######OpenITI# #META# ad: 340 #META# الناشر: مكتبة الخانجي #META# ndata: كتاب الم1E6A103E وسلامه. #META# auth: ابن الداية #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المكافأة وحسن العقبى ¶ المؤلف: أحمد بن يوسف الكاتب ابن الداية (340 ه) ¶ المحقق: دكتور علي محمد عمر ¶ الناشر: مكتبة الخانجي ¶ الطبعة: الثانية 1421 ه - 2001 م ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة ورقم الحديث] ¶ مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# المؤلف: أحمد بن يوسف الكاتب ابن الداية (340 ه) #META# higrid: 340 #META# Lng: ابن الداية #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: المكافأة وحسن العقبى #META# مصدر الكتاب: [مكتبة يا باغي الخير أقبل - ملتقى أهل الحديث] #META# authno: 3470 #META# cat: بحوث ومسائل #META# authinf: أحمد بن يوسف الكاتب ابن الداية (340 ه) #META# bkid: 34330 #META# المحقق: دكتور علي محمد عمر #META# ملاحظات: [موافق للمطبوع - مقابل على المطبوع- إمكانية الإنتقال للصفحة ورقم الحديث] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# max: 80 #META# bk: المكافأة وحسن العقبى #META# bkord: 8500 #META# archive: 23 #META# iso: المكافاه وحسن العقبي #META# comp: 1 #META# الطبعة: الثانية 1421 ه - 2001 م #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# ### | AUTO بسم الله الرحمن الرحيم # أخبرنا أبو محمد عبد الله الفرغاني، قراء مني عليه، قال: أخبرنا أبو جعفر ~~أحمد بن يوسف الكاتب، قراءة مني عليه، قال: # شدد الله فكرك، وأحسن أمرك، وكفاك مهمك # إن أشد على الممتحن من محنته، عدوله في سعيه عن مصلحته، وتنكبه الصواب في ~~بغيته، ولكل وجهة من الجدوى مأتى تستنزل به عوائدها، ويقرب معه ما استصعب ~~منها، يستثيره حسن الروية، [ويهدي إليه] صالح التوفيق. # وقد رأيتك لا تزيد من رغبت إليه -فيما تحدوه على برك، وتحثه لما أغفل من ~~أمرك- على نص مكارم من سلف. وترى أنه يهش إلى مساجلتهم، فلا تبلغ في هذا ~~أكثر من إحراز الفضيلة للمرغوب إليه، ولا توجد في الراغب فضيلة تحثه على ~~شفيع قصده. ولو عدلت عن مكارم من رغب إليه، إلى حسن مكافأة من أنعم عليه، ~~لكانت لك ذرائع يمت بها الراغب، توجد المرغوب إليه سبيلا إلى الإنعام، ~~وتفسح أمله في مواترة الإحسان. # ولم يؤت الجود من مأتى هو أغمض من مغادرة حسن المكافأة. ولو أنعمت النظر ~~فيها: لوجدتها أقوى الأسباب في متع القاصد، وحيرة الطالب. ولو كانت توجد مع ~~كل فعل استحقها، لآثر الناس قاصديهم على أنفسهم، ولجروا على السنن المأثورة عنهم. PageV01P003 # [وقد كتبت لك] في هذه الرسالة أخبارا -في المكافأة على الحسن والقبح، تنعم ~~الخاطر وتقرب بغية الراغب- مما سمعناه ممن تقدمنا، وشاهدناه بعصرنا، وبالله ~~التوفيق. PageV01P004 ### | AUTO [1] المكافأة على الحسن # 1 - حدثني أبو محمد يحيى بن الفضل، عن عبد العزيز بن خالد الأموي، عن ~~أبيه خالد، قال: أخبرني محارب بن سلمة كاتب خالد القشري: # ((أن ديوانبان خالد أخرج من ديوانه وثيقة على بعض المتضمنين فدفعها إليه ~~ببر تعجله منه لله فدعا به خالد وأمر بقطع يده بين يديه، فقال له: ~~((استبقني، أصلح الله الأمير!))، فقال: ((وما يكون من مثلك؟))، فقال له: ~~((إن لم يقدر في الزمان رفعتي إلى منزلتك، فلا تأمنه على حطك إلى منزلتي، ~~فيكون مني ما تحمده!))، فقال خالد: ((أطلقوه ففيه عظيم!)). # فلم يمض حول حتى ورد العراق ms01 يوسف بن عمر متوليا لعمله فحبسه في حجرة من ~~ديوانه، ووكل بباب الحجرة جماعة. فتدسس الديوانبان حتى دخل في جملتهم، ~~وتلطف للجماعة حتى رأسها بالخبرة وحسن المداخلة. وتحرم خالد طعام يوسف بن ~~عمر -خوفا من أن يكون مسموما- فطوى. #6# # وتأمل من ذلك الديوانبان، فجعل في منديل نظيف ما يكف جوعته من طعام قد ~~تأنق فيه، ودخل إليه كالمتجسس عن حاله، فقال له: ((أنا الديوانبان الذي ~~عفوت عنه، وهذا طعام تأمن فيه ما تخافه من غرة)). فأقام أياما يأتيه من ~~طرائف الأطعمة والفواكه ما ينسى به وحشته، ويكف فاقته، ثم دخل إليه فقال: ~~((ليس هذا الذي أفعله مقدار ما يقتضيه إحسانك إلي؛ وقد استأجرت الدار التي ~~في هذه الحجرة، وأحضرت قوما أثق بهم من حذاق النقابين، حتى نقبت سربا إلى ~~موضعك، ولم يبق إلا أن تركض بعض بلاط هذا المجلس ركضة فتفضي إلى السرب. # وقد أعددت في الدار نجيبين أحدهما لك والآخر لي)). # فلما صلى الديوانبان العصر أغلق الباب، ومضى إلى الموضع المكترى، وركض ~~خالد الموضع وخرج من السرب، وركبا نجيبيهما وحثا المسير. فما فطن بخالد إلا ~~في غد ذلك اليوم، فطلبته الخيل والنجب ففاتها. ولم يزل يوضع في البلاد حتى ~~لحق مسلمة بن عبد الملك، فشفع له إلى هشام ورده إلى عمله. PageV01P005 # 2 - وحدثني هارون بن ملول، قال: # ((كنت عند أحمد بن خالد الصريفي -وهو يتولى الخراج بمصر، ووجوهها عنده، ~~وقد أكب على حاصل ما استخرج في أمسه، وهو يقابل به ثبت المصادرة-، فقال ~~لصاحب حمالته: ((ما أرى اسم فلان المتضمن في هذا الحاصل، وقد صادرنا بالأمس ~~على خمس مائة دينار؟)) فقال: ((ما صح له شيء!)) فقال: ابعث إليه من يسحبه ~~صاغرا حتى يحمله على خطة المطالبة))، فقال له رجل من المتضمنين يعرف بما ~~شاء الله بن مرزوق: ((الخمس المائة -أيدك الله- تصح لهذا الرجل في هذه ~~العشية إن شاء الله، إن أعفى مما قد أمرت به فيه))، فقال: ((هي عليك؟))، ~~فقال: ((نعم!))، فتقدم إلى صاحب الحمالة ألا يعرض له، فالتفت ms02 إلي ما شاء ~~الله فقال: ((تعرف هذا الرجل؟))، فقلت: ((نعم! ومن العجب ألا تعرفه!))، ~~فقال: ((يا أخي أمر في رجل يجري مجرانا في معاشنا بما لم أطق والله ~~احتماله، وعندي ضعف ما طولب به، وكانت صيانته أحب إلي مما حويته. فإذا ~~لقيته فعرفه أني أورد المال عنه لئلا يورد المال مضعفا)). # وانصرفت من مجلس أحمد بن خالد، فلقيت الرجل في طريقي، وهو مجدود، فسألته ~~عن خبره وأخبرته الخبر، فقال: ((يا أخي! وما في هذا من #8# الفرج؟ إنما ~~انتقلت من غم إلى رق! ومتى أقضي إلى هذا الرجل إحسانه إلي؟ والله لوددت أن ~~أمر السلطان نفذ في، ولم أتحمل هذه العارفة منه!)). # قال أحمد بن يوسف، فقال لي هارون: ((وحضرت [موت] ما شاء الله بن مرزوق ~~بعد هذا بأربع سنين -في الوقت الذي توفي- فاتفق أن كان إلى جانبي رجل قد ~~ألقى بعض ردائه على وجهه، وهو يعج بالبكاء والشهيق، ثم كشف وجهه فكان الرجل ~~الذي أورد ما شاء الله عنه الخمس مائة الدينار. فقال: ((من الوصي من ~~جماعتكم))، فقال له الوصي: ((هأنذا!))، فقال: ((عندي لهذا الرجل رحمه الله ~~ألفا دينار وخمس مائة دينار، فقلت له: ((حدثت بينكما معاملة بعدي؟))، فقال: ~~((لا والله، ولكنها الخمس مائة الدينار، صرت بها إليه عند تيسرها فقال: ~~((وما [أبغي بها]؟ تكون عندك إلى أوان حاجتي إليها)). فسألته [الإذن] في ~~شغلها. فقال: ((هو مالك، اعمل به ما شئت)) فلم تزل تنمي وتزيد حتى بلغت هذا ~~المقدار. فقال هارون: ((ووجدت ما خلفه ما شاء الله لبنات كن معه شيئا نزرا، ~~فجبرهن الله بذلك المال)). PageV01P007 # 3 - وحدثني أحمد بن دعيم -وكان من خاصة قواد أحمد بن طولون- بعد أن ترك ~~الديوان، وحسن انقطاعه إلى الله، قال: ((قلدني أحمد بن طولون الصعيد ~~الأوسط. وخرج عليه سوار أبو عبد الرحمن العمري، فكتب إلي يستخبرني عن حاله، ~~فأعلمته ضعف يده، وانتشار أمره لقلة المال. وقبضت على رئيس من الأعراب ~~اتهمته بمكاتبته وأنهيت خبره إليه. فكتب إلي أحمد بن #9# طولون: يأمرني ~~بحمل ms03 الأعرابي، [وجمع] ما قدرت عليه من النجب، والشخوص إليه؛ ليقف من ~~مشافهتي على مالا تبلغه المكاتبة. فامتثلت أمره. # فما سرت مرحلة حتى لحق بي وجوه تجار العمل، ومعهم شاب أعرابي، وقالوا لي: ~~((جئناك في أمر هذا الأعرابي المحمول، فإن معنا من يبذل في إطلاقه خمس مائة ~~دينار))؛ فقلت لهم: ((قد أنهيت أمره إلى الأمير!))؛ فقال الأعرابي الذي ~~معهم: ((فخذ الخمس مائة على أن تجعلني مكانه))؛ قلت: ((أفعل)). فأحضرت ~~الأعرابي؛ وكان من عشيرتي؛ فقلت له: ((والله لقد كنت مغموما بك حتى سرني ~~خلاصك!))؛ قال: ((بماذا تخلصت؟ فقلت: ((بذل لي رجل خمس مائة دينار على أن ~~يكون بمكانك وأطلقك!)). # فقال: ((ومن هذا الرجل؟))؛ فأحضرته إياه. فلما رآه قال: ((امض لشأنك))، ~~ثم التفت إلي فقال: ((يحسن بشيخ مثلي أن يتربح في المعروف؟ هذا رجل لقيته ~~وقد أكبت عليه خيل لتسلبه ثيابه وما كان معه، ففرقتها عنه حتى تخلص، فرام ~~أن يخلصني بحصوله في موضع لا يخرج منه أخرى الليالي، و[هو] غرم ثقيل على ~~مثله. والله هذا مما لا أقبله ولا أركن إليه))، فقلت له: ((انصرف في حفظ ~~الله فقد رضي الرجل))، فقال: ((والله لئن أمضيت هذا لألحقنك، ولأخبرن ~~الأمير بصنيعك))، فتوقفت، وبكى الأعرابي فقال: ((إذا كان محبس الأمير على ~~ما تصف، وليس ترجو خلاصا منه؛ فما أعمل في عارفتك عندي؟ وأنا أنشدك الله ~~لما قبلت مني ما بذلته وأعظم منه؛ وأزلت هذه العارفة عن عنقي؛ فإن عارا ~~ونقيصة على الكريم أن يموت وعليه دين من ديون المعروف))؛ فقال له: ((إذا ~~رأيت رجلا أحاطت به خيل تريغ سلبه فذدتها عنه؛ فقد #10# كافأت عارفتي؛ ~~انصرف مصاحبا)). فعرض عليه ما معه من المال؛ فقال: ((ما بي إليه حاجة!))، ~~فأكب على رأسه ورجليه يقبلها ويبكي؛ فأبكى جماعتنا. # فلما دخلت على أحمد بن طولون شافهته من خبر العمري بما سره؛ وعرضت عليه ~~النجب؛ فقال: ((حسنة والله))؛ فقلت: ((معي أيها الأمير ما هو أحسن من ~~هذا)). وحدثته الحديث. فأحضر الأعرابي وخلع عليه وأثبته في ديوانه، وأمرني ~~بإنفاذ رسولي ms04 معه في الأعرابي الآخر، فلما وافى خلع عليه وأثبته. فلم يزالا ~~في خاصته إلى وفاته. PageV01P008 # 4 - وحدثني موسى بن مصلح المعروف بأبي مصلح -وكان هذا من الثقات عند أحمد ~~بن طولون-. # أن أحمد كان يراعي أمر المحبوس حتى يمضي له حول، فإذا جازه لم يذكره. ~~وكان يقول لي سرا: ((إذا تبينت من رجل براءة ساحة فسهل عليه واستأمرني؛ ~~فإني أستعمل التشدد للضرورة إليه)). # قال موسى بن مصلح: ((وكان في الحبس رجل قد زاد على سنتين منقطعا إلى الله ~~برغبته؛ لا يسألنا شيئا من أمره؛ وهو يكب على الصلاة والتسبيح والتضرع إلى الله. # فقلت له يوما: ((الناس يضطربون في أمورهم؛ ويسألوني إطلاق الرقعة إلى ذوي ~~عناياتهم؛ وأنت خارج عن جملتهم؟))، فجزاني خيرا. ورق قلبي عليه وكبر في ~~نفسي محله، فخلوت به وقلت له: ((لو استجزت إطلاقك بغير إذن لفعلت؛ ولكن ~~استعن بي في أمرك)). فقال: ((والله ما أعرف في هذا البلد #11# غير أبي طالب ~~الخليج- وكان هذا الرجل يتولى شرطتي أحمد بن طولون بمصر -ولو وصلت إليه ~~سرا؛ أو برسالة مع من يفهم، لرجوت تسهيل أمري)) فقلت له: ((والله لآتين في ~~أمرك ما أخطر به على نفسي. أنا أطلقك سرا على أن توثقني بأيمان محرجة أنك ~~لا تهرب عني ولا تخفرني))، فقال: ((إذا كنت عندك بمنزلة من يشك فيه؛ فلا ~~حاجة لي بإخراجك إياي)). فوافقته -من غير يمين ارتهنته بها- على أن يقيم ~~ثلاثة أيام، فأطلقته ليلة الجمعة، وفارقته على أن يصير إلي ليلة الاثنين. # فلما كان سحر يوم السبت، وافاني كما فتحت باب السجن، فلما دخل سجد وحمد ~~الله، وقال لي: ((بعثت إلى أبي طالب الخليج امرأة من أهلنا وطويت عنه ~~إطلاقي، وسألته أن يلطف في أمري فوعد بذلك، وخلف المرأة حتى ترجع إلي ~~بالجواب. وركب إلى الأمير عشية الجمعة، فأقام إلى قريب من العتمة، ثم ~~انصرفت إلى المرأة فقالت: ((وافى أبو طالب الأمير وهو مغموم، فقال لي: ~~((كلمته فيه فقال: ((والله لقد أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة!))، ثم تقدم ~~إلى ms05 رجل أن يصير بك إليه عند جلوسه في يوم السبت، ووجه إلي أن أرجع إلى ~~الله عز وجل في أمرك، فليتني لم أتكلم فيك!)). فسحرت -مع ما تيقنته في ~~أمري- خوفا أن يأتيك رسوله فلا يجدني، فيلحقك مكروه منه. ورأيت كل ما ~~يوعدني به أسهل علي من أن أخفر ظنك بي، وتقديرك لي)). # فما ترجل النهار حتى وافى الرجل فتسلمه مني. وحضرت الدار -وقد #12# أحضره ~~أحمد بن طولون، ومجلسه بين الخاص والعام - فلما رآه بكته بالإجلاب عليه في ~~الثغر، فاعتذر بعذر قبله، ولقيه بالرأفة، بضد ما خفته عليه، وأطلقه فكان من ~~آثر إخواني عندي إلى أن فرقت الأيام بيني وبينه)). PageV01P010 # 5 - وحدثني عمي إسحاق بن إبراهيم، قال: # ((انتظرت أبا عبد الله الواسطي -كاتب أحمد بن طولون- في داره، حتى رجع من ~~عند أحمد بن طولون. فأوصل إليه بعض الحجاب ثبت من وقف بالباب، فرأى فيه ~~إسماعيل بن أسباط فسأل عنه. فقيل له: ((وقف بالباب طويلا وانصرف)). فقال: ~~((إن هذا الرجل ممن عمر هذه المنزلة مدة طويلة، ولست أشك أن مجيئه لحاجة ~~له، ومن الجميل أن أركب إليه فأقتضيه حوائجه، وأبلغ فيها محبته)). ثم ركب ~~وسرت معه، حتى دخلنا دار إسماعيل بن أسباط -وهي التي ملكها الشير بعده-، ~~فرأينا دارا عارية من الستور والفرش، وتأملنا من فيها من الحشم على حال ~~سيئة. فاستقبله إسماعيل بالشكر والدعاء له، فقال له الواسطي: ((إنه لا فرق ~~بينك الساعة عندي في المرتبة التي كنت فيها. ومن جمالنا فيما أفضى إلينا أن ~~نحسن فيه خلافة من تقدمنا، وأن نراهم كالآباء المستحقين البر من أولادهم))، ~~وسأله عن حاجته، فقال: ((أخبرك بها بعد أن أحدثك بشيء يدل على أن المعروف ~~ينفع عند مستحقه من غير المستوجبين له)). # ((كانت لي -أيدك الله- دار خيل نحو المنظر، وكنت أركب إليها في غداة ~~الليلة التي أعاقر فيها إخواني. فركبت إليها يوما فألفيت في الصحراء، جمعا ~~من العامة، وقد ضاقت بهم، ومعهم عامل المعونة. واستقبلتني امرأة قد هتكت ~~#13# سترها، وكشفت شعرها، فقالت: ((يا ms06 سيدي! أخي، وواحدي، وكافلي، يعرض على ~~القتل الساعة!)). فعدلت إلى صاحب المعونة وسألته عن حال الناس، فقال: ~~((اجتمعنا لضرب خناق بالسوط))، فقلت له بحضرة الناس: ((ما حق هذا إلا ~~الإحراق بالنار، وأنا أكتب فيه إلى السلطان))، فأعلن الجميع بالدعاء لي، ~~وانصرفوا. فسألته البعثة بالخناق إلي، فوعدني بذلك في المساء. فلما صليت ~~عشاء الآخرة أنفذ إلي منه شابا مكفهر الوجه لا تخفى قسوته، فقلت له: ((أما ~~تستحي من الله وتخافه في طعمتك؟))، فقال: ((يا سيدي! أنا أشهد الله أني لا ~~أعاود هذا الفعل أبدا))، فأوصيته بخير، وأضفت إليه من أخرجه عن البلد في ~~حال ستر)). # ((وأقمنا بعد ذلك سنين، وتقاصرت أمورنا وتغيرت أحوالنا بتقليد إسحاق بن ~~تميم علينا. فلما بلحنا بما نطالب به، أشخصني وأخي أحمد إلى الحضرة، ~~فطالبنا الوزير بما لفقه ابن تميم علينا، فشكونا إليه شدة اختلالنا، فقال: ~~فلان!)) فوافاه رجل بمنزلة أثيرة عنده: غليظ الطبع، كريه الوجه، تتأمل الشر ~~في سجاياه، فقال: ((استخرج من هذين مائة ألف دينار اليوم)). # فانتزعنا من بين يديه بفظاظة أيقنتنا بالهلكة، ثم صار بنا إلى حجرة له في ~~دار الوزير، فسألنا عن بلدنا ونسبتنا، فلما سمع ((أسباط)) سكن فوره ورق ~~قلبه، وقال: ((من تكونون من إسماعيل؟)) فقلت: ((أنا إسماعيل!)) فبكى وأنكب ~~على رأسي ورجلي، وقال لي: ((يا سيدي أتعرفني؟)) قلت: ((لا))، قال: ((أنا ~~الخناق الذي أطلقتني بمصر! ووالله ما خنقت أحدا بحمد الله بعد إطلاقي، ولكن ~~شراسة طبعي عدلت بي عن الزهادة إلى ما دون الخنق، وهو استخراجي للوزير ~~الأموال بالتعذيب، وقد وجد عندي فيه ما لم يجده عند غيري)). ثم طعن في تلك ~~الحجرة فأخرج إلي صندوقا يحمله غلامان، فقال: ((في هذا من #14# المال ~~والحلي ما نكتفي به، فقوموا بنا حتى نهرب لئلا يقع بكم باس)). فأعلمته أنا ~~نخاف في الهرب تتبع الولد والأهل: فرجع إلى الوزير يبكي بين يديه ويحدثه ~~محلنا -كان- وما أوليناه، فعجب الوزير من رقته علينا، لما وقف عليه من ~~فظاظته، وكان -شهد الله- أقوى الأسباب في دفع المطالبة ms07 عنا. # ((ثم سأل أبا عبد الله الواسطي -بعد هذا الحديث- حوائج وقع بها في مجلسه، ~~ووكل بها متنجزا من خاصته، ولم تزل ألطافه تعتاده إلى أن توفي)). PageV01P012 # 6 - وحدثني يوسف بن إبراهيم والدي، قال: حدثني إبراهيم بن المهدي عن إسحاق ~~بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه: # أنه كان مع أبي عبد الله محمد بن علي -أبي الخلفاء- برصافة هشام بعد وفاة ~~أبي محمد علي بن عبد الله، وأنه أقام ثلاثة أشهر برصافة هشام لا يأذن له ~~هشام عليه، إلى أن بلغ أبا عبد الله إجماع مسلمة القدوم على هشام، #15# ~~فتلقاه على أميال من الرصافة، وشكى إليه جفوة هشام وتأخيره الإذن عليه. ~~فقال له مسلمة: ((أرجو أن يزول هذا بقدومي))، وأمره أن يقيم بباب هشام إذا ~~دخل عليه مسلمة، ولا يريم ما أقام مسلمة عنده؛ فأقام أبو عبد الله إلى وقت ~~زوال الشمس. # قال عيسى بن علي: فخرج مسلمة إليه، فقال له: ((قوض رحلك أبا عبد الله! ~~فما لك عند الرجل من خير! لأني خاطبته في أمرك -بعد ما تقضى سلامي عليه-: ~~((محمد بن علي بن عبد الله على شابكة رحمه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يقيم ثلاثة أشهر ببابك فلا يؤذن له عليك؟)). فقال: ((أله عنه أبا سعيد))، ~~فأمسكت حتى حضر الطعام، فأعلمته أني لا أستجيز الأكل وإنه قائم على الباب! ~~فغضب غضبا زاد به حوله، وقال: ((يسمي ابنيه عبد الله وعبد الله، ويرجو بهذا ~~أن يليا الخلافة، ثم يطمع في خير مني! والله لولا ماسة رحمه برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقطعت من وسطه شبرا)). # ثم عانق أبا عبد الله، قال: ((رسولي إليك صائر)). فرجع أبو عبد الله إلى ~~رحله فقوضه، وبقي في حيرة لعجزه عما ينهضه. ووافاه رسول مسلمة يقول: ((لم ~~أقدر في سفري هذا طول اللبث، وأشهد الله أني ما حملت معي إلا ألفا ~~وثلاثمائة دينار، وقد وجهت إليك بالألف، وخلفت الثلاثمائة لنفقتي)) قال ~~إبراهيم بن المهدي: فحدث بهذا الحديث الرشيد ms08 في حديثة الموصل فبكى، وقال: ~~((وصلت أبا سعيد رحم، والله لا دخلت الرقة حتى أقضي عارفته عندنا!)). فلما ~~وافينا حصن مسلمة، أحصى من فيه من ولده الذكور والإناث فوجدهم أربعين، فأمر ~~لهم بأربعين ألف دينار)). PageV01P014 # 7 - وحدثني أحمد بن وليد، قال: # ((ودعت إسحاق بن نصير العبادي في بعض خرجاتي إلى بغداد، فأخرج إلي ثلاثة ~~آلاف دينار وقال: ((إذا دخلت بغداد، فادفع ألف دينار إلى ثعلب، وألف دينار ~~إلى المبرد، وصر إلى قصر وضاح فانظر إلى أول دكان للوراقين، فإنك تجد ~~صاحبها -إن كان حيا لم يمت- قد شاخ، فاجلس إليه وقل له: ((إسحاق بن نصير ~~يقرأ عليك السلام: وهو الغلام الذي كان يقصدك كل عشية -راجلا من دار ~~الروميين- بدراعة وعمامة ونعل رقيقة. فيستعير منك الكتاب بعد الكتاب، فإذا ~~اقتضيته كراء ما نسخ منه قال: ((اصبر علي إلى الصنع)). فإذا استقرت معرفتي ~~في نفسه دفعت إليه هذه الألف الدينار وقلت له: ((هذه ثمرة صبرك علي)). # قال لي أحمد بن وليد: فلما دخلت بغداد -ودفعت الألفي دينار إلى ثعلب ~~والمبرد-، مضيت إلى قصر وضاح، فألفيت الدكان التي وصف لي قفرا ليس فيه ~~كتاب، ورأيت فيها الشيخ الذي وصفه لي في حال رثة وثياب خلقة، وقد أفضى به ~~الأمر إلى التوريق للناس. فجلست إليه وسألته عن حاله، فقال: ((يا أخي! ما ~~ظنك بحال: ما تتأمله في أحسن ما فيها؟)) ثم خرجنا إلى المسألة إلى أشياء ~~#17# كان فيها خبر إسحاق بن نصير، فقال: ((قد كان يجيئني من دار الروميين ~~غلام -ووصفه- فأسمح له بالنسخة بعد النسخة -يقال له: ((إسحاق))، وكان يعدني ~~في كل شيء يأخذه إلى الصنع، وأخبرت أنه وقع بنواحي مصر وما حصل لي منه ~~شيء!؟ فأخرجت الألف الدينار وقلت له: يقول لك: ((هذه ثمرة صبرك))، فكاد ~~والله يموت فرحا. فقلت له: ((ليست دراهم وهي دنانير!)). وانصرفت عنه وهو ~~أحسن من في سوقه حالا. # قال لي أحمد بن وليد: واجتزت بعد ذلك فرأيت دكانه معمورة، وهو متصدر فيها ~~على أحسن حال وأوفاها)). PageV01P016 # 8 - وكان ms09 بنحو دار العنقود شيخ يتنخس في الدواب -يعرف بابن الزنق- قد لحق ~~بمصر أكابرها، ورأيته في أيام أحمد بن طولون قد علت سنه، وضعف عن التصرف. ~~وكان له ابن أخت -خفيف الروح، مقبول الصورة، حلو الألفاظ، يتنخس في الدواب ~~-فخف على قلب القاسم بن شعبة. وكان شعبة من أكابر أصحاب أحمد بن طولون، ~~ومات في طاعته، فرد إلى القاسم ابنه إحدى الشرطتين بمصر. فانصرف ابن أخت ~~ابن الزنق من عند القاسم وقد خلع عليه دراعة خز من تحتها جبة ملحم، فنظر ~~إليها خاله ابن الزنق، فقال: ((ما هذه الخلعة الرائعة؟))، فقال: ((خلعها ~~علي القائد!))، يريد القاسم بن شعبة. فقال: ((يا بني! إن كنت تصبر على ~~التدلي معه في محنه، كما تتدلى في نعمه، وإلا فاعتزله، ولا تفضحنا بالقعود ~~عنه في نوائبه))، فقال: ((أرجو أن يصونه الله وما أنعم عليه به، من نائبة ~~تلحقه، أو مكروه يقع به))، فقال: ((وأنا أرجو هذا أيضا له، ولكن ينبغي أن ~~لا تنسى نصيبه منك في الشدة، كما عني بك في النعمة)). #18# # واتصل بأحمد بن طولون عن القاسم بن شعبة شيء أنكره، فحبسه ووكل بداره ~~جماعة، واختفى النخاس في دار خاله. فسأله بعد يومين عن سبب ملازمته المنزل، ~~فقال: ((وجدت علة))، إلى أن اتصل الخبر بالشيخ، فدخل إلى ابن أخته فقال: ~~((قبحك الله! سرقت معروف هذا القائد، وخليته يقارع شجوه بمحنته؟!)). وأسرج ~~حمارا له وركبه، وجيرانه يناشدونه الله ألا يفعل، فقال: والله القتل أحسن ~~مما أتى به هذا الوغد)). # ثم قصد دار القاسم بن شعبة -وعليها جماعة من الموكلين وأصحاب الأخبار، ~~فوقف على الباب فقال: ((كيف حال القائد أبي محمد أيده الله؟))، فقالوا: ~~((امض يا شيخ))، فقال: ((ما أمضي حتى أبلي عذرا! هذا رجل قد لزمتني له ~~عارفة، وهذا أوان قضائها)). فوقع خبره إلى أحمد بن طولون فأحضره، وقال: ~~((ما كنت تعمله للقاسم بن شعبة؟))، قال: ((أولاني في بعض أقاربي جميلا، ~~فانتصبت الساعة لما يحتاج إليه؛ وما أحق الأمير أن يفضلني بحسن المكافأة عن ~~طاعة ms10 والده، فقد كان مشهورا بها!)). # فحدثني أبو العباس الطرسوسي. أن أحمد بن طولون قال له في هذا المجلس: ~~((ما أحسن ما اهتدى هذا الشيخ إلى إذكاري بحق قاسم وعطفني عليه!)). ثم أحضر ~~القاسم بن شعبة وخلع عليه خلعة رضى، وصرفه إلى منزله، وعدل الشيخ ولم يدخل ~~معه داره؛ وانصرف إلى بيته وقد قام بما قعد عنه ابن أخته. PageV01P017 # 9 - وحدثني هارون بن ملول، قال: # لما مات أبي ورثت منه مالا جما ومستغلات نفيسة -وكان يقصرني على #19# زي ~~التجار، ويمنعني من التخرق والسرف في الهيئة-، فعمدت إلى أثواب وشي سعيدي ~~كانت في المتاجر التي خلفها والدي فقطعتها، وقطعت لخدم -أرتبطهم للتجارة- ~~من الملحم والديباج ما لا يتسمح به أحد من أبناء الترفه وجلست في الوشي، ~~وقام الغلمان بين يدي فيما قطعته لهم. # ووافانا إسحاق بن إبراهيم [بن تميم] مفتقدا، فتأملني فقال: ((لقد سرني ~~بعد يتمتك وحسن زيك، بارك الله عليك، وأحسن إليك!)). ثم وافى جماعة من ~~إخوان أبي وأصفيائه، فوالله ما أنكر علي واحد منهم ما خرجت إليه من زي ~~أسلافي. فلما كان في عشي ذلك اليوم، وافاني رسول إسحاق بن تميم: ((عندي من ~~لا تحتشمه، فتؤنس جماعتنا بحضورك؟ فقد أعجبني اليوم حسن زيك!)). فزدت في ~~الخلعة وركبت، فلما دخلت إليه لم أفقد عنده أحدا من إخوان والدي. فلما ~~توسطت الصحن ابتدرني الغلمان، وصاح بي إسحاق: ((تتوهم يا جاهل أن أباك مضى ~~واسترحت! ولا تعلم أن أباك خلف لك هؤلاء الآباء بأسرهم يردونك عن الخطإ ~~بأليم العقوبة، ولا يشفعون في مصلحتك من عظيم ما كان أبوك يرق عنه فيك؟)) ~~ثم بطحت في وسط الدار، فصحت بهم: ((يا سادتي! والله ما قرعت قط بمقرعة!))، ~~فقال إسحاق: ((ولا أتيت بمثل هذا الفعل!)). وضربت ضربا مبرحا، ولم ترفع ~~المقرعة عني حتى حلفت لهم ألا أزيد على معرض والدي واقتصاده، فأقمت على هذا ~~إلى اليوم)). # ومازال عنه إلى أن توفى. PageV01P018 # 10 - ولما استفحل أمر ابن الخليج، انحاز عنه جيش مصر إلى الإسكندرية وخلا ~~الفسطاط منهم، ms11 وكنت بمدينة أهناس، واضطربت النواحي، واحتجت إلى مشاهدة ~~الفسطاط، فتخفرت بأربعة نفر من القيسية. دفعت إليهم عشرين دينارا وخرجت ~~معهم، فأحسنوا العشرة، وأجملوا الصحبة. وكنا لا نجتاز بحي لا وجماعة إلا ~~كفونا مؤونة كلامهم، وصرفوا عنا بأسهم. ولم يزل كذلك دأبنا حتى بلغنا قصر ~~الجيزة، فأقبلت رعلة من الأعراب -قدرتها برأي العين خمسين فارسا- كانت من ~~غير حيهم، فصممت نحونا برماحها، وعملت على نهبنا وقتلنا، ورأيت الموت في ~~أسنتهم. وأحسن الأربعة -الذين تخفرنا بهم- لقاءها والتضرع إليهم، وناشدوهم ~~ألا يخفروا ذمتهم، وأجملوا التأتى حتى انصرفوا. # وجددنا في السير حتى انتهينا إلى حي المخفرين لنا، فقال المخفرون: ((قد ~~بلغت إلى من تأمنه، فحط رحلك، فما تستقل دوابك الزيادة على هذا السير)). ~~فنزلت وتقدمت إلى الغلمان في إطعامهم، ولم أجد للطعام مساغا من فرط ما ~~لحقني من الروع. وعملت في المخفرين هذه الأبيات: # جزى الله خيرا معشرا حقنوا دمي ... وقد شرعت نحوي المثقفة السمر # دراهمهم مبذولة لضعيفهم ... وأعراضهم من دونها الغفر والستر # إذا ما أغاروا واستباحوا غنيمة ... أغار عليهم في رحالهم الشكر # وإن نزلوا قطرا من الأرض شاسعا ... فما ضره ألا يكون بها قطر # فلحظني واحد منهم وأنا أكتبها، فظن أني أكتب إلى السلطان فأشتكي ما كان ~~من الفرسان الذين لقونا بقصر الجيزة، فقال: ((قد سلمك الله من أولئك #21# ~~القوم، وقد أحسنوا إلينا في حسن الإجابة لنا، فلا تكتب فيهم بشيء)). فقلت: ~~((والله ما كتبت فيهم ولا في غيرهم إلى السلطان بشيء))، فقال لي شيخ من ~~المخفرين -وقد قرب مني-: ((فما تكتب؟))، قلت: ((أكتب أبيانا مدحتكم فيها))، ~~فقال: ((وإنك لتقرض الشعر؟))، قلت: ((نعم!))، قال: ((أنشدني على اسم ~~الله))، فأنشدته إياها، فقال: ((برك الله ووصلك!)). # ثم صاح بالثلاثة، فلما اجتمعوا أنشدهم إياها، فما خرم -شهد الله- حرفا ~~واحدا، فعجبت من حفظه لها ولم أعد عليه حرفا منها، وتبينت الفرح في سائرهم، ~~وحفظوها بأجمعهم. ثم صاح بهم الشيخ: ((ما تنتظرون؟ ارحضوا السوءة عنكم)). ~~فأدخلوا أيديهم في جيوبهم، وجمعوا شيئا أخذه الشيخ منهم، ثم قال لي: ((قد ms12 ~~شكرنا صنيعتك، والله لا نجمع بين شعرك ووفرك!))، ووضع العشرين الدينار بين ~~يدي فأكبرت ذلك وأعظمته. فقال لي: ((والصواب ألا يعلم بها عشيرتنا، فيرجع ~~عليك منها أكثر مما خفته ممن لقيك بقصر الجيزة)). وركبت فسرت مع جمع كثير ~~منهم وهم ينشدون تلك الأبيات، فالتمست أن يقبلوا مني برا فلم أصل إلى ذلك، ~~ورأوا أن الشعر أحسن موقعا مما ملكته. PageV01P020 # 11 - ونزل في حارتنا غلام أمرد تأخذه العين، وكنت أسلم عليه إذا اجتزت به، ~~كما أفعل هذا بغيره من جيرتي. فانصرفت يوما إلى منزلي فوجدته قائما على ~~بابه، فدفع إلي رقعة يذكر فيها أنه عباسي من ولد المأمون، ويسألني فيها ~~بره. ودخل من كان معي بدخولي، فقضيت شغلي بالجماعة حتى انصرفوا، ووضعت ~~المائدة بيني وبين العباسي فأكلنا، وهو يتأملني فلا يجد في شيئا قدره. فلما ~~غسل يده، دفعت إليه ثلاثة دنانير، واعتذرت إليه من تقصيري في حقه، وانصرف ~~وقد رأيت تبجيلي في حماليق عينيه. #22# # فلما كان بعد ذلك بسنيات -وأنا في ضياع تقبلت بها ولي فيها غلة بمال ~~جسيم، فخفت أن أدخل الفسطاط فتخرب الضياع وتتعطل عمارتها، فكنت أكمن نهارا ~~في بعض منازل الفلاحين، وأظهر ليلا فأعقد منها ما تهيأ لي عقده. فإني لكامن ~~في يوم من الأيام حتى سمعت رجة شديدة، فدخل إلي بعض غلماني. فقال: ((دخل ~~أصحاب دميانة الضيعة، وعملوا على نقل الغلات!))، وأيقنت بتلف أكثر ما ~~أملكه، ثم سكنت أصواتهم. # ودخل إلي غلام لي فقال لي: ((يا مولاي! كانت هذه الضياع قد أشفت على نقل ~~ما فيها، حتى نظر إلي العباسي الذي كان في جوارنا، فقال لي: ((ألست غلام ~~أحمد بن يوسف؟)) قلت: ((نعم!)) قال: ((فهذه ضياعه؟))، قلت: ((نعم!)) فصاح ~~بالجماعة التي دخلت من أصحاب دميانة: ((اخرجوا بأسركم عنها))، فخرجوا. ثم ~~قال لي: ((قل لمولاك: يا سيدي! محلي عند الأمير دميانة محل الأخ، فاظهر ~~واركب إليه، فقد آمنك الله على نفسك ومالك)). فسألت الغلام: ((ما كان ~~زيه؟)) قال: ((كان عليه كساء صوف مما ينام فيه؛ وتحته خفتان)). ms13 # فأحضرت بعض مشايخ الضيعة، وحملت معه إليه دراعة خز كحلية، ومطرف خز، ~~وخمسين دينارا، وسألته أن يقبل ما يحتاج إليه من ناحيتي. #23# فقبل الدراعة ~~الخز، ورد المطرف والدنانير، وقال لرسولي: ((والله للثلاثة الدنانير -التي ~~وهبها لي لشرفي لا لشيء مما ظننته به- أحسن موقعا عندي مما رددته إليه، ~~فكثر الله في الناس مثله!)). # فلم يزل عضدا لي وسترا علي، حتى انصرف دميانة عن الناحية. PageV01P021 # 12 - وحدثني يحيى بن الفضيل، عن يحيى بن نجه -وكان هذا الرجل حسن الكتابة- قال: # ((ترددت إلى عمر بن فرج الرخجي مدة، فدخلت عليه في يوم من الأيام. فقال: ~~((قد أنضيناك! قد استتممت في هذا اليوم سنة))، ووقع لي بتقليد عمل سني. ~~واضطربت فيما أحتاج إلى التجهز به، فلما لم يبق علي إلا نص ركابي، برزت ~~ظهري وثقلي، ووقفت على باب دار أمير المؤمنين المنتصر أنتظر توديع عمر ~~والخروج إلى عملي. فرأيت غلمان عمر يتسللون فسألت عن السبب، فقيل لي: ((سخط ~~أمير المؤمنين على عمر!)) فحرت، #24# وخفت أن أرجع إلى منزلي فأخسر جميع ما ~~أنفقته. فإني لفي تلك الحيرة حتى خرج عمر بن فرج، ومعه رجل من شيعة بني ~~العباس، فقال لي: ((أين كل من كان معي؟))، فقلت: ((تسللوا للحادث!))، فقال: ~~((وقد وكل بي هذا الشيعي على أن ينفيني إلى بلاد الترك، ولم أعد شيئا ولا ~~أجد من يعده لي))، قلت: ((هذه قبة وظهر يقلك، وأنا أصحبك شكرا على ما ~~أسلفتني من التقليد)). # فركب القبة، وأحضر الشيعي قبة له، وركبنا وأنا أعادله، وانتهى المسير بنا ~~إلى خراسان. وكنا لا نفضي من بلدان خراسان إلى بلد إلا وجدناه أغلظ طبعا من ~~البلد الذي فارقناه، حتى بلغنا بخارى، فرأينا قوما في نهاية من غلظ الطباع، ~~فقال لي -حين رآني أتعجب منهم-: ((كيف لو رأيت الترك وبلدانهم؟ يقتلون ~~المستجير بهم، ويغير بعضهم على بعض، فيهلك النازع إليهم بينهم!))، فزادني ~~هذا القول تهيبا للسير معه، ثم ملكت ما استغرب مني، وتماسكت. # وجد بنا السير عن بخارى إلى أرض الترك، وإني ms14 معه في القبة وهو يحدثني ~~بشيء قد شغلني عن تبينه ما يقلقني من ركوب ما أقدمت عليه من الخطر -حتى ~~سمعنا حلق البريد، فتشوفنا لها، ووافى بها رسول أمير المؤمنين وكتابه بما ~~أمره بالحضرة: من الرضا عنه ورده إلى مرتبته؛ ويأمره فيه بكشف مدن خراسان، ~~وتجريد عقودها على أصوب ما استقرت عليه، واستثارة التوفير بها والزيادة ~~فيها. فلما استتم قراءته؛ حمد الله، وألقى الكتاب إلي؛ وقال: ((بارك الله ~~لك في الخلاص وهنأك المزيد)). ورد إلي تأمل ما أمر به أمير المؤمنين من كشف ~~عقود النواحي)). #25# # فانصرفت إلى منزلي بمائة ألف دينار؛ مع ارتهان شكر المعاملين وإحماد ~~السلطان)). PageV01P023 # 13 - وحدثنا أحمد بن يوسف، قال: # ((حبس أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم والدي في بعض داره -وكان اعتقال ~~الرجل في داره يؤيس من خلاصه-، فكاد ستره ينهتك لخوف شمله عليه. وكان له ~~جماعة من أبناء الستر يتحمل مؤنها، مقيمة عليه لا تنقطع إلى غيره. فاجتمعوا ~~-وكانوا زهاء ثلاثين رجلا- فركبوا إلى دار أحمد بن طولون، فوقفوا بباب له ~~يعرف بباب الجبل، واستأذنوا عليه فأذن لهم. فدخلوا إليه، وعنده محمد بن عبد ~~الله بن الحكم وجماعة من أعلام مستوري مصر، فابتدروا كلامه بأن قالوا: ((قد ~~اتفق لنا -أيد الله الأمير- من حضور هذه الجماعة مجلسه، ما رجونا أن يكون ~~ذريعة إلى ما نأمله؛ ونحن نرغب إلى الأمير في أن يسألها عنا، ليقف على ~~منازلنا)). فسألهم عنهم، فقالوا: ((قد عرضت العدالة على أكثرهم فامتنع ~~منها)). # فأمرهم أحمد بن طولون بالجلوس؛ وسألهم تعريفه ما قصدوا له؛ فقالوا: ((ليس ~~لنا أن نسأل الأمير مخالفة ما أمر به في يوسف بن إبراهيم، لأنه أهدى إلى ~~الصواب فيه، ونحن نسأله أن يقدمنا إلى ما اعتزم عليه فيه: إن آثر قتله أن ~~يقتلنا؛ #26# وإن آثر غير ذلك أن يسلف بنا، وهو في حل وسعة منه))، قال: ~~((ولم ذلك؟))، فقالوا: ((لنا ثلاثون سنة ما فكر في ابتياع شيء مما احتجنا ~~إليه؛ ولا وفقنا بباب غيره. ونحن والله أيها الأمير نرتمض ms15 البقاء بعده من ~~السلامة من شيء من المكروه وقع فيه))، وعجوا بالبكاء بين يديه. قال أحمد بن ~~طولون: ((بارك الله عليكم فقد كافأتهم إحسانه وجازيتم إنعامه))، ثم قال: ~~((علي بيوسف بن إبراهيم))، فأحضر. فقال: ((خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا)). ~~فخرجوا معه؛ وانصرف بهم إلى منزله)). PageV01P025 # 14 - قال: # ((وطالبني بعض عمال الخراج بمصر بمال زاد على ما في حاصلي؛ فاحتجت إلى ~~معاملة بعض التجار عليه؛ فدللت على رجل من أهل الشام يعامل برهون؛ فصار إلي ~~-وأنا في بيت المال- منه شيخ حسن الصورة جميل اللقاء، فقال: ((إلى كم ~~تحتاج؟)) قلت: ((إلى مائتي دينار)). فأخرج من كمه مالا فوزنه، واستزاد من ~~غلام كان معه دنانير حتى أكمل المائتين، ثم سلمها إلي واقتضاني خطا بها، ~~وقال: ((قد كفيت مؤونة الرهن))، فقلت: ((فكيف أكتب الخط؟)) قال: ((بمائتي ~~دينار كما أعطيتك))، فقلت له: ((سبيل المعاملة غير هذا!))، فقال: ((والله ~~لا قبلت منك فيها ربحا، ولو وهبتها لك لكان من أصغر حقوقك علي))، ثم قال ~~لي: ((تعرفني؟))، قلت: ((لا!)). # قال: ((ركبت مركبا أريد الفسطاط من تنيس، وحملت فيه تجارة لي #27# ما كنت ~~أملك غيرها، حتى إذا بلغت المحلة، ووازيت ضياعا كانت في يدك، كسر بنا، وغرق ~~جميع ما أملكه، وسلمت بحشاشة نفسي، فجلست على الشط أبكي وأنتحب، فأقبلت في ~~جماعة معك فسألتني عن حالي فأخبرتك بها، فبثثت في حشد من يغوص على المركب ~~وما فيه وحططت على الشط، فأخرجوا بزا كان لي وتلف ما سواه؛ واستحلفتني على ~~ما ذهب لي فأخبرتك به -وكانت قيمته سبعين دينارا- فقسمتها لي على وكلائك ~~وكتابك فلما حصلت لي أعطيتني دنانير من عندك وقلت لي: ((هذا أرش ما لحقك في ~~الثياب))، وأمرت أن يكترى [لي] إلى تنيس، وكتبت لي إلى جماعة معامليك بتنيس ~~بما لحقني، وبمعونتي على أمري، فرجع بك إلي ما أملك، واكتسبت جاها بتنيس ~~تضاعف مالي به، وحسنت معه حالي)). # ((وأخذ خطي بالمال وانصرف)). PageV01P026 # 15 - وسمعت أبا العباس أحمد بن بسطام يحدث أبا الطيب أحمد بن علي قال: # ((لما سخط الموفق ms16 على صاعد وكل به من يطالبه، وأقرني والطائي على ما كنا ~~نتقلده له. وكان صاعد محسنا إلينا، جميل العشرة لنا، #28# فلم نترك شيئا ~~نصل إليه مما خفف عنه إلا بلغناه. وكانت بيني وبين الطائي إحنة، فدعاني ~~الموفق في يوم من الأيام -ونحن بواسط وقد بلح صاعد، واستنزل المستخرج جميع ~~ما وصل إليه منه-، فقال لي: ((أحمد! ادخل إلى صاعد فقل له: أظنك أرضيت ~~المستخرج حتى فتر في مطالبتك، وتالله لئن لم تخرج محتجبك لأتولين تعذيبك ~~بنفسي!)). # فدخلت إليه وأديت الرسالة، فقال لي: ((يا أحمد! والله ما بقي لي شيء، وما ~~ملكت قط ما هو أحب إلي من نفسي، فتقول له: يا سيدي! والله ما أملك على ~~الأرض ولا فيها دينارا ولا درهما ولا جوهرا، وأنت أولى بالتطول على ~~خادمك)). فانصرفت من عنده وأنا أخاف أن يغريه ذلك الجواب. ودخلت إليه وقلت ~~له: يقول لك: ((يا سيدي! ما أملك على وجه الأرض ولا بطنها غير مائة ألف ~~دينار عند الطائي)). فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه، قال له: ((المائة ~~الألف الدينار التي لصاعد عندك، قد بعث إلي يحلف أنه لا يملك غيرها)). فقال ~~له: ((وهي بمدينة السلام، فينظرني الأمير مسافة الطريق، وأنا أستسلف له ما ~~تيسر منها من التجار هاهنا؟)) فقال له: ((اكتب خطك بها)). فكتبه وسلمه إلى ~~الموفق، فسلمه إلى غلام من خاصته، وانصرف الطائي. # فاستقبحت ما صدر مني فيه، وعظم في نفسي لتصديقه صاحبه، وترك معارضته بما ~~يدفع به المرء عن نفسه. فدنوت من الموفق وقلت له: ((أيها الأمير! جميع ما ~~أديته إليك عن صاعد مني تقولته، وقد قبح في عيني، وسيدي مخير بين الصفح عنه ~~والعقوبة عليه)). فقال: ((أحسنت! بارك الله عليك)). ثم أمر برد الطائي، ~~فقال: ((لم لم تتقرب إلي بذكر هذا المال؟)) فقال: ((أيها الأمير! يمنعني من ~~ذلك ما تولاه من اصطناعي)) فقال له: ((ليس يقنعني إلا أن تحلف برأسي على ~~هذا المال، وفي أي وقت دفعه إليك)). فقال: ((يعفيني #29# الأمير من ذلك)). ~~فقال: ms17 ((والله لا فعلت)). فقال: ((وحق رأس الأمير ماله عندي درهم واحد فضلا ~~عنه، ولكني لما رأيته قد عاذ بالدعوى علي، تيقنت أنه لم يبق له حيلة في ~~المدافعة عن نفسه، فعملت على تحمل هذا المال، ووالله ما أملكه، ورجوت أن ~~أصل إليه بجاهي ولطيف حيلتي)) فاستحضر الموفق الخط ودفعه إلى الطائي، فقال ~~له: ((خرقه)). ثم تقدم بإعفاء صاعد من المطالبة)). PageV01P027 # 16 - وكان نجاح بن سلمة -مع ما يؤثر عنه من زعارة أخلاقه، وقبح تسلطه- يحب ~~التبسط على طعامه، ويحسن المكافأة عليه. فحدثني يعقوب بن إسحاق بن تميم، قال: # أقام إسحاق والدي ببغداد خمسا وعشرين سنة في رفع حسابه، ينقض الكتاب ~~جماعاته ويسلطون الإعنات عليه، قال لي يعقوب، فحدثني أبي: أن أغلظ الكتاب ~~بأسرهم كان عليه، نجاح بن سلمة. قال: فلما أفرط علي سوء تحكمه، جلست في ~~منزلي، فمر به اسمي، فقال: ((قد عزم إسحاق بن تميم على أن يتربص بنا كما ~~كان يتربص بمن كان قبلنا؟)). ثم نظر إلى بعض المضمومين إليه فقال: ((بكر ~~إلى إسحاق بن تميم فأحضره الدار إلى أن أنصرف)). قال: فباكرني فظ من الجند ~~لم أملك نفسي معه حتى صار [بي] إلى دار نجاح، فوجدناه قد ركب. # فحصلني على الباب وجلس معي، وتعالى النهار واشتد جوعي، فقلت #30# له: ~~((امض معي إلى المنزل لنأكل جميعا ونرجع!)) فأبى فقلت لحاجب نجاح -ورأيته ~~متمكنا من داره: -وأصلحك الله، إني قليل الصبر على الجوع، وأخاف أن يتأخر ~~الأستاذ وأضعف عن حجتي في حضوره لغلبة الصفراء علي، وقد سألت هذا الرجل أن ~~يطلق لي الذهاب إلى منزلي لآكل وأرجع فأبى))، قال: ((لم لا تأكل هاهنا؟)). ~~وأجلسني في بشخانة فيها، واستحضر الطعام، فأحضرت مائدة نجاح بن سلمة، ولم ~~يبق حلو ولا حامض ولا حار ولا بارد إلا نقل علينا. حتى إذا بلغت إلى ~~الحلواء من الطعام، دخل الدار نجاح فجلس في المجالس، ورآني في دخوله، ~~ومكاني من البشخانة، فبعث إلي غلاما له [يقول]: ((بحياتي استتم أكلك ولا ~~تتجوز فيه)). فأقمت حتى فرغ ms18 الطعام، وجاؤوني بالغسل والبخور، ثم قمت. فلما ~~رآني ضحك إلي وقال: ((من علمك على هذا؟))، قلت: ((التوفيق))، قال: ~~((أجل!))، ثم قال لي: ((ارفع حسابك كيف شئت واحشه، فقد أمنك الله من ~~اعتراضك بشيء تكرهه)). # قال يعقوب: قال لي أبي: ((فغدوت إليه بحسابي، فوالله ما زاد على التوقيع ~~في الجماعات بإمضائها وتخليدها. ثم قال: ((متى تعزم على بلدك؟))، فقلت: ~~((يا سيدي إنما أنتظر فيه إذنك، فكل شيء لي مفروغ منه))، فقال: ((اجعله بعد ~~صلاة الجمعة))، قلت: ((أفعل)). ثم قال لي: ((تروح إلي لألقاك في حوائج ~~لي؟))