######OpenITI# #META# الكتاب: آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها #META# تألیف : محمد بن محمد الفارابي [ أبي نصر الفارابي ] #META# المحقق : الدكتور علي بو محلم #META# المترجم: الموضوع : الفلسفة والمنطق #META# الناشر : دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر #META# المطبعة : دار ومكتبة الهلال للطباعة والنشر #META# نسخة غير مصححة #META#Header#End# # اختصار الأبواب التي في كتاب «المدينة الفاضلة» # تأليف أبي نصر محمد بن محمد بن طرخان # ابن اوزلغ الفارابي التركي # ١ القول في الشيء الذي ينبغي أن يعتقد فيه أنه هو الله تعالى ، ما هو ، ~~وكيف هو ، وبما ذا ينبغي أن يوصف ، وبأي وجه هو سبب سائر الموجودات ، وكيف ~~تحدث عنه ، وكيف يفعلها ، وكيف هي مرتبطة به ، وكيف يعرف ويعقل ، وبأي ~~الأسماء ينبغي أن يسمى ، وعلى ما ذا ينبغي أن يدل منه بتلك الأسماء؟ # ٢ القول في الموجودات التي ينبغي أن يعتقد فيها أنها هي الملائكة ، ما هو ~~كل واحد منها ، وكيف هو ، وكيف حدوثه ومرتبته منه ، وما مراتب بعضها من بعض ~~، وما ذا يحدث عن كل واحد منها ، كيف هو سبب لكل واحد مما يحدث عنه ، وفي ~~ما ذا تدبيره ، وكيف تدبيره ، وان كل واحد منها هو سبب جسم ما من الأجسام ~~السماوية ، واليه تدبير ذلك الجسم. # ٣ القول في جمل الأجسام السماوية ، وأن واحدة واحدة منها مرتبطة PageV01P021 # بواحد واحد من الثواني ، وأن كل واحد من الثواني اليه تدبير الجسم ~~السماوي المرتبط به. # ٤ القول في الأجسام التي تحت السماوات وهي الأجسام الهيولانية ، كيف ~~وجودها ، وكم هي في الجملة ، وبما ذا يتجوهر كل واحد ، وبما ذا يفارق ~~الموجودات التي سلف ذكرها. # ٥ القول في المادة والصورة ، ما كل واحد منهما ، وهما اللتان بهما يتجوهر ~~الأجسام ، وما رتبة كل واحد منهما من الأخرى ، وما هذه الأجسام التي تتجوهر ~~بهما ، وأي وجود يحصل لكل واحد منها بالمادة ، وأي وجود يحصل له بالصورة. # ٦ القول في كيفية ما ينبغي أن يوصف به الموجودات التي ينبغي أن يقال إنها ~~هي الملائكة. # ٧ القول بما ذا ينبغي أن يوصف به الأجسام السماوية في الجملة. # ٨ كيف يحدث الأجسام الهيولانية بالجملة ، وأيها يحدث أولا ، وأيها يحدث ~~ثانيا ، وأيها يحدث ثالثا ، الى أن ينتهي الترتيب الى آخر ما يحدث ، وان ~~آخر ما يحدث هو الانسان ، والأخبار عن حدوث كل صنف منها مجملا. # ٩ كيف يجري التدبير في ms01 بقاء كل نوع منها ، وفي بقاء أشخاص كل نوع ، وكيف ~~وجه العدل في تدبيرها ، وأن كل ما يجري منها فانما يجري على نهاية العدل ~~والاحكام والكمال فيه ، وأنه لا جور في شيء منها ولا اختلال ولا نقص ، وأن ~~ذلك هو الواجب ، وأنه لا يمكن أن يكون في طباع الموجودات غيرها. # ١٠ في الانسان وفي قوى النفس الانسانية ، وفي حدوثها ، وأيها يحدث أولا ، ~~وأيها يحدث ثانيا ، وأيها يحدث ثالثا ، ومراتب بعضها من بعض ، وأيها PageV01P022 # يرؤس فقط ، وأيها يخدم شيئا آخر ، وأيها يرؤس شيئا ويخدم شيئا آخر ، ~~وأيها يرؤس أيها. # ١١ في حدوث أعضائه وفي مراتبها ، ومراتب بعضها من بعض ، وأيها هو الرئيس ~~، وأيها هو الخادم ، وكيف يرؤس ما يرؤس منها ، وكيف يخدم ما يخدم منها. # ١٢ في الذكر والأنثى ، ما قوة كل واحد منهما ، وما فعل كل واحد منهما ، ~~وكيف يحدث الولد عنهما ، وبما ذا يختلفان ، وبما ذا يشتركان ، وما السبب في ~~التذكير والتأنيث ، وكيف صار الولد ربما أشبه والديه ، وربما أشبه أحدهما ~~فقط ، وربما أشبه بعض أجداده الأبعدين ، وربما لم يشبه أحدا من آبائه ~~وأمهاته. # ١٣ كيف ترتسم المعقولات في الجزء الناطق من النفس ، ومن أين ترد عليه ، ~~وكم أصناف المعقولات ، وما العقل الذي بالقوة ، وما العقل الذي بالفعل ، ~~وما العقل الهيولاني ، وما العقل المنفعل ، وما العقل الفعال ، وما مرتبته ~~، ولما ذا يسمى العقل الفعال ، وما فعله ، وكيف ترتسم المعقولات في العقل ~~الذي بالقوة حتى يصير عقلا بالفعل ، وما الارادة ، وما الاختيار ، ولأي جزء ~~هما من أجزاء النفس ، وما السعادة القصوى ، وما الفضائل ، وما النقائص ، ~~وما الخيرات في الأفعال ، وما الشرور منها ، وما الجميل ، وما القبيح منها. # ١٤ في الجزء المتخيل من أجزاء النفس ، وكم أصناف أفعالها ، وكيف تكون ~~الرؤيا ، وكم أصنافها ، ولأي جزء من أجزاء النفس هي ، وما السبب في صدق ما ~~يصدق منها ، وكيف يكون الوحي ، وأي انسان سبيله أن يوحى اليه ، وبأي جزء من ~~أجزاء النفس يتلقى الانسان الموحى اليه الوحي ، وما السبب في أن صار كثير ms02 ~~من الممرورين يخبرون بأشياء مستقبلة ويصدقون. # ١٥ في حاجة الانسان الى الاجتماع والتعاون ، وكم أصناف الاجتماعات PageV01P023 # الانسانية ، وما الاجتماعات الفاضلة وما المدينة الفاضلة ، وبما ذا تلتئم ~~، وكيف ترتيب أجزائها ، وكيف يكون أصناف الرئاسات الفاضلة في المدن الفاضلة ~~، وكيف ينبغي أن يكون ترتيب الرئيس الفاضل الأول ، وأي شرائط وعلامات ينبغي ~~أن نعتقد في الصبي والحدث حتى اذا وجدت فيه كانت توطنه لأن يحصل له ما يرؤس ~~به الرئاسة الفاضلة ، وأي شرائط ينبغي أن يكون فيه اذا استكمل حتى يصير بها ~~رئيسا فاضلا أولا. وكم أصناف المدن المضادة للمدينة الفاضلة ، وما المدينة ~~الجاهلة ، وما المدينة الضالة ، وكم أصناف المدن والرئاسات الجاهلة. # ١٦ ثم ذكر السعادات القصوى التي اليها تصير أنفس أهل المدن الفاضلة في ~~الحياة الآخرة ، وأصناف الشقاء التي تصير اليها نفوس أهل المدن المضادة ~~للمدن الفاضلة بعد الموت. # ١٧ كيف ينبغي أن يكون الرسوم في تلك لمدن الفاضلة ، ثم ذكر الأشياء التي ~~عنها ينبعث في نفوس كثير من الناس الأصول الفاسدة الكاذبة التي عنها انتزعت ~~آراء الجاهلية. # ١٨ ثم اختصاص أصناف آراء الجاهلية التي عنها حصلت الأفعال والاجتماعات في ~~المدن الجاهلة. # ١٩ ثم اختصاص الأصول الفاسدة التي عنها تنبعث الآراء التي عنها تنبعث ~~الملل الضالة. PageV01P024 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب ألفه أبو النصر الفارابي # في مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة ### | الباب الأول القول في الموجود الأول # الموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها ، وهو بريء من ~~جميع أنحاء النقص. وكل ما سواه فليس يخلو من أن يكون فيه شيء من أنحاء ~~النقص ، إما واحدا وإما أكثر من واحد . وأما الأول فهو خلو من أنحائها كلها ~~، فوجوده أفضل الوجود ، وأقدم الوجود ، ولا يمكن أن يكون وجود أفضل ولا ~~أقدم من وجوده . وهو من فضيلة الوجود في أعلى أنحائه ، ومن كمال الوجود في ~~أرفع المراتب. ولذلك لا يمكن أن يشوب وجوده وجوهره عدم أصلا. والعدم والضد ~~لا يكونان الا فيما دون فلك القمر. والعدم هو لا وجود ما شأنه أن ms03 يوجد . PageV01P025 # ولا يمكن أن يكون له وجود بالقوة ، ولا على نحو من الأنحاء ، ولا امكان ~~أن لا يوجد ولا بوجه ما من الوجوه . فلهذا هو أزلي ، دائم الوجود بجوهره ~~وذاته ، من غير أن يكون به حاجة في أن يكون أزليا الى شيء آخر يمد بقاءه ، ~~بل هو بجوهره كاف في بقائه ودوام وجوده. # ولا يمكن أن يكون وجود أصلا مثل وجوده ، ولا أيضا في مثل مرتبة وجوده ~~وجود يمكن أن يكون له أو يتوافر عليه. # وهو الموجود الذي لا يمكن أن يكون له سبب به ، أو عنه ، أو له كان وجوده. ~~فانه ليس بمادة ، ولا قوامه في مادة ولا في موضوع أصلا. بل وجوده خلو من كل ~~مادة ومن كل موضوع ، ولا أيضا له صورة ، لأن الصورة لا يمكن أن يكون الا في ~~مادة ، ولو كانت له صورة لكانت ذاته مؤتلفة من مادة وصورة ، ولو كان كذلك ~~لكان قوامه بجزئيه اللذين منهما ائتلف ، ولكان لوجوده سبب ، فان كل واحد من ~~أجزائه سبب لوجود جملته ، وقد وضعنا أنه سبب أول. # ولا أيضا لوجوده غرض وغاية حتى يكون ، انما وجوده ليتم تلك الغاية وذلك ~~الغرض ، والا لكان يكون ذلك سببا ما لوجوده ، فلا يكون سببا أولا. # ولا أيضا استفاد وجوده من شيء آخر أقدم منه ، وهو من أن يكون استفاد ذلك ~~مما هو دونه أبعد . PageV01P026 ### | الباب الثاني: القول في نفي الشريك عنه تعالى # وهو مباين بجوهره لكل ما سواه ، ولا يمكن أن يكون الوجود الذي له لشيء ~~آخر سواه ، لأن كل ما وجوده هذا الوجود لا يمكن أن يكون بينه وبين شيء آخر ~~له أيضا هذا الوجود مباينة أصلا ، ولا تغاير أصلا ، فلا يكون اثنان ، بل ~~يكون هناك ذات واحدة فقط ؛ لأنه ان كانت بينهما مباينة كان الذي تباينا به ~~غير الذي اشتركا فيه ، فيكون الشيء الذي باين كل واحد منهما الآخر جزءا مما ~~به قوام وجودهما ، والذي اشتركا فيه هو الجزء الآخر ، فيكون كل واحد منهما ~~منقسما بالقول ، ويكون كل واحد ms04 من جزأيه سببا لقوام ذاته ، فلا يكون أولا ، PageV01P027 # بل يكون هناك موجود آخر أقدم منه هو سبب لوجوده؛ وذلك محال . # وإن كان ذلك الآخر هو الذي فيه ما باين به هذا ، ولم يكن في هذا شيء ~~يباين به ذلك إلا بعد الشيء الذي به باين ذلك ، لزم أن يكون الشيء الذي به ~~باين ذلك الآخر هذا ، هو الوجود الذي يخص ذاك. ووجود هذا مشترك لهما ، فإذن ~~ذلك الآخر وجوده مركب من شيئين : من شيء يخصه ، ومن شيء يشارك به هذا. فليس ~~إذن وجود ذاك هو وجود هذا ، بل ذات هذا بسيط غير منقسم ، وذات ذلك منقسم. ~~فلذلك إذن جزءان بهما قوامه. فلوجوده إذن سبب فوجوده إذن دون وجود هذا ~~وأنقص منه. فليس هو إذن من الوجود في الرتبة الأولى. # وأيضا ، فإنه لو كان مثل وجوده في النوع خارجا منه بشيء آخر ، لم يكن تام ~~الوجود ، لأن التام هو ما لا يمكن أن يوجد خارجا منه وجود من نوع وجوده ، ~~وذلك في أي شيء كان؛ لأن التام في العظم هو ما لا يوجد عظم خارجا منه ، ~~والتام في الجمال هو الذي لا يوجد جمال من نوع جماله خارجا منه ، وكذلك ~~التام في الجوهر هو PageV01P028 # ما لا يوجد شيء من نوع جوهره خارجا منه؛ وكذلك كل ما كان من الأجسام تاما ~~، لم يمكن أن يكون من نوعه شيء آخر غيره ، مثل الشمس والقمر وكل واحد من ~~الكواكب الأخر. إذا كان الأول تام الوجود لم يمكن أن يكون ذلك الوجود لشيء ~~آخر غيره ، فإذن هو منفرد الوجود وحده ، فهو واحد من هذه الجهة . PageV01P029 ### | الباب الثالث: القول في نفي الضد عنه # وأيضا فإنه لا يمكن أن يكون له ضد ، وذلك يتبين إذا عرف معنى الضد ، فإن ~~الضد مباين للشيء؛ فلا يمكن أن يكون ضد الشيء هو الشيء أصلا. ولكن ليس كل ~~مباين هو الضد ، ولا كل ما لم يمكن أن يكون هو الشيء هو الضد. لكن كل ما ~~كان مع ذلك معاندا ، شأنه أن ms05 يبطل كل واحد منهما الآخر ويفسده إذا اجتمعا ، ~~ويكون شأن كل واحد منهما أنه ان يوجد حيث الآخر موجود يعدم الآخر ، ويعدم ~~من حيث هو موجود فيه لوجود الآخر في الشيء الذي كان فيه الأول . وذلك عام ~~في كل شيء يمكن أن يكون له ضد. فإنه إن كان الشيء ضدا للشيء في فعله ، لا ~~في سائر أحواله ، فإن فعليهما فقط بهذه الصفة. فإن كانا متضادين في ~~كيفيتهما ، فكيفيتهما بهذه الصفة ، وإن كانا متضادين في جوهرهما ، فجوهرهما ~~في هذه الصفة . PageV01P030 # وإن كان الأول له ضد فهو من ضده بهذه الصفة ، فيلزم أن يكون شأن كل واحد ~~منهما أن يفسد ، وأن يمكن في الأول أن يبطل عن ضده ، ويكون ذلك في جوهره . ~~وما يمكن أن يفسد فليس قوامه وبقاؤه في جوهره ، بل يكون جوهره غير كاف في ~~أن يبقى موجودا؛ ولا أيضا يكون جوهره كافيا في أن يحصل موجودا ، بل يكون ~~ذلك بغيره. واما ما أمكن أن لا يوجد فلا يمكن أن يكون أزليا ، وما كان ~~جوهره ليس بكاف في بقائه أو وجوده ، فلوجوده أو بقائه سبب آخر غيره ، فلا ~~يكون أولا. وأيضا فإن وجوده إنما يكون لعدم ضده. فعدم ضده اذن هو سبب وجوده ~~، فليس إذن هو السبب الأول على الاطلاق . # وأيضا فإنه يلزم أن يكون لهما أيضا حيث ما مشترك ، قابل لهما ، حتى يمكن ~~بتلاقيهما فيه أن يبطل كل واحد منهما الآخر ، إما موضوع أو جنس أو شيء آخر ~~غيرهما؛ ويكون ذلك ثابتا ، ويتعاقب هذان عليه. فلذلك إذن هو أقدم وجودا من ~~كل واحد منهما . # وإن وضع واضع شيئا غير ما هو بهذه الصفة ضدا لشيء ، فليس الذي يضعه ضدا ، ~~بل مباينة أخرى سوى مباينة الضد؛ ونحن لا ننكر PageV01P031 # أن يكون للأول مباينات أخر سوى مباينة الضد وسوى ما يوجد وجوده . # فإذن لم يمكن أن يكون موجود ما في مرتبة وجوده ، لأن الضدين هما في رتبة ~~واحدة من الوجود. # فإذن الأول منفرد بوجوده ، لا يشاركه شيء آخر أصلا موجود في ms06 نوع وجوده. ~~فهو إذن واحد. # وهو مع ذلك منفرد أيضا برتبته وحده. فهو أيضا واحد من هذه الجهة . PageV01P032 ### | الباب الرابع: في نفي الحد عنه سبحانه # وأيضا ، فإنه غير منقسم بالقول إلى أشياء بها تجوهره ، وذلك لأنه لا يمكن ~~أن يكون القول الذي يشرح معناه يدل كل جزء من أجزائه على جزء مما يتجوهر به ~~، فإنه إذا كان كذلك كانت الأجزاء التي بها تجوهره أسبابا لوجوده على جهة ~~ما تكون المعاني التي تدل عليه أجزاء حد الشيء أسبابا لوجود المحدود ، وعلى ~~جهة ما تكون المادة والصورة أسبابا لوجود المتركب منهما. وذلك غير ممكن فيه ~~، إذ كان أولا وكان لا سبب لوجوده أصلا . # فإذا كان لا ينقسم هذه الأقسام ، فهو من أن ينقسم أقسام الكمية وسائر ~~أنحاء الانقسام أبعد. فمن هنا يلزم ضرورة أيضا أن لا يكون له عظم ، ولا ~~يكون جسما أصلا . PageV01P033 # فهو أيضا واحد من هذه الجهة ، وذلك أن أحد المعاني التي يقال عليها ~~الواحد هو ما لا ينقسم. فإن كل شيء كان لا ينقسم من وجه ما ، فهو واحد من ~~تلك الجهة التي بها لا ينقسم؛ فإنه إن كان من جهة فعله ، فهو واحد من تلك ~~الجهة ، وإن كان من جهة كيفيته ، فهو واحد من جهة الكيفية. وما لا ينقسم في ~~جوهره فهو واحد في جوهره فإذن كان الأول غير منقسم في جوهره . PageV01P034 ### | الباب الخامس: القول في أن وحدته عين ذاته # وأنه تعالى عالم وحكيم وأنه حق وحي وحياة # فإن وجوده الذي به ينحاز عما سواه من الموجودات لا يمكن أن يكون غير الذي ~~هو به في ذاته موجود. فلذلك يكون انحيازه عن ما سواه توحده في ذاته. وإن ~~أحد معاني الوحدة هو الوجود الخاص الذي به ينحاز كل موجود عما سواه ، وهي ~~التي بها يقال لكل موجود واحد من جهة ما هو موجود الوجود الذي يخصه ، وهذا ~~المعنى من معاني الواحد يساوق الموجود الأول. فالأول أيضا بهذا الوجه واحد ~~، وأحق من كل واحد سواه باسم الواحد ومعناه . # ولأنه ms07 ليس بمادة ، ولا مادة له بوجه من الوجوه ، فإنه بجوهره عقل بالفعل. ~~لأن المانع للصورة أن تكون عقلا وأن تعقل بالفعل ، هو PageV01P035 # المادة التي فيها يوجد الشيء. فمتى كان الشيء في وجوده غير محتاج إلى ~~مادة ، كان ذلك الشيء بجوهره عقلا بالفعل : وتلك حال الأول. فهو إذن عقل ~~بالفعل ، وهو أيضا معقول بجوهره. فإن المانع أيضا للشيء من أن يكون بالفعل ~~معقولا هو المادة. وهو معقول من جهة ما هو عقل ؛ لأن الذي هويته عقل ليس ~~يحتاج في أن يكون معقولا إلى ذات أخرى خارجة عنه تعقله؛ بل هو بنفسه يعقل ~~ذاته ، فيصير بما يعقل من ذاته عاقلا وعقلا بالفعل ، وبأن ذاته تعقله ~~(يصير) معقولا بالفعل. وكذلك لا يحتاج في أن يكون عقلا بالفعل وعاقلا ~~بالفعل إلى ذات يعقلها ويستفيدها من خارج ، بل يكون عقلا وعاقلا بأن يعقل ~~ذاته. فإن الذات التي تعقل هي التي تعقل ، فهو عقل من جهة ما هو معقول؛ ~~فإنه عقل وإنه معقول وإنه عاقل . هي كلها ذات واحدة وجوهر واحد غير منقسم. ~~فإن الانسان مثلا معقول وليس المعقول منه معقولا بالفعل ، بل كان معقولا ~~بالقوة ثم صار معقولا بالفعل بعد أن عقله العقل. فليس إذن المعقول من ~~الانسان هو الذي يعقل ، ولا العقل منه أبدا هو المعقول ، ولا عقلنا نحن من ~~جهة ما هو عقل هو معقول ، ونحن عاقلون لا بأن جوهرنا عقل؛ فإن ما نعقل ليس ~~هو الذي به تجوهرنا. فالأول ليس كذلك ، بل العقل والعاقل والمعقول فيه معنى ~~واحد ، وذات واحدة ، وجوهر واحد غير منقسم . PageV01P036 # وكذلك الحال في أنه عالم؛ فإنه ليس يحتاج في أن يعلم إلى ذات أخرى يستفيد ~~بعلمها الفضيلة خارجة عن ذاته؛ ولا في أن يكون معلوما إلى ذات أخرى تعلمه ، ~~بل هو مكتف بجوهره في أن يعلم ويعلم. وليس علمه بذاته شيئا سوى جوهره ، ~~فإنه يعلم وإنه معلوم وإنه علم. فهو ذات واحدة وجوهر واحد . # وكذلك في أنه حكيم. فإن الحكمة هي أن يعقل أفضل الأشياء بأفضل علم ، وبما ms08 ~~يعقل من ذاته ويعلمه يعلم أفضل الأشياء. وأفضل العلم هو العلم الدائم الذي ~~لا يمكن أن يزول ، وذلك هو علمه بذاته . # وكذلك في أنه حق. فإن الحق يساوق الوجود ، والحقيقة قد تساوق الوجود ، ~~فإن حقيقة الشيء هي الوجود الذي يخصه. وأكمل الوجود هو قسطه من الوجود؛ ~~وأيضا فإن الحق قد يقال على المعقول الذي صادف به العقل الموجود حتى ~~يطابقه. وذلك الموجود من جهة ما هو معقول ، يقال له إنه حق ، ومن جهة ذاته ~~من غير أن يضاف إلى ما يعقله يقال إنه موجود. فالأول يقال إنه حق بالوجهين ~~جميعا ، بأن وجوده الذي هو له أكمل الوجود ، وبأنه معقول صادف به الذي عقله ~~الموجود على ما هو موجود. وليس يحتاج في أن يكون حقا بما هو معقول إلى ذات ~~أخرى خارجة عنه تعقله. وأيضا أولى بما يقال عليه حق بالوجهين جميعا. ~~وحقيقته ليست هي شيئا سوى أنه حق . PageV01P037 # وكذلك في أنه حي ، وأنه حياة. فليس يدل بهذين على ذاتين ، بل على ذات ~~واحدة. فإن معنى الحي أنه يعقل أفضل معقول بأفضل عقل ، أو يعلم أفضل معلوم ~~بأفضل علم. كما أن إنما يقال لنا أحياء أولا ، إذا كنا ندرك أحسن المدركات ~~بأحسن ادراك. فإنا إنما يقال لنا أحياء إذا كنا ندرك المحسوسات ، وهي أحسن ~~المعلومات ، بالاحساس الذي هو أحسن الادراكات ، وبأحسن القوى المدركة وهي ~~الحواس. فما هو أفضل عقل إذا عقل وعلم أفضل المعقولات بأفضل علم ، فهو أحرى ~~أن يكون حيا ، لأنه يعقل من جهة ما هو عقل ، وانه عاقل وانه عقل ، وانه ~~عالم وانه علم ، هو فيه معنى واحد. وكذلك أنه حي ، وأنه حياة ، معنى واحد . # وأيضا فإن اسم الحي قد يستعار لغير ما هو حيوان ، فيقال على كل موجود كان ~~على كماله الأخير ، وعلى كل ما بلغ من الوجود والكمال إلى حيث يصدر عنه ما ~~من شأنه أن يكون منه ، كما من شأنه أن يكون منه. فعلى هذا الوجه إذا كان ~~الأول وجوده أكمل وجود ، كان أيضا أحق باسم ms09 الحي من الذي يقال على الشيء ~~باستعارة . وكل ما كان وجوده أتم فإنه إذا علم وعقل كان ما يعقل عنه ويعلم ~~منه أتم ، إذا كان المعقول منه في نفوسنا مطابقا لما هو موجود منه : فعلى ~~حسب وجود الخارج عن نفوسنا يكون معقوله في نفوسنا مطابقا PageV01P038 # لوجوده ، وإن كان ناقص الوجود ، كان معقوله في نفوسنا معقولا أنقص . # فإن الحركة والزمان واللانهاية والعدم وأشباهها من الموجودات ، فالمعقول ~~من كل واحد منها في نفوسنا معقول ناقص ، إذ كانت هي في أنفسها موجودات ~~ناقصة الوجود. والعدد والمثلث والمربع وأشباهها فمعقولاتها في أنفسنا أكمل ~~لأنها هي في أنفسها أكمل وجودا ، فلذلك كان يجب في الأول ، إذ هو في الغاية ~~من كمال الوجود ، أن يكون المعقول منه في نفوسنا على نهاية الكمال أيضا. ~~ونحن نجد الأمر على غير ذلك ، فينبغي أن نعلم أنه من جهته غير معتاص ~~الادراك ، إذ كان في نهاية الكمال؛ ولكن لضعف قوى عقولنا نحن ولملابستها ~~المادة والعدم ، يعتاص ادراكه ، ويعسر علينا تصوره ، ونضعف من أن نعقله على ~~ما هو عليه وجوده ، فإن افراط كماله يبهرنا ، فلا نقوى على تصوره على ~~التمام ، كما أن الضوء هو أول المبصرات وأكملها وأظهرها ، به يصير سائر ~~المبصرات مبصرة ، وهو السبب في أن صارت الألوان مبصرة. ويجب فيها أن يكون ~~كل ما كان أتم وأكبر ، كادراك البصر له أتم. ونحن نرى الأمر على خلاف ذلك ، ~~فإنه كلما كان أكبر كان ابصارنا له أضعف ، ليس لأجل خفائه ونقصه ، بل هو في ~~نفسه على