######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0028181 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي، أبو الفرج (المتوفى: 337هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 337 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نقد الشعر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0028181 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-28181 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/28181 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1302 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة الجوائب - قسطنطينية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | رب يسر لإتمامه # قال أبو الفرج قدامة بن جعفر: العلم بالشعر ينقسم أقساما، فقسم ينسب إلى ~~علم عروضه ووزنه، وقسم ينسب إلى علم قوافيه ومقاطعه، وقسم ينسب إلى علم ~~غريبه ولغته، وقسم ينسب إلى علم معانيه والمقصد به، وقسم ينسب إلى علم جيده ~~ورديئه. # وقد عني الناس بوضع الكتب في القسم الأول وما يليه إلى الرابع عناية ~~تامة، فاستقصوا أمر العروض والوزن، وأمر القوافي والمقاطع، وأمر الغريب ~~والنحو، وتكلموا في المعاني الدال عليها الشعر، وما الذي يريد بها الشاعر. # ولم أجد أحدا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابا، وكان الكلام ~~عندي في هذا القسم أولى بالشعر من سائر الأقسام المعدودة، لأن علم الغريب ~~والنحو وأغراض المعاني محتاج إليه في أصل الكلام العام للشعر والنثر، وليس ~~هو بأحدهما أولى منه بالآخر، وعلما الوزن والقوافي، وإن خصا الشعر وحده، ~~فليست الضرورة داعية إليها، لسهولة وجودهما في طباع أكثر الناس من غير ~~تعلم، ومما يدل على ذلك أن جميع الشعر الجيد المستشهد به إنما هو لمن كان ~~قبل واضعي الكتب في العروض والقوافي. ولو كانت الضرورة إلى ذلك داعية لكان ~~جميع هذا الشعر فاسدا أو أكثره، ثم ما نرى أيضا من استغناء الناس عن هذا ~~العلم فيما بعد واضعيه إلى هذا الوقت، فإن من يعلمه ومن لا يعلمه # PageV01P002 # ليس يعول في شعر إذا أراد قوله إلا على ذوقه دون الرجوع إليه، فلا يتوكد ~~عند الذي يعلمه صحة ذوق ما تزاحف منه بأن يعرضه عليه، فكان هذا العلم مما ~~يقال فيه: إن الجهل به غير ضائر، وما كانت هذه حاله فليست تدعو إليه ضرورة. # فأما علم جيد الشعر من رديئه، فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في ~~العلم، فقليلا ما يصيبون. # ولما وجدت الأمر على ذلك، وتبينت أن الكلام في هذا الأمر أخص بالشعر من ~~سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع كتاب فيه، رأيت أن أتكلم في ~~ذلك بما يبلغه الوسع، فأقول: ### | الفصل الأول ### | حد الشعر # إن ms01 أول ما يحتاج إليه في العبارة عن هذا الفن: معرفة حد الشعر الحائز له ~~عما ليس بشعر، وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز - مع تمام ~~الدلالة - من أن يقال فيه: إنه قول موزون مقفى يدل على معنى. # فقولنا: قول: دال على أصل الكلام الذي هو بمنزلة الجنس للشعر. # وقولنا: موزون: يفصله مما ليس بموزون، إذ كان من القول موزون وغير موزون. # وقولنا: مقفى: فصل بين ماله من الكلام الموزون قواف، وبين ما لا قوافي له ~~ولا مقاطع. # وقولنا: يدل على معنى: يفصل ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة على ~~معنى مما جرى على ذلك من غير دلالة على معنى. # فإنه لو أراد مريد أن يعمل من ذلك شيئا كثيرا على هذه الجهة لأمكن وما ~~تعذر عليه. # فإذ قد تبين أن كذلك، وأن الشعر هو ما قدمناه، فليس من الاضطرار إذن أن ~~يكون ما هذه سبيله جيدا أبدا ولا رديئا أبدا، بل يحتمل أن يتعاقبه الأمران، ~~مرة هذا، وأخرى هذا، على حسب ما يتفق، فحينئذ يحتاج إلى معرفة الجيد ~~وتمييزه من الرديء. ### | صناعة الشعر # ولما كانت للشعر صناعة، وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها ~~على غاية التجويد والكمال، غذ كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات ~~والمهن، فله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وحدود بينهما ~~تسمى الوسائط، وكان كل قاصد لشيء من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود، فإن كان ~~معه من القوة في # PageV01P003 # الصناعة ما يبلغه إياه، سمي حاذقا تام الحذق، وإن قصر عن ذلك نزل له اسم ~~بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها، كان الشعر ~~أيضا، إذ كان جاريا على سبيل سائر الصناعات، مقصودا فيه وفي ما يحاك ويؤلف ~~منه إلى غاية التجويد، فكان العاجز عن هذه الغاية من الشعراء إنما هو من ~~ضعفت صناعته. ### | صفات الشعر # فإذ قد صح أن هذا على ما قلناه، فلنذكر الصفات التي إذا اجتمعت في الشعر ms02 ~~كان في غاية الجودة، وهو الغرض الذي تنتحيه الشعراء بحسب ما قدمناه من ~~شريطة الصناعات، والغاية الأخرى المضادة لهذه الغاية، التي هي نهاية ~~الرداءة. # وأذكر أسباب الجودة وأحوالها وأعداد أجناسها، ليكون ما يوجد من الشعر قد ~~اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها، وخلا من الخلال المذمومة بأسرها، يسمى ~~شعرا في غاية الجودة، وما يوجد بضد هذا الحال يسمى شعرا في غاية الرداءة، ~~وما يجتمع فيه من الحالين أسباب ينزل له اسم بحسب قربه من الجيد أو من ~~الردئ، أو وقوفه في الوسط الذي يقال لما كان فيه: صالح أو متوسط، أو لا جيد ~~ولا رديء، فإن سبيل الأوساط في كل ما له ذلك أن تحد بسلب الطرفين، كما يقال ~~مثلا في الفاتر - الذي هو وسط بين الحار والبارد - إنه لا حار ولا بارد، ~~والمز - الذي هو وسط بين الحلو والحامض - إنه لا حلو ولا حامض. ### | معاني الشعر # ومما يجب توطيده وتقديمه، قبل الذي أريد أن أتكلم فيه، أن المعاني كلها ~~معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها، فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى ~~يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها ~~كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير ~~الصور منها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة. # وعلى الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والضعة، والرفث والنزاهة، ~~والبذخ والقناعة، والمدح والعضيهة، وغير ذلك من المعاني الحميدة والذميمة: ~~أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة. # ومما يجب تقديمه أيضا أن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين، بأن ~~يصف شيئا وصفا حسنا، ثم يذمه بعد ذلك ذما حسنا أيضا، غير منكر عليه ولا ~~معيب من فعله، إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك عندي دليل على قوة الشاعر في ~~صناعته واقتداره عليها. # وإنما قدمت هذين المعنيين، # PageV01P004 # لما وجدت قوما يعيبون الشعر إذا سلك الشاعر فيه هذين المسلكين، فإني رأيت ~~من يعيب امرأ القيس في قوله: ms03 # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول # ويذكر أن هذا معنى فاحش، وليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر ~~فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلا رداءته في ذاته. # وكذلك رأيت من يعيب هذا الشاعر أيضا في سلوكه للمذهب الثاني الذي قدمته، ~~حيث استعمله اقتدارا وقوة، وتصرف فيه إحسانا وحذاقة، وذلك قوله في موضع: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وقوله في موضع آخر: # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # فإن من عابه، زعم أنه من قبل المناقضة، حيث وصف نفسه في موضع بسمو الهمة ~~وقلة الرضى بدنئ المعيشة، وأطرى في موضع آخر القناعة، وأخبر عن اكتفاء ~~الإنسان بشبعه وريه. # وإذ قد ذكرت ذلك، فلا بأس بالرد على هذا العائب في هذا الموضع، ليكون في ~~ما احتج به بعض التطريق لمن يؤثر النظر في هذا العلم إلى التمهر فيه، ~~فأقول: إنه لو تصفح أولا قول امرئ القيس حتى تصفحه لم يوجد ناقض معنى بآخر، ~~بل المعنيان في الشعرين متفقان، إلا أنه زاد في أحدهما زيادة لا تنقض ما في ~~الآخر، وليس أحد ممنوعا من الاتساع في المعاني التي لا تتناقض، وذلك أنه ~~قال في أحد المعنيين: فلو أنني أسعى لأدنى معيشة كفاني القليل من المال. # وهذا موافق لقوله: # وحسبك من غنى شبع ورى # لكن في المعنى الأول زيادة ليست بناقضة لشيء، وهو قوله: لكنني لست أسعى ~~لما يكفيني، # PageV01P005 # ولكن لمجد أؤثله. # فالمعنيان اللذان ينبئان عن اكتفاء الإنسان باليسير في الشعرين متوافقان، ~~والزيادة في الشعر الأول، التي دل بها على بعد همته، ليست تنتقض واحدا ~~منهما ولا تنسخه. # وأرى أن هذا العائب ظن أمرأ القيس قال في أحد الشعرين: إن القليل يكفيه، ~~وفي الآخر: إن القليل لا يكفيه. # وقد ظهر بما قلناه أن هذا ms04 الشاعر لم يقل شيئا من ذلك ولا ذهب إليه، ومع ~~ذلك فلو قاله وذهب إليه ما كان عندي مخطئا من أجل أنه لم يكن في شرط شرطه ~~يحتاج إلى أن لا ينقض بعضه بعضا، ولا في معنى سلكه في كلمة واحدة، ولو كان ~~فيه لم يجر مجرى العيب، لأن الشاعر ليس يوصف بأن يكون صادقا، بل إنما يراد ~~منه، إذا أخذ في معنى من المعاني كائنا ما كان أن يجيده في وقته الحاضر، لا ~~أن يطالب بأن لا ينسخ ما قاله في وقت آخر. # ومع ما قدمته، فإني لما كنت آخذا في استنباط معنى لم يسبق إليه من يضع ~~لمعانيه وفنونه المستنبطة أسماء تدل عليها، احتجت أن أضع لما يظهر من ذلك ~~أسماء اخترعتها، وقد فعلت ذلك، والأسماء لا منازعة فيها إذ كنت علامات، فإن ~~قنع بما وضعته وإلا فليخترع لها كل من أبى ما وضعته منها ما أحب، فليس ~~ينازع في ذلك. # وإذ قدمت ما احتجت إلى تقديمه فأقول: إنه لما كان الشعر على ما قلناه ~~لفظا موزونا مقفى يدل على معنى، وكان هذا الحد مأخوذا من جنس الشعر العام ~~له وفصوله التي تحوزه عن غيره، كانت معاني هذا الجنس والفصول موجودة فيه، ~~كما يوجد في كل محدود معاني حده، لأن الإنسان مثلا يحد بأنه حي ناطق ميت، ~~فمعنى الحياة التي هي جنس للإنسان موجود في الإنسان، وهو التحرك والحس، ~~وكذلك معنى النطق - الذي هو فصله مما ليس بناطق - موجود فيه، وهو التخيل ~~والذكر والفكر، ومعنى الموت - الذي في حد الإنسان - وهو قبول بطلان الحركة، ~~فكذلك أيضا معنى اللفظ الذي هو جنس للشعر موجود فيه، وهو حروف خارجة بالصوت ~~متواطئا عليها، وكذلك معنى الوزن، ومعنى التقفية، ومعنى ما يدل عليه اللفظ. # وإذ كان ذلك كما قلنا، فالشعر إنما هو ما اجتمع من هذه الأسباب التي يحيط ~~بها حده. # ولما كان كل مجتمع، وكل مؤلف من أمور، وللأمور تألف من بعضها مع بعض، ~~يزيد عددها فيه وينقص على حسب كثرة ms05 الأمور وقلتها، وجب أن يكون الشعر أيضا ~~لما كان مجتمعا من # PageV01P006 # أسباب أن تكون أقسام تأليف هذه الأسباب بعضها إلى بعض جاريا هذا المجرى، ~~وأن يكون تعديد هذه التأليفات إذا استوعب وأضيف ذلك إلى عدة الأسباب ~~المفردات من غير تأليف، فقد أتى على جميع الأسباب التي يجب الكلام فيها من ~~أمر الشعر، فأقول: إنه لما كانت الأسباب المفردات التي يحيط بها على حد ~~الشعر على ما قدمنا القول فيه أربعة، وهي اللفظ، والمعنى، والوزن، ~~والتقفية، وجب - بحسب هذا العدد - أن يكون لها ستة اضرب من التأليف، إلا ~~أني وجدت اللفظ والمعنى والوزن تأتلف، فيحدث من ائتلافها بعضها إلى بعض ~~معان يتكلم فيها، ولم أجد للقافية مع واحد من سائر الأسباب الأخر ائتلافا، ~~إلا أني نظرت فيها فوجدتها، من جهة ما، أنها تدل على معنى لذلك المعنى الذي ~~تدل عليه ائتلاف مع معنى سائر البيت، فأما مع غيره فلا، لأن القافية إنما ~~هي لفظة مثل لفظ سائر البيت من الشعر، ولها دلالة على معنى، كما لذلك اللفظ ~~أيضا، والوزن شيء واقع على جميع لفظ الشعر الدال على المعنى، فإذا كان ذلك ~~كذلك فقد انتظم تأليف الثلاثة الأمور الأخر ائتلاف القافية أيضا، إذ كانت ~~لا تعدو أنها لفظة كسائر لفظ الشعر المؤتلف مع غيره. # فأما من جهة ما هي قافية، فليس ذلك ذاتا يجب لها أن يكون لها به ائتلاف ~~مع شيء آخر، إذ كانت هذه اللفظة إنما قيل فيها: إنها قافية من أجل أنها ~~مقطع البيت وآخره، وليس أنها مقطع ذاتي لها، وإنما هو شيء عرض لها بسبب أنه ~~لم يوجد بعدها لفظ من البيت غيرها، وليس الترتيب، وأن لا يوجد للشيء تال ~~يتلوه، ذاتا قائمة فيه، فهذا هو السبب في أن لم يكن للقافية من جهة ما هي ~~قافية تأليف مع غيرها. # فأما من جهة ما تدل عليه، فإن ذلك تأليف معنى إلى ما يتألف معه، إلا أني ~~نسبته في هذا الكتاب إلى القافية على سبيل التسمية، وإن أراد مريد ms06 أن ينسب ~~ذلك إلى أنه تأليف معنى القافية إلى ما يتألف معه لم أضايقه، فصار ما حدث ~~من أقسام ائتلاف بعض هذه الأسباب إلى بعض: أربعة، وهي: ائتلاف اللفظ مع ~~المعنى، وائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن، وائتلاف المعنى ~~مع القافية، وصارت أجناس الشعر ثمانية، وهي: الأربعة المفردات البسائط التي ~~يدل عليها حده، والأربعة المؤلفات منها. # ولما كان لكل واحد من هذه الثمانية صفات يمدح بها، وأحوال يعاب من أجلها، ~~وجب أ، يكون # PageV01P007 # جيد ذلك ورديئه لاحقين للشعر، إذ كان ليس يخرج شيء منه عنها، فلنبدأ بذكر ~~أوصاف الجودة في واحد واحد منها، ليكون مجموع ذلك إذا اجتمع للشعر كان في ~~نهاية الجودة، ونعقب ذلك بذكر العيوب، ليكون أيضا مجموع ذلك إذا اجتمع في ~~شعر كان في نهاية الرداءة، ولا محالة أنه إذا كان هذان الطرفان مشتملين على ~~جميع ### | النعوت # والعيوب التي نذكرها، ولم يكن كل شعر جامعا جميع النعوت أو جميع العيوب، ~~وجب أن تكون الوسائط التي بين المدح والذم تشتمل على صفات محمودة وصفات ~~مذمومة، فما كان فيه من النعوت أكثر، كان إلى الجودة أميل، وما كان فيه من ~~العيوب أكثر كان إلى الرداءة أقرب، وما تكافأت فيه النعوت والعيوب كان وسطا ~~بين المدح والذم، وتنزيل ذلك إذا حضر ما في الطرفين من النعوت والعيوب لا ~~يبعد على من أعمل الفكر وأحسن سبر الشعر. ### | الفصل الثاني # النعوت # فلنبدأ من ذكر الأجناس الثمانية بأولها من الأربعة المفردات، وهو اللفظ، ~~ونذكر نعوت ذلك ونعوت سائر الأجناس، ونجعل هذا الفصل مقصورا على ذكر ~~النعوت. ### | نعت اللفظ # أن يكون سمحا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة، مع الخلو ~~من البشاعة، مثل أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من سائر النعوت للشعر، منها ~~أبيات من تشبيب قصيدة للحادرة الذبياني، وهي: # وتصدفت حتى استبتك بواضح ... صلت كمنتصب الغزال الأتلع # وبمقلتي حوراء تحسب طرفها ... وسنان حرة مستهل المدمع # وإذا تنازعك الحديث رأيتها ... حسنا تبسمها لذيذ المكرع # كغريض سارية أدرته الصبا ... بنزيل ms07 أسجر طيب المستنقع # لعب السيول به فأصبح ماؤه ... غللا تقطع في أصول الخروع # فسمى ويحك هل علمت بفتية ... غاديت لذتهم بأدكن مترع # بكروا علي بسحرة فصبحتهم ... من عاتق كدم الذبيح مشعشع # PageV01P008 # ومن هذا الجنس قول محمد بن عبد الله السلاماني: # ألا ربما هاجت لك الشوق عرصة ... بمران تمريها الرياح الزعازع # بها رسم أطلال وجثم خواشع ... عليهن تبكي الهاتفات السواجع # وبيض تهادى في الرياط كأنها ... مها ربوة طابت لهن المراتع # تحرين منا موعدا بعد رقبة ... بأعقر تعلوه الشروج الدوافع # فجثن هدوا والثياب كأنها من الطل بلتها الرهام النواشع # طروقا وألجأنا الهوى نحو ربوة ... بها غفلت عنا العيون الخوادع # فلما قضينا غصة من عتابنا ... وقد فاض من بعد العتاب المدامع # جرى بيننا منا رسيس يزيدنا ... سقاما إذا ما استيقنته المسامع # قللا وكان الليل في ذاك ساعة ... وقمن ومعروف من الصبح صادع # وولين من وجد بمثل الذي بنا ... وسالت على آثارهن المدارع # يزجين بكرا يبهر الريط متنها كما مار ثعبان الغضا المتدافع # وقمنا إلى خوص كأن عيونها ... قلات تراخى ماؤها فهو ناصع # ومنه بيتان للشماخ يذكر نهيق الحمار: # إذا نبر التعشير نبرا كأنه ... بقارحه من خلف ناجذه شج # بعيد مدى التطريب أول صوته ... سحيل وأدناه شحيج محشرج # ومنها أبيات لجبيهاء الأشجعي: # أمن الجميع بذي اليفاع ربوع ... راعت فؤادك والربوع تروع # من بعد ما بليت وغير آيها ... قطر ومسبلة الذيول خريع # جوالة بربى الملا غولية ... برغامهن مربة زعزوع # يا صاحبي ألا ارفعاني إنه ... يشفى الصداع فيذهل المرفوع # ألواح ناجية كأن تليلها ... جذع تطيف به الرقاة منيع # في كل مطرد الدفاق كأنه ... نسر يرنق حان منه وقوع # تنجو إذا نجدت وعارض أوبها ... سلق ألحن من النياط خضوع # عرسن دائرة الظهيرة بعدما ... وغرن والحدق الكنين خشوع # PageV01P009 # بأمق أغبر يلتقي حنانه ... للريح بين فروعه ترجيع # يعتس منزلهن أطلس جائع ... طيان يتلف ماله ويضيع # ومثله أيضا: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # وشدت على دهم المهارى رحالها ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح ms08 # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح ### | نعت الوزن # أن يكون سهل العروض من أشعار يوجد فيها ذلك، وإن خلت من أكثر نعوت الشعر، ~~منها قصيدة حسان: # ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام # والنؤي قد هدم أعضاده ... تقادم العهد بواد تهام # قد أدرك الواشون ما أملوا ... والحبل من شعثاء رث الرمام # كأن فاها ثغب بارد ... في رصف تحت ظلال الغمام # ومنها قصيدة طرفة: # من عائدي الليلة أم من نصيح ... بت بنصب ففؤدي قريح # بانت فأمسى قلبه هائما ... قد شفه وجد بها ما يريح # في سلف أرعن منفجر ... يقدم أولى ظعن كالطلوح # عالين رقما فاخرا لونه ... من عبقري كنجيع الذبيح # ومثله أبيات للمنخل بن عبيد اليشكري: # ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير # الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير # فدفعتها فتدافعت ... مشى القطاة إلى الغدير # وعطفتها فتعطفت ... كتعطف الغصن النضير # ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي الغرير # ولقد شربت من المدا ... مة بالكبير وبالصغير # PageV01P010 # فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير # وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير # ومثله أبيات كعب بن الأشرف اليهودي: # رب خال لي لو أبصرته ... سبط المشية أباء أنف # لين الجانب في أقربه ... وعلى الأعداء سم كالذعف # ولنا بئر رواء جمة ... من يردها بإناء يغترف # ونخيل في تلاع جمة ... تخرج التمر كأمثال الأكف # وصرير من محال خلته ... آخر الليل أهازيج بدف ### | الترصيع # ومن نعوت الوزن الترصيع، وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت ~~على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف، كما يوجد ذلك في أشعار كثير ~~من القدماء المجيدين من الفحول وغيرهم، وفي أشعار المحدثين المحسنين منهم. # فمما جاء في أشعار القدماء قول امرئ القيس الكندي: # مخش مجش مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلب العدوان # فأتى باللفظتين الأوليين مسجوعتين في تصريف واحد، وبالتاليتين لهما ~~شبيهتين بهما في التصريف، وربما كان السجع ليس في لفظة لفظة، ولكن في ~~لفظتين لفظتين بالوزن نفسه كقوله: # ألص الضروس حنى الضسسلوع ... تبوع ms09 طلوب نشيط أشر # وفي قصيدة أخرى سجع في لفظتين لفظتين بالحرف نفسه مثل قوله: # وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب # وقال زهير بن أبي سلمى: # كبداء مقبلة وركاء مدبرة ... قوداء فيها إذا استعرضتها خضع # فأتى بفعلاء مفعلة تجنيسا للحروف بالأوزان: وقال أوس بن حجر: # جشا حناجرها علما مشافرها ... تستن أولادها في دحض أنضاح # وقال طرفة: # بطئ عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذلول بأجماع الرجال ملهد # PageV01P011 # وقال عمرو بن أحمر الباهلي: # فمثلك ألوى بالفؤاد وزار بال ... عداد