولم يكن مشاهدا قريبا. # وجائز أن يكون الله علم صدقهم في إيمانهم لو مكثوا فكشف عنهم العذاب لما ~~كانوا متحققين، وغيرهم كان يفزع إلى الإيمان؛ ليكشف عنه العذاب، ثم يعود ~~إلى كفره؛ فلم يقبل منه. # وجائز أن يكون من حكم الله تعالى ألا يقبل من أحد التوبة إذا حل به ~~العذاب، ولكنه يقبلها من المؤمنين؛ إفضالا وإنعاما، ولا يتفضل على الكافرين ~~الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وعلى قول المعتزلة: ليست لله تعالى عليه ~~نعمة ولا على أحد من أهل الإسلام؛ لأن من قولهم: إن الله تعالى إذا علم من ~~كافر أنه يسلم يوما من الدهر وإن كان بعد ألف سنة، فليس له أن يميته قبل أن ~~يسلم، وعليه أن يوفقه للتوبة، وعليه أن يقبل منه التوبة، فإذا كان هذا كله ~~حقا عليه للعبد، لم يكن له موضع نعمة عليه في قبول التوبة؛ لأن من قضى حقا ~~عليه وأوصله إلى مستحقه لم يعد ذلك منه إنعاما؛ فلا يكون لقوله: (لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه) معنى، وقد قال الله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل ~~لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)، ولو كانت ~~الهداية واجبة عليه، لم يكن له عليهم موضع امتنان. # PageV10P160 # وقوله - عز وجل - (فاجتباه ربه ... (50). # أي: اختاره واصطفاه للرسالة؛ ألا ترى إلى قوله: (وأرسلناه إلى مائة ألف ~~أو يزيدون). # وقوله: (فجعله من الصالحين). # فهذا وصف كل نبي في الآخرة. # وقوله - تعالى -: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ms4705 ويقولون إنه لمجنون (51). # منهم من يقول: هذا على التحقيق، وصرف ذلك إلى قوم بأعيانهم قد عرفوا بخبث ~~الأعين وحلول الآفات بمن يعينونه من أهل الشرف والتبجيل، ثم الله - تعالى - ~~بفضله عصم رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلم يتهيأ لهم أن يعينوه، فكان فيه ~~تقرير رسالته وآية نبوته عند أولئك الكفرة. # فإن قال قائل: إنهم كانوا يعدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~المجانين، ويقولون: إنه لمجنون، والمجنون لا يعان، وإنما يعان أهل الشرف ~~والحجا وذوو الأحلام والنهى، فما أنكرت أنه سلم من الآفة حتى يقصد إليه ~~بالعينة. # فجوابه أنهم وإن كانوا يعدونه من جملة المجانين، فإنهم سمعوا منه ذكرا ~~عجبا وهو القرآن، ومن أعطي مثل ذلك الذكر والشرف، فهو مما يقصد إليه ~~بالحسد، فكانوا يعينونه لذلك المعنى، ثم لم يضره كيدهم، ولا نفذت فيه ~~حيلهم؛ فأوجب ذلك تنبيههم أنه رسول من الله تعالى. # ومنهم من حمله على التمثيل ليس على التحقيق، فيقول: وإن يكاد الذين كفروا ~~لشدة بغضهم وعداوتهم إياك، ليزلقونك بأبصارهم، كما يقال: نظر إلى فلان نظرا ~~كاد أن يقتلني، فيقوله على التمثيل. # ثم قوله: (ليزلقونك) أي: يسقطونك ويصرعونك. # وقوله: (لما سمعوا الذكر) وهو القرآن. # PageV10P161 # وقوله: (ويقولون إنه لمجنون). # قد وصفنا أنهم لأي معنى كانوا ينسبونه إلى الجنون، وذكرنا ما يرد عليهم ~~مقالتهم، وينفي عنهم الريب والإشكال. # وقوله - عز وجل -: (وما هو إلا ذكر للعالمين (52). # فجائز أن يكون الذكر هو القرآن، وجائز أن يكون أريد به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذ قد تقدم ذكرهما جميعا؛ إذ كل واحد منهما ذكر، يذكر ما ~~للخلق، وما على الخلق، وما ينتهي إليه عواقبهم، ويذكر ما يؤتى وما يتقى، ~~والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P162 ### | سورة الحاقة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (الحاقة (1) ما الحاقة. وما أدراك ما الحاقة. كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من ms4706 باقية (8) وجاء فرعون ومن قبله ~~والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما ~~طغى الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ~~(12). # قوله - عز وجل -: (الحاقة (1) ما الحاقة). # قد ذكرنا أن يوم القيامة سمي بأسماء النوازل التي تكون من البلايا ~~والشدائد؛ ليقع بها التخويف والتهويل، وليس في تبيين وقته ولا في ذكر عينه ~~ترهيب ولا ترغيب، فذكر ذلك اليوم بالأسباب التي هي أسباب الزجر والردع؛ ~~فقوله: (الحاقة) أي: حقت لكل عامل عمله، وتحق لكل ذي حق حقه، فإن كان من ~~أهل النار استوجبها، وإن كان من أهل الجنة دخلها. # وقال بعضهم: الحاقة هي النار التي لا ترتفع أبدا، وهو ما ينزل بالخلق من ~~الجزاء وأنواع ما وعدوا به يوم القيامة. # وقيل: هي الواجبة مثل قوله: (وحاق بهم)، أي: وجب، ونزل بهم. # والأصل أن القيامة سميت بالأحوال التي يبتلى الخلق بها فيها؛ من نحو: ~~القارعة، والواقعة، والتناد، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك مما جاء في ~~القرآن، أخذت أسماؤها من أحوال ما يبتلى الخلق بها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما الحاقة (2). # فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم أيضا، كما يقال: فلان ما فلان؛ إذا وصف ~~بالغاية في القوة والسخاوة، ونحوه. # وقوله: (وما أدراك ما الحاقة (3) أي فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم، أيضا ~~أو (وما أدراك ما الحاقة)، أي: لم تكن تدري ما ذلك اليوم؟ فأدراك الله ~~تعالى؛ لأنه لم يكن خبر القيامة # PageV10P163 # علمك ولا علم قومك، لكن الله تعالى أطلعك عليه؛ لأن قومه كانوا منكري ~~البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء، وذلك أن الله تعالى لما ذكرهم من دلائل ~~البعث إلى جهة تدركها العقول، والحكمة من إحالة التسوية بين الفاجر والبر ~~والمطيع والعاصي، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثا باطلا، والدلائل ~~الأخرى التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في ~~خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي سلفهم من ~~مكذبي البعث ومنكري الرسل، حيث استأصلهم، فلم يبق ms4707 لهم سلف، ولا خلف عنهم ~~خلف؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) ~~ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل، يقول: سيصيبكم ~~بتكذيبكم محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما يخبركم من الأنباء عن الله ~~تعالى كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعادا بتكذيبهم رسلهم؛ لينتهوا عن تكذيبه. # أو يخبرهم أن ثمود وعادا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك، وندموا على ~~ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضا إن دمتم على تكذيبكم محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن ~~كانوا مكذبين بتلك الأنباء؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا: (إنا ~~كنا عن هذا غافلين)، ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك، لكانت هذه الآيات ~~والأنباء تحقق لهم ذلك، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم ~~وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها. # ثم قوله - عز وجل - (الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) ~~كذبت ثمود وعاد بالقارعة)، وقوله: (القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ~~ما القارعة (3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث)، يحتمل أن يكون هذا مخاطبة ~~كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول؛ كقوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم)، إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وجائز أن يكون يخاطب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن صرف ~~الخطاب إلى الرسول - عليه السلام - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد ~~بالخطاب المكذبون، والأصل أن قول # PageV10P164 # القائل: (فلان ما فلان) يوجب اجتذاب الأسماع ويستدعي السامع إلى البحث في ~~الشاهد؛ لأنه إنما يذكر فلانا بهذا؛ لأعجوبة فيه، أو لعظم أمره، فيستبحث عن ~~ذلك؛ ليوقف على تلك الأعجوبة التي فيه، فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك ~~إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم، وفي قوله: (وما أدراك ما الحاقة) ~~مبالغة في التعجب وإذا نظروا فيه وفهموه دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت ~~الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع. # وإن ms4708 كان الخطاب في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتأويله: أن ~~المكذبين يؤذونه ويمكرون به فيتأذى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم ~~من العذاب ويحق عليهم؛ فيكون فيه بعض التسلي عما أصابه من الأذى من ~~ناحيتهم، أو ذكره أن العذاب يحق عليهم فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على ~~الشفقة عليهم والرحمة لهم. # وقيل: إن كان الخطاب في المكذبين، ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن ~~كذبوا رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فيما يخبرهم من أمر البعث، نزل بهم من ~~العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأولئك. # وإن كان الخطاب في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي ذكر نبأ عاد ~~وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون له بعض التسلي؛ لأنه يخبر أنك ~~لست بأول رسول كذب، بل شركتك الرسل من قبل وابتلوا بالتكذيب، ثم بين ما نزل ~~بعاد وثمود بالتكذيب بالقارعة، وهو قوله: (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) ~~والطاغية والعاتية والرابية يمكن أن يجعل هذا كله صفة للعذاب الذي نزل بهم. # وجائز أن يكون صفة الأحوال التي سبقت منهم وما كانوا عليه، فإن كان هذا ~~صفة العذاب، فالطغيان عبارة عن الشدة، والطاغي: هو العاتي، الشديد لا يراقب ~~ولا يتقي، فوصف العذاب الذي أرسله عليهم أنه لم يبق منهم أحدا، بل استأصلهم ~~وأهلكهم بجملتهم. # وقيل: ذلك العذاب هو الصاعقة. # وقيل: الصيحة، وسمي: طاغية: ولم يقل: طاغي؛ لهذا. # PageV10P165 # وقيل: اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية، لكن أخذ ~~اسمه عن فعل القوم؛ كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، وقال: (فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم. # وقيل: (بالطاغية) أي: بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم؛ كقوله تعالى: ~~(فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية). # ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتو ~~ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم ~~الله - تعالى - إن لم ينتهوا عن التكذيب ms4709 كما أهلك أولئك. # وقوله - عز وجل - (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6). # قال الحسن: الريح الصرصر هي الصيحة، وهي التي لها صوت. # وقال بعضهم: هي الريح الباردة الشديدة البرد؛ كقوله: (ريح فيها صر أصابت. ~~. .)، والصر: البارد، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها. # وقوله - عز وجل - (عاتية) فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية. # وذكر الكلبي وغيره: أنها سميت: عاتية؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها، ~~وهذا لا يستقيم؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يمكنون من ~~الحفظ حتى تعتوا عليهم، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت، ~~فأما إذا وكلوا بحفظها، ثم لا يجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم ~~فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7). # قوله: (سخرها) قيل: أرسلها. # وقيل: أدامها عليهم. # وقيل: التسخير: التذليل، أي: ذللها؛ فصيرها بحيث لا تمتنع عن المرور ~~عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها، وإنما ~~أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم تهلك شيئا من مساكنهم؛ كقوله (تدمر كل شيء ~~بأمر ربها فأصبحوا لا # PageV10P166 # يرى إلا مساكنهم)، والريح إذا عملت على الأبدان؛ فهي على البنيان أكثر، ~~لكن الله تعالى لم يأمرها بذلك، والله أعلم. # ثم قوله: (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) فيه تبيين أن الأيام لم تكن على ~~عدد الليالي، ولو كانا على عدد واحد، لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد ~~الآخر؛ لأن تسمية الليالي تسمية للأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي؛ ألا ~~ترى إلى قوله في قصة زكريا: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)، ~~وقال في موضع آخر: (ثلاث ليال سويا)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حسوما)، قيل: متتابعة دائمة. # وقيل: قطعا، قطعا من الحسم، يقال: حسمت الريح كل شيء مرت به حسما، أي: ~~قطعته. # وقيل: مشئومات حيث انقطعت بركتها عنهم. # وقوله تعالى: (فترى القوم فيها صرعى). # أي: أنك لو أدركتهم وشهدتهم وعاينتهم، لرأيتهم صرعى. # (كأنهم أعجاز ms4710 نخل خاوية). # وقال بعضهم: أي: ترى الأعضاء المتفرقة، كل قطعة منها كأنها عجز نخلة؛ إذ ~~كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل، فيصرف تأويله إلى الأعضاء ~~المتباينة. # ثم ذكر النخل هاهنا بالتأنيث، فقال: (أعجاز نخل خاوية)، ووصف في سورة ~~(اقتربت) بصفة التذكير فقال: (كأنهم أعجاز نخل منقعر)؛ لأن النخل يذكر ~~ويؤنث؛ كذا قاله الزجاج. # وقيل: النخل يذكر على كل حال، لكن قوله: (خاوية) صفة الأعجاز لا صفة ~~النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد فيذكر، وليس كذلك؛ لأن ~~الخاوية صفة النخل، ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع. # ولأن النخل اسم جمع، يقال: نخلة ونخل؛ كما يقال: شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ~~ونحو ذلك. # PageV10P167 # وقوله - عز وجل - (خاوية). # قال بعضهم: أي: بالية. # وقيل: الخاوية، أي: ساقطة؛ كقوله - تعالى -: (وهي خاوية على عروشها) أي: ~~ساقطة على قوائمها. # وقيل: أي: خالية، فوصفها بالخلاء لأنها أقلعت من أصلها حتى خلا ذلك ~~المكان عنها، وأعجاز النخل: أصوله. # وقوله - عز وجل - (فهل ترى لهم من باقية (8). # فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون بهم، بل أهلكوا بأجمعهم، وانقطع نسلهم، ~~وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء، وإلا كان يرى لهم باقية، ففيه أنهم استؤصلوا ~~وعم العذاب الكبير والصغير، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل بأولئك، وفيه ~~إخبار أنهم عذبوا بعذاب لا رحمة فيه، وهكذا سنة الله - تعالى - في مكذبي ~~الرسل من قبل، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا ويقاتلوا، فتعذيب هذه الأمة ~~تعذيب فيه رحمة؛ لأن الصغار منهم لا يقاتلون، والنساء لا يقاتلن، بل يسبين ~~رجاء أن يسلمن؛ فعلى هذا يخرج قوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ~~والله أعلم. # ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم: إن محمدا صرور، أي: ليس له ولد يبقي نسله ~~وذكره، فأخبر - تعالى - أن كثرة الأولاد لا تغني من الله شيئا؛ إذ قد كانت ~~لهم أهال وأولاد فأهلكوا عن آخرهم، وانقطع التناسل منهم؛ ليعلموا أنه يبقى ~~ذكر لمن أطاع الله - تعالى - ورسوله، كان ثم أولاد، أو لم يكن، والله أعلم. # وقوله ms4711 - عز وجل -: (وجاء فرعون ومن قبله ... (9). # قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء. # فتأويل القراءة الأولى: أي: جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، أو من ~~قبله: من كان من أهل القرى التي بغرب المصر، وقد روي في الشاذ في بعض ~~الحروف: (وجاء فرعون ومن دونه). # وجائز أن يكونوا من أتباع فرعون. # وجائز ألا يكونوا. # وتأويل القراءة الثانية: أي: جاء فرعون ومن كان متقدما عليه من الأمم ~~الماضية. # PageV10P168 # وقوله - عز وجل -: (والمؤتفكات). # قيل: قريات لوط، ائتفكت على أهلها، أي: انقلبت عليهم؛ بما عصت رسلها. # وقيل: المؤتفك: الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى الباطل، ومن ~~العدل إلى الجور، فمن قرأه: (ومن قبله) بخفض القاف، كان قوله: (وجاء فرعون ~~ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة. فعصوا رسول ربهم) واقعا كله على العصيان ~~لموسى - عليه السلام - والمراد من المؤتفكات: كل من ائتفك من الحق إلى ~~الباطل، دون أهل قريات لوط؛ لأنهم كانوا قبل زمان موسى بكثير. # ومن قرأه: (ومن قبله) بنصب القاف، كان قوله: (فعصوا رسول ربهم) واقعا على ~~رسول كل فريق، كأنه قال: عصى كل أمة رسولها، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد ~~من المؤتفكات قوم لوط، عليه السلام. # ثم قوله: (بالخاطئة)، أي: بالخطايا والشرك. # وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج ~~بأن الله - تعالى - لم يذكر من قوم لوط - عليه السلام - كفرا وشركا في ~~كتابه، إنما ذكر ركونهم للفاحشة وبها أهلكوا؛ إذ لم ينزعوا ولم يتوبوا. # قال: ولو كانوا مشركين، لم يقل لهم لوط: (قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر ~~لكم)، أراد بذلك الإنكاح والكافر لا يصح منه نكاح المسلمة. # وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله تعالى؛ ألا ترى إلى قوله فيما ~~حكى عن قوم لوط من قولهم: (لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)، فإخراج ~~الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر. # وقال في موضع آخر: (أخرجوا آل لوط من قريتكم)، فطابت أنفسهم بإخراج لوط ms4712 - ~~عليه السلام - من قراهم، ومن فعل ذلك، لم يشك في كفره. # وقال في قصة لوط أيضا: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين)، فثبت أنهم كانوا كفارا. # PageV10P169 # ثم لقائل أن يقول في قوله: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) ~~فعصوا رسول ربهم) أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون ~~إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه ~~فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان؟ # قيل: إن كل من أتى آخر وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب إلى الآخر، فقد ~~قرب الآخر إليه؛ لأن المجيء فعل مشترك؛ لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع ~~الالتقاء بهما جميعا ليس بأحدهما؛ فلذلك استقام إضافة المجيء إلى فرعون، ~~وعلى هذا تأويل قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين)، أي: قربت للمتقين، ~~وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت ~~هي إليهم، فأضيف إليها التقريب لهذا؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله: ~~(وجاء ربك والملك صفا صفا)، وقوله - عز وجل -: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام)، أي: أتاه الخلق، لا أن يكون هو الذي يأتيهم؛ لأنه ~~قال: (ويوم يرجعون إليه)، وقال: (وإلى الله المصير)، (وإلى الله ترجع ~~الأمور)، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن نسب المجيء ~~والإتيان إلى الله تعالى؛ لأنهم إذا أتوه فكأنه قد أتاهم من الوجه الذي ~~ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في الله تعالى. # والثاني: أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل في المجيء إلى مكان من مكان، ~~فقد يستعمل أيضا في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال؛ قال الله تعالى: ~~(وقل جاء الحق)، ومعناه: ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى ~~غيره؛ فأمكن أن يكون قوله: (وجاء فرعون) أي: كذب بما أنزل على موسى، عليه ~~السلام. # وجائز أن يكون قوله: (وجاء فرعون) أي: جاء بالخاطئة؛ فيكون المجيء مصروفا ~~إلى الخطايا، ms4713 وهذا التأويل أملك بظاهر الآية؛ لأنه قال: (وجاء فرعون ومن ~~قبله والمؤتفكات بالخاطئة)، أي: جاءوا بالخطايا. # وقوله - عز وجل -: (فأخذهم أخذة رابية (10). # أي: عالية؛ حيث علت أبدانهم. # وجائز أن يكون المراد منه: أن عقوبتهم ربت على الأخذ أي: زادت على الأخذ؛ # PageV10P170 # لأنها أخذت أبدانهم وأهلكتها، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم فتعرض عليها غدوا ~~وعشيا، فذلك هو الزيادة على الأخذ، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11). # قال بعضهم: أي: طغى على الخزان؛ لأن الخزان يطلقون القطر بالكيل والوزن ~~والقدر المعلوم، ثم ذكر في موضع آخر: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) أي: ~~منصب؛ فيكون تأويله: أن الله - تعالى - لم يمكنهم من حفظ القطر في ذلك ~~الوقت؛ فطغى عليهم لهذا المعنى، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت، لكان ~~الماء لا يطغى عليهم، على ما ذكرنا: أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه ولا ~~يملكون حفظه. # وجائز أن يكون قوله: (طغا)، أي: طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح - ~~عليه السلام - وقد وصفنا تأويل الطاغي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حملناكم في الجارية). # قد ذكر أنه حملنا، ولم نكن نحن يومئذ فنحمل، والخطاب للذين كانوا في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان لأن بنجاة أولئك المحمولين نجاة ~~ذريتهم، وبهلاك أولئك فناء ذريتهم؛ فكأنه قد حملهم بحمل أولئك؛ لما حصلت ~~لهم النجاة بحملهم. # أو أضاف إليهم؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم؛ فكانوا حملوا تقديرا، وهو ~~كقوله: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم)، ومعناه: أنزلنا ~~عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون ~~اللباس منه، فكأنه أنزل اللباس، وقال - عز وجل -: (فإنا خلقناكم من تراب)، ~~ونحن لم نخلق من التراب، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه ~~فكأنا خلقنا منه؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا؛ ~~لنكون نحن من ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها؛ إذ # PageV10P171 # كنا في إرادة الله - تعالى - من ms4714 الكائنين، والله أعلم. # أو ذكر ذلك منة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء ~~شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فوجه التذكرة ~~فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: (إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون)، فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح - عليه ~~السلام - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعا ~~باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا ~~المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة)، بل ~~قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين ~~اتبعوا نوحا فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة. # ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق ~~والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين ~~بالرسل والمكذبين لهم. # أو ذكرهم عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة؛ ليستأدي منهم شكر ~~ذلك. # وقال بعضهم: كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت وهي قائمة في موضع كذا ~~عبرة وتذكرة. # ثم التذكرة تخرج على وجهين: # أحدهما: أن يراد بها الآية والعبرة؛ أي: جعلنا لكم ذلك؛ لتعتبروا، وتكون ~~آية لكم على وحدانية الله - تعالى - وقدرته؛ كقوله: (فأنجيناه وأصحاب ~~السفينة وجعلناها آية للعالمين). # والثاني: أي: جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم؛ أي: جعلناها قرآنا تقرءونها ~~وتذكرونها إلى آخر الأبد؛ فتشكرون الله - تعالى - على ما صنع إليكم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل - (وتعيها أذن واعية) يقال: وعى الشيء: إذا حفظه، وأوعاه: ~~إذا حفظه بإناء أو غيره؛ أي: تحفظها أذن واعية؛ بمعنى: حافظة؛ فأضاف الوعي ~~والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي؛ بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي ~~إلى # PageV10P172 # الأذن؛ لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن؛ إذ بالسمع يوعى، والسمع من عمل ~~الأذن، ثم يقع ms4715 المسموع فيما فيه يوعى، وهو القلب؛ فنسب الوعي إلى السمع؛ ~~لما يتطرق به إلى الوعي، كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى ما منه قدر اللباس، ~~وهو المطر، وأضيف خلقنا إلى التراب؛ لأن أصل ما منه قدر خلقنا هو التراب. # وجائز أن يكون الله - تعالى - يجعل للقلوب آذانا بها تعي، وأبصارا بها ~~تبصر؛ فيضيف الوعي إلى آذان القلوب، ليس إلى آذان الرءوس، والله أعلم. # وقيل: (أذن واعية) أي: عقلت عن الله تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتابه، ~~وهي أذن المؤمن، فأما أذن الكافر؛ فإنها تسمع وتقذف ولا تعي؛ لما لم يحصل ~~لهم الانتفاع به؛ ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم؛ لما لم ينتفعوا بالمسموع، ~~وكذلك قال: (فنبذوه وراء ظهورهم)، جعل تركهم الانتفاع به نبذا؛ فعلى ذلك ~~جعل الانتفاع به وعيا، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع ~~بعلم أو شيء، اجتهدوا في وعيهما وحفظهما. # * * * # قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال ~~فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ ~~واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) ~~يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18). # وقوله - عز وجل -: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) فكأنهم سألوا: متى ~~تكون الواقعة والحاقة والقارعة؟ فأخبر عن ذلك بقوله: (فإذا نفخ في الصور ~~نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت ~~الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية)، فجوابهم في قوله: (فيومئذ ~~وقعت الواقعة) ثم قد بينا أن الأسئلة كلها خرجت على بيان الوقت، والله - ~~تعالى - لم يبين لهم وقت كونه، وإنما أجاب عن الأحوال التي تكون في ذلك ~~الوقت؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما ~~الفائدة في تبيين أحواله؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (نفخة واحدة) فجائز أن يكون على حقيقة النفخ. # واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث ~~على الله - تعالى - لأن قدر النفخة مما يسهل على المرء ms4716 في الشاهد، ولا ~~يتعذر. # وجائز أن يكون ذكر النفخ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم، وتنتشر فيها، ~~وذلك # PageV10P173 # عمل النفخ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول ~~الروح في الجسد بالنفخ؛ إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد ~~لهذا، وعلى هذا تأويل قوله: (فنفخنا فيه من روحنا)، ليس على حقيقة النفخ؛ ~~ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (في الصور) قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة ~~الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه ~~مرة فإذا هم قيام ينظرون. # ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب ~~الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون الله ~~- تعالى - جعل نفخ الصور سببا لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن ~~الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سببا لنوع الحكمة ~~والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في ~~الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني ~~آدم، وغير ذلك. # وقوله: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) كسرتا كسرة واحدة. # وقيل: هدمتا هدمة واحدة. # وقال بعضهم: زلزلتا زلزلة واحدة؛ فكأنه يقول - والله أعلم -: تتزلزل ~~الأرض، فتقذف ما في بطنها من الفضول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست ~~منها بتلك الدكة، وتخرج أصول الجبال منها، ثم يجعله الله - تعالى - كثيبا ~~مهيلا مثل الرمل، ثم يعمل عليه الريح فيجعله هباء منثورا، وتراه من لينه ~~كالعهن المنفوش، ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن ~~المختلفة؛ فتصير الأرض كما قال - تعالى -: (فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا (107)، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه، تفرقه ~~في النواحي، وتسوي به الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض. # وقوله - عز وجل -: (وحملت الأرض) ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان، ms4717 ولكن ~~تدخل هذه في هذه، وتضرب هذه على هذه بالدكة؛ فتصير كأنها حملت لذلك، وإذا ~~كان # PageV10P174 # كذلك، فقد وقعت الواقعة يومئذ، وهذا على اختلاف الأوقات؛ ليكون معنى ~~الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم. # وقيل: في آيات أخر بيان آخر: بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله: ~~(ينسفها ربي نسفا. فيذرها)، أي: يذر الأرض (قاعا صفصفا)، وغيرها من الآيات؛ ~~مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها، فإما أن يكون معنى تبديل الأرض ~~تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان، واستواء ~~الأودية، وإزالة الجبال؛ على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك: تبديلا؛ كما ~~يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها: تبدلت، يراد: أي: تغيرت عن ~~حالتك؛ فعلى ذلك معنى الآية؛ أي: تكسر الجبال، وتتغير حالة الأرض في دفعة ~~واحدة. # أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم أن يدكه دكة واحدة؛ ~~تفني الجبال والأرض، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما ~~يفنيان جميعا بدفعة واحدة، لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض؛ فيكون ~~المراد بيان شدة اليوم وهوله؛ لا بيان ترتيب فناء البعض على البعض، والله ~~أعلم. # وقوله - تعالى -: (فيومئذ وقعت الواقعة (15) وهو الحساب والجزاء؛ كقوله: ~~(وإن الدين لواقع)، وأدخلت الهاء في أسماء القيامة تعظيما لشأنها. # وقوله - عز وجل -: (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) قال بعضهم: ~~تفرقت، وهكذا الشيء إذا انشق تفرق وتباين، وبه يظهر الشق. # ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين؛ أي: تلين بعد صعوبتها، دليله: # قوله - عز وجل -: (فهي يومئذ واهية) أي: ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى ~~الصلابة، ويدل على ذلك قوله: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)، وإنما ~~يطوى الشيء في الشاهد بعدما يلين في نفسه. # وجائز أن تنشق السماء لنزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على ~~أطرافها، ثم تنضم فتبين للطي، والله أعلم. # PageV10P175 # وجائز أن يكون ذكر انفطارها وانشقاقها وانفتاحها؛ تهويلا للخلق من الوجه ~~الذي ذكرنا فيما قبل. # وجائز أن تكون للسماوات أبواب فتفتح ms4718 أبوابها؛ فيكون انشقاقها وانفطارها ~~فتح أبوابها. # وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب؛ لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس ~~في فتح أبوابها كثير تهويل. # وقوله: (فهي يومئذ واهية) أي: ضعيفة مسترخية. # وقيل: الوهي: الخرق، وهو يحتمل؛ لأنها إذا انشقت انخرقت. # وقوله - عز وجل -: (والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ~~(17) الأرجاء: النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، وواحد ~~الأرجاء: رجا، مقصور. # والملك أريد به الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل ~~أنهم وكلوا وامتحنوا بها وبحفظها بعد الشق؛ لئلا تسقط على أهل الأرض. # وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء فتنزل ~~الملائكة الذين كان مسكنهم عندها إلى الأرض، كما قال - تعالى -: (ونزل ~~الملائكة تنزيلا)، ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها ينتظرون أمر ~~ربهم. # ثم الملك ليس يحتاج إلى مكان يقر فيه وإن جعلت السماء مسكنا لهم؛ لأن ~~الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض، ويقرون على الهواء من غير أن يكون في ~~الهواء مقر. # والثالث: يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، ~~والباقي بحاله. # ويحتمل: (والملك على أرجائها) على ما يمر به في السماء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) فيحتمل أن يكون ~~الملائكة في النفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما ~~قال: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله)، ~~فيكون هؤلاء الثمانية # PageV10P176 # من الذين استثنوا؛ فلا يصعقون؛ فهم يحملون العرش؛ فتكون أمكنتهم على ~~أرجاء السماوات، وهو قوله: (والملك على أرجائها). # وقوله - عز وجل - (ثمانية) جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك. # وجائز أن يكون أراد به ثمانية أصناف من الملائكة، كما ذكر في التفسير. # وجائز أن يكون هؤلاء الثمانية يهلكون ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، ~~فيحملون عرش ربنا على أكتافهم، فإذا بعث الله - تعالى - الخلائق رأوا العرش ~~على أكتافهم، والعرش هو سرير الملك. # وجائز أن يكون ذلك من نور، كما ذكر في ms4719 الخبر: " أن عين الشمس إذا أرادت ~~أن تطلع فإن جبريل - عليه السلام - يأتي العرش، فيأخذ كفا من ضيائه، ثم ~~يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل - ~~عليه السلام - كفا من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه "، ~~فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور. # ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي ~~الرغب؛ فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم عرش الرب وملكه جل جلاله. # ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشا، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم ~~وسلطانهم لا ليجعل ذلك مسكنا لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ~~ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من الله أولى. # وقوله - عز وجل -: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) أي: تعرضون على ~~أعمالكم فلا تخفى عليكم خافية، أي: يظهر لكم في ذلك اليوم، ويصير بارزا في ~~ذلك اليوم، كما قال - تعالى -: (يوم تبلى السرائر)، أي: تظهر لهم سرائرهم ~~حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها. # وجائز أن يكون قوله: (لا تخفى منكم خافية) أي: على الله - تعالى - ولكن ~~كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على الله - تعالى - وظن أن الله - تعالى - لا ~~يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله - تعالى ~~- (لمن الملك # PageV10P177 # اليوم لله الواحد القهار)، ليس فيه أن الملك كان لغيره، ولكن بعض الناس ~~كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ~~ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك قوله - تعالى - (وبرزوا لله ~~جميعا) ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك؛ بل كانوا له في كل وقت بارزين، ~~ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، ~~والله المستعان. # ثم روي في الخبر " أن العرضات ثلاث: عرضتان فيهما خصومات ومعاذير " أي: ~~يختصمون ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح ~~عن ذنوبهم وخصومهم، و " العرضة الثالثة عند تطاير الصحف ". # ومعنى قوله: (تعرضون) ms4720 أي: يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد ~~خصمه. # أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه، وكل خصم خصومته؛ فكأنهم قد نسوا ~~ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال، لكن الله - تعالى - يطلعهم على ذلك حتى ~~يذكروا ذلك، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه (19) ~~إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) ~~قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24). # وقوله - عز وجل -: (فأما من أوتي كتابه بيمينه) ظاهر ما جرى به الخطاب في ~~القرآن يوجب أن يرحم المؤمنون جميعا فلا يعذبون في الآخرة، ويعذب الكافرون ~~ولا يرحمون؛ لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين: فجعل صنفا منهم أهل اليمين، ~~وصنفا أهل الشمال، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة: فذكر مرة أنه ~~يخف ميزانهم بقوله: (ومن خفت موازينه)، وذكر مرة أن وجوههم تسود، وذكر مرة ~~أنهم يعطون كتابهم بشمالهم؛ فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين، وذكر في ~~الصنف الثاني، ووصفهم بأعلام ثلاثة: ببياض الوجوه، وبثقل الميزان، وبإعطاء ~~الكتاب بأيمانهم. # ثم فيما فيه سواد الوجوه ذكر فيه: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)، وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في ~~آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة؛ لأنه قال: (ألم تكن آياتي ~~تتلى عليكم # PageV10P178 # فكنتم بها تكذبون)، وذكر فيه إعطاء الكتاب بشماله، وذكر فيه ما يبين أنه ~~من أهل الكفر؛ لأنه قال: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام ~~المسكين)؛ فثبت أن الوعيد المطلق ذكر في أهل الكفر، وكذلك قال: (واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين)، ولم يقل: أعدت للخلق، وقال: (وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين)؛ فثبت أن أهل النار هم الكفار، ثم المؤمنون ~~قد تعرض منهم زلات ومآثم في هذه الدنيا، والكفار يوجد منهم المحاسن فيها، ~~ولكن أهل الكفر يجزون جزاء حسناتهم في دنياهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ~~وإذا لم يؤمنوا بها ms4721 لم يقع سعيهم لها، وأمكن أن يكون المؤمن يجعل له العقاب ~~بسيئاته في الدنيا فتخلص له الحسنات في الآخرة فيجزى بها. # وجائز أن تكفر سيئاته بالحسنات التي توجد منه؛ لأن المحاسن جعلت سببا ~~لتكفير المساوى؛ قال الله - تعالى -: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، وإذا ~~كفرت سيئاته في الدنيا، لم يعذب بها في الآخرة. # وجائز أن يكون الله - تعالى - يعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يعفو عنهم بحسناتهم ~~التي سبقت منهم من الإيمان، وغير ذلك، فكل مؤمن -في الحقيقة- آخره الجنة، ~~ويثقل ميزانه، ويبيض وجهه، ويعطى كتايه بيمينه. # ثم يجوز أن يكون الذي يعاقب بذنوبه من أهل الإيمان يعاقب به قبل أن يعطى ~~كتابه بيمينه، وقبل أن يبيض وجهه ويثقل ميزانه، وقبل أن يبيض وجهه، لم يكن ~~مسود الوجه، ولكن على ما عليه في الدنيا. # ثم متى عفي عنه؟ في الخبر " أن الناس يعرضون يوم القيامة ثلاث عرضات: ~~فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في ~~الأيدي "، فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطى كتابه في ~~العرضة الثالثة بيمينه؛ فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك، فإذا ثبت أن الوعيد ~~المطلق إنما جاء في أهل الكفر، لم # PageV10P179 # يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم؛ بل وجب الوقف في حالهم؛ ~~كما قال أصحابنا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل - (هاؤم اقرءوا كتابيه) قال بعضهم: (هآؤم) أي: تعالوا. # وقال بعضهم: " ها " بمعنى: هاكم؛ أي: خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف، ~~فظاهر الآية أن المعطى له الكتاب؛ يقول هذا؛ يدعو الخلق إلى نحوه، أو ~~يناولهم الكتاب؛ استبشارا وحبورا، فيبشرهم بعفو الله - تعالى - عنه ورحمته ~~عليه. # ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا بأن المعطي هو الذي ~~يقول هذا؛ فكأن الذي كتب الكتاب في الدنيا من الملك هو الذي يعطي الكتاب ~~إلى المكتوب عليه، ويقول: (هاؤم اقرءوا كتابيه) أي: خذوا اقرءوا، ما كتبت ~~لكم وعليكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فإن حملته على حقيقة ~~الظن، فهو يخرج على ثلاثة ms4722 أوجه. # أحدها: أي: إني ظننت في الدنيا أني ألاقي (حسابيه)، أي: الحساب الشديد ~~فيما سبق من سيئاتي، وأؤاخذ بها، وأجازى عليها، وظننت الساعة ألا أنجو من ~~ذنوبي؛ لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني؛ فيكون ~~قوله منه هذا شكرا لله - تعالى - وإظهارا لمنته. # والثاني: أي: إني تركت في دار الدنيا إذا عرضت لي الحوادث من الزلات ~~والهفوات، ظننت أني ألاقي الله - تعالى - بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن ~~إتيانها؛ فيكون إخبارا عن بيان سبب نيل ذلك. # والثالث: أني تفكرت في أمري؛ فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملا؛ فأدى ظني ~~إلى اليقين، فآمنت وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي. # ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال: معنى قوله: (ظننت) أي: ~~أيقنت، وعلمت. # والأصل: أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ~~ذلك على ظن يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي ~~به إلى الوقوف # PageV10P180 # على ما استتر منه، ويصير الخفي له جليا، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين ~~والإحاطة الذي سبق منه؛ فجائز أن يسمى ذلك يقينا مرة على الحقيقة وظنا ~~ثانيا على المجاز، على ما ذكرنا في قوله: (وتعيها أذن واعية)، أن الأذن لا ~~تعي شيئا، بل تسمع، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن، فصارت الأذن سببا ~~للإيصال إلى الوعي، فأضاف الوعي إليها؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا ~~بلغتهم إلى اليقين والعلم سموا يقينهم وعلمهم ظنا مرة، ويقينا ثانيا؛ ألا ~~ترى أن الله - تعالى - قال: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم)، وقال في موضع ~~آخر: (وبالآخرة هم يوقنون)، فجعلهم مرة ظانين، ومرة موقنين، فيما كان ~~طريقته البحث وإعمال الفكر؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف الله - تعالى - بالإيقان ~~في أمر من الأمور؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة؛ إذ هو منشئها وخالقها؛ فلا ~~يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق. # أو نقول بأن الأمور التي سبيل دركها الاجتهاد، لا يخلو شيء منها من ~~اعتراض وساوس ms4723 وخواطر فيها، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها إلى الظنون ~~فاستجازوا إطلاق الظن فيها؛ لما لا تخلو عنه، واستجازوا إطلاق اليقين لما ~~غلب عليها دلالات اليقين والإحاطة؛ ألا ترى أن من تهدد بالوعيد الشديد، أو ~~بالقتل على أن يكفر بالله - تعالى - أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه، ~~وجعل كالموقن بإحلال العذاب من المكره، لو امتنع عن الإجابة إلى ما دعاه ~~وإن لم يتيقن بأنه يفعل به لا محالة ما أوعد به؛ لأنه يجوز ألا يمكن من ~~ذلك، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت، ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة ~~الظن، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين؛ فعلى ذلك هاهنا لما غلب دلالات اليقين ~~والصدق، جاز إطلاق لفظة اليقين عليه، فأما الأشياء التي تدرك بالحواس ~~والمشاهدات، فلا سبيل إلى تسمية مثله ظنا؛ لما لا يحتمل اعتراض الشبه فيها، ~~والله الموفق. # PageV10P181 # وقوله - عز وجل -: (فهو في عيشة راضية (21) أي: في حياة راضية، يقال: عاش ~~وحيا بمعنى واحد. # وقوله - عز وجل -: (راضية) بمعنى: مرضية معناه، أن نفسه في حياة ترضى ~~بها؛ كقوله: (من ماء دافق)، أي: مدفوق، ومثله في الكلام كثير. # ويجوز أن يكون المراد: نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم، كما ~~وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها، فجائز مثله في الجنة رضاء ~~واستبشارا، أي: على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما ~~لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء، كما يضاف الغرور إلى الدنيا، ~~وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير، يكون ذلك غرورا من ~~نفسها. # وقوله - عز وجل -: (في جنة عالية (22) قال بعضهم: مرتفعة، على ما يستحب ~~في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة. # وقال بعضهم: الجنة: اسم لروضة ذات أشجار؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع ~~والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها، وهذا كما قال: (قطوفها دانية) من ~~غير ذكر الأشجار؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار. # والثالث: يكون معنى العالية، أي: عظيمة القدر والخطر ms4724 مرتفعة، وقد يوصف ~~الشيء الرفع بالعلو، والله أعلم. # ثم قوله - تعالى -: (قطوفها دانية (23) أي: في القطوف متدانية من أهلها ~~لمن يريد قطفها، وبعيدة لمن لا يريد قطفها. # وقيل: (دانية) ينالها القاعد كما ينالها القائم. # وقيل: ثمارها دانية، أي: لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك. # وقوله - عز وجل - (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) ~~تأويله أن يقال لهم: (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) ~~إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفا في أيام الآخرة، وسلف الرجل لآخر هو أن ~~يعطيه قرضا؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في ~~الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفا ورأس مال، ~~ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف. # PageV10P182 # أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله، وما رزق من الأموال ينفقها في سبيل الله، ~~ويجعل ذلك رأس ماله. # وذكر عن وكيع أنه قال: بلغنا أن المراد الذين أسلفوا الصوم؛ أي: أنهم ~~صاموا في الدنيا وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم الله في الآخرة فقال: ~~(كلوا واشربوا هنيئا). # * * * # قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ~~(25) ولم أدر ما حسابيه. يا ليتها كانت القاضية. ما أغنى عني ماليه (28) ~~هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض ~~على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من ~~غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطئون (37). # وقوله - عز وجل -: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت ~~كتابيه) والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم ~~شقائه. # وقوله - عز وجل -: (ولم أدر ما حسابيه (26) يقول هذا في الوقت الذي قرأ ~~ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا ~~أحسن صنعا من الذين آمنوا، وأقرب منزلة إلى الله - تعالى - كما قال: (وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا)، فظهر له بقراءته ms4725 الكتاب أنه لم يكن على ما حسب؛ ~~بل قد أساء صنيعه؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه؛ لئلا تظهر مساوئه. # ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتا ولم يحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه. # وقوله - عز وجل -: (يا ليتها كانت القاضية (27) أي: ياليت الميتة الأولى ~~(كانت القاضية)، أي: يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي. # وقال بعض أهل التأويل: يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك، ~~لم تكن محيية باعثة، والله أعلم. # وقال قتادة: تمنوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم ~~الموت عليهم مقضي، وليس بقاض، فحقه أن يقول: يا ليتها كانت مقضية؛ ولكن هذه # PageV10P183 # اللفظة يذكرها الناس في كل مكروه من الأمور؛ ألا ترى أن الناس يدعون الله ~~- تعالى - بأن يصرف عنهم قضاء السوء، وليس بقضاء الله؛ بل هو مقضيه؛ فخرج ~~القول على ما تعارفوا، وهذا كما يقال: (الصلاة أمر الله)، وليست هي بأمره، ~~ولكن تأويله: أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضا قضاء الله، وهو في الحقيقة ~~مقضيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أغنى عني ماليه (28) فالأصل أن الكفرة كانوا ~~يفتخرون بكثرة أموالهم، فيقولون: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين)، فيزعمون أن الله - تعالى - بما آتاهم من الأموال يدفعون عن ~~أنفسهم العذاب بأموالهم إن حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني ~~عنهم شيئا، فيقول كل واحد منهم: (ما أغنى عني ماليه). # وقوله - تعالى -: (هلك عني سلطانيه (29) ذكر عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، فالأصل: أن الكافر كان يحتج ~~في الدنيا لنفسه بحجج باطلة، فمرة يقول: (ما أنت إلا بشر مثلنا)، ويقول ~~مرة: (ما هذا إلا أساطير الأولين)، ومرة يقول: هذا سحر، ومرة يقول: هو ~~مجنون، وغير ذلك، فيعبر بقوله: (هلك عني سلطانيه) أي: هلكت تلك الحجج التي ~~كنا نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج. # ومنهم من يقول: السلطان: هو القدر والشرف؛ أي: ذهب ذلك كله. # وقيل: أي: هلك عني ms4726 تكبري وسلطاني على الأنبياء - عليهم السلام - في ~~الدنيا وترك الاكتراث إليهم. # وجائز أن يكون أراد به: أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد ~~انقطع؛ لأنه كان يملك استعمالها في مرضات الله - تعالى - فيقول: قد انقطع ~~ذلك السلطان؛ لأني لا أملك استعمالها فيما أستوجب به مرضاة الله؛ لأنه يسلم ~~فلا يقبل منه إسلامه. # ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات على معنى الإشارات إلى الأنفس، ~~أو على تأكيد الأمر والمبالغة: كالنسابة، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك، وقد ~~تدخل الهاء في النداء؛ كقوله يا رباه، ويا سيداه. # PageV10P184 # وجائز أن يكون الوقف وإجمام الكلام، وأهل النحو يسمونه: هاء الاستراحة. # وقوله - عز وجل - (خذوه فغلوه (30) وقال في موضع آخر (خذوه فاعتلوه)، وهو ~~السوق على العنف، وقال في موضع آخر: (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا)، ~~فكأنهم - والله أعلم - يغلون، وبدأ بالأمر بالإغلال؛ لأن الناس في الدنيا ~~يجتهدون كل الجهد في منع العذاب بأيديهم، فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة؛ ~~فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل بهم من العذاب؛ فيكون ذلك أشد في العذاب عليهم، ~~ويكون حالهم كما قال الله - تعالى -: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة)، فتغل يداه؛ كي يتقي النار بوجهه، ثم يدخلون في السلاسل فيجرون ~~ويسحبون ويساقون على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة. # وقوله - عز وجل -: (ثم الجحيم صلوه (31) أي: أدخلوه، يقال: لحم مصلي: أي ~~مشوي؛ فجائز أن يؤمر بأن يشوى في الجحيم. # وقوله: (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) فذكر أولا: أنهم ~~يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى ~~الجهنم، ولكنه يشبه أن يكونوا أولا يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله: ~~(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا)، وإذا وردوها هموا أن يفروا منها، ~~فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ؛ فلا يتهيأ لهم الهرب. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ففيه بيان السبب ~~الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله ms4727 العظيم. # ثم قوله: (لا يؤمن بالله) جائز أن يكون لا يؤمن بوحدانية الله، أو لا ~~يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث، وإلا فهم يؤمنون بالله، ولكن من ~~لم يكن مؤمنا بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة؛ لأن الإله الحق هو ~~الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا ~~يراه أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة. # وقوله - عز وجل -: (ولا يحض على طعام المسكين (34) إخبار أنه كان لا يؤمن ~~بالبعث؛ لأن الناس ليسوا يطلبون من المساكين الجزاء لما يطعمونهم، وإنما ~~يطعمونهم لوجه الله # PageV10P185 # تعالى، ورجاء الثواب في الآخرة، والكافر غير مؤمن بالجزاء؛ ليحمله ذلك ~~على الإطعام، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا؛ فكأنه يقول: إن الذي ~~أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله - تعالى - أو بالبعث. # ويجوز أن يكون قوله: (ولا يحض على طعام المسكين) إثبات السخرية من الذي ~~ترك الحض على أهله بالإطعام؛ كقوله: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه)، يقول: ~~كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه؟! فلو كان أهلا للإطعام ~~لكان الأولى من يطعمه هو الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فليس له اليوم هاهنا حميم (35) أي: قريب يرجو منه، ~~وهو كقوله: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، فليس له قريب يرجوه، أو ~~ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه. # وقوله: (ولا طعام إلا من غسلين (36) وقال في موضع آخر: (ليس لهم طعام إلا ~~من ضريع)، وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون ~~من شجر من زقوم (52) فمالئون منها البطون)، والزقوم غير الضريع؛ فهذا - ~~والله أعلم - يدل أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين، ~~وأهل دركة منها يجدون غير ذلك، وأهل دركة منها طعامهم الزقوم، ليس لهم ~~غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا، أوجب ما ذكرناه اختلافا، فيخرج أن ~~يكون من عند الله بقوله: (ولو كان من عند غير ms4728 الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا). # ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم؛ ~~فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم ~~يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله - تعالى - لهم من ذلك الوجه طعاما في الجحيم ~~يهانون به. # وقال الحسن: إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه ~~جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال: (ولا طعام إلا من غسلين)، ~~(ليس لهم طعام إلا من ضريع)، و (من زقوم) وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم ~~التناقض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا من غسلين) فجائز أن يكون هذا اسما لشيء من ~~الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله - تعالى - الخلق على علم ~~ذلك ومعرفته في الدنيا، # PageV10P186 # وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد؛ ألا ترى أن الزقوم ليس ~~باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله - تعالى - اسما للشيء ~~المستبشع الكريه في الآخرة، وقال (عينا فيها تسمى سلسبيلا)، والسلسبيل غير ~~معروف فيما بين أهل اللسان. # وقال بعضهم: الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هو ~~الصديد والقيح. # وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله - تعالى - وطلبوا منه ما ~~يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم؛ فيسمى ما يزول ~~عنهم: غسلينا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا يأكله إلا الخاطئون (37) فهم الذين قال: (إنه كان ~~لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين). # ثم قوله - عز وجل -: (في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا) لا يجوز أن تكون ~~السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه - تعالى - وعد أن ~~يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، ~~لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، ~~والله - عز وجل - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من ~~أبدانهم فهي ms4729 تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأما أن تفضل عن ~~أبدانهم فلا يحتمل. # وذكر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: " حاسبوا أنفسكم قبل أن ~~تحاسبوا؛ فإنه أهون -أو قال: أيسر- عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، ~~وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) ". # وعن الحسن أنه قال: " إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه لله - تعالى - ~~وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق ~~الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن ~~يفجؤه الشيء فيقول: والله إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما لي ~~من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، ~~فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، والله ما أعذر، والله لا أعود لهذا إن ~~شاء الله - تعالى - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، # PageV10P187 # وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا ~~يأمن شيئا حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه ~~كلها. # فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان ~~رشدا أمضاه وأنفذه، وإن كان غيا انتهى عنه، كما قال النبي - عليه السلام -: ~~" إذا أردت أمرا فدبر عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيا فانته عنه ~~". # وقال في خبر آخر: " إن المؤمن وقاف وزان "، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول ~~من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد ~~وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا ~~الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور. # ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب ~~محرما، تاب عنه، واستغفر لله - تعالى - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن ~~كان ذلك فعلا مرضيا حمد الله - تعالى - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي ~~محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب ms4730 من الأفعال. # * * * # قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول ~~كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) ~~لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه ~~لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52). # وقوله - عز وجل -: (فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون): قد وصفنا ~~أن تأويل قوله: (فلا أقسم) أي: فلا أقسم بما تبصرون من خلق السماوات ~~والأرضين وأنفسكم، وما لا تبصرون في أنفسكم من الأسماع، والأبصار، والقلوب، ~~والعقول. # أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم، وما لا تبصرون من الخلائق ممن غاب ~~عنكم، فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسم بالخلائق أجمع؛ لأن جملة ~~الخلائق على هذين الوجهين، فصنف منهم يرى، وصنف لا يرى، وقد ذكرنا أن القسم ~~من الله - عز وجل - لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبر والتأمل. # PageV10P188 # وقوله - عز وجل -: (إنه لقول رسول كريم (40) أي: الذي تسمعونه منه تسمعون ~~من رسول كريم، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم، وقال في موضع آخر: (وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)، فذكر - هاهنا -: كلام ~~الله، وذكر في الآية الأولى: أنه قول رسول كريم، فأما ما أضيف إلى الرسول ~~فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول، لا بأمر غيره وصلنا إليه، وأضيف إلى ~~الله - تعالى - لأن مجيئه وبدأه من عنده، وأضيف إلى الرسول؛ لأن ظهوره في ~~حقنا كان به، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله: (وتعيها أذن ~~واعية)؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول ~~من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول، عليه السلام. # ثم الأصل أن الكلام والقول لا يسمعان، وإنما المسموع منهما الصوت الذي ~~يعرف الكلام والقول به، ويدل عليه، لا أن يكون كلامه في ms4731 الحقيقة صوته، ~~فينسب أيضا هذا القرآن إلى كلام الله - تعالى - لما يدل على كلامه، لا أن ~~يكون المسموع -في الحقيقة- هو كلامه وجائز أن يكون تأويل قوله: (إنه لقول ~~رسول كريم)، أي: إن الذي سمعتموه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاكم به ~~لقول تلقاه من عند الله الرسول الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع ~~فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء. # ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل - عليه السلام - كما قال - تعالى ~~- في سورة: (إذا الشمس كورت): (إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين). # ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمدا - صلى الله عليه وسلم -، والأشبه ~~أن يكون هو المراد؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل ~~- عليه السلام - شيئا. # وقوله - عز وجل -: (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون (42) أي: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر، ~~ولا بقول كاهن. # ثم قوله: [(قليلا ما تؤمنون) (قليلا ما تذكرون)] يحتمل أن يكون تأويله: ~~فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول، فالقليل الذي ~~آمنوا به وتذكروا فيه هو الذي كان راجعا إلى منافعهم، فأما الذي كان عليهم ~~فهم لم يؤمنوا به ولا تذكروا فيه، وإذا كان تأويله ما ذكرنا، فانتصاب ~~القليل؛ لانتزاع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه # PageV10P189 # لكونه مصدرا، وهو المفعول المطلق. # وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قول: الكاهن والساحر، وتأويله: أن الأمور ~~لو كانت على ما تزعمون بأنه قول كاهن وقول ساحر، فما بالكم لا تصدقون ~~بالقليل منه، وقد تعلمون أن الساحر وإن كان الغالب عليه الكذب فيما يأتي، ~~فقد يصدق في القليل منه، وكذلك الكاهن، فما لكم لا تصدقون بالقليل منه، ~~وأنتم تعلمون أنه صادق، فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن ~~يصدقوه. # وإن كان على التأويل الأول، ففيه إضمار أنهم لا يؤمنون إلا بالقليل منه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (تنزيل من رب العالمين (43) فالتنزيل ms4732 في الحقيقة لا ~~يحتمل أن يسمع؛ لأنه إخبار عن فعله، وإنما الذي يسمع منه هو المنزل على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أضاف إلى نفسه التنزيل؛ ليعلم أن هذه ~~الأخبار، وهي قوله: (إنه لقول رسول كريم) وقوله - عز وجل -: (تنزيل) خرجت ~~على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأن التنزيل هو إنزاله، فسمي: تنزيلا؛ لأنه ~~هو الذي كلفه الإنزال، لا أن يكون هو الذي تولى الإنزال، وإن كان هو خالقه. # وقوله - عز وجل -: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) فهذا عطف على ما ~~تقدم من قوله: (إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر)، وعليه وقوع القسم، ~~وهو موضعه؛ فكأنه يقول: إن الذي تلقاه من عند رسول كريم، وما هو بقول تلقاه ~~من كاهن أو ساحر، ولا بقول تقوله علينا، ولو تقول، لأخذنا منه باليمين. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر، ولا ~~كاهن، ولا متقول؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة، ومرة إلى السحر، ~~ومرة أنه تقوله على الله، ولو تقول (لأخذنا منه باليمين (45) يبين أن عذاب ~~الله بأخص عباده أسرع وقوعا إذا هم خالفوا، وزلوا - منه بأعدائه؛ ألا ترى ~~إلى قوله - تعالى -: (لأخذنا منه باليمين) فبين أنه لو وجد منه شيء مما ~~قالوا فيه، لأخذه على المكان؛ ألا ترى إلى آدم - عليه السلام - وما حل به ~~عندما ابتلي بالزلة والخلاف، وكذلك يونس - عليه السلام - وما عوتب على أثر ~~الزلة؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه، والتذكير، والاستدعاء ~~إلى ما كانوا عليه من الطاعة، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب ~~الأعداء، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب. # PageV10P190 # وفيه وجه آخر: وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحرا أو شعرا أو كهانة أو ~~تقوله، لكان لا يمهله الله - تعالى - بل يؤاخذه على المكان من غير أن ~~حجزوا، كما قال: (فما منكم من أحد عنه حاجزين)، فإمهاله دل على أن الأمر ~~ليس كما قالوا، بل هو تنزيل من رب العالمين. # وقوله ms4733 - عز وجل -: (لأخذنا منه باليمين) فأخذ الله - تعالى -: عذابه ~~وعقوبته؛ كقوله - تعالى -: (فأخذناهم بالبأساء والضراء)، وقوله - عز وجل - ~~(فأخذناهم بغتة). # وقوله: (باليمين) أي: بالقوة؛ أي: لا يعجزنا عنه شيء، ولا يفوتنا عذابه؛ ~~كقوله - عز وجل -: (وما هم بمعجزين)، وهو كقوله - تعالى -: (وما نحن ~~بمسبوقين)، أي: لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل ~~عليه النقمة. # وجائز أن يكون اليمين صلة القول، لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين؛ لأن ~~التأديب في الشاهد والأخذ يقع بها، وهو كقوله - عز وجل -: (ذلك بما قدمت ~~يداك)، فأضاف التقديم إلى اليد، لا على تحقيق اليد؛ إذ يجوز ألا يكون ليديه ~~بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي، فذكرت اليدان على ~~ذلك، لا على تحقيق الفعل بهما، فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت؛ لما بها ~~يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هناك يمين، والله أعلم. # واليمين: القوة، وسميت اليمين: يمينا؛ لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ~~ملك الرقاب: ملك يمين؛ لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنما يصل ~~المرء إلى القهر والغلبة بالقوة؛ فسمي: ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر ~~اليمين تحقيق اليمين؛ إذ اليد لا تملك شيئا حتى يضاف إليها، فكذلك فيما ~~أضيف من اليمين إلى الله - تعالى - فالمراد منه القوة. # وقوله - عز وجل - (ثم لقطعنا منه الوتين (46) قيل: الوتين: عرق في القلب. # وقيل: حبل في القلب. # PageV10P191 # وقيل: هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه، وهو عرق متصل بالظهر، فكأنه قال: ~~نعذبه عذابا لا بقاء له مع ذلك العذاب، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم ~~متى زلوا أخذوا على المكان، ويكون فيه أمان الخلق عن إحداث التغيير ~~والتبديل من الرسل؛ لأنهم لو غيروا لعذبوا. # ثم قوله - عز وجل -: (منه باليمين) فجائز أن يكون قوله: (منه) زيادة في ~~الكلام، وحقه الإسقاط، ويكون معناه: لأخذناه باليمين. # وجائز أن يكون معناه: لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين، فإن كان ~~على هذا فحقه الإثبات، وليس بصلة زائدة. # وقوله ms4734 - عز وجل -: (فما منكم من أحد عنه حاجزين (47)، ففي هذا يأس منه ~~لأولئك الكفرة؛ لأنهم كانوا يطمعون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اتباعهم وموافقتهم على ملتهم؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه، وأخذه ~~أخذا لا يملكون منع ذلك عنه، ولا دفعه، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه ~~عنا، وهو كقوله - تعالى - (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك. . .) ~~إلى قوله: (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا). # وقوله - عز وجل -: (وإنه لتذكرة للمتقين (48) فالمتقون: الموحدون، فسماهم ~~مرة: متقين، ومرة: صابرين شاكرين؛ كقوله - عز وجل - (إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور)، وهو تذكرة؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد، وما يتقى وما يؤتى، ~~وغير ذلك، فهو تذكرة، يعني: القرآن. # وقوله - عز وجل -: (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) أي: بآياتي ورسلي، ثم ~~نمهلكم، فهو صلة قوله: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) فبين أنه مع كذبهم ~~بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول، ~~لكان يستأصله، ويقطع وتينه، فهو على ما ذكرنا: أن عذابه على خواص عباده ~~أسرع وقوعا إذا خالفوا منه بأعدائه. # وجائز أن يكون قوله: (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) هم المنافقون؛ لأنهم ~~كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بألسنتهم، ~~ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم؛ فيكون هذا التأويل # PageV10P192 # راجعا إلى أهل النفاق، والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا ~~التكذيب. # وقوله - عز وجل -: (وإنه لحسرة على الكافرين (50) أي: العذاب حسرة عليهم ~~يوم القيامة؛ لأنه شافع مشفع لمن اتبعه وعمل بما فيه، وما حل، مصدق لمن ~~نبذه وراء ظهره ولم يعمل به، فهو حسرة عليهم؛ لأنه يخاصمهم، فيخصمهم ويشهد ~~عليهم، فيصدق في شهادته. # أو يذكرون يوم القيامة معاملتهم بالقرآن، فيندمون عليه، ويزيدهم حسرة؛ ~~لأنهم كانوا إذا تلي عليهم القرآن في الدنيا ازدادوا عند تلاوته ضلالا ~~وكفرا، وازدادوا به رجسا إلى رجسهم، كما قال الله تعالى: (وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، وهو ليس بسبب لازدياد ms4735 الرجس، ولكنهم ~~كانوا يحدثون زيادة تكذيب وضلال عند التلاوة؛ فأضيفت الزيادة إلى القرآن؛ ~~إذ كان القرآن هو الذي يحملهم على زيادة التكذيب؛ فهذه المعاملة تزيدهم ~~حسرة يوم القيامة؛ فأضيفت إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي عنده وقعوا ~~فيه، كما أضيف الرجس إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل - (وإنه لحق اليقين (51) والأصل: أن الحق اسم لما يحمد ~~عليه، فحقه أن ينظر فيما تستعمل هذه اللفظة، فيصرفها إلى أحمد الوجوه، فإذا ~~استعملت في الإخبار أريد بها الصدق؛ نحو أن يقال: " هذا خبر حق "؛ أي: صدق، ~~وإذا استعملت في الحكم أريد بها: العدل، وإذا استعملت في الأقوال والأفعال، ~~أريد بها: الإصابة؛ فقوله: (وإنه لحق اليقين) أي: صدق ويقين أنه من رب ~~العالمين، فهو صلة قوله - عز وجل -: (تنزيل من رب العالمين). # وقوله - عز وجل - (فسبح باسم ربك العظيم (52) قيل: صل. # وقيل: اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحا، أي تنزيها عن كل ما قالت ~~فيه الملاحدة، وما نسبت إليه مما لا يليق به، والله الهادي وعليه التكلان. # * * * # PageV10P193 ### | سورة المعارج # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ~~ذي المعارج (3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~(4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسأل حميم حميما (10) ~~يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) ~~وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى ~~(15) نزاعة للشوى (16) تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18). # قوله - عز وجل -: (سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين) قرئ بتسكين الألف، ~~ومعناه: سال واد بعذاب واقع للكافرين، أي: جرى واد بعذاب واجب. # والقراءة العامة بالهمزة من السؤال، وتأويله على سؤال القوم العذاب ~~بقولهم: (إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم)، وقولهم: (عجل لنا قطنا). # وقيل: هو النضر بن الحارث، سأل ذلك، فقتل يوم بدر بعدما ms4736 أسر؛ هكذا قال ~~بعض أهل التأويل. # ولكن عندنا أن هذا وإن كان في الظاهر خارجا مخرج السؤال، لكن لم يكن ~~سؤاله هذا لينزل به العذاب في التحقيق، وإنما هذا منه على جهة الاستبعاد ~~بالعذاب والاستهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي حملهم على ~~الاستبعاد والإنكار هو أنه كان عند أهل مكة: أنه لو كان فيهم نبي، لكانوا ~~هم أحق بالنبوة من رسول الله - عليه السلام - لأنهم هم الذي بسطت لهم ~~الدنيا، وهم الذين لهم نفاذ الكلام في البلاد، ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم تبسط له الدنيا، ولا كان لكلامه فيما بينهم نفاذ، فيظنون بهذا ~~أنهم أقرب منزلة عند # PageV10P194 # الله - تعالى - من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يستقيم في ~~العقل أن يصل الولي إلى عدوه، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه، فهذا الظن ~~الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب، وعلى الاستهزاء به، فكان سؤال السائل على ~~جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب، لا أن كانوا مقرين به ثم استعجلوه. # وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أبرنا قسما، وأوصلنا رحما، ~~وأقرانا للضيف؛ فكان يدعو بهذا لما عنده: أنه أشرف حالا وأعلى منزلة عند ~~الله - تعالى - من محمد - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه، ومن كان هذا شأنه، ~~فهو أولى أن ينصر؛ قال الله - تعالى -: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب ~~منزلة وأحق أن يكونوا أولياء، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا، فهذه ~~الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن، حتى زعموا أنهم ~~أحق بالرسالة، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس، وذلك أن إبليس قال: (أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين)؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في ~~الخضوع له خارج عن حد الحكمة؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن، ms4737 فكذلك ~~هؤلاء لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى الله - ~~تعالى - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب. # ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وترك الخضوع، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع ~~خلق الله - تعالى - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو ~~أشكر للنعم، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلت نعمه عليه، فإذا كانوا ~~مقرين أن نعم الله عليهم أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، أوجب ما ذكروا أن ~~يكونوا هم ألزم لطاعته، وآخذ لما يأمرهم به، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى ~~لنفسه فضلا، وإنما استوجب ذلك بما أنعم الله - عز وجل - عليه، كان الحق ~~عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به، لا أن يظهر الخلاف من نفسه ~~وترك الائتمار بأمره. # وقوله - عز وجل -: (بعذاب واقع) أي: هو واقع بهم لا محالة في علم الله ~~تعالى. # PageV10P195 # أو (واقع) بمعنى: سيقع، كما يقال: قابل: أي: سيقبل. # وقوله - عز وجل -: (للكافرين ليس له دافع (2) فإن كان قوله: (للكافرين) ~~صلة قوله: (بعذاب واقع)، فحقه أن يقول: على الكافرين، ولكن اللام من حروف ~~الإضافة والخفض، وحروف الإضافة مما يستبدل بعضها ببعض؛ فجعل اللام بدلا عن ~~" على ". # وإن كان قوله: (للكافرين) صلة قوله: (ليس له دافع) فمعناه: أن ليس على ~~الكافرين دافع لعذاب الله - عز وجل - بل واقع بهم لا محالة، فأبدلت اللام ~~مكان " عن "؛ لأنهما جميعا من حروف الخفض. # وقد يدفع العذاب عن المسلمين من وجوه: إما برحمة الله - تعالى - أو ~~بشفاعة الرسل والأخيار، وإما بحسنات سبقت منهم، توجب تكفير سيئاتهم. # فأما الكفار فلا تنالهم رحمته، ولا شفاعة أحد من الخلائق، وليست لهم ~~حسنات تكفر سيئاتهم، فليس لهم ما يدفع عنهم العذاب. # وجائز أن يكون معناه: أن الذين ظنوا أنه ينصرهم عند النوائب وحلول ~~الشدائد، لا يقوم بنصرهم، ولا يشفع لهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ~~ويعبدون الملائكة على رجاء ms4738 أن يشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (من الله ذي المعارج (3) أي: ذلك العذاب لهم من الله - ~~تعالى - ذي المعارج؛ أي: من له المعارج؛ كقوله - عز وجل -: (ذو العرش ~~المجيد)، أي: الذي له العرش. # واختلفوا في المعارج: قال بعضهم: هي المصاعد، وهي السماوات، وسماهن ~~مصاعد؛ لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال: ذي المسافل، كان مستقيما، ~~واقتضى ما يقتضي قوله: ذي المعارج؛ لأن بعضها إذا كان أصعد من بعض؛ فالذي ~~تحتها أهبط وأسفل، ولكن ذكر المصاعد؛ لأن هذا أعلى في الوصف. # ثم في ذكر هذا عظيم نعمه وإحسانه إلى خلقه؛ حيث خلق السماوات والأرض # PageV10P196 # مسكنا لأهلها، وبسط الأرض مسكنا لأهلها، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له ~~أن يفضل بعضا على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها. # وذكرهم - أيضا - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه حيث وضع سماء على سماء، ~~وخلقهن طباقا من غير عمد تحتها تمسكها، أو علائق من فوقها تربطها، فتبين ~~أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة ~~الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ~~ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء. # وقيل: المعارج: المعالي، أي: الذي له العلو والرفعة، كما قلنا في قوله: ~~الحمد لله، أي: لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في ~~الحقيقة لله - تعالى - لأنه به استفاده، فعلى ذلك قولنا: له العلو والرفعة، ~~أي: ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله - تعالى - لأنه ~~استفاده به. # والثاني: أي: هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق. # وقوله - عز وجل -: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة (4) يحتمل أن يكون معنى قوله: (تعرج) ليس عن هبوط يصعد ويعرج، لكن ~~أنشأهم كذلك معروجين؛ كقوله: (وأنزل لكم من الأنعام)، أي: أنشأهم كذلك. # وقوله - عز وجل -: (والسماء رفعها)، ليس أنها كانت في موضع منحط فرفعها، ~~لكنه كذلك خلقها مرفوعة؛ ms4739 فعلى ذلك قوله - عز وجل -: (تعرج الملائكة)، أي: ~~أنشأهم كذلك ليستعملهم (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة). # ووجه آخر -وهو الأشبه بالآية-: وهو ما قالوا: إن الملائكة تعرج إليه؛ أي: ~~إلى الموضع الذي منه أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج ~~بعروج البشر # PageV10P197 # وسيرهم، لكان مقدار خمسين ألف سنة. # وقوله - عز وجل -: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، وقال في موضع آخر: ~~(ألف سنة مما تعدون)، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة ~~وصعودهم، وهو أن البعض ينزل منهم، ثم يعرج في يوم واحد، مقدار ذلك المسير ~~ألف عام، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة؛ فيكون ~~في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل ~~سماء؛ بل ينزل أهل سماء إلى أهل الأرض مرة؛ لما يراد من تدبير، وينزل أهل ~~سماء أخرى بتدبير آخر، ثم من أي سماء يرسل، فهو يصعد إلى تلك السماء في يوم ~~واحد، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى، فهو يصعد إليها في ~~ذلك اليوم، فيكون في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض: أن فيهم من يسير ~~مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة، ومن قدر ~~على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد، ~~لا يحتمل أن يعجزه شيء؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة ~~والبعث. # وجائز أن يكون قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) راجعا إلى يوم ~~القيامة، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف ~~سنة، والأصل أن ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهى إليها، فما يخبر من ~~الحد فيه، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم؛ ليقع به التهويل والتقريع، فبأي ~~شيء يعظم ذكره في القلوب يذكره؛ فمرة ذكره بالخلود، وهو قوله ms4740 - عز وجل -: ~~(ذلك يوم الخلود)، ومرة قال: (لابثين فيها أحقابا)، ومرة قال: (خمسين ألف ~~سنة)، ومرة قال: (ألف سنة مما تعدون)، إذ هذه الأشياء مما يعظم ذكرها في ~~القلوب، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها ~~في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا. # PageV10P198 # ومنهم من يصرف الألف إلى تقدير عروج الخلائق إلى السماء في ذلك اليوم، ~~ويصرف قوله: (خمسين ألف سنة) إلى تقدير المقام للحساب قبل أن يدخلوا النار. # وجائز أن يكون تأويله على ما ذكره بعض أهل التفسير، وهو أن الله تعالى لو ~~جعل حساب الخلق يومئذ إلى الخلق، فتكلفوا أن يفرغوا من حسابهم، لن يفرغوا ~~منه إلا في مقدار خمسين ألف سنة، لكن الله تعالى بلطفه يحاسبهم حسابا ~~يفرغون منه في أدنى في وقت حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار في ~~النار؛ على ما جاء في الأخبار، وذلك قوله: (والله سريع الحساب). # فإن قيل في قوله - عز وجل -: (ألف سنة مما تعدون)، أن كيف قدر ذلك ~~بصعودنا، ونحن لم يمكن لنا من الصعود، ولم ننشأ على ما في طبعنا إنشاء ~~الصعود حتى ننظر: أنه ألف سنة أو أقل أو أكثر. # وجوابه أن يقال: إن تأويله - والله أعلم -: أنه لو بسط ما بين السماء ~~والأرض، وصار بحيث يمكن السير عليه، لم يقطع ذلك المسير إذا احتجنا إلى ~~قطعه إلا بألف سنة مما تعدون. # وجائز أن يكون تأويله: أن لو جعل لنا إلى السماء باب، وفتح، وظللنا نعرج ~~إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر صبرا جميلا (5) قيل: الصبر الجميل هو صبر لا ~~جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، ~~بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا ~~والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة. # أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته عليهم بما يؤذونه، ~~وقد ms4741 كان - عليه السلام - كذلك مشفقا بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته ~~وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال الله، تعالى: (فلا ~~تذهب نفسك عليهم # PageV10P199 # حسرات)، وقال: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم)، فالرسل - عليهم السلام - ~~كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون ~~لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله ~~تعالى، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ ليس سوء صنيعهم ومعاملتهم ~~معهم. # وقوله - عز وجل -: (إنهم يرونه بعيدا (6) أي: بعيدا أن يكون، فيكون على ~~النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في ~~المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب بشيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد ~~بقوله: " أبعدت ": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال الله تعالى: (أولئك ~~ينادون من مكان بعيد)، ومعناه على نفي النداء؛ أي: لا ينادون. # أو أن يكون قوله: (بعيدا) أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه. # (ونراه قريبا (7) أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: (بعيدا) أي: بعيدا ~~كونه. # أو (ونراه قريبا)، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن ~~فهو قريب. # وقوله - عز وجل -: (يوم تكون السماء كالمهل (8) فكأنهم سألوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته؟ ~~فنزلت هذه الآية: (يوم تكون السماء كالمهل). # وقيل: المهل: عكر الزيت، وهو درديه؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو ~~أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى؛ لشدة هول ~~ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال. # وجائز ألا يحل بها التغير، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف ~~بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما يرى المرء إذا ~~حل به # PageV10P200 # الضعف والمرض في الشاهد، ووجد طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها؛ فيكون ~~في ذكر هذا تهويل ms4742 وتفزيع أن هول ذلك اليوم شديد لا تقوم لهوله السماوات ~~والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهولها الآدمي الموصوف ~~بالضعف واللين. # وجائز أن تكون على ما ذكرنا أنها تصير شبيهة بالمهل؛ للينها ورخاوتها، ~~وهو أنها تلين وترخو من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل، والجبال ~~كالعهن؛ فيكون في هذا - أيضا - تهويل؛ ليرجعوا عما هم عليه ويقبلوا على ~~عبادة الله تعالى، ويتسارعوا إلى طاعته. # وتأويل العهن، ووجه تشبيه الجبال بها يذكر بعد هذا في قوله - عز وجل -: ~~(وتكون الجبال كالعهن). # وقوله - عز وجل -: (ولا يسأل حميم حميما (10) قرئ برفع الياء ونصبها، فمن ~~رفع الياء فتأويله: أي: لا يطلب حميم من حميم، ولا يؤخذ بمكانه كما يفعل ~~مثله في الدنيا؛ لأن ذلك اليوم هو يوم العدل، وليس من العدل أن يؤخذ الغير ~~بذنب الغير. # ومن قرأه بالنصب فتأويله: ألا يسأل حميم حميما من شدة ذلك اليوم وهوله ~~النصرة والشفاعة. # أو لا يسأل عن حاله بما حل به من الشغل في نفسه. # وقوله - عز وجل -: (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ~~(11) يحتمل أن يعرف بعضهم عن بعض أن هذا أبوك وابنك وحميمك؛ إذ لا يعرفه ~~إلا بالتعريف؛ لما حل به من شدة الهول والفزع، ثم إذا عرفوا لا يسألونهم؛ ~~بل يفر بعضهم من بعض، كما قال تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه). الآية. # PageV10P201 # أو يكون معناه: أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، ~~وتصير لهم حاضرة. # وقوله - عز وجل -: (لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه ~~(12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ... (14) ففي هذا أنه ~~يستقبلهم في ذلك هول وفزع لم يكن لهم بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ~~ببالهم ذلك؛ لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ~~ببنيه وصاحبته، وأخيه، وأقربائه، وجميع من في الأرض؛ فيكون فيه إخبار عن ~~شدة هول ذلك اليوم؛ ليحمل الناس على الإنابة إلى الله تعالى والانتهاء عما ~~نهاهم عنه. # ثم ms4743 بدأ بذكر البنين والأقربين وأنهاه بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ ~~بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين؛ لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين، ~~ويضن ببذل الأقربين فداء، فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين ~~والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق، وإذا كان كذلك فغاية التهويل ~~والتفزيع أن يبدأ بذكر الأباعد، ويختم بذكر الأقارب، فكيف ابتدأ بذكر ~~الأقربين؟ فجوابه من وجهين: # أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا ~~بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا؛ كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة ~~أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه فداء، فكذلك يضن بالأباعد ~~إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل ~~الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، والله أعلم. # وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ~~ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم ~~الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب الله تعالى ~~لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم ينجيه) رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم. # PageV10P202 # وقوله - عز وجل -: (كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) الآية، فاللظى: ~~اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: هي مكارم خلقه. # وقيل: هي القوائم والأطراف. # وقيل: هي الجلود. # والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت ~~صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ ~~لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عز وجل -: (ولهم فيها أزواج ~~مطهرة)، فقيل في تأويل المطهرة وجوه. # إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، وجملته: أنه ما من شيء يستحسن ~~ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ~~ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود. # وقوله - عز وجل -: (تدعو من أدبر وتولى (17) فجائز ms4744 أن يكون الدعاء منها ~~على التحقيق، وهو أن يجعل الله تعالى لها باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق ~~فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إلي، إلي. # وجائز أن يكون هذا على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر منها، ويتخلص ~~من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها. # ثم قوله - عز وجل -: (من أدبر وتولى) وجائز أن يكون قوله: (من أدبر)، أي: ~~من كان أدبر في الدنيا عن طاعة الله تعالى، وتولى عن الإجابة لرسله؛ كقوله ~~تعالى: (تولى عن ذكرنا)، أي: أعرض. # أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته، وفيما جاء من عنده. # ويحتمل قوله: (أدبر)، أي: أدبر عن طاعة الله - عز وجل -، (وتولى) أي: ~~تولى الشيطان، من الولاية. # PageV10P203 # وجائز أن يكون أدبر في جهنم، فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى؛ فلا تدعه ~~النار ليفر؛ بل تغشاه عن الإعراض، كقوله - عز وجل -: (إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه)، ولكن هذا قريب من الأول؛ لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى ~~الشيطان. # وقوله - عز وجل -: (وجمع فأوعى (18) يخير بقوله: (وجمع) عما جبل عليه من ~~شدة الحرص على الدنيا؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص، فبلغ به هذا الحرص ~~مبلغا أنساه ذكر الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (فأوعى) فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل، ~~فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق الله تعالى في ماله، أو لم يقم ~~بشكر ما لله تعالى من النعم، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق ~~الله تعالى في ماله. # * * * # قوله تعالى: (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه ~~الخير منوعا. إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في ~~أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم ~~لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~(30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون (32) والذين هم ms4745 بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35). # وقوله - عز وجل -: (إن الإنسان خلق هلوعا) اختلف في تأويل الهلوع من ~~وجوه، كل يرجع إلى معنى واحد: # فقال بعضهم: الطامع في اللذات، الطالب لها، والكاره للأثقال، الهارب ~~منها. # وقيل: (خلق هلوعا)، أي: على حب ما يتلذذ به، والقيام بطلبه وبغض ما يتألم ~~به، والهرب عنه. # ومنهم من يقول: الهلوع: الضجور؛ وهو موافق للتأويل الأول؛ لأن الذي يحمله ~~على الضجر هو ما يصيبه من الألم؛ فيضجر لذلك أو يضجر عن حق الله تعالى. # ومنهم من يقول: تفسيره ما ذكر على أثره من قوله: (إذا مسه الشر جزوعا ~~(20) وإذا مسه الخير منوعا (21) وهذا - أيضا - مثل الأول؛ لأن الذي حمله ~~على المنع شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت ~~نفسه لذلك؛ لأنها أنشئت # PageV10P204 # نافرة عن الضر ومبغضة له، وقال الله تعالى: (وكان الإنسان عجولا)، وقال ~~في موضع آخر: (وكان الإنسان قتورا)، أي: لا يسخو على إخراج ما في يديه. # ففي هذه الآيات إنباء أن الإنسان خلق على هذه الأحوال: قتورا عجولا، ~~هلوعا، فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه ويتألم به، علم أنه خلق ~~على هذه الأحوال؛ للمحنة، فمن تذكر فيما وعد الله تعالى من النعم لمن قام ~~بوفاء ما أمره به، حمله ذلك على التسارع في الخيرات وترك ما يحبه في ~~الدنيا؛ لينال الموعود في الآخرة؛ إذ هو في الأصل أنشئ محبا لما يتلذذ به، ~~ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي الله تعالى، ~~وبما يمنع من حقوق الله تعالى الواجبة في ماله، سهل عليه ترك الشهوات، وخف ~~عليه بذل ما طلب منه؛ لئلا يحل به ما ينغص بعيشه من الآلام والأوجاع ~~والمكاره. # والأصل أن الإنسان وإن كان مطبوعا على هذه الأخلاق الذميمة من البخل، ~~والإقتار، والعجلة، وجبل عليها، فقد ملك رياضة نفسه، ويمكنه أن يستخرجها من ~~تلك الطباع الذميمة إلى أضدادها من الأخلاق الحميدة، والشمائل ms4746 المرضية؛ ~~فلزمه القيام بذلك؛ ألا ترى أنه يتهيأ له أن يقوم برياضة الدواب والسباع، ~~فيخرجها بالرياضة عن طباعها التي أنشئت عليها من النفار عن الخلق والامتناع ~~عن الانقياد، حتى تصير منقادة للخلق، ذليلة لهم، فيتهيأ لهم الاستمتاع ~~والتوصل إلى منافعها، فكذلك الإنسان إذا قام برياضة نفسه أمكنه أن يستخرجها ~~عن خلقها؛ فتصير مطيعة له، ويخف عليها بذل ما يطلب منها، ويسهل عليها تحمل ~~ما كان يشتد عليها. # ثم الأصل: أن المرء، وإن جبل على حب ما يتلذذ به، وبغض ما يتألم ويتوجع ~~منه، فقد جبل أيضا على ترك ما هو فيه من اللذة؛ للذة هي أعظم منها، وعلى ~~التصبر لاحتمال الأذى والمكروه؛ ليتخلص عما هو أعظم من ذلك المكروه والألم، ~~وإذا كان كذلك فهو إذا قابل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة، وأقرب اللذتين ~~بأبعدهما، فرأى لذة الآخرة أعظم وأبقى، خف عليه ترك أقربهما لأبعدهما ~~وأقلهما لأكثرهما، وإذا قابل مكروه الدنيا بمكروه الآخرة، وعذابها بعذاب ~~الآخرة، فرأى عذاب الآخرة أشد وأبقى، خف عليه تحمل المكاره في الدنيا؛ فهذا ~~السبب الذي ذكرنا ما يتوصل به إلى رياضة النفس. # والذي يدل على أن المرء قد يخف عليه تحمل الشدائد وترك اللذات الحاضرة؛ ~~لما # PageV10P205 # يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض، وقطع ~~الأسفار، وتحمل المؤن، وركوب الأهوال والفظائع، والانقطاع عن اللذات؛ كالذي ~~يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية؛ لما يرجو من النفع والربح في ذلك، ~~فتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن، لما يطمع من نيل اللذات التي هي أعظم من ~~اللذات التي تركها؛ فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة، وتفكر في عقابها، ~~سهل عليه ترك اللذات الحاضرة، وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا. # ووجه آخر: أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره، أمر أن يجعل ما يحبه ~~من العاجل آجلا، فيكون شغله أبدا فيما يوصله إلى نعيم الآجل، وأمر أن يجعل ~~هربه عن الآلام الآجلة، فيجتهد فيما فيه التخلص والنجاة عن تلك الآلام، ~~والله أعلم. # وقوله ms4747 - عز وجل -: (إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) ~~معناه - والله أعلم -: لأن المصلين يقومون برياضة أنفسهم حتى يصرفوها عن ~~خلقتها التي أنشئت عليها، ثم بين أن الذين يقومون برياضة أنفسهم هم الذين ~~يقومون على صلواتهم دون الذين يقومون إلى الصلاة كسالى ولا يدومون عليها، ~~ولا ينفقون من أموالهم إلا عن كراهة. # ثم قوله - عز وجل -: (على صلاتهم دائمون) دوامهم عليها في لزوم ما ~~عرفوها، وهو أن يقيموها في أوقاتها، ويحافظوا عليها دون أن يكون دوامهم أن ~~يكونوا فيها أبدا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " وأراد بقوله: " أدومها ": ~~لزومها في الوقت الذي أوجبوا فعل ذلك على أنفسهم، لا أن يكونوا أبدا فيها؛ ~~لأنهم إذا بقوا فيها أبدا، كثر ذلك منهم، قلا يكون لقوله: " وإن قل " معنى، ~~فثبت أن معنى الدوام ما وصفنا، والله أعلم. # وجائز أن يكون المراد من المداومة هو أن يدوم على الأحوال التي تليق ~~بالصلاة عند كونه فيها من الإقبال على المناجاة، وترك الالتفات، وتفريغ ~~القلب عن الأشغال والوساوس. # وقال بعضهم: (على صلاتهم دائمون): هو التطوع، و (على صلواتهم يحافظون): ~~الفريضة. # PageV10P206 # قالوا: وتصديقه أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا ~~صلوا صلاة داموا عليها، وكانوا يقولون: " خير العمل، أدومه وإن قل ". # وأصله: أن الله تعالى قال: (وأقاموا)، والإقامة على الشيء هي الدوام ~~عليه؛ لأنه إذا فعل الشيء مرة ثم تركه، لم يوصف بالإقامة عليه؛ فقوله: ~~(دائمون) و (ويقيمون)، يقتضي معنى واحدا؛ فيكون فيه إبانة أن الصلاة يلزم ~~فعلها مرة يعد مرة، وليست كالفرائض التي إذا أديت مرة، سقطت؛ من نحو ~~الجهاد، والحج. # وقوله - عز وجل -: (والذين في أموالهم حق معلوم (24) قيل: هو الزكاة، ذكر ~~ذلك عن قتادة وغيره. # وقال أبو بكر: هذا غير محتمل؛ لأن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة ~~عليهم بعد هجرتهم إلى المدينة. # ولكن ليس فيما ذكره دفع لهذا التأويل؛ لأنه يجوز أن تكون الزكاة ms4748 لم تفرض ~~عليهم؛ لما لم يكونوا أصحاب أموال؛ لأن الزكاة لم تكن مفروضة في الجملة، ~~وبين الوجوب إذا استفادوا الأموال؛ ألا ترى أن الفقير قد يعلم إيتاء الزكاة ~~من المال وإن لم يكن له مال؛ ليقوم بأدائها إذا صار من أهلها؛ فقوله: (حق ~~معلوم) أي: أعلمه الله تعالى في أموالهم، فلزمهم إخراجه، ثم بين أن خروجهم ~~مما لزمهم من حق الله تعالى في أموالهم بالدفع إلى السائل والمحروم. # وجائز أن يكون ذلك الحق المعلوم هو حق القرابة وغيره. # ومن ذكر أن هذا الحق غير الزكاة، قالوا: إنهم كانوا أعلموا في أموالهم ~~حقا، فجعلوا طائفة منها للسائل، وطائفة للمحروم؛ لذلك سماه: حقا معلوما. # ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت شيئا معلوما مفروضا عليهم في أموالهم نسخته ~~آية الزكاة، ولم يذكر لنا ذلك؛ لعدم حاجتنا إليه. # ثم السائل معروف، وهو الذي يسأل. # PageV10P207 # وأما المحروم فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~المحروم، فقال: " المحروم هو الذي لا يثمر نخله، ويثمر نخل الناس، ولا يزكو ~~زرعه، ويزكو زرع الناس، ولا تلبن شاته وتلبن شاة الناس " فعنوا بالمحروم ~~هذا: أنه حرم بركة ماله. # وفي هذا الخبر دليل على أن المرء لا يصير غنيا بملك النخيل والأرض. # وجائز أن يكون المحروم هو الذي حيل بينه وبين وجوه المكاسب، فمن كان حاله ~~هكذا كان علينا أن نتعاهده ونقوم بكفايته. # وقال الحسن: المحروم هو الذي يتعفف عن السؤال وإن هلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذين يصدقون بيوم الدين (26) فيوم الدين هو يوم ~~الجزاء ويوم الحساب، فكل من عرف الجزاء وآمن به لم يجزع بما يصيبه، ولا منع ~~الحق الذي طلب منه، ولم يوصف بأنه هلوع، وإنما الهلوع هو الذي يكذب بيوم ~~الدين، كما قال: (أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم)، فأخبر أن ~~الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين هو الذي لا يؤمن بالآخرة. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) أي: خائفون، ~~وجلون، وهم الذين ms4749 قال - عز وجل - في آية أخرى: (والذين يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون). # وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: أهم الذين يسرقون ~~ويزنون ويعملون بالمعاصي؟ فقال: " لا، بل هم الذين يصومون ويصلون ويؤتون ~~الزكاة "، أو كما قال بلفظه عليه السلام. # ووجلهم هو أنهم يخافون ألا يقبل منهم حسناتهم. # أو يخافون أن يكونوا قصروا عن الوفاء بشكر النعم، أو غفلوا عن شكر كثير ~~منها. # وقوله - عز وجل -: (إن عذاب ربهم غير مأمون (28) فهذا هو الحق ألا يأمن ~~أحد من عذابه وإن دأب في عبادته واجتهد في طاعته؛ لما لا يدري على ماذا ~~يختم أمره؟ أو يخاف # PageV10P208 # ألا يقبل منه ويرد عليه، أو يخاف أن يكون قد قصر عن شكر كثير من النعم، ~~وغفل عنها. # والأصل أنه ما من أحد ينظر في أمره وحاله إلا وهو يرى على نفسه من الله ~~تعالى نعما لو أجهد نفسه ليقوم بشكر واحد منها لقصر عن ذلك، ولم يتهيأ له ~~القيام بوفائها، فمن كان هذا وصفه، فأنى يقع له الأمن من عذابه، ويوجد منه ~~الوفاء بالأسباب التي يؤمن بها إلا أن يكون من الخاسرين. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم لفروجهم حافظون (29) ذكر حفظ الفرج، ولم ~~يذكر بم يحفظ؟ وحفظه يكون بخصال: # أحدها: أن يسكن في قلبه جلال الله وهيبته، ويخشى عقابه في المعاد. # والثاني: بما جعله الله سببا للتعفف، من النكاح وملك اليمين؛ فيمنعه ذلك ~~عن الزنى ويحفظ الفرج. # والثالث: يجيع بطنه بالصيام كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من ~~لم يقدر على الباه فليصم؛ فإن الصوم له وجاء ". # والرابع: بما يترك النظر إلى النساء ولا يخلو بهن، ويدع مجالسة الفجار ~~وأهل الريبة. # وقوله - عز وجل -: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~(30) ولو لم يقل: (فإنهم غير ملومين)، لكنا نعلم بقوله: (إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم) أنهم لا يلامون؛ لأنه قد أباح لهم الاستمتاع بمن ملكت ~~أيمانهم ومن كان تحتهم بملك النكاح، ولا ms4750 يجوز أن تلحق اللائمة باستعمال ~~المباح المطلق، ولكن فيه فوائد: # أحدها: أن من الناس من يحرم الاستمتاع بملك النكاح وملك اليمين، فيخبر ~~أنهم عند من اعتقد الإيمان بالرسل غير ملومين، وإنما يلومهم من أنكر ~~الرسالة، وهم الثنوية والبراهمة. # وجائز أن يكون معناه: أنهم وإن منعوا النساء عن الجماع بما هو خير لهم من ~~الصيام # PageV10P209 # وأنواع القرب، لم تلحقهم اللائمة كما يلام من يمنع آخر عن طاعة الله ~~تعالى، وإذا استمتعوا بملك النكاح وملك اليمين، لم يبلوا بالزنى؛ فتلحقهم ~~اللائمة بذلك. # وقوله - عز وجل -: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) العادي: ~~هو الظالم في الحقيقة؛ يقال: عدا فلان على فلان؛ إذا ظلمه، فهم عادون؛ حيث ~~ظلموا أنفسهم فوضعوها في موضع لم يؤذن لهم بالوضع فيها. # وقال الحسن: هم العادون حيث عدوا من الحلال إلى الحرام. # وفي هذه الآية دلالة تحريم المتعة؛ لأنه أخبر أن من ابتغى وراء ملك ~~اليمين وملك النكاح، فهو إذن من العادين. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) فالأمانات لها ~~وجهان: # أحدهما: ما ائتمن الله - عز وجل - عباده على ما له من الحقوق عليهم. ~~والثاني: ما ائتمن بعضهم بعضا على الحقوق والعهود التي تجري بين الخلق من ~~الذمم، والنذور، وغير ذلك؛ فيدخل فيه كل أمانة بين العبد وبين ربه، وبينهم ~~وبين الخلق، وكل عهد أخذ عليهم؛ من نحو قوله: (أوفوا بالعقود) -قيل في ~~التأويل: العهود- ثم بين ذلك فقال: (لئن أقمتم الصلاة ... ). والعهد الذي ~~أعطينا للمعاهدين، فكل ذلك داخل تحت الآية، وقد يدخل معنى الأمانة في العهد ~~والعهد في الأمانة، وقد يجوز أن يقع بينهما فرق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -:، (والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) أي: يقيمونها لله ~~تعالى كقوله: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)، أو قائمون بالوفاء بما ~~عليهم من الشهادة، فيقومون لها، أحبوا أو كرهوا، ضرهم ذلك أو نفعهم. # وقوله - عز وجل -: (والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) محافظة الصلاة ~~إقامتها في أوقاتها بشرائطها، والذي يحملهم على المحافظة ما يخشون الله ~~تعالى، ولما جعلت تكفيرا ms4751 لسيئاتهم؛ فيرغبون في إقامتها؛ تكفيرا عن سيئاتهم. # وقوله - عز وجل -: (أولئك في جنات مكرمون (35) في الآية إبانة أن من يكرم ~~بالجنان هؤلاء. # PageV10P210 # وذكر عن أبي بكر الأصم أنه قال: في هذه الآية، دلالة أن من وفى بهذه ~~الأشياء التي ذكرها في هذه السورة من الإدامة على الصلاة، وإيتاء الحق ~~المعلوم، والتصديق بيوم الدين. . . إلى آخر ما ذكر - فهو الذي يكرم بالجنة، ~~والخاطئ الذي يرجع عن خطيئته ويتوب عنها، فأما غير هذين فهو لا يستوجب ~~الإكرام بالجنة، فما ذكر من الإكرام بالجنة للصنفين اللذين ذكرهما فهو كما ~~ذكر، وأما الصنف الثالث فهم الذين بلوا بالخطيئات من أهل الإيمان ولم ~~يتوبوا عنها، فقد يرجى لهم هذه الكرامة بعفو الله سبحانه وتعالى، وكرمه ~~وجوده، ومن كان هذا وصفه لم يؤيس من إحسانه، بل كان العفو منه مأمولا ~~والإحسان منه مرجوا. # * * * # قوله تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال ~~عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل ~~خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم ~~الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) ~~خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44). # وقوله - عز وجل -: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن ~~الشمال عزين) اختلف في تأويل الإهطاع: # فمنهم من يقول: هو الإسراع في المشي. # ومنهم من يقول: هو إدامة النظر. # فمن حمله على الإسراع، فمعناه: أن أئمة الكفر كانوا يأتون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فيستمعون القرآن منه، ثم يسرعون إلى أتباعهم، ~~ويجلسون حلقا حلقا، ويحرفون ما يستمعون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ويلبسون على ضعفائهم وأتباعهم؛ ليصدهم ذلك عن الإيمان بالله - عز وجل - ~~ورسوله. # فإن كان الأمر على هذا فتأويله: ما لهم يسرعون إليك ليسمعوا كلامك ثم ~~يتفرقوا عن اليمين وعن الشمال ويكذبونك، نحو أن يقول بعضهم: [(ما هذا إلا ~~سحر مفترى)]، و: ms4752 (ما هذا إلا أساطير الأولين)، (إن هو إلا رجل افترى على ~~الله)، ونحو ذلك. # PageV10P211 # وما المنفعة لهم في طعنهم عليك سوى استحقاقهم المقت والهلاك بذلك من الله ~~تعالى، وما يرجون بإعراضهم عن تصديقك بعدما رأوا الآيات. # ومن حمله على النظر، فمعناه: أنهم كانوا يجلسون من بعيد، فينظرون إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويطعنون عليه بالسحر والافتراء، ~~وأنه من أساطير الأولين، فيمكرون، بمن يقتدي برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومن يعاديه من الكفرة. # فإن كان على هذا فتأويله كأنه يقول له: يجلسون من البعد ناظرين إليك، ولا ~~يدنون منك؛ ليستمعوا ما أنزل إليك فينتفعوا به، لكنهم متفرقون عن اليمين ~~وعن الشمال، يصدون الناس عن مجلسك، وقد علموا أن لهم إلى من يعلمهم الكتاب ~~والحكمة حاجة؛ إذ ليس عندهم كتاب ولا علم بالأنباء المتقدمة؛ ليعلموا أنك ~~جئت بالعلم والحكمة دون السحر والكهانة. # فإن كان على هذا الوجه؛ فالعتاب لمكان التحريف والتبديل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) قوله: ~~(أيطمع) حرف استفهام، وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام ممن لا يستفهم إيجاب. # ثم اختلف في وجه الإيجاب: # فمنهم من يقول: معنى قوله: (أيطمع)، أي: لا يطمع كل امرئ منهم بعبادتهم ~~الأصنام والأوثان أن يدخلوا جنة نعيم؛ إذ هم منكرون للبعث والجنة والنار، ~~ثم مع هذا ينصرون الأصنام ويعبدونها، ويخضعون لها، وإن كان لا طمع لهم في ~~نصرها إلى شيء في العاقبة، ولا يرجون منها العواقب؛ فيكون في هذا ترغيب ~~للمؤمنين على القيام بنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم يطمعون ~~في نيل الجنة والكرامة من الله تعالى والنجاة من النار بنصرهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وبعبادتهم لله تعالى، كأنه يقول: إنهم لا يطمعون نيل # PageV10P212 # شيء، ولا يخافون من شيء في العاقبة، ثم يقومون بنصر الأصنام، فأنتم أحق ~~بنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ تطمعون نيل الجنة والدخول فيها ~~بنصركم إياه، والله أعلم. # ومنهم من حمله على إيجاب الطمع، ms4753 وهو أنهم كانوا يطمعون دخول الجنة ونيل ~~نعيمها إذا رجعوا إلى ربهم؛ ظنا منهم أنهم إذا ساووا المسلمين في نعيم ~~الدنيا وسعتها، فكذلك يساوونهم في نعيم الآخرة، كما قال الله تعالى خبرا ~~عنهم: (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى)، وقال: (أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات. . .) الآية، هكذا ظن ~~الكفرة أنهم إن رجعوا إلى ربهم فسيجدون عنده خير منقلب، فقال تعالى: (كلا ~~إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فقوله: (كلا) على هذا التأويل رد لاعتقادهم ~~وقطع لأطماعهم، فقال: (كلا) أي: لا يدخلونها قط، ثم استأنف الكلام فقال - ~~عز وجل -: (إنا خلقناهم مما يعلمون). # وعلى التأويل الأول: (كلا) بمعنى: حقا أنهم لا يطمعون، ثم استانف بقوله: ~~(إنا خلقناهم مما يعلمون)، أي: من تلك النطف؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه ~~وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرا سويا؛ ~~ليعلموا أنه لا يتركهم سدى؛ بل ليمتحنهم ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم؛ ~~فيوجب ذلك تصديق الرسل. # وفيه تذكير قدرته وسلطانه، وبيان ضعف ابتدائهم؛ ليعلموا أن من قدر على ~~إنشائهم لقادر على أن يحييهم بعدما أفناهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40). # ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات ~~وأهل الأرض، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف " لا " ~~زائدا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم. # ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: (برب المشارق والمغارب): " فلا أقسم ~~بي " إذا كان القسم # PageV10P213 # من الله تعالى، هذا هو ظاهر الكلام، في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا ~~وجوها: # أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنه علمه أن ~~يقسم به ويقول له: قل يا محمد: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب). # وإن كان هذا قسما من الله تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين: # أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب. ms4754 # والثاني: وإن كان هذا القسم من الله تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم ~~بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهدا للخلق، فيخرج الكلام ~~بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا ~~مستعمل في متعارف اللسان، والله أعلم. # وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم ~~يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع ~~إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض. # ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم ~~يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان لله تعالى فيه شريك لكان لا بد من وقوع ~~التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى ~~الواحد. # وقوله - عز وجل -: (إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن ~~بمسبوقين (41) هذا موضع القسم، فجائز أن يكون أريد به: أن يبدل الخير منهم، ~~فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا؛ كقوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا)، وقد فعل ذلك؛ لأنهم أسلموا. # ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم. # ثم هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: على تحقيق القدرة. # والثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل. # أما الأول فعلى وجهين: # أحدهما: على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك، أنزل الله ~~تعالى # PageV10P214 # مكانهم من هو خير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والبدل لا يكون إلا ~~بعد المبدل عنه، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم، أهلك المعاندين منهم، وأبدل ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولادهم والمهاجرين منهم والأنصار الذين ~~آووا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصروه. # والثاني: أي: كنا قادرين على أن نجعل المرسل إليهم خيرا منهم؛ إذ قد ~~علموا من قدرة الله عز وجل أنه هو الذي خلقهم وأنشأهم، لكن إنما أرسل إليهم ~~وأمرهم؛ لحاجات أنفسهم، لا ms4755 لنفع يرجع إليه، ليس على ما عليه ملوك الدنيا، ~~لكنه إنما امتحنهم بالأمر ليسعوا في نجاة أنفسهم، ونهاهم؛ ليفكوا رقابهم من ~~النار؛ فيكون فيه تسكين قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند وجده عليهم ~~حيث لم يؤمنوا. # وأما الوجه الثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل خاصة؛ إذ قد يكنى ~~بالقدرة عن الفعل إذ هي سبب الفعل؛ كالأمر المعتاد بين الخلق يأمر رجل آخر ~~بفعل فيقول: لا أستطيع ولا أقدر، أي: لا أفعل، وعلى هذا تأويل قوله - عز ~~وجل - (هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء)، أي هل يفعل ذلك فعلى ~~هذا تأويل هذا تأويل قوله - تعالى - (إنا لقادرون)، أي: لفاعلون ما هو خير ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدلا عن هؤلاء. # فإن كان على هذا فيكون فيه بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يجعل له أصحابا يرضاهم، ويكون فيه إخبار الله - عز وجل - لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالنصر والغلبة على المكذبين منهم، ويكون فيه إنباء لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ينفذ فيه مكرهم وإن اجتهدوا، ويكون فيه ~~إعلام أنه ينتقم منهم له ويعذبهم، وقد فعل ذلك كله بحمد الله - عز وجل - ~~والله المستعان؛ حيث بدل من أهل مكة أهل المدينة، وكانوا خيرا منهم؛ لأن ~~أهل مكة كانوا عليه، وأهل المدينة كانوا له، فكانوا هم خيرا. # وقوله - عز وجل -: (وما نحن بمسبوقين). # والمسبوق: المغلوب، فكأنه قال: لا يسبقنا أحد ولا يعجزنا أحد عن ذلك، ولا ~~يفوتنا أحد فيما نريده. # وقوله - عز وجل -: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42). # قال أبو بكر: الخائض: المتحير، واللاعب: الخاطئ، فقوله: (فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا) أي: دعهم فيما هم فيه من خطاياهم وتحيرهم في دينهم، فكل من اشتغل ~~بما لا يحتاج له فهو خائض لاعب، وأصله أن كل أمر لا عاقبة له تحمد فهو فيه ~~لاعب # PageV10P215 # لاه؛ كقوله - عز وجل -: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو)، أي: من يعمل في ~~الحياة الدنيا للدنيا لا للآخرة ms4756 فهو لاعب لاه، وكأن هذه الآية صلة قوله ~~تعالى: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) الآية، أمره بألا يشتغل بأولئك ~~ويقبل على من يرجو منهم الإيمان. # أو أمره بألا يشتغل بمكافأتهم بسوء صنيعهم؛ فإن الله سينصره عليهم ~~ويكافئه عنهم. # وقوله - عز وجل -: (حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) قد لاقوا ذلك اليوم ~~وهو يوم بدر، وسيلاقون اليوم الثاني وهو يوم الآخرة. # وقوله تعالى: (يوم يخرجون من الأجداث سراعا ... (43) يخبر أنهم يخرجون من ~~الأجداث، وهي القبور سراعا إلى الداعي، والذي يحملهم على الإسراع هو أن ~~أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة، ~~فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب الذي ~~حق عليهم بترك الإجابة، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن ~~تلك الإجابة؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة، وإنما هو ~~يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت؛ وهذا كقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين)، فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان ~~بالله تعالى لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان، ~~ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فلم ~~ينفعهم ذلك ولم يغنهم من عذاب الله شيء؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول ~~التوبة، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو ~~إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كأنهم إلى نصب يوفضون). # قرئ بنصب النون، وجزم الصاد، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه. # وقرئ بضم النون والصاد، وهو اسم الصنم. # فإن كان على العلامة، فمعناه: أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة ~~الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة؛ كذا ~~قاله بعض أهل التأويل. # وذكر عن الكلبي (إلى نصب يوفضون): إلى علم يسعون. # وقال قتادة: إلى علم يستبقون. # PageV10P216 # وعن مجاهد: إلى علم ينطلقون. # فإن كان على الثاني، فمعناه: أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك؛ ~~كسرعتهم ms4757 إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها ~~لو يبتدرون نصبهم حتى يستلموها. # ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها، ~~ومن تأول هذا فهو يجعل النصب هاهنا جمع النصب. # وقوله: (يوفضون) أي: يسرعون. # وقال الحسن: أي: يرملون، وهما واحد؛ لأن الإسراع في الرمل موجود. # وقوله - عز وجل -: (خاشعة أبصارهم ... (44). # يحتمل أن يكون هذا على بصر الوجوه وصفة خشوعها على ما قال في آية أخرى: ~~(لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء)، فيخشع خشوعا لا يملك صرف طرفه عن ~~الداعي، ففيه أن الذلة قد أحاطت بهم حتى أثرت في الأعين والوجوه، وفي كل ~~عضو. # وجائز أن يكون هذا على بصر القلوب، وهو أن قلوبهم تشتغل بإجابة الداعي عن ~~أن تبصر لنفسها حيلة تتخلص بها من أهوال ذلك اليوم وشدائده. # وقوله - عز وجل -: (ترهقهم ذلة): # أي: تعلوهم، والذلة: الحالة في النفس تبدو وتظهر من الأبصار. # وقوله - عز وجل -: (ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). # حقه أن يقول: هذا اليوم الذي كانوا يوعدون؛ لأنه أضاف إلى اليوم الذي ~~كانوا يوعدون في الدنيا. # ولكن معناه: كانوا يوعدون ذلك اليوم في الدنيا، وذلك اليوم في الوقت الذي ~~كانوا يوعدون غير موجود، فيعبر عنه بما يعبر به عن الغائب، والله أعلم، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV10P217 ### | سورة نوح # عليه السلام مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم ~~عذاب أليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء ~~لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4). # قوله - عز وجل -: (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم). # في ذكر نبأ نوح - عليه السلام - دلالة رسالته وأية نبوته؛ لما ذكرنا: أن ~~هذا لم يكن من علمه، ولا علم قومه، ولم يختلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى ms4758 من عنده علم به فتعلمه منه، فعلم أنه بالله تعالى علمه لا بأحد من ~~خلقه؛ فيكون فيه إلزام الحجة عليهم، وفيه إعلام رسول الله - عليه السلام - ~~ما لقي نوح - عليه السلام - من قومه؛ ليصبره بذلك على أذى قومه؛ إذ السورة ~~مكية. # ثم أمره بالإنذار، ولم يذكر معه البشارة، فكذلك قال نوح - عليه السلام - ~~(إني لكم نذير مبين) ولم يقل: بشير، وقد كان هو بشيرا ونذيرا، فجائز أن ~~يكون اقتصر على ذكر النذارة؛ لأن في ذكرها ذكر البشارة؛ وذلك أنهم إذا ~~استوجبوا العذاب إذا داموا على ما هم فيه من الضلالة وعبادة غير الله ~~تعالى، فهم إذا انتهوا عن ذلك استوجبوا العفو، واستيجاب العفو وقوع ~~البشارة، فإذا كان ذكر أحد الوجهين يقتضي ذكر الوجه الآخر، اكتفي بذكر ~~أحدهما عن ذكر الآخر. # وجائز أن يكون خص النذارة بالذكر؛ لأن الحال كانت حال الإنذار؛ لأنهم ~~كانوا معرضين عن طاعة الله تعالى ومقبلين على عبادة غيره، فكانوا مستوجبين ~~للنذارة، ولم يكونوا من أهل البشارة، وإنما يصيرون من أهلها إذا انتهوا عما ~~هم عليه؛ فيكون قوله: (أنذر قومك) إن داموا على ما هم عليه، وفي هذا دلالة ~~على أن المرء إذا أخذ غير طريق الهدى، فالسبيل فيه أن يفسد عليه مذهبه، ثم ~~إذا ظهر فساده عنده، أمره باتباع سبيل الهدى وبين له الحجج والدلائل؛ لينجع ~~فيه ذلك، ليس أن يحتج عليه بالحجج التي هي # PageV10P218 # حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه؛ فإن ذلك لا ينجع فيه، ولا ~~يدعوه إلى قبول الحق والتزامه، بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده، ~~فإذا بأن له ذلك يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه؛ ليعرفه بالتعلم. # ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة، والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى ~~العذاب الدائم، والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم، فالنذارة هي تبيين ما ~~ينتهي إليه عاقبة من يلزم الضلال، والبشارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة ~~من يلزم الهدى. # وإن شئت قلت: إن ms4759 النذارة هي أن يبين عسر ما يحل به في العاقبة، والبشارة ~~هي أن يثبته بما يصير إليه في العاقبة من اليسر. # ثم في قوله - عز وجل -: (أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) دلالة ~~أن حجة الإسلام تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنه لو كانت لا تلزمهم، ~~لكانوا في أمن من نزول العذاب قبل أن يأتيهم النذير؛ فلا يخوفون بنزل ~~العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم ~~النذير دل أن الحجة لازمة عليهم، وأن لله تعالى أن يعذبهم لتركهم التوحيد ~~وإن لم يرسل إليهم الرسل، فيكون تأويل قوله - عز وجل -: (وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا)، على عذاب الاستئصال في الدنيا ليس على عذاب الآخرة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2). # أي: مبين بما يقع به الإنذار والتخويف؛ فيكون الإبانة منصرفة إلى ~~النذارة. # ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا إلى نفسه خاصة؛ كأنه قال: نذير لكم مبين، ~~أي: إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة الله تعالى وإنذاركم من عند نفسي، ~~ولكن بما اختصني الله تعالى وولاني ذلك. # ثم الأصل في الإنذار أن يقتضي نهيا وفي النهي أن يقتضي أمرا، لكن الإنذار ~~يقتضي نهيا وكيدا، والنهي الوكيد يقتضي الأمر بالخلاف أمرا وكيدا. # وأما البشارة فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد؛ لأنه يستوجب البشارة ~~بكل خير يفعله، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير آخر يأتي به، فلا يفهم ~~بنفس البشارة الأمر الوكيد؛ ويفهم بتصريح النذارة كلا الوجهين اللذين ~~ذكرناهما. # وإذا كان كذلك، فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة، وأما النذارة ~~فهي تدل على # PageV10P219 # البشارة؛ لأن النذارة على ما هو فيه في الفعل تلزم النهي، وإذا انتهى عنه ~~فقد حصل العفو، وفي حصول العفو ارتفاع ما خوف وذهابه. # وقوله - عز وجل -: (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) فكأنه قال: أنذرهم ~~على عبادة غير الله، ومرهم بعبادة من يستحق العبادة، وهو الله تعالى؛ إذ ~~الأمر بالإنذار ms4760 يقتضي النهي عما هم عليه ويدعو إلى خلافه، وبين لهم الخلاف ~~الذي دعوا إليه؛ لقوله - عز وجل -: (اعبدوا الله واتقوه). # وقيل: (اعبدوا الله)، أي: وحدوه. # وقال بعضهم: كل عبادة جرى بها الأمر في القرآن على الإرسال فهي منصرفة ~~إلى التوحيد. # فكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن الآيات التي فيها أمر بالعبادة ~~نزلت في أهل الكفر؛ لأنه خاطب بقوله - عز وجل -: (يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم)، ولم يخاطب بقوله - عز وجل -: يا أيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم، وإذا ~~ثبت أنها في أهل الكفر، والكافر أول ما يؤمر يؤمر بالتوحيد ليس يخاطب ~~بعبادة أخرى سواه؛ لأنه ما لم يأت بالتوحيد لم يقبل منه شيء من العبادات، ~~فجعلوا تأويل العبادة التوحيد لهذا؛ لا أن يكون العبادة عبارة عن التوحيد ~~خاصة، بل العبادة يراد بها التوحيد مرة إذا ذكرت عقيب الكفر، وإذا ذكرت في ~~أهل الإيمان فالعبادة منهم أن يفوا بمعاملة ما اعتقدوه بالقول؛ وأن ينجزوا ~~ما وعدوا من أنفسهم، وهذا كما ذكرنا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: أنهما ~~إذا ذكرتا في أهل الكفر، انصرف المراد من ذلك إلى الاعتقاد لا إلى الفعل؛ ~~لأنهم ليسوا من أهل الفعل، وإذا ذكرتا في أهل الإسلام أريد بالإقامة ~~والإيتاء إيجاد الفعل، فكذلك الحكم في العبادة بقوله: (اعبدوا الله) أي: ~~وحدوه واتقوه، أي: اتقوا الإشراك في عبادته، وأطيعوني فيما آمركم به من ~~توحيد الله تعالى وألا تشركوا به شيئا. # وجائز أن يكون قوله: (واتقوه)، أي: اتقوا المهالك كلها، واتقوا النار؛ ~~كما قال الله - عز وجل -: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، وقوله تعالى: ~~(قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، فالتقوى إذا ذكر على الانفراد مرسلا، اقتضى ~~الانتهاء عما فيه الهلاك، واقتضى الأمر بالعبادة والطاعة، وإذا جمع بين ~~العبادة والتقوى، # PageV10P220 # كانت العبادة منصرفة إلى إتيان الأفعال، وانصرف التقوى إلى اتقاء ~~المهالك، وهو كما قلنا في البر والتقوى: إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا ~~اقتضى ما يقتضيه الآخر، وإذا جمعا في الذكر، صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى ~~جهة أخرى، ms4761 وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد بذكر أحدهما يكون معنى كل واحد ~~منهما هو معنى الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهة على ~~حدة. # وقال الحسن في قوله - عز وجل -: (واتقوه)، أي: اتقوا الله في حقه أن ~~تضيعوه فهو يجمع ما يؤتى وما يتقى. # ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى الله، والعبادة لا تكون إلا لله ~~تعالى؛ فلذلك قال عند الأمر بالعبادة: (اعبدوا الله)، فأضافها إلى الله ~~تعالى، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله: (وأطيعون)، ففيه دلالة أن ليس في ~~الطاعة لآخر إشراك بالله تعالى في الطاعة، بل الله تعالى جعل الإشراك في ~~الطاعة بقوله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وذم من يعدل بالله تعالى في ~~العبادة بقوله تعالى: (وهم بربهم يعدلون)، فالعبادة كأنها تقتضي الخضوع ~~والتضرع على الرجاء والخوف، والله تعالى هو الذي يرجى منه ويخاف من نقمته، ~~فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا على الأمر لا غير؛ وعلى ذلك لما صرفت الكفرة ~~الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى)، وقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، سموا: عباد الأصنام، فكل من يفعل ~~الفعل على الخوف والرجاء فذلك منه عبادة له. # وقوله - عز وجل -: (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله ~~إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) إن صرفت قوله: (واتقوه) إلى اتقاء ~~الشرك يرجع قوله: (يغفر لكم من ذنوبكم) إلى ما سلف من الذنوب في حالة ~~الشرك؛ كقوله - عز وجل -: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وإن صرفته إلى سائر وجوه المهالك، رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا؛ وهو ~~كقوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)؛ فيكون قوله (من) صلة على ما ذكره ~~أهل التفسير، ومعناه: يغفر لكم ذنوبكم. # وجائز أن يكون قوله: (من) على التحقيق ليس على حق الصلة؛ لأنه قد يكون من ~~الذنوب ذنوب يؤاخذ بها بعد الإسلام، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من ~~القصاص # PageV10P221 # وغيره، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة؛ فإن ms4762 القصاص لا يرتفع عنه. # وقوله - عز وجل -: (ويؤخركم إلى أجل مسمى) جائز أن يكون أولئك القوم ~~كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه ~~السلام؛ فيخرج قوله: (ويؤخركم إلى أجل مسمى) مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم ~~يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا؛ إذ يكون معناه: أنكم إن أسلمتم ~~بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم. # وقوله - عز وجل -: (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون)، وقال ~~في موضع آخر: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، جائز أن ~~يكون قوله: (لا يستأخرون)، أي: لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما ~~يطلبون من التأخير؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا ~~التأخير؛ قال الله تعالى: (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين)؛ فأخبر - ~~جل جلاله - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك ~~من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله: (ولن يؤخر الله نفسا إذا ~~جاء أجلها)، وبقوله: (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وبقوله: (إن أجل ~~الله إذا جاء لا يؤخر). # وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل ~~آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، والله تعالى يقول: (لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون)، والأصل: أن الله تعالى إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله ~~بالقتل ليس بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه، ثم ~~ينقضي أجله بغير ذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، والجهل ~~بالعواقب يسقط الربوبية، ويثبت الجهل. # وقوله - عز وجل -: (لو كنتم تعلمون). # أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم، لكنتم ~~تبذلون للحال ما أريد منكم؛ لئلا يحل بكم العذاب. # أو أن يكون معنى قوله: (إن أجل الله إذا جاء)، ms4763 أي: أجل العذاب إذا حل، ~~وقع # PageV10P222 # لا محالة، فلو علموا بوقوعه لا محالة، لارتدعوا عنه. # * * * # قوله تعالى: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا. وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ~~ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني ~~أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) ~~يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل ~~لكم أنهارا (12) ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس ~~سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20). # وقوله - عز وجل -: (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا). # يحتمل أن يكون هذا من نوح - عليه السلام - بعد أن أخبر (أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن)، فيكون القول منه قول معتذر: أنه لم يقصر في دعوة قومه ~~إلى الإسلام، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وأنه قد أبلى عذره ~~في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه. # ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض؛ لاستنزال اللين ~~والرحمة، لعل الله تعالى بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق، ويرغبوا في ~~الإجابة؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم، فهو يخرج على أحد ~~هذين الوجهين: إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه؛ لاستنزال اللين ~~والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر، لا على الدعاء والرجاء بأن ~~يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله تعالى أنهم لا ~~يؤمنون، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا. # ثم قوله: (إني دعوت قومي ليلا ونهارا)، أي: دعوت في كل وقت وكل ساعة من ~~الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء. # وقوله -. عز وجل -: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6). # وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح عليه السلام، وكانوا قد ms4764 استثقلوه ~~وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على ~~الفرار؛ فنسب ذلك إلى الدعاء، لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء؛ ~~فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة ~~سببا لزيادة الفرار؛ # PageV10P223 # وهو كقوله تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، ~~والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى ~~عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة ~~إلى القرآن؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى ~~المجاورة، وقال الله تعالى: (فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري)، وهم لم ~~يكونوا منسيين، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم ~~واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء، فعلى ذلك لما أبغضوه ~~واستثقلوا كلامه ودعاءه، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود، ثم نسب ~~النفار إلى الدعاء على الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة ~~منفر. # وقوله - عز وجل -: (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) وقال في موضع آخر: (ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود. . .) إلى قوله: (فردوا ~~أيديهم في أفواههم)، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم ~~والأجلة منهم، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء عليهم السلام، ~~وضربوهم على ما ذكر في الأخبار، وأما الأتباع منهم، والمقلدون لهم، كانوا ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورءوسهم؛ كي لا يسمعوا كلامه فيقع ~~شيء منه في قلوبهم؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك. # أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم، وأقبل على ~~آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ثم هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: على التحقيق على ما ذكرنا؛ ليؤيسه من الإجابة. # والثاني: جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل ms4765 من ~~جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه؛ لئلا يسمع ولا يجيب؛ وهو كقوله - عز وجل ~~-: (فنبذوه وراء ظهورهم)، ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ~~ينبذه وراء ظهره، وكذلك في قوله - عز وجل -: (فردوا أيديهم في أفواههم) على ~~التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي ~~يرد يده في # PageV10P224 # فيه؛ لئلا يتكلم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأصروا واستكبروا)، أي: داموا على ما هم عليه وثبتوا ~~على كفرهم. # وقال قتادة: (وأصروا)، أي: صاحوا في وجوه الأنبياء - عليهم السلام - ردا ~~عليهم، أو مغالبة في الدعاء؛ كقوله: (والغوا فيه لعلكم تغلبون). # وقوله - عز وجل -: (واستكبروا استكبارا)، أي: استكبروا عن طاعة الله ~~تعالى، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا (9)، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة الله تعالى في كل وقت تهيأ ~~له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت؛ رجاء الإجابة منهم. # ويحتمل (إني دعوتهم جهارا)، أي: إذا بعدوا مني، وازدحموا وكثروا؛ فدعاهم ~~جهارا؛ لتعمهم الدعوة. # وقوله - عز وجل -: (وأسررت لهم إسرارا) إذا قربوا منه وقلوا، فلما أدخلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء. # ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الإعلان إعلانا ~~بالحجج وإظهارا للبينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم. # وقوله - عز وجل -: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) فالاستغفار ~~طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل: (اعبدوا الله واتقوه وأطيعون)؛ فيكون ~~هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمرا بسؤال ~~المغفرة نفسه من الله تعالى؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم، فإذا ~~كانوا كفرة، فهو إيمان بالله تعالى، وإن كانوا أصحاب ذنوب، فالتوبة إلى ~~الله تعالى، وإن كانوا مخلصين فمما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها، ونحو ذلك. # وقوله - عز وجل -: (يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ms4766 (12) فيحتمل أنما قال هذا لهم؛ لأنهم ~~كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما ~~يدعوهم إليه، غفر الله لهم ذنوبهم، وأرسل # PageV10P225 # السماء عليهم مدرارا؛ فيتوسعوا به، على ما قال به بعض أهل التأويل: إن ~~الله تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم ~~لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير؛ ~~فلذلك كان نوح - عليه السلام - يعدهم بما ذكرنا، والله أعلم. # ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم بالإجابة وزوال السعة عنهم ~~بالإسلام ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر - عز وجل - أن الذي هم ~~فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء ~~مدرارا متتابعا، ويمددهم بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار، ~~لكن ذوو الألباب والعقلاء ينظرون إلى حسن العاقبة وما إليه مآل الأمر دون ~~الحال، فذلك الذي يرغب فيه؛ ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته: ~~فمنهم من بشره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته، (فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون)، وقال: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم. . .) الآية. # ونظير الأول كقوله عز وجل: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض). # والأصل أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا مبشرين ومنذرين، داعين، زاجرين، ~~محتجين، مدحضين، فما تلوا عليهم من أنباء الأولين دخل فيهم جميع الأوجه ~~الثلاثة؛ إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتلاء، ومرة بذكر ما ينزل ~~بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين؛ أن كيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء. # وكذلك دعاء الرحمة يكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر، وبذكر الأمم ~~السالفة، وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا للحق، والله أعلم. # PageV10P226 # وقوله - عز وجل -: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (13). # قال أبو بكر الأصم: تأويله كيف لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها، ~~وقد علمتم أن الخير كله في يده، وأن الذي تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~نفعا ولا ms4767 يدفعون عنكم ضرا؛ فجعل قوله: (وقارا) مكان " عبادة "، والله أعلم. # وقال غيره: (ما لكم لا ترجون لله وقارا)، أي: ما لكم لا ترجون لأنفسكم ~~عند الله منزلة وشرفا وقدرا. # وقال بعضهم: أي: ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم؛ فتنتهوا عما ~~نهاكم وتأتوا ما أمركم به، وحمل الرجاء على الخوف؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء ~~المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء، والله ~~أعلم. # والأشبه بالتأويل عندنا: أن الرجاء لله تعالى على مثال الغضب لله، والحب ~~لله، والبغض لله، أي: ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند الله على الوقار ~~والهيبة، بعد أن شاهدتم من نعم الله تعالى وإحسانه إليكم من خلق أن سماوات ~~والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها؛ وذلك ~~أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا، استحقر به، فألزمهم ~~نوح - عليه السلام - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة ~~في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم ~~إياهم وهيبتهم منهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وقد خلقكم أطوارا (14). # فمن حمل قوله: (لا ترجون لله وقارا) على حقيقة الرجاء، فتأويله: كيف لا ~~ترجون أن يعظم قدركم عند الله - عز وجل - إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، ~~وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال ~~إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، فكيف لا يرجون إحسانه في ~~حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته؟! # وإن كان قوله - عز وجل -: (لا ترجون لله وقارا) على الخوف، ففيما ذكر من ~~قوله - عز وجل -: (وقد خلقكم أطوارا) تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو ~~أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث، ولم يخف عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من ~~حال إلى حال كيف شاء، # PageV10P227 # فكيف يخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم؛ فيكون في ذكر هذا تنبيه ~~أن الله تعالى ms4768 لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق فيدعو ذلك إلى المراقبة، ~~ويلزم التيقظ والتبصر في كل حال؛ لئلا يتعدى حدود الله، ولا يضيع حقوقه، ~~فيحل به البوار والهلاك. # فإذا حملت التأويل على الرجاء، فهو يخرج على غير التأويل الذي حملته على ~~الخوف؛ لأنك إذا حملته على الرجاء كان فيه تذكير عظيم مننه، ونعمه عليهم من ~~أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه؛ فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف ~~قدرهم عند الله تعالى، ويحمد عاقبتهم. # وإن حملته على الخوف، كان فيه تذكير القدرة والسلطان؛ فيحملهم على ~~المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات. # ومن حمل قوله: (وقارا) على العبادة، فهو يخرج على غير الوجهين الذين ~~ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل، كأنه يقول: إن الذي ~~خلقكم أطوارا قد تعلمون أنه حكيم ومن هو حكيم لا يسفه، وترككم سدى لا ~~يأمركم ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم - سفه؛ فيكون في ذكر هذا ~~ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة. # ويكون في ذكر هذا أيضا إثبات الربوبية وإلزام القول بالوحدانية؛ لأنه ~~أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويا، ~~فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا، لكان يعجز عن تقليبه من حال إلى حال؛ ~~لأنه إذا أراد أن ينشئ من النطف علقة، ومن العلقة مضغة، كان للآخر أن يمنعه ~~عن تدبيره؛ فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة، فارتفاع المانع دليل على أن ~~لا مدبر سواه، ولا خالق غيره. # وإذا ثبت انفراده بما ذكرنا ثبت أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق. # وقال بعضهم: معنى قوله: (وقد خلقكم أطوارا)، أي: مختلف الأخلاق والصور ~~والألوان والألفاظ والأصوات والنغم؛ حتى لا يرى أحد يشبه آخر بجميع خلقته، ~~وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرته وحكمته، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15). # PageV10P228 # قد ذكرنا أن قوله: (ألم تروا) يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه، فقد ~~يقتضي تذكير أعجوبة لم يسبق من الخلائق العلم ms4769 بها، يقول: قد رأوا أنه خلق ~~سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على خلق مثله ~~لقادر على خلق كل ما يريد؛ فيكون فيه إيجاب القول بالبعث؛ إذ إعادتهم ليست ~~بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، فمن قدر على خلقهن، لقادر على ~~البعث، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وجعل القمر فيهن نورا ... (16). # منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات. # وقد يجوز - أيضا - أن يضاف الشيء إلى العدد وإن لم يكن يوجد ذلك إلا في ~~البعض، يقال: في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا فهو لا يكون ~~في سبع قبائل، وإنما يكون في قبيلة واحدة، ويقال: فلان توارى في دور قوم، ~~وهو لا يكون متواريا في دور جملتهم، وإنما يكون متواريا في واحدة منهن، ثم ~~أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع وإن كان ~~القمر في سماء واحدة. # ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى ~~السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب ~~وغيره، فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر. # لكن هذا إنما يعرف بالخبر، فإن صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خبر، فذلك هو، وإلا فالإمساك عن مثله أحق. # وقوله - عز وجل -: (وجعل الشمس سراجا) فذكر السراج هاهنا مكان الضوء في ~~موضع آخر، وهو قوله - عز وجل -: (جعل الشمس ضياء)، فذكر في القمر النور # PageV10P229 # وفي الشمس الضياء؛ لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة ~~الليل، ثم الله تعالى أنشأ الليل لنسكن فيه، لكن قد يبدو للخلائق بالليل ~~حوائج يحتاجون إلى قضائها؛ فمن الله تعالى عليهم بنور القمر؛ ليتوصلوا ~~بنوره إلى قضاء حوائجهم، وجعل الشمس ضياء؛ ليختطف ضوءها نور الليل، ويغلب ~~عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والله أنبتكم من الأرض نباتا (17): # جائز أن يكون أضاف الإنبات إلى ms4770 الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من ~~التراب، وهو آدم - عليه السلام - فنسب الفرع إلى الذي منه خلق الأصل؛ ~~لحدوثه منه، لا أن يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله - عز وجل -: (وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون)، والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق به، ~~ولكن الذي يرزق به أصله المطر، فنسب إلى المطر؛ لأنه هو الأصل الذي يتوصل ~~به إلى الإرزاق؛ فكذلك الخلائق لما كانوا من نسل آدم - عليه السلام - وكان ~~هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الأصل؛ الذي حدث منه الأصل. # ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه؛ وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها ~~بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية، فإذا كان قوامها بما ~~ينبت منها، فكأنما أنبتنا منها؛ فاستقام أن يضاف الإنبات إليها، كما يستقيم ~~أن يضاف خروج الثمار إلى الأرض وإن كان حدوثها من الأشجار؛ إذ قوام الأشجار ~~وبقاؤها بها؛ فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا. # ففي قوله: (والله أنبتكم من الأرض نباتا) على التأويل الأول إثبات القدرة ~~على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه؛ لأنه يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من ~~الأرض، ولم يكونوا شيئا، فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا، ~~لقادر على أن # PageV10P230 # يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما ~~ورفاتا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا، ~~فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا. # وإن كان على التأويل الثاني، ففيه تذكير نعمه: أن قد أخرج لهم من الأرض ~~ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، أو يستأدي منهم الشكر، وفيه تذكير قوته ~~وسلطانه؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته. # وقوله - عز وجل -: (ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18)، فجمع يين ~~الإعادة والإخراج بحرف الجمع: وجعل قوله عز وجل (ويخرجكم) في موضع " ثم "؛ ~~لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد ~~الحرفين ms4771 وهو " الواو " قد يستعمل مكان " ثم ". # وقوله - عز وجل -: (والله جعل لكم الأرض بساطا (19). # أي: جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه، ولو لم يجعلها كذلك، لم ~~يتوصلوا إلى حوائجهم، ولا الانتفاع بها، ففي ذكر هذا تذكير بما لله تعالى ~~عليهم من عظيم المنة. # وقوله - عز وجل -: (لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20): # قيل: الفجاج: هي الطرق الواسعة. # وقيل: السبل في السهل، والفجاج: الطرق في الجبال، وهذا - أيضا - من عظيم ~~نعم الله تعالى على عباده؛ لأن الله تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو ~~لم يجعل لهم في الأرض سبلا، لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به ~~قوام أبدانهم؛ فصارت الطرق المتخذة لما نسلك فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى ~~معايشنا: كالدواب التي سخرت لنا؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا، وهذا يبين لك أن ~~ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار؛ لأنه أحوج الخلق إلى ~~الانتشار في البلاد؛ لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك؛ فثبت ~~أن مالك الأقطار واحد. # PageV10P231 # قوله تعالى: (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا (25) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن ~~دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28). # وقوله - عز وجل -: (قال نوح رب إنهم عصوني)، أي: عصوني فيما أمرتهم به أو ~~فيما دعوتهم إليه. # وقوله - عز وجل -: (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا): # يشبه أن يكون المتبوعون هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم، استتبعوا من ~~دونهم فيتبعوهم ولم يتبعوا نوحا عليه السلام، وقد كان نوح - عليه السلام - ~~يدعوهم إلى اتباعه، فأخبر أنهم لم يتبعوه، وإنما اتبعوا من كثرت أمواله ~~وأولاده ms4772 وحواشيه؛ فتكون هذه الآية في الأتباع أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم ~~ليس في رؤسائهم، وما تقدم من الآيات في أجلتهم من دعاء نوح - عليه السلام - ~~إياهم إلى التوحيد وغيره. # ويحتمل أن تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا؛ فيكون قوله تعالى: ~~(واتبعوا)، أي: اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغناء، والذين وسعت عليهم ~~الدنيا، وبسطت لهم؛ ظنا منهم أنهم أحق بالله تعالى، وأقرب إليه في المنزلة. # والذي حملهم على هذا هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد يترك صلة وليه ويصل ~~عدوه، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا، ووسع الله تعالى عليهم، وضيق ~~على هؤلاء - أن أولئك أقرب منزلة وأعلى حالا، وأنهم هم الأولياء، وهم لا ~~يؤمنون بالآخرة وثوابها، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء ~~والمحسنين في الدنيا، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا فهو أحق أن يكون وليا ~~لله تعالى حيث وصل إليه الجزاء فيها، فهذا الظن هو الذي حملهم على الاتباع. # PageV10P232 # وقوله - عز وجل -: (إلا خسارا)، أي: بوارا وهلاكا لذلك المتبوع، فكانت ~~تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارهم. # ثم قوله تعالى: (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا) كقوله: (ولا ~~تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا)، ثم قد ~~بينا تأويل شكايته إلى الله تعالى من قومه، فهذه الآية وتلك الآيات في معنى ~~تأويل الشكاية إلى الله تعالى - واحد. # وقوله - عز وجل -: (ومكروا مكرا كبارا (22). # قال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون ما يمكرون بألسنتهم؛ حيث كانوا يدعونهم إلى ~~الكفر والصد عن سبيل الله، فكنى بالمكر عما قالوه بالسنتهم، فكان ذلك (مكرا ~~كبارا)، أي: قولا عظيما. # وجائز أن يكون على حقيقة المكر، وهو أن رؤساءهم مكروا بأتباعهم حيث ~~قالوا: إن هؤلاء لو كانوا أحق بالله تعالى منا، لكانوا هم الذين يوسع عليهم ~~ويضيق علينا، فإذا وسع علينا وضيق عليهم، ثبت أنا نحن الأولياء والأصفياء ~~دون غيرنا، وهذا منهم مكر عظيم؛ لأنه يأخذ قلوب أولئك فيصدهم عن سبيل الله ~~تعالى. # وجائز ms4773 أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح ~~عليه السلام، ويقولون لهم: إياكم واتباع هذا فإنه ضال مضل، فكان هذا مكرهم ~~بصغارهم. # وقوله - عز وجل -: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا (23). # هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم ~~إليه من عبادة الأصنام، فقالوا بعد ذلك: (لا تذرن آلهتكم) أي: لا تذرن ~~عبادتها. # وقوله - عز وجل -: (ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا). # هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها. # ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير: أن ~~قوم نوح - عليه السلام - اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال ~~عباد كانت هذه الأسماء أسماءهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد؛ ليعتبروا ~~بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها، فلما مضى ذلك القرن الذين ~~اتخذوها عبرة وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان: إن الذين من قبلكم كانوا ~~يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها. # PageV10P233 # ومنهم من ذكر أن جسد آدم - عليه السلام - كان عند نوح - عليه السلام - ~~يترك كل مؤمن في زمانه أن يدخل فينظر إلى جسد آدم عليه السلام ومن لم يكن ~~مؤمنا لم يدعه أن ينظر إليه، فجاء إبليس إلى الكفار فقال: أيفخر نوح ومن ~~آمن به عليكم بجسد آدم وأنتم كلكم ولده؟ فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم - ~~عليه السلام - فكانوا يعبدون تلك الصورة. # ويحتمل أن يكون الذي بعثهم على ذلك هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة ~~رب العالمين، كما يرى هؤلاء الذين يخدمون الأجلة في الشاهد لا يطمع كل واحد ~~منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونه ~~أولا؛ على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هؤلاء حسبوا أنهم لا يصلحون ~~لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا كانوا يظنون أن حسنه لمنزلة ~~له عند الله تعالى لا غير، فكانوا يقبلون على عبادته؛ رجاء أن يقربهم إلى ~~الله ms4774 تعالى، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه ثم اشتغلوا بخدمتها ~~وعبادتها؛ رجاء أن تقربهم إلى الله تعالى، كما قال - عز وجل - حكاية عنهم: ~~(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ~~وقال: (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، فجائز أن يكون هذا الحسبان هو ~~الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، والله أعلم أي ذلك كان! # وقوله - عز وجل -: (وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) ~~جائز أن يكون أريد به الكبراء أنهم أضلوا كثيرا، أي: دعوا إلى الضلال، ~~وزينوه في قلوبهم فأضلوا سفهاءهم بذلك. # وجائز أن يكون أريد به الأصنام، ولكن حقه إن كان على الأصنام أن يقول: " ~~وقد أضللن كثيرا "؛ كما قال إبراهيم - عليه السلام -: (رب إنهن أضللن كثيرا ~~من الناس)، ولكن الإضلال من فعل الممتحنين، والأصنام ليست لها أفعال، فلما ~~نسب إليها نسبة من يوجد منه الفعل، أخرج الخطاب على الوزن الذي يخاطب به من ~~يوجد منه هذا الفعل؛ وهو كقوله تعالى: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها)، ~~فأضاف إلى القرية فعل أهلها، والفعل إذا أضيف إلى الأهل، أضيف بلفظ ~~التذكير، ثم أنث هاهنا؛ لإضافة فعل الأهل إلى القرية، ولو كانت القرية بحيث ~~يكون منها الفعل لكان # PageV10P234 # الخطاب يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير، فحيث أضيف إليها فعل ~~أهلها أنث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها. # ثم الأصنام لا يتحقق منها الإضلال، ولكن معنى الإضافة هاهنا هو أنها ~~أنشئت على هيئة لو كانت تلك الهيئة ممن يضل لأضل، وهو كما قلنا في تأويل ~~قوله - عز وجل -: (وغرتهم الحياة الدنيا). # وقوله - عز وجل -: (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا): # فهذا يشبه أن يكون بعدما بين له (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن)، ~~فإذ علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى، ولكن دعا الله تعالى ليزيد في ~~إضلالهم، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك، والضلال: الهلاك، قال الله تعالى: ~~(وقالوا أإذا ضللنا في الأرض)، أي: هلكنا. # وقوله - عز وجل -: (مما ms4775 خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا ... (25) فحرف " ما ~~" هاهنا صلة في الكلام، ومعناه: بخطيئاتهم، أو من خطيئاتهم أغرقوا، فأدخلوا ~~نارا في الآخرة؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسادهم وردت أرواحهم إلى النار. # (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا)، أي: لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من ~~عبدوا من دون الله تعالى أنصارا من المعبودين؛ لأنهم كانوا يعبدون من ~~يعبدون من دون الله ليقربهم إلى الله، ويكونوا لهم شفعاء وعزا، فلم يجدوا ~~الأمر على ما قدروه عند أنفسهم. # وقوله - عز وجل -: (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ~~(26). # قيل: تأويله: لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار، وإذا لم يبق منهم ~~ساكن دار فقد بادوا جميعا وهلكوا، فكأنه يقول: لا تذر منهم أحدا. # وقوله عز وجل: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ~~(27). # هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على ~~الله تعالى لو تركهم ولم يهلكهم، وهذا يشبه بقول من قال: (أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء)، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير لله تعالى: أنه ~~لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله تعالى وذلك ~~عظيم؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال؛ ألا ترى أن إبليس ~~اللعين وأتباعه جل سعيهم في # PageV10P235 # إضلال بني آدم، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم. # ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم، بعد أن أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك ~~والبوار؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن. # والأصل: أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، ~~وكانوا في دعائهم راجين الإسلام منهم، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر، ~~فلما قيل لنوح - عليه السلام -: (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) - وقع ~~له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، ~~فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك. # ثم يكون قوله: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك) ms4776 خارجا مخرج الإشفاق والرحمة ~~على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا، خيف منهم ~~أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له ~~على الدعاء بالهلاك على الكفرة؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال. # وقوله - عز وجل -: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقت بلوغهم المحنة ~~والابتلاء، فحينئذ يوجد منهم الفجور، لا أن يلدوا فجارا كفارا؛ إذ لا صنع ~~لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)، ~~أي: نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء، لا أن يبتلى وقت ما يشاء. # وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور؛ لأنه لو خرج قوله: ~~قوله تعالى: (كفارا) مخرج التفسير لقوله: (فاجرا) استقام أن يحمل تأويل ~~قوله تعالى: (وإن الفجار لفي جحيم) على الكفرة. # وقوله - عز وجل -: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ... (28) ~~هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه، ثم بوالديه، ثم ~~بالمؤمنين. # ثم قوله: (بيتي) قال بعضهم: أي: في سفينتي. # وقال بعضهم: (في بيتي) أي: في ديني؛ فيكون البيت كناية عن الدين. # PageV10P236 # وقال بعضهم: إنما هو بيته الذي يسكن فيه؛ لما أطلعه الله تعالى أن من دخل ~~بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر. # قال الشيخ - رحمه الله -: ثم إن أرجى الأمور للمؤمنين في الآخرة دعاء ~~الأنبياء والملائكة - عليهم السلام - في الدنيا؛ لأنهم إنما يدعون بعد ~~الإذن لهم بالدعاء، فلا يحتمل أن ياذن الله تعالى لهم بالدعاء، ثم لا يجيب ~~دعوتهم. # وذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إن نوحا - عليه السلام - ~~دعا بدعوتين: # أحدهما: للمؤمنين بالاستغفار والتوبة. # والثانية: على الكفار بالبوار والتبار. # وقد أجيبت دعوته فيما دعا على الكفرة؛ فلا يجوز أن يجاب في شر الدعوتين، ~~ثم لا يجاب في خير الدعوتين. # وقوله - عز وجل -: (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) قيل: كسرا وذلا وصغارا؛ ~~فإنه مشتق من التبر، وكل مكسور يقال له: تبر؛ فكأنه يقول: اكسر منعة ~~الظالمين وشوكتهم؛ فإن كان التأويل ms4777 هذا فهو يقع على جميع الظلمة من كان في ~~وقته ومن بعده. # وقيل: التبار: الهلاك؛ فإن كان هذا معناه فهو على ظالمي زمانه؛ إذ لا ~~يجوز للأنبياء - عليهم السلام - أن يدعوا على قوم إلا أن يؤذن لهم بالدعاء ~~عليهم، وإنما جاء الإذن في حق قومه، فأما في حق غيرهم لم يثبت؛ فلا يجوز ~~القول فيه إلا بما تواتر الخبر به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~والله أعلم. # * * * # PageV10P237 ### | سورة الجن، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ~~ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) ~~وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) وأنا ~~لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10). # قوله - عز وجل -: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن)، اختلف في السبب ~~الذي كان به مجيء الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمنهم من ذكر ~~أن إبليس صعد إلى السماء، فوجدها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا؛ فتيقن أنه قد ~~حدث في الأرض حادث، ففرق جنوده؛ ليعلم ذلك. # ومنهم من يقول بأن الأصنام خرت لوجوهها حين بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فعلم إبليس أنه قد حدث في الأرض حادث حتى خرت له الأصنام، ~~ففرق جنوده؛ ليصل إلى علم ذلك. # ثم من الناس من يزعم أن قصة هذه السورة وقصة قوله - عز وجل -: (وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) - واحدة. # وقال بعضهم بأن هؤلاء النفر الذين ذكروا في هذه السورة كانوا من مشركي ms4778 ~~الجن، والذين ذكروا في سورة الأحقاف كانوا من يهود الجن؛ دليله: أنه قال في ~~هذه السورة فيما حكي عن الجن: (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا)، واليهود يقرون بالبعث، ولا ينكرونه؛ فثبت أنهم كانوا من جنس ~~المشركين، وقال في سورة الأحقاف: (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى مصدقا لما بين يديه)؛ فثبت أنه قد كان عندهم علم بالكتاب المنزل ~~على رسول الله موسى - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا به مقرين، واليهود هم ~~الذين يؤمنون بكتاب موسى - عليه السلام - لا غير. # PageV10P238 # ثم فيما حكى الله تعالى عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى ~~من المخاطبات فيما بينهم - فوائد: # إحداها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثا إلى الجن والإنس ~~حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه. # وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا فيما بين القوم بإنذارهم، ~~وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عز وجل - (فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين). # وفيه أن أولئك النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين نشأ ~~بين أظهرهم؛ لأنهم عرفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بينهم ~~بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط، وحق من يعرف بالصدق إن لم ~~يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي به من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى ~~أن يتبين منه ما يظهر كذبه، وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة ~~من كان معروفا بالصدق والصيانة، والجن الذين صدقوه، لم يكونوا عارفين ~~بأحواله فيما قبل أنه صدوق، أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه؛ ~~لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه معاملة من قد عرف ~~بالصدق؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه. # وفيه - أيضا - دلالة رسالته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قوله تعالى: ~~(فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد. . .) إلى آخر القصة فيما ms4779 ~~بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب؛ فثبت أنه ~~بالله تعالى علم. # ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز ~~الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وبما وقفوا على إحكام معانيه وحسن ~~تأليفه ونظمه. # وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر بمجيئهم حتى أوحي إليه ~~أنه قد أتاه نفر من الجن، واستمعوا إلى ما أوحي إليه؛ فيكون فيه دلالة على ~~فساد قول الباطنية؛ حيث يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~الوحي بالجسد الروحاني؛ لأنه لو كان كما وصفوا، لرأى الجن عندما حضروا ~~إليه؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن، ولم يكن يوحى إليه، فيعرف أن # PageV10P239 # قد حضره نفر من الجن. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل جبريل - عليه السلام - ~~أن يراه على صورته، فقال له جبريل: " إنك لا تطيقه؛ لأن الأرض لا تسعني، ~~ولكن انظر إلى أفق السماء "، ولو كان يأخذ الوحي بالجسد الروحاني، لكان قد ~~رأى جبريل - عليه السلام - على صورته فيبطل فائدة هذا السؤال؛ فثبت أن ~~الأمر ليس كما زعموا، بل كان يقبله بالصورة الجسدانية، وأنه كما وصفه الله ~~تعالى بقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي. . .). # وقال القتبي: النفر: ما بين الثلاثة إلى التسعة. # وقوله - عز وجل -: (فزادوهم رهقا). # قال بعضهم: العجب: الغريب، وإنما استغربوا ذلك منه؛ لأنهم سمعوه من أمي ~~لا يعرف الكتابة ولا يقرأ الكتب. # ومنهم من قال بأن حسن تأليفه ونظمه ووصفه هو الذي حملهم على التعجب. # ومنهم من قال: إنما تعجبوا من آياته وحججه؛ لأنه جاء في تثبيت التوحيد، ~~وإثبات الرسالة، وإثبات البعث، ولم يكن لهم معرفة بالوحدانية؛ بل كانوا أهل ~~شرك، ولم يكونوا أهل معرفة بالبعث ولا الرسالة؛ فكانت الآيات عجيبة؛ حيث ~~قررت عندهم هذه الأوجه، والله أعلم. # ثم في هذه السورة وفي قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن) إخبار أن رسول الله - صلى الله ms4780 عليه وسلم - لم يكن يشعر بمجيئهم. ~~وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما تلى على أصحابه ~~سورة الرحمن، قال لأصحابه: " إن الجن كانوا أحسن إجابة منكم، إني تلوت ~~عليهم هذه السورة، فكانوا يقولون: ما بشيء من آلائك نكذب ربنا، فلك الحمد ~~". ففي هذا الخبر دلالة أنه قد رآهم وشعر بمجيئهم؛ فيكون فيه إثبات الوجهين ~~جميعا: أن قد شعر مرة، ولم يشعر أخرى. # ثم يجوز أن يكون رآهم بما قوى الله - عز وجل - بصره حتى احتمل إدراك ~~الجن، وضعفت أبصار غيره عن رؤيتهم؛ ألا ترى أن أهل الجنة يرون الملائكة ~~عندما تأتيهم بالتحف من ربهم، فيقوي الله - عز وجل - بصرهم حتى رأوا ~~الملائكة بجوهرهم، وإن ضعفت أبصارهم عن الرؤية في الدنيا، ففي ذلك تجويز أن ~~يكون الله - تعالى - قوى بصر # PageV10P240 # نبيه - صلى الله عليه وسلم - حتى رأى الجن على صورتهم. # وجائز أن يكون الله تعالى صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم، وشعر ~~بمجيئهم، والله أعلم. # ثم ما ذكرنا من السببين في أمر مجيء الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أول السورة من قول أهل التأويل لا نقطع القول بذلك، وإن كان في ~~حد الإمكان والجواز؛ لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبر والاجتهاد، وما كان ~~سبيل معرفته الاجتهاد، لم يجز أن نقطع القول فيه بالشهادة. # وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين، وهو أن يكون ~~النفر من منذري الجن؛ لأنه ذكر أن من الجن نذرا، وأن الرسل من الإنس دون ~~الجن، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيتلقفوا منه ما يقومون به بالنذارة فيما بين قومهم إذ كانوا يصعدون ~~إلى السماء فيستمعون الأخبار، وينذرون قومهم بها، ثم انقطع علم ذلك عنهم ~~حيث لم يجدوا مسلكا إلى الصعود؛ لأنها قد ملئت حرسا، وعلموا أن الله - عز ~~وجل - لا يبقيهم حيارى ويقطع عنهم وجه المعرفة، فتفرقوا في الأرض رجاء أن ~~يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه، ms4781 ويوضح لهم الحجج والبراهين، فوصلوا إلى ~~مقصودهم من جهة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # ويجوز أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي يكذب على الله؛ ~~كما حكى الله عنهم بقوله: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا)، فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن يبتلوا به، وأن يشتبه ~~عليهم الصراط السوي؛ فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على ~~الطريقة المثلى، حتى وجدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب، ~~أيقنوا أن ذلك لحادث خبر أو خافوا حلول نقمة بأهل الأرض؛ فتفرقوا في البلاد ~~لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك. # ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق ~~الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك، ولو كان الأمر على خلاف هذا، لكانوا لا ~~ينقطعون؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون ~~من الأخبار، ويلقونها # PageV10P241 # إليهم؛ فيضلون بها الخلق، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون، ~~ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن ~~الرسل عليهم السلام، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا، عرفته الكفرة فيما بينهم؛ ~~فكانت هذه حجة سماوية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقررة عند الكفرة ~~رسالته؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، والله المستعان. # وقوله - عز وجل -: (يهدي إلى الرشد فآمنا به ... (2). # أي: إلى الحق، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عز وجل -: ~~(يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم). # وقوله - عز وجل -: (لن يبعث الله أحدا). # قال أبو بكر الأصم: إنهم كانوا من مشركي العرب، فتبرءوا من الشرك لما ~~استمعوا وسمعوا من القرآن بقولهم: (ولن نشرك بربنا أحدا)، وقد يحتمل هذا ~~الذي قالوا. # ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك؛ ms4782 بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم ~~أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرءا من الشرك، وقد يتبرأ ~~المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك؛ كما ~~قال موسى - عليه السلام -: (قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). # وقوله - عز وجل -: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3). # اختلف في تأويل الجد: # فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها فيمن يظفر بكل ما يريده، فيوصف ~~بأنه ذو جد، فجائز أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا هو الظافر بكل ما يريده، ~~فلا يستقبله خلاف، ولا تمسه حاجة، وعلى هذا التأويل قوله: " ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد " أي: من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير الله ~~تعالى على خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب الله شيئا. # فإن كان هذا هو المراد، فمعناه: أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له ~~شريك، أو # PageV10P242 # يحتاج إلى صاحبة، أو إلى اتخاذ ولد؛ لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة، ~~ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع له حاجة. # وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه: تعالى ربنا. # وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة؛ يقال: " فلان جد في قومه ": ~~إذا عظم وشرف فيهم. # وقال الحسن: (تعالى جد ربنا)، أي: غنى ربنا؛ ألا ترى كيف ذكر الله تعالى ~~عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله: (قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني)، وقد ذكر اتخاذ الولد هاهنا على أثر قوله - عز وجل -: (جد ربنا). # ومنهم من يقول تأويله: ملك ربنا. # وجائز أن يكون أريد به: قوة ربنا، فتعالى ربنا عن كل ما لو نسب إليه كان ~~فيه نسبته إلى فعل الرذالة والتسفل. # ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله: (جد ربنا) هاهنا؛ لأنه حكاية عن مقالة ~~الجن، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن. # ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة: # مرة على العبادة بقوله - عز وجل -: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). ms4783 # وشرك في الخلق بقوله - عز وجل -: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم). # وشرك في الحكم بقوله تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا). # وشرك في الملك بقوله: (ولم يكن له شريك في الملك)، فثبت أن الشرك يقع مرة ~~في العبادة، ومرة في الخلق، ومرة في الملك، ومرة في الحكم؛ فهو بقولهم: ~~(ولن نشرك بربنا أحدا) تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة. # ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على ~~المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن الله تعالى أراد من كل كافر الإيمان، فإذا ~~لم يؤمنوا، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم. # ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في ~~الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله تعالى، وإذا نفوا ذلك، فقد جعلوا له ~~في الخلق شركاء، وقد أخبر - عز وجل - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق؛ فثبت أن ~~الأفعال من حيث الخلق # PageV10P243 # والإنشاء من الله تعالى، ومن جهة الكسب والفعل للخلق؛ فمن الوجه الذي ~~تضاف إلى الله تعالى لا يجوز أن تضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا؛ فلا ~~يقع في الخلق تشابه؛ لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه الذي تحقق من ~~الله تعالى؛ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله تعالى، وإلى الخلق، ثم لا يقع ~~في ذلك إشراك؛ لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى لا يتحقق ذلك الوجه ~~في الخلق؛ لأن الإضافة إلى الخلق على جهة المجاز والإضافة إلى الله تعالى ~~على جهة التحقيق؛ فكذلك إضافة الأفعال إلى الله تعالى وإلى الخلق، لا توجب ~~الشرك؛ لاختلاف الجهتين، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا)؛ لأن اتخاذ الصاحبة من ~~الخلق؛ لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات؛ فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، ~~فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة، وبهذا يرد على من زعم أن الملائكة بنات الله ~~تعالى، والبنات يحدثن من الصاحبة، وهو تعالى لم يتخذ ms4784 صاحبة؛ فأنى يكون له ~~بنات. # وقوله - عز وجل -: (ولا ولدا) فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء؛ لإحدى ~~خصال: إما لما يناله من الوحشة؛ فيطلب الولد؛ ليستأنس بهم. # أو يرغب فيهم؛ لما حل به من الضعف، فيريد أن يستنصر بهم. # أو لما يخاف زوال ملكه؛ فيطلب الولد؛ ليأمن من زواله. # وجل الله سبحانه وتعالى عن أن تلحقه وحشة، أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال ~~الملك؛ فإذا كانت الطرق التي بها يرغب في اكتساب الأولاد منقطعة في حقه، ~~لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد؛ ولهذا ما ذكر عندما نسبته الملاحدة إلى اتخاذ ~~الأولاد - غناه بقوله (سبحانه هو الغني)، أي: غني عن كل الوجوه التي تتوجه ~~إلى اتخاذ الأولاد، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4). # فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا براجع إلى الواحد على الإشارة ~~إليه، # PageV10P244 # بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه؛ ألا ترى أنه إذا قيل: " كان ~~يقول مسيئنا كذا، و " كان يقول فاسقنا كذا "، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد ~~على الإشارة؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق؛ فعلى ذلك قوله (وأنه ~~كان يقول سفيهنا) وليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ~~ذلك. # ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا ~~من أهل الكفر؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى ~~غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه. # ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة: " وإنا كنا ~~نقول على الله شططا "؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك ~~والكفر؛ شكرا بما أنعم الله عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان، لا أن ~~يضيفوا ذلك إلى سفهائهم؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين. # والشطط: الجور. # وقال بعضهم: هو الكذب. # وقال بعضهم: الظلم. # والشطط هاهنا الجور، والجور ما أتوا به من القول الفاحش، وهو الشرك بالله ~~تعالى، وهذا يبين أن ms4785 الجور قبيح في كل الألسن وفيما بين أهل الأديان؛ ألا ~~ترى كيف سفهوا من يقول على الله تعالى بالجور. # وقوله - عز وجل -: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5). # ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله تعالى صاحبة وولدا؛ بما ~~سمعوا الجن والإنس يقولون ذلك، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون؛ فذلك المعنى ~~هو الذي حملهم على القول بأن لله تعالى ولدا وصاحبة؛ فلما ظهر عندهم كذب من ~~يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرءوا عمن يقول ذلك؛ فثبت بهذا أنهم كانوا أهل ~~شرك إلى ذلك الوقت؛ فلما استمعوا إلى قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولاحت لهم الحجج، وارتفعت عنهم الشبه، # PageV10P245 # آمنوا به، وتبرءوا عن مقالتهم المتقدمة. # وقد يحتمل غير ما ذكره عنهم أبو بكر من التأويل، وهو أن القوم كانوا ~~أنشئوا على الهدى والإيمان؛ فكانوا يظنون أن الجن والإنس على الهدى، وأنهم ~~لا يكذبون على الله تعالى حتى ظهر عندهم كذب الإنس والجن، بقولهم: إن لله ~~ولدا وصاحبة. # وجائز أن يكون معناه: إنا كنا نظن ألا تسخو نفس أحد من الممتحنين بالكذب ~~على الله تعالى بما أراهم الله تعالى قبح الكذب، وقرر عندهم بالحجج والأدلة ~~تنزيهه عن اتخاذ الأولاد والصاحبة؛ حتى ظهر عندهم ذلك بما أظهروه بألسنتهم. # ثم الذي يدل على أن التأويل الذي ذكره أبو بكر ليس بمحكم: أنه قد كان في ~~الجن والإنس مصدق يصف الله تعالى بالتنزيه، وقد كان فيهم من يقول بالولد ~~والصاحبة؛ ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم: (وأنا منا المسلمون ومنا ~~القاسطون)، وإلى قوله: (ومنا دون ذلك)، ولا يحتمل أن يقع عندهم أن الفريقين ~~جميعا على الصواب، ولكن كان في ظنونهم أن القوم جميعا على الهدى على ما هم ~~عليه، فلما تبين عندهم الكذب من أولئك قالوا هذا القول والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا (13). # ذكر أن الإنس، هم قوم من العرب كانت إذا نزلت بواد ms4786 استجارت بسيد الوادي، ~~وقالت: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. # ثم اختلف بعد هذا: # فمنهم من ذكر أنهم كانوا يجيرونهم. # ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس من ~~الجن. # وقالوا: الرهق: هو الخوف، والفرق؛ كذلك روي عن أبي رءوف. # ومنهم من يقول: هو الذلة والضعف، فكانوا يزدادون الضعف والذلة والخوف # PageV10P246 # والفرق بامتناعهم عن الإعاذة. # ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم، ولكن مع هذا كانوا يفرقون ~~منهم، ومن كيدهم في الأماكن التي لم يستجيروا فيها إليهم، وفي غير الأوقات ~~التي وقعت فيها الإجارة. # وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا. # وقيل بأن هذا الفعل من الإنس -وهو الاستجارة بهم- شرك؛ لأن الله تعالى هو ~~المجير؛ فكان الحق عليهم أن يستجيروا بالله تعالى؛ ليدفع عنهم مكايد الجن، ~~وألا يروا لأنفسهم ناصرا غير الله تعالى، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى ~~الجن، فقد رأوا غير الله تعالى يقوم عنهم بالذب والنصر؛ فكان ذلك منهم ~~شركا. # ولأن الجن أضعف من الإنس؛ ألا ترى أنها تختفي من الإنس وتتصور بغير ~~صورتها؛ فرقا؛ لئلا يشعر بها الإنس، وبلغ في ضعفها: أنها لا تقدر على إتلاف ~~أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم، ولا إفساد طعامهم وشرابهم، ~~واستنصار القوي بالضعيف أداة الذلة؛ فيخرج تأويل من قال بأن الرهق هو الذلة ~~والضعف على هذا. # ومنهم من يقول بأن الإنس هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقال: الرهق: ~~التجبر، والتكبر. # وقيل: هو السفه والجهل. # وقيل: هي المآثم. # وقال القتبي: هو العبث والظلم؛ يقال: فلان مرهق في دينه؛ إذا كان مفسدا. # ووجه زيادة الرهق: هو أن الرؤساء من الجن كانوا يرون لأنفسهم الفضل على ~~أتباعهم من الجن وعلى الإنس جميعا بما رأوا من افتقار الإنس إليهم حتى ~~احتاجوا إلى الاستعاذة بهم؛ فكان يتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا ~~وتعظما؛ فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل، وكذلك أكابر الكفرة من ~~الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة لرسول ms4787 الله - صلى الله عليه وسلم - بما ~~يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: # PageV10P247 # (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها. . .) الآية. # فمن زعم أن الرهق: هو الإثم، أو السفه، أو الجور والظلم، أو العبث - يرجع ~~كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا؛ لأن سفههم هو الذي كان يحملهم على التجبر ~~والتكبر؛ لأنه كان لا يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل ~~السفيه منقبة ما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة ~~الله تعالى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7). # فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن الله تعالى بالبعث؛ لما لم يشاهدوا ~~البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم؛ فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى ~~هذا، لا أن يكونوا أرادوا به خروج البعث عن حد الحكمة؛ لأنهم لو أرادوا به ~~نفي البعث، لكانوا يقتصرون على قولهم: (أن لن يبعث الله)؛ فلما وصلوا به ~~الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله: (أحدا)، دل أنهم نفوا القدرة. # وجائز أن يكونوا ظنوا أن لا بعث؛ لأنه أمر خارج من الحكمة؛ إذ ليس من ~~الحكمة أن يهلك ثم يعاد، بل إذا أريد الإبقاء لن يفنى؛ حتى لا يحوج إلى ~~الإعادة. # ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن؛ بل الله تعالى أخبر أن الجن ظنت أن لا ~~بعث كما ظننتم أنتم. # وقوله - عز وجل -: (ظننتم) في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة، مسلمهم ~~وكافرهم، ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك، بل قد أيقنوا بالبعث، ~~ولكن معناه: أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها ~~الإنس. # ثم في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون: لا بعث بالظن، ليس بالعلم، ~~والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف ~~بطبعه أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب إلى النظر في حجج البعث وترك ~~الاعتماد على الظنون. # ثم ذكر النحويون أن ما كان ms4788 ابتداؤه بالكسر في هذه السورة - أعني: حرف " ~~إن "، فهو # PageV10P248 # حكاية عن الجن؛ نحو قوله: (فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا)، وما كان فيه من ~~الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب؛ فاختاروا النصب في قوله - عز وجل ~~- (وأنهم ظنوا كما ظننتم)؛ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ~~(8). # جائز أن يكون لمسهم السماء: ليجدوا أبوابها؛ فيدخلوا فيها للاستماع؛ إذ ~~أخبارها ليست في جملة آفاق السماء، ولا أبوابها محيطة بجملة السماء، فكانوا ~~يلمسونها؛ ليظفروا بأبوابها فيدخلوا فيها. # وجائز أن يكون أريد من لمس السماء: لمس أبوابها؛ فكانوا يلمسون أبوابها؛ ~~ليفتحوها؛ فيدخلوا فيها؛ فيستمعوا إلى الأخبار. # وقوله - عز وجل -: (فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) جائز أن يكون بعض ~~الأبواب ملئت من الحرس، وبعضها من الشهب؛ فإن أتوا إلى الأبواب التي ملئت ~~من الحرس دفعتهم الحرس، وطردتهم، وإن أتوا إلى الأبواب التي فيها الشهب، ~~تبعتهم الشهب؛ كما قال - عز وجل: (ويقذفون من كل جانب. دحورا). # وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا؛ لأن الحرس لم ~~يمتحنوا بالحراسة خاصة؛ بل امتحنوا بها وبغيرها من الأعمال؛ فجائز أن يكون ~~اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم عن الحرس؛ فإذا رأوا استراق السمع في وقت ~~شغلهم، تبعهم الشهاب الثاقب، وقذفهم عن مرادهم. # وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة، ويسمع الجن ~~كلامهم؛ لأن المرء قد يتكلم بكلام فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر، ~~فتكون الشهب تحت الحرس؛ فيقذفون عنها بالشهب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا (9). # قيل: الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة. # الأصل في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن خبر السماء، # PageV10P249 # وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك حتى انقطع أمر الكهنة؛ إذ لا يجوز أن يأتوا ~~بخبر السماء وقت مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان يختلط ms4789 أمر ~~الكهنة بأمره عليه السلام؛ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها؛ ~~حتى انقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك؛ ~~ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي يأتيه من السماء؛ إذ لو كان كهانة ~~كان غيره لا يمنع عن مثله، كما في سالف الزمان؛ فهذه الآية كأنها حكاية عن ~~قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين قالوا هذا كله لقومهم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا (10) فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض، وحبس ~~الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء، ويقذفون من كل جانب، أريد بأهل الأرض ~~الشر، وهو إنزال العذاب عليهم، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم. # وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما ~~يرسل إليهم من الرسول؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة، ~~ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر؛ لأنهم كانوا ~~علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد ~~رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل؛ فلم يدروا أيكذبون ~~الرسول؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة، أو يصدقونه فيرشدوا به؟ وهذا يبين أن ~~العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله ~~للعواقب، وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة؛ إذ من قول ~~المعتزلة: أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين ~~والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن الله تعالى قد يريد الشر بمن يعلم أنه ~~يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل ~~الشر. # * * * # قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ~~ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى ~~آمنا به فمن يؤمن ms4790 بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا ~~القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ~~(15) وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا (18) وأنه لما قام عبد # PageV10P250 # الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19). # وقوله - عز وجل -: (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ... (11). # قال بعضهم: (الصالحون) هم المؤمنون و (دون ذلك) هم الكافرون. # ويشبه أن يكون (الصالحون)، و (دون ذلك) وليس على الإيمان والكفر؛ لأن هذا ~~قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله: (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون)، ولو ~~كان التأويل على ما ذكروا، لكان يقع موقع التكرار؛ ولكن تأويله عندنا: ~~(وأنا منا الصالحون)، أي: منا من عرف بالصلاح والستر، (ومنا دون ذلك) وهم ~~الفسقة؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق ~~المفسد في دينه؛ قال الله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم)، ولو لم يكن منا غير صالح، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله ~~تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، فلو لم يكن منا أهل فسق، لما قال هذا. # وقوله - عز وجل -: (كنا طرائق قددا). # أي: أهواء متفرقة، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون، ~~وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح؛ لأن أهل الأهواء كل يظن في نفسه: أنه ~~هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا ~~يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل؛ ~~وإن كان كذلك، ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد ~~المذاهب؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصالح. # ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء، والقدد: القطع، يقال: قده، أي: قطعه، ~~فمعناه: أنا كنا على مذاهب متفرقة، وأهواء متشتتة، ففي الآية أن في الجن ~~أهواء متفرقة، كما أن ذلك في الإنس، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب ~~والدين الفكر والاجتهاد ليتوصل به إلى الحق، والمجتهد ms4791 قد يصيب الطريق مرة، ~~ويزيغ عنه أخرى؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من ~~زاغ عنه. # ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله ~~الاجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس؛ إذ عن المتشابه يتولد ~~الزيغ؛ لذلك تفرقوا على أهواء متفرقة مختلفة، وأما أسباب الفسق مجتمعة، ~~فتعرف بالمعاينة، فيظهر الأدون والأرفع في الدين. # PageV10P251 # وقوله - عز وجل -: (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ~~(12) ذكر أبو بكر الأصم أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا الله تعالى. # ولكن أكثر أهل التأويل ذكروا أن الظن هاهنا في موضع العلم، ويؤيد تأويلهم ~~قراءة حفصة - رضي الله عنها - فإنها كانت تقرأ: (وأنا علمنا أن لن نعجز ~~الله في الأرض فررة ولن نسبقه هربا). # فقوله: (لن نعجز الله في الأرض) أي: لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز ~~الله بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا. # ويخرج قوله: (فررة) على ذلك، أي: لو فررنا من عذابه، لن نعجزه ألا ~~يعذبنا. # والفرار قد يكون بدون الطلب؛ قال الله - عز وجل -: (ففروا إلى الله إني ~~لكم منه نذير مبين)، ولم يرد به الفرار من الطلب، وأما الهرب فإنه لا يكون ~~إلا عن طلب؛ فكأنهم قالوا: لا يتهيأ لنا الفرار عن عذاب الله تعالى؛ لكثرة ~~الأعوان والأنصار، ولا يعجزه هربنا عن طلب. # أو أن يكون قوله عز وجل: (لن نعجز الله في الأرض) وإن دخلنا تحت تخوم ~~الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر ~~بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب الله تعالى، كما يتهيأ الاحتراز عن ملوك ~~الأرض بالحيل والأسباب. # ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام؛ لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم ~~به من يخاف حلول نقم الله تعالى عليه، والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين ~~يدي ربه، وأما أهل الكفر: فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على ~~النظر في مثل هذا؛ فثبت أن هذه المقالة صدرت ms4792 عن أهل الإسلام، ليس عن أهل ~~الكفر؛ كما ذكره أبو بكر الأصم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا (13). # فالهدى هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق -وهو ~~القرآن- آمنا به؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: (يهدي إلى الحق)، أي: يدعو ~~إليه، وقال الله تعالى في أول السورة: (يهدي إلى الرشد). # ويجوز أن يكون الهدى هو الاهتداء، أي: لما سمعنا ما به اهتدينا. # PageV10P252 # وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به؛ لأنه ~~لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا؛ فلا يكون لقوله: (آمنا ~~به) وقد آمنوا من قبل - معنى، وليس يثبت كفرهم بما ذكر؛ لأنه قد يجوز أن ~~يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق ~~منهم من الإيمان بالجملة؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: (فزادتهم إيمانا)، ~~وقال: (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) أي: زادوا إيمانا؛ بالتفسير على ما سبق ~~منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، ~~وكذلك قال: (اهدنا الصراط المستقيم) وقد هدوا الصراط المستقيم، ولكنهم ~~يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط المستقيم على ~~ما هديتنا في الجملة؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي ~~عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم ~~يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله - عز وجل -، ولا يدل إيمانهم به ~~على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا). # قال - رحمه الله -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف ~~البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا ~~يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في ~~النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما ms4793 يزيد على البخس؛ لأن البخس ~~هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت ~~منهم. # وقال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، والمعتزلة تزعم أنه ~~لو آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائرا. # وقال: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا)، وهم يزعمون أنه لو أزاغ ~~قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم. # ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ~~ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو الله تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا ~~بعدله فنهلك، بل # PageV10P253 # يعاملنا بالإفضال والإنعام. # وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوا لله ~~تعالى، وخلد في النار أبد الآبدين، والله يقول: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها)، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو ~~الإيمان بالله تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان، ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # ثم قوله: (بخسا ولا رهقا) يحتمل وجهين: # أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله ~~تعالى: (فلا يخاف ظلما ولا هضما)، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره. # والثاني: (فلا يخاف بخسا)، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، (ولا رهقا) أي: ~~ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئا. # وقوله - عز وجل -: [(وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ... (14)]. # القاسط: الجائر والمقسط: العادل. # ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار. # وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا. # وعدل فيه: إذا حكم بالعدل. # وقوله - عز وجل -: (فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا): # التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام. # وقوله - عز وجل -: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15). # قال أبو بكر الأصم: دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس؛ لأنه قال ~~في الإنس: (وقودها الناس والحجارة)، فلو لم يكونوا لحما ودما، لم يصيروا ~~لجهنم حطبا. # ولكن هذا لا يدل؛ لأن اللحم من شأنه ms4794 أن يحترق وينضج، ولا يصلح أن يكون ~~وقودا، ولكن الله تعالى باللطف، صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا ~~بما كان # PageV10P254 # لحما، فليس في الآية دلالة ما ذكر. # بل فيها أن الجن قد امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا ~~عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس. # ثم ذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: ليس للجن ثواب، وعليهم ~~العقاب إذا عصوا. # ومعنى قوله: ليس لهم ثواب عندنا، ليس يريد به أن الله تعالى لا يرضى عنهم ~~إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من ~~المآكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود - ليس لهم ~~فيها؛ لأن الوعد من الله تعالى بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ~~ذلك في شيء من القرآن، والذي وعد به الإنس طريقه الإفضال والإنعام، لا أن ~~يكون ذلك حقا للإنس قبله، فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك، لم يجب القول لهم ~~بالموعود. # وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به؛ فلا يجوز أن تكون ~~الحكمة توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا؛ فلذلك وجب القول ~~بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) ~~اختلف فيه: # فمنهم من قال: طريقة الهدى. # ومنهم من قال: طريقة الكفر. # فمن قال: المراد: هو طريقة الهدى، قالوا: إن الطريقة المعروفة المعهودة ~~هي طريق الله تعالى، فعند الإطلاق، تنصرف إليه؛ كالدين متى ذكر مطلقا ينصرف ~~إلى دين الحق،؛ كذلك: السبيل المطلق؛ قال الله تعالى: (اهدنا الصراط ~~المستقيم)، وهو الإسلام. # ثم يخرج هذا على وجوه: # أحدها: ينصرف إلى الكفرة أنهم: (وألو استقاموا على الطريقة)، أي: لو ~~أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى (لأسقيناهم ماء غدقا)، أي: وسعنا عليهم ~~العيش، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة؛ لأن سعة ~~الدنيا كلها تتصل بالماء، والماء أصلها؛ قال الله تعالى: (وفي السماء رزقكم ~~وما توعدون)، فأخبر ms4795 أن رزق الخلق في السماء، والذي ينزل من السماء الماء، ~~وهو المطر، وجعل ذلك رزقا، إذ هو # PageV10P255 # أصل رزق الخلق؛ فكذلك ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة من الوجه الذي ~~ذكرنا. # فإن كان على هذا؛ فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه ~~بالقحط والسنين؛ فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه يرفع عنهم القحط ~~والسنين، ويوسع عليهم في الرزق، وهو كقول نوح وهود وغيرهما، ووعدهم قومهم ~~بإرسال الأمطار، وتكثير الأنزال والأموال والأولاد ونحوه. # ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنهم ~~كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال، وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في ~~الشعاب والأودية؛ لشدة ما حل بهم من الجوع؛ ليصيبوا من عشبها، وعند اشتداد ~~الحال تخاف النفس من إهلاكها والتبديل، فوعدوا السعة في العيش (وألو ~~استقاموا على الطريقة) التي كانوا عليها، أي: داموا عليها ولم يبدلوا الدين ~~بالهوى والحق بالباطل، كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء، مع قلة ~~أنصارهم إن داموا على الإسلام. # ويحتمل ما قال بعضهم: أن تأويل قوله: (وألو استقاموا على الطريقة) أي: لو ~~أسلم أهل الأرض كلهم جميعا، لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم؛ ~~حتى يفتنوا فيها ويمتحنوا بمحن شديدة، فيتحمل البعض منهم فيبقوا مؤمنين، ~~ولا يتحمل البعض فيبغون ويعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ حتى لا يقع ~~الخلف في وعدنا؛ فإن الله تعالى وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ~~ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا، ~~أدى ذلك إلى خلف الوعيد؛ لأنه لا يملؤه إذا داموا على الطريقة ولم يبغوا، ~~وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن الله - تعالى - لم يخلقهم لمنافع ~~تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم: إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساءوا ~~فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة، لكان ~~يسبق إلى الأوهام: أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه. # وهذا من الله تعالى بيان علمه بما لا يكون أن ms4796 لو كان كيف يكون؛ إذ الله ~~تعالى علم الإيمان من البعض، والكفر من البعض؛ للحكمة التي ذكرنا، وغيرها ~~مما يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم بذلك، ثم أخبر أنه لو حكم بأن ~~يستقيم الكل على # PageV10P256 # طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل، بل حكمه أن ~~يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض ~~عليها؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة؛ وهو كقوله تعالى: (لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم)، أي: لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى ~~القتال، لبرز الذين منتهى آجالهم القتل إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون، بيانا ~~منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان؛ فكذا هذا. # وأما من قال: معناه: طريقة الكفر، فهو أن يكون المراد من الاستقامة ~~هاهنا: الإقامة، ولفظة " الإقامة " يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام ~~جميعا، وتكون (الطريقة) هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل ~~الإسلام وهي الكفر، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها، أريد بها طريقة ~~الهدى؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم، وكذلك ذكر أهل ~~التأويل: أن الطريقة هاهنا طريقة الكفر فقوله: (لأسقيناهم ماء غدقا)، أي: ~~وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم؛ ليعلموا جود ربهم؛ حيث بسط عليهم الرزق مع ~~اختيارهم عداوته؛ كما بسط الرزق على أوليائه، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد ~~حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لنفتنهم فيه ... (17) فالفتنة: المحنة التي فيها ~~الشدة، فإن كان هذا في أهل الكفر، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة؛ لأن ذلك ~~يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لما يروا ~~من الفضل على من دونهم في المال والسعة؛ ألا ترى إلى قوله: (وما أرسلنا في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون)، وكذلك قال: ~~(وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها). # وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة؛ ~~وكذلك جميع ما ms4797 امتحنا به فيه شدة، قال الله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة) فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة. # وقوله - عز وجل -: (ومن يعرض عن ذكر ربه): جائز أن يكون: ومن يعرض عن ~~طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن؛ إذ هو ذكر. # والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي: من يختار ذكر غير الله ~~تعالى على ذكره، أو طاعة غيره على طاعته. # وقوله - عز وجل -: (يسلكه عذابا صعدا)، وقال في موضع آخر: (سأرهقه صعودا) # PageV10P257 # فجائز أن يكون الصعد، والصعود على التحقيق؛ كما ذكره أهل التفسير: أنهم ~~يكلفون الصعود على جبل من نار، فلا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا ~~أعلاها يهوون فيها، فيكون ذلك دأبهم. # وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود أشد من الهبوط؛ فيكون الصعود ~~عبارة عن المشقة هاهنا: أنه يستقبله ما يشق عليه. # وقيل: المشقة التي عليهم هي ما يحل بهم من العذاب متتابعا عذابا بعد ~~عذاب. # وقال القتبي: الصعود: المشقة، يقال: صعد علي هذا الأمر: يشق علي. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة ~~النكاح "، أي: ما يشق علي، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18): # أي: ما يسجد فيه، وما يسجد به، فما يسجد فيه هو البقاع، وما يسجد به هو ~~الجوارح؛ فكأنه يقول بأن البقاع التي يسجد فيها والأعضاء التي يسجد بها لله ~~تعالى؛ لأنه هو الذي خلقها وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة ~~الله تعالى، وليدعى فيها فلا يشركوا غيره في العبادة والدعاء. # وقال بعضهم: أراد بالمساجد المسجد الحرام؛ روي ذلك عن الضحاك وغيره؛ ~~فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام؛ لأن هذه السورة مكية ولم يكن في ~~غيرها من البقاع مساجد. # وقال بعضهم: المساجد هاهنا البيع والكنائس؛ لأن البيع والكنائس بنيت؛ ~~ليعبد الله تعالى فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير الله تعالى، فيخرج هذا ~~مخرج الاحتجاج أنكم قد علمتم ms4798 أن المساجد بنيت لتعبدوا الله فيها فلا تعبدوا ~~فيها غيره، وإذا كان الله منشئها وخالقها دون غيره، فكيف تشركون معه غيره ~~في العبادة والدعاء وليس هو بمنشئ لها؟ وقوله - عز وجل -: (فلا تدعوا مع ~~الله أحدا). # جائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه: ألا تدعوا مع الله أحدا؛ لأن ~~الإله اسم المعبود، وكان القوم إذا عبدوا شيئا سموه: إلها؛ فيقول: لا تدعوا ~~مع الله أحدا إلها؛ # PageV10P258 # فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة من كل أحد. # وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: " ~~الدعاء مخ العبادة "، وقال تعالى: (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)؛ فجعل دعاءهم إياه عبادة منهم له؛ فيكون قوله: ~~(فلا تدعوا مع الله أحدا)، أي: لا تشركوا غيره معه في العبادة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ~~(19): # منهم من يقول: إنهم (كادوا يكونون عليه لبدا)، على جهة الرغبة فيه ~~والموالاة له؛ فقوله (كادوا يكونون عليه لبدا)، أي: كاد يلتصق بعضهم إلى ~~بعض مثل اللبد ليتصلوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو (كادوا يكونون ~~عليه)، أي: على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كادوا يلتصقون برسول ~~الله؛ حبا لما سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو حرصا على حفظ ~~ما سمعوا أو تعجبا مما سمعوا؛ فكانوا يحرصون على حفظ ما سمعوا؛ لأنهم كانوا ~~من منذري الجن؛ فحرصوا على حفظه ووعيه؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ ~~وتعجبوا مما سمعوا؛ لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوا ~~من الأمي الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب؛ فتعجبوا منه أشد التعجب. # والتلبد: التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه عن بعض، وسمي اللبد: ~~لبدا من هذا؛ لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض حتى لا يميز. # ومنهم من زعم أنهم فعلوا هذا؛ لشدة معاداتهم لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة؛ الإنس منهم والجن، ms4799 فيخبر أنهم ~~اجتمعوا وتظاهروا؛ ليطفئوا نور الله، فأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره، فإن ~~كان منصرفا إلى الكفرة، فقوله: (لما قام عبد الله # PageV10P259 # يدعوه) معناه: أي: لما قام محمد - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله ~~ويوحده، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - هم المشركون من الإنس والجن، ~~وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه؛ فأبى الله تعالى إلا أن ينصره ويمضيه. # وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة؛ فكأنه ~~يقول: لما قام بعبادة الله تعالى وهي الصلاة، كادوا يكونون عليه لبدا؛ لشدة ~~حرصهم في تحفظ ما سمعوا، وشدة حبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولما سمعوا. # * * * # قوله تعالى: (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ~~ضرا ولا رشدا. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) ~~إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ~~(24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا (28). # وقوله - عز وجل -: (إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا)، فيه إخبار عن دينه: ~~أن دينه التوحيد، لا الإشراك بالله تعالى، وإخبار عما يدعو الخلق إليه، ~~وذلك توحيد الله تعالى والقيام بطاعته. # وجائز أن يكون هذا على أثر سؤال منهم، ودعوتهم إلى عبادة الأصنام؛ على ما ~~ذكر في الأخبار أنهم قالوا: إنا نعبد إلهك يوما، وتعبد آلهتنا يوما، وهو ~~كقوله - عز وجل -: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ~~(41) تدعونني لأكفر بالله. . .) الآية. # وجائز أن يكون كلاما مبتدأ يؤيسهم، ويقنطهم، ويقطع طمعهم عن عوده إلى ما ~~هم عليه. # وقوله - عز وجل -: (قل إني لا ms4800 أملك لكم ضرا ولا رشدا (21). # أي: ضرا في الدين، ورشدا في الدين، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر ~~إلى مقابلها، فيظهر مرادها بما يقابلها؛ قال الله تعالى: (وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون)، والقاسط: الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم ~~صرف الجور إلى # PageV10P260 # الكفر؛ فظهر مراده بمقابله، وهو قوله (وأنا منا المسلمون). # والضر قد يكون في الدين والمال والنفس، ولكنه لما ذكر قوله: (رشدا)، ~~والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله: (ضرا) راجع إليه أيضا، فكأنه يقول: ~~لا أملك إضلالكم، ولا رشدكم؛ إنما ذلك إلى الله تعالى، يضل من يشاء، ويهدي ~~من يشاء. # والمعتزلة تزعم أن الله تعالى لا يملك رشد أحد ولا غيه، بل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أكثر ملكا منه؛ لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى ~~بنفسه، والله تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله. # وقال - عز وجل -: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)، وقال: (إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، ولو كان المراد من الهداية ~~المضافة إلى الله تعالى الدعوة والبيان، لكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يهديهم؛ لأنه داع ومبين؛ فثبت أن في الهداية من الله تعالى لطفا لا ~~يبلغه تدبير البشر. # وقوله - عز وجل -: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ~~(22). # فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قوم، أو كتمان شيء ما أمر ~~بإظهاره، أو محاباة أحد من الأجلة، فأمر أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من ~~الله تعالى، ولا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك، سوى أن يبلغ رسالات ربه؛ ~~فيجيره من عذابه؛ ويكون له عنده ملجأ؛ إن فعل. # وقوله - عز وجل -: (إلا بلاغا من الله ورسالاته ... (23). # فمنهم من جعل قوله: (إلا بلاغا من الله ورسالاته) استثناء من قوله: قل ~~إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله أي: إني لا أملك لكم ~~هدايتكم ولا إضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة. # ومنهم من ms4801 جعل هذا استثناء من قوله: (قل إني لن يجيرني من الله أحد) إن ~~عدلت عن أمره، ولم أبلغ الرسالة؛ فلا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة؛ ~~قال الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته)، وقال: # PageV10P261 # (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم). # ولأنه لا يجوز أن تقع له الحاجة إلى الإجارة من عذاب الله تعالى، ولم ~~يوجد منه تقصير ولا تضييع يستوجب به العقاب؛ فلا بد من أن يمكن فيه ما ~~ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عما كلف؛ حتى يستقيم ذكر الإجارة فيه. # وذكر أبو معاذ -صاحب التفسير-: أن الاستثناء راجع إلى قوله: (قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا)، ليس إلى قوله: (قل إني لن يجيرني من الله أحد)، ~~واستدل على ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: ~~(قل إني لا أملك لكم غيا ولا رشدا إلا بلاغا من الله)، وليس فيما ذكرنا قطع ~~الاستثناء على قوله: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله؛ ~~للوجه الذي ذكرنا. # ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله: (قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد)؛ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطأ بما ذكره أبو معاذ، ~~وما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد. # وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحدا؛ فيكون قوله الذي يبلغ بلاغا من ~~الله ورسالاته، ويكون ذلك على التكرار؛ وهو كقول (ويعلمه الكتاب والحكمة)، ~~قيل: إنهما واحد. # وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من ~~الحكمة والمعاني؛ وكذلك قيل في قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة): إن ~~الكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة: ما تضمن فيه من المعاني. # وجائز أن يكون البلاغ من الله تعالى منصرفا إلى حكمه، ورسالاته إلى غيره. # أو تكون رسالاته حكمه، والبلاغ خبره؛ وهو كقوله تعالى: (وتمت كلمت ربك ~~صدقا وعدلا): صدقا أخباره، وعدلا أحكامه، أو ms4802 إبلاغا من الله حق الله عليهم ~~ورسالاته بما به مصالحهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولن أجد من دونه ملتحدا) قالوا: لا ملجأ وممالا، أي: ~~موضعا يمال إليه، والالتحاد الإمالة، سمي اللحد: لحدا من هذا؛ لأنه يمال عن ~~سننه. # PageV10P262 # وقوله - عز وجل -: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا)، وقال في موضع آخر (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة)، وقال: (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)، وكل من ارتكب ~~المآثم، فقد دخل في حد العصيان وإيذاء الرسول، ولكن المراد هاهنا من يعتقد ~~عصيان الرسول وأذاه؛ لأن الله تعالى أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد ~~يقصد قصد أذى الله تعالى، والله - عز وجل - لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول ~~وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه؛ فجعل عصيانهم وأذاهم ~~لرسوله أذى منهم لله تعالى وعصيانا له؛ فثبت أن هذا في الاعتقاد، وقال - عز ~~وجل -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم)، فجعل طاعة الرسول طاعة له، وعصيان رسوله عصيانا ~~له. # ولأنه ذكر العصيان على أثر تبليغ الرسالة؛ فثبت أن العصيان هاهنا في ترك ~~القبول لما أنزل على الرسول، وفي اعتقاد العصيان له. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: من آمن بالله تعالى، ولم يؤمن ~~برسوله، فهو ليس بمؤمن؛ لأن جهله بالله تعالى هو الذي حمله على تكذيب ~~الرسول؛ لأن الرسول ليس يدعوه إلا إلى ما يقربه إلى الله تعالى، وإلى ما ~~ينجيه من عذابه؛ فلو كان يحب الله تعالى، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب ~~الرسول، وإلى طاعته؛ فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله ~~تعالى. # وقوله - عز وجل -: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل ~~عددا (24)، وقال في موضع آخر: (فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا). # ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا، ويكون ذلك راجعا إلى يوم ms4803 ~~بدر، كما ذكره أهل التأويل؛ إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم شر مكانا، وأضعف ~~جندا، وأضعف ناصرا. # ويشبه أن يكون هذا في الآخرة؛ فإنهم يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة؛ لأن ~~كل واحد منهم يتبرأ عن صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا، ويصير عدوا له؛ فيقل ~~عددهم، # PageV10P263 # وأما في يوم بدر، فقد كانوا أكثر عددا من المسلمين؛ فلم يتبين لهم أنهم ~~أقل في العدد. # ويجوز أن يوم بدر يكون المسلمون أكثر عددا؛ لأن الله تعالى أمد المسلمين ~~بملائكته؛ فصار عددهم أكثر في التحقيق، وإن كانت الكفرة في رأي العين أكثر ~~منهم عددا. # ثم يشبه أن تكون هذه الآية نزلت على أثر تخويف الكفرة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بكثرة عددهم وقوتهم في أنفسهم، وقلة عدد المسلمين، فوعد ~~الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالنصر وكثرة العدد عند وقوع ~~الحاجة إليها، وبالله التوفيق. # وقوله - عز وجل -: (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ~~(25): # فهذا ذكره عند ذكر الوعيد، وهو قوله: (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل ~~عددا)، فكأنهم سألوه: متى وقت هذا الوعيد؟ فأمر أن يقول: (قل إن أدري أقريب ~~ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا). # قد ذكرنا فيما تقدم من الآيات: أن ليس في بيان وقت الوعيد فضل يقع في ~~الوعيد؛ بل إذا لم يبين وقت الوعيد، كان فيه فضل تخويف وتحذير لا يوجد فيما ~~يبين؛ لأنه إذا بين، فإن كان فيه أمد سوف الناس وأخروا التوبة؛ لما أمنوا ~~حلول النقمة بهم إلى مجيء ذلك اليوم، وإذا لم يمهلوا صاروا إلى الإياس؛ ~~فيرتفع الخوف والرجاء، وفيه ارتفاع المحنة؛ لأن المحنة في الأصل بالعمل على ~~الرجاء والخوف. # ولأنه إذا لم يبين، كانوا على الحذر والخوف؛ فيحملهم ذلك على التسارع في ~~الخيرات والإقلاع عن المساوئ؛ فأمر أن يقول هذا، وإلا فالذي أمره بأن يقول ~~هذا عالم بالوقت الذي يقع فيه الوعيد. # وقوله عز وجل: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من ~~رسول) ms4804 الأصل فيما غيب الله تعالى عن الخلق أنه على منازل ثلاثة: # أحدها: ما قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة، نحو الكيانات ~~التي هي أصول الأشياء، لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي به صلح أن يكون ~~كيانا، لم يقف عليه، ونحو الماء جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف ~~المعنى الذي به صلح أن يجعل حياة، لم يقف عليه، وكذلك هذا في كل ما جعل ~~كيانا موجودا. # PageV10P264 # والثاني: ما أمكن الخلق معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر، بدون معرفة ~~السمع والأثر، نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته. # والثالث: هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر ~~يرد، بقوله: (فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول) في هذا، وهو ~~الذي مكنوا منه، لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر، وذلك نحو الأشياء التي ~~ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية فيما ظهر بين الخلق، ~~ولكنها لا تعرف إلا بالسماع، ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث ~~لا يحتمل إدراكه بالنظر؛ فبين أن ذلك بالرسول، ومتى وجد ذلك من شخص مشار ~~إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة. # ثم ذكر بعضهم: أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك؛ لأن فيهم ~~من يصدق خبره، ويعرف المطالع، والمغارب، والمشارق، والكواكب التي بها ~~يتوالد الخلق، والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يقف على علمه ~~بالتأمل والتدبر. # وكذلك المتطبعة: منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح ~~لكذا، فيقع به المصالح للخلق، ومعلوم أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل ~~والنظر؛ فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في ~~الخلق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إلا من ارتضى من رسول)، أي: اختاره واصطفاه، والأصل ~~أن الرسالة تلزم الخلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم؛ ~~لقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، وبالإصابة في كل ms4805 ~~أمر فيما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر؛ فهو لا يختصه للرسالة، وفي الاختصاص ~~نعمة عظيمة على الخلق؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما يبلغهم إليه الحاجة في ~~أمر معاشهم ومعادهم ودينهم ودنياهم. # وقوله - عز وجل -: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27). # قيل: رصدا من بين يدي الرسول، ومن خلفه من الملائكة؛ ليمنع الإنس عن ~~الرسل في منعهم الرسل عن التبليغ؛ حتى يبلغوا، ذكر هذا عن الحسن البصري ~~رحمه الله. # PageV10P265 # وكذلك قال في قوله: (إن ربك أحاط بالناس): إن إحاطته هي أن يعصمه من ~~الناس من أن يصل إليه منع الناس إياه عن تبليغ الرسالة. # ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا عن الجن عن استراق ما يوحى إلى ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن تلقيه؛ حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ ~~إلى الخلق، ويشتهر ذلك فيما بين الخلق أن الرسول هو الذي قام بتبليغه إلى ~~الخلق؛ لأنهم إذا لم يجعلوا رصدا؛ أمكن الجن أن يسترقوه ويبلغوه؛ فيأتوا ~~بلدة لم ينتشر عندهم علم ذلك من جهة الرسول؛ فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل ~~أن يبلغهم الرسول، فإذا بلغ الرسول من بعد، التبس الأمر على الذين ظهر فيهم ~~العلم من جهة الجن؛ فجعل عليهم رصدا؛ حتى ينتشر علم ذلك من جهة الرسول؛ ~~فترتفع الشبه. # أو يكون الرصد لمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يبلغوا قومهم من الجن؛ حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: (من بين يديه ومن خلفه رصدا): إن الملائكة كانوا يرصدون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا جاءه الملك، قالوا: هذا وحي من الله ~~تعالى، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به. # ولكن هذا بعيد؛ لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبريل عليه ~~السلام. # وقال بعضهم: (من بين يديه ومن خلفه رصدا): من بين يدي من يبلغ الرسالة ~~إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل بين يديه ومن خلفه ملائكة ~~يرصدونه؛ كي لا ms4806 يستلب الشيطان عنه، ويحدث فيه حدثا من التغيير والتبديل؛ ~~ليعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما يبلغ إليه رسالات ربه. # وهذا بعيد أيضا؛ لأن للمبلغ من القوة ما يدفع أذى الجن عن نفسه، وهو أمين ~~لا يخاف منه التغيير والتبديل حتى يجعل عليه الرصد؛ فيؤمن من تبديله؛ ألا ~~ترى إلى قوله - عز وجل -: (ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين)، فوصفه ~~الله تعالى بالقوة والأمانة جميعا. # لكنه جائز أن يكون المبلغ ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد امتحنوا ~~بأمور أخر، # PageV10P266 # لا أن جعلوا رصدا من الجن. # وجائز أن يكونوا أرسلوا معه؛ لمكان تعظيم الوحي، وتشريف الرسالة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم ~~وأحصى كل شيء عددا (28). # قال قائلون: ليعلم محمد بالرصد: أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على ~~الوجه الذي أمروا كما بلغ هو. # والثاني: أن يعلم كل في نفسه: أن قد أبلغ رسالات ربه. # أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ محمد - عليه السلام - رسالات ربه على الوجه ~~الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان، ولا جني، ولا عدو. # وقوله - عز وجل -: (وأحاط بما لديهم). # أي: بما عند الرسل، أو بما عند الملائكة، أو بما عند الخلق. # وقوله - عز وجل -: (وأحصى كل شيء عددا) أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، ~~لا بالعد، وهو كقوله: (وأنبتنا فيها من كل شيء موزون)، أي: ما يوزن عند ~~الخلق. # أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا ~~على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عز وجل -: (يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين. وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ~~وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، فبين أن النصر من عنده، وأن ~~الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم. # (وأحصى كل شيء عددا)، أي: كل شيء عنده معدود ومحصى، لا يغفل - جل جلاله - ~~عن معرفة ms4807 عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه ~~أمر الخلق، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. # * * * # PageV10P267 ### | سورة المزمل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى (يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه ~~قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ~~(5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا ~~(7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو ~~فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني ~~والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) ~~وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال ~~كثيبا مهيلا (14). # قوله - عز وجل -: (يا أيها المزمل). # المزمل والمدثر يقتضيان معنى واحدا، على ما نذكر في سورة المدثر. # وقوله - عز وجل -: (قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه). # جائز أن يكون هذا الأمر كله منصرفا إلى وقت واحد، فإذا صرفته إلى وقت ~~واحد، فإما أن يكون قوله - عز وجل -: (إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه ~~قليلا (3) أو زد عليه) منصرفا إلى قوله: (قم الليل)، أو إلى قوله: (إلا ~~قليلا)، فإن صرفت النقصان إلى قوله: (إلا قليلا)، زدت في الأمر بالقيام، ~~وإن صرفت النقصان إلى قوله: (قم الليل)، فقد زدت في قوله: (نصفه أو انقص ~~منه قليلا)؛ فإلى أيهما صرف، اقتضى الزيادة في أحدهما، والنقصان في الآخر؛ ~~فيتفق معناهما، وهذا نظير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة)؛ فمنهم من جعل الكلالة اسما للميت الموروث عنه، ومنهم من أوقع هذا ~~الاسم على الحي الذي يرث الميت، وأيهما كان فهو يقتضي معنى واحدا؛ لأن ~~منزلة الحي من مورثه ومنزلة المورث من الحي واحدة، لا تختلف. # وجائز أن يكون هذا على اختلاف الأوقات، على ما ذكره أهل التفسير؛ فيكون ~~قوله: (قم الليل إلا قليلا) أمرا بإحياء أكثر الليل، ثم يكون في قوله: (أو ~~انقص ms4808 منه قليلا) تخفيف الأمر عليه؛ فيكون فيه أن له أن ينقص عن الأكثر. # وقوله: (أو زد عليه)، أي: على المقدار الذي أبيح له الانتقاص، وإذا ارتفع # PageV10P268 # الانتقاص عاد الأمر إلى ما كان مأمورا به في الابتداء. # ثم القليل ليس باسم لأعين الأشياء؛ ولكنه من الأسماء المضافة، فإذا قيل ~~اقتضى ذكره تثبيت ما هو أكثر منه حتى يصير هذا قليلا إذا قوبل بما هو أكثر ~~منه؛ فلذلك قالوا بأن قوله (قم الليل إلا قليلا)، يقتضي أمر القيام أكثر ~~الليل؛ ولهذا قال أصحابنا فيمن أقر أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا: إنه ~~يلزمه أكثر من نصف الألف؛ لأنه استثنى القليل؛ فلا بد من أن يكون المستثنى ~~منه أكثر من المستثنى حتى يكون المستثنى قليلا، كما استثنى، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ورتل القرآن ترتيلا (4): # الترتيل، هو التبيين في اللغة، أي: بينه تبيينا. # وقيل: اقرأه حرفا حرفا على التقطيع؛ لما ذكر أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقطع القراءة، ولكن جائز أن يكون على قراءة التقطيع؛ لأن ~~التبيين كان في تقطيعه؛ وإنما أمر بالتبيين لأن القرآن لم ينزل لمجرد ~~قراءته فقط، لكنه لمعان ثلاثة: # أحدها: أن يقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة؛ لئلا يذهب، ولا ينسى. # والثاني: أن يقرأ؛ لتذكر ما فيه، وفهم ما أودع من الأحكام، وما لله عليهم ~~من الحقوق، وما لبعضهم على بعض. # والثالث: يقرأ؛ ليعمل بما فيه، ويتعظ بمواعظه، ويجعلونه إماما يتبعون ~~أمره، وينتهون عما نهى عنه؛ فنفذ قراءته في الصلاة يلزمنا هذا كله، ولا ~~ندرك ذلك إلا بالتأمل، وذلك عند قراءته على الترتيل، وهذا الذي ذكرناه يوجب ~~اختيار من يرى الوقوف في القرآن؛ لأن ذلك يدل على المعنى وأقرب إلى ~~الإفهام. # وفيه دلالة أن المستحب فيه ترك الإدغام، وترك الهمز الفاحش؛ لأن ذلك أبلغ ~~في # PageV10P269 # التبيين، والأصل أن السامع للقرآن مأمور بالاستماع إليه، وإذا لزمه ~~الاستماع، وفي الاستماع الوقوف على حسن نظمه وعجيب حكمته، والوقوف على ~~معانيه؛ فلزم القارئ تبيينه؛ ليصل السامع إلى معرفة معانيه، ms4809 ويقف على حسن ~~نظمه، وعجيب تأليفه، وذلك يكون أقرب في إفهام السامع والقارئ؛ لما فيه من ~~لطائف المعاني. # ثم الترتيل منصرف إلى القراءة، وسمى القراءة: قرآنا على جهة المصدر؛ إذ ~~ما هو كلام الله تعالى لا يوصف بالترتيل، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) ولم يقل: ثقيلا على ~~من؟ فجائز أن يكون الثقل راجعا إلى الكفرة والمنافقين، ويكون الثقيل الأمر ~~بالجهاد؛ لأنه اشتد على الفريقين جميعا، وأيس الكفار من المسلمين أن يعودوا ~~إلى ملتهم؛ قال الله تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم)، وتخلف ~~المنافقون عن القتال مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثقل ذلك عليهم، ~~فجائز أن يكون قوله (ثقيلا)؛ أي: على الكفرة والمنافقين، وكذا على أهل ~~الكبائر ثقيل أيضا؛ لأنهم لم يتمنوا أن ينزل عليهم الكتاب، وأما على ~~المسلمين فليس بثقيل بل هو كما قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر). # وجائز أن يصرف ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أمر ~~بتبليغ الرسالة إلى الفراعنة وإلى الخلق كافة، وفي القيام بالتبليغ إلى ~~الفراعنة مخاطرة بالروح والجسد، والقيام بما فيه مخاطرة بالروح والجسد أمر ~~ثقيل صعب جدا. # أو يكون ذلك منصرفا إلى قيام الليل؛ فيكون معنى: (قولا ثقيلا): أي الوفاء ~~بما يوجبه ذلك القول. # وجائز أن يكون هذا منصرفا إلى اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنصاره؛ فيكون ثقله من الوجه الذي كلفوا القيام بفرائضه، وحفظ حدوده، ~~وتحليل حلاله، واجتناب حرامه. # وزعمت الباطنية أن القول الثقيل هو أن كلف الناطق - وهو الرسول عليه ~~السلام - بتفويض الأمر إلى الأساس، وهو الباب، وذلك الأساس والباب هو علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه - عندهم، وهم يسمون الرسول - عليه السلام -: ~~ناطقا، ويقولون بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مأمورا بتبليغ ~~التنزيل إلى الخلق؛ فلما بلغ التنزيل إليهم، # PageV10P270 # واستغنوا عنه، احتاجوا إلى من يعلمهم التأويل؛ فأمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأن يسند أمر التأويل إلى علي بن أبي طالب - رضي الله ms4810 عنه - ~~ليكون هو الذي يتولى تعليم الخلق تأويله؛ فذلك هو القول الثقيل؛ إذ أمر أن ~~يستند إلى غيره؛ فاشتد عليه إذ صار غيره ولي الأمر، وبقي هو ساكنا لا ينطق. # فيقال لهم: إن في الأمر بإسناد الأمر إلى من ذكر تخفيف الأمر على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بزعمكم؛ لأن من مذهبكم: أنه إذا فوض الأمر إلى ~~علي - رضي الله عنه - قبض هو - عليه السلام - وصورة القبض عندكم: أن يميز ~~الصورة الروحانية النورانية من الصورة الجسدانية التي كانت محتبسة في ~~الصورة الجسدانية، ثم تتلف الصورة الجسدانية، وتبعث الصورة الروحانية ~~النورانية إلى دار الكرامة والحبور والخلاص من الحبس - لم يشتد ذلك عليه، ~~ولم يثقل؛ بل كان فيه ما يرغبه إلى التفويض، ويدعوه إليه. # ومن مذهب الباطنية: أنهم لا يعلمون أحدا مذهبهم إلا بعد أن يحلفوه ~~بالأيمان المغلظة بألا يخبر به أحدا؛ إشفاقا على أنفسهم، ولو كان الأمر على ~~ما قدروا أن التلف يرد على الصورة الجسدانية التي هي سبب لحبس الصورة أن ~~روحانية، وإذا تلفت ردت الروحانية إلى دار فيها كل أنواع السرور - فما الذي ~~يحوجهم إلى الاستحلاف، وما بالهم يشفقون على أنفسهم، وليس في إتلاف أنفسهم ~~إلا الخلاص من الحبس، والوصول إلى الكرامات، ومن هذا وصفه حق عليه الموت؛ ~~ليعلموا أنهم يعاملون الخلق على خلاف ما يوجبه اعتقادهم، ولو كان ما ~~اعتقدوا حقا، لما استجازوا مخالفته، ولكن الذي دعاهم إلى ما ذكرنا تسويل ~~الشيطان وتزيينه في قلوبهم، وما مثلهم إلا مثل اليهود، الذين ادعوا أن ~~الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس؛ فقيل لهم: (فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين)؛ لأنكم لا تصلون إلى الآخرة إلا بالموت، فإن كنتم محقين في دعواكم ~~فتمنوا الموت؛ لتصلوا إليها؛ فكان في امتناعهم عن التمني ما يظهر كذبهم، ~~ويبطل مقالتهم، ويبين تمويههم؛ فكذلك في إشفاق هؤلاء على أنفسهم من الهلاك ~~إظهار وإنباء أنهم قصدوا به قصد التمويه على الضعفة؛ ليصلوا إلى المأكلة # PageV10P271 # ويتوسعوا به في أمر دنياهم من غير حجة لهم في ذلك. # وبهذا ms4811 الفصل الذي ذكرنا يحتج على الثنوية؛ فإن من مذهبهم تحريم القتل ~~والذبح، وأحق من يرى القتل والذبح مباحين هم؛ لأن من مذهبهم: أن العالم ~~إنما هو بامتزاج النور والظلمة، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب ~~بجزء من أجزاء الظلمة، وكانا متباينين، فغلبت الظلمة على النور، فامتزجت ~~به؛ فصارت الظلمة حابسة للنور، ومعلوم أن في القتل تخليص أجزاء النوراني من ~~حبس الظلمات؛ لأن في القتل إزالة السمع والبصر والعقل، ومعلوم أن السمع ~~والبصر في هذه الأشياء، إذ بها رؤية الأنوار، فإذا امتازت هذه الأشياء من ~~الجسد، وبقي الجسد الظلماني لا يبصر شيئا، فقد وصل جوهر النور إلى غرضه ~~ومقصوده بالقتل، وصار إلى مقره، فإذا كان القتل يوصله إلى غرضه ويخلصه عن ~~وثاق الظلمة وحبسه، فقد أحسن القاتل إليه بالقتل والذبح؛ فلا يجيء أن يجرم ~~القتل على مذهبهم: بل يجب أن يمدح المرء على ذلك الفعل، ويستصوب ذلك منه. # وقال القتبي: القول الثقيل كلام الله تعالى، وثقله: هو تبجيله وتعظيم ~~حرمته، ليس كلام السفهاء الذي لا يكترث به، ولا يؤبه له. # وقال الزجاج: الثقيل: الوزين، أي: الذي له وزن وقدر في القلوب، الذي يجب ~~أن يعظم ويوقر، ليس بالقول الذي يستصغر. # وجائز أن يكون القول الثقيل هو الحق؛ على ما روي في بعض الأخبار: " إن ~~الحق ثقيل مر، والباطل خفيف وفر ". # وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: " حق لميزان لا يوضع ~~فيه إلا الخير أن يثقل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف "؛ فيكون ~~ثقله العمل بما فيه. # PageV10P272 # وجائز أن يكون القول الثقيل هو تكليف القيام عامة الليل. # وقوله - عز وجل -: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6): # قرئ: (وطاء) و (وطئا)، فمن قرأ: (وطاء) بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي ~~الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي ~~عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك معاني الأشياء، وكذلك ~~السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكا لمعانيه. ms4812 # ومن قرأه: (وطئا)، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن ~~وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ~~ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في ~~الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه. # ولأن المرء بالنهار ليس ينتصب قائما في مكان واحد، فيمكث فيه كذلك؛ بل ~~ينتقل من موضع إلى موضع، ولو كلف الانتصاب في مكان اشتد عليه ذلك، ولحقه ~~الكلال والعناء من ذلك. # ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينتصب قائما يصلي إلى نصف ~~الليل أو أكثر؛ فكان في ذلك محنة شديدة، وكلفة شاقة، والله أعلم. # ثم الأصل أن المرء ينتشر بالنهار؛ لطلب ما يعيش به وليصل إلى ما يتمتع به ~~في أمر دنياه، وينام الليل؛ طلبا للراحة، وإيثارا للتخفيف، وكان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ممنوعا عن اكتساب الأشياء التي يتوصل بها إلى سعة ~~الدنيا إلا القدر الذي يقيم به مهجته، وكذلك منع عن الراحة بالليالي، وأمر ~~بإحياء الليل إلا القدر الذي لا بد منه، والله أعلم. # وجائز أن يكون في الأمر بقيام الليل نوع من الراحة والتخفيف؛ وذلك أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألزم بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، ~~فحمل تبليغها إليهم بالنهار، ورفعت عنه الكلفة بالليل، وأمر بأن يتفرغ ~~لعبادة ربه، وكان الأمر بالتفرغ للعبادة أيسر من الأمر بتبليغ الرسالة؛ لأن ~~في الأمر بالتبليغ أمرا بما فيه المخاطرة بالروح والجسد، وليس في الأمر ~~بالانتصاب قائما أكثر الليل ذلك؛ وإنما فيه إيصال الوجع إلى بعض أعضائه؛ ~~فيكون # PageV10P273 # فيه بعض التخفيف. # فإن قيل على التأويل الأول: كيف خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~باب النكاح؛ حيث أبيح له فضل العدد، ولم يبح لأمته، وفي ذلك زيادة تمتع ~~بشهوات الدنيا؟ # فجوابه أن يقال: بأن المعنى الذي به حظر على غيره الزيادة على الأربع، ~~وقصر الأمر على الأربع هو خوف الجور؛ ألا ترى إلى قوله - عز ms4813 وجل -: ~~(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة)، وإذا كان التحريم للوجه الذي ذكرنا، ارتفع الحظر عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله - عز وجل - عصمه عن الجور، ومكنه من العدل ~~بين نسائه، ثم ليس في إباحة زيادة العدد سوى فضل محنة وكلفة لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لأنه إذا أمر أن يقوم فيما بينهن بالعدل، وأن يبتغي ~~مرضاتهن بحسن العشرة معهن، وإنما يصل المرء إلى الإرضاء بالأموال، ولم ~~يتمتع هو من الدنيا مقدار ما يصل إلى إرضائهن بالأموال، ولم يتهيأ له أن ~~يصيبهن إلا بسعة الأخلاق، وأن يبين لهن لتقر أعينهن ولا يحزن - فثبت أنه ~~ليس في إباحة العدد فضل تمتع، بل فيه زيادة محنة وابتلاء. # وفيه أيضا ما يحقق رسالته، ويثبت نبوته؛ لأن المرء إنما يصل إلى توفير ~~الحقوق الواجبة عليه بالنكاح إذا تناول من فضول الدنيا وطعم لذاتها، وأعطى ~~النفس شهواتها، ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ممنوعا من إعطائه ~~النفس شهواتها، ومع ذلك قام بإيفاء حقوق الأزواج؛ فثبت أنه باللطف من الله ~~تعالى وصل إلى إيفاء حقهن، ليس بأسباب البشرية. # وفي هذه الآية دلالة أن الصلاة تشتمل على الذكر والفعل جميعا؛ لأنه قال: ~~أشد على البدن، وشدته تكون بالفعل، وقال: (وأقوم قيلا)، وذلك يرجع إلى ~~الذكر. # ثم يجوز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكلف تبليغ الرسالة ~~بالليالي؛ لأن أعداءه من الفراعنة وغيرهم كانت همتهم أن يقتلوه ويمكروا به، ~~ولم يكن يتهيأ لهم إيصال الأذى به؛ لمكان أتباعه، والليالي هي أوقات غفلة ~~الأتباع، فلو كلف التبليغ فيها لتمكنوا من إيصال المكر به؛ فوضع عنه ~~التبليغ، وامتحنه بالقيام لعبادة ربه. # وقوله - عز وجل -: (إن ناشئة الليل) قيل: هو من نشأ ينشأ، أي: نما، ~~فسميت: ناشئة؛ لأن الأوقات تحدث، وتترادف. # وجائز أن يكون المراد من ناشئة الليل، أي: ما يوجد من الأحوال في الليل ~~من القيام للصلاة، والاشتغال بعبادة الرب، جل جلاله. # PageV10P274 # وقوله: ms4814 (وأقوم قيلا)، أي: أصوب كلاما، والأقوم: هو المبالغة في الوصف بما ~~أريد بالقيام؛ فإن أريد به الكلام، فحقه أن نصرفه إلى الصدق؛ إذ الأقوم من ~~الأخبار أصدقها، وإن أريد به القيام بقاء ما يقتضيه لك الكلام فمعنى قوله ~~(وأقوم)، أي: أبلغ في وفاء ما يوجبه القول، وإن أريد به القراءة نفسها فهو ~~بالليالي أقوم قراءة. # وقوله - عز وجل -: (إن لك في النهار سبحا طويلا (7): # أي: فراغا وسعة ومنقلبا؛ فالسبح يذكر ويراد به الفراغ، ويذكر ويراد به ~~المشي والتقلب، وهذا الذي قالوه محتمل، ولكن لا يجيء أن يصرف تأويل الآية ~~إلى الفراغ، والتقلب إلى حوائج نفسه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن يتناول من الدنيا إلا قدر ما يقيم به مهجته؛ فلا يحتاج إلى فضل ~~تقلب، ولا إلى كثير فراغ؛ ليتوسع في أمر دنياه. # ولكن حقه أن يصرف قلبه إلى تبليغ الرسالة، ودعاء الخلق إلى توحيد الله ~~تعالى، وإلى ما يحق عليهم؛ فيكون في قوله: (إن لك في النهار سبحا طويلا) ~~ترخيص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن ينصب بالليالي للقيام بين ~~يديه، واجتزأ منه بتبليغ الرسالة بالنهار. # وقوله - عز وجل -: (واذكر اسم ربك ... (8). # أي: اذكر ربك؛ دليله قوله على أثره: (وتبتل إليه تبتيلا)، والتبتل يقع ~~إليه لا إلى اسمه، ثم ذكر المولى - جل جلاله - هو أن ينظر إلى أحوال نفسه، ~~ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال؟ فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة، ~~لا بأن يذكر الله تعالى بلسانه فقط، وهو كقوله: (استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا)، واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا، وينتهوا عما نهوا، لا أن يقولوا ~~بألسنتهم: " نستغفر الله "؛ لأنهم وإن قالوا " نستغفر الله "، لم يقبل ذلك ~~منهم إذا كانوا كفرة؛ فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح؛ ~~فكذلك ذكر الله تعالى يقع بوفاء ما يلزمهم حالة القيام به، وذلك يكون ~~بالأفعال مرة، وبالأقوال ثانيا. # ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ، فأمر بذكر اسم ms4815 ~~الرب لما يحصل له من الفوائد بذكره؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب ~~الخيرات والإقبال على عبادة الرب، ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة، ~~ومنها ما يوقفه على عجائب حكمته، ولطيف تدبيره، وتقرير سلطانه وعظمته في ~~قلبه، ومنها ما يحدث له زيادة علم وبصيره، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال، ~~فإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي # PageV10P275 # منه اشتق تلك الأسماء، فذكر أسمائه يحدث له ما ذكرنا من الفوائد والعلوم. # وقوله - عز وجل -: (وتبتل إليه تبتيلا). # التبتل هو الانقطاع إلى الله تعالى، وأن يقطع نفسه من شهواتها، ويصرفها ~~عن لذاتها؛ فكأنه قال: وتبتل إليه، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات؛ ~~ولذلك سميت مريم - رضي الله عنها -: البتول؛ لأنها قطعت نفسها عن منافع ~~الدنيا، وأقبلت إلى الآخرة، وانقطعت إليه. # وقوله - عز وجل -: (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9). # قال أبو بكر الأصم: تأويله: ملك المشرق والمغرب، وحقه أن يقال: مالك ~~المشرق والمغرب؛ لأنه هو المالك على التحقيق. # وقال بعضهم: الرب هو المصلح، ثم خص المشرق والمغرب بالذكر وإن كان هو ~~مالكهما ومالك الخلائق أجمع؛ لأن ذكر المشرق يقتضي ذكر السماوات والأرضين، ~~وفي ذكر السماوات والأرضين ذكر أعلى العليين وأسفل السافلين؛ لأنه إذا نظر ~~إلى المشرق ورأى ما يطلع في المشرق من عين الشمس، ثم تجري في أقطار السماء، ~~وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام، ثم تغرب في عين حمئة؛ فتصير إلى أسفل ~~السافلين، وتجري كذلك حتى تصل إلى مطلعها، ثم تطلع هنالك؛ فدل ذلك على أن ~~مدبر السماوات والأرضين ومنشئهما واحد، وأن سلطانه في الأرض كسلطانه في ~~السماء، ويعلم أن من بلغت قدرته هذا المبلغ في أن يسير عين الشمس في يوم ~~واحد مسيرة ألف عام ما يشتد على الخلق قطع هذه المسافة في مدد كثيرة - لا ~~يجوز أن يعجزه شيء، ودل على أن ملكه دائم لا ينقطع؛ لأن عين الشمس تجري في ~~كل يوم، على ما سخرت، لا تتبدل، ولا تتغير باختلاف الأزمنة والأوقات، وجعل ~~منافع أهل ms4816 الأرض متصلة بمنافع السماء، ولو لم يكن مدبرهما واحدا لارتفع ~~الاتصال، وانقطعت منافع السماء عن أهل الأرض؛ فكان في ذكر المشرق والمغرب ~~دلالة وحدانيته، وإظهار قوته وسلطانه، والوقوف على عجائب حكمته ولطائف ~~تدبيره. # ثم تخصيص ذكر المشرق والمغرب دون السماء والأرض؛ هو - والله أعلم - لأن ~~هذا أوصل إلى معرفة التوحيد، وأسرع إلى الإدراك من ذكر السماوات والأرض، ~~وإن كان # PageV10P276 # في التدبر في أمر السماء والأرض تحقيق ذلك. # وفي قوله - عز وجل -: (رب المشرق والمغرب)، أي: الذي أمرت بذكره هو رب ~~المشرق والمغرب، وفيه تعريف الوجه الذي يوصل إلى معرفة ربوبيته. # وقوله: (لآ إله إلا هو)، أي: لا معبود يستحق العبادة إلا هو؛ لأن الذي ~~يحمل الإنسان على عبادة المعبود الخوف والرجاء، وإذا عرفهم بذكر المشرق ~~والمغرب أن تدبير الخلائق كلها راجع إليه، وأنه هو القاهر عليهم والقادر ~~عليهم، وبيده الخزائن والمنافع أجمع، علموا أنه هو الإله الحق، والرب ~~القاهر، وأن من سواه مربوب مقهور، لا يملك نفعا ولا ضرا، فكيف يستوجب ~~العبادة والإلهية؟!. # وقوله - عز وجل -: (فاتخذه وكيلا): # جائز أن يكون أراد به أن كل أمورك كلها إلى الله تعالى حتى يكون هو الذي ~~يدبر ويحكم، ولا تر لنفسك فيها تدبيرا. # والوكيل في الشاهد هو الذي يدخل في أمر آخر على جهة التبرع؛ لينصره فيه، ~~ويعينه؛ فيكون قوله: (فاتخذه وكيلا)، أي: اطلب من عنده النصر والمعونة، ~~والمرء في الشاهد إنما يفزع إلى الوكيل؛ ليزيح عن نفسه علله، ويقضي عنه ~~حوائجه، ويقوم عنه في النوائب؛ فكأنه يقول: افزع إلى الله تعالى في نوائبك؛ ~~فيكون هو الذي يزيح عنك العلل، ويقضي عنك الحوائج، ويكون معتمدك في ~~النوائب، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10). # قال أهل التفسير: تأويله: اصبر على تكذيبهم إياك؛ ألا ترى إلى قوله في ~~سياق الآية: (وذرني والمكذبين أولي النعمة)، فثبت أنه دعي إلى الصبر على ~~التكذيب. # وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على ~~تكذيبه، بل كانوا ينسبونه ms4817 إلى الكذب مرة، وإلى السحر ثانيا، وإلى الجنون ~~ثالثا، وإلى أنه يتيم رابعا؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى؛ فجائز أن يكون ~~قوله: (واصبر على ما يقولون) منصرفا إلى كل ذلك. # ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث: # أحدها: ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم، أو لا تجزع عليهم، وفي # PageV10P277 # الجزع بعض التسلي والتشفي. ولا تدع عليهم بالهلاك والتبار بل اصبر لذلك. # ولقائل أن يقول: كيف كان يشتد عليه تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك، ~~والذين نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل التكذيب من العدو، ~~ولا يستكثر منه؛ لأنه بما يعاديه يعتقد أن يسيء إليه بجميع ما يمكنه وسعه، ~~وإنما يستثقل التكذيب من أهل الصفوة والمودة؛ فكيف استثقله؟ وكيف بلغ به ~~التكذيب مبلغا يحزن به؛ حتى يدعى إلى الصبر بقوله: (قد نعلم إنه ليحزنك ~~الذي يقولون. . .) الآية، وبقوله: (واصبر على ما يقولون)؟ # والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك ~~التكذيب والتجهيل، أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب ~~إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحامل، وكذلك الجهول إذا عرف بالجهل، ثقل ~~ذلك عليه؛ فإذا كان التكذيب مستقبحا في عقول الخلق وطبائعهم، وإن كانت ~~طبائعهم مشوبة بالآفات وفي عقولهم نقص، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مع صفاء عقله، وسلامة طبعه عن الآفات أحق أن يثقل عليه؛ فيحزن لذلك. # ثم ما من إنسان ينسب إلى الكذب فيما يحدث عن نفسه أو عمن سواه من الخلائق ~~ممن علت رتبتهم أو انحطت إلا وهو يجد لذلك ثقلا، فكيف إذا أخبر عن الله ~~تعالى وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب ويتحزن له؟! # ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين؛ لأن تكذيبهم يفضي ~~بهم إلى العطب والهلاك؛ فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك. # أو يكون حزنه غضبا لله تعالى؛ إذ الرسل كانوا يغضبون لله تعالى، ويشتدون ~~على أعدائه. # والجواب عن قوله: إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد ms4818 عليه تكذيبهم، ~~وذلك أمر غير مستشنع من الأعداء؟ فنقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يعاملهم معاملة الولي مع # PageV10P278 # وليه الصفي، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء؛ لأنه كان يدعوهم إلى ~~ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، ومن عامل آخر معاملة أقرب ~~الأصفياء معه، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان؛ فإذا تركوا ذلك، وقابلوه ~~بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك. ثم في قوله: (واصبر على ما يقولون)، وفي ~~قوله: (ولا تستعجل لهم)، إبطال قول من قال: إن الله تعالى لا يفعل بعبده ~~إلا ما هو أصلح له؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على ~~استعجال الهلاك، واستجيب له فيما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ~~ويردعهم عن التكذيب؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم؛ فيتركون التكذيب، ~~ويقبلون على الإجابة؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك، وشرفهم في أمر دنياهم ~~وآخرتهم، فإذا لم يؤذن دل أنه ليس من شرط الله تعالى أن يفعل بعباده ما هو ~~أصلح لهم. # فإن قيل: كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم ~~عن التكذيب؟ # قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من ~~جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، ~~وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، ~~وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت ~~اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى ~~معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة. # فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: ~~أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن ~~والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من الله أشد؟ # فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا ~~الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم بالله تعالى ألزم من هذه ~~الجهة. # ولسائل أن يسأل على هذا، ms4819 فيقول: فإذن إيمانهم بالله تعالى، وتركهم ~~المعاصي ضروري لا اختياري؟! # فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يبين لهم العصمة، ~~بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه ~~السلام -: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان ~~يستغني عن السؤال. # PageV10P279 # وقال في قصة شعيب - عليه السلام -: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما)، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن ~~إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم ~~السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من ~~الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف ~~والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها في المهالك، وأن إيمانهم بالله تعالى ~~لم يكن ضروريا، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم. # والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة الله ~~تعالى وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول ~~العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة الله تعالى، ~~ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم ~~بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ~~ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين ~~غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا - صلى الله ~~عليه وسلم - في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، ~~وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم ~~يختلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم ~~أنه بالله تعالى علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر ~~لغيره حجة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واهجرهم هجرا جميلا): # جائز أن يكون تأويله: اهجرهم وقت سبهم، ونسبتهم إياك إلى ما لا ms4820 يليق بك، ~~ولا تعبأ بهم، ولا تكترث إليهم، وإلى ما يتقولون عليك؛ لأن ذلك بعض ما يزجر ~~المتقول والساب عما هو فيه، وهو كقوله - عز وجل -: (وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما). # ويحتمل أن يكون تأويله: أن انقطع عنهم انقطاعا جميلا، والانقطاع الجميل: ~~ألا يترك شفقته عليهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك، ولا يمتنع عن دعائهم إلى ما ~~فيه رشدهم # PageV10P280 # وصلاحهم؛ ولذلك قال في وقت أذاهم إياه: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ~~". # ويحتمل أن يكون هجره إياهم هجرا جميلا هو ألا يكافئهم بالسيئة السيئة، بل ~~يدفع السيئة بالحسنة؛ كقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)؛ إذ ذاك ~~أدعى للخلق إلى إجابة من يفعل ذلك بهم عند المعاملة، والله أعلم. # ثم من الناس من يقول بأن هذه الآية نسختها آية السيف. # ومنهم من قال بأنها لم تنسخ، وصرفوا تأويل الآية إلى جهة لا يعمل عليها ~~النسخ، وذلك أن في قوله: (واهجرهم هجرا جميلا) منع المكافاة لأجل ما آذوه، ~~ولم يفرض عليه القتال؛ ليكافئهم بأذاهم، وينتقم منهم بذلك؛ بل رجع قتاله ~~إلى نصرة الدين؛ ولتكون كلمة الله تعالى هي العليا؛ لذلك لم يكن في آية ~~السيف ما يوجب نسخ هذا، ولا نسخ العمل بقوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره). # الثاني: أنه ليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعوهم إلى الإيمان ~~بالله تعالى ورسوله، واذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب؛ ~~فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة. # ووجه جعله رحمة: هو أنهم إذا رأوا غلبة المسملمين عليهم مع قلة عددهم ~~والضعف الذي حل بأبدانهم؛ لاشتغالهم بعبادتهم ربهم، وكثرة عدد المشركين مع ~~قوة أبدانهم - أيقنوا أنهم لم ينالوا الغلبة بالحيل والأسباب؛ بل الله ~~تعالى هو الذي قواهم عليهم، وقام بنصرهم؛ فيتقرر عندهم كون أهل الإسلام على ~~الحق، وإذا أيقنوا بالحق التزموه فيحرزون به جزيل الثواب، وكريم المآب؛ ~~فصار القتال رحمة لهم، لا أن يكون عقوبة عليهم؛ لسوء صنيعهم، وإذا كان ~~كذلك، بقي العمل بقوله - عز وجل -: (واهجرهم هجرا جميلا) ثابتا ms4821 باقيا، ~~وبهذا يجاب من سأل فقال: إن الله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ~~(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وفي القتال ترك الرحمة؛ فكيف فرض عليه؟ # فيقال أن ليس في القتال ترك الرحمة؛ بل هو من أبلغ الرحمة وتمامها؛ إذ ~~يحملهم على الإيمان، وترك التكذيب؛ فتعلو منزلتهم، ويشرف قدرهم في الدنيا ~~والآخرة، والله أعلم. # PageV10P281 # وجواب آخر: أن يقال بأن الحجة في، القتال ليس في القتل؛ لأنهم إذا خافوا ~~القتال، تركوا التكذيب، وأقبلوا على الداعي؛ ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل ~~أن يفرض عليهم القتال، كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدين؛ فلما ~~شرع القتال، جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا، وقبيلة قبيلة. # ثم إباحة القتل يكون بالضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم لا يقتلون، لم يقع ~~لهم الخوف بالقتال، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة؛ فشرع القتل فيه؛ لتحقيق ~~الخوف؛ فلم يكن فيه ترك الرحمة، وهو كقوله: (ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب)، وفي إقامة القصاص تلف النفس، وليس فيه إحياء، ولكن وجه الإحياء ~~فيه: هو أن القاتل إذا فكر في قتل نفسه بقتل صاحبه، ردعه ذلك عن القتل؛ ~~فيكون فيه إحياء النفسين جميعا؛ فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في ~~الحقيقة، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف؛ فكذلك هؤلاء إذا أيقنوا بالقتل ~~بامتناعهم عن الإجابة، تركوا الامتناع، وأقبلوا على الإجابة؛ فيكون موضوع ~~القتل للرحمة في التحقيق، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) ففيه ~~أن أهل الخصب والرغد هم الذين اشتغلوا بالتكذيب، وهم الذين كانوا يصدون ~~الناس عن سبيل الله؛ كما قال: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ~~ليمكروا فيها)، وقال: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها)؛ فخص ~~أولي النعمة بالذكر لهذا. # ثم في قوله: (وذرني والمكذبين) إيهام بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سبق منه المنع، ولم يوجد من رسول الله حيلولة ومنع، ولكن مثل هذا الخطاب ~~موجود في كتاب ms4822 الله تعالى في غير آي من كتابه، وهو أن يخرج مخرجا يوهم أن ~~هناك مقدمة، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق؛ قال الله تعالى: (والسماء ~~رفعها)، ولم يكن فيه تحقيق الوضع، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع؛ ~~فكان تأويل الرفع هاهنا بأنها خلقت مرفوعة. # وقال: (والأرض وضعها للأنام)، ولم تكن مرفوعة فوضعها، وكان معناه: أنها ~~خلقت موضوعة. # وقال يوسف - عليه السلام -: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله)، ولم ~~يسبق منه دخول في دين أولئك؛ فيكون تاركا له بعدما دخل فيه. # وقال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا # PageV10P282 # أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، ولم يقتض قوله: ~~(يخرجهم من الظلمات إلى النور) كونهم في الظلمات، ولا اقتضى قوله: ~~(يخرجونهم من النور إلى الظلمات) كونهم في النور، فيخرجهم منه، وإن كان في ~~الظاهر يؤدي ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (وذرني والمكذبين) وإن كان في الظاهر ~~يقتضي حيلولة ومنعا، فليس في الحقيقة إثبات منع. # ويذكر غير هذا في سورة المدثر. # ثم قوله: (وذرني والمكذبين) معناه: لا تجازهم بصنيعهم، ولا تستعجل عليهم ~~بالدعاء؛ بل أمهلهم قليلا (فسيكفيكهم الله). # وقيل في الفرق بين النعمة والنعمة: إن النعمة ما يعطى للعبد إرادة ~~استدراجه فيها وهلاكه، كقوله - عز وجل -: (ونعمة كانوا فيها فاكهين)، ~~والنعم هي منة الله تعالى على عباده؛ تفضلا عليهم، كقوله، (وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة)، والله أعلم. # قوله - عز وجل -: (إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا ~~أليما (13). # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: الأنكال هي السلاسل والقيود. # وقال أبو بكر الأصم: الأنكال: ما ينكل به ويعتبر به غيره؛ قال الله ~~تعالى: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة)، تأويله ما بين ~~يديها من القرى وما خلفها من القرى أيضا. # فإن كان على ما ذكره أبو بكر الأصم فقد يكون في الدنيا، ويكون منصرفا إلى ~~يوم بدر وكأن الأول أشبه. # والجحيم: هو معظم النار. # ثم في هذه الآية دلالة نبوة نبينا - صلى ms4823 الله عليه وسلم -، وآية رسالته، ~~لأن قوله: (إن لدينا أنكالا وجحيما) وراجع إلى قوله: (وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة)، فإن لهم لدينا أنكالا وجحيما، وإنما ينكلون ويعذبون بالجحيم إذا ~~ماتوا على الكفر؛ ففيه إبانة أنهم يموتون وهم كفار، وعلى ذلك ماتوا، وختم ~~أمرهم، ولم يسلم منهم أحد؛ فيخرج ما أخبر عن غيب كما أخبر، وذلك لا يعلم ~~إلا بالله - تعالى - فثبت أنه لم يخترعه من تلقاء نفسه، بل علم # PageV10P283 # بالله تعالى، وعلم الغيب من أعظم آيات رسالته. # وقوله - عز وجل -: (وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) فالذي يغص، ولا يقدر ~~على ابتلاعه ليس بطعام في الحقيقة، وقال: (لهم شراب من حميم)، والحميم ليس ~~بشراب في التحقيق؛ ولكن سمي الأول: طعاما؛ لأنه يمضغ مضغ الطعام، والصديد ~~والحميم يسيلان سيل الشراب، فذكر في الأول طعاما، وفي الثاني شرابا لهذا. # ولأن الطعام اسم لما يطعم؛ فهو مطعوم، وإن كان كريها، والحميم مشروب وإن ~~كان في نفسه كريها. # ثم الأصل أن الكفرة بكفرهم تركوا شكر نعم الله - تعالى ذكره - وقابلوها ~~بالكفران؛ فأبدل الله تعالى لهم في الآخرة مكان كل نعمة نقمة؛ ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما)، فأبدلهم ~~مكان البصر عمى، ومكان السمع صمما؛ لتركهم شكر ما أنعموا من البصر والسمع ~~واللسان، وأبدلهم مكان اللباس قطرانا، ومكان المراكب: السحب إلى النار على ~~أقدامهم ووجوههم؛ فكذلك أبدلهم مكان الطعام والشراب زقوما وحميما؛ لتركهم ~~شكر نعم الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ~~(14). # قد ذكرنا الرجفة في غير موضع. # وقوله: (كثيبا مهيلا)، أي: رملا سائلا؛ ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ ~~لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في أنفسها، ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا ~~لا يحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها، فالإنسان الضعيف المهين أنى يقوم ~~لشدته وهوله؟ # فذكرهم حال ذلك اليوم؛ ليرتدعوا، وينتهوا عما هم عليه في التكذيب ~~والضلال. # * * * # قوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا (15) فعصى ms4824 فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19). # وقوله - عز وجل -: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا). # قوله: (شاهدا عليكم) قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله تعالى ~~عليكم من الحق. # وجائز أن يكون (شاهدا عليكم)، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة ~~شاهدا بقوله: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء)، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد # PageV10P284 # يذكر " عليكم " ويراد به " لكم " كقوله: (وما ذبح على النصب)، أي: للنصب؛ ~~لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها. # وخص ذكر موسى - عليه السلام - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص ~~هو - والله أعلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان منشؤه بين ~~ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه ~~بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ~~ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى - عليه السلام - كان نشأ بين ظهراني أولئك ~~الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح ~~للشهادة. # ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ~~ازدروا بموسى - عليه السلام - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في ~~حال الصغر، حتى قالوا: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين)، ~~فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم ~~حال مكذبي موسى - عليه السلام - وما نزل بهم من مقت الله تعالى بتكذيبهم ~~وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل ~~بأولئك. # ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى - عليه ~~السلام - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من ~~الله - تعالى - شيئا. # وجائز أن يكون خص ذكر موسى - عليه السلام - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان ~~منتشرا فيما بين ms4825 أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى - ~~عليه السلام - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم ~~الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - لينتهوا عما هم عليه من التكذيب. # ولأن لله تعالى أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ ~~إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر. # أو ذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ ~~قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا. # وقوله: (فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) أي: شديدا: ومنه: ~~المطر الشديد # PageV10P285 # يسمى الوابل. # وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة. # وقوله - عز وجل -: (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) فهو ~~يحتمل أوجها: # أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها -وهو ~~الكفر- وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ~~ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة. # أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم. # أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عز ~~وجل -: (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)، وبقوله: (يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم)، وبقوله: (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم)، وقد مكنتم في الدنيا من ~~الإيمان بالله تعالى، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، ~~فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه. # أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به. # والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع ~~المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، ~~لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع ~~المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار ~~محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد ~~وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو ~~يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، ms4826 وإذا قيل له: إذا آمنت بالله تعالى أكرمت ~~بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في ~~الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا ~~قوله؛ (يوما يجعل الولدان شيبا)، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، ~~والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار ~~الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله تعالى لا ~~ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب الله تعالى. # PageV10P286 # وقوله - عز وجل -: (يجعل الولدان شيبا) جائز أن يكون هذا على التحقيق، ~~فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال ~~تعالى: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى). # وجائز أن يكون على التمثيل، لا على تحقيق الشيب، فمثله به؛ لعظم ذلك ~~اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على ~~تعظيم ذلك الشيء، كقوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا)، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل ~~فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق. # وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن الله - تعالى - بعثهم للإبقاء وألا ~~يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان. # وقوله - عز وجل -: (السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18). # أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه. # أو منفطر بالغمام. # وقيل: منفطر بالله، أي: بقضائه وحكمه، والله أعلم. # ثم قال: (منفطر به)، ولم يقل: " منفطرة "، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن ~~معنى قوله: (منفطر به)، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما ~~يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع. # وقوله - عز وجل -: (كان وعده مفعولا): # أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: ~~(إنه كان وعده مأتيا)، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب ~~الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: ms4827 المطر رحمة الله، أي: ~~برحمة الله ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر الله، ~~أي: بأمر الله ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب ~~إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو ~~المأتي. # وقوله - عز وجل -: (إن هذه تذكرة ... (19). # جائز أن يكون قوله: (هذه) منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها ~~تذكرة. # PageV10P287 # ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~تذكرة. # ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة. # وقوله - عز وجل -: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا): # قال بعضهم: من شاء اتخذ عند ربه جاها ومنزلة لنفسه. # أو (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا). # أي: إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه. # أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ~~ويشغل نفسه بعبادته. # * * * # قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ~~وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من ~~خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ~~(20). # وقوله - عز وجل -: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه): # قال أبو عبيد: الصواب أن يقرأ: (ونصفه وثلثه) بالخفض؛ على معنى إضافة ~~(أدنى) إليها، فكأنه يقول: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، وأدنى ~~من نصفه، وأدنى من ثلثه، و (أدنى) يكون على الزيادة والنقصان جميعا؛ لأن ~~فضل ما بين الثلث، إلى النصف هو السدس؛ فإذا زاد على الثلث أقل من نصف ~~السدس، فهو إلى الثلث أدنى، وكذلك إذا نقص ms4828 من الثلث شيئا قليلا، فهو إلى ~~الثلث قريب؛ فيكون إليه أدنى، وكذلك الفضل فيما بين النصف إلى الثلثين هو ~~السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين أدنى، وإذا ~~نقص من نصف السدس فهو إلى النصف أدنى وأقرب. # ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان؛ لأن قوله: (إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه) ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ؛ وإنما ~~فيه إخبار عن القيام # PageV10P288 # الذي وجد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فجائز أن يكون وجد منه ~~ذلك كله، وهو أن يكون قريبا من الثلثين، وقريبا من النصف، وأدنى من الثلث؛ ~~على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام أدنى من ثلثي الليل، وقام ~~نصفه وثلثه، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى؛ لما وجد ~~منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم يوجد موافقة الثلثين، وأخبر ~~بالنصف والثلث بالأمرين جميعا؛ لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، ~~وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف، وأدنى من الثلث، وإذا كان هذا كله محتملا، ~~لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر؛ وهذا كقوله تعالى: (قال ~~لقد علمت ما أنزل هؤلاء)، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا؛ لما وجد الأمران ~~جميعا، وهو أن يكون موسى - عليه السلام - وفرعون علما بها أي: بالآيات ~~جميعا. # وكذلك قال في سورة سبأ: (ربنا باعد بين أسفارنا)، وقرئ: (ربنا باعد بين ~~أسفارنا)؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة؛ فقوله - عز وجل -: ~~(ربنا باعد) ودعاء، وقوله (ربنا باعد) على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب؛ ~~فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، والله أعلم. # ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، ويكون الزيادة بحكم ~~النافلة. # ويجوز أن يكون كله مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين، وإن ~~كان يجوز له الاقتصار على ثلث الليل؛ ألا ترى أن فرض ms4829 الركوع والسجود يقضي ~~بإدراك جزء منه، وكذلك فرض القيام يقضي بالجزء منه، ثم إن الركوع وإن طال ~~فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع ~~رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار كل واحد منهم ~~مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن ~~فرضه؛ فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل فصار جميع ما يؤتى من القيام ~~في الليل وإن طال فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه. # وقوله - عز وجل -: (وطائفة من الذين معك): # في هذه الآية، وفي قوله - عز وجل -: (فتاب عليكم) - دليل على أن فرض ~~القيام كان على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى من تبعه من المؤمنين، ~~وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخصوص # PageV10P289 # بالخطاب بقوله: (يا أيها المزمل)؛ لأنه لو لم يكن الفرض شاملا لهم، لم ~~يكن لقوله: (فتاب عليكم) معنى؛ ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل ~~في يومنا هذا، لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب الله علينا. # ثم إن الله تعالى ذكر في التوبة وفيما فيه التبع خطابا يجمع الجميع ~~بقوله: (فتاب عليكم)، وبقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وذكر فيما فيه ~~الأمر خطابا يقتضي الآحاد، وهو قوله: (قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص ~~منه قليلا)؛ ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على إدخال غيره فيه تبعا له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويراد به إشراك النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الخطاب؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المتبوع؛ فجاز إلحاق غيره به، وغيره ~~لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (والله يقدر الليل والنهار): # فيه أن الليل والنهار ليسا يمضيان على الجزاف؛ ولكن بتقدير سبق من الله - ~~عز وجل - وآية ذلك ظاهرة؛ لأنهما ms4830 يجريان مذ خلقهما على تقدير واحد، لم ~~يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينتقصا ولم يزادا؛ فيكون فيه إبانة أن مدبرهما ~~واحد، وأن الذي قدرهما هكذا ممن لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه. # وقوله - عز وجل -: (علم أن لن تحصوه): # قال بعضهم: علم أن لن تطيقوه. # قال أبو يكر الأصم: هذا لا يستقيم؛ لأنه لا جائز أن يكلفهم الله تعالى ما ~~لا يطيقونه؛ ألا ترى إلى قوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). # وليس فيما ذكره أبو بكر ما يدفع هذا التأويل؛ لأنه يقال للأمر إذا اشتد ~~وتعسر: لا يطاف هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع؛ ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وتأويله: لا تحملنا أمرا ~~يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم؛ فيكون ~~قوله: (علم أن لن تحصوه) -إن كان تأويله: أن لن تطيقوه- على ذلك، والله ~~أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (ما لا طاقة لنا به) أي: لا تحملنا أمرا تهلك فيه ~~طاقتنا، لا أن # PageV10P290 # تحملوا أمرا لا يطيقونه؛ ألا ترى الإنسان يحتمل القتل، ولكن قتله يهلك ~~طاقته. # وجائز أن يكون قوله: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، أي: اعصمنا من ~~الشهوات واللذات؛ لئلا نؤثرها؛ فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي ~~تعبدنا به؛ فلا نصل إلى فعله، وهذه هي القوة التي لا تزايل الفعل، بل ~~تطابقه، وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة، فذلك هو الذي لا ~~يقع بمثله التكليف. # وجائز أن يكون تأويل قوله تعالى: (علم أن لن تحصوه)، أي: لن تحصوا حد ما ~~أمركم به، لو أخذ عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنكم ذلك إلا بعد ~~جهد؛ ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه ~~فيحيط عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد، لم يمكنكم حفظه إلا بعد شدة ~~وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة. # ويؤيد هذا تأويل من قال: (علم أن لن تحصوه)، ms4831 أي: لن تطيقوه، وتكون الطاقة ~~عبارة عن التعسير، واشتداد الأمر. # ثم في هذه الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان، لأنه قد فرض ~~عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة، وإنما ~~يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب؛ فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم ~~معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق ~~الحكم بما يغلب على القلوب. # والذي يدل على أن الحكم لازم بما ذكرنا: أن الله تعالى ألزم الحد على ~~القاذف وعلى الزاني، ولم يبين مبلغ وقوع الضرب فيه، ولا ما يضرب به، فقدر ~~ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم ~~الأشياء، والأروش، والنفقات، وتسوية المكاييل، والموازين يعتبر ذلك كله ~~بغلبة الظنون من غير أن كان في شيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه؛ ~~فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على القلوب، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين: ~~مرة ينظر غيره فيتمثل بها؛ فيسمى ذلك: قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على ~~الظنون؛ فيسمى ذلك: استحسانا. # وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة - رحمه الله - أن الوتر ~~لو كان له مشابه في الفرض، لكان لا يختلف لعدده - سؤال غير مستقيم؛ لأنه قد ~~فرض على القوم أن # PageV10P291 # يقوموا ثلث الليل، وقد أخبر - عز وجل - أنهم لا يحصون حد ما أمرهم به، ~~وإذا لم يحصوا فلا بد أن يقع هناك زيادة ونقصان؛ فكذلك الوتر وإن كان حد ~~عدده غير معروف فهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، والله أعلم. # ثم في قوله - عز وجل -: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) أن الله وقتما فرض ~~عليهم علم أنهم لا يحصونه؛ ولكن بين هذا؛ ليعلموا أن لله تعالى أن يكلفهم ~~إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد؛ ~~ليعرفوا منة الله تعالى عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله - عز ~~وجل -: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن ms4832 فيكم ضعفا)، ولكن ذكر هذا؛ ليعلموا ~~أنهم يكلفون القيام للعشرة وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم، عرفوا ما ~~لله عليهم من عظيم المنة. # وقوله - عز وجل -: (فتاب عليكم) يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن ~~القيام؛ فتكون التوبة راجعة إليهم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (إن ربك يعلم ~~أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك)، فهذا يبين ~~أنهم جميعا لم يقوموا معه؛ وإنما قامت معه طائفة؛ فتكون التوبة راجعة إلى ~~الطائفة التي امتنعت عن القيام. # وجائز أن تكون راجعة إليهم، وإلى الذين قاموا معه؛ فيكون الذين قاموا معه ~~قصروا في القيام عن الحد الذي شرط عليهم؛ فافتقروا إلى التوبة - أيضا - كما ~~افتقر إليها من تخلف عن القيام؛ فتاب الله عليهم جميعا، والله أعلم. # وقوله: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن): # فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية. # ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)، وهي الصلاة ~~المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا؛ وإنما نسخ بهما جميعا. # ووجه النسخ: هو أن فرض القيام لو كان باقيا، لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا ~~من القراءة بما تيسر عليهم؛ لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ ~~القراءة إلى حد يتعسر عليهم ويشتد، فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي ~~تيسر، علم أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل. ثم هو إذا قام صلاة المغرب ~~والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه؛ فصار قاضيا لما اقتضاه قوله: ~~(فاقرءوا ما تيسر من القرآن)، فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ ~~حكم القيام بالليل، ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة؛ فيكون النسخ واقعا ~~بهما. # PageV10P292 # ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعن أمته؛ واستدل بقوله: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك)؛ فإن كان ~~الفرض عليه قائما، لم يكن التهجد به نافلة. # ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام؛ بل دام عليه ms4833 إلى أن قبض - عليه ~~السلام -. # واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " كتب علي قيام ~~الليل، ولم يكتب عليكم "، ومعناه: بقي علي مكتوبا، ورفع عنكم؛ إذ قد دللنا ~~أن القيام في الابتداء كان واجبا عليه وعليهم جميعا. # وقد قال بعض الناس: إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، ~~وما ذكرناه عليهم. # ثم الجواب عن التعلق أن قوله: (فتهجد به نافلة لك) معناه: غنيمة لك، لا ~~أن يكون القيام منه تطوعا. # ووجه صرفه إلى الغنيمة: هو أن العبادة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- تخرج مخرج الشكر لله تعالى؛ فيصير بها مكتسبا للفضيلة، وليس يقع ذلك موقع ~~التكفير للسيئات؛ لأنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فلم يكن ~~يحتاج إلى إتيان الحسنات؛ ليكفر عنه السيئات؛ فثبت أن الفعل منه يقع موقع ~~اكتساب الفضيلة؛ فتدوم له بذلك الفضيلة ويستوجب بها جزيل الثواب، وذلك من ~~أعظم الغنائم. # والذي يدل على أن فعله يخرج مخرج الشكر: ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قام حتى تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول الله، ألم يغفر لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال - عليه السلام -: " أفلا أكون عبدا شكورا؟ ~~"، وأما غيره فإن الحسنات منهم مكفرة لسيئاتهم، ومطهرة لزلاتهم؛ قال الله ~~تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)؛ فهم بحسناتهم لم يصيروا مكتسبين ~~الفضيلة في مستأنف الأوقات، فيصيروا بها مغتنمين، بل رفعوا زلاتهم، وطهروا ~~أنفسهم من المآثم؛ فلم تصر القربة منهم، والله أعلم. # فلهذا ما سمى تهجده: نافلة، لا أن يكون قيامه نفلا. # وقوله - عز وجل -: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله). # فمنهم من زعم أن هذه السورة كلها مكية، ومنهم من زعم أن أولها مكية، ~~وآخرها مدنية، ويحتج هؤلاء بقوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض)، وبقوله: ~~[(يقاتلون] في # PageV10P293 # سبيل الله)؛ وذلك لأن الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، ms4834 ~~ولم يوجد منهم الضرب في الأرض في حال كونهم بمكة، وفي هذا إخبار عن جهاد ~~طائفة، وعن ضرب بعض في الأرض؛ فثبت أن نزول هذه الآيات كانت بالمدينة. # واحتجوا - أيضا - بقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، قالوا: إن ~~الزكاة إنما فرضت عليهم بعدما هاجروا إلى المدينة، وفي هذا أمر بإيتاء ~~الزكاة؛ فثبت أن نزولها كان بالمدينة، وأما أول السورة فهي في موضع المحاجة ~~على أهل الشرك، ولم يكن بالمدينة مشرك؛ بل كانوا أهل كتاب. # ومن ذكر أنها كلها مكية، فهو يحمل قوله: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) على الوعد والبشارة، ليس على ~~الإيجاب والوجوب؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: (علم أن سيكون منكم مرضى)، ~~فأخبر أنه سيكون منكم مرضى، لا أن كانوا مرضى في ذلك الوقت؛ فلم يكن فيما ~~ذكر دلالة كونها مدنية. # ثم الآية إن كانت على الوعد؛ ففيه أنهم كانوا في ضيق من العيش، وكانوا من ~~القوم في خوف؛ فيكون فيه بشارة أنه يرفع عنهم الضيق بما يضربون في الأرض، ~~ويوسع عليهم العيش، وأنه يفتح لهم الفتوح، ويكثر أنصارهم حتى يقهروا العدو، ~~ويقع لهم من ناحيتهم الأمن، وقد آل الأمر إلى ما بشروا به، فيه آية رسالته ~~- عليه السلام - إذ أخبرهم عن علم الغيب، وكان الأمر على ما أخبر. # ثم قوله - عز وجل -: (علم أن سيكون منكم مرضى) في موضع الاعتلال، أنه ~~إنما خفف عليهم الأمر بما ذكر من الأعذار من المرض، والضرب في الأرض، ~~والمجاهدة في سبيل الله تعالى، والتخفيف إذا وجب لعذر مما لم يلاق العذر ~~حالة الفعل، لم يخفف؛ فكيف خفف عنهم قبل وقوع الأعذار، ولكن هذه الأعذار ~~وإن تحققت هي لا تلاقي الفعل؛ بل تتقدمه؛ لأن المجاهدة تكون بالنهار، لا ~~بالليل، وكذلك الضرب في الأرض وقت النهار لا الليل، والقيام كان بالليل ليس ~~بالنهار، ثم قد وضع عنهم قيام الليل وإن لم يكن العذر ملاقيا للقيام؛ فعلى ~~ذلك جائز أن يرفع عنهم القيام بالليل وإن لم ms4835 يأت بعد وقت المجاهدة، ولا كان ~~الضرب موجودا؛ إذ ليس في ذلك كله إلا عدم ملاقاة العذر حالة القيام. # PageV10P294 # ثم وجه رفع قيام الليل عنهم بالمجاهدة والضرب في الأرض وإن كانا يحصلان ~~في النهار لا في الليل: هو أن المجاهدة بالنهار تضعفهم، وتوهن قواهم؛ ~~فيتعذر عليهم قيام الليل، وكذلك الضرب في الأرض؛ فمن الله تعالى عليهم بأن ~~رفع عنهم قيام الليل، وإن لم يوجد منهم الاشتغال بالجهاد بالليالي، والله ~~أعلم. # ثم الضرب في الأرض يكون للتجارة، ولغيرها من الوجوه: لطلب العلم، وغيره ~~من الأسباب؛ فلا يحصل أمر الضرب على التجارة خاصة. # وقوله - عز وجل -: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). # قال أبو بكر في قوله: (وآتوا الزكاة) هو دلالة أن هذه الآية مدنية؛ لأن ~~الزكاة إنما فرضت عليهم بالمدينة، فإن كان الأمر على ما ذكر: أن فرضها نزل ~~بالمدينة فذلك عندنا مصروف إلى زكاة المواشي خاصة؛ لأن أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، لم يكن لهم بمكة سوائم؛ لأنهم كانوا يخافون العدو؛ ~~فلم يتهيأ لهم إسامة المواشي، وأما ما رجع من الزكوات إلى غيرها من ~~الأموال، فيشبه أن تكون واجبة عليهم في حال كونهم بمكة، وبعد مفارقتهم ~~منها، ولا يكون في الأمر بإيتاء الزكاة دلالة نزولها بالمدينة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأقرضوا الله قرضا حسنا): # فالقرض -في لغة العرب-: القطع، يقال: قرض الفأر الجراب، أي: قطعه؛ فسمي ~~القرض: قرضا لهذا؛ لأنه يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذلك هو ~~بالتصدق يقطع ذلك القدر؛ فيجعله لله تعالى خالصا؛ فسمي: إقراضا لهذا. # ويجوز أن يكون أضاف إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق عليه؛ إذ ~~الإقراض حصل فيما بينه وبين ربه؛ فيصير الفقير معاونا له في تلك القربة. # ولأن المرء في الشاهد إنما يقرض ما يفضل عن حاجته، فيدفعه إلى من يثق به، ~~ليسترده منه عند حاجته إليه؛ فكذلك الصدقة أوجبت في المال الذي يفضل عن ~~حاجاته، فيقرضها لله تعالى فيجدها مهيأة عندما تمسه الحاجة. # ثم المال الذي يدفعه ms4836 إلى الفقير على جهة التصدق هو مال الله تعالى، ثم ~~جعل الله تعالى ذلك منه إقراضا له جل جلاله وأضافه إلى نفسه؛ فتكون الفائدة ~~في الإضافة إلى نفسه هي تفضيل عمله؛ ليرغبه في مثل ذلك الفعل على جهة ~~التكرم منه؛ وهو كما سمى الثواب الذي يتفضل به على عباده أجرا بقوله: (من ~~عمل صالحا فلنفسه)، ومن عمل لنفسه لم يستوجب الأجر على غيره، وسمى الذي ~~يقتل: # PageV10P295 # شهيدا بائعا نفسه لله تعالى؛ على تفضيل وترغيب للعباد في مثله؛ لقوله: ~~(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم). # وقوله - عز وجل -: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) معناه: ~~تجدوه حاصلا لكم، وإلا فكل شيء تقدمونه من خير أو شر تجدونه حاضرا في ذلك ~~اليوم، ولكن الشر يكون عليهم، قال الله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من ~~خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا)، وقال - عز ~~وجل -: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). # وقوله - عز وجل -: (هو خيرا وأعظم أجرا)، وفي حق الكلام أن يقول: " هو ~~خير "؛ لأن " هو " يرفع ما بعده، ولكن " هو " كالفصل هاهنا، وحقه الحذف، ~~وإذا حذف انتصب الكلام؛ لأن معناه: تجدونه عند الله خيرا لكم مما خلفتم، ~~فيكون " خيرا " مفعولا. # ثم قوله - عز وجل -: (هو خيرا وأعظم أجرا) يحتمل أوجها: # أحدها: أنه خير لكم، وأعظم أجرا مما خلفتم لورثتكم؛ فيكون فيه أن الذي ~~يخلفه لورثته له فيه خير، ولكن ما يقدم لآخرته خير له، والذي يدل على أن له ~~فيما يخلفه لورثته خيرا قوله - عليه السلام -: " إنك أن تدع ورثتك أغنياء ~~خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس ". # والثاني: أن المرء في الشاهد قد تسخو نفسه ببذل الأموال للآجلة الآجلة ~~لما يأمل منهم من المال الثواب العاجل، فيكون في قوله: (هو خيرا وأعظم ~~أجرا) ترغيب للعباد في تقديم الأموال لوجه الله تعالى؛ لأنهم إذا رغبت ~~أنفسهم في بذل الأموال للآجلة؛ طمعا للمنافع التي تحصل لهم؛ فكان بذل المال ~~لوجه ms4837 الله تعالى أعظم في الأجر، وأولى أن يقع فيه الرغبة. # ولأن النفس قد تتحمل المكروه في الشاهد لمنافع تأملها في ثاني الحال، ~~فإذا طمعت لما تبذل لوجه الله تعالى الثواب الجزيل والأجر العظيم خف عليها ~~تحمل المكروه، والذي يناله بالبذل. # ويجوز أن يكون قوله - عز وجل -: (وأعظم) بمعنى: عظيم؛ إذ قد يستعمل حرف " ~~أفعل " في موضع " فعيل "؛ كما يقال " أكبر " بمعنى: " كبير "، والله أعلم. # PageV10P296 # وقوله - عز وجل -: (واستغفروا الله) فالاستغفار: هو طلب المغفرة، وذلك ~~يكون باللسان مرة، وبالأفعال ثانيا. # فطلب المغفرة من جهة الفعل: أن ينتهي عن الفعل الذي يستحق عليه العقاب ~~ويجيب إلى ما دعا الله إليه؛ قال الله - تعالى -: (قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، فجعل انتهاءهم عن الكفر ودخولهم في الإسلام ~~سبب مغفرتهم، وقال الله تعالى: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، وليس ~~استغفارهم أن يقولوا باللسان: " اللهم اغفر لنا "، ولكن معناه: أن انتهوا ~~عما أنتم فيه من الكفر، وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه، فهذا هو الاستغفار ~~من جهة الأفعال. # وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة، يكون على وجهين: # أحدهما: أن تسأل ربك التجاوز عن سيئاتك. # والثاني: أن يسأل حتى يوفقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة، وعلى ~~هذا التأويل يخرج استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه، وهو أنه طلب من ربه ~~أن يوفقه لما فيه نجاته، وهو الإسلام، لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه ~~على الكفر؛ ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله ~~تعالى، وعلم أنه لم يوفق للسبب الذي يستوجب به المغفرة؛ قال الله تعالى: ~~(فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)؛ فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع ~~دوامه على الكفر، ولكن للوجه الذي ذكرنا، والله أعلم. # * * * # PageV10P297 ### | سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر ~~(4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7). # قوله - عز وجل -: (يا أيها المدثر): # قيل: إن الذي حمل رسول ms4838 الله - صلى الله عليه وسلم - على التدثر: أنه كان ~~في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره ~~وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئا؛ ففرق منه، فأتى بيته، ~~وقال: " زملوني "، فدثروه. # فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق. # ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح. # وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: (يا أيها المدثر)، فإن صح ما ذكروا، ~~فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: (يا ~~أيها المدثر. قم فأنذر). # وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا ~~هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره الله - ~~تعالى - أن يقوم فينذرهم بقوله: (يا أيها المدثر. قم فأنذر)، وعلى هذا ~~التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون ~~منه من الآيات، والله أعلم. # وذكر أن موسى صلوات الله على نبينا وعليه قال: " أتاني ربي من طور سيناء، ~~وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران ". # فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: " أتاني ربي "، أي: أوحى إلي، وقوله: " ~~وسيأتي من طور ساعورا " هو الوحي إلى عيسى عليه السلام، وقوله: " وسيطلع من ~~جبل فاران " هو القرآن الذي أنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: " هل من داع ~~فيجاب؟، هل من # PageV10P298 # مستغفر فيغفر له؟ "، فجائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل ~~منسوبا إلى ذلك المكان. # ثم في قوله - عز وجل -: (يا أيها المدثر) تثبيت ms4839 نبوة نبينا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ~~ونسبته إليه، لا يخرجه مخرج التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى ~~باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من ~~عند الله، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي اخترعه من ذات ~~نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ ~~لم يفعل ثبت أنه كان رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه - صلى الله ~~عليه وسلم - وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: (عبس ~~وتولى)، وغير ذلك من الآيات. # وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف ~~أخاه بثيابه. # وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك ~~الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى ~~الله تعالى نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة الله، ~~ومسجد الله، ورب العرش، على تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف ~~المسجد. وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم الله تعالى؛ ~~كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما. # ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: " سبحان ربي العظيم "، فيخص نفسه ~~بقوله: " ربي "، والحق في مثله أن يقول " سبحان ربنا "؛ لئلا يخرج ذلك مخرج ~~تعظيم النفس؛ كقوله: " رب العالمين "، و " رب السماوت والأرض وما بينهما "؛ ~~إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق ~~الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن ~~يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس. # PageV10P299 # فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا وافق حال ~~نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب. # ثم المرء إنما ms4840 يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك ~~الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء في مثل تلك الحال، فضلا من ~~أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم ~~يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه ~~أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ~~ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ~~ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (قم فأنذر (2) خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو ~~نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ~~ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إليه ~~حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد ~~استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن في النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة ~~أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: (قم) إلزام قيام؛ ~~ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك. # وقوله - عز وجل -: (وربك فكبر (3). # أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ~~ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: " يا عظيم " فقط. # وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن ~~لله تعالى ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها. # أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة الله تعالى طاعته ~~وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئا يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ~~ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم الله تعالى يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون ~~بالقول خاصة. # PageV10P300 # وقوله - عز وجل -: (وثيابك فطهر (4): # جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، ms4841 وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن ~~العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس ~~الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب. # فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - والله أعلم -: أن طهر خلقك، ~~وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه. # وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: (وثيابك فطهر) متوجها إلى ~~التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس. # فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - به. # وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من ~~الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على ~~تطهير الثياب خاصة؛ بل أمر أن يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل ~~والمشرب والملبس وغيرها، والله أعلم. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا ~~غدر. # قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب. # وقال الحسن: خلقك فحسنه. # وقال بعضهم: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها ~~النجاسات، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والرجز فاهجر (5): # فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به ~~النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ ~~فقال الله تعالى: (لهم # PageV10P301 # عذاب من رجز أليم)، فالمأثم اسم لما تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: ~~العذاب وما تتألم به، جميعا. # وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا. # وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من ~~المشركين مسح وجوههما، فأمر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~يعتزلهما بقوله: (والرجز فاهجر). # وقيل - أيضا -: بأن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لو ~~مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنزل الله تعالى: (والرجز فاهجر)، أي: ~~فاهجر عبادة ms4842 الأوثان. # وقيل: الرجز: العذاب. # فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تمنن تستكثر (6): # قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على ~~التقديم والتأخير. # فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لا يتوهم أن يكون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله تعالى؛ لأن هذا ~~النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خص بأدنى خير؛ فكيف يتوهم ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! # ولأن الامتنان على الله تعالى من فعل المنافقين؛ قال الله تعالى: (يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم). # ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: (ولا تدع مع ~~الله إلها آخر)، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ ~~العصمة لا ينتفع بها إلا مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة. # وقال بعضهم: (ولا تمنن تستكثر)، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها ~~في # PageV10P302 # الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار ~~المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع ~~إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم)، فإذا نهى عن مد عينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ~~ثبت أن الله تعالى نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه - عليه السلام - من ~~الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمساكه ~~وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله - عليه السلام -: " ما لي من ~~هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم " وقال الله - عز وجل -: (ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى. . .) ~~الآية، وذكر أن ms4843 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدخر لغد، وقال ~~تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل)؛ فثبت أنه ~~كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى ~~الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولربك فاصبر (7): # في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله تعالى، وإلى الصدق فيه. # وفي قوله - عز وجل -: (فاصبر لحكم ربك)، دعاء إلى نفس الصبر. # وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم ~~والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم ~~بصنيعهم؛ فإن الله تعالى يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه ~~الله تعالى إلى الصبر على تحمل المكاره، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على ~~الكافرين غير يسير (10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا ~~(12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه ~~كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر ~~(19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر ~~(23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر ~~(26) وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها ~~تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي # PageV10P303 # إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا ~~أسفر (34) إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم ~~أو يتأخر (37). # وقوله - عز وجل -: (فإذا نقر في الناقور (8): # (نقر): أي: ms4844 نفخ، و (الناقور): الصور، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا، ~~(فإذا نقر في الناقور)، وقال في موضع آخر: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)، ~~وقال في موضع آخر: (إن كانت إلا صيحة واحدة). # فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق؛ فتتحقق الصيحة والزجرة والنقرة، ثم ~~تعقبها الساعة. # وجائز أن يكون هذا على التمثيل؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر ~~وهونه على الله تعالى؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل، لا ~~يشتد على أحد. # أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح، أي: الأرواح ترد ~~عليهم في قدر النفخة، والزجرة، والصيحة؛ خلافا لأمر النشأة الأولى؛ لأنه في ~~النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما، ~~ثم علقة، ثم مضغة كذلك القدر من المدة، ثم نفخ فيه الروح بعد مدد وأوقات، ~~وفي النشأة الأخرى ينفخ الروح بالقصر من المدة، وذلك قدر النفخة والزجرة ~~والصيحة واللمحة، والله أعلم. # وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق، وإن ذكر في ~~بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور؛ لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد ~~يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا ~~الشهادة؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على ~~الشهادة. # ثم قد ذكرنا أن قوله: " إذا " جواب سؤال واقع عن تبيين وقت؛ كأنه قيل له: ~~فاصبر إلى أن ينقر في الناقور. # أو يكون جوابا لقوله: (قم فأنذر)، أي: أنذرهم عما يحل بأهل الشر من ~~العذاب بنقر الناقور. # PageV10P304 # أو يكون جوابا لقوله: (سأرهقه صعودا) إذا نقر في الناقور. # أو كان السؤال واقعا عن أمر، لم يشر إلى ذلك الأمر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10) ~~ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون، وينالون عظيم ~~الدرجات من ربهم، ولكن الله - عز وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من كتابه، ~~والأحوال التي تكون فيه، وإن كانت تلك ms4845 الأحوال تنزل على غير المؤمنين، فمرة ~~سماه: واقعة، ومرة: قارعة، ومرة: حاقة، وإنما يقع العذاب على الكفرة، ويحق ~~عليهم؛ فلذلك سماه: عسيرا، وإن كان هو عسيرا على فريق، يسيرا على غيرهم. # وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق ~~كلها، كما قال: (وترى الناس سكارى)، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما ~~يأتيهم من البشارات والكرامات عن الله تعالى، ويبقى عسره على أصحاب النار. # وقوله - عز وجل -: (ذرني ومن خلقت وحيدا (11). # ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ~~ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها ~~إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، ~~وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من ~~سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فكان كل واحد منهم ~~يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، ~~منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لهب، وغيرهم؛ فكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج ~~إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحياله، كان الأمر عليه أصعب من الذي ~~احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة ~~والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام. # ثم قوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: (ذرني)، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على ~~الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل لآخر: " خل بيني وبين فلان "، و " ~~دعني وإياه " من غير أن يكون سبق منه المنع؛ # PageV10P305 # فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ ~~فيكون في قوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) دعاء من الله تعالى إياه إلى ألا ~~يتعرض له، ms4846 ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن الله تعالى يكفيكه، ويدفع عنك شره. # أو يكون فيه نهي عن أن يدعو عليه بالهلاك والثبور، ويصبره إلى أن يأتيه ~~أمر الله تعالى؛ فيكون في هذا مسلاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر ~~أحدهما خف الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به، فإذا كان الله تعالى ~~هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه، كان ~~ذلك أكثر في التسلي والتفرج؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعي إليه ~~بقوله: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)، وبقوله: (فاصبر لحكم ربك. . ~~.) الآية. # ثم قوله - عز وجل -: (خلقت وحيدا) أن يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير. # وجائز أن يكون معناه: أي: خلقته وحيدا، لا مال له، ولا ولد؛ فيكون في هذا ~~وعيد وتخويف لذلك اللعين، أي: كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان ~~عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر؛ كقوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة). # وقوله - تعالى -: (وجعلت له مالا ممدودا (12): # قيل: (مالا ممدودا)، أي: مالا لا ينقطع، بل يكون له مدد. # وذكر عن مجاهد أنه قال: كان ذلك ألف دينار. # وقال السدي: (مالا ممدودا) ثلاثة عشر ألفا. # وقيل: أراد به ما جعل له من الضياع بالطائف، تثمر في السنة مرتين. # ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده، والذي لا ~~ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء. # PageV10P306 # وقوله - عز وجل -: (وبنين شهودا (13): # أي: حضورا، لا يغيبون، ويكون فيه وجهان من الحكمة: # أحدهما: أن ماله قد كثر؛ حتى لم يحتج إلى تفريق أولاده في الجمع ~~والاكتساب؛ بل كان يأتيه سمحا، لا يحتاج إلى تكلف أسباب الجمع. # والثاني: أن غاية ما يراد ويتمنى ويلتمس من البنين هو أن يستأنس بالنظر ~~إليهم، ويستعين بهم، ويستنصر إذا احتاج إلى ذلك؛ ففيه أنه قد نال مناه، ~~ووصل إلى ما ms4847 ترغب إليه النفوس من كثرة الأموال والأولاد. # وقوله - عز وجل -: (ومهدت له تمهيدا (14)، أي: بسطت له في الدنيا بسطا. # وقيل: التمهيدة هو التمكين. # وقوله - عز وجل -: (ثم يطمع أن أزيد (15). # فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة؛ كقوله: (أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)، فحسبوا أنهم إذا ~~ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم في الآخرة لو كانت الآخرة حقا؛ فكذلك ~~هذا اللعين حسب أنه يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا؛ فكان ~~قوله: (كلا ... (16) ردا عليه. # فإن كان على هذا، ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة؛ وإنما يحرم النصيب إذا ~~ختم على الكفر كما قال، فكان. وهذا إخبار منه عن أمر الغيب، فصدق خبره، ~~وخرج الأمر حقا كما قال؛ فثبت أنه بالله تعالى علمه. # وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا؛ فقطع عليه طمعه بقوله: (كلا). # وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله ~~تعالى، ولم يزد شيئا؛ فيكون في هذا - أيضا - ما في الأول من إثبات الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (إنه كان لآياتنا عنيدا): # في هذا تصبير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله تعالى أكثر ~~نعمه عليه، ثم ذلك الملعون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه، عاند، ولم ~~يطعه في أوامره؛ فكيف ترجو أنت منه في معاملته إياك مع معاملتك إياه بما ~~يخالف مراده وهواه؟ فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر. # PageV10P307 # والعناد: هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق؛ فيكون قوله: (إنه كان ~~لآياتنا عنيدا): أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر ~~رسوله، واستكبر. # والمكابر هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو ~~بالأفعال. # ثم في قوله - عز وجل -: (ثم يطمع أن أزيد. كلا) إبطال قول من قال: إن ~~الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: (أن أزيد) ms4848 لا ~~يخلو إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله - تعالى - ~~عندهم أن يزيده، وفي قوله: (كلا) قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة ~~عنه جائرا؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم. # وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما ~~لنبوته، وكان عليه أن يحرمه على زعمكم. # وفي قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (ثم يطمع أن يزيد). # وقوله - عز وجل -: (سأرهقه صعودا (17): # جائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها؛ كما ~~ذكره بعض أهل التأويل، فيكلف الصعود عليها. # وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على ~~المرء، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه. # فإن كان على هذا، ففيه أنه يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ~~ذلك. # ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: (سأصليه سقر): إن في هذا وعيدا ~~من الله تعالى بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله تعالى أن يصدق ~~خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟ # فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومن هذا وصفه ~~فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها. # وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز ~~وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟ # فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه ~~جور؛ لأنه # PageV10P308 # يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه. # وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد ~~لزمكم أن تقولوا: إن الله تعالى أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون ~~منه. # ويقال لهم: إن الله تعالى يقول: (ولم يكن له ولي من الذل)، ولو كان الأمر ~~على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن ~~يكفر به، ويعاديه، فإذن ms4849 قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن ~~يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. # وقوله - عز وجل -: (إنه فكر وقدر (18). # قال الفقيه - رحمه الله -: إن فراعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اعتقدوا معاندة الحق، واعتقدوا صد الناس عن سبيل الله وأن يطفئوا نوره، ~~فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على وجه ينفون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك، على ما ذكروا أن ~~الوليد جمع أصحابه، فقال: إن هذه أيام الموسم، وإن الناس سائلوكم عن هذا ~~الرجل؛ فماذا تقولون؟ # فقال بعضهم: نقول: هو شاعر؛ قال: إنهم قد سمعوا الشعر، وما قوله بقول ~~شعر. # وقال بعضهم: نقول: هو كاهن؛ فقال: إن الكهانة معروفة عند العرب، وإذا ~~سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن؛ فيكذبونكم. # وقال بعضهم: نقول: هو كذاب؛ فقال: إنا قد اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة ~~قط. # فقال بعضهم: نقول: هو مجنون، فقال: إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون، ~~فأعيا عليهم، ففكر في نفسه وقدر، فقال: (إن هذا إلا سحر يؤثر): ما هذا الذي ~~أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره -أي: يرويه- فاتفقت كلمتهم على تسميته: ~~ساحرا، وقالوا: الساحر يفرق بين اثنين، وقد وجد منه التفريق بين الآباء ~~والأولاد وبين ذوي الأرحام؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل ~~الله تعالى وإطفاء نوره؛ مكرا منهم، # PageV10P309 # وهو كقوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم). # ووجه رجوع المكر إلى أنفسهم ذكروا فيه أوجها: # أحدها: رجوع المكر إلى أنفسهم: أن الله تعالى أظهر سوء صنيعهم برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وجعله آية تتلى إلى يوم القيامة؛ فيكون فيه ظهور ~~كذبهم، وإلحاق العار بهم إلى يوم التناد، وتوارد اللعن. # والثاني: أن الكبراء إذا اجتمعوا في مكان للتدبير، اتصل بهم أوساطهم ~~واختلط بهم صغارهم فيقع لجملتهم العلم بالذي وقع عليه التدبير واتفقت عليه ~~الكلمة، وإذا ms4850 وقفوا على تدبيرهم جملة، انتشر علم ذلك في الآفاق، فيقف الناس ~~على كذبهم وافتعالهم، فيتحقق عند ذلك جهلهم بحال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويصير كذبهم شائعا في الخلق ظاهرا من الوجه الذي أرادوا نفي سمة ~~الجهل عن أنفسهم؛ ويتحقق عند الناس كذبهم؛ فلا يركنوا إلى قولهم ولا ~~يلتفتوا إلى إخبارهم عن حاله؛ إذ قد تبين جهلهم بحاله؛ فيكون ذلك سببا ~~لترغيب الناس إلى الإسلام ودعائهم إليه، لا أن يكون سببا للصد عن سبيل ~~الله؛ فصار المكر راجعا إليهم. # ثم قوله: (إنه فكر)، أي: فكر في الأمر الذي أراد إحكامه، أو فكر في ~~الكلمات التي ألقوها فيما بينهم، أيها أليق برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فينسب إليه. # وقوله - عز وجل -: (وقدر) يخرج على هذا أيضا. # وقوله: (فقتل كيف قدر (19) قيل: لعن، واللعن هو الإبعاد عن رحمة الله ~~تعالى، وقد ظهر الإبعاد؛ لأن مادة ماله قد انقطعت في الدنيا، وأخذ ما كان ~~اجتمع عنده في الانتقاص إلى أن أهلكه الله تعالى، ثم ساقه إلى النار خالدا ~~فيها. # وقوله - عز وجل -: (كيف قدر)، أي: كيف لم يستح عن تقديره الذي قدر من ~~تسمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ساحرا، وقد علم أنه في إنشاء ذلك ~~الاسم كاذب؟ # أو كيف اجترأ على الله تعالى، وتجاسر وهو يعلم أنه رسول حق، فعاند آياته، ~~واجترأ على ذلك، ولم يخف نقمة الله تعالى؟!. # وقوله - عز وجل -: (ثم قتل كيف قدر (20) فلعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن ~~فيه في الدنيا والآخرة جميعا؛ لأن الله تعالى فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، ~~فبقي ذلك العار إلى آخر # PageV10P310 # الأبد وأبعده من رحمته؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، ~~فهذا أثر اللعن في الدنيا، ووعد أن يصليه سقر، وأن سيرهقه صعودا، وذلك خزيه ~~ولعنه في الآخرة، فظهرت، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في ~~الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (ثم نظر (21) جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ~~ألقوها فيما بينهم. # وقوله: (ثم عبس وبسر (22) جائز ms4851 أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ~~ما ألقوا إليه المختلف من الكلمات، فعبس وجهه عليهم؛ لما في اختلافهم ظهور ~~كذبهم. # أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أهمه وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه. # وقوله - عز وجل -: (ثم أدبر واستكبر (23): # يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبر ~~عليهم. # أو أدبر عن طاعة الله تعالى، واستكبر على رسوله؛ حيث أعرض عنه، ولم يجبه ~~إلى ما دعاه إليه. # وقوله - عز وجل -: (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24): # أي: هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر. # أو هذا الذي يخبر أنه أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه، ولكن ~~قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر. # قال الفقيه - رحمه الله -: ولو كان الذي أتى به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - سحرا كما قرفوه به، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته ~~وإثبات رسالته؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنما ~~سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير، وقد علموا أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يلقنه أحد، ولا وجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، ~~فوقع لهم الإيقان: أنه بالله تعالى علم لا بأحد من الخلائق؛ فيصير الذي ~~قرفوه به من أعظم الحجة، ولكن الله تعالى طهره عن السحر، ونزهه عن ذلك، ~~وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اقتلوا ~~كل ساحر وساحرة "، وقال: " توبة الساحر ضربة # PageV10P311 # بالسيف ". # ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا ~~يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ظاهرا؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدقه فيما يدعي ~~من الرسالة فيؤمن به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة ترك ~~الإيمان به؛ ms4852 فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر. # ولأن كلا منهم لو تفكر فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمعن ~~النظر فيه، حمله ذلك على الإيمان به، والتصديق لرسالته؛ فيصير الذي جاء به ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - سبب الاجتماع والألفة، لا أن يكون سبب التفريق ~~بين الأحبة. # ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء ~~واستفادة السعة في الدنيا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لم يكن يطلب ~~بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف لهم، فدعا الخلق ~~إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها، فكيف يجوز أن ينسب إلى ~~السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة؟. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا إلا قول البشر (25): # قد علم أنه ليس بقول البشر؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله، وقال: (إنه كان ~~لآياتنا عنيدا)؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند. # وقوله - عز وجل -: (سأصليه سقر (26). # السقر: لون من العذاب. # وقيل: السقر: هي الدركة الخامسة. # وقيل: السقر: من أبواب جهنم، ومعناه: سأدخله جهنم من باب السقر، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تبقي ولا تذر (28): # يحتمل: أي: لا تبقي له حياة يتلذذ بها، ولا تذره يهلك فيستريح، بل يبقى ~~أبدا في الهلاك، كما قال تعالى: (فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى). # ويحتمل: لا تبقي له جلدا ولا لحما ولا عظما، بل تنضج جلده وتأكل لحمه، ~~وتكسر عظمه، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم، مأكول اللحم، نضيج الجلد، ~~بل يعاد # PageV10P312 # جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك أبدا، ولا تبقي له روحا ولا تذره فيهرب ~~منها؛ فيتخلص من عذابها. # وقوله - عز وجل -: (لواحة للبشر (29): # قيل فيه بوجوه: # قيل (لواحة للبشر)، أي: محرقة للجلد، فالبشر: الجلد، فجائز أن خص الجلد ~~بالتلويح؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثرا فيه؛ ~~فخصه بالذكر لهذا؛ كما سمي الإنسان: إنسانا؛ لظهوره لكل من هو من أهل ~~الروية، وسمي الجن جنا: لاستتاره عمن ليس ms4853 من جنسه، وهو كقوله - عز وجل -: ~~(كلما نضجت جلودهم). # وقيل: (لواحة)، أي: ظاهرة للبشر؛ كقوله تعالى: (وبرزت الجحيم للغاوين). # وقوله: (وبرزت الجحيم لمن يرى)، أي: تظهر لهم وتلوح، فينظرون إليها، ~~ويتيقنون بالعذاب. # ويحتمل أن يكون قوله: (لواحة)؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم؛ فتظهر ~~عظامهم وتلوح عند ذلك، ثم تبدل جلودا ولحوما، أبدا على هذا مدار أمرهم. # وقوله - عز وجل -: (عليها تسعة عشر (30): # روي عن ابن عباس - رضي الله عنها - أنهم خزنة جهنم مع كل واحد من الأعوان ~~ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، ~~وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو ~~مالك يأمرهم بما أمر هو به. # ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك ~~لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن الله تعالى وعد أن يملأها من الجنة والناس، ~~ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر. # ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل واحد منهم أن ~~يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أن الله تعالى حكيم يعلم أن في كل فعل من أفعاله ~~حكمة # PageV10P313 # عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير؛ ~~ألا ترى أن الله تعالى جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن ~~يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقا لإحياء كل شيء لا ~~يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يغذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى ~~الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم ~~حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفها بعقولنا وتدبرنا. # وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد ~~المجعولة في الروحانيات. فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب ~~العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل ~~الأعداد التي في الروحانيات علما لاستدراك المجعولة ms4854 في الجسدانيات؟ # ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟ وأي حكمة ~~فيها؟ فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من ~~الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجزهم، ~~والله أعلم. # والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله تعالى حكيم، وأنه ~~لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن ~~حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة: # إما الجهل. # وإما العجز. # وإما الحاجة. # والله تعالى عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا ~~تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت ~~أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة ~~بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ~~ذلك إلى الله تعالى، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا ~~أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج ~~العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بنى بناء، ثم نقضه، ثم أعاده ~~إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، ~~فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس # PageV10P314 # فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت. # وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم ~~رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون ~~جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على ~~الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف. # وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة ~~شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله تعالى، ~~ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - تعالى - في ms4855 أفعال ~~العباد صنع. # وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله تعالى، وفوضوا العلم إليه في كل ما ~~جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم ~~أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كما ذكرنا من ~~أمر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الأشياء، ولو أرادوا أن ~~يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، ~~وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجب بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة ~~والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله تعالى من الملائكة، ~~ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ... (31): # فلقائل أن يقول في هذا: إنه لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة، لم يوجد ~~فيها إنسي ولا جني، فكيف قال: (لأملأن جهنم من الجنة والناس)، وهو لم يجعل ~~أصحاب النار إلا ملائكة؟ # والجواب: أن تأويله: أي: ما جعلنا على أصحاب النار إلا ملائكة يعذبون ~~أهلها بها، لا أن يكون الملائكة تمسهم النار، ويتأذون بها. # وفي هذا دلالة على أن من قرأ مكان قوله تعالى: (أولئك أصحاب الجنة): " ~~أصحاب النار " في صلاته لا تفسد؛ لأنه ليس في نسبة أصحاب الجنة إلى أصحاب ~~النار إيجاب عذاب عليهم؛ كما لم يكن في قوله: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة) إيجاب عذاب على الملائكة واستحقاقهم، والله أعلم. # وإنما خصهم بذلك - والله أعلم - لأنهم خلقوا يسخطون ويغضبون لله تعالى، ~~ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لم يميلوا إلى أحد، ولم ~~يرحموا بما رأوا # PageV10P315 # عليه من العذاب في معصية الله وخلافه، ليسوا على طباع الإنس والجن أن ~~قلوبهم ربما تميل وترحم من لا يستحق الرحمة. # وذكر أهل التأويل أن قوله: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) رد على ~~أولئك الكفرة الذين قالوا: " إنا لنكفي هؤلاء العدة -حين سمعوا (عليها تسعة ~~عشر) - فنغلب عليهم، ونخرج من النار "، فأخبر أنهم ليسوا برجال ms4856 أمثالكم، ~~إنما هم ملائكة، ووصف الملائكة، وقد روى في الأخبار من هول خلقهم، وعظمهم، ~~وشدة بأسهم وبطشهم، وأن لهب النيران يخرج من أفواههم، وأن بنيتهم لا تحتمل ~~الحرق والآلام، وليس على ما عليه بنية البشر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا): # الفتنة: قد يتكلم بها على وجهين: # فتذكر الفتنة ويراد بها المحنة التي فيها الشدة. # وتذكر ويراد بها العذاب. # فإن كان يراد بها العذاب، فمعناه: أنه جعل العدد الذي ذكر فتنة للكفرة؛ ~~وهو كقوله: (يوم هم على النار يفتنون)، أي: يعذبون. # وإن كان يراد بها المحنة، فتخرج على وجوه: # أحدها: أي: ما جعلنا ذكر عددهم إلا لافتتان الذين كفروا، أي: من علم الله ~~تعالى منه أنه يكفر بآيات الله تعالى، جعل ذلك سببا لفتنته إذا كان في علم ~~الله تعالى أنه ممن يبتغي الفتنة، فأما من علم أنه ينظر في آيات الله ~~مسترشدا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا وتصديقا؛ إذ علموا أن لله تعالى أن ~~يمتحنهم بأنواع المحن، فآمنوا به، وسلموا ذلك لله تعالى؛ فيكون في جعل ~~عدتهم تسعة عشر شدة على الكفرة، إذ كان سبب كفرهم؛ فلذلك سمى المحنة على ~~هذا أن وجه فتنة. # وقوله - عز وجل -: (فتنة للذين كفروا) بمعنى: على الذين كفروا. # ثم جائز أن يكون ذلك على حدوث الكفر، وهو في قوم قد آمنوا به، فلما سمعوا ~~هذا زعموا أن لا حكمة في هذا العدد، وليس هذا العدد بأولى من أن يجعلوا ~~أصحاب النار من العشرين أو من الثمانية عشر، فكفروا به؛ وهو كقول موسى - ~~عليه السلام -: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء)، وذلك على حدوث إضلال ~~لهم لم يكن # PageV10P316 # من السامري موجود، لا أن الإضلال متقدم بغيرها. # وجائز أن تكون فتنتهم هي أنهم ازدادوا بذكر هذا العدد كفرا إلى كفرهم؛ ~~لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء، ولم ينظروا إليه بعين التبجيل ~~والتعظيم، فازدادوا بذلك كفرا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ms4857 ~~إيمانا): # الاستيقان والزيادة واحد؛ لأن في الاستيقان زيادة إيمان، وفي الزيادة ~~استيقان، فمعناه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب والذين آمنوا. # ووجه استيقانهم: أنهم يجدون هذا العدد موافقا للعدد الذي في كتابهم؛ ~~فيحملهم ذلك على الاستيقان أنه من عند الله تعالى. # ويحتمل أنه يراد به أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا إذا وجدوا ذلك موافقا لما ~~في كتبهم؛ فيستيقنون: أنه إنما يخبر عن الله تعالى، ويرتفع عنهم الارتياب؛ ~~ليكون أدعى لهم إلى الإيمان به، إن أراد منهم الإيمان، وأقرب إلى إلزام ~~الحجة عليهم، إن لم يرد منهم الإيمان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويزداد الذين آمنوا إيمانا)، أي: تصديقا على ما سبق ~~منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: ~~(فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا)، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في ~~الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم ~~بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله - تعالى، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق ~~والأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمان بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ~~ما أنزل عليهم من الكتب عن الله تعالى؛ فصار بإيمانه معتقدا للتصديق بكل ~~رسول على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى ~~بزيادة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة. # وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم ~~التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب ~~الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل ~~وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت ~~فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ~~ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز # PageV10P317 # هذا كله؛ قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله)، ~~فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال: ~~(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة ms4858 الدنيا)، وهو الإيمان، ~~وقال في آية أخرى: (ليثبت الذين آمنوا)، فجعل دوامهم على الإيمان ~~واستقامتهم عليه إيمانا. # وقال تعالى: (زادتهم إيمانا)، قال أبو داود: إيمانا مع إيمانهم فأطلق فيه ~~اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان. # وإن كانت الزيادة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزيادة من جهة ~~الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة ~~بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: " صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام " ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ ~~إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة ~~منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد. # وكذلك قال: " صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة ~~"، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل ~~والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما ~~هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو ~~التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا ~~دون غيره. # وقوله - تعالى -: (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين ~~في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا): # في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة -وهي ~~عدة الملائكة- جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في ~~قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: (ماذا ~~أراد الله بهذا # PageV10P318 # مثلا)؟ ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك ~~الوجه؛ وهو كقوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)، نسب ~~إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال: (ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما)، ~~ومعلوم أن ms4859 الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب ~~الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام ~~السائر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # ولا أحد يبني البناء للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء ~~إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه، ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم ~~أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل ~~إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية ~~جعلت فتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا ~~نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك. # ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموا، أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ ~~في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك جهلا بالعواقب، أو ~~جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا ~~سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا ~~كان غير الذي يريده كان جاهلا به. # فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله ~~خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن الله - عز وجل - شاء لكل فريق ما علم ~~أن يكون منهم؛ فإذا علم من عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له ~~الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه. # والجواب عن قوله - عز وجل -: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)، ~~فمعناه: ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك ~~الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ~~ينتهي # PageV10P319 # إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به. # ولا يجوز أن تخفى على الله تعالى عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء ~~لغير ذلك الوجه. # وقولهم: # لدوا للموت وابنوا للخراب # فهذا ms4860 يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء ~~الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على الله تعالى أمر؛ فيخرج الأمر ~~فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا): # فالمثل يذكر بمعنى البيان؛ كقول القائل: " أمثل لك صورة كذا " يريد أبين ~~لك. # وقوله - عز وجل -: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)، فهذا كله ~~تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة. . .) الآية، أي: يضل به من ~~كان في علمه أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله ~~تعالى بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا، ~~أضله الله تعالى، وزاده غواية، ومن نظر في آيات الله، بعين الاستهداء ~~والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه الله تعالى، ومن عليه ~~بالهداية؛ وهو كقوله تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون ~~في آذانهم وقر وهو عليهم عمى)، وغير ذلك، والله الموفق. # وقالت المعتزلة: قوله: (كذلك يضل الله من يشاء)، أي: يسميه: ضالا، أو ~~يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون الله - تعالى - يضله، ويشاء ضلالته. # فيقال لهم: إذا كان الله يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم ~~فتسميته إياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أن يهتدي - جور منه، وفيه ~~تحقيق كذبه، جل الله تعالى عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى ~~الكذب. # وقال أبو بكر الأصم: تأويله؛ أن الله - تعالى - ينصب طريقا، من سلكه أفضى ~~به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ~~ينصب مثله. # فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: " كذلك يضل الله ما ~~يشاء ويهدي ما يشاء "؛ فلما قال: (من يشاء)، و " من " يعبر به عن الأشخاص ~~العقلاء لا عن # PageV10P320 # الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد ms4861 عليه. # ثم الأصل أن قوله: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) من صفات ~~الربوبية، وفيه امتداح الرب - تعالى - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا ~~منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن ~~يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم أن يكون ~~منهم. # وقوله - عز وجل -: (وما يعلم جنود ربك إلا هو): # فالجنود هو اسم للجماعة التي ينتقم بها، وينتصر بها. # وجائز أن يكون قوله تعالى: (وما يعلم جنود ربك) منصرفا إلى الملائكة، ~~التي هي أصحاب النار، ليس ما جعله من خزنة النار عددا قليلا؛ لقلة جنوده، ~~(وما يعلم جنود ربك إلا هو)، أي: لا يعلم مقادير قواهم وأحوالهم إلا الله؛ ~~فمعناه: لا يعلم جنود ربك، أي: لا يعلم قوة هؤلاء الجنود وبطشهم وهيبتهم ~~إلا هو. # ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار؛ على جهة الامتحان ~~للملائكة؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وكما ~~امتحن بعضهم في الدنيا بقبض الأرواح، وبعضهم باستنزال الأمطار، وغير ذلك. # وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم؛ لأنهم ~~يتلذذون بما يعذبون أهل النار، وينتقمون من أعداء الله تعالى؛ لأن المرء في ~~الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه، تلذذ به وتنعم. # ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: (وما يعلم جنود ربك إلا هو)، أي: وما ~~يعلم كثرة جنود ربك إلا هو. # ويحتمل: وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود، ويصلحون للانتقام إلا هو؛ ~~إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جندا ينتقم به من أعدائه، كما ~~في قصة البعوض في زمن نمرود، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل، ~~وإمطار الحجارة على قوم لوط، ونحو ذلك. # ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: (وما يعلم جنود ربك)، أي: لا يعلم ما ~~الذي يتخذ الله تعالى جندا للانتقام من الأعداء إلا هو؛ ألا ترى أن الله - ~~تعالى ms4862 - انتقم من بعض # PageV10P321 # الأعداء بالغرق، وهم قوم فرعون وقوم نوح - عليه السلام - وأهلك بعضا منهم ~~بالرياح، واتخذها جنودا عليهم، وأهلك بعضهم بالخسف؛ فيكون في هذا إيجاب ~~المراقبة من حلول النقمة والسخطة. # وقوله - عز وجل -: (وما هي إلا ذكرى للبشر): # جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر، أي: موعظة وتذكيرا لهم ~~ما إليه مرجع أمورهم. # وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة. # وقوله - عز وجل -: (كلا ... (32): # قيل: حقا. # وقيل: هو على الردع والتنبيه. # وقوله - عز وجل -: (والقمر. والليل إذ أدبر (33). # فهذا في موضع القسم؛ وقد ذكرنا أن القسم؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، ~~وإدبار الليل بمجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله، ~~وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله، ~~والنهار كله. # ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك ~~النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو ~~اجتهد المرء في جميع عمره -وإن طال- على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما ~~بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار ~~من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما ~~فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل ساترا عن درك أعين ~~الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟ لم يقدر عليه؛ فيكون فيه ~~إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ ~~فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا ~~يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء. # وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجملتهم تحت سلطانه ~~وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد. # وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما ~~إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول. # PageV10P322 # وقوله - عز وجل -: (أسفر (34)، أي: أضاء، وانتشر. # وقوله: (إذ أدبر)، ms4863 أي: ذهب. # وحكي عن الكسائي أنه قال: إن " دبر " لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس ~~الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون ~~في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر. # وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر)، وفي الحروف (إذا أدبر)، والمعروف (إذ أدبر) ~~كما قلنا. # وقوله - عز وجل -: (إنها لإحدى الكبر (35) قيل: يعني: السقر. # ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي ~~لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر. # وقوله - عز وجل -: (نذيرا للبشر (36). # فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهو كقوله تعالى: (وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر ~~الذين ظلموا)، فمنهم من قرأ (لتنذر) بالتاء، وصرف النذارة إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. ومنهم من قرأ بالياء، وصرفها إلى القرآن. # ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافا إلى الأشياء اللاتي ليست لهن ~~أفعال، فهو يقتضي أمرين: # أحدهما: ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سببا لم تحدث تلك ~~الأحوال من غير أن يكون علة لها؛ فنسبت إليها إذا صارت سببا؛ لحدوث تلك ~~الأحوال، وهو كقوله - عز وجل -: (وغرتهم الحياة الدنيا)، وحياة الدنيا لا ~~تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا ~~لتغريرهم. # والثاني: أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير، لكانت تغر، فنسب ~~إليها الغرور لذلك. # وقال في قصة إبراهيم - عليه السلام - (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس)، ~~والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال؛ لأنه لا فعل لها، ولكن عبادها لما ~~ضلوا بها، نسب الإضلال إليها، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها # PageV10P323 # أفعال لكان يقع منها الإضلال؛ فنسب إليها الإضلال؛ للوجهين اللذين ~~ذكرناهما؛ فكذلك النذارة أضيفت إلى النار هاهنا؛ لأنه عند ذكرها تقع ~~النذارة؛ فأضيفت إليها لذلك. # أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة، لكانت نذيرة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لمن شاء ms4864 منكم أن يتقدم أو يتأخر (37): # قيل: هو على التهديد كقوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وذلك إنما ~~يكون على إثر المبالغة في العظات، وتذكير عواقب الأمور، وقد بالغ في ذلك في ~~هذه السورة وبين عواقب أمور العباد. # ثم قوله - عز وجل -: (أن يتقدم أو يتأخر) قيل: أن يتقدم إلى طاعة الله، ~~أو يتأخر إلى معصية الله تعالى. # والأصل: أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات، وعلى بغض الشر ~~والمضار، ومن أحب شيئا طلبه، ومن أبغض شيئا اجتنبه، وهرب منه، وإذا طلب ~~شيئا تقدم إليه، وإذا هرب من شيء تأخر عنه؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن ~~الهروب بالتأخر؛ فقيل في تأويل قوله - عز وجل -: (يتقدم) أي: إلى طاعة ~~الله، تجدي إليه المنافع في الآخرة، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته؛ ~~إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد. # وجائز أن يكون قوله: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر)، معناه: يتقدم، ~~ويتأخر بتخليق الله تعالى فعل التقدم والتأخر منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ ~~لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله تعالى؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في ~~إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى (كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات ~~يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من ~~المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا ~~نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~(48). # وقوله - عز وجل -: (إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون): # أصحاب اليمين هم الذين وصفهم الله تعالى في موضع آخر في كتابه، وهو قوله ~~- عز وجل -: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)، فاستثنى أصحاب اليمين من جملة # PageV10P324 # المرتهنين؛ لأنه ذكر الرهون بلفظ يعبر بها عن الجمع، وهو قوله: (كل نفس)، ~~فاستقام استثناء الجماعة من تلك الجملة، أي: أصحاب اليمين قد سبقت منهم ~~الأعمال التي يستوجبون بها الإطلاق عن الحبس؛ لأن المجرمين صاروا مرهونين ~~بإجرامهم، وأصحاب اليمين قد اكتسبوا الخيرات، وعملوا الصالحات، ms4865 والأعمال ~~الصالحة جعلها الله تعالى مكفرة للمساوئ والإجرام؛ كقوله: (لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون). # وقوله - عز وجل -: (في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في ~~سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43). # فظاهر هذا يؤدي إلى أن التساؤل كان من أهل الجنة بعضهم بعضا، وإذا صدر ~~السؤال عن بعضهم بعضا فحقه أن يقال: " ما سلكهم في سقر "؛ لأن أهل السقر لم ~~يسألوا، بل سئل عنهم غيرهم؛ ألا ترى أنه قال: (عن المجرمين)، ولم يقل: " ~~يتساءلون المجرمون "؛ فثبت أن الظاهر يقتضي أن يكون المخاطبون غير ~~المجرمين؛ لذلك قلنا: إن حق مثله أن يقال: " ما سلكهم في سقر "، لكنه يحتمل ~~أن يكون قوله: (عن) زيادة في الكلام، وحقه الحذف والإسقاط، وإذا حذف ارتفع ~~الريب والإشكال؛ كأنه قال: في جنات يتساءلون المجرمين؛ فيكون فيه تثبيت أن ~~أهل السقر هم الذين خوطبوا بالسؤال. # وجائز أن يكون أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن مكان المجرمين، أين مكانهم؟ ~~وأين هم؟ فيطلعون عليهم فيسألونهم: (ما سلككم في سقر)؟ فيقولون إذ ذاك: (لم ~~نك من المصلين. . .) إلى آخر الآية؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: (فاطلع ~~فرآه في سواء الجحيم)؛ فثبت أنهبم يطلعون على أماكنهم، فإذا رأوهم سألوهم ~~عن ذلك بقوله: (ما سلككم في سقر)، فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ~~(لم نك من المصلين. . .) إلى قوله: (وكنا نكذب بيوم الدين). # والأصل: أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان إذا أضيفت إلى من ليس من ~~أهل الإيمان، أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان، أريد بها أعين ~~تلك الأفعال. # والذي يدل على هذا هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم ~~الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه ~~الإيمان؛ فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها؛ وإنما أريد بها ~~القبول والإقرار بها؛ والذي يدل على # PageV10P325 # صحة ما ذكرنا قوله - عز وجل -: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ms4866 لو يشاء الله أطعمه)؛ فثبت أنهم جحدوا أن ~~يكون عليهم إطعام؛ فدل أنه أريد بذكر الإقامة قبولها، لا وجود عينها، ~~وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقروا بإيتاء الزكاة، وقد يجوز أن يذكر ~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول؛ قال الله تعالى: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد ~~الإيتاء من شرط التخلية؛ بل كان معناه على القبول، فإذا أقروا بالصلاة ~~وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزم تخلية سبيلهم وإن لم يوجد منهم الفعل ~~بعد؛ فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل؛ ~~لما ذكرناه. # هذا إذا ثبت أن تأويل قوله: (لم نك من المصلين) منصرف إلى الصلاة ~~المعروفة، فكيف وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين: الموحدين هاهنا؛ لأن أهل ~~الصلاة هم المسلمون، يقال: " أجمع أهل الصلاة على هذا "، ويعني به ~~المسلمون. # ثم الله - عز وجل - جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة ~~وترك الإطعام، وهذا - والله أعلم - يحتمل وجهين: # أحدهما: أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة هو الذي يقر بيوم ~~الدين؛ لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء؛ لما يطمع من المنافع في ~~العواقب، ويتقي بتركها مخافة التبعة في العواقب؛ فإذا لم يقر بيوم الدين، ~~لم يرج المنافع، ولا خاف المضار؛ فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع ~~الصلاة، وعلى ترك إيتاء الزكوات، وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله - ~~عز وجل -: (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض ~~على طعام المسكين)؛ لعدم رجاء العواقب؛ فإذا لم ير لفعله عاقبة، لم يقم ~~بالانتصار لليتيم، ولا قام بالإحسان للمسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله ~~على الجور على اليتيم، وترك الإحسان إلى المسكين؛ فلذلك جمع في الذكر بين ~~تكذيب يوم الدين وبين ترك الصلاة، وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. # وجائز أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وظفت ~~عليهم بالإسلام؛ لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين، لزمهم تحمل هذه الأحمال من ~~إقامة # PageV10P326 # الأفعال؛ ms4867 والصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطعام المساكين، وصيام شهر رمضان، ~~وغير ذلك من العبادات؛ فاشتد عليهم ذلك؛ فتركوا الإيمان بها؛ لئلا يلزمهم ~~تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (وكنا نخوض مع الخائضين (45): # فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. # وقوله - عز وجل -: (حتى أتانا اليقين (47): # أي: حتى أيقنا أنا كنا على باطل فيما كنا نخوض فيه. # وقوله - عز وجل -: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) معناه: أن لا شفيع ~~لهم؛ والأصل: أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر، فقيل: ليس لهم شفعاء، أو ~~لا تنفعهم شفاعة الشافعين، اقتضى نفي الشفاعة، أي: لا شفيع لهم. # وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى نفي الانتفاع بشفاعة الشفعاء، ولم يقتض ~~نفي الشفاعة؛ كما ذكرنا: أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان إذا أضيفت ~~إلى الكفار فهي تقتضي نفي القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان فهي تقتضي ~~نفي الفعل. # وقولنا بأنه إذا قيل: " لا شفيع له "، وأريد به أهل الإسلام، فهو يقتضي ~~نفي الانتفاع، ولا يقتضي نفي الشفاعة - فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال ~~والخوارج؛ لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين للشفاعة، وهم ~~يقولون: لا يجوز في حكم الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر، بل يخلدهم في ~~النار؛ لأن الله تعالى أوعد النار لمن ارتكب الكبائر، وأخبر أنهم يخلدون ~~فيها؛ فلا يجوز أن يقع في وعده خلف، أو يتحقق في خبره كذب، ولو استوجبوا ~~الشفاعة، ونالوا بها المغفرة من رب العزة، لصار فيما وعد مخلفا، وفيما أخبر ~~كذوبا؛ فمثل هؤلاء إذا ارتكبوا الكبائر لا يرجى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا؛ ~~بل يحكم عليهم بالخلود في النار؛ فيرتفع ما يثبت الكذب وينتفي ما يوجب خلف ~~الوعد. # ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر، وجب أن يكون ~~نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: (كما بدأكم تعودون. ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)؛ فلا يجوز أن يحق عليهم العذاب ثم لا ~~ينالهم العذاب إذا بعثوا. # ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة ms4868 بقوله: (فما لنا من شافعين) # PageV10P327 # ، وبقوله: (أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة)، وبقوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~عدل ولا تنفعها شفاعة)، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ؛ فمن حسن ~~عمله نجا به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع، ولو وجب نفي ~~الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة، لوجب تحقيقها بقوله: (ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)، وبقوله: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن له الرحمن ورضي له قولا)؛ إذ في هاتين الآيتين أن الله تعالى قد ~~يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض؛ فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة، لم يقتض نفيا ~~على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب القول بثبوتها لبعضهم. # ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول بالشفاعة لأهل الكبائر؛ فثبت أن ~~ما ذكر من قوله - عز وجل -: (فما لنا من شافعين)، وقوله: (ولا خلة ولا ~~شفاعة)، منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول. # ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار ~~الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه: (ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك)، فأما أصحاب الكبائر؛ فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد؛ بل يخلدون في ~~النار. # فيقال لهم: فأية منفعة تحصل للذين تابوا واتبعوا سبيله في الشفاعة، وهم ~~قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم، واتباعهم سبيل الرشاد. # فإن قالوا: منفعتهم بها: أنه يعظم قدرهم عند الله تعالى، ويستوجبون بها ~~فضل الدرجات؛ كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة، ~~ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته، ~~وإعظام قدره عندهم؛ ليعظموه، ويبجلوه، فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند ~~الله تعالى على أوليائه خيرا؛ ليزيد في درجاتهم، وتعظم منزلتهم عند الله ~~تعالى. # والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول ~~الشهوات، ms4869 وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع؛ إذ لا حاجة ~~لهم إلى ما هو # PageV10P328 # في حق الفضول من الشهوات؛ فيكون في مثالها دفع الحاجة، والوصول إلى ~~المنفعة، ومعلوم أنهم إنما طمعوا في الشفاعة؛ لما يحصل لهم بها من المنفعة ~~وإنما تحصل لهم بها المنفعة إذا وقعت إليها الحاجة، وأهل الكبائر هم الذين ~~تمسهم الحاجة إليها، فأما الذين تابوا وأنابوا فقد استغنوا عن الشفاعة؛ ~~لذلك وجب القول بتحقيق الشفاعة في أهل الكبائر. # وأما استدلالهم بما ذكروا من أمر الشهود، فليس بمحكم من القول؛ لأن المرء ~~إنما يذكر أخاه بالجميل، ويظهر ما اشتمل عليه من خلال الخير لجهل الملوك ~~بحاله فيما هو عليه من جميل الخصال، ومحمود الفعال؛ ألا ترى أن الملك إذا ~~كان عالما بحاله، لم يقدم الإنسان على نشر الجميل منه؛ فثبت أن الذي يحوجه ~~إلى الثناء عليه عند الملوك جهل الملوك بحاله؛ ولا يجوز أن يكون الله تعالى ~~يخفى عليه حال أحد، وما هو عليه من ظواهر أموره وبواطنها حتى يحتاج إلى ~~معرف يعرفه؛ فبطل أن تكون الشفاعة للوجه الذي ذكروه، وثبت أنها للوجه الذي ~~ذكرناه. # ثم العفو والصفح عن إحلال العقوبة بمن هموا أن يعاقبوه بجريمة سبقت منه، ~~ثم الشفاعة فيما بين الخلق أمر معهود أنها تكون عند زلات يستوجب بها ~~العقوبة والمقت؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء؛ فلا ينكر أن ~~يكون الله تعالى يعفو عمن استوجب العقاب بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء ~~والأبرار، والله الموفق. # * * * # قوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت ~~من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا ~~يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا ~~أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56). # وقوله - عز وجل -: (فما لهم عن التذكرة معرضين): # جائز أن يكون تأويله: ما لهم معرضين عن ذكر ما لهم، وما عليهم، وعما إليه ~~مآلهم ومنقلبهم؛ وذلك يكون في الرسول وفي القرآن؛ لأن كل واحد منهما ms4870 يذكر ~~للمرء ما له وعليه، والله أعلم. # وجائز أن يكون تأويله: فما لهم عما به يشرف قدرهم، ويصيرون به مذكورين في # PageV10P329 # الملأ الأعلى - معرضين؛ وذلك يكون في طاعته، والإقبال على عبادته، وهو ~~كقوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم)، معناه: أنكم تصيرون به ~~مذكورين، ويعظم قدركم لو اتبعتموه، ولم تضيعوا حرمته. # وقوله - عز وجل -: (كأنهم حمر مستنفرة (50). # بنصب الفاء وخفضه. # فمن قرأ بخفض الفاء صرف الفعل إليها، كأنه يقول: حمر نافرة، ونفر واستنفر ~~واحد؛ كما يقال: استرقد القوم، أي: رقدوا. # ومن قرأ بنصب الفاء، فتأويله: أنه فعل بها ما يحملها على النفار، وذلك ~~يكون بالرمي وبالقانص من الأسد، كما ذكره أهل التفسير في تأويل القسورة هي ~~الأسد، أو الرماة، أو الصيادون. # ويقال: هي النفرة، وكان هذا تشبيها بالحمر الوحشية التي في طبعها النفار. # ووجه التقريب هو أن هؤلاء أعرضوا عما في الإقبال عليه نجاتهم وتخلصهم من ~~العطب، ونفروا كنفار الحمر المستنفرة من العطب والهلاك. # وفي هذه الآية تبين شدة سفههم وغاية جهلهم؛ لأن الحمر تنفر عن القانص ~~والرامي والأسد؛ لتسلم من الهلاك والعطب، وهؤلاء الكفرة نفروا عما فيه ~~نجاتهم إلى ما فيه هلاكهم وعطبهم؛ فهم أشر من الحمير وأضل. # وقوله - عز وجل -: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52). # قال بعض أهل التأويل: إن المشركين قالوا: يا محمد، بلغنا أن الرجل في بني ~~إسرائيل كان إذا أذنب ذنبا، فيصبح، وجد صحيفة معلقة على باب داره أو مكتوبا ~~عند رأسه: إنك أذنبت كذا. # وزاد بعضهم: إنك أذنبت كذا، وتوبتك كذا. # وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلهم كذلك؛ فأخبر الله تعالى ~~ذلك عنهم، ثم آيسهم عن ذلك، فقال: (كلا)، أي: لا تنالون ما تأملون. # وقال قتادة: قالوا: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فائت كل واحد منا بصحيفة ~~خاصة: إلى فلان بن فلان، تأمرنا فيها باتباعك. # PageV10P330 # وقيل: سألوا أن يؤتوا ببراءة بغير عمل. # ولكن لا يجب قطع الأمر على واحد من هذه التأويلات، بل يقال بها على ms4871 جهة ~~الإمكان والاحتمال؛ لأن هؤلاء المفسرين لم يشاهدوا أولئك القوم الذين صدرت ~~منهم هذه الإرادة؛ ليخبروهم ماذا أرادوا به؟ حتى يثبت ما ذكروا من القصة ~~والأخبار، ولا تواترت الأخبار من عند ذي الحجة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أنهم سألوه ذلك؛ لذلك لم يستقم قطع الأمر على ما ذكروا. # وجائز أن تكون هذه الإرادة تحققت في بعض الكفرة وهم الرؤساء منهم ~~والأكابر، لا أن أراد كل في ذات نفسه أن يؤتى صحفا منشرة. # والإرادة هاهنا عبارة عن الطلب، ثم طلبهم ما ذكر يتوجه إلى أوجه ثلاثة: # أحدها: أن يكون كل واحد من عظمائهم ود أن يكون هو المخصوص بإنزال الكتاب ~~عليه؛ كما قال في آية أخرى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله)؛ فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، على جهة التعنت والعناد؛ ليصير ذلك آية لهم في تحقيق رسالة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال الله تعالى حكاية عنهم: (وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. . .) إلى قوله: (أو ترقى في السماء ~~ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه)، ففي هذه الآية إبانة أنهم ~~كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم؛ ليتقرر لديهم رسالة نبينا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، وكان ذلك على جهة التعنت والعناد؛ وإلا لو تفكروا في ~~حاله أداهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته ~~بكتاب ينزل عليهم، والله أعلم. # وجائز أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأولى بإنزال الكتاب عليهم؛ لما رأوهم أفضل من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ألا ترى إلى قوله: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم)، وقال في آية أخرى: (أأنزل عليه الذكر من بيننا)، ~~فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى؛ إذ هم أولى أن يخصوا بهذه ~~الفضيلة. # وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية، لأن هذه المعاني التي ms4872 ذكرناها ~~قد ظهرت منهم بمتلو القرآن، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ ~~تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الإخبار عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها، والله أعلم. # PageV10P331 # وقوله - عز وجل -: (كلا بل لا يخافون الآخرة (53): # إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان ~~بالآخرة؛ وإلا لو آمنوا بها، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد ~~والتعنت، وعلى ترك الجسر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويدعوهم إلى ~~الإذعان للحق. # وقوله: (كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) سنذكر معنى هذه الآية في ~~سورة " عبس وتولى "، وسنذكر معنى قوله: (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) في ~~سورة " إذا الشمس كورت ". # وقوله: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56): # فأهل التأويل صرفوا قوله (هو أهل التقوى) إلى الله تعالى. # وجائز أن يصرف إلى البشر. # فإن كان المراد من قوله - عز وجل - (هو أهل التقوى): البشر؛ فيكون معنى ~~قوله: (هو أهل التقوى)، أي: الذي يقوم بالذكر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~(وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها)، فجعل الذين ألزمهم كلمة ~~التقوى من أهل التقوى، وإن كان المراد من قوله: (هو أهل التقوى)، أي: الله ~~- سبحانه وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه تعالى. # والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر؛ لإحدى ~~خصال ثلاث: # إحداها: لما يرى من افتقاره وحاجته إليه؛ فيتقي العثرة إليه؛ تبجيلا ~~وتعظيما. # أو يتقي زلته؛ ذلك لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه. # أو يتقي زلته؛ لكثرة نعمه وأياديه؛ استحياء منه. # وإذا كانت هذه الأشياء هي الداعية إلى الاتقاء، فإن الخلائق بأجمعهم ~~مفتقرون ومحتاجون إلى الله تعالى، وله القدرة والسلطان عليهم، وهو المنعم ~~المتفضل على كل أحد، فهو أهل أن يعظم ويوقر، وأن يخاف نقمته، ويستحيا منه، ~~ومن اتقى صار أهلا لأن يغفر له. # وجائز أن يكون معنى قوله - عز وجل -: (هو أهل التقوى)، ms4873 أي: هو أهل لأن ~~يسأل منه ما يتقي به من النار بقوله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين)، وبقوله: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، ثم علمنا وجه الاتقاء # PageV10P332 # بقوله: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ~~فبين أن الاتقاء أن يفزع إلى الله تعالى، ويتضرع إليه؛ ليتقي بفضله ورحمته، ~~وقال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا)، فأمرنا - جل جلاله - بالمناصبة ~~مع الشيطان؛ للمحاربة، وأخبر أن محاربته أن نفزع إلى الله - تعالى - ~~بالاستعاذة بقوله - عز وجل -: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، ~~وقال في آية أخرى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. . .) الآية، فهو أهل ~~أن يطلب منه ما يتقي به، وأهل أن يستعاذ به؛ لدفع كيد العدو. # (وأهل المغفرة)، أي: أهل أن يطلب منه المغفرة، جعلنا الله - تعالى - من ~~أهل التقوى والذين من عليهم بالمغفرة. # وقال بعضهم: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة)، أي: هو أهل أن يتقي عنه، وأهل ~~أن يغفر لمن اتقاه، والله المستعان. # * * * # PageV10P333 ### | سورة القيامة، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) ~~أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل ~~يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسأل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق البصر ~~(7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر ~~(10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الإنسان يومئذ بما ~~قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15). # قوله - عز وجل -: (لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة)، ~~اختلف في تأويله: # فمنهم من ذكر: أنه أقسم الله تعالى بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس ~~اللوامة، ذكر ذلك عن الحسن، ويكون معناه: لأقسم بيوم القيامة ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة. # لكن ذكر عنه أنه يقول في قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا ~~البلد. ووالد وما ولد): إن القسم يقع على البلد ووالد وما ولد، والوالد هو ~~آدم عليه السلام، وما ولد جملة أولاده عليه السلام، ms4874 فإذا كان القسم جائزا ~~بالوالد والمولود جميعا، كانت النفس اللوامة داخلة في جملة المولود فقد ~~أقسم بالنفس اللوامة عنده؛ فلا معنى للرد هاهنا ثم موقع " لا " في قوله: ~~(لا أقسم) وتأويله - يذكر في قوله: (لا أقسم بهذا البلد) في سورة يذكر فيها ~~الكبد. # ومنهم من ذكر أن القسم وقع بهما جميعا، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من ~~خلقه. # ثم صرف بعض أهل التأويل معنى القسم إلى قوله تعالى: (أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه)، وجعله موضع القسم، فإن كان على هذا، فالإشكال عليه أن يقول ~~قائل: كيف أكد أمر البعث، وجمع العظام بالقسم بيوم القيامة، وقد جرى من ~~القوم الذين احتج عليهم بهذه الآية الإنكار بيوم القيامة، فكأنه أكد القسم ~~بشيء جرى به الإنكار؟ # PageV10P334 # والجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن يكون القسم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث؛ إذ قد ~~بينا في غير موضع: أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة، ولولا ~~البعث، لكان خلقه عبثا باطلا، كقوله - عز وجل -: (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)، كأنه قال: لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون ~~القيامة كذا أن يكون كذا. # وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن ~~النظر فيها، حمله ذلك على القول بالبعث، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم ~~القيامة وبالنفس اللوامة؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو ~~إلى القول بالبعث. # ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها، وجل قدرها في القلوب؛ ~~وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين: # إما بما كثرت منافعها؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا. # أو بعظم خطرها بالدلائل والأخبار، فالسماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة ~~أقدارهما بالعيان؛ بما كثرت منافع الخلق بهما. # وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب؛ وثبت القول بكونه بالدلالات ~~والبراهين. # ثم قد وصفنا أن الله - تعالى - أقسم بأشياء؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب ~~القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه؛ وأعملت فيه الروية؛ لذلك استقام ~~القسم بها، والله ms4875 أعلم. # واختلف في النفس اللوامة: # قال بعضهم: النفس اللوامة هي النفس الكافرة، تلوم ربها في الدنيا أبدا في ~~تضييق العيش عليها، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها، مع كثرة نعم الله ~~عليها وإحسانه إليها. # ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة، فهي تلوم غيرها؛ ~~لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها، وامتحنت بها، والحق على كل أحد ألا ~~يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله، ولكنها أنشئت ~~كذلك لوامة، كما قال: (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا). # ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به ~~من نقمة الله تعالى ند على ما فرط في جنب الله، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك ~~يلوم نفسه، # PageV10P335 # والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال ~~المقام في المحراب؛ وأبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ ~~منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ ~~لأزداد في الثواب! # ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم ~~إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك يشغله عن اللوم على نفسه؛ فلا يتفرغ له. # ولأن الله - تعالى - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ~~ما استوجبه بعمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم نفسه بتقصيرها في العمل، ~~وهو يعلم أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل الله ~~تعالى وبكرمه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3): # فقوله: (أيحسب الإنسان) وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو ~~باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون ما حمله على ~~الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها ~~وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)، فمن ~~تفكر في النشأة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن ms4876 صارت ~~رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها. # وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها؛ لأنها لو جمعت بعد ~~التفريق، لم تكن تفرق بعد أن وجدت مجموعة؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا ~~يقصد إلى نقض ما بنى؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المتقدمة، ومن فعل ذلك كان ~~عابثا في هدمه، ولم يكن حكيما، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على ~~الحسبان، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء، ~~والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي ~~وقع له الجمع في الابتداء، كان مستقيما صحيحا، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا ~~لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء له؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه ~~إذا أعاده لا للوجه الذي كان بني أول مرة، لم ينكر عليه. # وفيما ذكرنا رد قول الباطنية؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف؛ ~~فلا تبعث، # PageV10P336 # وأن البعث يقع على الأنفس الروحانية، ولو كان كما زعموا، لم يكن لقوله: ~~(أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه) معنى؛ لأن العظام لا تجمع على قولهم بعدما ~~صارت رميمة؛ فيكون الأمر إذن على ما وقع في حسبان هذا الإنسان؛ فلا معنى ~~للرد عليه بقوله: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه)؛ ألا ترى أن الذي حمله ~~على الإنكار لجمع العظام بعد تفريقها هو أنه لم ير هذا موجودا في الشاهد، ~~ولو كان الأمر على ما زعمت الباطنية، لكان الإنكار مدفوعا؛ إذ وجد النفس ~~الروحانية مبعوثة في الشاهد بعد توفيها، وقال الله تعالى: (قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة)، فأخبر أن الأنفس التي أنشئت أول مرة هي التي تحيا، لا ~~غير. # وقوله - عز وجل -: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4): # فمنهم من حمل هذه الآية على الابتداء، وزعم أنه ليس فيها جواب لما يقتضيه ~~قوله - عز وجل -: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه). # ومنهم من ذكر أن قوله: (بلى)، جواب لقوله: (أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه)، ms4877 فاكتفى بقوله: (بلى) بما سبق منه من الدلالات والحجج على القول ~~بالبعث؛ فاقتصر على قوله: (بلى) على الوصل بما تقدم من الدلالات. # ومنهم من جعل جوابه في قوله: (قادرين على أن نسوي بنانه)، معنى تسوية ~~البنان: هو الجعل من عظم واحد، مجموعا غير متفرق، مثل خف البعير، وحافر ~~الدواب. # ووجه الاستدلال: أنهم أقروا بأن الله تعالى قادر على أن يسوي البنان؛ لما ~~رأوا التسوية موجودة في الدواب، ثم الجمع بعد التفريق أظهر وجودا وأيسر ~~فعلا من تسوية البنان؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يقدر على التأليف ~~والجمع بين أشياء متفرقة، ويعجز عن تسوية البنان؛ فإذا كانت التسوية أعسر ~~وجودا من الجمع بعد التفريق، ثم وصفوا الله تعالى بالقدرة على تسوية ~~البنان، فكيف أنكروا قدرته على جمع العظام بعد تفريقها؟ تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا!!. # ومنهم من يقول بأن الله تعالى لما لم يسو بين بنان الإنسان، وسوى بين ~~بنان الدواب؛ ليصل إلى الأخذ والإعطاء، وإلى التقديم والتأخير، والقبض ~~والبسط، وأنواع المنافع التي # PageV10P337 # خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام؛ فعلم بالتفريق ~~بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة، وألا يتركهم سدى، لا ~~يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يستأديهم شكر ما أنعم الله عليهم؛ وقد ائتمر البعض ~~وعصى البعض؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة؛ فالنظر في هذا يحمله على القول ~~بالبعث والجزاء. # ولأن الاستواء يقع في الابتداء، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة، ~~والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء، فإذا لم يتعذر عليه ~~الاستواء في الابتداء؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في ~~الابتداء؟ # ولأنهم لما لم يخلقوا مستوية البنان، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة، ~~ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذلك يخرج عن حد الحكمة؛ فيكون ~~فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها، وتفتتها، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5): # قال أهل ms4878 التفسير: يؤخر التوبة، ويقدم المعصية، ويقول: " سوف أتوب "، ~~فيأتيه الموت على شر حاله. # وعندنا يخرج على وجهين: # أحدهما: جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها؛ ولكن من فعل شيئا فعله ~~على الإرادة والاختيار، فكنى بالإرادة عن الفعل، لأنها تقترن بالفعل؛ فيكون ~~في ذكرها ذكر الفعل، وهو كقوله - عز وجل -: (وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا)، ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض ~~خلقتا باطلا، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء، ففي ترك القول ~~بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل، ويؤدي إلى هذا؛ فيصير كأنهم قالوا ~~ذلك، وظنوا كذلك؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن، لا أن وجد منهم الظن في ~~الحقيقة؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار؛ ~~فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة لذلك ~~مقصودا. # وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة، وذلك أن للشر والفجور سبلا من ~~سلكها أفضى به إلى أن يستحق اسم الفجور، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى ~~به الأمر إلى # PageV10P338 # أن يستحق اسم البر والتقوى، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور ~~بسلوكه ذلك السبيل، وصار مريدا من هذه الجهة. # ثم قوله: (أمامه)، يحتمل وجهين: # أحدهما: فيما بقي من عمره؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد، ويمضي على ~~العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال. # ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة، ثم قال في موضع: (ويذرون وراءهم ~~يوما ثقيلا)، بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا؛ فيكون قوله: ~~(وراءهم)، أي: وراء الأوقات التي خلت ومضت؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى ~~الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك ~~الفاجر يكون أماما؛ لأنه يكون أمام هذا الفاجر؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام ~~والوراء جميعا. # ثم ذكر الفجور، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه ~~كافرا؛ لأن في ذكر الفجور تعييرا وتشيينا؛ إذ هو اسم للتعيير خاصة، وليس في ~~نفس الكفر تعيير؛ إذ كل ms4879 أحد -مؤمنا كان أو كافرا- مؤمن بشيء كافر بشيء، ~~فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا؛ بل بمعناه ما قبح؛ فكان الفجور أبلغ في ~~التعيير من الكفر؛ فسمي به، والله أعلم. # وقال أبو بكر: معنى قوله: (يريد الإنسان ليفجر أمامه)، أي: يريد أن يعاين ~~يوم القيامة، ويعلم به أنه متى هو؟ تفسيره على أثره. # قوله - عز وجل -: (يسأل أيان يوم القيامة (6) أي: يريد أن يعلمه بسؤاله ~~متى هو؟ فأخبر أنها تقوم إذا (برق البصر)، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يسأل أيان يوم القيامة) سؤاله هذا سؤال تعنت ~~واستهزاء؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب، وإنما يقع ~~الزجر والرغبة بتذكير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم؛ فلذلك ذكر الأحوال ~~التي تكون في ذلك اليوم، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون؟ إذ ليس في ~~معرفة وقته كثير حكم، فيجيبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجواب ~~الحكماء، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم. # وقوله - عز وجل -: (فإذا برق البصر (7): # قيل: دهش وتحير، ثم اختلف بعد هذا: # PageV10P339 # فمنهم من صرف هذا إلى حالة الموت. # ومنهم من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة. # وإلى أي الحالين صرف التأويل، فهو مستقيم؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه ~~بأس الله تعالى، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث، وعلم به. # ثم إن كان المراد به حالة الموت؛ فقوله - عز وجل -: (فإذا برق البصر (7) ~~وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الإنسان يومئذ أين المفر) يخرج ~~على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأن بصره إذا دهش وتحير، صار بحيث لا ينتفع ~~ببصر وجهه، ولا ببصر قلبه، لا يرى ضوء القمر؛ فيصير القمر كالمنخسف، وتصير ~~الشمس والقمر كالمجموعين، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر؛ فيصير النهار ~~عليه ليلا، والليل نهارا؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال، وهو كما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر "، وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم ms4880 -: " من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله، أحب الله ~~لقاءه " فصرفوا تأويل هذين الخبرين إلى حالة الموت؛ وذلك أن الكافر يعاين ~~في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد؛ فكره مفارقة روحه من جسده؛ لئلا ~~يقع في تلك الأهوال والشدائد، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة، لا يجب ~~مفارقتها. # والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات، وأنواع الكرامات، ود الخروج من ~~الدنيا؛ ليصل إلى ما أعد له؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت؛ فيكون ~~هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا. # وإن كان ذلك على يوم القيامة، فهو على تحقيق الخسف، وجمع الشمس والقمر. # وقوله - عز وجل -: (يقول الإنسان يومئذ أين المفر): # يحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (أين المفر)، أي: ليس لي موضع فرار عما حل ~~بي. # أو يقول: إلى أين أفر؟ وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من العذاب؟ والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (فإذا برق البصر): # PageV10P340 # قال بعضهم: إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله - عز وجل -: ~~(ليوم تشخص فيه الأبصار)، فيشخص ببصره إلى الداعي؛ لأنه قد علم أن الذي حل ~~به من بأس الله تعالى هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا؛ فيسارع ~~يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي. # وقوله - عز وجل -: (وخسف القمر (8) أي ذهب ضوءه ونوره؛ ففيه أن أن عالم ~~في ذلك اليوم يغير ويبدل، كقوله - تعالى -: (يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات)، وقال: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة)، وقال: (ينسفها ربي ~~نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا). # وقوله - تعالى -: (وجمع الشمس والقمر (9): # فيه أن سلطانهما يذهب؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك. # ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين، أو ~~الثورين القرينين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها. # وذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أنكر هذا، وقال: " إنهما خلقان ~~لله تعالى، طائعان له - عز وجل - ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وسخر لكم ~~الشمس والقمر دائبين)، ms4881 يدأبان في طاعة الله تعالى، ومن كان هذا وصفه؛ فلا ~~يجوز أن يعذب ". # وعندنا أن إلقاءهما إن ثبت، فهما يلقيان في النار؛ ليعذب بهما غيرهما، ~~وهم الذين عبدوهما من دون الله تعالى، وذلك كقوله - عز وجل -: (إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم) الآية، ومعلوم أن الأصنام التي عبدت من دون ~~الله لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها، وقال الله ~~تعالى: (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة)، ولا يجوز أن يكون الملائكة ~~يمسهم أذى النار، بل هم الذين يعذبون؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما ~~يلقيان في النار، فهما يلقيان؛ ليعذب بهما من عبدهما، لا أن يعذبا ~~بأنفسهما، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) جائز أن يكون ~~قوله: (أين المفر) على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر؟ وإلى من ألتجئ؛ ~~لأتخلص من بأس الله وعذابه؟! # ويحتمل أن يكون قوله: (أين المفر)، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي؛ # PageV10P341 # لإيقانه أن ليس له مفر. # وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (كلا لا وزر (11). # وذكر أهل التأويل أن الوزر هو الجبل بلغة حمير. # وذكر عن الحسن قال: كانت العرب يخيف بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض؛ ~~فكان يكون الرجلان في ماشيتهما فلا يشعران حتى يريا نواصي الخيل، فيقول ~~أحدهما لصاحبه: الوزر الوزر، يعني: الجبل؛ فكأنه يقول: ليس لهما إذ ذاك ~~تفريج ولا تسل من الأحزان كما يتسلى من يأوي إلى الجبل في الدنيا عن بعض ما ~~يحل به من الأفزاع. # وقيل: الوزر: الملجأ. # وقوله - عز وجل -: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) فتأويله: أنه ~~ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله؛ كقوله: (لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها). # وقال بعض أهل التأويل: بما قدم من أنواع الطاعة، وما أخر من حق الله ~~تعالى من اللوازم التي كانت عليه. # وقال بعضهم: بما أعلن، وأسر. # وقال بعضهم: بما ms4882 قدم في حياته من أعمال، وما أخر، أي: ما سن من سنة، ~~فاستن بها بعد موته. # وقد ذكرنا أنه باللطف من الله تعالى ما يعلم بالذي قدم من الأعمال ~~وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه؛ وإلا فالمرء في ~~هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا ~~وقف على علم ذلك. # وقوله - عز وجل - (بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره ~~(15): # هذا يخرج على وجهين: # PageV10P342 # أحدهما: جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا: أن الإنسان بصير بعمل نفسه، ~~وإن جادل عنها: أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن الناس، (ولو ألقى معاذيره)، ~~أي: أرخى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر. # والوجه الثاني: أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين)، وقال: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم)، ~~فيقدمون على الحلف؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم. # والثاني: أن يكون معنى البصيرة: الشاهد، أي: أن الإنسان على نفسه شاهد ~~يوم القيامة بسوء أفعاله، (ولو ألقى معاذيره)، أي: وإن ستر على نفسه، شهدت ~~عليه جوارحه، وذلك نحو قوله - عز وجل -: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون)، وقوله - عز وجل -: (شهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم. . .) الآية. # فإن قيل: إن الإنسان مذكر، كيف وصف بالبصر بلفظة التأنيث بقوله: (بل ~~الإنسان على نفسه بصيرة)، ولم يقل " بصير "؟ # فجوابه من أوجه: # أحدها: ما قيل: إن الإنسان تسمية جنس فيه الجماعة، لا أن يكون تسمية ~~للشخص الواحد فقط؛ ألا ترى إلى قوله: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) ~~إلا الذين آمنوا)، استثنى الذين آمنوا من قوله: (إن الإنسان لفي خسر)، ولا ~~يستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله - عز وجل -: (لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا)، فاستثنى الذين ~~آمنوا من الإنسان؛ فثبت أن الإنسان ms4883 تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة ~~مضمرة فيه؛ كأنه قال: إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة؛ فيكون قوله: ~~(بصيرة) راجعا إلى الجماعة، والله أعلم. # وجواب ثان قوله: (بصيرة) وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل، حتى ~~لا يعزب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة؛ ~~كقولك: فلان علامة ونسابة، وراوية للشعر، وبالغة في النحو. # والثالث: أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل ~~والسمع والبصر # PageV10P343 # والرأس وغير ذلك، وفيها نفس أمارة بالسوء؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة، أي: ~~شاهدة عليه بما قدم وأخر. # وجائز أن يكون هذا على الإضمار؛ فيكون قوله: (بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة)، أي: نفس الإنسان بصيرة بما عملت. # ثم من الناس من يثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه؛ حتى تصير شاهدة عليه ~~يوم القيامة بقوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون)، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه، لكانت لا تشهد بما لا تعلم. # وليس الأمر عندنا على ما زعموا؛ لأنها لو علمت بذلك، لكان صاحبها يصل إلى ~~العلم من جهتها؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة، وقع لصاحبه العلم من ~~جهته، وكذلك السمع لما حصل فيه السمع، وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان ~~بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها؛ فلما لم يقع له العلم ~~بيديه، ولا برجليه، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لا حظ لها في ~~المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها، بما يحدث ~~الله تعالى فيها علما ضروريا بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك، ~~كما جعلت نطوقة في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله ~~أعلم. # * * * # قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19). # وقوله - عز وجل -: (لا تحرك به لسانك لتعجل به): # هذا كلام مبتدأ منفصل عن الأول، وذكر ms4884 أهل التأويل أن جبريل - عليه السلام ~~- كان إذا أتى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بالوحي، فكان لا يفرغ من ~~آخر آية حتى يقول نبي الله - عليه السلام - في أولها؛ مخافة النسيان، على ~~ما عليه عرف الخلق أنهم إذا أرادوا وعي الكلام وحفظه، كرروها بألسنتهم؛ كي ~~يضبطوها ولا ينسوها؛ فكان النبي - عليه السلام - يفعل ذلك؛ خشية النسيان؛ ~~فنهي عن ذلك بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)، وهو كقوله: (ولا تعجل ~~بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه). # وهذا عندنا مما لا يجوز أن نشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه كان يحرك لسانه قبل مجيء # PageV10P344 # هذه الآية، ويستذكره؛ مخافة النسيان إلا بأخبار متواترة؛ لأن هذا في حق ~~الشهادة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تجوز الشهادة على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعل كذلك إلا بتواتر الأخبار، فأما ~~أن يثبت بخبر واحد فلا. # ولا يقال بأنه لو لم يتقدم منه التحريك، لكان لا معنى للنهي؛ فإنه ليس ~~فيه ما يثبت مقالتهم، ويصحح تأويلهم، ويسوغ لهم الشهادة؛ لأنه يستقيم في ~~الابتداء أن ينهى فيقال: (لا تحرك به لسانك)، ولا تفعل كذا، وإن لم يسبق ~~منه ارتكاب ذلك الفعل، ولا تقدم منه تحريك لسان؛ فثبت أنه ليس في ضمن هذه ~~الآية بيان ما ادعوا. # هذا إذا ثبت أن قوله: (لا تحرك به لسانك)، وقوله: (ولا تعجل بالقرآن من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه)، على النهي؛ فكيف وهو يحتمل معنى آخر غير النهي، ~~وهو أن يكون هذا على البشارة له بالكفاية: أن قد كفيت مؤنة الاستذكار ~~للحفظ، وهذا من عظيم آيات الرسالة أن السورة تلقى عليه؛ فيحفظها كما هي، ~~مما يشتد على الناس حفظه وقراءته إلا أن يتكلفوا، ويجتهدوا في ذلك؛ فيعلم ~~بهذا أن الله - عز وجل - هو الذي أقدره على ذلك، وجعله آية من آياته، والله ~~أعلم. # ثم الأصل أن من ألقى إلى آخر كلاما متتابعا، نظر في ذلك الكلام: # فإن كان القصد منه ms4885 حفظ عين الكلام، فإن المخاطب به لا ينتظر فراغ المتكلم ~~عن ذلك الكلام، بل يشتغل بالتقائه وتحفظه ساعة ما يلقى إليه، كمن ينشد بين ~~يدي آخر شعرا، وأراد الآخر أن يحفظ ذلك الشعر ويعيه، فهو لا ينتظر فراغ ~~المنشد عن شعره، بل هو يأخذ بالتقائه في أول ما يسمع منه؛ إذ الغرض من ~~الأشعار حفظ أعينها دون معانيها؛ ألا ترى أن الألفاظ إذا حذفت منها خرجت عن ~~أن تكون شعرا. # وأما إذا لم يكن القصد من الكلام ضبط عينه، وإنما أريد به تفهيم ما أودع ~~فيه من المعنى، فالعادة في مثله الإصغاء إلى آخر الكلام؛ ليفهم معناه، وما ~~يراد به؛ ألا ترى أن من كتب إلى آخر كتابا فإن المكتوب إليه يقرأ الكتاب من ~~أوله إلى آخره؛ ليعرف مراد الكتاب، لا أن يشتغل بضبط ما أودع به من ~~الألفاظ؛ إذ ليس يقصد بالكتابة إلى حفظ الألفاظ. # PageV10P345 # فإذا كان المراد يتوجه من الكلام إلى ما ذكرنا، ثم القرآن قصد به الوجهان ~~جميعا: ضبط حروفه ونظمه، وتعرف ما أودع فيه من المعاني؛ إذ صار حجة بنظمه ~~ولفظه، وبالمعاني المودعة فيه - فقيل: لا تعجل بتحريك اللسان كما يفعل من ~~يريد التقاء الكلام الذي يلقى إليه؛ فإنك وإن أحوجت إلى حفظ نظمه وحروفه، ~~فقد كفيت حفظه بدون تحريك اللسان. # وجائز أن يكون نهي عن تحريك اللسان والمبادرة إلى حفظه قبل أن يقضى إليه ~~بالوحي؛ لما فيه من ترك التعظيم لمن يأتيه بالوحي، فأمر أن يصغي إليه سمعه، ~~ويستمع إلى آخره؛ تعظيما للذي أتاه بالوحي، وتوقيرا له. # ثم هذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأن من قولهم: إن القرآن لم ينزل ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤلفا منظوما؛ بل أنزل على قلبه ~~كالخيال، فصوره بقلبه، وألفه بلسانه؛ فأتى بتأليف، عجز الآخرون عن أن ~~يؤلفوا مثله. # ونحن نقول: بل أنزل هذا القرآن مؤلفا منظوما على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولم يكن التأليف من فعله؛ والذي يدل على صحة مقالتنا قوله ~~تعالى: (لا ms4886 تحرك به لسانك)؛ لأن التأليف لو كان من فعله - عليه السلام - ~~لكان لا يوجد منه تحريك اللسان وقتما تزل عليه؛ لأنه إذا كان كالخيال فهو ~~يحتاج إلى أن يصوره في قلبه، ثم يصل إلى التأليف بعد التصوير، وتتأتى له ~~العبارة باللسان، وإنما يقع التحريك من مؤلف منظوم؛ ثبت أنه أنزل هذا مؤلف ~~منظوم. # والثاني: أنه قال: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)، فهذه الآية نفت طعن أولئك الكفرة ~~الذين زعموا أن هذا ليس بقرآن، بل إنما علمه فلان، وكان لسان ذلك البشر ~~أعجميا، وهذا القرآن عربي؛ فكيف يستقيم أن يعلمه ذلك البشر، ولسانه غير هذا ~~اللسان، ولو كان هذا القرآن وقتما أنزل كالخيال، لكان ذلك الطعن قائما؛ ~~لأنه كان يؤلفه، ويجمعه باللسان العربي، وإن علم بالأعجمية لما قدر أن ~~يؤلفه، وينظمه بعد أن كان خيالا باللسان العربي. # وقوله - عز وجل -: (إن علينا جمعه وقرآنه (17): # PageV10P346 # فقوله: (علينا) يخرج على أوجه ثلاثة: # أحدها: أن علينا في حق الوعد جمعه وقرآنه؛ لأنه قد سبق منا الوعد في ~~الكتب المتقدمة بإنزال هذا القرآن وإرسال هذا الرسول؛ فعلينا إنجاز ذلك ~~الوعد ووفاؤه. # أو علينا في حق الحكمة جمعه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بتبليغ الرسالة، ولا يتهيأ له ذلك إلا بعد أن يجمع له فيؤديه إلى الخلق. # ولأن الله تعالى حكيم في فعله؛ ففعله موصوف بالحكمة، وإن لم نعرف نحن وجه ~~الحكمة في فعله. # وجائز أن يكون قوله: (إن علينا جمعه) في حق الرحمة والرأفة على الخلق، لا ~~أن يكون ذلك حقا لهم قبله تعالى، وهو كقوله - تعالى -: (ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك. . .) إلى قوله: (إلا رحمة من ربك)، فأخبر أنه أبقى ~~القرآن، ولم يذهب به؛ رحمة منه على عباده وفضلا. # وقوله - عز وجل - (وقرآنه)، أي: قراءته، وتسميته: قرآنا؛ كما قيل في ~~تأويل قوله: (وقرآنا فرقناه)، أي: جعلناه فرقانا. # وقوله - عز وجل -: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18): # أي: جمعناه في قلبك، أو ms4887 جمعنا حدوده، وما أودع فيه من المعاني. # أو جمعناه بعد أن فرقناه في التنزيل. # وقوله: (فاتبع قرآنه) اتباعه يكون بأوجه: في أن يبلغه إلى الخلق، ويعلم ~~أمته، ويتبع حلاله، ويجتنب حرامه، وغير ذلك. # وقوله: (ثم إن علينا بيانه (19): # جائز أن يكون قوله: (علينا بيانه)، أي: بيان ما أنزلناه إليك مجملا؛ ~~فيكون بيانه في تعريف ما هو بحق الائتمار، وما هو في حق الجواز، وما هو في ~~حق التحسين والتزيين؛ لأن الفرائض لها شعب وأركان وحواش. # أو نقول: فيها فرائض، ولوازم، وآداب، وأركان. # على هذا ففيه منع تعليق الحكم بظاهر المخرج؛ لأنه لو كان متعلقا به، لكان ~~البيان منقضيا بنفس المنزل؛ فلا يحتاج إلى أن يبين، وفيه دلالة تأخير ~~البيان عن وقت وقوع الخطاب في السمع. # PageV10P347 # ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: (علينا بيانه) أي: بيان ما هو بحق ~~الكنايات والنتائج منها، ما هو بحق الأصول والفروع، وما هو بحق المقصود، ~~فبين لرسوله - عليه السلام - معنى الأصول والكنايات؛ ليتعرف به فروعها ~~ونتائجها، ويبين لمن بعده ممن جاهد في الله حق جهاده، ويهديه لذلك، قال ~~الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). # أو يكون قوله: (ثم إن علينا بيانه) في أن نحفظك ونعصمك من الناس؛ لتمكن ~~من تبليغ ما أنزل إليك إلى الخلق، وتبين لهم، والله أعلم. # ووجه آخر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى كل من كان شاهدا ~~من الخلائق إلى يوم التناد، ثم لم يمكن من تبليغ الرسالة إلى كل أحد مما ~~ذكرنا بنفسه؛ فكأنه ضمن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التبليغ إلى ~~الخلائق كافة بما شاء - جل جلاله - بتسخير الرواة والحفاظ والعلماء ليبلغوا ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أدى إليهم. # أو يكون قوله: (ثم إن علينا بيانه)، أي: بيان المحق من المبطل، والولي من ~~العدو، وذلك يكون يوم القيامة؛ فيعرف الأولياء بما يجنون من الكرامات، ~~ويبين للأعداء والمبطلين ما يحل بهم من الحساب وأنواع العذاب. # * * * # قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة ms4888 (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ~~ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باسرة. تظن أن يفعل بها فاقرة). # وقوله - عز وجل -: (بل تحبون العاجلة). # فقوله: (كلا) ردع ومنع عما سبق منهم. # وفي قوله: (بل تحبون العاجلة) إبانة أن الذي حملهم على ما هم فيه من ~~الحسبان: أن العظام لا تجمع، وأن البعث ليس بشيء - حبهم العاجلة، وذلك أنهم ~~أولعوا بالعاجلة، وأحبوها حبا أنساهم عن الإيمان بالآخرة، أو عن النظر في ~~الحجج والبراهين التي لو أمعنوا النظر فيها أدتهم إلى القول بالبعث، وحتى ~~صاروا إلى ألا يرجوا الآخرة كقوله: (إن الذين لا يرجون لقاءنا. . .) الآية. # وقوله - عز وجل -: (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه ~~يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25): # PageV10P348 # ففيه بيان ما ينتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله تعالى، وآمن بالبعث ~~والحساب، وبيان ما ينتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته؛ فقوله: (وجوه يومئذ ~~ناضرة) جائز أن يكون أريد بها نفس الوجوه. # وجائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها، والذي يدل على ~~أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله: (ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل ~~بها فاقرة)، والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم به، فثبت أن ذكر الوجوه على ~~الكناية، لا أن أريد بها أعينها، فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ، ~~وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ~~ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر فاعتراها الحزن، ظهر ~~أثر الحزن في وجهه؛ فيكون في قوله: (وجوه يومئذ ناضرة) وصف لهم بما هم عليه ~~من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. # وإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع اللذات، لم يبق ~~لقوله: (إلى ربها ناظرة) موضع، إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر؛ فيكون في هذا ~~إثبات القول بالرؤية. # والثاني: أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق، إذا قربوا إنسانا ~~لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي ms4889 أكرم بالتقريب من ~~سائر ما يكرمه به؛ فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ~~ويتفضل عليهم لذلك. # وجائز أن يكون قوله: (إلى ربها ناظرة) منصرفا إلى انتظار الثواب؛ كما ~~قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا ~~بنضارة الوجوه؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات كرامات وتحف أخر لم تأتهم ~~بعد؛ ألا ترى إلى قوله: (ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة) ~~والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح؛ فإذا لم ~~يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم ~~الكرامات لم ينتهوا بعد إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها؛ وإنما أكرموا ~~ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. # وجائز أن يكون قوله: (إلى ربها ناظرة)، أي: نجعل نظرها فيما أكرمت إلى ~~الله تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في ~~الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم. # وجائز أن يكون قوله: (إلى ربها ناظرة)، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة ~~وإلى ما # PageV10P349 # ينتهي إليه نظره؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله: (إلى ربها ~~ناظرة) إلى ذلك. # ويحتمل: أي: إلى أمر ربها ناظرة. # وإذا كان قوله: (إلى ربها ناظرة) محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف ~~إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على ~~الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد؛ لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية؛ ~~فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. # فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل على إحالة الرؤية، فليس له قطع هذا ~~التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات؛ فيكون الآية حجة في جواز ~~الرؤية، وإن لم تكن حجة في الوجوب، والخلاف فيهما واحد. # واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله: (ووجوه يومئذ ~~باسرة) هو مقابل قوله: (وجوه يومئذ ناضرة)، وقوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) ~~مقابل قوله: (إلى ربها ناظرة) ثم لم يكن ms4890 قوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) على ~~فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه؛ فكذلك قوله: (إلى ربها ناظرة) ليس هو ~~على حقيقة الرؤية ووجودها؛ ولكن واقع على الثواب نفسه. # وجواب هذا الفصل من وجهين: # أحدهما: أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من ~~العقاب، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها، ليس في بسورها؛ ~~فلذلك استقام أن يكون قوله: (تظن أن يفعل بها فاقرة) على نفس العذاب، وأهل ~~الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه؛ ~~فاستقام أن يكون قوله: (إلى ربها ناظرة) منصرفا إلى حقيقة النظر، لا إلى ~~غيره من الكرامات. # ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى ~~الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعها؟! أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم ~~والكرامات ما لا يحصى؛ فجائز أن يكرموا بالرؤية أيضا. # والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت؛ كما قال - عز وجل ~~- ولما جاء في غير خبر النظر إلى الله تعالى، وقد قال - عليه السلام -: " ~~إنكم سترون ربكم يوم # PageV10P350 # القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته " وأهل التوحيد لم ~~يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية، ولكن من نفى الرؤية ~~بالبصر صرف الأخبار إلى العلم، وذلك غير مستقيم لوجهين: # أحدهما: أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة، ولو كان المراد من الرؤية ~~العلم، لارتفع الاختصاص؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين. # ولأن كلا يجمع على العلم بالله تعالى في الآخرة، العلم الذي لا يعتريه ~~الوسواس ولا الريب، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان ~~والمشاهدة، لا علم الاستدلال؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي؛ ~~ألا ترى إلى قوله: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى. . .)، ~~وقال: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)، وقال: ~~(يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على ms4891 شيء)، ~~فإذا ثبت ما ذكرنا، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها؛ ~~فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية ~~بالكيفية؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة؛ وهو يرى بلا كيف، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (تظن أن يفعل بها فاقرة) جائز أن يكون الظن في موضع ~~العلم هاهنا. # وجائز أن يكون على حقيقة الظن، وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، ~~فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت وخفيت، لم يقع بها ~~علم؛ فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع له اليأس من ~~النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. # وجائز أن يكون الأمر بعد لم يبلغ مبلغ الإياس؛ فيتوقع النجاة، ولا يتيقن ~~أن يفعل به فاقرة، بل يكون منه على ظن، والله أعلم. # والفاقرة: قيل: الشر، والمنكر، والداهية. # وقيل: الفقير: هو كسير الظهر، والفقر: الكسر، والفقار: عظم في الظهر ~~يكسر، فكأن عظم الظهر يكسر في الآخرة ويسحب في النار على وجهه. # PageV10P351 # قال - رحمه الله -: كان هذه السورة من أولها إلى آخرها إلا آيات منها؛ ~~وهي قوله: قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه ~~يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة) - نزلت في تبيين معاملة واحد من الكفرة ~~على الإشارة إليه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يشترك في حكم من ~~يشاركه في معاملته، فأمر الله تعالى نبيه - عليه السلام - أن يعامله ~~ويستقبله بالذي يحق على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله ~~معاملة مثله من السفهاء، وبين معاملته في هذه السورة؛ ليعلم أمته ما لقي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجهد والبلاء في إظهار دين الله ~~تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا سهلا، ~~وأمره أن يتعامل معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشوكة بقوله: (أولى لك ~~فأولى. ثم أولى لك فأولى)، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق. وظن أنه الفراق. ~~والتفت الساق بالساق ms4892 (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ~~ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم ~~أولى لك فأولى (35). # وقوله - عز وجل -: (إذا بلغت التراقي) فقوله: (كلا)، يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون أريد به: حقا. # ويحتمل أن يكون على الردع والرد؛ أي: لا تفعل مثل هذا؛ فإنك ستندم في ~~الوقت الذي قال: (إذا بلغت التراقي)؛ كأنهم سألوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن وقت ندمه، فبين لهم ذلك بقوله تعالى: (إذا بلغت التراقي)، ~~والتراقي: هي عروق العنق، كأنه يقول: حين تزول النفس، أي: الروح عن مكانها، ~~وتنتهي إلى التراقي. # وقوله - عز وجل -: (وقيل من راق (27) جائز: أن يكون الملائكة هم الذين ~~يقولون هذا، فيقول بعضهم: من يرقى بروحه: أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ~~من رقي يرقى، أي: صعد. أو: من يقبض روحه؟ # ويحتمل أن يقول أهله: من الذي يرقيه رقية فيشفى؟ فيكون فيه إخبار عما حل ~~به من الضعف والشدة؛ أنه يمتنع عن أن يقول: ادعوا لي راقيا لعلي أشفى؛ ~~فيكون أهله هم الذين يقولون هذا فيما بينهم. # وقوله - عز وجل -: (وظن أنه الفراق (28): # جائز أن يكون الظن على الإيقان هاهنا؛ لما وقع له اليأس من الحياة، وكذلك ~~روي # PageV10P352 # في قراءة ابن عباس - رضي الله عنه -: (وأيقن أنه الفراق). # وجائز أن يكون على حقيقة الظن؛ لما لم يقع له الإياس من حياته بعد، فهو ~~يأملها بعد. # وقوله - عز وجل -: (والتفت الساق بالساق (29): # اختلفوا في تأويله: # قيل: لفت ساقاه إحداهما على الأخرى؛ فلا يفترقان؛ كالتفاف الأشجار حتى لا ~~يجد نفاذا فيها ولا هربا. # وقيل: إن ساقيه في القيامة لتضعف عن حمله؛ من شدة الفزع. # وقيل: أريد بالساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساق؛ أي: على شدة؛ أي ~~وصلت شدة الموت بشدة الآخرة، واجتمعت شدة الدنيا مع شدة الآخرة عليه؛ لأنه ~~قد حل به سكرات الموت، ونزلت به شدائد الآخرة، وذلك آخر يومه من الدنيا ~~وأول يومه من الآخرة. # وقيل: ما من ميت يموت إلا التفت ساقاه ms4893 من شدة ما يقاسي من الموت. # وقال بعضهم: (والتفت الساق بالساق)، معناه: أن الملائكة يجهزون روحه، ~~وبني آدم يجهزون بدنه، فذلك التفاف الساق بالساق. # وقوله - عز وجل -: (إلى ربك يومئذ المساق (30): # أي: إلى ما وعد ربك يومئذ يساق: إما إلى خير، وإما إلى شر. # وقوله - عز وجل -: (فلا صدق ... (31) أي: فلا صدق بما جاء من عند الله ~~تعالى من الأخبار، ولا صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # (ولا صلى) يحتمل أن يكون أريد به نفس الصلاة، وذلك أن الصلاة حببت إلى ~~الأنفس كلها حتى لا ترى أهل دين إلا وقد حببت الصلاة إليهم؛ فيكون في قوله: ~~(فلا صدق ولا صلى) إبانة سفهه وجهله. # أو يكون قوله: (ولا صلى)، أي: ولا أتى بالمعنى الذي له الصلاة، وهو ~~الاستسلام # PageV10P353 # والانقياد لله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ولكن كذب وتولى (32): # أي: ولكن كذب بالأخبار التي جاءته. # (وتولى)، أي: أعرض عن طاعة الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أي: يتبختر ويتكبر، وذلك ~~أن الاحتيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم يعجز غيره عن إتيان مثله؛ ~~نحو أن يهزم جندا عظيما، أو يفتح كورة حصينة، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى ~~أن كذب بآيات الله تعالى، وأعرض عن طاعته، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى، ~~فأنى يليق بمثله التمطي؟! # وقوله - عز وجل -: (أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35): # جائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل له: قل: أولى لك ~~فأولى. # أو كان رسول الله قال له: أولى لك فأولى، فبين الله تعالى ذلك في كتابه. # وقال أهل التأويل: هذا وعيد على وعيد، كأنه قال: " ويل لك فويل، ثم ويل ~~لك فويل ". # وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ [بجميع ثيابه]، وقال له ~~هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين أن يدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره، وأنه أعز من يمشي بين الجبلين، فالله تعالى ~~بلطفه أذله وأهانه حتى لم يتهيأ ms4894 له الحراك عما نزل به، ولا نفعه قواه وكثرة ~~أتباعه. # وجائز أن يكون قوله: (أولى لك فأولى) أي: أجدر لك، وأحرى، لا أن يكوك ~~محمولا على الإبعاد؛ فيكون قوله: (أولى لك فأولى)، أي: الأجدر لك أن تنظر ~~فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وفي الذي كان عليه آباؤك؛ ليظهر ~~لك الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك، فتحرز به شرف ~~الدنيا والآخرة؛ إذ كان يفتخر بشرفه وعزه، فإن أردت أن يدوم لك الشرف، ~~فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتتبع الصواب من ذلك. # والثاني: أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها والذب عنها، سواء ~~كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~من قبيلة أبي جهل - لعنه الله - فلو كان على غير حق عنده، كان الأولى به أن ~~ينصره، ويعينه، على ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى، فترك ما هو ~~أولى به من النصر والحماية، والله أعلم. # PageV10P354 # قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى. ~~ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى (40). # وقوله - عز وجل -: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى). # جائز أن يكون هذا الإنسان دهري المذهب؛ فيكون قوله: (أيحسب الإنسان) على ~~حقيقة الحسبان؛ لأنه يحسب أن لا بعث ولا حساب، وقد كان في أهل مكة من هو ~~دهري المذهب، وإن كان الخطاب في قوله: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) ليس على ~~تحقيق الحسبان، ولكن معناه: أيفعل فعل من يؤذن عن أمره، كان فعله موافقا ~~لفعل من يحسب أنه يترك سدى؛ كما ذكرنا في قوله: (بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه)، وهو لا يريد أن يكون فاجرا في الحقيقة؛ ولكن يفعل فعل في يعقب فعله ~~الفجور، وهو كقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن ~~الذين كفروا)، وليس على حقيقة الظن؛ ولكن إذا لم يقل بالبعث، ولم ms4895 يؤمن به، ~~فقد وصف أن خلقهما إذن على باطل، وذلك الفعل الذي ذكرنا يكون في ترك ~~الإيمان بالبعث وفي جحد الرسالة؛ لأن المحاسن لا بد من أن يكون لها عواقب، ~~وكذلك المساوئ، ثم تمر هذه الدار على المسيء والمحسن مرا واحدا؛ فلا بد من ~~أن يكون بعده دار أخرى فيها تتبين مرتبة المحسن ومذلة المسيء، فما لم يؤمن ~~بالبعث فهو لا يجعل للمحاسن والمساوئ عواقب، وسوى بين مرتبة المسيء ومرتبة ~~المحسن، وذلك عبث. # والثاني: أن من عرف أنه لم يخلق عبثا، ولا يترك سدى؛ فلا بد لمثله من أن ~~يرغب ويرهب، ويؤمر وينهى؛ ولا يعرف ذلك إلا بالرسول، فالضرورة أحوجت إلى ~~رسول، يبين لهم ما يأتون وما يتقون، وما يرغبون في مثله، وعما يحذرون، فمن ~~أنكر الرسالة فقد أهمل نفسه عن المرغوب والمرهوب، وعن الأمر والنهي، وذلك ~~حال من خلق سدى. # وقوله - عز وجل -: (ألم يك نطفة من مني يمنى (37): # فالوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت ~~موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما ~~قدره الله - عز وجل - في تلك الظلمات، لم يصلوا إليه أبدا وإن استفرغوا ~~مجهودهم وأنفدوا حيلهم # PageV10P355 # وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة على ~~أن ينشئ منها العلقة والمضغة إلى أن أنشأ منها بشرا سويا، لم يقفوا عليه، ~~فيعلمون أن من بلغت قدرته هذا هو أحكم الحاكمين. # ولو كان الأمر على ما زعموا: أن لا بعث، لم يكن هو أحكم الحاكمين؛ بل كان ~~واحدا من اللاعبين. وتبين بما ذكرنا أن الذي بلغت قدرته ذلك لا يوصف ~~بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز، تعالى ~~الله عما يشركون. # وقوله - عز وجل -: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40): # فقوله: (أليس)، في موضع التحقيق والتقرير، وإن كان خارجا مخرج الاستفهام ~~على ما ذكرنا: أن ما يخرج مخرج الاستفهام من الله تعالى، فحقه أن ms4896 نصرفه إلى ~~الوجه الذي يقتضيه ذلك الخطاب أن لو كان من مستفهم؛ فمن قال لآخر في ~~الشاهد: أليس الله تعالى بقادر على إحياء الموتى؟ فحقه أن يقول: بلى هو ~~قادر على ذلك، وكذلك ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين تلا هذه ~~الآية: " سبحانك، فبلى " فقوله: (أليس ذلك بقادر) أي: هو قادر على إحياء ~~الموتى، والله الموفق. # * * * # PageV10P356 ### | سورة الإنسان # سورة الدهر، وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) ~~إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا ~~هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا ~~وسعيرا (4). # قوله - عز وجل -: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا). # ف " هل " و " من " و " لعل " من الله تعالى واجب، وحقه أن ينظر أن لو كان ~~مثل هذا الكلام من مستفهم، ما الذي كان يقتضي من الجواب؟ فإذا قال الإنسان ~~لآخر: من أظلم ممن افترى على الله كذبا؟ فجوابه أن يقول: لا أحد أظلم منه، ~~وإذا قال لآخر: هل أتاك حديث فلان؟ فحق المجيب أن يقول إن كان قد أتاه حديث ~~فلان: قد أتاني، وإن كان لم يأته فحقه أن يسأله: كيف كان حديثه؟ ليعرفه. # فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أتاه خبر الإنسان، فمعنى ~~قوله: (هل أتى على الإنسان)، أي: قد أتى على الإنسان، وإن لم يكن أتاه، ~~فحقه أن يسأل حتى يتبين له. # وقيل: الإنسان: آدم عليه السلام. # ثم لقائل أن يقول: أن كيف قال: قد (أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا) فهو إن لم يكن شيئا مذكورا في ذلك الوقت، لم يكن إنسانا وإذا ~~لم يكن إنسانا لم يأت عليه حين من الدهر، وهو إنسان، وإن كان في ذلك الوقت ~~مخلوقا، فقد صار مذكورا، وإذا صار مذكورا، فقد أتى عليه حين من الدهر وهو ~~مذكور؛ فما معناه؟ قيل فيه من أوجه: ms4897 # أحدها: أن يكون قوله - عز وجل -: (هل أتى على الإنسان) أي: على ما منه ~~الإنسان، وهو الأصل الذي خلق منه آدم - عليه السلام - وهو التراب، فقال: ~~(لم يكن شيئا مذكورا) وعلى الاستصغار لذلك الأصل؛ إذ التراب لا يذكر في ~~الأشياء المذكورة، إلى هذا يذهب أبو بكر الأصم. # والوجه الثاني: قيل: قد أتى على الخلق حين من الدهر، لم يكن الإنسان فيه ~~شيئا مذكورا في تلك الخلائق. # PageV10P357 # والوجه الثالث: قد أتى عليه حين من الدهر، ولم يكن مذكورا في الممتحنين، ~~وهذا في كل إنسان؛ لأنه ما لم يبلغ، لم يجر عليه الخطاب، ولم يكن مذكورا في ~~الممتحنين؛ فالله تعالى خلق الخلائق ليعبدوه بقوله: (وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون)، فقوله: (ليعبدون) إذا صاروا من أهل المحنة، فإلى أن يبلغ قد ~~أتى عليه حين من الدهر، لم يكن مذكورا في جملة من خلقوا للعبادة، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا (2) والإنسان لم يكن إنسانا في النطفة، ولا في العلقة، ولا في ~~المضغة؛ ولكن المقصود من إنشاء النطفة والعلقة هذا الإنسان، والعواقب في ~~الأفعال هي الأوائل في القصد والمراد؛ فاستقام إضافته إلى ما ذكرنا؛ لما ~~رجع إليه القصد من إنشائها. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا أردت أمرا فدبر ~~عاقبته، فإن كان رشدا فأمضه، وإن كان غيا فانته "؛ فألزم النظر في العواقب؛ ~~فثبت أن المقصود من فعل أهل التمييز العاقبة؛ وإذا كانت العاقبة مقصودا ~~إليها في الابتداء صارت العاقبة كالموجود في الابتداء؛ لذلك استقام إضافة ~~الإنسان إلى النطفة والعلقة والمضغة. # ثم قوله - عز وجل -: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة) منصرف إلى أولاد آدم - ~~عليه السلام - فيكون المعنى من الإنسان أولاده، ثم ذكر لهم ابتداء أحوالهم ~~وما تنتهي إليه عاقبتهم -وهو الموت- ليتعظوا به، ويتذكروا. # ووجه الاتعاظ: هو أنهم إذا علموا ابتداء أحوالهم، وعلموا ما ينتهي إليه ~~عاقبتهم، علموا في الحال التي هم فيها أن أنفسهم في أبدانهم ليست لهم، بل ~~عارية ms4898 في أبدانهم؛ إذ لم يكن منهم صنع في الابتداء، أو أمانة، والحق على ~~الأمين أن يقوم بحفظ الأمانة ورعايتها، وألا يخون صاحبها فيها، فإن هو ~~خانها، ولم يتول حفظها - لحقته المسبة والمذمة، وإن حفظها ورعاها حق ~~رعايتها، استوجب الحمد والثناء من صاحبها. # والحق على المستعير أن يتمتع بالعارية، وينتفع بها إلى الوقت الذي أذن ~~له، وألا يضيعها، فإن ضيعها لحقته الغرامة والضمان بتضييعه إياها، وكذلك ~~إذا علموا أنها في أبدانهم عارية وأمانة علموا أن عليهم رعايتها واستعمالها ~~في الوجه الذي أذن لهم فيها؛ # PageV10P358 # لئلا تلحقهم التبعة في العاقبة، ولا تلزمهم المسبة والمذمة في ذلك في ~~الدنيا والآخرة، والله أعلم. # والثاني: أن النظر في ابتداء الخلقة، وإلى ما يصير عند انقضاء الأمر، ~~يدعو إلى إيجاب القول بالبعث، وإلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل من ~~الأخبار؛ وذلك لأن التأمل في ابتداء الخلقة يظهر عجيب قدرة الله تعالى ~~ولطيف حكمته، ويعلم أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ لا يجوز أن يقع قصده من ~~إنشاء الخلق للإفناء خاصة؛ لخروجه عن حد الحكمة؛ فيحملهم ذلك على القول ~~بالبعث. # ولأن النظر في ابتداء الخلقة، والنظر إلى ما يرجع إليه بعد الوفاة مما ~~يمنع الافتخار والتكبر؛ لأن إنشاءه كان من نطفة تستقذرها الخلائق، ومن علقة ~~ومضغة يستخبثها كل أحد، وبعد الممات يصير جيفة قذرة، ومن كان هذا شأنه، لم ~~يحسن التكبر في مثله؛ فكان في تذكير أوائل الأحوال وأواخرها موعظة لهم؛ ~~ليتعظوا، ويتبصروا، وتعريف لهم أن التكبر لا يحسن من أمثالهم؛ فيحملهم ذلك ~~على التواضع وترك الافتخار والتجبر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أمشاج نبتليه): # الأمشاج: الأخلاط، ثم الأخلاط تقع بوجهين: # أحدهما: في اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. # والثاني: تقع في الأحوال، وهو أن النطفة إذا حولت علقة لم تحول بدفعة ~~واحدة؛ بل هي تغلظ شيئا فشيئا، حتى إذا تم غلظها صارت علقة، وكذلك العلقة ~~يدخل فيها التغيير شيئا فشيئا، حتى إذا تم التغيير فيها حالت مضغة؛ فهذا هو ~~الاختلاط في الأحوال. # فمنهم من قال: الأخلاط: ms4899 الطبائع الأربع التي عليها جبل الإنسان. # ومنهم من صرف الخلط إلى الألوان، فذكر أن ماء الرجل أبيض يخالطه حمرة، ~~وماء المرأة أحمر يخالطه صفرة. # وقوله - عز وجل -: (نبتليه)، أي: بالخير والشر، والأمر والنهي، ثم ~~الابتلاء هو الاستظهار لما خفي من الأمور؛ والله تعالى لا يخفى عليه أمر ~~فيحتاج إلى استظهاره، # PageV10P359 # ولكنه يبتليه ليظهر للمبتلي ما كان خفيا عليه بفعله وتركه، وأما الخلق ~~فهم يمتحنون، ويبتلون؛ ليظهر لهم ما كان خفيا عليهم؛ فيكون الابتلاء منصرفا ~~إليهم لا إلى المبتلي والممتحن. # والثاني: أن الابتلاء لما كان لاستظهار ما خفي من الأمور، وذلك يكون ~~بالأمر والنهي؛ فسمي الأمر من الله تعالى والنهي لعباده: ابتلاء؛ لمكان ~~الأمر والنهي، لا على تحقيق معنى الابتلاء منه. # وقال الحسن: لما صلح أن يضاف الاستخبار إلى الله تعالى وإن كان هو خبيرا ~~عما استخبر؛ فجائز أن يضاف إليه الابتلاء أيضا، وإن كان هو بالذي ابتلاه ~~عالما بصيرا، ولأن الذي يظهر من العبد بعد الابتلاء من الفعل كان غائبا، ~~فالله - تعالى - يعرفه شاهدا بفعله، وقبل ذلك كان يعرفه غائبا؛ لأن معرفة ~~ما يكون أن يعرف قبل كونه غائبا، وبعد كونه شاهدا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فجعلناه سميعا بصيرا): # أي: جعلنا له سمعا يميز بين ما يؤدي إليه سمعه، وجعلنا له بصرا يبصر به ~~ما أدى بصر الوجه؛ ليضع كل شيء موضعه؛ وذلك هو بصر القلب وسمع القلب؛ لأنه ~~قد خص البشر بالابتلاء؛ لمكان بصر الباطن والسمع الباطن؛ ألا ترى أن ~~البهائم لها بصر الظاهر، وكذلك السمع. # ويحتمل: أي: جعلناه سميعا بصيرا يبصر ما له، وما عليه، وما ينفعه، وما ~~يضره، ثم أنشأ فيه السمع والبصر، ولا يعرف كيفية السمع والبصر الذي جعل ~~فيه، ولا ماهيته، ولا ممن هو؟ لطفا منه؛ ليعلم أنه منشئ الكيفيات ~~والماهيات، وأنه يتعالى عن الوصف له بالكيفية والماهية. # ثم قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3). # يحتمل قوله - عز وجل -: (إنا هديناه السبيل) أوجها ثلاثة: # أحدها: هديناه السبيل؛ لإصلاح بدنه ومعاشه. # أو ms4900 هديناه السبيل الذي يصلون به إلى استبقاء النسل والتوالد إلى يوم ~~التناد. # أو هديناه السبيل الذي يرجع إلى إصلاح دينهم، وأمر آخرتهم باكتساب ~~المحامد والمحاسن، ثم قوله: (إما شاكرا وإما كفورا) أخبر أنه قد بين لهم ~~السبيل وهداهم إليه، # PageV10P360 # ثم منهم من يختار الشكر له، ومنهم من يختار الكفران له، ثم بين ما أعد ~~للكفور منهم، وما أعد للشكور، وهو ما قال: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل ~~وأغلالا وسعيرا (4). # ثم قوله: (إنا هديناه السبيل) إن كان المراد منه الطريق؛ فكأنه قال: إنا ~~بينا كلا الطريقين، فإن سلك طريق كذا واختاره يكون شاكرا، وإن سلك طريق كذا ~~واختاره يكون كفورا. # ثم بين لكل طريق سلكه جزاء وثوابا. # ثم قوله - عز وجل -: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا): # ففيه إنباء أن أيديهم تغل، ويشدون بالسلاسل، فلا يتهيأ لهم أن يقوا ~~العذاب عن وجههم. # ثم قرئ (سلاسل)؛ لأنها غير منصرفة، وقرئ (سلاسلا) وصرفوه؛ بناء على أن ~~الأسماء كلها منصرفة إلا نوعا واحدا. # وقال الزجاج: السلاسل لا تنصرف؛ لأنه لا فعل لها، لكن صرفها هاهنا لأنها ~~من رءوس الآيات. # وقيل: لأنه جعله رأس الآية. # * * * # قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب ~~بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا ~~قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم ~~بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ~~ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ~~ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ~~ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور ~~من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا ms4901 كان لكم جزاء وكان سعيكم ~~مشكورا (22). # وقوله - عز وجل -: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا): # فمنهم من ذكر أن الكافور شيء أعده الله تعالى لأهل كرامته، لم يطلع عباده ~~على ذلك في الدنيا. # PageV10P361 # ومنهم من ذكر أن الكافور شيء جرى ذكره في الكتب المتقدمة، فذكر كذلك في ~~القرآن. # ومنهم من قال: إنه عين من عيون الجنة. # ومنهم من صرفه إلى الكافور المعروف. # لكن قيل: إنه كناية عن طيب الشراب. # وقيل: إنه كناية عن برودة الشراب؛ لأنه ذكر أن ذلك الشراب في طبعه ~~كالكافور؛ لأن ألذ الشراب عند الناس البارد منه، لا أن يكون في نفسه باردا. # وذكروا أن الكأس لا تسمى: كأسا حتى يكون فيها خمر. # وقوله - عز وجل -: (عينا يشرب بها عباد الله ... (6). # ومعناه: منها، لا أن يقع شربهم بها. # وسميت العين: عينا؛ لوقوع العين عليها. # وقوله - عز وجل -: (يفجرونها تفجيرا): # فيه إخبار أن ماء العيون جارية يفجرونها من حيث شاءوا. # ثم المراد من ذكر العباد هاهنا هم الذين أطاعوا الله - تعالى - وقاموا ~~بوفاء ما عليهم، وهم الذين قال الله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين). # وقوله - عز وجل -: (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7): # النذر هو العهد؛ فجائز أن يكون أراد به الوفاء بكل ما أوجب الله تعالى من ~~الفرائض والحقوق؛ فتكون فرائضه عهده؛ كقوله - عز وجل -: (وأوفوا بعهدي). # وجائز أن يكون أراد بالنذر ما أوجبوا على أنفسهم من القرب سوى ما أوجبها ~~الله تعالى عليهم؛ فيكون فيه إخبار أنهم قاموا بأداء الفرائض، وتقربوا إلى ~~الله تعالى مع ذلك بقرب أخر؛ فاستوجبوا المدح بوفائهم بما أوجبوا على ~~أنفسهم. # وقال: (ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق ~~رعايتها)، فلحقهم الذم؛ لما لم يقوموا برعاية حقه، ليس بإيجابهم على أنفسهم ~~ما لم يوجبه الله تعالى عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) قيل: استطار شر ذلك ~~اليوم، # PageV10P362 # فملأ السماوات والأرضين وكل شيء؛ حتى انشقت السماوات، ms4902 وتناثرت النجوم، ~~وبست الجبال. # ومعناه: أن هول ذلك اليوم قد عم وفشا في أهل السماوات والأرض؛ حتى خافوا ~~على أنفسهم. # وقيل: سمي: مستطيرا، أي: طويلا، ويقال: استطار الرجل؛ إذا اشتد غضبه، ~~واستطار الأمر؛ أي: اشتد؛ فسمي: مستطيرا، أي: شديدا. # وقوله - عز وجل -: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8): # فالحب يتوجه إلى معان: يتوجه إلى الإيثار مرة، وإلى ميل النفس وركون ~~القلب أخرى، ومرة يعبر به عن الشهوة؛ فالمراد من الحب هاهنا: الشهوة؛ فيكون ~~قوله - عز وجل -: (على حبه)، أي: على شهوتهم وحاجتهم إليه. # وقيل: ويطعمون في حال عزة الطعام. # وقيل: أي: يطعمون الطعام على حبهم لها وحرصهم عليها، ليس أن يطعموا عند ~~الإياس من الحياة، على ما روي في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: " أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر ~~". # وقوله - عز وجل -: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ~~(9): # قيل: إنهم لم يتكلموا بهذا اللفظ، أعني: (إنما نطعمكم لوجه الله)، (لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا) الآية، ولكن علم الله تعالى ذلك من قلوبهم؛ ~~فأثنى عليهم بذلك؛ ليرغب في ذلك الراغبون؛ ألا ترى أنهم كانوا يطعمون ~~الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها ~~إلا وجه الله تعالى والتقرب إليه، والمجازاة: هي المكافأة لما أسدي إليه، ~~والشكر: هو الثناء عليه والبشر عنه. # وقوله - عز وجل -: (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10): # فمنهم من جعل هذا نعتا لذلك اليوم؛ فيكون معناه: أن هذا اليوم -وهو يوم ~~القيامة- من بين سائر الأيام كالإنسان العبوس من بين غيره. # ومنهم من صرفه إلى الخلائق؛ فيكون معنى قوله تعالى: (يوما عبوسا): يوما ~~تعبس فيه وجوه الخلائق؛ لا أن يكون اليوم بنفسه عبوسا، وهو كقوله تعالى: ~~(والنهار # PageV10P363 # مبصرا)، أي: يبصر فيه، وتقول العرب: " ما زال الطريق يمر منذ اليوم "؛ ~~على معنى: يمر الناس فيه؛ فيرجع هذا إلى وصف ما يكون عليه ذلك اليوم، على ~~ما ذكرنا: أن الله ms4903 تعالى ذكر اليوم بالأحوال التي يكون عليها حال ذلك ~~اليوم، فمرة قال: (وترى الناس سكارى)، ومرة قال: (يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث)، وغير ذلك من الآيات. # وقوله - عز وجل -: (قمطريرا)، قيل: شديدا. # وقيل: القمطرير: الذي يقبض الوجه بالبسور والعبوسة، ويزوي ما بين ~~العينين. # وقيل: القمطرير: المشوه على أهل النار. # وقيل: القمطرير: هي كلمة من كتب الأولين. # وقوله - عز وجل -: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11): # جائز أن تكون الوقاية منصرفة إلى الموعود في ذلك اليوم من العقوبة ~~والنكال، لا أن يكونوا وقوا من هول ذلك اليوم فلا يرون الجحيم ولا أهوالها. # وجائز أن يكون وقاهم عما كانوا يخافون من التبعة لدى الحساب، كقوله: (إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه)؛ فكأنهم يخافون على أنفسهم المناقشة في الحساب، فإذا ~~رأوا سيئاتهم مغفورة، وحسناتهم متقبلة، سروا بذلك، ووقوا شره. # وجائز أن يكونوا أومنوا من أهوال القيامة وأفزاعها حين نشروا من القبور، ~~وبلغتهم الملائكة بالبشارة، كما قال: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون). # وقوله - عز وجل -: (ولقاهم نضرة وسرورا): # فالسرور عبارة عن انتفاء الحزن عنهم، والنضرة: أثر كل نعيم. # وقيل: نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم. # وقوله - عز وجل -: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) أي: على الطاعات، ~~وصبروا عن معاصي الله تعالى. # PageV10P364 # (جنة وحريرا): # أي: جزاهم جنة، وجزاهم حريرا، فذكر الحرير؛ لأن الجنان إنما تذكر في موضع ~~التطرب والتنعم بالمآكل والمشارب دون التنعم باللباس؛ فوعد لهم اللباس من ~~الحرير، مع ما جزاهم الجنة. # وقوله - عز وجل -: (متكئين فيها على الأرائك ... (13) يذكر تفسيرها بعد ~~هذا، إن شاء الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا): # لأنه لا شمس فيها ولا زمهرير؛ بل يكون ظلها دائما ممدودا؛ فجائز أن يكون ~~المراد منه: أن ضياء الجنة ليس بالشمس، ولكن بما خلقت مضيئة؛ لأن الشمس في ~~الدنيا يقع بها الضياء؛ فيكون ضياء النهار بالشمس. # وذكر أنهم لا يرون فيها الزمهرير؛ ليعلم أن لذاذة شراب الجنة وبرودته ~~بالخلقة، لا أن تكون برودته ms4904 بتغير يقع في الأحوال على ما يكون عليه شراب ~~أهل الدنيا. # أو يكون ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم لا يؤذون بحر ولا برد. # وقوله - عز وجل -: (ودانية عليهم ظلالها ... (14): # جائز أن يراد به: أنها دانية من هؤلاء الذين سبق نعتهم، وهم الأبرار، ~~كقوله - عز وجل -: (إن رحمت الله قريب من المحسنين). # أو ذكر أن ظلالها دانية؛ لأنها لو لم تكن دانية، لكان لا يقع لهم بها ~~انتفاع. # وقيل: هي ظلال غصون الأشجار قريبا منهم؛ لأن للجنة نورا يتلألأ؛ فيقع ~~بالأشجار ظلال؛ على ما جاء في الخبر أنه لو ألقي سوار من الجنة في الدنيا، ~~لأضاءت الدنيا، ويغلب ضوءها ضوء الشمس "، ويجوز ذلك؛ فتقع الأشجار فيها ~~ظلال؛ كما يشتهونه في الدنيا ليس ذلك على شمس ولا قمر. # وقوله - عز وجل -: (وذللت قطوفها تذليلا): # جائز أن يكون أريد بالتذليل: التليين، أي: لينت؛ فلا يرد أيديهم عنها ~~شوك. # وقيل: إن أشجارها ليست بطوال لا تنال ثمارها إلا بعد عناء وكد؛ بل قريبة ~~من أربابها، يقال: حائط ذليل؛ إذا لم يكن عاليا في السماء. # PageV10P365 # وقيل: ذللت، أي: سويت الأشجار، لا يتفاوت بعضها بعضا؛ يقول أهل المدينة ~~إذا استوت عذوق النخلة: تذللت النخلة. # وقيل: ذللت، أي: سخرت؛ والتذليل: التسخير، فيتناولون منها كيف شاءوا: إن ~~شاءوا تناولوها وهم قيام، وإن شاءوا تناولوها وهم جلوس، أو نيام على الفرش. # وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين: أن شجر الجنة عروقها ~~من فوق، وفروعها من أسفل، والثمار بين ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15). # فتأويل الأكواب يذكر في سورة: (هل أتاك حديث الغاشية). # ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة، قيل: هي من فضة، ولها صفاء ~~القوارير، يرى ما فيها من الشراب من خارجها؛ لصفائها. # ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من ~~التراب؛ فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء ~~الذي يقع بالقوارير. # (قوارير من فضة قدروها تقديرا ms4905 (16) على الأصل المعهود: أنه لا ينصرف، ~~وقرئ قوله: [(قوارير)] على الوقف عليه موافقا لآخر سائر الآيات، وقرئ ~~(قواريرا)، بالتنوين عند الوصل أيضا؛ لأنه رأس الآية. # وقوله - عز وجل -: (قدروها تقديرا): # أي: جعلت على قدر ريهم. # وقيل: يسقون على القدر الذي قدروه في أنفسهم، وحدثت به أنفسهم؛ فلا ~~يقدرون في قلوبهم مقدارا إلا أتوا بها على ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17): # منهم من زعم أن العرب كانوا إذا أعجبهم شراب نعتوه، وقالوا: كالزنجبيل؛ ~~فخرجت البشارة من الوجه الذي ترغب في مثله الأنفس. # ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد، وهما اسم العين. # PageV10P366 # ومنهم من ذكر في السلسبيل، أي: سل سبيلا إلى تلك العين. # وقال قتادة: أي: سلسلة السبيل، مستعذب ماؤها. وقيل: سلسبيلا: شديد ~~الجرية. # وقوله - عز وجل -: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون ... (19): # ذكر الولدان لا أن يكون فيها ولاد؛ ولكنهم أنشئوا ولدانا، فيخلدون كذلك، ~~لا يكبرون، ولا يهرمون. # وجائز أن يكون الولدان ولدان الكفرة الذين ماتوا في الدنيا صغارا؛ فلا ~~يكون لهم في الجنة آباء؛ ليرفعوا إلى درجة الآباء؛ فيجعلهم الله تعالى خدما ~~لأهل الجنة. # وقوله - عز وجل -: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا): # منهم من يقول: إن الله تعالى شبه حسنهم بحسن اللؤلؤ المنثور؛ إذ أحسن ما ~~يكون اللؤلؤ إذا كان منثورا؛ فجائز أن يكون هؤلاء الولدان فضلوا في الحسن ~~على سائر الجواهر التي تكون في الجنة؛ كما فضل الدر في الدنيا على سائر ~~الجواهر. # ومنهم من يقول: إنهم ما لم يطوفوا فمن رآهم حسبهم لؤلؤا منثورا، وإذا ~~طافوا، وتحركوا، فحينئذ يعلمون أنهم ولدان. # وقوله - عز وجل -: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20): # قيل: هما اللذان لا نعت لهما ولا وصف. # وقيل: الملك: استئذان الملائكة عليهم، وملوك الدنيا وإن علت رتبتهم لم ~~يملكوا الاحتجاب من دخول الملائكة عليهم بغير استئذان، والملك: هو الذي له ~~نفاذ الأمور. # وجائز أن يكون ذكر النعيم والملك الكبير على معنى أنه لا ينقطع عنهم؛ بل ~~إذا رأيتهم أبدا رأيتهم في نعيم ms4906 وملك كبير. # وقوله - عز وجل -: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة ~~وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21): # جائز أن يكون أراد بالعالي ما علا من المكان الذي هم فيه، فيخبر أن في ~~أعلى أماكنهم ثياب خضر من سندس كما هو في المكان الذي أسفل موضع جلوسهم؛ ~~لأنهم يكونون على الأرائك والأحجال؛ فيكون ما تحت الأحجال والأرائك من ~~الأماكن زرابي مبثوثة؛ ونمارق مصفوفة، ويكون عاليها كذلك. # فإن كان على هذا، فلا فرق بين أن يكون فرش ذلك المكان من حرير وديباج ~~غليظ - # PageV10P367 # إن أريد بالإستبرق الديباج الغليظ- وبين أن يكون من ديباج رقيق؛ إذ كل ~~ذلك مما يرغب في مثله، والله أعلم. # وقيل: (عاليهم)، أي: أعلى ثيابهم سندس خضر وإستبرق. # وقال بعضهم: عالي أنفسهم ثياب سندس. # ومنهم من صرف السندس إلى اللباس والإستبرق إلى ما بسط؛ لأن الديباج ~~الغليظ مما لا ترغب الأنفس إلى لبس مثله؛ فجمع بين ما يلبس وبين ما يفرش، ~~وبين الفعل في أحدهما، ولم يذكر في الآخر. # ومنهم من قال: (عاليهم) هم الولدان يطوفون من أعاليهم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وحلوا أساور من فضة): # بشرهم بالأساور من فضة؛ لأن الفضة مستحسنة بنفسها؛ لبياضها، والذهب ~~استحسانه لقدره وعزته، ليس لنفسه؛ لأنه أصفر، والأعين لا تستحسن هذا اللون؛ ~~فجرت البشارة بالفضة لا بالذهب. # وقال بعضهم: يحلى الرجال بأسورة من فضة؛ على ما أبيح لهم التحلي بخاتم ~~الفضة في الدنيا، وتحلي النساء بأساور الذهب على ما أبيح لهن التحلي بخاتم ~~الذهب في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا): # قيل: هو الخمر تطهر من الآفات ومن كل مكروه، وتطهر قلوبهم من الغل؛ فيعمل ~~ذلك الشراب في تطهير الظاهر والباطن، وشراب الدنيا يطهر ظاهر البدن، وباطن ~~البدن ينجس الشراب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الرجل من أهل الجنة ~~ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع "، فقال يهودي: إن الذي يأكل ~~ويشرب يكون له الحاجة؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حاجة ~~أحدهم ms4907 عرق يفيض من جسده؛ فتضمر لذلك بطنه ". # والأصل أنك قد ترى الطعام الذي يطعمه الإنسان في الدنيا تبقى قوته في ~~البدن حتى يظهر ذلك في كل جارحة من جوارحه، وكذلك شهوته تبقى فيها، ثم يخرج ~~الثفل منها والفضل؛ فجائز أن يرفع الله تعالى عن ذلك الطعام الفضل الذي ~~يزايل البدن؛ فيكون # PageV10P368 # طعامهم ذلك اللطيف الذي يبقى في النفس. # وقوله - عز وجل -: (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22): # فجائز أن تكون هذه البشارة خرجت لأهلها في الدنيا. # وجائز أن تكون لهم في الآخرة: أن هذا الذي أكرمتم به من الكرامات جزاء ~~لعملكم وسعيكم في الدنيا. # * * * # قوله تعالى (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل ~~فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ~~ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) ~~إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما (31). # وقوله - عز وجل -: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا): # قيل: فرقنا عليك القرآن تفريقا، والحكمة في التفريق ما ذكر في آية أخرى ~~في القرآن، وهو قوله: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ~~كذلك لنثبت به فؤادك)، فأخبر أن في التفريق تثبيتا؛ فيكون الناس له أوعى ~~وأعرف بمواقع النوازل منه من أن ينزل جملة واحدة. # ثم أضاف التنزيل إلى نفسه هاهنا، وأضاف إلى جبريل - عليه السلام - في ~~قوله - عز وجل -: (نزل به الروح الأمين (193) على قلبك)، وقوله - عز وجل -: ~~(إنه لقول رسول كريم)، وقال في آية أخرى: (حتى يسمع كلام الله)، فأضافه إلى ~~نفسه، وقال: (في لوح محفوظ). # فهذا كله على مجاز الكلام ليس على الحقيقة؛ فحق كل من ذلك أن يصرف إلى ما ~~إليه أوجه، وإلى ما يستجيز الناس من التعامل فيما بينهم بذلك الكلام، ms4908 فإذا ~~قيل: هذا في اللوح، فهم به، وأريد منه: أنه مكتوب فيه، وقوله - عز وجل -: ~~(حتى يسمع كلام الله)، معناه: حتى يسمع كلاما يدله على كلام الله تعالى لا ~~أن يكون ذلك كلامه. # وأضافه إلى جبريل - عليه السلام - لأنه من فيه تلقاه، لا أن يكون ذلك ~~كلام جبريل، عليه السلام. # ثم قد ذكرنا الحكمة في إنزال القرآن مفرقا قبل هذا الفصل الكافي منه. # ثم جائز أن يكون التفريق؛ لمكان أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ليس لمكانه؛ لأن الله - # PageV10P369 # تعالى - يسر على نبيه حفظه؛ حتى كان يعي جميع ما ينزل إليه جبريل - عليه ~~السلام - بما يقرؤه عليه مرة واحدة. # وقيل له: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) الآية؛ فضمن له الحفظ؛ فأمن ~~النسيان، فأما غيره فإنه يشتد عليه أن لو كلفه حفظه بدفعة واحدة؛ فأنزل ~~مفرقا، ليكونوا أقدر على حفظه؛ ولهذا ما كثر حفاظ القرآن في هذه الأمة، ~~وكثر قراؤها، وكثر فقهاء هذه الأمة؛ لأن القرآن أنزل مفرقا على أثر ~~النوازل؛ فعرفوا مواقع النوازل؛ فوقفوا على معرفة ما أودع في الآيات؛ ~~لمعرفتهم مواقع النوازل والمنسوخ، ولو نزل جملة واحدة اشتبه عليهم الناسخ ~~والمنسوخ؛ فأنزله الله - تعالى - مفرقا؛ ليكونوا بعلم الناسخ والمنسوخ ~~والله أعلم. # ولأنه إذا أنزل مفرقا، كانوا إليه أشوق، وأرغب منه إذا أنزل جملة واحدة؛ ~~ألا ترى إلى قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت ~~سورة محكمة. . .) الآية، فأخبر أنهم يرغبون إلى أن تنزل عليهم سورة، وإن ~~كانوا قد أنزلت إليهم سورة من قبل. # وفيه - أيضا - تخويف للمنافقين؛ كما قال الله - تعالى: - (يحذر المنافقون ~~أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم)؛ فكان في إنزاله مفرقا ما ذكرنا ~~من الفوائد والمنافع للمؤمنين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فاصبر لحكم ربك ... (24). # فيه أنه ابتلاه بما تكرهه نفسه، ويشتد عليها، حتى دعاه إلى الصبر؛ لأن ~~المرء لا يدعى إلى الصبر على النعم واللذات، وإنما يدعى إليه إذا ابتلي ~~بالمكاره البليات، وقد صبر - عليه السلام - على المكاره؛ لأنه ms4909 أمر بمضادة ~~الجن والإنس؛ فانتصب لهم حتى آذوه كل الأذى، وهموا بقتله. # وقوله - عز وجل -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا): # كأنه قال: ولا تطع من دعاك إلى ما تأثم فيه، أو يكون كفورا. # أو لا تجب الآثم أو الكفور إلى ما يدعوك إليه. # وقوله - تعالى -: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25): # PageV10P370 # يحتمل: واذكر باسم ربك. # أو صل باسم ربك؛ كقوله: (وذكر اسم ربه فصلى). # أو يقول: اذكر اسم ربك، أي: كن ذاكرا له في كل وقت. # وقوله - عز وجل -: (بكرة وأصيلا): # البكرة: تحتمل صلاة الصبح، والأصيل: يحتمل صلاة الظهر والعصر. # وقوله - عز وجل -: (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26): # تحتمل صلاة الليل النوافل إن كان قوله: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) في ~~صلاة الفرائض، وإن لم يكن في ذلك؛ فيكون كأنه قال: واذكر ربك في كل وقت ~~بالليل والنهار. # أو يقول: فليكن اسم ربك مذكورا؛ حتى لا تخلو ساعة من هذه الساعات إلا وهو ~~مذكور فيها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ~~(27): # حب العاجلة مما طبع به الخلائق؛ لأن كل طبع على حب الانتفاع والتمتع ~~بالشيء؛ فلا يلحقهم الذم بحب ما طبعوا عليه وأنشئوا، ولكن إنما يلحق الذم ~~من أحب الدنيا واختارها وآثرها على غير الذي جعلت الدنيا وأسست؛ فالدنيا ~~إنما أسست، وجعلت؛ ليكتسب بها نعيم الآخرة والحياة الدائمة اللذيذة؛ فمن ~~أحب لهذا، فهو لا يلحقه بذلك ذم، ولا تعيير؛ ومن أحبها وآثرها لها، ~~واكتسبها لها، فهو المذموم، وأولئك كانوا مختلفين في ذلك، لم يكونوا على فن ~~واحد. # منهم من حمله حبه الدنيا على إنكار وحدانية الله - تعالى - وألوهيته. # ومنهم من حمله حبه إياها على تكذيب الرسل والتعادي لهم، ومكابرة الحق. # ومنهم من حمله حبه إياها على إنكار البعث والجزاء لما عملوا. # ومنهم من حمله حبه الدنيا على التفريق بين الرسل، أنكروا بعضا، وصدقوا ~~بعضا. # تولد من حبهم إياها ما ذكرنا؛ فلحقهم الذم لذلك، وكذلك ما ذكر من الإنفاق ~~في الدنيا حيث ms4910 قال: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ~~أصابت. . .) الآية، فمن أنفق من هذه الدنيا لها؛ فتكون نفقته ما ذكر؛ لأنه ~~أنفق لغير ما جعلت له النفقة؛ فكان ما ذكر؛ فعلى ذلك من أحب الدنيا، ~~واختارها للدنيا # PageV10P371 # لا لاكتساب ما ذكرنا من النعم اللذيذة الدائمة والحياة الباقية التي لا ~~انقطاع لها، كان على ما ذكر. # ثم إذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وراءها، وإذا ذكرت الآخرة على أثر ذكر ~~الإنسان قيل: أمامه؛ لأن الإنسان يقبل إليها؛ فيكون ذلك أمامه وقدامه؛ وأما ~~عند ذكر الدنيا قيل: وراءها؛ لأنها تخلفها، وكل من خلف آخر يكون بعده ~~ووراءه؛ لأنه يكون عند فوت الآخر؛ لذلك كان ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ... (28): # رجع إلى الاحتجاج عليهم لما أنكروا، يقول: يعلمون أنا خلقناهم بدءا، ونحن ~~شددنا أسرهم، أي: قوتهم. # أو نحن: شددنا خلقتهم، ونحن وصلنا جوارحهم المتفرقة ومفاصلهم المتشتتة ~~بعضها إلى بعض، ونحن نبدل أمثالهم إن شئنا، فما بالهم ينكرون قدرتنا على ~~البعث والإعادة بعد الموت؟! يقول: من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء، وهو على ~~البعث أقدر. # وقوله - عز وجل -: (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا): # يذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) أي: ~~هذه السورة؛ لأنه ذكر في أولها ابتداء إنشائهم وخلقهم، وآخرها إعادتهم، وفي ~~خلال ذلك جزاء صنيعهم الذي صنعوا؛ فيكون في ذلك تذكرة لهم. # ويحتمل قوله: (إن هذه تذكرة)، أي: الأنباء التي ذكرت في القرآن، أو هذه ~~المواعظ تذكرة لما لهم وما عليهم، أو تذكرة لما لله عليهم، وما لبعضهم على ~~بعض. # وقوله - عز وجل -: (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا): # هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول: قد مكن كلا أن يتخذ سبيلا إلى ربه، أي: لا شيء يمنعه عن ~~اتخاذ السبيل إلى ربه إذا شاء، لكن من لم يتخذ إنما لا يتخذ؛ لأنه لم يشأ ~~أن يتخذ سبيلا؛ وإلا قد مكن له ms4911 ذلك. # PageV10P372 # والثاني: يقول: من شاء اتخاذ السبيل، فليتخذ السبيل إلى ربه، على ما يذكر ~~على الاستقصاء بعد هذا، إن شاء الله تعالى. # ثم قوله - تعالى -: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ... (30): # يقول - والله أعلم -: من شاء اتخاذ السبيل إلى ربه لا يتخذ إلا أن يشاء ~~الله أن يتخذ السبيل إلى ربه، فعند ذلك يتخذ، وهذا على المعتزلة لأنهم ~~يقولون: إن الله تعالى قد شاء لجميع الخلائق أن يتخذوا إلى ربهم سبيلا، ~~لكنهم شاءوا ألا يتخذوا إلى ربهم سبيلا؛ فلم يتخذوا، وقد أخبر أنهم لا ~~يشاءون اتخاذ السبيل إليه، ولا يتخذون إلا أن يشاء الله لهم اتخاذ السبيل ~~فعند ذلك يتخذون ما ذكر، ويشاءون. # وقوله - عز وجل -: (إن الله كان عليما حكيما): # إن الله - تعالى - لم يزل عليما بصنع خلقه من التكذيب له والتصديق، ومن ~~الطاعة له والمعصية، أي: على علم منه بصنيعهم أنشأهم وخلقهم، حكيما في فعله ~~ذلك وخلقه إياهم على ما علم منهم بكون الآية إنما خلقهم وأنشأهم؛ لمنافع ~~أنفسهم ولحاجتهم، لا لمنافع ترجع إليه، أو لمضار يدفع عن نفسه؛ فخلقه إياهم ~~وبعثه الرسل إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد لا يخرج فعله عن ~~الحكمة والحق؛ بل يكون حكيما في ذلك، وأما من يبعث الرسول في الشاهد، إلى ~~من يعلم أنه يكذبه، ويرد رسالته وهديته، ويستخف به - سفه ليس بحكمة؛ لأنه ~~إنما يرسل الرسل ويبعث هديته؛ لمنافع تكون للمرسل؛ فعلمه بما يكون منه سفه ~~ليس بحكمة؛ لذلك افترقا. # وقوله - عز وجل -: (يدخل من يشاء في رحمته ... (31): # هذا على المعتزلة - أيضا - لأنه ذكر أنه يدخل من يشاء في رحمته، وهم ~~يقولون: قد شاء أن يدخل كلا في رحمته؛ لأنه شاء إيمان كل منهم، والله تعالى ~~أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته؛ دل ذلك على أنه لم يشأ أن يدخل في رحمته ~~من علم منه أنه يختار الضلال؛ ولكن إنما شاء أن يدخل في رحمته من علم منه ~~أنه يختار الهدى، فأما من علم منه اختيار غيره، ms4912 فلا يحتمل أن يشاء ذلك له، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والظالمين أعد لهم عذابا أليما): # أي: وشاء - أيضا - من علم منه الضلال أن يعد له عذابا أليما. # PageV10P373 # وفي حرف ابن مسعود، وأبي وحفصة - رضي الله عنهم -: (يختص برحمته من ~~يشاء)، وهذا الحرف تفسير تأويل الآية. # ويحتمل أن يكون رحمته هاهنا: هي الهدى وسبيل الله تعالى. # ويحتمل أن يكون رحمته هي جنته؛ سميت: رحمة؛ لأنه برحمته ما يدخلها أهل ~~الإيمان، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P374 ### | سورة المرسلات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) ~~فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع ~~(7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا ~~الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل ~~(14) ويل يومئذ للمكذبين (15). # قوله - عز وجل -: (والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا ~~(3) فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) اختلفوا في تأويلها: # فمنهم من حمل تأويل هذا كله على الملائكة. # ومنهم من صرفها إلى الرياح. # ومنهم من صرف البعض إلى الرياح، والبعض إلى الملائكة. # وجائز أن يجعل هذا كله في الرياح، ويستقيم أن يصرف كله إلى الملائكة، ~~ويستقيم أن يجعل البعض في الملائكة والبعض في الرياح. # فإن كان في الرياح، استقام القسم بها؛ لأن من الرياح رياحا هن مبشرات ~~برحمته، سائقات للنعم إلى عباده؛ كقوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات وليذيقكم من رحمته). # ومن الرياح رياح هي منجيات؛ قال الله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها)؛ فجعل الله ~~تعالى الريح سببا لتسيير السفن في البحار، كما جعل الماء سببا لذلك، وجعل ~~منها مهلكات مذكرات لقوته وسلطانه؛ كما قال - عز وجل -: (فيرسل عليكم قاصفا ~~من الريح فيغرقكم) الآية، فهي تميتهم وتهلكهم من غير أن يدركوها بأبصارهم، ~~وإن كانت الأبصار هي أول ما يقع بها درك الأشياء، ولو أراد أحد أن يعرف ~~الوجه الذي له صارت المنجيات منجيات، أو يعرف ms4913 الوجه الذي له صارت الرياح ~~مهلكات، أو مبشرات - لم يقف عليه؛ # PageV10P375 # فصارت الرياح مذكرات للنعم، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث، وبكل ما ~~يخبرهم به الرسل؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ورأوا فيها من لطائف الحكمة ~~وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم، فعلموا أن الأمر غير مقدر ~~بعقولهم ولا بحكمتهم؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك ~~والشبه في أمر البعث؛ فأقسم بها - جل جلاله - على ما ذكرنا أن القسم جعل ~~لتأكيد ما يقصد إليه باليمين. # فرجعنا إلى قوله: (والمرسلات عرفا) قيل: هي الرياح المبشرات؛ سميت: عرفا؛ ~~لأن ما تأتي به من النعم معروفة. # وقيل: العرف: المتتابع، وسمي عرف الفرس: عرفا؛ لتتابع بعض الشعر على بعض؛ ~~فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة. # وكذلك قوله - تعالى -: (والناشرات نشرا) جائز أن يحمل على الرياح، لكن ~~على الرياح المنشرات، وهي الرياح السهلة الخفيفة؛ لأن النشر مذكور في رياح ~~الرحمة بقوله: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) في بعض القراءات. # وقوله - عز وجل -: (فالعاصفات عصفا) هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء ~~وتقصمها، وهي التي ترسل للإهلاك؛ كقوله تعالى: (فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح). # وجائز أن يكون قوله: (والمرسلات عرفا) هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها ~~أرسلت للهلاك أو للتبشير؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ~~ساعتها من إرسال السحاب، وغير ذلك قبل أن تتتابع، وكذلك الرياح التي هي ~~رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها، وهو أن تكون قاصفة شديدة قبل أن ~~تتتابع. # وقوله - عز وجل -: (فالفارقات فرقا). # يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت: فارقات؛ لأنها تفرق السحاب؛ فيصير ~~البعض في أفق، والبعض في أفق أخرى. # وقوله - عز وجل -: (فالملقيات ذكرا): # PageV10P376 # جائز أن يصرف إلى الرياح، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا: أنه تظهر بها النعم، ~~وتتذكر، وتبين بها النجاة، ويقع ببعضها الهلاك، فذلك إلقاء ذكرها، والله ~~أعلم. # وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا: # فقوله - عز وجل -: (والمرسلات عرفا)، أي: الملائكة الذين أرسلوا بالأمر ~~بالمعروف، ms4914 والنهي عن المنكر. # وقوله - عز وجل -: (فالعاصفات عصفا)، أي: الملائكة الذين يعصفون أرواح ~~الكفار، أي: يأخذونها على شدة وغضب. # وقوله - عز وجل -: (والناشرات نشرا) جائز أن يكون أريد بها السفرة من ~~الملائكة، سموا: ناشرات؛ لأنهم ينشرون الصحف، ويقرءونها. # وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق. # وقوله عز وجل -: (فالفارقات فرقا) جائز أن يراد بها الملائكة، وسميت: ~~فارقات؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل. # وقوله - عز وجل -: (فالملقيات ذكرا) هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ~~ألسن الرسل، عليهم السلام. # وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح، فمستقيم أيضا. # فتكون " المرسلات ": الذين أرسلوا بالمعروف والخير. # و" العاصفات " الريح الشديدة، و " الناشرات ": الرياح الخفيفة السهلة. # و" الفارفات فرقا " و " الملقيات ذكرا ": هم الملائكة. # ويحتمل وجها آخر: أن يراد بقوله: (والمرسلات عرفا) هم الرسل من البشر ~~الذين بعثوا إلى الخلق، فما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر. # وكذلك جائز أن يراد بقوله تعالى: (فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا) هم ~~الرسل؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، ويلقون الذكر في مسامع الخلق. # وجائز أن يكون قوله: (والمرسلات عرفا) هي الكتب المنزلة من السماء؛ لأنها ~~أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير. # وكذا قوله: (والناشرات نشرا)، أي: ناشرات للحق والهدى، وكذا قوله - عز ~~وجل -: (فالفارقات فرقا)؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا. # PageV10P377 # وكذلك (فالملقيات ذكرا)؛ فإنها سبب لذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (عذرا أو نذرا (6): # أي: عذرا من الله - تعالى - وهو أن الله - تعالى - أرسل الرسل، وأنزل ~~الكتب، وبين الحجج؛ حتى لم يبق لأحد على الله حجة بعد ذلك، فهذا هو ~~الإعذار. # وقوله - عز وجل -: (أو نذرا)، أي: أنذرهم، ولم يعجل في إهلاكهم؛ بل بين ~~لهم ما يتقى ويجتنب، وما يندب إليه ويؤتى، فهذا هو الإنذار على تأويل ~~الرياح ما ذكرنا: أنها مذكرات نعم الله تعالى ونقمته؛ فيكون في ذلك إيجاب ~~ذكر المنعم والمنتقم؛ فيكون في ذلك إعذار وإنذار، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (إنما توعدون لواقع (7). # فهذا موضع ms4915 القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها. # ثم إن كان الموعود هو البعث، فمعناه: إن الذي توعدون به من البعث لكائن، ~~وإن كان على الجزاء والعقاب، فتأويله: إن ما توعدون به من العذاب لنازل ~~بكم؛ فتكون الآية في قوم علم الله - تعالى - أنهم لا يؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (فإذا النجوم طمست (8). # فكأنه - والله أعلم - لما نزل قوله تعالى: (إنما توعدون لواقع) سألوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن وقت وقوعه متى يكون؟ فنزلت: (فإذا ~~النجوم طمست)، فأشار إلى الأحوال التي تكون يومئذ، لا إلى نفس الوقت، ~~فقوله: (طمست)، أي: ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت. # وقوله - عز وجل -: (وإذا السماء فرجت (9): # أي: انشقت. # (وإذا الجبال نسفت (10). # أي: قلعت من أصلها؛ فسويت بالأرض. # وقال الزجاج: نسفت الشيء إذا أخذته على سرعة. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الرسل أقتت (11) وقرئ (وقتت)، وكذلك أصله، لكن ~~الهمزة أبدلت مكان الواو؛ طلبا للتخفيف، وهو من التوقيت، أي: جمعت لوقت. # PageV10P378 # وقيل: أحضرت الرسل؛ ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إليهم؛ كما ~~قال الله، تعالى: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك ~~شهيدا على هؤلاء). # وقيل: (أقتت) أي: وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا ~~قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن بالله ~~تعالى وأجاب الرسل فيما دعوهم إليه من الثواب. # وقوله - عز وجل -: (لأي يوم أجلت (12): # (أجلت) و (أقتت) واحد؛ لأن في التأجيل توقيتا، وفي التوقيت تأجيلا، ثم ~~بين وقت حلول الأجل -أجل العذاب- بقوله - عز وجل -: (ليوم الفصل (13) أي: ~~ليوم الحكم والقضاء، قال الله - تعالى -: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى)، وقال: (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم). # فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه هي تأخير الجزاء إلى يوم البعث؛ فجعل ~~ذلك يوم الجزاء؛ وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء، ~~وذلك يكون بالحجج والبينات؛ فكأنه قال: لولا ما سبق من كلمة الله - تعالى - ~~من ms4916 تأخير الجزاء والعذاب، وإلا كان العذاب واقعا بهم في هذه الدنيا ~~بالتكذيب. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن الله - تعالى - أخر الجزاء والعقاب إلى اليوم ~~الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذا البشر على ~~التتابع إلى ذلك اليوم؛ إذ ذلك اليوم هو الذي يوجد فيه الجمع، والله أعلم. # وسمى يوم الفصل لهذا أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه ~~مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء ويفصل بين ~~الخصماء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما أدراك ما يوم الفصل (14): # أي: لم تكن تدري، فدراك الله تعالى؛ ذكر هذا: إما على التعظيم والتهويل ~~لذلك اليوم، أو على الامتنان على رسوله - عليه السلام - بإطلاعه عليه، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ويل يومئذ للمكذبين (15): # في هذا دليل على أن الوعيد المذكور على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب، ~~ثم لم # PageV10P379 # يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال: " طوبى للمصدقين "؛ لأن حرف " الويل " ~~يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف " طوبى " يتكلم به في موضع السرور ~~والعطية، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك، كان من كان بخلاف حالهم ~~مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله: ~~(فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حسابا يسيرا)، وقال - عز وجل -: ~~(فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون): تقديم وتأخير. # * * * # قوله تعالى: (ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل ~~بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه ~~في قرار مكين. إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ ~~للمكذبين (24) ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28). # وقوله - عز وجل -: (ألم نخلقكم من ماء مهين (20): # جائز أن يكون ذكر هذا؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر ~~البعث؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء ~~والابتداء، فذكر ابتداء خلقهم؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة. # وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء ms4917 المهين، وهو الماء المستعاف المستقذر؛ ~~ليدعوا تكبرهم وتجبرهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وينقادوا له، ~~ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه. # وأخبر أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر؛ ليعلموا ~~أنه قادر على ما يشاء، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء؛ فيحملهم ذلك على ~~المراقبة، وعلى التيقظ والتبصر. # وقوله - عز وجل -: (فجعلناه في قرار مكين (21): # القرار المكين هو الرحم، جعله الله - تعالى - قرارا مكينا يتمكن فيه ~~الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغة، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر الله ~~تعالى الخروج منه. # وقوله - عز وجل -: (فقدرنا ... (23) قرئ: (قدرنا) و (قدرنا)، ف (قدرنا)، ~~أي: خلقنا كل شيء منه بقدر؛ و (قدرنا)، أي: سويناه على ما توجبه الحكمة على ~~الوجوه # PageV10P380 # التي تذكر في قوله - عز وجل -: (والذي قدر فهدى). # وقوله - عز وجل -: (فنعم القادرون): # أي: أنعم به من قادر؛ فيخرج مخرج ذكر الآلاء والنعم، أي: إن الذي فعل بكم ~~هذا هو الله - تعالى - لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل. # وقوله - عز وجل -: (ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26): # جائز أن يكون هذا صلة قوله: (ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار ~~مكين) و (ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا). # فيكون في ذكر هذا كله تذكير للآلاء والنعم، وتذكير القدرة والسلطان ~~والحكمة. # فوجه تذكير النعم: أن الله - تعالى - في أول ما أنشأه، أنشأه نطفة قذرة، ~~وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر، وكذلك في ~~الوقت الذي أنشأه علقة ومضغة، لم يفوض تدبيره إلى أحد من خلائقه؛ لأنه في ~~ذلك الوقت بحيث يستعاف ويستقذر، ولا يدفع عنه المعنى الذي به وقعت ~~الاستعافة والاستقذار بالتطهير؛ فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار ~~الخلائق، ثم لما أنشأه نسمة، وسوى خلقه أخرجه من بطن أمه وألقى في قلب ~~أبويه الرقة والعطف؛ ليقوموا بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا يقوم ~~بتدبير نفسه ومصالحه، ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته وتضمه إلى نفسها؛ ~~فيستتر بها ms4918 عن أبصار الناظرين؛ إذ رجع بعد موته إلى حالة تستعاف وتستقذر ~~ولا تقبل التطهير؛ فكان في ذكره أول أحواله إلى ما ينتهي إليه تذكير النعم؛ ~~ليصل إلى أداء شكره. # أو جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة؛ لما لا يعرف ~~الخلائق أنه بم يغذى حتى ينمو ويزيد؟ فرفع عنهم مؤنة التربية في ذلك الوقت، ~~ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع ~~حاجته، أخرجه من بطن الأم، وفوض تدبيره إلى أبويه؛ فهذا وجه تذكير النعم، ~~وفي ذكره ذكر القوة والسلطان والحكمة، وهو أن الله تعالى جعل النطفة التي ~~أنشأ منها النسمة، بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة، ولو أراد الخلائق أن ~~يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن ينشأ منها العلقة والمضغة والعظام ~~واللحم، ثم يكون منها نسمة سوية - لم يصلوا إلى معرفته، # PageV10P381 # وإذا تفكروا في هذا علموا أن حكمته ليست على ما ينتهي إليه علم البشر ولا ~~قوته تقتصر على الحد الذي تنتهي إليه قوى البشر، والذي كان يحملهم على ~~إنكار البعث بعد الإماتة تقديرهم الأمور على قوى أنفسهم وتسويتها بعقولهم، ~~فإذا تدبروا في ابتداء أحوالهم ورأوا من لطائف التدبير وعجائب الحكمة، ~~علموا أن الأمر ليس كما قالوا وقدروا؛ فيدعوهم ذلك إلى التصديق بكل ما يأتي ~~به الرسل وتخبرهم من أمر البعث وغيره. # وجائز أن يكون ذكرهم ابتداء أحوالهم ونشوءهم، وإلى ما يصيرون إليه؛ ~~ليدعوا التكبر على دين الله تعالى وينقادوا له بالإجابة، ولا يستكبروا على ~~أحد من خلائقه؛ لأنهم في ابتداء أحوالهم كانوا نطفة يستقذرها الخلائق، ثم ~~علقة ومضغة، ويصيرون في منتهى الأمر جيفة قذرة؛ ومن كان هذا وصفه فأنى يليق ~~به التكبر على أحد؟! # ثم قوله - عز وجل -: (ألم نجعل الأرض كفاتا): تكفتهم، أي: تضمهم وتجمعهم ~~في حياتهم وبعد مماتهم، فالانضمام إليها في حال حياتهم ما جعل لهم من ~~المساكن فيها والبيوت، وجعل لهم بعد مماتهم مقابر يدفنون فيها، أو جعل ~~متقلبهم ومثواهم في ظهورها في حياتهم، ms4919 وجعل بطنها مأوى لهم بعد وفاتهم، ~~وجعل ظهرها بساطا لهم؛ ليسلكوا فيها سبلا فجاجا؛ وقدر لهم فيها أقواتهم، ~~فذكرهم وجوه النعم في خلقه الأرض؛ ليستأدي منهم الشكر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا فيها رواسي شامخات ... (27): # الرواسي هي الجبال الثابتات في الأرض أثبتها في الأرض؛ لتقر بها، ولا ~~تميد بأهلها؛ إذ لو مادت لم يصل أهلها إلى ما قدر لهم من المنافع، فذكرهم ~~بذكره الجبال الرواسي عظيم نعمه عليهم؛ ليستأدي منهم الشكر. # والشامخات: هي الطوال. # وقوله - عز وجل -: (وأسقيناكم ماء فراتا): # ولولا إنزاله عليكم لم تكونوا تصلون إليه بقواكم وحيلكم، ثم أنزله من ~~السماء إلى الأرض، ولم يخرج من حد العذوبة، ولا حل به التغير بما مسته ~~الأرض، واختلطت به، وهذا منصرف إلى الشرب خاصة، ثم لغير العذب من المنافع ~~ما للعذب إلا الشرب خاصة. # PageV10P382 # وقوله - عز وجل -: (ألم نهلك الأولين (16): # وهم قوم نوح - عليه السلام - وقوم عاد وثمود. # (ثم نتبعهم الآخرين (17): # قوم فرعون اللعين وقوم لوط - عليه السلام - وغيرهم. # (كذلك نفعل بالمجرمين (18): # قيل: مجرمي هذه الأمة. # ثم اختلف في وقت فعله: # فمنهم من يقول بأن هذا الإهلاك في الآخرة، لقوله - عز وجل -: (بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر). # ومنهم من ذكر أنه فعل بهم يوم بدر. # ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، ألقى ~~الله تعالى في قلوبهم الرعب؛ حتى تركوا الانتداب إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه للمحاربة، مع كثرة شوكتهم، وقلة أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ فهذا فعله بالمجرمين، وفي إلقاءه الرعب ألطف آيات ~~رسالته، وأبين حجة عليها إذ كان فيه ما ينبههم أن الذي أقعدهم عن القتال، ~~وقذف في قلوبهم الرعب أمر سماوي لا غير، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب. لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه ~~جمالت ms4920 صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ~~(38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40). # وقوله - عز وجل -: (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون)، معناه - والله أعلم ~~-: إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله تعالى، وهم كانوا يكذبون بالبعث ~~وبالعذاب، لكن يقال لهم هذا بعد البعث؛ فهو منصرف إلى ما ذكرنا من العذاب. # وقوله - عز وبخل -: (انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30): # ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم؛ فيظنون أنه ظل؛ فينطلقون إليه؛ رجاء ~~أن ينتفعوا به. # PageV10P383 # وقوله - عز وجل -: (ذي ثلاث شعب) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون أصله واحدا، ثم يتشعب منه شعب ثلاث: # وجائز أن يكون في الأصل ذا شعب ثلاث تأتي كل شعبة من ناحية، ثم تجتمع، ~~فتصير شيئا واحدا. # وقوله - عز وجل -: (لا ظليل ولا يغني من اللهب (31): # أي: لا ينتفعون به ما ينتفع بالظل في الدنيا؛ لأن ظل الدنيا يهرب إليه ~~لدفع الحر، أو ليسكن فيه؛ لأن ظل البيت مما يسكن فيه، وظل الشجر والحيطان؛ ~~ليأووا إليه؛ للتروح، وذلك الظل لا يغني عنهم في الآخرة في دفع الحرارة ولا ~~في غيرها. # وقوله - عز وجل -: (ولا يغني من اللهب): # جائز أن يكونوا هربوا إلى ذلك الظل من اللهب؛ فيخبر أن ذلك الظل لا يدفع ~~عنهم، أذى اللهب. # وجائز أن يكون اللهب في ذلك الظل، ويكون كثافة الظل ساترة عما فيها من ~~اللهب؛ فيخبر أن سترها لا يمنع اللهب عن أن يمسهم إذا انضموا إلى الظل. # وقوله - عز وجل -: (إنها ترمي بشرر كالقصر (32) مفتوحة الصاد: # فالقراءة المعروفة قيل: يراد بالقصر: المعروف المبنى باللبن والخشب. # وقيل: يراد بها قصور أهل البادية، وهي أن خيام. # ومن قرأ بالنصب اختلفوا في تأويله: # عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (كالقصر) قصر النخل؛ الواحدة: قصرة، وذلك ~~أن النخلة تقطع قدر ثلاثة أذرع وأقصر وأطول، يستوقدون بها في الشتاء. # وقال بعضهم: هو أصل النخل المقطوع المنقعر من ms4921 الأرض. # وقيل: هو أعناق النخيل. # وقيل: القصرة: اسم الخشبة التي تقطع عليها اللحوم، وتكسر العظام، تكون ~~للقصابين. # PageV10P384 # وعن الحسن أنه قرأ مخففة (كالقصر)؛ غير أنه فسرها: أي: الجزل من الخشب؛ ~~الواحد: قصرة؛ كقولك: تمرة وتمر، والله أعلم. # وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه سائر الشرر في الدنيا؛ ~~لأن شرر الدنيا لا يأخذ مكانا؛ بل يتبين ثم ينطفئ. # ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام، وبعضه كالقصور، وبعضه كأصول ~~الأشجار. # وقوله - عز وجل -: (كأنه جمالت صفر (33) قرئ: [(جمالت صفر) جماعة الجمل]، ~~وقرى: (جمالات) جمع جمالة. # والصفر: قيل: السود، وإنما سميت السود: صفرا؛ لأن السود تعلوها الصفرة في ~~الإبل، فتسمى بهما؛ يدلك قول القائل عليه: # تلك حبلى منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب # شبه الشرر بالقصر، والقصر بالجمالة، وهي الإبل السود. # وقرئ (جمالات) برفع الجيم، وهي حبال السفن تمد، ثم إذا ضمت تكون كأوساط ~~الرجال؛ فشبه الشرر بالحبال الممدودة الصفر عند الامتداد وعند الانضمام ~~كأوساط الرجال؛ فتكون كالقصر. # وقوله - عز وجل -: (هذا يوم لا ينطقون (35) جائز أن يكون معناه: أنهم لا ~~ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى ~~الله تعالى، فعاملهم في الآخرة حسب معاملتهم الله تعالى في الدنيا، وهو ~~كقوله تعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم)، وقوله تعالى: (قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا) الآية. # ومنهم من يقول: لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها. # ويحتمل: أي: لا ينطقون بحجة؛ بل يكذبون؛ كقوله: (والله ربنا ما كنا ~~مشركين). # PageV10P385 # وقوله - عز وجل -: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36): # ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به، ولكن معناه: أنه لا عذر لهم؛ ~~ليقبل منهم، وهو كقوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)، معناه: أنه لا ~~شفيع لهم، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم، وإذا لم يكن لهم عذر، فهم ~~لا يعتذرون بعذر. # وقوله - عز وجل -: (هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فيه إخبار أنه ~~لا يخص بالبعث فريقا دون ms4922 فريق، بل يجمع الخلائق كلهم، ثم يفصل بينهم؛ فينزل ~~كلا منزلته التي استوجبها (فريق في الجنة وفريق في السعير). # وقيل: هو يوم الحكم؛ فجائز أن يكون سمي به؛ لما يختصم فيه أهل المذاهب؛ ~~فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فإن كان لكم كيد فكيدون (39): # جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة: أن كيدوا حتى تنجوا أنفسكم مما نزل ~~بكم؛ أي: إن كانت لكم حيل تحتالون بها فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ ~~على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس على ما عليه أمر الدنيا: أنهم يحتالون ~~ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات. # ويحتمل أن قيل لهم هذا في الدنيا، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يعارضهم بهذا فيقول لهم: (فإن كان لكم كيد فكيدون) في قتلي أو إخراجي من ~~بين أظهركم، كما قال هود - عليه السلام - لقومه: (فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون)، فعجزهم عن ذلك يظهر لهم آية رسالته، وحجة نبوته؛ إذ خوف الأعداء ~~من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة؛ بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم ~~مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور. # * * * # قوله تعالى: (إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44). # وقوله - عز وجل -: (إن المتقين في ظلال وعيون)، فالمتقون: هم الذين اتقوا ~~عذاب الله، قال الله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، وقال في ~~آية أخرى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) وقال: (ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، فهذا هو التقوى. # PageV10P386 # ثم إن أهل التوحيد أقروا بالعذاب، فاجتهدوا في اتقائه، فقيل لهم: انطلقوا ~~إلى ظلال وعيون؛ وأهل النار كانوا مكذبين بالعذاب، فقيل لهم: (انطلقوا إلى ~~ما كنتم به تكذبون)، من العذاب. # ثم أخبرنا بالوجه الذي يقع به الاتقاء فقال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا)، وأمرنا بالانتصاب لمحاربته، ثم علمنا وجه المحاربة بقوله: (وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ms4923 بالله)، وقال: - تعالى -: (وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين)، وقال: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار)، فألزمنا الفزع إليه، وبين أنا لا نقوى على محاربته إلا ~~بالابتهال إليه والفزع. # ثم يحتمل أن يكون الاتقاء هاهنا منصرفا إلى التصديق خاصة؛ لأنه ذكر ~~الاتقاء هاهنا مقابل التكذيب في الأولين. # وجائز أن يكون منصرفا إلى المصدقين بالأقوال، والموفين بالأعمال؛ ~~فالمتقي: هو الذي اتقى إساءة صحبة نعم الله تعالى فوقاه الله - تعالى - شر ~~يوم القيامة، مجازاة له، والمحسن: هو الذي أحسن صحبة نعمه، فأحسن الله ~~منقلبه، وأحله بدار كرامته، في ظلال وعيون وفواكه. # أو المتقي: هو الذي وقى نفسه عن المهالك، فوقاه الله تعالى يوم القيامة، ~~والمحسن: هو الذي أحسن إلى نفسه، وهو الذي استعملها في طاعة الله تعالى؛ ~~فأحسن الله إليه بما أنعم عليه من الظلال والعيون. # ثم أخبر أنهم في ظلال؛ لأن الظلال مما ترغب إليه الأنفس في الدنيا؛ لأنها ~~تدفع عنهم أذى الحر والبرد وأذى المطر والرياح، وغير ذلك، وظلال الأشجار ~~والحيطان تدفع أذى الحر، وظلال البنيان تدفع أذى الحر والبرد والمطر، وهي ~~لا تحول - أيضا - بين المرء والأشياء، عن أن يدرك حقائقها؛ فعظمت النعمة في ~~الظلال، ووقعت إليها الرغبة في الدنيا، فقال: (إن المتقين في ظلال وعيون)، ~~وقال تعالى: (وظل ممدود (30) وماء مسكوب)، ثم الأنفس إذا أوت أوت إلى ~~الظلال، اشتهت ما تتمتع به الأبصار، وأعظم ما تتلذذ به الأبصار أن يكن ~~نظرها إلى المياه الجارية؛ فأخبر أنهم في ظلال وعيون. # PageV10P387 # وقوله - عز وجل -: (وفواكه مما يشتهون (42) أي: فواكه أيضا؛ فأخبر أن لهم ~~فيها ما تتلذذ به الأبصار، وتتمتع به، وفيها ما تشتهى أنفسهم، وفيها ما ~~يدفع عن أنفسهم الأذى. # وقوله - عز وجل -: (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) لا تبعة ~~عليكم من جهة السؤال، ولا تنغيص؛ أي: لا يؤذيهم ما يأكلون ويشربون، فالهنيء ~~الذي لا تبعة على صاحبه، ولا تنغيص فيه. # وقوله - عز وجل -: (إنا كذلك نجزي المحسنين (44) فسمى المتقي: محسنا؛ ~~لأنه بدأ ms4924 بذكر المتقين، وذكر ما أعد لهم، ثم أخبر أنهم جوزوا بإحسانهم؛ ~~فيكون فيه دلالة على أن الاتقاء متى ذكر على الانفراد يقتضي إتيان المحاسن ~~والاتقاء عن المهالك. # * * * # قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ~~(46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويل يومئذ ~~للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون). # ثم رجع إلى المكذبين، فقال: (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون)، فهذا في ~~الظاهر أمر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل ~~وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل، عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى ~~عذاب الله تعالى. # وقوله - تعالى -: (إنكم مجرمون) قد ذكرنا أن المجرم هو الوثاب في ~~المعاصي. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) أي: إذا قال لهم ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -: اركعوا؛ أي: اخضعوا، واستسلموا لله - تعالى ~~- امتنعوا عن ذلك؛ استكبارا منهم على الرسل، وإعراضا عن النظر في حجج الله ~~تعالى. # وقوله - عز وجل -: (فبأي حديث بعده يؤمنون (50) أي: فبأي حديث يصدقون بعد ~~حديث الله - تعالى - الذي لا حديث أصدق منه، وأقوى في الدلالة. # وجائز أن يكون هذا على تسفيه عقولهم وأحلامهم، وهو أنهم يمتنعون عن ~~التصديق بحديث الله تعالى؛ إذ لا حديث أصدق منه، ثم يصدقون الأحاديث ~~الكاذبة والأباطيل المزخرفة، والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV10P388 ### | سورة النبإ، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون ~~(3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال ~~أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا ~~(10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا ~~وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) ~~وجنات ألفافا (16). # قوله - عز وجل -: (عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم) اختلف في التساؤل: # فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، سألوا ~~عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟ # ومنهم من ذكر أن التساؤل ms4925 كان عن القرآن: أنه من الله تعالى أو ليس من ~~الله تعالى؟ # أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟ # وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال الله - ~~تعالى - خبرا عنهم: (أجعل الآلهة إلها واحدا)؟. # ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ~~ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (كلا ~~سيعلمون. ثم كلا سيعلمون)، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك ~~الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه. # فإن كان السؤال عن حال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فوجه اختلافهم أن ~~بعضهم زعم - أنه شاعر، وقال بعضهم: هو ساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعى ~~بعضهم أنه مجنون. # PageV10P389 # وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين. # وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب ~~الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا. # ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب ~~للعلم. # ثم في قوله - تعالى -: (ألم نجعل الأرض مهادا) جواب عما سبق من السائل؛ ~~فإن كان السائل عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل ~~عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن. # والأصل فيه أن الله - تعالى - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر ~~عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم ~~الحاجة إلى الشكر، فيضطرهم ذلك إلى من يبين لهم، واحتاجوا إلى من يعرفهم ~~الوعد والوعيد، ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ ~~وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة؛ فاحتاجوا ~~إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة ~~الشكور والكفور. # وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله - تعالى - مهد ~~الأرض، فجعلها متمتعا للخلق، ومنقلبا ms4926 لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل ~~سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع ~~السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحدا لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف ~~المعنى الذي له يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن ~~يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع ~~الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض ~~لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم. # PageV10P390 # وقوله - عز وجل -: (كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5): # منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره ~~العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى. # وجائز أن يكون قوله: (كلا سيعلمون) على علم دلالة، وقوله - تعالى -: (ثم ~~كلا سيعلمون) على علم المشاهدة والعيان. # ثم قوله - تعالى -: (ألم نجعل الأرض مهادا (6) أي: بساطا، (والجبال ~~أوتادا (7) ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله - تعالى - ~~بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله: (ويسألونك ~~عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا)، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ ~~فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل ~~في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها. # وقوله - عز وجل -: (وخلقناكم أزواجا (8) قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال ~~الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو ~~كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على ~~لون واحد. # وقيل: (أزواجا): فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله. # وقيل: (أزواجا)، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من ~~جنسه. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا نومكم سباتا (9) قيل: السبات: التمدد. # وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: ~~مسبوت. # وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه ms4927 يوم راحة وترك العمل في ~~بني إسرائيل. # ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم ~~يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا ~~يمكنهم الخلاص # PageV10P391 # عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل ~~الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا ~~الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ~~ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في ~~أمر النوم، دله على عظيم شأنه وعجائب تدبيره. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا الليل لباسا (10) فهذا اللباس لباس الأعين لا ~~غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ~~ولا يعمل لباس الليل عمل اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر. # وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية أخرى: (وجعل الليل سكنا)، ~~وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ ~~فصرفوه إليه. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا النهار معاشا (11) أي: يتعيش فيه، لا أن يكون ~~نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا. # وقوله - عز وجل -: (وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) أي: السماوات، فذكرهم؛ ~~هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما ~~يشاء. # وقوله - عز وجل -: (وجعلنا سراجا وهاجا (13) فكان السراج هو الشمس هاهنا، ~~جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض. # وقوله - عز وجل -: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) منهم من ذكر أن ~~المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت ~~حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري. # وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر. # وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله: (فأصابها إعصار)، أي: ريح. # PageV10P392 # وعن الحسن: هي السماوات. # وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: ~~مجرز لما أتى وقت ms4928 جرازه. # ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من ~~هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث: # فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله - ~~تعالى - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض ~~بحيالها، وينزل بعضها على أثر بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض ~~واتصل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته ~~أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها. # وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى ~~الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل ~~السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر ~~بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في ~~الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دخلت في الثقب أرسل السحاب ما ~~أنشئ فيه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله - تعالى - بحكمته وقدرته ~~ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو ~~أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك ~~فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ~~ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل ~~هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد. # وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا ~~يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر ~~أن ينتهي إليه. # والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب، والإراقة. # وقوله - عز وجل -: (لنخرج به حبا ونباتا (15): # جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له [الحب - الحب]؛ # PageV10P393 # فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ ~~لأن القصد من زراعته النبات ms4929 لا غير. # وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا. # وقوله - عز وجل -: (وجنات ألفافا (16) قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان ~~الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار. # * * * # قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون ~~أفواجا. وفتحت السماء فكانت أبوابا. وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم ~~كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا (22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم ~~كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه ~~كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30). # وقوله - عز وجل -: (إن يوم الفصل كان ميقاتا) الميقات: الميعاد؛ أي: وعد ~~فيها جميع الأولين والآخرين، صالحهم وطالحهم، صغيرهم وكبيرهم. # وسمي: يوم الفصل؛ لما يفصل فيه بين الأولياء وبين الأعداء، ويتبين فيه ~~مثوى الفريقين جميعا، واليوم ليس بيوم فصل في الظاهر؛ لأن الدنيا تمر على ~~الفريقين على حالة واحدة، وإن كان قد فصل بينهما بالتوفيق والخذلان. # وقيل: يوم الفصل: يوم الحكم. # وقوله - عز وجل -: (يوم ينفخ في الصور ... (18) قد ذكرناه فيما تقدم. # وقوله - عز وجل -: (فتأتون أفواجا)، قيل: أمة فأمة، تأتى أمة كل رسول ~~بحيالها. # وقيل: يقرن كل أحد بشيعته؛ على ما نذكره في قوله - تعالى -: (وإذا النفوس ~~زوجت). # وقوله - عز وجل -: (وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) منهم من ذكر أنها ~~تفتح لإنزال من شاء الله تعالى من الملائكة، وتنشق وتنفطر؛ لشدة هول ~~القيامة. # ومنهم من قال: إن الشق والفتح والانفطار كله واحد، فذكر الفتح؛ لشدة هول ~~ذلك اليوم. # وجائز أن يكون الكل يقتضي معنى واحدا؛ لأنه فيما ذكر فيه الانشقاق قد ذكر ~~فيه نزول # PageV10P394 # الملائكة بقوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا). # وقوله - تعالى -: (وسيرت الجبال فكانت سرابا (20): # جائز أن يكون شبهها بالسراب؛ لما أنها إذا سيرت لم توجد في المكان الذي ~~رآها فيه الناظر كالسراب الذي يرى من بعد إذا رآه الناظر، فأتاه لم يجده ~~شيئا، لا أن تكون الجبال في الحقيقة سرابا؛ لأن السراب ms4930 هو الذي يتراءى من ~~البعد أنه شيء، ولا شيء في الحقيقة، وأما الجبال وإن سيرت فهي في نفسها ~~شيء. # وقوله - عز وجل -: (إن جهنم كانت مرصادا (21) منهم من ذكر أنها كانت في ~~علم الله - تعالى - أنها ترصد على من حقت عليه كلمة العذاب فتعذبه، ولا ~~يمكنه الفرار عنها. # وقيل: ترصد بشهيقها وزفيرها من استوجب العذاب؛ فتعذبه وتتقرب به إلى ربها ~~بطواعيتها له، وسخطها على من سخط الله عليه. # وقيل: معنى المرصاد: أن يكون ممر كل كافر ومؤمن عليها، لكن الكافر يقع ~~فيها، والمؤمن ينجو عنها. # وقوله - عز وجل -: (للطاغين مآبا (22) أي: مرجعا، والطاغي هو الذي تعدى ~~حدود الله تعالى، وضيع حقوقه، وكفر بأنعمه. # وقوله - عز وجل -: (لابثين فيها أحقابا (23) ذكر الأحقاب، ولم يبين منتهى ~~العدد، ولو كان اللبث فيها يرجع إلى أمد في حق الكفرة، لكان يأتي عليه ~~البيان؛ كما أتى البيان على منتهى يوم القيامة بقوله: [(في يوم كان مقداره ~~ألف سنة)]، وقال: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة)، فلما لم يبين، ثبت أنه لا يرجع إلى حد، وإلى هذا ذهب الحسن. # ومنهم من ذكر أن معناه: أنهم يلبثون ثلاثة أحقاب، والحقب ثمانون سنة، ~~يعذبون بلون من العذاب، ثم يعذبون بلون آخر من العذاب بعد ذلك، لا أن ينقطع ~~عنهم العذاب بعد مضي الأحقاب، والأحقاب هي النهاية في الأوقات، فذكر ~~النهاية في الأوقات، وما يكبر فيها؛ ليعلم أنهم أبدا فيها؛ كما قال: ~~(خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض)؛ لأنهما هما اللذان عرفا بالدوام؛ ~~فاقتضى ذلك معنى الدوام، فكذلك ذكر ما هو النهاية من الأوقات يعرف أنهم ~~أبدا فيها مقيمون. # PageV10P395 # وقوله - عز وجل -: (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) فذكر بعضهم أن ~~البرد هو النوم. # ومنهم من ذكر أن معناه: الروح، والراحة. # وقال بعضهم: (لا يذوقون فيها بردا) يقطع عنهم الحر، (ولا شرابا) يقطع ~~عطشهم، (إلا حميما وغساقا (25) فالحميم: هو الماء الذي قد انتهى في الحر ~~نهايته، والغساق: الزمهرير. # وقال بعضهم: هو ما ينفصل عن ms4931 أبدانهم من الصديد والزهومة، وهو الودك؛ ~~فمعناه - والله أعلم -: أن الذي يتطعم به أهل النار لا يعذبهم، ولا يجدون ~~به مستمتعا، بل يصير ذلك سبب إهلاكهم، لا أن يقع لهم بذلك البرد راحة ~~وشفاؤهم؛ كما وصفهم الله - تعالى -: (فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى)، ~~فيبقون أبدا في الهلاك لا يقضي عليهم فيستريحوا، ولا ينقطع عنهم العذاب ~~فيتلذذوا بالحياة. # وقيل: الغساق: لون من العذاب، لم يطلع الله تعالى عليه عباده. # وقوله - عز وجل -: (جزاء وفاقا (26) أي: وافق جزاؤهم أعمالهم، لا ينقصون، ~~ولا يزدادون على قدر ما استوجبوا، بل يجزون مثل أعمالهم. # وجائز أن يكون معناه: أن جزاءهم وافق أعمالهم في الخبث. # وقوله - عز وجل -: (إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27): # منهم من ذكر أنهم لا يخافونه. # ومنهم من حمله على حقيقة الرجاء، أي: لم يكونوا يرجون الثواب. # والوجه فيه: أنهم كانوا قوما لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء والعذاب حتى ~~يخافوا العقاب، ويرجوا الثواب. # فإن حملته على الخوف، فهم لم يخافوه؛ لما لم يؤمنوا به، وكذلك إن حملته ~~على حقيقة الرجاء، فهم لم يكونوا يرجونه؛ لما كذبوا به. # وقوله - عز وجل -: (وكذبوا بآياتنا كذابا (28) فالكذاب والتكذيب في لغة ~~العرب واحد؛ والآيات: جائز أن يراد بالآيات آيات البعث، ويراد بها آيات ~~الوحدانية، وآيات الرسالة، ونحوها. # PageV10P396 # وقوله - عز وجل -: (وكل شيء أحصيناه كتابا (29): # جائز أن يكون الإحصاء والكتاب واحدا. # وجائز أن يكون أريد بالإحصاء ما أثبت في الكتاب؛ كقوله تعالى: (لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). # وقوله: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) الزيادة في العذاب هي دوامه ~~وبقاؤه، لا أن يزادوا على القدر الذي كان أعد لهم من العذاب؛ لأنه أخبر ~~أنهم لا يجزون إلا مثلها، فإذا كان الذي عذبوا قبله جزاء لهم، لم يجز أن ~~يزادوا عليه فثبت أن الزيادة انصرفت على الدوام والبقاء، وبهذا قال أصحابنا ~~في تأويل قوله: (فزادتهم إيمانا)، وفي كل ما ذكرت فيه الزيادة -: إنه على ~~الثبات والدوام عليه، لا أنه يزيد وينقص. # * * * # قوله تعالى: (إن للمتقين ms4932 مفازا (31) حدائق وأعنابا. وكواعب أترابا (33) ~~وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء ~~حسابا (36) رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) ~~يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ~~(38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا ~~قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا (40). # وقوله - عز وجل -: (إن للمتقين مفازا)، أي: مفازا عن أنواع العذاب التي ~~ذكرت في الطاغين. # وقوله - عز وجل -: (حدائق وأعنابا (32) فالحدائق هي الأماكن التي أحاطت ~~الأشجار بأطرافها. # وقوله - عز وجل -: (وأعنابا) ظاهر، وقد ذكرنا أنهم وعدوا في الآخرة بكل ~~ما يقع لهم الرغبة في الدنيا. # ثم الأصل أن هذه السورة نزلت على إثر التساؤل بقوله تعالى: (عم يتساءلون. ~~عن النبإ العظيم)، فجائز أن يكون الذي حملهم على السؤال ما اعترض لهم من ~~الشبه، أو خطر ببالهم، فسألوا؛ ليبين لهم، وتزول عنهم الشبه، فذكرهم عظم ~~نعمه وعجائب تدبيره وقوته وسلطانه، ووعد أن من أمعن النظر فيها دلهم ذلك ~~على بعثهم وإزاحة الإشكال عنهم بقوله: (كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون)، وبين ~~مآب من استقام على الصراط المستقيم، وسلك سبيله، وأخبر أن من لم ينعم النظر ~~فيها، ولم يعط النصفة من نفسه # PageV10P397 # وضيعها، فمصيره إلى ما ذكر من قوله: (إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين ~~مآبا)،، وسيعلم ذلك بقوله: (كلا سيعلمون)، إن حمل هذا على الوعيد. # وقوله - عز وجل -: (وكواعب أترابا (33) قيل: الكاعب: هي التي تكعب ~~ثدياها، وذلك حين تبلغ أن تحيض، وهي ناهد، وهي أشهى ما يكون إلى الرجال. # والأتراب المستويات في السن؛ ففي هذا إنباء أنهن يكن أبدا على سن واحد، ~~لا يتغيرن عن تلك الحال، ولا يهرمن. # وقوله - عز وجل -: (وكأسا دهاقا (34) قيل: ملآنا. # وقيل: صافيا. # وقيل: متتابعا. # فوصفه بالملآن؛ ليعلم أن ذلك الشراب لا ينقص ما داموا يشربون؛ خلافا لما ~~عليه شراب أهل الدنيا. # ومن حمله على الصفاء، فمعناه: أنه صاف عن الآفات ms4933 والمكروه التي تكون في ~~شراب أهل الدنيا من التصديع وإذهاب العقل، وغير ذلك. # ومن حمله على التتابع، فمعناه: أن ذلك الشراب لا ينقطع، ولا ينفد ما ~~داموا في شربه، بل يتتابع عليهما، ولا يحدث فيهم حال تمنعهم عن الشرب من ~~السكر وغيره؛ فيمتنعوا عن شربه؛ خلافا لشرب أهل الدنيا. # وروي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: " كنا إذا استحثثنا الساقي في ~~الجاهلية، قلنا: داهق لنا "، أي: تابع لنا. # وقوله - عز وجل -: (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) أي: لا يسمعون ~~فيها ما يحق أن يلغى، بل يسمعون فيها كل خير، والذي يحق أن يلغى ما ذكروا ~~من الحلف والباطل والكذب؛ فلا يسمعون شيئا من ذلك كما يسمع من أهلها في ~~الدنيا إذا شربوها. # وقوله - عز وجل -: (كذابا) إن قرئ بالتخفيف فهو من الكذب؛ أي: لا يكذبون. # وإن قرئ بالتشديد فهو من التكذيب؛ أي: لا يكذب بعضهم بعضا؛ فكان معناه: ~~أن # PageV10P398 # ذلك الشراب لا يعمل فيهم هذا العمل؛ حتى يحملهم على الكذب والتكذيب؛ كما ~~يوجد في شراب أهل الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (فيها) أي: في الجنة. # ثم قوله: (كذابا) قرأه بعضهم بالتخفيف في الموضعين هاهنا وفي: (وكذبوا ~~بآياتنا كذابا)، وقرئ بالتشديد في الموضعين، وقرأه بعض القراء بالتشديد في ~~الأول، وبالتخفيف في الثاني. # وعن الكسائي أنه قال: بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية؛ يقولون: ~~كذبه تكذيبا وكذابا، وخربه تخريبا وخرابا، ونحو ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (جزاء من ربك عطاء حسابا (36) قوله: (جزاء)، أي: ~~جزاهم، و (عطاء): أعطاهم، و (حسابا): حاسبهم. # وقال الحسن: جزاهم بأعمالهم، أي: زادهم على القدر الذي استوجبوا. # وقال بعضهم: أعطاهم عطاء كثيرا حتى قال كل واحد منهم: حسبي، حسبي. # والذي يؤيد هذا التأويل ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان ~~يقرأ: [(جزاء من ربك عطاء حسنا)]. # وقال بعضهم: جزاء بأعمالهم التي كتبت الحفظة، وأحصتها عليهم، وأعطى عطاء ~~حسابا؛ أي: كثيرا؛ جزاء لما أخفوا من أعمالهم التي لم يطلع عليها ملائكة، ~~فأعطاهم عطاء بينا ms4934 ظاهرا يعرفه الناس. # وجائز أن يكون الجزاء عطاء من ربه، لا أنه يستوجب الجزاء؛ لما ذكرنا أنه ~~لا أحد من هذا البشر إلا وقد سبقت له من الله - تعالى - نعم، لو أنفذ جميع ~~عمره في أداء شكره منها، لم يصل إلى كنه ما عليه من الشكر؛ إذ من قام ~~بالشكر، ووفق عليه، زيد له - أيضا - في النعم؛ لمكان الشكر، فإذا وصل إلى ~~جزاء عمله في الدنيا، لم يستوجب به المزيد؛ فثبت أن الجزاء في الآخرة بحق ~~الإفضال من الله تعالى والإنعام، لا بحق الاستيجاب؛ ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين. . .) الآية، فسمى الكرامة: إنعاما، وقال في آية أخرى: (وجنة ~~عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء)، فجعل ما آتاهم من النعيم فضلا منه؛ فثبت أن الذي جزاهم به عطاء ~~من ربه حساب، أي: كثير. # PageV10P399 # وقوله - عز وجل -: (رب السماوات والأرض وما بينهما ... (37) فالرب: ~~المالك، فذكر أنه مالك السماوات والأرض وما بينهما؛ ليعلموا أنه لم يمتحن ~~أحدا بعبادته لحاجة تقع له، أو لمنفعة تصل إليه، بل هو الغني، وله ما في ~~السماوات وما في الأرض، وأن منفعة ما امتحنوا به من العبادات راجعة إلى ~~أنفسهم إذا وفوا بها، وإذا لم يقوموا بأدائها كان الضرر راجعا إليهم. # وقوله - عز وجل -: (الرحمن) بين أنه رحمن؛ ليرغبوا في رحمته، ويتسارعوا ~~إلى مغفرته. # وقوله - عز وجل -: (لا يملكون منه خطابا) هيبة من الله تعالى، وتعظيما ~~لحقه؛ فلا يملكون من هيبته الخطاب بالشفاعة أو بالخصومة أو بأي شيء كان. # وقوله - عز وجل -: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا ... (38) اختلف في ~~الروح: # فمنهم من قال: هو جبريل، عليه السلام. # ومنهم من صرفه إلى أرواح المسلمين. # ومنهم من ذكر أنهم الحفظة على الملائكة يرون الملائكة ولا تراهم ~~الملائكة. # وجائز أن يكون الروح الكتب المنزلة من السماء، كما قال: (ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره)؛ فتكون الكتب مخاصمة مع من ضيع ms4935 حقها ونبذها وراء ظهره، ~~وشافعة لمن أدى حقها، وعمل بما فيها. # ومنهم من ذكر أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر؛ قال الله تعالى: (ويسألونك ~~عن الروح قل الروح من أمر ربي). # وقوله - عز وجل -: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)، جائز ~~أن يكون هذا منصرفا إلى الشافع؛ أي: الشافع لا يقول فيما يشفع غير الصواب، ~~وما حل به من الرهبة والخوف من هيبة الله تعالى لا يزيله عن التكلم بالحق؛ ~~بل الله تعالى يثبته على الحق، ويجري على لسانه الصواب. # وقال بعضهم: معناه: لا يشفع إلا من قال في الدنيا صوابا، وهو الحق. # وقيل: معناه: أنه لا ينال من الشفاعة حظا إلا من قال في الدنيا الصواب، # PageV10P400 # والصواب أن يكون مقيما فيما دان به من التوحيد. # وذكر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه مر بعجوز وهي تدعو فتقول: " ~~اللهم اجعلني من أهل شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - " فقال لها: قولي: ~~" اللهم اجعلني من رفقاء محمد - صلى الله عليه وسلم - في الجنة؛ فإن شفاعته ~~لأهل الكبائر من أمته ". # قال - رضي الله عنه -: وبهذا الفصل تعارضنا المعتزلة، فتقول: إذا قلتم: ~~اللهم اجعل لنا من شفاعة محمد نصيبا، فقد قلتم: اللهم اجعلنا ممن يرتكب ~~الكبائر؛ إذ شفاعته في زعمكم لأهل الكبائر. # فالجواب عن هذا أن الذي ابتلي بارتكاب الكبائر دون الشرك إنما ينال ~~الشفاعة بما سبق منه من الخيرات من التوحيد وتعظيمه ربه - عز وجل - فمحاسنه ~~التي سبقت منه هي التي تجعله محلا للشفاعة، ولولاها ما نالها، فإذا قال: ~~اللهم اجعل لي من شفاعة نبيك نصيبا، فهو يقول: اللهم وفقني على فعل ~~الخيرات، واجعلني ممن يعظمك ويتقرب إليك بالطاعة حتى أنال بها الشفاعة، لا ~~أن يقصد بدعائه جعله من أهل الكبائر، والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله: ~~(فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون)، فأخبر ~~الله تعالى أن تسبيحه ما أنقذه من بطن الحوت، ولو لم يكن مسبحا لم يستوجب ~~الخلاص، ms4936 وكذلك صاحب الكبيرة يستوجب الشفاعة، ويرجى له الخلاص بما سبق منه ~~من الحسنات دون أن يستوجبها لارتكاب الكبيرة. # ثم من قول المعتزلة: أنهم يرون الصغائر مغفورة لأربابها إذا اجتنبوا ~~الكبائر؛ فيقال لهم: إن من دعا الله تعالى، وسأله المغفرة، فكأنه يدعو، ~~فيقول: اللهم ابتلني بالصغائر حتى تغفرها لي، فإن قلتم بأن دعاءه بالمغفرة ~~لا يقتضي ما عارضناكم به، فقولوا كذلك فيمن يقول: " اللهم اجعل لي من شفاعة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - نصيبا ": إنه لا يقتضي أن يجعله من أهل ~~الكبائر. # وقوله - عز وجل -: (ذلك اليوم الحق ... (39) قيل: معناه: ألا يقال في ذلك ~~اليوم غير الحق. # وجائز أن يكون منصرفا إلى اليوم نفسه؛ فيكون معناه: أن كونه حقا يكون لا ~~محالة. # وقوله: (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا)، أي: مرجعا؛ تأويله: أن الله تعالى ~~بين للخلق # PageV10P401 # سبيل الضلال والهدى، ولم يصد أحدا عن سبيل الضلال والهدى، وبين أن من سلك ~~سبيل الضلال فمآبه إلى النار، ومن سلك سبيل الرشد والهدى، فمآبه إلى الجنة، # وذلك مآبه إلى الله تعالى، واتخاذ السبيل إليه تعالى. # وقوله: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا ... (40) أي: العذاب الذي أوعدهم به ~~قريب مأتاه، وإن استبعدتموه في أوهامكم؛ قال الله - تعالى -: (أتى أمر الله ~~فلا تستعجلوه). # وقوله - عز وجل -: (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه)، فجائز أن يكون هذا ~~منصرفا إلى الخلائق أجمع مؤمنهم وكافرهم. # ثم تخصيص الأيدي بالذكر هو أن التقديم والتأخير في الشاهد يقع بالأيدي؛ ~~فأضيف إليها، وإن احتمل ألا يكون للأيدي صنع فيما ارتكب من الآثام، أو فيما ~~فعل من الخيرات، وهو كالمطر يسمى: رحمة الله، وإن لم يكن ذلك من أوصافه؛ ~~لأنه برحمة الله ما ينزل من السماء، وسمي الكلام: لسانا وإن لم يكن هو ~~لسانا؛ لأنه باللسان ما يتكلم؛ فكذلك التقديم أضيف إلى الأيدي؛ لما بها يقع ~~التقديم في الشاهد وإن لم يكن للأيدي صنع. # وقوله - عز وجل -: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا)، ذكر هذا التمني في ~~الكافر دون المؤمن؛ لأن المؤمن يرى حسناته ms4937 متقبلة وسيئاته مغفورة؛ فيأمن من ~~عقاب الله تعالى، والكافر يرى نفسه مؤاخذة بالسيئات، ولا يرى لها حسنات ~~متقبلة؛ فيتمنى أن يكون ترابا؛ ليتخلص عن عذاب الله. # وقال بعضهم: إن الوحوش تحشر والطيور كلها، ثم يقول الله - تعالى -: " ~~كوني ترابا "؛ فيتمنى الكافر في ذلك الوقت أن يكون ترابا، والله أعلم ~~بالصواب. # * * * # PageV10P402 ### | سورة النازعات، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. ~~فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة ~~(7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون أإنا لمردودون في ~~الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما ~~هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14). # قوله - عز وجل -: (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا)، اختلف في تأويله: # فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال. (والنازعات غرقا) هم الملائكة ~~الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق ~~النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة ~~فتغرق في النار. # قوله - عز وجل -: (والناشطات نشطا (2) قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا ~~عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا. # وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها ~~حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيخبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر ~~بالأول عن شدته على الكافر. # وقوله - عز وجل -: (والسابحات سبحا (3) قيل: إن الملائكة يسلون أرواح ~~الصالحين سلا رقيقا. # وقيل: الملائكة يسبحود بين السماء والأرض. # قوله - عز وجل -: (فالسابقات سبقا (4) أي: تسبق الملائكة إلى أرواح ~~المؤمنين. # وقيل: (فالسابقات سبقا) الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، ~~عليهم السلام. # وقيل: هم الكروبيون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين. # PageV10P403 # وقوله - عز وجل -: (فالمدبرات أمرا (5) هم الملائكة الموكلون بأمور ~~الخلائق وأرزاقهم. # ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطلعن من ~~مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى ~~مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات ms4938 لأمر الله - تعالى - ~~إلى ما سخرن له. # (والسابحات سبحا): النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك ~~على الخلق؛ لقوله: (كل في فلك يسبحون). # وقوله: (فالسابقات سبقا) أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم ~~والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، والله أعلم. # ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: (والنازعات غرقا) ~~هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، (والناشطات نشطا) هي الأوهاق ~~تنشط بها الدابة تكون منه في جهة. # (والسابحات سبحا): هن السفن. # (فالسابقات سبقا): هن الخيل. # (فالمدبرات أمرا): هي الملائكة، وبه قال عطاء. # ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: (والنازعات): هي ~~الأنفس التي تغرق في الصدر، (والناشطات نشطا) حين تنشط من القدمين. # وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد ~~لهم في الجنة. # (والسابحات سبحا): هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، ~~كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة. # وقوله: (فالسابقات) - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد ~~تسبق # PageV10P404 # فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات الله تعالى وما ينتشر من الخير؛ ~~يؤيد هذا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الدنيا ~~سجن المؤمن، وجنة الكافر ". # وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون ~~الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه ~~تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حضر ~~جعل يبتلع نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما ~~لا يحب مفارقتها من شدة ما يرى من عذاب الله تعالى. # وعلى هذا قيل في تأويل قوله - عليه السلام -: " من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ": إن ذلك عند الموت أن ~~المؤمن إذا حضره الموت ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء ~~الله تعالى، ويحب ms4939 الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، ~~فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فالمدبرات أمرا)، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة ~~الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، والله أعلم. # ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم: # فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عز وجل -: (أإنا لمردودون في ~~الحافرة) على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء ~~أنهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به. # ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: (يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها ~~الرادفة (6)، فأقسم بما ذكر أن النفختين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها ~~الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن ~~يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة ~~الإماتة والإحياء. # PageV10P405 # ثم اختلفوا بعد هذا: # فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، ~~والنفخة الثانية يحيا بها الخلق. # ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال ~~الله - تعالى -: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت. . .) الآية، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: (ويوم ينفخ ~~في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض. . .) الآية، والنفخة الثالثة ~~يحيا بها الخلق بقوله: (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). # ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما ~~لخفة البعث والإحياء على الله - تعالى - وسهولته كخفة النفخ على النافخ. # أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال تعالى: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب). # وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة، والتحرك، (تتبعها الرادفة) وهي الزلزلة ~~الأخرى. # ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث ~~وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: (يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة ~~(7) قلوب يومئذ واجفة) فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟ فقال: ~~تكون واجفة، ms4940 والواجفة: الخائفة الوجلة. # وقوله - عز وجل -: (أبصارها خاشعة (9) أي: ذليلة. # ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد ~~استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فكر وبدوات لا يمكنه أن يدفع عنها ~~الفكر، وكذلك هذا في البصر؛ فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع ~~القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، ~~بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها من الخوف؛ إذ المرء إذا ~~أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع # PageV10P406 # بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر، ~~ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكون القلوب هواء لا تقر في موضع، ~~ولا تقف على تدبير؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو ~~الداعي. # وقوله - عز وجل -: (يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أي: يقولون: ~~أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: ~~أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول. # ويقال: النقد عند الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على ~~جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به. # قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها ~~بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء. # وقوله - عز وجل -: (أإذا كنا عظاما نخرة (11) و (ناخرة)؛ فالناخرة: هي ~~البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها ~~الريح. # وقوله - عز وجل -: (قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) قال الحسن وأبو بكر: ~~هذا منهم تكذيب البعث؛ أي: لا يكون أبدا. # وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة ~~على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، ~~وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ~~ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا)، ms4941 ~~فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله - تعالى - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب ~~منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على ~~أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من ~~خالفهم هم الأخسرون. # ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى ~~الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: ~~مخسرة. # وقوله - عز وجل -: (فإنما هي زجرة واحدة (13) ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك ~~الوقت وسهولته على الله تعالى. # PageV10P407 # وقوله - عز وجل -: (فإذا هم بالساهرة (14) قيل: الساهرة: هي وجه الأرض. # وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها ~~النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة. # * * * # قوله تعالى: (هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى. ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل لك إلى أن تزكى. وأهديك إلى ربك فتخشى (19) ~~فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) ~~فقال أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى (26) أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها ~~(28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ~~ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها (32) متاعا لكم ولأنعامكم (33). # وقوله - عز وجل -: (هل أتاك حديث موسى): منهم من يقول: قد أتاك فخوفهم ~~به. # وقال الحسن: لم يكن أتاه، فأتاه بهذا؛ كما يقول الرجل لآخر: هل أتاك ما ~~فعل فلان؟ وهو يريد أن يذكره بهذا فيعلمه مع علمه أنه لم يكن علمه من قبل. # وقد ذكرنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد من تثبيت الرسالة والتخويف لمن ~~أساء صحبة الرسل - عليهم السلام - لئلا ينزل بهم ما نزل بفرعون وأتباعه حين ~~أساءوا صحبة الرسول موسى، عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) قيل: طوى: اسم ~~ذلك الوادي. # وقيل: سمي: طوى؛ لأنه بورك مرتين، مرة حين أتاه إبراهيم عليه السلام، ~~ومرة بإتيان موسى عليه ms4942 السلام. # وذكر عن الزجاج أن (طوى) بكسر الطاء الذي بورك مرتين، ثم أضاف ذلك الحديث ~~مرة إلى موسى ومرة إلى نفسه إذ ناداه؛ فظاهره: أن الله - تعالى - هو الذي ~~كلمه، فأضيف إلى الله تعالى؛ لأن أصله من الله - تعالى - كما ذكرنا في قوله ~~- تعالى -: (حتى يسمع كلام الله)، وفي قوله: (إنه لقول رسول كريم). # وقوله - عز وجل -: (اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) أي: عتا وطغى في نعمه، ~~فاستعملها في كفران نعمه؛ فلم يشكر الله - تعالى - بها. # وقوله - عز وجل -: (فقل هل لك إلى أن تزكى (18) أي: هل لك في إجابة من ~~إذا أجبت # PageV10P408 # تزكيت، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتنمو. # ثم في هذه الآية دلالة أن من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه، ~~فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرفق واللين؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما ~~السلام - بقوله: (فقولا له قولا لينا)، وبقوله: (هل لك إلى أن تزكى) وإذا ~~ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف؛ كما فعل موسى - عليه السلام - بقوله: ~~(وإني لأظنك يا فرعون مثبورا)، بعد قوله: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض). # وقوله - عز وجل -: (وأهديك إلى ربك فتخشى (19) أي: أهديك إلى ربك فتهتدي، ~~ثم تخشاه إذا اهتديت؛ أي: عرفت عظمته وجلاله؛ فتخشى عقوبته؛ فيكون العلم ~~مثمرا للخشية؛ ألا ترى إلى قوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). أو ~~أهديك إلى طاعة ربك، وأنذرك عقابه إذا عصيته؛ فتخشى؛ فلا تعصيه. # وقوله - عز وجل -: (فأراه الآية الكبرى (20) منهم من ذكر أن الآية الكبرى ~~هي اليد سميت: كبرى؛ لأن سحرهم عمل في الحبال والعصي، ولم يعمل في اليد؛ ~~فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم، فسميت: كبرى؛ لهذا المعنى. # ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا؛ لأن غلبة موسى - عليه السلام - ~~على السحرة كانت بالعصا، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر، ولكن كل آياته ~~كانت كبرى، كما قال في آية أخرى: (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها)، ms4943 ~~فكانت إحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهي لمن تأمل فيها وتدبر، ~~والله الموفق. # وقوله: (فكذب وعصى (21) أي: كذب بآيات الله، وعصى نبيه موسى؛ فلم يطعه. # وقوله - عز وجل -: (ثم أدبر يسعى (22) قال الحسن: كان خفيفا طياشا، وإلا ~~فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا: إما ليجيبوا الداعي إلى ما ~~دعاهم، أو ليردوا عليه، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش. # وقال غيره: أدبر عن طاعة الله - تعالى - وتولى عنه، وسعى في جمع السحرة. # أو سعى في جمع من قال لموسى - عليه السلام -: (فاجعل بيننا وبينك موعدا ~~لا # PageV10P409 # نخلفه). # وقوله - عز وجل -: (فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) ذلك ~~اللعين قد علم أنه ليس برب السماء والأرض، ولكن قد اتخذ لقومه أصناما فأمر ~~العوام منهم أن يعبدوها؛ ليقربهم ذلك إليه، لكن إذا صاروا من خاصته أذن لهم ~~بأن يعبدوه، وأمر الخواص منهم بعبادته، فسمى نفسه: أعلى الأرباب؛ لهذا. # وقوله: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) منهم من يقول: أخذه بعقوبة ~~الكلمتين جميعا: الكلمة الأولى: قوله: (ما علمت لكم من إله غيري)، والكلمة ~~الثانية: قوله: (أنا ربكم الأعلى). # ومنهم من يقول: أخذه بعقوبة ما تقدم من الإجرام وما تأخر إلى أن غرق. # ومنهم من يقول: أخذه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، فغرقه في الدنيا، وعذب ~~روحه بعد مماته بقوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا)، ويدخل في النار مع ~~أتباعه بقوله: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ فاتصلت ~~عقوبة الدنيا بعقوبة الآخرة. # وقوله: (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26): # وفي ذلك كله عبرة، لكن الذي يعتبر بها من يخشى العواقب، ويخاف عقوبة الله ~~تعالى. # وقوله: (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) # جائز أن يكون هذا صلة قوله: (يوم ترجف الراجفة)؛ فيكون في قوله: (يوم ~~ترجف الراجفة). # وفي قوله: (أأنتم أشد خلقا) تقرير له أيضا. # ثم قوله: (أأنتم أشد خلقا أم السماء) يحتمل أوجها: # أحدها: أن إعادتهم خلقا جديدا وبعثهم أيسر في عقول منكري البعث من خلق ~~السماوات، وقد أقروا ms4944 أنه خالق السماء، فإذا لم يتعذر عليه خلق السماء، وإن ~~كان خلقها أشد في عقولهم من خلق أمثالهم، فما بالهم ينكرون بعثهم وإعادتهم ~~إلى ما كانوا عليه، # PageV10P410 # وذلك أهون في عقولهم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن السماء مع شدة خلقها أشفقت على نفسها، فأبت قبول ~~ما عرض عليها من الأمانة، وخافت نقمة الله - تعالى - فما بال هذا الإنسان ~~مع ضعفه يمتنع عن الإجابة إلى ما دعي إليه؛ أفلا يشفق على نفسه، ولا يخاف ~~نقمة الله تعالى، وما خلقت النار والجنة إلا لأجل الإنس، فيذكرهم بهذا؛ ~~ليخوفهم ويرتدعوا عما هم فيه من الطغيان ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه الرسول. # وجائز أن يكون هذا صلة قوله: (إذا السماء انفطرت)، و (إذا السماء انشقت)، ~~فيخبر أن السماء مع شدتها وطواعيتها لا تقوم بذلك اليوم؛ فكيف يقوم الإنسان ~~لهول ذلك اليوم مع ضعفه؟! فيرجع هذا - أيضا - إلى التخويف. # وقوله - عز وجل -: (بناها (27) رفع سمكها فسواها) (بناها): أي: خلقها، ~~(رفع سمكها (28): سقفها، (فسواها) بالأرض، أو سواها على ما توجبه الحكمة ~~ويدل على الوحدانية. # قال إمام الهدى أبو منصور - رضي الله عنه -: ثم لم يفهم أحد من قوله: ~~(بناها) ما يفهم من البناء المضاف إلى الخلق، ولا فهم من الرفع ما يفهم من ~~الرفع المضاف إليهم، ولا فهم من قوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) ما يفهم من ~~البسط المعروف المنسوب إلى الخلق، فما بال بعض الناس فهموا من المجيء الذي ~~أضيف إلى الله تعالى ما فهموا من المجيء الذي يضاف إلى الخلق، فلولا آفة ~~حلت بهم حملتهم على أن يفهموا منه المعنى المكروه، وإلا لم تنصرف أوهامهم ~~إلى مثل ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29) قيل: أظلم ليلها، ~~(وأخرج ضحاها): ففي؛ إظلام الليل، وإخراج الضحى ما ينفي عن منكري البعث ~~الشبه التي تعترض لهم، وذلك أنه يغطش في ساعة لطيفة ويغشى ظلمتها كل شيء، ~~ثم يتلفها في أدنى وهلة، ويفنيها # PageV10P411 # كأنها لم تكن، ثم يعيدها بعدما أتلفها حتى لو أراد أحد أن يميز بين ms4945 ~~الأولى والثانية لم يقدر عليه، بل وقع عنده أن الأولى هي الثانية، والثانية ~~هي الأولى، وهذا بعدما تلفت الظلمة الأولى، وذهبت كلها حتى لم يبق منها ~~أثر؛ فلأن يكون قادرا على إعادتهم خلقا جديدا بعدما أفناهم، وقد بقي من ~~آثار الخلق الأول بعضه - أولى. # ثم أضاف ذلك إلى السماء؛ لأن بدأهما يظهر من عندها. # وقوله - عز وجل -: (والأرض بعد ذلك دحاها (30) قالوا: بسطها: # فمنهم من يقول: خلقها مجتمعة، ثم بسطها بعدما خلق السماوات؛ ألا ترى أنه ~~قال: (دحاها)، ولم يقل: خلقها. # ومنهم من ذكر أنه خلق سماء الدنيا أولا، ثم خلق الأرضين بعد ذلك، ثم خلق ~~السماوات الست من بعد. # ومنهم من ذكر أنها كانت قبل أن تبسط تحت بيت المقدس، ثم بسطها بعد ذلك. # قال أبو بكر: هذا لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن تكون بجملتها وسعتها تحت بيت ~~المقدس، والله أعلم. # ولكن معناه عندنا -إن كان على ما قالوا- فهو منصرف إلى الجوهر؛ أي: ~~الجوهر الذي خلق منه الأرض كان هنالك، لا أن كانت بجملتها تحته؛ كما خلق ~~هذا الإنسان من النطفة وإن لم يكن بكليته في النطفة، وخلق من التراب وإن لم ~~يكن بكليته على ما هو عليه في التراب، وكان معناه: أنه خلق من ذلك الجوهر؛ ~~فعلى ذلك الحكم فيما ذكره. # ومنهم من زعم أن خلقهما كان معا. # وذكر عن الحسن أن الأرضين خلقت قبل السماء بقوله: (هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن. . .)، وقال في موضع آخر: (ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان)، وقال: اسم السماء ما ارتفع من الشيء كما يقال ~~للسقف: سماء؛ لارتفاعه عن الإنسان. # وقوله - عز وجل -: (أخرج منها ماءها ومرعاها (31) ذكر ما أنشأه لنا؛ ~~لنحمده، وما أخرج منها للأنعام لتذكير النعم - أيضا - لنشكره ونحمده عليه؛ ~~إذ الدواب خلقت لنا، فما رجع إلى منافعها فهي راجعة إلينا، إذ بها ما نصل ~~إلى الانتفاع بالدواب. # PageV10P412 # وقوله - عز وجل -: (والجبال أرساها (32) أثبتها؛ لئلا تميد بأهلها. # وقوله - عز وجل -: (متاعا ms4946 لكم ولأنعامكم (33) فيه أن ما جعله متاعا لنا ~~قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا، والذي جعله للأنعام، لم يجعل لنا فيه ~~شركاء؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر، ومنه ما ~~يستطاب ويدخر، فجعل ما طاب منه للبشر، وما خبث منه لمنافع الدواب، والذي ~~أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره، ففضل أغذية من فضل ~~منازلهم، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات؛ إذ الله تعالى من ~~على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء، وفضلهم على الأنعام، فمن كره ~~ذلك فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الإنسان ما سعى. ~~وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن ~~الجحيم هي المأوى (39) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن ~~الجنة هي المأوى (41) يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ~~ذكراها (43) إلى ربك منتهاها (44) إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم ~~يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46). # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاءت الطامة الكبرى) قال: الطامة: هي الصيحة، ~~سميت: طامة؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها، وسميت: كبرى؛ لأنها إن طمت بالعذاب ~~فهو يدوم ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينقطع؛ ~~فسميت: كبرى؛ لدوامها. # وقوله - تعالى -: (يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) ما عمل، وتذكره يكون ~~بوجهين: # أحدهما: بقراءته كتابه؛ كقوله تعالى: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا)، والتذكر الثاني يكون بالجزاء. # فالتذكر الأول يكون باللطف من الله تعالى، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء، ثم ~~ينساها إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة، ففيما لم يتول كتابته أحق ألا ~~يتذكر، لكن الله - تعالى - بلطفه يذكره بالقراءة؛ فيعرف به صدق ما كتبته ~~الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب، عوقب جزاء ما كسبته يداه، ويكون الجزاء أبلغ ~~في التذكير؛ فيتذكر في ذلك الوقت، أيضا. # PageV10P413 # وقوله - عز وجل -: (وبرزت الجحيم لمن يرى (36) وقرئ (لمن ترى) فتضيف ~~الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله: (إذا رأتهم من ms4947 مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا). # وقوله - عز وجل -: (لمن يرى) جائز أن تكون الرؤية كناية عن الحضور ~~والدخول؛ فيكون قوله: (لمن يرى) أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله: (إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين)، ومعناه: أن رحمة الله للمحسنين، وقال تعالى: ~~(ولا تقربا هذه الشجرة)، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن ~~تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة ~~العذاب بجميع أبدانهم. # وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك ~~لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونها؛ ~~قال الله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم ~~راجعون)، وقالوا: (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا. . .) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (فأما من طغى (37) أي: عصى، وتمرد. # أو طغى بأنعم الله - تعالى - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله. # وقوله - عز وجل -: (وآثر الحياة الدنيا (38) جائز أن يكون إيثاره أن ~~يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها ~~الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفي له عمله؛ ألا ترى ~~إلى قوله - تعالى -: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها). # وقوله - عز وجل -: (فإن الجحيم هي المأوى (39) أي: يأوي إليها. # وقوله - تعالى -: (وأما من خاف مقام ربه ... (40): # جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى الله ~~تعالى؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا. # وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه ~~في موضع نهى الله تعالى عن المقام فيه. # وقوله - عز وجل -: (ونهى النفس عن الهوى)، ليس هذا نهي قول، وإنما نهيه ~~إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها ~~آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها ~~العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين: # PageV10P414 # فمنهم ms4948 من يقهرها فلا يعطيها شهواتها، فهو أبدا في جهد وعناء. # ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل ~~بالظلمة؛ فيصير ذلك لها كالعيان؛ فتختار لذات الآخرة على لذات الدنيا؛ إذ ~~ذلك أدوم وألذ، ويسهل عليه العمل للآخرة، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ~~ولذتها؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إليها، ولا تنتهي عن ~~ذلك إلا بما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها (42): # هي القيامة، سميت: ساعة؛ لما يخف أمرها على من إليه تدبيرها. # أو سميت: ساعة؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها. # أو سميت: لقربها إلى الحالة التي كانوا عليها؛ كقوله تعالى: (أتى أمر ~~الله). # ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم: ~~(إذا السماء انفطرت)، و (إذا السماء انشقت)، قالوا: متى تكون الساعة؟ فنزلت ~~هذه الآية. # وجائز أن يكون السؤال من الكفرة؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير ~~منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال؛ فيسألونه سؤال استهزاء ~~واستخفاف برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويسألونه استعجالها بقوله: ~~(يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها)؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم ~~متعنتون في السؤال؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع؛ لأنهم ~~كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة، فإذا طلبوا الاستعجال ~~علموا أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف ~~الوعيد؛ فيحتجون على الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته: إن الساعة تكون، ~~لكانوا متى طلبوا مجيئها، يأتيهم بها. # وقوله - عز وجل -: (فيم أنت من ذكراها (43) أي: لست أنت من علمها في شيء. # هذا إن ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطلع عليها أو لست ~~أنت من أخبارها في شيء؛ إذا لم يثبت، ولم يعلم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يطلع عليها. # وقوله - عز وجل -: (إلى ربك منتهاها (44) أي: منتهى علمها؛ فيكون هذا ~~نهيا للسائلين # PageV10P415 # عن ms4949 العود إلى السؤال. # وقوله - عز وجل -: (إنما أنت منذر من يخشاها (45) فهو - صلى الله عليه ~~وسلم - كان منذرا للعالمين جملة بقوله: (ليكون للعالمين نذيرا)، لكنه ينتفع ~~بإنذاره من يخشى الإنذار. # وقوله - عز وجل -: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) ~~قال أهل التأويل في هذه الآية: إنهم إذا رأوا الساعة، استقصروا هذه الأيام، ~~وقلت الدنيا في قلوبهم حين عاينوا الآخرة. # وجائز أن يكون تأويله: أنهم لو أرادوا الساعة للحالة التي هم فيها، لم ~~يلبثوا فيها إلا عشية أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، والله ~~أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # * * * # PageV10P416 ### | سورة عبس، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) ~~أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ~~ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا ~~إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) ~~بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16). # قوله - عز وجل -: (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى) ذكر الحسن أن تعبس ~~الوجه والتولي كانا بنفس المجيء على ظاهر الآية؛ فإنه ذكر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان عنده من عظماء المشركين قوم يعظهم ويدعوهم إلى ~~الإسلام، فلما جاءه ابن أم مكتوم يسأله، أعرض عنه؛ لمكان أولئك القوم، وعبس ~~وجهه؛ رجاء إسلامهم. # وذكر غيره من أهل التفسير: أنه عبس وتولى؛ لما سأله ابن أم مكتوم عما فيه ~~رشده وهداه؛ فعبس وجهه بقطعه الحديث عليه. # ثم هذا التعبس منه - عليه الصلاة والسلام - كان في أمر لو التأم، ثم وزن ~~ذلك بخيرات أهل الأرض، لرجح على خيراتهم ومحاسنهم؛ لأنه ذكر أنه كان مقبلا ~~على رؤساء الكفرة يعظهم ويحرضهم على الإسلام؛ رجاء أن يسلموا؛ فيكون في ~~إسلامهم رجاء إسلام كثير من القوم؛ لأنهم كانوا من علية القوم وعظمائهم؛ ~~فكان في إسلامهم رجاء إسلام من يتبعهم من قومهم؛ فيستوجب بإسلامهم من جزيل ~~الثواب وعظم المنزلة ما لا يبلغه آخر بجميع محاسنه؛ فكان في ms4950 سؤاله إياه منع ~~ما قصد إليه من إحراز جزيل الثواب وكريم الخصال، وإذا كان هكذا فتعبس الوجه ~~في مثل هذا الحال أمر سهل لا يستبعد، ولا يستنكر. # والثاني: أن تعبس الوجه على الأعمى، والإعراض عنه لا يظهر للأعمى؛ لأنه ~~لا يراه؛ فلا يعده جفاء، وكان في إقباله على أولئك القوم وحسن صحبته إياهم ~~رجاء الإسلام منهم؛ إذ إقباله وحسن صحبته يظهر لهم، وفي الإعراض عنهما ذهاب ~~ذلك الرجاء وإبداء الجفاء منه إياهم، ومن آثر الوجه الذي فيه اتقاء الجفاء ~~والدعاء من الشرك إلى الهدى # PageV10P417 # وصلاح الدين والدنيا، فهو محمود عند ذوي الأحلام والنهي. # ولأن إقباله على القوم إذ كان؛ لمكان دعائهم إلى الإسلام، وقد أمرنا ~~بدعاء الكفرة إلى الإسلام، وإن كان في دعائهم إتلاف أنفسنا وأموالنا، فلأن ~~يسوغ الدعاء من وجه ليس فيه إلا تعبيس الوجه على واحد من المسلمين - أولى، ~~ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد منه هذا النوع من الإيثار؛ اجتهادا ~~ورأيا، والأنبياء - عليهم السلام - قد جاءهم العتاب من الله - تعالى - ~~بتعاطيهم أمورا لم يسبق من الله - تعالى - لهم الإذن في ذلك، وإن كان الذي ~~تعاطوه من الأمور أمورا محمودة في تدبير الخلق؛ نحو ما عوتب يونس - عليه ~~السلام - وعوقب بمفارقة قومه بغير إذن، وإن كان مثل تلك المفارقة لو وجدت ~~من واحد من أهل الأرض، استوجب بها الحمد، وحسن الثناء؛ لأن تلك المفارقة لا ~~تخلو من أحد أمور ثلاثة: # أحدها: أن قومه كانوا أهل كفر، وكانوا له أعداء في الدين، ففارقهم؛ لينجو ~~منهم، ويسلم له دينه، ومثل هذا لو وجد من غير الأنبياء - عليهم السلام - عد ~~ذلك من أفضل شمائله. # والثاني: أن في مفارقته من بين أظهرهم تخويفا لهم وتهويلا؛ لأن القوم من ~~قبل كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا وقتما يريد أن ينزل بهم ~~العذاب؛ فكان في مفارقته إياهم تخويفهم وتهويلهم، فيدعوهم ذلك إلى الانقلاع ~~عما هم عليه من الضلال، والفزع إلى الله - تعالى - ومن خوف آخر بأمر يكون ~~فيه دعاؤه إلى الهدى ms4951 وردعه عن الضلال، فقد أبلغ في النصيحة، واستقام على ~~الطريقة. # والثالث: أنه يفارقهم؛ ليستنصر بغيرهم فينصرونه عليهم، ويتقوى بهم؛ ليكون ~~على دعائهم إلى الإسلام أمكن وأقدر، ومن كانت مفارقته من قومه على هذه ~~النية، فلنعم المفارق هو، ثم عوتب مع هذا كله، وذكر الله - تعالى - في ~~الكتاب قصته للوجه الذي ذكرنا؛ فكذلك الوجه في معاتبة نبينا محمد - عليه ~~أفضل الصلوات وأكمل التحيات. # ومنهم من ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد إلى تعبس الوجه ~~على ابن أم مكتوم، ولا تولى # PageV10P418 # عنه عمدا لذلك، لكن لما قطع عليه حديثه، وكان فيه قطع رجاء إسلام أولئك ~~القوم، شق ذلك عليه، واعتراه من ذلك هم شديد، أثر ذلك في وجهه، لا أن كان ~~منه ذلك على القصد. # ووجه آخر: أن يقال: إن الله - تعالى - جعل في قلبه - صلى الله عليه وسلم ~~- من الشفقة والرحمة على العالمين حتى بلغ من شفقته أن كادت نفسه تذهب على ~~من أعرض عن دين الله - تعالى - والإيمان به حسرات عليه، وحتى قيل له: (لعلك ~~باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، وقال: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون)، وقال: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # وتأويله: ألا تحزن بمكانهم كل هذا الحزن؛ فيكون فيه تخفيف الأمر عليه، لا ~~أن يكون فيه نهي عن الحزن وعن الحسرة؛ ولذلك قال: (يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك)، ومعناه - والله أعلم -: ألا تحمل نفسك ~~كل هذا التحميل حتى تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك الانتفاع به؛ طلبا ~~لمرضاتهن، لا أن ينهاه عن ابتغاء مرضاتهن؛ بل قد ندب إلى ابتغاء مرضاتهن ~~بقوله: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) الآية، ~~فجائز أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشتد عليه إعراض أولئك ~~القوم عن الإيمان، وكبر ذلك عليه حتى تغير لون وجهه؛ فظهرت عبوسة وجهه؛ ~~فنزل قوله - تعالى -: (عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى) يبين شدة ما اعتراه ~~من الهم ms4952 حتى أثر ذلك في وجهه، لا أن يكون فيه مذمة ومنقصة له. # ثم في هذه الآية فوائد أخر: # إحداها: جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ~~هذا النوع من العمل اجتهادا، لا نصا؛ إذ لو كان الإذن بالتولي والتعبس ~~سائغا، لم يكن يعاتب بفعل قد أمر به. # فإن قيل: كيف لا تدل المعاتبة على النهي عن إقدامه على مثله؛ فيحرم عليه ~~الاجتهاد؟ # قيل له: لو كان هذا نهيا، لم يكن يعود إلى العمل بالاجتهاد بعد ذلك، وقد ~~وجد منه - عليه السلام - العود؛ لقوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم)، ~~وبقوله: # PageV10P419 # (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، فثبت أنه ليس فيه نهي. # وفيه أن الكافر وإن كان مبجلا معظما في قومه، فليس على المؤمنين أن ~~يعظموه ويبجلوه، بل يسترذل ويستخف به، وأن المسلم ينبغي أن يعظم ويكرم، وإن ~~كان حقيرا في أعين الخلق. # وفيه آية رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ودلالة نبوته، وأنه لم يختلق ~~هذا الكتاب من عند نفسه؛ لأن من يتعاطى فعلا حقه الستر، فهو يستره على ~~نفسه، ولا يهتك عليها الستر؛ لئلا يذم عليه، فلو لم يكن مأمورا بتبليغ ~~الرسالة لكان يجتهد في الستر على نفسه، ولا يبديه للخلائق، ولكنه كان رسولا ~~لم يجد من تبليغه إلى الخلق بدا، فبلغه كما أمر. # وقوله - عز وجل -: (وما يدريك لعله يزكى (3) " لعل " من الله - تعالى - ~~وأجب. # وقوله: (يزكى)، أي: يتزكى بعمله ونيته وقوله. # وفي هذه الآية قضاء بإبطال قول من زعم أن جميع ما في القرآن: (وما يدريك) ~~فهو مما لم يدره؛ يروى ذلك عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - وغيره؛ لأنه ~~قد أدراه هاهنا بقوله: (لعله يزكى) و " لعل " من الله تعالى واجب، وإذا ~~جعلته واجبا فقد زكاه، وإذا زكاه فقد علمه النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون يتذكر بتذكيرك إياه؛ فينتفع بتذكيرك. # والثاني: أن يتذكر فيما ذكرته من ms4953 العواقب وما يحق عليه في حاله؛ فينتفع ~~به؛ فتكون المنفعة في التأويل الأول بالتذكر بنفس تذكير الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وفي التأويل الثاني بتذكره فيما ذكره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله - عز وجل -: (أما من استغنى (5) أي: بما اختار هو عما جئت به من ~~الدين. # أو استغنى بالذي زين له الشيطان عما جئت به. # أو يكون على الغناء المعروف؛ لأن الذين أقبل عليهم بوجهه كانوا أهل ثروة ~~وغناء، فأقبل عليهم؛ رجاء أن يسلموا فيتبعهم أتباعهم في الإسلام؛ إذ كانوا ~~من رؤسائهم وأجلتهم. # PageV10P420 # وقوله - عز وجل -: (فأنت له تصدى (6) أي: مقبل عليه بوجهك. # وقوله: (وما عليك ألا يزكى (7) أي: ليس عليك غير التذكير إذا أعرض عنك ~~وعاداك لم يمكن منه إلحاق ضرر بك؛ بل الله يعصمك، ويدفع عنك شره. # وقوله - عز وجل -: (وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) أي: يعمل لله - ~~تعالى - ويخشاه، فجائز أن تكون الخشية علة للسعي، فيكون معناه: أن خشيته هي ~~التي حملته إلى السعي. # وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر ودليلا ~~للسعي؛ فيكون معناه: أن خشيته هي التي حملته إلى السعي. # وقد يجوز أن يخرج الكلام مخرج العطف على جعل أحدهما علة للآخر ودليلا له، ~~قال الله - تعالى -: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم)، فكان الإحياء الأول دليلا للإحياء الثاني في موضع العطف والترتيب ~~على الكلام الأول. # أو أن يكون ابتداء، فقوله: (جاءك يسعى. وهو يخشى) لله تعالى، ويخاف ~~التبعة وحلول النقمة. # وقوله - تعالى -: (كلا ... (11) قال الحسن: معناه: أن الذي فعلته من ~~التولى عن المؤمنين والإقبال على الكفرة، ليس من حكمي. # وذكر أبو بكر الأصم: لما نزل قوله: (عبس وتولى) إلى قوله: (فأنت عنه ~~تلهى) تغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخاف زوال الرسالة، وأن ~~يمحى اسمه منها، فلما نزل قوله: (كلا) علم أنه لم يودعه ربه؛ حيث نهاه عن ~~العود إلى مثله. # وقال المفسرون: (كلا)، أي: لا تعد إلى مثل هذا. # وقوله ms4954 - عز وجل -: (إنها تذكرة): # جائز أن يكون هذا منصرفا إلى السور كلها. # وجائز أن يكون منصرفا إلى هذه السورة؛ لأن فيها إثبات التوحيد وإثبات ~~الرسالة من # PageV10P421 # الوجه الذي ذكرنا، ودلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على العبث، فهي ~~تذكرة لمن يذكر بها. # أو جائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة، وهو أن ~~فيما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له. # وجائز أن يقال: إن هذه تذكرة؛ أي: هذه المعاتبة تذكرة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولجميع المؤمنين؛ ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل، ومن ~~يستوجب إهانته والاستخفاف. # وقوله - عز وجل -: (فمن شاء ذكره (12) جائز أن يكون معناه: من شاء الله ~~أن يذكره، أو ما شاء ذكره؛ أي: قد مكن كل من التذكير، وأنه ليس أحد بممنوع ~~ولا مجبور على الفعل، فمن ترك التذكر، فهو الذي ضيع ذلك؛ حيث آثر واختار ~~ضده، واشتغل بغيره، وأعرض عن ذكره. # وجائز أن يكون على تحقيق الفعل؛ أي: من تذكر به فهو ذكر له؛ فكنى ~~بالمشيئة عن الفعل؛ لما ذكرنا أنها تقترن بالفعل ولا تزايله؛ فيكون في ~~ذكرها ذكر الفعل. # أو يكون على إرادة الفعل قبل وجوده. # وقوله - عز وجل -: (في صحف مكرمة (13) قيل: هي الصحف المتقدمة؛ كقوله: ~~(إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى). # وقوله: (في صحف) أي: في أيدي الملائكة. # وقوله: (مكرمة)، أي: مكرمة بما يكرمها أهل الكرامة، وهم السفرة البررة. # أو مكرمة على الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (مرفوعة مطهرة (14) أي: مرفوعة القدر، مطهرة من ~~التناقض والاختلاف. # أو مطهرة من أن ينالها أيدي العصاة. # أو مطهرة من الأقذار والأدناس. # وقوله - عز وجل -: (بأيدي سفرة (15) السفرة: الكتبة. # وقوله - عز وجل -: (كرام بررة (16) أي: كرام على الله تعالى، بررة في ~~أعمالهم؛ كما وصفهم الله - تعالى - بقوله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون). # PageV10P422 # قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) من نطفة ~~خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته ms4955 فأقبره (21) ثم إذا شاء ~~أنشره (22) كلا لما يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا ~~صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا ~~وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا ~~لكم ولأنعامكم (32). # وقوله - عز وجل -: (قتل الإنسان ما أكفره)، قالوا: تأويله: لعن الإنسان. # وذكر الحسن والمعتزلة: أن هذا من الله - تعالى - على الشتم والتسمية له ~~بذلك، واستجازوا الشتم منه. # والأصل أن ليس في الشتم إلا ظهور سفه الشاتم وعبثه؛ إذ لا ضرر يلحق ~~بالمشتوم من جهة الشتم، وإنما ضرر ذلك الشتم على الشاتم خاصة، وأما المشتوم ~~فإنما يصير مشتوما بفعله لا بشتم الشاتم، وجل الله - تعالى - من أن ينسب ~~إليه فعل السفه؛ فلذلك قلنا: إنه لا يتحقق معنى الشتم في الكلمة التي عرفت ~~شتما فيما بين الخلق إذا جاءت من الله - تعالى - كما لا يحقق من الكلمة ~~التي عرفت اغتيابا فيما بين الخلق إذا جاءت من الله - تعالى - معنى ~~الاغتياب، بل يحمل ذلك على الردع والتنبيه؛ فيكون في ذكرها تخويف من خوطب ~~بها، وتذكر للخلق سفهه وجهله؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يتكلم بما فيه ~~هتك الستر على المخاطب ثم لا يعد ذلك منه اغتيابا؛ إذا قصد به وعظه وزجره ~~عما هو فيه، وأرشده إلى ما فيه صلاح آخرته وأولاه، فكذلك الله - تعالى - ~~إذا جاء منه ما يعد شتما من غيره واغتيابا، لم يلحقه وصف الشتم والغيبة؛ إذ ~~ذلك منه على التذكير والتنبيه للخلق، وعلى التخويف والتهويل لمن نسب إليه ~~ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ما أكفره)، أي: ما أقبح كفره، وأوحشه، وأشنعه؛ لأنه ~~علم أن جميع ما أنعم به من النعيم فمن الله - تعالى - ثم هو لم يشكر نعمه، ~~ولا أطاعه فيما دعاه إليه؛ بل وجه شكر نعمه إلى من لا ينفعه ولا يضره، وعند ~~من لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، وما هذا إلا غاية الفحش ونهاية ~~القبح. # أو ما أوحش كفره وأقبحه بما سوى بين الشكور والكفور، وبين المفسد ~~والمصلح، ms4956 # PageV10P423 # وبين الولي والعدو، والعقل يوجب التفرقة بينهما، فهو بإنكاره البعث كابر ~~عقله وعانده، فما أشد كفر من هذا وصفه. # ثم قوله - تعالى -: (ما أكفره) أي: أي شيء أكفره؟ فيكون في ذكره تعجيب ~~لمن آمن من الخلائق وتذكير لهم عن سوء من هذا فعله وسوء معاملته مع ربه. # وقوله - عز وجل -: (من أي شيء خلقه (18) من نطفة خلقه ... (19) فكأنه ~~قال: إن الذي كفر قد علم أنه خلق من نطفة، وتلك النطفة موات، لا سمع فيها ~~ولا عقل، ولا شيء من الجوارح، ثم الله تعالى بلطفه وعجيب حكمته دبر فيها ~~بصرا يرى بفتحة واحدة، وفي أدنى وهلة مسيرة خمسمائة عام، وقدر فيها عقلا ~~يرى به ملكوت السماوات والأرض، وقدر فيها السمع، والبصر، وغيرهما من ~~الجوارح، أفترى أن من بلغت قدرته هذا يعجز عن إحياء من أماته وعن بعثه بأقل ~~من لحظة. # أو يكون قوله: (من نطفة خلقه) تعريفا منه أنه خلقه من نطفة، ويكون في ~~ذكره ما ذكرنا من الفوائد. # وقوله - عز وجل -: (فقدره)، أي: سواه على وجه يكون فيه دلالة ربوبيته ~~وشهادة وحدانيته. # أو قدره على ما فيه صلاحه ومنفعته. # أو قدره على ما يشاء من القصر والطول، والدمامة والملاحة، وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (ثم السبيل يسره (20) يحتمل أن يكون المراد من السبيل ~~الدين، فكأنه يقول: يسر له سبيل درك ذلك السبيل إلى الله - تعالى - على ما ~~ذكرنا أن الدين إذا أطلق أريد به دين الله تعالى، وكذلك الكتاب المطلق يراد ~~به كتاب الله تعالى؛ فعلى ذلك: السبيل إذا ذكر مطلقا كان منصرفا إلى سبيل ~~الله تعالى. # أو يسر له السبيل: سبيل الهدى، وسبيل الضلال، والسبيل الذي لو سلكه نفعه، ~~والسبيل الذي يضره. # أو يسر له السبيل الذي علم الله أنه يختاره؛ كقوله - تعالى -: (فأما من ~~أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى ~~(8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى. . .). # أو يسر عليه سبيل الخروج من بطن أمه على ضيق ذلك الموضع وكبر جثته؛ ~~ليعلموا أن من بلغت قوته هذا ms4957 فهو قادر على ما أراد، لا يعجزه شيء، ولا يخفى ~~عليه أمر. # PageV10P424 # وقوله - عز وجل -: (ثم أماته فأقبره (21) ففي ذكر هذا ذكر النعم، وهو أن ~~الله - تعالى - جعل لما يخبث ويتغير كنا يكن فيه؛ فيستره عن الخلق؛ لئلا ~~يعافوه ويستقذروه، لم يجعل ذلك لغيرهم، وجعل لأنفسهم إذا هم تغيرت أجسادهم ~~بالموت، وصارت بحيث تستخبث وتستقذر - كنا تستتر فيها؛ لتغيب عن الخلق؛ فلا ~~يتأذوا بها، فذكرهم هذا؛ ليشكروه. # وقوله - عز وجل -: (ثم إذا شاء أنشره (22) معناه - والله أعلم -: كذلك ~~إذا شاء أنشره؛ لأن هذا كله إخبار في موضع الاحتجاج، فكأنه قال: إن الذي ~~خلقه من نطفة وقدره، ثم أماته فأقبره، فهو كذلك ينشره إذا شاء، وكذلك هذا ~~في قوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)، ~~أي: إن الذي أحياكم، ثم أماتكم، فكذلك هو الذي يحييكم. # وقوله - عز وجل -: (كلا لما يقض ما أمره (23): # منهم من ذكر أن هذا الخطاب في كل أحد، لا ترى إنسانا قضى جميع ما عليه من ~~الأمر على حد ما أمر حتى لا يغفل عنه ولا يقصر فيه؛ بل من الله - تعالى - ~~على كل أحد في كل طرفة عين نعمة، لا يتهيأ لأحد أن يقوم بكنه شكرها حتى لا ~~يقع منه في ذلك جفاء ولا تقصير. # ومنهم من يقول: هذا في الكفار خاصة، لا يقضون ما أمروا به من التوحيد. # فإن كان على هذا فهو منصرف إلى ابتداء الأمر. # وإن كان على الوجه الأول، فهو منصرف إلى كنه الأمر، ويستقيم توجيهه إلى ~~الكافر، على ما ذكروا؛ لأن إيمان المؤمن له حكم التجدد في كل وقت. إذ هو في ~~كل وقت مأمور باجتناب الكفر، فهو يجتنبه، فذلك يكون، وإذا كان كذلك، ثبت ~~أنه في كل وقت مؤمن؛ لما أمر به هو مجتنب عما نهي عنه، فهو بإيمانه راجع عن ~~الزلات في كل حال، معتقد للوفاء بما أمر به؛ لذلك كان صرفه إلى الكافر ~~أوجه. # وقوله - عز وجل -: (فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) كيف قدر له ms4958 حيث استعمل ~~فيه # PageV10P425 # السماوات، والأرضين، والهواء، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، فاستعمال ~~السماء في إنزال المطر منها، واستعمال الهواء في جعله مسلكا للمطر، ~~واستعمال الأرض في جعلها قرارا للمطر وأخرج منها ما فيه قوامهم ومنافعهم؛ ~~فيكون في ذكر هذا فوائد: # إحداها: في موضع التعريف للخلائق: أن منشئ السماوات والأرضين، ومنشئ ~~الخلق والشمس والقمر - واحد؛ لاتصال منافع بعض ببعض؛ إذ لو لم يكن كذلك، ~~لكان لمنشئ السماء أن يمنع منافع السماء عن خلق منشئ الأرض. # والثانية: فيه تذكير قوته وعجيب حكمته؛ ليعلموا أنه قادر على كل ما يريد ~~فعله؛ لا يضعف عن ذلك، ولا يعجزه شيء؛ لأنه جمع بين منافع ما ذكرنا مع ~~تناقضها واختلافها في نفسها، فجعلها من حيث المنافع متسقة متفقة، وجعل كل ~~واحدة منهن كالمتصلة بالأخرى، المقترنة بها مع بعد ما بينهما، فمن قدر على ~~الاتساق بين الأشياء المختلفة، وقدر على الوصل بين الأشياء المتباعدة بعضها ~~عن بعض - لقادر على إحياء الأموات والبعث. # والثالثة: ذكرهم هذا ليبين لهم حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنه لا يخلق الخلق ~~عبثا، ولا يتركهم سدى لا يستأدي منهم الشكر، ولا يبعثهم؛ بل ينشئهم ويميتهم ~~فقط، فيخرج خلقه على ما فيه خروج عن الحكمة، ولأنه خلق البشر على وجه تمسه ~~الحاجات، وتمسه الشهوات، وقدر الطعام على وجه إذا تناول منه دفع حاجته وسكن ~~شهوته، ولو أراد أحد أن يتدارك المعنى الذي يعمل في دفع الحاجة وتسكين ~~الشهوة ما هو؟ لم يصل إلى تعرفه؛ فيؤدي تفكره إلى دفع الشبه والاعتراضات ~~التي تعتريه في أمر البعث وغيره؛ إذا كانوا يقدرون الأمور على قواهم ~~ويسوونها على ما ينتهي إليه تدبيرهم، فإذا وجدوا في الطعام معاني هي خارجة ~~من تدبيرهم وقواهم علموا أن ليس الأمر على ما قدروا؛ فيرتفع عنهم الريب ~~والإشكال، وكذلك لو أرادوا أن يستخرجوا من الماء المعنى الذي به صلح أن ~~تكون به حياة الأشياء كلها مع اختلاف الأشياء وتفاوتها واختلاف طعومها ~~وألوانها - لم يمكنهم ذلك؛ فيعلمون أن الذي بلغت حكمته هذا المبلغ قادر على ~~ما يشاء، ms4959 فعال لما يريد، ويكون في النظر فيما ذكر حاجته وافتقاره إلى غيره ~~تبيين أن الله - تعالى - لم ينشئ الخلق لحاجة نفسه، وإنما خلق لحاجة البشر ~~إليه. # PageV10P426 # وقوله - عز وجل -: (أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) ~~ليقر الماء في شقوقها فيصل الخلق إلى الانتفاع به. # أو شققناها للنبات، فأنبتنا فيها حبا وعنبا، فذكر الحب والعنب، وأخبر أنه ~~أنبتهما في الأرض، وهما في الحقيقة غير نابتين في الأرض، ولكن أخرجهما من ~~أصل هو نابت في الأرض، فأضافهما إليها لما يرجع الابتداء إليها، وهو كقوله ~~- تعالى -: (وفي السماء رزقكم)، ورزقنا من السماء المطر، لكن الذي هو رزقنا ~~من الطعام وغيره إنما ينبت في الأرض، وخرج منها بالقطر من السماء؛ فأضيف ~~إليه؛ فعلى ذلك أضيف الحب والعنب إلى ما ذكرنا؛ للمعنى الذي وصفنا. # وقوله - عز وجل -: (وقضبا (28) القضب: هي الرطبة، سميت: قضبا؛ لأنها ~~تقضب، وتقطع مرة بعد مرة. # (وزيتونا ... (29) في ذكر الزيتون ما ذكرنا من الفائدة، وهي أن الزيتون ~~ألين الأشياء نبت أصله في الجبال التي هي أصلب الأرض، فمن قدر على إخراج ~~ألين الأشياء عن أصلب الأشياء لقادر على الإنشاء والبعث؛ إذ من قدر على أن ~~يخرج ألين الأشياء من أصلب الأشياء لقادر على أن يلين القلوب القاسية حتى ~~تلين لذكر الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وحدائق غلبا (30) الحدائق هي البساتين التي أحدقت ~~بالأشجار وأحاطت بها، والغلب: الغلاظ؛ يقال: رجل أغلب؛ إذا كان غليظ ~~الرقبة، وقوم غلب الرقاب، أي: غلاظ، وقالوا - أيضا -: الغلب الأشجار ~~الكثيفة الطويلة. # وقوله - عز وجل -: (وفاكهة وأبا (31) والأب: الكلأ، فيخبر أنه أنشأ هذه ~~الأشياء؛ لتكون متاعا للخلق والأنعام، لا لمنافع نفسه. # * * * # قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه ~~وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه ~~يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها ~~قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42). # وقوله - عز وجل -: (فإذا جاءت الصاخة) قال الحسن: هي اسم القيامة يصخ لها ~~كل شيء، وبه يقول أبو بكر: إنه يصخ ms4960 لمجيئها كل شيء، أي: يخشع لها ويطأطئ ~~رأسه # PageV10P427 # للداعي، كما قال الله تعالى: (مهطعين إلى الداع). # وقال القتبي: الصاخة هي الداهية، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها، ~~أو بالأفعال التي توجد فيها؛ على ما ذكرنا. # وقال الزجاج: الصاخة: المصمة، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما يدعى ~~إليها. # وقوله - عز وجل -: (يوم يفر المرء من أخيه (34) جائز أن يكون هذا على ~~تحقيق الفرار. # وجائز ألا يكون على التحقيق، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي ~~يوجد من الفار، قال الله - تعالى -: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون)، والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم أنهم إذا اجتمعوا ~~استبشر بعضهم ببعض، وأنسوا بالاجتماع، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم، ~~واهتموا لذلك. # ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة والاستبشار عند الحضرة حتى ~~كأنه لا أنساب بينهم، لا أن يكون بينهم في الحقيقة نسب، ولكن ما يحل بكل ~~واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال بحاله والاستبشار برؤيته حتى يصير ~~كالفرار؛ لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار، لا على تحقيق الفرار؛ لأنه قال: ~~(لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) فما يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه ~~وعن أقربائه. # أو يكون على حقيقة الفرار، وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء ~~جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير؛ فيخافون في ذلك اليوم ~~أن يؤاخذوا بذلك فيحملهم على الفرار. # أو يفر كل واحد منهم عن تحمل ثقل الأقرباء، كما قال: (وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى)، وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في ~~تحمل الأثقال، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم؛ بل يفرون. # ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة، وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى ~~بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة فيما بين الأخلاء بقوله: (الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). # وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في ms4961 بعض الأحوال، ~~وذلك # PageV10P428 # في الوقت الذي لم يتفرغ عن شغل نفسه، فأما إذا أمن وجاءته البشارة فهو ~~يقوم بشفاعته، ويسأل عن أحواله، ولا يفر منه. # وقوله - عز وجل -: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) قالوا: أفضى إلى ~~كل إنسان ما يشغله عن غيره. # وقوله - عز وجل -: (وجوه يومئذ مسفرة (38) أي: مضيئة، أو ناضرة، ناعمة، ~~مشرقة؛ فيكون فيه إخبار عما هم فيه من النعيم؛ حتى يظهر ذلك في وجوههم. # وقوله - عز وجل -: (ضاحكة مستبشرة (39) أي: مسرورة بنعيم الله - تعالى - ~~الذي أنعم عليهم، مستبشرة برضاء الله - تعالى عنها. # وقوله - عز وجل -: (ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) قالوا: هذا أول تغير ~~يظهر في وجوههم، كأنما علاها الغبار، ثم تسود، ثم تطمس، وترد على أدبارها، ~~كما قال: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها). # وقوله - عز وجل -: (ترهقها قترة (41) قال أبو بكر: (ترهقها قترة)، أي: ~~تغشاها الذلة، أو تعلوها، ثم تتلون بعد ذلك؛ فتكون كأنما علاها الغبار، ثم ~~تسود على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (أولئك هم الكفرة الفجرة (42) أي: الكفرة بأنعم الله ~~تعالى، الفجرة: المائلة عن الحقوق، والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV10P429 ### | سورة كورت # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. ~~وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا ~~النفوس زوجت (7) وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت ~~(10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) ~~علمت نفس ما أحضرت (14). # قوله - عز وجل -: (إذا الشمس كورت) هذا ليس بابتداء خطاب، ولكنه جواب عن ~~سؤال تقدم؛ فيشبه أن يكون السؤال عن وقت لقاء الأنفس الأعمال؛ فنزل قوله: ~~(إذا الشمس كورت) إشارة إلى أحوال ذلك الوقت وآثارها؛ على ما نذكر المعنى ~~الذي له وقع لتبيين الأحوال دون تبيين الوقت في سورة (إذا السماء انفطرت). # واختلف في قوله - تعالى -: (كورت): # قال بعضهم: هي فارسية، معربة، وهي بالعربية: غورت. # وقال: (كورت)، أي: ذهب ضوءها؛ يقال: كور الليل ms4962 على النهار، أي: أذهب نوره ~~وضياءه؛ فالتكوير يغطي لون الشيء عن الأبصار، فقيل: كورت الشمس، أي: حبس ~~ضوءها على الأبصار بالطمس؛ فيكون فيه إنباء أنه يطمس ظاهرها، ثم يرد ~~التغيير في نفسها فتتلف وتتلاشى، ومنه يقال: كور العمامة؛ إذا لفها على ~~رأسه فتغطيه. # وقوله - عز وجل -: (وإذا النجوم انكدرت (2) تناثرت وتساقطت، وهو كقوله: ~~(وإذا الكواكب انتثرت). # وقيل: ذهب ضوءها؛ فكأن ضوءها يذهب أولا، ثم تتناثر بعد ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الجبال سيرت (3) أي: قلعت عن أماكنها وسيرت، كما ~~قال في آية أخرى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب)، وهي إذا ~~قلعت تكثرت؛ حتى لا يتبين للناظر سيرها؛ لكثرتها؛ فيحسبها جامدة، وهي تسير، ~~فهذا # PageV10P430 # أول تغير يظهر منها، ثم تصير كثيبا مهيلا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء ~~منثورا إلى أن تتلاشى وتتلف. # وقوله - عز وجل -: (وإذا العشار عطلت (4) فالعشار هي النوق الحوامل التي ~~أتى على حملها عشرة أشهر، وهي من أنفس الأموال عند أهلها؛ فيخبر أن أربابها ~~يعطلونها في ذلك اليوم ولا يلتفتون إليها؛ لشغلهم بأنفسهم في ذلك، وهو كما ~~قال: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) إلى قوله: (وترى الناس سكارى) ~~الآية. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الوحوش حشرت (5) قيل: جمعت، وهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن تجمع كلها فتتلف وتهلك. # والثاني: أن تحشر مرات يحييها بعد موتها؛ فيضع الله تعالى فيها ما شاء؛ ~~فيكون في هذا إخبار عن عظم هول ذلك اليوم؛ حتى يؤثر الهول في الوحوش، ~~والشمس، والقمر، والسموات. # وقوله - عز وجل -: (وإذا البحار سجرت (6) قيل: فجرت، وسنذكر تأويل ~~التفجير فيما بعد، إن شاء الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (وإذا النفوس زوجت (7) قيل: قرنت. # ثم اختلف في معنى القران: # فقال بعضهم: قرن زوجها إليها. # وقال بعضهم: يقرن كل بأهل شيعته؛ فيقرن الكفرة بالشياطين، وأهل الشراب ~~بأهل الشراب، وأهل الزنى بأهل الزنى، وقال الله - عز وجل -:، (ومن يعش عن ~~ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين)، إلى قوله: (يا ليت بيني وبينك بعد # PageV10P431 # المشرقين فبئس القرين)، ms4963 ففي هذا إخبار أن المعذب منهم إذا رأى عدوه يعذب ~~عذابه، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل بذلك شيئا، ولم ينل به راحة، ~~وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه يعذب عذابه يتسلى بذلك. # وقوله - عز وجل - (وإذا الموءودة سئلت (8) وقرأ بعضهم: (وإذا الموءودة ~~سألت) وهذا هو الظاهر أن تكون هي السائلة، أي: تسأل إياهم: بأي ذنب قتلت؟! ~~وتقول: بأي ذنب قتلتموني؟!. # وكانت العرب تدفن بناتها، يقال: وأدته: أي: دفنته. # ثم القراءة المعروفة: (سئلت)، وهي تحتمل أوجها ثلاثة: # أحدها: ذكر أبو عبيد وقال: إن قتلتها تسأل: بأي ذنب قتلت الموءودة؟!. # والثاني: يحتمل أن تسأل الموءودة عند حضرة الذين وأدوها: بأي ذنب قتلت؟! ~~يراد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها، لا سؤال استخبار واستفهام، وهو ~~كقوله - تعالى -: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله)، وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام، ولكن ~~يسأل سؤال تخويف وتهويل لمن ادعى أن عيسى - عليه السلام - هو الذي أمرهم أن ~~يتخذوه وأمه إلهين من دون الله. # والثالث: جائز أن تسأل الموءودة: أتدعي أو لا تدعي؟ وما الذي تدعي عليهم؟ ~~فيبدأ بها بالسؤال، كما يرى المدعي في الشاهد هو الذي يبدأ بالسؤال، فيقال ~~له: ما تدعي على هذا؟ فقوله: (بأي ذنب قتلت (9) كأنها إذا سئلت عن الذي ~~ادعت، قالت: (بأي ذنب قتلت) والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الصحف نشرت (10) أي: الكتب نشرت للحساب، وهي ~~التي فيها أعمال ابن آدم وقتما تدفع إليهم بأيمانهم وشمائلهم. # وقوله - عز وجل -: (وإذا السماء كشطت (11) قيل: قشرت، وذلك أن تتناثر ~~النجوم، وتطمس الشمس، فتطوى كطي السجل للكتب. # وقيل: كشفت، تكشف السماء، كما يكشف الغطاء عن الشيء. # PageV10P432 # ويقال: كشطت؛ أي: قلعت كما يقلع السقف. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الجحيم سعرت (12) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يحدث تسعيرها؛ فيكون فيه علم الحدثية، وكذلك في قوله - تعالى ~~-:: (وإذا البحار سجرت) يحتمل أن يبتدئ تسجيرها، ولما تسجر من قبل. # وجائز أن يراد من التسجير ms4964 والتسعير على ما كان من قبل؛ لقوله: (وقودها ~~الناس والحجارة)، وقد كان وقودها بغير هذين، ثم يزاد في وقودها بالناس ~~والحجارة. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الجنة أزلفت (13) قيل: قربت؛ فأضيف إليها ~~التقريب؛ لأن أهلها إذا قربوا إليها فقد قربت هي إليهم. # وقوله - عز وجل -: (علمت نفس ما أحضرت (14) أي: ما أحضرت من خير أو شر؛ ~~كقوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) الآية. # أو تعلم ما أحضرتها الملائكة الذين كتبوا عليها. # * * * # قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس ~~(17) والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق ~~المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين ~~تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (29). # وقوله - عز وجل -: (فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس): الأشياء التي ~~وقع بها القسم تقتضي أحكاما ثلاثة. # أحدها: ما من شيء خلقه الله - تعالى - إلا وفيه دليل وحدانيته، وآية ~~ربوبيته، إذا أنعم النظر فيه، ويثبت علمه وحكمته، ويدل على قدرته وسلطانه، ~~وفي تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالبعث، وإيجاب القول بالرسل، ونهي ~~عن عبادة غير الله، فلو أنعموا النظر فيها وتفكروا في أمرها، لأداهم ذلك ~~إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل؛ فلا يدعون أن ~~معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، # PageV10P433 # ولا يكذبون الرسول؛ فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد لحججه؛ ليعلموا أنه ~~رسول من عنده، أو أن القرآن من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو الرسول من ~~عنده. # أو يكون القسم تلقينا من الله - تعالى - لرسوله بأن يقسم لهم بهذه ~~الأشياء؛ ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره - عليه ~~السلام - ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته. # ثم القسم بما لطف من الأشياء ودق، وبما كثف وغلظ، وبما كبر وصغر، وبما ~~ظهر وخفي، تتفق كلها في إزالة الشبهة ms4965 وإثبات التوحيد والرسالة والبعث، بل ~~الأعجوبة فيما لطف من الأشياء أعظم منها فيما كثف وغلظ، فأقسم مرة ~~بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى، وبما شاء من خلقه؛ إذ الخلائق كلها ~~في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وحكمته وقدرته وسلطانه ~~- متفقة. # ولأن ما لطف من الأشياء وخفي منها يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي ~~منها واستتر ذكر ما ظهر منها، وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها؛ فيكون القسم ~~في الحقيقة بالله تعالى. # ثم اختلف في (الخنس) و (الكنس): # قال أبو بكر: إن (الخنس) هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. # وقال الحسن: الخنس: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها ويغبن في مغاربها، ~~و (الكنس): هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها ثم يكنسن ويختفين إلى أن ~~يعدن إلى مطالعهن فيطلعن. # وقيل: (بالخنس. الجوار الكنس) وهي خمس كواكب لهن مجار في السماء يظهرن ~~بالليل ويستترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت. # ثم قيل: الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول ~~فيها. # وقيل: الخنوس: الاختفاء، والكنوس: التأخر، وكذا قال الفراء: هي النجوم ~~الخمسة # PageV10P434 # تخنس في مجراها، وترجع. # وفي حديث كعب: " فتخنس بهم النار كما تخنس النجوم الخنس "، أي: تحيد بهم ~~وتتأخر، والله أعلم. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: هي الوحوش اللاتي تخنس من ~~الإنس، وتكنس في مكانسهن، وأيما كان فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (والليل إذا عسعس (17) قيل: إذا أقبل. # وقيل: إذا أقبل وإذا أدبر. # وقوله: (والصبح إذا تنفس (18) إذا انفجر، وإذا ارتفع، وفي إقبال الليل ~~وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشت سترت عن ~~وجوه الأشياء وكشف النهار عنها الستر، ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها ~~بالحيل والأسباب لم يتمكن منها، ولو أراد نزع الغطاء عنها، لم يملك، فذكرهم ~~هذا؛ ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا لا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث؛ بل ~~هو قادر على إحيائهم وبعثهم. # وقوله - تعالى -: (إنه لقول رسول كريم (19) فموضع ms4966 القسم على هذا، وعلى ~~قوله - تعالى -: (وما صاحبكم بمجنون). # ثم تأويل قوله: (إنه لقول رسول كريم)، أي: هذا الذي أتاكم به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبريل - عليه السلام - ~~ثم نسب هاهنا إلى الرسول؛ لما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى: ~~(حتى يسمع كلام الله)، فسماه: كلام الله؛ على الموافقة، أو لما أن ابتداءه ~~يرجع إليه، لا أن يكون المسموع كلامه، كما يقال: هذا قول أبي حنيفة رحمه ~~الله، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب ~~إليه؛ لأن ابتداءه يرجع إليه؛ فكذلك سمي: كلام الله؛ لأنه يدل على كلامه، ~~ولما يرجع إليه ابتداؤه، لا أن يكون هو نفس كلامه. # وقوله - عز وجل -: (ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) وفي وصفه بالقوة ~~فائدتان: # إحداهما: ما ذكرنا أن فيه بيان الأمن عن تغيير يقع فيه من الأعداء من ~~الجن والشياطين # PageV10P435 # والإنس، يحتجز عنهم بقوته؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه، ووصفه ~~بالأمانة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته. # أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل - عليه السلام -: " ~~إن الله تعالى وصفك بالقوة فما أثر قوتك؟ فقال: لما أمرني الله تعالى ~~بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى ~~السماء ثم قلبتها ". # وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى ~~والحكمة في ذكر قوته؟!. # وقوله - عز وجل -: (عند ذي العرش مكين): إن كان المراد من العرش: الملك، ~~فمعناه: عند ذي الملك مكين؛ أي: ذو قدرة ومنزلة. # وقيل: العرش: السرير، فإن كان كذلك، فتأويله: أنه مكين عند من له سرير ~~الملك. # وقوله - عز وجل -: (مطاع ثم أمين (21) قيل: إن جبريل - عليه السلام - ~~رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس، ms4967 فإن كان كذلك ففيه إخبار أن ~~الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - عليه السلام - فيما ~~يأمرهم وينهاهم، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره؟!. # وقوله - عز وجل -: (ثم أمين)، أي: هم يأتمنونه، ولا يتهمونه في شيء مما ~~يجيء به إليهم، فكيف يتهمه هؤلاء فيما يأتي إلى الرسول من الوحي؟!. # وقوله: (وما صاحبكم بمجنون (22) منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى ~~الجنون حين رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل على صورته فغشي ~~عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - عليه السلام - بالوحي لون ~~وجهه؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا. # ومنهم من يقول: إنما نسبوه إلى الجنون؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، ~~وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن ~~أظهر الخلاف لهم؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه؛ حيث انتصب لمعاداة من ~~لا طاقة له بهم، ومن قام # PageV10P436 # بخلاف من لا طاقة له به، وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد؛ ~~فنسبوه إلى الجنون لهذا. # ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم هو ~~الذي حملهم على هذا؛ فنسبوه إلى الجنون مرة، وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة ~~قالوا: علمه بشر، ومرة قالوا: (إن هذا إلا اختلاق)؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ~~ما ذكرنا، لا عن بحث منهم في حاله، ولكن على السفه والعناد؛ ألا ترى أنهم ~~نسبوه إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان؛ لأن الساحر ~~هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون هو النهاية في الجهل، ولو كانوا ~~يقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول؛ فيظهر جهلهم لمن ~~يريدون صده عن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كانوا يتفقون على ~~كلمة واحدة، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه؛ فيصلون إلى مرادهم ~~من صد الناس عن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر، وأنه إفك افتراه؛ أتوا بالمختلف من ~~القول؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه، ms4968 مستغن عن تعليم غيره، ~~وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه، فهذا كله ~~يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه، ولكنهم قذفوه بكل ~~ما حضرهم؛ سفها منهم وعنادا. # ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - عليه ~~السلام - على صورته فقد أتاهم بما لو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم ~~جنة؛ كما قال الله - تعالى -: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة)، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز حكماء ~~الإنس والجن عن إتيان مثله، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتيان مثله، ~~فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين، ولا من علومهم، ولكنه من ~~عند الله أكرم به. # وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم - بحمد الله تعالى - ~~لم يتهيأ لهم أن يمكروا به، ولا أن يقتلوه؛ بل أظفره الله عليهم، وأظهره ~~على الدين كله؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته، وعلم ~~نبوته. # وقوله - عز وجل -: (ولقد رآه بالأفق المبين (23) قال الحسن: إنه - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى ربه بقلبه؛ أي: عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به ~~تشابه، وخص بالأفق؛ لأنه من الأفق تنزل البركات # PageV10P437 # وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها، والمراد من ذلك الأماكن كلها. # وغيره من أهل التفسير صرف الرؤية إلى جبريل، عليه السلام. # وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل - عليه السلام - أن ~~يراه على صورته، فقال له جبريل - عليه السلام -: " إن الأرض لا تسعني، ولكن ~~إذا صليت الفجر، فانظر إلى أفق السماء؛ فهنالك تراني "، ففعل فرآه على ~~صورته، ثم دنا منه، فكان قاب قوسين أو أدنى، فذكر الأفق؛ لأن الشيء من ~~البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض؛ لذلك خصت الأفق؛ إذ كذلك تقع رؤية ~~ما بعد، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وما هو على الغيب بضنين (24) وقرئ (بظنين). # قال أبو عبيد: والظنين ms4969 أولى؛ لأن الظنين هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم ~~ينسب أحد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البخل حتى ينفي عنه البخل ~~بهذه الآية، وقد كانوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه ~~بشر، وليس من عند الله، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه ~~الله تعالى مما قالوا بقوله: (وما هو على الغيب بظنين) ومن قرأه بالضاد فهو ~~يحتمل أوجها: # أحدها: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن يضن بشيء علمه الله - تعالى - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من ~~العلماء؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اختلف إليهم كل ما عندهم من ~~العلوم حتى يستغنى عنهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يود أن ~~يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر ~~طاقته، ولم يكن يمتنع عن التعليم بخلا منه وضنا. # وجائز أن يكون برأه الله - تعالى - من هذا؛ لما علم أنه يكون في أمة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - من يزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خص ~~بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم، وتخصيص بعض دون بعض بتعليم ~~ما عنده بخل في الشاهد؛ فكان في قوله: (وما هو على الغيب بضنين) تكذيب ~~أولئك الذين يدعون هذا، وهذا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته "، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في ~~أمته من يتقدم # PageV10P438 # الشهر بالصيام، فقال هذا؛ ليعرف خطأ من يتقدم الشهر بالصيام على الخطأ ~~والجهالة، ليس على إصابة الحق؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكرنا. # ثم صرفوا تأويل الغيب إلى القرآن، وهو عندنا في القرآن وفي غيره من ~~الأشياء التي أطلع الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عليها. # وجائز أن يكون الضن منصرفا إلى الشفاعة التي أكرم الله - تعالى - نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - بها، فهو لا يخص بعض أمته دون بعض بالشفاعة، بل ms4970 يعمهم ~~جميعا؛ فيكون في هذا تحريض على الاتباع له، والانقياد لطاعته. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنه ليس بضنين في أداء شكر ما أنعم الله - تعالى - ~~عليه؛ حيث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل اجتهد في أداء شكره حتى ذكر ~~أنه تورمت قدماه من طول القيام، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر؟!. فقال: " أفلا أكون عبدا شكورا؟! ". # وقوله - عز وجل -: (وما هو بقول شيطان رجيم (25) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس من شياطين الإنس، ولا ~~بمجنون كما ذكرتم؛ بل هو رسول كريم. # أو الذي أتاكم به من القرآن لم يتلق من الشياطين، ولا هو من قبلهم كما ~~تلقته الكهنة والسحرة من أقوالهم؛ بل هو ذكر من الله - تعالى - للعالمين ~~أنزله إليه الروح الأمين القوي الذي لا يصل إليه الشيطان فيغيره ويبدله. # وقوله - عز وجل -: (فأين تذهبون (26) أي: فأين تذهبون عن طاعته واتباعه ~~والانقياد له وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته واتباعه. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا ذكر للعالمين (27) أي: عظة للعالمين، ~~يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى، وما تصير إليه ~~عواقبهم. # أو أن يكون قوله: (ذكر للعالمين)، أي: شرف لهم، يشرف قدرهم به، ويصيرون ~~أئمة يقتدى بهم ويختلف إليهم؛ ليتعلم منهم، والله أعلم. # PageV10P439 # ثم قوله - عز وجل -: (فأين تذهبون) يحتمل أوجها غير ما ذكرنا: # أحدها: أن هذا القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - تلقاه من ~~رسول كريم على الله - تعالى - فإذا لم تؤمنوا به، ولم تقبلوه فما ذهبتم إلا ~~إلى قول شيطان رجيم. # ويحتمل؛ (فأين تذهبون)؟ وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله - عز وجل - ~~ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله تعالى، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما أخبركم به؟! فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من ~~تلجئون؟! وهو كقوله - تعالى -: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا ~~فمن يجير الكافرين من عذاب ms4971 أليم). # أو إذا لم تؤمنوا بالله - تعالى - ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات المعجزة، فبأي ~~حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه؟! وهو كقوله تعالى: (فبأي حديث بعده ~~يؤمنون)؟!. # وقوله - عز وجل -: (إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم ~~(28) معناه - والله أعلم -: أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من ~~العالمين، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء ~~الاستقامة، ويهتدي به من طلب الهداية؛ قال - تعالى -: (هدى للمتقين)، وهو ~~في نفسه هدى، ولكن يهتدي بهداه المتقون، ومن ليس بمتق فهو عمى عليه ورجس، ~~وقال: (إنما تنذر من اتبع الذكر)، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع، ولكن ~~معناه: أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر، وقال: آيات لأولي الأبصار، ~~وهي في أنفسها آيات، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار. # وقوله - عز وجل -: (لمن شاء منكم أن يستقيم) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يحمل على تحقيق المشيئة، ويكون تأويله: أن من أراد الاستقامة ~~على أمر الله - تعالى - أو على الحق، فهذا الذكر -وهو القرآن- يقيمه على ~~الحق وعلى الأمر، ويهديه إلى ذلك. # أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل؛ فيكون معناه: من استقام منكم على الحق ~~والأمر فهو ذكر له. # والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار، وإذا كان هكذا، صارت المشيئة مقترنة ~~بالفعل، فإذا فعل فقد شاء؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة؛ لذلك استقام ~~حمله على ما ذكرنا، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر. # PageV10P440 # وقوله - عز وجل -: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) فإن ~~كان قوله: (لمن شاء منكم) على تحقيق المشيئة، فمعناه: أنكم لا تشاءون ~~الاستقامة -على ما ذكرنا- إلا أن يشاء الله. # وإن كان على تحقيق الفعل، فتأويله: أنكم ما استقمتم على الطريقة إلا ~~بمشيئة الله تعالى. # وقال بعضهم: تأويل قوله: (وما تشاءون)، أي: لم تكونوا تشاءون إنزال هذا ~~الكتاب، فأنزله الله تعالى على رسوله - عليه ms4972 السلام - بغير مشيئتكم. # وهذا غير محتمل عندنا؛ لأنه قد سبق من القوم الإرادة والسؤال بإرسال ~~الرسول إليهم بقوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم)، فثبت أنه قد سبق منهم السؤال بإرسال الرسول وإنزال ~~الكتاب عليه، لكن تأويله ما ذكرنا. # ثم في هذه الآية دلالة أن كل من شاء الله تعالى منه الاستقامة توجد منه ~~الاستقامة:، ولا يجوز أن يشاء من أحد استقامته ولا يستقيم، كما قالت ~~المعتزلة؛ لأن الله - تعالى - من على من استقام بمشيئة استقامته، فلو لم ~~توجد الاستقامة من كل من شاء منه الاستقامة، لم يكن للامتنان معنى؛ لأن ~~الاستقامة وغير الاستقامة تكون به، لا بالله تعالى، والله المستعان، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # * * * # PageV10P441 ### | سورة الانفطار، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار ~~فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5). # قوله - عز وجل -: (إذا السماء انفطرت) قد ذكرنا أن هذا جواب عن سؤال ~~تقدم، لم يبين السؤال عند ذكر الجواب؛ لأن (إذا) جواب عن سؤال " متى "؟ ~~فجائز أن يكون سؤالهم ما ذكر في إتمام الجواب، وهو قوله: (علمت نفس ما قدمت ~~وأخرت) فكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل: متى تعلم النفس ما قدمت ~~وأخرت؟ فنزل قوله: (إذا السماء انفطرت) الآية إلى آخرها. # ثم ذكر الانفطار هاهنا وهو الشق، وذكر الفتح في موضع آخر، وهو قوله - ~~تعالى -: (وفتحت السماء فكانت أبوابا)، وقال في موضع آخر: و (وإذا السماء ~~فرجت)، و (إذا السماء انشقت)، فمنهم من ذكر أن شقها وانفطارها أن تفتح ~~أبوابها. # ومنهم من حمله على الشق الذي يعرف من شق الأشياء، وهذا أقرب؛ لأن الآية ~~في موضع التخويف والتهويل، وليس في فتح أبوابها تخويف، وإنما التخويف في ~~انشقاقها بنفسها. # ثم السؤال عن ملاقاة الأعمال وعن علم الأنفس بها سؤال عن الساعة، وفي ذكر ~~انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار، وتسيير الجبال، وجعل الأرض ~~قاعا صفصفا، وصف ms4973 أحوال الساعة وآثارها، وليس فيه إشارة إلى وقت كونها؛ لأنه ~~ليس في التوقف على حقيقة وقتها تخويف وتهويل، وفي ذكر آثارها تخويف، وهو ~~أنه عظم هول ذلك اليوم، واشتد حتى لا تقوم له الأشياء القوية العلية في ~~أنفسها، وهي الجبال، والسماوات والأرضون، بل يؤثر فيها هذا التأثير، حتى ~~تصير الجبال كالعهن المنفوش، وتصير كثيبا مهيلا، وتنشق السماء، وتصير الأرض ~~قاعا صفصفا، فكيف يقوم لها الإنسان الضعيف المهين؟!. # PageV10P442 # أو إذا كانت السماوات والأرضون والجبال مع طواعيتها لربها لا تقوم لها ~~وأفزاعها بل تتقطع، فكيف يقوم لها الآدمي الضعيف مع خبث عمله، وكثرة مساوئه ~~مع ربه؟!. # فيذكرهم هذه الأحوال؛ ليخافوه، ويهابوه؛ فيستعدوا له؛ فلهذا - والله أعلم ~~- ذكرت الأحوال التي عليها حال ذلك اليوم، ولم يبين متى وقته؛ ولهذا ما لم ~~يبين منتهى عمر الإنسان؛ ليكون أبدا على خوف ووجل من حلول الموت به؛ فيأخذ ~~أهبته، ويشمر له، ولو بين له كان يقع له الأمن بذلك؛ فيترك التزود إلى دنو ~~ذلك الوقت، ثم يتأهب له إذا دنا انقضاء عمره. # ثم إن الله - تعالى - ذكر أحوال القيامة في غير موضع، وجعل ذلك مترادفا ~~متتابعا في القرآن؛ فيكون في ذلك معنيان: # أحدهما: أن للقلوب تغيرا وتقلبا في أوقات، فرب قلب لا يلين لحادثة أول ~~مرة حتى يعاد عليه ذكرها مرة بعد مرة، وحالا بعد حال، ثم تلين؛ فيكون في ~~تتابع ذكر البعث والقيامة مرة بعد مرة إبلاع في النذارة وقطع عذر المعتذرين ~~يوم القيامة. # والثاني: أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وقد وقع الإسلام في ~~قلوبهم موقعا؛ فيكون في تكرار المواعظ تلقيح لعقولهم، وتليين لقلوبهم على ~~ما أكرمهم الله - نعالى - من الإيمان، ونصرة رسول رب العالمين؛ كقوله: ~~(وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا). # وقوله - تعالى -: (وإذا الكواكب انتثرت (2) إما أن يكون انتثارها؛ لأنها ~~مجعولة لمنافع الخلق، فإذا استغنى عنها أهلها فلا معنى لبقائها. # أو لما جعلت زينة للسماء، فإذا انفطرت السماء، لم تحتج إلى زينة بعدها. # وقوله - عز وجل -: (وإذا البحار فجرت (3) قال قائلون: أي ms4974 يفجر ماؤها في ~~بحر واحد، ثم يغور ماء ذلك البحر الذي اجتمعت فيه المياه؛ إما بما تنشفها ~~الأرض، أو تجعل في بطن الحوت الذي ذكر أن الأرضين قرارها على ظهره، أو في ~~بطن الثور، ثم يسوي الله - تعالى - الأرض كلها؛ حتى لا يبقى فيها عوج، ولا ~~قعر؛ فيبس البحار بما شاء: إما بالجبال، أو بغيرها. # PageV10P443 # وقال بعضهم: بل يغور ماء كل بحر في مكانه، لا أن تجتمع المياه كلها في ~~مكان واحد وبحر واحد. # وقال بعضهم: بل يمتزج بعضها ببعض؛ فتصير نارا يعذب بها أهلها، وكذلك قوله ~~- عز وجل -: (وإذا البحار سجرت)، وقال: (والبحر المسجور)، والله أعلم أي ~~ذلك يكون؟. # وقوله - عز وجل -: (وإذا القبور بعثرت (4) أي: بعث من فيها، وتقذف القبور ~~من فيها. # وقوله - عز وجل -: (علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) أي: تعلم الأنفس ما عملت، ~~إلى آخر ما انتهى إليه عملها فلا يخفى عليها شيء من أمرها. # ومنهم من يقول: ما قدمت من خير وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم. # ومنهم من يقول: علمت ما قدمت من العمل؛ أي: بما عملت بنفسها، (وما أخرت) ~~أي: ما سنت من السنة فعمل بها بعدها. # وهذا الذي ذكروه داخل في تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما ~~عملت إلى آخر ما انتهى إليه عملها. # * * * # قوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك ~~فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم ~~لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12). # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) يحتمل: عن ربك؛ ~~فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟! واغتراره عن ربه ~~الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع " عن "؛ قال الله - ~~تعالى -: (عينا يشرب بها عباد الله)، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا ~~فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم. # ثم وجه الجواب للمغتر بالله - تعالى - في قوله - عز وجل -: (ما غرك بربك ~~الكريم) هو ms4975 أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة ~~وقت # PageV10P444 # جريرته، فتجاوزه عنه أو تأخيره العقوبة، حمله على الاغترار؛ إذ ظن أنه ~~يعفى عنه أبدا كذلك؛ فأقدم عليها، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه ~~المعصية، لكان لا يتعاطى المعاصي، ولا يرتكبها، فعذره أن يقول: الذي حملني ~~على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- حين تلا هذه الآية: " الحمق يا رب. # أو يكون قوله: (ما غرك بربك الكريم) أي: أي شيء غرك حتى ادعيت على الله ~~تعالى أنه أمرك باتباع آبائك؟! أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله ~~تعالى أمرك به؛ على ما قال: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها)، ألم أبعث إليك الرسول؟! ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ~~ما أمرت به عما نهيت عنه؟!. # وقيل: نزلت الآية في شأن كلدة؛ حيث ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فلم يعاقبه الله - تعالى - فأسلم حمزة حمية لقومه؛ فهم كلدة أن يضربه ~~ثانية؛ فنزلت الآية: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) حيث لم يهلكك ~~عند تناولك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (الذي خلقك فسواك فعدلك (7) ففي ذكر هذا تعريف المنة؛ ~~ليستأدي منه الشكر. # وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاث التي لا ~~ينتهي إليها تدبير البشر، ولا يجري عليها سلطانهم؛ ليهابوه ويحذروا ~~مخالفته. # وفيه ذكر حكمته وعلمه؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى؛ لأن الذي ~~بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه لا يعرفها ~~الخلق، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم، ويرسل ~~إليهم الرسل، وينزل عليهم الكتب؛ فيلزمهم اتباعها، ويعاقبهم إذا أعرضوا ~~عنها، وتركوا اتباعها، وسنذكر وجه التسوية في قوله: (الذي خلق فسوى): أنه ~~سواه على ما توجبه الحكمة. # أو سواه بما ms4976 به مصالحه. # PageV10P445 # أو سواه من وجه الدلالة على معرفة الصانع. # أو سواه فيما خلق له من اليدين، والرجلين، والسمع، والبصر. # وقوله: (فعدلك) أي: سواك. # ووجه التسوية: أن جعل له يدين مستويتين، لم يجعل إحداهما أطول من الأخرى، ~~وكذلك سوى بين رجليه. # وقرئ بالتخفيف والتشديد. # قال أبو عبيد: معنى قوله: (فعدلك) بالتخفيف، أي: أمالك، وليس في ذكره ~~كثير حكمة، واختار التشديد فيه. # وليس كما ذكر، بل في ذكر هذا من الأعجوبة ما في ذكر الآخر؛ فقوله: ~~(عدلك)، أي: صرفك من حال إلى حال، ووجه صرفه - والله أعلم -: أنه كان في ~~الأصل ماء مهينا في صلب الأب، فصرف ذلك الماء إلى رحم الأم، ثم أنشأه نطفة، ~~ثم صرفها إلى العلقة، وإلى المضغة إلى أن أنشأه خلقا سويا. # أو صرفه على ما عليه من الحال من الصحة إلى السقم، ومن السقم إلى البرء؛ ~~فيكون في ذكر هذا تعريف المنة والقدرة والحكمة، كما في الأول، ففيه أعظم ~~الفوائد. # وقوله - عز وجل - -: (في أي صورة ما شاء ركبك (8): # منهم من جعل (ما) هاهنا صلة زائدة، ومعناه: في أي صورة شاء ركبك. # ومنهم من جعل (ما) هاهنا بمعنى الذي. # ثم قوله: (شاء ركبك) يحتمل أن يكون هذا عبارة عما تقدم من الأوقات، وهو ~~أنه قد شاء تركيبك على الصورة التي أنت عليها، لا على صورة البهائم وغيرها؛ ~~فيكون في ذكره تذكير المنن والنعم؛ ليستأدي منه الشكر. # ووجه التذكير أنه أنشأه على صورة يرضاها، ولا يتمنى أن يكون بغير هذه ~~الصورة من الجواهر، وأنشأه على صورة يعرف المحاسن والمساوئ، ويعرف الحكمة ~~والسفه، ويميز بينهما، ويميز بين المضار والمنافع، وأنشأه على صورة سخر له ~~السماوات والأرضين والأنعام، كما قال الله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض. . .) الآية، وقال - عز وجل -: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم ~~في البر والبحر. . .) الآية، ولم يسخره لغيره؛ فثبت أن فيه تذكير النعم؛ ~~ليشكروه، ويقوموا # PageV10P446 # بحمده. # وجائز أن يكون هذا على الاستئناف في أن يركبه على ما هو عليه، على أي ms4977 ~~صورة شاء من الصور التي يستقذرها؛ ويمسخه قردا أو خنزيرا؛ لمكان ما يتعاطى ~~من المعاصي؛ فيكون في ذكره تذكير القدرة والقوة؛ ليراقب الله - تعالى - ~~ويهابه؛ فيترك معاصيه، ويتسارع إلى طاعته. # وقوله - عز وجل -: (كلا بل تكذبون بالدين (9) فإن حملت قوله: (كلا) على ~~التنبيه والردع فممكن أن يعطف على ما قبله وعلى ما بعده، وكذلك إذا حملته ~~على القسم بمعنى: حقا؛ فإنه يستقيم عطفه على الأمرين جميعا. # وقوله - عز وجل -: (بالدين) يحتمل أن يكون أريد به دين الإسلام. # والأصل: أن الدين إذا أطلق أريد به الدين الحق، وهو الإسلام، وكذلك ~~الكتاب المطلق كتاب الله تعالى. # ويجوز أن يكون أريد به: البعث والجزاء، وسمي: يوم الدين؛ لما ذكرنا أن ~~الناس يدانون بأعمالهم. # والحكمة فيه - والله أعلم -: أنهم قد أقروا بأن الله - تعالى - أحكم ~~الحاكمين، وتكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يكون أسفه السفهاء، لا أن يكون أحكم ~~الحاكمين؛ لأن الدنيا عواقبها الفناء والهلاك، فهم إذا كذبوا بالبعث فقد ~~زعموا: أنهم ما أنشئوا إلا للهلاك والفناء، ومن بنى بناء، ولم يقصد ببنائه ~~سوى أن ينقضه ويهدمه، فهو سفيه، عابث في الفعل؛ فلم يحصلوا من تكذيبهم إلا ~~على نفي الحكمة من الصانع، وتثبيت السفه لله تعالى، تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرإ، وهو قوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا)، وهم لم يكونوا يدعون أنهما خلقتا باطلا، ولا كانوا ~~يظنون ذلك، ولكن الإنكار الذي وجد منهم بالبعث والجزاء يقتضي خلقهما ~~بالطلا؛ فعلى ذلك إنكارهم بالبعث يزيل عنه القول بأنه أحكم الحاكمين، ويثبت ~~ما ذكرنا من السفه، سبحانه وتعالى عما يصفون. # وقوله - عز وجل -: (وإن عليكم لحافظين (10) وهم لم يكونوا يقبلون ~~الأخبار، ولا كانوا # PageV10P447 # يؤمنون بها، ثم أخبرهم أن عليهم حفاظا؛ لأن الذي حملهم على الجهل تركهم ~~الإنصاف من أنفسهم، وإلا لو أنصفوا من أنفسهم، لكان إعطاؤهم النصفة يوصلهم ~~إلى تدارك الحق ومعرفة ما عليهم من الواجب. # ثم قد ذكرنا أن المرء إذا كان عليه حافظ، أداه ذلك إلى المراقبة؛ ms4978 فيرتدع ~~عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فنبهنا أن علينا حفاظا؛ ليحتشم عنهم، ولا يأتي من ~~الأمور ما يسوءهم، ووصف أنهم كرام؛ ليصحبهم صحبة الكرام، ومن صحبة الكرام ~~أن يحترمهم، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوءهم، وذلك قوله: (كراما ~~كاتبين (11). # وفي ذكر الكرام فائدة أخرى، وذلك أن قوله: (كراما كاتبين)، أي: كرام على ~~الله تعالى، والكريم على الله - تعالى - هو المتقي؛ قال الله - تعالى -: ~~(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؛ فيكون فيه أمان لهم: أنهم لا يزيدون، ولا ~~ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون على قدر أعمالهم، كما ذكرنا من الفائدة في ~~وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة. # وقوله - عز وجل -: (يعلمون ما تفعلون (12) فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم يعلمون ما نفعله قبل أن نفعل بما عرفهم الله - تعالى - ~~فيكون في تعريفه إياهم إلزام الحجة عليهم، ويكون الذي يكتبون امتحانا ~~امتحنوا به؛ إذ قد فوض إلى بعضهم أمر كتابة الأعمال، وإلى البعض إرسال ~~الأمطار، ونحو ذلك. # أو (يعلمون ما تفعلون) وقت فعلكم جهة الفعل من خير أو شر؛ فيكون لفعل ~~الخير آثار بها يعرفون أن الفاعل قصد به جهة الخير، ويكون لفعل الشر آثار ~~بها يعرفون ذلك أيضا. # ثم عذر المسلمين في ترك المراقبة أقل من عذر المكذبين بالدين؛ لأن ~~المسلمين علموا أن عليهم حفاظا يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها عليهم، ثم ~~هم مع ذلك يغفلون، ولا يصحبونهم صحبة الكرام، ويتركون التيقظ والتبصر، ~~والكفرة ينكرون أن يكون عليهم حفاظ، ومن كان هذا حاله فالإغفال من مثله غير ~~مستبعد. # PageV10P448 # قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها ~~يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ~~ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ~~(19). # وقوله - عز وجل -: (إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم): قد ~~ذكرنا أن البر هو الذي ما طلب منه، والذي طلب منه ما ذكر في قوله: (ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ms4979 بالله. . .) إلى ~~قوله: (وأولئك هم المتقون)، وفي هذه الآية دلالة على ما ذكرنا أن البر إذا ~~ذكر دون التقوى، اقتضى المعنى الذي يراد بالتقوى؛ لأنه أخبر أن البر هو ~~الإيمان بالله - تعالى - واليوم الآخر، ثم ذكر أن الذي جمع بين هذه ~~الأشياء، فهو المتقي. # ثم احتجت المعتزلة لقولهم بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة بقوله ~~تعالى: (وإن الفجار لفي جحيم) إلى قوله: (وما هم عنها بغائبين)؛ لأن مرتكب ~~الكبيرة فاجر، وقد وصف الله - تعالى -: أن الفجار لفي جحيم، ولا يغيب عنها، ~~وزعموا أنه ما لم يأت بالشرائط التي ذكر في قوله: (ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر)، فهو غير داخل في قوله: (إن الأبرار لفي نعيم). # والأصل عندنا ما ذكرنا: أن كل وعيد مذكور مقابل الوعد فهو في أهل ~~التكذيب؛ لما ذكر من التكذيب عند التفسير بقوله: (كلا إن كتاب الفجار لفي ~~سجين)، إلى قوله: (ويل يومئذ للمكذبين)، وقال: (تلفح وجوههم النار وهم فيها ~~كالحون) إلى قوله: (فكنتم بها تكذبون) وإذا كان كذلك، لم يجب قطع القول ~~بالتخليد في النار لمن ارتكب الكبيرة، بل وجب القول بالوقف فيهم. # ثم إن الله - تعالى - جعل لأهل النار يوم البعث أعلاما ثلاثة، بها ~~يعرفون، وتبين أنهم من أهل النار، لم يجعل شيئا من تلك الأعلام في أهل ~~السعادة: # أحدها: اسوداد الوجوه بقوله: (وتسود وجوه). # والثاني: بما يدفع إليهم كتابهم بشمالهم، ومن وراء ظهورهم، ويدفع إلى أهل ~~الجنة كتبهم بأيمانهم. # والثالث: في أن تخف موازينهم، وتثقل موازين أهل الحق. # PageV10P449 # فهذه أعلام أهل الشقاء، وفيما ذكر اسوداد الوجوه قرن به التكذيب بقوله: ~~(فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون)، وفيما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور، قال فيه: ~~(فاسلكوه)،، وقال: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) إلى قوله - عز وجل -: ~~(إنه ظن أن لن يحور. بلى. . .) الآية، وقال - تعالى - عندما ذكر خفة ~~الميزان: (ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون)، ولم يذكر عند ذكر ~~شيء من هذه ms4980 الأعلام غير المكذبين، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم؛ ~~لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب، ~~وقطع القول بالتخليد، بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم. # والثاني: ذكر في مواضع الإيمان بالله - تعالى - أدنى مراتب أهل الإيمان، ~~ووعد عليه الجنة، فقال: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون)، ~~وقال في موضع آخر: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله)، وقال: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم. . .) ~~الآية، فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان، وذكر في ~~موضع آخر أعلى مراتب أهل الإيمان، ووعد عليها الجنة بقوله: (إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق. . .) الآية، وقال: (ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر. . .) الآية؛ فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا ~~على جعله شرطا؛ فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه، على ما ذكر في ~~الآيات الأخر. # وجائز أن يكون الجميع فيما ذكر فيه الإيمان بالله ورسله مضمرا، ويكون ذكر ~~طرفا منه على الإيجاز؛ ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع، وأوعد عليه ~~النار، وذكر في بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر، وأوعد عليه النار بعد ذلك ~~بقوله: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق. . ~~.) الآية، وقال في موضع آخر: (قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم ~~المسكين. . .) الآية، ثم لم يصر جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا، بل ~~وجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة؛ فثبت أن ليس في ذكر المبالغة ~~دلالة جعل المبالغة شرطا، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه؛ فلذلك لم يقطع ~~القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار، ولا بأنهم مستوجبون للوعد، بل ~~قيل فيهم بالإرجاء. # PageV10P450 # وقوله - عز وجل -: (يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) قال ~~بعضهم: تأويله منصرف إلى أهل أن نار وأهل الجنة؛ فأهل الجنة لا يغيبون عن ~~الجنة، ولا أهل النار عن النار. # وقال بعضهم: أريد ms4981 بها أهل النار خاصة: أنهم لا يغيبون عنها. # وأنكر بعض الناس الخلود لأهل النار في النار، ولأهل الجنة في الجنة، ~~وقالوا: لو لم يكن لنعيم الجنة انقضاء، ولا لعذاب الآخرة انتهاء، لكان ~~يرتفع عن الله - تعالى - الوصف بأنه أول وآخر؛ لأنهما يبقيان أبدا؛ فلا ~~يكون هو آخر، وقد قال: (هو الأول والآخر)؛ فلا بد من أن يكون لهما انتهاء ~~حتى يستقيم الوصف بأنه آخر. # ولأنهما لو لم يوصفا بالانتهاء لكان علم الله - تعالى - غير محيط ~~بنهايتهما، فتكون النهاية مجاوزة لعلمه، والله - سبحانه وتعالى - محيط ~~بالأشياء وعالم بمبادئها ومناهيها؛ فلا بد من القول بفنائهما حتى يكون علمه ~~محيطا بهما. # ولأنهم إنما استوجبوا الجزاء بأعمالهم، وأهل النار استوجبوا العقاب ~~بسيئاتهم، فإذا كانت لسيئاتهم نهاية، ولخيرات أولئك نهاية، فكذلك يجب أن ~~يكون للجزاء نهاية أيضا. # والأصل عندنا: أن كل من اعتقد مذهبا فهو يعتقد التدين به أبدا ما بقي، لا ~~يتركه. # ثم العقاب جعل جزاء للكفر، والثواب جعل جزاء للاتقاء عن المهالك بقوله: ~~(واتقوا النار التي أعدت للكافرين)، وقال: (وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين)، فإذا ثبت أن كل واحد منهما جزاء للمذهب، وكان الاعتقاد ~~للأبد؛ فكذلك جزاؤه يقع للأبد والدوام، لا للزوال والانقطاع. # والثاني: أن العلم بزوال النعيم مما ينغص النعمة على أربابها، ويمرر ~~عليهم لذاتها، ويكدر عليهم ما صفا منها، فإذا كان كذلك لم يتم لهم النعيم، ~~وأهل النار إذا تذكروا الخلاص من العذاب، تلذذوا بها، وهان عليهم العذاب؛ ~~فوجب القول بالخلود؛ ليتم النعيم على أهله والعذاب على أهله. # والجواب عن قوله: إنه يرتفع عنه الوصف؛ لأنه أخبر: أن الله - تعالى - ~~استوجب الوصف بأنه أول وآخر بذاته لا بغيره، وغيره يصير أولا وآخرا بغيره، ~~ثم ما من شيء إلا وله أول وآخر، ثم لا يوجب ذلك إسقاط الأولية والآخرية ~~عنه. # وقوله بأن [الله]- عز وجل - لا يوصف بالإحاطة بالأشياء لو وجب القول ~~بالخلود، فنقول بأن العلم بما لا نهاية له هو أن يعلمه غير متناه، والعلم ~~بالتناهي بما لا نهاية له # PageV10P451 # يوجب ms4982 الجهل لا أن علم. # والجواب عن الفصل الثالث: ما ذكرنا أنه يعتقد المذهب للأبد، فكذلك الجزاء ~~يتأبد، ولا ينقطع. # وقوله - عز وجل -: (وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين (18) قال بعضهم: إنك لم تكن تدري، فدراك الله تعالى. # وقال بعضهم: هذا على التعظيم لذلك اليوم، والتهويل عنه. # وقوله - عز وجل -: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ... (19) وذلك اليوم يوم ~~تجرى فيه الشفاعات، فيشفع الأنبياء لكثير من الخلق فيشفع لهم، وإذا كان ~~كذلك فقد ملكت نفس لنفس شيئا، ولكن تأويله يخرج على أوجه ثلاثة: # أحدها: أن الكفرة كانوا يتوادون فيما بينهم؛ ليتناصر بعضهم بعضا في ~~النوائب، فقال: (لا تملك نفس لنفس شيئا)؛ قال الله - تعالى -: (إنما اتخذتم ~~من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين). # أو لا تملك نفس لنفس شيئا إلا بعد أن يؤذن لها؛ كما قال - عز وجل -: (لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)، وقد يجرى التشفع في الدنيا لا ~~بالاستئذان من أحد. # أو يكون معناه: أن كل نفس سيتبين لها في ذلك اليوم أنها لم تكن تملك شيئا ~~إلا بالتمليك. # وقوله - عز وجل -: (والأمر يومئذ لله)، أي: لا ينازع فيه، وهو في كل وقت ~~لله - تعالى - لكن الظلمة ينازعونه في هذه الدنيا. # أو (والأمر يومئذ لله)، أي: يتبين لكل أحد في ذلك اليوم بأن الأمر لله - ~~عز وجل - في ذلك اليوم وقبل ذلك اليوم، والله المستعان، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. # * * * # PageV10P452 ### | سورة المطففين، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم ~~عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) ~~وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين ~~يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم ms4983 (12) إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~(14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالو الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17). # قوله - عز وجل -: (ويل للمطففين): وجه تعييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد ~~بهم؛ لمكانه وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أوفوا المكيال، ولم يطففوا ~~فيه؛ إذ كانوا جاحدين بالله تعالى ومكذبين بالبعث -: هو أن الكفرة لم ~~يكونوا اعتقدوا الكفر بالله - تعالى - لتلذذ يقع لهم بنفس الكفر، ولا ~~التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرياسة، ~~ولمأكلة كانت لهم خافوا زوالها عنهم بالإسلام. # أو زهدوا عنه؛ لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر؛ لئلا يلزمهم ~~بالإيمان تحملها؛ فكان الذي يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات ~~الله - تعالى - وحججه ما ذكرنا؛ فعيروا بالأفعال الدنية التي كانوا ~~يتعاطونها فيما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله ~~- عز وجل -: (الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون)؛ لينقلعوا ~~عنها؛ فيحملهم ذلك على النظر في القرآن والتدبر فيه، وهو كما ذكرنا في ~~القتال أن فيه ما يحملهم على الإيمان؛ لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم ~~الدنيا، فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا؛ فبعثهم ذلك على الإيمان بالله - ~~تعالى - وعلى النظر في آياته. # وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تلا هذه الآية على أهل مكة ~~تركوا التطفيف؛ فلم يطففوا # PageV10P453 # بعد ذلك. # قال أهل اللغة: التطفيف: النقصان، يقال: إناء طفان؛ إذا كان غير مملوء. # وقال الزجاج: يقال: شيء طفيف، أي: يسير، فسمي: مطففا؛ لما يسرق منه شيئا ~~فشيئا في كل مكيال. # وفي هذه الآية، دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الأديان. # وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين ~~لله - تعالى - وذلك أن الذي يكال له، كان يأخذ ما يكال له على علم منه ~~بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقهم التعيير ~~بالتطفيف؛ فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ms4984 ولكنها من حق الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) منهم من ذكر ~~أن هذا على التقديم والتأخير، ومعناه: ويل للمطففين على الناس إذا اكتالوا ~~أو وزنوا، وإذا اكتالوا استوفوا. # ومنهم من قال بأن (على) هاهنا بمعنى " عن "؛ فكأنه يقول: ويل للمطففين ~~الذين إذا اكتالوا عن الناس يستوفون. # وقوله - عز وجل -: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) منهم من حمل قوله: ~~هم بعد ذكر الكيل والوزن على التأكيد والمبالغة، فإن كان هذا على هذا، فحقه ~~الوقف على قوله: (كالوا)، وعلى قوله: (وزنوا). # ومنهم من قال: معناه: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم؛ لأن الألف بينهما ~~ليست بمثبتة في المصاحف، وهو مستعمل: كلته، وكلت له؛ كقوله: وعدته، ووعدت ~~له، فإن كان هذا معناه، لم يستقم الوقف على قوله: (كالوا) و (وزنوا)؛ لأن ~~قوله: (لهم)، تفسير لقوله: (كالوا) أو (وزنوا)، ولا يجوز قطع التفسير عما ~~له التفسير. # وقوله - عز وجل -: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4): # قال أكثر أهل التفسير: (ألا يظن): ألا يعلم، وألا يتيقن. # PageV10P454 # وقال أبو بكر الأصم: (ألا يظن)، معناه: ألا يشك أولئك في البعث، وهو ~~محتمل لما ذكرنا؛ لأن الشك يوجب الرهبة، وارتفاعه يوجب الأمن؛ ألا ترى أن ~~المرء إذا أراد أن يسافر إلى مكان، فأخبره إنسان أن في الطريق الذي يريد أن ~~يسلك سراقا وقطاع الطريق، فإنه يترهب لذلك؛ فيستعد له بما يدفع عن نفسه ضرر ~~قطاع الطريق وضرر السراق، وإن لم يتيقن أن المخبر صادق في مقالته، ولا ~~يتيقن أن السراق يتمكنون من الإضرار به، فكيف لا يشك هؤلاء بكون البعث بما ~~يخبرهم النبي - عليه السلام - ويقيم عليه الحجج، وهذا أقل منازل الأخبار أن ~~تورث شكا. # ثم الأصل أن حرف الشك يستعمل عند استواء طرفي الداعيين، والظن يستعمل عند ~~اختلاف طرفي الداعيين، وهو أن تغلب إحدى الدلالتين على الأخرى؛ لذلك يستقيم ~~الحكم والقول بأكثر الظن، ولا يستقيم بأكثر الشك. # ثم الظن يتولد من البحث عن الأمر والنظر فيه، وإذا تدبر فيه، فهو لا يزال ms4985 ~~يرتقي في الظن درجة فدرجة؛ حتى ينتهي نهايته بلوغ اليقين ودرك الصواب؛ ~~فلذلك حمل أهل التفسير تأويل الظن هاهنا على اليقين والعلم؛ إذ ذلك نهاية ~~الظن. # وحمله أبو بكر على الشك؛ لما لا ترتفع الشبهة كلها فيما كان طريق معرفته ~~الاجتهاد. # ومثال الظن منا الخوف الذي ذكرنا أنه قد يستعمل في موضع العلم؛ لأن الخوف ~~إذا بلغ غايته صار علما؛ كالذي يهدد بالقتل، أو بقطع عضو؛ ليشرب الخمر أنه ~~يباح له الشرب، ويجعل كالمتيقن أنه يفعل به لا محالة لو امتنع عن الشرب؛ ~~لبلوغ الخوف نهايته وإن لم يكن في الحقيقة متيقنا؛ لما يجوز أن يحصل به ما ~~يمنعه عن القتل؛ فعلى ذلك الحكم في الظن. # وقوله - عز وجل -: (أولئك أنهم مبعوثون) للحساب الذي يحصل عليهم؛ فلا ~~يجدون منه مخرجا؛ فيتخلصون من العذاب، ليس على ما يحصل عليه الحساب في ~~الدنيا يجد لنفسه الخلاص ووجه المخرج عنه. # PageV10P455 # وقوله - عز وجل -: (ليوم عظيم (5) سماه: عظيما؛ لما ذكرنا من دوام عذابه ~~ودوام عقابه. # وقوله - عز وجل -: (يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) أي: لحكمه. # أو لحسابه. # أو لوعده ووعيده. # أو يقومون له مستسلمين خاضعين بجملتهم، وإن كان البعض منهم وجد منه ~~الامتناع عن الاستسلام في الدنيا، فإن الظلمة ينازعونه ويدعون لأنفسهم ~~أشياء، وينكرونها له، فأما يوم القيامة فإنهم جميعا يقرون له وينقادون ~~لحكمه وقضائه؛ لذلك خصه بقيام الناس له. # وقوله - عز وجل -: (كلا ... (7) قال الحسن وأبو بكر: حقا؛ أي، بعثهم حق؛ ~~فيبعثون. # وقال الزجاج: (كلا): حرف ردع وتنبيه، أي: ليس الأمر على ما ظنوا: أنهم لا ~~يبعثون؛ بل يبعثون ويجازون بأعمالهم؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من ~~طريق الاستدلال. # وقوله - عز وجل -: (إن كتاب الفجار لفي سجين) اختلف في السجين: # فمنهم من جعله اسم موضع، وأشار إليه فقال: هو صخرة تحت الأرض السابعة ~~يوضع كتاب الفجار تحته إلى يوم القيامة. # ولكن ليس بنا إلى معرفة ذلك الموضع حاجة؛ لأن الذين امتحنوا بجعله في ذلك ~~الموضع قد عرفوه، وهم الملائكة. # ومنهم من زعم ms4986 أنه حرف مذكور في كتب الأولين، فذكر ذلك في القرآن، فجائز ~~أن يكون المقصود يتحقق بدون الإشارة إليه. # وجائز أن يكون السجين الموضع الذي أعد للكافر في الآخرة للعذاب، لكن أول ~~ما يرد إليه عمله الذي أثبت في كتابه، ثم تلحق به الروح، ثم يتبعهما جسده ~~في الآخرة على # PageV10P456 # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر، والآخرة سجن الكافر وجنة المؤمن "، فيرد كتابه إلى ذلك السجن، ويرد ~~كتاب الأبرار إلى الجنة التي أعدت له، ثم تتبعه روحه، ثم جسده؛ فذلك قوله: ~~(إن كتاب الأبرار لفي عليين). # ومنهم من قال: هو على التمثيل ليس على تحقيق المكان في العليين؛ وذلك لأن ~~السجن هو مكان أهل الخبث في الدنيا، فمثلت أعمالهم بذلك؛ لخبثها وقبحها، ~~ومثلت أعمال الأبرار بما ذكر من العليين، وذلك مكان أهل الشرف وأولي القدر؛ ~~فيكون ذلك كناية عن طيب أعمالهم. # وقال الكسائي: السجين: مشتق من السجن؛ كقولك: رجل فسيق، وشريب، وسكيت. # ثم ذكر كتاب الفجار، والفجور يكون بالكفر وبغيره، فهذا اسم يقع به ~~الاشتراك بين أهل الكفر وأهل الإسلام، لكنه ألحق عند التفسير بما يوجب صرف ~~الوعيد إلى الكفار بقوله: (ويل يومئذ للمكذبين)، وكذلك نجد هذا الشرط ملحقا ~~بالتفسير في جميع ما جرى به الوعيد بالاسم الذي يقع به الاشتراك؛ من نحو ~~الفسق، وترك الصلاة، بقوله - تعالى -: (قالوا لم نك من المصلين)، وفيما جرى ~~من الوعيد في الذي لا يؤتي الزكاة؛ فكان في ذكر التفسير على تقييده ~~بالتكذيب قطع الشهادة وإيجاب العذاب على المكذبين، وفي ذكر الاسم الذي يقع ~~به الاشتراك إيجاب الخوف على المسلمين الذين شركوا في ذلك الاسم، فترك قطع ~~الشهادة عليهم بالوعيد؛ لما لم يذكروا عند التفسير. # وقوله - عز وجل -: (وما أدراك ما سجين (8) فهو تعظيم ذلك اليوم، ووصفه ~~بنهاية الشدة، أو على الامتنان على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يكن ~~يعلم ذلك حين أطلعه الله عليه، وهكذا تأويل قوله: (وما أدراك ما عليون). # وقوله: (كتاب مرقوم (9) أي: ms4987 الكتاب الذي في السجين مرقوم، والمرقوم، ~~قالوا: مكتوب ومثبت. # والرقم عندنا: هو الإعلام، يقال: رقم الثوب؛ إذا أعلمه؛ فجائز أن يكون ~~علمه هو أن يختم؛ فيكون فيه إخبار أنه لا يزاد على قدر ما عمل، ولا ينقص ~~منها، وهو كما ذكرنا من # PageV10P457 # الفائدة، فيما وصف جبريل - عليه السلام - بالقوة والأمانة بقوله: (ذي ~~العرش مكين. مطاع ثم أمين)، فوصف بالأمانة؛ ليؤمن الخلق عن خيانته في ~~الكتاب وتغييره، ووصفه بالقوة؛ ليعلم أن غيره لا يتهيأ له أن ينتزع منه ما ~~أرسل على يده، فيغيره، فكذلك وصفه بالختم والأعلام؛ ليؤمن من الزيادة فيه ~~والنقصان. # وقوله - عز وجل -: (ويل يومئذ للمكذبين (10) أي: للمكذبين بجميع ما يحق ~~عليهم تصديقه، وذلك يكون بالإيمان بالله تعالى، وبآياته، ورسله، وبالبعث. # وقوله - عز وجل -: (الذين يكذبون بيوم الدين (11) الدين اسم لشيئين: اسم ~~للجزاء، واسم للاستسلام والخضوع؛ فسمي: يوم الدين؛ لما يدانون بأعمالهم، أو ~~لما يستسلمون لله - تعالى - في ذلك اليوم ويخضعون له، وفي تكذيبهم بيوم ~~الدين تكذيب لقدرة الله تعالى وتكذيب رسله؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى ~~الإيمان بيوم الدين؛ فكانوا يكذبونهم بتكذيبهم بذلك اليوم؛ فيكون تأويله ~~منصرفا إلى ما ذكرنا من تكذيبهم بجميع ما يحق عليهم التصديق به. # وقوله - عز وجل -: (وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) المعتدي هو الذي ~~يتعدى حدود الله تعالى، والأثيم: الذي يتأثم بربه؛ فيكون مجاوزا به عن ~~الحدود، والتأثم بربه هو الذي يحمله على التكذيب، وإلا لو قام بحفظ حدوده، ~~ولم يأثم بربه، لكان لا يكذب بيوم الدين. # أو يكون فيه إخبار أن المكذب به معتد أثيم. # وقوله - عز وجل -: (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) قال: ~~(أساطير الأولين): أباطيل الأولين. # وقال أبو عبيدة: الأساطير: هي التي لا أصل لها. # ومعناه عندنا: ما سطره الأولون، أي: كتبه، فالسطر: الكتابة؛ فيخبرون أنها ~~ليست من عند الله تعالى، بل مما كتبها الأولون الذين لا نظام لهم، ولم يكن ~~يقولون هذا في كل ما يتلو عليهم، ولكنهم كانوا يعارضونه بهذا عندما كان ~~يتلو عليهم ms4988 من نبأ الأولين، وكانوا ينسبونه إلى السحر إذا أتاهم بالإيات ~~المعجزات. # وقوله - عز وجل -: (بل ران على قلوبهم ... (14) قيل: الرين: الستر ~~والغطاء. # وقيل: الرين: الصدأ؛ فالله - تعالى - سمى الإيمان الذي هو في النهاية من # PageV10P458 # الخيرات: نورا، وسمى الكفر الذي هو في النهاية من الشرور: ظلمة، فإذا كان ~~الإيمان منورا للقلب، والكفر مظلما، فإذا اشتغل بالأسباب الداعية إلى الكفر ~~شيئا بعد شيء من الآثام، فكل سبب من ذلك يعمل في إظلام القلب حتى تتم ~~الظلمة؛ على ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل عن هذه الآية، فقال: " هو العبد يذنب الذنب، فتنكت في قلبه ~~نكتة سوداء، فإن تاب منها صفا قلبه، وإن لم يتب، وعاد فأذنب، نكتت في قلبه ~~نكتة سوداء، وإن عاد نكتت في قلبه حتى يسود القلب أجمع؛ فذلك الرين "، ومن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره شيئا فشيئا بأسباب تتقدم الإيمان حتى يحمله ~~ذلك على الإيمان؛ فذلك تمام الانشراح. # وعلى هذا يخرج تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن ~~الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد عظما، ازداد ذلك البياض، ~~فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله. # ومعنى قوله: " يبدأ نقطة بيضاء " إلى قوله: " حتى يستكمل الإيمان "، ~~عندنا بالأسباب الداعية إلى الإيمان، فلا يزال ينشرح منه شيء فشيء حتى ~~يؤمن، لا أن يكون الإيمان ذا أجزاء، ولكن للإيمان مقدمات؛ فينشرح شيء فشيء ~~بكل مقدمة منه حتى يفضي به إلى الإيمان. # ثم إن الله - تعالى - سمى السواتر عن الإيمان بأسام، مرة قال: (طبع الله ~~على قلوبهم)، ومرة قال: (وجعلنا على قلوبهم أكنة. . .) الآية. ومرة: (أم ~~على قلوب أقفالها)، فكأن الذين وصفوا بالقفل على قلوبهم هم الذين انتهوا في ~~الكفر غايته حتى لا يطمع منهم الإيمان، وهم المتمردون المعتقدون للتكذيب، ~~وهم الرؤساء منهم والأئمة. # ومنهم من هو مطبوع على قلبه، وهم الذين اعتقدوا الكفر لا عن تمرد وعناد، ~~ولكن لما لم تلح لهم الأسباب الداعية إلى ms4989 الإيمان. # وذكر الزجاج أن أول منازل الستر: الغبن، وهو الستر الرقيق كالسحاب الرقيق ~~في السماء، يعمل في غشاء القلب غشاء السحاب الرقيق بلون السماء، ثم إذا ~~ازداد سمي: # PageV10P459 # رينا، ثم يرتقي إلى الطبع إلى أن يصير كالقفل على القلب، وفي هذا دليل ~~على أن لله تعالى تدبيرا وصنعا في أفعال العباد؛ لأنه أنشأ للكفر ظلمة في ~~القلب حتى تمنعه تلك الظلمة عن درك الخيرات ونور الإيمان؛ إذ كل من اعتقد ~~الكفر فهو ليس يعتقده؛ ليمنعه عن درك الأنوار، وإذا لم يوجد منه هذا، ثبت ~~أنه صار كذلك بتدبير الله - تعالى - وصنعه؛ إذ لا يجوز أن تحدث الظلمة في ~~القلب إلا بمحدث لها، وإذا انتفى الصنع من الكافر ثبت أنه بتدبير الله - ~~تعالى - ما صار كذلك، وأنه أنشأه مظلما، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) اختلف في قوله: ~~(يومئذ). # فذكر أبو بكر الأصم: أن هذا في الدنيا، يقول: إنهم حجبوا عن عبادة ربهم ~~بما عبدوا غير الله تعالى؛ فصارت عبادتهم غير الله حجابا من عبادته. # وذكر أهل التفسير: أن هذا في الآخرة. # ثم منهم من يقول: إنهم حجبوا عن لقاء ربهم، وأوجبوا بهذا القول الرؤية ~~للمؤمنين. # ومنهم من يقول: هم محجوبون، أي: عن كرامته التي أعدها لأوليائه، وعن ~~رحمته، فعوقبوا بالحجب عن ذلك؛ جزاء لصنيعهم؛ لأنهم في الدنيا ضيعوا نعم ~~الله - تعالى - فلم يقبلوها بالشكر، ولم يؤمنوا برسوله الذي بعثه رحمة ~~للعالمين؛ فأبلسوا من رحمته وكرامته في الآخرة؛ عقوبة لهم ومجازاة، وهو ~~كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم)، أي: جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ ~~به؛ فعلى ما وجد منهم من المعاملة لآياته وحججه بتركهم الالتفات إليها ~~عوملوا بمثله في الآخرة. # وقال في آية أخرى: (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا). # وقوله - عز وجل -: (ثم إنهم لصالو الجحيم (16) من صرف الحجب إلى الدنيا، ~~فهو يقول: ثم إنهم يصلون الجحيم بعدما عبدوا غير الله تعالى، وحجبوا عن ~~عبادته. # ومن صرف التأويل إلى أمر الآخرة، فهو يقول: ms4990 إنهم يصلون الجحيم بعدما يظهر ~~فيهم من أثر الحجاب من سواد الوجوه، وإعطاء الكتاب بشمالهم ومن وراء ~~ظهورهم. # PageV10P460 # وقوله - عز وجل -: (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) تأويله: أنهم ~~يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها، وحجبوا عن الله - تعالى - بتكذيبهم بذلك ~~اليوم، والا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق، لم يكونوا يصلونها؛ ~~فيعرفون حتى يقروا بذلك بقوله: (فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير). # * * * # قوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون ~~(19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون. إن الأبرار لفي نعيم. على الأرائك ~~ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ~~ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا ~~يشرب بها المقربون (28). # وقوله - عز وجل -: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين): ذكر الأبرار هاهنا ~~مقابل الفجار في الأول، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين، وذلك أول ~~منازل الكفر، فإذا أريد بالفجار: الكفار، أريد بالأبرار: الذين آمنوا؛ ~~فلذلك قيل بأن الأبرار هم المؤمنون. # والبر هو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، فسمي: بارا؛ إذا كثر منه البر، ~~والفاجر: هو الذي يكثر منه فعل الفجور؛ فجائز أن يكون الوعيد في الذين ~~بلغوا في الفجور غايته، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره؛ فيوصل إلى معرفة ~~حكمه بالاستدلال، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر، ويكون حكم من ~~دونهم معروفا بغيره من الأدلة. # وقوله - عز وجل -: (يشهده المقربون (21) ذكر شهود المقربين في ذكر كتاب ~~الأبرار، ولم يذكر شهودهم عند ذكر كتاب الفجار، فجائز أن يكون شهودهم على ~~التعظيم لعمله، والدعاء له، وغير ذلك. # وقيل: المقربون: هم مقربو أهل كل سماء. # وقوله - تعالى -: (إن الأبرار لفي نعيم (22) البر هو الذي يبذل ما سئل ~~عنه، ويجيب إلى ما دعي إليه، فإذا أجاب الله - تعالى - فيما دعاه إليه من ~~التوحيد، ووفى بأوامره، وانتهى عن مناهيه، فهو من الأبرار. # ثم ما ذكرنا يكون بوجهين: # PageV10P461 # أحدهما: بالاعتقاد، وبتحقيقه بالفعل والمعاملة، فهذا قد وفى بما طلب منه ~~قولا وفعلا؛ فيكون هذا ممن ms4991 يقطع فيه القول باستيجاب الوعد المذكور للأبرار. # والثاني: أن يقوم بوفاء ما طلب منه اعتقادا، ولم يف ما اعتقده بفعله، ~~فالحكم في مثله الوقف، ولا يقطع فيه القول باستيجاب الموعود، بل لله - ~~تعالى - أن يجازيه بما ضيع من حفظ حدوده بقدر ما وجد من التضييع ثم يلحقه ~~بأهل كرامته، وله أن يعفو عه بفضله وسعة رحمته. # والفجور: هو الميل، والميل يكون بوجهين: # أحدهما: بترك الاعتقاد والفعل جميعا. # والثاني: ميل في المعاملة، وهو أن يخالف فعله عقده. # فالذي وجد منه الميل على الوجهين جميعا، يحل به ما أوعد لا محالة، وأما ~~الذي خالف فعله عقده فإنه يوقف فيه، ولا يشهد أنه من جملة من يلحقهم الوعيد ~~لا محالة. # قد ذكرنا أن البر إذا ذكر على الانفراد أريد به ما يراد بالتقوى والبر ~~جميعا، وكذلك التقوى إذا أفرد اقتضى معنى البر، وإذا قرنا جميعا أريد ~~بالتقوى جهة، وبالبر جهة، وذلك أن التقوى: هي أن يتقي المهالك، وذلك يكون ~~بالإجابة إلى ما دعي إليه قولا وفعلا، والانتهاء عما نهي عنه قولا وفعلا، ~~وهذا هو معنى البر أيضا، فإذا ذكرا معا أريد بالتقوى الاجتناب عن المحارم، ~~وأريد بالبر إتيان المحاسن، وكذلك الإيمان، إذا ذكر بالانفراد أريد به ما ~~يقتضي الإسلام من المعنى والإيمان جميعا، وكذلك الإسلام يقتضي معنى الإيمان ~~إذا ذكر بالانفراد؛ لأن الإسلام هو أن يرى الأشياء كلها سالمة لله تعالى، ~~لا يجعل لأحد فيها شركا، والإيمان أن يصدق الله - تعالى - بأنه رب كل شيء، ~~وإذا صدقت أنه رب كل شيء فقد جعلت أما يقتضيه ظاهره من جعل، الأشياء كلها ~~سالمة له؛ فهذا معنى قوله: إنه يراد بالإيمان إذا ذكر بالانفراد ما يراد ~~بالإسلام، فإذا ذكرا معا أريد بالإسلام ما يقتضيه ظاهره من جعل الأشياء ~~كلها سالمة له، وأريد بالإيمان ما يقتضيه ظاهره؛ كقوله: (إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. . .) الآية. # PageV10P462 # وكذلك الحكم في الخوف والرجاء إذا ذكر كل واحد من الحرفين مفردا، اقتضى ~~كل واحد منهما معنى الآخر، وإذا ذكرا معا، أريد بكل ms4992 واحد منهما ما يقتضيه ~~ظاهره، ولم يصرف إلى ما يراد بالآخر. # وقوله - عز وجل -: (لفي نعيم): جائز أن يكون هذا في الآخرة، يصفهم أنهم ~~أبدا في نعيم. # وجائز أن يكونوا في نعيم في الدنيا والآخرة معا؛ فيكونون في الدنيا في ~~نعيم العقول دون نعيم الأبدان، وذلك أنهم يطيعون العقل فيما يدعوهم إليه؛ ~~فيتنعمون بعقولهم، ولكن الذي تدعوهم إليه عقولهم ما تأبى أنفسهم الإجابة ~~له، ويشتد عليها ذلك، فهم في نعيم العقول لا في نعيم الأبدان، ونعيم الآخرة ~~نعيم البدن والعقل جميعا، فتتنعم أنفسهم وعقولهم، ولا يحملون ما تأبى ~~أنفسهم احتماله، قال الله - تعالى -: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة)، وقال - تعالى -: (فلنحيينه حياة طيبة. . ~~.) الآية؛ فثبت أنهم في الدنيا وفي الآخرة لفي نعيم. # وقوله - تعالى -: (على الأرائك ينظرون (23) قد ذكرنا أن كل ما تتوق إليها ~~الأنفس وتشتهى في الدنيا فعلى مثله جرت البشارة لأهل الجنة في الدنيا. # وذكر أن أهل اليمن كان إذا شرف قدر أحدهم وعلت رتبته في الدنيا، اتخذ ~~لنفسه أريكة نسبت إليه؛ فيقال: هذه أريكة فلان، فجرت البشارة لأهلها ~~بالأرائك؛ لما يرغب إلى مثلها في الدنيا، لا أن أرائكها شبيهة بالأرائك ~~التي تتخذ في الدنيا؛ لأن أرائك الجنة مطهرة من الآفات التي هي آثار ~~الفناء، لكنها ذكرت بهذا الاسم؛ لما لا وجه للوصول إلى تعريفها بغير اسمها ~~المعتاد فيما بين الخلق. # والأريكة: هي السرير في الحجال. # وقوله - عز وجل -: (ينظرون) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقع النظر في الحجل، وذلك عند تلاقي الإخوان واجتماعهم على ~~الشراب. # والنظر الثاني يكون إلى مملكته؛ فيكون ذلك خارجا من الحجال؛ على ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الرجل من أهل الجنة ليرى ~~جميع ما له بنظرة واحدة، وأقل ما # PageV10P463 # يعطى الرجل مثل سعة الدنيا وعرضها " فذلك النظر يجاوز عما في الحجال؛ ~~فيقع خارجا منها. # وقوله - عز وجل -: (تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) أي: تعرف لو نظرت في ~~وجوههم نضرة النعيم، فجائز ms4993 أن تكون النضرة منصرفة إلى نفس الخلقة، وهو أنهم ~~أنشئوا على خلقة لا تتغير، ولا تفنى، بل بهجة نضرة. # أو تكون نضارتهم بما أنعموا من النعيم. # ثم خصت الوجوه؛ لأن النظر من بعض إلى بعض يكون إلى الوجوه، لا إلى غيرها ~~من الأعضاء؛ فخصت الوجوه بالذكر لهذا، لا أن تكون النضرة لها خاصة؛ بل ~~النضرة تشتمل سائر البدن. # والثاني: أن السرور إذا اشتد في القلب أثر في الوجوه، وكذلك الحزن يؤثر ~~في الوجه إذا اعترى في القلب؛ فيكون في ذكره نضرة الوجه إخبار عن غاية ما ~~هم عليه من السرور. # ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) وقوله: (يسقون من رحيق ... ~~(25) قال بعضهم: الرحيق: هو الخمر الذي لا غش فيه، وهو أن يكون مطهرا من ~~الآفات. # وقال بعضهم: هو شيء أعده الله - تعالى - لأوليائه، لم يطلعهم على ما ~~يتهيأ في الدنيا على ما قال: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)، فهو ~~شراب تقر به أعينهم مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه. # وقوله - عز وجل -: (مختوم. ختامه مسك ### | .... # (26) جائز أن يكون راجعا إلى حال الإناء الذي فيه الرحيق، وهو أنه مختوم ~~لم تتناوله الأيدي، وكذلك ترى المرء في الدنيا يختم نفيس شرابه الذي في ~~الإناء [بالفدام] في الدنيا، فيخبر أن ذلك الشراب في الإناء على الوجه الذي ~~كانوا يؤثرونه في الدنيا، وأخبر أن ختامه بأنفس شيء عرفوه في الدنيا، وهو ~~المسك، ليس كالختام في الدنيا؛ لأنهم يختمون أوانيهم في الدنيا بالشيء ~~الرذل، وبما لا قدر له عندهم. # وجائز أن يكون منصرفا إلى الشاربين: أنهم لا يشربون أبدا، بل يكون له ختم ~~ولكن لا تنقطع لذة الشراب عنهم؛ بل أبدا يجدون من ذلك ريح المسك. # PageV10P464 # وقوله - عز وجل -: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) جائز أن يكون أراد به ~~الشراب الذي وصفه في قوله: (رحيق مختوم. . .) الآية. # والتنافس حرف يستعمل في الخيرات؛ كأنه يقول: فليرغبوا في الشراب الذي هذا ~~وصفه، الذي لا غول فيه ولا هم ينزفون، لا في الشراب الذي ms4994 يذهب بالعقول، ~~ويضعف الأبدان، ويتلف الأموال. # أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف هاهنا، لا في النعيم الذي ينقطع ولا ~~يدوم؛ فكأنه يقول: فليرغبوا فيما يعقب لهم النعيم الدائم والشراب الذي لا ~~تنقطع لذته. # وقيل: (ختامه مسك): ما بقي في الكأس من البقية يكون ذلك مسكا. # والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات، وترك الاتباع للشهوات، ~~والانتهاء عن المعاصي، وهو كقوله: (لمثل هذا فليعمل العاملون)، أي: فليكن ~~عملهم بما يثمر لهم ما ذكر من النعيم، لا في الذي ينقطع، وتكون عقباه ~~النار. # وقوله - عز وجل -: (ومزاجه من تسنيم (27) قيل: التسنيم: شيء أعده الله - ~~تعالى - لأوليائه، لم يطلعهم عليه في الدنيا، وهو من قرة الأعين التي لا ~~تعلمها الأنفس، فوصف مرة المزاج بالمسك، ومرة بالكافور بقوله: (كان مزاجها ~~كافورا)، ومرة أخبر أنه ممزوج بالتسنيم، ولم يبين ما التسنيم، والسنام: اسم ~~ما ارتفع من الشيء؛ فيجوز أن يكون سمي: تسنيما؛ لأنه ينحدر إليهم من ~~الأعلى، وأخبر أنه ممزوج بما إلى مثله ترغب الأنفس في الدنيا وتشتاق إليه؛ ~~ألا ترى أن الشراب في الدنيا إذا كان ممزوجا فهو في القلوب أوقع، وتكون ~~الأنفس إليه أرغب منه إذا كان غير ممزوج، فرغبوا بمثله في الآخرة. # وذكر بعض أهل التفسير أن المقربين يسقون من ذلك الشراب صرفا، ويمزج ~~لغيرهم. # وقال الحسن: المزاج يكون للمقربين وغيرهم، وجعل الممزوج منه أشرف، على ما ~~ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (عينا يشرب بها المقربون (28). # المقربون هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا، فتركوا منى الأنفس، ~~واتقوا المهالك والزلات، فهم المقربون، وأضاف التقريب إلى الغير؛ لأنهم ~~بغيرهم ما وفقوا لاكتساب الخيرات، وعصموا عن ارتكاب المهالك والزلات، لا ~~بأنفسهم؛ فنالوا فضل # PageV10P465 # التقريب بما أجهدوا أنفسهم في الدنيا؛ للأمور التي ذكرنا. # * * * # قوله تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29) وإذا ~~مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم ~~الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ~~ما ms4995 كانوا يفعلون (36). # وقوله - عز وجل -: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون): وجه ~~ذكر صنيع الكفرة بالمؤمنين في القرآن، وجعله آية تتلى وإن كان المؤمنون ~~بذلك عارفين - يخرج على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن فيه تبيين موقع الحجج في قلوب المؤمنين وعملها بهم؛ وذلك أن ~~المؤمنين لما سخت أنفسهم باحتمال الأذى والمكروه من الكافرين، انتصبوا ~~لمعاداة آبائهم وأجدادهم وأهاليهم، ورفضوا شهواتهم، وتركوا أموالهم، ~~واختاروا اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ودينه، ومعلوم أنهم لم يحملوا ~~أنفسهم كل هذه المؤن؛ طمعا ورغبة في الدنيا؛ لما لم يكن عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما يرغب في مثله من نعيم الدنيا؛ فثبت أن الحجج هي ~~التي حملتهم ودعتهم إلى متابعته لا غير؛ فيكون فيما ذكرنا تثبيت رسالته، ~~وإن لم يكن في الآية إشارة إلى الحجج التي اضطرتهم إلى تصديقه والانقياد ~~له؛ فيكون في ذكره تقرير لمن تأخر عنهم من المؤمنين لرسالته، عليه السلام. # والثاني: أن أولئك المؤمنين صبروا على ما نالهم من المكاره، واستقبلهم من ~~أنواع الأذى في قيامهم بأمر الله تعالى؛ ليكون في ذكره تذكير لمن تأخر من ~~المؤمنين: أن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا عذر لهم في ~~الامتناع عن القيام بما ذكرنا وإن نالهم من ذلك أذى ومكروه؛ بل الواجب ~~عليهم الصبر على ما يصيبهم، والقيام بما يحق عليهم. # أو ذكر ما لقي الأوائل من السلف من المعاداة والشدائد من الكفرة بإظهارهم ~~دين الإسلام، ثم نلنا نحن هذه الرتبة، وأكرمنا بالهدى بلا مشقة وعناء؛ ~~لنشكر لله تعالى بذلك # PageV10P466 # ونحمده عليه؛ لعظمة ثنائه لدينا، وجزيل مننه علينا. # وقوله - عز وجل -: (من الذين آمنوا يضحكون) فضحكهم يكون لأحد وجهين: # إما على التعجب منهم أن كيف اختاروا متابعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وحملوا أنفسهم في الشدائد، ورضوا بزوال النعيم عنهم من غير منفعة لهم في ~~ذلك، وهم قوم كانوا لا يؤمنون بالبعث؛ فكانوا يكذبون بما وعد المؤمنون من ~~النعيم في الآخرة؛ وكان يحملهم ذلك على التعجب؛ فيضحكون متعجبين ms4996 منهم. # أو كانوا يضحكون على استهزائهم بالمؤمنين، يقولون: إن هؤلاء آمنوا بمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - وصدقوه فيما يخبرهم من نعيم الآخرة، ولا يعرفون أنه ~~كذلك، وكانوا يجهلون المؤمنين على ما جهلوا بأنفسهبم، وظنوا أن لا بعث ولا ~~جنة ولا نار. # قال أبو بكر: المجرم: هو الوثاب في المعاصي. # وذكر أبو بكر أن في ذكر صنيع الكفار بالمؤمنين دلالة رسالة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وذلك أنهم كانوا يضحكون من المؤمنين، ويتغامزون، ~~وينسبونهم إلى الضلال سرا من المسلمين، فأطلع الله - تعالى - نبيه - عليه ~~السلام - على ما أسروا من الأفعال؛ ليجعل لهم من أفعالهم حجة عليهم لنبوته ~~ورسالته، عليه السلام. # وقوله - عز وجل -: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) قال ~~بعضهم: لاهين، أو معجبين بحال المؤمنين، أو مسرورين، كما قال - تعالى -: ~~(إنه كان في أهله مسرورا). # وقوله - عز وجل -: (وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) يجوز أن ~~يكونوا نسبوهم إلى الضلال؛ لتركهم دين آبائهم، ورأوا ما اختاروه من تحمل ~~الشدائد، ورضوا بضيق من العيش ضلالا منهم. # وقوله: (وما أرسلوا عليهم حافظين (33) أي: لم يرسلوا بحفظ أعمال ~~المسلمين؛ فيكون في ذكر هذا تسفيه أحلامهم، وهو أنهم تركوا النظر في أحوال ~~أنفسهم، وجعلوا يعدون على المسلمين عيوبهم كأنهم أرسلوا عليهم حفاظا، وما ~~أرسلوا. # أو يكون هذا إخبارا عن الكفار أنهم يقولون: ما أرسل على أحد حافظ يحفظ ~~عليه # PageV10P467 # أعماله؛ فيكون هذا على الإنكار منهم بالكرام الكاتبين. # وقوله - عز وجل -: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) يكون ضحكهم ~~على المجازاة للكفرة بما كانوا يضحكون منهم في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (على الأرائك ينظرون (35) منهم من وقف على قوله: (على ~~الأرائك). # ومنهم من رأى موضع الوقف على قوله: (ينظرون). # فإذا وقفت على قوله: (على الأرائك)، كان معناه: أنهم ينظرون: هل جوزي ~~الكفار ما أوعدهم الرسل في الدنيا أو لا بعد؟ # وإذا وقفت على قوله: (ينظرون)، كان قوله - تعالى -: (هل ثوب الكفار ... ~~(36) أي: قد جوزي الكفار ما كانوا يفعلون، فهم ينظرون كيف يعاقبون. # ثم القول: أن ms4997 كيف احتملت أنفسهم النظر إلى الكفار بما هم فيه من التعذيب، ~~والمرء إذا رأى أحدا في شدة العذاب، لم يحتمل طبعه ذلك، ونغص عليه العيش؛ ~~فجائز أن يكون الله - تعالى - أنشأهم على خلقة لا تقبل المكاره ولا تجدها؛ ~~بل تنال اللذات كلها والمسار. # أو ارتفع عنهم المكروه؛ لبلوغ العداوة بينهم وبين أهل النار غايتها، ~~وكذلك يرى المرء في الشاهد إذا عادى إنسانا واشتدت العداوة فيما بينهما، ثم ~~رآه يعذب بألوان العذاب، لم يثقل عليه ذلك؛ بل أحب أن يزاد منه. # ثم جائز أن يرفع إليهم أهل النار إذا اشتاقوا النظر إليهم، فيرونهم. # أو يجعل في بصرهم من القوة ما ينتهي إلى ذلك المكان. # ثم ذكر بعضهم أن هذه السورة مكية. # ومنهم من ذكر أنها نزلت بين مكة والمدينة، وهي مكية. # ومنهم من ذكر أن أولها مدنية وآخرها مكية، والله أعلم. # * * * # PageV10P468 ### | سورة الانشقاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت (3) ~~وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه (6) فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) ~~فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن ~~أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15). # قوله - عز وجل -: (إذا السماء انشقت) هو جواب سؤال تقدم؛ لما ذكرنا أن ~~حرف (إذا) حرف جواب، وليس بحرف ابتداء؛ فكأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن ملاقاة الأعمال متى وقتها؟ فقال - تعالى -: (إذا السماء ~~انشقت (1) وأذنت لربها وحقت) فذلك وقت ملاقاة الأعمال. # وقيل: ذكر في الخبر أن أخوين أحدهما مسلم، والآخر كافر، قال للمسلم: ~~أترانا بعد الموت مبعوثين؟ فقال له: بلى، والذي خلقك والجبلة الأولين؛ ~~فنزلت هذه السورة تبين لهم وقت بعثهم: أنه عند انشقاق السماء ومد الأرض ~~ونحوه. # ثم ذكر الجواب في ابتداء السورة؛ ليكون المرء أذكر لها؛ لأنه يكون أوعى ~~لها وإذا ms4998 ذكر في وسط السورة، لم يتحفظ إلا بالتلاوة؛ ولهذا المعنى - والله ~~أعلم - جعلت " الم "، و " المر " و " كهيعص " و " طه " رءوس السور؛ لأن ~~الكفرة كانت من عادتهم الإعراض عن القرآن وترك الاستماع إليه ليفهموه، ~~فابتدئت السور بما ذكرت من الرموز والإشارات؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه ~~والنظر؛ إذ لم يكن سبق منهم العلم بمعرفة ما يواد من قوله: " الم " و " الر ~~" ثم ذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها لما جعل فيها؛ ليعرفوا شدة ذلك ~~اليوم؛ فيخافوه، ويستعدوا له. # وقوله - عز وجل -: وأذنت لربها وحقت (2)، قيل: سمعت لربها، وأطاعت # PageV10P469 # وأجابت إلى ما دعيت إليه. # ثم المراد من الإذن مختلف؛ فحقه أن يصرف كل شيء إلى ما هو الأولى به؛ ألا ~~ترى أنك إذا قلت: " أذن الرجل لعبده في التجارة "، فلست تريد بقولك: " أذن ~~"، ما تريد به إذا أذنت لغيرك أن يتناول من طعامك، بل تريد بالإذن للعبد ~~الأمر بأن يتجر، حتى لو لم يفعل، تلومه على ذلك، وتريد بالآخر إباحة ~~التناول؛ قال الله - تعالى -: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله)، وقال ~~في موضع آخر: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله)، فكان المراد من ~~الإذنين مختلفا؛ فثبت أن حقه أن نحمله إلى ما إليه أوجه، وهو إلى الطاعة ~~والإجابة هاهنا أوجه؛ لذلك حملوه عليه. # وقوله - عز وجل -: (وحقت)، أي: حق لها أن تسمع وتطيع. # وجائز أن تكون الإجابة منصرفة إلى أهلها، ثم نسب إليها ذلك وإن كان ~~المراد منه الأهل؛ كقوله تعالى: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها)، ولا يوجد ~~من القرية عتو، وإنما يوجد من أهلها، فإن كان كذلك، ففيه أنه لا يتخلف أحد ~~من الإجابة إلى ما دعاه إليه الرب - تعالى - خلافا على ما كانوا عليه من ~~الدنيا، فإن كثيرا من أهل الدنيا، أعرضوا عن طاعته، واشتغلوا بمعصيته. # ثم الإجابة والطاعة والطوع والكره، ومثل هذه الأوصاف إذا أضيقت إلى من هو ~~من أهل الاختيار، فهي على الطوع المعروف والإجابة المعروفة، وإذا أضيفت إلى ~~من ليس ms4999 هو من أهل الاختيار فهو على تغيير الهيئة؛ على ما عليه الخلقة، نحو ~~الأرض توصف بالحياة؛ إذا أنبتت، وتوصف بالموت؛ إذا يبس ما عليها، وصارت ~~متهشمة؛ فيراد بها: أنها صارت بهيئة لو وجدت تلك الهيئة في الروحانيين لصار ~~أحدهما علما لحياته، والآخر علما لوفاته، وقال - تعالى -: (ثم استوى إلى ~~السماء فسواهن سبع سماوات)، وقوله - تعالى -: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين) # PageV10P470 # وهما لا يوصفان بطوع ولا إكراه، ولكن خلقتا على هيئة لو وجدت تلك الهيئة ~~فيمن وصف بالطوع والإكراه، كان ذلك منه طوعا. # وقال إبراهيم - عليه السلام -: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس)، وهي في ~~الحقيقة لا تضل، ولكنها أنشئت على هيئة لو كانت تملك الإضلال، لعد ذلك منها ~~إضلالا. # وقوله - عز وجل -: (وإذا الأرض مدت (3) قيل: بسطت، وسويت بكسر الشعاب ~~والأودية بالجبال، أو بما شاء؛ فصارت: (قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ~~ولا أمتا). # وقوله - عز وجل -: (وألقت ما فيها وتخلت (4) أي: ألقت ما وضع فيها من ~~الموتى والكنوز؛ فتخلت عنها؛ فنسب التخلي إليها، وإن كان من فيها هو الذي ~~خلا عنها، وكانت هي الحابسة؛ لأنه إذا خلا عنها خلت هي عنه. # وقوله - عز وجل -: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~الكادح: هو الساعي، وهو الذي اعتاد ذلك، وهذا في كل الإنسان، تراه أبدا ~~ساعيا إما في عمل الخير أو عمل الشر، أو فيما ينفعه أو فيما يضره، حتى لو ~~هم بترك السعي لم يقدر؛ لأن تركه السعي نوع من السعي. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين تلا هذه الآية: " ~~أنا ذلك الإنسان " فهذا ليس أنه هو المخصوص بالخطاب؛ لأنه بين الإنسان، ~~فقال: (فأما من أوتي كتابه بيمينه)، (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره)، ولا ~~يجوز أن يكون هو المراد بهذا كله، فكل أحد على الإشارة إليه مراد بقوله - ~~تعالى -: (يا أيها الإنسان)، فلذلك قال النبي - عليه السلام -: " أنا ذلك ~~الإنسان ". # وقوله - عز وجل -: (إلى ربك كدحا) ms5000 وجائز أن يكون معناه: أن اجعل كدحك إلى ~~ربك في أن تسعى في طاعته وطلب مرضاته؛ فإنك ملاقيه لا محالة؛ أي: تلاقي ~~جزاء عملك: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # وجائز أن تكون الملاقاة كناية عن البعث؛ إذ البعث قد يكنى عنه بلقاء ~~الرب، قال الله - تعالى -: (فمن كان يرجو لقاء ربه)، وسمي ذلك اليوم: يوم ~~المصير # PageV10P471 # إلى الله - تعالى - ويوم البروز بقوله - تعالى -: (وبرزوا لله جميعا). # ووجه التسمية بهذه الأسامي ما ذكرنا: أن المقصود من خلق العالم العاقبة؛ ~~فسمي: بروزا؛ لما للبروز أنشئ، وسمى: مصيرا إلى الله تعالى؛ لمصيرهم إلى ما ~~له خلقوا، وإن كان الخلق كلهم بارزين له قبل ذلك، ولم يكونوا عنه غائبين؛ ~~فيصيرون إليه خصوصا لذلك اليوم. # وقوله - عز وجل -: (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا (8) فسماه: حسابا، يسيرا؛ لوجوه: # أحدها: أن المؤمن اعتقد تصديق الرب في كل ما دعاه إليه، وإذا كان على ~~التصديق سهل عليه تذكر ما قد عمله بتفكر الجملة. # ووجه آخر: أنه إذا نظر في كتابه رأى حسناته مقبولة وسيئاته مغفورة له، ~~فسمي ذلك اليوم: يسيرا له؛ لما أثبت فيه من الخيرات، ومحي عنه من السيئات، ~~كما سميت الخيرات: يسرى، وسمي ما يجري عليها: يسرى أيضا، فكذلك من أوتي ~~كتابه بيمينه يجري عليه الخير؛ فسمي: حسابا يسيرا. # وجائز أن يكون المسلم يحاسب في أن يذكر ما أنعم الله عليه في الدنيا، ولا ~~يحاسب حساب توبيخ وتهويل؛ بأن يقال له: لم فعلت كذا؟ والكافر يسأل سؤال ~~توبيخ، فيقال له: لم فعلت كذا؟! على الإنكار منه لما فعل، وفي ذلك تعسير ~~عليه. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: " من نوقش الحساب فهو معذب "، وفي بعضها: " من حوسب عذب ~~" قالت: قلت: يا رسول الله، ألم يقل الله تعالى: (فسوف يحاسب حسابا يسيرا. ~~وينقلب إلى أهله مسرورا)؟ قال: " يا عائش، ذاك العرض، ولكن من نوقش أن حساب ~~هلك ". # قال الفقيه - رحمه الله -: في ms5001 ظاهر قوله - عليه السلام -: " من نوقش ~~الحساب عذب " دفع لما قالته عائشة - رضي الله عنها - لأن الفهم من قوله - ~~عليه السلام -: " من نوقش الحساب " غير الفهم من قوله - تعالى -: (فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا)؛ فليس في ظاهر قوله # PageV10P472 # جواب لها؛ فكان الظاهر من الكلام الأول على ما فهمته عائشة رضي الله عنه. # ولكن وجه الجواب فيه: أن قوله - عليه السلام -: " من حوسب عذب "، وقوله - ~~عز وجل -: (فسوف يحاسب) ليس على كل حساب، وإنما هو على الحساب الذي لا ~~يناقش فيه، فأما الذي هو عرض فليس مما يعذب عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا ~~يفهم بالخطاب العام عموم المراد كما فهمته عائشة - رضي الله عنها - بل يجوز ~~أن يكون الخطاب عاما، والمراد منه خاصا. # وقوله - عز وجل -: (وينقلب إلى أهله مسرورا (9) وقال في شأن الذي أوتي ~~كتابه وراء ظهره (ويصلى سعيرا. إنه كان في أهله مسرورا)! فهذا لأن المسلم ~~إنما تأهل على قصد تحصيل النفع لنفسه في العاقبة، وتكون معينة له على أمور ~~الآخرة؛ فحصل له ذلك النفع بإحرازه السرور الدائم بذلك، والكافر تأهل ~~للمنافع الحاضرة وسر بها سرورا، وأنساه السرور أمر العاقبة؛ فحق عليه ~~العذاب؛ لتركه السعي للآخرة، لا لسروره بأهله، وهو كقوله تعالى: (من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. . .) الآية، والكل منا يريد ~~العاجلة ولا بد له منها، لكن الذي يصلى جهنم هو الذي ابتغى العاجلة ابتغاء ~~أنساه ذلك عن الآخرة، فكذلك المسرور بأهله إنما حلت به النقمة؛ لما منعه ~~السرور عن النظر للعاقبة، لا لنفس السرور؛ إذ كل متأهل لا يخلو عن السرور ~~بأهله، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فالإيتاء من وراء ~~الظهر يحتمل وجهين: # أحدهما: أن استقذر منه؛ لخبث منظره؛ فأوتي من وراء ظهره؛ مجازاة له بما ~~سبق من صنعه، وصنعه أنه نبذ كتاب الله وراء ظهره، وترك أوامره ونواهيه كذلك ~~وراء ظهره؛ فجوزي - أيضا - بدفع كتابه وراء ظهره، ودفع إلى المؤمن كتابه ~~بيمينه؛ لما في كتابه ms5002 من المحاسن والبركات، واليمين أنشئت؛ لتستعمل في ~~البركات وأنواع الخير، وسميت - أيضا - باسم مشتق من اليمن والبركة، والشمال ~~جعلت لتستعمل في الأقذار والأنجاس، فدفع كتابه من خبث عمله إليه بشماله ~~أيضا أو من وراء ظهره. # ولأن أهل الإيمان قبلوا أمر الله - تعالى - ونواهيه واستقبلوها بالتعظيم ~~والتبجيل، ومن أراد تعظيم الآخر في الشاهد وتبجيله، أخذه بيمينه، فجوزوا في ~~الآخرة بالتعظيم لهم # PageV10P473 # بأن أوتوا كتبهم بأيمانهم، وأما الكافر فإنه استخف بأمر الله - تعالى - ~~وطاعته، فجوزي في الآخرة بأن أوتي كتابه بشماله التي تستعمل في الأقذار؛ ~~إهانة له وتحقيرا. # وقوله - عز وجل -: (فسوف يدعو ثبورا (11) الثبور والويل حرفان يتكلم بهما ~~عند الوقوع في المهالك؛ فيكون في ذكر الثبور ذكر وقوعه في المهلكة التي يحق ~~له دعاء الثبور والويل على نفسه، دعا به أو لم يدع؛ على سبيل الكناية عن ~~الوقوع في الهلاك، وهو كقوله - تعالى -: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا)، ~~فالضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ فمعناه: أنه يستقبله ما ~~يحزن له طويلا، كان هناك بكاء أو لم يكن. # وقوله - عز وجل -: (إنه ظن أن لن يحور (14) بلى ... ) فيه دلالة أنه إنما ~~حل به ما ذكر من العذاب؛ لأنه كان للبعث ظانا، ولم يكن به متيقنا؛ وكذلك ~~الله - سبحانه وتعالى - حيث قسم الوعد والوعيد بين الفريقين ذكر في آخره ما ~~يبين أن الذي أوعد بالعذاب هو المكذب، وذكر الوعيد هاهنا وبين أن الذي يحل ~~به هذا الوعيد هو الذي كان ظانا بالميعاد ولم يكن متحققا، وقال الله - عز ~~وجل -: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار. . .)، إلى قوله: (ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون)، فبين أن الوعيد في المكذبين، وقال - تعالى -: ~~(تلفح وجوههم النار ... ) إلى قوله: (فكنتم بها تكذبون)؛ ليعلم أن الوعيد ~~الدائم في المكذبين خاصة؛ فيكون فيه دفع قول المعتزلة: إن أهل الكبائر ~~يخلدون في النار. # وقوله - عز وجل -: (إن ربه كان به بصيرا (15) أي: كان بصيرا بما سبق من ~~أعماله الخبيثة؛ فيحاسبه على علم منه بما كسبت يداه، ويعذبه على علم ms5003 منه ~~باكتساب ما استوجب من العذاب، خلافا لأمر ملوك الدنيا: أنهم يحاسبون على ~~تذكير الغير لهم ما عليه من الحساب، ويعذبون على تعريف الغير لهم ما استوجب ~~به التعذيب، لا على علم منهم بذلك. # أو يكون معناه: أنه كان به بصيرا في الأزل: أنه ماذا يعمل إذا أنشأه؟ ~~وإلى ماذا ينقلب أمره: إلى النار أو إلى الجنة؟ فخلقه على علم منه أنه ~~يعادي أولياءه، ويعمل بمعاصيه. # ولقائل أن يقول بأن المرء في الشاهد لا يشرع في الأمر الذي يعلم أنه في ~~العاقبة يضره ولا ينفعه، ولو شرع فيه، وأتمه كان مذموما عند الناس، ولم يكن ~~محمودا، فأي حكمة # PageV10P474 # في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته؟!. # فجوابه - والله أعلم -: أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ~~ولا ينفعه، إنما لحقته المذمة؛ لما سعى في إضرار نفسه، فأما الذي أعرض عن ~~إطاعة الله - تعالى - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها ~~في المهالك، ولم يضر غيره؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه، وفي هذا ~~دلالة أن الله - تعالى - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة ~~تلحقه من جهتهم؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم، والله أعلم. # * * * # قوله تعالى: (فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق ~~(18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون ~~(23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون (25). # وقوله - تعالى -: (فلا أقسم بالشفق) منهم من حمل قوله: (فلا) على دفع ~~منازعة وقعت فيما بين القوم؛ على ما نذكر في سورة (لا أقسم بهذا البلد) إن ~~شاء الله، وإنما القسم قوله - عز وجل -: (أقسم). # ومنهم من جعل " لا " بحق الصلة. # فإن كان على الوجه الأول، لم يجز حذف " لا " من الكلام؛ بل حقه أن يقرأ ~~(فلا أقسم). # وإن كان بحق الصلة استقام حذفه، كما قرأ بعض القراء: (فلا. أقسم ms5004 بالشفق). # ثم الشفق هو أثر النهار، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله، وإن ~~كان ذكر طرفا منه. # والثاني: أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار -وهو النور الذي فيه- وأثر الشمس ~~-وهو الحمرة التي تكون فيه- فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه، كما كان ~~واقعا على الليل بما فيه؛ لقوله: (والليل وما وسق)؛ فيكون فيه حجة لقول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه -: إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض؛ لأن وقتها ~~يدخل بغيبوبة الشفق، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة، فما لم يتم ~~الغيبوبة لم يهجم وقتها؛ ألا # PageV10P475 # ترى أن الصلاة التي تلي الغروب لا يدخل وقتها حتى يتم غروب الشمس، فعلى ~~ذلك الصلاة التي تلي غروب الشفق لا يدخل وقتها حتى يتم الغيبوبة. # وقوله - عز وجل -: (والليل وما وسق (17) قال بعضهم: (وسق)، أي: وما ساق ~~وحمل معه من الظلمة والنجم والدابة، وغير ذلك. # والوسق: الحمل، يقال: وسق بعير، أي: حمل بعير. # وقال بعضهم: وسق، أي: جمع وساق كل شيء إلى مأواه من الطير والسباع، فذكر ~~النهار والليل؛ لما فيهما من المنافع. # وقوله: (والقمر إذا اتسق (18) فالاتساق: الاجتماع، ومعناه: استوى، وكمل؛ ~~إذ ذلك اجتماعه، وذلك في ليالي البيض. # وقال أبو بكر الأصم: معناه: أنه جمع وسوي بعد أن كان كالعرجون القديم ~~فيذكرهم قوته؛ ليعلموا أنه قادر على بعثهم. # وقوله - عز وجل -: (لتركبن طبقا عن طبق (19) قرئ بنصب الباء ورفعها، وكلا ~~القراءتين في المعنى واحد، وإن كان في الظاهر إحداهما للجمع والأخرى ~~للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع ليذكر بالرفع، فإن قوله: (لتركبن) ~~منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ليس في ~~قوله - عز وجل -: (يا أيها الإنسان إنك كادح)، إشارة إلى شخص بعينه، ولكن ~~المراد منه الجملة؛ فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة. # ثم قوله: (لتركبن طبقا عن طبق) قيل: حالا بعد حال. # ثم جائز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال: لتركبن حال الآخرة بعد حال ~~الدنيا؛ فيكون فيه تصريح القول على ms5005 إيجاب البعث. # ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه مضغة، ~~وإلى حال العلقة، وإلى حال الطفولة، إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة ~~بعد حالة؛ فيكون في تنقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن ~~تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريد به العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة ~~لا عبثا؛ فيكون قوله: (لتركبن) منصرفا إلى كل # PageV10P476 # إنسان في نفسه خاصة، لا على الاقتصار على شخص واحد؛ لما ذكرنا. # ومنهم من قال: إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~ذكر عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - لكن قال ابن مسعود - رضي ~~الله عنه -: لتركبن يا محمد. # وقال ابن عباس: لتركبن السماء حالا بعد حال. # فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود، ففيه بشارة له بإسلام قومه، ~~وإجابتهم له؛ فيقول: إنهم سيطيعونك ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن ~~الإيمان وجفوتهم إياك. # ومن قال: لتركبن سماء بعد سماء، فيقول: ذلك ليلة أسري به. # والتأويل الأول أقرب؛ لأن موقع القسم في قوله: (لتركبن)، والإسراء لم يكن ~~يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم، فأما ظهور ~~الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس؛ فيتحقق في الآخرة ما ~~أخبر النبي - عليه السلام - عن الغيب؛ فيكون تأكيدا لرسالته؛ فلذلك قلنا: ~~إن الحمل على المعنى الأول أحق، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فما لهم لا يؤمنون (20) الأصل أن كل من اعتقد مذهبا ~~فإنما يعتقده لحجة تقررت عنده، أو شبهة اعترضت له، ظنها حجة، فأما أن ~~يعتقده حراما، فليس يفعله، فقال الله تعالى في هؤلاء: (فما لهم لا يؤمنون)، ~~أي: أي حجة لهم تمنعهم عن الإيمان بالله - تعالى - وبرسوله، وتدعوهم إلى ~~الشرك والتدين به. # ثم قد ذكرنا أن ما خرج مخرج الاستفهام من الله - تعالى - فحقه أن ينظر ما ~~يقتضي ذلك الكلام من الجواب أن لو كان من مستفهم؛ فيحمل الأمر عليه، وحق ~~جواب هذا الكلام ms5006 أن نقول: لا شيء يمنعه عن ذلك؛ فقوله: (فما لهم لا ~~يؤمنون)، أي: لا حجة لهم فيما اختاروا من الشرك، وإنما يتدينون به تشهيا ~~وتمنيا؛ فيكون هذا على النفي في أن لا حجة لهم. # أو كأنه يخاطب رسوله - عليه السلام - فيقول: سلهم لماذا لا يؤمنون؟ وإذا ~~سألهم لم يجدوا لأنفسهم حجة في الإعراض عن الإيمان؛ فيرجع الأمر إلى ابتغاء ~~الحجة أيضا. # ثم المعتزلة احتجت علينا بهذه الآية في تثبيتهم القدرة قبل الفعل، وزعمت ~~أنه لو لم # PageV10P477 # يكن أعطي قوة الإيمان، لم يكن يعاتب على تركه؛ لأنه لا عذر للعبد أعظم من ~~أن يقول إذا قيل له: لم لا تؤمن؟ فيقول: لأني لم أقدر عليه. # ولأن قوله - تعالى -: (فما لهم لا يؤمنون) حرف تعجيب، ولو كانت القوة ~~ممنوعة قبل الفعل، لكان له أن يقول: إنما لم أؤمن؛ لأني منعت عنه؛ فيرتفع ~~عنه التعجيب؛ فدل أنه أعطي القوة؛ فلم يبق له في التخلف عن الإيمان عذر. # والجواب عن الفصل الأول: أن الكافر إنما لحقته كلفة الإيمان؛ لأنه هو ~~الذي ضيع القوة باختياره فعل الكفر، وإنما ترتفع الكلفة إذا منعت عنه ~~الطاقة، فأما إذا كان هو الذي ضيعها، فالكلفة عليه قائمة. # والأصل أن القدرة في الصحيح السليم تحدث تباعا على قدر حرصه على العبادة ~~وميله إليها. # ثم العبد متى اشتغل بفعل صار مضيعا لضده من الأفعال، لا أن كان ممنوعا من ~~الفعل الذي هو ضد هذا؛ فلذلك إذا آثر الكفر، وأتى به، فقد صار باختياره ~~الكفر مضيعا لقوة الإيمان، لا أن صار ممنوعا عنها؛ لذلك لحقته كلفة ~~الإيمان. # وأما ما ذكر من أمر التعجيب فقد وصفنا وجه التعجيب في ذلك، وهو أنهم لم ~~يلزموا الكفر بحجة دعتهم إلى القول به، والمرء إذا قلد مذهبا -قلده لا عن ~~حجة وبرهان- تعجب الخلق باختيارهم الكفر لا عن حجة. # ثم لو كان الأمر على ما ظنت المعتزلة: أن الله - تعالى - قد أعطاهم جميع ~~أسباب الهداية، ولم يبق في خزانته شيئا منعه عنهم، لكان التعجب راجعا إليه، ~~لا ms5007 إلى الذين لم يؤمنوا، فيقول: ما لي لا أصل إلى هدايتهم، ولم يبق عندي ~~شيء به هدايتهم إلا وقد أعطيتهم، لا أن يعجب الخلق من صنعهم؛ فليس الذي ~~اختاروه في القول سوى وصفهم رب العالمين بالعجز، والعاجز لا يصلح أن يكون ~~ربا، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) منهم من صرف ~~التأويل إلى سجود الصلاة، والمراد منه عندنا: سجود التلاوة، وهو سجود ~~الاستسلام والخضوع على الشكر؛ لما أكرم المرء به من الإيمان وهدى الله؛ لأن ~~سجود الصلاة يكون عند فعل الصلاة، لا عند ذكر التلاوة. # ثم في الآية دلالة وجوب السجدة على السامع؛ لأنهم عوتبوا بتركهم السجود ~~عندما # PageV10P478 # يتلى عليهم، وقرعوا به، والتقريع يجري في ترك اللازم، لا في ترك ما ليس ~~عليه. # ولأن المعنى الذي له وجب السجود على التالي قائم في السامع؛ إذ التالي ~~إنما لزمه السجود؛ لما ذكر من آيات الله - تعالى - وقامت عليه من الحجج؛ ~~فلزمه أن ينقاد لها ويخضع، والسامع قد قامت عليه الحجج؛ فيلزمه أن يخضع ~~لها. # وقوله - عز وجل -: (بل الذين كفروا يكذبون (22) يحتمل وجهين: # أحدهما: أنهم يكذبون رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام؛ فيحملهم ذلك على ~~التكذيب بالقرآن؛ لأنهم إذا كذبوا رسالته لم يصدقوه فيما يأتي من الأخبار، ~~لا أن يكون في الأخبار معنى يحملهم على التكذيب؛ بل القرآن يحملهم على ~~التصديق والإيمان لو أنعموا النظر فيه، وبذلوا من أنفسهم الإنصاف. # أو يكون معناه: أن الذين كفروا هم المكذبون؛ فيكون الكفر منهم تكذيبا، ~~والتكذيب منهم كفرا. # وقوله: (والله أعلم بما يوعون (23) يحتمل أوجها: # أحدها: ما يضمرون من الكيد والمكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فالله أعلم بكيدهم، لا يتهيأ لهم أن ينفذوا كيدهم فيه إلا ما كتب الله ~~عليه؛ فيكون فيه بشارة له بالنصر والتأييد. # والثاني: (والله أعلم بما يوعون) في قلوبهم من التصديق، ويظهرون من ~~التكذيب بألسنتهم، وإنما يوعون من التكذيب بألسنتهم وقلوبهم معا، وذلك أن ~~البعض منهم كان قد أيقن برسالته؛ فكان يصدقه بقلبه، ويكذبه ms5008 بلسانه على ~~العناد منه والتمرد. # ومنهم من لم يكن عرف صدقه بقلبه؛ لما ترك الإنصاف من نفسه بإعراضه عن ~~النظر في حجج ألله - تعالى - فكان يكذبه بقلبه ولسانه جميعا. # وقوله - عز وجل -: (فبشرهم بعذاب أليم (24) البشارة إذا فسرت، استقام ~~حملها على الحزن والسرور جميعا، وأما البشارة المطلقة إنما تستعمل في موضع ~~إدخال الفرح والسرور في القلب. # وقوله - عز وجل -: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... (25) جائز أن ~~يكون هذا منصرفا إلى كل من آمن. # وجائز أن يصرف إلى من آمن من الذين كانوا يوعون ما ذكرنا. # وقوله: (لهم أجر غير ممنون) نذكره في سورة " والتين والزيتون "، إن شاء ~~الله تعالى. # * * * # PageV10P479 ### | سورة البروج، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # * * * # قوله تعالى: (والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود ~~(3) قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله ~~العزيز الحميد (8) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) ~~إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11). # قوله - عز وجل -: (والسماء ذات البروج)، فقوله: (والسماء ذات البروج) على ~~القسم، وكذلك ما ذكر عقيبه. # ثم اختلف في موضع القسم في هذه السورة: # فمنهم من ذكر أن القسم لمكان قوله: (قتل أصحاب الأخدود). # ومنهم من يقول: القسم موضعه على قوله: (إن بطش ربك لشديد)، وهو أشبه؛ ~~لأنه في موضع الاحتجاج على الكفرة. # ولو حمل القسم على قوله: (قتل أصحاب الأخدود)، كان ذلك منصرفا إلى ~~المؤمنين، والمسلمون قد تيقنوا بصدق ما يأتي به الرسول من الأنباء، والقسم ~~يذكر على تأكيد ما يقصد إليه؛ ليزال عنه الريب، فإذا كان المسلمون غير ~~مرتابين في نبئه استغنوا عن تأكيده بالقسم؛ فلذلك قلنا: إن صرفه إلى قوله - ~~تعالى -: (إن بطش ربك لشديد)، أليق؛ فيكون فيه تحذير لمن كذب رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن بطشه ms5009 لمن كذب رسوله لشديد، وقد علموا ذلك بما وصل ~~إليهم من نبأ عاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم. # وجائز أن يكون موضع القسم على قوله: (قتل أصحاب الأخدود)، وذلك أن أهل ~~مكة كانوا أهل تعذيب لمن آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان في ذكر ~~ما نزل بالمتقدمين من الفراعنة من العذاب، وصبر أولئك المعذبين على دينهم، ~~وضنهم به، وحسن ثناء الله - تعالى - عليهم تصبير لهم، وتهوين على ما يلقون ~~من العذاب؛ لينالوا من حسن ثناء الله - # PageV10P480 # تعالى - عليهم ما ناله من صبر من تقدمهم من السلف. # وكذلك ذكر سحرة فرعون، وأحسن الثناء عليهم بصبرهم على تعذيب فرعون، ~~فقالوا: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)؛ ليكون ذلك عونا ~~لهم على الصبر بما يلقون من الكفرة من التعذيب، ثم أكد الأمر بالقسم؛ لأنه ~~لا كل مسلم يبتلى بتعذيبهم يبلغ يقينه مبلغا لا يعتريه الشك، ولا يتخالجه ~~شبهة في ذلك؛ فأكد الأمر بالقسم؛ لرفع الريب والإشكال. # وقال - تعالى -: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير)، وفي بعض القراءات: ~~(قتل معه ربيون كثير)، (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا)، فذكر المؤمنين ما لقي السلف من الكفرة، وابتلوا بقتل الرسل ~~وثباتهم على الدين؛ ليستعينوا به على ما يصيبهم في سبيل الله، ولا ينقلبوا ~~على أعقابهم إذا أخبروا بقتل الرسول. # وفي ذكر هذه الأنباء دلالة أن قول الرسول - عليه السلام - لعمار رضي الله ~~عنه: " إن عادوا فعد " حين أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه، فأجرى ~~وقلبه مطمئن بالإيمان - ليس على الأمر به والإيجاب عليه، والتحصيل بطريق ~~العزم؛ بل معناه: إن عادوا فلك العود؛ على سبيل الرخصة؛ لأنه لو كان على ~~الأمر، لم يكن في ذكر نبأ أصحاب الأخدود وسحرة فرعون فائدة، سوى أن يترك ~~العمل بهما، ومعلوم أن تلك الأنباء إنما ذكرت؛ ليعمل بها لا ليترك بها ~~العمل؛ لذلك حمل قوله: " فعد " على الرخصة، لا على الأمر به، ويكون المراد ~~من قوله - عليه السلام - أيضا: " من لم يقبل ms5010 رخصنا كما يقبل عزائمنا فليس ~~منا "، أي: لم ير العمل به موسعا بل استنكره، وأبى قبوله، لا أن يكون فيه ~~أمر بترك العزيمة وإيجاب العمل بالرخصة، والله أعلم. # ثم نرجع إلى قوله - تعالى -: (والسماء ذات البروج). # فقال بعضهم: هي البروج المعروفة، وهي أطراف البناء، وإذا بني بناء اتخذ ~~على طرفه برج؛ ليشدد بناؤه به. # ومنهم من قال: البروج: القصور. # ومنهم من قال: البروج: النجوم؛ لقوله: (جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين) # PageV10P481 # وزينة السماء هي الكواكب بقوله: (بزينة الكواكب. وحفظا من كل شيطان ~~مارد). # ومنهم من قال: هي مجاري الشمس والقمر والكواكب، فمنازلها هي البروج. # ثم ذكر السماء بالبروج؛ ليعرف حدثها ودخولها تحت تدبير الغير؛ إذ ذكرها ~~بالمنافع المجعولة فيها؛ ليعلم الخلق أنها سخرت للمنافع؛ فيعرفوا بها ~~حدثها؛ إذ المسخر لمنافع الغير داخل تحت قدرة من سخره، والمقدور محدث، وهم ~~لم يشهدوا بدأها؛ ليعرفوا به حدثها، ولا كل أحد يعرف حدثية الشيء؛ لكونه ~~محدودا في نفسه إذا لم يشاهدوا بدأه، فذكرها حيث ذكرها بما فيها من المنافع ~~المجعولة للخلق؛ إذ ذلك أظهر وجوه الدلالة على الحدثية؛ ليعلموا بها حدثها؛ ~~ألا ترى أن إبراهيم - عليه السلام - احتج على قومه بنفي الإلهية عن الكواكب ~~بأفولها؛ إذ ذلك أظهر وجوه الحدثية، ولم يحتج عليهم بانتقالها من موضع إلى ~~موضع، ولا بكونها محدودة في نفسها؛ بل احتج عليهم بما ذكرنا؛ ليتحقق عندهم ~~حدوثها ودخولها تحت سلطان الغير. # وقوله: (واليوم الموعود (2) قيل: هو يوم القيامة؛ فسمي: موعودا؛ لما وعد ~~من جميع الأولين والآخرين في ذلك اليوم، ثم أقسم بذلك اليوم وإن كانوا ~~منكرين له؛ لما قرره عليهم بالحجج، وألزمهم القول به. # وقيل: اليوم الموعود، هو كل يوم يأتي، فيأتي بما وعد فيه من الرزق وغيره، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وشاهد ومشهود (3) اختلف في تأويله: # فمنهم من قال: الشاهد هو الله تعالى، والمشهود هو الخلق، واستدل على ذلك ~~بقوله: (كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد). # وقيل: الشاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمشهود ms5011 أمته؛ قال الله - ~~تعالى -: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلاء). # ومنهم من يقول: الشاهد هو الكاتبان اللذان يكتبان على بني آدم أعمالهم، ~~والمشهود هو الإنسان الذي يكتب عليه. # PageV10P482 # ومنهم من يقول: الشاهد والمشهود هو الإنسان نفسه؛ أي: جعل عليه من نفسه ~~شهودا بقوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). # ومنهم من يقول: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة؛ فسمي يوم الجمعة ~~شاهدا؛ لأنه هو الذي يشهدهم ويأتيهم، وسمي يوم عرفة: مشهودا؛ لأن عرفة اسم ~~مكان، والناس يأتونها ويشهدونها، ولا يأتيهم؛ فعظم شأن عرفة لما يعظمها أهل ~~الأديان كلها، وعظم يوم الجمعة؛ لأنه يوم عيد المسلمين، ولكل أهل دين يوم ~~يعظمونه، فأكرم الله - تعالى - المؤمنين بهذا اليوم؛ ليعظموه مكان اليوم ~~الذي يعظمه غيرهم من أهل الأديان، فأقسم بهما. # وقوله - عز وجل -: (قتل أصحاب الأخدود (4) اختلف في تأويله: # فمنهم من صرفه إلى المعذبين. # ومنهم من صرفه إلى المعذبين. # فمن صرف إلى المعذبين حمل قوله: (قتل) على اللعن؛ أي: لعنوا؛ كقوله ~~تعالى: (قتل الخراصون)، أي: لعنوا. # ومن صرفه إلى الذين عذبوا، حمله على القتل المعروف. # ثم اختلف في قصة أولئك الذين عذبوا؛ فإن كان القسم في الكفرة، فما ينبغي ~~أن يفسر على وجه من ذلك ما لم يتواتر فيه الخبر عن المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام، بل حقه أن يقتصر على ما جاء به الكتاب؛ لأن هذه الأنباء حجة ~~لرسالة نبيه - عليه السلام - لأنهم وجدوها مواققة للأنباء المذكورة في ~~كتبهم، وقد علموا أنه لم يصل إلى تعرفها إلا بالله تعالى؛ إذ لم يروه يختلف ~~إلى من عنده علم الأنباء؛ ليصل إلى معرفتها بهم، فإذا فسرت على وجه أمكن أن ~~يقع فيها زيادة أو نقصان على ما ذكر في الكتاب؛ فيجدوا به موضع الطعن ~~والقدح؛ لذلك لم يسع أن يزاد على القدر الذي جرى ذكره في الكتاب إلا من ~~الوجه الذي ذكرنا. # وإن كان القسم في المؤمنين، وسع القول بحمل التأويلات التي ذكرها أصحاب ms5012 ~~التفسير؛ لارتفاع المعنى الذي ذكرنا في الكفرة، والله أعلم. # ثم في ذكر هذه الأنباء تقرير رسالته ونبوته - عليه السلام - عند الكفرة؛ ~~لما ذكرنا # PageV10P483 # أنه لم يختلف، إلى من عنده علم هذه الأنباء؛ ليعلم بها، فإذا أنبأهم بها ~~على وجهها، تيقنوا أنه بالله تعالى علم. # وفيه تصبير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتخفيف الأمر عليه؛ لأنه ~~يخبره أن قومك ليسوا بأول من آذوك وعاندوك، بل لم يزل سلفهم تلك عادتهم ~~بأهل الإسلام. # وفائدة أخرى: ما ذكرنا أن في ذكره بعض ما يستعين به من ابتلي بأذى ~~الكفرة. # وفيه أن أولئك الكفرة بلغ من ضنهم بدينهم ما يقاتلون عليه من أظهر ~~مخالفتهم في الدين؛ ليعلموا أن القتال لمكان الدين ليس بأمر شاق خارج من ~~الطباع؛ بل الطباع جبلت على القتال مع من عاداهم في الدين؛ فيكون فيه ترغيب ~~للمسلمين على القتال مع الكفرة إذا امتحنوا به، والله أعلم. # وقوله: (النار ذات الوقود (5) منهم من جعل الوقود من ألقي فيها من ~~المؤمنين. # ومنهم من جعل الوقود صفة تلك النار التي عذبوا بها. # وقوله - عز وجل -: (إذ هم عليها قعود (6) أي: عظماؤهم وكبراؤهم جلوس عند ~~الأخدود؛ ففيه أن أتباعهم هم الذين كانوا يتولون إلقاء المؤمنين في النار، ~~وكبراؤهم جلوس هنالك. # وقوله - عز وجل -: (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون الشهود هم العظماء والفراعنة. # أو يكون منصرفا إلى الأتباع، وهو أن الأتباع كانوا يلقون المؤمنين في ~~النار، ويشهدون أنهم على الضلال، وأنهم ورؤساؤهم على الهدى ولحق، وهو كما ~~قال في موضع آخر: (ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا). # وقوله - عز وجل -: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ~~(8) ذكر (العزيز الحميد) ليعلم أنه لا يلحقه ذل بما يحل من الذل بأوليائه ~~وأهل طاعته، ولا في حمده قصور بقهر أوليائه، خلافا لما عليه ملوك الدنيا، ~~وذلك أن ملوك الدنيا إذا حل بأولياء واحد منهم ذل، كان الذل حالا فيه أيضا، ~~وإذا قهر بعض أتباعه فترك ms5013 نصرهم وهو قادر على نصرهم واستنقاذهم لم يحمد ذلك ~~منه، ولحقته المذمة؛ وذلك لأن الملك إنما استفاد العز بأتباعه وأنصاره، ~~فإذا استذل أتباعه، زال ما به نال العز؛ فلحقه الذل، ونال # PageV10P484 # الحمد - أيضا - بالإحسان إلى مملكته، فإذا ترك نصرهم وهو ممكن من ذلك، ~~فقد ترك إحسانه إليهم؛ فصار به غير ممدوح ولا محمود، والله - تعالى - استحق ~~العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه؛ فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب ~~النقص في وصف الحمد، ولا ما يوجب قصورا في العز. # والثاني: أن الدنيا وما فيها أنشئت للإهلاك، ولعل الإهلاك بما ذكر أيسر ~~عليهم من هلاكهم حتف أنفهم، وكان في ذلك النوع من الهلاك نيل درجة الشهداء، ~~وهي التي ذكرها الله - تعالى - في قوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم. . .) الآية، ولا ينال تلك الدرجة بموتهم ~~حتف أنفهم، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم. # ثم للجزاء والعقاب دار أخرى فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء؛ فلم ~~يكن في ترك النصر في الدنيا ما يوجب وهنا ولا ذلا، وأما ملوك الدنيا إذا ~~تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم، لم يتوقع منهم النصر بعد ذلك؛ إذ ليست في ~~أيديهم إلا المنافع الحاضرة؛ لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر، والله أعلم. # ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم ~~كانوا على الحق والصواب، وأن المؤمنين كانوا على الخطأ؛ لأن الإهلاك إنما ~~يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد، وإهلاكهم لم يكن كذلك؛ لأن عددهم كان ~~كثيرا، وكان في المؤمنين قلة، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد؛ بل هو أمر ~~معتاد، وغلبة الفئة القليلة الفئة الكثيرة هي التي تخرج من حد الاعتياد؛ ~~فيكون فيها آية: أن الفئة القليلة على الحق والأخرى على الباطل، وذلك نحو ~~غلبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر بمن معه من المسلمين مع قلة ~~أعدادهم وضعفهم في أنفسهم، وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم، ~~والله أعلم. # ثم قوله - عز وجل -: (وما نقموا ms5014 منهم)، أي: لم يكن من المؤمنين بمكانهم ~~جرم لينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله تعالى. # وقيل: ما عابوا عليهم، وما أنكروا منهم سوى أن آمنوا بالله تعالى، وفي ~~هذا تبيين سفههم وعتوهم؛ لأنهم علموا أن ما لهم من النعم كلها من الله ~~تعالى، وكان الذي يحق # PageV10P485 # عليهم أن يؤمنوا بالله - تعالى - ويشكروه بما خولهم من النعم، ويدعوا ~~غيرهم إلى الإيمان به، لا أن يقتلوا ويعذبوا من آمن به. # ثم قوله - عز وجل -: (العزيز الحميد) العزيز: هو الذي لا وجود له، أو هو ~~عزيز لا يلحقه ذل؛ فيكون العز مقابل الذل. # وقال أهل التفسير: العزيز: المنيع، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء، وهو ~~الحميد المستوجب للحمد من كل أحد بذاته. # وقوله - عز وجل -: (الذي له ملك السماوات والأرض ... (9). # ذكر هذا؛ ليعلم أنه لا يدخل في ملكه قصور بقتل أوليائه وأنصار دينه؛ لأن ~~الخلق كلهم عبيد لله - تعالى - وإماؤه، والسيد إذا قتل بعض مماليكه بعضا، ~~لم يلحق السيد بذلك ذل ولا نقص، وإنما يدخل عليه الذل إذا قتلهم غير ~~مماليكه، فإذا كان الخلق بأجمعهم عبيدا لله - تعالى - لم يكن في قتل بعض ~~بعضا نقص يدخل في ملكه. # وقوله: (والله على كل شيء شهيد)، أي: يحفظ عليهم أعمالهم؛ فيجازيهم بها، ~~لا يعزب عنه شيء. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم ~~عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (10) الفتنة: المحنة، وهي مأخوذة من فتن الذهب ~~إذا أذابه؛ لأنه يذيبه؛ ليميز به بين ما خبث منه وبين ما صفا، وبين الذهب ~~وبين ما ليس بذهب؛ فاستعملت في موضع المحنة؛ لأن المحنة هي الابتلاء؛ ~~ليتبين بها الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، وذلك يكون بالأمر والنهي؛ ~~فسمي الأمر والنهي من الله - تعالى - امتحانا لهذا، وإن كان الله - تعالى - ~~لا يخفى عليه شيء. # ثم وجه فتنتهم: أنهم اتخذوا الأخاديد وأوقدوا فيها النيران؛ ليلقوا فيها ~~من ثبت على الإيمان ودام عليه، ويتركوا إلقاء من رجع عن دينه، فقيل: فتنوا؛ ~~لهذا. # وقوله - عز وجل ms5015 -: (ثم لم يتوبوا): فيه أنهم لو تابوا لكان يعفى عنهم، ~~ولا يعاقبون مع عظم جرمهم بربهم في ذات الله - تعالى - فيكون فيه إظهار ~~كرمه وعطفه على خلقه. # وقوله - عز وجل -: (فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق): منهم من صرف قوله: # PageV10P486 # (ولهم عذاب الحريق) إلى الدنيا، فقال بأن تلك النار التي عذبوا بها ~~المؤمنين سلطت عليهم حتى أحرقتهم. # وجائز أن يكون ذلك في جهنم أيضا؛ فيكون فيه إخبار بأن نار جهنم تدوم ~~عليهم بالإحراق، ولا تفتر عنهم. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) منهم من صرف هذا الخطاب إلى الذين ~~عذبوا من المؤمنين. # ومنهم من صرفه إلى المعذبين، وهو أنهم لو آمنوا مع عظم جرمهم وإساءتهم ~~بأولياء الله - تعالى - لكان يعفو عنهم، وتسعهم رحمته. # وقوله - عز وجل -: (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) فقوله: (من تحتها ~~الأنهار) يحتمل وجهين: # أحدهما: من تحت أهلها. # والثاني: من تحت أشجارها. # والجنة: اسم للمكان الذي فيه الأشجار الملتفة؛ فيخبر أن الماء يجري من ~~تحت ما به صار جنة وهي الأشجار، وليس يراد بقوله: تحت الجنة، أي: تحت ~~تربتها؛ لأن تحتها تكون قناة أو بئرا، وليس بهما كثير نزهة. # وقوله: (ذلك الفوز الكبير) الفائز هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما ~~يخاف، ويحذر، ووصف أنه كبير؛ لأنه ليس لما أنعم زوال ولا انقطاع. # * * * # قوله تعالى: (إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد. وهو الغفور ~~الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث الجنود ~~(17) فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط ~~(20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22). # وقوله - عز وجل -: (إن بطش ربك لشديد)، أي: أخذه للانتقام شديد، يشتد على ~~الذي يعذب؛ كقوله - تعالى -: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن ~~أخذه أليم شديد). # وقوله: (إنه هو يبدئ ويعيد (13). # قال بعضهم: يبدئ العذاب، ثم يعيده. # PageV10P487 # وقال بعضهم: يبدئ الخلق، ثم يعيده بعدما أماته. # وقوله: (وهو الغفور ms5016 الودود (14) الغفور: هو الستور يستر على المذنب ذنبه ~~إذا تاب حتى لا يذكر به، ولولا ذلك لم يكن يصفو له نعيم الآخرة عن التنغيص. # وقوله: (الودود): الذي يتودد إلى خلقه فيما ينعم عليهم ويحسن إليهم؛ قال ~~النبي - عليه السلام -: " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء ~~إليها "؛ فجعل الإحسان سبب التودد. # والثاني: أن كل من واد آخر، فالحق عليه أن يوده في الله - تعالى - لأنه ~~به نال ما به يتودد؛ قال الله - تعالى -: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سيجعل لهم الرحمن ودا)، فكأنه يقول: هو المستوجب للمودة من الخلق. # وقوله - عز وجل -: (ذو العرش المجيد (15) منهم من جعل المجيد نعتا للعرش. # ومنهم من جعله نعتا لله تعالى. # فمن جعله نعتا للعرش فهو مستقيم؛ لأنه وصفه في مكان آخر بالكريم بقوله: ~~(لا إله إلا هو رب العرش الكريم)، والمجيد يقرب معناه من معنى الكريم؛ لأن ~~الكريم هو الذي عظم قدره وشرفه، والمجيد كذلك هو الشريف المعظم، وعظم قدر ~~العرش في قلوب الخلق وعلا حتى زعم بعض الناس أنه مكان الرب تعالى، والكريم ~~في الشاهد هو الذي يطمع عنده وجود ما يرجى ويؤمل، ويؤمن منه ما يتقى ويحذر، ~~وسمى الله - تعالى - النبات: كريما بقوله: (فأنبتنا فيها من كل زوج كريم)؛ ~~لما فيه من عظم المنافع، والكريم: هو النافع للخلق. # وقوله - عز وجل -: (فعال لما يريد (16) أي: ما يريد تكوينه يكونه؛ فيكون ~~فيه إيجاب القول بخلق أفعال العباد، وأنه شاء لكل أحد ما علم أنه يكون منه؛ ~~لأنه امتدح - جل وعلا - بالفعل لما يريد، ولو لم يثبت له صنع في أفعال ~~العباد، لكان لا يختص بهذا الامتداح؛ بل يكون كل واحد مستوجبا لهذا المدح؛ ~~فثبت أن كون حقائق الأشياء بما # PageV10P488 # لله - تعالى - فيه صنع. # والثاني: أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاؤه ولا ~~يريده آية الضعف والقهر، ومن ذلك وصفه، لم يجز أن يكون ربا؛ لذلك لزم وصف ~~الله - تعالى - بذلك. # وجائز أن يكون قوله ms5017 - تعالى -: (فعال لما يريد)، أي: البعث، وهو أنه أنشأ ~~هذا الخلق للعاقبة، وهكذا فعل كل مختار أنه يقصد بفعله العاقبة إلا أن يكون ~~جاهلا بها. # وقوله - عز وجل -: (هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18). # قد وصفنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد، وقد ذكرنا أن فيها إثبات رسالته؛ ~~على ما تقدم ذكره غير مرة. # وقوله - عز وجل -: (بل الذين كفروا في تكذيب (19) أي: كفروا أنعم الله - ~~تعالى - فهم في تكذيب بأنعم الله تعالى. # أو لما جحدوا أنعم الله - تعالى - لم يوفقهم للإيمان به؛ فجعلوا على ~~التكذيب. # وقوله - عز وجل -: (والله من ورائهم محيط (20) أي: من وراء تكذيبهم محيط ~~بما ينزل بهم من العذاب ليس يوعدهم عن غفلة وخيال كما يفعله ملوك الدنيا؛ ~~قد يوعدون بالعذاب، ولا يدرون أنهم يتمكنون من ذلك أم لا؟ والله - تعالى - ~~ينزل عليهم عذابه كما أوعد. # أو يكون قوله: (من ورائهم محيط)، أي: عالم بما يسرون ويخفون عن الخلق، لا ~~يعزب عنه شيء. # وقوله - عز وجل -: (بل هو قرآن مجيد (21) سماه: مجيدا، وكريما، وحكيما، ~~وهذه أوصاف من وصف بها في أن شاهد فإنما استحق الوصف بفعل وجد منه، ولا ~~يوجد من القرآن فعل يستحق به الوصف، فالوصف به يحتمل أوجها: # أحدها: (مجيد)، أي: يصير من تبعه وعمل بما فيه مجيدا حكيما كريما؛ كقوله ~~تعالى: (والنهار مبصرا)، أي: يبصر به أو يكون قوله: (مجيد)، و (كريم)، أي: ~~على الله تعالى. # أو سماه: كريما، مجيدا، حكيما؛ لعظم قدره. # PageV10P489 # أو سماه: كريما، حكيما، مجيدا؛ لما يوجد منه ما يوجد من الكرماء والحكماء ~~والأمجاد. # وقوله: (في لوح محفوظ (22) منهم من حقق اللوح والقلم، وقد وصفه أهل ~~التفسير. # ومنهم من جعل اللوح عبارة عما يلوح -أي: يظهر- للملك من الأمر، لا على ~~تحقيق اللوح، وسمت الباطنية القلم: المبدع، الأول، واللوح: المبدع الثاني، ~~وجعلوا المبدع الأول علة كون المبدع الثاني، وزعموا أن المبدع الأول بذل له ~~إنشاء المبدع الثاني، فهو المنشئ له، وسمت المبدع الأول: بارئا، والمبدع ~~الثاني: خالقا ورحمانا، وسمت الفلاسفة المبدع ms5018 الأول: عقلا والثاني: نفسا، ~~ثم حدث التوالد من الأنفس. # فأما جعلهم الأول أصلا وعلة ليس كما ذكروا، فذلك يحتمل أن يجعل الأول ~~أصلا للثاني وعلة كما استقام أن تجعل النطفة أصلا لخلق البشر، ولكنه لا ~~يجوز أن يسمى بواحد من الاسمين اللذين ذكرتهما الباطنية والفلاسفة؛ لأنه لا ~~يجوز إنشاء الأسماء لهذه الأشياء اختراعا، بل تسميهما بما جاءت بهما ~~التسمية من عند الحجة، وإنما جاءت التسمية من عند الحجة باللوح والقلم؛ فلا ~~تسميهما بغيرهما. # وقوله - عز وجل -: (محفوظ)، أي: عن أعدائه؛ فلا يتمكنون من تغييره ~~وتبديله. # وأخبر أنه أنزل إليه على يدي رسول قوي؛ فلا يقدر أحد أن يغلبه؛ فيحرف ما ~~فيه. # ووصفه بالأمانة في نفسه بقوله: (ذي قوة. . .) إلى قوله: (أمين)،؛ ليؤمن ~~تغييره بنفسه، والله الهادي للعباد والموفق للرشاد، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # * * * # PageV10P490 ### | سورة الطارق، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب ~~(3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء ~~دافق (6) يخرج من بين الصلب والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى ~~السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10). # قوله - عز وجل -: (والسماء والطارق): # إن الله - جل وعلا - عظم قدر السماء في أعين الخلق؛ لما جعلها معدن رزقهم ~~ومسكن أولي القدر من خلقه، وهم الملائكة، وفيها خلق الجنة، وخلقها بغير عمد ~~ترى، فأقسم بها؛ لما عظم من شأنها، وجعل مصالح الأغذية بزينتها، وهي الشمس ~~والقمر، وأقسم بالنجم الثاقب، وهو المتلألئ من النجوم المضيء الذي يثقب ~~الشيطان، أي: يخرقه، ولما فيها - أيضا - من عظيم البركات، وبركاتها أنها ~~جعلت بحيث يهتدي بها في البر والبحر، ويوصل بها إلى لطائف التدبير إلى أن ~~ظن بعض الناس أن الأنجم السبعة هي المدبرات، وبها ما منع الشياطين عن ~~الصعود إلى السماء لينتفي بها التلبيس عن الوحي؛ لأنهم لو لم يحفظوا عنها، ~~لكانوا إذا وقفوا على أخبارها أسرعوا بحملها إلى الكهنة؛ فيؤدي ذلك إلى ~~التلبيس. # ومن عظيم قدرها ms5019 أنها تقطع في الليلة الواحدة مسيرة ألف شهر، فأقسم بها ~~أيضا. # ويجوز أن يكون هذا من الله - تعالى - تعليما لرسوله - عليه السلام - بأن ~~يقسم به دون أن يكون ذلك قسما منه تعالى؛ لأنهم لم يكونوا يرتابون في ~~ألوهيته وربوبيته وصدق أخباره؛ فيزال عنهم الريب بالقسم، وإنما كانوا ~~يرتابون في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعلمه القسم بما ذكر؛ ليؤكد ~~أمره؛ فيحملهم ذلك على النظر في أمره. # ويجوز أن يكون القسم بعين هذه الأشياء؛ لكونها معظمة عند الكفرة، وليس ~~للمسلمين أن يقسموا بها فيما بينهم. # PageV10P491 # أو يكون القسم بهذه الأشياء هو القسم بخالقها؛ فكأنه أمره بالقسم بخالق ~~هذه الأشياء على الإضمار، والله أعلم. # واختلف في تأويل (والطارق): # فقال بعضهم: ما يجيء به الليل؛ يقال: طرقته بالليل؛ إذا أتيته. # وقال الزجاج: (والطارق): هو الساكن؛ يقال: أطرق في الكلام مليا؛ إذا وقف، ~~وسكن. # وقال بعضهم: هو النجم يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وهو النجم الثاقب، ~~ذكره تفسيرا للطارق. # وقوله - عز وجل -: (إن كل نفس لما عليها حافظ (4) اختلف في قوله: (إن): # قال بعضهم: أريد به هاهنا: " ما ". # وقوله: (لما) صلة في الكلام، فمعناه: ما كل نفس عليها حافظ، وإنما الحافظ ~~على بعض دون بعض. # والثاني: أن يكون الحافظ على بعض ما في النفس دون بعض، وذلك البعض هو ~~الذي يظهره، فأما الذي يخفيه فإنه لا يشهده كاتباه. # ومنهم من حمل قوله تعالى (لما) على الاستثناء، فقال: معناه: ما من نفس ~~إلا عليها حافظ. # قال الزجاج: حرف (لما) استعمل في موضع الاستثناء، يقال في اللغة: " أقسمت ~~عليك لما فعلت كذا ": أي: إلا فعلت كذا. # فإن كان معناه ما ذكروا، ففيه إلزام التيقظ والتبصر، والنفس من طبعها: ~~أنه إذا سلط عليها من يراقبها ويحفظها، احتشمت من وقتها وخافته، وتكون ~~متيقظة، ولا ترتكب من الأمور إلا ما تعلم أنه لا يلحقها التبعة فيه من ~~الحفاظ؛ فسلط عليه الملكان - أيضا - ليكون متيقظا في كل قول وفعل، فلا يقبل ~~إلا على ما فيه نفع العاجل والآجل. # وسمى الله ms5020 - تعالى - الملكين: (كراما كاتبين)، ومن صحب المكرم من الخلائق ~~احتشم منه، وتوقى عن إتيان ما يستحيا من مثله، ومن أراد أن يكتب # PageV10P492 # إلى أحد كتابا، لم يثبت في كتابه شيئا يؤخذ عليه، ويذم به، بل يحكم ~~الأمر، ويصلحه غاية ما يحتمله الوسع؛ فكان في ذكر الحفاظ على الأنفس إلزام ~~التيقظ والتبصر من الوجوه التي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (حافظ): قال بعضهم: يحفظ عليها رزقها حتى تستوفيه؛ فإن ~~كان على هذا، فالحفظ يكون لها لا عليها. # وقال بعضهم: يحفظ عليها عملها خيرها وشرها. # وقوله - عز وجل -: (فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) الأصل ~~أن إمعان النظر فيما خلق منه الإنسان مما يوصل المنكرين للبعث والمنكرين ~~للرسالة إلى القول بهما، وذلك أن النطفة التي خلق منها الإنسان لو رئيت ~~موضوعة على طبق، ثم رام أحد أن يعرف وأن ينتزع منها المعنى الذي به صلح أن ~~ينشأ منها العلقة والمضغة وخلق منها الإنسان - لم يدرك، ولو اجتمع الإنس ~~والجن على أن يركبوا عليها جارحة من جوارح الإنسان، لم يتهيأ لهم تركيبها، ~~أو تعرف المعنى الذي صلح أن ينشأ منه السمع والبصر، لم يوقفوا عليه؛ فتبين ~~أن الذي بلغت قدرته هذا لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، وتبين لهم حكمته، ~~وإذا عرفوا حكمته أداهم ذلك إلى القول بالبعث؛ لأنه لولا البعث وإلا كان ~~يخرج إنشاء الخلق عبثا باطلا؛ فيخرج عن أن يكون حكيما، ولزمهم أن يصدقوا ~~الرسل بجميع ما أخبرتهم به. # وفيه دلالة خلق الشيء لا من شيء؛ إذ لا يجوز أن يكون الإنسان بكليته في ~~النطفة مستجنا، فظهر؛ لأنه لا يسع في الشيء الواحد ما لا يحصى ذلك من ~~الأضعاف، ولا يجوز أن يكون ذلك عمل النطفة - أيضا - لأنها موات، لا يحتمل ~~أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم، فيكون فيما ذكرنا إيجاب القول بحدوث ~~العالم. # ولأنها لو صارت مضغة وعلقة وخلقا سويا بطبعها، لكانت لا تخلو نطفة إلا ~~وهي تنتقل إلى ما ذكرنا؛ ألا ترى أن النار لما كان ms5021 من طبعها الإحراق، ~~والثلج إذ كان من طبعه التبريد، لم يجز أن ينتقل واحد منهما عن طبعه الذي ~~أنشئ عليه. # ثم قد وجدنا نطفا تخلو عن هذه المعاني التي ذكرنا؛ فثبت أنها نقلت إلى ما ~~ذكرنا # PageV10P493 # بتدبير مدبر حكيم، لا بطبعها. # ثم الأعجوبة فيما فيه خلق الإنسان ليست بأقل من الأعجوبة مما منه خلق، ~~وذلك أن الإنسان خلق في الظلمات على ما أراد الله تعالى، وصوره كيف شاء، ~~ولو أراد أحد أن يعلم علم ذلك، أو يصور مثله في حالة العيان لم يملك، وجعل ~~ذلك المكان فيما ينمو فيه الولد، ويغذو فيه خصوصا من بين سائر الأماكن، ولو ~~أراد حكماء الإنس والجن أن يعرفوا الوجه الذي به صلح ذلك المكان للنماء ~~والغذاء، وأعملوا فيه فنون العلم، لم يعرفوا، فمن تقكر فيما ذكرنا، علم أن ~~قدرته ذاتية لا يلحقها فناء ولا عجز، وعلم أن علمه ذاتي ليس بمكتسب؛ فيتوهم ~~خفاء الأمور عليه. # وقوله - عز وجل -: (خلق من ماء دافق (6) يعني: النطفة التي يدفقها الرجل ~~في الرحم، والدافق: معناه: مدفوق؛ أي: يدفق به؛ كقولك: " ليل نائم "، أي: ~~ينام فيه، و " هم ناصب "، أي: ينصب به. # وقال الزجاج: (ماء دافق) أي: ذي اندفاق. # وقوله - عز وجل -: (يخرج من بين الصلب والترائب (7) اختلف في تأويله: # فمنهم من يقول: بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي الأضلاع الثمانية: أربع ~~عن يمينها، وأربع عن يسارها. # وقال بعضهم: (والترائب) هي الأطراف. # وقال بعضهم: (والترائب) موضع القلادة منها. # وقال بعضهم: (والترائب) ما دون التراقي وفوق الصدر. # ثم من الناس من صرف تأويلها إلى الرجل خاصة، فقال: قوله: (من بين الصلب ~~والترائب) وأريد به: صلب الرجل وترائبه، وزعم أن الماء الذي يكون منه الولد ~~ليس معدنه الصلب خاصة؛ بل يجتمع من أطرافه كلها. # ومن حمله على المعاني الأخر صرف الأمر إليهما جميعا، وهو أن الماء الذي ~~يخلق منه الولد يكون منهما جميعا. # PageV10P494 # وكذلك ذكر أبو بكر الأصم أن (الصلب) كناية عن الرجل، (والترائب) كناية عن ~~المرأة؛ فيكون هذا اسما لهما ms5022 مأخوذا عن أصل ما يكون منهما؛ ألا ترى إلى ~~قوله تعالى: (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم. . .) الآية، فأضاف الأبناء ~~إلى الأصلاب. # وفي إخراج الماء من بين الصلب والترائب لطف من الله تعالى؛ لأنه لو اجتهد ~~الخلائق باستخراجه من بين ما ذكر بحيلهم وقواهم ووضعه في الرحم، لم يقدروا ~~عليه، ثم الله بلطفه وضع هذه الشهوة فيما بين الخلق، واستخرج بها الماء من ~~بين الصلب والترائب، لا أن يكون أحد يملك إخراجها بالأسباب والحيل، كما وضع ~~فيهم شهوة الأكل والشراب، فمتى ما أكلوا وشربوا، وقرا قرارهما، ظهر من قوة ~~الطعام والشراب في كل جارحة من جوارح الأكل باللطف، لا أن يكون ذلك العمل ~~بالأكل والشرب خاصة، وكذلك يرى الإنسان إذا سقى أصل شجرة ظهرت منفعة السقي ~~في أغصانها وأوراقها وأثمارها، ولو أراد أحد أن يعرف أنه لأي معنى صلح أن ~~يكون الماء بالمحل الذي ذكرنا؟ وأراد أن يستخرج المعنى المجعول في الطعام ~~من القوة التي ذكرنا - لم يتدارك ذلك؛ فيكون فيما ذكرنا أبلغ حجة على ~~الثنوية؛ لأنهم ينكرون خلق الأشياء لا عن أشياء، وزعموا أنا لم نشاهد كون ~~الشيء لا من شيء، والشاهد دليل الغائب؛ فلزم ذلك في الذي غاب عنا، فمن قدر ~~على تصوير الولد في تلك الظلمات، وفي الأماكن الضيقة وقدر أن يجعل في الماء ~~والطعام المعاني التي يعجز الخلق عن استدراكها - لقادر على إنشاء الخلق لا ~~من شيء؛ إذ الأعجوبة فيما ذكرنا ليست بدون الأعجوبة عن إنشاء شيء لا من ~~شيء. # وقوله - عز وجل -: (إنه على رجعه لقادر (8) قال بعضهم: إنه على رده إلى ~~صلب أبيه لقادر. # وقال بعضهم: إنه على بعثه لقادر؛ هذا أشبه التأويلين؛ لأن الآية في موضع # PageV10P495 # الاحتجاج على الكفرة ولم يذكر عن أحد التنازع في نفى الرد إلى الصلب ~~وإنكاره حتى يدفع المنازعة بهذا، وكانوا أهل إنكار بالبعث؛ فاحتج عليهم ~~بابتداء الخلقة، وكذلك أكثر ما جرى به الاحتجاج في إثبات البعث في القرآن، ~~إنما احتج عليهم بالابتداء. # وإن كان التأويل على رده إلى صلب ms5023 أبيه، فوجه الرد هو أن يرد من حالة ~~الشيب إلى حالة الشباب، ثم من حالة الكبر إلى حالة الصغر، ثم إلى حالة ~~الطفولة، ثم يرد مضغة، ثم يرد علقة، ثم نطفة، ثم ترد النطفة إلى صلب أبيه، ~~لا أن يوصف الله - تعالى - بالقدرة على رده وهو على حاله نسمة عظيمة إلى ~~صلب أبيه مع ضيق ذلك المكان. # ولأن هذا محال، والله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحال، وليس فيما لا ~~يوصف بالقدرة على المحال نفي القدرة عنه في الأزل، وبهذا يجاب من سأل فقال: ~~أيقدر الله - تعالى - على إدخال الدنيا في بيضة؟ فيقال له: إن أردت إدخالها ~~في البيضة بأن يصغر الدنيا ويضيقها حتى يجعلها أضيق من البيضة، أو يوسع ~~البيضة حتى تسع الدنيا - فهو على ذلك قادر. # وإن أردت أنه قادر على إدخالها فيها على إبقاء البيضة بحالها وبقاء ~~الدنيا بحالها، فهذا محال؛ لما فيه من انقلاب البعض كلا، والكل بعضا؛ فكذلك ~~يوصف الله - تعالى - بالقدرة على رد النسمة إلى الصلب بالوجه الذي ذكرنا، ~~لا أن يردها على ما هي عليه إلى الصلب؛ لما في ذلك من الإحالة، وكذلك إذا ~~سألنا عن حركات أهل الجنة والسكون هل لهما غاية؟. # فنقول: لا. # فإن قالوا: هل يعلم الله - تعالى - غايتها وعددها. # فنقول له: يعلمها غير منقطعة، لا أن يعلمها منقطعة، ولم يكن في قولنا: ~~إنه لم يعلمه منقطعا إثبات الجهل ولا نفي العلم عنه؛ بل الجهل إنما يتحقق ~~إذا وصف بالعلم بالانقطاع فيما لا ينقطع، فكذلك ليس في نفي الوصف بالقدرة ~~على المحال إثبات # PageV10P496 # عجزه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (يوم تبلى السرائر (9) أي: يظهر ما كان أخفى منها؛ ~~فجائز أن يكون الإظهار منصرفا إلى التي لم يطلع عليها الملائكة؛ فتكتبها ~~عليه، فيذكره الله - تعالى - تلك السرائر كيف شاء، فيقررها عليه، أو تنطق ~~جوارحه بها كقوله - تعالى -: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم. . .) الآية. # أو يكون إظهار القراءة ما عليه؛ فيظهر ذلك للخلق، وإن كان قد أسرها عنهم ~~في الدنيا، ثم سمى ms5024 ذلك: ابتلاء؛ لأن الابتلاء هو الاختبار، وإنما يكون ~~الابتلاء بالسؤال، أو بالأمر والنهي، فسمى ما يسأل عنه في الآخرة: ابتلاء. # وقوله - عز وجل -: (فما له من قوة ولا ناصر (10) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن ليست له قوة في كتمان ذلك على نفسه، ولا له قوة نفي العذاب عن ~~نفسه لو كتم. # أو ما له من قوة يمتنع بها، ولا ناصر يمنعه عن نزول العذاب به. # ووجهه: أن الكفار كانوا يفتخرون بقواهم وكثرة أنصارهم في الدنيا فكانوا ~~يظنون أنهم لو أريدوا بالتعذيب، دفعوا ذلك بأنصارهم، وبما لهم من القوى؛ ~~فيخبر الله - تعالى - أن قواهم وكثرة أنصارهم لا تنفعهم في الآخرة، ولا ~~تدفع عنهم بأس الله تعالى، وكانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله - ~~تعالى - وتنصرهم من العذاب؛ كما قال: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون)؛ فبين أنها لا تغني عنهم من الله - تعالى - شيئا. # * * * # قوله تعالى: (والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل ~~(13) وما هو بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا (17). # وقوله - عز وجل -: (والسماء ذات الرجع) قال أبو عبيدة: الرجع: هو الماء؛ ~~أي: السماء ذات المطر. # وقال غيره: (ذات الرجع)، أي: تعود في كل عام إلى ما كانت عليه في العام ~~الذي قبله بالمطر، والرجع: هو العود. # PageV10P497 # ويحتمل: (ذات الرجع)، أي: بتكرر إدرار بركتها على الخلق استوفوا منها. # وقوله - عز وجل -: (والأرض ذات الصدع (12) قيل: (ذات الصدع) بالنبات. # أو (ذات الصدع)، أي: ذات أودية وأنهار يجتمع فيها الماء، فينتفع بها ~~الخلق لسقي أراضيهم ودوابهم؛ فعظم أمر السماء والأرض؛ فأقسم بهما. # وقوله - عز وجل -: (إنه لقول فصل (13) يعني: القرآن، وليس بالهزل. # وفي إخراج النبات من الأرض حكمة عجيبة ولطف تدبير؛ وذلك أن النبات شيء ~~لين ينثني بأدنى مس، ثم إن الله - تعالى - بلطفه صدع له الأرض اليابسة ~~الصلبة، وأخرجه منها غير منثن ولا منكسر؛ ليعلموا أن مدبره حكيم؛ فيلزمهم ~~به التوحيد. # وجعل منافع الأرض بمنافع السماء متصلة؛ إذ الأرض إنما تتصدع للنبات إذا ~~أصابها المطر من ms5025 السماء؛ فيكون في ذلك إنباء - أيضا - أن مدبرهما واحد، ~~ولولا ذلك لم تتصل منفعة إحداهما بالأخرى. # وقوله - عز وجل -: (إنه لقول فصل) أي: بين، بين فيه الحلال والحرام، وما ~~يتقى عنه، وما يؤتى، وبين فيه الصواب من الخطأ، وبين فيه الوعد والوعيد. # أو يكون معنى الفصل: التفريق، وهو أن فرق الوعد من الوعيد، والحلال من ~~الحرام، والحق من الباطل؛ فوضع كل شيء موضعه، ولم يخلط أحدهما بالآخر. # وقوله - عز وجل -: (وما هو بالهزل (14) أي: باللعب والباطل. # وقوله - عز وجل -: (إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فقوله: (وأكيد ~~كيدا) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: أجزيهم جزاء كيدهم؛ فسمى الجزاء باسم ما له الجزاء وإن لم ~~يكن ذلك كيدا، كما سمى الجزاء للسيئة: سيئة مثلها، وإن لم يكن الجزاء سيئة، ~~وكما سمى جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الجزاء اعتداء بقوله: (فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، وقال: (نسوا الله فنسيهم)، ~~أي: جزاهم جزاء النسيان، أو جعلهم كالشيء المنسي الذي لا يعبأ به، لا أن ~~يكون منه # PageV10P498 # في الحقيقة نسيان؛ فكذا سمى جزاء الكيد: كيدا، لا أن يكون الجزاء كيدا. # ووجه آخر: أن الكيد في الحقيقة والمكر هو أن يأخذه من وجه أمنه؛ فيلحق ~~الكائد اسم الذم؛ لأنه أخذه من وجه لم يشعر به، وهذا المعنى في الكيد الذي ~~أضيف إلى الله - تعالى - غير موجود؛ لأن الله - تعالى - قد بين له الطريق ~~الذي إذا سلكه وقع له به الأمن من الطريق الذي إذا سلكه حل به البوار ~~والهلاك، فإذا سلك هذا الطريق، كان سلوكه عن عناد منه، أو عن ترك الإنصاف ~~من نفسه؛ فوجد ما يكره من الكيد لا من الكائد؛ فلم يلحقه بذلك الوصف المعنى ~~المكروه. # ثم كيدهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالمؤمنين ما ذكر في آية ~~أخرى، وهو قوله - تعالى -: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله). # وقوله - عز وجل -: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) مهل وأمهل لغتان؛ ~~فكأنه يقول: (أمهلهم رويدا)، ms5026 ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن الله - تعالى - ~~يجازيهم بصنيعهم عن قريب، وقد فعل ذلك بما سلط رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- بقتلهم وسبيهم؛ فيكون في هذا بشارة منه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالنصر عليهم وبغلبته إياهم، وفي ذلك آية رسالته؛ لأنه قال لهم هذا عند قلة ~~أعوانه وضعفه، ثم إن الله - تعالى - كثر أنصاره وأظهره عليهم كما قال لهم؛ ~~ليعلموا أنه علم ذلك بالوحي، والله الموفق. # * * * # PageV10P499 ### | سورة (سبح اسم ربك الأعلى) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى ~~(3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5). # قوله - عز وجل -: (سبح اسم ربك الأعلى) قيل فيه من أوجه: # أحدها: أن سبح ربك. # وقيل: سبح اسمه. # وقيل: سبح ربك بأسمائه. # فمن قال: سبح ربك، فمعناه: أن نزهه عن جميع المعاني التي يحتملها غيره من ~~الآفات والحاجات والأضداد والأنداد؛ فيكون القول به توحيدا. # وروي عن مقاتل بن سليمان أنه قال: تأويله: وحد ربك، وتوحيده ما ذكرنا. # وقال بعض المفسرين: تأويله: أن صل لربك؛ وهذا محتمل؛ لأن الصلاة بنفسها ~~تسبيح؛ لأنه بالافتتاح يقطع وجوه المعاملات بينه وبين الخلق، ويمنع نفسه عن ~~حوائجها؛ فيجعلها لله تعالى، وهذا هو التوحيد والإيمان؛ لأنه بالإيمان يجعل ~~الأشياء كلها لله تعالى سالمة؛ فصارت الصلاة تسبيحا لعينها، لا للتسبيح ~~المجعول فيها. # ومن حمل التسبيح على الاسم، فقال: نزه اسمه، فذلك يرجع إلى الأسماء ~~الذاتية، وهو ألا يشرك غيره فيسميه بها، والأسماء الذاتية قوله: الله الذي ~~لا إله غيره الرحمن، وما أشبهه من الأسماء، وتنزيهه للأسماء الصفاتية: أن ~~ينزهها عن المعاني التي استوجب الخلق الوصف به، كقولك: عالم، حكيم، رحيم، ~~مجيد؛ فمن وصف بالعلم من الخلائق فإنما استوجب الوصف به بأغيار دخلن فيه، ~~واستوجب الوصف بالحكمة والوصف بالمدح بالأغيار، والله - تعالى - استحق ~~الوصف به بذاته، لا بأغيار، فينصرف التنزيه إلى الأغيار؛ إذ صفاته ليست ~~بأغيار للذات؛ وهي لا تفارق الذات، فالامتداح الواقع بالصفات امتداح بالذات ~~الموصوف بها، والله الموفق. # وقال بعضهم: معناه: سبح بالحمد ms5027 والثناء؛ وهو يرجع إلى ما ذكرنا من ~~التأويل # PageV10P500 # الأول، وهو أن يحمده بالثناء الذي يتضمن التوحيد والتنزيه عن معاني ~~الخلق. # ومن قال: سبح ربك بأسمائه؛ فهذا ظاهر، وهو أن يقول: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأسماؤه معروفة، لا نحتاج إلى إظهارها. # وقوله - عز وجل -: (الأعلى) ظاهره يقتضي أن يكون هناك أدون وأسفل، وكذلك ~~قول: " الله أكبر " ظاهره يقتضي الأصغر، ولكن معنى قوله: (الأعلى) أي: هو ~~أعلى من أن تمسه حاجة أو تلحقه آفة، وكذلك هذا في الأكبر، ويكون الأكبر ~~والأعلى في النهاية عن تنزيه المعاني التي ذكرنا، وهو كقولك: هو أحسن ~~وأجمل، فإذا قلت: أحسن وأجمل، أردت به النهاية في الحسن والجمال. # أو يكون (الأعلى) بمعنى: العلي و " الأكبر " بمعنى: الكبير، وذلك جائز في ~~اللغة. # وقوله - عز وجل -: (الذي خلق فسوى (2) يحتمل أوجها: # أحدها: أن يكون سواه على ما قدره، خلافا لأفعال الخلق؛ لأن الفعل من ~~الخلق يخرج مرة سويا على ما قدر، ومرة بخلافه. # أو يكون سوى الخلق كله في دلالة وحدانيته وشهادة ربوبيته، فما من خلق ~~خلقه إلا إذا تفكر فيه العاقل، دلت خلقته على معرفة الصانع، ووحدانية الرب. # أو سواه على ما فيه مصلحته ومنفعته. # أو سواه على ما له خلق؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أمر بالركوع والسجود خلقه ~~من وجه يتمكن من الركوع والسجود؛ فهذا معنى قولنا: إنه سواه على ما له خلق، ~~والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والذي قدر فهدى (3) يحتمل أوجها: # أحدها: هداه إلى ما أحوجه إليه، فهدى العبد إلى معيشته من أين يأخذها؟ ~~وهدى كل دابة إلى رزقها وعيشها، فعرفت كل دابة رزقها. # أو يكون قوله: (فهدى)، أي: هدى به. # أو تكون الهداية منصرفة إلى أمر الدين، وذلك يرجع إلى الخصوص من الخلق ~~الذين لهم عقول مميزة؛ فيكون معناه: هدى فيمن هدى. # وطعنت المعتزلة علينا بهذه الآية، فقالت: إن الله - تعالى - يقول: (قدر ~~فهدى)، وأنتم تقولون: قدر فأضل؛ ولكن هذا التحقيق يرجع إليهم؛ لأنهم يحملون ~~تأويل # PageV10P501 # الهداية على البيان، ms5028 وإذا كان كذلك وقد بين الله تعالى سبيل الهدى وسبيل ~~الضلال جميعا، فإذن قد أضله؛ حيث بين له سبيل الضلال على قولهم. # ثم ليس في قوله: (قدر فهدى) نفي الإضلال؛ إذ التخصيص بالذكر لا يدل على ~~نفي ذلك عما عداه؛ فلم يجب قطع الحكم على ما ذكروه، وقد ذكر في موضع آخر ~~المكرمين بالهدى؛ فقال: (الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) ~~الآية؛ فثبت أن الهدى راجع إلى الخصوص؛ فقوله: (قدر)، أي: قدر لخلقه ~~معايشهم، وهداهم وجه أخذ المعيشة. # وقوله - عز وجل -: (والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى) في هذه الآية ~~تعريف الرب الأعلى؛ كأنه يقول: الرب الأعلى: (الذي خلق فسوى. والذي قدر ~~فهدى. والذي أخرج المرعى). # ثم ذكر هذه الأشياء التي يعرف انقضاؤها وبدؤها وإنشاؤها وإهلاكها من ~~المرعى وغيره؛ لأن وجه الدلالة بمعرفة الصانع بالأشياء التي يعرف بدؤها ~~وانقضاؤها وحدوثها وفناؤها أقرب منه بالأشياء التي لم يشهد الخلق بدءها ولا ~~انقضاءها، وهي السماوات والأرضون؛ إذ المرء يصل إلى وحدانية الرب ومعرفة ~~الصانع بالأشياء التي تحدث وتتغير بأدنى نظر وتأمل، ولا يصل إلى ذلك فيما ~~يدوم إلا بلطائف الفكر، وفضل بصر، وزيادة تأمل. # وجائز أن يكون خص المرعى بالذكر؛ لما بالمراعي قوام هذا الخلق؛ لأنه لا ~~بد للبشر من الدواب والأنعام؛ للتعيش، والداوب حياتها بالمراعي؛ فكان قوام ~~الخلق في التحصيل بإخراج المراعي، فذكرهم هذا؛ ليستأدي منهم الشكر؛ إذ كانت ~~الدواب لم تنشأ لأنفسها، وإنما أنشئت للخلق؛ ليتمتعوا بها، ثم الله - تعالى ~~- بفضله أنشأ للدواب مراعي، وقدر لها أوقاتها، ولم يضيعها، فكيف يضيع هذا ~~الخلق، وهم الذين قصد إليهم من خلق هذا العالم، فلا يرزقهم، ويخرجهم من ~~تدبيره. # وقوله - عز وجل -: (فجعله غثاء أحوى (5) قيل: الغثاء: اليابس الذي تحمله ~~السيول والأمطار (أحوى) أي: أسود من قدمه. # وقيل: الأحوى: هو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وهو على التقديم ~~والتأخير؛ أي: جعله غثاء بعدما كان أحوى. # PageV10P502 # قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما ~~يخفى. ونيسرك لليسرى ms5029 (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) ~~ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى (13). # وقوله - عز وجل -: (سنقرئك فلا تنسى)، أي: سنحفظ عليك ما أوحينا إليك من ~~القرآن فلا تنسى، وفي حفظه - عليه السلام - ما يوحى إليه دلالة رسالته؛ ~~لأنه لم يكن يعرف الكتابة، ولا كان يتلو الكتب، ثم كان يقرأ جميع ما يلقى ~~إليه بمرة واحدة، مع ما كان مأمورا ألا يحرك لسانه بشيء مما يوحى إليه إلى ~~أن يقضي إليه الوحي، ومن كانت حالته ما ذكرنا، تعذر عليه حقظ ما يلقى إليه ~~بمرات وإن كان ذلك لسانه، فكيف يضبطه بمرة واحدة؛ فكان حفظه بالمرة الواحدة ~~نوعا من آيات نبوته. # وقوله - عز وجل -: (إلا ما شاء الله (7) قال بعضهم: تأويله: إلا ما شاء ~~الله من ذلك؛ فإنه ينسيك ما أراد أن ينسيكه. # ولكن ما أرى هذا التأويل صحيحا، وذلك أن الذي أوحي إليه آية نبوته؛ فرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ، ثم أنسي، فلمن طعن في رسالته أن ~~يستقرئه تلك الآية، ولا يتهيأ له أن يقرأها إذا كان قد أنسي؛ فيجد في ذلك ~~موضع الطعن عليه. # وقد روي في بعض الأخبار أنه أنسي، ولكنها من أخبار الآحاد؛ فلا يجوز قطع ~~الحكم بها؛ لأن خبر الآحاد يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وهي في ~~موضع الشهادة هاهنا، ولكن تأويله عندنا - والله أعلم - يخرج على أوجه ~~ثلاثة: # أحدها: أن الأنبياء - عليهم السلام - لم يكونوا آمنين على أنفسهم بالعصمة ~~عن الزلات التي لديها يخاف زواد ما أنعموا به وإن ظهرت عصمتهم اليوم عندنا؛ ~~ألا ترى إلى قصة إبراهيم - عليه السلام - عند محاجة قومه قال: (أتحاجوني في ~~الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي)، وقال: (واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام)، فخاف زوال ما أكرم به، وخشي أن يبتلى بما ابتلي به ~~أهل المعاصي حتى فزع إلى الدعاء، وقال في قصة شعيب - عليه السلام -: (وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا ms5030 أن يشاء الله ربنا)، وقال في قصة يوسف - عليه ~~السلام -: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله)؛ فثبت أنه لم ~~يتبين لهم حقيقة العصمة عن الوقوع في الزلات التي تزيل النعم، فكذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمن عما # PageV10P503 # يعقب الإنساء؛ بل قيل له: (سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله)؛ ألا ترى ~~إلى قوله: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك)؛ ~~فثبت أنهم كانوا على خوف ووجل عن ارتكاب ما يسلب به الوحي وينسى. # أو يكون الاستثناء راجعا إلى إنساء حكمه، وهو أن ينسخ حكمه حتى يترك ~~فيصير كالمنسي؛ كقوله: (نسوا الله فنسيهم)، أي: جعلهم كالشيء المنسي بما ~~آيسهم من رحمته، لا أن يكون هناك حقيقة نسيان، فكذلك ما نسخ حكمه وترك، صار ~~كالمنسي، وإن لم يكن فيه حقيقة نسيان؛ فيكون النسيان منصرفا إلى حكم ~~التلاوة، لا إلى عينها. # أو يكون - عليه السلام - يذهب خاطره عن بعض ما يوحى إليه؛ إذا اشتغل فكره ~~في أشياء أخر؛ فيصير الذي ذهب عن وهمه كأنه نسيه وإن كان يعود ذلك إليه عند ~~إحضاره ذهنه، كما ترى المرء في الشاهد يذهب عن وهمه جميع ما في فاتحة ~~الكتاب من الحروف إذا أعمل رؤيته في أشياء أخر؛ حتى يصير كالناسي لها وإن ~~كان يعود إلى تذكرها إذا رام أن يقرأها. # فعلى هذه التأويلات يستقيم أن يوجه إليه الاستثناء، والله أعلم. # وقوله: (إنه يعلم الجهر وما يخفى)، أي: ما يجهر بعض لبعض من الخلائق، أو ~~ما يسر بعض عن بعض. # أو يعلم ما تطلع عليه الملائكة من أعمالهم، ويعلم ما يعزب عنهم، فعلمه ~~فيما أسر العبد كعلمه فيما أظهر وجهر به؛ فذكرهم هذا؛ ليكونوا متيقظين؛ فلا ~~يخافون، ولا يجهرون إلا بالذي يحق عليهم؛ إذ الله - تعالى - حفيظ عليهم. # وقوله - عز وجل -: (ونيسرك لليسرى (8) قالوا: ونسيرك للخير ولعمل أهل ~~الجنة، فسميت أعمال الخير: يسرى؛ لأنها تعقب ذلك، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فذكر إن نفعت الذكرى ms5031 (9) ظاهر هذا يقتضي ألا يذكر إلا ~~من نفعته الذكرى، ولكن تخصيص الحكم في حال بوصف لا يوجب قطع ذلك الحكم فيما # PageV10P504 # كان الحال بخلاف ذلك الوصف؛ بل يلزمه أن يذكر من نفعه ومن لا ينفعه؛ قال ~~الله - تعالى -: (فذكر إنما أنت مذكر) الآية، أمر بالتذكير على الإطلاق. # ثم قوله - تعالى -: (إن نفعت الذكرى) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن ذكر فقد نفعت الذكرى، وهو كقوله تعالى: (ويقولون سبحان ربنا ~~إن كان وعد ربنا لمفعولا)، ومعناه: قد كان وعد ربنا مفعولا. # وقد نفعت الذكرى؛ لأنه بتذكيره أسلم من أسلم منهم، وبه فازوا، وبه نالوا ~~الدرجات العلا، وقال تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين). # أو يكون قوله - عز وجل -: (فذكر إن نفعت الذكرى) فسيأتي على أقوام حالة ~~لا تنفعهم الذكرى لديها، وتلك حالة المعاينة لبأس الله وعذابه. # وقوله - عز وجل -: (سيذكر من يخشى (10) أي: يتعظ بها من يخشى الله تعالى ~~أو المعاد، قال الله - تعالى -: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به)، أي: ~~بالقرآن، وذلك أن الذي يحملهم على الإيمان بالآخرة إيمانهم بهذا الكتاب؛ ~~لأن في القرآن تذكيرا للآخرة، وأمرا بالاستعداد لها؛ فلذلك خشيته تحمله على ~~الاتعاظ بالذكرى والانتفاع بها، والخشية هي الخوف اللازم في القلوب. # وقوله - عز وجل -: (ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ~~أضاف التجنب هاهنا إلى الأشقى، وهو الشقي، وفيما ذكر الأتقى أضاف التجنب ~~إلى نفسها بقوله: (وسيجنبها الأتقى. الذي يؤتي ماله يتزكى)؛ فيكون في هذا ~~دلالة الإذن بإضافة الخيرات إلى الله - تعالى - وفي الأول دلالة منع إضافة ~~الشرور إليه؛ وهذا لأن إضافة الخيرات إلى الله تعالى تخرج مخرج الشكر له، ~~وهو حقيق بأن تشكر نعمه، وليس في إضافة الشرور إلى آخر شكر له؛ فلم يصح أن ~~تضاف إليه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) أي: لا تنقضي عنه ~~أفعال الموت، وهي آلامها وأوجاعها، بل يبقى في آلامها أبدا؛ قال الله - ~~تعالى -: (ويأتيه الموت من # PageV10P505 # كل مكان وما هو بميت)، أي: لا يقضي عليه حتى يتخلص من أوجا ms5032 عها. # قوله تعالى: (ولا يحيى)، فالحياة التي ينتفع بها في الدنيا هي التي ترتفع ~~عنها آلام الموت، وأوجاعه، فقوله: (ولا يحيى)، أي: لا يرتفع عنه ألم الموت. # أو يكون قوله: (لا يموت) فيستريح (ولا يحيى) حياة يتلذذ بها. # * * * # قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا. والآخرة خير وأبقى. إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم ~~وموسى (19). # وقوله - عز وجل -: (قد أفلح من تزكى)، أي: من أتى بما تزكو به نفسه، أو ~~أتى بما تطهر نفسه به، وسنذكر في سورة: " والشمس وضحاها " ما تأويل الفلاح؟ ~~إن شاء الله تعالى. # وقوله: (وذكر اسم ربه فصلى (15) يحتمل أن يكون أريد به أنواع العبادات، ~~لا الصلاة المعروفة وحدها؛ لأن الصلاة اسم للدعاء والثناء ولأنواع من ~~الكرامات؛ فإنه يقول: بذكر الرب ما يصل إلى العبادات، ومن أعرض عن ذكره حرم ~~أداء العبادات. # أو يكون منصرفا إلى الصلاة المعروفة؛ فيكون قوله: (وذكر اسم ربه فصلى)، ~~أي: يصلي بتقديمه اسم الرب؛ فيكون ذلك منصرفا إلى الافتتاح؛ فيكون حجة لأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن المصلى له أن يفتتح صلاته بأي أسماء الله تعالى ~~أحب. # ثم ذكر اسم الرب يقتضي المعاني التي ذكرنا في قوله تعالى: (سبح اسم ربك ~~الأعلى). # وقوله - عز وجل -: (بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى) أي: ~~تؤثرون حياتها على حياة الآخرة، ويكون الخطاب منصرفا إلى المنافقين ~~والكفرة، لا إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم كانوا في الإيثار ~~مختلفين؛ فمنهم من آثرها في أن نظر في الدنيا وأعرض عن النظر في الآخرة ~~وجحدها. # ومنهم من كان أغلب سعيه لأمر الدنيا. # ومنهم من كان يؤثر بعض أحوالها على الآخرة. # وقوله - عز وجل -: (والآخرة خير وأبقى (17) أي: إيثار الحياة الآخرة خير ~~وأبقى من إيثار الحياة الدنيا. # PageV10P506 # وقوله - عز وجل -: (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى ~~(19): # قال بعضهم: الآيات الأربع في صحف موسى وإبراهيم، أولهن (قد أفلح. . .) ~~إلى قوله (خير وأبقى). # وقال بعضهم: السورة كلها أنزلت على ms5033 إبراهيم وموسى عليهما السلام، فإن ~~كانت السورة كلها في الصحف الأولى، فجميع ما في هذه السورة ذكر فيها بحق ~~الحاجة لهم إلى تعرفها، ويكون قوله: (سنقرئك فلا تنسى)، مذكورا بحق الثناء ~~على رسول [الله]- صلى الله عليه وسلم - ووجه الثناء: ما ذكر في قوله: ~~(يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر. . .) إلى آخر الآية، وهو يستحق الثناء بهذا الحرف لما في حفظه - ~~عليه السلام - جميع ما يوحى إليه بمرة واحدة إكرام له وتفضيل؛ فصلح أن يثنى ~~عليه بهذا. # وفي قوله - تعالى -: (إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى) دلالة ~~أن اختلاف الألسن لا يغير الأشياء عن حقائقها؛ لأن الله - تعالى - شهد بكون ~~هذا في الصحف الأولى؛ وليس في الصحف الأولى بهذا اللسان؛ فيكون فيه حجة ~~لأبي حنيفة - رحمه الله - في تجويز القراءة بالفارسية، والله أعلم. # * * * # PageV10P507 ### | سورة الغاشية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. ~~تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا ~~يسمن ولا يغني من جوع (7). # قوله - عز وجل -: (هل أتاك حديث الغاشية) قيل: معناه: قد أتاك حديث ~~الغاشية؛ فإما أن يكون الإتيان سابقا أو أتاه حديث الغاشية بنفس هذه ~~السورة. # ثم في هذه الآيات ترغيب فيما تحمد عاقبته، وتحذير عما يذم في العاقبة، ~~وتبيين أن العاقبة المحمودة متصلة باكتسابه وكدحه، وكذلك العاقبة المذمومة ~~ينالها بعمله ونصبه. # ثم اختلف في تأويل (الغاشية): # فقيل: (الغاشية): النار تغشاهم، كما قال تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من ~~النار ومن تحتهم ظلل)، وقال في آية أخرى: (وتغشى وجوههم النار). # ومنهم من يقول: (الغاشية): هي الساعة؛ سميت: غاشية؛ لأنها تغشى الصغير ~~والكبير، والمحمود والمذموم، والشقي والسعيد؛ فتعمهم جميعا؛ وهذا التأويل ~~أقرب؛ لأنه ذكر الغاشية أولا ثم ذكر الجزاء بعد ذلك بقوله: (وجوه يومئذ ~~خاشعة. عاملة ناصبة)، وقوله - عز وجل -: (وجوه يومئذ ناعمة). # ثم قوله: (وجوه يومئذ خاشعة (2) أي: ذليلة، وإنما خص الوجه بالذكر؛ لأن ~~الحزن والسرور ms5034 إذا استحكما في القلب أثرا في الوجه؛ فيكون في ذكر الوجه وصف ~~للغاية التي هم عليها من الذل. # وقوله - عز وجل -: (عاملة ناصبة (3) قال بعضهم: إلى عباده الكفرة، وهو ~~أنهم # PageV10P508 # بقوا أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة. # وجائز أن يكون نصبها وعملها في النار، وهو أنها لم تعمل في الدنيا؛ بل ~~تكبرت عن طاعة الله - تعالى - فأعملها وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال ~~والسلاسل في النار الحامية. # أو عملت في الدنيا بالمعاصي ونصبت في الآخرة؛ فيكون فيه تبيين العمل ~~والجزاء. # وقوله - عز وجل -: (تصلى نارا حامية (4) أي: حارة، قد أحماها الله - ~~تعالى - من يوم خلقت إلى الوقت الذي يسقى منها. # وقوله: (تسقى من عين آنية (5) قيل: الآني: الذي قد انتهى في الحر غايته ~~حتى لا حر أحر منه. # وقوله - عز وجل -: (ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) اختلف في الضريع: # منهم من يقول: سمي: ضريعا؛ لأنهم يتضرعون عنه، ويجزعون إذا طعموا. # ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب لم يبينه الله - تعالى - ~~للحلق. # ومنهم من قال: الضريع: اسم لنبت قد عرفته العرب فيما بينهم تأكله الإبل ~~والدواب ما دام رطبا؛ فإذا هاج ويبس تركت الدواب أكله، وعافته لخبثه وكثرة ~~ما عليه من الشوك، ويسمونه: شبرقا في الربيع، وإذا هاج وجف، يسمونه ضريعا، ~~فذلك النبت في الدنيا يعمل في إسمان الدابة ويغنيها من الجوع، فنفي الله - ~~تعالى - وجه الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث بقوله: (لا يسمن ولا ~~يغني من جوع (7)، وهو كقوله: (في سدر مخضود. وطلح منضود)، فالسدر اسم شجرة ~~ذات شوك في الدنيا، فأنشئت في الآخرة بلا شوك، ووصف خمر الجنة فقال: (لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون)، والخمر في الدنيا تعمل في التصديع، وهي تنزف؛ ~~فنفى عنها هذه الآفات، وجعلها شرابا سائغا لذة للشاربين، فكذلك الضريع نفى ~~به ما يقع به الإسمان والإغناء، وحصل أمره على الخبث، والله أعلم. # PageV10P509 # قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة. لسعيها راضية. في جنة عالية. لا تسمع ~~فيها لاغية. فيها عين جارية. فيها سرر ms5035 مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق ~~مصفوفة. وزرابي مبثوثة). # وقوله - عز وجل -: (وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9)، أي: ناعمة ~~بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها ~~في الدنيا، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في ~~الدنيا: فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة، ومن عصاه جعل أثره ~~في وجهه يعرف به. # وقوله - عز وجل -: (في جنة عالية (10) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون قد علا قدرها، وعظم شأنها؛ فتكون (عالية) نعتا للجنة، ~~فوصفها بالعلو من هذا الوجه. # والثاني: يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لا تسمع فيها لاغية (11) ما يحق أن يلقى من الشتم ومن ~~كل ما يؤثم صاحبه؛ بل هم كما وصفهم الله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين). # ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضغن أضمره في صدره، أو خصومة حدثت ~~بينهما، أو آفة تدخل في عقله بسكر أو ما أشبهه، والله - تعالى - نفى عن ~~الشراب الآفات بقوله: (لا يصدعون عنها ولا ينزفون)، ونزع الغل عن صدورهم؛ ~~فارتفعت دواعي السفه كلها؛ فلا يسمع فيها ما يحق أن يلغى به. # وقوله - عز وجل -: (فيها عين جارية (12) أي: عيونها جارية تأخذها العين، ~~وتجري على وجهها، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجري على وجه الأرض، ~~وبعضها تحتها، نحو ماء القناة وماء البئر. # وقوله - عز وجل -: (فيها سرر مرفوعة (13) قال بعضهم: مرفوعة بعضها فوق ~~بعض، ترتفع ما شاء الله، فإذا جاء ولي الله - تعالى - ليجلس عليها، تطامنت ~~له، فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى. # وقال بعضهم: معنى (مرفوعة) هاهنا: أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها، ~~فوعدوا # PageV10P510 # في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها، والمرء يرغب في ~~الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا؛ فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة، وكذلك ~~يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة؛ فوعد لهم مثلها في ~~الآخرة. # وقال في موضع: ms5036 (وفرش مرفوعة)، ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في ~~السرر؛ فوعدوا بها - أيضا - في الآخرة؛ ليرغبهم بها في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (وأكواب موضوعة (14) الأكواب هي الكيزان التي لا عرا ~~لها؛ فإما أن يكون وصفا لكبر تلك الأكواب في أنفسها حيث لا عرا لها كالحباب ~~في الدنيا. # أو يكون لهم خدم وولدان يتولون نقلها إلى أين أحبوا، وليست لها عرا يمدون ~~أيديهم إليها فيرفعونها. # وقوله - عز وجل -: (ونمارق مصفوفة (15) قيل: هي الوسائد وضعت على البسط، ~~وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا؛ فرغبوا كذلك في الآخرة. # * * * # قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت ~~(18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت ~~مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26). # وقوله - عز وجل -: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. . .) إلى قوله: ~~(وإلى الأرض كيف سطحت): خص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء ~~والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين: # أحدهما: أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة، عليها كانوا يسافرون، وعليها ~~كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه، وهي أيضا -أعني: مكة- منشأة بين الجبال، ~~فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم والأرض من تحتهم؛ فخصت هذه ~~الأشياء با لذكر؛ ليعتبروا بها، ويتدبروا. # ويحتمل وجها آخر: وهو أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في ~~الإبل؛ لأن منافع الدواب أن ينتفع بطهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، ~~فكل ذلك يوجد في # PageV10P511 # الإبل؛ فصارت الإبل كالأنعام تصلح للمنافع المتخذة في الدواب والبركات ~~المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء؛ ~~ففيها جعلت أرزاقهم، وفيها عين الشمس التي بها مصالح الأغذية وتراها مزينة ~~بزينة الكواكب، فهي - أيضا - كالأم في المنافع، وكذلك الأرض كالأم في ~~المنافع؛ إذ فيها مأوى الخلق، وقدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ~~ما يتخذون منه اللباس. # ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها؛ فخصت هذه ~~الأشياء بالذكر؛ لما ms5037 ذكرنا. # ثم قوله: (أفلا ينظرون إلى الإبل) يحتمل وجهين: # أحدهما: على الأمر؛ أي: فلينظروا. # والثاني: أن يكون على سؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم؛ فنزلت هذه الآية: ~~(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. . .) إلى آخر الآيات؛ أي: لو نظروا في ~~هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها ينزع عنهم الإشكال، ويوضح لهم ما ~~اشتبه عليهم. # وذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لما ذكر الله - تعالى - ما ~~ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالت: يا محمد، ائتنا بآية أن ما تقوله حق؛ ~~فأنزل الله - تعالى -: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت). # ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها بغير عمد ترونها والنظر ~~والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط - مما يوجب ~~القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى، وإلى القول بإثبات الرسالة، ~~وذلك أن الذي كان يحملهم على إنكار البعث هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء ~~بقوى أنفسهم؛ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا؛ إذ إحياء الموتى خارج عن ~~وسعهم، فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض، لعلموا أن قوة الله غير ~~مقدرة بقوى الخلق، وذلك أن السماوات خلقت ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت ~~كذلك، لا تنحدر عن موضعها، ولا تتصعد، ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة ~~حتى لا تسقط ولا تتصعد لم يقدر عليه؛ فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ~~ذاتية ليست بمستفادة، وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها # PageV10P512 # زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه لو تفكر فيه الخلائق فاستفرغوا ~~مجهودهم؛ ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء؟ وكيف ينبع؟ وكيف تنبت الأشجار من ~~بين الأحجار - لم يصلوا إلى معرفته؛ فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، ~~فيكون في ذكر هذا إنباء أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم ~~كله تحت تدبيره يفعل بهم ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا ~~لقادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء. # وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم ms5038 إلى الوحدانية؛ لأن الله - تعالى - جعل ~~منافع الأرض متصلة بمنافع السماء؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض الغبراء ~~المتهشمة؛ فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم، فلو كان مدبر ~~السماء غير مدبر الأرض، لكان يمنع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض، فلو ~~تفكروا فيها، لكان يزول عنهم الإشكال؛ فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا ~~يقولون: (أجعل الآلهة إلها واحدا). # وقولنا: إن فيه إثبات الرسالة، وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ~~ذكرناها لا بد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه ~~بم يكون؟ فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك. # فإن قيل: كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا آخر ~~الأبد؛ ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء، لم يهتدوا إلى ذلك الوجه؟ # فجوابه: أنهم لو تداركوا ذلك الوجه وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم ~~الإشكال؛ إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي يهتدي إليها؛ فارتفاع التدارك، ~~وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه؛ إذ به عرفوا ~~أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم، وأنه خلافهم من جميع الوجوه، ~~والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) في ~~هذه الآية - والله أعلم - أمر من الله تعالى لرسوله عليه السلام ألا ~~يجازيهم بصنيعهم إذا استقبلوه بما يكره من أذى يوجد منهم واستخفاف يجيء ~~منهم؛ فيقول: ذكرهم بالله تعالى، وذكرهم عظيم نعمه وذكرهم كيف هلك مكذبو ~~الرسل، وكيف نجا من صدقهم وعظم أمرهم ولا تقهرهم، ولا تجازهم بصنيعهم، وكل ~~ذلك إلى الله تعالى. # PageV10P513 # وقوله - عز وجل -: (لست عليهم بمصيطر (22) قال بعضهم: بمسلط. # وقال بعضهم: لست بجبار. # فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمله، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن ~~بقتالهم، وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية؛ ولهذا قيل: إن هذا كان قبل نزول سورة ~~براءة. # وإن كان تأويله: لست بجبار عليهم؛ على ما روي عن مجاهد؛ فهذا الوجه مما ~~لا يرد عليه النسخ، ولا يجوز ms5039 أن يصير جبارا عليهم، ولا يكون قوله: (إلا من ~~تولى وكفر (23) استثناء، ويكون معناه: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر، أي: من أعرض عن طاعة الله تعالى وكفر بوحدانية الله تعالى وبكتبه ~~ورسله، فيعذبه الله العذاب الأكبر. # وعلى التأويل الذي قيل: إن المسيطر هو المسلط بالسيف والأسر والقهر ~~بالجزية التي هي صغار عليهم - يكون قوله تعالى: (تولى وكفر) على الاستثناء، ~~أي: من أعرض عن طاعة الله تعالى، وكفر بوحدانيه الله فسيسلط عليهم بالسيف، ~~والأسر، وأخذ الجزية. # وقيل: (إلا من تولى وكفر)، أي: أعرض، ولزم الإعراض؛ فيكون مسيطرا عليهم. # أو تولى وقت التذكير فسينتصر عليه، وبالله النجاة. # وفي هذه الآية بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظفر على الذين ~~تولوا عن طاعة الله تعالى وكفروا به. # وفيه آية رسالته؛ لأنه قال هذا في وقت ضعفه، وقلة أنصاره، وكان الأمر كما ~~قال؛ إذ نصره الله - تعالى - بالرعب مسيرة شهرين، وفتحت له الفتوح؛ ليعلم ~~أنه بالله - تعالى - علم. # وقوله - عز وجل -: (إن إلينا إيابهم (25) أي: مرجعهم. # وقوله: (ثم إن علينا حسابهم (26) أي: من الحكمة أن نحاسبهم، وإذا كانت ~~الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم لما في تركه ترك الحكمة، ~~وفي تركها سفه، تعالى الله عن ذلك، وبالله النجاة، ومنه التوفيق. # * * * # PageV10P514 ### | سورة الفجر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر ~~(4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) ~~وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14). # قوله - عز وجل -: (والفجر (1) وليال عشر) كان العرب من عادتهم أنهم إذا ~~استحسنوا شيئا عظموه، وإذا عظموه أقسموا به. # ثم إن الله - تعالى - جعل في الحج وأوقاته لطائف من الحكمة وعجائب من ~~التدبير، فمن لطيف حكمته وعجائب تدبيره أنه جعل المكان الذي يحج فيه مأمنا ~~للخلق من وجه ms5040 لا يعرف الخلائق المعنى الذي به وقع الأمن والإلف بين الخلق؛ ~~حتى رغبوا جميعا في الاجتماع هنالك مع تباغضهم وتعاديهم فيما بينهم من وجه ~~لا يدرك معناه، وجعل أهلها يتقلبون في البلاد آمنين؛ حتى قال - عز وجل - ~~لنبيه - عليه السلام -: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) وسخر أهل ~~الآفاق في حمل ما يقع لأهل مكة إليه حاجة من الميرة وغيرها، وجعلهم بحيث ~~يرغبون في الإتيان إليها مع عظم ما يلزمهم من المؤن في الإتيان إلى مكة ~~للحج؛ فثبت أن فيها معاني ولطائف هي خارجة عن قواهم وتدبيرهم؛ فكان في ~~ذكرها ما يوجب القول بالقدرة على البعث، ويزيل عنهم الشبهة في أمرهم؛ فأقسم ~~لما عظم من شأنها لمكان أنها أوقات الحج، فعامة أركان الحج تؤدى فيها، ~~وعادة أن عرب أنهم يقسمون بآبائهم وأجدادهم وأصنامهم؛ لما هي معظمة عندهم، ~~وهذه الأشياء معظمة عندهم؛ فجرى القسم بها؛ جريا على عادتهم، ويدخل في ~~أوقاتها الشفع والوتر والفجر، فقالوا: الشفع: يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر ~~من الشهر، والوتر يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع. # وجائز أن يكون أريد بالشفع والوتر والليل إذا يسر: العبادات جملة إذ ما ~~من عبادة إلا وفيها شفع ووتر. # PageV10P515 # وقوله - عز وجل -: (والليل إذا يسر (4) أي: يسرى بها، وفي ذلك كناية عن ~~الجهاد والإغارة بالليل، كما يذكر في قوله: (والعاديات ضبحا. فالموريات ~~قدحا. فالمغيرات صبحا)؛ فيكون هذا كله إشارة إلى جملة العبادات. # ووجه القسم بالعبادات: أن الله - تعالى - عظم أمر العبادات في قلوب ~~الخلائق؛ حتى تراهم جميعا يستحسنونها ويعظمون أمرها، وإنما يقع الاختلاف ~~بينهم في ماهيتها -إلا أن يقع التمانع بينهم في أنفسها- فأقسم بها. # وجائز أن يكون أريد بالوتر هو الله تعالى، وأريد بالشفع الخلائق؛ إذ ~~خلقهم أزواجا، والله تعالى هو الواحد بذاته؛ فيكون القسم بذاته وبجميع ~~الخلق. # ويحتمل أنه أريد بالشفع والوتر الخلائق جملة؛ إذ فيهم المعنيان جميعا: ~~الشفع، والوتر؛ فيكون قسما بجميع الخلائق. # وقوله - عز وجل -: (هل في ذلك قسم لذي حجر (5) يحتمل أن يكون تأويله: أن ~~وجه القسم ms5041 بهذه الأشياء يعرفه ذوو الحجر، وهم ذوو الألباب والحجا، لا أن ~~يعرفه الجهلة. # قالوا: وموضع القسم على قوله: (إن ربك لبالمرصاد). # وجائز أن يكون وقع التنازع فيما بينهم، وكانوا يزعمون أن أوقات الحج، وهي ~~الليالي العشر، والشفع والوتر، ليس يقسم بها؛ فقال: (هل في ذلك قسم لذي ~~حجر)، أي: للعاقل إذا تدبر فيها عرف أن هذه الأوقات بالتي تحتمل أن يقسم ~~بها أو هذه الأوقات بالتي تدلهم على القول بالبعث. # وقيل: إنما أقسم بهذه الأيام؛ لعظم قدر هذه الأيام وخطرها عندهم؛ لما ~~فيها من صلاح معايشهم، ويكون لهم فيها سعة العيش: أما الفقراء بالهدايا ~~والبدن، وأما غيرهم بأنواع المكاسب والتجارات؛ فإنهم كانوا يستعدون ~~الأشياء، ويهيئون من السنة إلى السنة للتجارة في هذه الأيام؛ فأقسم الله - ~~تعالى - بهذه الأيام لكونها معظمة عندهم. # وقيل: إن موضع القسم غير مذكور في هذه السورة؛ لأنه كان على أثر حادثة ~~عندهم معروفة، استغنى عن ذكرها؛ لشهرتها عندهم؛ فأقسم أنها لحق، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي ~~لم يخلق مثلها # PageV10P516 # في البلاد) في ذكر نبأ عاد وثمود وفرعون فوائد ثلاث: # إحداها: في موضع التخويف لأهل مكة الذين كذبوا رسوله - عليه السلام - وهو ~~أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأكثر في القوة من ~~هؤلاء الذين كذبوا محمدا عليه أفضل الصلوات، فلم يغنهم ذلك كله من الله ~~تعالى شيئا؛ بل الله تعالى انتقم منهم لرسله - عليهم السلام - بما كذبوهم، ~~فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - لا يخافون مقته ~~وحلول النقمة بهم بتكذيبهم رسوله، وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال ~~والقوة؟! # وفائدة أخرى: أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله - تعالى - أولى من محمد ~~عليه الصلاة والسلام وأتباعه؛ لما بسط لهم من النعيم، وضيق على الرسول ~~وأتباعه؛ فبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى ~~والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم ~~أولى بالله تعالى ms5042 من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى؛ فبين لهم ~~هذا ليعلموا أن ليس الأمر على ما ظنوا وحسبوا. # والثالثة: أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله تعالى وبرسوله، وكانوا ~~يقولون: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)؛ فيكون في ذكر ~~هذا نفي التقليد لأولئك؛ لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم ~~الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما ~~بأنهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا؟!. # ثم الآية لم تسق؛ لتعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى نشتغل بتعرفه، وإنما ~~سيقت للأوجه التي ذكرنا؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف. # وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) فقوله: (ألم تر) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: قد رأيت؛ أي: علمت؛ كما يقال في الشاهد: ألم تر إلى ما فعل # PageV10P517 # فلان؛ أي: قد رأيت وعلمت، فتخبره بصنيعه على جهة التشكي منه. # ويحتمل أن يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له: اعلم أن ربك فعل بعاد ~~كذا. # واختلفوا في قوله: (إرم ... (7): # فقال بعضهم: هو أبو عاد. # وقال بعضهم: أبو القبيلة؛ فنسبت إليه عاد؛ كما يقال: هو من بكر بن وائل، ~~وإن لم يكن ابنه. # وقال بعضهم: الإرم مساكن عاد. # وقيل: هو اسم الذي بني تلك الأماكن. # وقوله - عز وجل -: (ذات العماد): قال بعضهم: ذات الأجساد الطوال، أي: عاد ~~ذات الأجساد الطوال، كما ذكر في القصة. # وقال بعضهم: ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال؛ فيرجع ~~إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن. # وقال بعضهم: ذات العماد هي الخيام لها أطناب وعمد، وكانوا أصحاب خيام ~~وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد. # وقوله - عز وجل -: (التي لم يخلق مثلها في البلاد (8): # قال بعضهم: هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم الخلقة، وفضل البصر في ~~الأمور؛ كقوله - تعالى -: (وزادكم في الخلق بسطة)، وقال حكاية عنهم: ~~(وقالوا من أشد منا قوة)، وقال - تعالى -: (وكانوا مستبصرين)، فوصفهم بفضل ~~البصر. # وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي بنوها أن ليس مثلها في البلاد. # وقوله ms5043 - عز وجل -: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9): # قال بعضهم: اتخذوا من الصخور جوابي -أي: قصاعا- كما قال تعالى: (وجفان # PageV10P518 # كالجواب). # وقال بعضهم: قطعوا في الصخور بيوتا؛ كقوله: (ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين)؛ فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم. # وقوله - عز وجل -: (وفرعون ذي الأوتاد (10): # قال بعضهم: سماه: ذا الأوتاد، والوتد: الحبل. # وقال بعضهم: سمي: ذا الأوتاد؛ لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب ~~عليه. # وقال بعضهم: إنه كان نصب على الطرق أناسا، على كل طريق إنسانا راصدا ~~وحافظا. # وقيل: أي: ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال؛ إذ هي أوتاد الأرض. # وقوله - عز وجل -: (الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) ~~طغيانهم في البلاد: تمردهم وعتوهم فيها. # وقوله: (فصب عليهم ربك سوط عذاب (13): # قال بعضهم: عذبهم بسوطهم الذي كانوا به يعذبون الخلق، ويضربونهم. # وقال أبو بكر الأصم: إن السوط لون من العذاب؛ فعذب عادا بلون منه، وعذب ~~ثمود بلون منه، وفرعون وأتباعه بلون منه. # وقوله - عز وجل -: (إن ربك لبالمرصاد (14): # قال أبو بكر الأصم: يرصد عذابه بأعدائه ينتظر به آجالهم، ثم يوقع بهم ~~العذاب إذا أتى الأجل. # وعندنا: أنه يرصد عليهم ما عملوا، فلا يشتد عليه، ولا يعزب عنه شيء من ~~علمهم؛ بل يحفظ عليهم ما استتر منه وما ظهر. # وقيل: أي: لا يجاوزه ظلم ظالم، ولا يفوته هارب. # ثم لم ينصرف وهم أحد في قوله - تعالى -: (إن ربك لبالمرصاد) إلى إتيان ~~مكان، فما بال بعض الناس انصرف وهمهم في قوله: (الرحمن على العرش استوى)، # PageV10P519 # على: جعل العرش مكانا له. # * * * # قوله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل ~~لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث ~~أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) ~~وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى ~~له الذكرى (23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب ms5044 عذابه أحد ~~(25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي (30). # وقوله - عز وجل -: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا) ~~الإشكال أن يقول قائل: قول ذلك الإنسان: (ربي أكرمن)، و (ربي أهانن) خرج ~~موافقا لما قاله الرب تعالى؛ لأنه قال: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه)؛ فخرج قوله: (ربي أكرمن) على الموافقة لما قال، وكذا قول هذا ~~الإنسان حيث ابتلي بنقيضه: (ربي أهانن)، خرج موافقا لما قال: (وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه)، فإذا كان الأول إكراما كان الذي يضاده إهانة؛ ألا ~~ترى أن الله - تعالى - سمى المال: خيرا، والفقر: شرا، وسمى المطيع: محسنا، ~~والعاصي: مسيئا، فكذا إذا استقام القول بالإكرام عندما ينعم عليه ويكرم، ~~استقام القول بالإهانة إذا ضيق عليه الرزق ولم يكرم، وإذا كان هكذا فكيف رد ~~عليه مقالته بقوله: (كلا)، وهو في ذلك صادق. # ولكن نحن نقول: إن الرد بقوله: (كلا) لم يقع على نفس القول، ولا انصرف ~~إليه، وإنما انصرف إلى ما أراده بقوله؛ لأن القائل بهذا كافر بالله تعالى ~~وباليوم الآخر، وكان يقول: لا بعث ولا جزاء، وإنما يجازون بأعمالهم في هذه ~~الدنيا، فمن أحسن أحسن له، ومن أساء أهين؛ فيكون قوله: (كلا)، أي: ليس ~~الأمر كما صوره في # PageV10P520 # نفسه؛ بل الدنيا دار عمل، وللجزاء بالكفر والإيمان دار أخرى، وهذا كقوله: ~~(إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، وهم لم يكونوا كاذبين في شهادتهم ~~ومقالتهم، بل كانوا صادقين أنه رسول الله، وإن الله - تعالى - يعلم أنه ~~رسوله، ولكنهم كانوا اعتقدوا تكذيبه في قلوبهم؛ فكانوا يظهرون خلاف ما ~~أضمروا في أنفسهم؛ فإلى ما أضمروا انصرف التكذيب، لا إلى نفس القول؛ كذا ~~هذا. # ولأن أهل الكفر كانوا أصنافا: فمنهم من كان يرى إذا بسط عليه النعيم في ~~الدنيا وأكرم ms5045 فإنما بسط عليه لما استوجبه بفعله، وإذا ضيق عليه وابتلي ~~بالشدة فإنما ضيق عليه بإساءته وبما كسبت يداه. # ومنهم من كان يظن أنه من الله - تعالى - بمنزلة، وأنه مستوجب للإنعام، ~~وأنه إذا بلي بضيق العيش وأصابته شدة، أصابه ذلك من عند محمد عليه الصلاة ~~والسلام؛ فيتشاءمون به؛ ألا ترى إلى قوله: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك)؛ وعلى هذا كان ظن فرعون ~~وقومه؛ قال الله - تعالى -: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه). # فقوله: [(فأكرمه)]، أي: أكرمه في نفسه بأن أصح جسمه، أو جعله رئيس قومه، ~~(ونعمه)، أي: بسط الدنيا عليه: (فيقول ربي أكرمن)؛ فكان ينظر بذلك. # وقوله: (وأما إذا ما ابتلاه) أي: إذا اختبره؛ نضيق عليه رزقه، فيقول: ~~(ربي أهانن)؛ فكان يظهر بذلك الجزع والله - تعالى - اختبره بالنعم؛ ليستأدي ~~منه الشكر بما أنعم، وابتلاه بضيق العيش؛ ليصبر، لا ليجزع؛ فلا شكر هذه ~~النعم بل بطر، ولا صبر على الشدائد؛ بل جزع؛ فجائز أن يكون المراد بقوله: ~~(كلا)، منصرفا إلى هذا ردا لاعتقادهم وصنيعهم، وهو أنه لم يكرم ولم ينعم ~~ليبطر به، ولا ضيق عليه رزقه ليجزع، بل إنما أنعم ليشكر، وقدر عليه رزقه ~~ليصبر، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بل لا تكرمون اليتيم (17) جائز أنهم كانوا لا يكرمونه ~~ويهينونه مع ذلك؛ لأن إكرام اليتيم ليس بواجب، أما إهانته فحرام. # PageV10P521 # وجائز ألا يثبت الإهانة منهم مع نفي الإكرام؛ لأن الإيجاب إذا ذكر في ~~مضادة الإيجاب اقتضى ذلك إثبات المقابلة وإذا ذكر الإيجاب في مضادة النفي، ~~أمكن أن تثبت فيه المقابلة، وأمكن ألا تثبت؛ ألا ترى: أنه إذا قيل: فلان ~~جائر، كان فيه إثبات المقابلة وهي نفي العدل؛ لأن في قوله: " جائر " إثبات ~~الجور؛ فكان في ذكره نفي العدالة، وفيه إثبات المقابلة، وإذا قلت: ليس ~~بعدل، لم يكن فيه تحقيق لإثبات المقابلة وهو الجور، بل يجوز أن يكون جائرا، ~~ويجوز ألا يكون، وقد يراد بالنفي إثبات ms5046 المقابلة أيضا؛ قال الله تعالى: ~~(فما ربحت تجارتهم)؛ فكان في نفى الربح إثبات المقابلة في أنها خسرت. # ثم إكرام اليتيم هاهنا يحتمل أوجها ثلاثة: # أحدها: أن يكرمه في أن يحفظ عليه ماله حتى لا يضيعه، ويكرمه في نفسه، وهو ~~أن يتعاهد أحواله عن أن يدخل فيها خلل. # والوجه الثاني: أن يكرمه؛ فيعلمه آداب الشريعة، ويرشده إليها. # والوجه الثالث: أن يكرمه؛ فيبذل له من ماله قدر حاجته إليه، ويصطنع إليه ~~المعروف؛ فيكون التعيير هاهنا في إهانة اليتيم أن يترك الإكرام الذي هو من ~~باب حفظ ماله؛ فيكون تضييعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ولا تحاضون على طعام المسكين (18) أي: لا يحثون غيرهم ~~على إطعام المساكين. # وجائز أن يحضوا ولا يتولوا بأنفسهم الإطعام. # ويحتمل ألا يتولوا ذلك بأنفسهم، ويحضوا غيرهم. # ففي هذه الآية ترغيب للمسلمين بإكرام اليتيم وتعاهد ماله، وتبيين أن ~~عليهم أن يطعموا بأنفسهم، وأن يحثوا الأغنياء بإطعام المساكين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وتأكلون التراث أكلا لما (19) فاللم: الجمع؛ يقال: لم ~~المال؛ إذا جمع؛ فكأنه يقول: يجمعون ما لم يرثوه بأنفسهم -وذلك نصيب ~~الأيتام- إلى # PageV10P522 # ما يرثون من أنصبائهم، فيأكلونه جميعا. # وقال بعضهم: (وتأكلون التراث أكلا لما)؛ أي: شديدا. # وقوله - عز وجل -: (وتحبون المال حبا جما (20) قال أبو بكر: أي: تحبوته ~~حبا وفيا وافرا ليس فيه قصور؛ فيكون فيه إخبار عن غاية حبهم الدنيا وشدة ~~حرصهم عليها. # وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، وهو أنهم يحبون المال الجم حبا؛ أي: ~~المال الكثير. # وقوله: (كلا ... (21)؛ ردع وتنبيه: # فمنهم من رد هذا الردع إلى قوله: (ربي أكرمن)، و (ربي أهانن)، فكأنه ~~يقول: كلا ليست هذه الدار دار جزاء؛ فيكون الإهانة والإكرام بحق الجزاء، ~~وإنما هي دار محنة وابتلاء. # ومنهم من حمله على الابتداء، فقال: (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا) بمعنى ~~حقا، يخبر عن ندمه في تركه الإكرام لليتيم، وترك إطعام المسكين والحض عليه: ~~(إذا دكت الأرض) أي: دقت وكسرت، وذلك يوم الحساب والبعث. # وقوله: (وجاء ربك والملك صفا صفا (22) يحتمل أوجها: # أحدها: ms5047 أن يكون معناه: وجاء ربك بالملك؛ إذ يجوز أن تستعمل الواو مكان ~~الباء؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها فاذهب أنت وربك)، ومعناه: بربك، وإذا حمل على هذا ارتفعت ~~الشبهة، واتضح الأمر؛ لأنه لو كان قال: وجاء ربك بالملك، لكان لا ينصرف وهم ~~أحد إلى الانتقال من مكان إلى مكان، وقال - تعالى -: (هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام)، ومعناه - والله أعلم -: بظلل من الغمام؛ ~~لأنه قال في موضع آخر: (ويوم تشقق السماء بالغمام)؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا ~~وإذا ثبت هذا ارتفع الريب والإشكال. # ومنهم من ذكر أن معنى قوله: (وجاء ربك)، وقوله: (إلا أن يأتيهم الله)، ~~أي: أمر الله؛ دليله ما ذكر في سورة النحل قوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي أمر ربك)، فذكر مكان قوله: (وجاء ربك): (أمر ربك). # PageV10P523 # ويحتمل أن يكون قوله: (وجاء ربك)، أي: جاء وعده ووعيده، فنسب المجيء إلى ~~الله تعالى، وإن لم يكن ذلك وصفا له؛ لأنه يجوز أن تنسب آثار الأفعال إلى ~~الله - تعالى - نسبة حقيقة الفعل وإن لم يوصف به، كما قال الله - تعالى -: ~~(فنفخنا فيه من روحنا)، فأضيف النفخ إليه وإن لم يوصف بأنه نافخ، وقال: ~~(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، فأضيفت الكتابة إليه وإن لم يوصف ~~بأنه كاتب؛ لما أن ما ظهر من آثار فعله، ويقال: المطر رحمة الله؛ أي: من ~~آثار رحمته، لا أن يكون المطر صفة له، ويقال. الصلاة أمر الله، والزكاة أمر ~~الله، أي: بأمر الله نصلي، وبأمره نزكي، لا أن يكونا وصفين له. # ووجه آخر: أن يكون معنى قوله - تعالى -: (وجاء ربك)، أي: جاء الوقت الذي ~~به صار إنشاء هذا العالم حكمة؛ إذ لولا البعث للجزاء، لكان إنشاء هذا ~~العالم ثم الإهلاك خارجا مخرج العبث؛ لما وصفناه من قبل؛ لقوله: (أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)؛ فثبت أن خلقه إنما صار حكمة ~~بالبعث، وقال الله تعالى: (لمن ms5048 الملك اليوم لله الواحد القهار)، وقد كان ~~الملك له قبل ذلك اليوم، ولكن ملكه لكل أحد يتبين في ذلك الوقت، وقال: ~~(وبرزوا لله جميعا)، وقد كان كل شيء له بارزا، ولكن معناه: أنه أتى الوقت ~~الذي له برز الخلائق. # ثم الأصل في كل ما أضيف إلى الله - تعالى - أن ينظر إلى ما يليق أن يوصل ~~بالمضاف إليه، فتصله به وتجعله مضمرا فيه، قال الله - تعالى -: (ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)، ولم يفهم إثبات الحضور، وكان معناه: أن علمه ~~محيط بهم، وهو مطلع عليهم. # وقال: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)، ولم يفهم به الانتقال؛ بل كان ~~معناه: أنه جاءهم بأسه، وجاء لأوليائه نصره. # وقال: (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم ~~السقف من فوقهم)، ولم يفهم بهذا الإتيان ما فهم من الإتيان الذي يضاف إلى ~~الخلق. # PageV10P524 # وقال الله، تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم)، وكان معناه: إن تنصروا دين ~~الله؛ لا أن الله - تعالى - يلحقه ضعف يحتاج إلى من يقويه. # وقال الله، تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، وكان معناه: أنه يحذركم عذابه؛ ~~لا أن أريد به تحقيق النفس. # ومثل هذا في القرآن أكثر من أن يحصى؛ فثبت أن محل الإضافات ما ذكرنا؛ ~~فلذلك حمل على الوعد والوعيد، أو على الوقت الذي به صار خلق العالم حكمة، ~~أو على ما صلح فيه من الإضمار. # ومما يدل على أنه لا يفهم بالمجيء معنى واحد، بل يقتضي معاني: أن المجيء ~~إذا أضيف إلى الأعراض، فهم به غير الذي يفهم به إذا أضيف إلى الأجسام؛ فإنه ~~إذا أضيف إلى الأعراض أريد به الظهور؛ قال الله تعالى: (إذا جاء نصر الله)، ~~ومعناه: إذا ظهر نصره، ولم يرد به الانتقال، ولو كان مضافا إلى الجسم، فهم ~~منه الانتقال من موضع إلى موضع. # وقال الله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل)، ومعناه: ظهر الحق، واضمحل ~~الباطل، لا أن يكون الحق في مكان، فنقل عنه إلى غيره؛ فثبت أن المجيء إذا ~~أضيف ms5049 إلى شيء وجب أن يوصل به ما يليق به؛ لا أن يفهم به كله معنى واحد. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال - حكاية عن الله تعالى -: ~~" من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه ~~باعا، ومن أتاني ساعيا أتيته هرولة " ولم يفهم من هذا التقرب ما يفهم منه ~~إذا أضيف إلى الخلق، وكان معناه: من تقرب إلي بالطاعة والعبادة تقربت إليه ~~بالتوفيق والنصر أو بالإحسان والإنعام. # وقال موسى - عليه أن سلام -: " يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد ~~فأناديك؟! "، ولم يرد به المكان؛ وإنما أراد بقوله: أراض أنت عني فأناجيك، ~~أو ساخط علي فأناديك في أن أعلن بالبكاء والتضرع؟! # ثم الأصل في المجيء المضاف إلى الله - تعالى - أن يتوقف فيه، ولا يقطع ~~الحكم على شيء؛ لما ذكرنا أن المجيء ليس يراد به وجه واحد؛ لأنه إذا أضيف ~~إلى الأعراض # PageV10P525 # أريد به غير الذي يراد به إذا أضيف إلى الأجسام والأشخاص، والله أعلم. # والله تعالى لا يوصف بالجسمية حتى يفهم من مجيئه ما يفهم من مجيء ~~الأجسام، ولا يوصف بالعرض؛ ليراد به ما يراد من مجيء الأعراض؛ فحقه الوقف ~~في تفسيره مع اعتقاد ما ثبت بالتنزيل من غير تشبيه، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ~~(23). # قيل فيه من أوجه: # أحدها: أنها أظهرت وبرزت لأهلها، على ما قال في آية أخرى: (وبرزت الجحيم ~~للغاوين)، لا أنها كانت في مكان فنقلت عنه، وقد يراد بالمجيء الظهور، قال ~~الله - تعالى -: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم)، ومعناه: ظهو لكم، لا أن كان ~~في مكان آخر فجيء به إليهم. # وقال بعضهم: جيء بأهلها إليها -أي: إلى جهنم- فيكون حقيقة المجيء من ~~الأهل، ثم نسب إليها؛ لأنهم إذا أتوها فقد أتتهم هي، وهو كقوله: (إنه كان ~~وعده مأتيا)؛ فنسب الإتيان إلى الذي يأتيه الوعد؛ فيكون الوعد هو الذي يأتي ~~أهله. # وقال بعضهم: (وجيء يومئذ بجهنم)، أي: يجيء زفرتها وشهيقها وتغيظها على ~~أهلها، ms5050 لا أن تغير عن مكانها. # ومنهم من حمله على حقيقة المجيء؛ فذكر أنه يؤتى بها ولها سبعون ألف زمام، ~~على كل زمام سبعون ألف ملك، والله أعلم بذلك. # وقوله - عز وجل -: (يومئذ يتذكر الإنسان) يحتمل أن يتذكر إشفاق الأنبياء ~~- عليهم السلام - ونصحهم لهم؛ فيعلم أنه كان فيما توهم بهم من الظنون ~~القاسدة مبطلا؛ فيكون تذكره ذلك تصديقا منه للرسل، عليهم السلام. # (وأنى له الذكرى)، أي: لا ينفعه تصديقه إياهم، إذ لم يصدقهم في الدنيا. # PageV10P526 # أو يتذكر في أن يتلهف على ما فرط في جنب الله من التقصير في حقوقه، ~~والتضييع الذي سبق منه حيث لم يشكر نعمه، ولم يوجه إليه العبادة؛ فيكون ~~تلهفه ذلك إيمانا، ولكن لا ينفعه تلهفه في ذلك الوقت؛ لأن تلك الدار ليست ~~بدار امتحان، بل هي دار جزاء، والذي يحمله على التصديق مشاهدته الجزاء ~~والحساب، وعند المشاهدة ترتفع المحنة، ويكون إيمانه ذلك ضروريا لا حقيقة؛ ~~فلذلك لا ينفعه، وإنما ينفعه الطاعة وقت ملكه نفسه، فأما إذا خرج ملك نفسه ~~من يده، لم يقع له بالإيمان جدوى. # وقال بعضهم: (يتذكر الإنسان)، أي: يتعظ، (وأنى له الذكرى)، أي: أنى له ~~الانتفاع بالموعظة. # ثم في هذا التذكير بيان لطف من الله تعالى بعظته حتى يتذكر، وإلا ~~فالإنسان يذهب عليه ما قد كتبه في وقت إذا أتى عليه حين، حتى لو أراد أن ~~يتذكر وقت كتابته لم يقدر عليه، ثم الله - تعالى - يذكره في الآخرة جميع ما ~~سبق منه في الدنيا فيتذكر ذلك؛ فيقول: (يا ليتني قدمت لحياتي (24) أي: يا ~~ليتني قدمت لنفسي حياة تسلم لي، أو حياة تبقى لي لذتها، فهذا هو تلهفه ~~وتذكره في ذلك اليوم، يتلهف على ما فاته من الخيرات، ويندم على ارتكابه ~~المعاصي وكفرانه نعم الله تعالى. # ومعنى قولنا: حياة تسلم لي؛ فأتلذذ بها: هو أن الكافر، وإن كانت له حياة ~~في الظاهر، فإنما حياته للتعذيب، فتلك له في الحقيقة ليست بحياة، بل هي ~~إهلاك؛ ألا ترى أن الإنسان إذا أخذ في النزع فهو في ms5051 ذلك الوقت حي بعد، لكن ~~حياته للإهلاك، فليست هي في الحقيقة حياة لكنها إهلاك فعلى ذلك حياة المخلد ~~في النار. # وقوله - عز وجل -: (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد ~~(26): # قرئت هذه الآية على نصب الذال والثاء، وعلى الخفض فيهما: # فمن قرأهما على الخفض فهو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن العذاب في الدنيا وإن اشتد من الملوك على الإنسان، فهو لا ~~يبلغ عذاب الله تعالى لأعدائه في الآخرة وإن خف. # أو (لا يعذب عذابه أحد)، أي: لا ينبغي لأحد في الدنيا أن يعذب أحدا بعذاب ~~الله - # PageV10P527 # تعالى - وهو النار، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~لا يعذب أحد بعذاب الله تعالى " وإن كان على النصب، فهو يحتمل وجهين أيضا: # أحدهما: أن يكون التأويل منصرفا إلى صنف من الكفرة، وهم الذين بلغوا في ~~الكفر أعلى مراتبه؛ فلا يعذب من دونهم بعذابهم. # والثاني: ألا يعذب أحد مكان أحد كما يفعله ملوك الدنيا في أنهم يعذبون ~~الوالد مكان الولد، ويعذبون من يتصل بالذين استوجبوا العذاب. # وقوله - عز وجل -: (يا أيتها النفس المطمئنة (27): # فالمطمئنة: هي الساكنة التي لا ترتاب، ولا تضطرب؛ فتكون طمأنينتها بوعد ~~الله ووعيده، وأمره ونهيه، وتوحيده. # ثم يجوز أن يكون هذا في أمر الدنيا؛ فيكون قوله - عز وجل -: (ارجعي إلى ~~ربك ... (28)، أي: ارجعي إلى ما أمرك ربك (راضية) بوعد الله ووعيده؛ فتكون ~~راضية بالذي وعد لها في الآخرة جزاء لكدحها وسعيها في الدنيا، (مرضية) عند ~~الله تعالى. # (فادخلي في عبادي (29) أي: مع عبادي الصالحين. # (وادخلي جنتي (30) أي: ادخلي فيما يستوجب به الجنة. # وجائز أن يكون هذا في الآخرة، وهو: أن يقال للنفس التي اطمأنت في الدنيا ~~بوعد الله ووعيده، وعملت بطاعته: (ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في ~~عبادي. وادخلي جنتي). # وقيل: (يا أيتها النفس المطمئنة) بالدنيا (ارجعي) إلى طلب الآخرة، وما ~~أعد الله تعالى لأوليائه فيها. # وقيل: (المطمئنة) على عباده، (ارجعي) إلى طاعة الله تعالى؛ فإنك إذا فعلت ~~ذلك، رضي الله تعالى عنك، ورضيت بعطاء ms5052 الله تعالى وثوابه إياك في الآخرة، ~~والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # * * * # PageV10P528 ### | سورة (لا أقسم بهذا البلد) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد. ووالد وما ولد ~~(3) لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول ~~أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا ~~وشفتين (9) وهديناه النجدين (10). # قوله - عز وجل -: (لا أقسم بهذا البلد): # اختلف في قوله: (لا): # قال بعضهم: (لا) هاهنا في موضع الدفع والرد لمنازعة كانت بين قوم؛ فدفع ~~الله - تعالى - المنازعة من بينهم بقوله: (لا)، وكانت تلك المنازعة معروفة ~~فيما بينهم؛ فترك ذكرها لذلك، كما ذكر الجواب في بعض السور ولم يذكر ~~السؤال؛ لما كان السؤال عندهم معروفا؛ فترك ذكره، وهو كقوله: (إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها)، وغير ذلك. # ومنهم من يقول بأن حرف (لا) مرة يستعمل في حق الصلة والتأكيد، ومرة في ~~موضع النفي، ويظهر مراده بما يعقبه من الكلام: فإن كان الذي يعقبه إثباتا، ~~فهو بحق التأكيد، وإن كان الذي يعقبه من الكلام نفيا فهو في موضع النفي. # ثم الذي عقبه من الكلام إثبات، وليس بنفي؛ فدل أنه في موضع التأكيد؛ ~~فكأنه قال: لأقسم بهذا البلد، ثم كان حقه أن يقول: " لأقسمن بهذا البلد " ~~بإثبات النون، كما يقال: " لأفعلن "، في اليمين، لكن نون التأكيد قد تذكر ~~في موضع القسم، وقد لا تذكر، قال الله تعالى: (وإن ربك ليحكم بينهم)، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (بهذا البلد) قالوا: أريد بهذا البلد: مكة، فأقسم بها ~~بما عظم شأنها بما سبق ذكرنا له، ولخاصة هي معظمة في أعين أهلها، ثم كان من ~~عادة الكفرة القسم بكل ما يعظمونه؛ فعاملهم الله - تعالى - من الوجه الذي ~~جرت به العادة فيما بينهم؛ ليؤكد ما قصد إليه بالقسم؛ فيزيل عنه الشبه التي ~~اعترضت لهم. # وقوله: (وأنت حل بهذا البلد (2): # قال بعضهم: (وأنت حل): نازلها من الحلول. # PageV10P529 # وقال بعضهم: وأنت حلال بهذا البلد، والحل والحلال لغتان. # فإن كان على ms5053 هذا فالحل غير منصرف إلى نفسه؛ وإنما انصرف إلى ما أحل له؛ ~~لأنه لا يجوز أن يكون هو بنفسه حلالا أو حراما؛ فالحل والحرمة إذا أضيفا ~~إلى من له الحل والحرمة فإنما يراد بالحل والحرمة الشيء الذي أحل له، ~~والشيء الذي حرم عليه، لا أن يكون الوصف راجعا إلى المضاف إليه، فإذا قيل: ~~هذا محرم، أريد به أن الأشياء محرمة عليه، وإذا قيل: هذا حلال ليس بمحرم ~~أريد به أن الأشياء له حلال، وإذا أضيفا إلى من لا يخاطب بالحل والحرمة، ~~أريد بهما عين ذلك الشيء كقوله: هذا لحم حلال أو صيد حلال، وهذا لحم حرام؛ ~~فيريد أن ذلك اللحم حلال، وذلك الصيد حرام أو حلال. # ثم اختلفوا في الذي أحل له: # فمنهم من صرفه إلى القتال، فقال بأنه أحل له القتال فيها، وذلك يوم فتح ~~مكة. # ومنهم من قال بأنه أحل له الدخول فيها إذا جاء من الآفاق بغير إحرام، ولا ~~يحل ذلك لغيره. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم فتح مكة: # " إن مكة حرام، حرمها الله - تعالى - يوم خلق السماوات والأرض والشمس ~~والقمر، ووضع هذين الجبلين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل ~~لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي هذه، هي حرام بحرام الله تعالى إلى يوم ~~القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، ولا يرفع لقطتها، ~~إلا من نشدها "، فقال العباس - رضي الله عنه -: إلا الإذخر يا رسول الله؛ ~~فإنه لا غنى لأهل مكة عنه للقبر والبنيان؟ فقال - عليه السلام -: " إلا ~~الإذخر " فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها قد أحلت له ساعة من ~~نهار. # والحل يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما. # وذكر أبو بكر الأصم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذيه أهل ~~مكة؛ فيتأذى بهم؛ فيخرج من بين أظهرهم؛ فيحل له الصيد في ذلك الوقت. # ولكن لا يسع صرف التأويل إلى هذا؛ إذ لا يعرف مثل ms5054 هذا إلا بالخبر والنقل. # ثم في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لسان العباس - رضي الله ~~عنه -: " إلا الإذخر " دلالة أن # PageV10P530 # التحريم لم يكن منصرفا إليه، ويحتمل أن يكون التحريم شاملا له، ثم ~~استثناه بما ذكر العباس - رضي الله عنه - من حاجة أهل مكة إليه؛ لما لم يكن ~~بين ما ذكر من التحريم والتحليل كثير مدة يجري في مثلها النسخ، ولكن ترك ~~بيان الحل إلى أن سأله العباس - رضي الله عته - ثم بين. # وهو دليل قول أصحابنا - رحمهم الله -: إن تأخير البيان جائز. # ثم قوله - عز وجل -: (وأنت حل بهذا البلد) يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون القسم منصرفا إلى نفسه؛ فأقسم به؛ لما عظم من أمره ~~وشأنه؛ كأنه قال - عز وجل -: لا أقسم بهذا البلد وبالذي هو حل بهذا البلد. # أو يكون منصرفا إلى مكة، ويكون قوله: (وأنت حل بهذا البلد) خرج مخرج ~~التعريف بمكة؛ لكونه فيها، أي: البلد الذي أنت نازل به، وحال به، أو حلال ~~فيه. # وقوله - عز وجل -: (ووالد وما ولد (3): # قال بعضهم: الوالد هو آدم عليه السلام (وما ولد): هم أولاده وذريته، ولكن ~~آدم - عليه السلام - وأولاده ليسوا بمخصوصين بالدخول تحت اسم الولد ~~والوالد؛ بل ذلك فيهم، وفي جملة الروحانيين؛ فيكون القسم بالخلائق أجمع، ~~ويكون (وما) على هذا التأويل بمعنى " الذي ". # ومنهم من جعل أن " ما ": " ما " جحد؛ ققال: " وما ولد " أي: الذي لا يلد ~~وهو العاقر، فأقسم بالبشر جملة من يلد منهم ومن لا يلد، وأقسم بهم - أيضا - ~~لما جعلهم مفضلين على كثير من الخلائق. # وقوله - عز وجل -: (لقد خلقنا الإنسان في كبد (4): # قال بعضهم: الكبد: الانتصاب، أخبر أنه خلق الإنسان منتصبا، وخلق كل دابة ~~منكبا. # وقال بعضهم: الكبد: الشدة والمعاناة. # PageV10P531 # وقال بعضهم: خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت الانفصال. # ولقائل أن يقول: أي حكمة في ذكر هذا وفي تأكيده بالقسم، وكل يعلم أنه خلق ~~كذلك؟ # فجوابه أن في ذكر هذا إبانة أنهم لم يخلقوا عبثا باطلا، بل خلقهم الله ~~تعالى ms5055 ليمتحنهم ويأمرهم بالعبادة، كما قال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون). # فإن كان التأويل منصرفا إلى الشدة والمعاناة فتأويله: أنه خلقهم ليكابدوا ~~المعاش والمعاد جميعا، وخلقهم للشدة؛ ليعتبروا ويتذكروا. # وإن كان منصرفا إلى الانتصاب، ففيه تعريف لعظم نعم الله - تعالى - عليهم ~~من غير أن كانوا مستوجبين لذلك؛ ليستأدي منهم الشكر بذلك. # وإن كان التأويل على ما ذكر أنه خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت ~~الانفصال، ففيه أن الله - تعالى - قادر على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء؛ ~~لأنه لا يتهيأ لأحد أن يقلب أحدا، فيجعل أعلاه أسفله، إلا أن يجد مثله في ~~المكان سعة، ثم إن الله - تعالى - قلبه، فجعله أعلاه أسفله في ذلك المكان ~~الضيق، فتبين لهم ألا يعجزه شيء؛ فيحملهم ذلك على الإيمان بالبعث والنشور، ~~والله أعلم. # ومعنى قوله: (لقد خلقنا الإنسان في كبد) عندنا: لقد خلقنا الإنسان لما له ~~يكابد، فإن كانت مكابدته في طاعة الله تعالى، وكان مؤثرا لها - فقد خلق ~~للجنة، وإن كانت مكابدته في أمر الشيطان، فهو للنار خلق، وعلى هذا يخرج ~~قوله - تعالى -: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس)، أي: ذرأ من يعلم ~~أنه يؤثر طاعة الشيطان وعصيان الرحمن لجهنم، وذرأ من يعلم أنه يعبد الله ~~ويوحده للعبادة بقوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). والأصل: أن ~~الحكيم أبدا يقصد بفعله العاقبة إلا الذي ليست له معرفة بالعاقبة، فأما من ~~عرف العاقبة فابتداء فعله يقع لتلك العاقبة، فإن كانت عاقبته النار؛ ~~فابتداء الخلق من الله - تعالى - يقع لذلك الوجه، وإن كانت عاقبته الجنة ~~فهو لذلك الوجه ما خلق؛ فعلى هذا يخرج تأويل قوله - عليه السلام -: " ~~السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " وهو لا يوصف ~~بالسعادة # PageV10P532 # والشقاوة في ذلك الوقت؛ ولكن معناه أنه: إذا آثر الشقاوة في حالة ~~الامتحان خلق كذلك، وإذا آثر السعادة فكذلك أيضا. # وقال نوح - عليه السلام -: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، وهم في وقت ما ~~ولدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين، ms5056 بل يصيرون كذلك؛ فيتبين أنهم خلقوا ~~لذلك؛ فموقع القسم على ما له يكابد، ليس على المكابدة نفسها؛ لأن المكابدة ~~من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم. # وقولنا: إن المقصود من ابتداء الفعل العاقبة قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - " إذا أردت أمرا فدبر عاقبته، فإن كانت رشدا فأمضه، وإن كانت غيا ~~فانته ". # وزعمت المعتزلة أن الله - تعالى - لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده، ولو ~~كان الأمر على ما زعموا وظنوا، لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، أو وجب أن ~~يكون الفعل خارجا مخرج الخطأ؛ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون جاهلا ~~بالعواقب، أو عابثا بالفعل؛ لأن من يبنى لشيء يعلم أنه لا يكون، عد ذلك منه ~~عبثا، ولو كان غير الذي يريده، وهو أن يبني ليسكن فيه، ثم ينقض قبل أن ~~يسكن، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب. وجل الله - تعالى - من أن ~~يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب؛ فثبت بما ذكرنا أن الله - تعالى - ~~شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق ~~الجملة للعبادة، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا. ~~أيحسب أن لم يره أحد): # فالآية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون حسب أن الله - تعالى - لا يقدر على بعثه؛ فيكون قوله: ~~(أحد) هو الله تعالى. # (يقول أهلكت مالا لبدا (6) أي: جما. (أيحسب أن لم يره أحد (7) أي: أنفقت ~~منه مقدار ما يخرج عن حد الإحصاء. # وقوله: (لم يره أحد)، أي: لم يعلم أحد مبلغ ما أنفق من ذلك. # PageV10P533 # أو يكون قوله: (أيحسب أن لم يره أحد)، أي: لم يعلم أتباعه الذين أنفق ~~عليهم مقدار ما أنفق عليهم؛ فيكون في قوله - تعالى -: (أهلكت مالا لبدا) ~~إظهار منه لسخاوته وجوده، على الافتخار منه بذلك، وامتنانا منه على أتباعه، ~~فإن كان على هذا فهو في أمر الدنيا، وقد علم الله القدر الذي أنفق عليهم، ~~وعلم الخلق سخاوته لا بقوله؛ فليس ms5057 اشتغاله في إظهار الجود والامتنان إلا ~~نوع من السفه، وكان الذي يحق عليه الاشتغال بالشكر لله - تعالى - أو توجيه ~~الحمد إليه؛ لما علم أن الذي أنعم به من المال الكثير من الله تعالى، وأن ~~تلك المنقبة -وهي السخاوة- نالها بالله تعالى، وهذا كقوله - تعالى -: ~~(فاذكروا الله كذكركم آباءكم)، أي: آباؤكم لم ينالوا ما تذكرون من الشرف ~~والمناقب الحميدة إلا بالله - تعالى - فاذكروه كذكركم آباءكم، وهذا النوع ~~من الافتخار راجع إلى الخصائص من القوم لا إلى الجملة؛ إذ كل أحد يقول مثل ~~ذلك: إنه أهلك مالا لبدا، وفعل كذا. # وقوله - عز وجل -: (ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9): # فإن كان قوله: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) على نفي القدرة على البعث، ~~ففي ذكر العينين نفي تلك الشبهة، وهو أن الله - تعالى - أنشأ له بصرا يرى ~~بفتحة واحدة ما بين السماء والأرض، فمن بلغت قدرته هذا لا يعجزه شيء أو ~~يخفى عليه أمر، فقوله: (ألم نجعل له عينين)، أي: ألم نخلق له عينين يدرك ~~بهما المحسوسات بالنظر، وجعلنا لهما جفونا وأشفارا يدفع بهن القذى عن ~~عينيه، ويغضهما بهن عن النظر إلى ما لا يعنيه. # وقوله - عز وجل -: (ولسانا) أي: خلقنا له لسانا يحضر به ما غاب واستتر. # وقوله: (وشفتين) ففي خلق الشفتين وجهان من الحكمة. # أحدهما: أنه جعلهما طبقا يستران قبح ما في فمه، ولولاهما لكان الناظر ~~إليه وقت مضغه الطعام أو شيئا من الأشياء، استقذر ذلك منه. # وجعلهما طبقا للسانه؛ لئلا يمده، ويستعمله فيما لا يعنيه. # فذكرهم عظيم نعمه في خلق العينين واللسان والشفتين؛ ليستأدي منهم الشكر، ~~وليعلموا أن الذي بلغت قدرته هذا، ليس بالذي يعجزه شيء. # وقوله: (وهديناه النجدين (10). # PageV10P534 # أي: بينا له ما عليه، وما له، وما يحمد عليه، وما يذم، وما يقبح ويجمل، ~~والنجد: الطريق، فبين للخلق الطريقين جميعا: طريق الخير والشر، ومكنهم من ~~الفعلين جميعا. # وقال بعضهم: النجدان: الثديان، أي: هديناه الثديين في حالة الإرضاع. # ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا، بل هذا من بعض ما ms5058 هداه ~~وبينه، فقد بين له غيره من الأمور، ولا قيد في اللفظ؛ فيحمل على الإطلاق ~~والعموم. # * * * # قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة ~~(13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا ~~متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) ~~أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) ~~عليهم نار مؤصدة (20). # وقوله - عز وجل -: (فلا اقتحم العقبة): # قيل: فيه من وجهين: # أحدهما: فهلا اقتحم العقبة. # والثاني: أنه لم يقتحم. # فإن كان على الأول، فمعناه: أن الذي قال: أنفقت مالا لبدا، كيف لا كان ~~إنفاقه في فك الرقبة، وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد ~~إلى أن ألصق بالتراب؟ ويكون من جملة من آمن بالله - تعالى - وتواصى بالصبر ~~والمرحمة؛ ليكون من أصحاب الميمنة، ويكسب بذلك الحياة الطيبة في الآخرة دون ~~أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس؛ فلم يحصل لنفسه حمدا ولا أجرا في ~~العقبى، بل صار من أصحاب المشأمة، فيكون ما بعد قوله: (أهلكت مالا لبدا)، ~~صلة له وتفسيرا. # وإن كان التأويل على النفي، ففيه تكذيبه فيما زعم أنه أنفق مالا لبدا، ~~فيقول: لو كان على ما يظن، لظهر ذلك، بفك الرقاب والموأساة على اليتيم وعلى ~~المسكين الذي هو ذو متربة؛ فيكون هذا كله صلة قوله - عز وجل -: (أهلكت مالا ~~لبدا) أيضا. # ثم قيل في العقبة من وجهين: # PageV10P535 # أحدهما: على تحقيق العقبة، وهو أن يكون في النار عقبة لا تجاوز ولا تقطع ~~إلا بما ذكر من فك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسغبة، كقوله - تعالى -: ~~(سأرهقه صعودا). # وقوله - عز وجل -: (وما أدراك ما العقبة (12) على تحقيق العقبة؟ معناه: ~~وما يدريك بم تقطع تلك العقبة؟ ثم بين أنها تقطع بما ذكر من فك الرقبة ~~ونحوه. # وجائز أن يكون على التمثيل لا على التحقق، ووجهه: أنه يشتد عليه تحمل ~~المؤن التي ذكر من فك الرقبة، وإطعام المساكين، ومواساة اليتيم؛ فتكون ~~العقبة كناية عن تحمل المؤن، لا على العقبة نفسها، وهو ms5059 كقوله: (ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء)، أي: يصير الإيمان عليه في ~~الشدة والثقل كأنه كلف الصعود إلى السماء، ويشتد على الأول تحمل المؤن، كما ~~يشتد عليه قطع العقبة والصعود عليها. # والاقتحام: هو رمي النفس في المهالك. # وقيل: الاقتحام: هو تحمل المؤن: # فإن كان على تحمل المؤن، فوجهه ما ذكرنا: أن كيف لم يتحمل هذه المؤن؛ ~~ليصير من أهل الميمنة؟ # وإن كان على الرمي في المهالك؛ فكأنه يقول: قد أهلك نفسه بتركه الإنفاق ~~في الوجوه التي ذكر، والإعراض عن الإيمان بالله تعالى، بتركه فكاك الرقبة. # وروى أبو بكر الأصم في تفسيره خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن رجلا سأله فقال: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل به الجنة؟ فأمره بعتق ~~النسمة، وفك الرقبة؛ فقال السائل: أليسا هما واحدا؟ فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: " لا؛ عتق النسمة: أن تعتقها، وفك الرقبة: أن تعين على فكاكها ~~". # ففكاك الرقبة: أن تخلصها من وجوه المهالك، وذلك يكون بالتخليص عن ذل ~~الرق، وأن ترى إنسانا يهم بقتل آخر بغير حق؛ فتدفع عن المظلوم شر الظالم، ~~وتراه يغرق؛ # PageV10P536 # فتخلصه عن ذلك؛ فيكون في ذلك كله فكاك الرقبة عن المهالك؛ لتكتسب بها ~~الحياة الطيبة في الآخرة. # واختلف القراء في هذا الحرف: # فمنهم من قرأه: (فك رقبة (13) أو أطعم في يوم ذي مسغبة (14) على النصب. # ومنهم من قرأه: (فك رقبة. أو إطعام) على الرفع. # فإذا قرأته بالنصب، فمعناه: هلا فك رقبة، أو أطعم؛ فيكون راجعا إلى تفسير ~~الاقتحام. # وإذا قرأته بالرفع، انصرف التأويل إلى تفسير العقبة؛ فكأنه قال: قطع ~~العقبة يكون بالفك وبما ذكر. # وذكر عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - أنه قال: كل ما في القرآن: (وما ~~أدراك)، فقد أعلمه ودراه، وكل ما فيه (وما يدريك)، فهو لم يعلمه، والله ~~أعلم. # والمسغبة: المجاعة. # وقوله - عز وجل -: (ذا مقربة (15): # أي: ذا قرابة منه. # وقوله - عز وجل -: (ذا متربة (16): # أي: ألصق بطنه بالتراب. # وقيل: الذي ليس له ms5060 شيء يحجبه عن التراب. # ثم في قوله: (يتيما ذا مقربة) دلالة وجوب حق اليتيم على القريب إذا كان ~~محتاجا؛ فيكون فيه حجة لقول أصحابنا: إن اليتيم إذا كان محتاجا، فرضت نفقته ~~على أقربائه. # وفي قوله: (أو مسكينا ذا متربة) دلالة أن المسكين الذي وصفه، وهو ألا ~~يكون بينه وبين التراب حائل، فكفايته تلزم الخلق جملة. # وقوله - عز وجل -: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة (17): # فتأويله أنه لا ينفعه فك الرقبة ولا الإطعام؛ حتى يكون مؤمنا مع ذلك، ~~متواصيا بالصبر # PageV10P537 # والمرحمة، فإذا كان كذلك؛ فحيئنذ يحصل قاطعا للعقبة. # وجائز أن يكون الصبر أريد به الإيمان؛ كقوله: (إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات)، أي: آمنوا. # والتواصي بالصبر والمرحمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ ~~التواصي مأخوذ من الوصية، وهذا يوجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في اعتقاد الإيمان. # وقوله - عز وجل -: (أولئك أصحاب الميمنة (18): # أي: أصحاب الميامن، وهم أهل اليمن. # وقوله - عز وجل -: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19): # أي: أصحاب الشؤم على أنفسهم؛ حيث عملوا بالمعاصي، واستوجبوا بها نارا ~~مؤصدة، وهي المؤصدة المطبقة المبهمة، وصفة الإطباق ما ذكر في آية أخرى، ~~وذلك قوله - تعالى -: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل)، وقال ~~الله تعالى: (أحاط بهم سرادقها) الآية، والله أعلم. # * * * # PageV10P538 ### | سورة الشمس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها ~~(3) والليل إذا يغشاها (4) والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ~~ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد ~~خاب من دساها (10). # قوله - عز وجل -: (والشمس وضحاها). # قالوا: تأويله: والشمس وضوئها. # وقيل: وحرها. # وقيل: وبهائها. # وهذا في موضع القسم؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل في الشمس معاني تدل على ~~لطائف حكمته وعجائب تدبيره، وجعلها في النهاية من البركات، وفي النهاية من ~~الآيات، فمن عجيب تدبيره أنه جعل نورها بحيث يهلك نور الظل حتى إذا بدت في ~~مكان أذهبت نور الظل، ونور السراج، ونور القمر، وستر نورها الكواكب ms5061 عن أن ~~ترى، وجعلها بحيث يظهر بها هباء الهواء، فبين أن الهواء ذا هباء؛ ألا ترى ~~أنك إذا نظرت في المشكاة حين سقوط الشمس فيها تبين لك بها هباء الهواء، ولو ~~أراد أحد من الخلائق أن يتدارك المعنى الذي به استنار هذا الشمس كل هذا لم ~~يقف عليه. # ثم من بركتها أن بحرارتها مصالح الأغذية، وبها مصالح النبات، وبها ييبس ~~الحب، وبها تنضج الفواكه. # ومن عجيب تدبيره أنه جعلها بالنائي عن كل شيء له بها صلاح؛ إذ لو دنت ~~منها، لكانت تحرق الأشياء كلها. # ومن آياتها أن جعلت بحيث تسير وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام ما يتعذر على ~~الذي خلق للسير والمشي قطع تلك المسافة بمدد كثيرة. # وهي أيضا تظهر جود الرب - جل جلاله - لأن منافعها تعم الخلق كلهم: برهم ~~وفاجرهم، والولي منهم والعدو. # PageV10P539 # فأقسم الله - تعالى - بها؛ ليزيل عن الكفرة الشبهة التي تعرض لهم في أمر ~~الدين؛ إما في التوحيد، أو في الرسالة، أو في البعث، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والقمر إذا تلاها (2): # جائز أن يتلوها في كل ما ذكرنا في الشمس من المنافع والمعاني؛ فيكون ~~ثانيها في العمل، فإنه يقع به صلاح الأغذية أيضا، وهو ينير أيضا إلا أنه لا ~~ينتهي منتهاها ولا يبلغ مبلغها، والله أعلم. # وقال بعضهم: إذا تلاها، أي: يتلوها في أول ما يهل؛ فإنه إذا وجبت الشمس ~~في آخر اليوم من الشهر تلا غروبها طلوع الهلال. # وقال بعضهم: إنه يتلوها إذا صار بدرا، وفي هذا دلالة أن منشئهما واحد؛ ~~لأن منافعهما تعم الخلق جميعا، ولو لم يكن مدبرهما واحدا، لكانت لا تعم، بل ~~يمنع كل واحد منهما منشأه عن إيصال النفع إلى قوم عدوه. # وقوله - عز وجل -: (والنهار إذا جلاها (3): # يحتمل أوجها: # يحتمل أن يكون النهار جلى الدنيا. # ويحتمل أن يكون جلى الأرض. # ويحتمل أن يكون جلى الشمس. # ويحتمل أن تكون تجلى الأبصار بنورها عن ظلمة الليل التي يغشاها. # وقوله - عز وجل -: (والليل إذا يغشاها (4): # ينصرف إلى الأوجه التي ذكرنا أيضا، أي: ms5062 يغشى الدنيا، أو الأرض، أو الشمس، ~~أو يغشى الأبصار بظلمتها عن الخلائق، والله أعلم. # ثم لليل والنهار زيادة سلطان ليست للشمس ولا للقمر؛ لأن من سلطان الليل ~~والنهار أنهما يفنيان الآجال، ويقطعان الأعمال، ولا يتهيأ لأحد الامتناع ~~والتحرز من سلطانهما، ويتهيأ للخلق دفع أذى الشمس والقمر عن أنفسهم بالحيل ~~والأسباب؛ فكان في ذكر الليل والنهار زيادة معنى ليس ذلك في ذكر الشمس ~~والقمر. # PageV10P540 # وقوله - عز وجل -: (والسماء وما بناها (5): # قال الزجاج: " ما " بمعنى: " الذي "، وقد تستعمل في مثله، كقول العرب: " ~~سبحان ما سبحت له السماوات والأرض "، أي: سبحان الذي سبحت له. # وقال بعضهم: " ما " هاهنا بمعنى " من "؛ كأنه يقول: والسماء ومن بناها. # وقال بعضهم: " ما " هاهنا تجعل الفعل الماضي بمعنى المصدر، تقول: أعجبني ~~ما صنعت، أي: أعجبني صنعك؛ فيكون معناه: والسماء وبنائها. # فإن كان التأويل على الوجهين الأولين، رجع القسم إلى الله تعالى، ~~والسماء، وإلى ما تقدم من الشمس والقمر والنهار والليل. # وإن كان على التأويل الآخر، رجع القسم إلى ما خلق وهو السماء، فإن بناء ~~السماء عينها. # وقال أبو بكر الأصم: إن هذه الماءات في قوله: (والسماء وما بناها. والأرض ~~وما طحاها. ونفس وما سواها)، تخرج على التعجب، على شرط التقديم، وإن كانت ~~مؤخرة في اللفظ؛ كأنه يقول الله، تعالى: وما السماء؟ ثم أجاب: بناها بأن ~~رفع سمكها وسواها ورفعها بغير عمد ترونها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (والأرض وما طحاها (6) أي: بسطها. # وقوله - عز وجل -: (ونفس وما سواها (7): # قالوا: تسويتها في أن خلقها باليدين والرجلين والعينين ونحوها، فإن كان ~~على هذا فالتسوية ترجع إلى الأغلب لا إلى الجملة؛ إذ ليس لكل نفس هذه ~~الجوارح جملة؛ فيكون معناه: أنه سوى أكثر النفوس بما ذكر من اليدين ~~والرجلين، وذلك جائز في الكلام، وهو كقوله - تعالى -: (وجعل الليل سكنا)، ~~(وجعلنا النهار معاشا)، ومعناه: أنه جعله سكنا ومقرا لأكثر الخلائق لا ~~للجملة، وجعل النهار لأكثر الخلائق معاشا لا للجملة، والله أعلم. # وقيل: سوى جوارحها وأطرافها ما لو لم يكن له جارحة من ms5063 تلك الجوارح يوصف # PageV10P541 # بالنقصان، وهذا أعم من الأول. # ويحتمل: (سواها) على ما عليه مصلحتها، وتملك التقلب والتعيش، ليس على ما ~~عليه سائر الحيوان. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون قوله: (سواها)، أي: جعلها بحيث احتمال ~~الكلفة والمحنة، كقوله - تعالى -: (ولما بلغ أشده واستوى)، وتميز بين ~~القبيح والحسن، وتعرف عواقب الأمور من الخير والشر. # وقوله - عز وجل -: (فألهمها فجورها وتقواها (8): # هذا يحتمل أوجها: # أحدها: أي: بين لها فجورها وتقواها وعلمها، فمن زعم أن المعارف ضرورية ~~خلقة، يحتج بهذه الآية، فيقول: أخبر - تعالى - أنه علمها فجورها وتقواها، ~~وأنه وضع في نفسه ما يعرف به قبح كل قبيح، وحسن كل حسن. # والأصل فيه عندنا: أنه يعرف حسن الأشياء وقبحها جملة ببداية العقول، ولكن ~~العقول لا تعرف حسن كل شيء على الإشارة إليه، ولا قبح كل قبيح على الإشارة ~~إليه؛ وإنما تعرف ذلك إما بخبر يرد على ألسن الرسل عليهم السلام، أو ~~باستعمال الفكر؛ ألا ترى أنك تجد النفس من طبعها أنها تألف الملاذ ~~والمنافع، وتنفر عن المكاره والآلام، ولكنها لا تعرف معرفة كل منتفع على ~~الإشارة إليه ولا ضرارة أعين الأشياء؛ وإنما تعرف ذلك بالذوق. # وكذلك العين تدرك الألوان، لكنها لا تعرف حسنه وقبحه؛ بل العقل هو الذي ~~يفصل بينهما، فعلى ذلك قد جعل في طبع العقل قبح القبائح جملة وحسن الحسن، ~~ولكن لا يفصل بينهما على الإشارة إلى كل في نفسه إلا بما ذكرنا؛ فيكون ~~قوله: (فألهمها فجورها وتقواها)، أي: جعل في نفسها ما يبين القبيح من ~~الحسن، والخبيث من الطيب، ويبين قبح الفجور وحسن التقوى، ويلزمه المحنة ~~والكلفة بذلك، ثم يصل إلى معرفة ذلك إما بالرسل، وإما باستعمال الفكر. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يلهمها تقواها إذا وفى بما لله تعالى عليه من ~~الاستقامة على الطريقة والمجاهدة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (والذين ~~جاهدوا فينا # PageV10P542 # لنهدينهم سبلنا)، فوعد الهداية بالجهاد، وقال - تعالى -: (وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ثم كانت الإجابة مضمنة ~~شريطة، وهي أن يستجيب ms5064 له الداعي فيما دعاه إليه؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى ~~-: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)، وقال - تعالى -: (وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم)، وقال: (إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة. . .) ~~الآية؛ فثبت أن الذي يلهم التقوى هو الذي يقوم بوفاء ما عليه، فإذا قام به ~~ألهمه التقوى، وبين له سبيل الفجور. # وقال أبو بكر الأصم في قوله: (فألهمها فجورها وتقواها)، أي: ألزمها ~~فجورها وتقواها؛ فتكون تقواها لها، وفجورها عليها، لا يؤخذ أحد بفجور أحد، ~~وفي هذا دليل على أن التقوى إذا ذكر مفردا انصرف إلى الخيرات أجمع، وإذا ~~قرن به البر والإعطاء، انصرف إلى الاتقاء عن المحارم، كقوله - تعالى -: ~~(فأما من أعطى واتقى. وصدق. . .)، وإذا قيل: بر، واتقى، أريد به: أنه بر ~~بكل ما يحمد عليه، واتقى عن كل ما يذم عليه فاعله. # وقوله - عز وجل -: (قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10): # فموقع ما تقدم من القسم بالشمس والقمر والليل والنهار على هذا، فقوله: ~~(قد أفلح من زكاها) في الآخرة (وقد خاب من دساها) في الآخرة؛ فيكون هذا ~~منصرفا إلى الجزاء في الآخرة؛ على ما يذكر في قوله: (إن سعيكم لشتى)؛ فيكون ~~في هذا إيجاب القول بالبعث من الوجه الذي نذكره، إن شاء الله تعالى. # ثم اختلفوا في تأويل الفلاح: # قال بعضهم: أفلح، أي: سعد. # ومنهم من يقول: أي: بقي في الخيرات، والفلاح: البقاء. # ومنهم من يقول: أفلح، أي: فاز، والمفلح في الجملة هو الذي يظفر بما يأمل، ~~وينجو عما يحذر؛ فيدخل في ذلك السعادة والبقاء والفوز. # وقوله - عز وجل -: (من زكاها): جائز أن يكون منصرفا إلى الله تعالى. # وجائز أن ينصرف إلى العبد، قال الله - تعالى -: (ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى # PageV10P543 # منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء)، وقال - تعالى -: (قل بفضل ~~الله وبرحمته. . .)، فبين الله - تعالى - أنه هو الذي تفضل بتزكية من زكا. # وجائز أن يصرف إلى العبد؛ فيكون قوله: (زكاها)، أي: صاحبها، وكذلك قوله: ~~(وقد خاب من دساها) يحتمل هذين الوجهين؛ ms5065 فيكون الله - تعالى - هو الذي أنشأ ~~فعل الضلال؛ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من الله تعالى، ومن حيث العمل من ~~العبد. # ثم قوله: (من دساها)، أي: أخفاها، وإخفاؤها: أنه صيرها بحيث لا تذكر في ~~المحافل إلا بالذم، وزكى الأخرى، أي: أظهرها حتى ينظر إليها الناس بعين ~~التبجيل والتعظيم. # وهكذا شأن المتقي أن يكون مبجلا معظما فيما بين الخلق، والفاجر يعيش ~~مذموما مهانا فيما بين الخلق. # أو يرجع الإظهار والإخفاء إلى الآخرة: فيجل قدر المتقي المزكي، ويخمل ذكر ~~الفاجر. # وقوله - عز وجل -: (دساها) من " دسست "، فأسقط السين، وأبدل مكانها ~~الياء. # ثم الإضافة في قوله: (دساها) إلى الله - تعالى - على خلق ذلك الفعل منه، ~~وفي قوله: (من زكاها) على التوفيق. # * * * # قوله تعالى: (كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول ~~الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ~~فسواها (14) ولا يخاف عقباها (15). # وقوله - عز وجل -: (كذبت ثمود بطغواها): # ولم يبين لمن كذبوا، وقد بينه في آية أخرى فقال: (كذبت ثمود المرسلين). # وقوله - عز وجل -: (بطغواها) يحتمل وجهين: # أي: لأجل معصيتها وطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم ~~التفكر في أمره؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يجدوا موضع التكذيب. # والثاني: بأهل طغواها، أي: كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان؛ فيكون في هذه ~~الآية # PageV10P544 # إنباء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم، أو بحجة كانت لهم، بل ~~كذبوه عن عناد منهم، وتيقن منهم برسالته، وذلك أن حجة نبيهم صالح - عليه ~~السلام - جاوزت الحجج؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم، وعلى تعد ~~منهم في السؤال؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعوى الرسالة، ولم يكن ~~لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة ~~كانوا معتدين فيه. # ثم من حكمة الله - تعالى - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال، ثم ظهر ~~التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا، وقد وجد من أولئك القوم ~~السؤال والتكذيب؛ فعوقبوا بالاستئصال، قال ms5066 الله - تعالى -: (وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة)؛ فيبين ~~الله - تعالى - المعنى الذي لأجله لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنهم لو أوتوا، ثم عندوا، استؤصلوا؛ فقد ~~أراد الله - تعالى - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة، وأرسله رحمة للعالمين، ~~وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين، وهي القتال، ووجه الرحمة فيه: أنهم ~~كانوا يمتنعون عن اتباعه؛ لحب الدنيا وشهواتها؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر ~~في حججه وآيات رسالته؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش، ويضطرهم إلى ~~النظر في الحجج؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به؛ فثبت أن في القتال ~~رحمة عليهم. # وقوله - عز وجل -: (إذ انبعث أشقاها (12). # أي: قام أشقاها، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة. # وروي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعلي. - رضي الله عنه -: " ألا أخبرك بأشقى الناس، رجلين؟ ~~" قال: بلى، يا رسول الله. فقال: " أحيمر ثمود، عاقر الناقة، والذي يضرب ~~على هذه -وأشار إلى هامته- حتى يبتل منها هذه، وأشار إلى لحيته " فصار عاقر ~~الناقة أشقى الناس بما ذكرنا. # وجائز أن يكون قاتل علي، صار أشقى الناس؛ لأنه استحل قتله. # وقوله - عز وجل -: (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13): # فهو يحتمل وجهين: # PageV10P545 # أحدهما: أي: احذروا ناقة الله، وهو كقوله: (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~أليم). # والثاني: أي: قال لهم: ذروا ناقة الله تأكل في أرض الله، وذروا بين ~~الناقة وسقياها -أي: شربها- ثم أضيفت الناقة إلى الله - تعالى - لوجهين: # أحدهما: أن الله - تعالى - لم يأذن لأحد بالتملك عليها؛ حتى ينسب إليه ~~الملك، بل بقيت غير مملوكة لأحد؛ فأضيفت إلى الله - تعالى - كما أضيفت إليه ~~المساجد؛ لما لا ملك لأحد عليها. # أو أضيفت إلى الله - تعالى - على معنى التفضيل، والأصل أن إضافة الأشياء ~~إلى الله - تعالى - بحق الجزئيات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها، ~~وإضافة الأشياء إلى الله - تعالى ms5067 - بحق الكليات، تخرج مخرج تعظيم الله ~~تعالى، فإذا قيل: رب المساجد، أريد به: تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، ~~وإذا قيل: رب العرش، أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل: رب الناقة، أريد ~~به تعظيم أمرها، وإذا قيل: رب العالمين، ورب كل شيء، أريد به تعظيم الرب، ~~جل جلاله. # وقوله - عز وجل -: (فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14): # يحتمل أن يكونوا كذبوا صالحا في رسالته، أو كذبوه فيما أخبرهم من حلول ~~العذاب بهم إذا عقروا الناقة، فعقروها مع ذلك. # وقوله - تعالى -: (فدمدم عليهم ربهم)، قال بعضهم: أي: أطبق عليهم العذاب ~~على الصغير والكبير، ومنه يقال: بعير مدموم؛ إذا كان سمينا أطبق شحمه على ~~لحمه. # وقال بعضهم: دمدم عليهم، أي: دمر عليهم بذنبهم، وذنبهم ما تعدوا من ~~تكذيبهم الرسول، وعقرهم الناقة. # وقوله - عز وجل -: (فسواها): # يحتمل وجهين: # PageV10P546 # أحدهما: أنه سواهم بالأرض؛ كقوله - عز وجل -: (يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض). # أو سوى بين الصغير والكبير في الإهلاك؛ فالصغار منهم يومئذ ماتوا ~~بآجالهم، والكبار منهم استؤصلوا بذنوبهم. # وقوله: (ولا يخاف عقباها (15): # جائز أن تكون الإضافة منصرفة إلى الله تعالى، وهو أن يكون الله لما ~~أهلكهم لم يخف تبعة الإهلاك. # ووجه الخوف: هو أنه فيما أهلكهم، أهلكهم بما أوجبت الحكمة إهلاكهم، ولم ~~يلحقه تقصير في الحكمة، ولا وجد العائب في ذلك مقالا. # وهكذا قال الحسن: ذاك ربنا، لم يخف مما أنزل عليهم العذاب. # أو يكون منصرفا إلى العاقر؛ فيكون معناه: أنه عقرها، ولم يخف العاقبة ~~التي حذرهم بها صالح - عليه السلام - من قوله: (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم ~~عذاب أليم). # وقال بعضهم: (ولا يخاف عقباها)، أي: لم يعلم ما يحل به من عقر تلك ~~الناقة، ولو علم لم يفعل. # ويجوز استعمال الخوف في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته، صار علما. # ثم الحكمة في ذكر قصة ثمود وجهان: # أحدهما: أن في ذكرها تثبيت رسالة محمد صلوات الله عليه، وهو أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يوجد منه ms5068 الاختلاف إلى من عنده علم الأنباء ~~والأخبار، ولا كان يعرف الكتابة؛ ليقع له المعرفة بهما؛ فثبت أنه بالوحي ~~علم. # والثاني: أن في ذكرها تحذيرا لمكذبي الرسل، فحذروا بها ليمتنعوا عن ~~تكذيبه؛ فلا يحل بهم كما حل بمكذبي صالح - عليه السلام - من بأسه وعذابه، ~~والله الهادي. # * * * # PageV10P547 ### | سورة (والليل إذا يغشى) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر ~~والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) ~~فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره ~~للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11). # قوله - عز وجل -: (والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى) جعل الله - ~~تعالى - الليل والنهار آيتين عظيمتين ظاهرتين مكررتين على الخلائق ما يعرف ~~كل كافر ومؤمن، وجميع أهل التنازع الذين ينازعون أهل الإيمان والتوحيد من ~~الجبابرة والفراعنة. # والقسم بالليل والنهار، والقسم بقوله: (والضحى. والليل إذا سجى) واحد. # وقد ذكرنا أن القسم إنما يذكر في تأكيد ما يقع به القسم، ما لولا القسم ~~وإن ذلك يوجب دون القسم؛ وذلك لعظم ما فيهما؛ حتى قهرا جميع الفراعنة ~~والجبابرة، وغلبا عليهم في إتيانهما وذهابهما، حتى أن من أراد منهم دفع هذا ~~ومجيء هذا، ما قدروا عليه. # وفيهما دلالة وحدانية الله - تعالى - وألوهيته، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، ~~وتدبيره، وحكمته: # أما دلالة وحدانيته وألوهيته: اتساقهما وجريانهما على حد واحد وسنن واحد ~~مذ كانا وأنشئا من الظلمة والنور، والزيادة والنقصان؛ فدل جريانهما على ما ~~ذكرنا أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا جاء هذا، وغلب الآخر، ~~دامت غلبته عليه، وكذلك الآخر يكون مغلوبا أبدا، والآخر غالبا؛ فإذا لم يكن ~~ذلك، دل أنه فعل واحد. # ويدل - أيضا - على أن ليس ذلك عمل النور والظلمة، على ما تقوله الثنوية. # ودل اتصال منافع أحدهما بمنافع الآخر على أن ذلك عمل واحد لا عدد. # ودل اتساق ما ذكرنا، ودوامهما على حد واحد على الاستواء أن منشئهما مدبر ~~عليم، عن تدبير وعلم خرج ذلك لا على الجزاف بلا تدبير. ms5069 # PageV10P548 # ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من ~~بعث ولا غيره. # ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم، على حكمة خرج فعله، لا يحتمل أن يتركهم ~~سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بأمور. # وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى من الدلالات والآيات من الازدواج ~~والتوالد والتناسل وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وما خلق الذكر والأنثى (3) # قال بعضهم: إن حرف (ما) متى قرن بالفعل الماضي، صار بمعنى المصدر؛ كأنه ~~قال: وخلق الذكر والأنثى؛ فيكون قسما بجميع الخلائق، إذ لا يخلو شيء من أن ~~يكون ذكرا وأنثى. # وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (والذكر والأنثى)، وكذلك ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ كذلك. # وقال بعضهم: (ما) هاهنا بمعنى " الذي "؛ كأنه قال: والذي خلق الذكر ~~والأنثى؛ فيكون على هذا الوجه القسم بالله تعالى، وعلى التأويل الأول ~~بالذكر والأنثى. # وقوله - عز وجل -: (إن سعيكم لشتى (4): # قالوا: على هذا وقع القسم، فإن قيل: إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم ~~لمختلف؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك؟ # فالوجه فيه - والله أعلم -: أن ما يقع لهم بالسعي، وما يستوجبون به ~~لمختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي؛ كأنه قال: إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، ~~وذلك أنهم كانوا يقولون: إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - فنحن أحق بها من أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - كقوله: (ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا). # أو يكون قوله: (إن سعيكم لشتى)؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر ~~نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه، ثم المعطي محمود عند الناس؛ فلو لم يكن ~~عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع، لكان الناس بما حمدوا هذا ~~وذموا الآخر سفهاء؛ # PageV10P549 # فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا. # ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر، ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه ~~الدنيا ولذاتها مما ms5070 ذكرنا من ممر الليل والنهار ومما يخلق فيها من النبات ~~والثمار والعيون والأشجار، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت ~~الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد ~~من دار أخرى للأشقياء والأبرار؛ ليقع بها التفاوت بين الأبرار والأشرار، ~~والنافع منهم نفسه والضار، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار، ~~وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا ~~لا بد من دار أخرى فيها يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز بين ما ~~ذكرنا. # ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف، ما ذكر بقوله: (فأما من أعطى ~~واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وهو يخرج على وجوه: # يحتمل (فأما من أعطى واتقى)، أي: أعطى ما أمر به، واتقى عصيانه وكفران ~~نعمه، أو اتقى المنع، أو من أعطى التوحيد لله - تعالى - من نفسه، واتقى ~~الشرك والكفران لنعمه، وصدق بموعود الله - تعالى -: (فسنيسره لليسرى): ~~للأعمال والشرائع؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره عليه. # (وأما من بخل)، ولم يأت بالتوحيد، (واستغنى) عن الله - تعالى - بما عنده، ~~(وكذب) بموعود الله (فسنيسره للعسرى)؛ لما بعده من الأعمال، والله أعلم. # والثاني: في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله: (فأما من أعطى)، أي: ~~قبل الإعطاء، وعزم على وفاء ذلك، (واتقى)، أي: عزم على اتقاء معاصي الله - ~~تعالى - ومحارمه. # (وصدق بالحسنى)، أي: بموعوده؛ (فسنيسره لليسرى)، أي: سنيسره لوفاء ما عزم ~~عليه، (وأما من بخل)، أي: عزم على البخل والمنع بذلك، (واستغنى) وبالذي له ~~وعنده، (وكذب) بموعود الله تعالى (فسنيسره) لوفاء ما عزم عليه، من الخلاف ~~لله # PageV10P550 # تعالى والمعصية له. # وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~ذلك؛ فقال: " كل ميسر لما خلق له "، أو قال: " كل ميسر لما عمل ". # والثالث: يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع؛ ~~يقول: (فأما من أعطى) ما وجب من حق الله - تعالى - في ماله، (واتقى) نقمة ~~الله ms5071 ومقته وعذابه، (وصدق بالحسنى)، أي: بموعود الله تعالى، (فسنيسره ~~لليسرى) في الخيرات والطاعات. (وأما من بخل)، أي: منع حق الله - تعالى - ~~الذي في ماله، (وكذب) بالذي وعد على ذلك، (فسنيسره للعسرى) في الإفضاء إلى ~~ما وعد. # وقوله - عز وجل -: (وما يغني عنه ماله إذا تردى (11): # قيل: إذا هلك ومات، أو تردى في النار. # وفي ظاهر قوله - تعالى -: (وما يغني عنه ماله) دلالة على أن الآية في ~~حقيقة الإعطاء من المال والمنع. # وقوله - عز وجل -: (وصدق بالحسنى)، قال بعضهم: بالجنة. # وقيل: يشهادة: أن لا إله إلا الله. # وقيل: بالخلف على ما أنفق. # وجائز أن تكون " اليسرى " اسم للجنة وكذلك " الحسنى ". و " العسرى " و " ~~السوءى ": النار. # ويحتمل أن تكون " اليسرى " اسما لكل ما طاب وحسن من العمل، و " العسرى ": ~~ما خبث، وقبح من العمل. # ومنهم من قال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنه ~~اشترى # PageV10P551 # بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله - تعالى - ~~فأنزل الله تعالى: (والليل إذا يغشى. . .) إلى قوله: (إن سعيكم لشتى)، ~~يعني: سعي أبي بكر وأمية وأبي. # وذكر إلى آخر السورة: (فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره ~~لليسرى): أبو بكر، رضي الله عنه، (وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. ~~فسنيسره للعسرى): أمية بن خلف، وأبي بن خلف؛ يرويه عبد الله بن مسعود، رضي ~~الله عنه. # * * * # قوله تعالى: (إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم ~~نارا تلظى (14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها ~~الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) ~~إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21). # وقوله - عز وجل -: (إن علينا للهدى): # هذا يخرج على وجوه: # أحدها: جائز أن يكون قوله: (علينا)، أي: لنا، وذلك جائز في اللغة جار؛ ~~كقوله - تعالى -: (وما ذبح على النصب)، أي: للنصب، وكقوله - تعالى -: ~~(وعلينا الحساب)، و (علينا حسابهم)، أي: لنا محاسبتهم، وقوله - تعالى -: ~~(وعلى الله قصد السبيل)، أي: لله قصد السبيل، وكقوله - تعالى -: (ولو ترى ms5072 ~~إذ وقفوا على ربهم)، أي: لربهم، كما قال: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)، ~~ونحو ذلك كثير أن يكون " علينا " بمعنى " لنا "؛ فيصير كأنه قال: إن لنا ~~للهدى؛ كقوله: (ألا لله الدين الخالص)، وكقوله: (وله الدين واصبا)، يكون ~~فيه إخبار أن الهدى له والدين الخالص له، وأما سائر الأديان -فلما هي سبل ~~الشيطان- ليست لله تعالى. # على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والوجهان الآخران يخرجان على حقيقة " ~~على "، لكن أحدهما يخرج ذكر الهدى على إرادة البيان وتبيين الطريق، والآخر ~~على إرادة حقيقة # PageV10P552 # الهدى، الذي هو ضد الكفر ومقابله. # فأما على إرادة البيان؛ فكأنه قال: إن علينا غاية البيان في حق الحكمة ~~والعدل فيما يمتحنون، حتى إن كان التقصير والتفريط فإنما يكون من قبل ~~أنفسهم، لا من قبل الله تعالى، أي: يبين لهم كل شيء غاية البيان ونهايته؛ ~~لتزول الشبهة عنهم، والله أعلم. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقول: إن علينا هداية من استهدانا واجتهد في ~~طلبها؛ كقوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). # ووجه آخر: إن علينا إنجاز ما وعدنا على الهدى لمن اهتدى واختاره يخرج ~~تأويل الآية على إرادة البيان من الوجوه التي ذكرنا. # وأما على إرادة حقيقة الهدى الذي هو مقابل الكفر؛ فكأنه قال: إن علينا ~~التوفيق والمعونة والعصمة في حق الإحسان والإفضال، لا على أن ذلك عليه لهم. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " إن علينا بيان ما للآخرة والأولى؛ ~~كي لا يزول عن قصد الطريق؛ فيهلك نفسه في كل مضيق ". # وقوله - عز وجل -: (وإن لنا للآخرة والأولى (13): # فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: يقول - والله أعلم: إنكم تعلمون أن لنا الآخرة والأولى، وليس لما ~~تعبدون من الأصنام والأوثان لا آخرة ولا أولى، فكيف صرفتم عبادتكم عمن له ~~الآخرة والأولى إلى من ليس له الآخرة والأولى، على علم منكم بذلك؟ يسفههم ~~في اختيارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى. # والثاني: يقول - والله أعلم -: إن لنا الآخرة والأولى؛ فما بالكم تبخلون ~~بالإنفاق على أنفسكم، وما يرجع منفعته إليكم، بما ليس ms5073 لكم في الحقيقة، ~~وإنما هو لله تعالى؟! وهذا التأويل صلة قوله - تعالى -: (وأما من بخل ~~واستغنى. . .) الآية، والأول يكون صلة قوله: (إن علينا للهدى). # وقوله - عز وجل -: (فأنذرتكم نارا تلظى (14) أي: نارا تتوقد، وتتلهب، أو ~~تتشعب، على ما ذكر من صفتها. # ثم ذلك الإنذار يكون للفريقين: لأهل التوحيد، ولأهل الشرك جميعا، والله ~~أعلم. # PageV10P553 # وقوله - عز وجل -: (لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16). # قالت المعتزلة: هذا ليس على حقيقة التكذيب؛ ولكن على التقصير والتفريط في ~~أمر الله تعالى، والوقوع في مناهيه؛ فيصرفون الآية إلى أصحاب الكبائر ~~بارتكابهم الكبيرة يصيرون مكذبين ومتولين؛ لأنهم في ابتداء اعتقادهم ~~التوحيد والإيمان اعتقدوا وفاء كل ما وقع به الأمر، ووفاء كل ما يليق به، ~~والانتهاء عن جميع ما لا يليق به، فإذا ترك ذلك صار مكذبا لما اعتقد في ~~الأصل وفاء ذلك. # لكن عندنا لا يصير بترك الوفاء مكذبا؛ لكن يصير مخالفا لما وعد واعتقد. # واستدلت المرجئة الذين لا يرون العذاب إلا لأهل الشرك والكفر بهذه الآية ~~يقولون: إنه لا يصلاها إلا الذي كذب وتولى، والمسلم وإن ارتكب الكبيرة أو ~~الصغيرة فهو ليس بمكذب ولا متول. # ولكن تأويل الآية عندنا في الكفرة، ليست في أهل التوحيد والإيمان. # ثم يحتمل قوله: (لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى) في باب ودرك دون ~~درك وباب، فإن كل فريق دركا، قال الله - تعالى -: (إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار)، وهذا كما قال: (ليس لهم طعام إلا من ضريع)، وقال في آية ~~أخرى: (إلا من غسلين)؛ فيكون الضريع الذي ذكر في باب ودرك منها، والغسلين ~~في باب آخر، فجائز على هذا ألا يصلي ذلك الدرك إلا الأشقى. فأما يجوز أن ~~يكون لصاحب الكبيرة درك خاص. # وأما ما ذكروا أن أصحاب الكبائر قد أوعدوا وخوفوا بمواعيد شديدة، فلسنا ~~ننكر المواعيد لهم، وأنهم يعذبون، ولكن نقول: لا يكونون في الدركات التي ~~فيها الكفار إن أدخلوا في النار. # وجائز - أيضا - أن يعذبوا بعذاب سوى العذاب الذي ذكر بالنار والتلظي. # وعندنا: هم ms5074 في مشيئة الله - تعالى - إن شاء عذبهم وإن شاء تجاوز عنهم، ~~وخلى عنهم سبيلهم، وأما النار التي ذكر بصفة التلظي فهي للكفار، والله ~~الموفق. # وقوله - عز وجل -: (وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18): # PageV10P554 # أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى ويقيه عنها. # ثم فيه دلالة أنه إنما يجنبها ويقيها بالأعمال التي يعملها؛ فدل أن لله - ~~تعالى - في أفعالهم صنعا، حيث أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها، وهو كقوله: ~~(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). # وقوله - عز وجل -: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى (20). # أي: ما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجزى بها ولا بد أن يستحق الثواب ~~بها، لكن إذا أدى نعمة من نعم الله - تعالى - التي أعطاها إياه لغيره؛ ~~ابتغاء وجهه، وطلب رضاه - يجزيه بفضله؛ كأنه كانت له عنده نعمة يجزى بها. # والثاني: يحتمل أن هذا صلة قوله: (يؤتي ماله يتزكى)، أي: يتصدق ويتزكى؛ ~~لابتغاء وجه الله - تعالى - على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها وينفق ~~عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه؛ كأنه يقول: لا يعطي الزكاة أحدا عن ~~مجازاة لما سبق منه إليه من نعمة؛ إنما أعطاها له لا مجازاة، ولكن لله ~~تعالى خالصا. # وفيه دليل ألا يعطي الرجل زكاة ماله من عنده له نعمة أو منة؛ لأنه يخرج ~~ذلك مخرج الإعطاء ببدل. # وقوله - عز وجل -: (ولسوف يرضى (21) أي: يرضى بالذي يجزى به، ويساق إليه ~~من الثواب. وحرف أو " سوف " وال " عسى " من الله تعالى واجب؛ كأنه يقول: ~~يعطيه حتى يرضى. # وقال بعضهم: نزلت هذه الآية - وهي قوله عز وجل: (وما لأحد عنده من نعمة ~~تجزى) - في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه. # وقال بعضهم: هذه الآية نزلت في أبي الدحداح - رضي الله عنه - طلب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - منه نخلة - إلى آخر القصة. # وقال بعض أهل الأدب: تردى في النار، أي: سقط، ويقال: تردى: تفعل، من ~~الردى، وهو الهلاك، و (إذا تجلى): إذا بدا، ms5075 واليسرى من التيسير، والعسرى من ~~التعسير، والله أعلم. # PageV10P555 ### | سورة الضحى، # هي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) ~~وللآخرة خير لك من الأولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما ~~فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر ~~(9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11). # قوله - عز وجل -: (والضحى (1) والليل إذا سجى). # قال بعضهم: الضحى: هو ضوء النهار، كقوله: (وضحاها)، أي: ضوءها. # وقال بعضهم: هو ساعة من النهار، وهي من أول النهار، ويقال: صلاة الضحى، ~~وهي عند ضحوة النهار. # ومنهم من يقول: هو كناية عن الحر؛ كقوله: (ألا تجوع فيها ولا تعرى)، إلى ~~قوله: (ولا تضحى)، أي: لا يصيبك الحر، والله أعلم. # ومنهم من يقول: هو كناية عن النهار كله، أقسم به، وبالليل الذي ذكر. # فإن كان المراد من الضحى هو ضوء النهار، ومن (والليل إذا سجى): ظلمته؛ ~~فيخرج القسم به على أن ظلمة الليل تستر الخلائق كلهم في طرفة عين، وكذلك ~~ضوء النهار يكشف الستر، ويجلي بطرفة عين جميع الخلائق، من غير أن يعلم أحد ~~ثقل ذلك الستر أو خفة ذلك الضوء، فأقسم بذلك لعظيم ما فيهما من الآية. # وإن كان المراد منه نفس الليل والنهار؛ فالقسم بهما لما جعل فيهما من ~~المنافع الكثيرة. # وقوله - عز وجل -: (إذا سجى) اختلف فيه: # قال بعضهم: إذا استوى. # PageV10P556 # وقال بعضهم: إذا سكن وركد. # وقال بعضهم: (إذا سجى): إذا غشي وأظلم، وغطى كل شيء وستر، وهو من التسجي ~~والتستر؛ يقال: تسجى قبر المرأة؛ إذا تستر وتغطى. # وقوله - عز وجل -: (ما ودعك ربك وما قلى (3) على هذا وقع القسم، ثم اختلف ~~في السبب الذي لأجله نزل هذا: # قال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان سئل عن شيء إذ طلبوا منه ~~شيئا، فقال: أفعل ذلك غدا، أو أجيبكم عنه غدا، ولم يستثن؛ فاحتبس عنه الوحي ~~أياما لذلك؛ فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، أي: تركه وأبغضه. # ومنهم من قال: إنه أبطأ ms5076 عليه الوحي، فجزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة - ~~رضي الله عنها -: " إني لأرى قلاك ربك وودعك "؛ مما ترى من جزعه؛ فنزل ~~قوله: (ما ودعك ربك وما قلى). # ولسنا ندري كيف كان الأمر؟ فإن كان نزل ذلك لقول قريش، فالقسم يحتمل ~~كذلك؛ ردا لقولهم. # والقول الثاني: أنه نزل لقول خديجة - رضي الله عنها - فهو غير محتمل؛ لأن ~~خديجة تعلم أن الله - تعالى - لم يودعه ولا قلاه، وكذا كل مؤمن معتقد أن ~~الله - تعالى - لا يودع أحدا من رسله. # ولأنها تصدق الرسول - عليه السلام - أنه لم يودعه ولا قلاه إذا أخبرها ~~بغير قسم؛ فلا معنى للقسم؛ فدل أن هذا الوجه غير محتمل. # ثم صرف تأويل الآية إلى غير ما قالوا أشبه عندنا وأقرب مما قالوا، وهو ~~أنه - عليه السلام - بعث إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم قتل من ~~خالفهم، وإهلاك من # PageV10P557 # استقبلهم بالخلاف، ولم يكن معه فضل مال وسعة يستميل به قلوب الناس؛ فيقول ~~أولئك الكفرة: إن ربه قد خذله وتركه وقلاه، حيث بعثه إلى من ذكرنا من ~~الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل وعادتهم إهلاك من خالفهم بلا ~~أنصار ولا أعوان من الملائكة، ولا مال وسعة يستميل به القلوب والأنفس؛ لأن ~~من سلم إنسانا إلى أعدائه الذين يعلم أنهم أعداؤه، ويخلي بينه وبين الأعداء ~~بلا أنصار وأعوان ولا مال وسعة من الدنيا - يقال: إنه قد خذله وتركه وقلاه؛ ~~إذ لا يفعل ذلك في الأصل إلا لذلك؛ فعند ذلك قالوا: إنه ودعه وقلاه، وهو ما ~~قالوا: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون ~~له جنة يأكل منها)، وقولهم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم)، ونحو ذلك مما قالوا، فلولا صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ~~ذكروا، وإلا صرفه إلى ما ذكرنا أشبه. # وفي قولهم: " قد ودعه ربه " دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأقروا بذلك حتى قالوا؛ فنزل قوله: (ما ودعك ربك). # والثاني: أنه لو كان يخترع ms5077 على ما كانوا يقولون أولئك، لكان لا يحتبس عن ~~الاختراع، ويكون يخترع أبدا؛ حتى لا يقولوا: " إنه ودعه "؛ فدل ظهور احتباس ~~الوحي: أنه عن أمر يخبر، وأنه مأمور بذلك، ثم أخبر أنه لم يبعث إلى هؤلاء ~~الفراعنة والجبابرة لما ذكر أولئك الكفرة أنه خذله وتركه وقلاه، ولكن بعثه ~~وهو ينصره ويعينه على تبليغ ما أمر بتبليغه إلى من أمر بتبليغه، ولم يقله، ~~ولكنه اصطفاه واختاره؛ حتى يعلو أمره، ويكثر ذكره، وفي ذلك آية عظيمة على ~~إثبات الرسالة، وهو ما ذكرنا أنه بعث إلى من همتهم القتل والإهلاك لمن ~~خالفهم، فقهرهم جميعا، وغلب على الكل حتى أظهر الإسلام فيمن قرب منه ومن ~~بعد. # وقوله - عز وجل -: (وللآخرة خير لك من الأولى (4): # يقول: مع ما أعطيت في الدنيا من الشرف والذكر والغلبة على الفراعنة، ~~فالآخرة خير لك من الأولى؛ يرغبه في الآخرة، ويزهده في الدنيا. # أو يقول: إن أولى لك أن يكون سعيك للآخرة؛ فهو خير لك من الأولى، وهو # PageV10P558 # كقوله - تعالى -: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه). # وقوله - عز وجل -: (ولسوف يعطيك ربك فترضى (5). # أي: لتعطى في الآخرة ما ترضى من الكرامة والشرف. # وقال بعضهم: أي: ولسوف يعطيك ربك فترضى في الدنيا من الذكر والشرف ~~والمنزلة والغلبة على الأعداء. # ويحتمل: يعطيك في أمتك ما ترجو وتأمل من الشفاعة لهم وترضى. # ويقول بعض الناس: إن أرجى آية هذه؛ حيث وعد له أنه يعطيه ما يرضى، ولا ~~يرضى أن يكون أمته في النار. # ومنهم من قال: أرجى آية قوله - تعالى -: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما)، وهو قول ابن مسعود، رضي الله عنه. # وعندنا أرجى الآيات هي التي أمر الله - تعالى - رسله بالاستغفار ~~للمؤمنين، وكذلك ما أمر الملائكة بالاستغفار لهم؛ فاستغفروا لهم. # وقوله - عز وجل -: (ألم يجدك يتيما فآوى (6): # ما ذكر من الأحوال التي ذكر فيه من قوله: (ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ~~ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى) الآية، وقوله تعالى: (وما كنت ms5078 تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك)، ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه وهي في الظاهر ~~أحوال تذكر للشين فيمن تقال فيه، لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال: ذكر ~~بشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنصر له والعون؛ وآية له على ~~رسالته ونبوته؛ لأن نفاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر - أعظم في ~~الأعجوبة من نفاذه في حال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها. # أو أن يكون قوله: (ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك ~~عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9)، ونحوه، لأن أولئك الكفرة كانوا ~~ينسبونه إلى الافتراء # PageV10P559 # والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير ليس يبلغ في العلم ~~والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من نفسه على وجه يعجز ~~عن مثله جميع الخلق؛ لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل من المؤن حتى يبلغ ~~مبلغ الاختراع، وكذلك ما ذكر حيث قال: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك. . .) الآية؛ لأنهم قالوا: (إنما يعلمه بشر)، والبشر إنما ~~يتعلمون بالكتابة والخط، فإذا لم يكن لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - ~~شيء من ذلك؛ دل أنه بالله - تعالى - عرف وحده. # وقوله - عز وجل -: (ألم يجدك يتيما فآوى)، أي: وجدك يتيما فآواك. # ثم يحتمل قوله: (فآوى) وجوها: # أحدها: وجدك يتيما فآواك إلى عمك حتى رباك ودفع عنك كل أذى وآفة، وساق ~~إليك كل خير وبر، إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت. # والثاني: يقول: قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائك حتى تولى تربيك ~~وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يذكر منته وعظيم نعمه عليه ~~أنه كان ما ذكر، ثم صير عدوا من أعدائه أشفق الناس عليه وأعطف، والله أعلم. # والثالث: قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك حتى اختصك واصطفاك ~~للرسالة والنبوة؛ حتى صرت مذكورا في الدنيا والآخرة، وحتى أحوج جميع الناس ~~إليك، وليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من ms5079 أمرك ~~وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا، فيما ذكرنا من اختصاصه إياك ~~بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك؛ يذكر عظيم مننه ونعمه عليه. # وقوله - عز وجل -: (ووجدك ضالا فهدى (7) هذا يخرج على وجوه: # أحدها: يقول - والله أعلم -: لولا أن الله تعالى هداك لدينه، ووفقك له، ~~وإلا وجدك ضالا؛ إذ كان نشوءه بين قوم ضلال، لم يكن أحد يهديه ويدعوه إلى ~~الله تعالى، ولكنه هداك وأرشدك، فلم يجدك ضالا، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. . .)، أي: لولا أنه أنقذكم ~~منها، وإلا صرتم على شفا حفرة من النار لو لم ينقذكم منها، وكقوله: (ولولا ~~أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا)؛ لأن البشر أنشئ وطبع على الركون ~~والميل إلى النعم العاجلة، # PageV10P560 # واختيار الأيسر والألذ، ولكنه بفضله ولطفه ثبتك وعصمك، ولم يكلك على ما ~~طبعت وأنشئت في أصل الخلقة؛ فعلى ذلك نقول في قوله: (ووجدك ضالا فهدى)، أي: ~~لولا أنه هداك؛ وإلا وجدك ضالا لو لم يهدك، ففيه أنه هداه ولم يجده ضالا. # والثاني: يقول: ووجدك ضالا لا ضلال كسب واختيار، ولكن ضلال الخلقة التي ~~أنشئ عليها الخلق، والضلال بمعنى الجهل؛ لأن الخلق في ابتداء أحوالهم ~~يكونون جهالا، لا جهل كسب يذمون عليه، أو يكون لهم علم يحمدون عليه، ولكن ~~جهل خلقة وضلال خلقة؛ لما ليس معهم آلة درك العلم؛ فلا صنع له في كسب ~~الجهل، فأما بعد الظفر بآلة العلم يكون الجهل مكتسبا؛ فيذم عليه، وكذا ~~العلم؛ فيترتب عليه الحمد والذم؛ فعلى هذا يكون قوله - تعالى -: (ووجدك ~~ضالا فهدى)، أي: وجدك جاهلا على ما يكون في أصل الخلقة وحالة الصغر فهداك، ~~أي: علمك، وهو كقوله - تعالى -: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا. . .)، وقوله - تعالى -: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب. . .)، ~~يذكر أنه لم يكن يدري شيئا حتى أدراه وعلمه. # والثالث: يقول: (ووجدك ضالا)، أي: غافلا عن الأنباء المتقدمة وأخبارهم ~~حتى أطلعك الله - تعالى - على ذلك، كقوله: (نحن نقص عليك أحسن ms5080 القصص بما ~~أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين). # أو يقول: ووجدك في أمر القرآن أو ما فيه جاهلا غافلا عن علم ذلك، فأعلمك. # وقال بعضهم: (ووجدك ضالا)، أي: وجدك بين قوم ضلال فهداك، أي: أخرجك من ~~بينهم ما لو لم يخرجك من بين أظهرهم، لدعوك إلى ما هم عليه، ويجبرونك على ~~ذلك، ولم يرضوا منك إلا ذلك، والله أعلم. # وقال بعضهم: (ووجدك ضالا) من طريق مكة فهداك الطريق. # وقال بعضهم: (ووجدك ضالا) حقيقة الضلال، فهداك للتوحيد. # لكن هذا [وخش من القول]؛ إذ لا يليق به أن ينسب إلى ذلك. # وقال بعضهم: (ووجدك ضالا) عن النبوة أي: جاهلا، فهداك للنبوة، وهو قريب ~~مما ذكرناه. # PageV10P561 # وقوله - عز وجل -: (ووجدك عائلا فأغنى (8) أي: فقيرا فأغناك بما أراك من ~~أمر الآخرة، وما يسوق إليك من نعيمها، أي: بما أعد له في الآخرة، وما وعد ~~له من النعيم والكرامات هانت عليه الدنيا، حتى ذكر أن الدنيا لم تكن تعدل ~~عنده - عليه السلام - جناح بعوضة؛ ولذلك روى أن الغنى غنى القلب. # ويحتمل أنه جعل فيه حالا بلطفه أغناه؛ كما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه نهى عن الوصال، فقيل: أنت تواصل، يا رسول الله؟ فقال - عليه ~~السلام -: " أنا لست كأحدكم؛ إن ربي يطعمني ويسقيني "؛ فجائز أن يكون لله - ~~عز وجل - فيه لطف أغناه به، وإن لم يطلعنا عليه، والله أعلم. # وقال بعضهم: أغناك بمال خديجة، رضي الله عنها. # وقال بعضهم: فأغناك، أي: فأرضاك بما أعطاك من الرزق، وأقنعك. # وقوله - عز وجل -: (فأما اليتيم فلا تقهر (9) وفي حرف ابن مسعود - رضي ~~الله عنه -: " فأما اليتيم فلا تكهر "، فالكهر: الزجر، كأنه قال: فلا تزجر. # وجائز أن يكون قوله: (فلا تقهر)، أي: لا تمنع حقه، وادفع إليه حقه وماله. # أو يكون ذكر هذا، يقول: كنت يتيما ورأيت حال اليتيم؛ فلا تقهر اليتيم؛ ~~فيكون على الصلة لقوله: (ألم يجدك يتيما فآوى)، فلا تقهر اليتيم بعد ذلك. # (وأما السائل فلا تنهر (10): # أي: كنت محتاجا فقيرا، ms5081 فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله؛ فلا تنهر ~~السائل -أي: لا تزجره- ولكن أعطه. # وجائز أن يكون الأمر لا على النهي، ولكن على الأمر بالبر لهؤلاء والإعطاء ~~لهم. # وجائز أن يراد من نفي شيء إثبات ضده، كقوله - تعالى -: (فما ربحت ~~تجارتهم)، أي: خسرت، وعلى هذا الحديث، وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: " إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ ~~منها، ثم ردوا عليه برفق ولين، إما ببذل يسير، أو برد جميل؛ فإنه قد يأتيكم ~~من ليس بإنس ولا جن؛ يرى كيف صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ". # وقال قوم: تزويج اليتيم قهره؛ لما فيه من الاستذلال والإضرار؛ فلم يجوزوه ~~من غير # PageV10P562 # الأب والجد، وأجازوا بيع ماله من وصيه إن كان وصي الأب أو وصي أمه في ~~تركتها؛ فدل أن تزويج اليتيم ليس من قهره في شيء، وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه زوج بنت حمزة سلمة بن أبي سلمة، وهو صغير يتيم، وزوج ~~ابن عمر بنت أخيه وهي صغيرة، وزوج عروة ابنته من مصعب وهي صغيرة. # وقهر اليتيم في ظلمه والاعتداء عليه، وليس في التزويج ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وأما بنعمة ربك فحدث (11) يحتمل وجهين: # أحدهما: يقول: حدثهم بنعم الله - تعالى - التي أنعم عليهم؛ ليعرفوا ويفوا ~~بما فيه شكرها. # أو يقول: حدثهم بما أنعم الله عليك، وهو هذا القرآن؛ إذ القرآن من أعظم ~~ما أنعم الله عليه، فأمر بتحدث ما عليه من النعم؛ ليعرفوا عظيم ما أنعم ~~الله عليه من الاختصاص لهم؛ حيث جعلهم من أمته ومن قومه. # أو أمر بأن يقرأه ويحدث بما فيه. # وقد روي عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف ~~خز، لم نره عليه قبل، ولا بعد، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: " إن الله - تعالى - إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه ~~". # وعن عطية عن أبي سعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ms5082 قال: " إن ~~الله - تعالى - جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض ~~البؤس والتبؤس ". # وعن أبي الأحوص عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: " من أعطاه الله - تعالى - خيرا؛ فلير عليه، وابدأ بمن ~~تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على كفاف، ولا تعجز عن نفسك ". # وعن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا بسط الله - تعالى - على عبد نعمة فلتر ~~عليه " يعني به: الصدقة والمعروف، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: " ~~وابدأ بمن تعول " دليل عليه. # قال أهل الأدب: عال: افتقر، وأعال، أي: كثر عياله، ويقال: أسجيته: ~~أسكنته، وقالوا: الانتهار: الكلام الخشن. وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه أجمعين. # * * * # PageV10P563 ### | سورة (ألم نشرح)، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك ~~(3) ورفعنا لك ذكرك (4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا ~~فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8). # وقوله - عز وجل -: (ألم نشرح لك صدرك). # المخاطب في هذه السورة من الله - تعالى - رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خاطبه إياه؛ حيث قال: (ألم نشرح لك صدرك) إلى ما ذكر. # والمخاطبة في سورة الضحى إنما كانت من غير الله - تعالى - إياه، كان ~~جبريل - عليه السلام - خاطبه في ذكر منن الله تعالى إياه، وذكر نعمه ألا ~~ترى أنه قال: (ما ودعك ربك)، ولم يقل: ما ودعناك. # ويجوز أن يكون الخطاب في سورة (والضحى) من الله على المغايبة؛ كما يقال: ~~إن أمير المؤمنين يقول كذا، ويريد نفسه. # ثم اختلف في قوله: (ألم نشرح لك صدرك): # قال بعضهم: شرح صدره للإسلام؛ كقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه). # أخبر أن من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه. # والشرح، قيل: هو التليين، والتوسيع، والفتح، أي: ألم نوسع لك صدرك ونفتح ~~ونلين للإسلام. # وقد روي في ms5083 الخبر أنه لما نزل هذا، قيل: يا رسول الله، وهل لذلك من ~~علامة؟ فقال: " بلى، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، ~~والاستعداد للموت قبل نزوله ". # PageV10P564 # لكن يعرف ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الحقيقة، ويظهر ~~منه ذلك باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور، والإنابة ~~إلى دار الخلود بالتقارب، وغالب الظن؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كانت له الآخرة لا محالة، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة، وكذلك جميع ~~الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك؛ فلا يبلغ ~~ذلك، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي: تعرف بطريق اليقين، بخلاف ~~رؤيا غيرهم. # وقال بعضهم: شرح صدره؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى ~~الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم، والإقلاع عن عبادة من ~~يعبد الله ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه؛ فوسع الله صدره وشرحه حتى هان ذلك ~~عليه وخف، وهو قول أبي بكر الأصم، إلا أنه يقول: فعل ذلك به، وحقق بالآيات ~~والحجج، ونحن نقول باللطف منه، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر، أما هو لا يقول ~~باللطف والاختصاص للبعض دون البعض؛ لقوله بالأصلح. # ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله: (وإنك ~~لعلى خلق عظيم)، وخلقه كان يجاوز وسعه وطاقته؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان ~~كفر أولئك، وما يعلم أنه ينزل بهم؛ إشفاقا عليهم، ورحمة، كقوله: (لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين) الآية، وقوله: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق ~~به صدرك. . .) الآية، وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك - والله أعلم - ما وصف ~~من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه؛ حيث قال له: (فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات. . .)، وقال: (ولا تحزن عليهم) الآية. # وقال الحسن في قوله: (ألم نشرح لك صدرك): بلى، قد شرح له صدره، وملأه ~~علما وحكمة. # ثم قوله: (ألم نشرح لك صدرك) إلى آخر ما ذكر، إن كان المخاطب به رسول ms5084 ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو المعني والمراد به، فتأويل السورة يخرج ~~على ما ذكرنا من تيسير الأمر عليه، # PageV10P565 # وتخفيف ما حمله عليه وأمر به. # وقوله - تعالى -: (ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك): # على ابتداء وضع الوزر والإثم على ما نذكر، وإن كان المخاطب به غيره وهم ~~أمته، وإن كان الخطاب أضيف إليه، فالأمر فيه سهل، وإن كان الخطاب على ~~الاشتراك، فيحتاج إلى التأويل أيضا. # وقوله - تعالى -: (ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك): # قال عامة أهل التأويل: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله: (ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر. . .)، وقوله: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات) يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من ~~القول، لكنا نقول: إن قوله: (ووضعنا عنك وزرك): الوزر هو الحمل والثقل؛ ~~كأنه يقول: قد خففنا عليك ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال ~~التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها ~~عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، والله أعلم. # والثاني: جائز أن يكون قوله: (ووضعنا عنك وزرك) ابتداء وضع الوزر، أي: ~~عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزار وآثام، كقوله: (ووجدك ~~ضالا فهدى)، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه ~~فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ابتداء، وهو كقوله: (ليخرجكم ~~من الظلمات إلى النور)، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، لا أن كانوا فيها، ثم ~~أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره. # وقوله: (أنقض ظهرك (3)، أي: أثقل ظهرك. # PageV10P566 # وقوله: (ورفعنا لك ذكرك (4): # جائز أن يكون رفع ذكره؛ لما ألزم الخلق الإيمان به حتى لا يقبل من أحد ~~الإيمان بالله تعالى، والتوحيد له، والطاعة، والعبادة إلا بالإيمان به ~~والطاعة له، قال الله - تعالى -: (من يطع الرسول فقد أطاع الله. . .)، ~~وقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما ms5085 قضيت. . .). # وجائز أن يكون ما ذكر من رفع ذكره هو أنه يذكر حيث ذكر الله، قرن ذكره ~~بذكره في الأذان والإقامة، وفي الصلاة، وفي التشهد، وفي غيره من الخطب، ~~والله أعلم. # والأول عندنا أرفع وأعظم من الثاني. # وجائز أن يكون رفع ذكره ما أضاف اسمه إلى اسمه بما قال: رسول الله، ونبي ~~الله، ولم يسمه باسمه على غير إضافة إلى الرسالة والنبوة، فقال: (محمد رسول ~~الله. . .)، وقال: (يا أيها الرسول بلغ. . .)، وقال: (يا أيها النبي لم ~~تحرم. . .)، ونحو ذلك، وهو المخصوص بهذا دون غيره من إخوانه عليه السلام؛ ~~لأنه قلما أضاف اسمهم إلى اسمه، وقلما قرن أسماءهم باسمه، بل ذكرهم ~~بأسمائهم، كقوله: (واذكر إسماعيل واليسع. . .)، وقوله: (ويونس ولوطا)، ونحو ~~ذلك. # أو رفع ذكره بما عظمه وشرفه عند الخلق كله، حتى إن من استخف به خسر ~~الدنيا والآخرة. # وقوله - تعالى -: (فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6): # روي في الخبر أنه قال: " لن يغلب عسر يسرين ". # قال بعضهم: إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين " لأن العسر الثاني ذكره ~~بحرف التعريف؛ فهو والأول واحد؛ واليسر ذكره بحرف النكرة؛ فهو غير الأول. # PageV10P567 # وقال أبو معاذ: كلما كررت المعرفة كان واحدا، والنكرة على العدد؛ يقال في ~~الكلام: إن مع الأمير غلاما إن مع الأمير غلاما، فالأمير واحد ومعه: ~~غلامان، وإذا قيل: إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام؛ فالأمير واحد ~~والغلام واحد، وإذا قيل: إن مع أمير غلاما، إن مع أمير غلاما، فهما أميران ~~وغلامان؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا. # ثم قوله: " يسرين " هو يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على ~~الإسلام والدين، قال الله - تعالى -: (فسنيسره لليسرى)، ويسر آخر: ما وعد ~~لهم من السعة في الدنيا. ويحتمل أن يكونا يسرين: أحدهما: رجاء اليسر، ~~والآخر وجوده، فهما يسران: الرجاء، والوجود. # ويحتمل أن يكون يسرا في الدنيا، ويسرا في الآخرة. # أو أن يكون توسيعا: توسع عليهم الدنيا، ويسرا ثانيا: ما يفتح لهم الفتوح ~~في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، والله ms5086 أعلم. # ثم قالوا في قوله: (إن مع العسر يسرا)، أي: بعد العسر يسر. وأصله أن حرف ~~" مع " إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان ~~الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد، وهاهنا ~~أضيف إلى الوقت؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد؛ فإذا قيل: فلان مع ~~فلان في مكان، فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق. # وقوله - عز وجل -: (فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8): # قال بعضهم: إذا فرغت من دنياك فانصب لآخرتك، وهو من النصب، أي: التعب. # وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له، لكن هذا بعيد؛ ~~لأنه نزل ذلك بمكة، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة، إلا أن يكون أمر ~~بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك ~~الأوقات، لا في حال ورود الأمر. # PageV10P568 # وقال بعضهم: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء. # وقال قتادة: إذا فرغ من الصلاة أن يبالغ في دعائه وسؤاله إياه. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في ~~قيام الليل. # ويحتمل عندنا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة إليهم، فانصب لعبادة ربك ~~والأمور التي بينك وبين ربك، على ما ذكرنا في أحد التأويلين في قوله: (إن ~~لك في النهار سبحا طويلا)، في أمر الرسالة والتبليغ، واذكر اسم ربك فيما ~~بينك وبين ربك. # ويجب ألا نتكلف تفسير ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ لأنه أمر ~~بينه وبين ربه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما أراد به ~~فيما خاطبه من الجميع، وأنه فيم كان؟ وقد كان خصوصا له، وليس شيئا مما يجب ~~علينا العمل به حتى يلزمنا التكلف لاستخراج ذلك سوى الشهادة على الله ~~تعالى؛ فكان الإمساك عنه أولى، وترك التكلف فيه والاشتغال به أرفق وأسلم، ~~والله الموفق. # * * * # PageV10P569 ### | سورة التين، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) ~~لقد خلقنا الإنسان ms5087 في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) ~~أليس الله بأحكم الحاكمين (8). # قوله - عز وجل -: (والتين والزيتون): # قال: هذه السور كلها نزلت في محاجة أهل مكة، سوى سورة (والضحى) و (ألم ~~نشرح)؛ فإنهما جاءتا في تذكير منن الله تعالى لرسوله - عليه السلام -: # إحداهما: خاطبه جبريل - عليه السلام - في تذكر ما من عليه، والأخرى خاطبه ~~ربه - جل جلاله - بذلك، وأما غيرهما من السور فإنما جاءت في محاجة أهل مكة. # ثم قوله - عز وجل -: (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد ~~الأمين): قسم؛ أقسم تأكيدا للحجج التي أقامها ما لولا القسم لكان ما ذكر ~~يوجب ذلك، لكن في القسم تأكيد ما ذكر من الحجة. # ثم اختلف أهل التأويل في قوله: (والتين والزيتون): # قال بعضهم: هو التين الذي يأكله الناس، والزيتون الذي يستخرجون منه ~~الزيت، كذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن قوله: (والتين ~~والزيتون)؛ فقال: تينكم وزيتونكم هذا. # وقال بعضهم: هما جبلان بالشام. # وقال بعضهم: هما مسجدان في الشام: أحدهما: مسجد دمشق، والآخر: مسجد بيت ~~المقدس. # PageV10P570 # وقيل: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد نبينا عليه السلام. # وعن قتادة: أنه قال: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي ~~عليه مسجد بيت المقدس. # وقال القتبي: التين والزيتون: جبلان بالشام، يقال لهما: طور تيناء، وطور ~~زيتاء؛ بالسريانية، سميا بالتين والزيتون؛ لأنهما ينبتان فيهما. # وقوله: (وطور سينين (2) قال بعضهم: هو جبل بسينين، والسينين: اسم موضع، ~~والطور الجبل، وكذا قال أبو عوسجة. # وقال بعضهم: جبل حسن، و " السينين ": الحسن بالحبشة. # وقال بعضهم: كل جبل مشجر، له الثمر، فهو سينين. # وقال بعضهم: هو الجبل الذي أوحي عليه إلى موسى - عليه السلام - وهو طور ~~سيناء. # وقيل: هو الجبل المبارك. # ثم تخرج جهة القسم بالجبل، وبما ذكر على وجوه: # أحدها: بما عظم شأن الجبال في قلوب الخلق حيث وصل إليهم أخبار السماء من ~~جهة تلك الجبال، وجميع ما يرجع إلى منافع أنفسهم ودينهم، على ms5088 ما ذكر أنه ~~أوحي إلى موسى - عليه السلام - على جبل طور سيناء، وأوحي إلى عيسى - عليه ~~السلام - على جبل ساعورا، وأوحي إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - على جبل ~~فاران، على ما ذكر في الخبر أن موسى - عليه السلام - قال: " أتاني ربي من ~~جبل طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران "، أي: أتاني ~~وحي ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي وحي عيسى - عليه السلام - من جبل ساعورا، ~~ويأتي الوحي إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - من فاران ". # PageV10P571 # والثاني: أقسم بالجبال؛ لما أرساها في الأرض، وجعلها أوتادا لها؛ لئلا ~~تميد بأهلها، ولا تميل، على ما ذكر في غير آي من القرآن عظم شأن الجبال من ~~هذه الجهة في قلوب الخلق. # والثالث: لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغلظها وارتفاعها المياه ~~الجارية وغير الجارية الصافية الباردة، وهي من ألين الأشياء وأخرج منها ~~الأشجار الكثيرة المثمرة وغير المثمرة من غير إنبات أحد، ولا غرسها، وغير ~~ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك منها ~~بحيلهم وتكلفهم، فأقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات. # وكذلك إن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه الزيت؛ لما ~~جعل لهم في ذلك من المنافع العظام، كقوله - تعالى -: (وشجرة تخرج من طور ~~سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم ~~بالجبال والتين والزيتون. # أو ذكر التين والزيتون والمراد بهما: الجبل؛ لما في الجبل يكونان عندهم، ~~على ما ذكرنا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وهذا البلد الأمين (3) هو مكة؛ سماه: أمينا؛ لما يأمن ~~من دخله، أو يؤمن من دخله ويحفظه؛ لأن الأمين عند الناس هو الذي يحفظ من ~~ائتمن عليه وفيه، وهو المأمون به. # ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك؛ لما عظم شأنه وأمره ~~عندهم وفي قلوبهم، وأقسم بالجبال؛ لعظم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل ~~الكتاب؛ لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي؛ ms5089 ~~ولكن يعظمون ذلك البلد. # وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) قال أهل ~~التأويل: على هذا وقع القسم، لكن القسم بغيره أولى وأقرب؛ لأنهم قد شاهدوا ~~وعرفوا أنه خلق الإنسان على # PageV10P572 # أحسن تقويم؛ إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه ~~الصورة التي أنشأه عليها؛ فالأشبه أن يكون القسم واقعا على قوله: (ثم ~~رددناه أسفل سافلين)؛ لما فيه وقع الإنكار والتكذيب وهو نار جهنم؛ فأكد ذلك ~~بالقسم كأنه قال: مع أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، نردهم إلى أسفل ~~السافلين؛ لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين. # ثم قوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) يخرج على وجوه: # أحدها: أحسن صورة يشاهدون ويعاينون؛ لأن الملائكة لعلهم أحسن صورة وأحكم ~~تقويما في الخلقة من البشر، ولكن يرجع إلى سائر الخلائق دونهم؛ وذلك لأنه ~~خلق البشر على صورة لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر؛ دل أنه ~~خلقهم على أحسن صورة. # والثاني: على أحسن تقويم، أي: على أحكم تقويم وأتقنه؛ لأنه خلقهم وأنشأهم ~~على هيئة يتهيأ لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل ~~وأسباب علمهم وجعكل فيهم، ومكن لهم ذلك. # ويحتمل (أحسن تقويم)، أي: أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية الله - ~~تعالى - وألوهيته. # أو جعلهم أهل تمييز ومعرفة، وبحيث يكون منهم الخيرات وأنواع الطاعات التي ~~يثابون عليها، وينالون بها الثواب الجزيل، والكرامة العظيمة ما لا يكون ~~لغيرهم. # وقوله - عز وجل -: (ثم رددناه أسفل سافلين (5) هو يحتمل وجوها: # أحدها: رددناه إلى أسفل السافلين وهو جهنم، نرد الكافر إلى جهنم وهي أسفل ~~السافلين، والمؤمن رددناه إلى الجنة وهي أعلى العليين، وهو ما استثنى ~~بقوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) في الجنة. # والثاني: رددناه إلى أسفل ما اختار من الأعمال والأفعال، وهو ما اختار من ~~فعل الشرك والكفر، ورددنا المؤمن إلى أعلى ما اختار من الأعمال العالية ~~الرفيعة، والله أعلم. # PageV10P573 # والثالث: ms5090 ما قاله أهل التأويل: ثم رددناه إلى أرذل العمر وأسفله، ثم ~~استثنى (إلا الذين آمنوا (6). . .) إلى آخره، أي: يجري عليهم ثواب أعمالهم ~~التي عملوا بها في حال صحتهم وشبابهم، فأما أولئك فإنهم إذا ردوا إلى ما ~~ذكر، لم يجر لهم ذلك؛ وهذا التأويل إنما يصح، أن لو استثنى المحسنين من ~~المؤمنين منهم، فأما إذا استثنى أهل الإيمان من أهل الكفر فإنه لا يحتمل، ~~والأول أشبه. # وقوله - عز وجل -: (فما يكذبك بعد بالدين (7): # إن كان الخطاب به لكل إنسان كذب بالدين، يقول: ما الذي دعاك إلى تكذيبك ~~بالدين؟ وقد عرفت أن الله - تعالى - أحكم الحاكمين، لا يفعل إلا ما هو ~~حكمه، ولو لم يكن يوم الدين كان فعله عبثا باطلا؛ لأنه أنشأكم، ثم رباكم ~~إلى أن بلغتم إلى الحال التي بلغتم، فلو لم يكن بعث، لكان يخرج فعله عبثا ~~باطلا. # أو يقول: لما سوى بين من اختار ولايته وبين من اختار العداوة في هذه ~~الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك. # وإن كان الخطاب في قوله: (فما يكذبك بعد بالدين) ولرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من الدين؟ أي: لا حجة له ~~في ذلك. # أو يقول: ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدين بعد ما عرف أني أحكم ~~الحاكمين؟!. # ثم اختلف في قوله: (بأحكم الحاكمين (8): # قال بعضهم: أحكم القاضين، أي: أعدلهم. # وقال بعضهم: أحكم الحكماء، والإفناء بلا بعث فعل السفهاء، لا فعل ~~الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، أي: أعدل القاضين في التفريق بين الأولياء ~~والأعداء، وقد اجتمعوا في الدنيا؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها، والله ~~الموفق. # * * * # PageV10P574 ### | سورة اقرأ، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ ~~وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن ~~الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8). # قوله - عز وجل -: (اقرأ باسم ربك الذي خلق): # ذكر أهل التأويل ms5091 أن هذه أول سورة نزلت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأول وحي أوحي إليه. # وقيل: غير هذه هي الأولى. # ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل ~~له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في ~~الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: (قل يا أيها الكافرون)، ~~و (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، وكذلك ~~على هذا قوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك. . .)، وأمثال ذلك، يجب ~~ألا يقول هو مثل ما قيل له: (قل)، أو: (اقرأ)، ولكن يقول: " يا أيها ~~الكافرون "، ويقول: " هو الله أحد "، " أعوذ برب الفلق "، " أعوذ برب الناس ~~"، هذا هو وجه الكلام ومعناه. # وجوابه أنه يحتمل وجوها: # أحدها: أنه أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت ~~في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول الله؟ وكيف أوحي إليه؟ وأنه ~~لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، والله ~~أعلم. # ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم # PageV10P575 # من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف المفهوم منه. # والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خاطب جبريل - ~~عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به، وأمره أن يقرأ، ثم ~~يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر ~~كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، والله أعلم. # وقوله - تعالى -: (باسم ربك الذي خلق) يحتمل أن يريد به أي: افتتح ~~القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب - تعالى - لينال بركة ~~ذلك فيه. # والثاني: أن يكون ما ذكر على أثر اسم ربه، هو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: ~~(الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق)؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ms5092 ربه. # أو يكون قوله: (باسم ربك) كما يقال: " أسألك باسمك الذي إذا دعيت به ~~أجبت، وإذا سئلت به أعطيت "، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه. # ثم قوله: (باسم ربك) يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا أن إضافة خاصية الأشياء إلى ~~الله - تعالى - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: (أن طهرا بيتي)، و ~~(ناقة الله)، (وأن المساجد لله)، ونحو ذلك من إضافة خاصية الأشياء إليه، ~~وإضافة كلية الأشياء إلى الله - تعالى - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، ~~نحو قوله: (له ملك السماوات والأرض)، و (رب السماوات والأرض)، و (رب كل ~~شيء). # ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى الله - تعالى - لا ~~يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت ~~له خصوصية وفضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع ~~والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (خلق الإنسان من علق (2): # PageV10P576 # العلق: الدم الجامد، ثم قوله: (خلق الإنسان من علق)، أراد به كل إنسان، و ~~(علم الإنسان ما لم يعلم) كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد إذا دخله لام التعريف ~~أريد به العموم، وهو كقوله - تعالى -: (إن الإنسان لفي خسر). # ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان ~~خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك ~~أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة ~~التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل. # ثم أضاف خلقه مرة أخرى إلى الأحوال التي قلب منها، حيث قال: (هو الذي ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة. . .)، إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا ~~إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة ~~مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن ms5093 هذه الأسماء أسامي هذه ~~الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، ~~وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما ذكر خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ~~ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، ~~فذكر بالذي ينتهي إليه من الغاية، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4): # ذكر (الأكرم)؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ~~ابتداء إحسان منه إليه، وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذ ذكر في موضع المنة ~~والفضل # PageV10P577 # والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف بغاية الكرم؛ كالأعلم وصف بإحاطة العلم ~~وكماله. # وقوله - عز وجل -: (علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5): # جعل الله - تعالى - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما ~~يخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر ~~دينهم رلا دنياهم. # ثم قوله: (علم بالقلم)، أي: علم الخط والكتابة بالقلم. # وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة - رضي الله عنهم -: (علم الخط ~~بالقلم). # ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه. # وكذلك قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم (5) فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم. # ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، والله أعلم. # ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لأنه علمه إياه بلا كتابة ولا خط؛ حيث قال: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك)، ثم في تعليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا قلم ~~ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا ~~كتابة، ولا خط يخطه. # ثم قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم) يحتمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ لقوله: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما)، وكقوله: (تلك ~~من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ms5094 قبل هذا)، ~~وقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان). # ويحتمل قوله: (علم الإنسان ما لم يعلم): كل إنسان؛ كقوله: (والله أخرجكم ~~من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا). # وقوله - عز وجل -: (كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7): # طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في ~~الخبر # PageV10P578 # من التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، ~~والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ~~ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ~~ذلك. # وقوله: (إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) ليس هذا وصف ذلك الكافر ~~بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه الله - ولكن كل كافر يطغى؛ ~~إن رأى نفسه غنية. # وقوله - عز وجل -: (إن إلى ربك الرجعى (8): # أي: المرجع كذا قال أبو عبيد. # وقال غيره: الرجوع. # ثم يحتمل قوله: (إن إلى ربك الرجعى)، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: ~~أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية. # وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه. # ثم قوله: (إن الإنسان ليطغى)، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل ~~إنسان، ولا خلف يقع في خبر الله تعالى؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن ~~الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على ~~المراد منه. # وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون ~~به. # * * * # قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على ~~الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله ~~يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) ~~فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19). # وقوله - عز وجل -: (أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10): # ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى: أبو جهل - لعنه الله - (عبدا إذا صلى): ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك ms5095 أنه كان يصلي في الحجر، فكان ينهاه ~~أبو جهل؛ فنزل: (أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على ~~الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله ~~يرى). # وجائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على أثر ذلك، وهو قوله: (ألم ~~يعلم بأن # PageV10P579 # الله يرى)، كأنه قال: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت الذي ينهى من ~~كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى، وعن الأمر بالتقوى، أرأيت الذي ~~كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتولى عن طاعة الله تعالى، ألم يعلم ~~بأن الله يرى؟! # يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد؛ فيكون ذلك جوابا لما تقدم من قوله: ~~(أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى. . .) إلى آخر ما ذكر. # وجائز أن يكون جواب قوله: (أرأيت الذي ينهى. عبدا إذا صلى) مسكوتا عنه؛ ~~ترك للفهم. # ثم قوله: (ألم يعلم بأن الله يرى (14) أي: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فينتقم ~~منه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # أو: ألم يعلم بأن الله يرى؛ فيدفعه عما هم برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو وعيد. # ثم قوله: (ألم يعلم بأن الله يرى) يحتمل وجهين: # أحدهما: قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه فعل ~~ذلك على المكابرة والعناد. # والثاني: (ألم يعلم بأن الله يرى) على نفي العلم له بذلك؛ إذ لو علم بأن ~~الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به، لكان لا يفعل ذلك ~~به. # وقوله - عز وجل -: (كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة ~~خاطئة (16): # أي: حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول الله (لنسفعا بالناصية)، ~~أي: لنأخذن بالناصية؛ كأنه عبارة عن الأخذ الشديد، والجر الشديد على ~~الناصية. # ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا: أنه لو لم ينته عما ذكر: # فإن كان في الدنيا فتكون ms5096 السفع كناية عن العذاب، أي: لنعذبن. # وقيل: قد أخذ بناصيته يوم بدر، فألقي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قتيلا. # وإن كان في الآخرة، فهو عن حقيقة أخذ الناصية؛ كقوله: (ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما. . .)، وقوله: (يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم. . .). # PageV10P580 # وقال أهل العربية: (لنسفعا بالناصية)، أي: نقبض، وسفعت ناصيته، أي: قبضت، ~~ويقال: سفعه بالعصا، أي: ضربه بها، ويقال: أسفع بيده، أي: خذ بيده. # وقوله - عز وجل -: (ناصية كاذبة خاطئة (16): # يحتمل ما ذكر من قوله: (كاذبة خاطئة) كناية عن النفس. # ويحتمل أن يكون كناية عن الناصية التي تقدم ذكرها. # وقوله - عز وجل -: (فليدع ناديه (17) أي: أبو جهل، (فليدع ناديه)، أي: ~~أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # (سندع الزبانية (18) نحن في الدفع عنه؛ لنرى هل يقدر أن يفعل به ما هم ~~به. # ثم يحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر. # وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية في الآخرة، وسموا: زبانية للدفع، ~~أي: يدفعون أهل النار في النار. # وقيل: الزبانية: الشرط، والواحد: زبينة، والنادي: المجلس، يريد به: قوله. # وقوله - عز وجل -: (كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) أي: لا تطع ذلك ~~الكافر، وكان ما ذكر، لم يطعه حتى مات؛ فكان فيه إثبات الرسالة. # وقوله - عز وجل -: (واسجد واقترب): # يحتمل قوله: (واسجد واقترب) أن يكون هذا خطابا للنبي - عليه السلام - أي: ~~صل، واقترب إلى الله عز وجل. # ويحتمل أن يكون قوله: (واسجد) خطابا للنبي - عليه السلام - أي: صل، ~~وقوله: (واقترب) خطابا لأبي جهل، أي: اقترب إلى محمد؛ حتى ترى على سبيل ~~الوعيد؛ لما كان يقصد المكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حال الصلاة. # ثم على التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه؛ فإنه لم يفهم من ~~قوله: (واقترب): القرب من حيث المكان، وقرب الذات، ولكن قرب المنزلة ~~والقدر، وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار: " ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ~~ذراعا "، ونحو ذلك، لا # PageV10P581 # يفهم ms5097 منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ~~ذكر في القرآن من القرب: قرب المنزلة والقدر. # ثم في هذه السورة السجدة؛ لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها. # وروي عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: " سجد في (إذا السماء انشقت)، و ~~(اقرأ باسم ربك) - أبو بكر، وعمر، ومن هو خير منهما ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " في (اقرأ): من عزائم السجود ". # وروى أبو عبيدة عن عبد الله أنه سجد فيها، والله أعلم. # * * * # PageV10P582 ### | سورة القدر، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ~~ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل ~~أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5). # قوله - عز وجل -: (إنا أنزلناه في ليلة القدر): قال أهل التأويل: إن ~~قوله: (إنا أنزلناه)، يعني: القرآن. # ويحتمل أن يكون قوله: (إنا أنزلناه)، يعني: السلام الذي ذكره في آخر ~~السورة، حيث قال: (من كل أمر. سلام): # فمن قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، فهم مختلفون فيه: # قال بعضهم: أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ في تلك ~~الليلة، وهي في شهر رمضان؛ لقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. . .)، ~~أي: أنزل من اللوح المحفوظ، ثم أنزل من السماء الدنيا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالتفاريق على قدر الحاجة من الأمر والنهي، والحلال ~~والحرام، والمواعظ، وكل ما يحتاج إليه. # وقال بعضهم: إنما أنزل من اللوح المحفوظ في تلك الليلة المقدار الذي ~~يحتاج إليه إلى العام القابل جملة، ثم ينزل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نجوما بالتفاريق، والله أعلم. # ثم لا ندري أن تلك الفضيلة التي جعلت لهذه الليلة؛ لفضل عبادة جعلت فيها، ~~امتحن الخلق بأدائها على الترغيب والأدب، أو فضلت لمكان ما امتحن الملائكة ~~وكلفهم بالنزول فيها والعبادة لله في الأرض، وإنزال القرآن، ونحو ذلك؛ أو ms5098 ~~لحكمة ومعنى فضلت لم يطلع على ذلك المعنى أحد، وقد جعلت لبعض الأمكنة ~~الفضيلة لعبادات جعلت فيها، نحو ما ذكر: " صلاة واحدة في المسجد الحرام ~~تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وصلاة واحدة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في ~~غيره سوى المسجد الحرام ". # PageV10P583 # وقال - تعالى -: (وأن المساجد لله. . .)، خصت هذه البقاع بالفضيلة على ~~غيرها؛ لعبادات جعلت فيها؛ فعلى ذلك جائز أن يخص بعض الأوقات دون بعض ~~بالفضيلة؛ لمكان عبادات جعلت فيها، لكن بين تلك الأماكن، ولم يبين تلك ~~الأوقات المفضلة، وجعلها مطلوبة من بين غيرها من الأوقات؛ فهو - والله أعلم ~~-: أن لو بين، وأشير إليها؛ لكان لا مؤنة تلزم لطالبه في ذلك؛ لأنه يحفظ ~~ذلك الوقت وتلك الليلة خاصة، وأما المكان تلزم المؤنة في إتيان ذلك المكان، ~~وعلى ذلك يخرج ما لم يبين وقت خروج روح الإنسان من بدنه؛ لأنه لو بين، ~~وأعلم نهاية عمره، لتعاطى الفسق، وارتكب المعاصي؛ آمنا إلى آخر أجزاء ~~حياته، ثم يتوب؛ فلم يبين؛ ليكون أبدا على خوف وحذر ورجاء؛ فعلى ذلك لم ~~يبين تلك الليلة؛ لتطلب من بين الليالي جميعا؛ ليحيوا ليالي غيرها، والله ~~أعلم. # ثم إن كان السؤال عن القرآن هو المنزل في تلك الليلة، يكون دليله قوله: ~~(حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركةة. . .). # وإن كان السؤال عن ليلة القدر؛ فيكون البيان عنها. # ثم قوله: (وما أدراك ما ليلة القدر (2) هذا يحتمل وجهين: # أحدهما: يقول: ما كنت تدري حتى أدراك؛ كقوله: (ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا. . .). # ويحتمل قوله: (وما أدراك) على التعظيم لها والتعجيب، والله أعلم. # وقيل: نزول هذه الآية يكون على معنى التسلي، أعطاه فضل هذه الليلة، ~~والعمل فيها، ثم بين فضلها حيث قال: (ليلة القدر خير من ألف شهر (3) اختلف ~~فيه: # قال بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية على منبره؛ ~~فساءه ذلك؛ فنزل قوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة ~~القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. . .)، أي: ms5099 من ألف شهر يملكها بعدك بنو ~~أمية يا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # PageV10P584 # وقال بعضهم: (ليلة القدر خير من ألف شهر)، أي: العمل فيها خير من العمل ~~في ألف شهر سواها. # وقيل - أيضا -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر لأصحابه أن رجلا ~~من بني إسرائيل جاهد ألف شهر في سبيل الله؛ فعظم ذلك عليهم؛ فنزل قوله - ~~تعالى -: (ليلة القدر خير من ألف شهر)، أي: العمل فيها خير من جهاد ذلك ~~الرجل في ألف شهر. # ويحتمل أن يكون ذكر ألف شهر على سبيل التمثيل، لا على التوقيت، أي: خير ~~من ألف شهر وأكثر؛ إذ التقدير قد يكون لبيان العدد نفسه، وقد يكون لبيان ~~شرف ذلك الشيء وعظمته؛ فلا يكون الغرض هو القصر على العدد، وهو كقوله: (إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)، ونحو ذلك. # ثم اختلف في تسمية ليلة القدر: # قال بعضهم: هي ليلة الحكم والقضاء، فيها يحكم ويقضي ما يريد أن يكون في ~~ذلك العام المقبل؛ لقوله - تعالى -: (فيها يفرق كل أمر حكيم). # أو سميت: ليلة القدر؛ لأنها ليلة لها قدر ومنزلة عند الله تعالى؛ لما ~~يوصف الشيء العظيم بالقدر والمنزلة. # وسميت: ليلة مباركة؛ لأنه تنزل فيها البركات والرحمة من الله - تعالى - ~~على خلقه. # أو سميت: مباركة؛ لكثرة ما يعمل فيها من العبادات. # وقوله - عز وجل -: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) ~~سلام. . .): # قال بعضهم: الروح هاهنا: جبريل - عليه السلام - كقوله - تعالى -: (نزل به ~~الروح الأمين). # وقال بعضهم: خلق موكلون بالملائكة، كما أن الملائكة موكلون ببني آدم. # وجائز أن يكون الروح هاهنا هو الرحمة، أي: تنزل الملائكة بالرحمة فيها، ~~على ما # PageV10P585 # سميت: مباركة بما ينزل فيها من البركات. # ثم اختلفوا في قوله: (فيها): # قال بعضهم: أي: في تلك الليلة تنزل الملائكة والروح. # وقيل: (فيها): أي: في الملائكة. # وقوله - عز وجل -: (بإذن ربهم)، أي: ينزلون بأمر ربهم. # وقوله - عز وجل -: (من كل أمر): # قال بعضهم: أي: بكل أمر تقدر في تلك السنة على ms5100 الأرض، وكذا قال القتبي: ~~(من كل أمر. سلام)، أي: بكل أمر سلام. # وقيل: من كل أمر يدبره الله تعالى، أي: الملائكة لا علم لهم فيما يقدر ~~الله - تعالى - إلا أن يطلعهم الله عليه؛ فكأنهم يطلعون على ما يقدر في تلك ~~السنة من الأمور؛ فينزلون بها بأمر الله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (سلام هي ... (5): # قيل: تنزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من الله تعالى والرحمة ~~والمغفرة. # وقال بعضهم: أي: هي ليلة سالمة، لا يحدث فيها شر، ولا يرسل فيها شيطان ~~إلى مطلع الفجر. # وقال بعضهم: هو سلام الملائكة، أي: تسلم الملائكة على كل مؤمن ومؤمنة. # وقال بعضهم: (من كل أمر. سلام)، أي: من كل آفة وبلاء سلام. # وكذلك ذكر في قوله - تعالى -: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله): قال بعضهم: يحفظونه من عذاب الله. # وقال بعضهم: يحفظونه بأمر الله تعالى؛ فكذلك يحتمل قوله: (من كل أمر. ~~سلام) هذين الوجهين. # وقوله: (هي حتى مطلع الفجر) يحتمل: أي تلك البركات التي ذكرت إلى مطلع ~~الفجر. # ويحتمل ذلك السلام الذي ذكر إلى مطلع الفجر. # ويحتمل الملائكة يكونون في الأرض إلى مطلع الفجر، وروي عن ابن عباس - رضي # PageV10P586 # الله عنهما - أنه قرأ: (من كل امرئ سلام)، وقال: يعني: الملائكة. # ثم قال بعضهم: اختلفت الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة ~~القدر متى تكون؟ واختلفت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - فيها: روى ~~عبد الله بن أنيس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " التمسوها في ~~العشر الأواخر، واطلبوها في كل وتر ". # وروى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ليلة تسع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث ~~وعشرين ". # وروى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: ~~" تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر ". # وروي أنها في سبع وعشرين. # وعن عبد الله بن عمر أنه: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة ~~القدر -وأنا أسمع- قال: ms5101 " هي في كل رمضان ". # وعن زر قال: قلت لأبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر، يا أبا المنذر؛ فإن ~~صاحبنا عبد الله بن مسعود سئل عنها، فقال: من يقم الحول يصبها فقال: نعم، ~~رحم الله أبا عبد الرحمن، والله لقد علم أنها في رمضان، كره أن تتكلوا، ~~والله إنها في رمضان، ليلة سبع وعشرين. # ثم ليس لنا، ولا لأحد أن يشير إلى تلك الليلة، فيقول: هي ليلة كذا: ليلة ~~سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، إلا أن يثبت بالتواتر عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في ذلك خبر بالإشارة إليها؛ فعند ذلك يسع، وإلا كانت مطلوبة في ~~الليالي. # وعلى هذا الوجه تخرج الأخبار المروية على التوافق دون المناقضة، وتكون ~~كلها صحيحة؛ فتكون في سنة بعض الليالي، وفي سنة أخرى في غيرها، وفي سنة في ~~العشر الأواخر من رمضان، وفي سنة العشر الأوسط من رمضان، وفي سنة في العشر ~~الأول، وفي سنة في غير رمضان، والله أعلم بالصواب. # PageV10P587 ### | سورة البينة، # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين ~~فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8). # قوله - عز وجل -: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ~~حتى تأتيهم البينة): # ذكر في حق أهل الكتاب: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) بحرف (من)، ~~وهو للتبعيض، ولم يقل: " أهل الكتاب "، وذكر في حق أهل الشرك: (والمشركين)؛ ~~لأن أهل الكتاب كانوا فرقا: منهم من كان ms5102 آمن برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، ومنهم من كان كافرا به، فلما ~~بعث آمن به، فلزم الإيمان به، ومنهم من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل، لزم ~~الكفر به، ولم يؤمن، فلما كانوا أصنافا وفرقا؛ لذلك قال: (لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب) بحرف " من ". # وأما المشركون: فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين: أنهم إذا أتاهم ~~البينة ينفكون أو لا؟. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (لم يكن. . .) إلى قوله: (حتى تأتيهم ~~البينة)، أي: لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفر؛ لأنه ~~عطف المشركين على أهل الكتاب؛ كأنه قال: من أهل الكتاب ومن المشركين؛ ولذلك ~~خفض المشركين، ولم يقل: " والمشركون "، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر ~~عمرهم، وإن أتتهم البينة، والبينة: هي ما في خلقة كل أحد مما يدل على ~~ألوهيته ووحدانيته. # ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة ~~العذاب عند # PageV10P588 # الموت؛ كقوله - تعالى -: (فلما رأوا بأسنا. . .)، ونحو ذلك. # وذكر في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب ~~منفكين)، وفي حرف أبي: (ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين). # ثم اختلف في قوله - عز وجل -: (منفكين): # قال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منتهين، زائلين ~~عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة. # وقال بعضهم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من ~~الدنيا حتى تأتيهم البينة. # ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم: # قال بعضهم: البينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال على أثره: ~~(رسول من الله يتلو صحفا مطهرة). # وقال بعضهم: ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو القرآن، ~~وما جاء به محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحجج: # فمن جعل قوله: (منفكين): منتهين، زائلين، يجعل البينة: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ورسول الله - عليه السلام - سمي بينة؛ لأنه به يعرف ms5103 كل ~~خير وكل إحسان، وبه يتبين الحق من الباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، ~~وكذلك القرآن جاء به. # ومن قال: (منفكين): خارجين من الدنيا: يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم: ~~العذاب معاينة جهارا؛ كقوله - تعالى -: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته. . .)، أي: خارجين من الدنيا؛ حتى يعلموا العذاب؛ فعند ذلك ~~يؤمنون. # وقوله - عز وجل -: (رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2): # على التأويل الأول في البينة يكون ما ذكر من قوله: (رسول من الله) تفسيرا ~~للبينة. # وعلى الثاني يخرج على الابتداء، يقول: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يتلو صحفا مطهرة. # ثم جائز أن يكون سمى القرآن وحده: صحفا؛ على المبالغة؛ إذ قد يسمى الواحد ~~باسم الجميع على المبالغة. # PageV10P589 # وجائز أن يكون قوله: (يتلو صحفا): القرآن، وسائر الصحف؛ لأن سائر الصحف ~~فيه. # وكذلك: (فيها كتب قيمة)، جائز أن يكون سمى كتابه المنزل على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: كتبا؛ على الإبلاع، والتأكيد؛ على ما ذكرنا. # وجائز أن يكون: يتلو صحفا وكتبا عليهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور، ~~كأن هذا القرآن في تلك الكتب، وتلك الكتب في هذا، وهو كقوله - تعالى -: ~~(وإنه لفي زبر الأولين)، وقوله - عز وجل -: (إن هذا لفي الصحف الأولى (18) ~~صحف إبراهيم وموسى)، أخبر أنه في تلك الكتب، وأن الكتب الأولى فيه؛ فيصير ~~بتلاوة هذا عليهم كأنه تلا تلك الكتب عليهم، وعلى هذا قوله - تعالى -: (هذا ~~ذكر من معي وذكر من قبلي. . .)، وقوله - تعالى -: (مصدقا لما بين يديه. . ~~.)، وقوله - عز وجل -: (مصدقا لما معهم. . .)، ففى هذا ما في تلك الكتب. # وقال بعضهم: (صحفا مطهرة): التي كانت في أيدي السفرة البررة. # وقوله - عز وجل -: (مطهرة)، يحتمل: مطهرة من أن يكون للباطل فيها حجة أو ~~مدخل. # أو مطهرة من الافتعال والافتراء. # أو مطهرة من أن تحتمل ما ذكره أولئك الكفرة. # وقال قتادة: سمى كتابه بأحسن الأسماء، وأثنى عليه بأحسن الثناء، سماه: ~~نورا، وهدى، ورحمة، وبركة، وآية، [وشفاء]، ونحوه. # وقوله - عز وجل -: (قيمة (3) اختلف فيه: # قال بعضهم: فيها ms5104 كتب صادقة. # وقال بعضهم: عادلة. # قال غيرهم: مستقيمة على ما توجبه الحكمة. # PageV10P590 # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (فيها كتب قيمة)، أي: أحكام كثيرة ~~مستقيمة؛ على ما توجبه الشريعة والحكمة. # وقوله - عز وجل -: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة (4): # يقول أهل التأويل: إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهو محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال أبو بكر: هذا التأويل خطأ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك؛ فلا معنى ~~لهذا. # وعندنا: ليس كما توهم هو، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: وما تفرقوا في محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم به، عند ذلك تفرقوا فيه، فأما قبل ذلك، كانوا مجتمعين فيه كلهم. # أو ما تفرقوا في الدين والمذهب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، أي: عن بيان ~~وعلم تفرقوا في الدين، وفيما تفرقوا فيه، وهو ما جعل في خلقة كل أحد دلالة ~~التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا، لعرفوا بأن الله - تعالى - واحد، ~~والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، ~~ونفس الخلقة على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (5). # أي: ما أمر أوائلهم وأواخرهم في تلك الكتب إلا ليعبدوا الله - تعالى - ~~ولا يعبدوا من دونه. # أو ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له. # ودل قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) على أن تأويل قوله - تعالى -: ~~(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، على إضمار الأمر، أي: إلا ليأمرهم ~~بالعبادة على كل حال؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا على غيره. # أو أن يكون قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) على الخصوص، خلق من ~~علم أنه يعبده للعبادة. # وقوله - عز وجل -: (مخلصين له الدين): إخلاص الدين له يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يخلص له الدين، ويصفى، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه ~~وصفائه. # والثاني: الدين الخالص هو الدائم، كقوله (وله الدين واصبا. ms5105 . .)، # PageV10P591 # أي: دائما. # وكذلك يحتمل قوله: (ألا لله الدين الخالص. . .). # وقوله: (حنفاء): # قال أهل التأويل: المسلمون. # وقال بعضهم: حنفاء: متبعين، والحنف: الميل، كأنه قال: مائلين إلى ~~الإسلام. # وقيل: (حنفاء): الحجاج. # وقيل: الحنف: المستقيم. # وقوله - عز وجل -: (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة): # يحتمل القبول، أي: قبلوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ كقوله: (فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)، أي: تابوا، وقبلوا ذلك، ليس على حقيقة ~~الإقامة. # ويحتمل أن يكون حقيقة الإقامة والإيتاء، وأيهما كان، ففيه أن أوائلهم ~~كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة. # ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات؛ لأن ~~الصلاة معناها: هو الاستسلام، والخضوع له، والزكاة: هي تزكية النفس ~~وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ أصلا. # ثم قال: (وذلك دين القيمة) والدين مذكر، والقيمة مؤنث؛ فجائز أن يكون ~~الذي ذكر هو الملة القيمة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج. # أو يقول: ذلك الذي قومته الحجج والبراهين، أضيف إلى الحجج. # وجائز أن يكون ذكر القيمة، على التسوية بين ما سبق وما تقدم من أواخر ~~الآي، من قوله - عز وجل -: (حتى تأتيهم البينة)، و (مطهرة)، و (كتب قيمة)، ~~ثم قال على ذلك: (وذلك دين القيمة)، تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله: ~~(خير البرية)، و (شر البرية). # وفي حرف أبي: (وذلك دين القيم) بغير هاء. # وفي قوله - تعالى -: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة) - وجهان: # PageV10P592 # أحدهما: تحذير لهذه الأمة؛ لئلا يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وفيما جاء به. # والثاني: يكونون أبدا فزعين إلى الله - تعالى - في كل وقت، خائفين منه، ~~وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم؛ فيتفرقوا كما تفرق أولئك. # وقوله - عز وجل -: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6). # ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)، ~~أي: بعض المشركين في النار، لا كل المشركين، ولكن من كفر من المشركين، كان ~~كمن كفر ms5106 من أهل الكتاب في نار جهنم، لكن الكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر؛ ~~كقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. . .)؛ فدل ~~أن الكفر والشرك واحد؛ فكل كافر مشرك؛ فكأنه قال: إن الذين أشركوا من أهل ~~الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية. # ثم جاء كل هذا التشديد لهؤلاء؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنهم من نسل ~~الأنبياء، ثم تركوا اتباعهم، والمشركون قد (. . . أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم. . .)، ثم نقضوا ذلك العهد. # وأهل الكتاب قالوا: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، ~~فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم. # والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~غيرهم؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب؛ فشدد على هؤلاء لهذا المعنى. # ثم إن كان البرية مأخوذا مقدرا من البري وهو التراب، ويرجع تأويل الآية ~~إلى البشر؛ كأنه قال: أولئك هم شر ما أنشئ من الأرض. # وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق؛ فيصير كأنه قال: أولئك هم شر ~~ما خلقوا؛ فيدخل في ذلك الملائكة والجن والبشر، وفي الأول لا يدخل إلا ~~البشر خاصة. # PageV10P593 # وكذلك ما ذكر من أهل الإيمان؛ حيث قال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية (7): # فإن كان البرية مأخوذا من البرى، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا، وإن كان من ~~البري -وهو التراب- فهو يرجع إلى البشر خاصة؛ فيصير كأنه قال: شر أهل البشر ~~من جنسهم، وخير أهل الخير من جنسهم؛ لأنهم صاروا قادة في الهدى والخير. # وقوله - عز وجل -: (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8): # فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان نعيم. # ثم قد قسم الخلق صنفين: صنفا جعله شر البرية، وصنفا جعله خير البرية، ثم ~~يكون من كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ ms5107 على الكفر، وداوم ~~عليه في التأبيد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام ~~على الإيمان، ومن أحدث سوى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان ~~جزاء ولا عقابا؛ وذلك - والله أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده ~~للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر، إنما يعتقده للأبد، فإذا أحدث الإيمان بعد ~~الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره، وحسن ما أحدث من الإيمان ~~والتوحيد، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان، اعتقد فساد ما عمل في حال ~~إيمانه؛ لذلك سوى بين من أحدث، وبين من دام عليه، وليس كمن يذنب في وقت، ~~ويتوب في وقت؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك، ولا قبحه في الأبد، والله الموفق. # وقوله - عز وجل -: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) يحتمل وجهين: # أحدهما: يقول: رضي الله عنهم، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسعيهم الذي ~~سعوا في الدنيا لهم؛ رضي سعيهم لهم، (ورضوا عنه)، أي: رضوا هم عنه بما ~~أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله - تعالى ~~-: (وإن تشكروا يرضه لكم)، أي: إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة ~~إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم. # PageV10P594 # وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع ~~إليهم، أو مضرة تندفع عنهم. # والثاني: (رضي الله عنهم) بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا ~~لأنفسهم، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم. # وقوله - عز وجل -: (رضي الله عنهم) هذا منه إفضال وإنعام؛ حيث ذكر رضاه ~~عنهم، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته ~~عباده؛ حيث سمى ما ادخروا في وقت حاجتهم إليه: قرضا؛ حيث قال: (. . . ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا. . .)، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرا، وما يعملون ~~لأنفسهم - جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له، ولكن سمى بالذي ~~ذكرنا؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به، وكذلك قوله: ~~(ورضوا عنه) وذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا ~~عن ms5108 الله تعالى؟!. # ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا: # أحدهما: رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمحن الشديدة العظيمة، وإن ~~اشتدت تلك، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان الله - تعالى - وفضله في ~~الآخرة. # والثاني: رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة، (. . . لا يبغون عنها ~~حولا)، ولا يريدون غيرها، ولا يملون على ما يملون في الدنيا. # قال أبو عوسجة: (منفكين)، أي: لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل: ما ~~انفككت أفعل كذا وكذا، أي: ما زلت أفعل كذا وكذا. # وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما: المنفكين: زائلين. # وقوله - عز وجل -: (ذلك لمن خشي ربه): # أي: الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته، أو خشي سوء صحبة نعمه، وأصله أن ~~من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك؛ لخشية ربه - تعالى - وكل ~~من كان أعلم بربه فهو أخشى لربه تعالى، ومن كان أجهل به فهو أجرأ؛ قال الله ~~- تعالى -: (. . . إنما يخشى الله من عباده العلماء. . .). # وقال الحسن: الخشية: هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أو خشي خلافه ~~وكفران نعمه، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV10P595 ### | سورة (إذا زلزلت)، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال ~~الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره (8). # قوله - عز وجل -: (إذا زلزلت الأرض زلزالها): # قد ذكرنا أن حرف (إذا) إنما يذكر عن سؤال سبق منهم؛ كأنهم سألوا عن الوقت ~~الذي كانوا يوعدون فيه، وإن لم يذكر السؤال؛ لأنه قد يكون في الجواب بيان ~~السؤال، وفي السؤال بيان الجواب، وإن لم يذكر، فعند ذلك قال: (إذا زلزلت ~~الأرض زلزالها)، أخبرهم عن أحوال يوم القيامة والحساب، ولم يخبرهم عن ~~وقتها، وقد ذكرناه في غير موضع. # ثم قوله - عز وجل -: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)، أي: حركت الأرض تحريكا ~~شديدا؛ لهول ذلك اليوم، وهو يخرج على وجهين: # أحدهما: جائز أن ms5109 تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تلقي ما ارتفع منها من الجبال ~~الرواسي في الأودية، حتى تستوى الأرض، لا يبقى فيها هبوط ولا صعود، كقوله - ~~تعالى -: (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107). # وجائز أن يكون قوله: (زلزلت الأرض)، أي: تتزلزل، وتتحرك؛ لتغير الجبال ~~الرواسي حتى تصير كما ذكر: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش). وقوله - عز وجل -: (فجعلناه هباء منثورا)، وإذا فنيت ~~وتلاشت بقيت الأرض مستوية على ما ذكر. # ويحتمل أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تصير غير تلك؛ كقوله - تعالى -: (يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض. . .) الآية. # ويحتمل أن يكون تبديلها وتحريكها ومدها هو تغير صفاتها؛ على ما ذكرنا في ~~الوجهين الأولين. # قال الزجاج: لا تصح هذه القراءة؛ لأن الزلزال من المضاعف، والمضاعف إنما ~~يكون بالخفض مصادرها، أما من الأسماء قد يكون نصبا؛ كقوله تعالى: (من ~~صلصال) # PageV10P596 # ، ونحوه، والزلزال: مصدر؛ فيكون الأصل المطرد فيه هو الكسر، والنصب يكون ~~نادرا، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (وأخرجت الأرض أثقالها (2). # أي: أحمالها؛ لهول ذلك اليوم، وقال في آية أخرى: (وألقت ما فيها وتخلت)، ~~ثم يحتمل (وأخرجت) (وألقت) ما فيها من الموتى من أول ما دفن فيها من كل شيء ~~من الحيوان وغيرها، إلى آخر ما يجعل فيها من الكنوز وغيرها مما يحتمل ~~الحساب، ومما لا يحتمل من البشر، وجميع الممتحنين وغيرهم. # ويحتمل: أخرجت أثقالها: الممتحنين خاصة: ممن يحاسبون، ويثابون، ويجزون. # وقوله - عز وجل -: (وقال الإنسان ما لها (3). # أي: قال الكافر: ما لها تتحرك؟ فقال بعضهم: أحمق في الدنيا، وأحمق في ~~الآخرة؛ حيث يسأل الأرض ما لها تتزلزل وتتحرك؟ يظن أنها بنفسها تفعل ذلك لا ~~لفزعة ما ترى من أهوال ذلك اليوم وتغيير أحوالها؛ على ما لم ينظر في الدنيا ~~في الآيات والحجج حتى يقبلها، ويخضع لها. # وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: (يومئذ تحدث أخبارها)، ~~(وقال الإنسان ما لها)، تشهد وتخبر بما عمل على ظهرها. # ثم إخبارها يخرج على وجوه: # أحدها: ما قاله أهل التأويل: إنها تخبر وتحدث بما عمل على ms5110 ظهرها من خير ~~أو شر، أو طاعة أو معصية. # لكن لا يحتمل إخبارها الخير؛ لأنها إنما تشهد عليهم؛ لإنكار أهل الكفر ما ~~كان منهم من فعل الكفر والمعصية، وأما أهل الجنة فإنهم يكونون مقرين ~~بالخيرات، والله - تعالى - يصدقهم على ذلك، والله أعلم. # وكذلك ما ذكر من شهادة الجوارح إنما تشهد عليهم على ما ينكرون من الشرك ~~والكفر وغير ذلك من المعاصي؛ فعلى ذلك التأويل يكون إخبارها على حقيقة ~~النطق والكلام. # وقال بعضهم: إخبارها: ما ذكر من تزلزلها وتحركها، والأحوال التي تكون ~~فيها هو تحديثها وأخبارها التي تكون منها. # PageV10P597 # وقال بعضهم يومئذ تبين وتقع أخبارها التي أخبروا في الدنيا فكذبوها، ~~يومئذ يتبين لهم ذلك، ويقع لهم مشاهدة عيانا من الحساب والثواب والعقاب، ~~وفي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أتدرون ما ~~أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " أخبارها أن تشهد على كل عبد ~~وأمة بما عمل على ظهرها ". # وقوله - عز وجل -: (بأن ربك أوحى لها (5): # من قال بأن أخبارها من شهادتها بما عملوا على ظهرها، يكون تأويله قوله - ~~تعالى -: (أوحى لها)، أي: أذن لها ربها بالشهادة؛ فتشهد. # ومن قال: إخبارها هو تزلزلها وتحركها والأحوال التي تكون منها يقول على ~~إسقاط (لها) يقول: (بأن ربك أوحى لها)، أي: فعل ذلك بها، والوحي قد يكون ~~الوحي والإلهام والأمر، ويستعمل فيما يليق به. # وقوله - عز وجل -: (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) يحتمل ~~صدور الناس من وجهين: أحدهما: يصدرون من قبورهم إلى الحساب؛ ليروا كتابة ~~أعمالهم، أي: ليروا ما كتب من أعمالهم التي عملوا في الدنيا، ويحتمل صدورهم ~~على ما أعد لهم في الآخرة من الثواب والعقاب؛ فعلى هذا التأويل؛ ليروا جزاء ~~أعمالهم التي عملوا في الدنيا، كقوله - تعالى -: (فريق في الجنة وفريق في ~~السعير)، وقوله - تعالى -: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا. . .)، هذا ~~تفسير قوله: (أشتاتا). # وقوله - عز وجل -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره (8): # قال بعضهم: يرى الكافر ما عمل من خير ms5111 في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يرى؛ ~~لأنه لا يؤمن بها، ولا يعمل لها؛ كقوله - تعالى -: (من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. . .)، والمؤمن يرى ما عمل من شر في ~~الدنيا، وما عمل في الآخرة؛ وعلى ذلك روي في الخبر أن أبا بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - كان جالسا # PageV10P598 # مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية؛ فقال أبو بكر ~~الصديق: يا رسول الله: كل من عمل منا شر يراه؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " ما يرون في الدنيا مما يكرهون فهو من ذاك، ويؤخر الخير ~~لأهله في الآخرة ". # وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) و (شرا ~~يره)، على الإحصاء والحفظ؛ كقوله - تعالى -: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها. . .)، أي: لا يذهب عنه شيء قليل ولا كثير حتى الذرة. # ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله - تعالى -: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ~~. .)، أي: من يعمل من المؤمنين مثقال ذرة خيرا يره في الآخرة، ومن يعمل من ~~الكفار مثقال ذرة شرا يره في الآخرة؛ لأن الله - تعالى - قد أخبر في غير آي ~~من القرآن أنه يتقبل حسنات المؤمنين، ويتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله - تعالى -: ~~(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون)، ونحو ذلك من الآيات. # وقوله: (مثقال ذرة) ليس على إرادة حقيقة الذرة؛ ولكن على التمثيل. # ثم قيل من إخبار الأرض وما ذكر من شهادة الجوارح: أن كيف احتمل ذلك، وهي ~~أموات، والموات لا علم لها؟ فجائز أن يكون الله - تعالى - يجعل لها علما، ~~وينطقها بذلك، وأن لها بذلك علما على جعلها آية. # ثم في قوله - تعالى -: (ليروا أعمالهم) دلالة أن قوله - تعالى -: (حتى ~~يسمع كلام الله)، وقوله: " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو "، وقول ~~الناس: " نقرأ كلام رب العالمين "، و " في المصاحف قرآن " ألا يراد به ~~حقيقة كون كلام الله - تعالى - في المصاحف، ولا حقيقة كون القرآن فيها ~~والسفر به، ولا حقيقة ms5112 سماع كلامه، ويكون على ما أراد من سماع ما به يفهم ~~كلامه، أو يسمع ما يعبر به عن كلامه، وكذلك يكون في المصاحف ما يفهم به ~~كلامه، أو ما يعبر به عن كلامه؛ على ما ذكر من رؤية الأعمال، وأعين الأعمال ~~لا ترى، ولكن يرى ما يدل عليها، وهو المكتوب من أعمالهم في الكتب التي فيها ~~أعمالهم؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم بالصواب. # PageV10P599 ### | سورة (والعاديات)، # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) ~~فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ~~ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ~~(9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11). # قوله - عز وجل -: (والعاديات ضبحا. . .) إلى آخره. # قال على - كرم الله وجهه - وعبد الله - رضي الله عنهما -: هي الإبل. # وقال ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره من أهل التأويل: هي الخيل؛ غير أن ~~عليا - رضي الله عنه - قال: ذلك يوم بدر. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ذلك في الحج. # ومن قال: هي الخيل، قال: ذلك في سرية بعثها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فأبطأ عليه خبرها؛ فاغتم لذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فنزل جبريل - عليه السلام - بخبرها على ما ذكر ووصف؛ فسر بذلك المؤمنون. # فإن كان في أمر السرية والخيل على ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~فجهة القسم بذلك تحتمل وجوها: # أحدها: أنه من علم الغيب؛ إذ لا يعلم بحالهم وما وصف من أمر الخيل لا ~~يكون إلا بالوحي من السماء، أو لمن شهد ذلك، فإذا لم يحضرهم أحد ممن شهدها، ~~ثم أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ظهر عندهم على ما أخبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، علموا بذلك أنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنه إنما عرف بالوحي من الله تعالى إليه، وذلك من أعظم آيات ~~الرسالة. # PageV10P600 # أو أن يكون القسم بما ذكر من شدة ms5113 الخيل وقوتها وحدة بصرها؛ حيث عدت في ~~ليل مظلم، لا قمر فيه، ولا نور - عدوا يخرج النار من شدة عدوها من الحجارة ~~التي تضرب بحوافرها ما لا يقدر الإنسان العدو في مكان مستو، فضلا أن يقدر ~~على ذلك من الصعود والهبوط، وما ذكر من إثارة النقع من شدة عدوها، وتوسطها ~~في العدو. # أو يذكر موافقة مرادهم وحصول غرضهم في الإغارة على عدوهم في أغفل ما يكون ~~العدو، وهو وقت الصبح. # ثم القسم بقوله: (والعاديات)، وما ذكر من الموريات وغيره، هو صفة ~~العاديات ونعوتها. # وفيه بشارات ثلاثة: # أحدها: أنه لم تحدث لهم حادثة. # والثاني: الإغارة على العدو. # والثالث: أنهم قد توسطوا العدو. # ومن قال: هي الإبل، وذلك في أمر الحج، يذكر سرعة سيرها، وشدة عدوها في ~~الليلة المظلمة التي فيها الأودية والهبوط والصعود. # ثم قوله: (فالموريات قدحا (2) على هذا التأويل، أي: تضرب الحجر بالحجر؛ ~~فتخرج منه النار من شدة سيرها وعدوها، وفي الخيل شدة ضرب الحوافر على ما ~~ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (فالمغيرات صبحا (3) على هذا التأويل، يقول بعضهم: ~~نزولهم في تلك المغارات والأودية في وقت الصبح. # والأشبه أن يكون خروجهم من تلك المغارات والأودية في ذلك الوقت؛ لأن ذلك ~~الوقت وقت الخروج منها والدفع، لا وقت المقام. # أو يكون قد استقبلهم العدو هنالك، ومن أراد بهم الشر؛ فتكون المغيرات على ~~الإغارة عليهم؛ إن كان ثم عدو. # (فوسطن به جمعا (5) على هذا التأويل: الجمع في الحجج، وهو الجمع المعروف. # ومن قال: ذلك في الخيل، يكون توسطهن في جمع العدو. # PageV10P601 # ثم الذي وقع به القسم قوله - تعالى -: (إن الإنسان لربه لكنود (6) أي: ~~الإنسان لنعم ربه لكفور، لا يشكرها، وهو أن الإنسان يذكر مصائبه وما يصيبه ~~من الشدة في عمره أبدا، وينسى جميع ما أنعم الله عليه، وإن لا يفارقه طرفة ~~عين؛ ولذلك قال الحسن: الكنود: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم. # وقيل: الكنود: القتور البخيل الشحيح في الإنفاق، ويجب أن يكون وصف كل ~~إنسان ما ذكر، لكن المؤمن يتكلف شكر نعم الله ms5114 - تعالى - ويجتهد في ذلك، ~~ويصبر على المصائب، وهو كقوله - تعالى -: (إن الإنسان خلق هلوعا)، وخلق ~~(عجولا)، هو كل إنسان، ثم استثنى المصلين منهم، وهم المؤمنون؛ أي: كذلك خلق ~~وطبع كل إنسان، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه من ذلك الطبع الذي أنشئ عليه، ~~وطبع إلى غيرها من الطبائع؛ كالبهائم والسباع التي طبعها النفور من الناس ~~بالاستيحاش عنهم، ثم تصير بالرياضة ما تستقر عندهم وتجيبهم عند دعوتهم. # وقوله - عز وجل -: (وإنه على ذلك لشهيد (7) قال بعضهم: إن ذلك الإنسان ~~على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على ما جمعه؛ أي: يشهد ذلك ويعلمه؛ ~~كقوله: (بل الإنسان على نفسه بصيرة). # وقال بعضهم: (وإنه)، أي: ذلك الإنسان لبخله وامتناعه عن الإنفاق (لشهيد)، ~~أي: يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه، لا يثق بغيره. # وقال بعضهم: (وإنه) ويعني: الله تعالى (على ذلك لشهيد) أي: عالم، يحصيه؛ ~~ويحفظه، كقوله: (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. . .). # وقوله - عز وجل -: (وإنه لحب الخير لشديد (8) أي: ذلك الإنسان لشديد الحب ~~للمال، فذكر بخله، وشحه في المال، في ترك الإنفاق والبذل، وعلى ذلك طبع كل ~~إنسان؛ على ما ذكرنا، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة، ~~ويجتهد في الإنفاق، والحب هاهنا: حب إيثار، أي: يؤثر لنفسه. # وقوله - عز وجل -: (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) يقول - والله ~~أعلم -: فهلا # PageV10P602 # يعلم قدرة ربه وسلطانه وحكمته في إنشائه أنه يستخرج ما في القبور ~~ويحييهم. # أو يكون قوله: (أفلا يعلم)، أي: فيعلم (إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما ~~في الصدور). # وقوله - عز وجل -: (إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) أي: إن ربهم يومئذ ~~لخبير بما كان منهم في الدنيا، (وحصل ما في الصدور)، يقول: فهلا يعلم - ~~أيضا - أنه يميز ما في الصدور، ويبين ويظهر ما فيها، لا يترك كذلك غير ~~مميز، ولا مبين، بل يظهر ويميز، كقوله: (يوم تبلى السرائر). # ثم قوله: (إن ربهم بهم يومئذ لخبير)، أي: عن علم له بذلك يأخذهم، ويجزيهم ~~بما يجزيهم. # وفي قوله - تعالى -: (وحصل ما ms5115 في الصدور) دلالة أن حصول الأعمال وخلوصها ~~وما يثاب عليها ويعاقب بالقلوب وبالنيات، لا بنفس الأعمال؛ حيث قال: (وحصل ~~ما في الصدور). # قال أهل اللغة وأبو عوسجة: (ضبحا): الضبح: صوت في الصدر؛ ضبح يضبح ضبحا، ~~فهو ضابح. # (فأثرن به نقعا)، أي: هيجن الغبار بحوافرهن، والنقع: الغبار، والنقوع: ~~جماعة، (فوسطن) من التوسط، أي: صرن في الوسط، و (لكنود): كفور، (وحصل)، أي: ~~اختبر؛ يقال: حصلت: أي: اختبرت. # وقال بعضهم والقتبي: (والعاديات): الخيل، والضبح: صوت حلوقها إذا عدت. # وقيل: الضبح والضبع واحد في السير؛ يقال: ضبحت الناقة، وضبعت. # (فالموريات)، أي: أورت النار بحوافرها، والأرض الكنود: التي لا تنبت ~~شيئا، ويقال: بعثرت، أي: قلبت، فجعل أسفلها أعلاها. # قوله تعالى: (وحصل ما في الصدور)، أي: ميز ما فيها من الخير والشر، ~~والشك، واليقين، والله أعلم. # * * * # PageV10P603 ### | سورة القارعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم ~~يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت ~~موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) ~~وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11). # قوله - عز وجل -: (القارعة) قال: القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من ~~الأمور، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة، وهو من الله - تعالى ~~- تذكير لعباده، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في الأحوال ~~والأفعال وسمى الله - تعالى - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف ~~الأحوال، نحو قوله: (الحاقة)، و (الواقعة)، وما أشبه ذلك، فكذلك قوله - عز ~~وجل -: (القارعة) تذكير لهم بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته؛ ليتفكروا في ~~العواقب، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب؛ فيمتنعوا بذلك عما ~~نهاهم الله - تعالى - عنه. # ثم إن الله - تعالى - خلق في بني آدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في ~~الدنيا، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها، ويزيده ذلك تيقظا وتبصرا، ~~ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في ~~العاقبة، والنفس مرة تدعوه ms5116 إليها؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ به من ~~الشهوات في دنياه، وعلى ذلك تأويل قوله: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي. . .)، أي: يرحمه ويعصمه عن اختيار السوء. # أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب؛ فلذلك ذكر ~~الله - تعالى - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم؛ ليعملوا ~~عقولهم في أفكاره، والتذكر عنه؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه. # أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم؛ فيزدادوا بذلك حرصا في ~~الخيرات. # وقوله - عز وجل -: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) اختلفوا في ~~تأويله من # PageV10P604 # وجوه، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد: # فمنهم من قال: أي: كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران. # ومنهم من قال: كالجراد الذي يموج بعضه في بعض. # ومنهم من قال: كالفراش المبثوث الذي يتهافت في النار؛ فيحترق؛ وكل ذلك ~~يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم. # وأصل ذلك قوله - تعالى -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد)، فكأن الله - تعالى - قال: إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك ~~اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير؟ وأين يثبت؟ وأين ينزل؟ # وقوله - عز وجل -: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) قال بعضهم: كالصوف ~~المصبوغ. # وقال بعضهم: كالمندوف من الصوف. # فإن كان على التأويل الأول، فمعناه - والله أعلم -: أن الجبال في ذلك ~~اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن؛ ألا تراه يقول: (وترى ~~الجبال تحسبها جامدة)، وقال: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا)؛ ~~فكذلك هذا على ذلك المعنى. # وإن كان على التأويل الآخر، فمعناه: أن الجبال مع شدتها وصلابتها، تصير ~~في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف؛ إذ ذلك أضعف أحواله. # وقال قتادة: شبههم بغنم لا راعي لها، ذكر العهن كناية عن الغنم. # وقوله - عز وجل -: (فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) ~~اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكن أقربها عندنا وجهان: # أحدهما: أن يكون المراد من قوله: (ثقلت موازينه) جملة المؤمنين، ms5117 وقوله - ~~عز وجل -: (وأما من خفت موازينه (8) جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن ~~المؤمن لما عظم حق الله - تعالى - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند ~~الله - تعالى - في ذلك اليوم، والكافر لما ترك ذلك، خف وزنه وقيمته وخطره، ~~وقد يطلق - والله أعلم - # PageV10P605 # هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال: لفلان عند فلان وزن وقيمة، ~~وليس عنده ذلك الوزن، فكذلك هذا. # والوجه الثاني: من وزن السرائر التي لم يطلع الله - تعالى - ملائكته ~~الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك، ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون ~~الكفرة، وقد وصفنا مسألة الميزان وبيناها؛ فلذلك اختصرنا الكلام في ذا ~~الموضع، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (فهو في عيشة راضية)، منهم من قال: مرضية، يرضى أهل ~~الجنة بتلك العيشة؛ فهي مرضية. # ومنهم من قال: ذات رضاء؛ كقوله: (ماء دافق)، أي: ذات اندفاق. # ومنهم من قال: إنه أضاف الرضاء إلى العيش؛ لأنه به يرضى. # وقوله - عز وجل -: (فأمه هاوية (9) منهم من قال: سمى النار: أما للكافر؛ ~~لأنه إليها يأوي. # ومنهم من قال: المراد من الأم: أم رأسه؛ أي: يلقى في جهنم على أم رأسه ~~منكوسا. # وقوله - عز وجل -: (هاوية)، أي: تهوي به؛ حيث لا يكون له ثبات ولا قرار. # وقوله - عز وجل -: (نار حامية (11) أي: تحميه، وتنضجه. # ومنهم من قال: (نار حامية)، أي: شديدة الحر، والله أعلم، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV10P606 ### | سورة (ألهاكم التكاثر) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون ~~(3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ~~ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8). # قوله - عز وجل -: (ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر)، أي: شغلكم ~~التفاخر بالتكاثر، ثم لم يقل: عماذا شغلتم؟ فيجوز أن يكون (ألهاكم)، أي: ~~شغلكم التكاثر عن توحيد الله - تعالى - أو عن التفكر في حجج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو عن ذكر البعث. # ثم قوله - تعالى -: (ألهاكم التكاثر. حتى زرتم ms5118 المقابر) يحتمل تأويلين: # أحدهما: أن يكون الغرض من الخطاب بهذه الآية: آباءهم وسلفهم الذين تقدموا ~~بالإخبار عن قبح صنيعهم واشتغالهم بالسفه؛ فيكون هذا صلة آيات أخر، من نحو ~~قوله - تعالى -: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)، وغير ~~ذلك؛ فكأن الله - تعالى - يخبرهم بآبائهم، ونهاهم عن الاقتداء بآبائهم؛ ~~لأنهم تعاطوا أفعالا تخرج عن الحكمة حتى ماتوا، وذلك يقع من وجهين: # أحدهما: أن من أنعم عليه نعمة، فجحدها، ولم يؤد شكرها، استوجب المقت ~~والعقوبة؛ يقول: كيف تقتدون بآبائكم، وإنهم كفروا بنعمة الله، وجحدوا بها، ~~بل الواجب عليكم أن تتبعوا النبي الذي جاء بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم. # والثاني: أن يكون فيه علامة ودلالة للبعث: أن آباءهم لما فعلوا ما يستوجب ~~به المقت والعقوبة، وماتوا من غير أن يصيبهم ذلك في دنياهم: أن لهم دارا ~~أخرى يعاقبون فيها بما فعلوا. # وإن كان الخطاب إنما انصرف إليهم، ففيه إخبارهم عن سفههم: أنه شغلهم ~~التفاخر بالتكاثر حتى جحدوا آيات رسوله، عليه السلام. # أو أن يكون فيه إخبار عن سفههم من وجه آخر، وهو أن الافتخار كيف وقع ~~بالأموات، والتفاخر بالأموات غير مستقيم. # PageV10P607 # أو يكون فيه وجه ثالث: إنما تفاخروا بما لا صنع لهم فيه؛ لأنهم: إنما ~~افتخروا بالأموال والأولاد، وذلك من لطف الله - تعالى - وجميل صنعه؛ فيكون ~~في هذا كله ذكرهم بما فيهم من السفه والخرق. # ثم التعيير بذكر هذه الأسباب إنما وقع - والله أعلم - دون ما هم فيه من ~~الكفر؛ لأن هذه الأسباب مما يبتلى به المؤمن في بعض الأحوال؛ فعيرهم الله - ~~تعالى - بذلك؛ ليكون فيه تذكير وموعظة للمؤمنين، ولو خرج ذكر الكفار في ~~هذا، لكان لا يجتنب المؤمن شيئا من هذه الأفعال. # وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ: (ألهاكم التكاثر)، فقال: " ~~يقول ابن آدم: مالي، مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت. . . " ~~الخبر؛ فهذا يدل على أن الوعيد على الإطلاق من غير تصريح بأهل الكفر؛ ~~لموعظة المسلمين، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (حتى زرتم المقابر ms5119 (2) يحتمل: حقيقة زيارة الموتى، ~~وذلك مما يذكرهم أن التكاثر مما لا ينفعهم إذا كان عاقبتهم هذا. # ويحتمل: أي: صرتم إلى المقابر بعد الموت؛ فحينئذ تذكرون حق الله - تعالى ~~- ثم لا ينفعكم، والله أعلم. # وقوله - عز وجل -: (كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) قال بعضهم: ~~كلا، بمعنى: النفي، والتعطيل. # وقال بعضهم: معنى قوله: (كلا)، أي: حقا. # فإن كان على الوجه الأول، فكأنه قال: ليس كما حسبتم، وتوهمتم، وقدرتم عند ~~أنفسكم وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب، وهو على الابتداء. # وإن كان على معنى: حقا، فكأنه قال: حقا ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند ~~أنفسكم، وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا أنكم ستعلمون غدا حقا يقينا: ~~أن الذي ألهاكم، وشغلكم عن توحيد الله تعالى والتفكر في حجج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والإيمان بالبعث كان عبثا باطلا، وأنه كان من الواجب ~~عليكم: أن تؤمنوا بالله ورسوله، # PageV10P608 # وتنظروا في حجج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتؤمنوا بالبعث. # وفائدة التكرار: ما جرى من العادة في تكرار الكلام عند الوعيد أو عند ~~الإياس أو الرجاء؛ نحو قولهم: الويل الويل، وقولهم: بخ بخ، وغير ذلك؛ فكذلك ~~هذا. # ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على تأويل على حدة: أن قوله - عز وجل -: ~~(كلا سوف تعلمون) وعند الموت عندما ترون العذاب: أن الأمر ليس كما حسبتم، ~~وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقين. # وقوله - عز وجل -: (كلا لو تعلمون علم اليقين (5) يعني بهذا - والله أعلم ~~-: إبطال ما كانوا عليه من الظنون والحسبان في هذه الدنيا؛ ألا ترى إلى ~~قوله - تعالى -: (ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا)، فإذا نزل بهم العذاب ~~تحقق عندهم، وعلموا علما يقينا. # وقال بعضهم: (كلا سوف تعلمون) حين نزل بكم الموت، (ثم كلا سوف تعلمون) في ~~القبر، وكذلك روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نشك في عذاب القبر ~~حتى نزلت هذه السورة. # وفيه وجه ثان: وهو أنهم كانوا عند أنفسهم علماء، وأنهم على حق، ولكن ms5120 الله ~~- تعالى - بين لهم أن علمهم كان حسبانا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا)؛ فيظهر لهم عند ذلك: أن اليقين ما نزل بهم، وأن ~~الذي علموا لم يكن علم يقين؛ بل كان شكا وحسبانا. # وقوله - عز وجل -: (لترون الجحيم (6) يحتمل وجهين: # أحدهما: يرونها عند الموت. # والثاني: أي: يرونها بالتفكر والنظر في آيات الله وحججه في الدنيا. # وقوله - عز وجل -: (ثم لترونها عين اليقين (7)، له معنيان: # أحدهما: عيانا ومشاهدة. # والثاني: أن تكون رؤيتهم بعين اليقين، ليس على ما كان عندهم: أنهم لو فتح ~~لهم باب من السماء وعرجوا إليها، لقالوا: (إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم ~~مسحورون) # PageV10P609 # يقول الله، تعالى: يرتفع عنهم السحر عن أبصارهم، فيرونها عين اليقين. # وقوله - عز وجل -: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (8) ظاهر هذا يقتضي أن ~~يكون سؤالهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه قال: (ثم لتسألن) بعدما وصف أنهم ~~يدخلون النار؛ فبان أنه في ذلك الوقت، فإن كان على ذلك، فهو في موضع ~~التقرير عندهم: أنهم استوجبوا المقت والعقوبة؛ لأنه كان عندهم أن من أنعم ~~عليه بنعمة، فلم يشكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ فالله - تعالى - يسألهم في ~~ذلك الوقت عن شكر ما أنعم عليهم؛ ليقرر عندهم استيجاب العقوبة، ويجوز أن ~~يكون هذا عند الحساب؛ لأنه قال: (يومئذ)، ولم يقل: قبل ذلك، أو بعده؛ بل ~~قال على الإطلاق؛ فيعمل به. # وإذا احتمل ذلك الوجه أن ينصرف إلى المؤمنين والكافرين كان الوجه في سؤال ~~المؤمنين تذكيرهم أن أعمالهم لم تبلغ ما يستوفي بها شكر النعمة التي أنعمها ~~عليهم، وليعلموا أن الله - تعالى - تفضل عليهم، وتجاوز عنهم، لا أن بلغت ~~إليه حسناتهم، فاستوجبوا رحمته بها؛ بل بكرمه وفضله. # وإن كان في الكافرين، فهو تقرير ما استوجبوا من نقمته حيث تركوا شكر ~~نعمه. # ثم قوله - تعالى -: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) إن كان السؤال من الكفرة ~~فإنهم يسألون عما تركوا من الإيمان بالله - تعالى - وبما أتى إليهم الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - وبغير ذلك من النعيم. # وإن كان في ms5121 المؤمنين فهو في سائر النعم من المأكول والمشروب والملبوس ~~ونحوها، والله أعلم. # * * * # PageV10P610 ### | سورة العصر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3). # قوله - عز وجل -: (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر)، خرج قوله: (والعصر) ~~مخرج القسم، والقسم موضوع في الشاهد؛ لتأكيد ما ظهر من الحق الخفي، أو لنفي ~~شبهة اعترضت، أو دعوى ادعيت؛ فكذلك في الغائب. # ثم الأصل بعد هذا: أنه ليس في جميع القرآن شيء مما وقع عليه القسم إلا ~~إذا تأمله المرء واستقصى فيه، وجد فيه المعنى الذي أوجبه القسم لولا القسم. # ثم اختلفوا في تأويل قوله: (والعصر): # فمنهم من قال: هو الدهر والزمان. # ومنهم من قال: هو آخر النهار، فذلك وقت يشتمل على طرفي النهار، وهو آخر ~~النهار وأول الليل؛ فكأنه أراد به: الليل والنهار. # وقال أبو معاذ: تقول العرب: " لا أكلمك العصران "، يريدون: الليل ~~والنهار، وفي مرور الليل والنهار مرور الدهور والأزمنة؛ لأنهما يأتيان على ~~الدهور والأزمنة وما فيهما؛ فكان في ذكر الليل والنهار ذكر كل شيء، والقسم ~~بكل شيء قسم بمنشئه؛ لأن كل شيء من ذلك إذا نظرت فيه، دلك على صانعه ~~ومنشئه. # وقوله - عز وجل -: (إن الإنسان لفي خسر (2) إن الدنيا وما فيها كأنها ~~خلقت وأنشئت متجرا للخلق، والناس فيها تجار؛ كما ذكره في غير آي من القرآن، ~~قال الله - تعالى -: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة)، وقال: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)، أي: إن الإنسان ~~لفي خسار من تجارته ومبايعته (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. . .) ~~الآية. # ولقائل أن يقول: كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران، ولم يستثن أهل ~~الخسران من أهل الربح؟! فيقول: " إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا "، ~~واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك؟! # PageV10P611 # والجواب عن هذا: أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، والقوم بأجمعهم كانوا أهل كفر وخسار؛ فلذلك ms5122 وقع ~~الاستثناء على ما ذكر؛ إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل ~~اللغة، وإن كان القسم الثاني في حد الجواز، والقرآن في أعلى طبقات الكلام ~~في الفصاحة. # ثم قوله - عز وجل -: (إن الإنسان) اسم جنس؛ فكأنه أراد: جميع الناس؛ ألا ~~ترى أنه قال: (إلا الذين آمنوا)، ولا تستثنى الجماعة من الفرد؛ فكأنه يقول ~~-على هذا-: إن الناس في أحوالهم واختياراتهم في خسر إلا من كانت تجارته في ~~تلك الحالة ما ذكر. # وقوله - عز وجل -: (وعملوا الصالحات) يحتمل أن يكون تأويله: الصالحات ~~التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره؛ ألا ترى أنه ~~قال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، نقول: ~~المعروف هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل، والمنكر الذي ينكره ~~العقل، وينفر عنه الطبع. # وإن كان المراد منه: الكفر، فكأنه قال: إن الكافرين في هلاك وخسار، إلا ~~من آمن بالله تعالى ورسوله وعمل صالحا. # ثم في هذه السورة ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك ذكر الصالحات ~~في سورة " التين "، وترك ذكر الصالحات في سورة " الكبد "؛ فكأن الله - ~~تعالى - ذكر الصالحات في تلك السورة؛ لما قد كان ذكرها قبل ذلك؛ ألا ترى ~~إلى قوله - تعالى -: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة)، وغير ذلك. # وقوله - عز وجل -: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر): الحق في الأصل كل ما ~~يحمد عليه فاعله، والصبر: هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله؛ فكأن التواصي ~~بالحق تواص بكل ما يحمد عليه، والتواصي بالصبر تواص عن كل ما يذم عليه. # ثم في ظاهر قوله - تعالى -: (والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين ~~آمنوا. . .) الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الأشياء التي ذكرها ~~(لفي خسر)؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا - ~~والله أعلم -: أن الله تعالى وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في ~~هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة؛ فلا يخلو ~~وعده الجنة عن الإيمان ms5123 المفرد في تلك الآية من أحد # PageV10P612 # وجهين: # إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة؛ فيكون ~~في ذكر طرف منه ذكر لجملته. # أو يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة. # ولأن الله - تعالى - أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينقص عن ذلك، فالحال ~~فيه موقوفة على كليته، وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن ~~أتى بالإيمان مفردا، أو على إيجاب النار؛ فيكون السبيل فيه على الرجاء؛ ~~لأنه لو لم يذكر كان يقع فيه اليأس، وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على ~~الرجاء والخوف؛ فلذلك كان الأمر على ما وصفنا. # أو نقول بأن الله - تعالى - أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم ~~يكن فيه دليل على أن من أتى بالكفر وحده لا يستوجب به نارا، فكذلك الله - ~~سبحانه وتعالى - وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال؛ فلا يدل على أن ~~من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب به الجنة. # وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد؛ ~~فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال: إلا الذين آمنوا ~~وإلا الذين عملوا الصالحات، وإلا الذين تواصوا بالحق. وإذا كان كذلك لا ~~يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة؛ فجاء التعارض والاحتمال؛ فوجب ~~التوقف. # ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي: إن الإنسان لفي خسر، إلا من آمن، واعتقد ~~هذه الأعمال الصالحة؛ كقوله - تعالى -: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم. . .) الآية، والله أعلم. # * * * # PageV10P613 ### | سورة الهمزة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ~~ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله ~~الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة ~~(9). # قوله - عز وجل -: (ويل لكل همزة لمزة)، اختلفوا في معنى الهمزة واللمزة: # فقال بعضهم: معناهما واحد، وهو الدفع والطعن. # وقال بعضهم: الهمزة: هو الذي ms5124 يؤذي جليسه بلسانه، واللمزة: الذي يؤذي ~~بعينيه وغير ذلك. # وقال بعضهم: الهمزة: الذي يطعنه عند حضرته، واللمزة: الذي يطعنه عند ~~غيبته، وهذا إنما يسمى به من يعتاد ذلك الفعل. # وأهل اللغة وضعوا هذا المثال، وهو " فعل " لمن يعتاد ذلك الفعل ويحترفه. # قال أهل التأويل: إن الآية في الكفار؛ لكن بعضهم قالوا: نزلت في الأخنس ~~بن شريق. # وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. # ولقائل أن يقول: إن الآية نزلت في الكفار، وكذلك كثير من الآي من نحو ~~قوله - تعالى -: (ويل للمطففين)، ونحوها، ومعلوم أنه وجد منهم هذا الفعل أو ~~عدم، استوجبوا ما ذكر من العقوبات وأشد، مع أن الذي فيه من الكفر أقبح من ~~هذين الفعلين، فكيف وقع تعييرهم بذلك؟!. # والجواب عن هذا وأمثاله من نحو قوله - تعالى -: (ويل للمطففين)، وقوله: ~~(لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين ~~(45) وكنا نكذب بيوم الدين)، فهم وإن أقاموا الصلاة، وأعطوا الزكاة، لم تزل ~~عنهم عقوبة النار. # والجواب عنه: أن الإيمان لم يحسن لاسمه، ولا قبح الكفر لنفس اسم الكفر؛ ~~لأنه ليس أحد ممن يذهب مذهبا ويدين دينا إلا وهو يكفر بشيء ويؤمن بشيء؛ لأن ~~المسلم # PageV10P614 # مؤمن بالله - تعالى - كافر بالطاغوت، والكافر يكفر بالرحمن ويؤمن ~~بالطاغوت ويعبده؛ فثبت أن الإيمان ليس يحسن لنفس اسم الإيمان، ولا قبح ~~الكفر؛ لعين اسم الكفر ولكن الإيمان بالله - تعالى - إنما حسن من حيث أوجبت ~~الحكمة الإيمان به، وقبح الكفر؛ لأن الحكمة أوجبت ترك الكفر بالله تعالى، ~~فالإيمان حسن؛ لما فيه من المعنى، والكفر قبح، لما فيه من معنى الكفر، ~~وهذان الفعلان قبيحان في أنفسهما، لا بغيرهما؛ فكان التعيير الذي يقع بهذين ~~الفعلين أكثر وأبلغ منه في تعييرهم بالكفر؛ لذلك عيرهم الله - تعالى - ~~بهذين الفعلين. # ووجه آخر: أن هذا يخرج مخرج الموعظة لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يهمز به ويسخر منه؛ لما ~~يأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ولا يحمله ما كانوا يتعاطونه على ترك ~~أمرهم ms5125 بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ لئلا يمتنع أحد من أمته عن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لما يخشى أن يسخر به أو يستهزأ. # والثالث: أن يكون هذا على وجه المكافأة والانتقام لما كانوا يفعلون ~~بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - على الزجر والردع عن ذلك؛ إذ العقلاء ~~يمتنعون عن الأفعال القبيحة؛ فعلى هذه الوجوه يحتمل معنى تعييرهم. # وقوله - عز وجل -: (الذي جمع مالا وعدده (2) قرئ على التخفيف (جمع) من ~~الجمع؛ أي: جمع ماله عنده ولم يفرقه وعدده وذكره -أي: حفظ عدده، وذكره على ~~الدوام- لئلا ينقصه، وصفه بالبخل والشح. # ومن قرأه بالتشديد، فمعناه: أنه جمعه وادخره بممر الزمان، لم يجمع ذلك في ~~أيام قصيرة. # والأصل (جمعه) بالتخفيف، لكن شدده لما فيه من زيادة الجمع. # وقوله - عز وجل -: (يحسب أن ماله أخلده (3) يتوجه وجهين: # أحدهما: أن يكون على الحقيقة أنه قدر عند نفسه أنه يبقى لبقاء الأموال ~~له؛ لما يرى بقاءه من حيث الظاهر بها؛ فتقرر عنده أن ما آتاه الله - تعالى ~~- من الأموال هو رزقه؛ فيعيش إلى أن يستوفي جميع رزقه؛ فيجمعه، ويدخره؛ لكي ~~يزيد في عمره. # والوجه الثاني: أن يكون على الظن والحسبان، كأنه يقول: جمع مالا وعدده ~~جمع من # PageV10P615 # يظن أن ماله يزيد في عمره. # فإن كان على التأويل الأول فقوله: (كلا (4) رد عليه؛ أي: ليس كما قدره ~~عند نفسه. # وإن كان على التأويل الثاني، فعلى إيجاب عقوبة مبتدأة. # وقيل: (وعدده) أي: أكثر عدده. # وقال الحسن: عدده، أي: صنفه؛ فجعل ماله أصنافا، وأنواعا من الإبل، والغنم ~~والبقر والدور، والعقار، والمنقول، وغيرها. # وقيل: (وعدده)، أي: استعده، وأعده، وهيأه. # وقوله: (كلا لينبذن في الحطمة): # قيل: باب من أبواب النار. # وقيل: هي صفة النار. # والحطمة: هو الكسر؛ فكأنه قال: النار التي يعذب بها الكفرة، وتكسر عظامهم ~~وتحطمهم. # وقوله - عز وجل -: (نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7): # قيل: إن النار تأتي على جلودهم وعروقهم ولحومهم وعظامهم حتى تأكلها، ~~وتكسر العظام، فتطلع على أفئدتهم؛ فحينئذ يتبدلون جلودا غيرها؛ ليذوقوا ~~العذاب. # وقيل: إنما تحرق النار ms5126 منهم كل شيء سوى الفؤاد؛ لأن الفؤاد إذا احترق، لم ~~يتألم بعد ذلك، ولم يشعر بالعذاب، والمراد من الإحراق إلحاق الألم والضرر ~~بهم. # وقوله - عز وجل -: (إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) قرئ: (عمد): ~~برفع العين والميم، وقرئ بالنصب فيهما. # وذكر عن الفراء أنه قال: العمد والعمد: جماعات للعمود، والعماد. # وقال بعضهم: العمد: جمع العمدة؛ نحو: بقرة، وبقر. # وقال الكلبي: (إنها عليهم مؤصدة. في عمد)، أي: النار عليهم مطبقة؛ يقول: ~~طبقها ممددة في عمد من نار ممددة عليهم من فوقهم، والعمد كعمد أهل الدنيا، ~~غير أنها من نار تمد عليهم، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين. # * * * # PageV10P616 ### | سورة الفيل، # وهي مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في ~~تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم ~~كعصف مأكول (5). # قوله - عز وجل -: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، اختلفوا في السبب ~~الذي به وقع القصد من أصحاب الفيل إلى تهديم البيت وتخريبه. # فمنهم من قال: إنهم اتخذوا بيتا في بلادهم، وسموه: كعبة؛ لكي ينتاب الناس ~~إليه كما ينتابون إلى الكعبة، فأبي الناس إتيان ذلك البيت؛ فغاظهم ذلك حتى ~~قصدوا تهديم البيت. # ومنهم من قال: إن العرب حرقوا بيعة كانت لهم، وخربوها؛ فغاظهم ذلك حتى ~~أرادوا تهديم هذا البيت؛ جزاء بما فعلت العرب بهم. # ومنهم من قال: إنهم كانوا ملوكا وفراعنة، ومن عادتهم أنهم يعادون من ~~ضادهم في ملكهم وسلطانهم. # وأي ذلك كان، فلا حاجة إلى معرفته، وإنما حاجتنا إلى تعريف المعنى الذي ~~به أنزلت السورة وثبتت. # وتأويل ذلك يخرج على أوجه ثلاثة: # أحدها: أن الله - تعالى - ذكرهم تلك النعمة التي أنعمها عليهم في صرف من ~~أراد إهلاكهم؛ فإنهم كانوا قصدوا قتل أهل مكة، وسبي نسائهم وذراريهم، وأخذ ~~أموالهم؛ فذكرهم الله - تعالى - جميل صنعه بهم؛ ليشكروا له، ويعبدوه حق ~~عبادته، وينزجروا عن عبادة غيره. # والوجه الثاني: أن الله - تعالى - خوف أهل مكة. # ووجه ذلك: أن الله - تعالى - لما أهلك أصحاب ms5127 الفيل بما ضيعوا حرمة بيته؛ ~~فلا يأمن أهل مكة من إهلاكه إياهم وتعذيبهم بما ضيعوا حرمة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع أن # PageV10P617 # حرمة الرسول أعظم من حرمة البيت، فلما نزل بأولئك ما نزل لما جاء منهم من ~~تضييع حرمة بيته؛ فلأن تخشى عذابه ونقمته من تضييع حرمة رسوله أولى. # والوجه الثالث: أن الله - تعالى - أهلك أولئك لما أراهم من آياته فلم ~~ينصرفوا؛ لأنه ذكر أنهم كانوا إذا وجهوا الفيل نحو البيت امتنع ووقع، وإذا ~~وجهوه نحو أرضهم هرول وسارع، فلما رأوا ذلك، ولم ينصرفوا أهلكهم الله - ~~تعالى - فلا يؤمن على أهل مكة - أيضا - أنهم لما رأوا الآيات المعجزة من ~~الرسول - عليه السلام - فلم يؤمنوا، أن يهلكهم الله - تعالى - فينتقم منهم ~~بعقوبته؛ فعلى ما ذكرنا يخرج معنى نزول السورة. # وقيل: إنه على البشارة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الإشارة ~~أنه لم يكن للبيت ناصر في ذلك الوقت ولا معين؛ بل كان وحده، فنصره الله - ~~تعالى - حتى لم يتمكن أعداؤه من هدمه؛ فعلى ذلك ينصرك ويعينك، ويهلك عدوك، ~~وإن كنت أنت وحدك؛ إذ كان وقت نزول هذه السورة لم يكن له كثير أعوان، وقد ~~فعل ذلك يوم بدر. # ثم قوله: (ألم تر) حرف استعمل في تذاكر أعجوبة قد كانت، وعرفوها، ثم ~~غفلوا عنها، أو فيما لم يكن؛ فيعجبهم بما فعل بأعدائه؛ ليحملهم على الزجر ~~والانتهاء عما حرم الله - تعالى - فكأنه قال: رأيت ربك كيف فعل بأصحاب ~~الفيل؟!. # ويجوز أن يكون الخطاب منه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد غيره. # ويجوز أن يكون هذا خطابا لكل واحد منهم. # ثم تسميتهم: أصحاب الفيل، ونسبة الفيل إليهم يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: الذي صحبوا الفيل. # والثاني: (بأصحاب الفيل)، أي: أرباب الفيل؛ كما يقال: رب الدار، وصاحب ~~الدار. # وقوله - عز وجل -: (ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) أي: أبطل ما قدروه عند ~~أنفسهم من تخريب البيت وتهديمه؛ فالكيد: ما ذكرنا بدءا. # وقوله - عز وجل -: (وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) جماعات متفرقة، جماعة ~~جماعة، وهكذا السنة ms5128 في الخروج لمحاربة أعداء الله - تعالى - أن يخرجوا ~~جماعة جماعة. # وقيل: هي طير لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، لها رءوس كالسباع. # PageV10P618 # وقيل: شبيهة برجال الهند. # وقوله - عز وجل -: (ترميهم بحجارة من سجيل (4) اختلفوا في السجيل: # قال بعضهم: هو اسم موضع، خلقت حجارته؛ لتعذيب الفراعنة، وإهلاكهم. # وقال بعضهم: فارسية معربة، وهي " سنك وكل "، وهو الآجر في التقدير. # وقال بعضهم: هذه عبارة عن شدة الحجارة وقوتها. # وقوله: (فجعلهم كعصف مأكول (5) قالوا: العصف: هو ورق الزرع، أو ورق كل ~~نابت. # وقوله: (مأكول) ينحو نحوين، ويتوجه وجهين: إلى ما قد أكل وإلى ما لم ~~يؤكل؛ إذ ما يؤكل إذا ما كان معدا للأكل، سمي: مأكولا، فإن كان غير ~~المأكول، فكأنه قال: جعلهم في الضعف والرخاوة -مع قوتهم وسلطانهم- كعلف ~~الدواب؛ حتى لا يخاف منهم بعد ذلك أبدا. # وإن كان على المأكول فهو أنه تعالى جعلهم كالمأكول التي أكلتها الدواب؛ ~~فيكون فيها ثقب، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P619 ### | سورة (لإيلاف قريش) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا ~~رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4). # قوله - عز وجل -: (لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)، هذا ~~يخرج على وجوه: # أحدها: ما قال الفراء: إن اللام لام الاعتدال؛ لأن السورة صلة لسورة (ألم ~~تر)، قال: (فجعلهم كعصف مأكول)، (لإيلاف قريش)؛ كأنه يقول: أهلكت أصحاب ~~الفيل، وفعلت بهم ما فعلت لتألف قريش بذلك المكان كما ألفوا به الرحلتين ~~اللتين جعلتا لهم في الشتاء والصيف. # والثاني: يحتمل أن يقول: ألزمت الخلق عبادة رب هذا البيت حتى ألفوا ذلك ~~البيت، وحملوا ما تحتاج إليه قريش، وأهل ذلك المكان من الطعام، وما يتعيشون ~~به؛ لتألف قريش بعبادة رب ذلك البيت ما لولا ذلك لم يتهيأ لهم المقام بذلك ~~المكان؛ لأنه لا زرع فيه، ولا نبات، ولا ما يتعيش به، وهو كما قال إبراهيم ~~- عليه السلام -: (بواد غير ذي زرع)، وإنما تعيشهم في ذلك المكان بما يحمل ~~إليهم من الآفاق والأمكنة النائية؛ كقوله: (أولم نمكن ms5129 لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا. . .) الآية. # وقال بعضهم: أمرت قريش بأن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة ~~الشتاء والصيف؛ يقول: كما ألفتم هاتين الرحلتين، فألفوا عبادة رب هذا ~~البيت. # وقال بعضهم: إن أهل مكة كانوا يرتحلون تجارا آمنين في البلدان، لا يخافون ~~شيئا؛ لحرمتهم؛ لأن الناس يحترمونهم لمكان الحرم، حتى لا يتعرض لهم بشيء، ~~ولا يؤذيهم أحد حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من الأحياء؛ يقال: هذا ~~حرمى؛ فيخلى عنه، وعن ماله؛ تعظيما لذلك المكان، وهو ما قال: (وآمنهم من ~~خوف). # PageV10P620 # وقيل: إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة ~~كانوا آمنين في حرم الله - تعالى - كقوله - تعالى -: (أولم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم)، فذكر عظيم نعمه عليهم ومننه؛ ليعلموا ~~ذلك أنه منه. # وأصله أن الله - تعالى - لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش ~~وإبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن يبقى، جعل لهم من الأمن في ذلك المكان ~~والأرزاق التي تجبى إليهم، وما يتعيشون به في ذلك؛ ليبقوا إلى الوقت الذي ~~أراد بقاءهم إليه؛ فيكون ما أراد على ما أراد، فكما أنشأ هذا العالم للبقاء ~~إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت ~~الذي أراد؛ ليكون ما أراد؛ فعلى ذلك الأول. # قال القتبي: الإيلاف: مصدر آلفت فلانا إيلافا؛ كما تقول: ألزمته إلزاما. # وقال الكسائي: آلفت المكان، وألفته؛ لغتان. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: (لإيلاف قريش)، أي: كصنع قريش (إيلافهم)، ~~أي: صنيعهم، (رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم ~~من جوع (4) السنين الذي أصابهم، (وآمنهم من خوف) العدو، والله أعلم. # * * * # PageV10P621 ### | سورة الماعون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا ~~يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) ~~الذين هم يراءون (6) ويمنعون الماعون (7). # قوله - عز وجل -: (أرأيت الذي يكذب بالدين)، اختلف في ms5130 نزوله: # قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هي مدنية. # وقال مقاتل ومجاهد وجماعة: هي مكية. # وجائز أن يكون أولها نزل بمكة؛ لأن الذي ذكر أنها نزلت في شأنه كان مكيا، ~~وهو العاص بن وائل السهمي مع ما أنهم هم الذين يكذبون بيوم الدين، وآخرها ~~نزل بالمدينة؛ لأن في أواخرها وصف المنافقين، وهو ما ذكر من المراءاة في ~~الصلاة، ومنع ما ذكر. # ثم إن كان نزولها في الكفرة، فالجهة فيه والمعنى غير الجهة والسبب لو ~~كانت نزلت في المنافقين. # ثم قوله - عز وجل -: (أرأيت) حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام. # ويجوز أن يكون استعماله على وجه التقرير عند السائل؛ لما يراد به إعلامه؛ ~~على سبيل ما روي في الخبر: " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما قبل ~~منك؟ "، وكان ذلك في موضع التقرير؛ فكذلك قوله: (أرأيت)، معناه - والله ~~أعلم -: أن اعلم أن الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين هو الذي ~~يكذب بالدين. # قال أهل التأويل جميعا: (يكذب بالدين)، أي: بالحساب، والبعث. # وجائز أن يكون يكذب بالدين الذي يظهر، أي: يكذب بالدين الذي أظهر لك. # ولا نحقق أن كان في المنافقين؛ لأن أهل النفاق كانوا يكذبون ما يظهرون من ~~الموافقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. # وإن كان في أهل الكفر، فهو على الرؤساء منهم؛ فتكذيبهم بالدين هو ما ~~كانوا يظهرون لأتباعهم من الجهد والشدة، يموهون بذلك على أتباعهم؛ ليقع ~~عندهم أن الذي هم عليه # PageV10P622 # حق، وأن الذي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطل؛ فيكذبون ~~بالدين الذي يرون من أنفسهم، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم. # فكيفما كان إن كانت نزلت في المنافقين، أو في أهل الكفر، أو في الذي كذب ~~بالحساب والبعث، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها عظة وتنبيه ~~للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم؛ لأنه نعت الذي كذب بالدين إن كان المراد ~~به الحساب، أو الدين نفسه؛ حيث قال: (فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على ~~طعام المسكين) كأنه قال: ms5131 الذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم؛ أي: يظلم ~~اليتيم، ويمنع حقه. # (ولا يحض على طعام المسكين (3) يقول - والله أعلم - للمؤمنين: لا تظلموا ~~اليتيم، ولا تمنعوا حقه، ولا تسيئوا صحبة اليتيم، كما فعل من كذب بالدين ~~وحضوا على طعام المسكين؛ يصف بخلهم واستهانتهم باليتيم والمساكين، وسوء ~~معاملتهم التي عاملوهم، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك. # وجائز أن يكون قوله: (ولا يحض على طعام المسكين)؛ لما عندهم أن من أعطي ~~المال، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له عند الله - تعالى - ومن ~~ضيق عليه، ومع ذلك عنه؛ لهوان له عنده وحقارة؛ كقوله - عز وجل -: (فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن). # وقوله - عز وجل -: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. . .) الآية، يظنون أن ~~الله - تعالى - منع من منع ذلك؛ لهوان له عنده، ومن وسع عليه، وسع لكرامة ~~له عنده؛ فيقول: كيف أكرم من أهانه الله تعالى؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه ~~لا يحض على طعام المسكين. # ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمه اليتيم، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث؛ ~~لأنه ليس لليتيم من ينصره، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه، ويمنع حقه، وكان لا ~~يخاف عقوبة البعث؛ إذ لا يؤمن به. # ثم يحتمل قوله: (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ~~ولا # PageV10P623 # يحض على طعام المسكين. . .) الآية؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية. # ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية، فأهل ~~الإسلام لا يعتقدون ذلك، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك. # وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له، ~~وليس للكافر خوف العاقبة؛ لما لا يؤمن بذلك، وإنما يمتنع المرء في الغالب ~~من سوء الصحبة؛ لهذين: إما رغبة في جزاء الآخرة، أو خوف المكافأة في ~~الدنيا، والمساكين ليس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم، وليس لليتيم ~~ناصر؛ ليخاف منه، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب ms5132 الآخرة، ولا خوف من العقاب؛ ~~لعدم تصديقه بذلك. # ثم قوله - عز وجل -: (ولا يحض على طعام المسكين) هو النهاية في وصفه ~~بالبخل؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطمعه في ثوابه، فإذا لم يرج هو ~~نفسه، فكيف يرجي غيره؟ مع ما أن الحكمة عند هؤلاء الكفرة أن من جر إلى نفسه ~~نفعا فهو الحكيم، ومن ضر نفسه فهو جائر غير حكيم، وهو إذا منع الصدقة نفع ~~نفسه، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها؛ فلذلك لا يرغب فيها؛ فهذا المعنى الذي ~~وصفناه، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد. # وقوله - عز وجل -: (فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) إن ~~كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات ~~إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله - ~~تعالى -: (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)، وقوله: (ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون)، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ~~ذلك جائز أن يكون قوله: (فويل للمصلين. . .) إلى آخر ما ذكر في المنافقين ~~على ما ذكرنا من نعتهم. # وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله: (وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية. . .)، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست ~~بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة الصلاة الحقيقية، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون ~~مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا ~~رآهم من نأى عنهم ظن أن ذلك حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول، # PageV10P624 # ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله: (إلا مكاء وتصدية). # ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا ~~يخضعون ولا يخشعون. # وقوله - عز وجل -: (الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) يحتمل وجهين: # أحدهما: أي: سهوا عن صلاتهم لأنفسهم، وصلاتهم التي هي لأنفسهم هي أن تكون ~~الصلاة لله - تعالى - ويجعلوها له، ولا يصلوا لغير الله من الأصنام وغيرها؛ ~~لأن من صلى لله - تعالى - يرجع منفعتها في الحقيقة إليه؛ لما ms5133 تعلق بها من ~~الجزاء الجميل، فهم بالسهو عن تلك الصلاة وتركها يلحقون الضرر بأنفسهم ~~ويجعلونها للأصنام التي لا تضر ولا تنفع. # والثاني: سهوهم عن الصلاة حين أضاعوها، وهو ما ذكر في حرف ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - في قوله - عز وجل -: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. . ~~.)؛ فيقول: سهيتم عن الصلاة فلم تمنعهم عما ذكر. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا: " هم الذين يؤخرونها عن وقتها ~~". # وقال مجاهد: الساهي: الذي لا يبالي صلى أم لا؟ ألا ترى أنه قال: (الذين ~~هم يراءون). # وقال الحسن: هم المنافقون، يؤخرونها عن وقتها، ويراءون إذا صلوا. # وقال سعد: الترك عن الوقت. # وقال أبو العالية: الساهي: هو الذي لا يدري على شفع انصرف أو على وتر؟ # وروي عن عطاء بن يسار، أنه قال: الحمد لله حيث لم يقل: " في صلاتهم ساهون ~~"، ولكنه قال: (عن صلاتهم ساهون). # PageV10P625 # وقوله - عز وجل -: (ويمنعون الماعون (7) قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ~~هو الزكاة، رواه ابن الزبير، وعكرمة، ومجاهد عنه. # وروي عن علي - رضي الله عنه -: هو الزكاة. # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في رواية أخرى هو العارية. # وعن ابن عمر قال: هو الذي لا يعطي حقه، وهو الزكاة. # وروي عن علي - رضي الله عنه - في رواية: (الماعون): منع القدر، والدلو، ~~والفأس. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثله، وكذا عن ابن عباس في رواية أخرى. # وقال أبو عبيدة: كل ما فيه نفعه فهو الماعون. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: ما جاء أهلها بعد. # فإن كان ذلك على العواري، فالمعنى منها ذم البخل، وأشده منع الفرض. # وجائز أن يكون الماعون كل معروف وكل ما يعار، يدخل في ذلك الزكاة وغيرها؛ ~~ففيه ذكر بخلهم وشحهم ومنع الحق من المستحق. # قال أبو عوسجة: (يدع اليتيم)، أي: يضرب، ويدفع في قفاه؛ يقال: دع يدع ~~دعا، فهو داع، ومدعوع. # وقال القتبي: (يدع اليتيم)، أي: يدفعه، وكذلك في قوله: (يوم يدعون إلى ~~نار جهنم دعا)، أي: يدفعون. # وقال أبو عوسجة: (ولا يحض): ms5134 لا يحرض، ولا يحث، (ساهون) غافلون. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (لاهون)، و (أرأيتك) بالكاف، وكذلك ~~في حرف أبي رضي الله عنه، والله أعلم بحقيقة ما أراد. # * * * # PageV10P626 ### | سورة (إنا أعطيناك الكوثر) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر ~~(3). # قوله - عز وجل -: (إنا أعطيناك الكوثر) هذا خرج مخرج الامتنان على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - والإنعام عليه والإفضال؛ ليستأدي بذلك شكره ~~والخضوع له. # ثم اختلفوا في (الكوثر): # فقيل: هو الخير الكثير، والخير الكثير: ما أعطي من النبوة والرسالة وما ~~لا ينجو أحد من سخط الله - تعالى - إلا به، وهو الإيمان به والتصديق له، ~~وما صيره معروفا مذكورا في الملائكة، وما قرن ذكره بذكره، ورفع قدره ~~ومنزلته في جميع الخلائق، وغير ذلك مما لا يحصى، وهو ما قال: (ورفعنا لك ~~ذكرك). # وقال بعضهم: (الكوثر): نهر في الجنة، وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن (الكوثر) فقال: " نهر في الجنة "، أو ~~قال ذلك من غير سؤال. # فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه ~~الأول أقرب عندنا؛ لأنه ليس في إعطائه النهر تخصيص في التشريف والعطية؛ لأن ~~الله - تعالى - وعد لأمته ما هو أكثر من هذا؛ لما روي في الأخبار عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن لأهل الجنة في الجنة ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "، ونحن نعلم أن هذا في الإنعام أكثر من ~~النهر الذي وصف. # وقال بعضهم: (الكوثر): شيء أعطاه الله - تعالى - رسوله لا يعرف. # وأصله: أنه شيء خاطب به رسوله، وهو قد عرفه؛ فلا يجب أن يتكلف معرفته ~~وتفسيره؛ لأنه إن أخطأ لحقه الضرر، وإن أصابه لم ينفع كثير نفع. # وقيل: (الكوثر): هو حرف أخذ من الكتب المتقدمة. # وقوله - عز وجل -: (فصل لربك وانحر (2) اختلف فيه: # قال بعضهم: حقيقة الصلاة هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما ms5135 يعبده ~~في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرابين، والذبائح، والضحايا التي ~~فيها نفار الطباع؛ # PageV10P627 # حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر؛ للآلام التي فيها، والطباع ~~تنفر عن ذلك؛ فتعبده بالذي فيه مناقصة طبعه ونفاره عنه. # وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر، ولكن معناه: إذا فعلت ذلك ~~فافعل لله؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها؛ كقوله: ~~(وما ذبح على النصب)، أي: للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله تعالى. # وقال أن من: (فصل لربك) هو صلاة العيد، وانحر البدن بعدها. # وقال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر بمنى. # وقال بعضهم: (فصل لربك) حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة، وهي ~~مخ العبادة؛ على ما ذكر في الخبر. # وكذلك ما ذكر أن المصلي مناج الرب تعالى، وهو - والله أعلم - لأنه ما من ~~عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير، ~~والركوب، والأكل، والشرب، والكلام، والانتقال من موضع إلى موضع، وغير ذلك ~~من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها -وإن قل- من الحج ~~والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع ~~شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات، وعلى ذلك ما سمي ~~موسى - عليه السلام -: كليم الله، ونجيه؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس ~~فيه لذة وراحة، وأتى جبلا ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك؛ فسمي: نجي الله، ~~وعلى ذلك سمي المصلي: مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم؛ لما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (وانحر): هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل؛ ~~لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره؛ فالتألم به بفعل ~~نفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه - عليه ~~السلام - بتحمل المشقة لوجهه تعالى مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على ~~نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح ~~البدن؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق ms5136 # PageV10P628 # الناس وأرحمهم على خلقه، فبلغ من حسن إجابته له، وطاعته له أن ساق مائة ~~بدنة، فنحر ستين منها بيده، وولى عليا - رضي الله عنه - نحر أربعين؛ على ما ~~ذكر في الخبر. # [وروى أبو الجوزاء] عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (فصل لربك وانحر): ~~وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن علي، رضي الله عنه. # وعن عاصم الجحدري، قال: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة. # ومن قول الثنوية: أنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء؛ لما فيه من الألم ~~والأذى. # وقولهم هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعلم أن إفاتة الروح بالذبح أهون على المذبوح ~~من موته حتف أنفه؛ فإذا جاز في الحكمة أن تزهق روحه بغير الذبح فلأن يجوز ~~في الذبح أحق. # وأصله: ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو المقصود به من بين الناس، وهو يعلم بالذي خاطبه به من الصلاة؛ ~~والنحر، والكوثر، وغير ذلك؛ فلا نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على الله - ~~تعالى - سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل. # وكذلك قوله - عز وجل -: (إن شانئك هو الأبتر (3) يذكر أهل التأويل: أن ~~فلانا سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبتر؛ فنزل: إن الذي سماك ~~أبتر هو الأبتر - لا نعرفه حقيقة؛ لأنه لم يذكر أن أحدا من أولاد الفراعنة ~~وأعداء الرسل - عليهم السلام - افتخر بأبيه أو بأحد من أوليائه والمنتمين ~~بهم افتخروا بهم، وافتخر أولاد أولياء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على الناس حتى يتعينوا بذلك فيما بينهم؛ يقول: (إن شانئك هو الأبتر) أي: ~~معاديك ومبغضك هو الأبتر دونك. # أو يقول: أعداؤك هم الذين يبتر ذكرهم، وأولياؤك مذكورون أبدا على ما ~~قلنا. # PageV10P629 # وأصله ما ذكرنا أنه خاطب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد عرف ~~ذلك، ونحن لا نعلم في أي شيء كانت القصة؟ وفيم نزلت الآية؟ والله ورسوله ~~أعلم. # قال أبو عوسجة: الشانئ: المبغض، يقال: شنئته: أبغضته، والأبتر: هو الذي ~~لا ولد له ذكر، ولا عقب ms5137 له. # وفي قوله - عز وجل -: (إن شانئك هو الأبتر) هو بشارة لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالغلبة عليهم، والقهر لهم، والنصرة عليهم، وإظهار دين ~~الله - تعالى - في البلاد والآفاق؛ إذ أخبر أن الذي عاداه وباغضه هو ~~المنقطع والأبتر لا هو، والله المستعان. # * * * # PageV10P630 ### | سورة الكافرون # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم ~~دينكم ولي دين (6). # قوله - عز وجل -: (قل يا أيها الكافرون. . .) إلى آخرها. # ذكر أنها نزلت في منابذة المتمردين المعاندين منهم، الذين علم الله - ~~تعالى - منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عما هم عليه من عبادة ~~الأوثان إلى التوحيد والإسلام؛ لأنه لا كل كافر يكون على وصف أنه لا يعبد ~~الله - تعالى - في وقت من الأوقات؛ إذ قد يجوز أن يكون كافرا في وقت، ثم ~~يسلم في وقت آخر؛ فدل ما ذكرنا أنها نزلت في المتمردين المعاندين الذين علم ~~الله - تعالى - أنهم يثبتون على الكفر، ولا يؤمنون أبدا، وكان كما أخبر؛ ~~ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ إذ أخبر أنهم لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وماتوا على ~~الكفر. # وقوله - عز وجل -: (لا أعبد ما تعبدون (2) أنتم الآن، (ولا أنتم عابدون ~~... (3) اليوم (ما أعبد) فيما بعد اليوم. # وقال بعضهم: الأول: فيما مضى من الوقت، والثاني إخبار عن الحال، والآخر ~~فيما بقي من الوقت. # ولكن لا يجيء أن يكون هكذا؛ بل يجيء أن يكون قوله: (لا أعبد ما تعبدون) ~~في حادث الوقت؛ لأن حرف " ما " إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل: ~~لا أفعل كذا، يريد به: حادث الوقت. # وقوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وكذلك - أيضا - في حادث الأوقات، أو ~~إخبار عن الحال. # وقوله - عز وجل -: (ولا أنا عابد ما عبدتم (4) إنما هو إخبار عن الماضي ~~من الأوقات؛ كأنه يقول: لم أكن أنا عابدا قط في وقت من الأوقات، وهذا يدل ~~على أن رسول الله - صلى الله عليه ms5138 وسلم - لم يكن عبد غير الله قط. # وفي هذه السورة وجهان من الدلالة: # أحدهما: ما ذكرنا من إثبات الرسالة. # PageV10P631 # والثاني: إخبار عن الإياس لهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن ~~يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك. # وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة الله - سبحانه وتعالى - أو عبد ~~غيره دونه على رجاء القربة إلى الله - تعالى - فهو ليس بعابد لله - تعالى - ~~ولا موحد له؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن ~~تقربهم إلى الله - تعالى - زلفى؛ أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا ~~بموحدين، ولا عابدين لله تعالى. # وقوله - عز وجل -: (لكم دينكم ولي دين (6) يحتمل وجهين: # أحدهما: لكم جزاء دينكم الذي دنتم، ولي جزاء ديني الذي دنت. # والثاني: على المنابذة والإياس، لكم ما اخترتم من الدين، ولي ما اخترت، ~~لا يعود واحد منا إلى دين الآخر، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق ~~الآخر إلى دينهم الذي هم عليه. # وقوله - تعالى -: (قل يا أيها الكافرون) ليس على الأمر، على ما نذكر في ~~سورة الإخلاص والمعوذتين؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد ~~منا لكل كافر ذلك، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون، ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ~~لكم دينكم ولي دين). # وعنه أنه قال: " من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب ". # وفي حديث مرفوع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل: " إذا ~~أويت إلى فراشك فاقرأ: (قل يا أيها الكافرون)؛ فإنه براءة من الشرك ". # وأهل التأويل يقولون: إن سبب نزول هذه ومنابذته إياهم: أن رهطا من قريش ~~قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هلم فلنعبد ما تعبد، واعبد أنت ~~ما نعبد نحن؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا؛ فنزلت هذه السورة. # قال أبو عوسجة: الدين: [العبادة]، ms5139 تقول: هذا ديني، أي: [عبادتي]. # ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا: أن التكرار حرف جرى # PageV10P632 # الاستعمال به في موضع المبالغة والتأكيد لما قصد به من الكلام في أي كلام ~~كان، رجاء كان، أو وعيدا أو غيره، كقولهم: بخ بخ، والويل الويل، وهيهات ~~هيهات، وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع لما وقع الإياس عن إيمانهم بالله - ~~تعالى - بما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق الوحي أنهم لا يؤمنون، ~~كرر هذا الكلام؛ تأكيدا للإياس وإبلاغا فيه، والله أعلم. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # * * * # PageV10P633 ### | سورة النصر # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3). # قوله - عز وجل -: (إذا جاء نصر الله والفتح): # قال عامة أهل التأويل: إن قوله - تعالى -: (إذا جاء نصر الله والفتح) هو ~~مكة، والنصر الذي نصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة. # قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأن فتح مكة كان بعد الهجرة بثماني ~~سنين، ونزول هذه السورة كان بعد الهجرة بعشر سنين، ولا يقال للذي مضى: (إذا ~~جاء نصر الله والفتح)، ولكن أراد سائر الفتوح التي فتحها له، أو كلام نحو ~~هذا، ولكن يحتمل أن يكون قوله: (إذا جاء نصر الله) يعني: إذ جاء. # وجائز ذلك في اللغة، وفي القرآن كثير " إذا " مكان " إذ "، فإن كان على ~~هذا فيستقيم حمله على فتح مكة؛ على ما قاله أولئك. # أو يكون قوله - تعالى -: (إذا جاء نصر الله)، أي: قد جاء نصر الله. # أو أن يكون أراد بما ذكر من النصر والفتح: الفتوح التي كانت له من بعد ~~حين دخل الناس في دين الله أفواجا؛ على ما ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (نصر الله)، أي: عون الله وخذلانه لأعدائه. # أو أن يكون قوله - تعالى -: (إذا جاء نصر الله والفتح): هي فتوح الأمور ~~التي فتحها الله - عز وجل - عليه من تبليغ الرسالة إلى ms5140 من أمر بتبليغها ~~إليهم، والقيام بالأمور التي أمره أن يقوم بها، فتح تلك الأمور عليه ~~وأتمها، فإن كان على هذا، تصير فتوح تلك الأمور له نعيا له؛ بالدلالة على ~~ما قاله أهل التأويل: إنه نعى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعيه، # PageV10P634 # وجهة الاستدلال الوجوه التي ذكرنا. # وقوله - عز وجل -: (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2). # ذكر أهل التأويل أنه كان قبل ذلك يدخل واحدا واحدا، فلما كان فتح مكة، ~~جعلوا يدخلون دينه أفواجا أفواجا، وقبيلة قبيلة. # ويحتمل ما ذكرنا من سائر الفتوح، أي: فتوح الأمور التي ذكرنا، على ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين، شهرا ~~أمامي، وشهرا ورائي ". # ثم في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا) الآية، نعي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه، وقد ذكر في ~~الأخبار: أنه نعى إليه نفسه بهذه السورة. # أحدها: ما ذكرنا من جهة الاستدلال عرف أنه قد دنا أجله؛ حيث أتم ما أمر ~~به، وفرغ منه: من التبليغ والدعاء. # والثاني: عرف ذلك اطلاعا من الله تعالى، أطلعه عليه بعلامات جعلها له؛ ~~ففهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يدرك أفهامنا ذلك. # والثالث: لما كفى مؤنة القيام بالتبليغ بنفسه بدخول الناس في الدين جماعة ~~جماعة، وكان قبل ذلك يقوم بنفسه، عرف بذلك حضور أجله، وهو نوع من الدلالة. # ووجه الدلالة: أن القوم لما دخلوا في دين الله فوجا فوجا؛ دل ذلك على ~~ظهور الإسلام وكثرة أهله؛ فكانت الغلبة والنصر دليل الأمن من الزوال عما هم ~~عليه من الدين إذا زال الرسول. # وقوله - عز وجل -: (فسبح بحمد ربك ... (3) قال بعض أهل التأويل: أي: صل ~~بأمر ربك، وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم: أن التسبيح هو التنزيه، والتبرئة عن ~~جميع معاني الخلق، والوصف بما يليق به، قال: نزهه وبرئه بالثناء عليه، وصفه ~~بالصفات العلا، وسمه بالأسماء الحسنى التي علمك ربك. # ويحتمل أن يكون معنى قوله: (فسبح بحمد ms5141 ربك)، أي: قل: " سبحان الله وبحمده ~~" على ما جاء في الأخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكثر في ~~دعائه " سبحان الله وبحمده، وأستغفر # PageV10P635 # الله وأتوب إليه ". # وهذا لأن " سبحان الله " حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه، ~~والوصف له بالعلو والعظمة والجلال، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات، وعن ~~جميع معاني الخلق، جعل لهم هذا الحرف الجامع؛ لما عرف عجزهم عن القيام ~~بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه. # وكذلك حرف " الحمد لله "، هو حرف جامع يجمع شكر جميع ما أنعم الله عليهم، ~~جعل لهم ذلك؛ لما عرف من عجزهم، وقلة شكر ما أنعم عليهم واحدا بعد واحد. # وعلى ذلك يخرج قوله: " اللهم صل على محمد "، أمرهم أن يجعلوا الصلاة على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله - عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما)، ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمروا ~~أن يقولوا: " اللهم صل على محمد "؛ ليكون هو المتولي ذلك بنفسه، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (واستغفره): # قال أبو بكر الأصم: دل قوله - عز وجل -: (واستغفره) على أن كان منه تقصير ~~وتفريط في أمره حتى أمره بالاستغفار عن ذلك. # لكن هذا كلام [وخش]؛ لا يصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتقصير ~~في شيء، ولا بالتفريط في أمر قط، ولكن قد جعل الله - تعالى - على كل أحد من ~~نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام ~~بشكر واحد منها، وإن لطف، وإن طال عمره؛ فأمره بالاستغفار؛ لما يتوهم منه ~~التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك. # أو أن يكون لأمته لا لنفسه. # فإن قال قائل: ما معنى أمره بالاستغفار، وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر؟ # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون أمر بالاستغفار لأمته، نحو قوله - تعالى -: ~~(واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات). # أو أن يكون الله - تعالى - وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار، ودام عليه. # وقوله ms5142 - عز وجل -: (إنه كان توابا): # أي: كان لم يزل توابا، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه وأحدثه، على ما تقول ~~المعتزلة: إنه صار توابا. # PageV10P636 # ثم قوله: (توابا)، على التكثير، أي: يقبل توبة بعد توبة، أي: إذا تاب ~~مرة، ثم ارتكب الجرم وعصاه؛ ثم تاب ثانيا، وثالثا، وإن كثر؛ فإنه يقبل ~~توبته. # والثاني: (توابا)، أي: رجاعا يرجعهم ويردهم عن المعاصي، إلى أن يتوبوا، ~~أي: هو الذي يوفقهم على التوبة. # ثم قال: (توابا)، ولم يقل: " غفارا "، وحق مثله من الكلام أن يقال: " إنه ~~كان غفار "؛ كما قال في آية أخرى: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، ولكن ~~المعنى فيه عندنا: أن المراد من الاستغفار ليس قوله: " أستغفر الله "، ولكن ~~أن يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة بالتوبة؛ (إنه كان توابا). # ويجوز أن يكون فيه إضمار؛ كأنه قال: " واستغفره، وتب إليه؛ إنه كان توابا ~~". # ويجوز أن يستغنى بذكر الاستغفار في السؤال عن ذكره في الجواب، وأحرى أن ~~يستغنى بذكر التوبة في الجواب عن ذكرها في السؤال، وقد يجوز مثل هذا في ~~الكلام. # ثم الدين اسم يقع على ما يدين به الإنسان، حقا كان أو باطلا، وعلى ذلك ~~أضاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يدين به إلى نفسه، وما دان به ~~الكفرة إليهم، حيث قال: (لكم دينكم ولي دين)، وأما إضافته إلى الله - تعالى ~~- حيث قال: (يدخلون في دين الله أفواجا) الآية؛ لأنه الدين الذي أمرهم به، ~~ودعاهم إليه؛ لذلك خرجت الإضافة والنسبة إليه، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P637 ### | سورة (تبت يدا أبي لهب) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) ~~سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5). # قوله - عز وجل -: (تبت يدا أبي لهب وتب): # أي: خسرت، وخابت، كذلك قال أبو عوسجة، يقال: تب يتب تبا وتبابا. # ثم ما ذكر من قوله: (يدا أبي لهب) يحتمل حقيقة اليد. # ويحتمل أن يكون ذكر اليد على الصلة. # فإن كان على إرادة حقيقة ms5143 اليد، فهو يخرج على وجوه: # أحدها: ما ذكر: أنه كان كثير الإحسان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، والإنفاق عليه، والصنائع إليه، وكان يقول: إن كان الأمر لمحمد يومئذ؛ ~~فيكون لي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد؛ فأخبر - والله أعلم - أنه ~~خسر فيما طمع ورجا من اليد التي له عنده والإحسان الذي أحسن إليه؛ إذ لم ~~يصدقه، ولم يؤمن به، وخسر - أيضا - ما ادعى من اليد له عند قريش. # والثاني: يحتمل أن يكون من أبي لهب تخويف لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالبطش والأخذ باليد؛ فأمن الله - تعالى - رسوله عما خوفه به حيث ~~قال: (تبت يدا أبي لهب)، أي: خسرت يداه، ولا يقدر على البطش. # والثالث: يحتمل أن يكون اليد كناية عن القوة في نفسه وماله في دفع العذاب ~~عن نفسه، وكذلك كانوا يدعون دفع العذاب عن أنفسهم؛ بقولهم: (نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين). # وذكر بعض أهل التأويل: أنه لما نزل قوله - تعالى -: (وأنذر عشيرتك ~~الأقربين)، جمع عشائره الأقرب فالأقرب منهم، وقال: " إني لا أملك لكم من ~~الله نفعا في الدنيا والآخرة إلا بعد أن تقولوا شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وأني رسول الله " فقال أبو لهب عند ذلك: " تبا لك يا محمد، ألهذا دعوتنا؟! ~~" فنزل عند ذلك: (تبت يدا # PageV10P638 # أبي لهب وتب) ومجازاة له. # فهذا وإن لم يكن في فعله في القصة استعمال اليدين، فيجوز أنه كان يصرف ~~الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، أو حين دعى إلى الإيمان ~~بالله - تعالى - مد يديه على التعجب من ذلك، وقال: " ألهذا دعوتنا؟ " فرد ~~الله - تعالى - عليه ذلك، وعيره به. # وقد يجوز أن يظهر في الجواب مقدمة السؤال وإن لم يذكر ذلك في السؤال؛ ألا ~~ترى إلى قوله - تعالى -: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض)؛ فعلم بذلك أن السؤال إنما كان عن قربانهن في المحيض؛ فكذلك الأول. # وإن كان ذكر اليد على الصلة، فهو يخرج على وجهين: # أحدهما: ms5144 ذكر اليد كناية عن العمل والفعل، إلا أنه ذكر اليد؛ لما باليد ~~يقوم ويعمل؛ كقوله تعالى: (بما قدمت أيديكم)، و (فبما كسبت أيديكم)، وذلك ~~على الكناية عما كان منه من الصنيع، أي: خسرت أعماله وبطلت. # والثاني: يذكر اليد على إرادة: قدام وأمام؛ كقوله - تعالى -: (لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، أي: أمامه وخلفه؛ فيكون معناه: ما قدم من ~~الأعمال، والله أعلم. # ثم تخصيص أبي لهب بالذكر من بين سائر الكفرة يحتمل وجوها: # أحدها: خصه بالاسم؛ لأنه كان من الفراعنة والأكابر، وهو المقصود به، ~~والفراعنة قد يذكرون بأسمائهم؛ لما هم المقصودون به، وإن كان من دونهم ~~يشاركونهم في ذلك؛ كذكر فرعون، وعاد، وثمود، وغيرهم. # والثاني: كان شديد الهيبة والخوف؛ فذكره باسمه، وخصه به؛ ليعلم أن محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - لا يهابه، ولا يخافه، والله أعلم. # والثالث: أنه كثير الأيادي والصنائع بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلو كان الخطاب بهذا يعم الكفرة، لكان يظن بما سبق منه من الأيادي أنه ~~غير داخل تحت الخطاب؛ فخصه بالذكر؛ ليعلم أنه لا يغنيه من الله شيء. # ثم ذكره بالكنية يخرج على وجوه: # PageV10P639 # أحدها: يحتمل أن يكون بالكنية عرف عند الناس، وبها كان معروفا دون اسمه؛ ~~فذكره بالذي كان معروفا به. # والثاني: ما ذكر أن اسمه كان عبد العزى؛ فلم يرد أن ينسبه إلى غيره، وهو ~~العزى؛ فذكره بالكنية لهذا. # والثالث: أنه عيره بأشياء، وخوفه بمواعيد؛ فلو ذكره باسمه، فلعله يصرف ~~ذلك الخطاب والوعيد الذي كان له إلى غيره؛ لما شرك غيره في الاسم؛ إذ كانوا ~~يسمون أولادهم وينسبونهم إلى أصنامهم، ولم يكن أحد شركه في كنيته؛ فلا ~~يمكنه التحويل إلى غيره. # وقيل: ذكره بالكنية يخرج مخرج الوعيد له، أي: تصير النار له كالابن، وهو ~~كالأب لها؛ وذلك لأن هذه الكنى إنما تذكر في المتعارف على وجه التفاؤل، كما ~~يقال: أبو منصور؛ على رجاء أن يولد له ابن يسمى: منصورا. # ثم إن الله - تعالى - سمى النار في بعض الآيات: أما ms5145 للكافر، كقوله: (فأمه ~~هاوية)، وفي بعضها: مولى؛ حيث قال: (هي مولاكم وبئس المصير)؛ فجاز - أيضا - ~~أن تكون النار إذا قربت منه، وانضمت إلى حجره أن تصير في التمثيل كالولد، ~~ويصير هو أبا لها؛ فقال: (أبي لهب)؛ على هذا الوجه من التأويل. # ووجه آخر: وهو أن ذكر الكنية وإن كان يراد بها التعظيم، فعند ذكر ~~المواعيد والعقوبات يراد بها الاستخفاف والإهانة، وهو على ما ذكرنا في ~~البشارة: أنها وإن كانت تذكر عندما يسر ويبهج في الأغلب، فعند ذكر العقوبة ~~نذارة، كقوله - تعالى -: (فبشرهم بعذاب أليم)؛ فعلى ذلك الكنية، والله ~~أعلم. # وقوله - عز وجل -: (ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) هذا يخرج على وجهين: # أحدهما: أي: لم يغن ماله وقوته وما كسب من عذاب الله شيئا؛ على ما ~~يقولون: (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين). # والثاني: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟!. # ثم قوله - عز وجل -: (وما كسب) يحتمل الولد، أي: ما أغنى عنه ما جمع من ~~ماله وما كسب من الولد؛ على ما ذكر في الخبر، روى أبو الأسود عن عائشة - ~~رضي الله # PageV10P640 # عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن أطيب ما يأكل الرجل من ~~كسبه، وولده من كسبه ". # وسئل ابن عباس - رضي الله عنهما -: أيأخذ الرجل من مال ولده؟ فتلا (يهب ~~لمن يشاء إناثا. . .) الآية، فهو مما وهب الله لنا؛ فهم وأموالهم لنا، ~~والله أعلم. # ويحتمل ما أغنى عنه ما جمع من المال، وما كسب من العمل والإنفاق الذي ~~أنفق على الطمع الذي فعل، أي: لم يغنه شيئا. # أو لم يغنه ما كسب عن صد الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والدخول في دينه والاتباع له، وسوء المقال الذي قال فيه. # وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى ~~عنه ماله وما اكتسب). # وقوله - عز وجل -: (سيصلى نارا ذات لهب (3): # أي: ذات التهاب. # وفيه دلالة إثبات رسالته، حيث أخبر أنه سيصلى نارا، ولا يصلي النار إلا ~~بعد ما ms5146 يختم بالكفر، ثم كان كما أخبر؛ دل أنه علم ذلك بالله تعالى. # وفي هذه السورة دلالتان أخريان يدلان على نبوته: # إحداهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما قرأ هذه السورة عليهم ~~بمكة حين لم يكن له ناصر في الدين، وكانت المنعة والقوة للكفرة، وكانوا ~~جميعا أولياء أبي لهب وأنصارا له عن آخرهم، ولا يحتمل أن يكون محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ هذه السورة عليه، وفيها سب له وتعيير إلى يوم ~~القيامة، مع قلة أوليائه وكثرة أعدائه؛ إذ فيه خوف هلاكه - إلا برب ~~العالمين. # ومعنى آخر: أنه - عليه السلام - كان موصوفا بحسن العشرة وإجمال الصحبة مع ~~الأجانب؛ فما ظنك بالعشيرة والأقارب مع ما أنه كان متنزها عن الفحش في جميع ~~أوقاته؛ فما جاز له هذا إلا بالأمر من الله تعالى؛ فدل ذلك على نبوته ~~ورسالته. # وقوله - - عز وجل -: (وامرأته حمالة الحطب (4): # قال بعضهم: أي: كانت حمالة النميمة والحديث بين الناس، فأوعدها الله - # PageV10P641 # تعالى - لذلك في الآخرة ما ذكر: (في جيدها حبل من مسد (5) وهي السلسلة، ~~ومنه يقال: فلان يحطب؛ إذا أغرى. # وقال بعضهم: كانت حمالة الحطب حقيقة، كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك، ~~وتطرحه في طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين؛ فأوعدها الله ~~- تعالى - بما ذكر من حبل من مسد في الآخرة. # ومنهم من قال: إنها كانت كذلك في الدنيا، كانت تحمل الحطب إلى منزلها، ~~وكان في جيدها حبل من ليف؛ فعيرها بذلك؛ لأنها كانت تعير رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالفقر والحاجة. # وذكر أنها كانت تمسك في عنقها حبلا من ليف سرا من زوجها، وذلك مما لا ~~يتحلى به النساء، وليس هو من أسباب الزينة؛ فأخبر الله - تعالى - عن سفهها ~~وجهلها؛ ليكون ذلك سبا وتعييرا مجازاة لما كانت تقوله في رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ ولذلك قالت لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: " أما رضي ~~محمد أن يهجو عمه حتى هجاني؟! " أو قالت: " حتى هجاني رب محمد؟! " - صلى ~~الله عليه وسلم -، والله أعلم. ms5147 # * * * # PageV10P642 ### | سورة الإخلاص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم ~~يكن له كفوا أحد (4). # قوله - عز وجل -: (قل هو الله أحد): # ذكر أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسب الله ~~تعالى. # وقيل: عن صفته. # وقيل عن الله تعالى: ما هو؟. # فنزلت هذه السورة معلمة بجميع من يسأل عنه وجوابه؛ ولذلك أثبت (قل)؛ ~~ليكون مخاطبة كل مسئول عن ذلك أن قل، لا على تخصيص الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بهذا الأمر؛ إذ ليس في حق الائتمار بالأمر إعادة حرف الأمر في ~~الائتمار؛ فتبين بذلك أنه ليس على تخصيص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بالتعليم، بل هو أحق من سبق له الغناء عن تعليم الإجابة لهذا عند حضرة هذا ~~السؤال، كما سبقت منه الدعوة إلى الله - تعالى - بحقيقة ما يقتضي ما جرى به ~~السؤال، وكما أثبت كذلك؛ ليقرأه أبدا، وحق المخصوص بالأمر أن يأتمر، ولا ~~يجعل ذلك متلوا كذلك في الوقت الذي يحتمل المأمور الأمر به، والوقت الذي لا ~~يحتمل؛ فثبت أن ذلك على ما بينا، ودل قوله: (قل): أنه على أمر سبق عنه ~~السؤال؛ فيكون في ذلك إجابة لما سبق عنه السؤال، وكذلك جميع ما في القرآن ~~(قل) ففيه أحد أمرين: # إما إجابة عن أمر سبق عنه السؤال؛ فينزل بحق تعريف كل مسئول عن مثله. # أو يكون الله - تعالى - إذ علم أنه - عليه السلام - أو من يتبعه يسأل عما ~~يقتضي ذلك الجواب؛ فأنزل ما به يبقى في أهل التوحيد؛ منا منه وفضلا. # ثم لم يجب تحقيق الحرف الذي وقع عنه السؤال إلا لمن شهد وسمع، وقد يتوجه ~~ذلك الحرف الذي وقع عنه إلى ما ذكروا من الأسباب وغيرها، وفيما نزل يصلح ~~جواب ذلك كله ويليق به، وإن كنا لا نشهد على حقيقة ما كان أنه ذا، دون ذا ~~ونجيب بذلك لو سئلنا عما ذكرنا، وعن كل حرف يصح في العقل والحكمة الجواب ~~بمثل ما اقتضته هذه السورة. ms5148 # PageV10P643 # وقوله - عز وجل -: (هو): # اختلف في تأويله: # من الناس من قال: هو إضافة إلى الذي عنه كان -أو يكون- السؤال المقتضي ما ~~جرى به البيان من الجواب، أي: الذي يسألون عنه: (الله أحد. الله الصمد) إلى ~~آخر السورة. # ومنهم من قال: هو اسم الله الأكبر، يروى ذلك عن بعض أولاد علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنهم - أنه كان يقول في دعائه: " يا هو، يا من لا هو إلا ~~هو، يا من به كانت هوية كل هو "، وذلك يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه هو لذاته هوية كل من سواه؛ لما هو يكون محتملا للتلاشي ~~والوجود، إلا هو سبحانه لم يزل ولا يزال هو (ليس كمثله شيء) على ما اقتضى ~~بيان وحدانيته في هذه السورة؛ وعلى ذلك قيل: هو الأحد بذاته، المنشيء أحدية ~~كل الآحاد، المتعالى عن كل معاني أحدية من سواه. # والثاني: أن يكون إضافه إلى اسمه الذي لا يحتمله اللسان، وهو الذي لم ~~يطلع عليه الخلائق، وهو الذي يراد في الدعاء: " باسمك الذي من سألك به ~~أعطيته، ومن دعاك به أجبته " فيكون السؤال به بما يكنى عنه من الوجه الذي ~~ذكرت، لا أن يسعه اللسان أو يحتمل الطوق التفوه به تعالى. # والتأويل الأول هو أقرب إلى الأفهام، وأحق أن يكون على ذكر من يقتضي عنه ~~السؤال، ثم التفسير على ما جرى. # وقوله - عز وجل -: (الله): # اختلف في المعنى الذي جرى هذا في حق أهل هذا اللسان أنه مما اشتق من أمر ~~عرفوه أو لا عن أمر عرفوه؟ إذ في كل لسان لما أريد به عند الذكر لسان العرب ~~اسم يدعى به ويسمى، وإن اختلف وزن كل من ذلك على اختلاف الألسن؛ ليعلم أن ~~الأحرف والتقطيع في التكلم إنما هو ليفهم المقصود، لا على توهم حقيقة الاسم ~~بتلك الحروف والتقطيع، وذلك كما يعبر عن تكوينه الخلائق ب " كن "، لا على ~~تحقيق كاف أو نون في التكوين؛ فعلى ذلك جميع ما يسمى الله - تعالى - لا على ~~تحقيق الحروف التي تجري بها # PageV10P644 # التسمية ms5149 ممن لا يحتمل طوقه إلا بها؛ لكن على ما يقرب إلى الأفهام المراد ~~في التفوه به. # وقال قوم: (الله) هو المعبود في لسان العرب لا على الاستحقاق، لكن على ~~وضع ذلك كذلك؛ دليله تسميتهم كل من عبدوه وكل شيء عبدوه: إلها، وإن كان ~~جميع ما سوى إله الحق ممن عبد لا يحتمل شيئا من تلك المعاني التي زعم من ~~ادعى الاشتقاق عنها من الاحتجاب، أو الالتجاء إليه، ونحو ذلك؛ فثبت أنه اسم ~~موضوع للمعبود. # وعلى ذلك قوله - تعالى -: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه)، أي: معبوده ما ~~يهواه، لا أن للهوى شيئا من ذلك؛ فيكون المعبود الحق هو الله - تعالى - لما ~~له في كل شيء أثر عبودة ذلك الشيء ودلالة الربوبية له عليه سبحانه فهو ~~المعبود بذاته، بمعنى المستحق بذاته العبادة من جميع خلقه والاستسلام له ~~والخضوع بما ذكرت من الموضوع في كل آية ذلك، ولا قوة إلا بالله، وهذا تحقيق ~~ما ذهبنا إليه أنه خالق بذاته؛ رحمن رحيم بذاته، موصوف به في الأزل، وإن ~~كان الذي وصل إليه أثر رحمته وفيه ظهور دلالة تدبيره حدث بعد أن لم يكن على ~~ما كانت العبادة والاستحقاق كان ممن حدث وفيمن كان بعد أن لم يكن، وهو إله ~~ليم يزل ولا يزال. # وعلى ذلك قوله - عز وجل -: (مالك يوم الدين)، و (رب كل شيء)، وإن كان من ~~الأشياء ما سيكون، لا أنها كانت كائنة، وكذلك يوم الدين؛ فعلى ذلك أمر " ~~خالق "، ونحو ذلك؛ ومن هذا الوجه أنكر قوم أن يكون الإله اسم معبود في ~~الحقيقة، أو اسما مشتقا عن لسان؛ إذ هو لم يزل إلها، ومن به العبادة أو عنه ~~الاشتقاق حادث. # والأصل عندنا: ما ذكرنا: أنه بجميع ما وصف به وصف بذاته؛ إذ لا يحتمل ~~التغير والاستحالة، ولا نيل مدح بغير ممدح، وإنما يمدح به لذاته: لأنه ~~استحق من كل ذلك لوقت كون ذلك، وعلى ذلك القول ب " العالم " و " القادر ": ~~أنه كذلك، وإن كان الذي علمه ممن سواه وكل مقدور عليه ms5150 حادث بعد أن لم يكن، ~~ولا قوة إلا بالله. # وقال الضحاك: الله اسمه الأكبر؛ لأنه يبتدأ به في كل موضع. # ثم اختلف في معنى الاشتقاق: # فمنهم من يقول: أصله: إله، من أله الرجل إلى آخر، أي: التجأ إليه ~~واستجاره؛ فآلهه، بمعنى: أجاره وآمنه؛ فسمي: إلها على وزن الفعال؛ كما ~~يسمى: إماما؛ لما يؤتم # PageV10P645 # به، وفخم بإدخال الألف واللام، ثم لين وحذف الهمزة كما هو لغة قريش، ثم ~~أدغم أحد اللامين في الآخر، فشدد؛ فصار الله. # وعلى ذلك تأويل الصمد: أن يصمد إليه من الحوائج، ويستغاث به ويلتجأ إليه. # وقيل: إن اشتقاقه من وله يله ولها؛ إذا فزع إليه، فسمي به؛ لأن المفزع ~~إليه، وهو قريب من الأول. # ولكن حق ذلك في الاسم أن يكون ولاه، فأبدل الواو ألفا، كما يقال في وكاف: ~~إكاف، وكذلك أهل الحجاز يجعلون الواو ألفا، قال الشاعر: # فأقبلت ألهي ثكلى على عجل # وقيل: سمي به؛ لأنه أله كل شيء، أي: ذلله وعبده؛ فتأله له، أي: عبده، قال ~~قائلهم: # وأله إلهك واحدا متفردا ... ساد الملوك بعزه وتمجدا # وقال آخرون: سمي به؛ لاستتاره، ومنه يقال: لهت؛ فلا ترى، وقال الشاعر: # لاه ربي عن الخلائق طرا ... خالق الخلق لا يرى ويرانا # وقيل: سمي به؛ لتحير القلوب عن التفكر في عظمته؛ كقوله: ألاهني الشيء حتى ~~ألهت، ومنه مفازة ملهة، يعني: العقل يحار عند النظر إلى عظمته، ومنه أله ~~يأله؛ فهو إله. # وقال الشاعر: # وبهما تيه تأله العين وسطها ... مخففة الأعلام بيد ضر ما تتملق # قال - رضي الله عنه -: والأصل عندنا: الإغضاء عن هذا؛ لما أن الحاجة إلى ~~تعرف الاشتقاق والوضع؛ لتعرف محل الأمر، وموقع الحكم، ومن جميع ما اشتقوا ~~به الاسم يحتمل تسمية الغير بكل ذلك، وتحقيق الإضافة إلى ذلك وتسميته: ~~إلها، أو إضافة ما به عرف الحقيقة - لا يحتمل غيره سبحانه وتعالى، ولا يجوز ~~التسمية به؛ فثبت الغناء في معرفته عن جميع الوجوه التي أريد الاستخراج ~~منها؛ إذ هي طرق توصلهم إلى العلم بالمقصود والوقوف على المراد، وقد عرف ms5151 ~~دون الذي ذكروا، والله أعلم. # PageV10P646 # والأصل عندنا في ذلك: أن الله - سبحانه وتعالى - بلطفه يمنع الخلق عن ~~تسمية أحد: إلها، إلا من جهة أحوال تعترض؛ فسموا به على معنى جعل الاسم ~~الذي جرت التسمية به حقيقة له؛ فسموا؛ ظنا منهم أن بذلك التوسل والتقرب، لا ~~أن يروا لشيء من ذلك حقيقة ذلك، بل قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)، وقالوا: (والله أمرنا بها)؛ ~~ليعلم أنهم عرفوا لله - تعالى - بما دعوا لأنفسهم في ذلك معاني تردهم إلى ~~الله سبحانه وتعالى، فذكروا مجازا من أحد لسانين، والله أعلم. # أما لسان الرسل في ذكر الله ففي أمور تقربهم إلى الله تعالى، لقوله: ~~(فردوه إلى الله والرسول)، وقال: (إن تنصروا الله ينصركم)، وقال: (إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله)، وصف مبايعة العبد ونصره أو نصر دينه نصرا لله ~~ومبايعته، بما يقرب ذلك إليه؛ فعلى ذلك تسميتهم ما عبدوها، لا أنهم رأوها ~~آلهة في الحقيقة. # أو عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي؛ وإنما سمي هو بذكر كل ذي شرف ~~ومنزلة عنده؛ فعلى ذلك إذ محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم؛ ~~فسموا به، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله، ~~ردوا أمرهم في ذلك، وذلك من لطف الله - تعالى - فيما سخرهم عليه؛ كتسمية ~~الخالق والرحمن: أنهم لا يسمون أحدا بهما، وإن كثرت أفعاله، وعظمت رحمته في ~~الخلق؛ ليعلم أنها أسماء الله - تعالى - منع الخلق عن التسمي بها باللطف من ~~حيث لا يعرف سببه. # ثم قوله - عز وجل -: (قل هو الله أحد) أي: الأمر هو الله أحد؛ كما تقول: ~~إنه زيد قائم، أي: الأمر زيد قائم، جواب من يسألك: ما الأمر والشأن في أن ~~قمت هاهنا؟ فتقول: الأمر زيد قائم، أي: قمت لأجله، إلى هذا يذهب الزجاج؛ ~~كأنه يذهب إلى أنه لما قال: (قل هو الله أحد)، فقيل له: ما الأمر والشأن؛ ~~فقال: الأمر الله أحد؛ أي: ليعرفوا أنه ms5152 كذلك. # وقوله - عز وجل -: (أحد) يتوجه إلى واحد، ثم " واحد " اسم ينفي المثل في ~~الإضافة، كما يقال: هو واحد الزمان، وواحد الخلق؛ على نفي التشبيه له عما ~~أضيف # PageV10P647 # إليه، ويكون واحدا من حيث العدد بما عن مثله يبتدأ الحساب، ولا يبتدأ من ~~أحد؛ فيصير أحدا من ذا الوجه، وإن كان الله - تعالى - بأي حرف ذكر، ففيه ~~ذلك، وهو الواحد الذي يستحيل أن تكون وحدانيته من وجه يحتمل ثانيا، أو من ~~وجه تعديل، هو الواحد الإله الحق المتعالي عن معنى الأعداد والأنداد، وهو ~~على ما ذكر الحكيم في الآحاد أنها أربع: # واحد هو كل لا يحتمل التضعيف؛ لإحالة كون وراء الكل. # وواحد هو الأقل، وهو الذي لا يحتمل التضعيف والتجزؤ؛ لأنه أقل الأشياء، ~~فإذا تنصف يكون ذلك النصف أقل منه. # وواحد هو وسط، وهو الذي يحتمل التنصيف والتضعيف جميعا. # والرابع: هو الذي قام به الآحاد هو، ولا هو أخفى من هو، هو الذي انخرس ~~عنه اللسان، وانقطع دونه البيان، وانحسرت عنه الأوهام، وحارت فيه الأفهام، ~~فذلك الله رب العالمين. # والأصل في ذلك: أنه لا سبيل إلى العبارة عنه بغير هذا اللسان، ولا وجه ~~للتقريب إلى الأفهام بهذا اللسان إلا بما جرى به الاعتياد، وظهرت به ~~المعارف؛ فلما ذكرنا من الضرورة جعل التوحيد في الحقيقة بالأدلة والبراهين ~~في ضمن التسمية في عبارة اللسان، وحقه مما أخبرت من ضرورات الأحوال في ~~إرادة التقريب إلى الأفهام إلى عبارات اللسان المؤسس على الاعتياد في إظهار ~~المعارف؛ فعلى ذلك القول ب " واحد "، وب " أحد "، لا على أحدية غيره من جهة ~~التوسط، أو من جهة القلة، أو من جهة الكثرة، مع ما كل من هو في معنى واحد، ~~فهو واحد الآحاد المجتمعة، إلا الواحد الذي يقال جزء لا يتجزأ، وهو من غير ~~في الجملة متجزئ عن توهم ذلك الجزء غير متجزئ في الوهم، أو هو الأقل منه، ~~وهو جزء في الحقيقة، والله يتعالى عن الوصف بالكل والبعض، والقليل والكثير، ~~والواحد مما له حق الأبعاض، أو الكل، أو ms5153 رتبة القليل والكثير، جل ثناؤه؛ بل ~~هو الذي خلق جميع ما وصفت، وجعل لكل من ذلك مقابلا بما ذكر؛ ليصير كل من # PageV10P648 # ذلك زوجا؛ فتكون الوحدانية الحق له، ولا قوة إلا بالله. # وقوله - عز وجل -: (الله الصمد (2). # فذكر أنه أحد، وذكر أنه الصمد في تحقيق ما وصف من الأحدية، وهو - والله ~~أعلم - أن أحوج جميع من سواه؛ حتى تحقق قصد جميع من سواه بالحاجات إليه ~~بالكون في الخلقة وفي الصلاح بعد الكون، وفي الذي به الدوام بعد الوجود، ~~والوجود بعد العدم ما احتمل الوجود دونه، ولا البقاء إلا به، أحاطت الحاجات ~~بكل؛ ليكون له الغناء عن الكل في الوجود والبقاء؛ ليتحقق أنه الموجود بذاته ~~والباقي بذاته، والمتعالي عن معنى وجود غيره سبحانه، وهو على ما ذكرنا من ~~عجز الألسن عن البيان عنه بالعبارة إلا على التقريب إلى الأفهام بالمجعول ~~من آثار هويته في جميع الأنام. # ثم قيل في (الصمد) بوجوه يرجع جميع ذلك إلى ما بينا. # أحدها: السيد الذي قد انتهى سؤدده، ومعنى ذلك في المفهوم من السؤدد في ~~صرف الحوائج إليه، ورجاء كل المحاوج به. # والثاني: في أن لا جوف له، وذلك في وصف الوحدانية والتعالي عن معنى أحدية ~~غيره من اجتماع أجزاء ممكن فيها الفرج والثقب التي هي كالأجواف. # أو على ما فسر قوم بالذي هو في ظاهر العبارة مخرج الكتاب، وهو الذي ذكر ~~على أثره، وهو قوله - تعالى -: (لم يلد)؛ لأن كل ذي الكون ذو جوف عنه يتولد ~~الأولاد، ويكون في ذلك إحالة قول من نسب إليه الولد؛ فيقول: كيف يكون له ~~ولد، وقد تعلمون أنه ليس بذي جوف؟ كما قال: (بديع السماوات والأرض أنى يكون ~~له ولد ولم تكن له صاحبة)، في قوم نزهوه عن الصاحبة، وهم لم يشهدوا الولادة ~~إلا بها، كما لم يشهدوا الولادة إلا عن ذي جوف؛ فيكون في هذا نقض قول هذا ~~الفريق فيه بالولادة بما نزهوه عن الجوف، كما في الأول بما برءوه عن ~~الصاحبة. # وقيل: بما لذي الأجواف من الحاجات؛ ms5154 فيرجع إلى التأويل الأول: أنه المصمود ~~إليه # PageV10P649 # بالحوائج. # وظن قوم: أنه إذا نفى عنه الجوف ثبت أنه مصمت، وذلك معنى اجتماع أجزاء ~~تتداخل فتتكاثر كذي الجوف هو اجتماع أجزاء تتفق، فإذا تحقق التنزيه عن أحد ~~الوجهين تحقق التنزيه عن الوجه الآخر؛ ففي الوجهين نفي الوحدانية، وتحقيق ~~ازدواج الأجساد مع ما قد ينفى عن أشياء أمور لا تحقق لها المقابلة؛ كما ~~ينفى عن الأعراض: السمع والبصر والعلم، لا على إثبات مقابلتها بما علموا أن ~~الأعراض لا تحتمل الإعراضات؛ فعلى ذلك العلم بوحدانية الله - تعالى - ~~والتنزيه عن احتمال الأزواج يحقق القول الذي ذكرت. # وقد قيل في الصمد: إنه الدائم، وذلك - أيضا - يرجع إلى ما ذكرت: أنه لا ~~يحتمل التغير والاستحالة وإصابة أثر الحاجة، وهو المصمود إليه بالحوائج. # وقد قال قائل في التأويل الأول: # لقد بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # ويقال: صمدت إلى فلان، أي: قصدت إليه، وهذا يوضح معنى الصمد: أنه يصمد ~~إليه في الحوائج. # وقيل في ذلك: إن الصمد تأويله: (لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد). # قال الشيخ أبو منصور - رضي الله عنه -: الأصل: أنه - تعالى - عظم القول ~~بالولاد ما عظم بجعل الشركاء؛ وذلك أن معنى الولاد: أن يكون بجوهر من له ~~ولد؛ فيكون بذلك شريكا، وذلك ينفي التوحيد؛ فعلى ذلك القول بالولاد؛ لذلك ~~عظم القول به، وألزم على من عرفه بالأدلة القول ببراءته عن الولاد؛ كما ثبت ~~الاشتراك من الوجه الذي بينا، وقد شهد العالم بكليته بحق الخلقة على أنه - ~~تعالى - منشئه عن الشركاء والأشباه جميعا؛ فيبطل القول بالذي ذكرنا، مع ما ~~كان جميع الخلائق على الإشارة إلى كل منه يحتمل الازدواج، ومنه يكون ~~التوالد، والله تعالى متعال عن ذلك. # وبعد: فإن كلام العالم على الإشارة إلى آحاد متولد عن غير، أو يتولد منه ~~غير، وهما أمران راجعان إلى ما عليه حق هذا العالم، وعليه موضوعهم؛ وقد ثبت ~~تعاليه عن # PageV10P650 # جميع معاني غيره؛ إذ كل غير له بجميع معانيه حدث بعد أن ms5155 لم يكن أتى عليه ~~تدبير غيره، وجرى عليه تقدير سلطان غيره، والله - تعالى - لو كان يتوهم شيء ~~من ذلك فيه تسقط له الألوهية، وتحقق له الحاجة إلى غيره، ويوجب جري سلطان ~~غيره عليه، وذلك يوجب غيرا خارجا عن هذه المعاني؛ حتى تسلم الأدلة له على ~~حد الموضوع، وتصفو له الشهادة على ما قامت وانقطعت بالخلقة، وبما فيه من ~~الحكمة، ولا قوة إلا بالله. # وعلى ذلك ختم السورة: أن ليس له أحد كفؤا؛ لأنه من ذلك توجب المماثلة، ~~وفي المماثلة اشتراك، وقد ثبت فساد العالم بتوهم الاشتراك في تدبيره، وقد ~~لزم التعالي عن المعاني التي للأرواح بها يقوم التدبير، ويجري سلطان ~~التقدير. # وجائز أن يكون مخرج السورة في تحقيق نعت من قد عرفوه بإحدى خصال ثلاث: ~~إما بالتلقين لكل عن كل، إلى أن ينتهي ذلك إلى علام الغيوب، فسخرهم بذلك ~~وأنشأهم على ذلك؛ حتى أيقن من جحد ذلك أنه بعد تلقين متوارث ظاهر لا يحتمل ~~مثله الخطأ في حق توارث الأمور بما يبطل المعارف كلها بأسرها - أنشئوا وبها ~~تعالموا، وذلك كأول علوم الخلق وكالشيء المطبوع الذي لا يستطاع جحده إلا ~~بما لعل الطباع المخلوقة على جهة الرياضة وأنواع الحيل. # وإما بالتأمل فيها في كل جزء من أجزاء العالم من الأدلة عليه والشهادة ~~له؛ فبين بالآية للذين عرفوه بأحد الوجوه التي ذكرنا أن نعته كذا؛ ليقطع به ~~توهم المثل له، أو العدل في أمر؛ وليعرفوا أن القول بغير خارج عن الوجوه ~~التي ذكرنا، وأنه يرجع إلى ضرب من التلقين، ليس له حق الطباع ولا حق ~~التلقين الذي له صفة الكافية والكلية في التلقين، ولا في حق شهادة الكل ~~بالخلقة يدرك بالتأمل والتفكر؛ فيمتنع عن ذلك، ويرجع إلى حقيقة ما جرى به ~~النعت دون غيره مما ألفوا فيه يرجع إلى تلقين من ذكر، وتلبيس بلا حجة؛ لذلك ~~لا يضاهي شيئا مما ذكرت، مع ما في كل ذلك جميع ما في غير ذلك من شهادة ~~الخلقة، والحاجة فيها إلى غيره من الإيجاد والإبقاء، وهو ms5156 الأحد بما لا دليل ~~لغيره؛ بل في ذلك إحالة الألوهية من كل الوجوه الثلاثة، وهو الصمد بمعنى ~~المصمود إليه في # PageV10P651 # الحوائج، المالك لقضائها، وهو الذي لم يلد ولم يولد، وهو المتعالي عن ~~احتمال ولاد فيه ومنه؛ لما ذكرت من فساد الألوهية الثابتة له بما ذكر من ~~الوجوه. # وقوله - عز وجل -: (ولم يكن له كفوا أحد (4) لما في كل أحد سواه جميع ~~الوجوه التي منها يعرف سلطان غيره عليه، وأنه ذليل لمن ذل له كل شيء على ~~السواء، ولا قوة إلا بالله، ومنه الاستهداء، ولما ذكرت سميت هذه السورة: ~~سورة الإخلاص؛ لأنها في إخلاص التوحيد لله، ونفي الأشباه والشركاء في ~~الألوهية والربوبية، وأن كل شيء سواه مربوب ومملوك له، ولا قوة إلا بالله. # * * * # PageV10P652 ### | سورة الفلق، # وهي مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا ~~وقب (3) ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5). # قوله - عز وجل -: (قل أعوذ برب الفلق): # قال الفقيه - رحمه الله -: الأمر بالتعوذ به يحتمل وجوها ثلاثة: # أحدها: على التعليم، لا لنازلة كانت في ذلك الوقت؛ لكن لما علم الله - ~~تعالى - من عظيم شر من ذكر بما يظن بالأغلب أن شر ما ذكر يتصل بالذي ذكر في ~~علم الله تعالى؛ فأمرهم بالتعوذ به، كما أخبر في أمر الشيطان: أنه عدو لهم، ~~وأنه يراهم من حيث لا يرونه؛ ليكونوا أبدا معدين متيقظين فزعين إلى الله - ~~تعالى - معتصمين، وهذا أحق في التعليم من الذي ذكر في سورة الناس؛ لأنه أضر ~~من ذلك العدو؛ لأن ضرره إنما يتصل به بإتيانه ما دعاه إليه الشيطان، وما ~~يوسوس في صدره الوسواس، وذلك فعله يمكنه الامتناع عنه، وهذا الضرر يقع بفعل ~~غيره من وجه لا يعلم مأتاه -أعني: شر النفاثات ونحو ذلك- فهو أحق في تعليم ~~العباد فيه، والأمر بالفزع إلى من بلطفه جعل ذلك الفعل ممن ذكرنا معمولا ~~فيه مؤثرا. # والثاني: ما قيل: نزل جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى ms5157 الله ~~عليه وسلم - فقال: " إن عفريتا من الجن يكيدك؛ فتعوذ بأعوذ برب الفلق، وبرب ~~الناس من شره إذا أويت إلى الفراش ". # والثالث: قيل: إن واحدا من اليهود سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فنزل هذا. # قال أبو بكر الأصم: ذكروا في هذه السورة حديثا فيه ما لا يجوز؛ فتركته. # قال الفقيه - رحمه الله -: ولكن عندنا فيما قيل: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سحر - وجهان في إثبات رسالته ونبوته. # أحدهما: بما أعلمه بالوحي أنه سحر، وذلك فعل فعلوه سرا منه، ولا وقوف ~~لأحد على الغيب إلا بالوحي. # والثاني: بما أبطل عمل السحر بتلاوة القرآن؛ فيصير لتلاوته في إبطال عمل ~~السحر ما # PageV10P653 # لعصا موسى - عليه السلام - وأن هذا في كونه آية أعظم مما فعل موسى عليه ~~السلام؛ لأن ذلك يتنوع بتنوع ما له الفعل والعمل من حيث الجوهر والطبع من ~~حيث مرأى العين؛ فإنه ثعبان يلقف ما صنعوا. فأما إبطال السحر وعمله بتلاوة ~~القرآن لا يكون إلا باللطف من الله تعالى، والله أعلم. # ثم الأصل في هذا عندنا: أنه قد ثبت الأمر بالتعوذ بقوله: (قل أعوذ برب ~~الفلق)، وقد بينا حق الاشتراك فيما يتضمن هذا الأمر إن كان على نازلة في ~~واحد، أو على ابتداء التعليم، فهو أمر فيه رجاء للفرج والمخرج من الأمور ~~الضارة بما يعتصم فيها بالله - تعالى - بما عنده من اللطائف؛ فجائز تمكينه ~~من أمور ضارة باللطف من حيث لا يعلم البشر مأتاه، ولعل الذي يعمل به لا ~~يعلم حقيقة ذلك العمل الذي جعل الله لذلك العمل إلا بما سبق من وقوع ذلك، ~~وقد يجوز الأمر والنهي بأشياء بعينها من الأفعال؛ لمكان ما يتولد عنها من ~~المنافع والمضار باللطف من حيث لا فعل في حقيقة ذلك للخلق؛ وإنما ذلك لطف ~~من الله - تعالى - نحو ما نهى عن أكل أشياء، وأمر بها، مما بها الاعتداء ~~والقتل، من غير أن نعلم حقيقة وصول ذلك إلى ما يعدو أو يقتل وأي حكمة في ~~ذلك ومعنى له؟. # وكذلك الموضوع من ms5158 المناكح لطلب الولد وسقي الأشجار والزروع بما يحدث الله ~~فيها، وإن كان وجه العمل بالمأمور به، والمنهي عنه، وحقيقته بغير الذي له ~~ذلك. وعلى ذلك الأمر بالاستماع، والنظر لما يلقى إليه ويراه، وإن لم يكن ~~حقيقة الإدراك فعله. # وعلى ذلك التقدير جائز أن يكون الله - تعالى - يجعل النفث بالعزائم، أو ~~بأنواع السحر، أو بأنواع الرقى - أعمالا في المقصود بها من النفع والضر، لا ~~يعلم حقيقة الوقوع والمعنى الموضوع فيه له من فيه ذلك الفعل، وهو به مأمور، ~~وعنه منهي؛ بما له من حقيقة الفعل، وإن لم يكن النافع به في حقيقة فعله. # ثم قوله - عز وجل -: (الفلق) اختلفوا فيه: # قال بعضهم: الصبح. # PageV10P654 # وقيل: كل شيء ينفلق من جميع ما خلق، نحو الأرحام؛ ليتعرف ما فيها، والحب، ~~والنوى، والهوام، وكل شيء. # فمن ذهب إلى تخصيص الصبح؛ فهو لأنه آخر الليل، وأول النهار، وقد جرى ~~تدبير الله - تعالى - في إنشاء هذين الوقتين على جميع العالم، بحيث لا يملك ~~أحد الامتناع عن حكمهما فيما جعل لهما، وهما النهاية في العلم بعلم الله - ~~تعالى - الغيب؛ إذ جرى من تدبيره في أمر الأوقات في الليل والنهار على حد ~~واحد كل عام، بما فيهما من الرحمة للخلق وأنواع المحنة، ومن عليهما بما ~~يأتيان الخلق ويذهبان؛ فكأنما ذكر جميع الخلق على ما ذكر في تأويل قوله - ~~تعالى -: (برب الناس)؛ فيكون فيه لو قصد بالذكر ما في كل ذلك، ولا قوة إلا ~~بالله. # وقوله - عز وجل -: (من شر ما خلق (2) له وجهان: # أحدهما: من شر خلقه؛ لما أضاف إلى فعله؛ كما يقال: " من شر فعل فلان "، ~~أي: من شر ما يفعله. # ويحتمل من شر يكون من خلقه، لكن الإضافة إليه بما هو خالق كل شيء من فعل ~~خلقه، ومن خلق ما له الفعل ولا فعل. # والأول كأنه أقرب؛ لما ذكر في بقية السورة من الواقع بخلقه المكتسب من ~~جهتهم، وأضيف إليه؛ لما بينا، ولأن كل شر اكتسبه الخلق فذلك منسوب إلى الله ~~- تعالى - خلقا، وهو فعل المكتسب وكسبه، ms5159 فمتى كان المراد من قوله - تعالى ~~-: (من شر ما خلق) هذا النوع؛ فكأن ذكر ما بعده يكون تكريرا. # وإذا حمل الأول على محض التخليق فيما لا صنع للخلق فيه من الشرور، كان ~~ذكر ما لهم صنع فيه -وإن كان بخلق الله تعالى، لا يكون تكريرا- فيكون هذا ~~التأويل أحق، مع ما قد بينا أنه يمنع في فعل غيره بلطف، أو إعجاز، وفي ~~الإعجاز لا يحتمل التعوذ من شر من لا يقدر على فعل يتصل به الشر، وفي ذلك ~~إثبات التمكين لما يقع به الشر؛ فيجوز التعوذ من الذي منه أذية تكون من ~~غيره، على ما بينا من جواز الأمر والنهي عن # PageV10P655 # أفعال لمكان ما يقع بها، وإن لم يكن الواقع في الحقيقة لهم؛ فعلى ذلك ~~التعوذ من شر خلقه، وهو التمكين والله الموفق والمعين. # وفي هذا تعلق بعض من يقول بأن القوة تسبق الفعل: أنه لو لم يكن له قوة ~~على الشر كيف كان يتعوذ من شر من لا يقوى عليه؟. # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن التعوذ يكون بما سيفعل بما يملك هو ما يقع لديه الفعل، وهو ~~الآلات السليمة والقدر تحدث تباعا على حدوث الأفعال، وتحدث لما يختار هو؛ ~~فصارت القدرة في كونها لما يختار؛ ككون ما يختار من الفعل بالاختيار بحدوث ~~القدرة حالة الفعل؛ فيتعوذ منه؛ لعلمه أن الذي به كأنه في يده. # والثاني: أن قد جرت العادة بالعلم بما يقع في المتعارف: كالعلم بما هو ~~واقع في الرغبة والرهبة؛ ألا ترى أنه يتعوذ من ظلم الجبابرة والظلمة، على ~~ما بينهم من بعد الأمكنة وطول المدد؛ لإمكان الوصول بما اعتيد منهم بلوغ ~~أمثال ذلك، وإن كانت القدرة على الظلم في حقه للحال معدومة، لا تبقى في مثل ~~هذه المدة؛ فعلى ذلك الأمر الأول: # وقوله - عز وجل -: (ومن شر غاسق إذا وقب (3) اختلف فيه: # قيل: الغاسق: هو الليل المظلم: والغسق الظلمة. # وقيل: سمي الليل: غاسقا؛ لأن الغاسق: البارد، قال الله تعالى: (لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا ms5160 (25) جزاء وفاقا)، والليل أبرد ~~من النهار؛ لذلك سمي: غاسقا. # والأصل في هذا: أن الذي ذكر لا يكون منه ضرر يتعوذ منه، لكنه يرجع إلى من ~~كان في ظلمة الليل، أو في نور القمر من الذي يأتي منه المضار، ومعلوم أن من ~~الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليالي لا يمكن إلا ~~بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها، وهو كقوله - ~~تعالى -: (والنهار مبصرا)، لما يقع به الإبصار؛ لا أنه يقع منه ذلك. # وهذا - والله أعلم - ليس على تخصيص الليل بذلك؛ لأنه ليس له فعل الضر، ~~لكن قد يعرض به الإمكان من الشر؛ لما المعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها ~~إلا في ظلمة # PageV10P656 # الليل، ومنها في الليل لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ منه عما ~~يتحقق فيه؛ فعلى ذلك يجوز التعوذ من شر النهار، على تأويل ما يقع به من ~~التمكين من الشر، ويوجد فيه، والله أعلم. # وقوله: (إذا وقب) واختلفوا في معنى (وقب): قيل: إذا جاء ودخل. # وقيل: ذهب. # وقيل: معناه: القمر إذا خسف، أمر بالاستعاذة من ذلك؛ إذ هو علم من أعلام ~~الساعة؛ لهذا قال: (إذا وقب)؛ إذ القمر لا يخسف إلا في الليل. # وقوله - عز وجل -: (ومن شر النفاثات في العقد (4): # فهذا تعوذ من شرهم بحسب سببه، لكنه في الحقيقة فعل لهم، وفي الأول يقع ~~سببه بلا صنع لهم، فكأنه في الجملة أمر بالتعوذ من كل سبب خيف تولد الشر ~~منه، فعلا كان ذلك له أو لم يكن؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)، وقد يكون للشيطان فعل في الحقيقة، ~~ولا يكون للحياة الدنيا فعل؛ فوقع النهي عن الاغترار بهما؛ فعلى ذلك التعوذ ~~من شر الأمرين وإن لم يكن لأحدهما فعل بما يقع فيه. # وجائز أن يكون من هذا الوجه في الملائكة محنة في الدفع والحفظ؛ لقوله - ~~عز وجل -: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ms5161 الله)، قيل فيه: ~~أي: بأمر الله يقع حفظه؛ فجائز أن يكون في هذه الأمور الخفية، وأنواع ~~المضار من حيث لا يعلم إلا بعد جهد يقع الحفظ بالله - تعالى - على استعمال ~~الملائكة. # وعلى ذلك يجوز أن يكون أمر سلامة المطاعم والمشارب والمنافع التي للبشر ~~عن إفساد الجن، يحفظ ما ذكر؛ ليكون فيها محنة للملائكة، على ما كان مكان ~~وسواس الشيطان إيقاظ الملائكة ومعونتهم. # ويحتمل أن يكون الله - تعالى - لم يمكنهم إفساد ما ذكرنا وإن مكنهم ~~الوسواس؛ إذ باللطف يمنع من حيث لايعلم. # PageV10P657 # وقيل - أيضا -: من أمر الله: عذابه وأنواع البلايا إلى وقت إرادة الله - ~~تعالى - الوقوع. # وقوله - عز وجل -: (ومن شر حاسد إذا حسد (5) يخرج على وجهين: # أحدهما: إذا كان الحاسد دون المحسود، لا يقوى على الشر ليفعل به، والشر ~~المتوهم منه يكون من شر عينه، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود وذهاب ~~دولته. # وإنه جائز أن يكون الله - عز وجل - بلطفه يجعل في بعض الأعيان عملا يتأدى ~~بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم إلى الزوال، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه؛ فأمر ~~بالتعوذ لهذا، وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل الله - تعالى - ~~فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق، بل لو أراد الخلق أن ~~يعرفوا ما في البصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض ~~من غير كثير مهلة، لم يقدروا عليه. # وروى عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا رقية ~~إلا من عين أو حمة ". # وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: " العين حق، فإن كان شيء يسبق القدر ~~لسبقه العين ". # وفي خبر آخر: " لا شر في الهام، والعين حق ". # ويدل عليه في قصة إخوة يوسف - عليه السلام -: (وقال يا بني لا تدخلوا من ~~باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة). # وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته، لكنه أمر كعمل الشمس في العين نفسها ~~فيما تبصر الشمس وتنظر إليها، فإنها تضره وتغلبه عن النظر على بعدها من ~~العين بما جعل ms5162 الله - تعالى - وذلك من اللطف والحكمة، وكذلك عمل العين في ~~المعيون. # والثاني: أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من ~~السعي في الأمور التي بها الفساد على ضعفه في نفسه؛ قال الله - تعالى - في ~~صفة المنافقين: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم)، فمع ما بين من ~~فشلهم وضعفهم، أمرهم بالحذر عنهم، وقال: (إن كيد الشيطان كان ضعيفا)، ثم ~~أمر بالتعوذ من شره؛ فكذلك الحاسد، والله أعلم بالصواب. # * * * # PageV10P658 ### | سورة الناس، # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر ~~الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6). # قوله - عز وجل -: (قل أعوذ برب الناس): # ظاهره أمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء مشار إليه، وهو ~~التعوذ، وحق الإجابة في مثله أن يقول: أعوذ، لا أن يقول: (قل أعوذ) لكنه - ~~والله أعلم - يخرج على وجهين: # أحدهما: أن يكون ذلك أنزل بحق أن يصير ذلك أمرا لكل من بلغه، وتعليما ~~بالذي عليه من الاعتصام بالله - تعالى - والالتجاء إليه من شر الذي ذكره؛ ~~ليعيذه، وتكون الإعاذة بوجهين: # أحدهما: في تذكير ما عرفه من الحجج في دفع ما يخطر بباله من المكروه. # والثاني: باللطف الذي لا يبلغه علم الخلق، ولا تدركه عقولهم مما لديه نفع ~~الأمن من الزيغ مما حقه الإفضال، والذي ذلك حقه، فلله - تعالى - أن يكرم به ~~العبد مبتدئا، وله أن يقدم فيه محنة السؤال والاعتصام به؛ على الإكرام ~~أيضا، ويلزم على من عصم به عن الزلة، أو هدي إلى حسنة: الشكر لله - تعالى - ~~فيما ابتدأه أو أكرمه به عند السؤال. # والوجه الثاني من وجهي الخطاب: أن يكون الخطاب لغيره، وإن كان راجعا إلى ~~مشار إليه، فهو مما يشترك في معناه غيره؛ فأبقى وأثبت ما به يصير مخاطبا من ~~بلغ ذلك، وهو قوله - تعالى -: (قل) حتى يدوم هذا إلى آخر الدهر، وعلى هذا ~~جميع ما فيه حرف الكلفة والمحنة -أعني: صيغة الأمر- والله الموفق. # ثم في ms5163 قوله - تعالى -: (قل أعوذ برب الناس. . .) إلى آخر السورة وجهان من ~~الحكمة، فيهما نقض قول أهل الاعتزال: # أحدهما: أن المحنة قد ثبتت بالامتناع عن طاعة الشيطان والمخالفة له: فإما ~~أن كان # PageV10P659 # الله - تعالى - أعطاه جميع ما يقع به الامتناع حتى لا يبقى عنده مزيد، أو ~~لا يعطيه جميع ذلك، بل بقي عنده شيء منه. # فإن كان قد أعطاه، فهو بطلب ذلك بالتعوذ والاعتصام بالله - تعالى - كاتم ~~لما أعطاه، طالب ما ليس عند الله - تعالى - فيكون الأمر بالتعوذ محنة وأمرا ~~بما به كتمان ذلك، وذلك حين استوفاه يكون إنكاره ستر نعم الله - تعالى - ~~وقد تبرأ عن الأمر بالفحشاء والمنكر، وبين أن ذلك عمل الشيطان. # ثم في المحنة بهذا محنة بالاستهزاء بالله تعالى؛ لأنه يطلب منه ما يعلم ~~أنه لا يملكه، ولا يجده عند نفسه، وذلك من علم الهزء عند ذوي العقول، فمن ~~ظن أن الله - تعالى - يمتحن عباده ويأمرهم بشيء مما ذكرنا، فهو جاهل بالله ~~- تعالى - وبحكمته وإن لم يكن الله تعالى يمتحن عباده، ويأمرهم بشيء مما ~~ذكرنا؛ فهو جاهل بما أعطاه وعنده بعد ذلك. # ثم كان من مذهبهم أنه ليس لله - تعالى - أن يمتحنهم بفعل إلا بعد إيتاء ~~جميع ما عنده مما به قوامه ووجوده؛ ففي ذلك اعتراف بلزوم المحنة وتوجه ~~التكليف قبل إيتاء جميع ما عنده مما به الوصول إلى ما أمر به، وذلك ترك ~~مذهبهم مع ما كان عندهم أنه لو كان عند الله - تعالى - أمر ومعنى، لا يقع ~~فعل المختار؛ لأجل أنه لا يعطيه ذلك - لم يكن له أن يمتحنه، وهو بالامتحان ~~جائر. # وإما أن سألوه بفعل قد أمر به، وإن لم يكن أعطاه ذلك، وهم ما وصفوا الله ~~- تعالى - بمثل ذلك أو بفعل يتلو وقت الأمر ذلك؛ فيكون إعطاء ذلك وقت ~~الأمر؛ فكأنه ظن أن يأمر ولا يعطي حتى يسأل، وذلك حرف الجور. # ثم الأصل الذي اطمأن به قلوب الذين يعرفون الله - تعالى - أنه متى هدى ~~الهداية التي يسأل أو عصم العصمة التي يطلب، أو وفق ms5164 لما يرجو من الفعل، أو ~~أعانه عندما يخاف أنه كان ذلك لا محالة، وتحقق بلا شبهة، ويأمن لديه من ~~الزيغ والضلال، وعلى ذلك جبلوا مما لا نجد غير معتزلي إلا وقد اطمأن قلبه ~~به، حتى يعلم أن هذا منه وقع المجبول عليه بالتقليد، ولا قوة إلا بالله ~~تعالى. # وقوله - عز. وجل -: (برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) ولم يقل: # PageV10P660 # " أعوذ برب الخلق "، وهذا أعم من الأول، وإضافة كلية الأشياء إليه، أو ~~إضافته إلى الكل بالربوبية من باب التعظيم لله - تعالى - فما كان أعم فهو ~~أقرب في التعظيم، فهذا - والله أعلم - يخرج على أوجه: # أحدها: أراد التعريف، وبهذا يقع الكفاية في معرفة من يفزع إليه ممن يملك ~~ذلك، ليعوذ منه، لكنه ذكر (برب الفلق)، في موضع، و (بالله) في موضع، وقوله ~~في موضع، كقوله - تعالى -: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)، وقال: ~~(فاستعذ بالله)؛ ليعلم به من سعة الأمر وتحقيق الفزع، والرجوع إلى الله - ~~تعالى - عند نزول ما ينزل بالمرء مما يخاف على نفسه، ويشغل قلبه - أن له ~~ذكر ما يحضره من أسماء الله - تعالى - أي اسم كان؛ إذ ما من اسم إلا وفيه ~~دلالة على نعمه وسلطانه وقدرته وعظمته؛ ليكون في ذلك توجيه الملك إليه ~~وإخلاص الحمد له بإضافة النعم؛ فيكون ذلك من بعض ما به التشفع إلى الله - ~~تعالى - من ذكر قدرته وإحسانه، وأرفع ذلك في ذكر الناس بالإضافة إليه. # والثاني: أن الذين عرف فيهم الأرباب والملوك والعبادات لمن دون الله - ~~تعالى - هم الإنس دون غيرهم؛ فأمر أهل الكرامة بمعرفة الله - تعالى - ~~والعصمة عن عبادة غيره، والاعتراف بالملك والربوبية له -: أن يفزعوا إليه ~~عما ذكر، ذاكرين لذلك، واصفين بأنه الرب لهم، والملك عليهم، والمستحق ~~للعبادة لا غير. # أو لما كان للوجوه التي ذكرنا ضل القوم من اتخاذهم أربابا دون الله ~~تعالى. # أو نزولهم على رأي ملوكهم في الحل والحرمة، وفي البسط والقبض. # أو عبادتهم غير الله - تعالى - وفزعهم إليه؛ فأمر الله - تعالى - أهل ~~الكرامة بما ذكرت الفزع إلى ms5165 الذي يذكر بهذه الأوصاف على الحقيقة على نحو ~~فزع الضالين إلى أربابهم وملوكهم والذين عبدوهم دونه؛ إذ إليه مفزع الكفرة ~~- أيضا - عند الإياس عمن اتخذوهم دون الله؛ لنصرتهم ومعونتهم، والله أعلم. # والثالث: أن المقصود من خلق هذا العالم هم الذين نزلت فيهم هذه السورة، ~~وغيرهم # PageV10P661 # كالمجعول المسخر لهم، قال الله - تعالى -: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا)، وقال: (الله الذي سخر لكم. . .) الآية، وقال الله - تعالى -: (الذي ~~جعل لكم الأرض فراشا. . .) الآية، فإذا قيل: (برب الناس (1) ملك الناس)، ~~فكأنه قيل: " برب كل شيء "، لأن ما سواهم جعل لهم، وذكر الخلق والتوجيه ~~إليه في الاستعاذة والاستعانة هو اعتراف بألا يملك غيره ذلك؛ فاستوى ~~الأمران، والله أعلم. # وقيل في (برب الناس): مصلح الناس، وذلك يرجع إلى أن به صلاحهم في الدين ~~وفي النفس. # وقيل: ملك الناس؛ على الإخبار بأن الملك له فيهم جميعا، وفي الخلق مما لم ~~يذكر فيه جهة الملك؛ فبين أن ذلك كله في التحقيق لله - تعالى - وملكه، ~~ولغيره يكون من جهته على ما أعطي لهم بقدر ما احتاجوا إليه. # وقيل: سيدهم، لكن لفظة " السيد " لا تذكر لمالك غير الناس، ويوصف بالرب ~~والملك والمالك على الإضافة لا مطلقا، يقال: رب الدار، ومالك الجارية، وملك ~~المصر، ونحو ذلك، فكأنه أقرب. # وقوله - عز وجل -: (من شر الوسواس الخناس (4): # سمى الذي يوسوس بأنه وسواس وخناس، وقيل في تأويله من وجهين: # أحدهما: أنه يوسوس لدى الغفلة، ويخنس عند ذكر الله تعالى، أي: يخرج ~~ويذهب. # وقيل: يخنس: لا يرى، ولا يظهر، كقوله - تعالى -: (إنه يراكم هو وقبيله من ~~حيث لا ترونهم)؛ ولهذا قيل في الجواري الكنس: إنهن يطلعن من مطالعهن، ~~ويخنسن بالنهار، أي: يختفين. # وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: (الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة ~~والناس (6) صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس. # وقيل - أيضا -: على التقديم والتأخير، معناه: قل أعوذ برب الناس من الجنة ~~والناس # PageV10P662 # الذي يوسوس في صدور الناس. # أما الوسوسة فهي أمر معروف، وذلك بما يلقى من ms5166 الكلمات التي تشغل القلب ~~وتحير في أمر الدين، بما لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك، وعلى ذلك ~~أمر أهل الأهواء، وأصناف الكفرة؛ كقوله - تعالى -: (وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شياطين الإنس والجن)، وقوله - عز وجل -: (وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم)، وأما شياطين الجن، فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن ~~بالرسل عليهم السلام، لكن الدهرية ومنكري الرسل يقولون: ليس في الجن ~~شياطين؛ وإنما هو أمر يخوف به مدعو الرسالة؛ ليلزموا الخلق الاستماع إليهم ~~في تعرف الجهل وما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف، وهذا لسفههم قالوا، ~~ولو أنهم تأملوا في ذلك، لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة العقل ~~الطلب، ودعتهم إلى البحث عنه ما مستهم من الحاجة، وهي الخواطر التي تقع في ~~القلوب، والخيالات التي تعرض في الصدور، منها ما إذا صورت وجدت قباحا، ~~ومنها ما إذا صورت وجدت حسانا، ولا يجوز وقوع أمر أو كون شيء بعد أن لم يكن ~~من قبل نفسه؛ للإحالة في أن يصير لا شيء بنفسه شيئا قبيحا أو حسنا بلا ~~مدبر، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن ~~من نفسه معنى يحدث له ذلك؛ فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك. # ثم لا يعلم من حيث طلب الأبدان الموجبة لها ولا في العقول - أيضا - ~~دركها؛ فيجب بها أمران منعهم عن العلم بهما القنوع بالجهل وحب الراحة: # أحدهما: القول بالصانع، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير. # والآخر: القول بالرسالة تأتيهم من عند علام الغيوب، وإذا كان ذلك بحيث لا ~~يبلغه علم البشر فيعرف حقيقة ذلك؛ فيعلم عند النظر والبحث أمران عظيمان: # أحدهما: الرسل بما معهم من المعجزات، فيقولون بهم، وبالتوحيد بما رأوا من ~~الآيات الصدق؛ إذ قد علموا أن في الأخبار صدقا، لولا ذلك لكانوا لا يدعون ~~شيئا؛ إذ هو خبر له. # والثاني: يلزمهم بما يعاينوا من مرجح الأمر من غير الحكماء أنها تقع ~~متفاوتة مضطربة، والعالم بما خرج ms5167 متسقا على الحكمة والمصلحة؛ فعلموا أنه ~~كان بمدبر حكيم # PageV10P663 # يعلم ما به المصالح؛ فيلزمهم به أمران أيضا: التوحيد والرسالة، ولا قوة ~~إلا بالله. # والأصل عندنا بتمكين الشيطان ما ذكرنا من الوسوسة أن الشيطان والملك ~~خلقان لله تعالى عرفناهما بالرسل - عليهم السلام - وبما بينا من ضرورة ~~الحاجة إلى العلم ممن بإلقائه يصير عند التصوير قبيحا أو حسنا، فيأتيان ~~جميعا بما مكنهما الله تعالى من الأمرين جميعا: أمر الملائكة الخير والحكمة ~~فيسهل عليه سبيله بتيسير الله تعالى وفضله، وأمر الشيطان الضلال والشر ~~فييسر عليه، حتى صار الخير للأول كالطبع، والشر للثاني كذلك، فإذن كان كل ~~واحد ممكنا من الأمرين، قال الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى. وصدق. . .) ~~إلى قوله - عز جل -: (للعسرى)، وقال الله - عز وجل -: (فمن يرد الله أن ~~يهديه. . .) إلى قوله تعالى: (كأنما يصعد في السماء). # ثم الأصل في الإنس أنهم امتحنوا بحقوق بينهم وبين الله تعالى وبحقوق فيما ~~بينهم، وكلفوا تثبيت الملائكة إياهم بقوله عز وجل: (إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا)، وأمروا برد ما يوسوس إليهم الشيطان ~~بقوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا)، وغير ذلك. # وعلى ذلك خلقت الملائكة ممتحنين بالكتابة على البشر بقوله: (كراما ~~كاتبين) فتكون الحكمة في تكليف التمكين ما وصف من محنة الله تعالى إياهم ~~طاعتهم في أنفسهم وفيما مكنوا من غيرهم، على ما ذكرت من أمر الإنس، وحكمة ~~ذلك للإنس إلزام التيقظ والنظر فيما يقع في قلبه من الخواطر؛ ليعلم الذي له ~~والذي عليه. # وكذلك في تكليف الملائكة كتابة قوله وفعله؛ ليكون متيقظا ومتنبها في كل ~~أفعاله وأحواله كتيقظه فيما كان الأولياء والأعداء من الكاتبين الظاهرين ~~عليه أنه يحذر كل الحذر عما يؤذي وليه، ويقبل على كل أمر فيه نفع بما أمل، ~~ويحذر عدوه أشد الحذر؛ لئلا يؤذيه من حيث لا يعلم، فيتهمه كل تهمة. ثم ~~معلوم ألا يمل الكتبة إلا بعد إحكامه وإصلاحه غاية ما يحتمل الوسع، فعلى ~~ذلك فيما خفي؛ إذ هم في العقول في درك ms5168 ما منهم وما عليهم كالذين ذكر لهم ~~ممن ظهروا لأبصارهم، والله الموفق. # PageV10P664 # وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية ~~والعداوة فيما لا يرون صلاحها وفيما يرون؛ إذ من الوجه الذي فيه الولاية ~~والعداوة مرئية لأبصار القلوب والعقول؛ فيمكن الحذر والمعاملة جميعا، وعلى ~~هذا التقدير لم يمكن الله أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من ~~أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك؛ ~~ليمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف لبعض على حيل بعض والصرف ~~عن ذلك، وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس، وكذلك أمر ~~الملائكة، لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل ~~شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر، والله أعلم. # قال - رضي الله عنه -: ثم اختلف في وجه تمكن الشيطان من الإنس فيما يوسوس ~~إليه: # قد روي في بعض الأخبار أنه يجري فيه مجرى الدم، فأنكر ذلك قوم، وليس ذلك ~~مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه وجري قوة الطعام والشراب وما به ~~حياة الأبدان والحواس مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب وكل شيء؛ ~~بلطافة ذلك؛ فعلى ذلك الشيطان. # وعلى ما روي في أمر الملك مما يكتب ما لا يعلم موضع قعوده ولا يسمع صريف ~~قلمه ولا ما يكتبه علينا من ذلك، فعلى ذلك أمر الذي ذكرت. # ثم قد ثبت القول بأمر الله تعالى نبيه أن يتعوذ به عن همزه ونزغه وحضوره ~~بقوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. . .) الآية، وقوله ~~تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. . .)، وقال: (إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)، وقال: (الذي يتخبطه الشيطان من المس. . ~~.) الآية، فثبت أن أمره على ما بيناه. # ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه ~~بحق؛ لأن الله تعالى وعز وجل أخبرنا أنا لا نراه بقوله: (إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم)، ولكن الذي ms5169 رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها ~~آثار في # PageV10P665 # الصدور، وقد مكنا بحمد الله تعالى ومنه لندرك منه، وإنما علينا التيقظ ~~لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا الله تعالى وعز وجل ~~من الأسباب، وعرفنا من الحجج نقض الباطل والتمسك بالحق، كقوله تعالى: (إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا)، وتوجهوا إلى الله تعالى ~~بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله الله تعالى للدفاع، كقول يوسف - عليه ~~الصلاة والسلام -: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن. . .) الآية، على العلم ~~فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن، وكذلك قول الراسخين في العلم: ~~(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة. . .) الآية. # لكن من الناس من يقول: هو يعلم النفس فيما تهوى فيزين لها ذلك، والعقل ~~فيما يدعو من ذلك فيمنعه عن ذلك. # ومنهم من يقول: لا، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور والطيب والخبيث، ~~فيعرف بالآثار وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى الفعل، وقد يكون عمل الهوى ~~والعقل جميعا في الجسد وخارجا منه، وبخاصة آثار الأعمال. # ومنهم من يقول: ليس له بشيء من ذلك علم، لكن بكل ما يرجو العمل من ~~التغرير أو في التمويه والتلبيس كالأعمى فيما يمس ويطلب المضار من المنافع ~~ونحو ذلك، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان وطريق إمكانه وحيله، وذلك أمر لم ~~نؤمر بمعرفته، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر، ~~هكذا ذكرت في الآيات، أو بالفزع إلى الله سبحانه وتعالى في دفعه ومنعه إن ~~حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد. # وتأول كثير منهم أنه يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس، وذلك ~~ممكن؛ لما قد يكون من كل جنس ضلال وغواة وأخيار وأبرار، فأما حق تأويل ~~السورة على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس. # ثم القول في المعوذتين أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن، قال الفقيه - ~~رحمه الله -: لنا من أمرهما أنهما ms5170 انتهتا بما انتهت إلى أهل هذا العصر ~~معرفة القرآن في الجمع بين # PageV10P666 # اللوحين بتوارث الأمة، ولسنا نحن ممن يعرف بالمحنة والسير بما به نعلم ~~أنهما معجزتان أو لا، وإنما حق ذلك الأخذ عن أهل ذلك والشهادة له بعد ~~الثبات أنه من القرآن وأنه معجز، حق أمثالنا فيه الاتباع، وقد اتضح بما به ~~جرى التعارف في جميع الشرائع التي بها يشهد أنها عن الله تعالى وأنها حق، ~~فعلى ذلك هذا. # لكن ذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه لم يكتبها في مصحفه، وذلك ~~عندنا يخرج على وجهين: # أحدهما: أنه لم يكن سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيهما شيئا ~~أنهما من القرآن أم لا، ولم يكن أيضا رأى على نفسه السؤال عن ذلك حقا ~~واجبا؛ لأن القرآن وما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يلزم علم ~~الشهادة والعمل به واحد؛ إذ المقصود من كل ذلك القيام بالمقصود من حق ~~الكلفة لا التسمية، ولم يكن النجباء يمتحنون أنفسهم بالسير في الوجوه التي ~~بها يعرفون المعجز من غير ذلك أنه قرآن أو غيره، وإنما ذلك من عمل ~~المرتابين الشاكين في خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعرفوا أنه مبعوث ~~مرسل، فأما من تقرر عنده واطمأن به قلبه وزال عنه الحرج فيما آتاهم فقد ~~كفوا ذلك، وكذلك يجوز ترك البحث عن ذلك لما ذكرت، لا أن عنده أنهما ليستا ~~من القرآن، وفي خبر عقبة الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لأصحابه: " نزل اليوم آيات لم ير مثلهن قط " قيل: ما هن يا رسول الله؟ ~~فقال: " المعوذتان "، دل أنهما من القرآن. # وأيد أيضا ما ذكرت في ترك الكتابة ما روي عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: " فقولوا "، فنحن نقول بقول ~~لم يشهد في تلك بأنهما منه ولا ليستا منه بما لم يكن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخبره بهما، فعلى ذلك أمر عبد الله بن مسعود، رضي ms5171 الله عنه. # ويؤيد ذلك أيضا أمر استعاذة القرآن أنها مقدمة على القراءة، وحق هاتين ~~السورتين لو كانتا منه بيقين أن تكونا في افتتاح المصحف كالاستعاذة للقرآن، ~~فهذا أيضا بعض الذي يمنع العلم بحقيقة ذلك عنه، وقد بينا جواز وجه الإشكال ~~مع ما كان الإنزال # PageV10P667 # لحاجة العباد، وعلى ذلك جرى العمل بهما من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وغيره، فهو أمر لا يضر الجهل بالوجه الذي ذكرت. وعن ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - أنه قال: لو علمت أن أحدا أعلم بالقرآن مني وحملتني مطيتي ~~لأتيته. وقد روي عمن ذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يعرض على جبريل - عليه السلام - كل عام مرة إلا في ~~العام الذي قبض عرض عليه مرتين، وقد شهدهما جميعا عبد الله، فعله لم يعرض ~~ما شاء الله، وإذا كان كذلك لم يكن هو ممن يسأل في هذا الباب غيره ليثبت ~~عنده السماع بأنهما أثبتتا في المصحف؛ فبقي قوله بحيث لا نعرف حقيقته، ووجه ~~آخر أن يكون رآهما منه لكن لم يكتب؛ لوجهين: # أحدهما: لما لم يكن موضع الكتاب والتدبير، على ما ذكرنا أن يكون في أول ~~المصاحف، فكره أن يكتب بتدبيره، ويتخير له موضعا للكتابة؛ فلم يكتب كذلك. # والثاني: أنه يكتب ليحفظ ولا ينسى، وقد أمن عليهما النسيان؛ لأنهما بحيث ~~يجب تلاوتهما في أوائل النهار ومبادئ الليل، وعند النوازل ينفع التعوذ بهما ~~من كل شر وكيد، على نحو الاستعاذة وأنواع الدعوات المدعوة، فلما أمن ~~خفاءهما لم يكتب، وعلى ذلك ترك كتابة فاتحة الكتاب، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV10P668 ms5172