غاية ما يكون من الظهور والاستنارة؛ ولكن كماله ، بما هو نور ، ~~يبهر الأبصار ، فتحار الأبصار عنه. PageV01P039 # كذلك قياس السبب الأول والعقل الأول والحق الأول ، وعقولنا نحن. ليس نقص ~~معقوله عندنا لنقصانه في نفسه ، ولا عسر إدراكنا له لعسره في وجوده ، لكن ~~لضعف قوى عقولنا نحن عسر تصوره . # فتكون المعقولات التي هي في أنفسنا ناقصة ، وتصورنا لها ضعيف. وهذا على ~~ضربين : ضرب ممتنع من جهة ذاته أن يتصور فيعقل تصورا تاما لضعف وجوده ~~ونقصان ذاته وجوهره ms10 ، وضرب مبذول من جهة فهمه وتصوره على التمام وعلى أكمل ~~ما يكون. ولكن أذهاننا وقوى عقولنا ممتنعة ، لضعفها وبعدها عن جوهر ذلك ~~الشيء ، من أن نتصوره على التمام وعلى ما هو عليه من كمال الوجود. وهذان ~~الضربان كل واحد منهما هو من الآخر في الطرف الأقصى من الوجود : أحدهما في ~~نهاية الكمال ، والآخر في نهاية النقص . # ويجب إذا كنا نحن ملتبسين بالمادة ، كانت هي السبب في أن صارت جواهرنا ~~جوهرا يبعد عن الجوهر الأول ، إذ كلما قربت PageV01P040 # جواهرنا منه ، كان تصورنا له أتم وأيقن وأصدق. وذلك أنا كلما كنا أقرب ~~إلى مفارقة المادة كان تصورنا له أتم ، وإنما نصير أقرب إليه بأن نصير عقلا ~~بالفعل. وإذا فارقنا المادة على التمام يصير المعقول منه في أذهاننا أكمل ~~ما يكون . PageV01P041 ### | الباب السادس: القول في عظمته وجلاله ومجده تعالى # وكذلك عظمته وجلاله ومجده. وإن العظمة والجلالة والمجد في الشيء إنما ~~يكون بحسب كماله ، إما في جوهره ، وإما في عرض من خواصه . وأكثر ما يقال ~~ذلك فينا ، إنما هو لكمال ما لنا في عرض من أعراضنا ، مثل اليسار والعلم ، ~~وفي شيء من أعراض البدن. والأول ، لما كان كماله باينا لكل كمال ، كانت ~~عظمته وجلاله ومجده باينا لكل ذي عظمة ومجد ، وكانت عظمته ومجده الغايات ~~فيما له من جوهره لا في شيء آخر خارج عن جوهره وذاته؛ ويكون ذا عظمة في ~~ذاته وذا مجد في ذاته؛ أجله غيره أو لم يجله ، عظمه غيره أو لم يعظمه ، ~~مجده غيره أو لم يمجده . # والجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده PageV01P042 # الأفضل ، ويحصل له كماله الأخير. وإذ كان الأول وجوده أفضل الوجود ، ~~فجماله فائق لجمال كل ذي الجمال ، وكذلك زينته وبهاؤه. ثم هذه كلها له في ~~جوهره وذاته؛ وذلك في نفسه وبما يعقله من ذاته. وأما نحن ، فإن جمالنا ~~وزينتنا وبهاءنا هي لنا بأعراضنا ، لا بذاتنا؛ وللأشياء الخارجة عنا ، لا ~~في جوهرنا. والجمال فيه والكمال ليسا هما فيه سوى ذات واحدة ، وكذلك سائرها . # واللذة والسرور ms11 والغبطة ، إنما ينتج ويحصل أكثر بأن يدرك الأجمل والأبهى ~~والأزين بالادراك الأتقن والأتم . فإذا كان هو الأجمل في النهاية والأبهى ~~والأزين ، فادراكه لذاته الادراك الأتقن في الغاية ، وعلمه بجوهره العلم ~~الأفضل على الاطلاق ، واللذة التي يلتذ بها الأول لذة لا نفهم نحن كنهها ~~ولا ندري مقدار عظمها الا بالقياس والاضافة إلى ما نجده من اللذة ، عند ما ~~نكون قد أدركنا ما هو عندنا أكمل وأبهى ادراكا ، وأتقن وأتم ، إما باحساس ~~أو تخيل أو بعلم عقلي. فإنا عند هذه الحال يحصل لنا من اللذة ما نظن أنه ~~فائق لكل لذة في العظم ، ونكون نحن عند أنفسنا مغبوطين بما نلنا من ذلك ~~غاية الغبطة ، وإن كانت تلك الحال منا يسيرة البقاء سريعة الدثور. فقياس ~~علمه هو وادراكه الأفضل من ذاته والأجمل والأبهى إلى علمنا نحن ، وإدراكنا ~~الأجمل والأبهى عندنا ، هو قياس سروره ولذته واغتباطه بنفسه إلى ما ينالنا ~~من اللذة والسرور والاغتباط بأنفسنا . وإذن كأن PageV01P043 # لا نسبة لادراكنا نحن إلى ادراكه ، ولا لمعلومنا إلى معلومه ، ولا للأجمل ~~عندنا إلى الأجمل من ذاته؛ وان كانت له نسبة فهي نسبة ما يسيرة. فإذن لا ~~نسبة لالتذاذنا وسرورنا واغتباطنا لأنفسنا إلى ما للأول من ذلك. وان كانت ~~له نسبة فهي نسبة يسيرة جدا. فإنه كيف يكون نسبة لما هو جزء يسير إلى ما ~~مقداره غير متناه في الزمان ، ولما هو أنقص جدا إلى ما هو في غاية الكمال ؟ # وان كان ما يلتذ بذاته ويسر به أكثر ويغتبط به اغتباطا أعظم ، فهو يحب ~~ذاته ويعشقها ويعجب بها أكثر ، فإنه بين أن الأول يعشق ذاته ويحبها ويعجب ~~بها اعجابا بنسبته . ونسبته إلى عشقنا لما نلتذ به من فضيلة ذاتنا كنسبة ~~فضيلة ذاته هو ، وكمال ذاته ، إلى فضيلتنا نحن وكمالنا الذي نعجب به من ~~أنفسنا ، والمحب منه هو المحبوب بعينه ، والمعجب منه هو المعجب منه ، ~~والعاشق منه هو المعشوق. وذلك على خلاف ما يوجد فينا ، فان المعشوق منا هو ~~الفضيلة والجمال ، وليس العاشق منا هو الجمال والفضيلة. لكن ms12 للعاشق قوة ~~أخرى ، فتلك ليست للمعشوق؛ فليس العاشق منا هو المعشوق بعينه. فأما هو فان ~~العاشق منه هو بعينه المعشوق ، والمحب هو المحبوب ، فهو المحبوب الأول ~~والمعشوق الأول ، أحبه غيره أو لم يحبه ، وعشقه غيره أو لم يعشقه . PageV01P044 ### | الباب السابع: القول في كيفية صدور جميع الموجودات عنه # والأول هو الذي عنه وجد. ومتى وجد للأول الوجود الذي هو له ، لزم ضرورة ~~أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بارادة الانسان واختياره ، على ~~ما هي عليه من الوجود الذي بعضه مشاهد بالحس وبعضه معلوم بالبرهان . ووجود ~~ما يوجد عنه انما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر ، وعلى أن وجود غيره ~~فائض عن وجوده هو . فعلى هذه الجهة لا يكون وجود ما يوجد عنه سببا له بوجه ~~من الوجوه ، ولا على أنه غاية لوجود الأول ، كما يكون وجود الابن من جهة ما ~~هو ابن غاية لوجود الأبوين ، من جهة ما هما أبوان. يعني أن الوجود الذي ~~يوجد عنه (لا) يفيده كمالا ما ، كما PageV01P045 # يكون لنا ذلك عن جل الأشياء التي تكون منا ، مثل أنا باعطائنا المال ~~لغيرنا نستفيد من غيرنا كرامة أو لذة أو غير ذلك من الخيرات ، حتى تكون تلك ~~فاعلة فيه كمالا ما. فالأول ليس وجوده لأجل غيره ، ولا يوجد بغيره ، حتى ~~يكون الغرض من وجوده أن يوجد سائر الأشياء ، فيكون لوجوده سبب خارج عنه ، ~~فلا يكون أولا ، ولا أيضا باعطائه ما سواه الوجود ينال كمالا لم يكن له قبل ~~ذلك خارجا عما هو عليه من الكمال ، كما ينال من يجود بماله أو شيء آخر ، ~~فيستفيد بما يبذل من ذلك لذة أو كرامة أو رئاسة أو شيئا غير ذلك من الخيرات ~~؛ فهذه الأشياء كلها محال أن تكون في الأول ، لأنه يسقط أوليته وتقدمه ، ~~ويجعل غيره أقدم منه وسببا لوجوده ، بل وجوده لأجل ذاته؛ ويلحق جوهره ~~ووجوده ويتبعه أن يوجد عنه غيره. فلذلك وجوده الذي به فاض الوجود إلى غيره ~~هو في جوهره ، ووجوده الذي به تجوهره في ms13 ذاته ، هو بعينه وجوده الذي به ~~يحصل وجود غيره عنه. وليس ينقسم الى شيئين ، يكون بأحدهما تجوهر ذاته ~~وبالآخر حصول شيء آخر عنه ، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما ، وهو النطق ، ~~ونكتب بالآخر ، وهو صناعة الكتابة ، بل هو ذات واحدة وجوهر واحد ، به يكون ~~تجوهره وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر. # ولا أيضا يحتاج في أن يفيض عن وجوده وجود شيء آخر الى شيء غير ذاته يكون ~~فيه ، ولا عرض يكون فيه ، ولا حركة يستفيد بها حالا لم يكن له ، ولا آلة ~~خارجة عن ذاته ، مثل ما تحتاج النار ، في PageV01P046 # أن يكون عنها وعن الماء بخار ، الى حرارة يتبخر بها الماء ، وكما تحتاج ~~الشمس ، في أن تسخن ما لدينا الى أن تتحرك هي ليحصل لها بالحركة ما لم يكن ~~لها من الحال ، فيحصل عنها وبالحال التي استفادها بالحركة حرارة فيما لدينا ~~، أو كما يحتاج النجار إلى الفأس وإلى المنشار حتى يحصل عنه في الخشب ~~انفصال وانقطاع وانشقاق. وليس وجوده ، بما يفيض عنه وجود غيره ، أكمل من ~~وجوده الذي هو بجوهره ، ولا وجوده الذي بجوهره أكمل من الذي يفيض عنه وجود ~~غيره ، بل هما جميعا ذات واحدة . # ولا يمكن أيضا أن يكون له عائق من أن يفيض عنه وجود غيره ، لا من نفسه ~~ولا من خارج أصلا . PageV01P047 ### | الباب الثامن: القول في مراتب الموجودات # الموجودات كثيرة ، وهي مع كثرتها متفاضلة. وجوهره جوهر يفيض منه كل وجود ~~(كيف كان ذلك الوجود) ، كان كاملا أو ناقصا. وجوهره أيضا جوهر ، إذا فاضت ~~منه الموجودات كلها بترتيب مراتبها ، حصل عنه لكل موجود قسطه الذي له من ~~الوجود ومرتبته منه. فيبتدئ من أكملها وجودا ثم يتلوه ما هو أنقص منه قليلا ~~، ثم لا يزال بعد ذلك يتلو الأنقص إلى أن ينتهي إلى الموجود الذي إن تخطى ~~عنه إلى ما دونه تخطى إلى ما لم يمكن أن يوجد أصلا ، فتنقطع الموجودات من ~~الوجود. وبان جوهره جوهرا تفيض منه الموجودات من غير أن يخص بوجود دون ~~وجوده. فهو جواد ms14 ، وجوده هو في جوهره ، ويترتب عنه الموجودات ، ويتحصل لكل ~~موجود قسطه من الوجود بحسب رتبته عنه. فهو عدل ، وعدالته في جوهره ، وليس ~~ذلك لشيء خارج عن جوهره PageV01P048 # وجوهره أيضا جوهر ، إذا حصلت الموجودات مرتبة في مراتبها أن يأتلف ويرتبط ~~وينتظم بعضها مع بعض ، ائتلافا وارتباطا وانتظاما تصير بها الأشياء الكثيرة ~~جملة واحدة ، وتحصل كشيء واحد. والتي بها ترتبط هذه وتأتلف هي لبعض الأشياء ~~في جواهرها حتى ان جواهرها التي بها وجودها هي التي بها تأتلف وترتبط. ~~ولبعض الأشياء تكون أحوال فيها تابعة لجوهرها ، مثل المحبة التي بها يرتبط ~~الناس ، فانها حال فيهم ، وليست هي جواهرهم التي بها وجودهم. وهذه أيضا ~~فيها مستفادة عن الأول ، لأن في جوهر الأول أن يحصل عنه بكثير من الموجودات ~~مع جواهرها الأحوال التي بها يرتبط بعضها مع بعض ، ويأتلف وينتظم . PageV01P049 ### | الباب التاسع: القول في الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول تعالى مجده # الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول ، هي الأسماء التي تدل في ~~الموجودات التي لدينا ، ثم في أفضلها عندنا ، على الكمال وعلى فضيلة الوجود ~~، من غير أن يدل شيء من تلك الأسماء فيه هو على الكمال والفضيلة التي جرت ~~العادة أن تدل عليها تلك الأسماء في الموجودات التي لدينا وفي أفضلها ، بل ~~على الكمال الذي يخصه هو في جوهره . وأيضا فان أنواع الكمالات ، التي جرت ~~العادة أن يدل عليها بتلك الأسماء الكثيرة كثيرة ، وليس ينبغي أن تظن بأن ~~أنواع كمالاته التي يدل عليها بأسمائه الكثيرة أنواع كثيرة ، ينقسم الأول ~~إليها ويتجوهر بجميعها ، بل ينبغي أن يدل بتلك الأسماء الكثيرة على جوهر ~~واحد ووجود واحد غير منقسم أصلا . PageV01P050 # والأسماء التي تدل على الكمال والفضيلة في الأشياء التي لدينا ، منها ما ~~يدل على ما هو للشيء في ذاته ، لا من حيث هو مضاف إلى شيء آخر خارج عنه ، ~~مثل الموجود الواحد والحي؛ ومنها ما يدل على ما هو للشيء بالاضافة إلى شيء ~~آخر خارج عنه ، مثل العدل والجواد. وهذه الأسماء ، أما فيما لدينا ، فإنها ms15 ~~تدل على فضيلة وكمال ، تكون اضافته إلى شيء آخر خارج عنه جزءا من ذلك ~~الكمال حتى تكون تلك الاضافة جزءا من جملة ما يدل عليه بتلك الأسماء ، بأن ~~يكون ذلك الاسم ، أو بأن تكون تلك الفضيلة وذلك الكمال قوامه بالاضافة إلى ~~شيء آخر . وأمثال هذه الأسماء ، متى نقلت وسمي بها الأول ، قصدنا أن يدل ~~بها على الاضافة التي له إلى غيره بما فاض منه من الوجود ، فينبغي أن لا ~~نجعل الاضافة جزءا من كماله ، ولا أيضا نجعل ذلك الكمال ، المدلول عليه ~~بذلك الاسم ، قوامه بتلك الاضافة ، بل ينبغي أن ندل به على جوهر وكمال ~~تتبعه ضرورة تلك الاضافة. وعلى أن قوام تلك الاضافة بذلك الجوهر ، وعلى أن ~~تلك الاضافة تابعة لما جوهره ذلك الجوهر الذي دل عليه بذلك الاسم . PageV01P051 ### | الباب العاشر: القول في الموجودات الثواني وكيفية صدور الكثير # يفيض من الأول وجود الثاني؛ فهذا الثاني هو أيضا جوهر غير متجسم أصلا ، ~~ولا هو في مادة. فهو يعقل ذاته ويعقل الأول ، وليس ما يعقل من ذاته هو شيء ~~غير ذاته. فما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثالث ، وبما هو متجوهر بذاته ~~التي تخصه يلزم عنه وجود السماء الأولى . # والثالث أيضا وجوده لا في مادة ، وهو بجوهره عقل. وهو يعقل ذاته ويعقل ~~الأول. فما يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الكواكب ~~الثابتة؛ وبما يعقله من الأول يلزم عنه وجود رابع . # وهذا أيضا لا في مادة ، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما PageV01P052 # يتجوهر به من ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة زحل ، وبما يعقله من ~~الأول يلزم عنه وجود خامس . # وهذا الخامس أيضا وجوده لا في مادة ، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما ~~يتجوهر به من ذاته يلزم عنه وجود كرة المشتري ، وبما يعقله من الأول يلزم ~~عنه وجود سادس . # وهذا أيضا وجوده لا في مادة ، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به ~~من ذاته يلزم عنه وجود كرة المريخ ، وبما يعقله من الأول يلزم عنه ms16 وجود سابع . # وهذا أيضا وجوده لا في مادة ، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به ~~من ذاته يلزم عنه وجود كرة الشمس ، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود ثامن . # وهو أيضا وجوده لا في مادة ، ويعقل ذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به من ~~ذاته التي تخصه يلزم عنه وجود كرة الزهرة ، وبما يعقل من الأول يلزم عنه ~~وجود تاسع . # وهذا أيضا وجوده لا في مادة ، فهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به ~~من ذاته يلزم عنه وجود كرة عطارد ، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود عاشر . PageV01P053 # وهذا أيضا وجوده لا في مادة ، وهو يعقل ذاته ويعقل الأول. فبما يتجوهر به ~~من ذاته يلزم عنه وجود كرة القمر ، وبما يعقل من الأول يلزم عنه وجود حادي عشر . # وهذا الحادي عشر هو أيضا وجوده لا في مادة؛ وهو يعقل ذاته ويعقل الأول. ~~ولكن عنده ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع ~~أصلا. وهي الأشياء المفارقة التي هي في جواهرها عقول ومعقولات. وعند كرة ~~القمر ينتهي وجود الأجسام السماوية ، وهي التي بطبيعتها تتحرك دورا . PageV01P054 ### | الباب الحادي عشر: القول في الموجودات والأجسام التي لدينا # وهذه الموجودات ، التي أحصيناها ، هي التي حصلت لها في كمالاتها الأفضل ~~في جواهرها منذ أول الأمر . وعند هذين (فلك القمر والعقل الحادي عشر) ينقطع ~~وجود هذه. والتي بعدهما هي ليس التي في طبيعتها أن توجد في الكمالات الأفضل ~~في جواهرها منذ أول الأمر ، بل إنما شأنها أن يكون لها أولا نقص وجوداتها ، ~~فيبتدئ منه ، فيترقى شيئا فشيئا إلى أن يبلغ كل نوع منها أقصى كماله في ~~جوهره؛ ثم هي في سائر أعراضه وهذه الحال هي في طباع هذا الجنس من غير أن ~~يكون ذلك دخيلا عليه من شيء آخر غريب عنه . وهذه منها طبيعية ، ومنها ~~ارادية ، ومنها مركبة من الطبيعية والارادية. PageV01P055 # والطبيعية من هذه توطئة للارادية ، ويتقدم بالزمان وجودها قبل الارادية. ~~ولا يمكن وجود الارادية منها دون أن توجد الطبيعية منها ms17 قبل ذلك . والأجسام ~~الطبيعية من هذه هي الأسطقسات ، مثل النار والهواء والماء والأرض ، وما ~~جانسها من البخار واللهيب وغير ذلك؛ والمعدنية مثل الحجارة وأجناسها ، ~~والنبات والحيوان غير الناطق والحيوان الناطق . PageV01P056 ### | الباب الثاني عشر: القول في المادة والصور # وكل واحد من هذه قوامه من شيئين : أحدهما منزلته منزلة خشب السرير ، ~~والآخر منزلته منزلة خلقة السرير. فما منزلته منزلة الخشب هو المادة ~~والهيولى ، وما منزلته خلقته فهو الصورة والهيئة . وما جانس هذين من ~~الأشياء ، فالمادة موضوعة ليكون بها قوام الصورة ، والصورة لا يمكن أن يكون ~~لها قوام ووجود بغير المادة. فالمادة وجودها لأجل الصورة ، ولو لم تكن صورة ~~ما موجودة ما كانت المادة. والصورة وجودها لا لتوجد بها المادة ، بل ليحصل ~~الجوهر المتجسم جوهرا بالفعل. فان كل نوع انما يحصل موجودا بالفعل وبأكمل ~~وجوديه إذا حصلت صورته . وما دامت مادته موجودة دون صورته فانه انما هو ذلك ~~النوع بالقوة. فان خشب السرير ما دام PageV01P057 # بلا صورة السرير ، فهو سرير بالقوة ، وإنما يصير سريرا بالفعل إذا حصلت ~~صورته في مادته. وأنقص وجودي الشيء هو بمادته ، وأكمل وجوديه هو بالصورة . # وصور هذه الأجسام متضادة ، وكل واحد منها يمكن أن يوجد وأن لا يوجد؛ ~~ومادة كل واحد منها قابلة لصورته ولضدها ، وممكنة أن توجد فيها صورة الشيء ~~وأن لا توجد ، بل يمكن أن تكون موجودة في غير تلك الصورة . # والأسطقسات أربع ، وصورها متضادة. ومادة كل واحدة منها قابلة لصورة ذلك ~~الاسطقس ولضدها. ومادة كل واحدة منها مشتركة للجميع ، وهي مادة لها ولسائر ~~الأجسام الأخر التي تحت الأجسام السماوية ، لأن سائر ما تحت السماوية كائنة ~~عن الاسطقسات ، ومواد الاسطقسات ليست لها مواد؛ فهي المواد الأولى المشتركة ~~لكل ما تحت السماوية. وليس شيء من هذه يعطى صورته من أول الأمر ، بل كل ~~واحد من الأجسام فإنما يعطى أولا مادته التي بها وجوده بالقوة البعيدة فقط ~~، لا بالفعل ، إذ كانت انما أعطيت مادته الأولى فقط ، ولذلك هي أبدا ساعية ~~إلى ما يتجوهر به من الصورة؛ ثم لا يزال ms18 يترقى شيئا بعد شيء إلى أن تحصل له ~~صورته التي بها وجوده بالفعل . PageV01P058 ### | الباب الثالث عشر: القول في المقاسمة بين المراتب والأجسام الهيولانية # والموجودات الإلهية # وترتيب هذه الموجودات هو أن تقدم أولا أخسها ، ثم الأفضل فالأفضل ، إلى ~~أن تنتهي إلى أفضلها الذي لا أفضل منه. فأخسها المادة الأولى المشتركة؛ ~~والأفضل منها الاسطقسات ثم المعدنية ، ثم النبات ، ثم الحيوان غير الناطق ، ~~ثم الحيوان الناطق ، وليس بعد الحيوان الناطق أفضل منه . # وأما الموجودات التي سلف ذكرها ، فانها تترتب أولا أفضلها ، ثم الأنقص ، ~~فالأنقص إلى أن تنتهي إلى أنقصها. وأفضلها وأكملها الأول. فأما الأشياء ~~الكائنة عن الأول ، فأفضلها بالجملة هي التي PageV01P059 # ليست بأجسام ولا هي من أجسام ، ومن بعدها السماوية. وأفضل المفارقة من ~~هذه هو الثاني ، ثم سائرها على الترتيب إلى أن ينتهي إلى الحادي عشر. وأفضل ~~السماوية هي السماء الأولى ، ثم الثانية ، ثم سائرها على الترتيب ، إلى أن ~~ينتهي إلى التاسع وهو كرة القمر. والأشياء المفارقة التي بعد الأول هي عشرة ~~والأجسام السماوية في الجملة تسعة ، فجميعها تسعة عشرة . # وكل واحد من العشرة متفرد بوجوده ومرتبته ، ولا يمكن أن يكون وجوده لشيء ~~آخر غيره ، لأن وجوده إن شاركه فيه آخر ، فذلك الآخر إن كان غير هذا ، ~~فباضطرار أن يكون له شيء ما باين به هذا ، فيكون ذلك الشيء ، الذي به باين ~~هذا ، هو وجوده الذي يخصه ، فيكون الوجود الذي يخص ذلك الشيء ليس هو الذي ~~هو به هذا موجود. فإذن ليس وجودهما وجودا واحدا ، بل لكل واحد منهما شيء ~~يخصه. ولا أيضا يمكن أن يكون له ضد ، لأن ما كان له ضد فله مادة مشتركة ~~بينه وبين ضده ، وليس يمكن أن يكون لواحد من هذه مادة. وأيضا الذي تحت نوع ~~ما ، إنما تكثر أشخاصه لكثرة موضوعات صورة ذلك النوع. فما ليست له مادة ~~فليس يمكن أن يكون في نوعه شيء آخر غيره . PageV01P060 # وأيضا ، فإن الأضداد إنما تحدث إما من أشياء جواهرها متضادة ، أو من شيء ~~واحد تكون أحواله ونسبه في موضعه متضادة ms19 ، مثل البرد والحر ، فإنهما يكونان ~~من الشمس؛ ولكن الشمس تكون على حالين مختلفين من القرب والبعد ، فتحدث ~~بحاليها أحوالا ونسبا متضادة. فالأول لا يمكن أن يكون له ضد ، ولا أحواله ~~متضادة من الثاني ، ولا نسبته من الثاني نسبة متضادة. والثاني لا يمكن فيه ~~تضاد ، وكذلك لا في الثالث ، إلى أن ينتهي إلى العاشر . # وكل واحد من العشرة يعقل ذاته ويعقل الأول ، وليس في واحد منها كفاية في ~~أن يكون فاضل الوجود بأن يعقل ذاته ، بل إنما يقتبس الفضيلة الكاملة بأن ~~يعقل مع ذاته ذات السبب الأول ، وبحسب زيادة فضيلة الأول على فضيلة ذاته ~~يكون بما عقل الأول فضل اغتباطه بنفسه أكثر من اغتباطه بها عند عقل ذاته. ~~وكذلك زيادة التذاذه بذاته بما عقل الأول على التذاذه بما عقل من ذاته ، ~~بحسب زيادة كمال الأول على كمال ذاته ، واعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل من ~~الأول على اعجابه بذاته وعشقه لها بما عقل من ذاته بحسب زيادة بهاء الأول ~~وجماله على بهاء ذاته وجمالها؛ فيكون المحبوب أولا والمعجب أولا عند نفسه ~~بما هو يعقله من الأول ، وثانيا بما هو يعقله من ذاته. فالأول أيضا بحسب ~~الاضافة إلى هذه العشرة هو المحبوب الأول والمعشوق الأول . PageV01P061 ### | الباب الرابع عشر: القول فيما تشترك الأجسام السماوية فيه # والأجسام السماوية تسع جمل في تسع مراتب؛ كل جملة يشتمل عليها جسم واحد ~~كري. فالأول منها يحتوي على جسم واحد فقط ، فيتحرك حركة واحدة دورية سريعة ~~جدا. والثاني جسم واحد يحتوي على أجسام حركتها مشتركة؛ ولها من الحركة ~~اثنتان فقط ، يشترك جميعها في الحركتين جميعا. والثالث ، وما بعده إلى تمام ~~السبعة ، يشتمل كل واحد منها على أجسام كثيرة مختلفة في حركات ما ، يخص كل ~~واحد منها ويشترك في حركات أخر. وجنس هذه الأجسام كلها واحد ويختلف في ~~الأنواع ، ولا يمكن أن يوجد في كل نوع منها إلا واحد بالعدد ، لا يشاركه ~~شيء آخر في ذلك النوع. فإن الشمس لا يشاركها في وجودها شيء آخر من نوعها ، ~~وهي متفردة ms20 بوجودها. وكذلك القمر وسائر الكواكب . PageV01P062 # وهذه تجانس الموجودات الهيولانية ، وذلك أن لها موضوعات تشبه المواد ~~الموضوعة لحمل الصور (وأشياء هي لها كالصور ، بها تتجوهر) وقوام تلك ~~الأشياء في تلك الموضوعات. إلا أن صورها لا يمكن أن يكون لها أضداد. وموضوع ~~كل واحد منها لا يمكن أن يكون قابلا لغير تلك الصورة ، ولا يمكن أن يكون ~~خلوا منها. ولأن موضوعات صورها لا عدم فيها ، بوجه من الوجوه ، ولا لصورها ~~أعدام تقابلها ، فصارت موضوعاتها لا تعوق صورها أن تعقل وأن تكون عقولا ~~بذواتها . # فإذن كل واحد من هذه بصورته عقل بالفعل ، وهو يعقل بها ذات المفارق الذي ~~عنه وجود ذلك الجسم ، ويعقل الأول. وليس جميع ما يعقل من ذاته عقلا ، لأنه ~~يعقل موضوعه؛ وموضوعه ليس بعقل؛ وإذا كان ليس يعقل بموضوعه وإنما يعقل ~~بصورته ففيه معقول ليس يعقل ، فهو يعقل كل ما به تجوهره وتصويره ، يعني أن ~~تجوهره بصورة وموضوع؛ وبهذا يفارق الأول والعشرة المتخلصة من الهيولى ومن ~~كل موضوع. ويشاركه الانسان في المادة . # فهو أيضا مغتبط بذاته ليس بما يعقل من ذاته فقط ، ولكن بما يعقل من الأول ~~، ثم بما يعقل من ذات المفارق الذي عنه وجوده. ويشارك المفارق في عشقه ~~للأول وباعجابه بنفسه بما استفاد من بهاء PageV01P063 # الأول وجماله؛ إلا أنه في كل ذلك دون العشرة بكثير. وله من كل ما تشاركه ~~فيه الهيولانية أشرفها وأفضلها ، وذلك أن له من الأشكال أفضلها وهي الكرية ~~، ومن الكيفيات المرئيات أفضلها وهو الضياء ، فإن بعض أجزائها فاعلة للضياء ~~، وهي الكواكب ، وبعض أجزائها مشفة بالفعل ، لأنها مملوءة نورا من أنفسها ~~ومما تستفيده من الكواكب. ولها من الحركات أفضلها ، وهي الحركة الدورية . # وتشارك العشرة في أنها أعطيت أفضل ما تتجوهر بها من أول أمرها وكذلك ~~اعظامها وأشكالها والكيفيات المرئية التي تخصها . PageV01P064 # الفصل الخامس عشر # القول فيما فيه وإليه تتحرك الأجسام السماوية # ولأي شيء تتحرك # وتفارقها في أنها لم يمكن فيها أن تعطى من أول أمرها الشيء الذي إليه ~~تتحرك. وما إليه تتحرك هو من أيسر ms21 عرض يكون في الجسم وأخسه ، وذلك أن كل ~~جسم فهو في أين ما. ونوع الأين الذي هو لهذا الجسم هو أن يكون حول جسم ما. ~~وما نوع أينه هذا النوع ، فليس يمكن أن تنتقل جملته عن جملة هذا النوع. ~~ولكن لهذا النوع أجزاء ، وللجسم الذي فيه أجزاء. وليس جزء من أجزاء هذا ~~الجسم أولى بجزء من أجزاء الحول بل كل جزء من الجسم يلزم أن يكون له كل جزء ~~من أجزاء الحول ولا أيضا أن يكون أولى به في وقت دون وقت ، بل في كل وقت ~~دائما. وكلما حصل جزء من هذا الجسم في جزء ما من الحول احتاج إلى أن يكون ~~له الجزء الذي قدامه قدامه. ولا يمكن أن يجتمع له الجزءان معا في وقت واحد؛ ~~فيحتاج إلى أن يتخلى من الذي هو فيه ، ويصير إلى ما هو قدامه إلى أن يستوفي ~~كل جزء من PageV01P065 # أجزاء الحول. ولأن الجزء الذي كان فيه ليس هو في وقت أولى به من وقت ، ~~فيجب أن يكون له ذلك دائما. وإذا لم يمكن أن يكون ذلك الجزء له دائما على ~~أن يكون واحدا بالعدد ، وصار واحدا بالنوع ، بأن يوجد له حينا ولا يوجد له ~~حينا. ثم يعود إلى شبيهه في النوع ، ثم يتخلى عنه أيضا مدة ، ثم يعود إلى ~~شبيه له ثالث ، ويتخلى عنه أيضا مدة ، ثم يعود إلى شبيه له رابع؛ وهكذا له أبدا . # فظاهر أن (الأجزاء) التي عنها يتحرك ، ويتبدل عليها ، ويعود إليها ، هي ~~في نسبتها إلى الجسم الذي يوجد السماء حوله. ومعنى النسبة أنه يقال هذا ~~لهذا ، وهذا من هذا ، وما شاكل ذلك من قبل أن معنى الأين هو نسبة الجسم إلى ~~سطح الجسم الذي ينطبق عليه. وكل جسم سمائي في كرة ، أي دائرة مجسمة. فإن ~~نسب أجزائه إلى أجزاء سطح ما تحتها من الأجسام تتبدل دائما ، ويعود كل واحد ~~منها في المستقبل من الزمان إلى أشباه النسب التي سلفت . # ونسبة الشيء إلى الشيء هي أخس (عرض) ما يوجد له ms22 وأبعد الأعراض عن جوهر ~~الشيء. ولكل واحد من الاكر والدوائر المجسمة التي فيها حركة على حيالها ، ~~فاما أسرع أو أبطأ من حركة الأخرى ، مثل كرة زحل وكرة القمر ، فإن كرة ~~القمر أسرع حركة من كرة زحل . PageV01P066 ### | الباب السادس عشر: القول في الأحوال التي توجد بها الحركات الدورية # وفي الطبيعة المشتركة لها # وليس هذا التفاضل الذي في حركاتها بحسب اضافتها إلى غيرها ، بل لها في ~~أنفسها وبالذات. والبطيء من هذه بطيء دائما ، والسريع سريع دائما. وأيضا ~~فإن كثيرا من السماوية أوضاعها من الوسط ومما تحتها مختلفة ، ولأجل اختلاف ~~أوضاعها هذه منها ، تلحق كل واحد من هذه خاصة بالعرض ، أن يسرع حول الأرض ~~أحيانا ، ويبطئ أحيانا؛ وهذا سوى سرعة بعضها دائما وابطاء الآخر دائما ، ~~على قياس حركة زحل إلى حركة القمر . وانها تلحقها بإضافة بعضها إلى بعض ، ~~بأن تجتمع أحيانا وتفترق أحيانا ، ويكون بعضها من بعض على نسب متضادة. ~~وأيضا فإنها تقرب أحيانا من بعض ما PageV01P067 # تحتها ، وتبعد أحيانا عنه ، وتظهر أحيانا وتستر أحيانا. فتلحقها هذه ~~المتضادات لا في جواهرها ، ولا في الأعراض التي تقرب من جواهرها ، بل في ~~نسبها ، وذلك مثل الطلوع والغروب ، فإنهما نسبتان لها إلى ما تحتها ، ~~متضادتان. والجسم السماوي أول الموجودات التي تلحقها أشياء متضادة. وأول ~~الأشياء التي يكون فيها تضاد هي نسب هذا الجسم إلى ما تحته ، ونسب بعضها ~~إلى بعض. وهذه المتضادات هي أخس المتضادات؛ والتضاد نقص في الوجود. فالجسم ~~السمائي يلحقه النقص في أخس الأشياء التي شأنها أن توجد . # وللأجسام السماوية كلها أيضا طبيعة مشتركة ، وهي التي صارت تتحرك كلها ~~بحركة الجسم الأول؛ منها حركة دورية في اليوم والليلة؛ وذلك أن هذه الحركة ~~ليست لما تحت السماء الأولى قسرا ، إذ كان لا يمكن أن يكون في السماء شيء ~~يجري قسرا . وبينها أيضا تباين في جواهرها من غير تضاد ، مثل مباينة زحل ~~للمشتري ، وكل كوكب لكل كوكب ، وكل كرة لكل كرة . ثم يلحقها ، كما قلنا ، ~~تضاد في نسبها ، وان تتبدل تلك النسب ومتضاداتها وتتعاقب عليها ، فتتخلى ms23 من ~~نسبة ما وتصير إلى ضدها ، ثم تعود إلى ما كانت تخلت منه بالنوع لا بالعدد ، ~~فيكون لها نسب تتكرر ، ويعود بعضها في مدة PageV01P068 # أطول وبعضها في مدة أقصر؛ وأحوال ونسب تتكرر أصلا. ويلحقها أن يكون ~~لجماعة منها نسب إلى شيء واحد متضادة ، مثل أن يكون بعضها قريبا من شيء ، ~~وبعضها بعيدا من ذلك الشيء بعينه . PageV01P069 ### | الباب السابع عشر: القول في الأسباب التي عنها تحدث # الصورة الأولى والمادة الأولى # فيلزم عن الطبيعة المشتركة التي لها ، وجود المادة الأولى المشتركة لكل ~~ما تحتها ؛ وعن اختلاف جواهرها ، وجود أجسام كثيرة مختلفة الجواهر؛ وعن ~~تضاد نسبها واضافاتها ، وجود الصور المتضادة ؛ وعن تبدل متضادات النسب ~~عليها وتعاقبها ، تبدل الصور المتضادة على المادة الأولى وتعاقبها؛ وعن ~~حصول نسب متضادة واضافات متعاندة إلى ذات واحدة في وقت واحد من جماعة أجسام ~~فيها اختلاط في الأشياء ذات الصور المتضادة وامتزاجاتها؛ وأن يحدث عن أصناف ~~تلك الامتزاجات المختلفة ، أنواع كثيرة من الأجسام؛ PageV01P070 # ويحدث عن إضافاتها التي تكرر وتعود ، الأشياء التي يتكرر وجودها ويعود ~~بعضها في مدة أقصر وبعضها في مدة أطول؛ وعن ما لا يتكرر من اضافاتها ~~وأحوالها ، بل إنما تحدث في وقت ما من غير أن تكون قد كانت فيما سلف ، ومن ~~غير أن تحدث فيما بعد الأشياء التي تحدث ولا تتكرر أصلا. PageV01P071 ### | الباب الثامن عشر: القول في مراتب الأجسام الهيولانية في الحدوث # فيحدث أولا الاسطقسات ، ثم ما جانسها وقارنها من الأجسام ، متل البخارات ~~وأصنافها ، مثل الغيوم والرياح وسائر ما يحدث في الجو ، وأيضا مجانساتها ~~حول الأرض وتحتها ، وفي الماء والنار. ويحدث في الاسطقسات ، وفي كل واحد من ~~سائر تلك ، قوى تتحرك بها من تلقاء أنفسها إلى أشياء شأنها أن توجد لها أو ~~بها ، بغير محرك من خارج وقوى يفعل بعضها في بعض ، وقوى يقبل بها بعضها فعل ~~بعض؛ ثم تفعل فيها الأجسام السماوية ، ويفعل بعضها في بعض ، فيحدث من ~~اجتماع الأفعال ، من هذه الجهات ، أصناف من الاختلاطات والامتزاجات كثيرة. ~~والمقادير كثيرة ، مختلفة بغير تضاد ، ومختلفة بالتضاد ms24 . PageV01P072 # فيلزم عنها وجود سائر الأجسام. فتختلط أولا الاسطقسات بعضها مع بعض ، ~~فيحدث من ذلك أجسام كثيرة متضادة ، ثم تختلط هذه المتضادة بعضها مع بعض فقط ~~، وبعضها مع بعض ومع الاسطقسات ، فيكون ذلك اختلاطا ثانيا بعد الأول؛ فيحدث ~~من ذلك أيضا أجسام كثيرة متضادة الصور. ويحدث في كل واحد من هذه أيضا قوى ~~يفعل بها بعضها في بعض ، وقوى تقبل بها فعل غيره (من الأجسام) فيها ، وقوى ~~تتحرك بها من تلقاء نفسها بغير محرك من خارج. ثم تفعل فيها أيضا الأجسام ~~السماوية ، ويفعل بعضها في بعض ، وتفعل فيها الاسطقسات ، وتفعل هي في ~~الاسطقسات أيضا؛ فيحدث من اجتماع هذه الأفعال بجهات مختلفة اختلاطات أخر ~~كثيرة تبعد بها عن الاسطقسات والمادة الأولى بعدا كثيرا. ولا تزال تختلط ~~اختلاطا بعد اختلاط قبله ، فيكون الاختلاط الثاني أبدا أكثر تركيبا مما ~~قبله؛ إلى أن تحدث أجسام لا يمكن أن تختلط؛ فيحدث من اختلاطها جسم آخر أبعد ~~منها عن الاسطقسات. فيقف الاختلاط . # فبعض الأجسام يحدث عن الاختلاط الأول ، وبعضها عن الثاني ، وبعضها عن ~~الثالث ، وبعضها عن الاختلاط الآخر. والمعدنيات تحدث باختلاط أقرب إلى ~~الاسطقسات وأقل تركيبا ويكون بعدها عن الاسطقسات برتب أقل. ويحدث النبات ~~باختلاط أكثر منها تركيبا وأبعد عن الاسطقسات برتب أكثر. والحيوان غير ~~الناطق يحدث PageV01P073 # باختلاط أكثر تركيبا من النبات. والانسان وحده هو الذي يحدث عن الاختلاط ~~الأخير . # ويحدث في كل واحد من هذه الأنواع قوى يتحرك بها من تلقاء نفسه ، وقوى ~~يفعل بها في غيره ، وقوى يقبل بها فعل غيره فيه. والفاعل منها في غيره ~~فموضوعات فعله ثلاثة بالجملة : منها ما يفعل فيه على الأكثر ، ومنها ما ~~يفعل فيه على الأقل ، ومنها ما يفعل فيه على التساوي. وكذلك القابل لفعل ~~غيره ، قد يكون موضوعا لثلاثة أصناف من الفاعلات : لما هو فاعل فيه على ~~الأكثر ، ولما هو فاعل فيه على الأقل ، ولما هو فاعل فيه على التساوي. وفعل ~~كل واحد في كل واحد اما بأن يرفده ، وإما بأن يضاده . # ثم الأجسام السماوية تفعل في كل ms25 واحد منها مع فعل بعضه في بعض ، بأن ترفد ~~بعضها وتضاد بعضها. وما ترفده فانه ترفده حينا وتضاده حينا ، وما تضاده ~~فانه تضاده حينا وترفده أيضا حينا آخر ، فتقترن أصناف الأفعال السماوية ~~فيها إلى أفعال بعضها في بعض؛ فيحدث من اقترانها امتزاجات واختلاطات أخر ~~كثيرة جدا ، يحدث في كل نوع أشخاص كثيرة مختلفة جدا. فهذه هي أسباب وجود ~~الأشياء الطبيعية التي تحت السماوية . PageV01P074 ### | الباب التاسع عشر: القول في تعاقب الصور على الهيولى # وعلى هذه الجهات يكون وجودها أولا ، فإذا وجدت فسبيلها أن تبقى وتدوم. ~~ولكن لما كان ما هذه حاله من الموجودات قوامه من مادة وصورة ، وكانت الصور ~~متضادة ، وكل مادة فان شأنها أن توجد لها هذه الصورة وضدها ، صار لكل واحد ~~من هذه الأجسام حق واستئهال بصورته ، وحق واستئهال بمادته . # فالذي له بحق صورته أن يبقى على الوجود الذي له ، والذي يحق له بحق مادته ~~أن يوجد وجودا آخر مضادا للوجود الذي هو له ، وإذ كان لا يمكن أن يوفى هذين ~~معا في وقت واحد ، لزم ضرورة أن يوفى هذا مرة ، فيوجد ويبقى مدة ما محفوظ ~~الوجود ، ثم يتلف ويوجد ضده ، ثم يبقى ذلك ، وكذلك أبدا. فإنه ليس وجود أحدهما PageV01P075 # أولى من وجود الآخر ، ولا بقاء أحدهما أولى من بقاء الآخر ، إذ كان لكل ~~واحد منهما قسم من الوجود والبقاء . # وأيضا فإن المادة الواحدة لما كانت مشتركة بين ضدين ، وكان قوام كل واحد ~~من الضدين بها ، ولم تكن تلك المادة أولى بأحد الضدين دون الآخر ، ولم يمكن ~~أن تجعل لكليهما في وقت واحد ، لزم ضرورة أن تعطى تلك المادة أحيانا هذا ~~الضد ، وأحيانا ذلك الضد ، ويعاقب بينهما ، فيصير كل منهما كأن له حقا عند ~~الآخر ، ويكون عنده شيء ما لغيره ، وعند غيره شيء هو له؛ فعند كل واحد ~~منهما حق ما ينبغي أن يصير إلى كل واحد من كل واحد؛ فالعدل في هذا أن توجد ~~مادة هذا ، فتعطى ذلك ، أو توجد مادة ذلك ، فتعطى هذا؛ ويعاقب ذلك بينهما. ~~فلأجل ms26 الحاجة إلى توفية العدل في هذه الموجودات ، لم يكن أن يبقى الشيء ~~الواحد دائما على أنه واحد بالعدد؛ فجعل بقاؤه الدهر كله على أنه واحد ~~بالنوع. ويحتاج في أن يبقى واحدا بالنوع إلى أن يوجد أشخاص ذلك النوع مدة ~~ما ، ثم تتلف ويقوم مقامها أشخاص أخر من ذلك النوع ، وذلك على هذا المثال ~~دائما . # وهذه منها ما هي اسطقسات ، ومنها ما هي كائنة عن اختلاطها. والتي هي عن ~~اختلاطها ، منها ما هي عن اختلاط أكثر تركيبا ، ومنها ما هي عن اختلاط أقل ~~تركيبا. وأما الاسطقسات فان المضاد المتلف PageV01P076 # لكل واحد منها هو من خارج فقط ، إذ كان لا ضد له في جملة جسمه . وأما ~~الكائن عن اختلاط أقل تركيبا ، فان المضادات التي فيه يسيرة ، وقواها ~~منكسرة ضعيفة؛ فلذلك صار المضاد المتلف له في ذاته ضعيف القوة ، لا يتلفه ~~إلا بمعين من خارج. فصار المضاد المتلف له أيضا من خارج . وما هو كائن عن ~~اختلاط أقل تركيبا ، فان المضادات المتلفة له هي من خارج فقط؛ والتي هي عن ~~اختلاط أكثر تركيبا ، فبكثرة المتضادات التي فيها وتراكيبها ، يكون تضادها ~~فيها في الأشياء المختلفة أظهر ، وقوى المتضادات التي فيها قوية ، ويفعل ~~بعضها مع بعض معا. أيضا فانها لما كانت من أجزاء غير متشابهة ، لم يمنع أن ~~يكون فيها تضاد ، فيكون المضاد المتلف له من خارج جسمه ومن داخله معا . # وما كان من الأجسام يتلفه المضاد له من خارج ، فانه لا يتحلل من تلقاء ~~نفسه دائما ، مثل الحجارة والرمل ، فان هذين وما جانسهما انما يتحللان من ~~الأشياء الخارجة فقط . وأما الأخر ، من النبات والحيوان ، فانهما يتحللان ~~أيضا من أشياء مضادة لهما من داخل. فلذلك إن كان شيء من هذه مزمنا ، تبقى ~~صورته مدة ما ، بأن يخلف بدل ما يتحلل من جسمه دائما وإنما يكون ذلك الشيء يقوم PageV01P077 # مقام ما يتحلل ، ولا يمكن أن يخلف شيء بدل ما يتحلل من جسمه ويتصل بذلك ~~الجسم ، إلا فيخلع عن ذلك الجسم صورته التي كانت له ، ويكتسي صورة ms27 هذا ~~الجسم بعينه ، وذلك هو أن يتغذى ، حيث جعلت في هذه الأجسام قوة غاذية وكل ~~ما كان معينا لهذه القوة ، حتى صار كل جسم من هذه الأجسام يجتذب إلى نفسه ~~شيئا ما مضادا له ، فينسلخ عنه تلك الضدية ، ويقبله بذاته ، ويكسوه الصورة ~~التي هو ملتحف بها ، إلى أن تخور هذه القوة في طول المدة ، فيتحلل من ذلك ~~الجسم ما لم يمكن القوة الخائرة أن ترد مثله ، فيتلف ذلك الجسم فيه؛ فبهذا ~~الوجه حفظ من محلله الداخل. وأما من متلفه الخارج ، فانه حفظ بالآلات التي ~~جعلت له ، بعضها فيه وبعضها من خارج جسمه . # فيحتاج ، في دوام ما يدوم واحدا بالنوع ، إلى أن يقوم مقام ما تلف منه ~~أشخاص أخر تقوم مقام ما تلف منها. ويكون ذلك : إما أن يكون مع الأشخاص ~~الأول أشخاص أحدث وجودا منها ، حتى إذا تلف تلك الأول قامت هذه مقامها ، ~~حتى لا يخلو في كل وقت من الأوقات وجود شخص ما من ذلك النوع ، إما في ذلك ~~المكان أو في مكان آخر ، وإما أن يكون الذي يخلف الأول يحدث بعد زمان ما من ~~تلف الأول حتى يخلو زمان ما من غير أن يوجد فيه شيء من أشخاص ذلك النوع. ~~فجعل في بعضها قوى يكون بها شبيهه في النوع ، ولم تجعل في بعض. وما لم يجعل ~~فيها فان أشباه ما يتلف منه تكونه PageV01P078 # الأجسام السماوية وحدها ، إذ هي مرافدة لاسطقسات له على ذلك؛ وما جعل فيه ~~قوة يكون بها شبيهه في النوع فعلى تلك القوة التي له ويقترن إلى ذلك فعل ~~الأجسام السماوية وسائر الأجسام الأخر إما بأن تفيد ، وإما بأن تضاد مضادة ~~لا تبطل فعل القوة بل تحدث امتزاجا ، إما أن يعتدل به الفعل الكائن بتلك ~~القوة ، وإما أن يزيله عن الاعتدال قليلا أو كثيرا بمقدار ما لا يبطل فعله؛ ~~فيحدث عند ذلك ما يقوم مقام التالف من ذلك النوع. وكل هذه الأشياء إما على ~~الأكثر وإما على الأقل وإما على التساوي. فبهذا الوجه يدوم بقاء هذا ms28 الجنس ~~من الموجودات . # وكل واحد من هذه الأجسام له حق واستئهال بصورته ، وحق واستئهال بمادته. ~~فالذي له بحق صورته ، أن يبقى على الوجود الذي له ولا يزول؛ والذي له بحق ~~مادته ، هو أن يوجد وجودا آخر مقابلا مضادا للوجود الذي هو له. والعدل أن ~~يوفى كل واحد منهما استئهاله. وإذ لا يمكن توفيته إياه في وقت واحد لزم ~~ضرورة أن يوفى هذا مرة وذلك مرة ، فيوجد ويبقى مدة ما محفوظ الوجود ويتلف ~~ويجد ضده ، وذلك أبدا . # والذي يحفظ وجوده إما قوة في الجسم الذي فيه صورته ، وإما قوة في جسم آخر ~~هي آلة مقارنة له تخدمه في حفظ وجوده ، وإما أن PageV01P079 # يكون المتولي بحفظه جسم ما آخر يرأس المحفوظ ، وهو الجسم السمائي أو جسم ~~ما غيره ، وإما أن يكون باجتماع هذه كلها . # وأيضا فإن هذه الموجودات لما كانت متضادة ، كانت مادة كل ضدين منها ~~مشتركة. فالمادة التي لهذا الجسم هي أيضا بعينها مادة لذلك ، والتي لذلك هي ~~أيضا بعينها لهذا؛ فعند كل واحد منهما شيء هو لغيره ، وعند غيره شيء هو له. ~~فيكون كأن لكل واحد عند كل واحد من هذه الجهة حقا ما ينبغي أن يصير إلى كل ~~واحد من كل واحد. والمادة التي تكون للشيء عند غيره إما مادة سبيلها أن ~~تكتسي صورة ذلك بعينها ، مثل الجسم الذي يغتذي بجسم آخر ، وإما مادة سبيلها ~~أن تكتسي صورة نوعه لا صورته بعينها ، مثل ناس يخلفون ناسا مضوا. والعدل في ~~ذلك أن يجد ما عند هذا من مادة ذلك ، فيعطى ذلك ، وما عند ذلك من مادة هذا ~~، فيعطى ذلك هذا . والذي به يستوفي الشيء مادته من ضده وينتزع به تلك منه ، ~~إما أن يكون قوة فيه مقترنة بصورته في جسم واحد ، فيكون ذلك الجسم آلة له ~~في هذا غير مفارقة؛ وإما أن يكون في جسم آخر ، فيكون ذلك آلة له مفارقة ~~تخدمه في أن ينتزع