وأصحى في الحياة وأسكرا # وقال النمر بن تولب: # من صوب سارية علت بغادية ... تنهل حتى يكاد الصبح ينجاب # وقال: # طويل الذراع قصير الكرا ... ع يواشك في السبسب الأغبر # وقال اللعين المنقري: # مكيث إذا استرخى كميش إذا انتحى ... على القرب الأقصى، وشد له الأزرا # وقال الأسود بن يعفر: # هم الأسرة الدنيا وهم عدد الحصى ... وإخواننا من أمنا وأبينا # وقال أبو زبيد الطائي: # غير فاش شتما ولا مخلف طع ... ما إذا كان بالسديف السبيك # وقال آخر: # قاموا فجاءوا بفكاك العناة ومع ... طاء الجزيل ومأوى كل ملهوف # وقال الأفوه الأودي: # سود غدائرها بلج محاجرها ... كأن أطرافها لما اجتلى الطنف # وقال العجير بن عبد الله السلولي # حم الذرى مرسلة منه العرى ... وزجلات الرعد في غير صعق # وقال سليك بن سلكة: # إذا أسهلت خبت وإن أحزنت مشت ... وتغشى بها بين البطون وتصدف # وقال الشماخ: # رعين الندى حتى إذا وقد الحصى ... ولم يبق من نوء السماك يروق # وقال عبيد الراعي: # ضعاف القوى ليسوا كمن يبتنى العلى جعاسيس قصارون دون المكارم # وقال أيضا: # سود معاصمها جعد معاقصها ... قد مسها من عقيد القار تفصيل # PageV01P012 # وقال بشامة بن عمرو بن الغدير: # هوان الحياة وخزى الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # وقالت ليلى الأخيلية: وقد كان مرهوب السنان وبين الل - سان ومجذام السرى ~~غير فاتر وقال ناهض بن ثومة الكلابي: # صخوب الصدى ظمأى القطامرة السرى ... ركا ماءها بين النعام الخرائش # وأكثر الشعراء المصيبين من القدماء والمحدثين قد غزوا هذا المغزى ورموا ~~هذا المرمى، وإنما ms10 يحسن إذا اتفق له في البيت موضع يليق به، فإنه ليس في كل ~~موضع يحسن، ولا على كل حال يصلح، ولا هو أيضا إذا تواتر واتصل في الأبيات ~~كلها بمحمود، فإن ذلك إذا كان، دل على تعمل وأبان عن تكلف. # على أن من الشعراء القدماء والمحدثين من قد نظم شعره كله أو إلى بين ~~أبيات كثيرة منه منهم أبو صخر الهذلي، فإنه أتى من ذلك بما يكاد لجودته أن ~~يقال فيه إنه غير متكلف، وهو قوله: # وتلك هيكلة خود مبتلة ... صفراء رعبلة في منصب سنم # عذب مقبلها جدل مخلخلها ... كالدعص أسفلها مخصورة القدم # سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم # عبل مقيدها حال مقلدها ... بض مجردها لفاء في عمم # سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد الشبم # كأن معتقة في الدن مغلقة ... صهباء مصفقة من رابئ رذم # شيبت بموهبة من رأس مرقبة ... جرداء مهيبة في حالق شمم # خالط طعم ثناياها وريقتها ... إذا يكون توالى النجم كالنظم # ومنهم أبو المثلم فإنه قال: # لو كان للدهر مال كان متلده ... لكان للدهر صخر مال قنيان # آبى الهضيمة ناب بالعظيمة مت ... لاف الكريمة لا سقط ولا وانى # PageV01P013 # حامى الحقيقة نسال الوديقة مع ... تاق الوسيقة جلد غير ثنيان # رباء مرقبة مناع مغلبة ... وهاب سلهبة قطاع أقران # هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان # يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وهوب غير منان # ومثل ذلك للمحدثين أيضا كثير. # وإنما يذهبون في هذا الباب إلى المقاربة بين الكلام بما يشبه بعضه بعضا، ~~فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، وقد ~~كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ما روى عنه عليه السلام من أنه عوذ الحسن ~~والحسين عليهما السلام فقال: أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة وإنما ~~أراد ملمة، فلا تباع الكلمة أخواتها في الوزن، قال: لامة. # وكذلك ما جاء عنه صلى اله عليه وسلم، أنه قال: خير المال سكة مأبورة ~~ومهرة مأمورة، فقال: ms11 مأمورة من أجل مأبورة والقياس: مؤمرة. # وجاء في الحديث: يرجعن مأزورات غير مأجورات. وإذا كان هذا مقصودا له في ~~الكلام المنثور، فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن. ### | نعت القوافي # أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في ~~البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء ~~القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه، وربما صرعوا أبياتا ~~أخر من القصيدة بعد البيت الأول، وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره. # وأكثر من كان يستعمل ذلك امرؤ القيس، لمحله من الشعر فمنه قوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل # ثم أتى بعد هذا البيت بأبيات، فقال: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملي # ثم أتى بأبيات بعد هذا البيت، فقال: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل # وقال في قصيدة أخرى أولها: # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي # PageV01P014 # وقال بعد بيتين من هذا البيت: # ديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال # ثم قال بعد أبيات أخر: # ألا إنني بال على جمل بالي ... يقود بنا بال ويتبعنا بال # وقال في قصيدة أخرى أولها: # غشيت ديار الحي بالبكرات ... فعارمة فبرقة العيرات # وأتى بيتين، ثم قال: # أعنى على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات # وقال في قصيدة أخرى أولها: # عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال # وقال بعد أبيات من هذا البيت: # قلوب خزان ذي أورال ... قوتا كما يرزق العيال # وقد سلك هذا السبيل غير امرئ القيس شعراء كثيرون، فمنهم أوس قال في قصيدة ~~أولها: # ودع لميس وداع الصارم اللاحي ... قد فتكت في فساد بعد إصلاح # ثم أتى بأبيات وقال: # إني أرقت ولم تأرق معي صاح ... لمستكف بعيد النوم لواح # ومنهم مرقش قال في قصيدة أولها: # أمن رسم دار ماء عينيك يسفح غدا من مقام أهله وتروحوا # ثم أتى ببيت وقال: # أمن بنت عجلان ms12 الخيال المطرح ... ألم ورحلي ساقط متزحزح # وقال حسان بن ثابت من قصيدة أولها: # ألم تسأل الربع الجديد التكلما ... بمدفع أشداخ فبرقة أظلما # وقال البيت التالي لهذا: # أبى رسم دار الحي أن يتكلما ... وهل ينطق المعروف من كان أبكما # PageV01P015 # وقال الشماخ قصيدة أولها: # ألا ناديا أظعان ليلى تعرج ... فقد هجن شوقا ليته لم يهيج # ثم أتى بأبيات وقال: # ألا ادلجت ليلاك من غير مدلج ... هوى نفسها إذا أدلجت لم تعرج # وقال عبيد بن الأبرص قصيدة أولها: # أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب # ثم أتى بأبيات وقال: # أرض توارثها شعوب ... فكل من حلها محروب # ثم أتى بأبيات وقال: # والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب # وقال الراعي قصيدة أولها: # أبت آيات حبى أن تبينا ... لنا خبرا فأبكين الحزينا # ومن الشعراء من ربما أغفل التصريع في البيت الأول، فأتى به في بعض ~~الأبيات من القصيدة فيما بعد. # قال ابن أحمر الباهلي قصيدة أولها: # قد بكرت عاذلتي بكرة ... تزعم أني بالصبا مشتهر # فلم يصرع أول القصيدة، وأتى ببيتين بعد الأول، ثم قال: # بل ودعيني طفل إني بكر ... وقد دنا الصبح فما أنتظر # وقال ابن أحمر أيضا من قصيدة أولها: # لعمري ما خلفت إلا لما أرى ... وراء رجال أسلموني لما بيا # فأتى بالأول غير مصرع، وقال أبياتا بعده، ثم قال: # فأمسى جناب الشول أغبر كابيا ... وأمسى جناب الحي أبلج واريا # وقال أمية بن حرثان بن الأسكر الكناني قصيدة أولها: # أصبحت هزءا لراعي الضأن أعجبه ... ماذا يريبك مني راعي الضان # PageV01P016 # فلم يصرع أول بيت، وأتى بعده ببيت واحد، ثم قال: # يا ابني أمية إني عنكما غاني ... وما الغنى غير أني مشعر فاني # وإنما يذهب الشعراء المطبوعون المجيدون إلى ذلك، لان بنية الشر إنما هو ~~التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالا عليه كان أدخل له في باب ~~الشعر وأخرج له عن مذهب النثر. ### | نعوت المعاني الدال عليها الشعر # جماع الوصل لذلك أن يكون المعنى مواجها للغرض المقصود، غير عادل عن الأمر ~~المطلوب. # ولما كانت ms13 أقسام المعاني التي يحتاج فيها إلى أن تكون على هذه الصفة مما ~~لا نهاية لعدده، ولم يمكن أن يؤتى على تعديد جميع ذلك، كي يبلغ آخره، رأيت ~~أن أذكر منه صدرا ينبئ عن نفسه، ويكون مثالا لغيره، وعيارا لما لم أذكره، ~~وأن أجعل ذلك في الأعلام من أغراض الشعراء، وما هم له أكثر دوسا، وعليه أشد ~~دوما، وهو المديح والهجاء والمرائي والتشبيه والوصف والنسيب. ### | الغلو والاقتصار # وأقدم أمام كلامي في هذه الأقسام قولا يحتاج إلى تقديمه، وهو أني رأيت ~~الناس مختلفين في مذهبين من مذهب الشعر، وهما الغلو في المعنى إذا شرع فيه، ~~والاقتصار عل الحد الأوسط فيما يقال منه، وأكثر الفريقين لا يعرف من أصله ~~ما يرجع إليه ويتمسك به، ولا من اعتقاد خصمه ما يدفعه ويكون أبدا مضادا له، ~~لكنهم يخبطون في ظلماء، فمرة يعمد أحد الفريقين إلى ما كان من جنس قول خصمه ~~فيعتقده، ومرة يعمد إلى ما جانس قوله في نفسه فيدفعه ويعتقد نقضه، وقد شهدت ~~أنا، ممن هذه سبيله، قوما يقولون إن قول مهلهل ابن ربيعة: # فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # خطأ من أجل أنه كان بين موضع الوقعة التي ذكرها وبين حجر مسافة بعيدة ~~جدا. # وكذلك يقولون في قول النمر بن تولب: # أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف قديم إثره باد # PageV01P017 # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # وكذلك في قول أبي نواس: # وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق # ثم رأيت هؤلاء بأعيانهم في وقت آخر يستحسنون ما يروون من طعن النابغة على ~~حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # وذلك أنهم يرون موضع الطعن على حسان إنما هو قوله: الغر، وكان ممكنا أن ~~يقول: البيض، لان الغرة: بياض قليل في لون آخر غيره كثير، وقالوا فلو قال: ~~البيض، لكان أكثر من الغر. # وفي قوله: يلمعن بالضحى، ولو قال: بالدجى، لكان ms14 أحسن. # وفي قوله: وأسيافنا يقطرن من نجدة دما، قالوا: ولو قال: يجرين، لكان ~~أحسن، إذ كان الجري أكثر من القطر. # فلو أنهم يحصلون مذاهبهم لعلموا أن هذا المذهب في الطعن على شعر حسان غير ~~المذهب الذي كانوا معتقدين له من الإنكار على مهلهل، والنمر، وأبي نواس، ~~لأن المذهب الأول إنما هو لمن أنكر الغلو، والثاني لمن استجاده، فإن ~~النابغة - على ما حكى عنه - لم يرد من حسان إلا الإفراط والغلو بتصييره ~~مكان كل معنى وضعه ما هو فوقه وزائد عليه، وعلى أن من أنعم النظر علم أن ~~هذا الرد على حسان من النابغة - كان أو من غيره - خطأ بين، وأن حسان مصيب، ~~إذ كانت مطابقة المعنى بالحق في يده، وكان الراد عليه عادلا عن الصواب إلى ~~غيره. # فمن ذلك أن حسان لم يرد بقوله: الغر، أن يجعل الجفان بيضا، فإذا قصر عن ~~تصيير جميعها أبيض نقص ما أراده، وإنما أراد بقوله: الغر، المشهورات، كما ~~يقال يوم أغر ويد غراء، وليس يراد البياض في شيء من ذلك، بل تراد الشهرة ~~والنباهة. # وأما قول النابغة في: يلمعن بالضحى، أنه لو قال: بالدجى، لكان أحسن من ~~قوله: بالضحى، إذ كل شيء يلمع بالضحى، فهو خلاف الحق وعكس الواجب، لأنه ليس ~~يكاد يلمع بالنهار من الأشياء إلا الساطع النور الشديد الضياء، فأما الليل ~~فأكثر الأشياء، مما له أدنى نور وأيسر بصيص، يلمع فيه، فمن ذلك الكواكب، ~~وهي بارزة لنا مقابلة لأبصارنا، دائما تلمع # PageV01P018 # بالليل ويقل، لمعانها بالنهار حتى تخفى، وكذلك السرج والمصابيح ينقص ~~نورها كلما أضحى النهار، والليل تلمع فيه عيون السباع لشدة بصيصها، وكذلك ~~اليراع حتى تخال نارا. # وأما قول النابغة، أو من قال: إن قوله في السيوف: يجرين، خير من قوله: ~~يقطرن، لأن الجري أكثر من القطر، فلم يرد حسان الكثرة، وإنما ذهب إلى ما ~~يلفظ به الناس ويتعاودونه من وصف الشجاع الباسل والبطل الفاتك بأن يقولوا: ~~سيفه يقطر دما، ولم يسمع: سيفه يجري دما، ولعله لو قال: يجرين دما، لعدل عن ms15 ~~المألوف المعروف من وصف الشجاع النجد إلى ما لم تجر عادة العرب به. # ولنرجع إلى ما بدأنا بذكره من الغلو والاقتصار على الحد الأوسط، فأقول: ~~إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء ~~قديما. # وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر أكذبه. # وكذلك يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم. # ومن أنكر على مهلهل والنمر وأبي نواس قولهم المقدم ذكره، فهو مخطئ، لأنهم ~~وغيرهم - ممن ذهب إلى الغلو - إنما أرادوا به المبالغة، وكل فريق إذا أتى ~~من المبالغة والغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم، فإنما يريد ~~به المثل وبلوغ النهاية في النعت، وهذا أحسن من المذهب الآخر، فإن قول ~~النابغة الجعدي في معنى قول النمر على مذهب الاقتصاد ولزوم الحد الأوسط: # وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني # دون قول النمر، لأن في قول النمر دليلا قويا على أن ما بقي منه أكثر مما ~~بقي من النابغة. # وكذلك قول كعب بن مالك الأنصاري في معنى قول مهلهل ووصفه صوت الضرب: # من سره ضرب يرعبل بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق # دون قول مهلهل، لأن في قول المهلهل ما يدل على أن الضرب الذي ذكره أشد ~~وأبلغ. # وكذلك قول الحزين الكناني في معنى قول أبي نواس: # يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # دون قول أبي نواس، لأن هذا وإن كان قد وصف صاحبه، بما دل على مهابته، فإن ~~في قول أبي نواس دليلا على عموم المهابة ورسوخه في قلب الشاهد والغائب، وفي ~~قوله: حتى إنه لتهابك، قوة لتكاد تهابك، وكذا كل غال مفرط في # PageV01P019 # الغلو إذا أتى بما يخرج عن الموجود فإنما يذهب فيه إلى تصييره مثلا، وقد ~~أحسن أبو نواس حيث أتى بما ينبئ عن عظم الشيء الذي وصفه. # وإذ قدمت ما أردت تقديمه، فلنرجع إلى ذكر واحد من المعاني الستة التي قلت ~~إنها الأعلام من أغراض الشعراء في المعاني، فأبدأ أولا بذكر المديح. ms16 ### | نعت المدح # ما أحسن ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وصف زهير حيث قال: إنه لم ~~يكن يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، فإن في هذا القول، إذا فهم وعمل به، ~~منفعة عامة، وهي العلم بأنه إذا كان الواجب أن لا يمدح الرجال إلا بما يكون ~~لهم وفيهم، فكذا يجب أن لا يمدح شيء غيرهم إلا بما يكون له وفيه، وبما يليق ~~به ولا ينافره، ومنفعة أخرى ثانية وهي توكيد ما قلنا في أول كلامنا في ~~المعاني من أن الواجب فيها قصد الغرض المطلوب على حقه وترك العدول عنه إلى ~~ما لا يشبهه. # ولما كان المدح اسما مشتركا لمدح الرجال وغيرهم، عمدنا بالقول في مدح ~~الرجال، إذ كان غرض الشعراء في الأكثر إنما هو مدحهم للرجال، إلا ما ~~يستعملون من أوصاف النساء، فإن ذلك له قسم آخر سنأتي به فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى، وعلمنا أنا إذا أخذنا في التعريف بجودة مدح الرجال كيف يكون، ~~فقد يتعلم من حواشي قولنا في هذا كيف تسلك السبيل إلى مدح غيرهم، فنقول: ~~إنه لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع ~~سائر الحيوان، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك، إنما هي العقل ~~والشجاعة والعفة، كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيبا، ~~والمادح بغيرها مخطئا؛ ثم قد يجوز مع ذلك أن يقصد الشاعر للمدح منها بالبعض ~~والإغراق فيه دون البعض، مثل أن يصف الشاعر إنسانا بالجود الذي هو أحد ~~أقسام العدل وحده، فيغرق فيه ويفتن في معانيه، أو بالنجدة فقط، فيعمل فيها ~~مثل ذلك أو بهما، ويقتصر عليهما دون غيرهما، فلا يسمى مخطئا لإصابته في مدح ~~الإنسان ببعض فضائله، لكن يسمى مقصرا عن استكمال جميع المدح. # فقد وجب أن يكون على هذا القياس المصيب من الشعراء من مدح الرجال بهذه ~~الخلال لا بغيرها، والبالغ في التجويد إلى أقصى حدوده من استوعبها ولم ~~يقتصر على بعضها، وذلك كما قال ms17 زهير بن أبي سلمى في قصيدة: # PageV01P020 # أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # فوصفه في هذا البيت بالعفة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد ماله ~~فيها، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك ~~هو العدل، ثم قال: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك معطيه الذي أنت سائله # فزاد في وصف السخاء منه بأن جعله يهش له، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله، ~~ثم قال: # فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يجادله # وأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوعب زهير، في ~~أبياته هذه، المدح بالأربع الخصال التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد ~~في ذلك الوفاء، وهو وإن كان داخلا في هذه الأربع، فكثير من الناس لا يعلم ~~وجه دخوله فيها، حيث قال: أخي ثقة، صفة له بالوفاء، والوفاء داخل في ~~الفضائل التي قدمنا ذكرها. # وقد يتفنن الشعراء في المديح بأن يصفوا حسن خلق الإنسان، ويعددوا أنواع ~~الأربع الفضائل التي قدمنا ذكرها وأقسامها وأصناف تركيب بعضها مع بعض، وما ~~أقل من يشعر بأن ذلك داخل في الأربع الخلال على الانفراد أو بالتركيب، إلا ~~أهل الفهم، مثل أن يذكروا من أقسام العقل: ثقابة المعرفة، والحياء، ~~والبيان، والسياسة، والكفاية، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة ~~الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى. # ومن أقسام العفة: القناعة، وقلة الشره، وطهارة الإزار، وغير ذلك مما يجري ~~مجراه. # ومن أقسام الشجاعة: الحماية والدفاع، والأخذ بالثأر، والنكاية في العدو، ~~والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه الموحشة والقفار، وما أشبه ذلك. # ومن أقسام العدل: السماحة، ويرادف السماحة: التغابن، وهو من أنواعها، ~~والانظلام، والتبرع بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف، وما جانس ذلك. # وأما تركيب بعضها مع بعض، فيحدث منه ستة أقسام: أما ما يحدث عن تركيب ~~العقل مع الشجاعة: فالصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد. # وعن تركيب العقل مع السخاء: البر، وإنجاز الوعد، وما أشبه ذلك. # وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه، ms18 فالرغبة عن المسألة، والاقتصار على ~~أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. # وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإتلاف والإخلاف، # PageV01P021 # وما أشبه ذلك. # وعن تركيب الشجاعة مع العفة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم. # وعن السخاء مع العفة: الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. # وجميع هذه التركيبات قد يذكرها الشعراء في أشعارهم، وسأذكر من جيد ما ~~قالوه في ذلك صدرا إن شاء الله تعالى، إلا أني أبدأ قبل ذلك فأقول: إن كل ~~واحدة من هذه الفضائل الأربع ذكرها، وسط بين طرفين وقد وصف شعراء مصيبون ~~متقدمون قوما بالإفراط في هذه الفضائل، حتى زال الوصف إلى الطرف المذموم، ~~وليس ذلك منهم إلا كما قدمنا القول فيه في باب الغلو في الشعر من أن الذي ~~يراد به إنما هو المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء. # ومن الأخبار التي يحتاج إلى ذكرها في هذا الموضع وشرح الحال فيها، ليكون ~~ذلك مثالا يبنى الأمر عليه. ويعلم به ما يأتي من مثله. أن كثيرا أنشد عبد ~~الملك بن مروان قوله فيه: # على ابن أبي العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها # يؤود ضعيف القوم حمل قتيرها ويستطلع القرم الأشم احتمالها # فقال له عبد الملك: قول الأعشى لقيس بن معدي كرب أحسن من قولك، حيث يقول ~~له: # وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... شهباء يخشى الذائدون نهالها # كنت المقدم غير لابس جنة ... بالسيف تضرب معلما أبطالها # فقال: يا أمير المؤمنين، وصفتك بالحزم والعزم، ووصف الأعشى