، فقدرت أن يحملني في الحوائج غرم الألف الدينار. # فلما رحت إليه. دخلت وهو خال، فقال لي: ((إنك ترجع إلى بلد قد يئس منك ~~فيه أهله، فأدخل الجار من جيرانك الخشبة في حائطك، والجار في البستان قد ~~تحيف حدودك، فهب لي ما بينك وبينهم)). قلت: ((أفعل)). #31# # قال: ((وترى ببلدك جماعة قد ارتفعوا، أبناء خاملين، فلا تنهرهم بدقة ~~أصولهم، وانصرف عما كان عليه سلفهم، فإنه يزرع لك المقت في قلوبهم)). قلت: ~~((أفعل)). # قال: ((وأصحاب البريد، فاحذر أن يرد في كتبهم ذكر لك بخير ولا شر)). قلت: ~~((أفعل)). # ثم أومى إلي يعانقني، قلت: ((يا سيدي! حوائجك؟)). قال: ((هي ما عددته ~~عليك، إنك قد حللت مني بانبساطك محل القرابة الذي أسر بصوابه، ويغمني زلله، ~~فإن حزبك أمر في بلدك فلا تعدل به عني، وأنا أستودعك الله)). # ((فانصرفت عنه وأنا على غاية من الشكر)). PageV01P029 # 17 - وحدثني محمد بن يزيد -وكان حسن التقشف، سديد الرأي- قال: # أطلق جماعة من حبس أحمد بن طولون كانت قد وقعت بهم ظنة بالتلصص، وكانوا ~~ينزلون كورة أهناس. فإني عند بعض أصحاب الأكسية حتى وافاه غلام أصفر، خبيث ~~المنظر، متمكن من نفسه، من الخارجين من الحبس، فرحب به، وجلس عنده، وهنأه ~~بسلامته. ثم سأل عن حاله، فقال: ((خرجت من الحبس كما تراني، وما معني نفقة ~~تبلغني منزلي)). # فقلت له: ((ما اسمك؟))، فقال: ((مسافر))، فقلت له: ((يا فتى! قدم الله في ~~أمورك ولا تعدل عنه، فإن الراحة ms19 في ظله))، فقال لي: ((يا سيدي! الحق فيما ~~قلته، والنفس بالسوء، والتوفيق إلى الله دون خلقه))، فأعجبني جوابه، #32# ~~وقلت له: ((كم يكفيك إلى منزلك؟)) فقال: ((دينار!))، فدفعته إليه وقلت له: ~~((إذا حدثتك نفسك بإخافة السبيل فابعث إلي حتى أمسك من رمقك، وأكف فاقتك)). # فما مضى شهر حتى اضطربت ناحية أهناس والبهنسا بتسلط رجل من اللصوص -في ~~جمع كثير، على كثير من المواضع، وكبسهم الضياع. وكانت لي أسلاف بسمسطا ~~ونواحيها، فخرجت لقبضها في رفقة من التجار، قد حملوا البز والطيب وما يحتاج ~~إليه للأرياف. فإنا بنواحي المحرقة، حتى لقينا قطعة من اللصوص، فساقتنا ~~بأسرنا إلى موضع منقطع عن المارة، وفيه شاب أصفر راكب فرس، ومعد مقدار خمسة ~~فوارس، فعرضت الجماعة عليه إلى أن بلغني، فتأملته فوجدته ((مسافرا))، فأكب ~~على رأسي وتحفى بي، ثم قال لأصحابه: ((أخطأ والله حزركم، هذه رفقة شيخي ~~وسيدي، ووالله لا دخل إلي منها شيء)). وسار معنا حتى أخرجنا إلى الأمن، ثم ~~قال لي: ((أنا أعلم أنك لا تأكل طعامي، ولا تقبل شيئا مني، وقد والله يا ~~سيدي حببت إلي مجانبة ما أنا بسبيله، فنشدتك الله لما جعلتني طريقك في ~~الرجعة!)). فتضمنت له ذلك. # ودخلنا مدينة أهناس، فشاع خبر ما أولاني في الناس. وكان المتقلد لها رجلا ~~من أصحاب أحمد بن طولون -يعرف بفهم- متقدما عنده أثيرا لديه فبعث إلي، وعرف ~~مذهبي، فقال: ((قد أحفيت المسألة عن هذا الغلام، فرأيته لا يرى القتل، ولا ~~هتك الحريم، وإنما يتعلق بأطراف الأموال ولا يبلغ #33# الاجتياح. وأنا ~~أسألك أن تسفر بيني وبينه، فإن أؤمنه وأكرمه وأقلده سيارة البلد)). فرجعت ~~في حاجة فهم إليه، فألقيته والجماعة بين يديه، فأديت إليه رسالته، وأعلمته ~~أن هذا الرجل صحيح الضمان، فقال: ((يا سيدي! ما بيني وبينه في الأعمال إلا ~~أنس الناس به)). ثم قال لأصحابه: ((من يساعدني على الخروج إلى الله عز ~~وجل؟))، فقالوا بأجمعهم: ((نحن!)). فسار معي حتى إذا قربنا من أهناس، وضع ~~حبلا في عنقه وقال: ((ادخل بي في زي الأسرى وهذه ms20 الجماعة))، فدخلوا، والناس ~~يبكون لما اتفق لهم من حسن الهداية، ورأى الناس عجبا من سوق شيخ مثلي ضعيف ~~رجلا قد أعجز خيل السلطان. فطلب فهم أن يقبل له خلعة، فامتنع من ذلك، وأضاف ~~أصحابه إلى فهم، وأقام إلى وقت الحج فخرج إلى مكة راجلا، ثم فقدته)). PageV01P031 # 18 - وحدثني أبو حبيب المقري، قال: ((ضاقت أحوالي، فلم يبق لي إلا جارية ~~أحبها، ومنزلا أسكنه. فبعت المنزل بألف دينار، وخرجت إلى مكة بالجارية، ~~فقلت لها: ((يكون هذا المال في وسطك)) فكانت إذا نزلت في منزل حفرت في ~~خيمتها حفيرة، وأودعت المال فيها وطمتها. فإذا نودي بالرحيل أثارته وشدته ~~في وسطها. # قال: فاتفق أن رحلنا عن منهل ونسيت المال في الحفرة، فأخبرتني الجارية ~~بذلك، قال: فحار فكري، وطاش روعي، ولم أدر ما أعمل. ودخلنا مكة، #34# ~~فحدثتني نفسي ببيعها فلم يطعني قلبي. فلما رجعنا ونزلنا المنهل الذي خلفت ~~فيه الكيس، رأيت صحراء، وغلام على رابية يرعى غنيمات له، وأقبلت أدور وأنظر ~~إلى الأرض، فقال لي: ((ويحك! ما تطلب؟))، قلت ((شيئا أودعته أرض هذا ~~المنهل))، فقال لي: ((صفه لي))، قلت: ((كيس أحمر فيه مال))، فقال: ((ومالي ~~فيه إن دللتك عليه؟))، قلت: ((نصفه!)) قال: ((ها هو ذاك في الرابية)). فلما ~~رأى تحيري فيه، قام حتى أخرجه ووضعه بين يدي، فحمدت الله، وقسمت الكيس ~~قسمين وخيرته أحدهما، فقال لي: ((إني أرى قسمي منه كثيرا، وأنا أكتفي بنصف ~~أحد القسمين، فقسمته بقسمين، فقال: ((تقسمه أيضا بقسمين))، ففعلت، فقال: ~~((ما أعجب أمرك! أتركه كله حراما، ونصفه حلالا، وآخذ منه شيئا! هذا ما لا ~~يكون، انصرف بمالك)). فقلت له: ((يا غلام! أنت حر أو مملوك؟)) فقال: ~~((مملوك))، فقلت: ((لمن؟))، فقال: ((لشيخ هذا الحي)). # فدخلت الحي فألفيت الشيخ والناس عنده، فقلت له: ((رأيت غلاما في المنهل ~~يرعى غنيمات وأسألك أن تبيعنيه))، فقال: ((اشتريته بعشرة دنانير))، فقلت: ~~((أنا آخذه بعشرين))، فقال: ((إن لم أبعه؟))، قلت: ((أعطيك به ثلاثين ~~دينارا))، فقال لمن حوله: ((أما تسمعون ما يقول؟ وما يحملك على أن تبذل به ms21 ~~هذا الثمن؟))، فقلت: ((جمع علي ضالة، فنذرت أن أعتقه وأبتاع الغنم [التي] ~~يرعاها له، وأملكه إياها))، فقال: ((نذرت أن تفعل به هذا لفعلة واحدة من ~~الجميل أولاكها، ولنا في كل يوم منذ ملكناه حسنة تقتضي أكثر مما نأتيه له. ~~وأنا أشهد الجماعة أنه حر لوجه الله، وأن ما يرعاه له)). # فانصرفت عن الشيخ وقد بلغ بي ما أملته له)). PageV01P033 # 19 - وقلت يوما لأحمد بن محمد المعروف بابن أبي عصمة كاتب أحمد ابن طغان ~~-وكان لي صديقا مصافيا-: ((قد كثر الناس في إصابتك مع ابن طغان!))، فقال: ~~((ما أخطئوا في التكثير، وكان صاحبي سمحا، ولقد أصابني منه في جهة واحدة ~~ثلاثون ألف دينار))، فسألته عن تلك الجهة، فقال: ((كان لا يمسك مالا، ولا ~~يعتقد ذخيرة، فقال لي يوما: ((لم يصبح في حاصلي درهم واحد، فاستسلف لي شيئا ~~أنفقه)). فمضيت إلى منزلي فحملت إليه ألف دينار. فلما وضعتها بين يديه، فتح ~~الكيس وقلب ما فيه، فلما رأى الدنانير صحاحا جيدة، قال: ((ما هذه دنانير ~~صيرفي، فبحياتي ممن أخذتها؟))، فقلت له: ((كانت عندي))، فقال: ((ما ظننت ~~هذا موضعك!))، وسكت. # وكان له في كل شهر ألف دينار نزل، فجئته به عند استيجابه إياه، فقال لي: ~~((ما هذا؟))، قلت: ((النزل))، فقال: ((اقض به دنانير الرجل)). ثم جئته به ~~مرة أخرى بنزل الشهر الثاني، فقال: ((اصرفه إلى الرجل))، قلت: ((قد ~~قضيته!))، فقال: ((اصرفه إليه كما آمرك)). فلم يزل يفعل بي هذا حتى مضى ~~ثلاثون شهرا حصلت فيها ثلاثين ألف دينار)). PageV01P035 # 20 - حدثني هارون بن ملول، قال: حدثني ياسين بن زرارة، قال: # ((كان ببعض أرياف مصر نصراني من أهلها كثير المال، فاشي النعمة، سمح ~~النفس؛ وكانت له دار ضيافة، وجرايات واسعة على ذوي الستر #36# بالفسطاط، ~~فهرب من المتوكل رجل -كنى عن اسمه- خطير المنزلة. لميل كان من المنتصر ~~إليه، وتبرأ من حاشيته ولبس جبة صوف، فانتهى به المسير إلى مصر. فلما دخلها ~~رأى فيها كثيرا من أهل بغداذ. فخاف أن يعرف فنزع إلى أريافها، فانتهى به ~~المسير ms22 إلى ضياع النصراني، فرأى فيها منه رجلا جميل الأمر. وسأله النصراني ~~عن حاله، فذكر أن الاختلال انتهى به إلى ما ظهر عليه، فغير هيأته، وفوض ~~إليه شيئا من أمره فأحكمه فيما أسند إليه واضطلع به، ولم يزل حاله يتزايد ~~عنده حتى غلب على جميع أمره، وقام به أحسن قيام، فكان محل الرجل الهارب من ~~النصراني، يفضل كل ما ذهب له. # وورد على النصراني مستحث بحمل مال وجب عليه، [وسأله] النصراني عن خبر ~~الناس بالفسطاط، فقال: ((ورد خبر قتل المتوكل وتقلد المنتصر، ووافى رسول من ~~المنتصر في طلب رجل هرب في أيام المتوكل يعرف بفلان بن فلان، ويوعز إلى ~~عمال مصر والشام بأن يتلقوه بالتكرمة والتوسعة، فيلحق أمير المؤمنين في حال ~~تشبه محله عنده)). # فعدل النصراني بالمستحث إلى بعض من أنزله عليه، وخلا الهارب بالنصراني ~~فقال: ((أحسن الله جزاءك فقد أوليت غاية الجميل، وأحتاج إلى أن تأذن لي في ~~دخول الفسطاط))، فقال: ((يا هذا! إن كنت استقصرتني فاحتكم في مالي، فإني لا ~~أرد أمرك، ولا أزول عن حكمك، ولا تنأى عني، فقال له: ((أنا الرجل المطلوب ~~بالفسطاط، وقد خلفت شملا جما ونعمة واسعة، وإنما عدل بي #37# الخوف على ~~نفسي))، فقال له: ((يا سيدي! فالمال في يدك، وما عندك من الدواب فأنت أعرف ~~به مني، فاحتكم فيه)) فأخذ بغالا وما صلح لمثله، وخرج النصراني معه، وقدم ~~كتابا إلى عامل المعونة من مستقره)) فتلقاه عامل المعونة في بعض طريقه، ~~ووصاه وجميع العمال بالنصراني. وصار إلى الحضرة، فأصدر إليهم الكتب في ~~الوصاة به؛ إلى أن قدم بعض العمال المتجرة، فتتبع النصراني ورام الزيادة ~~عليه، فخرج إلى بغداذ. # قال لي هارون: إن ياسين قال له: إن النصراني حدثه، أنه دخل بغداذ فلم ير ~~بها أوفى محلا وأكثر قاصدا منه. # ((ثم استأذنت عليه وعنده جمع كثير، فخرج أكثر غلمانه حتى استقبلوني، فلما ~~رآني قام على رجليه ثم قال: ((مرحبا بأستاذي وكافلي والقائم بي حين قعد ~~الناس عني))، وأجلسني معه. وانكب علي ولده وشمله، وأنا أتأمل ms23 مواقع الإحسان ~~من الأحرار. وسألني عن حالي في ضياعي، فأخبرته خبر العامل، وكان أخوه في ~~مجلسه، فنظر إليه من كنا عنده وقال له: ((كنت السبب في تقليد أخيك، فصار ~~أكبر سبب في مساءتي!)). فكتب من مجلسه كتابا إليه بجلية الخبر وأنفذه. ~~وأقمت عنده حولا في أرغد عيشة وأعظم ترفه. وورد علي كتب أصحابي، فخبروني ~~بانصراف العامل عن جميع ما كان اعترض عليه في أمري، وأخرج أمر السلطان في ~~إسقاط أكثر خراج ضياعي، والاقتصار بي على يسير من مالها. # قال ياسين، فكتب النصراني ببغداذ حجة أشهد فيها على نفسه أن أسهمه في ~~جميع الضياع التي في يده -وسماها وحددها- لهذا الرجل الذي كان هرب، وصار ~~بها إليه، فقال له: ((قد سوغك الله هذه الضياع، فإني أراك #38# أحق بها من ~~سائر الناس))، فامتنع الرجل من ذلك، وقال له: ((عليك فيها عادات تحسن ذكرك، ~~وترد الأضغان عنك، ولست أقطعها بقبض هذه الضياع عنك)). # ورجع النصراني إلى الفسطاط فجدد الشهادة له فيها. فلما توفي النصراني ~~أقرها في يد أقاربه، ولم يزالوا معه بأفضل حال)). PageV01P035 # 21 - حدثني أحمد بن أبي يعقوب عن أبيه، قال: # ((كان يحيى بن خالد بن برمك قد تبنى الفضل بن سهل، وأجراه مجرى الولد ~~-ونظر إلى ولده بعين الأخ لهم-. فضمه إلى المأمون. وكان يحيى بن خالد حسن ~~المعرفة بالنجوم، والفضل بارعا فيها، فاتفقا على ما توجبه النجوم في مدد ~~البرامكة، وتبينا سعادة تنتهي إليها حال الفضل، وكان كل واحد منهما ~~كالمشاهد لما انتهى إليه. #39# # وأوقع الرشيد بالبرامكة، فاعتصم الفضل بمحله من خدمة المأمون؛ وكانت يده ~~تعجز عما يصلح يحيى وولده عند الرشيد، فوجه إليه: ((سيدي! قد كربني أمرك، ~~ولست أصل إلى حسن الدفاع عنك، فأحل ذمامه في هذه المحنة؛ فإني أرجو أن ~~أقضيه عنك عند انتهائي إلى سعادتي)). # قال ابن أبي يعقوب: فحدثني أحمد بن أبي خالد الأحول، قال: ((اتصل بي من ~~ضيق يحيى ما كدر عيشي. وذكرت إحسانه إلي، وحسن صنيعه بي، فضاق بي العريض. ~~ووجدت ما أملكه ms24 أربعة آلاف دينار، فقسمتها قسمين، وحملت أحدهما، وتوصلت إلى ~~الدخول إليهم في محبسهم، فوضعتها بين يدي يحيى بن خالد، فقال لي: ((ليس ~~يحسن بنا أن نغرك من أنفسنا، ولا أن نعدك عنا مالا تفي به الأيام لك، وقد ~~انتهى أمرنا، فإن كنت تقدر أن أحوالنا تصلح فأمسك عليك مالك)). # فقلت: ((ما ذهبت في ذلك إلا لقضاء بعض الحق عني)). فأخذ بيضاء فكتب فيها: ~~((يا أبا العباس أيدك الله! هذا رجل خلص على تجربتنا، وأحسن بنا مع استحكام ~~بأسه منا، وأنا أذكرك العهد، وأرغب إليك في قضاء حقه عني، وتخفيف ثقله علي، ~~أحسن الله عونك، وكفاك ما أعجزك)). ثم ثناها وقطعها عرضا بقطعتين، وقال لي: ~~((احفظ هذا النصف معك، ولا تفرط فيه فيفوتك حظ كبير)). # ثم فرق ذلك المال في قوم ضعفت أحوالهم بما لحقه، وانصرفت من عنده وقد ~~آيسني من رجوع حاله، وأعطاني نصف رقعة لا أقف على ما توصل إليه، وتقضى ~~أمرهم، ومات الرشيد بطوس، وغلب الفضل بن سهل على المأمون بخراسان، وخلفه ~~على جميع أمره، وشجر الأمر بين الأمين والمأمون، فظهر #40# المأمون عليه، ~~وصحت وزارة الفضل بن سهل للمأمون، ووردت بادرة المأمون بذلك إلى سائر ~~النواحي. وطالت عطلتي، واشتدت فاقتي، وفقدت من كل يؤثرني وينحاش إلي. # فإني لجالس في منزلي -في يوم قد أعوزني فيه قوت يومي، وعلي ثوب خلق، وليس ~~لي إلا خلعة أركب فيها- حتى دخل إلي غلامي فقال: ((بالباب جماعة من أصحاب ~~طاهر بن الحسين!))، فلبست ثياب ركوبي، وأذنت لهم، وتقدمهم رئيس لهم تبينت ~~إعظامي في نفسه، فقال: ((الأمير طاهر يسألك المسير إليه)). فنهضت، فلما ~~دخلت قدمني وأعظمني وقال: ((ورد كتاب الوزير أيده الله علي في حملك إلى ~~حضرته على حال تكرمة، ومعك نصف الرقعة التي دفعها إليك يحيى بن خالد، ~~وأمرني بدفع ألفى دينار إليك لحمولتك ومخلفيك)). # فقويت نفسي، وانفسح رجائي، وخرجت بعد قبض المال مع رسول طاهر. فلما دخلت ~~إلى الفضل بن سهل، لقيني بأجمل لقاء، وسألني عن نصف الرقعة فأحضرتها، ثم ~~أسر ms25 إلى بعض خاصته شيئا، فمضى، وجاء برقعة فوصلها بها فكملت، فلما استتم ~~قراءتها بكى، ثم قال: ((رحم الله أبا العباس! فما كان أعرفه بتصرف الأيام، ~~واستدعاء الشكر فيها، والتحيز من الذم بها!)). # ثم أدخلني إلى المأمون، وواكد أمري عنده، حتى بلغت معه إلى أخص أحوال ~~كتابه، ومن وثق به في مهم أمره)). PageV01P038 # 22 - وحدثني علي المتطبب المعروف بالديدان -وكان حسن المعرفة بكتب أفلاطون ~~ورموزه، ومبرزا في الطب-، قال: # ((خرجت مع رجل -يعرف بابن فروخ- من قواد السلطان إلى #41# طرسوس، فغنم ~~سبيا كثيرا، وكان السبي في دار خراب في الموضع الذي نزل فيه، فدخلت لتأمله؛ ~~فوجدت في السبي شابا حسن الصورة جميل السمت، وأكثر السبي حوله، ومكانه منهم ~~مكان المولى من المماليك: يتسرعون إلى جميع ما أومأ إليه، ويكفونه أخذه ~~بنفسه. فكلمت فيه بعض السبي وسألته عنه، فقال لي: ((هذا من ولد أفلاطون!))، ~~فارتحت إليه لانتفاعي بجده، ودخلت إلى ابن فروخ فقلت: ((هب لي من هذا السبي ~~غلاما))، فقال لي: ((خذه)). # فدعوت بغلام يشتمل على أمري، ووصفت له الشاب الذي في السبي، وقلت له: ~~((إذا سلمه إليك غلام ابن فروخ فأطعمه مما أعددت من طعامي، وألبسه من فاخر ~~ثيابي، وطيبه ومكنه من مجلسي إلى أن أنصرف إليكم)). وتشاغلت بأمور ابن فروخ ~~إلى آخر النهار، وانصرفت، فوجدته على الهيئة التي آثرتها، ورام مني ما ~~يفعله غلماني من الوقوف، فمنعته من ذلك، فقال لي بالرومية: ((يا سيدي! ما ~~الذي وعدتك به نفسك مني؟ فإن كان عندي بذلته لك وكنت حقيقا به، وإن لم يكن ~~لدي صدقتك عنه، ولم أتغنم منك ما لا يشبهني تغنمه))، فقلت له: ((قد اقتبسنا ~~من جدك أنوارا حسن بها أثره علينا، ووجب علينا بها وقايتك بأنفسنا))، فقال: ~~((والله إن الطباع التي لأسلافنا معنا، ولكنا شغلناها في رعي الخنازير، ~~فبعدت بها ممن قربتني له، وأكرمتني بسببه)). # فخيرته بين الدخول معي إلى مصر، على أن أشاطره ملكي وعيشي، أو أحتال له ~~في رده إلى بلده؟ فاختار رده إلى بلده. فلطفت له ms26 -بإنفاذ بعض من أثق به مع ~~الرسل المتوجهين معه- حتى وصل إلى بلده)). PageV01P040 # 23 - وكانت تنتاب عجائزنا عجوز جميلة المذهب، ضعيفة الحال -تعرف بأم محمد-، ~~فيجتمعن على كل صالحة، وكنت أخصها بكفايتها. فلما دخل محمد بن سليمان مصر، ~~نزل في ظاهرها، واستدعى الواحد بعد الواحد من أسباب الطولونية، فاستصفى ~~ماله بالسوط وعظيم الإخافة، فراعني أمره، وخفت أن يلحقني عسفه. # فإني لجالس في يوم من الأيام وأنا خائف، حتى دخلت جارية أم محمد العجوز، ~~فسلمت علي، فظننتها والله تقتضي بعض ما عودتها، فقالت: ((سيدتي أم محمد ~~تقرأ عليك السلام وتقول: ((جاءني الساعة رسول ابن عمي وسيدي أبي علي محمد ~~بن سليمان يسأل عني فعرفته أني كنت في كفايتك))، والرسول على الباب يريغ ~~الوصول إليك))، فقلت: ((يدخل)). # فدخل شاب حسن الصورة يعرف بناشي، فقال: ((جزاك الله خيرا! فقد وصفتك ابنة ~~عم سيدي بما أرجو أن يحسن أثره عليك)). ودعا بأصحاب الأرباع، فتقدم إليهم ~~بأن يمنعوا من تعرضني، فعرضت عليه برا فقال: ((وأي بر أكثر مما أتيته ~~إلينا؟!))، وانصرف عنا. # فرجع إلي ناشي هذا برقعة بخط ابن سليمان: ((سر إلينا لننظر في أمرك، ~~ونبلغ فيه محبتك، فإني أرعى لك متقدم حرمتك، ووكيد أسبابك، إن شاء الله)). ~~وما لحقني منه شيء أكرهه حتى انصرف عن البلد. PageV01P042 # 24 - وكان أبو الفياض سوار بن أبي شراعة الشاعر صديقا لي، ومائلا إلي، فلما ~~اعتزم على الرجوع إلى العراق، سألني أن أكتب له شيئا من شعري، فكتبت له ~~مقدار خمسين ورقة منه، وكان يستحسنه ويعجب به. فصار إلى بغداذ وعرضه على ~~جماعة الأحرار، وأحسن وصفي لهم بسلامة مذهبه، وطهارة نيته. # ودخل محمد بن سليمان مصر، وقد رد البريد بها إلى أبي عبيد الله أحمد بن ~~صالح، فسأله عند دخوله إياها عن أحمد بن يوسف، فأحضر أحمد بن يوسف -كاتبا ~~كان لأحمد بن وصيف، ولابن الجصاص بعده-، فقال له: ((تعرف أبا الفياض؟))، ~~قال: ((لا!)). فقال لهم: ((ليس هذا الرجل الذي طلبت))، فأحضرت، فلما رآني ~~استشرف إلي، وقال: ((تعرف أبا الفياض؟))، ms27 فقلت: ((ذكرك الله وإياه بكل ~~صالحة! نعم أعرفه، وكان خلا لي!))، فقال: ((هل أنشدك من شعره؟: # ظللنا بها نستنزل الدن صفوه ... فينزل أقباسا بغير لهيب)) # قلت: ((لا يا سيدي! ولكن أنشدته إياه من شعري!))، فضحك وقال: ((والله لقد ~~اشتقت إلى الدخول إلى مصر من أجلك!)). وكان والله أفضل عون لي على أموري. PageV01P043 # 25 - وحدثني أحمد بن سقلاب، قال: # ((كان بمصر رجل من الفقهاء مشهور الاسم، وله حلقة عظيمة بالجامع. #44# ~~فبينا هو في صدرها إذ وافى علان بن المغيرة، فلما رآه مقبلا نحوه قام إليه ~~على رجليه، ثم خطا إليه حتى لقيه، فأكثرت الجماعة قيام شيخ مثله إلى حدث ~~مثل علان، وتحفيه به، وعرض نفسه عليه، وأنه لم يدع شيئا يفعله تابع بمتبوع ~~إلا بذله، وأسررنا الموجدة عليه. فلما قام علان قال لجماعتنا: ((ما أعلمني ~~بما أضمرتم! ولكني أريكم عذري فيما خرجت إليه: # ((كانت عندي ألف دينار وديعة لرجل بالمغرب قد طال مقامها، وطالب زوج ~~ابنتي بإدخال امرأته عليه، فجلست أمها بحضرتي فقالت لي: ((ما الذي تراه ~~فيما قد ألح فيه هذا الرجل؟))، فقلت لها: ((نستعمل فيه التجوز))، فقالت لي: ~~((لنا حساد نخاف شماتتهم، ولا بد من أن تعينني على التجمل))، فقلت: ((إن ~~كان ما تريدين في قدرتي لم أبخل به عليكم)). قالت: ((هو في قدرتك!)) قلت: ~~((ما هو؟))، قالت: ((تمكنني من هذه الوديعة، ونحتاط فيما نبتاعه من الجهاز ~~حتى يصل إلينا ثمنه في أي وقت أردناه، وندخل هذه الصبية على زوجها. فإن جاء ~~صاحب الوديعة بعنا ما اشتريناه ولم نوضع فيه إلا ما يسهل علينا غرمه))، ~~قلت: ((هذا قبيح عند الله وعند خلقه!)). فلم تزل تلح بي وتحتال علي، حتى ~~أجبتها. فجهزت ابنتها بجميع المال، وأدخلتها على زوجها. # فلم يمض بنا بعد ذلك إلا شهران حتى وافى صاحب الوديعة يطلبها، فقلت لها: ~~((ما تفعلين؟))