مادة من ضده فقط ، وتكون قوة أخرى في ذلك الجسم أو في ~~آخر تكسوه ، إما ms29 صورته بعينها وإما صورة نوعه ، وإما أن تكون قوة واحدة ~~تفعل الأمرين جميعا؛ وإما أن تكون التي تستوفي له حقه جسما آخر يرأسه ، إما ~~سمائية أو غيرها ، وإما أن PageV01P080 # يكون ذلك باجتماع هذه كلها. والجسم انما يكون مادة للجسم الآخر ، إما بأن ~~يوفيه صورته على التمام ، وإما بأن يكسوه (جزءا) من صورته وينقص من عزته. ~~والذي يكون (له) آلة تخدم جسما آخر فانما يكون آلة بأحد هذين أيضا : وذلك ~~إما بصورته على التمام ، وإما بأن يكسوه قليلا من عزة صورته مقدار ما لا ~~يخرجه ذلك من ماهيته ، مثل من يكسر من رعاع العبيد ويقمعهم حتى يذلوا ~~فيخدموا . PageV01P081 ### | الباب العشرون: القول في أجزاء النفس الانسانية وقواها # فإذا حدث الانسان ، فأول ما يحدث فيه القوة التي بها يتغذى ، وهي القوة ~~الغاذية؛ ثم من بعد ذلك القوة التي بها يحس الملموس ، مثل الحرارة والبرودة ~~، وسائرها التي بها يحس الطعوم ، والتي بها يحس الروائح ، والتي بها يحس ~~الأصوات ، والتي بها يحس الألوان والمبصرات كلها مثل الشعاعات. ويحدث مع ~~الحواس بها نزوع إلى ما يحسه ، فيشتاقه أو يكرهه. ثم يحدث فيه بعد ذلك قوة ~~أخرى يحفظ بها ما ارتسم في نفسه من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس ~~لها ، وهذه هي القوة المتخيلة. فهذه تركب المحسوسات بعضها إلى بعض ، وتفصل ~~بعضها عن بعض ، تركيبات وتفصيلات مختلفة ، بعضها كاذبة وبعضها صادقة؛ ~~ويقترن بها نزوع نحو ما يتخيله. ثم من بعد ذلك يحدث فيه القوة الناطقة التي ~~بها يمكن أن يعقل PageV01P082 # المعقولات ، وبها يميز بين الجميل والقبيح ، وبها يحوز الصناعات والعلوم ~~، ويقترن بها أيضا نزوع نحو ما يعقله . # فالقوة الغاذية ، منها قوة واحدة رئيسة ، ومنها قوى هي رواضع لها وخدم. ~~فالقوة الغاذية الرئيسة هي من سائر أعضاء البدن في الفم؛ والرواضع والخدم ~~متفرقة في سائر الأعضاء؛ وكل قوة من الرواضع والخدم فهي في عضو ما من سائر ~~أعضاء البدن؛ والرئيسة منها هي بالطبع مدبرة لسائر القوى ، وسائر القوى ~~يتشبه بها ويحتذي بأفعالها حذو ما هو بالطبع غرض ms30 رئيسها الذي في القلب ، ~~وذلك مثل المعدة والكبد والطحال ، والأعضاء الخادمة هذه ، والأعضاء التي ~~تخدم هذه الخادمة ، والتي تخدم هذه أيضا. فإن الكبد عضو يرؤس ويرأس ، فإنه ~~يرأس بالقلب ويرؤس المرارة والكلية وأشباههما من الأعضاء؛ والمثانة تخدم ~~الكلية ، والكلية تخدم الكبد ، والكبد يخدم القلب؛ وعلى هذا توجد سائر ~~الأعضاء . # والقوة الحاسة ، فيها رئيس وفيها رواضع؛ ورواضعها هي هذه الحواس الخمس ~~المشهورة عند الجميع ، المتفرقة في العينين وفي الأذنين وفي سائرها. وكل ~~واحد من هذه الخمس يدرك حسا ما يخصه. والرئيسة منها هي التي اجتمع فيها ~~جميع ما تدركه الخمس بأسرها ، PageV01P083 # وكأن هذه الخمس هي منذرات تلك ، وكأن هؤلاء أصحاب أخبار ، كل واحد منهم ~~موكل بجنس من الأخبار ، وبأخبار ناحية من نواحي المملكة. والرئيسة كأنها هي ~~الملك الذي عنده تجتمع أخبار نواحي مملكته من أصحاب اخباره. والرئيسة من ~~هذه أيضا هي في القلب . # والقوة المتخيلة ليس لها رواضع متفرقة في أعضاء أخر ، بل هي واحدة ، وهي ~~أيضا في القلب ، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس. وهي بالطبع حاكمة ~~على المحسوسات ومتحكمة عليها ، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض ، وتركب بعضها ~~إلى بعض ، تركيبات مختلفة ، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس ، وفي ~~بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس . # وأما القوة الناطقة ، فلا رواضع ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء ، ~~بل انما رئاستها على سائر القوى المتخيلة؛ والرئيسة من كل جنس فيه رئيس ~~ومرءوس. فهي رئيسة القوة المتخيلة ، ورئيسة القوة الحاسة الرئيسة منها ، ~~ورئيسة القوة الغاذية الرئيسة منها . # والقوة النزوعية ، وهي التي تشتاق إلى الشيء وتكرهه؛ فهي رئيسة ، ولها ~~خدم. وهذه القوة هي التي بها تكون الارادة. فان الارادة هي نزوع إلى ما ~~أدرك وعن ما أدرك ، إما بالحس ، وإما PageV01P084 # بالتخيل ، وإما بالقوة الناطقة ، وحكم فيه أنه ينبغي أن يؤخذ أو يترك. ~~والنزوع قد يكون إلى علم شيء ما ، وقد يكون إلى عمل شيء ما ، إما بالبدن ~~بأسره ، وإما بعضو ما منه. والنزوع انما يكون بالقوة النزوعية الرئيسية . # والأعمال ms31 بالبدن تكون بقوى تخدم القوة النزوعية. وتلك القوى متفرقة في ~~أعضاء أعدت لأن يكون بها تلك الأفعال ، منها أعصاب ومنها عضل سارية في ~~الأعضاء ، والتي تكون بها الأفعال التي نزوع الحيوان والانسان إليها. وتلك ~~الأعضاء مثل اليدين والرجلين وسائر الأعضاء التي يمكن أن تتحرك بالارادة. ~~فهذه القوى التي في أمثال هذه الأعضاء هي كلها جسمانية وخادمة للقوة ~~النزوعية الرئيسية التي في القلب . # وعلم الشيء قد يكون بالقوة الناطقة ، وقد يكون بالمتخيلة ، وقد يكون ~~بالاحساس. # فإذا كان النزوع إلى علم شيء شأنه أن يدرك بالقوة الناطقة ، فان الفعل ~~الذي ينال به ما تشوق من ذلك ، يكون بقوة ما أخرى في الناطقة ، وهي القوة ~~الفكرية ، وهي التي تكون بها الفكرة والرؤية والتأمل والاستنباط . PageV01P085 # وإذا كان النزوع إلى علم شيء ما يدرك باحساس ، كان الذي ينال به فعلا ~~مركبا من فعل بدني ومن فعل نفساني في مثل الشيء الذي نتشوق رؤيته ، فإنه ~~يكون برفع الأجفان وبأن نحاذي أبصارنا نحو الشيء الذي نتشوق رؤيته. فإن كان ~~الشيء بعيدا مشينا إليه ، وإن كان دونه حاجز أزلنا بأيدينا ذلك الحاجز. ~~فهذه كلها أفعال بدنية ، والاحساس نفسه فعل نفساني وكذلك في سائر الحواس . # وإذا تشوق تخيل شيء ما ، نيل ذلك من وجوه : أحدها يفعل بالقوة المتخيلة ، ~~مثل تخيل الشيء الذي يرجى ويتوقع ، أو تخيل شيء مضى ، أو تمني شيء ما تركبه ~~القوة المتخيلة؛ والثاني ما يرد على القوة المتخيلة من احساس شيء ما ، ~~فتخيل إليه من ذلك أمر ما أنه مخوف أو مأمول ، أو ما يرد عليها من فعل ~~القوة الناطقة . # فهذه القوى النفسانية. PageV01P086 ### | الباب الحادي والعشرون: القول في كيف تصير هذه القوى والأجزاء نفسا واحدة # فالغاذية الرئيسة شبه المادة للقوة الحاسة الرئيسة ، والحاسة صورة في ~~الغاذية. والحاسة الرئيسة شبه مادة للمتخيلة ، والمتخيلة صورة في الحاسة ~~الرئيسة. والمتخيلة الرئيسة مادة للناطقة الرئيسة ، والناطقة صورة في ~~المتخيلة ، وليست مادة لقوى أخرى ، فهي صورة لكل صورة تقدمتها. وأما ~~النزوعية فإنها تابعة للحاسة الرئيسة والمتخيلة والناطقة ، على جهة ما توجد ms32 ~~الحرارة في النار تابعة لما تتجوهر به النار . # فالقلب هو العضو الرئيس الذي لا يرأسه من البدن عضو آخر. ويليه الدماغ ، ~~فإنه أيضا عضو ما رئيس ، ورئاسته ليست رئاسة أولية ، لكن رئاسة ثانية ، ~~وذلك لأنه يرأس بالقلب ، ويرأس سائر الأعضاء؛ فإنه يخدم القلب في نفسه ، ~~وتخدمه سائر الأعضاء بحسب ما هو PageV01P087 # مقصود القلب بالطبع. وذلك مثل صاحب دار الانسان ، فإنه يخدم الانسان في ~~نفسه وتخدمه سائر أهل داره ، بحسب ما هو مقصود الانسان في الأمرين ، كأنه ~~يخلفه ويقوم مقامه وينوب عنه ويتبدل فيما ليس يمكن أن يبدله الرئيس ، وهو ~~المستولي على خدمة القلب في الشريف من أفعاله . # من ذلك ، أن القلب ينبوع الحرارة الغريزية ، فمنه تنبث في سائر الأعضاء ، ~~ومنه تسترفد ، وذلك بما ينبث فيها عنه من الروح الحيواني الغريزي في العروق ~~الضوارب. ومما يرفدها القلب من الحرارة إنما تبقى الحرارة الغريزية محفوظة ~~على الأعضاء. والدماغ هو الذي يعدل الحرارة التي شأنها أن تنفذ إليها من ~~القلب حتى يكون ما يصل إلى كل عضو من الحرارة معتدلا له. وهذا أول أفعال ~~الدماغ وأول شيء يخدم به وأعمها للأعضاء . # ومن ذلك أن في الأعصاب صنفين : أحدهما آلات لرواضع القوة الحاسة الرئيسة ~~التي في القلب في أن يحس كل واحد منها الحس الخاص به ، والآخر آلات الأعضاء ~~التي تخدم القوة النزوعية التي في القلب ، بها يتأتى لها أن تتحرك الحركة ~~الارادية. والدماغ يخدم القلب في أن يرفد أعصاب الحس ما يبقي به قواها التي ~~بها يتأتى للرواضع أن تحس محفوظة عليها. والدماغ أيضا يخدم القلب في أن ~~يرفد أعصاب الحركة الارادية ما يبقي به قواها التي بها يتأتى للأعضاء ~~الآلية الحركة الارادية التي تخدم بها القوة النزوعية التي في القلب. فان ~~كثيرا من PageV01P088 # هذه الأعصاب مغارزها التي منها يسترفد ما يحفظ به قواها في الدماغ نفسه؛ ~~وكثيرا منها مغارزها في النخاع النافذ ، والنخاع من أعلاه متصل بالدماغ ، ~~فإن الدماغ يرفدها بمشاركة النخاع لها في الارفاد . # ومن ذلك أن تخيل القوة المتخيلة إنما ms33 يكون متى كانت حرارة القلب على ~~مقدار محدود. وكذلك فكر القوة الناطقة ، إنما يكون متى كانت حرارته على ضرب ~~ما من التقدير ، أي فعل. وكذلك حفظها وتذكرها للشيء. # فالدماغ أيضا يخدم القلب بأن يجعل حرارته على الاعتدال الذي يجود به ~~تخيله ، وعلى الاعتدال الذي يجود به فكره ورويته ، وعلى الاعتدال الذي يجود ~~به حفظه وتذكره. فبجزء منه يعدل به ما يصلح به التخيل ، وبجزء آخر منه يعدل ~~به ما يصلح به الفكر ، وبجزء ثالث يعدل به ما يصلح الحفظ والذكر. وذلك أن ~~القلب ، لما كان ينبوع الحرارة الغريزية ، لم يمكن أن يجعل الحرارة التي ~~فيه الا قوية مفرطة ليفضل منه ما يفيض إلى سائر الأعضاء ، ولئلا يقصر أو ~~يجود. فلم تكن كذلك في نفسها إلا لغاية بقلبه. فلما كان كذلك وجب أن يعدل ~~حرارته التي تنفذ إلى الأعضاء ، ولا تكون حرارته في نفسها على الاعتدال ~~الذي تجود به أفعاله التي تخصه. فجعل الدماغ لأجل ذلك بالطبع باردا رطبا ، ~~حتى في الملمس ، بالاضافة إلى سائر الأعضاء ، وجعلت فيه قوة نفسانية تصير ~~بها حرارة القلب على اعتدال محدود محصل . PageV01P089 # والأعصاب التي للحس والتي للحركة ، لما كانت أرضية بالطبع ، سريعة القبول ~~للجفاف ، كانت تحتاج إلى أن تبقى رطبة إلى لدانة مواتية للتمدد والتقاصر. ~~و(لما) كانت أعصاب الحس محتاجة مع ذلك إلى الروح الغريزي الذي ليست فيه ~~دخانية أصلا و(لما) كان الروح الغريزي السالك في أجزاء الدماغ هذه حاله ، ~~و(لما) كان القلب مفرط الحرارة ناريها ، لم تجعل مغارزها التي بها تسترفد ~~ما يحفظ قواها في القلب ، لئلا يسرع الجفاف إليها فتتحلل وتبطل قواها ~~وأفعالها ، جعلت مغارزها في الدماغ وفي النخاع لأنهما رطبان جدا ، لتنفذ من ~~كل واحد منهما في الأعصاب رطوبة تبقيها على اللدونة ، وتستبقي بها قواها ~~النفسانية ، فبعض الأعصاب يحتاج فيها إلى أن تكون الرطوبة النافذة فيها ~~مائية لطيفة غير لزجة أصلا ، وبعضها محتاج فيها إلى لزوجة ما. فما كان منها ~~محتاجا إلى مائية لطيفة غير لزجة ، جعلت مغارزها في الدماغ؛ وما كان ms34 منها ~~محتاجا فيها مع ذلك إلى أن تكون رطوبتها فيها لزجة ، جعلت مغارزها في ~~النخاع؛ وما كان منها محتاجا فيها إلى أن تكون رطوبتها قليلة ، جعلت ~~مغارزها أسفل الفقار والعصعص . # ثم بعد الدماغ الكبد ، وبعده الطحال ، وبعد ذلك أعضاء التوليد ، وكل قوة ~~في عضو كان شأنها أن تفعل فعلا جسمانيا ينفصل به من ذلك العضو جسم ما ويصير ~~إلى آخر ، فإنه يلزم ضرورة ، إما أن يكون ذلك الآخر متصلا بالأول ، مثل ~~اتصال كثير من الأعصاب PageV01P090 # بالدماغ وكثير منها بالنخاع ، أو أن يكون له طريق ومسيل متصل لذلك العضو ~~يجري فيه ذلك الجسم ، وكانت تلك القوة خادمة له ، أو رئيسة ، مثل الفم ~~والرئة والكلية والكبد والطحال وغير ذلك. وكلما احتاجت أو كان شأنها أن ~~تفعل فعلا نفسانيا في غيرها ، فإنه يلزم ضرورة أن يكون بينها مسيل جسماني ، ~~مثل فعل الدماغ في القلب. # فأول ما يتكون من الأعضاء القلب ، ثم الدماغ ثم الكبد ثم الطحال ، ثم ~~تتبعها سائر الأعضاء. وأعضاء التوليد متأخرة الفعل من جميعها. ورئاستها في ~~البدن يسيرة ، مثل ما يتبين من فعل الأنثيين وحفظهما الحرارة الذكرية ~~والروح الذكري الشائعين من القلب في الحيوان الذكر الذي له أنثيان. # والقوة التي بها يكون التوليد ، منها رئيسة ومنها خادمة. والرئيسة منها ~~في القلب ، والخادمة في أعضاء التوليد. والقوة التي يكون بها التوليد ~~اثنتان : إحداهما تعد المادة التي يتكون عنها الحيوان الذي له تلك القوة ، ~~والأخرى تعطي صورة ذلك النوع من الحيوان وتحرك المادة إلى أن تحصل لها تلك ~~الصورة التي لذلك النوع . والقوة التي تعد المادة هي قوة الأنثى ، والتي ~~تعطي الصورة هي قوة الذكر. فإن الأنثى هي أنثى بالقوة التي تعد بها المادة ~~، والذكر هو ذكر بالقوة التي تعطي تلك المادة صورة ذلك النوع الذي له تلك ~~القوة. والعضو الذي يخدم القلب في أن يعطي مادة الحيوان هو الرحم ، والذي ~~يخدمه في أن يعطي الصورة إما في الانسان وإما في غيره من PageV01P091 # الحيوان العضو الذي يكون المني. فان المني إذا ورد على ms35 رحم الأنثى فصادف ~~هناك دما قد أعده الرحم لقبول صورة الانسان ، أعطى المني ذلك الدم قوة ~~يتحرك بها إلى أن يحصل من ذلك الدم أعضاء الانسان وصورة كل عضو ، وبالجملة ~~صورة الانسان. فالدم المعد في الرحم هو مادة الانسان ، والمني هو المحرك ~~لتلك المادة إلى أن تحصل فيها الصورة . # ومنزلة المني من الدم المعد في الرحم منزلة الأنفحة التي ينعقد عنها ~~اللبن. وكما أن الأنفحة هي الفاعلة للانعقاد في اللبن ، وليس هي جزءا من ~~المنعقد ولا مادة ، كذلك المني ليس هو جزءا من المنعقد في الرحم ، ولا ~~مادة. والجنين يتكون عن المني كما يتكون الرائب من الأنفحة ، ويتكون عن دم ~~الرحم كما يتكون الرائب عن اللبن الحليب ، والابريق عن النحاس. # والذي يكون المني في الانسان هي الأوعية التي يوجد فيها المني ، وهي ~~العروق التي تحت جلد العانة ، يرفدها في ذلك بعض الارفاد الأنثيان. وهذه ~~العروق نافذة إلى المجرى الذي في القضيب ليسيل من تلك العروق إلى مجرى ~~القضيب ، ويجري في ذلك المجرى إلى أن ينصب في الرحم ويعطي الدم الذي فيه ~~مبدأ قوة يتغير بها إلى أن تحصل به الأعضاء ، وصورة كل عضو ، وصورة جملة البدن. # والمني آلة الذكر . PageV01P092 # والآلات منها مواصلة ، ومنها مفارقة من ذلك ، مثل الطبيب؛ فان اليد آلة ~~للطبيب يعالج بها ، والمبضع آلة له يعالج بها ، والدواء آلة يعالج بها. ~~فالدواء آلة مفارقة ، وانما يواصله الطبيب حين ما يفعله ويصنعه ويعطيه قوة ~~يحرك بها بدن العليل إلى الصحة. فاذا حصلت فيه تلك القوة ألقاها في جوف بدن ~~العليل مثلا ، فتحرك بدنه نحو الصحة. والطبيب الذي ألقاها غائب أو ميت ~~مثلا. وكذلك منزلة المني. والمبضع (آلة) لا تفعل فعلها الا بمواصلة الطبيب ~~المستعمل له ، واليد أشد مواصلة له من المبضع. وأما الدواء فإنه يفعل ~~بالقوة التي فيه من غير أن يكون الطبيب مواصلا له. كذلك المني فإنه آلة ~~للقوة المولدة الذكرية وتفعل مفارقة. وأوعية المني والأنثيان آلة للتوليد ~~مواصلة للبدن. فمنزلة العروق التي تكون آلات المني من القوة ms36 الرئيسة التي ~~في القلب منزلة يد الطبيب التي يعمل بها الدواء ويعطيه قوة محركة ويحرك بها ~~بدن العليل إلى الصحة. فان تلك العروق التي يستعملها القلب بالطبع هي آلات ~~في أن يعطي المني القوة التي يحرك بها الدم المعد في الرحم إلى صورة ذلك ~~النوع من الحيوان. # فاذا أخذ الدم عن المني القوة التي يتحرك بها إلى الصورة ، فأول ما يتكون ~~القلب وينتظر بتكوينه تكوين سائر الأعضاء ما يتفق أن يحصل في القلب من ~~القوى. فان حصلت فيه مع القوة الغاذية القوة التي بها تعد المادة ، تكون ~~سائر الأعضاء على أنها أعضاء أنثى. فان حصلت فيه (القوة) التي تعطي الصورة ~~، تكون سائر الأعضاء على أنها أعضاء ذكر. وتحصل من تلك ، الأعضاء المولدة ~~التي للأنثى ، وتحصل من PageV01P093 # هذه ، الأعضاء المولدة التي للذكر. ثم سائر القوى النفسانية الباقية تحدث ~~في الأنثى على مثال ما هي في الذكر . # وهاتان القوتان ، أعني الذكرية والأنثوية ، هما في الانسان مفترقان في ~~شخصين ، وأما في كثير من النبات فانهما مقترنان على التمام في شخص واحد ، ~~مثل كثير من النبات الذي يتكون عن البذر؛ فإن النبات يعطي المادة ، وهي ~~البذر ، ويعطي بها مع ذلك قوة يتحرك بها نحو الصورة. فإن البذر فيه استعداد ~~لقبول الصورة ، وقوة يتحرك بها نحو الصورة. فالذي أعطاه الاستعداد لقبول ~~الصورة هي القوة الأنثوية ، والذي أعطاه مبدأ يتحرك به نحو الصورة هو القوة ~~الذكرية. # وقد يوجد أيضا في الحيوان ما سبيله هذا السبيل. ويوجد أيضا ما القوة ~~الأنثوية فيه تامة ، وتقترن إليها قوة ما ذكرية ناقصة تفعل فعلها إلى مقدار ~~ما ثم تجوز ، فتحتاج إلى معين من خارج ، مثل الذي يبيض بيض الريح ، ومثل ~~كثير من أجناس السمك التي تبيض ثم تودع بيضها ، فيتبعها ذكورتها ، فتلقي ~~عليها رطوبة. فأية بيضة أصابها من تلك الرطوبة شيء كان عنها حيوان ، وما لم ~~يصبها ذلك فسدت. # وأما الانسان فليس كذلك. بل هاتان القوتان متميزتان في شخصين ، ولكل واحد ~~منهما أعضاء تخصه : وهي الأعضاء المعروفة لهما ، وسائر الأعضاء ms37 فيهما ~~مشتركة. وكذلك يشتركان في قوى النفس كلها سوى هاتين. وما يشتركان فيه من ~~أعضاء فانه في الذكر أسخن ، وما كان منها فعله الحركة والتحريك ، فانه في ~~الذكر أقوى PageV01P094 # حركة وتحريكا. والعوارض النفسانية ، فما كان منها مائلا إلى القوة ، مثل ~~الغضب والقسوة ، فانها في الأنثى أضعف وفي الذكر أقوى. وما كان من العوارض ~~مائلا إلى الضعف ، مثل الرأفة والرحمة ، فإنه في الأنثى أقوى. على أنه لا ~~يمتنع أن يكون في ذكورة الانسان من توجد العوارض فيه شبيهة بما في الاناث ، ~~وفي الاناث من توجد فيه هذه شبيهة بما هو في الذكور. فبهذه تفترق الاناث ~~والذكور في الانسان . وأما في القوة الحاسة وفي المتخيلة وفي الناطقة ، ~~فليسا يختلفان. فيحدث عن الأشياء الخارجة رسوم المحسوسات في القوى الحاسة ~~التي هي رواضع ، ثم تجتمع المحسوسات المختلفة الأجناس ، المدركة بأنواع ~~الحواس الخمسة في القوى الحاسة الرئيسة ، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة في ~~هذه القوى رسوم المتخيلات في القوة المتخيلة ، فتبقى هناك محفوظة بعد ~~غيبتها عن مباشرة الحواس لها. فتتحكم فيها ، فيفرد بعضها عن بعض أحيانا ، ~~ويركب بعضها إلى بعض أصنافا من التركيبات كثيرة بلا نهاية ، بعضها كاذبة ~~وبعضها صادقة . PageV01P095 ### | الباب الثاني والعشرون: القول في القوة الناطقة؛ وكيف تعقل وما سبب ذلك # ويبقى بعد ذلك أن ترتسم في الناطقة رسوم أصناف المعقولات والمعقولات التي ~~شأنها أن ترتسم في القوة الناطقة ، منها المعقولات التي هي في جواهرها عقول ~~بالفعل ومعقولات بالفعل : وهي الأشياء البريئة من المادة؛ ومنها المعقولات ~~التي ليست بجواهرها معقولة بالفعل ، مثل الحجارة والنبات ، وبالجملة كل ما ~~هو جسم أو في جسم ذي مادة ، والمادة نفسها وكل شيء قوامه بها. فان هذه ليست ~~عقولا بالفعل ولا معقولات بالفعل . وأما العقل الانساني الذي يحصل له ~~بالطبع في أول أمره ، فانه هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات : ~~فهي بالقوة عقل وعقل هيولاني ، وهي أيضا بالقوة PageV01P096 # معقولة. وسائر الأشياء التي في مادة ، أو هي مادة أو ذوات مادة ، فليست ~~هي عقولا لا بالفعل ولا بالقوة ms38 ، ولكنها معقولات بالقوة ويمكن أن تصير ~~معقولات بالفعل. وليس في جواهرها كفاية في أن تصير من تلقاء أنفسها معقولات ~~بالفعل. ولا أيضا في القوة الناطقة ، ولا فيما أعطي الطبع كفاية في أن تصير ~~من تلقاء نفسها عقلا بالفعل ، بل تحتاج أن تصير عقلا بالفعل إلى شيء آخر ~~ينقلها