صاحبه بالطيش ~~والخرق. # والذي عندي في ذلك أن عبد الملك أصح نظرا من كثير. إلا أن يكون كثير غالط ~~واعتذر بما يعتقد خلافه، لأنه قد تقدم من قولنا في أن المبالغة أحسن من ~~الاقتصار على الأمر الأوسط ما فيه كفاية، والأعشى بالغ في وصف الشجاعة حيث ~~جعل الشجاع شديد الإقدام بغير جنة، على أنه وإن كان لبس الجنة أولى بالحزم ~~وأحق بالصواب، ففي وصف الأعشى دليل قوي على شدة شجاعة صاحبه، لا أن الصواب ~~له ولا لغيره إلا لبس الجنة، وقول كثير يقصر عن الوصف. # فلنرجع ms19 إلى ذكر مدائح الشعراء المحسنين، ثم نأتي بعد # PageV01P022 # ذلك بصدر يشتمل على افتنانهم في المدح؛ ليكون مثالا لما تقدم الإخبار ~~عنه، وعبرة في اختيارات المدائح، فمن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: # يطلب شأو امرأين قدما حسنا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل فمثل ما قدما من صالح سبقا # ومن هذه القصيدة: # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا # لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا # ومن كلمة أخرى لزهير: # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا # وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل # وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يدركوا ولم يلاموا ولم يألوا # فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # ولزهير يمدح بني الصيداء: # إني سترحل بالمطي قصائدي ... حتى تحل على بني ورقاء # مدحا لهم يتوارثون ثناءها ... رهن لأخرهم بطول بقاء # حلماء في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء # من سالموا نال الكرامة كلها ... أو حاربوا ألوى مع العنقاء # PageV01P023 # وله: # إن البخيل ملوم حيث كان ولك ... ن الجواد على علاته هرم # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم # ومن ذلك قول الحطيئة في بني بغيض: # وإن التي نكبتها عن معاشر ... علي غضاب أن صددت كما صدوا # أتت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العد # ومنها: # يسوسون ms20 أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لاكدروها ولا كدوا # وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد # ومن ذلك قول الأخطل: # صم عن الجهل عن قيل الخنا خرس ... إذا ألمت بهم مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # ومن ذلك ما أنشدنا أحمد بن يحيى: # ميامين يرضون السياسة إن كفوا ... ويكفون إن ساسوا بغير تكلف # إذا صرفوا للحق يوما تصرفوا ... إذا الجاهل الحيران لم يتصرف # وإن كان فيهم موسر يغن فضله ... وإن كان فيهم معسر يتعفف # وأنشدنا أيضا: # وفتيان صدق يا يبثن صحبتهم ... يزيدهم هول الجناب تاسيا # فإن يك خيرا يحسنوا ملأ به ... وإن يك شرا يحسبوه تحاسيا # وأنشدنا أيضا: # إذا المحل أنسى العفة الناس ذببت ... وحامت عن الأحساب بكر بن وائل # PageV01P024 # بهم بعض ما بالناس لكن يردهم ... حيا وعفاف عن دنئ المآكل # وأنشدنا: # يذكرني بشرا بكاء حمامة ... على فنن من بطن بيشة مائل # فتى مثل صفو الماء ليس بباخل ... بخير ولا مهد ملاما لباخل # ولا مظهر أحدوثة السوء معجبا ... بإعلانها في المجلس المتقابل # ترى أهله في نعمة وهو شاحب ... طوى البطن مخماص الضحى والأصائل # وأنشدنا لمحمد بن زياد الحارثي: # تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر # ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر # لهم ذل إنصاف ولين تواضع ... ومن عزهم ذلت رقاب المعاشر # كأن بهم وصما يخافون عاره ... وليس بهم إلا اتقاء المعاير # ثم من الشعراء الآن من يجمل المديح، فيكون ذلك بابا من أبوابه حسنا أيضا، ~~لبلوغه الإرادة، مع خلوه من الإطالة، وبعد من الإكثار، ودخوله في باب ~~الاختصار. # فمن ذلك قول الحطيئة: # تزور امرا يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد # يرى البخل لا يبقى على المرء ماله ... ويعلم ms21 أن المال غير مخلد # كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # فقد تصرف في الأبيات الأول في أصناف المديح المتقدم ذكرها، وأتى بجماع ~~الوصف وجملة المديح على سبيل الاختصار في البيت الأخير. # ومن ذلك قول الشماخ: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # وقد أومأ أبو السمط مروان بن أبي حفصة في مدحه شراحيل بن معن بن زائدة # PageV01P025 # إيماء موجزا ظريفا، أتى على كثير من المدح باختصار وإشارة بديعة، حيث ~~قال: # رأيت ابن معن أنطق الناس جوده ... فكلف قول الشعر من كان مفحما # وأرخص بالعدل السلاح بأرضنا ... فما يبلغ السيف المهند درهما # ومن الشعراء أيضا من يغرق في المدح بفضيلة واحدة أو اثنتين، فيأتي على ~~آخر ما في كل واحدة منهما أو أكثره، وذلك، إذا فعل، مصاب به الغرض في ~~الوقوع على الفضائل، ومقصر عن المدح الجامع لها؛ لكنه يجود المديح حينئذ ~~كلما أغرق في أوصاف الفضيلة، وأتي بجميع خواصها أو أكثرها، وذلك مثلا في ~~الجرأة والإقدام، كما قال الفرزدق لسالم الغداني، حين قتل قاتل أخيه، ~~العائذ بجوار عبد الملك: # إذا كنت في دار تخاف بها الردى ... فصمم كتصميم الغداني سالم # سخا طلبا للوتر نفسا بموته ... فمات كريما عائفا للملائم # نقي ثياب الذكر من دنس الخنا ... يناجي ضميرا مستدف العزائم # إذا هم أفرى ما به هم ماضيا ... على الهول طلاعا ثنايا العظائم # ولما رأى السلطان لا ينصفونه ... قضى بين أيديهم بأبيض صارم ### | أقسام المدح # وقد ينبغي أن يعلم مدائح الرجال، وهي التي صمدنا الكلام فيها في هذا ~~الباب، تنقسم أقساما بحسب الممدوحين من أصناف الناس في الارتفاع والاتضاع، ~~وضروب الصناعات، والتبدي والتحضر، وأنه يحتاج إلى الوقوف على المعنى بمدح ~~كل قسم من هذه الأقسام. ### | مدح الملوك # فأما إصابة الوجه في مدح الملوك، فمثل قول النابغة الذبياني في النعمان ~~بن المنذر: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى ms22 كل ملك دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ومثل ذلك قول نصيب في سليمان بن عبد الملك: # أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب # PageV01P026 # قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # هو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل يشبه البدر المضيء الكواكب # ومثل قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد ~~عليه وهو عامل مصر: # لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرضت الحجاب والخدم # حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجة القوم عند الباب تزدحم # في كفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # كلتا يديه ربيع غير ذي خلف ... هذي خروج وهذي عارض هزم # ومثل قول أبي العتاهية في الهادي بن المهدي: # يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكر ### | مدح ذوي الصناعات # وأما مدح ذوي الصناعات، فأن يمدح الوزير والكاتب بما يليق بالفكرة ~~والروية وحسن التنفيذ والسياسة، فإن انضاف إلى ذلك الوصف بالسرعة في إصابة ~~الحزم والاستغناء بحضور الذهن عن الإبطاء لطلب الإصابة، كان أحسن وأكمل ~~للمدح، كما قال: # بديهته وفكرته سواء ... إذا بعد الصواب من المشير # وكما قال أشجع: # بديهته مثل تفكيره ... متى رمته فهو مستجمع # وكما قال منصور النمري: # وليس لأعباء الأمور إذا اعترت ... بمكترث لكن لهن صبور # يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا والأمور تطير ### | مدح القائد # وأما مدح القائد فيما يجانس البأس والنجدة، ويدخل في باب شدة البطش ~~والبسالة، فإن أضيف إلى ذلك المدح بالجود والسماحة والتخرق في البذل ~~والعطية، كان المديح حسنا، والنعت تاما، إذ كان لهم السخاء أخا الشجاعة، ~~وكانا في أكثر الأمور # PageV01P027 # موجودين في بعداء الهمم وأهل الإقدام والصولة. # وذلك كما قال بعض الشعراء في جمع البأس والجود: # فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر # فلا من بغاة الخير ms23 في عينه قذى ... ولا من زئير الحرب في أذنه وقر # وكما قال منصور النمري في إفراده ذكر البأس وحده: # ترى الخيل يوم الروع يظمأن تحته ... وتروى القنا في كفه والمناصل # حلال لأطراف الأسنة نحره ... حرام عليها متنه والكواهل # وكما قال بشار بن برد: # ألا أيها الحاسد المبتغى ... نجوم السماء بسعي أمم # سمعت بمكرمة ابن العلاء ... فأنشأت تطلبها لست ثم # إذا عرض اللهو في صدره ... لها بالعطاء وضرب البهم # يلذ العطاء وسفك الدماء ... فيغدو على نعم أو نقم # فقل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير في المتهم # إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم # فتى لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم ### | مدح السوقة # وأما مدح السوقة من البادية والحاضرة، فينقسم قسمين، بحسب انقسام السوقة ~~إلى المتعيشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب، وإلى الصعاليك والخراب ~~والمتلصصة ومن جرى مجراهم. # فمدح القسم الأول: يكون بما يضاهي القضائل النفسانية التي قدمنا ذكرها ~~خاليا من مثل مدح الملوك ومن قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب والقواد، وذلك ~~مثل قول الشاعر: # متراحمين ذوو يسارهم ... يتعاطفون على ذوي الفقر # وذوو معاسرهم كأنهم ... من صدق عفتهم ذوو وفر # متجملين لطيب خيمهم ... لا يهلعون لنبوة الدهر # ومدح القسم الثاني يكون بما يضاهي المذهب الذي يسلكه أهله من الإقدام # PageV01P028 # والفتك والتشمير والجلد والتيقظ والصبر، مع التخرق والسماحة، وقلة ~~الاكتراث للخطوب الملمة، كما قال تأبط شرا يمدح شمس ابن مالك: # إني لمهد من ثنائي فقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك # أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك # لطيف الحوايا يقسم الزاد بينه ... سواء وبين الذئب قسم المشارك # يظل بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك # كأن به في البرد أثناء حية ... بعيد الخطى شتى النوى والمسالك # ويسسق وفد الريح من حيث تنتحي ... بمنخرق من شده المتدارك # إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيخان فاتك # وإن طلعت أولى العدى فنفره ... إلى سلة من صارم الغرب باتك # إذا هزه ms24 في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك # قليل التشكي للمهم يصيبه ... رحيب مناخ العيس سهل المبارك # وقال أبو كبير الهذلي: # ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مثقل # ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل # حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل # فأتت به حوش الفؤاد مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل # فإذا طرحت له الحصاة رأيته ... ينزو لوقعتها نزو الأخيل # وإذا يهب من المنام رأيته ... كرتوب كعب الساق ليس بزمل # وإذا رميت به الفجاج رأيته ... ينضو مخارمها هوى الأجدل # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # يحمى الصحاب إذا تكون كريهة ... وإذا هم أزموا فمأوى العيل # ثم نعقب الكلام في المديح بالكلام في الهجاء. ### | نعت الهجاء # إنه قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقته، # PageV01P029 # ما تقدم من قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما ~~كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم ننزل الطبقات على مقدار قلة ~~أصناف الأهاجي فيها وكثرتها. # فمن الهجاء المقذع الموجع ما أنشدناه أحمد بن يحيى: # كائر بسعد إن سعدا كثيرة ... ولا تبغ من سعد وفاء ولا نصرا # ولا تدع سعدا للقراع وخلها، ... إذا أمنت، ورعيها البلد القفرا # يروعك من سعد بن عمرو جسومها ... وتزهد فيها حين تقتلها خبرا # فمن إصابة المعنى في هذا الهجاء أن هذا الشاعر سلم لهؤلاء القوم أمرين ~~يظن أنهما فضيلتان، وليستا بحسب ما وصفناه من الفضائل مصيبتين، وهما كثرة ~~العدد وعظم الخلق، وغزا بذلك مغازي دلت على حذقه بالشعر، فمنها أن أدخل ~~هجاءه لهم في باب الأقوال الصادقة لإعطائه إياهم شيئا ومنعه له شيئا آخر، ~~وقصده بذلك لأن يظن أن قوله فيهم إنما هو على سبيل الصدق، وذكره إياهم بما ~~هم من جيد ورديء، ومنها ما بان من معرفته بالفضائل حتى ميز ms25 صحيحها من ~~باطلها، فسلم الباطلة ومنه الصحيحة، ومنها أن قطع عن هؤلاء القوم ما يعتذر ~~به الكرام من قلة العدد، فإن الكرام أبدا فيهم قلة، كما قال السموأل ابن ~~عاديا: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # ومن خبيث الهجاء ما أنشدني أحمد بن يحيى أيضا: # إن يغدروا أو يفجروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا # يغدوا عليك مرجل ... ين كأنهم لم يفعلوا # فمن جودة هذا الهجاء أن الشاعر تعمد أضداد الفضائل على الحقيقة فجعلها ~~فيهم، لأن الغدر ضد الوفاء، والفجور ضد الصدق، والبخل ضد الجود، ثم أتى بعد ~~ذلك بضد أجل الفضائل وهو العقل، حيث قال: # يغدوا عليك مرجل ... ين كأنهم لم يفعلوا # لأن هذا الفعل إنما هو من أفعال أهل الجهل والبهيمية والقحة التي هي من ~~عمي القوة المميزة، كما قال جالينوس في كتابه في أخلاق النفس. # PageV01P030 # ولزياد الأعجم في غياظ بن حصين بن المنذر: # وسميت غياظا ولست بغائظ ... عدوا، ولكن الصديق تغيظ # عدوك مسرور وذو الود للذي ... أتى منك من غيظ عليك كظيظ # نسي لما أوليت من صالح مضى ... وأنت لتعداد الذنوب حفيظ # تلين لأهل الغل والغمر منهم ... وأنت على أهل الصفاء فظيظ # ومن الهجاء أيضا ما تجمل فيه المعاني، كما يفعل في المدح، فيكون ذلك حسنا ~~إذا أصيب به الغرض المقصود مع الإيجاز في اللفظ، وذلك مثل قول العباس بن ~~يزيد الكندي في مهاجاته جريرا ومعارضته إياه في قوله: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # وقال: # لقد غضبت على بنو تميم ... فما نكأت لغضبتها ذبابا # لو اطلع الغراب على تميم ... وما فيهم من السوءات شابا # ومثل قول مرة بن عداء الفقعسي: # وإذا تسرك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر # وقال الآخر: # ويقضي الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود # وللحكم الخضري: # ألم تر أنهم رقموا بلؤم ... كما رقمت بأذرعها الحمير # ومثل قول أعشى باهلة: # بنو تيم قرارة كل لؤم ... لكل مصب سائلة قرار # وقد تبع أبو تمام حبيب بن أوس ms26 الطائي الاعشى في هذا المعنى فقال: # أضحوا بمستن سيل اللؤم وارتفعت ... أموالهم في هضاب المطل والعلل # لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد # ومثل قول الآخر: # قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا # PageV01P031 # ومثل قول زياد الأعجم: # إني لأكرم نفسي أن أكلفها ... هجاء جرم ولما يهجهم أحد # ماذا يقول لهم من كان هاجيهم ... لا يبلغ الناس ما فيهم وإن جهدوا # ومثل قول أوس بن مغراء: # فلست بعاف عن شتيمة عامر ... ولا حابسي عما أقول وعيدها # ترى اللؤم ما عاشوا جديدا عليهم ... وأبقى ثياب اللابسين جديدها # لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها # وهذه الأبيات قالها أوس وهو يهاجي النابغة الجعدي، فيقال: إن النابغة كان ~~يقول: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتا ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب ~~على صاحبه. # فلما قال أوس البيت الاخير، قال النابغة: هذا هو البيت الذي كنا نبتدره، ~~فغلب أوس عليه. # ومثل قول عباس بن مرداس السلمي في سفيان بن عبد يغوث النضري: # وأوعد وقل ما شئت إنك جاهل ... على أنما أنت امرؤ من بني نضر # وما أجود ما قال الفرزدق في عبد الله بن عمير الليثي حين هرب من أبي فديك ~~الخارجي وكان يتمنى لقاء الخوارج كهجاء: # تمنيتهم، حتى إذا ما لقيتهم ... تركت لهم عند الجلاد السرادقا # وأعطيت ما تعطى الحليلة بعلها ... وكنت حبارى إذ رأيت البوارقا # ففي قوله: ما تعطى الحليلة بعلها، مع إيجازه، عجائب، وكذلك في قوله: ~~حبارى. # ومنهم من يفرط في ذكر نقيصة واحدة، كما يغلو عند المدح في فضيلة واحدة. # فمن ذلك للحطيئة يغرق في ذكر البخل وحده: # كددت بأظفاري وأعملت معولي ... فصادفت جلمودا من الصخر أملسا # تشاغل لما جئت في وجه حاجتي ... وأطرق حتى قلت قد مات أو عسى # وأجمعت أن أنعاه حين رأيته ... يفوق فواق الموت حتى تنفسا # فقلت له: لا بأس لست بعائد ... فأفرخ تعلوه السمادير مبلسا # ولجرير في ذكر الجهل وحده: ms27 # ولا تتقون الشر حتى يصيبكم ... ولا تعرفون الأمر إلا تدبرا # PageV01P032 # ثم ينظر أقسام المديح وأسبابه، فيجري أمر الهجاء بحسبها في المراتب ~~والدرجات والأقسام، ويلزم ضد المعنى الذي يدل عليه إذ كان المديح ضده ~~الهجاء. # ولنتبع القول في الهجاء: القول في المراثي. ### | نعت المراثي # إنه ليس بين المرثية والمدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه ~~لهالك، مثل: كان وتولى وقضى نحبه وما أشبه ذلك، وهذا ليس يزيد في المعنى ~~ولا ينقص منه، لأن تأبين الميت إنما هو بمثل ما كان يمدح به في حياته، وقد ~~يفعل في التأبين شيء ينفصل به لفظه عن لفظ المدح بغير كان وما جرى مجراها، ~~وهو أن يكون الحي وصف مثلا بالجود، فلا يقل: كان جوادا ولكن بأن يقال: ذهب ~~الجود او فنم للجود بعده ومثل: تولى الجود وما أشبه هذه الأشياء. # كما قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة ابن الحمير بالنجدة على هذه السبيل: # فليس سنان الحرب يا توب بعدها ... بغاز ولا غاد بركب مسافر # ومن الشعراء من يرثي بكاء الأشياء التي كان الميت يزاولها، وعتد ذلك ~~ومثله يحتاج إلى أن يعلم صحة المعنى فيما يتكلم به من مثل هذه الأشياء، ~~فإنه ليس من إصابة المعنى أن يقال ف كل شيء تركه الميت: إنه يبكي عليه، لأن ~~من ذلك ما إن قيل إنه بكى عليه كان سبة وعيبا لاحقين به. # فمن ذلك مثلا إن قال قائل في ميت: بكتك الخيل إذ لم تجد لها فارسا مثلك، ~~فإنه مخطئ، لأن من شأن ما كان يوصف في حياته بكده إياه، أن يذكر اعتباطه ~~بموته، وما كان يوصف بالإحسان إليه في حياته أن يذكر اغتمامه بوفاته. # ومن ذلك إحسان الخنساء في مرثيتها صخرا وإصابتها المعنى، حيث قالت تذكر ~~اغتباط حذفة فرس صخر بموته: # فقد فقدتك حذفة فاستراحت ... فليت الخيل فارسها يراها # ولو قالت: فقدتك حذفة فبكت، لأخطأت، بل إنما يجب أن يبكي على الميت # PageV01P033 # ما كان يوصف إذا وصف في حياته بإغاثته الإحسان إليه، كما ms28 قال كعب بن سعد ~~الغنوي في مرثية أخيه: # ليبكك شيخ لم يجد من يعينه ... وطاوى الحشى نائي المزار غريب # وكما قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي: # ليبكك الشرب والمدامة وال ... فتيان طرا وطامع طمعا # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # والحي إذ حاذروا الصباح وقد ... خافوا مغيرا وسائرا تلعا # فيجب أن يتفقد مثل هذا من إصابة الغرض والانحراف عنه. # وإذ قد تبين بما قلنا آنفا إنه لا فصل بين المدح والتأبين إلا في اللفظ ~~دون المعنى، فإصابة المعنى به ومواجهة غرضه هو أن يجري الأمر فيه على سبيل ~~المدح. # فمن المراثي التي تشتبه في المديح استيعاب الفضائل التي قدمنا ذكرها ~~والإتيان عليها، مثل قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه: # لعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب # لقد كان، أما حلمه فمروح ... علينا، وأما جهله فغريب # أخي ما أخي، لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب # فقد أتى في هذه الأبيات بما وجب أن يأتي في المراثي، إذا أصيب بها ~~المعنى، وجرت على الواجب، أما في البيت الأول فيذكر ما يدل على أن الشعر ~~مرثية لهالك لا مديح لباق، وأما سائر الأبيات الأخر فتجمع الفضائل الأربع ~~التي هي العقل والشجاعة والحلم والعفة، ثم افتن كعب في هذه المرثية في ذلك، ~~وزاد في وصف بعض الفضائل ما لم