، فقالت: ((أمضي فأحمل المتاع وأبيعه)). فمضت إلى ابنتها ~~ورجعت إلي، فقالت: ((لا تشغل نفسك بهذا المتاع، فقد حلف زوجها بطلاقها أنه ~~لا يخرج منه شيء ms28 عن منزله))، فسقط في يدي، ورأيت الفضيحة في الدارين متصدية ~~لي، فوضع إفطاري بين يدي فلم أطعم، واعتراني ما خفت #45# منه على عقلي، وبت ~~بليلة ما بت بمثلها، وأنا أتبين سهولة ذلك على زوجتي في جنب ما أحرزته ~~لبنتها. ثم انتبهت قبل الفجر بمنازل، فصحت بالغلام ((أسرج لي!)) فقام ~~وأسرج، وقال: ((يا سيدي! أين تمضي؟))، فقلت: ((ليس لك الاعتراض علي)). # وركبت وسرت بطوع عناني، فلم يزل بغلي يسير حتى دخلت زقاق علان ابن ~~المغيرة، فوقفت على باب داره، وصاح الغلام بالبواب وعرفه بموضعي. فسمعت ~~حركة في داره، ثم فتح الباب وأذن لي بالدخول. فدخلت عليه، فوجدت بين يديه ~~شمعة وهو يكتب جوابات كتب وكلائه. فلما رآني قام إلي، وقال لمن حضره من ~~الغلمان، ((تنحوا!))، وأقبل علي فقال: ((والله لو بعثت إلي لسرت إليك ولم ~~أجشمك السعي إلي، فاشرح لي أمرك))، فغلبتني العبرة وحالت بيني وبين الكلام، ~~فما زال يسكنني حتى نصصت له إنفاق الوديعة، وهو مغموم بأمري. ثم قال: ((فكم ~~هذه الوديعة؟))، فقلت: ((ألف دينار!))، فضحك، وقال: ((فرجت والله عني! ما ~~توسمت أني أملكها، فكان الغم يقع بها، فأما وهي في القدرة فما أسهلها علي، ~~وأخفها لدي!))، ثم قال لغلامه: ((جئني بتلك الصرار التي وردت علينا من ~~المغرب في هذا الشهر))، فجاء بأربع صرار فنظر فيما عليها وجمعه وقال: ((هذه ~~ألف دينار وخمس مائة دينار، ألف للوديعة، وخمس مائة تصلح بها ما بينك وبين ~~من عندك))، ثم قال لي: ((متى أشكر إفرادك إياي -بعد الله عز وجل ذكره- ~~بتأميلي في حادثة حدثت عليك، فأعانني الله على مكافأتك؟)). وأضاف إلي من ~~خفرني إلى منزلي)). # فقالت الجماعة: ((قد سمعنا عذرك، وعلينا عهد الله إن لقيناه أبدا إلا ~~قياما)). PageV01P043 # 26 - وبعث أحمد بن طولون -في الساعة التي توفي فيها يوسف بن إبراهيم والدي- ~~بخدم فهجموا الدار، وطالبوا بكتبه: مقدرين أن يجدوا فيها كتابا ممن ببغذاذ. ~~فحملوا صندوقين وقبضوا علي وعلى أخي، وصاروا بنا إلى داره. وأدخلنا إليه ~~وهو فيها جالس، وبين يديه رجل من ms29 أشراف الطالبيين. فأمر بفتح أحد ~~الصندوقين، وأدخل خادم [يده]، فوقع دفتر جراياته على الأشراف وغيرهم. فأخذ ~~الدفتر بيده وتصفحه -وكان- جيد الاستخراج -فوجد اسم الطالبي في الجراية، ~~فقال له وأنا أسمع: ((كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم؟))، فقال: [له: ~~((نعم! أيها الأمير!]، دخلت هذا البلد وأنا مملق، فأجرى علي في كل سنة ~~مائتى دينار ومائتى إردب قمح، أسوة بابني الأرقط والعقيقي وغيرهما. ثم ~~امتتت يداي بطول الأمير فاستعفيته منها، فقال لي: ((نشدتك الله إن قطعت ~~سببا لي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!))، وتدمع الطالبي، فقال أحمد ~~بن طولون: ((يرحم الله يوسف بن إبراهيم!)). ثم قال لنا: ((انصرفوا إلى ~~منازلكم، لا بأس عليكم)). # فانصرفنا فلحقنا جنازة والدنا، وحضرنا العلوي وقد أحسن مكافأة والدنا في ~~مخلفيه. PageV01P046 # 27 - وحدثني موسى بن مصلح، قال: # أنفذ إلي حسن بن مهاجر -كاتب أحمد بن طولون- عشرة رجال من #47# التجار، ~~وقال: اعتقلهم بمعزل عن المسجونين، حتى أعرضهم في غد على الأمير)). فتسلمت ~~منه قوما تشهد لهم القلوب بالفضل، فآنست وحشتهم، وفسحت رجاءهم. فقالوا لي: ~~((قد شكرنا جميل صنيعك، ولنا إليك حاجة))، قلت: ((ما هي؟))، قالوا: ((فينا ~~فتى يضعف قلبه عن لقاء الأمير، فتقبل منا بدلا به، ولك علينا مائة دينار))، ~~قلت: ((أنا أفعل، إن وجدتم من يجيب إلى هذا!)). # -وكان عندي أنه كالممتنع-؛ فأخذ شيخ منهم رقعة وكتب فيها إلى رجل كان قد ~~أولاه عارفة، فسأله ذلك، فأجابه الرجل: ((إني بإثر رقعتي)). # قال موسى: ((فتوهمت أن هذا قول لا ثمرة له، فلم أشعر به حتى وافى فقال: ~~((ما أخرني عنك إلا أني جددت وصية، وأحكمت ما خفت أن يقطعني عنه ما دعوتني ~~إليه))، وقال: ((لست أجيبك إلى ما التمست، حتى تكون المائة الدينار من عندي ~~دون جماعتكم))، وأخرجها من كمه ودفعها إلي، وصرفت الرجل. وأقام هذا مكانه، ~~فلم أتبين منه غما بهذا ولا قلقا له. وظلوا ليلتهم يتحدثون ويتناشدون، ~~والسلامة غالبة على خواطرهم، حتى أصبحوا. وأخرجهم حسن بن مهاجر فعرضهم على ~~أحمد بن طولون، فتبين تحامله ms30 عليهم، فأمره بترك التعرض لهم. فانصرفوا. ~~وكانت ألطافهم ترد علي حتى فقدتهم)). PageV01P046 # 28 - وحدثني أحمد بن أيمن كاتب أحمد بن طولون، قال: ((دخلت بالبصرة إلى ~~تاجر ذهب عني اسمه، فرأيت بين يديه ابنين له في نهاية من النظافة، فلما ~~رآني أقبل بنظري إليهما، قال لي: ((أحب أن تعوذهما))، ففعلت، وقلت له: ~~((استجدت الأم فحسن نسلك!))، فقال: ((ما بالبصرة أقبح من أمهما، ولا أحب ~~إلي منها. ولها معي خبر عجيب))، فسألته أن يحدثنيه، فقال: #48# ((كنت أنزل ~~الأبلة وأنا متعيش، فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، وحملت من البصرة ~~إلى الأبلة فربحت ولم أزل أحمل من هذه إلى هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر ~~مالي، وتعالم الناس إقبالي، وآثرت السكنى بالبصرة، وعلمت أنه لا يحسن بي ~~المقام بها بغير زوجة، ولم يكن بها أجل قدرا من جد هذين الغلامين. وكانت له ~~بنت قد عضلها، وتعرض لعداوة خطابها. فحدثتني نفسي بلقائه فيها، فجئته على ~~خلوة، وقلت له: ((يا عم! أنا فلان بن فلان التاجر))، فقال: ((ما خفي عني ~~محلك ومحل أبيك!)). فقلت: ((قد جئتك خاطبا لابنتك))، فقال: ((((والله ما بي ~~عنك رغبة، ولقد خطبها إلي جماعة من وجوه البصرة وما أجبتهم، وإني لكاره من ~~إخراجها عن حصني إلى من يقومها تقويم العبيد))، فقلت: ((قد رفعها الله عن ~~هذا الموضع، وأنا أسألك أن تدخلني في عددك وتخلطني بشملك))، فقال: ((ولابد ~~من هذا!))، قلت: ((لابد، وهو زائد في فضلك علي، واصطناعك إياي))، فقال: ~~((اغد علي برجالك)). # فانصرفت عنه إلى ملأ من التجار ذوي أخطار، فسألتهم الحضور معي في غد، ~~فقالوا: ((إنك لتحركنا إلى سعي ضائع))، قلت: ((لابد من ركوبكم معي)). ~~فركبوا على ثقة من أنه يردهم، وغدونا عليه فأحسن الإجابة وزوجني، وأطعم ~~القوم، ونحر لهم، وانصرفوا. # ثم قال لي: ((إن شئت أن تبيت بأهلك فافعل، فليس لها ما يحتاج إلى التلوم ~~عليه))، فقلت: ((هذا يا سيدي ما أحبه)). فلم يزل يحدثني بكل حسن حتى #49# ~~كانت المغرب، فصلاها بي، ثم سبح وسبحت، ودعا ودعوت، ms31 إلى أن كانت العتمة ~~فصلاها بي، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار قد فرشت بأحسن فرشة، بها خدم وجوار ~~في نهاية من النظافة، فما استقر بي الجلوس حتى نهض، وقال: ((أستودعك الله، ~~وقدم الله لكما الخيرة، وأحرز التوفيق)). واكتنفنني عجائز من شمله، فجلون ~~ابنته علي. فما تأملت طائلا. # وأرخت الستور علينا، فقالت: ((يا سيدي! إني سر من أسرار والدي، كتمه عن ~~سائر الناس وأفضى به إليك، ورآك أملا لستره عليه، فلا تخفر ظنه فيه. ولو ~~كان الذي يطلب من الزوجة حسن صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها، لعظمت محنتي. ~~وأرجو أن يكون معي منهما أكثر مما قصر بي في حسن الصورة)) ثم وثبت فجاءت ~~بمال في كيس، فقالت: ((يا سيدي! قد أحل الله لك معي ثلاث حرائر وما آثرته ~~من الإماء، وقد سوغتك تزوج الثلاث وابتياع الجواري من مال هذا الكيس، فقد ~~أوقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط)). # فقال لي أحمد: فحلف لي التاجر: ((إنها ملكت قلبي ملكا لم تصل إليه حسنة ~~بحسنها، فقلت لها: جزاء ما قدمتيه ما تسمعيه مني: ((والله لا أصبت من غيرك ~~أبدا، ولأجعلنك حظي من دنياي فيما يؤثره الرجل من المرأة!))، وكانت أشفق ~~النساء، وأضبطهم، وأحسنهم تدبيرا فيما تتولاه بمنزلي، فتبينت وقوع الخيرة ~~في ذلك ولحقتني السن، فصارت حاجتي إلى الصواب أكثر منها #50# إلى الجماع. ~~وشكر الله لي ما تلقيت به جميل قولها، وحسن فعلها، فرزقني منها هذين ~~الابنين الرائعين لك، ونحن منقطعون إلى جوده فينا، وإحسانه إلينا)). PageV01P047 # 29 - حدثني أحمد بن أبي يعقوب قال: # ((أنكر المهدي على هرثمة بن أعين تحككه بمعن بن زائدة، وأمر بنفيه إلى ~~المغرب الأقصى، فكلمه الرشيد فيه، واستل سخيمته عليه. ومات معن، وزادت حال ~~هرثمة، وشكر للرشيد ما كان منه، وأفضت الخلافة إلى موسى الهادي، فتمكن منه ~~هرثمة. وحدثت الهادي نفسه بخلع الرشيد، وجمع الناس على تقليد ابنه العهد ~~بعهده، وعلم بهذا هرثمة، وتذكر عارفة الرشيد، فتمارض. # وجمع الهادي الناس ودعاهم إلى خلع الرشيد ونصب ابنه مكانه، ms32 فأجابوه ~~وحلفوا له. وأحضر هرثمة، فقال له: ((تبايع يا هرثمة؟)). فقال: ((يا أمير ~~المؤمنين! يميني مشغولة ببيعتك، ويساري مشغولة ببيعة أخيك! فبأي يد أبايع؟ ~~والله يا أمير المؤمنين لا أكدت في الرقاب من بيعة ابنك، أكثر مما أكده ~~أبوك لأخيك في بيعته، ومن حنث في الأولى حنث في الأخرى. ولولا تأول هذه ~~#51# الجماعة بأنها مكرهة، وإسرارها فيك خلاف ما أظهرت، لأمسكت عن هذا)). ~~فقال لجماعة من حضر: ((شاهت وجوهكم! والله لقد صدقني مولاي وكذبتموني، ~~ونصحني وغششتموني)). # وسلم إلى الرشيد ما قدره الهادي فيه)). PageV01P050 # 30 - وسمعت يوسف بن إبراهيم والدي يقول: # ((لم يتمكن أحد من أحد تمكن أبي يوسف القاضي من الرشيد. ولقد سألت ~~إبراهيم بن المهدي عن السبب في ذلك، فقال: ((كان يستحق هذا منه لما حدثني ~~به مسرور الكبير، قال: # ((كنت في خدمة المهدي، وكان الرشيد حفيا بي، محسنا إلي، فلما انتقل أمر ~~الخلافة إلى الهادي، قال لي الرشيد: ((إن أخي قوي الشراسة، وأنا أخاف ~~إيقاعه بي وجمع الناس على بيعة ابنه بعده. وأنا على غاية من الثقة بك، ~~فاعدل إليه وكن لي عينا عليه)). فتقدمت عند الهادي حتى توليت ستر بيت ~~خلوته. وكان المهدي قد قرن أبا يوسف بالهادي فتمكن منه، وقبل في مهماته ~~مشورته، فلما حلا بقلبه شاوره في ذلك، فقال: ((يا أمير المؤمنين! لا تحمل ~~نفسك على قطيعة رحمك، وأولياءك على الحنث بأيمانهم، واستدع من الله زيادته ~~بما يرضيه عنك))، فتوقف بعض التوقف. وسعى إليه بالرشيد، وقيل له: ((إنه ~~[عامل] على أن يغتالك)). فدعا بأبي يوسف وأخبره بما تأدى إليه فقال: #52# ~~((يا أمير المؤمنين! لا تسمع هذا، وأنا الضامن لك حسن طاعته ووكيد ~~موالاته)). فكنت أنهي جميع ذلك إلى الرشيد فيشتد سروره به، ويرغب إلى الله ~~في معونته على مكافأته. # فلما أفضت الخلافة إليه، دعا به وقال له: ((يا يعقوب! لو جاز لي إدخالك ~~في نسبي، ومشاركتك في الخلافة المفضية إلي، لكنت حقيقا به! ألست القائل ~~لأخي وقت كذا: كذا؟ وفي وقت كذا: كذا؟، ms33 فقال: ((يا أمير المؤمنين! من أنبأك ~~بهذا؟ فوالله ما كان معنا ثالث!)). فضحك الرشيد وقال: ((مسرور كان يتولى ~~ستر بيت خلوته، وكان ينهي إلي جميع ما صدر عنه)). # قال مسرور: ((فوالله ما برحت بي عناية أبي يوسف حتى بلغت مع الرشيد هذا ~~المبلغ!)). PageV01P051 # 31 - وحدثني أحمد بن أبي عمران الفقيه، أن ابن الثلجي حدثه، أن بشرا ~~المريسي -وكان متزهدا- قال: # ((ما اشتهيت من مراتب السلطان إلا مرتبة رأيت أبا يوسف بلغها في عشية من ~~العشايا. كنت اجتزت به مسلما عليه، فقال لي: ((تقيم عندي العشية لنتناظر في ~~طائفة من العلم؟)). فإني لجالس عنده -وقد ابتدأ فيما أثرناه- حتى وافى إليه ~~رسول أمير المؤمنين الرشيد، فقال لي: ((انتظرني))، ومضى؟ فغاب عني مقدار ~~ساعتين، ورجع، وخلفه غلمان يحملون مالا، فوضعوه بين يديه وانصرفوا فقال: ~~((دفعت الليلة إلى عجائب!))، قلت: ((ما هي؟))، قال: ((دخلت إلى دار أمير ~~#53# المؤمنين، فانتهى بي رسوله إلى ستر مسبل على باب، مسرور الكبير يمسكه، ~~فقال لي: ((سلم على أمير المؤمنين!))، فسلمت، فقال: ((وعليك [السلام] يا ~~يعقوب! ادخل وحدك))، فرفع الستر حتى دخلت، فألفيت عنده محمد بن جعفر بن ~~المنصور -مولى الجارية المعروفة ببذل- ووجه كل واحد منهما محول عن صاحبه، ~~وبين يدي الرشيد سيف مشهور. # فقال لي: ((يا يعقوب! هذا الرجل يديرني مذ الظهر على قتله!))، فقال له: ~~((ترضى به حكما بيننا؟))، قال: ((نعم!))، قال: ((ألق هذا السيف من يدك، ~~وارض بالحق لك وعليك)). واستدارا جميعا حتى جلسا مجلس الخصوم بين يدي. # ثم قال الرجل: ((سألني أمير المؤمنين أن أبيعه جارية علي فيها أيمان ~~محرجة لا كفارة لها، ألا أبيعها ولا أهبها))، قال فقلت له: ((فتسمح بها ~~لأمير المؤمنين إن أخرجتك من يمينك))، قال: ((إي والله! وإن ذلك لسهل ~~علي))، فقلت: ((هب لي نصفها، وبعه نصفها)). فقال: ((قد أجبت، وجعلت ثمن ~~النصف هدية لك)). وتعانقا جميعا، وانصرفت إليك، ولحقني هذا المال)). فوجدنا ~~المال المحمول خمسة وعشرين ألفا، فقلت في نفسي: ((أحيا نفسا، وأصلح بين ~~خليفة وابن عمه في مقدار ساعتين ms34 من النهار!)). # قال بشر: ((فوالله ما فرغنا من صلاة المغرب حتى ابتدرنا الغلمان يحملون ~~مالا وبزا وطيبا، ومعهم جارية حصيفة، فقالت: ((تقرأ عليك السلام سيدتي ~~وتقول لك: ((أجازني سيدي أمير المؤمنين بما حملته إليك، فجعلته ثواب الفتيا ~~التي كانت سبب وصولي إليه)). # فكان المال منه خمسة وعشرين ألفا)). PageV01P052 # 32 - حدثني أحمد بن أبي يعقوب قال: حدثني أبي أبو يعقوب، عن جدي واضح مولى ~~المنصور، قال: # ((كنت بين يدي المنصور، وقد أحضر رجلا كان من رجال هشام بن عبد الملك، ~~وهو يسائله عن سيرة هشام لأنها كانت تعجب المنصور. فكان الرجل يترحم عند كل ~~جار من ذكره، فأحفظ ذلك جماعتنا، فقال له الربيع: ((كم تترحم على عدو أمير ~~المؤمنين؟))، فقال الرجل للربيع: ((مجلس أمير المؤمنين -أيده الله- أحق ~~المجالس بشكر المحسن، ومجازاة المجمل، ولهشام في عنقي قلادة لا ينزعها إلا ~~غاسلي))، فقال له المنصور: ((وما هذه القلادة؟)). قال: ((قلدني في حياته، ~~وأغناني عن غيره بعد وفاته!))، فقال له المنصور: ((أحسنت بارك الله عليك! ~~وبحسن المكافأة تستحث الصنائع، وتزكو العوارف))، ثم أدخله في خاصته)). PageV01P054 ### | AUTO بعض أقوال الفلاسفة في حسن المكافأة # وقد مثل بعض الفلاسفة لحسن المكافأة، بالحسام الصقيل الذي يحدث له وقوع ~~الشمس عليه: انبعاث شعاع منه يجلو غياهب الأمكنة المظلمة، ويكون وفور شعاعه ~~على حسب صقاله. #55# # وقال أفلاطون: ((مم حسنت مكافأته، لم تغضبه خيبته فيما التمسه؛ لأنه يقيم ~~العوارف مقام ديون يتحملها لا يسعه إغفال قضائها. وإنما يغضب من المنع: من ~~آثر تحصيل العارفة وإغفال المكافأة عليها)). # ولأن المرغوب إليه إذا كان يحتاج إلى مطالعة حسن المكافأة للإحسان فيثابر ~~عليه، وسوء المكافأة على الإساءة فيتأخر عنه، كان الراغب محتاجا إلى أن ~~يكون في خلده من أخبار من أساء الصنيع فساءت مكافأته، ما يوازي ما أثبتناه ~~من حسن المكافأة للإحسان. PageV01P054 ### | AUTO المكافأة على القبح # 33 - حدثني أحمد بن يوسف بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، عن أبيه، عن جده مولى عبد الله بن المقفع -أن عبد ms35 الله حدثه، قال: # ((كان فيما ترجمته من سير الفرس: أن فيروزا لما تقلد مملكة فارس حدثته ~~نفسه باجتياز بلد الهياطلة. وكان به للهياطلة ملك صحيح الرأي حسن الجوار، ~~فجمع ذوي الرأي في بلده وسألهم عما يرون، فعرضوا عليه أموالهم والخروج معه، ~~فجزاهم خيرا وانصرفوا. وخلا به وزيره -وكان عالي السن- فقال له: ((أيها ~~الملك إن يسير الحيلة ربما بلغ أوفى منازل المكافحة والذي عندي من الرأي أن ~~تظهر السخط علي فتقطع يدي ورجلي، وتنفيني إلى أقاصي عملك، وتكتب إلى عاملك ~~هناك في حبسي، وتظهر أنك تبينت مني ميلا إلى فيروز))، فقال له: ((إن حسن ~~الحيلة إنما يقع بغير إضرار يلحق صاحبها، وإذا بلغنا بك هذا، فقد جاوزنا بك ~~ما تخافه من فيروز لو حصلت في يده)). # فقال: ((أنا مذ تكامل تمييزي أحسب مالي وعلي، فإذا وهبت لي نعمة علمت أن ~~علي فيها محنة، وأن الرغائب بالنوائب. وقد عشت في سلطانك -أيها الملك- في ~~هذه السن العالية، عزيز الجانب، خصيب الأفنية، وشملي في نهاية من رفاغة ~~العيش. وليس من الجميل أن أمسك عن قضاء حق النعمة علي لسلطاني وشملي وأهلي ~~وولدي وصيانتهم مما عراهم بنفسي. وأعلم #57# أني لم خدمت السلامة لنفسي، ~~لمات ذكري بموتي، ولم أبق شرفا لأهلي! ولعل أجلي قريب، فأفوز بحسن الذكر ~~فيما أتيته وقضيت به حق سوالف الإنعام علي، والإحسان إلي. وإنما اعتمدت هذا ~~الأمر الفظيع لأعدل بفكر فيروز عن الحيلة، وأضطره إلى السكون إلي)). # ((فلما رأى أنه لا يرجع عما أشار به عليه، دعا به وقطع يديه ورجليه، ~~ونفاه إلى آخر مسالحه، فكان محبوسا هناك. # ((وجد فيروز في سفره، فوافى الموضع الذي فيه الوزير، فوجده خاليا ممن كان ~~فيه، ولم ير به غير رجل مقطوع اليدين والرجلين، فسأله عن حاله فقال: ((كنت ~~وزيرا لهذا الخائن فاستشارني، فأشرت عليه أن لا يناهضك، وأن يسألك إقراره ~~في البلد، وحمل خراجه إليك. فاستشاط، وسولت له نفسه مناوأتك، وقد جمع جيشا ~~له كثير العدد قوي النكاية، وقدر أن يلقاك في هذه الطريق. ms36 وعندي حيلة ~~أجازيه بها على سوء صنيعه)). # واستجلى فيروز الوزير فقال له: ((إن عدلت عن هذه الطريق وتجشمت قطع برية ~~يقيم السائر فيها يومين، تحتاج إلى حمل الماء إلى مسيرة يوم منها، ثم تفضي ~~إلى مياه متدفقة. فإذا قطعتها وصلت إلى بلد الهياطلة، وهو وجمعه في الطريق ~~الذي آثرت سلوكها، فتدخل البلد بغير حرب)). # ((فحملته الاستنامة إليه -لما رآه به- على تصديقه ولحج في البرية بجميع ~~جيشه، -وقد كان واطأ [الوزير] الملك على تكمين جمع له آخر في البرية-، فسار ~~يومه وبعض غده في قفر لا يوجد به ماء ولا نبت، #58# فتساقطت الدواب من ~~العطش، وافترق الجيش لطلب الخلاص، وخرج عليه منسر من جيش الهياطلة فأمروا ~~عليهم، وأخذوا فيروزا أسيرا. فمن عليه ملك الهياطلة بالإمساك عن قتله، وجمع ~~وجوه بلده وأضاف إليهم وجوها من عسكر فيروز، واستحلف فيروزا بحضرتهم أنه لا ~~يجاوز حجرا جعله فصلا مشتركا بينه وبينه. وأثبت المفارقة في صحيفة بخط ~~فيروز، وأشهد عليه الجماعة، وأطلقه على غاية من التبجيل والإكرام. # ((فدخلت فيروزا خجلة من رجوعه إلى مملكته بعد أسر ملك الهياطلة له ~~وتعفيره به، وحدثته نفسه بمعاودة قتاله، فخرج إليه. وسولت له نفسه أنه إن ~~حمل الحجر حتى يدخل به بلد الهياطلة لم يحنث في يمينه، فحمله بين يديه وسار ~~بجمع كثير. وخرج إليه ملك الهياطلة، فالتقيا في منتصف طريقيهما. # ((فلما ترآى الجمعان، انفرد ملك الهياطلة عن جمعه، وسأل فيروزا موازاته ~~ليسمع منه شيئا. فبرز فيروز. فقال له: ((أنا وإياك في قبضة من حنثت في ~~اليمين به، وهو عز وجل يشكر للمحسن إحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته. وقد ~~أنعمت عليك، وأحسنت إليك، وأنا أخوفك الله وأحذرك سطواته، فإني أعلم أن ~~حياءك مما جرى عليك هو الذي ردك، فينبغي أن يكون استحياؤك من الله عز وجل ~~أشد من استحيائك من خلقه. وليس يخرجك من يمينك حمل هذا الحجر بين يديك، لأن ~~اليمين إنما تكون على نية المستحلف لا على نية المستحلف. فتدبر قولي، واعلم ~~أن من سمعك من أصحابي ms37 على غاية من الثقة بالله في نصره، #59# ومن سمعك من ~~أصحابك على ذعر من أن تهلك بحوبك)). فقال له: ((لست أرجع عن قتالك)). # ((فأمر أن تركب الصحيفة على أطول رمح في العسكر وحمل عليه، فهزم جيش ~~فيروز، وقتل فيروز في المعركة)). PageV01P056 # 34 - وسمعت أبا جعفر محمد بن هرثمة يقول: # ((كان محمد بن عبد الملك الزيات يسعى على المتوكل - في أيام الواثق ~~ويحرضه عليه، فتغيرت عليه نيته، حتى أداه ذلك إلى حبسه عند محمد بن عبد الملك. # ((فسمعت المتوكل يقول -في اليوم الذي تقدم في إدخاله إلى التنور الحديد-: ~~لم يمن أحد بمثل ما منيت به من ابن الزيات! ضيق علي محبسي، ومنعني مما ~~اقتضتنيه عادتي. وكنت قد ربيت وفرة فلم يطلق [لي] تنظيفها، فكثرت الدواب ~~فيها. وتأدى ذلك إلى والدتي، فكتبت إلى الواثق رقعة، فقال لمحمد بن عبد ~~الملك: ((أطلق لجعفر طم شعره، وتنظيف ثوبه وتطييبه)). فانصرف كالمغيظ وضرب ~~الموكل بي، وقال: ((تركت محبس جعفر شارعا من #60# الشوارع حتى سهل شكوى ~~أمه!)). ثم أمر بإخراجي، فخرجت، فوجدت أمارات الغضب في وجهه، فوقفت ساعة لا ~~يرفع فيها وجهه إلي، ثم قال: ((نطع))، -فأوهمني أن الواثق أمر بضرب عنقي- ~~فبسط بين يديه، ثم أومى إلى الغلمان بإدخالي فيه، ولم أشك في القتل، ثم ~~قال: ((الحجام))، فقلت: ((أظنه يخلع أضراسي قبل قتلي))، وأنا في سائر هذا ~~قائم. فلما وافى الحجام قال: ((احلق شعره))، فأجلسني يحلق شعري. فآليت على ~~نفسي أني لا أستبقيه لحظة إن ظفرت بالخلافة)). فمات محمد بن عبد الملك ~~بالتنور في اليوم الثالث)). PageV01P059 # 35 - وحدثني نسيم خادم أحمد بن طولون، قال: # ((صار إلي ابن سليمان بن ثابت -وكان ابن سليمان هذا يكتب لخادم يعرف ~~بشقير، يتقلد الطراز من خدم السلطان، ثم عمل سليمان بعد ذلك لأحمد بن طولون ~~على أملاكه- ومعه رقعة، فقال: ((توصلها لي إلى الأمير؟)). فقرأتها، فكان ~~يذكر فيها أن شقيرا أودع أباه أربع مائة ألف دينار. فلما قرأها الأمير قال: ~~((انظر ما تقول واصدقني عنه!))