من القوة إلى الفعل وإنما تصير عقلا بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات . # وتصير المعقولات التي بالقوة معقولات بالفعل إذا حصلت معقولة للعقل ~~بالفعل. وهي تحتاج إلى شيء آخر ينقلها من القوة إلى أن يصيرها بالفعل. ~~والفاعل الذي ينقلها من القوة إلى الفعل هو ذات ما ، جوهره عقل ما بالفعل ، ~~ومفارق للمادة ٢. فان ذلك العقل يعطي العقل الهيولاني ، الذي هو بالقوة عقل ~~، شيئا ما بمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس البصر. لأن منزلته من العقل ~~الهيولاني منزلة الشمس من البصر. فان البصر هو قوة وهيئة ما في مادة ، وهو ~~من قبل أن يبصر فيه بصر بالقوة ، والألوان من قبل أن تبصر مبصرة مرئية ~~بالقوة. وليس في جوهر القوة الباصرة التي في العين كفاية في أن يصير بصرا ~~بالفعل ، ولا في جوهر الألوان كفاية في أن تصير مرئية مبصرة بالفعل. فان ~~الشمس تعطي البصر ضوءا يضاء به ، وتعطي الألوان ضوءا تضاء بها ، فيصير ~~البصر ، بالضوء الذي استفاده من الشمس ، PageV01P097 # مبصرا بالفعل وبصيرا بالفعل؛ وتصير الألوان ، بذلك الضوء ، مبصرة مرئية ~~بالفعل بعد أن كانت مبصرة مرئية بالقوة. كذلك هذا العقل الذي بالفعل يفيد ~~العقل الهيولاني شيئا ما يرسمه فيه. فمنزلة ذلك الشيء من العقل الهيولاني ~~منزلة الضوء من البصر. وكما أن البصر بالضوء نفسه يبصر الضوء الذي هو سبب ~~ابصاره ، ويبصر الشمس التي هي سبب الضوء به بعينه ، ويبصر الأشياء التي هي ~~بالقوة مبصرة فتصير مبصرة بالفعل ، كذلك العقل الهيولاني فانه بذلك الشيء ~~الذي منزلته منه منزلة الضوء من البصر ، يعقل ذلك الشيء نفسه ، وبه يعقل ~~العقل الهيولاني العقل بالفعل الذي هو سبب ارتسام ذلك الشيء في العقل ~~الهيولاني ، وبه تصير الأشياء التي كانت معقولة بالقوة ms39 معقولة بالفعل ، ~~ويصير هو أيضا عقلا بالفعل بعد أن كان عقلا بالقوة. وفعل هذا العقل المفارق ~~في العقل الهيولاني شبيه فعل الشمس في البصر ، فلذلك سمي العقل الفعال. ~~ومرتبته من الأشياء المفارقة التي ذكرت من دون السبب الأول المرتبة ~~العاشرة. ويسمى العقل الهيولاني العقل المنفعل. وإذا حصل في القوة الناطقة ~~عن العقل الفعال ذلك الشيء الذي منزلته منها منزلة الضوء من البصر ، حصلت ~~حينئذ عن المحسوسات التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة ~~الناطقة؛ وتلك هي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس ، مثل أن ~~الكل أعظم من الجزء ، وأن المقادير المساوية للشيء الواحد متساوية . PageV01P098 # المعقولات الأول المشتركة ثلاثة أصناف : صنف أوائل للهندسة العلمية ، ~~وصنف أوائل يوقف بها على الجميل والقبيح مما شأنه أن يعمله الانسان ، وصنف ~~أوائل تستعمل في أن يعلم بها أحوال الموجودات التي ليس شأنها أن يفعلها ~~الانسان ومباديها ومراتبها ، مثل السماوات والسبب الأول وسائر المبادي ~~الأخر ، وما شأنها أن يحدث عن تلك المبادي . PageV01P099 ### | الباب الثالث والعشرون: القول في الفرق بين الارادة والاختيار ، وفي السعادة # فعند ما تحصل هذه المعقولات للانسان يحدث له بالطبع تأمل ، وروية وذكر ، ~~وتشوق إلى الاستنباط ، ونزوع إلى بعض ما عقله أولا ، وشوق إليه وإلى بعض ما ~~يستنبطه ، أو كراهته. والنزوع إلى ما أدركه بالجملة هو الارادة. فان كان ~~ذلك (النزوع) عن احساس أو تخيل ، سمي بالاسم العام وهو الارادة؛ وإن كان ~~ذلك عن روية أو عن نطق في الجملة ، سمي الاختيار. وهذا يوجد في الانسان ~~خاصة. وأما النزوع عن احساس أو تخيل فهو أيضا في سائر الحيوان. وحصول ~~المعقولات الأولى للانسان هو استكماله الأول. وهذه المعقولات إنما جعلت له ~~ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير . # وذلك هو السعادة. وهي أن تصير نفس الانسان من الكمال في PageV01P100 # الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة ، وذلك أن تصير في جملة ~~الأشياء البريئة عن الأجسام ، وفي جملة الجواهر المفارقة للمواد ، وأن تبقى ~~على تلك الحال دائما أبدا. إلا أن رتبتها ms40 تكون دون رتبة العقل الفعال . ~~وإنما تبلغ ذلك بأفعال ما ارادية ، بعضها أفعال فكرية ، وبعضها أفعال بدنية ~~، وليست بأي أفعال اتفقت ، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عن هيئات ما ~~وملكات ما مقدرة محدودة. وذلك أن من الأفعال الارادية ما يعوق عن السعادة. ~~والسعادة هي الخير المطلوب لذاته ، وليست تطلب أصلا ولا في وقت من الأوقات ~~لينال بها شيء آخر ، وليس وراءها شيء آخر يمكن أن يناله الانسان أعظم منها ~~. والأفعال الارادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة. ~~والهيئات والملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل. وهذه خيرات هي ~~لا لأجل ذواتها بل انما هي خيرات لأجل السعادة. والأفعال التي تعوق عن ~~السعادة هي الشرور ، وهي الأفعال القبيحة. والهيئات والملكات التي عنها ~~تكون هذه الأفعال هي النقائص والرذائل والخسائس . # فالقوة الغاذية التي في الانسان انما جعلت لتخدم البدن ، وجعلت الحاسة ~~والمتخيلة لتخدما البدن ولتخدما القوة الناطقة. وخدمة هذه الثلاثة للبدن ~~راجعة إلى خدمة القوة الناطقة ، إذ كان قوام الناطقة أولا بالبدن. PageV01P101 # والناطقة ، منها عملية ومنها نظرية. والعملية جعلت لتخدم النظرية ، ~~والنظرية لا لتخدم شيئا آخر ، بل ليوصل بها إلى السعادة. # وهذه كلها مقرونة بالقوة النزوعية. والنزوعية تخدم المتخيلة وتخدم ~~الناطقة. والقوى الخادمة المدركة ليس يمكنها أن توفي الخدمة والعمل إلا ~~بالقوة النزوعية. فان الاحساس والتخيل والروية ليست كافية في أن تفعل دون ~~أن يقترن إلى ذلك تشوق إلى ما أحس أو تخيل أو روى فيه وعلم ، لأن الارادة ~~هي أن تنزع بالقوة النزوعية إلى ما أدركت. # فإذا علمت بالقوة النظرية السعادة ونضبت غاية وتشوقت بالنزوعية واستنبطت ~~بالقوة المروية ما ينبغي أن تعمل حتى تنال بمعاونة المتخيلة والحواس على ~~ذلك ، ثم فعلت بآلات القوة النزوعية تلك الأفعال ، كانت أفعال الانسان كلها ~~خيرات وجميلة. فإذا لم تعلم السعادة ، أو علمت ولم تنصب غاية بتشوق ، بل ~~نصبت الغاية شيئا آخر سواها وتشوقت بالنزوعية واستنبطت بالقوة المروية ما ~~ينبغي أن تعمل حتى تنال الحواس والمتخيلة ، ثم فعلت تلك الأفعال بآلات ~~القوة ms41 النزوعية ، كانت أفعال ذلك الانسان كلها غير جميلة . PageV01P102 ### | الباب الرابع والعشرون: القول في سبب المنامات # والقوة المتخيلة متوسطة بين الحاسة وبين الناطقة؛ وعند ما تكون رواضع ~~الحاسة كلها تحس بالفعل وتفعل أفعالها ، تكون القوة المتخيلة منفعلة عنها ، ~~مشغولة بما تورده الحواس عليها من المحسوسات وترسمه فيها. وتكون هي أيضا ~~مشغولة بخدمة القوة الناطقة ، وبارفاد القوة النزوعية. # فإذا صارت الحاسة والنزوعية والناطقة على كمالاتها الأول ، بأن لا تفعل ~~أفعالها ، مثل ما يعرض عند حال النوم ، انفردت القوة المتخيلة بنفسها ، ~~فارغة عما تجدده الحواس عليها دائما من رسوم المحسوسات ، وتخلت عن خدمة ~~القوة الناطقة والنزوعية ، فتعود إلى ما تجده عندها من رسوم المحسوسات ~~محفوظة باقية ، فتفعل فيها بأن تركب بعضها إلى بعض ، وتفصل بعضها عن بعض. ~~ولها ، مع حفظها رسوم المحسوسات وتركيب بعضها إلى بعض ، فعل ثالث : PageV01P103 # وهو المحاكاة . فإنها خاصة من بين سائر قوى النفس ، لها قدرة على محاكاة ~~الأشياء المحسوسة التي تبقى محفوظة فيها. فأحيانا تحاكي المحسوسات بالحواس ~~الخمس ، بتركيب المحسوسات المحفوظة عندها المحاكية لتلك ، وأحيانا تحاكي ~~المعقولات ، وأحيانا تحاكي القوة الغاذية. وأحيانا تحاكي القوة النزوعية ، ~~وتحاكي أيضا ما يصادف البدن عليه من المزاج. فانها ، متى صادفت مزاج البدن ~~رطبا ، حاكت الرطوبة بتركيب المحسوسات التي تحاكي الرطوبة ، مثل المياه ~~والسباحة فيها. ومتى كان مزاج البدن يابسا ، حاكت يبوسة البدن بالمحسوسات ~~التي شأنها أن تحاكي بها اليبوسة. وكذلك تحاكي حرارة البدن وبرودته ، إذا ~~اتفق في وقت من الأوقات أن كان مزاجه في وقت ما حارا أو باردا. وقد يمكن ، ~~إن كانت هذه القوة هيئة وصورة في البدن ، أن يكون البدن ، إذا كان على مزاج ~~ما ، أن يفعل (البدن) فيها ذلك المزاج. غير أنها لما كانت نفسانية ، كان ~~قبولها لما يفعل فيها البدن من المزاج على حسب ما في طبيعتها أن تقبله ، لا ~~على حسب ما في طبيعة الأجسام أن تقبل المزاجات. فان الجسم الرطب ، متى فعل ~~رطوبة في جسم ما ، قبل الجسم المنفعل الرطوبة ، فصار رطبا مثل الأول. وهذه ~~القوة ، متى ms42 فعل فيها رطوبة أو أدنيت اليها رطوبة ، لم تصر رطبة ، بل تقبل ~~تلك الرطوبة بما تحاكيها من المحسوسات. كما أن القوة الناطقة ، متى قبلت ~~الرطوبة ، فإنها انما تقبل ماهية الرطوبة بأن تعقلها ، ليست PageV01P104 # الرطوبة نفسها؛ كذلك هذه القوة ، متى فعل فيها شيء ، قبلت ذلك عن الفاعل ~~على حسب ما في جوهرها واستعدادها أن تقبل ذلك . # فأي شيء ما فعل فيها ، فإنها ان كان في جوهرها أن تقبل ذلك الشيء ، وكان ~~مع ذلك في جوهرها أن تقبله كما ألقي إليها ، قبلت ذلك بوجهين : أحدهما بأن ~~تقبله كما هو وكما ألقي إليها ، والثاني بأن تحاكي ذلك الشيء بالمحسوسات ~~التي شأنها أن تحاكي ذلك الشيء. وان كان في جوهرها أن لا تقبل الشيء كما هو ~~، قبلت ذلك بأن تحاكي ذلك الشيء بالمحسوسات التي تصادفها عندها مما شأنها ~~أن تحاكي ذلك الشيء. ولأنها ليس لها أن تقبل المعقولات معقولات ، فان القوة ~~الناطقة ، متى أعطتها المعقولات التي حصلت لديها ، لم تقبلها كما هي في ~~القوة الناطقة ، لكن تحاكيها بما تحاكيها من المحسوسات. ومتى أعطاها البدن ~~المزاج الذي يتفق أن يكون له في وقت ما ، قبلت ذلك المزاج بالمحسوسات التي ~~تتفق عندها مما شأنها أن تحاكي ذلك المزاج . ومتى أعطيت شيئا شأنه أن يحس ، ~~قبلت ذلك أحيانا كما أعطيت ، وأحيانا بأن تحاكي ذلك المحسوس بمحسوسات اخر ~~تحاكيه . # وإذا صادفت (المخيلة) القوة النزوعية مستعدة استعدادا قريبا لكيفية (ما ~~أو هيئة) ، مثل غضب أو شهوة أو لانفعال ما بالجملة ، حاكت القوة النزوعية ~~بتركيب الأفعال التي شأنها أن تكون عن تلك الملكة التي PageV01P105 # توجد في القوة النزوعية معدة ، في ذلك الوقت ، لقبولها. ففي مثل هذا ، ~~ربما أنهضت القوى الرواضع الأعضاء الخادمة لأن تفعل في الحقيقة الأفعال ~~التي شأنها أن تكون بتلك الأعضاء عند ما تكون في القوة النزوعية تلك ~~الأفعال. فتكون القوة المتخيلة بهذا الفعل ، أحيانا ، تشبه الهازل ، ~~وأحيانا تشبه الميت. ثم ليس بهذا فقط ، ولكن إذا كان مزاج البدن مزاجا شأنه ~~أن يتبع ذلك المزاج انفعال ما في ms43 القوة النزوعية ، حاكت ذلك المزاج بأفعال ~~القوة النزوعية الكائنة عن ذلك الانفعال ، وذلك من قبل أن يحصل ذلك ~~الانفعال. فتنهض الأعضاء التي فيها القوة الخادمة للقوة النزوعية ، نحو تلك ~~الأفعال بالحقيقة. من ذلك ، أن مزاج البدن إذا صار مزاجا شأنه أن يتبع ذلك ~~المزاج في القوة النزوعية شهوة النكاح ، حاكت (المتخيلة) ذلك المزاج بأفعال ~~النكاح؛ فتنهض أعضاء هذا الفعل للاستعداد نحو فعل النكاح ، لا عن شهوة ~~حاصلة في ذلك الوقت ، لكن لمحاكاة القوة المتخيلة للشهوة بافعال تلك ~~الشهوة. وكذلك في سائر الانفعالات ، وكذلك ربما قام الانسان من نومه فضرب ~~آخر ، أو قام ففر من غير أن يكون هناك وارد من خارج. فيقوم ما تحاكيه القوة ~~المتخيلة من ذلك الشيء مقام ذلك الشيء لو حصل في الحقيقة . # وتحاكي أيضا القوة الناطقة بأن تحاكي ما حصل فيها من المعقولات بالأشياء ~~التي شأنها أن تحاكي بها المعقولات. فتحاكي المعقولات التي PageV01P106 # في نهاية الكمال ، مثل السبب الأول والأشياء المفارقة للمادة والسماوات ، ~~بأفضل المحسوسات وأكملها ، مثل الأشياء الحسنة المنظر. (وتحاكي) المعقولات ~~الناقصة بأخس المحسوسات وأنقصها ، مثل الأشياء القبيحة المنظر. وكذلك تحاكي ~~تلك (القوة) سائر المحسوسات اللذيذة المنظر . # والعقل الفعال ، لما كان هو السبب في أن تصير به المعقولات التي هي ~~بالقوة معقولات بالفعل ، وأن يصير ما هو عقل بالقوة عقلا بالفعل ، وكان ما ~~سبيله أن يصير عقلا بالفعل هي القوة الناطقة ، وكانت الناطقة ضربين : ضربا ~~نظريا وضربا عمليا ، وكانت العملية هي التي شأنها أن تفعل الجزئيات الحاضرة ~~والمستقبلة ، والنظرية هي التي شأنها أن تعقل المعقولات التي شأنها أن تعلم ~~، وكانت القوة المتخيلة مواصلة لضربي القوة الناطقة ، فان الذي تنال القوة ~~الناطقة عن العقل الفعال وهو الشيء الذي منزلته الضياء من البصر قد يفيض ~~منه على القوة المتخيلة. فيكون للعقل الفعال في القوة المتخيلة فعل ما ، ~~تعطيه أحيانا المعقولات التي شأنها أن تحصل في الناطقة النظرية ، وأحيانا ~~الجزئيات المحسوسات التي شأنها أن تحصل في الناطقة العملية ، فتقبل (القوة ~~المتخيلة) المعقولات بما يحاكيها من المحسوسات التي تركبها ms44 هي. وتقبل ~~الجزئيات أحيانا بأن تتخيلها كما هي ، وأحيانا بأن تحاكيها بمحسوسات أخر ، ~~وهذه هي التي شأن الناطقة العملية أن PageV01P107 # تعملها بالروية. فمنها حاضرة ، ومنها كائنة في المستقبل. إلا أن ما يحصل ~~للقوة المتخيلة من هذه كلها ، بلا توسط روية. فلذلك يحصل في هذه الأشياء ~~بعد أن يستنبط بالروية. فيكون ما يعطيه العقل الفعال للقوة المتخيلة من ~~الجزئيات ، بالمنامات والرؤيات الصادقة؛ وبما يعطيها من المعقولات التي ~~تقبلها بأن يأخذ محاكاتها مكانها بالكهانات على الأشياء الإلهية. وهذه كلها ~~قد تكون في النوم ، وقد تكون في اليقظة إلا أن التي تكون في اليقظة قليلة ~~وفي الأقل من الناس ، فأما التي في النوم فأكثرها الجزئيات ، وأما ~~المعقولات فقليلة . PageV01P108 ### | الباب الخامس والعشرون: القول في الوحي ورؤية الملك # وذلك : أن القوة المتخيلة إذا كانت في انسان ما قوية كاملة جدا ، وكانت ~~المحسوسات الواردة عليها من خارج لا تستولي عليها استيلاء يستغرقها بأسرها ~~، ولا اخدمتها للقوة الناطقة ، بل كان فيها ، مع اشتغالها بهذين ، فضل كثير ~~تفعل به أيضا أفعالها التي تخصها ، وكانت حالها عند اشتغالها بهذين في وقت ~~اليقظة مثل حالها عند تحللها منهما في وقت النوم ، و(لما كان) كثير من هذه ~~التي يعطيها العقل الفعال ، فتتخيلها القوة المتخيلة بما تحاكيها من ~~المحسوسات المرئية ، فان تلك المتخيلة تعود فترتسم في القوة الحاسة . # فإذا حصلت رسومها في الحاسة المشتركة ، انفعلت عن تلك الرسوم القوة ~~الباصرة ، فارتسمت فيها تلك ، فيحصل عما في القوة PageV01P109 # الباصرة منها رسوم تلك في الهواء المضيء المواصل للبصر المنجاز بشعاع ~~البصر. فإذا حصلت تلك الرسوم في الهواء عاد ما في الهواء ، فيرتسم من رأس ~~في القوة الباصرة التي في العين ، وينعكس ذلك إلى الحاس المشترك والى القوة ~~المتخيلة. ولأن هذه كلها متصلة بعضها ببعض ، فيصير ، ما أعطاه العقل الفعال ~~من ذلك ، مرئيا لهذا الانسان. # فإذا اتفق أن كانت التي حاكت بها القوة المتخيلة أشياء محسوسات في نهاية ~~الجمال والكمال ، قال الذي يرى ذلك أن لله عظمة جليلة عجيبة ، ورأى أشياء ~~عجيبة لا يمكن وجود ms45 شيء منها في سائر الموجودات أصلا. ولا يمتنع أن يكون ~~الانسان ، إذا بلغت قوته المتخيلة نهاية الكمال ، فيقبل ، في يقظته ، عن ~~العقل الفعال ، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة ، أو محاكياتها من المحسوسات ، ~~ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة ، ويراها. فيكون ~~له ، بما قبله من المعقولات ، نبوة بالأشياء الالهية. فهذا هو أكمل المراتب ~~التي تنتهي إليها القوة المتخيلة ، وأكمل المراتب التي يبلغها الانسان ~~بقوته المتخيلة . # ودون هذا : من يرى جميع هذه ، بعضها في يقظته ، وبعضها في نومه؛ ومن ~~يتخيل في نفسه هذه الأشياء كلها لا يراها ببصره. ودون هذا من يرى جميع هذه ~~في نومه فقط. وهؤلاء تكون أقاويلهم التي يعبرون بها أقاويل محاكية ورموزا ~~وألغازا وابدالات وتشبيهات. PageV01P110 # ثم يتفاوت هؤلاء تفاوتا كثيرا : فمنهم من يقبل الجزئيات ويراها في اليقظة ~~فقط ولا يقبل المعقولات؛ ومنهم من يقبل المعقولات ويراها في اليقظة ، ولا ~~يقبل الجزئيات؛ ومنهم من يقبل بعضها ويراها دون بعض؛ ومنهم من يرى شيئا في ~~يقظته ولا يقبل بعض هذه في نومه؛ ومنهم من لا يقبل شيئا في يقظته ، بل إنما ~~يقبل ما يقبل في نومه فقط ، فيقبل في نومه الجزئيات ولا يقبل المعقولات ، ~~ومنهم من يقبل شيئا من هذه وشيئا من هذه؛ ومنهم من يقبل شيئا من الجزئيات ~~فقط؛ وعلى هذا يوجد الأكثر. والناس أيضا يتفاضلون في هذا . # وكل هذه معاونة للقوة الناطقة. وقد تعرض عوارض يتغير بها مزاج الانسان ، ~~فيصير بذلك معدا لأن يقبل عن العقل الفعال بعض هذه في وقت اليقظة أحيانا ، ~~وفي النوم أحيانا. فبعضهم يبقى ذلك فيهم زمانا ، وبعضهم إلى وقت ما ثم ~~يزول. وقد تعرض أيضا للانسان عوارض ، فيفسد بها مزاجه وتفسد تخاييله؛ فيرى ~~أشياء مما تركبه القوة المتخيلة على تلك الوجوه مما ليس لها وجود ، ولا هي ~~محاكاة لموجود. وهؤلاء الممرورون والمجانين وأشباههم . PageV01P111 ### | الباب السادس والعشرون: القول في احتياج الانسان إلى الاجتماع والتعاون # وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج ، في قوامه ، وفي أن يبلغ أفضل ~~كمالاته ، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن ms46 يقوم بها كلها هو وحده ، بل يحتاج ~~إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد من كل واحد ~~بهذه الحال. فلذلك لا يمكن أن يكون الانسان ينال الكمال ، الذي لأجله جعلت ~~الفطرة الطبيعية ، الا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين ، يقوم كل واحد لكل ~~واحد ببعض ما يحتاج إليه في قوامه؛ فيجتمع ، مما يقوم به جملة الجماعة لكل ~~واحد ، جميع ما يحتاج إليه في قوامه وفي أن يبلغ الكمال. ولهذا كثرت أشخاص ~~الانسان ، فحصلوا في المعمورة من الأرض ، فحدثت منها الاجتماعات الانسانية . # فمنها الكاملة ، ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث : عظمى ووسطى وصغرى. PageV01P112 # فالعظمى ، اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة؛ والوسطى ، اجتماع أمة في ~~جزء من المعمورة؛ والصغرى ، اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة . # وغير الكاملة : اجتماع أهل القرية ، واجتماع أهل المحلة ، ثم اجتماع في ~~سكة ، ثم اجتماع في منزل. وأصغرها المنزل. والمحلة والقرية هما جميعا لأهل ~~المدينة؛ الا أن القرية للمدينة على أنها خادمة للمدينة؛ والمحلة للمدينة ~~على أنها جزؤها. والسكة جزء المحلة؛ والمنزل جزء السكة؛ والمدينة جزء مسكن ~~أمة والأمة جزء جملة أهل المعمورة . # فالخير الأفضل والكمال الأقصى انما ينال أولا بالمدينة ، لا باجتماع الذي ~~هو أنقص منها. ولما كان شأن الخير في الحقيقة أن يكون ينال بالاختيار ~~والارادة ، وكذلك الشرور انما تكون بالارادة والاختيار ، أمكن أن تجعل ~~المدينة للتعاون على بلوغ بعض الغايات التي هي شرور؛ فلذلك كل مدينة يمكن ~~أن ينال بها السعادة. فالمدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على ~~الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة ، هي المدينة الفاضلة. والاجتماع ~~الذي به يتعاون على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل. والأمة التي تتعاون ~~مدنها كلها على ما تنال به السعادة هي الأمة الفاضلة. وكذلك المعمورة ~~الفاضلة ، انما تكون إذا كانت الأمم التي فيها تتعاون على بلوغ السعادة . PageV01P113 # والمدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح ، الذي تتعاون أعضاؤه كلها على ~~تتميم حياة الحيوان ، وعلى حفظها عليه. وكما أن البدن أعضاؤه مختلفة ~~متفاضلة الفطرة والقوى ، وفيها ms47 عضو واحد رئيس وهو القلب ، وأعضاؤه تقرب ~~مراتبها من ذلك الرئيس ، وكل واحد منها جعلت فيه بالطبع قوة يفعل بها فعله ~~، ابتغاء لما هو بالطبع غرض ذلك العضو الرئيس ، وأعضاء أخر فيها قوى تفعل ~~أفعالها على حسب أغراض هذه التي ليس بينها وبين الرئيس واسطة فهذه في ~~الرتبة الثانية وأعضاء أخر تفعل الأفعال على حسب غرض هؤلاء الذين في هذه ~~المرتبة الثانية ، ثم هكذا إلى أن تنتهي إلى أعضاء تخدم ولا ترؤس أصلا. ~~وكذلك المدينة ، أجزاؤها مختلفة الفطرة ، متفاضلة الهيئات. وفيها انسان هو ~~رئيس ، وأخر يقرب مراتبها من الرئيس. وفي كل واحد منها هيئة وملكة يفعل بها ~~فعلا يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرئيس. وهؤلاء هم أولو المراتب الأول. ودون ~~هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض هؤلاء ، وهؤلاء هم في الرتبة ~~الثانية. ودون هؤلاء أيضا من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء. ثم هكذا ~~تترتب أجزاء المدينة إلى أن تنتهي إلى أخر يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم ~~، فيكون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا يخدمون ، ويكونون في أدنى المراتب ، ~~ويكونون هم الأسفلين . # غير أن أعضاء البدن طبيعية ، والهيئات التي لها قوى طبيعية PageV01P114 # وأجزاء المدينة ، وان كانوا طبيعيين ، فإن الهيئات والملكات التي يفعلون ~~بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية ، بل ارادية. على أن أجزاء المدينة ~~مفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح بها انسان لانسان ، لشيء دون شيء. غير ~~أنهم ليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهم وحدها ، بل بالملكات الارادية ~~التي تحصل لها ، وهي الصناعات وما شاكلها. والقوى التي هي أعضاء البدن ~~بالطبع ، فان نظائرها في أجزاء المدينة ملكات وهيئات ارادية . PageV01P115 ### | الباب السابع والعشرون: القول في العضو الرئيس # وكما أن العضو الرئيس في البدن هو بالطبع أكمل أعضائه وأتمها في نفسه ~~وفيما يخصه ، وله من كل ما يشارك فيه عضو آخر أفضله؛ ودونه أيضا أعضاء أخرى ~~رئيسة لما دونها ، ورئاستها دون رئاسة الأول ، وهي تحت رئاسة الأول ترأس ~~وترأس؛ كذلك رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة فيما يخصه ، وله من كل ما ~~شارك ms48 فيه غيره أفضله. ودونه قوم مرءوسون منه ويرؤسون آخرين . # وكما أن القلب يتكون أولا ، ثم يكون هو السبب في أن يكون سائر أعضاء ~~البدن ، والسبب في أن تحصل لها قواها وأن تترتب مراتبها ، فإذا اختل منها ~~عضو كان هو المرفد بما يزيل عنه ذلك الاختلال ، كذلك رئيس هذه المدينة ~~ينبغي أن يكون هو أولا ، ثم يكون هو السبب في أن تحصل المدينة وأجزاؤها ، ~~والسبب في أن تحصل الملكات الارادية PageV01P116 # التي لأجزائها في أن تترتب مراتبها؛ وإن اختل منها جزء كان هو المرفد له ~~بما يزيل عنه اختلاله . # وكما أن الأعضاء التي تقرب من العضو الرئيس تقوم من الأفعال الطبيعية ~~التي هي على حسب غرض الرئيس الأول بالطبع بما هو أشرف ، وما هو دونها من ~~الأعضاء يقوم بالأفعال بما هو دون ذلك في الشرف ، إلى أن ينتهي إلى الأعضاء ~~التي يقوم بها من الأفعال أخسها؛ كذلك الأجزاء التي تقرب في الرئاسة من ~~رئيس المدينة تقوم من الأفعال الارادية بما هو أشرف ومن دونهم بما هو دون ~~ذلك في الشرف ، إلى أن ينتهي إلى الأجزاء التي تقوم من الأفعال بأخسها . # وخسة الأفعال ربما كانت بخسة موضوعاتها ، فإن كانت تلك الأفعال عظيمة ~~الغناء ، مثل فعل المثانة وفعل الأمعاء السفلى في البدن؛ وربما كانت لقلة ~~غنائها؛ وربما كانت لأجل أنها كانت سهلة جدا؛ كذلك (الحال) في المدينة. ~~وكذلك كل جملة كانت أجزاؤها مؤتلفة منتظمة مرتبطة بالطبع ، فان لها رئيسا ~~حاله من سائر الأجزاء هذه الحال. # وتلك أيضا حال الموجودات. فان السبب الأول نسبته إلى سائر الموجودات ~~كنسبة ملك المدينة الفاضلة إلى سائر أجزائها. فإن البريئة من المادة تقرب ~~من الأول ، ودونها الأجسام السماوية ، ودون السماوية PageV01P117 # الأجسام الهيولانية. وكل هذه تحتذي حذو السبب الأول وتؤمه وتقتفيه؛ ويفعل ~~ذلك كل موجود بحسب قوته. الا أنها انما تقتفي الغرض بمراتب ، وذلك أن الأخس ~~يقتفي غرض ما هو فوقه قليلا ، وذلك يقتفي غرض ما هو فوقه ، وأيضا كذلك ~~للثالث غرض ما هو فوقه ، إلى أن تنتهي إلى التي ms49 ليس بينها وبين الأول واسطة ~~أصلا. فعلى هذا الترتيب تكون الموجودات كلها تقتفي غرض السبب الأول. فالتي ~~أعطيت كل ما به وجودها من أول الأمر ، فقد احتذى بها من أول أمرها حذو ~~الأول ومقصده ، فعادت وصارت في المراتب العالية. وأما التي لم تعط من أول ~~الأمر كل ما به وجودها ، فقد أعطيت قوة تتحرك بها نحو ذلك الذي تتوقع نيله ~~، وتقتفي في ذلك ما هو غرض الأول. وكذلك ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة : ~~فإن أجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذو مقصد رئيسها الأول على ~~الترتيب . # ورئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي انسان اتفق ، لأن الرئاسة ~~انما تكون بشيئين : أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معدا لها ، والثاني ~~بالهيئة والملكة الارادية. والرئاسة تحصل لمن فطر بالطبع معدا لها. فليس كل ~~صناعة يمكن أن يرأس بها ، بل أكثر الصنائع صنائع يخدم بها في المدينة ، ~~وأكثر الفطر هي فطر الخدمة. وفي الصنائع صنائع يرأس بها ويخدم بها صنائع ~~أخر ، وفيها صنائع يخدم بها فقط PageV01P118 # ولا يرأس بها أصلا. فكذلك ليس يمكن أن تكون صناعة رئاسة المدينة الفاضلة ~~أية صناعة ما اتفقت ، ولا أية ملكة ما اتفقت . # وكما أن الرئيس الأول في جنس لا يمكن أن يرأسه شيء من ذلك الجنس ، مثل ~~رئيس الأعضاء ، فإنه هو الذي لا يمكن أن يكون عضو آخر رئيسا عليه؛ وكذلك في ~~كل رئيس في الجملة. كذلك الرئيس الأول للمدينة الفاضلة ينبغي أن تكون ~~صناعته صناعة لا يمكن أن يخدم بها أصلا ، ولا يمكن فيها أن ترأسها صناعة ~~أخرى أصلا. بل تكون صناعته صناعة نحو غرضها تؤم الصناعات كلها ، واياه يقصد ~~بجميع أفعال المدينة الفاضلة. ويكون ذلك الانسان انسانا لا يكون يرأسه ~~انسان أصلا؛ وانما يكون ذلك الانسان انسانا قد استكمل ، فصار عقلا ومعقولا ~~بالفعل. وقد استكملت قوته المتخيلة بالطبع غاية الكمال على ذلك الوجه الذي ~~قلنا ، وتكون هذه القوة منه معدة بالطبع لتقبل ، إما في وقت اليقظة أو في ~~وقت النوم ، عن العقل الفعال الجزئيات ، إما ms50 بأنفسها وإما بما يحاكيها ، ثم ~~المعقولات بما يحاكيها. وأن يكون عقله المنفعل قد استكمل بالمعقولات كلها ، ~~حتى لا يكون ينفي عليه منها شيء ، وصار عقلا بالفعل . # فأي انسان استكمل عقله المنفعل بالمعقولات كلها ، وصار عقلا بالفعل ~~ومعقولا بالفعل ، وصار المعقول منه هو الذي يعقل ، حصل له حينئذ عقل ما ~~بالفعل رتبته فوق العقل المنفعل ، أتم وأشد مفارقة PageV01P119 # للمادة ، ومقاربة من العقل الفعال ، ويسمى العقل المستفاد ، ويصير متوسطا ~~بين العقل المنفعل وبين العقل الفعال ، ولا يكون بينه وبين العقل الفعال ~~شيء آخر. فيكون العقل المنفعل كالمادة والموضوع للعقل المستفاد ، والعقل ~~المستفاد كالمادة والموضوع للعقل الفعال. والقوة الناطقة ، التي هي هيئة ~~طبيعية ، تكون مادة موضوعة للعقل الفعال الذي هو بالفعل عقل . # وأول الرتبة التي بها الانسان انسان هو أن تحصل الهيئة الطبيعية القابلة ~~المعدة لأن يصير عقلا بالفعل. وهذه هي المشتركة للجميع؛ فبينها وبين العقل ~~الفعال رتبتان (هما) : أن يحصل العقل المنفعل بالفعل ، وأن يحصل العقل ~~المستفاد. وبين هذا الانسان الذي بلغ هذا المبلغ من أول رتبة الانسانية ~~وبين العقل الفعال رتبتان. واذا جعل العقل المنفعل الكامل والهيئة الطبيعية ~~كشيء واحد ، على مثال ما يكون المؤتلف من المادة والصورة شيئا واحدا ، وإذا ~~أخذ هذا الانسان صورة انسانية ، هو العقل المنفعل الحاصل بالفعل ، كان بينه ~~وبين العقل الفعال رتبة واحدة فقط. وإذا جعلت الهيئة الطبيعية مادة العقل ~~المنفعل [الذي صار عقلا بالفعل] ، والمنفعل مادة المستفاد ، والمستفاد مادة ~~العقل الفعال ، وأخذت جملة ذلك كشيء واحد ، كان هذا الانسان هو الانسان ~~الذي حل فيه العقل الفعال . PageV01P120 # وإذا حصل ذلك في كلا جزئي قوته الناطقة ، وهما النظرية والعملية ، ثم في ~~قوته المتخيلة ، كان هذا الانسان هو الذي يوحى إليه. فيكون الله ، عز وجل ، ~~يوحي إليه بتوسط العقل الفعال ، فيكون ما يفيض من الله ، تبارك وتعالى ، ~~إلى العقل الفعال يفيضه العقل الفعال إلى عقله المنفعل بتوسط العقل ~~المستفاد ، ثم إلى قوته المتخيلة. فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل ~~حكيما فيلسوفا ومتعقلا على التمام وبما يفيض منه ms51 إلى قوته المتخيلة نبيا ~~منذرا بما سيكون ومخبرا بما هو الآن (عن) الجزئيات ، بوجود يعقل فيه ~~الإلهي. وهذا الانسان هو في أكمل مراتب الانسانية وفي أعلى درجات السعادة. ~~وتكون نفسه كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا. وهذا الانسان ~~هو الذي يقف على كل فعل يمكن أن يبلغ به السعادة. فهذا أول شرائط الرئيس. ~~ثم أن يكون له مع ذلك قدرة بلسانه على جودة التخيل بالقول لكل ما يعلمه ، ~~وقدرة على جودة الارشاد إلى السعادة ، وإلى الأعمال التي بها تبلغ السعادة ~~، وأن يكون له مع ذلك جودة ثبات ببدنه لمباشرة أعمال الجزئيات . PageV01P121 ### | الباب الثامن والعشرون: القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة # خصال الرئيس الأول # فهذا هو الرئيس الذي لا يرأسه انسان آخر أصلا. وهو الامام ، وهو الرئيس ~~الأول للمدينة الفاضلة ، وهو رئيس الأمة الفاضلة ، ورئيس المعمورة من الأرض ~~كلها. ولا يمكن أن تصير هذه الحال الا لمن اجتمعت فيه بالطبع اثنتا عشرة ~~خصلة قد فطر عليها : # أحدها أن يكون تام الأعضاء ، قواها مؤاتية أعضاءها على الأعمال التي ~~شأنها أن تكون بها؛ ومتى هم بعضو ما من أعضائه عملا يكون به فأتى عليه ~~بسهولة . # ثم أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكل ما يقال له ، فيلقاه بفهمه على ~~ما يقصده القائل ، وعلى حسب الأمر في نفسه . PageV01P122 # ثم أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ولما يراه ولما يسمعه ولما يدركه ، وفي ~~الجملة لا يكاد ينساه . # ثم أن يكون جيد الفطنة ، ذكيا ، إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على ~~الجهة التي دل عليها الدليل . # ثم أن يكون حسن العبارة ، يؤاتيه لسانه على ابانة كل ما يضمره ابانة تامة . # ثم أن يكون محبا للتعليم والاستفادة ، منقادا له ، سهل القبول ، لا يؤلمه ~~تعب التعليم ، ولا يؤذيه الكد الذي ينال منه . # ثم أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح ، متجنبا بالطبع للعب ~~، مبغضا للذات الكائنة عن هذه . # ثم أن يكون محبا للصدق وأهله ، مبغضا للكذب وأهله . # ثم أن يكون كبير النفس ، محبا للكرامة ms52 : تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين ~~من الأمور ، وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها . # ثم أن يكون الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا هينة عنده . PageV01P123 # ثم أن يكون بالطبع محبا للعدل وأهله ، ومبغضا للجور والظلم وأهلهما ، ~~يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه ، ويؤتي من حل به الجور مؤاتيا لكل ~~ما يراه حسنا وجميلا ، ثم أن يكون عدلا غير صعب القياد ، ولا جموحا ولا ~~لجوجا إذا دعي إلى العدل ، بل صعب القياد إذا دعي إلى الجور وإلى القبيح . # ثم أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل ، جسورا ~~عليه ، مقداما غير خائف ، ولا ضعيف النفس . # خصال الرئيس الثاني # واجتماع هذه كلها في انسان واحد عسر؛ فلذلك لا يوجد من فطر على هذه ~~الفطرة إلا الواحد بعد الواحد ، والأقل من الناس. فان وجد مثل هذا في ~~المدينة الفاضلة ثم حصلت فيه ، بعد أن يكبر ، تلك الشرائط الست المذكورة ~~قبل أو الخمس منها دون الانداد من جهة المتخيلة كان هو الرئيس. وان اتفق أن ~~لا يوجد مثله في وقت من الأوقات ، أخذت الشرائع والسنن التي شرعها هذا ~~الرئيس وأمثاله ، ان كانوا توالوا في المدينة ، فأثبتت. ويكون الرئيس ~~الثاني الذي يخلف الأول من اجتمعت فيه من مولده وصباه تلك الشرائط ، ويكون ~~بعد كبره ، فيه ست شرائط . PageV01P124 # أحدها أن يكون حكيما . # والثاني أن يكون عالما حافظا للشرائع والسنن والسير التي دبرها الأولون ~~للمدينة ، محتذيا بأفعاله كلها حذو تلك بتمامها . # والثالث أن يكون له جودة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة ، ~~ويكون فيما يستنبطه من ذلك محتذيا حذو الأئمة الأولين . # والرابع أن يكون له جودة روية وقوة استنباط لما سبيله أن يعرف في وقت من ~~الأوقات الحاضرة من الأمور والحوادث التي تحدث مما ليس سبيلها أن يسير فيه ~~الأولون ، ويكون متحريا بما يستنبطه من ذلك صلاح حال المدينة . # والخامس أن يكون له جودة ارشاد بالقول إلى شرائع الأولين ، وإلى التي ~~استنبط بعدهم مما احتذى فيه حذوهم . # والسادس أن ms53 يكون له جودة ثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب ، وذلك أن ~~يكون معه الصناعة الحربية الخادمة والرئيسة . # فإذا لم يوجد انسان واحد اجتمعت فيه هذه الشرائط ولكن وجد اثنان ، أحدهما ~~حكيم ، والثاني فيه الشرائط الباقية ، كانا هما PageV01P125 # رئيسين في هذه المدينة. فإذا تفرقت هذه في جماعة ، وكانت الحكمة في واحد ~~والثاني في واحد والثالث في واحد والرابع في واحد والخامس في واحد والسادس ~~في واحد ، وكانوا متلائمين ، كانوا هم الرؤساء الأفاضل. فمتى اتفق في وقت ~~ما أن لم تكن الحكمة جزء الرئاسة وكانت فيها سائر الشرائط ، بقيت المدينة ~~الفاضلة بلا ملك ، وكان الرئيس القائم بأمر هذه المدينة ليس بملك. وكانت ~~المدينة تعرض للهلاك. فإن لم يتفق أن يوجد حكيم تضاف الحكمة إليه ، لم تلبث ~~المدينة بعد مدة أن تهلك . PageV01P126 ### | الباب التاسع والعشرون: القول في مضادات المدينة الفاضلة # والمدينة الفاضلة تضادها المدينة الجاهلة ، والمدينة الفاسقة ، والمدينة ~~المتبدلة ، والمدينة الضالة. ويضادها أيضا من أفراد الناس نوائب المدن. # المدينة الجاهلة # والمدينة الجاهلة هي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم. ان ~~ارشدوا إليها فلم يفهموها ولم يعتقدوها ، وإنما عرفوا من الخيرات بعض هذه ~~التي هي مظنونة في الظاهر أنها خيرات من التي تظن أنها هي الغايات في ~~الحياة ، هي سلامة الأبدان واليسار والتمتع باللذات ، وأن يكون مخلى هواه ~~وأن يكون مكرما ومعظما. فكل واحد من هذه سعادة عند أهل الجاهلة. والسعادة ~~العظمى الكاملة هي PageV01P127 # اجتماع هذه كلها. وأضدادها هي الشقاء ، وهي آفات الأبدان والفقر وأن لا ~~يتمتع باللذات ، وأن لا يكون مخلى هواه وأن لا يكون مكرما. # وهي تنقسم إلى جماعة مدن ، منها : # أالمدينة الضرورية ، وهي التي قصد أهلها الاقتصار على الضروري مما به ~~قوام الأبدان من المأكول والمشروب والملبوس والمسكون والمنكوح ، والتعاون ~~على استفادتها. # ب والمدينة البدالة هي التي قصد أهلها أن يتعاونوا على بلوغ اليسار ~~والثروة ، ولا ينتفعوا باليسار في شيء آخر ، لكن على أن اليسار هو الغاية ~~في الحياة. # ج ومدينة الخسة والسقوط ، وهي التي قصد أهلها التمتع باللذة ms54 من المأكول ~~والمشروب والمنكوح ، وبالجملة اللذة من المحسوس والتخيل وايثار الهزل ~~واللعب بكل وجه ومن كل نحو. # د ومدينة الكرامة ، وهي التي قصد أهلها على أن يتعاونوا على أن يصيروا ~~مكرمين ممدوحين مذكورين مشهورين بين الأمم ، ممجدين معظمين بالقول والفعل ، ~~ذوي فخامة وبهاء ، إما عند غيرهم وإما بعضهم عند بعض ، كل انسان على مقدار ~~محبته لذلك ، أو مقدار ما أمكنه بلوغه منه. # ه ومدينة التغلب ، وهي التي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم ، ~~الممتنعين أن يقهرهم غيرهم ، ويكون كدهم اللذة التي تنالهم من الغلبة فقط. PageV01P128 # ووالمدينة الجماعية ، هي التي قصد أهلها أن يكونوا أحرارا ، يعمل كل واحد ~~منهم ما شاء ، لا يمنع هواه في شيء أصلا. # وملوك الجاهلة على عهد مدنها ، أن يكون كل واحد منهم انما يدبر المدينة ~~التي هو مسلط عليها ليحصل هواه وميله. وهمم الجاهلة التي يمكن أن تجعل ~~غايات هي تلك التي أحصيناها آنفا. # المدينة الفاسقة # وأما المدينة الفاسقة ، وهي التي آراؤها الآراء الفاضلة ، وهي التي تعلم ~~السعادة والله عز وجل والثواني والعقل الفعال ، وكل شيء سبيله أن يعلمه أهل ~~المدينة الفاضلة ويعتقدونها ، ولكن تكون أفعال أهلها أفعال أهل المدن ~~الجاهلة . # المدينة المبدلة # والمدينة المبدلة ، فهي التي كانت آراؤها وأفعالها في القديم آراء ~~المدينة الفاضلة وأفعالها ، غير أنها تبدلت فدخلت فيها آراء غير تلك ، ~~واستحالت أفعالها إلى غير تلك . # المدينة الضالة # والمدينة الضالة ، هي التي تظن بعد حياتها هذه السعادة ، ولكن غيرت هذه ، ~~وتعتقد في الله عز وجل وفي الثواني وفي العقل PageV01P129 # الفعال آراء فاسدة لا يصلح عليها (حتى) ولا ان أخذت على أنها تمثيلات ~~وتخيلات لها ، ويكون رئيسها الأول ممن أوهم أنه يوحى إليه من غير أن يكون ~~كذلك ، ويكون قد استعمل في ذلك التمويهات والمخادعات والغرور . # وملوك هذه المدن مضادة لملوك المدن الفاضلة ، ورئاستهم مضادة للرئاسات ~~الفاضلة ، وكذلك سائر من فيها. وملوك المدن الفاضلة الذين يتوالون في ~~الأزمنة المختلفة واحدا بعد آخر فكلهم كنفس واحدة ، وكأنهم ملك واحد يبقى ~~الزمان كله. وكذلك ان اتفق ms55 منهم جماعة في وقت واحد ، إما في مدينة واحدة ، ~~وإما في مدن كثيرة ، فان جماعتهم كملك واحد ، ونفوسهم كنفس واحدة ، وكذلك ~~أهل كل رتبة منها ، متى توالوا في الأزمان المختلفة ، فكلهم كنفس واحدة ~~تبقى الزمان كله. وكذلك إن كان في وقت واحد جماعة من أهل رتبة واحدة ، ~~وكانوا في مدينة واحدة أو مدن كثيرة ، فان نفوسهم كنفس واحدة ، كانت تلك ~~الرتبة رتبة رئاسة أو رتبة خدمة . # وأهل المدينة الفاضلة لهم أشياء مشتركة يعلمونها ويفعلونها ، وأشياء أخر ~~من علم وعمل يخص كل رتبة وكل واحد منهم. انما يصير (كل واحد) في حد السعادة ~~بهذين ، أعني بالمشترك الذي له ولغيره معا ، وبالذي يخص أهل المرتبة التي ~~هو منها. فإذا فعل ذلك كل واحد منهم ، أكسبته أفعاله تلك هيئة نفسانية جيدة ~~فاضلة؛ وكلما PageV01P130 # دوام عليها أكثر ، صارت هيئته تلك أقوى وأفضل ، وتزايدت قوتها وفضيلتها. ~~كما أن المداومة على الأفعال الجيدة من أفعال الكتابة تكسب الانسان جودة ~~صناعة الكتابة ، وكلما داوم على تلك الأفعال أكثر صارت الصناعة التي بها ~~تكون تلك الأفعال أقوى وأفضل ، وتزيد قوتها وفضيلتها بتكرير أفعالها ، ~~ويكون الالتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانية أكثر ، واغتباط الانسان عليها ~~نفسه أكثر ، ومحبته لها أزيد. وتلك حال الأفعال التي ينال بها السعادة : ~~فانها كلما زيدت منها وتكررت وواظب الانسان عليها ، صيرت النفس التي شأنها ~~أن تسعد أقوى وأفضل وأكمل إلى أن تصير من حد الكمال إلى أن تستغني عن ~~المادة ، فتحصل متبرئة منها ، فلا تتلف بتلف المادة ، ولا اذا بقيت احتاجت ~~إلى مادة . # فإذا حصلت مفارقة للمادة ، غير متجسمة ، ارتفعت عنها الأعراض