يخرج به عن استيفائه، وهو قوله: # حليم إذا ماسورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب # كعالية الرمح الرديني، لم يكن ... إذا ابتدر الخيل الرجال يخيب # فإني لباكيه وإني لصادق ... عليه، وبعض القائلين كذوب # ليبكك شيخ لم يجد من يعينه ... وطاوى الحشا نائي المزار غريب # جموع خلال الخير من كل جانب ... إذا جاء جياء بهن ذهوب # PageV01P034 # فتى لا يبالي أن يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب # حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب # إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب # ومثل قول أوس بن حجر ms29 يرثي فضالة بن كلدة الأسدي بجميع الفضائل التي ~~ذكرناها إلا العفة وحدها فإنه ترك ذكرها، إلا أنه في بعض القصيدة وصفه ~~بالكمال، وفي الكمال كل فضيلة من العفة وغيرها: # أبا دليجة من يكفي العشيرة إذ ... أمسوا من الأمر في لبس وبلبال # أم من يكون خطيب القوم إذا حفلوا ... لدى الملوك ذوي أيد وإفضال # أم من لأهل لواء في مسكعة ... من خصمهم لبسوا حقا بإبطال # أم من لحي أضاعوا بعض أمرهم ... بين القسوط وبين الدين دلدال # فرجت غمهم وكنت غيثهم ... حتى استقرت نواهم بعد تزوال # فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس العقل والرأي واللسن ونحو ذلك، وقال: # أبا دليجة من توصى بأرملة ... أم من لأشعث ذي طمرين طملال # وما خليج من المروت ذو حدب ... يرمي الضرير بخشب الطلح والضال # يوما بأجود منه حين تسأله ... ولا مغب بترج بين أشبال # ليث عليه من البردي هبرية ... كالمزبراني عيال بأوصال # يوما بأجزا منه جد بادرة ... على كمي بمهو الحد فصال # فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس البذل والسماحة والجود والشجاعة، ولم ~~يذكر العفة، إلا أنه قال في أول القصيدة: # أم حصان فلم تضرب بكلتها ... قد طفت في كل هذا الناس أحوالي # على امرئ سوقة ممن سمعت به ... أندى وأكمل منه أي إكمال # وقال أوس يرثي فضالة أيضا: # أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا # إن الذي جمع السماحة ... والنجدة والحزم والقوى جمعا # الألمعي الذي يظن لك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا # PageV01P035 # فقد جمع في هذه الأبيات المرثية بجميع الفضائل، ووضع الشيء من ذلك في ~~موضعه. # ومن المراثي التي تشبه في المديح اقتضاب المعاني واختصار الألفاظ، ما ~~قاله أوس في قصيدته يرثي فضالة التي أولها: # ألم تكسف الشمس شمس النها ... ر مع النجم والقمر الواجب # لهلك فضالة لا تستوي ال ... فقود ولا خلة الذاهب # وأفضلت في كل شيء فما ... يقارب سعيك من طالب # نجيح مليح أخو ماقط ... نقاب يخبر بالغائب # ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا عائب ms30 # في ظاهر النظر أن يظن بنا خطأ في وضعنا مليح موضع المدح بالفضائل ~~الحقيقية، إذ كانت الملاحة لا تجري مجرى الفضائل النفسية، لأن المليح في ~~هذا الموضع ليس هو من ملاحة الخلق، لكنه على ما حكى عن أبي عمرو أنه ~~المستشفى برأيه، قال: وهو من قولهم: قريش ملح الأرض، أي الذي يستشفى بهم، ~~والذي يشهد على ما قاله أبو عمرو قول أوس بن حجر: # نقاب يخبر بالغائب # لأن هذا من جنس الرأي والحدس. # وقول الشماخ في عمر بن الخطاب: # فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # وقول الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة: # فما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل # ولو عشت لم أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل # ومنهم أيضا من يغرق في وصف فضيلة واحدة على حسب ما تقدم، وتكون جميع ~~الأحوال في المراثي جارية على حسب أحوال المديح، وفي ما تقدم في باب المديح ~~من وصف ذلك ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. # ولنتبع كلامنا في المراثي الكلام في التشبيه. ### | نعت التشبيه # يجب أن نذكر أولا معنى التشبيه، ثم نشرع في وصفه، فنقول: إنه من الأمور ~~المعلومة أن الشيء لا يشبه ولا بغيره من كل الجهات، إذ كان الشيئان إذا ~~تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة اتحدا، فصار # PageV01P036 # الاثنان واحدا، فبقي أن يكون التشبيه إنما يقع بين شيئين بينهما اشتراك ~~في معان تعمهما ويوصفان بها، وافتراق في أشياء ينفرد كل واحد منهما عن ~~صاحبه بصفتها، وإذا كان الأمر كذلك، فأحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين ~~اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدنى بهما إلى حال ~~الاتحاد. # ومما جاء من التشبيهات الحسان قول يزيد بن عوف العليمي يذكر صوت جرع رجل ~~قراه اللبن: # فعب دخالا جرعه متواتر ... كوقع السحاب بالطراف الممدد # فهذا المشبه نما شبه صوت الجرع بصوت المطر على الخباء الذي من أدم، ومن ~~جودته أنه لما كانت الأصوات ms31 تختلف، وكان اختلافها إنما هو بحسب الأجسام ~~التي تحدث الأصوات اصطكاكها، فليس يدفع أ، اللبن وعصب المرئ اللذين حدث عن ~~اصطكاكهما صوت الجرع قريب الشبه من الأديم الموتر والماء اللذين حدث عن ~~اصطكاكهما صوت المطر. # وعند سلوك هذه السبيل في تعرف جودة التشبيه يستجاد قول جبهاء الأشجعي في ~~تشبيه صوت حلب عنز بصوت الكير إذا نفخ: # كأن أجيج الكير إرزام شخبها ... إذا امتاحها في محلب الحي مائح # وقد قال أوس بن حجر يشبه ارتفاع أصواتهم في الحرب تارة، وهمودها ~~وانقطاعها تارة، بصوت التي تجاهد أمر الولادة: # لنا صرخة ثم إسكاتة ... كما طرقت بنفاس بكر # ولم يرد المشتبه في هذا الموضع نفس الصوت، وإنما أراد حاله في أزمان ~~مقاطع الصرخات، وإذا نظر في ذلك وجد السبب الذي وفق بين الصوتين واحدا، وهو ~~مجاهدة المشقة والاستعانة على الألم بالتمديد في الصرخة. # ومن جيد التشبيه قول الشماخ يذكر لواذ الثعلب من العقاب: # تلوذ ثعالب الشرفين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع # وقد يختلف اللوذان بحسب اختلاف اللائذين، فأما التبيع فهو ملح في طلب ~~الغريم لفائدة يرومها منه، والغريم بحسب ذلك مجتهد في الروغان واللواذ خوفا ~~من # PageV01P037 # مكروه يلحقه، وكذلك الثعلب والعقاب سواء، لأن العقاب ترجو شبعها، والثعلب ~~يخاف موته. # وقال الشماخ: # كأن على أوراكها من لعابه ... وخيفة خطمى بماء مرجرج # فشبه لعاب الفحل إذا ظهر على أوراك الأتن عند كدمه إياها بالخطمى، وهو ~~شبيه به في قوام الثخن وفي الرغوة وفي اللون أيضا، وذلك أن الحمار إنما ~~يكثر كدمه الأتن في الربيع عند خضمه الرطب وأشره في ذلك الوقت. # وقد أحسن الشماخ أيضا في قوله حين شبه أضلاع الناقة وبرى السير إياها ~~بالقسي الموترة: # وقربت مبراة كأن ضلوعها ... من الماسخيات القسي الموترا # فقد أحسن الشماخ في هذا التشبيه من قبل اجتماع الأضلاع والقسي الموترة في ~~الشكل والتوتر بالأعصاب والأوتار، ولم يرد إلا الشكل فقط، وقد أتى على ما ~~فيه. # ولابن أحمر الباهلي يذكر قلب الفرس عند الحركة السريعة: # حتى صبحنا طاويا ذا شرة ms32 ... وفؤاده زجل كعزف الهدهد # فتواتر نبض قلب الفرس إذا تحرك قريب الشبه من تواتر حركة عزف الهدهد. # وللمرار: # لها قلاص نعام يرتعين بها ... كأنهن سبي لابسو الهدم # فما أحسن ما شبه انسدال فواضل ريش النعام بانسدال الأطمار الرثة على ~~اللابس لها، ولا سيما السبي، فإن في مشيهم أعجمية تشبه مشي النعام، وفي ~~ألوان ثيابهم قتمة من الدرن تشبه قتمة ريش النعام، ففي الشيئين اشتراك في ~~معان كثيرة. # وقد يقع في التشبيه تصرف إلى وجوه تستحسن، فمنها: أن تجمع تشبيهات كثيرة ~~في بيت واحد وألفاظ يسيرة، كما قال امرؤ القيس: # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # فأتى بأربعة أشياء مشبهة بأربعة أشياء، وذلك أن مخرج قوله: له أيطلا ظبي، ~~إنما هو على أن له أيطلين كأيطلي ظبي، وكذا ساقين كساقي نعامة، وإرخاء # PageV01P038 # كإرخاء السرحان، وتقريب كتقريب التنفل. # ومنها: أن يشبه شيء بأشياء في بيت أو لفظ قصير، وذلك كما قال امرؤ القيس: # وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل # ومنها: أن يشبه شيء في تصرف أحواله بأشياء تشبهه في تلك الأحوال، كما قال ~~امرؤ القيس يصف الدرع في حال طيها: # ومشدودة السك موضونة ... تضاءل في الطي كالمبرد # ثم وصفها في حال النشر في هذه الأبيات فقال: # تفيض على المرء أردانها ... كفيض الآتي على الجدجد # وكما قال يزيد بن الطثرية يشبه رأسه في حال كون الجمة عليه وبعد حلق ثور ~~أخيه إياها: # فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها # فقد أحسن يزيد في هذا البيت، حيث تصرف فيه في التشبيه، وأحسن أيضا في ~~تشبيه رأسه بعد الحلق بالصخرة، وذلك أنه قريب منها في الضخامة والملامسة ~~واللون المائل إلى الخضرة. # وقد قال بعضهم في مثل ذلك: # جلاميد أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجال حلقت في المواسم # وقال الحسين بن مطير الأسدي، يشبه أفعال رجل مات وكان جوادا: # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا ### | التصرف في التشبيه # ومن أبواب التصرف في ms33 التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقا واحدا في ~~تشبيه شيء بشيء، فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة ~~الشعراء. # مثال ذلك أن أكثر الشعراء يشبهون الخوذ بالبيض، كما قال سلامة بن جندل: # كأن النعام باض فوق رؤسهم ... بنهي القذاف أو بنهي مخفق # وقال معقر البارقي: # كأن نعام الدو باض عليهم ... وأعينهم تحت الحبيك الجواحر # PageV01P039 # وأكثر الشعراء يلتزمون هذا التشبيه. # قال أبو شجاع أحد بني سلامان بن مفرج من الأزد: # فلم أر إلا الخيل تعدو كأنما ... سنورها فوق الرؤوس الكواكب # وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء، والشبه بين هذين الشيئين من ~~جهة ما، فيأتي شاعر آخر بتشبيه من جهة أخرى، فيكون ذلك تصرفا أيضا. # مثال ذلك أن جل الشعراء يشبهون الدرع بالغدير الذي تصفقه الرياح، كما قال ~~أوس بن حجر: # وأملس صوليا كنهي قرارة ... أحس بقاع نفح ريح فأجفلا # وقال آخر: # وعلى سابغة الذيول كأنها ... سوق الجنوب حباب نهي مفرط # وكثير من الشعراء ينحون في تشبيه الدروع هذا المنحى، وإنما يذهبون إلى ~~الشكل، وذلك ن الريح تفعل بالماء في تركيبها إياه بعضا على بعض ما يشبهه في ~~حال التشكيل بحال الدرع في مثل هذا الشكل، فقال سلامة بن جندل عادلا عن ~~تشبيه الشكل إلى تشبيه اللين، وذلك أن اللين من دلائل جودة الدرع لصغر ~~قتيرها وحلقها: # فألقوا لنا أرسان كل نجيبة ... وسابغة كأنها متن خرنق # وقال يذكر بريقها، وهو وجه غير الوجهين الأولين: # مداخلة من نسج داؤد سكها ... كمنكب ضاح من عماية مشرق # ومن التشبيه الجيد للحكم الخضري يصف غليان القدر بما فيها من قطع اللحم: # كأن جذول الناب فيها إذا غلت ... دعاميص تخشى صائدا فتعوم # ولقيس بن زهير: # كأن خذاريف السواعد بيننا ... مغالي غواة يلعبون بها لعبا # وللزفيان أحد بني عوافة بن سعد بن زيد: # وقد سقوهن سجالا فاستقوا ... من أجن كأنهن الزنبق # ثم لنتبع القول في التشبيه القول في الوصف. # PageV01P040 ### | نعت الوصف # أقول: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ms34 ولما كان ~~أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني، كان ~~أحسنهم وصفا من أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم ~~بأظهرها فيه وأولاها، حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحس بنعته. # فمن ذلك قول الشماخ يصف أرضا تسير النبالة فيها: # خلت غير آثار الأراجيل ترتمي ... تقعقع في الآباط منها وفاضها # فقد أتى في هذا البيت بذكر الرجالة وبين أفعالها بقوله: ترتمي، وعن الحال ~~في مقدار سيرها بوصفه تقعقع الوفاض، إذ كان في ذلك دليل على أنه الهرولة أو ~~نحوها من ضروب السير، ودل أيضا على الموضع الذي حملت فيه هذه الرجالة ~~الوفاض، وهي أوعية السهام، حيث قال: في الآباط، فاستوعب أكثر هيئات ~~النبالة، وأتى في صفاتها بأولاها وأظهرها عليها وحكاها، حتى كأن سامع قوله ~~يراها. # ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي يصف حال السيل عند إقلاع السحاب وسكون ~~المطر: # لكل مسيل من تهامة بعد ما ... تقطع أقران السحاب عجيج # ومنه قول رجل من هذيل يصف حال القوم في الحرب عند الجلاد: # كغماغم الثيران بينهم ... ضرب تغمض دونه الحدق # ومثله قول معاوية بن خليل النصري، من نصر بن قعين، يذكر نباهة حيه، وأنه ~~أشهر من حذلم، حي آخر: # فنحن الثريا وعيوقها ... ونحن السماكان والمرزم # وأنتم كواكب مجهولة ... ترى في السماء ولا تعلم # ولدريد بن الصمة يصف آثار خيل وإبل، اطردها فنجا بها: # ألا هل أتاه ما ركبنا جياده ... وما قد عقرنا من صفي ومن قرم # وأصبحن قد جاوزن أسفل ذي حسا ... وآثارها فوق المضيح كالرقم # PageV01P041 # ولعبد الرحمن بن عبد الله، المعروف، بالقس يصف إصغاء السامعين إلى الغناء ~~الحسن المطرب، وهو في سلامة: # إذا ما عج مزهرها إليها ... وعاجت نحوه أذن كرام # فأصغوا نحوها الأسماع حتى ... كأنهم وما ناموا نيام # وللمرار بن منقذ أحد بلعدوية يصف، الفرس الكريم: # ذو مراح فإذا وقرته ... فذلول حسن الخلق يسر # وليزيد بن مالك الغامدي يصف فعل سنابك الخيل في الأرض: # يثرن بسهل الأرض مما يطسنه ... عجاجا وبالصفاح نار الحباحب # ولعدي بن ms35 الرقاع العاملي يصف فعل سنابك الحمارين إذا عدوا: # يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها # تطوى إذا علوا مكانا ناشزا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها # ولذي الرمة: # ترى الخود يكرهن الرياح إذا جرت ... ومى بها لولا التحرج تفرح # إذا ضربتها الريح في المرط أشرفت ... روادفها وانضم منها الموشح # ولنتبع القول في الوصف القول في النسيب. ### | نعت النسيب # أقول: إن كثيرا من الناس يحتاج إلى أن يعلم أولا ما النسيب، ونحنن نحده ~~فنقول: إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهن، وتصرف أحوال الهوى به ~~معهن. # وقد يذهب على قوم أيضا موضع الفرق ما بين النسيب والغزل، والفرق بينهما ~~أن الغزل هو المعنى الذي إذا اعتقده الإنسان في الصبوة إلى النساء نسب بهن ~~من أجله، فكأن النسيب ذكر الغزل، والغزل المعنى نفسه، والغزل إنما هو ~~التصابي والاستهتار بمودات النساء، ويقال في الإنسان: إنه غزل، إذا كان ~~متشكلا بالصورة التي تليق بالنساء، وتجانس موافقاتهن لحاجته # PageV01P042 # إلى الوجه الذي يجذبهن إلى أن يملن إليه، والذي يميلهن إليه هو الشمائل ~~الخلوة، والمعاطف الظريفة، والحركات اللطيفة، والكلام المستعذب، والمزاح ~~المستغرب، ويقال لمن يتعاطى هذا المذهب من الرجال والنساء: متشاج، وإنما هو ~~متفاعل من الشجا، أي متشبه بمن قد شجاه الحب. # وإذ قد بان أن الذي قلناه على ما قلنا، فيجب أن يكون النسيب الذي يتم به ~~الغرض هو ما كثرت فيه الأدلة على التهالك في الصبابة، وتظاهرت فيه الشواهد ~~على إفراط الوجد واللوعة، وما كان فيه من التصابي والرقة، أكثر مما يكون ~~فيه من الخشن والجلادة، ومن الخشوع والذلة، أكثر مما يكون فيه من الإباء ~~والعز، وأن يكون جماع الأمر ما ضاد التحفظ والعزيمة، ووافق الانحلال ~~والرخاوة، فإذا كان النسيب كذلك فهو المصاب به الغرض. # وقد يدخل في النسيب التشوق والتذكر لمعاهد الأحبة بالرياح الهابة، ~~والبروق اللامعة، والحمائم الهاتفة، والخيالات الطائفة، وآثار الديار ~~العافية، وأشخاص الأطلال الداثرة. # وجميع ذلك إذا ذكر احتيج أن تكون فيه أدلة على عظيم الحسرة، ومرمض الأسف ~~والمنازعة، ولست أذكر متى سمعت ms36 في التشوق بآثار الديار أوجز ولا أجمع ولا ~~أدل على لاعج الشوق ومكمد الوجه من قول محمد بن عبيد السلاماني أحد، بني ~~سلامان بن مفرج من الأزد: # فلم تدع الأرواح والماء والبلى ... من الدار إلا ما يشوق ويشغف # ولعمري ان عمرو بن أحمر الباهلي قد أوجز وأبان عن شديد تشوق وعظيم تحسر ~~بقوله: # معارف تلوى بالفؤاد وإن تقل ... لها بيني لي حاجة لم تكلم # فأما قوله: إنها لم تكلم، فهو تجاهل الهائم وتدله الواله، فإنه قد يحتاج ~~إلى أن يكون في شعر الوامق التحير وآية التلدد. # وممن شاقته المنازل صخر الخضري، وقد مر على ربع كانت خلته كأس تحله، ~~فقال: # بليت كما يبلى الرداء ولا أرى ... جنابا ولا أكناف ذروة تخلق # ألوى حيازيمي بهن صبابة ... كما يتلوى الحية المتشرق # وممن شافه البرق، فأحسن وصف ما يثيره من الشوق: حبيش ابن نطر العامري، ~~حيث يقول ويذكر خفقان قلبه: # PageV01P043 # أجدك ما يبدو لك البرق مرة ... من الدهر إلا ماء عينيك يذرف # وقلبك من فرط اشتياق كأنه ... يدا لامع أو طائر يتصرف # ولرجل من عبس: # إذا الله أسقى دمنتين ببلدة ... من الأرض سقيا رحمة فسقاهما # نزلنا بهذي نزلة ثم نزلة ... بهذي فطاب المنزلان كلاهما # فبت أشيم البرق مرتفقا به ... يدا عن يد حتى ونى منكباهما # وقال الشماخ: # رأيت سنا برق فقلت لصاحبي ... بعيد بفلج ما رأيت سحيق # فبات مهما لي يذكرني الهوى ... كأني لبرق بالحجاز صديق # وبات فؤادي مستخفا كأنه ... خوافي عقاب بالجناح خفوق # فأما النسيب نفسه فقد تقدمت أوصافنا له. # ومما أختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه، هو الذي يصف من أحوال ما ~~يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو دائر أنه يجد أو قد وجد مثله، حتى يكون ~~للشاعر فضيلة الشعر. # فمن ذلك قول أبي الصخر الهذلي، فإنه يصف ما أرى أن كل متعلق بمودة يجد ~~مثله وهو: # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر # لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتا لأخرى الدهر ms37 ما طلع الفجر # فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر # وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها ... كما قد تنسى لب شاربها الخمر # وفي هذه القصيدة أيضا موضع آخر دال على إفراط المحبة، ومبين عن سجية في ~~اهل الهوى عامة، وهو قوله: # ويمنعني من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر # مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر # وإني لا أردي إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغن بي الهجر # PageV01P044 # وأما قول الشاعر: # يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فهو من أحسن القول في الغزل، وذلك أن هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول ~~عن أعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم أيسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ~~ليكون سبيلا إلى أن يشفى بالمراسلة من الوجد، فهو أيسر ما يتعلق به الوامق، ~~وأدنى فوائد العاشق، وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة، ~~حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى، حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة ~~يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة، ووصف الشاعر لذلك هو الذي يستجاد لا ~~اعتقاده، إذ كان الشعر إنما هو قول، فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب ~~بالاعتقاد، لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لأضعاف ما في نفس هذا ~~الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه، وإنما اعتقدوه فقط، لم يدخلوا في باب من ~~يوصف بالشعر. # ومن النسيب قول طريح بن إسماعيل الثقفي: # بان الخليط وفرق الشمل ... وعلى التفرق ما بدا الوصل # أبكاك منهم ما فرحت به ... ولكل مولد فرحة ثكل # ومن هذه الأبيات: # ممسودة خلقت فعليتها ... خوط ومعقد مرطها عبل # تضع البريم فيستدير على ... فعم ألف كأنه رمل # يسجى إذا ما قلت أخفضه ... ويمور منكشطا إذا يعلو # وقيامها حسن وضحكتها ... عند العجيب تبسم رتل # وغلا بها عظم فألحقها ... بنسائها ولداتها بسل # ولأبي ms38 صخر الهذلي في