، فقال: ((الأمر والله ms38 على ما وصفته ~~للأمير))، فقال: أمسك عن هذا، واطو مجيئك إلي عن أبيك وعن سائر الناس، ~~وانصرف مكلوا)). # فقال: ((فكثر تعجبي من إمساكه عن ذكر هذا لأبيه، فلم يمض حول حتى #61# ~~مات سليمان بن ثابت، فأظهر غما به وتفجعا عليه. ثم دعا بابنه الرافع ~~للرقعة، فرد إليه ما كان بيد أبيه من أملاكه، وضم إليه من الرجال من تقوى ~~به يده. وأقام به شهورا ثم دعاه وأنا قائم بين يديه، فقال له: ((كيف حالك ~~مع مخلفي أبيك؟ وهل أنكرت شيئا منهم؟))، فقال: ((قد أعز الله جانبي بالأمير ~~ومنع مني))، فقال له: ((احمل إلي الأربعمائة ألف التي عندكم لشقير ~~الخادم))، فلجلج، فرد أمره إلى أحمد بن إسماعيل بن عمار، وأمره بمطالبته ~~بالسوط. فضربه خمسين سوطا، اصطفى ما كان له، فلم يجد عنده بعض ما تقوله على ~~أبيه. وعاود مطالبته، فضربه مرة أخرى فمات. # فقال لي: ((فعجبت من هلاكه بهذا المقدار من الضرب. فأخبرت أن هذا المضروب ~~كان يستزير الفواسد من النساء في وفور حاله، فزارته امرأة كانت ربيطة لجلاد ~~بالسوط، وعلم الجلاد بذلك فبكر إليه ووقف له، حتى إذا خرج، انكب على فخذه ~~وقبله، ثم قال: ((يا سيدي! قد أغناك الله عن مساءتي بما بسطه من الرزق عليك ~~وظاهره من الإحسان لديك، وكانت مهجتي عندك البارحة. فإن رأيت أن تهبها لي! ~~فلك منها عوض، وليس لي عنها معدل!))، فصاح في وجهه وأمر بإبعاده. فلما شد ~~بالعقابين، تقدم الجلاد فضربه ضرب القتل فأتى على نفسه)). PageV01P060 # 36 - وحدثني نسيم الخادم أيضا: # ((أن أحمد بن طولون كان مذعورا من خروج أبي عبد الرحمن العمري، فوافاه ~~الخبر بقتل غلمان أبي عبد الرحمن إياه وانتشار أمره. ثم صار إليه جماعة ~~تقارب العشرة ومعهم رأس فقالوا: ((نحن غلمان العمري، وهذا رأسه!)). فجمع ~~الخاص والعام وأدخلهم إليه، واستحضر قوما استأمنوا إليه، فسألهم عن الرأس، ~~فأجمعوا على أنه رأس أبي عبد الرحمن، وأن الغلمان من خاصته. # فقال أحمد بن طولون لهم: ((هل كان مسيئا إليكم؟)). قالوا: لا والله، ms39 ولقد ~~كان محسنا إلينا، ومفضلا علينا)). قال: ((فما حملكم على قتله؟))، قالوا: ~~((طلبنا الحظوة عندك، والمكانة منك!))، فقال: ((قتلتم مولاكم المحسن إليكم ~~بالتطرب إلى المزيد؟)). # ((ثم أمر بهم فشق عن جماعتهم، وأخذتهم السياط حتى سقطوا وضربوا على ~~رؤوسهم بالشدوخ حتى ماتوا جميعا. وأمر بدفن رأس أبي عبد الرحمن)). PageV01P062 # 37 - وسمعت أبا عبيد علي بن الحسين القاضي يحدث قال: ((كانت لي بواسط حصة ~~أودي عنها على السلطان خرجا فقدم علينا عامل قد جمع من الظلم، وسوء التسلط، ~~وفظاظة الطبع. فجمع المعاملين بأسرهم على التحيل له بما لا يوصل إليه من ~~أملاكهم، ولا يستحقه عليهم، فضرب قوما، واستخف بآخرين، فقال له رجل ممن ~~حضر: ((إن رأيت أن تؤخرني إلى نصف النهار!))، #63# فقال له: ((لعلك ممن ~~يقول: إن من عمود إلى عمود فرجا!)) فقال له الرجل: ((أنا والله أعتقد من ~~لحظة إلى لحظة فرجا يرجى من الله))، فتضاحك من كلامه. فوالله ما مضت ساعة ~~حتى دخلت إلينا -في الموضع الذي كان فيه- رعلة من الخوارج وهي تقول: ~~((السليطين السليطين!!))، فقطعته بأسيافها وخرجت، ولم تقتل غيره، ولا طلبت ~~شيئا لأحد. فعلمت أنهم عقوبة اعتمدته)). PageV01P062 # 38 - وحدثني عمر بن يزيد البرقي -وكان جميل المذهب- قال: # ((حضرت مصدقا شديد الاستحلال، بعيدا من الرأفة، وهو جالس على رابية، وبين ~~يديه حواء يحتاز به ما يحصل له من الإبل. قال: ((فعرضت نعم رجل حسن ~~الطريقة، متعالم بعفاف الطعمة. فتخير عليه المصدق ما احتازه من إبله ~~واستعمل من سوء التحكم عليه ما لا يصبر عليه غيره. فأمسك، ثم نظر بعد ~~انفصال ما بينهما إلى فصيل سمين كان في إبله؛ فقال لغلمانه: ((خذوا هذا ~~الفصيل حتى يصلح لنا غداء))، فقال صاحب الإبل له: ((قد أخذت زيادة على حقك، ~~فما هذا؟))، قال: ((لابد لي من أخذه))، قال: ((فإني لا أسلمه)). # فأمر بوجئ عنقه، وأخذت مقادته من يده، فصاح بأعلى صوته: ((كل هذا بحينك ~~يا جبار!)). فحلف لي عمر أنه جاء من الحواء فحل -وخرج منه #64# وهو يرغو-، ~~فأخذ بعضده، ولم يزل ms40 يضرب به الأرض حتى قتله. وانصرف الرجل بفصيله)). PageV01P063 # 39 - وفيما أخبر به الهيثم بن عدي قال: # ((كان عدي بن زيد قد تقدم عند كسرى أبرويز في ترجمة العربي إلى الفارسي، ~~وكان رجلا جارا للنعمان بن المنذر، فرام منه النعمان أن يكون عينا له على ~~كسرى، فامتنع من ذلك، ولم يرض بهذه السجية. فتركه النعمان حتى اطمأن إليه، ~~ثم سأله أن يزوره. فكلم كسرى، وسأله أن يأذن له في زيارته شهرا واحدا، ونصب ~~عدي ابنه مكانه -وكان حلو الشاهد مضطلعا بما يسند إليه-، فأذن له. فلما حصل ~~في يد النعمان قتله، وكتب إلى ابنه يخبره بأنه مات حتف أنفه، وأنه على غاية ~~من الأسى عليه. وتأدى خبر عدي إلى ابنه على الصحة، فلم يخرق فيه، وأقام ~~يتتبع غوائله، ويعمل الحيلة في افتراص وتره. #65# # فجرى في يوم من الأيام ذكر الجواري بين كسرى وبين ابن عدي -وكان أبرويز ~~مستهترا بهن-، فقال ابن عدي: ((أحسن النساء حرقة بنت النعمان)). فكتب ~~أبرويز إلى النعمان كتابا يأمره فيه بحمل حرقة ابنته إليه. فعظم هذا على ~~النعمان، وكتب إليه كتابا يذكر فيه قشف تربية العرب لأولادها، وتقصيرهم ~~ببذاذة الهيئة ووسخ المهنة، وأن في عين العراق للملك عوضا منهن؛ وأنفذ ~~الكتاب إلى كسرى. فأمر كسرى ابن عدي أن يقرأه عليه، فأمره على طرفه ثم ~~ألقاه، وضرب بيده على جبينه، وقال: ((لا يستطيع لساني مواجهة الملك بما ~~فيه!))، فعزم عليه الملك ليخبرنه. فقال: ((ابنتي لا تصلح لك، فإذا قرمت إلى ~~الجماع فعليك بالبقر)). فغضب كسرى، وأنفذ رسلا إليه فأشخص. فلما قرب من مقر ~~كسرى، أخرج أربعة آلاف جارية بالحلي وفاخر الكسوة، وأذن له، ثم قال له ~~بالفارسية: ((يا كلب! من كان له هؤلاء يصلح له مجامعة البقر!))، وأمر بشد ~~يديه ورجليه، وألقاه في الأرض، وأطلق الفيلة عليه فوطئته، حتى مات تحت ~~قوائمها)). PageV01P064 # 40 - وفيما جاء به الزبير بن بكار، قال: # ((اجتاز رجل من أشراف المدينة بمريض ملقى على كناسة قريبة من منزل #66# ~~رجل من الأولياء اختلت ms41 حاله، ومرض ولا قيم عليه وتبرم به رفقاؤه فأخرجوه من ~~منزلهم، وهو ملقى في الطريق. فأمر الشريف بحمله إلى منزله، وتقدم إلى ابنة ~~عمه في حسن القيام عليه بحشمها، وأن ترفه عيشه إلى أن تقضي علته. فابتدره ~~كل من في منزل الشريف بالخدمة حتى تكاملت صحته، وصار في منزلهم كأحدهم، ~~وقفل إلى دمشق. # فلما كان في الوقت الذي توجه جيش يزيد للحرة، وافى فوقف على باب دارهم، ~~فظنوا به أنه وافى لحمايتهم، وحسن المدافعة عنهم، ليقضيهم سوالفهم لديه. ~~فدخل الدار ومعه ثلاثة غلمان، فلما تمكن منها أخذوا في جمع الأثاث، فقال ~~لهم الشريف: ((ما هذا؟))، فقال: ((إني استوهبت دارك بما فيها من الأمير ~~ووهبها لي، وكنت أحق الناس بها، إذ كانت الأحوال بيني وبينكم وكيدة))، فقال ~~له الشريف: ((رجعت يا ابن اللخناء إلى لؤم أصلك، وفساد مركبك)) ثم علاه ~~بسيفه. وفر الغلمان، وهدأت وقدة الفتنة، وطل دمه)). PageV01P065 # 41 - وحدثني نافع بن مصقلة الحمصي، قال: سمعت أبي يقول: # ((رأيت مشايخنا مجتمعين على أمر لحقه أسلافهم: أنه كان يسكن بحمص شاب من ~~أهل العراق، حسن الصورة، لين العريكة، فأقام معهم مدة. ثم صار #67# الأمر ~~بعد ذلك إلى بني العباس، فتقلد ذلك الفتى حمص، وكان مولى من موالي أبي ~~العباس. فلما دخلها قصد إلى دار رئيس كان بها -من أصحاب بني أمية- فذبحه ~~فيها وجماعة من غلمانه. ثم خرج. # فأحسن السيرة، وألان الجانب، فقيل له: ((ليس يشبه ما أنت عليه، ما فرط ~~منك إلى الرجل الذي ذبحته وشمله!))، فقال: اسمعوا مني ما جرى على علته. # ((اجتزت به -وقد نظفت أثوابا لي لا أملك غيرها، وقد دعيت إلى أمر لا ~~يسعني التأخر عنه، أحتاج فيه إلى حسن الهيئة وإظهار التجمل، ومعي رسول من ~~استحضرني- وهو قاعد على الباب، فراثت دابتي بحيث تقع عليه من رحبة مبلطة ~~لداره. فأمصني، وأمر الغلمان بترجيلي وضربي، فركبتني أيديهم. ثم حلف ألا ~~أبرح حتى أكنس روث دوابه بيدي في كمي، وأحمله في ثوبي وحجري، وأخذت فجررت ~~إلى ذلك، ولم تزل ms42 حاشيته تضحك مما نزل بي، فحدثت مولاي، فاستحلفني بحقه على ~~غليظ ما أتيته إليه)). PageV01P066 # 42 - ومما قرأته من سير العجم: # أن جماعة المنجمين حكموا لبعض الأكاسرة أن ابنه يقتله ويتولى ملكه، فعمد ~~كسرى إلى سموم وحية فجعلها في قوارير، وختمها وكتب عليها: ((دواء للجماع، ~~الشربة مثقال))، وكانت وزنة قيراط تقتل من تلك السموم. وقال: ((إن كان ~~الأمر كما حكاه المنجمون فسآخذ بطائلتي منه)). فعدا عليه #68# ولده وقتله، ~~وكان شديد المحبة للجماع، ورأى تلك القوارير، فشرب مثقالا فمات. PageV01P067 # 43 - وحدثني أحمد بن أبي يعقوب، قال حدثني أبي، عن جدي واضح، قال: # ((سمعت خالد بن سهم، يحدث المنصور -وكان هذا الرجل خاصا بمروان بن محمد ~~الجعدي- فطلب منه مروان جارية له كان يحبها، وتجرم عليه، فأطال حبسه، وأخذ ~~الجارية منه. وكانت ذا رأي ونجدة. فلما استفحل أمر أبي مسلم وكسر عساكر ~~مروان، أخرجه من الحبس ووعده جميلا-، قال خالد: # ((كان مروان يضحك من زي المسودة ويقول: ((لو أسرناهم ما بلغنا بهم ما ~~بلغوا بأنفسهم من التشويه والشهرة!)). فلما اضطر إلى مكافحتهم وواقعهم، ~~رأيته قد تهيب معاركتهم، فقال لي: ((يا أبا يزيد! -وما كناني قبل ذلك ~~اليوم-، إني قد ارتعت، فهل ذلك بين في؟))، قلت: ((بلى يا أمير المؤمنين!))، ~~-وكنت أداجنه، ويسرني حؤول أمره، فقال: ((ما أجد قلبي يطيق مواقعتهم!))، ~~فقلت: ((إن كان هذا، فتحصن منهم بالانهزام، فإن خيلك أنجى من خيلهم)). #69# # فانهزم، وتوقف أصحاب أبي مسلم عن طلبه، فلما بلغ إلى سواده قال لي: ((قد ~~عزمت على الدخول إلى بلد الروم)). -وكان من أصوب تدبير له-، فنفست عليه ~~بالرأي، واستعلمت مغالطته فقلت: ((تدخل بأحداث من ولدك وشملك مستجيرين ~~بكافر قد أمن سربه، واستقام أمره؛ ولعل ولدك يروقهم ما يرونه من مملكته، ~~فيحملهم ذلك على التنصر! ولأن تمادى في مسيرك حتى تدخل مصر فتجد فيه الرجال ~~والكراع والمال، تملك بها اختيارك [خير لك]. فركن إلى قولي، فسرنا. فلما ~~دخلنا مصر خرج إلى صعيدها، واستأمنت إلى عامر -لحال كانت بيني وبينه-، وقتل ~~ببوصير ms43 الأشمونين)). PageV01P068 # 44 - ولما قدم أحمد بن طولون إلى مصر متقلدا بها عمل المعونة، أهدى إليه ~~أحمد بن مدبر من دق مصر، ودوابها، والرقيق المجلوب إليها، ما مقداره عشرة ~~آلاف دينار، فرد ذلك عليه، وذكر أنه لا حاجة له بشيء منه. #70# فثقل ذلك ~~على ابن مدبر، وقال: ((ما ينبغي أن يثق السلطان -بمن لم يكن لعشرة ألف ~~دينار في عينه قدر- على طرف من أطراف مملكته!)). # فلما مضت أيام بعث إليه: ((قد كنت أنفذت إلي طائفة من برك فرددتها عند ~~وقوع الاستغناء عنها، وقد بلغني أن عندك مائة رجل من مولدة الغور، وبي ~~إليهم أمس حاجة)). قال ابن المدبر: ((قد ظهرت في هذا الرجل علامة أخرى، يرد ~~الأعراض والأموال، ويستهدى الرجال!)). # وكان حسين بن شعرة -مضحك المتوكل على الله- قد انضوى إليه، فحمى به ضياعه ~~وأملاكه. ووقف على استثقال ابن مدبر لأحمد بن طولون، وأخرج حكايته في تزمته ~~وكلامه، فيضحك ابن مدبر ومن حضره، فاتصل ذلك بابن طولون، فأحضره ثم قال له: ~~((بلغني أنك تتنادر بي، ولك في الناس مندوحة فاحذرني، فإنك إن وقعت لم ~~ينفعك ابن المدبر ولا غيره))، فجحد هذا واعتذر إليه منه. ثم انصرف إلى ابن ~~المدبر وقال: ((يا سيدي! لو شاهدت أحمد بن طولون يؤنبني!))، فقال: ((ما قال ~~لك؟))، قال: ((اصبر حتى أريك حكاية صورته ومعاتبته))، ثم تلبس وجلس يحكيه ~~ويقتص ما لقيه به. ثم اتصل ذلك بأحمد بن طولون فأمسك عنه، وتتبع غوائله. #71# # ((واضطربت الرعية لنزاع السعر، وقد بلغ ثلاثة أرادب حنطة بدينار. فركب ~~وتقدم بعقوبة القماحين، وازدحمت النظارة من السطوح عليه. فوقع مركن فيه ~~ريحان إلى الأرض، بمزاحمة من تشوف إليه من النساء، فمسح كفل دابة أحمد بن ~~طولون، فسأل عن الدار: ((لمن هي؟))، فقالوا: ((لحسين بن شعرة!))، فأحضره ~~وضربه ثلاثمائة سوط، وطاف به. وكان ما أوقعه به من أجل متقدم سوالفه إليه، ~~ولم يفلح الحسين بن شعرة بعدها. # ((وزاد أمر أحمد بن طولون في القوة وزيادة المال ووفور الكفاية، حتى ~~تهيبه ابن مدبر، فحدثني ms44 أبو العباس الطرسوسي، أنه سمع أحمد بن طولون يقول ~~له: ((يا أبا الحسن! أنشدك الله إن تعرضت لي ولا ترسمت بعدواتي، فقد اجتهدت ~~في استصلاحك فلم أصل إلى ذلك))، فقال له ابن مدبر: ((والله ما أرد أمرك ~~فيما أتقلده، وإني فيه كالمقيم من قبلك، فأي شيء أنكرت علي حتى أتجنبه؟))، ~~فقال: ((أنكر عليك المكاتبة إلى الحضرة، وقد قلدتك البغي))، فحلف له ابن ~~المدبر أنه لا يكتب إلا بشكره. # ((وصرف ابن المدبر عن مصر بأبي أيوب -ابن أخت أبي الوزير- فلما أجمع ~~الشخوص عنها قال له أحمد بن طولون: ((يا أبا الحسن، لو أردت بك سوءا لقدرت ~~عليه، وأحتاج إلى أن تجدد تلك اليمين))، فحلف له بالمحرجات أنه لا يألو ~~حرصا في تزيين آثاره وتطييب أخباره، وأشهد عليه الله بذلك. وخرج عن مصر ~~متقلدا للشام فأقام مع ماجور. #72# # ((فحدثتني نعت مولاة أحمد بن طولون؛ وأم ثلاث بنات كن له - فقالت ((كنت ~~عند مولاي بائتة فسمعته يحلم في نومه، فخفت أن أنبهه فينكر علي هذا، فانتبه ~~وجلس ومسح عينيه وقال: ((خير إن شاء الله)). فسألته عما رأى فقال: ((رأيت ~~ابن مدبر قائما في وسط برية، ومعه قوس موترة وسهام، وأنا تجاهه قائم، ومعي ~~جميع السلاح إلا القوس، وبيننا نهر، فكأنه يسدد السهم نحوي ويرمي، فأخطأني. ~~وكأن قائلا يقول: ((لو رماك يومه كله لما أصابك به، لأنه عاهدك، وما يضر ~~هذا الفعل غير نفسه)) فكأنه اشتد علي انهماكه في الرمي لي، وليس في يدي غير ~~سيف وشرخ وما أشبههما، لا تعمل في البعد، وقد حال النهر بيني وبين العبور ~~إليه. فإنا على هذا، حتى نضب النهر فلم يبق فيه قطرة، فعبرت إليه، فكأني ~~كنت كلما قربت منه يصغر، حتى صار بمنزلة من يواريه الكف، فأخذته بيدي ~~أستطرفه، ثم ألقيته من قامتي على رأسه فمات. فتأولت سهامه: المكاتبة في ~~والتحريض علي، والنهر الذي منعني منه: مقام ماجور بدمشق، ونضوبه: موت ~~ماجور، وصغره: قدرتي عليه، واحتيازه في كفي: قبضي عليه، وقول القائل لي في ~~السهام ms45 أنها تخطئك: أن الله لا يعينه علي)). # ((فحدثت هذا الحديث سعدا الفرغاني -غلام ابن طولون- فقال لي ما سمعت بهذا ~~إلا منك، والذي عندي من خبره مطابق لهذه الرؤيا. وذلك أن الحسن بن مخلد برم ~~بكيد الكتاب وانتقاض الأولياء. فكتب إلى أحمد بن طولون يذكر له رغبته في ~~المقام بمصر. فكتب إليه أحمد بن طولون: ((إنما أنا وليك، ومقام صنيعة من ~~صنائعك!)). وصوب رأيه فيما آثره. فحج من #73# بغداد، وثنى عنانه إلى مصر، ~~فمنعه صاحب البذرقة. فأنفذ كتبا إلى أحمد بن طولون، فكان أول ما صدر منها ~~أربعين كتابا جميعا بخط ابن المدبر، يعظم فيها أمر أحمد بن طولون ويقول: ~~((إنه قد عزم على أن يجلس خليفة))، ويصفه بكل غدر، فعجب منها ابن طولون. ثم ~~مات ماجور، واحتاز دمشق والشام، وأنفذني إلى الرملة فقبضت عليه وأشخصته ~~إليه. فأقام مدة في حبس ضيق، وجفو مما جرت به عادته، حتى ذهب بصره ومات)). PageV01P069 # 45 - وحدثني سهل بن شنيف، قال: # ((رجعت [مرة] مع أحمد بن محمد بن مدبر إلى داره، فاستقبلته امرأة فقالت: ~~((أيها السيد! نحن مائة عيل على فلان المتقبل، وقد ضاع شمله لحبسه، فاتق ~~دعوة تعرج إلى الله منا فيك!))، فقال وهو متهزئ: ((إذا عزمتم على هذا، ~~فليكن الدعاء في السحر فإنه أنجع له))! قال لي سهل: ((فارتعت من الكلمة، ~~فما مضى له شهر حتى تقلد محمد بن هلال الخراج وصرفه عنه، واجتمعا عند أحمد ~~بن طولون، فاهتدى محمد بن هلال إلى ما لم يظن أنه يقف عليه، لأنه أول ما ~~ناظره قال: ((رزق الخراج: كذا وكذا، وأرزاق الدواوين المضافة إليه: كذا ~~وكذا، فهل قبضت جملة هذه الأرزاق؟))، قال ابن المدبر: ((نعم! ما حضرني كتاب ~~أمير المؤمنين بإطلاق جميع الرزق لك؛ لأنه يجوز أن يكون استعملك على جميع ~~الأعمال برزق الخراج وحده)). فانقطع [إلى] ابن المدبر، وطالبه بالمال، ~~فقال: ((ما يلزمني؟)). ورد إلى يد محمد بن هلال، فألبس جبة كانت على بعض ~~الساسة، وأقيم في الطريق على كناسة، وختمت الجبة في ms46 عنقه. #74# # ((فكان أول من وافاه الامرأة التي قال لها: ((يكون دعاؤك في السحر هو ~~أنجع له))، فقالت: ((جزاك الله يا أبا الحسن خيرا، فقد نفعتنا بأكثر مما ~~ضررتنا؛ لأننا جربنا ما أشرت به فوجدناه أنجع شيء يلتمس [به])). فبكى ومن ~~حوله من الموكلين به، وانصرفت المرأة داعية له)). PageV01P073 # 46 - وكان محمد بن أبي الساج قد هادن خمارويه بن أحمد بن طولون، وحلف ~~بالمحرجات أنه لا يشاقه ولا يجهز إليه جيشا أبدا، وخلف عنده ابنه -المعروف ~~بداود- رهينة، فسكن خمارويه إلى هذا. ثم تواترت الأخبار بتجييشه عليه، وما ~~آثره من المسير إليه، فدعا بابنه وقال: ((قد نقض أبوك ما بيني وبينه!))، ~~فقال: ((يا سيدي! ما أعرف لي أبا غيرك)). فرق له وأجازه، وأقر أثرته، ثم ~~توجه إلى ابن أبي الساج فالتقيا بالثنية، فحدثني أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل بن القاسم بن إبراهيم بن طباطبا -وكان معه- قال: # ((لما ترآى الجمعان أمر بإلقاء حصير الصلاة فألقيت، ونزلت معه فصلى ~~ركعتين، فلما استتمهما، أدخل يده في خفه، فأخرج منه خط ابن أبي الساج الذي ~~حلف فيه بوكيد الأيمان أنه لا يحاربه، فقال: ((اللهم إني رضيت بما أعطانيه ~~من الأيمان بك، ووثقت بكفايتك إياي غدره [بي] وبحلفه واجتراءه على الحنث ~~بما أكده لي اغترارا بحلمك عنه، فأدلني عليه!)). ثم ركب، #75# فرأيت ميمنة ~~خمارويه قد انهزمت، وتبعتها ميسرته، فحمل في شرذمة يسيرة على جيش ابن أبي ~~الساج -وهو في غاية من الوفور- فانهزموا بأسرهم. # فوقف على نشز، وأطفت ومن حضره به، فاستأمنت إلينا عدة كثيرة. فقلت له: ~~((إن مقامنا أيها الأمير مع هذه الجماعة خطر)) فأمرني بالمسير بهم إلى ~~مستقر سواده. فسرت معهم -وأنا على رقبة من طمع فيه أو كيد له- فبلغوا نهرا ~~احتاجوا إلى عبوره، فرأيتهم قد خلعوا الخفاف وحطوا الرحال، وسلكوا سلوك ~~المطمئن، فأنست إليهم)). PageV01P074 # 47 - وكان في حارتنا شاب قد قدم من العراق، ذكي الروح هادئ السعي، يذكر أنه ~~قرابة لابن يعفر القائم كان باليمن، وكان بمصر في دون قومه، فأشار عليه ms47 من ~~شاهد ابن يعفر وسعة أمره، بالخروج إليه، فأخذت له حجة من بعض أهلنا، وأضفت ~~إليها برا يفي بتحمله، وخرج. فلقي بمكة عجوزا يمانية جليلة القدر فيهم، ~~فعرفها موضعه، فقالت: ((أنا أتكفل بمؤونتك وتحملك، وأغتنم هذه اليد عند ~~الأمير))، وحملته حتى صارت به إلى عشيرتها، فقالت لهم: ((إن ابن يعفر قتل ~~منا في العام الماضي رجلا، ومعي قرابة له فاقتلوه به))، واجتمع الحي، ~~وتسلمه أولياء القتيل، فلما جرد السيف اضطرب وبكى، فقال أولياء القتيل: ما ~~نرضى أن نقتل هذا بصاحبنا، صاحبنا شجاع وهذا جبان!)). # فبعثوا به إلى ابن يعفر، وقالوا لرسولهم إليه: ((إنا لا نرضى أن نقتاد من ~~هذا))، فلما وافى ابن يعفر، دعاء له بالسيف والنطع ليقتله، وقال: ((هتكتني ~~في #76# هذا الحي من العرب!))