التي تعرض ~~للأجسام من جهة ما هي أجسام ، فلا يمكن فيها أن يقال إنها تتحرك ولا إنها ~~تسكن. وينبغي حينئذ أن يقال عليها الأقاويل التي تليق بما ليس بجسم. وكلما ~~وقع في نفس الانسان من شيء يوصف به الجسم بما هو جسم ، فينبغي أن يسلب عن ~~الأنفس المفارقة. و(أن) يفهم حالها هذه وتصورها عسير غير معتاد. وكذلك ~~يرتفع عنها كل ما كان يلحقها ms56 ويعرض لها بمقارنتها للأجسام. ولما كانت هذه ~~الأنفس التي فارقت ، أنفسا كانت في هيوليات مختلفة ، وكان تبين أن الهيئات ~~النفسانية تتبع مزاجات الأبدان ، بعضها أكثر PageV01P131 # وبعضها أقل ، وتكون كل هيئة نفسانية على نحو ما يوجبه مزاج البدن الذي ~~كانت فيه ، فهيئتها لزم فيها ضرورة أن تكون متغايرة لأجل التغير الذي فيها ~~كان. ولما كان تغاير الأبدان إلى غير نهاية محدودة ، كانت تغايرات الأنفس ~~أيضا إلى غير نهاية محدودة . PageV01P132 ### | الباب الثلاثون: القول في اتصال النفوس بعضها ببعض # وإذا مضت طائفة فبطلت أبدانها ، وخلصت أنفسها وسعدت؛ فخلفهم ناس آخرون في ~~مرتبتهم بعدهم ، قاموا مقامهم وفعلوا أفعالهم. فإذا مضت هذه أيضا وخلصت ~~صاروا أيضا في السعادة إلى مراتب أولئك الماضين ، واتصل كل واحد بشبيهه في ~~النوع والكمية والكيفية. ولأنها كانت ليست بأجسام صار اجتماعها ، ولو بلغ ~~ما بلغ ، غير مضيق بعضها على بعض مكانها ، إذ كانت ليست في أمكنة أصلا ، ~~فتلاقيها واتصال بعضها ببعض ليس على النحو الذي توجد عليه الأجسام . # وكلما كثرت الأنفس المتشابهة المفارقة ، واتصل بعضها ببعض ، وذلك على جهة ~~اتصال معقول بمعقول ، كان التذاذ كل واحد منها أزيد شديدا. وكلما لحق بهم ~~من بعدهم ، زاد التذاذ من لحق الآن PageV01P133 # بمصادفة الماضين ، وزادت لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم ، لأن كل ~~واحدة تعقل ذاتها وتعقل مثل ذاتها مرارا كثيرة ، فتزداد كيفية ما يعقل؛ ~~ويكون تزايد ما تلاقى هنك شبيها بتزايد قوة صناعة الكتابة بمداومة الكاتب ~~على أفعال الكتابة. ويقوم تلا حق بعض ببعض في تزايد كل واحد ، مقام ترادف ~~أفعال الكاتب التي بها تتزايد كتابته قوة وفضيلة. ولأن المتلاحقين (هم) إلى ~~غير نهاية ، يكون تزايد قوى كل واحد ولذاته على غابر الزمان إلى غير نهاية . # وتلك حال كل طائفة مضت. PageV01P134 ### | الباب الحادي والثلاثون: القول في الصناعات والسعادات # والسعادات تتفاضل بثلاثة أنحاء : بالنوع ، والكمية ، والكيفية. وذلك شبيه ~~بتفاضل الصنائع هاهنا. # فتفاضل الصنائع بالنوع هو أن تكون صناعات مختلفة بالنوع ، وتكون إحداها ~~أفضل من الأخرى ، مثل الحياكة وصناعة البز وصناعة العطر وصناعة الكناسة ، ~~ومثل ms57 صناعة الرقص وصناعة الفقه ، ومثل الحكمة والخطابة. فبهذه الأنحاء ~~تتفاضل الصنائع التي أنواعها مختلفة . # وأهل الصنائع التي من نوع واحد بالكمية أن يكون كاتبان مثلا ، علم أحدهما ~~من أجزاء صناعة الكتابة أكثر ، وآخر احتوى من أجزائها على أشياء أقل ، مثل ~~أن هذه الصناعة تلتئم باجتماع علم شيء من اللغة وشيء من الخطابة وشيء من ~~جودة الخط وشيء من الحساب ، PageV01P135 # فيكون بعضهم قد احتوى من هذه على جودة الخط مثلا وعلى شيء من الخطابة؛ ~~وآخر احتوى على اللغة وعلى شيء من الخطابة وعلى جودة الخط؛ وآخر على ~~الأربعة كلها . # والتفاضل في الكيفية هو أن يكون اثنان احتويا من أجزاء الكتابة على أشياء ~~بأعيانها ، ويكون أحدهما أقوى فيما احتوى عليه وأكثر دراية. فهذا هو ~~التفاضل في الكيفية . # والسعادات تتفاضل بهذه الأنحاء أيضا. # وأما أهل سائر المدن ، فان أفعالهم ، لما كانت رديئة ، أكسبتهم هيئات ~~نفسانية رديئة ، كما أن أفعال الكتابة متى كانت رديئة على غير ما شأن ~~الكتابة أن تكون عليها ، تكسب الانسان كتابة أسوأ رديئة ناقصة. وكلما ~~ازدادت من تلك الأفعال ازدادت صناعته نقصا. وكذلك الأفعال الرديئة من أفعال ~~سائر المدن تكسب أنفسهم هيئات رديئة ناقصة ، وكلما واظب واحد منهم على تلك ~~الأفعال ازدادت هيئته النفسانية نقصا ، فتصير أنفسهم مرضى. فلذلك ربما ~~التذوا بالهيئات التي يستفيدونها بتلك الأفعال ، كما أن مرضى الأبدان ، مثل ~~كثير من المحمومين ، لفساد مزاجهم ، يستلذون الأشياء التي ليس شأنها أن ~~يلتذ بها من الطعوم ، ويتأذون بالأشياء التي شأنها أن تكون لذيذة ، ولا ~~يحسون بطعوم الأشياء الحلوة التي من شأنها أن تكون لذيذة. كذلك مرضى الأنفس ~~، بفساد تخيلهم الذي اكتسبوه بالارادة والعادة ، PageV01P136 # يستلذون الهيئات الرديئة والأفعال الرديئة ، ويتأذون بالأشياء الجميلة ~~الفاضلة أو لا يتخيلونها أصلا. وكما أن في المرضى من لا يشعر بعلته ، وفيهم ~~من يظن مع ذلك أنه صحيح ، ويقوى ظنه بذلك حتى لا يصغي إلى قول طبيب أصلا؛ ~~كذلك من كان من مرضى الأنفس لا يشعر بمرضه ويظن مع ذلك أنه فاضل صحيح النفس ~~، فانه لا يصغي ms58 أصلا إلى قول مرشد ولا معلم ولا مقوم . PageV01P137 ### | الباب الثاني والثلاثون: القول في أهل هذه المدن # اما أهل المدن الجاهلة ، فان أنفسهم تبقى غير مستكملة ، ومحتاجة في ~~قيامها إلى المادة ضرورة ، إذ لم يرتسم فيها رسم حقيقة بشيء من المعقولات ~~الأول أصلا. فإذا بطلت المادة التي بها كان قوامها ، بطلت القوى التي كان ~~شأنها أن يكون بها قوام ما بطل ، وبقيت القوى التي شأنها أن يكون بها قوام ~~ما بقي. فان بطل هذا أيضا وانحل إلى شيء آخر ، صار الذي بقي صورة ما لذلك ~~الشيء الذي اليه انحلت المادة الباقية. فكلما يتفق بعد ذلك أن ينحل ذاك ~~أيضا إلى شيء ، صار الذي يبقى صورة ما لذلك الشيء الذي إليه انحل ، إلى أن ~~ينحل إلى الاسطقسات ، فيصير الباقي الأخير صورة الاسطقسات . # ثم من بعد ذلك يكون الأمر فيه على ما يتفق أن يتكون عن تلك PageV01P138 # الأجزاء من الاسطقسات التي إليها انحلت هذه. فان اتفق أن تختلط تلك ~~الأجزاء اختلاطا يكون عنه انسان ، عاد فصار هيئة في انسان؛ وان اتفق أن ~~تختلط اختلاطا يكون عنه نوع آخر من الحيوان أو غير الحيوان ، عاد صورة لذلك ~~الشيء. وهؤلاء هم الهالكون والصائرون إلى العدم ، على مثال ما يكون عليه ~~البهائم والسباع والأفاعي . # وأما أهل المدينة الفاسقة ، فان الهيئات النفسانية التي اكتسبوها من ~~الآراء الفاضلة ، فهي تخلص أنفسهم من المادة ، والهيئات النفسانية الرديئة ~~التي اكتسبوها من الأفعال الرذيلة ، فتقترن إلى الهيئات الأولى ، فتكدر ~~الأولى وتضادها؛ فيلحق النفس من مضاده هذه لتلك أذى عظيم ، وتضاد تلك ~~الهيئات هذه ، فيلحق هذه من تلك أيضا أذى عظيم. فيجتمع من هذين أذيان ~~عظيمان للنفس. وان هذه الهيئات المستفادة من أفعال الجاهلة هي بالحقيقة ~~يتبعها أذى عظيم في الجزء الناطق من النفس. وانما صار الجزء الناطق لا يشعر ~~بأذى هذه لتشاغله بما تورد عليه الحواس. فإذا انفرد دون الحواس ، شعر بما ~~يتبع هذه الهيئات من الأذى ، ويخلصها من المادة ، ويفردها عن الحواس وعن ~~جميع الأشياء الواردة عليها من خارج . # كما ms59 أن الانسان المغتم ، متى أورد الحواس عليه ما يشغله ، لم يتأذ بما ~~يغمه ولم يشعر به ، حتى إذا انفرد دون الحواس ، عاد الأذى PageV01P139 # عليه؛ وكذلك المريض الذي يتألم متى تشاغل بأشياء ، إما أن يقل أذاه بألم ~~المرض ، وإما أن لم يشعر بالأذى. فإذا انفرد دون الأشياء التي تشغله ، يشعر ~~بالأذى أو عاد إليه الأذى؛ كذلك الجزء الناطق ، ما دام متشاغلا بما تورده ~~الحواس عليه ، لم يشعر بأذى ما يقترن به من الهيئات الرديئة ، حتى اذا ~~انفرد انفرادا تاما دون الحواس شعر بالأذى ، وظهر له أذى هذه الهيئات ، ~~فبقي الدهر كله في أذى عظيم. فان ألحق به من هو في مرتبته من أهل تلك ~~المدينة ، ازداد أذى كل واحد منهم بصاحبه؛ لأن المتلاحقين بلا نهاية تكون ~~زيادات أذاهم في غابر الزمان بلا نهاية. فهذا هو الشقاء المضاد للسعادة . # وأما أهل المدن الضالة ، فإن الذي أضلهم وعدل بهم عن السعادة لأجل شيء من ~~أغراض أهل الجاهلة وقد عرف السعادة ، فهو من أهل المدن الفاسقة؛ فذلك هو ~~وحده دون أهل المدينة شقي. فأما أهل المدينة أنفسهم فانهم يهلكون وينحلون ، ~~على مثال ما يصير إليه حال أهل الجاهلة . # وأما أهل المدن المبدلة ، فان الذي بدل عليهم الأمر وعدل بهم ، إن كان من ~~أهل المدن الفاسقة شقي هو وحده ، فأما الآخرون فانهم PageV01P140 # يهلكون وينحلون أيضا مثل أهل الجاهلة. وكذلك كل من عدل عن السعادة بسهو وغلط . # وأما المضطرون والمقهورون ، من أهل المدينة الفاضلة ، على أفعال الجاهلية ~~، فإن المقهور على فعل شيء ، لما كان يتأذى بما يفعله من ذلك ، صارت ~~مواظبته على ما قسر عليه لا تكسبه هيئة نفسانية مضادة للهيئات الفاضلة ، ~~فتكدر عليه تلك الحال حتى تصير منزلته منزلة أهل المدن الفاسقة ، فلذلك لا ~~تضره الأفعال التي أكره عليها ، وانما ينال الفاضل ذلك متى كان المتسلط ~~عليه أحد أهل المدن المضادة للمدينة الفاضلة ، واضطر إلى أن يسكن في مساكن ~~المضادين . PageV01P141 ### | الباب الثالث والثلاثون: القول في الأشياء المشتركة لأهل المدينة الفاضلة # فأما الأشياء المشتركة التي ينبغي ms60 أن يعلمها جميع أهل المدينة الفاضلة ~~فهي أشياء ، أولها معرفة السبب الأول وجميع ما يوصف به ، ثم الأشياء ~~المفارقة للمادة وما يوصف به كل واحد منها بما يخصه من الصفات والمرتبة إلى ~~أن تنتهي من المفارقة إلى العقل الفعال ، وفعل كل واحد منها؛ ثم الجواهر ~~السماوية وما يوصف به كل واحد منها؛ ثم الأجسام الطبيعية التي تحتها ، كيف ~~تتكون وتفسد ، وأن ما يجري فيها يجري على إحكام واتقان وعناية وعدل وحكمة ، ~~وأنه لا اهمال فيها ولا نقص ولا جور ولا بوجه من الوجوه؛ ثم كون الانسان ، ~~وكيف تحدث قوى النفس ، وكيف يفيض عليها العقل الفعال الضوء حتى تحصل ~~المعقولات الأول ، والارادة والاختيار؛ ثم الرئيس الأول وكيف يكون الوحي؛ ~~ثم الرؤساء الذين ينبغي أن يخلفوه إذا لم يكن هو في وقت من الأوقات؛ ثم ~~المدينة الفاضلة وأهلها والسعادة التي تصير إليها PageV01P142 # أنفسهم ، والمدن المضادة لها وما تؤول إليه أنفسهم بعد الموت : اما بعضهم ~~إلى الشقاء واما بعضهم إلى العدم ، ثم الأمم الفاضلة والأمم المضادة لها . # وهذه الأشياء تعرف بأحد وجهين : إما أن ترتسم في نفوسهم كما هي موجودة ، ~~وإما أن ترتسم فيها بالمناسبة والتمثيل ، وذلك أن يحصل في نفوسهم مثالاتها ~~التي تحاكيها. فحكماء المدينة الفاضلة هم الذين يعرفون هذه ببراهين وببصائر ~~أنفسهم. ومن يلي الحكماء يعرفون هذه على ما هي عليه موجودة ببصائر الحكماء ~~اتباعا لهم وتصديقا لهم وثقة بهم. والباقون منهم يعرفونها بالمثالات التي ~~تحاكيها ، لأنهم لا هيئة في أذهانهم لتفهمها على ما هي موجودة إما بالطبع ~~وإما بالعادة وكلتاهما معرفتان. الا أن التي للحكيم أفضل لا محالة؛ والذين ~~يعرفونها بالمثالات التي تحاكيها ، بعضهم يعرفونها بمثالات قريبة منها ، ~~وبعضهم بمثالات أبعد قليلا ، وبعضهم بمثالات أبعد من تلك ، وبعضهم بمثالات ~~بعيدة جدا. وتحاكى هذه الأشياء لكل أمة ولأهل كل مدينة بالمثالات التي ~~عندهم الأعرف فالأعرف ، وربما اختلف عند الأمم اما أكثره واما بعضه ، ~~فتحاكي هذه لكل أمة بغير الأمور التي تحاكي بها الأمة الأخرى. فلذلك يمكن ~~أن يكون أمم فاضلة ومدن ms61 فاضلة تختلف PageV01P143 # ملتهم ، فهم كلهم يؤمون سعادة واحدة بعينها ومقاصد واحدة بأعيانها . # وهذه الأشياء المشتركة ، إذا كانت معلومة ببراهينها ، لم يمكن أن يكون ~~فيها موضع عناد بقول أصلا ، لا على جهة المغالطة ولا عند من يسوء فهمه لها. ~~فحينئذ يكون للمعاند ، لا (حقيقة) الأمر في نفسه ، ولكن ما فهمه هو من ~~الباطل في الأمر. فاما إذا كانت معلومة بمثالاتها التي تحاكيها ، فان ~~مثالاتها قد تكون فيها مواضع للعناد ، وبعضها يكون فيه مواضع العناد أقل ، ~~وبعضها يكون فيها مواضع العناد أكثر ، وبعضها يكون فيه مواضع العناد أظهر ، ~~وبعضها يكون فيه أخفى . # ولا يمتنع أن يكون في الذين عرفوا تلك الأشياء بالمثالات المحاكية ، من ~~يقف على مواضع العناد في تلك المثالات ويتوقف عنده ، وهؤلاء أصناف : صنف ~~مسترشدون ، فما تزيف عند أحد من هؤلاء شيء ما رفع إلى مثال آخر أقرب إلى ~~الحق ، لا يكون فيه ذلك العناد ، فان قنع به ترك ، وان تزيف عنده ذلك أيضا ~~رفع إلى مرتبة أخرى ، فان قنع به ترك. وكلما تزيف عنده مثال في مرتبة ما ~~رفع فوقها ، فان تزيفت عنده المثالات كلها وكانت فيه نية للوقوف على الحق عرف PageV01P144 # الحق ، وجعل في مرتبة المقلدين للحكماء؛ فان لم يقنع بذلك وتشوق إلى ~~الحكمة ، وكان في نيته ذلك ، علمها . # وصنف آخرون بهم أغراض ما جاهلة ، من كرامة ويسار أو لذة في المال وغير ~~ذلك ، ويرى شرائع المدينة الفاضلة تمنع منها ، فيعمد إلى آراء المدينة ~~الفاضلة فيقصد تزييفها كلها ، سواء كانت مثالات للحق ، أو كان الذي يلقى ~~إليه منها الحق نفسه. أما المثالات فتزييفها بوجهين : أحدهما بما فيه من ~~مواضع العناد ، والثاني بمغالطة وتمويه. واما الحق نفسه فبمغالطة وتمويه؛ ~~كل ذلك لئلا يكون شيء يمنع غرضه الجاهلي والقبيح. وهؤلاء ليس ينبغي أن ~~يجعلوا أجزاء المدينة الفاضلة . # وصنف آخر تتزيف عندهم المثالات كلها لما فيها من مواضع العناد ، ولأنهم ~~مع ذلك سيئو الإفهام ، يغلطون أيضا عن مواضع الحق من المثالات ، فيتزيف ~~منها عندهم ما ليس فيها موضع للعناد أصلا. فإذا ms62 رفعوا إلى طبقة الحق حتى ~~يعرفوها ، أضلهم سوء افهامهم عنه ، حتى يتخيلوا الحق على غير ما هو به ، ~~فيظنون أيضا أن الذي تصوروه هو الذي ادعى الحق أنه هو الحق؛ فإذا تزيف ذلك ~~عندهم ، ظنوا أن الذي تزيف هو الحق الذي يدعى أنه الحق لا الذي فهموه هم؛ ~~فيقع لهم لأجل ذلك أنه لا حق أصلا ، وأن الذي يظن به أنه أرشد إلى الحق PageV01P145 # مغرور. وأن الذي يقال فيه إنه مرشد إلى الحق ، مخادع مموه ، طالب ، بما ~~يقول من ذلك ، رئاسة أو غيرها . # وقوم من هؤلاء يخرجهم ذلك إلى أن يتحيروا؛ وآخرون من هؤلاء يلوح لهم مثل ~~ما يلوح الشيء من بعيد ، أو مثل ما يتخيله الانسان في النوم أن الحق موجود ~~ويباين من ادراكه لأسباب يرى أنها لا تتأتى له ، فيقصد إلى تزييف ما أدركه ~~، ولا يحسبه حينئذ حقا ، ثم يعلم أو يظن أنه أدرك الحق . PageV01P146 ### | الباب الرابع والثلاثون: القول في آراء أهل المدن الجاهلة والضالة # والمدن الجاهلة والضالة انما تحدث متى كانت الملة مبنية على بعض الآراء ~~القديمة الفاسدة. # منها ، أن قوما قالوا : إنا نرى الموجودات التي نشاهدها متضادة ، وكل ~~واحد منها يلتمس إبطال الآخر؛ ونرى كل واحد منها ، إذا حصل موجودا ، أعطي ~~مع وجوده شيئا يحفظ به وجوده من البطلان ، وشيئا يدفع به عن ذاته فعل ضده ، ~~ويجوز به ذاته عن ضده؛ وشيئا يبطل به ضده ويفعل منه جسما شبيها به في ~~النوع؛ وشيئا يقتدر به على أن يستخدم سائر الأشياء فيما هو نافع في أفضل ~~وجوده وفي دوام وجوده . # وفي كثير منها جعل له ما يقهر به كل ما يمتنع عليه ، وجعل كل ضد من كل ضد ~~ومن كل ما سواه بهذه الحال ، حتى تخيل لنا أن كل PageV01P147 # واحد منها هو الذي قصد ، أو أن يجاز له وحده أفضل الوجود دون غيره. فلذلك ~~جعل له كل ما يبطل به كل ما كان ضارا له وغير نافع له ، وجعل له ما يستخدم ~~به ما ينفعه في وجوده ms63 الأفضل. فإنا نرى كثيرا من الحيوان يثب على كثير من ~~باقيها ، فيلتمس إفسادها ، وإبطالها ، من غير أن ينتفع بشيء من ذلك نفعا ~~يظهر ، كأنه قد طبع على أن لا يكون موجود في العالم غيره ، أو أن وجود كل ~~ما سواه ضار له ، على أن يجعل وجود غيره ضارا له ، وان لم يكن منه شيء آخر ~~على أنه موجود فقط. ثم إن كل واحد منهما ، إن لم يرم ذلك ، التمس أن يستعبد ~~غيره فيما ينفعه ، وجعل كل نوع من كل نوع بهذه الحال ، وفي كثير منها جعل ~~كل شخص من كل شخص في نوعه بهذه الحال. ثم خليت هذه الموجودات أن تتغالب ~~وتتهارج. فالأقهر منها لما سواه يكون أتم وجودا. والغالب أبدا إما أن يبطل ~~بعضه بعضا ، لأنه في طباعه أن وجود ذلك الشيء نقص ومضرة في وجوده هو ، وإما ~~أن يستخدم بعضا ويستعبده ، لأنه يرى في ذلك الشيء أن وجوده لأجله هو . # ويرى أشياء تجري على غير نظام ، ويرى مراتب الموجودات غير محفوظة ، ويرى ~~أمورا تلحق كل واحد على غير استئهال منه لما يلحقه من وجوده لا وجود ~~(لنفسها). قالوا : وهذا وشبهه هو الذي يظهر في الموجودات التي نشاهدها ~~ونعرفها. فقال قوم بعد ذلك إن هذه الحال طبيعة الموجودات ، وهذه فطرتها ، ~~والتي تفعلها الأجسام PageV01P148 # الطبيعية بطبائعها هي التي ينبغي أن تفعلها الحيوانات المختارة ~~باختياراتها واراداتها ، والمروية برويتها. ولذلك رأوا أن المدن ينبغي أن ~~تكون متغالبة متهارجة ، لا مراتب فيها ولا نظام ، ولا استئهال يختص به أحد ~~لكرامة أو لشيء آخر؛ وأن يكون كل انسان متوحدا بكل خير هو له ان يلتمس ان ~~يغالب غيره في كل خير هو لغيره ، وان الانسان الأقهر لكل ما يناويه هو ~~الأسعد . # ثم تحدث من هذه آراء كثيرة في المدن من آراء الجاهلية : فقوم رأوا ذلك ~~أنه لا تحاب ولا ارتباط ، لا بالطبع ولا بالارادة ، وأنه ينبغي أن يبغض كل ~~انسان كل انسان ، وأن ينافر كل واحد كل واحد ، ولا يرتبط اثنان إلا عند ~~الضرورة ms64 ، ولا يأتلفان إلا عند الحاجة ، ثم يكون (بعد) اجتماعهما على ما ~~يجتمعان عليه بأن يكون أحدهما القاهر والآخر مقهورا ، وان اضطرا لأجل شيء ~~وارد من خارج أن يجتمعا ويأتلفا ، فينبغي أن يكون ذلك ريث الحاجة ، وما دام ~~الوارد من خارج يضطرهما إلى ذلك؛ فإذا زال فينبغي أن يتنافرا ويفترقا. وهذا ~~هو الداء السبعي من آراء الانسانية . # وآخرون ، لما رأوا أن المتوحد لا يمكنه أن يقوم بكل ما به إليه حاجة دون ~~أن يكون له موازرون ومعاونون ، يقوم له كل واحد بشيء مما يحتاج إليه ، رأوا ~~الاجتماع. PageV01P149 # فقوم رأوا أن ذلك ينبغي أن يكون بالقهر ، بأن يكون الذي يحتاج إلى موازين ~~يقهر قوما ، فيستعبدهم ، ثم يقهر بهم آخرين فيستعبدهم أيضا. وأنه لا ينبغي ~~أن يكون موازره مساويا له ، بل مقهورا؛ مثل أن يكون أقواهم بدنا وسلاحا ~~يقهر واحدا ، حتى صار ذلك مقهورا له قهر به واحدا آخر أو نفرا ، ثم يقهر ~~بأولئك آخرين ، حتى يجمع له موازرين على الترتيب. فإذا اجتمعوا له صيرهم ~~آلات يستعملهم فيما فيه هواه . # وآخرون رأوا هاهنا ارتباطا وتحابا وائتلافا ، واختلفوا في التي بها يكون ~~الارتباط : فقوم رأوا أن الاشتراك في الولادة من والد واحد هو الارتباط به ~~، وبه يكون الاجتماع والائتلاف والتحاب والتوازر على أن يغلبوا غيرهم ، ~~وعلى الامتناع من أن يغلبهم غيرهم. فان التباين والتنافر بتباين الآباء ، ~~والاشتراك في الوالد الأخص والأقرب يوجب ارتباطا أشد ، وفيما هو أعم يوجب ~~ارتباطا أضعف؛ إلى أن يبلغ من العموم والبعد إلى حيث ينقطع الارتباط أصلا ~~ويكون تنافرا؛ إلا عند الضرورة الواردة من خارج ، مثل شر يدهمهم ، ولا ~~يقومون بدفعه إلا باجتماع جماعات كثيرة. وقوم رأوا أن الارتباط هو ~~بالاشتراك في التناسل ، وذلك بأن ينسل ذكورة أولاد هذه الطائفة من اناث ~~أولاد أولئك ، وذكورة أولاد أولئك من اناث أولاد هؤلاء ، وذلك التصاهر. ~~وقوم رأوا أن الارتباط هو باشتراك في الرئيس الأول الذي جمعهم أولا ودبرهم ~~حتى غلبوا به ، ونالوا خيرا ما من خيرات الجاهلية . PageV01P150 # وقوم رأوا أن الارتباط هو ms65 بالايمان والتحالف والتعاهد على ما يعطيه كل ~~انسان من نفسه ، ولا ينافر الباقين ولا يخاذلهم ، وتكون أيديهم واحدة في أن ~~يغلبوا غيرهم ، وأن يدفعوا عن أنفسهم غلبة غيرهم لهم . # وآخرون رأوا أن الارتباط هو بتشابه الخلق والشيم الطبيعية ، والاشتراك في ~~اللغة واللسان؛ وأن التباين يباين هذه. وهذا هو لكل أمة. فينبغي