التصابي والخلاعة والإصرار على التعلق بمودات ~~النساء: # أراد الشيب مني ختل نفسي ... لأنسى ذكر ربات الحجال # إذا اختصم الصبا والشيب عندي ... فأفلجت الشباب فلا أبالي # PageV01P045 # فقد أتينا من ذكر نعوت الأغراض التي تنتحيها الشعراء من المعاني، وهي ~~المديح والهجاء وغيرهما، مما عددناه وشرحنا أحواله على ما فيه كفاية لمن له ~~فهم وعنده نظر وفحص. # وهذه المعاني التي ذكرناها من أغراض الشعراء إنما هي أجزاء من جملة ~~المعاني، وتكلمنا به فيها مع ما بيناه من أحوالها مثالا لغيرها، واعتبارا ~~فيما لم نذكره منها. ### | المعاني الشعرية # فأما ما يعم جميع المعاني الشعرية، فالآن حين نبتدئ بذكر ذلك وتعديده. # فمن ذلك ### | صحة التقسيم # صحة التقسيم # وهي أن يبتدئ الشاعر فيضع أقساما فيستوفيها، ولا يغادر قسما منها. # مثال ذلك قول نصيب، يريد أن يأتي بأقسام جواب المجيب عن الاستخبار: # فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري # فليس في أقسام الإجابة عن مطلوب، إذا سئل عنه، غير هذه الأقسام، ومثال في ~~ذلك أيضا قول الشماخ يصف صلابة سنابك الحمار، وشدة وهصه الأرض. # متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفض أو يتدحرج # فليس في أمر الوطء الشديد إلا أن يوجد الذي يوطأ، رخوا فيرض، أو صلبا ~~فيدفع. # ومثال ذلك أيضا قول الأسعر بن حمران الجعفي يصف فرسا على هيئته من جميع ~~جهاته: # أما إذا استقبلته فكأنه ... باز يكفكف أن يطير وقد رأى # أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموص الوقع عارية النسا # أما إذا استعرضته متمطرا ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا # فلم يدع هذا الشاعر قسما من أقسام النصبة التي ترى في الفرس، إذا رئي ~~عليها، إلا أتى به، وقد يجوز ان يظن ظان في قولنا: إن هذا الشاعر قد أتى ~~بجميع الأقسام: ليس بحق، إنه إذا كان الفرس أحد الأجسام، وكل جسم فله ست ~~جهات، فإذا ذكرت حال أربع منها بقيت جهتان لم تذكرا، وحل هذا الشاك، إن وقع ~~من أحد، هو أن هذا الشاعر إنما وصف فرسا ms39 لا جسما # PageV01P046 # مطلقا، وللفرس أحوال يمتنع بها من أن ينتصب كل نصبة، ومع ذلك فإن هذا ~~الشاعر إنما وصف الجهات التي يراها الإنسان من الفرس إذا كان على بسيط ~~الأرض، وكان الرجل قائما أو قاعدا، إذ كانت هذه الحال هي التي يرى الإنسان ~~عليها الخيل في أكثر الأمر، فأما مثل أن يكون الإنسان في علية فيرى من ~~الفرس متنه فقط، أو أن يكون نائما فيرى بطنه فقط، فما أبعد ما يقع ذلك، ولم ~~يقصده الشاعر ولا له وجه في أن يقصده، إذ كان ليس في ما يعرف ويعهد من ~~النظر إلى الخيل إلا ما ذكره، وهو أن تستقبل أو تستدبر أو تستعرض من أحد ~~الجانبين. # ومثال في هذا الباب أيضا قول أبي زبيد الطائي: # يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إن الحوادث ملقى ومنتظر # فليس في الحوادث إلا أن تكون قد لقيت، أو ينتظر لقيها. ومن أنواع المعاني ~~وأجناسها أيضا ### | صحة المقابلات # صحة المقابلات # وهي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض، أو المخالفة، ~~فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشرط ~~شروطا، ويعدد أحوالا في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي ~~شرطه وعدده، وفيما يخالف بأضداد ذلك، كما قال بعضهم: # فواعجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي، ومطوي على الغل غادر # فقد أتى بإزاء كل ما وصفه من نفسه بما يضاده على الحقيقة ممن عاتبه، حيث ~~قال بإزاء ناصح: مطوى على الغل وبإزاء وفي: غادر. # ومثل قول الآخر: # تقاصرن واحلولين لي ثم إنه ... أتت بعد أيام طوال أمرت # فقابل القصر والحلاوة: بالطول والمرارة. # ومثله قول الآخر: # وإذا حديث ساءني لم أكتئب ... وإذا حديث سرني لم آشر # فقد جعل بإزاء سرني: ساءني، وبإزاء الاكتئاب: الأشر، وهذه المعاني في ~~غاية صحة التقابل، ومثل قول عقيل بن حجاج: # تستن في حيث لم تبعد مصعدة ... ولم تصوب إلى أدنى مهاويها # فجعل بإزاء قوله: تبعد مصعدة: أدنى مهاويها، ولو جعل بإزاء الإبعاد في ~~الصعود: ms40 # PageV01P047 # الهوى، من غير أن يقول: أدنى المهاوي لكانت المقابلة ناقصة، لكن لما قال: ~~تبعد قال: أدنى، ولو لم يقل: تبعد لقنع منه بأن يقول: تهوى فقط، من غير أن ~~يأتي بالدنو. # وللطرماح بن حكيم: # أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا # فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يد ثوابا # فجعل بإزاء أن أسقوا دماءهم التراب وقاتلوهم: أن يصبروا، وبإزاء أن ~~أنعموا عليهم: أن يثيبوا، ولآخر: # جزى الله عنا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل # فإنا سنجزيها كما فعلت بنا ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل # فقد أجاد هذا الشاعر، حيث وضع مقابل أن تكون المرأة ذات بعل، وهو لا زوج ~~له: أن يكون ذا زوج في وقت عزب المرأة، وقابل حاجته وهو عزب: بحاجتها وهي ~~عزبة، من غير أن يغادر شرطا، ولا أن يزيد شيئا. # ومن أنواع المعاني ### | صحة التفسير # صحة التفسير # وهي أن يضع الشاعر معاني يريد أن يذكر أحوالها في شعره الذي يصنعه، فإذا ~~ذكرها أتى بها من غير أن يخالف معنى ما أتى به منها، ولا يزيد أو ينقص، مثل ~~قول الفرزدق: # لقد خنت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم # فلما كان هذا البيت محتاجا إلى تفسير، قال: # لألفيت فيهم مطعما ومطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم # ففسر قوله: حاملا ثقل مغرم: بأنه يلقى فيهم من يعطيه، وفسر قوله: طريد دم ~~بقوله: إنه يلقي من يطاعن دونه ويحميه ومثل قول الحسين بن مطير الأسدي: # فله بلا حزن ولا بمسرة ... ضحك يراوح بينه وبكاء # ففسر بلا حزن: ببكاء ولا بمسرة: بضحك، وقال صالح ابن جناح اللخمي: # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج # PageV01P048 # وفسر ذلك بأن قال: # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فلم يزد المعنى ولا نقص منه، ثم فسر البيت الثاني أيضا، فقال: # فمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج # وقال سهل بن هارون: # فواحسرتا حتى متى ms41 القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذر إفضال # وفسر ذلك فقال: # فراق خليل مثله يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم بها مالي ### | أنواع نعوت المعاني # ومن أنواع نعوت المعاني ### | التتميم # التتميم # وهو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل ~~معها جودته شيئا إلا أتى به. # مثل قول نافع بن خليفة الغنوي: # رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عاذوا بالسيوف القواطع # فإنما تمت جودة المعنى بقوله: ويعطوه، وإلا كان المعنى منقوص الصحة، ومثل ~~قول عمير بن الأيهم التغلبي: # بها نلنا القرائب من سوانا ... وأحرزنا القرائب أن تنالا # فالذي أكمل جودة هذا البيت قوله: وأحرزنا القرائب أن تنالا، مع أنهم ~~القرائب من سواهم. # ومثله قول طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى # فقوله: غير مفسدها، إتمام لجودة ما قاله، لأنه لو لم يقل: غير مفسدها، ~~لعيب، كما عيب ذو الرمة في قوله: # ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # فإن الذي عابه في هذا القول، إنما هو بأن نسب قوله هذا إلى أن فيه إفسادا ~~للدار التي دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر. # ومثل قول مضرس بن ربعي: # PageV01P049 # والمانعون إذا كانت ممانعة ... والعائذون بحسناهم إذا قدروا # ومثل قول عبيد الراعي: # لا خير في طول الإقامة للفتى ... إلا إذا ما لم يجد متحولا # ومثله قول كعب بن سعد الغنوي: # حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب # ومثل قول الأسود بن يعفر: # ألا من لامني إلا صديق ... فلاقى صاحبا كأبي زياد # ومثل قول حسان بن ثابت: # لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم # ومثل قول أعشى باهلة: # لا يصعب الأمر إلا ريث بركبه ... وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر # ومثل قول النمر بن تولب: # لقد أصبح البيض الغواني كأنما ... يربن إذا ما كنت فيهن أجربا # وكنت إذا لا قيتهن ببلدة ... يقلن على النكراء أهلا ومرحبا # فقوله: على النكراء، أتم جودة المعنى، وإلا ms42 فلو كانت بينهم معرفة، لم ~~ينكر أن يقلن له أهلا ومرحبا. # وقول الآخر: # وهل علمت بيتنا إلا وله # شربة من غيره وأكله. # ومن أنواع نعوت المعاني ### | المبالغة # المبالغة # وهي أن يذكر الشاعر حالا من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في ~~الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون ~~أبلغ فيما قصد له، وذلك مثل قول عمير بن الأيهم التغلبي: # ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا # PageV01P050 # فإكرامهم للجار، ما دام فيهم، من الأخلاق الجميلة الموصوفة، وإتباعهم ~~إياه الكرامة، حيث كان، من المبالغة في الجميل. # ومثل ذلك قول الحكم الخضري: # وأقبح من قرد وأبخل بالقرى ... من الكلب وهو غرثان أعجف # فقد كان يجزئ في الذم أن يكون هذا المهجو أبخل من الكلب، ومن المبالغة في ~~هجائه قوله: وهو غرثان أعجف. # ومن هذا الجنس لدريد بن الصمة: # متى ما تدع قومك أدع قومي ... فيأتي من بني جشم فئام # فوارس بهمة حشد إذا ما ... بدا حضر الحيية والخذام # والمبالغة الشدية في هذا الشعر هي في قوله: الحيية. # ومنه للحكم الخضري أيضا: # فكن يا جارهم في خير دار ... فلا ظلم عليك ولا جفاء # فقوله: فلا ظلم عليك ولا جفاء: توكيد ومبالغة. # ومنه قول رؤاس بن تميم، أحد الغطاريف الأزدي: # وإنا لنعطي النصف منا وإننا ... لنأخذه من كل أبلخ ظالم # فالتوكيد في قوله: وإننا لنأخذه من كل أبلخ ظالم، فهذه مبالغة مضاعفة ~~مكررة. # ومنه قول مضرس: # بهم تمتري الحرب العوان وفيهم ... تؤدي القروض حلوها ومريرها # فقوله: ومريرها: مبالغة. # وكذلك قوله أوس بن غلفاء الهجيمي: # وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا، وأشرد من نعام # ففي قوله: رأت صقرا: مبالغة. # ومن نعوت المعاني ### | التكافؤ # التكافؤ # وهو أن يصف الشاعر شيئا أو يذمه، أو يتكلم فيه بمعنى ما، أي معنى كان، ~~فيأتي بمعنين متكافئين، والذي أريد بقولي: متكافئين، في هذا الموضع: ~~متقاومان، إما من # PageV01P051 # جهة المضادة أو السلب والإيجاب أو غيرها من أقسام التقابل، ms43 مثل قول أبي ~~الشغب العبسي: # حلو الشمائل، وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق # فقوله: حلو ومر: تكافؤ. # ومثل قول أم الضحاك المحاربية: # كيف يسامي خالدا أو يناله ... خميص من التقوى بطين من الخمر # فقولها: خميص وبطين: تكافؤ، ومثل قول طرفة: # بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذليل بأجماع الرجال ملهد # فقوله: سريع وبطيء: تكافؤ، ومثل قول زهير: # حلماء في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء # فقوله: حلماء وجهلاء: تكافؤ، ومثل قول حميد بن ثور الهلالي: # فلم أر محزونا له مثل صوتها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما # فقوله: عربي وأعجم: تكافؤ، ومثل قول الآخر: # بطاء عن الفحشاء لا يحضرونها ... سراع إلى داعي الصباح المثوب # ومثل قول العباس بن مرداس: # مطهما خلقه شثنا سنابكه ... صعلا على أن في الجنبين إجفارا # فجعل: صعلا مكافئا لمجفر، ومثل قول الفرزدق: # فتى السن كهل الحلم قد عرفت له ... قبائل ما بين الدنا وإياد # فقوله: فتى: مكافأة لقوله: كهل، وقال الفرزدق أيضا: # لعمري لئن قل الحصى في رجالكم ... بني نهشل ما لؤمكم بقليل # فهذا ضرب من المكافأة من جهة السلب، ومنه قول خولة بنت عيينة بن مرداس، ~~هو ابن فسوة الشاعر: # يحك بحامي أيره بارد استها ... كما استولجت ظمياء أير ابن غالب # فكافأت بقولها حامي كذا وبارد كذا. # ومن هذه الجهة استجاد الناس قول دعبل، حين روي عنه أنه قال: أن ابن قولي: # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # لأن ضحك وبكى: مكافأة. # وقد أتى المحدثون من التكافؤ بأشياء كثيرة، وذلك أنه بطباع أهل التحصيل ~~والروية في الشعر، والتطلب لتجنيسه، أولى منه بطباع القائلين # PageV01P052 # على الهاجس بحسب ما يسنح من الخاطر، مثل الأعراب ومن جرى مجراهم، على أن ~~أولئك بطباعهم قد أتوا بكثير منه، وقد قدمنا بعضه. # ومما للمحدثين في ذلك، قول بشار: # إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبه لها عمرا ثم نم # فنبه ونم: تكافؤ، وله أثر في تجويد الشعر قوي، فإنه لو قال مثلا: فجرد ~~لها عمرا، لم يكن ms44 لهذه اللفظة من الموقع مع من ما لنبه. # الالتفاف: # ومن نعوت المعاني الالتفاف - وبعض الناس يسميه الاستدراك - وهو ا، يكون ~~الشاعر آخذا في معنى، فكأنه يعترضه إما شك فيه أو ظن بأن رادا يرد عليه ~~قوله، أو سلائلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا على ما قدمه، فإما أن يؤكده أو ~~يذكر سببه أو يحل الشك فيه، مثال ذلك قول المعطل، أحد بني رهم من هذيل: # تبين صلاة الحرب منا ومنهم ... إذا ما لتقينا والمسالم بادن # فقوله: والمسالم بادن: رجوع على المعنى الذي قدمه حين بين ان علامة صلاة ~~الحرب من غيرهم أن المسالم يكون بادنا والمحارب ضامرا، وقول الرماح بن ~~ميادة: # فلا صرمة يبدو، وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه # فكأنه بقوله: وفي اليأس راحة: التفت إلى المعنى، لتقديره أن معارضا يقول ~~له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة. # ومن هذا الجنس قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: # وأجمل إذا ما كنت لا بد مانعا ... وقد يمنع الشيء الفتى وهو مجمل. # ومنه قول امرئ القيس: # يا هل أتاك وقد يحدث ذو ... الود القديم مسمة الدخل # فكأنه لما قال: أتاك، وكان المعنى مسرا غير مظهر، توهم أن المخاطب يقول ~~له: كيف يبلغني؟ فقال: وقد يحدث ذو الود القديم مسمة الدخل، وقول طرفة: # PageV01P053 # وتصد عنك مخيلة الرجل ال ... مشنوف موضحة عن العظم # بحسام سيفك أو لسانك، وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم # فكأنه لما بلغ بعد حسامك إلى لسانك قدر أن معترضا يعترضه، فيقول: كيف ~~يكون مجرى السيف واللسان واحدا؟ فقال: والكلم الأصيل كأشد الجراح وأكثرها ~~اتساعا. # ومنه قول جدير بن ربعان: # معازيل في الهيجاء ليسوا بذادة ... مجازيع عند اليأس، والحر يصبر # ففي قوله: والحر يصبر: التفات إلى أول كلامه. # الاستغراب والطرفة: # وقد يضع الناس في باب أوصاف المعاني: الاستغراب والطرفة. وهو أن يكون ~~المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان. # وليس عندي أن هذا داخل في الأوصاف، لأن المعنى المستجاد إنما يكون ~~مستجادا ms45 إذا كان في ذاته جيدا، فإما أن يقال له: جيد، إذا قاله شاعر من غير ~~أن يكون تقدمه من قال مثله، فهذا غير مستقيم، بل يقال لما جرى هذا المجرى: ~~طريف وغريب، إذا كان فردا قليلا، فإذا كثر لم يسم بذلك. # وغريب وطريف، هما شيء آخر غير حسن أو جيد، لأنه قد يجوز أن يكون حسن جيد: ~~غير طريف ولا غريب، وطريف غريب: غير حسن ولا جيد، فأما حسن جيد غير غريب ~~ولا طريف، فمثل تشبيههم الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، فإنه ليس ~~يزيل جودة هذا التشبيه تعاور الشعراء إياه قديما أو حديثا، وأما غريب وطريف ~~لم يسبق إليه، وهو قبيح بارد، فملء الدنيا، مثل أشعار قوم من المحدثين ~~سبقوا إلى البرد فيها. # والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي ~~لم يسبق إليه لا إلى الشعر، غذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسنا ~~سبق السابق إلى استخراجها، كما لا يجعل الحسن قبيحا الغفلة عن الابتداء ~~بها، وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر، فلم يكادوا ~~يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعما، علموا أن الشاعر موصوف بالسبق ~~إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه، لا الشعر. ### | نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى: # ولنتبع ذكر المعاني، وهو القسم الرابع من أقسام الشعر المفردات: ذكر ~~الأربعة المركبات، التي قدمنا القول فيها في أول الكتاب، ولنبدأ بأولها ~~وهو: # PageV01P054 # نعت ائتلاف اللفظ مع المعنى. # ومن أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى المساواة. # المساواة: # وهو أن يكون اللفظ مساويا للمعنى، حتى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذه ~~هي البلاغة التي وصف بها بعض الكتاب رجلا فقال: كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، ~~أي هي مساوية لها لا يفضل أحدهما على الآخر، وذلك مثل قول امرئ القيس: # فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # وإن تقتلونا تقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد # وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمردود # ومثل قول زهير: # ومهما ms46 تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # ومثل قوله: # إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # ومثل قوله: # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يدركوا ولم يليموا ولم يألوا # ومثل قول طرفة: # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # ومثله قول خالد بن زهير ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي: # فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها # ومثل قول ليلى الأخيلية: # فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاء المنايا دارعا مثل حاسر # ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإشارة: # الإشارة: # وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة ~~تدل # PageV01P055 # علياه، كما قال بعضهم، وقد وصف البلاغة، فقال: هي لمحة دالة، وذلك مثل ~~امرئ القيس: # فإن تهلك شنوءة أو تبدل ... فسيري إن في غسان خالا # بعزهم عززت وإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا # فبنية هذا الشعر على أن ألفاظه، مع قصرها، قد أشير بها إلى معان طوال، ~~فمن ذلك قوله: تهلك أو تبدل، ومنه قوله: إن في غسان خالا، ومنه ما تحته ~~معان كثيرة وشرح طويل، وهو قوله: أنالك ما أنالا. ومثل قول طرفة: # موضوعها زول ومرفوعها ... كمر غيث لجب وسط ريح # فقوله زول: مشار به إلى معان كثيرة، وهو شبيه بما يقول الناس في إجمال ~~نعت الشيء واختصاره: عجب، ومثل قول إسماعيل ابن يسار النساء: # هاج ذا القلب من تذكر جمل ... ما يهيج المتيم المحزونا # فقد أشار هذا الشاعر بوله: ما يهيج المتيم المحزونا، إلى معان كثيرة. ~~ومثل قول امرئ القيس: # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا وان # فقد جمع بقوله: أفانين جري، على ما لو عد لكان كثيرا، وضم إلى ذلك أيضا ~~جميع أوصاف الجودة في هذا الفرس، وهو قوله: قبل سؤاله، أي يذهب في هذه ~~الأفانين طوعا ن غير حث، وفي قوله: قوله: غير ms47 كز ولا وان، ينفي عنه أن يكون ~~معه الكزازة من قبل الجماح والمنازغة، والونى من قبل الاسترخاء والفترة. # ومثل قولا امرئ القيس أيضا يصف ذئبا: # فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدفق # وجاء خفيا يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لازقا كل ملزق # ففي هذا الشعر إجمال للمعاني كثير، وأوكد ما فيه من ذلك قوله: لازقا كل ~~ملزق. ومثل قول زهير: # فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء # PageV01P056 # ومثل قول أوس بن حجر: # فإن يهو أقوام ردائي فإنني ... يقيني الإله ما وقى وأصادف # ومثل قول قتادة بن طارق المازني من الأزد: # اهاجك ربع قد تحمل حاضره وأوحش بعد الحي منه مناظرهيقول: ما تنظر إلى ~~موضع منه إلا ذكرت فيه