، فقال له وزيره: ((إن هذا الفتى خرج من فاقة ~~وأمن إلى موقف تضرب فيه عنقه فاضطرب، وإنما يقتل الأمير من قاد الجيوش، ~~وتطعم بحلاوة الأمر والنهي فيه، وتمكن من الرئاسة ثم عدل به طبعه إلى ~~الخور، والذي أراه للأمير، أن يعقد له الرئاسة على جماعته، وينفذه إلى ~~مهماته، فإن أكثر الفضائل إنما تظهر بحسن الارتياض)). # ففعل الملك ما أشار به عليه وزيره، فحدثني أبو عبد الله محمد بن عامر ~~اليماني: أنه درج بهذا التدبير فظهر من شجاعته ما لم ير في آل يعفر مثله، ~~ثم غزا الحي الذي كانت تلك العجوز منهم، فقتل أولادا كانوا لها، وأقفر به ~~ذلك الحي)). PageV01P075 # 48 - وحدثني يوسف بن إبراهيم [والدي]. قال حدثني إبراهيم بن المهدي: # ((أنه دخل على الخيزران أم الرشيد، فوجدها جالسة في الدار المعروفة بها ~~-وصارت إلى أم محمد بنت الرشيد بعدها- على نمط أرميني والنمط على بساط ~~أرميني، وعن يمين النمط ويساره نمارق أرمينية، وعلى أعلى نمرقة منها زينب ~~بنت سليمان بن علي، وعلى يسار النمارق أمهات أولاد المنصور ونسوة من نساء ~~بني هاشم، إذ وقفت امرأة على طرف البساط فسلمت ثم قالت: ((يا زوج أمير ~~المؤمنين! أنا مرية زوج هشام بن عبد الملك، ثم مروان ms48 بن محمد من بعده، ~~نكبها الزمن، وزلت بها النعل، حتى أصارها إلى عارية ما تستتر به مما #77# ~~عليها))، فتبينت الدموع تدور في عين الخيزران. وخافت زينب أن تدخلها رقة، ~~فقطعت على مرية الكلام بأن قالت: ((يا أم أمير المؤمنين! اتقي الله أن ~~تدخلك رأفة بهذه الملعونة، فتتبوئي مقعدك من النار)). # ثم التفتت إلى مرية فقالت لها: ((بك فدام ما أنت فيه يا مرية! كأنك نسيت ~~دخولي عليك بحران، وأنت جالسة بصحن دار مروان، على هذا النمط، وتحته هذا ~~البساط، وعن يمين نمطك ويساره هذه النمارق، وعليها أمهات أولاد جبابرتكم، ~~وقد مثلت في مثل هذا المكان الذي أنت فيه ماثلة، وأنا أسألك وأتضرع إليك في ~~استيهاب جثة إبراهيم الإمام بن مروان لئلا يمثل به، وقولك وأنت كالحة في ~~وجهي: ((ما للنساء والدخول في أمور الرجال؟))، ثم أمرت بإخراجي من دارك ~~بغلظة، فلجأت إلى مروان فوجدته على حال أشد تعطفا على رحمه منك، وقال لي: ~~((لقد ساءتني وفاة ابن عمي وما دبرت المثلة [به])). وقد خيرني بين إطلاقي ~~تجهيزه له، وبين تسلميه إلي، فاخترت تسليمه، وأمر له بجهاز فقبلته منه)). # قال إبراهيم: ((فالتفت مرية إلى زينب فقالت لها: ((كأنك يا بنت سليمان ~~حمدت لي عاقبة أمري في قطيعتي رحمي، فأردت أن تزيني قطيعة الرحم لأم أمير ~~المؤمنين!))، ثم التفت إلى الخيزران فقالت: ((صدقت زينب فيما ذكرت عني، ~~وذلك الفعل مني أحلني هذا المحل. والسعيد من اتعظ بغيره))، وانصرفت، فبعثت ~~إليها الخيزران ما أعاد إليها [حالها]، وكف اختلالها. PageV01P076 # 49 - وحدثني يوسف بن إبراهيم والدي، أنه سمع بطرس -رجلا- يحدث إبراهيم بن ~~المهدي: #78# # أن ((نقفور الملك)) -لما تأدى إليه الخبر بوفاة الرشيد- جعل ذلك اليوم ~~عيدا للروم، ثم جعل عيدا أعظم منه في اليوم الذي تأدى إليه وقوع الشر بين ~~محمد الأمين والمأمون، ثم عيد عيدا ثالثا في الوقت الذي بلغه خروج أبي ~~السرايا، ثم خرج إلى البرجان ليحاربهم فقتل. # فسأل بطارقة الروم بطريقهم اختيار رجل ليقلد مملكتهم، فاتفق معهم على رجل ~~من أبناء ms49 العرب يقال له ((اليون)) فملكوه -وكان ذا نكاية- فدفع عنهم وقدة ~~البرجان. وقوي اليون على ضبط المملكة، وكانت الروم في أيامه أعز منها في ~~أيام نقفور، إلا أنهم أنكروا عليه بسط اليد بالهبات، والعفو عن أسرى ~~المسلمين. ثم اجتمعت البطارقة الاثنا عشر في مجلس على نبيذ لهم، فتذاكروا ~~أمره، واستشنعوا فعله، وكان أغلظهم كدحا عليه ميخائيل البطريق الذي ملكهم، ~~وملكتهم امرأة بعده، فبلغ اجتماعهم وما قالوا اليون، فوجه في يوم سبت إلى ~~ميخائيل فأحضره، ثم دعا بتليس من شعر بطول ميخائيل، فأدخل رجلاه في قرارة ~~التليس، ثم أمر بالتليس فرفع وأقيم ميخائيل، فبلغ رأس التليس إلى رأسه. ثم ~~أمر أن يحشى رملا فحشي، فبلغ الرمل فم التليس ثم أمر فخيط #79# بشعر جمة ~~ميخائيل، ودعا الطباخين فأمرهم أن يعدوا له طعاما كثيرا مثل ما يعد في ~~الأعياد، ثم قال للبطارقة -وميخائيل بين يديه على تلك الحال-: ((إذا نحن ~~تقربنا في غد، ألقيت ميخائيل في البحر، ثم تغدينا وجعلناه يوم سرور!)). # قال بطرس: فاجتمع البطارقة بعد انصرافهم من عنده وقالوا: ((هذا العربي قد ~~امتدت يده إلى ميخائيل، ونخاف أن يجترئ على كافتنا))، فأجمعوا على الاشتمال ~~على سيوفهم، والدخول إليه وقتله، ففعلوا ذلك. ثم جلسوا للمشاورة فيمن ينصب ~~بمكانه، واستشرف كل واحد منهم إلى أن يكون ملكا، فقال أحدهم لسائر الجماعة: ~~((الصواب أن تملكوا ميخائيل؛ فإنه يرى أنكم أنعمتم عليه بالحياة)). ~~فاستشرفوا إلى ذلك؛ ورأوا موضع السداد منه، فأخرجوه من التليس وغسلوه، ~~وأحضروا البطريق وثياب الملك فألبسوه إياها، وأعلموه أن اليون قد قتل، ~~وملكوه عليهم. # ثم صاروا إلى مجلس المملكة والموائد منصوبة، فقالوا له: ((تغد أيها الملك ~~بالطعام الذي دبر اليون أن يأكله بعد قتلك!))، فقال ميخائيل: ((عار بالملك ~~أن يطعم طعاما وفي عنقه يد لإنسان من أوليائه ورعيته، قبل أن يكافئه عنها، ~~وقد أحييتموني بعد موتي، ولست أطعم طعاما حتى يخبرني كل إنسان منكم بجميع ~~حوائجه في مدة عمره)). فقال كل واحد منهم ما تناهى إليه أمله، مما يصل ~~ميخائيل الملك إليه. ms50 فقضى جميع حوائجهم، وسألوه الأكل فقال: ((قد فرغنا مما ~~يجب لكم، وبقي [ما] لله وللملك اليون، ولا يحسن بي أن آكل حتى أفعل ما يجب ~~لهما))، ثم قال للبطريق: ((ما جزاء من منع ملكا عليه من شم النسيم وروح ~~الحياة؟))، قال البطريق: يمنع النسيم وروح الحياة))، فقال لهم: ((قد حكم ~~عيكم البطريق بما لا يجوز خلافه!)). وأمر بضرب أعناقهم وابتدأ بطعامه. PageV01P077 # 50 - ومما نقله ابن المقفع عن الفرس وتعالمه العرب: # أن ملك الحبشة لما غلب على مملكة سيف بن ذي يزن، خرج إلى كسرى مستصرخا ~~إليه، ومستجيرا به عليه. وكان ملك الحبشة يجري على ترجمان كسرى رزقا مثيبا ~~على تحريف دعوى المتظلمين منه. وكان لكسرى يوم في كل شهر يركب فيه، ويقرب ~~من عامته، ومن لا يصل إليه ممن انتجعه، فتوخى سيف بن ذي يزن ركوبه في ذلك ~~اليوم، فلما رآه قال: ((أسعد الله الملك! أنا سيف بن ذي يزن، أغار علي ~~متملك الحبشة بفرط تعديه وسوء جواره، فأخرجني من مملكة عمرتها أنا وآبائي ~~مذ أكثر من مائتي سنة. وأنا أسأل الملك أن ينجدني عليه، ويردني بطوله إلى ~~مملكتي ومملكة آبائي)). فسأل الترجمان عن قوله فقال: يقول: ((أنا رجل من ~~جلة العرب، وقد اختلت حالي، واضطرب شملي لشدة الفاقة، وقد قصدت الملك ~~مستترا به، ومستميرا منه))، فأمر له بجائزة. فرأى سيف بن ذي يزن ما لا يشبه ~~ما ابتدأه به. # وصبر إلى اليوم الذي يسهل فيه كلامه وانتظره فيه، فلما رآه قال: ((أنا ~~أيد الله الملك ذو نعمة وكفاية، وإنما وفدت على الملك لأقتبس من عزه، ~~وأنتصر بقوته))، فسأل الترجمان عما قال، فقال: ((يقول أمرت بما يقصر عن ~~حاجتي))، فأمر له بجائزة أخرى. فوقف على تحريف الترجمان لكلامه. # فانتظره في اليوم الثالث، فلما رآه قال: أيد الله الملك، إن الغادر .. .. ~~فأدى إليه هذا الحرف، فقال: ((الخائن)) .. فرأى في وجه الملك الاستفهام، ~~فقال: ((الكذاب)) .. فأشار إليه الملك بيده من هو؟ فأومى إلى الترجمان، ~~فأحضر #81# الملك ترجمانا آخر، فقص عليه قصته، ms51 فضرب عنق الترجمان، وأحسن ~~تلقي سيف بن ذي يزن لما تبين منه في التأتي لإفهامه. # ثم أحضره مجلسه فسأله عن مقدار حاجته، وما الذي يؤثره من أصناف الناس؟ ~~فقال له: ((اسأل الملك أن يطلق لي من محابسه الكهول، فإنهم أصبر في ~~المعارك، وأسمح بالنفوس، فأطلق له جملة من [في] الحبس كهولا بأسرهم، فحملهم ~~في مراكب، وركب معهم حتى وافى مملكته. # فلما نزل جميعهم، أحرق المراكب، واعتمد ذلك سرا منهم. فلما نظروا إلى ~~المراكب قد أحرقت، قال للرجال: ((إنه لا يحسن بكم التعذير في القتال ~~فتهلكوا، ولكن جدوا جد من لا نجاة له في البحر)). فجرد الجيش العناية، ~~وصدقوا حتى برزوا على من أقام بمملكته، واحتازوا له طائفة كبيرة من أرض ~~الحبشة، وقهر ملكها واتقى جانبه. PageV01P080 # 51 - وحدثني هارون بن ملول، قال: # ((تقلد أبو الوزير -خال أبي أيوب- الخراج على حال اضطراب من الأولياء، ~~واستعمل -من فرط الاستقصاء على أرباب الخراجات، وإخراج البقوط عليهم- ما ~~ثقلت به وطأته على الناس. وكان له كاتب ذهب عني اسمه، في النهاية من ~~الجزالة والضبط، وكان يعزى إليه أكثر صنيع أبي الوزير، فقال لي هارون: ~~((فقصده جماعة من الأولياء، فأحس بالشر فيهم، فأغلق الباب عنهم، ثم تأملهم ~~حتى عرفهم، فكتب بفحمة: ((يا سيدي قتلني فلان وفلان))، وسمى جماعة رؤسائهم، ~~وكسروا الباب ودخلوا إليه فقتلوه. #82# وركب أبو الوزير حتى شاهده، ثم تأمل ~~حائط مجلسه، فوجد الكتاب بالفحمة، فقبض عليهم فصدقوا عنه وقتلوا به)). PageV01P081 # 52 - وكان لرجل من جلة كتاب الجيش بمصر -يعرف بابن الأبرد- رغبة في وصفه ~~بالنصح في أعمال السلطان، ولابسه محمد بن أبا [القائد]، فقدم العناية به ~~والتعصب له، ومكن له عند خمارويه محلا رد إليه بعض أعماله من الخراج، ~~واحتاج فيه إلى كاتب يحمل عنه، فارتاد رجلا يعرف بنصر بن القاسم -يخلف ~~[ابن] الأبرد فيما أسند إليه-، فكان يسعى به إلى كاتب خمارويه. فكتب يوما ~~رقعة تشتمل على ما كرهه ابن الأبرد من التغميز به والانتقاص له، ويشير فيها ~~بأشياء تفسد محله، وبعث بها إلى ms52 كاتب خمارويه، فغلط الغلام وجاء به إلى ابن ~~الأبرد، فاستعرض فيها أشياء قبيحة، وفارق الكاتب. ورأى الكاتب أنه قد أحرز ~~-بما أتاه من السعاية- مكانة عند كاتب خمارويه. وقتل خمارويه، وثبتت يد ~~كاتبه على الأمر، فرام نصر بن القاسم أن يدخل في جملته، فامتنع من ذلك ~~وقال: ((من سعى إلينا سعى بنا))، فمات نصر بن القاسم كمدا. PageV01P082 # 53 - وسمعت سعيد بن عبد الله بن الحكم يقول: # ((وجد في أخبار مصر المسندة أن عمرو بن العاص عند تغلبه على مصر كان ~~يتنكر ويخرج وحده، متشبها بالرجل من عامته، ليرى ما عليه القبط من النية ~~للمسلمين. فتمادى به السير راجلا حتى لحق بطرف من الفسطاط، فرأى جماعة قد ~~التأمت على سوء فيه، فقال لها: ((اعملوا بي كل ما تؤثرون من السوء #83# ولا ~~تردوني إلى يد الأمير، فإني هربت منه))، فقال بعضهم: ((ردوه إلى يد الأمير ~~فإنه يقتله، ويكون لكم بذلك عارفة عند الأمير)). فساقوه إلى دار [الإمارة]، ~~فأخذ يتضور ويتأبى في سياقته حتى قرب من الدار، فقام إليه الشرط. فقال: ~~((لا يفوتنكم منهم أحد!))، فجمعوا له، فأتى على آخرهم، ولم يعاود التنكر)). PageV01P082 # 54 - وكنت أعرف شيخا في أيام خمارويه، حلو النادرة، مليح الألفاظ، يعرف ~~بالدفاني، وكان معاشه من التوصل بكتب الولاة إلى معامليهم. فحدثني أنه خرج ~~بكتب إلى الشرقية، فالتقى مع رجل في زي بعض المانية من الأطباء: ((وهو على ~~حمار بخرجين، وكنت على حمار. فاستخبرني عن صناعتي، فتحسنت عنده بأن قلت: ~~((أنا تاجر في الغلات))، فطمع في، وكان مبنجا، فقال لي: ((هذا موضع طيب، ~~فلو أكلنا فيه!))، فقلت: ((ذاك إليك!))، فأخرج من أحد خرجيه رغيفين ~~مشطورين، فوضع أحدهما بين يدي والآخر بين يديه, ثم أخذ كوزا معه ومضى يسعى ~~به، فشرهت نفسي إلى الرغيف الذي كان بين يديه، فأبدلته حتى صار بين يدي ~~وصار رغيفي بين يديه، وجاء بالماء، وابتدأنا بالأكل، فما ابتلع لقمة حتى ~~شخص بصره وتمدد، واجتاز بنا جماعة فقالوا: ((ما لصاحبك؟))، قلت: ((لا أدري ~~والله!))، فقالوا لي: ((أنت ms53 مبنج بنجت هذا المسكين!))، وساقوني. # فكان من لطف الله أن خليفة لموسى بن طونيق كان ببلدهم ويجاورني يتقلد ~~المعونة، فساقني القوم إليه، والرجل محمول معنا، وهم يقودون #84# الحمارين، ~~وقالوا له: ((هذا مبنج وجدناه!)). فلما رآني ضحك إلي وقال: ((متى تعلمت ~~التبنيج؟))، قلت: ((اليوم))، وقصصت عليه خبري، وأخرجت كتاب موسى بن طونيق ~~في بري. ففتش خرجه، فوجد فيه شطائر تبنيج وشطائر خالية، ووجد معها أوتارا ~~للخنق، وأحجارا للشدخ. فشدخ رأسه بها، وخنقه بتلك الأوتار حتى فاظ)). PageV01P083 # وإذ وفينا ما وعدناك به -من أخبار المكافأة على الحسن والقبيح- ما رجونا أن ~~يكون ذلك عونا للاستكثار من مواصلة الخير، وتطلب العارفة في الحسن، وزجر ~~النفس عن متابعة الشر، وإبعادها عن سورة الانتقام في القبيح، وقد قالوا: ~~الخير بالخير والبادي أخير، والشر بالشر والبادي أظلم .. .. ، رأيت أن أصل ~~ذلك -حفظك الله- بطرف من أخبار من ابتلي فصبر، فكان ثمرة صبره حسن العقبى؛ ~~لأن النفس إذا لم تعن عند الشدائد بما يجدد قواها، تولى عليها اليأس ~~فأهلكها. # وقد علم الإنسان أن سفور الحالة عن ضدها حتم لابد منه، كما علم أن انجلاء ~~الليل يسفر عن النهار. ولكن خور الطبيعة أشد ما يلازم النفس عند نزول ~~الكوارث، فإذا لم تعالج بالدواء، اشتدت العلة وازدادت المحنة. والتفكر في ~~أخبار هذا الباب، مما يشجع النفس، ويبعثها على ملازمة الصبر وحسن الأدب مع ~~الرب عز وجل، بحسن الظن في مواتاة الإحسان عند نهاية الامتحان. والله ولي ~~التوفيق. PageV01P084 ### | AUTO [3] حسن العقبى # 55 - [ومما سمعته أن ابني عمر الأخباري لما مات أبوهما، وكان من رجال ~~دولة المتوكل، هم المتوكل بمصادرة أمواله. فعزما أن يجعلاها وديعة عند شيخ ~~كانا يريان فيه الصلاح وحسن المذهب، فكانا يبعثان إليه]. # بالشيء بعد الشيء مما تخلف عن تلك الوديعة، وعجوز تختلف بذلك، لها ولد ~~يتشطر ويلعب بالحمام، فوردت عليهما بدرة دراهم، وقد انتهى بهما السعي في ~~الإيداع. فقالا للعجوز: ((صيري بها إلى ابنك مع هذا الغلام حتى تودعيها لنا ~~عنده))، فمضت بها والغلام معها، فحدثنا الغلام قال: ms54 # ((صرنا إليه وقد فتح باب البرج وأخرج فراخا زغبا، وهو ينظر إليها، فأدينا ~~الرسالة إليه، فقال: ((ليس لي خزانة ولا صندوق، ولكن اجعلها في هذه المحضنة ~~الخالية من البرج))، قال: ((ففعلت)). # وانصرفنا جميعا على أنه يمزقها مع الغلمان وسباق الحمام. # ثم صلح ما كان التاث من أمرنا، واطمأنت نفوسنا مما كان أخافنا، فبعثنا ~~فيما كنا أودعناه الشيخ، فقال للغلام: ((غلطت بي، وليست الرسالة إلي))، ~~فلما رجع بالجواب إلينا، تحيرنا وركبنا إليه، فاستمر في الجحود، وتضاحك مما ~~#86# لقيناه به، ورجعنا وقد لحقنا من فقد الوديعة أكثر مما كنا نخافه من ~~النكبة. وميلنا بين مطالبته بما ننبه به على مقدار ما أودعناه، ونطمع من ~~خفناه، وبين الإمساك عنه، وتربص الأيام به، فمالت نفوسنا إلى الإمساك لما ~~اجتمعت لنا الصغائر المغادرة للعدل. واجتازت بنا العجوز فقالت: ((قد رددنا ~~ما أودعناه وبقي ابني)). واقتضتنا الغلام يحمل البدرة فبعثنا به معها. # فحدثنا الغلام قال: ((وافيناه بين يدي البرج، فأدت العجوز إليه الرسالة، ~~فقال للغلام: ((ادخل فخذها من المحضنة التي خلفتها فيها))، فصار بها إلينا ~~الغلام وعليها ذرق الحمام، فوزناها فوجدناها على ما كانت عليه. فكثر تعجبنا ~~من أمانته؛ وأخرجنا من البدرة ألف درهم، وتقدمنا إلى الغلام بالمصير بها ~~إليه. فرجع الغلام إلينا فقال: ((رمى بها إلي وشتمني))، فآثرنا ارتباطه، ~~وقلنا للعجوز: ((صيري به إلينا الساعة!))، فوافانا، فقلنا: ((انبسطنا إليك ~~فانقبضت عنا!))، فقال: ((الخيانة -أعزكم الله- أسهل من أخذ أجرة على ~~الأمانة))، فقلنا: ((جزاك الله خيرا، فقد وجدنا فيك ما لم نجده في غيرك))، ~~فقال: ((وتخلف عنكم شيء مما أودعتموه))، فقلنا: ((نعم!))، فقال: ((عروفني، ~~فإني أرجو أن آخذه لكم بألطف حيلة))، فرأيناه -لما فيه من فضل النفس وكرم ~~السجية- أهلا لأن نبثه وجدنا، فأخبرناه؛ فقال: ((ينبغي أن تتقدما إلى بعض ~~من تثقان به من غلمانكما، أن يتيقظ؛ فلعلي أن أناديه الليلة))؛ فقلنا: ~~((وما تريد بذلك؟))، فقال: ((ما لا يجوز أن أبديه، وأرجو عون الله عليه، ~~والتفريج عنكما به)) ففعلنا ذلك، وما يتطاول سؤلنا إلى ما أتاه. #87 ms55# # فجمع إخوانا له في عدة كثيرة من الشطار، واقتحم على المستودع وقال له: ~~((ما جئنا لنهبك، ولا نتعرض لشيء من مالك، وما جئنا إلا لوديعة ابني عمر ~~الأخباري. فإن أديتها خرجنا وكأنا ما دخلنا. وإن جحدت واعتمدت بصياح قتلناك ~~الساعة، وسهل علينا عقوبتنا فيك وقتلنا بك، لأنا نرزق الشهادة في القتل ~~والمثوبة، إذ كنا نجاهد عما اختزلته))، وضرب إلى لحيته وأعجله، فقال: ((هي ~~في هذه الخزانة))، ودعا بغلام فقال: ((أخرج جميع ما [أودعناه ابنا] عمر))، ~~فأخرج سفطا كان فيه جواهر، وسفطا فيه أثواب وشي مذهبة صحاحا، وبدورا فيها ~~مال، فقال: ((والله لئن خلفت شيئا لنطلن دمك، ولئن كنت أديت الأمانة لنكونن ~~أولياءك والمقيمين بأمرك)). # فوافوا باب منازلنا، فصاحوا بالغلام وهم يحملون الوديعة، فوضعها بين ~~أيدينا وحدثونا بحديثهم، وقال: ((استعرضوا وديعتكم، فنحن في الدهليز حتى ~~تفرغا وتخبرانا: هل بقي منها شيء أم لا؟))، فلما عرضناها على ثبتها عندنا، ~~ما غادرت شيئا منه، وعادت بما رد إلينا نعمتنا، وانحسمت فاقتنا، ولم نجد في ~~الجماعة من قبل شيئا مما بذلناه، وانصرفوا)). PageV01P085 # 56 - وحدثني أحمد بن أيمن قال: # ((كنت أكتب في حداثتي للعباس بن خالد البرمكي، وكان طويل اللسان مخشي ~~الغضب. فإني لجالس بين يديه في داره بمدينة السلام، حتى دخل علينا #88# شاب ~~حسن الصورة رث الهيئة، فأكب عليه فقال: ((ألست ابن فلان صديقنا؟))، فقال: ~~((نعم، يا سيدي!))، فقال: ((قد كان حسن الظاهر جميل الهيئة؛ فما بلغ بك إلى ~~ما أرى؟))، قال: ((كان تجمله أوفى من عائدته! وتوفى، فكنت أتبلغ بما ~~يستعمله الموفى على جاهه، إلى أن خان طبعي البارحة ولم أطق ستر ما بي ~~فقصدتك))، فدعا بمائة درهم، وقال: ((تمسك بهذه إلى أن أنظر لك في عائد عليك ~~من الشغل)). فلما قام من عنده قال لغلام يثق به: ((قص أثر هذا الفتى؛ فانظر ~~ما يبتاعه بهذه الدراهم وأحصه عليه حتى يدخل منزله، واعرف المنزل وصر ~~إلي)). فرجع إليه وقال: ((يا سيدي! هذا غلام عيار! ابتاع بنيف وثلاثين ~~درهما سميذا وسكرا وعسلا ولحما ms56 كثيرا وحوائج الأعراس، وأخذ طباخا من طباخي ~~الأعراس، وأحسب أن عنده دعوة وقد عرفت منزله))، فقال: ((دعه)). # فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى وافى فأعرض عنه، واستثقل جلوسه بين يديه؛ ~~فقال: ((يا عمي وسيدي! ليس يشبه هذا اللقاء ما لقيتني به في الأولى!))، ~~قال: ((كنت في الأولى راجيا لصلاحك، وأنا اليوم آيس منه))، فقال: ((وكيف ~~ظننت ذلك؟))