أن يكونوا ~~فيما بينهم متحابين ومنافرين لمن سواهم؛ فإن الأمم إنما تتباين بهذه الثلاث . # وآخرون رأوا أن الارتباط هو بالاشتراك في المنزل ، ثم الاشتراك في ~~المساكن ، وان أخصهم هو بالاشتراك في المنزل ، ثم الاشتراك في السكة ، ثم ~~الاشتراك في المحلة. فلذلك يتواسون بالجار ، فإن الجار هو المشارك في السكة ~~وفي المحلة؛ ثم الاشتراك في المدينة ، ثم الاشتراك في الصقع الذي فيه ~~المدينة . # وهاهنا أيضا أشياء يظن أنه ينبغي أن يكون لها ارتباط جزئي بين جماعة ~~يسيرة وبين نفر وبين اثنين ، منها طول التلاقي ، ومنها الاشتراك في طعام ~~يؤكل ، وشراب يشرب ، ومنها الاشتراك في الصنائع ، ومنها الاشتراك في شر ~~يدهمهم ، وخاصة متى كان نوع الشر واحدا وتلاقوا ، فإن بعضهم يكون سلوة بعض. ~~ومنها الاشتراك في لذة ما ، ومنها الاشتراك في الأمكنة التي لا يؤمن فيها ~~أن يحتاج كل واحد إلى الآخر ، مثل الترافق في السفر PageV01P151 ### | الباب الخامس والثلاثون: القول في العدل # [أو في علاقات المدن والأمم] # قالوا : فإذا تميزت الطوائف بعضها عن بعض بأحد هذه الارتباطات ، إما ~~قبيلة عن قبيلة ، أو مدينة عن مدينة ، أو أحلاف عن أحلاف ، أو أمة عن أمة ، ~~كانوا مثل تميز كل واحد عن كل واحد؛ فإنه لا فرق بين أن يتميز كل واحد عن ~~كل واحد أو يتميز طائفة عن طائفة؛ فينبغي بعد ذلك أن يتغالبوا ويتهارجوا. ~~والأشياء التي يكون عليها التغالب هي السلامة والكرامة واليسار واللذات وكل ~~ما يوصل به إلى هذه. وينبغي أن يروم كل طائفة أن تسلب جميع ما للأخرى من ~~ذلك ، وتجعل ذلك لنفسها ، ويكون كل واحد من كل واحد بهذه الحال. فالقاهرة ~~منها للأخرى على هذه هي الفائزة ، وهي المغبوطة ms66 ، وهي السعيدة. وهذه ~~الأشياء هي التي في الطبع ، إما في طبع كل انسان أو في طبع كل طائفة ، وهي ~~تابعة لما عليه طبائع الموجودات الطبيعية. فما في الطبع هو العدل. فالعدل ~~إذا التغالب. والعدل هو PageV01P152 # أن يقهر ما اتفق منها. والمقهور إما أن يقهر على سلامة بدنه ، أو هلك ~~وتلف ، وانفرد القاهر بالوجود؛ أو قهر على كرامته وبقي ذليلا ومستعبدا ، ~~تستعبده الطائفة القاهرة ويفعل ما هو الأنفع للقاهر في أن ينال به الخير ~~الذي عليه غالب ويستديم به. فاستعباد القاهر للمقهور هو أيضا من العدل. وأن ~~يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل. فهذه كلها هو العدل الطبيعي ~~، وهي الفضيلة. وهذه الأفعال هي الأفعال الفاضلة فإذا حصلت الخيرات للطائفة ~~القاهرة فينبغي أن يعطى من هو أعظم غناء في الغلبة على تلك الخيرات من تلك ~~الخيرات أكثر ، والأقل غناء فيها أقل. وان كانت الخيرات التي غلبوا عليها ~~كرامة ، أعطي الأعظم غناء فيه كرامة أكبر ، وان كانت أموالا أعطي أكثر. ~~وكذلك في سائرها. فهذا هو أيضا عدل عندهم طبيعي . # قالوا : وأما سائر ما يسمى عدلا ، مثل ما في البيع والشراء ، ومثل رد ~~الودائع ، ومثل أن لا يغضب ولا يجور ، وأشباه ذلك ، فان مستعمله انما ~~يستعمله أولا لأجل الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من خارج. # وذلك أن يكون كل واحد منهما كأنهما نفسان أو طائفتان مساوية (إحداهما) في ~~قوتها للأخرى ، وكانا يتداولان القهر. فيطول ذلك بينهما؛ فيذوق كل واحد ~~الأمرين ، ويصير إلى حال لا يحتملها ، فحينئذ يجتمعان ويتناصفان ، ويترك كل ~~واحد منهما للآخر مما كانا يتغالبان عليه قسطا ما؛ فتبقى سماته ، ويشرط كل ~~واحد منهما على PageV01P153 # صاحبه أن لا يروم نزع ما في يديه إلا بشرائط ، فيصطلحان عليها. فيحدث من ~~ذلك الشرائط الموضوعة في البيع والشراء ، ويقارب الكرامات ثم المواساة وغير ~~ذلك مما جانسها. وإنما يكون ذلك عند ضعف كل من كل ، وعند خوف كل من كل. فما ~~دام كل واحد من كل واحد في هذه الحال فينبغي أن يتشاركا. ومتى ms67 قوي أحدهما ~~على الآخر فينبغي أن ينقض الشريطة ويروم القهر . # أو يكون الاثنان ورد عليهما من خارج شيء على أنه لا سبيل إلى دفعه إلا ~~بالمشاركة وترك التغالب ، فيتشاركان ريث ذلك؛ أو يكون لكل واحد منهما همة ~~في شيء يريد أن يغلب عليه ، فيرى أنه لا يصل إليه إلا بمعاونة الآخر له ~~وبمشاركة له. فيتركان التغالب بينهما ريث ذلك ، ثم يتعاندان. فإذا وقع ~~التكافؤ من الفرق بهذه الأسباب وتمادى الزمان على ذلك ، ونشأ على ذلك من لم ~~يدر كيف كان أول ذلك ، حسب أن العدل هو هذا الموجود الآن ، ولا يدري أنه ~~خوف وضعف. فيكون مغرورا بما يستعمل من ذاك. فالذي يستعمل هذه الأشياء ، إما ~~ضعيف أو خائف أن يناله من غيره مثل الذي يجد في نفسه من الشوق إلى فعله ، ~~وإما مغرور . PageV01P154 ### | الباب السادس والثلاثون: القول في الخشوع # وأما الخشوع فهو أن يقال إن إلها يدبر العالم ، وإن الروحانيين مدبرون ~~مشرفون على جميع الأفعال ، واستعمال تعظيم الإله والصلوات والتسابيح ~~والتقاديس ، وان الانسان إذا فعل هذه وترك كثيرا من الخيرات المتشوقة في ~~هذه الحياة ، وواظب على ذلك ، عوض عن ذلك وكوفي بخيرات عظيمة يصل إليها بعد ~~موته. وان هو لم يتمسك بشيء من هذه ، وأخذ الخيرات في حياته ، عوقب عليها ~~بعد موته بشرور عظيمة ينالها في الآخرة . # فإن هذه كلها أبواب من الحيل والمكايدة على قوم ولقوم؛ فإنها حيل ومكايد ~~لمن يعجز عن المغالبة على هذه الخيرات بالمصالحة والمجاهدة؛ ومكايد يكايد ~~بها من لا قدرة له على المجاهدة والصلابة ببدنه وصلاحه وخبث رويته ومعاونته ~~بتخويفهم وقمعهم لأن يتركوا PageV01P155 # هذه الخيرات كلها أو بعضها ليفوز بها آخرون ، ممن يعجز عن المجاهدة ~~بأخذها وبالغلبة عليها. # فإن المتمسك بهذه يظن به أنه غير حريص عليها ، ويظن به الخير؛ فيركن إليه ~~ولا يحذر ولا يتقى ولا يتهم ، بل يخفى مقصده وتوصف سيرته أنها الإلهية؛ ~~فيكون زيه وصورته وصورة من لا يريد هذه الخيرات لنفسه؛ فيكون ذلك سببا لأن ~~يكرم ويعظم ويوسل لسائر الخيرات ، وتنقاد ms68 النفوس له ، فتحبه فلا تنكر ~~ارتكاب هواه في كل شيء ، بل يحسن عند الجميع قبيح ما يعمله ، ويصير بذلك ~~إلى غلبة الجميع على الكرامات والرئاسات والأموال واللذات ونيل الحرية ، ~~فتلك الأشياء انما جعلت لهذه. # وكما أن صيد الوحوش ، منه ما هو مغالبة ومجاهدة ، ومنه ما هو مخاتلة ~~ومكايدة ، كذلك الغلبة على هذه الخيرات أن تكون بمغالبته ، أو تكون ~~بمخاتلته. ويطارد بأن يتوهم الانسان في الظاهر أن مقصده شيء آخر غير الذي ~~هو بالحقيقة مقصده ، ولا يحذر ولا يتقي ولا ينازع ، فيناله بسهولة. # فالمتمسك بهذه الأشياء والمواظب عليها ، متى كان إنما يفعل ذلك ليبلغ ~~الشيء الذي جعل هذه لأجله ، وهو المواتاة بها في الظاهر ليفوز باحدى تلك ~~الخيرات أو بجميعها ، كان عند الناس مغبوطا. فيزداد بيقين وحكمة وعلم ~~ومعرفة ، جليلا عندهم ، معظما ممدوحا؛ ومتى كان يفعل ذلك لذاته لا لينال به ~~هذه الخيرات ، كان عند الناس مخدوعا ، مغرورا ، شقيا ، أحمق ، عديم العقل ، ~~جاهلا بحظ PageV01P156 # نفسه ، مهينا ، لا قدر له ، مذموما. غير أن كثيرا من الناس يظهرون مديحته ~~لسخرية به؛ وبعضهم يقويه لنفسه في أن لا يزاحم في شيء من الخيرات ، بل ~~يتركها ليتوفر عليه وعلى غيره؛ وبعضهم يمدحون طريقته ومذهبه خوفا أن يسلبهم ~~ما عندهم على طريقته. وقوم آخرون يمدحونه ويغبطونه لأنهم أيضا مغرورون مثل ~~غروره . # فهذه وما أشبهها هي آراء الجاهلة التي وقعت في نفوس كثير من الناس عن ~~الأشياء التي تشاهد في الموجودات. وإذا حصلت لهم الخيرات التي غلبوا عليها ~~، فينبغي أن تحفظ وتستدام وتمد وتزيد ، فانها إن لم يفعل بها ذلك نفدت. # فقوم منهم رأوا أن يكونوا أبدا بأسرهم يطلبون مغالبة آخرين أبدا. وكلما ~~غلبوا طائفة ساروا إلى أخرى. وآخرون يرون أن يمتدوا ذلك من أنفسهم ومن ~~غيرهم ، فيحفظونها ويدبرونها ، اما من أنفسهم فبالغاية الارادية ، مثل ~~البيع والشراء والتعاوض وغير ذلك ، واما من غيرهم فبالغلبة ، وآخرون رأوا ~~تزييدها في غيرهم بالوجهين جميعا . # وآخرون رأوا ذلك بأن جعلوا أنفسهم قسمين : قسما يريدون تلك ويمدونها من ~~أنفسهم بمعاملات ، وقسما يغالبون ms69 عليهم ، فيحصلون طائفتين ، كل واحدة ~~منفردة بشيء : احداهما بالمغالبة والأخرى PageV01P157 # بالمعاملة الارادية. وقوم منهم رأوا أن الطائفة المعاملة منها هي إناثهم ~~، والمغالبة هي ذكورهم. وإذا ضعف بعضهم عن المغالبة جعل في المعاملة. فان ~~لم يصلح لا لذا ولا لذاك جعل فضلا. وآخرون رأوا أن تكون الطائفة المعاملة ~~قوما آخرين غير ما يغلبونهم ويستعبدونهم ، فيكونوا هم المتولين لضرورتهم ~~ولحفظ الخيرات التي يغلبون عليها وامدادها وتزييدها . # وآخرون قالوا إن التغالب في الموجودات إنما هي بين الأنواع المختلفة ، ~~واما الداخلة تحت نوع واحد فان النوع هو رابطها الذي لأجله ينبغي أن ~~يتسالم. فالإنسانية للناس هي الرباط؛ فينبغي أن يتسالموا بالانسانية ، ثم ~~يغالبون غيرهم فيما ينتفعون به من سائرها ويتركون ما لا ينتفعون به. فما ~~كان مما لا ينتفع به ضارا غلب على وجوده ، وما لم يكن ضارا تركوه. وقالوا : ~~فإذا كان كذلك فإن الخيرات التي سبيلها أن يكتسبها بعضهم عن بعض ، فينبغي ~~أن تكون بالمعاملات الارادية ، والتي سبيلها أن تكتسب وتستفاد من سائر ~~الأنواع الأخر ، فينبغي أن تكون بالغلبة إذ كانت الأخرى لا نطق لها فتعمل ~~المعاملات الارادية. وقالوا : فهذا هو الطبيعي للانسان. فأما الانسان ~~المغالب فليس بما هو مغالب طبيعيا. ولذلك إذا كان لا بد من أن يكون هاهنا ~~أمة أو طائفة خارجة عن الطبيعي للانسان ، تروم مغالبة سائر الطوائف على ~~الخيرات التي بها ، اضطرت الأمة والطائفة الطبيعية إلى قوم منهم ينفردون ~~بمدافعة أمثال أولئك ان وردوا عليهم يطلبون مغالبتهم ، وبمغالبتهم على PageV01P158 # حق هؤلاء ان كانوا أولئك غلبوا عليه ، فتصير كل طائفة فيها قوتان : قوة ~~تغالب بها وتدافع ، وقوة تعامل بها. وهذه التي بها تدافع ليست لها على أنها ~~تفعل ذلك بارادتها ، لكن يضطرها إلى ذلك بما يرد عليها من خارج. وهؤلاء على ~~ضد ما عليه أولئك ، فان أولئك يرون أن المسالمة لا بوارد من خارج ، وهؤلاء ~~يرون أن المغالبة لا بوارد من خارج. فيحدث من ذلك هذا الرأي الذي للمدن ~~المسالمة . PageV01P159 ### | الباب السابع والثلاثون: القول في المدن الجاهلة # المدن الجاهلة ، منها ms70 الضرورية ، ومنها المبدلة ، ومنها الساقطة ، ومنها ~~الكرامية ، ومنها الجماعية ، وتلك الأخرى ، سوى الجماعية ، إنما همة أهلها ~~جنس واحد من الغايات. وأما الجماعية فذات همم كثيرة : قد اجتمع فيها همم ~~جميع المدن. فالغلبة والمدافعة التي تضطر إليها المدن المسالمة ، إما أن ~~تكون في جماعتهم ، وإما أن تكون في طائفة بعينيها ، حتى يكون أهل المدينة ~~طائفتين : طائفة فيها القوة على المغالبة والمدافعة ، وطائفة ليس فيها ذلك. ~~فبهذه الأشياء يستديمون الخيرات التي هي لهم. وهذه الطائفة ، من أهل ~~الجاهلة ، هي سليمة النفوس ، وتلك الأولى رديئة النفوس لأنها ترى المغالبة ~~هي الخير ، وذلك بوجهين : مجاهدة ومخاتلة. فمن قدر منهم على المجاهدة فعل ~~ذلك ، وان لم يقدر فبالدغل والغش والمراياة والتمويه والمغالطة . PageV01P160 # والآخرون اعتقدوا أن هاهنا سعادة وكمالا ، يصل إليه الانسان بعد موته وفي ~~الحياة الأخرى؛ فان هاهنا فضائل وأفعالا فاضلة في الحقيقة يفعلها لينال بها ~~السعادة بعد الموت. ونظروا ، فإذا ما يشاهدون في الموجودات الطبيعية لا ~~يمكن أن ينكروا ويجحدوا؛ وظنوا أنهم إن سلموا أن جميعها طبيعي على ما هو ~~مشاهد ، أوجب ذلك ما ظنه أهل الجاهلة. فرأوا لذلك أن يقولوا إن للموجودات ~~الطبيعية المشاهدة على هذه الحال ، وجودا آخر غير الوجود المشاهد اليوم ، ~~وإن هذا الوجود الذي لها اليوم غير طبيعي لها بل هي مضادة لذلك الوجود الذي ~~هو الوجود الطبيعي لها. وإنه ينبغي أن يقصد بالارادة ، ويعمل في إبطال هذا ~~الوجود ليحصل ذلك الوجود الذي هو الكمال الطبيعي ، لأن هذا الوجود هو ~~العائق عن الكمال؛ فإذا بطل هذا ، حصل بعد بطلانه الكمال . # وآخرون يرون أن وجود الموجودات حاصل لها اليوم ، ولكن اقترنت إليها ~~واختلطت بها أشياء أخر ، أفسدتها وعاقتها عن أفعالها ، وجعلت كثيرا منها ~~على غير صورتها ، حتى ظن مثلا بما ليس بانسان أنه انسان ، وبما هو انسان ~~أنه ليس بانسان ، وبما هو فعل الانسان أنه ليس بفعل له ، وبما ليس بفعل له ~~أنه فعل له ، حتى صار الانسان في هذا الوقت لا يعقل ما شأنه أن يعقل ، ~~ويعقل ما ليس شأنه ms71 أن يعقل. ويرى في أشياء كثيرة أنها صادقة وليست كذلك ، ~~ويرى في أشياء كثيرة أنها محالة من غير أن تكون كذلك. PageV01P161 # وعلى الرأيين جميعا ، يرون ابطال هذا الوجود المشاهد ، ليحصل ذلك الوجود. ~~فان الانسان هو أحد الموجودات الطبيعية ، وإن الوجود الذي له الآن ليس هو ~~وجوده الطبيعي؛ بل وجوده الطبيعي وجود آخر غير هذا ، وهذا الذي له الآن ~~مضاد لذلك الوجود وعائق عنه؛ وان الذي للانسان هو اليوم من الوجود فشيء غير طبيعي. # فقوم رأوا أن اقتران النفس بالبدن ليس بطبيعي ، وأن الانسان هو النفس؛ ~~واقتران البدن إليها مفسد لها مغير لأفعالها ، والرذائل إنما تكون عنها ~~لأجل مقارنة البدن لها ، وان كمالها وفضيلتها أن تخلص من البدن؛ وأنها في ~~سعادتها ليست تحتاج إلى بدن ، ولا أيضا في أن تنال السعادة تحتاج إلى بدن ~~ولا إلى الأشياء الخارجة عن البدن ، مثل الأموال والمجاورين والأصدقاء وأهل ~~المدينة؛ وان الوجود البدني هو الذي يحوج إلى الاجتماعات المدنية وإلى سائر ~~الأشياء الخارجة. فرأوا لذلك أن يطرح هذا الوجود البدني . # وآخرون رأوا أن البدن طبيعي له ، ورأوا أن عوارض النفس هي التي ليست ~~طبيعية للانسان ، وأن الفضيلة التامة ، التي بها تنال السعادة ، هي إبطال ~~العوارض وإماتتها. فقوم رأوا ذلك في جميع العوارض ، مثل الغضب والشهوة ~~وأشباههما ، لأنهم رأوا أن هذه هي أسباب ايثار هذه التي هي خيرات مظنونة ، ~~وهي الكرامة واليسار واللذات؛ وأن إيثار الغلبة انما يكون بالغضب وبالقوة ~~الغضبية ، PageV01P162 # والتباين والتنافر يكون بهذا ، فرأوا لذلك ابطالها كلها. وقوم رأوا ذلك ~~في الشهوة والغضب وما جانسهما ، وان الفضيلة والكمال ابطالهما وقوم رأوا ~~ذلك في عوارض غير هذه ، مثل الغيرة والشح وأشباههما؛ ولذلك رأى قوم أن الذي ~~يفيد الوجود الطبيعي غير الذي يفيد الوجود الذي لهما الآن؛ ثم إن السبب ~~الذي عنه وجدت الشهوة والغضب وسائر عوارض النفس ، مضاد للذي أفاد الجزء ~~الناطق. فجعل بعضهم أسباب ذلك تضاد الفاعلين ، مثل أنبدقليس. وبعضهم جعل ~~سبب ذلك تضاد المواد ، مثل فرمانيدس في آرائه الظاهرة ، وغيره من الطبيعيين . # وغير ms72 هذه الآراء ، يتفرع ما يحكى عن كثير من القدماء : «مت بالارادة تحي ~~بالطبيعة». فانهم يرون أن الموت موتان : موت طبيعي وموت إرادي. ويعنون ~~بالموت الارادي ابطال عوارض النفس من الشهوة والغضب؛ وبالموت الطبيعي ~~مفارقة النفس الجسد. ويعنون بالحياة الطبيعية الكمال والسعادة. وهذا على ~~رأي من رأى أن عوارض النفس من الشهوة والغضب قسر في الانسان. # والتي ذكرناها من آراء القدماء فاسدة ، تفرعت منها آراء انبثت منها ملل ~~في كثير من المدن الضالة. PageV01P163 # وآخرون ، لما شاهدوا من أحوال الموجودات الطبيعية تلك التي اختصصناها ~~أولا ، من أنها توجد موجودات مختلفة متضادة ، وتوجد حينا ولا توجد حينا ، ~~وسائر ما قلنا ، رأوا أن الموجودات ، التي هي الآن محسوسة أو معقولة ، ليست ~~لها جواهر محدودة ، ولا لشيء منها طبيعة تخصه ، حتى يكون جوهره هو تلك ~~الطبيعة وحدها فقط ، ولا يكون غيرها ، بل كل واحد منها جوهره أشياء غير ~~متناهية ، مثل الانسان مثلا؛ فان المفهوم من هذا اللفظ شيء غير محدود ~~الجوهر ، ولكن جوهره وما يفهم منه أشياء لا نهاية لها. غير أن ما أحسسناه ~~الآن من جوهره هو هذا المحسوس ، والذي عقلنا منه هو هذا الذي نزعم أن نعقله ~~منه اليوم. وقد يجوز أن يكون ذلك شيئا آخر ، غير هذا المعقول وغير هذا ~~المحسوس. وكذلك في كل شيء هو الآن ليس هو موجودا ، فان جوهره ليس هو هذا ~~المعقول من لفظه فقط ، لكنه هذا وشيء آخر غيره مما لم نحسه ولم نعقله ، مما ~~لو جعل ذلك مكان هذا الذي هو الآن موجود لأحسسناه أو لعقلناه. ولكن الذي ~~حصل موجودا هو هذا؛ فان لم يقل قائل إن الطبيعة طبيعة المفهوم من كل لفظ ، ~~ليس هو هذا المعقول الآن ، لكنه أشياء أخر غير متناهية ، بل قال إنه هذا ~~ويجوز أن يكون غير هذا مما لم نعقله ، فلا فرق في ذلك؛ فان الذي يجوز ويمكن ~~إذا وضع موجودا لم يلزم منه محال. وكذلك في كل ما عندنا أنه لا يجوز غيره ~~أو لم يمكن غيره ، وقد يجوز أن ms73 يكون غيره ، وأنه ليس الذي تلزم ضرورة عن ~~تضعيف ثلاثة ثلاث PageV01P164 # مرات وجود التسعة ، بل ليس جوهره ذلك. لكن يمكن أن يكون الحادث عن ذلك ~~شيئا آخر من العدد ، أو ما اتفق من سائر الموجودات غير العدد ، أي شيء اتفق ~~، أو شيئا آخر لم نحسه ولم نعقله ، بل قد يمكن أن يكون محسوسات ومعقولات ~~بلا نهاية ، لم تحس بعد ، ولم تعقل ، أو لم توجد فتحس أو تعقل. وكذلك كل ~~لازم عن شيء ما ، فانه ليس انما يلزم لأن جوهره ذلك الشيء ألزم ذلك ، بل ~~لأنه هكذا اتفق ، ولأن فاعلا من خارج ذلك الشيء كون الآخر عنده أو في زمان ~~كون ذلك أو عند حال من أحواله. فانما حصول كل موجود الآن على ما هو عليه ~~موجود ، إما باتفاق ، وإما لأن فاعلا من خارج أوجدهما ، وقد كان يمكن أن ~~يحصل بدل ما يفهم عن لفظ الانسان شيئا آخر غير ما نعقل اليوم؛ وشاء ذلك ~~الفاعل أن يجعل من بين تلك ، التي كان يقدر أن يجعلها هذا المعقول؛ فصرنا ~~لا نحس ولا نفهم منه غير هذا الوجه أحدا. وهذا من جنس رأي من يرى أن كل ما ~~نعقل اليوم من شيء ، فقد يمكن أن يكون ضده ونقيضه هو الحق؛ الا أن اتفق لنا ~~أوكد أن نجعل في أوهامنا أن الحق هو هذا الآن الذي نرى ، أن المفهوم من لفظ ~~الانسان ، قد يمكن أن يكون شيئا آخر غير المفهوم منه اليوم ، ، وأشياء غير ~~متناهية. على أن كل واحد من تلك هو طبيعة هذه الذات المفهومة ، وأن تلك إن ~~كانت هي وهذا المعقول اليوم شيئا واحدا في العدد ، [فليس المعقول اليوم ~~شيئا واحدا في العدد] ، وليس المعقول من لفظ الانسان بشيء آخر غير هذا ~~المعقول اليوم. فان كانت ليست هي واحدة بالعدد بل كثيرة مختلفة الحدود ، ~~فاسم الانسان يقال PageV01P165 # عليهما بالاشتراك؛ وان كانت مع ذلك مما يمكن أن يظهر في الوجود معا ، ~~كانت على مثال ما يقال عليهما اسم العين اليوم ، ويكون أيضا أشياء ms74 بلا ~~نهاية في العدد معا؛ وإن كانت مما لا يمكن أن يوجد معا ، بل كانت تتعاقب ، ~~فهي متضادة أو متقابلة في الجملة ، وإن كانت متقابلة وكانت بلا نهاية أو ~~متناهية ، لزم أن يكون كل ما عندنا أنه لا يجوز غيره أو نقيضه؛ فانه يمكن ~~أن يكون نقيضه أو ضده أو مقابله في الجملة هو أيضا حق : إما بدل هذا أو مع ~~ضده. فيلزم من هذا أن لا يصح قول يقال أصلا ، وان يصح جميع ما يقال ، وان ~~لا يكون في الكون محالا أصلا. فانه إن وضع شيء ما طبيعة شيء ما ، جاز أن ~~يكون غير ذلك الذي يفهم على لفظه اليوم. وطبيعة شيء ما مما لا ندري أي شيء ~~هو مما يمكن أن يصير موجودا ، فيحس أو يعقل ويصير مفهوما؛ ولكن ليس هو ~~معقولا عندنا اليوم. وذلك الذي لا ندري الآن أي شيء هو ، وقد يمكن أن يكون ~~ضده أو مقابله في الجملة ، فيكون ما هو محال عندنا ممكنا أن لا يكون محالا. # وبهذا الرأي وما جانسه تبطل الحكمة ، وتجعل ما يرسم في النفوس أشياء ~~محالة على أنها حق؛ بأنها تجعل الأشياء كلها ممكنة أن توجد في جواهرها ~~وجودات متقابلة ووجودات بلا نهاية في جواهرها وأعراضها ، ولا تجعل شيئا ~~محالا أصلا. ### |PARATEXT| # [تم الكتاب بعون رب الأرباب] ms75