من الأنس بمن كان يحله منا قد أوحش في هذا الوقت ~~بخلوه منه، وللعامرية: # كيف الفخار وقد كانوا لنسوتكم ... يوم النسار، بنو ذبيان، أربابا # إذ جز ناصيتي حصن وأعتقني ... وذاك شيب مني اليوم ما شابا # ولامرئ القيس: # فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل تحسه متغيب # ولامرأة من عكل: # يا ابن الدعى إنها عكل فقف # لتعلمن اليوم إن لم تنصرف # أن الكريم واللئيم مختلف # ومن أنواع ائتلاف اللفظ والمعنى الإرداف: # الإرداف: # وهو أن يريد الشعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ~~ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع به، فإذا دل على التابع ~~أبان عن المنبوع، بمنزلة قول ابن أبي ربيعة: # بعية مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # وإنما أراد هذا الشاعر أ، يصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل ~~أتى بمعنى تابع لطول الجيد، وهو بعد مهوى القرط. # ومثل قول امرئ القيس: # ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # وإنما أراد امرؤ القيس أن يذكر ترفه هذه المرأة وأن لها من يكفيها، فقال: ~~نؤرم الضحى، وإن فتيت المسك يبقى إلى الضحى فوق فراشها، وكذلك سائر البيت، ~~أي # PageV01P057 # هي لا تنتطق ms48 لتخدم، ولكنها في بيتها متفضلة، ومعنى عن في هذا البيت معنى: ~~من بعد. وكذلك قوله: # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل # فإنما أراد أن يصف هذا الفرس بالسرعة وأنه جواد، فلم يتكلم باللفظ بعينه، ~~ولكن بأردافه ولواحقه التابعة له، وذلك أن سرعة إحضار الفرس يبعها أن تكون ~~الأوابد، وهي الوحوش، كالمقيدة له إذا نحا في طلبها. # والناس يستجيدون لامرئ القيس هذه اللفظة، فيقولون: هو اول من قيد ~~الأوابد، وإنما غزا بها الدلالة على جودة الفرس وسرعة حضره، فلو قال ذلك ~~بلفظه لم يكن الناس من الاستجادة لقوله مثلهم عند إتيانه بالردف له. # وفي هذا برهان على أن وضعنا الإرداف من أوصاف الشعر ونعوته واقع بالصواب. # ومنه قول ليلى الأخيلية: # ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما # فإنما أرادت وصفه بالجود والكرم، فجاءت بالأرداف والتوابع لهما، أما ما ~~يتبع الجود، فإن تخرق قميص هذا المنعوت فسر أن العفاة تجذبه فتخرق قميصه من ~~مواصلة جذبهم إياه، وأما ما يتبع الكرم فالحياء الشديد الذي كأنه من إماتته ~~نفس هذا الموصوف وإزالته عنه الأشر يخال سقيما. # ومنه أيضا قول الحكم الخضري: # قد كان يعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي # فأراد وصف الكبر والسن، فلم يأت باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي ~~السعال والتنحنح. # أبيات المعاني: ومن هذا النوع ما يدخل في الأبيات التي يسمونها أبيات ~~معان. وذلك إذا ذكر الردف وحده، وكان وجه اتباعه لما هو ردف له غير ظاهر، ~~أو كانت بينه وبينه أرداف أخر، كأنها وسائط، وكثرت حتى لا يظهر الشيء ~~المطلوب بسرعة، وهذا الباب إذا غمض، لم يكن داخلا في جملة ما ينسب إلى جيد ~~الشعر، إذ كان من عيوب الشعر الانغلاق في اللفظ وتعذر العلم بمعناه. # التمثيل: # وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلاما يدل على معنى آخر، وذلك # PageV01P058 # المعنى الآخر والكلام منبئان عما أراد أن يشير إليه. # مثال ذلك قول الرماح بن ميادة: # ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني ms49 بعدها في شمالكا # ولو أنني أذنبت ما كنت هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا # فعدل عن أن يقول في البيت الأول: إنه كان عنده مقدما، فلا يؤخره، أو ~~مقربا، فلا يبعده، أو مجتبى، فلا يجتنبه، إلى أن قال: إنه كان في يمنى ~~يديه، فلا يجعله في اليسرى، ذهابا نحو الامر الذي قصد الإشارة إليه بلفظ ~~ومعنى يجريان مجرى المثل له، وقصد الإغراب في الدلالة والابداع في المقالة، ~~وكذلك قول عمير بن الأيهم: # راح القطين من الثغراء أو بكروا ... وصدقوا من نهار الأمس ما ذكروا # قالوا لنا وعرفنا بعض بينهم ... قولا فما وردوا عنه وما صدروا # فقد كان يستغنى عن قوله: فما وردوا عنه ولا صدروا، بأن يقو: فما تعدوه، ~~أو فما تجاوزوه، ولكن لم يكن له من موقع الإيضاح وغرابة المثل ما لقوله: ~~فما وردوا عنه ولاصدروا. # ومن هذا قول بعض بني كلاب: # دع الشر واحلل بالنحاة تعزلا ... إذا هو لم يصبغك في الشر صابغ # ولكن إذا ما الشر ثار دفينه ... عليك فأنضج دبغ ما أنت دابغ # فأكثر اللفظ والمعنى في هذين البيتين جار على سبيل التمثيل، وقد كان يجوز ~~أن يقال مكان ما قيل فيه: دع الشر ما لم تنشب فيه، فإذا نشبت فيه فبالغ، ~~ولكن لم يكن لذلك من الحظ في الكلام الشعري والتمثيل الظريف ما لقول ~~الكلابي، ومن هذا قول الآخر: # تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق # جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق # وفي قوله: جعلت يدي وشاحا له، إشارة بعيدة لغير لفظ الاعتناق وهي دالة ~~عليه. # ومنه قول يزيد بن مالك الغامدي: # فإن ضجوا منا زأرنا فلم يكن ... شبيها بزأر الأسد ضبح الثعالب # PageV01P059 # فقد أشار إلى قوتهم وضعف أعدائهم إشارة مستغربة، لها من الموقع بالتمثيل ~~ما لم يكن لو ذكر الشيء المشار إليع بلفظه، ومثل ذلك قول عبد الرحمن بن علي ~~بن علقمة بن عبدة: # أوردتهم وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور # فقد اشار إلى الفجر إشارة بعيدة ظريفة بغير لفظه. ms50 # وكذلك قول اللعين المنقري، يصف ناره: # رأى أم نيران عوانا تكفها ... بأعرافها هوج الرياح الطرائد # فقد أومأ بقوله: أم نيران: إلى قدمها، وبعوان: إلى كثرة عادته لإيقادها، ~~إيماء غريبا ظريفا، وإن كانت العرب تقول ذلك في النار كثيرا. # وقال بعض العرب: # فتى صدمته الكأس حتى كأنما ... به فالج من دائها فهو يرعش # والكأس لا تصدم، ولكنه أشار بهذا التمثيل إشارة حسنة إلى سكره. # وقال العباس بن مرداس: # كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والبيض يومئذ عليهم أشمس # يريد أن البيض عليهم قد صارت شموسا. # المطابق والمجانس: # وقد يضع الناس من صفات الشعر: المطابق والمجانس، وهما داخلان في باب ~~ائتلاف اللفظ والمعنى، ومعناهما أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت ~~في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة. # المطابق: # فأما المطابق فهو ما يشترك في لفظة واحدة بعينها، مثل قول زياد الأعجم: # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام # وقال الأفوه الأودي: # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس # فلفظة: الهوجل في هذا الشعر واحدة قد اشتركت في معنيين، لأن الأولى يراد ~~بها الأرض، والثانية الناقة، وكذلك قول أبي دؤاد الإيادي: # عهدت لها منزلا دائرا ... وآلا على الماء يحملن آلا # فالآل الأول في المعنى غير الثاني، لأن الأول أعمدة الخيام، والثاني من ~~السراب. # المجانس: # PageV01P060 # وأما المجانس؛ فأن تكون المعاني اشتراكها في ألفاظ متجانسة على جهة ~~الاشتقاق، مثل قول أوس بن حجر: # لكن بفرتاج فالخلصاء أنت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور # ومثل قول زهير: # كأن عيني وقد سال السليل بهم ... وجيرة ما هم لو أنهم أمم # ومثل قول العوام في يوم العظالي: # وفاض أسيرا هانئ وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عندما # ومثل قول حيان بن ربيعة الطائي: # لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد # ومثل قول الفرزدق: # خفاف أخف الله منه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب # ومثل قول الكميت: # فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرحل # ومثل قول مسكين الدارمي: # وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا ms51 # وكما قال النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان: # ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم # وقال ذو الرمة: # كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهى به السيل أبطح # وقال رجل من بني عبس: # وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا # وقال المرار: # وأعظمني أن أرى زائرا ... وأختلف الحي يوما خلوفا ### | نعت ائتلاف اللفظ والوزن: # وهو ان تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر # PageV01P061 # الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وأن ~~تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها، وهي الأقوال، على ترتيب ونظام ~~لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه، ولا إلى تقديم ما يجب تأخيره منها، ~~ولا اضطر أيضا إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها، بل يكون الموصوف ~~مقدما والصفة مقولة عليها، وغير ذلك مما لو ذهبنا إلى شرحه لاحتجنا إلى ~~إثبات كثير من صناعتي المنطق والنحو في هذا الكتاب، فكان يصعب النظر فيه ~~على أكثر الناس، ولكن في ما أجملته في هذا القول، وأشرت إليه من التنبيه ~~على الطريق التي يعرف بها جودة هذا الباب ما كفى وأغنى عند ذوي القرائح ~~السليمة، ومن قد تعلق ببعض الآداب السهلة. # ومن هذا الباب أيضا ألا يكون الوزن قد اضطر إلى إدخال معنى ليس الغرض في ~~الشعر محتاجا إليه، حتى أنه إذا حذف لم تنقص الدلالة لحذفه، أو إسقاط معنى ~~لا يتم الغرض المقصود إلا به، حتى أن فقده قد آثر في الشعر تأثيرا بان ~~موقعه. # ولمآت في هذا الباب بأمثلة، لأن كل شعر سليم مما ذكرت فهو مثال لذلك، ~~فأما الأشعار التي لم تسلم منه، فأنا أذكرها في باب عيوب الشعر إن شاء الله ~~تعالى. ### | نعت ائتلاف المعنى والوزن: # أن تكون المعاني تامة مستوفاة، لم يضطر الوزن إلى نقصها عن الواجب، ولا ~~إلى الزيادة فيها عليه، وأن تكون المعاني أيضا مواجهة للغرض لم تمتنع من ~~ذلك ولم تعدل عنه من اجل إقامة الوزن ms52 والطلب لصحته، والسبب في تركنا أن ~~نأتي لهذا الجنس بأمثلة من الشعر هو السبب في تركنا ذلك في باب ائتلاف ~~اللفظ مع الوزن، ونحن نذكر ما يجب ذكره من أمثلة عيوب هذا الباب في جملة ما ~~سنذكره من عيوب الشعر. ### | نعت ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت: # أن تكون القافية معلقة بما تقدم من معنى البيت تعلق نظم له وملائمة لما ~~مر فيه. # فمن أنواع ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر # PageV01P062 # البيت: ### | التوشيح # التوشيح # وهو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته، ومعناها متعلقا به، حتى أن الذي ~~يعرف قافية القصيدة التي البيت منها، إذا سمع أول البيت عرف آخره وبانت له ~~قافيته، مثال ذلك قول الراعي: # وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا # فإذا سمع الإنسان أول هذا البيت، وقد تقدمت عنده قافية القصيدة، استخرج ~~لفظة قافيته، لأنه يعلم أن قوله: وزن الحصى، سيأتي بعده: رزين، لعلتين: ~~إحداهما أن قافية القصيدة توجيه، والأخرى أن نظام المعنى يقتضيه، لأن الذي ~~يفاخر برجاحة الحصى يلزمه أني قول في حصاه إنه رزين. # وقول العباس بن مرداس: # هم سودوا هجنا وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها # فمن تأمل هذا البيت، وجد أوله يشهد بقافيته، وقول نصيب: # وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين # وقول مضرس بن ربعي: # تمنيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا # ومن أنواع ائتلاف القافية مع سائر البيت: الإيغال. # الإيغال: # وهو ا، يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ~~ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر، في أن يكون شعرا، غليها، فيزيد بمعناها ~~في تجويد ما ذكره في البيت، كما قال امرؤ القيس: # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب # فقد أتى امرؤ القيس على التشبيه كاملا قبل القافية، وذلك أن عيون الوحش ~~شبيهة بالجزع، ثم لما جاء بالقافية أوغل بها في وصف ووكده، وهو قوله: الذي ~~لم يثقب، فإن عيون ms53 الوحش غير مثقبة، وهي بالجزع الذي لم يثقب أدخل في ~~التشبيه، وقال زهير: # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم # فالعهن: هو الصوف الأحمر، والفنا: حب تنبته الأرض أحمر، فقد أتى على ~~الوصف # PageV01P063 # قبل القافية، لكن حب الفنا إذا كسر كان مكسره غير أحمر، فاستظهر في ~~القافية لما أن جاء بها، بأن قال: لم يحطم، فكأنه وكد التشبيه بإبغاله في ~~المعنى، قال امرؤ القيس: # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب # فقد تم أوصف والتشبيه قبل القافية، لأنه يكفي أن يشبه حفيف جري الفرس ~~بالريح، فلما أتى بالقافية، أوغل إيغالا زاد به في المعنى، وذلك أن الأثاب ~~شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف شديد. # حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتي إلى المعنى ~~الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو إلى الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضي ~~كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. # قال: قلت: نحو من. # قال: نحو ذي الرمة، حيث يقول: # قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # فتم كلامه قبل المسلسل، ثم قال: المسلسل، فزاد شيئا. ثم قال: # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل # فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية، فقال: المفصل، فزاد شيئا. # قال: قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى، حيث قال: # كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فتم مثله إلى قوله: قرنه، فلما احتاج إلى القافية، قال الوعل، فزاد معنى. # قلت: فكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل ~~على قرنيه فلا يضيره. ### | الفصل الثالث ### | عيوب الشعر # وإذ قد أتيت على ما قدرت أنه نعت للشعر، وعددت أجناس ذلك، وفصلت أنواعه. # فالآن أحب أن أبتدئ بذكر عيوب الشعر، وأذكر أجناس ذلك على الترتيب الذي ~~رتبت النعوت عليه، وبحسب تلك السياقة. # PageV01P064 ### | عيوب اللفظ # أن يكون ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة، وقد تقدم من استقصى ~~هذا الفن، ms54 وهم واضعو صناعة النحو، وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلا ~~في الفرط، ولا يتكلم به إلا شاذا، وذلك هو الوحشي الذي مدح عمر بن الخطاب ~~زهيرا بمجانبته له وتنكبه إياه، فقال: كان لا يتبع حوشي الكلام. # وهذا الباب مجوز للقدماء، ليس من أجل أنه حسن، لكن لأن شعرائهم من كان ~~أعرابيا قد غلبت عليه العجرفية، وللحاجة أيضا إلى الاستشهاد بأشعارهم في ~~الغريب، ولأن من كان يأتي منهم بالوحشي لم يكن يأتي به على جهة التطلب له، ~~والتكلف لما يستعمله منه، لكن لعادته وعلى سجية لفظه. # فأما أصحاب التكلف لذلك، فهم يأتون منه بما ينافر الطبع وينبو عنه السمع، ~~مثل شعر أبي حزام غالب بن الحارث العكلي وكان في زمن المهدي، وله في أبي ~~عبيد الله كاتب المهدي قصيدة أولها: # تذكرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤه # وفيها يقول: # لأوحى وزير إمام الهدى ... لنا وهو بالإرب ذو محجوه # يسوس الأمور فتأتي له ... وما في عزيمته منهوه # وفي بالأمانة صفو التقى ... وما الصفو بالرنق المحموه # وعند معاوية المصطفى ... جبا غير مأج ولا مطرؤه # فقال الوزير الأمين: انظموا ... قريضا عويصا على لؤلؤه # فعبرت مرتفقا وحيه ... بغير انصيار إلى المتكؤه # سيدني من الحق ذو فطنة ... معي في العواقب والمبدؤه # بيوتا علي لها وجهة ... بغير السناد ولا المكفؤه # ومثل شعر أحمد بن جحدر الخراساني في مالك بن طوق؛ ويقال: إنها لمحمد بن ~~عبد الرحمن الغريبي الكوفي، في عيسى الأشعري: # هيا منزل الحي جنب الغضا ... سلامك عن النوى تصرم # PageV01P065 # ويا طللا آية ما ارتمت ... بليلاك غربتها المرجم # حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم # وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحي الجن زيزيزم # فبلغني أنه أنشد هذه القصيدة ابن الأعرابي، فلما بلغ إلى ههنا، قال له ~~ابن الأعرابي: عن كنت جادا فحسيبك الله. # ومنها: # لأم لكم نجلت مالكا ... من الشمس لو نجلت أكرم # ومن أين مثلك؟ لا أين هو ... إذا الريق أقفر منه الفم # ومن الأعراب أيضا من شعره فظيع التوحش، مثل ما ms55 أنشدناه أحمد ابن يحيى عن ~~ابن الأعرابي لمحمد بن علقة التيمي، يقولها لرجل من كلب يقال له ابن ~~الفنشخ، ورد عليه فلم يسقه: # أفرخ أخا كلب وأفرخ أفرخ # أخطأت وجه الحق في التطخطخ # أما ورب الراقصات الزمخ # يخرجن من بين الجبال الشمخ # يزرن بيت الله عند المصرخ # لتمطخن برشاء ممطخ # ماء سوى مائي يا ابن الفنشخ # أو لتجيئن بوشي بخ بخ # من كيس ذي كيس مئن منفخ # قد ضمه حولين لم يسنخ # ضم الصماليخ صماخ الأصلخ # ومن عيوب اللفظ: المعاظلة. # المعالظة: # وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيرا بمجانبته لها أيضا، فقال: وكان لا ~~يعاظل بين الكلام. # وسألت أحمد بن يحيى عن المعاظلة، فقال: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: ~~تعاظل الجراداتان، وعاظل الرجل المرأة: إذا ركب أحدهما الآخر. # وإذا كان الأمر كذلك، فمحال أن ينكر مداخلة بعض الكلام في ما يشبهه من ~~بعض، أو في ما كان من جنسه، وبقي النكير إنما هو في ان يدخل بعضه في ما ليس ~~من جنسه وما هو غير لائق به، وما أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، مثل قول أوس ~~بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا # فسمى الصبي: تولبا، وهو ولد الحمار. # ومثل قول الآخر: # PageV01P066 # وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # فسمى رجل الإنسان: حافرا. # فإن ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه. # وقد استعمل كثير من الشعراء الفحول المجيدين أشياء من الاستعارة ليس فيها ~~شناعة كهذه، وفيها لهم معاذير، إذ كان مخرجها مخرج التشبيه، فمن ذلك قول ~~امرئ القيس يصف الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # فكأنه أراد: أن هذا الليل في تطاوله كالذي يتمطى بصلبه، لا أن له صلبا، ~~وهذا مخرج لفظه إذا تؤمل، ومنه قول زهير: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله # فكأن مخرج كلام زهير إنما هو مخرج كلام من أراد: أنه لما كانت الأفراس ~~للحرب، وإنما تعرى عند تركها ووضعها، ms56 فكذلك تعرى أفراس الصبا، إن كانت له ~~أفراس، عند تركه والعزوف عنه. وكذلك قول أوس بن حجر: # وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما ... رأيت لها نابا من الشر أعصلا # فإنه إنما أراد: أن هذه الحرب قديمة قد اشتد أمرها، كما يكون ناب البعير ~~أعصل، إذا طال عمره واشتد. # وكذلك قول عنترة العبسي: # جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم # وقل طفيل الغنوي: # وحملت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل # وقول عمر بن كلثوم: # ألا ابلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولؤمك قارح # وقول أبي ذؤيب الهذلي: # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وقول أوس بن مغراء يهجو بني عامر: # يشيب على لوم الفعال كبيرها ... ويغذي بثدي اللؤم منها وليدها # PageV01P067 # وقال المخبل: # يعالج عزا قد عسا عظم رأسه ... قراسية كالفحل يصرف يازله # فما جرى هذا المجرى مما له مجاز، كان أخف وأسهل مما فحش ولم يعرف له ~~مجاز، وكان منافرا للعادة، بعيدا عما يستعمل الناس مثله. # الكلام في عيوب الوزن: # ولنتبع الكلام في عيوب اللفظ بالكلام في عيوب الوزن، فنقول: # الخروج عن العروض: # من عيوبه: لخروج عن العروض، وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة. إلا أن من ~~عيوبه التخليع. # التخليع: # وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط قائله في تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر ~~كله، حتى ميله إلى الانكسار، وأخرجه عن باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة ~~وزنه في أول وهلة، إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض فيصح ~~فيه، فإن ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة، ذلك مثل ~~قول الأسود بن يعفر: # إنا ذممنا على ما خيلت ... سعد بن زيد وعمرا من تميم # وضبة المشترى العار بنا ... وذاك عم بنا غير رحيم # لا ينتهون الدهر عن مولى لنا ... قورك بالسهم حافات الأديم # ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم # لا نشتكي الوصم في الحرب ولا ... نئن منها كتأنان السليم # ومثل قول عروة بن الورد: # يا هند ms57 بنت أبي ذراع ... أخلفتني ظني ووترتني عشقي # ونكحت راعي ثلة يثمرها ... والدهر فائته بما يبقى # ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبح ~~ذلك جودة الشعر، حتى أصاره إلى حد الردئ منه، فمن ذلك قوله: # والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب # فهذا معنى جيد ولفظ حسن، إلا أن وزنة قد شانه وقبح حسنه، وأفسد جيده. # فما # PageV01P068 # جرى من التزحيف هذا المجرى في القصيدة، أو الأبيات كلها أو أكثرها، كان ~~قبيحا من أجل إفراطه في التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه وكثرته ثانية، ~~وإنما يستحب من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان في بيت أو بيتين من ~~القصيدة من غير توال ولا اتساق، ولا إفراط يخرجه عن الوزن، مثل ما قال متمم ~~بن نويرة: # وفقد بني أم تداعوا فلم أكن ... خلافهم لأستكين وأضرعا # فأما الإفراط والدوام فقبيح. # الزحاف: # وقال إسحاق يحكي عن يونس أنه قال: أهون عيوب الشعر: الزحاف، وهو ا، ينقص ~~الجزء عن سائر الأجزاء، فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع، وهو في ذلك ~~جائز في العروض، قال خالد ابن أخي أبي ذؤيب الهذلي: # لعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلا شاتمي تستخيرها # وهذا مزاحف في كاف سواك ومن أنشده خليلا سواك كان أشنع. # قال: وكان الخليل بن أحمد رحمه الله يستحسنه في الشعر، إذا قل البيت أو ~~البيتان، فإذا توالى وكثر في القصيدة سمج. # قال إسحاق: فإن قيل: كيف يستحسن منه شيئا وقد قيل هو عيب؟ قيل: هذا مثل ~~الحول والقبل واللثغ في الجارية، قد يشتهي القليل نمه الخفيف، وهو إن كثر ~~هجن وسمج، والوضح في الخيل يشتهي ويستظرف خفيفه، مثل الغرة والتحجيل، فإذا ~~فشا وكثر، كان هجنة ووهنا. # قال: وخفيف البلق يحتمل في الخيل، ولم أر أبلق قط، ولم أسمع به سابقا. # ولنبتع الكلام في عيوب الوزن بالكلام في عيوب القوافي. # عيوب القوافي: # ولنتعد ما قد أتى به من استقصى ذلك فيما وضعه من الكتب، إذ كان ms58 لاارب في ~~إعادته، ولكنا نتكلم في ذلك بظاهر ما يعرفه جمهور الناس من المعايب التي ~~ليست من جنس ما وضعت فيه الكتب. # ولنذكر مما وضع فيها ما كانت القدماء تعيب به دون غيره، فن ذلك التجميع. # التجميع: # وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روى متهيئ لأن تكون ~~قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه، # PageV01P069 # مثل ما قال عمرو بن شأس: # تذكرت ليلى، لات حين ادكارها ... وقد حني الأصلاب، ضلا بتضلال # ومثل قول الشماخ: # لمن منزل عاف ورسم منازل ... عفت بعد عهد العاهدين رياضها # ومن عيوبها الإقواء. # الإقواء: # وهو أن يختلف إعراب القوافي، فتكون قافية مرفوعة مثلا، وأخرى مخفوضة او ~~منصوبة، وهذا في شعر الأعراب كثير جدا، وفي من دون الفحول من الشعراء أكثر، ~~ولا يجوز لمولد، لأنهم قد عرفوا عيبه، والبدوي لا يأبه له فهو أعذر. # قال إسحاق: قلت ليونس: أكان عبيد الله بن الحر يقوى، فقال: الإفواء خير ~~منه. يعني من فوقه من الشعراء يقوى. # وقد ركب بعض فحول الشعراء الإقواء في مواضع، مثل ما قال سحيم بن وثيل ~~الرياحي: # عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون # وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين. # فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكنه كأنه وقف القوافي فلم ~~يحركها، وقال جرير: # عرين من عرينة ليس منا ... برئت إلى عرينة من عرين # عرفنا جعفرا وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرينا # الإيطاء: # ومنه: الإيطاء، وهو ان يتفق القافيتان في قصيدة واحدة، فإن زادت على ~~اثنين فهو أسمج، فإن اتفق اللفظ واختلف المعنى كان جائزا، كقولك: أريد ~~خيارا، وأوثر خيارا أي تريد خيارا من الله لك في كذا وخيار الشيء: أجوده، ~~والإيطاء من المواطأة، أي الموافقة، قال الله تبارك وتعالى: ليواطئوا عدة ~~ما حرم الله أي ليوافقوا. ومنه السناد. # السناد: # وهو أن يختلف تصريف القافية، كما قال عدي ابن زيد: # ففاجأها وقد جمعت جموعا ... على أبواب حصن مصلتينا # فقدمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا # وكقول الفضل بن العباس ms59 اللهبي: # عبد شمس أبي فإن كنت غضبى ... فاملئي وجهك المليح خموشا # PageV01P070 # نحن كنا سكانها من قريش ... وبنا سميت قريش قريشا # والسناد من قولهم: خرج بنو فلان برأسين متساندين، أي هذا على حياله وهذا ~~على حياله، وهو مثل ما قالوا: كانت قريش يوم الفجار متساندين، أي لا يقودهم ~~رجل واحد. # ولنتبع ذلك بالكلام على عيوب المعاني. # عيوب المعاني: # قد كنا قدمنا في باب النعوت، أن جملتها أن يكون المعنى مواجها للغرض، غير ~~عادل عنه إلى جهة أخرى، وبينا من الأغراض التي تنتحيها الشعراء في ذلك ~~الموضع ما إذا حفظ عرف العيب بالعدول عنه، وبدأنا في باب النعت بأمور ~~جعلناها مثالات، فلا بأس في أضدادها بمثالات أيضا. ### | ذكر المديح # لما كنا قدمنا من حال المديح الجاري على الصواب ما أنبأنا أنه الذي يقصد ~~فيه المدح للشيء بفضائله الخاصية، لا بما هو عرضي فيه، وجعلنا مديح الرجال ~~مثالا في ذلك، وذكرنا أن من قصد لمدحهم بالفضائل النفسية الخاصية كان ~~مصيبا، وجب أن يكون ما يأتي به من المدح على خلاف الجهة التي ذكرناها في ~~النعوت معيبا. # ومن الأمثلة الجياد في هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله ~~بن قيس الرقيات، حيث عتب عليه في مدحه إياه: إنك قلت في مصعب بن الزبير: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # وقلت في: # يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # فوجه عتب عبد الملك: إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل ~~النفسية، التي هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، وما جانس ذلك، ودخل في ~~جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم في البهاء والزينة، وقد كنا قدمنا أن ذلك ~~غلط وعيب. # PageV01P071 # ومنه قول أيمن بن خزيم، في بشر بن مروان: # يا ابن الذوائب والذرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنا الأقعس # وابن الأكارم من قريش كلها ... وابن الخلائف وابن كل قلمس # من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتى انتهيت إلى أبيك العنبس # مروان إن قناته خطية ... غرست أرومتها ms60 أعز المغرس # وبنيت عند مقام ربك قبة ... خضراء كلل تاجها بالفسفس # فسماؤها ذهب وأسفل أرشها ... ورق تلألأ في البهيم الحندس # فما في هذه الأبيات يتعلق بالمدح الحقي، وذلك أن كثيرا من الناس لا ~~يكونون كآبائهم في الفضل، ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف ~~الممدوح بفضيلة في نفسه أصلا، وذكر بعد ذلك بناءه قبة، ثم وصف القبة بأنها ~~من الذهب والفضة، وهذا أيضا ليس من المدح، لأن في المال والثروة مع الضعة ~~والفهة ما يمكن معه بناء القباب الحسنة واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك ~~مدحا يعتد به، ولا نعتا جاريا على حقه. # ومما نذكره في هذا الموضع، ليصح به شدة قبح هذا المدح، قول أشجع بن عمرو ~~بما يخالف اليسار: # يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع # وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع # فقد أحسن هذا الشاعر، حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما، ~~وقال أيضا أيمن بن خريم في بشر: # فلو أعطاك بشر ألف ألف ... رأى حقا عليه أن يزيدا # وأعقب مدحتي سرجا خلنجا ... وأبيض جوزجانيا عقودا # فإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذكارا ولودا # فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في ~~الجود أولا، ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج وغيره، ثم ذكر في البيت ~~الثالث ما هو إلى أن يكون ذما أقرب، وذلك أنه جعل أمه ولودا، والناس مجمعون ~~على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر، ومنه قول الشاعر: # PageV01P072 # يغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور ### | ذكر عيوب الهجاء # كما أن معرفة رداءة المدح قد كان سهلها معرفة جيدة، فكذلك عيب الهجاء ~~يسهل الطريق إلى العلم به ما تقدم في باب نعته، وجماع القول فيه: أنه متى ~~سلب المهجو أمورا لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيبا في الهجاء، مثل أن ~~ينسب إلى أنه قبيح الوجه، أو صغير الحجم، أو ضئيل الجسم، أو مقتر، أو معسر، ~~أو من قوم ليسوا بأشراف، ms61 إذا كانت أفعاله في نفسه جميلة، وخصاله كريمة ~~نبيلة، أو أن يكون أبواه مخطتين، إذا كان مصيبا، أو غويين، إذا وجد رشيدا ~~سديدا، أو بقلة العدد، إذا كان كريما، أو بعدم النظار، إذا كان راجحا شهما، ~~فلست أرى ذلك هجاء جاريا على الحق. # ومما يدل على ذلك، بعد القياس الصحيح، والنظر الصريح، أشعار وأقوال ~~أعددها، فمنها ما أنشدناه أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب: # رأت نضو أسفار أميمة قاعدا ... على نضو أسفار فجن جنونها # فقالت: من أي الناس أنت ومن تكن ... فإنك راعي ثلة لا نزينها # فقلت لها: ليس الشحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها # فهذا صريح في أن القبح والشحوب والسماجة ليست بعار. # ومن هذا أيضا قول بعضهم في ابن له ازدراه رجال، فمنعهم من نعمه، وقد ~~أغاروا عليها: # رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح # ومن الأبيات الأول في أن قلة المال ليست عارا قوله: # عليك براعي ثلة مسلحبة ... يروح عليه محضنها وحقينها # سمين الضواحي لم تؤرقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها # وللسموأل في أن قلة العدد ليس عيبا ولا سبة: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثيرين ذليل # PageV01P073 # فعدى هذا الشاعر عن الهجاء الذي عيرتهم به هذه المعيرة، واحتج فيه بما دل ~~على أنه غير صائر، ثم وصف بعد ذلك نفسه وقومه بالأوصاف التي هي لائقة ~~بالمدح، وفي ذكرنا إياها في هذا الموضع منفعة في تعليم الهجاء الجاري على ~~الصواب، فقال: # وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث مات قتيل # لن اجبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل # فأتى في هذه الأبيات بالمدح من جهة الشجاعة والبأس والعز، ثم قال: # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال ms62 الكرام فعول # سلى إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول # فأتى في هذه الأبيات بالوصف من جهة العقل والرأي والفهم، ثم قال: # فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعد بخيل # فأتى بالمدح من جهة الجود، وهو أحد أقسام العدل، كما بينا، ثم قال: # صفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناث أطابت حملنا وفحول # فأتى بالمدح من جهة العفة، إذ كان في ذكره طيب الحمل دليل على ذلك؛ أفلا ~~ترى أن هذا الشاعر، لما علم أن المعيرة لم تأت بما يضرهم، احتج في ذلك بما ~~يزيل الظنة عنهم، ثم عمد إلى الفضائل، التي هي فضائل بالحقيقة، فأوجبها ~~لهم، فكأنه أرى بهذا الفعل أن ما قالته المعيرة غير جار على الصواب. # وأنشدنا أحمد بن يحيى في هذا المعنى: # وإني لا أخزى إذا قيل مملق ... سخي وأخزى أن يقال بخيل # وبلغني أن ابن الزبير لما دخل الشام ناداه أهلها: يا ابن ذات النطاقين، ~~فقال لابن أبي عتيق: # وتلك شكاة ظاهر عنك عاراها # فأبان بهذا القول أنه لا يلزمه ما يقال في أمه. # وإذا تؤمل ما ذكرته في هذا الباب، لم يبعد الوقوف على عيب الهجاء كيف ~~يتعرف. # PageV01P074 # عيوب المراثي: # وأما المراثي: ففي ما قدمته في باب نعوتها ما أبان عن الوجه في باب ~~عيوبها، إذا كان النظر صحيحا والفكر سليما. ### | عيب التشبيه # وأما عيب التشبيه: فتلك سبيله أيضا لمن كان حافظا لما تقدم من أقوالنا في ~~باب نعوته. ### | عيب الوصف # وأما عيب الوصف: فبالمضادة في باب نعوته. ### | الغزل # وأما الغزل: فالقول فيه كالقول فيما مر من هذه الأبواب، إذا كان عيبه ~~إنما هو مضادة ما قدمنا ذكره في باب نعته. # ومن الغزل الجاري على تلك المضادة، وفيه - مع أنه مثال في هذا الموضع ~~للعيب - توكيد لما قدمناه في باب النعوت، قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز ~~بن مروان: # فلما بدا لي ما رابني ... نزعت نزوع الأبي الكريم # وبلغني أن أبا السائب المخزومي لما أنشد هذا البيت، قال، قبحه الله، ms63 لا ~~والله ما أحبها ساعة قط. # ومثلها لنابغة بني تغلب، واسمه الحارث بن عدوان أحد بني زيد ابن عمرو بن ~~غنم بن تغلب: # هجرت أمامة هجرا طويلا ... وما كان هجرك إلا جميلا # على غير بغض ولا عن قلى ... وإلا حياء وإلا ذهولا # بخلنا لبخلك قد تعلمين ... فكيف يلوم البخيل البخيلا # ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان ~~ما يحتاج فيه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة، غير مستكرهة، فإذا ~~كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيبا، إلا أنه لما يكن عيبا على الإطلاق، وأمكن ~~أن يكون حسنا، إذ كان قد يحتاج إلى الخشونة في مواضع مثل ذكر البسالة ~~والنجدة واليأس # PageV01P075 # والمرهبة، كان أحق المواضع التي يكون فيها عيبا الغزل لمنافرته تلك ~~الأحوال وتباعده منها، فمن الكلام المستثقل في الغزل قول عبد الرحمن ابن ~~عبد الله القس: # إن تنأ دارك لا أمل تذكرا ... وعليك مني رحمة وسلام # ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضا: # سلام ليت لسانا تنطقين به ... قبل الذي نالني من صوته قطعا # فما رأيت أغلظ ممن يدعو على معشوقته، حيث أجادت في غنائها له، بقطع ~~لسانها. # العيوب العامة للمعاني: # وأما العيوب العامة للمعاني، من الأغراض التي ذكرناها وغيرها، وعموم ذلك ~~إياها، كعموم النعوت التي قدمنا وعددنا في أبوابها، فمنها فساد القسم: # فساد القسم: # وذلك يكون إما بأن يكررها الشاعر، أو يأتي بقسمين: أحدهما داخل تحت الآخر ~~في الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر في المستأنف، أو أن يدع ~~بعضها فلا يأتي به. # التكرير: # فأما التكرير، فمثل قول هذيل الأشجعي: # فما برحت تومي إليه بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل # لأن تومض وتومي بطرفها متساويان في المعنى. # دخول أحد القسمين في الآخر: # وأما دخول أحد القسمين في الآخر، فمثل قول أحدهم: # أبادر إهلاك مستهلك ... لمالي أو عبث العابث # فعبث العابث داخل في إهلاك مستهلك. # ومثل قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: # لله نعمتنا تبارك ربنا ... رب الأنام ورب من يتأبد # فليس يجوز أن ms64 يكون أمية أراد بقوله: من يتأبد الوحش، وذلك أن من لا تقع ~~على الحيوان غير الناطق، وإذا كان الأمر على هذا، فمن يتوحش داخل في ~~الأنام، أو يكون أراد بقوله: يتأبد يتقرب من الأبد، وذلك داخل في الأنام ~~أيضا. # وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما في الآخر، فمثل قول أبي عدي ~~القرشي: # PageV01P076 # غير ما أن أكون نلت نوالا ... من نداها عفوا ولا مهنيا # فالعفو قد يجوز أن يكون مهنيا، والمهني قد يجوز أن يكون عفوا. # وقد ضحك من أنوك سأل مرة فقال: علقمة بن عبدة جاهلي أو من بني تميم؟ فلأن ~~الجاهلي قد يكون من بني تميم ومن بني عامر، والتميمي قد يكون جاهليا ~~وإسلاميا. ومن ذلك قول عبد الله بن سلمة الغامدي: # فهبطت غيثا ما تفزع وحشه ... من بين سرب ناوي وكنوس # ناو: سمين، يقال: نوى سمن، والسمين يجوز أن يكون كانسا أو راتعا، والكانس ~~يجوز أن يكون سمينا أو هزيلا. # وأما القسم التي يترك بعضها مما لا يحتمل الواجب تركه، فمثل قول جرير في ~~بني حنيفة: # صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها # وبلغني أن هذا الشعر أنشد في مجلس، ورجل من بني حنيفة حاضر فيه، فقيل له: ~~من أيهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره. ومن عيوب المعاني: ### | فساد المقابلات # ومن كان حافظا لما ذكرناه من صحة المقابلات في باب النعوت ظهر له الحال ~~في فسادها كثيرا. # فساد المقابلات # وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إما على جهة الموافقة أو ~~المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه، مثال ذلك قول أبي ~~عدي القرشي: # يا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث الجنود # فليس قوله: وغيث الجنود، موافقا لقوله: زين الدنيا، ولا مضادا، وذلك عيب. ~~ومنه قول هذا الرجل أيضا في مثل ذلك: # رحماء بذي الصلاح وضرا ... بون قدما لهامة الصنديد # فليس للصنديد فيما تقدم ضد ولا مثل، ولعله لو كان مكان قوله: الصنديد ~~الشرير، # PageV01P077 # كان ms65 ذلك جيدا لقوله: ذو الصلاح. وللعدول عن هذا العيب غير الرواة قول ~~امرئ القيس: # فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا # فابدلوا مكان: سوية: جميعة لأنها في مقابلة تساقط أنفسا أليق من سوية. ~~ومن عيوب المعاني: ### | فساد التفسير # فساد التفسير # ومن كان ذاكرا لما قدمناه في باب نعت هذا المعنى عرف الوجه في عيبه. مثال ~~في ذلك: ما جاءني به بعض الشعراء في هذا الوقت، وأنا أطلب مثالات في هذا ~~الباب، يستفتيني فيه وهو: # فيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى # تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى # وقد كان هذا الرجل يسمعني كثيرا أخوض في أشياء من نقد الشعر، فيعي بعض ~~ذلك، ويستجيد الطريق التي أوضحها له، فلما وقع هذان البيتان في قصيدة له، ~~ولاح له ما فيهما من العيب، ولم يتحققه صار إلي فيهما، وذكر انه عرضهما على ~~جماعة من الشعراء وغيرهم، ممن ظن أن عنده مفتاحا له، وأن بعضهم جوزهما، ~~وبعضهم شعر بالعيب فيهما ولم يقدر على شرحه، فذكرت له الحال فيه، وأثبت ~~البيتين في هذا الباب مثالا. # ووجه العيب فيهما: أن هذا الشاعر، لما قدم في البيت الأول الظلم وبغي ~~العدى، كان الجيد أن يفسر هذين المعنيين في البيت الثاني بما يليق بهما، ~~فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان الواجب أن يأتي بإزاء بغي ~~العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان ~~من أعدائه، فلم يأت بذلك وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر الفقر أو العدم ~~لكان ما أتى به صوابا. # وقد يتفرع من هذا الباب خطآن إذا وقعا فيه، خرجا إلى بابين آخرين من ~~أبواب عيوب الشعر. # أحدهما: أن يكون هذا الشاعر مثلا لو لم يأت بخلاف القسم الثاني، بل تركه، ~~لدخل في باب الخلل؛ ولو لم يتركه، بل أتى به وزاد عليه، لدخل في باب الحشو، ~~وقد ذكرنا هذين البابين في مواضعهما. # PageV01P078 # ومن ms66 عيوب المعاني: ### | الاستحالة والتناقض # الاستحالة والتناقض # وهما أن يذكر في الشعر شيء، فيجمع بينه وبين المقابل له من جهة واحدة، ~~والأشياء تتقابل على أربع جهات: # إما على طريق المضاف، ومعنى المضاف هو الشيء الذي إنما يقال بالقياس إلى ~~غيره، مثل