، قال: ((أخبرني غلامي أنك أنفقت إلى أن بلغت منزلك نيفا ~~وثلاثين درهما، وكان حقك أن لا تزيد على ثلاثة دراهم))، فقال: ((لو عرفت ~~خبري لقدمت عذري!))، قال: ((ما خبرك؟)). # قال: ((كنت مع تضايق حالي، أمسك نفسي عن المسألة، وأقتصر وأهلي على ~~البلغة. وأنا ساكن وأهلي في ظهر دار فلان -ووصف رجلا ظاهر اليسار من ~~التجار- وقال: ((له طاقات في مطبخه تفضي إلى منزلي. فأولم وليمة لا أشك في ~~حضروك إياها. فشرق منزلي بروائح الأطعمة، وكانت الصبية من #89# صبياني تخرج ~~فتقول: ((رائحة جدي يشوى!)) وأخرى تقول: ((رائحة نقانق تقلى!)) وهذه تقول: ~~((يا أبه! أشتهي من هذا الفالوذج الذي قد شاعت رائحته لقمة!))، وقولهم يقرح ~~قلبي. وأملت أن يدعوني فأتحمل التزليل لهم، فوالله ما رآني أهلا لذلك، ~~فقلت: ((ولعله إذ نقصت عنده من منزلة من يدعون أن يبعث إلي؟ فوالله ما فعل. ~~فبت بليلة لا يبيت بها الملدوغ، فأصحبت في الغداة فكنت أوثق في نفسي من ~~سائر من بمدينة السلام. فلما أعطيتني تلك الدراهم اشتريت بها حوائج أصلح ~~منها ما اشتهوه، فأكلوا أياما منه، وهم يدعون الله في الإحسان إليك، والخلف ~~عليك))، فقال له العباس: ((أحسنت! بارك الله عليك!))، ثم صاح: ((يا غلمان! ~~أسرجوا لي))، ولبس ثيابه، وركب وركبت معه، ودخل إلى صاحب الصنيع فقال: ~~((دعوتني وجماعة وجوه بغداذ إلى طعام مقتنا الله عليه! وعرضت نعمتنا ~~للزوال، وأنفسنا إلى اخترام الأعمار!))، وقص قصة الفتى، وقال: ((عزمت على ~~أن أصدق عن كل من حضر وليتمك، وتكون سببا لتخلف الناس عنك، والإمساك عن ~~إجابتك أخرى الليالي))، فقال: ((أنا أفتدي إذاعتك بما غفلت عنه بخمس مائة ~~دينار))، قال: ms57 ((أحضرها))، فأحضرها، فقال: ((اقبضها))، فقبضتها. # ثم ركب إلى جماعة فقال: ((أعطوني في معونة رجل من أبناء النعم اختلت ~~حاله))، فأخذ منهم خمس مائة دينار أخرى، ورجع إلى منزله -وقد كان أمر الفتى ~~ألا يبرح منه-، فأدخله إليه، وقال: ((فيم تهش إليه من التجارة؟))، فقال: ~~((في صناعة الأنماط، فإنها صناعة أسلافنا، ومن بها يعرف حقوقنا)). فدعا ~~برجل منهم حسن اليسار، فأخرج إليه الألف الدينار التي أخذها، فقال: ((هذا ~~#90# المال لهذا الفتى، فليكن في دكانك، واشتر له بها ما يصلحه من المتاع ~~وبصره به))، ثم قال للفتى: ((احذر أن تنفق إلا من ربح)). فانصرف الفتى، وقد ~~رد عليه ستره)). # فحلف لي أحمد بن أيمن: ((أن بضاعته تثمرت، وأرباحه اتصلت، وعامل السلطان، ~~ودخل في جملة التجار وجلتهم)). PageV01P087 # 57 - وحدثني أحمد بن أبي عمران، عن مسلم بن أبي عقبة، عن أبيه عقبة، -وكان ~~عقبة هذا مصادقا لأبي يوسف القاضي وتربا له-، قال: # ((كان أبو يوسف قد انقطع إلى أنحاء الفقه، فأحسن القول عن أبي حنيفة؛ ~~وكانت زيادته في العلم، بمقدار نقصانه في الرزق. وكان كل من يستعرض حاله ~~بالكوفة، يشير عليه [بالرحلة] إلى بغداد. ويرى أبو يوسف صواب ما يشار به ~~عليه، فيقعده نقصان حاله عن المركب الفاره، واللبسة التي تشبه من حل محله ~~من العلم، ونزع إليه من أقصى النواحي. # ((وكان له غلام كان لأبيه، حاذق بعمل الجواشن والدروع وكثير مما يحتاج ~~إليه من آلة الحرب، وكان يأتيه في كل شهر بما يقوته في حاضرة الكوفة، ولا ~~يعينه على حضرة السلطان. فرغب في الغلام عامل للمهدي على الكوفة -قد ذهب ~~عني اسمه-، فطلبه من أبي يوسف -وهو يومئذ من أصاغر رعاياه- فباعه منه ~~بتسعين دينارا. # ((وخرج عند ذلك إلى بغداد، فارتاد دابة وثيابا. #91# # وكان لعبد الله بن القاسم الغنوي -أحد أصحاب الأعمش- محل من المهدي، ولم ~~يكن في المجالس التي تنعقد ببغداد في الفقه أجل من مجلسه. فدخل أبو يوسف مع ~~كافة من دخل، من غير تسليم على عبد الله، ولا مقدمة لحضور ms58 مجلسه. وكان أبو ~~يوسف حسن الصورة، جميل الإشارة، لطيف التخلص والاحتجاج، فقبله قلب عبد الله ~~ولم يعرفه. # ((وجرت مسائل وأجوبة، كان حظ القياس فيها مقصرا، وكان الاحتجاج على ظاهر ~~القول. فتكلم أبو يوسف فيها فأحسن الاحتجاج وجود، وأعانه على هذا طول لسانه ~~وحسن بيانه، ثم سألهم فقصروا عن الجواب، فأبان عنه لهم برفق. فلما تقضى ~~المجلس عاتبه عبد الله على تخلفه عنه وتعريفه مكانه، وسأله أين نزل، ~~فأخبره، فرغب له عن الموضع الذي سكنه، ودعاه إلى منزل بالقرب منه، وقرر ~~خبره عند أبي عبيد الله كاتب المهدي، فوصله بالمهدي وأسنى رزقه؛ ثم قرنه ~~بالهادي فأقام معه مدة أيامه؛ وبلغ مع الرشيد ما لم يبلغه عالم بعلمه، ولا ~~محبوب بمرتبته)). PageV01P090 # 58 - وحدثني علي بن سند -وكان انقطاعه في أيام الموفق والمعتضد إلى أحمد بن ~~محمد بن بسطام، وكان آل عبيد الله بن وهب يحقدون [عليه] سوالف منكرة، ولم ~~يكن مع عبيد الله من سوء المباداة ما مع القاسم ابنه. فلما حبس أحمد بن ~~محمد بن بسطام، قبض علينا معاشر خلفائه في الأعمال، #92# وأثبتنا في جريدة، ~~وتقدم بإحضارنا إلى داره، فيئسنا من الحياة-، وقال لي علي بن سند: # ((فلم يكن في جماعتنا أضعف حالا مني ولا أقل ناصرا، فرأيت الموت. وحملنا ~~إليه، وقد أحضر الجلادين والسياط والموكلين بالمعابر، قال: فقدم منا رجل من ~~جلة أصحاب أحمد بن بسطام فضرب، وأخذ خطه بما أعلم أنه لا تصل إليه يده. ~~وبين يديه رجل ظهره إلينا لا نعرفه، فلما فرغ [من] أمره، سمعت الذي بين ~~يديه وهو يقول: ((هنئني عارفتك!))، فقال: ((ذره! حتى يرى عظم ما سلم منه ~~بك))، فقال: ((هو يراه غدا))، فقال القاسم: ((سلموا علي بن سند -لا رعاه ~~الله! - إلى صاحبه أبي الجيش ثابت))، فرأيته وقد قبل يده، وردت علي الحياة ~~بشفاعته، وأطلقت من غير مصادره ولا عقوبة. # ((فلما رجع ثابت إلى مكانه، وصار بي رسول القاسم إليه، قال لي: ((مر بي ~~اسمك في الجريدة فاستوهبتك، لأن أباك كان من إخواني)). ms59 فجزيته الخير على ~~رعايته والدي في. PageV01P091 # 59 - وحدثني محمد بن صالح الغوري، قال: # ((كانت لي بضاعة أعود بفضلها على شملي، فافترقت في معاملات في الصعيد، ~~وخرجت إلى من عاملته فجمعتها، وكان مقدارها خمس مائة دينار. وخرجت أريد ~~الفسطاط في رفقة كثيرة الجمع، فلما كان منتصف طريقنا، وافى جمع من الصعاليك ~~فسلب الناس جميعا. ودهشت، فرأيت منهم شابا حسن الصورة، فقلت له: ((والله ما ~~أملك غير هذا الكيس، فارفعه لي عندك!))، #93# فقال: ((وأين بيتك ~~بالفسطاط؟))، فقلت: ((في دور عباس بن وليد))، فقال: ((ما اسمك؟))، قلت: ~~((محمد الغوري))، قال: ((امض لشأنك)). وجاء منهم من قلع ثيابي وسراويلي، ~~وانصرفوا عنا. ولم أزد أن سوغت واحدا منهم جميع ما كان معي، ودخلنا إلى ~~الفسطاط ونحن فقراء. فرجع كل واحد منهم إلى ما تخلف له، وبقيت ليس معي درهم أنفقه. # ((وإني لجالس على درجة المسجد بين المغرب وعشاء الآخرة، حتى رأيت رجلا قد ~~وقف بي، فقال لي: ((هاهنا منزل محمد الغوري؟))، قلت: ((أنا هو!))، ولا ~~والله! ما اهتديت إلى الرجل الذي أعطيته المال، لأنه كان عندي أول مال ~~ذاهب، فقال لي: ((عنيتني!))، وأخرج الكيس فدفعه إلي، فردت علي جدتي وتطعمت ~~الحياة. # وكان بالقرب منا قائد يعرف بابن قرا، كنت معاملا له وكان له محل، فسألت ~~اللص المبيت عندي ففعل. فأصبحت وصرت إلى ابن قرا وقصصت عليه قصة الرجل، ~~فقال لي: ((الطف لي فيه، فوالله لأنوهن باسمه، ولأكافئنه عنك)). فرجعت إليه ~~فأخبرته، فوالله ما ارتاع ولا اضطرب، ومضى معي؛ فأحسن تلقيه، وخلع عليه، ~~وصيره سيارة لعمله، وضم إليه عدة وافرة. ولم يزل في حيزه إلى أن توفي)). PageV01P092 # 60 - حدثني أحمد بن أبي يعقوب، عن أبيه، عن جده واضح، قال: # ((كانت بين المهدي وأخيه جعفر بن أبي جعفر عداوة في أيام المنصور، وكان ~~مصقلة بن حبيب ينقل عنه إلى جعفر ما يكره، ولا يمكن المهدي أن يسطو #94# ~~على مصقلة ولا يمسه بسوء. فلما تولى الخلافة نذر دمه، فاختفى. فحدثني مصقلة ~~أنه نبا به موضعه الذي ms60 كان به، فخرج مستترا يريد غيره، فلحقه رجل من أعدائه ~~وصاح في أصحاب الأرباع، ((هذا بغية أمير المؤمنين!)): ((فتسرع إلي الشرط ~~ورأيت الموت عيانا. فبينا أنا في أيديهم، اجتاز بي معن بن زائدة، فصحت به: ~~((يا سيدي! يا أبا المنذر! أجرني أجارك الله!))، فقال للشرط والرجل المتشبث ~~بي: ((خلوا عنه))، فقال الرجل: ((ماذا أقول لأمير المؤمنين؟))، قال: ((تقول ~~له إنه عندي))، ثم أمر بحملي على جنيبة من جنائبه، وسار بي إلى منزله، وقدم ~~طعامه فأكلت معه ومع ولده. فلما فرغنا من الطعام قيل له: ((وافى رسول أمير ~~المؤمنين!))، فقال لولده: ((اقضوا حقي عليكم بألا تسلموا مصقلة، فقد استجار ~~بي!)). فحلفوا له على ذلك، وركب. # فلما رآه المهدي قال: ((تجير علي يا معن؟))، قال: ((نعم يا أمير ~~المؤمنين!))، قال: ((ونعم أيضا؟))، قال: ((يا أمير المؤمنين! قتلت في دولتك ~~زهاء ثلاثين ألف عدو، ولا أستحق أن أجير فيها عدوا واحدا!))، قال: ((نعم ~~تستحق ذلك، قد وهبناك دمه))، فقال: ((يا أمير المؤمنين! ليس هكذا ينعم مثلك ~~بالحياة! إذا تصدقت على أحد بحياته فاجعلها في خفض عيش من نعمتك)). قال: ~~((يعطى ألف دينار))، قال: ((يا أمير المؤمنين! لا تستوي جائزتك وجائزة عبدك ~~معن! هذا ما سمحت له به))، فقال: ((ادفعوا إلى جار معن ألفي دينار))، فحملت ~~معي إلى منزلي ثلاثة آلاف دينار، وأمنت على نفسي)). PageV01P093 # 61 - وحدثني ربيعة بن أحمد بن طولون، قال: # ((لما توفي خمارويه، قبض علي -وعلى مضر وشيبان ابنى أحمد بن طولون- جيش ~~بن خمارويه، وحبسنا بدمشق. فلما قفل إلى مصر، حبسنا في حجرة من الميدان ~~معه. وكانت لنا في كل يوم مائدة نجتمع عليها، وكان في الحجرة رواق وبيتان، ~~وجلوسنا في الرواق. فوافى خدم له، فأدخلوا أخانا مضر في البيت وأغلقوا عليه ~~الباب، فانفصل عنا وكانت المائدة تقدم إلينا، ونمنع أن نلقي إليه منها ~~شيئا، فأقام خمسة أيام لا يطعم ولا يستغيث. ثم وافانا ثلاثة من أصحاب جيش، ~~فقالوا: ((ما مات أخوكم بعد؟))، فقلنا: ((ما نسمع له حسا!))، ففتحوا الباب ~~فوجدوه ms61 حيا، ورام القيام فلم يصل إليه، ورماه الثلاثة بثلاثة أسهم في ~~مقاتله فطفئ. وكانت الليلة التي دخلوا فيها ليلة جمعة، وأخرجوه وأغلقوا ~~الباب علينا. # ((وأقمنا يوم الجمعة والسبت لم يقدم إلينا طعام، فظننا أنهم يسلكون بنا ~~طريقه. فلما كان يوم الأحد، سمعنا رجة في الدار وفتح باب الحجرة، وأدخل ~~إلينا جيش بن خمارويه، فقلنا: ((ما خبرك فقال: ((غلب أخي على أمري))، وتولى ~~إمارة البلد هارون بن خمارويه)) فقلنا: الحمد لله الذي قبض يدك، وأضرع ~~خدك))، فقال: ((ما كان عزمي إلا أن ألحقكما بأخيكما)). وأنفذ #96# إلى ~~جماعتنا مائدة، فلما طعمنا بعث إلينا خادما: ((إن جيشا كان قد عزم على ~~قتلكما كما قتل أخاكما، فاقتلاه وخذا بثأركما منه، وانصرفا على أمان))، ~~وبعث إلينا خدما، فتسرعوا إليه فقتل. وانصرفنا إلى منازلنا وقد كفينا ~~عدونا)). PageV01P095 # 62 - وحدثني منصور بن إسماعيل الفقيه، قال: # ((خرج رجل نعرفه بتجارة، قصده إلى الهند؛ فرجع إلينا بأنواع من الطيب ~~كثيرة لها قيمة خطيرة، وهو في نهاية السرور، فقلنا له: ((كم ربحت في ~~التجارة التي خرجت بها من عندنا؟))، فقال: ((غرقت وسائر من كان معي، فسلمت ~~بحشاشة نفسي في جزيرة من جزائر الهند، فتلقاني قوم فيها وجاءوا بي إلى ~~ملكهم فقال لي: ((قد نفدت الموهبة الخارجة عنك، فما معك من الموهبة الثابتة ~~عليك؟))، قلت: ((معي الكتاب والحساب))، فقال الملك: ((ما بقي لك، أفضل من ~~الذي ذهب منك، والصواب أن تعلم ابني الكتاب بالعربية والحساب، فأرجو أن ~~نعوضك أكثر مما [فقدته]))، وسلم إلي من ابنه: أذكى صبي وألطفه، فتعلم في ~~مدة يسيرة ما يتعلمه غيره في مدة طويلة. # فلما رأى أنه قد توجه واستحققت منه الإحسان، صار إلي صاحب الملك فقال: ~~معي هدية من الملك إليك، وأدخل إلي بقرة فتية، ثم قال: ((أدفعها لك إلى ~~الراعي؟))، فقلت: ((افعل))، وصغر في عيني أمر الملك على عظم شأنه. فما مضى ~~زمن قصير حتى جاء الراعي فقال: ((ماتت البقرة!))، واستقبلني كل خاصة الملك ~~بالتغمم. ثم ظهر في ابنه تزيد، فبعث إلي ببقرة فتية ms62 أخرى فرددتها إلى ~~الراعي، فما مضت مدة يسيرة حتى وافى يبشرني فقال: ((قد حملت #97# ~~البقرة!))، فلما انتهى حملها وضعت فهنأني حاشية الملك بأسرهم. ثم جلس الملك ~~مجلسا عاما، وأحضر التجارة التي رأيتموها معي، ثم قال: # ((لم يذهب علي ما يجب لك في تعليم ابني، ولم أبعث بالبقرة الأولى لفضل ~~البقرة عندي، ولكن نزلت بك محنة في البحر أتت على مالك، فامتحنت بالبقرة ما ~~أنت عليه منها. وعلمت أني لو أعطيتك جميع ما ملكت يدي -وقد بقي منها شيء- ~~لضاع منك وهلك لديك. فلما أخبرت أنها ماتت علمت أنك فيها. ثم امتحنت أمرك ~~بالبقرة الثانية، فلما أخبرت أنها قد حملت علمت أنها قد انحسرت عنك، فسررت ~~لك بذلك، واستظهرت بانتظار الولادة. فلما ولدت شخصا كاملا صحيح الأعضاء، ~~علمت أنك قد فارقت محنتك. وهذا ما أعددته لك!)). ثم وصلني بطيب قومته عشرين ~~ألف دينار، وحملني في البر فسلمت، وزاد بأرض العرب ثمنه على ما قومته)). # قال منصور: ((فرأيته قد أيسر بعد الخلة والتلفيق في المعاش!)). PageV01P096 # 63 - وحدثني أبو محمد يحيى بن الفضل، قال: # ((اختفى عند والدي كاتب للفضل بن يحيى بن برمك عند إيقاع الرشيد بهم، ~~وكان يواصل البكاء عليهم، ولا يسمع الوعظ فيهم، فقال له أبي: ((أنا أرجو أن ~~يخلف الله عليك ولا يضيعك))، فقال: ((والله ما بكائي لما فاتني منهم، وإنما ~~بكائي لجلالة أخطارهم ونفاسة أقدارهم، ولقد كان لصاحبي في الجمعة السالفة ~~مالم أسمع بمثله لقديم ولا حديث، قال لي: ((قد كثر الزوار علينا، فانظر ~~#98# مقدار من انصرف، وارفع إلي عدة من بقي من الزوار لأتقدم في برهم؛ ~~واحذر أن ترفع إلي رجلا من أهل الشام)) -، لأنه كان يتشيع. # ((فخرجت فألفيت من فضل عن المنصرفين أربعة وثلاثين رجلا. وجاءني رجل من ~~أهل الشام كامل الأدب ظريف الشاهد، فأعلمه ما تقدم به إلي، فقال: ((يا أخي ~~أسألك أن تغالط بي وتثبتني في وسط الجريدة))، ففعلت ذلك. فنظر إلى الأسماء ~~ثم قال: ((ألم أتقدم إليك أن لا يكون في الجريدة شامي؟))، ms63 فقلت: ((وأين ~~الشامي؟)). فوضع -شهد الله- يده على اسمه وحلق، ووقع بيده لكل واحد غير ~~الشامي، فما قصر بأحد عن مائة دينار، وأمرني بإطلاقها وإنفاقها فيهم. فجلست ~~أفرقها، ووافى إلي الشامي، فأريته اسمه خاليا وحدثته حديثه، فقال: ((لو قضي ~~شيء لكان، وأحسن الله جزاءك على ما قدمته من العناية بي))، وانصرف وقد غمني ~~أمره، ولم يبق في الزوار أحد حتى أخذ. # ((فأنا في منزلي قريبا من نصف الليل، حتى وافاني رسوله، فصرت إليه، فقال: ~~((أويت الساعة إلى فراشي، واستعرضت بفكري شغل الزوار وما أمرت به لهم، فحسن ~~عندي، ثم قبحه في عيني حرمان الشامي المسكين، ورأيته نقصا في مروتي، فتقدم ~~في دفع مقدار ما وصل إلى جماعة الزوار إليه))، فقلت: ((يا سيدي! وصل إلى ~~جماعة الزوار خمسة عشر ألف دينار، وهذا يكفيه ألف دينار!))، فقال: ((والله ~~ما تفي ألف دينار بغمه وقد رأى غيره يأخذ وقيامه عنك محروما، قم فادفع إليه ~~الخمسة عشر ألف ولا تعذلني، فالخطأ في الجميل أحسن من الصواب في القبيح، ~~وليس يشكر الناس من البر إلا ما أفرط، فأما ما بلغ الحاجة فمنسي عند ~~أكثرهم، والواجب على من آثر جميل الذكر أن يتغنم أيامه، ولا يسوف بشيء من ~~فعله)). #99# # قال أبو محمد: ((فبكى والله أبي عند هذا الفصل من حديثه حتى خفت عليه، ~~وقال: ما أجهل الناس بقدر ما فقدوه من هذا الرجل!. # قال الكاتب: ((فخرجت وبثثت الرسل في طلب الشامي حتى وجدوه، فوافاني وقد ~~انحط أكثر لحمه في يوم واحد، فقصصت عليه القصة، فحمد الله وأثنى عليه ~~وشكرنا جميعا، وقبض المال وانصرف على أحسن حال)). PageV01P097 # 64 - وسمعت يوسف بن إبراهيم والدي، وهو يقول: # ((كانت بيني وبين أحمد بن محمد بن مدبر سوالف ترعى ويحافظ عليها، فلما ~~تولى مصر رأى حسن ظاهري، فظن ذلك عن أموال جمة لدي، فجد بي في المطالبة، ~~وأخرج علي بقايا لعقود انكسرت من آفات عرضت لضياعها، ولم يسمع الاحتجاج ~~فيها، واستقصر ما أوردته، و[ظنه] إنما كان عن حيلة، فاحتبسني مع المتضمنين. ms64 ~~فكان يغدو في كل يوم غلام له يحجبه يعرف بفضل، فيكتب على كل رجل ما يؤديه ~~في يومه، فإن شكا أنه لا يصل إلى شيء، أخرجه فحملت عليه الحجارة، وطولب ~~أعنف مطالبة. # ((فلم يزل بي إلحاحه حتى بعت حصر داري فضلا عما فيها، وعرضت داري فمنعني ~~من بيعها، ووجه إلي: ((فأين يكون حرمك؟)). فوافاني كاتبي في يوم من الأيام ~~فقال لي: ((يشهد الله أنا ما نصل لك اليوم إلى ما يقيمك، فضلا عن شيء ~~تؤديه!)). # وأمسك فضل غلامه عن الدخول في ذلك اليوم علينا، وتعرف ما يؤديه كل واحد ~~منا. فلما صليت الظهر من ذلك اليوم أنفذ إلي توقيعا نسخته: # ((يا أبا الحسن أعزك الله! قد ألويت بما بقي عليك، وهو سبعة عشر ألف ~~دينار، وآثرنا صيانتك عن خطة المطالبة هذه المدة، فإن أزحت العلة فيها، ~~#100# وإلا سلمناك إلى أبي الفوارس مزاحم بن خاقان أيده الله، وسببت به ~~عليك لأصحابه)). # فكتبت إليه رقعة أحلف فيها: ((إني ما أملك عدد هذا المال حب حنطة: ولو ~~كان لي شيء لصنت به نفسي! فإن رأي السيد رعاية السالف بيني وبينه وستر ~~مخلفي، كان أهلا لما يأتيه، وإن سلمني إلى هذا الرجل رجوت من الله عز وجل ~~ما لا يخطئ من رجاه)). # ((فرجع إلي بعض غلمانه ومعه رقعة مختومة، فاستركبني. وسار بي إلى مزاحم، ~~فلما قرئت عليه الرقعة أدخلني إليه، وعنده كاتب له يعرف بالمروزي فعرفني ~~مزاحم ولم أعرفه-: وكان أبوه في الحارة التي فيها دار أبي بسر من رأى، ~~وربته أم امرأة لي تعرف بميمونة، مولاة أم محمد بنت الرشيد؛ ولا علم لي ~~بشيء من هذا فقال: ((أنت كاتب إبراهيم بن المهدي؟))، قلت: ((نعم! أيد الله ~~الأمير))، قال: ((كنت أراك وأنا صبي في حارتنا، ووالله ما طلب ابن المدبر ~~أن يروج علي مالا، وإنما أراد أن أقتلك بالمطالبة. وقد قبلت التسبيب، ورأيت ~~أن أكتب إلى أمير المؤمنين أعرفه رزوحك وقصور يدك عن هذا المال، فإن سهل، ~~وإلا نجمه علي وعلى رجالي حتى ms65 يقاضوا به في كل نجم))، ثم قال للمروزي: ~~((هذا رجل من مشايخي، وأم زوجته ببغذاذ تولت تربيتي، وقد استكتبته على ~~أموري وما أحتاج إلى قبالته من الضياع بمصر، وليس يزيلك عن رسمك))، وأخذ ~~خاتما قد كان تختم به الكتب بحضرته فأعطانيه. #101# وسألني عن العجوز التي ~~ربته، فقلت: ((هي بمصر معي!))، وانصرفت من عنده إلى منزلي. فكان أول من ~~هنأني بمحلي منه ابن المدبر، ورجعت إلى نعمتي معه في مدة يسيرة)). PageV01P099 # 65 - وحدثني أبو كامل شجاع بن أسلم الحاسب، قال: ((كان إبراهيم بن الأعجمي ~~المهندس قد تقاصرت يده واختلت حاله، فتكلم على شكل من أشكال الهندسة ورفعه ~~إلى من أوصله إلى المأمون، قال أبو كامل: فحدثني سند بن علي فقال: # ((سأل المأمون محمد وأحمد ابنى موسى بن شاكر المنجم، عن منزلة إبراهيم بن ~~الأعجمي في الهندسة، فقالا: ((منزلة ضعيفة، وفيه عامية))، فقال المأمون ~~للسندي بن شاهك: ((أحضرني إبراهيم بن الأعجمي)) فلما أحضره ووقف بين يدي ~~المأمون، تهيبه، فلم تبد منه كلمة، قال: فرأيت انقطاعه قد سر ابني موسى، ~~وقالا للمأمون: ((قد عرفنا أمير المؤمنين أنه ليس بمحل من يدخل إليه، فقلت: ~~((يا أمير المؤمنين! لولا أنك تبسطنا بمناجاتك والمواظبة عليها، لكنا ~~بمنزلة إبراهيم في الانقطاع من كلامك؛ فأما تقصير هذين به في الهندسة، فإني ~~أشهد سيدي أمير المؤمنين أني من بعض تلامذته، وعليه ابتدأت قراءة ~~الهندسة!))، فأمر بإيصاله إليه مع خاصته، وأجرى عليه ما وسعه)). # ((فقلت للسندي: ((متى قرأت الهندسة؟))