الضعف إلى نصفه، والمولى إلى عبده، والأب إلى ابنه، فكل واحد من ~~الأب والابن والمولى والعبد والضعف والنصف يقال بالإضافة إلى الآخر، وهذه ~~الأشياء من جهة ما أن كل واحد منها يقال بالقياس إلى غيره، هي من المضاف، ~~ومن جهة أن كل واحد منها بإزاء صاحبه كالمقابل له، فهي من المتقابلات. # وإما على طريق التضاد، مثل: الشرير للخير، والحار للبارد، والأبيض ~~للأسود. # وإما على طريق العدم والقنية، مثل الأعمى والبصير، والأصلع وذي الجمة. ~~وإما على طريق النفي والإثبات، مثل أن يقال: زيد جالس، زيد ليس بجالس. # فإذا أتى في الشعر جمع بين متقابلين من هذه المتقابلات، وكان هذا الجمع ~~من جهة واحدة، فهو عيب فاحش غير مخصوص بالمعاني الشعرية، بل هو لاحق بجميع ~~المعاني، وأعني بقولي: من جهة واحدة: ا، ه قد يجوز أن يجتمع في كلام منثور ~~أو منظوم متقابلان من هذه المتقابلات، ويكون ذلك الاجتماع من جهتين لا من ~~جهة واحدة، فيكون الكلام مستقيما غير محال ولا متناقض، مثال ذلك أن يقال في ~~تقابل المضاف: إن العشرة مثلا ضعف وإنها نصف، لكن يقال: إنها ضعف لخمسة ~~ونصف لعشرين، فلا يكون ذلك محالا إذا قيل من جهتين، فأما من جهة واحدة كما ~~إذا قيل: إنها ضعف ونصف لخمسة فلا. # وكذلك يجوز أن يجتمع المتقابلات على طريق العدم والقنية من جهتين، مثال ~~ذلك أن يقال: زيد أعمى بصير القلبن فيكون ذلك صحيحا، فأما من جهة واحدة، ~~كما لو قيل في إنسان: واحد إنه أعمى العين بصيرها، فلا. # وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر: حار عند البارد، وبارد عند الحار، ~~فأما عند أحدهما فلا. # وفي النفي والإثبات أن يقال: زيد جالس، في وقته الحاضر الذي هو فيه جالس، ~~وغير جالس ms67 في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام، فذلك جائز، فأما في وقت ~~واحد وحال واحدة جالس وغير جالس فلا. # ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل، مثل ما قال خفاف بن ~~ندبة: # إذا انتكث الحبل ألفيته ... صبور الجنان رزينا خفيفا # PageV01P079 # فلو لم تكن إرادته أنه رزين من حيث ليس خفيفا، وخفيف من حيث ليس رزينا، ~~لم يجز، ومثل ما قال الشنفرى: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت # فإنه إنما أراد دقت من جهة وجلت من أخرى، فأما لو كان أراد أنها دقت من ~~حيث جلت، لم يكن جائزا. # وقد جاء في الشعر من الاستحالة والتناقض ما لا عذر فيه، وما جمع فيما قيل ~~فيه بين المتقابلات من جهة واحدة، ومنه ما التناقض فيه ظاهر، يعلم في أول ~~ما يلقى السمع، ومنه ما يحتاج إلى تنبيه على موضع التناقض فيه. # ومما جاء في ذلك على جهة التضاد، قول أبي نواس يصف الخمر: # كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب في سواد عذار # فشبه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز، لأن الحباب يشبه الشيب في البياض ~~وحده، لا في شيء آخر غيره، ثم قال: # تردت به ثم انفرى عن أديمها ... تفرى ليل عن بياض نهار # فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل، هو الذي كان في البيت ~~الأول أبيض كالشيب، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي ~~صارت في البيت الثاني كبياض النهار، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من ~~جهات العذر، لأن الأبيض والأسود طرفان متضادان، وكل واحد منهما في غاية ~~البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شيء واحد منهما في غاية البعد عن الآخر، ~~فليس يجوز أن يكون شيء واحد يوصف بأنه أبيض وأسود، إلا كما يوصف الأدكن في ~~الألوان بالقياس إلى واحد من الطرفين اللذين هو واسطة بينهما، فيقال: إنه ~~عند الأبيض أسود، وعند الأسود أبيض، وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب ~~انصراف ms68 ما قاله إلى هذه الجهة. ولعل قوما أن يحتجوا لأبي نواس بأن يقولوا: ~~إن قوله: # تفرى ليل عن بياض نهار # لم يرد به أسود ولا أبيض، لكن الذي أراده إنما هو ذات التفري وانحسار ~~الشيء عن الشيء، أسود كان أو أبيض أو غير ذلك من الألوان. # فنقول: من يحتج بهذه الحجة تبطل من جهات: إحداها: أن الرجل قد صرح بأنه ~~لم يرد غير اللون فقط، بقوله: عن بياض نهار، والثانية: تشبيهه الحباب ~~بالشيب، لأن الحباب لا يشبه الشيب من جهة من الجهات غير البياض، والثالثة: ~~أن النهار والليل ليس هما غير الضياء والظلمة، فيظن بالجاعل # PageV01P080 # لهما في وصف من الأوصاف أنه أراد شيئا آخر، فإن القائل مثلا في شيء إنه ~~قد تبرأ من شيء كما تتبرأ الشعرة من العجين، قد يجوز أن يصرف قوله هذا على ~~وجهين: أحدهما: أن يظن أنه أراد ذات تبرؤ شيء، ويجوز أن يظن أنه إنما أراد ~~تبرؤ الأسود من الأبيض، لأن في الشعرة والعجين جسما يجوز أن يتبرأ من جسم، ~~وسوادا وبياضا، فأما الليل والنهار فليس هما غير سواد وبياض فقط، فأما جسم ~~يتبرأ من جسم فلا. التناقض على طريف المضاف: ومما جاء في الشعر من التناقض ~~على طريق المضاف، قول عبد الرحمن ابن عبد الله القس: # فإني إذا ما الموت حل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر # فقد جمع بين قبل وبعد، وهما من المضاف، لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد ~~إلا لقبل، حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها، وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون ~~له جواب يأتي به، وجوابه هو قوله: يزال بنفسه قبل ذاك، وهذا شبيه بقول قائل ~~لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله، ومنزلة هذا التناقض عندي فوقه ~~منزلة جمع المتقابلين في الشناعة، لأن هذا الشاعر جعل ما هو قبل بعدا. ### | التناقض على طريق القنية والعدم # ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم، قول ابن نوفل: # لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ذي بصر ضرير ms69 # فلفظة: ضرير إنما تستعمل - وهي تصريف فعيل من الضر - في الأكثر للذي لا ~~بصر له، وقول هذا الشاعر في هذا الشيخ: إنه ذو بصر وإنه ضرير، تناقض من جهة ~~القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصرا ولا بصر له، فهو بصير أعمى. # فإن قال قائل: إنه ضرير، راجع على البصر بأنه أعمى، فالعرب أولا إنما ~~تريد بضرير الإنسان الذي قد لحقه الضر بذهاب بصره لا البصر نفسه، وأيضا ~~فليس البصر هو العين التي يقع عليها العمى بل ذات الإبصار، وذات الإبصار لا ~~يقال: إنها عمياء، كما لا يقال: إن حدة السيف كليلة، بل إنما يقال: إن ~~السيف كليل، لأن الحدة، لا تكل، وكذلك البصر لا يعمى، ولكن هو في توسع ~~اللغة، وتسمح العرب في اللفظ جائز على طريق المجاز، وقد جاء في أقوى ~~المواضع حجة، وهو القرآن في قوله عز وجل فإنها لا تعمي الأبصار ولكنه إذا ~~جاز في البصر أن يقال: أعمى، فلا أراه يجوز # PageV01P081 # أن يقال فيه: مضرور، وارى إنما يدخل في هذا الباب. # ومن التناقض قول ابن الرمة: # تراه إذا أبصر الضيف كلبه ... يكلمه من حبه وهو أعجم # فإن هذا الشاعر أقنى الكلب الكلام، في قوله: أنه يكلمه، ثم أعدمه إياه ~~عند قوله: إنه أعجم، من غير أن يزيد في القول ما يدل على أن ما ذكره إنما ~~أجراه على طريق الاستعارة، فإن عذر هذا الشاعر ببعض المعاذير، إذ كانت ~~الحجج كثيرة، فهلا قال كما قال عنترة العبسي: # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعبرة وتحمحم # فلم يخرج الفرس عما له من التحمحم إلى الكلام، ثم قال: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان، لو علم الكلام، مكلمي # فوضع عنترة ما أراده في موضعه. ### | التناقض على طريق الإيجاب والسلب # ومما جاء في الشعر من التناقض على طريق الإيجاب والسلب، قول عبد الرحمن ~~بن عبد الله القس: # أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر # فأوجب هذا الشاعر الهجر والقتل أنهما مثلان، ثم سلبهما ms70 ذلك بقوله: إن ~~القتل أعفى وأيسر، فكأنه قال: إن القتل مثل الهجر، وليس هو مثله. # وأرى أن هذا الشاعر أراد أن يقول: بل القتل أعفى وأيسر، ولو قال: بل لكان ~~الشعر مستقيما، لأن مقام لفظة: بل مقام ما ينفي الماضي ويثبت المستأنف، ~~لكنه لما لم يقلها، وأتى بجمع الإثبات ونفيه استحال شعره. # وليس إذا علمنا أن شاعرا أراد لفظة تقيم شعره، فجعل مكانها لفظة تحيله ~~وتفسده، وجب أن يحتسب له ما يتوهم أنه أراده، ويترك ما قد صرح به، ولو كانت ~~الأمور كلها تجري على هذا لم يكن خطأ. # وأرى أن مما يجري هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدي، حيث قال: # أكف الجهل عن حلماء قومي ... وأعرض عن كلام الجاهلينا # ثم قال في هذه القصيدة بعد هذا البيت: # إذا رجل تعرض مستخفا ... لنا بالجهل أوشك أن يحينا # PageV01P082 # فقد أوجب هذا الشاعر في البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال، ~~ونفى ذلك بعينه في البيت الثاني بتعديه في معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب ~~العقوبات وهو القتل. # ولأبي نواس أيضا شيء شبه هذا وهو قوله: # ولي عهد ماله قرين ... ولا له شبه ولا خدين # استغفر الله، بلى هارون ... يا خير من كان ومن يكون # إلا النبي المصطفى الميمون ... ذلت بك الدنيا وعز الدين # فصير هارون شبيها بولي العهد، ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، ~~فكأنه إما خير منه، وليس خيرا منه، لأنه شبيهه أو كشبيهه، وليس بشبيهه، ~~لأنه خير منه، وهذا جمع بين النفي والإثبات. # ومما يجري هذا المجرى، وقد أنكره الناس وعابوه، قول زهير ابن أبي سلمى: # حي الديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم ### | إيقاع الممتنع # ومن عيوب المعاني: إيقاع الممتنع فيها في حال ما يحوز وقوعه ويمكن كونه، ~~والفرق بين الممتنع والمتناقض - الذي تقدم الكلام فيه - أن المتناقض لا ~~يكون، ولا يمكن تصوره في الوهم، والممتنع لا يكون، ويجوز أن يتصور في ~~الوهم. # ومما جاء في الشعر - قد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه ms71 - قول أبي نواس: # يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزمن # فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبدا، أو ~~دعا له، وكلا الأمرين، مما لا يجوز، مستقبح. # ولعل معترضا أن يعترض على هذا القول منا في هذا الموضع فيقول: إنه مناقضة ~~لا استجزناه ورأيناه صوابا في صدر هذا الكتاب من الغلو، ويجعل قول أبي نواس ~~هذا غلوا، يلزمنا تجويزه، كما أصلنا تجويز الغلو وتجويده. # ونحن نقول: إن هذا وما أشبهه ليس غلوا ولا إفراطا، بل خروجا عن حد الغلو ~~الذي يجوز أن يقع إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لأن الغلو إنما هو ~~تجاوز في نعت ما # PageV01P083 # للشيء أن يكون عليه، وليس خارجا عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لأن ~~الذي كنا قلنا: إنه جائز، مثل قول النمر بن تولب: # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # فليس خارجا عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي. وأن يؤثر ~~بعد ذلك ويغوص في الأرض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون: وكذلك ما قلناه فيما ~~قال مهلهل: # فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # فإنه أيضا ليس يخرج عن طباع أهل حجر أن يسمعوا الأصوات من الأماكن ~~البعيدة، ولا خارج عن طباع البيض أن تصل ويشتد طنينها بقرع السيوف إياها، ~~ولكن يبعد بعد المسافة بين موضع الوقعة وحجر بعدا لا يكاد يقع. # وليس في طباع الإنسان أن يعيش أبدا، وأيضا فإنا كنا قد قدمنا أن مخارج ~~الغلو إنما هي على يكاد وليس في قول أبي نواس: عش أبدا، موضع يحسن فيه، ~~لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبدا. # مخالفة العرف: # ومن عيوب المعاني: مخالفة العرف، والإتيان بما ليس في العادة والطبع، ~~وذلك مثل قول المرار: # وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها # فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سود، أو ما قاربها في ذلك اللون، ms72 والخدود ~~الحسان إنما هي البيض، وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى. # ومن هذا المجلس قول الحكم الخضري: # كانت بنو غالب لأمتها ... كالغيث في كل ساعة يكف # فليس في المعهود أن يكون الغيث واكفا في كل ساعة. # PageV01P084 # نسب الشيء إلى ما ليس منه: # ومن عيوب المعاني: أن ينسب الشيء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان: # فإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود، والعود أخضر # فهذا الشاعر بقوله: ربما أمر مذاق العود والعود أخضر. # كأنه يومئ إلى أن سبيل العود الأخضر، في الأكثر، أن يكون عذبا، أو غير ~~مر، وهذا ليس بواجب، لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه ~~بالآخر. # ولنتبع ما تكلمنا به في عيوب المعاني بما في الأقسام الأربعة المؤتلفة. ~~من ذلك: عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى. فمنها: # الإخلال: # وهو أن يترك من اللفظ ما به يتم المعنى. # مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: # أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحب من الأكثر الرائث # فإنما أراد أن يقول: عاجل ما أشتهي مع القلة أحب إلى من الأكثر المبطئ ~~فترك مع القلة وبه يتم المعنى. # ومثل ذلك قول عروة بن الورد: # عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقلتهم عند الوغى كان أعذرا # فإنما أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم، ومقلتهم عند ~~الوغى أعذر فترك في السلم. # ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلزة: # والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا # فأراد أن يقول: والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل ~~فترك شيئا كثيرا، وعلى أنه لو قال ذلك لكان في هذا الشعر خلل آخر، لأن الذي ~~يظهر أنه أراده، هو أن يقول: إن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش ~~الشاق في ظلال العقل فأخل بشيء كثير. # ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم: # PageV01P085 # لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا # ويفشلون إذا نادى ربيئهم ms73 ... ألا اركبن فقد آنست أبطالا # فأراد أن يقول: ولا يفشلون فحذف لا فعاد المعنى إلى الضد ومن عيوب هذا ~~الجنس، عكس العيب المتقدم، وهو أن يزيد في اللفظ ما يفسد به المعنى، مثال ~~ذلك قول بعضهم: # فما نطفة من ماء نحض عذيبة ... تمنع من أيدي الرقاة ترومها # بأطيب من فيها لو أنك ذقته ... إذا ليلة أسجت وغارت نجومها # فقول هذا الشاعر: لو أنك ذقته زيادة توهم أنه لو لم يذقه لم يكن طيبا. # عيوب ائتلاف اللفظ والوزن: منها الحشو. # الحشو: وهو أ، يخشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة الوزن. # مثال ذلك ما قال أبو عدي القرشي: # نحن الرؤوس وما الرؤوس إذا سمت ... في المجد للأقوام كالأذناب # فقوله: للأقوام، حشو لا منفعة فيه. # وقال مصقلة بن هبيرة: # ألكني إلى أهل العراق رسالة ... وخص بها، حييت، بكر بن وائل # فقوله: حييت، حشو لا منفعة فيه. ومنها التثليم. # التثليم: # وهو أن يأتي الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض، فيضطر إلى ثلمها النقص ~~منها، مثال ذلك قول أمية بن أبي الصلت: # لا أرى من يعينني في حياتي ... غير نفسي إلا بني إسرال # وقال في هذه القصيدة: # أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأكبال # وقال علقمة بن عبدة: # كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم # أراد: بسبائب الكتان، فحذف للعروض. وقال لبيد بن ربيعة: # درس المنا بمتالع فأبان # أراد المنازل. # PageV01P086 # ومنها التذنيب. # التذنيب: # وهو عكس العيب المتقدم، وذلك أن يأتي الشاعر بألفاظ تقصر عن العروض، ~~فيضطر إلى الزياد فيها. # مثال ذلك ما قال الكميت: # لا كعبد المليك أو كيزيد ... أو سليمان بعد أو كهشام # فالملك والمليك اسمان لله عز وجل، وليس إذا سمي إنسان بالتعبد لأحدهما، ~~وجب أن يكون مسمى بالآخر، كما أنه ليس من سمى: عبد الرحمن هو من سمى عبد ~~الله. ومن هذا الجنس: التغيير. # التغيير: # وهو أ، يحيل الشاعر الاسم عن حاله وصورته إلى صور أخرى، إذا اضطرته ~~العروض إلى ذلك. # كما قال بعضهم يذكر سليمان عليه السلام: ms74 # ونسج سليم كل قضاء ذائل # وكما قال آخر: # من نسج داود أبي سلام # ومنه التفصيل. # التفصيل: # وهو ألا ينتظم للشاعر نسق الكلام على ما ينبغي لمكان العروض، فيقدم ~~ويؤخر، كما قال دريد بن الصمة: # وبلغ نميرا، إن عرضت، ابن عامر ... فأي أخ في النائبات وطالب # ففرق بين نمير بن عامر بقوله: إن عرضت، وكما قال أبو عدي القرشي: # خير راعي رعية، سره الله ... هشام وخير مأوى طريد # وكما قال الآخر: # لعمر أبيها لا تقول حليلتي ... ألا فر عني مالك بن أبي كعب # عيوب ائتلاف المعنى والوزن: # منها المقلوب. # المقلوب: # وهو أن يضطر الوزن الشعري إلى إحالة المعنى، فيقلبه الشاعر إلى خلاف ما ~~قصد به. # مثال ذلك لعروة بن الورد: # فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غدا بمهجته يفوق # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلا ما أطيق # أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسي، فقلب المعنى. وللحطيئة: # فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أثبت الحبل حافره # أراد: الحبل حافره، فانقلب المعنى. # ومنها المبتور: # المبتور: # وهو ان يطول المعنى عن أن # PageV01P087 # يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتمه في البيت ~~الثاني، مثال ذلك قول عروة بن الورد: # فلو كاليوم كان علي أمري ... ومن لك بالتدبر في الأمور # فهذا البيت ليس قائما بنفسه في المعنى، ولكنه أتى بالبيت الثاني بتمامه، ~~فقال: # إذا لملكت عصمة أم وهب ... على ما كان من حسك الصدور # وقال امرؤ القيس: # أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الخير حجر ذي القباب # فالمعنى ناقص عن تمامه، فأتمه في البيت الثاني، وقال: # أرجى من صروف الدهر لينا ... ولم تغفل عن الصم الصلاب # عيوب ائتلاف المعنى والقافية: منها: # التكلف في طلب القافية: أن تكون القافية مستدعاة قد تكلف في طلبها، ~~فاشتغل معنى سائر البيت بها، مثل ما قال أبو تمام الطائي: # كالظبية الأدماء صافت فارتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا # فجميع هذا البيت مبني لطلب هذه القافية، وإلا فليس في وصف الظبية بأنها ~~ترتعي الجثجاث كبير فائدة، لأنه إنما ms75 توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن ~~أحوالها بأن يقال: إنها تعطو الشجر، لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ~~ذعرا يسيرا قد لحقها، كما قال الطرماح: # مثل ما عاينت مخروفة ... نصها ذاعر روع مؤام # فأما أن ترتعي الجثجاث، فلا أعرف له معنى في زيادة الظبية من الحسن، لا ~~سيما والجثجاث ليس من المراعي التي توصف بأن ام يرتعى يؤثره: الإتيان ~~بالقافية لتكون نظير لأخواتها في السجع: ومن عيوب هذا الجنس: أن يؤتى ~~بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها في السجع، لا لأن لها فائدة في معنى البيت، ~~كما قال علي بن محمد البصري: # وسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط # في وصف الدرع وتجويد نعتها. # فليس يزيد في جودتها أن يكون نجادها مخططا، دون أن يكون أحمر أو أخضر، أو ~~غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع. # ومن هذا الجنس: قول أبي عدي القرشي: # PageV01P088 # ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا رب هود # فليس نسبة هذا الشاعر الله عز وجل إلى أنه رب هود بأجود من نسبته إلى أنه ~~رب نوح، ولكن القافية كانت دالية، فأتى بذلك للسجع لا لإفادة معنى بما أتى ~~به منه. PageV01P089 ms76