، فقال: ((امتعضت والله مما #102# ~~لحقه من تعسف هذين الرجلين، فنزلت هذا القول لأرد به الإصغار عنه))، فصلحت ~~حاله، ورجع إلى أفضل ما كان عليه)). PageV01P101 # 66 - وحدثني [أبو كامل] شجاع بن أسلم الحاسب أيضا، قال: # ((كان محمد وأحمد ابنا شاكر -في أيام المتوكل- يكيدان كل من ذكر ~~[بالتقدم] في معرفة. فأشخصا سند بن علي إلى مدينة السلام وباعداه عن ~~المتوكل. ودبرا على الكندي حتى ضربه المتوكل، ووجها إلى داره فأخذا كتبه ~~بأسرها، فأفرداها في خزانة سميت الكندية، ومكن هذا لهما استهتار ms66 المتوكل ~~بالآلات المتحركة. # وتقدم إليهما في حفر النهر المعروف بالجعفري، فأسندا أمره إلى أحمد بن ~~كثير الفرغاني -الذي عمل المقياس الجديد بمصر، وكانت معرفته أوفى من ~~توفيقه، لأنه ما تم له عمل قط -فغلط في فوهة النهر وجعلها أخفض من سائره، ~~فصار ما يغمر الفوهة لا يغمر سائره، فدافع محمد وأحمد ابنا شاكر في أمره. ~~واقتضاهما المتوكل، فسعي بهما إليه فيه. فأنفذ مستحثا في إحضار سند بن علي ~~من مدينة السلام، فوافى. # فلما تحقق محمد وأحمد ابنا شاكر أن سندا قد شخص، أيقنا بالهلكة ويئسا من ~~روح الحياة. # فدعا المتوكل سندا وقال [له]: ما ترك هذان الرديئان شيئا من سوء القول ~~إلا وقد ذكراك عندي به، وقد أتلفا جملة من مالي في هذا النهر، فاخرج إليه ~~حتى تتأمله وتخبرني بالغلط فيه، فإني قد آليت على نفسي -إن كان الأمر على ~~#103# ما وصف- أن أصلبهما على شاطئه)). وكل هذا بعين محمد وأحمد وسمعهما، ~~فخرج وهما معه. # ((فقال محمد [بن موسى لسند]: يا أبا أحمد ((إن قدرة الحر تذهب حفيظته، ~~وقد فزعنا إليك في أنفسنا التي هي أنفس أعلاقنا، وما ننكر أنا قد أسأنا، ~~والاعتراف يهدم الاقتراف، فتخلصنا كيف شئت)). # قال لهما: ((أنتما تعلمان ما بيني وبين الكندي من العداوة والمباعدة، ~~ولكن الحق أولى ما اتبع. أكان من الجميل ما أتيتما إليه في أخذ كتبه؟ والله ~~لا ذكرتكما [بصالحة] حتى ترداها عليه!)). فتقدم محمد بن شاكر في حمل الكتب ~~إليه، وأخذ خطه باستيفائها. فوردت رقعة الكندي أنه تسلمها عن آخرها، فقال ~~لهما: ((قد وجب لكما علي ذمام برد كتب هذا الرجل، ولكما علي ذمام بالمعرفة ~~التي لم ترعياها في؛ والخطأ في هذا النهر يستتر مدة أربعة أشهر بزيادة ~~دجلة، وقد أجمع الحساب على أن أمير المؤمنين لا يبلغ هذا المدى، وأنا أخبره ~~الساعة أنه لم يقع خطأ في النهر إبقاء على أرواحكما، فإن صدق المنجمون ~~أفلتنا الثلاثة، وإن كذبوا -وجازت مدته حتى تنقص دجلة وينضب النهر- أوقع ~~بنا ثلاثتنا)). # ((فشكر محمد وأحمد هذا ms67 القول منه، واستتر الأمر واسترقهما به، ودخل إلى ~~المتوكل فقال [له]: ((ما غلطا))، وزادت دجلة، وأجرى الماء فيه، واستتر حال ~~النهر، وقتل المتوكل بعد شهر [ين] من إجرائه. وسلم محمد وأحمد بعد شدة ~~الخوف مما توقعا)). PageV01P102 # 67 - وحدثني الحسن بن مسلم الأقريطشي -ورأيته بعد أن علت سنه وبلغ المائة ~~سنة، وكان صحيح التمييز، سليم الحواس- قال: # ((ألح غزونا على الروم، ونالهم منا مكروه عظيم، فوجد متملك الروم من هذا، ~~ونذر أن يخرب أقريطش ولو أنفق ذخائر مملكته. فنظر إلى راهب محبوب تتعالم ~~الروم زهادته، فأنزله من متعبده، وضم إليه أكثر جيوشه، فوافى جمع لم يحط ~~بأقريطش مثله قط. ففزعنا إلى غلق الحصن، وتسرع الروم إلى بناء مساكن لهم، ~~وخرجوا من المراكب، وغلبونا على ميرة البلد وما يكون في جواره. واشتد ~~الحصار، ونزع السعر، وتحلق المأكول، وشاع الجهد. # ثم زادت المكاره حتى أكل الناس ما مات من البهائم جوعا، وأجمعوا على أن ~~يفتحوا الباب له، فقال لهم شيخ: ((إني قد أراكم قد حرمتم التوفيق في قوتكم ~~وضعفكم! والصواب أن تقبلوا مني ما أشير به عليكم!))، قالوا: ((قل))، قال: ~~((اتركوا لله قبيح ما يحملكم عليه تظاهر النعمة والسلامة، وأخلصوا له إخلاص ~~من لا يجد فرجه إلا عنده، وافصلوا صبيانكم من رجالكم، ورجالكم من نسائكم)). ~~فلما ميزهم هذا التمييز صاح بهم: ((عجوا بنا إلى الله!))، فعجوا عجة واحدة، ~~وبكى الشيخ وبكى أكثر الناس. ثم قال: ((عجوا أخرى، ولا تشتغلوا بغير ~~الله))، فعجوا عجة أعظم من الأولى، وبكى الناس أيضا. ثم #105# عج الثالثة ~~وعج الناس معه، وقال: ((تشرفوا من الحصن، فإني أرجو أن يكون الله قد فرج عنا)). # فحلف لي الحسن: ((إني تشرفت مع جماعة فرأيت الروم قد قوضوا [رجالهم]، ~~وركبوا مراكبهم. وفتح باب الحصن، فوجدوا قوما من بقاياهم فسألوهم عن حالهم: ~~فقالوا: ((كان عميد الجيش بأفضل سلامة إلى اليوم، حتى سمع ضجتكم في المدينة ~~فوضع يده على قلبه وصاح: ((قلبي! قلبي!))، ثم طفئ)). فانصرف من كان معه إلى ~~بلد الروم. وخرجنا عن الحصن، ms68 فوجدنا في تلك الأبنية من القمح والشعير ما ~~وسع المدينة وأعاد إليها خصبها، [وكفينا] جماعتهم من غير قتال)). PageV01P104 # 68 - قال أبو جعفر: # ((ولما غلب ابن الخليج على مصر ونواحيها، لم يكن بمصر أسوأ قدرة على ~~أسباب أبي [علي] الحسين بن أحمد الماذرائي من أحمد بن سهل بن شنيف، فلم يمض ~~شهور حتى انهزم ابن الخليج وظفر به وحمل إلى العراق. ودخل بعد ذلك بشهور ~~أبو العباس أحمد بن محمد بن بسطام إلى مصر متوليا بالأمانة على الحسين بن ~~أحمد، وكاشفا لما جرى عليه أمر الضياع بعد ابن الخليج وأصحابه. # فقرر أبو علي أمر المتضمنين بالحضرة عند أبي العباس، فعرض بسهل بن شنيف ~~ولم يدع سوءا إلا ذكره به. فقال أبو العباس: ((سيعلم ما يجري عليه مني!)). ~~واتصل [الخبر] بسهل بن شنيف فاستطير قلبه وكسف باله. وأحضر مع جماعة أجلبوا ~~من الكتاب مع ابن الخليج، فلما دخلوا عليه كاد #106# يقوم إلى سهل بن شنيف، ~~ثم رفعه حتى كان أقرب إليه من أخص أصحابه. ودعا ابن حبيش فساره، فنظر إلى ~~سهل، وقال لأبي العباس: ((الأمر على ما وصفت))، ثم أطلق سهلا من ساعته إلى ~~منزله. فسأله أبو علي: ((هل تعرفه قبل هذا؟))، فقال: ((لا والله! ولكنه ورد ~~علي منه أشبه الناس بأبي. # وأفرخ روع سهل بتوفيق الله ولطفه، وما زال حفيا به حتى مات)). PageV01P105 # 69 - قال: # ((وكنت قد عملت في أيام ابن الخليج لحماية ضياع كانت في يدي. فلما تمخضت ~~دولته اختفيت ونهبت، وخفت الإيقاع بي، واعتور ضياعي العمال، وأضاقت حالي، ~~فاجتمع الخوف والفاقة. فرأيت -بعد قدوم أبي العباس بن بسطام- فيما يرى ~~النائم، يوسف بن إبراهيم والدي، وأنا أشكو إليه خلتي وخوفي، فكأنه يقول: ~~((أنا أتكلم في أمرك حتى تعود إلى محبتك)). فلما أصبحت قصصت الرؤيا على من ~~كنت مختفيا عنده، وكان حاذفا بالعبارة، فقال: ((يجري لك فرج بذكر أبيك)). # وطلب أبو العباس بن بسطام الدستورات القديمة ليعتبر منها عبر الضياع. ~~فأخرج إليه ما كان لسنة خمسين ومائتين وما قبلها، فرأى ms69 فيها اسم والدي في ~~ضياع كثيرة، فقال: ((من هذا يوسف بن إبراهيم؟)) فقال له أبو علي: ((هذا ~~صاحب إبراهيم بن المهدي، ورضيع المعتصم!))، قال أبو العباس: #107# ((وصاحب ~~كتاب الطبيخ؟))، قال أبو علي: ((نعم!))، قال: ((فله ولد؟))، قال: ((نعم في ~~ناحيتي!))، قال: ((فخذ لي منه كتاب الطبيخ، وكتاب أخبار إبراهيم بن المهدي، ~~وصر به إلي حتى يقرأهما علي))، قال: ((أفعل)). # وكان إسحاق ين نصير يعرف موضعي، فقال له: ((أحتاج إلى أحمد بن يوسف))، ~~قال: ((تؤمنه، وعلي إحضاره!)) فكتب له أمانا بخطه، وحلف فيه ألا يسوءني ولا ~~يطالبني. فخرجت إليه وأحضرته الكتابين. وفرج الله عني بأضعف سبب)). PageV01P106 # 70 - وحدثتني أم آسية -قابلة أولاد خمارويه بن طولون، وكان لها دين ومذهب ~~جميل، ومحل لطيف من خمارويه. وقد تذاكرنا لطف الله عز وجل في أرزاق عباده، ~~وحسن الدفاع عنهم-: أنه تزوجها وأختها أخوان، فأقبلت حال زوج أختها وأدبرت ~~حال زوجها، قالت: وتوفي زوجها بأسوأ حالة، وخلف لها بنات، وتعذر عليها ~~تجهيزه من اختلاله. وتوفي زوج أختها، وقد خلف من العين والمساكن والأواني ~~لولد أختها. # قالت: ((فكنت أجاهد في مؤنة ولدي، وإذا وقف أمري، صرت إلى أختي فقلت: ~~((أقرضيني كذا وكذا))، استحياء من أن أقول لها: ((هبي لي .. )). ودخل شهر ~~رمضان، فلما مضى نصفه، اشتهوا علي صبياني حلوى في العيد، فصرت إلى أختي ~~فقلت لها: ((أقرضيني دينارا أعمل به للصبيان حلوى في العيد))، فقالت: ((يا ~~أختي! تغيظيني بقولك: ((أقرضيني))، وإذا قرضتك من أين تعطيني؟ أمن غلة دورك ~~أو بستانك؟ لو قلت: ((هبي لي)) كان أحسن)). فقلت لها: ((أقضيك من لطف الله ~~تعالى الذي لا يحتسب، وجوده الذي يأتي من حيث لا يرتقب!)). فتضاحكت وقالت: ~~((يا أختي! هذا والله من المنى، والمنى بضائع النوكى!)). فانصرفت عنها أجر ~~رجلي إلى منزلي. #108# # وكان في جوارنا خادم أسود لبنت اليتيم امرأة خمارويه، فلما بلغت حارتنا ~~قال لي: ((في جوارنا امرأة تطلق قد أوجعت قلبي ادخلي إليها فليس لها ~~قابلة)). قالت أم آسية: ((والله ما عانيت ممخوضة قط، ms70 فدخلت إليها، فمسحت ~~جوفها، وأجلستها كما كان القوابل يجلسنني في طلقي، فولدت من ساعتها. فلما ~~أمسك صياحها، جاء الخادم يسأل عنها، فقلت: ((قد ولدت!))، فعجب من سرعة ~~أمرها، وظن أن هذا شيئا قد اعتمدته بحذق صناعة، ولطف في مهنة. فمضى إلى سته ~~بنت اليتيم -وكان مقربا بأول ولد حمل لأبي الجيش، وقد عرض عليها قوابل ~~استثقلتهن-، فقال: ((في جوارنا قابلة أحضرناها لمرأة في حارتنا تطلق، فوضعت ~~يدها على جوفها فسقط ولدها!)) ووصفني بما لا يوجد في قدرة أحد إلا بالله عز ~~وجل! فقالت للخادم: ((إذا كان غدا فجئني بها))، فأتى الغلام ودعاني إلى ~~مولاته، فأجبت بانشراح صدر وثقة بالله تعالى. فاستخفت روحي وقالت: ((إلى ~~التمام تقدير الله تبارك وتعالى)). ثم شكت مغسا تجده المقرب، فأدخلت يدي في ~~ثيابها ومسحت جوفها، وعججت إلى الله تعالى في سري بتوفيقي، وكنت أدعو -ومن ~~حضر من أهلها يتوهم أني أرقي- فسكن ما وجدته وتبركت بي. ودخل إليها خمارويه ~~وقال: ((ما وجدتي)) فقالت: ((مغسا في جوفي، فوضعت قابلة أردتها يدها عليه، ~~فزال ما أجده!))، وأخرجتني إليه -وكان قريبا من حرمه-، فقال لي: ((أرجو أن ~~يخلصها الله عز وجل ببركتك)) , # قالت أم آسية: ((ودخلنا في العشر الأواخر من شهر رمضان، وقد تمسكت من ~~الإخلاص لله عز وجل بما لا يصل إليه من ساح في الجبال، خوفا من شماتة #109# ~~أختي بي. فلم تمض إلا ثلاثة أيام حتى مخضت، فأجلستها على كرسي الولادة ~~-وكان مقدار طلقها ساعتين-، فولدت ابنا أسهل ولادة، وأبو الجيش يقوم ويقعد، ~~ويذهب ويجيء. فلما ولدت -وكانت تتوقع من الولادة أمرا عظيما- فلما ألقته ~~قالت لي: ((هذا الطلق؟))، قلت: ((نعم!)) فقبلت -يعلم الله- عيني من الفرح. ~~وصاح خمارويه: ((أخبريني يا مباركة بخبرها))، فقلت: ((وحياة الأمير إنها في ~~عافية، وقد ولدت غلاما سوي الخلق بحمد الله)). فوجه إلي بألف دينار، وألح ~~أبو الجيش في النظر إليها لفرط إشفاقه عليها، فاستوقفته إلى أن نقلت حوائج ~~الولادة وقلت لها: ((يا سيدتي! اضحكي في وجهه كما تريه)). فلما دخل إليها ~~ضحكت ms71 في وجهه، فتقدم بصدقة بمال كثير عنها وعن ولده)). # وقالت لي أم آسية: ((لما كان يوم الأسبوع -ووقع قبل العيد بيوم واحد-، ~~أمرت لي بخمس مائة دينار، وحصل من أتباعها ألف دينار، فحصل لي ألفان وخمس ~~مائة دينار. وخلعت علي وسائر حشمها أكثر من ثلاثين خلعة، وحمل إلي مما أعد ~~للعيد ثلاث موائد خاصة. وانصرفت إلى منزلي، فأرسلت إلى أختي مائدة، ووافتني ~~مهنئة، وقد تقاصر طولها، فأريتها ما حصل لي من المال والخلع والطيب وقلت ~~لها: ((يا أختي! أنكرتي علي قوله: ((أقرضيني)) ومن هذا كنت أقضيك. فلا ~~تستصغري من كان الله مادته، وعليه مدار ثقته وتعويضه)). # واكتسبت هذه المرأة بمحلها من أبي الجيش مالا كثيرا، وقضت لجماعة من وجوه ~~البلد حوائج خطيرة. PageV01P107 # 71 - وحدثني شجاع بن أسلم الحاسب، قال: قلت لسند بن علي: ((من كان سببك إلى ~~المأمون، حتى اتصلت به، وكنت [في جلسائه] من العلماء؟)). فقال: ((أحدثك به: #110# # ((كان والدي يتكسب بصناعة أحكام النجوم مع قوم من أسباب السلطان يودونه ~~ويحبونه. وتعلق قلبي بعد فراغي من قراءة كتاب أقليدس بكتاب المجسطي. وكان ~~-في أيام المأمون بسوق الوراقين- رجل يعرف بمعروف، يورق هذا الكتاب ويبيعه ~~-بعد تكامل خطه وأشكاله وتجليده- بعشرين دينارا فسألت والدي ابتياعه لي، ~~فقال: ((أنظرني يا بني إلى أن يتهيأ لي شيء آخذه، إما من رزق وإما من فضل، ~~وأبتاعه لك. # وكان لي أخ لا يشتهي مما [تقدمت] أنا فيه من العلم شيئا؛ إلا أنه كان ~~يخدم أبي في حوائجه والإشفاق عليه. فلما سوفني أبي بالكتاب وطالت المدة ~~فيه، ركبت معه لأمسك دابته في دخوله إلى من يدخل إليه، ولي إذ ذاك سبع عشرة ~~سنة. فخرج إلي غلمان من كان عنده فقالوا: ((انصرف، فقد أقام أبوك عند ~~مولانا)). فمضيت بالدابة فبعتها بسرجها ولجامها بأقل من ثلاثين دينارا، ~~ومضيت إلى معروف فاشتريت الكتاب بعشرين دينارا. # وكان لي بيت أخلو فيه، وجئت إلى أمي فقلت لها: ((قد جنيت عليكم جناية))، ~~واقتصصت عليها القصة، وحلفت لها: إن شحذت أبي علي حتى ms72 يمنعني من النظر في ~~الكتاب لأخرجن عنهم إلى أبعد غاية، ورددت عليها فضل ثمن الدابة، وقلت لها: ~~((أنا أغلق باب هذا المنزل الذي لي، وأرضى منكم برغيف يلقى إلي كما يلقى ~~إلى المحبوس، إلى أن أقرأه جميعه)). فتضمنت لي بتسكين فورته، ودخلت البيت ~~وأغلقته من عندي. فمضى أخي إلى والدي في الموضع الذي كان فيه، فأسر إلي ~~الخبر، فتغير وجهه، وتلجلج في حديثه، فقال له من كان عنده: ((قد شغلت قلبي ~~وقلب من حضر بما ظهر #111# منك، فبحقي عليك إلا أخبرتنا لم ذا؟))، قال ~~فحدثته، فقال: ((هذا والله يسرنا في ولدك؛ فاتعد فيه بكل جميل))، ثم استحضر ~~من إسطبله بغلا أفره من بغل أبي، وسرجا خيرا من سرجه، وقال لأبي: ((اركب ~~هذا البغل، ولا تكلم ابنك بحرف)). # قال سند: ((وأقمت ثلاث سنين كيوم واحد، لا يرى لي أبي صورة وجه، وأنا مجد ~~حتى استكملت كتاب المجسطي. ثم خرجت وقد عملت أشكالا مستصعبات ووضعتها في ~~كمي. وسألت: ((هل للمهندسين والحساب موضع يجتمعون فيه))؛ فقيل لي: ((لهم ~~مجلس في دار العباس بن سعيد الجوهري ترب المأمون، يجتمع فيه وجوه العلماء ~~بالهيئة والهندسة)). فحضرته، فرأيت جميع من حضر مشايخ، ولم يكن فيهم حدث ~~غيري، لأني كنت في العشرين سنة. # ((فقال العباس: ((من تكون؟ وفيم نظرت؟)) فقلت: ((غلام يحب صناعة الهندسة ~~والهيئة))، قال: ((ما قرأت؟)) قلت: ((أقليدس والمجسطي))، قال: ((قراءة ~~إحاطة؟))، قلت: ((نعم)). فسألني عن شيء مستصعب في كتاب المجسطي، كان تفسيره ~~في الأوراق التي كانت في كمي، فأجبته. فعجب وقال: ((من أفادك هذا ~~الجواب؟))، قلت: ((استخرجته قريحتي، وما سمعته من غيري، وهو وغيره فيما مر ~~بي في ورق معي))، قال: ((هاته)). فلما رآه اغتاظ واضطرب، ثم قال لبعض من ~~بين يديه من غلمانه: ((السفط))، فجيء به، فنظر إلى خاتمه فوجده بحاله، ثم ~~فضه وأخرج منه كراسة فجعل يقابل بها الورق الذي كان معي، فكان الكلام فيما ~~معه أحسن رصفا من الكلام الذي معي. والمعنى واحد. #112# # ((فقال: ((هذا شيء توليت تبيينه من ms73 كتاب المجسطي، فلما أحضرتنيه توهمت ~~أنه سرق مني، حتى تبينت اختلاف اللفظين مع اتفاق المعنى)). ثم أمر أن تقطع ~~لي أقبية، وترتاد لي منطقة مذهبة، ففرغ من جميع ذلك في تلك الليلة، ودخل بي ~~إلى المأمون، وأمرني بملازمته؛ وأجرى لي أنزالا ورزقا. PageV01P109 # 72 - وحدثني أحمد بن أبي يعقوب، قال: حدثني أبي: # ((أن جبريل بن بختيشوع كان يخلف الأطباء في دار الرشيد وكانت به نزاهة، ~~وبه فاقة شديدة، ورزقه يومئذ ثلاثمائة درهم في كل شهر. فوقع الرشيد في غشية ~~لم يتقدمها علة، فأجمع الأطباء على أنه تالف، وأخبر ابن يختيشوع، فقال: ~~((ما له إلا علاج واحد وهو أن يحجموه))؛ فقال محمد الأمين: ((أخاف أن أخاطر ~~به))؛ ثم قال: ((قد أيسنا منه، والصواب أن نمتحن هذا فيه)). فأحضروا الحجام ~~فجمع الدم في أخدعيه وهو مستلق؛ ثم أخرج من دمه محجمتين، ففتح الرشيد ~~عينيه، واستدعى طعامه، وأكل ونام. # فلما انتبه اقتص عليه المأمون ما جرى عليه [أمره، وأذن] للداخلين في ~~تهنئته بالسلامة. فلما اكتملوا قال لهم: ((يا معاشر الأمراء والأطباء! إنما ~~ارتبطتكم لحراسة نفسي، وقد حدث علي حادث لم يغن عني فيه بعد الله عز وجل ~~إلا هذا الغلام! ونصيبه مني نزر، ونصيبكم وافر. فاعدلوا ميل المملكة بأن ~~يجعل له كل رجل منكم نصيبا من إنعامي عليه وإحساني إليه، حتى يكون له من ~~جماعتكم ما يوازي ما تقدم عليه به في حسن الدفاع عني)). #113# # فتسرع الناس إلى جبريل فأعطوه الضياع والدور والأموال. وما برح حتى كان ~~أيسر من في المملكة، وتربت النعمة لديه وولده حتى وازت نعم الخلفاء. PageV01P112 # 73 - وحدثني عمرو بن محمد بن عمرو بن عثمان، عن أبيه، عن جده، قال: # ((كان لي مجلس في ديوان الإنشاء قليل الجدوى علي، وحالي حال لا تنهض بما ~~يحتاج إليه المقتصد، وقد لزمتني يمين لا كفارة لها في ترك النبيذ. فكان ~~جماعة الكتاب يجلسون ما جلس الوزير -وهو يومئذ الفضل بن الربيع-، فإذا ~~انصرف إلى منزله، انصرفوا إلى ما عقدوا عليه أمرهم من الاجتماع، ms74 وأقيم وحدي ~~في الديوان إلى أن يغلق. # فبكرت إليه في يوم في الأيام، وجاءت مطرة تطرب الوزير فيها إلى الشرب، ~~لتشاغل الرشيد في دعوة لزبيدة، فلم يبق في ديوان الإنشاء غيري. فإني لجالس ~~حتى دخل إلي خادم من خاصة الرشيد، فأخذ بيدي، وأدخلني إلى الرشيد. فلما ~~مثلت بين يديه، ((قال اقرأ هذا الكتاب!))، فقرأته، فبينته وأعربته فقال: ~~((أجب عنه بين يدي))، فأجبت عنه بأحسن معان وأجود لفظ. فقال: ((اقرأه ~~علي))، فقرأته، فقال لمسرور الكبير: ((ألف دينار)). فجاء بها، فقال: ~~((ادفعها إليه، وقل للفضل يصرف إليه ديوان الإنشاء. فهو أحق به ممن ~~غادره)). ثم قال لي: ((خذ هذا المال، وسأنظر لك في الوقت بعد الوقت ما يزيد ~~في اصطناعي لك، فلا يفسد الغني ما أصلحته الفاقة من حسن ملازمتك، واستزدني ~~أزدك)). # قال عمرو: ((فاجتهد الفضل بن الربيع أن يشرك بيني وبين من كان يتولى ~~#114# الإنشاء، فلم يطلق له الرشيد ذلك وأفردني به، حتى فرقت الأيام ~~بيننا)). PageV01P113 ### | AUTO خاتمة # قال أبو جعفر قال بزرجمهر: ((الشدائد قبل المواهب، تشبه الجوع قبل ~~الطعام: يحسن به موقعه، ويلذ معه تناوله)). # وقال أفلاطن؛ ((الشدائد تصلح من النفس بمقدار ما تفسد من العيش، والتترف ~~يفسد من النفس بمقدار ما يصلح من العيش)). # وقال: ((حافظ على كل صديق أهدته إليك الشدائد، واله عن كل صديق أهدته ~~إليك النعمة)). # وقال أيضا: ((الترفه كالليل: لا تتأمل فيه ما تصدره أو تتناوله، والشدة ~~كالنهار: ترى فيها سعيك وسعي غيرك)). # وقال أردشير: ((الشدة كحل ترى به ما لا تراه بالنعمة)). # وملاك مصلحة الأمر في الشدة شيئان: أصغرهما قوة قلب صاحبها على ما ينوبه، ~~وأعظمهما حسن تفويضه إلى مالكه ورازقه. # وإذ صمد الرجل بفكره نحو خالقه، علم أنه لم يمتحنه إلا بما يوجب له ~~مثوبة، أو يمحص عنه كبيرة، وهو مع هذا من الله في أرباح متصلة، وفوائد ~~متتابعة. PageV01P114 # فأما إذا اشتد فكره تلقاء الخليقة، كثرت رذائله، وزاد تصنعه، وبرم بمقامه ~~فيما قصر عن تأميله، واستطال من المحن ما عسى أن ينقضي ms75 في يومه، وخاف من ~~المكروه ما لعله أن يخطئه. # وإنما تصدق المناجاة بين الرجل وبين ربه لعلمه بما في السرائر، وتأييده ~~البصائر. وهي بين الرجل وبين أشباهه كثيرة الأذية، خارجة عن المصلحة. # ولله تعالى روح يأتي عند اليأس منه يصيب به من يشاء من خلقه، وإليه ~~الرغبة في تقريب الفرج وتسهيل الأمر، والرجوع إلى أفضل ما تطاول إليه ~~السؤل؛ وهو حسبي ونعم الوكيل. # تم الكتاب والحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد النبي وعلى آله وعترته ~~الطاهرين وسلامه. PageV01P115 ms76